Lafzullah

I'rab Al Quran li Al Darwish — الكهف 18:71 – الكهف 18:108

المؤلف / المصدر: I'rab Al Quran li Al Darwish

المحتويات
  1. الكهف 18:71
  2. الكهف 18:72
  3. الكهف 18:73
  4. الكهف 18:74
  5. الكهف 18:75
  6. الكهف 18:76
  7. الكهف 18:77
  8. الكهف 18:78
  9. الكهف 18:79
  10. الكهف 18:80
  11. الكهف 18:81
  12. الكهف 18:82
  13. الكهف 18:83
  14. الكهف 18:84
  15. الكهف 18:85
  16. الكهف 18:86
  17. الكهف 18:87
  18. الكهف 18:88
  19. الكهف 18:89
  20. الكهف 18:90
  21. الكهف 18:91
  22. الكهف 18:92
  23. الكهف 18:93
  24. الكهف 18:94
  25. الكهف 18:95
  26. الكهف 18:96
  27. الكهف 18:97
  28. الكهف 18:98
  29. الكهف 18:99
  30. الكهف 18:100
  31. الكهف 18:101
  32. الكهف 18:102
  33. الكهف 18:103
  34. الكهف 18:104
  35. الكهف 18:105
  36. الكهف 18:106
  37. الكهف 18:107
  38. الكهف 18:108

الكهف 18:71

اللغة: (إِمْراً) : الإمر العظيم المنكر، قال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ... داهية دهيا وأمرا إمرا ويقال: أمر الإمر أي عظم وتفاقم وهذه المادة اللغوية غريبة تقول الأمر بالفتح: طلب إحداث الشيء وجمعه أوامر والأمر الشأن وجمعه أمور وأولو الأمر أهل الرياسة والعلماء، والإمّر والإمّر الضعيف الرأي، والأمير الآمر، فتتغير معانيها بتغير شكلها. (تُرْهِقْنِي) : تكلفني وفي المختار: رهقه غشيه وبابه طرب وأرهقا عسرا كلفه إياه. (زَكِيَّةً) : طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث، وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكّوا، وزكي يزكى زكى الزرع نما والرجل صلح وتنعم وزكاه الله بالتشديد أنماه وطهّره وأصلحه، وأخا زكاته وزكّى ماله أدّى عنه الزكاة، وزكّى نفسه مدحها. (نُكْراً) : بضم فسكون وبضمتين: المنكر وهو أبلغ من الإمر لأن معه القتل بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه وتلافيه وقيل: الإمر أبلغ لأن قتل النفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة. (يُضَيِّفُوهُما) : يقال ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته من الميل، يقال ضاف السهم عن الغرض وأضافه وضيفه جعله ضيفا وهم ضيوف وأضياف وضيفان، ومن المجاز: أضاف إليه أمرا إذا أسنده إليه واستكفأه وفلان أضيفت اليه الأمور وما هو إلا مضاف أي دعي، ونزلت به مضوفة. قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى يبلغ الساق مئزري الإعراب: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في الأمور الثلاثة التي ألمعنا إليها والتي خفيت بواطنها عن موسى وبدت له ظواهرها مستنكرة، ولا بد من تقدير محذوف أي فانطلقا يمشيان ومعهما تابعهما يوشع بن نون وقد اكتفى بذكر المتبوع عن التابع أي على ساحل البحر يطلبان سفينة تقلهما فوجدا سفينة فركباها فأخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي فجعل موسى يعارضه ويقول إلخ. وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة ركبا في السفينة في محل جر بإضافة الظرف إليها، وجملة خرقها جواب إذا وهو فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به. (قالَ: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) قال- أي موسى- أخرقتها والهمزة للاستفهام الإنكاري، لتغرق اللام للتعليل وتغرق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأهلها مفعول به، وسيأتي سر نسيان نفسه في باب البلاغة، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإمرا صفة. (قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وإن واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها. (قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) لا ناهية وتؤاخذني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به. ومن أمري حال لأنه كان في الأصل صفة لعسرا وعبرا مفعول به ثان لترهقني. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) فانطلقا الفاء للعطف وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة لقيا مضافة للظرف وهي شرط إذا وغلاما مفعول به، والفاء حرف عطف وقتله عطف على لقيا فهو داخل في حيز فعل الشرط بخلاف قوله «حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» بغير فاء فقد جعله هنا جوابا والعلة في هذه المخالفة، ان خرق السفينة لم يأت عقب الركوب مباشرة أما القتل فقد أتى عقب لقاء الغلام مباشرة، وقال هو جواب إذا، أقتلت: الهمزة للاستفهام الانكاري ونفسا مفعول به وزكية صفة، وبغير نفس: الجار والمجرور في موضع نصب على الحال من الفاعل أو المفعول أي قتلته ظالما أو مظلوما أو متعلق بقتلت، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به ونكرا صفة. (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وان واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها، وقد زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني. (قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) إن شرطية وسألتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وعن شيء جار ومجرور متعلقان بسألتك وبعدها ظرف متعلق بمحذوف صفة لشيء، والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتصاحبني مجزوم بلا والياء مفعول به. (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد حرف تحقيق وبلغت فعل وفاعل ومن حرف جر ولدن ظرف مبني على السكون في محل جر والجار والمجرور متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال وعذرا مفعول به. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) الفاء عاطفة وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأتيا فعل وفاعل وأهل مفعول به وقرية مضاف إليه، قيل القرية هي انطاكية ومعنى استطعما أهلها طلبا منهم الطعام على سبيل الضيافة، وجملة استطعما أهلها لا محل لها لأنها جواب إذا، واختار ابن هشام أن تكون صفة لقرية، وكرر الأهل للتأكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وقد تقدمت شواهده أو للتقصي ليشمل الاستطعام والامتناع من الإكرام جميع أهلها. (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) الفاء عاطفة وأبوا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول أبوا. (فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) الفاء عاطفة ووجدا فعل وفاعل وفيها جار ومجرور متعلقان بوجدا وجدارا مفعول به وجملة يريد صفة لجدارا وفي معنى إسناد الإرادة للجدار بحث ممتع يطالعه القارئ في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريد فأقامه الفاء عاطفة وأقامه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أي رفعه ورممه وأصلحه. (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) لو حرف شرط غير جازم وشئت فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو واتخذت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو وعليه متعلقان بمحذوف حال وأجرا مفعول به. (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) هذا مبتدأ والاشارة إلى الفراق المترتب على تكرار السؤال وفراق خبر وبيني مضاف إليه وساغت اضافة بين إلى غير متعدد لتكرير بين بالعطف بالواو وبينك عطف على بيني. (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) السين حرف استقبال وأنبئك فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبتأويل الباء حرف جر دخل على مضمون المفعولين الثاني والثالث وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وما اسم موصول مضاف إلى تأويل ولم حرف نفي وقلب وجزم وتستطع مضارع مجزوم بلم وصبرا مفعول به وعليه متعلقان بصبرا أي سأنبئك سر ما فعلت في الأمور الثلاثة. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) أما حرف شرط وتفصيل والسفينة مبتدأ والفاء رابطة وكانت كان واسمها المستتر والتاء تاء التأنيث الساكنة ولمساكين خبر كانت والجملة خبر السفينة وجملة يعملون في البحر صفة لمساكين وفي البحر متعلقان بيعلمون. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) الفاء عاطفة وأردت فعل وفاعل وأن أعيبها المصدر المؤول مفعول أردت والواو للحال وكان فعل ماض ناقص ووراءهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو بمعنى أمام ويجوز أن يكون بمعنى خلف وملك اسم كان المؤخر وجملة يؤخذ صفة وكل سفينة مفعول به وغصبا مفعول مطلق مبين لنوع الأخذ ويجوز أن يكون المصدر في موضع نصب على الحال وفي كلام تقديم وتأخير سيأتي سره العجيب في باب البلاغة. (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والغلام مبتدأ فكان الفاء رابطة وكان واسمها وخبرها فخشينا الفاء عاطفة وخشينا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول خشينا وطغيانا مفعول به ثان وكفرا عطف على طغيانا وجملة الجواب خبر الغلام وأسند الخشية إلى نفسه لأن الله أطلعه على مآل الغلام لو تناهت به المدة وانفسح الأجل، أو لأنه حكى قول الله. (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) فأردنا عطف على خشينا وأردنا فعل وفاعل وأن يبدلهما أن وما في حيزها مفعول يبدلهما وخيرا منه مفعول ثان وزكاة تمييز أي صلاحا وتقى وأقرب رحما عطف على خيرا منه زكاة ورحما تمييز أيضا أي رحمة بوالديه. قال أبو حيان: وانتصب رحما على المفعول له وأجاز الزمخشري أن ينصب على المصدر بأراد قال لأنه في معنى رحمهما وأجاز أبو البقاء أن ينتصب على الحال وكلاهما متكلف. فتأمل. (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) الجملة معطوفة على ما تقدم والاعراب مماثل وفي المدينة صفة ثانية أو حال. (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وتحته ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وكنز اسمها المؤخر ولهما صفة وكان أبوهما صالحا كان واسمها وخبرها. (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) فأراد عطف على ما تقدم وربك فاعل وأن يبلغا مفعول أراد وأشدهما مفعول به وقد تقدم تفسير الأشد ويستخرجا عطف على يبلغا والألف فاعل وكنزهما مفعول به ورحمة من ربك مفعول لأجله أي لولا أني أقمته لانقض وهوى وخرج الكنز من تحته قبل أن يصبحا قادرين على حفظ المال وتنميته واستثماره ولضاع بددا. (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) الواو عاطفة وما نافية وفعلته فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على مجموع ما ذكر وعن أمري جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي صادرا عن أمري وإنما هو بأمر الله وإلهامه إياي وذلك مبتدأ وتأويل خبر وما مضاف اليه ولم حرف نفي وقلب وجزم وتسطع أي تستطع فحذفت منه تاء الافتعال مجزوم بلم وعليه متعلقان بصبرا وصبرا مفعول به. البلاغة: الفنون التي انطوت عليها الآيات الآنفة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب إذا نحن حاولنا استجلاء غوامضها واكتناه خوافيها فلنمض في استقصائها جانحين إلى لغة النظر فأولها: 1- نسيان نفسه عند ما قال: «أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» وهو بين الراكبين وهو جدير بأن ينهمك بأمر نفسه وما هو مقدم عليه من سوء المصير وإنما حمله على المبادرة بالإنكار الالتهاب والحمية للحق فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل واحد: نفسي نفسي، ولا يلوي على مال ولا ولد وتلك حالة الغرق تذهل فيها العقول وتغرب الأحلام ويضيع الرشد من الألباب. 2- التورية في قوله «قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ» أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان لإيهامه بأنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وبعضهم يسمي هذا النوع من معاريض الكلام، والمعاريض جمع معراض وهو هنا إيهام خلاف المراد لئلا يلزم الكذب وهو فن ظريف من فنونهم ولعله أجمل أنواع التورية التي سبق ذكرها وقد كان المتنبي يجنح إليه في قصائده وخاصة الكافوريات قال: برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يمان فشبيب هذا خارجي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها فيقال أن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم الذين كانوا معه لما مات، ويقال إنه أكثر من شرب الخمر فحدث به صرع ففي ساعة القتال أتته نوبة الصرع فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه وقد كان شبيب هذا من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك مشهورة والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة. ومن معاريض الكلام الحسنة قول أبي العلاء المعري في وصف الإبل: صلب العصا بضرب قد دمّاها ... تود أن الله قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى الضرب في الأرض وهو المسير فيها وكذلك دماها يطلق على شيئين أحدهما يقال: دمّاه إذا أسال دمه ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال أفناه إذا أذهبه وأفناه إذا أطعمه حب الفناء وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى نبتان يقال أغواه إذا أضله وأغواه إذا أطعمه النوى ويقال طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت وطلب رشدا إذا طلب الهداية. ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟ فقال النبي: من ماء، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر من أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي لوجهته وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقتهم من ماء وحاشى النبي أن يكذب. 3- توكيد الضميرين: وذلك في قوله تعالى «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» في قصة قتل الغلام وهذا بخلاف قصة السفينة فإنه قال فيها «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» وقال في الثانية «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة بعد مرة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو أتى الإنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته ثم أتى ذلك مرة ثانية أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه؟ وكذلك فعل هاهنا فإنه قيل في الملامة أولا: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» ثم قيل ثانيا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وهذا موضع يدق عن العثور عليه بالنظرة العجيلة ولا يمكن اكتناه حسنه إلا بعد التأمل العميق وهذا فن جليل القدر، بعيد الغور، فللضمائر أسرار لا يدركها إلا الملهمون والمبدعون وهي ليست مجرد ضمائر تذكر كما ترد في كتب النحو وستأتي في كتابنا هذا صور رائعة عنه تبين مدى قدر المبين وتساميه عن الانداد. التوكيد بالضمائر في الشعر: وسنورد لك هنا الآن نماذج من التوكيد بالضمائر الوارد في الشعر تذهل العقول فمن بديع ما استظرفناه قول أبي تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار فقوله «لا أنت أنت ولا الديار ديار» من المليح النادر لأنه هو هو والديار الديار وإنما مراده أن البواعث التي كانت تبعث على قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار. وقد حاول أبو الطيب أن ينسج على منوال أبي تمام فأسف ولم يلحق به إذ قال: قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام فقوله «أنت أنت» من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في مدحه ولكنه أفسد على نفسه ما أراده لأن سبك البيت عار من الحسن وفيه تقديم وتأخير أفسداه أيضا لأنه كان من حقه أن يقول: قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتّى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ذلك يبقى دون بيت أبي تمام العذب الرشيق وهذا مرده إلى الذوق وهو الحكم في هذا الباب. وروى صاحب الأغاني: أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة: يا خير الفتيان أردد علي ما أخذته من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو فقال له زياد: لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا» فقوله: لكنتم أنتم أنتم، أي أنتم الأشداء أو الشجعان أو ذوو النجدة والبأس إلا أن «أنتم» الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم كأنه قال لكنتم أنتم الشجعان دون غيرهم ولو مدحهم بأي شيء مدحهم به من وصف البأس والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة أعني «أنتم» الثانية. 4- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى: «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» فقد استعيرت الارادة للمشارفة والمداناة ويجوز أن يكون مجازا عقليا وهذا الخلاف مطرد في كل نسبة إلى مالا يعقل كقول عمرو بن أبي ربيعة: أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وسنبسط لك القول في هذا البيت بسطا شافيا لتتأكد من حقيقة هذا الكلام فالإباء المنع الاختياري وقد شبه الروادف والثدي لكبرها بمن يصح منه ذلك والكلام يحتمل إرادة التشبيه فهو مجاز علاقته المشابهة فيكون استعارة مكنية تبعية وقد لا يحتمل إرادة التشبيه ويكون عبارة عن مجرد إسناد الإباء إليها للدلالة على كبرها فيكون مجازا عقليا وفي الكلام أيضا لف ونشر مشوش لأن مس البطون يرجع للثدي ومس الظهور يرجع للروادف ولا بد لإظهار معنى البيت تماما من إيراد البيت الثاني وهو: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا يقال تناوح الجبلان أي تقابلا فالمراد بالتناوح التقابل بحيث يجيء بعض الرياح من أمامها وبعضها من خلفها فتظهر روادفها ونهودها وتلتصق الثياب بخصرها فيظهر ضموره فتنبه الحاسدة لها وتهيج الغيور لكراهية ذلك من الرياح. ومن هذا الضرب قول الحسن بن هانىء أبي نواس: فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطق اللهو حتى ينطق العود شبه العود بانسان على طريق الاستعارة المكنية ويصح أن يكون مجازا عقليا على نحو ما قدمنا لك. وقول حسان بن ثابت: ان دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان وجمل اسم محبوبته ويروى بعدي يقول: إن الدهر الذي يجمع شملي بمحبوبتي لدهر يهمّ بالإحسان على طريق المكنية ولفظ الهم تخييل ويحتمل أن إسناد الهم له مجاز عقلي كإسناد اللف. 5- التقديم والتأخير: ظاهر الكلام يقتضي تأخير قوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» عن قوله: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب والجواب على ذلك أنه سبحانه قدم المسبب على السبب للعناية به ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين. وفي الآية والتي بعدها أيضا أسرار عجيبة أخرى وذلك بمخالفة الضمائر فيهما فقد أسند في الأولى الفعل إلى ضميره خاصة بقوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما» و «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما» ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد أن ثمة عيبا فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا أو دبرنا كذا وإنما يعنون بأمر الملك أو دبر ويؤيد ذلك قوله في الثالثة «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما» فلم تأت الضمائر على نمط واحد وهذا من أرقى الأساليب وأحفلها بالمعاني الخصبة التي لا يمجها السمع وتحتويها الآذان. الفوائد: 1- الأفعال التي تنصب مفاعيل ثلاثة هي أعلم وأرى وأنبأ ونبأ وأخبر وخبر وحدث والأصل في هذه الأفعال أعلم وأرى اللذان كان أصلهما قبل دخول همزة النقل عليهما علم ورأى المتعديان لاثنين وأما الخمسة الباقية فليس لها ثلاثي يستعمل في العلم إلا خبر ولكنها ألحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدي إلى ثلاثة لأن الإنباء والتنبيء والإخبار والتخبير والتحديث بمعنى الإعلام، هذا وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها والى مضمون الثاني والثالث أو مضمون الثالث وحده بالباء نحو حدثتك بخروج زيد وعليه يحمل قوله تعالى «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وسيأتي مزيد بحث عن هذه الأفعال في موضعه إن شاء الله. 2- وراء: هو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام ومعناها هنا أمامهم وكون وراءهم بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيدة وابن السكيت والزجاج ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام وجاء في التنزيل والشعر، قال الله تعالى: «مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ» وقال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا يحنى عليها الأصابع وقال سوار بن المضرب السعدي: أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا وقال آخر: أليس ورائي أن أدب على العصا ... فتأمن أعداء وتسأمني أهلي وقال الفراء: «لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد جاز الوجهان لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك وكأنك إذا بلغته صار بين يديك» قال: «إنما جاز هذا في اللغة لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك» وأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.

الكهف 18:72

اللغة: (إِمْراً) : الإمر العظيم المنكر، قال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ... داهية دهيا وأمرا إمرا ويقال: أمر الإمر أي عظم وتفاقم وهذه المادة اللغوية غريبة تقول الأمر بالفتح: طلب إحداث الشيء وجمعه أوامر والأمر الشأن وجمعه أمور وأولو الأمر أهل الرياسة والعلماء، والإمّر والإمّر الضعيف الرأي، والأمير الآمر، فتتغير معانيها بتغير شكلها. (تُرْهِقْنِي) : تكلفني وفي المختار: رهقه غشيه وبابه طرب وأرهقا عسرا كلفه إياه. (زَكِيَّةً) : طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث، وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكّوا، وزكي يزكى زكى الزرع نما والرجل صلح وتنعم وزكاه الله بالتشديد أنماه وطهّره وأصلحه، وأخا زكاته وزكّى ماله أدّى عنه الزكاة، وزكّى نفسه مدحها. (نُكْراً) : بضم فسكون وبضمتين: المنكر وهو أبلغ من الإمر لأن معه القتل بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه وتلافيه وقيل: الإمر أبلغ لأن قتل النفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة. (يُضَيِّفُوهُما) : يقال ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته من الميل، يقال ضاف السهم عن الغرض وأضافه وضيفه جعله ضيفا وهم ضيوف وأضياف وضيفان، ومن المجاز: أضاف إليه أمرا إذا أسنده إليه واستكفأه وفلان أضيفت اليه الأمور وما هو إلا مضاف أي دعي، ونزلت به مضوفة. قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى يبلغ الساق مئزري الإعراب: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في الأمور الثلاثة التي ألمعنا إليها والتي خفيت بواطنها عن موسى وبدت له ظواهرها مستنكرة، ولا بد من تقدير محذوف أي فانطلقا يمشيان ومعهما تابعهما يوشع بن نون وقد اكتفى بذكر المتبوع عن التابع أي على ساحل البحر يطلبان سفينة تقلهما فوجدا سفينة فركباها فأخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي فجعل موسى يعارضه ويقول إلخ. وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة ركبا في السفينة في محل جر بإضافة الظرف إليها، وجملة خرقها جواب إذا وهو فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به. (قالَ: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) قال- أي موسى- أخرقتها والهمزة للاستفهام الإنكاري، لتغرق اللام للتعليل وتغرق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأهلها مفعول به، وسيأتي سر نسيان نفسه في باب البلاغة، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإمرا صفة. (قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وإن واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها. (قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) لا ناهية وتؤاخذني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به. ومن أمري حال لأنه كان في الأصل صفة لعسرا وعبرا مفعول به ثان لترهقني. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) فانطلقا الفاء للعطف وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة لقيا مضافة للظرف وهي شرط إذا وغلاما مفعول به، والفاء حرف عطف وقتله عطف على لقيا فهو داخل في حيز فعل الشرط بخلاف قوله «حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» بغير فاء فقد جعله هنا جوابا والعلة في هذه المخالفة، ان خرق السفينة لم يأت عقب الركوب مباشرة أما القتل فقد أتى عقب لقاء الغلام مباشرة، وقال هو جواب إذا، أقتلت: الهمزة للاستفهام الانكاري ونفسا مفعول به وزكية صفة، وبغير نفس: الجار والمجرور في موضع نصب على الحال من الفاعل أو المفعول أي قتلته ظالما أو مظلوما أو متعلق بقتلت، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به ونكرا صفة. (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وان واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها، وقد زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني. (قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) إن شرطية وسألتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وعن شيء جار ومجرور متعلقان بسألتك وبعدها ظرف متعلق بمحذوف صفة لشيء، والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتصاحبني مجزوم بلا والياء مفعول به. (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد حرف تحقيق وبلغت فعل وفاعل ومن حرف جر ولدن ظرف مبني على السكون في محل جر والجار والمجرور متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال وعذرا مفعول به. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) الفاء عاطفة وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأتيا فعل وفاعل وأهل مفعول به وقرية مضاف إليه، قيل القرية هي انطاكية ومعنى استطعما أهلها طلبا منهم الطعام على سبيل الضيافة، وجملة استطعما أهلها لا محل لها لأنها جواب إذا، واختار ابن هشام أن تكون صفة لقرية، وكرر الأهل للتأكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وقد تقدمت شواهده أو للتقصي ليشمل الاستطعام والامتناع من الإكرام جميع أهلها. (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) الفاء عاطفة وأبوا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول أبوا. (فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) الفاء عاطفة ووجدا فعل وفاعل وفيها جار ومجرور متعلقان بوجدا وجدارا مفعول به وجملة يريد صفة لجدارا وفي معنى إسناد الإرادة للجدار بحث ممتع يطالعه القارئ في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريد فأقامه الفاء عاطفة وأقامه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أي رفعه ورممه وأصلحه. (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) لو حرف شرط غير جازم وشئت فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو واتخذت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو وعليه متعلقان بمحذوف حال وأجرا مفعول به. (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) هذا مبتدأ والاشارة إلى الفراق المترتب على تكرار السؤال وفراق خبر وبيني مضاف إليه وساغت اضافة بين إلى غير متعدد لتكرير بين بالعطف بالواو وبينك عطف على بيني. (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) السين حرف استقبال وأنبئك فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبتأويل الباء حرف جر دخل على مضمون المفعولين الثاني والثالث وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وما اسم موصول مضاف إلى تأويل ولم حرف نفي وقلب وجزم وتستطع مضارع مجزوم بلم وصبرا مفعول به وعليه متعلقان بصبرا أي سأنبئك سر ما فعلت في الأمور الثلاثة. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) أما حرف شرط وتفصيل والسفينة مبتدأ والفاء رابطة وكانت كان واسمها المستتر والتاء تاء التأنيث الساكنة ولمساكين خبر كانت والجملة خبر السفينة وجملة يعملون في البحر صفة لمساكين وفي البحر متعلقان بيعلمون. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) الفاء عاطفة وأردت فعل وفاعل وأن أعيبها المصدر المؤول مفعول أردت والواو للحال وكان فعل ماض ناقص ووراءهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو بمعنى أمام ويجوز أن يكون بمعنى خلف وملك اسم كان المؤخر وجملة يؤخذ صفة وكل سفينة مفعول به وغصبا مفعول مطلق مبين لنوع الأخذ ويجوز أن يكون المصدر في موضع نصب على الحال وفي كلام تقديم وتأخير سيأتي سره العجيب في باب البلاغة. (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والغلام مبتدأ فكان الفاء رابطة وكان واسمها وخبرها فخشينا الفاء عاطفة وخشينا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول خشينا وطغيانا مفعول به ثان وكفرا عطف على طغيانا وجملة الجواب خبر الغلام وأسند الخشية إلى نفسه لأن الله أطلعه على مآل الغلام لو تناهت به المدة وانفسح الأجل، أو لأنه حكى قول الله. (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) فأردنا عطف على خشينا وأردنا فعل وفاعل وأن يبدلهما أن وما في حيزها مفعول يبدلهما وخيرا منه مفعول ثان وزكاة تمييز أي صلاحا وتقى وأقرب رحما عطف على خيرا منه زكاة ورحما تمييز أيضا أي رحمة بوالديه. قال أبو حيان: وانتصب رحما على المفعول له وأجاز الزمخشري أن ينصب على المصدر بأراد قال لأنه في معنى رحمهما وأجاز أبو البقاء أن ينتصب على الحال وكلاهما متكلف. فتأمل. (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) الجملة معطوفة على ما تقدم والاعراب مماثل وفي المدينة صفة ثانية أو حال. (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وتحته ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وكنز اسمها المؤخر ولهما صفة وكان أبوهما صالحا كان واسمها وخبرها. (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) فأراد عطف على ما تقدم وربك فاعل وأن يبلغا مفعول أراد وأشدهما مفعول به وقد تقدم تفسير الأشد ويستخرجا عطف على يبلغا والألف فاعل وكنزهما مفعول به ورحمة من ربك مفعول لأجله أي لولا أني أقمته لانقض وهوى وخرج الكنز من تحته قبل أن يصبحا قادرين على حفظ المال وتنميته واستثماره ولضاع بددا. (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) الواو عاطفة وما نافية وفعلته فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على مجموع ما ذكر وعن أمري جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي صادرا عن أمري وإنما هو بأمر الله وإلهامه إياي وذلك مبتدأ وتأويل خبر وما مضاف اليه ولم حرف نفي وقلب وجزم وتسطع أي تستطع فحذفت منه تاء الافتعال مجزوم بلم وعليه متعلقان بصبرا وصبرا مفعول به. البلاغة: الفنون التي انطوت عليها الآيات الآنفة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب إذا نحن حاولنا استجلاء غوامضها واكتناه خوافيها فلنمض في استقصائها جانحين إلى لغة النظر فأولها: 1- نسيان نفسه عند ما قال: «أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» وهو بين الراكبين وهو جدير بأن ينهمك بأمر نفسه وما هو مقدم عليه من سوء المصير وإنما حمله على المبادرة بالإنكار الالتهاب والحمية للحق فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل واحد: نفسي نفسي، ولا يلوي على مال ولا ولد وتلك حالة الغرق تذهل فيها العقول وتغرب الأحلام ويضيع الرشد من الألباب. 2- التورية في قوله «قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ» أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان لإيهامه بأنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وبعضهم يسمي هذا النوع من معاريض الكلام، والمعاريض جمع معراض وهو هنا إيهام خلاف المراد لئلا يلزم الكذب وهو فن ظريف من فنونهم ولعله أجمل أنواع التورية التي سبق ذكرها وقد كان المتنبي يجنح إليه في قصائده وخاصة الكافوريات قال: برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يمان فشبيب هذا خارجي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها فيقال أن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم الذين كانوا معه لما مات، ويقال إنه أكثر من شرب الخمر فحدث به صرع ففي ساعة القتال أتته نوبة الصرع فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه وقد كان شبيب هذا من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك مشهورة والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة. ومن معاريض الكلام الحسنة قول أبي العلاء المعري في وصف الإبل: صلب العصا بضرب قد دمّاها ... تود أن الله قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى الضرب في الأرض وهو المسير فيها وكذلك دماها يطلق على شيئين أحدهما يقال: دمّاه إذا أسال دمه ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال أفناه إذا أذهبه وأفناه إذا أطعمه حب الفناء وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى نبتان يقال أغواه إذا أضله وأغواه إذا أطعمه النوى ويقال طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت وطلب رشدا إذا طلب الهداية. ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟ فقال النبي: من ماء، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر من أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي لوجهته وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقتهم من ماء وحاشى النبي أن يكذب. 3- توكيد الضميرين: وذلك في قوله تعالى «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» في قصة قتل الغلام وهذا بخلاف قصة السفينة فإنه قال فيها «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» وقال في الثانية «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة بعد مرة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو أتى الإنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته ثم أتى ذلك مرة ثانية أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه؟ وكذلك فعل هاهنا فإنه قيل في الملامة أولا: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» ثم قيل ثانيا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وهذا موضع يدق عن العثور عليه بالنظرة العجيلة ولا يمكن اكتناه حسنه إلا بعد التأمل العميق وهذا فن جليل القدر، بعيد الغور، فللضمائر أسرار لا يدركها إلا الملهمون والمبدعون وهي ليست مجرد ضمائر تذكر كما ترد في كتب النحو وستأتي في كتابنا هذا صور رائعة عنه تبين مدى قدر المبين وتساميه عن الانداد. التوكيد بالضمائر في الشعر: وسنورد لك هنا الآن نماذج من التوكيد بالضمائر الوارد في الشعر تذهل العقول فمن بديع ما استظرفناه قول أبي تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار فقوله «لا أنت أنت ولا الديار ديار» من المليح النادر لأنه هو هو والديار الديار وإنما مراده أن البواعث التي كانت تبعث على قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار. وقد حاول أبو الطيب أن ينسج على منوال أبي تمام فأسف ولم يلحق به إذ قال: قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام فقوله «أنت أنت» من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في مدحه ولكنه أفسد على نفسه ما أراده لأن سبك البيت عار من الحسن وفيه تقديم وتأخير أفسداه أيضا لأنه كان من حقه أن يقول: قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتّى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ذلك يبقى دون بيت أبي تمام العذب الرشيق وهذا مرده إلى الذوق وهو الحكم في هذا الباب. وروى صاحب الأغاني: أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة: يا خير الفتيان أردد علي ما أخذته من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو فقال له زياد: لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا» فقوله: لكنتم أنتم أنتم، أي أنتم الأشداء أو الشجعان أو ذوو النجدة والبأس إلا أن «أنتم» الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم كأنه قال لكنتم أنتم الشجعان دون غيرهم ولو مدحهم بأي شيء مدحهم به من وصف البأس والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة أعني «أنتم» الثانية. 4- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى: «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» فقد استعيرت الارادة للمشارفة والمداناة ويجوز أن يكون مجازا عقليا وهذا الخلاف مطرد في كل نسبة إلى مالا يعقل كقول عمرو بن أبي ربيعة: أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وسنبسط لك القول في هذا البيت بسطا شافيا لتتأكد من حقيقة هذا الكلام فالإباء المنع الاختياري وقد شبه الروادف والثدي لكبرها بمن يصح منه ذلك والكلام يحتمل إرادة التشبيه فهو مجاز علاقته المشابهة فيكون استعارة مكنية تبعية وقد لا يحتمل إرادة التشبيه ويكون عبارة عن مجرد إسناد الإباء إليها للدلالة على كبرها فيكون مجازا عقليا وفي الكلام أيضا لف ونشر مشوش لأن مس البطون يرجع للثدي ومس الظهور يرجع للروادف ولا بد لإظهار معنى البيت تماما من إيراد البيت الثاني وهو: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا يقال تناوح الجبلان أي تقابلا فالمراد بالتناوح التقابل بحيث يجيء بعض الرياح من أمامها وبعضها من خلفها فتظهر روادفها ونهودها وتلتصق الثياب بخصرها فيظهر ضموره فتنبه الحاسدة لها وتهيج الغيور لكراهية ذلك من الرياح. ومن هذا الضرب قول الحسن بن هانىء أبي نواس: فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطق اللهو حتى ينطق العود شبه العود بانسان على طريق الاستعارة المكنية ويصح أن يكون مجازا عقليا على نحو ما قدمنا لك. وقول حسان بن ثابت: ان دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان وجمل اسم محبوبته ويروى بعدي يقول: إن الدهر الذي يجمع شملي بمحبوبتي لدهر يهمّ بالإحسان على طريق المكنية ولفظ الهم تخييل ويحتمل أن إسناد الهم له مجاز عقلي كإسناد اللف. 5- التقديم والتأخير: ظاهر الكلام يقتضي تأخير قوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» عن قوله: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب والجواب على ذلك أنه سبحانه قدم المسبب على السبب للعناية به ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين. وفي الآية والتي بعدها أيضا أسرار عجيبة أخرى وذلك بمخالفة الضمائر فيهما فقد أسند في الأولى الفعل إلى ضميره خاصة بقوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما» و «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما» ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد أن ثمة عيبا فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا أو دبرنا كذا وإنما يعنون بأمر الملك أو دبر ويؤيد ذلك قوله في الثالثة «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما» فلم تأت الضمائر على نمط واحد وهذا من أرقى الأساليب وأحفلها بالمعاني الخصبة التي لا يمجها السمع وتحتويها الآذان. الفوائد: 1- الأفعال التي تنصب مفاعيل ثلاثة هي أعلم وأرى وأنبأ ونبأ وأخبر وخبر وحدث والأصل في هذه الأفعال أعلم وأرى اللذان كان أصلهما قبل دخول همزة النقل عليهما علم ورأى المتعديان لاثنين وأما الخمسة الباقية فليس لها ثلاثي يستعمل في العلم إلا خبر ولكنها ألحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدي إلى ثلاثة لأن الإنباء والتنبيء والإخبار والتخبير والتحديث بمعنى الإعلام، هذا وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها والى مضمون الثاني والثالث أو مضمون الثالث وحده بالباء نحو حدثتك بخروج زيد وعليه يحمل قوله تعالى «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وسيأتي مزيد بحث عن هذه الأفعال في موضعه إن شاء الله. 2- وراء: هو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام ومعناها هنا أمامهم وكون وراءهم بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيدة وابن السكيت والزجاج ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام وجاء في التنزيل والشعر، قال الله تعالى: «مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ» وقال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا يحنى عليها الأصابع وقال سوار بن المضرب السعدي: أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا وقال آخر: أليس ورائي أن أدب على العصا ... فتأمن أعداء وتسأمني أهلي وقال الفراء: «لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد جاز الوجهان لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك وكأنك إذا بلغته صار بين يديك» قال: «إنما جاز هذا في اللغة لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك» وأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.

الكهف 18:73

اللغة: (إِمْراً) : الإمر العظيم المنكر، قال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ... داهية دهيا وأمرا إمرا ويقال: أمر الإمر أي عظم وتفاقم وهذه المادة اللغوية غريبة تقول الأمر بالفتح: طلب إحداث الشيء وجمعه أوامر والأمر الشأن وجمعه أمور وأولو الأمر أهل الرياسة والعلماء، والإمّر والإمّر الضعيف الرأي، والأمير الآمر، فتتغير معانيها بتغير شكلها. (تُرْهِقْنِي) : تكلفني وفي المختار: رهقه غشيه وبابه طرب وأرهقا عسرا كلفه إياه. (زَكِيَّةً) : طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث، وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكّوا، وزكي يزكى زكى الزرع نما والرجل صلح وتنعم وزكاه الله بالتشديد أنماه وطهّره وأصلحه، وأخا زكاته وزكّى ماله أدّى عنه الزكاة، وزكّى نفسه مدحها. (نُكْراً) : بضم فسكون وبضمتين: المنكر وهو أبلغ من الإمر لأن معه القتل بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه وتلافيه وقيل: الإمر أبلغ لأن قتل النفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة. (يُضَيِّفُوهُما) : يقال ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته من الميل، يقال ضاف السهم عن الغرض وأضافه وضيفه جعله ضيفا وهم ضيوف وأضياف وضيفان، ومن المجاز: أضاف إليه أمرا إذا أسنده إليه واستكفأه وفلان أضيفت اليه الأمور وما هو إلا مضاف أي دعي، ونزلت به مضوفة. قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى يبلغ الساق مئزري الإعراب: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في الأمور الثلاثة التي ألمعنا إليها والتي خفيت بواطنها عن موسى وبدت له ظواهرها مستنكرة، ولا بد من تقدير محذوف أي فانطلقا يمشيان ومعهما تابعهما يوشع بن نون وقد اكتفى بذكر المتبوع عن التابع أي على ساحل البحر يطلبان سفينة تقلهما فوجدا سفينة فركباها فأخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي فجعل موسى يعارضه ويقول إلخ. وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة ركبا في السفينة في محل جر بإضافة الظرف إليها، وجملة خرقها جواب إذا وهو فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به. (قالَ: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) قال- أي موسى- أخرقتها والهمزة للاستفهام الإنكاري، لتغرق اللام للتعليل وتغرق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأهلها مفعول به، وسيأتي سر نسيان نفسه في باب البلاغة، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإمرا صفة. (قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وإن واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها. (قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) لا ناهية وتؤاخذني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به. ومن أمري حال لأنه كان في الأصل صفة لعسرا وعبرا مفعول به ثان لترهقني. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) فانطلقا الفاء للعطف وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة لقيا مضافة للظرف وهي شرط إذا وغلاما مفعول به، والفاء حرف عطف وقتله عطف على لقيا فهو داخل في حيز فعل الشرط بخلاف قوله «حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» بغير فاء فقد جعله هنا جوابا والعلة في هذه المخالفة، ان خرق السفينة لم يأت عقب الركوب مباشرة أما القتل فقد أتى عقب لقاء الغلام مباشرة، وقال هو جواب إذا، أقتلت: الهمزة للاستفهام الانكاري ونفسا مفعول به وزكية صفة، وبغير نفس: الجار والمجرور في موضع نصب على الحال من الفاعل أو المفعول أي قتلته ظالما أو مظلوما أو متعلق بقتلت، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به ونكرا صفة. (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وان واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها، وقد زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني. (قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) إن شرطية وسألتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وعن شيء جار ومجرور متعلقان بسألتك وبعدها ظرف متعلق بمحذوف صفة لشيء، والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتصاحبني مجزوم بلا والياء مفعول به. (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد حرف تحقيق وبلغت فعل وفاعل ومن حرف جر ولدن ظرف مبني على السكون في محل جر والجار والمجرور متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال وعذرا مفعول به. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) الفاء عاطفة وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأتيا فعل وفاعل وأهل مفعول به وقرية مضاف إليه، قيل القرية هي انطاكية ومعنى استطعما أهلها طلبا منهم الطعام على سبيل الضيافة، وجملة استطعما أهلها لا محل لها لأنها جواب إذا، واختار ابن هشام أن تكون صفة لقرية، وكرر الأهل للتأكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وقد تقدمت شواهده أو للتقصي ليشمل الاستطعام والامتناع من الإكرام جميع أهلها. (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) الفاء عاطفة وأبوا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول أبوا. (فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) الفاء عاطفة ووجدا فعل وفاعل وفيها جار ومجرور متعلقان بوجدا وجدارا مفعول به وجملة يريد صفة لجدارا وفي معنى إسناد الإرادة للجدار بحث ممتع يطالعه القارئ في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريد فأقامه الفاء عاطفة وأقامه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أي رفعه ورممه وأصلحه. (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) لو حرف شرط غير جازم وشئت فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو واتخذت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو وعليه متعلقان بمحذوف حال وأجرا مفعول به. (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) هذا مبتدأ والاشارة إلى الفراق المترتب على تكرار السؤال وفراق خبر وبيني مضاف إليه وساغت اضافة بين إلى غير متعدد لتكرير بين بالعطف بالواو وبينك عطف على بيني. (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) السين حرف استقبال وأنبئك فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبتأويل الباء حرف جر دخل على مضمون المفعولين الثاني والثالث وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وما اسم موصول مضاف إلى تأويل ولم حرف نفي وقلب وجزم وتستطع مضارع مجزوم بلم وصبرا مفعول به وعليه متعلقان بصبرا أي سأنبئك سر ما فعلت في الأمور الثلاثة. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) أما حرف شرط وتفصيل والسفينة مبتدأ والفاء رابطة وكانت كان واسمها المستتر والتاء تاء التأنيث الساكنة ولمساكين خبر كانت والجملة خبر السفينة وجملة يعملون في البحر صفة لمساكين وفي البحر متعلقان بيعلمون. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) الفاء عاطفة وأردت فعل وفاعل وأن أعيبها المصدر المؤول مفعول أردت والواو للحال وكان فعل ماض ناقص ووراءهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو بمعنى أمام ويجوز أن يكون بمعنى خلف وملك اسم كان المؤخر وجملة يؤخذ صفة وكل سفينة مفعول به وغصبا مفعول مطلق مبين لنوع الأخذ ويجوز أن يكون المصدر في موضع نصب على الحال وفي كلام تقديم وتأخير سيأتي سره العجيب في باب البلاغة. (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والغلام مبتدأ فكان الفاء رابطة وكان واسمها وخبرها فخشينا الفاء عاطفة وخشينا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول خشينا وطغيانا مفعول به ثان وكفرا عطف على طغيانا وجملة الجواب خبر الغلام وأسند الخشية إلى نفسه لأن الله أطلعه على مآل الغلام لو تناهت به المدة وانفسح الأجل، أو لأنه حكى قول الله. (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) فأردنا عطف على خشينا وأردنا فعل وفاعل وأن يبدلهما أن وما في حيزها مفعول يبدلهما وخيرا منه مفعول ثان وزكاة تمييز أي صلاحا وتقى وأقرب رحما عطف على خيرا منه زكاة ورحما تمييز أيضا أي رحمة بوالديه. قال أبو حيان: وانتصب رحما على المفعول له وأجاز الزمخشري أن ينصب على المصدر بأراد قال لأنه في معنى رحمهما وأجاز أبو البقاء أن ينتصب على الحال وكلاهما متكلف. فتأمل. (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) الجملة معطوفة على ما تقدم والاعراب مماثل وفي المدينة صفة ثانية أو حال. (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وتحته ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وكنز اسمها المؤخر ولهما صفة وكان أبوهما صالحا كان واسمها وخبرها. (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) فأراد عطف على ما تقدم وربك فاعل وأن يبلغا مفعول أراد وأشدهما مفعول به وقد تقدم تفسير الأشد ويستخرجا عطف على يبلغا والألف فاعل وكنزهما مفعول به ورحمة من ربك مفعول لأجله أي لولا أني أقمته لانقض وهوى وخرج الكنز من تحته قبل أن يصبحا قادرين على حفظ المال وتنميته واستثماره ولضاع بددا. (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) الواو عاطفة وما نافية وفعلته فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على مجموع ما ذكر وعن أمري جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي صادرا عن أمري وإنما هو بأمر الله وإلهامه إياي وذلك مبتدأ وتأويل خبر وما مضاف اليه ولم حرف نفي وقلب وجزم وتسطع أي تستطع فحذفت منه تاء الافتعال مجزوم بلم وعليه متعلقان بصبرا وصبرا مفعول به. البلاغة: الفنون التي انطوت عليها الآيات الآنفة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب إذا نحن حاولنا استجلاء غوامضها واكتناه خوافيها فلنمض في استقصائها جانحين إلى لغة النظر فأولها: 1- نسيان نفسه عند ما قال: «أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» وهو بين الراكبين وهو جدير بأن ينهمك بأمر نفسه وما هو مقدم عليه من سوء المصير وإنما حمله على المبادرة بالإنكار الالتهاب والحمية للحق فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل واحد: نفسي نفسي، ولا يلوي على مال ولا ولد وتلك حالة الغرق تذهل فيها العقول وتغرب الأحلام ويضيع الرشد من الألباب. 2- التورية في قوله «قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ» أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان لإيهامه بأنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وبعضهم يسمي هذا النوع من معاريض الكلام، والمعاريض جمع معراض وهو هنا إيهام خلاف المراد لئلا يلزم الكذب وهو فن ظريف من فنونهم ولعله أجمل أنواع التورية التي سبق ذكرها وقد كان المتنبي يجنح إليه في قصائده وخاصة الكافوريات قال: برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يمان فشبيب هذا خارجي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها فيقال أن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم الذين كانوا معه لما مات، ويقال إنه أكثر من شرب الخمر فحدث به صرع ففي ساعة القتال أتته نوبة الصرع فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه وقد كان شبيب هذا من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك مشهورة والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة. ومن معاريض الكلام الحسنة قول أبي العلاء المعري في وصف الإبل: صلب العصا بضرب قد دمّاها ... تود أن الله قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى الضرب في الأرض وهو المسير فيها وكذلك دماها يطلق على شيئين أحدهما يقال: دمّاه إذا أسال دمه ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال أفناه إذا أذهبه وأفناه إذا أطعمه حب الفناء وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى نبتان يقال أغواه إذا أضله وأغواه إذا أطعمه النوى ويقال طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت وطلب رشدا إذا طلب الهداية. ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟ فقال النبي: من ماء، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر من أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي لوجهته وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقتهم من ماء وحاشى النبي أن يكذب. 3- توكيد الضميرين: وذلك في قوله تعالى «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» في قصة قتل الغلام وهذا بخلاف قصة السفينة فإنه قال فيها «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» وقال في الثانية «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة بعد مرة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو أتى الإنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته ثم أتى ذلك مرة ثانية أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه؟ وكذلك فعل هاهنا فإنه قيل في الملامة أولا: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» ثم قيل ثانيا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وهذا موضع يدق عن العثور عليه بالنظرة العجيلة ولا يمكن اكتناه حسنه إلا بعد التأمل العميق وهذا فن جليل القدر، بعيد الغور، فللضمائر أسرار لا يدركها إلا الملهمون والمبدعون وهي ليست مجرد ضمائر تذكر كما ترد في كتب النحو وستأتي في كتابنا هذا صور رائعة عنه تبين مدى قدر المبين وتساميه عن الانداد. التوكيد بالضمائر في الشعر: وسنورد لك هنا الآن نماذج من التوكيد بالضمائر الوارد في الشعر تذهل العقول فمن بديع ما استظرفناه قول أبي تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار فقوله «لا أنت أنت ولا الديار ديار» من المليح النادر لأنه هو هو والديار الديار وإنما مراده أن البواعث التي كانت تبعث على قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار. وقد حاول أبو الطيب أن ينسج على منوال أبي تمام فأسف ولم يلحق به إذ قال: قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام فقوله «أنت أنت» من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في مدحه ولكنه أفسد على نفسه ما أراده لأن سبك البيت عار من الحسن وفيه تقديم وتأخير أفسداه أيضا لأنه كان من حقه أن يقول: قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتّى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ذلك يبقى دون بيت أبي تمام العذب الرشيق وهذا مرده إلى الذوق وهو الحكم في هذا الباب. وروى صاحب الأغاني: أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة: يا خير الفتيان أردد علي ما أخذته من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو فقال له زياد: لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا» فقوله: لكنتم أنتم أنتم، أي أنتم الأشداء أو الشجعان أو ذوو النجدة والبأس إلا أن «أنتم» الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم كأنه قال لكنتم أنتم الشجعان دون غيرهم ولو مدحهم بأي شيء مدحهم به من وصف البأس والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة أعني «أنتم» الثانية. 4- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى: «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» فقد استعيرت الارادة للمشارفة والمداناة ويجوز أن يكون مجازا عقليا وهذا الخلاف مطرد في كل نسبة إلى مالا يعقل كقول عمرو بن أبي ربيعة: أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وسنبسط لك القول في هذا البيت بسطا شافيا لتتأكد من حقيقة هذا الكلام فالإباء المنع الاختياري وقد شبه الروادف والثدي لكبرها بمن يصح منه ذلك والكلام يحتمل إرادة التشبيه فهو مجاز علاقته المشابهة فيكون استعارة مكنية تبعية وقد لا يحتمل إرادة التشبيه ويكون عبارة عن مجرد إسناد الإباء إليها للدلالة على كبرها فيكون مجازا عقليا وفي الكلام أيضا لف ونشر مشوش لأن مس البطون يرجع للثدي ومس الظهور يرجع للروادف ولا بد لإظهار معنى البيت تماما من إيراد البيت الثاني وهو: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا يقال تناوح الجبلان أي تقابلا فالمراد بالتناوح التقابل بحيث يجيء بعض الرياح من أمامها وبعضها من خلفها فتظهر روادفها ونهودها وتلتصق الثياب بخصرها فيظهر ضموره فتنبه الحاسدة لها وتهيج الغيور لكراهية ذلك من الرياح. ومن هذا الضرب قول الحسن بن هانىء أبي نواس: فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطق اللهو حتى ينطق العود شبه العود بانسان على طريق الاستعارة المكنية ويصح أن يكون مجازا عقليا على نحو ما قدمنا لك. وقول حسان بن ثابت: ان دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان وجمل اسم محبوبته ويروى بعدي يقول: إن الدهر الذي يجمع شملي بمحبوبتي لدهر يهمّ بالإحسان على طريق المكنية ولفظ الهم تخييل ويحتمل أن إسناد الهم له مجاز عقلي كإسناد اللف. 5- التقديم والتأخير: ظاهر الكلام يقتضي تأخير قوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» عن قوله: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب والجواب على ذلك أنه سبحانه قدم المسبب على السبب للعناية به ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين. وفي الآية والتي بعدها أيضا أسرار عجيبة أخرى وذلك بمخالفة الضمائر فيهما فقد أسند في الأولى الفعل إلى ضميره خاصة بقوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما» و «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما» ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد أن ثمة عيبا فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا أو دبرنا كذا وإنما يعنون بأمر الملك أو دبر ويؤيد ذلك قوله في الثالثة «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما» فلم تأت الضمائر على نمط واحد وهذا من أرقى الأساليب وأحفلها بالمعاني الخصبة التي لا يمجها السمع وتحتويها الآذان. الفوائد: 1- الأفعال التي تنصب مفاعيل ثلاثة هي أعلم وأرى وأنبأ ونبأ وأخبر وخبر وحدث والأصل في هذه الأفعال أعلم وأرى اللذان كان أصلهما قبل دخول همزة النقل عليهما علم ورأى المتعديان لاثنين وأما الخمسة الباقية فليس لها ثلاثي يستعمل في العلم إلا خبر ولكنها ألحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدي إلى ثلاثة لأن الإنباء والتنبيء والإخبار والتخبير والتحديث بمعنى الإعلام، هذا وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها والى مضمون الثاني والثالث أو مضمون الثالث وحده بالباء نحو حدثتك بخروج زيد وعليه يحمل قوله تعالى «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وسيأتي مزيد بحث عن هذه الأفعال في موضعه إن شاء الله. 2- وراء: هو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام ومعناها هنا أمامهم وكون وراءهم بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيدة وابن السكيت والزجاج ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام وجاء في التنزيل والشعر، قال الله تعالى: «مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ» وقال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا يحنى عليها الأصابع وقال سوار بن المضرب السعدي: أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا وقال آخر: أليس ورائي أن أدب على العصا ... فتأمن أعداء وتسأمني أهلي وقال الفراء: «لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد جاز الوجهان لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك وكأنك إذا بلغته صار بين يديك» قال: «إنما جاز هذا في اللغة لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك» وأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.

الكهف 18:74

اللغة: (إِمْراً) : الإمر العظيم المنكر، قال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ... داهية دهيا وأمرا إمرا ويقال: أمر الإمر أي عظم وتفاقم وهذه المادة اللغوية غريبة تقول الأمر بالفتح: طلب إحداث الشيء وجمعه أوامر والأمر الشأن وجمعه أمور وأولو الأمر أهل الرياسة والعلماء، والإمّر والإمّر الضعيف الرأي، والأمير الآمر، فتتغير معانيها بتغير شكلها. (تُرْهِقْنِي) : تكلفني وفي المختار: رهقه غشيه وبابه طرب وأرهقا عسرا كلفه إياه. (زَكِيَّةً) : طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث، وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكّوا، وزكي يزكى زكى الزرع نما والرجل صلح وتنعم وزكاه الله بالتشديد أنماه وطهّره وأصلحه، وأخا زكاته وزكّى ماله أدّى عنه الزكاة، وزكّى نفسه مدحها. (نُكْراً) : بضم فسكون وبضمتين: المنكر وهو أبلغ من الإمر لأن معه القتل بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه وتلافيه وقيل: الإمر أبلغ لأن قتل النفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة. (يُضَيِّفُوهُما) : يقال ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته من الميل، يقال ضاف السهم عن الغرض وأضافه وضيفه جعله ضيفا وهم ضيوف وأضياف وضيفان، ومن المجاز: أضاف إليه أمرا إذا أسنده إليه واستكفأه وفلان أضيفت اليه الأمور وما هو إلا مضاف أي دعي، ونزلت به مضوفة. قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى يبلغ الساق مئزري الإعراب: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في الأمور الثلاثة التي ألمعنا إليها والتي خفيت بواطنها عن موسى وبدت له ظواهرها مستنكرة، ولا بد من تقدير محذوف أي فانطلقا يمشيان ومعهما تابعهما يوشع بن نون وقد اكتفى بذكر المتبوع عن التابع أي على ساحل البحر يطلبان سفينة تقلهما فوجدا سفينة فركباها فأخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي فجعل موسى يعارضه ويقول إلخ. وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة ركبا في السفينة في محل جر بإضافة الظرف إليها، وجملة خرقها جواب إذا وهو فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به. (قالَ: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) قال- أي موسى- أخرقتها والهمزة للاستفهام الإنكاري، لتغرق اللام للتعليل وتغرق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأهلها مفعول به، وسيأتي سر نسيان نفسه في باب البلاغة، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإمرا صفة. (قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وإن واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها. (قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) لا ناهية وتؤاخذني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به. ومن أمري حال لأنه كان في الأصل صفة لعسرا وعبرا مفعول به ثان لترهقني. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) فانطلقا الفاء للعطف وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة لقيا مضافة للظرف وهي شرط إذا وغلاما مفعول به، والفاء حرف عطف وقتله عطف على لقيا فهو داخل في حيز فعل الشرط بخلاف قوله «حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» بغير فاء فقد جعله هنا جوابا والعلة في هذه المخالفة، ان خرق السفينة لم يأت عقب الركوب مباشرة أما القتل فقد أتى عقب لقاء الغلام مباشرة، وقال هو جواب إذا، أقتلت: الهمزة للاستفهام الانكاري ونفسا مفعول به وزكية صفة، وبغير نفس: الجار والمجرور في موضع نصب على الحال من الفاعل أو المفعول أي قتلته ظالما أو مظلوما أو متعلق بقتلت، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به ونكرا صفة. (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وان واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها، وقد زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني. (قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) إن شرطية وسألتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وعن شيء جار ومجرور متعلقان بسألتك وبعدها ظرف متعلق بمحذوف صفة لشيء، والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتصاحبني مجزوم بلا والياء مفعول به. (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد حرف تحقيق وبلغت فعل وفاعل ومن حرف جر ولدن ظرف مبني على السكون في محل جر والجار والمجرور متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال وعذرا مفعول به. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) الفاء عاطفة وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأتيا فعل وفاعل وأهل مفعول به وقرية مضاف إليه، قيل القرية هي انطاكية ومعنى استطعما أهلها طلبا منهم الطعام على سبيل الضيافة، وجملة استطعما أهلها لا محل لها لأنها جواب إذا، واختار ابن هشام أن تكون صفة لقرية، وكرر الأهل للتأكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وقد تقدمت شواهده أو للتقصي ليشمل الاستطعام والامتناع من الإكرام جميع أهلها. (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) الفاء عاطفة وأبوا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول أبوا. (فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) الفاء عاطفة ووجدا فعل وفاعل وفيها جار ومجرور متعلقان بوجدا وجدارا مفعول به وجملة يريد صفة لجدارا وفي معنى إسناد الإرادة للجدار بحث ممتع يطالعه القارئ في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريد فأقامه الفاء عاطفة وأقامه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أي رفعه ورممه وأصلحه. (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) لو حرف شرط غير جازم وشئت فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو واتخذت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو وعليه متعلقان بمحذوف حال وأجرا مفعول به. (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) هذا مبتدأ والاشارة إلى الفراق المترتب على تكرار السؤال وفراق خبر وبيني مضاف إليه وساغت اضافة بين إلى غير متعدد لتكرير بين بالعطف بالواو وبينك عطف على بيني. (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) السين حرف استقبال وأنبئك فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبتأويل الباء حرف جر دخل على مضمون المفعولين الثاني والثالث وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وما اسم موصول مضاف إلى تأويل ولم حرف نفي وقلب وجزم وتستطع مضارع مجزوم بلم وصبرا مفعول به وعليه متعلقان بصبرا أي سأنبئك سر ما فعلت في الأمور الثلاثة. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) أما حرف شرط وتفصيل والسفينة مبتدأ والفاء رابطة وكانت كان واسمها المستتر والتاء تاء التأنيث الساكنة ولمساكين خبر كانت والجملة خبر السفينة وجملة يعملون في البحر صفة لمساكين وفي البحر متعلقان بيعلمون. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) الفاء عاطفة وأردت فعل وفاعل وأن أعيبها المصدر المؤول مفعول أردت والواو للحال وكان فعل ماض ناقص ووراءهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو بمعنى أمام ويجوز أن يكون بمعنى خلف وملك اسم كان المؤخر وجملة يؤخذ صفة وكل سفينة مفعول به وغصبا مفعول مطلق مبين لنوع الأخذ ويجوز أن يكون المصدر في موضع نصب على الحال وفي كلام تقديم وتأخير سيأتي سره العجيب في باب البلاغة. (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والغلام مبتدأ فكان الفاء رابطة وكان واسمها وخبرها فخشينا الفاء عاطفة وخشينا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول خشينا وطغيانا مفعول به ثان وكفرا عطف على طغيانا وجملة الجواب خبر الغلام وأسند الخشية إلى نفسه لأن الله أطلعه على مآل الغلام لو تناهت به المدة وانفسح الأجل، أو لأنه حكى قول الله. (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) فأردنا عطف على خشينا وأردنا فعل وفاعل وأن يبدلهما أن وما في حيزها مفعول يبدلهما وخيرا منه مفعول ثان وزكاة تمييز أي صلاحا وتقى وأقرب رحما عطف على خيرا منه زكاة ورحما تمييز أيضا أي رحمة بوالديه. قال أبو حيان: وانتصب رحما على المفعول له وأجاز الزمخشري أن ينصب على المصدر بأراد قال لأنه في معنى رحمهما وأجاز أبو البقاء أن ينتصب على الحال وكلاهما متكلف. فتأمل. (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) الجملة معطوفة على ما تقدم والاعراب مماثل وفي المدينة صفة ثانية أو حال. (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وتحته ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وكنز اسمها المؤخر ولهما صفة وكان أبوهما صالحا كان واسمها وخبرها. (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) فأراد عطف على ما تقدم وربك فاعل وأن يبلغا مفعول أراد وأشدهما مفعول به وقد تقدم تفسير الأشد ويستخرجا عطف على يبلغا والألف فاعل وكنزهما مفعول به ورحمة من ربك مفعول لأجله أي لولا أني أقمته لانقض وهوى وخرج الكنز من تحته قبل أن يصبحا قادرين على حفظ المال وتنميته واستثماره ولضاع بددا. (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) الواو عاطفة وما نافية وفعلته فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على مجموع ما ذكر وعن أمري جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي صادرا عن أمري وإنما هو بأمر الله وإلهامه إياي وذلك مبتدأ وتأويل خبر وما مضاف اليه ولم حرف نفي وقلب وجزم وتسطع أي تستطع فحذفت منه تاء الافتعال مجزوم بلم وعليه متعلقان بصبرا وصبرا مفعول به. البلاغة: الفنون التي انطوت عليها الآيات الآنفة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب إذا نحن حاولنا استجلاء غوامضها واكتناه خوافيها فلنمض في استقصائها جانحين إلى لغة النظر فأولها: 1- نسيان نفسه عند ما قال: «أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» وهو بين الراكبين وهو جدير بأن ينهمك بأمر نفسه وما هو مقدم عليه من سوء المصير وإنما حمله على المبادرة بالإنكار الالتهاب والحمية للحق فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل واحد: نفسي نفسي، ولا يلوي على مال ولا ولد وتلك حالة الغرق تذهل فيها العقول وتغرب الأحلام ويضيع الرشد من الألباب. 2- التورية في قوله «قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ» أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان لإيهامه بأنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وبعضهم يسمي هذا النوع من معاريض الكلام، والمعاريض جمع معراض وهو هنا إيهام خلاف المراد لئلا يلزم الكذب وهو فن ظريف من فنونهم ولعله أجمل أنواع التورية التي سبق ذكرها وقد كان المتنبي يجنح إليه في قصائده وخاصة الكافوريات قال: برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يمان فشبيب هذا خارجي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها فيقال أن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم الذين كانوا معه لما مات، ويقال إنه أكثر من شرب الخمر فحدث به صرع ففي ساعة القتال أتته نوبة الصرع فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه وقد كان شبيب هذا من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك مشهورة والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة. ومن معاريض الكلام الحسنة قول أبي العلاء المعري في وصف الإبل: صلب العصا بضرب قد دمّاها ... تود أن الله قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى الضرب في الأرض وهو المسير فيها وكذلك دماها يطلق على شيئين أحدهما يقال: دمّاه إذا أسال دمه ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال أفناه إذا أذهبه وأفناه إذا أطعمه حب الفناء وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى نبتان يقال أغواه إذا أضله وأغواه إذا أطعمه النوى ويقال طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت وطلب رشدا إذا طلب الهداية. ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟ فقال النبي: من ماء، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر من أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي لوجهته وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقتهم من ماء وحاشى النبي أن يكذب. 3- توكيد الضميرين: وذلك في قوله تعالى «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» في قصة قتل الغلام وهذا بخلاف قصة السفينة فإنه قال فيها «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» وقال في الثانية «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة بعد مرة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو أتى الإنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته ثم أتى ذلك مرة ثانية أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه؟ وكذلك فعل هاهنا فإنه قيل في الملامة أولا: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» ثم قيل ثانيا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وهذا موضع يدق عن العثور عليه بالنظرة العجيلة ولا يمكن اكتناه حسنه إلا بعد التأمل العميق وهذا فن جليل القدر، بعيد الغور، فللضمائر أسرار لا يدركها إلا الملهمون والمبدعون وهي ليست مجرد ضمائر تذكر كما ترد في كتب النحو وستأتي في كتابنا هذا صور رائعة عنه تبين مدى قدر المبين وتساميه عن الانداد. التوكيد بالضمائر في الشعر: وسنورد لك هنا الآن نماذج من التوكيد بالضمائر الوارد في الشعر تذهل العقول فمن بديع ما استظرفناه قول أبي تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار فقوله «لا أنت أنت ولا الديار ديار» من المليح النادر لأنه هو هو والديار الديار وإنما مراده أن البواعث التي كانت تبعث على قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار. وقد حاول أبو الطيب أن ينسج على منوال أبي تمام فأسف ولم يلحق به إذ قال: قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام فقوله «أنت أنت» من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في مدحه ولكنه أفسد على نفسه ما أراده لأن سبك البيت عار من الحسن وفيه تقديم وتأخير أفسداه أيضا لأنه كان من حقه أن يقول: قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتّى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ذلك يبقى دون بيت أبي تمام العذب الرشيق وهذا مرده إلى الذوق وهو الحكم في هذا الباب. وروى صاحب الأغاني: أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة: يا خير الفتيان أردد علي ما أخذته من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو فقال له زياد: لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا» فقوله: لكنتم أنتم أنتم، أي أنتم الأشداء أو الشجعان أو ذوو النجدة والبأس إلا أن «أنتم» الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم كأنه قال لكنتم أنتم الشجعان دون غيرهم ولو مدحهم بأي شيء مدحهم به من وصف البأس والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة أعني «أنتم» الثانية. 4- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى: «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» فقد استعيرت الارادة للمشارفة والمداناة ويجوز أن يكون مجازا عقليا وهذا الخلاف مطرد في كل نسبة إلى مالا يعقل كقول عمرو بن أبي ربيعة: أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وسنبسط لك القول في هذا البيت بسطا شافيا لتتأكد من حقيقة هذا الكلام فالإباء المنع الاختياري وقد شبه الروادف والثدي لكبرها بمن يصح منه ذلك والكلام يحتمل إرادة التشبيه فهو مجاز علاقته المشابهة فيكون استعارة مكنية تبعية وقد لا يحتمل إرادة التشبيه ويكون عبارة عن مجرد إسناد الإباء إليها للدلالة على كبرها فيكون مجازا عقليا وفي الكلام أيضا لف ونشر مشوش لأن مس البطون يرجع للثدي ومس الظهور يرجع للروادف ولا بد لإظهار معنى البيت تماما من إيراد البيت الثاني وهو: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا يقال تناوح الجبلان أي تقابلا فالمراد بالتناوح التقابل بحيث يجيء بعض الرياح من أمامها وبعضها من خلفها فتظهر روادفها ونهودها وتلتصق الثياب بخصرها فيظهر ضموره فتنبه الحاسدة لها وتهيج الغيور لكراهية ذلك من الرياح. ومن هذا الضرب قول الحسن بن هانىء أبي نواس: فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطق اللهو حتى ينطق العود شبه العود بانسان على طريق الاستعارة المكنية ويصح أن يكون مجازا عقليا على نحو ما قدمنا لك. وقول حسان بن ثابت: ان دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان وجمل اسم محبوبته ويروى بعدي يقول: إن الدهر الذي يجمع شملي بمحبوبتي لدهر يهمّ بالإحسان على طريق المكنية ولفظ الهم تخييل ويحتمل أن إسناد الهم له مجاز عقلي كإسناد اللف. 5- التقديم والتأخير: ظاهر الكلام يقتضي تأخير قوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» عن قوله: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب والجواب على ذلك أنه سبحانه قدم المسبب على السبب للعناية به ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين. وفي الآية والتي بعدها أيضا أسرار عجيبة أخرى وذلك بمخالفة الضمائر فيهما فقد أسند في الأولى الفعل إلى ضميره خاصة بقوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما» و «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما» ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد أن ثمة عيبا فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا أو دبرنا كذا وإنما يعنون بأمر الملك أو دبر ويؤيد ذلك قوله في الثالثة «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما» فلم تأت الضمائر على نمط واحد وهذا من أرقى الأساليب وأحفلها بالمعاني الخصبة التي لا يمجها السمع وتحتويها الآذان. الفوائد: 1- الأفعال التي تنصب مفاعيل ثلاثة هي أعلم وأرى وأنبأ ونبأ وأخبر وخبر وحدث والأصل في هذه الأفعال أعلم وأرى اللذان كان أصلهما قبل دخول همزة النقل عليهما علم ورأى المتعديان لاثنين وأما الخمسة الباقية فليس لها ثلاثي يستعمل في العلم إلا خبر ولكنها ألحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدي إلى ثلاثة لأن الإنباء والتنبيء والإخبار والتخبير والتحديث بمعنى الإعلام، هذا وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها والى مضمون الثاني والثالث أو مضمون الثالث وحده بالباء نحو حدثتك بخروج زيد وعليه يحمل قوله تعالى «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وسيأتي مزيد بحث عن هذه الأفعال في موضعه إن شاء الله. 2- وراء: هو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام ومعناها هنا أمامهم وكون وراءهم بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيدة وابن السكيت والزجاج ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام وجاء في التنزيل والشعر، قال الله تعالى: «مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ» وقال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا يحنى عليها الأصابع وقال سوار بن المضرب السعدي: أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا وقال آخر: أليس ورائي أن أدب على العصا ... فتأمن أعداء وتسأمني أهلي وقال الفراء: «لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد جاز الوجهان لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك وكأنك إذا بلغته صار بين يديك» قال: «إنما جاز هذا في اللغة لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك» وأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.

