Lafzullah

I'rab Al Quran li Al Darwish — الكهف 18:109 – مريم 19:30

المؤلف / المصدر: I'rab Al Quran li Al Darwish

المحتويات
  1. الكهف 18:109
  2. الكهف 18:110
  3. مريم 19:1
  4. مريم 19:2
  5. مريم 19:3
  6. مريم 19:4
  7. مريم 19:5
  8. مريم 19:6
  9. مريم 19:7
  10. مريم 19:8
  11. مريم 19:9
  12. مريم 19:10
  13. مريم 19:11
  14. مريم 19:12
  15. مريم 19:13
  16. مريم 19:14
  17. مريم 19:15
  18. مريم 19:16
  19. مريم 19:17
  20. مريم 19:18
  21. مريم 19:19
  22. مريم 19:20
  23. مريم 19:21
  24. مريم 19:22
  25. مريم 19:23
  26. مريم 19:24
  27. مريم 19:25
  28. مريم 19:26
  29. مريم 19:27
  30. مريم 19:28
  31. مريم 19:29
  32. مريم 19:30

الكهف 18:109

اللغة: (الْفِرْدَوْسِ) : الجنة من الكرم خاصة، وقيل: بل ما كان غالبها كرما. وقيل: كل ما حوط فهو فردوس والجمع فراديس، وقال المبرد: والفردوس فيما سمعت من العرب الشجر الملتف والأغلب عليه من العنب، وحكى الزجاج انها الأودية التي تنبت ضروبا من النبت، واختلف فيه فقيل هو عربي وقيل أعجمي، وقيل هو رومي، وقيل فارسي، وقيل سرياني، وفي القاموس والتاج: الفردوس: بالكسر الأودية التي تنبت ضروبا من النبت والبستان يجمع كل ما يكون في البساتين تكون فيه الكروم وقد يؤنث، عربية أو رومية نقلت أو سريانية، وروضة دون اليمامة لبني يربوع، وماء لبني تميم قرب الكوفة، وقلعة فردوس بقزوين. إلى أن يقول والفردسة السعة وصدر مفردس واسع أو ومنه الفردوس قال شارحه قوله: أو ومنه الفردوس أي اشتقاقه كما نقله ابن القطاع وهذا يؤيد كونه عربيا ويدل له أيضا قول حسان: وان ثواب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فيها يخلد (حِوَلًا) : الحول التحول يفال حال من مكانه حولا كقولك عادني حبها عودا يعني لا مزيد عليه والحول بكسر الحاء وفتح الواو مصدر بمعنى التحول يقال حال عن مكانه حولا فهو مصدر كالعوج والصغر. (المداد) : اسم ما تمد به الدواة من الحبر وما يمد به السراج من السليط، ويقال السماد مداد الأرض. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) ان واسمها وجملة آمنوا صلة وجملة وعملوا الصالحات عطف على الصلة وجملة كانت خبر إن ولهم حال من نزلا لأنه كان صفة وتقدم عليه وجنات الفردوس اسم كانت ونزلا خبرها ويجوز أن يكون لهم الخبر ونزلا حال. (خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا) خالدين حال من الضمير في لهم وفيها متعلقان بخالدين وجملة لا يبغون حالية وعنها متعلقان بحولا وحولا مفعول يبغون. (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً) لو شرطية وكان البحر كان واسمها ومدادا خبرها ولكلمات صفة لمداد واللام واقعة في جواب لو وجملة نفد البحر جواب شرط غير جازم لا محل لها وقيل ظرف متعلق بنفد وأن تنفد المصدر مضاف لقبل وكلمات ربي فاعل والواو لعطف ما بعده على جملة مقدرة مدلول عليها بما قبلها أي لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته لو لم يجيء بمثله مددا، ولو شرطية وجئنا فعل الشرط وجواب لو محذوف تقديره لنفد ولم تفرع، وبمثله متعلقان بجئنا ومددا تمييز كقولك لي مثله رجلا وسيأتي مزيد بحث في الفوائد عن جواب لو. (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) إنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ وبشر خبر ومثلكم صفة. (يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) جملة يوحى صفة لبشر وإليّ متعلقان بيوحى وانما كافة ومكفوفة ولكنها لم تخرج عن المصدرية فهي وما بعدها في محل رفع نائب فاعل وإلهكم مبتدأ وإله خبر وواحد صفة. (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وكان فعل ماض ناقص واسمها يعود على من وجملة يرجو خبرها ولقاء ربه مفعول به، فليعمل الفاء رابطة لجواب الشرط واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعملا مفعول مطلق أو مفعول به وصالحا صفة ولا يشرك لا ناهية ويشرك فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبعبادة ربه متعلقان بيشرك وأحدا مفعول يشرك. الفوائد: جواب لو: سيأتي المزيد من أبحاث لو في هذا الكتاب فهي من الأدوات التي يكثر فيها القول ولذلك جعلناه موزعا على الآيات ونتكلم الآن عن جواب لو فنقول: إن جوابها إما ماض معنى نحو نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه أو ماض وضعا وهذا إما مثبت فاقترانه باللام نحو «لو نشاء لجعلناه حطاما» أكثر من تركها نحو «لو نشاء جعلناه أجاجا» وهذه اللام تسمى لام التسويف لأنها تدل على تأخير الجواب عن الشرط وتراخيه عنه كما أن إسقاطها يدل على التعجيل أي أن الجواب يقع عقيب الشرط من غير مهلة ولهذا دخلت في «لو نشاء لجعلناه حطاما» وحذفت في نحو «لو نشاء جعلناه أجاجا» أي لوقته في المزن من غير تأخير والفائدة في تأخير جعله حطاما وتقديم جعله أجاجا تشديد العقوبة أي إذا استوى الزرع على سوقه وقويت به الاطماع جعلناه حطاما، أو لأن الزرع ونباته وجفافه بعد النضارة حتى يعود حطاما مما يحتمل انه من فعل الزراع ولهذا قال تعالى: «أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ» أو أنه من سقي الماء وجفافه من عدم السقي وحرارة الشمس أو مرور الأعصار فأخبر سبحانه أنه الفاعل لذلك على الحقيقة وانه قادر على جعله حطاما في حال نموه لو شاء وإنزال الماء من السماء مما لا يتوهم أن لأحد قدرة عليه غير الله تعالى وهذا من عيون النكت فاعرفه وتدبره. وإما أن يكون جواب لو منفيا بما فالأكثر تجرده من اللام ويقل اقترانه بها فالاول نحو «ولو شاء ربك ما فعلوه» والثاني نحو قوله: ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي فأدخل اللام على ما النافية ولا تدخل اللام على ناف غيرها وقيل قد تجاب لو بجملة اسمية مقترنة باللام نحو «ولو انهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير» فاللام في لمثوبة جواب لو وان بين الماضي والاسم تشابها من هذه الجهة وقال الزمخشري وانما جعل جوابها جملة اسمية دلالة على استمرار مضمون الجزاء ورد أبو حيان هذا في البحر فقال اللام في لمثوبة لام الابتداء لا الواقعة في جواب لو وهو أحد احتمالي الزمخشري وقد تقدم ذلك في البقرة أي فتكون الجملة مستأنفة أو جواب لقسم مقدم وقال ابن هشام في المغني: «والأولى أن تكون لام لمثوبة لام جواب قسم مقدر بدليل كون الجملة اسمية وأما القول بأنها لام جواب لو وأن الاسمية استعيرت مكان الفعلية تعسف» وأقول التعسف في تقديرها للقسم أكثر من جعل الجواب جملة اسمية.

الكهف 18:110

اللغة: (الْفِرْدَوْسِ) : الجنة من الكرم خاصة، وقيل: بل ما كان غالبها كرما. وقيل: كل ما حوط فهو فردوس والجمع فراديس، وقال المبرد: والفردوس فيما سمعت من العرب الشجر الملتف والأغلب عليه من العنب، وحكى الزجاج انها الأودية التي تنبت ضروبا من النبت، واختلف فيه فقيل هو عربي وقيل أعجمي، وقيل هو رومي، وقيل فارسي، وقيل سرياني، وفي القاموس والتاج: الفردوس: بالكسر الأودية التي تنبت ضروبا من النبت والبستان يجمع كل ما يكون في البساتين تكون فيه الكروم وقد يؤنث، عربية أو رومية نقلت أو سريانية، وروضة دون اليمامة لبني يربوع، وماء لبني تميم قرب الكوفة، وقلعة فردوس بقزوين. إلى أن يقول والفردسة السعة وصدر مفردس واسع أو ومنه الفردوس قال شارحه قوله: أو ومنه الفردوس أي اشتقاقه كما نقله ابن القطاع وهذا يؤيد كونه عربيا ويدل له أيضا قول حسان: وان ثواب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فيها يخلد (حِوَلًا) : الحول التحول يفال حال من مكانه حولا كقولك عادني حبها عودا يعني لا مزيد عليه والحول بكسر الحاء وفتح الواو مصدر بمعنى التحول يقال حال عن مكانه حولا فهو مصدر كالعوج والصغر. (المداد) : اسم ما تمد به الدواة من الحبر وما يمد به السراج من السليط، ويقال السماد مداد الأرض. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) ان واسمها وجملة آمنوا صلة وجملة وعملوا الصالحات عطف على الصلة وجملة كانت خبر إن ولهم حال من نزلا لأنه كان صفة وتقدم عليه وجنات الفردوس اسم كانت ونزلا خبرها ويجوز أن يكون لهم الخبر ونزلا حال. (خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا) خالدين حال من الضمير في لهم وفيها متعلقان بخالدين وجملة لا يبغون حالية وعنها متعلقان بحولا وحولا مفعول يبغون. (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً) لو شرطية وكان البحر كان واسمها ومدادا خبرها ولكلمات صفة لمداد واللام واقعة في جواب لو وجملة نفد البحر جواب شرط غير جازم لا محل لها وقيل ظرف متعلق بنفد وأن تنفد المصدر مضاف لقبل وكلمات ربي فاعل والواو لعطف ما بعده على جملة مقدرة مدلول عليها بما قبلها أي لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته لو لم يجيء بمثله مددا، ولو شرطية وجئنا فعل الشرط وجواب لو محذوف تقديره لنفد ولم تفرع، وبمثله متعلقان بجئنا ومددا تمييز كقولك لي مثله رجلا وسيأتي مزيد بحث في الفوائد عن جواب لو. (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) إنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ وبشر خبر ومثلكم صفة. (يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) جملة يوحى صفة لبشر وإليّ متعلقان بيوحى وانما كافة ومكفوفة ولكنها لم تخرج عن المصدرية فهي وما بعدها في محل رفع نائب فاعل وإلهكم مبتدأ وإله خبر وواحد صفة. (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وكان فعل ماض ناقص واسمها يعود على من وجملة يرجو خبرها ولقاء ربه مفعول به، فليعمل الفاء رابطة لجواب الشرط واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعملا مفعول مطلق أو مفعول به وصالحا صفة ولا يشرك لا ناهية ويشرك فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبعبادة ربه متعلقان بيشرك وأحدا مفعول يشرك. الفوائد: جواب لو: سيأتي المزيد من أبحاث لو في هذا الكتاب فهي من الأدوات التي يكثر فيها القول ولذلك جعلناه موزعا على الآيات ونتكلم الآن عن جواب لو فنقول: إن جوابها إما ماض معنى نحو نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه أو ماض وضعا وهذا إما مثبت فاقترانه باللام نحو «لو نشاء لجعلناه حطاما» أكثر من تركها نحو «لو نشاء جعلناه أجاجا» وهذه اللام تسمى لام التسويف لأنها تدل على تأخير الجواب عن الشرط وتراخيه عنه كما أن إسقاطها يدل على التعجيل أي أن الجواب يقع عقيب الشرط من غير مهلة ولهذا دخلت في «لو نشاء لجعلناه حطاما» وحذفت في نحو «لو نشاء جعلناه أجاجا» أي لوقته في المزن من غير تأخير والفائدة في تأخير جعله حطاما وتقديم جعله أجاجا تشديد العقوبة أي إذا استوى الزرع على سوقه وقويت به الاطماع جعلناه حطاما، أو لأن الزرع ونباته وجفافه بعد النضارة حتى يعود حطاما مما يحتمل انه من فعل الزراع ولهذا قال تعالى: «أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ» أو أنه من سقي الماء وجفافه من عدم السقي وحرارة الشمس أو مرور الأعصار فأخبر سبحانه أنه الفاعل لذلك على الحقيقة وانه قادر على جعله حطاما في حال نموه لو شاء وإنزال الماء من السماء مما لا يتوهم أن لأحد قدرة عليه غير الله تعالى وهذا من عيون النكت فاعرفه وتدبره. وإما أن يكون جواب لو منفيا بما فالأكثر تجرده من اللام ويقل اقترانه بها فالاول نحو «ولو شاء ربك ما فعلوه» والثاني نحو قوله: ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي فأدخل اللام على ما النافية ولا تدخل اللام على ناف غيرها وقيل قد تجاب لو بجملة اسمية مقترنة باللام نحو «ولو انهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير» فاللام في لمثوبة جواب لو وان بين الماضي والاسم تشابها من هذه الجهة وقال الزمخشري وانما جعل جوابها جملة اسمية دلالة على استمرار مضمون الجزاء ورد أبو حيان هذا في البحر فقال اللام في لمثوبة لام الابتداء لا الواقعة في جواب لو وهو أحد احتمالي الزمخشري وقد تقدم ذلك في البقرة أي فتكون الجملة مستأنفة أو جواب لقسم مقدم وقال ابن هشام في المغني: «والأولى أن تكون لام لمثوبة لام جواب قسم مقدر بدليل كون الجملة اسمية وأما القول بأنها لام جواب لو وأن الاسمية استعيرت مكان الفعلية تعسف» وأقول التعسف في تقديرها للقسم أكثر من جعل الجواب جملة اسمية.

مريم 19:1

اللغة: (وَهَنَ) : في المصباح: «وهن يهن من باب وعد ضعف فهو واهن في الأمر والعمل والبدن، ووهنته أضعفته يتعدى ولا يتعدّى في لغة فهو موهون البدن والعظم والأجود أن يتعدى بالهمزة فيقال: أوهنته والوهن بفتحتين لغة في المصدر ووهن يهن بكسرتين لغة قال أبو زيد: سمعت من الأعراب من يقرأ فما وهنوا» وفي القاموس وغيره: وهنه يهنه وهنا وأوهنه أضعفه ووهن وأوهن الرجل دخل في الوهن من الليل ووهن ووهن يهن ووهن يوهن وهنا ووهنا ووهن يوهن وهنا ضعف في الأمر أو العمل أو البدن وتوهّن البعير اضطجع والطائر أثقل من أكل الجيف فلم يقدر على النهوض والوهن مصدر ومن الرجال أو الإبل: الغليظ القصير والوهن من الليل نحو منتصفه أو بعد ساعة منه والموهن من الليل كالوهن، والوهنانة من النساء الكسلى عن العمل تنعما. (الْمَوالِيَ) : الذين يلونني في النسب كبني العم والموالي جمع مولى وهو العاصب. (عاقِراً) : لا تلد، قال في القاموس: عقرت تعقر عقرا وعقرا وعقارا وعقرت تعقر عقرا وعقارة وعقارة وعقرت المرأة أو الناقة صارت عاقرا أي حبس رحمها فلم تلد وعقر عقرا الأمر لم ينتج عاقبة وعقر عقرا الرجل دهش» . (وَلِيًّا) : ابنا وهو أحد معانيه الكثيرة. الإعراب: (كهيعص،) (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) كهيعص تقدم القول في فواتح السور واعرابها ومعانيها فارجع اليه وذكر خبر لمبتدأ محذوف أي هذا المتلو عليك من القرآن أو مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليك ذكر، ورحمة ربك مضافة لذكر من اضافة المصدر لمفعوله والفاعل مستتر أي ذكر الله رحمة عبده زكريا وعبده مفعول به لرحمة وزكريا بدل من عبده أو عطف بيان له. (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن وهو متعلق برحمة ربك أي رحمة الله إياه وقت أن ناداه وقيل العامل فيه ذكر وقيل هو بدل اشتمال من زكريا، وجملة نادى مضاف إليها الظرف والفاعل مستتر تقديره هو ونداء مفعول مطلق وخفيا صفة. (قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) ربي منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وان واسمها وجملة وهن العظم خبرها ومني حال واشتعل عطف على وهن والرأس فاعل وشيبا تمييز محول عن الفاعل أي انتشر الشيب في رأسي وسيأتي سر هذه الاستعارة في باب البلاغة. (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم وأكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم واسمها مستتر تقديره أنا وشقيا خبرها وبدعائك متعلقان بشقيا ورب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة. (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً) وإني عطف على إني وهن والياء اسم ان وجملة خفت خبرها والموالي مفعول به ومن ورائي متعلقان بمحذوف أو بمعنى الولاية في الموالي ولا يجوز أن يتعلق بخفت لفساد المعنى ووجه فساده أن الخوف واقع في الحال لا فيما يستقبل فلو جعل من ورائي متعلقا بخفت لزم أن يكون الخوف واقعا في المستقبل أي بعد موته وهو كما ترى، ظاهر الفساد وعبارة الزمخشري: «من ورائي بعد موتي وقرأ ابن كثير من وراي بالقصر وهذا الظرف لا يتعلق بخفت لفساد المعنى ولكن بمحذوف أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت فعل الموالي وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي أو خفت الذين يلون الأمر من ورائي، وقرأ عثمان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين رضي الله عنهم خفت الموالي من ورائي وهذا على معنيين أحدهما أن يكون ورائي بمعنى خلفي وبعدي فيتعلق الظرف بالموالي أي قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين. فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه، والثاني أن يكون بمعنى قدّامي فيتعلق بخفت ويريد أنهم خفّوا قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقوّ واعتضاد. وقال ابن هشام في المغني «الثاني قوله تعالى: وإني خفت الموالي من ورائي، فإن المتبادر تعلق من بخفت وهو فاسد في المعنى والصواب تعلقه بالموالي لما فيه من معنى الولاية أي وخفت ولايتهم من بعدي وسوء خلافتهم أو بمحذوف هو حال من الموالي أو مضاف إليهم أي كائنين من ورائي أو فعل الموالي من ورائي وأما من قرأ خفت بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء فمن متعلقة بالفعل المذكور. وكانت امرأتي عاقرا الواو عاطفة وكان واسمها وخبرها. (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) الفاء الفصيحة أي وإلا فهب لي، وهب فعل أمر ولي متعلقان بهب ومن لدنك حال ووليا مفعول به لهب. (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) جملة يرثني صفة لوليا ولذلك رفعت وقرئ بالجزم على أنه جواب الطلب ويرث عطف على يرثني ومن آل يعقوب متعلقان بيرث ومفعول يرث محذوف تقديره الشرع والحكمة والعلم لأن الأنبياء لا تورث المال وقيل يرثني الحبورة وكان حبرأ ويرث من آل يعقوب الملك فعلى هذا تكون الياء في يرثني منصوبة بنزع الخافض أي يرث مني الحبورة، واجعله فعل دعاء وفاعل مستتر ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ورضيا مفعول به ثان لا جعله. وقد استشكل بعضهم جملة يرثني صفة بناء على أن نبي الله يحيى مات قبل والده بأن دعاء النبي قد يتخلف وذلك لأنه بموته قبله لم يرثه ومعلوم ما يورث من الأنبياء ورأى هذا المستشكل أن الجملة مستأنفة لا صفة وأجيب بأن دعاء الأنبياء قد يتخلف وقد وقع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه سأل في ثلاثة أمور فاستجيب له في اثنين وتأخرت الاجابة في الثالث وقد اعترض القول بالاستئناف بأن مفاد الجملة حينئذ الإخبار واخبار الأنبياء لا يتخلف قطعا وأجيب بأن هذا الاخبار باعتبار غلبة الظن لأن نبي الله زكريا لما كان مسنا غلب على ظنه أنه متى وهب له ولد يرثه. هذا وقد ذكر الجلال السيوطي الإشكال في كتاب شرح عقود الجمان وذكر مثل الجواب الذي أوردناه آنفا ثم قال: «وأجاب الشيخ بهاء الدين بأن المراد إرث النبوة والعلم وقد حصل في حياته» . قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث» ورواه البزاز بلفظ نحن معاشر إلخ وتمام الحديث: «ما تركناه صدقة» ونصب معاشر على الاختصاص بفعل محذوف وجوبا تقديره أخص وما تركناه ما موصولة في محل رفع بالابتداء وتركنا صلته والعائد محذوف أي تركناه وصدقة خبر ما، والحكمة في أن الأنبياء لا يورثون انه وقد وقع في قلب الإنسان شهوة موت مورثه ليأخذ ماله فنزّه الله أنبياءه وأهاليهم عن ذلك ولئلا يظن بهم مبطل انهم يجمعون المال لورثتهم ولأنهم كالآباء لأمتهم فيكون مالهم لجميع الأمة وهو معنى الصدقة العامة وأما قوله تعالى «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وقوله «وورث سليمان» فالمراد الوراثة في العلم والنبوة وبهذا يندفع أن عدم الإرث مختص بنبينا صلى الله عليه وسلم، فإن قيل إن الله أخبر عن بعضهم بقوله: «واني خفت الموالي» إذ لا تخاف الموالي على النبوة أجيب بأنه خاف من الموالي الاختلاف من بعده الرجوع عن الحق فتمنى ولدا نبيا يقوم فيهم. بقي هنا شيء لا بد من التنويه به وهو أن الأنبياء هل يرثون؟ قال صاحب التتمة: إن النبوة مانعة من الإرث وذكر البزاز الواعظ أنه روي: نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث ويعارضه ما ذكر الماوردي في الاحكام السلطانية أنه صلى الله عليه وسلم ورث من أبيه أم أيمن الحبشية واسمها بركة وخمسة جمال وقطعة من غنم ومولاه شقران واسمه صالح وقد شهد بدرا وورث من أمه دارها ومن خديجة دارها. البلاغة: في هذه الآيات فنون عديدة نوجز القول فيها: 1- الاختراس في قوله «نِداءً خَفِيًّا» وقد تقدم القول فيه وانه عبارة عن أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه فيه دخل أو لبس أو إيهام فيفطن لذلك حال العمل فيأتي في صلب الكلام بما يخلصه من ذلك كله وقد تقدمت أمثلة عديدة منه كما ستأتي له نظائر مشبهة وهو هنا في كلمة خفيا فقد أتى بها مراعاة لسنة الله في إخفاء دعوته لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان فكان الأولى به أن يحترس مما يوهم الرياء أمام الناس الذين يحكمون على الظاهر ويجهلون حقيقة الدخائل أو لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبرة والشيخوخة ودفعا للفضول الذي يطلق الألسنة بمختلف أنواع الملام وقيل احترس من مواليه الذين خافهم وقيل ليس في الأمر احتراس وانما الكلام جار على حقيقته لأن خفوت صوته ناتج عن ضعفه وهرمه حيث يخفت الصوت ويكل اللسان وتعشى العينان وتثقل الآذان على حدّ قول عوف بن محلم الخزاعي: إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وقد قيل في صفات الشيخ «صوته خفات، وسمعه تارات» . 2- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً» شبّه الشيب بشواظ النار في بياضه وإثارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ ثم أخرجه مخرج الاستعارة المكنية وأسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس أي أم يقل رأسي اكتفاء بعلم المخاطب انه رأس زكريا فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة ونزيد على ذلك وجوه الشبه الأربعة الكامنة في هذا الخيال البعيد، وهي: آ- السرعة: وذلك أن النار حين تشتعل وتندلع أسنتها فإنها تسرع في التهام ما تمتد اليه وهكذا الشيب لا يكاد يخط الرأس حتى بمتد بسرعة عجيبة. ب- تعذر التلافي: وذلك أن النار إذا شبت وتدافع شؤبوبها وتطاير لهيبها اجتاحت كل ما تصادفه وذل لها الصخر والخشب على حد قول أبي تمام: لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يوما ذليل الصخر والخشب فيعنو لها الصخر ويذل الخشب ويستلسم لشؤبوبها كل ما يناله دون أن تجدي في ذلك حيلة وقد يتعذر على رجل الإطفاء إخماد لهيبها وكثيرا ما يصبح الماء بمثابة الحطب الذي يذكيها وكذلك الشيب ينتشر بسرعة غريبة في أجزاء الرأس ويتمادى في سرعته بحيث يتعذر بل يستحيل تلافيه، وكثيرا ما يجنح الذين أصيبوا بالشيب إلى تغطية شيبهم بالأصابيغ الكاذبة ليخفوا حقيقتهم وليستهووا قلوب الغانيات فلن يبدل ذلك شيئا من الواقع الراهن. ج- الألم: وكما أن النار لذاعة كواءة تؤلم من تلامسه فكذلك الشيب يؤلم الأشيب وقد صدت عنه الغواني واقتحمته العيون على حد قول ابن الرومي: وكنت جلاء للعيون من القذى ... فقد أصبحت تقذي بشيبي وترمد هي الأعين النجل التي كنت تشتكي ... مواقعها في القلب والرأس أسود وقول أبي تمام: يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا لو رأى الله أن في الشيب خيرا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا وجميع ذلك منقول عن عمر بن أبي ربيعة: رأين الغواني الشيب لاح بعوارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر ويرحم الله شوقيا عند ما جلس على ضفاف البردوني في زحلة واستمع إلى وشوشات الحلي ووسوسات الأساور وألفى نفسه يرتقي إلى السبعين فصرخ: شيعت أحلامي بقلب باك ... ولمت من طرق الملاح شباكي ورجعت أدراج الشباب وورده ... أمشي مكانهما على الأشواك وبجانبي واه كأن خفوقه ... لمّا تلفت جهشة المتباكي د- المصير: وكما أن مصير النار بعد أن تفعل أفاعيلها وتبلغ غايتها الخمود والانطفاء فالرماد كذلك مصير الإنسان وناهيك بهذا المصير إيلاما للنفس وارتماضا للقلب فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه والمشبه به فتأمل هذا الفصل، فله على سائر الفصول الفضل. هذا وقد أوجزنا القول في عدم إضافة الرأس بالاكتفاء بعلم المخاطب ولا بد من إيضاحه الآن فنقول أن للاستعارة مطلوبات ثلاثة: المبالغة في التشبيه والظهور والإيجاز وكل استعارة تتناول واحدا من هذه المطلوبات أما هذه الاستعارة فقد تناولت المطلوبات الثلاثة بكاملها فإن الكلام أن يقال: شيب الرأس ولو جاء الكلام كذلك لأفاد الظهور فقط دون المبالغة واللفظ الأول يعطى عموم الشيب جميع نواحي الرأس كما انك إذا قلت: اشتعلت نار البيت صدق ذلك على اشتعال النار في بعض نواحيه دون بقيته بخلاف ما إذا قلت اشتعل البيت نارا فإن مفهوم ذلك اشتمال النار على كل البيت بجميع أجزائه فتنبه لهذا الفصل وإن طال بعض الطول فإنه كالحسن غير مملول. هذا وقد اقتبس ابن دريد اشتعال الرأس شيبا فقال في مقصورته: واشتعل المبيض في مسودّه ... مثل اشتعال النار في جزل الغضا هذا ولما كان الشيب عندهم عيبا قالوا: هو أشيب أي وصفا على غير قياس لأن الوصف على أفعل انما يكون من فعل كفرح وشرطه الدلالة على العيوب أو الألوان وقال الشهاب الخفاجي انه على وزن الوصف من المصائب الخلقية فعدوه من العيوب، ولأبي الحسن الزوزني: كفى الشيب عيبا ان صاحبه إذا ... أردت به وصفا له قلت أشيب وكان قياس الأصل لو قلت شائبا ... ولكنه في جملة العيب يحسب فشائب خطأ لم يستعمل. هذا وفي قوله واشتعل الرأس شيبا فن الإطناب فقد انتقل أولا من شخت الدال على ضعف البدن وشيب الرأس إجمالا إلى هذا التفصيل لمزيد التقرير، وثانيا من هذه المرتبة إلى ثالثة أبلغ منها وهي الكناية التي هي أبلغ من التصريح، وثالثا من هذه المرتبة إلى رابعة أبلغ في التقرير وهي بناء الكناية على المبتدأ أي قولك: أنا وهنت عظام بدني، ورابعا من هذه المرتبة إلى خامسة أبلغ وهي إدخال إن على المبتدأ أعني قولك إني وهنت عظام بدني، وخامسا إلى مرتبة سادسة وهي سلوك طريق الإجمال ثم التفصيل أعني إني وهنت العظام من بدني، وسادسا إلى مرتبة سابعة وهي ترك توسيط البدن لا دعاء اختصاصها بالبدن بحيث لا يحتاج إلى التصريح بالبدن، وسابعا إلى مرتبة ثامنة وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لشمول الوهن العظام فردا فردا. 3- التجريد: وذلك في قوله تعالى «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وقد قدمنا القول فيه مختصرا وسنورده الآن مستوفى: فنقول ان التجريد هو أن ينتزع المتكلم من أمر ذي صفة أمرا آخر بمثاله له فيها مبالغة لكمالها فيه كأنه بلغ من الاتصاف بتلك الصفة إلى حيث يصح أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة وهو أقسام: أ- أن يكون بمن التجريدية كقولهم لي من فلان صديق حميم ومنه الآية الكريمة ومثله للقاضي الفاضل في وصف السيوف: تمدا إلى الأعداء منها معاصسا ... فترجع من ماء الكلي بأساور ب- أن يكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه نحو قول ابن هانىء: وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدور بكل ليث مخدر وقال أبو تمام: هتك الظلام أبو الوليد بغرة ... فتحت لنا باب الرجاء المقفل بأتم من قمر السماء وإن بدا ... بدرا وأحسن في العيون وأجمل وأجل من قس إذا استنطقته ... رأيا وألطف في الأمور وأجزل والمراد بأتم من قمر السماء نفس أبي الوليد. ح- أن يكون بدخول في على المنتزع منه أو مدخول ضميره كقوله تعالى «لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ» أي في جهنم وهي دار الخلد ولكنه انتزع منها دارا أخرى للمبالغة وقال المتنبي: تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائر قد حرن في بشر في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره فإن الأسد هو نفس الممدوح ولكنه انتزع منه أسدا آخر تهويلا لأمره ومبالغة في اتصافه بالشجاعة والصولة. د- أن يكون بدخول بين كقول ابن النبيه: يهتز بين وشاحيها قضيب نقا ... حمائم الحلي في أفنانه صدحت هـ- ومنها أن يكون بدون توسط شيء كقول قتادة بن سلمة الحنفي: فلئن بقيت لأرحلن بعزة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم عني بالكريم نفسه فكأنه انتزع من نفسه كريما مبالغة في كرمه ولذا لم يقل أو أموت، ولأبي تمام: ولو تراهم وإيانا وموقفنا ... في موقف البين لاستهلالنا زجل من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلبا ومن غزل في نحره عذل وقد طوى الشوق في أحشائنا بقرا ... عينا طوتهن في أحشائها الكلل ومراده بالبقر العين الذين أخبر عنهم أولا بقوله ولو تراهم فكأنه انتزع منهم موصوفين بهذه الصفة مبالغة فيها. ز- ومنها أن ينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سيق الكلام لها ثم يخاطبه كقول أبي الطيب: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال فكأنه انتزع من نفسه شخصا آخر مثله في فقد الخيل والمال ومنه قول الأعشى: ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل وقال أبو نواس وأبدع متغزلا: يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن سنة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن ومراده الخطاب مع نفسه ولذلك قال بعده: ظن بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظنن بات لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن هذا والتجريد كثير في الشعر وستأتي أمثلة منه في مواضع أخرى من هذا الكتاب.

مريم 19:2

اللغة: (وَهَنَ) : في المصباح: «وهن يهن من باب وعد ضعف فهو واهن في الأمر والعمل والبدن، ووهنته أضعفته يتعدى ولا يتعدّى في لغة فهو موهون البدن والعظم والأجود أن يتعدى بالهمزة فيقال: أوهنته والوهن بفتحتين لغة في المصدر ووهن يهن بكسرتين لغة قال أبو زيد: سمعت من الأعراب من يقرأ فما وهنوا» وفي القاموس وغيره: وهنه يهنه وهنا وأوهنه أضعفه ووهن وأوهن الرجل دخل في الوهن من الليل ووهن ووهن يهن ووهن يوهن وهنا ووهنا ووهن يوهن وهنا ضعف في الأمر أو العمل أو البدن وتوهّن البعير اضطجع والطائر أثقل من أكل الجيف فلم يقدر على النهوض والوهن مصدر ومن الرجال أو الإبل: الغليظ القصير والوهن من الليل نحو منتصفه أو بعد ساعة منه والموهن من الليل كالوهن، والوهنانة من النساء الكسلى عن العمل تنعما. (الْمَوالِيَ) : الذين يلونني في النسب كبني العم والموالي جمع مولى وهو العاصب. (عاقِراً) : لا تلد، قال في القاموس: عقرت تعقر عقرا وعقرا وعقارا وعقرت تعقر عقرا وعقارة وعقارة وعقرت المرأة أو الناقة صارت عاقرا أي حبس رحمها فلم تلد وعقر عقرا الأمر لم ينتج عاقبة وعقر عقرا الرجل دهش» . (وَلِيًّا) : ابنا وهو أحد معانيه الكثيرة. الإعراب: (كهيعص،) (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) كهيعص تقدم القول في فواتح السور واعرابها ومعانيها فارجع اليه وذكر خبر لمبتدأ محذوف أي هذا المتلو عليك من القرآن أو مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليك ذكر، ورحمة ربك مضافة لذكر من اضافة المصدر لمفعوله والفاعل مستتر أي ذكر الله رحمة عبده زكريا وعبده مفعول به لرحمة وزكريا بدل من عبده أو عطف بيان له. (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن وهو متعلق برحمة ربك أي رحمة الله إياه وقت أن ناداه وقيل العامل فيه ذكر وقيل هو بدل اشتمال من زكريا، وجملة نادى مضاف إليها الظرف والفاعل مستتر تقديره هو ونداء مفعول مطلق وخفيا صفة. (قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) ربي منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وان واسمها وجملة وهن العظم خبرها ومني حال واشتعل عطف على وهن والرأس فاعل وشيبا تمييز محول عن الفاعل أي انتشر الشيب في رأسي وسيأتي سر هذه الاستعارة في باب البلاغة. (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم وأكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم واسمها مستتر تقديره أنا وشقيا خبرها وبدعائك متعلقان بشقيا ورب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة. (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً) وإني عطف على إني وهن والياء اسم ان وجملة خفت خبرها والموالي مفعول به ومن ورائي متعلقان بمحذوف أو بمعنى الولاية في الموالي ولا يجوز أن يتعلق بخفت لفساد المعنى ووجه فساده أن الخوف واقع في الحال لا فيما يستقبل فلو جعل من ورائي متعلقا بخفت لزم أن يكون الخوف واقعا في المستقبل أي بعد موته وهو كما ترى، ظاهر الفساد وعبارة الزمخشري: «من ورائي بعد موتي وقرأ ابن كثير من وراي بالقصر وهذا الظرف لا يتعلق بخفت لفساد المعنى ولكن بمحذوف أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت فعل الموالي وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي أو خفت الذين يلون الأمر من ورائي، وقرأ عثمان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين رضي الله عنهم خفت الموالي من ورائي وهذا على معنيين أحدهما أن يكون ورائي بمعنى خلفي وبعدي فيتعلق الظرف بالموالي أي قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين. فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه، والثاني أن يكون بمعنى قدّامي فيتعلق بخفت ويريد أنهم خفّوا قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقوّ واعتضاد. وقال ابن هشام في المغني «الثاني قوله تعالى: وإني خفت الموالي من ورائي، فإن المتبادر تعلق من بخفت وهو فاسد في المعنى والصواب تعلقه بالموالي لما فيه من معنى الولاية أي وخفت ولايتهم من بعدي وسوء خلافتهم أو بمحذوف هو حال من الموالي أو مضاف إليهم أي كائنين من ورائي أو فعل الموالي من ورائي وأما من قرأ خفت بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء فمن متعلقة بالفعل المذكور. وكانت امرأتي عاقرا الواو عاطفة وكان واسمها وخبرها. (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) الفاء الفصيحة أي وإلا فهب لي، وهب فعل أمر ولي متعلقان بهب ومن لدنك حال ووليا مفعول به لهب. (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) جملة يرثني صفة لوليا ولذلك رفعت وقرئ بالجزم على أنه جواب الطلب ويرث عطف على يرثني ومن آل يعقوب متعلقان بيرث ومفعول يرث محذوف تقديره الشرع والحكمة والعلم لأن الأنبياء لا تورث المال وقيل يرثني الحبورة وكان حبرأ ويرث من آل يعقوب الملك فعلى هذا تكون الياء في يرثني منصوبة بنزع الخافض أي يرث مني الحبورة، واجعله فعل دعاء وفاعل مستتر ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ورضيا مفعول به ثان لا جعله. وقد استشكل بعضهم جملة يرثني صفة بناء على أن نبي الله يحيى مات قبل والده بأن دعاء النبي قد يتخلف وذلك لأنه بموته قبله لم يرثه ومعلوم ما يورث من الأنبياء ورأى هذا المستشكل أن الجملة مستأنفة لا صفة وأجيب بأن دعاء الأنبياء قد يتخلف وقد وقع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه سأل في ثلاثة أمور فاستجيب له في اثنين وتأخرت الاجابة في الثالث وقد اعترض القول بالاستئناف بأن مفاد الجملة حينئذ الإخبار واخبار الأنبياء لا يتخلف قطعا وأجيب بأن هذا الاخبار باعتبار غلبة الظن لأن نبي الله زكريا لما كان مسنا غلب على ظنه أنه متى وهب له ولد يرثه. هذا وقد ذكر الجلال السيوطي الإشكال في كتاب شرح عقود الجمان وذكر مثل الجواب الذي أوردناه آنفا ثم قال: «وأجاب الشيخ بهاء الدين بأن المراد إرث النبوة والعلم وقد حصل في حياته» . قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث» ورواه البزاز بلفظ نحن معاشر إلخ وتمام الحديث: «ما تركناه صدقة» ونصب معاشر على الاختصاص بفعل محذوف وجوبا تقديره أخص وما تركناه ما موصولة في محل رفع بالابتداء وتركنا صلته والعائد محذوف أي تركناه وصدقة خبر ما، والحكمة في أن الأنبياء لا يورثون انه وقد وقع في قلب الإنسان شهوة موت مورثه ليأخذ ماله فنزّه الله أنبياءه وأهاليهم عن ذلك ولئلا يظن بهم مبطل انهم يجمعون المال لورثتهم ولأنهم كالآباء لأمتهم فيكون مالهم لجميع الأمة وهو معنى الصدقة العامة وأما قوله تعالى «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وقوله «وورث سليمان» فالمراد الوراثة في العلم والنبوة وبهذا يندفع أن عدم الإرث مختص بنبينا صلى الله عليه وسلم، فإن قيل إن الله أخبر عن بعضهم بقوله: «واني خفت الموالي» إذ لا تخاف الموالي على النبوة أجيب بأنه خاف من الموالي الاختلاف من بعده الرجوع عن الحق فتمنى ولدا نبيا يقوم فيهم. بقي هنا شيء لا بد من التنويه به وهو أن الأنبياء هل يرثون؟ قال صاحب التتمة: إن النبوة مانعة من الإرث وذكر البزاز الواعظ أنه روي: نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث ويعارضه ما ذكر الماوردي في الاحكام السلطانية أنه صلى الله عليه وسلم ورث من أبيه أم أيمن الحبشية واسمها بركة وخمسة جمال وقطعة من غنم ومولاه شقران واسمه صالح وقد شهد بدرا وورث من أمه دارها ومن خديجة دارها. البلاغة: في هذه الآيات فنون عديدة نوجز القول فيها: 1- الاختراس في قوله «نِداءً خَفِيًّا» وقد تقدم القول فيه وانه عبارة عن أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه فيه دخل أو لبس أو إيهام فيفطن لذلك حال العمل فيأتي في صلب الكلام بما يخلصه من ذلك كله وقد تقدمت أمثلة عديدة منه كما ستأتي له نظائر مشبهة وهو هنا في كلمة خفيا فقد أتى بها مراعاة لسنة الله في إخفاء دعوته لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان فكان الأولى به أن يحترس مما يوهم الرياء أمام الناس الذين يحكمون على الظاهر ويجهلون حقيقة الدخائل أو لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبرة والشيخوخة ودفعا للفضول الذي يطلق الألسنة بمختلف أنواع الملام وقيل احترس من مواليه الذين خافهم وقيل ليس في الأمر احتراس وانما الكلام جار على حقيقته لأن خفوت صوته ناتج عن ضعفه وهرمه حيث يخفت الصوت ويكل اللسان وتعشى العينان وتثقل الآذان على حدّ قول عوف بن محلم الخزاعي: إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وقد قيل في صفات الشيخ «صوته خفات، وسمعه تارات» . 2- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً» شبّه الشيب بشواظ النار في بياضه وإثارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ ثم أخرجه مخرج الاستعارة المكنية وأسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس أي أم يقل رأسي اكتفاء بعلم المخاطب انه رأس زكريا فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة ونزيد على ذلك وجوه الشبه الأربعة الكامنة في هذا الخيال البعيد، وهي: آ- السرعة: وذلك أن النار حين تشتعل وتندلع أسنتها فإنها تسرع في التهام ما تمتد اليه وهكذا الشيب لا يكاد يخط الرأس حتى بمتد بسرعة عجيبة. ب- تعذر التلافي: وذلك أن النار إذا شبت وتدافع شؤبوبها وتطاير لهيبها اجتاحت كل ما تصادفه وذل لها الصخر والخشب على حد قول أبي تمام: لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يوما ذليل الصخر والخشب فيعنو لها الصخر ويذل الخشب ويستلسم لشؤبوبها كل ما يناله دون أن تجدي في ذلك حيلة وقد يتعذر على رجل الإطفاء إخماد لهيبها وكثيرا ما يصبح الماء بمثابة الحطب الذي يذكيها وكذلك الشيب ينتشر بسرعة غريبة في أجزاء الرأس ويتمادى في سرعته بحيث يتعذر بل يستحيل تلافيه، وكثيرا ما يجنح الذين أصيبوا بالشيب إلى تغطية شيبهم بالأصابيغ الكاذبة ليخفوا حقيقتهم وليستهووا قلوب الغانيات فلن يبدل ذلك شيئا من الواقع الراهن. ج- الألم: وكما أن النار لذاعة كواءة تؤلم من تلامسه فكذلك الشيب يؤلم الأشيب وقد صدت عنه الغواني واقتحمته العيون على حد قول ابن الرومي: وكنت جلاء للعيون من القذى ... فقد أصبحت تقذي بشيبي وترمد هي الأعين النجل التي كنت تشتكي ... مواقعها في القلب والرأس أسود وقول أبي تمام: يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا لو رأى الله أن في الشيب خيرا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا وجميع ذلك منقول عن عمر بن أبي ربيعة: رأين الغواني الشيب لاح بعوارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر ويرحم الله شوقيا عند ما جلس على ضفاف البردوني في زحلة واستمع إلى وشوشات الحلي ووسوسات الأساور وألفى نفسه يرتقي إلى السبعين فصرخ: شيعت أحلامي بقلب باك ... ولمت من طرق الملاح شباكي ورجعت أدراج الشباب وورده ... أمشي مكانهما على الأشواك وبجانبي واه كأن خفوقه ... لمّا تلفت جهشة المتباكي د- المصير: وكما أن مصير النار بعد أن تفعل أفاعيلها وتبلغ غايتها الخمود والانطفاء فالرماد كذلك مصير الإنسان وناهيك بهذا المصير إيلاما للنفس وارتماضا للقلب فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه والمشبه به فتأمل هذا الفصل، فله على سائر الفصول الفضل. هذا وقد أوجزنا القول في عدم إضافة الرأس بالاكتفاء بعلم المخاطب ولا بد من إيضاحه الآن فنقول أن للاستعارة مطلوبات ثلاثة: المبالغة في التشبيه والظهور والإيجاز وكل استعارة تتناول واحدا من هذه المطلوبات أما هذه الاستعارة فقد تناولت المطلوبات الثلاثة بكاملها فإن الكلام أن يقال: شيب الرأس ولو جاء الكلام كذلك لأفاد الظهور فقط دون المبالغة واللفظ الأول يعطى عموم الشيب جميع نواحي الرأس كما انك إذا قلت: اشتعلت نار البيت صدق ذلك على اشتعال النار في بعض نواحيه دون بقيته بخلاف ما إذا قلت اشتعل البيت نارا فإن مفهوم ذلك اشتمال النار على كل البيت بجميع أجزائه فتنبه لهذا الفصل وإن طال بعض الطول فإنه كالحسن غير مملول. هذا وقد اقتبس ابن دريد اشتعال الرأس شيبا فقال في مقصورته: واشتعل المبيض في مسودّه ... مثل اشتعال النار في جزل الغضا هذا ولما كان الشيب عندهم عيبا قالوا: هو أشيب أي وصفا على غير قياس لأن الوصف على أفعل انما يكون من فعل كفرح وشرطه الدلالة على العيوب أو الألوان وقال الشهاب الخفاجي انه على وزن الوصف من المصائب الخلقية فعدوه من العيوب، ولأبي الحسن الزوزني: كفى الشيب عيبا ان صاحبه إذا ... أردت به وصفا له قلت أشيب وكان قياس الأصل لو قلت شائبا ... ولكنه في جملة العيب يحسب فشائب خطأ لم يستعمل. هذا وفي قوله واشتعل الرأس شيبا فن الإطناب فقد انتقل أولا من شخت الدال على ضعف البدن وشيب الرأس إجمالا إلى هذا التفصيل لمزيد التقرير، وثانيا من هذه المرتبة إلى ثالثة أبلغ منها وهي الكناية التي هي أبلغ من التصريح، وثالثا من هذه المرتبة إلى رابعة أبلغ في التقرير وهي بناء الكناية على المبتدأ أي قولك: أنا وهنت عظام بدني، ورابعا من هذه المرتبة إلى خامسة أبلغ وهي إدخال إن على المبتدأ أعني قولك إني وهنت عظام بدني، وخامسا إلى مرتبة سادسة وهي سلوك طريق الإجمال ثم التفصيل أعني إني وهنت العظام من بدني، وسادسا إلى مرتبة سابعة وهي ترك توسيط البدن لا دعاء اختصاصها بالبدن بحيث لا يحتاج إلى التصريح بالبدن، وسابعا إلى مرتبة ثامنة وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لشمول الوهن العظام فردا فردا. 3- التجريد: وذلك في قوله تعالى «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وقد قدمنا القول فيه مختصرا وسنورده الآن مستوفى: فنقول ان التجريد هو أن ينتزع المتكلم من أمر ذي صفة أمرا آخر بمثاله له فيها مبالغة لكمالها فيه كأنه بلغ من الاتصاف بتلك الصفة إلى حيث يصح أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة وهو أقسام: أ- أن يكون بمن التجريدية كقولهم لي من فلان صديق حميم ومنه الآية الكريمة ومثله للقاضي الفاضل في وصف السيوف: تمدا إلى الأعداء منها معاصسا ... فترجع من ماء الكلي بأساور ب- أن يكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه نحو قول ابن هانىء: وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدور بكل ليث مخدر وقال أبو تمام: هتك الظلام أبو الوليد بغرة ... فتحت لنا باب الرجاء المقفل بأتم من قمر السماء وإن بدا ... بدرا وأحسن في العيون وأجمل وأجل من قس إذا استنطقته ... رأيا وألطف في الأمور وأجزل والمراد بأتم من قمر السماء نفس أبي الوليد. ح- أن يكون بدخول في على المنتزع منه أو مدخول ضميره كقوله تعالى «لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ» أي في جهنم وهي دار الخلد ولكنه انتزع منها دارا أخرى للمبالغة وقال المتنبي: تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائر قد حرن في بشر في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره فإن الأسد هو نفس الممدوح ولكنه انتزع منه أسدا آخر تهويلا لأمره ومبالغة في اتصافه بالشجاعة والصولة. د- أن يكون بدخول بين كقول ابن النبيه: يهتز بين وشاحيها قضيب نقا ... حمائم الحلي في أفنانه صدحت هـ- ومنها أن يكون بدون توسط شيء كقول قتادة بن سلمة الحنفي: فلئن بقيت لأرحلن بعزة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم عني بالكريم نفسه فكأنه انتزع من نفسه كريما مبالغة في كرمه ولذا لم يقل أو أموت، ولأبي تمام: ولو تراهم وإيانا وموقفنا ... في موقف البين لاستهلالنا زجل من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلبا ومن غزل في نحره عذل وقد طوى الشوق في أحشائنا بقرا ... عينا طوتهن في أحشائها الكلل ومراده بالبقر العين الذين أخبر عنهم أولا بقوله ولو تراهم فكأنه انتزع منهم موصوفين بهذه الصفة مبالغة فيها. ز- ومنها أن ينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سيق الكلام لها ثم يخاطبه كقول أبي الطيب: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال فكأنه انتزع من نفسه شخصا آخر مثله في فقد الخيل والمال ومنه قول الأعشى: ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل وقال أبو نواس وأبدع متغزلا: يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن سنة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن ومراده الخطاب مع نفسه ولذلك قال بعده: ظن بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظنن بات لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن هذا والتجريد كثير في الشعر وستأتي أمثلة منه في مواضع أخرى من هذا الكتاب.

مريم 19:3

اللغة: (وَهَنَ) : في المصباح: «وهن يهن من باب وعد ضعف فهو واهن في الأمر والعمل والبدن، ووهنته أضعفته يتعدى ولا يتعدّى في لغة فهو موهون البدن والعظم والأجود أن يتعدى بالهمزة فيقال: أوهنته والوهن بفتحتين لغة في المصدر ووهن يهن بكسرتين لغة قال أبو زيد: سمعت من الأعراب من يقرأ فما وهنوا» وفي القاموس وغيره: وهنه يهنه وهنا وأوهنه أضعفه ووهن وأوهن الرجل دخل في الوهن من الليل ووهن ووهن يهن ووهن يوهن وهنا ووهنا ووهن يوهن وهنا ضعف في الأمر أو العمل أو البدن وتوهّن البعير اضطجع والطائر أثقل من أكل الجيف فلم يقدر على النهوض والوهن مصدر ومن الرجال أو الإبل: الغليظ القصير والوهن من الليل نحو منتصفه أو بعد ساعة منه والموهن من الليل كالوهن، والوهنانة من النساء الكسلى عن العمل تنعما. (الْمَوالِيَ) : الذين يلونني في النسب كبني العم والموالي جمع مولى وهو العاصب. (عاقِراً) : لا تلد، قال في القاموس: عقرت تعقر عقرا وعقرا وعقارا وعقرت تعقر عقرا وعقارة وعقارة وعقرت المرأة أو الناقة صارت عاقرا أي حبس رحمها فلم تلد وعقر عقرا الأمر لم ينتج عاقبة وعقر عقرا الرجل دهش» . (وَلِيًّا) : ابنا وهو أحد معانيه الكثيرة. الإعراب: (كهيعص،) (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) كهيعص تقدم القول في فواتح السور واعرابها ومعانيها فارجع اليه وذكر خبر لمبتدأ محذوف أي هذا المتلو عليك من القرآن أو مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليك ذكر، ورحمة ربك مضافة لذكر من اضافة المصدر لمفعوله والفاعل مستتر أي ذكر الله رحمة عبده زكريا وعبده مفعول به لرحمة وزكريا بدل من عبده أو عطف بيان له. (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن وهو متعلق برحمة ربك أي رحمة الله إياه وقت أن ناداه وقيل العامل فيه ذكر وقيل هو بدل اشتمال من زكريا، وجملة نادى مضاف إليها الظرف والفاعل مستتر تقديره هو ونداء مفعول مطلق وخفيا صفة. (قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) ربي منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وان واسمها وجملة وهن العظم خبرها ومني حال واشتعل عطف على وهن والرأس فاعل وشيبا تمييز محول عن الفاعل أي انتشر الشيب في رأسي وسيأتي سر هذه الاستعارة في باب البلاغة. (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم وأكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم واسمها مستتر تقديره أنا وشقيا خبرها وبدعائك متعلقان بشقيا ورب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة. (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً) وإني عطف على إني وهن والياء اسم ان وجملة خفت خبرها والموالي مفعول به ومن ورائي متعلقان بمحذوف أو بمعنى الولاية في الموالي ولا يجوز أن يتعلق بخفت لفساد المعنى ووجه فساده أن الخوف واقع في الحال لا فيما يستقبل فلو جعل من ورائي متعلقا بخفت لزم أن يكون الخوف واقعا في المستقبل أي بعد موته وهو كما ترى، ظاهر الفساد وعبارة الزمخشري: «من ورائي بعد موتي وقرأ ابن كثير من وراي بالقصر وهذا الظرف لا يتعلق بخفت لفساد المعنى ولكن بمحذوف أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت فعل الموالي وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي أو خفت الذين يلون الأمر من ورائي، وقرأ عثمان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين رضي الله عنهم خفت الموالي من ورائي وهذا على معنيين أحدهما أن يكون ورائي بمعنى خلفي وبعدي فيتعلق الظرف بالموالي أي قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين. فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه، والثاني أن يكون بمعنى قدّامي فيتعلق بخفت ويريد أنهم خفّوا قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقوّ واعتضاد. وقال ابن هشام في المغني «الثاني قوله تعالى: وإني خفت الموالي من ورائي، فإن المتبادر تعلق من بخفت وهو فاسد في المعنى والصواب تعلقه بالموالي لما فيه من معنى الولاية أي وخفت ولايتهم من بعدي وسوء خلافتهم أو بمحذوف هو حال من الموالي أو مضاف إليهم أي كائنين من ورائي أو فعل الموالي من ورائي وأما من قرأ خفت بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء فمن متعلقة بالفعل المذكور. وكانت امرأتي عاقرا الواو عاطفة وكان واسمها وخبرها. (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) الفاء الفصيحة أي وإلا فهب لي، وهب فعل أمر ولي متعلقان بهب ومن لدنك حال ووليا مفعول به لهب. (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) جملة يرثني صفة لوليا ولذلك رفعت وقرئ بالجزم على أنه جواب الطلب ويرث عطف على يرثني ومن آل يعقوب متعلقان بيرث ومفعول يرث محذوف تقديره الشرع والحكمة والعلم لأن الأنبياء لا تورث المال وقيل يرثني الحبورة وكان حبرأ ويرث من آل يعقوب الملك فعلى هذا تكون الياء في يرثني منصوبة بنزع الخافض أي يرث مني الحبورة، واجعله فعل دعاء وفاعل مستتر ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ورضيا مفعول به ثان لا جعله. وقد استشكل بعضهم جملة يرثني صفة بناء على أن نبي الله يحيى مات قبل والده بأن دعاء النبي قد يتخلف وذلك لأنه بموته قبله لم يرثه ومعلوم ما يورث من الأنبياء ورأى هذا المستشكل أن الجملة مستأنفة لا صفة وأجيب بأن دعاء الأنبياء قد يتخلف وقد وقع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه سأل في ثلاثة أمور فاستجيب له في اثنين وتأخرت الاجابة في الثالث وقد اعترض القول بالاستئناف بأن مفاد الجملة حينئذ الإخبار واخبار الأنبياء لا يتخلف قطعا وأجيب بأن هذا الاخبار باعتبار غلبة الظن لأن نبي الله زكريا لما كان مسنا غلب على ظنه أنه متى وهب له ولد يرثه. هذا وقد ذكر الجلال السيوطي الإشكال في كتاب شرح عقود الجمان وذكر مثل الجواب الذي أوردناه آنفا ثم قال: «وأجاب الشيخ بهاء الدين بأن المراد إرث النبوة والعلم وقد حصل في حياته» . قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث» ورواه البزاز بلفظ نحن معاشر إلخ وتمام الحديث: «ما تركناه صدقة» ونصب معاشر على الاختصاص بفعل محذوف وجوبا تقديره أخص وما تركناه ما موصولة في محل رفع بالابتداء وتركنا صلته والعائد محذوف أي تركناه وصدقة خبر ما، والحكمة في أن الأنبياء لا يورثون انه وقد وقع في قلب الإنسان شهوة موت مورثه ليأخذ ماله فنزّه الله أنبياءه وأهاليهم عن ذلك ولئلا يظن بهم مبطل انهم يجمعون المال لورثتهم ولأنهم كالآباء لأمتهم فيكون مالهم لجميع الأمة وهو معنى الصدقة العامة وأما قوله تعالى «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وقوله «وورث سليمان» فالمراد الوراثة في العلم والنبوة وبهذا يندفع أن عدم الإرث مختص بنبينا صلى الله عليه وسلم، فإن قيل إن الله أخبر عن بعضهم بقوله: «واني خفت الموالي» إذ لا تخاف الموالي على النبوة أجيب بأنه خاف من الموالي الاختلاف من بعده الرجوع عن الحق فتمنى ولدا نبيا يقوم فيهم. بقي هنا شيء لا بد من التنويه به وهو أن الأنبياء هل يرثون؟ قال صاحب التتمة: إن النبوة مانعة من الإرث وذكر البزاز الواعظ أنه روي: نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث ويعارضه ما ذكر الماوردي في الاحكام السلطانية أنه صلى الله عليه وسلم ورث من أبيه أم أيمن الحبشية واسمها بركة وخمسة جمال وقطعة من غنم ومولاه شقران واسمه صالح وقد شهد بدرا وورث من أمه دارها ومن خديجة دارها. البلاغة: في هذه الآيات فنون عديدة نوجز القول فيها: 1- الاختراس في قوله «نِداءً خَفِيًّا» وقد تقدم القول فيه وانه عبارة عن أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه فيه دخل أو لبس أو إيهام فيفطن لذلك حال العمل فيأتي في صلب الكلام بما يخلصه من ذلك كله وقد تقدمت أمثلة عديدة منه كما ستأتي له نظائر مشبهة وهو هنا في كلمة خفيا فقد أتى بها مراعاة لسنة الله في إخفاء دعوته لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان فكان الأولى به أن يحترس مما يوهم الرياء أمام الناس الذين يحكمون على الظاهر ويجهلون حقيقة الدخائل أو لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبرة والشيخوخة ودفعا للفضول الذي يطلق الألسنة بمختلف أنواع الملام وقيل احترس من مواليه الذين خافهم وقيل ليس في الأمر احتراس وانما الكلام جار على حقيقته لأن خفوت صوته ناتج عن ضعفه وهرمه حيث يخفت الصوت ويكل اللسان وتعشى العينان وتثقل الآذان على حدّ قول عوف بن محلم الخزاعي: إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وقد قيل في صفات الشيخ «صوته خفات، وسمعه تارات» . 2- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً» شبّه الشيب بشواظ النار في بياضه وإثارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ ثم أخرجه مخرج الاستعارة المكنية وأسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس أي أم يقل رأسي اكتفاء بعلم المخاطب انه رأس زكريا فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة ونزيد على ذلك وجوه الشبه الأربعة الكامنة في هذا الخيال البعيد، وهي: آ- السرعة: وذلك أن النار حين تشتعل وتندلع أسنتها فإنها تسرع في التهام ما تمتد اليه وهكذا الشيب لا يكاد يخط الرأس حتى بمتد بسرعة عجيبة. ب- تعذر التلافي: وذلك أن النار إذا شبت وتدافع شؤبوبها وتطاير لهيبها اجتاحت كل ما تصادفه وذل لها الصخر والخشب على حد قول أبي تمام: لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يوما ذليل الصخر والخشب فيعنو لها الصخر ويذل الخشب ويستلسم لشؤبوبها كل ما يناله دون أن تجدي في ذلك حيلة وقد يتعذر على رجل الإطفاء إخماد لهيبها وكثيرا ما يصبح الماء بمثابة الحطب الذي يذكيها وكذلك الشيب ينتشر بسرعة غريبة في أجزاء الرأس ويتمادى في سرعته بحيث يتعذر بل يستحيل تلافيه، وكثيرا ما يجنح الذين أصيبوا بالشيب إلى تغطية شيبهم بالأصابيغ الكاذبة ليخفوا حقيقتهم وليستهووا قلوب الغانيات فلن يبدل ذلك شيئا من الواقع الراهن. ج- الألم: وكما أن النار لذاعة كواءة تؤلم من تلامسه فكذلك الشيب يؤلم الأشيب وقد صدت عنه الغواني واقتحمته العيون على حد قول ابن الرومي: وكنت جلاء للعيون من القذى ... فقد أصبحت تقذي بشيبي وترمد هي الأعين النجل التي كنت تشتكي ... مواقعها في القلب والرأس أسود وقول أبي تمام: يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا لو رأى الله أن في الشيب خيرا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا وجميع ذلك منقول عن عمر بن أبي ربيعة: رأين الغواني الشيب لاح بعوارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر ويرحم الله شوقيا عند ما جلس على ضفاف البردوني في زحلة واستمع إلى وشوشات الحلي ووسوسات الأساور وألفى نفسه يرتقي إلى السبعين فصرخ: شيعت أحلامي بقلب باك ... ولمت من طرق الملاح شباكي ورجعت أدراج الشباب وورده ... أمشي مكانهما على الأشواك وبجانبي واه كأن خفوقه ... لمّا تلفت جهشة المتباكي د- المصير: وكما أن مصير النار بعد أن تفعل أفاعيلها وتبلغ غايتها الخمود والانطفاء فالرماد كذلك مصير الإنسان وناهيك بهذا المصير إيلاما للنفس وارتماضا للقلب فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه والمشبه به فتأمل هذا الفصل، فله على سائر الفصول الفضل. هذا وقد أوجزنا القول في عدم إضافة الرأس بالاكتفاء بعلم المخاطب ولا بد من إيضاحه الآن فنقول أن للاستعارة مطلوبات ثلاثة: المبالغة في التشبيه والظهور والإيجاز وكل استعارة تتناول واحدا من هذه المطلوبات أما هذه الاستعارة فقد تناولت المطلوبات الثلاثة بكاملها فإن الكلام أن يقال: شيب الرأس ولو جاء الكلام كذلك لأفاد الظهور فقط دون المبالغة واللفظ الأول يعطى عموم الشيب جميع نواحي الرأس كما انك إذا قلت: اشتعلت نار البيت صدق ذلك على اشتعال النار في بعض نواحيه دون بقيته بخلاف ما إذا قلت اشتعل البيت نارا فإن مفهوم ذلك اشتمال النار على كل البيت بجميع أجزائه فتنبه لهذا الفصل وإن طال بعض الطول فإنه كالحسن غير مملول. هذا وقد اقتبس ابن دريد اشتعال الرأس شيبا فقال في مقصورته: واشتعل المبيض في مسودّه ... مثل اشتعال النار في جزل الغضا هذا ولما كان الشيب عندهم عيبا قالوا: هو أشيب أي وصفا على غير قياس لأن الوصف على أفعل انما يكون من فعل كفرح وشرطه الدلالة على العيوب أو الألوان وقال الشهاب الخفاجي انه على وزن الوصف من المصائب الخلقية فعدوه من العيوب، ولأبي الحسن الزوزني: كفى الشيب عيبا ان صاحبه إذا ... أردت به وصفا له قلت أشيب وكان قياس الأصل لو قلت شائبا ... ولكنه في جملة العيب يحسب فشائب خطأ لم يستعمل. هذا وفي قوله واشتعل الرأس شيبا فن الإطناب فقد انتقل أولا من شخت الدال على ضعف البدن وشيب الرأس إجمالا إلى هذا التفصيل لمزيد التقرير، وثانيا من هذه المرتبة إلى ثالثة أبلغ منها وهي الكناية التي هي أبلغ من التصريح، وثالثا من هذه المرتبة إلى رابعة أبلغ في التقرير وهي بناء الكناية على المبتدأ أي قولك: أنا وهنت عظام بدني، ورابعا من هذه المرتبة إلى خامسة أبلغ وهي إدخال إن على المبتدأ أعني قولك إني وهنت عظام بدني، وخامسا إلى مرتبة سادسة وهي سلوك طريق الإجمال ثم التفصيل أعني إني وهنت العظام من بدني، وسادسا إلى مرتبة سابعة وهي ترك توسيط البدن لا دعاء اختصاصها بالبدن بحيث لا يحتاج إلى التصريح بالبدن، وسابعا إلى مرتبة ثامنة وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لشمول الوهن العظام فردا فردا. 3- التجريد: وذلك في قوله تعالى «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وقد قدمنا القول فيه مختصرا وسنورده الآن مستوفى: فنقول ان التجريد هو أن ينتزع المتكلم من أمر ذي صفة أمرا آخر بمثاله له فيها مبالغة لكمالها فيه كأنه بلغ من الاتصاف بتلك الصفة إلى حيث يصح أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة وهو أقسام: أ- أن يكون بمن التجريدية كقولهم لي من فلان صديق حميم ومنه الآية الكريمة ومثله للقاضي الفاضل في وصف السيوف: تمدا إلى الأعداء منها معاصسا ... فترجع من ماء الكلي بأساور ب- أن يكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه نحو قول ابن هانىء: وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدور بكل ليث مخدر وقال أبو تمام: هتك الظلام أبو الوليد بغرة ... فتحت لنا باب الرجاء المقفل بأتم من قمر السماء وإن بدا ... بدرا وأحسن في العيون وأجمل وأجل من قس إذا استنطقته ... رأيا وألطف في الأمور وأجزل والمراد بأتم من قمر السماء نفس أبي الوليد. ح- أن يكون بدخول في على المنتزع منه أو مدخول ضميره كقوله تعالى «لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ» أي في جهنم وهي دار الخلد ولكنه انتزع منها دارا أخرى للمبالغة وقال المتنبي: تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائر قد حرن في بشر في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره فإن الأسد هو نفس الممدوح ولكنه انتزع منه أسدا آخر تهويلا لأمره ومبالغة في اتصافه بالشجاعة والصولة. د- أن يكون بدخول بين كقول ابن النبيه: يهتز بين وشاحيها قضيب نقا ... حمائم الحلي في أفنانه صدحت هـ- ومنها أن يكون بدون توسط شيء كقول قتادة بن سلمة الحنفي: فلئن بقيت لأرحلن بعزة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم عني بالكريم نفسه فكأنه انتزع من نفسه كريما مبالغة في كرمه ولذا لم يقل أو أموت، ولأبي تمام: ولو تراهم وإيانا وموقفنا ... في موقف البين لاستهلالنا زجل من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلبا ومن غزل في نحره عذل وقد طوى الشوق في أحشائنا بقرا ... عينا طوتهن في أحشائها الكلل ومراده بالبقر العين الذين أخبر عنهم أولا بقوله ولو تراهم فكأنه انتزع منهم موصوفين بهذه الصفة مبالغة فيها. ز- ومنها أن ينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سيق الكلام لها ثم يخاطبه كقول أبي الطيب: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال فكأنه انتزع من نفسه شخصا آخر مثله في فقد الخيل والمال ومنه قول الأعشى: ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل وقال أبو نواس وأبدع متغزلا: يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن سنة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن ومراده الخطاب مع نفسه ولذلك قال بعده: ظن بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظنن بات لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن هذا والتجريد كثير في الشعر وستأتي أمثلة منه في مواضع أخرى من هذا الكتاب.

