I'rab Al Quran li Al Darwish — طه 20:96 – طه 20:135
المحتويات
- طه 20:96
- طه 20:97
- طه 20:98
- طه 20:99
- طه 20:100
- طه 20:101
- طه 20:102
- طه 20:103
- طه 20:104
- طه 20:105
- طه 20:106
- طه 20:107
- طه 20:108
- طه 20:109
- طه 20:110
- طه 20:111
- طه 20:112
- طه 20:113
- طه 20:114
- طه 20:115
- طه 20:116
- طه 20:117
- طه 20:118
- طه 20:119
- طه 20:120
- طه 20:121
- طه 20:122
- طه 20:123
- طه 20:124
- طه 20:125
- طه 20:126
- طه 20:127
- طه 20:128
- طه 20:129
- طه 20:130
- طه 20:131
- طه 20:132
- طه 20:133
- طه 20:134
- طه 20:135
طه 20:96
اللغة:
(بِمَلْكِنا) : بقدرتنا مصدر ملك وهو مثلث الميم وفي القاموس وشرحه التاج ملك يملك من باب تعب ملكا وملكا وملكا بفتح الميم وضمها وكسرها وملكة ومملكة بفتح اللام ومملكة بكسرها ومملكة بضمها الشيء احتواه قادرا على التصرف والاستبداد به وملك على القوم: استولى عليهم وملك على فلان أمره استولى عليه وملك نفسه قدر على حبسها وملك المرأة تزوجها.
(أَوْزاراً) : أثقالا وأرادوا بها حلي القبط التي استعاروها منهم وأرادوا بالأوزار انها آثام وتبعات لأنهم استعاروها منهم وليس لهم فيها حق.
(خُوارٌ) : بضم الخاء صوت البقر والعجاجيل وعبر بالجسد مع أنه لا يقال للعاقل: ولأن الجسد لا يقال إلا للانسان تغليبا وتشبيها له بالعاقل كأنه غاير البقر ولا يقال جسد لغير الإنسان إلا للزعفران ويقال جساد بفتح الجيم أيضا وللدم إذا يبس ويقال له جاسد أيضا.
َا بْنَ أُمَّ)
: سيأتي في باب الفوائد.
(فَقَبَضْتُ) : قبض يقبض من باب جلس بيده الشيء وعلى الشيء:
أمسكه بيده وضم عليه أصابعه وقبض يده عن الشيء: امتنع عن إمساكه وقبضه عن الأمر أنحاه وقبضه الله أماته وقبض الشيء: خلاف بسطه ووسعه وقبض الطائر جناحه: جمعه وقبض الدار ونحوها تسلمها وقبض منه المال: أخذه لنفسه وقبض قبضة أخذها ويقال قبص بالصاد المهملة لأنهما تتعاقبان في كثير من الكلمات نورد أهمها فيما يلي:
قال يعقوب بن السكيت: وقضت قبضة وقبصت قبصة ويقال:
إن القبصة أقل من القبضة وقال غيره: القبص بأطراف الأصابع والقبض بالكف كلها ويقال عاد إلى ضئضئه وصئصئه أي إلى أصله والهمز الأصل وأنشد: أنا من ضئضىء صدق ... بخ ومن أكرم حذل
من عزاني قال به به ... سنخ ذا أكرم أصل
الحذل: الحجر وقال اللحياني: بخ بخ وبه به تقال للانسان إذا عظّم، وقال أبو عمرو: ما ينوض بحاجة وما يقدر على أن ينوص أي يتحرك ومنه قوله عز وجل: «وَلاتَ حِينَ مَناصٍ» ومناص ومناض واحد ويقال: أنقاص وأنقاض بمعنى واحد وقال الأصمعي:
المنقاض: المنقعر من أصله والمنقاص: المنشقّ طولا وقال أيضا:
مضمض لسانه ومصمص لسانه إذا حركه وقال اللحياني: يقال: إنه لصلّ أصلال وضلّ أضلال والصل الحية التي تقتل إذا نهشت من ساعتها ويقال مصمص إناءه ومضمضه إذا غسله فقول العامة مصمص العظم صحيح لا غبار عليه.
(بَصُرْتُ) : بصر بالشيء بضم الصاد وأبصره بمعنى علمه وهو من باب ظرف ويقال بصر بالكسر من باب علم.
(مِساسَ) : بكسر الميم مصدر ماس وستأتي حقيقة هذا التركيب في باب الإعراب.
الإعراب:
(قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا) قالوا فعل وفاعل وما نافية وأخلفنا فعل وفاعل وموعدك مفعول به وبملكنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي حال كوننا مالكين أمرنا ولكننا غلبنا على أمرنا من جهة السامري وكيده. (وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) الواو عاطفة ولكن واسمها وحملنا فعل ماضي بالبناء للمجهول ونا نائب فاعل وأوزارا مفعول به ثان ومن زينة القوم صفة. (فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) الفاء عاطفة وقذفناها فعل وفاعل ومفعول وهو معطوف على محذوف أي فقال لنا السامري اقذفوها في النار لأن موسى تأخر عنكم بسببها فقذفناها الفاء حرف عطف وكذلك نعت لمصدر محذوف وقد تقدم كثيرا وألقى السامري فعل وفاعل. (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ) الفاء عاطفة وأخرج فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على السامري والعطف على فأضلهم السامري لئلا يتوهم أنه من كلامهم ولهم متعلقان بأخرج وعجلا مفعول به وجسدا حال من عجلا ولكن يشكل على هذا الإعراب الذي اختاره عدد من المفسرين أن صاحب الحال لا يكون إلا معرفة ولعل هذا العجل الذي أخرجه السامري من الحفرة التي فيها تراب اثر حافر الرسول إلى موسى كما سيأتي صار بحكم المعرفة نقول ولا مانع من إعرابه بدلا من عجلا وجملة له خوار من الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر صفة. (فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ) الفاء حرف عطف وقالوا فعل وفاعل وهذا مبتدأ وإلهكم خبر وإله موسى عطف على إلهكم فنسي الفاء حرف عطف ونسي فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على موسى أي نسي ربه فذهب يطلبه وقيل الضمير يعود على السامري أي ترك ما كان عليه من الايمان الظاهر. (أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) الهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف ولا نافية ويرون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وأن مخففة من الثقيلة ولا نافية ويرجع فعل مضارع واسم أن المخففة ضمير الشأن أي انه، وفاعل يرجع مضمر تقديره هو يعود على العجل وإليهم متعلقان بيرجع وقولا مفعول به ولهذا ارتفع الفعل بعدها. (وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ)
الواو حرف عطف واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وقال لهم هارون فعل ماض وفاعل ومن قبل متعلقان بمحذوف حال أي قبل رجوع موسى. (يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) يا حرف نداء وقوم منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وإنما كافة ومكفوفة وفتنتم فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل والميم علامة جمع الذكور وبه متعلقان بفتنتم وإن ربكم الرحمن ان واسمها وخبرها والفاء الفصيحة واتبعوني فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به وأطيعوا أمري عطف على اتبعوني. (قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى) لن حرف نفي ونصب واستقبال ونبرح فعل مضارع ناقص منصوب بلن واسمها ضمير مستتر تقديره نحن وعليه متعلقان بعاكفين وعاكفين خبر نبرح، حتى حرف غاية وجر ويرجع فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وإلينا متعلقان بيرجع وموسى فاعل وهذا التعليق الذي جعلوه غاية لعكوفهم أم يكن منهم إلا تسويفا وتعللا ليس من قبيل الوعد بترك عبادته بعد رجوع موسى. (قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا) ما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة منعك خبر وإذ ظرف متعلق بمنعك وجملة رأيتهم مضافة للظرف ورأيتهم فعل وفاعل ومفعول به وجملة ضلوا حالية أو مفعول به ثان لرأيتهم إذا اعتبرتها قلبية. (أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) أن حرف مصدري ونصب ولا مزيدة أي أي شيء منعك من اتباعي في الغضب لله وهلا قاتلت من كفر بمن آمن، والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر وعصيت فعل ماض وفاعل وأمري مفعول به.
الَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي)
يا ابن أم يا حرف نداء وابن أم اسمان مبنيان على الفتح لتركبهما تركب الأعداد مثل خمسة عشر أو الظروف مثل صباح مساء فعلى هذا ليس ابن مضافا إلى أم بل هو مركب معها فحركتهما حركة بناء وقد تقدم تفصيل هذا التركيب في «الأعراف» وعلى كل فهما في محل نصب منادى وانما اقتصر في خطابه على الأم مع أنه شقيقه لأن ذكر الأم أعطف لقلبه، ولا ناهية وتأخذ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والفاعل مستتر تقديره أنت وبلحيتي متعلقان بتأخذ ولا برأسي عطف على بلحيتي. قيل كان موسى مجبولا على الحدة والغضب لله ولدينه فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون غير الله أن أخذ برأس أخيه وبشعر وجهه يجره إليه. ِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي)
ان واسمها وجملة خشيت خبر إن وأن وما في حيزها مفعول خشيت وجملة فرقت مقول القول وبين ظرف مكان متعلق بفرقت وبني إسرائيل مضاف اليه ولم ترقب قولي عطف على فرقت أي وخشيت أن تقول لم ترقب قولي وعلى هذا يكون الضمير في قولي واقعا على موسى، ويجوز عطفها على خشيت فيكون الضمير في قولي واقعا على هارون. (قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ) قال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على موسى والفاء عاطفة أو استئنافية وما استفهامية مبتدأ وخطبك خبر ويا حرف نداء وسامري منادى مفرد علم. (قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ) جملة بصرت مقول القول وفاعل قال هو أي السامري، وبما متعلقان ببصرت وجملة لم يبصروا به صلة، فقبضت عطف على بصرت وقبضة مفعول به، وهي مصدر مرة من قبض وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر، ومن أثر صفة لقبضة وأثر مضاف والرسول مضاف اليه على تقدير محذوفين أي من أثر حافر فرس الرسول والمعنى من تربة موطئه، وتفصيل القصة في المطولات وسنلخص لك ما قالوه في باب البلاغة (فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)
فنبذتها عطف على قبضت أي ألقيتها، وكذلك نعت لمصدر محذوف وقد تقدم وسولت لي نفسي فعل وفاعل أي زينت لي نفسي.
(قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ) قال فعل ماض وفاعله يعود على موسى، فاذهب الفاء عاطفة واذهب فعل أمر فاعله أنت، فإن الفاء عاطفة وان حرف مشبه بالفعل ولك خبرها المقدم وفي الحياة متعلقان بمحذوف حال وأن وما بعدها اسم إن ولا نافية للجنس ومساس اسم لا والخبر محذوف فهو مبني مع لا الجنسية والمراد به النهي أي لا تمسني ولا أمسّك، ومساس مصدر ماس كقتال مصدر قاتل، قال الزمخشري: «عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش وذلك انه منع من مخالطة الناس منعا كليا وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا وإذا اتفق أن يماس أحدا رجلا أو امرأة حم الماس والممسوس فتحامى الناس وتحاموه» . (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ) وإن حرف مشبه بالفعل ولك خبرها المقدم وموعدا اسمها المؤخر ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتخلفه منصوب بلن ونائب الفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به ثان. (وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً) وانظر الواو عاطفة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وإلى إلهك متعلقان بانظر، والذي صفة وجملة ظلت صلة وظلت فعل ماض ناقص، وأصله ظللت بلامين وأولاهما مكسورة حذفت تخفيفا، وعليه متعلقان بعاكفا وعاكفا خبر ظلت، ولنحرقنه اللام موطئة للقسم ونحرقنه فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به، ثم حرف عطف لننسفنه مثل نحرقنه وفي اليم متعلقان بننسفنه ونسفا مفعول مطلق.
(إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) إنما كافة ومكفوفة وإلهكم مبتدأ والله خبره والجملة مستأنفة والذي نعت وجملة لا إله إلا هو صلة وقد تقدم اعرابها كثيرا ووسع فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وكل شيء مضاف اليه وعلما تمييز من فاعل وسع.
البلاغة:
الإيجاز في هذه الآيات واضح جدا وهو في كل واحدة، لأن تسلسل الحوادث يقتضي تقدير جمل لا بد منها، وقد أشرنا إليها إشارات واضحة تجزئ عن إعادتها ولكننا نورد هنا إيجازا بالحذف ورد في قوله تعالى «فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ» فقد حذف المضاف مكررا هنا والتقدير من أثر حافر فرس الرسول وهذا الحذف شائع كثيرا في القرآن كقوله تعالى «وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى» وقوله «حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ» فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج وهو سدهما كما حذف المضاف إلى القرية في قوله تعالى: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» أي أهل القرية وقد ورد في الشعر أيضا ومما جاء منه قول الخزيمي يرثي أبا الهندام وهو من شعراء الحماسة:
إذا لاقيت قومي فاسأليهم ... كفى قوما بصاحبهم خبيرا
هل أعفو عن أصول الحق فيهم ... إذا عسرت وأقتطع الصدورا
أراد أنه يقتطع ما في الصدور من الضغائن أي يزيل ذلك بإحسانه من عفو وغيره فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه. وحذف المضاف أكثر من حذف المضاف اليه ومما جاء من حذف المضاف اليه في القرآن الكريم قوله تعالى «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ» أي من قبل الغلب ومن بعده.
خلاصة قصة السامري:
هذا وسنخرج عن النطاق الذي ترسمناه في هذا الكتاب وهو نطاق الاعراب واللغة والبيان فنورد لمحة خاطفة عن قصة السامري لعلاقتها بما نحن بصدده تاركين للقارئ مجال الرجوع إلى المطولات.
ففي الوقت الذي حل ميعاد الذهاب إلى الطور أرسل الله إلى موسى جبريل راكبا حيزوم فرس الحياة ليذهب به، فأبصره السامري فقال:
إن لهذا شأنا فقبض قبضة من أثر تربة موطئه فلما سأله موسى عن قصته قال: قبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد ولعله لم يعرف انه جبريل، وقيل انه كلما وضعت الفرس حافرها على شيء اخضر، فعرف أن للتراب الذي تضع الفرس حافرها عليه شأنا وقيل غير ذلك مما لا تطمئن اليه النفس ويحتاج إلى كثير من التمحيص.
الفوائد:
صاحب الحال:
الأصل في صاحب الحال التعريف لأنه محكوم عليه بالحال وحق المحكوم عليه أن يكون معرفة لأن الحكم على المجهول لا يفيد غالبا، ويقع صاحب الحال نكرة بمسوغ يقربه من المعرفة وذلك في المواضع التالية:
1- إذا تقدمت عليه الحال نحو في الدار جالسا رجل، وقول كثير عزة:
لمية موحشا طلل ... يلوح كأنه خلل وفي المغني ان تقديم حال النكرة عليها ليس لأجل تسويغ الحال فيها بل لئلا يلتبس الحال بالصفة.
2- أن يكون صاحبها مخصوصا بوصف كقول الشاعر:
نجيت يا رب نوحا واستجبت له ... في فلك ماخر في اليم مشحونا
فمشحونا حال من فلك لوصفه بماخر.
3- أن يكون صاحبها مخصوصا باضافة كقوله تعالى «فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ» فسواء حال من أربعة لاختصاصها بالاضافة إلى أيام.
4- أن يكون صاحبها مخصوصا بمعمول نحو: عجبت من ضرب أخوك شديدا، فشديدا حال من ضرب لاختصاصه بالعمل في الفاعل وهو أخوك.
5- أن يكون صاحبها مخصوصا بعطف نحو: هؤلاء أناس وعبد الله منطلقين، فمنطلقين حال من أناس لاختصاصه بالعطف عليه وهو عبد الله.
6- أن يكون صاحبها مسبوقا بنفي كقوله تعالى «وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ» فجملة ولها كتاب معلوم حال من قرية لكونها مسبوقة بالنفي، وقد مرّ أن الزمخشري يرد هذا القول ويجعل الجملة صفة لقرية وانما توسطت الواو بينهما لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.
7- أن يكون صاحبها مسبوقا بنهي كقول الطرماح:
لا يركنن أحد إلى الاحجام ... يوم الوغى متخوفا لحمام فمتخوفا حال من أحد لأنه مسبوق بالنهي.
8- أن يكون صاحبها مسبوقا باستفهام كقول أحد الطائبين:
يا صاح هل حم عيش باقيا فترى ... لنفسك العذر في إبعادها الأملا
فباقيا حال من عيش لكونه مسبوقا بالاستفهام بهل، وصاح منادى مرخم صاحب على غير قياس وحم بالحاء المهملة بمعنى قدر والإبعاد مصدر أبعد والأمل مفعوله.
هذا وقد يقع صاحب الحال نكرة بلا مسوغ كقولهم عليه مائة بيضا، فبيضا بلفظ الجمع حال من مائة وليس تمييزا خلافا للمبرد لأن تمييز المائة لا يكون جمعا منصوبا ولا مجرورا وهو من أمثلة سيبويه، وفي الحديث: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا ووراءه رجال قياما، فقياما حال من رجال وهو نكرة بلا مسوغ.
طه 20:97
اللغة:
(بِمَلْكِنا) : بقدرتنا مصدر ملك وهو مثلث الميم وفي القاموس وشرحه التاج ملك يملك من باب تعب ملكا وملكا وملكا بفتح الميم وضمها وكسرها وملكة ومملكة بفتح اللام ومملكة بكسرها ومملكة بضمها الشيء احتواه قادرا على التصرف والاستبداد به وملك على القوم: استولى عليهم وملك على فلان أمره استولى عليه وملك نفسه قدر على حبسها وملك المرأة تزوجها.
(أَوْزاراً) : أثقالا وأرادوا بها حلي القبط التي استعاروها منهم وأرادوا بالأوزار انها آثام وتبعات لأنهم استعاروها منهم وليس لهم فيها حق.
(خُوارٌ) : بضم الخاء صوت البقر والعجاجيل وعبر بالجسد مع أنه لا يقال للعاقل: ولأن الجسد لا يقال إلا للانسان تغليبا وتشبيها له بالعاقل كأنه غاير البقر ولا يقال جسد لغير الإنسان إلا للزعفران ويقال جساد بفتح الجيم أيضا وللدم إذا يبس ويقال له جاسد أيضا.
َا بْنَ أُمَّ)
: سيأتي في باب الفوائد.
(فَقَبَضْتُ) : قبض يقبض من باب جلس بيده الشيء وعلى الشيء:
أمسكه بيده وضم عليه أصابعه وقبض يده عن الشيء: امتنع عن إمساكه وقبضه عن الأمر أنحاه وقبضه الله أماته وقبض الشيء: خلاف بسطه ووسعه وقبض الطائر جناحه: جمعه وقبض الدار ونحوها تسلمها وقبض منه المال: أخذه لنفسه وقبض قبضة أخذها ويقال قبص بالصاد المهملة لأنهما تتعاقبان في كثير من الكلمات نورد أهمها فيما يلي:
قال يعقوب بن السكيت: وقضت قبضة وقبصت قبصة ويقال:
إن القبصة أقل من القبضة وقال غيره: القبص بأطراف الأصابع والقبض بالكف كلها ويقال عاد إلى ضئضئه وصئصئه أي إلى أصله والهمز الأصل وأنشد: أنا من ضئضىء صدق ... بخ ومن أكرم حذل
من عزاني قال به به ... سنخ ذا أكرم أصل
الحذل: الحجر وقال اللحياني: بخ بخ وبه به تقال للانسان إذا عظّم، وقال أبو عمرو: ما ينوض بحاجة وما يقدر على أن ينوص أي يتحرك ومنه قوله عز وجل: «وَلاتَ حِينَ مَناصٍ» ومناص ومناض واحد ويقال: أنقاص وأنقاض بمعنى واحد وقال الأصمعي:
المنقاض: المنقعر من أصله والمنقاص: المنشقّ طولا وقال أيضا:
مضمض لسانه ومصمص لسانه إذا حركه وقال اللحياني: يقال: إنه لصلّ أصلال وضلّ أضلال والصل الحية التي تقتل إذا نهشت من ساعتها ويقال مصمص إناءه ومضمضه إذا غسله فقول العامة مصمص العظم صحيح لا غبار عليه.
(بَصُرْتُ) : بصر بالشيء بضم الصاد وأبصره بمعنى علمه وهو من باب ظرف ويقال بصر بالكسر من باب علم.
(مِساسَ) : بكسر الميم مصدر ماس وستأتي حقيقة هذا التركيب في باب الإعراب.
الإعراب:
(قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا) قالوا فعل وفاعل وما نافية وأخلفنا فعل وفاعل وموعدك مفعول به وبملكنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي حال كوننا مالكين أمرنا ولكننا غلبنا على أمرنا من جهة السامري وكيده. (وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) الواو عاطفة ولكن واسمها وحملنا فعل ماضي بالبناء للمجهول ونا نائب فاعل وأوزارا مفعول به ثان ومن زينة القوم صفة. (فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) الفاء عاطفة وقذفناها فعل وفاعل ومفعول وهو معطوف على محذوف أي فقال لنا السامري اقذفوها في النار لأن موسى تأخر عنكم بسببها فقذفناها الفاء حرف عطف وكذلك نعت لمصدر محذوف وقد تقدم كثيرا وألقى السامري فعل وفاعل. (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ) الفاء عاطفة وأخرج فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على السامري والعطف على فأضلهم السامري لئلا يتوهم أنه من كلامهم ولهم متعلقان بأخرج وعجلا مفعول به وجسدا حال من عجلا ولكن يشكل على هذا الإعراب الذي اختاره عدد من المفسرين أن صاحب الحال لا يكون إلا معرفة ولعل هذا العجل الذي أخرجه السامري من الحفرة التي فيها تراب اثر حافر الرسول إلى موسى كما سيأتي صار بحكم المعرفة نقول ولا مانع من إعرابه بدلا من عجلا وجملة له خوار من الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر صفة. (فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ) الفاء حرف عطف وقالوا فعل وفاعل وهذا مبتدأ وإلهكم خبر وإله موسى عطف على إلهكم فنسي الفاء حرف عطف ونسي فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على موسى أي نسي ربه فذهب يطلبه وقيل الضمير يعود على السامري أي ترك ما كان عليه من الايمان الظاهر. (أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) الهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف ولا نافية ويرون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وأن مخففة من الثقيلة ولا نافية ويرجع فعل مضارع واسم أن المخففة ضمير الشأن أي انه، وفاعل يرجع مضمر تقديره هو يعود على العجل وإليهم متعلقان بيرجع وقولا مفعول به ولهذا ارتفع الفعل بعدها. (وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ)
الواو حرف عطف واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وقال لهم هارون فعل ماض وفاعل ومن قبل متعلقان بمحذوف حال أي قبل رجوع موسى. (يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) يا حرف نداء وقوم منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وإنما كافة ومكفوفة وفتنتم فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل والميم علامة جمع الذكور وبه متعلقان بفتنتم وإن ربكم الرحمن ان واسمها وخبرها والفاء الفصيحة واتبعوني فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به وأطيعوا أمري عطف على اتبعوني. (قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى) لن حرف نفي ونصب واستقبال ونبرح فعل مضارع ناقص منصوب بلن واسمها ضمير مستتر تقديره نحن وعليه متعلقان بعاكفين وعاكفين خبر نبرح، حتى حرف غاية وجر ويرجع فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وإلينا متعلقان بيرجع وموسى فاعل وهذا التعليق الذي جعلوه غاية لعكوفهم أم يكن منهم إلا تسويفا وتعللا ليس من قبيل الوعد بترك عبادته بعد رجوع موسى. (قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا) ما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة منعك خبر وإذ ظرف متعلق بمنعك وجملة رأيتهم مضافة للظرف ورأيتهم فعل وفاعل ومفعول به وجملة ضلوا حالية أو مفعول به ثان لرأيتهم إذا اعتبرتها قلبية. (أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) أن حرف مصدري ونصب ولا مزيدة أي أي شيء منعك من اتباعي في الغضب لله وهلا قاتلت من كفر بمن آمن، والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر وعصيت فعل ماض وفاعل وأمري مفعول به.
الَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي)
يا ابن أم يا حرف نداء وابن أم اسمان مبنيان على الفتح لتركبهما تركب الأعداد مثل خمسة عشر أو الظروف مثل صباح مساء فعلى هذا ليس ابن مضافا إلى أم بل هو مركب معها فحركتهما حركة بناء وقد تقدم تفصيل هذا التركيب في «الأعراف» وعلى كل فهما في محل نصب منادى وانما اقتصر في خطابه على الأم مع أنه شقيقه لأن ذكر الأم أعطف لقلبه، ولا ناهية وتأخذ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والفاعل مستتر تقديره أنت وبلحيتي متعلقان بتأخذ ولا برأسي عطف على بلحيتي. قيل كان موسى مجبولا على الحدة والغضب لله ولدينه فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون غير الله أن أخذ برأس أخيه وبشعر وجهه يجره إليه. ِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي)
ان واسمها وجملة خشيت خبر إن وأن وما في حيزها مفعول خشيت وجملة فرقت مقول القول وبين ظرف مكان متعلق بفرقت وبني إسرائيل مضاف اليه ولم ترقب قولي عطف على فرقت أي وخشيت أن تقول لم ترقب قولي وعلى هذا يكون الضمير في قولي واقعا على موسى، ويجوز عطفها على خشيت فيكون الضمير في قولي واقعا على هارون. (قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ) قال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على موسى والفاء عاطفة أو استئنافية وما استفهامية مبتدأ وخطبك خبر ويا حرف نداء وسامري منادى مفرد علم. (قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ) جملة بصرت مقول القول وفاعل قال هو أي السامري، وبما متعلقان ببصرت وجملة لم يبصروا به صلة، فقبضت عطف على بصرت وقبضة مفعول به، وهي مصدر مرة من قبض وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر، ومن أثر صفة لقبضة وأثر مضاف والرسول مضاف اليه على تقدير محذوفين أي من أثر حافر فرس الرسول والمعنى من تربة موطئه، وتفصيل القصة في المطولات وسنلخص لك ما قالوه في باب البلاغة (فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)
فنبذتها عطف على قبضت أي ألقيتها، وكذلك نعت لمصدر محذوف وقد تقدم وسولت لي نفسي فعل وفاعل أي زينت لي نفسي.
(قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ) قال فعل ماض وفاعله يعود على موسى، فاذهب الفاء عاطفة واذهب فعل أمر فاعله أنت، فإن الفاء عاطفة وان حرف مشبه بالفعل ولك خبرها المقدم وفي الحياة متعلقان بمحذوف حال وأن وما بعدها اسم إن ولا نافية للجنس ومساس اسم لا والخبر محذوف فهو مبني مع لا الجنسية والمراد به النهي أي لا تمسني ولا أمسّك، ومساس مصدر ماس كقتال مصدر قاتل، قال الزمخشري: «عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش وذلك انه منع من مخالطة الناس منعا كليا وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا وإذا اتفق أن يماس أحدا رجلا أو امرأة حم الماس والممسوس فتحامى الناس وتحاموه» . (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ) وإن حرف مشبه بالفعل ولك خبرها المقدم وموعدا اسمها المؤخر ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتخلفه منصوب بلن ونائب الفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به ثان. (وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً) وانظر الواو عاطفة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وإلى إلهك متعلقان بانظر، والذي صفة وجملة ظلت صلة وظلت فعل ماض ناقص، وأصله ظللت بلامين وأولاهما مكسورة حذفت تخفيفا، وعليه متعلقان بعاكفا وعاكفا خبر ظلت، ولنحرقنه اللام موطئة للقسم ونحرقنه فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به، ثم حرف عطف لننسفنه مثل نحرقنه وفي اليم متعلقان بننسفنه ونسفا مفعول مطلق.
(إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) إنما كافة ومكفوفة وإلهكم مبتدأ والله خبره والجملة مستأنفة والذي نعت وجملة لا إله إلا هو صلة وقد تقدم اعرابها كثيرا ووسع فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وكل شيء مضاف اليه وعلما تمييز من فاعل وسع.
البلاغة:
الإيجاز في هذه الآيات واضح جدا وهو في كل واحدة، لأن تسلسل الحوادث يقتضي تقدير جمل لا بد منها، وقد أشرنا إليها إشارات واضحة تجزئ عن إعادتها ولكننا نورد هنا إيجازا بالحذف ورد في قوله تعالى «فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ» فقد حذف المضاف مكررا هنا والتقدير من أثر حافر فرس الرسول وهذا الحذف شائع كثيرا في القرآن كقوله تعالى «وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى» وقوله «حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ» فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج وهو سدهما كما حذف المضاف إلى القرية في قوله تعالى: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» أي أهل القرية وقد ورد في الشعر أيضا ومما جاء منه قول الخزيمي يرثي أبا الهندام وهو من شعراء الحماسة:
إذا لاقيت قومي فاسأليهم ... كفى قوما بصاحبهم خبيرا
هل أعفو عن أصول الحق فيهم ... إذا عسرت وأقتطع الصدورا
أراد أنه يقتطع ما في الصدور من الضغائن أي يزيل ذلك بإحسانه من عفو وغيره فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه. وحذف المضاف أكثر من حذف المضاف اليه ومما جاء من حذف المضاف اليه في القرآن الكريم قوله تعالى «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ» أي من قبل الغلب ومن بعده.
خلاصة قصة السامري:
هذا وسنخرج عن النطاق الذي ترسمناه في هذا الكتاب وهو نطاق الاعراب واللغة والبيان فنورد لمحة خاطفة عن قصة السامري لعلاقتها بما نحن بصدده تاركين للقارئ مجال الرجوع إلى المطولات.
ففي الوقت الذي حل ميعاد الذهاب إلى الطور أرسل الله إلى موسى جبريل راكبا حيزوم فرس الحياة ليذهب به، فأبصره السامري فقال:
إن لهذا شأنا فقبض قبضة من أثر تربة موطئه فلما سأله موسى عن قصته قال: قبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد ولعله لم يعرف انه جبريل، وقيل انه كلما وضعت الفرس حافرها على شيء اخضر، فعرف أن للتراب الذي تضع الفرس حافرها عليه شأنا وقيل غير ذلك مما لا تطمئن اليه النفس ويحتاج إلى كثير من التمحيص.
الفوائد:
صاحب الحال:
الأصل في صاحب الحال التعريف لأنه محكوم عليه بالحال وحق المحكوم عليه أن يكون معرفة لأن الحكم على المجهول لا يفيد غالبا، ويقع صاحب الحال نكرة بمسوغ يقربه من المعرفة وذلك في المواضع التالية:
1- إذا تقدمت عليه الحال نحو في الدار جالسا رجل، وقول كثير عزة:
لمية موحشا طلل ... يلوح كأنه خلل وفي المغني ان تقديم حال النكرة عليها ليس لأجل تسويغ الحال فيها بل لئلا يلتبس الحال بالصفة.
2- أن يكون صاحبها مخصوصا بوصف كقول الشاعر:
نجيت يا رب نوحا واستجبت له ... في فلك ماخر في اليم مشحونا
فمشحونا حال من فلك لوصفه بماخر.
3- أن يكون صاحبها مخصوصا باضافة كقوله تعالى «فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ» فسواء حال من أربعة لاختصاصها بالاضافة إلى أيام.
4- أن يكون صاحبها مخصوصا بمعمول نحو: عجبت من ضرب أخوك شديدا، فشديدا حال من ضرب لاختصاصه بالعمل في الفاعل وهو أخوك.
5- أن يكون صاحبها مخصوصا بعطف نحو: هؤلاء أناس وعبد الله منطلقين، فمنطلقين حال من أناس لاختصاصه بالعطف عليه وهو عبد الله.
6- أن يكون صاحبها مسبوقا بنفي كقوله تعالى «وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ» فجملة ولها كتاب معلوم حال من قرية لكونها مسبوقة بالنفي، وقد مرّ أن الزمخشري يرد هذا القول ويجعل الجملة صفة لقرية وانما توسطت الواو بينهما لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.
7- أن يكون صاحبها مسبوقا بنهي كقول الطرماح:
لا يركنن أحد إلى الاحجام ... يوم الوغى متخوفا لحمام فمتخوفا حال من أحد لأنه مسبوق بالنهي.
8- أن يكون صاحبها مسبوقا باستفهام كقول أحد الطائبين:
يا صاح هل حم عيش باقيا فترى ... لنفسك العذر في إبعادها الأملا
فباقيا حال من عيش لكونه مسبوقا بالاستفهام بهل، وصاح منادى مرخم صاحب على غير قياس وحم بالحاء المهملة بمعنى قدر والإبعاد مصدر أبعد والأمل مفعوله.
هذا وقد يقع صاحب الحال نكرة بلا مسوغ كقولهم عليه مائة بيضا، فبيضا بلفظ الجمع حال من مائة وليس تمييزا خلافا للمبرد لأن تمييز المائة لا يكون جمعا منصوبا ولا مجرورا وهو من أمثلة سيبويه، وفي الحديث: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا ووراءه رجال قياما، فقياما حال من رجال وهو نكرة بلا مسوغ.
طه 20:98
اللغة:
(بِمَلْكِنا) : بقدرتنا مصدر ملك وهو مثلث الميم وفي القاموس وشرحه التاج ملك يملك من باب تعب ملكا وملكا وملكا بفتح الميم وضمها وكسرها وملكة ومملكة بفتح اللام ومملكة بكسرها ومملكة بضمها الشيء احتواه قادرا على التصرف والاستبداد به وملك على القوم: استولى عليهم وملك على فلان أمره استولى عليه وملك نفسه قدر على حبسها وملك المرأة تزوجها.
(أَوْزاراً) : أثقالا وأرادوا بها حلي القبط التي استعاروها منهم وأرادوا بالأوزار انها آثام وتبعات لأنهم استعاروها منهم وليس لهم فيها حق.
(خُوارٌ) : بضم الخاء صوت البقر والعجاجيل وعبر بالجسد مع أنه لا يقال للعاقل: ولأن الجسد لا يقال إلا للانسان تغليبا وتشبيها له بالعاقل كأنه غاير البقر ولا يقال جسد لغير الإنسان إلا للزعفران ويقال جساد بفتح الجيم أيضا وللدم إذا يبس ويقال له جاسد أيضا.
َا بْنَ أُمَّ)
: سيأتي في باب الفوائد.
(فَقَبَضْتُ) : قبض يقبض من باب جلس بيده الشيء وعلى الشيء:
أمسكه بيده وضم عليه أصابعه وقبض يده عن الشيء: امتنع عن إمساكه وقبضه عن الأمر أنحاه وقبضه الله أماته وقبض الشيء: خلاف بسطه ووسعه وقبض الطائر جناحه: جمعه وقبض الدار ونحوها تسلمها وقبض منه المال: أخذه لنفسه وقبض قبضة أخذها ويقال قبص بالصاد المهملة لأنهما تتعاقبان في كثير من الكلمات نورد أهمها فيما يلي:
قال يعقوب بن السكيت: وقضت قبضة وقبصت قبصة ويقال:
إن القبصة أقل من القبضة وقال غيره: القبص بأطراف الأصابع والقبض بالكف كلها ويقال عاد إلى ضئضئه وصئصئه أي إلى أصله والهمز الأصل وأنشد: أنا من ضئضىء صدق ... بخ ومن أكرم حذل
من عزاني قال به به ... سنخ ذا أكرم أصل
الحذل: الحجر وقال اللحياني: بخ بخ وبه به تقال للانسان إذا عظّم، وقال أبو عمرو: ما ينوض بحاجة وما يقدر على أن ينوص أي يتحرك ومنه قوله عز وجل: «وَلاتَ حِينَ مَناصٍ» ومناص ومناض واحد ويقال: أنقاص وأنقاض بمعنى واحد وقال الأصمعي:
المنقاض: المنقعر من أصله والمنقاص: المنشقّ طولا وقال أيضا:
مضمض لسانه ومصمص لسانه إذا حركه وقال اللحياني: يقال: إنه لصلّ أصلال وضلّ أضلال والصل الحية التي تقتل إذا نهشت من ساعتها ويقال مصمص إناءه ومضمضه إذا غسله فقول العامة مصمص العظم صحيح لا غبار عليه.
(بَصُرْتُ) : بصر بالشيء بضم الصاد وأبصره بمعنى علمه وهو من باب ظرف ويقال بصر بالكسر من باب علم.
(مِساسَ) : بكسر الميم مصدر ماس وستأتي حقيقة هذا التركيب في باب الإعراب.
الإعراب:
(قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا) قالوا فعل وفاعل وما نافية وأخلفنا فعل وفاعل وموعدك مفعول به وبملكنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي حال كوننا مالكين أمرنا ولكننا غلبنا على أمرنا من جهة السامري وكيده. (وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) الواو عاطفة ولكن واسمها وحملنا فعل ماضي بالبناء للمجهول ونا نائب فاعل وأوزارا مفعول به ثان ومن زينة القوم صفة. (فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) الفاء عاطفة وقذفناها فعل وفاعل ومفعول وهو معطوف على محذوف أي فقال لنا السامري اقذفوها في النار لأن موسى تأخر عنكم بسببها فقذفناها الفاء حرف عطف وكذلك نعت لمصدر محذوف وقد تقدم كثيرا وألقى السامري فعل وفاعل. (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ) الفاء عاطفة وأخرج فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على السامري والعطف على فأضلهم السامري لئلا يتوهم أنه من كلامهم ولهم متعلقان بأخرج وعجلا مفعول به وجسدا حال من عجلا ولكن يشكل على هذا الإعراب الذي اختاره عدد من المفسرين أن صاحب الحال لا يكون إلا معرفة ولعل هذا العجل الذي أخرجه السامري من الحفرة التي فيها تراب اثر حافر الرسول إلى موسى كما سيأتي صار بحكم المعرفة نقول ولا مانع من إعرابه بدلا من عجلا وجملة له خوار من الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر صفة. (فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ) الفاء حرف عطف وقالوا فعل وفاعل وهذا مبتدأ وإلهكم خبر وإله موسى عطف على إلهكم فنسي الفاء حرف عطف ونسي فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على موسى أي نسي ربه فذهب يطلبه وقيل الضمير يعود على السامري أي ترك ما كان عليه من الايمان الظاهر. (أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) الهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف ولا نافية ويرون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وأن مخففة من الثقيلة ولا نافية ويرجع فعل مضارع واسم أن المخففة ضمير الشأن أي انه، وفاعل يرجع مضمر تقديره هو يعود على العجل وإليهم متعلقان بيرجع وقولا مفعول به ولهذا ارتفع الفعل بعدها. (وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ)
الواو حرف عطف واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وقال لهم هارون فعل ماض وفاعل ومن قبل متعلقان بمحذوف حال أي قبل رجوع موسى. (يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) يا حرف نداء وقوم منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وإنما كافة ومكفوفة وفتنتم فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل والميم علامة جمع الذكور وبه متعلقان بفتنتم وإن ربكم الرحمن ان واسمها وخبرها والفاء الفصيحة واتبعوني فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به وأطيعوا أمري عطف على اتبعوني. (قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى) لن حرف نفي ونصب واستقبال ونبرح فعل مضارع ناقص منصوب بلن واسمها ضمير مستتر تقديره نحن وعليه متعلقان بعاكفين وعاكفين خبر نبرح، حتى حرف غاية وجر ويرجع فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وإلينا متعلقان بيرجع وموسى فاعل وهذا التعليق الذي جعلوه غاية لعكوفهم أم يكن منهم إلا تسويفا وتعللا ليس من قبيل الوعد بترك عبادته بعد رجوع موسى. (قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا) ما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة منعك خبر وإذ ظرف متعلق بمنعك وجملة رأيتهم مضافة للظرف ورأيتهم فعل وفاعل ومفعول به وجملة ضلوا حالية أو مفعول به ثان لرأيتهم إذا اعتبرتها قلبية. (أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) أن حرف مصدري ونصب ولا مزيدة أي أي شيء منعك من اتباعي في الغضب لله وهلا قاتلت من كفر بمن آمن، والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر وعصيت فعل ماض وفاعل وأمري مفعول به.
الَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي)
يا ابن أم يا حرف نداء وابن أم اسمان مبنيان على الفتح لتركبهما تركب الأعداد مثل خمسة عشر أو الظروف مثل صباح مساء فعلى هذا ليس ابن مضافا إلى أم بل هو مركب معها فحركتهما حركة بناء وقد تقدم تفصيل هذا التركيب في «الأعراف» وعلى كل فهما في محل نصب منادى وانما اقتصر في خطابه على الأم مع أنه شقيقه لأن ذكر الأم أعطف لقلبه، ولا ناهية وتأخذ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والفاعل مستتر تقديره أنت وبلحيتي متعلقان بتأخذ ولا برأسي عطف على بلحيتي. قيل كان موسى مجبولا على الحدة والغضب لله ولدينه فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون غير الله أن أخذ برأس أخيه وبشعر وجهه يجره إليه. ِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي)
ان واسمها وجملة خشيت خبر إن وأن وما في حيزها مفعول خشيت وجملة فرقت مقول القول وبين ظرف مكان متعلق بفرقت وبني إسرائيل مضاف اليه ولم ترقب قولي عطف على فرقت أي وخشيت أن تقول لم ترقب قولي وعلى هذا يكون الضمير في قولي واقعا على موسى، ويجوز عطفها على خشيت فيكون الضمير في قولي واقعا على هارون. (قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ) قال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على موسى والفاء عاطفة أو استئنافية وما استفهامية مبتدأ وخطبك خبر ويا حرف نداء وسامري منادى مفرد علم. (قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ) جملة بصرت مقول القول وفاعل قال هو أي السامري، وبما متعلقان ببصرت وجملة لم يبصروا به صلة، فقبضت عطف على بصرت وقبضة مفعول به، وهي مصدر مرة من قبض وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر، ومن أثر صفة لقبضة وأثر مضاف والرسول مضاف اليه على تقدير محذوفين أي من أثر حافر فرس الرسول والمعنى من تربة موطئه، وتفصيل القصة في المطولات وسنلخص لك ما قالوه في باب البلاغة (فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)
فنبذتها عطف على قبضت أي ألقيتها، وكذلك نعت لمصدر محذوف وقد تقدم وسولت لي نفسي فعل وفاعل أي زينت لي نفسي.
(قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ) قال فعل ماض وفاعله يعود على موسى، فاذهب الفاء عاطفة واذهب فعل أمر فاعله أنت، فإن الفاء عاطفة وان حرف مشبه بالفعل ولك خبرها المقدم وفي الحياة متعلقان بمحذوف حال وأن وما بعدها اسم إن ولا نافية للجنس ومساس اسم لا والخبر محذوف فهو مبني مع لا الجنسية والمراد به النهي أي لا تمسني ولا أمسّك، ومساس مصدر ماس كقتال مصدر قاتل، قال الزمخشري: «عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش وذلك انه منع من مخالطة الناس منعا كليا وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا وإذا اتفق أن يماس أحدا رجلا أو امرأة حم الماس والممسوس فتحامى الناس وتحاموه» . (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ) وإن حرف مشبه بالفعل ولك خبرها المقدم وموعدا اسمها المؤخر ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتخلفه منصوب بلن ونائب الفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به ثان. (وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً) وانظر الواو عاطفة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وإلى إلهك متعلقان بانظر، والذي صفة وجملة ظلت صلة وظلت فعل ماض ناقص، وأصله ظللت بلامين وأولاهما مكسورة حذفت تخفيفا، وعليه متعلقان بعاكفا وعاكفا خبر ظلت، ولنحرقنه اللام موطئة للقسم ونحرقنه فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به، ثم حرف عطف لننسفنه مثل نحرقنه وفي اليم متعلقان بننسفنه ونسفا مفعول مطلق.
(إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) إنما كافة ومكفوفة وإلهكم مبتدأ والله خبره والجملة مستأنفة والذي نعت وجملة لا إله إلا هو صلة وقد تقدم اعرابها كثيرا ووسع فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وكل شيء مضاف اليه وعلما تمييز من فاعل وسع.
البلاغة:
الإيجاز في هذه الآيات واضح جدا وهو في كل واحدة، لأن تسلسل الحوادث يقتضي تقدير جمل لا بد منها، وقد أشرنا إليها إشارات واضحة تجزئ عن إعادتها ولكننا نورد هنا إيجازا بالحذف ورد في قوله تعالى «فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ» فقد حذف المضاف مكررا هنا والتقدير من أثر حافر فرس الرسول وهذا الحذف شائع كثيرا في القرآن كقوله تعالى «وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى» وقوله «حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ» فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج وهو سدهما كما حذف المضاف إلى القرية في قوله تعالى: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» أي أهل القرية وقد ورد في الشعر أيضا ومما جاء منه قول الخزيمي يرثي أبا الهندام وهو من شعراء الحماسة:
إذا لاقيت قومي فاسأليهم ... كفى قوما بصاحبهم خبيرا
هل أعفو عن أصول الحق فيهم ... إذا عسرت وأقتطع الصدورا
أراد أنه يقتطع ما في الصدور من الضغائن أي يزيل ذلك بإحسانه من عفو وغيره فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه. وحذف المضاف أكثر من حذف المضاف اليه ومما جاء من حذف المضاف اليه في القرآن الكريم قوله تعالى «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ» أي من قبل الغلب ومن بعده.
خلاصة قصة السامري:
هذا وسنخرج عن النطاق الذي ترسمناه في هذا الكتاب وهو نطاق الاعراب واللغة والبيان فنورد لمحة خاطفة عن قصة السامري لعلاقتها بما نحن بصدده تاركين للقارئ مجال الرجوع إلى المطولات.
ففي الوقت الذي حل ميعاد الذهاب إلى الطور أرسل الله إلى موسى جبريل راكبا حيزوم فرس الحياة ليذهب به، فأبصره السامري فقال:
إن لهذا شأنا فقبض قبضة من أثر تربة موطئه فلما سأله موسى عن قصته قال: قبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد ولعله لم يعرف انه جبريل، وقيل انه كلما وضعت الفرس حافرها على شيء اخضر، فعرف أن للتراب الذي تضع الفرس حافرها عليه شأنا وقيل غير ذلك مما لا تطمئن اليه النفس ويحتاج إلى كثير من التمحيص.
الفوائد:
صاحب الحال:
الأصل في صاحب الحال التعريف لأنه محكوم عليه بالحال وحق المحكوم عليه أن يكون معرفة لأن الحكم على المجهول لا يفيد غالبا، ويقع صاحب الحال نكرة بمسوغ يقربه من المعرفة وذلك في المواضع التالية:
1- إذا تقدمت عليه الحال نحو في الدار جالسا رجل، وقول كثير عزة:
لمية موحشا طلل ... يلوح كأنه خلل وفي المغني ان تقديم حال النكرة عليها ليس لأجل تسويغ الحال فيها بل لئلا يلتبس الحال بالصفة.
2- أن يكون صاحبها مخصوصا بوصف كقول الشاعر:
نجيت يا رب نوحا واستجبت له ... في فلك ماخر في اليم مشحونا
فمشحونا حال من فلك لوصفه بماخر.
3- أن يكون صاحبها مخصوصا باضافة كقوله تعالى «فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ» فسواء حال من أربعة لاختصاصها بالاضافة إلى أيام.
4- أن يكون صاحبها مخصوصا بمعمول نحو: عجبت من ضرب أخوك شديدا، فشديدا حال من ضرب لاختصاصه بالعمل في الفاعل وهو أخوك.
5- أن يكون صاحبها مخصوصا بعطف نحو: هؤلاء أناس وعبد الله منطلقين، فمنطلقين حال من أناس لاختصاصه بالعطف عليه وهو عبد الله.
6- أن يكون صاحبها مسبوقا بنفي كقوله تعالى «وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ» فجملة ولها كتاب معلوم حال من قرية لكونها مسبوقة بالنفي، وقد مرّ أن الزمخشري يرد هذا القول ويجعل الجملة صفة لقرية وانما توسطت الواو بينهما لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.
7- أن يكون صاحبها مسبوقا بنهي كقول الطرماح:
لا يركنن أحد إلى الاحجام ... يوم الوغى متخوفا لحمام فمتخوفا حال من أحد لأنه مسبوق بالنهي.
8- أن يكون صاحبها مسبوقا باستفهام كقول أحد الطائبين:
يا صاح هل حم عيش باقيا فترى ... لنفسك العذر في إبعادها الأملا
فباقيا حال من عيش لكونه مسبوقا بالاستفهام بهل، وصاح منادى مرخم صاحب على غير قياس وحم بالحاء المهملة بمعنى قدر والإبعاد مصدر أبعد والأمل مفعوله.
هذا وقد يقع صاحب الحال نكرة بلا مسوغ كقولهم عليه مائة بيضا، فبيضا بلفظ الجمع حال من مائة وليس تمييزا خلافا للمبرد لأن تمييز المائة لا يكون جمعا منصوبا ولا مجرورا وهو من أمثلة سيبويه، وفي الحديث: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا ووراءه رجال قياما، فقياما حال من رجال وهو نكرة بلا مسوغ.
طه 20:99
اللغة:
(وِزْراً) : حملا ثقيلا والمراد بها هنا العقوبة الثقيلة المرهقة الباهظة، سماها وزرا تشبيها لها في ثقلها على من يحل به العقاب بالحمل الثقيل ينوء به الكاهل ويرزح الحامل تحت عبئه الفادح.
(زُرْقاً) : جمع أرزق وسبب اختياره لعيونهم القيامة لوجهين:
1- ان الزرقة أبغض شيء من ألوان العيوب إلى العرب لأن الروم كانوا أعداءهم وهم زرق العيون ومن أقوالهم في صفة العدو:
«أسود الكبد، أصهب السبال، أزرق العين» فأصهب من الصهبة بالصاد المهملة وهي حمرة أو شقرة في الشعر، والسبال: ما على الشارب من الشعر ومقدم اللحية والاثنان مرادان بها هنا وقال بشار في وصف البخيل:
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
وهو من أبيات ممتعة نوردها بكاملها:
ظل اليسار على العباس ممدود ... وقلبه أبدا بالبخل معقود
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرهت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
أورق بخير ترجّي للنوال فما ... ترجى الثمار إذا لم يورق العود
بثّ النوال ولا تمنعك قلته ... فكل ما سدّ فقرا فهو محمود 2- ان المراد العمى لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق.
(يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ) أي يخفضون أصواتهم ويخفونها لما لحقهم من الرعب والهول وفي المختار: خفت الصوت سكن وبابه جلس والمخافتة والتخافت والخفت بوزن السبت: أسرار المنطق.
(أَمْثَلُهُمْ) : أفضلهم وأعدلهم رأيا أو عملا في الحياة الدنيا وجمعه أماثل ومثل ومؤنثه مثلى، وأماثل القوم خيارهم، والطريقة المثلى الشبهى بالحق ويقال المريض اليوم أمثل أي أحسن حالة، وقال امرؤ القيس يصف الليل من معلقته:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف إعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
الإعراب:
(كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) كذلك: نعت لمصدر محذوف أي كما قصصنا يا محمد هذه القصة ونقص فعل مضارع فاعله مستتر تقديره نحن وعليك متعلقان بنقص ومن أنباء صفة لموصوف محذوف هو مفعول به لنقصّ أي نقصّ نبأ من أنباء، وما مضاف اليه وجملة قد سبق صلة، وقد الواو عاطفة وقد حرف تحقيق وآتيناك فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن لدنا حال لأنه كان صفة لذكرا، وذكرا مفعول به ثان أي قرآنا. (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً) من شرطية في محل رفع مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعنه متعلقان بأعرض والفاء رابطة وان واسمها وجملة يحمل خبرها والفاعل مستتر تقديره هو ويوم القيامة ظرف متعلق بيحمل ووزرا مفعول وجملة من أعرض في محل نصب نعت لذكرا أي قرآنا منطويا مشتملا على هذه القصص يحمل المعرض عنها وزرا كاملا يوم القيامة.
(خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا) خالدين حال وفيه متعلقان بخالدين والضمير يعود للوزر أي في العقاب المتسبب عنه ففي الكلام مجاز كما سيأتي، وساء الواو حالية أو عاطفة وساء فعل ماض من أفعال الذم وقد تقدم كثيرا وفاعله مستتر مميز بنكرة وهو حملا والمخصوص بالذم محذوف تقديره وزرهم، ولهم متعلقان بقول مقدر أي يقال لهم هذا الكلام، وقيل هي كاللام في هيت لك أي لمجرد البيان فراجع سورة يوسف. ويوم القيامة ظرف متعلق بساء وحملا تمييز. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً) الظرف بدل من يوم القيامة وجملة ينفخ مضافة إلى الظرف وينفخ فعل مضارع بالبناء للمجهول وفي الصور متعلقان بينفخ، ونحشر الواو عاطفة ونحشر فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والمجرمين مفعول به ويوم ظرف أضيف إلى ظرف مثله متعلق بنحشر والتنوين في إذ عوض عن جملة وزرقا حال من المجرمين. (يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً) الجملة حال من المجرمين أو مستأنفة مسوقة لبيان حالهم في ذلك اليوم ويتخافتون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعل وبينهم ظرف متعلق بيتخافتون، وإن لبثتم جملة منصوبة بقول دل عليه يتخافتون والقول نصب على الحال أي قائلين في السر، وان نافية ولبثتم فعل وفاعل وإلا أداة حصر وعشرا ظرف زمان ذهابا إلى الليالي لأن الشهور غررها الليالي فتكون الأيام داخلة تبعا وتخافتهم ناجم عن الرعب الذي داخلهم، فكأن أيام الدنيا لم تكن شيئا مذكورا فهم يتذكرون أيام السرور التي سنحت لهم في الدنيا كيف مرت عليهم كظل الطائرة.
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً) نحن مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وجملة يقولون صلة، وإذ ظرف متعلق بأعلم وجملة يقول مضافة إلى الظرف وأمثلهم فاعل وطريقة تمييز وإن نافية ولبثتم فعل وفاعل وإلا أداة حصر ويوما ظرف متعلق بلبثتم.
البلاغة:
المجاز المرسل في قوله «خالِدِينَ فِيهِ» أي في الوزر، والوزر لا يقام فيه ولكن أراد العقاب المتسبب عن الوزر، فالعلاقة فيه السببية.
طه 20:100
اللغة:
(وِزْراً) : حملا ثقيلا والمراد بها هنا العقوبة الثقيلة المرهقة الباهظة، سماها وزرا تشبيها لها في ثقلها على من يحل به العقاب بالحمل الثقيل ينوء به الكاهل ويرزح الحامل تحت عبئه الفادح.
(زُرْقاً) : جمع أرزق وسبب اختياره لعيونهم القيامة لوجهين:
1- ان الزرقة أبغض شيء من ألوان العيوب إلى العرب لأن الروم كانوا أعداءهم وهم زرق العيون ومن أقوالهم في صفة العدو:
«أسود الكبد، أصهب السبال، أزرق العين» فأصهب من الصهبة بالصاد المهملة وهي حمرة أو شقرة في الشعر، والسبال: ما على الشارب من الشعر ومقدم اللحية والاثنان مرادان بها هنا وقال بشار في وصف البخيل:
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
وهو من أبيات ممتعة نوردها بكاملها:
ظل اليسار على العباس ممدود ... وقلبه أبدا بالبخل معقود
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرهت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
أورق بخير ترجّي للنوال فما ... ترجى الثمار إذا لم يورق العود
بثّ النوال ولا تمنعك قلته ... فكل ما سدّ فقرا فهو محمود 2- ان المراد العمى لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق.
(يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ) أي يخفضون أصواتهم ويخفونها لما لحقهم من الرعب والهول وفي المختار: خفت الصوت سكن وبابه جلس والمخافتة والتخافت والخفت بوزن السبت: أسرار المنطق.
(أَمْثَلُهُمْ) : أفضلهم وأعدلهم رأيا أو عملا في الحياة الدنيا وجمعه أماثل ومثل ومؤنثه مثلى، وأماثل القوم خيارهم، والطريقة المثلى الشبهى بالحق ويقال المريض اليوم أمثل أي أحسن حالة، وقال امرؤ القيس يصف الليل من معلقته:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف إعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
الإعراب:
(كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) كذلك: نعت لمصدر محذوف أي كما قصصنا يا محمد هذه القصة ونقص فعل مضارع فاعله مستتر تقديره نحن وعليك متعلقان بنقص ومن أنباء صفة لموصوف محذوف هو مفعول به لنقصّ أي نقصّ نبأ من أنباء، وما مضاف اليه وجملة قد سبق صلة، وقد الواو عاطفة وقد حرف تحقيق وآتيناك فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن لدنا حال لأنه كان صفة لذكرا، وذكرا مفعول به ثان أي قرآنا. (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً) من شرطية في محل رفع مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعنه متعلقان بأعرض والفاء رابطة وان واسمها وجملة يحمل خبرها والفاعل مستتر تقديره هو ويوم القيامة ظرف متعلق بيحمل ووزرا مفعول وجملة من أعرض في محل نصب نعت لذكرا أي قرآنا منطويا مشتملا على هذه القصص يحمل المعرض عنها وزرا كاملا يوم القيامة.
(خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا) خالدين حال وفيه متعلقان بخالدين والضمير يعود للوزر أي في العقاب المتسبب عنه ففي الكلام مجاز كما سيأتي، وساء الواو حالية أو عاطفة وساء فعل ماض من أفعال الذم وقد تقدم كثيرا وفاعله مستتر مميز بنكرة وهو حملا والمخصوص بالذم محذوف تقديره وزرهم، ولهم متعلقان بقول مقدر أي يقال لهم هذا الكلام، وقيل هي كاللام في هيت لك أي لمجرد البيان فراجع سورة يوسف. ويوم القيامة ظرف متعلق بساء وحملا تمييز. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً) الظرف بدل من يوم القيامة وجملة ينفخ مضافة إلى الظرف وينفخ فعل مضارع بالبناء للمجهول وفي الصور متعلقان بينفخ، ونحشر الواو عاطفة ونحشر فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والمجرمين مفعول به ويوم ظرف أضيف إلى ظرف مثله متعلق بنحشر والتنوين في إذ عوض عن جملة وزرقا حال من المجرمين. (يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً) الجملة حال من المجرمين أو مستأنفة مسوقة لبيان حالهم في ذلك اليوم ويتخافتون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعل وبينهم ظرف متعلق بيتخافتون، وإن لبثتم جملة منصوبة بقول دل عليه يتخافتون والقول نصب على الحال أي قائلين في السر، وان نافية ولبثتم فعل وفاعل وإلا أداة حصر وعشرا ظرف زمان ذهابا إلى الليالي لأن الشهور غررها الليالي فتكون الأيام داخلة تبعا وتخافتهم ناجم عن الرعب الذي داخلهم، فكأن أيام الدنيا لم تكن شيئا مذكورا فهم يتذكرون أيام السرور التي سنحت لهم في الدنيا كيف مرت عليهم كظل الطائرة.
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً) نحن مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وجملة يقولون صلة، وإذ ظرف متعلق بأعلم وجملة يقول مضافة إلى الظرف وأمثلهم فاعل وطريقة تمييز وإن نافية ولبثتم فعل وفاعل وإلا أداة حصر ويوما ظرف متعلق بلبثتم.
البلاغة:
المجاز المرسل في قوله «خالِدِينَ فِيهِ» أي في الوزر، والوزر لا يقام فيه ولكن أراد العقاب المتسبب عن الوزر، فالعلاقة فيه السببية.
طه 20:101
اللغة:
(وِزْراً) : حملا ثقيلا والمراد بها هنا العقوبة الثقيلة المرهقة الباهظة، سماها وزرا تشبيها لها في ثقلها على من يحل به العقاب بالحمل الثقيل ينوء به الكاهل ويرزح الحامل تحت عبئه الفادح.