الكهف 18:75

اللغة: (إِمْراً) : الإمر العظيم المنكر، قال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ... داهية دهيا وأمرا إمرا ويقال: أمر الإمر أي عظم وتفاقم وهذه المادة اللغوية غريبة تقول الأمر بالفتح: طلب إحداث الشيء وجمعه أوامر والأمر الشأن وجمعه أمور وأولو الأمر أهل الرياسة والعلماء، والإمّر والإمّر الضعيف الرأي، والأمير الآمر، فتتغير معانيها بتغير شكلها. (تُرْهِقْنِي) : تكلفني وفي المختار: رهقه غشيه وبابه طرب وأرهقا عسرا كلفه إياه. (زَكِيَّةً) : طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث، وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكّوا، وزكي يزكى زكى الزرع نما والرجل صلح وتنعم وزكاه الله بالتشديد أنماه وطهّره وأصلحه، وأخا زكاته وزكّى ماله أدّى عنه الزكاة، وزكّى نفسه مدحها. (نُكْراً) : بضم فسكون وبضمتين: المنكر وهو أبلغ من الإمر لأن معه القتل بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه وتلافيه وقيل: الإمر أبلغ لأن قتل النفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة. (يُضَيِّفُوهُما) : يقال ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته من الميل، يقال ضاف السهم عن الغرض وأضافه وضيفه جعله ضيفا وهم ضيوف وأضياف وضيفان، ومن المجاز: أضاف إليه أمرا إذا أسنده إليه واستكفأه وفلان أضيفت اليه الأمور وما هو إلا مضاف أي دعي، ونزلت به مضوفة. قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى يبلغ الساق مئزري الإعراب: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في الأمور الثلاثة التي ألمعنا إليها والتي خفيت بواطنها عن موسى وبدت له ظواهرها مستنكرة، ولا بد من تقدير محذوف أي فانطلقا يمشيان ومعهما تابعهما يوشع بن نون وقد اكتفى بذكر المتبوع عن التابع أي على ساحل البحر يطلبان سفينة تقلهما فوجدا سفينة فركباها فأخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي فجعل موسى يعارضه ويقول إلخ. وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة ركبا في السفينة في محل جر بإضافة الظرف إليها، وجملة خرقها جواب إذا وهو فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به. (قالَ: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) قال- أي موسى- أخرقتها والهمزة للاستفهام الإنكاري، لتغرق اللام للتعليل وتغرق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأهلها مفعول به، وسيأتي سر نسيان نفسه في باب البلاغة، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإمرا صفة. (قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وإن واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها. (قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) لا ناهية وتؤاخذني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به. ومن أمري حال لأنه كان في الأصل صفة لعسرا وعبرا مفعول به ثان لترهقني. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) فانطلقا الفاء للعطف وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة لقيا مضافة للظرف وهي شرط إذا وغلاما مفعول به، والفاء حرف عطف وقتله عطف على لقيا فهو داخل في حيز فعل الشرط بخلاف قوله «حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» بغير فاء فقد جعله هنا جوابا والعلة في هذه المخالفة، ان خرق السفينة لم يأت عقب الركوب مباشرة أما القتل فقد أتى عقب لقاء الغلام مباشرة، وقال هو جواب إذا، أقتلت: الهمزة للاستفهام الانكاري ونفسا مفعول به وزكية صفة، وبغير نفس: الجار والمجرور في موضع نصب على الحال من الفاعل أو المفعول أي قتلته ظالما أو مظلوما أو متعلق بقتلت، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به ونكرا صفة. (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وان واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها، وقد زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني. (قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) إن شرطية وسألتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وعن شيء جار ومجرور متعلقان بسألتك وبعدها ظرف متعلق بمحذوف صفة لشيء، والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتصاحبني مجزوم بلا والياء مفعول به. (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد حرف تحقيق وبلغت فعل وفاعل ومن حرف جر ولدن ظرف مبني على السكون في محل جر والجار والمجرور متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال وعذرا مفعول به. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) الفاء عاطفة وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأتيا فعل وفاعل وأهل مفعول به وقرية مضاف إليه، قيل القرية هي انطاكية ومعنى استطعما أهلها طلبا منهم الطعام على سبيل الضيافة، وجملة استطعما أهلها لا محل لها لأنها جواب إذا، واختار ابن هشام أن تكون صفة لقرية، وكرر الأهل للتأكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وقد تقدمت شواهده أو للتقصي ليشمل الاستطعام والامتناع من الإكرام جميع أهلها. (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) الفاء عاطفة وأبوا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول أبوا. (فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) الفاء عاطفة ووجدا فعل وفاعل وفيها جار ومجرور متعلقان بوجدا وجدارا مفعول به وجملة يريد صفة لجدارا وفي معنى إسناد الإرادة للجدار بحث ممتع يطالعه القارئ في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريد فأقامه الفاء عاطفة وأقامه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أي رفعه ورممه وأصلحه. (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) لو حرف شرط غير جازم وشئت فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو واتخذت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو وعليه متعلقان بمحذوف حال وأجرا مفعول به. (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) هذا مبتدأ والاشارة إلى الفراق المترتب على تكرار السؤال وفراق خبر وبيني مضاف إليه وساغت اضافة بين إلى غير متعدد لتكرير بين بالعطف بالواو وبينك عطف على بيني. (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) السين حرف استقبال وأنبئك فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبتأويل الباء حرف جر دخل على مضمون المفعولين الثاني والثالث وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وما اسم موصول مضاف إلى تأويل ولم حرف نفي وقلب وجزم وتستطع مضارع مجزوم بلم وصبرا مفعول به وعليه متعلقان بصبرا أي سأنبئك سر ما فعلت في الأمور الثلاثة. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) أما حرف شرط وتفصيل والسفينة مبتدأ والفاء رابطة وكانت كان واسمها المستتر والتاء تاء التأنيث الساكنة ولمساكين خبر كانت والجملة خبر السفينة وجملة يعملون في البحر صفة لمساكين وفي البحر متعلقان بيعلمون. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) الفاء عاطفة وأردت فعل وفاعل وأن أعيبها المصدر المؤول مفعول أردت والواو للحال وكان فعل ماض ناقص ووراءهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو بمعنى أمام ويجوز أن يكون بمعنى خلف وملك اسم كان المؤخر وجملة يؤخذ صفة وكل سفينة مفعول به وغصبا مفعول مطلق مبين لنوع الأخذ ويجوز أن يكون المصدر في موضع نصب على الحال وفي كلام تقديم وتأخير سيأتي سره العجيب في باب البلاغة. (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والغلام مبتدأ فكان الفاء رابطة وكان واسمها وخبرها فخشينا الفاء عاطفة وخشينا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول خشينا وطغيانا مفعول به ثان وكفرا عطف على طغيانا وجملة الجواب خبر الغلام وأسند الخشية إلى نفسه لأن الله أطلعه على مآل الغلام لو تناهت به المدة وانفسح الأجل، أو لأنه حكى قول الله. (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) فأردنا عطف على خشينا وأردنا فعل وفاعل وأن يبدلهما أن وما في حيزها مفعول يبدلهما وخيرا منه مفعول ثان وزكاة تمييز أي صلاحا وتقى وأقرب رحما عطف على خيرا منه زكاة ورحما تمييز أيضا أي رحمة بوالديه. قال أبو حيان: وانتصب رحما على المفعول له وأجاز الزمخشري أن ينصب على المصدر بأراد قال لأنه في معنى رحمهما وأجاز أبو البقاء أن ينتصب على الحال وكلاهما متكلف. فتأمل. (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) الجملة معطوفة على ما تقدم والاعراب مماثل وفي المدينة صفة ثانية أو حال. (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وتحته ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وكنز اسمها المؤخر ولهما صفة وكان أبوهما صالحا كان واسمها وخبرها. (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) فأراد عطف على ما تقدم وربك فاعل وأن يبلغا مفعول أراد وأشدهما مفعول به وقد تقدم تفسير الأشد ويستخرجا عطف على يبلغا والألف فاعل وكنزهما مفعول به ورحمة من ربك مفعول لأجله أي لولا أني أقمته لانقض وهوى وخرج الكنز من تحته قبل أن يصبحا قادرين على حفظ المال وتنميته واستثماره ولضاع بددا. (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) الواو عاطفة وما نافية وفعلته فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على مجموع ما ذكر وعن أمري جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي صادرا عن أمري وإنما هو بأمر الله وإلهامه إياي وذلك مبتدأ وتأويل خبر وما مضاف اليه ولم حرف نفي وقلب وجزم وتسطع أي تستطع فحذفت منه تاء الافتعال مجزوم بلم وعليه متعلقان بصبرا وصبرا مفعول به. البلاغة: الفنون التي انطوت عليها الآيات الآنفة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب إذا نحن حاولنا استجلاء غوامضها واكتناه خوافيها فلنمض في استقصائها جانحين إلى لغة النظر فأولها: 1- نسيان نفسه عند ما قال: «أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» وهو بين الراكبين وهو جدير بأن ينهمك بأمر نفسه وما هو مقدم عليه من سوء المصير وإنما حمله على المبادرة بالإنكار الالتهاب والحمية للحق فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل واحد: نفسي نفسي، ولا يلوي على مال ولا ولد وتلك حالة الغرق تذهل فيها العقول وتغرب الأحلام ويضيع الرشد من الألباب. 2- التورية في قوله «قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ» أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان لإيهامه بأنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وبعضهم يسمي هذا النوع من معاريض الكلام، والمعاريض جمع معراض وهو هنا إيهام خلاف المراد لئلا يلزم الكذب وهو فن ظريف من فنونهم ولعله أجمل أنواع التورية التي سبق ذكرها وقد كان المتنبي يجنح إليه في قصائده وخاصة الكافوريات قال: برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يمان فشبيب هذا خارجي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها فيقال أن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم الذين كانوا معه لما مات، ويقال إنه أكثر من شرب الخمر فحدث به صرع ففي ساعة القتال أتته نوبة الصرع فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه وقد كان شبيب هذا من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك مشهورة والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة. ومن معاريض الكلام الحسنة قول أبي العلاء المعري في وصف الإبل: صلب العصا بضرب قد دمّاها ... تود أن الله قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى الضرب في الأرض وهو المسير فيها وكذلك دماها يطلق على شيئين أحدهما يقال: دمّاه إذا أسال دمه ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال أفناه إذا أذهبه وأفناه إذا أطعمه حب الفناء وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى نبتان يقال أغواه إذا أضله وأغواه إذا أطعمه النوى ويقال طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت وطلب رشدا إذا طلب الهداية. ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟ فقال النبي: من ماء، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر من أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي لوجهته وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقتهم من ماء وحاشى النبي أن يكذب. 3- توكيد الضميرين: وذلك في قوله تعالى «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» في قصة قتل الغلام وهذا بخلاف قصة السفينة فإنه قال فيها «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» وقال في الثانية «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة بعد مرة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو أتى الإنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته ثم أتى ذلك مرة ثانية أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه؟ وكذلك فعل هاهنا فإنه قيل في الملامة أولا: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» ثم قيل ثانيا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وهذا موضع يدق عن العثور عليه بالنظرة العجيلة ولا يمكن اكتناه حسنه إلا بعد التأمل العميق وهذا فن جليل القدر، بعيد الغور، فللضمائر أسرار لا يدركها إلا الملهمون والمبدعون وهي ليست مجرد ضمائر تذكر كما ترد في كتب النحو وستأتي في كتابنا هذا صور رائعة عنه تبين مدى قدر المبين وتساميه عن الانداد. التوكيد بالضمائر في الشعر: وسنورد لك هنا الآن نماذج من التوكيد بالضمائر الوارد في الشعر تذهل العقول فمن بديع ما استظرفناه قول أبي تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار فقوله «لا أنت أنت ولا الديار ديار» من المليح النادر لأنه هو هو والديار الديار وإنما مراده أن البواعث التي كانت تبعث على قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار. وقد حاول أبو الطيب أن ينسج على منوال أبي تمام فأسف ولم يلحق به إذ قال: قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام فقوله «أنت أنت» من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في مدحه ولكنه أفسد على نفسه ما أراده لأن سبك البيت عار من الحسن وفيه تقديم وتأخير أفسداه أيضا لأنه كان من حقه أن يقول: قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتّى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ذلك يبقى دون بيت أبي تمام العذب الرشيق وهذا مرده إلى الذوق وهو الحكم في هذا الباب. وروى صاحب الأغاني: أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة: يا خير الفتيان أردد علي ما أخذته من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو فقال له زياد: لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا» فقوله: لكنتم أنتم أنتم، أي أنتم الأشداء أو الشجعان أو ذوو النجدة والبأس إلا أن «أنتم» الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم كأنه قال لكنتم أنتم الشجعان دون غيرهم ولو مدحهم بأي شيء مدحهم به من وصف البأس والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة أعني «أنتم» الثانية. 4- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى: «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» فقد استعيرت الارادة للمشارفة والمداناة ويجوز أن يكون مجازا عقليا وهذا الخلاف مطرد في كل نسبة إلى مالا يعقل كقول عمرو بن أبي ربيعة: أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وسنبسط لك القول في هذا البيت بسطا شافيا لتتأكد من حقيقة هذا الكلام فالإباء المنع الاختياري وقد شبه الروادف والثدي لكبرها بمن يصح منه ذلك والكلام يحتمل إرادة التشبيه فهو مجاز علاقته المشابهة فيكون استعارة مكنية تبعية وقد لا يحتمل إرادة التشبيه ويكون عبارة عن مجرد إسناد الإباء إليها للدلالة على كبرها فيكون مجازا عقليا وفي الكلام أيضا لف ونشر مشوش لأن مس البطون يرجع للثدي ومس الظهور يرجع للروادف ولا بد لإظهار معنى البيت تماما من إيراد البيت الثاني وهو: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا يقال تناوح الجبلان أي تقابلا فالمراد بالتناوح التقابل بحيث يجيء بعض الرياح من أمامها وبعضها من خلفها فتظهر روادفها ونهودها وتلتصق الثياب بخصرها فيظهر ضموره فتنبه الحاسدة لها وتهيج الغيور لكراهية ذلك من الرياح. ومن هذا الضرب قول الحسن بن هانىء أبي نواس: فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطق اللهو حتى ينطق العود شبه العود بانسان على طريق الاستعارة المكنية ويصح أن يكون مجازا عقليا على نحو ما قدمنا لك. وقول حسان بن ثابت: ان دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان وجمل اسم محبوبته ويروى بعدي يقول: إن الدهر الذي يجمع شملي بمحبوبتي لدهر يهمّ بالإحسان على طريق المكنية ولفظ الهم تخييل ويحتمل أن إسناد الهم له مجاز عقلي كإسناد اللف. 5- التقديم والتأخير: ظاهر الكلام يقتضي تأخير قوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» عن قوله: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب والجواب على ذلك أنه سبحانه قدم المسبب على السبب للعناية به ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين. وفي الآية والتي بعدها أيضا أسرار عجيبة أخرى وذلك بمخالفة الضمائر فيهما فقد أسند في الأولى الفعل إلى ضميره خاصة بقوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما» و «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما» ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد أن ثمة عيبا فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا أو دبرنا كذا وإنما يعنون بأمر الملك أو دبر ويؤيد ذلك قوله في الثالثة «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما» فلم تأت الضمائر على نمط واحد وهذا من أرقى الأساليب وأحفلها بالمعاني الخصبة التي لا يمجها السمع وتحتويها الآذان. الفوائد: 1- الأفعال التي تنصب مفاعيل ثلاثة هي أعلم وأرى وأنبأ ونبأ وأخبر وخبر وحدث والأصل في هذه الأفعال أعلم وأرى اللذان كان أصلهما قبل دخول همزة النقل عليهما علم ورأى المتعديان لاثنين وأما الخمسة الباقية فليس لها ثلاثي يستعمل في العلم إلا خبر ولكنها ألحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدي إلى ثلاثة لأن الإنباء والتنبيء والإخبار والتخبير والتحديث بمعنى الإعلام، هذا وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها والى مضمون الثاني والثالث أو مضمون الثالث وحده بالباء نحو حدثتك بخروج زيد وعليه يحمل قوله تعالى «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وسيأتي مزيد بحث عن هذه الأفعال في موضعه إن شاء الله. 2- وراء: هو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام ومعناها هنا أمامهم وكون وراءهم بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيدة وابن السكيت والزجاج ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام وجاء في التنزيل والشعر، قال الله تعالى: «مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ» وقال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا يحنى عليها الأصابع وقال سوار بن المضرب السعدي: أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا وقال آخر: أليس ورائي أن أدب على العصا ... فتأمن أعداء وتسأمني أهلي وقال الفراء: «لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد جاز الوجهان لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك وكأنك إذا بلغته صار بين يديك» قال: «إنما جاز هذا في اللغة لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك» وأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.

الكهف 18:76

اللغة: (إِمْراً) : الإمر العظيم المنكر، قال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ... داهية دهيا وأمرا إمرا ويقال: أمر الإمر أي عظم وتفاقم وهذه المادة اللغوية غريبة تقول الأمر بالفتح: طلب إحداث الشيء وجمعه أوامر والأمر الشأن وجمعه أمور وأولو الأمر أهل الرياسة والعلماء، والإمّر والإمّر الضعيف الرأي، والأمير الآمر، فتتغير معانيها بتغير شكلها. (تُرْهِقْنِي) : تكلفني وفي المختار: رهقه غشيه وبابه طرب وأرهقا عسرا كلفه إياه. (زَكِيَّةً) : طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث، وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكّوا، وزكي يزكى زكى الزرع نما والرجل صلح وتنعم وزكاه الله بالتشديد أنماه وطهّره وأصلحه، وأخا زكاته وزكّى ماله أدّى عنه الزكاة، وزكّى نفسه مدحها. (نُكْراً) : بضم فسكون وبضمتين: المنكر وهو أبلغ من الإمر لأن معه القتل بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه وتلافيه وقيل: الإمر أبلغ لأن قتل النفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة. (يُضَيِّفُوهُما) : يقال ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته من الميل، يقال ضاف السهم عن الغرض وأضافه وضيفه جعله ضيفا وهم ضيوف وأضياف وضيفان، ومن المجاز: أضاف إليه أمرا إذا أسنده إليه واستكفأه وفلان أضيفت اليه الأمور وما هو إلا مضاف أي دعي، ونزلت به مضوفة. قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى يبلغ الساق مئزري الإعراب: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في الأمور الثلاثة التي ألمعنا إليها والتي خفيت بواطنها عن موسى وبدت له ظواهرها مستنكرة، ولا بد من تقدير محذوف أي فانطلقا يمشيان ومعهما تابعهما يوشع بن نون وقد اكتفى بذكر المتبوع عن التابع أي على ساحل البحر يطلبان سفينة تقلهما فوجدا سفينة فركباها فأخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي فجعل موسى يعارضه ويقول إلخ. وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة ركبا في السفينة في محل جر بإضافة الظرف إليها، وجملة خرقها جواب إذا وهو فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به. (قالَ: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) قال- أي موسى- أخرقتها والهمزة للاستفهام الإنكاري، لتغرق اللام للتعليل وتغرق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأهلها مفعول به، وسيأتي سر نسيان نفسه في باب البلاغة، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإمرا صفة. (قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وإن واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها. (قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) لا ناهية وتؤاخذني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به. ومن أمري حال لأنه كان في الأصل صفة لعسرا وعبرا مفعول به ثان لترهقني. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) فانطلقا الفاء للعطف وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة لقيا مضافة للظرف وهي شرط إذا وغلاما مفعول به، والفاء حرف عطف وقتله عطف على لقيا فهو داخل في حيز فعل الشرط بخلاف قوله «حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» بغير فاء فقد جعله هنا جوابا والعلة في هذه المخالفة، ان خرق السفينة لم يأت عقب الركوب مباشرة أما القتل فقد أتى عقب لقاء الغلام مباشرة، وقال هو جواب إذا، أقتلت: الهمزة للاستفهام الانكاري ونفسا مفعول به وزكية صفة، وبغير نفس: الجار والمجرور في موضع نصب على الحال من الفاعل أو المفعول أي قتلته ظالما أو مظلوما أو متعلق بقتلت، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به ونكرا صفة. (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وان واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها، وقد زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني. (قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) إن شرطية وسألتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وعن شيء جار ومجرور متعلقان بسألتك وبعدها ظرف متعلق بمحذوف صفة لشيء، والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتصاحبني مجزوم بلا والياء مفعول به. (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد حرف تحقيق وبلغت فعل وفاعل ومن حرف جر ولدن ظرف مبني على السكون في محل جر والجار والمجرور متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال وعذرا مفعول به. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) الفاء عاطفة وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأتيا فعل وفاعل وأهل مفعول به وقرية مضاف إليه، قيل القرية هي انطاكية ومعنى استطعما أهلها طلبا منهم الطعام على سبيل الضيافة، وجملة استطعما أهلها لا محل لها لأنها جواب إذا، واختار ابن هشام أن تكون صفة لقرية، وكرر الأهل للتأكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وقد تقدمت شواهده أو للتقصي ليشمل الاستطعام والامتناع من الإكرام جميع أهلها. (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) الفاء عاطفة وأبوا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول أبوا. (فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) الفاء عاطفة ووجدا فعل وفاعل وفيها جار ومجرور متعلقان بوجدا وجدارا مفعول به وجملة يريد صفة لجدارا وفي معنى إسناد الإرادة للجدار بحث ممتع يطالعه القارئ في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريد فأقامه الفاء عاطفة وأقامه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أي رفعه ورممه وأصلحه. (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) لو حرف شرط غير جازم وشئت فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو واتخذت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو وعليه متعلقان بمحذوف حال وأجرا مفعول به. (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) هذا مبتدأ والاشارة إلى الفراق المترتب على تكرار السؤال وفراق خبر وبيني مضاف إليه وساغت اضافة بين إلى غير متعدد لتكرير بين بالعطف بالواو وبينك عطف على بيني. (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) السين حرف استقبال وأنبئك فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبتأويل الباء حرف جر دخل على مضمون المفعولين الثاني والثالث وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وما اسم موصول مضاف إلى تأويل ولم حرف نفي وقلب وجزم وتستطع مضارع مجزوم بلم وصبرا مفعول به وعليه متعلقان بصبرا أي سأنبئك سر ما فعلت في الأمور الثلاثة. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) أما حرف شرط وتفصيل والسفينة مبتدأ والفاء رابطة وكانت كان واسمها المستتر والتاء تاء التأنيث الساكنة ولمساكين خبر كانت والجملة خبر السفينة وجملة يعملون في البحر صفة لمساكين وفي البحر متعلقان بيعلمون. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) الفاء عاطفة وأردت فعل وفاعل وأن أعيبها المصدر المؤول مفعول أردت والواو للحال وكان فعل ماض ناقص ووراءهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو بمعنى أمام ويجوز أن يكون بمعنى خلف وملك اسم كان المؤخر وجملة يؤخذ صفة وكل سفينة مفعول به وغصبا مفعول مطلق مبين لنوع الأخذ ويجوز أن يكون المصدر في موضع نصب على الحال وفي كلام تقديم وتأخير سيأتي سره العجيب في باب البلاغة. (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والغلام مبتدأ فكان الفاء رابطة وكان واسمها وخبرها فخشينا الفاء عاطفة وخشينا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول خشينا وطغيانا مفعول به ثان وكفرا عطف على طغيانا وجملة الجواب خبر الغلام وأسند الخشية إلى نفسه لأن الله أطلعه على مآل الغلام لو تناهت به المدة وانفسح الأجل، أو لأنه حكى قول الله. (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) فأردنا عطف على خشينا وأردنا فعل وفاعل وأن يبدلهما أن وما في حيزها مفعول يبدلهما وخيرا منه مفعول ثان وزكاة تمييز أي صلاحا وتقى وأقرب رحما عطف على خيرا منه زكاة ورحما تمييز أيضا أي رحمة بوالديه. قال أبو حيان: وانتصب رحما على المفعول له وأجاز الزمخشري أن ينصب على المصدر بأراد قال لأنه في معنى رحمهما وأجاز أبو البقاء أن ينتصب على الحال وكلاهما متكلف. فتأمل. (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) الجملة معطوفة على ما تقدم والاعراب مماثل وفي المدينة صفة ثانية أو حال. (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وتحته ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وكنز اسمها المؤخر ولهما صفة وكان أبوهما صالحا كان واسمها وخبرها. (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) فأراد عطف على ما تقدم وربك فاعل وأن يبلغا مفعول أراد وأشدهما مفعول به وقد تقدم تفسير الأشد ويستخرجا عطف على يبلغا والألف فاعل وكنزهما مفعول به ورحمة من ربك مفعول لأجله أي لولا أني أقمته لانقض وهوى وخرج الكنز من تحته قبل أن يصبحا قادرين على حفظ المال وتنميته واستثماره ولضاع بددا. (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) الواو عاطفة وما نافية وفعلته فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على مجموع ما ذكر وعن أمري جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي صادرا عن أمري وإنما هو بأمر الله وإلهامه إياي وذلك مبتدأ وتأويل خبر وما مضاف اليه ولم حرف نفي وقلب وجزم وتسطع أي تستطع فحذفت منه تاء الافتعال مجزوم بلم وعليه متعلقان بصبرا وصبرا مفعول به. البلاغة: الفنون التي انطوت عليها الآيات الآنفة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب إذا نحن حاولنا استجلاء غوامضها واكتناه خوافيها فلنمض في استقصائها جانحين إلى لغة النظر فأولها: 1- نسيان نفسه عند ما قال: «أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» وهو بين الراكبين وهو جدير بأن ينهمك بأمر نفسه وما هو مقدم عليه من سوء المصير وإنما حمله على المبادرة بالإنكار الالتهاب والحمية للحق فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل واحد: نفسي نفسي، ولا يلوي على مال ولا ولد وتلك حالة الغرق تذهل فيها العقول وتغرب الأحلام ويضيع الرشد من الألباب. 2- التورية في قوله «قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ» أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان لإيهامه بأنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وبعضهم يسمي هذا النوع من معاريض الكلام، والمعاريض جمع معراض وهو هنا إيهام خلاف المراد لئلا يلزم الكذب وهو فن ظريف من فنونهم ولعله أجمل أنواع التورية التي سبق ذكرها وقد كان المتنبي يجنح إليه في قصائده وخاصة الكافوريات قال: برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يمان فشبيب هذا خارجي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها فيقال أن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم الذين كانوا معه لما مات، ويقال إنه أكثر من شرب الخمر فحدث به صرع ففي ساعة القتال أتته نوبة الصرع فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه وقد كان شبيب هذا من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك مشهورة والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة. ومن معاريض الكلام الحسنة قول أبي العلاء المعري في وصف الإبل: صلب العصا بضرب قد دمّاها ... تود أن الله قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى الضرب في الأرض وهو المسير فيها وكذلك دماها يطلق على شيئين أحدهما يقال: دمّاه إذا أسال دمه ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال أفناه إذا أذهبه وأفناه إذا أطعمه حب الفناء وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى نبتان يقال أغواه إذا أضله وأغواه إذا أطعمه النوى ويقال طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت وطلب رشدا إذا طلب الهداية. ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟ فقال النبي: من ماء، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر من أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي لوجهته وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقتهم من ماء وحاشى النبي أن يكذب. 3- توكيد الضميرين: وذلك في قوله تعالى «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» في قصة قتل الغلام وهذا بخلاف قصة السفينة فإنه قال فيها «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» وقال في الثانية «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة بعد مرة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو أتى الإنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته ثم أتى ذلك مرة ثانية أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه؟ وكذلك فعل هاهنا فإنه قيل في الملامة أولا: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» ثم قيل ثانيا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وهذا موضع يدق عن العثور عليه بالنظرة العجيلة ولا يمكن اكتناه حسنه إلا بعد التأمل العميق وهذا فن جليل القدر، بعيد الغور، فللضمائر أسرار لا يدركها إلا الملهمون والمبدعون وهي ليست مجرد ضمائر تذكر كما ترد في كتب النحو وستأتي في كتابنا هذا صور رائعة عنه تبين مدى قدر المبين وتساميه عن الانداد. التوكيد بالضمائر في الشعر: وسنورد لك هنا الآن نماذج من التوكيد بالضمائر الوارد في الشعر تذهل العقول فمن بديع ما استظرفناه قول أبي تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار فقوله «لا أنت أنت ولا الديار ديار» من المليح النادر لأنه هو هو والديار الديار وإنما مراده أن البواعث التي كانت تبعث على قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار. وقد حاول أبو الطيب أن ينسج على منوال أبي تمام فأسف ولم يلحق به إذ قال: قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام فقوله «أنت أنت» من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في مدحه ولكنه أفسد على نفسه ما أراده لأن سبك البيت عار من الحسن وفيه تقديم وتأخير أفسداه أيضا لأنه كان من حقه أن يقول: قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتّى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ذلك يبقى دون بيت أبي تمام العذب الرشيق وهذا مرده إلى الذوق وهو الحكم في هذا الباب. وروى صاحب الأغاني: أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة: يا خير الفتيان أردد علي ما أخذته من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو فقال له زياد: لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا» فقوله: لكنتم أنتم أنتم، أي أنتم الأشداء أو الشجعان أو ذوو النجدة والبأس إلا أن «أنتم» الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم كأنه قال لكنتم أنتم الشجعان دون غيرهم ولو مدحهم بأي شيء مدحهم به من وصف البأس والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة أعني «أنتم» الثانية. 4- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى: «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» فقد استعيرت الارادة للمشارفة والمداناة ويجوز أن يكون مجازا عقليا وهذا الخلاف مطرد في كل نسبة إلى مالا يعقل كقول عمرو بن أبي ربيعة: أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وسنبسط لك القول في هذا البيت بسطا شافيا لتتأكد من حقيقة هذا الكلام فالإباء المنع الاختياري وقد شبه الروادف والثدي لكبرها بمن يصح منه ذلك والكلام يحتمل إرادة التشبيه فهو مجاز علاقته المشابهة فيكون استعارة مكنية تبعية وقد لا يحتمل إرادة التشبيه ويكون عبارة عن مجرد إسناد الإباء إليها للدلالة على كبرها فيكون مجازا عقليا وفي الكلام أيضا لف ونشر مشوش لأن مس البطون يرجع للثدي ومس الظهور يرجع للروادف ولا بد لإظهار معنى البيت تماما من إيراد البيت الثاني وهو: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا يقال تناوح الجبلان أي تقابلا فالمراد بالتناوح التقابل بحيث يجيء بعض الرياح من أمامها وبعضها من خلفها فتظهر روادفها ونهودها وتلتصق الثياب بخصرها فيظهر ضموره فتنبه الحاسدة لها وتهيج الغيور لكراهية ذلك من الرياح. ومن هذا الضرب قول الحسن بن هانىء أبي نواس: فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطق اللهو حتى ينطق العود شبه العود بانسان على طريق الاستعارة المكنية ويصح أن يكون مجازا عقليا على نحو ما قدمنا لك. وقول حسان بن ثابت: ان دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان وجمل اسم محبوبته ويروى بعدي يقول: إن الدهر الذي يجمع شملي بمحبوبتي لدهر يهمّ بالإحسان على طريق المكنية ولفظ الهم تخييل ويحتمل أن إسناد الهم له مجاز عقلي كإسناد اللف. 5- التقديم والتأخير: ظاهر الكلام يقتضي تأخير قوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» عن قوله: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب والجواب على ذلك أنه سبحانه قدم المسبب على السبب للعناية به ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين. وفي الآية والتي بعدها أيضا أسرار عجيبة أخرى وذلك بمخالفة الضمائر فيهما فقد أسند في الأولى الفعل إلى ضميره خاصة بقوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما» و «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما» ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد أن ثمة عيبا فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا أو دبرنا كذا وإنما يعنون بأمر الملك أو دبر ويؤيد ذلك قوله في الثالثة «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما» فلم تأت الضمائر على نمط واحد وهذا من أرقى الأساليب وأحفلها بالمعاني الخصبة التي لا يمجها السمع وتحتويها الآذان. الفوائد: 1- الأفعال التي تنصب مفاعيل ثلاثة هي أعلم وأرى وأنبأ ونبأ وأخبر وخبر وحدث والأصل في هذه الأفعال أعلم وأرى اللذان كان أصلهما قبل دخول همزة النقل عليهما علم ورأى المتعديان لاثنين وأما الخمسة الباقية فليس لها ثلاثي يستعمل في العلم إلا خبر ولكنها ألحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدي إلى ثلاثة لأن الإنباء والتنبيء والإخبار والتخبير والتحديث بمعنى الإعلام، هذا وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها والى مضمون الثاني والثالث أو مضمون الثالث وحده بالباء نحو حدثتك بخروج زيد وعليه يحمل قوله تعالى «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وسيأتي مزيد بحث عن هذه الأفعال في موضعه إن شاء الله. 2- وراء: هو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام ومعناها هنا أمامهم وكون وراءهم بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيدة وابن السكيت والزجاج ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام وجاء في التنزيل والشعر، قال الله تعالى: «مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ» وقال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا يحنى عليها الأصابع وقال سوار بن المضرب السعدي: أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا وقال آخر: أليس ورائي أن أدب على العصا ... فتأمن أعداء وتسأمني أهلي وقال الفراء: «لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد جاز الوجهان لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك وكأنك إذا بلغته صار بين يديك» قال: «إنما جاز هذا في اللغة لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك» وأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.

الكهف 18:77

اللغة: (إِمْراً) : الإمر العظيم المنكر، قال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ... داهية دهيا وأمرا إمرا ويقال: أمر الإمر أي عظم وتفاقم وهذه المادة اللغوية غريبة تقول الأمر بالفتح: طلب إحداث الشيء وجمعه أوامر والأمر الشأن وجمعه أمور وأولو الأمر أهل الرياسة والعلماء، والإمّر والإمّر الضعيف الرأي، والأمير الآمر، فتتغير معانيها بتغير شكلها. (تُرْهِقْنِي) : تكلفني وفي المختار: رهقه غشيه وبابه طرب وأرهقا عسرا كلفه إياه. (زَكِيَّةً) : طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث، وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكّوا، وزكي يزكى زكى الزرع نما والرجل صلح وتنعم وزكاه الله بالتشديد أنماه وطهّره وأصلحه، وأخا زكاته وزكّى ماله أدّى عنه الزكاة، وزكّى نفسه مدحها. (نُكْراً) : بضم فسكون وبضمتين: المنكر وهو أبلغ من الإمر لأن معه القتل بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه وتلافيه وقيل: الإمر أبلغ لأن قتل النفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة. (يُضَيِّفُوهُما) : يقال ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته من الميل، يقال ضاف السهم عن الغرض وأضافه وضيفه جعله ضيفا وهم ضيوف وأضياف وضيفان، ومن المجاز: أضاف إليه أمرا إذا أسنده إليه واستكفأه وفلان أضيفت اليه الأمور وما هو إلا مضاف أي دعي، ونزلت به مضوفة. قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى يبلغ الساق مئزري الإعراب: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في الأمور الثلاثة التي ألمعنا إليها والتي خفيت بواطنها عن موسى وبدت له ظواهرها مستنكرة، ولا بد من تقدير محذوف أي فانطلقا يمشيان ومعهما تابعهما يوشع بن نون وقد اكتفى بذكر المتبوع عن التابع أي على ساحل البحر يطلبان سفينة تقلهما فوجدا سفينة فركباها فأخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي فجعل موسى يعارضه ويقول إلخ. وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة ركبا في السفينة في محل جر بإضافة الظرف إليها، وجملة خرقها جواب إذا وهو فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به. (قالَ: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) قال- أي موسى- أخرقتها والهمزة للاستفهام الإنكاري، لتغرق اللام للتعليل وتغرق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأهلها مفعول به، وسيأتي سر نسيان نفسه في باب البلاغة، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإمرا صفة. (قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وإن واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها. (قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) لا ناهية وتؤاخذني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به. ومن أمري حال لأنه كان في الأصل صفة لعسرا وعبرا مفعول به ثان لترهقني. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) فانطلقا الفاء للعطف وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة لقيا مضافة للظرف وهي شرط إذا وغلاما مفعول به، والفاء حرف عطف وقتله عطف على لقيا فهو داخل في حيز فعل الشرط بخلاف قوله «حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» بغير فاء فقد جعله هنا جوابا والعلة في هذه المخالفة، ان خرق السفينة لم يأت عقب الركوب مباشرة أما القتل فقد أتى عقب لقاء الغلام مباشرة، وقال هو جواب إذا، أقتلت: الهمزة للاستفهام الانكاري ونفسا مفعول به وزكية صفة، وبغير نفس: الجار والمجرور في موضع نصب على الحال من الفاعل أو المفعول أي قتلته ظالما أو مظلوما أو متعلق بقتلت، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به ونكرا صفة. (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وان واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها، وقد زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني. (قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) إن شرطية وسألتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وعن شيء جار ومجرور متعلقان بسألتك وبعدها ظرف متعلق بمحذوف صفة لشيء، والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتصاحبني مجزوم بلا والياء مفعول به. (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد حرف تحقيق وبلغت فعل وفاعل ومن حرف جر ولدن ظرف مبني على السكون في محل جر والجار والمجرور متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال وعذرا مفعول به. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) الفاء عاطفة وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأتيا فعل وفاعل وأهل مفعول به وقرية مضاف إليه، قيل القرية هي انطاكية ومعنى استطعما أهلها طلبا منهم الطعام على سبيل الضيافة، وجملة استطعما أهلها لا محل لها لأنها جواب إذا، واختار ابن هشام أن تكون صفة لقرية، وكرر الأهل للتأكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وقد تقدمت شواهده أو للتقصي ليشمل الاستطعام والامتناع من الإكرام جميع أهلها. (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) الفاء عاطفة وأبوا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول أبوا. (فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) الفاء عاطفة ووجدا فعل وفاعل وفيها جار ومجرور متعلقان بوجدا وجدارا مفعول به وجملة يريد صفة لجدارا وفي معنى إسناد الإرادة للجدار بحث ممتع يطالعه القارئ في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريد فأقامه الفاء عاطفة وأقامه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أي رفعه ورممه وأصلحه. (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) لو حرف شرط غير جازم وشئت فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو واتخذت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو وعليه متعلقان بمحذوف حال وأجرا مفعول به. (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) هذا مبتدأ والاشارة إلى الفراق المترتب على تكرار السؤال وفراق خبر وبيني مضاف إليه وساغت اضافة بين إلى غير متعدد لتكرير بين بالعطف بالواو وبينك عطف على بيني. (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) السين حرف استقبال وأنبئك فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبتأويل الباء حرف جر دخل على مضمون المفعولين الثاني والثالث وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وما اسم موصول مضاف إلى تأويل ولم حرف نفي وقلب وجزم وتستطع مضارع مجزوم بلم وصبرا مفعول به وعليه متعلقان بصبرا أي سأنبئك سر ما فعلت في الأمور الثلاثة. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) أما حرف شرط وتفصيل والسفينة مبتدأ والفاء رابطة وكانت كان واسمها المستتر والتاء تاء التأنيث الساكنة ولمساكين خبر كانت والجملة خبر السفينة وجملة يعملون في البحر صفة لمساكين وفي البحر متعلقان بيعلمون. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) الفاء عاطفة وأردت فعل وفاعل وأن أعيبها المصدر المؤول مفعول أردت والواو للحال وكان فعل ماض ناقص ووراءهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو بمعنى أمام ويجوز أن يكون بمعنى خلف وملك اسم كان المؤخر وجملة يؤخذ صفة وكل سفينة مفعول به وغصبا مفعول مطلق مبين لنوع الأخذ ويجوز أن يكون المصدر في موضع نصب على الحال وفي كلام تقديم وتأخير سيأتي سره العجيب في باب البلاغة. (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والغلام مبتدأ فكان الفاء رابطة وكان واسمها وخبرها فخشينا الفاء عاطفة وخشينا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول خشينا وطغيانا مفعول به ثان وكفرا عطف على طغيانا وجملة الجواب خبر الغلام وأسند الخشية إلى نفسه لأن الله أطلعه على مآل الغلام لو تناهت به المدة وانفسح الأجل، أو لأنه حكى قول الله. (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) فأردنا عطف على خشينا وأردنا فعل وفاعل وأن يبدلهما أن وما في حيزها مفعول يبدلهما وخيرا منه مفعول ثان وزكاة تمييز أي صلاحا وتقى وأقرب رحما عطف على خيرا منه زكاة ورحما تمييز أيضا أي رحمة بوالديه. قال أبو حيان: وانتصب رحما على المفعول له وأجاز الزمخشري أن ينصب على المصدر بأراد قال لأنه في معنى رحمهما وأجاز أبو البقاء أن ينتصب على الحال وكلاهما متكلف. فتأمل. (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) الجملة معطوفة على ما تقدم والاعراب مماثل وفي المدينة صفة ثانية أو حال. (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وتحته ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وكنز اسمها المؤخر ولهما صفة وكان أبوهما صالحا كان واسمها وخبرها. (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) فأراد عطف على ما تقدم وربك فاعل وأن يبلغا مفعول أراد وأشدهما مفعول به وقد تقدم تفسير الأشد ويستخرجا عطف على يبلغا والألف فاعل وكنزهما مفعول به ورحمة من ربك مفعول لأجله أي لولا أني أقمته لانقض وهوى وخرج الكنز من تحته قبل أن يصبحا قادرين على حفظ المال وتنميته واستثماره ولضاع بددا. (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) الواو عاطفة وما نافية وفعلته فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على مجموع ما ذكر وعن أمري جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي صادرا عن أمري وإنما هو بأمر الله وإلهامه إياي وذلك مبتدأ وتأويل خبر وما مضاف اليه ولم حرف نفي وقلب وجزم وتسطع أي تستطع فحذفت منه تاء الافتعال مجزوم بلم وعليه متعلقان بصبرا وصبرا مفعول به. البلاغة: الفنون التي انطوت عليها الآيات الآنفة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب إذا نحن حاولنا استجلاء غوامضها واكتناه خوافيها فلنمض في استقصائها جانحين إلى لغة النظر فأولها: 1- نسيان نفسه عند ما قال: «أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» وهو بين الراكبين وهو جدير بأن ينهمك بأمر نفسه وما هو مقدم عليه من سوء المصير وإنما حمله على المبادرة بالإنكار الالتهاب والحمية للحق فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل واحد: نفسي نفسي، ولا يلوي على مال ولا ولد وتلك حالة الغرق تذهل فيها العقول وتغرب الأحلام ويضيع الرشد من الألباب. 2- التورية في قوله «قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ» أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان لإيهامه بأنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وبعضهم يسمي هذا النوع من معاريض الكلام، والمعاريض جمع معراض وهو هنا إيهام خلاف المراد لئلا يلزم الكذب وهو فن ظريف من فنونهم ولعله أجمل أنواع التورية التي سبق ذكرها وقد كان المتنبي يجنح إليه في قصائده وخاصة الكافوريات قال: برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يمان فشبيب هذا خارجي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها فيقال أن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم الذين كانوا معه لما مات، ويقال إنه أكثر من شرب الخمر فحدث به صرع ففي ساعة القتال أتته نوبة الصرع فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه وقد كان شبيب هذا من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك مشهورة والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة. ومن معاريض الكلام الحسنة قول أبي العلاء المعري في وصف الإبل: صلب العصا بضرب قد دمّاها ... تود أن الله قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى الضرب في الأرض وهو المسير فيها وكذلك دماها يطلق على شيئين أحدهما يقال: دمّاه إذا أسال دمه ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال أفناه إذا أذهبه وأفناه إذا أطعمه حب الفناء وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى نبتان يقال أغواه إذا أضله وأغواه إذا أطعمه النوى ويقال طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت وطلب رشدا إذا طلب الهداية. ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟ فقال النبي: من ماء، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر من أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي لوجهته وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقتهم من ماء وحاشى النبي أن يكذب. 3- توكيد الضميرين: وذلك في قوله تعالى «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» في قصة قتل الغلام وهذا بخلاف قصة السفينة فإنه قال فيها «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» وقال في الثانية «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة بعد مرة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو أتى الإنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته ثم أتى ذلك مرة ثانية أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه؟ وكذلك فعل هاهنا فإنه قيل في الملامة أولا: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» ثم قيل ثانيا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وهذا موضع يدق عن العثور عليه بالنظرة العجيلة ولا يمكن اكتناه حسنه إلا بعد التأمل العميق وهذا فن جليل القدر، بعيد الغور، فللضمائر أسرار لا يدركها إلا الملهمون والمبدعون وهي ليست مجرد ضمائر تذكر كما ترد في كتب النحو وستأتي في كتابنا هذا صور رائعة عنه تبين مدى قدر المبين وتساميه عن الانداد. التوكيد بالضمائر في الشعر: وسنورد لك هنا الآن نماذج من التوكيد بالضمائر الوارد في الشعر تذهل العقول فمن بديع ما استظرفناه قول أبي تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار فقوله «لا أنت أنت ولا الديار ديار» من المليح النادر لأنه هو هو والديار الديار وإنما مراده أن البواعث التي كانت تبعث على قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار. وقد حاول أبو الطيب أن ينسج على منوال أبي تمام فأسف ولم يلحق به إذ قال: قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام فقوله «أنت أنت» من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في مدحه ولكنه أفسد على نفسه ما أراده لأن سبك البيت عار من الحسن وفيه تقديم وتأخير أفسداه أيضا لأنه كان من حقه أن يقول: قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتّى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ذلك يبقى دون بيت أبي تمام العذب الرشيق وهذا مرده إلى الذوق وهو الحكم في هذا الباب. وروى صاحب الأغاني: أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة: يا خير الفتيان أردد علي ما أخذته من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو فقال له زياد: لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا» فقوله: لكنتم أنتم أنتم، أي أنتم الأشداء أو الشجعان أو ذوو النجدة والبأس إلا أن «أنتم» الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم كأنه قال لكنتم أنتم الشجعان دون غيرهم ولو مدحهم بأي شيء مدحهم به من وصف البأس والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة أعني «أنتم» الثانية. 4- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى: «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» فقد استعيرت الارادة للمشارفة والمداناة ويجوز أن يكون مجازا عقليا وهذا الخلاف مطرد في كل نسبة إلى مالا يعقل كقول عمرو بن أبي ربيعة: أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وسنبسط لك القول في هذا البيت بسطا شافيا لتتأكد من حقيقة هذا الكلام فالإباء المنع الاختياري وقد شبه الروادف والثدي لكبرها بمن يصح منه ذلك والكلام يحتمل إرادة التشبيه فهو مجاز علاقته المشابهة فيكون استعارة مكنية تبعية وقد لا يحتمل إرادة التشبيه ويكون عبارة عن مجرد إسناد الإباء إليها للدلالة على كبرها فيكون مجازا عقليا وفي الكلام أيضا لف ونشر مشوش لأن مس البطون يرجع للثدي ومس الظهور يرجع للروادف ولا بد لإظهار معنى البيت تماما من إيراد البيت الثاني وهو: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا يقال تناوح الجبلان أي تقابلا فالمراد بالتناوح التقابل بحيث يجيء بعض الرياح من أمامها وبعضها من خلفها فتظهر روادفها ونهودها وتلتصق الثياب بخصرها فيظهر ضموره فتنبه الحاسدة لها وتهيج الغيور لكراهية ذلك من الرياح. ومن هذا الضرب قول الحسن بن هانىء أبي نواس: فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطق اللهو حتى ينطق العود شبه العود بانسان على طريق الاستعارة المكنية ويصح أن يكون مجازا عقليا على نحو ما قدمنا لك. وقول حسان بن ثابت: ان دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان وجمل اسم محبوبته ويروى بعدي يقول: إن الدهر الذي يجمع شملي بمحبوبتي لدهر يهمّ بالإحسان على طريق المكنية ولفظ الهم تخييل ويحتمل أن إسناد الهم له مجاز عقلي كإسناد اللف. 5- التقديم والتأخير: ظاهر الكلام يقتضي تأخير قوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» عن قوله: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب والجواب على ذلك أنه سبحانه قدم المسبب على السبب للعناية به ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين. وفي الآية والتي بعدها أيضا أسرار عجيبة أخرى وذلك بمخالفة الضمائر فيهما فقد أسند في الأولى الفعل إلى ضميره خاصة بقوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما» و «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما» ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد أن ثمة عيبا فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا أو دبرنا كذا وإنما يعنون بأمر الملك أو دبر ويؤيد ذلك قوله في الثالثة «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما» فلم تأت الضمائر على نمط واحد وهذا من أرقى الأساليب وأحفلها بالمعاني الخصبة التي لا يمجها السمع وتحتويها الآذان. الفوائد: 1- الأفعال التي تنصب مفاعيل ثلاثة هي أعلم وأرى وأنبأ ونبأ وأخبر وخبر وحدث والأصل في هذه الأفعال أعلم وأرى اللذان كان أصلهما قبل دخول همزة النقل عليهما علم ورأى المتعديان لاثنين وأما الخمسة الباقية فليس لها ثلاثي يستعمل في العلم إلا خبر ولكنها ألحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدي إلى ثلاثة لأن الإنباء والتنبيء والإخبار والتخبير والتحديث بمعنى الإعلام، هذا وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها والى مضمون الثاني والثالث أو مضمون الثالث وحده بالباء نحو حدثتك بخروج زيد وعليه يحمل قوله تعالى «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وسيأتي مزيد بحث عن هذه الأفعال في موضعه إن شاء الله. 2- وراء: هو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام ومعناها هنا أمامهم وكون وراءهم بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيدة وابن السكيت والزجاج ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام وجاء في التنزيل والشعر، قال الله تعالى: «مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ» وقال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا يحنى عليها الأصابع وقال سوار بن المضرب السعدي: أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا وقال آخر: أليس ورائي أن أدب على العصا ... فتأمن أعداء وتسأمني أهلي وقال الفراء: «لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد جاز الوجهان لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك وكأنك إذا بلغته صار بين يديك» قال: «إنما جاز هذا في اللغة لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك» وأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.