مريم 19:4

اللغة: (وَهَنَ) : في المصباح: «وهن يهن من باب وعد ضعف فهو واهن في الأمر والعمل والبدن، ووهنته أضعفته يتعدى ولا يتعدّى في لغة فهو موهون البدن والعظم والأجود أن يتعدى بالهمزة فيقال: أوهنته والوهن بفتحتين لغة في المصدر ووهن يهن بكسرتين لغة قال أبو زيد: سمعت من الأعراب من يقرأ فما وهنوا» وفي القاموس وغيره: وهنه يهنه وهنا وأوهنه أضعفه ووهن وأوهن الرجل دخل في الوهن من الليل ووهن ووهن يهن ووهن يوهن وهنا ووهنا ووهن يوهن وهنا ضعف في الأمر أو العمل أو البدن وتوهّن البعير اضطجع والطائر أثقل من أكل الجيف فلم يقدر على النهوض والوهن مصدر ومن الرجال أو الإبل: الغليظ القصير والوهن من الليل نحو منتصفه أو بعد ساعة منه والموهن من الليل كالوهن، والوهنانة من النساء الكسلى عن العمل تنعما. (الْمَوالِيَ) : الذين يلونني في النسب كبني العم والموالي جمع مولى وهو العاصب. (عاقِراً) : لا تلد، قال في القاموس: عقرت تعقر عقرا وعقرا وعقارا وعقرت تعقر عقرا وعقارة وعقارة وعقرت المرأة أو الناقة صارت عاقرا أي حبس رحمها فلم تلد وعقر عقرا الأمر لم ينتج عاقبة وعقر عقرا الرجل دهش» . (وَلِيًّا) : ابنا وهو أحد معانيه الكثيرة. الإعراب: (كهيعص،) (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) كهيعص تقدم القول في فواتح السور واعرابها ومعانيها فارجع اليه وذكر خبر لمبتدأ محذوف أي هذا المتلو عليك من القرآن أو مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليك ذكر، ورحمة ربك مضافة لذكر من اضافة المصدر لمفعوله والفاعل مستتر أي ذكر الله رحمة عبده زكريا وعبده مفعول به لرحمة وزكريا بدل من عبده أو عطف بيان له. (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن وهو متعلق برحمة ربك أي رحمة الله إياه وقت أن ناداه وقيل العامل فيه ذكر وقيل هو بدل اشتمال من زكريا، وجملة نادى مضاف إليها الظرف والفاعل مستتر تقديره هو ونداء مفعول مطلق وخفيا صفة. (قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) ربي منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وان واسمها وجملة وهن العظم خبرها ومني حال واشتعل عطف على وهن والرأس فاعل وشيبا تمييز محول عن الفاعل أي انتشر الشيب في رأسي وسيأتي سر هذه الاستعارة في باب البلاغة. (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم وأكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم واسمها مستتر تقديره أنا وشقيا خبرها وبدعائك متعلقان بشقيا ورب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة. (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً) وإني عطف على إني وهن والياء اسم ان وجملة خفت خبرها والموالي مفعول به ومن ورائي متعلقان بمحذوف أو بمعنى الولاية في الموالي ولا يجوز أن يتعلق بخفت لفساد المعنى ووجه فساده أن الخوف واقع في الحال لا فيما يستقبل فلو جعل من ورائي متعلقا بخفت لزم أن يكون الخوف واقعا في المستقبل أي بعد موته وهو كما ترى، ظاهر الفساد وعبارة الزمخشري: «من ورائي بعد موتي وقرأ ابن كثير من وراي بالقصر وهذا الظرف لا يتعلق بخفت لفساد المعنى ولكن بمحذوف أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت فعل الموالي وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي أو خفت الذين يلون الأمر من ورائي، وقرأ عثمان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين رضي الله عنهم خفت الموالي من ورائي وهذا على معنيين أحدهما أن يكون ورائي بمعنى خلفي وبعدي فيتعلق الظرف بالموالي أي قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين. فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه، والثاني أن يكون بمعنى قدّامي فيتعلق بخفت ويريد أنهم خفّوا قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقوّ واعتضاد. وقال ابن هشام في المغني «الثاني قوله تعالى: وإني خفت الموالي من ورائي، فإن المتبادر تعلق من بخفت وهو فاسد في المعنى والصواب تعلقه بالموالي لما فيه من معنى الولاية أي وخفت ولايتهم من بعدي وسوء خلافتهم أو بمحذوف هو حال من الموالي أو مضاف إليهم أي كائنين من ورائي أو فعل الموالي من ورائي وأما من قرأ خفت بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء فمن متعلقة بالفعل المذكور. وكانت امرأتي عاقرا الواو عاطفة وكان واسمها وخبرها. (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) الفاء الفصيحة أي وإلا فهب لي، وهب فعل أمر ولي متعلقان بهب ومن لدنك حال ووليا مفعول به لهب. (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) جملة يرثني صفة لوليا ولذلك رفعت وقرئ بالجزم على أنه جواب الطلب ويرث عطف على يرثني ومن آل يعقوب متعلقان بيرث ومفعول يرث محذوف تقديره الشرع والحكمة والعلم لأن الأنبياء لا تورث المال وقيل يرثني الحبورة وكان حبرأ ويرث من آل يعقوب الملك فعلى هذا تكون الياء في يرثني منصوبة بنزع الخافض أي يرث مني الحبورة، واجعله فعل دعاء وفاعل مستتر ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ورضيا مفعول به ثان لا جعله. وقد استشكل بعضهم جملة يرثني صفة بناء على أن نبي الله يحيى مات قبل والده بأن دعاء النبي قد يتخلف وذلك لأنه بموته قبله لم يرثه ومعلوم ما يورث من الأنبياء ورأى هذا المستشكل أن الجملة مستأنفة لا صفة وأجيب بأن دعاء الأنبياء قد يتخلف وقد وقع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه سأل في ثلاثة أمور فاستجيب له في اثنين وتأخرت الاجابة في الثالث وقد اعترض القول بالاستئناف بأن مفاد الجملة حينئذ الإخبار واخبار الأنبياء لا يتخلف قطعا وأجيب بأن هذا الاخبار باعتبار غلبة الظن لأن نبي الله زكريا لما كان مسنا غلب على ظنه أنه متى وهب له ولد يرثه. هذا وقد ذكر الجلال السيوطي الإشكال في كتاب شرح عقود الجمان وذكر مثل الجواب الذي أوردناه آنفا ثم قال: «وأجاب الشيخ بهاء الدين بأن المراد إرث النبوة والعلم وقد حصل في حياته» . قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث» ورواه البزاز بلفظ نحن معاشر إلخ وتمام الحديث: «ما تركناه صدقة» ونصب معاشر على الاختصاص بفعل محذوف وجوبا تقديره أخص وما تركناه ما موصولة في محل رفع بالابتداء وتركنا صلته والعائد محذوف أي تركناه وصدقة خبر ما، والحكمة في أن الأنبياء لا يورثون انه وقد وقع في قلب الإنسان شهوة موت مورثه ليأخذ ماله فنزّه الله أنبياءه وأهاليهم عن ذلك ولئلا يظن بهم مبطل انهم يجمعون المال لورثتهم ولأنهم كالآباء لأمتهم فيكون مالهم لجميع الأمة وهو معنى الصدقة العامة وأما قوله تعالى «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وقوله «وورث سليمان» فالمراد الوراثة في العلم والنبوة وبهذا يندفع أن عدم الإرث مختص بنبينا صلى الله عليه وسلم، فإن قيل إن الله أخبر عن بعضهم بقوله: «واني خفت الموالي» إذ لا تخاف الموالي على النبوة أجيب بأنه خاف من الموالي الاختلاف من بعده الرجوع عن الحق فتمنى ولدا نبيا يقوم فيهم. بقي هنا شيء لا بد من التنويه به وهو أن الأنبياء هل يرثون؟ قال صاحب التتمة: إن النبوة مانعة من الإرث وذكر البزاز الواعظ أنه روي: نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث ويعارضه ما ذكر الماوردي في الاحكام السلطانية أنه صلى الله عليه وسلم ورث من أبيه أم أيمن الحبشية واسمها بركة وخمسة جمال وقطعة من غنم ومولاه شقران واسمه صالح وقد شهد بدرا وورث من أمه دارها ومن خديجة دارها. البلاغة: في هذه الآيات فنون عديدة نوجز القول فيها: 1- الاختراس في قوله «نِداءً خَفِيًّا» وقد تقدم القول فيه وانه عبارة عن أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه فيه دخل أو لبس أو إيهام فيفطن لذلك حال العمل فيأتي في صلب الكلام بما يخلصه من ذلك كله وقد تقدمت أمثلة عديدة منه كما ستأتي له نظائر مشبهة وهو هنا في كلمة خفيا فقد أتى بها مراعاة لسنة الله في إخفاء دعوته لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان فكان الأولى به أن يحترس مما يوهم الرياء أمام الناس الذين يحكمون على الظاهر ويجهلون حقيقة الدخائل أو لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبرة والشيخوخة ودفعا للفضول الذي يطلق الألسنة بمختلف أنواع الملام وقيل احترس من مواليه الذين خافهم وقيل ليس في الأمر احتراس وانما الكلام جار على حقيقته لأن خفوت صوته ناتج عن ضعفه وهرمه حيث يخفت الصوت ويكل اللسان وتعشى العينان وتثقل الآذان على حدّ قول عوف بن محلم الخزاعي: إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وقد قيل في صفات الشيخ «صوته خفات، وسمعه تارات» . 2- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً» شبّه الشيب بشواظ النار في بياضه وإثارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ ثم أخرجه مخرج الاستعارة المكنية وأسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس أي أم يقل رأسي اكتفاء بعلم المخاطب انه رأس زكريا فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة ونزيد على ذلك وجوه الشبه الأربعة الكامنة في هذا الخيال البعيد، وهي: آ- السرعة: وذلك أن النار حين تشتعل وتندلع أسنتها فإنها تسرع في التهام ما تمتد اليه وهكذا الشيب لا يكاد يخط الرأس حتى بمتد بسرعة عجيبة. ب- تعذر التلافي: وذلك أن النار إذا شبت وتدافع شؤبوبها وتطاير لهيبها اجتاحت كل ما تصادفه وذل لها الصخر والخشب على حد قول أبي تمام: لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يوما ذليل الصخر والخشب فيعنو لها الصخر ويذل الخشب ويستلسم لشؤبوبها كل ما يناله دون أن تجدي في ذلك حيلة وقد يتعذر على رجل الإطفاء إخماد لهيبها وكثيرا ما يصبح الماء بمثابة الحطب الذي يذكيها وكذلك الشيب ينتشر بسرعة غريبة في أجزاء الرأس ويتمادى في سرعته بحيث يتعذر بل يستحيل تلافيه، وكثيرا ما يجنح الذين أصيبوا بالشيب إلى تغطية شيبهم بالأصابيغ الكاذبة ليخفوا حقيقتهم وليستهووا قلوب الغانيات فلن يبدل ذلك شيئا من الواقع الراهن. ج- الألم: وكما أن النار لذاعة كواءة تؤلم من تلامسه فكذلك الشيب يؤلم الأشيب وقد صدت عنه الغواني واقتحمته العيون على حد قول ابن الرومي: وكنت جلاء للعيون من القذى ... فقد أصبحت تقذي بشيبي وترمد هي الأعين النجل التي كنت تشتكي ... مواقعها في القلب والرأس أسود وقول أبي تمام: يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا لو رأى الله أن في الشيب خيرا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا وجميع ذلك منقول عن عمر بن أبي ربيعة: رأين الغواني الشيب لاح بعوارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر ويرحم الله شوقيا عند ما جلس على ضفاف البردوني في زحلة واستمع إلى وشوشات الحلي ووسوسات الأساور وألفى نفسه يرتقي إلى السبعين فصرخ: شيعت أحلامي بقلب باك ... ولمت من طرق الملاح شباكي ورجعت أدراج الشباب وورده ... أمشي مكانهما على الأشواك وبجانبي واه كأن خفوقه ... لمّا تلفت جهشة المتباكي د- المصير: وكما أن مصير النار بعد أن تفعل أفاعيلها وتبلغ غايتها الخمود والانطفاء فالرماد كذلك مصير الإنسان وناهيك بهذا المصير إيلاما للنفس وارتماضا للقلب فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه والمشبه به فتأمل هذا الفصل، فله على سائر الفصول الفضل. هذا وقد أوجزنا القول في عدم إضافة الرأس بالاكتفاء بعلم المخاطب ولا بد من إيضاحه الآن فنقول أن للاستعارة مطلوبات ثلاثة: المبالغة في التشبيه والظهور والإيجاز وكل استعارة تتناول واحدا من هذه المطلوبات أما هذه الاستعارة فقد تناولت المطلوبات الثلاثة بكاملها فإن الكلام أن يقال: شيب الرأس ولو جاء الكلام كذلك لأفاد الظهور فقط دون المبالغة واللفظ الأول يعطى عموم الشيب جميع نواحي الرأس كما انك إذا قلت: اشتعلت نار البيت صدق ذلك على اشتعال النار في بعض نواحيه دون بقيته بخلاف ما إذا قلت اشتعل البيت نارا فإن مفهوم ذلك اشتمال النار على كل البيت بجميع أجزائه فتنبه لهذا الفصل وإن طال بعض الطول فإنه كالحسن غير مملول. هذا وقد اقتبس ابن دريد اشتعال الرأس شيبا فقال في مقصورته: واشتعل المبيض في مسودّه ... مثل اشتعال النار في جزل الغضا هذا ولما كان الشيب عندهم عيبا قالوا: هو أشيب أي وصفا على غير قياس لأن الوصف على أفعل انما يكون من فعل كفرح وشرطه الدلالة على العيوب أو الألوان وقال الشهاب الخفاجي انه على وزن الوصف من المصائب الخلقية فعدوه من العيوب، ولأبي الحسن الزوزني: كفى الشيب عيبا ان صاحبه إذا ... أردت به وصفا له قلت أشيب وكان قياس الأصل لو قلت شائبا ... ولكنه في جملة العيب يحسب فشائب خطأ لم يستعمل. هذا وفي قوله واشتعل الرأس شيبا فن الإطناب فقد انتقل أولا من شخت الدال على ضعف البدن وشيب الرأس إجمالا إلى هذا التفصيل لمزيد التقرير، وثانيا من هذه المرتبة إلى ثالثة أبلغ منها وهي الكناية التي هي أبلغ من التصريح، وثالثا من هذه المرتبة إلى رابعة أبلغ في التقرير وهي بناء الكناية على المبتدأ أي قولك: أنا وهنت عظام بدني، ورابعا من هذه المرتبة إلى خامسة أبلغ وهي إدخال إن على المبتدأ أعني قولك إني وهنت عظام بدني، وخامسا إلى مرتبة سادسة وهي سلوك طريق الإجمال ثم التفصيل أعني إني وهنت العظام من بدني، وسادسا إلى مرتبة سابعة وهي ترك توسيط البدن لا دعاء اختصاصها بالبدن بحيث لا يحتاج إلى التصريح بالبدن، وسابعا إلى مرتبة ثامنة وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لشمول الوهن العظام فردا فردا. 3- التجريد: وذلك في قوله تعالى «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وقد قدمنا القول فيه مختصرا وسنورده الآن مستوفى: فنقول ان التجريد هو أن ينتزع المتكلم من أمر ذي صفة أمرا آخر بمثاله له فيها مبالغة لكمالها فيه كأنه بلغ من الاتصاف بتلك الصفة إلى حيث يصح أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة وهو أقسام: أ- أن يكون بمن التجريدية كقولهم لي من فلان صديق حميم ومنه الآية الكريمة ومثله للقاضي الفاضل في وصف السيوف: تمدا إلى الأعداء منها معاصسا ... فترجع من ماء الكلي بأساور ب- أن يكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه نحو قول ابن هانىء: وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدور بكل ليث مخدر وقال أبو تمام: هتك الظلام أبو الوليد بغرة ... فتحت لنا باب الرجاء المقفل بأتم من قمر السماء وإن بدا ... بدرا وأحسن في العيون وأجمل وأجل من قس إذا استنطقته ... رأيا وألطف في الأمور وأجزل والمراد بأتم من قمر السماء نفس أبي الوليد. ح- أن يكون بدخول في على المنتزع منه أو مدخول ضميره كقوله تعالى «لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ» أي في جهنم وهي دار الخلد ولكنه انتزع منها دارا أخرى للمبالغة وقال المتنبي: تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائر قد حرن في بشر في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره فإن الأسد هو نفس الممدوح ولكنه انتزع منه أسدا آخر تهويلا لأمره ومبالغة في اتصافه بالشجاعة والصولة. د- أن يكون بدخول بين كقول ابن النبيه: يهتز بين وشاحيها قضيب نقا ... حمائم الحلي في أفنانه صدحت هـ- ومنها أن يكون بدون توسط شيء كقول قتادة بن سلمة الحنفي: فلئن بقيت لأرحلن بعزة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم عني بالكريم نفسه فكأنه انتزع من نفسه كريما مبالغة في كرمه ولذا لم يقل أو أموت، ولأبي تمام: ولو تراهم وإيانا وموقفنا ... في موقف البين لاستهلالنا زجل من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلبا ومن غزل في نحره عذل وقد طوى الشوق في أحشائنا بقرا ... عينا طوتهن في أحشائها الكلل ومراده بالبقر العين الذين أخبر عنهم أولا بقوله ولو تراهم فكأنه انتزع منهم موصوفين بهذه الصفة مبالغة فيها. ز- ومنها أن ينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سيق الكلام لها ثم يخاطبه كقول أبي الطيب: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال فكأنه انتزع من نفسه شخصا آخر مثله في فقد الخيل والمال ومنه قول الأعشى: ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل وقال أبو نواس وأبدع متغزلا: يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن سنة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن ومراده الخطاب مع نفسه ولذلك قال بعده: ظن بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظنن بات لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن هذا والتجريد كثير في الشعر وستأتي أمثلة منه في مواضع أخرى من هذا الكتاب.

مريم 19:5

اللغة: (وَهَنَ) : في المصباح: «وهن يهن من باب وعد ضعف فهو واهن في الأمر والعمل والبدن، ووهنته أضعفته يتعدى ولا يتعدّى في لغة فهو موهون البدن والعظم والأجود أن يتعدى بالهمزة فيقال: أوهنته والوهن بفتحتين لغة في المصدر ووهن يهن بكسرتين لغة قال أبو زيد: سمعت من الأعراب من يقرأ فما وهنوا» وفي القاموس وغيره: وهنه يهنه وهنا وأوهنه أضعفه ووهن وأوهن الرجل دخل في الوهن من الليل ووهن ووهن يهن ووهن يوهن وهنا ووهنا ووهن يوهن وهنا ضعف في الأمر أو العمل أو البدن وتوهّن البعير اضطجع والطائر أثقل من أكل الجيف فلم يقدر على النهوض والوهن مصدر ومن الرجال أو الإبل: الغليظ القصير والوهن من الليل نحو منتصفه أو بعد ساعة منه والموهن من الليل كالوهن، والوهنانة من النساء الكسلى عن العمل تنعما. (الْمَوالِيَ) : الذين يلونني في النسب كبني العم والموالي جمع مولى وهو العاصب. (عاقِراً) : لا تلد، قال في القاموس: عقرت تعقر عقرا وعقرا وعقارا وعقرت تعقر عقرا وعقارة وعقارة وعقرت المرأة أو الناقة صارت عاقرا أي حبس رحمها فلم تلد وعقر عقرا الأمر لم ينتج عاقبة وعقر عقرا الرجل دهش» . (وَلِيًّا) : ابنا وهو أحد معانيه الكثيرة. الإعراب: (كهيعص،) (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) كهيعص تقدم القول في فواتح السور واعرابها ومعانيها فارجع اليه وذكر خبر لمبتدأ محذوف أي هذا المتلو عليك من القرآن أو مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليك ذكر، ورحمة ربك مضافة لذكر من اضافة المصدر لمفعوله والفاعل مستتر أي ذكر الله رحمة عبده زكريا وعبده مفعول به لرحمة وزكريا بدل من عبده أو عطف بيان له. (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن وهو متعلق برحمة ربك أي رحمة الله إياه وقت أن ناداه وقيل العامل فيه ذكر وقيل هو بدل اشتمال من زكريا، وجملة نادى مضاف إليها الظرف والفاعل مستتر تقديره هو ونداء مفعول مطلق وخفيا صفة. (قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) ربي منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وان واسمها وجملة وهن العظم خبرها ومني حال واشتعل عطف على وهن والرأس فاعل وشيبا تمييز محول عن الفاعل أي انتشر الشيب في رأسي وسيأتي سر هذه الاستعارة في باب البلاغة. (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم وأكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم واسمها مستتر تقديره أنا وشقيا خبرها وبدعائك متعلقان بشقيا ورب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة. (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً) وإني عطف على إني وهن والياء اسم ان وجملة خفت خبرها والموالي مفعول به ومن ورائي متعلقان بمحذوف أو بمعنى الولاية في الموالي ولا يجوز أن يتعلق بخفت لفساد المعنى ووجه فساده أن الخوف واقع في الحال لا فيما يستقبل فلو جعل من ورائي متعلقا بخفت لزم أن يكون الخوف واقعا في المستقبل أي بعد موته وهو كما ترى، ظاهر الفساد وعبارة الزمخشري: «من ورائي بعد موتي وقرأ ابن كثير من وراي بالقصر وهذا الظرف لا يتعلق بخفت لفساد المعنى ولكن بمحذوف أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت فعل الموالي وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي أو خفت الذين يلون الأمر من ورائي، وقرأ عثمان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين رضي الله عنهم خفت الموالي من ورائي وهذا على معنيين أحدهما أن يكون ورائي بمعنى خلفي وبعدي فيتعلق الظرف بالموالي أي قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين. فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه، والثاني أن يكون بمعنى قدّامي فيتعلق بخفت ويريد أنهم خفّوا قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقوّ واعتضاد. وقال ابن هشام في المغني «الثاني قوله تعالى: وإني خفت الموالي من ورائي، فإن المتبادر تعلق من بخفت وهو فاسد في المعنى والصواب تعلقه بالموالي لما فيه من معنى الولاية أي وخفت ولايتهم من بعدي وسوء خلافتهم أو بمحذوف هو حال من الموالي أو مضاف إليهم أي كائنين من ورائي أو فعل الموالي من ورائي وأما من قرأ خفت بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء فمن متعلقة بالفعل المذكور. وكانت امرأتي عاقرا الواو عاطفة وكان واسمها وخبرها. (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) الفاء الفصيحة أي وإلا فهب لي، وهب فعل أمر ولي متعلقان بهب ومن لدنك حال ووليا مفعول به لهب. (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) جملة يرثني صفة لوليا ولذلك رفعت وقرئ بالجزم على أنه جواب الطلب ويرث عطف على يرثني ومن آل يعقوب متعلقان بيرث ومفعول يرث محذوف تقديره الشرع والحكمة والعلم لأن الأنبياء لا تورث المال وقيل يرثني الحبورة وكان حبرأ ويرث من آل يعقوب الملك فعلى هذا تكون الياء في يرثني منصوبة بنزع الخافض أي يرث مني الحبورة، واجعله فعل دعاء وفاعل مستتر ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ورضيا مفعول به ثان لا جعله. وقد استشكل بعضهم جملة يرثني صفة بناء على أن نبي الله يحيى مات قبل والده بأن دعاء النبي قد يتخلف وذلك لأنه بموته قبله لم يرثه ومعلوم ما يورث من الأنبياء ورأى هذا المستشكل أن الجملة مستأنفة لا صفة وأجيب بأن دعاء الأنبياء قد يتخلف وقد وقع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه سأل في ثلاثة أمور فاستجيب له في اثنين وتأخرت الاجابة في الثالث وقد اعترض القول بالاستئناف بأن مفاد الجملة حينئذ الإخبار واخبار الأنبياء لا يتخلف قطعا وأجيب بأن هذا الاخبار باعتبار غلبة الظن لأن نبي الله زكريا لما كان مسنا غلب على ظنه أنه متى وهب له ولد يرثه. هذا وقد ذكر الجلال السيوطي الإشكال في كتاب شرح عقود الجمان وذكر مثل الجواب الذي أوردناه آنفا ثم قال: «وأجاب الشيخ بهاء الدين بأن المراد إرث النبوة والعلم وقد حصل في حياته» . قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث» ورواه البزاز بلفظ نحن معاشر إلخ وتمام الحديث: «ما تركناه صدقة» ونصب معاشر على الاختصاص بفعل محذوف وجوبا تقديره أخص وما تركناه ما موصولة في محل رفع بالابتداء وتركنا صلته والعائد محذوف أي تركناه وصدقة خبر ما، والحكمة في أن الأنبياء لا يورثون انه وقد وقع في قلب الإنسان شهوة موت مورثه ليأخذ ماله فنزّه الله أنبياءه وأهاليهم عن ذلك ولئلا يظن بهم مبطل انهم يجمعون المال لورثتهم ولأنهم كالآباء لأمتهم فيكون مالهم لجميع الأمة وهو معنى الصدقة العامة وأما قوله تعالى «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وقوله «وورث سليمان» فالمراد الوراثة في العلم والنبوة وبهذا يندفع أن عدم الإرث مختص بنبينا صلى الله عليه وسلم، فإن قيل إن الله أخبر عن بعضهم بقوله: «واني خفت الموالي» إذ لا تخاف الموالي على النبوة أجيب بأنه خاف من الموالي الاختلاف من بعده الرجوع عن الحق فتمنى ولدا نبيا يقوم فيهم. بقي هنا شيء لا بد من التنويه به وهو أن الأنبياء هل يرثون؟ قال صاحب التتمة: إن النبوة مانعة من الإرث وذكر البزاز الواعظ أنه روي: نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث ويعارضه ما ذكر الماوردي في الاحكام السلطانية أنه صلى الله عليه وسلم ورث من أبيه أم أيمن الحبشية واسمها بركة وخمسة جمال وقطعة من غنم ومولاه شقران واسمه صالح وقد شهد بدرا وورث من أمه دارها ومن خديجة دارها. البلاغة: في هذه الآيات فنون عديدة نوجز القول فيها: 1- الاختراس في قوله «نِداءً خَفِيًّا» وقد تقدم القول فيه وانه عبارة عن أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه فيه دخل أو لبس أو إيهام فيفطن لذلك حال العمل فيأتي في صلب الكلام بما يخلصه من ذلك كله وقد تقدمت أمثلة عديدة منه كما ستأتي له نظائر مشبهة وهو هنا في كلمة خفيا فقد أتى بها مراعاة لسنة الله في إخفاء دعوته لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان فكان الأولى به أن يحترس مما يوهم الرياء أمام الناس الذين يحكمون على الظاهر ويجهلون حقيقة الدخائل أو لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبرة والشيخوخة ودفعا للفضول الذي يطلق الألسنة بمختلف أنواع الملام وقيل احترس من مواليه الذين خافهم وقيل ليس في الأمر احتراس وانما الكلام جار على حقيقته لأن خفوت صوته ناتج عن ضعفه وهرمه حيث يخفت الصوت ويكل اللسان وتعشى العينان وتثقل الآذان على حدّ قول عوف بن محلم الخزاعي: إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وقد قيل في صفات الشيخ «صوته خفات، وسمعه تارات» . 2- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً» شبّه الشيب بشواظ النار في بياضه وإثارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ ثم أخرجه مخرج الاستعارة المكنية وأسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس أي أم يقل رأسي اكتفاء بعلم المخاطب انه رأس زكريا فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة ونزيد على ذلك وجوه الشبه الأربعة الكامنة في هذا الخيال البعيد، وهي: آ- السرعة: وذلك أن النار حين تشتعل وتندلع أسنتها فإنها تسرع في التهام ما تمتد اليه وهكذا الشيب لا يكاد يخط الرأس حتى بمتد بسرعة عجيبة. ب- تعذر التلافي: وذلك أن النار إذا شبت وتدافع شؤبوبها وتطاير لهيبها اجتاحت كل ما تصادفه وذل لها الصخر والخشب على حد قول أبي تمام: لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يوما ذليل الصخر والخشب فيعنو لها الصخر ويذل الخشب ويستلسم لشؤبوبها كل ما يناله دون أن تجدي في ذلك حيلة وقد يتعذر على رجل الإطفاء إخماد لهيبها وكثيرا ما يصبح الماء بمثابة الحطب الذي يذكيها وكذلك الشيب ينتشر بسرعة غريبة في أجزاء الرأس ويتمادى في سرعته بحيث يتعذر بل يستحيل تلافيه، وكثيرا ما يجنح الذين أصيبوا بالشيب إلى تغطية شيبهم بالأصابيغ الكاذبة ليخفوا حقيقتهم وليستهووا قلوب الغانيات فلن يبدل ذلك شيئا من الواقع الراهن. ج- الألم: وكما أن النار لذاعة كواءة تؤلم من تلامسه فكذلك الشيب يؤلم الأشيب وقد صدت عنه الغواني واقتحمته العيون على حد قول ابن الرومي: وكنت جلاء للعيون من القذى ... فقد أصبحت تقذي بشيبي وترمد هي الأعين النجل التي كنت تشتكي ... مواقعها في القلب والرأس أسود وقول أبي تمام: يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا لو رأى الله أن في الشيب خيرا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا وجميع ذلك منقول عن عمر بن أبي ربيعة: رأين الغواني الشيب لاح بعوارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر ويرحم الله شوقيا عند ما جلس على ضفاف البردوني في زحلة واستمع إلى وشوشات الحلي ووسوسات الأساور وألفى نفسه يرتقي إلى السبعين فصرخ: شيعت أحلامي بقلب باك ... ولمت من طرق الملاح شباكي ورجعت أدراج الشباب وورده ... أمشي مكانهما على الأشواك وبجانبي واه كأن خفوقه ... لمّا تلفت جهشة المتباكي د- المصير: وكما أن مصير النار بعد أن تفعل أفاعيلها وتبلغ غايتها الخمود والانطفاء فالرماد كذلك مصير الإنسان وناهيك بهذا المصير إيلاما للنفس وارتماضا للقلب فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه والمشبه به فتأمل هذا الفصل، فله على سائر الفصول الفضل. هذا وقد أوجزنا القول في عدم إضافة الرأس بالاكتفاء بعلم المخاطب ولا بد من إيضاحه الآن فنقول أن للاستعارة مطلوبات ثلاثة: المبالغة في التشبيه والظهور والإيجاز وكل استعارة تتناول واحدا من هذه المطلوبات أما هذه الاستعارة فقد تناولت المطلوبات الثلاثة بكاملها فإن الكلام أن يقال: شيب الرأس ولو جاء الكلام كذلك لأفاد الظهور فقط دون المبالغة واللفظ الأول يعطى عموم الشيب جميع نواحي الرأس كما انك إذا قلت: اشتعلت نار البيت صدق ذلك على اشتعال النار في بعض نواحيه دون بقيته بخلاف ما إذا قلت اشتعل البيت نارا فإن مفهوم ذلك اشتمال النار على كل البيت بجميع أجزائه فتنبه لهذا الفصل وإن طال بعض الطول فإنه كالحسن غير مملول. هذا وقد اقتبس ابن دريد اشتعال الرأس شيبا فقال في مقصورته: واشتعل المبيض في مسودّه ... مثل اشتعال النار في جزل الغضا هذا ولما كان الشيب عندهم عيبا قالوا: هو أشيب أي وصفا على غير قياس لأن الوصف على أفعل انما يكون من فعل كفرح وشرطه الدلالة على العيوب أو الألوان وقال الشهاب الخفاجي انه على وزن الوصف من المصائب الخلقية فعدوه من العيوب، ولأبي الحسن الزوزني: كفى الشيب عيبا ان صاحبه إذا ... أردت به وصفا له قلت أشيب وكان قياس الأصل لو قلت شائبا ... ولكنه في جملة العيب يحسب فشائب خطأ لم يستعمل. هذا وفي قوله واشتعل الرأس شيبا فن الإطناب فقد انتقل أولا من شخت الدال على ضعف البدن وشيب الرأس إجمالا إلى هذا التفصيل لمزيد التقرير، وثانيا من هذه المرتبة إلى ثالثة أبلغ منها وهي الكناية التي هي أبلغ من التصريح، وثالثا من هذه المرتبة إلى رابعة أبلغ في التقرير وهي بناء الكناية على المبتدأ أي قولك: أنا وهنت عظام بدني، ورابعا من هذه المرتبة إلى خامسة أبلغ وهي إدخال إن على المبتدأ أعني قولك إني وهنت عظام بدني، وخامسا إلى مرتبة سادسة وهي سلوك طريق الإجمال ثم التفصيل أعني إني وهنت العظام من بدني، وسادسا إلى مرتبة سابعة وهي ترك توسيط البدن لا دعاء اختصاصها بالبدن بحيث لا يحتاج إلى التصريح بالبدن، وسابعا إلى مرتبة ثامنة وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لشمول الوهن العظام فردا فردا. 3- التجريد: وذلك في قوله تعالى «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وقد قدمنا القول فيه مختصرا وسنورده الآن مستوفى: فنقول ان التجريد هو أن ينتزع المتكلم من أمر ذي صفة أمرا آخر بمثاله له فيها مبالغة لكمالها فيه كأنه بلغ من الاتصاف بتلك الصفة إلى حيث يصح أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة وهو أقسام: أ- أن يكون بمن التجريدية كقولهم لي من فلان صديق حميم ومنه الآية الكريمة ومثله للقاضي الفاضل في وصف السيوف: تمدا إلى الأعداء منها معاصسا ... فترجع من ماء الكلي بأساور ب- أن يكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه نحو قول ابن هانىء: وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدور بكل ليث مخدر وقال أبو تمام: هتك الظلام أبو الوليد بغرة ... فتحت لنا باب الرجاء المقفل بأتم من قمر السماء وإن بدا ... بدرا وأحسن في العيون وأجمل وأجل من قس إذا استنطقته ... رأيا وألطف في الأمور وأجزل والمراد بأتم من قمر السماء نفس أبي الوليد. ح- أن يكون بدخول في على المنتزع منه أو مدخول ضميره كقوله تعالى «لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ» أي في جهنم وهي دار الخلد ولكنه انتزع منها دارا أخرى للمبالغة وقال المتنبي: تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائر قد حرن في بشر في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره فإن الأسد هو نفس الممدوح ولكنه انتزع منه أسدا آخر تهويلا لأمره ومبالغة في اتصافه بالشجاعة والصولة. د- أن يكون بدخول بين كقول ابن النبيه: يهتز بين وشاحيها قضيب نقا ... حمائم الحلي في أفنانه صدحت هـ- ومنها أن يكون بدون توسط شيء كقول قتادة بن سلمة الحنفي: فلئن بقيت لأرحلن بعزة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم عني بالكريم نفسه فكأنه انتزع من نفسه كريما مبالغة في كرمه ولذا لم يقل أو أموت، ولأبي تمام: ولو تراهم وإيانا وموقفنا ... في موقف البين لاستهلالنا زجل من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلبا ومن غزل في نحره عذل وقد طوى الشوق في أحشائنا بقرا ... عينا طوتهن في أحشائها الكلل ومراده بالبقر العين الذين أخبر عنهم أولا بقوله ولو تراهم فكأنه انتزع منهم موصوفين بهذه الصفة مبالغة فيها. ز- ومنها أن ينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سيق الكلام لها ثم يخاطبه كقول أبي الطيب: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال فكأنه انتزع من نفسه شخصا آخر مثله في فقد الخيل والمال ومنه قول الأعشى: ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل وقال أبو نواس وأبدع متغزلا: يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن سنة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن ومراده الخطاب مع نفسه ولذلك قال بعده: ظن بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظنن بات لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن هذا والتجريد كثير في الشعر وستأتي أمثلة منه في مواضع أخرى من هذا الكتاب.

مريم 19:6

اللغة: (وَهَنَ) : في المصباح: «وهن يهن من باب وعد ضعف فهو واهن في الأمر والعمل والبدن، ووهنته أضعفته يتعدى ولا يتعدّى في لغة فهو موهون البدن والعظم والأجود أن يتعدى بالهمزة فيقال: أوهنته والوهن بفتحتين لغة في المصدر ووهن يهن بكسرتين لغة قال أبو زيد: سمعت من الأعراب من يقرأ فما وهنوا» وفي القاموس وغيره: وهنه يهنه وهنا وأوهنه أضعفه ووهن وأوهن الرجل دخل في الوهن من الليل ووهن ووهن يهن ووهن يوهن وهنا ووهنا ووهن يوهن وهنا ضعف في الأمر أو العمل أو البدن وتوهّن البعير اضطجع والطائر أثقل من أكل الجيف فلم يقدر على النهوض والوهن مصدر ومن الرجال أو الإبل: الغليظ القصير والوهن من الليل نحو منتصفه أو بعد ساعة منه والموهن من الليل كالوهن، والوهنانة من النساء الكسلى عن العمل تنعما. (الْمَوالِيَ) : الذين يلونني في النسب كبني العم والموالي جمع مولى وهو العاصب. (عاقِراً) : لا تلد، قال في القاموس: عقرت تعقر عقرا وعقرا وعقارا وعقرت تعقر عقرا وعقارة وعقارة وعقرت المرأة أو الناقة صارت عاقرا أي حبس رحمها فلم تلد وعقر عقرا الأمر لم ينتج عاقبة وعقر عقرا الرجل دهش» . (وَلِيًّا) : ابنا وهو أحد معانيه الكثيرة. الإعراب: (كهيعص،) (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) كهيعص تقدم القول في فواتح السور واعرابها ومعانيها فارجع اليه وذكر خبر لمبتدأ محذوف أي هذا المتلو عليك من القرآن أو مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليك ذكر، ورحمة ربك مضافة لذكر من اضافة المصدر لمفعوله والفاعل مستتر أي ذكر الله رحمة عبده زكريا وعبده مفعول به لرحمة وزكريا بدل من عبده أو عطف بيان له. (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن وهو متعلق برحمة ربك أي رحمة الله إياه وقت أن ناداه وقيل العامل فيه ذكر وقيل هو بدل اشتمال من زكريا، وجملة نادى مضاف إليها الظرف والفاعل مستتر تقديره هو ونداء مفعول مطلق وخفيا صفة. (قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) ربي منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وان واسمها وجملة وهن العظم خبرها ومني حال واشتعل عطف على وهن والرأس فاعل وشيبا تمييز محول عن الفاعل أي انتشر الشيب في رأسي وسيأتي سر هذه الاستعارة في باب البلاغة. (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم وأكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم واسمها مستتر تقديره أنا وشقيا خبرها وبدعائك متعلقان بشقيا ورب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة. (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً) وإني عطف على إني وهن والياء اسم ان وجملة خفت خبرها والموالي مفعول به ومن ورائي متعلقان بمحذوف أو بمعنى الولاية في الموالي ولا يجوز أن يتعلق بخفت لفساد المعنى ووجه فساده أن الخوف واقع في الحال لا فيما يستقبل فلو جعل من ورائي متعلقا بخفت لزم أن يكون الخوف واقعا في المستقبل أي بعد موته وهو كما ترى، ظاهر الفساد وعبارة الزمخشري: «من ورائي بعد موتي وقرأ ابن كثير من وراي بالقصر وهذا الظرف لا يتعلق بخفت لفساد المعنى ولكن بمحذوف أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت فعل الموالي وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي أو خفت الذين يلون الأمر من ورائي، وقرأ عثمان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين رضي الله عنهم خفت الموالي من ورائي وهذا على معنيين أحدهما أن يكون ورائي بمعنى خلفي وبعدي فيتعلق الظرف بالموالي أي قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين. فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه، والثاني أن يكون بمعنى قدّامي فيتعلق بخفت ويريد أنهم خفّوا قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقوّ واعتضاد. وقال ابن هشام في المغني «الثاني قوله تعالى: وإني خفت الموالي من ورائي، فإن المتبادر تعلق من بخفت وهو فاسد في المعنى والصواب تعلقه بالموالي لما فيه من معنى الولاية أي وخفت ولايتهم من بعدي وسوء خلافتهم أو بمحذوف هو حال من الموالي أو مضاف إليهم أي كائنين من ورائي أو فعل الموالي من ورائي وأما من قرأ خفت بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء فمن متعلقة بالفعل المذكور. وكانت امرأتي عاقرا الواو عاطفة وكان واسمها وخبرها. (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) الفاء الفصيحة أي وإلا فهب لي، وهب فعل أمر ولي متعلقان بهب ومن لدنك حال ووليا مفعول به لهب. (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) جملة يرثني صفة لوليا ولذلك رفعت وقرئ بالجزم على أنه جواب الطلب ويرث عطف على يرثني ومن آل يعقوب متعلقان بيرث ومفعول يرث محذوف تقديره الشرع والحكمة والعلم لأن الأنبياء لا تورث المال وقيل يرثني الحبورة وكان حبرأ ويرث من آل يعقوب الملك فعلى هذا تكون الياء في يرثني منصوبة بنزع الخافض أي يرث مني الحبورة، واجعله فعل دعاء وفاعل مستتر ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ورضيا مفعول به ثان لا جعله. وقد استشكل بعضهم جملة يرثني صفة بناء على أن نبي الله يحيى مات قبل والده بأن دعاء النبي قد يتخلف وذلك لأنه بموته قبله لم يرثه ومعلوم ما يورث من الأنبياء ورأى هذا المستشكل أن الجملة مستأنفة لا صفة وأجيب بأن دعاء الأنبياء قد يتخلف وقد وقع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه سأل في ثلاثة أمور فاستجيب له في اثنين وتأخرت الاجابة في الثالث وقد اعترض القول بالاستئناف بأن مفاد الجملة حينئذ الإخبار واخبار الأنبياء لا يتخلف قطعا وأجيب بأن هذا الاخبار باعتبار غلبة الظن لأن نبي الله زكريا لما كان مسنا غلب على ظنه أنه متى وهب له ولد يرثه. هذا وقد ذكر الجلال السيوطي الإشكال في كتاب شرح عقود الجمان وذكر مثل الجواب الذي أوردناه آنفا ثم قال: «وأجاب الشيخ بهاء الدين بأن المراد إرث النبوة والعلم وقد حصل في حياته» . قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث» ورواه البزاز بلفظ نحن معاشر إلخ وتمام الحديث: «ما تركناه صدقة» ونصب معاشر على الاختصاص بفعل محذوف وجوبا تقديره أخص وما تركناه ما موصولة في محل رفع بالابتداء وتركنا صلته والعائد محذوف أي تركناه وصدقة خبر ما، والحكمة في أن الأنبياء لا يورثون انه وقد وقع في قلب الإنسان شهوة موت مورثه ليأخذ ماله فنزّه الله أنبياءه وأهاليهم عن ذلك ولئلا يظن بهم مبطل انهم يجمعون المال لورثتهم ولأنهم كالآباء لأمتهم فيكون مالهم لجميع الأمة وهو معنى الصدقة العامة وأما قوله تعالى «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وقوله «وورث سليمان» فالمراد الوراثة في العلم والنبوة وبهذا يندفع أن عدم الإرث مختص بنبينا صلى الله عليه وسلم، فإن قيل إن الله أخبر عن بعضهم بقوله: «واني خفت الموالي» إذ لا تخاف الموالي على النبوة أجيب بأنه خاف من الموالي الاختلاف من بعده الرجوع عن الحق فتمنى ولدا نبيا يقوم فيهم. بقي هنا شيء لا بد من التنويه به وهو أن الأنبياء هل يرثون؟ قال صاحب التتمة: إن النبوة مانعة من الإرث وذكر البزاز الواعظ أنه روي: نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث ويعارضه ما ذكر الماوردي في الاحكام السلطانية أنه صلى الله عليه وسلم ورث من أبيه أم أيمن الحبشية واسمها بركة وخمسة جمال وقطعة من غنم ومولاه شقران واسمه صالح وقد شهد بدرا وورث من أمه دارها ومن خديجة دارها. البلاغة: في هذه الآيات فنون عديدة نوجز القول فيها: 1- الاختراس في قوله «نِداءً خَفِيًّا» وقد تقدم القول فيه وانه عبارة عن أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه فيه دخل أو لبس أو إيهام فيفطن لذلك حال العمل فيأتي في صلب الكلام بما يخلصه من ذلك كله وقد تقدمت أمثلة عديدة منه كما ستأتي له نظائر مشبهة وهو هنا في كلمة خفيا فقد أتى بها مراعاة لسنة الله في إخفاء دعوته لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان فكان الأولى به أن يحترس مما يوهم الرياء أمام الناس الذين يحكمون على الظاهر ويجهلون حقيقة الدخائل أو لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبرة والشيخوخة ودفعا للفضول الذي يطلق الألسنة بمختلف أنواع الملام وقيل احترس من مواليه الذين خافهم وقيل ليس في الأمر احتراس وانما الكلام جار على حقيقته لأن خفوت صوته ناتج عن ضعفه وهرمه حيث يخفت الصوت ويكل اللسان وتعشى العينان وتثقل الآذان على حدّ قول عوف بن محلم الخزاعي: إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وقد قيل في صفات الشيخ «صوته خفات، وسمعه تارات» . 2- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً» شبّه الشيب بشواظ النار في بياضه وإثارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ ثم أخرجه مخرج الاستعارة المكنية وأسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس أي أم يقل رأسي اكتفاء بعلم المخاطب انه رأس زكريا فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة ونزيد على ذلك وجوه الشبه الأربعة الكامنة في هذا الخيال البعيد، وهي: آ- السرعة: وذلك أن النار حين تشتعل وتندلع أسنتها فإنها تسرع في التهام ما تمتد اليه وهكذا الشيب لا يكاد يخط الرأس حتى بمتد بسرعة عجيبة. ب- تعذر التلافي: وذلك أن النار إذا شبت وتدافع شؤبوبها وتطاير لهيبها اجتاحت كل ما تصادفه وذل لها الصخر والخشب على حد قول أبي تمام: لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يوما ذليل الصخر والخشب فيعنو لها الصخر ويذل الخشب ويستلسم لشؤبوبها كل ما يناله دون أن تجدي في ذلك حيلة وقد يتعذر على رجل الإطفاء إخماد لهيبها وكثيرا ما يصبح الماء بمثابة الحطب الذي يذكيها وكذلك الشيب ينتشر بسرعة غريبة في أجزاء الرأس ويتمادى في سرعته بحيث يتعذر بل يستحيل تلافيه، وكثيرا ما يجنح الذين أصيبوا بالشيب إلى تغطية شيبهم بالأصابيغ الكاذبة ليخفوا حقيقتهم وليستهووا قلوب الغانيات فلن يبدل ذلك شيئا من الواقع الراهن. ج- الألم: وكما أن النار لذاعة كواءة تؤلم من تلامسه فكذلك الشيب يؤلم الأشيب وقد صدت عنه الغواني واقتحمته العيون على حد قول ابن الرومي: وكنت جلاء للعيون من القذى ... فقد أصبحت تقذي بشيبي وترمد هي الأعين النجل التي كنت تشتكي ... مواقعها في القلب والرأس أسود وقول أبي تمام: يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا لو رأى الله أن في الشيب خيرا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا وجميع ذلك منقول عن عمر بن أبي ربيعة: رأين الغواني الشيب لاح بعوارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر ويرحم الله شوقيا عند ما جلس على ضفاف البردوني في زحلة واستمع إلى وشوشات الحلي ووسوسات الأساور وألفى نفسه يرتقي إلى السبعين فصرخ: شيعت أحلامي بقلب باك ... ولمت من طرق الملاح شباكي ورجعت أدراج الشباب وورده ... أمشي مكانهما على الأشواك وبجانبي واه كأن خفوقه ... لمّا تلفت جهشة المتباكي د- المصير: وكما أن مصير النار بعد أن تفعل أفاعيلها وتبلغ غايتها الخمود والانطفاء فالرماد كذلك مصير الإنسان وناهيك بهذا المصير إيلاما للنفس وارتماضا للقلب فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه والمشبه به فتأمل هذا الفصل، فله على سائر الفصول الفضل. هذا وقد أوجزنا القول في عدم إضافة الرأس بالاكتفاء بعلم المخاطب ولا بد من إيضاحه الآن فنقول أن للاستعارة مطلوبات ثلاثة: المبالغة في التشبيه والظهور والإيجاز وكل استعارة تتناول واحدا من هذه المطلوبات أما هذه الاستعارة فقد تناولت المطلوبات الثلاثة بكاملها فإن الكلام أن يقال: شيب الرأس ولو جاء الكلام كذلك لأفاد الظهور فقط دون المبالغة واللفظ الأول يعطى عموم الشيب جميع نواحي الرأس كما انك إذا قلت: اشتعلت نار البيت صدق ذلك على اشتعال النار في بعض نواحيه دون بقيته بخلاف ما إذا قلت اشتعل البيت نارا فإن مفهوم ذلك اشتمال النار على كل البيت بجميع أجزائه فتنبه لهذا الفصل وإن طال بعض الطول فإنه كالحسن غير مملول. هذا وقد اقتبس ابن دريد اشتعال الرأس شيبا فقال في مقصورته: واشتعل المبيض في مسودّه ... مثل اشتعال النار في جزل الغضا هذا ولما كان الشيب عندهم عيبا قالوا: هو أشيب أي وصفا على غير قياس لأن الوصف على أفعل انما يكون من فعل كفرح وشرطه الدلالة على العيوب أو الألوان وقال الشهاب الخفاجي انه على وزن الوصف من المصائب الخلقية فعدوه من العيوب، ولأبي الحسن الزوزني: كفى الشيب عيبا ان صاحبه إذا ... أردت به وصفا له قلت أشيب وكان قياس الأصل لو قلت شائبا ... ولكنه في جملة العيب يحسب فشائب خطأ لم يستعمل. هذا وفي قوله واشتعل الرأس شيبا فن الإطناب فقد انتقل أولا من شخت الدال على ضعف البدن وشيب الرأس إجمالا إلى هذا التفصيل لمزيد التقرير، وثانيا من هذه المرتبة إلى ثالثة أبلغ منها وهي الكناية التي هي أبلغ من التصريح، وثالثا من هذه المرتبة إلى رابعة أبلغ في التقرير وهي بناء الكناية على المبتدأ أي قولك: أنا وهنت عظام بدني، ورابعا من هذه المرتبة إلى خامسة أبلغ وهي إدخال إن على المبتدأ أعني قولك إني وهنت عظام بدني، وخامسا إلى مرتبة سادسة وهي سلوك طريق الإجمال ثم التفصيل أعني إني وهنت العظام من بدني، وسادسا إلى مرتبة سابعة وهي ترك توسيط البدن لا دعاء اختصاصها بالبدن بحيث لا يحتاج إلى التصريح بالبدن، وسابعا إلى مرتبة ثامنة وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لشمول الوهن العظام فردا فردا. 3- التجريد: وذلك في قوله تعالى «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وقد قدمنا القول فيه مختصرا وسنورده الآن مستوفى: فنقول ان التجريد هو أن ينتزع المتكلم من أمر ذي صفة أمرا آخر بمثاله له فيها مبالغة لكمالها فيه كأنه بلغ من الاتصاف بتلك الصفة إلى حيث يصح أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة وهو أقسام: أ- أن يكون بمن التجريدية كقولهم لي من فلان صديق حميم ومنه الآية الكريمة ومثله للقاضي الفاضل في وصف السيوف: تمدا إلى الأعداء منها معاصسا ... فترجع من ماء الكلي بأساور ب- أن يكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه نحو قول ابن هانىء: وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدور بكل ليث مخدر وقال أبو تمام: هتك الظلام أبو الوليد بغرة ... فتحت لنا باب الرجاء المقفل بأتم من قمر السماء وإن بدا ... بدرا وأحسن في العيون وأجمل وأجل من قس إذا استنطقته ... رأيا وألطف في الأمور وأجزل والمراد بأتم من قمر السماء نفس أبي الوليد. ح- أن يكون بدخول في على المنتزع منه أو مدخول ضميره كقوله تعالى «لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ» أي في جهنم وهي دار الخلد ولكنه انتزع منها دارا أخرى للمبالغة وقال المتنبي: تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائر قد حرن في بشر في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره فإن الأسد هو نفس الممدوح ولكنه انتزع منه أسدا آخر تهويلا لأمره ومبالغة في اتصافه بالشجاعة والصولة. د- أن يكون بدخول بين كقول ابن النبيه: يهتز بين وشاحيها قضيب نقا ... حمائم الحلي في أفنانه صدحت هـ- ومنها أن يكون بدون توسط شيء كقول قتادة بن سلمة الحنفي: فلئن بقيت لأرحلن بعزة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم عني بالكريم نفسه فكأنه انتزع من نفسه كريما مبالغة في كرمه ولذا لم يقل أو أموت، ولأبي تمام: ولو تراهم وإيانا وموقفنا ... في موقف البين لاستهلالنا زجل من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلبا ومن غزل في نحره عذل وقد طوى الشوق في أحشائنا بقرا ... عينا طوتهن في أحشائها الكلل ومراده بالبقر العين الذين أخبر عنهم أولا بقوله ولو تراهم فكأنه انتزع منهم موصوفين بهذه الصفة مبالغة فيها. ز- ومنها أن ينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سيق الكلام لها ثم يخاطبه كقول أبي الطيب: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال فكأنه انتزع من نفسه شخصا آخر مثله في فقد الخيل والمال ومنه قول الأعشى: ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل وقال أبو نواس وأبدع متغزلا: يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن سنة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن ومراده الخطاب مع نفسه ولذلك قال بعده: ظن بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظنن بات لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن هذا والتجريد كثير في الشعر وستأتي أمثلة منه في مواضع أخرى من هذا الكتاب.

مريم 19:7

اللغة: (سَمِيًّا) : السمي: المسمّى وهو فعيل بمعنى مفعول وأصله سميو اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء أي مسمى بيحيى قال الزمخشري: «وهذا شاهد على أن الاسامي السنع جديرة بالاثرة وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم: سنع الأسامي مسبلي أزر ... حمر تمس الأرض بالهدب انتهى كلام الزمخشري وسنع الاسامي أي أسماؤهم حسنة يقال سنع الرجل كظرف فهو سنيع أي جميل وأسنع والمرأة سنعاء وسنع جمع أسنع كحمر في جمع أحمر من السناعة وهي الجمال كما أفاده في الصحاح أي أسماؤهم حسنة فهي أنبه وأنوه وأنزه عن النبز والحمر صفة الأزر وتمس صفة أخرى لها وهدب الشيء طرفه والمناسب للمعنى أن المراد به الجمع ويمكن أن تكون ضمته مفردا كقفل وجمعا كفلك ويجوز أنه اسم جمع ولذلك جاء في واحده هدبه، ومس الأرض بالأطراف كناية عن طولها بل عن غناهم وقيل معنى السمي المثل والشبيه والشكل والنظير كما في القاموس وغيره فكل واحد منهما سمي لصاحبه ونحو يحيى في أسمائهم يعمر ويعيش إن كانت التسمية عربية وقد سموا بيموت أيضا وهو يموت بن المزرع وقيل هو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (عِتِيًّا) : في المختار: «عتا من باب سما وعتيا أيضا بضم العين وكسرها وهو عات فالعاتي المجاوز للحد في الاستكبار وعتا الشيخ يعتو عتوا بضم العين وكسرها كبر وولى» وقال الزمخشري: «أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل يقال عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا» (آيَةً) : علامة على حمل امرأتي. (الْمِحْرابِ) : في القاموس: «المحراب: الغرفة، وصدر البيت وأكرم مواضعه ومقام الامام من المسجد والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس» وأما المحراب المعروف الآن وهو طاق مجوف في حائط المسجد يصلي فيه الامام فهو محدث لا تعرفه العرب فتسميته محرابا اصطلاح للفقهاء، هذا ما قاله الشهاب في حاشيته على البيضاوي ولكن المغني اللغوي الذي ذكره الفيروز بادي ينطبق عليه وهو «مقام الإمام في المسجد» . (الْحُكْمَ) : الحكمة ومنه قول النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسّبوه فألفوه كما ذكرت ... ستا وستين لم تنقص ولم تزد والفتاة التي حكمت هي زرقاء اليمامة التي يضرب بها المثل في حدة البصر نظرت إلى حمام مسرع إلى الماء فقالت: ليت الحمام ليه ... إلى حمامتيه ونصفه قديه ... تم الحمام ميه فوقع في شبكة صياد فحسبوه فوجدوه ستا وستين حمامة ونصفه ثلاث وثلاثون فإذا ضم الجميع إلى حمامتها صار مائة وشراع بكسر الشين ما يرفع وبه سمي الشراع وهو مثل الملاءة الواسعة يشرع وينصب على السفينة فتهب فيه الرياح فتمضي بالسفينة، ويروى سراع جمع سريع وصفه به لأنه جمع في المعنى كما وصفه بوارد وهو مفرد لأنه مفرد في اللفظ وروى الحمام أو نصفه بالرفع على إهمال ليتما وبالنصب على أعمالها لأن ما الزائدة تكف ان وأخواتها ما عدا ليت فيجوز أعمالها وإلغاؤها وأو بمعنى الواو وقد بمعنى حسب فهي اسم أضيفت إلى ياء المتكلم بغير نون الوقاية كما يقال حسبي والفاء زائدة لتحسين اللفظ كفاء فقط وكلاهما بمعنى انته، وحسبوه بتشديد السين ليسلم البيت من الخبن وهو نوع من الزحاف معيب وقيل الحكم العقل وقيل النبوة لأن الله أحكم عقله في صباه وأوحى اليه. (وَحَناناً) : أي رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفا وشفقة وأنشد: وقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف وهذا البيت لمنذر الكلبي وقبله ليتسق معناه: وأحدث عهد من أمينة نظرة ... على جانب العلياء إذ أنا واقف يقول: وأقرب عهد أي لقاء ورؤية لأمينة محبوبتي تصغير آمنة هو نظرة مني لها بجانب تلك البقعة إذ أنا واقف هناك أي حين وقوفي بها وفيه إشعار بأنه كان وافقا يترقب رؤيتها فلما رأته قالت له: حنان أي أمري حنان ورحمة لك وهو من المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ لأنه مصدر محول عن النصب وقولها: ما أتى بك هاهنا؟ استفهام تعجبي أذو نسب أي أأنت ذو نسب أم أنت عارف بهذا الحي ويجوز أن يكون أذو نسب بدلا من ما الاستفهامية أي ما الذي حملك على المجيء هنا أو الذي دلّك عليه صاحب قرابة من الحي أي معرفتك به ويجوز أن الاستفهام حقيقي حكته على لسان غيرها لتلقنه الجواب بقولها: أذو نسب مع معرفتها سبب مجيئه وهو حبها فربما سأله أحد من أهلها فيجيبه بأحد هذين الجوابين وقيل حنانا من الله عليه، وحنّ بمعنى ارتاح واشتاق ثم استعمل في الرأفة والعطف وقيل لله حنان كما قيل رحيم على سبيل الاستعارة. (عَصِيًّا) : صيغة مبالغة وأصل عصيا عصييا بوزن فعيل أدغمت الياء فيه وأتى بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل لأن المنفي أصل العصيان لا المبالغة فيه. الإعراب: (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى) يا حرف نداء وزكريا منادى مفرد علم مبني على الضم وقرىء زكرياء بالهمز على الأصل وإنا ان واسمها وجملة نبشرك خبرها والكاف مفعول به وبغلام جار ومجرور متعلقان بنبشرك واسمه مبتدأ ويحيى خبره والجملة الاسمية صفة لغلام. (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) الجملة صفة ثانية لغلام وله مفعول نجعل الثاني ومن قبل حال وسميا مفعول نجعل الأول. (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وأنى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بالاستقرار في خبر يكون ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم وغلام اسمها المؤخر وكانت الواو للحال وكانت امرأتي عاقرا كان واسمها وخبرها والجملة حالية وقد بلغت من الكبر جملة حالية أيضا ومن الكبر متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال من عتيا لأنه كان صفة له وتقدم عليه وعتيا مفعول بلغت ولا تلتفت إلى الأعاريب التي تكلفها المعربون كاعرابها حالا وتمييزا ومن زائدة وهذا لا يليق بكتاب الله. (قالَ: كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) قال فعل ماض وفاعله مستتر قيل يعود على الله تعالى وقيل على جبريل وكذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك أو نصب بقال أو بفعل محذوف تقديره أفعل كذلك والاشارة إلى مبهم يفسره هو على هين، وقال ربك فعل وفاعل وهو مبتدأ وعلي متعلقان بهين وهين خبر هو ولقد الواو حالية وقد حرف تحقيق وخلقتك فعل وفاعل ومفعول به ومن قبل متعلقان بخلقتك والواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتك فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسم تك مستتر وشيئا خبر تك وجملة ولم تك شيئا حال متداخلة وسوف يأتي بحث الشيء بين أهل السنة والمعتزلة وبراعة المتنبي في هذا الباب. (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) رب منادى وقد تقدم إعرابه واجعل فعل أمر ولي مفعول به ثان وآية مفعول به أول. (قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) آيتك مبتدأ وأن وما في حيزها خبر والناس مفعول به وثلاث ليال نصب على الظرف والظرف متعلق بتكلم وسويا حال من فاعل تكلم أي حالة كونك بلا علة وسليم الأعضاء وقيل سويا نسب على الصفة لثلاث بمعنى أنها كاملات. (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الفاء استئنافية وخرج فعل وفاعل مستتر وعلى قومه متعلقان بمحذوف حال ومن المحراب متعلقان بخرج فأوحى عطف على خرج وأن تفسيرية لأنها وقعت بعد جملة فيها معنى القول وسبحوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وبكرة ظرف زمان متعلق بسبحوه وعشيا عطف على بكرة ويجوز أن تكون أن مصدرية مفعولة بالإيحاء. (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) يا يحيى منادى مفرد علم وخذ الكتاب فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبقوة حال من فاعل خذ والباء للملابسة أي حال كونك ملتبسا بقوة واجتهاد وآتيناه الواو استئنافية وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به أول والحكم مفعول به ثان وصبيا حال من الهاء. (وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا) وحنانا عطف على الحكم أي وآتيناه حنانا أي رحمة ورقة في قلبه وعطفا على الآخرين وقيل مفعول مطلق لفعل محذوف وهو بعيد ومن لدنا متعلقان بمحذوف صفة لحنان وزكاة عطف على حنانا وكان تقيا عطف على آتيناه وكان واسمها المستتر وتقيا خبرها. (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا) وبرا عطف على تقيا وبوالديه متعلقان ببرا ولم يكن عطف على وكان تقيا واسم يكن مستتر تقديره هو وجبارا خبرها وعصيا نعت. (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) الواو استئنافية وسلام مبتدأ وساغ الابتداء به مع أنه نكرة لتضمنه معنى الدعاء وعليه خبر ويوم ظرف متعلق بسلام وجملة ولد مضافة للظرف وما بعده عطف عليه وحيا حال. البلاغة: الإيجاز في قوله تعالى «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ» فظاهر الكلام يوهم أنه استبعد ما وعده الله عز وجل بوقوعه ولا يجوز لأحد بله النبي النطق بما لا يسوغ أو بما في ظاهره الإيهام فجاء الكلام موجزا وتقديره هل تعاد لنا قوتنا وشبابنا فنرزق بغلام؟ أو هل يكون الولد لغير الزوجة العاقر؟ وإذن فالمستبعد هو مجيء الولد منهما بحالهما ولكن الجواب أزال الاشكال إذ قيل له سيكون لكما الولد وأنتما بحالكما. الفوائد: اختلف أهل السنة والمعتزلة في الشيء فالمعتزلة يعتقدون أن الشيء يتناول الموجود والمعدوم الذي يصح وجوده فلا يتناول المستحيل إذن أما أهل السنة فلا يتناول الشيء عندهم إلا الموجود، والآية تشهد لأهل السنة لأن قوله «وَلَمْ تَكُ شَيْئاً» صريحة في ذلك، وقد رمق المتنبي من طرف خفي بعيد هذا الخلاف، فاستعمله في وصف الجبان وذلك في قصيدة مستجادة له في مديح سعيد بن عبد الله بن سعيد الكلابي المنبجي وهي مما قاله في صباه قال: وضاقت الأرض حتى كادها ربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا وقد غفل شراحه عن حقيقة الخلاف المشتجر بين أهل السنة والاعتزال فذهبوا في تفسير هذا البيت كل مذهب قال ابن القطاع: «قد أوخذ في هذا البيت فقيل: كيف يرى غير شيء، وغير شيء معدوم والمعدوم لا يرى؟ وفيه تناقض. وليس الأمر كما قالوا بل أراد غير شيء يعبأ به» وقال أبو بكر الخوارزمي: «رأى في هذا البيت ليست من رؤية العين وإنما هو من رؤية القلب يريد به التوهم وغير الشيء يجوز أن يتوهم ومثله كثير» وقال الواحدي: «إذا رأى غير شيء يعبأ به أو يفكر في مثله ظنه إنسانا يطلبه وكذلك عادة الخائف الهارب كقول جرير: ما زال يحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا قال أبو عبيد: لما أنشد الأخطل قول جرير هذا قال: سرقه والله من كتابهم «يحسبون كل صيحة عليهم» ويجوز حذف الصفة وترك الموصوف دالا عليها كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» أجمعوا على أن المعنى لا صلاة كاملة فاضلة، ويقولون: هذا ليس بشيء يريدون شيئا جيدا. وقال بعض المتكلمين: إن الله خلق الأشياء من لا شيء فقيل هذا خطأ لأن لا شيء لا يخلق منه شيء ومن قال إن الله يخلق من لا شيء جعل لا شيء يخلق منه والصحيح أن يقال يخلق لا من شيء لأنه إذا قال لا من شيء نفى أن يكون قبل خلقه شيء يخلق منه الأشياء» والصحيح ما قاله: أي إذا رأى غير شيء يخاف منه، ومن هذا الوادي «حتى إذا جاءه أم يجده شيئا» معناه يريده أو يطلبه أو يغنيه عن الماء أي شيئا نافعا مغنيا.

مريم 19:8

اللغة: (سَمِيًّا) : السمي: المسمّى وهو فعيل بمعنى مفعول وأصله سميو اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء أي مسمى بيحيى قال الزمخشري: «وهذا شاهد على أن الاسامي السنع جديرة بالاثرة وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم: سنع الأسامي مسبلي أزر ... حمر تمس الأرض بالهدب انتهى كلام الزمخشري وسنع الاسامي أي أسماؤهم حسنة يقال سنع الرجل كظرف فهو سنيع أي جميل وأسنع والمرأة سنعاء وسنع جمع أسنع كحمر في جمع أحمر من السناعة وهي الجمال كما أفاده في الصحاح أي أسماؤهم حسنة فهي أنبه وأنوه وأنزه عن النبز والحمر صفة الأزر وتمس صفة أخرى لها وهدب الشيء طرفه والمناسب للمعنى أن المراد به الجمع ويمكن أن تكون ضمته مفردا كقفل وجمعا كفلك ويجوز أنه اسم جمع ولذلك جاء في واحده هدبه، ومس الأرض بالأطراف كناية عن طولها بل عن غناهم وقيل معنى السمي المثل والشبيه والشكل والنظير كما في القاموس وغيره فكل واحد منهما سمي لصاحبه ونحو يحيى في أسمائهم يعمر ويعيش إن كانت التسمية عربية وقد سموا بيموت أيضا وهو يموت بن المزرع وقيل هو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (عِتِيًّا) : في المختار: «عتا من باب سما وعتيا أيضا بضم العين وكسرها وهو عات فالعاتي المجاوز للحد في الاستكبار وعتا الشيخ يعتو عتوا بضم العين وكسرها كبر وولى» وقال الزمخشري: «أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل يقال عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا» (آيَةً) : علامة على حمل امرأتي. (الْمِحْرابِ) : في القاموس: «المحراب: الغرفة، وصدر البيت وأكرم مواضعه ومقام الامام من المسجد والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس» وأما المحراب المعروف الآن وهو طاق مجوف في حائط المسجد يصلي فيه الامام فهو محدث لا تعرفه العرب فتسميته محرابا اصطلاح للفقهاء، هذا ما قاله الشهاب في حاشيته على البيضاوي ولكن المغني اللغوي الذي ذكره الفيروز بادي ينطبق عليه وهو «مقام الإمام في المسجد» . (الْحُكْمَ) : الحكمة ومنه قول النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسّبوه فألفوه كما ذكرت ... ستا وستين لم تنقص ولم تزد والفتاة التي حكمت هي زرقاء اليمامة التي يضرب بها المثل في حدة البصر نظرت إلى حمام مسرع إلى الماء فقالت: ليت الحمام ليه ... إلى حمامتيه ونصفه قديه ... تم الحمام ميه فوقع في شبكة صياد فحسبوه فوجدوه ستا وستين حمامة ونصفه ثلاث وثلاثون فإذا ضم الجميع إلى حمامتها صار مائة وشراع بكسر الشين ما يرفع وبه سمي الشراع وهو مثل الملاءة الواسعة يشرع وينصب على السفينة فتهب فيه الرياح فتمضي بالسفينة، ويروى سراع جمع سريع وصفه به لأنه جمع في المعنى كما وصفه بوارد وهو مفرد لأنه مفرد في اللفظ وروى الحمام أو نصفه بالرفع على إهمال ليتما وبالنصب على أعمالها لأن ما الزائدة تكف ان وأخواتها ما عدا ليت فيجوز أعمالها وإلغاؤها وأو بمعنى الواو وقد بمعنى حسب فهي اسم أضيفت إلى ياء المتكلم بغير نون الوقاية كما يقال حسبي والفاء زائدة لتحسين اللفظ كفاء فقط وكلاهما بمعنى انته، وحسبوه بتشديد السين ليسلم البيت من الخبن وهو نوع من الزحاف معيب وقيل الحكم العقل وقيل النبوة لأن الله أحكم عقله في صباه وأوحى اليه. (وَحَناناً) : أي رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفا وشفقة وأنشد: وقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف وهذا البيت لمنذر الكلبي وقبله ليتسق معناه: وأحدث عهد من أمينة نظرة ... على جانب العلياء إذ أنا واقف يقول: وأقرب عهد أي لقاء ورؤية لأمينة محبوبتي تصغير آمنة هو نظرة مني لها بجانب تلك البقعة إذ أنا واقف هناك أي حين وقوفي بها وفيه إشعار بأنه كان وافقا يترقب رؤيتها فلما رأته قالت له: حنان أي أمري حنان ورحمة لك وهو من المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ لأنه مصدر محول عن النصب وقولها: ما أتى بك هاهنا؟ استفهام تعجبي أذو نسب أي أأنت ذو نسب أم أنت عارف بهذا الحي ويجوز أن يكون أذو نسب بدلا من ما الاستفهامية أي ما الذي حملك على المجيء هنا أو الذي دلّك عليه صاحب قرابة من الحي أي معرفتك به ويجوز أن الاستفهام حقيقي حكته على لسان غيرها لتلقنه الجواب بقولها: أذو نسب مع معرفتها سبب مجيئه وهو حبها فربما سأله أحد من أهلها فيجيبه بأحد هذين الجوابين وقيل حنانا من الله عليه، وحنّ بمعنى ارتاح واشتاق ثم استعمل في الرأفة والعطف وقيل لله حنان كما قيل رحيم على سبيل الاستعارة. (عَصِيًّا) : صيغة مبالغة وأصل عصيا عصييا بوزن فعيل أدغمت الياء فيه وأتى بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل لأن المنفي أصل العصيان لا المبالغة فيه. الإعراب: (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى) يا حرف نداء وزكريا منادى مفرد علم مبني على الضم وقرىء زكرياء بالهمز على الأصل وإنا ان واسمها وجملة نبشرك خبرها والكاف مفعول به وبغلام جار ومجرور متعلقان بنبشرك واسمه مبتدأ ويحيى خبره والجملة الاسمية صفة لغلام. (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) الجملة صفة ثانية لغلام وله مفعول نجعل الثاني ومن قبل حال وسميا مفعول نجعل الأول. (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وأنى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بالاستقرار في خبر يكون ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم وغلام اسمها المؤخر وكانت الواو للحال وكانت امرأتي عاقرا كان واسمها وخبرها والجملة حالية وقد بلغت من الكبر جملة حالية أيضا ومن الكبر متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال من عتيا لأنه كان صفة له وتقدم عليه وعتيا مفعول بلغت ولا تلتفت إلى الأعاريب التي تكلفها المعربون كاعرابها حالا وتمييزا ومن زائدة وهذا لا يليق بكتاب الله. (قالَ: كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) قال فعل ماض وفاعله مستتر قيل يعود على الله تعالى وقيل على جبريل وكذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك أو نصب بقال أو بفعل محذوف تقديره أفعل كذلك والاشارة إلى مبهم يفسره هو على هين، وقال ربك فعل وفاعل وهو مبتدأ وعلي متعلقان بهين وهين خبر هو ولقد الواو حالية وقد حرف تحقيق وخلقتك فعل وفاعل ومفعول به ومن قبل متعلقان بخلقتك والواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتك فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسم تك مستتر وشيئا خبر تك وجملة ولم تك شيئا حال متداخلة وسوف يأتي بحث الشيء بين أهل السنة والمعتزلة وبراعة المتنبي في هذا الباب. (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) رب منادى وقد تقدم إعرابه واجعل فعل أمر ولي مفعول به ثان وآية مفعول به أول. (قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) آيتك مبتدأ وأن وما في حيزها خبر والناس مفعول به وثلاث ليال نصب على الظرف والظرف متعلق بتكلم وسويا حال من فاعل تكلم أي حالة كونك بلا علة وسليم الأعضاء وقيل سويا نسب على الصفة لثلاث بمعنى أنها كاملات. (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الفاء استئنافية وخرج فعل وفاعل مستتر وعلى قومه متعلقان بمحذوف حال ومن المحراب متعلقان بخرج فأوحى عطف على خرج وأن تفسيرية لأنها وقعت بعد جملة فيها معنى القول وسبحوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وبكرة ظرف زمان متعلق بسبحوه وعشيا عطف على بكرة ويجوز أن تكون أن مصدرية مفعولة بالإيحاء. (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) يا يحيى منادى مفرد علم وخذ الكتاب فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبقوة حال من فاعل خذ والباء للملابسة أي حال كونك ملتبسا بقوة واجتهاد وآتيناه الواو استئنافية وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به أول والحكم مفعول به ثان وصبيا حال من الهاء. (وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا) وحنانا عطف على الحكم أي وآتيناه حنانا أي رحمة ورقة في قلبه وعطفا على الآخرين وقيل مفعول مطلق لفعل محذوف وهو بعيد ومن لدنا متعلقان بمحذوف صفة لحنان وزكاة عطف على حنانا وكان تقيا عطف على آتيناه وكان واسمها المستتر وتقيا خبرها. (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا) وبرا عطف على تقيا وبوالديه متعلقان ببرا ولم يكن عطف على وكان تقيا واسم يكن مستتر تقديره هو وجبارا خبرها وعصيا نعت. (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) الواو استئنافية وسلام مبتدأ وساغ الابتداء به مع أنه نكرة لتضمنه معنى الدعاء وعليه خبر ويوم ظرف متعلق بسلام وجملة ولد مضافة للظرف وما بعده عطف عليه وحيا حال. البلاغة: الإيجاز في قوله تعالى «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ» فظاهر الكلام يوهم أنه استبعد ما وعده الله عز وجل بوقوعه ولا يجوز لأحد بله النبي النطق بما لا يسوغ أو بما في ظاهره الإيهام فجاء الكلام موجزا وتقديره هل تعاد لنا قوتنا وشبابنا فنرزق بغلام؟ أو هل يكون الولد لغير الزوجة العاقر؟ وإذن فالمستبعد هو مجيء الولد منهما بحالهما ولكن الجواب أزال الاشكال إذ قيل له سيكون لكما الولد وأنتما بحالكما. الفوائد: اختلف أهل السنة والمعتزلة في الشيء فالمعتزلة يعتقدون أن الشيء يتناول الموجود والمعدوم الذي يصح وجوده فلا يتناول المستحيل إذن أما أهل السنة فلا يتناول الشيء عندهم إلا الموجود، والآية تشهد لأهل السنة لأن قوله «وَلَمْ تَكُ شَيْئاً» صريحة في ذلك، وقد رمق المتنبي من طرف خفي بعيد هذا الخلاف، فاستعمله في وصف الجبان وذلك في قصيدة مستجادة له في مديح سعيد بن عبد الله بن سعيد الكلابي المنبجي وهي مما قاله في صباه قال: وضاقت الأرض حتى كادها ربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا وقد غفل شراحه عن حقيقة الخلاف المشتجر بين أهل السنة والاعتزال فذهبوا في تفسير هذا البيت كل مذهب قال ابن القطاع: «قد أوخذ في هذا البيت فقيل: كيف يرى غير شيء، وغير شيء معدوم والمعدوم لا يرى؟ وفيه تناقض. وليس الأمر كما قالوا بل أراد غير شيء يعبأ به» وقال أبو بكر الخوارزمي: «رأى في هذا البيت ليست من رؤية العين وإنما هو من رؤية القلب يريد به التوهم وغير الشيء يجوز أن يتوهم ومثله كثير» وقال الواحدي: «إذا رأى غير شيء يعبأ به أو يفكر في مثله ظنه إنسانا يطلبه وكذلك عادة الخائف الهارب كقول جرير: ما زال يحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا قال أبو عبيد: لما أنشد الأخطل قول جرير هذا قال: سرقه والله من كتابهم «يحسبون كل صيحة عليهم» ويجوز حذف الصفة وترك الموصوف دالا عليها كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» أجمعوا على أن المعنى لا صلاة كاملة فاضلة، ويقولون: هذا ليس بشيء يريدون شيئا جيدا. وقال بعض المتكلمين: إن الله خلق الأشياء من لا شيء فقيل هذا خطأ لأن لا شيء لا يخلق منه شيء ومن قال إن الله يخلق من لا شيء جعل لا شيء يخلق منه والصحيح أن يقال يخلق لا من شيء لأنه إذا قال لا من شيء نفى أن يكون قبل خلقه شيء يخلق منه الأشياء» والصحيح ما قاله: أي إذا رأى غير شيء يخاف منه، ومن هذا الوادي «حتى إذا جاءه أم يجده شيئا» معناه يريده أو يطلبه أو يغنيه عن الماء أي شيئا نافعا مغنيا.