(زُرْقاً) : جمع أرزق وسبب اختياره لعيونهم القيامة لوجهين:
1- ان الزرقة أبغض شيء من ألوان العيوب إلى العرب لأن الروم كانوا أعداءهم وهم زرق العيون ومن أقوالهم في صفة العدو:
«أسود الكبد، أصهب السبال، أزرق العين» فأصهب من الصهبة بالصاد المهملة وهي حمرة أو شقرة في الشعر، والسبال: ما على الشارب من الشعر ومقدم اللحية والاثنان مرادان بها هنا وقال بشار في وصف البخيل:
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
وهو من أبيات ممتعة نوردها بكاملها:
ظل اليسار على العباس ممدود ... وقلبه أبدا بالبخل معقود
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرهت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
أورق بخير ترجّي للنوال فما ... ترجى الثمار إذا لم يورق العود
بثّ النوال ولا تمنعك قلته ... فكل ما سدّ فقرا فهو محمود 2- ان المراد العمى لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق.
(يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ) أي يخفضون أصواتهم ويخفونها لما لحقهم من الرعب والهول وفي المختار: خفت الصوت سكن وبابه جلس والمخافتة والتخافت والخفت بوزن السبت: أسرار المنطق.
(أَمْثَلُهُمْ) : أفضلهم وأعدلهم رأيا أو عملا في الحياة الدنيا وجمعه أماثل ومثل ومؤنثه مثلى، وأماثل القوم خيارهم، والطريقة المثلى الشبهى بالحق ويقال المريض اليوم أمثل أي أحسن حالة، وقال امرؤ القيس يصف الليل من معلقته:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف إعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
الإعراب:
(كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) كذلك: نعت لمصدر محذوف أي كما قصصنا يا محمد هذه القصة ونقص فعل مضارع فاعله مستتر تقديره نحن وعليك متعلقان بنقص ومن أنباء صفة لموصوف محذوف هو مفعول به لنقصّ أي نقصّ نبأ من أنباء، وما مضاف اليه وجملة قد سبق صلة، وقد الواو عاطفة وقد حرف تحقيق وآتيناك فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن لدنا حال لأنه كان صفة لذكرا، وذكرا مفعول به ثان أي قرآنا. (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً) من شرطية في محل رفع مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعنه متعلقان بأعرض والفاء رابطة وان واسمها وجملة يحمل خبرها والفاعل مستتر تقديره هو ويوم القيامة ظرف متعلق بيحمل ووزرا مفعول وجملة من أعرض في محل نصب نعت لذكرا أي قرآنا منطويا مشتملا على هذه القصص يحمل المعرض عنها وزرا كاملا يوم القيامة.
(خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا) خالدين حال وفيه متعلقان بخالدين والضمير يعود للوزر أي في العقاب المتسبب عنه ففي الكلام مجاز كما سيأتي، وساء الواو حالية أو عاطفة وساء فعل ماض من أفعال الذم وقد تقدم كثيرا وفاعله مستتر مميز بنكرة وهو حملا والمخصوص بالذم محذوف تقديره وزرهم، ولهم متعلقان بقول مقدر أي يقال لهم هذا الكلام، وقيل هي كاللام في هيت لك أي لمجرد البيان فراجع سورة يوسف. ويوم القيامة ظرف متعلق بساء وحملا تمييز. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً) الظرف بدل من يوم القيامة وجملة ينفخ مضافة إلى الظرف وينفخ فعل مضارع بالبناء للمجهول وفي الصور متعلقان بينفخ، ونحشر الواو عاطفة ونحشر فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والمجرمين مفعول به ويوم ظرف أضيف إلى ظرف مثله متعلق بنحشر والتنوين في إذ عوض عن جملة وزرقا حال من المجرمين. (يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً) الجملة حال من المجرمين أو مستأنفة مسوقة لبيان حالهم في ذلك اليوم ويتخافتون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعل وبينهم ظرف متعلق بيتخافتون، وإن لبثتم جملة منصوبة بقول دل عليه يتخافتون والقول نصب على الحال أي قائلين في السر، وان نافية ولبثتم فعل وفاعل وإلا أداة حصر وعشرا ظرف زمان ذهابا إلى الليالي لأن الشهور غررها الليالي فتكون الأيام داخلة تبعا وتخافتهم ناجم عن الرعب الذي داخلهم، فكأن أيام الدنيا لم تكن شيئا مذكورا فهم يتذكرون أيام السرور التي سنحت لهم في الدنيا كيف مرت عليهم كظل الطائرة.
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً) نحن مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وجملة يقولون صلة، وإذ ظرف متعلق بأعلم وجملة يقول مضافة إلى الظرف وأمثلهم فاعل وطريقة تمييز وإن نافية ولبثتم فعل وفاعل وإلا أداة حصر ويوما ظرف متعلق بلبثتم.
البلاغة:
المجاز المرسل في قوله «خالِدِينَ فِيهِ» أي في الوزر، والوزر لا يقام فيه ولكن أراد العقاب المتسبب عن الوزر، فالعلاقة فيه السببية.
طه 20:102
اللغة:
(وِزْراً) : حملا ثقيلا والمراد بها هنا العقوبة الثقيلة المرهقة الباهظة، سماها وزرا تشبيها لها في ثقلها على من يحل به العقاب بالحمل الثقيل ينوء به الكاهل ويرزح الحامل تحت عبئه الفادح.
(زُرْقاً) : جمع أرزق وسبب اختياره لعيونهم القيامة لوجهين:
1- ان الزرقة أبغض شيء من ألوان العيوب إلى العرب لأن الروم كانوا أعداءهم وهم زرق العيون ومن أقوالهم في صفة العدو:
«أسود الكبد، أصهب السبال، أزرق العين» فأصهب من الصهبة بالصاد المهملة وهي حمرة أو شقرة في الشعر، والسبال: ما على الشارب من الشعر ومقدم اللحية والاثنان مرادان بها هنا وقال بشار في وصف البخيل:
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
وهو من أبيات ممتعة نوردها بكاملها:
ظل اليسار على العباس ممدود ... وقلبه أبدا بالبخل معقود
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرهت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
أورق بخير ترجّي للنوال فما ... ترجى الثمار إذا لم يورق العود
بثّ النوال ولا تمنعك قلته ... فكل ما سدّ فقرا فهو محمود 2- ان المراد العمى لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق.
(يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ) أي يخفضون أصواتهم ويخفونها لما لحقهم من الرعب والهول وفي المختار: خفت الصوت سكن وبابه جلس والمخافتة والتخافت والخفت بوزن السبت: أسرار المنطق.
(أَمْثَلُهُمْ) : أفضلهم وأعدلهم رأيا أو عملا في الحياة الدنيا وجمعه أماثل ومثل ومؤنثه مثلى، وأماثل القوم خيارهم، والطريقة المثلى الشبهى بالحق ويقال المريض اليوم أمثل أي أحسن حالة، وقال امرؤ القيس يصف الليل من معلقته:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف إعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
الإعراب:
(كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) كذلك: نعت لمصدر محذوف أي كما قصصنا يا محمد هذه القصة ونقص فعل مضارع فاعله مستتر تقديره نحن وعليك متعلقان بنقص ومن أنباء صفة لموصوف محذوف هو مفعول به لنقصّ أي نقصّ نبأ من أنباء، وما مضاف اليه وجملة قد سبق صلة، وقد الواو عاطفة وقد حرف تحقيق وآتيناك فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن لدنا حال لأنه كان صفة لذكرا، وذكرا مفعول به ثان أي قرآنا. (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً) من شرطية في محل رفع مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعنه متعلقان بأعرض والفاء رابطة وان واسمها وجملة يحمل خبرها والفاعل مستتر تقديره هو ويوم القيامة ظرف متعلق بيحمل ووزرا مفعول وجملة من أعرض في محل نصب نعت لذكرا أي قرآنا منطويا مشتملا على هذه القصص يحمل المعرض عنها وزرا كاملا يوم القيامة.
(خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا) خالدين حال وفيه متعلقان بخالدين والضمير يعود للوزر أي في العقاب المتسبب عنه ففي الكلام مجاز كما سيأتي، وساء الواو حالية أو عاطفة وساء فعل ماض من أفعال الذم وقد تقدم كثيرا وفاعله مستتر مميز بنكرة وهو حملا والمخصوص بالذم محذوف تقديره وزرهم، ولهم متعلقان بقول مقدر أي يقال لهم هذا الكلام، وقيل هي كاللام في هيت لك أي لمجرد البيان فراجع سورة يوسف. ويوم القيامة ظرف متعلق بساء وحملا تمييز. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً) الظرف بدل من يوم القيامة وجملة ينفخ مضافة إلى الظرف وينفخ فعل مضارع بالبناء للمجهول وفي الصور متعلقان بينفخ، ونحشر الواو عاطفة ونحشر فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والمجرمين مفعول به ويوم ظرف أضيف إلى ظرف مثله متعلق بنحشر والتنوين في إذ عوض عن جملة وزرقا حال من المجرمين. (يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً) الجملة حال من المجرمين أو مستأنفة مسوقة لبيان حالهم في ذلك اليوم ويتخافتون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعل وبينهم ظرف متعلق بيتخافتون، وإن لبثتم جملة منصوبة بقول دل عليه يتخافتون والقول نصب على الحال أي قائلين في السر، وان نافية ولبثتم فعل وفاعل وإلا أداة حصر وعشرا ظرف زمان ذهابا إلى الليالي لأن الشهور غررها الليالي فتكون الأيام داخلة تبعا وتخافتهم ناجم عن الرعب الذي داخلهم، فكأن أيام الدنيا لم تكن شيئا مذكورا فهم يتذكرون أيام السرور التي سنحت لهم في الدنيا كيف مرت عليهم كظل الطائرة.
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً) نحن مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وجملة يقولون صلة، وإذ ظرف متعلق بأعلم وجملة يقول مضافة إلى الظرف وأمثلهم فاعل وطريقة تمييز وإن نافية ولبثتم فعل وفاعل وإلا أداة حصر ويوما ظرف متعلق بلبثتم.
البلاغة:
المجاز المرسل في قوله «خالِدِينَ فِيهِ» أي في الوزر، والوزر لا يقام فيه ولكن أراد العقاب المتسبب عن الوزر، فالعلاقة فيه السببية.
طه 20:103
اللغة:
(وِزْراً) : حملا ثقيلا والمراد بها هنا العقوبة الثقيلة المرهقة الباهظة، سماها وزرا تشبيها لها في ثقلها على من يحل به العقاب بالحمل الثقيل ينوء به الكاهل ويرزح الحامل تحت عبئه الفادح.
(زُرْقاً) : جمع أرزق وسبب اختياره لعيونهم القيامة لوجهين:
1- ان الزرقة أبغض شيء من ألوان العيوب إلى العرب لأن الروم كانوا أعداءهم وهم زرق العيون ومن أقوالهم في صفة العدو:
«أسود الكبد، أصهب السبال، أزرق العين» فأصهب من الصهبة بالصاد المهملة وهي حمرة أو شقرة في الشعر، والسبال: ما على الشارب من الشعر ومقدم اللحية والاثنان مرادان بها هنا وقال بشار في وصف البخيل:
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
وهو من أبيات ممتعة نوردها بكاملها:
ظل اليسار على العباس ممدود ... وقلبه أبدا بالبخل معقود
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرهت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
أورق بخير ترجّي للنوال فما ... ترجى الثمار إذا لم يورق العود
بثّ النوال ولا تمنعك قلته ... فكل ما سدّ فقرا فهو محمود 2- ان المراد العمى لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق.
(يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ) أي يخفضون أصواتهم ويخفونها لما لحقهم من الرعب والهول وفي المختار: خفت الصوت سكن وبابه جلس والمخافتة والتخافت والخفت بوزن السبت: أسرار المنطق.
(أَمْثَلُهُمْ) : أفضلهم وأعدلهم رأيا أو عملا في الحياة الدنيا وجمعه أماثل ومثل ومؤنثه مثلى، وأماثل القوم خيارهم، والطريقة المثلى الشبهى بالحق ويقال المريض اليوم أمثل أي أحسن حالة، وقال امرؤ القيس يصف الليل من معلقته:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف إعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
الإعراب:
(كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) كذلك: نعت لمصدر محذوف أي كما قصصنا يا محمد هذه القصة ونقص فعل مضارع فاعله مستتر تقديره نحن وعليك متعلقان بنقص ومن أنباء صفة لموصوف محذوف هو مفعول به لنقصّ أي نقصّ نبأ من أنباء، وما مضاف اليه وجملة قد سبق صلة، وقد الواو عاطفة وقد حرف تحقيق وآتيناك فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن لدنا حال لأنه كان صفة لذكرا، وذكرا مفعول به ثان أي قرآنا. (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً) من شرطية في محل رفع مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعنه متعلقان بأعرض والفاء رابطة وان واسمها وجملة يحمل خبرها والفاعل مستتر تقديره هو ويوم القيامة ظرف متعلق بيحمل ووزرا مفعول وجملة من أعرض في محل نصب نعت لذكرا أي قرآنا منطويا مشتملا على هذه القصص يحمل المعرض عنها وزرا كاملا يوم القيامة.
(خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا) خالدين حال وفيه متعلقان بخالدين والضمير يعود للوزر أي في العقاب المتسبب عنه ففي الكلام مجاز كما سيأتي، وساء الواو حالية أو عاطفة وساء فعل ماض من أفعال الذم وقد تقدم كثيرا وفاعله مستتر مميز بنكرة وهو حملا والمخصوص بالذم محذوف تقديره وزرهم، ولهم متعلقان بقول مقدر أي يقال لهم هذا الكلام، وقيل هي كاللام في هيت لك أي لمجرد البيان فراجع سورة يوسف. ويوم القيامة ظرف متعلق بساء وحملا تمييز. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً) الظرف بدل من يوم القيامة وجملة ينفخ مضافة إلى الظرف وينفخ فعل مضارع بالبناء للمجهول وفي الصور متعلقان بينفخ، ونحشر الواو عاطفة ونحشر فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والمجرمين مفعول به ويوم ظرف أضيف إلى ظرف مثله متعلق بنحشر والتنوين في إذ عوض عن جملة وزرقا حال من المجرمين. (يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً) الجملة حال من المجرمين أو مستأنفة مسوقة لبيان حالهم في ذلك اليوم ويتخافتون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعل وبينهم ظرف متعلق بيتخافتون، وإن لبثتم جملة منصوبة بقول دل عليه يتخافتون والقول نصب على الحال أي قائلين في السر، وان نافية ولبثتم فعل وفاعل وإلا أداة حصر وعشرا ظرف زمان ذهابا إلى الليالي لأن الشهور غررها الليالي فتكون الأيام داخلة تبعا وتخافتهم ناجم عن الرعب الذي داخلهم، فكأن أيام الدنيا لم تكن شيئا مذكورا فهم يتذكرون أيام السرور التي سنحت لهم في الدنيا كيف مرت عليهم كظل الطائرة.
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً) نحن مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وجملة يقولون صلة، وإذ ظرف متعلق بأعلم وجملة يقول مضافة إلى الظرف وأمثلهم فاعل وطريقة تمييز وإن نافية ولبثتم فعل وفاعل وإلا أداة حصر ويوما ظرف متعلق بلبثتم.
البلاغة:
المجاز المرسل في قوله «خالِدِينَ فِيهِ» أي في الوزر، والوزر لا يقام فيه ولكن أراد العقاب المتسبب عن الوزر، فالعلاقة فيه السببية.
طه 20:104
اللغة:
(وِزْراً) : حملا ثقيلا والمراد بها هنا العقوبة الثقيلة المرهقة الباهظة، سماها وزرا تشبيها لها في ثقلها على من يحل به العقاب بالحمل الثقيل ينوء به الكاهل ويرزح الحامل تحت عبئه الفادح.
(زُرْقاً) : جمع أرزق وسبب اختياره لعيونهم القيامة لوجهين:
1- ان الزرقة أبغض شيء من ألوان العيوب إلى العرب لأن الروم كانوا أعداءهم وهم زرق العيون ومن أقوالهم في صفة العدو:
«أسود الكبد، أصهب السبال، أزرق العين» فأصهب من الصهبة بالصاد المهملة وهي حمرة أو شقرة في الشعر، والسبال: ما على الشارب من الشعر ومقدم اللحية والاثنان مرادان بها هنا وقال بشار في وصف البخيل:
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
وهو من أبيات ممتعة نوردها بكاملها:
ظل اليسار على العباس ممدود ... وقلبه أبدا بالبخل معقود
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرهت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
أورق بخير ترجّي للنوال فما ... ترجى الثمار إذا لم يورق العود
بثّ النوال ولا تمنعك قلته ... فكل ما سدّ فقرا فهو محمود 2- ان المراد العمى لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق.
(يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ) أي يخفضون أصواتهم ويخفونها لما لحقهم من الرعب والهول وفي المختار: خفت الصوت سكن وبابه جلس والمخافتة والتخافت والخفت بوزن السبت: أسرار المنطق.
(أَمْثَلُهُمْ) : أفضلهم وأعدلهم رأيا أو عملا في الحياة الدنيا وجمعه أماثل ومثل ومؤنثه مثلى، وأماثل القوم خيارهم، والطريقة المثلى الشبهى بالحق ويقال المريض اليوم أمثل أي أحسن حالة، وقال امرؤ القيس يصف الليل من معلقته:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف إعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
الإعراب:
(كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) كذلك: نعت لمصدر محذوف أي كما قصصنا يا محمد هذه القصة ونقص فعل مضارع فاعله مستتر تقديره نحن وعليك متعلقان بنقص ومن أنباء صفة لموصوف محذوف هو مفعول به لنقصّ أي نقصّ نبأ من أنباء، وما مضاف اليه وجملة قد سبق صلة، وقد الواو عاطفة وقد حرف تحقيق وآتيناك فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن لدنا حال لأنه كان صفة لذكرا، وذكرا مفعول به ثان أي قرآنا. (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً) من شرطية في محل رفع مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعنه متعلقان بأعرض والفاء رابطة وان واسمها وجملة يحمل خبرها والفاعل مستتر تقديره هو ويوم القيامة ظرف متعلق بيحمل ووزرا مفعول وجملة من أعرض في محل نصب نعت لذكرا أي قرآنا منطويا مشتملا على هذه القصص يحمل المعرض عنها وزرا كاملا يوم القيامة.
(خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا) خالدين حال وفيه متعلقان بخالدين والضمير يعود للوزر أي في العقاب المتسبب عنه ففي الكلام مجاز كما سيأتي، وساء الواو حالية أو عاطفة وساء فعل ماض من أفعال الذم وقد تقدم كثيرا وفاعله مستتر مميز بنكرة وهو حملا والمخصوص بالذم محذوف تقديره وزرهم، ولهم متعلقان بقول مقدر أي يقال لهم هذا الكلام، وقيل هي كاللام في هيت لك أي لمجرد البيان فراجع سورة يوسف. ويوم القيامة ظرف متعلق بساء وحملا تمييز. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً) الظرف بدل من يوم القيامة وجملة ينفخ مضافة إلى الظرف وينفخ فعل مضارع بالبناء للمجهول وفي الصور متعلقان بينفخ، ونحشر الواو عاطفة ونحشر فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والمجرمين مفعول به ويوم ظرف أضيف إلى ظرف مثله متعلق بنحشر والتنوين في إذ عوض عن جملة وزرقا حال من المجرمين. (يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً) الجملة حال من المجرمين أو مستأنفة مسوقة لبيان حالهم في ذلك اليوم ويتخافتون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعل وبينهم ظرف متعلق بيتخافتون، وإن لبثتم جملة منصوبة بقول دل عليه يتخافتون والقول نصب على الحال أي قائلين في السر، وان نافية ولبثتم فعل وفاعل وإلا أداة حصر وعشرا ظرف زمان ذهابا إلى الليالي لأن الشهور غررها الليالي فتكون الأيام داخلة تبعا وتخافتهم ناجم عن الرعب الذي داخلهم، فكأن أيام الدنيا لم تكن شيئا مذكورا فهم يتذكرون أيام السرور التي سنحت لهم في الدنيا كيف مرت عليهم كظل الطائرة.
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً) نحن مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وجملة يقولون صلة، وإذ ظرف متعلق بأعلم وجملة يقول مضافة إلى الظرف وأمثلهم فاعل وطريقة تمييز وإن نافية ولبثتم فعل وفاعل وإلا أداة حصر ويوما ظرف متعلق بلبثتم.
البلاغة:
المجاز المرسل في قوله «خالِدِينَ فِيهِ» أي في الوزر، والوزر لا يقام فيه ولكن أراد العقاب المتسبب عن الوزر، فالعلاقة فيه السببية.
طه 20:105
اللغة:
(قاعاً) : القاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام والجمع أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعة، وقيل هو المنكشف من الأرض، وقيل المستوي الصلب منها، وقيل مالا نبات فيه ولا بناء.
(صَفْصَفاً) : الصفصف: الأرض المستوية الملساء كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة، وفي القاموس: المستوي من الأرض، وقاع صفصف مستو مطمئن فهو بمثابة التأكيد للقاع لأنه بمعناه.
(أَمْتاً) : الأمت هو النتوّ اليسير، يقال مدّ حبله حتى ما فيه أمت وقيل: الأمت هو التل وهو قريب من الأول وقيل الشقوق في الأرض وقيل الآكام وفي القاموس «أمته يأمته قدره وحزره كأمّته وقصده وأجل مأموت مؤقت والأمت المكان المرتفع والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع والاختلاف في الشيء والجمع أمات وأموت والضعف والوهن والطريقة الحسنة والعوج والعيب في الفم وفي الثوب والحجر وأن يغلظ مكان ويرق مكان والمؤمّت المملوء والمتهم بالشر ونحوه والخمر حرمت لا أمت فيها أي لا شك في حرمتها» .
(هَمْساً) : الهمس: الصوت الخفي وهو مصدر همست الكلام من باب ضرب إذا أخفيته ومنه الحروف المهموسة وقيل هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت.
(وَعَنَتِ) : في المختار: عنا يعنو من باب سما يسمو سموّا فالألف محذوفة قبل تاء التأنيث لالتقاء الساكنين إذا ذل وخضع ومنه العناة جمع عان وهو الأسير.
(هَضْماً) : الهضم: النقص، تقول العرب: هضمت لزيد من حقه أي نقصت منه، ومنه هضيم الكشحين أي ضامرهما، قال امرؤ القيس:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم، وهضمته واهتضمته وتهضمته كله بمعنى.
الإعراب:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) الواو للاستئناف والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير تعنتهم وإصرارهم على الجدل والمكابرة والاستهزاء، ويسألونك فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، فقل الفاء عاطفة وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وجملة ينسفها مقول القول والهاء مفعول به مقدم وربي فاعل مؤخر ونسفا مفعول مطلق. (فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً) الفاء عاطفة ويذرها فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو أي الله تعالى والهاء مفعول به وقاعا لك أن تعربها حالا من الضمير المنصوب أو مفعولا به ثانيا لتضمين يذر معنى التصيير، وصفصفا حال ثانية أو بدل من المفعول الثاني وأعربها بعضهم صفة له. (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) الجملة حال ثالثة أو حال أولى ولا نافية وترى فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت وفيها متعلقان بتري وعوجا مفعول به ولا أمتا عطف. وسيأتي مزيد من التقرير حول هذه الآية في باب البلاغة.
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ) الظرف متعلق بيتبعون أو بدل من يوم القيامة المتقدم وقد تقدم تقرير اضافة يوم إلى الظرف ويتبعون الداعي فعل مضارع وفاعل ومفعول به ولا نافية للجنس وعوج اسمها مبني على الفتح وله خبرها وجملة لا عوج له حال من الداعي أو صفة لمصدر محذوف أي يتبعونه اتباعا لا عوج له ويجوز أن تكون مستأنفة والأول أظهر لأن الضمير في له يعود عليه أي لا عوج لدعائه بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى أناس دون أناس. (وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) الواو عاطفة وخشعت الأصوات فعل وفاعل وللرحمن متعلقان بخشعت والفاء عاطفة ولا نافية وتسمع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر وهمسا مفعول به لأن الاستثناء مفرغ. (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) الظرف متعلق بتنفع وإذ مضاف ولا نافية وتنفع الشفاعة فعل مضارع وفاعل، وإلا أداة حصر ومن يجوز فيه أن يكون مفعولا لتنفع وعندئذ تكون من واقعة على المشفوع ويجوز أن يكون بدلا من الشفاعة على قاعدة المستثنى المنفي أو النصب على الاستثناء المتصل من الشفاعة ولا بد في هذين الوجهين من تقدير مضاف تقديره إلا شفاعة من أذن له وإذا اعتبر مستثنى منقطعا وجب نصبه فتلخص فيه أربعة أوجه متقاربة الرجحان ورجح الزمخشري الرفع على البدلية وتبعه القاضي البيضاوي.
وجملة أذن له الرحمن صلة ورضي له قولا عطف على أذن له ورجح أبو البقاء النصب على المفعولية. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) الجملة استئنافية مسوقة لتقرير علمه تعالى ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلهم، ويعلم فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو وما مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضافة لبين، وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم، ولا يحيطون لك أن تجعل الواو عاطفة ولك أن تجعلها حالية، ويحيطون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وبه متعلقان بيحيطون وعلما مفعول به. (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) وعنت الوجوه فعل وفاعل وللحي متعلقان بعنت والقيوم صفة، وسيأتي المراد بالوجوه في باب البلاغة والواو حالية وجملة وقد خاب حالية ومن فاعل خاب وجملة حمل ظلما صلة. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) الواو عاطفة على وقد خاب، ومن شرطية مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي ومن يعمل أعمالا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا نافية ويخاف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وظلما مفعول به ولا هضما عطف على ظلما وجملة لا يخاف خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فهو لا يخاف، وجملة فهو لا يخاف في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) الكاف صفة لمصدر محذوف أي مثل ذلك الانزال أنزلناه وقرآنا حال وعربيا صفة. (وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً)
وصرفنا فعل وفاعل وفيه متعلقان بصرفنا ومن الوعيد صفة لمفعول محذوف أي صرفنا وعيدا من الوعيد، ولعل واسمها وجملة يتقون خبرها وأو حرف عطف ويحدث عطف على يتقون ولهم متعلقان بيحدث وذكرا مفعول به، وفاعل يحدث هو أي القرآن. (فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) الفاء استئنافية وتعالى الله فعل ماض وفاعل والملك الحق صفتان لله ولا تعجل الواو عاطفة ولا ناهية وتعجل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبالقرآن متعلقان بتعجل ومن قبل متعلقان بتعجل وأن يقضى المصدر المؤول مضاف لقبل وإليك متعلقان بيقضى ويقضى فعل مضارع مبني للمجهول ووحيه نائب فاعل، وقل عطف على لا تعجل ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وزدني فعل أمر والنون للوقاية والياء مفعول به أول وعلما مفعول به ثان أو تمييز.
البلاغة:
في قوله تعالى: «لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً» فن طريف يذهل العقول، ويسكر العواطف، ولا يكاد يدركه إلا من أودع الله فيهم سر البيان، وارتاضوا بالمعاناة والدربة على إدراك النكت التي تعز على من رامها وتطول، وهذا الفن سموه فن «التنكيت» وحدّه أن يخص المتكلم شيئا بالذكر دون غيره مما يسد مسده وما يقتضيه ظاهر الكلام لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه، وهو كثير في القرآن الكريم وسيرد في مواطنه، أما في هذه الآية فقد تقدم في الكهف أن أهل اللغة فرقوا بين العوج والعوج فقالوا: العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان ولذلك قال في الكهف «الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجا» أما في هذه الآية فالأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟ أوليس مقتضى اللغة يوجب أن يستعمل العوج بالفتح؟ وهنا يأتي هذا الفن ليسبر غور هذه النكتة التي تدق على النظرة السطحية الأولى، ولا تقف عند التقارير اللغوية، فنقول:
إن اختيار العوج بالكسر في الآية له موضع حسن بديع في استواء الأرض ووصفها بالملاسة وانتفاء الاعوجاج عنها على أبلغ وجه، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة من الأرض فسويتها وبالغت في تسويتها على عينك وعلى عيون البصراء بالأراضي واتفقتم بالإجماع على انه لم يبق فيها اعوجاج قط ثم عمدت إلى المهندس تستطلع رأيه لا بحسب الحدس والتخمين والنظر المجرد بل بحسب المقاييس الهندسية المبنية على العلم الدقيق لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي الذي لا يضل ولا يعزب عنه القليل النادر.
فنفى الله سبحانه ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك والفهم أللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الاحساس ولحق بالمعاني وسما عن الأعيان فقيل فيه عوج بالكسر.
وقد مرّ معنا وسيمر في هذا الكتاب نماذج رائعة لهذا التنكيت الذي ظهر لك في هذه الآية الكريمة مما لا يدركه إلا الحذاق الملهمون، فلنرجئ القول فيها وسنعرض الآن على ناظريك نماذج من الشعر الجميل التي اشتملت على نكتة بارعة لتكون لك معالم صبح تحتذيها، فمن ذلك قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس وقد سئل الأصمعي عن قولها هذا: لم اختصت فيه طلوع الشمس وغروبها دون أثناء النهار؟ فقال لأن طلوع الشمس وقت الركوب إلى الغارات وغروب الشمس وقت قرى الضيفان.
ومنه قول الحسن بن هانئ، أبي نواس:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
فقال «وقل لي هي الخمر» وذلك لأن الحواس الأربع قد التذت حين شربها وبقيت حاسة وحدة لم تستكمل لذتها وهي حاسة السمع فقال «وقل لي هي الخمر» ليسمع ذلك فتكمل له اللذة بجميع حواسه.
ونكتفي الآن بما تقدم ولنا عودة إلى هذا الفن الجميل.
طه 20:106
اللغة:
(قاعاً) : القاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام والجمع أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعة، وقيل هو المنكشف من الأرض، وقيل المستوي الصلب منها، وقيل مالا نبات فيه ولا بناء.
(صَفْصَفاً) : الصفصف: الأرض المستوية الملساء كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة، وفي القاموس: المستوي من الأرض، وقاع صفصف مستو مطمئن فهو بمثابة التأكيد للقاع لأنه بمعناه.
(أَمْتاً) : الأمت هو النتوّ اليسير، يقال مدّ حبله حتى ما فيه أمت وقيل: الأمت هو التل وهو قريب من الأول وقيل الشقوق في الأرض وقيل الآكام وفي القاموس «أمته يأمته قدره وحزره كأمّته وقصده وأجل مأموت مؤقت والأمت المكان المرتفع والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع والاختلاف في الشيء والجمع أمات وأموت والضعف والوهن والطريقة الحسنة والعوج والعيب في الفم وفي الثوب والحجر وأن يغلظ مكان ويرق مكان والمؤمّت المملوء والمتهم بالشر ونحوه والخمر حرمت لا أمت فيها أي لا شك في حرمتها» .
(هَمْساً) : الهمس: الصوت الخفي وهو مصدر همست الكلام من باب ضرب إذا أخفيته ومنه الحروف المهموسة وقيل هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت.
(وَعَنَتِ) : في المختار: عنا يعنو من باب سما يسمو سموّا فالألف محذوفة قبل تاء التأنيث لالتقاء الساكنين إذا ذل وخضع ومنه العناة جمع عان وهو الأسير.
(هَضْماً) : الهضم: النقص، تقول العرب: هضمت لزيد من حقه أي نقصت منه، ومنه هضيم الكشحين أي ضامرهما، قال امرؤ القيس:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم، وهضمته واهتضمته وتهضمته كله بمعنى.
الإعراب:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) الواو للاستئناف والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير تعنتهم وإصرارهم على الجدل والمكابرة والاستهزاء، ويسألونك فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، فقل الفاء عاطفة وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وجملة ينسفها مقول القول والهاء مفعول به مقدم وربي فاعل مؤخر ونسفا مفعول مطلق. (فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً) الفاء عاطفة ويذرها فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو أي الله تعالى والهاء مفعول به وقاعا لك أن تعربها حالا من الضمير المنصوب أو مفعولا به ثانيا لتضمين يذر معنى التصيير، وصفصفا حال ثانية أو بدل من المفعول الثاني وأعربها بعضهم صفة له. (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) الجملة حال ثالثة أو حال أولى ولا نافية وترى فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت وفيها متعلقان بتري وعوجا مفعول به ولا أمتا عطف. وسيأتي مزيد من التقرير حول هذه الآية في باب البلاغة.
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ) الظرف متعلق بيتبعون أو بدل من يوم القيامة المتقدم وقد تقدم تقرير اضافة يوم إلى الظرف ويتبعون الداعي فعل مضارع وفاعل ومفعول به ولا نافية للجنس وعوج اسمها مبني على الفتح وله خبرها وجملة لا عوج له حال من الداعي أو صفة لمصدر محذوف أي يتبعونه اتباعا لا عوج له ويجوز أن تكون مستأنفة والأول أظهر لأن الضمير في له يعود عليه أي لا عوج لدعائه بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى أناس دون أناس. (وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) الواو عاطفة وخشعت الأصوات فعل وفاعل وللرحمن متعلقان بخشعت والفاء عاطفة ولا نافية وتسمع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر وهمسا مفعول به لأن الاستثناء مفرغ. (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) الظرف متعلق بتنفع وإذ مضاف ولا نافية وتنفع الشفاعة فعل مضارع وفاعل، وإلا أداة حصر ومن يجوز فيه أن يكون مفعولا لتنفع وعندئذ تكون من واقعة على المشفوع ويجوز أن يكون بدلا من الشفاعة على قاعدة المستثنى المنفي أو النصب على الاستثناء المتصل من الشفاعة ولا بد في هذين الوجهين من تقدير مضاف تقديره إلا شفاعة من أذن له وإذا اعتبر مستثنى منقطعا وجب نصبه فتلخص فيه أربعة أوجه متقاربة الرجحان ورجح الزمخشري الرفع على البدلية وتبعه القاضي البيضاوي.
وجملة أذن له الرحمن صلة ورضي له قولا عطف على أذن له ورجح أبو البقاء النصب على المفعولية. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) الجملة استئنافية مسوقة لتقرير علمه تعالى ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلهم، ويعلم فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو وما مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضافة لبين، وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم، ولا يحيطون لك أن تجعل الواو عاطفة ولك أن تجعلها حالية، ويحيطون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وبه متعلقان بيحيطون وعلما مفعول به. (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) وعنت الوجوه فعل وفاعل وللحي متعلقان بعنت والقيوم صفة، وسيأتي المراد بالوجوه في باب البلاغة والواو حالية وجملة وقد خاب حالية ومن فاعل خاب وجملة حمل ظلما صلة. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) الواو عاطفة على وقد خاب، ومن شرطية مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي ومن يعمل أعمالا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا نافية ويخاف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وظلما مفعول به ولا هضما عطف على ظلما وجملة لا يخاف خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فهو لا يخاف، وجملة فهو لا يخاف في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) الكاف صفة لمصدر محذوف أي مثل ذلك الانزال أنزلناه وقرآنا حال وعربيا صفة. (وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً)
وصرفنا فعل وفاعل وفيه متعلقان بصرفنا ومن الوعيد صفة لمفعول محذوف أي صرفنا وعيدا من الوعيد، ولعل واسمها وجملة يتقون خبرها وأو حرف عطف ويحدث عطف على يتقون ولهم متعلقان بيحدث وذكرا مفعول به، وفاعل يحدث هو أي القرآن. (فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) الفاء استئنافية وتعالى الله فعل ماض وفاعل والملك الحق صفتان لله ولا تعجل الواو عاطفة ولا ناهية وتعجل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبالقرآن متعلقان بتعجل ومن قبل متعلقان بتعجل وأن يقضى المصدر المؤول مضاف لقبل وإليك متعلقان بيقضى ويقضى فعل مضارع مبني للمجهول ووحيه نائب فاعل، وقل عطف على لا تعجل ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وزدني فعل أمر والنون للوقاية والياء مفعول به أول وعلما مفعول به ثان أو تمييز.
البلاغة:
في قوله تعالى: «لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً» فن طريف يذهل العقول، ويسكر العواطف، ولا يكاد يدركه إلا من أودع الله فيهم سر البيان، وارتاضوا بالمعاناة والدربة على إدراك النكت التي تعز على من رامها وتطول، وهذا الفن سموه فن «التنكيت» وحدّه أن يخص المتكلم شيئا بالذكر دون غيره مما يسد مسده وما يقتضيه ظاهر الكلام لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه، وهو كثير في القرآن الكريم وسيرد في مواطنه، أما في هذه الآية فقد تقدم في الكهف أن أهل اللغة فرقوا بين العوج والعوج فقالوا: العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان ولذلك قال في الكهف «الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجا» أما في هذه الآية فالأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟ أوليس مقتضى اللغة يوجب أن يستعمل العوج بالفتح؟ وهنا يأتي هذا الفن ليسبر غور هذه النكتة التي تدق على النظرة السطحية الأولى، ولا تقف عند التقارير اللغوية، فنقول:
إن اختيار العوج بالكسر في الآية له موضع حسن بديع في استواء الأرض ووصفها بالملاسة وانتفاء الاعوجاج عنها على أبلغ وجه، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة من الأرض فسويتها وبالغت في تسويتها على عينك وعلى عيون البصراء بالأراضي واتفقتم بالإجماع على انه لم يبق فيها اعوجاج قط ثم عمدت إلى المهندس تستطلع رأيه لا بحسب الحدس والتخمين والنظر المجرد بل بحسب المقاييس الهندسية المبنية على العلم الدقيق لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي الذي لا يضل ولا يعزب عنه القليل النادر.
فنفى الله سبحانه ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك والفهم أللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الاحساس ولحق بالمعاني وسما عن الأعيان فقيل فيه عوج بالكسر.
وقد مرّ معنا وسيمر في هذا الكتاب نماذج رائعة لهذا التنكيت الذي ظهر لك في هذه الآية الكريمة مما لا يدركه إلا الحذاق الملهمون، فلنرجئ القول فيها وسنعرض الآن على ناظريك نماذج من الشعر الجميل التي اشتملت على نكتة بارعة لتكون لك معالم صبح تحتذيها، فمن ذلك قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس وقد سئل الأصمعي عن قولها هذا: لم اختصت فيه طلوع الشمس وغروبها دون أثناء النهار؟ فقال لأن طلوع الشمس وقت الركوب إلى الغارات وغروب الشمس وقت قرى الضيفان.
ومنه قول الحسن بن هانئ، أبي نواس:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
فقال «وقل لي هي الخمر» وذلك لأن الحواس الأربع قد التذت حين شربها وبقيت حاسة وحدة لم تستكمل لذتها وهي حاسة السمع فقال «وقل لي هي الخمر» ليسمع ذلك فتكمل له اللذة بجميع حواسه.
ونكتفي الآن بما تقدم ولنا عودة إلى هذا الفن الجميل.
طه 20:107
اللغة:
(قاعاً) : القاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام والجمع أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعة، وقيل هو المنكشف من الأرض، وقيل المستوي الصلب منها، وقيل مالا نبات فيه ولا بناء.
(صَفْصَفاً) : الصفصف: الأرض المستوية الملساء كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة، وفي القاموس: المستوي من الأرض، وقاع صفصف مستو مطمئن فهو بمثابة التأكيد للقاع لأنه بمعناه.
(أَمْتاً) : الأمت هو النتوّ اليسير، يقال مدّ حبله حتى ما فيه أمت وقيل: الأمت هو التل وهو قريب من الأول وقيل الشقوق في الأرض وقيل الآكام وفي القاموس «أمته يأمته قدره وحزره كأمّته وقصده وأجل مأموت مؤقت والأمت المكان المرتفع والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع والاختلاف في الشيء والجمع أمات وأموت والضعف والوهن والطريقة الحسنة والعوج والعيب في الفم وفي الثوب والحجر وأن يغلظ مكان ويرق مكان والمؤمّت المملوء والمتهم بالشر ونحوه والخمر حرمت لا أمت فيها أي لا شك في حرمتها» .
(هَمْساً) : الهمس: الصوت الخفي وهو مصدر همست الكلام من باب ضرب إذا أخفيته ومنه الحروف المهموسة وقيل هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت.
(وَعَنَتِ) : في المختار: عنا يعنو من باب سما يسمو سموّا فالألف محذوفة قبل تاء التأنيث لالتقاء الساكنين إذا ذل وخضع ومنه العناة جمع عان وهو الأسير.
(هَضْماً) : الهضم: النقص، تقول العرب: هضمت لزيد من حقه أي نقصت منه، ومنه هضيم الكشحين أي ضامرهما، قال امرؤ القيس:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم، وهضمته واهتضمته وتهضمته كله بمعنى.
الإعراب:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) الواو للاستئناف والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير تعنتهم وإصرارهم على الجدل والمكابرة والاستهزاء، ويسألونك فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، فقل الفاء عاطفة وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وجملة ينسفها مقول القول والهاء مفعول به مقدم وربي فاعل مؤخر ونسفا مفعول مطلق. (فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً) الفاء عاطفة ويذرها فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو أي الله تعالى والهاء مفعول به وقاعا لك أن تعربها حالا من الضمير المنصوب أو مفعولا به ثانيا لتضمين يذر معنى التصيير، وصفصفا حال ثانية أو بدل من المفعول الثاني وأعربها بعضهم صفة له. (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) الجملة حال ثالثة أو حال أولى ولا نافية وترى فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت وفيها متعلقان بتري وعوجا مفعول به ولا أمتا عطف. وسيأتي مزيد من التقرير حول هذه الآية في باب البلاغة.
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ) الظرف متعلق بيتبعون أو بدل من يوم القيامة المتقدم وقد تقدم تقرير اضافة يوم إلى الظرف ويتبعون الداعي فعل مضارع وفاعل ومفعول به ولا نافية للجنس وعوج اسمها مبني على الفتح وله خبرها وجملة لا عوج له حال من الداعي أو صفة لمصدر محذوف أي يتبعونه اتباعا لا عوج له ويجوز أن تكون مستأنفة والأول أظهر لأن الضمير في له يعود عليه أي لا عوج لدعائه بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى أناس دون أناس. (وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) الواو عاطفة وخشعت الأصوات فعل وفاعل وللرحمن متعلقان بخشعت والفاء عاطفة ولا نافية وتسمع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر وهمسا مفعول به لأن الاستثناء مفرغ. (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) الظرف متعلق بتنفع وإذ مضاف ولا نافية وتنفع الشفاعة فعل مضارع وفاعل، وإلا أداة حصر ومن يجوز فيه أن يكون مفعولا لتنفع وعندئذ تكون من واقعة على المشفوع ويجوز أن يكون بدلا من الشفاعة على قاعدة المستثنى المنفي أو النصب على الاستثناء المتصل من الشفاعة ولا بد في هذين الوجهين من تقدير مضاف تقديره إلا شفاعة من أذن له وإذا اعتبر مستثنى منقطعا وجب نصبه فتلخص فيه أربعة أوجه متقاربة الرجحان ورجح الزمخشري الرفع على البدلية وتبعه القاضي البيضاوي.
وجملة أذن له الرحمن صلة ورضي له قولا عطف على أذن له ورجح أبو البقاء النصب على المفعولية. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) الجملة استئنافية مسوقة لتقرير علمه تعالى ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلهم، ويعلم فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو وما مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضافة لبين، وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم، ولا يحيطون لك أن تجعل الواو عاطفة ولك أن تجعلها حالية، ويحيطون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وبه متعلقان بيحيطون وعلما مفعول به. (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) وعنت الوجوه فعل وفاعل وللحي متعلقان بعنت والقيوم صفة، وسيأتي المراد بالوجوه في باب البلاغة والواو حالية وجملة وقد خاب حالية ومن فاعل خاب وجملة حمل ظلما صلة. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) الواو عاطفة على وقد خاب، ومن شرطية مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي ومن يعمل أعمالا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا نافية ويخاف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وظلما مفعول به ولا هضما عطف على ظلما وجملة لا يخاف خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فهو لا يخاف، وجملة فهو لا يخاف في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) الكاف صفة لمصدر محذوف أي مثل ذلك الانزال أنزلناه وقرآنا حال وعربيا صفة. (وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً)
وصرفنا فعل وفاعل وفيه متعلقان بصرفنا ومن الوعيد صفة لمفعول محذوف أي صرفنا وعيدا من الوعيد، ولعل واسمها وجملة يتقون خبرها وأو حرف عطف ويحدث عطف على يتقون ولهم متعلقان بيحدث وذكرا مفعول به، وفاعل يحدث هو أي القرآن. (فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) الفاء استئنافية وتعالى الله فعل ماض وفاعل والملك الحق صفتان لله ولا تعجل الواو عاطفة ولا ناهية وتعجل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبالقرآن متعلقان بتعجل ومن قبل متعلقان بتعجل وأن يقضى المصدر المؤول مضاف لقبل وإليك متعلقان بيقضى ويقضى فعل مضارع مبني للمجهول ووحيه نائب فاعل، وقل عطف على لا تعجل ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وزدني فعل أمر والنون للوقاية والياء مفعول به أول وعلما مفعول به ثان أو تمييز.
البلاغة:
في قوله تعالى: «لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً» فن طريف يذهل العقول، ويسكر العواطف، ولا يكاد يدركه إلا من أودع الله فيهم سر البيان، وارتاضوا بالمعاناة والدربة على إدراك النكت التي تعز على من رامها وتطول، وهذا الفن سموه فن «التنكيت» وحدّه أن يخص المتكلم شيئا بالذكر دون غيره مما يسد مسده وما يقتضيه ظاهر الكلام لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه، وهو كثير في القرآن الكريم وسيرد في مواطنه، أما في هذه الآية فقد تقدم في الكهف أن أهل اللغة فرقوا بين العوج والعوج فقالوا: العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان ولذلك قال في الكهف «الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجا» أما في هذه الآية فالأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟ أوليس مقتضى اللغة يوجب أن يستعمل العوج بالفتح؟ وهنا يأتي هذا الفن ليسبر غور هذه النكتة التي تدق على النظرة السطحية الأولى، ولا تقف عند التقارير اللغوية، فنقول:
إن اختيار العوج بالكسر في الآية له موضع حسن بديع في استواء الأرض ووصفها بالملاسة وانتفاء الاعوجاج عنها على أبلغ وجه، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة من الأرض فسويتها وبالغت في تسويتها على عينك وعلى عيون البصراء بالأراضي واتفقتم بالإجماع على انه لم يبق فيها اعوجاج قط ثم عمدت إلى المهندس تستطلع رأيه لا بحسب الحدس والتخمين والنظر المجرد بل بحسب المقاييس الهندسية المبنية على العلم الدقيق لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي الذي لا يضل ولا يعزب عنه القليل النادر.
فنفى الله سبحانه ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك والفهم أللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الاحساس ولحق بالمعاني وسما عن الأعيان فقيل فيه عوج بالكسر.
وقد مرّ معنا وسيمر في هذا الكتاب نماذج رائعة لهذا التنكيت الذي ظهر لك في هذه الآية الكريمة مما لا يدركه إلا الحذاق الملهمون، فلنرجئ القول فيها وسنعرض الآن على ناظريك نماذج من الشعر الجميل التي اشتملت على نكتة بارعة لتكون لك معالم صبح تحتذيها، فمن ذلك قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس وقد سئل الأصمعي عن قولها هذا: لم اختصت فيه طلوع الشمس وغروبها دون أثناء النهار؟ فقال لأن طلوع الشمس وقت الركوب إلى الغارات وغروب الشمس وقت قرى الضيفان.
ومنه قول الحسن بن هانئ، أبي نواس:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
فقال «وقل لي هي الخمر» وذلك لأن الحواس الأربع قد التذت حين شربها وبقيت حاسة وحدة لم تستكمل لذتها وهي حاسة السمع فقال «وقل لي هي الخمر» ليسمع ذلك فتكمل له اللذة بجميع حواسه.
ونكتفي الآن بما تقدم ولنا عودة إلى هذا الفن الجميل.
طه 20:108
اللغة:
(قاعاً) : القاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام والجمع أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعة، وقيل هو المنكشف من الأرض، وقيل المستوي الصلب منها، وقيل مالا نبات فيه ولا بناء.
(صَفْصَفاً) : الصفصف: الأرض المستوية الملساء كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة، وفي القاموس: المستوي من الأرض، وقاع صفصف مستو مطمئن فهو بمثابة التأكيد للقاع لأنه بمعناه.
(أَمْتاً) : الأمت هو النتوّ اليسير، يقال مدّ حبله حتى ما فيه أمت وقيل: الأمت هو التل وهو قريب من الأول وقيل الشقوق في الأرض وقيل الآكام وفي القاموس «أمته يأمته قدره وحزره كأمّته وقصده وأجل مأموت مؤقت والأمت المكان المرتفع والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع والاختلاف في الشيء والجمع أمات وأموت والضعف والوهن والطريقة الحسنة والعوج والعيب في الفم وفي الثوب والحجر وأن يغلظ مكان ويرق مكان والمؤمّت المملوء والمتهم بالشر ونحوه والخمر حرمت لا أمت فيها أي لا شك في حرمتها» .
(هَمْساً) : الهمس: الصوت الخفي وهو مصدر همست الكلام من باب ضرب إذا أخفيته ومنه الحروف المهموسة وقيل هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت.
(وَعَنَتِ) : في المختار: عنا يعنو من باب سما يسمو سموّا فالألف محذوفة قبل تاء التأنيث لالتقاء الساكنين إذا ذل وخضع ومنه العناة جمع عان وهو الأسير.
(هَضْماً) : الهضم: النقص، تقول العرب: هضمت لزيد من حقه أي نقصت منه، ومنه هضيم الكشحين أي ضامرهما، قال امرؤ القيس:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم، وهضمته واهتضمته وتهضمته كله بمعنى.
الإعراب:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) الواو للاستئناف والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير تعنتهم وإصرارهم على الجدل والمكابرة والاستهزاء، ويسألونك فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، فقل الفاء عاطفة وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وجملة ينسفها مقول القول والهاء مفعول به مقدم وربي فاعل مؤخر ونسفا مفعول مطلق. (فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً) الفاء عاطفة ويذرها فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو أي الله تعالى والهاء مفعول به وقاعا لك أن تعربها حالا من الضمير المنصوب أو مفعولا به ثانيا لتضمين يذر معنى التصيير، وصفصفا حال ثانية أو بدل من المفعول الثاني وأعربها بعضهم صفة له. (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) الجملة حال ثالثة أو حال أولى ولا نافية وترى فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت وفيها متعلقان بتري وعوجا مفعول به ولا أمتا عطف. وسيأتي مزيد من التقرير حول هذه الآية في باب البلاغة.
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ) الظرف متعلق بيتبعون أو بدل من يوم القيامة المتقدم وقد تقدم تقرير اضافة يوم إلى الظرف ويتبعون الداعي فعل مضارع وفاعل ومفعول به ولا نافية للجنس وعوج اسمها مبني على الفتح وله خبرها وجملة لا عوج له حال من الداعي أو صفة لمصدر محذوف أي يتبعونه اتباعا لا عوج له ويجوز أن تكون مستأنفة والأول أظهر لأن الضمير في له يعود عليه أي لا عوج لدعائه بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى أناس دون أناس. (وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) الواو عاطفة وخشعت الأصوات فعل وفاعل وللرحمن متعلقان بخشعت والفاء عاطفة ولا نافية وتسمع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر وهمسا مفعول به لأن الاستثناء مفرغ. (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) الظرف متعلق بتنفع وإذ مضاف ولا نافية وتنفع الشفاعة فعل مضارع وفاعل، وإلا أداة حصر ومن يجوز فيه أن يكون مفعولا لتنفع وعندئذ تكون من واقعة على المشفوع ويجوز أن يكون بدلا من الشفاعة على قاعدة المستثنى المنفي أو النصب على الاستثناء المتصل من الشفاعة ولا بد في هذين الوجهين من تقدير مضاف تقديره إلا شفاعة من أذن له وإذا اعتبر مستثنى منقطعا وجب نصبه فتلخص فيه أربعة أوجه متقاربة الرجحان ورجح الزمخشري الرفع على البدلية وتبعه القاضي البيضاوي.
وجملة أذن له الرحمن صلة ورضي له قولا عطف على أذن له ورجح أبو البقاء النصب على المفعولية. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) الجملة استئنافية مسوقة لتقرير علمه تعالى ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلهم، ويعلم فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو وما مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضافة لبين، وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم، ولا يحيطون لك أن تجعل الواو عاطفة ولك أن تجعلها حالية، ويحيطون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وبه متعلقان بيحيطون وعلما مفعول به. (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) وعنت الوجوه فعل وفاعل وللحي متعلقان بعنت والقيوم صفة، وسيأتي المراد بالوجوه في باب البلاغة والواو حالية وجملة وقد خاب حالية ومن فاعل خاب وجملة حمل ظلما صلة. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) الواو عاطفة على وقد خاب، ومن شرطية مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي ومن يعمل أعمالا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا نافية ويخاف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وظلما مفعول به ولا هضما عطف على ظلما وجملة لا يخاف خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فهو لا يخاف، وجملة فهو لا يخاف في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) الكاف صفة لمصدر محذوف أي مثل ذلك الانزال أنزلناه وقرآنا حال وعربيا صفة. (وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً)
وصرفنا فعل وفاعل وفيه متعلقان بصرفنا ومن الوعيد صفة لمفعول محذوف أي صرفنا وعيدا من الوعيد، ولعل واسمها وجملة يتقون خبرها وأو حرف عطف ويحدث عطف على يتقون ولهم متعلقان بيحدث وذكرا مفعول به، وفاعل يحدث هو أي القرآن. (فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) الفاء استئنافية وتعالى الله فعل ماض وفاعل والملك الحق صفتان لله ولا تعجل الواو عاطفة ولا ناهية وتعجل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبالقرآن متعلقان بتعجل ومن قبل متعلقان بتعجل وأن يقضى المصدر المؤول مضاف لقبل وإليك متعلقان بيقضى ويقضى فعل مضارع مبني للمجهول ووحيه نائب فاعل، وقل عطف على لا تعجل ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وزدني فعل أمر والنون للوقاية والياء مفعول به أول وعلما مفعول به ثان أو تمييز.
البلاغة:
في قوله تعالى: «لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً» فن طريف يذهل العقول، ويسكر العواطف، ولا يكاد يدركه إلا من أودع الله فيهم سر البيان، وارتاضوا بالمعاناة والدربة على إدراك النكت التي تعز على من رامها وتطول، وهذا الفن سموه فن «التنكيت» وحدّه أن يخص المتكلم شيئا بالذكر دون غيره مما يسد مسده وما يقتضيه ظاهر الكلام لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه، وهو كثير في القرآن الكريم وسيرد في مواطنه، أما في هذه الآية فقد تقدم في الكهف أن أهل اللغة فرقوا بين العوج والعوج فقالوا: العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان ولذلك قال في الكهف «الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجا» أما في هذه الآية فالأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟ أوليس مقتضى اللغة يوجب أن يستعمل العوج بالفتح؟ وهنا يأتي هذا الفن ليسبر غور هذه النكتة التي تدق على النظرة السطحية الأولى، ولا تقف عند التقارير اللغوية، فنقول:
إن اختيار العوج بالكسر في الآية له موضع حسن بديع في استواء الأرض ووصفها بالملاسة وانتفاء الاعوجاج عنها على أبلغ وجه، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة من الأرض فسويتها وبالغت في تسويتها على عينك وعلى عيون البصراء بالأراضي واتفقتم بالإجماع على انه لم يبق فيها اعوجاج قط ثم عمدت إلى المهندس تستطلع رأيه لا بحسب الحدس والتخمين والنظر المجرد بل بحسب المقاييس الهندسية المبنية على العلم الدقيق لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي الذي لا يضل ولا يعزب عنه القليل النادر.
فنفى الله سبحانه ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك والفهم أللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الاحساس ولحق بالمعاني وسما عن الأعيان فقيل فيه عوج بالكسر.
وقد مرّ معنا وسيمر في هذا الكتاب نماذج رائعة لهذا التنكيت الذي ظهر لك في هذه الآية الكريمة مما لا يدركه إلا الحذاق الملهمون، فلنرجئ القول فيها وسنعرض الآن على ناظريك نماذج من الشعر الجميل التي اشتملت على نكتة بارعة لتكون لك معالم صبح تحتذيها، فمن ذلك قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس وقد سئل الأصمعي عن قولها هذا: لم اختصت فيه طلوع الشمس وغروبها دون أثناء النهار؟ فقال لأن طلوع الشمس وقت الركوب إلى الغارات وغروب الشمس وقت قرى الضيفان.
ومنه قول الحسن بن هانئ، أبي نواس:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
فقال «وقل لي هي الخمر» وذلك لأن الحواس الأربع قد التذت حين شربها وبقيت حاسة وحدة لم تستكمل لذتها وهي حاسة السمع فقال «وقل لي هي الخمر» ليسمع ذلك فتكمل له اللذة بجميع حواسه.
ونكتفي الآن بما تقدم ولنا عودة إلى هذا الفن الجميل.
طه 20:109
اللغة:
(قاعاً) : القاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام والجمع أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعة، وقيل هو المنكشف من الأرض، وقيل المستوي الصلب منها، وقيل مالا نبات فيه ولا بناء.
(صَفْصَفاً) : الصفصف: الأرض المستوية الملساء كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة، وفي القاموس: المستوي من الأرض، وقاع صفصف مستو مطمئن فهو بمثابة التأكيد للقاع لأنه بمعناه.
(أَمْتاً) : الأمت هو النتوّ اليسير، يقال مدّ حبله حتى ما فيه أمت وقيل: الأمت هو التل وهو قريب من الأول وقيل الشقوق في الأرض وقيل الآكام وفي القاموس «أمته يأمته قدره وحزره كأمّته وقصده وأجل مأموت مؤقت والأمت المكان المرتفع والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع والاختلاف في الشيء والجمع أمات وأموت والضعف والوهن والطريقة الحسنة والعوج والعيب في الفم وفي الثوب والحجر وأن يغلظ مكان ويرق مكان والمؤمّت المملوء والمتهم بالشر ونحوه والخمر حرمت لا أمت فيها أي لا شك في حرمتها» .
(هَمْساً) : الهمس: الصوت الخفي وهو مصدر همست الكلام من باب ضرب إذا أخفيته ومنه الحروف المهموسة وقيل هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت.
(وَعَنَتِ) : في المختار: عنا يعنو من باب سما يسمو سموّا فالألف محذوفة قبل تاء التأنيث لالتقاء الساكنين إذا ذل وخضع ومنه العناة جمع عان وهو الأسير.
(هَضْماً) : الهضم: النقص، تقول العرب: هضمت لزيد من حقه أي نقصت منه، ومنه هضيم الكشحين أي ضامرهما، قال امرؤ القيس:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم، وهضمته واهتضمته وتهضمته كله بمعنى.