الكهف 18:78

اللغة: (إِمْراً) : الإمر العظيم المنكر، قال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ... داهية دهيا وأمرا إمرا ويقال: أمر الإمر أي عظم وتفاقم وهذه المادة اللغوية غريبة تقول الأمر بالفتح: طلب إحداث الشيء وجمعه أوامر والأمر الشأن وجمعه أمور وأولو الأمر أهل الرياسة والعلماء، والإمّر والإمّر الضعيف الرأي، والأمير الآمر، فتتغير معانيها بتغير شكلها. (تُرْهِقْنِي) : تكلفني وفي المختار: رهقه غشيه وبابه طرب وأرهقا عسرا كلفه إياه. (زَكِيَّةً) : طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث، وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكّوا، وزكي يزكى زكى الزرع نما والرجل صلح وتنعم وزكاه الله بالتشديد أنماه وطهّره وأصلحه، وأخا زكاته وزكّى ماله أدّى عنه الزكاة، وزكّى نفسه مدحها. (نُكْراً) : بضم فسكون وبضمتين: المنكر وهو أبلغ من الإمر لأن معه القتل بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه وتلافيه وقيل: الإمر أبلغ لأن قتل النفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة. (يُضَيِّفُوهُما) : يقال ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته من الميل، يقال ضاف السهم عن الغرض وأضافه وضيفه جعله ضيفا وهم ضيوف وأضياف وضيفان، ومن المجاز: أضاف إليه أمرا إذا أسنده إليه واستكفأه وفلان أضيفت اليه الأمور وما هو إلا مضاف أي دعي، ونزلت به مضوفة. قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى يبلغ الساق مئزري الإعراب: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في الأمور الثلاثة التي ألمعنا إليها والتي خفيت بواطنها عن موسى وبدت له ظواهرها مستنكرة، ولا بد من تقدير محذوف أي فانطلقا يمشيان ومعهما تابعهما يوشع بن نون وقد اكتفى بذكر المتبوع عن التابع أي على ساحل البحر يطلبان سفينة تقلهما فوجدا سفينة فركباها فأخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي فجعل موسى يعارضه ويقول إلخ. وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة ركبا في السفينة في محل جر بإضافة الظرف إليها، وجملة خرقها جواب إذا وهو فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به. (قالَ: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) قال- أي موسى- أخرقتها والهمزة للاستفهام الإنكاري، لتغرق اللام للتعليل وتغرق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأهلها مفعول به، وسيأتي سر نسيان نفسه في باب البلاغة، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإمرا صفة. (قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وإن واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها. (قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) لا ناهية وتؤاخذني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به. ومن أمري حال لأنه كان في الأصل صفة لعسرا وعبرا مفعول به ثان لترهقني. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) فانطلقا الفاء للعطف وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة لقيا مضافة للظرف وهي شرط إذا وغلاما مفعول به، والفاء حرف عطف وقتله عطف على لقيا فهو داخل في حيز فعل الشرط بخلاف قوله «حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» بغير فاء فقد جعله هنا جوابا والعلة في هذه المخالفة، ان خرق السفينة لم يأت عقب الركوب مباشرة أما القتل فقد أتى عقب لقاء الغلام مباشرة، وقال هو جواب إذا، أقتلت: الهمزة للاستفهام الانكاري ونفسا مفعول به وزكية صفة، وبغير نفس: الجار والمجرور في موضع نصب على الحال من الفاعل أو المفعول أي قتلته ظالما أو مظلوما أو متعلق بقتلت، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به ونكرا صفة. (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وان واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها، وقد زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني. (قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) إن شرطية وسألتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وعن شيء جار ومجرور متعلقان بسألتك وبعدها ظرف متعلق بمحذوف صفة لشيء، والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتصاحبني مجزوم بلا والياء مفعول به. (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد حرف تحقيق وبلغت فعل وفاعل ومن حرف جر ولدن ظرف مبني على السكون في محل جر والجار والمجرور متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال وعذرا مفعول به. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) الفاء عاطفة وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأتيا فعل وفاعل وأهل مفعول به وقرية مضاف إليه، قيل القرية هي انطاكية ومعنى استطعما أهلها طلبا منهم الطعام على سبيل الضيافة، وجملة استطعما أهلها لا محل لها لأنها جواب إذا، واختار ابن هشام أن تكون صفة لقرية، وكرر الأهل للتأكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وقد تقدمت شواهده أو للتقصي ليشمل الاستطعام والامتناع من الإكرام جميع أهلها. (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) الفاء عاطفة وأبوا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول أبوا. (فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) الفاء عاطفة ووجدا فعل وفاعل وفيها جار ومجرور متعلقان بوجدا وجدارا مفعول به وجملة يريد صفة لجدارا وفي معنى إسناد الإرادة للجدار بحث ممتع يطالعه القارئ في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريد فأقامه الفاء عاطفة وأقامه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أي رفعه ورممه وأصلحه. (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) لو حرف شرط غير جازم وشئت فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو واتخذت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو وعليه متعلقان بمحذوف حال وأجرا مفعول به. (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) هذا مبتدأ والاشارة إلى الفراق المترتب على تكرار السؤال وفراق خبر وبيني مضاف إليه وساغت اضافة بين إلى غير متعدد لتكرير بين بالعطف بالواو وبينك عطف على بيني. (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) السين حرف استقبال وأنبئك فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبتأويل الباء حرف جر دخل على مضمون المفعولين الثاني والثالث وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وما اسم موصول مضاف إلى تأويل ولم حرف نفي وقلب وجزم وتستطع مضارع مجزوم بلم وصبرا مفعول به وعليه متعلقان بصبرا أي سأنبئك سر ما فعلت في الأمور الثلاثة. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) أما حرف شرط وتفصيل والسفينة مبتدأ والفاء رابطة وكانت كان واسمها المستتر والتاء تاء التأنيث الساكنة ولمساكين خبر كانت والجملة خبر السفينة وجملة يعملون في البحر صفة لمساكين وفي البحر متعلقان بيعلمون. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) الفاء عاطفة وأردت فعل وفاعل وأن أعيبها المصدر المؤول مفعول أردت والواو للحال وكان فعل ماض ناقص ووراءهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو بمعنى أمام ويجوز أن يكون بمعنى خلف وملك اسم كان المؤخر وجملة يؤخذ صفة وكل سفينة مفعول به وغصبا مفعول مطلق مبين لنوع الأخذ ويجوز أن يكون المصدر في موضع نصب على الحال وفي كلام تقديم وتأخير سيأتي سره العجيب في باب البلاغة. (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والغلام مبتدأ فكان الفاء رابطة وكان واسمها وخبرها فخشينا الفاء عاطفة وخشينا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول خشينا وطغيانا مفعول به ثان وكفرا عطف على طغيانا وجملة الجواب خبر الغلام وأسند الخشية إلى نفسه لأن الله أطلعه على مآل الغلام لو تناهت به المدة وانفسح الأجل، أو لأنه حكى قول الله. (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) فأردنا عطف على خشينا وأردنا فعل وفاعل وأن يبدلهما أن وما في حيزها مفعول يبدلهما وخيرا منه مفعول ثان وزكاة تمييز أي صلاحا وتقى وأقرب رحما عطف على خيرا منه زكاة ورحما تمييز أيضا أي رحمة بوالديه. قال أبو حيان: وانتصب رحما على المفعول له وأجاز الزمخشري أن ينصب على المصدر بأراد قال لأنه في معنى رحمهما وأجاز أبو البقاء أن ينتصب على الحال وكلاهما متكلف. فتأمل. (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) الجملة معطوفة على ما تقدم والاعراب مماثل وفي المدينة صفة ثانية أو حال. (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وتحته ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وكنز اسمها المؤخر ولهما صفة وكان أبوهما صالحا كان واسمها وخبرها. (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) فأراد عطف على ما تقدم وربك فاعل وأن يبلغا مفعول أراد وأشدهما مفعول به وقد تقدم تفسير الأشد ويستخرجا عطف على يبلغا والألف فاعل وكنزهما مفعول به ورحمة من ربك مفعول لأجله أي لولا أني أقمته لانقض وهوى وخرج الكنز من تحته قبل أن يصبحا قادرين على حفظ المال وتنميته واستثماره ولضاع بددا. (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) الواو عاطفة وما نافية وفعلته فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على مجموع ما ذكر وعن أمري جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي صادرا عن أمري وإنما هو بأمر الله وإلهامه إياي وذلك مبتدأ وتأويل خبر وما مضاف اليه ولم حرف نفي وقلب وجزم وتسطع أي تستطع فحذفت منه تاء الافتعال مجزوم بلم وعليه متعلقان بصبرا وصبرا مفعول به. البلاغة: الفنون التي انطوت عليها الآيات الآنفة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب إذا نحن حاولنا استجلاء غوامضها واكتناه خوافيها فلنمض في استقصائها جانحين إلى لغة النظر فأولها: 1- نسيان نفسه عند ما قال: «أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» وهو بين الراكبين وهو جدير بأن ينهمك بأمر نفسه وما هو مقدم عليه من سوء المصير وإنما حمله على المبادرة بالإنكار الالتهاب والحمية للحق فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل واحد: نفسي نفسي، ولا يلوي على مال ولا ولد وتلك حالة الغرق تذهل فيها العقول وتغرب الأحلام ويضيع الرشد من الألباب. 2- التورية في قوله «قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ» أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان لإيهامه بأنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وبعضهم يسمي هذا النوع من معاريض الكلام، والمعاريض جمع معراض وهو هنا إيهام خلاف المراد لئلا يلزم الكذب وهو فن ظريف من فنونهم ولعله أجمل أنواع التورية التي سبق ذكرها وقد كان المتنبي يجنح إليه في قصائده وخاصة الكافوريات قال: برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يمان فشبيب هذا خارجي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها فيقال أن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم الذين كانوا معه لما مات، ويقال إنه أكثر من شرب الخمر فحدث به صرع ففي ساعة القتال أتته نوبة الصرع فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه وقد كان شبيب هذا من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك مشهورة والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة. ومن معاريض الكلام الحسنة قول أبي العلاء المعري في وصف الإبل: صلب العصا بضرب قد دمّاها ... تود أن الله قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى الضرب في الأرض وهو المسير فيها وكذلك دماها يطلق على شيئين أحدهما يقال: دمّاه إذا أسال دمه ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال أفناه إذا أذهبه وأفناه إذا أطعمه حب الفناء وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى نبتان يقال أغواه إذا أضله وأغواه إذا أطعمه النوى ويقال طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت وطلب رشدا إذا طلب الهداية. ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟ فقال النبي: من ماء، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر من أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي لوجهته وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقتهم من ماء وحاشى النبي أن يكذب. 3- توكيد الضميرين: وذلك في قوله تعالى «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» في قصة قتل الغلام وهذا بخلاف قصة السفينة فإنه قال فيها «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» وقال في الثانية «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة بعد مرة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو أتى الإنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته ثم أتى ذلك مرة ثانية أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه؟ وكذلك فعل هاهنا فإنه قيل في الملامة أولا: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» ثم قيل ثانيا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وهذا موضع يدق عن العثور عليه بالنظرة العجيلة ولا يمكن اكتناه حسنه إلا بعد التأمل العميق وهذا فن جليل القدر، بعيد الغور، فللضمائر أسرار لا يدركها إلا الملهمون والمبدعون وهي ليست مجرد ضمائر تذكر كما ترد في كتب النحو وستأتي في كتابنا هذا صور رائعة عنه تبين مدى قدر المبين وتساميه عن الانداد. التوكيد بالضمائر في الشعر: وسنورد لك هنا الآن نماذج من التوكيد بالضمائر الوارد في الشعر تذهل العقول فمن بديع ما استظرفناه قول أبي تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار فقوله «لا أنت أنت ولا الديار ديار» من المليح النادر لأنه هو هو والديار الديار وإنما مراده أن البواعث التي كانت تبعث على قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار. وقد حاول أبو الطيب أن ينسج على منوال أبي تمام فأسف ولم يلحق به إذ قال: قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام فقوله «أنت أنت» من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في مدحه ولكنه أفسد على نفسه ما أراده لأن سبك البيت عار من الحسن وفيه تقديم وتأخير أفسداه أيضا لأنه كان من حقه أن يقول: قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتّى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ذلك يبقى دون بيت أبي تمام العذب الرشيق وهذا مرده إلى الذوق وهو الحكم في هذا الباب. وروى صاحب الأغاني: أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة: يا خير الفتيان أردد علي ما أخذته من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو فقال له زياد: لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا» فقوله: لكنتم أنتم أنتم، أي أنتم الأشداء أو الشجعان أو ذوو النجدة والبأس إلا أن «أنتم» الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم كأنه قال لكنتم أنتم الشجعان دون غيرهم ولو مدحهم بأي شيء مدحهم به من وصف البأس والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة أعني «أنتم» الثانية. 4- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى: «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» فقد استعيرت الارادة للمشارفة والمداناة ويجوز أن يكون مجازا عقليا وهذا الخلاف مطرد في كل نسبة إلى مالا يعقل كقول عمرو بن أبي ربيعة: أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وسنبسط لك القول في هذا البيت بسطا شافيا لتتأكد من حقيقة هذا الكلام فالإباء المنع الاختياري وقد شبه الروادف والثدي لكبرها بمن يصح منه ذلك والكلام يحتمل إرادة التشبيه فهو مجاز علاقته المشابهة فيكون استعارة مكنية تبعية وقد لا يحتمل إرادة التشبيه ويكون عبارة عن مجرد إسناد الإباء إليها للدلالة على كبرها فيكون مجازا عقليا وفي الكلام أيضا لف ونشر مشوش لأن مس البطون يرجع للثدي ومس الظهور يرجع للروادف ولا بد لإظهار معنى البيت تماما من إيراد البيت الثاني وهو: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا يقال تناوح الجبلان أي تقابلا فالمراد بالتناوح التقابل بحيث يجيء بعض الرياح من أمامها وبعضها من خلفها فتظهر روادفها ونهودها وتلتصق الثياب بخصرها فيظهر ضموره فتنبه الحاسدة لها وتهيج الغيور لكراهية ذلك من الرياح. ومن هذا الضرب قول الحسن بن هانىء أبي نواس: فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطق اللهو حتى ينطق العود شبه العود بانسان على طريق الاستعارة المكنية ويصح أن يكون مجازا عقليا على نحو ما قدمنا لك. وقول حسان بن ثابت: ان دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان وجمل اسم محبوبته ويروى بعدي يقول: إن الدهر الذي يجمع شملي بمحبوبتي لدهر يهمّ بالإحسان على طريق المكنية ولفظ الهم تخييل ويحتمل أن إسناد الهم له مجاز عقلي كإسناد اللف. 5- التقديم والتأخير: ظاهر الكلام يقتضي تأخير قوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» عن قوله: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب والجواب على ذلك أنه سبحانه قدم المسبب على السبب للعناية به ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين. وفي الآية والتي بعدها أيضا أسرار عجيبة أخرى وذلك بمخالفة الضمائر فيهما فقد أسند في الأولى الفعل إلى ضميره خاصة بقوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما» و «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما» ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد أن ثمة عيبا فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا أو دبرنا كذا وإنما يعنون بأمر الملك أو دبر ويؤيد ذلك قوله في الثالثة «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما» فلم تأت الضمائر على نمط واحد وهذا من أرقى الأساليب وأحفلها بالمعاني الخصبة التي لا يمجها السمع وتحتويها الآذان. الفوائد: 1- الأفعال التي تنصب مفاعيل ثلاثة هي أعلم وأرى وأنبأ ونبأ وأخبر وخبر وحدث والأصل في هذه الأفعال أعلم وأرى اللذان كان أصلهما قبل دخول همزة النقل عليهما علم ورأى المتعديان لاثنين وأما الخمسة الباقية فليس لها ثلاثي يستعمل في العلم إلا خبر ولكنها ألحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدي إلى ثلاثة لأن الإنباء والتنبيء والإخبار والتخبير والتحديث بمعنى الإعلام، هذا وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها والى مضمون الثاني والثالث أو مضمون الثالث وحده بالباء نحو حدثتك بخروج زيد وعليه يحمل قوله تعالى «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وسيأتي مزيد بحث عن هذه الأفعال في موضعه إن شاء الله. 2- وراء: هو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام ومعناها هنا أمامهم وكون وراءهم بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيدة وابن السكيت والزجاج ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام وجاء في التنزيل والشعر، قال الله تعالى: «مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ» وقال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا يحنى عليها الأصابع وقال سوار بن المضرب السعدي: أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا وقال آخر: أليس ورائي أن أدب على العصا ... فتأمن أعداء وتسأمني أهلي وقال الفراء: «لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد جاز الوجهان لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك وكأنك إذا بلغته صار بين يديك» قال: «إنما جاز هذا في اللغة لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك» وأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.

الكهف 18:79

اللغة: (إِمْراً) : الإمر العظيم المنكر، قال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ... داهية دهيا وأمرا إمرا ويقال: أمر الإمر أي عظم وتفاقم وهذه المادة اللغوية غريبة تقول الأمر بالفتح: طلب إحداث الشيء وجمعه أوامر والأمر الشأن وجمعه أمور وأولو الأمر أهل الرياسة والعلماء، والإمّر والإمّر الضعيف الرأي، والأمير الآمر، فتتغير معانيها بتغير شكلها. (تُرْهِقْنِي) : تكلفني وفي المختار: رهقه غشيه وبابه طرب وأرهقا عسرا كلفه إياه. (زَكِيَّةً) : طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث، وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكّوا، وزكي يزكى زكى الزرع نما والرجل صلح وتنعم وزكاه الله بالتشديد أنماه وطهّره وأصلحه، وأخا زكاته وزكّى ماله أدّى عنه الزكاة، وزكّى نفسه مدحها. (نُكْراً) : بضم فسكون وبضمتين: المنكر وهو أبلغ من الإمر لأن معه القتل بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه وتلافيه وقيل: الإمر أبلغ لأن قتل النفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة. (يُضَيِّفُوهُما) : يقال ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته من الميل، يقال ضاف السهم عن الغرض وأضافه وضيفه جعله ضيفا وهم ضيوف وأضياف وضيفان، ومن المجاز: أضاف إليه أمرا إذا أسنده إليه واستكفأه وفلان أضيفت اليه الأمور وما هو إلا مضاف أي دعي، ونزلت به مضوفة. قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى يبلغ الساق مئزري الإعراب: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في الأمور الثلاثة التي ألمعنا إليها والتي خفيت بواطنها عن موسى وبدت له ظواهرها مستنكرة، ولا بد من تقدير محذوف أي فانطلقا يمشيان ومعهما تابعهما يوشع بن نون وقد اكتفى بذكر المتبوع عن التابع أي على ساحل البحر يطلبان سفينة تقلهما فوجدا سفينة فركباها فأخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي فجعل موسى يعارضه ويقول إلخ. وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة ركبا في السفينة في محل جر بإضافة الظرف إليها، وجملة خرقها جواب إذا وهو فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به. (قالَ: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) قال- أي موسى- أخرقتها والهمزة للاستفهام الإنكاري، لتغرق اللام للتعليل وتغرق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأهلها مفعول به، وسيأتي سر نسيان نفسه في باب البلاغة، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإمرا صفة. (قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وإن واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها. (قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) لا ناهية وتؤاخذني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به. ومن أمري حال لأنه كان في الأصل صفة لعسرا وعبرا مفعول به ثان لترهقني. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) فانطلقا الفاء للعطف وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة لقيا مضافة للظرف وهي شرط إذا وغلاما مفعول به، والفاء حرف عطف وقتله عطف على لقيا فهو داخل في حيز فعل الشرط بخلاف قوله «حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» بغير فاء فقد جعله هنا جوابا والعلة في هذه المخالفة، ان خرق السفينة لم يأت عقب الركوب مباشرة أما القتل فقد أتى عقب لقاء الغلام مباشرة، وقال هو جواب إذا، أقتلت: الهمزة للاستفهام الانكاري ونفسا مفعول به وزكية صفة، وبغير نفس: الجار والمجرور في موضع نصب على الحال من الفاعل أو المفعول أي قتلته ظالما أو مظلوما أو متعلق بقتلت، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به ونكرا صفة. (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وان واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها، وقد زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني. (قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) إن شرطية وسألتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وعن شيء جار ومجرور متعلقان بسألتك وبعدها ظرف متعلق بمحذوف صفة لشيء، والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتصاحبني مجزوم بلا والياء مفعول به. (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد حرف تحقيق وبلغت فعل وفاعل ومن حرف جر ولدن ظرف مبني على السكون في محل جر والجار والمجرور متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال وعذرا مفعول به. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) الفاء عاطفة وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأتيا فعل وفاعل وأهل مفعول به وقرية مضاف إليه، قيل القرية هي انطاكية ومعنى استطعما أهلها طلبا منهم الطعام على سبيل الضيافة، وجملة استطعما أهلها لا محل لها لأنها جواب إذا، واختار ابن هشام أن تكون صفة لقرية، وكرر الأهل للتأكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وقد تقدمت شواهده أو للتقصي ليشمل الاستطعام والامتناع من الإكرام جميع أهلها. (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) الفاء عاطفة وأبوا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول أبوا. (فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) الفاء عاطفة ووجدا فعل وفاعل وفيها جار ومجرور متعلقان بوجدا وجدارا مفعول به وجملة يريد صفة لجدارا وفي معنى إسناد الإرادة للجدار بحث ممتع يطالعه القارئ في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريد فأقامه الفاء عاطفة وأقامه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أي رفعه ورممه وأصلحه. (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) لو حرف شرط غير جازم وشئت فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو واتخذت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو وعليه متعلقان بمحذوف حال وأجرا مفعول به. (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) هذا مبتدأ والاشارة إلى الفراق المترتب على تكرار السؤال وفراق خبر وبيني مضاف إليه وساغت اضافة بين إلى غير متعدد لتكرير بين بالعطف بالواو وبينك عطف على بيني. (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) السين حرف استقبال وأنبئك فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبتأويل الباء حرف جر دخل على مضمون المفعولين الثاني والثالث وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وما اسم موصول مضاف إلى تأويل ولم حرف نفي وقلب وجزم وتستطع مضارع مجزوم بلم وصبرا مفعول به وعليه متعلقان بصبرا أي سأنبئك سر ما فعلت في الأمور الثلاثة. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) أما حرف شرط وتفصيل والسفينة مبتدأ والفاء رابطة وكانت كان واسمها المستتر والتاء تاء التأنيث الساكنة ولمساكين خبر كانت والجملة خبر السفينة وجملة يعملون في البحر صفة لمساكين وفي البحر متعلقان بيعلمون. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) الفاء عاطفة وأردت فعل وفاعل وأن أعيبها المصدر المؤول مفعول أردت والواو للحال وكان فعل ماض ناقص ووراءهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو بمعنى أمام ويجوز أن يكون بمعنى خلف وملك اسم كان المؤخر وجملة يؤخذ صفة وكل سفينة مفعول به وغصبا مفعول مطلق مبين لنوع الأخذ ويجوز أن يكون المصدر في موضع نصب على الحال وفي كلام تقديم وتأخير سيأتي سره العجيب في باب البلاغة. (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والغلام مبتدأ فكان الفاء رابطة وكان واسمها وخبرها فخشينا الفاء عاطفة وخشينا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول خشينا وطغيانا مفعول به ثان وكفرا عطف على طغيانا وجملة الجواب خبر الغلام وأسند الخشية إلى نفسه لأن الله أطلعه على مآل الغلام لو تناهت به المدة وانفسح الأجل، أو لأنه حكى قول الله. (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) فأردنا عطف على خشينا وأردنا فعل وفاعل وأن يبدلهما أن وما في حيزها مفعول يبدلهما وخيرا منه مفعول ثان وزكاة تمييز أي صلاحا وتقى وأقرب رحما عطف على خيرا منه زكاة ورحما تمييز أيضا أي رحمة بوالديه. قال أبو حيان: وانتصب رحما على المفعول له وأجاز الزمخشري أن ينصب على المصدر بأراد قال لأنه في معنى رحمهما وأجاز أبو البقاء أن ينتصب على الحال وكلاهما متكلف. فتأمل. (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) الجملة معطوفة على ما تقدم والاعراب مماثل وفي المدينة صفة ثانية أو حال. (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وتحته ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وكنز اسمها المؤخر ولهما صفة وكان أبوهما صالحا كان واسمها وخبرها. (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) فأراد عطف على ما تقدم وربك فاعل وأن يبلغا مفعول أراد وأشدهما مفعول به وقد تقدم تفسير الأشد ويستخرجا عطف على يبلغا والألف فاعل وكنزهما مفعول به ورحمة من ربك مفعول لأجله أي لولا أني أقمته لانقض وهوى وخرج الكنز من تحته قبل أن يصبحا قادرين على حفظ المال وتنميته واستثماره ولضاع بددا. (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) الواو عاطفة وما نافية وفعلته فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على مجموع ما ذكر وعن أمري جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي صادرا عن أمري وإنما هو بأمر الله وإلهامه إياي وذلك مبتدأ وتأويل خبر وما مضاف اليه ولم حرف نفي وقلب وجزم وتسطع أي تستطع فحذفت منه تاء الافتعال مجزوم بلم وعليه متعلقان بصبرا وصبرا مفعول به. البلاغة: الفنون التي انطوت عليها الآيات الآنفة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب إذا نحن حاولنا استجلاء غوامضها واكتناه خوافيها فلنمض في استقصائها جانحين إلى لغة النظر فأولها: 1- نسيان نفسه عند ما قال: «أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» وهو بين الراكبين وهو جدير بأن ينهمك بأمر نفسه وما هو مقدم عليه من سوء المصير وإنما حمله على المبادرة بالإنكار الالتهاب والحمية للحق فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل واحد: نفسي نفسي، ولا يلوي على مال ولا ولد وتلك حالة الغرق تذهل فيها العقول وتغرب الأحلام ويضيع الرشد من الألباب. 2- التورية في قوله «قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ» أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان لإيهامه بأنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وبعضهم يسمي هذا النوع من معاريض الكلام، والمعاريض جمع معراض وهو هنا إيهام خلاف المراد لئلا يلزم الكذب وهو فن ظريف من فنونهم ولعله أجمل أنواع التورية التي سبق ذكرها وقد كان المتنبي يجنح إليه في قصائده وخاصة الكافوريات قال: برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يمان فشبيب هذا خارجي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها فيقال أن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم الذين كانوا معه لما مات، ويقال إنه أكثر من شرب الخمر فحدث به صرع ففي ساعة القتال أتته نوبة الصرع فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه وقد كان شبيب هذا من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك مشهورة والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة. ومن معاريض الكلام الحسنة قول أبي العلاء المعري في وصف الإبل: صلب العصا بضرب قد دمّاها ... تود أن الله قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى الضرب في الأرض وهو المسير فيها وكذلك دماها يطلق على شيئين أحدهما يقال: دمّاه إذا أسال دمه ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال أفناه إذا أذهبه وأفناه إذا أطعمه حب الفناء وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى نبتان يقال أغواه إذا أضله وأغواه إذا أطعمه النوى ويقال طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت وطلب رشدا إذا طلب الهداية. ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟ فقال النبي: من ماء، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر من أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي لوجهته وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقتهم من ماء وحاشى النبي أن يكذب. 3- توكيد الضميرين: وذلك في قوله تعالى «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» في قصة قتل الغلام وهذا بخلاف قصة السفينة فإنه قال فيها «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» وقال في الثانية «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة بعد مرة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو أتى الإنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته ثم أتى ذلك مرة ثانية أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه؟ وكذلك فعل هاهنا فإنه قيل في الملامة أولا: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» ثم قيل ثانيا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وهذا موضع يدق عن العثور عليه بالنظرة العجيلة ولا يمكن اكتناه حسنه إلا بعد التأمل العميق وهذا فن جليل القدر، بعيد الغور، فللضمائر أسرار لا يدركها إلا الملهمون والمبدعون وهي ليست مجرد ضمائر تذكر كما ترد في كتب النحو وستأتي في كتابنا هذا صور رائعة عنه تبين مدى قدر المبين وتساميه عن الانداد. التوكيد بالضمائر في الشعر: وسنورد لك هنا الآن نماذج من التوكيد بالضمائر الوارد في الشعر تذهل العقول فمن بديع ما استظرفناه قول أبي تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار فقوله «لا أنت أنت ولا الديار ديار» من المليح النادر لأنه هو هو والديار الديار وإنما مراده أن البواعث التي كانت تبعث على قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار. وقد حاول أبو الطيب أن ينسج على منوال أبي تمام فأسف ولم يلحق به إذ قال: قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام فقوله «أنت أنت» من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في مدحه ولكنه أفسد على نفسه ما أراده لأن سبك البيت عار من الحسن وفيه تقديم وتأخير أفسداه أيضا لأنه كان من حقه أن يقول: قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتّى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ذلك يبقى دون بيت أبي تمام العذب الرشيق وهذا مرده إلى الذوق وهو الحكم في هذا الباب. وروى صاحب الأغاني: أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة: يا خير الفتيان أردد علي ما أخذته من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو فقال له زياد: لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا» فقوله: لكنتم أنتم أنتم، أي أنتم الأشداء أو الشجعان أو ذوو النجدة والبأس إلا أن «أنتم» الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم كأنه قال لكنتم أنتم الشجعان دون غيرهم ولو مدحهم بأي شيء مدحهم به من وصف البأس والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة أعني «أنتم» الثانية. 4- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى: «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» فقد استعيرت الارادة للمشارفة والمداناة ويجوز أن يكون مجازا عقليا وهذا الخلاف مطرد في كل نسبة إلى مالا يعقل كقول عمرو بن أبي ربيعة: أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وسنبسط لك القول في هذا البيت بسطا شافيا لتتأكد من حقيقة هذا الكلام فالإباء المنع الاختياري وقد شبه الروادف والثدي لكبرها بمن يصح منه ذلك والكلام يحتمل إرادة التشبيه فهو مجاز علاقته المشابهة فيكون استعارة مكنية تبعية وقد لا يحتمل إرادة التشبيه ويكون عبارة عن مجرد إسناد الإباء إليها للدلالة على كبرها فيكون مجازا عقليا وفي الكلام أيضا لف ونشر مشوش لأن مس البطون يرجع للثدي ومس الظهور يرجع للروادف ولا بد لإظهار معنى البيت تماما من إيراد البيت الثاني وهو: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا يقال تناوح الجبلان أي تقابلا فالمراد بالتناوح التقابل بحيث يجيء بعض الرياح من أمامها وبعضها من خلفها فتظهر روادفها ونهودها وتلتصق الثياب بخصرها فيظهر ضموره فتنبه الحاسدة لها وتهيج الغيور لكراهية ذلك من الرياح. ومن هذا الضرب قول الحسن بن هانىء أبي نواس: فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطق اللهو حتى ينطق العود شبه العود بانسان على طريق الاستعارة المكنية ويصح أن يكون مجازا عقليا على نحو ما قدمنا لك. وقول حسان بن ثابت: ان دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان وجمل اسم محبوبته ويروى بعدي يقول: إن الدهر الذي يجمع شملي بمحبوبتي لدهر يهمّ بالإحسان على طريق المكنية ولفظ الهم تخييل ويحتمل أن إسناد الهم له مجاز عقلي كإسناد اللف. 5- التقديم والتأخير: ظاهر الكلام يقتضي تأخير قوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» عن قوله: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب والجواب على ذلك أنه سبحانه قدم المسبب على السبب للعناية به ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين. وفي الآية والتي بعدها أيضا أسرار عجيبة أخرى وذلك بمخالفة الضمائر فيهما فقد أسند في الأولى الفعل إلى ضميره خاصة بقوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما» و «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما» ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد أن ثمة عيبا فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا أو دبرنا كذا وإنما يعنون بأمر الملك أو دبر ويؤيد ذلك قوله في الثالثة «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما» فلم تأت الضمائر على نمط واحد وهذا من أرقى الأساليب وأحفلها بالمعاني الخصبة التي لا يمجها السمع وتحتويها الآذان. الفوائد: 1- الأفعال التي تنصب مفاعيل ثلاثة هي أعلم وأرى وأنبأ ونبأ وأخبر وخبر وحدث والأصل في هذه الأفعال أعلم وأرى اللذان كان أصلهما قبل دخول همزة النقل عليهما علم ورأى المتعديان لاثنين وأما الخمسة الباقية فليس لها ثلاثي يستعمل في العلم إلا خبر ولكنها ألحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدي إلى ثلاثة لأن الإنباء والتنبيء والإخبار والتخبير والتحديث بمعنى الإعلام، هذا وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها والى مضمون الثاني والثالث أو مضمون الثالث وحده بالباء نحو حدثتك بخروج زيد وعليه يحمل قوله تعالى «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وسيأتي مزيد بحث عن هذه الأفعال في موضعه إن شاء الله. 2- وراء: هو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام ومعناها هنا أمامهم وكون وراءهم بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيدة وابن السكيت والزجاج ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام وجاء في التنزيل والشعر، قال الله تعالى: «مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ» وقال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا يحنى عليها الأصابع وقال سوار بن المضرب السعدي: أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا وقال آخر: أليس ورائي أن أدب على العصا ... فتأمن أعداء وتسأمني أهلي وقال الفراء: «لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد جاز الوجهان لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك وكأنك إذا بلغته صار بين يديك» قال: «إنما جاز هذا في اللغة لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك» وأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.

الكهف 18:80

اللغة: (إِمْراً) : الإمر العظيم المنكر، قال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ... داهية دهيا وأمرا إمرا ويقال: أمر الإمر أي عظم وتفاقم وهذه المادة اللغوية غريبة تقول الأمر بالفتح: طلب إحداث الشيء وجمعه أوامر والأمر الشأن وجمعه أمور وأولو الأمر أهل الرياسة والعلماء، والإمّر والإمّر الضعيف الرأي، والأمير الآمر، فتتغير معانيها بتغير شكلها. (تُرْهِقْنِي) : تكلفني وفي المختار: رهقه غشيه وبابه طرب وأرهقا عسرا كلفه إياه. (زَكِيَّةً) : طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث، وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكّوا، وزكي يزكى زكى الزرع نما والرجل صلح وتنعم وزكاه الله بالتشديد أنماه وطهّره وأصلحه، وأخا زكاته وزكّى ماله أدّى عنه الزكاة، وزكّى نفسه مدحها. (نُكْراً) : بضم فسكون وبضمتين: المنكر وهو أبلغ من الإمر لأن معه القتل بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه وتلافيه وقيل: الإمر أبلغ لأن قتل النفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة. (يُضَيِّفُوهُما) : يقال ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته من الميل، يقال ضاف السهم عن الغرض وأضافه وضيفه جعله ضيفا وهم ضيوف وأضياف وضيفان، ومن المجاز: أضاف إليه أمرا إذا أسنده إليه واستكفأه وفلان أضيفت اليه الأمور وما هو إلا مضاف أي دعي، ونزلت به مضوفة. قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى يبلغ الساق مئزري الإعراب: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في الأمور الثلاثة التي ألمعنا إليها والتي خفيت بواطنها عن موسى وبدت له ظواهرها مستنكرة، ولا بد من تقدير محذوف أي فانطلقا يمشيان ومعهما تابعهما يوشع بن نون وقد اكتفى بذكر المتبوع عن التابع أي على ساحل البحر يطلبان سفينة تقلهما فوجدا سفينة فركباها فأخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي فجعل موسى يعارضه ويقول إلخ. وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة ركبا في السفينة في محل جر بإضافة الظرف إليها، وجملة خرقها جواب إذا وهو فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به. (قالَ: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) قال- أي موسى- أخرقتها والهمزة للاستفهام الإنكاري، لتغرق اللام للتعليل وتغرق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأهلها مفعول به، وسيأتي سر نسيان نفسه في باب البلاغة، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإمرا صفة. (قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وإن واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها. (قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) لا ناهية وتؤاخذني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به. ومن أمري حال لأنه كان في الأصل صفة لعسرا وعبرا مفعول به ثان لترهقني. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) فانطلقا الفاء للعطف وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة لقيا مضافة للظرف وهي شرط إذا وغلاما مفعول به، والفاء حرف عطف وقتله عطف على لقيا فهو داخل في حيز فعل الشرط بخلاف قوله «حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» بغير فاء فقد جعله هنا جوابا والعلة في هذه المخالفة، ان خرق السفينة لم يأت عقب الركوب مباشرة أما القتل فقد أتى عقب لقاء الغلام مباشرة، وقال هو جواب إذا، أقتلت: الهمزة للاستفهام الانكاري ونفسا مفعول به وزكية صفة، وبغير نفس: الجار والمجرور في موضع نصب على الحال من الفاعل أو المفعول أي قتلته ظالما أو مظلوما أو متعلق بقتلت، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به ونكرا صفة. (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وان واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها، وقد زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني. (قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) إن شرطية وسألتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وعن شيء جار ومجرور متعلقان بسألتك وبعدها ظرف متعلق بمحذوف صفة لشيء، والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتصاحبني مجزوم بلا والياء مفعول به. (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد حرف تحقيق وبلغت فعل وفاعل ومن حرف جر ولدن ظرف مبني على السكون في محل جر والجار والمجرور متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال وعذرا مفعول به. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) الفاء عاطفة وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأتيا فعل وفاعل وأهل مفعول به وقرية مضاف إليه، قيل القرية هي انطاكية ومعنى استطعما أهلها طلبا منهم الطعام على سبيل الضيافة، وجملة استطعما أهلها لا محل لها لأنها جواب إذا، واختار ابن هشام أن تكون صفة لقرية، وكرر الأهل للتأكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وقد تقدمت شواهده أو للتقصي ليشمل الاستطعام والامتناع من الإكرام جميع أهلها. (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) الفاء عاطفة وأبوا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول أبوا. (فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) الفاء عاطفة ووجدا فعل وفاعل وفيها جار ومجرور متعلقان بوجدا وجدارا مفعول به وجملة يريد صفة لجدارا وفي معنى إسناد الإرادة للجدار بحث ممتع يطالعه القارئ في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريد فأقامه الفاء عاطفة وأقامه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أي رفعه ورممه وأصلحه. (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) لو حرف شرط غير جازم وشئت فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو واتخذت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو وعليه متعلقان بمحذوف حال وأجرا مفعول به. (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) هذا مبتدأ والاشارة إلى الفراق المترتب على تكرار السؤال وفراق خبر وبيني مضاف إليه وساغت اضافة بين إلى غير متعدد لتكرير بين بالعطف بالواو وبينك عطف على بيني. (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) السين حرف استقبال وأنبئك فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبتأويل الباء حرف جر دخل على مضمون المفعولين الثاني والثالث وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وما اسم موصول مضاف إلى تأويل ولم حرف نفي وقلب وجزم وتستطع مضارع مجزوم بلم وصبرا مفعول به وعليه متعلقان بصبرا أي سأنبئك سر ما فعلت في الأمور الثلاثة. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) أما حرف شرط وتفصيل والسفينة مبتدأ والفاء رابطة وكانت كان واسمها المستتر والتاء تاء التأنيث الساكنة ولمساكين خبر كانت والجملة خبر السفينة وجملة يعملون في البحر صفة لمساكين وفي البحر متعلقان بيعلمون. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) الفاء عاطفة وأردت فعل وفاعل وأن أعيبها المصدر المؤول مفعول أردت والواو للحال وكان فعل ماض ناقص ووراءهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو بمعنى أمام ويجوز أن يكون بمعنى خلف وملك اسم كان المؤخر وجملة يؤخذ صفة وكل سفينة مفعول به وغصبا مفعول مطلق مبين لنوع الأخذ ويجوز أن يكون المصدر في موضع نصب على الحال وفي كلام تقديم وتأخير سيأتي سره العجيب في باب البلاغة. (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والغلام مبتدأ فكان الفاء رابطة وكان واسمها وخبرها فخشينا الفاء عاطفة وخشينا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول خشينا وطغيانا مفعول به ثان وكفرا عطف على طغيانا وجملة الجواب خبر الغلام وأسند الخشية إلى نفسه لأن الله أطلعه على مآل الغلام لو تناهت به المدة وانفسح الأجل، أو لأنه حكى قول الله. (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) فأردنا عطف على خشينا وأردنا فعل وفاعل وأن يبدلهما أن وما في حيزها مفعول يبدلهما وخيرا منه مفعول ثان وزكاة تمييز أي صلاحا وتقى وأقرب رحما عطف على خيرا منه زكاة ورحما تمييز أيضا أي رحمة بوالديه. قال أبو حيان: وانتصب رحما على المفعول له وأجاز الزمخشري أن ينصب على المصدر بأراد قال لأنه في معنى رحمهما وأجاز أبو البقاء أن ينتصب على الحال وكلاهما متكلف. فتأمل. (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) الجملة معطوفة على ما تقدم والاعراب مماثل وفي المدينة صفة ثانية أو حال. (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وتحته ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وكنز اسمها المؤخر ولهما صفة وكان أبوهما صالحا كان واسمها وخبرها. (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) فأراد عطف على ما تقدم وربك فاعل وأن يبلغا مفعول أراد وأشدهما مفعول به وقد تقدم تفسير الأشد ويستخرجا عطف على يبلغا والألف فاعل وكنزهما مفعول به ورحمة من ربك مفعول لأجله أي لولا أني أقمته لانقض وهوى وخرج الكنز من تحته قبل أن يصبحا قادرين على حفظ المال وتنميته واستثماره ولضاع بددا. (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) الواو عاطفة وما نافية وفعلته فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على مجموع ما ذكر وعن أمري جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي صادرا عن أمري وإنما هو بأمر الله وإلهامه إياي وذلك مبتدأ وتأويل خبر وما مضاف اليه ولم حرف نفي وقلب وجزم وتسطع أي تستطع فحذفت منه تاء الافتعال مجزوم بلم وعليه متعلقان بصبرا وصبرا مفعول به. البلاغة: الفنون التي انطوت عليها الآيات الآنفة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب إذا نحن حاولنا استجلاء غوامضها واكتناه خوافيها فلنمض في استقصائها جانحين إلى لغة النظر فأولها: 1- نسيان نفسه عند ما قال: «أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» وهو بين الراكبين وهو جدير بأن ينهمك بأمر نفسه وما هو مقدم عليه من سوء المصير وإنما حمله على المبادرة بالإنكار الالتهاب والحمية للحق فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل واحد: نفسي نفسي، ولا يلوي على مال ولا ولد وتلك حالة الغرق تذهل فيها العقول وتغرب الأحلام ويضيع الرشد من الألباب. 2- التورية في قوله «قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ» أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان لإيهامه بأنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وبعضهم يسمي هذا النوع من معاريض الكلام، والمعاريض جمع معراض وهو هنا إيهام خلاف المراد لئلا يلزم الكذب وهو فن ظريف من فنونهم ولعله أجمل أنواع التورية التي سبق ذكرها وقد كان المتنبي يجنح إليه في قصائده وخاصة الكافوريات قال: برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يمان فشبيب هذا خارجي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها فيقال أن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم الذين كانوا معه لما مات، ويقال إنه أكثر من شرب الخمر فحدث به صرع ففي ساعة القتال أتته نوبة الصرع فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه وقد كان شبيب هذا من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك مشهورة والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة. ومن معاريض الكلام الحسنة قول أبي العلاء المعري في وصف الإبل: صلب العصا بضرب قد دمّاها ... تود أن الله قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى الضرب في الأرض وهو المسير فيها وكذلك دماها يطلق على شيئين أحدهما يقال: دمّاه إذا أسال دمه ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال أفناه إذا أذهبه وأفناه إذا أطعمه حب الفناء وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى نبتان يقال أغواه إذا أضله وأغواه إذا أطعمه النوى ويقال طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت وطلب رشدا إذا طلب الهداية. ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟ فقال النبي: من ماء، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر من أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي لوجهته وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقتهم من ماء وحاشى النبي أن يكذب. 3- توكيد الضميرين: وذلك في قوله تعالى «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» في قصة قتل الغلام وهذا بخلاف قصة السفينة فإنه قال فيها «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» وقال في الثانية «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة بعد مرة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو أتى الإنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته ثم أتى ذلك مرة ثانية أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه؟ وكذلك فعل هاهنا فإنه قيل في الملامة أولا: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» ثم قيل ثانيا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وهذا موضع يدق عن العثور عليه بالنظرة العجيلة ولا يمكن اكتناه حسنه إلا بعد التأمل العميق وهذا فن جليل القدر، بعيد الغور، فللضمائر أسرار لا يدركها إلا الملهمون والمبدعون وهي ليست مجرد ضمائر تذكر كما ترد في كتب النحو وستأتي في كتابنا هذا صور رائعة عنه تبين مدى قدر المبين وتساميه عن الانداد. التوكيد بالضمائر في الشعر: وسنورد لك هنا الآن نماذج من التوكيد بالضمائر الوارد في الشعر تذهل العقول فمن بديع ما استظرفناه قول أبي تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار فقوله «لا أنت أنت ولا الديار ديار» من المليح النادر لأنه هو هو والديار الديار وإنما مراده أن البواعث التي كانت تبعث على قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار. وقد حاول أبو الطيب أن ينسج على منوال أبي تمام فأسف ولم يلحق به إذ قال: قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام فقوله «أنت أنت» من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في مدحه ولكنه أفسد على نفسه ما أراده لأن سبك البيت عار من الحسن وفيه تقديم وتأخير أفسداه أيضا لأنه كان من حقه أن يقول: قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتّى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ذلك يبقى دون بيت أبي تمام العذب الرشيق وهذا مرده إلى الذوق وهو الحكم في هذا الباب. وروى صاحب الأغاني: أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة: يا خير الفتيان أردد علي ما أخذته من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو فقال له زياد: لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا» فقوله: لكنتم أنتم أنتم، أي أنتم الأشداء أو الشجعان أو ذوو النجدة والبأس إلا أن «أنتم» الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم كأنه قال لكنتم أنتم الشجعان دون غيرهم ولو مدحهم بأي شيء مدحهم به من وصف البأس والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة أعني «أنتم» الثانية. 4- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى: «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» فقد استعيرت الارادة للمشارفة والمداناة ويجوز أن يكون مجازا عقليا وهذا الخلاف مطرد في كل نسبة إلى مالا يعقل كقول عمرو بن أبي ربيعة: أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وسنبسط لك القول في هذا البيت بسطا شافيا لتتأكد من حقيقة هذا الكلام فالإباء المنع الاختياري وقد شبه الروادف والثدي لكبرها بمن يصح منه ذلك والكلام يحتمل إرادة التشبيه فهو مجاز علاقته المشابهة فيكون استعارة مكنية تبعية وقد لا يحتمل إرادة التشبيه ويكون عبارة عن مجرد إسناد الإباء إليها للدلالة على كبرها فيكون مجازا عقليا وفي الكلام أيضا لف ونشر مشوش لأن مس البطون يرجع للثدي ومس الظهور يرجع للروادف ولا بد لإظهار معنى البيت تماما من إيراد البيت الثاني وهو: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا يقال تناوح الجبلان أي تقابلا فالمراد بالتناوح التقابل بحيث يجيء بعض الرياح من أمامها وبعضها من خلفها فتظهر روادفها ونهودها وتلتصق الثياب بخصرها فيظهر ضموره فتنبه الحاسدة لها وتهيج الغيور لكراهية ذلك من الرياح. ومن هذا الضرب قول الحسن بن هانىء أبي نواس: فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطق اللهو حتى ينطق العود شبه العود بانسان على طريق الاستعارة المكنية ويصح أن يكون مجازا عقليا على نحو ما قدمنا لك. وقول حسان بن ثابت: ان دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان وجمل اسم محبوبته ويروى بعدي يقول: إن الدهر الذي يجمع شملي بمحبوبتي لدهر يهمّ بالإحسان على طريق المكنية ولفظ الهم تخييل ويحتمل أن إسناد الهم له مجاز عقلي كإسناد اللف. 5- التقديم والتأخير: ظاهر الكلام يقتضي تأخير قوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» عن قوله: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب والجواب على ذلك أنه سبحانه قدم المسبب على السبب للعناية به ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين. وفي الآية والتي بعدها أيضا أسرار عجيبة أخرى وذلك بمخالفة الضمائر فيهما فقد أسند في الأولى الفعل إلى ضميره خاصة بقوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما» و «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما» ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد أن ثمة عيبا فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا أو دبرنا كذا وإنما يعنون بأمر الملك أو دبر ويؤيد ذلك قوله في الثالثة «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما» فلم تأت الضمائر على نمط واحد وهذا من أرقى الأساليب وأحفلها بالمعاني الخصبة التي لا يمجها السمع وتحتويها الآذان. الفوائد: 1- الأفعال التي تنصب مفاعيل ثلاثة هي أعلم وأرى وأنبأ ونبأ وأخبر وخبر وحدث والأصل في هذه الأفعال أعلم وأرى اللذان كان أصلهما قبل دخول همزة النقل عليهما علم ورأى المتعديان لاثنين وأما الخمسة الباقية فليس لها ثلاثي يستعمل في العلم إلا خبر ولكنها ألحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدي إلى ثلاثة لأن الإنباء والتنبيء والإخبار والتخبير والتحديث بمعنى الإعلام، هذا وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها والى مضمون الثاني والثالث أو مضمون الثالث وحده بالباء نحو حدثتك بخروج زيد وعليه يحمل قوله تعالى «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وسيأتي مزيد بحث عن هذه الأفعال في موضعه إن شاء الله. 2- وراء: هو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام ومعناها هنا أمامهم وكون وراءهم بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيدة وابن السكيت والزجاج ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام وجاء في التنزيل والشعر، قال الله تعالى: «مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ» وقال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا يحنى عليها الأصابع وقال سوار بن المضرب السعدي: أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا وقال آخر: أليس ورائي أن أدب على العصا ... فتأمن أعداء وتسأمني أهلي وقال الفراء: «لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد جاز الوجهان لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك وكأنك إذا بلغته صار بين يديك» قال: «إنما جاز هذا في اللغة لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك» وأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.

الكهف 18:81

اللغة: (إِمْراً) : الإمر العظيم المنكر، قال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ... داهية دهيا وأمرا إمرا ويقال: أمر الإمر أي عظم وتفاقم وهذه المادة اللغوية غريبة تقول الأمر بالفتح: طلب إحداث الشيء وجمعه أوامر والأمر الشأن وجمعه أمور وأولو الأمر أهل الرياسة والعلماء، والإمّر والإمّر الضعيف الرأي، والأمير الآمر، فتتغير معانيها بتغير شكلها. (تُرْهِقْنِي) : تكلفني وفي المختار: رهقه غشيه وبابه طرب وأرهقا عسرا كلفه إياه. (زَكِيَّةً) : طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث، وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكّوا، وزكي يزكى زكى الزرع نما والرجل صلح وتنعم وزكاه الله بالتشديد أنماه وطهّره وأصلحه، وأخا زكاته وزكّى ماله أدّى عنه الزكاة، وزكّى نفسه مدحها. (نُكْراً) : بضم فسكون وبضمتين: المنكر وهو أبلغ من الإمر لأن معه القتل بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه وتلافيه وقيل: الإمر أبلغ لأن قتل النفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة. (يُضَيِّفُوهُما) : يقال ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته من الميل، يقال ضاف السهم عن الغرض وأضافه وضيفه جعله ضيفا وهم ضيوف وأضياف وضيفان، ومن المجاز: أضاف إليه أمرا إذا أسنده إليه واستكفأه وفلان أضيفت اليه الأمور وما هو إلا مضاف أي دعي، ونزلت به مضوفة. قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى يبلغ الساق مئزري الإعراب: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في الأمور الثلاثة التي ألمعنا إليها والتي خفيت بواطنها عن موسى وبدت له ظواهرها مستنكرة، ولا بد من تقدير محذوف أي فانطلقا يمشيان ومعهما تابعهما يوشع بن نون وقد اكتفى بذكر المتبوع عن التابع أي على ساحل البحر يطلبان سفينة تقلهما فوجدا سفينة فركباها فأخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي فجعل موسى يعارضه ويقول إلخ. وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة ركبا في السفينة في محل جر بإضافة الظرف إليها، وجملة خرقها جواب إذا وهو فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به. (قالَ: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) قال- أي موسى- أخرقتها والهمزة للاستفهام الإنكاري، لتغرق اللام للتعليل وتغرق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأهلها مفعول به، وسيأتي سر نسيان نفسه في باب البلاغة، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإمرا صفة. (قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وإن واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها. (قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) لا ناهية وتؤاخذني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به. ومن أمري حال لأنه كان في الأصل صفة لعسرا وعبرا مفعول به ثان لترهقني. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) فانطلقا الفاء للعطف وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة لقيا مضافة للظرف وهي شرط إذا وغلاما مفعول به، والفاء حرف عطف وقتله عطف على لقيا فهو داخل في حيز فعل الشرط بخلاف قوله «حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» بغير فاء فقد جعله هنا جوابا والعلة في هذه المخالفة، ان خرق السفينة لم يأت عقب الركوب مباشرة أما القتل فقد أتى عقب لقاء الغلام مباشرة، وقال هو جواب إذا، أقتلت: الهمزة للاستفهام الانكاري ونفسا مفعول به وزكية صفة، وبغير نفس: الجار والمجرور في موضع نصب على الحال من الفاعل أو المفعول أي قتلته ظالما أو مظلوما أو متعلق بقتلت، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به ونكرا صفة. (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وان واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها، وقد زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني. (قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) إن شرطية وسألتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وعن شيء جار ومجرور متعلقان بسألتك وبعدها ظرف متعلق بمحذوف صفة لشيء، والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتصاحبني مجزوم بلا والياء مفعول به. (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد حرف تحقيق وبلغت فعل وفاعل ومن حرف جر ولدن ظرف مبني على السكون في محل جر والجار والمجرور متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال وعذرا مفعول به. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) الفاء عاطفة وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأتيا فعل وفاعل وأهل مفعول به وقرية مضاف إليه، قيل القرية هي انطاكية ومعنى استطعما أهلها طلبا منهم الطعام على سبيل الضيافة، وجملة استطعما أهلها لا محل لها لأنها جواب إذا، واختار ابن هشام أن تكون صفة لقرية، وكرر الأهل للتأكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وقد تقدمت شواهده أو للتقصي ليشمل الاستطعام والامتناع من الإكرام جميع أهلها. (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) الفاء عاطفة وأبوا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول أبوا. (فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) الفاء عاطفة ووجدا فعل وفاعل وفيها جار ومجرور متعلقان بوجدا وجدارا مفعول به وجملة يريد صفة لجدارا وفي معنى إسناد الإرادة للجدار بحث ممتع يطالعه القارئ في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريد فأقامه الفاء عاطفة وأقامه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أي رفعه ورممه وأصلحه. (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) لو حرف شرط غير جازم وشئت فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو واتخذت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو وعليه متعلقان بمحذوف حال وأجرا مفعول به. (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) هذا مبتدأ والاشارة إلى الفراق المترتب على تكرار السؤال وفراق خبر وبيني مضاف إليه وساغت اضافة بين إلى غير متعدد لتكرير بين بالعطف بالواو وبينك عطف على بيني. (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) السين حرف استقبال وأنبئك فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبتأويل الباء حرف جر دخل على مضمون المفعولين الثاني والثالث وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وما اسم موصول مضاف إلى تأويل ولم حرف نفي وقلب وجزم وتستطع مضارع مجزوم بلم وصبرا مفعول به وعليه متعلقان بصبرا أي سأنبئك سر ما فعلت في الأمور الثلاثة. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) أما حرف شرط وتفصيل والسفينة مبتدأ والفاء رابطة وكانت كان واسمها المستتر والتاء تاء التأنيث الساكنة ولمساكين خبر كانت والجملة خبر السفينة وجملة يعملون في البحر صفة لمساكين وفي البحر متعلقان بيعلمون. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) الفاء عاطفة وأردت فعل وفاعل وأن أعيبها المصدر المؤول مفعول أردت والواو للحال وكان فعل ماض ناقص ووراءهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو بمعنى أمام ويجوز أن يكون بمعنى خلف وملك اسم كان المؤخر وجملة يؤخذ صفة وكل سفينة مفعول به وغصبا مفعول مطلق مبين لنوع الأخذ ويجوز أن يكون المصدر في موضع نصب على الحال وفي كلام تقديم وتأخير سيأتي سره العجيب في باب البلاغة. (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والغلام مبتدأ فكان الفاء رابطة وكان واسمها وخبرها فخشينا الفاء عاطفة وخشينا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول خشينا وطغيانا مفعول به ثان وكفرا عطف على طغيانا وجملة الجواب خبر الغلام وأسند الخشية إلى نفسه لأن الله أطلعه على مآل الغلام لو تناهت به المدة وانفسح الأجل، أو لأنه حكى قول الله. (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) فأردنا عطف على خشينا وأردنا فعل وفاعل وأن يبدلهما أن وما في حيزها مفعول يبدلهما وخيرا منه مفعول ثان وزكاة تمييز أي صلاحا وتقى وأقرب رحما عطف على خيرا منه زكاة ورحما تمييز أيضا أي رحمة بوالديه. قال أبو حيان: وانتصب رحما على المفعول له وأجاز الزمخشري أن ينصب على المصدر بأراد قال لأنه في معنى رحمهما وأجاز أبو البقاء أن ينتصب على الحال وكلاهما متكلف. فتأمل. (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) الجملة معطوفة على ما تقدم والاعراب مماثل وفي المدينة صفة ثانية أو حال. (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وتحته ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وكنز اسمها المؤخر ولهما صفة وكان أبوهما صالحا كان واسمها وخبرها. (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) فأراد عطف على ما تقدم وربك فاعل وأن يبلغا مفعول أراد وأشدهما مفعول به وقد تقدم تفسير الأشد ويستخرجا عطف على يبلغا والألف فاعل وكنزهما مفعول به ورحمة من ربك مفعول لأجله أي لولا أني أقمته لانقض وهوى وخرج الكنز من تحته قبل أن يصبحا قادرين على حفظ المال وتنميته واستثماره ولضاع بددا. (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) الواو عاطفة وما نافية وفعلته فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على مجموع ما ذكر وعن أمري جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي صادرا عن أمري وإنما هو بأمر الله وإلهامه إياي وذلك مبتدأ وتأويل خبر وما مضاف اليه ولم حرف نفي وقلب وجزم وتسطع أي تستطع فحذفت منه تاء الافتعال مجزوم بلم وعليه متعلقان بصبرا وصبرا مفعول به. البلاغة: الفنون التي انطوت عليها الآيات الآنفة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب إذا نحن حاولنا استجلاء غوامضها واكتناه خوافيها فلنمض في استقصائها جانحين إلى لغة النظر فأولها: 1- نسيان نفسه عند ما قال: «أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» وهو بين الراكبين وهو جدير بأن ينهمك بأمر نفسه وما هو مقدم عليه من سوء المصير وإنما حمله على المبادرة بالإنكار الالتهاب والحمية للحق فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل واحد: نفسي نفسي، ولا يلوي على مال ولا ولد وتلك حالة الغرق تذهل فيها العقول وتغرب الأحلام ويضيع الرشد من الألباب. 2- التورية في قوله «قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ» أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان لإيهامه بأنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وبعضهم يسمي هذا النوع من معاريض الكلام، والمعاريض جمع معراض وهو هنا إيهام خلاف المراد لئلا يلزم الكذب وهو فن ظريف من فنونهم ولعله أجمل أنواع التورية التي سبق ذكرها وقد كان المتنبي يجنح إليه في قصائده وخاصة الكافوريات قال: برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يمان فشبيب هذا خارجي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها فيقال أن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم الذين كانوا معه لما مات، ويقال إنه أكثر من شرب الخمر فحدث به صرع ففي ساعة القتال أتته نوبة الصرع فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه وقد كان شبيب هذا من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك مشهورة والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة. ومن معاريض الكلام الحسنة قول أبي العلاء المعري في وصف الإبل: صلب العصا بضرب قد دمّاها ... تود أن الله قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى الضرب في الأرض وهو المسير فيها وكذلك دماها يطلق على شيئين أحدهما يقال: دمّاه إذا أسال دمه ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال أفناه إذا أذهبه وأفناه إذا أطعمه حب الفناء وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى نبتان يقال أغواه إذا أضله وأغواه إذا أطعمه النوى ويقال طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت وطلب رشدا إذا طلب الهداية. ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟ فقال النبي: من ماء، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر من أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي لوجهته وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقتهم من ماء وحاشى النبي أن يكذب. 3- توكيد الضميرين: وذلك في قوله تعالى «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» في قصة قتل الغلام وهذا بخلاف قصة السفينة فإنه قال فيها «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» وقال في الثانية «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة بعد مرة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو أتى الإنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته ثم أتى ذلك مرة ثانية أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه؟ وكذلك فعل هاهنا فإنه قيل في الملامة أولا: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» ثم قيل ثانيا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وهذا موضع يدق عن العثور عليه بالنظرة العجيلة ولا يمكن اكتناه حسنه إلا بعد التأمل العميق وهذا فن جليل القدر، بعيد الغور، فللضمائر أسرار لا يدركها إلا الملهمون والمبدعون وهي ليست مجرد ضمائر تذكر كما ترد في كتب النحو وستأتي في كتابنا هذا صور رائعة عنه تبين مدى قدر المبين وتساميه عن الانداد. التوكيد بالضمائر في الشعر: وسنورد لك هنا الآن نماذج من التوكيد بالضمائر الوارد في الشعر تذهل العقول فمن بديع ما استظرفناه قول أبي تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار فقوله «لا أنت أنت ولا الديار ديار» من المليح النادر لأنه هو هو والديار الديار وإنما مراده أن البواعث التي كانت تبعث على قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار. وقد حاول أبو الطيب أن ينسج على منوال أبي تمام فأسف ولم يلحق به إذ قال: قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام فقوله «أنت أنت» من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في مدحه ولكنه أفسد على نفسه ما أراده لأن سبك البيت عار من الحسن وفيه تقديم وتأخير أفسداه أيضا لأنه كان من حقه أن يقول: قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتّى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ذلك يبقى دون بيت أبي تمام العذب الرشيق وهذا مرده إلى الذوق وهو الحكم في هذا الباب. وروى صاحب الأغاني: أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة: يا خير الفتيان أردد علي ما أخذته من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو فقال له زياد: لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا» فقوله: لكنتم أنتم أنتم، أي أنتم الأشداء أو الشجعان أو ذوو النجدة والبأس إلا أن «أنتم» الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم كأنه قال لكنتم أنتم الشجعان دون غيرهم ولو مدحهم بأي شيء مدحهم به من وصف البأس والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة أعني «أنتم» الثانية. 4- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى: «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» فقد استعيرت الارادة للمشارفة والمداناة ويجوز أن يكون مجازا عقليا وهذا الخلاف مطرد في كل نسبة إلى مالا يعقل كقول عمرو بن أبي ربيعة: أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وسنبسط لك القول في هذا البيت بسطا شافيا لتتأكد من حقيقة هذا الكلام فالإباء المنع الاختياري وقد شبه الروادف والثدي لكبرها بمن يصح منه ذلك والكلام يحتمل إرادة التشبيه فهو مجاز علاقته المشابهة فيكون استعارة مكنية تبعية وقد لا يحتمل إرادة التشبيه ويكون عبارة عن مجرد إسناد الإباء إليها للدلالة على كبرها فيكون مجازا عقليا وفي الكلام أيضا لف ونشر مشوش لأن مس البطون يرجع للثدي ومس الظهور يرجع للروادف ولا بد لإظهار معنى البيت تماما من إيراد البيت الثاني وهو: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا يقال تناوح الجبلان أي تقابلا فالمراد بالتناوح التقابل بحيث يجيء بعض الرياح من أمامها وبعضها من خلفها فتظهر روادفها ونهودها وتلتصق الثياب بخصرها فيظهر ضموره فتنبه الحاسدة لها وتهيج الغيور لكراهية ذلك من الرياح. ومن هذا الضرب قول الحسن بن هانىء أبي نواس: فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطق اللهو حتى ينطق العود شبه العود بانسان على طريق الاستعارة المكنية ويصح أن يكون مجازا عقليا على نحو ما قدمنا لك. وقول حسان بن ثابت: ان دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان وجمل اسم محبوبته ويروى بعدي يقول: إن الدهر الذي يجمع شملي بمحبوبتي لدهر يهمّ بالإحسان على طريق المكنية ولفظ الهم تخييل ويحتمل أن إسناد الهم له مجاز عقلي كإسناد اللف. 5- التقديم والتأخير: ظاهر الكلام يقتضي تأخير قوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» عن قوله: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب والجواب على ذلك أنه سبحانه قدم المسبب على السبب للعناية به ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين. وفي الآية والتي بعدها أيضا أسرار عجيبة أخرى وذلك بمخالفة الضمائر فيهما فقد أسند في الأولى الفعل إلى ضميره خاصة بقوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما» و «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما» ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد أن ثمة عيبا فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا أو دبرنا كذا وإنما يعنون بأمر الملك أو دبر ويؤيد ذلك قوله في الثالثة «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما» فلم تأت الضمائر على نمط واحد وهذا من أرقى الأساليب وأحفلها بالمعاني الخصبة التي لا يمجها السمع وتحتويها الآذان. الفوائد: 1- الأفعال التي تنصب مفاعيل ثلاثة هي أعلم وأرى وأنبأ ونبأ وأخبر وخبر وحدث والأصل في هذه الأفعال أعلم وأرى اللذان كان أصلهما قبل دخول همزة النقل عليهما علم ورأى المتعديان لاثنين وأما الخمسة الباقية فليس لها ثلاثي يستعمل في العلم إلا خبر ولكنها ألحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدي إلى ثلاثة لأن الإنباء والتنبيء والإخبار والتخبير والتحديث بمعنى الإعلام، هذا وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها والى مضمون الثاني والثالث أو مضمون الثالث وحده بالباء نحو حدثتك بخروج زيد وعليه يحمل قوله تعالى «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وسيأتي مزيد بحث عن هذه الأفعال في موضعه إن شاء الله. 2- وراء: هو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام ومعناها هنا أمامهم وكون وراءهم بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيدة وابن السكيت والزجاج ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام وجاء في التنزيل والشعر، قال الله تعالى: «مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ» وقال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا يحنى عليها الأصابع وقال سوار بن المضرب السعدي: أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا وقال آخر: أليس ورائي أن أدب على العصا ... فتأمن أعداء وتسأمني أهلي وقال الفراء: «لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد جاز الوجهان لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك وكأنك إذا بلغته صار بين يديك» قال: «إنما جاز هذا في اللغة لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك» وأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.