مريم 19:9

اللغة: (سَمِيًّا) : السمي: المسمّى وهو فعيل بمعنى مفعول وأصله سميو اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء أي مسمى بيحيى قال الزمخشري: «وهذا شاهد على أن الاسامي السنع جديرة بالاثرة وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم: سنع الأسامي مسبلي أزر ... حمر تمس الأرض بالهدب انتهى كلام الزمخشري وسنع الاسامي أي أسماؤهم حسنة يقال سنع الرجل كظرف فهو سنيع أي جميل وأسنع والمرأة سنعاء وسنع جمع أسنع كحمر في جمع أحمر من السناعة وهي الجمال كما أفاده في الصحاح أي أسماؤهم حسنة فهي أنبه وأنوه وأنزه عن النبز والحمر صفة الأزر وتمس صفة أخرى لها وهدب الشيء طرفه والمناسب للمعنى أن المراد به الجمع ويمكن أن تكون ضمته مفردا كقفل وجمعا كفلك ويجوز أنه اسم جمع ولذلك جاء في واحده هدبه، ومس الأرض بالأطراف كناية عن طولها بل عن غناهم وقيل معنى السمي المثل والشبيه والشكل والنظير كما في القاموس وغيره فكل واحد منهما سمي لصاحبه ونحو يحيى في أسمائهم يعمر ويعيش إن كانت التسمية عربية وقد سموا بيموت أيضا وهو يموت بن المزرع وقيل هو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (عِتِيًّا) : في المختار: «عتا من باب سما وعتيا أيضا بضم العين وكسرها وهو عات فالعاتي المجاوز للحد في الاستكبار وعتا الشيخ يعتو عتوا بضم العين وكسرها كبر وولى» وقال الزمخشري: «أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل يقال عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا» (آيَةً) : علامة على حمل امرأتي. (الْمِحْرابِ) : في القاموس: «المحراب: الغرفة، وصدر البيت وأكرم مواضعه ومقام الامام من المسجد والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس» وأما المحراب المعروف الآن وهو طاق مجوف في حائط المسجد يصلي فيه الامام فهو محدث لا تعرفه العرب فتسميته محرابا اصطلاح للفقهاء، هذا ما قاله الشهاب في حاشيته على البيضاوي ولكن المغني اللغوي الذي ذكره الفيروز بادي ينطبق عليه وهو «مقام الإمام في المسجد» . (الْحُكْمَ) : الحكمة ومنه قول النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسّبوه فألفوه كما ذكرت ... ستا وستين لم تنقص ولم تزد والفتاة التي حكمت هي زرقاء اليمامة التي يضرب بها المثل في حدة البصر نظرت إلى حمام مسرع إلى الماء فقالت: ليت الحمام ليه ... إلى حمامتيه ونصفه قديه ... تم الحمام ميه فوقع في شبكة صياد فحسبوه فوجدوه ستا وستين حمامة ونصفه ثلاث وثلاثون فإذا ضم الجميع إلى حمامتها صار مائة وشراع بكسر الشين ما يرفع وبه سمي الشراع وهو مثل الملاءة الواسعة يشرع وينصب على السفينة فتهب فيه الرياح فتمضي بالسفينة، ويروى سراع جمع سريع وصفه به لأنه جمع في المعنى كما وصفه بوارد وهو مفرد لأنه مفرد في اللفظ وروى الحمام أو نصفه بالرفع على إهمال ليتما وبالنصب على أعمالها لأن ما الزائدة تكف ان وأخواتها ما عدا ليت فيجوز أعمالها وإلغاؤها وأو بمعنى الواو وقد بمعنى حسب فهي اسم أضيفت إلى ياء المتكلم بغير نون الوقاية كما يقال حسبي والفاء زائدة لتحسين اللفظ كفاء فقط وكلاهما بمعنى انته، وحسبوه بتشديد السين ليسلم البيت من الخبن وهو نوع من الزحاف معيب وقيل الحكم العقل وقيل النبوة لأن الله أحكم عقله في صباه وأوحى اليه. (وَحَناناً) : أي رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفا وشفقة وأنشد: وقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف وهذا البيت لمنذر الكلبي وقبله ليتسق معناه: وأحدث عهد من أمينة نظرة ... على جانب العلياء إذ أنا واقف يقول: وأقرب عهد أي لقاء ورؤية لأمينة محبوبتي تصغير آمنة هو نظرة مني لها بجانب تلك البقعة إذ أنا واقف هناك أي حين وقوفي بها وفيه إشعار بأنه كان وافقا يترقب رؤيتها فلما رأته قالت له: حنان أي أمري حنان ورحمة لك وهو من المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ لأنه مصدر محول عن النصب وقولها: ما أتى بك هاهنا؟ استفهام تعجبي أذو نسب أي أأنت ذو نسب أم أنت عارف بهذا الحي ويجوز أن يكون أذو نسب بدلا من ما الاستفهامية أي ما الذي حملك على المجيء هنا أو الذي دلّك عليه صاحب قرابة من الحي أي معرفتك به ويجوز أن الاستفهام حقيقي حكته على لسان غيرها لتلقنه الجواب بقولها: أذو نسب مع معرفتها سبب مجيئه وهو حبها فربما سأله أحد من أهلها فيجيبه بأحد هذين الجوابين وقيل حنانا من الله عليه، وحنّ بمعنى ارتاح واشتاق ثم استعمل في الرأفة والعطف وقيل لله حنان كما قيل رحيم على سبيل الاستعارة. (عَصِيًّا) : صيغة مبالغة وأصل عصيا عصييا بوزن فعيل أدغمت الياء فيه وأتى بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل لأن المنفي أصل العصيان لا المبالغة فيه. الإعراب: (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى) يا حرف نداء وزكريا منادى مفرد علم مبني على الضم وقرىء زكرياء بالهمز على الأصل وإنا ان واسمها وجملة نبشرك خبرها والكاف مفعول به وبغلام جار ومجرور متعلقان بنبشرك واسمه مبتدأ ويحيى خبره والجملة الاسمية صفة لغلام. (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) الجملة صفة ثانية لغلام وله مفعول نجعل الثاني ومن قبل حال وسميا مفعول نجعل الأول. (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وأنى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بالاستقرار في خبر يكون ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم وغلام اسمها المؤخر وكانت الواو للحال وكانت امرأتي عاقرا كان واسمها وخبرها والجملة حالية وقد بلغت من الكبر جملة حالية أيضا ومن الكبر متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال من عتيا لأنه كان صفة له وتقدم عليه وعتيا مفعول بلغت ولا تلتفت إلى الأعاريب التي تكلفها المعربون كاعرابها حالا وتمييزا ومن زائدة وهذا لا يليق بكتاب الله. (قالَ: كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) قال فعل ماض وفاعله مستتر قيل يعود على الله تعالى وقيل على جبريل وكذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك أو نصب بقال أو بفعل محذوف تقديره أفعل كذلك والاشارة إلى مبهم يفسره هو على هين، وقال ربك فعل وفاعل وهو مبتدأ وعلي متعلقان بهين وهين خبر هو ولقد الواو حالية وقد حرف تحقيق وخلقتك فعل وفاعل ومفعول به ومن قبل متعلقان بخلقتك والواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتك فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسم تك مستتر وشيئا خبر تك وجملة ولم تك شيئا حال متداخلة وسوف يأتي بحث الشيء بين أهل السنة والمعتزلة وبراعة المتنبي في هذا الباب. (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) رب منادى وقد تقدم إعرابه واجعل فعل أمر ولي مفعول به ثان وآية مفعول به أول. (قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) آيتك مبتدأ وأن وما في حيزها خبر والناس مفعول به وثلاث ليال نصب على الظرف والظرف متعلق بتكلم وسويا حال من فاعل تكلم أي حالة كونك بلا علة وسليم الأعضاء وقيل سويا نسب على الصفة لثلاث بمعنى أنها كاملات. (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الفاء استئنافية وخرج فعل وفاعل مستتر وعلى قومه متعلقان بمحذوف حال ومن المحراب متعلقان بخرج فأوحى عطف على خرج وأن تفسيرية لأنها وقعت بعد جملة فيها معنى القول وسبحوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وبكرة ظرف زمان متعلق بسبحوه وعشيا عطف على بكرة ويجوز أن تكون أن مصدرية مفعولة بالإيحاء. (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) يا يحيى منادى مفرد علم وخذ الكتاب فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبقوة حال من فاعل خذ والباء للملابسة أي حال كونك ملتبسا بقوة واجتهاد وآتيناه الواو استئنافية وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به أول والحكم مفعول به ثان وصبيا حال من الهاء. (وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا) وحنانا عطف على الحكم أي وآتيناه حنانا أي رحمة ورقة في قلبه وعطفا على الآخرين وقيل مفعول مطلق لفعل محذوف وهو بعيد ومن لدنا متعلقان بمحذوف صفة لحنان وزكاة عطف على حنانا وكان تقيا عطف على آتيناه وكان واسمها المستتر وتقيا خبرها. (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا) وبرا عطف على تقيا وبوالديه متعلقان ببرا ولم يكن عطف على وكان تقيا واسم يكن مستتر تقديره هو وجبارا خبرها وعصيا نعت. (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) الواو استئنافية وسلام مبتدأ وساغ الابتداء به مع أنه نكرة لتضمنه معنى الدعاء وعليه خبر ويوم ظرف متعلق بسلام وجملة ولد مضافة للظرف وما بعده عطف عليه وحيا حال. البلاغة: الإيجاز في قوله تعالى «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ» فظاهر الكلام يوهم أنه استبعد ما وعده الله عز وجل بوقوعه ولا يجوز لأحد بله النبي النطق بما لا يسوغ أو بما في ظاهره الإيهام فجاء الكلام موجزا وتقديره هل تعاد لنا قوتنا وشبابنا فنرزق بغلام؟ أو هل يكون الولد لغير الزوجة العاقر؟ وإذن فالمستبعد هو مجيء الولد منهما بحالهما ولكن الجواب أزال الاشكال إذ قيل له سيكون لكما الولد وأنتما بحالكما. الفوائد: اختلف أهل السنة والمعتزلة في الشيء فالمعتزلة يعتقدون أن الشيء يتناول الموجود والمعدوم الذي يصح وجوده فلا يتناول المستحيل إذن أما أهل السنة فلا يتناول الشيء عندهم إلا الموجود، والآية تشهد لأهل السنة لأن قوله «وَلَمْ تَكُ شَيْئاً» صريحة في ذلك، وقد رمق المتنبي من طرف خفي بعيد هذا الخلاف، فاستعمله في وصف الجبان وذلك في قصيدة مستجادة له في مديح سعيد بن عبد الله بن سعيد الكلابي المنبجي وهي مما قاله في صباه قال: وضاقت الأرض حتى كادها ربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا وقد غفل شراحه عن حقيقة الخلاف المشتجر بين أهل السنة والاعتزال فذهبوا في تفسير هذا البيت كل مذهب قال ابن القطاع: «قد أوخذ في هذا البيت فقيل: كيف يرى غير شيء، وغير شيء معدوم والمعدوم لا يرى؟ وفيه تناقض. وليس الأمر كما قالوا بل أراد غير شيء يعبأ به» وقال أبو بكر الخوارزمي: «رأى في هذا البيت ليست من رؤية العين وإنما هو من رؤية القلب يريد به التوهم وغير الشيء يجوز أن يتوهم ومثله كثير» وقال الواحدي: «إذا رأى غير شيء يعبأ به أو يفكر في مثله ظنه إنسانا يطلبه وكذلك عادة الخائف الهارب كقول جرير: ما زال يحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا قال أبو عبيد: لما أنشد الأخطل قول جرير هذا قال: سرقه والله من كتابهم «يحسبون كل صيحة عليهم» ويجوز حذف الصفة وترك الموصوف دالا عليها كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» أجمعوا على أن المعنى لا صلاة كاملة فاضلة، ويقولون: هذا ليس بشيء يريدون شيئا جيدا. وقال بعض المتكلمين: إن الله خلق الأشياء من لا شيء فقيل هذا خطأ لأن لا شيء لا يخلق منه شيء ومن قال إن الله يخلق من لا شيء جعل لا شيء يخلق منه والصحيح أن يقال يخلق لا من شيء لأنه إذا قال لا من شيء نفى أن يكون قبل خلقه شيء يخلق منه الأشياء» والصحيح ما قاله: أي إذا رأى غير شيء يخاف منه، ومن هذا الوادي «حتى إذا جاءه أم يجده شيئا» معناه يريده أو يطلبه أو يغنيه عن الماء أي شيئا نافعا مغنيا.

مريم 19:10

اللغة: (سَمِيًّا) : السمي: المسمّى وهو فعيل بمعنى مفعول وأصله سميو اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء أي مسمى بيحيى قال الزمخشري: «وهذا شاهد على أن الاسامي السنع جديرة بالاثرة وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم: سنع الأسامي مسبلي أزر ... حمر تمس الأرض بالهدب انتهى كلام الزمخشري وسنع الاسامي أي أسماؤهم حسنة يقال سنع الرجل كظرف فهو سنيع أي جميل وأسنع والمرأة سنعاء وسنع جمع أسنع كحمر في جمع أحمر من السناعة وهي الجمال كما أفاده في الصحاح أي أسماؤهم حسنة فهي أنبه وأنوه وأنزه عن النبز والحمر صفة الأزر وتمس صفة أخرى لها وهدب الشيء طرفه والمناسب للمعنى أن المراد به الجمع ويمكن أن تكون ضمته مفردا كقفل وجمعا كفلك ويجوز أنه اسم جمع ولذلك جاء في واحده هدبه، ومس الأرض بالأطراف كناية عن طولها بل عن غناهم وقيل معنى السمي المثل والشبيه والشكل والنظير كما في القاموس وغيره فكل واحد منهما سمي لصاحبه ونحو يحيى في أسمائهم يعمر ويعيش إن كانت التسمية عربية وقد سموا بيموت أيضا وهو يموت بن المزرع وقيل هو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (عِتِيًّا) : في المختار: «عتا من باب سما وعتيا أيضا بضم العين وكسرها وهو عات فالعاتي المجاوز للحد في الاستكبار وعتا الشيخ يعتو عتوا بضم العين وكسرها كبر وولى» وقال الزمخشري: «أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل يقال عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا» (آيَةً) : علامة على حمل امرأتي. (الْمِحْرابِ) : في القاموس: «المحراب: الغرفة، وصدر البيت وأكرم مواضعه ومقام الامام من المسجد والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس» وأما المحراب المعروف الآن وهو طاق مجوف في حائط المسجد يصلي فيه الامام فهو محدث لا تعرفه العرب فتسميته محرابا اصطلاح للفقهاء، هذا ما قاله الشهاب في حاشيته على البيضاوي ولكن المغني اللغوي الذي ذكره الفيروز بادي ينطبق عليه وهو «مقام الإمام في المسجد» . (الْحُكْمَ) : الحكمة ومنه قول النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسّبوه فألفوه كما ذكرت ... ستا وستين لم تنقص ولم تزد والفتاة التي حكمت هي زرقاء اليمامة التي يضرب بها المثل في حدة البصر نظرت إلى حمام مسرع إلى الماء فقالت: ليت الحمام ليه ... إلى حمامتيه ونصفه قديه ... تم الحمام ميه فوقع في شبكة صياد فحسبوه فوجدوه ستا وستين حمامة ونصفه ثلاث وثلاثون فإذا ضم الجميع إلى حمامتها صار مائة وشراع بكسر الشين ما يرفع وبه سمي الشراع وهو مثل الملاءة الواسعة يشرع وينصب على السفينة فتهب فيه الرياح فتمضي بالسفينة، ويروى سراع جمع سريع وصفه به لأنه جمع في المعنى كما وصفه بوارد وهو مفرد لأنه مفرد في اللفظ وروى الحمام أو نصفه بالرفع على إهمال ليتما وبالنصب على أعمالها لأن ما الزائدة تكف ان وأخواتها ما عدا ليت فيجوز أعمالها وإلغاؤها وأو بمعنى الواو وقد بمعنى حسب فهي اسم أضيفت إلى ياء المتكلم بغير نون الوقاية كما يقال حسبي والفاء زائدة لتحسين اللفظ كفاء فقط وكلاهما بمعنى انته، وحسبوه بتشديد السين ليسلم البيت من الخبن وهو نوع من الزحاف معيب وقيل الحكم العقل وقيل النبوة لأن الله أحكم عقله في صباه وأوحى اليه. (وَحَناناً) : أي رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفا وشفقة وأنشد: وقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف وهذا البيت لمنذر الكلبي وقبله ليتسق معناه: وأحدث عهد من أمينة نظرة ... على جانب العلياء إذ أنا واقف يقول: وأقرب عهد أي لقاء ورؤية لأمينة محبوبتي تصغير آمنة هو نظرة مني لها بجانب تلك البقعة إذ أنا واقف هناك أي حين وقوفي بها وفيه إشعار بأنه كان وافقا يترقب رؤيتها فلما رأته قالت له: حنان أي أمري حنان ورحمة لك وهو من المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ لأنه مصدر محول عن النصب وقولها: ما أتى بك هاهنا؟ استفهام تعجبي أذو نسب أي أأنت ذو نسب أم أنت عارف بهذا الحي ويجوز أن يكون أذو نسب بدلا من ما الاستفهامية أي ما الذي حملك على المجيء هنا أو الذي دلّك عليه صاحب قرابة من الحي أي معرفتك به ويجوز أن الاستفهام حقيقي حكته على لسان غيرها لتلقنه الجواب بقولها: أذو نسب مع معرفتها سبب مجيئه وهو حبها فربما سأله أحد من أهلها فيجيبه بأحد هذين الجوابين وقيل حنانا من الله عليه، وحنّ بمعنى ارتاح واشتاق ثم استعمل في الرأفة والعطف وقيل لله حنان كما قيل رحيم على سبيل الاستعارة. (عَصِيًّا) : صيغة مبالغة وأصل عصيا عصييا بوزن فعيل أدغمت الياء فيه وأتى بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل لأن المنفي أصل العصيان لا المبالغة فيه. الإعراب: (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى) يا حرف نداء وزكريا منادى مفرد علم مبني على الضم وقرىء زكرياء بالهمز على الأصل وإنا ان واسمها وجملة نبشرك خبرها والكاف مفعول به وبغلام جار ومجرور متعلقان بنبشرك واسمه مبتدأ ويحيى خبره والجملة الاسمية صفة لغلام. (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) الجملة صفة ثانية لغلام وله مفعول نجعل الثاني ومن قبل حال وسميا مفعول نجعل الأول. (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وأنى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بالاستقرار في خبر يكون ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم وغلام اسمها المؤخر وكانت الواو للحال وكانت امرأتي عاقرا كان واسمها وخبرها والجملة حالية وقد بلغت من الكبر جملة حالية أيضا ومن الكبر متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال من عتيا لأنه كان صفة له وتقدم عليه وعتيا مفعول بلغت ولا تلتفت إلى الأعاريب التي تكلفها المعربون كاعرابها حالا وتمييزا ومن زائدة وهذا لا يليق بكتاب الله. (قالَ: كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) قال فعل ماض وفاعله مستتر قيل يعود على الله تعالى وقيل على جبريل وكذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك أو نصب بقال أو بفعل محذوف تقديره أفعل كذلك والاشارة إلى مبهم يفسره هو على هين، وقال ربك فعل وفاعل وهو مبتدأ وعلي متعلقان بهين وهين خبر هو ولقد الواو حالية وقد حرف تحقيق وخلقتك فعل وفاعل ومفعول به ومن قبل متعلقان بخلقتك والواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتك فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسم تك مستتر وشيئا خبر تك وجملة ولم تك شيئا حال متداخلة وسوف يأتي بحث الشيء بين أهل السنة والمعتزلة وبراعة المتنبي في هذا الباب. (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) رب منادى وقد تقدم إعرابه واجعل فعل أمر ولي مفعول به ثان وآية مفعول به أول. (قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) آيتك مبتدأ وأن وما في حيزها خبر والناس مفعول به وثلاث ليال نصب على الظرف والظرف متعلق بتكلم وسويا حال من فاعل تكلم أي حالة كونك بلا علة وسليم الأعضاء وقيل سويا نسب على الصفة لثلاث بمعنى أنها كاملات. (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الفاء استئنافية وخرج فعل وفاعل مستتر وعلى قومه متعلقان بمحذوف حال ومن المحراب متعلقان بخرج فأوحى عطف على خرج وأن تفسيرية لأنها وقعت بعد جملة فيها معنى القول وسبحوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وبكرة ظرف زمان متعلق بسبحوه وعشيا عطف على بكرة ويجوز أن تكون أن مصدرية مفعولة بالإيحاء. (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) يا يحيى منادى مفرد علم وخذ الكتاب فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبقوة حال من فاعل خذ والباء للملابسة أي حال كونك ملتبسا بقوة واجتهاد وآتيناه الواو استئنافية وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به أول والحكم مفعول به ثان وصبيا حال من الهاء. (وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا) وحنانا عطف على الحكم أي وآتيناه حنانا أي رحمة ورقة في قلبه وعطفا على الآخرين وقيل مفعول مطلق لفعل محذوف وهو بعيد ومن لدنا متعلقان بمحذوف صفة لحنان وزكاة عطف على حنانا وكان تقيا عطف على آتيناه وكان واسمها المستتر وتقيا خبرها. (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا) وبرا عطف على تقيا وبوالديه متعلقان ببرا ولم يكن عطف على وكان تقيا واسم يكن مستتر تقديره هو وجبارا خبرها وعصيا نعت. (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) الواو استئنافية وسلام مبتدأ وساغ الابتداء به مع أنه نكرة لتضمنه معنى الدعاء وعليه خبر ويوم ظرف متعلق بسلام وجملة ولد مضافة للظرف وما بعده عطف عليه وحيا حال. البلاغة: الإيجاز في قوله تعالى «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ» فظاهر الكلام يوهم أنه استبعد ما وعده الله عز وجل بوقوعه ولا يجوز لأحد بله النبي النطق بما لا يسوغ أو بما في ظاهره الإيهام فجاء الكلام موجزا وتقديره هل تعاد لنا قوتنا وشبابنا فنرزق بغلام؟ أو هل يكون الولد لغير الزوجة العاقر؟ وإذن فالمستبعد هو مجيء الولد منهما بحالهما ولكن الجواب أزال الاشكال إذ قيل له سيكون لكما الولد وأنتما بحالكما. الفوائد: اختلف أهل السنة والمعتزلة في الشيء فالمعتزلة يعتقدون أن الشيء يتناول الموجود والمعدوم الذي يصح وجوده فلا يتناول المستحيل إذن أما أهل السنة فلا يتناول الشيء عندهم إلا الموجود، والآية تشهد لأهل السنة لأن قوله «وَلَمْ تَكُ شَيْئاً» صريحة في ذلك، وقد رمق المتنبي من طرف خفي بعيد هذا الخلاف، فاستعمله في وصف الجبان وذلك في قصيدة مستجادة له في مديح سعيد بن عبد الله بن سعيد الكلابي المنبجي وهي مما قاله في صباه قال: وضاقت الأرض حتى كادها ربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا وقد غفل شراحه عن حقيقة الخلاف المشتجر بين أهل السنة والاعتزال فذهبوا في تفسير هذا البيت كل مذهب قال ابن القطاع: «قد أوخذ في هذا البيت فقيل: كيف يرى غير شيء، وغير شيء معدوم والمعدوم لا يرى؟ وفيه تناقض. وليس الأمر كما قالوا بل أراد غير شيء يعبأ به» وقال أبو بكر الخوارزمي: «رأى في هذا البيت ليست من رؤية العين وإنما هو من رؤية القلب يريد به التوهم وغير الشيء يجوز أن يتوهم ومثله كثير» وقال الواحدي: «إذا رأى غير شيء يعبأ به أو يفكر في مثله ظنه إنسانا يطلبه وكذلك عادة الخائف الهارب كقول جرير: ما زال يحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا قال أبو عبيد: لما أنشد الأخطل قول جرير هذا قال: سرقه والله من كتابهم «يحسبون كل صيحة عليهم» ويجوز حذف الصفة وترك الموصوف دالا عليها كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» أجمعوا على أن المعنى لا صلاة كاملة فاضلة، ويقولون: هذا ليس بشيء يريدون شيئا جيدا. وقال بعض المتكلمين: إن الله خلق الأشياء من لا شيء فقيل هذا خطأ لأن لا شيء لا يخلق منه شيء ومن قال إن الله يخلق من لا شيء جعل لا شيء يخلق منه والصحيح أن يقال يخلق لا من شيء لأنه إذا قال لا من شيء نفى أن يكون قبل خلقه شيء يخلق منه الأشياء» والصحيح ما قاله: أي إذا رأى غير شيء يخاف منه، ومن هذا الوادي «حتى إذا جاءه أم يجده شيئا» معناه يريده أو يطلبه أو يغنيه عن الماء أي شيئا نافعا مغنيا.

مريم 19:11

اللغة: (سَمِيًّا) : السمي: المسمّى وهو فعيل بمعنى مفعول وأصله سميو اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء أي مسمى بيحيى قال الزمخشري: «وهذا شاهد على أن الاسامي السنع جديرة بالاثرة وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم: سنع الأسامي مسبلي أزر ... حمر تمس الأرض بالهدب انتهى كلام الزمخشري وسنع الاسامي أي أسماؤهم حسنة يقال سنع الرجل كظرف فهو سنيع أي جميل وأسنع والمرأة سنعاء وسنع جمع أسنع كحمر في جمع أحمر من السناعة وهي الجمال كما أفاده في الصحاح أي أسماؤهم حسنة فهي أنبه وأنوه وأنزه عن النبز والحمر صفة الأزر وتمس صفة أخرى لها وهدب الشيء طرفه والمناسب للمعنى أن المراد به الجمع ويمكن أن تكون ضمته مفردا كقفل وجمعا كفلك ويجوز أنه اسم جمع ولذلك جاء في واحده هدبه، ومس الأرض بالأطراف كناية عن طولها بل عن غناهم وقيل معنى السمي المثل والشبيه والشكل والنظير كما في القاموس وغيره فكل واحد منهما سمي لصاحبه ونحو يحيى في أسمائهم يعمر ويعيش إن كانت التسمية عربية وقد سموا بيموت أيضا وهو يموت بن المزرع وقيل هو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (عِتِيًّا) : في المختار: «عتا من باب سما وعتيا أيضا بضم العين وكسرها وهو عات فالعاتي المجاوز للحد في الاستكبار وعتا الشيخ يعتو عتوا بضم العين وكسرها كبر وولى» وقال الزمخشري: «أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل يقال عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا» (آيَةً) : علامة على حمل امرأتي. (الْمِحْرابِ) : في القاموس: «المحراب: الغرفة، وصدر البيت وأكرم مواضعه ومقام الامام من المسجد والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس» وأما المحراب المعروف الآن وهو طاق مجوف في حائط المسجد يصلي فيه الامام فهو محدث لا تعرفه العرب فتسميته محرابا اصطلاح للفقهاء، هذا ما قاله الشهاب في حاشيته على البيضاوي ولكن المغني اللغوي الذي ذكره الفيروز بادي ينطبق عليه وهو «مقام الإمام في المسجد» . (الْحُكْمَ) : الحكمة ومنه قول النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسّبوه فألفوه كما ذكرت ... ستا وستين لم تنقص ولم تزد والفتاة التي حكمت هي زرقاء اليمامة التي يضرب بها المثل في حدة البصر نظرت إلى حمام مسرع إلى الماء فقالت: ليت الحمام ليه ... إلى حمامتيه ونصفه قديه ... تم الحمام ميه فوقع في شبكة صياد فحسبوه فوجدوه ستا وستين حمامة ونصفه ثلاث وثلاثون فإذا ضم الجميع إلى حمامتها صار مائة وشراع بكسر الشين ما يرفع وبه سمي الشراع وهو مثل الملاءة الواسعة يشرع وينصب على السفينة فتهب فيه الرياح فتمضي بالسفينة، ويروى سراع جمع سريع وصفه به لأنه جمع في المعنى كما وصفه بوارد وهو مفرد لأنه مفرد في اللفظ وروى الحمام أو نصفه بالرفع على إهمال ليتما وبالنصب على أعمالها لأن ما الزائدة تكف ان وأخواتها ما عدا ليت فيجوز أعمالها وإلغاؤها وأو بمعنى الواو وقد بمعنى حسب فهي اسم أضيفت إلى ياء المتكلم بغير نون الوقاية كما يقال حسبي والفاء زائدة لتحسين اللفظ كفاء فقط وكلاهما بمعنى انته، وحسبوه بتشديد السين ليسلم البيت من الخبن وهو نوع من الزحاف معيب وقيل الحكم العقل وقيل النبوة لأن الله أحكم عقله في صباه وأوحى اليه. (وَحَناناً) : أي رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفا وشفقة وأنشد: وقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف وهذا البيت لمنذر الكلبي وقبله ليتسق معناه: وأحدث عهد من أمينة نظرة ... على جانب العلياء إذ أنا واقف يقول: وأقرب عهد أي لقاء ورؤية لأمينة محبوبتي تصغير آمنة هو نظرة مني لها بجانب تلك البقعة إذ أنا واقف هناك أي حين وقوفي بها وفيه إشعار بأنه كان وافقا يترقب رؤيتها فلما رأته قالت له: حنان أي أمري حنان ورحمة لك وهو من المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ لأنه مصدر محول عن النصب وقولها: ما أتى بك هاهنا؟ استفهام تعجبي أذو نسب أي أأنت ذو نسب أم أنت عارف بهذا الحي ويجوز أن يكون أذو نسب بدلا من ما الاستفهامية أي ما الذي حملك على المجيء هنا أو الذي دلّك عليه صاحب قرابة من الحي أي معرفتك به ويجوز أن الاستفهام حقيقي حكته على لسان غيرها لتلقنه الجواب بقولها: أذو نسب مع معرفتها سبب مجيئه وهو حبها فربما سأله أحد من أهلها فيجيبه بأحد هذين الجوابين وقيل حنانا من الله عليه، وحنّ بمعنى ارتاح واشتاق ثم استعمل في الرأفة والعطف وقيل لله حنان كما قيل رحيم على سبيل الاستعارة. (عَصِيًّا) : صيغة مبالغة وأصل عصيا عصييا بوزن فعيل أدغمت الياء فيه وأتى بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل لأن المنفي أصل العصيان لا المبالغة فيه. الإعراب: (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى) يا حرف نداء وزكريا منادى مفرد علم مبني على الضم وقرىء زكرياء بالهمز على الأصل وإنا ان واسمها وجملة نبشرك خبرها والكاف مفعول به وبغلام جار ومجرور متعلقان بنبشرك واسمه مبتدأ ويحيى خبره والجملة الاسمية صفة لغلام. (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) الجملة صفة ثانية لغلام وله مفعول نجعل الثاني ومن قبل حال وسميا مفعول نجعل الأول. (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وأنى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بالاستقرار في خبر يكون ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم وغلام اسمها المؤخر وكانت الواو للحال وكانت امرأتي عاقرا كان واسمها وخبرها والجملة حالية وقد بلغت من الكبر جملة حالية أيضا ومن الكبر متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال من عتيا لأنه كان صفة له وتقدم عليه وعتيا مفعول بلغت ولا تلتفت إلى الأعاريب التي تكلفها المعربون كاعرابها حالا وتمييزا ومن زائدة وهذا لا يليق بكتاب الله. (قالَ: كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) قال فعل ماض وفاعله مستتر قيل يعود على الله تعالى وقيل على جبريل وكذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك أو نصب بقال أو بفعل محذوف تقديره أفعل كذلك والاشارة إلى مبهم يفسره هو على هين، وقال ربك فعل وفاعل وهو مبتدأ وعلي متعلقان بهين وهين خبر هو ولقد الواو حالية وقد حرف تحقيق وخلقتك فعل وفاعل ومفعول به ومن قبل متعلقان بخلقتك والواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتك فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسم تك مستتر وشيئا خبر تك وجملة ولم تك شيئا حال متداخلة وسوف يأتي بحث الشيء بين أهل السنة والمعتزلة وبراعة المتنبي في هذا الباب. (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) رب منادى وقد تقدم إعرابه واجعل فعل أمر ولي مفعول به ثان وآية مفعول به أول. (قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) آيتك مبتدأ وأن وما في حيزها خبر والناس مفعول به وثلاث ليال نصب على الظرف والظرف متعلق بتكلم وسويا حال من فاعل تكلم أي حالة كونك بلا علة وسليم الأعضاء وقيل سويا نسب على الصفة لثلاث بمعنى أنها كاملات. (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الفاء استئنافية وخرج فعل وفاعل مستتر وعلى قومه متعلقان بمحذوف حال ومن المحراب متعلقان بخرج فأوحى عطف على خرج وأن تفسيرية لأنها وقعت بعد جملة فيها معنى القول وسبحوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وبكرة ظرف زمان متعلق بسبحوه وعشيا عطف على بكرة ويجوز أن تكون أن مصدرية مفعولة بالإيحاء. (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) يا يحيى منادى مفرد علم وخذ الكتاب فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبقوة حال من فاعل خذ والباء للملابسة أي حال كونك ملتبسا بقوة واجتهاد وآتيناه الواو استئنافية وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به أول والحكم مفعول به ثان وصبيا حال من الهاء. (وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا) وحنانا عطف على الحكم أي وآتيناه حنانا أي رحمة ورقة في قلبه وعطفا على الآخرين وقيل مفعول مطلق لفعل محذوف وهو بعيد ومن لدنا متعلقان بمحذوف صفة لحنان وزكاة عطف على حنانا وكان تقيا عطف على آتيناه وكان واسمها المستتر وتقيا خبرها. (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا) وبرا عطف على تقيا وبوالديه متعلقان ببرا ولم يكن عطف على وكان تقيا واسم يكن مستتر تقديره هو وجبارا خبرها وعصيا نعت. (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) الواو استئنافية وسلام مبتدأ وساغ الابتداء به مع أنه نكرة لتضمنه معنى الدعاء وعليه خبر ويوم ظرف متعلق بسلام وجملة ولد مضافة للظرف وما بعده عطف عليه وحيا حال. البلاغة: الإيجاز في قوله تعالى «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ» فظاهر الكلام يوهم أنه استبعد ما وعده الله عز وجل بوقوعه ولا يجوز لأحد بله النبي النطق بما لا يسوغ أو بما في ظاهره الإيهام فجاء الكلام موجزا وتقديره هل تعاد لنا قوتنا وشبابنا فنرزق بغلام؟ أو هل يكون الولد لغير الزوجة العاقر؟ وإذن فالمستبعد هو مجيء الولد منهما بحالهما ولكن الجواب أزال الاشكال إذ قيل له سيكون لكما الولد وأنتما بحالكما. الفوائد: اختلف أهل السنة والمعتزلة في الشيء فالمعتزلة يعتقدون أن الشيء يتناول الموجود والمعدوم الذي يصح وجوده فلا يتناول المستحيل إذن أما أهل السنة فلا يتناول الشيء عندهم إلا الموجود، والآية تشهد لأهل السنة لأن قوله «وَلَمْ تَكُ شَيْئاً» صريحة في ذلك، وقد رمق المتنبي من طرف خفي بعيد هذا الخلاف، فاستعمله في وصف الجبان وذلك في قصيدة مستجادة له في مديح سعيد بن عبد الله بن سعيد الكلابي المنبجي وهي مما قاله في صباه قال: وضاقت الأرض حتى كادها ربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا وقد غفل شراحه عن حقيقة الخلاف المشتجر بين أهل السنة والاعتزال فذهبوا في تفسير هذا البيت كل مذهب قال ابن القطاع: «قد أوخذ في هذا البيت فقيل: كيف يرى غير شيء، وغير شيء معدوم والمعدوم لا يرى؟ وفيه تناقض. وليس الأمر كما قالوا بل أراد غير شيء يعبأ به» وقال أبو بكر الخوارزمي: «رأى في هذا البيت ليست من رؤية العين وإنما هو من رؤية القلب يريد به التوهم وغير الشيء يجوز أن يتوهم ومثله كثير» وقال الواحدي: «إذا رأى غير شيء يعبأ به أو يفكر في مثله ظنه إنسانا يطلبه وكذلك عادة الخائف الهارب كقول جرير: ما زال يحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا قال أبو عبيد: لما أنشد الأخطل قول جرير هذا قال: سرقه والله من كتابهم «يحسبون كل صيحة عليهم» ويجوز حذف الصفة وترك الموصوف دالا عليها كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» أجمعوا على أن المعنى لا صلاة كاملة فاضلة، ويقولون: هذا ليس بشيء يريدون شيئا جيدا. وقال بعض المتكلمين: إن الله خلق الأشياء من لا شيء فقيل هذا خطأ لأن لا شيء لا يخلق منه شيء ومن قال إن الله يخلق من لا شيء جعل لا شيء يخلق منه والصحيح أن يقال يخلق لا من شيء لأنه إذا قال لا من شيء نفى أن يكون قبل خلقه شيء يخلق منه الأشياء» والصحيح ما قاله: أي إذا رأى غير شيء يخاف منه، ومن هذا الوادي «حتى إذا جاءه أم يجده شيئا» معناه يريده أو يطلبه أو يغنيه عن الماء أي شيئا نافعا مغنيا.

مريم 19:12

اللغة: (سَمِيًّا) : السمي: المسمّى وهو فعيل بمعنى مفعول وأصله سميو اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء أي مسمى بيحيى قال الزمخشري: «وهذا شاهد على أن الاسامي السنع جديرة بالاثرة وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم: سنع الأسامي مسبلي أزر ... حمر تمس الأرض بالهدب انتهى كلام الزمخشري وسنع الاسامي أي أسماؤهم حسنة يقال سنع الرجل كظرف فهو سنيع أي جميل وأسنع والمرأة سنعاء وسنع جمع أسنع كحمر في جمع أحمر من السناعة وهي الجمال كما أفاده في الصحاح أي أسماؤهم حسنة فهي أنبه وأنوه وأنزه عن النبز والحمر صفة الأزر وتمس صفة أخرى لها وهدب الشيء طرفه والمناسب للمعنى أن المراد به الجمع ويمكن أن تكون ضمته مفردا كقفل وجمعا كفلك ويجوز أنه اسم جمع ولذلك جاء في واحده هدبه، ومس الأرض بالأطراف كناية عن طولها بل عن غناهم وقيل معنى السمي المثل والشبيه والشكل والنظير كما في القاموس وغيره فكل واحد منهما سمي لصاحبه ونحو يحيى في أسمائهم يعمر ويعيش إن كانت التسمية عربية وقد سموا بيموت أيضا وهو يموت بن المزرع وقيل هو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (عِتِيًّا) : في المختار: «عتا من باب سما وعتيا أيضا بضم العين وكسرها وهو عات فالعاتي المجاوز للحد في الاستكبار وعتا الشيخ يعتو عتوا بضم العين وكسرها كبر وولى» وقال الزمخشري: «أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل يقال عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا» (آيَةً) : علامة على حمل امرأتي. (الْمِحْرابِ) : في القاموس: «المحراب: الغرفة، وصدر البيت وأكرم مواضعه ومقام الامام من المسجد والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس» وأما المحراب المعروف الآن وهو طاق مجوف في حائط المسجد يصلي فيه الامام فهو محدث لا تعرفه العرب فتسميته محرابا اصطلاح للفقهاء، هذا ما قاله الشهاب في حاشيته على البيضاوي ولكن المغني اللغوي الذي ذكره الفيروز بادي ينطبق عليه وهو «مقام الإمام في المسجد» . (الْحُكْمَ) : الحكمة ومنه قول النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسّبوه فألفوه كما ذكرت ... ستا وستين لم تنقص ولم تزد والفتاة التي حكمت هي زرقاء اليمامة التي يضرب بها المثل في حدة البصر نظرت إلى حمام مسرع إلى الماء فقالت: ليت الحمام ليه ... إلى حمامتيه ونصفه قديه ... تم الحمام ميه فوقع في شبكة صياد فحسبوه فوجدوه ستا وستين حمامة ونصفه ثلاث وثلاثون فإذا ضم الجميع إلى حمامتها صار مائة وشراع بكسر الشين ما يرفع وبه سمي الشراع وهو مثل الملاءة الواسعة يشرع وينصب على السفينة فتهب فيه الرياح فتمضي بالسفينة، ويروى سراع جمع سريع وصفه به لأنه جمع في المعنى كما وصفه بوارد وهو مفرد لأنه مفرد في اللفظ وروى الحمام أو نصفه بالرفع على إهمال ليتما وبالنصب على أعمالها لأن ما الزائدة تكف ان وأخواتها ما عدا ليت فيجوز أعمالها وإلغاؤها وأو بمعنى الواو وقد بمعنى حسب فهي اسم أضيفت إلى ياء المتكلم بغير نون الوقاية كما يقال حسبي والفاء زائدة لتحسين اللفظ كفاء فقط وكلاهما بمعنى انته، وحسبوه بتشديد السين ليسلم البيت من الخبن وهو نوع من الزحاف معيب وقيل الحكم العقل وقيل النبوة لأن الله أحكم عقله في صباه وأوحى اليه. (وَحَناناً) : أي رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفا وشفقة وأنشد: وقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف وهذا البيت لمنذر الكلبي وقبله ليتسق معناه: وأحدث عهد من أمينة نظرة ... على جانب العلياء إذ أنا واقف يقول: وأقرب عهد أي لقاء ورؤية لأمينة محبوبتي تصغير آمنة هو نظرة مني لها بجانب تلك البقعة إذ أنا واقف هناك أي حين وقوفي بها وفيه إشعار بأنه كان وافقا يترقب رؤيتها فلما رأته قالت له: حنان أي أمري حنان ورحمة لك وهو من المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ لأنه مصدر محول عن النصب وقولها: ما أتى بك هاهنا؟ استفهام تعجبي أذو نسب أي أأنت ذو نسب أم أنت عارف بهذا الحي ويجوز أن يكون أذو نسب بدلا من ما الاستفهامية أي ما الذي حملك على المجيء هنا أو الذي دلّك عليه صاحب قرابة من الحي أي معرفتك به ويجوز أن الاستفهام حقيقي حكته على لسان غيرها لتلقنه الجواب بقولها: أذو نسب مع معرفتها سبب مجيئه وهو حبها فربما سأله أحد من أهلها فيجيبه بأحد هذين الجوابين وقيل حنانا من الله عليه، وحنّ بمعنى ارتاح واشتاق ثم استعمل في الرأفة والعطف وقيل لله حنان كما قيل رحيم على سبيل الاستعارة. (عَصِيًّا) : صيغة مبالغة وأصل عصيا عصييا بوزن فعيل أدغمت الياء فيه وأتى بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل لأن المنفي أصل العصيان لا المبالغة فيه. الإعراب: (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى) يا حرف نداء وزكريا منادى مفرد علم مبني على الضم وقرىء زكرياء بالهمز على الأصل وإنا ان واسمها وجملة نبشرك خبرها والكاف مفعول به وبغلام جار ومجرور متعلقان بنبشرك واسمه مبتدأ ويحيى خبره والجملة الاسمية صفة لغلام. (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) الجملة صفة ثانية لغلام وله مفعول نجعل الثاني ومن قبل حال وسميا مفعول نجعل الأول. (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وأنى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بالاستقرار في خبر يكون ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم وغلام اسمها المؤخر وكانت الواو للحال وكانت امرأتي عاقرا كان واسمها وخبرها والجملة حالية وقد بلغت من الكبر جملة حالية أيضا ومن الكبر متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال من عتيا لأنه كان صفة له وتقدم عليه وعتيا مفعول بلغت ولا تلتفت إلى الأعاريب التي تكلفها المعربون كاعرابها حالا وتمييزا ومن زائدة وهذا لا يليق بكتاب الله. (قالَ: كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) قال فعل ماض وفاعله مستتر قيل يعود على الله تعالى وقيل على جبريل وكذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك أو نصب بقال أو بفعل محذوف تقديره أفعل كذلك والاشارة إلى مبهم يفسره هو على هين، وقال ربك فعل وفاعل وهو مبتدأ وعلي متعلقان بهين وهين خبر هو ولقد الواو حالية وقد حرف تحقيق وخلقتك فعل وفاعل ومفعول به ومن قبل متعلقان بخلقتك والواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتك فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسم تك مستتر وشيئا خبر تك وجملة ولم تك شيئا حال متداخلة وسوف يأتي بحث الشيء بين أهل السنة والمعتزلة وبراعة المتنبي في هذا الباب. (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) رب منادى وقد تقدم إعرابه واجعل فعل أمر ولي مفعول به ثان وآية مفعول به أول. (قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) آيتك مبتدأ وأن وما في حيزها خبر والناس مفعول به وثلاث ليال نصب على الظرف والظرف متعلق بتكلم وسويا حال من فاعل تكلم أي حالة كونك بلا علة وسليم الأعضاء وقيل سويا نسب على الصفة لثلاث بمعنى أنها كاملات. (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الفاء استئنافية وخرج فعل وفاعل مستتر وعلى قومه متعلقان بمحذوف حال ومن المحراب متعلقان بخرج فأوحى عطف على خرج وأن تفسيرية لأنها وقعت بعد جملة فيها معنى القول وسبحوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وبكرة ظرف زمان متعلق بسبحوه وعشيا عطف على بكرة ويجوز أن تكون أن مصدرية مفعولة بالإيحاء. (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) يا يحيى منادى مفرد علم وخذ الكتاب فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبقوة حال من فاعل خذ والباء للملابسة أي حال كونك ملتبسا بقوة واجتهاد وآتيناه الواو استئنافية وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به أول والحكم مفعول به ثان وصبيا حال من الهاء. (وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا) وحنانا عطف على الحكم أي وآتيناه حنانا أي رحمة ورقة في قلبه وعطفا على الآخرين وقيل مفعول مطلق لفعل محذوف وهو بعيد ومن لدنا متعلقان بمحذوف صفة لحنان وزكاة عطف على حنانا وكان تقيا عطف على آتيناه وكان واسمها المستتر وتقيا خبرها. (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا) وبرا عطف على تقيا وبوالديه متعلقان ببرا ولم يكن عطف على وكان تقيا واسم يكن مستتر تقديره هو وجبارا خبرها وعصيا نعت. (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) الواو استئنافية وسلام مبتدأ وساغ الابتداء به مع أنه نكرة لتضمنه معنى الدعاء وعليه خبر ويوم ظرف متعلق بسلام وجملة ولد مضافة للظرف وما بعده عطف عليه وحيا حال. البلاغة: الإيجاز في قوله تعالى «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ» فظاهر الكلام يوهم أنه استبعد ما وعده الله عز وجل بوقوعه ولا يجوز لأحد بله النبي النطق بما لا يسوغ أو بما في ظاهره الإيهام فجاء الكلام موجزا وتقديره هل تعاد لنا قوتنا وشبابنا فنرزق بغلام؟ أو هل يكون الولد لغير الزوجة العاقر؟ وإذن فالمستبعد هو مجيء الولد منهما بحالهما ولكن الجواب أزال الاشكال إذ قيل له سيكون لكما الولد وأنتما بحالكما. الفوائد: اختلف أهل السنة والمعتزلة في الشيء فالمعتزلة يعتقدون أن الشيء يتناول الموجود والمعدوم الذي يصح وجوده فلا يتناول المستحيل إذن أما أهل السنة فلا يتناول الشيء عندهم إلا الموجود، والآية تشهد لأهل السنة لأن قوله «وَلَمْ تَكُ شَيْئاً» صريحة في ذلك، وقد رمق المتنبي من طرف خفي بعيد هذا الخلاف، فاستعمله في وصف الجبان وذلك في قصيدة مستجادة له في مديح سعيد بن عبد الله بن سعيد الكلابي المنبجي وهي مما قاله في صباه قال: وضاقت الأرض حتى كادها ربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا وقد غفل شراحه عن حقيقة الخلاف المشتجر بين أهل السنة والاعتزال فذهبوا في تفسير هذا البيت كل مذهب قال ابن القطاع: «قد أوخذ في هذا البيت فقيل: كيف يرى غير شيء، وغير شيء معدوم والمعدوم لا يرى؟ وفيه تناقض. وليس الأمر كما قالوا بل أراد غير شيء يعبأ به» وقال أبو بكر الخوارزمي: «رأى في هذا البيت ليست من رؤية العين وإنما هو من رؤية القلب يريد به التوهم وغير الشيء يجوز أن يتوهم ومثله كثير» وقال الواحدي: «إذا رأى غير شيء يعبأ به أو يفكر في مثله ظنه إنسانا يطلبه وكذلك عادة الخائف الهارب كقول جرير: ما زال يحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا قال أبو عبيد: لما أنشد الأخطل قول جرير هذا قال: سرقه والله من كتابهم «يحسبون كل صيحة عليهم» ويجوز حذف الصفة وترك الموصوف دالا عليها كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» أجمعوا على أن المعنى لا صلاة كاملة فاضلة، ويقولون: هذا ليس بشيء يريدون شيئا جيدا. وقال بعض المتكلمين: إن الله خلق الأشياء من لا شيء فقيل هذا خطأ لأن لا شيء لا يخلق منه شيء ومن قال إن الله يخلق من لا شيء جعل لا شيء يخلق منه والصحيح أن يقال يخلق لا من شيء لأنه إذا قال لا من شيء نفى أن يكون قبل خلقه شيء يخلق منه الأشياء» والصحيح ما قاله: أي إذا رأى غير شيء يخاف منه، ومن هذا الوادي «حتى إذا جاءه أم يجده شيئا» معناه يريده أو يطلبه أو يغنيه عن الماء أي شيئا نافعا مغنيا.

مريم 19:13

اللغة: (سَمِيًّا) : السمي: المسمّى وهو فعيل بمعنى مفعول وأصله سميو اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء أي مسمى بيحيى قال الزمخشري: «وهذا شاهد على أن الاسامي السنع جديرة بالاثرة وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم: سنع الأسامي مسبلي أزر ... حمر تمس الأرض بالهدب انتهى كلام الزمخشري وسنع الاسامي أي أسماؤهم حسنة يقال سنع الرجل كظرف فهو سنيع أي جميل وأسنع والمرأة سنعاء وسنع جمع أسنع كحمر في جمع أحمر من السناعة وهي الجمال كما أفاده في الصحاح أي أسماؤهم حسنة فهي أنبه وأنوه وأنزه عن النبز والحمر صفة الأزر وتمس صفة أخرى لها وهدب الشيء طرفه والمناسب للمعنى أن المراد به الجمع ويمكن أن تكون ضمته مفردا كقفل وجمعا كفلك ويجوز أنه اسم جمع ولذلك جاء في واحده هدبه، ومس الأرض بالأطراف كناية عن طولها بل عن غناهم وقيل معنى السمي المثل والشبيه والشكل والنظير كما في القاموس وغيره فكل واحد منهما سمي لصاحبه ونحو يحيى في أسمائهم يعمر ويعيش إن كانت التسمية عربية وقد سموا بيموت أيضا وهو يموت بن المزرع وقيل هو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (عِتِيًّا) : في المختار: «عتا من باب سما وعتيا أيضا بضم العين وكسرها وهو عات فالعاتي المجاوز للحد في الاستكبار وعتا الشيخ يعتو عتوا بضم العين وكسرها كبر وولى» وقال الزمخشري: «أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل يقال عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا» (آيَةً) : علامة على حمل امرأتي. (الْمِحْرابِ) : في القاموس: «المحراب: الغرفة، وصدر البيت وأكرم مواضعه ومقام الامام من المسجد والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس» وأما المحراب المعروف الآن وهو طاق مجوف في حائط المسجد يصلي فيه الامام فهو محدث لا تعرفه العرب فتسميته محرابا اصطلاح للفقهاء، هذا ما قاله الشهاب في حاشيته على البيضاوي ولكن المغني اللغوي الذي ذكره الفيروز بادي ينطبق عليه وهو «مقام الإمام في المسجد» . (الْحُكْمَ) : الحكمة ومنه قول النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسّبوه فألفوه كما ذكرت ... ستا وستين لم تنقص ولم تزد والفتاة التي حكمت هي زرقاء اليمامة التي يضرب بها المثل في حدة البصر نظرت إلى حمام مسرع إلى الماء فقالت: ليت الحمام ليه ... إلى حمامتيه ونصفه قديه ... تم الحمام ميه فوقع في شبكة صياد فحسبوه فوجدوه ستا وستين حمامة ونصفه ثلاث وثلاثون فإذا ضم الجميع إلى حمامتها صار مائة وشراع بكسر الشين ما يرفع وبه سمي الشراع وهو مثل الملاءة الواسعة يشرع وينصب على السفينة فتهب فيه الرياح فتمضي بالسفينة، ويروى سراع جمع سريع وصفه به لأنه جمع في المعنى كما وصفه بوارد وهو مفرد لأنه مفرد في اللفظ وروى الحمام أو نصفه بالرفع على إهمال ليتما وبالنصب على أعمالها لأن ما الزائدة تكف ان وأخواتها ما عدا ليت فيجوز أعمالها وإلغاؤها وأو بمعنى الواو وقد بمعنى حسب فهي اسم أضيفت إلى ياء المتكلم بغير نون الوقاية كما يقال حسبي والفاء زائدة لتحسين اللفظ كفاء فقط وكلاهما بمعنى انته، وحسبوه بتشديد السين ليسلم البيت من الخبن وهو نوع من الزحاف معيب وقيل الحكم العقل وقيل النبوة لأن الله أحكم عقله في صباه وأوحى اليه. (وَحَناناً) : أي رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفا وشفقة وأنشد: وقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف وهذا البيت لمنذر الكلبي وقبله ليتسق معناه: وأحدث عهد من أمينة نظرة ... على جانب العلياء إذ أنا واقف يقول: وأقرب عهد أي لقاء ورؤية لأمينة محبوبتي تصغير آمنة هو نظرة مني لها بجانب تلك البقعة إذ أنا واقف هناك أي حين وقوفي بها وفيه إشعار بأنه كان وافقا يترقب رؤيتها فلما رأته قالت له: حنان أي أمري حنان ورحمة لك وهو من المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ لأنه مصدر محول عن النصب وقولها: ما أتى بك هاهنا؟ استفهام تعجبي أذو نسب أي أأنت ذو نسب أم أنت عارف بهذا الحي ويجوز أن يكون أذو نسب بدلا من ما الاستفهامية أي ما الذي حملك على المجيء هنا أو الذي دلّك عليه صاحب قرابة من الحي أي معرفتك به ويجوز أن الاستفهام حقيقي حكته على لسان غيرها لتلقنه الجواب بقولها: أذو نسب مع معرفتها سبب مجيئه وهو حبها فربما سأله أحد من أهلها فيجيبه بأحد هذين الجوابين وقيل حنانا من الله عليه، وحنّ بمعنى ارتاح واشتاق ثم استعمل في الرأفة والعطف وقيل لله حنان كما قيل رحيم على سبيل الاستعارة. (عَصِيًّا) : صيغة مبالغة وأصل عصيا عصييا بوزن فعيل أدغمت الياء فيه وأتى بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل لأن المنفي أصل العصيان لا المبالغة فيه. الإعراب: (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى) يا حرف نداء وزكريا منادى مفرد علم مبني على الضم وقرىء زكرياء بالهمز على الأصل وإنا ان واسمها وجملة نبشرك خبرها والكاف مفعول به وبغلام جار ومجرور متعلقان بنبشرك واسمه مبتدأ ويحيى خبره والجملة الاسمية صفة لغلام. (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) الجملة صفة ثانية لغلام وله مفعول نجعل الثاني ومن قبل حال وسميا مفعول نجعل الأول. (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وأنى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بالاستقرار في خبر يكون ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم وغلام اسمها المؤخر وكانت الواو للحال وكانت امرأتي عاقرا كان واسمها وخبرها والجملة حالية وقد بلغت من الكبر جملة حالية أيضا ومن الكبر متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال من عتيا لأنه كان صفة له وتقدم عليه وعتيا مفعول بلغت ولا تلتفت إلى الأعاريب التي تكلفها المعربون كاعرابها حالا وتمييزا ومن زائدة وهذا لا يليق بكتاب الله. (قالَ: كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) قال فعل ماض وفاعله مستتر قيل يعود على الله تعالى وقيل على جبريل وكذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك أو نصب بقال أو بفعل محذوف تقديره أفعل كذلك والاشارة إلى مبهم يفسره هو على هين، وقال ربك فعل وفاعل وهو مبتدأ وعلي متعلقان بهين وهين خبر هو ولقد الواو حالية وقد حرف تحقيق وخلقتك فعل وفاعل ومفعول به ومن قبل متعلقان بخلقتك والواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتك فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسم تك مستتر وشيئا خبر تك وجملة ولم تك شيئا حال متداخلة وسوف يأتي بحث الشيء بين أهل السنة والمعتزلة وبراعة المتنبي في هذا الباب. (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) رب منادى وقد تقدم إعرابه واجعل فعل أمر ولي مفعول به ثان وآية مفعول به أول. (قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) آيتك مبتدأ وأن وما في حيزها خبر والناس مفعول به وثلاث ليال نصب على الظرف والظرف متعلق بتكلم وسويا حال من فاعل تكلم أي حالة كونك بلا علة وسليم الأعضاء وقيل سويا نسب على الصفة لثلاث بمعنى أنها كاملات. (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الفاء استئنافية وخرج فعل وفاعل مستتر وعلى قومه متعلقان بمحذوف حال ومن المحراب متعلقان بخرج فأوحى عطف على خرج وأن تفسيرية لأنها وقعت بعد جملة فيها معنى القول وسبحوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وبكرة ظرف زمان متعلق بسبحوه وعشيا عطف على بكرة ويجوز أن تكون أن مصدرية مفعولة بالإيحاء. (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) يا يحيى منادى مفرد علم وخذ الكتاب فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبقوة حال من فاعل خذ والباء للملابسة أي حال كونك ملتبسا بقوة واجتهاد وآتيناه الواو استئنافية وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به أول والحكم مفعول به ثان وصبيا حال من الهاء. (وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا) وحنانا عطف على الحكم أي وآتيناه حنانا أي رحمة ورقة في قلبه وعطفا على الآخرين وقيل مفعول مطلق لفعل محذوف وهو بعيد ومن لدنا متعلقان بمحذوف صفة لحنان وزكاة عطف على حنانا وكان تقيا عطف على آتيناه وكان واسمها المستتر وتقيا خبرها. (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا) وبرا عطف على تقيا وبوالديه متعلقان ببرا ولم يكن عطف على وكان تقيا واسم يكن مستتر تقديره هو وجبارا خبرها وعصيا نعت. (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) الواو استئنافية وسلام مبتدأ وساغ الابتداء به مع أنه نكرة لتضمنه معنى الدعاء وعليه خبر ويوم ظرف متعلق بسلام وجملة ولد مضافة للظرف وما بعده عطف عليه وحيا حال. البلاغة: الإيجاز في قوله تعالى «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ» فظاهر الكلام يوهم أنه استبعد ما وعده الله عز وجل بوقوعه ولا يجوز لأحد بله النبي النطق بما لا يسوغ أو بما في ظاهره الإيهام فجاء الكلام موجزا وتقديره هل تعاد لنا قوتنا وشبابنا فنرزق بغلام؟ أو هل يكون الولد لغير الزوجة العاقر؟ وإذن فالمستبعد هو مجيء الولد منهما بحالهما ولكن الجواب أزال الاشكال إذ قيل له سيكون لكما الولد وأنتما بحالكما. الفوائد: اختلف أهل السنة والمعتزلة في الشيء فالمعتزلة يعتقدون أن الشيء يتناول الموجود والمعدوم الذي يصح وجوده فلا يتناول المستحيل إذن أما أهل السنة فلا يتناول الشيء عندهم إلا الموجود، والآية تشهد لأهل السنة لأن قوله «وَلَمْ تَكُ شَيْئاً» صريحة في ذلك، وقد رمق المتنبي من طرف خفي بعيد هذا الخلاف، فاستعمله في وصف الجبان وذلك في قصيدة مستجادة له في مديح سعيد بن عبد الله بن سعيد الكلابي المنبجي وهي مما قاله في صباه قال: وضاقت الأرض حتى كادها ربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا وقد غفل شراحه عن حقيقة الخلاف المشتجر بين أهل السنة والاعتزال فذهبوا في تفسير هذا البيت كل مذهب قال ابن القطاع: «قد أوخذ في هذا البيت فقيل: كيف يرى غير شيء، وغير شيء معدوم والمعدوم لا يرى؟ وفيه تناقض. وليس الأمر كما قالوا بل أراد غير شيء يعبأ به» وقال أبو بكر الخوارزمي: «رأى في هذا البيت ليست من رؤية العين وإنما هو من رؤية القلب يريد به التوهم وغير الشيء يجوز أن يتوهم ومثله كثير» وقال الواحدي: «إذا رأى غير شيء يعبأ به أو يفكر في مثله ظنه إنسانا يطلبه وكذلك عادة الخائف الهارب كقول جرير: ما زال يحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا قال أبو عبيد: لما أنشد الأخطل قول جرير هذا قال: سرقه والله من كتابهم «يحسبون كل صيحة عليهم» ويجوز حذف الصفة وترك الموصوف دالا عليها كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» أجمعوا على أن المعنى لا صلاة كاملة فاضلة، ويقولون: هذا ليس بشيء يريدون شيئا جيدا. وقال بعض المتكلمين: إن الله خلق الأشياء من لا شيء فقيل هذا خطأ لأن لا شيء لا يخلق منه شيء ومن قال إن الله يخلق من لا شيء جعل لا شيء يخلق منه والصحيح أن يقال يخلق لا من شيء لأنه إذا قال لا من شيء نفى أن يكون قبل خلقه شيء يخلق منه الأشياء» والصحيح ما قاله: أي إذا رأى غير شيء يخاف منه، ومن هذا الوادي «حتى إذا جاءه أم يجده شيئا» معناه يريده أو يطلبه أو يغنيه عن الماء أي شيئا نافعا مغنيا.