الإعراب:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) الواو للاستئناف والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير تعنتهم وإصرارهم على الجدل والمكابرة والاستهزاء، ويسألونك فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، فقل الفاء عاطفة وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وجملة ينسفها مقول القول والهاء مفعول به مقدم وربي فاعل مؤخر ونسفا مفعول مطلق. (فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً) الفاء عاطفة ويذرها فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو أي الله تعالى والهاء مفعول به وقاعا لك أن تعربها حالا من الضمير المنصوب أو مفعولا به ثانيا لتضمين يذر معنى التصيير، وصفصفا حال ثانية أو بدل من المفعول الثاني وأعربها بعضهم صفة له. (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) الجملة حال ثالثة أو حال أولى ولا نافية وترى فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت وفيها متعلقان بتري وعوجا مفعول به ولا أمتا عطف. وسيأتي مزيد من التقرير حول هذه الآية في باب البلاغة.
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ) الظرف متعلق بيتبعون أو بدل من يوم القيامة المتقدم وقد تقدم تقرير اضافة يوم إلى الظرف ويتبعون الداعي فعل مضارع وفاعل ومفعول به ولا نافية للجنس وعوج اسمها مبني على الفتح وله خبرها وجملة لا عوج له حال من الداعي أو صفة لمصدر محذوف أي يتبعونه اتباعا لا عوج له ويجوز أن تكون مستأنفة والأول أظهر لأن الضمير في له يعود عليه أي لا عوج لدعائه بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى أناس دون أناس. (وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) الواو عاطفة وخشعت الأصوات فعل وفاعل وللرحمن متعلقان بخشعت والفاء عاطفة ولا نافية وتسمع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر وهمسا مفعول به لأن الاستثناء مفرغ. (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) الظرف متعلق بتنفع وإذ مضاف ولا نافية وتنفع الشفاعة فعل مضارع وفاعل، وإلا أداة حصر ومن يجوز فيه أن يكون مفعولا لتنفع وعندئذ تكون من واقعة على المشفوع ويجوز أن يكون بدلا من الشفاعة على قاعدة المستثنى المنفي أو النصب على الاستثناء المتصل من الشفاعة ولا بد في هذين الوجهين من تقدير مضاف تقديره إلا شفاعة من أذن له وإذا اعتبر مستثنى منقطعا وجب نصبه فتلخص فيه أربعة أوجه متقاربة الرجحان ورجح الزمخشري الرفع على البدلية وتبعه القاضي البيضاوي.
وجملة أذن له الرحمن صلة ورضي له قولا عطف على أذن له ورجح أبو البقاء النصب على المفعولية. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) الجملة استئنافية مسوقة لتقرير علمه تعالى ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلهم، ويعلم فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو وما مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضافة لبين، وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم، ولا يحيطون لك أن تجعل الواو عاطفة ولك أن تجعلها حالية، ويحيطون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وبه متعلقان بيحيطون وعلما مفعول به. (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) وعنت الوجوه فعل وفاعل وللحي متعلقان بعنت والقيوم صفة، وسيأتي المراد بالوجوه في باب البلاغة والواو حالية وجملة وقد خاب حالية ومن فاعل خاب وجملة حمل ظلما صلة. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) الواو عاطفة على وقد خاب، ومن شرطية مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي ومن يعمل أعمالا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا نافية ويخاف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وظلما مفعول به ولا هضما عطف على ظلما وجملة لا يخاف خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فهو لا يخاف، وجملة فهو لا يخاف في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) الكاف صفة لمصدر محذوف أي مثل ذلك الانزال أنزلناه وقرآنا حال وعربيا صفة. (وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً)
وصرفنا فعل وفاعل وفيه متعلقان بصرفنا ومن الوعيد صفة لمفعول محذوف أي صرفنا وعيدا من الوعيد، ولعل واسمها وجملة يتقون خبرها وأو حرف عطف ويحدث عطف على يتقون ولهم متعلقان بيحدث وذكرا مفعول به، وفاعل يحدث هو أي القرآن. (فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) الفاء استئنافية وتعالى الله فعل ماض وفاعل والملك الحق صفتان لله ولا تعجل الواو عاطفة ولا ناهية وتعجل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبالقرآن متعلقان بتعجل ومن قبل متعلقان بتعجل وأن يقضى المصدر المؤول مضاف لقبل وإليك متعلقان بيقضى ويقضى فعل مضارع مبني للمجهول ووحيه نائب فاعل، وقل عطف على لا تعجل ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وزدني فعل أمر والنون للوقاية والياء مفعول به أول وعلما مفعول به ثان أو تمييز.
البلاغة:
في قوله تعالى: «لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً» فن طريف يذهل العقول، ويسكر العواطف، ولا يكاد يدركه إلا من أودع الله فيهم سر البيان، وارتاضوا بالمعاناة والدربة على إدراك النكت التي تعز على من رامها وتطول، وهذا الفن سموه فن «التنكيت» وحدّه أن يخص المتكلم شيئا بالذكر دون غيره مما يسد مسده وما يقتضيه ظاهر الكلام لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه، وهو كثير في القرآن الكريم وسيرد في مواطنه، أما في هذه الآية فقد تقدم في الكهف أن أهل اللغة فرقوا بين العوج والعوج فقالوا: العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان ولذلك قال في الكهف «الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجا» أما في هذه الآية فالأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟ أوليس مقتضى اللغة يوجب أن يستعمل العوج بالفتح؟ وهنا يأتي هذا الفن ليسبر غور هذه النكتة التي تدق على النظرة السطحية الأولى، ولا تقف عند التقارير اللغوية، فنقول:
إن اختيار العوج بالكسر في الآية له موضع حسن بديع في استواء الأرض ووصفها بالملاسة وانتفاء الاعوجاج عنها على أبلغ وجه، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة من الأرض فسويتها وبالغت في تسويتها على عينك وعلى عيون البصراء بالأراضي واتفقتم بالإجماع على انه لم يبق فيها اعوجاج قط ثم عمدت إلى المهندس تستطلع رأيه لا بحسب الحدس والتخمين والنظر المجرد بل بحسب المقاييس الهندسية المبنية على العلم الدقيق لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي الذي لا يضل ولا يعزب عنه القليل النادر.
فنفى الله سبحانه ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك والفهم أللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الاحساس ولحق بالمعاني وسما عن الأعيان فقيل فيه عوج بالكسر.
وقد مرّ معنا وسيمر في هذا الكتاب نماذج رائعة لهذا التنكيت الذي ظهر لك في هذه الآية الكريمة مما لا يدركه إلا الحذاق الملهمون، فلنرجئ القول فيها وسنعرض الآن على ناظريك نماذج من الشعر الجميل التي اشتملت على نكتة بارعة لتكون لك معالم صبح تحتذيها، فمن ذلك قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس وقد سئل الأصمعي عن قولها هذا: لم اختصت فيه طلوع الشمس وغروبها دون أثناء النهار؟ فقال لأن طلوع الشمس وقت الركوب إلى الغارات وغروب الشمس وقت قرى الضيفان.
ومنه قول الحسن بن هانئ، أبي نواس:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
فقال «وقل لي هي الخمر» وذلك لأن الحواس الأربع قد التذت حين شربها وبقيت حاسة وحدة لم تستكمل لذتها وهي حاسة السمع فقال «وقل لي هي الخمر» ليسمع ذلك فتكمل له اللذة بجميع حواسه.
ونكتفي الآن بما تقدم ولنا عودة إلى هذا الفن الجميل.
طه 20:110
اللغة:
(قاعاً) : القاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام والجمع أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعة، وقيل هو المنكشف من الأرض، وقيل المستوي الصلب منها، وقيل مالا نبات فيه ولا بناء.
(صَفْصَفاً) : الصفصف: الأرض المستوية الملساء كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة، وفي القاموس: المستوي من الأرض، وقاع صفصف مستو مطمئن فهو بمثابة التأكيد للقاع لأنه بمعناه.
(أَمْتاً) : الأمت هو النتوّ اليسير، يقال مدّ حبله حتى ما فيه أمت وقيل: الأمت هو التل وهو قريب من الأول وقيل الشقوق في الأرض وقيل الآكام وفي القاموس «أمته يأمته قدره وحزره كأمّته وقصده وأجل مأموت مؤقت والأمت المكان المرتفع والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع والاختلاف في الشيء والجمع أمات وأموت والضعف والوهن والطريقة الحسنة والعوج والعيب في الفم وفي الثوب والحجر وأن يغلظ مكان ويرق مكان والمؤمّت المملوء والمتهم بالشر ونحوه والخمر حرمت لا أمت فيها أي لا شك في حرمتها» .
(هَمْساً) : الهمس: الصوت الخفي وهو مصدر همست الكلام من باب ضرب إذا أخفيته ومنه الحروف المهموسة وقيل هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت.
(وَعَنَتِ) : في المختار: عنا يعنو من باب سما يسمو سموّا فالألف محذوفة قبل تاء التأنيث لالتقاء الساكنين إذا ذل وخضع ومنه العناة جمع عان وهو الأسير.
(هَضْماً) : الهضم: النقص، تقول العرب: هضمت لزيد من حقه أي نقصت منه، ومنه هضيم الكشحين أي ضامرهما، قال امرؤ القيس:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم، وهضمته واهتضمته وتهضمته كله بمعنى.
الإعراب:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) الواو للاستئناف والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير تعنتهم وإصرارهم على الجدل والمكابرة والاستهزاء، ويسألونك فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، فقل الفاء عاطفة وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وجملة ينسفها مقول القول والهاء مفعول به مقدم وربي فاعل مؤخر ونسفا مفعول مطلق. (فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً) الفاء عاطفة ويذرها فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو أي الله تعالى والهاء مفعول به وقاعا لك أن تعربها حالا من الضمير المنصوب أو مفعولا به ثانيا لتضمين يذر معنى التصيير، وصفصفا حال ثانية أو بدل من المفعول الثاني وأعربها بعضهم صفة له. (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) الجملة حال ثالثة أو حال أولى ولا نافية وترى فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت وفيها متعلقان بتري وعوجا مفعول به ولا أمتا عطف. وسيأتي مزيد من التقرير حول هذه الآية في باب البلاغة.
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ) الظرف متعلق بيتبعون أو بدل من يوم القيامة المتقدم وقد تقدم تقرير اضافة يوم إلى الظرف ويتبعون الداعي فعل مضارع وفاعل ومفعول به ولا نافية للجنس وعوج اسمها مبني على الفتح وله خبرها وجملة لا عوج له حال من الداعي أو صفة لمصدر محذوف أي يتبعونه اتباعا لا عوج له ويجوز أن تكون مستأنفة والأول أظهر لأن الضمير في له يعود عليه أي لا عوج لدعائه بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى أناس دون أناس. (وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) الواو عاطفة وخشعت الأصوات فعل وفاعل وللرحمن متعلقان بخشعت والفاء عاطفة ولا نافية وتسمع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر وهمسا مفعول به لأن الاستثناء مفرغ. (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) الظرف متعلق بتنفع وإذ مضاف ولا نافية وتنفع الشفاعة فعل مضارع وفاعل، وإلا أداة حصر ومن يجوز فيه أن يكون مفعولا لتنفع وعندئذ تكون من واقعة على المشفوع ويجوز أن يكون بدلا من الشفاعة على قاعدة المستثنى المنفي أو النصب على الاستثناء المتصل من الشفاعة ولا بد في هذين الوجهين من تقدير مضاف تقديره إلا شفاعة من أذن له وإذا اعتبر مستثنى منقطعا وجب نصبه فتلخص فيه أربعة أوجه متقاربة الرجحان ورجح الزمخشري الرفع على البدلية وتبعه القاضي البيضاوي.
وجملة أذن له الرحمن صلة ورضي له قولا عطف على أذن له ورجح أبو البقاء النصب على المفعولية. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) الجملة استئنافية مسوقة لتقرير علمه تعالى ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلهم، ويعلم فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو وما مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضافة لبين، وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم، ولا يحيطون لك أن تجعل الواو عاطفة ولك أن تجعلها حالية، ويحيطون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وبه متعلقان بيحيطون وعلما مفعول به. (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) وعنت الوجوه فعل وفاعل وللحي متعلقان بعنت والقيوم صفة، وسيأتي المراد بالوجوه في باب البلاغة والواو حالية وجملة وقد خاب حالية ومن فاعل خاب وجملة حمل ظلما صلة. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) الواو عاطفة على وقد خاب، ومن شرطية مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي ومن يعمل أعمالا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا نافية ويخاف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وظلما مفعول به ولا هضما عطف على ظلما وجملة لا يخاف خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فهو لا يخاف، وجملة فهو لا يخاف في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) الكاف صفة لمصدر محذوف أي مثل ذلك الانزال أنزلناه وقرآنا حال وعربيا صفة. (وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً)
وصرفنا فعل وفاعل وفيه متعلقان بصرفنا ومن الوعيد صفة لمفعول محذوف أي صرفنا وعيدا من الوعيد، ولعل واسمها وجملة يتقون خبرها وأو حرف عطف ويحدث عطف على يتقون ولهم متعلقان بيحدث وذكرا مفعول به، وفاعل يحدث هو أي القرآن. (فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) الفاء استئنافية وتعالى الله فعل ماض وفاعل والملك الحق صفتان لله ولا تعجل الواو عاطفة ولا ناهية وتعجل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبالقرآن متعلقان بتعجل ومن قبل متعلقان بتعجل وأن يقضى المصدر المؤول مضاف لقبل وإليك متعلقان بيقضى ويقضى فعل مضارع مبني للمجهول ووحيه نائب فاعل، وقل عطف على لا تعجل ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وزدني فعل أمر والنون للوقاية والياء مفعول به أول وعلما مفعول به ثان أو تمييز.
البلاغة:
في قوله تعالى: «لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً» فن طريف يذهل العقول، ويسكر العواطف، ولا يكاد يدركه إلا من أودع الله فيهم سر البيان، وارتاضوا بالمعاناة والدربة على إدراك النكت التي تعز على من رامها وتطول، وهذا الفن سموه فن «التنكيت» وحدّه أن يخص المتكلم شيئا بالذكر دون غيره مما يسد مسده وما يقتضيه ظاهر الكلام لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه، وهو كثير في القرآن الكريم وسيرد في مواطنه، أما في هذه الآية فقد تقدم في الكهف أن أهل اللغة فرقوا بين العوج والعوج فقالوا: العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان ولذلك قال في الكهف «الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجا» أما في هذه الآية فالأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟ أوليس مقتضى اللغة يوجب أن يستعمل العوج بالفتح؟ وهنا يأتي هذا الفن ليسبر غور هذه النكتة التي تدق على النظرة السطحية الأولى، ولا تقف عند التقارير اللغوية، فنقول:
إن اختيار العوج بالكسر في الآية له موضع حسن بديع في استواء الأرض ووصفها بالملاسة وانتفاء الاعوجاج عنها على أبلغ وجه، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة من الأرض فسويتها وبالغت في تسويتها على عينك وعلى عيون البصراء بالأراضي واتفقتم بالإجماع على انه لم يبق فيها اعوجاج قط ثم عمدت إلى المهندس تستطلع رأيه لا بحسب الحدس والتخمين والنظر المجرد بل بحسب المقاييس الهندسية المبنية على العلم الدقيق لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي الذي لا يضل ولا يعزب عنه القليل النادر.
فنفى الله سبحانه ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك والفهم أللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الاحساس ولحق بالمعاني وسما عن الأعيان فقيل فيه عوج بالكسر.
وقد مرّ معنا وسيمر في هذا الكتاب نماذج رائعة لهذا التنكيت الذي ظهر لك في هذه الآية الكريمة مما لا يدركه إلا الحذاق الملهمون، فلنرجئ القول فيها وسنعرض الآن على ناظريك نماذج من الشعر الجميل التي اشتملت على نكتة بارعة لتكون لك معالم صبح تحتذيها، فمن ذلك قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس وقد سئل الأصمعي عن قولها هذا: لم اختصت فيه طلوع الشمس وغروبها دون أثناء النهار؟ فقال لأن طلوع الشمس وقت الركوب إلى الغارات وغروب الشمس وقت قرى الضيفان.
ومنه قول الحسن بن هانئ، أبي نواس:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
فقال «وقل لي هي الخمر» وذلك لأن الحواس الأربع قد التذت حين شربها وبقيت حاسة وحدة لم تستكمل لذتها وهي حاسة السمع فقال «وقل لي هي الخمر» ليسمع ذلك فتكمل له اللذة بجميع حواسه.
ونكتفي الآن بما تقدم ولنا عودة إلى هذا الفن الجميل.
طه 20:111
اللغة:
(قاعاً) : القاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام والجمع أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعة، وقيل هو المنكشف من الأرض، وقيل المستوي الصلب منها، وقيل مالا نبات فيه ولا بناء.
(صَفْصَفاً) : الصفصف: الأرض المستوية الملساء كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة، وفي القاموس: المستوي من الأرض، وقاع صفصف مستو مطمئن فهو بمثابة التأكيد للقاع لأنه بمعناه.
(أَمْتاً) : الأمت هو النتوّ اليسير، يقال مدّ حبله حتى ما فيه أمت وقيل: الأمت هو التل وهو قريب من الأول وقيل الشقوق في الأرض وقيل الآكام وفي القاموس «أمته يأمته قدره وحزره كأمّته وقصده وأجل مأموت مؤقت والأمت المكان المرتفع والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع والاختلاف في الشيء والجمع أمات وأموت والضعف والوهن والطريقة الحسنة والعوج والعيب في الفم وفي الثوب والحجر وأن يغلظ مكان ويرق مكان والمؤمّت المملوء والمتهم بالشر ونحوه والخمر حرمت لا أمت فيها أي لا شك في حرمتها» .
(هَمْساً) : الهمس: الصوت الخفي وهو مصدر همست الكلام من باب ضرب إذا أخفيته ومنه الحروف المهموسة وقيل هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت.
(وَعَنَتِ) : في المختار: عنا يعنو من باب سما يسمو سموّا فالألف محذوفة قبل تاء التأنيث لالتقاء الساكنين إذا ذل وخضع ومنه العناة جمع عان وهو الأسير.
(هَضْماً) : الهضم: النقص، تقول العرب: هضمت لزيد من حقه أي نقصت منه، ومنه هضيم الكشحين أي ضامرهما، قال امرؤ القيس:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم، وهضمته واهتضمته وتهضمته كله بمعنى.
الإعراب:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) الواو للاستئناف والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير تعنتهم وإصرارهم على الجدل والمكابرة والاستهزاء، ويسألونك فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، فقل الفاء عاطفة وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وجملة ينسفها مقول القول والهاء مفعول به مقدم وربي فاعل مؤخر ونسفا مفعول مطلق. (فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً) الفاء عاطفة ويذرها فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو أي الله تعالى والهاء مفعول به وقاعا لك أن تعربها حالا من الضمير المنصوب أو مفعولا به ثانيا لتضمين يذر معنى التصيير، وصفصفا حال ثانية أو بدل من المفعول الثاني وأعربها بعضهم صفة له. (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) الجملة حال ثالثة أو حال أولى ولا نافية وترى فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت وفيها متعلقان بتري وعوجا مفعول به ولا أمتا عطف. وسيأتي مزيد من التقرير حول هذه الآية في باب البلاغة.
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ) الظرف متعلق بيتبعون أو بدل من يوم القيامة المتقدم وقد تقدم تقرير اضافة يوم إلى الظرف ويتبعون الداعي فعل مضارع وفاعل ومفعول به ولا نافية للجنس وعوج اسمها مبني على الفتح وله خبرها وجملة لا عوج له حال من الداعي أو صفة لمصدر محذوف أي يتبعونه اتباعا لا عوج له ويجوز أن تكون مستأنفة والأول أظهر لأن الضمير في له يعود عليه أي لا عوج لدعائه بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى أناس دون أناس. (وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) الواو عاطفة وخشعت الأصوات فعل وفاعل وللرحمن متعلقان بخشعت والفاء عاطفة ولا نافية وتسمع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر وهمسا مفعول به لأن الاستثناء مفرغ. (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) الظرف متعلق بتنفع وإذ مضاف ولا نافية وتنفع الشفاعة فعل مضارع وفاعل، وإلا أداة حصر ومن يجوز فيه أن يكون مفعولا لتنفع وعندئذ تكون من واقعة على المشفوع ويجوز أن يكون بدلا من الشفاعة على قاعدة المستثنى المنفي أو النصب على الاستثناء المتصل من الشفاعة ولا بد في هذين الوجهين من تقدير مضاف تقديره إلا شفاعة من أذن له وإذا اعتبر مستثنى منقطعا وجب نصبه فتلخص فيه أربعة أوجه متقاربة الرجحان ورجح الزمخشري الرفع على البدلية وتبعه القاضي البيضاوي.
وجملة أذن له الرحمن صلة ورضي له قولا عطف على أذن له ورجح أبو البقاء النصب على المفعولية. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) الجملة استئنافية مسوقة لتقرير علمه تعالى ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلهم، ويعلم فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو وما مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضافة لبين، وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم، ولا يحيطون لك أن تجعل الواو عاطفة ولك أن تجعلها حالية، ويحيطون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وبه متعلقان بيحيطون وعلما مفعول به. (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) وعنت الوجوه فعل وفاعل وللحي متعلقان بعنت والقيوم صفة، وسيأتي المراد بالوجوه في باب البلاغة والواو حالية وجملة وقد خاب حالية ومن فاعل خاب وجملة حمل ظلما صلة. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) الواو عاطفة على وقد خاب، ومن شرطية مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي ومن يعمل أعمالا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا نافية ويخاف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وظلما مفعول به ولا هضما عطف على ظلما وجملة لا يخاف خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فهو لا يخاف، وجملة فهو لا يخاف في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) الكاف صفة لمصدر محذوف أي مثل ذلك الانزال أنزلناه وقرآنا حال وعربيا صفة. (وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً)
وصرفنا فعل وفاعل وفيه متعلقان بصرفنا ومن الوعيد صفة لمفعول محذوف أي صرفنا وعيدا من الوعيد، ولعل واسمها وجملة يتقون خبرها وأو حرف عطف ويحدث عطف على يتقون ولهم متعلقان بيحدث وذكرا مفعول به، وفاعل يحدث هو أي القرآن. (فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) الفاء استئنافية وتعالى الله فعل ماض وفاعل والملك الحق صفتان لله ولا تعجل الواو عاطفة ولا ناهية وتعجل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبالقرآن متعلقان بتعجل ومن قبل متعلقان بتعجل وأن يقضى المصدر المؤول مضاف لقبل وإليك متعلقان بيقضى ويقضى فعل مضارع مبني للمجهول ووحيه نائب فاعل، وقل عطف على لا تعجل ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وزدني فعل أمر والنون للوقاية والياء مفعول به أول وعلما مفعول به ثان أو تمييز.
البلاغة:
في قوله تعالى: «لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً» فن طريف يذهل العقول، ويسكر العواطف، ولا يكاد يدركه إلا من أودع الله فيهم سر البيان، وارتاضوا بالمعاناة والدربة على إدراك النكت التي تعز على من رامها وتطول، وهذا الفن سموه فن «التنكيت» وحدّه أن يخص المتكلم شيئا بالذكر دون غيره مما يسد مسده وما يقتضيه ظاهر الكلام لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه، وهو كثير في القرآن الكريم وسيرد في مواطنه، أما في هذه الآية فقد تقدم في الكهف أن أهل اللغة فرقوا بين العوج والعوج فقالوا: العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان ولذلك قال في الكهف «الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجا» أما في هذه الآية فالأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟ أوليس مقتضى اللغة يوجب أن يستعمل العوج بالفتح؟ وهنا يأتي هذا الفن ليسبر غور هذه النكتة التي تدق على النظرة السطحية الأولى، ولا تقف عند التقارير اللغوية، فنقول:
إن اختيار العوج بالكسر في الآية له موضع حسن بديع في استواء الأرض ووصفها بالملاسة وانتفاء الاعوجاج عنها على أبلغ وجه، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة من الأرض فسويتها وبالغت في تسويتها على عينك وعلى عيون البصراء بالأراضي واتفقتم بالإجماع على انه لم يبق فيها اعوجاج قط ثم عمدت إلى المهندس تستطلع رأيه لا بحسب الحدس والتخمين والنظر المجرد بل بحسب المقاييس الهندسية المبنية على العلم الدقيق لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي الذي لا يضل ولا يعزب عنه القليل النادر.
فنفى الله سبحانه ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك والفهم أللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الاحساس ولحق بالمعاني وسما عن الأعيان فقيل فيه عوج بالكسر.
وقد مرّ معنا وسيمر في هذا الكتاب نماذج رائعة لهذا التنكيت الذي ظهر لك في هذه الآية الكريمة مما لا يدركه إلا الحذاق الملهمون، فلنرجئ القول فيها وسنعرض الآن على ناظريك نماذج من الشعر الجميل التي اشتملت على نكتة بارعة لتكون لك معالم صبح تحتذيها، فمن ذلك قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس وقد سئل الأصمعي عن قولها هذا: لم اختصت فيه طلوع الشمس وغروبها دون أثناء النهار؟ فقال لأن طلوع الشمس وقت الركوب إلى الغارات وغروب الشمس وقت قرى الضيفان.
ومنه قول الحسن بن هانئ، أبي نواس:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
فقال «وقل لي هي الخمر» وذلك لأن الحواس الأربع قد التذت حين شربها وبقيت حاسة وحدة لم تستكمل لذتها وهي حاسة السمع فقال «وقل لي هي الخمر» ليسمع ذلك فتكمل له اللذة بجميع حواسه.
ونكتفي الآن بما تقدم ولنا عودة إلى هذا الفن الجميل.
طه 20:112
اللغة:
(قاعاً) : القاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام والجمع أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعة، وقيل هو المنكشف من الأرض، وقيل المستوي الصلب منها، وقيل مالا نبات فيه ولا بناء.
(صَفْصَفاً) : الصفصف: الأرض المستوية الملساء كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة، وفي القاموس: المستوي من الأرض، وقاع صفصف مستو مطمئن فهو بمثابة التأكيد للقاع لأنه بمعناه.
(أَمْتاً) : الأمت هو النتوّ اليسير، يقال مدّ حبله حتى ما فيه أمت وقيل: الأمت هو التل وهو قريب من الأول وقيل الشقوق في الأرض وقيل الآكام وفي القاموس «أمته يأمته قدره وحزره كأمّته وقصده وأجل مأموت مؤقت والأمت المكان المرتفع والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع والاختلاف في الشيء والجمع أمات وأموت والضعف والوهن والطريقة الحسنة والعوج والعيب في الفم وفي الثوب والحجر وأن يغلظ مكان ويرق مكان والمؤمّت المملوء والمتهم بالشر ونحوه والخمر حرمت لا أمت فيها أي لا شك في حرمتها» .
(هَمْساً) : الهمس: الصوت الخفي وهو مصدر همست الكلام من باب ضرب إذا أخفيته ومنه الحروف المهموسة وقيل هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت.
(وَعَنَتِ) : في المختار: عنا يعنو من باب سما يسمو سموّا فالألف محذوفة قبل تاء التأنيث لالتقاء الساكنين إذا ذل وخضع ومنه العناة جمع عان وهو الأسير.
(هَضْماً) : الهضم: النقص، تقول العرب: هضمت لزيد من حقه أي نقصت منه، ومنه هضيم الكشحين أي ضامرهما، قال امرؤ القيس:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم، وهضمته واهتضمته وتهضمته كله بمعنى.
الإعراب:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) الواو للاستئناف والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير تعنتهم وإصرارهم على الجدل والمكابرة والاستهزاء، ويسألونك فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، فقل الفاء عاطفة وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وجملة ينسفها مقول القول والهاء مفعول به مقدم وربي فاعل مؤخر ونسفا مفعول مطلق. (فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً) الفاء عاطفة ويذرها فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو أي الله تعالى والهاء مفعول به وقاعا لك أن تعربها حالا من الضمير المنصوب أو مفعولا به ثانيا لتضمين يذر معنى التصيير، وصفصفا حال ثانية أو بدل من المفعول الثاني وأعربها بعضهم صفة له. (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) الجملة حال ثالثة أو حال أولى ولا نافية وترى فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت وفيها متعلقان بتري وعوجا مفعول به ولا أمتا عطف. وسيأتي مزيد من التقرير حول هذه الآية في باب البلاغة.
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ) الظرف متعلق بيتبعون أو بدل من يوم القيامة المتقدم وقد تقدم تقرير اضافة يوم إلى الظرف ويتبعون الداعي فعل مضارع وفاعل ومفعول به ولا نافية للجنس وعوج اسمها مبني على الفتح وله خبرها وجملة لا عوج له حال من الداعي أو صفة لمصدر محذوف أي يتبعونه اتباعا لا عوج له ويجوز أن تكون مستأنفة والأول أظهر لأن الضمير في له يعود عليه أي لا عوج لدعائه بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى أناس دون أناس. (وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) الواو عاطفة وخشعت الأصوات فعل وفاعل وللرحمن متعلقان بخشعت والفاء عاطفة ولا نافية وتسمع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر وهمسا مفعول به لأن الاستثناء مفرغ. (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) الظرف متعلق بتنفع وإذ مضاف ولا نافية وتنفع الشفاعة فعل مضارع وفاعل، وإلا أداة حصر ومن يجوز فيه أن يكون مفعولا لتنفع وعندئذ تكون من واقعة على المشفوع ويجوز أن يكون بدلا من الشفاعة على قاعدة المستثنى المنفي أو النصب على الاستثناء المتصل من الشفاعة ولا بد في هذين الوجهين من تقدير مضاف تقديره إلا شفاعة من أذن له وإذا اعتبر مستثنى منقطعا وجب نصبه فتلخص فيه أربعة أوجه متقاربة الرجحان ورجح الزمخشري الرفع على البدلية وتبعه القاضي البيضاوي.
وجملة أذن له الرحمن صلة ورضي له قولا عطف على أذن له ورجح أبو البقاء النصب على المفعولية. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) الجملة استئنافية مسوقة لتقرير علمه تعالى ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلهم، ويعلم فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو وما مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضافة لبين، وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم، ولا يحيطون لك أن تجعل الواو عاطفة ولك أن تجعلها حالية، ويحيطون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وبه متعلقان بيحيطون وعلما مفعول به. (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) وعنت الوجوه فعل وفاعل وللحي متعلقان بعنت والقيوم صفة، وسيأتي المراد بالوجوه في باب البلاغة والواو حالية وجملة وقد خاب حالية ومن فاعل خاب وجملة حمل ظلما صلة. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) الواو عاطفة على وقد خاب، ومن شرطية مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي ومن يعمل أعمالا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا نافية ويخاف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وظلما مفعول به ولا هضما عطف على ظلما وجملة لا يخاف خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فهو لا يخاف، وجملة فهو لا يخاف في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) الكاف صفة لمصدر محذوف أي مثل ذلك الانزال أنزلناه وقرآنا حال وعربيا صفة. (وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً)
وصرفنا فعل وفاعل وفيه متعلقان بصرفنا ومن الوعيد صفة لمفعول محذوف أي صرفنا وعيدا من الوعيد، ولعل واسمها وجملة يتقون خبرها وأو حرف عطف ويحدث عطف على يتقون ولهم متعلقان بيحدث وذكرا مفعول به، وفاعل يحدث هو أي القرآن. (فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) الفاء استئنافية وتعالى الله فعل ماض وفاعل والملك الحق صفتان لله ولا تعجل الواو عاطفة ولا ناهية وتعجل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبالقرآن متعلقان بتعجل ومن قبل متعلقان بتعجل وأن يقضى المصدر المؤول مضاف لقبل وإليك متعلقان بيقضى ويقضى فعل مضارع مبني للمجهول ووحيه نائب فاعل، وقل عطف على لا تعجل ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وزدني فعل أمر والنون للوقاية والياء مفعول به أول وعلما مفعول به ثان أو تمييز.
البلاغة:
في قوله تعالى: «لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً» فن طريف يذهل العقول، ويسكر العواطف، ولا يكاد يدركه إلا من أودع الله فيهم سر البيان، وارتاضوا بالمعاناة والدربة على إدراك النكت التي تعز على من رامها وتطول، وهذا الفن سموه فن «التنكيت» وحدّه أن يخص المتكلم شيئا بالذكر دون غيره مما يسد مسده وما يقتضيه ظاهر الكلام لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه، وهو كثير في القرآن الكريم وسيرد في مواطنه، أما في هذه الآية فقد تقدم في الكهف أن أهل اللغة فرقوا بين العوج والعوج فقالوا: العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان ولذلك قال في الكهف «الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجا» أما في هذه الآية فالأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟ أوليس مقتضى اللغة يوجب أن يستعمل العوج بالفتح؟ وهنا يأتي هذا الفن ليسبر غور هذه النكتة التي تدق على النظرة السطحية الأولى، ولا تقف عند التقارير اللغوية، فنقول:
إن اختيار العوج بالكسر في الآية له موضع حسن بديع في استواء الأرض ووصفها بالملاسة وانتفاء الاعوجاج عنها على أبلغ وجه، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة من الأرض فسويتها وبالغت في تسويتها على عينك وعلى عيون البصراء بالأراضي واتفقتم بالإجماع على انه لم يبق فيها اعوجاج قط ثم عمدت إلى المهندس تستطلع رأيه لا بحسب الحدس والتخمين والنظر المجرد بل بحسب المقاييس الهندسية المبنية على العلم الدقيق لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي الذي لا يضل ولا يعزب عنه القليل النادر.
فنفى الله سبحانه ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك والفهم أللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الاحساس ولحق بالمعاني وسما عن الأعيان فقيل فيه عوج بالكسر.
وقد مرّ معنا وسيمر في هذا الكتاب نماذج رائعة لهذا التنكيت الذي ظهر لك في هذه الآية الكريمة مما لا يدركه إلا الحذاق الملهمون، فلنرجئ القول فيها وسنعرض الآن على ناظريك نماذج من الشعر الجميل التي اشتملت على نكتة بارعة لتكون لك معالم صبح تحتذيها، فمن ذلك قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس وقد سئل الأصمعي عن قولها هذا: لم اختصت فيه طلوع الشمس وغروبها دون أثناء النهار؟ فقال لأن طلوع الشمس وقت الركوب إلى الغارات وغروب الشمس وقت قرى الضيفان.
ومنه قول الحسن بن هانئ، أبي نواس:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
فقال «وقل لي هي الخمر» وذلك لأن الحواس الأربع قد التذت حين شربها وبقيت حاسة وحدة لم تستكمل لذتها وهي حاسة السمع فقال «وقل لي هي الخمر» ليسمع ذلك فتكمل له اللذة بجميع حواسه.
ونكتفي الآن بما تقدم ولنا عودة إلى هذا الفن الجميل.
طه 20:113
اللغة:
(قاعاً) : القاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام والجمع أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعة، وقيل هو المنكشف من الأرض، وقيل المستوي الصلب منها، وقيل مالا نبات فيه ولا بناء.
(صَفْصَفاً) : الصفصف: الأرض المستوية الملساء كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة، وفي القاموس: المستوي من الأرض، وقاع صفصف مستو مطمئن فهو بمثابة التأكيد للقاع لأنه بمعناه.
(أَمْتاً) : الأمت هو النتوّ اليسير، يقال مدّ حبله حتى ما فيه أمت وقيل: الأمت هو التل وهو قريب من الأول وقيل الشقوق في الأرض وقيل الآكام وفي القاموس «أمته يأمته قدره وحزره كأمّته وقصده وأجل مأموت مؤقت والأمت المكان المرتفع والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع والاختلاف في الشيء والجمع أمات وأموت والضعف والوهن والطريقة الحسنة والعوج والعيب في الفم وفي الثوب والحجر وأن يغلظ مكان ويرق مكان والمؤمّت المملوء والمتهم بالشر ونحوه والخمر حرمت لا أمت فيها أي لا شك في حرمتها» .
(هَمْساً) : الهمس: الصوت الخفي وهو مصدر همست الكلام من باب ضرب إذا أخفيته ومنه الحروف المهموسة وقيل هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت.
(وَعَنَتِ) : في المختار: عنا يعنو من باب سما يسمو سموّا فالألف محذوفة قبل تاء التأنيث لالتقاء الساكنين إذا ذل وخضع ومنه العناة جمع عان وهو الأسير.
(هَضْماً) : الهضم: النقص، تقول العرب: هضمت لزيد من حقه أي نقصت منه، ومنه هضيم الكشحين أي ضامرهما، قال امرؤ القيس:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم، وهضمته واهتضمته وتهضمته كله بمعنى.
الإعراب:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) الواو للاستئناف والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير تعنتهم وإصرارهم على الجدل والمكابرة والاستهزاء، ويسألونك فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، فقل الفاء عاطفة وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وجملة ينسفها مقول القول والهاء مفعول به مقدم وربي فاعل مؤخر ونسفا مفعول مطلق. (فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً) الفاء عاطفة ويذرها فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو أي الله تعالى والهاء مفعول به وقاعا لك أن تعربها حالا من الضمير المنصوب أو مفعولا به ثانيا لتضمين يذر معنى التصيير، وصفصفا حال ثانية أو بدل من المفعول الثاني وأعربها بعضهم صفة له. (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) الجملة حال ثالثة أو حال أولى ولا نافية وترى فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت وفيها متعلقان بتري وعوجا مفعول به ولا أمتا عطف. وسيأتي مزيد من التقرير حول هذه الآية في باب البلاغة.
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ) الظرف متعلق بيتبعون أو بدل من يوم القيامة المتقدم وقد تقدم تقرير اضافة يوم إلى الظرف ويتبعون الداعي فعل مضارع وفاعل ومفعول به ولا نافية للجنس وعوج اسمها مبني على الفتح وله خبرها وجملة لا عوج له حال من الداعي أو صفة لمصدر محذوف أي يتبعونه اتباعا لا عوج له ويجوز أن تكون مستأنفة والأول أظهر لأن الضمير في له يعود عليه أي لا عوج لدعائه بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى أناس دون أناس. (وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) الواو عاطفة وخشعت الأصوات فعل وفاعل وللرحمن متعلقان بخشعت والفاء عاطفة ولا نافية وتسمع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر وهمسا مفعول به لأن الاستثناء مفرغ. (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) الظرف متعلق بتنفع وإذ مضاف ولا نافية وتنفع الشفاعة فعل مضارع وفاعل، وإلا أداة حصر ومن يجوز فيه أن يكون مفعولا لتنفع وعندئذ تكون من واقعة على المشفوع ويجوز أن يكون بدلا من الشفاعة على قاعدة المستثنى المنفي أو النصب على الاستثناء المتصل من الشفاعة ولا بد في هذين الوجهين من تقدير مضاف تقديره إلا شفاعة من أذن له وإذا اعتبر مستثنى منقطعا وجب نصبه فتلخص فيه أربعة أوجه متقاربة الرجحان ورجح الزمخشري الرفع على البدلية وتبعه القاضي البيضاوي.
وجملة أذن له الرحمن صلة ورضي له قولا عطف على أذن له ورجح أبو البقاء النصب على المفعولية. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) الجملة استئنافية مسوقة لتقرير علمه تعالى ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلهم، ويعلم فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو وما مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضافة لبين، وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم، ولا يحيطون لك أن تجعل الواو عاطفة ولك أن تجعلها حالية، ويحيطون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وبه متعلقان بيحيطون وعلما مفعول به. (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) وعنت الوجوه فعل وفاعل وللحي متعلقان بعنت والقيوم صفة، وسيأتي المراد بالوجوه في باب البلاغة والواو حالية وجملة وقد خاب حالية ومن فاعل خاب وجملة حمل ظلما صلة. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) الواو عاطفة على وقد خاب، ومن شرطية مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي ومن يعمل أعمالا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا نافية ويخاف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وظلما مفعول به ولا هضما عطف على ظلما وجملة لا يخاف خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فهو لا يخاف، وجملة فهو لا يخاف في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) الكاف صفة لمصدر محذوف أي مثل ذلك الانزال أنزلناه وقرآنا حال وعربيا صفة. (وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً)
وصرفنا فعل وفاعل وفيه متعلقان بصرفنا ومن الوعيد صفة لمفعول محذوف أي صرفنا وعيدا من الوعيد، ولعل واسمها وجملة يتقون خبرها وأو حرف عطف ويحدث عطف على يتقون ولهم متعلقان بيحدث وذكرا مفعول به، وفاعل يحدث هو أي القرآن. (فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) الفاء استئنافية وتعالى الله فعل ماض وفاعل والملك الحق صفتان لله ولا تعجل الواو عاطفة ولا ناهية وتعجل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبالقرآن متعلقان بتعجل ومن قبل متعلقان بتعجل وأن يقضى المصدر المؤول مضاف لقبل وإليك متعلقان بيقضى ويقضى فعل مضارع مبني للمجهول ووحيه نائب فاعل، وقل عطف على لا تعجل ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وزدني فعل أمر والنون للوقاية والياء مفعول به أول وعلما مفعول به ثان أو تمييز.
البلاغة:
في قوله تعالى: «لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً» فن طريف يذهل العقول، ويسكر العواطف، ولا يكاد يدركه إلا من أودع الله فيهم سر البيان، وارتاضوا بالمعاناة والدربة على إدراك النكت التي تعز على من رامها وتطول، وهذا الفن سموه فن «التنكيت» وحدّه أن يخص المتكلم شيئا بالذكر دون غيره مما يسد مسده وما يقتضيه ظاهر الكلام لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه، وهو كثير في القرآن الكريم وسيرد في مواطنه، أما في هذه الآية فقد تقدم في الكهف أن أهل اللغة فرقوا بين العوج والعوج فقالوا: العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان ولذلك قال في الكهف «الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجا» أما في هذه الآية فالأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟ أوليس مقتضى اللغة يوجب أن يستعمل العوج بالفتح؟ وهنا يأتي هذا الفن ليسبر غور هذه النكتة التي تدق على النظرة السطحية الأولى، ولا تقف عند التقارير اللغوية، فنقول:
إن اختيار العوج بالكسر في الآية له موضع حسن بديع في استواء الأرض ووصفها بالملاسة وانتفاء الاعوجاج عنها على أبلغ وجه، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة من الأرض فسويتها وبالغت في تسويتها على عينك وعلى عيون البصراء بالأراضي واتفقتم بالإجماع على انه لم يبق فيها اعوجاج قط ثم عمدت إلى المهندس تستطلع رأيه لا بحسب الحدس والتخمين والنظر المجرد بل بحسب المقاييس الهندسية المبنية على العلم الدقيق لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي الذي لا يضل ولا يعزب عنه القليل النادر.
فنفى الله سبحانه ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك والفهم أللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الاحساس ولحق بالمعاني وسما عن الأعيان فقيل فيه عوج بالكسر.
وقد مرّ معنا وسيمر في هذا الكتاب نماذج رائعة لهذا التنكيت الذي ظهر لك في هذه الآية الكريمة مما لا يدركه إلا الحذاق الملهمون، فلنرجئ القول فيها وسنعرض الآن على ناظريك نماذج من الشعر الجميل التي اشتملت على نكتة بارعة لتكون لك معالم صبح تحتذيها، فمن ذلك قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس وقد سئل الأصمعي عن قولها هذا: لم اختصت فيه طلوع الشمس وغروبها دون أثناء النهار؟ فقال لأن طلوع الشمس وقت الركوب إلى الغارات وغروب الشمس وقت قرى الضيفان.
ومنه قول الحسن بن هانئ، أبي نواس:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
فقال «وقل لي هي الخمر» وذلك لأن الحواس الأربع قد التذت حين شربها وبقيت حاسة وحدة لم تستكمل لذتها وهي حاسة السمع فقال «وقل لي هي الخمر» ليسمع ذلك فتكمل له اللذة بجميع حواسه.
ونكتفي الآن بما تقدم ولنا عودة إلى هذا الفن الجميل.
طه 20:114
اللغة:
(قاعاً) : القاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام والجمع أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعة، وقيل هو المنكشف من الأرض، وقيل المستوي الصلب منها، وقيل مالا نبات فيه ولا بناء.
(صَفْصَفاً) : الصفصف: الأرض المستوية الملساء كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة، وفي القاموس: المستوي من الأرض، وقاع صفصف مستو مطمئن فهو بمثابة التأكيد للقاع لأنه بمعناه.
(أَمْتاً) : الأمت هو النتوّ اليسير، يقال مدّ حبله حتى ما فيه أمت وقيل: الأمت هو التل وهو قريب من الأول وقيل الشقوق في الأرض وقيل الآكام وفي القاموس «أمته يأمته قدره وحزره كأمّته وقصده وأجل مأموت مؤقت والأمت المكان المرتفع والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع والاختلاف في الشيء والجمع أمات وأموت والضعف والوهن والطريقة الحسنة والعوج والعيب في الفم وفي الثوب والحجر وأن يغلظ مكان ويرق مكان والمؤمّت المملوء والمتهم بالشر ونحوه والخمر حرمت لا أمت فيها أي لا شك في حرمتها» .
(هَمْساً) : الهمس: الصوت الخفي وهو مصدر همست الكلام من باب ضرب إذا أخفيته ومنه الحروف المهموسة وقيل هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت.
(وَعَنَتِ) : في المختار: عنا يعنو من باب سما يسمو سموّا فالألف محذوفة قبل تاء التأنيث لالتقاء الساكنين إذا ذل وخضع ومنه العناة جمع عان وهو الأسير.
(هَضْماً) : الهضم: النقص، تقول العرب: هضمت لزيد من حقه أي نقصت منه، ومنه هضيم الكشحين أي ضامرهما، قال امرؤ القيس:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم، وهضمته واهتضمته وتهضمته كله بمعنى.
الإعراب:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) الواو للاستئناف والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير تعنتهم وإصرارهم على الجدل والمكابرة والاستهزاء، ويسألونك فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، فقل الفاء عاطفة وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وجملة ينسفها مقول القول والهاء مفعول به مقدم وربي فاعل مؤخر ونسفا مفعول مطلق. (فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً) الفاء عاطفة ويذرها فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو أي الله تعالى والهاء مفعول به وقاعا لك أن تعربها حالا من الضمير المنصوب أو مفعولا به ثانيا لتضمين يذر معنى التصيير، وصفصفا حال ثانية أو بدل من المفعول الثاني وأعربها بعضهم صفة له. (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) الجملة حال ثالثة أو حال أولى ولا نافية وترى فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت وفيها متعلقان بتري وعوجا مفعول به ولا أمتا عطف. وسيأتي مزيد من التقرير حول هذه الآية في باب البلاغة.
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ) الظرف متعلق بيتبعون أو بدل من يوم القيامة المتقدم وقد تقدم تقرير اضافة يوم إلى الظرف ويتبعون الداعي فعل مضارع وفاعل ومفعول به ولا نافية للجنس وعوج اسمها مبني على الفتح وله خبرها وجملة لا عوج له حال من الداعي أو صفة لمصدر محذوف أي يتبعونه اتباعا لا عوج له ويجوز أن تكون مستأنفة والأول أظهر لأن الضمير في له يعود عليه أي لا عوج لدعائه بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى أناس دون أناس. (وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) الواو عاطفة وخشعت الأصوات فعل وفاعل وللرحمن متعلقان بخشعت والفاء عاطفة ولا نافية وتسمع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر وهمسا مفعول به لأن الاستثناء مفرغ. (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) الظرف متعلق بتنفع وإذ مضاف ولا نافية وتنفع الشفاعة فعل مضارع وفاعل، وإلا أداة حصر ومن يجوز فيه أن يكون مفعولا لتنفع وعندئذ تكون من واقعة على المشفوع ويجوز أن يكون بدلا من الشفاعة على قاعدة المستثنى المنفي أو النصب على الاستثناء المتصل من الشفاعة ولا بد في هذين الوجهين من تقدير مضاف تقديره إلا شفاعة من أذن له وإذا اعتبر مستثنى منقطعا وجب نصبه فتلخص فيه أربعة أوجه متقاربة الرجحان ورجح الزمخشري الرفع على البدلية وتبعه القاضي البيضاوي.
وجملة أذن له الرحمن صلة ورضي له قولا عطف على أذن له ورجح أبو البقاء النصب على المفعولية. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) الجملة استئنافية مسوقة لتقرير علمه تعالى ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلهم، ويعلم فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو وما مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضافة لبين، وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم، ولا يحيطون لك أن تجعل الواو عاطفة ولك أن تجعلها حالية، ويحيطون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وبه متعلقان بيحيطون وعلما مفعول به. (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) وعنت الوجوه فعل وفاعل وللحي متعلقان بعنت والقيوم صفة، وسيأتي المراد بالوجوه في باب البلاغة والواو حالية وجملة وقد خاب حالية ومن فاعل خاب وجملة حمل ظلما صلة. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) الواو عاطفة على وقد خاب، ومن شرطية مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي ومن يعمل أعمالا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا نافية ويخاف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وظلما مفعول به ولا هضما عطف على ظلما وجملة لا يخاف خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فهو لا يخاف، وجملة فهو لا يخاف في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) الكاف صفة لمصدر محذوف أي مثل ذلك الانزال أنزلناه وقرآنا حال وعربيا صفة. (وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً)
وصرفنا فعل وفاعل وفيه متعلقان بصرفنا ومن الوعيد صفة لمفعول محذوف أي صرفنا وعيدا من الوعيد، ولعل واسمها وجملة يتقون خبرها وأو حرف عطف ويحدث عطف على يتقون ولهم متعلقان بيحدث وذكرا مفعول به، وفاعل يحدث هو أي القرآن. (فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) الفاء استئنافية وتعالى الله فعل ماض وفاعل والملك الحق صفتان لله ولا تعجل الواو عاطفة ولا ناهية وتعجل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وبالقرآن متعلقان بتعجل ومن قبل متعلقان بتعجل وأن يقضى المصدر المؤول مضاف لقبل وإليك متعلقان بيقضى ويقضى فعل مضارع مبني للمجهول ووحيه نائب فاعل، وقل عطف على لا تعجل ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وزدني فعل أمر والنون للوقاية والياء مفعول به أول وعلما مفعول به ثان أو تمييز.
البلاغة:
في قوله تعالى: «لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً» فن طريف يذهل العقول، ويسكر العواطف، ولا يكاد يدركه إلا من أودع الله فيهم سر البيان، وارتاضوا بالمعاناة والدربة على إدراك النكت التي تعز على من رامها وتطول، وهذا الفن سموه فن «التنكيت» وحدّه أن يخص المتكلم شيئا بالذكر دون غيره مما يسد مسده وما يقتضيه ظاهر الكلام لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه، وهو كثير في القرآن الكريم وسيرد في مواطنه، أما في هذه الآية فقد تقدم في الكهف أن أهل اللغة فرقوا بين العوج والعوج فقالوا: العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان ولذلك قال في الكهف «الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجا» أما في هذه الآية فالأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟ أوليس مقتضى اللغة يوجب أن يستعمل العوج بالفتح؟ وهنا يأتي هذا الفن ليسبر غور هذه النكتة التي تدق على النظرة السطحية الأولى، ولا تقف عند التقارير اللغوية، فنقول:
إن اختيار العوج بالكسر في الآية له موضع حسن بديع في استواء الأرض ووصفها بالملاسة وانتفاء الاعوجاج عنها على أبلغ وجه، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة من الأرض فسويتها وبالغت في تسويتها على عينك وعلى عيون البصراء بالأراضي واتفقتم بالإجماع على انه لم يبق فيها اعوجاج قط ثم عمدت إلى المهندس تستطلع رأيه لا بحسب الحدس والتخمين والنظر المجرد بل بحسب المقاييس الهندسية المبنية على العلم الدقيق لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي الذي لا يضل ولا يعزب عنه القليل النادر.
فنفى الله سبحانه ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك والفهم أللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الاحساس ولحق بالمعاني وسما عن الأعيان فقيل فيه عوج بالكسر.
وقد مرّ معنا وسيمر في هذا الكتاب نماذج رائعة لهذا التنكيت الذي ظهر لك في هذه الآية الكريمة مما لا يدركه إلا الحذاق الملهمون، فلنرجئ القول فيها وسنعرض الآن على ناظريك نماذج من الشعر الجميل التي اشتملت على نكتة بارعة لتكون لك معالم صبح تحتذيها، فمن ذلك قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس وقد سئل الأصمعي عن قولها هذا: لم اختصت فيه طلوع الشمس وغروبها دون أثناء النهار؟ فقال لأن طلوع الشمس وقت الركوب إلى الغارات وغروب الشمس وقت قرى الضيفان.
ومنه قول الحسن بن هانئ، أبي نواس:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
فقال «وقل لي هي الخمر» وذلك لأن الحواس الأربع قد التذت حين شربها وبقيت حاسة وحدة لم تستكمل لذتها وهي حاسة السمع فقال «وقل لي هي الخمر» ليسمع ذلك فتكمل له اللذة بجميع حواسه.
ونكتفي الآن بما تقدم ولنا عودة إلى هذا الفن الجميل.
طه 20:115
اللغة:
(تَضْحى) : ينتابك حر الشمس في الضحى وفي القاموس:
«وضحا يضحو كغزا يغزو ضحوا برز للشمس وكسعى ورضي ضحوا وضحيا أصابته الشمس» .
(وسوس) : وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ووعوعة الذئب في أنها حكايات للأصوات، وسنتحدث عن أسماء الأصوات وحكاياتها في باب الفوائد، وجاء في القاموس: «وسوس وسواسا ووسوسة الشيطان له وإليه حدثه بشر أو بما لا نفع فيه ولا خير ووسوس الرجل:
أصيب في عقله وتكلم بغير نظام وأصابته الوساوس فهو موسوس وتكلم بكلام خفي، والوسواس صوت الحلي، ووسوس الرجل كلمه كلاما خفيا، ووسوس به بالبناء للمجهول اختلط كلامه ودهش، والوسواس الاسم من وسوس، والوسواس الشيطان، والوسواس مرض يحدث من غلبة السوداء ويختلط معه الذهن ويقال لما يخطر بالقلب من شر أو لما لا خير فيه وسواس وجمعه وساوس.
(سَوْآتُهُما) : عوراتهما وقد تقدمت.
(يَخْصِفانِ) : أي يلزقان من خصف النعل وهو أن يخرز عليها الخصاف أي يلزقان ورق الشجر بعضه ببعض حتى يصير عريضا صالحا للاستتار.
(اجْتَباهُ) : اصطفاه وقربه من جبى إلي كذا فاجتبيته فالمجتبى كأنه في الأصل من جمعت فيه المحاسن حتى اختاره غيره.
الإعراب:
(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير مساوئ النسيان الذي هو صنو الجهل وقرينه ولذلك يجب التحوط منه والدعاء دائما بقوله تعالى «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» . واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعهدنا فعل وفاعل والى آدم جار ومجرور متعلقان بعهدنا ومن قبل متعلقان بمحذوف حال، فنسي عطف على عهد أي نسي ما أمرناه به أي أن النسيان أمر مركوز في طباع بني آدم، ولم نجد: الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم والفاعل مستتر تقديره نحن وعزما مفعول به. (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى) الظرف متعلق باذكر مقدرا أي واذكر وقت ما جرى على آدم من معاداة إبليس ووسوسته له وتزيينه له الأكل من الشجرة ومبادرة آدم بالطاعة له بعد ما سلف من النصيحة البالغة والتحذير من الشيطان ومكره وأحابيله. وقد تقدم اعراب الآية كثيرا فلا حاجة إلى الاعادة، ولا تنس اختلاف العلماء في اتصال الاستثناء وانقطاعه. وجملة أبى حالية. (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) الفاء عاطفة وقلنا فعل وفاعل ويا آدم نداء وجملة إن مقول القول وهذا اسم ان وعدو خبرها ولك صفة لعدو ولزوجك عطف على لك. (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) الفاء عاطفة ولا ناهية ويخرجنكما فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا والكاف مفعول به والفاعل مستتر وهو إبليس والميم والألف للتثنية، فتشقى الفاء فاء السببية وتشقى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت وأسند فعل الشقاء إلى آدم وحده لأن شقاء زوجه منوط بشقائه كما أن سعادتها منوطة بسعادته فاختصر الكلام مع المحافظة على الفاصلة. (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى) إن حرف مشبه بالفعل ولك خبر مقدم وأن وما في حيزها اسمها المؤخر وفيها متعلقان بتجوع ولا تعرى عطف على لا تجوع. (وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) عطف على سابقتها وسيأتي كلام بديع حول فصل الجوع عن الظمأ والعري عن الضحو والسر البياني الذي تتقطع دونه الأعناق في باب البلاغة. بقيت هناك مشكلة وهي عطف أنك على أن لا تجوع فكأنها اسم لإن بالكسر وهذا ممتنع فلا يقال: إن أن زيدا منطلق ولكن لما فصل هنا بينهما جاز فتقول: إن عندي أن زيدا قائم، فعندي هو الخبر قدم على الاسم وهو ان وما في حيزها لكونه ظرفا.
والآية من هذا القبيل، ورأى الزمخشري رأيا آخر فقال «فإن قلت:
إن لا تدخل على أن فلا يقال إن أن زيدا منطلق، والواو نائبة عن أن وقائمة مقامها، فلم أدخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبدا نائبة عن إن، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصة كأن لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إن وأن» .
قال ابن هشام في صدد الحديث عن المواضع التي يجوز فيها كسر همزة إن وفتحها: السادس أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه نحو إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر في «وانك لا تظمأ» إما على الاستئناف فتكون جملة منقطعة عما قبلها أو بالعطف على جملة إن الأولى وهي إن لك أن لا تجوع وعليهما فلا محل لها من الإعراب وقرأ الباقون من السبعة بالعطف على أن لا تجوع من عطف المفرد على مثله والتقدير ان لك عدم الجوع وعدم الظمأ» .
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) فوسوس الفاء عاطفة ووسوس فعل ماض واليه متعلقان بوسوس والشيطان فاعل، قال يا آدم فعل ماض ونداء وهل حرف استفهام وأدلك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وعلى شجرة الخلد متعلقان بأدلك وملك عطف على شجرة وجملة لا يبلى صفة لملك. (فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) فأكلا فعل ماض والألف فاعل ومنها متعلقان بأكلا فبدت عطف على أكلا ولهما متعلقان ببدت وسوءاتهما فاعل، وطفقا فعل ماض من أفعال الشروع العاملة عمل كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا والالف اسمها وجملة يخصفان خبر طفقا وعليهما متعلقان بيخصفان ومن ورق الجنة صفة لموصوف محذوف هو المفعول به أي ورقا من ورق الجنة قيل هو التين والأولى أن يكون عاما ليشمل جميع أوراق الأشجار، وعصى آدم ربه فعل وفاعل ومفعول به، فغوى عطف على عصى. (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) ثم حرف عطف واجتباه فعل ومفعول به وربه فاعل فتاب عليه عطف على اجتباه وهدى عطف على تاب. (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) اهبطا فعل أمر مبني على حذف النون والألف فاعل ومنها متعلقان باهبطا وجميعا حال وبعضكم مبتدأ ولبعض حال لأنه كان صفة لعدو وعدو خبر وجملة بعضكم لبعض عدو في محل نصب على الحال.
(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) الفاء عاطفة وإن شرطية وما زائدة ويأتينكم فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به ومني متعلقان بيأتينكم وهدى فاعل يأتينكم، فمن اتبع الفاء رابطة ومن شرطية مبتدأ واتبع فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وهداي مفعول به والفاء رابطة للجواب وجملة لا يضل في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من وجملة من اتبع في محل جزم جواب إن.