الكهف 18:82

اللغة: (إِمْراً) : الإمر العظيم المنكر، قال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ... داهية دهيا وأمرا إمرا ويقال: أمر الإمر أي عظم وتفاقم وهذه المادة اللغوية غريبة تقول الأمر بالفتح: طلب إحداث الشيء وجمعه أوامر والأمر الشأن وجمعه أمور وأولو الأمر أهل الرياسة والعلماء، والإمّر والإمّر الضعيف الرأي، والأمير الآمر، فتتغير معانيها بتغير شكلها. (تُرْهِقْنِي) : تكلفني وفي المختار: رهقه غشيه وبابه طرب وأرهقا عسرا كلفه إياه. (زَكِيَّةً) : طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث، وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكّوا، وزكي يزكى زكى الزرع نما والرجل صلح وتنعم وزكاه الله بالتشديد أنماه وطهّره وأصلحه، وأخا زكاته وزكّى ماله أدّى عنه الزكاة، وزكّى نفسه مدحها. (نُكْراً) : بضم فسكون وبضمتين: المنكر وهو أبلغ من الإمر لأن معه القتل بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه وتلافيه وقيل: الإمر أبلغ لأن قتل النفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة. (يُضَيِّفُوهُما) : يقال ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته من الميل، يقال ضاف السهم عن الغرض وأضافه وضيفه جعله ضيفا وهم ضيوف وأضياف وضيفان، ومن المجاز: أضاف إليه أمرا إذا أسنده إليه واستكفأه وفلان أضيفت اليه الأمور وما هو إلا مضاف أي دعي، ونزلت به مضوفة. قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى يبلغ الساق مئزري الإعراب: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في الأمور الثلاثة التي ألمعنا إليها والتي خفيت بواطنها عن موسى وبدت له ظواهرها مستنكرة، ولا بد من تقدير محذوف أي فانطلقا يمشيان ومعهما تابعهما يوشع بن نون وقد اكتفى بذكر المتبوع عن التابع أي على ساحل البحر يطلبان سفينة تقلهما فوجدا سفينة فركباها فأخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي فجعل موسى يعارضه ويقول إلخ. وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة ركبا في السفينة في محل جر بإضافة الظرف إليها، وجملة خرقها جواب إذا وهو فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به. (قالَ: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) قال- أي موسى- أخرقتها والهمزة للاستفهام الإنكاري، لتغرق اللام للتعليل وتغرق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأهلها مفعول به، وسيأتي سر نسيان نفسه في باب البلاغة، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإمرا صفة. (قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وإن واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها. (قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) لا ناهية وتؤاخذني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به. ومن أمري حال لأنه كان في الأصل صفة لعسرا وعبرا مفعول به ثان لترهقني. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) فانطلقا الفاء للعطف وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة لقيا مضافة للظرف وهي شرط إذا وغلاما مفعول به، والفاء حرف عطف وقتله عطف على لقيا فهو داخل في حيز فعل الشرط بخلاف قوله «حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» بغير فاء فقد جعله هنا جوابا والعلة في هذه المخالفة، ان خرق السفينة لم يأت عقب الركوب مباشرة أما القتل فقد أتى عقب لقاء الغلام مباشرة، وقال هو جواب إذا، أقتلت: الهمزة للاستفهام الانكاري ونفسا مفعول به وزكية صفة، وبغير نفس: الجار والمجرور في موضع نصب على الحال من الفاعل أو المفعول أي قتلته ظالما أو مظلوما أو متعلق بقتلت، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجئت فعل وفاعل وشيئا مفعول به ونكرا صفة. (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وان واسمها وجملة لن تستطيع معي صبرا خبرها، وقد زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني. (قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) إن شرطية وسألتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وعن شيء جار ومجرور متعلقان بسألتك وبعدها ظرف متعلق بمحذوف صفة لشيء، والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتصاحبني مجزوم بلا والياء مفعول به. (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد حرف تحقيق وبلغت فعل وفاعل ومن حرف جر ولدن ظرف مبني على السكون في محل جر والجار والمجرور متعلقان ببلغت أو بمحذوف حال وعذرا مفعول به. (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) الفاء عاطفة وانطلقا فعل وفاعل وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأتيا فعل وفاعل وأهل مفعول به وقرية مضاف إليه، قيل القرية هي انطاكية ومعنى استطعما أهلها طلبا منهم الطعام على سبيل الضيافة، وجملة استطعما أهلها لا محل لها لأنها جواب إذا، واختار ابن هشام أن تكون صفة لقرية، وكرر الأهل للتأكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وقد تقدمت شواهده أو للتقصي ليشمل الاستطعام والامتناع من الإكرام جميع أهلها. (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) الفاء عاطفة وأبوا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول أبوا. (فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) الفاء عاطفة ووجدا فعل وفاعل وفيها جار ومجرور متعلقان بوجدا وجدارا مفعول به وجملة يريد صفة لجدارا وفي معنى إسناد الإرادة للجدار بحث ممتع يطالعه القارئ في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريد فأقامه الفاء عاطفة وأقامه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أي رفعه ورممه وأصلحه. (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) لو حرف شرط غير جازم وشئت فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو واتخذت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو وعليه متعلقان بمحذوف حال وأجرا مفعول به. (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) هذا مبتدأ والاشارة إلى الفراق المترتب على تكرار السؤال وفراق خبر وبيني مضاف إليه وساغت اضافة بين إلى غير متعدد لتكرير بين بالعطف بالواو وبينك عطف على بيني. (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) السين حرف استقبال وأنبئك فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبتأويل الباء حرف جر دخل على مضمون المفعولين الثاني والثالث وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وما اسم موصول مضاف إلى تأويل ولم حرف نفي وقلب وجزم وتستطع مضارع مجزوم بلم وصبرا مفعول به وعليه متعلقان بصبرا أي سأنبئك سر ما فعلت في الأمور الثلاثة. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) أما حرف شرط وتفصيل والسفينة مبتدأ والفاء رابطة وكانت كان واسمها المستتر والتاء تاء التأنيث الساكنة ولمساكين خبر كانت والجملة خبر السفينة وجملة يعملون في البحر صفة لمساكين وفي البحر متعلقان بيعلمون. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) الفاء عاطفة وأردت فعل وفاعل وأن أعيبها المصدر المؤول مفعول أردت والواو للحال وكان فعل ماض ناقص ووراءهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو بمعنى أمام ويجوز أن يكون بمعنى خلف وملك اسم كان المؤخر وجملة يؤخذ صفة وكل سفينة مفعول به وغصبا مفعول مطلق مبين لنوع الأخذ ويجوز أن يكون المصدر في موضع نصب على الحال وفي كلام تقديم وتأخير سيأتي سره العجيب في باب البلاغة. (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والغلام مبتدأ فكان الفاء رابطة وكان واسمها وخبرها فخشينا الفاء عاطفة وخشينا فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول خشينا وطغيانا مفعول به ثان وكفرا عطف على طغيانا وجملة الجواب خبر الغلام وأسند الخشية إلى نفسه لأن الله أطلعه على مآل الغلام لو تناهت به المدة وانفسح الأجل، أو لأنه حكى قول الله. (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) فأردنا عطف على خشينا وأردنا فعل وفاعل وأن يبدلهما أن وما في حيزها مفعول يبدلهما وخيرا منه مفعول ثان وزكاة تمييز أي صلاحا وتقى وأقرب رحما عطف على خيرا منه زكاة ورحما تمييز أيضا أي رحمة بوالديه. قال أبو حيان: وانتصب رحما على المفعول له وأجاز الزمخشري أن ينصب على المصدر بأراد قال لأنه في معنى رحمهما وأجاز أبو البقاء أن ينتصب على الحال وكلاهما متكلف. فتأمل. (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) الجملة معطوفة على ما تقدم والاعراب مماثل وفي المدينة صفة ثانية أو حال. (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وتحته ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وكنز اسمها المؤخر ولهما صفة وكان أبوهما صالحا كان واسمها وخبرها. (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) فأراد عطف على ما تقدم وربك فاعل وأن يبلغا مفعول أراد وأشدهما مفعول به وقد تقدم تفسير الأشد ويستخرجا عطف على يبلغا والألف فاعل وكنزهما مفعول به ورحمة من ربك مفعول لأجله أي لولا أني أقمته لانقض وهوى وخرج الكنز من تحته قبل أن يصبحا قادرين على حفظ المال وتنميته واستثماره ولضاع بددا. (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) الواو عاطفة وما نافية وفعلته فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على مجموع ما ذكر وعن أمري جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي صادرا عن أمري وإنما هو بأمر الله وإلهامه إياي وذلك مبتدأ وتأويل خبر وما مضاف اليه ولم حرف نفي وقلب وجزم وتسطع أي تستطع فحذفت منه تاء الافتعال مجزوم بلم وعليه متعلقان بصبرا وصبرا مفعول به. البلاغة: الفنون التي انطوت عليها الآيات الآنفة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب إذا نحن حاولنا استجلاء غوامضها واكتناه خوافيها فلنمض في استقصائها جانحين إلى لغة النظر فأولها: 1- نسيان نفسه عند ما قال: «أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» وهو بين الراكبين وهو جدير بأن ينهمك بأمر نفسه وما هو مقدم عليه من سوء المصير وإنما حمله على المبادرة بالإنكار الالتهاب والحمية للحق فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل واحد: نفسي نفسي، ولا يلوي على مال ولا ولد وتلك حالة الغرق تذهل فيها العقول وتغرب الأحلام ويضيع الرشد من الألباب. 2- التورية في قوله «قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ» أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان لإيهامه بأنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وبعضهم يسمي هذا النوع من معاريض الكلام، والمعاريض جمع معراض وهو هنا إيهام خلاف المراد لئلا يلزم الكذب وهو فن ظريف من فنونهم ولعله أجمل أنواع التورية التي سبق ذكرها وقد كان المتنبي يجنح إليه في قصائده وخاصة الكافوريات قال: برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يمان فشبيب هذا خارجي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها فيقال أن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم الذين كانوا معه لما مات، ويقال إنه أكثر من شرب الخمر فحدث به صرع ففي ساعة القتال أتته نوبة الصرع فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه وقد كان شبيب هذا من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك مشهورة والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة. ومن معاريض الكلام الحسنة قول أبي العلاء المعري في وصف الإبل: صلب العصا بضرب قد دمّاها ... تود أن الله قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى الضرب في الأرض وهو المسير فيها وكذلك دماها يطلق على شيئين أحدهما يقال: دمّاه إذا أسال دمه ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال أفناه إذا أذهبه وأفناه إذا أطعمه حب الفناء وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى نبتان يقال أغواه إذا أضله وأغواه إذا أطعمه النوى ويقال طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت وطلب رشدا إذا طلب الهداية. ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟ فقال النبي: من ماء، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر من أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي لوجهته وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقتهم من ماء وحاشى النبي أن يكذب. 3- توكيد الضميرين: وذلك في قوله تعالى «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» في قصة قتل الغلام وهذا بخلاف قصة السفينة فإنه قال فيها «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» وقال في الثانية «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة بعد مرة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو أتى الإنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته ثم أتى ذلك مرة ثانية أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه؟ وكذلك فعل هاهنا فإنه قيل في الملامة أولا: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ» ثم قيل ثانيا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ» وهذا موضع يدق عن العثور عليه بالنظرة العجيلة ولا يمكن اكتناه حسنه إلا بعد التأمل العميق وهذا فن جليل القدر، بعيد الغور، فللضمائر أسرار لا يدركها إلا الملهمون والمبدعون وهي ليست مجرد ضمائر تذكر كما ترد في كتب النحو وستأتي في كتابنا هذا صور رائعة عنه تبين مدى قدر المبين وتساميه عن الانداد. التوكيد بالضمائر في الشعر: وسنورد لك هنا الآن نماذج من التوكيد بالضمائر الوارد في الشعر تذهل العقول فمن بديع ما استظرفناه قول أبي تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار فقوله «لا أنت أنت ولا الديار ديار» من المليح النادر لأنه هو هو والديار الديار وإنما مراده أن البواعث التي كانت تبعث على قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار. وقد حاول أبو الطيب أن ينسج على منوال أبي تمام فأسف ولم يلحق به إذ قال: قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام فقوله «أنت أنت» من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في مدحه ولكنه أفسد على نفسه ما أراده لأن سبك البيت عار من الحسن وفيه تقديم وتأخير أفسداه أيضا لأنه كان من حقه أن يقول: قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتّى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ذلك يبقى دون بيت أبي تمام العذب الرشيق وهذا مرده إلى الذوق وهو الحكم في هذا الباب. وروى صاحب الأغاني: أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة: يا خير الفتيان أردد علي ما أخذته من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو فقال له زياد: لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا» فقوله: لكنتم أنتم أنتم، أي أنتم الأشداء أو الشجعان أو ذوو النجدة والبأس إلا أن «أنتم» الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم كأنه قال لكنتم أنتم الشجعان دون غيرهم ولو مدحهم بأي شيء مدحهم به من وصف البأس والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة أعني «أنتم» الثانية. 4- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى: «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» فقد استعيرت الارادة للمشارفة والمداناة ويجوز أن يكون مجازا عقليا وهذا الخلاف مطرد في كل نسبة إلى مالا يعقل كقول عمرو بن أبي ربيعة: أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وسنبسط لك القول في هذا البيت بسطا شافيا لتتأكد من حقيقة هذا الكلام فالإباء المنع الاختياري وقد شبه الروادف والثدي لكبرها بمن يصح منه ذلك والكلام يحتمل إرادة التشبيه فهو مجاز علاقته المشابهة فيكون استعارة مكنية تبعية وقد لا يحتمل إرادة التشبيه ويكون عبارة عن مجرد إسناد الإباء إليها للدلالة على كبرها فيكون مجازا عقليا وفي الكلام أيضا لف ونشر مشوش لأن مس البطون يرجع للثدي ومس الظهور يرجع للروادف ولا بد لإظهار معنى البيت تماما من إيراد البيت الثاني وهو: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا يقال تناوح الجبلان أي تقابلا فالمراد بالتناوح التقابل بحيث يجيء بعض الرياح من أمامها وبعضها من خلفها فتظهر روادفها ونهودها وتلتصق الثياب بخصرها فيظهر ضموره فتنبه الحاسدة لها وتهيج الغيور لكراهية ذلك من الرياح. ومن هذا الضرب قول الحسن بن هانىء أبي نواس: فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطق اللهو حتى ينطق العود شبه العود بانسان على طريق الاستعارة المكنية ويصح أن يكون مجازا عقليا على نحو ما قدمنا لك. وقول حسان بن ثابت: ان دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان وجمل اسم محبوبته ويروى بعدي يقول: إن الدهر الذي يجمع شملي بمحبوبتي لدهر يهمّ بالإحسان على طريق المكنية ولفظ الهم تخييل ويحتمل أن إسناد الهم له مجاز عقلي كإسناد اللف. 5- التقديم والتأخير: ظاهر الكلام يقتضي تأخير قوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» عن قوله: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب والجواب على ذلك أنه سبحانه قدم المسبب على السبب للعناية به ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين. وفي الآية والتي بعدها أيضا أسرار عجيبة أخرى وذلك بمخالفة الضمائر فيهما فقد أسند في الأولى الفعل إلى ضميره خاصة بقوله «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما» و «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما» ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد أن ثمة عيبا فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا أو دبرنا كذا وإنما يعنون بأمر الملك أو دبر ويؤيد ذلك قوله في الثالثة «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما» فلم تأت الضمائر على نمط واحد وهذا من أرقى الأساليب وأحفلها بالمعاني الخصبة التي لا يمجها السمع وتحتويها الآذان. الفوائد: 1- الأفعال التي تنصب مفاعيل ثلاثة هي أعلم وأرى وأنبأ ونبأ وأخبر وخبر وحدث والأصل في هذه الأفعال أعلم وأرى اللذان كان أصلهما قبل دخول همزة النقل عليهما علم ورأى المتعديان لاثنين وأما الخمسة الباقية فليس لها ثلاثي يستعمل في العلم إلا خبر ولكنها ألحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدي إلى ثلاثة لأن الإنباء والتنبيء والإخبار والتخبير والتحديث بمعنى الإعلام، هذا وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها والى مضمون الثاني والثالث أو مضمون الثالث وحده بالباء نحو حدثتك بخروج زيد وعليه يحمل قوله تعالى «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وسيأتي مزيد بحث عن هذه الأفعال في موضعه إن شاء الله. 2- وراء: هو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام ومعناها هنا أمامهم وكون وراءهم بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيدة وابن السكيت والزجاج ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام وجاء في التنزيل والشعر، قال الله تعالى: «مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» وقال «وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ» وقال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا يحنى عليها الأصابع وقال سوار بن المضرب السعدي: أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا وقال آخر: أليس ورائي أن أدب على العصا ... فتأمن أعداء وتسأمني أهلي وقال الفراء: «لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد جاز الوجهان لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك وكأنك إذا بلغته صار بين يديك» قال: «إنما جاز هذا في اللغة لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك» وأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.

الكهف 18:83

اللغة: (ذِي الْقَرْنَيْنِ) : اضطربت الأقوال فيه كثيرا فبينما يزعم مفسرو القرآن أنه غير الإسكندر المقدوني الكبير يقولون انه هو الذي بنى الاسكندرية مع أن الإسكندر الكبير هو بانيها ومعنى ذي القرنين انه لقب لقب به لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقيها وغربيها أو لأنه كان له قرنان أي ضفيرتان، والعرب تسمي الذؤابة قرنا وجمعها قرون. قال مجنون ليلى لزوجها صبيحة عرسه: بعيشك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الفجر أو قبلت فاها وهل رفّت عليك قرون ليلى ... رفيف الأقحوانة في شذاها وقيل كان على رأسه ما يشبه القرنين ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا لأنه ينطح أقرانه واختلف في زمنه ومكانه اختلافا يمكن الرجوع اليه في المطولات لأن هذا البحث غير داخل في نطاق كتابنا. (حَمِئَةٍ) : أي كثيرة السواد من الحمأة أي الطين وفي المصباح والحمأة بسكون الميم طين أسود وقد حمئت البئر حمأ من باب تعب صار فيها الحمأة والعين الحمئة ماء يجري على الطين الأسود، وقد فرىء عين حامية أي حارة ويروى أن ابن عباس قرأ حمئة وكان عند معاوية فقرأ معاوية حامية فقال ابن عباس حمئة فقال معاوية لعبد الله ابن عمر كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب فقال: في ماء وطين فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع: قد كان ذو القرنين جدي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد بلغ المغارب والمشارق يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغار الشمس عند مآبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد والخلب بضمتين الحمأة وهي الطين والثأط الحمأة المختلطة بالماء فتزيد رطوبة وتفسد والحرمد الطين الأسود. مدح تبع ذا القرنين ثم قال انه بلغ مواضع غروب الشمس ومواضع شروقها يبتغي من الله أسبابا توصله لمقصده فرأى محل غبار الشمس عند مآبها أي رجوعها وفي عين متعلق بمغار وحال منه وقد أوّل أبو علي الجبائي ذلك تأويلا طريفا بأن ذلك على سبيل التخييل كما أن من ير الشاطئ الغربي من البحر المتسع ير الشمس تغرب فيه وفي الحقيقة تغرب في ظلمة وراء الأرض لدورانها كما يقرر ذلك بدائه العلم. الإعراب: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) الواو استئنافية ويسألونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن ذي القرنين متعلقان بيسألونك. (قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) جملة سأتلو مقول القول وعليكم متعلقان بأتلو ومنه متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لذكر أو تقدم عليه وذكرا مفعول به. (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً) إن واسمها وجملة مكنا خبرها وله متعلقان بمكنا وفي الأرض متعلقان بمكنا أيضا وآتيناه عطف على مكنا وهو فعل وفاعل ومفعول به ومن كل شيء متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لسببا وسببا مفعول به ثان لآتيناه. (فَأَتْبَعَ سَبَباً) الفاء عاطفة وأتبع فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وسببا مفعول به وقيل هو يتعدى لاثنين حذف أحدهما وتقديره فأتبع سببا سببا آخر أو فأتبع أمره سببا قال يونس وأبو زيد: أتبع بالقطع عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب وبالوصل إنما يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومغرب الشمس مفعول به وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وفي عين متعلقان بتغرب وحمئة صفة لعين. (وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) ووجد عطف على وجدها وعندها ظرف متعلق بوجد وقوما مفعول به وقلنا فعل وفاعل وذا القرنين منادى مضاف وإما حرف شرط وتفصيل وأن تعذب مصدر مؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي هو تعذيبك أو الرفع على انه مبتدأ والخبر محذوف أي إما تعذيبك واقع، ومن شواهد الرفع قول الشاعر: فسيروا فإما حاجة تقضيانها منها ... وإما مقيل صالح وصديق أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف أي إما أن تفعل التعذيب وإما أن تتخذ عطف على إما أن تعذب وفيهم متعلقان بتتخذ أو مفعول به ثان لتتخذ وحسنا مفعول به أول أي أمرا ذا حسن. (قالَ: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) أما حرف شرط وتفصيل ومن ظلم مبتدأ وجملة ظلم صلة فسوف الفاء رابطة وسوف حرف استقبال ونعذبه فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول والجملة خبر من. (ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً) ثم حرف عطف وتراخ ويرد فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو والى ربه متعلقان بيرد فيعذبه الفاء عاطفة ويعذبه فعل وفاعل ومفعول به وعذابا مفعول مطلق ونكرا صفة. (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) وأما عطف على أما السابقة ومن مبتدأ وآمن صلة وعمل صالحا فعل وفاعل مستتر ومفعول به أو صالحا صفة لمفعول مطلق محذوف أي عملا صالحا فله الفاء رابطة وله خبر مقدم وجزاء تمييز وأعربها أبو حيان مصدرا في موضع الحال أي مجازى كقولك في الدار قائما زيد وقيل انتصب على المصدر أي يجزى جزاء، والحسنى مبتدأ مؤخر أي فله الفعلة الحسنى جزاء. قال الفراء ونصب جزاء على التفسير أي لجهة النسبة أي نسبة الخبر المقدم وهو الجار والمجرور إلى المبتدأ المؤخر وهو الحسنى والتقدير فالفعلة الحسنى كائنة له من جزاء الجزاء (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً) وسنقول فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره نحن وله متعلقان بنقول ومن أمرنا متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة ليسرا وتقدم عليه ويسرا مفعول به أو مفعول مطلق أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل المتيسر. الفوائد: بحث طريف يتعلق ب «في» : ذهب ابن قتيبة إلى أن «في» بمعنى «عند» لأنها قد ترد بمعنى «في» وبمعنى «مع» قال الشاعر: حتى إذا ألقت يدا في كافر معناه عند كافر، وقال الشاعر: وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان معناه ومع الشر، وتكون في الآية بمعنى على كقوله تعالى: «وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» أي على جذوع النخل وقال عنترة: بطل كأن ثبابه في سرحة أي على سرحة، وكما أن في تقع موقع على كذلك تعكس القضية كقول الشاعر: ولقد سريت على الزمان بمعشر أي في الظلام. هذا ونقول إن الخطاب على حكم الحس في رأي العين لأن من وقف على شاطىء البحر المحيط أو قريبا من جبل عال رأى الشمس عند الغروب كأنها تدلت في نفس البحر أو خلف الجبل، قال الله تعالى: «حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» أي وراء الجبل ولولا أن اللفظ جاء على حكم الحسّ في الظاهر لما قال الله تعالى: «وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً» ومن المعلوم عقلا أن القوم لا يجلسون في قرن الشمس ولا هم عندها ولكن لما كان ذو القرنين قد توغل في جوب الأرض حتى انتهى إلى البحر المحيط من جهة الغرب كان الناظر يخيل اليه أن الشمس تغرب هناك وإذن فالخطاب ورد على حكم الحسّ في الظاهر وما أكثر ما تكذب الحواس وله مباحث تؤخذ من مظانها وليس من شرطنا البحث في هذه الموضوعات على جلالتها ويروي التاريخ أن لابن الهيثم كتابا جليل القدر يقع في سبعة مجلدات في هذا العلم ولكنه فقد مع ما فقد من تراثنا العربي. هذا وقد تظرف الشعراء فأشاروا إلى خداع الحس، قال أبو العلاء المعري: والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر وقال الخفاجي: ولا ينال كسوف الشمس طلعتها ... وإنما هو فيما يزعم البصر

الكهف 18:84

اللغة: (ذِي الْقَرْنَيْنِ) : اضطربت الأقوال فيه كثيرا فبينما يزعم مفسرو القرآن أنه غير الإسكندر المقدوني الكبير يقولون انه هو الذي بنى الاسكندرية مع أن الإسكندر الكبير هو بانيها ومعنى ذي القرنين انه لقب لقب به لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقيها وغربيها أو لأنه كان له قرنان أي ضفيرتان، والعرب تسمي الذؤابة قرنا وجمعها قرون. قال مجنون ليلى لزوجها صبيحة عرسه: بعيشك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الفجر أو قبلت فاها وهل رفّت عليك قرون ليلى ... رفيف الأقحوانة في شذاها وقيل كان على رأسه ما يشبه القرنين ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا لأنه ينطح أقرانه واختلف في زمنه ومكانه اختلافا يمكن الرجوع اليه في المطولات لأن هذا البحث غير داخل في نطاق كتابنا. (حَمِئَةٍ) : أي كثيرة السواد من الحمأة أي الطين وفي المصباح والحمأة بسكون الميم طين أسود وقد حمئت البئر حمأ من باب تعب صار فيها الحمأة والعين الحمئة ماء يجري على الطين الأسود، وقد فرىء عين حامية أي حارة ويروى أن ابن عباس قرأ حمئة وكان عند معاوية فقرأ معاوية حامية فقال ابن عباس حمئة فقال معاوية لعبد الله ابن عمر كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب فقال: في ماء وطين فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع: قد كان ذو القرنين جدي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد بلغ المغارب والمشارق يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغار الشمس عند مآبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد والخلب بضمتين الحمأة وهي الطين والثأط الحمأة المختلطة بالماء فتزيد رطوبة وتفسد والحرمد الطين الأسود. مدح تبع ذا القرنين ثم قال انه بلغ مواضع غروب الشمس ومواضع شروقها يبتغي من الله أسبابا توصله لمقصده فرأى محل غبار الشمس عند مآبها أي رجوعها وفي عين متعلق بمغار وحال منه وقد أوّل أبو علي الجبائي ذلك تأويلا طريفا بأن ذلك على سبيل التخييل كما أن من ير الشاطئ الغربي من البحر المتسع ير الشمس تغرب فيه وفي الحقيقة تغرب في ظلمة وراء الأرض لدورانها كما يقرر ذلك بدائه العلم. الإعراب: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) الواو استئنافية ويسألونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن ذي القرنين متعلقان بيسألونك. (قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) جملة سأتلو مقول القول وعليكم متعلقان بأتلو ومنه متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لذكر أو تقدم عليه وذكرا مفعول به. (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً) إن واسمها وجملة مكنا خبرها وله متعلقان بمكنا وفي الأرض متعلقان بمكنا أيضا وآتيناه عطف على مكنا وهو فعل وفاعل ومفعول به ومن كل شيء متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لسببا وسببا مفعول به ثان لآتيناه. (فَأَتْبَعَ سَبَباً) الفاء عاطفة وأتبع فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وسببا مفعول به وقيل هو يتعدى لاثنين حذف أحدهما وتقديره فأتبع سببا سببا آخر أو فأتبع أمره سببا قال يونس وأبو زيد: أتبع بالقطع عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب وبالوصل إنما يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومغرب الشمس مفعول به وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وفي عين متعلقان بتغرب وحمئة صفة لعين. (وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) ووجد عطف على وجدها وعندها ظرف متعلق بوجد وقوما مفعول به وقلنا فعل وفاعل وذا القرنين منادى مضاف وإما حرف شرط وتفصيل وأن تعذب مصدر مؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي هو تعذيبك أو الرفع على انه مبتدأ والخبر محذوف أي إما تعذيبك واقع، ومن شواهد الرفع قول الشاعر: فسيروا فإما حاجة تقضيانها منها ... وإما مقيل صالح وصديق أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف أي إما أن تفعل التعذيب وإما أن تتخذ عطف على إما أن تعذب وفيهم متعلقان بتتخذ أو مفعول به ثان لتتخذ وحسنا مفعول به أول أي أمرا ذا حسن. (قالَ: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) أما حرف شرط وتفصيل ومن ظلم مبتدأ وجملة ظلم صلة فسوف الفاء رابطة وسوف حرف استقبال ونعذبه فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول والجملة خبر من. (ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً) ثم حرف عطف وتراخ ويرد فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو والى ربه متعلقان بيرد فيعذبه الفاء عاطفة ويعذبه فعل وفاعل ومفعول به وعذابا مفعول مطلق ونكرا صفة. (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) وأما عطف على أما السابقة ومن مبتدأ وآمن صلة وعمل صالحا فعل وفاعل مستتر ومفعول به أو صالحا صفة لمفعول مطلق محذوف أي عملا صالحا فله الفاء رابطة وله خبر مقدم وجزاء تمييز وأعربها أبو حيان مصدرا في موضع الحال أي مجازى كقولك في الدار قائما زيد وقيل انتصب على المصدر أي يجزى جزاء، والحسنى مبتدأ مؤخر أي فله الفعلة الحسنى جزاء. قال الفراء ونصب جزاء على التفسير أي لجهة النسبة أي نسبة الخبر المقدم وهو الجار والمجرور إلى المبتدأ المؤخر وهو الحسنى والتقدير فالفعلة الحسنى كائنة له من جزاء الجزاء (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً) وسنقول فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره نحن وله متعلقان بنقول ومن أمرنا متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة ليسرا وتقدم عليه ويسرا مفعول به أو مفعول مطلق أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل المتيسر. الفوائد: بحث طريف يتعلق ب «في» : ذهب ابن قتيبة إلى أن «في» بمعنى «عند» لأنها قد ترد بمعنى «في» وبمعنى «مع» قال الشاعر: حتى إذا ألقت يدا في كافر معناه عند كافر، وقال الشاعر: وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان معناه ومع الشر، وتكون في الآية بمعنى على كقوله تعالى: «وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» أي على جذوع النخل وقال عنترة: بطل كأن ثبابه في سرحة أي على سرحة، وكما أن في تقع موقع على كذلك تعكس القضية كقول الشاعر: ولقد سريت على الزمان بمعشر أي في الظلام. هذا ونقول إن الخطاب على حكم الحس في رأي العين لأن من وقف على شاطىء البحر المحيط أو قريبا من جبل عال رأى الشمس عند الغروب كأنها تدلت في نفس البحر أو خلف الجبل، قال الله تعالى: «حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» أي وراء الجبل ولولا أن اللفظ جاء على حكم الحسّ في الظاهر لما قال الله تعالى: «وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً» ومن المعلوم عقلا أن القوم لا يجلسون في قرن الشمس ولا هم عندها ولكن لما كان ذو القرنين قد توغل في جوب الأرض حتى انتهى إلى البحر المحيط من جهة الغرب كان الناظر يخيل اليه أن الشمس تغرب هناك وإذن فالخطاب ورد على حكم الحسّ في الظاهر وما أكثر ما تكذب الحواس وله مباحث تؤخذ من مظانها وليس من شرطنا البحث في هذه الموضوعات على جلالتها ويروي التاريخ أن لابن الهيثم كتابا جليل القدر يقع في سبعة مجلدات في هذا العلم ولكنه فقد مع ما فقد من تراثنا العربي. هذا وقد تظرف الشعراء فأشاروا إلى خداع الحس، قال أبو العلاء المعري: والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر وقال الخفاجي: ولا ينال كسوف الشمس طلعتها ... وإنما هو فيما يزعم البصر

الكهف 18:85

اللغة: (ذِي الْقَرْنَيْنِ) : اضطربت الأقوال فيه كثيرا فبينما يزعم مفسرو القرآن أنه غير الإسكندر المقدوني الكبير يقولون انه هو الذي بنى الاسكندرية مع أن الإسكندر الكبير هو بانيها ومعنى ذي القرنين انه لقب لقب به لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقيها وغربيها أو لأنه كان له قرنان أي ضفيرتان، والعرب تسمي الذؤابة قرنا وجمعها قرون. قال مجنون ليلى لزوجها صبيحة عرسه: بعيشك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الفجر أو قبلت فاها وهل رفّت عليك قرون ليلى ... رفيف الأقحوانة في شذاها وقيل كان على رأسه ما يشبه القرنين ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا لأنه ينطح أقرانه واختلف في زمنه ومكانه اختلافا يمكن الرجوع اليه في المطولات لأن هذا البحث غير داخل في نطاق كتابنا. (حَمِئَةٍ) : أي كثيرة السواد من الحمأة أي الطين وفي المصباح والحمأة بسكون الميم طين أسود وقد حمئت البئر حمأ من باب تعب صار فيها الحمأة والعين الحمئة ماء يجري على الطين الأسود، وقد فرىء عين حامية أي حارة ويروى أن ابن عباس قرأ حمئة وكان عند معاوية فقرأ معاوية حامية فقال ابن عباس حمئة فقال معاوية لعبد الله ابن عمر كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب فقال: في ماء وطين فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع: قد كان ذو القرنين جدي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد بلغ المغارب والمشارق يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغار الشمس عند مآبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد والخلب بضمتين الحمأة وهي الطين والثأط الحمأة المختلطة بالماء فتزيد رطوبة وتفسد والحرمد الطين الأسود. مدح تبع ذا القرنين ثم قال انه بلغ مواضع غروب الشمس ومواضع شروقها يبتغي من الله أسبابا توصله لمقصده فرأى محل غبار الشمس عند مآبها أي رجوعها وفي عين متعلق بمغار وحال منه وقد أوّل أبو علي الجبائي ذلك تأويلا طريفا بأن ذلك على سبيل التخييل كما أن من ير الشاطئ الغربي من البحر المتسع ير الشمس تغرب فيه وفي الحقيقة تغرب في ظلمة وراء الأرض لدورانها كما يقرر ذلك بدائه العلم. الإعراب: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) الواو استئنافية ويسألونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن ذي القرنين متعلقان بيسألونك. (قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) جملة سأتلو مقول القول وعليكم متعلقان بأتلو ومنه متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لذكر أو تقدم عليه وذكرا مفعول به. (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً) إن واسمها وجملة مكنا خبرها وله متعلقان بمكنا وفي الأرض متعلقان بمكنا أيضا وآتيناه عطف على مكنا وهو فعل وفاعل ومفعول به ومن كل شيء متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لسببا وسببا مفعول به ثان لآتيناه. (فَأَتْبَعَ سَبَباً) الفاء عاطفة وأتبع فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وسببا مفعول به وقيل هو يتعدى لاثنين حذف أحدهما وتقديره فأتبع سببا سببا آخر أو فأتبع أمره سببا قال يونس وأبو زيد: أتبع بالقطع عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب وبالوصل إنما يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومغرب الشمس مفعول به وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وفي عين متعلقان بتغرب وحمئة صفة لعين. (وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) ووجد عطف على وجدها وعندها ظرف متعلق بوجد وقوما مفعول به وقلنا فعل وفاعل وذا القرنين منادى مضاف وإما حرف شرط وتفصيل وأن تعذب مصدر مؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي هو تعذيبك أو الرفع على انه مبتدأ والخبر محذوف أي إما تعذيبك واقع، ومن شواهد الرفع قول الشاعر: فسيروا فإما حاجة تقضيانها منها ... وإما مقيل صالح وصديق أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف أي إما أن تفعل التعذيب وإما أن تتخذ عطف على إما أن تعذب وفيهم متعلقان بتتخذ أو مفعول به ثان لتتخذ وحسنا مفعول به أول أي أمرا ذا حسن. (قالَ: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) أما حرف شرط وتفصيل ومن ظلم مبتدأ وجملة ظلم صلة فسوف الفاء رابطة وسوف حرف استقبال ونعذبه فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول والجملة خبر من. (ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً) ثم حرف عطف وتراخ ويرد فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو والى ربه متعلقان بيرد فيعذبه الفاء عاطفة ويعذبه فعل وفاعل ومفعول به وعذابا مفعول مطلق ونكرا صفة. (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) وأما عطف على أما السابقة ومن مبتدأ وآمن صلة وعمل صالحا فعل وفاعل مستتر ومفعول به أو صالحا صفة لمفعول مطلق محذوف أي عملا صالحا فله الفاء رابطة وله خبر مقدم وجزاء تمييز وأعربها أبو حيان مصدرا في موضع الحال أي مجازى كقولك في الدار قائما زيد وقيل انتصب على المصدر أي يجزى جزاء، والحسنى مبتدأ مؤخر أي فله الفعلة الحسنى جزاء. قال الفراء ونصب جزاء على التفسير أي لجهة النسبة أي نسبة الخبر المقدم وهو الجار والمجرور إلى المبتدأ المؤخر وهو الحسنى والتقدير فالفعلة الحسنى كائنة له من جزاء الجزاء (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً) وسنقول فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره نحن وله متعلقان بنقول ومن أمرنا متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة ليسرا وتقدم عليه ويسرا مفعول به أو مفعول مطلق أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل المتيسر. الفوائد: بحث طريف يتعلق ب «في» : ذهب ابن قتيبة إلى أن «في» بمعنى «عند» لأنها قد ترد بمعنى «في» وبمعنى «مع» قال الشاعر: حتى إذا ألقت يدا في كافر معناه عند كافر، وقال الشاعر: وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان معناه ومع الشر، وتكون في الآية بمعنى على كقوله تعالى: «وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» أي على جذوع النخل وقال عنترة: بطل كأن ثبابه في سرحة أي على سرحة، وكما أن في تقع موقع على كذلك تعكس القضية كقول الشاعر: ولقد سريت على الزمان بمعشر أي في الظلام. هذا ونقول إن الخطاب على حكم الحس في رأي العين لأن من وقف على شاطىء البحر المحيط أو قريبا من جبل عال رأى الشمس عند الغروب كأنها تدلت في نفس البحر أو خلف الجبل، قال الله تعالى: «حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» أي وراء الجبل ولولا أن اللفظ جاء على حكم الحسّ في الظاهر لما قال الله تعالى: «وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً» ومن المعلوم عقلا أن القوم لا يجلسون في قرن الشمس ولا هم عندها ولكن لما كان ذو القرنين قد توغل في جوب الأرض حتى انتهى إلى البحر المحيط من جهة الغرب كان الناظر يخيل اليه أن الشمس تغرب هناك وإذن فالخطاب ورد على حكم الحسّ في الظاهر وما أكثر ما تكذب الحواس وله مباحث تؤخذ من مظانها وليس من شرطنا البحث في هذه الموضوعات على جلالتها ويروي التاريخ أن لابن الهيثم كتابا جليل القدر يقع في سبعة مجلدات في هذا العلم ولكنه فقد مع ما فقد من تراثنا العربي. هذا وقد تظرف الشعراء فأشاروا إلى خداع الحس، قال أبو العلاء المعري: والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر وقال الخفاجي: ولا ينال كسوف الشمس طلعتها ... وإنما هو فيما يزعم البصر

الكهف 18:86

اللغة: (ذِي الْقَرْنَيْنِ) : اضطربت الأقوال فيه كثيرا فبينما يزعم مفسرو القرآن أنه غير الإسكندر المقدوني الكبير يقولون انه هو الذي بنى الاسكندرية مع أن الإسكندر الكبير هو بانيها ومعنى ذي القرنين انه لقب لقب به لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقيها وغربيها أو لأنه كان له قرنان أي ضفيرتان، والعرب تسمي الذؤابة قرنا وجمعها قرون. قال مجنون ليلى لزوجها صبيحة عرسه: بعيشك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الفجر أو قبلت فاها وهل رفّت عليك قرون ليلى ... رفيف الأقحوانة في شذاها وقيل كان على رأسه ما يشبه القرنين ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا لأنه ينطح أقرانه واختلف في زمنه ومكانه اختلافا يمكن الرجوع اليه في المطولات لأن هذا البحث غير داخل في نطاق كتابنا. (حَمِئَةٍ) : أي كثيرة السواد من الحمأة أي الطين وفي المصباح والحمأة بسكون الميم طين أسود وقد حمئت البئر حمأ من باب تعب صار فيها الحمأة والعين الحمئة ماء يجري على الطين الأسود، وقد فرىء عين حامية أي حارة ويروى أن ابن عباس قرأ حمئة وكان عند معاوية فقرأ معاوية حامية فقال ابن عباس حمئة فقال معاوية لعبد الله ابن عمر كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب فقال: في ماء وطين فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع: قد كان ذو القرنين جدي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد بلغ المغارب والمشارق يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغار الشمس عند مآبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد والخلب بضمتين الحمأة وهي الطين والثأط الحمأة المختلطة بالماء فتزيد رطوبة وتفسد والحرمد الطين الأسود. مدح تبع ذا القرنين ثم قال انه بلغ مواضع غروب الشمس ومواضع شروقها يبتغي من الله أسبابا توصله لمقصده فرأى محل غبار الشمس عند مآبها أي رجوعها وفي عين متعلق بمغار وحال منه وقد أوّل أبو علي الجبائي ذلك تأويلا طريفا بأن ذلك على سبيل التخييل كما أن من ير الشاطئ الغربي من البحر المتسع ير الشمس تغرب فيه وفي الحقيقة تغرب في ظلمة وراء الأرض لدورانها كما يقرر ذلك بدائه العلم. الإعراب: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) الواو استئنافية ويسألونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن ذي القرنين متعلقان بيسألونك. (قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) جملة سأتلو مقول القول وعليكم متعلقان بأتلو ومنه متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لذكر أو تقدم عليه وذكرا مفعول به. (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً) إن واسمها وجملة مكنا خبرها وله متعلقان بمكنا وفي الأرض متعلقان بمكنا أيضا وآتيناه عطف على مكنا وهو فعل وفاعل ومفعول به ومن كل شيء متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لسببا وسببا مفعول به ثان لآتيناه. (فَأَتْبَعَ سَبَباً) الفاء عاطفة وأتبع فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وسببا مفعول به وقيل هو يتعدى لاثنين حذف أحدهما وتقديره فأتبع سببا سببا آخر أو فأتبع أمره سببا قال يونس وأبو زيد: أتبع بالقطع عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب وبالوصل إنما يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومغرب الشمس مفعول به وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وفي عين متعلقان بتغرب وحمئة صفة لعين. (وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) ووجد عطف على وجدها وعندها ظرف متعلق بوجد وقوما مفعول به وقلنا فعل وفاعل وذا القرنين منادى مضاف وإما حرف شرط وتفصيل وأن تعذب مصدر مؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي هو تعذيبك أو الرفع على انه مبتدأ والخبر محذوف أي إما تعذيبك واقع، ومن شواهد الرفع قول الشاعر: فسيروا فإما حاجة تقضيانها منها ... وإما مقيل صالح وصديق أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف أي إما أن تفعل التعذيب وإما أن تتخذ عطف على إما أن تعذب وفيهم متعلقان بتتخذ أو مفعول به ثان لتتخذ وحسنا مفعول به أول أي أمرا ذا حسن. (قالَ: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) أما حرف شرط وتفصيل ومن ظلم مبتدأ وجملة ظلم صلة فسوف الفاء رابطة وسوف حرف استقبال ونعذبه فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول والجملة خبر من. (ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً) ثم حرف عطف وتراخ ويرد فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو والى ربه متعلقان بيرد فيعذبه الفاء عاطفة ويعذبه فعل وفاعل ومفعول به وعذابا مفعول مطلق ونكرا صفة. (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) وأما عطف على أما السابقة ومن مبتدأ وآمن صلة وعمل صالحا فعل وفاعل مستتر ومفعول به أو صالحا صفة لمفعول مطلق محذوف أي عملا صالحا فله الفاء رابطة وله خبر مقدم وجزاء تمييز وأعربها أبو حيان مصدرا في موضع الحال أي مجازى كقولك في الدار قائما زيد وقيل انتصب على المصدر أي يجزى جزاء، والحسنى مبتدأ مؤخر أي فله الفعلة الحسنى جزاء. قال الفراء ونصب جزاء على التفسير أي لجهة النسبة أي نسبة الخبر المقدم وهو الجار والمجرور إلى المبتدأ المؤخر وهو الحسنى والتقدير فالفعلة الحسنى كائنة له من جزاء الجزاء (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً) وسنقول فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره نحن وله متعلقان بنقول ومن أمرنا متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة ليسرا وتقدم عليه ويسرا مفعول به أو مفعول مطلق أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل المتيسر. الفوائد: بحث طريف يتعلق ب «في» : ذهب ابن قتيبة إلى أن «في» بمعنى «عند» لأنها قد ترد بمعنى «في» وبمعنى «مع» قال الشاعر: حتى إذا ألقت يدا في كافر معناه عند كافر، وقال الشاعر: وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان معناه ومع الشر، وتكون في الآية بمعنى على كقوله تعالى: «وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» أي على جذوع النخل وقال عنترة: بطل كأن ثبابه في سرحة أي على سرحة، وكما أن في تقع موقع على كذلك تعكس القضية كقول الشاعر: ولقد سريت على الزمان بمعشر أي في الظلام. هذا ونقول إن الخطاب على حكم الحس في رأي العين لأن من وقف على شاطىء البحر المحيط أو قريبا من جبل عال رأى الشمس عند الغروب كأنها تدلت في نفس البحر أو خلف الجبل، قال الله تعالى: «حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» أي وراء الجبل ولولا أن اللفظ جاء على حكم الحسّ في الظاهر لما قال الله تعالى: «وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً» ومن المعلوم عقلا أن القوم لا يجلسون في قرن الشمس ولا هم عندها ولكن لما كان ذو القرنين قد توغل في جوب الأرض حتى انتهى إلى البحر المحيط من جهة الغرب كان الناظر يخيل اليه أن الشمس تغرب هناك وإذن فالخطاب ورد على حكم الحسّ في الظاهر وما أكثر ما تكذب الحواس وله مباحث تؤخذ من مظانها وليس من شرطنا البحث في هذه الموضوعات على جلالتها ويروي التاريخ أن لابن الهيثم كتابا جليل القدر يقع في سبعة مجلدات في هذا العلم ولكنه فقد مع ما فقد من تراثنا العربي. هذا وقد تظرف الشعراء فأشاروا إلى خداع الحس، قال أبو العلاء المعري: والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر وقال الخفاجي: ولا ينال كسوف الشمس طلعتها ... وإنما هو فيما يزعم البصر

الكهف 18:87

اللغة: (ذِي الْقَرْنَيْنِ) : اضطربت الأقوال فيه كثيرا فبينما يزعم مفسرو القرآن أنه غير الإسكندر المقدوني الكبير يقولون انه هو الذي بنى الاسكندرية مع أن الإسكندر الكبير هو بانيها ومعنى ذي القرنين انه لقب لقب به لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقيها وغربيها أو لأنه كان له قرنان أي ضفيرتان، والعرب تسمي الذؤابة قرنا وجمعها قرون. قال مجنون ليلى لزوجها صبيحة عرسه: بعيشك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الفجر أو قبلت فاها وهل رفّت عليك قرون ليلى ... رفيف الأقحوانة في شذاها وقيل كان على رأسه ما يشبه القرنين ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا لأنه ينطح أقرانه واختلف في زمنه ومكانه اختلافا يمكن الرجوع اليه في المطولات لأن هذا البحث غير داخل في نطاق كتابنا. (حَمِئَةٍ) : أي كثيرة السواد من الحمأة أي الطين وفي المصباح والحمأة بسكون الميم طين أسود وقد حمئت البئر حمأ من باب تعب صار فيها الحمأة والعين الحمئة ماء يجري على الطين الأسود، وقد فرىء عين حامية أي حارة ويروى أن ابن عباس قرأ حمئة وكان عند معاوية فقرأ معاوية حامية فقال ابن عباس حمئة فقال معاوية لعبد الله ابن عمر كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب فقال: في ماء وطين فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع: قد كان ذو القرنين جدي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد بلغ المغارب والمشارق يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغار الشمس عند مآبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد والخلب بضمتين الحمأة وهي الطين والثأط الحمأة المختلطة بالماء فتزيد رطوبة وتفسد والحرمد الطين الأسود. مدح تبع ذا القرنين ثم قال انه بلغ مواضع غروب الشمس ومواضع شروقها يبتغي من الله أسبابا توصله لمقصده فرأى محل غبار الشمس عند مآبها أي رجوعها وفي عين متعلق بمغار وحال منه وقد أوّل أبو علي الجبائي ذلك تأويلا طريفا بأن ذلك على سبيل التخييل كما أن من ير الشاطئ الغربي من البحر المتسع ير الشمس تغرب فيه وفي الحقيقة تغرب في ظلمة وراء الأرض لدورانها كما يقرر ذلك بدائه العلم. الإعراب: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) الواو استئنافية ويسألونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن ذي القرنين متعلقان بيسألونك. (قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) جملة سأتلو مقول القول وعليكم متعلقان بأتلو ومنه متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لذكر أو تقدم عليه وذكرا مفعول به. (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً) إن واسمها وجملة مكنا خبرها وله متعلقان بمكنا وفي الأرض متعلقان بمكنا أيضا وآتيناه عطف على مكنا وهو فعل وفاعل ومفعول به ومن كل شيء متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لسببا وسببا مفعول به ثان لآتيناه. (فَأَتْبَعَ سَبَباً) الفاء عاطفة وأتبع فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وسببا مفعول به وقيل هو يتعدى لاثنين حذف أحدهما وتقديره فأتبع سببا سببا آخر أو فأتبع أمره سببا قال يونس وأبو زيد: أتبع بالقطع عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب وبالوصل إنما يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومغرب الشمس مفعول به وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وفي عين متعلقان بتغرب وحمئة صفة لعين. (وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) ووجد عطف على وجدها وعندها ظرف متعلق بوجد وقوما مفعول به وقلنا فعل وفاعل وذا القرنين منادى مضاف وإما حرف شرط وتفصيل وأن تعذب مصدر مؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي هو تعذيبك أو الرفع على انه مبتدأ والخبر محذوف أي إما تعذيبك واقع، ومن شواهد الرفع قول الشاعر: فسيروا فإما حاجة تقضيانها منها ... وإما مقيل صالح وصديق أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف أي إما أن تفعل التعذيب وإما أن تتخذ عطف على إما أن تعذب وفيهم متعلقان بتتخذ أو مفعول به ثان لتتخذ وحسنا مفعول به أول أي أمرا ذا حسن. (قالَ: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) أما حرف شرط وتفصيل ومن ظلم مبتدأ وجملة ظلم صلة فسوف الفاء رابطة وسوف حرف استقبال ونعذبه فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول والجملة خبر من. (ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً) ثم حرف عطف وتراخ ويرد فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو والى ربه متعلقان بيرد فيعذبه الفاء عاطفة ويعذبه فعل وفاعل ومفعول به وعذابا مفعول مطلق ونكرا صفة. (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) وأما عطف على أما السابقة ومن مبتدأ وآمن صلة وعمل صالحا فعل وفاعل مستتر ومفعول به أو صالحا صفة لمفعول مطلق محذوف أي عملا صالحا فله الفاء رابطة وله خبر مقدم وجزاء تمييز وأعربها أبو حيان مصدرا في موضع الحال أي مجازى كقولك في الدار قائما زيد وقيل انتصب على المصدر أي يجزى جزاء، والحسنى مبتدأ مؤخر أي فله الفعلة الحسنى جزاء. قال الفراء ونصب جزاء على التفسير أي لجهة النسبة أي نسبة الخبر المقدم وهو الجار والمجرور إلى المبتدأ المؤخر وهو الحسنى والتقدير فالفعلة الحسنى كائنة له من جزاء الجزاء (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً) وسنقول فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره نحن وله متعلقان بنقول ومن أمرنا متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة ليسرا وتقدم عليه ويسرا مفعول به أو مفعول مطلق أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل المتيسر. الفوائد: بحث طريف يتعلق ب «في» : ذهب ابن قتيبة إلى أن «في» بمعنى «عند» لأنها قد ترد بمعنى «في» وبمعنى «مع» قال الشاعر: حتى إذا ألقت يدا في كافر معناه عند كافر، وقال الشاعر: وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان معناه ومع الشر، وتكون في الآية بمعنى على كقوله تعالى: «وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» أي على جذوع النخل وقال عنترة: بطل كأن ثبابه في سرحة أي على سرحة، وكما أن في تقع موقع على كذلك تعكس القضية كقول الشاعر: ولقد سريت على الزمان بمعشر أي في الظلام. هذا ونقول إن الخطاب على حكم الحس في رأي العين لأن من وقف على شاطىء البحر المحيط أو قريبا من جبل عال رأى الشمس عند الغروب كأنها تدلت في نفس البحر أو خلف الجبل، قال الله تعالى: «حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» أي وراء الجبل ولولا أن اللفظ جاء على حكم الحسّ في الظاهر لما قال الله تعالى: «وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً» ومن المعلوم عقلا أن القوم لا يجلسون في قرن الشمس ولا هم عندها ولكن لما كان ذو القرنين قد توغل في جوب الأرض حتى انتهى إلى البحر المحيط من جهة الغرب كان الناظر يخيل اليه أن الشمس تغرب هناك وإذن فالخطاب ورد على حكم الحسّ في الظاهر وما أكثر ما تكذب الحواس وله مباحث تؤخذ من مظانها وليس من شرطنا البحث في هذه الموضوعات على جلالتها ويروي التاريخ أن لابن الهيثم كتابا جليل القدر يقع في سبعة مجلدات في هذا العلم ولكنه فقد مع ما فقد من تراثنا العربي. هذا وقد تظرف الشعراء فأشاروا إلى خداع الحس، قال أبو العلاء المعري: والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر وقال الخفاجي: ولا ينال كسوف الشمس طلعتها ... وإنما هو فيما يزعم البصر

الكهف 18:88

اللغة: (ذِي الْقَرْنَيْنِ) : اضطربت الأقوال فيه كثيرا فبينما يزعم مفسرو القرآن أنه غير الإسكندر المقدوني الكبير يقولون انه هو الذي بنى الاسكندرية مع أن الإسكندر الكبير هو بانيها ومعنى ذي القرنين انه لقب لقب به لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقيها وغربيها أو لأنه كان له قرنان أي ضفيرتان، والعرب تسمي الذؤابة قرنا وجمعها قرون. قال مجنون ليلى لزوجها صبيحة عرسه: بعيشك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الفجر أو قبلت فاها وهل رفّت عليك قرون ليلى ... رفيف الأقحوانة في شذاها وقيل كان على رأسه ما يشبه القرنين ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا لأنه ينطح أقرانه واختلف في زمنه ومكانه اختلافا يمكن الرجوع اليه في المطولات لأن هذا البحث غير داخل في نطاق كتابنا. (حَمِئَةٍ) : أي كثيرة السواد من الحمأة أي الطين وفي المصباح والحمأة بسكون الميم طين أسود وقد حمئت البئر حمأ من باب تعب صار فيها الحمأة والعين الحمئة ماء يجري على الطين الأسود، وقد فرىء عين حامية أي حارة ويروى أن ابن عباس قرأ حمئة وكان عند معاوية فقرأ معاوية حامية فقال ابن عباس حمئة فقال معاوية لعبد الله ابن عمر كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب فقال: في ماء وطين فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع: قد كان ذو القرنين جدي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد بلغ المغارب والمشارق يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغار الشمس عند مآبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد والخلب بضمتين الحمأة وهي الطين والثأط الحمأة المختلطة بالماء فتزيد رطوبة وتفسد والحرمد الطين الأسود. مدح تبع ذا القرنين ثم قال انه بلغ مواضع غروب الشمس ومواضع شروقها يبتغي من الله أسبابا توصله لمقصده فرأى محل غبار الشمس عند مآبها أي رجوعها وفي عين متعلق بمغار وحال منه وقد أوّل أبو علي الجبائي ذلك تأويلا طريفا بأن ذلك على سبيل التخييل كما أن من ير الشاطئ الغربي من البحر المتسع ير الشمس تغرب فيه وفي الحقيقة تغرب في ظلمة وراء الأرض لدورانها كما يقرر ذلك بدائه العلم. الإعراب: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) الواو استئنافية ويسألونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن ذي القرنين متعلقان بيسألونك. (قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) جملة سأتلو مقول القول وعليكم متعلقان بأتلو ومنه متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لذكر أو تقدم عليه وذكرا مفعول به. (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً) إن واسمها وجملة مكنا خبرها وله متعلقان بمكنا وفي الأرض متعلقان بمكنا أيضا وآتيناه عطف على مكنا وهو فعل وفاعل ومفعول به ومن كل شيء متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لسببا وسببا مفعول به ثان لآتيناه. (فَأَتْبَعَ سَبَباً) الفاء عاطفة وأتبع فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وسببا مفعول به وقيل هو يتعدى لاثنين حذف أحدهما وتقديره فأتبع سببا سببا آخر أو فأتبع أمره سببا قال يونس وأبو زيد: أتبع بالقطع عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب وبالوصل إنما يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومغرب الشمس مفعول به وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وفي عين متعلقان بتغرب وحمئة صفة لعين. (وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) ووجد عطف على وجدها وعندها ظرف متعلق بوجد وقوما مفعول به وقلنا فعل وفاعل وذا القرنين منادى مضاف وإما حرف شرط وتفصيل وأن تعذب مصدر مؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي هو تعذيبك أو الرفع على انه مبتدأ والخبر محذوف أي إما تعذيبك واقع، ومن شواهد الرفع قول الشاعر: فسيروا فإما حاجة تقضيانها منها ... وإما مقيل صالح وصديق أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف أي إما أن تفعل التعذيب وإما أن تتخذ عطف على إما أن تعذب وفيهم متعلقان بتتخذ أو مفعول به ثان لتتخذ وحسنا مفعول به أول أي أمرا ذا حسن. (قالَ: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) أما حرف شرط وتفصيل ومن ظلم مبتدأ وجملة ظلم صلة فسوف الفاء رابطة وسوف حرف استقبال ونعذبه فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول والجملة خبر من. (ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً) ثم حرف عطف وتراخ ويرد فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو والى ربه متعلقان بيرد فيعذبه الفاء عاطفة ويعذبه فعل وفاعل ومفعول به وعذابا مفعول مطلق ونكرا صفة. (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) وأما عطف على أما السابقة ومن مبتدأ وآمن صلة وعمل صالحا فعل وفاعل مستتر ومفعول به أو صالحا صفة لمفعول مطلق محذوف أي عملا صالحا فله الفاء رابطة وله خبر مقدم وجزاء تمييز وأعربها أبو حيان مصدرا في موضع الحال أي مجازى كقولك في الدار قائما زيد وقيل انتصب على المصدر أي يجزى جزاء، والحسنى مبتدأ مؤخر أي فله الفعلة الحسنى جزاء. قال الفراء ونصب جزاء على التفسير أي لجهة النسبة أي نسبة الخبر المقدم وهو الجار والمجرور إلى المبتدأ المؤخر وهو الحسنى والتقدير فالفعلة الحسنى كائنة له من جزاء الجزاء (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً) وسنقول فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره نحن وله متعلقان بنقول ومن أمرنا متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة ليسرا وتقدم عليه ويسرا مفعول به أو مفعول مطلق أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل المتيسر. الفوائد: بحث طريف يتعلق ب «في» : ذهب ابن قتيبة إلى أن «في» بمعنى «عند» لأنها قد ترد بمعنى «في» وبمعنى «مع» قال الشاعر: حتى إذا ألقت يدا في كافر معناه عند كافر، وقال الشاعر: وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان معناه ومع الشر، وتكون في الآية بمعنى على كقوله تعالى: «وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» أي على جذوع النخل وقال عنترة: بطل كأن ثبابه في سرحة أي على سرحة، وكما أن في تقع موقع على كذلك تعكس القضية كقول الشاعر: ولقد سريت على الزمان بمعشر أي في الظلام. هذا ونقول إن الخطاب على حكم الحس في رأي العين لأن من وقف على شاطىء البحر المحيط أو قريبا من جبل عال رأى الشمس عند الغروب كأنها تدلت في نفس البحر أو خلف الجبل، قال الله تعالى: «حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» أي وراء الجبل ولولا أن اللفظ جاء على حكم الحسّ في الظاهر لما قال الله تعالى: «وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً» ومن المعلوم عقلا أن القوم لا يجلسون في قرن الشمس ولا هم عندها ولكن لما كان ذو القرنين قد توغل في جوب الأرض حتى انتهى إلى البحر المحيط من جهة الغرب كان الناظر يخيل اليه أن الشمس تغرب هناك وإذن فالخطاب ورد على حكم الحسّ في الظاهر وما أكثر ما تكذب الحواس وله مباحث تؤخذ من مظانها وليس من شرطنا البحث في هذه الموضوعات على جلالتها ويروي التاريخ أن لابن الهيثم كتابا جليل القدر يقع في سبعة مجلدات في هذا العلم ولكنه فقد مع ما فقد من تراثنا العربي. هذا وقد تظرف الشعراء فأشاروا إلى خداع الحس، قال أبو العلاء المعري: والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر وقال الخفاجي: ولا ينال كسوف الشمس طلعتها ... وإنما هو فيما يزعم البصر