مريم 19:14

اللغة: (سَمِيًّا) : السمي: المسمّى وهو فعيل بمعنى مفعول وأصله سميو اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء أي مسمى بيحيى قال الزمخشري: «وهذا شاهد على أن الاسامي السنع جديرة بالاثرة وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم: سنع الأسامي مسبلي أزر ... حمر تمس الأرض بالهدب انتهى كلام الزمخشري وسنع الاسامي أي أسماؤهم حسنة يقال سنع الرجل كظرف فهو سنيع أي جميل وأسنع والمرأة سنعاء وسنع جمع أسنع كحمر في جمع أحمر من السناعة وهي الجمال كما أفاده في الصحاح أي أسماؤهم حسنة فهي أنبه وأنوه وأنزه عن النبز والحمر صفة الأزر وتمس صفة أخرى لها وهدب الشيء طرفه والمناسب للمعنى أن المراد به الجمع ويمكن أن تكون ضمته مفردا كقفل وجمعا كفلك ويجوز أنه اسم جمع ولذلك جاء في واحده هدبه، ومس الأرض بالأطراف كناية عن طولها بل عن غناهم وقيل معنى السمي المثل والشبيه والشكل والنظير كما في القاموس وغيره فكل واحد منهما سمي لصاحبه ونحو يحيى في أسمائهم يعمر ويعيش إن كانت التسمية عربية وقد سموا بيموت أيضا وهو يموت بن المزرع وقيل هو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (عِتِيًّا) : في المختار: «عتا من باب سما وعتيا أيضا بضم العين وكسرها وهو عات فالعاتي المجاوز للحد في الاستكبار وعتا الشيخ يعتو عتوا بضم العين وكسرها كبر وولى» وقال الزمخشري: «أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل يقال عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا» (آيَةً) : علامة على حمل امرأتي. (الْمِحْرابِ) : في القاموس: «المحراب: الغرفة، وصدر البيت وأكرم مواضعه ومقام الامام من المسجد والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس» وأما المحراب المعروف الآن وهو طاق مجوف في حائط المسجد يصلي فيه الامام فهو محدث لا تعرفه العرب فتسميته محرابا اصطلاح للفقهاء، هذا ما قاله الشهاب في حاشيته على البيضاوي ولكن المغني اللغوي الذي ذكره الفيروز بادي ينطبق عليه وهو «مقام الإمام في المسجد» . (الْحُكْمَ) : الحكمة ومنه قول النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسّبوه فألفوه كما ذكرت ... ستا وستين لم تنقص ولم تزد والفتاة التي حكمت هي زرقاء اليمامة التي يضرب بها المثل في حدة البصر نظرت إلى حمام مسرع إلى الماء فقالت: ليت الحمام ليه ... إلى حمامتيه ونصفه قديه ... تم الحمام ميه فوقع في شبكة صياد فحسبوه فوجدوه ستا وستين حمامة ونصفه ثلاث وثلاثون فإذا ضم الجميع إلى حمامتها صار مائة وشراع بكسر الشين ما يرفع وبه سمي الشراع وهو مثل الملاءة الواسعة يشرع وينصب على السفينة فتهب فيه الرياح فتمضي بالسفينة، ويروى سراع جمع سريع وصفه به لأنه جمع في المعنى كما وصفه بوارد وهو مفرد لأنه مفرد في اللفظ وروى الحمام أو نصفه بالرفع على إهمال ليتما وبالنصب على أعمالها لأن ما الزائدة تكف ان وأخواتها ما عدا ليت فيجوز أعمالها وإلغاؤها وأو بمعنى الواو وقد بمعنى حسب فهي اسم أضيفت إلى ياء المتكلم بغير نون الوقاية كما يقال حسبي والفاء زائدة لتحسين اللفظ كفاء فقط وكلاهما بمعنى انته، وحسبوه بتشديد السين ليسلم البيت من الخبن وهو نوع من الزحاف معيب وقيل الحكم العقل وقيل النبوة لأن الله أحكم عقله في صباه وأوحى اليه. (وَحَناناً) : أي رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفا وشفقة وأنشد: وقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف وهذا البيت لمنذر الكلبي وقبله ليتسق معناه: وأحدث عهد من أمينة نظرة ... على جانب العلياء إذ أنا واقف يقول: وأقرب عهد أي لقاء ورؤية لأمينة محبوبتي تصغير آمنة هو نظرة مني لها بجانب تلك البقعة إذ أنا واقف هناك أي حين وقوفي بها وفيه إشعار بأنه كان وافقا يترقب رؤيتها فلما رأته قالت له: حنان أي أمري حنان ورحمة لك وهو من المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ لأنه مصدر محول عن النصب وقولها: ما أتى بك هاهنا؟ استفهام تعجبي أذو نسب أي أأنت ذو نسب أم أنت عارف بهذا الحي ويجوز أن يكون أذو نسب بدلا من ما الاستفهامية أي ما الذي حملك على المجيء هنا أو الذي دلّك عليه صاحب قرابة من الحي أي معرفتك به ويجوز أن الاستفهام حقيقي حكته على لسان غيرها لتلقنه الجواب بقولها: أذو نسب مع معرفتها سبب مجيئه وهو حبها فربما سأله أحد من أهلها فيجيبه بأحد هذين الجوابين وقيل حنانا من الله عليه، وحنّ بمعنى ارتاح واشتاق ثم استعمل في الرأفة والعطف وقيل لله حنان كما قيل رحيم على سبيل الاستعارة. (عَصِيًّا) : صيغة مبالغة وأصل عصيا عصييا بوزن فعيل أدغمت الياء فيه وأتى بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل لأن المنفي أصل العصيان لا المبالغة فيه. الإعراب: (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى) يا حرف نداء وزكريا منادى مفرد علم مبني على الضم وقرىء زكرياء بالهمز على الأصل وإنا ان واسمها وجملة نبشرك خبرها والكاف مفعول به وبغلام جار ومجرور متعلقان بنبشرك واسمه مبتدأ ويحيى خبره والجملة الاسمية صفة لغلام. (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) الجملة صفة ثانية لغلام وله مفعول نجعل الثاني ومن قبل حال وسميا مفعول نجعل الأول. (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وأنى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بالاستقرار في خبر يكون ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم وغلام اسمها المؤخر وكانت الواو للحال وكانت امرأتي عاقرا كان واسمها وخبرها والجملة حالية وقد بلغت من الكبر جملة حالية أيضا ومن الكبر متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال من عتيا لأنه كان صفة له وتقدم عليه وعتيا مفعول بلغت ولا تلتفت إلى الأعاريب التي تكلفها المعربون كاعرابها حالا وتمييزا ومن زائدة وهذا لا يليق بكتاب الله. (قالَ: كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) قال فعل ماض وفاعله مستتر قيل يعود على الله تعالى وقيل على جبريل وكذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك أو نصب بقال أو بفعل محذوف تقديره أفعل كذلك والاشارة إلى مبهم يفسره هو على هين، وقال ربك فعل وفاعل وهو مبتدأ وعلي متعلقان بهين وهين خبر هو ولقد الواو حالية وقد حرف تحقيق وخلقتك فعل وفاعل ومفعول به ومن قبل متعلقان بخلقتك والواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتك فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسم تك مستتر وشيئا خبر تك وجملة ولم تك شيئا حال متداخلة وسوف يأتي بحث الشيء بين أهل السنة والمعتزلة وبراعة المتنبي في هذا الباب. (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) رب منادى وقد تقدم إعرابه واجعل فعل أمر ولي مفعول به ثان وآية مفعول به أول. (قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) آيتك مبتدأ وأن وما في حيزها خبر والناس مفعول به وثلاث ليال نصب على الظرف والظرف متعلق بتكلم وسويا حال من فاعل تكلم أي حالة كونك بلا علة وسليم الأعضاء وقيل سويا نسب على الصفة لثلاث بمعنى أنها كاملات. (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الفاء استئنافية وخرج فعل وفاعل مستتر وعلى قومه متعلقان بمحذوف حال ومن المحراب متعلقان بخرج فأوحى عطف على خرج وأن تفسيرية لأنها وقعت بعد جملة فيها معنى القول وسبحوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وبكرة ظرف زمان متعلق بسبحوه وعشيا عطف على بكرة ويجوز أن تكون أن مصدرية مفعولة بالإيحاء. (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) يا يحيى منادى مفرد علم وخذ الكتاب فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبقوة حال من فاعل خذ والباء للملابسة أي حال كونك ملتبسا بقوة واجتهاد وآتيناه الواو استئنافية وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به أول والحكم مفعول به ثان وصبيا حال من الهاء. (وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا) وحنانا عطف على الحكم أي وآتيناه حنانا أي رحمة ورقة في قلبه وعطفا على الآخرين وقيل مفعول مطلق لفعل محذوف وهو بعيد ومن لدنا متعلقان بمحذوف صفة لحنان وزكاة عطف على حنانا وكان تقيا عطف على آتيناه وكان واسمها المستتر وتقيا خبرها. (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا) وبرا عطف على تقيا وبوالديه متعلقان ببرا ولم يكن عطف على وكان تقيا واسم يكن مستتر تقديره هو وجبارا خبرها وعصيا نعت. (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) الواو استئنافية وسلام مبتدأ وساغ الابتداء به مع أنه نكرة لتضمنه معنى الدعاء وعليه خبر ويوم ظرف متعلق بسلام وجملة ولد مضافة للظرف وما بعده عطف عليه وحيا حال. البلاغة: الإيجاز في قوله تعالى «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ» فظاهر الكلام يوهم أنه استبعد ما وعده الله عز وجل بوقوعه ولا يجوز لأحد بله النبي النطق بما لا يسوغ أو بما في ظاهره الإيهام فجاء الكلام موجزا وتقديره هل تعاد لنا قوتنا وشبابنا فنرزق بغلام؟ أو هل يكون الولد لغير الزوجة العاقر؟ وإذن فالمستبعد هو مجيء الولد منهما بحالهما ولكن الجواب أزال الاشكال إذ قيل له سيكون لكما الولد وأنتما بحالكما. الفوائد: اختلف أهل السنة والمعتزلة في الشيء فالمعتزلة يعتقدون أن الشيء يتناول الموجود والمعدوم الذي يصح وجوده فلا يتناول المستحيل إذن أما أهل السنة فلا يتناول الشيء عندهم إلا الموجود، والآية تشهد لأهل السنة لأن قوله «وَلَمْ تَكُ شَيْئاً» صريحة في ذلك، وقد رمق المتنبي من طرف خفي بعيد هذا الخلاف، فاستعمله في وصف الجبان وذلك في قصيدة مستجادة له في مديح سعيد بن عبد الله بن سعيد الكلابي المنبجي وهي مما قاله في صباه قال: وضاقت الأرض حتى كادها ربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا وقد غفل شراحه عن حقيقة الخلاف المشتجر بين أهل السنة والاعتزال فذهبوا في تفسير هذا البيت كل مذهب قال ابن القطاع: «قد أوخذ في هذا البيت فقيل: كيف يرى غير شيء، وغير شيء معدوم والمعدوم لا يرى؟ وفيه تناقض. وليس الأمر كما قالوا بل أراد غير شيء يعبأ به» وقال أبو بكر الخوارزمي: «رأى في هذا البيت ليست من رؤية العين وإنما هو من رؤية القلب يريد به التوهم وغير الشيء يجوز أن يتوهم ومثله كثير» وقال الواحدي: «إذا رأى غير شيء يعبأ به أو يفكر في مثله ظنه إنسانا يطلبه وكذلك عادة الخائف الهارب كقول جرير: ما زال يحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا قال أبو عبيد: لما أنشد الأخطل قول جرير هذا قال: سرقه والله من كتابهم «يحسبون كل صيحة عليهم» ويجوز حذف الصفة وترك الموصوف دالا عليها كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» أجمعوا على أن المعنى لا صلاة كاملة فاضلة، ويقولون: هذا ليس بشيء يريدون شيئا جيدا. وقال بعض المتكلمين: إن الله خلق الأشياء من لا شيء فقيل هذا خطأ لأن لا شيء لا يخلق منه شيء ومن قال إن الله يخلق من لا شيء جعل لا شيء يخلق منه والصحيح أن يقال يخلق لا من شيء لأنه إذا قال لا من شيء نفى أن يكون قبل خلقه شيء يخلق منه الأشياء» والصحيح ما قاله: أي إذا رأى غير شيء يخاف منه، ومن هذا الوادي «حتى إذا جاءه أم يجده شيئا» معناه يريده أو يطلبه أو يغنيه عن الماء أي شيئا نافعا مغنيا.

مريم 19:15

اللغة: (سَمِيًّا) : السمي: المسمّى وهو فعيل بمعنى مفعول وأصله سميو اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء أي مسمى بيحيى قال الزمخشري: «وهذا شاهد على أن الاسامي السنع جديرة بالاثرة وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم: سنع الأسامي مسبلي أزر ... حمر تمس الأرض بالهدب انتهى كلام الزمخشري وسنع الاسامي أي أسماؤهم حسنة يقال سنع الرجل كظرف فهو سنيع أي جميل وأسنع والمرأة سنعاء وسنع جمع أسنع كحمر في جمع أحمر من السناعة وهي الجمال كما أفاده في الصحاح أي أسماؤهم حسنة فهي أنبه وأنوه وأنزه عن النبز والحمر صفة الأزر وتمس صفة أخرى لها وهدب الشيء طرفه والمناسب للمعنى أن المراد به الجمع ويمكن أن تكون ضمته مفردا كقفل وجمعا كفلك ويجوز أنه اسم جمع ولذلك جاء في واحده هدبه، ومس الأرض بالأطراف كناية عن طولها بل عن غناهم وقيل معنى السمي المثل والشبيه والشكل والنظير كما في القاموس وغيره فكل واحد منهما سمي لصاحبه ونحو يحيى في أسمائهم يعمر ويعيش إن كانت التسمية عربية وقد سموا بيموت أيضا وهو يموت بن المزرع وقيل هو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (عِتِيًّا) : في المختار: «عتا من باب سما وعتيا أيضا بضم العين وكسرها وهو عات فالعاتي المجاوز للحد في الاستكبار وعتا الشيخ يعتو عتوا بضم العين وكسرها كبر وولى» وقال الزمخشري: «أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل يقال عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا» (آيَةً) : علامة على حمل امرأتي. (الْمِحْرابِ) : في القاموس: «المحراب: الغرفة، وصدر البيت وأكرم مواضعه ومقام الامام من المسجد والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس» وأما المحراب المعروف الآن وهو طاق مجوف في حائط المسجد يصلي فيه الامام فهو محدث لا تعرفه العرب فتسميته محرابا اصطلاح للفقهاء، هذا ما قاله الشهاب في حاشيته على البيضاوي ولكن المغني اللغوي الذي ذكره الفيروز بادي ينطبق عليه وهو «مقام الإمام في المسجد» . (الْحُكْمَ) : الحكمة ومنه قول النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسّبوه فألفوه كما ذكرت ... ستا وستين لم تنقص ولم تزد والفتاة التي حكمت هي زرقاء اليمامة التي يضرب بها المثل في حدة البصر نظرت إلى حمام مسرع إلى الماء فقالت: ليت الحمام ليه ... إلى حمامتيه ونصفه قديه ... تم الحمام ميه فوقع في شبكة صياد فحسبوه فوجدوه ستا وستين حمامة ونصفه ثلاث وثلاثون فإذا ضم الجميع إلى حمامتها صار مائة وشراع بكسر الشين ما يرفع وبه سمي الشراع وهو مثل الملاءة الواسعة يشرع وينصب على السفينة فتهب فيه الرياح فتمضي بالسفينة، ويروى سراع جمع سريع وصفه به لأنه جمع في المعنى كما وصفه بوارد وهو مفرد لأنه مفرد في اللفظ وروى الحمام أو نصفه بالرفع على إهمال ليتما وبالنصب على أعمالها لأن ما الزائدة تكف ان وأخواتها ما عدا ليت فيجوز أعمالها وإلغاؤها وأو بمعنى الواو وقد بمعنى حسب فهي اسم أضيفت إلى ياء المتكلم بغير نون الوقاية كما يقال حسبي والفاء زائدة لتحسين اللفظ كفاء فقط وكلاهما بمعنى انته، وحسبوه بتشديد السين ليسلم البيت من الخبن وهو نوع من الزحاف معيب وقيل الحكم العقل وقيل النبوة لأن الله أحكم عقله في صباه وأوحى اليه. (وَحَناناً) : أي رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفا وشفقة وأنشد: وقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف وهذا البيت لمنذر الكلبي وقبله ليتسق معناه: وأحدث عهد من أمينة نظرة ... على جانب العلياء إذ أنا واقف يقول: وأقرب عهد أي لقاء ورؤية لأمينة محبوبتي تصغير آمنة هو نظرة مني لها بجانب تلك البقعة إذ أنا واقف هناك أي حين وقوفي بها وفيه إشعار بأنه كان وافقا يترقب رؤيتها فلما رأته قالت له: حنان أي أمري حنان ورحمة لك وهو من المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ لأنه مصدر محول عن النصب وقولها: ما أتى بك هاهنا؟ استفهام تعجبي أذو نسب أي أأنت ذو نسب أم أنت عارف بهذا الحي ويجوز أن يكون أذو نسب بدلا من ما الاستفهامية أي ما الذي حملك على المجيء هنا أو الذي دلّك عليه صاحب قرابة من الحي أي معرفتك به ويجوز أن الاستفهام حقيقي حكته على لسان غيرها لتلقنه الجواب بقولها: أذو نسب مع معرفتها سبب مجيئه وهو حبها فربما سأله أحد من أهلها فيجيبه بأحد هذين الجوابين وقيل حنانا من الله عليه، وحنّ بمعنى ارتاح واشتاق ثم استعمل في الرأفة والعطف وقيل لله حنان كما قيل رحيم على سبيل الاستعارة. (عَصِيًّا) : صيغة مبالغة وأصل عصيا عصييا بوزن فعيل أدغمت الياء فيه وأتى بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل لأن المنفي أصل العصيان لا المبالغة فيه. الإعراب: (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى) يا حرف نداء وزكريا منادى مفرد علم مبني على الضم وقرىء زكرياء بالهمز على الأصل وإنا ان واسمها وجملة نبشرك خبرها والكاف مفعول به وبغلام جار ومجرور متعلقان بنبشرك واسمه مبتدأ ويحيى خبره والجملة الاسمية صفة لغلام. (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) الجملة صفة ثانية لغلام وله مفعول نجعل الثاني ومن قبل حال وسميا مفعول نجعل الأول. (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وأنى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بالاستقرار في خبر يكون ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم وغلام اسمها المؤخر وكانت الواو للحال وكانت امرأتي عاقرا كان واسمها وخبرها والجملة حالية وقد بلغت من الكبر جملة حالية أيضا ومن الكبر متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال من عتيا لأنه كان صفة له وتقدم عليه وعتيا مفعول بلغت ولا تلتفت إلى الأعاريب التي تكلفها المعربون كاعرابها حالا وتمييزا ومن زائدة وهذا لا يليق بكتاب الله. (قالَ: كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) قال فعل ماض وفاعله مستتر قيل يعود على الله تعالى وقيل على جبريل وكذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك أو نصب بقال أو بفعل محذوف تقديره أفعل كذلك والاشارة إلى مبهم يفسره هو على هين، وقال ربك فعل وفاعل وهو مبتدأ وعلي متعلقان بهين وهين خبر هو ولقد الواو حالية وقد حرف تحقيق وخلقتك فعل وفاعل ومفعول به ومن قبل متعلقان بخلقتك والواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتك فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسم تك مستتر وشيئا خبر تك وجملة ولم تك شيئا حال متداخلة وسوف يأتي بحث الشيء بين أهل السنة والمعتزلة وبراعة المتنبي في هذا الباب. (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) رب منادى وقد تقدم إعرابه واجعل فعل أمر ولي مفعول به ثان وآية مفعول به أول. (قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) آيتك مبتدأ وأن وما في حيزها خبر والناس مفعول به وثلاث ليال نصب على الظرف والظرف متعلق بتكلم وسويا حال من فاعل تكلم أي حالة كونك بلا علة وسليم الأعضاء وقيل سويا نسب على الصفة لثلاث بمعنى أنها كاملات. (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الفاء استئنافية وخرج فعل وفاعل مستتر وعلى قومه متعلقان بمحذوف حال ومن المحراب متعلقان بخرج فأوحى عطف على خرج وأن تفسيرية لأنها وقعت بعد جملة فيها معنى القول وسبحوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وبكرة ظرف زمان متعلق بسبحوه وعشيا عطف على بكرة ويجوز أن تكون أن مصدرية مفعولة بالإيحاء. (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) يا يحيى منادى مفرد علم وخذ الكتاب فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبقوة حال من فاعل خذ والباء للملابسة أي حال كونك ملتبسا بقوة واجتهاد وآتيناه الواو استئنافية وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به أول والحكم مفعول به ثان وصبيا حال من الهاء. (وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا) وحنانا عطف على الحكم أي وآتيناه حنانا أي رحمة ورقة في قلبه وعطفا على الآخرين وقيل مفعول مطلق لفعل محذوف وهو بعيد ومن لدنا متعلقان بمحذوف صفة لحنان وزكاة عطف على حنانا وكان تقيا عطف على آتيناه وكان واسمها المستتر وتقيا خبرها. (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا) وبرا عطف على تقيا وبوالديه متعلقان ببرا ولم يكن عطف على وكان تقيا واسم يكن مستتر تقديره هو وجبارا خبرها وعصيا نعت. (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) الواو استئنافية وسلام مبتدأ وساغ الابتداء به مع أنه نكرة لتضمنه معنى الدعاء وعليه خبر ويوم ظرف متعلق بسلام وجملة ولد مضافة للظرف وما بعده عطف عليه وحيا حال. البلاغة: الإيجاز في قوله تعالى «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ» فظاهر الكلام يوهم أنه استبعد ما وعده الله عز وجل بوقوعه ولا يجوز لأحد بله النبي النطق بما لا يسوغ أو بما في ظاهره الإيهام فجاء الكلام موجزا وتقديره هل تعاد لنا قوتنا وشبابنا فنرزق بغلام؟ أو هل يكون الولد لغير الزوجة العاقر؟ وإذن فالمستبعد هو مجيء الولد منهما بحالهما ولكن الجواب أزال الاشكال إذ قيل له سيكون لكما الولد وأنتما بحالكما. الفوائد: اختلف أهل السنة والمعتزلة في الشيء فالمعتزلة يعتقدون أن الشيء يتناول الموجود والمعدوم الذي يصح وجوده فلا يتناول المستحيل إذن أما أهل السنة فلا يتناول الشيء عندهم إلا الموجود، والآية تشهد لأهل السنة لأن قوله «وَلَمْ تَكُ شَيْئاً» صريحة في ذلك، وقد رمق المتنبي من طرف خفي بعيد هذا الخلاف، فاستعمله في وصف الجبان وذلك في قصيدة مستجادة له في مديح سعيد بن عبد الله بن سعيد الكلابي المنبجي وهي مما قاله في صباه قال: وضاقت الأرض حتى كادها ربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا وقد غفل شراحه عن حقيقة الخلاف المشتجر بين أهل السنة والاعتزال فذهبوا في تفسير هذا البيت كل مذهب قال ابن القطاع: «قد أوخذ في هذا البيت فقيل: كيف يرى غير شيء، وغير شيء معدوم والمعدوم لا يرى؟ وفيه تناقض. وليس الأمر كما قالوا بل أراد غير شيء يعبأ به» وقال أبو بكر الخوارزمي: «رأى في هذا البيت ليست من رؤية العين وإنما هو من رؤية القلب يريد به التوهم وغير الشيء يجوز أن يتوهم ومثله كثير» وقال الواحدي: «إذا رأى غير شيء يعبأ به أو يفكر في مثله ظنه إنسانا يطلبه وكذلك عادة الخائف الهارب كقول جرير: ما زال يحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا قال أبو عبيد: لما أنشد الأخطل قول جرير هذا قال: سرقه والله من كتابهم «يحسبون كل صيحة عليهم» ويجوز حذف الصفة وترك الموصوف دالا عليها كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» أجمعوا على أن المعنى لا صلاة كاملة فاضلة، ويقولون: هذا ليس بشيء يريدون شيئا جيدا. وقال بعض المتكلمين: إن الله خلق الأشياء من لا شيء فقيل هذا خطأ لأن لا شيء لا يخلق منه شيء ومن قال إن الله يخلق من لا شيء جعل لا شيء يخلق منه والصحيح أن يقال يخلق لا من شيء لأنه إذا قال لا من شيء نفى أن يكون قبل خلقه شيء يخلق منه الأشياء» والصحيح ما قاله: أي إذا رأى غير شيء يخاف منه، ومن هذا الوادي «حتى إذا جاءه أم يجده شيئا» معناه يريده أو يطلبه أو يغنيه عن الماء أي شيئا نافعا مغنيا.

مريم 19:16

اللغة: (انْتَبَذَتْ) : الانتباذ الاعتزال والانفراد فقد تخلت مريم للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس أو من دارها معتزلة عن الناس الناس وقيل غير ذلك والتفاصيل في المطولات وفي المصباح: «وانتبذت مكانا اتخذته بمعزل يكون بعيدا عن القوم» . (بَغِيًّا) : البغي: الفاجرة التي تبغي الرجال وهي فعول عند المبرد أي بغوي فأدغمت الواو في الياء وقال ابن جني في كتاب التمام «هي فعيل ولو كانت فعولا لقيل بغوّ كما قيل فلان نهوّ عن المنكر» وبغت فلانة بغاء بكسر الباء ومنه قيل للإماء البغايا لأنهن كنّ يباغين في الجاهلية بقال: قامت البغايا على رؤوسهم قال الأعشى: والبغايا يركضن أكسية الاضر ... يج والشرعبيّ ذا الأذيال وفي القاموس وشرحه: «بغى يبغي من باب ضرب الشيء بغاء بضم الباء وبغيا بفتحها وبغى وبغية طلبه وبغى الرجل عدل عن الحق وعصى وبغى عليه استطال عليه وظلمه فهو باغ» فلعل إطلاقهم كلمة البغاء على العهر والزنا مأخوذ من هذا المعنى لأنه من دواعي ما يطلبه أهل الخنا والفجور. الإعراب: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا) واذكر الواو استئنافية واذكر فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وفي الكتاب جار ومجرور متعلقان باذكر ومريم مفعول به وإذ: قال أبو البقاء ما نصه: في إذ أربعة أوجه أحدها أنها ظرف والعامل فيه محذوف تقديره واذكر خبر مريم إذ انتبذت والثاني أن تكون حالا من المضاف المحذوف والثالث أن يكون منصوبا بفعل محذوف أي وبيّن إذ انتبذت فهو على كلام آخر كما قال سيبويه في قوله تعالى «انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ» وهو في الظرف أقوى وان كان مفعولا به والرابع أن يكون بدلا من مريم بدل اشتمال لأن الأحيان تشتمل على الجثث ذكره الزمخشري وهو بعيد لأن الزمان إذا لم يكن حالا من الجثة ولا خبرا عنها ولا وصفا لها لم يكن بدلا منها وقيل إذ بمعنى أن المصدرية كقولك لا أكرمك إذ لم تكرمني أي لأنك لم تكرمني فعلى هذا يصح بدل الاشتمال أي واذكر مريم انتباذها. واضطرب قول ابن هشام فيها فبينما يقول في صدد بحثه عن إذ «الوجه الثالث أن تكون بدلا من المفعول نحو «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ» فإذ بدل اشتمال من مريم على حد البدل في: «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه» يعود فيقول: «وزعم الجمهور أن إذ لا تقع إلا ظرفا أو مضافا إليها وأنها في نحو «واذكروا إذ كنتم قليلا» ظرف لمفعول محذوف أي واذكروا نعمة الله إذ كنتم قليلا، وفي نحو إذ انتبذت ظرف لمضاف إلى مفعول محذوف أي واذكر قصة مريم. وقال شهاب الدين الحلبي المعروف بالسمين: «في إذ أوجه أحدها أنها منصوبة باذكر على أنها خرجت عن الظرفية إذ يستحيل أن تكون باقية على مضيها والعامل فيها ما هو نصّ في الاستقبال والثاني أنها منصوبة بمحذوف مضاف لمريم تقديره واذكر خبر مريم أو نبأها إذ انتبذت فإذ منصوبة بذلك الخبر أو النبأ، الثالث أنها بدل من مريم بدل اشتمال قال الزمخشري: لأن الأحيان مشتملة على ما فيها لأن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها لوقوع هذه القصة العجيبة فيه» وجملة انتبذت مضافة إلى إذ ومن أهلها حال ومكانا ظرف متعلق بانتبذت أي في مكان وشرقيا نعت ويجوز أن يعرب مكانا مفعولا به على أن معنى انتبذت أتت، ونص المصباح يؤيد كونه مفعولا به فتأمله في باب اللغة. (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) الفاء عاطفة واتخذت فعل ماض وفاعل مستتر ومن دونهم مفعول به ثان وحجابا مفعول به أول فأرسلنا عطف على فاتخذت وإليها متعلقان بأرسلنا وروحنا مفعول به، فتمثل عطف أيضا ولها متعلقان بتمثل وبشرا حال وسويا نعت وسوغ وقوع الحال جامدة وصفها وسيأتي مزيد بحث عنها في باب الفوائد. (قالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) ان واسمها وجملة أعوذ خبرها والجملة مقول القول وبالرحمن متعلقان بأعوذ ومنك متعلقان بأعوذ أيضا وإن حرف شرط جازم وكنت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وتقيا خبرها وجواب الشرط محذوف والمعنى إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة به فإني عائذة به منك. (قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا) إنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ ورسول ربك خبر واللام للتعليل وأهب فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام ولك متعلقان بأهب وغلاما مفعول به وزكيا صفة. (قالَتْ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) أنى اسم استفهام بمعنى كيف وقد تقدم إعرابه في قصة زكريا ولم يمسسني الواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويمسسني مضارع مجزوم بلم والياء مفعول به وبشر فاعل، ولم أك بغيا: لم حرف نفي وقلب وجزم وأك مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف واسم أك مستتر وبغيا خبرها. (قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) كذلك خبر لمبتدأ محذوف وقد تقدم إعراب نظيرها. (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا) لنجعله تعليل معلله محذوف أي فعلنا ذلك أو هو معطوف على مضمر أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية وآية مفعول به ثان لنجعله وللناس صفة لآية ورحمة منا عطف على آية وكان أمرا مقضيا كان واسمها المستتر وخبرها ومقضيا صفة. الفوائد: معنى بشرا سويا: تقدم بحث الحال الموطئة وانها ان تكون جامدة موصوفة وهذا أحد شروطها التي تبرر كونها جامدة وهو في الآية بشرا فهو حال من فاعل تمثل وهو الملك والاعتماد فيها على الصفة وهي سويا وهو اسم مشتق لأنه صفة مشبهة، وعبارة ابن هشام: «الثاني انقسامها بحسب قصدها لذاتها وللتوطئة بها إلى قسمين مقصودة وهو الغالب وموطئة وهي الجامدة الموصوفة نحو فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » واعترض بعضهم على هذا الإعراب فقال: ان دعوى الحال تقتضي أن المعنى متمثل لها في حال كونها بشرا ولا يخفى انه وقت التمثيل ملك لا بشر فالأقرب انه منصوب بنزع الخافض أي فتمثل لها ببشر أي تشبه به وتصور بصورته. واعلم أنه وقع هنا للبيضاوي ما لا يليق حيث قال: «أتاها جبريل عليه السلام بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه ولعله ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها» فقوله ليهيج إلخ عبارة غير لائقة بمريم مع التحقيق أن عيسى عليه السلام كان من عالم الأمر أي أمر التكوين الممثل بقوله تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» إذ ليس ثم قول ولا كان ولا يكون وهذا وجه المماثلة بين عيسى وآدم في قوله تعالى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» أي في التكوين بالأمر من غير واسطة ولا نطفة والنفخ المدلول عليه بقوله تعالى «فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا» من قبيل التمثيل استعير لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها. لا حقيقة النفخ التي هي إجراء الريح إلى جوف صالح لإمساكها والامتلاء بها. ولا يصح الاعتذار للقاضي البيضاوي بأنه نظر إلى العادة الإلهية الجارية بخلق المسببات عقب الأسباب لأن السبب لا بد أن يكون تاما ونطفة المرأة وحدها ليست بسبب تام لحصول الولد وإنما تمثل لها بصورة حسنة لتأنس به ولا تنفر منه وتصغي اليه وترهف السمع لسماع البشرى وكان بصورة أمرد لإلف النساء إلى الأطفال ومن قرب منهن وعدم الاحتشام منهن. أما رواية الزمخشري فهي: «وقيل قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو بشيء يسترها وكان موضعها المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها فإذا طهرت عادت إلى المسجد فبينما هي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمي شاب وضيء الوجه، جعد الشعر، سوي الخلق، لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئا أو حسن الصورة مستوي الخلق وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر منه ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه» واستأنف الزمخشري كلامه فقال: «ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة، الفائقة الحسن، وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها، وسبرا لعفتها، وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها فانفجر السقف لها فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك» . ونختم هذا الفصل الذي خالفنا فيه شرط كتابنا لأهميته بتذييل للشيخ عبد الرزاق الكاشي وهذا هو نصه: «إنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به فتتحرك على مقتضى الجبلة أو يسري الأثر من الخيال في الطبيعة فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام، وانما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة لأنه ثبت في العلوم الطبيعية: أن مني الذكر في تولد الجنين بمنزلة الإنفحة من الجبن، ومني الأنثى بمنزلة اللبن: أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى، لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى ينفرد بالقوة المنعقدة بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى، وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى وكان مزاج كبدها حارا كان المني الذي ينفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من المني الذي ينفصل عن كليتها اليسرى فإذا اجتمعا في الرحم كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب قام المنفصل من الكلية اليمنى مقام مني الرجل في شدة قوة العقد والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد فيخلق الولد. هذا وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس متقوية به يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن ويغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني فتصير أقدر على أفعالها بما لا يضبط في القياس» .

مريم 19:17

اللغة: (انْتَبَذَتْ) : الانتباذ الاعتزال والانفراد فقد تخلت مريم للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس أو من دارها معتزلة عن الناس الناس وقيل غير ذلك والتفاصيل في المطولات وفي المصباح: «وانتبذت مكانا اتخذته بمعزل يكون بعيدا عن القوم» . (بَغِيًّا) : البغي: الفاجرة التي تبغي الرجال وهي فعول عند المبرد أي بغوي فأدغمت الواو في الياء وقال ابن جني في كتاب التمام «هي فعيل ولو كانت فعولا لقيل بغوّ كما قيل فلان نهوّ عن المنكر» وبغت فلانة بغاء بكسر الباء ومنه قيل للإماء البغايا لأنهن كنّ يباغين في الجاهلية بقال: قامت البغايا على رؤوسهم قال الأعشى: والبغايا يركضن أكسية الاضر ... يج والشرعبيّ ذا الأذيال وفي القاموس وشرحه: «بغى يبغي من باب ضرب الشيء بغاء بضم الباء وبغيا بفتحها وبغى وبغية طلبه وبغى الرجل عدل عن الحق وعصى وبغى عليه استطال عليه وظلمه فهو باغ» فلعل إطلاقهم كلمة البغاء على العهر والزنا مأخوذ من هذا المعنى لأنه من دواعي ما يطلبه أهل الخنا والفجور. الإعراب: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا) واذكر الواو استئنافية واذكر فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وفي الكتاب جار ومجرور متعلقان باذكر ومريم مفعول به وإذ: قال أبو البقاء ما نصه: في إذ أربعة أوجه أحدها أنها ظرف والعامل فيه محذوف تقديره واذكر خبر مريم إذ انتبذت والثاني أن تكون حالا من المضاف المحذوف والثالث أن يكون منصوبا بفعل محذوف أي وبيّن إذ انتبذت فهو على كلام آخر كما قال سيبويه في قوله تعالى «انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ» وهو في الظرف أقوى وان كان مفعولا به والرابع أن يكون بدلا من مريم بدل اشتمال لأن الأحيان تشتمل على الجثث ذكره الزمخشري وهو بعيد لأن الزمان إذا لم يكن حالا من الجثة ولا خبرا عنها ولا وصفا لها لم يكن بدلا منها وقيل إذ بمعنى أن المصدرية كقولك لا أكرمك إذ لم تكرمني أي لأنك لم تكرمني فعلى هذا يصح بدل الاشتمال أي واذكر مريم انتباذها. واضطرب قول ابن هشام فيها فبينما يقول في صدد بحثه عن إذ «الوجه الثالث أن تكون بدلا من المفعول نحو «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ» فإذ بدل اشتمال من مريم على حد البدل في: «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه» يعود فيقول: «وزعم الجمهور أن إذ لا تقع إلا ظرفا أو مضافا إليها وأنها في نحو «واذكروا إذ كنتم قليلا» ظرف لمفعول محذوف أي واذكروا نعمة الله إذ كنتم قليلا، وفي نحو إذ انتبذت ظرف لمضاف إلى مفعول محذوف أي واذكر قصة مريم. وقال شهاب الدين الحلبي المعروف بالسمين: «في إذ أوجه أحدها أنها منصوبة باذكر على أنها خرجت عن الظرفية إذ يستحيل أن تكون باقية على مضيها والعامل فيها ما هو نصّ في الاستقبال والثاني أنها منصوبة بمحذوف مضاف لمريم تقديره واذكر خبر مريم أو نبأها إذ انتبذت فإذ منصوبة بذلك الخبر أو النبأ، الثالث أنها بدل من مريم بدل اشتمال قال الزمخشري: لأن الأحيان مشتملة على ما فيها لأن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها لوقوع هذه القصة العجيبة فيه» وجملة انتبذت مضافة إلى إذ ومن أهلها حال ومكانا ظرف متعلق بانتبذت أي في مكان وشرقيا نعت ويجوز أن يعرب مكانا مفعولا به على أن معنى انتبذت أتت، ونص المصباح يؤيد كونه مفعولا به فتأمله في باب اللغة. (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) الفاء عاطفة واتخذت فعل ماض وفاعل مستتر ومن دونهم مفعول به ثان وحجابا مفعول به أول فأرسلنا عطف على فاتخذت وإليها متعلقان بأرسلنا وروحنا مفعول به، فتمثل عطف أيضا ولها متعلقان بتمثل وبشرا حال وسويا نعت وسوغ وقوع الحال جامدة وصفها وسيأتي مزيد بحث عنها في باب الفوائد. (قالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) ان واسمها وجملة أعوذ خبرها والجملة مقول القول وبالرحمن متعلقان بأعوذ ومنك متعلقان بأعوذ أيضا وإن حرف شرط جازم وكنت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وتقيا خبرها وجواب الشرط محذوف والمعنى إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة به فإني عائذة به منك. (قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا) إنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ ورسول ربك خبر واللام للتعليل وأهب فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام ولك متعلقان بأهب وغلاما مفعول به وزكيا صفة. (قالَتْ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) أنى اسم استفهام بمعنى كيف وقد تقدم إعرابه في قصة زكريا ولم يمسسني الواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويمسسني مضارع مجزوم بلم والياء مفعول به وبشر فاعل، ولم أك بغيا: لم حرف نفي وقلب وجزم وأك مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف واسم أك مستتر وبغيا خبرها. (قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) كذلك خبر لمبتدأ محذوف وقد تقدم إعراب نظيرها. (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا) لنجعله تعليل معلله محذوف أي فعلنا ذلك أو هو معطوف على مضمر أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية وآية مفعول به ثان لنجعله وللناس صفة لآية ورحمة منا عطف على آية وكان أمرا مقضيا كان واسمها المستتر وخبرها ومقضيا صفة. الفوائد: معنى بشرا سويا: تقدم بحث الحال الموطئة وانها ان تكون جامدة موصوفة وهذا أحد شروطها التي تبرر كونها جامدة وهو في الآية بشرا فهو حال من فاعل تمثل وهو الملك والاعتماد فيها على الصفة وهي سويا وهو اسم مشتق لأنه صفة مشبهة، وعبارة ابن هشام: «الثاني انقسامها بحسب قصدها لذاتها وللتوطئة بها إلى قسمين مقصودة وهو الغالب وموطئة وهي الجامدة الموصوفة نحو فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » واعترض بعضهم على هذا الإعراب فقال: ان دعوى الحال تقتضي أن المعنى متمثل لها في حال كونها بشرا ولا يخفى انه وقت التمثيل ملك لا بشر فالأقرب انه منصوب بنزع الخافض أي فتمثل لها ببشر أي تشبه به وتصور بصورته. واعلم أنه وقع هنا للبيضاوي ما لا يليق حيث قال: «أتاها جبريل عليه السلام بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه ولعله ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها» فقوله ليهيج إلخ عبارة غير لائقة بمريم مع التحقيق أن عيسى عليه السلام كان من عالم الأمر أي أمر التكوين الممثل بقوله تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» إذ ليس ثم قول ولا كان ولا يكون وهذا وجه المماثلة بين عيسى وآدم في قوله تعالى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» أي في التكوين بالأمر من غير واسطة ولا نطفة والنفخ المدلول عليه بقوله تعالى «فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا» من قبيل التمثيل استعير لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها. لا حقيقة النفخ التي هي إجراء الريح إلى جوف صالح لإمساكها والامتلاء بها. ولا يصح الاعتذار للقاضي البيضاوي بأنه نظر إلى العادة الإلهية الجارية بخلق المسببات عقب الأسباب لأن السبب لا بد أن يكون تاما ونطفة المرأة وحدها ليست بسبب تام لحصول الولد وإنما تمثل لها بصورة حسنة لتأنس به ولا تنفر منه وتصغي اليه وترهف السمع لسماع البشرى وكان بصورة أمرد لإلف النساء إلى الأطفال ومن قرب منهن وعدم الاحتشام منهن. أما رواية الزمخشري فهي: «وقيل قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو بشيء يسترها وكان موضعها المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها فإذا طهرت عادت إلى المسجد فبينما هي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمي شاب وضيء الوجه، جعد الشعر، سوي الخلق، لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئا أو حسن الصورة مستوي الخلق وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر منه ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه» واستأنف الزمخشري كلامه فقال: «ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة، الفائقة الحسن، وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها، وسبرا لعفتها، وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها فانفجر السقف لها فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك» . ونختم هذا الفصل الذي خالفنا فيه شرط كتابنا لأهميته بتذييل للشيخ عبد الرزاق الكاشي وهذا هو نصه: «إنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به فتتحرك على مقتضى الجبلة أو يسري الأثر من الخيال في الطبيعة فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام، وانما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة لأنه ثبت في العلوم الطبيعية: أن مني الذكر في تولد الجنين بمنزلة الإنفحة من الجبن، ومني الأنثى بمنزلة اللبن: أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى، لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى ينفرد بالقوة المنعقدة بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى، وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى وكان مزاج كبدها حارا كان المني الذي ينفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من المني الذي ينفصل عن كليتها اليسرى فإذا اجتمعا في الرحم كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب قام المنفصل من الكلية اليمنى مقام مني الرجل في شدة قوة العقد والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد فيخلق الولد. هذا وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس متقوية به يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن ويغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني فتصير أقدر على أفعالها بما لا يضبط في القياس» .

مريم 19:18

اللغة: (انْتَبَذَتْ) : الانتباذ الاعتزال والانفراد فقد تخلت مريم للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس أو من دارها معتزلة عن الناس الناس وقيل غير ذلك والتفاصيل في المطولات وفي المصباح: «وانتبذت مكانا اتخذته بمعزل يكون بعيدا عن القوم» . (بَغِيًّا) : البغي: الفاجرة التي تبغي الرجال وهي فعول عند المبرد أي بغوي فأدغمت الواو في الياء وقال ابن جني في كتاب التمام «هي فعيل ولو كانت فعولا لقيل بغوّ كما قيل فلان نهوّ عن المنكر» وبغت فلانة بغاء بكسر الباء ومنه قيل للإماء البغايا لأنهن كنّ يباغين في الجاهلية بقال: قامت البغايا على رؤوسهم قال الأعشى: والبغايا يركضن أكسية الاضر ... يج والشرعبيّ ذا الأذيال وفي القاموس وشرحه: «بغى يبغي من باب ضرب الشيء بغاء بضم الباء وبغيا بفتحها وبغى وبغية طلبه وبغى الرجل عدل عن الحق وعصى وبغى عليه استطال عليه وظلمه فهو باغ» فلعل إطلاقهم كلمة البغاء على العهر والزنا مأخوذ من هذا المعنى لأنه من دواعي ما يطلبه أهل الخنا والفجور. الإعراب: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا) واذكر الواو استئنافية واذكر فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وفي الكتاب جار ومجرور متعلقان باذكر ومريم مفعول به وإذ: قال أبو البقاء ما نصه: في إذ أربعة أوجه أحدها أنها ظرف والعامل فيه محذوف تقديره واذكر خبر مريم إذ انتبذت والثاني أن تكون حالا من المضاف المحذوف والثالث أن يكون منصوبا بفعل محذوف أي وبيّن إذ انتبذت فهو على كلام آخر كما قال سيبويه في قوله تعالى «انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ» وهو في الظرف أقوى وان كان مفعولا به والرابع أن يكون بدلا من مريم بدل اشتمال لأن الأحيان تشتمل على الجثث ذكره الزمخشري وهو بعيد لأن الزمان إذا لم يكن حالا من الجثة ولا خبرا عنها ولا وصفا لها لم يكن بدلا منها وقيل إذ بمعنى أن المصدرية كقولك لا أكرمك إذ لم تكرمني أي لأنك لم تكرمني فعلى هذا يصح بدل الاشتمال أي واذكر مريم انتباذها. واضطرب قول ابن هشام فيها فبينما يقول في صدد بحثه عن إذ «الوجه الثالث أن تكون بدلا من المفعول نحو «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ» فإذ بدل اشتمال من مريم على حد البدل في: «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه» يعود فيقول: «وزعم الجمهور أن إذ لا تقع إلا ظرفا أو مضافا إليها وأنها في نحو «واذكروا إذ كنتم قليلا» ظرف لمفعول محذوف أي واذكروا نعمة الله إذ كنتم قليلا، وفي نحو إذ انتبذت ظرف لمضاف إلى مفعول محذوف أي واذكر قصة مريم. وقال شهاب الدين الحلبي المعروف بالسمين: «في إذ أوجه أحدها أنها منصوبة باذكر على أنها خرجت عن الظرفية إذ يستحيل أن تكون باقية على مضيها والعامل فيها ما هو نصّ في الاستقبال والثاني أنها منصوبة بمحذوف مضاف لمريم تقديره واذكر خبر مريم أو نبأها إذ انتبذت فإذ منصوبة بذلك الخبر أو النبأ، الثالث أنها بدل من مريم بدل اشتمال قال الزمخشري: لأن الأحيان مشتملة على ما فيها لأن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها لوقوع هذه القصة العجيبة فيه» وجملة انتبذت مضافة إلى إذ ومن أهلها حال ومكانا ظرف متعلق بانتبذت أي في مكان وشرقيا نعت ويجوز أن يعرب مكانا مفعولا به على أن معنى انتبذت أتت، ونص المصباح يؤيد كونه مفعولا به فتأمله في باب اللغة. (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) الفاء عاطفة واتخذت فعل ماض وفاعل مستتر ومن دونهم مفعول به ثان وحجابا مفعول به أول فأرسلنا عطف على فاتخذت وإليها متعلقان بأرسلنا وروحنا مفعول به، فتمثل عطف أيضا ولها متعلقان بتمثل وبشرا حال وسويا نعت وسوغ وقوع الحال جامدة وصفها وسيأتي مزيد بحث عنها في باب الفوائد. (قالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) ان واسمها وجملة أعوذ خبرها والجملة مقول القول وبالرحمن متعلقان بأعوذ ومنك متعلقان بأعوذ أيضا وإن حرف شرط جازم وكنت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وتقيا خبرها وجواب الشرط محذوف والمعنى إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة به فإني عائذة به منك. (قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا) إنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ ورسول ربك خبر واللام للتعليل وأهب فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام ولك متعلقان بأهب وغلاما مفعول به وزكيا صفة. (قالَتْ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) أنى اسم استفهام بمعنى كيف وقد تقدم إعرابه في قصة زكريا ولم يمسسني الواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويمسسني مضارع مجزوم بلم والياء مفعول به وبشر فاعل، ولم أك بغيا: لم حرف نفي وقلب وجزم وأك مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف واسم أك مستتر وبغيا خبرها. (قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) كذلك خبر لمبتدأ محذوف وقد تقدم إعراب نظيرها. (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا) لنجعله تعليل معلله محذوف أي فعلنا ذلك أو هو معطوف على مضمر أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية وآية مفعول به ثان لنجعله وللناس صفة لآية ورحمة منا عطف على آية وكان أمرا مقضيا كان واسمها المستتر وخبرها ومقضيا صفة. الفوائد: معنى بشرا سويا: تقدم بحث الحال الموطئة وانها ان تكون جامدة موصوفة وهذا أحد شروطها التي تبرر كونها جامدة وهو في الآية بشرا فهو حال من فاعل تمثل وهو الملك والاعتماد فيها على الصفة وهي سويا وهو اسم مشتق لأنه صفة مشبهة، وعبارة ابن هشام: «الثاني انقسامها بحسب قصدها لذاتها وللتوطئة بها إلى قسمين مقصودة وهو الغالب وموطئة وهي الجامدة الموصوفة نحو فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » واعترض بعضهم على هذا الإعراب فقال: ان دعوى الحال تقتضي أن المعنى متمثل لها في حال كونها بشرا ولا يخفى انه وقت التمثيل ملك لا بشر فالأقرب انه منصوب بنزع الخافض أي فتمثل لها ببشر أي تشبه به وتصور بصورته. واعلم أنه وقع هنا للبيضاوي ما لا يليق حيث قال: «أتاها جبريل عليه السلام بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه ولعله ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها» فقوله ليهيج إلخ عبارة غير لائقة بمريم مع التحقيق أن عيسى عليه السلام كان من عالم الأمر أي أمر التكوين الممثل بقوله تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» إذ ليس ثم قول ولا كان ولا يكون وهذا وجه المماثلة بين عيسى وآدم في قوله تعالى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» أي في التكوين بالأمر من غير واسطة ولا نطفة والنفخ المدلول عليه بقوله تعالى «فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا» من قبيل التمثيل استعير لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها. لا حقيقة النفخ التي هي إجراء الريح إلى جوف صالح لإمساكها والامتلاء بها. ولا يصح الاعتذار للقاضي البيضاوي بأنه نظر إلى العادة الإلهية الجارية بخلق المسببات عقب الأسباب لأن السبب لا بد أن يكون تاما ونطفة المرأة وحدها ليست بسبب تام لحصول الولد وإنما تمثل لها بصورة حسنة لتأنس به ولا تنفر منه وتصغي اليه وترهف السمع لسماع البشرى وكان بصورة أمرد لإلف النساء إلى الأطفال ومن قرب منهن وعدم الاحتشام منهن. أما رواية الزمخشري فهي: «وقيل قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو بشيء يسترها وكان موضعها المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها فإذا طهرت عادت إلى المسجد فبينما هي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمي شاب وضيء الوجه، جعد الشعر، سوي الخلق، لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئا أو حسن الصورة مستوي الخلق وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر منه ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه» واستأنف الزمخشري كلامه فقال: «ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة، الفائقة الحسن، وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها، وسبرا لعفتها، وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها فانفجر السقف لها فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك» . ونختم هذا الفصل الذي خالفنا فيه شرط كتابنا لأهميته بتذييل للشيخ عبد الرزاق الكاشي وهذا هو نصه: «إنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به فتتحرك على مقتضى الجبلة أو يسري الأثر من الخيال في الطبيعة فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام، وانما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة لأنه ثبت في العلوم الطبيعية: أن مني الذكر في تولد الجنين بمنزلة الإنفحة من الجبن، ومني الأنثى بمنزلة اللبن: أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى، لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى ينفرد بالقوة المنعقدة بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى، وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى وكان مزاج كبدها حارا كان المني الذي ينفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من المني الذي ينفصل عن كليتها اليسرى فإذا اجتمعا في الرحم كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب قام المنفصل من الكلية اليمنى مقام مني الرجل في شدة قوة العقد والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد فيخلق الولد. هذا وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس متقوية به يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن ويغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني فتصير أقدر على أفعالها بما لا يضبط في القياس» .

مريم 19:19

اللغة: (انْتَبَذَتْ) : الانتباذ الاعتزال والانفراد فقد تخلت مريم للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس أو من دارها معتزلة عن الناس الناس وقيل غير ذلك والتفاصيل في المطولات وفي المصباح: «وانتبذت مكانا اتخذته بمعزل يكون بعيدا عن القوم» . (بَغِيًّا) : البغي: الفاجرة التي تبغي الرجال وهي فعول عند المبرد أي بغوي فأدغمت الواو في الياء وقال ابن جني في كتاب التمام «هي فعيل ولو كانت فعولا لقيل بغوّ كما قيل فلان نهوّ عن المنكر» وبغت فلانة بغاء بكسر الباء ومنه قيل للإماء البغايا لأنهن كنّ يباغين في الجاهلية بقال: قامت البغايا على رؤوسهم قال الأعشى: والبغايا يركضن أكسية الاضر ... يج والشرعبيّ ذا الأذيال وفي القاموس وشرحه: «بغى يبغي من باب ضرب الشيء بغاء بضم الباء وبغيا بفتحها وبغى وبغية طلبه وبغى الرجل عدل عن الحق وعصى وبغى عليه استطال عليه وظلمه فهو باغ» فلعل إطلاقهم كلمة البغاء على العهر والزنا مأخوذ من هذا المعنى لأنه من دواعي ما يطلبه أهل الخنا والفجور. الإعراب: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا) واذكر الواو استئنافية واذكر فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وفي الكتاب جار ومجرور متعلقان باذكر ومريم مفعول به وإذ: قال أبو البقاء ما نصه: في إذ أربعة أوجه أحدها أنها ظرف والعامل فيه محذوف تقديره واذكر خبر مريم إذ انتبذت والثاني أن تكون حالا من المضاف المحذوف والثالث أن يكون منصوبا بفعل محذوف أي وبيّن إذ انتبذت فهو على كلام آخر كما قال سيبويه في قوله تعالى «انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ» وهو في الظرف أقوى وان كان مفعولا به والرابع أن يكون بدلا من مريم بدل اشتمال لأن الأحيان تشتمل على الجثث ذكره الزمخشري وهو بعيد لأن الزمان إذا لم يكن حالا من الجثة ولا خبرا عنها ولا وصفا لها لم يكن بدلا منها وقيل إذ بمعنى أن المصدرية كقولك لا أكرمك إذ لم تكرمني أي لأنك لم تكرمني فعلى هذا يصح بدل الاشتمال أي واذكر مريم انتباذها. واضطرب قول ابن هشام فيها فبينما يقول في صدد بحثه عن إذ «الوجه الثالث أن تكون بدلا من المفعول نحو «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ» فإذ بدل اشتمال من مريم على حد البدل في: «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه» يعود فيقول: «وزعم الجمهور أن إذ لا تقع إلا ظرفا أو مضافا إليها وأنها في نحو «واذكروا إذ كنتم قليلا» ظرف لمفعول محذوف أي واذكروا نعمة الله إذ كنتم قليلا، وفي نحو إذ انتبذت ظرف لمضاف إلى مفعول محذوف أي واذكر قصة مريم. وقال شهاب الدين الحلبي المعروف بالسمين: «في إذ أوجه أحدها أنها منصوبة باذكر على أنها خرجت عن الظرفية إذ يستحيل أن تكون باقية على مضيها والعامل فيها ما هو نصّ في الاستقبال والثاني أنها منصوبة بمحذوف مضاف لمريم تقديره واذكر خبر مريم أو نبأها إذ انتبذت فإذ منصوبة بذلك الخبر أو النبأ، الثالث أنها بدل من مريم بدل اشتمال قال الزمخشري: لأن الأحيان مشتملة على ما فيها لأن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها لوقوع هذه القصة العجيبة فيه» وجملة انتبذت مضافة إلى إذ ومن أهلها حال ومكانا ظرف متعلق بانتبذت أي في مكان وشرقيا نعت ويجوز أن يعرب مكانا مفعولا به على أن معنى انتبذت أتت، ونص المصباح يؤيد كونه مفعولا به فتأمله في باب اللغة. (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) الفاء عاطفة واتخذت فعل ماض وفاعل مستتر ومن دونهم مفعول به ثان وحجابا مفعول به أول فأرسلنا عطف على فاتخذت وإليها متعلقان بأرسلنا وروحنا مفعول به، فتمثل عطف أيضا ولها متعلقان بتمثل وبشرا حال وسويا نعت وسوغ وقوع الحال جامدة وصفها وسيأتي مزيد بحث عنها في باب الفوائد. (قالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) ان واسمها وجملة أعوذ خبرها والجملة مقول القول وبالرحمن متعلقان بأعوذ ومنك متعلقان بأعوذ أيضا وإن حرف شرط جازم وكنت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وتقيا خبرها وجواب الشرط محذوف والمعنى إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة به فإني عائذة به منك. (قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا) إنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ ورسول ربك خبر واللام للتعليل وأهب فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام ولك متعلقان بأهب وغلاما مفعول به وزكيا صفة. (قالَتْ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) أنى اسم استفهام بمعنى كيف وقد تقدم إعرابه في قصة زكريا ولم يمسسني الواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويمسسني مضارع مجزوم بلم والياء مفعول به وبشر فاعل، ولم أك بغيا: لم حرف نفي وقلب وجزم وأك مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف واسم أك مستتر وبغيا خبرها. (قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) كذلك خبر لمبتدأ محذوف وقد تقدم إعراب نظيرها. (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا) لنجعله تعليل معلله محذوف أي فعلنا ذلك أو هو معطوف على مضمر أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية وآية مفعول به ثان لنجعله وللناس صفة لآية ورحمة منا عطف على آية وكان أمرا مقضيا كان واسمها المستتر وخبرها ومقضيا صفة. الفوائد: معنى بشرا سويا: تقدم بحث الحال الموطئة وانها ان تكون جامدة موصوفة وهذا أحد شروطها التي تبرر كونها جامدة وهو في الآية بشرا فهو حال من فاعل تمثل وهو الملك والاعتماد فيها على الصفة وهي سويا وهو اسم مشتق لأنه صفة مشبهة، وعبارة ابن هشام: «الثاني انقسامها بحسب قصدها لذاتها وللتوطئة بها إلى قسمين مقصودة وهو الغالب وموطئة وهي الجامدة الموصوفة نحو فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » واعترض بعضهم على هذا الإعراب فقال: ان دعوى الحال تقتضي أن المعنى متمثل لها في حال كونها بشرا ولا يخفى انه وقت التمثيل ملك لا بشر فالأقرب انه منصوب بنزع الخافض أي فتمثل لها ببشر أي تشبه به وتصور بصورته. واعلم أنه وقع هنا للبيضاوي ما لا يليق حيث قال: «أتاها جبريل عليه السلام بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه ولعله ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها» فقوله ليهيج إلخ عبارة غير لائقة بمريم مع التحقيق أن عيسى عليه السلام كان من عالم الأمر أي أمر التكوين الممثل بقوله تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» إذ ليس ثم قول ولا كان ولا يكون وهذا وجه المماثلة بين عيسى وآدم في قوله تعالى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» أي في التكوين بالأمر من غير واسطة ولا نطفة والنفخ المدلول عليه بقوله تعالى «فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا» من قبيل التمثيل استعير لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها. لا حقيقة النفخ التي هي إجراء الريح إلى جوف صالح لإمساكها والامتلاء بها. ولا يصح الاعتذار للقاضي البيضاوي بأنه نظر إلى العادة الإلهية الجارية بخلق المسببات عقب الأسباب لأن السبب لا بد أن يكون تاما ونطفة المرأة وحدها ليست بسبب تام لحصول الولد وإنما تمثل لها بصورة حسنة لتأنس به ولا تنفر منه وتصغي اليه وترهف السمع لسماع البشرى وكان بصورة أمرد لإلف النساء إلى الأطفال ومن قرب منهن وعدم الاحتشام منهن. أما رواية الزمخشري فهي: «وقيل قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو بشيء يسترها وكان موضعها المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها فإذا طهرت عادت إلى المسجد فبينما هي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمي شاب وضيء الوجه، جعد الشعر، سوي الخلق، لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئا أو حسن الصورة مستوي الخلق وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر منه ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه» واستأنف الزمخشري كلامه فقال: «ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة، الفائقة الحسن، وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها، وسبرا لعفتها، وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها فانفجر السقف لها فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك» . ونختم هذا الفصل الذي خالفنا فيه شرط كتابنا لأهميته بتذييل للشيخ عبد الرزاق الكاشي وهذا هو نصه: «إنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به فتتحرك على مقتضى الجبلة أو يسري الأثر من الخيال في الطبيعة فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام، وانما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة لأنه ثبت في العلوم الطبيعية: أن مني الذكر في تولد الجنين بمنزلة الإنفحة من الجبن، ومني الأنثى بمنزلة اللبن: أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى، لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى ينفرد بالقوة المنعقدة بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى، وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى وكان مزاج كبدها حارا كان المني الذي ينفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من المني الذي ينفصل عن كليتها اليسرى فإذا اجتمعا في الرحم كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب قام المنفصل من الكلية اليمنى مقام مني الرجل في شدة قوة العقد والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد فيخلق الولد. هذا وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس متقوية به يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن ويغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني فتصير أقدر على أفعالها بما لا يضبط في القياس» .

مريم 19:20

اللغة: (انْتَبَذَتْ) : الانتباذ الاعتزال والانفراد فقد تخلت مريم للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس أو من دارها معتزلة عن الناس الناس وقيل غير ذلك والتفاصيل في المطولات وفي المصباح: «وانتبذت مكانا اتخذته بمعزل يكون بعيدا عن القوم» . (بَغِيًّا) : البغي: الفاجرة التي تبغي الرجال وهي فعول عند المبرد أي بغوي فأدغمت الواو في الياء وقال ابن جني في كتاب التمام «هي فعيل ولو كانت فعولا لقيل بغوّ كما قيل فلان نهوّ عن المنكر» وبغت فلانة بغاء بكسر الباء ومنه قيل للإماء البغايا لأنهن كنّ يباغين في الجاهلية بقال: قامت البغايا على رؤوسهم قال الأعشى: والبغايا يركضن أكسية الاضر ... يج والشرعبيّ ذا الأذيال وفي القاموس وشرحه: «بغى يبغي من باب ضرب الشيء بغاء بضم الباء وبغيا بفتحها وبغى وبغية طلبه وبغى الرجل عدل عن الحق وعصى وبغى عليه استطال عليه وظلمه فهو باغ» فلعل إطلاقهم كلمة البغاء على العهر والزنا مأخوذ من هذا المعنى لأنه من دواعي ما يطلبه أهل الخنا والفجور. الإعراب: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا) واذكر الواو استئنافية واذكر فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وفي الكتاب جار ومجرور متعلقان باذكر ومريم مفعول به وإذ: قال أبو البقاء ما نصه: في إذ أربعة أوجه أحدها أنها ظرف والعامل فيه محذوف تقديره واذكر خبر مريم إذ انتبذت والثاني أن تكون حالا من المضاف المحذوف والثالث أن يكون منصوبا بفعل محذوف أي وبيّن إذ انتبذت فهو على كلام آخر كما قال سيبويه في قوله تعالى «انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ» وهو في الظرف أقوى وان كان مفعولا به والرابع أن يكون بدلا من مريم بدل اشتمال لأن الأحيان تشتمل على الجثث ذكره الزمخشري وهو بعيد لأن الزمان إذا لم يكن حالا من الجثة ولا خبرا عنها ولا وصفا لها لم يكن بدلا منها وقيل إذ بمعنى أن المصدرية كقولك لا أكرمك إذ لم تكرمني أي لأنك لم تكرمني فعلى هذا يصح بدل الاشتمال أي واذكر مريم انتباذها. واضطرب قول ابن هشام فيها فبينما يقول في صدد بحثه عن إذ «الوجه الثالث أن تكون بدلا من المفعول نحو «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ» فإذ بدل اشتمال من مريم على حد البدل في: «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه» يعود فيقول: «وزعم الجمهور أن إذ لا تقع إلا ظرفا أو مضافا إليها وأنها في نحو «واذكروا إذ كنتم قليلا» ظرف لمفعول محذوف أي واذكروا نعمة الله إذ كنتم قليلا، وفي نحو إذ انتبذت ظرف لمضاف إلى مفعول محذوف أي واذكر قصة مريم. وقال شهاب الدين الحلبي المعروف بالسمين: «في إذ أوجه أحدها أنها منصوبة باذكر على أنها خرجت عن الظرفية إذ يستحيل أن تكون باقية على مضيها والعامل فيها ما هو نصّ في الاستقبال والثاني أنها منصوبة بمحذوف مضاف لمريم تقديره واذكر خبر مريم أو نبأها إذ انتبذت فإذ منصوبة بذلك الخبر أو النبأ، الثالث أنها بدل من مريم بدل اشتمال قال الزمخشري: لأن الأحيان مشتملة على ما فيها لأن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها لوقوع هذه القصة العجيبة فيه» وجملة انتبذت مضافة إلى إذ ومن أهلها حال ومكانا ظرف متعلق بانتبذت أي في مكان وشرقيا نعت ويجوز أن يعرب مكانا مفعولا به على أن معنى انتبذت أتت، ونص المصباح يؤيد كونه مفعولا به فتأمله في باب اللغة. (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) الفاء عاطفة واتخذت فعل ماض وفاعل مستتر ومن دونهم مفعول به ثان وحجابا مفعول به أول فأرسلنا عطف على فاتخذت وإليها متعلقان بأرسلنا وروحنا مفعول به، فتمثل عطف أيضا ولها متعلقان بتمثل وبشرا حال وسويا نعت وسوغ وقوع الحال جامدة وصفها وسيأتي مزيد بحث عنها في باب الفوائد. (قالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) ان واسمها وجملة أعوذ خبرها والجملة مقول القول وبالرحمن متعلقان بأعوذ ومنك متعلقان بأعوذ أيضا وإن حرف شرط جازم وكنت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وتقيا خبرها وجواب الشرط محذوف والمعنى إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة به فإني عائذة به منك. (قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا) إنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ ورسول ربك خبر واللام للتعليل وأهب فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام ولك متعلقان بأهب وغلاما مفعول به وزكيا صفة. (قالَتْ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) أنى اسم استفهام بمعنى كيف وقد تقدم إعرابه في قصة زكريا ولم يمسسني الواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويمسسني مضارع مجزوم بلم والياء مفعول به وبشر فاعل، ولم أك بغيا: لم حرف نفي وقلب وجزم وأك مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف واسم أك مستتر وبغيا خبرها. (قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) كذلك خبر لمبتدأ محذوف وقد تقدم إعراب نظيرها. (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا) لنجعله تعليل معلله محذوف أي فعلنا ذلك أو هو معطوف على مضمر أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية وآية مفعول به ثان لنجعله وللناس صفة لآية ورحمة منا عطف على آية وكان أمرا مقضيا كان واسمها المستتر وخبرها ومقضيا صفة. الفوائد: معنى بشرا سويا: تقدم بحث الحال الموطئة وانها ان تكون جامدة موصوفة وهذا أحد شروطها التي تبرر كونها جامدة وهو في الآية بشرا فهو حال من فاعل تمثل وهو الملك والاعتماد فيها على الصفة وهي سويا وهو اسم مشتق لأنه صفة مشبهة، وعبارة ابن هشام: «الثاني انقسامها بحسب قصدها لذاتها وللتوطئة بها إلى قسمين مقصودة وهو الغالب وموطئة وهي الجامدة الموصوفة نحو فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » واعترض بعضهم على هذا الإعراب فقال: ان دعوى الحال تقتضي أن المعنى متمثل لها في حال كونها بشرا ولا يخفى انه وقت التمثيل ملك لا بشر فالأقرب انه منصوب بنزع الخافض أي فتمثل لها ببشر أي تشبه به وتصور بصورته. واعلم أنه وقع هنا للبيضاوي ما لا يليق حيث قال: «أتاها جبريل عليه السلام بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه ولعله ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها» فقوله ليهيج إلخ عبارة غير لائقة بمريم مع التحقيق أن عيسى عليه السلام كان من عالم الأمر أي أمر التكوين الممثل بقوله تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» إذ ليس ثم قول ولا كان ولا يكون وهذا وجه المماثلة بين عيسى وآدم في قوله تعالى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» أي في التكوين بالأمر من غير واسطة ولا نطفة والنفخ المدلول عليه بقوله تعالى «فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا» من قبيل التمثيل استعير لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها. لا حقيقة النفخ التي هي إجراء الريح إلى جوف صالح لإمساكها والامتلاء بها. ولا يصح الاعتذار للقاضي البيضاوي بأنه نظر إلى العادة الإلهية الجارية بخلق المسببات عقب الأسباب لأن السبب لا بد أن يكون تاما ونطفة المرأة وحدها ليست بسبب تام لحصول الولد وإنما تمثل لها بصورة حسنة لتأنس به ولا تنفر منه وتصغي اليه وترهف السمع لسماع البشرى وكان بصورة أمرد لإلف النساء إلى الأطفال ومن قرب منهن وعدم الاحتشام منهن. أما رواية الزمخشري فهي: «وقيل قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو بشيء يسترها وكان موضعها المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها فإذا طهرت عادت إلى المسجد فبينما هي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمي شاب وضيء الوجه، جعد الشعر، سوي الخلق، لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئا أو حسن الصورة مستوي الخلق وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر منه ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه» واستأنف الزمخشري كلامه فقال: «ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة، الفائقة الحسن، وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها، وسبرا لعفتها، وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها فانفجر السقف لها فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك» . ونختم هذا الفصل الذي خالفنا فيه شرط كتابنا لأهميته بتذييل للشيخ عبد الرزاق الكاشي وهذا هو نصه: «إنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به فتتحرك على مقتضى الجبلة أو يسري الأثر من الخيال في الطبيعة فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام، وانما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة لأنه ثبت في العلوم الطبيعية: أن مني الذكر في تولد الجنين بمنزلة الإنفحة من الجبن، ومني الأنثى بمنزلة اللبن: أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى، لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى ينفرد بالقوة المنعقدة بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى، وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى وكان مزاج كبدها حارا كان المني الذي ينفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من المني الذي ينفصل عن كليتها اليسرى فإذا اجتمعا في الرحم كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب قام المنفصل من الكلية اليمنى مقام مني الرجل في شدة قوة العقد والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد فيخلق الولد. هذا وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس متقوية به يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن ويغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني فتصير أقدر على أفعالها بما لا يضبط في القياس» .