البلاغة:
في قوله تعالى «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى» فن بديع يسمى قطع النظير عن النظير وذلك انه قطع الظمأ عن الجوع والضحو عن الكسوة مع ما بينهما من التناسب، والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم وتصنيفها، ولو قرن كلّا بشكله لتوهم المعدودات نعمة واحدة. ويسميه بعض علماء البيان «فن التوهيم» وقد سبقت الاشارة اليه وهو أن يأتي المتكلم بكلمة يوهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها وهو يريد غير ذلك، ومنها أن يأتي في ظاهر الكلام ما يوهم أن فيه لحنا خارجا عن اللسان، ومنها ما يأتي ظاهره يوهم أن الكلام قد قلب عن وجهه لغير فائدة، ومنها ما يأتي دالا على أن ظاهر الكلام فاسد المعنى وهو صحيح.
وهذه الآية من القسم الذي يوهم ظاهره أن نظم الكلام جاء على غير طريق البلاغة لكون لفظه غير مؤتلف بمعناه لما ترى في الألفاظ من عدم ملاءمة، وإذا تأمله المتأمل حق التأمل وجده جاريا على منهج البلاغة بحيث لو جاء على ما توهمه المعترض لكان النظم معيبا. وفي الآية يقول المتوهم لو قيل لا تجوع ولا تظمأ ولا تضحى ولا تعرى لكان ذلك جاريا على ما توجبه البلاغة من الملاءمة والجواب ان مجيئها على ما توهمه المتوهم يفسد معنى النظم لأنه لو قيل: ان لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ لوجب أن يقول وانك لا تعرى فيها ولا تضحى، والتضحي البروز للشمس بغير سترة. قال الهذلي وقيل للمجنون كما في أمالي القالي:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردة تضحى لديك وتخصر
أي تلقى الشمس الضاحية مجردة فينال منها حرها وتلقى برد الليل مجردة فينال منها برده فهي معذبة ليلها ونهارها وإذا كان التضحي البروز للشمس بغير سترة كان معناه التعري فيصير معنى الكلام:
وانك لا تعرى فيها ولا تعرى وهذا فساد ظاهر، ولما كان هذا الفساد لازما للنظم على الوجه الذي توهمه المتوهّم وجب العدول عنه إلى لفظ القرآن وهو أن يضم سبحانه لنفي الجوع نفي العري لتطمئن النفس بسد الجوعة وستر العورة اللذين تدعو إليهما ضرورة الحياة وتطلبهما طبيعة الإنسان بالجبلّة، ولما كان الجوع مقدّما على العطش كتقديم الأكل على الشراب أوجبت البلاغة تأخر ذكر الظمأ عن الجوع وتقديمه على التضحي لأنه مهم يجب أن يتقدم الوعد بنفيه كما تقدم الوعد بنفي الجوع، ويتأخر ذكر التضحي كما تأخر ذكر العري عن الجوع لأن التضحي من جنس العري والظمأ من جنس الجوع فإن قيل: لم ذكر التضحي وهو عري في المعنى وقد أغنى ذكر العري؟ قلت: في ذكر التضحي فائدة كبيرة وهي وصف الجنة بأنها لا شمس فيها كما قال سبحانه:
«لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» فإن التضحي عري مخصوص مشروط بالبروز إلى الشمس وقت الضحى لذلك سمي تضحيا والانتقال من الأعم إلى الأخص بلاغة لاختصاص الأخص بما لا يوجد في الأعم وقال العز بن عبد السلام في الأمالي: كان المناسب من طريق المجاز أن لا تجوع ولا تظمأ ولا تعرى ولا تضحى للجمع بين المتماثلين فلم عدل عن هذا؟ والجواب: ان في الآية جناسا خيرا من هذا وذلك أن الجوع تجرد الباطن من الغذاء والعري تجرد الظاهر من الغشاء فجانس في الآية بين التجردين وكذلك الظمأ حر الباطن والضحى وهو الظهور للشمس حرّ الظاهر فجانس بالجمع بين الحرّين.
وقد رمق أهل البلاغة سماء هذا المعنى قديما وحديثا فقال أبو الطيب المتنبي:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
يحكى انه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
فلما بلغ إلى هذين البيتين قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله: كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم اسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس وكان ينبغي لك أن تقول:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي إن صحّ أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس واخطأت انا، ومولاي يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك لأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف تفاصيله، وانما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت «ووجهك وضاح وثغرك باسم» لأجمع بين الأضداد.
على أن في هذه الآية سرا لذلك زائدا على ما ذكر وهو أنه قصد تناسب الفواصل ولو قرن الظمأ بالجوع لانتثر سلك رؤوس الآي وأحسن به منتظما.
الفوائد:
أسماء الأصوات:
وعدناك ببحث أسماء الأصوات ونرى أن نتوسع فيها قليلا لأن كتب النحو قلّما تهتم لها. فهي تجري مجرى أسماء الافعال لأنها متواخية معها وهي مبنية وتنقسم إلى قسمين:
آ- ما خوطب به مالا يعقل مما يشبه اسم الفعل في الاكتفاء به، ولكن اسم الفعل مركب واسم الصوت مفرد لعدم تحمله الضمير كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: جىء جىء بكسر الجيم فيهما مكررين مهموزين، وفي المحكم انهما أمر للابل بورود الماء يقال جأجأت الإبل إذا دعوتها لتشرب فقلت جىء جىء نقله الجوهري عن الاموي، وكقولهم في دعاء الضأن حاحا وفي دعاء المعز عاعا غير مهموزين والفعل منهما حاحيت وعاعيت، قال سيبويه وأبدلوا الألف من الياء لشبهها بها لأن قولك حاحيت انما هو صوت بنيت منه فعلا وليست فاعلت وكقولهم في زجر البغل:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق
فعدس صوت يزجر به البغل وقد يسمى البغل به والتقدير على التسمية به يا عدس فحذف حرف النداء. وإمارة بكسر الهمزة أي حكم.
ب- ما حكي به صوت مسموع، والمحكي صوته قسمان حيوان وغيره: فالأول كغاق بالغين المعجمة والقاف لصوت الغراب، والثاني نحو طاق حكاية لصوت الضرب وطق بفتح الطاء حكاية لصوت وقع الحجارة بعضها على بعض. هذا وسيرد المزيد من بحث أسماء الأصوات في هذا الكتاب.
نبذة من أسماء الأصوات:
وفيما يلي طائفة مختارة من أسماء الأصوات:
الصرير صوت القلم والسرير والباب والطست والنعل، والنشيش صوت غليان القدر والشراب، الرنين: صوت الثكلى والقوس، القصيف: صوت الرعد والبحر، وهدير الفحل، النقيق صوت الدجاج والضفدع، القعقعة: صوت السلاح والجلد اليابس والقرطاس، الغرغرة: صوت غليان القدر وتردد النفس في صدر المحتضر، العجيج:
صوت الرعد والنساء والشاء، الزفير: صوت النار والحمار والمكروب إذا امتلأ صدره غما فزفر به، الخشخشة والشخشخة: صوت حركة القرطاس والثوب الجديد والدرع، الجلجلة: صوت السبع والرعد وحركة الجلاجل، الحفيف: صوت حركة الأغصان وجناح الطائر وحركة الحية، الصليل والصلصلة: صوت الحديد واللجام والسيف والدراهم والمسامير، الطنين: صوت البعوض والذباب والطنبور، الأطيط: صوت الناقة والمحمل والرجل إذا أثقله ما عليه، الصرصرة:
صوت البازي والبط، الدوي: صوت النحل والأذن والمطر والرعد، الانقاض: صوت الدجاجة والفروج، التغريد صوت المغني والحادي والطائر وكل صائت طرب الصوت فهو غرد، الزمزمة والزهزمة:
صوت الرعد ولهب النار وحكاية صوت المجوسي إذا تكلف الكلام وهو مطبق فمه.
طه 20:116
اللغة:
(تَضْحى) : ينتابك حر الشمس في الضحى وفي القاموس:
«وضحا يضحو كغزا يغزو ضحوا برز للشمس وكسعى ورضي ضحوا وضحيا أصابته الشمس» .
(وسوس) : وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ووعوعة الذئب في أنها حكايات للأصوات، وسنتحدث عن أسماء الأصوات وحكاياتها في باب الفوائد، وجاء في القاموس: «وسوس وسواسا ووسوسة الشيطان له وإليه حدثه بشر أو بما لا نفع فيه ولا خير ووسوس الرجل:
أصيب في عقله وتكلم بغير نظام وأصابته الوساوس فهو موسوس وتكلم بكلام خفي، والوسواس صوت الحلي، ووسوس الرجل كلمه كلاما خفيا، ووسوس به بالبناء للمجهول اختلط كلامه ودهش، والوسواس الاسم من وسوس، والوسواس الشيطان، والوسواس مرض يحدث من غلبة السوداء ويختلط معه الذهن ويقال لما يخطر بالقلب من شر أو لما لا خير فيه وسواس وجمعه وساوس.
(سَوْآتُهُما) : عوراتهما وقد تقدمت.
(يَخْصِفانِ) : أي يلزقان من خصف النعل وهو أن يخرز عليها الخصاف أي يلزقان ورق الشجر بعضه ببعض حتى يصير عريضا صالحا للاستتار.
(اجْتَباهُ) : اصطفاه وقربه من جبى إلي كذا فاجتبيته فالمجتبى كأنه في الأصل من جمعت فيه المحاسن حتى اختاره غيره.
الإعراب:
(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير مساوئ النسيان الذي هو صنو الجهل وقرينه ولذلك يجب التحوط منه والدعاء دائما بقوله تعالى «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» . واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعهدنا فعل وفاعل والى آدم جار ومجرور متعلقان بعهدنا ومن قبل متعلقان بمحذوف حال، فنسي عطف على عهد أي نسي ما أمرناه به أي أن النسيان أمر مركوز في طباع بني آدم، ولم نجد: الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم والفاعل مستتر تقديره نحن وعزما مفعول به. (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى) الظرف متعلق باذكر مقدرا أي واذكر وقت ما جرى على آدم من معاداة إبليس ووسوسته له وتزيينه له الأكل من الشجرة ومبادرة آدم بالطاعة له بعد ما سلف من النصيحة البالغة والتحذير من الشيطان ومكره وأحابيله. وقد تقدم اعراب الآية كثيرا فلا حاجة إلى الاعادة، ولا تنس اختلاف العلماء في اتصال الاستثناء وانقطاعه. وجملة أبى حالية. (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) الفاء عاطفة وقلنا فعل وفاعل ويا آدم نداء وجملة إن مقول القول وهذا اسم ان وعدو خبرها ولك صفة لعدو ولزوجك عطف على لك. (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) الفاء عاطفة ولا ناهية ويخرجنكما فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا والكاف مفعول به والفاعل مستتر وهو إبليس والميم والألف للتثنية، فتشقى الفاء فاء السببية وتشقى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت وأسند فعل الشقاء إلى آدم وحده لأن شقاء زوجه منوط بشقائه كما أن سعادتها منوطة بسعادته فاختصر الكلام مع المحافظة على الفاصلة. (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى) إن حرف مشبه بالفعل ولك خبر مقدم وأن وما في حيزها اسمها المؤخر وفيها متعلقان بتجوع ولا تعرى عطف على لا تجوع. (وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) عطف على سابقتها وسيأتي كلام بديع حول فصل الجوع عن الظمأ والعري عن الضحو والسر البياني الذي تتقطع دونه الأعناق في باب البلاغة. بقيت هناك مشكلة وهي عطف أنك على أن لا تجوع فكأنها اسم لإن بالكسر وهذا ممتنع فلا يقال: إن أن زيدا منطلق ولكن لما فصل هنا بينهما جاز فتقول: إن عندي أن زيدا قائم، فعندي هو الخبر قدم على الاسم وهو ان وما في حيزها لكونه ظرفا.
والآية من هذا القبيل، ورأى الزمخشري رأيا آخر فقال «فإن قلت:
إن لا تدخل على أن فلا يقال إن أن زيدا منطلق، والواو نائبة عن أن وقائمة مقامها، فلم أدخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبدا نائبة عن إن، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصة كأن لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إن وأن» .
قال ابن هشام في صدد الحديث عن المواضع التي يجوز فيها كسر همزة إن وفتحها: السادس أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه نحو إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر في «وانك لا تظمأ» إما على الاستئناف فتكون جملة منقطعة عما قبلها أو بالعطف على جملة إن الأولى وهي إن لك أن لا تجوع وعليهما فلا محل لها من الإعراب وقرأ الباقون من السبعة بالعطف على أن لا تجوع من عطف المفرد على مثله والتقدير ان لك عدم الجوع وعدم الظمأ» .
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) فوسوس الفاء عاطفة ووسوس فعل ماض واليه متعلقان بوسوس والشيطان فاعل، قال يا آدم فعل ماض ونداء وهل حرف استفهام وأدلك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وعلى شجرة الخلد متعلقان بأدلك وملك عطف على شجرة وجملة لا يبلى صفة لملك. (فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) فأكلا فعل ماض والألف فاعل ومنها متعلقان بأكلا فبدت عطف على أكلا ولهما متعلقان ببدت وسوءاتهما فاعل، وطفقا فعل ماض من أفعال الشروع العاملة عمل كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا والالف اسمها وجملة يخصفان خبر طفقا وعليهما متعلقان بيخصفان ومن ورق الجنة صفة لموصوف محذوف هو المفعول به أي ورقا من ورق الجنة قيل هو التين والأولى أن يكون عاما ليشمل جميع أوراق الأشجار، وعصى آدم ربه فعل وفاعل ومفعول به، فغوى عطف على عصى. (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) ثم حرف عطف واجتباه فعل ومفعول به وربه فاعل فتاب عليه عطف على اجتباه وهدى عطف على تاب. (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) اهبطا فعل أمر مبني على حذف النون والألف فاعل ومنها متعلقان باهبطا وجميعا حال وبعضكم مبتدأ ولبعض حال لأنه كان صفة لعدو وعدو خبر وجملة بعضكم لبعض عدو في محل نصب على الحال.
(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) الفاء عاطفة وإن شرطية وما زائدة ويأتينكم فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به ومني متعلقان بيأتينكم وهدى فاعل يأتينكم، فمن اتبع الفاء رابطة ومن شرطية مبتدأ واتبع فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وهداي مفعول به والفاء رابطة للجواب وجملة لا يضل في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من وجملة من اتبع في محل جزم جواب إن.
البلاغة:
في قوله تعالى «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى» فن بديع يسمى قطع النظير عن النظير وذلك انه قطع الظمأ عن الجوع والضحو عن الكسوة مع ما بينهما من التناسب، والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم وتصنيفها، ولو قرن كلّا بشكله لتوهم المعدودات نعمة واحدة. ويسميه بعض علماء البيان «فن التوهيم» وقد سبقت الاشارة اليه وهو أن يأتي المتكلم بكلمة يوهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها وهو يريد غير ذلك، ومنها أن يأتي في ظاهر الكلام ما يوهم أن فيه لحنا خارجا عن اللسان، ومنها ما يأتي ظاهره يوهم أن الكلام قد قلب عن وجهه لغير فائدة، ومنها ما يأتي دالا على أن ظاهر الكلام فاسد المعنى وهو صحيح.
وهذه الآية من القسم الذي يوهم ظاهره أن نظم الكلام جاء على غير طريق البلاغة لكون لفظه غير مؤتلف بمعناه لما ترى في الألفاظ من عدم ملاءمة، وإذا تأمله المتأمل حق التأمل وجده جاريا على منهج البلاغة بحيث لو جاء على ما توهمه المعترض لكان النظم معيبا. وفي الآية يقول المتوهم لو قيل لا تجوع ولا تظمأ ولا تضحى ولا تعرى لكان ذلك جاريا على ما توجبه البلاغة من الملاءمة والجواب ان مجيئها على ما توهمه المتوهم يفسد معنى النظم لأنه لو قيل: ان لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ لوجب أن يقول وانك لا تعرى فيها ولا تضحى، والتضحي البروز للشمس بغير سترة. قال الهذلي وقيل للمجنون كما في أمالي القالي:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردة تضحى لديك وتخصر
أي تلقى الشمس الضاحية مجردة فينال منها حرها وتلقى برد الليل مجردة فينال منها برده فهي معذبة ليلها ونهارها وإذا كان التضحي البروز للشمس بغير سترة كان معناه التعري فيصير معنى الكلام:
وانك لا تعرى فيها ولا تعرى وهذا فساد ظاهر، ولما كان هذا الفساد لازما للنظم على الوجه الذي توهمه المتوهّم وجب العدول عنه إلى لفظ القرآن وهو أن يضم سبحانه لنفي الجوع نفي العري لتطمئن النفس بسد الجوعة وستر العورة اللذين تدعو إليهما ضرورة الحياة وتطلبهما طبيعة الإنسان بالجبلّة، ولما كان الجوع مقدّما على العطش كتقديم الأكل على الشراب أوجبت البلاغة تأخر ذكر الظمأ عن الجوع وتقديمه على التضحي لأنه مهم يجب أن يتقدم الوعد بنفيه كما تقدم الوعد بنفي الجوع، ويتأخر ذكر التضحي كما تأخر ذكر العري عن الجوع لأن التضحي من جنس العري والظمأ من جنس الجوع فإن قيل: لم ذكر التضحي وهو عري في المعنى وقد أغنى ذكر العري؟ قلت: في ذكر التضحي فائدة كبيرة وهي وصف الجنة بأنها لا شمس فيها كما قال سبحانه:
«لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» فإن التضحي عري مخصوص مشروط بالبروز إلى الشمس وقت الضحى لذلك سمي تضحيا والانتقال من الأعم إلى الأخص بلاغة لاختصاص الأخص بما لا يوجد في الأعم وقال العز بن عبد السلام في الأمالي: كان المناسب من طريق المجاز أن لا تجوع ولا تظمأ ولا تعرى ولا تضحى للجمع بين المتماثلين فلم عدل عن هذا؟ والجواب: ان في الآية جناسا خيرا من هذا وذلك أن الجوع تجرد الباطن من الغذاء والعري تجرد الظاهر من الغشاء فجانس في الآية بين التجردين وكذلك الظمأ حر الباطن والضحى وهو الظهور للشمس حرّ الظاهر فجانس بالجمع بين الحرّين.
وقد رمق أهل البلاغة سماء هذا المعنى قديما وحديثا فقال أبو الطيب المتنبي:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
يحكى انه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
فلما بلغ إلى هذين البيتين قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله: كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم اسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس وكان ينبغي لك أن تقول:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي إن صحّ أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس واخطأت انا، ومولاي يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك لأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف تفاصيله، وانما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت «ووجهك وضاح وثغرك باسم» لأجمع بين الأضداد.
على أن في هذه الآية سرا لذلك زائدا على ما ذكر وهو أنه قصد تناسب الفواصل ولو قرن الظمأ بالجوع لانتثر سلك رؤوس الآي وأحسن به منتظما.
الفوائد:
أسماء الأصوات:
وعدناك ببحث أسماء الأصوات ونرى أن نتوسع فيها قليلا لأن كتب النحو قلّما تهتم لها. فهي تجري مجرى أسماء الافعال لأنها متواخية معها وهي مبنية وتنقسم إلى قسمين:
آ- ما خوطب به مالا يعقل مما يشبه اسم الفعل في الاكتفاء به، ولكن اسم الفعل مركب واسم الصوت مفرد لعدم تحمله الضمير كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: جىء جىء بكسر الجيم فيهما مكررين مهموزين، وفي المحكم انهما أمر للابل بورود الماء يقال جأجأت الإبل إذا دعوتها لتشرب فقلت جىء جىء نقله الجوهري عن الاموي، وكقولهم في دعاء الضأن حاحا وفي دعاء المعز عاعا غير مهموزين والفعل منهما حاحيت وعاعيت، قال سيبويه وأبدلوا الألف من الياء لشبهها بها لأن قولك حاحيت انما هو صوت بنيت منه فعلا وليست فاعلت وكقولهم في زجر البغل:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق
فعدس صوت يزجر به البغل وقد يسمى البغل به والتقدير على التسمية به يا عدس فحذف حرف النداء. وإمارة بكسر الهمزة أي حكم.
ب- ما حكي به صوت مسموع، والمحكي صوته قسمان حيوان وغيره: فالأول كغاق بالغين المعجمة والقاف لصوت الغراب، والثاني نحو طاق حكاية لصوت الضرب وطق بفتح الطاء حكاية لصوت وقع الحجارة بعضها على بعض. هذا وسيرد المزيد من بحث أسماء الأصوات في هذا الكتاب.
نبذة من أسماء الأصوات:
وفيما يلي طائفة مختارة من أسماء الأصوات:
الصرير صوت القلم والسرير والباب والطست والنعل، والنشيش صوت غليان القدر والشراب، الرنين: صوت الثكلى والقوس، القصيف: صوت الرعد والبحر، وهدير الفحل، النقيق صوت الدجاج والضفدع، القعقعة: صوت السلاح والجلد اليابس والقرطاس، الغرغرة: صوت غليان القدر وتردد النفس في صدر المحتضر، العجيج:
صوت الرعد والنساء والشاء، الزفير: صوت النار والحمار والمكروب إذا امتلأ صدره غما فزفر به، الخشخشة والشخشخة: صوت حركة القرطاس والثوب الجديد والدرع، الجلجلة: صوت السبع والرعد وحركة الجلاجل، الحفيف: صوت حركة الأغصان وجناح الطائر وحركة الحية، الصليل والصلصلة: صوت الحديد واللجام والسيف والدراهم والمسامير، الطنين: صوت البعوض والذباب والطنبور، الأطيط: صوت الناقة والمحمل والرجل إذا أثقله ما عليه، الصرصرة:
صوت البازي والبط، الدوي: صوت النحل والأذن والمطر والرعد، الانقاض: صوت الدجاجة والفروج، التغريد صوت المغني والحادي والطائر وكل صائت طرب الصوت فهو غرد، الزمزمة والزهزمة:
صوت الرعد ولهب النار وحكاية صوت المجوسي إذا تكلف الكلام وهو مطبق فمه.
طه 20:117
اللغة:
(تَضْحى) : ينتابك حر الشمس في الضحى وفي القاموس:
«وضحا يضحو كغزا يغزو ضحوا برز للشمس وكسعى ورضي ضحوا وضحيا أصابته الشمس» .
(وسوس) : وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ووعوعة الذئب في أنها حكايات للأصوات، وسنتحدث عن أسماء الأصوات وحكاياتها في باب الفوائد، وجاء في القاموس: «وسوس وسواسا ووسوسة الشيطان له وإليه حدثه بشر أو بما لا نفع فيه ولا خير ووسوس الرجل:
أصيب في عقله وتكلم بغير نظام وأصابته الوساوس فهو موسوس وتكلم بكلام خفي، والوسواس صوت الحلي، ووسوس الرجل كلمه كلاما خفيا، ووسوس به بالبناء للمجهول اختلط كلامه ودهش، والوسواس الاسم من وسوس، والوسواس الشيطان، والوسواس مرض يحدث من غلبة السوداء ويختلط معه الذهن ويقال لما يخطر بالقلب من شر أو لما لا خير فيه وسواس وجمعه وساوس.
(سَوْآتُهُما) : عوراتهما وقد تقدمت.
(يَخْصِفانِ) : أي يلزقان من خصف النعل وهو أن يخرز عليها الخصاف أي يلزقان ورق الشجر بعضه ببعض حتى يصير عريضا صالحا للاستتار.
(اجْتَباهُ) : اصطفاه وقربه من جبى إلي كذا فاجتبيته فالمجتبى كأنه في الأصل من جمعت فيه المحاسن حتى اختاره غيره.
الإعراب:
(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير مساوئ النسيان الذي هو صنو الجهل وقرينه ولذلك يجب التحوط منه والدعاء دائما بقوله تعالى «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» . واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعهدنا فعل وفاعل والى آدم جار ومجرور متعلقان بعهدنا ومن قبل متعلقان بمحذوف حال، فنسي عطف على عهد أي نسي ما أمرناه به أي أن النسيان أمر مركوز في طباع بني آدم، ولم نجد: الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم والفاعل مستتر تقديره نحن وعزما مفعول به. (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى) الظرف متعلق باذكر مقدرا أي واذكر وقت ما جرى على آدم من معاداة إبليس ووسوسته له وتزيينه له الأكل من الشجرة ومبادرة آدم بالطاعة له بعد ما سلف من النصيحة البالغة والتحذير من الشيطان ومكره وأحابيله. وقد تقدم اعراب الآية كثيرا فلا حاجة إلى الاعادة، ولا تنس اختلاف العلماء في اتصال الاستثناء وانقطاعه. وجملة أبى حالية. (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) الفاء عاطفة وقلنا فعل وفاعل ويا آدم نداء وجملة إن مقول القول وهذا اسم ان وعدو خبرها ولك صفة لعدو ولزوجك عطف على لك. (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) الفاء عاطفة ولا ناهية ويخرجنكما فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا والكاف مفعول به والفاعل مستتر وهو إبليس والميم والألف للتثنية، فتشقى الفاء فاء السببية وتشقى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت وأسند فعل الشقاء إلى آدم وحده لأن شقاء زوجه منوط بشقائه كما أن سعادتها منوطة بسعادته فاختصر الكلام مع المحافظة على الفاصلة. (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى) إن حرف مشبه بالفعل ولك خبر مقدم وأن وما في حيزها اسمها المؤخر وفيها متعلقان بتجوع ولا تعرى عطف على لا تجوع. (وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) عطف على سابقتها وسيأتي كلام بديع حول فصل الجوع عن الظمأ والعري عن الضحو والسر البياني الذي تتقطع دونه الأعناق في باب البلاغة. بقيت هناك مشكلة وهي عطف أنك على أن لا تجوع فكأنها اسم لإن بالكسر وهذا ممتنع فلا يقال: إن أن زيدا منطلق ولكن لما فصل هنا بينهما جاز فتقول: إن عندي أن زيدا قائم، فعندي هو الخبر قدم على الاسم وهو ان وما في حيزها لكونه ظرفا.
والآية من هذا القبيل، ورأى الزمخشري رأيا آخر فقال «فإن قلت:
إن لا تدخل على أن فلا يقال إن أن زيدا منطلق، والواو نائبة عن أن وقائمة مقامها، فلم أدخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبدا نائبة عن إن، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصة كأن لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إن وأن» .
قال ابن هشام في صدد الحديث عن المواضع التي يجوز فيها كسر همزة إن وفتحها: السادس أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه نحو إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر في «وانك لا تظمأ» إما على الاستئناف فتكون جملة منقطعة عما قبلها أو بالعطف على جملة إن الأولى وهي إن لك أن لا تجوع وعليهما فلا محل لها من الإعراب وقرأ الباقون من السبعة بالعطف على أن لا تجوع من عطف المفرد على مثله والتقدير ان لك عدم الجوع وعدم الظمأ» .
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) فوسوس الفاء عاطفة ووسوس فعل ماض واليه متعلقان بوسوس والشيطان فاعل، قال يا آدم فعل ماض ونداء وهل حرف استفهام وأدلك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وعلى شجرة الخلد متعلقان بأدلك وملك عطف على شجرة وجملة لا يبلى صفة لملك. (فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) فأكلا فعل ماض والألف فاعل ومنها متعلقان بأكلا فبدت عطف على أكلا ولهما متعلقان ببدت وسوءاتهما فاعل، وطفقا فعل ماض من أفعال الشروع العاملة عمل كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا والالف اسمها وجملة يخصفان خبر طفقا وعليهما متعلقان بيخصفان ومن ورق الجنة صفة لموصوف محذوف هو المفعول به أي ورقا من ورق الجنة قيل هو التين والأولى أن يكون عاما ليشمل جميع أوراق الأشجار، وعصى آدم ربه فعل وفاعل ومفعول به، فغوى عطف على عصى. (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) ثم حرف عطف واجتباه فعل ومفعول به وربه فاعل فتاب عليه عطف على اجتباه وهدى عطف على تاب. (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) اهبطا فعل أمر مبني على حذف النون والألف فاعل ومنها متعلقان باهبطا وجميعا حال وبعضكم مبتدأ ولبعض حال لأنه كان صفة لعدو وعدو خبر وجملة بعضكم لبعض عدو في محل نصب على الحال.
(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) الفاء عاطفة وإن شرطية وما زائدة ويأتينكم فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به ومني متعلقان بيأتينكم وهدى فاعل يأتينكم، فمن اتبع الفاء رابطة ومن شرطية مبتدأ واتبع فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وهداي مفعول به والفاء رابطة للجواب وجملة لا يضل في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من وجملة من اتبع في محل جزم جواب إن.
البلاغة:
في قوله تعالى «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى» فن بديع يسمى قطع النظير عن النظير وذلك انه قطع الظمأ عن الجوع والضحو عن الكسوة مع ما بينهما من التناسب، والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم وتصنيفها، ولو قرن كلّا بشكله لتوهم المعدودات نعمة واحدة. ويسميه بعض علماء البيان «فن التوهيم» وقد سبقت الاشارة اليه وهو أن يأتي المتكلم بكلمة يوهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها وهو يريد غير ذلك، ومنها أن يأتي في ظاهر الكلام ما يوهم أن فيه لحنا خارجا عن اللسان، ومنها ما يأتي ظاهره يوهم أن الكلام قد قلب عن وجهه لغير فائدة، ومنها ما يأتي دالا على أن ظاهر الكلام فاسد المعنى وهو صحيح.
وهذه الآية من القسم الذي يوهم ظاهره أن نظم الكلام جاء على غير طريق البلاغة لكون لفظه غير مؤتلف بمعناه لما ترى في الألفاظ من عدم ملاءمة، وإذا تأمله المتأمل حق التأمل وجده جاريا على منهج البلاغة بحيث لو جاء على ما توهمه المعترض لكان النظم معيبا. وفي الآية يقول المتوهم لو قيل لا تجوع ولا تظمأ ولا تضحى ولا تعرى لكان ذلك جاريا على ما توجبه البلاغة من الملاءمة والجواب ان مجيئها على ما توهمه المتوهم يفسد معنى النظم لأنه لو قيل: ان لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ لوجب أن يقول وانك لا تعرى فيها ولا تضحى، والتضحي البروز للشمس بغير سترة. قال الهذلي وقيل للمجنون كما في أمالي القالي:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردة تضحى لديك وتخصر
أي تلقى الشمس الضاحية مجردة فينال منها حرها وتلقى برد الليل مجردة فينال منها برده فهي معذبة ليلها ونهارها وإذا كان التضحي البروز للشمس بغير سترة كان معناه التعري فيصير معنى الكلام:
وانك لا تعرى فيها ولا تعرى وهذا فساد ظاهر، ولما كان هذا الفساد لازما للنظم على الوجه الذي توهمه المتوهّم وجب العدول عنه إلى لفظ القرآن وهو أن يضم سبحانه لنفي الجوع نفي العري لتطمئن النفس بسد الجوعة وستر العورة اللذين تدعو إليهما ضرورة الحياة وتطلبهما طبيعة الإنسان بالجبلّة، ولما كان الجوع مقدّما على العطش كتقديم الأكل على الشراب أوجبت البلاغة تأخر ذكر الظمأ عن الجوع وتقديمه على التضحي لأنه مهم يجب أن يتقدم الوعد بنفيه كما تقدم الوعد بنفي الجوع، ويتأخر ذكر التضحي كما تأخر ذكر العري عن الجوع لأن التضحي من جنس العري والظمأ من جنس الجوع فإن قيل: لم ذكر التضحي وهو عري في المعنى وقد أغنى ذكر العري؟ قلت: في ذكر التضحي فائدة كبيرة وهي وصف الجنة بأنها لا شمس فيها كما قال سبحانه:
«لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» فإن التضحي عري مخصوص مشروط بالبروز إلى الشمس وقت الضحى لذلك سمي تضحيا والانتقال من الأعم إلى الأخص بلاغة لاختصاص الأخص بما لا يوجد في الأعم وقال العز بن عبد السلام في الأمالي: كان المناسب من طريق المجاز أن لا تجوع ولا تظمأ ولا تعرى ولا تضحى للجمع بين المتماثلين فلم عدل عن هذا؟ والجواب: ان في الآية جناسا خيرا من هذا وذلك أن الجوع تجرد الباطن من الغذاء والعري تجرد الظاهر من الغشاء فجانس في الآية بين التجردين وكذلك الظمأ حر الباطن والضحى وهو الظهور للشمس حرّ الظاهر فجانس بالجمع بين الحرّين.
وقد رمق أهل البلاغة سماء هذا المعنى قديما وحديثا فقال أبو الطيب المتنبي:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
يحكى انه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
فلما بلغ إلى هذين البيتين قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله: كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم اسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس وكان ينبغي لك أن تقول:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي إن صحّ أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس واخطأت انا، ومولاي يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك لأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف تفاصيله، وانما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت «ووجهك وضاح وثغرك باسم» لأجمع بين الأضداد.
على أن في هذه الآية سرا لذلك زائدا على ما ذكر وهو أنه قصد تناسب الفواصل ولو قرن الظمأ بالجوع لانتثر سلك رؤوس الآي وأحسن به منتظما.
الفوائد:
أسماء الأصوات:
وعدناك ببحث أسماء الأصوات ونرى أن نتوسع فيها قليلا لأن كتب النحو قلّما تهتم لها. فهي تجري مجرى أسماء الافعال لأنها متواخية معها وهي مبنية وتنقسم إلى قسمين:
آ- ما خوطب به مالا يعقل مما يشبه اسم الفعل في الاكتفاء به، ولكن اسم الفعل مركب واسم الصوت مفرد لعدم تحمله الضمير كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: جىء جىء بكسر الجيم فيهما مكررين مهموزين، وفي المحكم انهما أمر للابل بورود الماء يقال جأجأت الإبل إذا دعوتها لتشرب فقلت جىء جىء نقله الجوهري عن الاموي، وكقولهم في دعاء الضأن حاحا وفي دعاء المعز عاعا غير مهموزين والفعل منهما حاحيت وعاعيت، قال سيبويه وأبدلوا الألف من الياء لشبهها بها لأن قولك حاحيت انما هو صوت بنيت منه فعلا وليست فاعلت وكقولهم في زجر البغل:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق
فعدس صوت يزجر به البغل وقد يسمى البغل به والتقدير على التسمية به يا عدس فحذف حرف النداء. وإمارة بكسر الهمزة أي حكم.
ب- ما حكي به صوت مسموع، والمحكي صوته قسمان حيوان وغيره: فالأول كغاق بالغين المعجمة والقاف لصوت الغراب، والثاني نحو طاق حكاية لصوت الضرب وطق بفتح الطاء حكاية لصوت وقع الحجارة بعضها على بعض. هذا وسيرد المزيد من بحث أسماء الأصوات في هذا الكتاب.
نبذة من أسماء الأصوات:
وفيما يلي طائفة مختارة من أسماء الأصوات:
الصرير صوت القلم والسرير والباب والطست والنعل، والنشيش صوت غليان القدر والشراب، الرنين: صوت الثكلى والقوس، القصيف: صوت الرعد والبحر، وهدير الفحل، النقيق صوت الدجاج والضفدع، القعقعة: صوت السلاح والجلد اليابس والقرطاس، الغرغرة: صوت غليان القدر وتردد النفس في صدر المحتضر، العجيج:
صوت الرعد والنساء والشاء، الزفير: صوت النار والحمار والمكروب إذا امتلأ صدره غما فزفر به، الخشخشة والشخشخة: صوت حركة القرطاس والثوب الجديد والدرع، الجلجلة: صوت السبع والرعد وحركة الجلاجل، الحفيف: صوت حركة الأغصان وجناح الطائر وحركة الحية، الصليل والصلصلة: صوت الحديد واللجام والسيف والدراهم والمسامير، الطنين: صوت البعوض والذباب والطنبور، الأطيط: صوت الناقة والمحمل والرجل إذا أثقله ما عليه، الصرصرة:
صوت البازي والبط، الدوي: صوت النحل والأذن والمطر والرعد، الانقاض: صوت الدجاجة والفروج، التغريد صوت المغني والحادي والطائر وكل صائت طرب الصوت فهو غرد، الزمزمة والزهزمة:
صوت الرعد ولهب النار وحكاية صوت المجوسي إذا تكلف الكلام وهو مطبق فمه.
طه 20:118
اللغة:
(تَضْحى) : ينتابك حر الشمس في الضحى وفي القاموس:
«وضحا يضحو كغزا يغزو ضحوا برز للشمس وكسعى ورضي ضحوا وضحيا أصابته الشمس» .
(وسوس) : وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ووعوعة الذئب في أنها حكايات للأصوات، وسنتحدث عن أسماء الأصوات وحكاياتها في باب الفوائد، وجاء في القاموس: «وسوس وسواسا ووسوسة الشيطان له وإليه حدثه بشر أو بما لا نفع فيه ولا خير ووسوس الرجل:
أصيب في عقله وتكلم بغير نظام وأصابته الوساوس فهو موسوس وتكلم بكلام خفي، والوسواس صوت الحلي، ووسوس الرجل كلمه كلاما خفيا، ووسوس به بالبناء للمجهول اختلط كلامه ودهش، والوسواس الاسم من وسوس، والوسواس الشيطان، والوسواس مرض يحدث من غلبة السوداء ويختلط معه الذهن ويقال لما يخطر بالقلب من شر أو لما لا خير فيه وسواس وجمعه وساوس.
(سَوْآتُهُما) : عوراتهما وقد تقدمت.
(يَخْصِفانِ) : أي يلزقان من خصف النعل وهو أن يخرز عليها الخصاف أي يلزقان ورق الشجر بعضه ببعض حتى يصير عريضا صالحا للاستتار.
(اجْتَباهُ) : اصطفاه وقربه من جبى إلي كذا فاجتبيته فالمجتبى كأنه في الأصل من جمعت فيه المحاسن حتى اختاره غيره.
الإعراب:
(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير مساوئ النسيان الذي هو صنو الجهل وقرينه ولذلك يجب التحوط منه والدعاء دائما بقوله تعالى «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» . واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعهدنا فعل وفاعل والى آدم جار ومجرور متعلقان بعهدنا ومن قبل متعلقان بمحذوف حال، فنسي عطف على عهد أي نسي ما أمرناه به أي أن النسيان أمر مركوز في طباع بني آدم، ولم نجد: الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم والفاعل مستتر تقديره نحن وعزما مفعول به. (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى) الظرف متعلق باذكر مقدرا أي واذكر وقت ما جرى على آدم من معاداة إبليس ووسوسته له وتزيينه له الأكل من الشجرة ومبادرة آدم بالطاعة له بعد ما سلف من النصيحة البالغة والتحذير من الشيطان ومكره وأحابيله. وقد تقدم اعراب الآية كثيرا فلا حاجة إلى الاعادة، ولا تنس اختلاف العلماء في اتصال الاستثناء وانقطاعه. وجملة أبى حالية. (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) الفاء عاطفة وقلنا فعل وفاعل ويا آدم نداء وجملة إن مقول القول وهذا اسم ان وعدو خبرها ولك صفة لعدو ولزوجك عطف على لك. (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) الفاء عاطفة ولا ناهية ويخرجنكما فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا والكاف مفعول به والفاعل مستتر وهو إبليس والميم والألف للتثنية، فتشقى الفاء فاء السببية وتشقى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت وأسند فعل الشقاء إلى آدم وحده لأن شقاء زوجه منوط بشقائه كما أن سعادتها منوطة بسعادته فاختصر الكلام مع المحافظة على الفاصلة. (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى) إن حرف مشبه بالفعل ولك خبر مقدم وأن وما في حيزها اسمها المؤخر وفيها متعلقان بتجوع ولا تعرى عطف على لا تجوع. (وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) عطف على سابقتها وسيأتي كلام بديع حول فصل الجوع عن الظمأ والعري عن الضحو والسر البياني الذي تتقطع دونه الأعناق في باب البلاغة. بقيت هناك مشكلة وهي عطف أنك على أن لا تجوع فكأنها اسم لإن بالكسر وهذا ممتنع فلا يقال: إن أن زيدا منطلق ولكن لما فصل هنا بينهما جاز فتقول: إن عندي أن زيدا قائم، فعندي هو الخبر قدم على الاسم وهو ان وما في حيزها لكونه ظرفا.
والآية من هذا القبيل، ورأى الزمخشري رأيا آخر فقال «فإن قلت:
إن لا تدخل على أن فلا يقال إن أن زيدا منطلق، والواو نائبة عن أن وقائمة مقامها، فلم أدخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبدا نائبة عن إن، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصة كأن لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إن وأن» .
قال ابن هشام في صدد الحديث عن المواضع التي يجوز فيها كسر همزة إن وفتحها: السادس أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه نحو إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر في «وانك لا تظمأ» إما على الاستئناف فتكون جملة منقطعة عما قبلها أو بالعطف على جملة إن الأولى وهي إن لك أن لا تجوع وعليهما فلا محل لها من الإعراب وقرأ الباقون من السبعة بالعطف على أن لا تجوع من عطف المفرد على مثله والتقدير ان لك عدم الجوع وعدم الظمأ» .
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) فوسوس الفاء عاطفة ووسوس فعل ماض واليه متعلقان بوسوس والشيطان فاعل، قال يا آدم فعل ماض ونداء وهل حرف استفهام وأدلك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وعلى شجرة الخلد متعلقان بأدلك وملك عطف على شجرة وجملة لا يبلى صفة لملك. (فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) فأكلا فعل ماض والألف فاعل ومنها متعلقان بأكلا فبدت عطف على أكلا ولهما متعلقان ببدت وسوءاتهما فاعل، وطفقا فعل ماض من أفعال الشروع العاملة عمل كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا والالف اسمها وجملة يخصفان خبر طفقا وعليهما متعلقان بيخصفان ومن ورق الجنة صفة لموصوف محذوف هو المفعول به أي ورقا من ورق الجنة قيل هو التين والأولى أن يكون عاما ليشمل جميع أوراق الأشجار، وعصى آدم ربه فعل وفاعل ومفعول به، فغوى عطف على عصى. (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) ثم حرف عطف واجتباه فعل ومفعول به وربه فاعل فتاب عليه عطف على اجتباه وهدى عطف على تاب. (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) اهبطا فعل أمر مبني على حذف النون والألف فاعل ومنها متعلقان باهبطا وجميعا حال وبعضكم مبتدأ ولبعض حال لأنه كان صفة لعدو وعدو خبر وجملة بعضكم لبعض عدو في محل نصب على الحال.
(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) الفاء عاطفة وإن شرطية وما زائدة ويأتينكم فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به ومني متعلقان بيأتينكم وهدى فاعل يأتينكم، فمن اتبع الفاء رابطة ومن شرطية مبتدأ واتبع فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وهداي مفعول به والفاء رابطة للجواب وجملة لا يضل في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من وجملة من اتبع في محل جزم جواب إن.
البلاغة:
في قوله تعالى «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى» فن بديع يسمى قطع النظير عن النظير وذلك انه قطع الظمأ عن الجوع والضحو عن الكسوة مع ما بينهما من التناسب، والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم وتصنيفها، ولو قرن كلّا بشكله لتوهم المعدودات نعمة واحدة. ويسميه بعض علماء البيان «فن التوهيم» وقد سبقت الاشارة اليه وهو أن يأتي المتكلم بكلمة يوهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها وهو يريد غير ذلك، ومنها أن يأتي في ظاهر الكلام ما يوهم أن فيه لحنا خارجا عن اللسان، ومنها ما يأتي ظاهره يوهم أن الكلام قد قلب عن وجهه لغير فائدة، ومنها ما يأتي دالا على أن ظاهر الكلام فاسد المعنى وهو صحيح.
وهذه الآية من القسم الذي يوهم ظاهره أن نظم الكلام جاء على غير طريق البلاغة لكون لفظه غير مؤتلف بمعناه لما ترى في الألفاظ من عدم ملاءمة، وإذا تأمله المتأمل حق التأمل وجده جاريا على منهج البلاغة بحيث لو جاء على ما توهمه المعترض لكان النظم معيبا. وفي الآية يقول المتوهم لو قيل لا تجوع ولا تظمأ ولا تضحى ولا تعرى لكان ذلك جاريا على ما توجبه البلاغة من الملاءمة والجواب ان مجيئها على ما توهمه المتوهم يفسد معنى النظم لأنه لو قيل: ان لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ لوجب أن يقول وانك لا تعرى فيها ولا تضحى، والتضحي البروز للشمس بغير سترة. قال الهذلي وقيل للمجنون كما في أمالي القالي:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردة تضحى لديك وتخصر
أي تلقى الشمس الضاحية مجردة فينال منها حرها وتلقى برد الليل مجردة فينال منها برده فهي معذبة ليلها ونهارها وإذا كان التضحي البروز للشمس بغير سترة كان معناه التعري فيصير معنى الكلام:
وانك لا تعرى فيها ولا تعرى وهذا فساد ظاهر، ولما كان هذا الفساد لازما للنظم على الوجه الذي توهمه المتوهّم وجب العدول عنه إلى لفظ القرآن وهو أن يضم سبحانه لنفي الجوع نفي العري لتطمئن النفس بسد الجوعة وستر العورة اللذين تدعو إليهما ضرورة الحياة وتطلبهما طبيعة الإنسان بالجبلّة، ولما كان الجوع مقدّما على العطش كتقديم الأكل على الشراب أوجبت البلاغة تأخر ذكر الظمأ عن الجوع وتقديمه على التضحي لأنه مهم يجب أن يتقدم الوعد بنفيه كما تقدم الوعد بنفي الجوع، ويتأخر ذكر التضحي كما تأخر ذكر العري عن الجوع لأن التضحي من جنس العري والظمأ من جنس الجوع فإن قيل: لم ذكر التضحي وهو عري في المعنى وقد أغنى ذكر العري؟ قلت: في ذكر التضحي فائدة كبيرة وهي وصف الجنة بأنها لا شمس فيها كما قال سبحانه:
«لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» فإن التضحي عري مخصوص مشروط بالبروز إلى الشمس وقت الضحى لذلك سمي تضحيا والانتقال من الأعم إلى الأخص بلاغة لاختصاص الأخص بما لا يوجد في الأعم وقال العز بن عبد السلام في الأمالي: كان المناسب من طريق المجاز أن لا تجوع ولا تظمأ ولا تعرى ولا تضحى للجمع بين المتماثلين فلم عدل عن هذا؟ والجواب: ان في الآية جناسا خيرا من هذا وذلك أن الجوع تجرد الباطن من الغذاء والعري تجرد الظاهر من الغشاء فجانس في الآية بين التجردين وكذلك الظمأ حر الباطن والضحى وهو الظهور للشمس حرّ الظاهر فجانس بالجمع بين الحرّين.
وقد رمق أهل البلاغة سماء هذا المعنى قديما وحديثا فقال أبو الطيب المتنبي:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
يحكى انه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
فلما بلغ إلى هذين البيتين قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله: كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم اسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس وكان ينبغي لك أن تقول:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي إن صحّ أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس واخطأت انا، ومولاي يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك لأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف تفاصيله، وانما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت «ووجهك وضاح وثغرك باسم» لأجمع بين الأضداد.
على أن في هذه الآية سرا لذلك زائدا على ما ذكر وهو أنه قصد تناسب الفواصل ولو قرن الظمأ بالجوع لانتثر سلك رؤوس الآي وأحسن به منتظما.
الفوائد:
أسماء الأصوات:
وعدناك ببحث أسماء الأصوات ونرى أن نتوسع فيها قليلا لأن كتب النحو قلّما تهتم لها. فهي تجري مجرى أسماء الافعال لأنها متواخية معها وهي مبنية وتنقسم إلى قسمين:
آ- ما خوطب به مالا يعقل مما يشبه اسم الفعل في الاكتفاء به، ولكن اسم الفعل مركب واسم الصوت مفرد لعدم تحمله الضمير كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: جىء جىء بكسر الجيم فيهما مكررين مهموزين، وفي المحكم انهما أمر للابل بورود الماء يقال جأجأت الإبل إذا دعوتها لتشرب فقلت جىء جىء نقله الجوهري عن الاموي، وكقولهم في دعاء الضأن حاحا وفي دعاء المعز عاعا غير مهموزين والفعل منهما حاحيت وعاعيت، قال سيبويه وأبدلوا الألف من الياء لشبهها بها لأن قولك حاحيت انما هو صوت بنيت منه فعلا وليست فاعلت وكقولهم في زجر البغل:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق
فعدس صوت يزجر به البغل وقد يسمى البغل به والتقدير على التسمية به يا عدس فحذف حرف النداء. وإمارة بكسر الهمزة أي حكم.
ب- ما حكي به صوت مسموع، والمحكي صوته قسمان حيوان وغيره: فالأول كغاق بالغين المعجمة والقاف لصوت الغراب، والثاني نحو طاق حكاية لصوت الضرب وطق بفتح الطاء حكاية لصوت وقع الحجارة بعضها على بعض. هذا وسيرد المزيد من بحث أسماء الأصوات في هذا الكتاب.
نبذة من أسماء الأصوات:
وفيما يلي طائفة مختارة من أسماء الأصوات:
الصرير صوت القلم والسرير والباب والطست والنعل، والنشيش صوت غليان القدر والشراب، الرنين: صوت الثكلى والقوس، القصيف: صوت الرعد والبحر، وهدير الفحل، النقيق صوت الدجاج والضفدع، القعقعة: صوت السلاح والجلد اليابس والقرطاس، الغرغرة: صوت غليان القدر وتردد النفس في صدر المحتضر، العجيج:
صوت الرعد والنساء والشاء، الزفير: صوت النار والحمار والمكروب إذا امتلأ صدره غما فزفر به، الخشخشة والشخشخة: صوت حركة القرطاس والثوب الجديد والدرع، الجلجلة: صوت السبع والرعد وحركة الجلاجل، الحفيف: صوت حركة الأغصان وجناح الطائر وحركة الحية، الصليل والصلصلة: صوت الحديد واللجام والسيف والدراهم والمسامير، الطنين: صوت البعوض والذباب والطنبور، الأطيط: صوت الناقة والمحمل والرجل إذا أثقله ما عليه، الصرصرة:
صوت البازي والبط، الدوي: صوت النحل والأذن والمطر والرعد، الانقاض: صوت الدجاجة والفروج، التغريد صوت المغني والحادي والطائر وكل صائت طرب الصوت فهو غرد، الزمزمة والزهزمة:
صوت الرعد ولهب النار وحكاية صوت المجوسي إذا تكلف الكلام وهو مطبق فمه.
طه 20:119
اللغة:
(تَضْحى) : ينتابك حر الشمس في الضحى وفي القاموس:
«وضحا يضحو كغزا يغزو ضحوا برز للشمس وكسعى ورضي ضحوا وضحيا أصابته الشمس» .
(وسوس) : وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ووعوعة الذئب في أنها حكايات للأصوات، وسنتحدث عن أسماء الأصوات وحكاياتها في باب الفوائد، وجاء في القاموس: «وسوس وسواسا ووسوسة الشيطان له وإليه حدثه بشر أو بما لا نفع فيه ولا خير ووسوس الرجل:
أصيب في عقله وتكلم بغير نظام وأصابته الوساوس فهو موسوس وتكلم بكلام خفي، والوسواس صوت الحلي، ووسوس الرجل كلمه كلاما خفيا، ووسوس به بالبناء للمجهول اختلط كلامه ودهش، والوسواس الاسم من وسوس، والوسواس الشيطان، والوسواس مرض يحدث من غلبة السوداء ويختلط معه الذهن ويقال لما يخطر بالقلب من شر أو لما لا خير فيه وسواس وجمعه وساوس.
(سَوْآتُهُما) : عوراتهما وقد تقدمت.
(يَخْصِفانِ) : أي يلزقان من خصف النعل وهو أن يخرز عليها الخصاف أي يلزقان ورق الشجر بعضه ببعض حتى يصير عريضا صالحا للاستتار.
(اجْتَباهُ) : اصطفاه وقربه من جبى إلي كذا فاجتبيته فالمجتبى كأنه في الأصل من جمعت فيه المحاسن حتى اختاره غيره.
الإعراب:
(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير مساوئ النسيان الذي هو صنو الجهل وقرينه ولذلك يجب التحوط منه والدعاء دائما بقوله تعالى «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» . واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعهدنا فعل وفاعل والى آدم جار ومجرور متعلقان بعهدنا ومن قبل متعلقان بمحذوف حال، فنسي عطف على عهد أي نسي ما أمرناه به أي أن النسيان أمر مركوز في طباع بني آدم، ولم نجد: الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم والفاعل مستتر تقديره نحن وعزما مفعول به. (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى) الظرف متعلق باذكر مقدرا أي واذكر وقت ما جرى على آدم من معاداة إبليس ووسوسته له وتزيينه له الأكل من الشجرة ومبادرة آدم بالطاعة له بعد ما سلف من النصيحة البالغة والتحذير من الشيطان ومكره وأحابيله. وقد تقدم اعراب الآية كثيرا فلا حاجة إلى الاعادة، ولا تنس اختلاف العلماء في اتصال الاستثناء وانقطاعه. وجملة أبى حالية. (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) الفاء عاطفة وقلنا فعل وفاعل ويا آدم نداء وجملة إن مقول القول وهذا اسم ان وعدو خبرها ولك صفة لعدو ولزوجك عطف على لك. (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) الفاء عاطفة ولا ناهية ويخرجنكما فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا والكاف مفعول به والفاعل مستتر وهو إبليس والميم والألف للتثنية، فتشقى الفاء فاء السببية وتشقى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت وأسند فعل الشقاء إلى آدم وحده لأن شقاء زوجه منوط بشقائه كما أن سعادتها منوطة بسعادته فاختصر الكلام مع المحافظة على الفاصلة. (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى) إن حرف مشبه بالفعل ولك خبر مقدم وأن وما في حيزها اسمها المؤخر وفيها متعلقان بتجوع ولا تعرى عطف على لا تجوع. (وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) عطف على سابقتها وسيأتي كلام بديع حول فصل الجوع عن الظمأ والعري عن الضحو والسر البياني الذي تتقطع دونه الأعناق في باب البلاغة. بقيت هناك مشكلة وهي عطف أنك على أن لا تجوع فكأنها اسم لإن بالكسر وهذا ممتنع فلا يقال: إن أن زيدا منطلق ولكن لما فصل هنا بينهما جاز فتقول: إن عندي أن زيدا قائم، فعندي هو الخبر قدم على الاسم وهو ان وما في حيزها لكونه ظرفا.
والآية من هذا القبيل، ورأى الزمخشري رأيا آخر فقال «فإن قلت:
إن لا تدخل على أن فلا يقال إن أن زيدا منطلق، والواو نائبة عن أن وقائمة مقامها، فلم أدخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبدا نائبة عن إن، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصة كأن لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إن وأن» .
قال ابن هشام في صدد الحديث عن المواضع التي يجوز فيها كسر همزة إن وفتحها: السادس أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه نحو إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر في «وانك لا تظمأ» إما على الاستئناف فتكون جملة منقطعة عما قبلها أو بالعطف على جملة إن الأولى وهي إن لك أن لا تجوع وعليهما فلا محل لها من الإعراب وقرأ الباقون من السبعة بالعطف على أن لا تجوع من عطف المفرد على مثله والتقدير ان لك عدم الجوع وعدم الظمأ» .
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) فوسوس الفاء عاطفة ووسوس فعل ماض واليه متعلقان بوسوس والشيطان فاعل، قال يا آدم فعل ماض ونداء وهل حرف استفهام وأدلك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وعلى شجرة الخلد متعلقان بأدلك وملك عطف على شجرة وجملة لا يبلى صفة لملك. (فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) فأكلا فعل ماض والألف فاعل ومنها متعلقان بأكلا فبدت عطف على أكلا ولهما متعلقان ببدت وسوءاتهما فاعل، وطفقا فعل ماض من أفعال الشروع العاملة عمل كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا والالف اسمها وجملة يخصفان خبر طفقا وعليهما متعلقان بيخصفان ومن ورق الجنة صفة لموصوف محذوف هو المفعول به أي ورقا من ورق الجنة قيل هو التين والأولى أن يكون عاما ليشمل جميع أوراق الأشجار، وعصى آدم ربه فعل وفاعل ومفعول به، فغوى عطف على عصى. (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) ثم حرف عطف واجتباه فعل ومفعول به وربه فاعل فتاب عليه عطف على اجتباه وهدى عطف على تاب. (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) اهبطا فعل أمر مبني على حذف النون والألف فاعل ومنها متعلقان باهبطا وجميعا حال وبعضكم مبتدأ ولبعض حال لأنه كان صفة لعدو وعدو خبر وجملة بعضكم لبعض عدو في محل نصب على الحال.
(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) الفاء عاطفة وإن شرطية وما زائدة ويأتينكم فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به ومني متعلقان بيأتينكم وهدى فاعل يأتينكم، فمن اتبع الفاء رابطة ومن شرطية مبتدأ واتبع فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وهداي مفعول به والفاء رابطة للجواب وجملة لا يضل في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من وجملة من اتبع في محل جزم جواب إن.
البلاغة:
في قوله تعالى «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى» فن بديع يسمى قطع النظير عن النظير وذلك انه قطع الظمأ عن الجوع والضحو عن الكسوة مع ما بينهما من التناسب، والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم وتصنيفها، ولو قرن كلّا بشكله لتوهم المعدودات نعمة واحدة. ويسميه بعض علماء البيان «فن التوهيم» وقد سبقت الاشارة اليه وهو أن يأتي المتكلم بكلمة يوهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها وهو يريد غير ذلك، ومنها أن يأتي في ظاهر الكلام ما يوهم أن فيه لحنا خارجا عن اللسان، ومنها ما يأتي ظاهره يوهم أن الكلام قد قلب عن وجهه لغير فائدة، ومنها ما يأتي دالا على أن ظاهر الكلام فاسد المعنى وهو صحيح.
وهذه الآية من القسم الذي يوهم ظاهره أن نظم الكلام جاء على غير طريق البلاغة لكون لفظه غير مؤتلف بمعناه لما ترى في الألفاظ من عدم ملاءمة، وإذا تأمله المتأمل حق التأمل وجده جاريا على منهج البلاغة بحيث لو جاء على ما توهمه المعترض لكان النظم معيبا. وفي الآية يقول المتوهم لو قيل لا تجوع ولا تظمأ ولا تضحى ولا تعرى لكان ذلك جاريا على ما توجبه البلاغة من الملاءمة والجواب ان مجيئها على ما توهمه المتوهم يفسد معنى النظم لأنه لو قيل: ان لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ لوجب أن يقول وانك لا تعرى فيها ولا تضحى، والتضحي البروز للشمس بغير سترة. قال الهذلي وقيل للمجنون كما في أمالي القالي:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردة تضحى لديك وتخصر
أي تلقى الشمس الضاحية مجردة فينال منها حرها وتلقى برد الليل مجردة فينال منها برده فهي معذبة ليلها ونهارها وإذا كان التضحي البروز للشمس بغير سترة كان معناه التعري فيصير معنى الكلام:
وانك لا تعرى فيها ولا تعرى وهذا فساد ظاهر، ولما كان هذا الفساد لازما للنظم على الوجه الذي توهمه المتوهّم وجب العدول عنه إلى لفظ القرآن وهو أن يضم سبحانه لنفي الجوع نفي العري لتطمئن النفس بسد الجوعة وستر العورة اللذين تدعو إليهما ضرورة الحياة وتطلبهما طبيعة الإنسان بالجبلّة، ولما كان الجوع مقدّما على العطش كتقديم الأكل على الشراب أوجبت البلاغة تأخر ذكر الظمأ عن الجوع وتقديمه على التضحي لأنه مهم يجب أن يتقدم الوعد بنفيه كما تقدم الوعد بنفي الجوع، ويتأخر ذكر التضحي كما تأخر ذكر العري عن الجوع لأن التضحي من جنس العري والظمأ من جنس الجوع فإن قيل: لم ذكر التضحي وهو عري في المعنى وقد أغنى ذكر العري؟ قلت: في ذكر التضحي فائدة كبيرة وهي وصف الجنة بأنها لا شمس فيها كما قال سبحانه:
«لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» فإن التضحي عري مخصوص مشروط بالبروز إلى الشمس وقت الضحى لذلك سمي تضحيا والانتقال من الأعم إلى الأخص بلاغة لاختصاص الأخص بما لا يوجد في الأعم وقال العز بن عبد السلام في الأمالي: كان المناسب من طريق المجاز أن لا تجوع ولا تظمأ ولا تعرى ولا تضحى للجمع بين المتماثلين فلم عدل عن هذا؟ والجواب: ان في الآية جناسا خيرا من هذا وذلك أن الجوع تجرد الباطن من الغذاء والعري تجرد الظاهر من الغشاء فجانس في الآية بين التجردين وكذلك الظمأ حر الباطن والضحى وهو الظهور للشمس حرّ الظاهر فجانس بالجمع بين الحرّين.