الكهف 18:89

اللغة: (بَيْنَ السَّدَّيْنِ) : بين الجبلين يروى أن ذا القرنين سدّ ما بينهما، وإطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي القاموس: السدّ الجبل والحاجز، أو لكونه ملاصقا للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة والقول الثاني هو المناسب لما قبله والتفاصيل في المطولات. (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) : اسمان أعجميان بدليل منع الصرف فيهما للعلمية والعجمة وقيل بل هما عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها وشدة توقدها وقيل من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الأوج وهو سرعة العدو، وإنما منعا من الصرف للعلمية والتأنيث وكلاهما من أج الظليم إذا أسرع أو من أجت النار إذا التهبت والأقوال في حقيقتهما كثيرة يمكن الرجوع إليها في المطولات. (خَرْجاً) : جعلا من المال أو الخراج بتثليث الخاء وقد قرىء بها ومنه «الخراج بالضمان» ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا ويقال للجزية الخراج فيقال أدى خراج أرضه، ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرّجه فلان فتخرج وهو خريج المدرسة، قال زهير يصف الخيل: وخرّجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين أي وأدبها كما يخرّج المتعلم. (رَدْماً) : حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ من قولهم ثوب مردم. ومنه قول عنترة: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم المتردم الموضع الذي يسترقع ويستصلح لما اعتراه من الوهن والوهي والتردم أيضا مثل الترنم وهو ترجيح الصوت مع تحزين ومعنى قول عنترة: لم يترك الأول للآخر شيئا أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعا أرقعه ومستصلحا أستصلحه. (زُبَرَ الْحَدِيدِ) : جمع زبرة كغرفة أي قطعة. (الصَّدَفَيْنِ) بفتحتين، وضمتين أيضا، وضم الأول وسكون الثاني، وقد قرىء بالثلاث جميعا مثنى صدف بفتحتين وصدف بضمتين وصدف بضم الأول وفتح الثاني وبالعكس: منقطع الجبل أو ناصيته وقد سميا بذلك لأنهما يتقابلان. (قِطْراً) بكسر فسكون النحاس المذاب على الحديد المحمى. (يَظْهَرُوهُ) يعلوا ظهره لارتفاعه وانملاسه. (نَقْباً) خرقا لصلابته وثخانته. (دَكَّاءَ) بالمد أرض مستوية من قولهم ناقة دكاء أي لا سنام لها، ذللت بالدك وقرىء دكا مصدر دك. الإعراب: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) عطف على نظائرها وقد تقدم إعرابها. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومطلع بكسر اللام مكان الطلوع وسيأتي القول فيه في باب الفوائد وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة تطلع مفعول ثان لوجدها وعلى قوم متعلقان بتطلع وجملة لم نجعل صفة لقوم ولهم في موضع نصب مفعول ثان لنجعل ومن دونها حال وسترا مفعول نجعل الأول لأن أرضهم لا أبنية فيها بل فيها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها وإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم وقيل المراد بالستر اللباس فهم عراة أبدا. (كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً) كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقد الواو عاطفة أو حالية وقد حرف تحقيق وأحطنا فعل وفاعل وبما متعلقان بأحطنا ولديه صلة الموصول وخبرا تمييز أو مفعول به وقد تقدم. (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) تقدم إعرابه. (حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) بين السدين: انتصب بين على أنه مفعول به مبلوغ كما انجر على الاضافة في قوله تعالى «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» وكما ارتفع في قوله «لقد تقطع بينكم» لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفا وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وجملة وجد لا محل لها لأنها جواب إذا ومن دونهما مفعول وجد الثاني وقوما مفعول وجد الأول وجملة لا يكادون صفة لقوما والواو اسم يكاد وجملة يفقهون خبرها وقولا مفعول به. (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) يا أداة نداء وذا القرنين منادى مضاف وإن واسمها ومأجوج عطف على يأجوج ومفسدون خبر إن وفي الأرض متعلقان بمفسدون. (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) الفاء عاطفة وهل خرف استفهام ونجعل فعل مضارع وفاعل مستتر ولك مفعول نجعل الثاني وخرجا مفعول نجعل الأول وعلى ومدخولها متعلقان بمحذوف صفة لخرجا أي قائما على هذا الشرط فعلى هنا على بابها أي للاستعلاء وبيننا الظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وبينهم عطف على بيننا وسدا مفعول تجعل الأول. (قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وجملة مكني صلة وفيه متعلقان بمكني وربي فاعل مكني وخير خبر المبتدأ. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) الفاء الفصيحة وأعينوني فعل أمر وفاعل ومفعول به وبقوة متعلقان بأعينوني واجعل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وبينكم الظرف مفعول اجعل الثاني وبينهم عطف عليه وردما مفعول أجعل الاول ومعنى أعينوني بقوة أي بفعلة وصنّاع يحسنون البناء وبآلة وسيأتي تفسيرها. (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) آتوني فعل أمر وفاعل ومفعول به أول وزبر الحديد مفعول به ثان وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وساوى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولا بد من تقدير محذوف للغاية أي فجاءوه بما طلب فبنى، وجعل بين الصدفين الفحم والحطب حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما والظرف متعلق بساوى (قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) جملة انفخوا مقول القول وجملة قال لا محل لها لأنها جواب إذا وحتى غاية للنفخ وجملة جعله نارا مضافة إلى الظرف ونارا مفعول جعل الثاني وجملة آتوني مقول القول وأفرغ مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وفاعله أنا وعليه متعلقان بأفرغ وقطرا مفعول به لأفرغ والتقدير وآتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه والمسألة من باب التنازع، فقد أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقالوا آتوني أفرغه عليه قطرا إذ التقدير آتوني قطرا أفرغه عليه ومثله قوله تعالى: «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقال «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» وسيأتي القول فيه في حينه. (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) الفاء عاطفة على محذوف أي فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى بناءه وتسويته يحاولون أن يعلوه أو يثقبوه فما اسطاعوا، واسطاعوا فعل وفاعل وأن وما بعدها مصدر مؤول في محل نصب مفعول اسطاعوا، وما استطاعوا عطف على فما اسطاعوا وله متعلقان بنقبا ونقبا مفعول به. (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) جملة هذا مقول القول وهذا مبتدأ ورحمة خبر والاشارة إلى السد لأنه مانع من خروجهم ومن ربي صفة لرحمة، فاذا الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل وجملة جاء وعد ربي مضافة للظرف وجملة جعله لا محل لها ودكاء مفعول به ثان لجعل وكان الواو عاطفة أو حالية وكان وعد ربي كان واسمها وحقا خبرها. الفوائد: 1- أسماء الزمان والمكان تفيد زمان الفعل ومكانه وتصاغ من الثلاثي المجرد على وزن مفعل بفتح العين وعلى وزن مفعل بكسرها فوزن مفعل بفتح العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل المضموم العين أو يفعل المفتوح العين في المضارع أو من الفعل المعتل الآخر مطلقا فالأول مثل مكتب ومحضر ومحل من حل بالمكان والثاني مثل ملعب ومزرع والثالث مثل ملهى ومثوى وموقى وشذت ألفاظ جاءت بالكسر مع أنها مبنية من مضموم العين في المضارع وهي أحد عشر وهي المطلع والمنسك لمكان النسك أي العبادة والمجزر لمكان جزر الإبل وهو نحرها يقال جزرت الجزور أجزرها بالضم إذا نحرتها وجلدتها والمنبت لموضع النبات والمشرق والمغرب لمكان الشروق والغروب والمفرق لوسط الرأس لأنه موضع فرق الشعر وكذلك مفرق الطريق للموضع الذي يتشعب منه طريق آخر والمسكن موضع السكنى والمسقط موضع السقوط يقال هذا مسقط رأسي أي حيث ولدت وسقط رأسي والمرفق موضع الرفق والمسجد وهو اسم للبيت وليس المراد موضع السجود فقد كسروا هذه الألفاظ والقياس فيها الفتح. ووزن مفعل بكسر العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل الصحيح المكسور العين أو من المثال الواوي فالأول مثل مجلس ومحبس ومضرب ومبيت ومضيف والثاني مثل مورد وموعد. وقد تدخل تاء التأنيث على أسماء المكان كالمزلة بفتح الزاي وكسرها فالمفتوح من باب فرح والمكسور من باب ضرب وهي اسم مكان من زل إذا سقط والمظنة لموضع الظن ومألفه وهو بفتح الظاء لأنه من ظن يظن بالضم والمقبرة لموضع القبر والمعبرة لموضع الشط المهيأ للعبور والمشرقة مثلثة الراء والمدرجة الطريق من درج يدرج دروجا إذا مشى والموقعة بفتح القاف وكسرها الموضع الذي يقع عليه والمشربة بفتح الراء وضمها أي موضع الشرب وتطلق أيضا على الغرفة لأنهم كانوا يشربون فيها وهي أيضا الأرض اللينة الدائمة النبات وإذا كثر الشيء بالمكان قيل فيه مفعلة بالفتح فيبنى اسم المكان من الأسماء مثل أرض مسبعة أي كثيرة السباع ومذأبة أي كثيرة الذئاب ومأسدة أي كثيرة الأسود ومبطخة أي كثيرة البطيخ ومقثأة أي كثيرة القثاء ومحياة أي كثيرة الحيات ومفعاة أي كثيرة الأفاعي ومدرجة أي كثيرة الدراج بضم الدال وتشديد الراء وهو طائر جميل ملون الريش ويطلق على الذكر والأنثى. أما وزنهما مما فوق الثلاثي فبكون على وزن المضارع بضم الميم المبدلة من حرف المضارعة وفتح ما قبل الآخر نحو مجتمع ومنتدى ومنتظر ومستشفى فهما يشبهان اسم المفعول والمصدر الميمي والتفرقة بينها بالذوق والقرينة. 2- الظرف: الظرف قسمان: متصرف وغير متصرف: فالمتصرف ما يستعمل ظرفا وغير ظرف فهو يفارق الظرفية إلى حال لا تشبهها كأن يستعمل مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا به أو نحو ذلك مثل شهر ويوم وسنة وليل. والظرف غير المتصرف ما يلازم النصب على الظرفية فلا يستعمل إلا ظرفا منصوبا مثل قط وعوض وبينا وبينما وإذا وأيان وأنى وذا صباح وذات ليلة ومنه ما ركب من الظروف مثل صباح مساء وليل ليل ومنه ما يلزم النصب على الظرفية أو الجر بمن نحو قبل وبعد والجهات الست ولدي ولدن وعند ومتى وأين وهنا وثم وحيث والآن وتفصيل ذلك في المطولات. 3- استطاع واسطاع: قالوا: الأصل في اسطاع استطاع وان التاء حذفت تخفيفا وفتحت همزة الوصل وقطعت وهو قول الفراء وفي استطاع لغات: اسطاع يسطيع بفتح الهمزة في الماضي وضم حرف المضارعة فهو من أطاع يطيع وأصله يطوع بقلب الفتحة من الواو إلى الطاء في أطوع إعلالا له حملا على الماضي فصار أطاع ثم دخلت السين كالعوض من عين الفعل هذا مذهب سيبويه واللغة الثانية استطاع يستطيع بكسر الهمزة في الماضي ووصلها وفتح حرف المضارعة وهو استفعل نحو استقام واستعان.

الكهف 18:90

اللغة: (بَيْنَ السَّدَّيْنِ) : بين الجبلين يروى أن ذا القرنين سدّ ما بينهما، وإطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي القاموس: السدّ الجبل والحاجز، أو لكونه ملاصقا للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة والقول الثاني هو المناسب لما قبله والتفاصيل في المطولات. (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) : اسمان أعجميان بدليل منع الصرف فيهما للعلمية والعجمة وقيل بل هما عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها وشدة توقدها وقيل من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الأوج وهو سرعة العدو، وإنما منعا من الصرف للعلمية والتأنيث وكلاهما من أج الظليم إذا أسرع أو من أجت النار إذا التهبت والأقوال في حقيقتهما كثيرة يمكن الرجوع إليها في المطولات. (خَرْجاً) : جعلا من المال أو الخراج بتثليث الخاء وقد قرىء بها ومنه «الخراج بالضمان» ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا ويقال للجزية الخراج فيقال أدى خراج أرضه، ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرّجه فلان فتخرج وهو خريج المدرسة، قال زهير يصف الخيل: وخرّجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين أي وأدبها كما يخرّج المتعلم. (رَدْماً) : حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ من قولهم ثوب مردم. ومنه قول عنترة: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم المتردم الموضع الذي يسترقع ويستصلح لما اعتراه من الوهن والوهي والتردم أيضا مثل الترنم وهو ترجيح الصوت مع تحزين ومعنى قول عنترة: لم يترك الأول للآخر شيئا أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعا أرقعه ومستصلحا أستصلحه. (زُبَرَ الْحَدِيدِ) : جمع زبرة كغرفة أي قطعة. (الصَّدَفَيْنِ) بفتحتين، وضمتين أيضا، وضم الأول وسكون الثاني، وقد قرىء بالثلاث جميعا مثنى صدف بفتحتين وصدف بضمتين وصدف بضم الأول وفتح الثاني وبالعكس: منقطع الجبل أو ناصيته وقد سميا بذلك لأنهما يتقابلان. (قِطْراً) بكسر فسكون النحاس المذاب على الحديد المحمى. (يَظْهَرُوهُ) يعلوا ظهره لارتفاعه وانملاسه. (نَقْباً) خرقا لصلابته وثخانته. (دَكَّاءَ) بالمد أرض مستوية من قولهم ناقة دكاء أي لا سنام لها، ذللت بالدك وقرىء دكا مصدر دك. الإعراب: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) عطف على نظائرها وقد تقدم إعرابها. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومطلع بكسر اللام مكان الطلوع وسيأتي القول فيه في باب الفوائد وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة تطلع مفعول ثان لوجدها وعلى قوم متعلقان بتطلع وجملة لم نجعل صفة لقوم ولهم في موضع نصب مفعول ثان لنجعل ومن دونها حال وسترا مفعول نجعل الأول لأن أرضهم لا أبنية فيها بل فيها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها وإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم وقيل المراد بالستر اللباس فهم عراة أبدا. (كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً) كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقد الواو عاطفة أو حالية وقد حرف تحقيق وأحطنا فعل وفاعل وبما متعلقان بأحطنا ولديه صلة الموصول وخبرا تمييز أو مفعول به وقد تقدم. (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) تقدم إعرابه. (حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) بين السدين: انتصب بين على أنه مفعول به مبلوغ كما انجر على الاضافة في قوله تعالى «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» وكما ارتفع في قوله «لقد تقطع بينكم» لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفا وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وجملة وجد لا محل لها لأنها جواب إذا ومن دونهما مفعول وجد الثاني وقوما مفعول وجد الأول وجملة لا يكادون صفة لقوما والواو اسم يكاد وجملة يفقهون خبرها وقولا مفعول به. (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) يا أداة نداء وذا القرنين منادى مضاف وإن واسمها ومأجوج عطف على يأجوج ومفسدون خبر إن وفي الأرض متعلقان بمفسدون. (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) الفاء عاطفة وهل خرف استفهام ونجعل فعل مضارع وفاعل مستتر ولك مفعول نجعل الثاني وخرجا مفعول نجعل الأول وعلى ومدخولها متعلقان بمحذوف صفة لخرجا أي قائما على هذا الشرط فعلى هنا على بابها أي للاستعلاء وبيننا الظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وبينهم عطف على بيننا وسدا مفعول تجعل الأول. (قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وجملة مكني صلة وفيه متعلقان بمكني وربي فاعل مكني وخير خبر المبتدأ. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) الفاء الفصيحة وأعينوني فعل أمر وفاعل ومفعول به وبقوة متعلقان بأعينوني واجعل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وبينكم الظرف مفعول اجعل الثاني وبينهم عطف عليه وردما مفعول أجعل الاول ومعنى أعينوني بقوة أي بفعلة وصنّاع يحسنون البناء وبآلة وسيأتي تفسيرها. (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) آتوني فعل أمر وفاعل ومفعول به أول وزبر الحديد مفعول به ثان وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وساوى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولا بد من تقدير محذوف للغاية أي فجاءوه بما طلب فبنى، وجعل بين الصدفين الفحم والحطب حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما والظرف متعلق بساوى (قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) جملة انفخوا مقول القول وجملة قال لا محل لها لأنها جواب إذا وحتى غاية للنفخ وجملة جعله نارا مضافة إلى الظرف ونارا مفعول جعل الثاني وجملة آتوني مقول القول وأفرغ مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وفاعله أنا وعليه متعلقان بأفرغ وقطرا مفعول به لأفرغ والتقدير وآتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه والمسألة من باب التنازع، فقد أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقالوا آتوني أفرغه عليه قطرا إذ التقدير آتوني قطرا أفرغه عليه ومثله قوله تعالى: «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقال «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» وسيأتي القول فيه في حينه. (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) الفاء عاطفة على محذوف أي فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى بناءه وتسويته يحاولون أن يعلوه أو يثقبوه فما اسطاعوا، واسطاعوا فعل وفاعل وأن وما بعدها مصدر مؤول في محل نصب مفعول اسطاعوا، وما استطاعوا عطف على فما اسطاعوا وله متعلقان بنقبا ونقبا مفعول به. (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) جملة هذا مقول القول وهذا مبتدأ ورحمة خبر والاشارة إلى السد لأنه مانع من خروجهم ومن ربي صفة لرحمة، فاذا الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل وجملة جاء وعد ربي مضافة للظرف وجملة جعله لا محل لها ودكاء مفعول به ثان لجعل وكان الواو عاطفة أو حالية وكان وعد ربي كان واسمها وحقا خبرها. الفوائد: 1- أسماء الزمان والمكان تفيد زمان الفعل ومكانه وتصاغ من الثلاثي المجرد على وزن مفعل بفتح العين وعلى وزن مفعل بكسرها فوزن مفعل بفتح العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل المضموم العين أو يفعل المفتوح العين في المضارع أو من الفعل المعتل الآخر مطلقا فالأول مثل مكتب ومحضر ومحل من حل بالمكان والثاني مثل ملعب ومزرع والثالث مثل ملهى ومثوى وموقى وشذت ألفاظ جاءت بالكسر مع أنها مبنية من مضموم العين في المضارع وهي أحد عشر وهي المطلع والمنسك لمكان النسك أي العبادة والمجزر لمكان جزر الإبل وهو نحرها يقال جزرت الجزور أجزرها بالضم إذا نحرتها وجلدتها والمنبت لموضع النبات والمشرق والمغرب لمكان الشروق والغروب والمفرق لوسط الرأس لأنه موضع فرق الشعر وكذلك مفرق الطريق للموضع الذي يتشعب منه طريق آخر والمسكن موضع السكنى والمسقط موضع السقوط يقال هذا مسقط رأسي أي حيث ولدت وسقط رأسي والمرفق موضع الرفق والمسجد وهو اسم للبيت وليس المراد موضع السجود فقد كسروا هذه الألفاظ والقياس فيها الفتح. ووزن مفعل بكسر العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل الصحيح المكسور العين أو من المثال الواوي فالأول مثل مجلس ومحبس ومضرب ومبيت ومضيف والثاني مثل مورد وموعد. وقد تدخل تاء التأنيث على أسماء المكان كالمزلة بفتح الزاي وكسرها فالمفتوح من باب فرح والمكسور من باب ضرب وهي اسم مكان من زل إذا سقط والمظنة لموضع الظن ومألفه وهو بفتح الظاء لأنه من ظن يظن بالضم والمقبرة لموضع القبر والمعبرة لموضع الشط المهيأ للعبور والمشرقة مثلثة الراء والمدرجة الطريق من درج يدرج دروجا إذا مشى والموقعة بفتح القاف وكسرها الموضع الذي يقع عليه والمشربة بفتح الراء وضمها أي موضع الشرب وتطلق أيضا على الغرفة لأنهم كانوا يشربون فيها وهي أيضا الأرض اللينة الدائمة النبات وإذا كثر الشيء بالمكان قيل فيه مفعلة بالفتح فيبنى اسم المكان من الأسماء مثل أرض مسبعة أي كثيرة السباع ومذأبة أي كثيرة الذئاب ومأسدة أي كثيرة الأسود ومبطخة أي كثيرة البطيخ ومقثأة أي كثيرة القثاء ومحياة أي كثيرة الحيات ومفعاة أي كثيرة الأفاعي ومدرجة أي كثيرة الدراج بضم الدال وتشديد الراء وهو طائر جميل ملون الريش ويطلق على الذكر والأنثى. أما وزنهما مما فوق الثلاثي فبكون على وزن المضارع بضم الميم المبدلة من حرف المضارعة وفتح ما قبل الآخر نحو مجتمع ومنتدى ومنتظر ومستشفى فهما يشبهان اسم المفعول والمصدر الميمي والتفرقة بينها بالذوق والقرينة. 2- الظرف: الظرف قسمان: متصرف وغير متصرف: فالمتصرف ما يستعمل ظرفا وغير ظرف فهو يفارق الظرفية إلى حال لا تشبهها كأن يستعمل مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا به أو نحو ذلك مثل شهر ويوم وسنة وليل. والظرف غير المتصرف ما يلازم النصب على الظرفية فلا يستعمل إلا ظرفا منصوبا مثل قط وعوض وبينا وبينما وإذا وأيان وأنى وذا صباح وذات ليلة ومنه ما ركب من الظروف مثل صباح مساء وليل ليل ومنه ما يلزم النصب على الظرفية أو الجر بمن نحو قبل وبعد والجهات الست ولدي ولدن وعند ومتى وأين وهنا وثم وحيث والآن وتفصيل ذلك في المطولات. 3- استطاع واسطاع: قالوا: الأصل في اسطاع استطاع وان التاء حذفت تخفيفا وفتحت همزة الوصل وقطعت وهو قول الفراء وفي استطاع لغات: اسطاع يسطيع بفتح الهمزة في الماضي وضم حرف المضارعة فهو من أطاع يطيع وأصله يطوع بقلب الفتحة من الواو إلى الطاء في أطوع إعلالا له حملا على الماضي فصار أطاع ثم دخلت السين كالعوض من عين الفعل هذا مذهب سيبويه واللغة الثانية استطاع يستطيع بكسر الهمزة في الماضي ووصلها وفتح حرف المضارعة وهو استفعل نحو استقام واستعان.

الكهف 18:91

اللغة: (بَيْنَ السَّدَّيْنِ) : بين الجبلين يروى أن ذا القرنين سدّ ما بينهما، وإطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي القاموس: السدّ الجبل والحاجز، أو لكونه ملاصقا للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة والقول الثاني هو المناسب لما قبله والتفاصيل في المطولات. (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) : اسمان أعجميان بدليل منع الصرف فيهما للعلمية والعجمة وقيل بل هما عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها وشدة توقدها وقيل من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الأوج وهو سرعة العدو، وإنما منعا من الصرف للعلمية والتأنيث وكلاهما من أج الظليم إذا أسرع أو من أجت النار إذا التهبت والأقوال في حقيقتهما كثيرة يمكن الرجوع إليها في المطولات. (خَرْجاً) : جعلا من المال أو الخراج بتثليث الخاء وقد قرىء بها ومنه «الخراج بالضمان» ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا ويقال للجزية الخراج فيقال أدى خراج أرضه، ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرّجه فلان فتخرج وهو خريج المدرسة، قال زهير يصف الخيل: وخرّجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين أي وأدبها كما يخرّج المتعلم. (رَدْماً) : حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ من قولهم ثوب مردم. ومنه قول عنترة: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم المتردم الموضع الذي يسترقع ويستصلح لما اعتراه من الوهن والوهي والتردم أيضا مثل الترنم وهو ترجيح الصوت مع تحزين ومعنى قول عنترة: لم يترك الأول للآخر شيئا أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعا أرقعه ومستصلحا أستصلحه. (زُبَرَ الْحَدِيدِ) : جمع زبرة كغرفة أي قطعة. (الصَّدَفَيْنِ) بفتحتين، وضمتين أيضا، وضم الأول وسكون الثاني، وقد قرىء بالثلاث جميعا مثنى صدف بفتحتين وصدف بضمتين وصدف بضم الأول وفتح الثاني وبالعكس: منقطع الجبل أو ناصيته وقد سميا بذلك لأنهما يتقابلان. (قِطْراً) بكسر فسكون النحاس المذاب على الحديد المحمى. (يَظْهَرُوهُ) يعلوا ظهره لارتفاعه وانملاسه. (نَقْباً) خرقا لصلابته وثخانته. (دَكَّاءَ) بالمد أرض مستوية من قولهم ناقة دكاء أي لا سنام لها، ذللت بالدك وقرىء دكا مصدر دك. الإعراب: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) عطف على نظائرها وقد تقدم إعرابها. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومطلع بكسر اللام مكان الطلوع وسيأتي القول فيه في باب الفوائد وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة تطلع مفعول ثان لوجدها وعلى قوم متعلقان بتطلع وجملة لم نجعل صفة لقوم ولهم في موضع نصب مفعول ثان لنجعل ومن دونها حال وسترا مفعول نجعل الأول لأن أرضهم لا أبنية فيها بل فيها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها وإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم وقيل المراد بالستر اللباس فهم عراة أبدا. (كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً) كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقد الواو عاطفة أو حالية وقد حرف تحقيق وأحطنا فعل وفاعل وبما متعلقان بأحطنا ولديه صلة الموصول وخبرا تمييز أو مفعول به وقد تقدم. (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) تقدم إعرابه. (حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) بين السدين: انتصب بين على أنه مفعول به مبلوغ كما انجر على الاضافة في قوله تعالى «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» وكما ارتفع في قوله «لقد تقطع بينكم» لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفا وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وجملة وجد لا محل لها لأنها جواب إذا ومن دونهما مفعول وجد الثاني وقوما مفعول وجد الأول وجملة لا يكادون صفة لقوما والواو اسم يكاد وجملة يفقهون خبرها وقولا مفعول به. (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) يا أداة نداء وذا القرنين منادى مضاف وإن واسمها ومأجوج عطف على يأجوج ومفسدون خبر إن وفي الأرض متعلقان بمفسدون. (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) الفاء عاطفة وهل خرف استفهام ونجعل فعل مضارع وفاعل مستتر ولك مفعول نجعل الثاني وخرجا مفعول نجعل الأول وعلى ومدخولها متعلقان بمحذوف صفة لخرجا أي قائما على هذا الشرط فعلى هنا على بابها أي للاستعلاء وبيننا الظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وبينهم عطف على بيننا وسدا مفعول تجعل الأول. (قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وجملة مكني صلة وفيه متعلقان بمكني وربي فاعل مكني وخير خبر المبتدأ. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) الفاء الفصيحة وأعينوني فعل أمر وفاعل ومفعول به وبقوة متعلقان بأعينوني واجعل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وبينكم الظرف مفعول اجعل الثاني وبينهم عطف عليه وردما مفعول أجعل الاول ومعنى أعينوني بقوة أي بفعلة وصنّاع يحسنون البناء وبآلة وسيأتي تفسيرها. (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) آتوني فعل أمر وفاعل ومفعول به أول وزبر الحديد مفعول به ثان وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وساوى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولا بد من تقدير محذوف للغاية أي فجاءوه بما طلب فبنى، وجعل بين الصدفين الفحم والحطب حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما والظرف متعلق بساوى (قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) جملة انفخوا مقول القول وجملة قال لا محل لها لأنها جواب إذا وحتى غاية للنفخ وجملة جعله نارا مضافة إلى الظرف ونارا مفعول جعل الثاني وجملة آتوني مقول القول وأفرغ مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وفاعله أنا وعليه متعلقان بأفرغ وقطرا مفعول به لأفرغ والتقدير وآتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه والمسألة من باب التنازع، فقد أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقالوا آتوني أفرغه عليه قطرا إذ التقدير آتوني قطرا أفرغه عليه ومثله قوله تعالى: «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقال «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» وسيأتي القول فيه في حينه. (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) الفاء عاطفة على محذوف أي فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى بناءه وتسويته يحاولون أن يعلوه أو يثقبوه فما اسطاعوا، واسطاعوا فعل وفاعل وأن وما بعدها مصدر مؤول في محل نصب مفعول اسطاعوا، وما استطاعوا عطف على فما اسطاعوا وله متعلقان بنقبا ونقبا مفعول به. (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) جملة هذا مقول القول وهذا مبتدأ ورحمة خبر والاشارة إلى السد لأنه مانع من خروجهم ومن ربي صفة لرحمة، فاذا الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل وجملة جاء وعد ربي مضافة للظرف وجملة جعله لا محل لها ودكاء مفعول به ثان لجعل وكان الواو عاطفة أو حالية وكان وعد ربي كان واسمها وحقا خبرها. الفوائد: 1- أسماء الزمان والمكان تفيد زمان الفعل ومكانه وتصاغ من الثلاثي المجرد على وزن مفعل بفتح العين وعلى وزن مفعل بكسرها فوزن مفعل بفتح العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل المضموم العين أو يفعل المفتوح العين في المضارع أو من الفعل المعتل الآخر مطلقا فالأول مثل مكتب ومحضر ومحل من حل بالمكان والثاني مثل ملعب ومزرع والثالث مثل ملهى ومثوى وموقى وشذت ألفاظ جاءت بالكسر مع أنها مبنية من مضموم العين في المضارع وهي أحد عشر وهي المطلع والمنسك لمكان النسك أي العبادة والمجزر لمكان جزر الإبل وهو نحرها يقال جزرت الجزور أجزرها بالضم إذا نحرتها وجلدتها والمنبت لموضع النبات والمشرق والمغرب لمكان الشروق والغروب والمفرق لوسط الرأس لأنه موضع فرق الشعر وكذلك مفرق الطريق للموضع الذي يتشعب منه طريق آخر والمسكن موضع السكنى والمسقط موضع السقوط يقال هذا مسقط رأسي أي حيث ولدت وسقط رأسي والمرفق موضع الرفق والمسجد وهو اسم للبيت وليس المراد موضع السجود فقد كسروا هذه الألفاظ والقياس فيها الفتح. ووزن مفعل بكسر العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل الصحيح المكسور العين أو من المثال الواوي فالأول مثل مجلس ومحبس ومضرب ومبيت ومضيف والثاني مثل مورد وموعد. وقد تدخل تاء التأنيث على أسماء المكان كالمزلة بفتح الزاي وكسرها فالمفتوح من باب فرح والمكسور من باب ضرب وهي اسم مكان من زل إذا سقط والمظنة لموضع الظن ومألفه وهو بفتح الظاء لأنه من ظن يظن بالضم والمقبرة لموضع القبر والمعبرة لموضع الشط المهيأ للعبور والمشرقة مثلثة الراء والمدرجة الطريق من درج يدرج دروجا إذا مشى والموقعة بفتح القاف وكسرها الموضع الذي يقع عليه والمشربة بفتح الراء وضمها أي موضع الشرب وتطلق أيضا على الغرفة لأنهم كانوا يشربون فيها وهي أيضا الأرض اللينة الدائمة النبات وإذا كثر الشيء بالمكان قيل فيه مفعلة بالفتح فيبنى اسم المكان من الأسماء مثل أرض مسبعة أي كثيرة السباع ومذأبة أي كثيرة الذئاب ومأسدة أي كثيرة الأسود ومبطخة أي كثيرة البطيخ ومقثأة أي كثيرة القثاء ومحياة أي كثيرة الحيات ومفعاة أي كثيرة الأفاعي ومدرجة أي كثيرة الدراج بضم الدال وتشديد الراء وهو طائر جميل ملون الريش ويطلق على الذكر والأنثى. أما وزنهما مما فوق الثلاثي فبكون على وزن المضارع بضم الميم المبدلة من حرف المضارعة وفتح ما قبل الآخر نحو مجتمع ومنتدى ومنتظر ومستشفى فهما يشبهان اسم المفعول والمصدر الميمي والتفرقة بينها بالذوق والقرينة. 2- الظرف: الظرف قسمان: متصرف وغير متصرف: فالمتصرف ما يستعمل ظرفا وغير ظرف فهو يفارق الظرفية إلى حال لا تشبهها كأن يستعمل مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا به أو نحو ذلك مثل شهر ويوم وسنة وليل. والظرف غير المتصرف ما يلازم النصب على الظرفية فلا يستعمل إلا ظرفا منصوبا مثل قط وعوض وبينا وبينما وإذا وأيان وأنى وذا صباح وذات ليلة ومنه ما ركب من الظروف مثل صباح مساء وليل ليل ومنه ما يلزم النصب على الظرفية أو الجر بمن نحو قبل وبعد والجهات الست ولدي ولدن وعند ومتى وأين وهنا وثم وحيث والآن وتفصيل ذلك في المطولات. 3- استطاع واسطاع: قالوا: الأصل في اسطاع استطاع وان التاء حذفت تخفيفا وفتحت همزة الوصل وقطعت وهو قول الفراء وفي استطاع لغات: اسطاع يسطيع بفتح الهمزة في الماضي وضم حرف المضارعة فهو من أطاع يطيع وأصله يطوع بقلب الفتحة من الواو إلى الطاء في أطوع إعلالا له حملا على الماضي فصار أطاع ثم دخلت السين كالعوض من عين الفعل هذا مذهب سيبويه واللغة الثانية استطاع يستطيع بكسر الهمزة في الماضي ووصلها وفتح حرف المضارعة وهو استفعل نحو استقام واستعان.

الكهف 18:92

اللغة: (بَيْنَ السَّدَّيْنِ) : بين الجبلين يروى أن ذا القرنين سدّ ما بينهما، وإطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي القاموس: السدّ الجبل والحاجز، أو لكونه ملاصقا للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة والقول الثاني هو المناسب لما قبله والتفاصيل في المطولات. (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) : اسمان أعجميان بدليل منع الصرف فيهما للعلمية والعجمة وقيل بل هما عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها وشدة توقدها وقيل من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الأوج وهو سرعة العدو، وإنما منعا من الصرف للعلمية والتأنيث وكلاهما من أج الظليم إذا أسرع أو من أجت النار إذا التهبت والأقوال في حقيقتهما كثيرة يمكن الرجوع إليها في المطولات. (خَرْجاً) : جعلا من المال أو الخراج بتثليث الخاء وقد قرىء بها ومنه «الخراج بالضمان» ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا ويقال للجزية الخراج فيقال أدى خراج أرضه، ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرّجه فلان فتخرج وهو خريج المدرسة، قال زهير يصف الخيل: وخرّجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين أي وأدبها كما يخرّج المتعلم. (رَدْماً) : حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ من قولهم ثوب مردم. ومنه قول عنترة: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم المتردم الموضع الذي يسترقع ويستصلح لما اعتراه من الوهن والوهي والتردم أيضا مثل الترنم وهو ترجيح الصوت مع تحزين ومعنى قول عنترة: لم يترك الأول للآخر شيئا أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعا أرقعه ومستصلحا أستصلحه. (زُبَرَ الْحَدِيدِ) : جمع زبرة كغرفة أي قطعة. (الصَّدَفَيْنِ) بفتحتين، وضمتين أيضا، وضم الأول وسكون الثاني، وقد قرىء بالثلاث جميعا مثنى صدف بفتحتين وصدف بضمتين وصدف بضم الأول وفتح الثاني وبالعكس: منقطع الجبل أو ناصيته وقد سميا بذلك لأنهما يتقابلان. (قِطْراً) بكسر فسكون النحاس المذاب على الحديد المحمى. (يَظْهَرُوهُ) يعلوا ظهره لارتفاعه وانملاسه. (نَقْباً) خرقا لصلابته وثخانته. (دَكَّاءَ) بالمد أرض مستوية من قولهم ناقة دكاء أي لا سنام لها، ذللت بالدك وقرىء دكا مصدر دك. الإعراب: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) عطف على نظائرها وقد تقدم إعرابها. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومطلع بكسر اللام مكان الطلوع وسيأتي القول فيه في باب الفوائد وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة تطلع مفعول ثان لوجدها وعلى قوم متعلقان بتطلع وجملة لم نجعل صفة لقوم ولهم في موضع نصب مفعول ثان لنجعل ومن دونها حال وسترا مفعول نجعل الأول لأن أرضهم لا أبنية فيها بل فيها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها وإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم وقيل المراد بالستر اللباس فهم عراة أبدا. (كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً) كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقد الواو عاطفة أو حالية وقد حرف تحقيق وأحطنا فعل وفاعل وبما متعلقان بأحطنا ولديه صلة الموصول وخبرا تمييز أو مفعول به وقد تقدم. (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) تقدم إعرابه. (حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) بين السدين: انتصب بين على أنه مفعول به مبلوغ كما انجر على الاضافة في قوله تعالى «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» وكما ارتفع في قوله «لقد تقطع بينكم» لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفا وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وجملة وجد لا محل لها لأنها جواب إذا ومن دونهما مفعول وجد الثاني وقوما مفعول وجد الأول وجملة لا يكادون صفة لقوما والواو اسم يكاد وجملة يفقهون خبرها وقولا مفعول به. (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) يا أداة نداء وذا القرنين منادى مضاف وإن واسمها ومأجوج عطف على يأجوج ومفسدون خبر إن وفي الأرض متعلقان بمفسدون. (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) الفاء عاطفة وهل خرف استفهام ونجعل فعل مضارع وفاعل مستتر ولك مفعول نجعل الثاني وخرجا مفعول نجعل الأول وعلى ومدخولها متعلقان بمحذوف صفة لخرجا أي قائما على هذا الشرط فعلى هنا على بابها أي للاستعلاء وبيننا الظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وبينهم عطف على بيننا وسدا مفعول تجعل الأول. (قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وجملة مكني صلة وفيه متعلقان بمكني وربي فاعل مكني وخير خبر المبتدأ. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) الفاء الفصيحة وأعينوني فعل أمر وفاعل ومفعول به وبقوة متعلقان بأعينوني واجعل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وبينكم الظرف مفعول اجعل الثاني وبينهم عطف عليه وردما مفعول أجعل الاول ومعنى أعينوني بقوة أي بفعلة وصنّاع يحسنون البناء وبآلة وسيأتي تفسيرها. (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) آتوني فعل أمر وفاعل ومفعول به أول وزبر الحديد مفعول به ثان وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وساوى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولا بد من تقدير محذوف للغاية أي فجاءوه بما طلب فبنى، وجعل بين الصدفين الفحم والحطب حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما والظرف متعلق بساوى (قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) جملة انفخوا مقول القول وجملة قال لا محل لها لأنها جواب إذا وحتى غاية للنفخ وجملة جعله نارا مضافة إلى الظرف ونارا مفعول جعل الثاني وجملة آتوني مقول القول وأفرغ مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وفاعله أنا وعليه متعلقان بأفرغ وقطرا مفعول به لأفرغ والتقدير وآتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه والمسألة من باب التنازع، فقد أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقالوا آتوني أفرغه عليه قطرا إذ التقدير آتوني قطرا أفرغه عليه ومثله قوله تعالى: «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقال «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» وسيأتي القول فيه في حينه. (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) الفاء عاطفة على محذوف أي فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى بناءه وتسويته يحاولون أن يعلوه أو يثقبوه فما اسطاعوا، واسطاعوا فعل وفاعل وأن وما بعدها مصدر مؤول في محل نصب مفعول اسطاعوا، وما استطاعوا عطف على فما اسطاعوا وله متعلقان بنقبا ونقبا مفعول به. (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) جملة هذا مقول القول وهذا مبتدأ ورحمة خبر والاشارة إلى السد لأنه مانع من خروجهم ومن ربي صفة لرحمة، فاذا الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل وجملة جاء وعد ربي مضافة للظرف وجملة جعله لا محل لها ودكاء مفعول به ثان لجعل وكان الواو عاطفة أو حالية وكان وعد ربي كان واسمها وحقا خبرها. الفوائد: 1- أسماء الزمان والمكان تفيد زمان الفعل ومكانه وتصاغ من الثلاثي المجرد على وزن مفعل بفتح العين وعلى وزن مفعل بكسرها فوزن مفعل بفتح العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل المضموم العين أو يفعل المفتوح العين في المضارع أو من الفعل المعتل الآخر مطلقا فالأول مثل مكتب ومحضر ومحل من حل بالمكان والثاني مثل ملعب ومزرع والثالث مثل ملهى ومثوى وموقى وشذت ألفاظ جاءت بالكسر مع أنها مبنية من مضموم العين في المضارع وهي أحد عشر وهي المطلع والمنسك لمكان النسك أي العبادة والمجزر لمكان جزر الإبل وهو نحرها يقال جزرت الجزور أجزرها بالضم إذا نحرتها وجلدتها والمنبت لموضع النبات والمشرق والمغرب لمكان الشروق والغروب والمفرق لوسط الرأس لأنه موضع فرق الشعر وكذلك مفرق الطريق للموضع الذي يتشعب منه طريق آخر والمسكن موضع السكنى والمسقط موضع السقوط يقال هذا مسقط رأسي أي حيث ولدت وسقط رأسي والمرفق موضع الرفق والمسجد وهو اسم للبيت وليس المراد موضع السجود فقد كسروا هذه الألفاظ والقياس فيها الفتح. ووزن مفعل بكسر العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل الصحيح المكسور العين أو من المثال الواوي فالأول مثل مجلس ومحبس ومضرب ومبيت ومضيف والثاني مثل مورد وموعد. وقد تدخل تاء التأنيث على أسماء المكان كالمزلة بفتح الزاي وكسرها فالمفتوح من باب فرح والمكسور من باب ضرب وهي اسم مكان من زل إذا سقط والمظنة لموضع الظن ومألفه وهو بفتح الظاء لأنه من ظن يظن بالضم والمقبرة لموضع القبر والمعبرة لموضع الشط المهيأ للعبور والمشرقة مثلثة الراء والمدرجة الطريق من درج يدرج دروجا إذا مشى والموقعة بفتح القاف وكسرها الموضع الذي يقع عليه والمشربة بفتح الراء وضمها أي موضع الشرب وتطلق أيضا على الغرفة لأنهم كانوا يشربون فيها وهي أيضا الأرض اللينة الدائمة النبات وإذا كثر الشيء بالمكان قيل فيه مفعلة بالفتح فيبنى اسم المكان من الأسماء مثل أرض مسبعة أي كثيرة السباع ومذأبة أي كثيرة الذئاب ومأسدة أي كثيرة الأسود ومبطخة أي كثيرة البطيخ ومقثأة أي كثيرة القثاء ومحياة أي كثيرة الحيات ومفعاة أي كثيرة الأفاعي ومدرجة أي كثيرة الدراج بضم الدال وتشديد الراء وهو طائر جميل ملون الريش ويطلق على الذكر والأنثى. أما وزنهما مما فوق الثلاثي فبكون على وزن المضارع بضم الميم المبدلة من حرف المضارعة وفتح ما قبل الآخر نحو مجتمع ومنتدى ومنتظر ومستشفى فهما يشبهان اسم المفعول والمصدر الميمي والتفرقة بينها بالذوق والقرينة. 2- الظرف: الظرف قسمان: متصرف وغير متصرف: فالمتصرف ما يستعمل ظرفا وغير ظرف فهو يفارق الظرفية إلى حال لا تشبهها كأن يستعمل مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا به أو نحو ذلك مثل شهر ويوم وسنة وليل. والظرف غير المتصرف ما يلازم النصب على الظرفية فلا يستعمل إلا ظرفا منصوبا مثل قط وعوض وبينا وبينما وإذا وأيان وأنى وذا صباح وذات ليلة ومنه ما ركب من الظروف مثل صباح مساء وليل ليل ومنه ما يلزم النصب على الظرفية أو الجر بمن نحو قبل وبعد والجهات الست ولدي ولدن وعند ومتى وأين وهنا وثم وحيث والآن وتفصيل ذلك في المطولات. 3- استطاع واسطاع: قالوا: الأصل في اسطاع استطاع وان التاء حذفت تخفيفا وفتحت همزة الوصل وقطعت وهو قول الفراء وفي استطاع لغات: اسطاع يسطيع بفتح الهمزة في الماضي وضم حرف المضارعة فهو من أطاع يطيع وأصله يطوع بقلب الفتحة من الواو إلى الطاء في أطوع إعلالا له حملا على الماضي فصار أطاع ثم دخلت السين كالعوض من عين الفعل هذا مذهب سيبويه واللغة الثانية استطاع يستطيع بكسر الهمزة في الماضي ووصلها وفتح حرف المضارعة وهو استفعل نحو استقام واستعان.

الكهف 18:93

اللغة: (بَيْنَ السَّدَّيْنِ) : بين الجبلين يروى أن ذا القرنين سدّ ما بينهما، وإطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي القاموس: السدّ الجبل والحاجز، أو لكونه ملاصقا للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة والقول الثاني هو المناسب لما قبله والتفاصيل في المطولات. (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) : اسمان أعجميان بدليل منع الصرف فيهما للعلمية والعجمة وقيل بل هما عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها وشدة توقدها وقيل من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الأوج وهو سرعة العدو، وإنما منعا من الصرف للعلمية والتأنيث وكلاهما من أج الظليم إذا أسرع أو من أجت النار إذا التهبت والأقوال في حقيقتهما كثيرة يمكن الرجوع إليها في المطولات. (خَرْجاً) : جعلا من المال أو الخراج بتثليث الخاء وقد قرىء بها ومنه «الخراج بالضمان» ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا ويقال للجزية الخراج فيقال أدى خراج أرضه، ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرّجه فلان فتخرج وهو خريج المدرسة، قال زهير يصف الخيل: وخرّجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين أي وأدبها كما يخرّج المتعلم. (رَدْماً) : حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ من قولهم ثوب مردم. ومنه قول عنترة: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم المتردم الموضع الذي يسترقع ويستصلح لما اعتراه من الوهن والوهي والتردم أيضا مثل الترنم وهو ترجيح الصوت مع تحزين ومعنى قول عنترة: لم يترك الأول للآخر شيئا أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعا أرقعه ومستصلحا أستصلحه. (زُبَرَ الْحَدِيدِ) : جمع زبرة كغرفة أي قطعة. (الصَّدَفَيْنِ) بفتحتين، وضمتين أيضا، وضم الأول وسكون الثاني، وقد قرىء بالثلاث جميعا مثنى صدف بفتحتين وصدف بضمتين وصدف بضم الأول وفتح الثاني وبالعكس: منقطع الجبل أو ناصيته وقد سميا بذلك لأنهما يتقابلان. (قِطْراً) بكسر فسكون النحاس المذاب على الحديد المحمى. (يَظْهَرُوهُ) يعلوا ظهره لارتفاعه وانملاسه. (نَقْباً) خرقا لصلابته وثخانته. (دَكَّاءَ) بالمد أرض مستوية من قولهم ناقة دكاء أي لا سنام لها، ذللت بالدك وقرىء دكا مصدر دك. الإعراب: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) عطف على نظائرها وقد تقدم إعرابها. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومطلع بكسر اللام مكان الطلوع وسيأتي القول فيه في باب الفوائد وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة تطلع مفعول ثان لوجدها وعلى قوم متعلقان بتطلع وجملة لم نجعل صفة لقوم ولهم في موضع نصب مفعول ثان لنجعل ومن دونها حال وسترا مفعول نجعل الأول لأن أرضهم لا أبنية فيها بل فيها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها وإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم وقيل المراد بالستر اللباس فهم عراة أبدا. (كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً) كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقد الواو عاطفة أو حالية وقد حرف تحقيق وأحطنا فعل وفاعل وبما متعلقان بأحطنا ولديه صلة الموصول وخبرا تمييز أو مفعول به وقد تقدم. (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) تقدم إعرابه. (حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) بين السدين: انتصب بين على أنه مفعول به مبلوغ كما انجر على الاضافة في قوله تعالى «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» وكما ارتفع في قوله «لقد تقطع بينكم» لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفا وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وجملة وجد لا محل لها لأنها جواب إذا ومن دونهما مفعول وجد الثاني وقوما مفعول وجد الأول وجملة لا يكادون صفة لقوما والواو اسم يكاد وجملة يفقهون خبرها وقولا مفعول به. (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) يا أداة نداء وذا القرنين منادى مضاف وإن واسمها ومأجوج عطف على يأجوج ومفسدون خبر إن وفي الأرض متعلقان بمفسدون. (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) الفاء عاطفة وهل خرف استفهام ونجعل فعل مضارع وفاعل مستتر ولك مفعول نجعل الثاني وخرجا مفعول نجعل الأول وعلى ومدخولها متعلقان بمحذوف صفة لخرجا أي قائما على هذا الشرط فعلى هنا على بابها أي للاستعلاء وبيننا الظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وبينهم عطف على بيننا وسدا مفعول تجعل الأول. (قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وجملة مكني صلة وفيه متعلقان بمكني وربي فاعل مكني وخير خبر المبتدأ. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) الفاء الفصيحة وأعينوني فعل أمر وفاعل ومفعول به وبقوة متعلقان بأعينوني واجعل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وبينكم الظرف مفعول اجعل الثاني وبينهم عطف عليه وردما مفعول أجعل الاول ومعنى أعينوني بقوة أي بفعلة وصنّاع يحسنون البناء وبآلة وسيأتي تفسيرها. (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) آتوني فعل أمر وفاعل ومفعول به أول وزبر الحديد مفعول به ثان وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وساوى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولا بد من تقدير محذوف للغاية أي فجاءوه بما طلب فبنى، وجعل بين الصدفين الفحم والحطب حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما والظرف متعلق بساوى (قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) جملة انفخوا مقول القول وجملة قال لا محل لها لأنها جواب إذا وحتى غاية للنفخ وجملة جعله نارا مضافة إلى الظرف ونارا مفعول جعل الثاني وجملة آتوني مقول القول وأفرغ مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وفاعله أنا وعليه متعلقان بأفرغ وقطرا مفعول به لأفرغ والتقدير وآتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه والمسألة من باب التنازع، فقد أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقالوا آتوني أفرغه عليه قطرا إذ التقدير آتوني قطرا أفرغه عليه ومثله قوله تعالى: «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقال «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» وسيأتي القول فيه في حينه. (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) الفاء عاطفة على محذوف أي فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى بناءه وتسويته يحاولون أن يعلوه أو يثقبوه فما اسطاعوا، واسطاعوا فعل وفاعل وأن وما بعدها مصدر مؤول في محل نصب مفعول اسطاعوا، وما استطاعوا عطف على فما اسطاعوا وله متعلقان بنقبا ونقبا مفعول به. (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) جملة هذا مقول القول وهذا مبتدأ ورحمة خبر والاشارة إلى السد لأنه مانع من خروجهم ومن ربي صفة لرحمة، فاذا الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل وجملة جاء وعد ربي مضافة للظرف وجملة جعله لا محل لها ودكاء مفعول به ثان لجعل وكان الواو عاطفة أو حالية وكان وعد ربي كان واسمها وحقا خبرها. الفوائد: 1- أسماء الزمان والمكان تفيد زمان الفعل ومكانه وتصاغ من الثلاثي المجرد على وزن مفعل بفتح العين وعلى وزن مفعل بكسرها فوزن مفعل بفتح العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل المضموم العين أو يفعل المفتوح العين في المضارع أو من الفعل المعتل الآخر مطلقا فالأول مثل مكتب ومحضر ومحل من حل بالمكان والثاني مثل ملعب ومزرع والثالث مثل ملهى ومثوى وموقى وشذت ألفاظ جاءت بالكسر مع أنها مبنية من مضموم العين في المضارع وهي أحد عشر وهي المطلع والمنسك لمكان النسك أي العبادة والمجزر لمكان جزر الإبل وهو نحرها يقال جزرت الجزور أجزرها بالضم إذا نحرتها وجلدتها والمنبت لموضع النبات والمشرق والمغرب لمكان الشروق والغروب والمفرق لوسط الرأس لأنه موضع فرق الشعر وكذلك مفرق الطريق للموضع الذي يتشعب منه طريق آخر والمسكن موضع السكنى والمسقط موضع السقوط يقال هذا مسقط رأسي أي حيث ولدت وسقط رأسي والمرفق موضع الرفق والمسجد وهو اسم للبيت وليس المراد موضع السجود فقد كسروا هذه الألفاظ والقياس فيها الفتح. ووزن مفعل بكسر العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل الصحيح المكسور العين أو من المثال الواوي فالأول مثل مجلس ومحبس ومضرب ومبيت ومضيف والثاني مثل مورد وموعد. وقد تدخل تاء التأنيث على أسماء المكان كالمزلة بفتح الزاي وكسرها فالمفتوح من باب فرح والمكسور من باب ضرب وهي اسم مكان من زل إذا سقط والمظنة لموضع الظن ومألفه وهو بفتح الظاء لأنه من ظن يظن بالضم والمقبرة لموضع القبر والمعبرة لموضع الشط المهيأ للعبور والمشرقة مثلثة الراء والمدرجة الطريق من درج يدرج دروجا إذا مشى والموقعة بفتح القاف وكسرها الموضع الذي يقع عليه والمشربة بفتح الراء وضمها أي موضع الشرب وتطلق أيضا على الغرفة لأنهم كانوا يشربون فيها وهي أيضا الأرض اللينة الدائمة النبات وإذا كثر الشيء بالمكان قيل فيه مفعلة بالفتح فيبنى اسم المكان من الأسماء مثل أرض مسبعة أي كثيرة السباع ومذأبة أي كثيرة الذئاب ومأسدة أي كثيرة الأسود ومبطخة أي كثيرة البطيخ ومقثأة أي كثيرة القثاء ومحياة أي كثيرة الحيات ومفعاة أي كثيرة الأفاعي ومدرجة أي كثيرة الدراج بضم الدال وتشديد الراء وهو طائر جميل ملون الريش ويطلق على الذكر والأنثى. أما وزنهما مما فوق الثلاثي فبكون على وزن المضارع بضم الميم المبدلة من حرف المضارعة وفتح ما قبل الآخر نحو مجتمع ومنتدى ومنتظر ومستشفى فهما يشبهان اسم المفعول والمصدر الميمي والتفرقة بينها بالذوق والقرينة. 2- الظرف: الظرف قسمان: متصرف وغير متصرف: فالمتصرف ما يستعمل ظرفا وغير ظرف فهو يفارق الظرفية إلى حال لا تشبهها كأن يستعمل مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا به أو نحو ذلك مثل شهر ويوم وسنة وليل. والظرف غير المتصرف ما يلازم النصب على الظرفية فلا يستعمل إلا ظرفا منصوبا مثل قط وعوض وبينا وبينما وإذا وأيان وأنى وذا صباح وذات ليلة ومنه ما ركب من الظروف مثل صباح مساء وليل ليل ومنه ما يلزم النصب على الظرفية أو الجر بمن نحو قبل وبعد والجهات الست ولدي ولدن وعند ومتى وأين وهنا وثم وحيث والآن وتفصيل ذلك في المطولات. 3- استطاع واسطاع: قالوا: الأصل في اسطاع استطاع وان التاء حذفت تخفيفا وفتحت همزة الوصل وقطعت وهو قول الفراء وفي استطاع لغات: اسطاع يسطيع بفتح الهمزة في الماضي وضم حرف المضارعة فهو من أطاع يطيع وأصله يطوع بقلب الفتحة من الواو إلى الطاء في أطوع إعلالا له حملا على الماضي فصار أطاع ثم دخلت السين كالعوض من عين الفعل هذا مذهب سيبويه واللغة الثانية استطاع يستطيع بكسر الهمزة في الماضي ووصلها وفتح حرف المضارعة وهو استفعل نحو استقام واستعان.