مريم 19:21

اللغة: (انْتَبَذَتْ) : الانتباذ الاعتزال والانفراد فقد تخلت مريم للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس أو من دارها معتزلة عن الناس الناس وقيل غير ذلك والتفاصيل في المطولات وفي المصباح: «وانتبذت مكانا اتخذته بمعزل يكون بعيدا عن القوم» . (بَغِيًّا) : البغي: الفاجرة التي تبغي الرجال وهي فعول عند المبرد أي بغوي فأدغمت الواو في الياء وقال ابن جني في كتاب التمام «هي فعيل ولو كانت فعولا لقيل بغوّ كما قيل فلان نهوّ عن المنكر» وبغت فلانة بغاء بكسر الباء ومنه قيل للإماء البغايا لأنهن كنّ يباغين في الجاهلية بقال: قامت البغايا على رؤوسهم قال الأعشى: والبغايا يركضن أكسية الاضر ... يج والشرعبيّ ذا الأذيال وفي القاموس وشرحه: «بغى يبغي من باب ضرب الشيء بغاء بضم الباء وبغيا بفتحها وبغى وبغية طلبه وبغى الرجل عدل عن الحق وعصى وبغى عليه استطال عليه وظلمه فهو باغ» فلعل إطلاقهم كلمة البغاء على العهر والزنا مأخوذ من هذا المعنى لأنه من دواعي ما يطلبه أهل الخنا والفجور. الإعراب: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا) واذكر الواو استئنافية واذكر فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وفي الكتاب جار ومجرور متعلقان باذكر ومريم مفعول به وإذ: قال أبو البقاء ما نصه: في إذ أربعة أوجه أحدها أنها ظرف والعامل فيه محذوف تقديره واذكر خبر مريم إذ انتبذت والثاني أن تكون حالا من المضاف المحذوف والثالث أن يكون منصوبا بفعل محذوف أي وبيّن إذ انتبذت فهو على كلام آخر كما قال سيبويه في قوله تعالى «انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ» وهو في الظرف أقوى وان كان مفعولا به والرابع أن يكون بدلا من مريم بدل اشتمال لأن الأحيان تشتمل على الجثث ذكره الزمخشري وهو بعيد لأن الزمان إذا لم يكن حالا من الجثة ولا خبرا عنها ولا وصفا لها لم يكن بدلا منها وقيل إذ بمعنى أن المصدرية كقولك لا أكرمك إذ لم تكرمني أي لأنك لم تكرمني فعلى هذا يصح بدل الاشتمال أي واذكر مريم انتباذها. واضطرب قول ابن هشام فيها فبينما يقول في صدد بحثه عن إذ «الوجه الثالث أن تكون بدلا من المفعول نحو «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ» فإذ بدل اشتمال من مريم على حد البدل في: «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه» يعود فيقول: «وزعم الجمهور أن إذ لا تقع إلا ظرفا أو مضافا إليها وأنها في نحو «واذكروا إذ كنتم قليلا» ظرف لمفعول محذوف أي واذكروا نعمة الله إذ كنتم قليلا، وفي نحو إذ انتبذت ظرف لمضاف إلى مفعول محذوف أي واذكر قصة مريم. وقال شهاب الدين الحلبي المعروف بالسمين: «في إذ أوجه أحدها أنها منصوبة باذكر على أنها خرجت عن الظرفية إذ يستحيل أن تكون باقية على مضيها والعامل فيها ما هو نصّ في الاستقبال والثاني أنها منصوبة بمحذوف مضاف لمريم تقديره واذكر خبر مريم أو نبأها إذ انتبذت فإذ منصوبة بذلك الخبر أو النبأ، الثالث أنها بدل من مريم بدل اشتمال قال الزمخشري: لأن الأحيان مشتملة على ما فيها لأن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها لوقوع هذه القصة العجيبة فيه» وجملة انتبذت مضافة إلى إذ ومن أهلها حال ومكانا ظرف متعلق بانتبذت أي في مكان وشرقيا نعت ويجوز أن يعرب مكانا مفعولا به على أن معنى انتبذت أتت، ونص المصباح يؤيد كونه مفعولا به فتأمله في باب اللغة. (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) الفاء عاطفة واتخذت فعل ماض وفاعل مستتر ومن دونهم مفعول به ثان وحجابا مفعول به أول فأرسلنا عطف على فاتخذت وإليها متعلقان بأرسلنا وروحنا مفعول به، فتمثل عطف أيضا ولها متعلقان بتمثل وبشرا حال وسويا نعت وسوغ وقوع الحال جامدة وصفها وسيأتي مزيد بحث عنها في باب الفوائد. (قالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) ان واسمها وجملة أعوذ خبرها والجملة مقول القول وبالرحمن متعلقان بأعوذ ومنك متعلقان بأعوذ أيضا وإن حرف شرط جازم وكنت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وتقيا خبرها وجواب الشرط محذوف والمعنى إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة به فإني عائذة به منك. (قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا) إنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ ورسول ربك خبر واللام للتعليل وأهب فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام ولك متعلقان بأهب وغلاما مفعول به وزكيا صفة. (قالَتْ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) أنى اسم استفهام بمعنى كيف وقد تقدم إعرابه في قصة زكريا ولم يمسسني الواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويمسسني مضارع مجزوم بلم والياء مفعول به وبشر فاعل، ولم أك بغيا: لم حرف نفي وقلب وجزم وأك مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف واسم أك مستتر وبغيا خبرها. (قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) كذلك خبر لمبتدأ محذوف وقد تقدم إعراب نظيرها. (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا) لنجعله تعليل معلله محذوف أي فعلنا ذلك أو هو معطوف على مضمر أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية وآية مفعول به ثان لنجعله وللناس صفة لآية ورحمة منا عطف على آية وكان أمرا مقضيا كان واسمها المستتر وخبرها ومقضيا صفة. الفوائد: معنى بشرا سويا: تقدم بحث الحال الموطئة وانها ان تكون جامدة موصوفة وهذا أحد شروطها التي تبرر كونها جامدة وهو في الآية بشرا فهو حال من فاعل تمثل وهو الملك والاعتماد فيها على الصفة وهي سويا وهو اسم مشتق لأنه صفة مشبهة، وعبارة ابن هشام: «الثاني انقسامها بحسب قصدها لذاتها وللتوطئة بها إلى قسمين مقصودة وهو الغالب وموطئة وهي الجامدة الموصوفة نحو فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » واعترض بعضهم على هذا الإعراب فقال: ان دعوى الحال تقتضي أن المعنى متمثل لها في حال كونها بشرا ولا يخفى انه وقت التمثيل ملك لا بشر فالأقرب انه منصوب بنزع الخافض أي فتمثل لها ببشر أي تشبه به وتصور بصورته. واعلم أنه وقع هنا للبيضاوي ما لا يليق حيث قال: «أتاها جبريل عليه السلام بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه ولعله ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها» فقوله ليهيج إلخ عبارة غير لائقة بمريم مع التحقيق أن عيسى عليه السلام كان من عالم الأمر أي أمر التكوين الممثل بقوله تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» إذ ليس ثم قول ولا كان ولا يكون وهذا وجه المماثلة بين عيسى وآدم في قوله تعالى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» أي في التكوين بالأمر من غير واسطة ولا نطفة والنفخ المدلول عليه بقوله تعالى «فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا» من قبيل التمثيل استعير لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها. لا حقيقة النفخ التي هي إجراء الريح إلى جوف صالح لإمساكها والامتلاء بها. ولا يصح الاعتذار للقاضي البيضاوي بأنه نظر إلى العادة الإلهية الجارية بخلق المسببات عقب الأسباب لأن السبب لا بد أن يكون تاما ونطفة المرأة وحدها ليست بسبب تام لحصول الولد وإنما تمثل لها بصورة حسنة لتأنس به ولا تنفر منه وتصغي اليه وترهف السمع لسماع البشرى وكان بصورة أمرد لإلف النساء إلى الأطفال ومن قرب منهن وعدم الاحتشام منهن. أما رواية الزمخشري فهي: «وقيل قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو بشيء يسترها وكان موضعها المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها فإذا طهرت عادت إلى المسجد فبينما هي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمي شاب وضيء الوجه، جعد الشعر، سوي الخلق، لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئا أو حسن الصورة مستوي الخلق وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر منه ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه» واستأنف الزمخشري كلامه فقال: «ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة، الفائقة الحسن، وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها، وسبرا لعفتها، وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها فانفجر السقف لها فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك» . ونختم هذا الفصل الذي خالفنا فيه شرط كتابنا لأهميته بتذييل للشيخ عبد الرزاق الكاشي وهذا هو نصه: «إنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به فتتحرك على مقتضى الجبلة أو يسري الأثر من الخيال في الطبيعة فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام، وانما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة لأنه ثبت في العلوم الطبيعية: أن مني الذكر في تولد الجنين بمنزلة الإنفحة من الجبن، ومني الأنثى بمنزلة اللبن: أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى، لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى ينفرد بالقوة المنعقدة بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى، وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى وكان مزاج كبدها حارا كان المني الذي ينفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من المني الذي ينفصل عن كليتها اليسرى فإذا اجتمعا في الرحم كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب قام المنفصل من الكلية اليمنى مقام مني الرجل في شدة قوة العقد والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد فيخلق الولد. هذا وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس متقوية به يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن ويغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني فتصير أقدر على أفعالها بما لا يضبط في القياس» .

مريم 19:22

اللغة: (قَصِيًّا) : بعيدا من أهلها. (فَأَجاءَهَا) : يقال: جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد والأصل في جاء أن يتعدى لواحد بنفسه فإذا دخلت عليه الهمزة كان القياس يقتضي تعديته لاثنين إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل فصار بمعنى ألجأه إلى كذا ألا تراك لا تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما تقول بلغته وأبلغنيه ونظيره آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم تقل أتيت المكان وآتانيه فلان. (الْمَخاضُ) : وجع الولادة، وفي القاموس: مخض يمخض بتثليث الخاء في المضارع مخضا اللبن استخرج زبده فهو لبن مخيض وممخوض ومخض الشيء حركه شديدا ومخض الرأي قلبه وتدبر عواقبه حتى ظهر له الصواب ومخضت بكسر الخاء تمخض بفتحها الحامل مخاضا بكسر الميم ومخاضا بفتحها ومخضت بالبناء للمجهول، ومخضت بتشديد الخاء وتمخضت الحامل دنا ولادها وأخذ الطلق فهي ماخض والجمع مخض بضم الميم وتشديد الخاء ومواخض. وللميم والخاء مجتمعتين معنى يكاد يكون متقاربا فهي تشير إلى الانزلاق ومنه مخر البحر والماء أي شقه مع صوت ومخط وامتخط معروفة. (مِتُّ) : بكسر الميم وضمها يقال مات يمات ومات يموت. (نَسْياً) : النسي بفتح النون وكسرها بمعنى المنسي كالذبح بمعنى المذبوح وكل ما من حقه أن يطرح ويرمى وينسى. (سَرِيًّا) : السري فيه قولان: أحدهما أنه الرجل المرتفع القدر من سرو يسرو كشرف يشرف فهو سري فأعل إعلال سيد فلامه واو يقال هو سري من السراة والسروات، قال بشامة بن حزن النهشلي: وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا والثاني أنه النهر الصغير ويناسبه فكلي واشربي، واشتقاقه من سرى يسري لأن الماء يسري فيه فلامه على هذا ياء، قال لبيد يصف حمارا وحشيا: فمضى وقدّمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها فتوسّطا عرض السري فصدعا ... مسجورة متجاورا أقلامها يقول إنه مضى خلف أتانه نحو الماء وقدمها أمامه وأقدامها اسم كان وألحقها التاء لأنها بمعنى التقدمة وعادة خبر كانت والتعريد التأخر والجبن فتوسطا أي الحمار والأتان عرض السري أي ناحية النهر الصغير فصدعا أي شقا عينا مسجورة أي مملوءة. (رُطَباً جَنِيًّا) : الرطب بضم ففتح ما نضج من البسر قبل أن يصير تمرا والجني فعيل بمعنى فاعل أي صار طريا صالحا للاجتناء. (وَقَرِّي عَيْناً) : أي طيبي نفسا ولا تغتمي وارفضي ما أحزنك يقال قرت عينه تقر بفتح العين وكسرها في المضارع وفي وصف العين بذلك تأويلان أولهما أنه مأخوذ من القر وهو البرد وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها باردا وإذا حزن كان دمعها حارا ولذلك قالوا في الدعاء عليه أسخن الله عينك والثاني انه من الاستقرار والمعنى أعطاه الله ما يسكن عينه فلا تطمح إلى غيره وفي المصباح: وقرت العين من باب ضرب قرة بالضم وقرورا بردت سرورا وفي لغة أخرى من باب تعب. (صَوْماً) : صمتا وخيل صائمة وصيام قال: خيل صيام وخيل غير صامتة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وقيل المراد بصائمة وغير صائمة واقفة وغير واقفة. وصامت الريح ركدت وصام النهار وصامت الشمس كبّدت وجئته والشمس في مصامها وشاخ فصامت عنه النساء. (فَرِيًّا) : الفري البديع من فرى الجلد، والفري العظيم من الأمر يقال في الخير والشر وقيل الفري العجيب وقيل المفتعل ومن الأول الحديث في وصف عمر بن الخطاب: فلم أرى عبقريا يفرى فريه، والفري قطع الجلد للخرز والإصلاح، وفي المختار: «فرى الشيء قطعه لاصلاحه وبابه رمى وفرى كذبا خلقه وافتراه واختلقه والاسم الفرية وقوله تعالى: «شَيْئاً فَرِيًّا» أي مصنوعا مختلقا وقيل عظيما وأفرى الأوداج قطعها وأفرى الشيء شقه فانفرى وتفرى أي انشق، وقال الكسائي: أفرى الأديم قطعه على جهة الإفساد وفراه قطعه على جهة الإصلاح» . الإعراب: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره فنفخ جبريل في جيب درعها فحملته وسيأتي سر هذا التعقيب في باب الفوائد فانتبذت عطف على فحملته وبه جار ومجرور في موضع نصب على الحال وقد رمق سماءه أبو الطيب المتنبي في قصيدة يمدح بها علي بن مكرم بن سيار التميمي ويصف الخيل: كأن خيولنا كانت قديما ... تسقّى في قحوفهم الحليبا فمرّت غير نافرة عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا يريد أن خيولهم لم تنفر منهم كأنها كانت في صغرها تسقى في قحوف رءوسهم اللبن يعنى قحوف رءوس الأعداء والعرب كان من عادتها أن تسقي كرام خيولها اللبن وقحف الرأس ما انضم على أم الدماغ، والجمجمة العظم الذي فيه الدماغ فوطئت رءوسهم وصدورهم ولم تنفر عنهم فكأنها ألفتهم والتريب والتريبة واحدة الترائب وهو موضع القلادة ومن طريف الأخطاء أن بعضهم تصدى لشرح هذا البيت ولما لم يعرف معنى التريب قال بالحرف: والتريب والتراب لغة في التراب. زاده الله فهما!!. ومكانا مفعول فيه أو مفعول به وقد تقدم وقصيا صفة. (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) الفاء عاطفة للتعقيب وأجاءها فعل ماض ومفعول به مقدم والمخاض فاعل مؤخر والى جذع النخلة متعلقان بمحذوف حال وسيأتي السر في تعريف النخلة في باب البلاغة. (قالَتْ: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) يا حرف نداء والمنادى محذوف أو يا لمجرد التنبيه وليت واسمها وجملة مت خبرها وهي فعل وفاعل والظرف منصوب لأنه أضيف وهو متعلق بمت وهذا مضاف اليه وكنت الواو عاطفة وكان واسمها ونسيا خبرها ومنسيا تأكيد لنسيا لأنه بمعناه ولك أن تعربه نعتا. (فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) الفاء عاطفة وناداها فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الملك أو عيسى ومن تحتها متعلقان بناداها أي في مكان أسفل من مكانها أو بمحذوف حال من فاعل أي ناداها وهو تحتها وأن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتحزني مجزوم بلا ويجوز أن تكون مصدرية، ولا نافية وتحزني منصوب بها وأن وما بعدها نصب بنزع الخافض المتعلق بالنداء والأول أسهل وقد حرف تحقيق وجعل ربك فعل وفاعل وتحتك ظرف متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لجعل وسريا هو المفعول الأول وسيأتي السرّ في علة انتزاع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب. (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) : الواو عاطفة وهزي فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والياء هي الفاعل وإليك متعلقان بهزي وبجذع النخلة أورده بن هشام في مغني اللبيب شاهدا على زيادة الباء في المفعول به وأكثر المعربين على ذلك ولكن الزمخشري قال بعد ذكر وجه الزيادة ما معناه: يحتمل انه نزل هزي منزلة اللازم وإن كان متعديا ثم عداه بالباء كما يعدى اللازم والمعنى افعلي به الهز وتساقط مجزوم لأنه جواب الطلب وعليك متعلقان بتساقط ورطبا مفعول به وجنيا صفة، وتساقط يتعدى بنفسه ومن أمثلته لا من شواهده لأن البحتري غير محتج بكلامه. فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه وعن المبرد أن رطبا مفعول هزي وباء بجذع النخلة للاستعانة ولا يخفى ما فيه من التكلف بتأخير ما في حيز الأمر عن جوابه وستأتي أوجه زيادة الباء في باب الفوائد. (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) الفاء الفصيحة أي إذا تم لك هذا كله فكلي، وكلي فعل أمر والياء فاعل وما بعده عطف عليه وعينا تمييز من الفاعل لأنه منقول عنه إذ الأصل لتقر عينك. (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) الفاء عاطفة وإن شرطية أدغمت نونها بما الزائدة وترين فعل الشرط وأصله ترأيين بهمزة هي عين الفعل وياء مكسورة هي لامه وأخرى ساكنة هي ياء الضمير والنون علامة الرفع وقد حذفت لام الفعل لتحركها وانفتاح ما قبلها فقلبت ألفا فالتقت ساكنة مع ياء الضمير فحذفت لالتقاء الساكنين، ومن البشر حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به. (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) الفاء رابطة لجواب الشرط وقولي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل وإن واسمها وجملة نذرت خبرها والجملة مقول القول وسيرد إشكال أجبنا عنه في باب الفوائد، وللرحمن متعلقان بنذرت وصوما مفعول به، فلن الفاء استئنافية ولن حرف نفي ونصب واستقبال وأكلم منصوب بلن واليوم ظرف متعلق بأكلم وإنسيا مفعول به. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا) الفاء استئنافية وأتت فعل وفاعل مستتر والتاء للتأنيث وبه علقه أبو البقاء بمحذوف حال أي مصحوبة به وهو جميل ولا نرى مانعا بتعلقه بأتت وقومها مفعول به وجملة تحمله حال ثانية إما من ضمير مريم وإما من ضمير عيسى في به، قالوا فعل وفاعل ويا حرف نداء ومريم منادى واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به أي فعلت شيئا وفريا نعت ويجوز إعراب شيئا على المصدرية أي نوعا من المجيء غريبا. (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) يا حرف نداء وأخت هارون منادى مضاف أي يا شبيهته، وهارون رجل صالح شبهوها به في عفتها وصلاحها وليس المراد منه أخوة النسب وقيل إنما عنوا هارون أخا موسى لأنها كانت من نسله والعرب تقول للتميمي يا أخا تميم وقيل غير ذلك مما تراه في المطولات وما نافية وكان أبوك امرأ سوء كان واسمها وخبرها وما كانت أمك بغيا عطف على الجملة التي سبقتها أي ما دمت بهذه المثابة من مظنة العفة والصلاح فمن أين لك هذا الولد؟ (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) الفاء عاطفة وأشارت فعل وفاعل مستتر وإليه متعلقان بأشارت، قالوا فعل وفاعل وكيف اسم استفهام في محل نصب حال ونكلم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن ومن اسم موصول مفعول به وجملة كان صلة واسم كان مستتر تقديره هو وفي المهد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وصبيا خبر كان وقد اعتبرنا كان على بابها من النقصان ودلالتها على اقتران مضمون الجملة في الزمن الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» وقد نشب بين علماء العربية خلاف حول «كان» هنا نذكره مبسوطا في باب الفوائد لما تضمنه من فوائد. (قالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) جملة إني عبد الله مقول القول ولذلك كسرت همزة إن لوقوعها بعد القول وان واسمها وعبد الله خبرها وقد وصف نفسه بثماني صفات أولها العبودية وجملة آتاني الكتاب حالية وهذه هي الصفة الثانية والكتاب مفعول به ثان وجعلني نبيا فعل ماض وفاعل مستتر ومفعولاه وهذه هي الصفة الثالثة. (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وجعلني مباركا عطف على وجعلني نبيا وهذه هي الصفة الرابعة وأينما اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية والجواب محذوف مدلول عليه بما تقدم أي أينما كنت جعلني مباركا وهو متعلق بالجواب المحذوف وكان تامة والتاء فاعلها ويجوز أن تكون الناقصة وأينما متعلق بمحذوف خبرها المقدم. (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) ما دمت ما مصدرية ظرفية ودمت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وحيا خبرها والمصدر المؤول نصب على الظرفية والظرف متعلق بأوصاني وهذه هي الصفة الخامسة. (وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا) وبرا بفتح الباء معطوف نسقا على مباركا أي وجعلني برا. جعل ذاته برا لفرط بره ولك أن تنصبه بفعل مقدر بمعنى أوصاني تفاديا للفصل الطويل وهذه هي الصفة السادسة وبوالدتي متعلقان ببرا ولم يجعلني عطف على وجعلني وجبارا مفعول به ثان وشقيا صفة وهذه هي الصفة السابعة. (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) السلام مبتدأ وعلي خبره واختلف في معنى إلى الداخلة على السلام فقيل هي للعهد لأنه تقدم ذكر السلام الموجه إلى يحيى فهو موجه إليه أيضا، وقال الزمخشري: «والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللغة على متهمي مريم عليها السلام وأعدائها من اليهود وتحقيقه أن اللام للجنس وإذا قال وجنس السلام عليّ خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم ونظيره قوله تعالى: والسلام على من اتبع الهدى يعني أن العذاب على من كذب وتولى وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنته لنحو هذا من التعريض» ويوم متعلق بمعنى الاستقرار المتعلق به عليّ ولا يجوز نصبه للسلام للفصل بين المصدر ومعموله وجملة ولدت مضافا إليها الظرف ويوم أبعث عطف على يوم ولدت وكذلك يوم أبعث وحيا حال وهذه هي الصفة الثامنة والأخيرة. البلاغة: التعريف: وذلك في تعريف النخلة التي جاءها المخاض عندها وهذا التعريف لا يخلو إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس فإذا قيل جذع النخلة فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخيل وإما أن يكون من تعريف الجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد وثمارها إنما هي من جمارها فلموافقتها لها مع جميع الآيات فيها اختارها لها وألجأها إليها. الفوائد: 1- خلاصة قصة ميلاد عيسى في القرآن الكريم: هذا ولم يعن كتاب من الكتب الدينية بميلاد المسيح والدفاع عن طهارة والدته العذراء والإشادة بفضلها وتفضيلها على سائر النساء كما عني القرآن الكريم فقد وردت فيه عن ميلاد المسيح عليه السلام، وحياته وجهاده في سبيل الدعوة إلى الله وإصلاح البشر عدة آيات في عدد من السور وقد أتى في براءة العذراء وقنوتها بما لم تأت به كتب أخرى بل كانت السورة الثانية الكبرى من القرآن الكريم وهي سورة آل عمران، وعمران هو والد العذراء وكان عالما من علماء الدين ولم تأت سورة من السور باسم سيدة من سيدات التاريخ غير اسم مريم وهي تحتوي على عدة آيات في ميلاد المسيح كما وردت آيات أخرى في هذا الحادث الجليل. ولقد اصطفى الله آل عمران كما اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين، وكان عمران أبو مريم رجلا تقيا ورعا، كما كانت زوجته صالحة تقية فلما حملت نذرت إلى الله أن يكون حملها خادما للهيكل فلما وضعت وتبين لها أنها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، سمتها أمها مريم ولكن الله تقبلها في الهيكل بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا. ولم يعش عمران حتى تشب مريم وتكبر فتوفي وهي صغيرة فكفلها زوج خالتها النبي زكريا وكانت مريم صادقة مباركة يفيض الله عليها من رزقه من حيث تعلم ولا تعلم فكان زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا كثيرا فيسألها قائلا: يا مريم أنّى لك هذا فتجيبه: هو من عند الله. وكانت مريم تتعبد في الهيكل بعيدا عن أهلها وعن الناس، قد انتبذت مكانا شرقيا في الناصرة من مدينة الجليل، وكانت مخطوبة لرجل من أبناء عمومتها اسمه يوسف النجار ولكن لم يتم زواجهما لأنها وهبت نفسها إلى الله ولكن الله تعالى شاء أن يهب إلى البشر من هذه الفتاة الطاهرة الكريمة التقية نبيا كريما، ورسولا عظيما، ويجعل منها ومن ابنها آية للناس كما قال تعالى «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ» لم يتم زواج يوسف بمريم وبعث الله جبريل فبشرها بحملها بالسيد المسيح وهي في عزلتها تعبد الله وتخلص له العبادة والتقوى فعجبت لذلك وأجفلت وقالت: كيف يكون لي ولد ولم يمسسني بشر، فكان الجواب عليها كما جاء في القرآن، كما صور القرآن فزع مريم في سورة «مريم» حين جاءها الملك بهذه البشارة متمثلا لها في صورة إنسان ظهر لها في عزلتها، على حين غرة من أمرها فاستعاذت بالله منه فهدأ من روعها وأنبأها أنه مرسل من السماء ليهب لها غلاما زكيا فجاء في هذه السورة «واذكر في الكتاب مريم إلخ الآيات» وقد اتفق إنجيل لوقا وإنجيل برنابا والقرآن الكريم في حادث ولادة المسيح على أنه آية للناس ولم يكن نتيجة اتصال مريم بخطيبها يوسف النجار، كما جاء في بعض الأناجيل الاخرى كإنجيل متى الذي نصّ على أن «يسوع بن يوسف النجار ابن يعقوب بن متان بن اليعازر، ابن اليهود بن أخيم» إلى آخر هذا النسب الذي يصل إلى يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام. فالقرآن الكريم نزل بأن مريم عذراء وانه بعد بشارة الملك لها بهذا الغلام الزكي حملت به وانتبذت مكانا بعيدا عن الناس، وعانت وحدها آلام وضعه حتى تمنت الموت قبل هذا كما جاء في القرآن الكريم «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ» إلخ الآيات. خاطبها هذا الوليد الكريم في مهده وهدأ من روعها، وطلب إليها أن تستعين على ضعفها بالرطب الجني، والماء الهني أو خاطبها الملك. وكان أن وقع ما خشيته مريم من اتهامها بالسوء، فلما جاءت به إلى قومها أنكروا عليها، واتهموها بما هي براء منه، فصامت عن الكلام وتولى الطفل الصغير في مهده الدفاع عن أمه الطاهرة النقية كما جاء في القرآن الكريم. 2- أسرار الفاءات: وعدناك أن نتحدث عن أسرار الفاءات في قوله تعالى «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ» في هذه الفاءات دليل على أن حملها به ووضعها إياه لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت اليه والمخاض الذي هو الطلق بالفاء وهي للفور ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي والمهلة ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: «قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره» فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه مدة متراخية عطف ذلك بثم وهذا بخلاف قصة مريم عليها السلام، فانها عطفت بالفاء وقد اختلف الناس في مدة حملها فقيل: انه كحمل غيرها من النساء وقيل: لا بل كان مدة ثلاثة أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، وهذه الآية مزيلة للخلاف لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل أخذا بما دلت عليه الآية. هذا ما ورد في المثل السائر لابن الأثير، وقد رد ابن أبي الحديد في الفلك الدائر على ذلك بما أوردناه في سورة النحل من أن التعقيب على حسب ما يصح إما عقلا وإما عادة إلى أن يقول: وليست الفاء للفور الحقيقي الذي معناه حصول هذا بعد هذا بغير فصل ولا زمان كما توهمه هذا الرجل ألا ترى إلى قوله تعالى: «لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ» فإن العذاب متراخ عن الافتراء فلا يدل قوله تعالى في قصة مريم على أن الحمل والمخاض كانا في يوم واحد. قلت: قلت: بحث ابن أبي الحديد متجه والذي قاله ابن الأثير لا يخلو من ضعف وقد اختلف المفسرون في مدة حملها فقال ابن عباس تسعة أشهر كما في سائر النساء وقال عطاء وأبو العالية والضحاك سبعة أشهر وقال ابن عباس أيضا في ساعة واحدة وقال آخر لثمانية أشهر وقال آخرون ستة أشهر وقال آخرون ثلاث ساعات ورجح الامام الرازي انه في ساعة وقال: «ويمكن الاستدلال له بوجهين» وذكر في الوجه الاول ما قاله ابن الأثير وذكر في الوجه الثاني: «ان الله تعالى قال في وصفه: ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون فثبت أن عيسى عليه السلام لما قال الله له كن فكان وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل انما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة» . ومذهب الشافعية أن أكثر مدة الحمل أربع سنين وأقله ستة أشهر وقد ولد الضحاك بن مزاحم لستة عشر شهرا وشعبة ولد لسنتين وهرم بن سنان ولد لأربع سنين ولذلك سمي هرما ومالك بن أنس حمل به أكثر من ثلاث سنين، والحجاج بن يوسف ولد لثلاثين شهرا، ويقال انه كان يقول: اذكروا ليلة ميلادي، ويقال: إن عبد الملك بن مروان حمل به ستة أشهر والشافعي حمل به أربع سنين أو أقل، والحنفية يقولون للشافعية: ما جسر إمامكم أن يظهر إلى الوجود حتى توفي إمامنا، ويجيبهم الشافعية بقولهم: بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا. القول الفصل في الفاء العاطفة: والفاء في أصل وضعها للترتيب المتصل، والترتيب على ضربين: 1- الترتيب في المعنى: هو أن يكون المعطوف بها لاحقا متصلا بلا مهلة كقوله تعالى «خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» والأكثر كون المعطوف بها متسببا عما قبله كقولك: أملته فمال وأقمته فقام. 2- الترتيب في الذكر: وهو نوعان: أحدهما عطف مفصل على مجمل هو هو في المعنى كقولك توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه ومنه قوله تعالى: «وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... » الآية. وتكون عطفا لمجرد المشاركة في الحكم بحيث يحسن بالواو كقول امرئ القيس: «بين الدخول فحومل» . وتخنص الفاء بعطف ما لا يصلح كونه صلة على ما هو صلة كقولك الذي يطير فيغضب زيد الذباب فلو جعلت موضع الفاء واوا أو غيرها فقلت الذي يطير ويغضب زيد، أو ثم يغضب زيد الذباب لم تجز المسألة لأن يغضب زيد جملة لا عائد فيها على الذي فلا يصلح أن يعطف على الصلة لأن شرط ما يعطف على الصلة أن يصلح وقوعه صلة فإن كان العطف بالفاء لم يشترط دلك لأنها تجعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة لإشعارها بالسببية كأنك قلت: الذي ان يطر يغضب زيد الذباب وقد يعطف بالفاء متراخيا كقوله تعالى: «وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» إما لتقدير متصل قبله وإما لحمل الفاء على ثم. الفاء الفصيحة: وقد تحذف الفاء مع المعطوف بها إذا أمن اللبس وكذلك الواو فمن حذف الفاء قوله تعالى: «فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ» التقدير فامتثلتم فتاب عليكم وقوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» معناه فأفطر فعليه عدة وهذه العاطفة على الجواب المحذوف يسميها أرباب المعاني «الفاء الفصيحة» قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ» تقديره فعملا به وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله. وقال صاحب المفتاح: «هو إخبار عما صنع بهما وعما قالاه كأنه قيل: نحن فعلنا الإيتاء وهما فعلا الحمد وهذا الباب كثير في القرآن وهو من جملة فصاحته ولهذا أسماها أرباب المعاني الفاء الفصيحة. أما ابن الحاجب فقد قال: ان المعتبر ما يعد في العادة مرتبا من غير مهلة فقد يطول الزمان والعادة تقضي في مثله بانتفاء المهلة وقد تقصر والعادة تقضي بالعكس فإن الزمن الطويل قد بستغرب بالنسبة إلى عظم الأمر فتستعمل الفاء وقد يستبعد الزمن القريب بالنسبة إلى طول أمر يقضي العرف بحصوله في زمان أقل منه، والذي يظهر من كلام الجماعة أن استعمال الفاء فيما تراخى زمانه ووقوعه من الأول سواء قصر في أولا وإنما هو بطريق المجاز» . وقال الجرمي: لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل «بين الدخول فحومل» مطرنا مكان كذا فمكان كذا إذا كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد واعترض على معنى التعقيب بقوله تعالى: «الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» فإن إخراج المرعى لا يعقبه جعله غثاء أحوى أي يابسا أسود والجواب من وجهين: آ- ان جملة فجعله غثاء أحوى معطوفة على جملة محذوفة وان التقدير فمضت مدة فجعله غثاء. ب- ان الفاء نابت عن ثم والمعنى جعله غثاء وسيأتي تفصيل ذلك في حينه. 3-لماذا انقشع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب؟ ولا بد هنا من الاجابة على سؤال قد يرد فإن ظاهر الكلام يدل على أن حزنها سينقشع بسبب وجود الطعام والشراب وذلك في قوله تعالى: «فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً» ومعلوم بأن حزنها لم يكن بسبب ذلك، ولا هو ناجم عن فقدان الطعام والشراب ولكن السر في ذلك أن التسلية ونسيان الحزن لم يقعا بها من حيث أنهما طعام وشراب ولكن من حيث أنهما معجزة باهرة ترهص لها، وتدحض باطل القوم وتثبت كذبهم وإرجافهم، كما تثبت أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة وأنها بمعزل عما قرفوها به ثم ان الأمور الخارجة عن العادات لا يمكن إلا أن تكون إلهية ولحكمة نجهلها ومن ذلك ولادتها عيسى من غير فحل وهذا من عجائب الاساليب. لماذا منعت من الكلام؟ وهناك سؤال آخر قد يثب إلى الذهن بعد هذا كله وهو: ان الله أمرها بأن تمتنع من الكلام لأمرين: آ- أن يكون عيسى عليه السلام هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها وأرهص للمعجزة وبالتالي لإزالة عوامل الريبة المؤدية إلى اتهامها بما يشين. ب- تشريع الكراهية لأية مجادلة مع السفهاء وقد رمق الشاعر سماء هذا المعنى فقال: يخاطبني السفيه بكل قبح ... وأكره أن أكون له مجيبا 4- مواضع زيادة الباء: آ- في الفاعل وزيادتها تكون واجبة في فعل التعجب الوارد على صيغة الأمر نحو أحسن بزيد وعلة الزيادة إصلاح اللفظ وإعرابه أحسن فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض لأجل الصيغة وبزيد الباء حرف جر زائد وزيد فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد وتكون غالبة وذلك في فاعل كفى التي بمعنى حسب والتي هي فعل لازم نحو كفى بالله شهيدا ولا تزاد الباء في فاعل كفى التي بمعنى أجزأ أو أغنى ولا التي بمعنى وقى والأولى متعدية لواحد نحو: قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل والثانية متعدية لاثنين كقوله تعالى «وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ» . قال ابن هشام: «ووقع في شعر المتنبي زيادة الباء في فاعل كفى المتعدية لواحد قال: كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل ولم أر من انتقد عليه» وقد استعجل ابن هشام بهذا الحكم فقد انتقد عليه ذلك أبو البقاء في شرحه الممتع للديوان وأفاض في إعراب البيت كما انتقد المعري أيضا ولسنا بصدد التحقيق في ذلك فلعلك ترجع إلى شرح أبي البقاء والى مغني اللبيب. ب- في المفعول به نحو قوله تعالى: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ» وقول أبي الطيب: كفى بجسمي نحولا انني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني ج- في المبتدأ نحو بحسبك درهم وخرجت فإذا بزيد وكيف بك فكيف اسم استفهام خبر مقدم وبك الباء حرف جر زائد والكاف في محل جر بالباء وفي محل رفع بالابتداء وقد نابت الكاف عن أنت لدخول حرف الجر والمعنى كيف أنت إذا كان الأمر حاصلا. د- في الخبر وهو ينقاس في غير الموجب نحو ليس زيد بقائم وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون وفي غير الموجب متوقف على الساع. هـ- في الحال المنفي عاملها كقوله: فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيّب منتهاها وفي التوكيد بالنفس والعين نحو جاء زيد بنفسه وبعينه. 5- مبحث هام حول كان: قوله تعالى «كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» جرينا في اعرابها على أنها ناقصة واسمها مستتر تقديره هو وصبيا خبرها وممن أعربها كذلك الزمخشري ووعدنا أن ننقل الخلاف الذي ثار حولها لطرافته ولما فيه من رياضة ذهنية: أما أبو البقاء فقد أعربها زائدة أي من هو في المهد وصبيا حال من الضمير في الجار والضمير المنفصل المقدر كان متصلا بكان وقيل كان الزائدة لا يستتر فيها ضمير فعلى هذا لا تحتاج إلى تقدير هو بل يكون الظرف صلة من وقيل ليست زائدة بل هي كقوله «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» وقيل هي بمعنى صار وقيل هي التامة ومن بمعنى الذي وقيل شرطية وجوابها كيف. وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: في كان هذه أقوال: آ- انها زائدة وهو قول أبي عبيد أي كيف نكلم من في المهد، وصبيا على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور والواقع صلة. ب- انها تامة بمعنى حدث ووجد والتقدير كيف نكلم من وجد صبيا وصبيا حال من الضمير في كان. ح- انها بمعنى صار أي كيف نكلم من صار في المهد صبيا، وصبيا على هذا خبرها. د- انها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف لم يزل. وقال ابن الأنباري في «أسرار العربية» كان هنا تامة وصبيا منصوب على الحال ولا يجوز أن تكون ناقصة لأنه لا اختصاص لعيسى عليه السلام في ذلك لأن كلا كان في المهد صبيا ولا عجب في تكليم من كان فيما مضى في حال الصبا. وبعد كتابة ما تقدم وقعت على ما قاله أبو طاهر حمزة في رسالة له سماها «المنيرة المعربة عن شرف الاعراب» وأنقل لك خلاصته ففيه وجاهة وطرافة وهي تؤيد ما ذهبنا اليه من بقاء كان على وجهها قال: «لكن الوجه ان كان من قصد الخبر الآن عن حالهم لأنهم أكبروا ذلك في وقت كونه في المهد فكأنه قال: أكبروا تكليم صبي كائن في المهد طفلا فيكون الكون من لفظ المخبر لا من لفظهم كقول الحطيئة يصف الرياض: يظل بها الشيخ الذي كان فانيا ... يدب على عوج له نخرات فلم يك فانيا قبل دبيبه بل وقت دبيبه فذكر الكون من لفظ المخبر» . قلت: قلت: وهذا كله دندنة في غير طائل والأجود ما اخترناه واختاره الزمخشري ويأتي في المرتبة بعده أن تكون زائدة أما تقديرها تامة فبعيد جدا لأن عيسى لم يخلق ابتداء في المهد. 6- بغيا: أصله بغويا اجتمعت فيه الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغم الياء في الياء وإلا لو كان فعيلا بمعنى فاعل لحقته التاء وقال البيضاوي: «وهو فعول من البغي قلبت واوه وأدغمت ثم كسرت العين اتباعا ولذلك لم تلحقه التاء أو فعيل بمعنى فاعل لم تلحقه التاء لأنه للمبالغة أو للنسب كطالق» وقال بعضهم: البغي خاص بالمؤنث فلا يقال رجل بغي انما يقال امرأة بغي لكن نقل بعضهم عن المصباح انه يقال رجل بغي كما يقال امرأة بغي.

مريم 19:23

اللغة: (قَصِيًّا) : بعيدا من أهلها. (فَأَجاءَهَا) : يقال: جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد والأصل في جاء أن يتعدى لواحد بنفسه فإذا دخلت عليه الهمزة كان القياس يقتضي تعديته لاثنين إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل فصار بمعنى ألجأه إلى كذا ألا تراك لا تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما تقول بلغته وأبلغنيه ونظيره آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم تقل أتيت المكان وآتانيه فلان. (الْمَخاضُ) : وجع الولادة، وفي القاموس: مخض يمخض بتثليث الخاء في المضارع مخضا اللبن استخرج زبده فهو لبن مخيض وممخوض ومخض الشيء حركه شديدا ومخض الرأي قلبه وتدبر عواقبه حتى ظهر له الصواب ومخضت بكسر الخاء تمخض بفتحها الحامل مخاضا بكسر الميم ومخاضا بفتحها ومخضت بالبناء للمجهول، ومخضت بتشديد الخاء وتمخضت الحامل دنا ولادها وأخذ الطلق فهي ماخض والجمع مخض بضم الميم وتشديد الخاء ومواخض. وللميم والخاء مجتمعتين معنى يكاد يكون متقاربا فهي تشير إلى الانزلاق ومنه مخر البحر والماء أي شقه مع صوت ومخط وامتخط معروفة. (مِتُّ) : بكسر الميم وضمها يقال مات يمات ومات يموت. (نَسْياً) : النسي بفتح النون وكسرها بمعنى المنسي كالذبح بمعنى المذبوح وكل ما من حقه أن يطرح ويرمى وينسى. (سَرِيًّا) : السري فيه قولان: أحدهما أنه الرجل المرتفع القدر من سرو يسرو كشرف يشرف فهو سري فأعل إعلال سيد فلامه واو يقال هو سري من السراة والسروات، قال بشامة بن حزن النهشلي: وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا والثاني أنه النهر الصغير ويناسبه فكلي واشربي، واشتقاقه من سرى يسري لأن الماء يسري فيه فلامه على هذا ياء، قال لبيد يصف حمارا وحشيا: فمضى وقدّمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها فتوسّطا عرض السري فصدعا ... مسجورة متجاورا أقلامها يقول إنه مضى خلف أتانه نحو الماء وقدمها أمامه وأقدامها اسم كان وألحقها التاء لأنها بمعنى التقدمة وعادة خبر كانت والتعريد التأخر والجبن فتوسطا أي الحمار والأتان عرض السري أي ناحية النهر الصغير فصدعا أي شقا عينا مسجورة أي مملوءة. (رُطَباً جَنِيًّا) : الرطب بضم ففتح ما نضج من البسر قبل أن يصير تمرا والجني فعيل بمعنى فاعل أي صار طريا صالحا للاجتناء. (وَقَرِّي عَيْناً) : أي طيبي نفسا ولا تغتمي وارفضي ما أحزنك يقال قرت عينه تقر بفتح العين وكسرها في المضارع وفي وصف العين بذلك تأويلان أولهما أنه مأخوذ من القر وهو البرد وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها باردا وإذا حزن كان دمعها حارا ولذلك قالوا في الدعاء عليه أسخن الله عينك والثاني انه من الاستقرار والمعنى أعطاه الله ما يسكن عينه فلا تطمح إلى غيره وفي المصباح: وقرت العين من باب ضرب قرة بالضم وقرورا بردت سرورا وفي لغة أخرى من باب تعب. (صَوْماً) : صمتا وخيل صائمة وصيام قال: خيل صيام وخيل غير صامتة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وقيل المراد بصائمة وغير صائمة واقفة وغير واقفة. وصامت الريح ركدت وصام النهار وصامت الشمس كبّدت وجئته والشمس في مصامها وشاخ فصامت عنه النساء. (فَرِيًّا) : الفري البديع من فرى الجلد، والفري العظيم من الأمر يقال في الخير والشر وقيل الفري العجيب وقيل المفتعل ومن الأول الحديث في وصف عمر بن الخطاب: فلم أرى عبقريا يفرى فريه، والفري قطع الجلد للخرز والإصلاح، وفي المختار: «فرى الشيء قطعه لاصلاحه وبابه رمى وفرى كذبا خلقه وافتراه واختلقه والاسم الفرية وقوله تعالى: «شَيْئاً فَرِيًّا» أي مصنوعا مختلقا وقيل عظيما وأفرى الأوداج قطعها وأفرى الشيء شقه فانفرى وتفرى أي انشق، وقال الكسائي: أفرى الأديم قطعه على جهة الإفساد وفراه قطعه على جهة الإصلاح» . الإعراب: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره فنفخ جبريل في جيب درعها فحملته وسيأتي سر هذا التعقيب في باب الفوائد فانتبذت عطف على فحملته وبه جار ومجرور في موضع نصب على الحال وقد رمق سماءه أبو الطيب المتنبي في قصيدة يمدح بها علي بن مكرم بن سيار التميمي ويصف الخيل: كأن خيولنا كانت قديما ... تسقّى في قحوفهم الحليبا فمرّت غير نافرة عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا يريد أن خيولهم لم تنفر منهم كأنها كانت في صغرها تسقى في قحوف رءوسهم اللبن يعنى قحوف رءوس الأعداء والعرب كان من عادتها أن تسقي كرام خيولها اللبن وقحف الرأس ما انضم على أم الدماغ، والجمجمة العظم الذي فيه الدماغ فوطئت رءوسهم وصدورهم ولم تنفر عنهم فكأنها ألفتهم والتريب والتريبة واحدة الترائب وهو موضع القلادة ومن طريف الأخطاء أن بعضهم تصدى لشرح هذا البيت ولما لم يعرف معنى التريب قال بالحرف: والتريب والتراب لغة في التراب. زاده الله فهما!!. ومكانا مفعول فيه أو مفعول به وقد تقدم وقصيا صفة. (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) الفاء عاطفة للتعقيب وأجاءها فعل ماض ومفعول به مقدم والمخاض فاعل مؤخر والى جذع النخلة متعلقان بمحذوف حال وسيأتي السر في تعريف النخلة في باب البلاغة. (قالَتْ: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) يا حرف نداء والمنادى محذوف أو يا لمجرد التنبيه وليت واسمها وجملة مت خبرها وهي فعل وفاعل والظرف منصوب لأنه أضيف وهو متعلق بمت وهذا مضاف اليه وكنت الواو عاطفة وكان واسمها ونسيا خبرها ومنسيا تأكيد لنسيا لأنه بمعناه ولك أن تعربه نعتا. (فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) الفاء عاطفة وناداها فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الملك أو عيسى ومن تحتها متعلقان بناداها أي في مكان أسفل من مكانها أو بمحذوف حال من فاعل أي ناداها وهو تحتها وأن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتحزني مجزوم بلا ويجوز أن تكون مصدرية، ولا نافية وتحزني منصوب بها وأن وما بعدها نصب بنزع الخافض المتعلق بالنداء والأول أسهل وقد حرف تحقيق وجعل ربك فعل وفاعل وتحتك ظرف متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لجعل وسريا هو المفعول الأول وسيأتي السرّ في علة انتزاع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب. (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) : الواو عاطفة وهزي فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والياء هي الفاعل وإليك متعلقان بهزي وبجذع النخلة أورده بن هشام في مغني اللبيب شاهدا على زيادة الباء في المفعول به وأكثر المعربين على ذلك ولكن الزمخشري قال بعد ذكر وجه الزيادة ما معناه: يحتمل انه نزل هزي منزلة اللازم وإن كان متعديا ثم عداه بالباء كما يعدى اللازم والمعنى افعلي به الهز وتساقط مجزوم لأنه جواب الطلب وعليك متعلقان بتساقط ورطبا مفعول به وجنيا صفة، وتساقط يتعدى بنفسه ومن أمثلته لا من شواهده لأن البحتري غير محتج بكلامه. فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه وعن المبرد أن رطبا مفعول هزي وباء بجذع النخلة للاستعانة ولا يخفى ما فيه من التكلف بتأخير ما في حيز الأمر عن جوابه وستأتي أوجه زيادة الباء في باب الفوائد. (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) الفاء الفصيحة أي إذا تم لك هذا كله فكلي، وكلي فعل أمر والياء فاعل وما بعده عطف عليه وعينا تمييز من الفاعل لأنه منقول عنه إذ الأصل لتقر عينك. (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) الفاء عاطفة وإن شرطية أدغمت نونها بما الزائدة وترين فعل الشرط وأصله ترأيين بهمزة هي عين الفعل وياء مكسورة هي لامه وأخرى ساكنة هي ياء الضمير والنون علامة الرفع وقد حذفت لام الفعل لتحركها وانفتاح ما قبلها فقلبت ألفا فالتقت ساكنة مع ياء الضمير فحذفت لالتقاء الساكنين، ومن البشر حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به. (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) الفاء رابطة لجواب الشرط وقولي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل وإن واسمها وجملة نذرت خبرها والجملة مقول القول وسيرد إشكال أجبنا عنه في باب الفوائد، وللرحمن متعلقان بنذرت وصوما مفعول به، فلن الفاء استئنافية ولن حرف نفي ونصب واستقبال وأكلم منصوب بلن واليوم ظرف متعلق بأكلم وإنسيا مفعول به. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا) الفاء استئنافية وأتت فعل وفاعل مستتر والتاء للتأنيث وبه علقه أبو البقاء بمحذوف حال أي مصحوبة به وهو جميل ولا نرى مانعا بتعلقه بأتت وقومها مفعول به وجملة تحمله حال ثانية إما من ضمير مريم وإما من ضمير عيسى في به، قالوا فعل وفاعل ويا حرف نداء ومريم منادى واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به أي فعلت شيئا وفريا نعت ويجوز إعراب شيئا على المصدرية أي نوعا من المجيء غريبا. (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) يا حرف نداء وأخت هارون منادى مضاف أي يا شبيهته، وهارون رجل صالح شبهوها به في عفتها وصلاحها وليس المراد منه أخوة النسب وقيل إنما عنوا هارون أخا موسى لأنها كانت من نسله والعرب تقول للتميمي يا أخا تميم وقيل غير ذلك مما تراه في المطولات وما نافية وكان أبوك امرأ سوء كان واسمها وخبرها وما كانت أمك بغيا عطف على الجملة التي سبقتها أي ما دمت بهذه المثابة من مظنة العفة والصلاح فمن أين لك هذا الولد؟ (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) الفاء عاطفة وأشارت فعل وفاعل مستتر وإليه متعلقان بأشارت، قالوا فعل وفاعل وكيف اسم استفهام في محل نصب حال ونكلم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن ومن اسم موصول مفعول به وجملة كان صلة واسم كان مستتر تقديره هو وفي المهد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وصبيا خبر كان وقد اعتبرنا كان على بابها من النقصان ودلالتها على اقتران مضمون الجملة في الزمن الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» وقد نشب بين علماء العربية خلاف حول «كان» هنا نذكره مبسوطا في باب الفوائد لما تضمنه من فوائد. (قالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) جملة إني عبد الله مقول القول ولذلك كسرت همزة إن لوقوعها بعد القول وان واسمها وعبد الله خبرها وقد وصف نفسه بثماني صفات أولها العبودية وجملة آتاني الكتاب حالية وهذه هي الصفة الثانية والكتاب مفعول به ثان وجعلني نبيا فعل ماض وفاعل مستتر ومفعولاه وهذه هي الصفة الثالثة. (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وجعلني مباركا عطف على وجعلني نبيا وهذه هي الصفة الرابعة وأينما اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية والجواب محذوف مدلول عليه بما تقدم أي أينما كنت جعلني مباركا وهو متعلق بالجواب المحذوف وكان تامة والتاء فاعلها ويجوز أن تكون الناقصة وأينما متعلق بمحذوف خبرها المقدم. (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) ما دمت ما مصدرية ظرفية ودمت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وحيا خبرها والمصدر المؤول نصب على الظرفية والظرف متعلق بأوصاني وهذه هي الصفة الخامسة. (وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا) وبرا بفتح الباء معطوف نسقا على مباركا أي وجعلني برا. جعل ذاته برا لفرط بره ولك أن تنصبه بفعل مقدر بمعنى أوصاني تفاديا للفصل الطويل وهذه هي الصفة السادسة وبوالدتي متعلقان ببرا ولم يجعلني عطف على وجعلني وجبارا مفعول به ثان وشقيا صفة وهذه هي الصفة السابعة. (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) السلام مبتدأ وعلي خبره واختلف في معنى إلى الداخلة على السلام فقيل هي للعهد لأنه تقدم ذكر السلام الموجه إلى يحيى فهو موجه إليه أيضا، وقال الزمخشري: «والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللغة على متهمي مريم عليها السلام وأعدائها من اليهود وتحقيقه أن اللام للجنس وإذا قال وجنس السلام عليّ خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم ونظيره قوله تعالى: والسلام على من اتبع الهدى يعني أن العذاب على من كذب وتولى وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنته لنحو هذا من التعريض» ويوم متعلق بمعنى الاستقرار المتعلق به عليّ ولا يجوز نصبه للسلام للفصل بين المصدر ومعموله وجملة ولدت مضافا إليها الظرف ويوم أبعث عطف على يوم ولدت وكذلك يوم أبعث وحيا حال وهذه هي الصفة الثامنة والأخيرة. البلاغة: التعريف: وذلك في تعريف النخلة التي جاءها المخاض عندها وهذا التعريف لا يخلو إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس فإذا قيل جذع النخلة فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخيل وإما أن يكون من تعريف الجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد وثمارها إنما هي من جمارها فلموافقتها لها مع جميع الآيات فيها اختارها لها وألجأها إليها. الفوائد: 1- خلاصة قصة ميلاد عيسى في القرآن الكريم: هذا ولم يعن كتاب من الكتب الدينية بميلاد المسيح والدفاع عن طهارة والدته العذراء والإشادة بفضلها وتفضيلها على سائر النساء كما عني القرآن الكريم فقد وردت فيه عن ميلاد المسيح عليه السلام، وحياته وجهاده في سبيل الدعوة إلى الله وإصلاح البشر عدة آيات في عدد من السور وقد أتى في براءة العذراء وقنوتها بما لم تأت به كتب أخرى بل كانت السورة الثانية الكبرى من القرآن الكريم وهي سورة آل عمران، وعمران هو والد العذراء وكان عالما من علماء الدين ولم تأت سورة من السور باسم سيدة من سيدات التاريخ غير اسم مريم وهي تحتوي على عدة آيات في ميلاد المسيح كما وردت آيات أخرى في هذا الحادث الجليل. ولقد اصطفى الله آل عمران كما اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين، وكان عمران أبو مريم رجلا تقيا ورعا، كما كانت زوجته صالحة تقية فلما حملت نذرت إلى الله أن يكون حملها خادما للهيكل فلما وضعت وتبين لها أنها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، سمتها أمها مريم ولكن الله تقبلها في الهيكل بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا. ولم يعش عمران حتى تشب مريم وتكبر فتوفي وهي صغيرة فكفلها زوج خالتها النبي زكريا وكانت مريم صادقة مباركة يفيض الله عليها من رزقه من حيث تعلم ولا تعلم فكان زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا كثيرا فيسألها قائلا: يا مريم أنّى لك هذا فتجيبه: هو من عند الله. وكانت مريم تتعبد في الهيكل بعيدا عن أهلها وعن الناس، قد انتبذت مكانا شرقيا في الناصرة من مدينة الجليل، وكانت مخطوبة لرجل من أبناء عمومتها اسمه يوسف النجار ولكن لم يتم زواجهما لأنها وهبت نفسها إلى الله ولكن الله تعالى شاء أن يهب إلى البشر من هذه الفتاة الطاهرة الكريمة التقية نبيا كريما، ورسولا عظيما، ويجعل منها ومن ابنها آية للناس كما قال تعالى «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ» لم يتم زواج يوسف بمريم وبعث الله جبريل فبشرها بحملها بالسيد المسيح وهي في عزلتها تعبد الله وتخلص له العبادة والتقوى فعجبت لذلك وأجفلت وقالت: كيف يكون لي ولد ولم يمسسني بشر، فكان الجواب عليها كما جاء في القرآن، كما صور القرآن فزع مريم في سورة «مريم» حين جاءها الملك بهذه البشارة متمثلا لها في صورة إنسان ظهر لها في عزلتها، على حين غرة من أمرها فاستعاذت بالله منه فهدأ من روعها وأنبأها أنه مرسل من السماء ليهب لها غلاما زكيا فجاء في هذه السورة «واذكر في الكتاب مريم إلخ الآيات» وقد اتفق إنجيل لوقا وإنجيل برنابا والقرآن الكريم في حادث ولادة المسيح على أنه آية للناس ولم يكن نتيجة اتصال مريم بخطيبها يوسف النجار، كما جاء في بعض الأناجيل الاخرى كإنجيل متى الذي نصّ على أن «يسوع بن يوسف النجار ابن يعقوب بن متان بن اليعازر، ابن اليهود بن أخيم» إلى آخر هذا النسب الذي يصل إلى يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام. فالقرآن الكريم نزل بأن مريم عذراء وانه بعد بشارة الملك لها بهذا الغلام الزكي حملت به وانتبذت مكانا بعيدا عن الناس، وعانت وحدها آلام وضعه حتى تمنت الموت قبل هذا كما جاء في القرآن الكريم «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ» إلخ الآيات. خاطبها هذا الوليد الكريم في مهده وهدأ من روعها، وطلب إليها أن تستعين على ضعفها بالرطب الجني، والماء الهني أو خاطبها الملك. وكان أن وقع ما خشيته مريم من اتهامها بالسوء، فلما جاءت به إلى قومها أنكروا عليها، واتهموها بما هي براء منه، فصامت عن الكلام وتولى الطفل الصغير في مهده الدفاع عن أمه الطاهرة النقية كما جاء في القرآن الكريم. 2- أسرار الفاءات: وعدناك أن نتحدث عن أسرار الفاءات في قوله تعالى «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ» في هذه الفاءات دليل على أن حملها به ووضعها إياه لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت اليه والمخاض الذي هو الطلق بالفاء وهي للفور ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي والمهلة ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: «قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره» فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه مدة متراخية عطف ذلك بثم وهذا بخلاف قصة مريم عليها السلام، فانها عطفت بالفاء وقد اختلف الناس في مدة حملها فقيل: انه كحمل غيرها من النساء وقيل: لا بل كان مدة ثلاثة أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، وهذه الآية مزيلة للخلاف لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل أخذا بما دلت عليه الآية. هذا ما ورد في المثل السائر لابن الأثير، وقد رد ابن أبي الحديد في الفلك الدائر على ذلك بما أوردناه في سورة النحل من أن التعقيب على حسب ما يصح إما عقلا وإما عادة إلى أن يقول: وليست الفاء للفور الحقيقي الذي معناه حصول هذا بعد هذا بغير فصل ولا زمان كما توهمه هذا الرجل ألا ترى إلى قوله تعالى: «لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ» فإن العذاب متراخ عن الافتراء فلا يدل قوله تعالى في قصة مريم على أن الحمل والمخاض كانا في يوم واحد. قلت: قلت: بحث ابن أبي الحديد متجه والذي قاله ابن الأثير لا يخلو من ضعف وقد اختلف المفسرون في مدة حملها فقال ابن عباس تسعة أشهر كما في سائر النساء وقال عطاء وأبو العالية والضحاك سبعة أشهر وقال ابن عباس أيضا في ساعة واحدة وقال آخر لثمانية أشهر وقال آخرون ستة أشهر وقال آخرون ثلاث ساعات ورجح الامام الرازي انه في ساعة وقال: «ويمكن الاستدلال له بوجهين» وذكر في الوجه الاول ما قاله ابن الأثير وذكر في الوجه الثاني: «ان الله تعالى قال في وصفه: ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون فثبت أن عيسى عليه السلام لما قال الله له كن فكان وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل انما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة» . ومذهب الشافعية أن أكثر مدة الحمل أربع سنين وأقله ستة أشهر وقد ولد الضحاك بن مزاحم لستة عشر شهرا وشعبة ولد لسنتين وهرم بن سنان ولد لأربع سنين ولذلك سمي هرما ومالك بن أنس حمل به أكثر من ثلاث سنين، والحجاج بن يوسف ولد لثلاثين شهرا، ويقال انه كان يقول: اذكروا ليلة ميلادي، ويقال: إن عبد الملك بن مروان حمل به ستة أشهر والشافعي حمل به أربع سنين أو أقل، والحنفية يقولون للشافعية: ما جسر إمامكم أن يظهر إلى الوجود حتى توفي إمامنا، ويجيبهم الشافعية بقولهم: بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا. القول الفصل في الفاء العاطفة: والفاء في أصل وضعها للترتيب المتصل، والترتيب على ضربين: 1- الترتيب في المعنى: هو أن يكون المعطوف بها لاحقا متصلا بلا مهلة كقوله تعالى «خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» والأكثر كون المعطوف بها متسببا عما قبله كقولك: أملته فمال وأقمته فقام. 2- الترتيب في الذكر: وهو نوعان: أحدهما عطف مفصل على مجمل هو هو في المعنى كقولك توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه ومنه قوله تعالى: «وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... » الآية. وتكون عطفا لمجرد المشاركة في الحكم بحيث يحسن بالواو كقول امرئ القيس: «بين الدخول فحومل» . وتخنص الفاء بعطف ما لا يصلح كونه صلة على ما هو صلة كقولك الذي يطير فيغضب زيد الذباب فلو جعلت موضع الفاء واوا أو غيرها فقلت الذي يطير ويغضب زيد، أو ثم يغضب زيد الذباب لم تجز المسألة لأن يغضب زيد جملة لا عائد فيها على الذي فلا يصلح أن يعطف على الصلة لأن شرط ما يعطف على الصلة أن يصلح وقوعه صلة فإن كان العطف بالفاء لم يشترط دلك لأنها تجعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة لإشعارها بالسببية كأنك قلت: الذي ان يطر يغضب زيد الذباب وقد يعطف بالفاء متراخيا كقوله تعالى: «وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» إما لتقدير متصل قبله وإما لحمل الفاء على ثم. الفاء الفصيحة: وقد تحذف الفاء مع المعطوف بها إذا أمن اللبس وكذلك الواو فمن حذف الفاء قوله تعالى: «فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ» التقدير فامتثلتم فتاب عليكم وقوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» معناه فأفطر فعليه عدة وهذه العاطفة على الجواب المحذوف يسميها أرباب المعاني «الفاء الفصيحة» قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ» تقديره فعملا به وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله. وقال صاحب المفتاح: «هو إخبار عما صنع بهما وعما قالاه كأنه قيل: نحن فعلنا الإيتاء وهما فعلا الحمد وهذا الباب كثير في القرآن وهو من جملة فصاحته ولهذا أسماها أرباب المعاني الفاء الفصيحة. أما ابن الحاجب فقد قال: ان المعتبر ما يعد في العادة مرتبا من غير مهلة فقد يطول الزمان والعادة تقضي في مثله بانتفاء المهلة وقد تقصر والعادة تقضي بالعكس فإن الزمن الطويل قد بستغرب بالنسبة إلى عظم الأمر فتستعمل الفاء وقد يستبعد الزمن القريب بالنسبة إلى طول أمر يقضي العرف بحصوله في زمان أقل منه، والذي يظهر من كلام الجماعة أن استعمال الفاء فيما تراخى زمانه ووقوعه من الأول سواء قصر في أولا وإنما هو بطريق المجاز» . وقال الجرمي: لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل «بين الدخول فحومل» مطرنا مكان كذا فمكان كذا إذا كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد واعترض على معنى التعقيب بقوله تعالى: «الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» فإن إخراج المرعى لا يعقبه جعله غثاء أحوى أي يابسا أسود والجواب من وجهين: آ- ان جملة فجعله غثاء أحوى معطوفة على جملة محذوفة وان التقدير فمضت مدة فجعله غثاء. ب- ان الفاء نابت عن ثم والمعنى جعله غثاء وسيأتي تفصيل ذلك في حينه. 3-لماذا انقشع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب؟ ولا بد هنا من الاجابة على سؤال قد يرد فإن ظاهر الكلام يدل على أن حزنها سينقشع بسبب وجود الطعام والشراب وذلك في قوله تعالى: «فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً» ومعلوم بأن حزنها لم يكن بسبب ذلك، ولا هو ناجم عن فقدان الطعام والشراب ولكن السر في ذلك أن التسلية ونسيان الحزن لم يقعا بها من حيث أنهما طعام وشراب ولكن من حيث أنهما معجزة باهرة ترهص لها، وتدحض باطل القوم وتثبت كذبهم وإرجافهم، كما تثبت أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة وأنها بمعزل عما قرفوها به ثم ان الأمور الخارجة عن العادات لا يمكن إلا أن تكون إلهية ولحكمة نجهلها ومن ذلك ولادتها عيسى من غير فحل وهذا من عجائب الاساليب. لماذا منعت من الكلام؟ وهناك سؤال آخر قد يثب إلى الذهن بعد هذا كله وهو: ان الله أمرها بأن تمتنع من الكلام لأمرين: آ- أن يكون عيسى عليه السلام هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها وأرهص للمعجزة وبالتالي لإزالة عوامل الريبة المؤدية إلى اتهامها بما يشين. ب- تشريع الكراهية لأية مجادلة مع السفهاء وقد رمق الشاعر سماء هذا المعنى فقال: يخاطبني السفيه بكل قبح ... وأكره أن أكون له مجيبا 4- مواضع زيادة الباء: آ- في الفاعل وزيادتها تكون واجبة في فعل التعجب الوارد على صيغة الأمر نحو أحسن بزيد وعلة الزيادة إصلاح اللفظ وإعرابه أحسن فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض لأجل الصيغة وبزيد الباء حرف جر زائد وزيد فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد وتكون غالبة وذلك في فاعل كفى التي بمعنى حسب والتي هي فعل لازم نحو كفى بالله شهيدا ولا تزاد الباء في فاعل كفى التي بمعنى أجزأ أو أغنى ولا التي بمعنى وقى والأولى متعدية لواحد نحو: قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل والثانية متعدية لاثنين كقوله تعالى «وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ» . قال ابن هشام: «ووقع في شعر المتنبي زيادة الباء في فاعل كفى المتعدية لواحد قال: كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل ولم أر من انتقد عليه» وقد استعجل ابن هشام بهذا الحكم فقد انتقد عليه ذلك أبو البقاء في شرحه الممتع للديوان وأفاض في إعراب البيت كما انتقد المعري أيضا ولسنا بصدد التحقيق في ذلك فلعلك ترجع إلى شرح أبي البقاء والى مغني اللبيب. ب- في المفعول به نحو قوله تعالى: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ» وقول أبي الطيب: كفى بجسمي نحولا انني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني ج- في المبتدأ نحو بحسبك درهم وخرجت فإذا بزيد وكيف بك فكيف اسم استفهام خبر مقدم وبك الباء حرف جر زائد والكاف في محل جر بالباء وفي محل رفع بالابتداء وقد نابت الكاف عن أنت لدخول حرف الجر والمعنى كيف أنت إذا كان الأمر حاصلا. د- في الخبر وهو ينقاس في غير الموجب نحو ليس زيد بقائم وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون وفي غير الموجب متوقف على الساع. هـ- في الحال المنفي عاملها كقوله: فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيّب منتهاها وفي التوكيد بالنفس والعين نحو جاء زيد بنفسه وبعينه. 5- مبحث هام حول كان: قوله تعالى «كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» جرينا في اعرابها على أنها ناقصة واسمها مستتر تقديره هو وصبيا خبرها وممن أعربها كذلك الزمخشري ووعدنا أن ننقل الخلاف الذي ثار حولها لطرافته ولما فيه من رياضة ذهنية: أما أبو البقاء فقد أعربها زائدة أي من هو في المهد وصبيا حال من الضمير في الجار والضمير المنفصل المقدر كان متصلا بكان وقيل كان الزائدة لا يستتر فيها ضمير فعلى هذا لا تحتاج إلى تقدير هو بل يكون الظرف صلة من وقيل ليست زائدة بل هي كقوله «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» وقيل هي بمعنى صار وقيل هي التامة ومن بمعنى الذي وقيل شرطية وجوابها كيف. وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: في كان هذه أقوال: آ- انها زائدة وهو قول أبي عبيد أي كيف نكلم من في المهد، وصبيا على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور والواقع صلة. ب- انها تامة بمعنى حدث ووجد والتقدير كيف نكلم من وجد صبيا وصبيا حال من الضمير في كان. ح- انها بمعنى صار أي كيف نكلم من صار في المهد صبيا، وصبيا على هذا خبرها. د- انها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف لم يزل. وقال ابن الأنباري في «أسرار العربية» كان هنا تامة وصبيا منصوب على الحال ولا يجوز أن تكون ناقصة لأنه لا اختصاص لعيسى عليه السلام في ذلك لأن كلا كان في المهد صبيا ولا عجب في تكليم من كان فيما مضى في حال الصبا. وبعد كتابة ما تقدم وقعت على ما قاله أبو طاهر حمزة في رسالة له سماها «المنيرة المعربة عن شرف الاعراب» وأنقل لك خلاصته ففيه وجاهة وطرافة وهي تؤيد ما ذهبنا اليه من بقاء كان على وجهها قال: «لكن الوجه ان كان من قصد الخبر الآن عن حالهم لأنهم أكبروا ذلك في وقت كونه في المهد فكأنه قال: أكبروا تكليم صبي كائن في المهد طفلا فيكون الكون من لفظ المخبر لا من لفظهم كقول الحطيئة يصف الرياض: يظل بها الشيخ الذي كان فانيا ... يدب على عوج له نخرات فلم يك فانيا قبل دبيبه بل وقت دبيبه فذكر الكون من لفظ المخبر» . قلت: قلت: وهذا كله دندنة في غير طائل والأجود ما اخترناه واختاره الزمخشري ويأتي في المرتبة بعده أن تكون زائدة أما تقديرها تامة فبعيد جدا لأن عيسى لم يخلق ابتداء في المهد. 6- بغيا: أصله بغويا اجتمعت فيه الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغم الياء في الياء وإلا لو كان فعيلا بمعنى فاعل لحقته التاء وقال البيضاوي: «وهو فعول من البغي قلبت واوه وأدغمت ثم كسرت العين اتباعا ولذلك لم تلحقه التاء أو فعيل بمعنى فاعل لم تلحقه التاء لأنه للمبالغة أو للنسب كطالق» وقال بعضهم: البغي خاص بالمؤنث فلا يقال رجل بغي انما يقال امرأة بغي لكن نقل بعضهم عن المصباح انه يقال رجل بغي كما يقال امرأة بغي.