وقد رمق أهل البلاغة سماء هذا المعنى قديما وحديثا فقال أبو الطيب المتنبي:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
يحكى انه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
فلما بلغ إلى هذين البيتين قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله: كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم اسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس وكان ينبغي لك أن تقول:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي إن صحّ أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس واخطأت انا، ومولاي يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك لأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف تفاصيله، وانما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت «ووجهك وضاح وثغرك باسم» لأجمع بين الأضداد.
على أن في هذه الآية سرا لذلك زائدا على ما ذكر وهو أنه قصد تناسب الفواصل ولو قرن الظمأ بالجوع لانتثر سلك رؤوس الآي وأحسن به منتظما.
الفوائد:
أسماء الأصوات:
وعدناك ببحث أسماء الأصوات ونرى أن نتوسع فيها قليلا لأن كتب النحو قلّما تهتم لها. فهي تجري مجرى أسماء الافعال لأنها متواخية معها وهي مبنية وتنقسم إلى قسمين:
آ- ما خوطب به مالا يعقل مما يشبه اسم الفعل في الاكتفاء به، ولكن اسم الفعل مركب واسم الصوت مفرد لعدم تحمله الضمير كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: جىء جىء بكسر الجيم فيهما مكررين مهموزين، وفي المحكم انهما أمر للابل بورود الماء يقال جأجأت الإبل إذا دعوتها لتشرب فقلت جىء جىء نقله الجوهري عن الاموي، وكقولهم في دعاء الضأن حاحا وفي دعاء المعز عاعا غير مهموزين والفعل منهما حاحيت وعاعيت، قال سيبويه وأبدلوا الألف من الياء لشبهها بها لأن قولك حاحيت انما هو صوت بنيت منه فعلا وليست فاعلت وكقولهم في زجر البغل:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق
فعدس صوت يزجر به البغل وقد يسمى البغل به والتقدير على التسمية به يا عدس فحذف حرف النداء. وإمارة بكسر الهمزة أي حكم.
ب- ما حكي به صوت مسموع، والمحكي صوته قسمان حيوان وغيره: فالأول كغاق بالغين المعجمة والقاف لصوت الغراب، والثاني نحو طاق حكاية لصوت الضرب وطق بفتح الطاء حكاية لصوت وقع الحجارة بعضها على بعض. هذا وسيرد المزيد من بحث أسماء الأصوات في هذا الكتاب.
نبذة من أسماء الأصوات:
وفيما يلي طائفة مختارة من أسماء الأصوات:
الصرير صوت القلم والسرير والباب والطست والنعل، والنشيش صوت غليان القدر والشراب، الرنين: صوت الثكلى والقوس، القصيف: صوت الرعد والبحر، وهدير الفحل، النقيق صوت الدجاج والضفدع، القعقعة: صوت السلاح والجلد اليابس والقرطاس، الغرغرة: صوت غليان القدر وتردد النفس في صدر المحتضر، العجيج:
صوت الرعد والنساء والشاء، الزفير: صوت النار والحمار والمكروب إذا امتلأ صدره غما فزفر به، الخشخشة والشخشخة: صوت حركة القرطاس والثوب الجديد والدرع، الجلجلة: صوت السبع والرعد وحركة الجلاجل، الحفيف: صوت حركة الأغصان وجناح الطائر وحركة الحية، الصليل والصلصلة: صوت الحديد واللجام والسيف والدراهم والمسامير، الطنين: صوت البعوض والذباب والطنبور، الأطيط: صوت الناقة والمحمل والرجل إذا أثقله ما عليه، الصرصرة:
صوت البازي والبط، الدوي: صوت النحل والأذن والمطر والرعد، الانقاض: صوت الدجاجة والفروج، التغريد صوت المغني والحادي والطائر وكل صائت طرب الصوت فهو غرد، الزمزمة والزهزمة:
صوت الرعد ولهب النار وحكاية صوت المجوسي إذا تكلف الكلام وهو مطبق فمه.
طه 20:120
اللغة:
(تَضْحى) : ينتابك حر الشمس في الضحى وفي القاموس:
«وضحا يضحو كغزا يغزو ضحوا برز للشمس وكسعى ورضي ضحوا وضحيا أصابته الشمس» .
(وسوس) : وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ووعوعة الذئب في أنها حكايات للأصوات، وسنتحدث عن أسماء الأصوات وحكاياتها في باب الفوائد، وجاء في القاموس: «وسوس وسواسا ووسوسة الشيطان له وإليه حدثه بشر أو بما لا نفع فيه ولا خير ووسوس الرجل:
أصيب في عقله وتكلم بغير نظام وأصابته الوساوس فهو موسوس وتكلم بكلام خفي، والوسواس صوت الحلي، ووسوس الرجل كلمه كلاما خفيا، ووسوس به بالبناء للمجهول اختلط كلامه ودهش، والوسواس الاسم من وسوس، والوسواس الشيطان، والوسواس مرض يحدث من غلبة السوداء ويختلط معه الذهن ويقال لما يخطر بالقلب من شر أو لما لا خير فيه وسواس وجمعه وساوس.
(سَوْآتُهُما) : عوراتهما وقد تقدمت.
(يَخْصِفانِ) : أي يلزقان من خصف النعل وهو أن يخرز عليها الخصاف أي يلزقان ورق الشجر بعضه ببعض حتى يصير عريضا صالحا للاستتار.
(اجْتَباهُ) : اصطفاه وقربه من جبى إلي كذا فاجتبيته فالمجتبى كأنه في الأصل من جمعت فيه المحاسن حتى اختاره غيره.
الإعراب:
(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير مساوئ النسيان الذي هو صنو الجهل وقرينه ولذلك يجب التحوط منه والدعاء دائما بقوله تعالى «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» . واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعهدنا فعل وفاعل والى آدم جار ومجرور متعلقان بعهدنا ومن قبل متعلقان بمحذوف حال، فنسي عطف على عهد أي نسي ما أمرناه به أي أن النسيان أمر مركوز في طباع بني آدم، ولم نجد: الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم والفاعل مستتر تقديره نحن وعزما مفعول به. (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى) الظرف متعلق باذكر مقدرا أي واذكر وقت ما جرى على آدم من معاداة إبليس ووسوسته له وتزيينه له الأكل من الشجرة ومبادرة آدم بالطاعة له بعد ما سلف من النصيحة البالغة والتحذير من الشيطان ومكره وأحابيله. وقد تقدم اعراب الآية كثيرا فلا حاجة إلى الاعادة، ولا تنس اختلاف العلماء في اتصال الاستثناء وانقطاعه. وجملة أبى حالية. (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) الفاء عاطفة وقلنا فعل وفاعل ويا آدم نداء وجملة إن مقول القول وهذا اسم ان وعدو خبرها ولك صفة لعدو ولزوجك عطف على لك. (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) الفاء عاطفة ولا ناهية ويخرجنكما فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا والكاف مفعول به والفاعل مستتر وهو إبليس والميم والألف للتثنية، فتشقى الفاء فاء السببية وتشقى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت وأسند فعل الشقاء إلى آدم وحده لأن شقاء زوجه منوط بشقائه كما أن سعادتها منوطة بسعادته فاختصر الكلام مع المحافظة على الفاصلة. (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى) إن حرف مشبه بالفعل ولك خبر مقدم وأن وما في حيزها اسمها المؤخر وفيها متعلقان بتجوع ولا تعرى عطف على لا تجوع. (وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) عطف على سابقتها وسيأتي كلام بديع حول فصل الجوع عن الظمأ والعري عن الضحو والسر البياني الذي تتقطع دونه الأعناق في باب البلاغة. بقيت هناك مشكلة وهي عطف أنك على أن لا تجوع فكأنها اسم لإن بالكسر وهذا ممتنع فلا يقال: إن أن زيدا منطلق ولكن لما فصل هنا بينهما جاز فتقول: إن عندي أن زيدا قائم، فعندي هو الخبر قدم على الاسم وهو ان وما في حيزها لكونه ظرفا.
والآية من هذا القبيل، ورأى الزمخشري رأيا آخر فقال «فإن قلت:
إن لا تدخل على أن فلا يقال إن أن زيدا منطلق، والواو نائبة عن أن وقائمة مقامها، فلم أدخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبدا نائبة عن إن، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصة كأن لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إن وأن» .
قال ابن هشام في صدد الحديث عن المواضع التي يجوز فيها كسر همزة إن وفتحها: السادس أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه نحو إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر في «وانك لا تظمأ» إما على الاستئناف فتكون جملة منقطعة عما قبلها أو بالعطف على جملة إن الأولى وهي إن لك أن لا تجوع وعليهما فلا محل لها من الإعراب وقرأ الباقون من السبعة بالعطف على أن لا تجوع من عطف المفرد على مثله والتقدير ان لك عدم الجوع وعدم الظمأ» .
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) فوسوس الفاء عاطفة ووسوس فعل ماض واليه متعلقان بوسوس والشيطان فاعل، قال يا آدم فعل ماض ونداء وهل حرف استفهام وأدلك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وعلى شجرة الخلد متعلقان بأدلك وملك عطف على شجرة وجملة لا يبلى صفة لملك. (فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) فأكلا فعل ماض والألف فاعل ومنها متعلقان بأكلا فبدت عطف على أكلا ولهما متعلقان ببدت وسوءاتهما فاعل، وطفقا فعل ماض من أفعال الشروع العاملة عمل كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا والالف اسمها وجملة يخصفان خبر طفقا وعليهما متعلقان بيخصفان ومن ورق الجنة صفة لموصوف محذوف هو المفعول به أي ورقا من ورق الجنة قيل هو التين والأولى أن يكون عاما ليشمل جميع أوراق الأشجار، وعصى آدم ربه فعل وفاعل ومفعول به، فغوى عطف على عصى. (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) ثم حرف عطف واجتباه فعل ومفعول به وربه فاعل فتاب عليه عطف على اجتباه وهدى عطف على تاب. (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) اهبطا فعل أمر مبني على حذف النون والألف فاعل ومنها متعلقان باهبطا وجميعا حال وبعضكم مبتدأ ولبعض حال لأنه كان صفة لعدو وعدو خبر وجملة بعضكم لبعض عدو في محل نصب على الحال.
(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) الفاء عاطفة وإن شرطية وما زائدة ويأتينكم فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به ومني متعلقان بيأتينكم وهدى فاعل يأتينكم، فمن اتبع الفاء رابطة ومن شرطية مبتدأ واتبع فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وهداي مفعول به والفاء رابطة للجواب وجملة لا يضل في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من وجملة من اتبع في محل جزم جواب إن.
البلاغة:
في قوله تعالى «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى» فن بديع يسمى قطع النظير عن النظير وذلك انه قطع الظمأ عن الجوع والضحو عن الكسوة مع ما بينهما من التناسب، والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم وتصنيفها، ولو قرن كلّا بشكله لتوهم المعدودات نعمة واحدة. ويسميه بعض علماء البيان «فن التوهيم» وقد سبقت الاشارة اليه وهو أن يأتي المتكلم بكلمة يوهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها وهو يريد غير ذلك، ومنها أن يأتي في ظاهر الكلام ما يوهم أن فيه لحنا خارجا عن اللسان، ومنها ما يأتي ظاهره يوهم أن الكلام قد قلب عن وجهه لغير فائدة، ومنها ما يأتي دالا على أن ظاهر الكلام فاسد المعنى وهو صحيح.
وهذه الآية من القسم الذي يوهم ظاهره أن نظم الكلام جاء على غير طريق البلاغة لكون لفظه غير مؤتلف بمعناه لما ترى في الألفاظ من عدم ملاءمة، وإذا تأمله المتأمل حق التأمل وجده جاريا على منهج البلاغة بحيث لو جاء على ما توهمه المعترض لكان النظم معيبا. وفي الآية يقول المتوهم لو قيل لا تجوع ولا تظمأ ولا تضحى ولا تعرى لكان ذلك جاريا على ما توجبه البلاغة من الملاءمة والجواب ان مجيئها على ما توهمه المتوهم يفسد معنى النظم لأنه لو قيل: ان لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ لوجب أن يقول وانك لا تعرى فيها ولا تضحى، والتضحي البروز للشمس بغير سترة. قال الهذلي وقيل للمجنون كما في أمالي القالي:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردة تضحى لديك وتخصر
أي تلقى الشمس الضاحية مجردة فينال منها حرها وتلقى برد الليل مجردة فينال منها برده فهي معذبة ليلها ونهارها وإذا كان التضحي البروز للشمس بغير سترة كان معناه التعري فيصير معنى الكلام:
وانك لا تعرى فيها ولا تعرى وهذا فساد ظاهر، ولما كان هذا الفساد لازما للنظم على الوجه الذي توهمه المتوهّم وجب العدول عنه إلى لفظ القرآن وهو أن يضم سبحانه لنفي الجوع نفي العري لتطمئن النفس بسد الجوعة وستر العورة اللذين تدعو إليهما ضرورة الحياة وتطلبهما طبيعة الإنسان بالجبلّة، ولما كان الجوع مقدّما على العطش كتقديم الأكل على الشراب أوجبت البلاغة تأخر ذكر الظمأ عن الجوع وتقديمه على التضحي لأنه مهم يجب أن يتقدم الوعد بنفيه كما تقدم الوعد بنفي الجوع، ويتأخر ذكر التضحي كما تأخر ذكر العري عن الجوع لأن التضحي من جنس العري والظمأ من جنس الجوع فإن قيل: لم ذكر التضحي وهو عري في المعنى وقد أغنى ذكر العري؟ قلت: في ذكر التضحي فائدة كبيرة وهي وصف الجنة بأنها لا شمس فيها كما قال سبحانه:
«لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» فإن التضحي عري مخصوص مشروط بالبروز إلى الشمس وقت الضحى لذلك سمي تضحيا والانتقال من الأعم إلى الأخص بلاغة لاختصاص الأخص بما لا يوجد في الأعم وقال العز بن عبد السلام في الأمالي: كان المناسب من طريق المجاز أن لا تجوع ولا تظمأ ولا تعرى ولا تضحى للجمع بين المتماثلين فلم عدل عن هذا؟ والجواب: ان في الآية جناسا خيرا من هذا وذلك أن الجوع تجرد الباطن من الغذاء والعري تجرد الظاهر من الغشاء فجانس في الآية بين التجردين وكذلك الظمأ حر الباطن والضحى وهو الظهور للشمس حرّ الظاهر فجانس بالجمع بين الحرّين.
وقد رمق أهل البلاغة سماء هذا المعنى قديما وحديثا فقال أبو الطيب المتنبي:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
يحكى انه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
فلما بلغ إلى هذين البيتين قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله: كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم اسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس وكان ينبغي لك أن تقول:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي إن صحّ أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس واخطأت انا، ومولاي يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك لأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف تفاصيله، وانما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت «ووجهك وضاح وثغرك باسم» لأجمع بين الأضداد.
على أن في هذه الآية سرا لذلك زائدا على ما ذكر وهو أنه قصد تناسب الفواصل ولو قرن الظمأ بالجوع لانتثر سلك رؤوس الآي وأحسن به منتظما.
الفوائد:
أسماء الأصوات:
وعدناك ببحث أسماء الأصوات ونرى أن نتوسع فيها قليلا لأن كتب النحو قلّما تهتم لها. فهي تجري مجرى أسماء الافعال لأنها متواخية معها وهي مبنية وتنقسم إلى قسمين:
آ- ما خوطب به مالا يعقل مما يشبه اسم الفعل في الاكتفاء به، ولكن اسم الفعل مركب واسم الصوت مفرد لعدم تحمله الضمير كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: جىء جىء بكسر الجيم فيهما مكررين مهموزين، وفي المحكم انهما أمر للابل بورود الماء يقال جأجأت الإبل إذا دعوتها لتشرب فقلت جىء جىء نقله الجوهري عن الاموي، وكقولهم في دعاء الضأن حاحا وفي دعاء المعز عاعا غير مهموزين والفعل منهما حاحيت وعاعيت، قال سيبويه وأبدلوا الألف من الياء لشبهها بها لأن قولك حاحيت انما هو صوت بنيت منه فعلا وليست فاعلت وكقولهم في زجر البغل:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق
فعدس صوت يزجر به البغل وقد يسمى البغل به والتقدير على التسمية به يا عدس فحذف حرف النداء. وإمارة بكسر الهمزة أي حكم.
ب- ما حكي به صوت مسموع، والمحكي صوته قسمان حيوان وغيره: فالأول كغاق بالغين المعجمة والقاف لصوت الغراب، والثاني نحو طاق حكاية لصوت الضرب وطق بفتح الطاء حكاية لصوت وقع الحجارة بعضها على بعض. هذا وسيرد المزيد من بحث أسماء الأصوات في هذا الكتاب.
نبذة من أسماء الأصوات:
وفيما يلي طائفة مختارة من أسماء الأصوات:
الصرير صوت القلم والسرير والباب والطست والنعل، والنشيش صوت غليان القدر والشراب، الرنين: صوت الثكلى والقوس، القصيف: صوت الرعد والبحر، وهدير الفحل، النقيق صوت الدجاج والضفدع، القعقعة: صوت السلاح والجلد اليابس والقرطاس، الغرغرة: صوت غليان القدر وتردد النفس في صدر المحتضر، العجيج:
صوت الرعد والنساء والشاء، الزفير: صوت النار والحمار والمكروب إذا امتلأ صدره غما فزفر به، الخشخشة والشخشخة: صوت حركة القرطاس والثوب الجديد والدرع، الجلجلة: صوت السبع والرعد وحركة الجلاجل، الحفيف: صوت حركة الأغصان وجناح الطائر وحركة الحية، الصليل والصلصلة: صوت الحديد واللجام والسيف والدراهم والمسامير، الطنين: صوت البعوض والذباب والطنبور، الأطيط: صوت الناقة والمحمل والرجل إذا أثقله ما عليه، الصرصرة:
صوت البازي والبط، الدوي: صوت النحل والأذن والمطر والرعد، الانقاض: صوت الدجاجة والفروج، التغريد صوت المغني والحادي والطائر وكل صائت طرب الصوت فهو غرد، الزمزمة والزهزمة:
صوت الرعد ولهب النار وحكاية صوت المجوسي إذا تكلف الكلام وهو مطبق فمه.
طه 20:121
اللغة:
(تَضْحى) : ينتابك حر الشمس في الضحى وفي القاموس:
«وضحا يضحو كغزا يغزو ضحوا برز للشمس وكسعى ورضي ضحوا وضحيا أصابته الشمس» .
(وسوس) : وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ووعوعة الذئب في أنها حكايات للأصوات، وسنتحدث عن أسماء الأصوات وحكاياتها في باب الفوائد، وجاء في القاموس: «وسوس وسواسا ووسوسة الشيطان له وإليه حدثه بشر أو بما لا نفع فيه ولا خير ووسوس الرجل:
أصيب في عقله وتكلم بغير نظام وأصابته الوساوس فهو موسوس وتكلم بكلام خفي، والوسواس صوت الحلي، ووسوس الرجل كلمه كلاما خفيا، ووسوس به بالبناء للمجهول اختلط كلامه ودهش، والوسواس الاسم من وسوس، والوسواس الشيطان، والوسواس مرض يحدث من غلبة السوداء ويختلط معه الذهن ويقال لما يخطر بالقلب من شر أو لما لا خير فيه وسواس وجمعه وساوس.
(سَوْآتُهُما) : عوراتهما وقد تقدمت.
(يَخْصِفانِ) : أي يلزقان من خصف النعل وهو أن يخرز عليها الخصاف أي يلزقان ورق الشجر بعضه ببعض حتى يصير عريضا صالحا للاستتار.
(اجْتَباهُ) : اصطفاه وقربه من جبى إلي كذا فاجتبيته فالمجتبى كأنه في الأصل من جمعت فيه المحاسن حتى اختاره غيره.
الإعراب:
(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير مساوئ النسيان الذي هو صنو الجهل وقرينه ولذلك يجب التحوط منه والدعاء دائما بقوله تعالى «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» . واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعهدنا فعل وفاعل والى آدم جار ومجرور متعلقان بعهدنا ومن قبل متعلقان بمحذوف حال، فنسي عطف على عهد أي نسي ما أمرناه به أي أن النسيان أمر مركوز في طباع بني آدم، ولم نجد: الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم والفاعل مستتر تقديره نحن وعزما مفعول به. (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى) الظرف متعلق باذكر مقدرا أي واذكر وقت ما جرى على آدم من معاداة إبليس ووسوسته له وتزيينه له الأكل من الشجرة ومبادرة آدم بالطاعة له بعد ما سلف من النصيحة البالغة والتحذير من الشيطان ومكره وأحابيله. وقد تقدم اعراب الآية كثيرا فلا حاجة إلى الاعادة، ولا تنس اختلاف العلماء في اتصال الاستثناء وانقطاعه. وجملة أبى حالية. (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) الفاء عاطفة وقلنا فعل وفاعل ويا آدم نداء وجملة إن مقول القول وهذا اسم ان وعدو خبرها ولك صفة لعدو ولزوجك عطف على لك. (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) الفاء عاطفة ولا ناهية ويخرجنكما فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا والكاف مفعول به والفاعل مستتر وهو إبليس والميم والألف للتثنية، فتشقى الفاء فاء السببية وتشقى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت وأسند فعل الشقاء إلى آدم وحده لأن شقاء زوجه منوط بشقائه كما أن سعادتها منوطة بسعادته فاختصر الكلام مع المحافظة على الفاصلة. (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى) إن حرف مشبه بالفعل ولك خبر مقدم وأن وما في حيزها اسمها المؤخر وفيها متعلقان بتجوع ولا تعرى عطف على لا تجوع. (وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) عطف على سابقتها وسيأتي كلام بديع حول فصل الجوع عن الظمأ والعري عن الضحو والسر البياني الذي تتقطع دونه الأعناق في باب البلاغة. بقيت هناك مشكلة وهي عطف أنك على أن لا تجوع فكأنها اسم لإن بالكسر وهذا ممتنع فلا يقال: إن أن زيدا منطلق ولكن لما فصل هنا بينهما جاز فتقول: إن عندي أن زيدا قائم، فعندي هو الخبر قدم على الاسم وهو ان وما في حيزها لكونه ظرفا.
والآية من هذا القبيل، ورأى الزمخشري رأيا آخر فقال «فإن قلت:
إن لا تدخل على أن فلا يقال إن أن زيدا منطلق، والواو نائبة عن أن وقائمة مقامها، فلم أدخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبدا نائبة عن إن، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصة كأن لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إن وأن» .
قال ابن هشام في صدد الحديث عن المواضع التي يجوز فيها كسر همزة إن وفتحها: السادس أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه نحو إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر في «وانك لا تظمأ» إما على الاستئناف فتكون جملة منقطعة عما قبلها أو بالعطف على جملة إن الأولى وهي إن لك أن لا تجوع وعليهما فلا محل لها من الإعراب وقرأ الباقون من السبعة بالعطف على أن لا تجوع من عطف المفرد على مثله والتقدير ان لك عدم الجوع وعدم الظمأ» .
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) فوسوس الفاء عاطفة ووسوس فعل ماض واليه متعلقان بوسوس والشيطان فاعل، قال يا آدم فعل ماض ونداء وهل حرف استفهام وأدلك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وعلى شجرة الخلد متعلقان بأدلك وملك عطف على شجرة وجملة لا يبلى صفة لملك. (فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) فأكلا فعل ماض والألف فاعل ومنها متعلقان بأكلا فبدت عطف على أكلا ولهما متعلقان ببدت وسوءاتهما فاعل، وطفقا فعل ماض من أفعال الشروع العاملة عمل كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا والالف اسمها وجملة يخصفان خبر طفقا وعليهما متعلقان بيخصفان ومن ورق الجنة صفة لموصوف محذوف هو المفعول به أي ورقا من ورق الجنة قيل هو التين والأولى أن يكون عاما ليشمل جميع أوراق الأشجار، وعصى آدم ربه فعل وفاعل ومفعول به، فغوى عطف على عصى. (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) ثم حرف عطف واجتباه فعل ومفعول به وربه فاعل فتاب عليه عطف على اجتباه وهدى عطف على تاب. (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) اهبطا فعل أمر مبني على حذف النون والألف فاعل ومنها متعلقان باهبطا وجميعا حال وبعضكم مبتدأ ولبعض حال لأنه كان صفة لعدو وعدو خبر وجملة بعضكم لبعض عدو في محل نصب على الحال.
(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) الفاء عاطفة وإن شرطية وما زائدة ويأتينكم فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به ومني متعلقان بيأتينكم وهدى فاعل يأتينكم، فمن اتبع الفاء رابطة ومن شرطية مبتدأ واتبع فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وهداي مفعول به والفاء رابطة للجواب وجملة لا يضل في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من وجملة من اتبع في محل جزم جواب إن.
البلاغة:
في قوله تعالى «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى» فن بديع يسمى قطع النظير عن النظير وذلك انه قطع الظمأ عن الجوع والضحو عن الكسوة مع ما بينهما من التناسب، والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم وتصنيفها، ولو قرن كلّا بشكله لتوهم المعدودات نعمة واحدة. ويسميه بعض علماء البيان «فن التوهيم» وقد سبقت الاشارة اليه وهو أن يأتي المتكلم بكلمة يوهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها وهو يريد غير ذلك، ومنها أن يأتي في ظاهر الكلام ما يوهم أن فيه لحنا خارجا عن اللسان، ومنها ما يأتي ظاهره يوهم أن الكلام قد قلب عن وجهه لغير فائدة، ومنها ما يأتي دالا على أن ظاهر الكلام فاسد المعنى وهو صحيح.
وهذه الآية من القسم الذي يوهم ظاهره أن نظم الكلام جاء على غير طريق البلاغة لكون لفظه غير مؤتلف بمعناه لما ترى في الألفاظ من عدم ملاءمة، وإذا تأمله المتأمل حق التأمل وجده جاريا على منهج البلاغة بحيث لو جاء على ما توهمه المعترض لكان النظم معيبا. وفي الآية يقول المتوهم لو قيل لا تجوع ولا تظمأ ولا تضحى ولا تعرى لكان ذلك جاريا على ما توجبه البلاغة من الملاءمة والجواب ان مجيئها على ما توهمه المتوهم يفسد معنى النظم لأنه لو قيل: ان لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ لوجب أن يقول وانك لا تعرى فيها ولا تضحى، والتضحي البروز للشمس بغير سترة. قال الهذلي وقيل للمجنون كما في أمالي القالي:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردة تضحى لديك وتخصر
أي تلقى الشمس الضاحية مجردة فينال منها حرها وتلقى برد الليل مجردة فينال منها برده فهي معذبة ليلها ونهارها وإذا كان التضحي البروز للشمس بغير سترة كان معناه التعري فيصير معنى الكلام:
وانك لا تعرى فيها ولا تعرى وهذا فساد ظاهر، ولما كان هذا الفساد لازما للنظم على الوجه الذي توهمه المتوهّم وجب العدول عنه إلى لفظ القرآن وهو أن يضم سبحانه لنفي الجوع نفي العري لتطمئن النفس بسد الجوعة وستر العورة اللذين تدعو إليهما ضرورة الحياة وتطلبهما طبيعة الإنسان بالجبلّة، ولما كان الجوع مقدّما على العطش كتقديم الأكل على الشراب أوجبت البلاغة تأخر ذكر الظمأ عن الجوع وتقديمه على التضحي لأنه مهم يجب أن يتقدم الوعد بنفيه كما تقدم الوعد بنفي الجوع، ويتأخر ذكر التضحي كما تأخر ذكر العري عن الجوع لأن التضحي من جنس العري والظمأ من جنس الجوع فإن قيل: لم ذكر التضحي وهو عري في المعنى وقد أغنى ذكر العري؟ قلت: في ذكر التضحي فائدة كبيرة وهي وصف الجنة بأنها لا شمس فيها كما قال سبحانه:
«لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» فإن التضحي عري مخصوص مشروط بالبروز إلى الشمس وقت الضحى لذلك سمي تضحيا والانتقال من الأعم إلى الأخص بلاغة لاختصاص الأخص بما لا يوجد في الأعم وقال العز بن عبد السلام في الأمالي: كان المناسب من طريق المجاز أن لا تجوع ولا تظمأ ولا تعرى ولا تضحى للجمع بين المتماثلين فلم عدل عن هذا؟ والجواب: ان في الآية جناسا خيرا من هذا وذلك أن الجوع تجرد الباطن من الغذاء والعري تجرد الظاهر من الغشاء فجانس في الآية بين التجردين وكذلك الظمأ حر الباطن والضحى وهو الظهور للشمس حرّ الظاهر فجانس بالجمع بين الحرّين.
وقد رمق أهل البلاغة سماء هذا المعنى قديما وحديثا فقال أبو الطيب المتنبي:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
يحكى انه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
فلما بلغ إلى هذين البيتين قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله: كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم اسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس وكان ينبغي لك أن تقول:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي إن صحّ أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس واخطأت انا، ومولاي يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك لأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف تفاصيله، وانما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت «ووجهك وضاح وثغرك باسم» لأجمع بين الأضداد.
على أن في هذه الآية سرا لذلك زائدا على ما ذكر وهو أنه قصد تناسب الفواصل ولو قرن الظمأ بالجوع لانتثر سلك رؤوس الآي وأحسن به منتظما.
الفوائد:
أسماء الأصوات:
وعدناك ببحث أسماء الأصوات ونرى أن نتوسع فيها قليلا لأن كتب النحو قلّما تهتم لها. فهي تجري مجرى أسماء الافعال لأنها متواخية معها وهي مبنية وتنقسم إلى قسمين:
آ- ما خوطب به مالا يعقل مما يشبه اسم الفعل في الاكتفاء به، ولكن اسم الفعل مركب واسم الصوت مفرد لعدم تحمله الضمير كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: جىء جىء بكسر الجيم فيهما مكررين مهموزين، وفي المحكم انهما أمر للابل بورود الماء يقال جأجأت الإبل إذا دعوتها لتشرب فقلت جىء جىء نقله الجوهري عن الاموي، وكقولهم في دعاء الضأن حاحا وفي دعاء المعز عاعا غير مهموزين والفعل منهما حاحيت وعاعيت، قال سيبويه وأبدلوا الألف من الياء لشبهها بها لأن قولك حاحيت انما هو صوت بنيت منه فعلا وليست فاعلت وكقولهم في زجر البغل:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق
فعدس صوت يزجر به البغل وقد يسمى البغل به والتقدير على التسمية به يا عدس فحذف حرف النداء. وإمارة بكسر الهمزة أي حكم.
ب- ما حكي به صوت مسموع، والمحكي صوته قسمان حيوان وغيره: فالأول كغاق بالغين المعجمة والقاف لصوت الغراب، والثاني نحو طاق حكاية لصوت الضرب وطق بفتح الطاء حكاية لصوت وقع الحجارة بعضها على بعض. هذا وسيرد المزيد من بحث أسماء الأصوات في هذا الكتاب.
نبذة من أسماء الأصوات:
وفيما يلي طائفة مختارة من أسماء الأصوات:
الصرير صوت القلم والسرير والباب والطست والنعل، والنشيش صوت غليان القدر والشراب، الرنين: صوت الثكلى والقوس، القصيف: صوت الرعد والبحر، وهدير الفحل، النقيق صوت الدجاج والضفدع، القعقعة: صوت السلاح والجلد اليابس والقرطاس، الغرغرة: صوت غليان القدر وتردد النفس في صدر المحتضر، العجيج:
صوت الرعد والنساء والشاء، الزفير: صوت النار والحمار والمكروب إذا امتلأ صدره غما فزفر به، الخشخشة والشخشخة: صوت حركة القرطاس والثوب الجديد والدرع، الجلجلة: صوت السبع والرعد وحركة الجلاجل، الحفيف: صوت حركة الأغصان وجناح الطائر وحركة الحية، الصليل والصلصلة: صوت الحديد واللجام والسيف والدراهم والمسامير، الطنين: صوت البعوض والذباب والطنبور، الأطيط: صوت الناقة والمحمل والرجل إذا أثقله ما عليه، الصرصرة:
صوت البازي والبط، الدوي: صوت النحل والأذن والمطر والرعد، الانقاض: صوت الدجاجة والفروج، التغريد صوت المغني والحادي والطائر وكل صائت طرب الصوت فهو غرد، الزمزمة والزهزمة:
صوت الرعد ولهب النار وحكاية صوت المجوسي إذا تكلف الكلام وهو مطبق فمه.
طه 20:122
اللغة:
(تَضْحى) : ينتابك حر الشمس في الضحى وفي القاموس:
«وضحا يضحو كغزا يغزو ضحوا برز للشمس وكسعى ورضي ضحوا وضحيا أصابته الشمس» .
(وسوس) : وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ووعوعة الذئب في أنها حكايات للأصوات، وسنتحدث عن أسماء الأصوات وحكاياتها في باب الفوائد، وجاء في القاموس: «وسوس وسواسا ووسوسة الشيطان له وإليه حدثه بشر أو بما لا نفع فيه ولا خير ووسوس الرجل:
أصيب في عقله وتكلم بغير نظام وأصابته الوساوس فهو موسوس وتكلم بكلام خفي، والوسواس صوت الحلي، ووسوس الرجل كلمه كلاما خفيا، ووسوس به بالبناء للمجهول اختلط كلامه ودهش، والوسواس الاسم من وسوس، والوسواس الشيطان، والوسواس مرض يحدث من غلبة السوداء ويختلط معه الذهن ويقال لما يخطر بالقلب من شر أو لما لا خير فيه وسواس وجمعه وساوس.
(سَوْآتُهُما) : عوراتهما وقد تقدمت.
(يَخْصِفانِ) : أي يلزقان من خصف النعل وهو أن يخرز عليها الخصاف أي يلزقان ورق الشجر بعضه ببعض حتى يصير عريضا صالحا للاستتار.
(اجْتَباهُ) : اصطفاه وقربه من جبى إلي كذا فاجتبيته فالمجتبى كأنه في الأصل من جمعت فيه المحاسن حتى اختاره غيره.
الإعراب:
(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير مساوئ النسيان الذي هو صنو الجهل وقرينه ولذلك يجب التحوط منه والدعاء دائما بقوله تعالى «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» . واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعهدنا فعل وفاعل والى آدم جار ومجرور متعلقان بعهدنا ومن قبل متعلقان بمحذوف حال، فنسي عطف على عهد أي نسي ما أمرناه به أي أن النسيان أمر مركوز في طباع بني آدم، ولم نجد: الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم والفاعل مستتر تقديره نحن وعزما مفعول به. (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى) الظرف متعلق باذكر مقدرا أي واذكر وقت ما جرى على آدم من معاداة إبليس ووسوسته له وتزيينه له الأكل من الشجرة ومبادرة آدم بالطاعة له بعد ما سلف من النصيحة البالغة والتحذير من الشيطان ومكره وأحابيله. وقد تقدم اعراب الآية كثيرا فلا حاجة إلى الاعادة، ولا تنس اختلاف العلماء في اتصال الاستثناء وانقطاعه. وجملة أبى حالية. (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) الفاء عاطفة وقلنا فعل وفاعل ويا آدم نداء وجملة إن مقول القول وهذا اسم ان وعدو خبرها ولك صفة لعدو ولزوجك عطف على لك. (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) الفاء عاطفة ولا ناهية ويخرجنكما فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا والكاف مفعول به والفاعل مستتر وهو إبليس والميم والألف للتثنية، فتشقى الفاء فاء السببية وتشقى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت وأسند فعل الشقاء إلى آدم وحده لأن شقاء زوجه منوط بشقائه كما أن سعادتها منوطة بسعادته فاختصر الكلام مع المحافظة على الفاصلة. (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى) إن حرف مشبه بالفعل ولك خبر مقدم وأن وما في حيزها اسمها المؤخر وفيها متعلقان بتجوع ولا تعرى عطف على لا تجوع. (وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) عطف على سابقتها وسيأتي كلام بديع حول فصل الجوع عن الظمأ والعري عن الضحو والسر البياني الذي تتقطع دونه الأعناق في باب البلاغة. بقيت هناك مشكلة وهي عطف أنك على أن لا تجوع فكأنها اسم لإن بالكسر وهذا ممتنع فلا يقال: إن أن زيدا منطلق ولكن لما فصل هنا بينهما جاز فتقول: إن عندي أن زيدا قائم، فعندي هو الخبر قدم على الاسم وهو ان وما في حيزها لكونه ظرفا.
والآية من هذا القبيل، ورأى الزمخشري رأيا آخر فقال «فإن قلت:
إن لا تدخل على أن فلا يقال إن أن زيدا منطلق، والواو نائبة عن أن وقائمة مقامها، فلم أدخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبدا نائبة عن إن، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصة كأن لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إن وأن» .
قال ابن هشام في صدد الحديث عن المواضع التي يجوز فيها كسر همزة إن وفتحها: السادس أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه نحو إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر في «وانك لا تظمأ» إما على الاستئناف فتكون جملة منقطعة عما قبلها أو بالعطف على جملة إن الأولى وهي إن لك أن لا تجوع وعليهما فلا محل لها من الإعراب وقرأ الباقون من السبعة بالعطف على أن لا تجوع من عطف المفرد على مثله والتقدير ان لك عدم الجوع وعدم الظمأ» .
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) فوسوس الفاء عاطفة ووسوس فعل ماض واليه متعلقان بوسوس والشيطان فاعل، قال يا آدم فعل ماض ونداء وهل حرف استفهام وأدلك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وعلى شجرة الخلد متعلقان بأدلك وملك عطف على شجرة وجملة لا يبلى صفة لملك. (فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) فأكلا فعل ماض والألف فاعل ومنها متعلقان بأكلا فبدت عطف على أكلا ولهما متعلقان ببدت وسوءاتهما فاعل، وطفقا فعل ماض من أفعال الشروع العاملة عمل كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا والالف اسمها وجملة يخصفان خبر طفقا وعليهما متعلقان بيخصفان ومن ورق الجنة صفة لموصوف محذوف هو المفعول به أي ورقا من ورق الجنة قيل هو التين والأولى أن يكون عاما ليشمل جميع أوراق الأشجار، وعصى آدم ربه فعل وفاعل ومفعول به، فغوى عطف على عصى. (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) ثم حرف عطف واجتباه فعل ومفعول به وربه فاعل فتاب عليه عطف على اجتباه وهدى عطف على تاب. (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) اهبطا فعل أمر مبني على حذف النون والألف فاعل ومنها متعلقان باهبطا وجميعا حال وبعضكم مبتدأ ولبعض حال لأنه كان صفة لعدو وعدو خبر وجملة بعضكم لبعض عدو في محل نصب على الحال.
(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) الفاء عاطفة وإن شرطية وما زائدة ويأتينكم فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به ومني متعلقان بيأتينكم وهدى فاعل يأتينكم، فمن اتبع الفاء رابطة ومن شرطية مبتدأ واتبع فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وهداي مفعول به والفاء رابطة للجواب وجملة لا يضل في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من وجملة من اتبع في محل جزم جواب إن.
البلاغة:
في قوله تعالى «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى» فن بديع يسمى قطع النظير عن النظير وذلك انه قطع الظمأ عن الجوع والضحو عن الكسوة مع ما بينهما من التناسب، والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم وتصنيفها، ولو قرن كلّا بشكله لتوهم المعدودات نعمة واحدة. ويسميه بعض علماء البيان «فن التوهيم» وقد سبقت الاشارة اليه وهو أن يأتي المتكلم بكلمة يوهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها وهو يريد غير ذلك، ومنها أن يأتي في ظاهر الكلام ما يوهم أن فيه لحنا خارجا عن اللسان، ومنها ما يأتي ظاهره يوهم أن الكلام قد قلب عن وجهه لغير فائدة، ومنها ما يأتي دالا على أن ظاهر الكلام فاسد المعنى وهو صحيح.
وهذه الآية من القسم الذي يوهم ظاهره أن نظم الكلام جاء على غير طريق البلاغة لكون لفظه غير مؤتلف بمعناه لما ترى في الألفاظ من عدم ملاءمة، وإذا تأمله المتأمل حق التأمل وجده جاريا على منهج البلاغة بحيث لو جاء على ما توهمه المعترض لكان النظم معيبا. وفي الآية يقول المتوهم لو قيل لا تجوع ولا تظمأ ولا تضحى ولا تعرى لكان ذلك جاريا على ما توجبه البلاغة من الملاءمة والجواب ان مجيئها على ما توهمه المتوهم يفسد معنى النظم لأنه لو قيل: ان لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ لوجب أن يقول وانك لا تعرى فيها ولا تضحى، والتضحي البروز للشمس بغير سترة. قال الهذلي وقيل للمجنون كما في أمالي القالي:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردة تضحى لديك وتخصر
أي تلقى الشمس الضاحية مجردة فينال منها حرها وتلقى برد الليل مجردة فينال منها برده فهي معذبة ليلها ونهارها وإذا كان التضحي البروز للشمس بغير سترة كان معناه التعري فيصير معنى الكلام:
وانك لا تعرى فيها ولا تعرى وهذا فساد ظاهر، ولما كان هذا الفساد لازما للنظم على الوجه الذي توهمه المتوهّم وجب العدول عنه إلى لفظ القرآن وهو أن يضم سبحانه لنفي الجوع نفي العري لتطمئن النفس بسد الجوعة وستر العورة اللذين تدعو إليهما ضرورة الحياة وتطلبهما طبيعة الإنسان بالجبلّة، ولما كان الجوع مقدّما على العطش كتقديم الأكل على الشراب أوجبت البلاغة تأخر ذكر الظمأ عن الجوع وتقديمه على التضحي لأنه مهم يجب أن يتقدم الوعد بنفيه كما تقدم الوعد بنفي الجوع، ويتأخر ذكر التضحي كما تأخر ذكر العري عن الجوع لأن التضحي من جنس العري والظمأ من جنس الجوع فإن قيل: لم ذكر التضحي وهو عري في المعنى وقد أغنى ذكر العري؟ قلت: في ذكر التضحي فائدة كبيرة وهي وصف الجنة بأنها لا شمس فيها كما قال سبحانه:
«لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» فإن التضحي عري مخصوص مشروط بالبروز إلى الشمس وقت الضحى لذلك سمي تضحيا والانتقال من الأعم إلى الأخص بلاغة لاختصاص الأخص بما لا يوجد في الأعم وقال العز بن عبد السلام في الأمالي: كان المناسب من طريق المجاز أن لا تجوع ولا تظمأ ولا تعرى ولا تضحى للجمع بين المتماثلين فلم عدل عن هذا؟ والجواب: ان في الآية جناسا خيرا من هذا وذلك أن الجوع تجرد الباطن من الغذاء والعري تجرد الظاهر من الغشاء فجانس في الآية بين التجردين وكذلك الظمأ حر الباطن والضحى وهو الظهور للشمس حرّ الظاهر فجانس بالجمع بين الحرّين.
وقد رمق أهل البلاغة سماء هذا المعنى قديما وحديثا فقال أبو الطيب المتنبي:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
يحكى انه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
فلما بلغ إلى هذين البيتين قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله: كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم اسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس وكان ينبغي لك أن تقول:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي إن صحّ أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس واخطأت انا، ومولاي يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك لأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف تفاصيله، وانما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت «ووجهك وضاح وثغرك باسم» لأجمع بين الأضداد.
على أن في هذه الآية سرا لذلك زائدا على ما ذكر وهو أنه قصد تناسب الفواصل ولو قرن الظمأ بالجوع لانتثر سلك رؤوس الآي وأحسن به منتظما.
الفوائد:
أسماء الأصوات:
وعدناك ببحث أسماء الأصوات ونرى أن نتوسع فيها قليلا لأن كتب النحو قلّما تهتم لها. فهي تجري مجرى أسماء الافعال لأنها متواخية معها وهي مبنية وتنقسم إلى قسمين:
آ- ما خوطب به مالا يعقل مما يشبه اسم الفعل في الاكتفاء به، ولكن اسم الفعل مركب واسم الصوت مفرد لعدم تحمله الضمير كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: جىء جىء بكسر الجيم فيهما مكررين مهموزين، وفي المحكم انهما أمر للابل بورود الماء يقال جأجأت الإبل إذا دعوتها لتشرب فقلت جىء جىء نقله الجوهري عن الاموي، وكقولهم في دعاء الضأن حاحا وفي دعاء المعز عاعا غير مهموزين والفعل منهما حاحيت وعاعيت، قال سيبويه وأبدلوا الألف من الياء لشبهها بها لأن قولك حاحيت انما هو صوت بنيت منه فعلا وليست فاعلت وكقولهم في زجر البغل:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق
فعدس صوت يزجر به البغل وقد يسمى البغل به والتقدير على التسمية به يا عدس فحذف حرف النداء. وإمارة بكسر الهمزة أي حكم.
ب- ما حكي به صوت مسموع، والمحكي صوته قسمان حيوان وغيره: فالأول كغاق بالغين المعجمة والقاف لصوت الغراب، والثاني نحو طاق حكاية لصوت الضرب وطق بفتح الطاء حكاية لصوت وقع الحجارة بعضها على بعض. هذا وسيرد المزيد من بحث أسماء الأصوات في هذا الكتاب.
نبذة من أسماء الأصوات:
وفيما يلي طائفة مختارة من أسماء الأصوات:
الصرير صوت القلم والسرير والباب والطست والنعل، والنشيش صوت غليان القدر والشراب، الرنين: صوت الثكلى والقوس، القصيف: صوت الرعد والبحر، وهدير الفحل، النقيق صوت الدجاج والضفدع، القعقعة: صوت السلاح والجلد اليابس والقرطاس، الغرغرة: صوت غليان القدر وتردد النفس في صدر المحتضر، العجيج:
صوت الرعد والنساء والشاء، الزفير: صوت النار والحمار والمكروب إذا امتلأ صدره غما فزفر به، الخشخشة والشخشخة: صوت حركة القرطاس والثوب الجديد والدرع، الجلجلة: صوت السبع والرعد وحركة الجلاجل، الحفيف: صوت حركة الأغصان وجناح الطائر وحركة الحية، الصليل والصلصلة: صوت الحديد واللجام والسيف والدراهم والمسامير، الطنين: صوت البعوض والذباب والطنبور، الأطيط: صوت الناقة والمحمل والرجل إذا أثقله ما عليه، الصرصرة:
صوت البازي والبط، الدوي: صوت النحل والأذن والمطر والرعد، الانقاض: صوت الدجاجة والفروج، التغريد صوت المغني والحادي والطائر وكل صائت طرب الصوت فهو غرد، الزمزمة والزهزمة:
صوت الرعد ولهب النار وحكاية صوت المجوسي إذا تكلف الكلام وهو مطبق فمه.
طه 20:123
اللغة:
(تَضْحى) : ينتابك حر الشمس في الضحى وفي القاموس:
«وضحا يضحو كغزا يغزو ضحوا برز للشمس وكسعى ورضي ضحوا وضحيا أصابته الشمس» .
(وسوس) : وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ووعوعة الذئب في أنها حكايات للأصوات، وسنتحدث عن أسماء الأصوات وحكاياتها في باب الفوائد، وجاء في القاموس: «وسوس وسواسا ووسوسة الشيطان له وإليه حدثه بشر أو بما لا نفع فيه ولا خير ووسوس الرجل:
أصيب في عقله وتكلم بغير نظام وأصابته الوساوس فهو موسوس وتكلم بكلام خفي، والوسواس صوت الحلي، ووسوس الرجل كلمه كلاما خفيا، ووسوس به بالبناء للمجهول اختلط كلامه ودهش، والوسواس الاسم من وسوس، والوسواس الشيطان، والوسواس مرض يحدث من غلبة السوداء ويختلط معه الذهن ويقال لما يخطر بالقلب من شر أو لما لا خير فيه وسواس وجمعه وساوس.
(سَوْآتُهُما) : عوراتهما وقد تقدمت.
(يَخْصِفانِ) : أي يلزقان من خصف النعل وهو أن يخرز عليها الخصاف أي يلزقان ورق الشجر بعضه ببعض حتى يصير عريضا صالحا للاستتار.
(اجْتَباهُ) : اصطفاه وقربه من جبى إلي كذا فاجتبيته فالمجتبى كأنه في الأصل من جمعت فيه المحاسن حتى اختاره غيره.
الإعراب:
(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير مساوئ النسيان الذي هو صنو الجهل وقرينه ولذلك يجب التحوط منه والدعاء دائما بقوله تعالى «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» . واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعهدنا فعل وفاعل والى آدم جار ومجرور متعلقان بعهدنا ومن قبل متعلقان بمحذوف حال، فنسي عطف على عهد أي نسي ما أمرناه به أي أن النسيان أمر مركوز في طباع بني آدم، ولم نجد: الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم والفاعل مستتر تقديره نحن وعزما مفعول به. (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى) الظرف متعلق باذكر مقدرا أي واذكر وقت ما جرى على آدم من معاداة إبليس ووسوسته له وتزيينه له الأكل من الشجرة ومبادرة آدم بالطاعة له بعد ما سلف من النصيحة البالغة والتحذير من الشيطان ومكره وأحابيله. وقد تقدم اعراب الآية كثيرا فلا حاجة إلى الاعادة، ولا تنس اختلاف العلماء في اتصال الاستثناء وانقطاعه. وجملة أبى حالية. (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) الفاء عاطفة وقلنا فعل وفاعل ويا آدم نداء وجملة إن مقول القول وهذا اسم ان وعدو خبرها ولك صفة لعدو ولزوجك عطف على لك. (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) الفاء عاطفة ولا ناهية ويخرجنكما فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا والكاف مفعول به والفاعل مستتر وهو إبليس والميم والألف للتثنية، فتشقى الفاء فاء السببية وتشقى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت وأسند فعل الشقاء إلى آدم وحده لأن شقاء زوجه منوط بشقائه كما أن سعادتها منوطة بسعادته فاختصر الكلام مع المحافظة على الفاصلة. (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى) إن حرف مشبه بالفعل ولك خبر مقدم وأن وما في حيزها اسمها المؤخر وفيها متعلقان بتجوع ولا تعرى عطف على لا تجوع. (وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) عطف على سابقتها وسيأتي كلام بديع حول فصل الجوع عن الظمأ والعري عن الضحو والسر البياني الذي تتقطع دونه الأعناق في باب البلاغة. بقيت هناك مشكلة وهي عطف أنك على أن لا تجوع فكأنها اسم لإن بالكسر وهذا ممتنع فلا يقال: إن أن زيدا منطلق ولكن لما فصل هنا بينهما جاز فتقول: إن عندي أن زيدا قائم، فعندي هو الخبر قدم على الاسم وهو ان وما في حيزها لكونه ظرفا.
والآية من هذا القبيل، ورأى الزمخشري رأيا آخر فقال «فإن قلت:
إن لا تدخل على أن فلا يقال إن أن زيدا منطلق، والواو نائبة عن أن وقائمة مقامها، فلم أدخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبدا نائبة عن إن، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصة كأن لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إن وأن» .
قال ابن هشام في صدد الحديث عن المواضع التي يجوز فيها كسر همزة إن وفتحها: السادس أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه نحو إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر في «وانك لا تظمأ» إما على الاستئناف فتكون جملة منقطعة عما قبلها أو بالعطف على جملة إن الأولى وهي إن لك أن لا تجوع وعليهما فلا محل لها من الإعراب وقرأ الباقون من السبعة بالعطف على أن لا تجوع من عطف المفرد على مثله والتقدير ان لك عدم الجوع وعدم الظمأ» .
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) فوسوس الفاء عاطفة ووسوس فعل ماض واليه متعلقان بوسوس والشيطان فاعل، قال يا آدم فعل ماض ونداء وهل حرف استفهام وأدلك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وعلى شجرة الخلد متعلقان بأدلك وملك عطف على شجرة وجملة لا يبلى صفة لملك. (فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) فأكلا فعل ماض والألف فاعل ومنها متعلقان بأكلا فبدت عطف على أكلا ولهما متعلقان ببدت وسوءاتهما فاعل، وطفقا فعل ماض من أفعال الشروع العاملة عمل كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا والالف اسمها وجملة يخصفان خبر طفقا وعليهما متعلقان بيخصفان ومن ورق الجنة صفة لموصوف محذوف هو المفعول به أي ورقا من ورق الجنة قيل هو التين والأولى أن يكون عاما ليشمل جميع أوراق الأشجار، وعصى آدم ربه فعل وفاعل ومفعول به، فغوى عطف على عصى. (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) ثم حرف عطف واجتباه فعل ومفعول به وربه فاعل فتاب عليه عطف على اجتباه وهدى عطف على تاب. (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) اهبطا فعل أمر مبني على حذف النون والألف فاعل ومنها متعلقان باهبطا وجميعا حال وبعضكم مبتدأ ولبعض حال لأنه كان صفة لعدو وعدو خبر وجملة بعضكم لبعض عدو في محل نصب على الحال.
(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) الفاء عاطفة وإن شرطية وما زائدة ويأتينكم فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به ومني متعلقان بيأتينكم وهدى فاعل يأتينكم، فمن اتبع الفاء رابطة ومن شرطية مبتدأ واتبع فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وهداي مفعول به والفاء رابطة للجواب وجملة لا يضل في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من وجملة من اتبع في محل جزم جواب إن.
البلاغة:
في قوله تعالى «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى» فن بديع يسمى قطع النظير عن النظير وذلك انه قطع الظمأ عن الجوع والضحو عن الكسوة مع ما بينهما من التناسب، والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم وتصنيفها، ولو قرن كلّا بشكله لتوهم المعدودات نعمة واحدة. ويسميه بعض علماء البيان «فن التوهيم» وقد سبقت الاشارة اليه وهو أن يأتي المتكلم بكلمة يوهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها وهو يريد غير ذلك، ومنها أن يأتي في ظاهر الكلام ما يوهم أن فيه لحنا خارجا عن اللسان، ومنها ما يأتي ظاهره يوهم أن الكلام قد قلب عن وجهه لغير فائدة، ومنها ما يأتي دالا على أن ظاهر الكلام فاسد المعنى وهو صحيح.
وهذه الآية من القسم الذي يوهم ظاهره أن نظم الكلام جاء على غير طريق البلاغة لكون لفظه غير مؤتلف بمعناه لما ترى في الألفاظ من عدم ملاءمة، وإذا تأمله المتأمل حق التأمل وجده جاريا على منهج البلاغة بحيث لو جاء على ما توهمه المعترض لكان النظم معيبا. وفي الآية يقول المتوهم لو قيل لا تجوع ولا تظمأ ولا تضحى ولا تعرى لكان ذلك جاريا على ما توجبه البلاغة من الملاءمة والجواب ان مجيئها على ما توهمه المتوهم يفسد معنى النظم لأنه لو قيل: ان لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ لوجب أن يقول وانك لا تعرى فيها ولا تضحى، والتضحي البروز للشمس بغير سترة. قال الهذلي وقيل للمجنون كما في أمالي القالي:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردة تضحى لديك وتخصر
أي تلقى الشمس الضاحية مجردة فينال منها حرها وتلقى برد الليل مجردة فينال منها برده فهي معذبة ليلها ونهارها وإذا كان التضحي البروز للشمس بغير سترة كان معناه التعري فيصير معنى الكلام:
وانك لا تعرى فيها ولا تعرى وهذا فساد ظاهر، ولما كان هذا الفساد لازما للنظم على الوجه الذي توهمه المتوهّم وجب العدول عنه إلى لفظ القرآن وهو أن يضم سبحانه لنفي الجوع نفي العري لتطمئن النفس بسد الجوعة وستر العورة اللذين تدعو إليهما ضرورة الحياة وتطلبهما طبيعة الإنسان بالجبلّة، ولما كان الجوع مقدّما على العطش كتقديم الأكل على الشراب أوجبت البلاغة تأخر ذكر الظمأ عن الجوع وتقديمه على التضحي لأنه مهم يجب أن يتقدم الوعد بنفيه كما تقدم الوعد بنفي الجوع، ويتأخر ذكر التضحي كما تأخر ذكر العري عن الجوع لأن التضحي من جنس العري والظمأ من جنس الجوع فإن قيل: لم ذكر التضحي وهو عري في المعنى وقد أغنى ذكر العري؟ قلت: في ذكر التضحي فائدة كبيرة وهي وصف الجنة بأنها لا شمس فيها كما قال سبحانه:
«لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» فإن التضحي عري مخصوص مشروط بالبروز إلى الشمس وقت الضحى لذلك سمي تضحيا والانتقال من الأعم إلى الأخص بلاغة لاختصاص الأخص بما لا يوجد في الأعم وقال العز بن عبد السلام في الأمالي: كان المناسب من طريق المجاز أن لا تجوع ولا تظمأ ولا تعرى ولا تضحى للجمع بين المتماثلين فلم عدل عن هذا؟ والجواب: ان في الآية جناسا خيرا من هذا وذلك أن الجوع تجرد الباطن من الغذاء والعري تجرد الظاهر من الغشاء فجانس في الآية بين التجردين وكذلك الظمأ حر الباطن والضحى وهو الظهور للشمس حرّ الظاهر فجانس بالجمع بين الحرّين.
وقد رمق أهل البلاغة سماء هذا المعنى قديما وحديثا فقال أبو الطيب المتنبي:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
يحكى انه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
فلما بلغ إلى هذين البيتين قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله: كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم اسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس وكان ينبغي لك أن تقول:
وفقت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي إن صحّ أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس واخطأت انا، ومولاي يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك لأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف تفاصيله، وانما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت «ووجهك وضاح وثغرك باسم» لأجمع بين الأضداد.
على أن في هذه الآية سرا لذلك زائدا على ما ذكر وهو أنه قصد تناسب الفواصل ولو قرن الظمأ بالجوع لانتثر سلك رؤوس الآي وأحسن به منتظما.