الكهف 18:94

اللغة: (بَيْنَ السَّدَّيْنِ) : بين الجبلين يروى أن ذا القرنين سدّ ما بينهما، وإطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي القاموس: السدّ الجبل والحاجز، أو لكونه ملاصقا للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة والقول الثاني هو المناسب لما قبله والتفاصيل في المطولات. (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) : اسمان أعجميان بدليل منع الصرف فيهما للعلمية والعجمة وقيل بل هما عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها وشدة توقدها وقيل من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الأوج وهو سرعة العدو، وإنما منعا من الصرف للعلمية والتأنيث وكلاهما من أج الظليم إذا أسرع أو من أجت النار إذا التهبت والأقوال في حقيقتهما كثيرة يمكن الرجوع إليها في المطولات. (خَرْجاً) : جعلا من المال أو الخراج بتثليث الخاء وقد قرىء بها ومنه «الخراج بالضمان» ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا ويقال للجزية الخراج فيقال أدى خراج أرضه، ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرّجه فلان فتخرج وهو خريج المدرسة، قال زهير يصف الخيل: وخرّجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين أي وأدبها كما يخرّج المتعلم. (رَدْماً) : حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ من قولهم ثوب مردم. ومنه قول عنترة: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم المتردم الموضع الذي يسترقع ويستصلح لما اعتراه من الوهن والوهي والتردم أيضا مثل الترنم وهو ترجيح الصوت مع تحزين ومعنى قول عنترة: لم يترك الأول للآخر شيئا أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعا أرقعه ومستصلحا أستصلحه. (زُبَرَ الْحَدِيدِ) : جمع زبرة كغرفة أي قطعة. (الصَّدَفَيْنِ) بفتحتين، وضمتين أيضا، وضم الأول وسكون الثاني، وقد قرىء بالثلاث جميعا مثنى صدف بفتحتين وصدف بضمتين وصدف بضم الأول وفتح الثاني وبالعكس: منقطع الجبل أو ناصيته وقد سميا بذلك لأنهما يتقابلان. (قِطْراً) بكسر فسكون النحاس المذاب على الحديد المحمى. (يَظْهَرُوهُ) يعلوا ظهره لارتفاعه وانملاسه. (نَقْباً) خرقا لصلابته وثخانته. (دَكَّاءَ) بالمد أرض مستوية من قولهم ناقة دكاء أي لا سنام لها، ذللت بالدك وقرىء دكا مصدر دك. الإعراب: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) عطف على نظائرها وقد تقدم إعرابها. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومطلع بكسر اللام مكان الطلوع وسيأتي القول فيه في باب الفوائد وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة تطلع مفعول ثان لوجدها وعلى قوم متعلقان بتطلع وجملة لم نجعل صفة لقوم ولهم في موضع نصب مفعول ثان لنجعل ومن دونها حال وسترا مفعول نجعل الأول لأن أرضهم لا أبنية فيها بل فيها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها وإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم وقيل المراد بالستر اللباس فهم عراة أبدا. (كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً) كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقد الواو عاطفة أو حالية وقد حرف تحقيق وأحطنا فعل وفاعل وبما متعلقان بأحطنا ولديه صلة الموصول وخبرا تمييز أو مفعول به وقد تقدم. (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) تقدم إعرابه. (حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) بين السدين: انتصب بين على أنه مفعول به مبلوغ كما انجر على الاضافة في قوله تعالى «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» وكما ارتفع في قوله «لقد تقطع بينكم» لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفا وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وجملة وجد لا محل لها لأنها جواب إذا ومن دونهما مفعول وجد الثاني وقوما مفعول وجد الأول وجملة لا يكادون صفة لقوما والواو اسم يكاد وجملة يفقهون خبرها وقولا مفعول به. (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) يا أداة نداء وذا القرنين منادى مضاف وإن واسمها ومأجوج عطف على يأجوج ومفسدون خبر إن وفي الأرض متعلقان بمفسدون. (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) الفاء عاطفة وهل خرف استفهام ونجعل فعل مضارع وفاعل مستتر ولك مفعول نجعل الثاني وخرجا مفعول نجعل الأول وعلى ومدخولها متعلقان بمحذوف صفة لخرجا أي قائما على هذا الشرط فعلى هنا على بابها أي للاستعلاء وبيننا الظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وبينهم عطف على بيننا وسدا مفعول تجعل الأول. (قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وجملة مكني صلة وفيه متعلقان بمكني وربي فاعل مكني وخير خبر المبتدأ. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) الفاء الفصيحة وأعينوني فعل أمر وفاعل ومفعول به وبقوة متعلقان بأعينوني واجعل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وبينكم الظرف مفعول اجعل الثاني وبينهم عطف عليه وردما مفعول أجعل الاول ومعنى أعينوني بقوة أي بفعلة وصنّاع يحسنون البناء وبآلة وسيأتي تفسيرها. (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) آتوني فعل أمر وفاعل ومفعول به أول وزبر الحديد مفعول به ثان وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وساوى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولا بد من تقدير محذوف للغاية أي فجاءوه بما طلب فبنى، وجعل بين الصدفين الفحم والحطب حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما والظرف متعلق بساوى (قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) جملة انفخوا مقول القول وجملة قال لا محل لها لأنها جواب إذا وحتى غاية للنفخ وجملة جعله نارا مضافة إلى الظرف ونارا مفعول جعل الثاني وجملة آتوني مقول القول وأفرغ مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وفاعله أنا وعليه متعلقان بأفرغ وقطرا مفعول به لأفرغ والتقدير وآتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه والمسألة من باب التنازع، فقد أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقالوا آتوني أفرغه عليه قطرا إذ التقدير آتوني قطرا أفرغه عليه ومثله قوله تعالى: «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقال «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» وسيأتي القول فيه في حينه. (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) الفاء عاطفة على محذوف أي فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى بناءه وتسويته يحاولون أن يعلوه أو يثقبوه فما اسطاعوا، واسطاعوا فعل وفاعل وأن وما بعدها مصدر مؤول في محل نصب مفعول اسطاعوا، وما استطاعوا عطف على فما اسطاعوا وله متعلقان بنقبا ونقبا مفعول به. (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) جملة هذا مقول القول وهذا مبتدأ ورحمة خبر والاشارة إلى السد لأنه مانع من خروجهم ومن ربي صفة لرحمة، فاذا الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل وجملة جاء وعد ربي مضافة للظرف وجملة جعله لا محل لها ودكاء مفعول به ثان لجعل وكان الواو عاطفة أو حالية وكان وعد ربي كان واسمها وحقا خبرها. الفوائد: 1- أسماء الزمان والمكان تفيد زمان الفعل ومكانه وتصاغ من الثلاثي المجرد على وزن مفعل بفتح العين وعلى وزن مفعل بكسرها فوزن مفعل بفتح العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل المضموم العين أو يفعل المفتوح العين في المضارع أو من الفعل المعتل الآخر مطلقا فالأول مثل مكتب ومحضر ومحل من حل بالمكان والثاني مثل ملعب ومزرع والثالث مثل ملهى ومثوى وموقى وشذت ألفاظ جاءت بالكسر مع أنها مبنية من مضموم العين في المضارع وهي أحد عشر وهي المطلع والمنسك لمكان النسك أي العبادة والمجزر لمكان جزر الإبل وهو نحرها يقال جزرت الجزور أجزرها بالضم إذا نحرتها وجلدتها والمنبت لموضع النبات والمشرق والمغرب لمكان الشروق والغروب والمفرق لوسط الرأس لأنه موضع فرق الشعر وكذلك مفرق الطريق للموضع الذي يتشعب منه طريق آخر والمسكن موضع السكنى والمسقط موضع السقوط يقال هذا مسقط رأسي أي حيث ولدت وسقط رأسي والمرفق موضع الرفق والمسجد وهو اسم للبيت وليس المراد موضع السجود فقد كسروا هذه الألفاظ والقياس فيها الفتح. ووزن مفعل بكسر العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل الصحيح المكسور العين أو من المثال الواوي فالأول مثل مجلس ومحبس ومضرب ومبيت ومضيف والثاني مثل مورد وموعد. وقد تدخل تاء التأنيث على أسماء المكان كالمزلة بفتح الزاي وكسرها فالمفتوح من باب فرح والمكسور من باب ضرب وهي اسم مكان من زل إذا سقط والمظنة لموضع الظن ومألفه وهو بفتح الظاء لأنه من ظن يظن بالضم والمقبرة لموضع القبر والمعبرة لموضع الشط المهيأ للعبور والمشرقة مثلثة الراء والمدرجة الطريق من درج يدرج دروجا إذا مشى والموقعة بفتح القاف وكسرها الموضع الذي يقع عليه والمشربة بفتح الراء وضمها أي موضع الشرب وتطلق أيضا على الغرفة لأنهم كانوا يشربون فيها وهي أيضا الأرض اللينة الدائمة النبات وإذا كثر الشيء بالمكان قيل فيه مفعلة بالفتح فيبنى اسم المكان من الأسماء مثل أرض مسبعة أي كثيرة السباع ومذأبة أي كثيرة الذئاب ومأسدة أي كثيرة الأسود ومبطخة أي كثيرة البطيخ ومقثأة أي كثيرة القثاء ومحياة أي كثيرة الحيات ومفعاة أي كثيرة الأفاعي ومدرجة أي كثيرة الدراج بضم الدال وتشديد الراء وهو طائر جميل ملون الريش ويطلق على الذكر والأنثى. أما وزنهما مما فوق الثلاثي فبكون على وزن المضارع بضم الميم المبدلة من حرف المضارعة وفتح ما قبل الآخر نحو مجتمع ومنتدى ومنتظر ومستشفى فهما يشبهان اسم المفعول والمصدر الميمي والتفرقة بينها بالذوق والقرينة. 2- الظرف: الظرف قسمان: متصرف وغير متصرف: فالمتصرف ما يستعمل ظرفا وغير ظرف فهو يفارق الظرفية إلى حال لا تشبهها كأن يستعمل مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا به أو نحو ذلك مثل شهر ويوم وسنة وليل. والظرف غير المتصرف ما يلازم النصب على الظرفية فلا يستعمل إلا ظرفا منصوبا مثل قط وعوض وبينا وبينما وإذا وأيان وأنى وذا صباح وذات ليلة ومنه ما ركب من الظروف مثل صباح مساء وليل ليل ومنه ما يلزم النصب على الظرفية أو الجر بمن نحو قبل وبعد والجهات الست ولدي ولدن وعند ومتى وأين وهنا وثم وحيث والآن وتفصيل ذلك في المطولات. 3- استطاع واسطاع: قالوا: الأصل في اسطاع استطاع وان التاء حذفت تخفيفا وفتحت همزة الوصل وقطعت وهو قول الفراء وفي استطاع لغات: اسطاع يسطيع بفتح الهمزة في الماضي وضم حرف المضارعة فهو من أطاع يطيع وأصله يطوع بقلب الفتحة من الواو إلى الطاء في أطوع إعلالا له حملا على الماضي فصار أطاع ثم دخلت السين كالعوض من عين الفعل هذا مذهب سيبويه واللغة الثانية استطاع يستطيع بكسر الهمزة في الماضي ووصلها وفتح حرف المضارعة وهو استفعل نحو استقام واستعان.

الكهف 18:95

اللغة: (بَيْنَ السَّدَّيْنِ) : بين الجبلين يروى أن ذا القرنين سدّ ما بينهما، وإطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي القاموس: السدّ الجبل والحاجز، أو لكونه ملاصقا للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة والقول الثاني هو المناسب لما قبله والتفاصيل في المطولات. (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) : اسمان أعجميان بدليل منع الصرف فيهما للعلمية والعجمة وقيل بل هما عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها وشدة توقدها وقيل من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الأوج وهو سرعة العدو، وإنما منعا من الصرف للعلمية والتأنيث وكلاهما من أج الظليم إذا أسرع أو من أجت النار إذا التهبت والأقوال في حقيقتهما كثيرة يمكن الرجوع إليها في المطولات. (خَرْجاً) : جعلا من المال أو الخراج بتثليث الخاء وقد قرىء بها ومنه «الخراج بالضمان» ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا ويقال للجزية الخراج فيقال أدى خراج أرضه، ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرّجه فلان فتخرج وهو خريج المدرسة، قال زهير يصف الخيل: وخرّجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين أي وأدبها كما يخرّج المتعلم. (رَدْماً) : حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ من قولهم ثوب مردم. ومنه قول عنترة: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم المتردم الموضع الذي يسترقع ويستصلح لما اعتراه من الوهن والوهي والتردم أيضا مثل الترنم وهو ترجيح الصوت مع تحزين ومعنى قول عنترة: لم يترك الأول للآخر شيئا أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعا أرقعه ومستصلحا أستصلحه. (زُبَرَ الْحَدِيدِ) : جمع زبرة كغرفة أي قطعة. (الصَّدَفَيْنِ) بفتحتين، وضمتين أيضا، وضم الأول وسكون الثاني، وقد قرىء بالثلاث جميعا مثنى صدف بفتحتين وصدف بضمتين وصدف بضم الأول وفتح الثاني وبالعكس: منقطع الجبل أو ناصيته وقد سميا بذلك لأنهما يتقابلان. (قِطْراً) بكسر فسكون النحاس المذاب على الحديد المحمى. (يَظْهَرُوهُ) يعلوا ظهره لارتفاعه وانملاسه. (نَقْباً) خرقا لصلابته وثخانته. (دَكَّاءَ) بالمد أرض مستوية من قولهم ناقة دكاء أي لا سنام لها، ذللت بالدك وقرىء دكا مصدر دك. الإعراب: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) عطف على نظائرها وقد تقدم إعرابها. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومطلع بكسر اللام مكان الطلوع وسيأتي القول فيه في باب الفوائد وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة تطلع مفعول ثان لوجدها وعلى قوم متعلقان بتطلع وجملة لم نجعل صفة لقوم ولهم في موضع نصب مفعول ثان لنجعل ومن دونها حال وسترا مفعول نجعل الأول لأن أرضهم لا أبنية فيها بل فيها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها وإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم وقيل المراد بالستر اللباس فهم عراة أبدا. (كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً) كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقد الواو عاطفة أو حالية وقد حرف تحقيق وأحطنا فعل وفاعل وبما متعلقان بأحطنا ولديه صلة الموصول وخبرا تمييز أو مفعول به وقد تقدم. (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) تقدم إعرابه. (حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) بين السدين: انتصب بين على أنه مفعول به مبلوغ كما انجر على الاضافة في قوله تعالى «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» وكما ارتفع في قوله «لقد تقطع بينكم» لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفا وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وجملة وجد لا محل لها لأنها جواب إذا ومن دونهما مفعول وجد الثاني وقوما مفعول وجد الأول وجملة لا يكادون صفة لقوما والواو اسم يكاد وجملة يفقهون خبرها وقولا مفعول به. (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) يا أداة نداء وذا القرنين منادى مضاف وإن واسمها ومأجوج عطف على يأجوج ومفسدون خبر إن وفي الأرض متعلقان بمفسدون. (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) الفاء عاطفة وهل خرف استفهام ونجعل فعل مضارع وفاعل مستتر ولك مفعول نجعل الثاني وخرجا مفعول نجعل الأول وعلى ومدخولها متعلقان بمحذوف صفة لخرجا أي قائما على هذا الشرط فعلى هنا على بابها أي للاستعلاء وبيننا الظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وبينهم عطف على بيننا وسدا مفعول تجعل الأول. (قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وجملة مكني صلة وفيه متعلقان بمكني وربي فاعل مكني وخير خبر المبتدأ. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) الفاء الفصيحة وأعينوني فعل أمر وفاعل ومفعول به وبقوة متعلقان بأعينوني واجعل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وبينكم الظرف مفعول اجعل الثاني وبينهم عطف عليه وردما مفعول أجعل الاول ومعنى أعينوني بقوة أي بفعلة وصنّاع يحسنون البناء وبآلة وسيأتي تفسيرها. (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) آتوني فعل أمر وفاعل ومفعول به أول وزبر الحديد مفعول به ثان وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وساوى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولا بد من تقدير محذوف للغاية أي فجاءوه بما طلب فبنى، وجعل بين الصدفين الفحم والحطب حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما والظرف متعلق بساوى (قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) جملة انفخوا مقول القول وجملة قال لا محل لها لأنها جواب إذا وحتى غاية للنفخ وجملة جعله نارا مضافة إلى الظرف ونارا مفعول جعل الثاني وجملة آتوني مقول القول وأفرغ مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وفاعله أنا وعليه متعلقان بأفرغ وقطرا مفعول به لأفرغ والتقدير وآتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه والمسألة من باب التنازع، فقد أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقالوا آتوني أفرغه عليه قطرا إذ التقدير آتوني قطرا أفرغه عليه ومثله قوله تعالى: «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقال «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» وسيأتي القول فيه في حينه. (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) الفاء عاطفة على محذوف أي فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى بناءه وتسويته يحاولون أن يعلوه أو يثقبوه فما اسطاعوا، واسطاعوا فعل وفاعل وأن وما بعدها مصدر مؤول في محل نصب مفعول اسطاعوا، وما استطاعوا عطف على فما اسطاعوا وله متعلقان بنقبا ونقبا مفعول به. (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) جملة هذا مقول القول وهذا مبتدأ ورحمة خبر والاشارة إلى السد لأنه مانع من خروجهم ومن ربي صفة لرحمة، فاذا الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل وجملة جاء وعد ربي مضافة للظرف وجملة جعله لا محل لها ودكاء مفعول به ثان لجعل وكان الواو عاطفة أو حالية وكان وعد ربي كان واسمها وحقا خبرها. الفوائد: 1- أسماء الزمان والمكان تفيد زمان الفعل ومكانه وتصاغ من الثلاثي المجرد على وزن مفعل بفتح العين وعلى وزن مفعل بكسرها فوزن مفعل بفتح العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل المضموم العين أو يفعل المفتوح العين في المضارع أو من الفعل المعتل الآخر مطلقا فالأول مثل مكتب ومحضر ومحل من حل بالمكان والثاني مثل ملعب ومزرع والثالث مثل ملهى ومثوى وموقى وشذت ألفاظ جاءت بالكسر مع أنها مبنية من مضموم العين في المضارع وهي أحد عشر وهي المطلع والمنسك لمكان النسك أي العبادة والمجزر لمكان جزر الإبل وهو نحرها يقال جزرت الجزور أجزرها بالضم إذا نحرتها وجلدتها والمنبت لموضع النبات والمشرق والمغرب لمكان الشروق والغروب والمفرق لوسط الرأس لأنه موضع فرق الشعر وكذلك مفرق الطريق للموضع الذي يتشعب منه طريق آخر والمسكن موضع السكنى والمسقط موضع السقوط يقال هذا مسقط رأسي أي حيث ولدت وسقط رأسي والمرفق موضع الرفق والمسجد وهو اسم للبيت وليس المراد موضع السجود فقد كسروا هذه الألفاظ والقياس فيها الفتح. ووزن مفعل بكسر العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل الصحيح المكسور العين أو من المثال الواوي فالأول مثل مجلس ومحبس ومضرب ومبيت ومضيف والثاني مثل مورد وموعد. وقد تدخل تاء التأنيث على أسماء المكان كالمزلة بفتح الزاي وكسرها فالمفتوح من باب فرح والمكسور من باب ضرب وهي اسم مكان من زل إذا سقط والمظنة لموضع الظن ومألفه وهو بفتح الظاء لأنه من ظن يظن بالضم والمقبرة لموضع القبر والمعبرة لموضع الشط المهيأ للعبور والمشرقة مثلثة الراء والمدرجة الطريق من درج يدرج دروجا إذا مشى والموقعة بفتح القاف وكسرها الموضع الذي يقع عليه والمشربة بفتح الراء وضمها أي موضع الشرب وتطلق أيضا على الغرفة لأنهم كانوا يشربون فيها وهي أيضا الأرض اللينة الدائمة النبات وإذا كثر الشيء بالمكان قيل فيه مفعلة بالفتح فيبنى اسم المكان من الأسماء مثل أرض مسبعة أي كثيرة السباع ومذأبة أي كثيرة الذئاب ومأسدة أي كثيرة الأسود ومبطخة أي كثيرة البطيخ ومقثأة أي كثيرة القثاء ومحياة أي كثيرة الحيات ومفعاة أي كثيرة الأفاعي ومدرجة أي كثيرة الدراج بضم الدال وتشديد الراء وهو طائر جميل ملون الريش ويطلق على الذكر والأنثى. أما وزنهما مما فوق الثلاثي فبكون على وزن المضارع بضم الميم المبدلة من حرف المضارعة وفتح ما قبل الآخر نحو مجتمع ومنتدى ومنتظر ومستشفى فهما يشبهان اسم المفعول والمصدر الميمي والتفرقة بينها بالذوق والقرينة. 2- الظرف: الظرف قسمان: متصرف وغير متصرف: فالمتصرف ما يستعمل ظرفا وغير ظرف فهو يفارق الظرفية إلى حال لا تشبهها كأن يستعمل مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا به أو نحو ذلك مثل شهر ويوم وسنة وليل. والظرف غير المتصرف ما يلازم النصب على الظرفية فلا يستعمل إلا ظرفا منصوبا مثل قط وعوض وبينا وبينما وإذا وأيان وأنى وذا صباح وذات ليلة ومنه ما ركب من الظروف مثل صباح مساء وليل ليل ومنه ما يلزم النصب على الظرفية أو الجر بمن نحو قبل وبعد والجهات الست ولدي ولدن وعند ومتى وأين وهنا وثم وحيث والآن وتفصيل ذلك في المطولات. 3- استطاع واسطاع: قالوا: الأصل في اسطاع استطاع وان التاء حذفت تخفيفا وفتحت همزة الوصل وقطعت وهو قول الفراء وفي استطاع لغات: اسطاع يسطيع بفتح الهمزة في الماضي وضم حرف المضارعة فهو من أطاع يطيع وأصله يطوع بقلب الفتحة من الواو إلى الطاء في أطوع إعلالا له حملا على الماضي فصار أطاع ثم دخلت السين كالعوض من عين الفعل هذا مذهب سيبويه واللغة الثانية استطاع يستطيع بكسر الهمزة في الماضي ووصلها وفتح حرف المضارعة وهو استفعل نحو استقام واستعان.

الكهف 18:96

اللغة: (بَيْنَ السَّدَّيْنِ) : بين الجبلين يروى أن ذا القرنين سدّ ما بينهما، وإطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي القاموس: السدّ الجبل والحاجز، أو لكونه ملاصقا للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة والقول الثاني هو المناسب لما قبله والتفاصيل في المطولات. (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) : اسمان أعجميان بدليل منع الصرف فيهما للعلمية والعجمة وقيل بل هما عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها وشدة توقدها وقيل من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الأوج وهو سرعة العدو، وإنما منعا من الصرف للعلمية والتأنيث وكلاهما من أج الظليم إذا أسرع أو من أجت النار إذا التهبت والأقوال في حقيقتهما كثيرة يمكن الرجوع إليها في المطولات. (خَرْجاً) : جعلا من المال أو الخراج بتثليث الخاء وقد قرىء بها ومنه «الخراج بالضمان» ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا ويقال للجزية الخراج فيقال أدى خراج أرضه، ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرّجه فلان فتخرج وهو خريج المدرسة، قال زهير يصف الخيل: وخرّجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين أي وأدبها كما يخرّج المتعلم. (رَدْماً) : حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ من قولهم ثوب مردم. ومنه قول عنترة: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم المتردم الموضع الذي يسترقع ويستصلح لما اعتراه من الوهن والوهي والتردم أيضا مثل الترنم وهو ترجيح الصوت مع تحزين ومعنى قول عنترة: لم يترك الأول للآخر شيئا أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعا أرقعه ومستصلحا أستصلحه. (زُبَرَ الْحَدِيدِ) : جمع زبرة كغرفة أي قطعة. (الصَّدَفَيْنِ) بفتحتين، وضمتين أيضا، وضم الأول وسكون الثاني، وقد قرىء بالثلاث جميعا مثنى صدف بفتحتين وصدف بضمتين وصدف بضم الأول وفتح الثاني وبالعكس: منقطع الجبل أو ناصيته وقد سميا بذلك لأنهما يتقابلان. (قِطْراً) بكسر فسكون النحاس المذاب على الحديد المحمى. (يَظْهَرُوهُ) يعلوا ظهره لارتفاعه وانملاسه. (نَقْباً) خرقا لصلابته وثخانته. (دَكَّاءَ) بالمد أرض مستوية من قولهم ناقة دكاء أي لا سنام لها، ذللت بالدك وقرىء دكا مصدر دك. الإعراب: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) عطف على نظائرها وقد تقدم إعرابها. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومطلع بكسر اللام مكان الطلوع وسيأتي القول فيه في باب الفوائد وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة تطلع مفعول ثان لوجدها وعلى قوم متعلقان بتطلع وجملة لم نجعل صفة لقوم ولهم في موضع نصب مفعول ثان لنجعل ومن دونها حال وسترا مفعول نجعل الأول لأن أرضهم لا أبنية فيها بل فيها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها وإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم وقيل المراد بالستر اللباس فهم عراة أبدا. (كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً) كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقد الواو عاطفة أو حالية وقد حرف تحقيق وأحطنا فعل وفاعل وبما متعلقان بأحطنا ولديه صلة الموصول وخبرا تمييز أو مفعول به وقد تقدم. (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) تقدم إعرابه. (حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) بين السدين: انتصب بين على أنه مفعول به مبلوغ كما انجر على الاضافة في قوله تعالى «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» وكما ارتفع في قوله «لقد تقطع بينكم» لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفا وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وجملة وجد لا محل لها لأنها جواب إذا ومن دونهما مفعول وجد الثاني وقوما مفعول وجد الأول وجملة لا يكادون صفة لقوما والواو اسم يكاد وجملة يفقهون خبرها وقولا مفعول به. (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) يا أداة نداء وذا القرنين منادى مضاف وإن واسمها ومأجوج عطف على يأجوج ومفسدون خبر إن وفي الأرض متعلقان بمفسدون. (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) الفاء عاطفة وهل خرف استفهام ونجعل فعل مضارع وفاعل مستتر ولك مفعول نجعل الثاني وخرجا مفعول نجعل الأول وعلى ومدخولها متعلقان بمحذوف صفة لخرجا أي قائما على هذا الشرط فعلى هنا على بابها أي للاستعلاء وبيننا الظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وبينهم عطف على بيننا وسدا مفعول تجعل الأول. (قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وجملة مكني صلة وفيه متعلقان بمكني وربي فاعل مكني وخير خبر المبتدأ. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) الفاء الفصيحة وأعينوني فعل أمر وفاعل ومفعول به وبقوة متعلقان بأعينوني واجعل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وبينكم الظرف مفعول اجعل الثاني وبينهم عطف عليه وردما مفعول أجعل الاول ومعنى أعينوني بقوة أي بفعلة وصنّاع يحسنون البناء وبآلة وسيأتي تفسيرها. (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) آتوني فعل أمر وفاعل ومفعول به أول وزبر الحديد مفعول به ثان وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وساوى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولا بد من تقدير محذوف للغاية أي فجاءوه بما طلب فبنى، وجعل بين الصدفين الفحم والحطب حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما والظرف متعلق بساوى (قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) جملة انفخوا مقول القول وجملة قال لا محل لها لأنها جواب إذا وحتى غاية للنفخ وجملة جعله نارا مضافة إلى الظرف ونارا مفعول جعل الثاني وجملة آتوني مقول القول وأفرغ مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وفاعله أنا وعليه متعلقان بأفرغ وقطرا مفعول به لأفرغ والتقدير وآتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه والمسألة من باب التنازع، فقد أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقالوا آتوني أفرغه عليه قطرا إذ التقدير آتوني قطرا أفرغه عليه ومثله قوله تعالى: «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقال «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» وسيأتي القول فيه في حينه. (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) الفاء عاطفة على محذوف أي فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى بناءه وتسويته يحاولون أن يعلوه أو يثقبوه فما اسطاعوا، واسطاعوا فعل وفاعل وأن وما بعدها مصدر مؤول في محل نصب مفعول اسطاعوا، وما استطاعوا عطف على فما اسطاعوا وله متعلقان بنقبا ونقبا مفعول به. (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) جملة هذا مقول القول وهذا مبتدأ ورحمة خبر والاشارة إلى السد لأنه مانع من خروجهم ومن ربي صفة لرحمة، فاذا الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل وجملة جاء وعد ربي مضافة للظرف وجملة جعله لا محل لها ودكاء مفعول به ثان لجعل وكان الواو عاطفة أو حالية وكان وعد ربي كان واسمها وحقا خبرها. الفوائد: 1- أسماء الزمان والمكان تفيد زمان الفعل ومكانه وتصاغ من الثلاثي المجرد على وزن مفعل بفتح العين وعلى وزن مفعل بكسرها فوزن مفعل بفتح العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل المضموم العين أو يفعل المفتوح العين في المضارع أو من الفعل المعتل الآخر مطلقا فالأول مثل مكتب ومحضر ومحل من حل بالمكان والثاني مثل ملعب ومزرع والثالث مثل ملهى ومثوى وموقى وشذت ألفاظ جاءت بالكسر مع أنها مبنية من مضموم العين في المضارع وهي أحد عشر وهي المطلع والمنسك لمكان النسك أي العبادة والمجزر لمكان جزر الإبل وهو نحرها يقال جزرت الجزور أجزرها بالضم إذا نحرتها وجلدتها والمنبت لموضع النبات والمشرق والمغرب لمكان الشروق والغروب والمفرق لوسط الرأس لأنه موضع فرق الشعر وكذلك مفرق الطريق للموضع الذي يتشعب منه طريق آخر والمسكن موضع السكنى والمسقط موضع السقوط يقال هذا مسقط رأسي أي حيث ولدت وسقط رأسي والمرفق موضع الرفق والمسجد وهو اسم للبيت وليس المراد موضع السجود فقد كسروا هذه الألفاظ والقياس فيها الفتح. ووزن مفعل بكسر العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل الصحيح المكسور العين أو من المثال الواوي فالأول مثل مجلس ومحبس ومضرب ومبيت ومضيف والثاني مثل مورد وموعد. وقد تدخل تاء التأنيث على أسماء المكان كالمزلة بفتح الزاي وكسرها فالمفتوح من باب فرح والمكسور من باب ضرب وهي اسم مكان من زل إذا سقط والمظنة لموضع الظن ومألفه وهو بفتح الظاء لأنه من ظن يظن بالضم والمقبرة لموضع القبر والمعبرة لموضع الشط المهيأ للعبور والمشرقة مثلثة الراء والمدرجة الطريق من درج يدرج دروجا إذا مشى والموقعة بفتح القاف وكسرها الموضع الذي يقع عليه والمشربة بفتح الراء وضمها أي موضع الشرب وتطلق أيضا على الغرفة لأنهم كانوا يشربون فيها وهي أيضا الأرض اللينة الدائمة النبات وإذا كثر الشيء بالمكان قيل فيه مفعلة بالفتح فيبنى اسم المكان من الأسماء مثل أرض مسبعة أي كثيرة السباع ومذأبة أي كثيرة الذئاب ومأسدة أي كثيرة الأسود ومبطخة أي كثيرة البطيخ ومقثأة أي كثيرة القثاء ومحياة أي كثيرة الحيات ومفعاة أي كثيرة الأفاعي ومدرجة أي كثيرة الدراج بضم الدال وتشديد الراء وهو طائر جميل ملون الريش ويطلق على الذكر والأنثى. أما وزنهما مما فوق الثلاثي فبكون على وزن المضارع بضم الميم المبدلة من حرف المضارعة وفتح ما قبل الآخر نحو مجتمع ومنتدى ومنتظر ومستشفى فهما يشبهان اسم المفعول والمصدر الميمي والتفرقة بينها بالذوق والقرينة. 2- الظرف: الظرف قسمان: متصرف وغير متصرف: فالمتصرف ما يستعمل ظرفا وغير ظرف فهو يفارق الظرفية إلى حال لا تشبهها كأن يستعمل مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا به أو نحو ذلك مثل شهر ويوم وسنة وليل. والظرف غير المتصرف ما يلازم النصب على الظرفية فلا يستعمل إلا ظرفا منصوبا مثل قط وعوض وبينا وبينما وإذا وأيان وأنى وذا صباح وذات ليلة ومنه ما ركب من الظروف مثل صباح مساء وليل ليل ومنه ما يلزم النصب على الظرفية أو الجر بمن نحو قبل وبعد والجهات الست ولدي ولدن وعند ومتى وأين وهنا وثم وحيث والآن وتفصيل ذلك في المطولات. 3- استطاع واسطاع: قالوا: الأصل في اسطاع استطاع وان التاء حذفت تخفيفا وفتحت همزة الوصل وقطعت وهو قول الفراء وفي استطاع لغات: اسطاع يسطيع بفتح الهمزة في الماضي وضم حرف المضارعة فهو من أطاع يطيع وأصله يطوع بقلب الفتحة من الواو إلى الطاء في أطوع إعلالا له حملا على الماضي فصار أطاع ثم دخلت السين كالعوض من عين الفعل هذا مذهب سيبويه واللغة الثانية استطاع يستطيع بكسر الهمزة في الماضي ووصلها وفتح حرف المضارعة وهو استفعل نحو استقام واستعان.

الكهف 18:97

اللغة: (بَيْنَ السَّدَّيْنِ) : بين الجبلين يروى أن ذا القرنين سدّ ما بينهما، وإطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي القاموس: السدّ الجبل والحاجز، أو لكونه ملاصقا للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة والقول الثاني هو المناسب لما قبله والتفاصيل في المطولات. (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) : اسمان أعجميان بدليل منع الصرف فيهما للعلمية والعجمة وقيل بل هما عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها وشدة توقدها وقيل من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الأوج وهو سرعة العدو، وإنما منعا من الصرف للعلمية والتأنيث وكلاهما من أج الظليم إذا أسرع أو من أجت النار إذا التهبت والأقوال في حقيقتهما كثيرة يمكن الرجوع إليها في المطولات. (خَرْجاً) : جعلا من المال أو الخراج بتثليث الخاء وقد قرىء بها ومنه «الخراج بالضمان» ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا ويقال للجزية الخراج فيقال أدى خراج أرضه، ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرّجه فلان فتخرج وهو خريج المدرسة، قال زهير يصف الخيل: وخرّجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين أي وأدبها كما يخرّج المتعلم. (رَدْماً) : حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ من قولهم ثوب مردم. ومنه قول عنترة: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم المتردم الموضع الذي يسترقع ويستصلح لما اعتراه من الوهن والوهي والتردم أيضا مثل الترنم وهو ترجيح الصوت مع تحزين ومعنى قول عنترة: لم يترك الأول للآخر شيئا أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعا أرقعه ومستصلحا أستصلحه. (زُبَرَ الْحَدِيدِ) : جمع زبرة كغرفة أي قطعة. (الصَّدَفَيْنِ) بفتحتين، وضمتين أيضا، وضم الأول وسكون الثاني، وقد قرىء بالثلاث جميعا مثنى صدف بفتحتين وصدف بضمتين وصدف بضم الأول وفتح الثاني وبالعكس: منقطع الجبل أو ناصيته وقد سميا بذلك لأنهما يتقابلان. (قِطْراً) بكسر فسكون النحاس المذاب على الحديد المحمى. (يَظْهَرُوهُ) يعلوا ظهره لارتفاعه وانملاسه. (نَقْباً) خرقا لصلابته وثخانته. (دَكَّاءَ) بالمد أرض مستوية من قولهم ناقة دكاء أي لا سنام لها، ذللت بالدك وقرىء دكا مصدر دك. الإعراب: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) عطف على نظائرها وقد تقدم إعرابها. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومطلع بكسر اللام مكان الطلوع وسيأتي القول فيه في باب الفوائد وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة تطلع مفعول ثان لوجدها وعلى قوم متعلقان بتطلع وجملة لم نجعل صفة لقوم ولهم في موضع نصب مفعول ثان لنجعل ومن دونها حال وسترا مفعول نجعل الأول لأن أرضهم لا أبنية فيها بل فيها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها وإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم وقيل المراد بالستر اللباس فهم عراة أبدا. (كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً) كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقد الواو عاطفة أو حالية وقد حرف تحقيق وأحطنا فعل وفاعل وبما متعلقان بأحطنا ولديه صلة الموصول وخبرا تمييز أو مفعول به وقد تقدم. (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) تقدم إعرابه. (حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) بين السدين: انتصب بين على أنه مفعول به مبلوغ كما انجر على الاضافة في قوله تعالى «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» وكما ارتفع في قوله «لقد تقطع بينكم» لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفا وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وجملة وجد لا محل لها لأنها جواب إذا ومن دونهما مفعول وجد الثاني وقوما مفعول وجد الأول وجملة لا يكادون صفة لقوما والواو اسم يكاد وجملة يفقهون خبرها وقولا مفعول به. (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) يا أداة نداء وذا القرنين منادى مضاف وإن واسمها ومأجوج عطف على يأجوج ومفسدون خبر إن وفي الأرض متعلقان بمفسدون. (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) الفاء عاطفة وهل خرف استفهام ونجعل فعل مضارع وفاعل مستتر ولك مفعول نجعل الثاني وخرجا مفعول نجعل الأول وعلى ومدخولها متعلقان بمحذوف صفة لخرجا أي قائما على هذا الشرط فعلى هنا على بابها أي للاستعلاء وبيننا الظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وبينهم عطف على بيننا وسدا مفعول تجعل الأول. (قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وجملة مكني صلة وفيه متعلقان بمكني وربي فاعل مكني وخير خبر المبتدأ. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) الفاء الفصيحة وأعينوني فعل أمر وفاعل ومفعول به وبقوة متعلقان بأعينوني واجعل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وبينكم الظرف مفعول اجعل الثاني وبينهم عطف عليه وردما مفعول أجعل الاول ومعنى أعينوني بقوة أي بفعلة وصنّاع يحسنون البناء وبآلة وسيأتي تفسيرها. (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) آتوني فعل أمر وفاعل ومفعول به أول وزبر الحديد مفعول به ثان وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وساوى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولا بد من تقدير محذوف للغاية أي فجاءوه بما طلب فبنى، وجعل بين الصدفين الفحم والحطب حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما والظرف متعلق بساوى (قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) جملة انفخوا مقول القول وجملة قال لا محل لها لأنها جواب إذا وحتى غاية للنفخ وجملة جعله نارا مضافة إلى الظرف ونارا مفعول جعل الثاني وجملة آتوني مقول القول وأفرغ مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وفاعله أنا وعليه متعلقان بأفرغ وقطرا مفعول به لأفرغ والتقدير وآتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه والمسألة من باب التنازع، فقد أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقالوا آتوني أفرغه عليه قطرا إذ التقدير آتوني قطرا أفرغه عليه ومثله قوله تعالى: «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقال «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» وسيأتي القول فيه في حينه. (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) الفاء عاطفة على محذوف أي فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى بناءه وتسويته يحاولون أن يعلوه أو يثقبوه فما اسطاعوا، واسطاعوا فعل وفاعل وأن وما بعدها مصدر مؤول في محل نصب مفعول اسطاعوا، وما استطاعوا عطف على فما اسطاعوا وله متعلقان بنقبا ونقبا مفعول به. (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) جملة هذا مقول القول وهذا مبتدأ ورحمة خبر والاشارة إلى السد لأنه مانع من خروجهم ومن ربي صفة لرحمة، فاذا الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل وجملة جاء وعد ربي مضافة للظرف وجملة جعله لا محل لها ودكاء مفعول به ثان لجعل وكان الواو عاطفة أو حالية وكان وعد ربي كان واسمها وحقا خبرها. الفوائد: 1- أسماء الزمان والمكان تفيد زمان الفعل ومكانه وتصاغ من الثلاثي المجرد على وزن مفعل بفتح العين وعلى وزن مفعل بكسرها فوزن مفعل بفتح العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل المضموم العين أو يفعل المفتوح العين في المضارع أو من الفعل المعتل الآخر مطلقا فالأول مثل مكتب ومحضر ومحل من حل بالمكان والثاني مثل ملعب ومزرع والثالث مثل ملهى ومثوى وموقى وشذت ألفاظ جاءت بالكسر مع أنها مبنية من مضموم العين في المضارع وهي أحد عشر وهي المطلع والمنسك لمكان النسك أي العبادة والمجزر لمكان جزر الإبل وهو نحرها يقال جزرت الجزور أجزرها بالضم إذا نحرتها وجلدتها والمنبت لموضع النبات والمشرق والمغرب لمكان الشروق والغروب والمفرق لوسط الرأس لأنه موضع فرق الشعر وكذلك مفرق الطريق للموضع الذي يتشعب منه طريق آخر والمسكن موضع السكنى والمسقط موضع السقوط يقال هذا مسقط رأسي أي حيث ولدت وسقط رأسي والمرفق موضع الرفق والمسجد وهو اسم للبيت وليس المراد موضع السجود فقد كسروا هذه الألفاظ والقياس فيها الفتح. ووزن مفعل بكسر العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل الصحيح المكسور العين أو من المثال الواوي فالأول مثل مجلس ومحبس ومضرب ومبيت ومضيف والثاني مثل مورد وموعد. وقد تدخل تاء التأنيث على أسماء المكان كالمزلة بفتح الزاي وكسرها فالمفتوح من باب فرح والمكسور من باب ضرب وهي اسم مكان من زل إذا سقط والمظنة لموضع الظن ومألفه وهو بفتح الظاء لأنه من ظن يظن بالضم والمقبرة لموضع القبر والمعبرة لموضع الشط المهيأ للعبور والمشرقة مثلثة الراء والمدرجة الطريق من درج يدرج دروجا إذا مشى والموقعة بفتح القاف وكسرها الموضع الذي يقع عليه والمشربة بفتح الراء وضمها أي موضع الشرب وتطلق أيضا على الغرفة لأنهم كانوا يشربون فيها وهي أيضا الأرض اللينة الدائمة النبات وإذا كثر الشيء بالمكان قيل فيه مفعلة بالفتح فيبنى اسم المكان من الأسماء مثل أرض مسبعة أي كثيرة السباع ومذأبة أي كثيرة الذئاب ومأسدة أي كثيرة الأسود ومبطخة أي كثيرة البطيخ ومقثأة أي كثيرة القثاء ومحياة أي كثيرة الحيات ومفعاة أي كثيرة الأفاعي ومدرجة أي كثيرة الدراج بضم الدال وتشديد الراء وهو طائر جميل ملون الريش ويطلق على الذكر والأنثى. أما وزنهما مما فوق الثلاثي فبكون على وزن المضارع بضم الميم المبدلة من حرف المضارعة وفتح ما قبل الآخر نحو مجتمع ومنتدى ومنتظر ومستشفى فهما يشبهان اسم المفعول والمصدر الميمي والتفرقة بينها بالذوق والقرينة. 2- الظرف: الظرف قسمان: متصرف وغير متصرف: فالمتصرف ما يستعمل ظرفا وغير ظرف فهو يفارق الظرفية إلى حال لا تشبهها كأن يستعمل مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا به أو نحو ذلك مثل شهر ويوم وسنة وليل. والظرف غير المتصرف ما يلازم النصب على الظرفية فلا يستعمل إلا ظرفا منصوبا مثل قط وعوض وبينا وبينما وإذا وأيان وأنى وذا صباح وذات ليلة ومنه ما ركب من الظروف مثل صباح مساء وليل ليل ومنه ما يلزم النصب على الظرفية أو الجر بمن نحو قبل وبعد والجهات الست ولدي ولدن وعند ومتى وأين وهنا وثم وحيث والآن وتفصيل ذلك في المطولات. 3- استطاع واسطاع: قالوا: الأصل في اسطاع استطاع وان التاء حذفت تخفيفا وفتحت همزة الوصل وقطعت وهو قول الفراء وفي استطاع لغات: اسطاع يسطيع بفتح الهمزة في الماضي وضم حرف المضارعة فهو من أطاع يطيع وأصله يطوع بقلب الفتحة من الواو إلى الطاء في أطوع إعلالا له حملا على الماضي فصار أطاع ثم دخلت السين كالعوض من عين الفعل هذا مذهب سيبويه واللغة الثانية استطاع يستطيع بكسر الهمزة في الماضي ووصلها وفتح حرف المضارعة وهو استفعل نحو استقام واستعان.

الكهف 18:98

اللغة: (بَيْنَ السَّدَّيْنِ) : بين الجبلين يروى أن ذا القرنين سدّ ما بينهما، وإطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي القاموس: السدّ الجبل والحاجز، أو لكونه ملاصقا للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة والقول الثاني هو المناسب لما قبله والتفاصيل في المطولات. (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) : اسمان أعجميان بدليل منع الصرف فيهما للعلمية والعجمة وقيل بل هما عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها وشدة توقدها وقيل من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الأوج وهو سرعة العدو، وإنما منعا من الصرف للعلمية والتأنيث وكلاهما من أج الظليم إذا أسرع أو من أجت النار إذا التهبت والأقوال في حقيقتهما كثيرة يمكن الرجوع إليها في المطولات. (خَرْجاً) : جعلا من المال أو الخراج بتثليث الخاء وقد قرىء بها ومنه «الخراج بالضمان» ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا ويقال للجزية الخراج فيقال أدى خراج أرضه، ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرّجه فلان فتخرج وهو خريج المدرسة، قال زهير يصف الخيل: وخرّجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين أي وأدبها كما يخرّج المتعلم. (رَدْماً) : حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ من قولهم ثوب مردم. ومنه قول عنترة: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم المتردم الموضع الذي يسترقع ويستصلح لما اعتراه من الوهن والوهي والتردم أيضا مثل الترنم وهو ترجيح الصوت مع تحزين ومعنى قول عنترة: لم يترك الأول للآخر شيئا أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعا أرقعه ومستصلحا أستصلحه. (زُبَرَ الْحَدِيدِ) : جمع زبرة كغرفة أي قطعة. (الصَّدَفَيْنِ) بفتحتين، وضمتين أيضا، وضم الأول وسكون الثاني، وقد قرىء بالثلاث جميعا مثنى صدف بفتحتين وصدف بضمتين وصدف بضم الأول وفتح الثاني وبالعكس: منقطع الجبل أو ناصيته وقد سميا بذلك لأنهما يتقابلان. (قِطْراً) بكسر فسكون النحاس المذاب على الحديد المحمى. (يَظْهَرُوهُ) يعلوا ظهره لارتفاعه وانملاسه. (نَقْباً) خرقا لصلابته وثخانته. (دَكَّاءَ) بالمد أرض مستوية من قولهم ناقة دكاء أي لا سنام لها، ذللت بالدك وقرىء دكا مصدر دك. الإعراب: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) عطف على نظائرها وقد تقدم إعرابها. (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة بلغ مضافة إلى الظرف ومطلع بكسر اللام مكان الطلوع وسيأتي القول فيه في باب الفوائد وجملة وجدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة تطلع مفعول ثان لوجدها وعلى قوم متعلقان بتطلع وجملة لم نجعل صفة لقوم ولهم في موضع نصب مفعول ثان لنجعل ومن دونها حال وسترا مفعول نجعل الأول لأن أرضهم لا أبنية فيها بل فيها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها وإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم وقيل المراد بالستر اللباس فهم عراة أبدا. (كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً) كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقد الواو عاطفة أو حالية وقد حرف تحقيق وأحطنا فعل وفاعل وبما متعلقان بأحطنا ولديه صلة الموصول وخبرا تمييز أو مفعول به وقد تقدم. (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) تقدم إعرابه. (حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) بين السدين: انتصب بين على أنه مفعول به مبلوغ كما انجر على الاضافة في قوله تعالى «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» وكما ارتفع في قوله «لقد تقطع بينكم» لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفا وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد وجملة وجد لا محل لها لأنها جواب إذا ومن دونهما مفعول وجد الثاني وقوما مفعول وجد الأول وجملة لا يكادون صفة لقوما والواو اسم يكاد وجملة يفقهون خبرها وقولا مفعول به. (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) يا أداة نداء وذا القرنين منادى مضاف وإن واسمها ومأجوج عطف على يأجوج ومفسدون خبر إن وفي الأرض متعلقان بمفسدون. (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) الفاء عاطفة وهل خرف استفهام ونجعل فعل مضارع وفاعل مستتر ولك مفعول نجعل الثاني وخرجا مفعول نجعل الأول وعلى ومدخولها متعلقان بمحذوف صفة لخرجا أي قائما على هذا الشرط فعلى هنا على بابها أي للاستعلاء وبيننا الظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وبينهم عطف على بيننا وسدا مفعول تجعل الأول. (قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وجملة مكني صلة وفيه متعلقان بمكني وربي فاعل مكني وخير خبر المبتدأ. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) الفاء الفصيحة وأعينوني فعل أمر وفاعل ومفعول به وبقوة متعلقان بأعينوني واجعل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وبينكم الظرف مفعول اجعل الثاني وبينهم عطف عليه وردما مفعول أجعل الاول ومعنى أعينوني بقوة أي بفعلة وصنّاع يحسنون البناء وبآلة وسيأتي تفسيرها. (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) آتوني فعل أمر وفاعل ومفعول به أول وزبر الحديد مفعول به ثان وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وساوى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولا بد من تقدير محذوف للغاية أي فجاءوه بما طلب فبنى، وجعل بين الصدفين الفحم والحطب حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما والظرف متعلق بساوى (قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) جملة انفخوا مقول القول وجملة قال لا محل لها لأنها جواب إذا وحتى غاية للنفخ وجملة جعله نارا مضافة إلى الظرف ونارا مفعول جعل الثاني وجملة آتوني مقول القول وأفرغ مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وفاعله أنا وعليه متعلقان بأفرغ وقطرا مفعول به لأفرغ والتقدير وآتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه والمسألة من باب التنازع، فقد أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقالوا آتوني أفرغه عليه قطرا إذ التقدير آتوني قطرا أفرغه عليه ومثله قوله تعالى: «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» أعمل الثاني ولو أعمل الأول لقال «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» وسيأتي القول فيه في حينه. (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) الفاء عاطفة على محذوف أي فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى بناءه وتسويته يحاولون أن يعلوه أو يثقبوه فما اسطاعوا، واسطاعوا فعل وفاعل وأن وما بعدها مصدر مؤول في محل نصب مفعول اسطاعوا، وما استطاعوا عطف على فما اسطاعوا وله متعلقان بنقبا ونقبا مفعول به. (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) جملة هذا مقول القول وهذا مبتدأ ورحمة خبر والاشارة إلى السد لأنه مانع من خروجهم ومن ربي صفة لرحمة، فاذا الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل وجملة جاء وعد ربي مضافة للظرف وجملة جعله لا محل لها ودكاء مفعول به ثان لجعل وكان الواو عاطفة أو حالية وكان وعد ربي كان واسمها وحقا خبرها. الفوائد: 1- أسماء الزمان والمكان تفيد زمان الفعل ومكانه وتصاغ من الثلاثي المجرد على وزن مفعل بفتح العين وعلى وزن مفعل بكسرها فوزن مفعل بفتح العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل المضموم العين أو يفعل المفتوح العين في المضارع أو من الفعل المعتل الآخر مطلقا فالأول مثل مكتب ومحضر ومحل من حل بالمكان والثاني مثل ملعب ومزرع والثالث مثل ملهى ومثوى وموقى وشذت ألفاظ جاءت بالكسر مع أنها مبنية من مضموم العين في المضارع وهي أحد عشر وهي المطلع والمنسك لمكان النسك أي العبادة والمجزر لمكان جزر الإبل وهو نحرها يقال جزرت الجزور أجزرها بالضم إذا نحرتها وجلدتها والمنبت لموضع النبات والمشرق والمغرب لمكان الشروق والغروب والمفرق لوسط الرأس لأنه موضع فرق الشعر وكذلك مفرق الطريق للموضع الذي يتشعب منه طريق آخر والمسكن موضع السكنى والمسقط موضع السقوط يقال هذا مسقط رأسي أي حيث ولدت وسقط رأسي والمرفق موضع الرفق والمسجد وهو اسم للبيت وليس المراد موضع السجود فقد كسروا هذه الألفاظ والقياس فيها الفتح. ووزن مفعل بكسر العين للثلاثي المجرد المأخوذ من يفعل الصحيح المكسور العين أو من المثال الواوي فالأول مثل مجلس ومحبس ومضرب ومبيت ومضيف والثاني مثل مورد وموعد. وقد تدخل تاء التأنيث على أسماء المكان كالمزلة بفتح الزاي وكسرها فالمفتوح من باب فرح والمكسور من باب ضرب وهي اسم مكان من زل إذا سقط والمظنة لموضع الظن ومألفه وهو بفتح الظاء لأنه من ظن يظن بالضم والمقبرة لموضع القبر والمعبرة لموضع الشط المهيأ للعبور والمشرقة مثلثة الراء والمدرجة الطريق من درج يدرج دروجا إذا مشى والموقعة بفتح القاف وكسرها الموضع الذي يقع عليه والمشربة بفتح الراء وضمها أي موضع الشرب وتطلق أيضا على الغرفة لأنهم كانوا يشربون فيها وهي أيضا الأرض اللينة الدائمة النبات وإذا كثر الشيء بالمكان قيل فيه مفعلة بالفتح فيبنى اسم المكان من الأسماء مثل أرض مسبعة أي كثيرة السباع ومذأبة أي كثيرة الذئاب ومأسدة أي كثيرة الأسود ومبطخة أي كثيرة البطيخ ومقثأة أي كثيرة القثاء ومحياة أي كثيرة الحيات ومفعاة أي كثيرة الأفاعي ومدرجة أي كثيرة الدراج بضم الدال وتشديد الراء وهو طائر جميل ملون الريش ويطلق على الذكر والأنثى. أما وزنهما مما فوق الثلاثي فبكون على وزن المضارع بضم الميم المبدلة من حرف المضارعة وفتح ما قبل الآخر نحو مجتمع ومنتدى ومنتظر ومستشفى فهما يشبهان اسم المفعول والمصدر الميمي والتفرقة بينها بالذوق والقرينة. 2- الظرف: الظرف قسمان: متصرف وغير متصرف: فالمتصرف ما يستعمل ظرفا وغير ظرف فهو يفارق الظرفية إلى حال لا تشبهها كأن يستعمل مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا به أو نحو ذلك مثل شهر ويوم وسنة وليل. والظرف غير المتصرف ما يلازم النصب على الظرفية فلا يستعمل إلا ظرفا منصوبا مثل قط وعوض وبينا وبينما وإذا وأيان وأنى وذا صباح وذات ليلة ومنه ما ركب من الظروف مثل صباح مساء وليل ليل ومنه ما يلزم النصب على الظرفية أو الجر بمن نحو قبل وبعد والجهات الست ولدي ولدن وعند ومتى وأين وهنا وثم وحيث والآن وتفصيل ذلك في المطولات. 3- استطاع واسطاع: قالوا: الأصل في اسطاع استطاع وان التاء حذفت تخفيفا وفتحت همزة الوصل وقطعت وهو قول الفراء وفي استطاع لغات: اسطاع يسطيع بفتح الهمزة في الماضي وضم حرف المضارعة فهو من أطاع يطيع وأصله يطوع بقلب الفتحة من الواو إلى الطاء في أطوع إعلالا له حملا على الماضي فصار أطاع ثم دخلت السين كالعوض من عين الفعل هذا مذهب سيبويه واللغة الثانية استطاع يستطيع بكسر الهمزة في الماضي ووصلها وفتح حرف المضارعة وهو استفعل نحو استقام واستعان.

الكهف 18:99

اللغة: (يَمُوجُ) : يختلط. (الصُّورِ) : القرن ينفخ فيه والبوق. الإعراب: (وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) وتركنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بيموج وجملة يموج في بعض مفعول به ثان والتنوين في إذ عوض عن جملة كما تقدم، وقد جعل بعضهم ترك متعديا إلى واحد فتكون جملة يموج في محل نصب على الحال. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً) ونفخ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وفي الصور متعلقان بنفخ فجمعناهم الفاء عاطفة وجمعناهم فعل وفاعل ومفعول به وجمعا مفعول مطلق. (وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً) وعرضنا عطف على ما تقدم وجهنم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بعرضنا وللكافرين متعلقان بعرضنا أيضا وعرضا مفعول مطلق. (الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) الذين صفة للكافرين أو بدل منهم وجملة كانت صلة وأعينهم اسم كانت وفي غطاء خبر كانت وعن ذكري صفة لغطاء وكانوا كان واسمها وجملة لا يستطيعون سمعا خبرها. (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب ومن دوني مفعول ثان ليتخذوا وأولياء مفعول به أول. (إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا) إنا إن واسمها وجملة أعتدنا خبر وجهنم مفعول به وللكافرين حال لأنه كان صفة لنزلا ونزلا حال أي مغدة لهم كالنزل يعد للضيف. (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا) جملة هل ننبئكم مقول القول وبالأخسرين دخلت الباء على مضمون المفعولين الثاني والثالث وأعمالا تمييز وجمع التمييز وهو أصيل في الافراد لمشاكلة المميز وللايذان بأن خسرانهم إنما كان من جهات شتى لا من جهة واحدة. (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الذين صفة للأخسرين أو بدل ويرجح أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف كأنه جواب لسؤال سائل ومن هم الأخسرون أعمالا وجملة ضل صلة وسعيهم فاعل وفي الحياة متعلقان بضل والواو حالية وهم مبتدأ وجملة يحسبون خبر وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يحسبون وجملة يحسنون خبر أنهم وصنعا مفعول ويجوز أن يعرب تمييزا وجملة وهم يحسبون حال من فاعل ضل. (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أولئك اسم اشارة مبتدأ والذين خبره وجملة كفروا صلة وبآيات ربهم جار ومجرور متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات فحبطت عطف على كفروا وأعمالهم فاعل حبطت. (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) فلا نقيم عطف على ما تقدم والفاعل مستتر تقديره نحن ولهم متعلقان بنقيم ويوم القيامة متعلق بنقيم أيضا ووزنا مفعول به أي فلا يكون لهم عندنا وزن أو مقدار. (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً) ذلك مبتدأ وجزاؤهم خبر وجهنم بدل أو عطف بيان لقوله جزاؤهم ويجوز أن يعرب ذلك خبرا لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وجزاؤهم جهنم مبتدأ وخبر فتكون كل من الجملتين جملة برأسها ويجوز أن يعرب ذلك مبتدأ وجزاؤهم مبتدأ ثان وجهنم خبر جزاؤهم والجملة خبر المبتدأ الأول وهو ذلك وهذه الاوجه متساوية الرجحان، وبما كفروا يجوز أن يتعلق بمحذوف خبر ذلك في أحد وجوهه أو بمحذوف حال أي بسبب كفرهم وما مصدرية واتخذوا عطف على كفروا وآياتي مفعول به أول ورسلي عطف على آياتي وهزوا مفعول به ثان. البلاغة: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» استعارة محسوس لمحسوس كما قسمنا أنواع الاستعارة فإن أصل الموج تحريك المياه فاستعير لحركة يأجوج ومأجوج لاشتراك المستعار والمستعار له في الحركة وهي استعارة مكنية تبعية أوهم الخلق يموجون. 2- جناس التصحيف: وفي قوله تعالى «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» جناس التصحيف وهو أن يكون النقط فيه فارقا بين الكلمتين على حد قول البحتري: ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه الجناس وأقسامه: الجناس ويقال له التجنيس والمجانسة والتجانس وكلها ألفاظ مشتقة من الجنس، وحدّه في الاصطلاح تشابه الكلمتين في اللفظ واختلافهما في المعنى وفائدته أن يميل بالسامع إلى الإصغاء فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلا وإصغاء إليها ولأن اللفظ المذكور إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوق إليه. وفيما يلي أقسام الجناس باختصار: 1- الجناس المركب: وهو أن يتألف من ركنين وهو قسمان: آ- أن يتشابه ركناه لفظا لا خطأ كقول العماد الاصفهاني وكان يسير مع القاضي الفاضل في موكب السلطان وقد ثار الغبار: أما الغبار فإنه ... مما أثارته السنابك والجوّ منه مظلم ... لكن أنار به السنابك يا دهر لي عبد الرحي ... م فلست أخشى مسّ نابك ويحكى أنه لما كان المعتمد بن عباد في سجن أغمات وطال عليه الحال قالت له جاريته لقد هنّا هنا فأنشد على قولها: قالت لقد هنّا هنا ... مولاي أين جاهنا قلت لها: إلهنا ... صيرنا إلى هنا ب- أن يتشابه ركناه لفظا وخطا ومن أمثلته: عضنا الدهر بنابه ... ليت ما حل بنابه ولأبي الفتح البستي: إذا لم يكن ملك ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه 2- الجناس الملفق: وحدّه أن يكون كل من الركنين مركبا من كلمتين كقول بعضهم: رعى الله دهرا بكم قد مضى ... بلغت الأماني به في أمان وأيام أنس تولت لنا ... بأحلام عان بأحلى معان 3- الجناس المعنوي: وهو مجرد صناعة مضنية وقد يأتي حسنا، وهو أن يضمر المتكلم ركني التجنيس ويذكر ألفاظا مرادفة لأحدهما فيدل المظهر على المضمر وأحسن ما سمعناه منه قول أبي بكر بن عبدون وقد اصطبح بخمرة وترك بعضها إلى الليل فصارت خلا: ألا في سبيل الله كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وأضحت كجسم الشنفري بعد ثابت فصح معه جناسان مضمران في صدر البيت وعجزه لأن بنت بسطام بن قيس كان اسمها الصهباء والشنفري اسمه ثابت وجعل جسمه خلا في مرثية خاله تأبط شرا حيث قال: فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل والخل المهزول، وأما الجناس المضمر فهو بنت بسطام التي هي الصهباء وأما الذي في العجز فهو جسم ثابت الشنفري الذي هو الخل والمعنى أن الخمر التي حكت سميتها بنت بسطام صباحا وحكت جسم الشنفري مساء أي كانت صهباء فصارت خلا فظهر من كناية اللفظ جناسان مضمران الصهباء وهي الخمرة والصهباء وهي بنت بسطام وخل وهو المهزول وخل وهو ما يؤتدم به. 4- الجناس المطرف: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول كقول عبد الله بن المعتز: زارني والدجى أحمّ الحواشي ... والثريا في الغرب كالعقود وكأن الهلال طوق عروس ... بات يجلى على غلائل سود ليلة الوصل ساعدينا بطول ... طول الله فيك غيظ الحسود فإن قوله الحسود زاد حرفا على سود. 5- الجناس المحرف: وهو ما اتفق ركناه في أعداد الحروف وترتيبها واختلفا في هيئة الحروف فقط، سمي بذلك لانحراف هيئة عن هيئة الآخر قال أبو العلاء: والحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر 6- الجناس اللفظي: وهو ما تماثل ركناه لفظا واختلف أحد ركنيه عن الآخر خطا، قال أبو تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب وقال البحتري: من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور 7- الجناس المطلق: وهو ما اختلف ركناه في الحركات والحروف فاشتبه بالمشتق الراجع معناه إلى أصل واحد وليس كذلك وهو جميل غير متكلف، ومنه قول أبي فراس: سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله فما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمايله ألوى بعزمي أصداغا لوين له ... وغال صبري بما تحوي غلايله وقد ولع أبو فراس بهذا اللون من الجناس فقال: عذيري من طوالع في عذاري ... ومن برد الشباب المستعار وثوب كنت ألبسه أنيق ... أجرّر ذيله بين الج واري وما زادت على العشرين سني ... فما عذر المشيب إلى عذاري ومنه الحديث النبوي وهو «الظلم ظلمات يوم القيامة» . 8- الجناس المذيل: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر بحرف أو أكثر في طرفه الأخير فكان له بمثابة الذيل اللاحق بالثوب، ومنه قول أبي تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب ولحسان بن ثابت منه: وكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل جانبيها بالقنا والقنابل 9- الجناس اللاحق: وهو ما أبدل من أحد ركنيه حرف واحد بغيره من غير مخرجه سواء كان الابدال في الأول أو الوسط أو الآخر، قال البحتري: عجب الناس لاغترابي وفي الأط ... ... ... راف تلقى منازل الأشراف وقعودي عن التقلب والأر ... ض لمثلي رحيبة الأ كناف ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير أني امرؤ كفاني كفافي ولأبي فراس الحمداني: تعس الحريص وقلّ ما يأتي به ... عوضا عن الإلحاح والإلحاف إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو انه عاري المناكب حافي ما كلّ ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قنعت فكل شيء كافي 10- الجناس المصحف: وقد تقدم عند الكلام على الآية، ولأبي فراس فيه روائع، استمع إلى هذه المقطوعة: ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني ... ليست مؤاخذة الاخوان من شاني يجني الخليل فأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي واحساني إذا خليلي لم تكثر إساءته ... فأين موقع إحساني وغف راني يجني عليّ وأحنو صافحا أبدا ... لا شيء أحسن من حان على جاني 11- الجناس التام: وهو أن يتفق اللفظان في أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها وهو قسمان: آ- الجناس التام المتماثل: وهو أن يكون اللفظان من نوع واحد كاسمين أو فعلين أو حرفين كقوله تعالى «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ» . وقول أبي تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحد بين الجد واللعب فجانس بين حد السيف والحد الفاصل بين الشيئين وهما اسمان، وقد تفنن الشعراء فيه ولا سيما في عصور الانحطاط كقول الملك الصالح داود: عيون من السحر المبين تبين ... لها عند تحريك الجفون سكون تصول ببيض وهي سود فرندها ... ذبول فتور والجفون جفون إذا أبصرت قلبا خليا من الهوى ... تقول له: كن مغرما فيكون ب- وان كانا من نوعين كاسم وفعل أو اسم وحرف أو فعل وحرف سمي الجناس المستوفى كقول أبي الفضل الميكالي: يا من يضيع عمره في اللهو أمسك ... واعلم بأنك ذاهب كذهاب أمسك فجانس بين أمسك وهو فعل أمر وأمسك وهو اليوم الذي قبل يومك. أبو تمام والتجنيس: وقد بالغ أبو تمام في استعمال التجنيس وفيما يلي طائفة منها: قال: فأصبحت غرر الأيام مشرقة ... بالنصر تضحك عن أيامك الغرر فالغرر الأولى استعارة من غرر الوجه والغرر الثانية مأخوذة من غرة الشيء أكرمه. وقال في قصيدته فتح عمورية: عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الخصب فالثغور جمع ثغر وهو واحد الأسنان، وهو أيضا البلد الذي على تخوم العدو، ثم قال فيها: كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كثب بيض إذا انتفيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانا من الحجب فالقضب السيوف، والقضب القدود على حكم الاستعارة وكذلك البيض السيوف والبيض النساء وهذا من نادر أبي تمام الذي لا يتعلق به أحد. وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره فمنه ما أغرب فيه وأحسن ومنه ما أتى مستثقلا نابيا كقوله: قرّت بقرّان عين الدين واشتترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما فجانس بين قرت من قرت العين أي بردت سرورا وقران اسم مكان واشتترت: انشقت والأشترين اسم مكان أيضا واصطلم: قطع من أصله. وأقبح من ذلك قوله: فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى ومهما أورق السلم جناس البحتري: أما البحتري فلم يسف إلى الحضيض الذي أسف إليه أبو تمام ولم يأت بالتجنيس إلا جميلا مطبوعا غير متكلف كقوله: إذا العين راحت وهي عين على الهوى ... فليس بسرّ ما تسر الأضالع فالعين الجاسوس والعين معروفة. وما أجمل قول أبي العلاء المعري: لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا ولأبي تمام تجنيس متكرر في البيت الواحد قال: ليالينا بالرقمتين وأهلنا ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد فالعهد الأول المسقى هو الوقت والعهد الثاني هو الحفاظ من قولهم فلان ما له عهد، والعهد الثالث الوصية من قولهم عهد فلان إلى فلان وعهدت اليه أي وصاني وصيته، والعهد الرابع: المطر وجمعه عهاد، قال ابن رشيق: «استثقل قوم هذا التجنيس وحق لهم» . الفوائد: 1- أفعال التصيير هي التي تدل على التحويل والانتقال من حالة إلى أخرى وهي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر هكذا قال النحاة واعترض بعضهم ذلك بقوله ان معمولي هذه الأفعال متغايران مفهوما وخارجا فلا يصح أن يدعى كونهما مبتدأ وخبرا لوجود اتحادهما خارجا يبين لك ذلك انك تقول صيرت الفقير غنيا والمعدوم موجودا ولا يخفى أن صدق أحدهما على الآخر ممتنع ويجاب بأن نحو الفقير غني صحيح أي الفقير فيما مضى تجدد له الغنى وكذا المعدوم موجود إذ الوصف العنواني لا يشترط وجوده دائما بل يكفي وجوده في بعض الأوقات. وقال الشهابي القاسمي: ويمكن أن يجاب عن البحث بأن أريد أن أفعال التصيير لا يكون معمولاها متغايرين مفهوما وخارجا فهو ممنوع نحو قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» فإن ترك هنا من أفعال التصيير مع صدق أحد مفعوليها على الآخر وإيجاده معه خارجا فإن المائج يصدق على بعضهم ويتحد معه خارجا وان أريد انه قد يكون معمولاها كذلك فمسلم ولا يضير لأن أفعال الباب لا يجب أن تدخل على المبتدأ والخبر بل قد تدخل على غيرهما. 2- اعلم أن المميز يكون واحدا ويكون جمعا فإذا وقع بعد عدد نحو عشرين وثلاثين ونحوهما لم يكن المميز إلا واحدا نحو قولك: عندي عشرون ثوبا وثلاثون عمامة لأن العدد قد دل على الكمية ولم يبق بنا حاجة إلا إلى بيان نوع ذلك المبلغ وكان ذلك مما يحصل بالواحد وهو أخف وأما إذا وقع مفسرا لغير عدد نحو: هذا أفره منك عبدا وخير منك عملا جاز الافراد والجمع لاحتمال أن يكون له عبد واحد وعبيد فاذا قلت: هو أفره منك عبيدا أو خير منك أعمالا دللت بلفظ الجمع على معنيين: النوع وانهم جماعة. قال الله تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا» ، فهم من ذلك النوع وانه كان من جهات شتى لا من جهة واحدة وإذا أفردت فهم منه النوع لا غير.