مريم 19:24

اللغة: (قَصِيًّا) : بعيدا من أهلها. (فَأَجاءَهَا) : يقال: جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد والأصل في جاء أن يتعدى لواحد بنفسه فإذا دخلت عليه الهمزة كان القياس يقتضي تعديته لاثنين إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل فصار بمعنى ألجأه إلى كذا ألا تراك لا تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما تقول بلغته وأبلغنيه ونظيره آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم تقل أتيت المكان وآتانيه فلان. (الْمَخاضُ) : وجع الولادة، وفي القاموس: مخض يمخض بتثليث الخاء في المضارع مخضا اللبن استخرج زبده فهو لبن مخيض وممخوض ومخض الشيء حركه شديدا ومخض الرأي قلبه وتدبر عواقبه حتى ظهر له الصواب ومخضت بكسر الخاء تمخض بفتحها الحامل مخاضا بكسر الميم ومخاضا بفتحها ومخضت بالبناء للمجهول، ومخضت بتشديد الخاء وتمخضت الحامل دنا ولادها وأخذ الطلق فهي ماخض والجمع مخض بضم الميم وتشديد الخاء ومواخض. وللميم والخاء مجتمعتين معنى يكاد يكون متقاربا فهي تشير إلى الانزلاق ومنه مخر البحر والماء أي شقه مع صوت ومخط وامتخط معروفة. (مِتُّ) : بكسر الميم وضمها يقال مات يمات ومات يموت. (نَسْياً) : النسي بفتح النون وكسرها بمعنى المنسي كالذبح بمعنى المذبوح وكل ما من حقه أن يطرح ويرمى وينسى. (سَرِيًّا) : السري فيه قولان: أحدهما أنه الرجل المرتفع القدر من سرو يسرو كشرف يشرف فهو سري فأعل إعلال سيد فلامه واو يقال هو سري من السراة والسروات، قال بشامة بن حزن النهشلي: وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا والثاني أنه النهر الصغير ويناسبه فكلي واشربي، واشتقاقه من سرى يسري لأن الماء يسري فيه فلامه على هذا ياء، قال لبيد يصف حمارا وحشيا: فمضى وقدّمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها فتوسّطا عرض السري فصدعا ... مسجورة متجاورا أقلامها يقول إنه مضى خلف أتانه نحو الماء وقدمها أمامه وأقدامها اسم كان وألحقها التاء لأنها بمعنى التقدمة وعادة خبر كانت والتعريد التأخر والجبن فتوسطا أي الحمار والأتان عرض السري أي ناحية النهر الصغير فصدعا أي شقا عينا مسجورة أي مملوءة. (رُطَباً جَنِيًّا) : الرطب بضم ففتح ما نضج من البسر قبل أن يصير تمرا والجني فعيل بمعنى فاعل أي صار طريا صالحا للاجتناء. (وَقَرِّي عَيْناً) : أي طيبي نفسا ولا تغتمي وارفضي ما أحزنك يقال قرت عينه تقر بفتح العين وكسرها في المضارع وفي وصف العين بذلك تأويلان أولهما أنه مأخوذ من القر وهو البرد وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها باردا وإذا حزن كان دمعها حارا ولذلك قالوا في الدعاء عليه أسخن الله عينك والثاني انه من الاستقرار والمعنى أعطاه الله ما يسكن عينه فلا تطمح إلى غيره وفي المصباح: وقرت العين من باب ضرب قرة بالضم وقرورا بردت سرورا وفي لغة أخرى من باب تعب. (صَوْماً) : صمتا وخيل صائمة وصيام قال: خيل صيام وخيل غير صامتة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وقيل المراد بصائمة وغير صائمة واقفة وغير واقفة. وصامت الريح ركدت وصام النهار وصامت الشمس كبّدت وجئته والشمس في مصامها وشاخ فصامت عنه النساء. (فَرِيًّا) : الفري البديع من فرى الجلد، والفري العظيم من الأمر يقال في الخير والشر وقيل الفري العجيب وقيل المفتعل ومن الأول الحديث في وصف عمر بن الخطاب: فلم أرى عبقريا يفرى فريه، والفري قطع الجلد للخرز والإصلاح، وفي المختار: «فرى الشيء قطعه لاصلاحه وبابه رمى وفرى كذبا خلقه وافتراه واختلقه والاسم الفرية وقوله تعالى: «شَيْئاً فَرِيًّا» أي مصنوعا مختلقا وقيل عظيما وأفرى الأوداج قطعها وأفرى الشيء شقه فانفرى وتفرى أي انشق، وقال الكسائي: أفرى الأديم قطعه على جهة الإفساد وفراه قطعه على جهة الإصلاح» . الإعراب: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره فنفخ جبريل في جيب درعها فحملته وسيأتي سر هذا التعقيب في باب الفوائد فانتبذت عطف على فحملته وبه جار ومجرور في موضع نصب على الحال وقد رمق سماءه أبو الطيب المتنبي في قصيدة يمدح بها علي بن مكرم بن سيار التميمي ويصف الخيل: كأن خيولنا كانت قديما ... تسقّى في قحوفهم الحليبا فمرّت غير نافرة عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا يريد أن خيولهم لم تنفر منهم كأنها كانت في صغرها تسقى في قحوف رءوسهم اللبن يعنى قحوف رءوس الأعداء والعرب كان من عادتها أن تسقي كرام خيولها اللبن وقحف الرأس ما انضم على أم الدماغ، والجمجمة العظم الذي فيه الدماغ فوطئت رءوسهم وصدورهم ولم تنفر عنهم فكأنها ألفتهم والتريب والتريبة واحدة الترائب وهو موضع القلادة ومن طريف الأخطاء أن بعضهم تصدى لشرح هذا البيت ولما لم يعرف معنى التريب قال بالحرف: والتريب والتراب لغة في التراب. زاده الله فهما!!. ومكانا مفعول فيه أو مفعول به وقد تقدم وقصيا صفة. (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) الفاء عاطفة للتعقيب وأجاءها فعل ماض ومفعول به مقدم والمخاض فاعل مؤخر والى جذع النخلة متعلقان بمحذوف حال وسيأتي السر في تعريف النخلة في باب البلاغة. (قالَتْ: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) يا حرف نداء والمنادى محذوف أو يا لمجرد التنبيه وليت واسمها وجملة مت خبرها وهي فعل وفاعل والظرف منصوب لأنه أضيف وهو متعلق بمت وهذا مضاف اليه وكنت الواو عاطفة وكان واسمها ونسيا خبرها ومنسيا تأكيد لنسيا لأنه بمعناه ولك أن تعربه نعتا. (فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) الفاء عاطفة وناداها فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الملك أو عيسى ومن تحتها متعلقان بناداها أي في مكان أسفل من مكانها أو بمحذوف حال من فاعل أي ناداها وهو تحتها وأن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتحزني مجزوم بلا ويجوز أن تكون مصدرية، ولا نافية وتحزني منصوب بها وأن وما بعدها نصب بنزع الخافض المتعلق بالنداء والأول أسهل وقد حرف تحقيق وجعل ربك فعل وفاعل وتحتك ظرف متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لجعل وسريا هو المفعول الأول وسيأتي السرّ في علة انتزاع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب. (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) : الواو عاطفة وهزي فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والياء هي الفاعل وإليك متعلقان بهزي وبجذع النخلة أورده بن هشام في مغني اللبيب شاهدا على زيادة الباء في المفعول به وأكثر المعربين على ذلك ولكن الزمخشري قال بعد ذكر وجه الزيادة ما معناه: يحتمل انه نزل هزي منزلة اللازم وإن كان متعديا ثم عداه بالباء كما يعدى اللازم والمعنى افعلي به الهز وتساقط مجزوم لأنه جواب الطلب وعليك متعلقان بتساقط ورطبا مفعول به وجنيا صفة، وتساقط يتعدى بنفسه ومن أمثلته لا من شواهده لأن البحتري غير محتج بكلامه. فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه وعن المبرد أن رطبا مفعول هزي وباء بجذع النخلة للاستعانة ولا يخفى ما فيه من التكلف بتأخير ما في حيز الأمر عن جوابه وستأتي أوجه زيادة الباء في باب الفوائد. (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) الفاء الفصيحة أي إذا تم لك هذا كله فكلي، وكلي فعل أمر والياء فاعل وما بعده عطف عليه وعينا تمييز من الفاعل لأنه منقول عنه إذ الأصل لتقر عينك. (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) الفاء عاطفة وإن شرطية أدغمت نونها بما الزائدة وترين فعل الشرط وأصله ترأيين بهمزة هي عين الفعل وياء مكسورة هي لامه وأخرى ساكنة هي ياء الضمير والنون علامة الرفع وقد حذفت لام الفعل لتحركها وانفتاح ما قبلها فقلبت ألفا فالتقت ساكنة مع ياء الضمير فحذفت لالتقاء الساكنين، ومن البشر حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به. (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) الفاء رابطة لجواب الشرط وقولي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل وإن واسمها وجملة نذرت خبرها والجملة مقول القول وسيرد إشكال أجبنا عنه في باب الفوائد، وللرحمن متعلقان بنذرت وصوما مفعول به، فلن الفاء استئنافية ولن حرف نفي ونصب واستقبال وأكلم منصوب بلن واليوم ظرف متعلق بأكلم وإنسيا مفعول به. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا) الفاء استئنافية وأتت فعل وفاعل مستتر والتاء للتأنيث وبه علقه أبو البقاء بمحذوف حال أي مصحوبة به وهو جميل ولا نرى مانعا بتعلقه بأتت وقومها مفعول به وجملة تحمله حال ثانية إما من ضمير مريم وإما من ضمير عيسى في به، قالوا فعل وفاعل ويا حرف نداء ومريم منادى واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به أي فعلت شيئا وفريا نعت ويجوز إعراب شيئا على المصدرية أي نوعا من المجيء غريبا. (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) يا حرف نداء وأخت هارون منادى مضاف أي يا شبيهته، وهارون رجل صالح شبهوها به في عفتها وصلاحها وليس المراد منه أخوة النسب وقيل إنما عنوا هارون أخا موسى لأنها كانت من نسله والعرب تقول للتميمي يا أخا تميم وقيل غير ذلك مما تراه في المطولات وما نافية وكان أبوك امرأ سوء كان واسمها وخبرها وما كانت أمك بغيا عطف على الجملة التي سبقتها أي ما دمت بهذه المثابة من مظنة العفة والصلاح فمن أين لك هذا الولد؟ (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) الفاء عاطفة وأشارت فعل وفاعل مستتر وإليه متعلقان بأشارت، قالوا فعل وفاعل وكيف اسم استفهام في محل نصب حال ونكلم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن ومن اسم موصول مفعول به وجملة كان صلة واسم كان مستتر تقديره هو وفي المهد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وصبيا خبر كان وقد اعتبرنا كان على بابها من النقصان ودلالتها على اقتران مضمون الجملة في الزمن الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» وقد نشب بين علماء العربية خلاف حول «كان» هنا نذكره مبسوطا في باب الفوائد لما تضمنه من فوائد. (قالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) جملة إني عبد الله مقول القول ولذلك كسرت همزة إن لوقوعها بعد القول وان واسمها وعبد الله خبرها وقد وصف نفسه بثماني صفات أولها العبودية وجملة آتاني الكتاب حالية وهذه هي الصفة الثانية والكتاب مفعول به ثان وجعلني نبيا فعل ماض وفاعل مستتر ومفعولاه وهذه هي الصفة الثالثة. (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وجعلني مباركا عطف على وجعلني نبيا وهذه هي الصفة الرابعة وأينما اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية والجواب محذوف مدلول عليه بما تقدم أي أينما كنت جعلني مباركا وهو متعلق بالجواب المحذوف وكان تامة والتاء فاعلها ويجوز أن تكون الناقصة وأينما متعلق بمحذوف خبرها المقدم. (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) ما دمت ما مصدرية ظرفية ودمت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وحيا خبرها والمصدر المؤول نصب على الظرفية والظرف متعلق بأوصاني وهذه هي الصفة الخامسة. (وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا) وبرا بفتح الباء معطوف نسقا على مباركا أي وجعلني برا. جعل ذاته برا لفرط بره ولك أن تنصبه بفعل مقدر بمعنى أوصاني تفاديا للفصل الطويل وهذه هي الصفة السادسة وبوالدتي متعلقان ببرا ولم يجعلني عطف على وجعلني وجبارا مفعول به ثان وشقيا صفة وهذه هي الصفة السابعة. (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) السلام مبتدأ وعلي خبره واختلف في معنى إلى الداخلة على السلام فقيل هي للعهد لأنه تقدم ذكر السلام الموجه إلى يحيى فهو موجه إليه أيضا، وقال الزمخشري: «والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللغة على متهمي مريم عليها السلام وأعدائها من اليهود وتحقيقه أن اللام للجنس وإذا قال وجنس السلام عليّ خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم ونظيره قوله تعالى: والسلام على من اتبع الهدى يعني أن العذاب على من كذب وتولى وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنته لنحو هذا من التعريض» ويوم متعلق بمعنى الاستقرار المتعلق به عليّ ولا يجوز نصبه للسلام للفصل بين المصدر ومعموله وجملة ولدت مضافا إليها الظرف ويوم أبعث عطف على يوم ولدت وكذلك يوم أبعث وحيا حال وهذه هي الصفة الثامنة والأخيرة. البلاغة: التعريف: وذلك في تعريف النخلة التي جاءها المخاض عندها وهذا التعريف لا يخلو إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس فإذا قيل جذع النخلة فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخيل وإما أن يكون من تعريف الجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد وثمارها إنما هي من جمارها فلموافقتها لها مع جميع الآيات فيها اختارها لها وألجأها إليها. الفوائد: 1- خلاصة قصة ميلاد عيسى في القرآن الكريم: هذا ولم يعن كتاب من الكتب الدينية بميلاد المسيح والدفاع عن طهارة والدته العذراء والإشادة بفضلها وتفضيلها على سائر النساء كما عني القرآن الكريم فقد وردت فيه عن ميلاد المسيح عليه السلام، وحياته وجهاده في سبيل الدعوة إلى الله وإصلاح البشر عدة آيات في عدد من السور وقد أتى في براءة العذراء وقنوتها بما لم تأت به كتب أخرى بل كانت السورة الثانية الكبرى من القرآن الكريم وهي سورة آل عمران، وعمران هو والد العذراء وكان عالما من علماء الدين ولم تأت سورة من السور باسم سيدة من سيدات التاريخ غير اسم مريم وهي تحتوي على عدة آيات في ميلاد المسيح كما وردت آيات أخرى في هذا الحادث الجليل. ولقد اصطفى الله آل عمران كما اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين، وكان عمران أبو مريم رجلا تقيا ورعا، كما كانت زوجته صالحة تقية فلما حملت نذرت إلى الله أن يكون حملها خادما للهيكل فلما وضعت وتبين لها أنها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، سمتها أمها مريم ولكن الله تقبلها في الهيكل بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا. ولم يعش عمران حتى تشب مريم وتكبر فتوفي وهي صغيرة فكفلها زوج خالتها النبي زكريا وكانت مريم صادقة مباركة يفيض الله عليها من رزقه من حيث تعلم ولا تعلم فكان زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا كثيرا فيسألها قائلا: يا مريم أنّى لك هذا فتجيبه: هو من عند الله. وكانت مريم تتعبد في الهيكل بعيدا عن أهلها وعن الناس، قد انتبذت مكانا شرقيا في الناصرة من مدينة الجليل، وكانت مخطوبة لرجل من أبناء عمومتها اسمه يوسف النجار ولكن لم يتم زواجهما لأنها وهبت نفسها إلى الله ولكن الله تعالى شاء أن يهب إلى البشر من هذه الفتاة الطاهرة الكريمة التقية نبيا كريما، ورسولا عظيما، ويجعل منها ومن ابنها آية للناس كما قال تعالى «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ» لم يتم زواج يوسف بمريم وبعث الله جبريل فبشرها بحملها بالسيد المسيح وهي في عزلتها تعبد الله وتخلص له العبادة والتقوى فعجبت لذلك وأجفلت وقالت: كيف يكون لي ولد ولم يمسسني بشر، فكان الجواب عليها كما جاء في القرآن، كما صور القرآن فزع مريم في سورة «مريم» حين جاءها الملك بهذه البشارة متمثلا لها في صورة إنسان ظهر لها في عزلتها، على حين غرة من أمرها فاستعاذت بالله منه فهدأ من روعها وأنبأها أنه مرسل من السماء ليهب لها غلاما زكيا فجاء في هذه السورة «واذكر في الكتاب مريم إلخ الآيات» وقد اتفق إنجيل لوقا وإنجيل برنابا والقرآن الكريم في حادث ولادة المسيح على أنه آية للناس ولم يكن نتيجة اتصال مريم بخطيبها يوسف النجار، كما جاء في بعض الأناجيل الاخرى كإنجيل متى الذي نصّ على أن «يسوع بن يوسف النجار ابن يعقوب بن متان بن اليعازر، ابن اليهود بن أخيم» إلى آخر هذا النسب الذي يصل إلى يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام. فالقرآن الكريم نزل بأن مريم عذراء وانه بعد بشارة الملك لها بهذا الغلام الزكي حملت به وانتبذت مكانا بعيدا عن الناس، وعانت وحدها آلام وضعه حتى تمنت الموت قبل هذا كما جاء في القرآن الكريم «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ» إلخ الآيات. خاطبها هذا الوليد الكريم في مهده وهدأ من روعها، وطلب إليها أن تستعين على ضعفها بالرطب الجني، والماء الهني أو خاطبها الملك. وكان أن وقع ما خشيته مريم من اتهامها بالسوء، فلما جاءت به إلى قومها أنكروا عليها، واتهموها بما هي براء منه، فصامت عن الكلام وتولى الطفل الصغير في مهده الدفاع عن أمه الطاهرة النقية كما جاء في القرآن الكريم. 2- أسرار الفاءات: وعدناك أن نتحدث عن أسرار الفاءات في قوله تعالى «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ» في هذه الفاءات دليل على أن حملها به ووضعها إياه لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت اليه والمخاض الذي هو الطلق بالفاء وهي للفور ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي والمهلة ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: «قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره» فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه مدة متراخية عطف ذلك بثم وهذا بخلاف قصة مريم عليها السلام، فانها عطفت بالفاء وقد اختلف الناس في مدة حملها فقيل: انه كحمل غيرها من النساء وقيل: لا بل كان مدة ثلاثة أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، وهذه الآية مزيلة للخلاف لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل أخذا بما دلت عليه الآية. هذا ما ورد في المثل السائر لابن الأثير، وقد رد ابن أبي الحديد في الفلك الدائر على ذلك بما أوردناه في سورة النحل من أن التعقيب على حسب ما يصح إما عقلا وإما عادة إلى أن يقول: وليست الفاء للفور الحقيقي الذي معناه حصول هذا بعد هذا بغير فصل ولا زمان كما توهمه هذا الرجل ألا ترى إلى قوله تعالى: «لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ» فإن العذاب متراخ عن الافتراء فلا يدل قوله تعالى في قصة مريم على أن الحمل والمخاض كانا في يوم واحد. قلت: قلت: بحث ابن أبي الحديد متجه والذي قاله ابن الأثير لا يخلو من ضعف وقد اختلف المفسرون في مدة حملها فقال ابن عباس تسعة أشهر كما في سائر النساء وقال عطاء وأبو العالية والضحاك سبعة أشهر وقال ابن عباس أيضا في ساعة واحدة وقال آخر لثمانية أشهر وقال آخرون ستة أشهر وقال آخرون ثلاث ساعات ورجح الامام الرازي انه في ساعة وقال: «ويمكن الاستدلال له بوجهين» وذكر في الوجه الاول ما قاله ابن الأثير وذكر في الوجه الثاني: «ان الله تعالى قال في وصفه: ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون فثبت أن عيسى عليه السلام لما قال الله له كن فكان وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل انما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة» . ومذهب الشافعية أن أكثر مدة الحمل أربع سنين وأقله ستة أشهر وقد ولد الضحاك بن مزاحم لستة عشر شهرا وشعبة ولد لسنتين وهرم بن سنان ولد لأربع سنين ولذلك سمي هرما ومالك بن أنس حمل به أكثر من ثلاث سنين، والحجاج بن يوسف ولد لثلاثين شهرا، ويقال انه كان يقول: اذكروا ليلة ميلادي، ويقال: إن عبد الملك بن مروان حمل به ستة أشهر والشافعي حمل به أربع سنين أو أقل، والحنفية يقولون للشافعية: ما جسر إمامكم أن يظهر إلى الوجود حتى توفي إمامنا، ويجيبهم الشافعية بقولهم: بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا. القول الفصل في الفاء العاطفة: والفاء في أصل وضعها للترتيب المتصل، والترتيب على ضربين: 1- الترتيب في المعنى: هو أن يكون المعطوف بها لاحقا متصلا بلا مهلة كقوله تعالى «خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» والأكثر كون المعطوف بها متسببا عما قبله كقولك: أملته فمال وأقمته فقام. 2- الترتيب في الذكر: وهو نوعان: أحدهما عطف مفصل على مجمل هو هو في المعنى كقولك توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه ومنه قوله تعالى: «وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... » الآية. وتكون عطفا لمجرد المشاركة في الحكم بحيث يحسن بالواو كقول امرئ القيس: «بين الدخول فحومل» . وتخنص الفاء بعطف ما لا يصلح كونه صلة على ما هو صلة كقولك الذي يطير فيغضب زيد الذباب فلو جعلت موضع الفاء واوا أو غيرها فقلت الذي يطير ويغضب زيد، أو ثم يغضب زيد الذباب لم تجز المسألة لأن يغضب زيد جملة لا عائد فيها على الذي فلا يصلح أن يعطف على الصلة لأن شرط ما يعطف على الصلة أن يصلح وقوعه صلة فإن كان العطف بالفاء لم يشترط دلك لأنها تجعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة لإشعارها بالسببية كأنك قلت: الذي ان يطر يغضب زيد الذباب وقد يعطف بالفاء متراخيا كقوله تعالى: «وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» إما لتقدير متصل قبله وإما لحمل الفاء على ثم. الفاء الفصيحة: وقد تحذف الفاء مع المعطوف بها إذا أمن اللبس وكذلك الواو فمن حذف الفاء قوله تعالى: «فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ» التقدير فامتثلتم فتاب عليكم وقوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» معناه فأفطر فعليه عدة وهذه العاطفة على الجواب المحذوف يسميها أرباب المعاني «الفاء الفصيحة» قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ» تقديره فعملا به وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله. وقال صاحب المفتاح: «هو إخبار عما صنع بهما وعما قالاه كأنه قيل: نحن فعلنا الإيتاء وهما فعلا الحمد وهذا الباب كثير في القرآن وهو من جملة فصاحته ولهذا أسماها أرباب المعاني الفاء الفصيحة. أما ابن الحاجب فقد قال: ان المعتبر ما يعد في العادة مرتبا من غير مهلة فقد يطول الزمان والعادة تقضي في مثله بانتفاء المهلة وقد تقصر والعادة تقضي بالعكس فإن الزمن الطويل قد بستغرب بالنسبة إلى عظم الأمر فتستعمل الفاء وقد يستبعد الزمن القريب بالنسبة إلى طول أمر يقضي العرف بحصوله في زمان أقل منه، والذي يظهر من كلام الجماعة أن استعمال الفاء فيما تراخى زمانه ووقوعه من الأول سواء قصر في أولا وإنما هو بطريق المجاز» . وقال الجرمي: لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل «بين الدخول فحومل» مطرنا مكان كذا فمكان كذا إذا كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد واعترض على معنى التعقيب بقوله تعالى: «الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» فإن إخراج المرعى لا يعقبه جعله غثاء أحوى أي يابسا أسود والجواب من وجهين: آ- ان جملة فجعله غثاء أحوى معطوفة على جملة محذوفة وان التقدير فمضت مدة فجعله غثاء. ب- ان الفاء نابت عن ثم والمعنى جعله غثاء وسيأتي تفصيل ذلك في حينه. 3-لماذا انقشع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب؟ ولا بد هنا من الاجابة على سؤال قد يرد فإن ظاهر الكلام يدل على أن حزنها سينقشع بسبب وجود الطعام والشراب وذلك في قوله تعالى: «فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً» ومعلوم بأن حزنها لم يكن بسبب ذلك، ولا هو ناجم عن فقدان الطعام والشراب ولكن السر في ذلك أن التسلية ونسيان الحزن لم يقعا بها من حيث أنهما طعام وشراب ولكن من حيث أنهما معجزة باهرة ترهص لها، وتدحض باطل القوم وتثبت كذبهم وإرجافهم، كما تثبت أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة وأنها بمعزل عما قرفوها به ثم ان الأمور الخارجة عن العادات لا يمكن إلا أن تكون إلهية ولحكمة نجهلها ومن ذلك ولادتها عيسى من غير فحل وهذا من عجائب الاساليب. لماذا منعت من الكلام؟ وهناك سؤال آخر قد يثب إلى الذهن بعد هذا كله وهو: ان الله أمرها بأن تمتنع من الكلام لأمرين: آ- أن يكون عيسى عليه السلام هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها وأرهص للمعجزة وبالتالي لإزالة عوامل الريبة المؤدية إلى اتهامها بما يشين. ب- تشريع الكراهية لأية مجادلة مع السفهاء وقد رمق الشاعر سماء هذا المعنى فقال: يخاطبني السفيه بكل قبح ... وأكره أن أكون له مجيبا 4- مواضع زيادة الباء: آ- في الفاعل وزيادتها تكون واجبة في فعل التعجب الوارد على صيغة الأمر نحو أحسن بزيد وعلة الزيادة إصلاح اللفظ وإعرابه أحسن فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض لأجل الصيغة وبزيد الباء حرف جر زائد وزيد فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد وتكون غالبة وذلك في فاعل كفى التي بمعنى حسب والتي هي فعل لازم نحو كفى بالله شهيدا ولا تزاد الباء في فاعل كفى التي بمعنى أجزأ أو أغنى ولا التي بمعنى وقى والأولى متعدية لواحد نحو: قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل والثانية متعدية لاثنين كقوله تعالى «وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ» . قال ابن هشام: «ووقع في شعر المتنبي زيادة الباء في فاعل كفى المتعدية لواحد قال: كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل ولم أر من انتقد عليه» وقد استعجل ابن هشام بهذا الحكم فقد انتقد عليه ذلك أبو البقاء في شرحه الممتع للديوان وأفاض في إعراب البيت كما انتقد المعري أيضا ولسنا بصدد التحقيق في ذلك فلعلك ترجع إلى شرح أبي البقاء والى مغني اللبيب. ب- في المفعول به نحو قوله تعالى: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ» وقول أبي الطيب: كفى بجسمي نحولا انني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني ج- في المبتدأ نحو بحسبك درهم وخرجت فإذا بزيد وكيف بك فكيف اسم استفهام خبر مقدم وبك الباء حرف جر زائد والكاف في محل جر بالباء وفي محل رفع بالابتداء وقد نابت الكاف عن أنت لدخول حرف الجر والمعنى كيف أنت إذا كان الأمر حاصلا. د- في الخبر وهو ينقاس في غير الموجب نحو ليس زيد بقائم وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون وفي غير الموجب متوقف على الساع. هـ- في الحال المنفي عاملها كقوله: فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيّب منتهاها وفي التوكيد بالنفس والعين نحو جاء زيد بنفسه وبعينه. 5- مبحث هام حول كان: قوله تعالى «كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» جرينا في اعرابها على أنها ناقصة واسمها مستتر تقديره هو وصبيا خبرها وممن أعربها كذلك الزمخشري ووعدنا أن ننقل الخلاف الذي ثار حولها لطرافته ولما فيه من رياضة ذهنية: أما أبو البقاء فقد أعربها زائدة أي من هو في المهد وصبيا حال من الضمير في الجار والضمير المنفصل المقدر كان متصلا بكان وقيل كان الزائدة لا يستتر فيها ضمير فعلى هذا لا تحتاج إلى تقدير هو بل يكون الظرف صلة من وقيل ليست زائدة بل هي كقوله «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» وقيل هي بمعنى صار وقيل هي التامة ومن بمعنى الذي وقيل شرطية وجوابها كيف. وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: في كان هذه أقوال: آ- انها زائدة وهو قول أبي عبيد أي كيف نكلم من في المهد، وصبيا على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور والواقع صلة. ب- انها تامة بمعنى حدث ووجد والتقدير كيف نكلم من وجد صبيا وصبيا حال من الضمير في كان. ح- انها بمعنى صار أي كيف نكلم من صار في المهد صبيا، وصبيا على هذا خبرها. د- انها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف لم يزل. وقال ابن الأنباري في «أسرار العربية» كان هنا تامة وصبيا منصوب على الحال ولا يجوز أن تكون ناقصة لأنه لا اختصاص لعيسى عليه السلام في ذلك لأن كلا كان في المهد صبيا ولا عجب في تكليم من كان فيما مضى في حال الصبا. وبعد كتابة ما تقدم وقعت على ما قاله أبو طاهر حمزة في رسالة له سماها «المنيرة المعربة عن شرف الاعراب» وأنقل لك خلاصته ففيه وجاهة وطرافة وهي تؤيد ما ذهبنا اليه من بقاء كان على وجهها قال: «لكن الوجه ان كان من قصد الخبر الآن عن حالهم لأنهم أكبروا ذلك في وقت كونه في المهد فكأنه قال: أكبروا تكليم صبي كائن في المهد طفلا فيكون الكون من لفظ المخبر لا من لفظهم كقول الحطيئة يصف الرياض: يظل بها الشيخ الذي كان فانيا ... يدب على عوج له نخرات فلم يك فانيا قبل دبيبه بل وقت دبيبه فذكر الكون من لفظ المخبر» . قلت: قلت: وهذا كله دندنة في غير طائل والأجود ما اخترناه واختاره الزمخشري ويأتي في المرتبة بعده أن تكون زائدة أما تقديرها تامة فبعيد جدا لأن عيسى لم يخلق ابتداء في المهد. 6- بغيا: أصله بغويا اجتمعت فيه الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغم الياء في الياء وإلا لو كان فعيلا بمعنى فاعل لحقته التاء وقال البيضاوي: «وهو فعول من البغي قلبت واوه وأدغمت ثم كسرت العين اتباعا ولذلك لم تلحقه التاء أو فعيل بمعنى فاعل لم تلحقه التاء لأنه للمبالغة أو للنسب كطالق» وقال بعضهم: البغي خاص بالمؤنث فلا يقال رجل بغي انما يقال امرأة بغي لكن نقل بعضهم عن المصباح انه يقال رجل بغي كما يقال امرأة بغي.

مريم 19:25

اللغة: (قَصِيًّا) : بعيدا من أهلها. (فَأَجاءَهَا) : يقال: جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد والأصل في جاء أن يتعدى لواحد بنفسه فإذا دخلت عليه الهمزة كان القياس يقتضي تعديته لاثنين إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل فصار بمعنى ألجأه إلى كذا ألا تراك لا تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما تقول بلغته وأبلغنيه ونظيره آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم تقل أتيت المكان وآتانيه فلان. (الْمَخاضُ) : وجع الولادة، وفي القاموس: مخض يمخض بتثليث الخاء في المضارع مخضا اللبن استخرج زبده فهو لبن مخيض وممخوض ومخض الشيء حركه شديدا ومخض الرأي قلبه وتدبر عواقبه حتى ظهر له الصواب ومخضت بكسر الخاء تمخض بفتحها الحامل مخاضا بكسر الميم ومخاضا بفتحها ومخضت بالبناء للمجهول، ومخضت بتشديد الخاء وتمخضت الحامل دنا ولادها وأخذ الطلق فهي ماخض والجمع مخض بضم الميم وتشديد الخاء ومواخض. وللميم والخاء مجتمعتين معنى يكاد يكون متقاربا فهي تشير إلى الانزلاق ومنه مخر البحر والماء أي شقه مع صوت ومخط وامتخط معروفة. (مِتُّ) : بكسر الميم وضمها يقال مات يمات ومات يموت. (نَسْياً) : النسي بفتح النون وكسرها بمعنى المنسي كالذبح بمعنى المذبوح وكل ما من حقه أن يطرح ويرمى وينسى. (سَرِيًّا) : السري فيه قولان: أحدهما أنه الرجل المرتفع القدر من سرو يسرو كشرف يشرف فهو سري فأعل إعلال سيد فلامه واو يقال هو سري من السراة والسروات، قال بشامة بن حزن النهشلي: وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا والثاني أنه النهر الصغير ويناسبه فكلي واشربي، واشتقاقه من سرى يسري لأن الماء يسري فيه فلامه على هذا ياء، قال لبيد يصف حمارا وحشيا: فمضى وقدّمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها فتوسّطا عرض السري فصدعا ... مسجورة متجاورا أقلامها يقول إنه مضى خلف أتانه نحو الماء وقدمها أمامه وأقدامها اسم كان وألحقها التاء لأنها بمعنى التقدمة وعادة خبر كانت والتعريد التأخر والجبن فتوسطا أي الحمار والأتان عرض السري أي ناحية النهر الصغير فصدعا أي شقا عينا مسجورة أي مملوءة. (رُطَباً جَنِيًّا) : الرطب بضم ففتح ما نضج من البسر قبل أن يصير تمرا والجني فعيل بمعنى فاعل أي صار طريا صالحا للاجتناء. (وَقَرِّي عَيْناً) : أي طيبي نفسا ولا تغتمي وارفضي ما أحزنك يقال قرت عينه تقر بفتح العين وكسرها في المضارع وفي وصف العين بذلك تأويلان أولهما أنه مأخوذ من القر وهو البرد وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها باردا وإذا حزن كان دمعها حارا ولذلك قالوا في الدعاء عليه أسخن الله عينك والثاني انه من الاستقرار والمعنى أعطاه الله ما يسكن عينه فلا تطمح إلى غيره وفي المصباح: وقرت العين من باب ضرب قرة بالضم وقرورا بردت سرورا وفي لغة أخرى من باب تعب. (صَوْماً) : صمتا وخيل صائمة وصيام قال: خيل صيام وخيل غير صامتة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وقيل المراد بصائمة وغير صائمة واقفة وغير واقفة. وصامت الريح ركدت وصام النهار وصامت الشمس كبّدت وجئته والشمس في مصامها وشاخ فصامت عنه النساء. (فَرِيًّا) : الفري البديع من فرى الجلد، والفري العظيم من الأمر يقال في الخير والشر وقيل الفري العجيب وقيل المفتعل ومن الأول الحديث في وصف عمر بن الخطاب: فلم أرى عبقريا يفرى فريه، والفري قطع الجلد للخرز والإصلاح، وفي المختار: «فرى الشيء قطعه لاصلاحه وبابه رمى وفرى كذبا خلقه وافتراه واختلقه والاسم الفرية وقوله تعالى: «شَيْئاً فَرِيًّا» أي مصنوعا مختلقا وقيل عظيما وأفرى الأوداج قطعها وأفرى الشيء شقه فانفرى وتفرى أي انشق، وقال الكسائي: أفرى الأديم قطعه على جهة الإفساد وفراه قطعه على جهة الإصلاح» . الإعراب: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره فنفخ جبريل في جيب درعها فحملته وسيأتي سر هذا التعقيب في باب الفوائد فانتبذت عطف على فحملته وبه جار ومجرور في موضع نصب على الحال وقد رمق سماءه أبو الطيب المتنبي في قصيدة يمدح بها علي بن مكرم بن سيار التميمي ويصف الخيل: كأن خيولنا كانت قديما ... تسقّى في قحوفهم الحليبا فمرّت غير نافرة عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا يريد أن خيولهم لم تنفر منهم كأنها كانت في صغرها تسقى في قحوف رءوسهم اللبن يعنى قحوف رءوس الأعداء والعرب كان من عادتها أن تسقي كرام خيولها اللبن وقحف الرأس ما انضم على أم الدماغ، والجمجمة العظم الذي فيه الدماغ فوطئت رءوسهم وصدورهم ولم تنفر عنهم فكأنها ألفتهم والتريب والتريبة واحدة الترائب وهو موضع القلادة ومن طريف الأخطاء أن بعضهم تصدى لشرح هذا البيت ولما لم يعرف معنى التريب قال بالحرف: والتريب والتراب لغة في التراب. زاده الله فهما!!. ومكانا مفعول فيه أو مفعول به وقد تقدم وقصيا صفة. (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) الفاء عاطفة للتعقيب وأجاءها فعل ماض ومفعول به مقدم والمخاض فاعل مؤخر والى جذع النخلة متعلقان بمحذوف حال وسيأتي السر في تعريف النخلة في باب البلاغة. (قالَتْ: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) يا حرف نداء والمنادى محذوف أو يا لمجرد التنبيه وليت واسمها وجملة مت خبرها وهي فعل وفاعل والظرف منصوب لأنه أضيف وهو متعلق بمت وهذا مضاف اليه وكنت الواو عاطفة وكان واسمها ونسيا خبرها ومنسيا تأكيد لنسيا لأنه بمعناه ولك أن تعربه نعتا. (فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) الفاء عاطفة وناداها فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الملك أو عيسى ومن تحتها متعلقان بناداها أي في مكان أسفل من مكانها أو بمحذوف حال من فاعل أي ناداها وهو تحتها وأن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتحزني مجزوم بلا ويجوز أن تكون مصدرية، ولا نافية وتحزني منصوب بها وأن وما بعدها نصب بنزع الخافض المتعلق بالنداء والأول أسهل وقد حرف تحقيق وجعل ربك فعل وفاعل وتحتك ظرف متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لجعل وسريا هو المفعول الأول وسيأتي السرّ في علة انتزاع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب. (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) : الواو عاطفة وهزي فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والياء هي الفاعل وإليك متعلقان بهزي وبجذع النخلة أورده بن هشام في مغني اللبيب شاهدا على زيادة الباء في المفعول به وأكثر المعربين على ذلك ولكن الزمخشري قال بعد ذكر وجه الزيادة ما معناه: يحتمل انه نزل هزي منزلة اللازم وإن كان متعديا ثم عداه بالباء كما يعدى اللازم والمعنى افعلي به الهز وتساقط مجزوم لأنه جواب الطلب وعليك متعلقان بتساقط ورطبا مفعول به وجنيا صفة، وتساقط يتعدى بنفسه ومن أمثلته لا من شواهده لأن البحتري غير محتج بكلامه. فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه وعن المبرد أن رطبا مفعول هزي وباء بجذع النخلة للاستعانة ولا يخفى ما فيه من التكلف بتأخير ما في حيز الأمر عن جوابه وستأتي أوجه زيادة الباء في باب الفوائد. (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) الفاء الفصيحة أي إذا تم لك هذا كله فكلي، وكلي فعل أمر والياء فاعل وما بعده عطف عليه وعينا تمييز من الفاعل لأنه منقول عنه إذ الأصل لتقر عينك. (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) الفاء عاطفة وإن شرطية أدغمت نونها بما الزائدة وترين فعل الشرط وأصله ترأيين بهمزة هي عين الفعل وياء مكسورة هي لامه وأخرى ساكنة هي ياء الضمير والنون علامة الرفع وقد حذفت لام الفعل لتحركها وانفتاح ما قبلها فقلبت ألفا فالتقت ساكنة مع ياء الضمير فحذفت لالتقاء الساكنين، ومن البشر حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به. (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) الفاء رابطة لجواب الشرط وقولي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل وإن واسمها وجملة نذرت خبرها والجملة مقول القول وسيرد إشكال أجبنا عنه في باب الفوائد، وللرحمن متعلقان بنذرت وصوما مفعول به، فلن الفاء استئنافية ولن حرف نفي ونصب واستقبال وأكلم منصوب بلن واليوم ظرف متعلق بأكلم وإنسيا مفعول به. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا) الفاء استئنافية وأتت فعل وفاعل مستتر والتاء للتأنيث وبه علقه أبو البقاء بمحذوف حال أي مصحوبة به وهو جميل ولا نرى مانعا بتعلقه بأتت وقومها مفعول به وجملة تحمله حال ثانية إما من ضمير مريم وإما من ضمير عيسى في به، قالوا فعل وفاعل ويا حرف نداء ومريم منادى واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به أي فعلت شيئا وفريا نعت ويجوز إعراب شيئا على المصدرية أي نوعا من المجيء غريبا. (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) يا حرف نداء وأخت هارون منادى مضاف أي يا شبيهته، وهارون رجل صالح شبهوها به في عفتها وصلاحها وليس المراد منه أخوة النسب وقيل إنما عنوا هارون أخا موسى لأنها كانت من نسله والعرب تقول للتميمي يا أخا تميم وقيل غير ذلك مما تراه في المطولات وما نافية وكان أبوك امرأ سوء كان واسمها وخبرها وما كانت أمك بغيا عطف على الجملة التي سبقتها أي ما دمت بهذه المثابة من مظنة العفة والصلاح فمن أين لك هذا الولد؟ (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) الفاء عاطفة وأشارت فعل وفاعل مستتر وإليه متعلقان بأشارت، قالوا فعل وفاعل وكيف اسم استفهام في محل نصب حال ونكلم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن ومن اسم موصول مفعول به وجملة كان صلة واسم كان مستتر تقديره هو وفي المهد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وصبيا خبر كان وقد اعتبرنا كان على بابها من النقصان ودلالتها على اقتران مضمون الجملة في الزمن الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» وقد نشب بين علماء العربية خلاف حول «كان» هنا نذكره مبسوطا في باب الفوائد لما تضمنه من فوائد. (قالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) جملة إني عبد الله مقول القول ولذلك كسرت همزة إن لوقوعها بعد القول وان واسمها وعبد الله خبرها وقد وصف نفسه بثماني صفات أولها العبودية وجملة آتاني الكتاب حالية وهذه هي الصفة الثانية والكتاب مفعول به ثان وجعلني نبيا فعل ماض وفاعل مستتر ومفعولاه وهذه هي الصفة الثالثة. (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وجعلني مباركا عطف على وجعلني نبيا وهذه هي الصفة الرابعة وأينما اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية والجواب محذوف مدلول عليه بما تقدم أي أينما كنت جعلني مباركا وهو متعلق بالجواب المحذوف وكان تامة والتاء فاعلها ويجوز أن تكون الناقصة وأينما متعلق بمحذوف خبرها المقدم. (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) ما دمت ما مصدرية ظرفية ودمت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وحيا خبرها والمصدر المؤول نصب على الظرفية والظرف متعلق بأوصاني وهذه هي الصفة الخامسة. (وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا) وبرا بفتح الباء معطوف نسقا على مباركا أي وجعلني برا. جعل ذاته برا لفرط بره ولك أن تنصبه بفعل مقدر بمعنى أوصاني تفاديا للفصل الطويل وهذه هي الصفة السادسة وبوالدتي متعلقان ببرا ولم يجعلني عطف على وجعلني وجبارا مفعول به ثان وشقيا صفة وهذه هي الصفة السابعة. (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) السلام مبتدأ وعلي خبره واختلف في معنى إلى الداخلة على السلام فقيل هي للعهد لأنه تقدم ذكر السلام الموجه إلى يحيى فهو موجه إليه أيضا، وقال الزمخشري: «والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللغة على متهمي مريم عليها السلام وأعدائها من اليهود وتحقيقه أن اللام للجنس وإذا قال وجنس السلام عليّ خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم ونظيره قوله تعالى: والسلام على من اتبع الهدى يعني أن العذاب على من كذب وتولى وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنته لنحو هذا من التعريض» ويوم متعلق بمعنى الاستقرار المتعلق به عليّ ولا يجوز نصبه للسلام للفصل بين المصدر ومعموله وجملة ولدت مضافا إليها الظرف ويوم أبعث عطف على يوم ولدت وكذلك يوم أبعث وحيا حال وهذه هي الصفة الثامنة والأخيرة. البلاغة: التعريف: وذلك في تعريف النخلة التي جاءها المخاض عندها وهذا التعريف لا يخلو إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس فإذا قيل جذع النخلة فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخيل وإما أن يكون من تعريف الجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد وثمارها إنما هي من جمارها فلموافقتها لها مع جميع الآيات فيها اختارها لها وألجأها إليها. الفوائد: 1- خلاصة قصة ميلاد عيسى في القرآن الكريم: هذا ولم يعن كتاب من الكتب الدينية بميلاد المسيح والدفاع عن طهارة والدته العذراء والإشادة بفضلها وتفضيلها على سائر النساء كما عني القرآن الكريم فقد وردت فيه عن ميلاد المسيح عليه السلام، وحياته وجهاده في سبيل الدعوة إلى الله وإصلاح البشر عدة آيات في عدد من السور وقد أتى في براءة العذراء وقنوتها بما لم تأت به كتب أخرى بل كانت السورة الثانية الكبرى من القرآن الكريم وهي سورة آل عمران، وعمران هو والد العذراء وكان عالما من علماء الدين ولم تأت سورة من السور باسم سيدة من سيدات التاريخ غير اسم مريم وهي تحتوي على عدة آيات في ميلاد المسيح كما وردت آيات أخرى في هذا الحادث الجليل. ولقد اصطفى الله آل عمران كما اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين، وكان عمران أبو مريم رجلا تقيا ورعا، كما كانت زوجته صالحة تقية فلما حملت نذرت إلى الله أن يكون حملها خادما للهيكل فلما وضعت وتبين لها أنها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، سمتها أمها مريم ولكن الله تقبلها في الهيكل بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا. ولم يعش عمران حتى تشب مريم وتكبر فتوفي وهي صغيرة فكفلها زوج خالتها النبي زكريا وكانت مريم صادقة مباركة يفيض الله عليها من رزقه من حيث تعلم ولا تعلم فكان زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا كثيرا فيسألها قائلا: يا مريم أنّى لك هذا فتجيبه: هو من عند الله. وكانت مريم تتعبد في الهيكل بعيدا عن أهلها وعن الناس، قد انتبذت مكانا شرقيا في الناصرة من مدينة الجليل، وكانت مخطوبة لرجل من أبناء عمومتها اسمه يوسف النجار ولكن لم يتم زواجهما لأنها وهبت نفسها إلى الله ولكن الله تعالى شاء أن يهب إلى البشر من هذه الفتاة الطاهرة الكريمة التقية نبيا كريما، ورسولا عظيما، ويجعل منها ومن ابنها آية للناس كما قال تعالى «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ» لم يتم زواج يوسف بمريم وبعث الله جبريل فبشرها بحملها بالسيد المسيح وهي في عزلتها تعبد الله وتخلص له العبادة والتقوى فعجبت لذلك وأجفلت وقالت: كيف يكون لي ولد ولم يمسسني بشر، فكان الجواب عليها كما جاء في القرآن، كما صور القرآن فزع مريم في سورة «مريم» حين جاءها الملك بهذه البشارة متمثلا لها في صورة إنسان ظهر لها في عزلتها، على حين غرة من أمرها فاستعاذت بالله منه فهدأ من روعها وأنبأها أنه مرسل من السماء ليهب لها غلاما زكيا فجاء في هذه السورة «واذكر في الكتاب مريم إلخ الآيات» وقد اتفق إنجيل لوقا وإنجيل برنابا والقرآن الكريم في حادث ولادة المسيح على أنه آية للناس ولم يكن نتيجة اتصال مريم بخطيبها يوسف النجار، كما جاء في بعض الأناجيل الاخرى كإنجيل متى الذي نصّ على أن «يسوع بن يوسف النجار ابن يعقوب بن متان بن اليعازر، ابن اليهود بن أخيم» إلى آخر هذا النسب الذي يصل إلى يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام. فالقرآن الكريم نزل بأن مريم عذراء وانه بعد بشارة الملك لها بهذا الغلام الزكي حملت به وانتبذت مكانا بعيدا عن الناس، وعانت وحدها آلام وضعه حتى تمنت الموت قبل هذا كما جاء في القرآن الكريم «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ» إلخ الآيات. خاطبها هذا الوليد الكريم في مهده وهدأ من روعها، وطلب إليها أن تستعين على ضعفها بالرطب الجني، والماء الهني أو خاطبها الملك. وكان أن وقع ما خشيته مريم من اتهامها بالسوء، فلما جاءت به إلى قومها أنكروا عليها، واتهموها بما هي براء منه، فصامت عن الكلام وتولى الطفل الصغير في مهده الدفاع عن أمه الطاهرة النقية كما جاء في القرآن الكريم. 2- أسرار الفاءات: وعدناك أن نتحدث عن أسرار الفاءات في قوله تعالى «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ» في هذه الفاءات دليل على أن حملها به ووضعها إياه لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت اليه والمخاض الذي هو الطلق بالفاء وهي للفور ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي والمهلة ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: «قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره» فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه مدة متراخية عطف ذلك بثم وهذا بخلاف قصة مريم عليها السلام، فانها عطفت بالفاء وقد اختلف الناس في مدة حملها فقيل: انه كحمل غيرها من النساء وقيل: لا بل كان مدة ثلاثة أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، وهذه الآية مزيلة للخلاف لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل أخذا بما دلت عليه الآية. هذا ما ورد في المثل السائر لابن الأثير، وقد رد ابن أبي الحديد في الفلك الدائر على ذلك بما أوردناه في سورة النحل من أن التعقيب على حسب ما يصح إما عقلا وإما عادة إلى أن يقول: وليست الفاء للفور الحقيقي الذي معناه حصول هذا بعد هذا بغير فصل ولا زمان كما توهمه هذا الرجل ألا ترى إلى قوله تعالى: «لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ» فإن العذاب متراخ عن الافتراء فلا يدل قوله تعالى في قصة مريم على أن الحمل والمخاض كانا في يوم واحد. قلت: قلت: بحث ابن أبي الحديد متجه والذي قاله ابن الأثير لا يخلو من ضعف وقد اختلف المفسرون في مدة حملها فقال ابن عباس تسعة أشهر كما في سائر النساء وقال عطاء وأبو العالية والضحاك سبعة أشهر وقال ابن عباس أيضا في ساعة واحدة وقال آخر لثمانية أشهر وقال آخرون ستة أشهر وقال آخرون ثلاث ساعات ورجح الامام الرازي انه في ساعة وقال: «ويمكن الاستدلال له بوجهين» وذكر في الوجه الاول ما قاله ابن الأثير وذكر في الوجه الثاني: «ان الله تعالى قال في وصفه: ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون فثبت أن عيسى عليه السلام لما قال الله له كن فكان وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل انما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة» . ومذهب الشافعية أن أكثر مدة الحمل أربع سنين وأقله ستة أشهر وقد ولد الضحاك بن مزاحم لستة عشر شهرا وشعبة ولد لسنتين وهرم بن سنان ولد لأربع سنين ولذلك سمي هرما ومالك بن أنس حمل به أكثر من ثلاث سنين، والحجاج بن يوسف ولد لثلاثين شهرا، ويقال انه كان يقول: اذكروا ليلة ميلادي، ويقال: إن عبد الملك بن مروان حمل به ستة أشهر والشافعي حمل به أربع سنين أو أقل، والحنفية يقولون للشافعية: ما جسر إمامكم أن يظهر إلى الوجود حتى توفي إمامنا، ويجيبهم الشافعية بقولهم: بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا. القول الفصل في الفاء العاطفة: والفاء في أصل وضعها للترتيب المتصل، والترتيب على ضربين: 1- الترتيب في المعنى: هو أن يكون المعطوف بها لاحقا متصلا بلا مهلة كقوله تعالى «خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» والأكثر كون المعطوف بها متسببا عما قبله كقولك: أملته فمال وأقمته فقام. 2- الترتيب في الذكر: وهو نوعان: أحدهما عطف مفصل على مجمل هو هو في المعنى كقولك توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه ومنه قوله تعالى: «وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... » الآية. وتكون عطفا لمجرد المشاركة في الحكم بحيث يحسن بالواو كقول امرئ القيس: «بين الدخول فحومل» . وتخنص الفاء بعطف ما لا يصلح كونه صلة على ما هو صلة كقولك الذي يطير فيغضب زيد الذباب فلو جعلت موضع الفاء واوا أو غيرها فقلت الذي يطير ويغضب زيد، أو ثم يغضب زيد الذباب لم تجز المسألة لأن يغضب زيد جملة لا عائد فيها على الذي فلا يصلح أن يعطف على الصلة لأن شرط ما يعطف على الصلة أن يصلح وقوعه صلة فإن كان العطف بالفاء لم يشترط دلك لأنها تجعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة لإشعارها بالسببية كأنك قلت: الذي ان يطر يغضب زيد الذباب وقد يعطف بالفاء متراخيا كقوله تعالى: «وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» إما لتقدير متصل قبله وإما لحمل الفاء على ثم. الفاء الفصيحة: وقد تحذف الفاء مع المعطوف بها إذا أمن اللبس وكذلك الواو فمن حذف الفاء قوله تعالى: «فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ» التقدير فامتثلتم فتاب عليكم وقوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» معناه فأفطر فعليه عدة وهذه العاطفة على الجواب المحذوف يسميها أرباب المعاني «الفاء الفصيحة» قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ» تقديره فعملا به وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله. وقال صاحب المفتاح: «هو إخبار عما صنع بهما وعما قالاه كأنه قيل: نحن فعلنا الإيتاء وهما فعلا الحمد وهذا الباب كثير في القرآن وهو من جملة فصاحته ولهذا أسماها أرباب المعاني الفاء الفصيحة. أما ابن الحاجب فقد قال: ان المعتبر ما يعد في العادة مرتبا من غير مهلة فقد يطول الزمان والعادة تقضي في مثله بانتفاء المهلة وقد تقصر والعادة تقضي بالعكس فإن الزمن الطويل قد بستغرب بالنسبة إلى عظم الأمر فتستعمل الفاء وقد يستبعد الزمن القريب بالنسبة إلى طول أمر يقضي العرف بحصوله في زمان أقل منه، والذي يظهر من كلام الجماعة أن استعمال الفاء فيما تراخى زمانه ووقوعه من الأول سواء قصر في أولا وإنما هو بطريق المجاز» . وقال الجرمي: لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل «بين الدخول فحومل» مطرنا مكان كذا فمكان كذا إذا كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد واعترض على معنى التعقيب بقوله تعالى: «الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» فإن إخراج المرعى لا يعقبه جعله غثاء أحوى أي يابسا أسود والجواب من وجهين: آ- ان جملة فجعله غثاء أحوى معطوفة على جملة محذوفة وان التقدير فمضت مدة فجعله غثاء. ب- ان الفاء نابت عن ثم والمعنى جعله غثاء وسيأتي تفصيل ذلك في حينه. 3-لماذا انقشع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب؟ ولا بد هنا من الاجابة على سؤال قد يرد فإن ظاهر الكلام يدل على أن حزنها سينقشع بسبب وجود الطعام والشراب وذلك في قوله تعالى: «فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً» ومعلوم بأن حزنها لم يكن بسبب ذلك، ولا هو ناجم عن فقدان الطعام والشراب ولكن السر في ذلك أن التسلية ونسيان الحزن لم يقعا بها من حيث أنهما طعام وشراب ولكن من حيث أنهما معجزة باهرة ترهص لها، وتدحض باطل القوم وتثبت كذبهم وإرجافهم، كما تثبت أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة وأنها بمعزل عما قرفوها به ثم ان الأمور الخارجة عن العادات لا يمكن إلا أن تكون إلهية ولحكمة نجهلها ومن ذلك ولادتها عيسى من غير فحل وهذا من عجائب الاساليب. لماذا منعت من الكلام؟ وهناك سؤال آخر قد يثب إلى الذهن بعد هذا كله وهو: ان الله أمرها بأن تمتنع من الكلام لأمرين: آ- أن يكون عيسى عليه السلام هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها وأرهص للمعجزة وبالتالي لإزالة عوامل الريبة المؤدية إلى اتهامها بما يشين. ب- تشريع الكراهية لأية مجادلة مع السفهاء وقد رمق الشاعر سماء هذا المعنى فقال: يخاطبني السفيه بكل قبح ... وأكره أن أكون له مجيبا 4- مواضع زيادة الباء: آ- في الفاعل وزيادتها تكون واجبة في فعل التعجب الوارد على صيغة الأمر نحو أحسن بزيد وعلة الزيادة إصلاح اللفظ وإعرابه أحسن فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض لأجل الصيغة وبزيد الباء حرف جر زائد وزيد فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد وتكون غالبة وذلك في فاعل كفى التي بمعنى حسب والتي هي فعل لازم نحو كفى بالله شهيدا ولا تزاد الباء في فاعل كفى التي بمعنى أجزأ أو أغنى ولا التي بمعنى وقى والأولى متعدية لواحد نحو: قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل والثانية متعدية لاثنين كقوله تعالى «وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ» . قال ابن هشام: «ووقع في شعر المتنبي زيادة الباء في فاعل كفى المتعدية لواحد قال: كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل ولم أر من انتقد عليه» وقد استعجل ابن هشام بهذا الحكم فقد انتقد عليه ذلك أبو البقاء في شرحه الممتع للديوان وأفاض في إعراب البيت كما انتقد المعري أيضا ولسنا بصدد التحقيق في ذلك فلعلك ترجع إلى شرح أبي البقاء والى مغني اللبيب. ب- في المفعول به نحو قوله تعالى: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ» وقول أبي الطيب: كفى بجسمي نحولا انني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني ج- في المبتدأ نحو بحسبك درهم وخرجت فإذا بزيد وكيف بك فكيف اسم استفهام خبر مقدم وبك الباء حرف جر زائد والكاف في محل جر بالباء وفي محل رفع بالابتداء وقد نابت الكاف عن أنت لدخول حرف الجر والمعنى كيف أنت إذا كان الأمر حاصلا. د- في الخبر وهو ينقاس في غير الموجب نحو ليس زيد بقائم وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون وفي غير الموجب متوقف على الساع. هـ- في الحال المنفي عاملها كقوله: فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيّب منتهاها وفي التوكيد بالنفس والعين نحو جاء زيد بنفسه وبعينه. 5- مبحث هام حول كان: قوله تعالى «كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» جرينا في اعرابها على أنها ناقصة واسمها مستتر تقديره هو وصبيا خبرها وممن أعربها كذلك الزمخشري ووعدنا أن ننقل الخلاف الذي ثار حولها لطرافته ولما فيه من رياضة ذهنية: أما أبو البقاء فقد أعربها زائدة أي من هو في المهد وصبيا حال من الضمير في الجار والضمير المنفصل المقدر كان متصلا بكان وقيل كان الزائدة لا يستتر فيها ضمير فعلى هذا لا تحتاج إلى تقدير هو بل يكون الظرف صلة من وقيل ليست زائدة بل هي كقوله «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» وقيل هي بمعنى صار وقيل هي التامة ومن بمعنى الذي وقيل شرطية وجوابها كيف. وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: في كان هذه أقوال: آ- انها زائدة وهو قول أبي عبيد أي كيف نكلم من في المهد، وصبيا على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور والواقع صلة. ب- انها تامة بمعنى حدث ووجد والتقدير كيف نكلم من وجد صبيا وصبيا حال من الضمير في كان. ح- انها بمعنى صار أي كيف نكلم من صار في المهد صبيا، وصبيا على هذا خبرها. د- انها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف لم يزل. وقال ابن الأنباري في «أسرار العربية» كان هنا تامة وصبيا منصوب على الحال ولا يجوز أن تكون ناقصة لأنه لا اختصاص لعيسى عليه السلام في ذلك لأن كلا كان في المهد صبيا ولا عجب في تكليم من كان فيما مضى في حال الصبا. وبعد كتابة ما تقدم وقعت على ما قاله أبو طاهر حمزة في رسالة له سماها «المنيرة المعربة عن شرف الاعراب» وأنقل لك خلاصته ففيه وجاهة وطرافة وهي تؤيد ما ذهبنا اليه من بقاء كان على وجهها قال: «لكن الوجه ان كان من قصد الخبر الآن عن حالهم لأنهم أكبروا ذلك في وقت كونه في المهد فكأنه قال: أكبروا تكليم صبي كائن في المهد طفلا فيكون الكون من لفظ المخبر لا من لفظهم كقول الحطيئة يصف الرياض: يظل بها الشيخ الذي كان فانيا ... يدب على عوج له نخرات فلم يك فانيا قبل دبيبه بل وقت دبيبه فذكر الكون من لفظ المخبر» . قلت: قلت: وهذا كله دندنة في غير طائل والأجود ما اخترناه واختاره الزمخشري ويأتي في المرتبة بعده أن تكون زائدة أما تقديرها تامة فبعيد جدا لأن عيسى لم يخلق ابتداء في المهد. 6- بغيا: أصله بغويا اجتمعت فيه الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغم الياء في الياء وإلا لو كان فعيلا بمعنى فاعل لحقته التاء وقال البيضاوي: «وهو فعول من البغي قلبت واوه وأدغمت ثم كسرت العين اتباعا ولذلك لم تلحقه التاء أو فعيل بمعنى فاعل لم تلحقه التاء لأنه للمبالغة أو للنسب كطالق» وقال بعضهم: البغي خاص بالمؤنث فلا يقال رجل بغي انما يقال امرأة بغي لكن نقل بعضهم عن المصباح انه يقال رجل بغي كما يقال امرأة بغي.