الفوائد:
أسماء الأصوات:
وعدناك ببحث أسماء الأصوات ونرى أن نتوسع فيها قليلا لأن كتب النحو قلّما تهتم لها. فهي تجري مجرى أسماء الافعال لأنها متواخية معها وهي مبنية وتنقسم إلى قسمين:
آ- ما خوطب به مالا يعقل مما يشبه اسم الفعل في الاكتفاء به، ولكن اسم الفعل مركب واسم الصوت مفرد لعدم تحمله الضمير كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: جىء جىء بكسر الجيم فيهما مكررين مهموزين، وفي المحكم انهما أمر للابل بورود الماء يقال جأجأت الإبل إذا دعوتها لتشرب فقلت جىء جىء نقله الجوهري عن الاموي، وكقولهم في دعاء الضأن حاحا وفي دعاء المعز عاعا غير مهموزين والفعل منهما حاحيت وعاعيت، قال سيبويه وأبدلوا الألف من الياء لشبهها بها لأن قولك حاحيت انما هو صوت بنيت منه فعلا وليست فاعلت وكقولهم في زجر البغل:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق
فعدس صوت يزجر به البغل وقد يسمى البغل به والتقدير على التسمية به يا عدس فحذف حرف النداء. وإمارة بكسر الهمزة أي حكم.
ب- ما حكي به صوت مسموع، والمحكي صوته قسمان حيوان وغيره: فالأول كغاق بالغين المعجمة والقاف لصوت الغراب، والثاني نحو طاق حكاية لصوت الضرب وطق بفتح الطاء حكاية لصوت وقع الحجارة بعضها على بعض. هذا وسيرد المزيد من بحث أسماء الأصوات في هذا الكتاب.
نبذة من أسماء الأصوات:
وفيما يلي طائفة مختارة من أسماء الأصوات:
الصرير صوت القلم والسرير والباب والطست والنعل، والنشيش صوت غليان القدر والشراب، الرنين: صوت الثكلى والقوس، القصيف: صوت الرعد والبحر، وهدير الفحل، النقيق صوت الدجاج والضفدع، القعقعة: صوت السلاح والجلد اليابس والقرطاس، الغرغرة: صوت غليان القدر وتردد النفس في صدر المحتضر، العجيج:
صوت الرعد والنساء والشاء، الزفير: صوت النار والحمار والمكروب إذا امتلأ صدره غما فزفر به، الخشخشة والشخشخة: صوت حركة القرطاس والثوب الجديد والدرع، الجلجلة: صوت السبع والرعد وحركة الجلاجل، الحفيف: صوت حركة الأغصان وجناح الطائر وحركة الحية، الصليل والصلصلة: صوت الحديد واللجام والسيف والدراهم والمسامير، الطنين: صوت البعوض والذباب والطنبور، الأطيط: صوت الناقة والمحمل والرجل إذا أثقله ما عليه، الصرصرة:
صوت البازي والبط، الدوي: صوت النحل والأذن والمطر والرعد، الانقاض: صوت الدجاجة والفروج، التغريد صوت المغني والحادي والطائر وكل صائت طرب الصوت فهو غرد، الزمزمة والزهزمة:
صوت الرعد ولهب النار وحكاية صوت المجوسي إذا تكلف الكلام وهو مطبق فمه.
طه 20:124
اللغة:
(ضَنْكاً) : بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة ولهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة على حد القاعدة التي ذكرها صاحب الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد أو التذكيرا
وفي القاموس: «الضنك الضيق في كل شيء للذكر والأنثى يقال ضنك ككرم ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق» وقرئ ضنكى على فعلى.
(يَهْدِ لَهُمْ) : أي يهتدي لهم فهو لازم ومعناه يتبين.
(آناءِ اللَّيْلِ) : جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى بكسر الميم.
وفي المختار: آناء الليل ساعاته، قال الأخفش واحدها إنى مثل معى وقيل واحدها أني وأنو، يقال مضى من الليل أنوان وانيان.
(مُتَرَبِّصٌ) : منتظر ما يئول اليه الأمر.
الإعراب:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) الواو عاطفة على جواب الشرط المتقدم وهو «فمن اتبع هداي» ومن اسم شرط جازم مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعن ذكري متعلقان بأعرض، فإن الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ومعيشة اسمها المؤخر وضنكا صفة والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) ونحشره الواو استئنافية ونحشر فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق بنحشره وأعمى حال من الهاء في نحشره وقد قرئ بالجزم عطفا على محل «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» .
(قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولم اللام حرف جر وما الاستفهامية في محل جر باللام وقد حذفت ألف ما الاستفهامية كما هي القاعدة والجار والمجرور متعلقان بحشرتني، وحشرتني فعل وفاعل ومفعول به وأعمى حال والواو للحال وقد حرف تحقيق وكنت: كان واسمها وبصيرا خبر كنت.
(قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) كذلك نعت لمصدر محذوف أي حشرا مثل ذلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وأتتك آياتي فعل وو مفعول به مقدم وفاعل مؤخر، فنسيتها الفاء عاطفة ونسيتها فعل وفاعل ومفعول به، وكذلك نعت لمصدر محذوف واليوم ظرف متعلق بتنسى. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومن موصول مفعول به وجملة أسرف صلة، ولم يؤمن عطف على أسرف فهو داخل في حيز الصلة وبآيات متعلقان بيؤمن وربه مضاف إليه، ولعذاب: الواو حالية أو عاطفة واللام للابتداء وعذاب مبتدأ والآخرة مضاف إليه وأشد خبر وأبقى عطف على أشد. (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) الهمزة للاستفهام وهي داخلة على محذوف عطف عليه بالفاء وقد تقدم تقريره كثيرا وأعدناه الآن للتذكير والتقدير أغفلوا فلم يتبين لهم، وفاعل يهد المصدر المفهوم من أهلكنا أي أفلم يتبين لهم إهلاكنا ويحتمل أن يكون فاعل يهد ضميرا عائدا على الله تعالى أي يبين الله والأول أولى لأن يهدي معناه يتبين فهو لازم فالفاعل هو الجملة المنسبكة مصدرا لأهلكنا. وقد أنكر البصريون وقوع الجملة فاعلا وجوزه غيرهم قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم، قال النحاس: وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر باهلاكنا من أهلكناه وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى. ولهم متعلقان بيهد وكم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ومن القرون نعت لتمييزكم الخبرية أي كم قرن من القرون والمراد الأمة، وجملة يمشون في مساكنهم حال من مفعول أهلكنا أو من الضمير في لهم وفي مساكنهم متعلقان بيمشون والضمير يعود على المهلكين بفتح اللام يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار هلاكهم وفيها ما يدعوا إلى العبرة والاتعاظ، وقد رمق أبو الطيب سماء هذا المعنى كما سيأتي في باب البلاغة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر، ولأولي صفة لآيات والنهى مضاف اليه وهي جمع نهية بمعنى العقل.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت من ربك صفة لكلمة ومن ربك متعلقان بسبقت، لكان اللام واقعة في جواب لولا وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإهلاك ولزاما خبرها، وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى لكان الإهلاك لازما لهم ويجوز كما يرى الزمخشري وأبو البقاء أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في «كان» أي لكان الإهلاك العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ومن العجيب ان معظم المفسرين كالجلال والبيضاوي وغيرهما جروا على هذا الوجه رغم ما فيه من تكلف وقالوا: ان الفصل بالخبر قام مقام التأكيد لأنه كان من حق العطف أن يؤكد الضمير المستتر في كان بالضمير المنفصل فكان يقال هو لزاما وأجل مسمى ولا داعي لكل هذا التكلف وعطفه على كلمة أسهل وأسرع في تأدية المعنى المراد. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس باهمال بل امهال وهو واقع بهم وآت عليهم فاصبر. واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة وسبح عطف على اصبر وبحمد ربك في موضع نصب على الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه وسيأتي المراد بالصبر في باب الفوائد. وقبل متعلق بسبح وطلوع الشمس مضاف وقبل غروبها عطف على قبل طلوع الشمس. (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) الجار والمجرور متعلقان بسبح والفاء هي الفصيحة أيضا وسبح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأطراف النهار نصب عطفا على محل «ومن آناء» المنصوب ويجوز عطفه على قبل طلوع الشمس ولعل حرف ترج ونصب والكاف اسمها وجملة ترضى خبرها ومتعلق نرضى محذوف مفهوم من السياق أي بما تعطاه من الثواب وجملة لعلك ترضى حالية من فاعل سبح أي صل حال كونك راجيا في أن الله تعالى يرضيك بما يعطيكه من الثواب. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهو في محل جزم بلا وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وعينيك مفعول به والى ما متعلقان بتمدن وجملة متعنا صلة وبه متعلقان بمتعنا والهاء هي العائد وأزواجا مفعول متعنا أي أصنافا منهم ومنهم صفة ويجوز أن يعرب نصبا على الحال من هاء الضمير فيكون منهم متعلقا بمتعنا وزهرة الحياة الدنيا توسع المعربون في اعرابها فأوصلوا أوجه نصبها إلى تسعة وقد محصناها فرأيناها كلها سائغة ولهذا نعرضها كما ذكروها لنتوصل إلى الترجيح:
1- أن تكون مفعولا ثانيا إذا أعربنا أزواجا هو المفعول الاول لأن معنى متعنا أعطينا.
2- أن تكون منصوبة على الحال من ما الموصولة.
3- أن تكون منصوبة على البدلية من أزواجا على المبالغة كأنهم نفس الزهرة.
4- أن تكون منصوبة بفعل مضمر دل عليه متّعنا تقديره جعلنا لهم زهرة.
5- أن تكون منصوبة على الذم أي أذم زهرة الحياة الدنيا.
6- أن تكون منصوبة على الاختصاص.
7- أن تكون منصوبة على البدلية من محل «به» .
8- أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في «به» .
9- أن تكون منصوبة على التمييز ل «ما» أو للهاء في «به» .
ومن تمحيص هذه الوجوه ومراعاة جانب السهولة يتبين أن نصب زهرة يترجح في نصبها على الذم أو المفعولية على تضمين متعنا معنى أعطينا وبهما بدأ الزمخشري وغيره.
ولنفتنهم اللام للتعليل ونفتنهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمتعناهم والهاء مفعول به وفيه متعلقان بنفتنهم. (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) الواو للحال ورزق ربك مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير. (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) وأمر الواو استئنافية أو عاطفة وأمر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأهلك مفعول به وبالصلاة متعلقان بفعل الأمر واصطبر فعل أمر وفاعله مستتر وتقديره أنت وعليها متعلقان باصطبر وجملة لا نسألك استئنافية ونسألك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به ثان. (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) نحن مبتدأ وجملة نرزقك خبر والعاقبة مبتدأ وللتقوى خبر وهاتان الجملتان مستأنفتان أيضا. (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) لولا حرف تحضيض أي هلا ويأتينا فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبآية متعلقان بيأتينا ومن ربه متعلقان بمحذوف صفة لآية، اقترحوا جريا على دينهم المعروف وعادتهم في التعنت واللجاج، أولم الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق والتقدير ألم تأتهم البينات تترى ولم تأتهم بصورة خاصة بينة ما في الصحف الأولى، وبينة فاعل لتأتهم وما موصول مضاف لبينة وفي الصحف متعلقان بمحذوف صلة الموصول والأولى صفة للصحف وفيها ما يكفي المنصف أما المكابر المتعنت فهيهات أن يقنعه شيء. (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) تقدم اعراب مثل هذا التركيب أي لو ثبت إهلاكنا، فأنا وما بعدها فاعل لفعل محذوف والجملة مستأنفة سيقت لدعيم ما تقرر من تعنتهم وصلفهم ومجادلتهم وبعذاب متعلقان بأهلكناهم ومن قبله صفة لعذاب. لقالوا: جواب لو والجملة لا محل لها وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولولا حرف تحضيض وأرسلت فعل وفاعل وإلينا متعلقان بأرسلت ورسولا مفعول به والجملة مقول القول. (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) فنتبع الفاء هي السببية وتنبع منصوب بأن مضمرة في جواب التحضيض والفاعل مستتر تقديره نحن وآياتك مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم ومن قبل متعلقان بنتبع وان وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لقبل ونخزى عطف على نذل. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) كل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومتربص خبر والجملة مقول القول والفاء الفصيحة وتربصوا فعل أمر، فستعلمون الفاء استئنافية والسين حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ومن اسم استفهامية مبتدأ وأصحاب الصراط السوي خبر ومن اهتدى عطف على من أصحاب والجملة من أصحاب مفعول تعلمون المعلقة عن العمل ويجوز أن تكون من موصولة مفعول تعلمون وأصحاب الصراط خبر لمبتدأ محذوف أي هم أصحاب.
البلاغة:
1- المجاز المرسل فقد ذكر القرون وأراد الأمم التي تعيش عبرها والاعتبار بآثار الأمم البائدة، والقرون الخالية، كان مثارا لأخيلة الشعراء وخاصة في مقام الرثاء وأبرع من سما بخياله إلى هذا المعنى أبو الطيب المتنبي والبحتري فنكتفي بهما وسنورد أبياتا مختارة من قصيدتين لهما.
يقول عبد الله بن المعتز الشاعر العباسي الخليفة: «لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته في ايوان كسرى وقصيدته في وصف بركة المتوكل لكان أشعر الناس» فقد زار البحتري بعد أن سئم الحياة في بغداد بعد مقتل المتوكل على الله المدائن وهي مدينة يقع فيها ايوان كسرى وقد أبدع في وصف الايوان إبداعا فريدا زاده روعة أنه من شعراء العرب أول من وصف الآثار القديمة الخالدة واستوحاها وصب عليها من روحه وهذه مختارات منها:
صنت نفسي عما يدنّس نفسي ... وترفعت عن جدا كلّ جبس
وتماسكت حيث زعزعني الده ... ر التماسا منه لتعسي ونكسي
حضرت رحلي الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في فقار من البسابس ملس
فكأن الجرماز من عدم الأن ... س وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس فإذا ما رأيت صورة انطا ... كية ارتعت بين روم
وفرس والمنايا مواثل وانوشر ... ... ... وان يزجي الصفوف تحت ال
درفس في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة
ورس عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزي رباعهم وال
تأسي فلها ان أعينها بدموع ... موفقات على الصبابة حبس
ولا يتسع المجال لا يراد القصيدة بكاملها، فهي نموذج حي معبر من أدبنا العربي، كما لا يتسع المجال لدراستها فنكتفي بإيراد بعض الملاحظات السريعة عليها:
1- تشعر حين تقرأ السينية بروعة موسيقاها الناتجة عن خفة الجر وجماله (الخفيف) وتلاؤمه مع العواطف والمعاني والألفاظ والروي المهموس وهو السين وترداد الحروف المهموسة كالسين والصاد والتاء.
2- تشعر بتأثر الشاعر بالعظمة حين قدم لوصف الايوان ثم ما تعتم أن تأسى وتحزن حين تقرأ أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس وهذا التجاوب النفسي بين ما يصفه الشاعر وبين ما يصف ميزة فنية بحتة.
3- تشعر أن الشاعر يعجب بكل ما هو عظيم في الدنيا ولو كان من غير قومه فنراه هنا معجبا بالفرس فبكاهم أصدق بكاء ورثاهم أحر رثاء وهكذا الفن يسمو ليستحيل انسانية صرفا.
4- وأخيرا تعجب من أن الشاعر يطرق في الأدب العربي فنا جديدا لم يطرقه أحد من قبله وهو رثاء الممالك الزائلة والآثار الباقية، ولم يشر إليه قبل القرآن أحد فيقول الله تعالى «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» .
وننتقل إلى عينية أبي الطيب المتنبي وهي القصيدة التي رثى بها أبا شجاع فاتك وفيها تحدث عن شعور الإنسان حيال الآثار المتخلفة عن أصحابها فقال منها:
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه؟ ما المصرع تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
ويظهر أن أبا الطيب كان يحب القائد فاتكا أبا شجاع حبا خالصا قائما على الاعجاب فهو يرثيه بقصيدتين يجعل منهما وسيلة إلى الإبانة عما في نفسه من هموم ومحن وترى من خلالهما بعض النظرات الفلسفية فهو كما ترى يرى الحياة لا تصفو إلا للجاهل أو الغافل أما الشجاع الأبي فقلما تخطئه سهامها ونراه هنا معاني مظلمة قاتمة في نفسه حتى ليكاد يلقي سلاحه أمام عوادي الزمان لولا بقية من قوة يستمسك بها:
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع
والناس أنزل في مكانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
2- وفي قوله: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... » الآية فن المناسبة وهي على ضربين معنوية ولفظية والمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ فالآية موعظتها سمعية فختمها بأشد مناسبة معنوية بقوله «أَفَلا يَسْمَعُونَ» وقال في الآية التي موعظتها مرئية وهي آية السجدة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ» فقد ختمها بقوله:
«أَفَلا يُبْصِرُونَ» لأن ذلك مما يتبين بالرؤية وما فوق هذه المناسبة مناسبة. ومن بديع ما ورد فيها شعرا قول القاضي الفاضل:
وبدر بأفلاك الخواطر طالع ... وغصن بريحان الغدار وريق لئن بت في بحر من الفكر سابحا ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فالمناسبة في الشطر الاول في البدر والافلاك والطلوع وفي الشطر الثاني بين الغصن والريحان ووريق وفي الثالث بين البحر وسابحا وفي الرابع بين إنسان العين والدموع وغريق ففي كل شطر من البيتين مناسبات عديدة، وأما المناسبة اللفظية فهي دون رتبة المعنوية وهي الإتيان بكلمات متزنات وهي أيضا على ضربين: تامة وغير تامة فالتامة تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة فمن شواهد التامة من القرآن العظيم قوله تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» ومن الشعر قول ابن هانئ الاندلسي:
وعوابس وقوابس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل
ومن غير التامة قول ابن خلوف المغربي:
كالورد خدا والغزالة بهجة ... والغصن قدا والغزال مقلدا
وقد اجتمعت التامة والناقصة في قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الحظ إلا أن تلك ذوابل فبين قنا ومها مناسبة لفظية تامة وبين الوحش والحظ وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة.
الفوائد:
النسخ في القرآن:
في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» مبحث هام جدير بالتأمل وهو أن معظم المفسرين درجوا على القول إن هذه الآية منسوخة بآية القتال والصواب انها ليست منسوخة بل هي أمر بالصبر المحمود على كل حال وهو عدم الاضطراب ومساورة الجزع لما يقولون ولما يصدر عنهم من الأذية وليس فيها أية اشارة أو تلميح إلى عدم القتال حتى يكون الأمر بالقتال ناسخا لها.
وموضوع النسخ في القرآن الكريم من الموضوعات الشائكة الصعبة، والاختلاف حوله كثير وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين انهم كانوا يستعملون النسخ بإزالة المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء لا بإزاء مصطلح الأصوليين فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى إما بانتهاء مدة العمل أو بصر الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا أو تخصيص عام أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس ظاهرا عليه أو ازالة عادة الجاهلية أو الشريعة السابقة فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك واتسعت دائرة الاختلاف.
أما المنسوخ باصطلاح المتأخرين فهو قليل جدا وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في الإتقان بتقرير مبسوط، كما ينبغي، بعض ما ذكره العلماء ثم حرر المنسوخ الذي فيه رأي المتأخرين على وفق الامام الحافظ القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الاندلسي فعنده قريبا من عشرين آية، وأتى في العصر الحديث الشيخ الامام محمد عبده فأنكر النسخ في القرآن وقال ان كل ما زعموا انه منسوخ يمكن تأويله كما رأيت في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» وهو ظاهر في هذه الآية يطيح بالقول القديم ان الآيات المنسوخة تبلغ حوالي خمسمائة آية وهو قول ظاهر البطلان بالبداهة.
طه 20:125
اللغة:
(ضَنْكاً) : بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة ولهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة على حد القاعدة التي ذكرها صاحب الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد أو التذكيرا
وفي القاموس: «الضنك الضيق في كل شيء للذكر والأنثى يقال ضنك ككرم ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق» وقرئ ضنكى على فعلى.
(يَهْدِ لَهُمْ) : أي يهتدي لهم فهو لازم ومعناه يتبين.
(آناءِ اللَّيْلِ) : جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى بكسر الميم.
وفي المختار: آناء الليل ساعاته، قال الأخفش واحدها إنى مثل معى وقيل واحدها أني وأنو، يقال مضى من الليل أنوان وانيان.
(مُتَرَبِّصٌ) : منتظر ما يئول اليه الأمر.
الإعراب:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) الواو عاطفة على جواب الشرط المتقدم وهو «فمن اتبع هداي» ومن اسم شرط جازم مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعن ذكري متعلقان بأعرض، فإن الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ومعيشة اسمها المؤخر وضنكا صفة والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) ونحشره الواو استئنافية ونحشر فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق بنحشره وأعمى حال من الهاء في نحشره وقد قرئ بالجزم عطفا على محل «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» .
(قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولم اللام حرف جر وما الاستفهامية في محل جر باللام وقد حذفت ألف ما الاستفهامية كما هي القاعدة والجار والمجرور متعلقان بحشرتني، وحشرتني فعل وفاعل ومفعول به وأعمى حال والواو للحال وقد حرف تحقيق وكنت: كان واسمها وبصيرا خبر كنت.
(قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) كذلك نعت لمصدر محذوف أي حشرا مثل ذلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وأتتك آياتي فعل وو مفعول به مقدم وفاعل مؤخر، فنسيتها الفاء عاطفة ونسيتها فعل وفاعل ومفعول به، وكذلك نعت لمصدر محذوف واليوم ظرف متعلق بتنسى. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومن موصول مفعول به وجملة أسرف صلة، ولم يؤمن عطف على أسرف فهو داخل في حيز الصلة وبآيات متعلقان بيؤمن وربه مضاف إليه، ولعذاب: الواو حالية أو عاطفة واللام للابتداء وعذاب مبتدأ والآخرة مضاف إليه وأشد خبر وأبقى عطف على أشد. (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) الهمزة للاستفهام وهي داخلة على محذوف عطف عليه بالفاء وقد تقدم تقريره كثيرا وأعدناه الآن للتذكير والتقدير أغفلوا فلم يتبين لهم، وفاعل يهد المصدر المفهوم من أهلكنا أي أفلم يتبين لهم إهلاكنا ويحتمل أن يكون فاعل يهد ضميرا عائدا على الله تعالى أي يبين الله والأول أولى لأن يهدي معناه يتبين فهو لازم فالفاعل هو الجملة المنسبكة مصدرا لأهلكنا. وقد أنكر البصريون وقوع الجملة فاعلا وجوزه غيرهم قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم، قال النحاس: وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر باهلاكنا من أهلكناه وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى. ولهم متعلقان بيهد وكم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ومن القرون نعت لتمييزكم الخبرية أي كم قرن من القرون والمراد الأمة، وجملة يمشون في مساكنهم حال من مفعول أهلكنا أو من الضمير في لهم وفي مساكنهم متعلقان بيمشون والضمير يعود على المهلكين بفتح اللام يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار هلاكهم وفيها ما يدعوا إلى العبرة والاتعاظ، وقد رمق أبو الطيب سماء هذا المعنى كما سيأتي في باب البلاغة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر، ولأولي صفة لآيات والنهى مضاف اليه وهي جمع نهية بمعنى العقل.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت من ربك صفة لكلمة ومن ربك متعلقان بسبقت، لكان اللام واقعة في جواب لولا وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإهلاك ولزاما خبرها، وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى لكان الإهلاك لازما لهم ويجوز كما يرى الزمخشري وأبو البقاء أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في «كان» أي لكان الإهلاك العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ومن العجيب ان معظم المفسرين كالجلال والبيضاوي وغيرهما جروا على هذا الوجه رغم ما فيه من تكلف وقالوا: ان الفصل بالخبر قام مقام التأكيد لأنه كان من حق العطف أن يؤكد الضمير المستتر في كان بالضمير المنفصل فكان يقال هو لزاما وأجل مسمى ولا داعي لكل هذا التكلف وعطفه على كلمة أسهل وأسرع في تأدية المعنى المراد. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس باهمال بل امهال وهو واقع بهم وآت عليهم فاصبر. واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة وسبح عطف على اصبر وبحمد ربك في موضع نصب على الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه وسيأتي المراد بالصبر في باب الفوائد. وقبل متعلق بسبح وطلوع الشمس مضاف وقبل غروبها عطف على قبل طلوع الشمس. (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) الجار والمجرور متعلقان بسبح والفاء هي الفصيحة أيضا وسبح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأطراف النهار نصب عطفا على محل «ومن آناء» المنصوب ويجوز عطفه على قبل طلوع الشمس ولعل حرف ترج ونصب والكاف اسمها وجملة ترضى خبرها ومتعلق نرضى محذوف مفهوم من السياق أي بما تعطاه من الثواب وجملة لعلك ترضى حالية من فاعل سبح أي صل حال كونك راجيا في أن الله تعالى يرضيك بما يعطيكه من الثواب. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهو في محل جزم بلا وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وعينيك مفعول به والى ما متعلقان بتمدن وجملة متعنا صلة وبه متعلقان بمتعنا والهاء هي العائد وأزواجا مفعول متعنا أي أصنافا منهم ومنهم صفة ويجوز أن يعرب نصبا على الحال من هاء الضمير فيكون منهم متعلقا بمتعنا وزهرة الحياة الدنيا توسع المعربون في اعرابها فأوصلوا أوجه نصبها إلى تسعة وقد محصناها فرأيناها كلها سائغة ولهذا نعرضها كما ذكروها لنتوصل إلى الترجيح:
1- أن تكون مفعولا ثانيا إذا أعربنا أزواجا هو المفعول الاول لأن معنى متعنا أعطينا.
2- أن تكون منصوبة على الحال من ما الموصولة.
3- أن تكون منصوبة على البدلية من أزواجا على المبالغة كأنهم نفس الزهرة.
4- أن تكون منصوبة بفعل مضمر دل عليه متّعنا تقديره جعلنا لهم زهرة.
5- أن تكون منصوبة على الذم أي أذم زهرة الحياة الدنيا.
6- أن تكون منصوبة على الاختصاص.
7- أن تكون منصوبة على البدلية من محل «به» .
8- أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في «به» .
9- أن تكون منصوبة على التمييز ل «ما» أو للهاء في «به» .
ومن تمحيص هذه الوجوه ومراعاة جانب السهولة يتبين أن نصب زهرة يترجح في نصبها على الذم أو المفعولية على تضمين متعنا معنى أعطينا وبهما بدأ الزمخشري وغيره.
ولنفتنهم اللام للتعليل ونفتنهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمتعناهم والهاء مفعول به وفيه متعلقان بنفتنهم. (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) الواو للحال ورزق ربك مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير. (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) وأمر الواو استئنافية أو عاطفة وأمر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأهلك مفعول به وبالصلاة متعلقان بفعل الأمر واصطبر فعل أمر وفاعله مستتر وتقديره أنت وعليها متعلقان باصطبر وجملة لا نسألك استئنافية ونسألك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به ثان. (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) نحن مبتدأ وجملة نرزقك خبر والعاقبة مبتدأ وللتقوى خبر وهاتان الجملتان مستأنفتان أيضا. (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) لولا حرف تحضيض أي هلا ويأتينا فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبآية متعلقان بيأتينا ومن ربه متعلقان بمحذوف صفة لآية، اقترحوا جريا على دينهم المعروف وعادتهم في التعنت واللجاج، أولم الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق والتقدير ألم تأتهم البينات تترى ولم تأتهم بصورة خاصة بينة ما في الصحف الأولى، وبينة فاعل لتأتهم وما موصول مضاف لبينة وفي الصحف متعلقان بمحذوف صلة الموصول والأولى صفة للصحف وفيها ما يكفي المنصف أما المكابر المتعنت فهيهات أن يقنعه شيء. (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) تقدم اعراب مثل هذا التركيب أي لو ثبت إهلاكنا، فأنا وما بعدها فاعل لفعل محذوف والجملة مستأنفة سيقت لدعيم ما تقرر من تعنتهم وصلفهم ومجادلتهم وبعذاب متعلقان بأهلكناهم ومن قبله صفة لعذاب. لقالوا: جواب لو والجملة لا محل لها وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولولا حرف تحضيض وأرسلت فعل وفاعل وإلينا متعلقان بأرسلت ورسولا مفعول به والجملة مقول القول. (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) فنتبع الفاء هي السببية وتنبع منصوب بأن مضمرة في جواب التحضيض والفاعل مستتر تقديره نحن وآياتك مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم ومن قبل متعلقان بنتبع وان وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لقبل ونخزى عطف على نذل. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) كل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومتربص خبر والجملة مقول القول والفاء الفصيحة وتربصوا فعل أمر، فستعلمون الفاء استئنافية والسين حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ومن اسم استفهامية مبتدأ وأصحاب الصراط السوي خبر ومن اهتدى عطف على من أصحاب والجملة من أصحاب مفعول تعلمون المعلقة عن العمل ويجوز أن تكون من موصولة مفعول تعلمون وأصحاب الصراط خبر لمبتدأ محذوف أي هم أصحاب.
البلاغة:
1- المجاز المرسل فقد ذكر القرون وأراد الأمم التي تعيش عبرها والاعتبار بآثار الأمم البائدة، والقرون الخالية، كان مثارا لأخيلة الشعراء وخاصة في مقام الرثاء وأبرع من سما بخياله إلى هذا المعنى أبو الطيب المتنبي والبحتري فنكتفي بهما وسنورد أبياتا مختارة من قصيدتين لهما.
يقول عبد الله بن المعتز الشاعر العباسي الخليفة: «لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته في ايوان كسرى وقصيدته في وصف بركة المتوكل لكان أشعر الناس» فقد زار البحتري بعد أن سئم الحياة في بغداد بعد مقتل المتوكل على الله المدائن وهي مدينة يقع فيها ايوان كسرى وقد أبدع في وصف الايوان إبداعا فريدا زاده روعة أنه من شعراء العرب أول من وصف الآثار القديمة الخالدة واستوحاها وصب عليها من روحه وهذه مختارات منها:
صنت نفسي عما يدنّس نفسي ... وترفعت عن جدا كلّ جبس
وتماسكت حيث زعزعني الده ... ر التماسا منه لتعسي ونكسي
حضرت رحلي الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في فقار من البسابس ملس
فكأن الجرماز من عدم الأن ... س وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس فإذا ما رأيت صورة انطا ... كية ارتعت بين روم
وفرس والمنايا مواثل وانوشر ... ... ... وان يزجي الصفوف تحت ال
درفس في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة
ورس عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزي رباعهم وال
تأسي فلها ان أعينها بدموع ... موفقات على الصبابة حبس
ولا يتسع المجال لا يراد القصيدة بكاملها، فهي نموذج حي معبر من أدبنا العربي، كما لا يتسع المجال لدراستها فنكتفي بإيراد بعض الملاحظات السريعة عليها:
1- تشعر حين تقرأ السينية بروعة موسيقاها الناتجة عن خفة الجر وجماله (الخفيف) وتلاؤمه مع العواطف والمعاني والألفاظ والروي المهموس وهو السين وترداد الحروف المهموسة كالسين والصاد والتاء.
2- تشعر بتأثر الشاعر بالعظمة حين قدم لوصف الايوان ثم ما تعتم أن تأسى وتحزن حين تقرأ أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس وهذا التجاوب النفسي بين ما يصفه الشاعر وبين ما يصف ميزة فنية بحتة.
3- تشعر أن الشاعر يعجب بكل ما هو عظيم في الدنيا ولو كان من غير قومه فنراه هنا معجبا بالفرس فبكاهم أصدق بكاء ورثاهم أحر رثاء وهكذا الفن يسمو ليستحيل انسانية صرفا.
4- وأخيرا تعجب من أن الشاعر يطرق في الأدب العربي فنا جديدا لم يطرقه أحد من قبله وهو رثاء الممالك الزائلة والآثار الباقية، ولم يشر إليه قبل القرآن أحد فيقول الله تعالى «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» .
وننتقل إلى عينية أبي الطيب المتنبي وهي القصيدة التي رثى بها أبا شجاع فاتك وفيها تحدث عن شعور الإنسان حيال الآثار المتخلفة عن أصحابها فقال منها:
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه؟ ما المصرع تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
ويظهر أن أبا الطيب كان يحب القائد فاتكا أبا شجاع حبا خالصا قائما على الاعجاب فهو يرثيه بقصيدتين يجعل منهما وسيلة إلى الإبانة عما في نفسه من هموم ومحن وترى من خلالهما بعض النظرات الفلسفية فهو كما ترى يرى الحياة لا تصفو إلا للجاهل أو الغافل أما الشجاع الأبي فقلما تخطئه سهامها ونراه هنا معاني مظلمة قاتمة في نفسه حتى ليكاد يلقي سلاحه أمام عوادي الزمان لولا بقية من قوة يستمسك بها:
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع
والناس أنزل في مكانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
2- وفي قوله: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... » الآية فن المناسبة وهي على ضربين معنوية ولفظية والمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ فالآية موعظتها سمعية فختمها بأشد مناسبة معنوية بقوله «أَفَلا يَسْمَعُونَ» وقال في الآية التي موعظتها مرئية وهي آية السجدة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ» فقد ختمها بقوله:
«أَفَلا يُبْصِرُونَ» لأن ذلك مما يتبين بالرؤية وما فوق هذه المناسبة مناسبة. ومن بديع ما ورد فيها شعرا قول القاضي الفاضل:
وبدر بأفلاك الخواطر طالع ... وغصن بريحان الغدار وريق لئن بت في بحر من الفكر سابحا ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فالمناسبة في الشطر الاول في البدر والافلاك والطلوع وفي الشطر الثاني بين الغصن والريحان ووريق وفي الثالث بين البحر وسابحا وفي الرابع بين إنسان العين والدموع وغريق ففي كل شطر من البيتين مناسبات عديدة، وأما المناسبة اللفظية فهي دون رتبة المعنوية وهي الإتيان بكلمات متزنات وهي أيضا على ضربين: تامة وغير تامة فالتامة تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة فمن شواهد التامة من القرآن العظيم قوله تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» ومن الشعر قول ابن هانئ الاندلسي:
وعوابس وقوابس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل
ومن غير التامة قول ابن خلوف المغربي:
كالورد خدا والغزالة بهجة ... والغصن قدا والغزال مقلدا
وقد اجتمعت التامة والناقصة في قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الحظ إلا أن تلك ذوابل فبين قنا ومها مناسبة لفظية تامة وبين الوحش والحظ وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة.
الفوائد:
النسخ في القرآن:
في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» مبحث هام جدير بالتأمل وهو أن معظم المفسرين درجوا على القول إن هذه الآية منسوخة بآية القتال والصواب انها ليست منسوخة بل هي أمر بالصبر المحمود على كل حال وهو عدم الاضطراب ومساورة الجزع لما يقولون ولما يصدر عنهم من الأذية وليس فيها أية اشارة أو تلميح إلى عدم القتال حتى يكون الأمر بالقتال ناسخا لها.
وموضوع النسخ في القرآن الكريم من الموضوعات الشائكة الصعبة، والاختلاف حوله كثير وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين انهم كانوا يستعملون النسخ بإزالة المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء لا بإزاء مصطلح الأصوليين فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى إما بانتهاء مدة العمل أو بصر الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا أو تخصيص عام أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس ظاهرا عليه أو ازالة عادة الجاهلية أو الشريعة السابقة فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك واتسعت دائرة الاختلاف.
أما المنسوخ باصطلاح المتأخرين فهو قليل جدا وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في الإتقان بتقرير مبسوط، كما ينبغي، بعض ما ذكره العلماء ثم حرر المنسوخ الذي فيه رأي المتأخرين على وفق الامام الحافظ القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الاندلسي فعنده قريبا من عشرين آية، وأتى في العصر الحديث الشيخ الامام محمد عبده فأنكر النسخ في القرآن وقال ان كل ما زعموا انه منسوخ يمكن تأويله كما رأيت في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» وهو ظاهر في هذه الآية يطيح بالقول القديم ان الآيات المنسوخة تبلغ حوالي خمسمائة آية وهو قول ظاهر البطلان بالبداهة.
طه 20:126
اللغة:
(ضَنْكاً) : بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة ولهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة على حد القاعدة التي ذكرها صاحب الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد أو التذكيرا
وفي القاموس: «الضنك الضيق في كل شيء للذكر والأنثى يقال ضنك ككرم ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق» وقرئ ضنكى على فعلى.
(يَهْدِ لَهُمْ) : أي يهتدي لهم فهو لازم ومعناه يتبين.
(آناءِ اللَّيْلِ) : جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى بكسر الميم.
وفي المختار: آناء الليل ساعاته، قال الأخفش واحدها إنى مثل معى وقيل واحدها أني وأنو، يقال مضى من الليل أنوان وانيان.
(مُتَرَبِّصٌ) : منتظر ما يئول اليه الأمر.
الإعراب:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) الواو عاطفة على جواب الشرط المتقدم وهو «فمن اتبع هداي» ومن اسم شرط جازم مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعن ذكري متعلقان بأعرض، فإن الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ومعيشة اسمها المؤخر وضنكا صفة والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) ونحشره الواو استئنافية ونحشر فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق بنحشره وأعمى حال من الهاء في نحشره وقد قرئ بالجزم عطفا على محل «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» .
(قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولم اللام حرف جر وما الاستفهامية في محل جر باللام وقد حذفت ألف ما الاستفهامية كما هي القاعدة والجار والمجرور متعلقان بحشرتني، وحشرتني فعل وفاعل ومفعول به وأعمى حال والواو للحال وقد حرف تحقيق وكنت: كان واسمها وبصيرا خبر كنت.
(قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) كذلك نعت لمصدر محذوف أي حشرا مثل ذلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وأتتك آياتي فعل وو مفعول به مقدم وفاعل مؤخر، فنسيتها الفاء عاطفة ونسيتها فعل وفاعل ومفعول به، وكذلك نعت لمصدر محذوف واليوم ظرف متعلق بتنسى. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومن موصول مفعول به وجملة أسرف صلة، ولم يؤمن عطف على أسرف فهو داخل في حيز الصلة وبآيات متعلقان بيؤمن وربه مضاف إليه، ولعذاب: الواو حالية أو عاطفة واللام للابتداء وعذاب مبتدأ والآخرة مضاف إليه وأشد خبر وأبقى عطف على أشد. (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) الهمزة للاستفهام وهي داخلة على محذوف عطف عليه بالفاء وقد تقدم تقريره كثيرا وأعدناه الآن للتذكير والتقدير أغفلوا فلم يتبين لهم، وفاعل يهد المصدر المفهوم من أهلكنا أي أفلم يتبين لهم إهلاكنا ويحتمل أن يكون فاعل يهد ضميرا عائدا على الله تعالى أي يبين الله والأول أولى لأن يهدي معناه يتبين فهو لازم فالفاعل هو الجملة المنسبكة مصدرا لأهلكنا. وقد أنكر البصريون وقوع الجملة فاعلا وجوزه غيرهم قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم، قال النحاس: وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر باهلاكنا من أهلكناه وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى. ولهم متعلقان بيهد وكم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ومن القرون نعت لتمييزكم الخبرية أي كم قرن من القرون والمراد الأمة، وجملة يمشون في مساكنهم حال من مفعول أهلكنا أو من الضمير في لهم وفي مساكنهم متعلقان بيمشون والضمير يعود على المهلكين بفتح اللام يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار هلاكهم وفيها ما يدعوا إلى العبرة والاتعاظ، وقد رمق أبو الطيب سماء هذا المعنى كما سيأتي في باب البلاغة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر، ولأولي صفة لآيات والنهى مضاف اليه وهي جمع نهية بمعنى العقل.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت من ربك صفة لكلمة ومن ربك متعلقان بسبقت، لكان اللام واقعة في جواب لولا وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإهلاك ولزاما خبرها، وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى لكان الإهلاك لازما لهم ويجوز كما يرى الزمخشري وأبو البقاء أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في «كان» أي لكان الإهلاك العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ومن العجيب ان معظم المفسرين كالجلال والبيضاوي وغيرهما جروا على هذا الوجه رغم ما فيه من تكلف وقالوا: ان الفصل بالخبر قام مقام التأكيد لأنه كان من حق العطف أن يؤكد الضمير المستتر في كان بالضمير المنفصل فكان يقال هو لزاما وأجل مسمى ولا داعي لكل هذا التكلف وعطفه على كلمة أسهل وأسرع في تأدية المعنى المراد. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس باهمال بل امهال وهو واقع بهم وآت عليهم فاصبر. واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة وسبح عطف على اصبر وبحمد ربك في موضع نصب على الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه وسيأتي المراد بالصبر في باب الفوائد. وقبل متعلق بسبح وطلوع الشمس مضاف وقبل غروبها عطف على قبل طلوع الشمس. (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) الجار والمجرور متعلقان بسبح والفاء هي الفصيحة أيضا وسبح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأطراف النهار نصب عطفا على محل «ومن آناء» المنصوب ويجوز عطفه على قبل طلوع الشمس ولعل حرف ترج ونصب والكاف اسمها وجملة ترضى خبرها ومتعلق نرضى محذوف مفهوم من السياق أي بما تعطاه من الثواب وجملة لعلك ترضى حالية من فاعل سبح أي صل حال كونك راجيا في أن الله تعالى يرضيك بما يعطيكه من الثواب. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهو في محل جزم بلا وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وعينيك مفعول به والى ما متعلقان بتمدن وجملة متعنا صلة وبه متعلقان بمتعنا والهاء هي العائد وأزواجا مفعول متعنا أي أصنافا منهم ومنهم صفة ويجوز أن يعرب نصبا على الحال من هاء الضمير فيكون منهم متعلقا بمتعنا وزهرة الحياة الدنيا توسع المعربون في اعرابها فأوصلوا أوجه نصبها إلى تسعة وقد محصناها فرأيناها كلها سائغة ولهذا نعرضها كما ذكروها لنتوصل إلى الترجيح:
1- أن تكون مفعولا ثانيا إذا أعربنا أزواجا هو المفعول الاول لأن معنى متعنا أعطينا.
2- أن تكون منصوبة على الحال من ما الموصولة.
3- أن تكون منصوبة على البدلية من أزواجا على المبالغة كأنهم نفس الزهرة.
4- أن تكون منصوبة بفعل مضمر دل عليه متّعنا تقديره جعلنا لهم زهرة.
5- أن تكون منصوبة على الذم أي أذم زهرة الحياة الدنيا.
6- أن تكون منصوبة على الاختصاص.
7- أن تكون منصوبة على البدلية من محل «به» .
8- أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في «به» .
9- أن تكون منصوبة على التمييز ل «ما» أو للهاء في «به» .
ومن تمحيص هذه الوجوه ومراعاة جانب السهولة يتبين أن نصب زهرة يترجح في نصبها على الذم أو المفعولية على تضمين متعنا معنى أعطينا وبهما بدأ الزمخشري وغيره.
ولنفتنهم اللام للتعليل ونفتنهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمتعناهم والهاء مفعول به وفيه متعلقان بنفتنهم. (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) الواو للحال ورزق ربك مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير. (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) وأمر الواو استئنافية أو عاطفة وأمر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأهلك مفعول به وبالصلاة متعلقان بفعل الأمر واصطبر فعل أمر وفاعله مستتر وتقديره أنت وعليها متعلقان باصطبر وجملة لا نسألك استئنافية ونسألك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به ثان. (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) نحن مبتدأ وجملة نرزقك خبر والعاقبة مبتدأ وللتقوى خبر وهاتان الجملتان مستأنفتان أيضا. (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) لولا حرف تحضيض أي هلا ويأتينا فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبآية متعلقان بيأتينا ومن ربه متعلقان بمحذوف صفة لآية، اقترحوا جريا على دينهم المعروف وعادتهم في التعنت واللجاج، أولم الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق والتقدير ألم تأتهم البينات تترى ولم تأتهم بصورة خاصة بينة ما في الصحف الأولى، وبينة فاعل لتأتهم وما موصول مضاف لبينة وفي الصحف متعلقان بمحذوف صلة الموصول والأولى صفة للصحف وفيها ما يكفي المنصف أما المكابر المتعنت فهيهات أن يقنعه شيء. (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) تقدم اعراب مثل هذا التركيب أي لو ثبت إهلاكنا، فأنا وما بعدها فاعل لفعل محذوف والجملة مستأنفة سيقت لدعيم ما تقرر من تعنتهم وصلفهم ومجادلتهم وبعذاب متعلقان بأهلكناهم ومن قبله صفة لعذاب. لقالوا: جواب لو والجملة لا محل لها وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولولا حرف تحضيض وأرسلت فعل وفاعل وإلينا متعلقان بأرسلت ورسولا مفعول به والجملة مقول القول. (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) فنتبع الفاء هي السببية وتنبع منصوب بأن مضمرة في جواب التحضيض والفاعل مستتر تقديره نحن وآياتك مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم ومن قبل متعلقان بنتبع وان وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لقبل ونخزى عطف على نذل. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) كل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومتربص خبر والجملة مقول القول والفاء الفصيحة وتربصوا فعل أمر، فستعلمون الفاء استئنافية والسين حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ومن اسم استفهامية مبتدأ وأصحاب الصراط السوي خبر ومن اهتدى عطف على من أصحاب والجملة من أصحاب مفعول تعلمون المعلقة عن العمل ويجوز أن تكون من موصولة مفعول تعلمون وأصحاب الصراط خبر لمبتدأ محذوف أي هم أصحاب.
البلاغة:
1- المجاز المرسل فقد ذكر القرون وأراد الأمم التي تعيش عبرها والاعتبار بآثار الأمم البائدة، والقرون الخالية، كان مثارا لأخيلة الشعراء وخاصة في مقام الرثاء وأبرع من سما بخياله إلى هذا المعنى أبو الطيب المتنبي والبحتري فنكتفي بهما وسنورد أبياتا مختارة من قصيدتين لهما.
يقول عبد الله بن المعتز الشاعر العباسي الخليفة: «لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته في ايوان كسرى وقصيدته في وصف بركة المتوكل لكان أشعر الناس» فقد زار البحتري بعد أن سئم الحياة في بغداد بعد مقتل المتوكل على الله المدائن وهي مدينة يقع فيها ايوان كسرى وقد أبدع في وصف الايوان إبداعا فريدا زاده روعة أنه من شعراء العرب أول من وصف الآثار القديمة الخالدة واستوحاها وصب عليها من روحه وهذه مختارات منها:
صنت نفسي عما يدنّس نفسي ... وترفعت عن جدا كلّ جبس
وتماسكت حيث زعزعني الده ... ر التماسا منه لتعسي ونكسي
حضرت رحلي الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في فقار من البسابس ملس
فكأن الجرماز من عدم الأن ... س وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس فإذا ما رأيت صورة انطا ... كية ارتعت بين روم
وفرس والمنايا مواثل وانوشر ... ... ... وان يزجي الصفوف تحت ال
درفس في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة
ورس عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزي رباعهم وال
تأسي فلها ان أعينها بدموع ... موفقات على الصبابة حبس
ولا يتسع المجال لا يراد القصيدة بكاملها، فهي نموذج حي معبر من أدبنا العربي، كما لا يتسع المجال لدراستها فنكتفي بإيراد بعض الملاحظات السريعة عليها:
1- تشعر حين تقرأ السينية بروعة موسيقاها الناتجة عن خفة الجر وجماله (الخفيف) وتلاؤمه مع العواطف والمعاني والألفاظ والروي المهموس وهو السين وترداد الحروف المهموسة كالسين والصاد والتاء.
2- تشعر بتأثر الشاعر بالعظمة حين قدم لوصف الايوان ثم ما تعتم أن تأسى وتحزن حين تقرأ أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس وهذا التجاوب النفسي بين ما يصفه الشاعر وبين ما يصف ميزة فنية بحتة.
3- تشعر أن الشاعر يعجب بكل ما هو عظيم في الدنيا ولو كان من غير قومه فنراه هنا معجبا بالفرس فبكاهم أصدق بكاء ورثاهم أحر رثاء وهكذا الفن يسمو ليستحيل انسانية صرفا.
4- وأخيرا تعجب من أن الشاعر يطرق في الأدب العربي فنا جديدا لم يطرقه أحد من قبله وهو رثاء الممالك الزائلة والآثار الباقية، ولم يشر إليه قبل القرآن أحد فيقول الله تعالى «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» .
وننتقل إلى عينية أبي الطيب المتنبي وهي القصيدة التي رثى بها أبا شجاع فاتك وفيها تحدث عن شعور الإنسان حيال الآثار المتخلفة عن أصحابها فقال منها:
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه؟ ما المصرع تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
ويظهر أن أبا الطيب كان يحب القائد فاتكا أبا شجاع حبا خالصا قائما على الاعجاب فهو يرثيه بقصيدتين يجعل منهما وسيلة إلى الإبانة عما في نفسه من هموم ومحن وترى من خلالهما بعض النظرات الفلسفية فهو كما ترى يرى الحياة لا تصفو إلا للجاهل أو الغافل أما الشجاع الأبي فقلما تخطئه سهامها ونراه هنا معاني مظلمة قاتمة في نفسه حتى ليكاد يلقي سلاحه أمام عوادي الزمان لولا بقية من قوة يستمسك بها:
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع
والناس أنزل في مكانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
2- وفي قوله: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... » الآية فن المناسبة وهي على ضربين معنوية ولفظية والمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ فالآية موعظتها سمعية فختمها بأشد مناسبة معنوية بقوله «أَفَلا يَسْمَعُونَ» وقال في الآية التي موعظتها مرئية وهي آية السجدة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ» فقد ختمها بقوله:
«أَفَلا يُبْصِرُونَ» لأن ذلك مما يتبين بالرؤية وما فوق هذه المناسبة مناسبة. ومن بديع ما ورد فيها شعرا قول القاضي الفاضل:
وبدر بأفلاك الخواطر طالع ... وغصن بريحان الغدار وريق لئن بت في بحر من الفكر سابحا ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فالمناسبة في الشطر الاول في البدر والافلاك والطلوع وفي الشطر الثاني بين الغصن والريحان ووريق وفي الثالث بين البحر وسابحا وفي الرابع بين إنسان العين والدموع وغريق ففي كل شطر من البيتين مناسبات عديدة، وأما المناسبة اللفظية فهي دون رتبة المعنوية وهي الإتيان بكلمات متزنات وهي أيضا على ضربين: تامة وغير تامة فالتامة تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة فمن شواهد التامة من القرآن العظيم قوله تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» ومن الشعر قول ابن هانئ الاندلسي:
وعوابس وقوابس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل
ومن غير التامة قول ابن خلوف المغربي:
كالورد خدا والغزالة بهجة ... والغصن قدا والغزال مقلدا
وقد اجتمعت التامة والناقصة في قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الحظ إلا أن تلك ذوابل فبين قنا ومها مناسبة لفظية تامة وبين الوحش والحظ وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة.
الفوائد:
النسخ في القرآن:
في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» مبحث هام جدير بالتأمل وهو أن معظم المفسرين درجوا على القول إن هذه الآية منسوخة بآية القتال والصواب انها ليست منسوخة بل هي أمر بالصبر المحمود على كل حال وهو عدم الاضطراب ومساورة الجزع لما يقولون ولما يصدر عنهم من الأذية وليس فيها أية اشارة أو تلميح إلى عدم القتال حتى يكون الأمر بالقتال ناسخا لها.
وموضوع النسخ في القرآن الكريم من الموضوعات الشائكة الصعبة، والاختلاف حوله كثير وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين انهم كانوا يستعملون النسخ بإزالة المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء لا بإزاء مصطلح الأصوليين فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى إما بانتهاء مدة العمل أو بصر الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا أو تخصيص عام أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس ظاهرا عليه أو ازالة عادة الجاهلية أو الشريعة السابقة فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك واتسعت دائرة الاختلاف.
أما المنسوخ باصطلاح المتأخرين فهو قليل جدا وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في الإتقان بتقرير مبسوط، كما ينبغي، بعض ما ذكره العلماء ثم حرر المنسوخ الذي فيه رأي المتأخرين على وفق الامام الحافظ القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الاندلسي فعنده قريبا من عشرين آية، وأتى في العصر الحديث الشيخ الامام محمد عبده فأنكر النسخ في القرآن وقال ان كل ما زعموا انه منسوخ يمكن تأويله كما رأيت في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» وهو ظاهر في هذه الآية يطيح بالقول القديم ان الآيات المنسوخة تبلغ حوالي خمسمائة آية وهو قول ظاهر البطلان بالبداهة.
طه 20:127
اللغة:
(ضَنْكاً) : بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة ولهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة على حد القاعدة التي ذكرها صاحب الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد أو التذكيرا
وفي القاموس: «الضنك الضيق في كل شيء للذكر والأنثى يقال ضنك ككرم ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق» وقرئ ضنكى على فعلى.
(يَهْدِ لَهُمْ) : أي يهتدي لهم فهو لازم ومعناه يتبين.
(آناءِ اللَّيْلِ) : جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى بكسر الميم.
وفي المختار: آناء الليل ساعاته، قال الأخفش واحدها إنى مثل معى وقيل واحدها أني وأنو، يقال مضى من الليل أنوان وانيان.
(مُتَرَبِّصٌ) : منتظر ما يئول اليه الأمر.
الإعراب:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) الواو عاطفة على جواب الشرط المتقدم وهو «فمن اتبع هداي» ومن اسم شرط جازم مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعن ذكري متعلقان بأعرض، فإن الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ومعيشة اسمها المؤخر وضنكا صفة والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) ونحشره الواو استئنافية ونحشر فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق بنحشره وأعمى حال من الهاء في نحشره وقد قرئ بالجزم عطفا على محل «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» .
(قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولم اللام حرف جر وما الاستفهامية في محل جر باللام وقد حذفت ألف ما الاستفهامية كما هي القاعدة والجار والمجرور متعلقان بحشرتني، وحشرتني فعل وفاعل ومفعول به وأعمى حال والواو للحال وقد حرف تحقيق وكنت: كان واسمها وبصيرا خبر كنت.
(قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) كذلك نعت لمصدر محذوف أي حشرا مثل ذلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وأتتك آياتي فعل وو مفعول به مقدم وفاعل مؤخر، فنسيتها الفاء عاطفة ونسيتها فعل وفاعل ومفعول به، وكذلك نعت لمصدر محذوف واليوم ظرف متعلق بتنسى. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومن موصول مفعول به وجملة أسرف صلة، ولم يؤمن عطف على أسرف فهو داخل في حيز الصلة وبآيات متعلقان بيؤمن وربه مضاف إليه، ولعذاب: الواو حالية أو عاطفة واللام للابتداء وعذاب مبتدأ والآخرة مضاف إليه وأشد خبر وأبقى عطف على أشد. (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) الهمزة للاستفهام وهي داخلة على محذوف عطف عليه بالفاء وقد تقدم تقريره كثيرا وأعدناه الآن للتذكير والتقدير أغفلوا فلم يتبين لهم، وفاعل يهد المصدر المفهوم من أهلكنا أي أفلم يتبين لهم إهلاكنا ويحتمل أن يكون فاعل يهد ضميرا عائدا على الله تعالى أي يبين الله والأول أولى لأن يهدي معناه يتبين فهو لازم فالفاعل هو الجملة المنسبكة مصدرا لأهلكنا. وقد أنكر البصريون وقوع الجملة فاعلا وجوزه غيرهم قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم، قال النحاس: وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر باهلاكنا من أهلكناه وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى. ولهم متعلقان بيهد وكم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ومن القرون نعت لتمييزكم الخبرية أي كم قرن من القرون والمراد الأمة، وجملة يمشون في مساكنهم حال من مفعول أهلكنا أو من الضمير في لهم وفي مساكنهم متعلقان بيمشون والضمير يعود على المهلكين بفتح اللام يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار هلاكهم وفيها ما يدعوا إلى العبرة والاتعاظ، وقد رمق أبو الطيب سماء هذا المعنى كما سيأتي في باب البلاغة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر، ولأولي صفة لآيات والنهى مضاف اليه وهي جمع نهية بمعنى العقل.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت من ربك صفة لكلمة ومن ربك متعلقان بسبقت، لكان اللام واقعة في جواب لولا وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإهلاك ولزاما خبرها، وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى لكان الإهلاك لازما لهم ويجوز كما يرى الزمخشري وأبو البقاء أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في «كان» أي لكان الإهلاك العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ومن العجيب ان معظم المفسرين كالجلال والبيضاوي وغيرهما جروا على هذا الوجه رغم ما فيه من تكلف وقالوا: ان الفصل بالخبر قام مقام التأكيد لأنه كان من حق العطف أن يؤكد الضمير المستتر في كان بالضمير المنفصل فكان يقال هو لزاما وأجل مسمى ولا داعي لكل هذا التكلف وعطفه على كلمة أسهل وأسرع في تأدية المعنى المراد. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس باهمال بل امهال وهو واقع بهم وآت عليهم فاصبر. واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة وسبح عطف على اصبر وبحمد ربك في موضع نصب على الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه وسيأتي المراد بالصبر في باب الفوائد. وقبل متعلق بسبح وطلوع الشمس مضاف وقبل غروبها عطف على قبل طلوع الشمس. (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) الجار والمجرور متعلقان بسبح والفاء هي الفصيحة أيضا وسبح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأطراف النهار نصب عطفا على محل «ومن آناء» المنصوب ويجوز عطفه على قبل طلوع الشمس ولعل حرف ترج ونصب والكاف اسمها وجملة ترضى خبرها ومتعلق نرضى محذوف مفهوم من السياق أي بما تعطاه من الثواب وجملة لعلك ترضى حالية من فاعل سبح أي صل حال كونك راجيا في أن الله تعالى يرضيك بما يعطيكه من الثواب. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهو في محل جزم بلا وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وعينيك مفعول به والى ما متعلقان بتمدن وجملة متعنا صلة وبه متعلقان بمتعنا والهاء هي العائد وأزواجا مفعول متعنا أي أصنافا منهم ومنهم صفة ويجوز أن يعرب نصبا على الحال من هاء الضمير فيكون منهم متعلقا بمتعنا وزهرة الحياة الدنيا توسع المعربون في اعرابها فأوصلوا أوجه نصبها إلى تسعة وقد محصناها فرأيناها كلها سائغة ولهذا نعرضها كما ذكروها لنتوصل إلى الترجيح:
1- أن تكون مفعولا ثانيا إذا أعربنا أزواجا هو المفعول الاول لأن معنى متعنا أعطينا.
2- أن تكون منصوبة على الحال من ما الموصولة.
3- أن تكون منصوبة على البدلية من أزواجا على المبالغة كأنهم نفس الزهرة.
4- أن تكون منصوبة بفعل مضمر دل عليه متّعنا تقديره جعلنا لهم زهرة.
5- أن تكون منصوبة على الذم أي أذم زهرة الحياة الدنيا.
6- أن تكون منصوبة على الاختصاص.
7- أن تكون منصوبة على البدلية من محل «به» .
8- أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في «به» .
9- أن تكون منصوبة على التمييز ل «ما» أو للهاء في «به» .
ومن تمحيص هذه الوجوه ومراعاة جانب السهولة يتبين أن نصب زهرة يترجح في نصبها على الذم أو المفعولية على تضمين متعنا معنى أعطينا وبهما بدأ الزمخشري وغيره.