الكهف 18:100

اللغة: (يَمُوجُ) : يختلط. (الصُّورِ) : القرن ينفخ فيه والبوق. الإعراب: (وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) وتركنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بيموج وجملة يموج في بعض مفعول به ثان والتنوين في إذ عوض عن جملة كما تقدم، وقد جعل بعضهم ترك متعديا إلى واحد فتكون جملة يموج في محل نصب على الحال. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً) ونفخ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وفي الصور متعلقان بنفخ فجمعناهم الفاء عاطفة وجمعناهم فعل وفاعل ومفعول به وجمعا مفعول مطلق. (وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً) وعرضنا عطف على ما تقدم وجهنم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بعرضنا وللكافرين متعلقان بعرضنا أيضا وعرضا مفعول مطلق. (الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) الذين صفة للكافرين أو بدل منهم وجملة كانت صلة وأعينهم اسم كانت وفي غطاء خبر كانت وعن ذكري صفة لغطاء وكانوا كان واسمها وجملة لا يستطيعون سمعا خبرها. (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب ومن دوني مفعول ثان ليتخذوا وأولياء مفعول به أول. (إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا) إنا إن واسمها وجملة أعتدنا خبر وجهنم مفعول به وللكافرين حال لأنه كان صفة لنزلا ونزلا حال أي مغدة لهم كالنزل يعد للضيف. (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا) جملة هل ننبئكم مقول القول وبالأخسرين دخلت الباء على مضمون المفعولين الثاني والثالث وأعمالا تمييز وجمع التمييز وهو أصيل في الافراد لمشاكلة المميز وللايذان بأن خسرانهم إنما كان من جهات شتى لا من جهة واحدة. (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الذين صفة للأخسرين أو بدل ويرجح أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف كأنه جواب لسؤال سائل ومن هم الأخسرون أعمالا وجملة ضل صلة وسعيهم فاعل وفي الحياة متعلقان بضل والواو حالية وهم مبتدأ وجملة يحسبون خبر وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يحسبون وجملة يحسنون خبر أنهم وصنعا مفعول ويجوز أن يعرب تمييزا وجملة وهم يحسبون حال من فاعل ضل. (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أولئك اسم اشارة مبتدأ والذين خبره وجملة كفروا صلة وبآيات ربهم جار ومجرور متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات فحبطت عطف على كفروا وأعمالهم فاعل حبطت. (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) فلا نقيم عطف على ما تقدم والفاعل مستتر تقديره نحن ولهم متعلقان بنقيم ويوم القيامة متعلق بنقيم أيضا ووزنا مفعول به أي فلا يكون لهم عندنا وزن أو مقدار. (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً) ذلك مبتدأ وجزاؤهم خبر وجهنم بدل أو عطف بيان لقوله جزاؤهم ويجوز أن يعرب ذلك خبرا لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وجزاؤهم جهنم مبتدأ وخبر فتكون كل من الجملتين جملة برأسها ويجوز أن يعرب ذلك مبتدأ وجزاؤهم مبتدأ ثان وجهنم خبر جزاؤهم والجملة خبر المبتدأ الأول وهو ذلك وهذه الاوجه متساوية الرجحان، وبما كفروا يجوز أن يتعلق بمحذوف خبر ذلك في أحد وجوهه أو بمحذوف حال أي بسبب كفرهم وما مصدرية واتخذوا عطف على كفروا وآياتي مفعول به أول ورسلي عطف على آياتي وهزوا مفعول به ثان. البلاغة: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» استعارة محسوس لمحسوس كما قسمنا أنواع الاستعارة فإن أصل الموج تحريك المياه فاستعير لحركة يأجوج ومأجوج لاشتراك المستعار والمستعار له في الحركة وهي استعارة مكنية تبعية أوهم الخلق يموجون. 2- جناس التصحيف: وفي قوله تعالى «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» جناس التصحيف وهو أن يكون النقط فيه فارقا بين الكلمتين على حد قول البحتري: ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه الجناس وأقسامه: الجناس ويقال له التجنيس والمجانسة والتجانس وكلها ألفاظ مشتقة من الجنس، وحدّه في الاصطلاح تشابه الكلمتين في اللفظ واختلافهما في المعنى وفائدته أن يميل بالسامع إلى الإصغاء فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلا وإصغاء إليها ولأن اللفظ المذكور إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوق إليه. وفيما يلي أقسام الجناس باختصار: 1- الجناس المركب: وهو أن يتألف من ركنين وهو قسمان: آ- أن يتشابه ركناه لفظا لا خطأ كقول العماد الاصفهاني وكان يسير مع القاضي الفاضل في موكب السلطان وقد ثار الغبار: أما الغبار فإنه ... مما أثارته السنابك والجوّ منه مظلم ... لكن أنار به السنابك يا دهر لي عبد الرحي ... م فلست أخشى مسّ نابك ويحكى أنه لما كان المعتمد بن عباد في سجن أغمات وطال عليه الحال قالت له جاريته لقد هنّا هنا فأنشد على قولها: قالت لقد هنّا هنا ... مولاي أين جاهنا قلت لها: إلهنا ... صيرنا إلى هنا ب- أن يتشابه ركناه لفظا وخطا ومن أمثلته: عضنا الدهر بنابه ... ليت ما حل بنابه ولأبي الفتح البستي: إذا لم يكن ملك ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه 2- الجناس الملفق: وحدّه أن يكون كل من الركنين مركبا من كلمتين كقول بعضهم: رعى الله دهرا بكم قد مضى ... بلغت الأماني به في أمان وأيام أنس تولت لنا ... بأحلام عان بأحلى معان 3- الجناس المعنوي: وهو مجرد صناعة مضنية وقد يأتي حسنا، وهو أن يضمر المتكلم ركني التجنيس ويذكر ألفاظا مرادفة لأحدهما فيدل المظهر على المضمر وأحسن ما سمعناه منه قول أبي بكر بن عبدون وقد اصطبح بخمرة وترك بعضها إلى الليل فصارت خلا: ألا في سبيل الله كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وأضحت كجسم الشنفري بعد ثابت فصح معه جناسان مضمران في صدر البيت وعجزه لأن بنت بسطام بن قيس كان اسمها الصهباء والشنفري اسمه ثابت وجعل جسمه خلا في مرثية خاله تأبط شرا حيث قال: فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل والخل المهزول، وأما الجناس المضمر فهو بنت بسطام التي هي الصهباء وأما الذي في العجز فهو جسم ثابت الشنفري الذي هو الخل والمعنى أن الخمر التي حكت سميتها بنت بسطام صباحا وحكت جسم الشنفري مساء أي كانت صهباء فصارت خلا فظهر من كناية اللفظ جناسان مضمران الصهباء وهي الخمرة والصهباء وهي بنت بسطام وخل وهو المهزول وخل وهو ما يؤتدم به. 4- الجناس المطرف: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول كقول عبد الله بن المعتز: زارني والدجى أحمّ الحواشي ... والثريا في الغرب كالعقود وكأن الهلال طوق عروس ... بات يجلى على غلائل سود ليلة الوصل ساعدينا بطول ... طول الله فيك غيظ الحسود فإن قوله الحسود زاد حرفا على سود. 5- الجناس المحرف: وهو ما اتفق ركناه في أعداد الحروف وترتيبها واختلفا في هيئة الحروف فقط، سمي بذلك لانحراف هيئة عن هيئة الآخر قال أبو العلاء: والحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر 6- الجناس اللفظي: وهو ما تماثل ركناه لفظا واختلف أحد ركنيه عن الآخر خطا، قال أبو تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب وقال البحتري: من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور 7- الجناس المطلق: وهو ما اختلف ركناه في الحركات والحروف فاشتبه بالمشتق الراجع معناه إلى أصل واحد وليس كذلك وهو جميل غير متكلف، ومنه قول أبي فراس: سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله فما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمايله ألوى بعزمي أصداغا لوين له ... وغال صبري بما تحوي غلايله وقد ولع أبو فراس بهذا اللون من الجناس فقال: عذيري من طوالع في عذاري ... ومن برد الشباب المستعار وثوب كنت ألبسه أنيق ... أجرّر ذيله بين الج واري وما زادت على العشرين سني ... فما عذر المشيب إلى عذاري ومنه الحديث النبوي وهو «الظلم ظلمات يوم القيامة» . 8- الجناس المذيل: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر بحرف أو أكثر في طرفه الأخير فكان له بمثابة الذيل اللاحق بالثوب، ومنه قول أبي تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب ولحسان بن ثابت منه: وكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل جانبيها بالقنا والقنابل 9- الجناس اللاحق: وهو ما أبدل من أحد ركنيه حرف واحد بغيره من غير مخرجه سواء كان الابدال في الأول أو الوسط أو الآخر، قال البحتري: عجب الناس لاغترابي وفي الأط ... ... ... راف تلقى منازل الأشراف وقعودي عن التقلب والأر ... ض لمثلي رحيبة الأ كناف ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير أني امرؤ كفاني كفافي ولأبي فراس الحمداني: تعس الحريص وقلّ ما يأتي به ... عوضا عن الإلحاح والإلحاف إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو انه عاري المناكب حافي ما كلّ ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قنعت فكل شيء كافي 10- الجناس المصحف: وقد تقدم عند الكلام على الآية، ولأبي فراس فيه روائع، استمع إلى هذه المقطوعة: ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني ... ليست مؤاخذة الاخوان من شاني يجني الخليل فأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي واحساني إذا خليلي لم تكثر إساءته ... فأين موقع إحساني وغف راني يجني عليّ وأحنو صافحا أبدا ... لا شيء أحسن من حان على جاني 11- الجناس التام: وهو أن يتفق اللفظان في أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها وهو قسمان: آ- الجناس التام المتماثل: وهو أن يكون اللفظان من نوع واحد كاسمين أو فعلين أو حرفين كقوله تعالى «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ» . وقول أبي تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحد بين الجد واللعب فجانس بين حد السيف والحد الفاصل بين الشيئين وهما اسمان، وقد تفنن الشعراء فيه ولا سيما في عصور الانحطاط كقول الملك الصالح داود: عيون من السحر المبين تبين ... لها عند تحريك الجفون سكون تصول ببيض وهي سود فرندها ... ذبول فتور والجفون جفون إذا أبصرت قلبا خليا من الهوى ... تقول له: كن مغرما فيكون ب- وان كانا من نوعين كاسم وفعل أو اسم وحرف أو فعل وحرف سمي الجناس المستوفى كقول أبي الفضل الميكالي: يا من يضيع عمره في اللهو أمسك ... واعلم بأنك ذاهب كذهاب أمسك فجانس بين أمسك وهو فعل أمر وأمسك وهو اليوم الذي قبل يومك. أبو تمام والتجنيس: وقد بالغ أبو تمام في استعمال التجنيس وفيما يلي طائفة منها: قال: فأصبحت غرر الأيام مشرقة ... بالنصر تضحك عن أيامك الغرر فالغرر الأولى استعارة من غرر الوجه والغرر الثانية مأخوذة من غرة الشيء أكرمه. وقال في قصيدته فتح عمورية: عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الخصب فالثغور جمع ثغر وهو واحد الأسنان، وهو أيضا البلد الذي على تخوم العدو، ثم قال فيها: كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كثب بيض إذا انتفيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانا من الحجب فالقضب السيوف، والقضب القدود على حكم الاستعارة وكذلك البيض السيوف والبيض النساء وهذا من نادر أبي تمام الذي لا يتعلق به أحد. وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره فمنه ما أغرب فيه وأحسن ومنه ما أتى مستثقلا نابيا كقوله: قرّت بقرّان عين الدين واشتترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما فجانس بين قرت من قرت العين أي بردت سرورا وقران اسم مكان واشتترت: انشقت والأشترين اسم مكان أيضا واصطلم: قطع من أصله. وأقبح من ذلك قوله: فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى ومهما أورق السلم جناس البحتري: أما البحتري فلم يسف إلى الحضيض الذي أسف إليه أبو تمام ولم يأت بالتجنيس إلا جميلا مطبوعا غير متكلف كقوله: إذا العين راحت وهي عين على الهوى ... فليس بسرّ ما تسر الأضالع فالعين الجاسوس والعين معروفة. وما أجمل قول أبي العلاء المعري: لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا ولأبي تمام تجنيس متكرر في البيت الواحد قال: ليالينا بالرقمتين وأهلنا ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد فالعهد الأول المسقى هو الوقت والعهد الثاني هو الحفاظ من قولهم فلان ما له عهد، والعهد الثالث الوصية من قولهم عهد فلان إلى فلان وعهدت اليه أي وصاني وصيته، والعهد الرابع: المطر وجمعه عهاد، قال ابن رشيق: «استثقل قوم هذا التجنيس وحق لهم» . الفوائد: 1- أفعال التصيير هي التي تدل على التحويل والانتقال من حالة إلى أخرى وهي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر هكذا قال النحاة واعترض بعضهم ذلك بقوله ان معمولي هذه الأفعال متغايران مفهوما وخارجا فلا يصح أن يدعى كونهما مبتدأ وخبرا لوجود اتحادهما خارجا يبين لك ذلك انك تقول صيرت الفقير غنيا والمعدوم موجودا ولا يخفى أن صدق أحدهما على الآخر ممتنع ويجاب بأن نحو الفقير غني صحيح أي الفقير فيما مضى تجدد له الغنى وكذا المعدوم موجود إذ الوصف العنواني لا يشترط وجوده دائما بل يكفي وجوده في بعض الأوقات. وقال الشهابي القاسمي: ويمكن أن يجاب عن البحث بأن أريد أن أفعال التصيير لا يكون معمولاها متغايرين مفهوما وخارجا فهو ممنوع نحو قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» فإن ترك هنا من أفعال التصيير مع صدق أحد مفعوليها على الآخر وإيجاده معه خارجا فإن المائج يصدق على بعضهم ويتحد معه خارجا وان أريد انه قد يكون معمولاها كذلك فمسلم ولا يضير لأن أفعال الباب لا يجب أن تدخل على المبتدأ والخبر بل قد تدخل على غيرهما. 2- اعلم أن المميز يكون واحدا ويكون جمعا فإذا وقع بعد عدد نحو عشرين وثلاثين ونحوهما لم يكن المميز إلا واحدا نحو قولك: عندي عشرون ثوبا وثلاثون عمامة لأن العدد قد دل على الكمية ولم يبق بنا حاجة إلا إلى بيان نوع ذلك المبلغ وكان ذلك مما يحصل بالواحد وهو أخف وأما إذا وقع مفسرا لغير عدد نحو: هذا أفره منك عبدا وخير منك عملا جاز الافراد والجمع لاحتمال أن يكون له عبد واحد وعبيد فاذا قلت: هو أفره منك عبيدا أو خير منك أعمالا دللت بلفظ الجمع على معنيين: النوع وانهم جماعة. قال الله تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا» ، فهم من ذلك النوع وانه كان من جهات شتى لا من جهة واحدة وإذا أفردت فهم منه النوع لا غير.

الكهف 18:101

اللغة: (يَمُوجُ) : يختلط. (الصُّورِ) : القرن ينفخ فيه والبوق. الإعراب: (وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) وتركنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بيموج وجملة يموج في بعض مفعول به ثان والتنوين في إذ عوض عن جملة كما تقدم، وقد جعل بعضهم ترك متعديا إلى واحد فتكون جملة يموج في محل نصب على الحال. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً) ونفخ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وفي الصور متعلقان بنفخ فجمعناهم الفاء عاطفة وجمعناهم فعل وفاعل ومفعول به وجمعا مفعول مطلق. (وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً) وعرضنا عطف على ما تقدم وجهنم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بعرضنا وللكافرين متعلقان بعرضنا أيضا وعرضا مفعول مطلق. (الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) الذين صفة للكافرين أو بدل منهم وجملة كانت صلة وأعينهم اسم كانت وفي غطاء خبر كانت وعن ذكري صفة لغطاء وكانوا كان واسمها وجملة لا يستطيعون سمعا خبرها. (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب ومن دوني مفعول ثان ليتخذوا وأولياء مفعول به أول. (إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا) إنا إن واسمها وجملة أعتدنا خبر وجهنم مفعول به وللكافرين حال لأنه كان صفة لنزلا ونزلا حال أي مغدة لهم كالنزل يعد للضيف. (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا) جملة هل ننبئكم مقول القول وبالأخسرين دخلت الباء على مضمون المفعولين الثاني والثالث وأعمالا تمييز وجمع التمييز وهو أصيل في الافراد لمشاكلة المميز وللايذان بأن خسرانهم إنما كان من جهات شتى لا من جهة واحدة. (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الذين صفة للأخسرين أو بدل ويرجح أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف كأنه جواب لسؤال سائل ومن هم الأخسرون أعمالا وجملة ضل صلة وسعيهم فاعل وفي الحياة متعلقان بضل والواو حالية وهم مبتدأ وجملة يحسبون خبر وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يحسبون وجملة يحسنون خبر أنهم وصنعا مفعول ويجوز أن يعرب تمييزا وجملة وهم يحسبون حال من فاعل ضل. (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أولئك اسم اشارة مبتدأ والذين خبره وجملة كفروا صلة وبآيات ربهم جار ومجرور متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات فحبطت عطف على كفروا وأعمالهم فاعل حبطت. (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) فلا نقيم عطف على ما تقدم والفاعل مستتر تقديره نحن ولهم متعلقان بنقيم ويوم القيامة متعلق بنقيم أيضا ووزنا مفعول به أي فلا يكون لهم عندنا وزن أو مقدار. (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً) ذلك مبتدأ وجزاؤهم خبر وجهنم بدل أو عطف بيان لقوله جزاؤهم ويجوز أن يعرب ذلك خبرا لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وجزاؤهم جهنم مبتدأ وخبر فتكون كل من الجملتين جملة برأسها ويجوز أن يعرب ذلك مبتدأ وجزاؤهم مبتدأ ثان وجهنم خبر جزاؤهم والجملة خبر المبتدأ الأول وهو ذلك وهذه الاوجه متساوية الرجحان، وبما كفروا يجوز أن يتعلق بمحذوف خبر ذلك في أحد وجوهه أو بمحذوف حال أي بسبب كفرهم وما مصدرية واتخذوا عطف على كفروا وآياتي مفعول به أول ورسلي عطف على آياتي وهزوا مفعول به ثان. البلاغة: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» استعارة محسوس لمحسوس كما قسمنا أنواع الاستعارة فإن أصل الموج تحريك المياه فاستعير لحركة يأجوج ومأجوج لاشتراك المستعار والمستعار له في الحركة وهي استعارة مكنية تبعية أوهم الخلق يموجون. 2- جناس التصحيف: وفي قوله تعالى «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» جناس التصحيف وهو أن يكون النقط فيه فارقا بين الكلمتين على حد قول البحتري: ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه الجناس وأقسامه: الجناس ويقال له التجنيس والمجانسة والتجانس وكلها ألفاظ مشتقة من الجنس، وحدّه في الاصطلاح تشابه الكلمتين في اللفظ واختلافهما في المعنى وفائدته أن يميل بالسامع إلى الإصغاء فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلا وإصغاء إليها ولأن اللفظ المذكور إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوق إليه. وفيما يلي أقسام الجناس باختصار: 1- الجناس المركب: وهو أن يتألف من ركنين وهو قسمان: آ- أن يتشابه ركناه لفظا لا خطأ كقول العماد الاصفهاني وكان يسير مع القاضي الفاضل في موكب السلطان وقد ثار الغبار: أما الغبار فإنه ... مما أثارته السنابك والجوّ منه مظلم ... لكن أنار به السنابك يا دهر لي عبد الرحي ... م فلست أخشى مسّ نابك ويحكى أنه لما كان المعتمد بن عباد في سجن أغمات وطال عليه الحال قالت له جاريته لقد هنّا هنا فأنشد على قولها: قالت لقد هنّا هنا ... مولاي أين جاهنا قلت لها: إلهنا ... صيرنا إلى هنا ب- أن يتشابه ركناه لفظا وخطا ومن أمثلته: عضنا الدهر بنابه ... ليت ما حل بنابه ولأبي الفتح البستي: إذا لم يكن ملك ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه 2- الجناس الملفق: وحدّه أن يكون كل من الركنين مركبا من كلمتين كقول بعضهم: رعى الله دهرا بكم قد مضى ... بلغت الأماني به في أمان وأيام أنس تولت لنا ... بأحلام عان بأحلى معان 3- الجناس المعنوي: وهو مجرد صناعة مضنية وقد يأتي حسنا، وهو أن يضمر المتكلم ركني التجنيس ويذكر ألفاظا مرادفة لأحدهما فيدل المظهر على المضمر وأحسن ما سمعناه منه قول أبي بكر بن عبدون وقد اصطبح بخمرة وترك بعضها إلى الليل فصارت خلا: ألا في سبيل الله كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وأضحت كجسم الشنفري بعد ثابت فصح معه جناسان مضمران في صدر البيت وعجزه لأن بنت بسطام بن قيس كان اسمها الصهباء والشنفري اسمه ثابت وجعل جسمه خلا في مرثية خاله تأبط شرا حيث قال: فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل والخل المهزول، وأما الجناس المضمر فهو بنت بسطام التي هي الصهباء وأما الذي في العجز فهو جسم ثابت الشنفري الذي هو الخل والمعنى أن الخمر التي حكت سميتها بنت بسطام صباحا وحكت جسم الشنفري مساء أي كانت صهباء فصارت خلا فظهر من كناية اللفظ جناسان مضمران الصهباء وهي الخمرة والصهباء وهي بنت بسطام وخل وهو المهزول وخل وهو ما يؤتدم به. 4- الجناس المطرف: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول كقول عبد الله بن المعتز: زارني والدجى أحمّ الحواشي ... والثريا في الغرب كالعقود وكأن الهلال طوق عروس ... بات يجلى على غلائل سود ليلة الوصل ساعدينا بطول ... طول الله فيك غيظ الحسود فإن قوله الحسود زاد حرفا على سود. 5- الجناس المحرف: وهو ما اتفق ركناه في أعداد الحروف وترتيبها واختلفا في هيئة الحروف فقط، سمي بذلك لانحراف هيئة عن هيئة الآخر قال أبو العلاء: والحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر 6- الجناس اللفظي: وهو ما تماثل ركناه لفظا واختلف أحد ركنيه عن الآخر خطا، قال أبو تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب وقال البحتري: من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور 7- الجناس المطلق: وهو ما اختلف ركناه في الحركات والحروف فاشتبه بالمشتق الراجع معناه إلى أصل واحد وليس كذلك وهو جميل غير متكلف، ومنه قول أبي فراس: سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله فما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمايله ألوى بعزمي أصداغا لوين له ... وغال صبري بما تحوي غلايله وقد ولع أبو فراس بهذا اللون من الجناس فقال: عذيري من طوالع في عذاري ... ومن برد الشباب المستعار وثوب كنت ألبسه أنيق ... أجرّر ذيله بين الج واري وما زادت على العشرين سني ... فما عذر المشيب إلى عذاري ومنه الحديث النبوي وهو «الظلم ظلمات يوم القيامة» . 8- الجناس المذيل: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر بحرف أو أكثر في طرفه الأخير فكان له بمثابة الذيل اللاحق بالثوب، ومنه قول أبي تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب ولحسان بن ثابت منه: وكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل جانبيها بالقنا والقنابل 9- الجناس اللاحق: وهو ما أبدل من أحد ركنيه حرف واحد بغيره من غير مخرجه سواء كان الابدال في الأول أو الوسط أو الآخر، قال البحتري: عجب الناس لاغترابي وفي الأط ... ... ... راف تلقى منازل الأشراف وقعودي عن التقلب والأر ... ض لمثلي رحيبة الأ كناف ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير أني امرؤ كفاني كفافي ولأبي فراس الحمداني: تعس الحريص وقلّ ما يأتي به ... عوضا عن الإلحاح والإلحاف إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو انه عاري المناكب حافي ما كلّ ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قنعت فكل شيء كافي 10- الجناس المصحف: وقد تقدم عند الكلام على الآية، ولأبي فراس فيه روائع، استمع إلى هذه المقطوعة: ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني ... ليست مؤاخذة الاخوان من شاني يجني الخليل فأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي واحساني إذا خليلي لم تكثر إساءته ... فأين موقع إحساني وغف راني يجني عليّ وأحنو صافحا أبدا ... لا شيء أحسن من حان على جاني 11- الجناس التام: وهو أن يتفق اللفظان في أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها وهو قسمان: آ- الجناس التام المتماثل: وهو أن يكون اللفظان من نوع واحد كاسمين أو فعلين أو حرفين كقوله تعالى «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ» . وقول أبي تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحد بين الجد واللعب فجانس بين حد السيف والحد الفاصل بين الشيئين وهما اسمان، وقد تفنن الشعراء فيه ولا سيما في عصور الانحطاط كقول الملك الصالح داود: عيون من السحر المبين تبين ... لها عند تحريك الجفون سكون تصول ببيض وهي سود فرندها ... ذبول فتور والجفون جفون إذا أبصرت قلبا خليا من الهوى ... تقول له: كن مغرما فيكون ب- وان كانا من نوعين كاسم وفعل أو اسم وحرف أو فعل وحرف سمي الجناس المستوفى كقول أبي الفضل الميكالي: يا من يضيع عمره في اللهو أمسك ... واعلم بأنك ذاهب كذهاب أمسك فجانس بين أمسك وهو فعل أمر وأمسك وهو اليوم الذي قبل يومك. أبو تمام والتجنيس: وقد بالغ أبو تمام في استعمال التجنيس وفيما يلي طائفة منها: قال: فأصبحت غرر الأيام مشرقة ... بالنصر تضحك عن أيامك الغرر فالغرر الأولى استعارة من غرر الوجه والغرر الثانية مأخوذة من غرة الشيء أكرمه. وقال في قصيدته فتح عمورية: عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الخصب فالثغور جمع ثغر وهو واحد الأسنان، وهو أيضا البلد الذي على تخوم العدو، ثم قال فيها: كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كثب بيض إذا انتفيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانا من الحجب فالقضب السيوف، والقضب القدود على حكم الاستعارة وكذلك البيض السيوف والبيض النساء وهذا من نادر أبي تمام الذي لا يتعلق به أحد. وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره فمنه ما أغرب فيه وأحسن ومنه ما أتى مستثقلا نابيا كقوله: قرّت بقرّان عين الدين واشتترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما فجانس بين قرت من قرت العين أي بردت سرورا وقران اسم مكان واشتترت: انشقت والأشترين اسم مكان أيضا واصطلم: قطع من أصله. وأقبح من ذلك قوله: فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى ومهما أورق السلم جناس البحتري: أما البحتري فلم يسف إلى الحضيض الذي أسف إليه أبو تمام ولم يأت بالتجنيس إلا جميلا مطبوعا غير متكلف كقوله: إذا العين راحت وهي عين على الهوى ... فليس بسرّ ما تسر الأضالع فالعين الجاسوس والعين معروفة. وما أجمل قول أبي العلاء المعري: لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا ولأبي تمام تجنيس متكرر في البيت الواحد قال: ليالينا بالرقمتين وأهلنا ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد فالعهد الأول المسقى هو الوقت والعهد الثاني هو الحفاظ من قولهم فلان ما له عهد، والعهد الثالث الوصية من قولهم عهد فلان إلى فلان وعهدت اليه أي وصاني وصيته، والعهد الرابع: المطر وجمعه عهاد، قال ابن رشيق: «استثقل قوم هذا التجنيس وحق لهم» . الفوائد: 1- أفعال التصيير هي التي تدل على التحويل والانتقال من حالة إلى أخرى وهي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر هكذا قال النحاة واعترض بعضهم ذلك بقوله ان معمولي هذه الأفعال متغايران مفهوما وخارجا فلا يصح أن يدعى كونهما مبتدأ وخبرا لوجود اتحادهما خارجا يبين لك ذلك انك تقول صيرت الفقير غنيا والمعدوم موجودا ولا يخفى أن صدق أحدهما على الآخر ممتنع ويجاب بأن نحو الفقير غني صحيح أي الفقير فيما مضى تجدد له الغنى وكذا المعدوم موجود إذ الوصف العنواني لا يشترط وجوده دائما بل يكفي وجوده في بعض الأوقات. وقال الشهابي القاسمي: ويمكن أن يجاب عن البحث بأن أريد أن أفعال التصيير لا يكون معمولاها متغايرين مفهوما وخارجا فهو ممنوع نحو قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» فإن ترك هنا من أفعال التصيير مع صدق أحد مفعوليها على الآخر وإيجاده معه خارجا فإن المائج يصدق على بعضهم ويتحد معه خارجا وان أريد انه قد يكون معمولاها كذلك فمسلم ولا يضير لأن أفعال الباب لا يجب أن تدخل على المبتدأ والخبر بل قد تدخل على غيرهما. 2- اعلم أن المميز يكون واحدا ويكون جمعا فإذا وقع بعد عدد نحو عشرين وثلاثين ونحوهما لم يكن المميز إلا واحدا نحو قولك: عندي عشرون ثوبا وثلاثون عمامة لأن العدد قد دل على الكمية ولم يبق بنا حاجة إلا إلى بيان نوع ذلك المبلغ وكان ذلك مما يحصل بالواحد وهو أخف وأما إذا وقع مفسرا لغير عدد نحو: هذا أفره منك عبدا وخير منك عملا جاز الافراد والجمع لاحتمال أن يكون له عبد واحد وعبيد فاذا قلت: هو أفره منك عبيدا أو خير منك أعمالا دللت بلفظ الجمع على معنيين: النوع وانهم جماعة. قال الله تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا» ، فهم من ذلك النوع وانه كان من جهات شتى لا من جهة واحدة وإذا أفردت فهم منه النوع لا غير.

الكهف 18:102

اللغة: (يَمُوجُ) : يختلط. (الصُّورِ) : القرن ينفخ فيه والبوق. الإعراب: (وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) وتركنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بيموج وجملة يموج في بعض مفعول به ثان والتنوين في إذ عوض عن جملة كما تقدم، وقد جعل بعضهم ترك متعديا إلى واحد فتكون جملة يموج في محل نصب على الحال. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً) ونفخ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وفي الصور متعلقان بنفخ فجمعناهم الفاء عاطفة وجمعناهم فعل وفاعل ومفعول به وجمعا مفعول مطلق. (وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً) وعرضنا عطف على ما تقدم وجهنم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بعرضنا وللكافرين متعلقان بعرضنا أيضا وعرضا مفعول مطلق. (الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) الذين صفة للكافرين أو بدل منهم وجملة كانت صلة وأعينهم اسم كانت وفي غطاء خبر كانت وعن ذكري صفة لغطاء وكانوا كان واسمها وجملة لا يستطيعون سمعا خبرها. (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب ومن دوني مفعول ثان ليتخذوا وأولياء مفعول به أول. (إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا) إنا إن واسمها وجملة أعتدنا خبر وجهنم مفعول به وللكافرين حال لأنه كان صفة لنزلا ونزلا حال أي مغدة لهم كالنزل يعد للضيف. (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا) جملة هل ننبئكم مقول القول وبالأخسرين دخلت الباء على مضمون المفعولين الثاني والثالث وأعمالا تمييز وجمع التمييز وهو أصيل في الافراد لمشاكلة المميز وللايذان بأن خسرانهم إنما كان من جهات شتى لا من جهة واحدة. (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الذين صفة للأخسرين أو بدل ويرجح أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف كأنه جواب لسؤال سائل ومن هم الأخسرون أعمالا وجملة ضل صلة وسعيهم فاعل وفي الحياة متعلقان بضل والواو حالية وهم مبتدأ وجملة يحسبون خبر وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يحسبون وجملة يحسنون خبر أنهم وصنعا مفعول ويجوز أن يعرب تمييزا وجملة وهم يحسبون حال من فاعل ضل. (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أولئك اسم اشارة مبتدأ والذين خبره وجملة كفروا صلة وبآيات ربهم جار ومجرور متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات فحبطت عطف على كفروا وأعمالهم فاعل حبطت. (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) فلا نقيم عطف على ما تقدم والفاعل مستتر تقديره نحن ولهم متعلقان بنقيم ويوم القيامة متعلق بنقيم أيضا ووزنا مفعول به أي فلا يكون لهم عندنا وزن أو مقدار. (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً) ذلك مبتدأ وجزاؤهم خبر وجهنم بدل أو عطف بيان لقوله جزاؤهم ويجوز أن يعرب ذلك خبرا لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وجزاؤهم جهنم مبتدأ وخبر فتكون كل من الجملتين جملة برأسها ويجوز أن يعرب ذلك مبتدأ وجزاؤهم مبتدأ ثان وجهنم خبر جزاؤهم والجملة خبر المبتدأ الأول وهو ذلك وهذه الاوجه متساوية الرجحان، وبما كفروا يجوز أن يتعلق بمحذوف خبر ذلك في أحد وجوهه أو بمحذوف حال أي بسبب كفرهم وما مصدرية واتخذوا عطف على كفروا وآياتي مفعول به أول ورسلي عطف على آياتي وهزوا مفعول به ثان. البلاغة: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» استعارة محسوس لمحسوس كما قسمنا أنواع الاستعارة فإن أصل الموج تحريك المياه فاستعير لحركة يأجوج ومأجوج لاشتراك المستعار والمستعار له في الحركة وهي استعارة مكنية تبعية أوهم الخلق يموجون. 2- جناس التصحيف: وفي قوله تعالى «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» جناس التصحيف وهو أن يكون النقط فيه فارقا بين الكلمتين على حد قول البحتري: ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه الجناس وأقسامه: الجناس ويقال له التجنيس والمجانسة والتجانس وكلها ألفاظ مشتقة من الجنس، وحدّه في الاصطلاح تشابه الكلمتين في اللفظ واختلافهما في المعنى وفائدته أن يميل بالسامع إلى الإصغاء فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلا وإصغاء إليها ولأن اللفظ المذكور إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوق إليه. وفيما يلي أقسام الجناس باختصار: 1- الجناس المركب: وهو أن يتألف من ركنين وهو قسمان: آ- أن يتشابه ركناه لفظا لا خطأ كقول العماد الاصفهاني وكان يسير مع القاضي الفاضل في موكب السلطان وقد ثار الغبار: أما الغبار فإنه ... مما أثارته السنابك والجوّ منه مظلم ... لكن أنار به السنابك يا دهر لي عبد الرحي ... م فلست أخشى مسّ نابك ويحكى أنه لما كان المعتمد بن عباد في سجن أغمات وطال عليه الحال قالت له جاريته لقد هنّا هنا فأنشد على قولها: قالت لقد هنّا هنا ... مولاي أين جاهنا قلت لها: إلهنا ... صيرنا إلى هنا ب- أن يتشابه ركناه لفظا وخطا ومن أمثلته: عضنا الدهر بنابه ... ليت ما حل بنابه ولأبي الفتح البستي: إذا لم يكن ملك ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه 2- الجناس الملفق: وحدّه أن يكون كل من الركنين مركبا من كلمتين كقول بعضهم: رعى الله دهرا بكم قد مضى ... بلغت الأماني به في أمان وأيام أنس تولت لنا ... بأحلام عان بأحلى معان 3- الجناس المعنوي: وهو مجرد صناعة مضنية وقد يأتي حسنا، وهو أن يضمر المتكلم ركني التجنيس ويذكر ألفاظا مرادفة لأحدهما فيدل المظهر على المضمر وأحسن ما سمعناه منه قول أبي بكر بن عبدون وقد اصطبح بخمرة وترك بعضها إلى الليل فصارت خلا: ألا في سبيل الله كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وأضحت كجسم الشنفري بعد ثابت فصح معه جناسان مضمران في صدر البيت وعجزه لأن بنت بسطام بن قيس كان اسمها الصهباء والشنفري اسمه ثابت وجعل جسمه خلا في مرثية خاله تأبط شرا حيث قال: فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل والخل المهزول، وأما الجناس المضمر فهو بنت بسطام التي هي الصهباء وأما الذي في العجز فهو جسم ثابت الشنفري الذي هو الخل والمعنى أن الخمر التي حكت سميتها بنت بسطام صباحا وحكت جسم الشنفري مساء أي كانت صهباء فصارت خلا فظهر من كناية اللفظ جناسان مضمران الصهباء وهي الخمرة والصهباء وهي بنت بسطام وخل وهو المهزول وخل وهو ما يؤتدم به. 4- الجناس المطرف: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول كقول عبد الله بن المعتز: زارني والدجى أحمّ الحواشي ... والثريا في الغرب كالعقود وكأن الهلال طوق عروس ... بات يجلى على غلائل سود ليلة الوصل ساعدينا بطول ... طول الله فيك غيظ الحسود فإن قوله الحسود زاد حرفا على سود. 5- الجناس المحرف: وهو ما اتفق ركناه في أعداد الحروف وترتيبها واختلفا في هيئة الحروف فقط، سمي بذلك لانحراف هيئة عن هيئة الآخر قال أبو العلاء: والحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر 6- الجناس اللفظي: وهو ما تماثل ركناه لفظا واختلف أحد ركنيه عن الآخر خطا، قال أبو تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب وقال البحتري: من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور 7- الجناس المطلق: وهو ما اختلف ركناه في الحركات والحروف فاشتبه بالمشتق الراجع معناه إلى أصل واحد وليس كذلك وهو جميل غير متكلف، ومنه قول أبي فراس: سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله فما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمايله ألوى بعزمي أصداغا لوين له ... وغال صبري بما تحوي غلايله وقد ولع أبو فراس بهذا اللون من الجناس فقال: عذيري من طوالع في عذاري ... ومن برد الشباب المستعار وثوب كنت ألبسه أنيق ... أجرّر ذيله بين الج واري وما زادت على العشرين سني ... فما عذر المشيب إلى عذاري ومنه الحديث النبوي وهو «الظلم ظلمات يوم القيامة» . 8- الجناس المذيل: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر بحرف أو أكثر في طرفه الأخير فكان له بمثابة الذيل اللاحق بالثوب، ومنه قول أبي تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب ولحسان بن ثابت منه: وكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل جانبيها بالقنا والقنابل 9- الجناس اللاحق: وهو ما أبدل من أحد ركنيه حرف واحد بغيره من غير مخرجه سواء كان الابدال في الأول أو الوسط أو الآخر، قال البحتري: عجب الناس لاغترابي وفي الأط ... ... ... راف تلقى منازل الأشراف وقعودي عن التقلب والأر ... ض لمثلي رحيبة الأ كناف ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير أني امرؤ كفاني كفافي ولأبي فراس الحمداني: تعس الحريص وقلّ ما يأتي به ... عوضا عن الإلحاح والإلحاف إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو انه عاري المناكب حافي ما كلّ ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قنعت فكل شيء كافي 10- الجناس المصحف: وقد تقدم عند الكلام على الآية، ولأبي فراس فيه روائع، استمع إلى هذه المقطوعة: ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني ... ليست مؤاخذة الاخوان من شاني يجني الخليل فأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي واحساني إذا خليلي لم تكثر إساءته ... فأين موقع إحساني وغف راني يجني عليّ وأحنو صافحا أبدا ... لا شيء أحسن من حان على جاني 11- الجناس التام: وهو أن يتفق اللفظان في أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها وهو قسمان: آ- الجناس التام المتماثل: وهو أن يكون اللفظان من نوع واحد كاسمين أو فعلين أو حرفين كقوله تعالى «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ» . وقول أبي تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحد بين الجد واللعب فجانس بين حد السيف والحد الفاصل بين الشيئين وهما اسمان، وقد تفنن الشعراء فيه ولا سيما في عصور الانحطاط كقول الملك الصالح داود: عيون من السحر المبين تبين ... لها عند تحريك الجفون سكون تصول ببيض وهي سود فرندها ... ذبول فتور والجفون جفون إذا أبصرت قلبا خليا من الهوى ... تقول له: كن مغرما فيكون ب- وان كانا من نوعين كاسم وفعل أو اسم وحرف أو فعل وحرف سمي الجناس المستوفى كقول أبي الفضل الميكالي: يا من يضيع عمره في اللهو أمسك ... واعلم بأنك ذاهب كذهاب أمسك فجانس بين أمسك وهو فعل أمر وأمسك وهو اليوم الذي قبل يومك. أبو تمام والتجنيس: وقد بالغ أبو تمام في استعمال التجنيس وفيما يلي طائفة منها: قال: فأصبحت غرر الأيام مشرقة ... بالنصر تضحك عن أيامك الغرر فالغرر الأولى استعارة من غرر الوجه والغرر الثانية مأخوذة من غرة الشيء أكرمه. وقال في قصيدته فتح عمورية: عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الخصب فالثغور جمع ثغر وهو واحد الأسنان، وهو أيضا البلد الذي على تخوم العدو، ثم قال فيها: كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كثب بيض إذا انتفيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانا من الحجب فالقضب السيوف، والقضب القدود على حكم الاستعارة وكذلك البيض السيوف والبيض النساء وهذا من نادر أبي تمام الذي لا يتعلق به أحد. وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره فمنه ما أغرب فيه وأحسن ومنه ما أتى مستثقلا نابيا كقوله: قرّت بقرّان عين الدين واشتترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما فجانس بين قرت من قرت العين أي بردت سرورا وقران اسم مكان واشتترت: انشقت والأشترين اسم مكان أيضا واصطلم: قطع من أصله. وأقبح من ذلك قوله: فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى ومهما أورق السلم جناس البحتري: أما البحتري فلم يسف إلى الحضيض الذي أسف إليه أبو تمام ولم يأت بالتجنيس إلا جميلا مطبوعا غير متكلف كقوله: إذا العين راحت وهي عين على الهوى ... فليس بسرّ ما تسر الأضالع فالعين الجاسوس والعين معروفة. وما أجمل قول أبي العلاء المعري: لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا ولأبي تمام تجنيس متكرر في البيت الواحد قال: ليالينا بالرقمتين وأهلنا ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد فالعهد الأول المسقى هو الوقت والعهد الثاني هو الحفاظ من قولهم فلان ما له عهد، والعهد الثالث الوصية من قولهم عهد فلان إلى فلان وعهدت اليه أي وصاني وصيته، والعهد الرابع: المطر وجمعه عهاد، قال ابن رشيق: «استثقل قوم هذا التجنيس وحق لهم» . الفوائد: 1- أفعال التصيير هي التي تدل على التحويل والانتقال من حالة إلى أخرى وهي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر هكذا قال النحاة واعترض بعضهم ذلك بقوله ان معمولي هذه الأفعال متغايران مفهوما وخارجا فلا يصح أن يدعى كونهما مبتدأ وخبرا لوجود اتحادهما خارجا يبين لك ذلك انك تقول صيرت الفقير غنيا والمعدوم موجودا ولا يخفى أن صدق أحدهما على الآخر ممتنع ويجاب بأن نحو الفقير غني صحيح أي الفقير فيما مضى تجدد له الغنى وكذا المعدوم موجود إذ الوصف العنواني لا يشترط وجوده دائما بل يكفي وجوده في بعض الأوقات. وقال الشهابي القاسمي: ويمكن أن يجاب عن البحث بأن أريد أن أفعال التصيير لا يكون معمولاها متغايرين مفهوما وخارجا فهو ممنوع نحو قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» فإن ترك هنا من أفعال التصيير مع صدق أحد مفعوليها على الآخر وإيجاده معه خارجا فإن المائج يصدق على بعضهم ويتحد معه خارجا وان أريد انه قد يكون معمولاها كذلك فمسلم ولا يضير لأن أفعال الباب لا يجب أن تدخل على المبتدأ والخبر بل قد تدخل على غيرهما. 2- اعلم أن المميز يكون واحدا ويكون جمعا فإذا وقع بعد عدد نحو عشرين وثلاثين ونحوهما لم يكن المميز إلا واحدا نحو قولك: عندي عشرون ثوبا وثلاثون عمامة لأن العدد قد دل على الكمية ولم يبق بنا حاجة إلا إلى بيان نوع ذلك المبلغ وكان ذلك مما يحصل بالواحد وهو أخف وأما إذا وقع مفسرا لغير عدد نحو: هذا أفره منك عبدا وخير منك عملا جاز الافراد والجمع لاحتمال أن يكون له عبد واحد وعبيد فاذا قلت: هو أفره منك عبيدا أو خير منك أعمالا دللت بلفظ الجمع على معنيين: النوع وانهم جماعة. قال الله تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا» ، فهم من ذلك النوع وانه كان من جهات شتى لا من جهة واحدة وإذا أفردت فهم منه النوع لا غير.

الكهف 18:103

اللغة: (يَمُوجُ) : يختلط. (الصُّورِ) : القرن ينفخ فيه والبوق. الإعراب: (وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) وتركنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بيموج وجملة يموج في بعض مفعول به ثان والتنوين في إذ عوض عن جملة كما تقدم، وقد جعل بعضهم ترك متعديا إلى واحد فتكون جملة يموج في محل نصب على الحال. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً) ونفخ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وفي الصور متعلقان بنفخ فجمعناهم الفاء عاطفة وجمعناهم فعل وفاعل ومفعول به وجمعا مفعول مطلق. (وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً) وعرضنا عطف على ما تقدم وجهنم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بعرضنا وللكافرين متعلقان بعرضنا أيضا وعرضا مفعول مطلق. (الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) الذين صفة للكافرين أو بدل منهم وجملة كانت صلة وأعينهم اسم كانت وفي غطاء خبر كانت وعن ذكري صفة لغطاء وكانوا كان واسمها وجملة لا يستطيعون سمعا خبرها. (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب ومن دوني مفعول ثان ليتخذوا وأولياء مفعول به أول. (إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا) إنا إن واسمها وجملة أعتدنا خبر وجهنم مفعول به وللكافرين حال لأنه كان صفة لنزلا ونزلا حال أي مغدة لهم كالنزل يعد للضيف. (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا) جملة هل ننبئكم مقول القول وبالأخسرين دخلت الباء على مضمون المفعولين الثاني والثالث وأعمالا تمييز وجمع التمييز وهو أصيل في الافراد لمشاكلة المميز وللايذان بأن خسرانهم إنما كان من جهات شتى لا من جهة واحدة. (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الذين صفة للأخسرين أو بدل ويرجح أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف كأنه جواب لسؤال سائل ومن هم الأخسرون أعمالا وجملة ضل صلة وسعيهم فاعل وفي الحياة متعلقان بضل والواو حالية وهم مبتدأ وجملة يحسبون خبر وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يحسبون وجملة يحسنون خبر أنهم وصنعا مفعول ويجوز أن يعرب تمييزا وجملة وهم يحسبون حال من فاعل ضل. (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أولئك اسم اشارة مبتدأ والذين خبره وجملة كفروا صلة وبآيات ربهم جار ومجرور متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات فحبطت عطف على كفروا وأعمالهم فاعل حبطت. (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) فلا نقيم عطف على ما تقدم والفاعل مستتر تقديره نحن ولهم متعلقان بنقيم ويوم القيامة متعلق بنقيم أيضا ووزنا مفعول به أي فلا يكون لهم عندنا وزن أو مقدار. (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً) ذلك مبتدأ وجزاؤهم خبر وجهنم بدل أو عطف بيان لقوله جزاؤهم ويجوز أن يعرب ذلك خبرا لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وجزاؤهم جهنم مبتدأ وخبر فتكون كل من الجملتين جملة برأسها ويجوز أن يعرب ذلك مبتدأ وجزاؤهم مبتدأ ثان وجهنم خبر جزاؤهم والجملة خبر المبتدأ الأول وهو ذلك وهذه الاوجه متساوية الرجحان، وبما كفروا يجوز أن يتعلق بمحذوف خبر ذلك في أحد وجوهه أو بمحذوف حال أي بسبب كفرهم وما مصدرية واتخذوا عطف على كفروا وآياتي مفعول به أول ورسلي عطف على آياتي وهزوا مفعول به ثان. البلاغة: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» استعارة محسوس لمحسوس كما قسمنا أنواع الاستعارة فإن أصل الموج تحريك المياه فاستعير لحركة يأجوج ومأجوج لاشتراك المستعار والمستعار له في الحركة وهي استعارة مكنية تبعية أوهم الخلق يموجون. 2- جناس التصحيف: وفي قوله تعالى «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» جناس التصحيف وهو أن يكون النقط فيه فارقا بين الكلمتين على حد قول البحتري: ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه الجناس وأقسامه: الجناس ويقال له التجنيس والمجانسة والتجانس وكلها ألفاظ مشتقة من الجنس، وحدّه في الاصطلاح تشابه الكلمتين في اللفظ واختلافهما في المعنى وفائدته أن يميل بالسامع إلى الإصغاء فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلا وإصغاء إليها ولأن اللفظ المذكور إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوق إليه. وفيما يلي أقسام الجناس باختصار: 1- الجناس المركب: وهو أن يتألف من ركنين وهو قسمان: آ- أن يتشابه ركناه لفظا لا خطأ كقول العماد الاصفهاني وكان يسير مع القاضي الفاضل في موكب السلطان وقد ثار الغبار: أما الغبار فإنه ... مما أثارته السنابك والجوّ منه مظلم ... لكن أنار به السنابك يا دهر لي عبد الرحي ... م فلست أخشى مسّ نابك ويحكى أنه لما كان المعتمد بن عباد في سجن أغمات وطال عليه الحال قالت له جاريته لقد هنّا هنا فأنشد على قولها: قالت لقد هنّا هنا ... مولاي أين جاهنا قلت لها: إلهنا ... صيرنا إلى هنا ب- أن يتشابه ركناه لفظا وخطا ومن أمثلته: عضنا الدهر بنابه ... ليت ما حل بنابه ولأبي الفتح البستي: إذا لم يكن ملك ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه 2- الجناس الملفق: وحدّه أن يكون كل من الركنين مركبا من كلمتين كقول بعضهم: رعى الله دهرا بكم قد مضى ... بلغت الأماني به في أمان وأيام أنس تولت لنا ... بأحلام عان بأحلى معان 3- الجناس المعنوي: وهو مجرد صناعة مضنية وقد يأتي حسنا، وهو أن يضمر المتكلم ركني التجنيس ويذكر ألفاظا مرادفة لأحدهما فيدل المظهر على المضمر وأحسن ما سمعناه منه قول أبي بكر بن عبدون وقد اصطبح بخمرة وترك بعضها إلى الليل فصارت خلا: ألا في سبيل الله كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وأضحت كجسم الشنفري بعد ثابت فصح معه جناسان مضمران في صدر البيت وعجزه لأن بنت بسطام بن قيس كان اسمها الصهباء والشنفري اسمه ثابت وجعل جسمه خلا في مرثية خاله تأبط شرا حيث قال: فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل والخل المهزول، وأما الجناس المضمر فهو بنت بسطام التي هي الصهباء وأما الذي في العجز فهو جسم ثابت الشنفري الذي هو الخل والمعنى أن الخمر التي حكت سميتها بنت بسطام صباحا وحكت جسم الشنفري مساء أي كانت صهباء فصارت خلا فظهر من كناية اللفظ جناسان مضمران الصهباء وهي الخمرة والصهباء وهي بنت بسطام وخل وهو المهزول وخل وهو ما يؤتدم به. 4- الجناس المطرف: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول كقول عبد الله بن المعتز: زارني والدجى أحمّ الحواشي ... والثريا في الغرب كالعقود وكأن الهلال طوق عروس ... بات يجلى على غلائل سود ليلة الوصل ساعدينا بطول ... طول الله فيك غيظ الحسود فإن قوله الحسود زاد حرفا على سود. 5- الجناس المحرف: وهو ما اتفق ركناه في أعداد الحروف وترتيبها واختلفا في هيئة الحروف فقط، سمي بذلك لانحراف هيئة عن هيئة الآخر قال أبو العلاء: والحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر 6- الجناس اللفظي: وهو ما تماثل ركناه لفظا واختلف أحد ركنيه عن الآخر خطا، قال أبو تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب وقال البحتري: من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور 7- الجناس المطلق: وهو ما اختلف ركناه في الحركات والحروف فاشتبه بالمشتق الراجع معناه إلى أصل واحد وليس كذلك وهو جميل غير متكلف، ومنه قول أبي فراس: سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله فما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمايله ألوى بعزمي أصداغا لوين له ... وغال صبري بما تحوي غلايله وقد ولع أبو فراس بهذا اللون من الجناس فقال: عذيري من طوالع في عذاري ... ومن برد الشباب المستعار وثوب كنت ألبسه أنيق ... أجرّر ذيله بين الج واري وما زادت على العشرين سني ... فما عذر المشيب إلى عذاري ومنه الحديث النبوي وهو «الظلم ظلمات يوم القيامة» . 8- الجناس المذيل: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر بحرف أو أكثر في طرفه الأخير فكان له بمثابة الذيل اللاحق بالثوب، ومنه قول أبي تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب ولحسان بن ثابت منه: وكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل جانبيها بالقنا والقنابل 9- الجناس اللاحق: وهو ما أبدل من أحد ركنيه حرف واحد بغيره من غير مخرجه سواء كان الابدال في الأول أو الوسط أو الآخر، قال البحتري: عجب الناس لاغترابي وفي الأط ... ... ... راف تلقى منازل الأشراف وقعودي عن التقلب والأر ... ض لمثلي رحيبة الأ كناف ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير أني امرؤ كفاني كفافي ولأبي فراس الحمداني: تعس الحريص وقلّ ما يأتي به ... عوضا عن الإلحاح والإلحاف إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو انه عاري المناكب حافي ما كلّ ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قنعت فكل شيء كافي 10- الجناس المصحف: وقد تقدم عند الكلام على الآية، ولأبي فراس فيه روائع، استمع إلى هذه المقطوعة: ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني ... ليست مؤاخذة الاخوان من شاني يجني الخليل فأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي واحساني إذا خليلي لم تكثر إساءته ... فأين موقع إحساني وغف راني يجني عليّ وأحنو صافحا أبدا ... لا شيء أحسن من حان على جاني 11- الجناس التام: وهو أن يتفق اللفظان في أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها وهو قسمان: آ- الجناس التام المتماثل: وهو أن يكون اللفظان من نوع واحد كاسمين أو فعلين أو حرفين كقوله تعالى «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ» . وقول أبي تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحد بين الجد واللعب فجانس بين حد السيف والحد الفاصل بين الشيئين وهما اسمان، وقد تفنن الشعراء فيه ولا سيما في عصور الانحطاط كقول الملك الصالح داود: عيون من السحر المبين تبين ... لها عند تحريك الجفون سكون تصول ببيض وهي سود فرندها ... ذبول فتور والجفون جفون إذا أبصرت قلبا خليا من الهوى ... تقول له: كن مغرما فيكون ب- وان كانا من نوعين كاسم وفعل أو اسم وحرف أو فعل وحرف سمي الجناس المستوفى كقول أبي الفضل الميكالي: يا من يضيع عمره في اللهو أمسك ... واعلم بأنك ذاهب كذهاب أمسك فجانس بين أمسك وهو فعل أمر وأمسك وهو اليوم الذي قبل يومك. أبو تمام والتجنيس: وقد بالغ أبو تمام في استعمال التجنيس وفيما يلي طائفة منها: قال: فأصبحت غرر الأيام مشرقة ... بالنصر تضحك عن أيامك الغرر فالغرر الأولى استعارة من غرر الوجه والغرر الثانية مأخوذة من غرة الشيء أكرمه. وقال في قصيدته فتح عمورية: عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الخصب فالثغور جمع ثغر وهو واحد الأسنان، وهو أيضا البلد الذي على تخوم العدو، ثم قال فيها: كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كثب بيض إذا انتفيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانا من الحجب فالقضب السيوف، والقضب القدود على حكم الاستعارة وكذلك البيض السيوف والبيض النساء وهذا من نادر أبي تمام الذي لا يتعلق به أحد. وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره فمنه ما أغرب فيه وأحسن ومنه ما أتى مستثقلا نابيا كقوله: قرّت بقرّان عين الدين واشتترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما فجانس بين قرت من قرت العين أي بردت سرورا وقران اسم مكان واشتترت: انشقت والأشترين اسم مكان أيضا واصطلم: قطع من أصله. وأقبح من ذلك قوله: فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى ومهما أورق السلم جناس البحتري: أما البحتري فلم يسف إلى الحضيض الذي أسف إليه أبو تمام ولم يأت بالتجنيس إلا جميلا مطبوعا غير متكلف كقوله: إذا العين راحت وهي عين على الهوى ... فليس بسرّ ما تسر الأضالع فالعين الجاسوس والعين معروفة. وما أجمل قول أبي العلاء المعري: لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا ولأبي تمام تجنيس متكرر في البيت الواحد قال: ليالينا بالرقمتين وأهلنا ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد فالعهد الأول المسقى هو الوقت والعهد الثاني هو الحفاظ من قولهم فلان ما له عهد، والعهد الثالث الوصية من قولهم عهد فلان إلى فلان وعهدت اليه أي وصاني وصيته، والعهد الرابع: المطر وجمعه عهاد، قال ابن رشيق: «استثقل قوم هذا التجنيس وحق لهم» . الفوائد: 1- أفعال التصيير هي التي تدل على التحويل والانتقال من حالة إلى أخرى وهي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر هكذا قال النحاة واعترض بعضهم ذلك بقوله ان معمولي هذه الأفعال متغايران مفهوما وخارجا فلا يصح أن يدعى كونهما مبتدأ وخبرا لوجود اتحادهما خارجا يبين لك ذلك انك تقول صيرت الفقير غنيا والمعدوم موجودا ولا يخفى أن صدق أحدهما على الآخر ممتنع ويجاب بأن نحو الفقير غني صحيح أي الفقير فيما مضى تجدد له الغنى وكذا المعدوم موجود إذ الوصف العنواني لا يشترط وجوده دائما بل يكفي وجوده في بعض الأوقات. وقال الشهابي القاسمي: ويمكن أن يجاب عن البحث بأن أريد أن أفعال التصيير لا يكون معمولاها متغايرين مفهوما وخارجا فهو ممنوع نحو قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» فإن ترك هنا من أفعال التصيير مع صدق أحد مفعوليها على الآخر وإيجاده معه خارجا فإن المائج يصدق على بعضهم ويتحد معه خارجا وان أريد انه قد يكون معمولاها كذلك فمسلم ولا يضير لأن أفعال الباب لا يجب أن تدخل على المبتدأ والخبر بل قد تدخل على غيرهما. 2- اعلم أن المميز يكون واحدا ويكون جمعا فإذا وقع بعد عدد نحو عشرين وثلاثين ونحوهما لم يكن المميز إلا واحدا نحو قولك: عندي عشرون ثوبا وثلاثون عمامة لأن العدد قد دل على الكمية ولم يبق بنا حاجة إلا إلى بيان نوع ذلك المبلغ وكان ذلك مما يحصل بالواحد وهو أخف وأما إذا وقع مفسرا لغير عدد نحو: هذا أفره منك عبدا وخير منك عملا جاز الافراد والجمع لاحتمال أن يكون له عبد واحد وعبيد فاذا قلت: هو أفره منك عبيدا أو خير منك أعمالا دللت بلفظ الجمع على معنيين: النوع وانهم جماعة. قال الله تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا» ، فهم من ذلك النوع وانه كان من جهات شتى لا من جهة واحدة وإذا أفردت فهم منه النوع لا غير.