مريم 19:26

اللغة: (قَصِيًّا) : بعيدا من أهلها. (فَأَجاءَهَا) : يقال: جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد والأصل في جاء أن يتعدى لواحد بنفسه فإذا دخلت عليه الهمزة كان القياس يقتضي تعديته لاثنين إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل فصار بمعنى ألجأه إلى كذا ألا تراك لا تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما تقول بلغته وأبلغنيه ونظيره آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم تقل أتيت المكان وآتانيه فلان. (الْمَخاضُ) : وجع الولادة، وفي القاموس: مخض يمخض بتثليث الخاء في المضارع مخضا اللبن استخرج زبده فهو لبن مخيض وممخوض ومخض الشيء حركه شديدا ومخض الرأي قلبه وتدبر عواقبه حتى ظهر له الصواب ومخضت بكسر الخاء تمخض بفتحها الحامل مخاضا بكسر الميم ومخاضا بفتحها ومخضت بالبناء للمجهول، ومخضت بتشديد الخاء وتمخضت الحامل دنا ولادها وأخذ الطلق فهي ماخض والجمع مخض بضم الميم وتشديد الخاء ومواخض. وللميم والخاء مجتمعتين معنى يكاد يكون متقاربا فهي تشير إلى الانزلاق ومنه مخر البحر والماء أي شقه مع صوت ومخط وامتخط معروفة. (مِتُّ) : بكسر الميم وضمها يقال مات يمات ومات يموت. (نَسْياً) : النسي بفتح النون وكسرها بمعنى المنسي كالذبح بمعنى المذبوح وكل ما من حقه أن يطرح ويرمى وينسى. (سَرِيًّا) : السري فيه قولان: أحدهما أنه الرجل المرتفع القدر من سرو يسرو كشرف يشرف فهو سري فأعل إعلال سيد فلامه واو يقال هو سري من السراة والسروات، قال بشامة بن حزن النهشلي: وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا والثاني أنه النهر الصغير ويناسبه فكلي واشربي، واشتقاقه من سرى يسري لأن الماء يسري فيه فلامه على هذا ياء، قال لبيد يصف حمارا وحشيا: فمضى وقدّمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها فتوسّطا عرض السري فصدعا ... مسجورة متجاورا أقلامها يقول إنه مضى خلف أتانه نحو الماء وقدمها أمامه وأقدامها اسم كان وألحقها التاء لأنها بمعنى التقدمة وعادة خبر كانت والتعريد التأخر والجبن فتوسطا أي الحمار والأتان عرض السري أي ناحية النهر الصغير فصدعا أي شقا عينا مسجورة أي مملوءة. (رُطَباً جَنِيًّا) : الرطب بضم ففتح ما نضج من البسر قبل أن يصير تمرا والجني فعيل بمعنى فاعل أي صار طريا صالحا للاجتناء. (وَقَرِّي عَيْناً) : أي طيبي نفسا ولا تغتمي وارفضي ما أحزنك يقال قرت عينه تقر بفتح العين وكسرها في المضارع وفي وصف العين بذلك تأويلان أولهما أنه مأخوذ من القر وهو البرد وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها باردا وإذا حزن كان دمعها حارا ولذلك قالوا في الدعاء عليه أسخن الله عينك والثاني انه من الاستقرار والمعنى أعطاه الله ما يسكن عينه فلا تطمح إلى غيره وفي المصباح: وقرت العين من باب ضرب قرة بالضم وقرورا بردت سرورا وفي لغة أخرى من باب تعب. (صَوْماً) : صمتا وخيل صائمة وصيام قال: خيل صيام وخيل غير صامتة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وقيل المراد بصائمة وغير صائمة واقفة وغير واقفة. وصامت الريح ركدت وصام النهار وصامت الشمس كبّدت وجئته والشمس في مصامها وشاخ فصامت عنه النساء. (فَرِيًّا) : الفري البديع من فرى الجلد، والفري العظيم من الأمر يقال في الخير والشر وقيل الفري العجيب وقيل المفتعل ومن الأول الحديث في وصف عمر بن الخطاب: فلم أرى عبقريا يفرى فريه، والفري قطع الجلد للخرز والإصلاح، وفي المختار: «فرى الشيء قطعه لاصلاحه وبابه رمى وفرى كذبا خلقه وافتراه واختلقه والاسم الفرية وقوله تعالى: «شَيْئاً فَرِيًّا» أي مصنوعا مختلقا وقيل عظيما وأفرى الأوداج قطعها وأفرى الشيء شقه فانفرى وتفرى أي انشق، وقال الكسائي: أفرى الأديم قطعه على جهة الإفساد وفراه قطعه على جهة الإصلاح» . الإعراب: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره فنفخ جبريل في جيب درعها فحملته وسيأتي سر هذا التعقيب في باب الفوائد فانتبذت عطف على فحملته وبه جار ومجرور في موضع نصب على الحال وقد رمق سماءه أبو الطيب المتنبي في قصيدة يمدح بها علي بن مكرم بن سيار التميمي ويصف الخيل: كأن خيولنا كانت قديما ... تسقّى في قحوفهم الحليبا فمرّت غير نافرة عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا يريد أن خيولهم لم تنفر منهم كأنها كانت في صغرها تسقى في قحوف رءوسهم اللبن يعنى قحوف رءوس الأعداء والعرب كان من عادتها أن تسقي كرام خيولها اللبن وقحف الرأس ما انضم على أم الدماغ، والجمجمة العظم الذي فيه الدماغ فوطئت رءوسهم وصدورهم ولم تنفر عنهم فكأنها ألفتهم والتريب والتريبة واحدة الترائب وهو موضع القلادة ومن طريف الأخطاء أن بعضهم تصدى لشرح هذا البيت ولما لم يعرف معنى التريب قال بالحرف: والتريب والتراب لغة في التراب. زاده الله فهما!!. ومكانا مفعول فيه أو مفعول به وقد تقدم وقصيا صفة. (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) الفاء عاطفة للتعقيب وأجاءها فعل ماض ومفعول به مقدم والمخاض فاعل مؤخر والى جذع النخلة متعلقان بمحذوف حال وسيأتي السر في تعريف النخلة في باب البلاغة. (قالَتْ: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) يا حرف نداء والمنادى محذوف أو يا لمجرد التنبيه وليت واسمها وجملة مت خبرها وهي فعل وفاعل والظرف منصوب لأنه أضيف وهو متعلق بمت وهذا مضاف اليه وكنت الواو عاطفة وكان واسمها ونسيا خبرها ومنسيا تأكيد لنسيا لأنه بمعناه ولك أن تعربه نعتا. (فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) الفاء عاطفة وناداها فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الملك أو عيسى ومن تحتها متعلقان بناداها أي في مكان أسفل من مكانها أو بمحذوف حال من فاعل أي ناداها وهو تحتها وأن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتحزني مجزوم بلا ويجوز أن تكون مصدرية، ولا نافية وتحزني منصوب بها وأن وما بعدها نصب بنزع الخافض المتعلق بالنداء والأول أسهل وقد حرف تحقيق وجعل ربك فعل وفاعل وتحتك ظرف متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لجعل وسريا هو المفعول الأول وسيأتي السرّ في علة انتزاع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب. (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) : الواو عاطفة وهزي فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والياء هي الفاعل وإليك متعلقان بهزي وبجذع النخلة أورده بن هشام في مغني اللبيب شاهدا على زيادة الباء في المفعول به وأكثر المعربين على ذلك ولكن الزمخشري قال بعد ذكر وجه الزيادة ما معناه: يحتمل انه نزل هزي منزلة اللازم وإن كان متعديا ثم عداه بالباء كما يعدى اللازم والمعنى افعلي به الهز وتساقط مجزوم لأنه جواب الطلب وعليك متعلقان بتساقط ورطبا مفعول به وجنيا صفة، وتساقط يتعدى بنفسه ومن أمثلته لا من شواهده لأن البحتري غير محتج بكلامه. فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه وعن المبرد أن رطبا مفعول هزي وباء بجذع النخلة للاستعانة ولا يخفى ما فيه من التكلف بتأخير ما في حيز الأمر عن جوابه وستأتي أوجه زيادة الباء في باب الفوائد. (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) الفاء الفصيحة أي إذا تم لك هذا كله فكلي، وكلي فعل أمر والياء فاعل وما بعده عطف عليه وعينا تمييز من الفاعل لأنه منقول عنه إذ الأصل لتقر عينك. (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) الفاء عاطفة وإن شرطية أدغمت نونها بما الزائدة وترين فعل الشرط وأصله ترأيين بهمزة هي عين الفعل وياء مكسورة هي لامه وأخرى ساكنة هي ياء الضمير والنون علامة الرفع وقد حذفت لام الفعل لتحركها وانفتاح ما قبلها فقلبت ألفا فالتقت ساكنة مع ياء الضمير فحذفت لالتقاء الساكنين، ومن البشر حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به. (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) الفاء رابطة لجواب الشرط وقولي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل وإن واسمها وجملة نذرت خبرها والجملة مقول القول وسيرد إشكال أجبنا عنه في باب الفوائد، وللرحمن متعلقان بنذرت وصوما مفعول به، فلن الفاء استئنافية ولن حرف نفي ونصب واستقبال وأكلم منصوب بلن واليوم ظرف متعلق بأكلم وإنسيا مفعول به. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا) الفاء استئنافية وأتت فعل وفاعل مستتر والتاء للتأنيث وبه علقه أبو البقاء بمحذوف حال أي مصحوبة به وهو جميل ولا نرى مانعا بتعلقه بأتت وقومها مفعول به وجملة تحمله حال ثانية إما من ضمير مريم وإما من ضمير عيسى في به، قالوا فعل وفاعل ويا حرف نداء ومريم منادى واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به أي فعلت شيئا وفريا نعت ويجوز إعراب شيئا على المصدرية أي نوعا من المجيء غريبا. (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) يا حرف نداء وأخت هارون منادى مضاف أي يا شبيهته، وهارون رجل صالح شبهوها به في عفتها وصلاحها وليس المراد منه أخوة النسب وقيل إنما عنوا هارون أخا موسى لأنها كانت من نسله والعرب تقول للتميمي يا أخا تميم وقيل غير ذلك مما تراه في المطولات وما نافية وكان أبوك امرأ سوء كان واسمها وخبرها وما كانت أمك بغيا عطف على الجملة التي سبقتها أي ما دمت بهذه المثابة من مظنة العفة والصلاح فمن أين لك هذا الولد؟ (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) الفاء عاطفة وأشارت فعل وفاعل مستتر وإليه متعلقان بأشارت، قالوا فعل وفاعل وكيف اسم استفهام في محل نصب حال ونكلم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن ومن اسم موصول مفعول به وجملة كان صلة واسم كان مستتر تقديره هو وفي المهد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وصبيا خبر كان وقد اعتبرنا كان على بابها من النقصان ودلالتها على اقتران مضمون الجملة في الزمن الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» وقد نشب بين علماء العربية خلاف حول «كان» هنا نذكره مبسوطا في باب الفوائد لما تضمنه من فوائد. (قالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) جملة إني عبد الله مقول القول ولذلك كسرت همزة إن لوقوعها بعد القول وان واسمها وعبد الله خبرها وقد وصف نفسه بثماني صفات أولها العبودية وجملة آتاني الكتاب حالية وهذه هي الصفة الثانية والكتاب مفعول به ثان وجعلني نبيا فعل ماض وفاعل مستتر ومفعولاه وهذه هي الصفة الثالثة. (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وجعلني مباركا عطف على وجعلني نبيا وهذه هي الصفة الرابعة وأينما اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية والجواب محذوف مدلول عليه بما تقدم أي أينما كنت جعلني مباركا وهو متعلق بالجواب المحذوف وكان تامة والتاء فاعلها ويجوز أن تكون الناقصة وأينما متعلق بمحذوف خبرها المقدم. (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) ما دمت ما مصدرية ظرفية ودمت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وحيا خبرها والمصدر المؤول نصب على الظرفية والظرف متعلق بأوصاني وهذه هي الصفة الخامسة. (وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا) وبرا بفتح الباء معطوف نسقا على مباركا أي وجعلني برا. جعل ذاته برا لفرط بره ولك أن تنصبه بفعل مقدر بمعنى أوصاني تفاديا للفصل الطويل وهذه هي الصفة السادسة وبوالدتي متعلقان ببرا ولم يجعلني عطف على وجعلني وجبارا مفعول به ثان وشقيا صفة وهذه هي الصفة السابعة. (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) السلام مبتدأ وعلي خبره واختلف في معنى إلى الداخلة على السلام فقيل هي للعهد لأنه تقدم ذكر السلام الموجه إلى يحيى فهو موجه إليه أيضا، وقال الزمخشري: «والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللغة على متهمي مريم عليها السلام وأعدائها من اليهود وتحقيقه أن اللام للجنس وإذا قال وجنس السلام عليّ خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم ونظيره قوله تعالى: والسلام على من اتبع الهدى يعني أن العذاب على من كذب وتولى وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنته لنحو هذا من التعريض» ويوم متعلق بمعنى الاستقرار المتعلق به عليّ ولا يجوز نصبه للسلام للفصل بين المصدر ومعموله وجملة ولدت مضافا إليها الظرف ويوم أبعث عطف على يوم ولدت وكذلك يوم أبعث وحيا حال وهذه هي الصفة الثامنة والأخيرة. البلاغة: التعريف: وذلك في تعريف النخلة التي جاءها المخاض عندها وهذا التعريف لا يخلو إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس فإذا قيل جذع النخلة فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخيل وإما أن يكون من تعريف الجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد وثمارها إنما هي من جمارها فلموافقتها لها مع جميع الآيات فيها اختارها لها وألجأها إليها. الفوائد: 1- خلاصة قصة ميلاد عيسى في القرآن الكريم: هذا ولم يعن كتاب من الكتب الدينية بميلاد المسيح والدفاع عن طهارة والدته العذراء والإشادة بفضلها وتفضيلها على سائر النساء كما عني القرآن الكريم فقد وردت فيه عن ميلاد المسيح عليه السلام، وحياته وجهاده في سبيل الدعوة إلى الله وإصلاح البشر عدة آيات في عدد من السور وقد أتى في براءة العذراء وقنوتها بما لم تأت به كتب أخرى بل كانت السورة الثانية الكبرى من القرآن الكريم وهي سورة آل عمران، وعمران هو والد العذراء وكان عالما من علماء الدين ولم تأت سورة من السور باسم سيدة من سيدات التاريخ غير اسم مريم وهي تحتوي على عدة آيات في ميلاد المسيح كما وردت آيات أخرى في هذا الحادث الجليل. ولقد اصطفى الله آل عمران كما اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين، وكان عمران أبو مريم رجلا تقيا ورعا، كما كانت زوجته صالحة تقية فلما حملت نذرت إلى الله أن يكون حملها خادما للهيكل فلما وضعت وتبين لها أنها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، سمتها أمها مريم ولكن الله تقبلها في الهيكل بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا. ولم يعش عمران حتى تشب مريم وتكبر فتوفي وهي صغيرة فكفلها زوج خالتها النبي زكريا وكانت مريم صادقة مباركة يفيض الله عليها من رزقه من حيث تعلم ولا تعلم فكان زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا كثيرا فيسألها قائلا: يا مريم أنّى لك هذا فتجيبه: هو من عند الله. وكانت مريم تتعبد في الهيكل بعيدا عن أهلها وعن الناس، قد انتبذت مكانا شرقيا في الناصرة من مدينة الجليل، وكانت مخطوبة لرجل من أبناء عمومتها اسمه يوسف النجار ولكن لم يتم زواجهما لأنها وهبت نفسها إلى الله ولكن الله تعالى شاء أن يهب إلى البشر من هذه الفتاة الطاهرة الكريمة التقية نبيا كريما، ورسولا عظيما، ويجعل منها ومن ابنها آية للناس كما قال تعالى «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ» لم يتم زواج يوسف بمريم وبعث الله جبريل فبشرها بحملها بالسيد المسيح وهي في عزلتها تعبد الله وتخلص له العبادة والتقوى فعجبت لذلك وأجفلت وقالت: كيف يكون لي ولد ولم يمسسني بشر، فكان الجواب عليها كما جاء في القرآن، كما صور القرآن فزع مريم في سورة «مريم» حين جاءها الملك بهذه البشارة متمثلا لها في صورة إنسان ظهر لها في عزلتها، على حين غرة من أمرها فاستعاذت بالله منه فهدأ من روعها وأنبأها أنه مرسل من السماء ليهب لها غلاما زكيا فجاء في هذه السورة «واذكر في الكتاب مريم إلخ الآيات» وقد اتفق إنجيل لوقا وإنجيل برنابا والقرآن الكريم في حادث ولادة المسيح على أنه آية للناس ولم يكن نتيجة اتصال مريم بخطيبها يوسف النجار، كما جاء في بعض الأناجيل الاخرى كإنجيل متى الذي نصّ على أن «يسوع بن يوسف النجار ابن يعقوب بن متان بن اليعازر، ابن اليهود بن أخيم» إلى آخر هذا النسب الذي يصل إلى يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام. فالقرآن الكريم نزل بأن مريم عذراء وانه بعد بشارة الملك لها بهذا الغلام الزكي حملت به وانتبذت مكانا بعيدا عن الناس، وعانت وحدها آلام وضعه حتى تمنت الموت قبل هذا كما جاء في القرآن الكريم «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ» إلخ الآيات. خاطبها هذا الوليد الكريم في مهده وهدأ من روعها، وطلب إليها أن تستعين على ضعفها بالرطب الجني، والماء الهني أو خاطبها الملك. وكان أن وقع ما خشيته مريم من اتهامها بالسوء، فلما جاءت به إلى قومها أنكروا عليها، واتهموها بما هي براء منه، فصامت عن الكلام وتولى الطفل الصغير في مهده الدفاع عن أمه الطاهرة النقية كما جاء في القرآن الكريم. 2- أسرار الفاءات: وعدناك أن نتحدث عن أسرار الفاءات في قوله تعالى «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ» في هذه الفاءات دليل على أن حملها به ووضعها إياه لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت اليه والمخاض الذي هو الطلق بالفاء وهي للفور ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي والمهلة ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: «قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره» فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه مدة متراخية عطف ذلك بثم وهذا بخلاف قصة مريم عليها السلام، فانها عطفت بالفاء وقد اختلف الناس في مدة حملها فقيل: انه كحمل غيرها من النساء وقيل: لا بل كان مدة ثلاثة أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، وهذه الآية مزيلة للخلاف لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل أخذا بما دلت عليه الآية. هذا ما ورد في المثل السائر لابن الأثير، وقد رد ابن أبي الحديد في الفلك الدائر على ذلك بما أوردناه في سورة النحل من أن التعقيب على حسب ما يصح إما عقلا وإما عادة إلى أن يقول: وليست الفاء للفور الحقيقي الذي معناه حصول هذا بعد هذا بغير فصل ولا زمان كما توهمه هذا الرجل ألا ترى إلى قوله تعالى: «لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ» فإن العذاب متراخ عن الافتراء فلا يدل قوله تعالى في قصة مريم على أن الحمل والمخاض كانا في يوم واحد. قلت: قلت: بحث ابن أبي الحديد متجه والذي قاله ابن الأثير لا يخلو من ضعف وقد اختلف المفسرون في مدة حملها فقال ابن عباس تسعة أشهر كما في سائر النساء وقال عطاء وأبو العالية والضحاك سبعة أشهر وقال ابن عباس أيضا في ساعة واحدة وقال آخر لثمانية أشهر وقال آخرون ستة أشهر وقال آخرون ثلاث ساعات ورجح الامام الرازي انه في ساعة وقال: «ويمكن الاستدلال له بوجهين» وذكر في الوجه الاول ما قاله ابن الأثير وذكر في الوجه الثاني: «ان الله تعالى قال في وصفه: ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون فثبت أن عيسى عليه السلام لما قال الله له كن فكان وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل انما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة» . ومذهب الشافعية أن أكثر مدة الحمل أربع سنين وأقله ستة أشهر وقد ولد الضحاك بن مزاحم لستة عشر شهرا وشعبة ولد لسنتين وهرم بن سنان ولد لأربع سنين ولذلك سمي هرما ومالك بن أنس حمل به أكثر من ثلاث سنين، والحجاج بن يوسف ولد لثلاثين شهرا، ويقال انه كان يقول: اذكروا ليلة ميلادي، ويقال: إن عبد الملك بن مروان حمل به ستة أشهر والشافعي حمل به أربع سنين أو أقل، والحنفية يقولون للشافعية: ما جسر إمامكم أن يظهر إلى الوجود حتى توفي إمامنا، ويجيبهم الشافعية بقولهم: بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا. القول الفصل في الفاء العاطفة: والفاء في أصل وضعها للترتيب المتصل، والترتيب على ضربين: 1- الترتيب في المعنى: هو أن يكون المعطوف بها لاحقا متصلا بلا مهلة كقوله تعالى «خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» والأكثر كون المعطوف بها متسببا عما قبله كقولك: أملته فمال وأقمته فقام. 2- الترتيب في الذكر: وهو نوعان: أحدهما عطف مفصل على مجمل هو هو في المعنى كقولك توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه ومنه قوله تعالى: «وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... » الآية. وتكون عطفا لمجرد المشاركة في الحكم بحيث يحسن بالواو كقول امرئ القيس: «بين الدخول فحومل» . وتخنص الفاء بعطف ما لا يصلح كونه صلة على ما هو صلة كقولك الذي يطير فيغضب زيد الذباب فلو جعلت موضع الفاء واوا أو غيرها فقلت الذي يطير ويغضب زيد، أو ثم يغضب زيد الذباب لم تجز المسألة لأن يغضب زيد جملة لا عائد فيها على الذي فلا يصلح أن يعطف على الصلة لأن شرط ما يعطف على الصلة أن يصلح وقوعه صلة فإن كان العطف بالفاء لم يشترط دلك لأنها تجعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة لإشعارها بالسببية كأنك قلت: الذي ان يطر يغضب زيد الذباب وقد يعطف بالفاء متراخيا كقوله تعالى: «وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» إما لتقدير متصل قبله وإما لحمل الفاء على ثم. الفاء الفصيحة: وقد تحذف الفاء مع المعطوف بها إذا أمن اللبس وكذلك الواو فمن حذف الفاء قوله تعالى: «فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ» التقدير فامتثلتم فتاب عليكم وقوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» معناه فأفطر فعليه عدة وهذه العاطفة على الجواب المحذوف يسميها أرباب المعاني «الفاء الفصيحة» قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ» تقديره فعملا به وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله. وقال صاحب المفتاح: «هو إخبار عما صنع بهما وعما قالاه كأنه قيل: نحن فعلنا الإيتاء وهما فعلا الحمد وهذا الباب كثير في القرآن وهو من جملة فصاحته ولهذا أسماها أرباب المعاني الفاء الفصيحة. أما ابن الحاجب فقد قال: ان المعتبر ما يعد في العادة مرتبا من غير مهلة فقد يطول الزمان والعادة تقضي في مثله بانتفاء المهلة وقد تقصر والعادة تقضي بالعكس فإن الزمن الطويل قد بستغرب بالنسبة إلى عظم الأمر فتستعمل الفاء وقد يستبعد الزمن القريب بالنسبة إلى طول أمر يقضي العرف بحصوله في زمان أقل منه، والذي يظهر من كلام الجماعة أن استعمال الفاء فيما تراخى زمانه ووقوعه من الأول سواء قصر في أولا وإنما هو بطريق المجاز» . وقال الجرمي: لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل «بين الدخول فحومل» مطرنا مكان كذا فمكان كذا إذا كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد واعترض على معنى التعقيب بقوله تعالى: «الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» فإن إخراج المرعى لا يعقبه جعله غثاء أحوى أي يابسا أسود والجواب من وجهين: آ- ان جملة فجعله غثاء أحوى معطوفة على جملة محذوفة وان التقدير فمضت مدة فجعله غثاء. ب- ان الفاء نابت عن ثم والمعنى جعله غثاء وسيأتي تفصيل ذلك في حينه. 3-لماذا انقشع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب؟ ولا بد هنا من الاجابة على سؤال قد يرد فإن ظاهر الكلام يدل على أن حزنها سينقشع بسبب وجود الطعام والشراب وذلك في قوله تعالى: «فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً» ومعلوم بأن حزنها لم يكن بسبب ذلك، ولا هو ناجم عن فقدان الطعام والشراب ولكن السر في ذلك أن التسلية ونسيان الحزن لم يقعا بها من حيث أنهما طعام وشراب ولكن من حيث أنهما معجزة باهرة ترهص لها، وتدحض باطل القوم وتثبت كذبهم وإرجافهم، كما تثبت أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة وأنها بمعزل عما قرفوها به ثم ان الأمور الخارجة عن العادات لا يمكن إلا أن تكون إلهية ولحكمة نجهلها ومن ذلك ولادتها عيسى من غير فحل وهذا من عجائب الاساليب. لماذا منعت من الكلام؟ وهناك سؤال آخر قد يثب إلى الذهن بعد هذا كله وهو: ان الله أمرها بأن تمتنع من الكلام لأمرين: آ- أن يكون عيسى عليه السلام هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها وأرهص للمعجزة وبالتالي لإزالة عوامل الريبة المؤدية إلى اتهامها بما يشين. ب- تشريع الكراهية لأية مجادلة مع السفهاء وقد رمق الشاعر سماء هذا المعنى فقال: يخاطبني السفيه بكل قبح ... وأكره أن أكون له مجيبا 4- مواضع زيادة الباء: آ- في الفاعل وزيادتها تكون واجبة في فعل التعجب الوارد على صيغة الأمر نحو أحسن بزيد وعلة الزيادة إصلاح اللفظ وإعرابه أحسن فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض لأجل الصيغة وبزيد الباء حرف جر زائد وزيد فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد وتكون غالبة وذلك في فاعل كفى التي بمعنى حسب والتي هي فعل لازم نحو كفى بالله شهيدا ولا تزاد الباء في فاعل كفى التي بمعنى أجزأ أو أغنى ولا التي بمعنى وقى والأولى متعدية لواحد نحو: قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل والثانية متعدية لاثنين كقوله تعالى «وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ» . قال ابن هشام: «ووقع في شعر المتنبي زيادة الباء في فاعل كفى المتعدية لواحد قال: كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل ولم أر من انتقد عليه» وقد استعجل ابن هشام بهذا الحكم فقد انتقد عليه ذلك أبو البقاء في شرحه الممتع للديوان وأفاض في إعراب البيت كما انتقد المعري أيضا ولسنا بصدد التحقيق في ذلك فلعلك ترجع إلى شرح أبي البقاء والى مغني اللبيب. ب- في المفعول به نحو قوله تعالى: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ» وقول أبي الطيب: كفى بجسمي نحولا انني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني ج- في المبتدأ نحو بحسبك درهم وخرجت فإذا بزيد وكيف بك فكيف اسم استفهام خبر مقدم وبك الباء حرف جر زائد والكاف في محل جر بالباء وفي محل رفع بالابتداء وقد نابت الكاف عن أنت لدخول حرف الجر والمعنى كيف أنت إذا كان الأمر حاصلا. د- في الخبر وهو ينقاس في غير الموجب نحو ليس زيد بقائم وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون وفي غير الموجب متوقف على الساع. هـ- في الحال المنفي عاملها كقوله: فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيّب منتهاها وفي التوكيد بالنفس والعين نحو جاء زيد بنفسه وبعينه. 5- مبحث هام حول كان: قوله تعالى «كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» جرينا في اعرابها على أنها ناقصة واسمها مستتر تقديره هو وصبيا خبرها وممن أعربها كذلك الزمخشري ووعدنا أن ننقل الخلاف الذي ثار حولها لطرافته ولما فيه من رياضة ذهنية: أما أبو البقاء فقد أعربها زائدة أي من هو في المهد وصبيا حال من الضمير في الجار والضمير المنفصل المقدر كان متصلا بكان وقيل كان الزائدة لا يستتر فيها ضمير فعلى هذا لا تحتاج إلى تقدير هو بل يكون الظرف صلة من وقيل ليست زائدة بل هي كقوله «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» وقيل هي بمعنى صار وقيل هي التامة ومن بمعنى الذي وقيل شرطية وجوابها كيف. وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: في كان هذه أقوال: آ- انها زائدة وهو قول أبي عبيد أي كيف نكلم من في المهد، وصبيا على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور والواقع صلة. ب- انها تامة بمعنى حدث ووجد والتقدير كيف نكلم من وجد صبيا وصبيا حال من الضمير في كان. ح- انها بمعنى صار أي كيف نكلم من صار في المهد صبيا، وصبيا على هذا خبرها. د- انها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف لم يزل. وقال ابن الأنباري في «أسرار العربية» كان هنا تامة وصبيا منصوب على الحال ولا يجوز أن تكون ناقصة لأنه لا اختصاص لعيسى عليه السلام في ذلك لأن كلا كان في المهد صبيا ولا عجب في تكليم من كان فيما مضى في حال الصبا. وبعد كتابة ما تقدم وقعت على ما قاله أبو طاهر حمزة في رسالة له سماها «المنيرة المعربة عن شرف الاعراب» وأنقل لك خلاصته ففيه وجاهة وطرافة وهي تؤيد ما ذهبنا اليه من بقاء كان على وجهها قال: «لكن الوجه ان كان من قصد الخبر الآن عن حالهم لأنهم أكبروا ذلك في وقت كونه في المهد فكأنه قال: أكبروا تكليم صبي كائن في المهد طفلا فيكون الكون من لفظ المخبر لا من لفظهم كقول الحطيئة يصف الرياض: يظل بها الشيخ الذي كان فانيا ... يدب على عوج له نخرات فلم يك فانيا قبل دبيبه بل وقت دبيبه فذكر الكون من لفظ المخبر» . قلت: قلت: وهذا كله دندنة في غير طائل والأجود ما اخترناه واختاره الزمخشري ويأتي في المرتبة بعده أن تكون زائدة أما تقديرها تامة فبعيد جدا لأن عيسى لم يخلق ابتداء في المهد. 6- بغيا: أصله بغويا اجتمعت فيه الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغم الياء في الياء وإلا لو كان فعيلا بمعنى فاعل لحقته التاء وقال البيضاوي: «وهو فعول من البغي قلبت واوه وأدغمت ثم كسرت العين اتباعا ولذلك لم تلحقه التاء أو فعيل بمعنى فاعل لم تلحقه التاء لأنه للمبالغة أو للنسب كطالق» وقال بعضهم: البغي خاص بالمؤنث فلا يقال رجل بغي انما يقال امرأة بغي لكن نقل بعضهم عن المصباح انه يقال رجل بغي كما يقال امرأة بغي.

مريم 19:27

اللغة: (قَصِيًّا) : بعيدا من أهلها. (فَأَجاءَهَا) : يقال: جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد والأصل في جاء أن يتعدى لواحد بنفسه فإذا دخلت عليه الهمزة كان القياس يقتضي تعديته لاثنين إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل فصار بمعنى ألجأه إلى كذا ألا تراك لا تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما تقول بلغته وأبلغنيه ونظيره آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم تقل أتيت المكان وآتانيه فلان. (الْمَخاضُ) : وجع الولادة، وفي القاموس: مخض يمخض بتثليث الخاء في المضارع مخضا اللبن استخرج زبده فهو لبن مخيض وممخوض ومخض الشيء حركه شديدا ومخض الرأي قلبه وتدبر عواقبه حتى ظهر له الصواب ومخضت بكسر الخاء تمخض بفتحها الحامل مخاضا بكسر الميم ومخاضا بفتحها ومخضت بالبناء للمجهول، ومخضت بتشديد الخاء وتمخضت الحامل دنا ولادها وأخذ الطلق فهي ماخض والجمع مخض بضم الميم وتشديد الخاء ومواخض. وللميم والخاء مجتمعتين معنى يكاد يكون متقاربا فهي تشير إلى الانزلاق ومنه مخر البحر والماء أي شقه مع صوت ومخط وامتخط معروفة. (مِتُّ) : بكسر الميم وضمها يقال مات يمات ومات يموت. (نَسْياً) : النسي بفتح النون وكسرها بمعنى المنسي كالذبح بمعنى المذبوح وكل ما من حقه أن يطرح ويرمى وينسى. (سَرِيًّا) : السري فيه قولان: أحدهما أنه الرجل المرتفع القدر من سرو يسرو كشرف يشرف فهو سري فأعل إعلال سيد فلامه واو يقال هو سري من السراة والسروات، قال بشامة بن حزن النهشلي: وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا والثاني أنه النهر الصغير ويناسبه فكلي واشربي، واشتقاقه من سرى يسري لأن الماء يسري فيه فلامه على هذا ياء، قال لبيد يصف حمارا وحشيا: فمضى وقدّمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها فتوسّطا عرض السري فصدعا ... مسجورة متجاورا أقلامها يقول إنه مضى خلف أتانه نحو الماء وقدمها أمامه وأقدامها اسم كان وألحقها التاء لأنها بمعنى التقدمة وعادة خبر كانت والتعريد التأخر والجبن فتوسطا أي الحمار والأتان عرض السري أي ناحية النهر الصغير فصدعا أي شقا عينا مسجورة أي مملوءة. (رُطَباً جَنِيًّا) : الرطب بضم ففتح ما نضج من البسر قبل أن يصير تمرا والجني فعيل بمعنى فاعل أي صار طريا صالحا للاجتناء. (وَقَرِّي عَيْناً) : أي طيبي نفسا ولا تغتمي وارفضي ما أحزنك يقال قرت عينه تقر بفتح العين وكسرها في المضارع وفي وصف العين بذلك تأويلان أولهما أنه مأخوذ من القر وهو البرد وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها باردا وإذا حزن كان دمعها حارا ولذلك قالوا في الدعاء عليه أسخن الله عينك والثاني انه من الاستقرار والمعنى أعطاه الله ما يسكن عينه فلا تطمح إلى غيره وفي المصباح: وقرت العين من باب ضرب قرة بالضم وقرورا بردت سرورا وفي لغة أخرى من باب تعب. (صَوْماً) : صمتا وخيل صائمة وصيام قال: خيل صيام وخيل غير صامتة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وقيل المراد بصائمة وغير صائمة واقفة وغير واقفة. وصامت الريح ركدت وصام النهار وصامت الشمس كبّدت وجئته والشمس في مصامها وشاخ فصامت عنه النساء. (فَرِيًّا) : الفري البديع من فرى الجلد، والفري العظيم من الأمر يقال في الخير والشر وقيل الفري العجيب وقيل المفتعل ومن الأول الحديث في وصف عمر بن الخطاب: فلم أرى عبقريا يفرى فريه، والفري قطع الجلد للخرز والإصلاح، وفي المختار: «فرى الشيء قطعه لاصلاحه وبابه رمى وفرى كذبا خلقه وافتراه واختلقه والاسم الفرية وقوله تعالى: «شَيْئاً فَرِيًّا» أي مصنوعا مختلقا وقيل عظيما وأفرى الأوداج قطعها وأفرى الشيء شقه فانفرى وتفرى أي انشق، وقال الكسائي: أفرى الأديم قطعه على جهة الإفساد وفراه قطعه على جهة الإصلاح» . الإعراب: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره فنفخ جبريل في جيب درعها فحملته وسيأتي سر هذا التعقيب في باب الفوائد فانتبذت عطف على فحملته وبه جار ومجرور في موضع نصب على الحال وقد رمق سماءه أبو الطيب المتنبي في قصيدة يمدح بها علي بن مكرم بن سيار التميمي ويصف الخيل: كأن خيولنا كانت قديما ... تسقّى في قحوفهم الحليبا فمرّت غير نافرة عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا يريد أن خيولهم لم تنفر منهم كأنها كانت في صغرها تسقى في قحوف رءوسهم اللبن يعنى قحوف رءوس الأعداء والعرب كان من عادتها أن تسقي كرام خيولها اللبن وقحف الرأس ما انضم على أم الدماغ، والجمجمة العظم الذي فيه الدماغ فوطئت رءوسهم وصدورهم ولم تنفر عنهم فكأنها ألفتهم والتريب والتريبة واحدة الترائب وهو موضع القلادة ومن طريف الأخطاء أن بعضهم تصدى لشرح هذا البيت ولما لم يعرف معنى التريب قال بالحرف: والتريب والتراب لغة في التراب. زاده الله فهما!!. ومكانا مفعول فيه أو مفعول به وقد تقدم وقصيا صفة. (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) الفاء عاطفة للتعقيب وأجاءها فعل ماض ومفعول به مقدم والمخاض فاعل مؤخر والى جذع النخلة متعلقان بمحذوف حال وسيأتي السر في تعريف النخلة في باب البلاغة. (قالَتْ: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) يا حرف نداء والمنادى محذوف أو يا لمجرد التنبيه وليت واسمها وجملة مت خبرها وهي فعل وفاعل والظرف منصوب لأنه أضيف وهو متعلق بمت وهذا مضاف اليه وكنت الواو عاطفة وكان واسمها ونسيا خبرها ومنسيا تأكيد لنسيا لأنه بمعناه ولك أن تعربه نعتا. (فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) الفاء عاطفة وناداها فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الملك أو عيسى ومن تحتها متعلقان بناداها أي في مكان أسفل من مكانها أو بمحذوف حال من فاعل أي ناداها وهو تحتها وأن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتحزني مجزوم بلا ويجوز أن تكون مصدرية، ولا نافية وتحزني منصوب بها وأن وما بعدها نصب بنزع الخافض المتعلق بالنداء والأول أسهل وقد حرف تحقيق وجعل ربك فعل وفاعل وتحتك ظرف متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لجعل وسريا هو المفعول الأول وسيأتي السرّ في علة انتزاع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب. (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) : الواو عاطفة وهزي فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والياء هي الفاعل وإليك متعلقان بهزي وبجذع النخلة أورده بن هشام في مغني اللبيب شاهدا على زيادة الباء في المفعول به وأكثر المعربين على ذلك ولكن الزمخشري قال بعد ذكر وجه الزيادة ما معناه: يحتمل انه نزل هزي منزلة اللازم وإن كان متعديا ثم عداه بالباء كما يعدى اللازم والمعنى افعلي به الهز وتساقط مجزوم لأنه جواب الطلب وعليك متعلقان بتساقط ورطبا مفعول به وجنيا صفة، وتساقط يتعدى بنفسه ومن أمثلته لا من شواهده لأن البحتري غير محتج بكلامه. فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه وعن المبرد أن رطبا مفعول هزي وباء بجذع النخلة للاستعانة ولا يخفى ما فيه من التكلف بتأخير ما في حيز الأمر عن جوابه وستأتي أوجه زيادة الباء في باب الفوائد. (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) الفاء الفصيحة أي إذا تم لك هذا كله فكلي، وكلي فعل أمر والياء فاعل وما بعده عطف عليه وعينا تمييز من الفاعل لأنه منقول عنه إذ الأصل لتقر عينك. (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) الفاء عاطفة وإن شرطية أدغمت نونها بما الزائدة وترين فعل الشرط وأصله ترأيين بهمزة هي عين الفعل وياء مكسورة هي لامه وأخرى ساكنة هي ياء الضمير والنون علامة الرفع وقد حذفت لام الفعل لتحركها وانفتاح ما قبلها فقلبت ألفا فالتقت ساكنة مع ياء الضمير فحذفت لالتقاء الساكنين، ومن البشر حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به. (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) الفاء رابطة لجواب الشرط وقولي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل وإن واسمها وجملة نذرت خبرها والجملة مقول القول وسيرد إشكال أجبنا عنه في باب الفوائد، وللرحمن متعلقان بنذرت وصوما مفعول به، فلن الفاء استئنافية ولن حرف نفي ونصب واستقبال وأكلم منصوب بلن واليوم ظرف متعلق بأكلم وإنسيا مفعول به. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا) الفاء استئنافية وأتت فعل وفاعل مستتر والتاء للتأنيث وبه علقه أبو البقاء بمحذوف حال أي مصحوبة به وهو جميل ولا نرى مانعا بتعلقه بأتت وقومها مفعول به وجملة تحمله حال ثانية إما من ضمير مريم وإما من ضمير عيسى في به، قالوا فعل وفاعل ويا حرف نداء ومريم منادى واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به أي فعلت شيئا وفريا نعت ويجوز إعراب شيئا على المصدرية أي نوعا من المجيء غريبا. (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) يا حرف نداء وأخت هارون منادى مضاف أي يا شبيهته، وهارون رجل صالح شبهوها به في عفتها وصلاحها وليس المراد منه أخوة النسب وقيل إنما عنوا هارون أخا موسى لأنها كانت من نسله والعرب تقول للتميمي يا أخا تميم وقيل غير ذلك مما تراه في المطولات وما نافية وكان أبوك امرأ سوء كان واسمها وخبرها وما كانت أمك بغيا عطف على الجملة التي سبقتها أي ما دمت بهذه المثابة من مظنة العفة والصلاح فمن أين لك هذا الولد؟ (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) الفاء عاطفة وأشارت فعل وفاعل مستتر وإليه متعلقان بأشارت، قالوا فعل وفاعل وكيف اسم استفهام في محل نصب حال ونكلم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن ومن اسم موصول مفعول به وجملة كان صلة واسم كان مستتر تقديره هو وفي المهد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وصبيا خبر كان وقد اعتبرنا كان على بابها من النقصان ودلالتها على اقتران مضمون الجملة في الزمن الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» وقد نشب بين علماء العربية خلاف حول «كان» هنا نذكره مبسوطا في باب الفوائد لما تضمنه من فوائد. (قالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) جملة إني عبد الله مقول القول ولذلك كسرت همزة إن لوقوعها بعد القول وان واسمها وعبد الله خبرها وقد وصف نفسه بثماني صفات أولها العبودية وجملة آتاني الكتاب حالية وهذه هي الصفة الثانية والكتاب مفعول به ثان وجعلني نبيا فعل ماض وفاعل مستتر ومفعولاه وهذه هي الصفة الثالثة. (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وجعلني مباركا عطف على وجعلني نبيا وهذه هي الصفة الرابعة وأينما اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية والجواب محذوف مدلول عليه بما تقدم أي أينما كنت جعلني مباركا وهو متعلق بالجواب المحذوف وكان تامة والتاء فاعلها ويجوز أن تكون الناقصة وأينما متعلق بمحذوف خبرها المقدم. (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) ما دمت ما مصدرية ظرفية ودمت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وحيا خبرها والمصدر المؤول نصب على الظرفية والظرف متعلق بأوصاني وهذه هي الصفة الخامسة. (وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا) وبرا بفتح الباء معطوف نسقا على مباركا أي وجعلني برا. جعل ذاته برا لفرط بره ولك أن تنصبه بفعل مقدر بمعنى أوصاني تفاديا للفصل الطويل وهذه هي الصفة السادسة وبوالدتي متعلقان ببرا ولم يجعلني عطف على وجعلني وجبارا مفعول به ثان وشقيا صفة وهذه هي الصفة السابعة. (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) السلام مبتدأ وعلي خبره واختلف في معنى إلى الداخلة على السلام فقيل هي للعهد لأنه تقدم ذكر السلام الموجه إلى يحيى فهو موجه إليه أيضا، وقال الزمخشري: «والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللغة على متهمي مريم عليها السلام وأعدائها من اليهود وتحقيقه أن اللام للجنس وإذا قال وجنس السلام عليّ خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم ونظيره قوله تعالى: والسلام على من اتبع الهدى يعني أن العذاب على من كذب وتولى وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنته لنحو هذا من التعريض» ويوم متعلق بمعنى الاستقرار المتعلق به عليّ ولا يجوز نصبه للسلام للفصل بين المصدر ومعموله وجملة ولدت مضافا إليها الظرف ويوم أبعث عطف على يوم ولدت وكذلك يوم أبعث وحيا حال وهذه هي الصفة الثامنة والأخيرة. البلاغة: التعريف: وذلك في تعريف النخلة التي جاءها المخاض عندها وهذا التعريف لا يخلو إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس فإذا قيل جذع النخلة فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخيل وإما أن يكون من تعريف الجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد وثمارها إنما هي من جمارها فلموافقتها لها مع جميع الآيات فيها اختارها لها وألجأها إليها. الفوائد: 1- خلاصة قصة ميلاد عيسى في القرآن الكريم: هذا ولم يعن كتاب من الكتب الدينية بميلاد المسيح والدفاع عن طهارة والدته العذراء والإشادة بفضلها وتفضيلها على سائر النساء كما عني القرآن الكريم فقد وردت فيه عن ميلاد المسيح عليه السلام، وحياته وجهاده في سبيل الدعوة إلى الله وإصلاح البشر عدة آيات في عدد من السور وقد أتى في براءة العذراء وقنوتها بما لم تأت به كتب أخرى بل كانت السورة الثانية الكبرى من القرآن الكريم وهي سورة آل عمران، وعمران هو والد العذراء وكان عالما من علماء الدين ولم تأت سورة من السور باسم سيدة من سيدات التاريخ غير اسم مريم وهي تحتوي على عدة آيات في ميلاد المسيح كما وردت آيات أخرى في هذا الحادث الجليل. ولقد اصطفى الله آل عمران كما اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين، وكان عمران أبو مريم رجلا تقيا ورعا، كما كانت زوجته صالحة تقية فلما حملت نذرت إلى الله أن يكون حملها خادما للهيكل فلما وضعت وتبين لها أنها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، سمتها أمها مريم ولكن الله تقبلها في الهيكل بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا. ولم يعش عمران حتى تشب مريم وتكبر فتوفي وهي صغيرة فكفلها زوج خالتها النبي زكريا وكانت مريم صادقة مباركة يفيض الله عليها من رزقه من حيث تعلم ولا تعلم فكان زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا كثيرا فيسألها قائلا: يا مريم أنّى لك هذا فتجيبه: هو من عند الله. وكانت مريم تتعبد في الهيكل بعيدا عن أهلها وعن الناس، قد انتبذت مكانا شرقيا في الناصرة من مدينة الجليل، وكانت مخطوبة لرجل من أبناء عمومتها اسمه يوسف النجار ولكن لم يتم زواجهما لأنها وهبت نفسها إلى الله ولكن الله تعالى شاء أن يهب إلى البشر من هذه الفتاة الطاهرة الكريمة التقية نبيا كريما، ورسولا عظيما، ويجعل منها ومن ابنها آية للناس كما قال تعالى «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ» لم يتم زواج يوسف بمريم وبعث الله جبريل فبشرها بحملها بالسيد المسيح وهي في عزلتها تعبد الله وتخلص له العبادة والتقوى فعجبت لذلك وأجفلت وقالت: كيف يكون لي ولد ولم يمسسني بشر، فكان الجواب عليها كما جاء في القرآن، كما صور القرآن فزع مريم في سورة «مريم» حين جاءها الملك بهذه البشارة متمثلا لها في صورة إنسان ظهر لها في عزلتها، على حين غرة من أمرها فاستعاذت بالله منه فهدأ من روعها وأنبأها أنه مرسل من السماء ليهب لها غلاما زكيا فجاء في هذه السورة «واذكر في الكتاب مريم إلخ الآيات» وقد اتفق إنجيل لوقا وإنجيل برنابا والقرآن الكريم في حادث ولادة المسيح على أنه آية للناس ولم يكن نتيجة اتصال مريم بخطيبها يوسف النجار، كما جاء في بعض الأناجيل الاخرى كإنجيل متى الذي نصّ على أن «يسوع بن يوسف النجار ابن يعقوب بن متان بن اليعازر، ابن اليهود بن أخيم» إلى آخر هذا النسب الذي يصل إلى يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام. فالقرآن الكريم نزل بأن مريم عذراء وانه بعد بشارة الملك لها بهذا الغلام الزكي حملت به وانتبذت مكانا بعيدا عن الناس، وعانت وحدها آلام وضعه حتى تمنت الموت قبل هذا كما جاء في القرآن الكريم «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ» إلخ الآيات. خاطبها هذا الوليد الكريم في مهده وهدأ من روعها، وطلب إليها أن تستعين على ضعفها بالرطب الجني، والماء الهني أو خاطبها الملك. وكان أن وقع ما خشيته مريم من اتهامها بالسوء، فلما جاءت به إلى قومها أنكروا عليها، واتهموها بما هي براء منه، فصامت عن الكلام وتولى الطفل الصغير في مهده الدفاع عن أمه الطاهرة النقية كما جاء في القرآن الكريم. 2- أسرار الفاءات: وعدناك أن نتحدث عن أسرار الفاءات في قوله تعالى «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ» في هذه الفاءات دليل على أن حملها به ووضعها إياه لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت اليه والمخاض الذي هو الطلق بالفاء وهي للفور ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي والمهلة ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: «قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره» فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه مدة متراخية عطف ذلك بثم وهذا بخلاف قصة مريم عليها السلام، فانها عطفت بالفاء وقد اختلف الناس في مدة حملها فقيل: انه كحمل غيرها من النساء وقيل: لا بل كان مدة ثلاثة أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، وهذه الآية مزيلة للخلاف لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل أخذا بما دلت عليه الآية. هذا ما ورد في المثل السائر لابن الأثير، وقد رد ابن أبي الحديد في الفلك الدائر على ذلك بما أوردناه في سورة النحل من أن التعقيب على حسب ما يصح إما عقلا وإما عادة إلى أن يقول: وليست الفاء للفور الحقيقي الذي معناه حصول هذا بعد هذا بغير فصل ولا زمان كما توهمه هذا الرجل ألا ترى إلى قوله تعالى: «لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ» فإن العذاب متراخ عن الافتراء فلا يدل قوله تعالى في قصة مريم على أن الحمل والمخاض كانا في يوم واحد. قلت: قلت: بحث ابن أبي الحديد متجه والذي قاله ابن الأثير لا يخلو من ضعف وقد اختلف المفسرون في مدة حملها فقال ابن عباس تسعة أشهر كما في سائر النساء وقال عطاء وأبو العالية والضحاك سبعة أشهر وقال ابن عباس أيضا في ساعة واحدة وقال آخر لثمانية أشهر وقال آخرون ستة أشهر وقال آخرون ثلاث ساعات ورجح الامام الرازي انه في ساعة وقال: «ويمكن الاستدلال له بوجهين» وذكر في الوجه الاول ما قاله ابن الأثير وذكر في الوجه الثاني: «ان الله تعالى قال في وصفه: ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون فثبت أن عيسى عليه السلام لما قال الله له كن فكان وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل انما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة» . ومذهب الشافعية أن أكثر مدة الحمل أربع سنين وأقله ستة أشهر وقد ولد الضحاك بن مزاحم لستة عشر شهرا وشعبة ولد لسنتين وهرم بن سنان ولد لأربع سنين ولذلك سمي هرما ومالك بن أنس حمل به أكثر من ثلاث سنين، والحجاج بن يوسف ولد لثلاثين شهرا، ويقال انه كان يقول: اذكروا ليلة ميلادي، ويقال: إن عبد الملك بن مروان حمل به ستة أشهر والشافعي حمل به أربع سنين أو أقل، والحنفية يقولون للشافعية: ما جسر إمامكم أن يظهر إلى الوجود حتى توفي إمامنا، ويجيبهم الشافعية بقولهم: بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا. القول الفصل في الفاء العاطفة: والفاء في أصل وضعها للترتيب المتصل، والترتيب على ضربين: 1- الترتيب في المعنى: هو أن يكون المعطوف بها لاحقا متصلا بلا مهلة كقوله تعالى «خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» والأكثر كون المعطوف بها متسببا عما قبله كقولك: أملته فمال وأقمته فقام. 2- الترتيب في الذكر: وهو نوعان: أحدهما عطف مفصل على مجمل هو هو في المعنى كقولك توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه ومنه قوله تعالى: «وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... » الآية. وتكون عطفا لمجرد المشاركة في الحكم بحيث يحسن بالواو كقول امرئ القيس: «بين الدخول فحومل» . وتخنص الفاء بعطف ما لا يصلح كونه صلة على ما هو صلة كقولك الذي يطير فيغضب زيد الذباب فلو جعلت موضع الفاء واوا أو غيرها فقلت الذي يطير ويغضب زيد، أو ثم يغضب زيد الذباب لم تجز المسألة لأن يغضب زيد جملة لا عائد فيها على الذي فلا يصلح أن يعطف على الصلة لأن شرط ما يعطف على الصلة أن يصلح وقوعه صلة فإن كان العطف بالفاء لم يشترط دلك لأنها تجعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة لإشعارها بالسببية كأنك قلت: الذي ان يطر يغضب زيد الذباب وقد يعطف بالفاء متراخيا كقوله تعالى: «وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» إما لتقدير متصل قبله وإما لحمل الفاء على ثم. الفاء الفصيحة: وقد تحذف الفاء مع المعطوف بها إذا أمن اللبس وكذلك الواو فمن حذف الفاء قوله تعالى: «فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ» التقدير فامتثلتم فتاب عليكم وقوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» معناه فأفطر فعليه عدة وهذه العاطفة على الجواب المحذوف يسميها أرباب المعاني «الفاء الفصيحة» قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ» تقديره فعملا به وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله. وقال صاحب المفتاح: «هو إخبار عما صنع بهما وعما قالاه كأنه قيل: نحن فعلنا الإيتاء وهما فعلا الحمد وهذا الباب كثير في القرآن وهو من جملة فصاحته ولهذا أسماها أرباب المعاني الفاء الفصيحة. أما ابن الحاجب فقد قال: ان المعتبر ما يعد في العادة مرتبا من غير مهلة فقد يطول الزمان والعادة تقضي في مثله بانتفاء المهلة وقد تقصر والعادة تقضي بالعكس فإن الزمن الطويل قد بستغرب بالنسبة إلى عظم الأمر فتستعمل الفاء وقد يستبعد الزمن القريب بالنسبة إلى طول أمر يقضي العرف بحصوله في زمان أقل منه، والذي يظهر من كلام الجماعة أن استعمال الفاء فيما تراخى زمانه ووقوعه من الأول سواء قصر في أولا وإنما هو بطريق المجاز» . وقال الجرمي: لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل «بين الدخول فحومل» مطرنا مكان كذا فمكان كذا إذا كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد واعترض على معنى التعقيب بقوله تعالى: «الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» فإن إخراج المرعى لا يعقبه جعله غثاء أحوى أي يابسا أسود والجواب من وجهين: آ- ان جملة فجعله غثاء أحوى معطوفة على جملة محذوفة وان التقدير فمضت مدة فجعله غثاء. ب- ان الفاء نابت عن ثم والمعنى جعله غثاء وسيأتي تفصيل ذلك في حينه. 3-لماذا انقشع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب؟ ولا بد هنا من الاجابة على سؤال قد يرد فإن ظاهر الكلام يدل على أن حزنها سينقشع بسبب وجود الطعام والشراب وذلك في قوله تعالى: «فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً» ومعلوم بأن حزنها لم يكن بسبب ذلك، ولا هو ناجم عن فقدان الطعام والشراب ولكن السر في ذلك أن التسلية ونسيان الحزن لم يقعا بها من حيث أنهما طعام وشراب ولكن من حيث أنهما معجزة باهرة ترهص لها، وتدحض باطل القوم وتثبت كذبهم وإرجافهم، كما تثبت أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة وأنها بمعزل عما قرفوها به ثم ان الأمور الخارجة عن العادات لا يمكن إلا أن تكون إلهية ولحكمة نجهلها ومن ذلك ولادتها عيسى من غير فحل وهذا من عجائب الاساليب. لماذا منعت من الكلام؟ وهناك سؤال آخر قد يثب إلى الذهن بعد هذا كله وهو: ان الله أمرها بأن تمتنع من الكلام لأمرين: آ- أن يكون عيسى عليه السلام هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها وأرهص للمعجزة وبالتالي لإزالة عوامل الريبة المؤدية إلى اتهامها بما يشين. ب- تشريع الكراهية لأية مجادلة مع السفهاء وقد رمق الشاعر سماء هذا المعنى فقال: يخاطبني السفيه بكل قبح ... وأكره أن أكون له مجيبا 4- مواضع زيادة الباء: آ- في الفاعل وزيادتها تكون واجبة في فعل التعجب الوارد على صيغة الأمر نحو أحسن بزيد وعلة الزيادة إصلاح اللفظ وإعرابه أحسن فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض لأجل الصيغة وبزيد الباء حرف جر زائد وزيد فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد وتكون غالبة وذلك في فاعل كفى التي بمعنى حسب والتي هي فعل لازم نحو كفى بالله شهيدا ولا تزاد الباء في فاعل كفى التي بمعنى أجزأ أو أغنى ولا التي بمعنى وقى والأولى متعدية لواحد نحو: قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل والثانية متعدية لاثنين كقوله تعالى «وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ» . قال ابن هشام: «ووقع في شعر المتنبي زيادة الباء في فاعل كفى المتعدية لواحد قال: كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل ولم أر من انتقد عليه» وقد استعجل ابن هشام بهذا الحكم فقد انتقد عليه ذلك أبو البقاء في شرحه الممتع للديوان وأفاض في إعراب البيت كما انتقد المعري أيضا ولسنا بصدد التحقيق في ذلك فلعلك ترجع إلى شرح أبي البقاء والى مغني اللبيب. ب- في المفعول به نحو قوله تعالى: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ» وقول أبي الطيب: كفى بجسمي نحولا انني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني ج- في المبتدأ نحو بحسبك درهم وخرجت فإذا بزيد وكيف بك فكيف اسم استفهام خبر مقدم وبك الباء حرف جر زائد والكاف في محل جر بالباء وفي محل رفع بالابتداء وقد نابت الكاف عن أنت لدخول حرف الجر والمعنى كيف أنت إذا كان الأمر حاصلا. د- في الخبر وهو ينقاس في غير الموجب نحو ليس زيد بقائم وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون وفي غير الموجب متوقف على الساع. هـ- في الحال المنفي عاملها كقوله: فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيّب منتهاها وفي التوكيد بالنفس والعين نحو جاء زيد بنفسه وبعينه. 5- مبحث هام حول كان: قوله تعالى «كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» جرينا في اعرابها على أنها ناقصة واسمها مستتر تقديره هو وصبيا خبرها وممن أعربها كذلك الزمخشري ووعدنا أن ننقل الخلاف الذي ثار حولها لطرافته ولما فيه من رياضة ذهنية: أما أبو البقاء فقد أعربها زائدة أي من هو في المهد وصبيا حال من الضمير في الجار والضمير المنفصل المقدر كان متصلا بكان وقيل كان الزائدة لا يستتر فيها ضمير فعلى هذا لا تحتاج إلى تقدير هو بل يكون الظرف صلة من وقيل ليست زائدة بل هي كقوله «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» وقيل هي بمعنى صار وقيل هي التامة ومن بمعنى الذي وقيل شرطية وجوابها كيف. وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: في كان هذه أقوال: آ- انها زائدة وهو قول أبي عبيد أي كيف نكلم من في المهد، وصبيا على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور والواقع صلة. ب- انها تامة بمعنى حدث ووجد والتقدير كيف نكلم من وجد صبيا وصبيا حال من الضمير في كان. ح- انها بمعنى صار أي كيف نكلم من صار في المهد صبيا، وصبيا على هذا خبرها. د- انها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف لم يزل. وقال ابن الأنباري في «أسرار العربية» كان هنا تامة وصبيا منصوب على الحال ولا يجوز أن تكون ناقصة لأنه لا اختصاص لعيسى عليه السلام في ذلك لأن كلا كان في المهد صبيا ولا عجب في تكليم من كان فيما مضى في حال الصبا. وبعد كتابة ما تقدم وقعت على ما قاله أبو طاهر حمزة في رسالة له سماها «المنيرة المعربة عن شرف الاعراب» وأنقل لك خلاصته ففيه وجاهة وطرافة وهي تؤيد ما ذهبنا اليه من بقاء كان على وجهها قال: «لكن الوجه ان كان من قصد الخبر الآن عن حالهم لأنهم أكبروا ذلك في وقت كونه في المهد فكأنه قال: أكبروا تكليم صبي كائن في المهد طفلا فيكون الكون من لفظ المخبر لا من لفظهم كقول الحطيئة يصف الرياض: يظل بها الشيخ الذي كان فانيا ... يدب على عوج له نخرات فلم يك فانيا قبل دبيبه بل وقت دبيبه فذكر الكون من لفظ المخبر» . قلت: قلت: وهذا كله دندنة في غير طائل والأجود ما اخترناه واختاره الزمخشري ويأتي في المرتبة بعده أن تكون زائدة أما تقديرها تامة فبعيد جدا لأن عيسى لم يخلق ابتداء في المهد. 6- بغيا: أصله بغويا اجتمعت فيه الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغم الياء في الياء وإلا لو كان فعيلا بمعنى فاعل لحقته التاء وقال البيضاوي: «وهو فعول من البغي قلبت واوه وأدغمت ثم كسرت العين اتباعا ولذلك لم تلحقه التاء أو فعيل بمعنى فاعل لم تلحقه التاء لأنه للمبالغة أو للنسب كطالق» وقال بعضهم: البغي خاص بالمؤنث فلا يقال رجل بغي انما يقال امرأة بغي لكن نقل بعضهم عن المصباح انه يقال رجل بغي كما يقال امرأة بغي.

مريم 19:28

اللغة: (قَصِيًّا) : بعيدا من أهلها. (فَأَجاءَهَا) : يقال: جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد والأصل في جاء أن يتعدى لواحد بنفسه فإذا دخلت عليه الهمزة كان القياس يقتضي تعديته لاثنين إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل فصار بمعنى ألجأه إلى كذا ألا تراك لا تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما تقول بلغته وأبلغنيه ونظيره آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم تقل أتيت المكان وآتانيه فلان. (الْمَخاضُ) : وجع الولادة، وفي القاموس: مخض يمخض بتثليث الخاء في المضارع مخضا اللبن استخرج زبده فهو لبن مخيض وممخوض ومخض الشيء حركه شديدا ومخض الرأي قلبه وتدبر عواقبه حتى ظهر له الصواب ومخضت بكسر الخاء تمخض بفتحها الحامل مخاضا بكسر الميم ومخاضا بفتحها ومخضت بالبناء للمجهول، ومخضت بتشديد الخاء وتمخضت الحامل دنا ولادها وأخذ الطلق فهي ماخض والجمع مخض بضم الميم وتشديد الخاء ومواخض. وللميم والخاء مجتمعتين معنى يكاد يكون متقاربا فهي تشير إلى الانزلاق ومنه مخر البحر والماء أي شقه مع صوت ومخط وامتخط معروفة. (مِتُّ) : بكسر الميم وضمها يقال مات يمات ومات يموت. (نَسْياً) : النسي بفتح النون وكسرها بمعنى المنسي كالذبح بمعنى المذبوح وكل ما من حقه أن يطرح ويرمى وينسى. (سَرِيًّا) : السري فيه قولان: أحدهما أنه الرجل المرتفع القدر من سرو يسرو كشرف يشرف فهو سري فأعل إعلال سيد فلامه واو يقال هو سري من السراة والسروات، قال بشامة بن حزن النهشلي: وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا والثاني أنه النهر الصغير ويناسبه فكلي واشربي، واشتقاقه من سرى يسري لأن الماء يسري فيه فلامه على هذا ياء، قال لبيد يصف حمارا وحشيا: فمضى وقدّمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها فتوسّطا عرض السري فصدعا ... مسجورة متجاورا أقلامها يقول إنه مضى خلف أتانه نحو الماء وقدمها أمامه وأقدامها اسم كان وألحقها التاء لأنها بمعنى التقدمة وعادة خبر كانت والتعريد التأخر والجبن فتوسطا أي الحمار والأتان عرض السري أي ناحية النهر الصغير فصدعا أي شقا عينا مسجورة أي مملوءة. (رُطَباً جَنِيًّا) : الرطب بضم ففتح ما نضج من البسر قبل أن يصير تمرا والجني فعيل بمعنى فاعل أي صار طريا صالحا للاجتناء. (وَقَرِّي عَيْناً) : أي طيبي نفسا ولا تغتمي وارفضي ما أحزنك يقال قرت عينه تقر بفتح العين وكسرها في المضارع وفي وصف العين بذلك تأويلان أولهما أنه مأخوذ من القر وهو البرد وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها باردا وإذا حزن كان دمعها حارا ولذلك قالوا في الدعاء عليه أسخن الله عينك والثاني انه من الاستقرار والمعنى أعطاه الله ما يسكن عينه فلا تطمح إلى غيره وفي المصباح: وقرت العين من باب ضرب قرة بالضم وقرورا بردت سرورا وفي لغة أخرى من باب تعب. (صَوْماً) : صمتا وخيل صائمة وصيام قال: خيل صيام وخيل غير صامتة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وقيل المراد بصائمة وغير صائمة واقفة وغير واقفة. وصامت الريح ركدت وصام النهار وصامت الشمس كبّدت وجئته والشمس في مصامها وشاخ فصامت عنه النساء. (فَرِيًّا) : الفري البديع من فرى الجلد، والفري العظيم من الأمر يقال في الخير والشر وقيل الفري العجيب وقيل المفتعل ومن الأول الحديث في وصف عمر بن الخطاب: فلم أرى عبقريا يفرى فريه، والفري قطع الجلد للخرز والإصلاح، وفي المختار: «فرى الشيء قطعه لاصلاحه وبابه رمى وفرى كذبا خلقه وافتراه واختلقه والاسم الفرية وقوله تعالى: «شَيْئاً فَرِيًّا» أي مصنوعا مختلقا وقيل عظيما وأفرى الأوداج قطعها وأفرى الشيء شقه فانفرى وتفرى أي انشق، وقال الكسائي: أفرى الأديم قطعه على جهة الإفساد وفراه قطعه على جهة الإصلاح» . الإعراب: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره فنفخ جبريل في جيب درعها فحملته وسيأتي سر هذا التعقيب في باب الفوائد فانتبذت عطف على فحملته وبه جار ومجرور في موضع نصب على الحال وقد رمق سماءه أبو الطيب المتنبي في قصيدة يمدح بها علي بن مكرم بن سيار التميمي ويصف الخيل: كأن خيولنا كانت قديما ... تسقّى في قحوفهم الحليبا فمرّت غير نافرة عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا يريد أن خيولهم لم تنفر منهم كأنها كانت في صغرها تسقى في قحوف رءوسهم اللبن يعنى قحوف رءوس الأعداء والعرب كان من عادتها أن تسقي كرام خيولها اللبن وقحف الرأس ما انضم على أم الدماغ، والجمجمة العظم الذي فيه الدماغ فوطئت رءوسهم وصدورهم ولم تنفر عنهم فكأنها ألفتهم والتريب والتريبة واحدة الترائب وهو موضع القلادة ومن طريف الأخطاء أن بعضهم تصدى لشرح هذا البيت ولما لم يعرف معنى التريب قال بالحرف: والتريب والتراب لغة في التراب. زاده الله فهما!!. ومكانا مفعول فيه أو مفعول به وقد تقدم وقصيا صفة. (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) الفاء عاطفة للتعقيب وأجاءها فعل ماض ومفعول به مقدم والمخاض فاعل مؤخر والى جذع النخلة متعلقان بمحذوف حال وسيأتي السر في تعريف النخلة في باب البلاغة. (قالَتْ: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) يا حرف نداء والمنادى محذوف أو يا لمجرد التنبيه وليت واسمها وجملة مت خبرها وهي فعل وفاعل والظرف منصوب لأنه أضيف وهو متعلق بمت وهذا مضاف اليه وكنت الواو عاطفة وكان واسمها ونسيا خبرها ومنسيا تأكيد لنسيا لأنه بمعناه ولك أن تعربه نعتا. (فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) الفاء عاطفة وناداها فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الملك أو عيسى ومن تحتها متعلقان بناداها أي في مكان أسفل من مكانها أو بمحذوف حال من فاعل أي ناداها وهو تحتها وأن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتحزني مجزوم بلا ويجوز أن تكون مصدرية، ولا نافية وتحزني منصوب بها وأن وما بعدها نصب بنزع الخافض المتعلق بالنداء والأول أسهل وقد حرف تحقيق وجعل ربك فعل وفاعل وتحتك ظرف متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لجعل وسريا هو المفعول الأول وسيأتي السرّ في علة انتزاع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب. (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) : الواو عاطفة وهزي فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والياء هي الفاعل وإليك متعلقان بهزي وبجذع النخلة أورده بن هشام في مغني اللبيب شاهدا على زيادة الباء في المفعول به وأكثر المعربين على ذلك ولكن الزمخشري قال بعد ذكر وجه الزيادة ما معناه: يحتمل انه نزل هزي منزلة اللازم وإن كان متعديا ثم عداه بالباء كما يعدى اللازم والمعنى افعلي به الهز وتساقط مجزوم لأنه جواب الطلب وعليك متعلقان بتساقط ورطبا مفعول به وجنيا صفة، وتساقط يتعدى بنفسه ومن أمثلته لا من شواهده لأن البحتري غير محتج بكلامه. فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه وعن المبرد أن رطبا مفعول هزي وباء بجذع النخلة للاستعانة ولا يخفى ما فيه من التكلف بتأخير ما في حيز الأمر عن جوابه وستأتي أوجه زيادة الباء في باب الفوائد. (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) الفاء الفصيحة أي إذا تم لك هذا كله فكلي، وكلي فعل أمر والياء فاعل وما بعده عطف عليه وعينا تمييز من الفاعل لأنه منقول عنه إذ الأصل لتقر عينك. (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) الفاء عاطفة وإن شرطية أدغمت نونها بما الزائدة وترين فعل الشرط وأصله ترأيين بهمزة هي عين الفعل وياء مكسورة هي لامه وأخرى ساكنة هي ياء الضمير والنون علامة الرفع وقد حذفت لام الفعل لتحركها وانفتاح ما قبلها فقلبت ألفا فالتقت ساكنة مع ياء الضمير فحذفت لالتقاء الساكنين، ومن البشر حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به. (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) الفاء رابطة لجواب الشرط وقولي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل وإن واسمها وجملة نذرت خبرها والجملة مقول القول وسيرد إشكال أجبنا عنه في باب الفوائد، وللرحمن متعلقان بنذرت وصوما مفعول به، فلن الفاء استئنافية ولن حرف نفي ونصب واستقبال وأكلم منصوب بلن واليوم ظرف متعلق بأكلم وإنسيا مفعول به. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا) الفاء استئنافية وأتت فعل وفاعل مستتر والتاء للتأنيث وبه علقه أبو البقاء بمحذوف حال أي مصحوبة به وهو جميل ولا نرى مانعا بتعلقه بأتت وقومها مفعول به وجملة تحمله حال ثانية إما من ضمير مريم وإما من ضمير عيسى في به، قالوا فعل وفاعل ويا حرف نداء ومريم منادى واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به أي فعلت شيئا وفريا نعت ويجوز إعراب شيئا على المصدرية أي نوعا من المجيء غريبا. (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) يا حرف نداء وأخت هارون منادى مضاف أي يا شبيهته، وهارون رجل صالح شبهوها به في عفتها وصلاحها وليس المراد منه أخوة النسب وقيل إنما عنوا هارون أخا موسى لأنها كانت من نسله والعرب تقول للتميمي يا أخا تميم وقيل غير ذلك مما تراه في المطولات وما نافية وكان أبوك امرأ سوء كان واسمها وخبرها وما كانت أمك بغيا عطف على الجملة التي سبقتها أي ما دمت بهذه المثابة من مظنة العفة والصلاح فمن أين لك هذا الولد؟ (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) الفاء عاطفة وأشارت فعل وفاعل مستتر وإليه متعلقان بأشارت، قالوا فعل وفاعل وكيف اسم استفهام في محل نصب حال ونكلم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن ومن اسم موصول مفعول به وجملة كان صلة واسم كان مستتر تقديره هو وفي المهد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وصبيا خبر كان وقد اعتبرنا كان على بابها من النقصان ودلالتها على اقتران مضمون الجملة في الزمن الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» وقد نشب بين علماء العربية خلاف حول «كان» هنا نذكره مبسوطا في باب الفوائد لما تضمنه من فوائد. (قالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) جملة إني عبد الله مقول القول ولذلك كسرت همزة إن لوقوعها بعد القول وان واسمها وعبد الله خبرها وقد وصف نفسه بثماني صفات أولها العبودية وجملة آتاني الكتاب حالية وهذه هي الصفة الثانية والكتاب مفعول به ثان وجعلني نبيا فعل ماض وفاعل مستتر ومفعولاه وهذه هي الصفة الثالثة. (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وجعلني مباركا عطف على وجعلني نبيا وهذه هي الصفة الرابعة وأينما اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية والجواب محذوف مدلول عليه بما تقدم أي أينما كنت جعلني مباركا وهو متعلق بالجواب المحذوف وكان تامة والتاء فاعلها ويجوز أن تكون الناقصة وأينما متعلق بمحذوف خبرها المقدم. (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) ما دمت ما مصدرية ظرفية ودمت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وحيا خبرها والمصدر المؤول نصب على الظرفية والظرف متعلق بأوصاني وهذه هي الصفة الخامسة. (وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا) وبرا بفتح الباء معطوف نسقا على مباركا أي وجعلني برا. جعل ذاته برا لفرط بره ولك أن تنصبه بفعل مقدر بمعنى أوصاني تفاديا للفصل الطويل وهذه هي الصفة السادسة وبوالدتي متعلقان ببرا ولم يجعلني عطف على وجعلني وجبارا مفعول به ثان وشقيا صفة وهذه هي الصفة السابعة. (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) السلام مبتدأ وعلي خبره واختلف في معنى إلى الداخلة على السلام فقيل هي للعهد لأنه تقدم ذكر السلام الموجه إلى يحيى فهو موجه إليه أيضا، وقال الزمخشري: «والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللغة على متهمي مريم عليها السلام وأعدائها من اليهود وتحقيقه أن اللام للجنس وإذا قال وجنس السلام عليّ خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم ونظيره قوله تعالى: والسلام على من اتبع الهدى يعني أن العذاب على من كذب وتولى وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنته لنحو هذا من التعريض» ويوم متعلق بمعنى الاستقرار المتعلق به عليّ ولا يجوز نصبه للسلام للفصل بين المصدر ومعموله وجملة ولدت مضافا إليها الظرف ويوم أبعث عطف على يوم ولدت وكذلك يوم أبعث وحيا حال وهذه هي الصفة الثامنة والأخيرة. البلاغة: التعريف: وذلك في تعريف النخلة التي جاءها المخاض عندها وهذا التعريف لا يخلو إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس فإذا قيل جذع النخلة فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخيل وإما أن يكون من تعريف الجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد وثمارها إنما هي من جمارها فلموافقتها لها مع جميع الآيات فيها اختارها لها وألجأها إليها. الفوائد: 1- خلاصة قصة ميلاد عيسى في القرآن الكريم: هذا ولم يعن كتاب من الكتب الدينية بميلاد المسيح والدفاع عن طهارة والدته العذراء والإشادة بفضلها وتفضيلها على سائر النساء كما عني القرآن الكريم فقد وردت فيه عن ميلاد المسيح عليه السلام، وحياته وجهاده في سبيل الدعوة إلى الله وإصلاح البشر عدة آيات في عدد من السور وقد أتى في براءة العذراء وقنوتها بما لم تأت به كتب أخرى بل كانت السورة الثانية الكبرى من القرآن الكريم وهي سورة آل عمران، وعمران هو والد العذراء وكان عالما من علماء الدين ولم تأت سورة من السور باسم سيدة من سيدات التاريخ غير اسم مريم وهي تحتوي على عدة آيات في ميلاد المسيح كما وردت آيات أخرى في هذا الحادث الجليل. ولقد اصطفى الله آل عمران كما اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين، وكان عمران أبو مريم رجلا تقيا ورعا، كما كانت زوجته صالحة تقية فلما حملت نذرت إلى الله أن يكون حملها خادما للهيكل فلما وضعت وتبين لها أنها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، سمتها أمها مريم ولكن الله تقبلها في الهيكل بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا. ولم يعش عمران حتى تشب مريم وتكبر فتوفي وهي صغيرة فكفلها زوج خالتها النبي زكريا وكانت مريم صادقة مباركة يفيض الله عليها من رزقه من حيث تعلم ولا تعلم فكان زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا كثيرا فيسألها قائلا: يا مريم أنّى لك هذا فتجيبه: هو من عند الله. وكانت مريم تتعبد في الهيكل بعيدا عن أهلها وعن الناس، قد انتبذت مكانا شرقيا في الناصرة من مدينة الجليل، وكانت مخطوبة لرجل من أبناء عمومتها اسمه يوسف النجار ولكن لم يتم زواجهما لأنها وهبت نفسها إلى الله ولكن الله تعالى شاء أن يهب إلى البشر من هذه الفتاة الطاهرة الكريمة التقية نبيا كريما، ورسولا عظيما، ويجعل منها ومن ابنها آية للناس كما قال تعالى «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ» لم يتم زواج يوسف بمريم وبعث الله جبريل فبشرها بحملها بالسيد المسيح وهي في عزلتها تعبد الله وتخلص له العبادة والتقوى فعجبت لذلك وأجفلت وقالت: كيف يكون لي ولد ولم يمسسني بشر، فكان الجواب عليها كما جاء في القرآن، كما صور القرآن فزع مريم في سورة «مريم» حين جاءها الملك بهذه البشارة متمثلا لها في صورة إنسان ظهر لها في عزلتها، على حين غرة من أمرها فاستعاذت بالله منه فهدأ من روعها وأنبأها أنه مرسل من السماء ليهب لها غلاما زكيا فجاء في هذه السورة «واذكر في الكتاب مريم إلخ الآيات» وقد اتفق إنجيل لوقا وإنجيل برنابا والقرآن الكريم في حادث ولادة المسيح على أنه آية للناس ولم يكن نتيجة اتصال مريم بخطيبها يوسف النجار، كما جاء في بعض الأناجيل الاخرى كإنجيل متى الذي نصّ على أن «يسوع بن يوسف النجار ابن يعقوب بن متان بن اليعازر، ابن اليهود بن أخيم» إلى آخر هذا النسب الذي يصل إلى يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام. فالقرآن الكريم نزل بأن مريم عذراء وانه بعد بشارة الملك لها بهذا الغلام الزكي حملت به وانتبذت مكانا بعيدا عن الناس، وعانت وحدها آلام وضعه حتى تمنت الموت قبل هذا كما جاء في القرآن الكريم «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ» إلخ الآيات. خاطبها هذا الوليد الكريم في مهده وهدأ من روعها، وطلب إليها أن تستعين على ضعفها بالرطب الجني، والماء الهني أو خاطبها الملك. وكان أن وقع ما خشيته مريم من اتهامها بالسوء، فلما جاءت به إلى قومها أنكروا عليها، واتهموها بما هي براء منه، فصامت عن الكلام وتولى الطفل الصغير في مهده الدفاع عن أمه الطاهرة النقية كما جاء في القرآن الكريم. 2- أسرار الفاءات: وعدناك أن نتحدث عن أسرار الفاءات في قوله تعالى «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ» في هذه الفاءات دليل على أن حملها به ووضعها إياه لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت اليه والمخاض الذي هو الطلق بالفاء وهي للفور ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي والمهلة ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: «قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره» فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه مدة متراخية عطف ذلك بثم وهذا بخلاف قصة مريم عليها السلام، فانها عطفت بالفاء وقد اختلف الناس في مدة حملها فقيل: انه كحمل غيرها من النساء وقيل: لا بل كان مدة ثلاثة أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، وهذه الآية مزيلة للخلاف لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل أخذا بما دلت عليه الآية. هذا ما ورد في المثل السائر لابن الأثير، وقد رد ابن أبي الحديد في الفلك الدائر على ذلك بما أوردناه في سورة النحل من أن التعقيب على حسب ما يصح إما عقلا وإما عادة إلى أن يقول: وليست الفاء للفور الحقيقي الذي معناه حصول هذا بعد هذا بغير فصل ولا زمان كما توهمه هذا الرجل ألا ترى إلى قوله تعالى: «لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ» فإن العذاب متراخ عن الافتراء فلا يدل قوله تعالى في قصة مريم على أن الحمل والمخاض كانا في يوم واحد. قلت: قلت: بحث ابن أبي الحديد متجه والذي قاله ابن الأثير لا يخلو من ضعف وقد اختلف المفسرون في مدة حملها فقال ابن عباس تسعة أشهر كما في سائر النساء وقال عطاء وأبو العالية والضحاك سبعة أشهر وقال ابن عباس أيضا في ساعة واحدة وقال آخر لثمانية أشهر وقال آخرون ستة أشهر وقال آخرون ثلاث ساعات ورجح الامام الرازي انه في ساعة وقال: «ويمكن الاستدلال له بوجهين» وذكر في الوجه الاول ما قاله ابن الأثير وذكر في الوجه الثاني: «ان الله تعالى قال في وصفه: ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون فثبت أن عيسى عليه السلام لما قال الله له كن فكان وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل انما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة» . ومذهب الشافعية أن أكثر مدة الحمل أربع سنين وأقله ستة أشهر وقد ولد الضحاك بن مزاحم لستة عشر شهرا وشعبة ولد لسنتين وهرم بن سنان ولد لأربع سنين ولذلك سمي هرما ومالك بن أنس حمل به أكثر من ثلاث سنين، والحجاج بن يوسف ولد لثلاثين شهرا، ويقال انه كان يقول: اذكروا ليلة ميلادي، ويقال: إن عبد الملك بن مروان حمل به ستة أشهر والشافعي حمل به أربع سنين أو أقل، والحنفية يقولون للشافعية: ما جسر إمامكم أن يظهر إلى الوجود حتى توفي إمامنا، ويجيبهم الشافعية بقولهم: بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا. القول الفصل في الفاء العاطفة: والفاء في أصل وضعها للترتيب المتصل، والترتيب على ضربين: 1- الترتيب في المعنى: هو أن يكون المعطوف بها لاحقا متصلا بلا مهلة كقوله تعالى «خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» والأكثر كون المعطوف بها متسببا عما قبله كقولك: أملته فمال وأقمته فقام. 2- الترتيب في الذكر: وهو نوعان: أحدهما عطف مفصل على مجمل هو هو في المعنى كقولك توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه ومنه قوله تعالى: «وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... » الآية. وتكون عطفا لمجرد المشاركة في الحكم بحيث يحسن بالواو كقول امرئ القيس: «بين الدخول فحومل» . وتخنص الفاء بعطف ما لا يصلح كونه صلة على ما هو صلة كقولك الذي يطير فيغضب زيد الذباب فلو جعلت موضع الفاء واوا أو غيرها فقلت الذي يطير ويغضب زيد، أو ثم يغضب زيد الذباب لم تجز المسألة لأن يغضب زيد جملة لا عائد فيها على الذي فلا يصلح أن يعطف على الصلة لأن شرط ما يعطف على الصلة أن يصلح وقوعه صلة فإن كان العطف بالفاء لم يشترط دلك لأنها تجعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة لإشعارها بالسببية كأنك قلت: الذي ان يطر يغضب زيد الذباب وقد يعطف بالفاء متراخيا كقوله تعالى: «وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» إما لتقدير متصل قبله وإما لحمل الفاء على ثم. الفاء الفصيحة: وقد تحذف الفاء مع المعطوف بها إذا أمن اللبس وكذلك الواو فمن حذف الفاء قوله تعالى: «فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ» التقدير فامتثلتم فتاب عليكم وقوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» معناه فأفطر فعليه عدة وهذه العاطفة على الجواب المحذوف يسميها أرباب المعاني «الفاء الفصيحة» قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ» تقديره فعملا به وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله. وقال صاحب المفتاح: «هو إخبار عما صنع بهما وعما قالاه كأنه قيل: نحن فعلنا الإيتاء وهما فعلا الحمد وهذا الباب كثير في القرآن وهو من جملة فصاحته ولهذا أسماها أرباب المعاني الفاء الفصيحة. أما ابن الحاجب فقد قال: ان المعتبر ما يعد في العادة مرتبا من غير مهلة فقد يطول الزمان والعادة تقضي في مثله بانتفاء المهلة وقد تقصر والعادة تقضي بالعكس فإن الزمن الطويل قد بستغرب بالنسبة إلى عظم الأمر فتستعمل الفاء وقد يستبعد الزمن القريب بالنسبة إلى طول أمر يقضي العرف بحصوله في زمان أقل منه، والذي يظهر من كلام الجماعة أن استعمال الفاء فيما تراخى زمانه ووقوعه من الأول سواء قصر في أولا وإنما هو بطريق المجاز» . وقال الجرمي: لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل «بين الدخول فحومل» مطرنا مكان كذا فمكان كذا إذا كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد واعترض على معنى التعقيب بقوله تعالى: «الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» فإن إخراج المرعى لا يعقبه جعله غثاء أحوى أي يابسا أسود والجواب من وجهين: آ- ان جملة فجعله غثاء أحوى معطوفة على جملة محذوفة وان التقدير فمضت مدة فجعله غثاء. ب- ان الفاء نابت عن ثم والمعنى جعله غثاء وسيأتي تفصيل ذلك في حينه. 3-لماذا انقشع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب؟ ولا بد هنا من الاجابة على سؤال قد يرد فإن ظاهر الكلام يدل على أن حزنها سينقشع بسبب وجود الطعام والشراب وذلك في قوله تعالى: «فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً» ومعلوم بأن حزنها لم يكن بسبب ذلك، ولا هو ناجم عن فقدان الطعام والشراب ولكن السر في ذلك أن التسلية ونسيان الحزن لم يقعا بها من حيث أنهما طعام وشراب ولكن من حيث أنهما معجزة باهرة ترهص لها، وتدحض باطل القوم وتثبت كذبهم وإرجافهم، كما تثبت أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة وأنها بمعزل عما قرفوها به ثم ان الأمور الخارجة عن العادات لا يمكن إلا أن تكون إلهية ولحكمة نجهلها ومن ذلك ولادتها عيسى من غير فحل وهذا من عجائب الاساليب. لماذا منعت من الكلام؟ وهناك سؤال آخر قد يثب إلى الذهن بعد هذا كله وهو: ان الله أمرها بأن تمتنع من الكلام لأمرين: آ- أن يكون عيسى عليه السلام هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها وأرهص للمعجزة وبالتالي لإزالة عوامل الريبة المؤدية إلى اتهامها بما يشين. ب- تشريع الكراهية لأية مجادلة مع السفهاء وقد رمق الشاعر سماء هذا المعنى فقال: يخاطبني السفيه بكل قبح ... وأكره أن أكون له مجيبا 4- مواضع زيادة الباء: آ- في الفاعل وزيادتها تكون واجبة في فعل التعجب الوارد على صيغة الأمر نحو أحسن بزيد وعلة الزيادة إصلاح اللفظ وإعرابه أحسن فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض لأجل الصيغة وبزيد الباء حرف جر زائد وزيد فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد وتكون غالبة وذلك في فاعل كفى التي بمعنى حسب والتي هي فعل لازم نحو كفى بالله شهيدا ولا تزاد الباء في فاعل كفى التي بمعنى أجزأ أو أغنى ولا التي بمعنى وقى والأولى متعدية لواحد نحو: قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل والثانية متعدية لاثنين كقوله تعالى «وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ» . قال ابن هشام: «ووقع في شعر المتنبي زيادة الباء في فاعل كفى المتعدية لواحد قال: كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل ولم أر من انتقد عليه» وقد استعجل ابن هشام بهذا الحكم فقد انتقد عليه ذلك أبو البقاء في شرحه الممتع للديوان وأفاض في إعراب البيت كما انتقد المعري أيضا ولسنا بصدد التحقيق في ذلك فلعلك ترجع إلى شرح أبي البقاء والى مغني اللبيب. ب- في المفعول به نحو قوله تعالى: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ» وقول أبي الطيب: كفى بجسمي نحولا انني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني ج- في المبتدأ نحو بحسبك درهم وخرجت فإذا بزيد وكيف بك فكيف اسم استفهام خبر مقدم وبك الباء حرف جر زائد والكاف في محل جر بالباء وفي محل رفع بالابتداء وقد نابت الكاف عن أنت لدخول حرف الجر والمعنى كيف أنت إذا كان الأمر حاصلا. د- في الخبر وهو ينقاس في غير الموجب نحو ليس زيد بقائم وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون وفي غير الموجب متوقف على الساع. هـ- في الحال المنفي عاملها كقوله: فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيّب منتهاها وفي التوكيد بالنفس والعين نحو جاء زيد بنفسه وبعينه. 5- مبحث هام حول كان: قوله تعالى «كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» جرينا في اعرابها على أنها ناقصة واسمها مستتر تقديره هو وصبيا خبرها وممن أعربها كذلك الزمخشري ووعدنا أن ننقل الخلاف الذي ثار حولها لطرافته ولما فيه من رياضة ذهنية: أما أبو البقاء فقد أعربها زائدة أي من هو في المهد وصبيا حال من الضمير في الجار والضمير المنفصل المقدر كان متصلا بكان وقيل كان الزائدة لا يستتر فيها ضمير فعلى هذا لا تحتاج إلى تقدير هو بل يكون الظرف صلة من وقيل ليست زائدة بل هي كقوله «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» وقيل هي بمعنى صار وقيل هي التامة ومن بمعنى الذي وقيل شرطية وجوابها كيف. وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: في كان هذه أقوال: آ- انها زائدة وهو قول أبي عبيد أي كيف نكلم من في المهد، وصبيا على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور والواقع صلة. ب- انها تامة بمعنى حدث ووجد والتقدير كيف نكلم من وجد صبيا وصبيا حال من الضمير في كان. ح- انها بمعنى صار أي كيف نكلم من صار في المهد صبيا، وصبيا على هذا خبرها. د- انها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف لم يزل. وقال ابن الأنباري في «أسرار العربية» كان هنا تامة وصبيا منصوب على الحال ولا يجوز أن تكون ناقصة لأنه لا اختصاص لعيسى عليه السلام في ذلك لأن كلا كان في المهد صبيا ولا عجب في تكليم من كان فيما مضى في حال الصبا. وبعد كتابة ما تقدم وقعت على ما قاله أبو طاهر حمزة في رسالة له سماها «المنيرة المعربة عن شرف الاعراب» وأنقل لك خلاصته ففيه وجاهة وطرافة وهي تؤيد ما ذهبنا اليه من بقاء كان على وجهها قال: «لكن الوجه ان كان من قصد الخبر الآن عن حالهم لأنهم أكبروا ذلك في وقت كونه في المهد فكأنه قال: أكبروا تكليم صبي كائن في المهد طفلا فيكون الكون من لفظ المخبر لا من لفظهم كقول الحطيئة يصف الرياض: يظل بها الشيخ الذي كان فانيا ... يدب على عوج له نخرات فلم يك فانيا قبل دبيبه بل وقت دبيبه فذكر الكون من لفظ المخبر» . قلت: قلت: وهذا كله دندنة في غير طائل والأجود ما اخترناه واختاره الزمخشري ويأتي في المرتبة بعده أن تكون زائدة أما تقديرها تامة فبعيد جدا لأن عيسى لم يخلق ابتداء في المهد. 6- بغيا: أصله بغويا اجتمعت فيه الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغم الياء في الياء وإلا لو كان فعيلا بمعنى فاعل لحقته التاء وقال البيضاوي: «وهو فعول من البغي قلبت واوه وأدغمت ثم كسرت العين اتباعا ولذلك لم تلحقه التاء أو فعيل بمعنى فاعل لم تلحقه التاء لأنه للمبالغة أو للنسب كطالق» وقال بعضهم: البغي خاص بالمؤنث فلا يقال رجل بغي انما يقال امرأة بغي لكن نقل بعضهم عن المصباح انه يقال رجل بغي كما يقال امرأة بغي.