الكهف 18:104

اللغة: (يَمُوجُ) : يختلط. (الصُّورِ) : القرن ينفخ فيه والبوق. الإعراب: (وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) وتركنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بيموج وجملة يموج في بعض مفعول به ثان والتنوين في إذ عوض عن جملة كما تقدم، وقد جعل بعضهم ترك متعديا إلى واحد فتكون جملة يموج في محل نصب على الحال. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً) ونفخ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وفي الصور متعلقان بنفخ فجمعناهم الفاء عاطفة وجمعناهم فعل وفاعل ومفعول به وجمعا مفعول مطلق. (وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً) وعرضنا عطف على ما تقدم وجهنم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بعرضنا وللكافرين متعلقان بعرضنا أيضا وعرضا مفعول مطلق. (الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) الذين صفة للكافرين أو بدل منهم وجملة كانت صلة وأعينهم اسم كانت وفي غطاء خبر كانت وعن ذكري صفة لغطاء وكانوا كان واسمها وجملة لا يستطيعون سمعا خبرها. (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب ومن دوني مفعول ثان ليتخذوا وأولياء مفعول به أول. (إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا) إنا إن واسمها وجملة أعتدنا خبر وجهنم مفعول به وللكافرين حال لأنه كان صفة لنزلا ونزلا حال أي مغدة لهم كالنزل يعد للضيف. (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا) جملة هل ننبئكم مقول القول وبالأخسرين دخلت الباء على مضمون المفعولين الثاني والثالث وأعمالا تمييز وجمع التمييز وهو أصيل في الافراد لمشاكلة المميز وللايذان بأن خسرانهم إنما كان من جهات شتى لا من جهة واحدة. (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الذين صفة للأخسرين أو بدل ويرجح أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف كأنه جواب لسؤال سائل ومن هم الأخسرون أعمالا وجملة ضل صلة وسعيهم فاعل وفي الحياة متعلقان بضل والواو حالية وهم مبتدأ وجملة يحسبون خبر وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يحسبون وجملة يحسنون خبر أنهم وصنعا مفعول ويجوز أن يعرب تمييزا وجملة وهم يحسبون حال من فاعل ضل. (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أولئك اسم اشارة مبتدأ والذين خبره وجملة كفروا صلة وبآيات ربهم جار ومجرور متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات فحبطت عطف على كفروا وأعمالهم فاعل حبطت. (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) فلا نقيم عطف على ما تقدم والفاعل مستتر تقديره نحن ولهم متعلقان بنقيم ويوم القيامة متعلق بنقيم أيضا ووزنا مفعول به أي فلا يكون لهم عندنا وزن أو مقدار. (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً) ذلك مبتدأ وجزاؤهم خبر وجهنم بدل أو عطف بيان لقوله جزاؤهم ويجوز أن يعرب ذلك خبرا لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وجزاؤهم جهنم مبتدأ وخبر فتكون كل من الجملتين جملة برأسها ويجوز أن يعرب ذلك مبتدأ وجزاؤهم مبتدأ ثان وجهنم خبر جزاؤهم والجملة خبر المبتدأ الأول وهو ذلك وهذه الاوجه متساوية الرجحان، وبما كفروا يجوز أن يتعلق بمحذوف خبر ذلك في أحد وجوهه أو بمحذوف حال أي بسبب كفرهم وما مصدرية واتخذوا عطف على كفروا وآياتي مفعول به أول ورسلي عطف على آياتي وهزوا مفعول به ثان. البلاغة: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» استعارة محسوس لمحسوس كما قسمنا أنواع الاستعارة فإن أصل الموج تحريك المياه فاستعير لحركة يأجوج ومأجوج لاشتراك المستعار والمستعار له في الحركة وهي استعارة مكنية تبعية أوهم الخلق يموجون. 2- جناس التصحيف: وفي قوله تعالى «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» جناس التصحيف وهو أن يكون النقط فيه فارقا بين الكلمتين على حد قول البحتري: ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه الجناس وأقسامه: الجناس ويقال له التجنيس والمجانسة والتجانس وكلها ألفاظ مشتقة من الجنس، وحدّه في الاصطلاح تشابه الكلمتين في اللفظ واختلافهما في المعنى وفائدته أن يميل بالسامع إلى الإصغاء فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلا وإصغاء إليها ولأن اللفظ المذكور إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوق إليه. وفيما يلي أقسام الجناس باختصار: 1- الجناس المركب: وهو أن يتألف من ركنين وهو قسمان: آ- أن يتشابه ركناه لفظا لا خطأ كقول العماد الاصفهاني وكان يسير مع القاضي الفاضل في موكب السلطان وقد ثار الغبار: أما الغبار فإنه ... مما أثارته السنابك والجوّ منه مظلم ... لكن أنار به السنابك يا دهر لي عبد الرحي ... م فلست أخشى مسّ نابك ويحكى أنه لما كان المعتمد بن عباد في سجن أغمات وطال عليه الحال قالت له جاريته لقد هنّا هنا فأنشد على قولها: قالت لقد هنّا هنا ... مولاي أين جاهنا قلت لها: إلهنا ... صيرنا إلى هنا ب- أن يتشابه ركناه لفظا وخطا ومن أمثلته: عضنا الدهر بنابه ... ليت ما حل بنابه ولأبي الفتح البستي: إذا لم يكن ملك ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه 2- الجناس الملفق: وحدّه أن يكون كل من الركنين مركبا من كلمتين كقول بعضهم: رعى الله دهرا بكم قد مضى ... بلغت الأماني به في أمان وأيام أنس تولت لنا ... بأحلام عان بأحلى معان 3- الجناس المعنوي: وهو مجرد صناعة مضنية وقد يأتي حسنا، وهو أن يضمر المتكلم ركني التجنيس ويذكر ألفاظا مرادفة لأحدهما فيدل المظهر على المضمر وأحسن ما سمعناه منه قول أبي بكر بن عبدون وقد اصطبح بخمرة وترك بعضها إلى الليل فصارت خلا: ألا في سبيل الله كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وأضحت كجسم الشنفري بعد ثابت فصح معه جناسان مضمران في صدر البيت وعجزه لأن بنت بسطام بن قيس كان اسمها الصهباء والشنفري اسمه ثابت وجعل جسمه خلا في مرثية خاله تأبط شرا حيث قال: فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل والخل المهزول، وأما الجناس المضمر فهو بنت بسطام التي هي الصهباء وأما الذي في العجز فهو جسم ثابت الشنفري الذي هو الخل والمعنى أن الخمر التي حكت سميتها بنت بسطام صباحا وحكت جسم الشنفري مساء أي كانت صهباء فصارت خلا فظهر من كناية اللفظ جناسان مضمران الصهباء وهي الخمرة والصهباء وهي بنت بسطام وخل وهو المهزول وخل وهو ما يؤتدم به. 4- الجناس المطرف: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول كقول عبد الله بن المعتز: زارني والدجى أحمّ الحواشي ... والثريا في الغرب كالعقود وكأن الهلال طوق عروس ... بات يجلى على غلائل سود ليلة الوصل ساعدينا بطول ... طول الله فيك غيظ الحسود فإن قوله الحسود زاد حرفا على سود. 5- الجناس المحرف: وهو ما اتفق ركناه في أعداد الحروف وترتيبها واختلفا في هيئة الحروف فقط، سمي بذلك لانحراف هيئة عن هيئة الآخر قال أبو العلاء: والحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر 6- الجناس اللفظي: وهو ما تماثل ركناه لفظا واختلف أحد ركنيه عن الآخر خطا، قال أبو تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب وقال البحتري: من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور 7- الجناس المطلق: وهو ما اختلف ركناه في الحركات والحروف فاشتبه بالمشتق الراجع معناه إلى أصل واحد وليس كذلك وهو جميل غير متكلف، ومنه قول أبي فراس: سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله فما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمايله ألوى بعزمي أصداغا لوين له ... وغال صبري بما تحوي غلايله وقد ولع أبو فراس بهذا اللون من الجناس فقال: عذيري من طوالع في عذاري ... ومن برد الشباب المستعار وثوب كنت ألبسه أنيق ... أجرّر ذيله بين الج واري وما زادت على العشرين سني ... فما عذر المشيب إلى عذاري ومنه الحديث النبوي وهو «الظلم ظلمات يوم القيامة» . 8- الجناس المذيل: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر بحرف أو أكثر في طرفه الأخير فكان له بمثابة الذيل اللاحق بالثوب، ومنه قول أبي تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب ولحسان بن ثابت منه: وكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل جانبيها بالقنا والقنابل 9- الجناس اللاحق: وهو ما أبدل من أحد ركنيه حرف واحد بغيره من غير مخرجه سواء كان الابدال في الأول أو الوسط أو الآخر، قال البحتري: عجب الناس لاغترابي وفي الأط ... ... ... راف تلقى منازل الأشراف وقعودي عن التقلب والأر ... ض لمثلي رحيبة الأ كناف ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير أني امرؤ كفاني كفافي ولأبي فراس الحمداني: تعس الحريص وقلّ ما يأتي به ... عوضا عن الإلحاح والإلحاف إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو انه عاري المناكب حافي ما كلّ ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قنعت فكل شيء كافي 10- الجناس المصحف: وقد تقدم عند الكلام على الآية، ولأبي فراس فيه روائع، استمع إلى هذه المقطوعة: ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني ... ليست مؤاخذة الاخوان من شاني يجني الخليل فأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي واحساني إذا خليلي لم تكثر إساءته ... فأين موقع إحساني وغف راني يجني عليّ وأحنو صافحا أبدا ... لا شيء أحسن من حان على جاني 11- الجناس التام: وهو أن يتفق اللفظان في أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها وهو قسمان: آ- الجناس التام المتماثل: وهو أن يكون اللفظان من نوع واحد كاسمين أو فعلين أو حرفين كقوله تعالى «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ» . وقول أبي تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحد بين الجد واللعب فجانس بين حد السيف والحد الفاصل بين الشيئين وهما اسمان، وقد تفنن الشعراء فيه ولا سيما في عصور الانحطاط كقول الملك الصالح داود: عيون من السحر المبين تبين ... لها عند تحريك الجفون سكون تصول ببيض وهي سود فرندها ... ذبول فتور والجفون جفون إذا أبصرت قلبا خليا من الهوى ... تقول له: كن مغرما فيكون ب- وان كانا من نوعين كاسم وفعل أو اسم وحرف أو فعل وحرف سمي الجناس المستوفى كقول أبي الفضل الميكالي: يا من يضيع عمره في اللهو أمسك ... واعلم بأنك ذاهب كذهاب أمسك فجانس بين أمسك وهو فعل أمر وأمسك وهو اليوم الذي قبل يومك. أبو تمام والتجنيس: وقد بالغ أبو تمام في استعمال التجنيس وفيما يلي طائفة منها: قال: فأصبحت غرر الأيام مشرقة ... بالنصر تضحك عن أيامك الغرر فالغرر الأولى استعارة من غرر الوجه والغرر الثانية مأخوذة من غرة الشيء أكرمه. وقال في قصيدته فتح عمورية: عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الخصب فالثغور جمع ثغر وهو واحد الأسنان، وهو أيضا البلد الذي على تخوم العدو، ثم قال فيها: كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كثب بيض إذا انتفيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانا من الحجب فالقضب السيوف، والقضب القدود على حكم الاستعارة وكذلك البيض السيوف والبيض النساء وهذا من نادر أبي تمام الذي لا يتعلق به أحد. وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره فمنه ما أغرب فيه وأحسن ومنه ما أتى مستثقلا نابيا كقوله: قرّت بقرّان عين الدين واشتترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما فجانس بين قرت من قرت العين أي بردت سرورا وقران اسم مكان واشتترت: انشقت والأشترين اسم مكان أيضا واصطلم: قطع من أصله. وأقبح من ذلك قوله: فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى ومهما أورق السلم جناس البحتري: أما البحتري فلم يسف إلى الحضيض الذي أسف إليه أبو تمام ولم يأت بالتجنيس إلا جميلا مطبوعا غير متكلف كقوله: إذا العين راحت وهي عين على الهوى ... فليس بسرّ ما تسر الأضالع فالعين الجاسوس والعين معروفة. وما أجمل قول أبي العلاء المعري: لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا ولأبي تمام تجنيس متكرر في البيت الواحد قال: ليالينا بالرقمتين وأهلنا ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد فالعهد الأول المسقى هو الوقت والعهد الثاني هو الحفاظ من قولهم فلان ما له عهد، والعهد الثالث الوصية من قولهم عهد فلان إلى فلان وعهدت اليه أي وصاني وصيته، والعهد الرابع: المطر وجمعه عهاد، قال ابن رشيق: «استثقل قوم هذا التجنيس وحق لهم» . الفوائد: 1- أفعال التصيير هي التي تدل على التحويل والانتقال من حالة إلى أخرى وهي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر هكذا قال النحاة واعترض بعضهم ذلك بقوله ان معمولي هذه الأفعال متغايران مفهوما وخارجا فلا يصح أن يدعى كونهما مبتدأ وخبرا لوجود اتحادهما خارجا يبين لك ذلك انك تقول صيرت الفقير غنيا والمعدوم موجودا ولا يخفى أن صدق أحدهما على الآخر ممتنع ويجاب بأن نحو الفقير غني صحيح أي الفقير فيما مضى تجدد له الغنى وكذا المعدوم موجود إذ الوصف العنواني لا يشترط وجوده دائما بل يكفي وجوده في بعض الأوقات. وقال الشهابي القاسمي: ويمكن أن يجاب عن البحث بأن أريد أن أفعال التصيير لا يكون معمولاها متغايرين مفهوما وخارجا فهو ممنوع نحو قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» فإن ترك هنا من أفعال التصيير مع صدق أحد مفعوليها على الآخر وإيجاده معه خارجا فإن المائج يصدق على بعضهم ويتحد معه خارجا وان أريد انه قد يكون معمولاها كذلك فمسلم ولا يضير لأن أفعال الباب لا يجب أن تدخل على المبتدأ والخبر بل قد تدخل على غيرهما. 2- اعلم أن المميز يكون واحدا ويكون جمعا فإذا وقع بعد عدد نحو عشرين وثلاثين ونحوهما لم يكن المميز إلا واحدا نحو قولك: عندي عشرون ثوبا وثلاثون عمامة لأن العدد قد دل على الكمية ولم يبق بنا حاجة إلا إلى بيان نوع ذلك المبلغ وكان ذلك مما يحصل بالواحد وهو أخف وأما إذا وقع مفسرا لغير عدد نحو: هذا أفره منك عبدا وخير منك عملا جاز الافراد والجمع لاحتمال أن يكون له عبد واحد وعبيد فاذا قلت: هو أفره منك عبيدا أو خير منك أعمالا دللت بلفظ الجمع على معنيين: النوع وانهم جماعة. قال الله تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا» ، فهم من ذلك النوع وانه كان من جهات شتى لا من جهة واحدة وإذا أفردت فهم منه النوع لا غير.

الكهف 18:105

اللغة: (يَمُوجُ) : يختلط. (الصُّورِ) : القرن ينفخ فيه والبوق. الإعراب: (وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) وتركنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بيموج وجملة يموج في بعض مفعول به ثان والتنوين في إذ عوض عن جملة كما تقدم، وقد جعل بعضهم ترك متعديا إلى واحد فتكون جملة يموج في محل نصب على الحال. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً) ونفخ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وفي الصور متعلقان بنفخ فجمعناهم الفاء عاطفة وجمعناهم فعل وفاعل ومفعول به وجمعا مفعول مطلق. (وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً) وعرضنا عطف على ما تقدم وجهنم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بعرضنا وللكافرين متعلقان بعرضنا أيضا وعرضا مفعول مطلق. (الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) الذين صفة للكافرين أو بدل منهم وجملة كانت صلة وأعينهم اسم كانت وفي غطاء خبر كانت وعن ذكري صفة لغطاء وكانوا كان واسمها وجملة لا يستطيعون سمعا خبرها. (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب ومن دوني مفعول ثان ليتخذوا وأولياء مفعول به أول. (إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا) إنا إن واسمها وجملة أعتدنا خبر وجهنم مفعول به وللكافرين حال لأنه كان صفة لنزلا ونزلا حال أي مغدة لهم كالنزل يعد للضيف. (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا) جملة هل ننبئكم مقول القول وبالأخسرين دخلت الباء على مضمون المفعولين الثاني والثالث وأعمالا تمييز وجمع التمييز وهو أصيل في الافراد لمشاكلة المميز وللايذان بأن خسرانهم إنما كان من جهات شتى لا من جهة واحدة. (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الذين صفة للأخسرين أو بدل ويرجح أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف كأنه جواب لسؤال سائل ومن هم الأخسرون أعمالا وجملة ضل صلة وسعيهم فاعل وفي الحياة متعلقان بضل والواو حالية وهم مبتدأ وجملة يحسبون خبر وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يحسبون وجملة يحسنون خبر أنهم وصنعا مفعول ويجوز أن يعرب تمييزا وجملة وهم يحسبون حال من فاعل ضل. (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أولئك اسم اشارة مبتدأ والذين خبره وجملة كفروا صلة وبآيات ربهم جار ومجرور متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات فحبطت عطف على كفروا وأعمالهم فاعل حبطت. (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) فلا نقيم عطف على ما تقدم والفاعل مستتر تقديره نحن ولهم متعلقان بنقيم ويوم القيامة متعلق بنقيم أيضا ووزنا مفعول به أي فلا يكون لهم عندنا وزن أو مقدار. (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً) ذلك مبتدأ وجزاؤهم خبر وجهنم بدل أو عطف بيان لقوله جزاؤهم ويجوز أن يعرب ذلك خبرا لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وجزاؤهم جهنم مبتدأ وخبر فتكون كل من الجملتين جملة برأسها ويجوز أن يعرب ذلك مبتدأ وجزاؤهم مبتدأ ثان وجهنم خبر جزاؤهم والجملة خبر المبتدأ الأول وهو ذلك وهذه الاوجه متساوية الرجحان، وبما كفروا يجوز أن يتعلق بمحذوف خبر ذلك في أحد وجوهه أو بمحذوف حال أي بسبب كفرهم وما مصدرية واتخذوا عطف على كفروا وآياتي مفعول به أول ورسلي عطف على آياتي وهزوا مفعول به ثان. البلاغة: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» استعارة محسوس لمحسوس كما قسمنا أنواع الاستعارة فإن أصل الموج تحريك المياه فاستعير لحركة يأجوج ومأجوج لاشتراك المستعار والمستعار له في الحركة وهي استعارة مكنية تبعية أوهم الخلق يموجون. 2- جناس التصحيف: وفي قوله تعالى «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» جناس التصحيف وهو أن يكون النقط فيه فارقا بين الكلمتين على حد قول البحتري: ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه الجناس وأقسامه: الجناس ويقال له التجنيس والمجانسة والتجانس وكلها ألفاظ مشتقة من الجنس، وحدّه في الاصطلاح تشابه الكلمتين في اللفظ واختلافهما في المعنى وفائدته أن يميل بالسامع إلى الإصغاء فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلا وإصغاء إليها ولأن اللفظ المذكور إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوق إليه. وفيما يلي أقسام الجناس باختصار: 1- الجناس المركب: وهو أن يتألف من ركنين وهو قسمان: آ- أن يتشابه ركناه لفظا لا خطأ كقول العماد الاصفهاني وكان يسير مع القاضي الفاضل في موكب السلطان وقد ثار الغبار: أما الغبار فإنه ... مما أثارته السنابك والجوّ منه مظلم ... لكن أنار به السنابك يا دهر لي عبد الرحي ... م فلست أخشى مسّ نابك ويحكى أنه لما كان المعتمد بن عباد في سجن أغمات وطال عليه الحال قالت له جاريته لقد هنّا هنا فأنشد على قولها: قالت لقد هنّا هنا ... مولاي أين جاهنا قلت لها: إلهنا ... صيرنا إلى هنا ب- أن يتشابه ركناه لفظا وخطا ومن أمثلته: عضنا الدهر بنابه ... ليت ما حل بنابه ولأبي الفتح البستي: إذا لم يكن ملك ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه 2- الجناس الملفق: وحدّه أن يكون كل من الركنين مركبا من كلمتين كقول بعضهم: رعى الله دهرا بكم قد مضى ... بلغت الأماني به في أمان وأيام أنس تولت لنا ... بأحلام عان بأحلى معان 3- الجناس المعنوي: وهو مجرد صناعة مضنية وقد يأتي حسنا، وهو أن يضمر المتكلم ركني التجنيس ويذكر ألفاظا مرادفة لأحدهما فيدل المظهر على المضمر وأحسن ما سمعناه منه قول أبي بكر بن عبدون وقد اصطبح بخمرة وترك بعضها إلى الليل فصارت خلا: ألا في سبيل الله كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وأضحت كجسم الشنفري بعد ثابت فصح معه جناسان مضمران في صدر البيت وعجزه لأن بنت بسطام بن قيس كان اسمها الصهباء والشنفري اسمه ثابت وجعل جسمه خلا في مرثية خاله تأبط شرا حيث قال: فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل والخل المهزول، وأما الجناس المضمر فهو بنت بسطام التي هي الصهباء وأما الذي في العجز فهو جسم ثابت الشنفري الذي هو الخل والمعنى أن الخمر التي حكت سميتها بنت بسطام صباحا وحكت جسم الشنفري مساء أي كانت صهباء فصارت خلا فظهر من كناية اللفظ جناسان مضمران الصهباء وهي الخمرة والصهباء وهي بنت بسطام وخل وهو المهزول وخل وهو ما يؤتدم به. 4- الجناس المطرف: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول كقول عبد الله بن المعتز: زارني والدجى أحمّ الحواشي ... والثريا في الغرب كالعقود وكأن الهلال طوق عروس ... بات يجلى على غلائل سود ليلة الوصل ساعدينا بطول ... طول الله فيك غيظ الحسود فإن قوله الحسود زاد حرفا على سود. 5- الجناس المحرف: وهو ما اتفق ركناه في أعداد الحروف وترتيبها واختلفا في هيئة الحروف فقط، سمي بذلك لانحراف هيئة عن هيئة الآخر قال أبو العلاء: والحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر 6- الجناس اللفظي: وهو ما تماثل ركناه لفظا واختلف أحد ركنيه عن الآخر خطا، قال أبو تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب وقال البحتري: من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور 7- الجناس المطلق: وهو ما اختلف ركناه في الحركات والحروف فاشتبه بالمشتق الراجع معناه إلى أصل واحد وليس كذلك وهو جميل غير متكلف، ومنه قول أبي فراس: سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله فما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمايله ألوى بعزمي أصداغا لوين له ... وغال صبري بما تحوي غلايله وقد ولع أبو فراس بهذا اللون من الجناس فقال: عذيري من طوالع في عذاري ... ومن برد الشباب المستعار وثوب كنت ألبسه أنيق ... أجرّر ذيله بين الج واري وما زادت على العشرين سني ... فما عذر المشيب إلى عذاري ومنه الحديث النبوي وهو «الظلم ظلمات يوم القيامة» . 8- الجناس المذيل: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر بحرف أو أكثر في طرفه الأخير فكان له بمثابة الذيل اللاحق بالثوب، ومنه قول أبي تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب ولحسان بن ثابت منه: وكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل جانبيها بالقنا والقنابل 9- الجناس اللاحق: وهو ما أبدل من أحد ركنيه حرف واحد بغيره من غير مخرجه سواء كان الابدال في الأول أو الوسط أو الآخر، قال البحتري: عجب الناس لاغترابي وفي الأط ... ... ... راف تلقى منازل الأشراف وقعودي عن التقلب والأر ... ض لمثلي رحيبة الأ كناف ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير أني امرؤ كفاني كفافي ولأبي فراس الحمداني: تعس الحريص وقلّ ما يأتي به ... عوضا عن الإلحاح والإلحاف إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو انه عاري المناكب حافي ما كلّ ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قنعت فكل شيء كافي 10- الجناس المصحف: وقد تقدم عند الكلام على الآية، ولأبي فراس فيه روائع، استمع إلى هذه المقطوعة: ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني ... ليست مؤاخذة الاخوان من شاني يجني الخليل فأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي واحساني إذا خليلي لم تكثر إساءته ... فأين موقع إحساني وغف راني يجني عليّ وأحنو صافحا أبدا ... لا شيء أحسن من حان على جاني 11- الجناس التام: وهو أن يتفق اللفظان في أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها وهو قسمان: آ- الجناس التام المتماثل: وهو أن يكون اللفظان من نوع واحد كاسمين أو فعلين أو حرفين كقوله تعالى «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ» . وقول أبي تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحد بين الجد واللعب فجانس بين حد السيف والحد الفاصل بين الشيئين وهما اسمان، وقد تفنن الشعراء فيه ولا سيما في عصور الانحطاط كقول الملك الصالح داود: عيون من السحر المبين تبين ... لها عند تحريك الجفون سكون تصول ببيض وهي سود فرندها ... ذبول فتور والجفون جفون إذا أبصرت قلبا خليا من الهوى ... تقول له: كن مغرما فيكون ب- وان كانا من نوعين كاسم وفعل أو اسم وحرف أو فعل وحرف سمي الجناس المستوفى كقول أبي الفضل الميكالي: يا من يضيع عمره في اللهو أمسك ... واعلم بأنك ذاهب كذهاب أمسك فجانس بين أمسك وهو فعل أمر وأمسك وهو اليوم الذي قبل يومك. أبو تمام والتجنيس: وقد بالغ أبو تمام في استعمال التجنيس وفيما يلي طائفة منها: قال: فأصبحت غرر الأيام مشرقة ... بالنصر تضحك عن أيامك الغرر فالغرر الأولى استعارة من غرر الوجه والغرر الثانية مأخوذة من غرة الشيء أكرمه. وقال في قصيدته فتح عمورية: عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الخصب فالثغور جمع ثغر وهو واحد الأسنان، وهو أيضا البلد الذي على تخوم العدو، ثم قال فيها: كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كثب بيض إذا انتفيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانا من الحجب فالقضب السيوف، والقضب القدود على حكم الاستعارة وكذلك البيض السيوف والبيض النساء وهذا من نادر أبي تمام الذي لا يتعلق به أحد. وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره فمنه ما أغرب فيه وأحسن ومنه ما أتى مستثقلا نابيا كقوله: قرّت بقرّان عين الدين واشتترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما فجانس بين قرت من قرت العين أي بردت سرورا وقران اسم مكان واشتترت: انشقت والأشترين اسم مكان أيضا واصطلم: قطع من أصله. وأقبح من ذلك قوله: فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى ومهما أورق السلم جناس البحتري: أما البحتري فلم يسف إلى الحضيض الذي أسف إليه أبو تمام ولم يأت بالتجنيس إلا جميلا مطبوعا غير متكلف كقوله: إذا العين راحت وهي عين على الهوى ... فليس بسرّ ما تسر الأضالع فالعين الجاسوس والعين معروفة. وما أجمل قول أبي العلاء المعري: لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا ولأبي تمام تجنيس متكرر في البيت الواحد قال: ليالينا بالرقمتين وأهلنا ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد فالعهد الأول المسقى هو الوقت والعهد الثاني هو الحفاظ من قولهم فلان ما له عهد، والعهد الثالث الوصية من قولهم عهد فلان إلى فلان وعهدت اليه أي وصاني وصيته، والعهد الرابع: المطر وجمعه عهاد، قال ابن رشيق: «استثقل قوم هذا التجنيس وحق لهم» . الفوائد: 1- أفعال التصيير هي التي تدل على التحويل والانتقال من حالة إلى أخرى وهي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر هكذا قال النحاة واعترض بعضهم ذلك بقوله ان معمولي هذه الأفعال متغايران مفهوما وخارجا فلا يصح أن يدعى كونهما مبتدأ وخبرا لوجود اتحادهما خارجا يبين لك ذلك انك تقول صيرت الفقير غنيا والمعدوم موجودا ولا يخفى أن صدق أحدهما على الآخر ممتنع ويجاب بأن نحو الفقير غني صحيح أي الفقير فيما مضى تجدد له الغنى وكذا المعدوم موجود إذ الوصف العنواني لا يشترط وجوده دائما بل يكفي وجوده في بعض الأوقات. وقال الشهابي القاسمي: ويمكن أن يجاب عن البحث بأن أريد أن أفعال التصيير لا يكون معمولاها متغايرين مفهوما وخارجا فهو ممنوع نحو قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» فإن ترك هنا من أفعال التصيير مع صدق أحد مفعوليها على الآخر وإيجاده معه خارجا فإن المائج يصدق على بعضهم ويتحد معه خارجا وان أريد انه قد يكون معمولاها كذلك فمسلم ولا يضير لأن أفعال الباب لا يجب أن تدخل على المبتدأ والخبر بل قد تدخل على غيرهما. 2- اعلم أن المميز يكون واحدا ويكون جمعا فإذا وقع بعد عدد نحو عشرين وثلاثين ونحوهما لم يكن المميز إلا واحدا نحو قولك: عندي عشرون ثوبا وثلاثون عمامة لأن العدد قد دل على الكمية ولم يبق بنا حاجة إلا إلى بيان نوع ذلك المبلغ وكان ذلك مما يحصل بالواحد وهو أخف وأما إذا وقع مفسرا لغير عدد نحو: هذا أفره منك عبدا وخير منك عملا جاز الافراد والجمع لاحتمال أن يكون له عبد واحد وعبيد فاذا قلت: هو أفره منك عبيدا أو خير منك أعمالا دللت بلفظ الجمع على معنيين: النوع وانهم جماعة. قال الله تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا» ، فهم من ذلك النوع وانه كان من جهات شتى لا من جهة واحدة وإذا أفردت فهم منه النوع لا غير.

الكهف 18:106

اللغة: (يَمُوجُ) : يختلط. (الصُّورِ) : القرن ينفخ فيه والبوق. الإعراب: (وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) وتركنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بيموج وجملة يموج في بعض مفعول به ثان والتنوين في إذ عوض عن جملة كما تقدم، وقد جعل بعضهم ترك متعديا إلى واحد فتكون جملة يموج في محل نصب على الحال. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً) ونفخ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وفي الصور متعلقان بنفخ فجمعناهم الفاء عاطفة وجمعناهم فعل وفاعل ومفعول به وجمعا مفعول مطلق. (وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً) وعرضنا عطف على ما تقدم وجهنم مفعول به ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بعرضنا وللكافرين متعلقان بعرضنا أيضا وعرضا مفعول مطلق. (الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) الذين صفة للكافرين أو بدل منهم وجملة كانت صلة وأعينهم اسم كانت وفي غطاء خبر كانت وعن ذكري صفة لغطاء وكانوا كان واسمها وجملة لا يستطيعون سمعا خبرها. (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب ومن دوني مفعول ثان ليتخذوا وأولياء مفعول به أول. (إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا) إنا إن واسمها وجملة أعتدنا خبر وجهنم مفعول به وللكافرين حال لأنه كان صفة لنزلا ونزلا حال أي مغدة لهم كالنزل يعد للضيف. (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا) جملة هل ننبئكم مقول القول وبالأخسرين دخلت الباء على مضمون المفعولين الثاني والثالث وأعمالا تمييز وجمع التمييز وهو أصيل في الافراد لمشاكلة المميز وللايذان بأن خسرانهم إنما كان من جهات شتى لا من جهة واحدة. (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الذين صفة للأخسرين أو بدل ويرجح أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف كأنه جواب لسؤال سائل ومن هم الأخسرون أعمالا وجملة ضل صلة وسعيهم فاعل وفي الحياة متعلقان بضل والواو حالية وهم مبتدأ وجملة يحسبون خبر وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يحسبون وجملة يحسنون خبر أنهم وصنعا مفعول ويجوز أن يعرب تمييزا وجملة وهم يحسبون حال من فاعل ضل. (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أولئك اسم اشارة مبتدأ والذين خبره وجملة كفروا صلة وبآيات ربهم جار ومجرور متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات فحبطت عطف على كفروا وأعمالهم فاعل حبطت. (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) فلا نقيم عطف على ما تقدم والفاعل مستتر تقديره نحن ولهم متعلقان بنقيم ويوم القيامة متعلق بنقيم أيضا ووزنا مفعول به أي فلا يكون لهم عندنا وزن أو مقدار. (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً) ذلك مبتدأ وجزاؤهم خبر وجهنم بدل أو عطف بيان لقوله جزاؤهم ويجوز أن يعرب ذلك خبرا لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وجزاؤهم جهنم مبتدأ وخبر فتكون كل من الجملتين جملة برأسها ويجوز أن يعرب ذلك مبتدأ وجزاؤهم مبتدأ ثان وجهنم خبر جزاؤهم والجملة خبر المبتدأ الأول وهو ذلك وهذه الاوجه متساوية الرجحان، وبما كفروا يجوز أن يتعلق بمحذوف خبر ذلك في أحد وجوهه أو بمحذوف حال أي بسبب كفرهم وما مصدرية واتخذوا عطف على كفروا وآياتي مفعول به أول ورسلي عطف على آياتي وهزوا مفعول به ثان. البلاغة: 1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» استعارة محسوس لمحسوس كما قسمنا أنواع الاستعارة فإن أصل الموج تحريك المياه فاستعير لحركة يأجوج ومأجوج لاشتراك المستعار والمستعار له في الحركة وهي استعارة مكنية تبعية أوهم الخلق يموجون. 2- جناس التصحيف: وفي قوله تعالى «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» جناس التصحيف وهو أن يكون النقط فيه فارقا بين الكلمتين على حد قول البحتري: ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه الجناس وأقسامه: الجناس ويقال له التجنيس والمجانسة والتجانس وكلها ألفاظ مشتقة من الجنس، وحدّه في الاصطلاح تشابه الكلمتين في اللفظ واختلافهما في المعنى وفائدته أن يميل بالسامع إلى الإصغاء فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلا وإصغاء إليها ولأن اللفظ المذكور إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوق إليه. وفيما يلي أقسام الجناس باختصار: 1- الجناس المركب: وهو أن يتألف من ركنين وهو قسمان: آ- أن يتشابه ركناه لفظا لا خطأ كقول العماد الاصفهاني وكان يسير مع القاضي الفاضل في موكب السلطان وقد ثار الغبار: أما الغبار فإنه ... مما أثارته السنابك والجوّ منه مظلم ... لكن أنار به السنابك يا دهر لي عبد الرحي ... م فلست أخشى مسّ نابك ويحكى أنه لما كان المعتمد بن عباد في سجن أغمات وطال عليه الحال قالت له جاريته لقد هنّا هنا فأنشد على قولها: قالت لقد هنّا هنا ... مولاي أين جاهنا قلت لها: إلهنا ... صيرنا إلى هنا ب- أن يتشابه ركناه لفظا وخطا ومن أمثلته: عضنا الدهر بنابه ... ليت ما حل بنابه ولأبي الفتح البستي: إذا لم يكن ملك ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه 2- الجناس الملفق: وحدّه أن يكون كل من الركنين مركبا من كلمتين كقول بعضهم: رعى الله دهرا بكم قد مضى ... بلغت الأماني به في أمان وأيام أنس تولت لنا ... بأحلام عان بأحلى معان 3- الجناس المعنوي: وهو مجرد صناعة مضنية وقد يأتي حسنا، وهو أن يضمر المتكلم ركني التجنيس ويذكر ألفاظا مرادفة لأحدهما فيدل المظهر على المضمر وأحسن ما سمعناه منه قول أبي بكر بن عبدون وقد اصطبح بخمرة وترك بعضها إلى الليل فصارت خلا: ألا في سبيل الله كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وأضحت كجسم الشنفري بعد ثابت فصح معه جناسان مضمران في صدر البيت وعجزه لأن بنت بسطام بن قيس كان اسمها الصهباء والشنفري اسمه ثابت وجعل جسمه خلا في مرثية خاله تأبط شرا حيث قال: فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل والخل المهزول، وأما الجناس المضمر فهو بنت بسطام التي هي الصهباء وأما الذي في العجز فهو جسم ثابت الشنفري الذي هو الخل والمعنى أن الخمر التي حكت سميتها بنت بسطام صباحا وحكت جسم الشنفري مساء أي كانت صهباء فصارت خلا فظهر من كناية اللفظ جناسان مضمران الصهباء وهي الخمرة والصهباء وهي بنت بسطام وخل وهو المهزول وخل وهو ما يؤتدم به. 4- الجناس المطرف: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول كقول عبد الله بن المعتز: زارني والدجى أحمّ الحواشي ... والثريا في الغرب كالعقود وكأن الهلال طوق عروس ... بات يجلى على غلائل سود ليلة الوصل ساعدينا بطول ... طول الله فيك غيظ الحسود فإن قوله الحسود زاد حرفا على سود. 5- الجناس المحرف: وهو ما اتفق ركناه في أعداد الحروف وترتيبها واختلفا في هيئة الحروف فقط، سمي بذلك لانحراف هيئة عن هيئة الآخر قال أبو العلاء: والحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر 6- الجناس اللفظي: وهو ما تماثل ركناه لفظا واختلف أحد ركنيه عن الآخر خطا، قال أبو تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب وقال البحتري: من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور 7- الجناس المطلق: وهو ما اختلف ركناه في الحركات والحروف فاشتبه بالمشتق الراجع معناه إلى أصل واحد وليس كذلك وهو جميل غير متكلف، ومنه قول أبي فراس: سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله فما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمايله ألوى بعزمي أصداغا لوين له ... وغال صبري بما تحوي غلايله وقد ولع أبو فراس بهذا اللون من الجناس فقال: عذيري من طوالع في عذاري ... ومن برد الشباب المستعار وثوب كنت ألبسه أنيق ... أجرّر ذيله بين الج واري وما زادت على العشرين سني ... فما عذر المشيب إلى عذاري ومنه الحديث النبوي وهو «الظلم ظلمات يوم القيامة» . 8- الجناس المذيل: وهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر بحرف أو أكثر في طرفه الأخير فكان له بمثابة الذيل اللاحق بالثوب، ومنه قول أبي تمام: يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب ولحسان بن ثابت منه: وكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل جانبيها بالقنا والقنابل 9- الجناس اللاحق: وهو ما أبدل من أحد ركنيه حرف واحد بغيره من غير مخرجه سواء كان الابدال في الأول أو الوسط أو الآخر، قال البحتري: عجب الناس لاغترابي وفي الأط ... ... ... راف تلقى منازل الأشراف وقعودي عن التقلب والأر ... ض لمثلي رحيبة الأ كناف ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير أني امرؤ كفاني كفافي ولأبي فراس الحمداني: تعس الحريص وقلّ ما يأتي به ... عوضا عن الإلحاح والإلحاف إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو انه عاري المناكب حافي ما كلّ ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قنعت فكل شيء كافي 10- الجناس المصحف: وقد تقدم عند الكلام على الآية، ولأبي فراس فيه روائع، استمع إلى هذه المقطوعة: ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني ... ليست مؤاخذة الاخوان من شاني يجني الخليل فأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي واحساني إذا خليلي لم تكثر إساءته ... فأين موقع إحساني وغف راني يجني عليّ وأحنو صافحا أبدا ... لا شيء أحسن من حان على جاني 11- الجناس التام: وهو أن يتفق اللفظان في أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها وهو قسمان: آ- الجناس التام المتماثل: وهو أن يكون اللفظان من نوع واحد كاسمين أو فعلين أو حرفين كقوله تعالى «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ» . وقول أبي تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحد بين الجد واللعب فجانس بين حد السيف والحد الفاصل بين الشيئين وهما اسمان، وقد تفنن الشعراء فيه ولا سيما في عصور الانحطاط كقول الملك الصالح داود: عيون من السحر المبين تبين ... لها عند تحريك الجفون سكون تصول ببيض وهي سود فرندها ... ذبول فتور والجفون جفون إذا أبصرت قلبا خليا من الهوى ... تقول له: كن مغرما فيكون ب- وان كانا من نوعين كاسم وفعل أو اسم وحرف أو فعل وحرف سمي الجناس المستوفى كقول أبي الفضل الميكالي: يا من يضيع عمره في اللهو أمسك ... واعلم بأنك ذاهب كذهاب أمسك فجانس بين أمسك وهو فعل أمر وأمسك وهو اليوم الذي قبل يومك. أبو تمام والتجنيس: وقد بالغ أبو تمام في استعمال التجنيس وفيما يلي طائفة منها: قال: فأصبحت غرر الأيام مشرقة ... بالنصر تضحك عن أيامك الغرر فالغرر الأولى استعارة من غرر الوجه والغرر الثانية مأخوذة من غرة الشيء أكرمه. وقال في قصيدته فتح عمورية: عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الخصب فالثغور جمع ثغر وهو واحد الأسنان، وهو أيضا البلد الذي على تخوم العدو، ثم قال فيها: كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كثب بيض إذا انتفيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانا من الحجب فالقضب السيوف، والقضب القدود على حكم الاستعارة وكذلك البيض السيوف والبيض النساء وهذا من نادر أبي تمام الذي لا يتعلق به أحد. وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره فمنه ما أغرب فيه وأحسن ومنه ما أتى مستثقلا نابيا كقوله: قرّت بقرّان عين الدين واشتترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما فجانس بين قرت من قرت العين أي بردت سرورا وقران اسم مكان واشتترت: انشقت والأشترين اسم مكان أيضا واصطلم: قطع من أصله. وأقبح من ذلك قوله: فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى ومهما أورق السلم جناس البحتري: أما البحتري فلم يسف إلى الحضيض الذي أسف إليه أبو تمام ولم يأت بالتجنيس إلا جميلا مطبوعا غير متكلف كقوله: إذا العين راحت وهي عين على الهوى ... فليس بسرّ ما تسر الأضالع فالعين الجاسوس والعين معروفة. وما أجمل قول أبي العلاء المعري: لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا ولأبي تمام تجنيس متكرر في البيت الواحد قال: ليالينا بالرقمتين وأهلنا ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد فالعهد الأول المسقى هو الوقت والعهد الثاني هو الحفاظ من قولهم فلان ما له عهد، والعهد الثالث الوصية من قولهم عهد فلان إلى فلان وعهدت اليه أي وصاني وصيته، والعهد الرابع: المطر وجمعه عهاد، قال ابن رشيق: «استثقل قوم هذا التجنيس وحق لهم» . الفوائد: 1- أفعال التصيير هي التي تدل على التحويل والانتقال من حالة إلى أخرى وهي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر هكذا قال النحاة واعترض بعضهم ذلك بقوله ان معمولي هذه الأفعال متغايران مفهوما وخارجا فلا يصح أن يدعى كونهما مبتدأ وخبرا لوجود اتحادهما خارجا يبين لك ذلك انك تقول صيرت الفقير غنيا والمعدوم موجودا ولا يخفى أن صدق أحدهما على الآخر ممتنع ويجاب بأن نحو الفقير غني صحيح أي الفقير فيما مضى تجدد له الغنى وكذا المعدوم موجود إذ الوصف العنواني لا يشترط وجوده دائما بل يكفي وجوده في بعض الأوقات. وقال الشهابي القاسمي: ويمكن أن يجاب عن البحث بأن أريد أن أفعال التصيير لا يكون معمولاها متغايرين مفهوما وخارجا فهو ممنوع نحو قوله تعالى «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» فإن ترك هنا من أفعال التصيير مع صدق أحد مفعوليها على الآخر وإيجاده معه خارجا فإن المائج يصدق على بعضهم ويتحد معه خارجا وان أريد انه قد يكون معمولاها كذلك فمسلم ولا يضير لأن أفعال الباب لا يجب أن تدخل على المبتدأ والخبر بل قد تدخل على غيرهما. 2- اعلم أن المميز يكون واحدا ويكون جمعا فإذا وقع بعد عدد نحو عشرين وثلاثين ونحوهما لم يكن المميز إلا واحدا نحو قولك: عندي عشرون ثوبا وثلاثون عمامة لأن العدد قد دل على الكمية ولم يبق بنا حاجة إلا إلى بيان نوع ذلك المبلغ وكان ذلك مما يحصل بالواحد وهو أخف وأما إذا وقع مفسرا لغير عدد نحو: هذا أفره منك عبدا وخير منك عملا جاز الافراد والجمع لاحتمال أن يكون له عبد واحد وعبيد فاذا قلت: هو أفره منك عبيدا أو خير منك أعمالا دللت بلفظ الجمع على معنيين: النوع وانهم جماعة. قال الله تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا» ، فهم من ذلك النوع وانه كان من جهات شتى لا من جهة واحدة وإذا أفردت فهم منه النوع لا غير.

الكهف 18:107

اللغة: (الْفِرْدَوْسِ) : الجنة من الكرم خاصة، وقيل: بل ما كان غالبها كرما. وقيل: كل ما حوط فهو فردوس والجمع فراديس، وقال المبرد: والفردوس فيما سمعت من العرب الشجر الملتف والأغلب عليه من العنب، وحكى الزجاج انها الأودية التي تنبت ضروبا من النبت، واختلف فيه فقيل هو عربي وقيل أعجمي، وقيل هو رومي، وقيل فارسي، وقيل سرياني، وفي القاموس والتاج: الفردوس: بالكسر الأودية التي تنبت ضروبا من النبت والبستان يجمع كل ما يكون في البساتين تكون فيه الكروم وقد يؤنث، عربية أو رومية نقلت أو سريانية، وروضة دون اليمامة لبني يربوع، وماء لبني تميم قرب الكوفة، وقلعة فردوس بقزوين. إلى أن يقول والفردسة السعة وصدر مفردس واسع أو ومنه الفردوس قال شارحه قوله: أو ومنه الفردوس أي اشتقاقه كما نقله ابن القطاع وهذا يؤيد كونه عربيا ويدل له أيضا قول حسان: وان ثواب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فيها يخلد (حِوَلًا) : الحول التحول يفال حال من مكانه حولا كقولك عادني حبها عودا يعني لا مزيد عليه والحول بكسر الحاء وفتح الواو مصدر بمعنى التحول يقال حال عن مكانه حولا فهو مصدر كالعوج والصغر. (المداد) : اسم ما تمد به الدواة من الحبر وما يمد به السراج من السليط، ويقال السماد مداد الأرض. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) ان واسمها وجملة آمنوا صلة وجملة وعملوا الصالحات عطف على الصلة وجملة كانت خبر إن ولهم حال من نزلا لأنه كان صفة وتقدم عليه وجنات الفردوس اسم كانت ونزلا خبرها ويجوز أن يكون لهم الخبر ونزلا حال. (خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا) خالدين حال من الضمير في لهم وفيها متعلقان بخالدين وجملة لا يبغون حالية وعنها متعلقان بحولا وحولا مفعول يبغون. (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً) لو شرطية وكان البحر كان واسمها ومدادا خبرها ولكلمات صفة لمداد واللام واقعة في جواب لو وجملة نفد البحر جواب شرط غير جازم لا محل لها وقيل ظرف متعلق بنفد وأن تنفد المصدر مضاف لقبل وكلمات ربي فاعل والواو لعطف ما بعده على جملة مقدرة مدلول عليها بما قبلها أي لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته لو لم يجيء بمثله مددا، ولو شرطية وجئنا فعل الشرط وجواب لو محذوف تقديره لنفد ولم تفرع، وبمثله متعلقان بجئنا ومددا تمييز كقولك لي مثله رجلا وسيأتي مزيد بحث في الفوائد عن جواب لو. (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) إنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ وبشر خبر ومثلكم صفة. (يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) جملة يوحى صفة لبشر وإليّ متعلقان بيوحى وانما كافة ومكفوفة ولكنها لم تخرج عن المصدرية فهي وما بعدها في محل رفع نائب فاعل وإلهكم مبتدأ وإله خبر وواحد صفة. (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وكان فعل ماض ناقص واسمها يعود على من وجملة يرجو خبرها ولقاء ربه مفعول به، فليعمل الفاء رابطة لجواب الشرط واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعملا مفعول مطلق أو مفعول به وصالحا صفة ولا يشرك لا ناهية ويشرك فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبعبادة ربه متعلقان بيشرك وأحدا مفعول يشرك. الفوائد: جواب لو: سيأتي المزيد من أبحاث لو في هذا الكتاب فهي من الأدوات التي يكثر فيها القول ولذلك جعلناه موزعا على الآيات ونتكلم الآن عن جواب لو فنقول: إن جوابها إما ماض معنى نحو نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه أو ماض وضعا وهذا إما مثبت فاقترانه باللام نحو «لو نشاء لجعلناه حطاما» أكثر من تركها نحو «لو نشاء جعلناه أجاجا» وهذه اللام تسمى لام التسويف لأنها تدل على تأخير الجواب عن الشرط وتراخيه عنه كما أن إسقاطها يدل على التعجيل أي أن الجواب يقع عقيب الشرط من غير مهلة ولهذا دخلت في «لو نشاء لجعلناه حطاما» وحذفت في نحو «لو نشاء جعلناه أجاجا» أي لوقته في المزن من غير تأخير والفائدة في تأخير جعله حطاما وتقديم جعله أجاجا تشديد العقوبة أي إذا استوى الزرع على سوقه وقويت به الاطماع جعلناه حطاما، أو لأن الزرع ونباته وجفافه بعد النضارة حتى يعود حطاما مما يحتمل انه من فعل الزراع ولهذا قال تعالى: «أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ» أو أنه من سقي الماء وجفافه من عدم السقي وحرارة الشمس أو مرور الأعصار فأخبر سبحانه أنه الفاعل لذلك على الحقيقة وانه قادر على جعله حطاما في حال نموه لو شاء وإنزال الماء من السماء مما لا يتوهم أن لأحد قدرة عليه غير الله تعالى وهذا من عيون النكت فاعرفه وتدبره. وإما أن يكون جواب لو منفيا بما فالأكثر تجرده من اللام ويقل اقترانه بها فالاول نحو «ولو شاء ربك ما فعلوه» والثاني نحو قوله: ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي فأدخل اللام على ما النافية ولا تدخل اللام على ناف غيرها وقيل قد تجاب لو بجملة اسمية مقترنة باللام نحو «ولو انهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير» فاللام في لمثوبة جواب لو وان بين الماضي والاسم تشابها من هذه الجهة وقال الزمخشري وانما جعل جوابها جملة اسمية دلالة على استمرار مضمون الجزاء ورد أبو حيان هذا في البحر فقال اللام في لمثوبة لام الابتداء لا الواقعة في جواب لو وهو أحد احتمالي الزمخشري وقد تقدم ذلك في البقرة أي فتكون الجملة مستأنفة أو جواب لقسم مقدم وقال ابن هشام في المغني: «والأولى أن تكون لام لمثوبة لام جواب قسم مقدر بدليل كون الجملة اسمية وأما القول بأنها لام جواب لو وأن الاسمية استعيرت مكان الفعلية تعسف» وأقول التعسف في تقديرها للقسم أكثر من جعل الجواب جملة اسمية.

الكهف 18:108

اللغة: (الْفِرْدَوْسِ) : الجنة من الكرم خاصة، وقيل: بل ما كان غالبها كرما. وقيل: كل ما حوط فهو فردوس والجمع فراديس، وقال المبرد: والفردوس فيما سمعت من العرب الشجر الملتف والأغلب عليه من العنب، وحكى الزجاج انها الأودية التي تنبت ضروبا من النبت، واختلف فيه فقيل هو عربي وقيل أعجمي، وقيل هو رومي، وقيل فارسي، وقيل سرياني، وفي القاموس والتاج: الفردوس: بالكسر الأودية التي تنبت ضروبا من النبت والبستان يجمع كل ما يكون في البساتين تكون فيه الكروم وقد يؤنث، عربية أو رومية نقلت أو سريانية، وروضة دون اليمامة لبني يربوع، وماء لبني تميم قرب الكوفة، وقلعة فردوس بقزوين. إلى أن يقول والفردسة السعة وصدر مفردس واسع أو ومنه الفردوس قال شارحه قوله: أو ومنه الفردوس أي اشتقاقه كما نقله ابن القطاع وهذا يؤيد كونه عربيا ويدل له أيضا قول حسان: وان ثواب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فيها يخلد (حِوَلًا) : الحول التحول يفال حال من مكانه حولا كقولك عادني حبها عودا يعني لا مزيد عليه والحول بكسر الحاء وفتح الواو مصدر بمعنى التحول يقال حال عن مكانه حولا فهو مصدر كالعوج والصغر. (المداد) : اسم ما تمد به الدواة من الحبر وما يمد به السراج من السليط، ويقال السماد مداد الأرض. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) ان واسمها وجملة آمنوا صلة وجملة وعملوا الصالحات عطف على الصلة وجملة كانت خبر إن ولهم حال من نزلا لأنه كان صفة وتقدم عليه وجنات الفردوس اسم كانت ونزلا خبرها ويجوز أن يكون لهم الخبر ونزلا حال. (خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا) خالدين حال من الضمير في لهم وفيها متعلقان بخالدين وجملة لا يبغون حالية وعنها متعلقان بحولا وحولا مفعول يبغون. (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً) لو شرطية وكان البحر كان واسمها ومدادا خبرها ولكلمات صفة لمداد واللام واقعة في جواب لو وجملة نفد البحر جواب شرط غير جازم لا محل لها وقيل ظرف متعلق بنفد وأن تنفد المصدر مضاف لقبل وكلمات ربي فاعل والواو لعطف ما بعده على جملة مقدرة مدلول عليها بما قبلها أي لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته لو لم يجيء بمثله مددا، ولو شرطية وجئنا فعل الشرط وجواب لو محذوف تقديره لنفد ولم تفرع، وبمثله متعلقان بجئنا ومددا تمييز كقولك لي مثله رجلا وسيأتي مزيد بحث في الفوائد عن جواب لو. (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) إنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ وبشر خبر ومثلكم صفة. (يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) جملة يوحى صفة لبشر وإليّ متعلقان بيوحى وانما كافة ومكفوفة ولكنها لم تخرج عن المصدرية فهي وما بعدها في محل رفع نائب فاعل وإلهكم مبتدأ وإله خبر وواحد صفة. (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وكان فعل ماض ناقص واسمها يعود على من وجملة يرجو خبرها ولقاء ربه مفعول به، فليعمل الفاء رابطة لجواب الشرط واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعملا مفعول مطلق أو مفعول به وصالحا صفة ولا يشرك لا ناهية ويشرك فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبعبادة ربه متعلقان بيشرك وأحدا مفعول يشرك. الفوائد: جواب لو: سيأتي المزيد من أبحاث لو في هذا الكتاب فهي من الأدوات التي يكثر فيها القول ولذلك جعلناه موزعا على الآيات ونتكلم الآن عن جواب لو فنقول: إن جوابها إما ماض معنى نحو نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه أو ماض وضعا وهذا إما مثبت فاقترانه باللام نحو «لو نشاء لجعلناه حطاما» أكثر من تركها نحو «لو نشاء جعلناه أجاجا» وهذه اللام تسمى لام التسويف لأنها تدل على تأخير الجواب عن الشرط وتراخيه عنه كما أن إسقاطها يدل على التعجيل أي أن الجواب يقع عقيب الشرط من غير مهلة ولهذا دخلت في «لو نشاء لجعلناه حطاما» وحذفت في نحو «لو نشاء جعلناه أجاجا» أي لوقته في المزن من غير تأخير والفائدة في تأخير جعله حطاما وتقديم جعله أجاجا تشديد العقوبة أي إذا استوى الزرع على سوقه وقويت به الاطماع جعلناه حطاما، أو لأن الزرع ونباته وجفافه بعد النضارة حتى يعود حطاما مما يحتمل انه من فعل الزراع ولهذا قال تعالى: «أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ» أو أنه من سقي الماء وجفافه من عدم السقي وحرارة الشمس أو مرور الأعصار فأخبر سبحانه أنه الفاعل لذلك على الحقيقة وانه قادر على جعله حطاما في حال نموه لو شاء وإنزال الماء من السماء مما لا يتوهم أن لأحد قدرة عليه غير الله تعالى وهذا من عيون النكت فاعرفه وتدبره. وإما أن يكون جواب لو منفيا بما فالأكثر تجرده من اللام ويقل اقترانه بها فالاول نحو «ولو شاء ربك ما فعلوه» والثاني نحو قوله: ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي فأدخل اللام على ما النافية ولا تدخل اللام على ناف غيرها وقيل قد تجاب لو بجملة اسمية مقترنة باللام نحو «ولو انهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير» فاللام في لمثوبة جواب لو وان بين الماضي والاسم تشابها من هذه الجهة وقال الزمخشري وانما جعل جوابها جملة اسمية دلالة على استمرار مضمون الجزاء ورد أبو حيان هذا في البحر فقال اللام في لمثوبة لام الابتداء لا الواقعة في جواب لو وهو أحد احتمالي الزمخشري وقد تقدم ذلك في البقرة أي فتكون الجملة مستأنفة أو جواب لقسم مقدم وقال ابن هشام في المغني: «والأولى أن تكون لام لمثوبة لام جواب قسم مقدر بدليل كون الجملة اسمية وأما القول بأنها لام جواب لو وأن الاسمية استعيرت مكان الفعلية تعسف» وأقول التعسف في تقديرها للقسم أكثر من جعل الجواب جملة اسمية.