مريم 19:29

اللغة: (قَصِيًّا) : بعيدا من أهلها. (فَأَجاءَهَا) : يقال: جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد والأصل في جاء أن يتعدى لواحد بنفسه فإذا دخلت عليه الهمزة كان القياس يقتضي تعديته لاثنين إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل فصار بمعنى ألجأه إلى كذا ألا تراك لا تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما تقول بلغته وأبلغنيه ونظيره آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم تقل أتيت المكان وآتانيه فلان. (الْمَخاضُ) : وجع الولادة، وفي القاموس: مخض يمخض بتثليث الخاء في المضارع مخضا اللبن استخرج زبده فهو لبن مخيض وممخوض ومخض الشيء حركه شديدا ومخض الرأي قلبه وتدبر عواقبه حتى ظهر له الصواب ومخضت بكسر الخاء تمخض بفتحها الحامل مخاضا بكسر الميم ومخاضا بفتحها ومخضت بالبناء للمجهول، ومخضت بتشديد الخاء وتمخضت الحامل دنا ولادها وأخذ الطلق فهي ماخض والجمع مخض بضم الميم وتشديد الخاء ومواخض. وللميم والخاء مجتمعتين معنى يكاد يكون متقاربا فهي تشير إلى الانزلاق ومنه مخر البحر والماء أي شقه مع صوت ومخط وامتخط معروفة. (مِتُّ) : بكسر الميم وضمها يقال مات يمات ومات يموت. (نَسْياً) : النسي بفتح النون وكسرها بمعنى المنسي كالذبح بمعنى المذبوح وكل ما من حقه أن يطرح ويرمى وينسى. (سَرِيًّا) : السري فيه قولان: أحدهما أنه الرجل المرتفع القدر من سرو يسرو كشرف يشرف فهو سري فأعل إعلال سيد فلامه واو يقال هو سري من السراة والسروات، قال بشامة بن حزن النهشلي: وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا والثاني أنه النهر الصغير ويناسبه فكلي واشربي، واشتقاقه من سرى يسري لأن الماء يسري فيه فلامه على هذا ياء، قال لبيد يصف حمارا وحشيا: فمضى وقدّمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها فتوسّطا عرض السري فصدعا ... مسجورة متجاورا أقلامها يقول إنه مضى خلف أتانه نحو الماء وقدمها أمامه وأقدامها اسم كان وألحقها التاء لأنها بمعنى التقدمة وعادة خبر كانت والتعريد التأخر والجبن فتوسطا أي الحمار والأتان عرض السري أي ناحية النهر الصغير فصدعا أي شقا عينا مسجورة أي مملوءة. (رُطَباً جَنِيًّا) : الرطب بضم ففتح ما نضج من البسر قبل أن يصير تمرا والجني فعيل بمعنى فاعل أي صار طريا صالحا للاجتناء. (وَقَرِّي عَيْناً) : أي طيبي نفسا ولا تغتمي وارفضي ما أحزنك يقال قرت عينه تقر بفتح العين وكسرها في المضارع وفي وصف العين بذلك تأويلان أولهما أنه مأخوذ من القر وهو البرد وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها باردا وإذا حزن كان دمعها حارا ولذلك قالوا في الدعاء عليه أسخن الله عينك والثاني انه من الاستقرار والمعنى أعطاه الله ما يسكن عينه فلا تطمح إلى غيره وفي المصباح: وقرت العين من باب ضرب قرة بالضم وقرورا بردت سرورا وفي لغة أخرى من باب تعب. (صَوْماً) : صمتا وخيل صائمة وصيام قال: خيل صيام وخيل غير صامتة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وقيل المراد بصائمة وغير صائمة واقفة وغير واقفة. وصامت الريح ركدت وصام النهار وصامت الشمس كبّدت وجئته والشمس في مصامها وشاخ فصامت عنه النساء. (فَرِيًّا) : الفري البديع من فرى الجلد، والفري العظيم من الأمر يقال في الخير والشر وقيل الفري العجيب وقيل المفتعل ومن الأول الحديث في وصف عمر بن الخطاب: فلم أرى عبقريا يفرى فريه، والفري قطع الجلد للخرز والإصلاح، وفي المختار: «فرى الشيء قطعه لاصلاحه وبابه رمى وفرى كذبا خلقه وافتراه واختلقه والاسم الفرية وقوله تعالى: «شَيْئاً فَرِيًّا» أي مصنوعا مختلقا وقيل عظيما وأفرى الأوداج قطعها وأفرى الشيء شقه فانفرى وتفرى أي انشق، وقال الكسائي: أفرى الأديم قطعه على جهة الإفساد وفراه قطعه على جهة الإصلاح» . الإعراب: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره فنفخ جبريل في جيب درعها فحملته وسيأتي سر هذا التعقيب في باب الفوائد فانتبذت عطف على فحملته وبه جار ومجرور في موضع نصب على الحال وقد رمق سماءه أبو الطيب المتنبي في قصيدة يمدح بها علي بن مكرم بن سيار التميمي ويصف الخيل: كأن خيولنا كانت قديما ... تسقّى في قحوفهم الحليبا فمرّت غير نافرة عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا يريد أن خيولهم لم تنفر منهم كأنها كانت في صغرها تسقى في قحوف رءوسهم اللبن يعنى قحوف رءوس الأعداء والعرب كان من عادتها أن تسقي كرام خيولها اللبن وقحف الرأس ما انضم على أم الدماغ، والجمجمة العظم الذي فيه الدماغ فوطئت رءوسهم وصدورهم ولم تنفر عنهم فكأنها ألفتهم والتريب والتريبة واحدة الترائب وهو موضع القلادة ومن طريف الأخطاء أن بعضهم تصدى لشرح هذا البيت ولما لم يعرف معنى التريب قال بالحرف: والتريب والتراب لغة في التراب. زاده الله فهما!!. ومكانا مفعول فيه أو مفعول به وقد تقدم وقصيا صفة. (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) الفاء عاطفة للتعقيب وأجاءها فعل ماض ومفعول به مقدم والمخاض فاعل مؤخر والى جذع النخلة متعلقان بمحذوف حال وسيأتي السر في تعريف النخلة في باب البلاغة. (قالَتْ: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) يا حرف نداء والمنادى محذوف أو يا لمجرد التنبيه وليت واسمها وجملة مت خبرها وهي فعل وفاعل والظرف منصوب لأنه أضيف وهو متعلق بمت وهذا مضاف اليه وكنت الواو عاطفة وكان واسمها ونسيا خبرها ومنسيا تأكيد لنسيا لأنه بمعناه ولك أن تعربه نعتا. (فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) الفاء عاطفة وناداها فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الملك أو عيسى ومن تحتها متعلقان بناداها أي في مكان أسفل من مكانها أو بمحذوف حال من فاعل أي ناداها وهو تحتها وأن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتحزني مجزوم بلا ويجوز أن تكون مصدرية، ولا نافية وتحزني منصوب بها وأن وما بعدها نصب بنزع الخافض المتعلق بالنداء والأول أسهل وقد حرف تحقيق وجعل ربك فعل وفاعل وتحتك ظرف متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لجعل وسريا هو المفعول الأول وسيأتي السرّ في علة انتزاع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب. (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) : الواو عاطفة وهزي فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والياء هي الفاعل وإليك متعلقان بهزي وبجذع النخلة أورده بن هشام في مغني اللبيب شاهدا على زيادة الباء في المفعول به وأكثر المعربين على ذلك ولكن الزمخشري قال بعد ذكر وجه الزيادة ما معناه: يحتمل انه نزل هزي منزلة اللازم وإن كان متعديا ثم عداه بالباء كما يعدى اللازم والمعنى افعلي به الهز وتساقط مجزوم لأنه جواب الطلب وعليك متعلقان بتساقط ورطبا مفعول به وجنيا صفة، وتساقط يتعدى بنفسه ومن أمثلته لا من شواهده لأن البحتري غير محتج بكلامه. فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه وعن المبرد أن رطبا مفعول هزي وباء بجذع النخلة للاستعانة ولا يخفى ما فيه من التكلف بتأخير ما في حيز الأمر عن جوابه وستأتي أوجه زيادة الباء في باب الفوائد. (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) الفاء الفصيحة أي إذا تم لك هذا كله فكلي، وكلي فعل أمر والياء فاعل وما بعده عطف عليه وعينا تمييز من الفاعل لأنه منقول عنه إذ الأصل لتقر عينك. (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) الفاء عاطفة وإن شرطية أدغمت نونها بما الزائدة وترين فعل الشرط وأصله ترأيين بهمزة هي عين الفعل وياء مكسورة هي لامه وأخرى ساكنة هي ياء الضمير والنون علامة الرفع وقد حذفت لام الفعل لتحركها وانفتاح ما قبلها فقلبت ألفا فالتقت ساكنة مع ياء الضمير فحذفت لالتقاء الساكنين، ومن البشر حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به. (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) الفاء رابطة لجواب الشرط وقولي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل وإن واسمها وجملة نذرت خبرها والجملة مقول القول وسيرد إشكال أجبنا عنه في باب الفوائد، وللرحمن متعلقان بنذرت وصوما مفعول به، فلن الفاء استئنافية ولن حرف نفي ونصب واستقبال وأكلم منصوب بلن واليوم ظرف متعلق بأكلم وإنسيا مفعول به. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا) الفاء استئنافية وأتت فعل وفاعل مستتر والتاء للتأنيث وبه علقه أبو البقاء بمحذوف حال أي مصحوبة به وهو جميل ولا نرى مانعا بتعلقه بأتت وقومها مفعول به وجملة تحمله حال ثانية إما من ضمير مريم وإما من ضمير عيسى في به، قالوا فعل وفاعل ويا حرف نداء ومريم منادى واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به أي فعلت شيئا وفريا نعت ويجوز إعراب شيئا على المصدرية أي نوعا من المجيء غريبا. (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) يا حرف نداء وأخت هارون منادى مضاف أي يا شبيهته، وهارون رجل صالح شبهوها به في عفتها وصلاحها وليس المراد منه أخوة النسب وقيل إنما عنوا هارون أخا موسى لأنها كانت من نسله والعرب تقول للتميمي يا أخا تميم وقيل غير ذلك مما تراه في المطولات وما نافية وكان أبوك امرأ سوء كان واسمها وخبرها وما كانت أمك بغيا عطف على الجملة التي سبقتها أي ما دمت بهذه المثابة من مظنة العفة والصلاح فمن أين لك هذا الولد؟ (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) الفاء عاطفة وأشارت فعل وفاعل مستتر وإليه متعلقان بأشارت، قالوا فعل وفاعل وكيف اسم استفهام في محل نصب حال ونكلم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن ومن اسم موصول مفعول به وجملة كان صلة واسم كان مستتر تقديره هو وفي المهد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وصبيا خبر كان وقد اعتبرنا كان على بابها من النقصان ودلالتها على اقتران مضمون الجملة في الزمن الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» وقد نشب بين علماء العربية خلاف حول «كان» هنا نذكره مبسوطا في باب الفوائد لما تضمنه من فوائد. (قالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) جملة إني عبد الله مقول القول ولذلك كسرت همزة إن لوقوعها بعد القول وان واسمها وعبد الله خبرها وقد وصف نفسه بثماني صفات أولها العبودية وجملة آتاني الكتاب حالية وهذه هي الصفة الثانية والكتاب مفعول به ثان وجعلني نبيا فعل ماض وفاعل مستتر ومفعولاه وهذه هي الصفة الثالثة. (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وجعلني مباركا عطف على وجعلني نبيا وهذه هي الصفة الرابعة وأينما اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية والجواب محذوف مدلول عليه بما تقدم أي أينما كنت جعلني مباركا وهو متعلق بالجواب المحذوف وكان تامة والتاء فاعلها ويجوز أن تكون الناقصة وأينما متعلق بمحذوف خبرها المقدم. (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) ما دمت ما مصدرية ظرفية ودمت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وحيا خبرها والمصدر المؤول نصب على الظرفية والظرف متعلق بأوصاني وهذه هي الصفة الخامسة. (وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا) وبرا بفتح الباء معطوف نسقا على مباركا أي وجعلني برا. جعل ذاته برا لفرط بره ولك أن تنصبه بفعل مقدر بمعنى أوصاني تفاديا للفصل الطويل وهذه هي الصفة السادسة وبوالدتي متعلقان ببرا ولم يجعلني عطف على وجعلني وجبارا مفعول به ثان وشقيا صفة وهذه هي الصفة السابعة. (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) السلام مبتدأ وعلي خبره واختلف في معنى إلى الداخلة على السلام فقيل هي للعهد لأنه تقدم ذكر السلام الموجه إلى يحيى فهو موجه إليه أيضا، وقال الزمخشري: «والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللغة على متهمي مريم عليها السلام وأعدائها من اليهود وتحقيقه أن اللام للجنس وإذا قال وجنس السلام عليّ خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم ونظيره قوله تعالى: والسلام على من اتبع الهدى يعني أن العذاب على من كذب وتولى وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنته لنحو هذا من التعريض» ويوم متعلق بمعنى الاستقرار المتعلق به عليّ ولا يجوز نصبه للسلام للفصل بين المصدر ومعموله وجملة ولدت مضافا إليها الظرف ويوم أبعث عطف على يوم ولدت وكذلك يوم أبعث وحيا حال وهذه هي الصفة الثامنة والأخيرة. البلاغة: التعريف: وذلك في تعريف النخلة التي جاءها المخاض عندها وهذا التعريف لا يخلو إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس فإذا قيل جذع النخلة فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخيل وإما أن يكون من تعريف الجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد وثمارها إنما هي من جمارها فلموافقتها لها مع جميع الآيات فيها اختارها لها وألجأها إليها. الفوائد: 1- خلاصة قصة ميلاد عيسى في القرآن الكريم: هذا ولم يعن كتاب من الكتب الدينية بميلاد المسيح والدفاع عن طهارة والدته العذراء والإشادة بفضلها وتفضيلها على سائر النساء كما عني القرآن الكريم فقد وردت فيه عن ميلاد المسيح عليه السلام، وحياته وجهاده في سبيل الدعوة إلى الله وإصلاح البشر عدة آيات في عدد من السور وقد أتى في براءة العذراء وقنوتها بما لم تأت به كتب أخرى بل كانت السورة الثانية الكبرى من القرآن الكريم وهي سورة آل عمران، وعمران هو والد العذراء وكان عالما من علماء الدين ولم تأت سورة من السور باسم سيدة من سيدات التاريخ غير اسم مريم وهي تحتوي على عدة آيات في ميلاد المسيح كما وردت آيات أخرى في هذا الحادث الجليل. ولقد اصطفى الله آل عمران كما اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين، وكان عمران أبو مريم رجلا تقيا ورعا، كما كانت زوجته صالحة تقية فلما حملت نذرت إلى الله أن يكون حملها خادما للهيكل فلما وضعت وتبين لها أنها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، سمتها أمها مريم ولكن الله تقبلها في الهيكل بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا. ولم يعش عمران حتى تشب مريم وتكبر فتوفي وهي صغيرة فكفلها زوج خالتها النبي زكريا وكانت مريم صادقة مباركة يفيض الله عليها من رزقه من حيث تعلم ولا تعلم فكان زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا كثيرا فيسألها قائلا: يا مريم أنّى لك هذا فتجيبه: هو من عند الله. وكانت مريم تتعبد في الهيكل بعيدا عن أهلها وعن الناس، قد انتبذت مكانا شرقيا في الناصرة من مدينة الجليل، وكانت مخطوبة لرجل من أبناء عمومتها اسمه يوسف النجار ولكن لم يتم زواجهما لأنها وهبت نفسها إلى الله ولكن الله تعالى شاء أن يهب إلى البشر من هذه الفتاة الطاهرة الكريمة التقية نبيا كريما، ورسولا عظيما، ويجعل منها ومن ابنها آية للناس كما قال تعالى «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ» لم يتم زواج يوسف بمريم وبعث الله جبريل فبشرها بحملها بالسيد المسيح وهي في عزلتها تعبد الله وتخلص له العبادة والتقوى فعجبت لذلك وأجفلت وقالت: كيف يكون لي ولد ولم يمسسني بشر، فكان الجواب عليها كما جاء في القرآن، كما صور القرآن فزع مريم في سورة «مريم» حين جاءها الملك بهذه البشارة متمثلا لها في صورة إنسان ظهر لها في عزلتها، على حين غرة من أمرها فاستعاذت بالله منه فهدأ من روعها وأنبأها أنه مرسل من السماء ليهب لها غلاما زكيا فجاء في هذه السورة «واذكر في الكتاب مريم إلخ الآيات» وقد اتفق إنجيل لوقا وإنجيل برنابا والقرآن الكريم في حادث ولادة المسيح على أنه آية للناس ولم يكن نتيجة اتصال مريم بخطيبها يوسف النجار، كما جاء في بعض الأناجيل الاخرى كإنجيل متى الذي نصّ على أن «يسوع بن يوسف النجار ابن يعقوب بن متان بن اليعازر، ابن اليهود بن أخيم» إلى آخر هذا النسب الذي يصل إلى يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام. فالقرآن الكريم نزل بأن مريم عذراء وانه بعد بشارة الملك لها بهذا الغلام الزكي حملت به وانتبذت مكانا بعيدا عن الناس، وعانت وحدها آلام وضعه حتى تمنت الموت قبل هذا كما جاء في القرآن الكريم «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ» إلخ الآيات. خاطبها هذا الوليد الكريم في مهده وهدأ من روعها، وطلب إليها أن تستعين على ضعفها بالرطب الجني، والماء الهني أو خاطبها الملك. وكان أن وقع ما خشيته مريم من اتهامها بالسوء، فلما جاءت به إلى قومها أنكروا عليها، واتهموها بما هي براء منه، فصامت عن الكلام وتولى الطفل الصغير في مهده الدفاع عن أمه الطاهرة النقية كما جاء في القرآن الكريم. 2- أسرار الفاءات: وعدناك أن نتحدث عن أسرار الفاءات في قوله تعالى «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ» في هذه الفاءات دليل على أن حملها به ووضعها إياه لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت اليه والمخاض الذي هو الطلق بالفاء وهي للفور ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي والمهلة ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: «قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره» فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه مدة متراخية عطف ذلك بثم وهذا بخلاف قصة مريم عليها السلام، فانها عطفت بالفاء وقد اختلف الناس في مدة حملها فقيل: انه كحمل غيرها من النساء وقيل: لا بل كان مدة ثلاثة أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، وهذه الآية مزيلة للخلاف لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل أخذا بما دلت عليه الآية. هذا ما ورد في المثل السائر لابن الأثير، وقد رد ابن أبي الحديد في الفلك الدائر على ذلك بما أوردناه في سورة النحل من أن التعقيب على حسب ما يصح إما عقلا وإما عادة إلى أن يقول: وليست الفاء للفور الحقيقي الذي معناه حصول هذا بعد هذا بغير فصل ولا زمان كما توهمه هذا الرجل ألا ترى إلى قوله تعالى: «لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ» فإن العذاب متراخ عن الافتراء فلا يدل قوله تعالى في قصة مريم على أن الحمل والمخاض كانا في يوم واحد. قلت: قلت: بحث ابن أبي الحديد متجه والذي قاله ابن الأثير لا يخلو من ضعف وقد اختلف المفسرون في مدة حملها فقال ابن عباس تسعة أشهر كما في سائر النساء وقال عطاء وأبو العالية والضحاك سبعة أشهر وقال ابن عباس أيضا في ساعة واحدة وقال آخر لثمانية أشهر وقال آخرون ستة أشهر وقال آخرون ثلاث ساعات ورجح الامام الرازي انه في ساعة وقال: «ويمكن الاستدلال له بوجهين» وذكر في الوجه الاول ما قاله ابن الأثير وذكر في الوجه الثاني: «ان الله تعالى قال في وصفه: ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون فثبت أن عيسى عليه السلام لما قال الله له كن فكان وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل انما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة» . ومذهب الشافعية أن أكثر مدة الحمل أربع سنين وأقله ستة أشهر وقد ولد الضحاك بن مزاحم لستة عشر شهرا وشعبة ولد لسنتين وهرم بن سنان ولد لأربع سنين ولذلك سمي هرما ومالك بن أنس حمل به أكثر من ثلاث سنين، والحجاج بن يوسف ولد لثلاثين شهرا، ويقال انه كان يقول: اذكروا ليلة ميلادي، ويقال: إن عبد الملك بن مروان حمل به ستة أشهر والشافعي حمل به أربع سنين أو أقل، والحنفية يقولون للشافعية: ما جسر إمامكم أن يظهر إلى الوجود حتى توفي إمامنا، ويجيبهم الشافعية بقولهم: بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا. القول الفصل في الفاء العاطفة: والفاء في أصل وضعها للترتيب المتصل، والترتيب على ضربين: 1- الترتيب في المعنى: هو أن يكون المعطوف بها لاحقا متصلا بلا مهلة كقوله تعالى «خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» والأكثر كون المعطوف بها متسببا عما قبله كقولك: أملته فمال وأقمته فقام. 2- الترتيب في الذكر: وهو نوعان: أحدهما عطف مفصل على مجمل هو هو في المعنى كقولك توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه ومنه قوله تعالى: «وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... » الآية. وتكون عطفا لمجرد المشاركة في الحكم بحيث يحسن بالواو كقول امرئ القيس: «بين الدخول فحومل» . وتخنص الفاء بعطف ما لا يصلح كونه صلة على ما هو صلة كقولك الذي يطير فيغضب زيد الذباب فلو جعلت موضع الفاء واوا أو غيرها فقلت الذي يطير ويغضب زيد، أو ثم يغضب زيد الذباب لم تجز المسألة لأن يغضب زيد جملة لا عائد فيها على الذي فلا يصلح أن يعطف على الصلة لأن شرط ما يعطف على الصلة أن يصلح وقوعه صلة فإن كان العطف بالفاء لم يشترط دلك لأنها تجعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة لإشعارها بالسببية كأنك قلت: الذي ان يطر يغضب زيد الذباب وقد يعطف بالفاء متراخيا كقوله تعالى: «وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» إما لتقدير متصل قبله وإما لحمل الفاء على ثم. الفاء الفصيحة: وقد تحذف الفاء مع المعطوف بها إذا أمن اللبس وكذلك الواو فمن حذف الفاء قوله تعالى: «فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ» التقدير فامتثلتم فتاب عليكم وقوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» معناه فأفطر فعليه عدة وهذه العاطفة على الجواب المحذوف يسميها أرباب المعاني «الفاء الفصيحة» قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ» تقديره فعملا به وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله. وقال صاحب المفتاح: «هو إخبار عما صنع بهما وعما قالاه كأنه قيل: نحن فعلنا الإيتاء وهما فعلا الحمد وهذا الباب كثير في القرآن وهو من جملة فصاحته ولهذا أسماها أرباب المعاني الفاء الفصيحة. أما ابن الحاجب فقد قال: ان المعتبر ما يعد في العادة مرتبا من غير مهلة فقد يطول الزمان والعادة تقضي في مثله بانتفاء المهلة وقد تقصر والعادة تقضي بالعكس فإن الزمن الطويل قد بستغرب بالنسبة إلى عظم الأمر فتستعمل الفاء وقد يستبعد الزمن القريب بالنسبة إلى طول أمر يقضي العرف بحصوله في زمان أقل منه، والذي يظهر من كلام الجماعة أن استعمال الفاء فيما تراخى زمانه ووقوعه من الأول سواء قصر في أولا وإنما هو بطريق المجاز» . وقال الجرمي: لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل «بين الدخول فحومل» مطرنا مكان كذا فمكان كذا إذا كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد واعترض على معنى التعقيب بقوله تعالى: «الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» فإن إخراج المرعى لا يعقبه جعله غثاء أحوى أي يابسا أسود والجواب من وجهين: آ- ان جملة فجعله غثاء أحوى معطوفة على جملة محذوفة وان التقدير فمضت مدة فجعله غثاء. ب- ان الفاء نابت عن ثم والمعنى جعله غثاء وسيأتي تفصيل ذلك في حينه. 3-لماذا انقشع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب؟ ولا بد هنا من الاجابة على سؤال قد يرد فإن ظاهر الكلام يدل على أن حزنها سينقشع بسبب وجود الطعام والشراب وذلك في قوله تعالى: «فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً» ومعلوم بأن حزنها لم يكن بسبب ذلك، ولا هو ناجم عن فقدان الطعام والشراب ولكن السر في ذلك أن التسلية ونسيان الحزن لم يقعا بها من حيث أنهما طعام وشراب ولكن من حيث أنهما معجزة باهرة ترهص لها، وتدحض باطل القوم وتثبت كذبهم وإرجافهم، كما تثبت أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة وأنها بمعزل عما قرفوها به ثم ان الأمور الخارجة عن العادات لا يمكن إلا أن تكون إلهية ولحكمة نجهلها ومن ذلك ولادتها عيسى من غير فحل وهذا من عجائب الاساليب. لماذا منعت من الكلام؟ وهناك سؤال آخر قد يثب إلى الذهن بعد هذا كله وهو: ان الله أمرها بأن تمتنع من الكلام لأمرين: آ- أن يكون عيسى عليه السلام هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها وأرهص للمعجزة وبالتالي لإزالة عوامل الريبة المؤدية إلى اتهامها بما يشين. ب- تشريع الكراهية لأية مجادلة مع السفهاء وقد رمق الشاعر سماء هذا المعنى فقال: يخاطبني السفيه بكل قبح ... وأكره أن أكون له مجيبا 4- مواضع زيادة الباء: آ- في الفاعل وزيادتها تكون واجبة في فعل التعجب الوارد على صيغة الأمر نحو أحسن بزيد وعلة الزيادة إصلاح اللفظ وإعرابه أحسن فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض لأجل الصيغة وبزيد الباء حرف جر زائد وزيد فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد وتكون غالبة وذلك في فاعل كفى التي بمعنى حسب والتي هي فعل لازم نحو كفى بالله شهيدا ولا تزاد الباء في فاعل كفى التي بمعنى أجزأ أو أغنى ولا التي بمعنى وقى والأولى متعدية لواحد نحو: قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل والثانية متعدية لاثنين كقوله تعالى «وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ» . قال ابن هشام: «ووقع في شعر المتنبي زيادة الباء في فاعل كفى المتعدية لواحد قال: كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل ولم أر من انتقد عليه» وقد استعجل ابن هشام بهذا الحكم فقد انتقد عليه ذلك أبو البقاء في شرحه الممتع للديوان وأفاض في إعراب البيت كما انتقد المعري أيضا ولسنا بصدد التحقيق في ذلك فلعلك ترجع إلى شرح أبي البقاء والى مغني اللبيب. ب- في المفعول به نحو قوله تعالى: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ» وقول أبي الطيب: كفى بجسمي نحولا انني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني ج- في المبتدأ نحو بحسبك درهم وخرجت فإذا بزيد وكيف بك فكيف اسم استفهام خبر مقدم وبك الباء حرف جر زائد والكاف في محل جر بالباء وفي محل رفع بالابتداء وقد نابت الكاف عن أنت لدخول حرف الجر والمعنى كيف أنت إذا كان الأمر حاصلا. د- في الخبر وهو ينقاس في غير الموجب نحو ليس زيد بقائم وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون وفي غير الموجب متوقف على الساع. هـ- في الحال المنفي عاملها كقوله: فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيّب منتهاها وفي التوكيد بالنفس والعين نحو جاء زيد بنفسه وبعينه. 5- مبحث هام حول كان: قوله تعالى «كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» جرينا في اعرابها على أنها ناقصة واسمها مستتر تقديره هو وصبيا خبرها وممن أعربها كذلك الزمخشري ووعدنا أن ننقل الخلاف الذي ثار حولها لطرافته ولما فيه من رياضة ذهنية: أما أبو البقاء فقد أعربها زائدة أي من هو في المهد وصبيا حال من الضمير في الجار والضمير المنفصل المقدر كان متصلا بكان وقيل كان الزائدة لا يستتر فيها ضمير فعلى هذا لا تحتاج إلى تقدير هو بل يكون الظرف صلة من وقيل ليست زائدة بل هي كقوله «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» وقيل هي بمعنى صار وقيل هي التامة ومن بمعنى الذي وقيل شرطية وجوابها كيف. وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: في كان هذه أقوال: آ- انها زائدة وهو قول أبي عبيد أي كيف نكلم من في المهد، وصبيا على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور والواقع صلة. ب- انها تامة بمعنى حدث ووجد والتقدير كيف نكلم من وجد صبيا وصبيا حال من الضمير في كان. ح- انها بمعنى صار أي كيف نكلم من صار في المهد صبيا، وصبيا على هذا خبرها. د- انها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف لم يزل. وقال ابن الأنباري في «أسرار العربية» كان هنا تامة وصبيا منصوب على الحال ولا يجوز أن تكون ناقصة لأنه لا اختصاص لعيسى عليه السلام في ذلك لأن كلا كان في المهد صبيا ولا عجب في تكليم من كان فيما مضى في حال الصبا. وبعد كتابة ما تقدم وقعت على ما قاله أبو طاهر حمزة في رسالة له سماها «المنيرة المعربة عن شرف الاعراب» وأنقل لك خلاصته ففيه وجاهة وطرافة وهي تؤيد ما ذهبنا اليه من بقاء كان على وجهها قال: «لكن الوجه ان كان من قصد الخبر الآن عن حالهم لأنهم أكبروا ذلك في وقت كونه في المهد فكأنه قال: أكبروا تكليم صبي كائن في المهد طفلا فيكون الكون من لفظ المخبر لا من لفظهم كقول الحطيئة يصف الرياض: يظل بها الشيخ الذي كان فانيا ... يدب على عوج له نخرات فلم يك فانيا قبل دبيبه بل وقت دبيبه فذكر الكون من لفظ المخبر» . قلت: قلت: وهذا كله دندنة في غير طائل والأجود ما اخترناه واختاره الزمخشري ويأتي في المرتبة بعده أن تكون زائدة أما تقديرها تامة فبعيد جدا لأن عيسى لم يخلق ابتداء في المهد. 6- بغيا: أصله بغويا اجتمعت فيه الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغم الياء في الياء وإلا لو كان فعيلا بمعنى فاعل لحقته التاء وقال البيضاوي: «وهو فعول من البغي قلبت واوه وأدغمت ثم كسرت العين اتباعا ولذلك لم تلحقه التاء أو فعيل بمعنى فاعل لم تلحقه التاء لأنه للمبالغة أو للنسب كطالق» وقال بعضهم: البغي خاص بالمؤنث فلا يقال رجل بغي انما يقال امرأة بغي لكن نقل بعضهم عن المصباح انه يقال رجل بغي كما يقال امرأة بغي.

مريم 19:30

اللغة: (قَصِيًّا) : بعيدا من أهلها. (فَأَجاءَهَا) : يقال: جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد والأصل في جاء أن يتعدى لواحد بنفسه فإذا دخلت عليه الهمزة كان القياس يقتضي تعديته لاثنين إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل فصار بمعنى ألجأه إلى كذا ألا تراك لا تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما تقول بلغته وأبلغنيه ونظيره آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم تقل أتيت المكان وآتانيه فلان. (الْمَخاضُ) : وجع الولادة، وفي القاموس: مخض يمخض بتثليث الخاء في المضارع مخضا اللبن استخرج زبده فهو لبن مخيض وممخوض ومخض الشيء حركه شديدا ومخض الرأي قلبه وتدبر عواقبه حتى ظهر له الصواب ومخضت بكسر الخاء تمخض بفتحها الحامل مخاضا بكسر الميم ومخاضا بفتحها ومخضت بالبناء للمجهول، ومخضت بتشديد الخاء وتمخضت الحامل دنا ولادها وأخذ الطلق فهي ماخض والجمع مخض بضم الميم وتشديد الخاء ومواخض. وللميم والخاء مجتمعتين معنى يكاد يكون متقاربا فهي تشير إلى الانزلاق ومنه مخر البحر والماء أي شقه مع صوت ومخط وامتخط معروفة. (مِتُّ) : بكسر الميم وضمها يقال مات يمات ومات يموت. (نَسْياً) : النسي بفتح النون وكسرها بمعنى المنسي كالذبح بمعنى المذبوح وكل ما من حقه أن يطرح ويرمى وينسى. (سَرِيًّا) : السري فيه قولان: أحدهما أنه الرجل المرتفع القدر من سرو يسرو كشرف يشرف فهو سري فأعل إعلال سيد فلامه واو يقال هو سري من السراة والسروات، قال بشامة بن حزن النهشلي: وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا والثاني أنه النهر الصغير ويناسبه فكلي واشربي، واشتقاقه من سرى يسري لأن الماء يسري فيه فلامه على هذا ياء، قال لبيد يصف حمارا وحشيا: فمضى وقدّمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها فتوسّطا عرض السري فصدعا ... مسجورة متجاورا أقلامها يقول إنه مضى خلف أتانه نحو الماء وقدمها أمامه وأقدامها اسم كان وألحقها التاء لأنها بمعنى التقدمة وعادة خبر كانت والتعريد التأخر والجبن فتوسطا أي الحمار والأتان عرض السري أي ناحية النهر الصغير فصدعا أي شقا عينا مسجورة أي مملوءة. (رُطَباً جَنِيًّا) : الرطب بضم ففتح ما نضج من البسر قبل أن يصير تمرا والجني فعيل بمعنى فاعل أي صار طريا صالحا للاجتناء. (وَقَرِّي عَيْناً) : أي طيبي نفسا ولا تغتمي وارفضي ما أحزنك يقال قرت عينه تقر بفتح العين وكسرها في المضارع وفي وصف العين بذلك تأويلان أولهما أنه مأخوذ من القر وهو البرد وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها باردا وإذا حزن كان دمعها حارا ولذلك قالوا في الدعاء عليه أسخن الله عينك والثاني انه من الاستقرار والمعنى أعطاه الله ما يسكن عينه فلا تطمح إلى غيره وفي المصباح: وقرت العين من باب ضرب قرة بالضم وقرورا بردت سرورا وفي لغة أخرى من باب تعب. (صَوْماً) : صمتا وخيل صائمة وصيام قال: خيل صيام وخيل غير صامتة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وقيل المراد بصائمة وغير صائمة واقفة وغير واقفة. وصامت الريح ركدت وصام النهار وصامت الشمس كبّدت وجئته والشمس في مصامها وشاخ فصامت عنه النساء. (فَرِيًّا) : الفري البديع من فرى الجلد، والفري العظيم من الأمر يقال في الخير والشر وقيل الفري العجيب وقيل المفتعل ومن الأول الحديث في وصف عمر بن الخطاب: فلم أرى عبقريا يفرى فريه، والفري قطع الجلد للخرز والإصلاح، وفي المختار: «فرى الشيء قطعه لاصلاحه وبابه رمى وفرى كذبا خلقه وافتراه واختلقه والاسم الفرية وقوله تعالى: «شَيْئاً فَرِيًّا» أي مصنوعا مختلقا وقيل عظيما وأفرى الأوداج قطعها وأفرى الشيء شقه فانفرى وتفرى أي انشق، وقال الكسائي: أفرى الأديم قطعه على جهة الإفساد وفراه قطعه على جهة الإصلاح» . الإعراب: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره فنفخ جبريل في جيب درعها فحملته وسيأتي سر هذا التعقيب في باب الفوائد فانتبذت عطف على فحملته وبه جار ومجرور في موضع نصب على الحال وقد رمق سماءه أبو الطيب المتنبي في قصيدة يمدح بها علي بن مكرم بن سيار التميمي ويصف الخيل: كأن خيولنا كانت قديما ... تسقّى في قحوفهم الحليبا فمرّت غير نافرة عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا يريد أن خيولهم لم تنفر منهم كأنها كانت في صغرها تسقى في قحوف رءوسهم اللبن يعنى قحوف رءوس الأعداء والعرب كان من عادتها أن تسقي كرام خيولها اللبن وقحف الرأس ما انضم على أم الدماغ، والجمجمة العظم الذي فيه الدماغ فوطئت رءوسهم وصدورهم ولم تنفر عنهم فكأنها ألفتهم والتريب والتريبة واحدة الترائب وهو موضع القلادة ومن طريف الأخطاء أن بعضهم تصدى لشرح هذا البيت ولما لم يعرف معنى التريب قال بالحرف: والتريب والتراب لغة في التراب. زاده الله فهما!!. ومكانا مفعول فيه أو مفعول به وقد تقدم وقصيا صفة. (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) الفاء عاطفة للتعقيب وأجاءها فعل ماض ومفعول به مقدم والمخاض فاعل مؤخر والى جذع النخلة متعلقان بمحذوف حال وسيأتي السر في تعريف النخلة في باب البلاغة. (قالَتْ: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) يا حرف نداء والمنادى محذوف أو يا لمجرد التنبيه وليت واسمها وجملة مت خبرها وهي فعل وفاعل والظرف منصوب لأنه أضيف وهو متعلق بمت وهذا مضاف اليه وكنت الواو عاطفة وكان واسمها ونسيا خبرها ومنسيا تأكيد لنسيا لأنه بمعناه ولك أن تعربه نعتا. (فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) الفاء عاطفة وناداها فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الملك أو عيسى ومن تحتها متعلقان بناداها أي في مكان أسفل من مكانها أو بمحذوف حال من فاعل أي ناداها وهو تحتها وأن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتحزني مجزوم بلا ويجوز أن تكون مصدرية، ولا نافية وتحزني منصوب بها وأن وما بعدها نصب بنزع الخافض المتعلق بالنداء والأول أسهل وقد حرف تحقيق وجعل ربك فعل وفاعل وتحتك ظرف متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لجعل وسريا هو المفعول الأول وسيأتي السرّ في علة انتزاع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب. (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) : الواو عاطفة وهزي فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والياء هي الفاعل وإليك متعلقان بهزي وبجذع النخلة أورده بن هشام في مغني اللبيب شاهدا على زيادة الباء في المفعول به وأكثر المعربين على ذلك ولكن الزمخشري قال بعد ذكر وجه الزيادة ما معناه: يحتمل انه نزل هزي منزلة اللازم وإن كان متعديا ثم عداه بالباء كما يعدى اللازم والمعنى افعلي به الهز وتساقط مجزوم لأنه جواب الطلب وعليك متعلقان بتساقط ورطبا مفعول به وجنيا صفة، وتساقط يتعدى بنفسه ومن أمثلته لا من شواهده لأن البحتري غير محتج بكلامه. فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه وعن المبرد أن رطبا مفعول هزي وباء بجذع النخلة للاستعانة ولا يخفى ما فيه من التكلف بتأخير ما في حيز الأمر عن جوابه وستأتي أوجه زيادة الباء في باب الفوائد. (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) الفاء الفصيحة أي إذا تم لك هذا كله فكلي، وكلي فعل أمر والياء فاعل وما بعده عطف عليه وعينا تمييز من الفاعل لأنه منقول عنه إذ الأصل لتقر عينك. (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) الفاء عاطفة وإن شرطية أدغمت نونها بما الزائدة وترين فعل الشرط وأصله ترأيين بهمزة هي عين الفعل وياء مكسورة هي لامه وأخرى ساكنة هي ياء الضمير والنون علامة الرفع وقد حذفت لام الفعل لتحركها وانفتاح ما قبلها فقلبت ألفا فالتقت ساكنة مع ياء الضمير فحذفت لالتقاء الساكنين، ومن البشر حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به. (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) الفاء رابطة لجواب الشرط وقولي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل وإن واسمها وجملة نذرت خبرها والجملة مقول القول وسيرد إشكال أجبنا عنه في باب الفوائد، وللرحمن متعلقان بنذرت وصوما مفعول به، فلن الفاء استئنافية ولن حرف نفي ونصب واستقبال وأكلم منصوب بلن واليوم ظرف متعلق بأكلم وإنسيا مفعول به. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا) الفاء استئنافية وأتت فعل وفاعل مستتر والتاء للتأنيث وبه علقه أبو البقاء بمحذوف حال أي مصحوبة به وهو جميل ولا نرى مانعا بتعلقه بأتت وقومها مفعول به وجملة تحمله حال ثانية إما من ضمير مريم وإما من ضمير عيسى في به، قالوا فعل وفاعل ويا حرف نداء ومريم منادى واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به أي فعلت شيئا وفريا نعت ويجوز إعراب شيئا على المصدرية أي نوعا من المجيء غريبا. (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) يا حرف نداء وأخت هارون منادى مضاف أي يا شبيهته، وهارون رجل صالح شبهوها به في عفتها وصلاحها وليس المراد منه أخوة النسب وقيل إنما عنوا هارون أخا موسى لأنها كانت من نسله والعرب تقول للتميمي يا أخا تميم وقيل غير ذلك مما تراه في المطولات وما نافية وكان أبوك امرأ سوء كان واسمها وخبرها وما كانت أمك بغيا عطف على الجملة التي سبقتها أي ما دمت بهذه المثابة من مظنة العفة والصلاح فمن أين لك هذا الولد؟ (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) الفاء عاطفة وأشارت فعل وفاعل مستتر وإليه متعلقان بأشارت، قالوا فعل وفاعل وكيف اسم استفهام في محل نصب حال ونكلم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن ومن اسم موصول مفعول به وجملة كان صلة واسم كان مستتر تقديره هو وفي المهد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وصبيا خبر كان وقد اعتبرنا كان على بابها من النقصان ودلالتها على اقتران مضمون الجملة في الزمن الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» وقد نشب بين علماء العربية خلاف حول «كان» هنا نذكره مبسوطا في باب الفوائد لما تضمنه من فوائد. (قالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) جملة إني عبد الله مقول القول ولذلك كسرت همزة إن لوقوعها بعد القول وان واسمها وعبد الله خبرها وقد وصف نفسه بثماني صفات أولها العبودية وجملة آتاني الكتاب حالية وهذه هي الصفة الثانية والكتاب مفعول به ثان وجعلني نبيا فعل ماض وفاعل مستتر ومفعولاه وهذه هي الصفة الثالثة. (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) وجعلني مباركا عطف على وجعلني نبيا وهذه هي الصفة الرابعة وأينما اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية والجواب محذوف مدلول عليه بما تقدم أي أينما كنت جعلني مباركا وهو متعلق بالجواب المحذوف وكان تامة والتاء فاعلها ويجوز أن تكون الناقصة وأينما متعلق بمحذوف خبرها المقدم. (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) ما دمت ما مصدرية ظرفية ودمت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وحيا خبرها والمصدر المؤول نصب على الظرفية والظرف متعلق بأوصاني وهذه هي الصفة الخامسة. (وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا) وبرا بفتح الباء معطوف نسقا على مباركا أي وجعلني برا. جعل ذاته برا لفرط بره ولك أن تنصبه بفعل مقدر بمعنى أوصاني تفاديا للفصل الطويل وهذه هي الصفة السادسة وبوالدتي متعلقان ببرا ولم يجعلني عطف على وجعلني وجبارا مفعول به ثان وشقيا صفة وهذه هي الصفة السابعة. (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) السلام مبتدأ وعلي خبره واختلف في معنى إلى الداخلة على السلام فقيل هي للعهد لأنه تقدم ذكر السلام الموجه إلى يحيى فهو موجه إليه أيضا، وقال الزمخشري: «والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللغة على متهمي مريم عليها السلام وأعدائها من اليهود وتحقيقه أن اللام للجنس وإذا قال وجنس السلام عليّ خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم ونظيره قوله تعالى: والسلام على من اتبع الهدى يعني أن العذاب على من كذب وتولى وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنته لنحو هذا من التعريض» ويوم متعلق بمعنى الاستقرار المتعلق به عليّ ولا يجوز نصبه للسلام للفصل بين المصدر ومعموله وجملة ولدت مضافا إليها الظرف ويوم أبعث عطف على يوم ولدت وكذلك يوم أبعث وحيا حال وهذه هي الصفة الثامنة والأخيرة. البلاغة: التعريف: وذلك في تعريف النخلة التي جاءها المخاض عندها وهذا التعريف لا يخلو إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس فإذا قيل جذع النخلة فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخيل وإما أن يكون من تعريف الجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد وثمارها إنما هي من جمارها فلموافقتها لها مع جميع الآيات فيها اختارها لها وألجأها إليها. الفوائد: 1- خلاصة قصة ميلاد عيسى في القرآن الكريم: هذا ولم يعن كتاب من الكتب الدينية بميلاد المسيح والدفاع عن طهارة والدته العذراء والإشادة بفضلها وتفضيلها على سائر النساء كما عني القرآن الكريم فقد وردت فيه عن ميلاد المسيح عليه السلام، وحياته وجهاده في سبيل الدعوة إلى الله وإصلاح البشر عدة آيات في عدد من السور وقد أتى في براءة العذراء وقنوتها بما لم تأت به كتب أخرى بل كانت السورة الثانية الكبرى من القرآن الكريم وهي سورة آل عمران، وعمران هو والد العذراء وكان عالما من علماء الدين ولم تأت سورة من السور باسم سيدة من سيدات التاريخ غير اسم مريم وهي تحتوي على عدة آيات في ميلاد المسيح كما وردت آيات أخرى في هذا الحادث الجليل. ولقد اصطفى الله آل عمران كما اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين، وكان عمران أبو مريم رجلا تقيا ورعا، كما كانت زوجته صالحة تقية فلما حملت نذرت إلى الله أن يكون حملها خادما للهيكل فلما وضعت وتبين لها أنها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، سمتها أمها مريم ولكن الله تقبلها في الهيكل بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا. ولم يعش عمران حتى تشب مريم وتكبر فتوفي وهي صغيرة فكفلها زوج خالتها النبي زكريا وكانت مريم صادقة مباركة يفيض الله عليها من رزقه من حيث تعلم ولا تعلم فكان زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا كثيرا فيسألها قائلا: يا مريم أنّى لك هذا فتجيبه: هو من عند الله. وكانت مريم تتعبد في الهيكل بعيدا عن أهلها وعن الناس، قد انتبذت مكانا شرقيا في الناصرة من مدينة الجليل، وكانت مخطوبة لرجل من أبناء عمومتها اسمه يوسف النجار ولكن لم يتم زواجهما لأنها وهبت نفسها إلى الله ولكن الله تعالى شاء أن يهب إلى البشر من هذه الفتاة الطاهرة الكريمة التقية نبيا كريما، ورسولا عظيما، ويجعل منها ومن ابنها آية للناس كما قال تعالى «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ» لم يتم زواج يوسف بمريم وبعث الله جبريل فبشرها بحملها بالسيد المسيح وهي في عزلتها تعبد الله وتخلص له العبادة والتقوى فعجبت لذلك وأجفلت وقالت: كيف يكون لي ولد ولم يمسسني بشر، فكان الجواب عليها كما جاء في القرآن، كما صور القرآن فزع مريم في سورة «مريم» حين جاءها الملك بهذه البشارة متمثلا لها في صورة إنسان ظهر لها في عزلتها، على حين غرة من أمرها فاستعاذت بالله منه فهدأ من روعها وأنبأها أنه مرسل من السماء ليهب لها غلاما زكيا فجاء في هذه السورة «واذكر في الكتاب مريم إلخ الآيات» وقد اتفق إنجيل لوقا وإنجيل برنابا والقرآن الكريم في حادث ولادة المسيح على أنه آية للناس ولم يكن نتيجة اتصال مريم بخطيبها يوسف النجار، كما جاء في بعض الأناجيل الاخرى كإنجيل متى الذي نصّ على أن «يسوع بن يوسف النجار ابن يعقوب بن متان بن اليعازر، ابن اليهود بن أخيم» إلى آخر هذا النسب الذي يصل إلى يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام. فالقرآن الكريم نزل بأن مريم عذراء وانه بعد بشارة الملك لها بهذا الغلام الزكي حملت به وانتبذت مكانا بعيدا عن الناس، وعانت وحدها آلام وضعه حتى تمنت الموت قبل هذا كما جاء في القرآن الكريم «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ» إلخ الآيات. خاطبها هذا الوليد الكريم في مهده وهدأ من روعها، وطلب إليها أن تستعين على ضعفها بالرطب الجني، والماء الهني أو خاطبها الملك. وكان أن وقع ما خشيته مريم من اتهامها بالسوء، فلما جاءت به إلى قومها أنكروا عليها، واتهموها بما هي براء منه، فصامت عن الكلام وتولى الطفل الصغير في مهده الدفاع عن أمه الطاهرة النقية كما جاء في القرآن الكريم. 2- أسرار الفاءات: وعدناك أن نتحدث عن أسرار الفاءات في قوله تعالى «فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ» في هذه الفاءات دليل على أن حملها به ووضعها إياه لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت اليه والمخاض الذي هو الطلق بالفاء وهي للفور ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي والمهلة ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: «قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره» فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه مدة متراخية عطف ذلك بثم وهذا بخلاف قصة مريم عليها السلام، فانها عطفت بالفاء وقد اختلف الناس في مدة حملها فقيل: انه كحمل غيرها من النساء وقيل: لا بل كان مدة ثلاثة أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، وهذه الآية مزيلة للخلاف لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل أخذا بما دلت عليه الآية. هذا ما ورد في المثل السائر لابن الأثير، وقد رد ابن أبي الحديد في الفلك الدائر على ذلك بما أوردناه في سورة النحل من أن التعقيب على حسب ما يصح إما عقلا وإما عادة إلى أن يقول: وليست الفاء للفور الحقيقي الذي معناه حصول هذا بعد هذا بغير فصل ولا زمان كما توهمه هذا الرجل ألا ترى إلى قوله تعالى: «لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ» فإن العذاب متراخ عن الافتراء فلا يدل قوله تعالى في قصة مريم على أن الحمل والمخاض كانا في يوم واحد. قلت: قلت: بحث ابن أبي الحديد متجه والذي قاله ابن الأثير لا يخلو من ضعف وقد اختلف المفسرون في مدة حملها فقال ابن عباس تسعة أشهر كما في سائر النساء وقال عطاء وأبو العالية والضحاك سبعة أشهر وقال ابن عباس أيضا في ساعة واحدة وقال آخر لثمانية أشهر وقال آخرون ستة أشهر وقال آخرون ثلاث ساعات ورجح الامام الرازي انه في ساعة وقال: «ويمكن الاستدلال له بوجهين» وذكر في الوجه الاول ما قاله ابن الأثير وذكر في الوجه الثاني: «ان الله تعالى قال في وصفه: ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون فثبت أن عيسى عليه السلام لما قال الله له كن فكان وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل انما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة» . ومذهب الشافعية أن أكثر مدة الحمل أربع سنين وأقله ستة أشهر وقد ولد الضحاك بن مزاحم لستة عشر شهرا وشعبة ولد لسنتين وهرم بن سنان ولد لأربع سنين ولذلك سمي هرما ومالك بن أنس حمل به أكثر من ثلاث سنين، والحجاج بن يوسف ولد لثلاثين شهرا، ويقال انه كان يقول: اذكروا ليلة ميلادي، ويقال: إن عبد الملك بن مروان حمل به ستة أشهر والشافعي حمل به أربع سنين أو أقل، والحنفية يقولون للشافعية: ما جسر إمامكم أن يظهر إلى الوجود حتى توفي إمامنا، ويجيبهم الشافعية بقولهم: بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا. القول الفصل في الفاء العاطفة: والفاء في أصل وضعها للترتيب المتصل، والترتيب على ضربين: 1- الترتيب في المعنى: هو أن يكون المعطوف بها لاحقا متصلا بلا مهلة كقوله تعالى «خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» والأكثر كون المعطوف بها متسببا عما قبله كقولك: أملته فمال وأقمته فقام. 2- الترتيب في الذكر: وهو نوعان: أحدهما عطف مفصل على مجمل هو هو في المعنى كقولك توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه ومنه قوله تعالى: «وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... » الآية. وتكون عطفا لمجرد المشاركة في الحكم بحيث يحسن بالواو كقول امرئ القيس: «بين الدخول فحومل» . وتخنص الفاء بعطف ما لا يصلح كونه صلة على ما هو صلة كقولك الذي يطير فيغضب زيد الذباب فلو جعلت موضع الفاء واوا أو غيرها فقلت الذي يطير ويغضب زيد، أو ثم يغضب زيد الذباب لم تجز المسألة لأن يغضب زيد جملة لا عائد فيها على الذي فلا يصلح أن يعطف على الصلة لأن شرط ما يعطف على الصلة أن يصلح وقوعه صلة فإن كان العطف بالفاء لم يشترط دلك لأنها تجعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة لإشعارها بالسببية كأنك قلت: الذي ان يطر يغضب زيد الذباب وقد يعطف بالفاء متراخيا كقوله تعالى: «وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» إما لتقدير متصل قبله وإما لحمل الفاء على ثم. الفاء الفصيحة: وقد تحذف الفاء مع المعطوف بها إذا أمن اللبس وكذلك الواو فمن حذف الفاء قوله تعالى: «فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ» التقدير فامتثلتم فتاب عليكم وقوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» معناه فأفطر فعليه عدة وهذه العاطفة على الجواب المحذوف يسميها أرباب المعاني «الفاء الفصيحة» قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ» تقديره فعملا به وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله. وقال صاحب المفتاح: «هو إخبار عما صنع بهما وعما قالاه كأنه قيل: نحن فعلنا الإيتاء وهما فعلا الحمد وهذا الباب كثير في القرآن وهو من جملة فصاحته ولهذا أسماها أرباب المعاني الفاء الفصيحة. أما ابن الحاجب فقد قال: ان المعتبر ما يعد في العادة مرتبا من غير مهلة فقد يطول الزمان والعادة تقضي في مثله بانتفاء المهلة وقد تقصر والعادة تقضي بالعكس فإن الزمن الطويل قد بستغرب بالنسبة إلى عظم الأمر فتستعمل الفاء وقد يستبعد الزمن القريب بالنسبة إلى طول أمر يقضي العرف بحصوله في زمان أقل منه، والذي يظهر من كلام الجماعة أن استعمال الفاء فيما تراخى زمانه ووقوعه من الأول سواء قصر في أولا وإنما هو بطريق المجاز» . وقال الجرمي: لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل «بين الدخول فحومل» مطرنا مكان كذا فمكان كذا إذا كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد واعترض على معنى التعقيب بقوله تعالى: «الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» فإن إخراج المرعى لا يعقبه جعله غثاء أحوى أي يابسا أسود والجواب من وجهين: آ- ان جملة فجعله غثاء أحوى معطوفة على جملة محذوفة وان التقدير فمضت مدة فجعله غثاء. ب- ان الفاء نابت عن ثم والمعنى جعله غثاء وسيأتي تفصيل ذلك في حينه. 3-لماذا انقشع الحزن عنها بسبب وجود الطعام والشراب؟ ولا بد هنا من الاجابة على سؤال قد يرد فإن ظاهر الكلام يدل على أن حزنها سينقشع بسبب وجود الطعام والشراب وذلك في قوله تعالى: «فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً» ومعلوم بأن حزنها لم يكن بسبب ذلك، ولا هو ناجم عن فقدان الطعام والشراب ولكن السر في ذلك أن التسلية ونسيان الحزن لم يقعا بها من حيث أنهما طعام وشراب ولكن من حيث أنهما معجزة باهرة ترهص لها، وتدحض باطل القوم وتثبت كذبهم وإرجافهم، كما تثبت أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة وأنها بمعزل عما قرفوها به ثم ان الأمور الخارجة عن العادات لا يمكن إلا أن تكون إلهية ولحكمة نجهلها ومن ذلك ولادتها عيسى من غير فحل وهذا من عجائب الاساليب. لماذا منعت من الكلام؟ وهناك سؤال آخر قد يثب إلى الذهن بعد هذا كله وهو: ان الله أمرها بأن تمتنع من الكلام لأمرين: آ- أن يكون عيسى عليه السلام هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها وأرهص للمعجزة وبالتالي لإزالة عوامل الريبة المؤدية إلى اتهامها بما يشين. ب- تشريع الكراهية لأية مجادلة مع السفهاء وقد رمق الشاعر سماء هذا المعنى فقال: يخاطبني السفيه بكل قبح ... وأكره أن أكون له مجيبا 4- مواضع زيادة الباء: آ- في الفاعل وزيادتها تكون واجبة في فعل التعجب الوارد على صيغة الأمر نحو أحسن بزيد وعلة الزيادة إصلاح اللفظ وإعرابه أحسن فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض لأجل الصيغة وبزيد الباء حرف جر زائد وزيد فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد وتكون غالبة وذلك في فاعل كفى التي بمعنى حسب والتي هي فعل لازم نحو كفى بالله شهيدا ولا تزاد الباء في فاعل كفى التي بمعنى أجزأ أو أغنى ولا التي بمعنى وقى والأولى متعدية لواحد نحو: قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل والثانية متعدية لاثنين كقوله تعالى «وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ» . قال ابن هشام: «ووقع في شعر المتنبي زيادة الباء في فاعل كفى المتعدية لواحد قال: كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل ولم أر من انتقد عليه» وقد استعجل ابن هشام بهذا الحكم فقد انتقد عليه ذلك أبو البقاء في شرحه الممتع للديوان وأفاض في إعراب البيت كما انتقد المعري أيضا ولسنا بصدد التحقيق في ذلك فلعلك ترجع إلى شرح أبي البقاء والى مغني اللبيب. ب- في المفعول به نحو قوله تعالى: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ» وقول أبي الطيب: كفى بجسمي نحولا انني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني ج- في المبتدأ نحو بحسبك درهم وخرجت فإذا بزيد وكيف بك فكيف اسم استفهام خبر مقدم وبك الباء حرف جر زائد والكاف في محل جر بالباء وفي محل رفع بالابتداء وقد نابت الكاف عن أنت لدخول حرف الجر والمعنى كيف أنت إذا كان الأمر حاصلا. د- في الخبر وهو ينقاس في غير الموجب نحو ليس زيد بقائم وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون وفي غير الموجب متوقف على الساع. هـ- في الحال المنفي عاملها كقوله: فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيّب منتهاها وفي التوكيد بالنفس والعين نحو جاء زيد بنفسه وبعينه. 5- مبحث هام حول كان: قوله تعالى «كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» جرينا في اعرابها على أنها ناقصة واسمها مستتر تقديره هو وصبيا خبرها وممن أعربها كذلك الزمخشري ووعدنا أن ننقل الخلاف الذي ثار حولها لطرافته ولما فيه من رياضة ذهنية: أما أبو البقاء فقد أعربها زائدة أي من هو في المهد وصبيا حال من الضمير في الجار والضمير المنفصل المقدر كان متصلا بكان وقيل كان الزائدة لا يستتر فيها ضمير فعلى هذا لا تحتاج إلى تقدير هو بل يكون الظرف صلة من وقيل ليست زائدة بل هي كقوله «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» وقيل هي بمعنى صار وقيل هي التامة ومن بمعنى الذي وقيل شرطية وجوابها كيف. وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: في كان هذه أقوال: آ- انها زائدة وهو قول أبي عبيد أي كيف نكلم من في المهد، وصبيا على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور والواقع صلة. ب- انها تامة بمعنى حدث ووجد والتقدير كيف نكلم من وجد صبيا وصبيا حال من الضمير في كان. ح- انها بمعنى صار أي كيف نكلم من صار في المهد صبيا، وصبيا على هذا خبرها. د- انها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف لم يزل. وقال ابن الأنباري في «أسرار العربية» كان هنا تامة وصبيا منصوب على الحال ولا يجوز أن تكون ناقصة لأنه لا اختصاص لعيسى عليه السلام في ذلك لأن كلا كان في المهد صبيا ولا عجب في تكليم من كان فيما مضى في حال الصبا. وبعد كتابة ما تقدم وقعت على ما قاله أبو طاهر حمزة في رسالة له سماها «المنيرة المعربة عن شرف الاعراب» وأنقل لك خلاصته ففيه وجاهة وطرافة وهي تؤيد ما ذهبنا اليه من بقاء كان على وجهها قال: «لكن الوجه ان كان من قصد الخبر الآن عن حالهم لأنهم أكبروا ذلك في وقت كونه في المهد فكأنه قال: أكبروا تكليم صبي كائن في المهد طفلا فيكون الكون من لفظ المخبر لا من لفظهم كقول الحطيئة يصف الرياض: يظل بها الشيخ الذي كان فانيا ... يدب على عوج له نخرات فلم يك فانيا قبل دبيبه بل وقت دبيبه فذكر الكون من لفظ المخبر» . قلت: قلت: وهذا كله دندنة في غير طائل والأجود ما اخترناه واختاره الزمخشري ويأتي في المرتبة بعده أن تكون زائدة أما تقديرها تامة فبعيد جدا لأن عيسى لم يخلق ابتداء في المهد. 6- بغيا: أصله بغويا اجتمعت فيه الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغم الياء في الياء وإلا لو كان فعيلا بمعنى فاعل لحقته التاء وقال البيضاوي: «وهو فعول من البغي قلبت واوه وأدغمت ثم كسرت العين اتباعا ولذلك لم تلحقه التاء أو فعيل بمعنى فاعل لم تلحقه التاء لأنه للمبالغة أو للنسب كطالق» وقال بعضهم: البغي خاص بالمؤنث فلا يقال رجل بغي انما يقال امرأة بغي لكن نقل بعضهم عن المصباح انه يقال رجل بغي كما يقال امرأة بغي.