ولنفتنهم اللام للتعليل ونفتنهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمتعناهم والهاء مفعول به وفيه متعلقان بنفتنهم. (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) الواو للحال ورزق ربك مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير. (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) وأمر الواو استئنافية أو عاطفة وأمر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأهلك مفعول به وبالصلاة متعلقان بفعل الأمر واصطبر فعل أمر وفاعله مستتر وتقديره أنت وعليها متعلقان باصطبر وجملة لا نسألك استئنافية ونسألك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به ثان. (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) نحن مبتدأ وجملة نرزقك خبر والعاقبة مبتدأ وللتقوى خبر وهاتان الجملتان مستأنفتان أيضا. (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) لولا حرف تحضيض أي هلا ويأتينا فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبآية متعلقان بيأتينا ومن ربه متعلقان بمحذوف صفة لآية، اقترحوا جريا على دينهم المعروف وعادتهم في التعنت واللجاج، أولم الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق والتقدير ألم تأتهم البينات تترى ولم تأتهم بصورة خاصة بينة ما في الصحف الأولى، وبينة فاعل لتأتهم وما موصول مضاف لبينة وفي الصحف متعلقان بمحذوف صلة الموصول والأولى صفة للصحف وفيها ما يكفي المنصف أما المكابر المتعنت فهيهات أن يقنعه شيء. (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) تقدم اعراب مثل هذا التركيب أي لو ثبت إهلاكنا، فأنا وما بعدها فاعل لفعل محذوف والجملة مستأنفة سيقت لدعيم ما تقرر من تعنتهم وصلفهم ومجادلتهم وبعذاب متعلقان بأهلكناهم ومن قبله صفة لعذاب. لقالوا: جواب لو والجملة لا محل لها وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولولا حرف تحضيض وأرسلت فعل وفاعل وإلينا متعلقان بأرسلت ورسولا مفعول به والجملة مقول القول. (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) فنتبع الفاء هي السببية وتنبع منصوب بأن مضمرة في جواب التحضيض والفاعل مستتر تقديره نحن وآياتك مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم ومن قبل متعلقان بنتبع وان وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لقبل ونخزى عطف على نذل. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) كل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومتربص خبر والجملة مقول القول والفاء الفصيحة وتربصوا فعل أمر، فستعلمون الفاء استئنافية والسين حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ومن اسم استفهامية مبتدأ وأصحاب الصراط السوي خبر ومن اهتدى عطف على من أصحاب والجملة من أصحاب مفعول تعلمون المعلقة عن العمل ويجوز أن تكون من موصولة مفعول تعلمون وأصحاب الصراط خبر لمبتدأ محذوف أي هم أصحاب.
البلاغة:
1- المجاز المرسل فقد ذكر القرون وأراد الأمم التي تعيش عبرها والاعتبار بآثار الأمم البائدة، والقرون الخالية، كان مثارا لأخيلة الشعراء وخاصة في مقام الرثاء وأبرع من سما بخياله إلى هذا المعنى أبو الطيب المتنبي والبحتري فنكتفي بهما وسنورد أبياتا مختارة من قصيدتين لهما.
يقول عبد الله بن المعتز الشاعر العباسي الخليفة: «لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته في ايوان كسرى وقصيدته في وصف بركة المتوكل لكان أشعر الناس» فقد زار البحتري بعد أن سئم الحياة في بغداد بعد مقتل المتوكل على الله المدائن وهي مدينة يقع فيها ايوان كسرى وقد أبدع في وصف الايوان إبداعا فريدا زاده روعة أنه من شعراء العرب أول من وصف الآثار القديمة الخالدة واستوحاها وصب عليها من روحه وهذه مختارات منها:
صنت نفسي عما يدنّس نفسي ... وترفعت عن جدا كلّ جبس
وتماسكت حيث زعزعني الده ... ر التماسا منه لتعسي ونكسي
حضرت رحلي الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في فقار من البسابس ملس
فكأن الجرماز من عدم الأن ... س وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس فإذا ما رأيت صورة انطا ... كية ارتعت بين روم
وفرس والمنايا مواثل وانوشر ... ... ... وان يزجي الصفوف تحت ال
درفس في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة
ورس عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزي رباعهم وال
تأسي فلها ان أعينها بدموع ... موفقات على الصبابة حبس
ولا يتسع المجال لا يراد القصيدة بكاملها، فهي نموذج حي معبر من أدبنا العربي، كما لا يتسع المجال لدراستها فنكتفي بإيراد بعض الملاحظات السريعة عليها:
1- تشعر حين تقرأ السينية بروعة موسيقاها الناتجة عن خفة الجر وجماله (الخفيف) وتلاؤمه مع العواطف والمعاني والألفاظ والروي المهموس وهو السين وترداد الحروف المهموسة كالسين والصاد والتاء.
2- تشعر بتأثر الشاعر بالعظمة حين قدم لوصف الايوان ثم ما تعتم أن تأسى وتحزن حين تقرأ أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس وهذا التجاوب النفسي بين ما يصفه الشاعر وبين ما يصف ميزة فنية بحتة.
3- تشعر أن الشاعر يعجب بكل ما هو عظيم في الدنيا ولو كان من غير قومه فنراه هنا معجبا بالفرس فبكاهم أصدق بكاء ورثاهم أحر رثاء وهكذا الفن يسمو ليستحيل انسانية صرفا.
4- وأخيرا تعجب من أن الشاعر يطرق في الأدب العربي فنا جديدا لم يطرقه أحد من قبله وهو رثاء الممالك الزائلة والآثار الباقية، ولم يشر إليه قبل القرآن أحد فيقول الله تعالى «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» .
وننتقل إلى عينية أبي الطيب المتنبي وهي القصيدة التي رثى بها أبا شجاع فاتك وفيها تحدث عن شعور الإنسان حيال الآثار المتخلفة عن أصحابها فقال منها:
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه؟ ما المصرع تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
ويظهر أن أبا الطيب كان يحب القائد فاتكا أبا شجاع حبا خالصا قائما على الاعجاب فهو يرثيه بقصيدتين يجعل منهما وسيلة إلى الإبانة عما في نفسه من هموم ومحن وترى من خلالهما بعض النظرات الفلسفية فهو كما ترى يرى الحياة لا تصفو إلا للجاهل أو الغافل أما الشجاع الأبي فقلما تخطئه سهامها ونراه هنا معاني مظلمة قاتمة في نفسه حتى ليكاد يلقي سلاحه أمام عوادي الزمان لولا بقية من قوة يستمسك بها:
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع
والناس أنزل في مكانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
2- وفي قوله: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... » الآية فن المناسبة وهي على ضربين معنوية ولفظية والمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ فالآية موعظتها سمعية فختمها بأشد مناسبة معنوية بقوله «أَفَلا يَسْمَعُونَ» وقال في الآية التي موعظتها مرئية وهي آية السجدة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ» فقد ختمها بقوله:
«أَفَلا يُبْصِرُونَ» لأن ذلك مما يتبين بالرؤية وما فوق هذه المناسبة مناسبة. ومن بديع ما ورد فيها شعرا قول القاضي الفاضل:
وبدر بأفلاك الخواطر طالع ... وغصن بريحان الغدار وريق لئن بت في بحر من الفكر سابحا ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فالمناسبة في الشطر الاول في البدر والافلاك والطلوع وفي الشطر الثاني بين الغصن والريحان ووريق وفي الثالث بين البحر وسابحا وفي الرابع بين إنسان العين والدموع وغريق ففي كل شطر من البيتين مناسبات عديدة، وأما المناسبة اللفظية فهي دون رتبة المعنوية وهي الإتيان بكلمات متزنات وهي أيضا على ضربين: تامة وغير تامة فالتامة تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة فمن شواهد التامة من القرآن العظيم قوله تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» ومن الشعر قول ابن هانئ الاندلسي:
وعوابس وقوابس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل
ومن غير التامة قول ابن خلوف المغربي:
كالورد خدا والغزالة بهجة ... والغصن قدا والغزال مقلدا
وقد اجتمعت التامة والناقصة في قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الحظ إلا أن تلك ذوابل فبين قنا ومها مناسبة لفظية تامة وبين الوحش والحظ وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة.
الفوائد:
النسخ في القرآن:
في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» مبحث هام جدير بالتأمل وهو أن معظم المفسرين درجوا على القول إن هذه الآية منسوخة بآية القتال والصواب انها ليست منسوخة بل هي أمر بالصبر المحمود على كل حال وهو عدم الاضطراب ومساورة الجزع لما يقولون ولما يصدر عنهم من الأذية وليس فيها أية اشارة أو تلميح إلى عدم القتال حتى يكون الأمر بالقتال ناسخا لها.
وموضوع النسخ في القرآن الكريم من الموضوعات الشائكة الصعبة، والاختلاف حوله كثير وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين انهم كانوا يستعملون النسخ بإزالة المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء لا بإزاء مصطلح الأصوليين فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى إما بانتهاء مدة العمل أو بصر الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا أو تخصيص عام أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس ظاهرا عليه أو ازالة عادة الجاهلية أو الشريعة السابقة فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك واتسعت دائرة الاختلاف.
أما المنسوخ باصطلاح المتأخرين فهو قليل جدا وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في الإتقان بتقرير مبسوط، كما ينبغي، بعض ما ذكره العلماء ثم حرر المنسوخ الذي فيه رأي المتأخرين على وفق الامام الحافظ القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الاندلسي فعنده قريبا من عشرين آية، وأتى في العصر الحديث الشيخ الامام محمد عبده فأنكر النسخ في القرآن وقال ان كل ما زعموا انه منسوخ يمكن تأويله كما رأيت في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» وهو ظاهر في هذه الآية يطيح بالقول القديم ان الآيات المنسوخة تبلغ حوالي خمسمائة آية وهو قول ظاهر البطلان بالبداهة.
طه 20:128
اللغة:
(ضَنْكاً) : بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة ولهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة على حد القاعدة التي ذكرها صاحب الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد أو التذكيرا
وفي القاموس: «الضنك الضيق في كل شيء للذكر والأنثى يقال ضنك ككرم ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق» وقرئ ضنكى على فعلى.
(يَهْدِ لَهُمْ) : أي يهتدي لهم فهو لازم ومعناه يتبين.
(آناءِ اللَّيْلِ) : جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى بكسر الميم.
وفي المختار: آناء الليل ساعاته، قال الأخفش واحدها إنى مثل معى وقيل واحدها أني وأنو، يقال مضى من الليل أنوان وانيان.
(مُتَرَبِّصٌ) : منتظر ما يئول اليه الأمر.
الإعراب:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) الواو عاطفة على جواب الشرط المتقدم وهو «فمن اتبع هداي» ومن اسم شرط جازم مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعن ذكري متعلقان بأعرض، فإن الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ومعيشة اسمها المؤخر وضنكا صفة والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) ونحشره الواو استئنافية ونحشر فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق بنحشره وأعمى حال من الهاء في نحشره وقد قرئ بالجزم عطفا على محل «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» .
(قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولم اللام حرف جر وما الاستفهامية في محل جر باللام وقد حذفت ألف ما الاستفهامية كما هي القاعدة والجار والمجرور متعلقان بحشرتني، وحشرتني فعل وفاعل ومفعول به وأعمى حال والواو للحال وقد حرف تحقيق وكنت: كان واسمها وبصيرا خبر كنت.
(قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) كذلك نعت لمصدر محذوف أي حشرا مثل ذلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وأتتك آياتي فعل وو مفعول به مقدم وفاعل مؤخر، فنسيتها الفاء عاطفة ونسيتها فعل وفاعل ومفعول به، وكذلك نعت لمصدر محذوف واليوم ظرف متعلق بتنسى. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومن موصول مفعول به وجملة أسرف صلة، ولم يؤمن عطف على أسرف فهو داخل في حيز الصلة وبآيات متعلقان بيؤمن وربه مضاف إليه، ولعذاب: الواو حالية أو عاطفة واللام للابتداء وعذاب مبتدأ والآخرة مضاف إليه وأشد خبر وأبقى عطف على أشد. (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) الهمزة للاستفهام وهي داخلة على محذوف عطف عليه بالفاء وقد تقدم تقريره كثيرا وأعدناه الآن للتذكير والتقدير أغفلوا فلم يتبين لهم، وفاعل يهد المصدر المفهوم من أهلكنا أي أفلم يتبين لهم إهلاكنا ويحتمل أن يكون فاعل يهد ضميرا عائدا على الله تعالى أي يبين الله والأول أولى لأن يهدي معناه يتبين فهو لازم فالفاعل هو الجملة المنسبكة مصدرا لأهلكنا. وقد أنكر البصريون وقوع الجملة فاعلا وجوزه غيرهم قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم، قال النحاس: وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر باهلاكنا من أهلكناه وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى. ولهم متعلقان بيهد وكم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ومن القرون نعت لتمييزكم الخبرية أي كم قرن من القرون والمراد الأمة، وجملة يمشون في مساكنهم حال من مفعول أهلكنا أو من الضمير في لهم وفي مساكنهم متعلقان بيمشون والضمير يعود على المهلكين بفتح اللام يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار هلاكهم وفيها ما يدعوا إلى العبرة والاتعاظ، وقد رمق أبو الطيب سماء هذا المعنى كما سيأتي في باب البلاغة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر، ولأولي صفة لآيات والنهى مضاف اليه وهي جمع نهية بمعنى العقل.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت من ربك صفة لكلمة ومن ربك متعلقان بسبقت، لكان اللام واقعة في جواب لولا وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإهلاك ولزاما خبرها، وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى لكان الإهلاك لازما لهم ويجوز كما يرى الزمخشري وأبو البقاء أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في «كان» أي لكان الإهلاك العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ومن العجيب ان معظم المفسرين كالجلال والبيضاوي وغيرهما جروا على هذا الوجه رغم ما فيه من تكلف وقالوا: ان الفصل بالخبر قام مقام التأكيد لأنه كان من حق العطف أن يؤكد الضمير المستتر في كان بالضمير المنفصل فكان يقال هو لزاما وأجل مسمى ولا داعي لكل هذا التكلف وعطفه على كلمة أسهل وأسرع في تأدية المعنى المراد. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس باهمال بل امهال وهو واقع بهم وآت عليهم فاصبر. واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة وسبح عطف على اصبر وبحمد ربك في موضع نصب على الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه وسيأتي المراد بالصبر في باب الفوائد. وقبل متعلق بسبح وطلوع الشمس مضاف وقبل غروبها عطف على قبل طلوع الشمس. (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) الجار والمجرور متعلقان بسبح والفاء هي الفصيحة أيضا وسبح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأطراف النهار نصب عطفا على محل «ومن آناء» المنصوب ويجوز عطفه على قبل طلوع الشمس ولعل حرف ترج ونصب والكاف اسمها وجملة ترضى خبرها ومتعلق نرضى محذوف مفهوم من السياق أي بما تعطاه من الثواب وجملة لعلك ترضى حالية من فاعل سبح أي صل حال كونك راجيا في أن الله تعالى يرضيك بما يعطيكه من الثواب. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهو في محل جزم بلا وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وعينيك مفعول به والى ما متعلقان بتمدن وجملة متعنا صلة وبه متعلقان بمتعنا والهاء هي العائد وأزواجا مفعول متعنا أي أصنافا منهم ومنهم صفة ويجوز أن يعرب نصبا على الحال من هاء الضمير فيكون منهم متعلقا بمتعنا وزهرة الحياة الدنيا توسع المعربون في اعرابها فأوصلوا أوجه نصبها إلى تسعة وقد محصناها فرأيناها كلها سائغة ولهذا نعرضها كما ذكروها لنتوصل إلى الترجيح:
1- أن تكون مفعولا ثانيا إذا أعربنا أزواجا هو المفعول الاول لأن معنى متعنا أعطينا.
2- أن تكون منصوبة على الحال من ما الموصولة.
3- أن تكون منصوبة على البدلية من أزواجا على المبالغة كأنهم نفس الزهرة.
4- أن تكون منصوبة بفعل مضمر دل عليه متّعنا تقديره جعلنا لهم زهرة.
5- أن تكون منصوبة على الذم أي أذم زهرة الحياة الدنيا.
6- أن تكون منصوبة على الاختصاص.
7- أن تكون منصوبة على البدلية من محل «به» .
8- أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في «به» .
9- أن تكون منصوبة على التمييز ل «ما» أو للهاء في «به» .
ومن تمحيص هذه الوجوه ومراعاة جانب السهولة يتبين أن نصب زهرة يترجح في نصبها على الذم أو المفعولية على تضمين متعنا معنى أعطينا وبهما بدأ الزمخشري وغيره.
ولنفتنهم اللام للتعليل ونفتنهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمتعناهم والهاء مفعول به وفيه متعلقان بنفتنهم. (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) الواو للحال ورزق ربك مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير. (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) وأمر الواو استئنافية أو عاطفة وأمر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأهلك مفعول به وبالصلاة متعلقان بفعل الأمر واصطبر فعل أمر وفاعله مستتر وتقديره أنت وعليها متعلقان باصطبر وجملة لا نسألك استئنافية ونسألك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به ثان. (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) نحن مبتدأ وجملة نرزقك خبر والعاقبة مبتدأ وللتقوى خبر وهاتان الجملتان مستأنفتان أيضا. (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) لولا حرف تحضيض أي هلا ويأتينا فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبآية متعلقان بيأتينا ومن ربه متعلقان بمحذوف صفة لآية، اقترحوا جريا على دينهم المعروف وعادتهم في التعنت واللجاج، أولم الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق والتقدير ألم تأتهم البينات تترى ولم تأتهم بصورة خاصة بينة ما في الصحف الأولى، وبينة فاعل لتأتهم وما موصول مضاف لبينة وفي الصحف متعلقان بمحذوف صلة الموصول والأولى صفة للصحف وفيها ما يكفي المنصف أما المكابر المتعنت فهيهات أن يقنعه شيء. (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) تقدم اعراب مثل هذا التركيب أي لو ثبت إهلاكنا، فأنا وما بعدها فاعل لفعل محذوف والجملة مستأنفة سيقت لدعيم ما تقرر من تعنتهم وصلفهم ومجادلتهم وبعذاب متعلقان بأهلكناهم ومن قبله صفة لعذاب. لقالوا: جواب لو والجملة لا محل لها وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولولا حرف تحضيض وأرسلت فعل وفاعل وإلينا متعلقان بأرسلت ورسولا مفعول به والجملة مقول القول. (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) فنتبع الفاء هي السببية وتنبع منصوب بأن مضمرة في جواب التحضيض والفاعل مستتر تقديره نحن وآياتك مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم ومن قبل متعلقان بنتبع وان وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لقبل ونخزى عطف على نذل. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) كل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومتربص خبر والجملة مقول القول والفاء الفصيحة وتربصوا فعل أمر، فستعلمون الفاء استئنافية والسين حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ومن اسم استفهامية مبتدأ وأصحاب الصراط السوي خبر ومن اهتدى عطف على من أصحاب والجملة من أصحاب مفعول تعلمون المعلقة عن العمل ويجوز أن تكون من موصولة مفعول تعلمون وأصحاب الصراط خبر لمبتدأ محذوف أي هم أصحاب.
البلاغة:
1- المجاز المرسل فقد ذكر القرون وأراد الأمم التي تعيش عبرها والاعتبار بآثار الأمم البائدة، والقرون الخالية، كان مثارا لأخيلة الشعراء وخاصة في مقام الرثاء وأبرع من سما بخياله إلى هذا المعنى أبو الطيب المتنبي والبحتري فنكتفي بهما وسنورد أبياتا مختارة من قصيدتين لهما.
يقول عبد الله بن المعتز الشاعر العباسي الخليفة: «لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته في ايوان كسرى وقصيدته في وصف بركة المتوكل لكان أشعر الناس» فقد زار البحتري بعد أن سئم الحياة في بغداد بعد مقتل المتوكل على الله المدائن وهي مدينة يقع فيها ايوان كسرى وقد أبدع في وصف الايوان إبداعا فريدا زاده روعة أنه من شعراء العرب أول من وصف الآثار القديمة الخالدة واستوحاها وصب عليها من روحه وهذه مختارات منها:
صنت نفسي عما يدنّس نفسي ... وترفعت عن جدا كلّ جبس
وتماسكت حيث زعزعني الده ... ر التماسا منه لتعسي ونكسي
حضرت رحلي الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في فقار من البسابس ملس
فكأن الجرماز من عدم الأن ... س وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس فإذا ما رأيت صورة انطا ... كية ارتعت بين روم
وفرس والمنايا مواثل وانوشر ... ... ... وان يزجي الصفوف تحت ال
درفس في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة
ورس عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزي رباعهم وال
تأسي فلها ان أعينها بدموع ... موفقات على الصبابة حبس
ولا يتسع المجال لا يراد القصيدة بكاملها، فهي نموذج حي معبر من أدبنا العربي، كما لا يتسع المجال لدراستها فنكتفي بإيراد بعض الملاحظات السريعة عليها:
1- تشعر حين تقرأ السينية بروعة موسيقاها الناتجة عن خفة الجر وجماله (الخفيف) وتلاؤمه مع العواطف والمعاني والألفاظ والروي المهموس وهو السين وترداد الحروف المهموسة كالسين والصاد والتاء.
2- تشعر بتأثر الشاعر بالعظمة حين قدم لوصف الايوان ثم ما تعتم أن تأسى وتحزن حين تقرأ أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس وهذا التجاوب النفسي بين ما يصفه الشاعر وبين ما يصف ميزة فنية بحتة.
3- تشعر أن الشاعر يعجب بكل ما هو عظيم في الدنيا ولو كان من غير قومه فنراه هنا معجبا بالفرس فبكاهم أصدق بكاء ورثاهم أحر رثاء وهكذا الفن يسمو ليستحيل انسانية صرفا.
4- وأخيرا تعجب من أن الشاعر يطرق في الأدب العربي فنا جديدا لم يطرقه أحد من قبله وهو رثاء الممالك الزائلة والآثار الباقية، ولم يشر إليه قبل القرآن أحد فيقول الله تعالى «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» .
وننتقل إلى عينية أبي الطيب المتنبي وهي القصيدة التي رثى بها أبا شجاع فاتك وفيها تحدث عن شعور الإنسان حيال الآثار المتخلفة عن أصحابها فقال منها:
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه؟ ما المصرع تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
ويظهر أن أبا الطيب كان يحب القائد فاتكا أبا شجاع حبا خالصا قائما على الاعجاب فهو يرثيه بقصيدتين يجعل منهما وسيلة إلى الإبانة عما في نفسه من هموم ومحن وترى من خلالهما بعض النظرات الفلسفية فهو كما ترى يرى الحياة لا تصفو إلا للجاهل أو الغافل أما الشجاع الأبي فقلما تخطئه سهامها ونراه هنا معاني مظلمة قاتمة في نفسه حتى ليكاد يلقي سلاحه أمام عوادي الزمان لولا بقية من قوة يستمسك بها:
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع
والناس أنزل في مكانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
2- وفي قوله: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... » الآية فن المناسبة وهي على ضربين معنوية ولفظية والمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ فالآية موعظتها سمعية فختمها بأشد مناسبة معنوية بقوله «أَفَلا يَسْمَعُونَ» وقال في الآية التي موعظتها مرئية وهي آية السجدة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ» فقد ختمها بقوله:
«أَفَلا يُبْصِرُونَ» لأن ذلك مما يتبين بالرؤية وما فوق هذه المناسبة مناسبة. ومن بديع ما ورد فيها شعرا قول القاضي الفاضل:
وبدر بأفلاك الخواطر طالع ... وغصن بريحان الغدار وريق لئن بت في بحر من الفكر سابحا ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فالمناسبة في الشطر الاول في البدر والافلاك والطلوع وفي الشطر الثاني بين الغصن والريحان ووريق وفي الثالث بين البحر وسابحا وفي الرابع بين إنسان العين والدموع وغريق ففي كل شطر من البيتين مناسبات عديدة، وأما المناسبة اللفظية فهي دون رتبة المعنوية وهي الإتيان بكلمات متزنات وهي أيضا على ضربين: تامة وغير تامة فالتامة تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة فمن شواهد التامة من القرآن العظيم قوله تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» ومن الشعر قول ابن هانئ الاندلسي:
وعوابس وقوابس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل
ومن غير التامة قول ابن خلوف المغربي:
كالورد خدا والغزالة بهجة ... والغصن قدا والغزال مقلدا
وقد اجتمعت التامة والناقصة في قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الحظ إلا أن تلك ذوابل فبين قنا ومها مناسبة لفظية تامة وبين الوحش والحظ وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة.
الفوائد:
النسخ في القرآن:
في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» مبحث هام جدير بالتأمل وهو أن معظم المفسرين درجوا على القول إن هذه الآية منسوخة بآية القتال والصواب انها ليست منسوخة بل هي أمر بالصبر المحمود على كل حال وهو عدم الاضطراب ومساورة الجزع لما يقولون ولما يصدر عنهم من الأذية وليس فيها أية اشارة أو تلميح إلى عدم القتال حتى يكون الأمر بالقتال ناسخا لها.
وموضوع النسخ في القرآن الكريم من الموضوعات الشائكة الصعبة، والاختلاف حوله كثير وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين انهم كانوا يستعملون النسخ بإزالة المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء لا بإزاء مصطلح الأصوليين فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى إما بانتهاء مدة العمل أو بصر الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا أو تخصيص عام أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس ظاهرا عليه أو ازالة عادة الجاهلية أو الشريعة السابقة فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك واتسعت دائرة الاختلاف.
أما المنسوخ باصطلاح المتأخرين فهو قليل جدا وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في الإتقان بتقرير مبسوط، كما ينبغي، بعض ما ذكره العلماء ثم حرر المنسوخ الذي فيه رأي المتأخرين على وفق الامام الحافظ القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الاندلسي فعنده قريبا من عشرين آية، وأتى في العصر الحديث الشيخ الامام محمد عبده فأنكر النسخ في القرآن وقال ان كل ما زعموا انه منسوخ يمكن تأويله كما رأيت في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» وهو ظاهر في هذه الآية يطيح بالقول القديم ان الآيات المنسوخة تبلغ حوالي خمسمائة آية وهو قول ظاهر البطلان بالبداهة.
طه 20:129
اللغة:
(ضَنْكاً) : بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة ولهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة على حد القاعدة التي ذكرها صاحب الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد أو التذكيرا
وفي القاموس: «الضنك الضيق في كل شيء للذكر والأنثى يقال ضنك ككرم ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق» وقرئ ضنكى على فعلى.
(يَهْدِ لَهُمْ) : أي يهتدي لهم فهو لازم ومعناه يتبين.
(آناءِ اللَّيْلِ) : جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى بكسر الميم.
وفي المختار: آناء الليل ساعاته، قال الأخفش واحدها إنى مثل معى وقيل واحدها أني وأنو، يقال مضى من الليل أنوان وانيان.
(مُتَرَبِّصٌ) : منتظر ما يئول اليه الأمر.
الإعراب:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) الواو عاطفة على جواب الشرط المتقدم وهو «فمن اتبع هداي» ومن اسم شرط جازم مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعن ذكري متعلقان بأعرض، فإن الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ومعيشة اسمها المؤخر وضنكا صفة والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) ونحشره الواو استئنافية ونحشر فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق بنحشره وأعمى حال من الهاء في نحشره وقد قرئ بالجزم عطفا على محل «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» .
(قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولم اللام حرف جر وما الاستفهامية في محل جر باللام وقد حذفت ألف ما الاستفهامية كما هي القاعدة والجار والمجرور متعلقان بحشرتني، وحشرتني فعل وفاعل ومفعول به وأعمى حال والواو للحال وقد حرف تحقيق وكنت: كان واسمها وبصيرا خبر كنت.
(قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) كذلك نعت لمصدر محذوف أي حشرا مثل ذلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وأتتك آياتي فعل وو مفعول به مقدم وفاعل مؤخر، فنسيتها الفاء عاطفة ونسيتها فعل وفاعل ومفعول به، وكذلك نعت لمصدر محذوف واليوم ظرف متعلق بتنسى. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومن موصول مفعول به وجملة أسرف صلة، ولم يؤمن عطف على أسرف فهو داخل في حيز الصلة وبآيات متعلقان بيؤمن وربه مضاف إليه، ولعذاب: الواو حالية أو عاطفة واللام للابتداء وعذاب مبتدأ والآخرة مضاف إليه وأشد خبر وأبقى عطف على أشد. (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) الهمزة للاستفهام وهي داخلة على محذوف عطف عليه بالفاء وقد تقدم تقريره كثيرا وأعدناه الآن للتذكير والتقدير أغفلوا فلم يتبين لهم، وفاعل يهد المصدر المفهوم من أهلكنا أي أفلم يتبين لهم إهلاكنا ويحتمل أن يكون فاعل يهد ضميرا عائدا على الله تعالى أي يبين الله والأول أولى لأن يهدي معناه يتبين فهو لازم فالفاعل هو الجملة المنسبكة مصدرا لأهلكنا. وقد أنكر البصريون وقوع الجملة فاعلا وجوزه غيرهم قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم، قال النحاس: وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر باهلاكنا من أهلكناه وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى. ولهم متعلقان بيهد وكم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ومن القرون نعت لتمييزكم الخبرية أي كم قرن من القرون والمراد الأمة، وجملة يمشون في مساكنهم حال من مفعول أهلكنا أو من الضمير في لهم وفي مساكنهم متعلقان بيمشون والضمير يعود على المهلكين بفتح اللام يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار هلاكهم وفيها ما يدعوا إلى العبرة والاتعاظ، وقد رمق أبو الطيب سماء هذا المعنى كما سيأتي في باب البلاغة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر، ولأولي صفة لآيات والنهى مضاف اليه وهي جمع نهية بمعنى العقل.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت من ربك صفة لكلمة ومن ربك متعلقان بسبقت، لكان اللام واقعة في جواب لولا وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإهلاك ولزاما خبرها، وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى لكان الإهلاك لازما لهم ويجوز كما يرى الزمخشري وأبو البقاء أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في «كان» أي لكان الإهلاك العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ومن العجيب ان معظم المفسرين كالجلال والبيضاوي وغيرهما جروا على هذا الوجه رغم ما فيه من تكلف وقالوا: ان الفصل بالخبر قام مقام التأكيد لأنه كان من حق العطف أن يؤكد الضمير المستتر في كان بالضمير المنفصل فكان يقال هو لزاما وأجل مسمى ولا داعي لكل هذا التكلف وعطفه على كلمة أسهل وأسرع في تأدية المعنى المراد. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس باهمال بل امهال وهو واقع بهم وآت عليهم فاصبر. واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة وسبح عطف على اصبر وبحمد ربك في موضع نصب على الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه وسيأتي المراد بالصبر في باب الفوائد. وقبل متعلق بسبح وطلوع الشمس مضاف وقبل غروبها عطف على قبل طلوع الشمس. (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) الجار والمجرور متعلقان بسبح والفاء هي الفصيحة أيضا وسبح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأطراف النهار نصب عطفا على محل «ومن آناء» المنصوب ويجوز عطفه على قبل طلوع الشمس ولعل حرف ترج ونصب والكاف اسمها وجملة ترضى خبرها ومتعلق نرضى محذوف مفهوم من السياق أي بما تعطاه من الثواب وجملة لعلك ترضى حالية من فاعل سبح أي صل حال كونك راجيا في أن الله تعالى يرضيك بما يعطيكه من الثواب. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهو في محل جزم بلا وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وعينيك مفعول به والى ما متعلقان بتمدن وجملة متعنا صلة وبه متعلقان بمتعنا والهاء هي العائد وأزواجا مفعول متعنا أي أصنافا منهم ومنهم صفة ويجوز أن يعرب نصبا على الحال من هاء الضمير فيكون منهم متعلقا بمتعنا وزهرة الحياة الدنيا توسع المعربون في اعرابها فأوصلوا أوجه نصبها إلى تسعة وقد محصناها فرأيناها كلها سائغة ولهذا نعرضها كما ذكروها لنتوصل إلى الترجيح:
1- أن تكون مفعولا ثانيا إذا أعربنا أزواجا هو المفعول الاول لأن معنى متعنا أعطينا.
2- أن تكون منصوبة على الحال من ما الموصولة.
3- أن تكون منصوبة على البدلية من أزواجا على المبالغة كأنهم نفس الزهرة.
4- أن تكون منصوبة بفعل مضمر دل عليه متّعنا تقديره جعلنا لهم زهرة.
5- أن تكون منصوبة على الذم أي أذم زهرة الحياة الدنيا.
6- أن تكون منصوبة على الاختصاص.
7- أن تكون منصوبة على البدلية من محل «به» .
8- أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في «به» .
9- أن تكون منصوبة على التمييز ل «ما» أو للهاء في «به» .
ومن تمحيص هذه الوجوه ومراعاة جانب السهولة يتبين أن نصب زهرة يترجح في نصبها على الذم أو المفعولية على تضمين متعنا معنى أعطينا وبهما بدأ الزمخشري وغيره.
ولنفتنهم اللام للتعليل ونفتنهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمتعناهم والهاء مفعول به وفيه متعلقان بنفتنهم. (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) الواو للحال ورزق ربك مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير. (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) وأمر الواو استئنافية أو عاطفة وأمر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأهلك مفعول به وبالصلاة متعلقان بفعل الأمر واصطبر فعل أمر وفاعله مستتر وتقديره أنت وعليها متعلقان باصطبر وجملة لا نسألك استئنافية ونسألك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به ثان. (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) نحن مبتدأ وجملة نرزقك خبر والعاقبة مبتدأ وللتقوى خبر وهاتان الجملتان مستأنفتان أيضا. (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) لولا حرف تحضيض أي هلا ويأتينا فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبآية متعلقان بيأتينا ومن ربه متعلقان بمحذوف صفة لآية، اقترحوا جريا على دينهم المعروف وعادتهم في التعنت واللجاج، أولم الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق والتقدير ألم تأتهم البينات تترى ولم تأتهم بصورة خاصة بينة ما في الصحف الأولى، وبينة فاعل لتأتهم وما موصول مضاف لبينة وفي الصحف متعلقان بمحذوف صلة الموصول والأولى صفة للصحف وفيها ما يكفي المنصف أما المكابر المتعنت فهيهات أن يقنعه شيء. (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) تقدم اعراب مثل هذا التركيب أي لو ثبت إهلاكنا، فأنا وما بعدها فاعل لفعل محذوف والجملة مستأنفة سيقت لدعيم ما تقرر من تعنتهم وصلفهم ومجادلتهم وبعذاب متعلقان بأهلكناهم ومن قبله صفة لعذاب. لقالوا: جواب لو والجملة لا محل لها وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولولا حرف تحضيض وأرسلت فعل وفاعل وإلينا متعلقان بأرسلت ورسولا مفعول به والجملة مقول القول. (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) فنتبع الفاء هي السببية وتنبع منصوب بأن مضمرة في جواب التحضيض والفاعل مستتر تقديره نحن وآياتك مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم ومن قبل متعلقان بنتبع وان وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لقبل ونخزى عطف على نذل. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) كل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومتربص خبر والجملة مقول القول والفاء الفصيحة وتربصوا فعل أمر، فستعلمون الفاء استئنافية والسين حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ومن اسم استفهامية مبتدأ وأصحاب الصراط السوي خبر ومن اهتدى عطف على من أصحاب والجملة من أصحاب مفعول تعلمون المعلقة عن العمل ويجوز أن تكون من موصولة مفعول تعلمون وأصحاب الصراط خبر لمبتدأ محذوف أي هم أصحاب.
البلاغة:
1- المجاز المرسل فقد ذكر القرون وأراد الأمم التي تعيش عبرها والاعتبار بآثار الأمم البائدة، والقرون الخالية، كان مثارا لأخيلة الشعراء وخاصة في مقام الرثاء وأبرع من سما بخياله إلى هذا المعنى أبو الطيب المتنبي والبحتري فنكتفي بهما وسنورد أبياتا مختارة من قصيدتين لهما.
يقول عبد الله بن المعتز الشاعر العباسي الخليفة: «لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته في ايوان كسرى وقصيدته في وصف بركة المتوكل لكان أشعر الناس» فقد زار البحتري بعد أن سئم الحياة في بغداد بعد مقتل المتوكل على الله المدائن وهي مدينة يقع فيها ايوان كسرى وقد أبدع في وصف الايوان إبداعا فريدا زاده روعة أنه من شعراء العرب أول من وصف الآثار القديمة الخالدة واستوحاها وصب عليها من روحه وهذه مختارات منها:
صنت نفسي عما يدنّس نفسي ... وترفعت عن جدا كلّ جبس
وتماسكت حيث زعزعني الده ... ر التماسا منه لتعسي ونكسي
حضرت رحلي الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في فقار من البسابس ملس
فكأن الجرماز من عدم الأن ... س وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس فإذا ما رأيت صورة انطا ... كية ارتعت بين روم
وفرس والمنايا مواثل وانوشر ... ... ... وان يزجي الصفوف تحت ال
درفس في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة
ورس عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزي رباعهم وال
تأسي فلها ان أعينها بدموع ... موفقات على الصبابة حبس
ولا يتسع المجال لا يراد القصيدة بكاملها، فهي نموذج حي معبر من أدبنا العربي، كما لا يتسع المجال لدراستها فنكتفي بإيراد بعض الملاحظات السريعة عليها:
1- تشعر حين تقرأ السينية بروعة موسيقاها الناتجة عن خفة الجر وجماله (الخفيف) وتلاؤمه مع العواطف والمعاني والألفاظ والروي المهموس وهو السين وترداد الحروف المهموسة كالسين والصاد والتاء.
2- تشعر بتأثر الشاعر بالعظمة حين قدم لوصف الايوان ثم ما تعتم أن تأسى وتحزن حين تقرأ أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس وهذا التجاوب النفسي بين ما يصفه الشاعر وبين ما يصف ميزة فنية بحتة.
3- تشعر أن الشاعر يعجب بكل ما هو عظيم في الدنيا ولو كان من غير قومه فنراه هنا معجبا بالفرس فبكاهم أصدق بكاء ورثاهم أحر رثاء وهكذا الفن يسمو ليستحيل انسانية صرفا.
4- وأخيرا تعجب من أن الشاعر يطرق في الأدب العربي فنا جديدا لم يطرقه أحد من قبله وهو رثاء الممالك الزائلة والآثار الباقية، ولم يشر إليه قبل القرآن أحد فيقول الله تعالى «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» .
وننتقل إلى عينية أبي الطيب المتنبي وهي القصيدة التي رثى بها أبا شجاع فاتك وفيها تحدث عن شعور الإنسان حيال الآثار المتخلفة عن أصحابها فقال منها:
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه؟ ما المصرع تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
ويظهر أن أبا الطيب كان يحب القائد فاتكا أبا شجاع حبا خالصا قائما على الاعجاب فهو يرثيه بقصيدتين يجعل منهما وسيلة إلى الإبانة عما في نفسه من هموم ومحن وترى من خلالهما بعض النظرات الفلسفية فهو كما ترى يرى الحياة لا تصفو إلا للجاهل أو الغافل أما الشجاع الأبي فقلما تخطئه سهامها ونراه هنا معاني مظلمة قاتمة في نفسه حتى ليكاد يلقي سلاحه أمام عوادي الزمان لولا بقية من قوة يستمسك بها:
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع
والناس أنزل في مكانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
2- وفي قوله: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... » الآية فن المناسبة وهي على ضربين معنوية ولفظية والمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ فالآية موعظتها سمعية فختمها بأشد مناسبة معنوية بقوله «أَفَلا يَسْمَعُونَ» وقال في الآية التي موعظتها مرئية وهي آية السجدة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ» فقد ختمها بقوله:
«أَفَلا يُبْصِرُونَ» لأن ذلك مما يتبين بالرؤية وما فوق هذه المناسبة مناسبة. ومن بديع ما ورد فيها شعرا قول القاضي الفاضل:
وبدر بأفلاك الخواطر طالع ... وغصن بريحان الغدار وريق لئن بت في بحر من الفكر سابحا ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فالمناسبة في الشطر الاول في البدر والافلاك والطلوع وفي الشطر الثاني بين الغصن والريحان ووريق وفي الثالث بين البحر وسابحا وفي الرابع بين إنسان العين والدموع وغريق ففي كل شطر من البيتين مناسبات عديدة، وأما المناسبة اللفظية فهي دون رتبة المعنوية وهي الإتيان بكلمات متزنات وهي أيضا على ضربين: تامة وغير تامة فالتامة تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة فمن شواهد التامة من القرآن العظيم قوله تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» ومن الشعر قول ابن هانئ الاندلسي:
وعوابس وقوابس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل
ومن غير التامة قول ابن خلوف المغربي:
كالورد خدا والغزالة بهجة ... والغصن قدا والغزال مقلدا
وقد اجتمعت التامة والناقصة في قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الحظ إلا أن تلك ذوابل فبين قنا ومها مناسبة لفظية تامة وبين الوحش والحظ وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة.
الفوائد:
النسخ في القرآن:
في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» مبحث هام جدير بالتأمل وهو أن معظم المفسرين درجوا على القول إن هذه الآية منسوخة بآية القتال والصواب انها ليست منسوخة بل هي أمر بالصبر المحمود على كل حال وهو عدم الاضطراب ومساورة الجزع لما يقولون ولما يصدر عنهم من الأذية وليس فيها أية اشارة أو تلميح إلى عدم القتال حتى يكون الأمر بالقتال ناسخا لها.
وموضوع النسخ في القرآن الكريم من الموضوعات الشائكة الصعبة، والاختلاف حوله كثير وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين انهم كانوا يستعملون النسخ بإزالة المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء لا بإزاء مصطلح الأصوليين فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى إما بانتهاء مدة العمل أو بصر الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا أو تخصيص عام أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس ظاهرا عليه أو ازالة عادة الجاهلية أو الشريعة السابقة فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك واتسعت دائرة الاختلاف.
أما المنسوخ باصطلاح المتأخرين فهو قليل جدا وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في الإتقان بتقرير مبسوط، كما ينبغي، بعض ما ذكره العلماء ثم حرر المنسوخ الذي فيه رأي المتأخرين على وفق الامام الحافظ القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الاندلسي فعنده قريبا من عشرين آية، وأتى في العصر الحديث الشيخ الامام محمد عبده فأنكر النسخ في القرآن وقال ان كل ما زعموا انه منسوخ يمكن تأويله كما رأيت في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» وهو ظاهر في هذه الآية يطيح بالقول القديم ان الآيات المنسوخة تبلغ حوالي خمسمائة آية وهو قول ظاهر البطلان بالبداهة.
طه 20:130
اللغة:
(ضَنْكاً) : بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة ولهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة على حد القاعدة التي ذكرها صاحب الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد أو التذكيرا
وفي القاموس: «الضنك الضيق في كل شيء للذكر والأنثى يقال ضنك ككرم ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق» وقرئ ضنكى على فعلى.
(يَهْدِ لَهُمْ) : أي يهتدي لهم فهو لازم ومعناه يتبين.
(آناءِ اللَّيْلِ) : جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى بكسر الميم.
وفي المختار: آناء الليل ساعاته، قال الأخفش واحدها إنى مثل معى وقيل واحدها أني وأنو، يقال مضى من الليل أنوان وانيان.
(مُتَرَبِّصٌ) : منتظر ما يئول اليه الأمر.
الإعراب:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) الواو عاطفة على جواب الشرط المتقدم وهو «فمن اتبع هداي» ومن اسم شرط جازم مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعن ذكري متعلقان بأعرض، فإن الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ومعيشة اسمها المؤخر وضنكا صفة والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) ونحشره الواو استئنافية ونحشر فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق بنحشره وأعمى حال من الهاء في نحشره وقد قرئ بالجزم عطفا على محل «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» .
(قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولم اللام حرف جر وما الاستفهامية في محل جر باللام وقد حذفت ألف ما الاستفهامية كما هي القاعدة والجار والمجرور متعلقان بحشرتني، وحشرتني فعل وفاعل ومفعول به وأعمى حال والواو للحال وقد حرف تحقيق وكنت: كان واسمها وبصيرا خبر كنت.
(قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) كذلك نعت لمصدر محذوف أي حشرا مثل ذلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وأتتك آياتي فعل وو مفعول به مقدم وفاعل مؤخر، فنسيتها الفاء عاطفة ونسيتها فعل وفاعل ومفعول به، وكذلك نعت لمصدر محذوف واليوم ظرف متعلق بتنسى. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومن موصول مفعول به وجملة أسرف صلة، ولم يؤمن عطف على أسرف فهو داخل في حيز الصلة وبآيات متعلقان بيؤمن وربه مضاف إليه، ولعذاب: الواو حالية أو عاطفة واللام للابتداء وعذاب مبتدأ والآخرة مضاف إليه وأشد خبر وأبقى عطف على أشد. (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) الهمزة للاستفهام وهي داخلة على محذوف عطف عليه بالفاء وقد تقدم تقريره كثيرا وأعدناه الآن للتذكير والتقدير أغفلوا فلم يتبين لهم، وفاعل يهد المصدر المفهوم من أهلكنا أي أفلم يتبين لهم إهلاكنا ويحتمل أن يكون فاعل يهد ضميرا عائدا على الله تعالى أي يبين الله والأول أولى لأن يهدي معناه يتبين فهو لازم فالفاعل هو الجملة المنسبكة مصدرا لأهلكنا. وقد أنكر البصريون وقوع الجملة فاعلا وجوزه غيرهم قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم، قال النحاس: وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر باهلاكنا من أهلكناه وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى. ولهم متعلقان بيهد وكم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ومن القرون نعت لتمييزكم الخبرية أي كم قرن من القرون والمراد الأمة، وجملة يمشون في مساكنهم حال من مفعول أهلكنا أو من الضمير في لهم وفي مساكنهم متعلقان بيمشون والضمير يعود على المهلكين بفتح اللام يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار هلاكهم وفيها ما يدعوا إلى العبرة والاتعاظ، وقد رمق أبو الطيب سماء هذا المعنى كما سيأتي في باب البلاغة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر، ولأولي صفة لآيات والنهى مضاف اليه وهي جمع نهية بمعنى العقل.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت من ربك صفة لكلمة ومن ربك متعلقان بسبقت، لكان اللام واقعة في جواب لولا وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإهلاك ولزاما خبرها، وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى لكان الإهلاك لازما لهم ويجوز كما يرى الزمخشري وأبو البقاء أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في «كان» أي لكان الإهلاك العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ومن العجيب ان معظم المفسرين كالجلال والبيضاوي وغيرهما جروا على هذا الوجه رغم ما فيه من تكلف وقالوا: ان الفصل بالخبر قام مقام التأكيد لأنه كان من حق العطف أن يؤكد الضمير المستتر في كان بالضمير المنفصل فكان يقال هو لزاما وأجل مسمى ولا داعي لكل هذا التكلف وعطفه على كلمة أسهل وأسرع في تأدية المعنى المراد. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس باهمال بل امهال وهو واقع بهم وآت عليهم فاصبر. واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة وسبح عطف على اصبر وبحمد ربك في موضع نصب على الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه وسيأتي المراد بالصبر في باب الفوائد. وقبل متعلق بسبح وطلوع الشمس مضاف وقبل غروبها عطف على قبل طلوع الشمس. (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) الجار والمجرور متعلقان بسبح والفاء هي الفصيحة أيضا وسبح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأطراف النهار نصب عطفا على محل «ومن آناء» المنصوب ويجوز عطفه على قبل طلوع الشمس ولعل حرف ترج ونصب والكاف اسمها وجملة ترضى خبرها ومتعلق نرضى محذوف مفهوم من السياق أي بما تعطاه من الثواب وجملة لعلك ترضى حالية من فاعل سبح أي صل حال كونك راجيا في أن الله تعالى يرضيك بما يعطيكه من الثواب. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهو في محل جزم بلا وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وعينيك مفعول به والى ما متعلقان بتمدن وجملة متعنا صلة وبه متعلقان بمتعنا والهاء هي العائد وأزواجا مفعول متعنا أي أصنافا منهم ومنهم صفة ويجوز أن يعرب نصبا على الحال من هاء الضمير فيكون منهم متعلقا بمتعنا وزهرة الحياة الدنيا توسع المعربون في اعرابها فأوصلوا أوجه نصبها إلى تسعة وقد محصناها فرأيناها كلها سائغة ولهذا نعرضها كما ذكروها لنتوصل إلى الترجيح:
1- أن تكون مفعولا ثانيا إذا أعربنا أزواجا هو المفعول الاول لأن معنى متعنا أعطينا.
2- أن تكون منصوبة على الحال من ما الموصولة.
3- أن تكون منصوبة على البدلية من أزواجا على المبالغة كأنهم نفس الزهرة.
4- أن تكون منصوبة بفعل مضمر دل عليه متّعنا تقديره جعلنا لهم زهرة.
5- أن تكون منصوبة على الذم أي أذم زهرة الحياة الدنيا.
6- أن تكون منصوبة على الاختصاص.
7- أن تكون منصوبة على البدلية من محل «به» .
8- أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في «به» .
9- أن تكون منصوبة على التمييز ل «ما» أو للهاء في «به» .
ومن تمحيص هذه الوجوه ومراعاة جانب السهولة يتبين أن نصب زهرة يترجح في نصبها على الذم أو المفعولية على تضمين متعنا معنى أعطينا وبهما بدأ الزمخشري وغيره.
ولنفتنهم اللام للتعليل ونفتنهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمتعناهم والهاء مفعول به وفيه متعلقان بنفتنهم. (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) الواو للحال ورزق ربك مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير. (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) وأمر الواو استئنافية أو عاطفة وأمر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأهلك مفعول به وبالصلاة متعلقان بفعل الأمر واصطبر فعل أمر وفاعله مستتر وتقديره أنت وعليها متعلقان باصطبر وجملة لا نسألك استئنافية ونسألك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به ثان. (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) نحن مبتدأ وجملة نرزقك خبر والعاقبة مبتدأ وللتقوى خبر وهاتان الجملتان مستأنفتان أيضا. (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) لولا حرف تحضيض أي هلا ويأتينا فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبآية متعلقان بيأتينا ومن ربه متعلقان بمحذوف صفة لآية، اقترحوا جريا على دينهم المعروف وعادتهم في التعنت واللجاج، أولم الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق والتقدير ألم تأتهم البينات تترى ولم تأتهم بصورة خاصة بينة ما في الصحف الأولى، وبينة فاعل لتأتهم وما موصول مضاف لبينة وفي الصحف متعلقان بمحذوف صلة الموصول والأولى صفة للصحف وفيها ما يكفي المنصف أما المكابر المتعنت فهيهات أن يقنعه شيء. (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) تقدم اعراب مثل هذا التركيب أي لو ثبت إهلاكنا، فأنا وما بعدها فاعل لفعل محذوف والجملة مستأنفة سيقت لدعيم ما تقرر من تعنتهم وصلفهم ومجادلتهم وبعذاب متعلقان بأهلكناهم ومن قبله صفة لعذاب. لقالوا: جواب لو والجملة لا محل لها وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولولا حرف تحضيض وأرسلت فعل وفاعل وإلينا متعلقان بأرسلت ورسولا مفعول به والجملة مقول القول. (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) فنتبع الفاء هي السببية وتنبع منصوب بأن مضمرة في جواب التحضيض والفاعل مستتر تقديره نحن وآياتك مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم ومن قبل متعلقان بنتبع وان وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لقبل ونخزى عطف على نذل. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) كل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومتربص خبر والجملة مقول القول والفاء الفصيحة وتربصوا فعل أمر، فستعلمون الفاء استئنافية والسين حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ومن اسم استفهامية مبتدأ وأصحاب الصراط السوي خبر ومن اهتدى عطف على من أصحاب والجملة من أصحاب مفعول تعلمون المعلقة عن العمل ويجوز أن تكون من موصولة مفعول تعلمون وأصحاب الصراط خبر لمبتدأ محذوف أي هم أصحاب.
البلاغة:
1- المجاز المرسل فقد ذكر القرون وأراد الأمم التي تعيش عبرها والاعتبار بآثار الأمم البائدة، والقرون الخالية، كان مثارا لأخيلة الشعراء وخاصة في مقام الرثاء وأبرع من سما بخياله إلى هذا المعنى أبو الطيب المتنبي والبحتري فنكتفي بهما وسنورد أبياتا مختارة من قصيدتين لهما.
يقول عبد الله بن المعتز الشاعر العباسي الخليفة: «لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته في ايوان كسرى وقصيدته في وصف بركة المتوكل لكان أشعر الناس» فقد زار البحتري بعد أن سئم الحياة في بغداد بعد مقتل المتوكل على الله المدائن وهي مدينة يقع فيها ايوان كسرى وقد أبدع في وصف الايوان إبداعا فريدا زاده روعة أنه من شعراء العرب أول من وصف الآثار القديمة الخالدة واستوحاها وصب عليها من روحه وهذه مختارات منها:
صنت نفسي عما يدنّس نفسي ... وترفعت عن جدا كلّ جبس
وتماسكت حيث زعزعني الده ... ر التماسا منه لتعسي ونكسي
حضرت رحلي الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في فقار من البسابس ملس
فكأن الجرماز من عدم الأن ... س وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس فإذا ما رأيت صورة انطا ... كية ارتعت بين روم
وفرس والمنايا مواثل وانوشر ... ... ... وان يزجي الصفوف تحت ال
درفس في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة
ورس عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزي رباعهم وال
تأسي فلها ان أعينها بدموع ... موفقات على الصبابة حبس
ولا يتسع المجال لا يراد القصيدة بكاملها، فهي نموذج حي معبر من أدبنا العربي، كما لا يتسع المجال لدراستها فنكتفي بإيراد بعض الملاحظات السريعة عليها:
1- تشعر حين تقرأ السينية بروعة موسيقاها الناتجة عن خفة الجر وجماله (الخفيف) وتلاؤمه مع العواطف والمعاني والألفاظ والروي المهموس وهو السين وترداد الحروف المهموسة كالسين والصاد والتاء.
2- تشعر بتأثر الشاعر بالعظمة حين قدم لوصف الايوان ثم ما تعتم أن تأسى وتحزن حين تقرأ أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس وهذا التجاوب النفسي بين ما يصفه الشاعر وبين ما يصف ميزة فنية بحتة.
3- تشعر أن الشاعر يعجب بكل ما هو عظيم في الدنيا ولو كان من غير قومه فنراه هنا معجبا بالفرس فبكاهم أصدق بكاء ورثاهم أحر رثاء وهكذا الفن يسمو ليستحيل انسانية صرفا.
4- وأخيرا تعجب من أن الشاعر يطرق في الأدب العربي فنا جديدا لم يطرقه أحد من قبله وهو رثاء الممالك الزائلة والآثار الباقية، ولم يشر إليه قبل القرآن أحد فيقول الله تعالى «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» .
وننتقل إلى عينية أبي الطيب المتنبي وهي القصيدة التي رثى بها أبا شجاع فاتك وفيها تحدث عن شعور الإنسان حيال الآثار المتخلفة عن أصحابها فقال منها:
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه؟ ما المصرع تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
ويظهر أن أبا الطيب كان يحب القائد فاتكا أبا شجاع حبا خالصا قائما على الاعجاب فهو يرثيه بقصيدتين يجعل منهما وسيلة إلى الإبانة عما في نفسه من هموم ومحن وترى من خلالهما بعض النظرات الفلسفية فهو كما ترى يرى الحياة لا تصفو إلا للجاهل أو الغافل أما الشجاع الأبي فقلما تخطئه سهامها ونراه هنا معاني مظلمة قاتمة في نفسه حتى ليكاد يلقي سلاحه أمام عوادي الزمان لولا بقية من قوة يستمسك بها:
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع
والناس أنزل في مكانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
2- وفي قوله: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... » الآية فن المناسبة وهي على ضربين معنوية ولفظية والمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ فالآية موعظتها سمعية فختمها بأشد مناسبة معنوية بقوله «أَفَلا يَسْمَعُونَ» وقال في الآية التي موعظتها مرئية وهي آية السجدة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ» فقد ختمها بقوله:
«أَفَلا يُبْصِرُونَ» لأن ذلك مما يتبين بالرؤية وما فوق هذه المناسبة مناسبة. ومن بديع ما ورد فيها شعرا قول القاضي الفاضل:
وبدر بأفلاك الخواطر طالع ... وغصن بريحان الغدار وريق لئن بت في بحر من الفكر سابحا ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فالمناسبة في الشطر الاول في البدر والافلاك والطلوع وفي الشطر الثاني بين الغصن والريحان ووريق وفي الثالث بين البحر وسابحا وفي الرابع بين إنسان العين والدموع وغريق ففي كل شطر من البيتين مناسبات عديدة، وأما المناسبة اللفظية فهي دون رتبة المعنوية وهي الإتيان بكلمات متزنات وهي أيضا على ضربين: تامة وغير تامة فالتامة تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة فمن شواهد التامة من القرآن العظيم قوله تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» ومن الشعر قول ابن هانئ الاندلسي:
وعوابس وقوابس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل
ومن غير التامة قول ابن خلوف المغربي:
كالورد خدا والغزالة بهجة ... والغصن قدا والغزال مقلدا
وقد اجتمعت التامة والناقصة في قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الحظ إلا أن تلك ذوابل فبين قنا ومها مناسبة لفظية تامة وبين الوحش والحظ وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة.
الفوائد:
النسخ في القرآن:
في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» مبحث هام جدير بالتأمل وهو أن معظم المفسرين درجوا على القول إن هذه الآية منسوخة بآية القتال والصواب انها ليست منسوخة بل هي أمر بالصبر المحمود على كل حال وهو عدم الاضطراب ومساورة الجزع لما يقولون ولما يصدر عنهم من الأذية وليس فيها أية اشارة أو تلميح إلى عدم القتال حتى يكون الأمر بالقتال ناسخا لها.
وموضوع النسخ في القرآن الكريم من الموضوعات الشائكة الصعبة، والاختلاف حوله كثير وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين انهم كانوا يستعملون النسخ بإزالة المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء لا بإزاء مصطلح الأصوليين فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى إما بانتهاء مدة العمل أو بصر الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا أو تخصيص عام أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس ظاهرا عليه أو ازالة عادة الجاهلية أو الشريعة السابقة فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك واتسعت دائرة الاختلاف.
أما المنسوخ باصطلاح المتأخرين فهو قليل جدا وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في الإتقان بتقرير مبسوط، كما ينبغي، بعض ما ذكره العلماء ثم حرر المنسوخ الذي فيه رأي المتأخرين على وفق الامام الحافظ القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الاندلسي فعنده قريبا من عشرين آية، وأتى في العصر الحديث الشيخ الامام محمد عبده فأنكر النسخ في القرآن وقال ان كل ما زعموا انه منسوخ يمكن تأويله كما رأيت في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» وهو ظاهر في هذه الآية يطيح بالقول القديم ان الآيات المنسوخة تبلغ حوالي خمسمائة آية وهو قول ظاهر البطلان بالبداهة.
طه 20:131
اللغة:
(ضَنْكاً) : بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة ولهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة على حد القاعدة التي ذكرها صاحب الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد أو التذكيرا
وفي القاموس: «الضنك الضيق في كل شيء للذكر والأنثى يقال ضنك ككرم ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق» وقرئ ضنكى على فعلى.
(يَهْدِ لَهُمْ) : أي يهتدي لهم فهو لازم ومعناه يتبين.
(آناءِ اللَّيْلِ) : جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى بكسر الميم.
وفي المختار: آناء الليل ساعاته، قال الأخفش واحدها إنى مثل معى وقيل واحدها أني وأنو، يقال مضى من الليل أنوان وانيان.
(مُتَرَبِّصٌ) : منتظر ما يئول اليه الأمر.
الإعراب:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) الواو عاطفة على جواب الشرط المتقدم وهو «فمن اتبع هداي» ومن اسم شرط جازم مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعن ذكري متعلقان بأعرض، فإن الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ومعيشة اسمها المؤخر وضنكا صفة والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) ونحشره الواو استئنافية ونحشر فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق بنحشره وأعمى حال من الهاء في نحشره وقد قرئ بالجزم عطفا على محل «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» .
(قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولم اللام حرف جر وما الاستفهامية في محل جر باللام وقد حذفت ألف ما الاستفهامية كما هي القاعدة والجار والمجرور متعلقان بحشرتني، وحشرتني فعل وفاعل ومفعول به وأعمى حال والواو للحال وقد حرف تحقيق وكنت: كان واسمها وبصيرا خبر كنت.
(قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) كذلك نعت لمصدر محذوف أي حشرا مثل ذلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وأتتك آياتي فعل وو مفعول به مقدم وفاعل مؤخر، فنسيتها الفاء عاطفة ونسيتها فعل وفاعل ومفعول به، وكذلك نعت لمصدر محذوف واليوم ظرف متعلق بتنسى. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومن موصول مفعول به وجملة أسرف صلة، ولم يؤمن عطف على أسرف فهو داخل في حيز الصلة وبآيات متعلقان بيؤمن وربه مضاف إليه، ولعذاب: الواو حالية أو عاطفة واللام للابتداء وعذاب مبتدأ والآخرة مضاف إليه وأشد خبر وأبقى عطف على أشد. (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) الهمزة للاستفهام وهي داخلة على محذوف عطف عليه بالفاء وقد تقدم تقريره كثيرا وأعدناه الآن للتذكير والتقدير أغفلوا فلم يتبين لهم، وفاعل يهد المصدر المفهوم من أهلكنا أي أفلم يتبين لهم إهلاكنا ويحتمل أن يكون فاعل يهد ضميرا عائدا على الله تعالى أي يبين الله والأول أولى لأن يهدي معناه يتبين فهو لازم فالفاعل هو الجملة المنسبكة مصدرا لأهلكنا. وقد أنكر البصريون وقوع الجملة فاعلا وجوزه غيرهم قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم، قال النحاس: وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر باهلاكنا من أهلكناه وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى. ولهم متعلقان بيهد وكم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ومن القرون نعت لتمييزكم الخبرية أي كم قرن من القرون والمراد الأمة، وجملة يمشون في مساكنهم حال من مفعول أهلكنا أو من الضمير في لهم وفي مساكنهم متعلقان بيمشون والضمير يعود على المهلكين بفتح اللام يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار هلاكهم وفيها ما يدعوا إلى العبرة والاتعاظ، وقد رمق أبو الطيب سماء هذا المعنى كما سيأتي في باب البلاغة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر، ولأولي صفة لآيات والنهى مضاف اليه وهي جمع نهية بمعنى العقل.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت من ربك صفة لكلمة ومن ربك متعلقان بسبقت، لكان اللام واقعة في جواب لولا وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإهلاك ولزاما خبرها، وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى لكان الإهلاك لازما لهم ويجوز كما يرى الزمخشري وأبو البقاء أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في «كان» أي لكان الإهلاك العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ومن العجيب ان معظم المفسرين كالجلال والبيضاوي وغيرهما جروا على هذا الوجه رغم ما فيه من تكلف وقالوا: ان الفصل بالخبر قام مقام التأكيد لأنه كان من حق العطف أن يؤكد الضمير المستتر في كان بالضمير المنفصل فكان يقال هو لزاما وأجل مسمى ولا داعي لكل هذا التكلف وعطفه على كلمة أسهل وأسرع في تأدية المعنى المراد. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس باهمال بل امهال وهو واقع بهم وآت عليهم فاصبر. واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة وسبح عطف على اصبر وبحمد ربك في موضع نصب على الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه وسيأتي المراد بالصبر في باب الفوائد. وقبل متعلق بسبح وطلوع الشمس مضاف وقبل غروبها عطف على قبل طلوع الشمس. (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) الجار والمجرور متعلقان بسبح والفاء هي الفصيحة أيضا وسبح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأطراف النهار نصب عطفا على محل «ومن آناء» المنصوب ويجوز عطفه على قبل طلوع الشمس ولعل حرف ترج ونصب والكاف اسمها وجملة ترضى خبرها ومتعلق نرضى محذوف مفهوم من السياق أي بما تعطاه من الثواب وجملة لعلك ترضى حالية من فاعل سبح أي صل حال كونك راجيا في أن الله تعالى يرضيك بما يعطيكه من الثواب. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهو في محل جزم بلا وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وعينيك مفعول به والى ما متعلقان بتمدن وجملة متعنا صلة وبه متعلقان بمتعنا والهاء هي العائد وأزواجا مفعول متعنا أي أصنافا منهم ومنهم صفة ويجوز أن يعرب نصبا على الحال من هاء الضمير فيكون منهم متعلقا بمتعنا وزهرة الحياة الدنيا توسع المعربون في اعرابها فأوصلوا أوجه نصبها إلى تسعة وقد محصناها فرأيناها كلها سائغة ولهذا نعرضها كما ذكروها لنتوصل إلى الترجيح:
1- أن تكون مفعولا ثانيا إذا أعربنا أزواجا هو المفعول الاول لأن معنى متعنا أعطينا.
2- أن تكون منصوبة على الحال من ما الموصولة.
3- أن تكون منصوبة على البدلية من أزواجا على المبالغة كأنهم نفس الزهرة.
4- أن تكون منصوبة بفعل مضمر دل عليه متّعنا تقديره جعلنا لهم زهرة.
5- أن تكون منصوبة على الذم أي أذم زهرة الحياة الدنيا.
6- أن تكون منصوبة على الاختصاص.
7- أن تكون منصوبة على البدلية من محل «به» .
8- أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في «به» .
9- أن تكون منصوبة على التمييز ل «ما» أو للهاء في «به» .
ومن تمحيص هذه الوجوه ومراعاة جانب السهولة يتبين أن نصب زهرة يترجح في نصبها على الذم أو المفعولية على تضمين متعنا معنى أعطينا وبهما بدأ الزمخشري وغيره.
ولنفتنهم اللام للتعليل ونفتنهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمتعناهم والهاء مفعول به وفيه متعلقان بنفتنهم. (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) الواو للحال ورزق ربك مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير. (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) وأمر الواو استئنافية أو عاطفة وأمر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأهلك مفعول به وبالصلاة متعلقان بفعل الأمر واصطبر فعل أمر وفاعله مستتر وتقديره أنت وعليها متعلقان باصطبر وجملة لا نسألك استئنافية ونسألك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به ثان. (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) نحن مبتدأ وجملة نرزقك خبر والعاقبة مبتدأ وللتقوى خبر وهاتان الجملتان مستأنفتان أيضا. (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) لولا حرف تحضيض أي هلا ويأتينا فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبآية متعلقان بيأتينا ومن ربه متعلقان بمحذوف صفة لآية، اقترحوا جريا على دينهم المعروف وعادتهم في التعنت واللجاج، أولم الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق والتقدير ألم تأتهم البينات تترى ولم تأتهم بصورة خاصة بينة ما في الصحف الأولى، وبينة فاعل لتأتهم وما موصول مضاف لبينة وفي الصحف متعلقان بمحذوف صلة الموصول والأولى صفة للصحف وفيها ما يكفي المنصف أما المكابر المتعنت فهيهات أن يقنعه شيء. (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) تقدم اعراب مثل هذا التركيب أي لو ثبت إهلاكنا، فأنا وما بعدها فاعل لفعل محذوف والجملة مستأنفة سيقت لدعيم ما تقرر من تعنتهم وصلفهم ومجادلتهم وبعذاب متعلقان بأهلكناهم ومن قبله صفة لعذاب. لقالوا: جواب لو والجملة لا محل لها وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولولا حرف تحضيض وأرسلت فعل وفاعل وإلينا متعلقان بأرسلت ورسولا مفعول به والجملة مقول القول. (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) فنتبع الفاء هي السببية وتنبع منصوب بأن مضمرة في جواب التحضيض والفاعل مستتر تقديره نحن وآياتك مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم ومن قبل متعلقان بنتبع وان وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لقبل ونخزى عطف على نذل. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) كل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومتربص خبر والجملة مقول القول والفاء الفصيحة وتربصوا فعل أمر، فستعلمون الفاء استئنافية والسين حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ومن اسم استفهامية مبتدأ وأصحاب الصراط السوي خبر ومن اهتدى عطف على من أصحاب والجملة من أصحاب مفعول تعلمون المعلقة عن العمل ويجوز أن تكون من موصولة مفعول تعلمون وأصحاب الصراط خبر لمبتدأ محذوف أي هم أصحاب.
البلاغة:
1- المجاز المرسل فقد ذكر القرون وأراد الأمم التي تعيش عبرها والاعتبار بآثار الأمم البائدة، والقرون الخالية، كان مثارا لأخيلة الشعراء وخاصة في مقام الرثاء وأبرع من سما بخياله إلى هذا المعنى أبو الطيب المتنبي والبحتري فنكتفي بهما وسنورد أبياتا مختارة من قصيدتين لهما.
يقول عبد الله بن المعتز الشاعر العباسي الخليفة: «لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته في ايوان كسرى وقصيدته في وصف بركة المتوكل لكان أشعر الناس» فقد زار البحتري بعد أن سئم الحياة في بغداد بعد مقتل المتوكل على الله المدائن وهي مدينة يقع فيها ايوان كسرى وقد أبدع في وصف الايوان إبداعا فريدا زاده روعة أنه من شعراء العرب أول من وصف الآثار القديمة الخالدة واستوحاها وصب عليها من روحه وهذه مختارات منها:
صنت نفسي عما يدنّس نفسي ... وترفعت عن جدا كلّ جبس
وتماسكت حيث زعزعني الده ... ر التماسا منه لتعسي ونكسي
حضرت رحلي الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في فقار من البسابس ملس
فكأن الجرماز من عدم الأن ... س وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس فإذا ما رأيت صورة انطا ... كية ارتعت بين روم
وفرس والمنايا مواثل وانوشر ... ... ... وان يزجي الصفوف تحت ال
درفس في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة
ورس عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزي رباعهم وال
تأسي فلها ان أعينها بدموع ... موفقات على الصبابة حبس
ولا يتسع المجال لا يراد القصيدة بكاملها، فهي نموذج حي معبر من أدبنا العربي، كما لا يتسع المجال لدراستها فنكتفي بإيراد بعض الملاحظات السريعة عليها:
1- تشعر حين تقرأ السينية بروعة موسيقاها الناتجة عن خفة الجر وجماله (الخفيف) وتلاؤمه مع العواطف والمعاني والألفاظ والروي المهموس وهو السين وترداد الحروف المهموسة كالسين والصاد والتاء.
2- تشعر بتأثر الشاعر بالعظمة حين قدم لوصف الايوان ثم ما تعتم أن تأسى وتحزن حين تقرأ أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس وهذا التجاوب النفسي بين ما يصفه الشاعر وبين ما يصف ميزة فنية بحتة.
3- تشعر أن الشاعر يعجب بكل ما هو عظيم في الدنيا ولو كان من غير قومه فنراه هنا معجبا بالفرس فبكاهم أصدق بكاء ورثاهم أحر رثاء وهكذا الفن يسمو ليستحيل انسانية صرفا.
4- وأخيرا تعجب من أن الشاعر يطرق في الأدب العربي فنا جديدا لم يطرقه أحد من قبله وهو رثاء الممالك الزائلة والآثار الباقية، ولم يشر إليه قبل القرآن أحد فيقول الله تعالى «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» .
وننتقل إلى عينية أبي الطيب المتنبي وهي القصيدة التي رثى بها أبا شجاع فاتك وفيها تحدث عن شعور الإنسان حيال الآثار المتخلفة عن أصحابها فقال منها:
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه؟ ما المصرع تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
ويظهر أن أبا الطيب كان يحب القائد فاتكا أبا شجاع حبا خالصا قائما على الاعجاب فهو يرثيه بقصيدتين يجعل منهما وسيلة إلى الإبانة عما في نفسه من هموم ومحن وترى من خلالهما بعض النظرات الفلسفية فهو كما ترى يرى الحياة لا تصفو إلا للجاهل أو الغافل أما الشجاع الأبي فقلما تخطئه سهامها ونراه هنا معاني مظلمة قاتمة في نفسه حتى ليكاد يلقي سلاحه أمام عوادي الزمان لولا بقية من قوة يستمسك بها:
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع
والناس أنزل في مكانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
2- وفي قوله: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... » الآية فن المناسبة وهي على ضربين معنوية ولفظية والمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ فالآية موعظتها سمعية فختمها بأشد مناسبة معنوية بقوله «أَفَلا يَسْمَعُونَ» وقال في الآية التي موعظتها مرئية وهي آية السجدة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ» فقد ختمها بقوله:
«أَفَلا يُبْصِرُونَ» لأن ذلك مما يتبين بالرؤية وما فوق هذه المناسبة مناسبة. ومن بديع ما ورد فيها شعرا قول القاضي الفاضل:
وبدر بأفلاك الخواطر طالع ... وغصن بريحان الغدار وريق لئن بت في بحر من الفكر سابحا ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فالمناسبة في الشطر الاول في البدر والافلاك والطلوع وفي الشطر الثاني بين الغصن والريحان ووريق وفي الثالث بين البحر وسابحا وفي الرابع بين إنسان العين والدموع وغريق ففي كل شطر من البيتين مناسبات عديدة، وأما المناسبة اللفظية فهي دون رتبة المعنوية وهي الإتيان بكلمات متزنات وهي أيضا على ضربين: تامة وغير تامة فالتامة تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة فمن شواهد التامة من القرآن العظيم قوله تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» ومن الشعر قول ابن هانئ الاندلسي:
وعوابس وقوابس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل
ومن غير التامة قول ابن خلوف المغربي:
كالورد خدا والغزالة بهجة ... والغصن قدا والغزال مقلدا
وقد اجتمعت التامة والناقصة في قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الحظ إلا أن تلك ذوابل فبين قنا ومها مناسبة لفظية تامة وبين الوحش والحظ وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة.
الفوائد:
النسخ في القرآن:
في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» مبحث هام جدير بالتأمل وهو أن معظم المفسرين درجوا على القول إن هذه الآية منسوخة بآية القتال والصواب انها ليست منسوخة بل هي أمر بالصبر المحمود على كل حال وهو عدم الاضطراب ومساورة الجزع لما يقولون ولما يصدر عنهم من الأذية وليس فيها أية اشارة أو تلميح إلى عدم القتال حتى يكون الأمر بالقتال ناسخا لها.
وموضوع النسخ في القرآن الكريم من الموضوعات الشائكة الصعبة، والاختلاف حوله كثير وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين انهم كانوا يستعملون النسخ بإزالة المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء لا بإزاء مصطلح الأصوليين فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى إما بانتهاء مدة العمل أو بصر الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا أو تخصيص عام أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس ظاهرا عليه أو ازالة عادة الجاهلية أو الشريعة السابقة فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك واتسعت دائرة الاختلاف.
أما المنسوخ باصطلاح المتأخرين فهو قليل جدا وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في الإتقان بتقرير مبسوط، كما ينبغي، بعض ما ذكره العلماء ثم حرر المنسوخ الذي فيه رأي المتأخرين على وفق الامام الحافظ القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الاندلسي فعنده قريبا من عشرين آية، وأتى في العصر الحديث الشيخ الامام محمد عبده فأنكر النسخ في القرآن وقال ان كل ما زعموا انه منسوخ يمكن تأويله كما رأيت في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» وهو ظاهر في هذه الآية يطيح بالقول القديم ان الآيات المنسوخة تبلغ حوالي خمسمائة آية وهو قول ظاهر البطلان بالبداهة.
طه 20:132
اللغة:
(ضَنْكاً) : بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة ولهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة على حد القاعدة التي ذكرها صاحب الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد أو التذكيرا
وفي القاموس: «الضنك الضيق في كل شيء للذكر والأنثى يقال ضنك ككرم ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق» وقرئ ضنكى على فعلى.
(يَهْدِ لَهُمْ) : أي يهتدي لهم فهو لازم ومعناه يتبين.
(آناءِ اللَّيْلِ) : جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى بكسر الميم.
وفي المختار: آناء الليل ساعاته، قال الأخفش واحدها إنى مثل معى وقيل واحدها أني وأنو، يقال مضى من الليل أنوان وانيان.
(مُتَرَبِّصٌ) : منتظر ما يئول اليه الأمر.
الإعراب:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) الواو عاطفة على جواب الشرط المتقدم وهو «فمن اتبع هداي» ومن اسم شرط جازم مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعن ذكري متعلقان بأعرض، فإن الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ومعيشة اسمها المؤخر وضنكا صفة والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) ونحشره الواو استئنافية ونحشر فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق بنحشره وأعمى حال من الهاء في نحشره وقد قرئ بالجزم عطفا على محل «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» .
(قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولم اللام حرف جر وما الاستفهامية في محل جر باللام وقد حذفت ألف ما الاستفهامية كما هي القاعدة والجار والمجرور متعلقان بحشرتني، وحشرتني فعل وفاعل ومفعول به وأعمى حال والواو للحال وقد حرف تحقيق وكنت: كان واسمها وبصيرا خبر كنت.
(قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) كذلك نعت لمصدر محذوف أي حشرا مثل ذلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وأتتك آياتي فعل وو مفعول به مقدم وفاعل مؤخر، فنسيتها الفاء عاطفة ونسيتها فعل وفاعل ومفعول به، وكذلك نعت لمصدر محذوف واليوم ظرف متعلق بتنسى. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومن موصول مفعول به وجملة أسرف صلة، ولم يؤمن عطف على أسرف فهو داخل في حيز الصلة وبآيات متعلقان بيؤمن وربه مضاف إليه، ولعذاب: الواو حالية أو عاطفة واللام للابتداء وعذاب مبتدأ والآخرة مضاف إليه وأشد خبر وأبقى عطف على أشد. (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) الهمزة للاستفهام وهي داخلة على محذوف عطف عليه بالفاء وقد تقدم تقريره كثيرا وأعدناه الآن للتذكير والتقدير أغفلوا فلم يتبين لهم، وفاعل يهد المصدر المفهوم من أهلكنا أي أفلم يتبين لهم إهلاكنا ويحتمل أن يكون فاعل يهد ضميرا عائدا على الله تعالى أي يبين الله والأول أولى لأن يهدي معناه يتبين فهو لازم فالفاعل هو الجملة المنسبكة مصدرا لأهلكنا. وقد أنكر البصريون وقوع الجملة فاعلا وجوزه غيرهم قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم، قال النحاس: وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر باهلاكنا من أهلكناه وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى. ولهم متعلقان بيهد وكم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ومن القرون نعت لتمييزكم الخبرية أي كم قرن من القرون والمراد الأمة، وجملة يمشون في مساكنهم حال من مفعول أهلكنا أو من الضمير في لهم وفي مساكنهم متعلقان بيمشون والضمير يعود على المهلكين بفتح اللام يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار هلاكهم وفيها ما يدعوا إلى العبرة والاتعاظ، وقد رمق أبو الطيب سماء هذا المعنى كما سيأتي في باب البلاغة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر، ولأولي صفة لآيات والنهى مضاف اليه وهي جمع نهية بمعنى العقل.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت من ربك صفة لكلمة ومن ربك متعلقان بسبقت، لكان اللام واقعة في جواب لولا وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإهلاك ولزاما خبرها، وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى لكان الإهلاك لازما لهم ويجوز كما يرى الزمخشري وأبو البقاء أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في «كان» أي لكان الإهلاك العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ومن العجيب ان معظم المفسرين كالجلال والبيضاوي وغيرهما جروا على هذا الوجه رغم ما فيه من تكلف وقالوا: ان الفصل بالخبر قام مقام التأكيد لأنه كان من حق العطف أن يؤكد الضمير المستتر في كان بالضمير المنفصل فكان يقال هو لزاما وأجل مسمى ولا داعي لكل هذا التكلف وعطفه على كلمة أسهل وأسرع في تأدية المعنى المراد. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس باهمال بل امهال وهو واقع بهم وآت عليهم فاصبر. واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة وسبح عطف على اصبر وبحمد ربك في موضع نصب على الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه وسيأتي المراد بالصبر في باب الفوائد. وقبل متعلق بسبح وطلوع الشمس مضاف وقبل غروبها عطف على قبل طلوع الشمس. (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) الجار والمجرور متعلقان بسبح والفاء هي الفصيحة أيضا وسبح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأطراف النهار نصب عطفا على محل «ومن آناء» المنصوب ويجوز عطفه على قبل طلوع الشمس ولعل حرف ترج ونصب والكاف اسمها وجملة ترضى خبرها ومتعلق نرضى محذوف مفهوم من السياق أي بما تعطاه من الثواب وجملة لعلك ترضى حالية من فاعل سبح أي صل حال كونك راجيا في أن الله تعالى يرضيك بما يعطيكه من الثواب. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهو في محل جزم بلا وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وعينيك مفعول به والى ما متعلقان بتمدن وجملة متعنا صلة وبه متعلقان بمتعنا والهاء هي العائد وأزواجا مفعول متعنا أي أصنافا منهم ومنهم صفة ويجوز أن يعرب نصبا على الحال من هاء الضمير فيكون منهم متعلقا بمتعنا وزهرة الحياة الدنيا توسع المعربون في اعرابها فأوصلوا أوجه نصبها إلى تسعة وقد محصناها فرأيناها كلها سائغة ولهذا نعرضها كما ذكروها لنتوصل إلى الترجيح:
1- أن تكون مفعولا ثانيا إذا أعربنا أزواجا هو المفعول الاول لأن معنى متعنا أعطينا.
2- أن تكون منصوبة على الحال من ما الموصولة.
3- أن تكون منصوبة على البدلية من أزواجا على المبالغة كأنهم نفس الزهرة.
4- أن تكون منصوبة بفعل مضمر دل عليه متّعنا تقديره جعلنا لهم زهرة.
5- أن تكون منصوبة على الذم أي أذم زهرة الحياة الدنيا.
6- أن تكون منصوبة على الاختصاص.
7- أن تكون منصوبة على البدلية من محل «به» .
8- أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في «به» .
9- أن تكون منصوبة على التمييز ل «ما» أو للهاء في «به» .
ومن تمحيص هذه الوجوه ومراعاة جانب السهولة يتبين أن نصب زهرة يترجح في نصبها على الذم أو المفعولية على تضمين متعنا معنى أعطينا وبهما بدأ الزمخشري وغيره.
ولنفتنهم اللام للتعليل ونفتنهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمتعناهم والهاء مفعول به وفيه متعلقان بنفتنهم. (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) الواو للحال ورزق ربك مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير. (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) وأمر الواو استئنافية أو عاطفة وأمر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأهلك مفعول به وبالصلاة متعلقان بفعل الأمر واصطبر فعل أمر وفاعله مستتر وتقديره أنت وعليها متعلقان باصطبر وجملة لا نسألك استئنافية ونسألك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به ثان. (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) نحن مبتدأ وجملة نرزقك خبر والعاقبة مبتدأ وللتقوى خبر وهاتان الجملتان مستأنفتان أيضا. (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) لولا حرف تحضيض أي هلا ويأتينا فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبآية متعلقان بيأتينا ومن ربه متعلقان بمحذوف صفة لآية، اقترحوا جريا على دينهم المعروف وعادتهم في التعنت واللجاج، أولم الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق والتقدير ألم تأتهم البينات تترى ولم تأتهم بصورة خاصة بينة ما في الصحف الأولى، وبينة فاعل لتأتهم وما موصول مضاف لبينة وفي الصحف متعلقان بمحذوف صلة الموصول والأولى صفة للصحف وفيها ما يكفي المنصف أما المكابر المتعنت فهيهات أن يقنعه شيء. (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) تقدم اعراب مثل هذا التركيب أي لو ثبت إهلاكنا، فأنا وما بعدها فاعل لفعل محذوف والجملة مستأنفة سيقت لدعيم ما تقرر من تعنتهم وصلفهم ومجادلتهم وبعذاب متعلقان بأهلكناهم ومن قبله صفة لعذاب. لقالوا: جواب لو والجملة لا محل لها وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولولا حرف تحضيض وأرسلت فعل وفاعل وإلينا متعلقان بأرسلت ورسولا مفعول به والجملة مقول القول. (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) فنتبع الفاء هي السببية وتنبع منصوب بأن مضمرة في جواب التحضيض والفاعل مستتر تقديره نحن وآياتك مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم ومن قبل متعلقان بنتبع وان وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لقبل ونخزى عطف على نذل. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) كل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومتربص خبر والجملة مقول القول والفاء الفصيحة وتربصوا فعل أمر، فستعلمون الفاء استئنافية والسين حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ومن اسم استفهامية مبتدأ وأصحاب الصراط السوي خبر ومن اهتدى عطف على من أصحاب والجملة من أصحاب مفعول تعلمون المعلقة عن العمل ويجوز أن تكون من موصولة مفعول تعلمون وأصحاب الصراط خبر لمبتدأ محذوف أي هم أصحاب.
البلاغة:
1- المجاز المرسل فقد ذكر القرون وأراد الأمم التي تعيش عبرها والاعتبار بآثار الأمم البائدة، والقرون الخالية، كان مثارا لأخيلة الشعراء وخاصة في مقام الرثاء وأبرع من سما بخياله إلى هذا المعنى أبو الطيب المتنبي والبحتري فنكتفي بهما وسنورد أبياتا مختارة من قصيدتين لهما.
يقول عبد الله بن المعتز الشاعر العباسي الخليفة: «لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته في ايوان كسرى وقصيدته في وصف بركة المتوكل لكان أشعر الناس» فقد زار البحتري بعد أن سئم الحياة في بغداد بعد مقتل المتوكل على الله المدائن وهي مدينة يقع فيها ايوان كسرى وقد أبدع في وصف الايوان إبداعا فريدا زاده روعة أنه من شعراء العرب أول من وصف الآثار القديمة الخالدة واستوحاها وصب عليها من روحه وهذه مختارات منها:
صنت نفسي عما يدنّس نفسي ... وترفعت عن جدا كلّ جبس
وتماسكت حيث زعزعني الده ... ر التماسا منه لتعسي ونكسي
حضرت رحلي الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في فقار من البسابس ملس
فكأن الجرماز من عدم الأن ... س وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس فإذا ما رأيت صورة انطا ... كية ارتعت بين روم
وفرس والمنايا مواثل وانوشر ... ... ... وان يزجي الصفوف تحت ال
درفس في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة
ورس عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزي رباعهم وال
تأسي فلها ان أعينها بدموع ... موفقات على الصبابة حبس
ولا يتسع المجال لا يراد القصيدة بكاملها، فهي نموذج حي معبر من أدبنا العربي، كما لا يتسع المجال لدراستها فنكتفي بإيراد بعض الملاحظات السريعة عليها:
1- تشعر حين تقرأ السينية بروعة موسيقاها الناتجة عن خفة الجر وجماله (الخفيف) وتلاؤمه مع العواطف والمعاني والألفاظ والروي المهموس وهو السين وترداد الحروف المهموسة كالسين والصاد والتاء.
2- تشعر بتأثر الشاعر بالعظمة حين قدم لوصف الايوان ثم ما تعتم أن تأسى وتحزن حين تقرأ أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس وهذا التجاوب النفسي بين ما يصفه الشاعر وبين ما يصف ميزة فنية بحتة.
3- تشعر أن الشاعر يعجب بكل ما هو عظيم في الدنيا ولو كان من غير قومه فنراه هنا معجبا بالفرس فبكاهم أصدق بكاء ورثاهم أحر رثاء وهكذا الفن يسمو ليستحيل انسانية صرفا.
4- وأخيرا تعجب من أن الشاعر يطرق في الأدب العربي فنا جديدا لم يطرقه أحد من قبله وهو رثاء الممالك الزائلة والآثار الباقية، ولم يشر إليه قبل القرآن أحد فيقول الله تعالى «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» .
وننتقل إلى عينية أبي الطيب المتنبي وهي القصيدة التي رثى بها أبا شجاع فاتك وفيها تحدث عن شعور الإنسان حيال الآثار المتخلفة عن أصحابها فقال منها:
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه؟ ما المصرع تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
ويظهر أن أبا الطيب كان يحب القائد فاتكا أبا شجاع حبا خالصا قائما على الاعجاب فهو يرثيه بقصيدتين يجعل منهما وسيلة إلى الإبانة عما في نفسه من هموم ومحن وترى من خلالهما بعض النظرات الفلسفية فهو كما ترى يرى الحياة لا تصفو إلا للجاهل أو الغافل أما الشجاع الأبي فقلما تخطئه سهامها ونراه هنا معاني مظلمة قاتمة في نفسه حتى ليكاد يلقي سلاحه أمام عوادي الزمان لولا بقية من قوة يستمسك بها:
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع
والناس أنزل في مكانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
2- وفي قوله: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... » الآية فن المناسبة وهي على ضربين معنوية ولفظية والمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ فالآية موعظتها سمعية فختمها بأشد مناسبة معنوية بقوله «أَفَلا يَسْمَعُونَ» وقال في الآية التي موعظتها مرئية وهي آية السجدة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ» فقد ختمها بقوله:
«أَفَلا يُبْصِرُونَ» لأن ذلك مما يتبين بالرؤية وما فوق هذه المناسبة مناسبة. ومن بديع ما ورد فيها شعرا قول القاضي الفاضل:
وبدر بأفلاك الخواطر طالع ... وغصن بريحان الغدار وريق لئن بت في بحر من الفكر سابحا ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فالمناسبة في الشطر الاول في البدر والافلاك والطلوع وفي الشطر الثاني بين الغصن والريحان ووريق وفي الثالث بين البحر وسابحا وفي الرابع بين إنسان العين والدموع وغريق ففي كل شطر من البيتين مناسبات عديدة، وأما المناسبة اللفظية فهي دون رتبة المعنوية وهي الإتيان بكلمات متزنات وهي أيضا على ضربين: تامة وغير تامة فالتامة تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة فمن شواهد التامة من القرآن العظيم قوله تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» ومن الشعر قول ابن هانئ الاندلسي:
وعوابس وقوابس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل
ومن غير التامة قول ابن خلوف المغربي:
كالورد خدا والغزالة بهجة ... والغصن قدا والغزال مقلدا
وقد اجتمعت التامة والناقصة في قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الحظ إلا أن تلك ذوابل فبين قنا ومها مناسبة لفظية تامة وبين الوحش والحظ وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة.
الفوائد:
النسخ في القرآن:
في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» مبحث هام جدير بالتأمل وهو أن معظم المفسرين درجوا على القول إن هذه الآية منسوخة بآية القتال والصواب انها ليست منسوخة بل هي أمر بالصبر المحمود على كل حال وهو عدم الاضطراب ومساورة الجزع لما يقولون ولما يصدر عنهم من الأذية وليس فيها أية اشارة أو تلميح إلى عدم القتال حتى يكون الأمر بالقتال ناسخا لها.
وموضوع النسخ في القرآن الكريم من الموضوعات الشائكة الصعبة، والاختلاف حوله كثير وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين انهم كانوا يستعملون النسخ بإزالة المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء لا بإزاء مصطلح الأصوليين فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى إما بانتهاء مدة العمل أو بصر الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا أو تخصيص عام أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس ظاهرا عليه أو ازالة عادة الجاهلية أو الشريعة السابقة فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك واتسعت دائرة الاختلاف.
أما المنسوخ باصطلاح المتأخرين فهو قليل جدا وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في الإتقان بتقرير مبسوط، كما ينبغي، بعض ما ذكره العلماء ثم حرر المنسوخ الذي فيه رأي المتأخرين على وفق الامام الحافظ القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الاندلسي فعنده قريبا من عشرين آية، وأتى في العصر الحديث الشيخ الامام محمد عبده فأنكر النسخ في القرآن وقال ان كل ما زعموا انه منسوخ يمكن تأويله كما رأيت في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» وهو ظاهر في هذه الآية يطيح بالقول القديم ان الآيات المنسوخة تبلغ حوالي خمسمائة آية وهو قول ظاهر البطلان بالبداهة.
طه 20:133
اللغة:
(ضَنْكاً) : بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة ولهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة على حد القاعدة التي ذكرها صاحب الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد أو التذكيرا
وفي القاموس: «الضنك الضيق في كل شيء للذكر والأنثى يقال ضنك ككرم ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق» وقرئ ضنكى على فعلى.
(يَهْدِ لَهُمْ) : أي يهتدي لهم فهو لازم ومعناه يتبين.
(آناءِ اللَّيْلِ) : جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى بكسر الميم.
وفي المختار: آناء الليل ساعاته، قال الأخفش واحدها إنى مثل معى وقيل واحدها أني وأنو، يقال مضى من الليل أنوان وانيان.
(مُتَرَبِّصٌ) : منتظر ما يئول اليه الأمر.
الإعراب:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) الواو عاطفة على جواب الشرط المتقدم وهو «فمن اتبع هداي» ومن اسم شرط جازم مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعن ذكري متعلقان بأعرض، فإن الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ومعيشة اسمها المؤخر وضنكا صفة والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) ونحشره الواو استئنافية ونحشر فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق بنحشره وأعمى حال من الهاء في نحشره وقد قرئ بالجزم عطفا على محل «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» .
(قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولم اللام حرف جر وما الاستفهامية في محل جر باللام وقد حذفت ألف ما الاستفهامية كما هي القاعدة والجار والمجرور متعلقان بحشرتني، وحشرتني فعل وفاعل ومفعول به وأعمى حال والواو للحال وقد حرف تحقيق وكنت: كان واسمها وبصيرا خبر كنت.
(قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) كذلك نعت لمصدر محذوف أي حشرا مثل ذلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وأتتك آياتي فعل وو مفعول به مقدم وفاعل مؤخر، فنسيتها الفاء عاطفة ونسيتها فعل وفاعل ومفعول به، وكذلك نعت لمصدر محذوف واليوم ظرف متعلق بتنسى. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومن موصول مفعول به وجملة أسرف صلة، ولم يؤمن عطف على أسرف فهو داخل في حيز الصلة وبآيات متعلقان بيؤمن وربه مضاف إليه، ولعذاب: الواو حالية أو عاطفة واللام للابتداء وعذاب مبتدأ والآخرة مضاف إليه وأشد خبر وأبقى عطف على أشد. (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) الهمزة للاستفهام وهي داخلة على محذوف عطف عليه بالفاء وقد تقدم تقريره كثيرا وأعدناه الآن للتذكير والتقدير أغفلوا فلم يتبين لهم، وفاعل يهد المصدر المفهوم من أهلكنا أي أفلم يتبين لهم إهلاكنا ويحتمل أن يكون فاعل يهد ضميرا عائدا على الله تعالى أي يبين الله والأول أولى لأن يهدي معناه يتبين فهو لازم فالفاعل هو الجملة المنسبكة مصدرا لأهلكنا. وقد أنكر البصريون وقوع الجملة فاعلا وجوزه غيرهم قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم، قال النحاس: وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر باهلاكنا من أهلكناه وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى. ولهم متعلقان بيهد وكم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ومن القرون نعت لتمييزكم الخبرية أي كم قرن من القرون والمراد الأمة، وجملة يمشون في مساكنهم حال من مفعول أهلكنا أو من الضمير في لهم وفي مساكنهم متعلقان بيمشون والضمير يعود على المهلكين بفتح اللام يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار هلاكهم وفيها ما يدعوا إلى العبرة والاتعاظ، وقد رمق أبو الطيب سماء هذا المعنى كما سيأتي في باب البلاغة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر، ولأولي صفة لآيات والنهى مضاف اليه وهي جمع نهية بمعنى العقل.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت من ربك صفة لكلمة ومن ربك متعلقان بسبقت، لكان اللام واقعة في جواب لولا وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإهلاك ولزاما خبرها، وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى لكان الإهلاك لازما لهم ويجوز كما يرى الزمخشري وأبو البقاء أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في «كان» أي لكان الإهلاك العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ومن العجيب ان معظم المفسرين كالجلال والبيضاوي وغيرهما جروا على هذا الوجه رغم ما فيه من تكلف وقالوا: ان الفصل بالخبر قام مقام التأكيد لأنه كان من حق العطف أن يؤكد الضمير المستتر في كان بالضمير المنفصل فكان يقال هو لزاما وأجل مسمى ولا داعي لكل هذا التكلف وعطفه على كلمة أسهل وأسرع في تأدية المعنى المراد. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس باهمال بل امهال وهو واقع بهم وآت عليهم فاصبر. واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة وسبح عطف على اصبر وبحمد ربك في موضع نصب على الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه وسيأتي المراد بالصبر في باب الفوائد. وقبل متعلق بسبح وطلوع الشمس مضاف وقبل غروبها عطف على قبل طلوع الشمس. (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) الجار والمجرور متعلقان بسبح والفاء هي الفصيحة أيضا وسبح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأطراف النهار نصب عطفا على محل «ومن آناء» المنصوب ويجوز عطفه على قبل طلوع الشمس ولعل حرف ترج ونصب والكاف اسمها وجملة ترضى خبرها ومتعلق نرضى محذوف مفهوم من السياق أي بما تعطاه من الثواب وجملة لعلك ترضى حالية من فاعل سبح أي صل حال كونك راجيا في أن الله تعالى يرضيك بما يعطيكه من الثواب. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهو في محل جزم بلا وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وعينيك مفعول به والى ما متعلقان بتمدن وجملة متعنا صلة وبه متعلقان بمتعنا والهاء هي العائد وأزواجا مفعول متعنا أي أصنافا منهم ومنهم صفة ويجوز أن يعرب نصبا على الحال من هاء الضمير فيكون منهم متعلقا بمتعنا وزهرة الحياة الدنيا توسع المعربون في اعرابها فأوصلوا أوجه نصبها إلى تسعة وقد محصناها فرأيناها كلها سائغة ولهذا نعرضها كما ذكروها لنتوصل إلى الترجيح:
1- أن تكون مفعولا ثانيا إذا أعربنا أزواجا هو المفعول الاول لأن معنى متعنا أعطينا.
2- أن تكون منصوبة على الحال من ما الموصولة.
3- أن تكون منصوبة على البدلية من أزواجا على المبالغة كأنهم نفس الزهرة.
4- أن تكون منصوبة بفعل مضمر دل عليه متّعنا تقديره جعلنا لهم زهرة.
5- أن تكون منصوبة على الذم أي أذم زهرة الحياة الدنيا.
6- أن تكون منصوبة على الاختصاص.
7- أن تكون منصوبة على البدلية من محل «به» .
8- أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في «به» .
9- أن تكون منصوبة على التمييز ل «ما» أو للهاء في «به» .
ومن تمحيص هذه الوجوه ومراعاة جانب السهولة يتبين أن نصب زهرة يترجح في نصبها على الذم أو المفعولية على تضمين متعنا معنى أعطينا وبهما بدأ الزمخشري وغيره.
ولنفتنهم اللام للتعليل ونفتنهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمتعناهم والهاء مفعول به وفيه متعلقان بنفتنهم. (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) الواو للحال ورزق ربك مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير. (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) وأمر الواو استئنافية أو عاطفة وأمر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأهلك مفعول به وبالصلاة متعلقان بفعل الأمر واصطبر فعل أمر وفاعله مستتر وتقديره أنت وعليها متعلقان باصطبر وجملة لا نسألك استئنافية ونسألك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به ثان. (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) نحن مبتدأ وجملة نرزقك خبر والعاقبة مبتدأ وللتقوى خبر وهاتان الجملتان مستأنفتان أيضا. (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) لولا حرف تحضيض أي هلا ويأتينا فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبآية متعلقان بيأتينا ومن ربه متعلقان بمحذوف صفة لآية، اقترحوا جريا على دينهم المعروف وعادتهم في التعنت واللجاج، أولم الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق والتقدير ألم تأتهم البينات تترى ولم تأتهم بصورة خاصة بينة ما في الصحف الأولى، وبينة فاعل لتأتهم وما موصول مضاف لبينة وفي الصحف متعلقان بمحذوف صلة الموصول والأولى صفة للصحف وفيها ما يكفي المنصف أما المكابر المتعنت فهيهات أن يقنعه شيء. (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) تقدم اعراب مثل هذا التركيب أي لو ثبت إهلاكنا، فأنا وما بعدها فاعل لفعل محذوف والجملة مستأنفة سيقت لدعيم ما تقرر من تعنتهم وصلفهم ومجادلتهم وبعذاب متعلقان بأهلكناهم ومن قبله صفة لعذاب. لقالوا: جواب لو والجملة لا محل لها وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولولا حرف تحضيض وأرسلت فعل وفاعل وإلينا متعلقان بأرسلت ورسولا مفعول به والجملة مقول القول. (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) فنتبع الفاء هي السببية وتنبع منصوب بأن مضمرة في جواب التحضيض والفاعل مستتر تقديره نحن وآياتك مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم ومن قبل متعلقان بنتبع وان وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لقبل ونخزى عطف على نذل. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) كل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومتربص خبر والجملة مقول القول والفاء الفصيحة وتربصوا فعل أمر، فستعلمون الفاء استئنافية والسين حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ومن اسم استفهامية مبتدأ وأصحاب الصراط السوي خبر ومن اهتدى عطف على من أصحاب والجملة من أصحاب مفعول تعلمون المعلقة عن العمل ويجوز أن تكون من موصولة مفعول تعلمون وأصحاب الصراط خبر لمبتدأ محذوف أي هم أصحاب.
البلاغة:
1- المجاز المرسل فقد ذكر القرون وأراد الأمم التي تعيش عبرها والاعتبار بآثار الأمم البائدة، والقرون الخالية، كان مثارا لأخيلة الشعراء وخاصة في مقام الرثاء وأبرع من سما بخياله إلى هذا المعنى أبو الطيب المتنبي والبحتري فنكتفي بهما وسنورد أبياتا مختارة من قصيدتين لهما.
يقول عبد الله بن المعتز الشاعر العباسي الخليفة: «لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته في ايوان كسرى وقصيدته في وصف بركة المتوكل لكان أشعر الناس» فقد زار البحتري بعد أن سئم الحياة في بغداد بعد مقتل المتوكل على الله المدائن وهي مدينة يقع فيها ايوان كسرى وقد أبدع في وصف الايوان إبداعا فريدا زاده روعة أنه من شعراء العرب أول من وصف الآثار القديمة الخالدة واستوحاها وصب عليها من روحه وهذه مختارات منها:
صنت نفسي عما يدنّس نفسي ... وترفعت عن جدا كلّ جبس
وتماسكت حيث زعزعني الده ... ر التماسا منه لتعسي ونكسي
حضرت رحلي الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في فقار من البسابس ملس
فكأن الجرماز من عدم الأن ... س وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس فإذا ما رأيت صورة انطا ... كية ارتعت بين روم
وفرس والمنايا مواثل وانوشر ... ... ... وان يزجي الصفوف تحت ال
درفس في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة
ورس عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزي رباعهم وال
تأسي فلها ان أعينها بدموع ... موفقات على الصبابة حبس
ولا يتسع المجال لا يراد القصيدة بكاملها، فهي نموذج حي معبر من أدبنا العربي، كما لا يتسع المجال لدراستها فنكتفي بإيراد بعض الملاحظات السريعة عليها:
1- تشعر حين تقرأ السينية بروعة موسيقاها الناتجة عن خفة الجر وجماله (الخفيف) وتلاؤمه مع العواطف والمعاني والألفاظ والروي المهموس وهو السين وترداد الحروف المهموسة كالسين والصاد والتاء.
2- تشعر بتأثر الشاعر بالعظمة حين قدم لوصف الايوان ثم ما تعتم أن تأسى وتحزن حين تقرأ أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس وهذا التجاوب النفسي بين ما يصفه الشاعر وبين ما يصف ميزة فنية بحتة.
3- تشعر أن الشاعر يعجب بكل ما هو عظيم في الدنيا ولو كان من غير قومه فنراه هنا معجبا بالفرس فبكاهم أصدق بكاء ورثاهم أحر رثاء وهكذا الفن يسمو ليستحيل انسانية صرفا.
4- وأخيرا تعجب من أن الشاعر يطرق في الأدب العربي فنا جديدا لم يطرقه أحد من قبله وهو رثاء الممالك الزائلة والآثار الباقية، ولم يشر إليه قبل القرآن أحد فيقول الله تعالى «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» .
وننتقل إلى عينية أبي الطيب المتنبي وهي القصيدة التي رثى بها أبا شجاع فاتك وفيها تحدث عن شعور الإنسان حيال الآثار المتخلفة عن أصحابها فقال منها:
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه؟ ما المصرع تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
ويظهر أن أبا الطيب كان يحب القائد فاتكا أبا شجاع حبا خالصا قائما على الاعجاب فهو يرثيه بقصيدتين يجعل منهما وسيلة إلى الإبانة عما في نفسه من هموم ومحن وترى من خلالهما بعض النظرات الفلسفية فهو كما ترى يرى الحياة لا تصفو إلا للجاهل أو الغافل أما الشجاع الأبي فقلما تخطئه سهامها ونراه هنا معاني مظلمة قاتمة في نفسه حتى ليكاد يلقي سلاحه أمام عوادي الزمان لولا بقية من قوة يستمسك بها:
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع
والناس أنزل في مكانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
2- وفي قوله: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... » الآية فن المناسبة وهي على ضربين معنوية ولفظية والمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ فالآية موعظتها سمعية فختمها بأشد مناسبة معنوية بقوله «أَفَلا يَسْمَعُونَ» وقال في الآية التي موعظتها مرئية وهي آية السجدة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ» فقد ختمها بقوله:
«أَفَلا يُبْصِرُونَ» لأن ذلك مما يتبين بالرؤية وما فوق هذه المناسبة مناسبة. ومن بديع ما ورد فيها شعرا قول القاضي الفاضل:
وبدر بأفلاك الخواطر طالع ... وغصن بريحان الغدار وريق لئن بت في بحر من الفكر سابحا ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فالمناسبة في الشطر الاول في البدر والافلاك والطلوع وفي الشطر الثاني بين الغصن والريحان ووريق وفي الثالث بين البحر وسابحا وفي الرابع بين إنسان العين والدموع وغريق ففي كل شطر من البيتين مناسبات عديدة، وأما المناسبة اللفظية فهي دون رتبة المعنوية وهي الإتيان بكلمات متزنات وهي أيضا على ضربين: تامة وغير تامة فالتامة تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة فمن شواهد التامة من القرآن العظيم قوله تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» ومن الشعر قول ابن هانئ الاندلسي:
وعوابس وقوابس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل
ومن غير التامة قول ابن خلوف المغربي:
كالورد خدا والغزالة بهجة ... والغصن قدا والغزال مقلدا
وقد اجتمعت التامة والناقصة في قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الحظ إلا أن تلك ذوابل فبين قنا ومها مناسبة لفظية تامة وبين الوحش والحظ وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة.
الفوائد:
النسخ في القرآن:
في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» مبحث هام جدير بالتأمل وهو أن معظم المفسرين درجوا على القول إن هذه الآية منسوخة بآية القتال والصواب انها ليست منسوخة بل هي أمر بالصبر المحمود على كل حال وهو عدم الاضطراب ومساورة الجزع لما يقولون ولما يصدر عنهم من الأذية وليس فيها أية اشارة أو تلميح إلى عدم القتال حتى يكون الأمر بالقتال ناسخا لها.
وموضوع النسخ في القرآن الكريم من الموضوعات الشائكة الصعبة، والاختلاف حوله كثير وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين انهم كانوا يستعملون النسخ بإزالة المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء لا بإزاء مصطلح الأصوليين فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى إما بانتهاء مدة العمل أو بصر الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا أو تخصيص عام أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس ظاهرا عليه أو ازالة عادة الجاهلية أو الشريعة السابقة فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك واتسعت دائرة الاختلاف.
أما المنسوخ باصطلاح المتأخرين فهو قليل جدا وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في الإتقان بتقرير مبسوط، كما ينبغي، بعض ما ذكره العلماء ثم حرر المنسوخ الذي فيه رأي المتأخرين على وفق الامام الحافظ القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الاندلسي فعنده قريبا من عشرين آية، وأتى في العصر الحديث الشيخ الامام محمد عبده فأنكر النسخ في القرآن وقال ان كل ما زعموا انه منسوخ يمكن تأويله كما رأيت في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» وهو ظاهر في هذه الآية يطيح بالقول القديم ان الآيات المنسوخة تبلغ حوالي خمسمائة آية وهو قول ظاهر البطلان بالبداهة.
طه 20:134
اللغة:
(ضَنْكاً) : بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة ولهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة على حد القاعدة التي ذكرها صاحب الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد أو التذكيرا
وفي القاموس: «الضنك الضيق في كل شيء للذكر والأنثى يقال ضنك ككرم ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق» وقرئ ضنكى على فعلى.
(يَهْدِ لَهُمْ) : أي يهتدي لهم فهو لازم ومعناه يتبين.
(آناءِ اللَّيْلِ) : جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى بكسر الميم.
وفي المختار: آناء الليل ساعاته، قال الأخفش واحدها إنى مثل معى وقيل واحدها أني وأنو، يقال مضى من الليل أنوان وانيان.
(مُتَرَبِّصٌ) : منتظر ما يئول اليه الأمر.
الإعراب:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) الواو عاطفة على جواب الشرط المتقدم وهو «فمن اتبع هداي» ومن اسم شرط جازم مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعن ذكري متعلقان بأعرض، فإن الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ومعيشة اسمها المؤخر وضنكا صفة والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) ونحشره الواو استئنافية ونحشر فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق بنحشره وأعمى حال من الهاء في نحشره وقد قرئ بالجزم عطفا على محل «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» .
(قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولم اللام حرف جر وما الاستفهامية في محل جر باللام وقد حذفت ألف ما الاستفهامية كما هي القاعدة والجار والمجرور متعلقان بحشرتني، وحشرتني فعل وفاعل ومفعول به وأعمى حال والواو للحال وقد حرف تحقيق وكنت: كان واسمها وبصيرا خبر كنت.
(قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) كذلك نعت لمصدر محذوف أي حشرا مثل ذلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وأتتك آياتي فعل وو مفعول به مقدم وفاعل مؤخر، فنسيتها الفاء عاطفة ونسيتها فعل وفاعل ومفعول به، وكذلك نعت لمصدر محذوف واليوم ظرف متعلق بتنسى. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومن موصول مفعول به وجملة أسرف صلة، ولم يؤمن عطف على أسرف فهو داخل في حيز الصلة وبآيات متعلقان بيؤمن وربه مضاف إليه، ولعذاب: الواو حالية أو عاطفة واللام للابتداء وعذاب مبتدأ والآخرة مضاف إليه وأشد خبر وأبقى عطف على أشد. (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) الهمزة للاستفهام وهي داخلة على محذوف عطف عليه بالفاء وقد تقدم تقريره كثيرا وأعدناه الآن للتذكير والتقدير أغفلوا فلم يتبين لهم، وفاعل يهد المصدر المفهوم من أهلكنا أي أفلم يتبين لهم إهلاكنا ويحتمل أن يكون فاعل يهد ضميرا عائدا على الله تعالى أي يبين الله والأول أولى لأن يهدي معناه يتبين فهو لازم فالفاعل هو الجملة المنسبكة مصدرا لأهلكنا. وقد أنكر البصريون وقوع الجملة فاعلا وجوزه غيرهم قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم، قال النحاس: وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر باهلاكنا من أهلكناه وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى. ولهم متعلقان بيهد وكم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ومن القرون نعت لتمييزكم الخبرية أي كم قرن من القرون والمراد الأمة، وجملة يمشون في مساكنهم حال من مفعول أهلكنا أو من الضمير في لهم وفي مساكنهم متعلقان بيمشون والضمير يعود على المهلكين بفتح اللام يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار هلاكهم وفيها ما يدعوا إلى العبرة والاتعاظ، وقد رمق أبو الطيب سماء هذا المعنى كما سيأتي في باب البلاغة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر، ولأولي صفة لآيات والنهى مضاف اليه وهي جمع نهية بمعنى العقل.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت من ربك صفة لكلمة ومن ربك متعلقان بسبقت، لكان اللام واقعة في جواب لولا وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإهلاك ولزاما خبرها، وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى لكان الإهلاك لازما لهم ويجوز كما يرى الزمخشري وأبو البقاء أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في «كان» أي لكان الإهلاك العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ومن العجيب ان معظم المفسرين كالجلال والبيضاوي وغيرهما جروا على هذا الوجه رغم ما فيه من تكلف وقالوا: ان الفصل بالخبر قام مقام التأكيد لأنه كان من حق العطف أن يؤكد الضمير المستتر في كان بالضمير المنفصل فكان يقال هو لزاما وأجل مسمى ولا داعي لكل هذا التكلف وعطفه على كلمة أسهل وأسرع في تأدية المعنى المراد. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس باهمال بل امهال وهو واقع بهم وآت عليهم فاصبر. واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة وسبح عطف على اصبر وبحمد ربك في موضع نصب على الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه وسيأتي المراد بالصبر في باب الفوائد. وقبل متعلق بسبح وطلوع الشمس مضاف وقبل غروبها عطف على قبل طلوع الشمس. (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) الجار والمجرور متعلقان بسبح والفاء هي الفصيحة أيضا وسبح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأطراف النهار نصب عطفا على محل «ومن آناء» المنصوب ويجوز عطفه على قبل طلوع الشمس ولعل حرف ترج ونصب والكاف اسمها وجملة ترضى خبرها ومتعلق نرضى محذوف مفهوم من السياق أي بما تعطاه من الثواب وجملة لعلك ترضى حالية من فاعل سبح أي صل حال كونك راجيا في أن الله تعالى يرضيك بما يعطيكه من الثواب. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهو في محل جزم بلا وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وعينيك مفعول به والى ما متعلقان بتمدن وجملة متعنا صلة وبه متعلقان بمتعنا والهاء هي العائد وأزواجا مفعول متعنا أي أصنافا منهم ومنهم صفة ويجوز أن يعرب نصبا على الحال من هاء الضمير فيكون منهم متعلقا بمتعنا وزهرة الحياة الدنيا توسع المعربون في اعرابها فأوصلوا أوجه نصبها إلى تسعة وقد محصناها فرأيناها كلها سائغة ولهذا نعرضها كما ذكروها لنتوصل إلى الترجيح:
1- أن تكون مفعولا ثانيا إذا أعربنا أزواجا هو المفعول الاول لأن معنى متعنا أعطينا.
2- أن تكون منصوبة على الحال من ما الموصولة.
3- أن تكون منصوبة على البدلية من أزواجا على المبالغة كأنهم نفس الزهرة.
4- أن تكون منصوبة بفعل مضمر دل عليه متّعنا تقديره جعلنا لهم زهرة.
5- أن تكون منصوبة على الذم أي أذم زهرة الحياة الدنيا.
6- أن تكون منصوبة على الاختصاص.
7- أن تكون منصوبة على البدلية من محل «به» .
8- أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في «به» .
9- أن تكون منصوبة على التمييز ل «ما» أو للهاء في «به» .
ومن تمحيص هذه الوجوه ومراعاة جانب السهولة يتبين أن نصب زهرة يترجح في نصبها على الذم أو المفعولية على تضمين متعنا معنى أعطينا وبهما بدأ الزمخشري وغيره.
ولنفتنهم اللام للتعليل ونفتنهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمتعناهم والهاء مفعول به وفيه متعلقان بنفتنهم. (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) الواو للحال ورزق ربك مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير. (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) وأمر الواو استئنافية أو عاطفة وأمر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأهلك مفعول به وبالصلاة متعلقان بفعل الأمر واصطبر فعل أمر وفاعله مستتر وتقديره أنت وعليها متعلقان باصطبر وجملة لا نسألك استئنافية ونسألك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به ثان. (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) نحن مبتدأ وجملة نرزقك خبر والعاقبة مبتدأ وللتقوى خبر وهاتان الجملتان مستأنفتان أيضا. (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) لولا حرف تحضيض أي هلا ويأتينا فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبآية متعلقان بيأتينا ومن ربه متعلقان بمحذوف صفة لآية، اقترحوا جريا على دينهم المعروف وعادتهم في التعنت واللجاج، أولم الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق والتقدير ألم تأتهم البينات تترى ولم تأتهم بصورة خاصة بينة ما في الصحف الأولى، وبينة فاعل لتأتهم وما موصول مضاف لبينة وفي الصحف متعلقان بمحذوف صلة الموصول والأولى صفة للصحف وفيها ما يكفي المنصف أما المكابر المتعنت فهيهات أن يقنعه شيء. (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) تقدم اعراب مثل هذا التركيب أي لو ثبت إهلاكنا، فأنا وما بعدها فاعل لفعل محذوف والجملة مستأنفة سيقت لدعيم ما تقرر من تعنتهم وصلفهم ومجادلتهم وبعذاب متعلقان بأهلكناهم ومن قبله صفة لعذاب. لقالوا: جواب لو والجملة لا محل لها وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولولا حرف تحضيض وأرسلت فعل وفاعل وإلينا متعلقان بأرسلت ورسولا مفعول به والجملة مقول القول. (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) فنتبع الفاء هي السببية وتنبع منصوب بأن مضمرة في جواب التحضيض والفاعل مستتر تقديره نحن وآياتك مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم ومن قبل متعلقان بنتبع وان وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لقبل ونخزى عطف على نذل. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) كل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومتربص خبر والجملة مقول القول والفاء الفصيحة وتربصوا فعل أمر، فستعلمون الفاء استئنافية والسين حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ومن اسم استفهامية مبتدأ وأصحاب الصراط السوي خبر ومن اهتدى عطف على من أصحاب والجملة من أصحاب مفعول تعلمون المعلقة عن العمل ويجوز أن تكون من موصولة مفعول تعلمون وأصحاب الصراط خبر لمبتدأ محذوف أي هم أصحاب.
البلاغة:
1- المجاز المرسل فقد ذكر القرون وأراد الأمم التي تعيش عبرها والاعتبار بآثار الأمم البائدة، والقرون الخالية، كان مثارا لأخيلة الشعراء وخاصة في مقام الرثاء وأبرع من سما بخياله إلى هذا المعنى أبو الطيب المتنبي والبحتري فنكتفي بهما وسنورد أبياتا مختارة من قصيدتين لهما.
يقول عبد الله بن المعتز الشاعر العباسي الخليفة: «لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته في ايوان كسرى وقصيدته في وصف بركة المتوكل لكان أشعر الناس» فقد زار البحتري بعد أن سئم الحياة في بغداد بعد مقتل المتوكل على الله المدائن وهي مدينة يقع فيها ايوان كسرى وقد أبدع في وصف الايوان إبداعا فريدا زاده روعة أنه من شعراء العرب أول من وصف الآثار القديمة الخالدة واستوحاها وصب عليها من روحه وهذه مختارات منها:
صنت نفسي عما يدنّس نفسي ... وترفعت عن جدا كلّ جبس
وتماسكت حيث زعزعني الده ... ر التماسا منه لتعسي ونكسي
حضرت رحلي الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في فقار من البسابس ملس
فكأن الجرماز من عدم الأن ... س وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس فإذا ما رأيت صورة انطا ... كية ارتعت بين روم
وفرس والمنايا مواثل وانوشر ... ... ... وان يزجي الصفوف تحت ال
درفس في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة
ورس عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزي رباعهم وال
تأسي فلها ان أعينها بدموع ... موفقات على الصبابة حبس
ولا يتسع المجال لا يراد القصيدة بكاملها، فهي نموذج حي معبر من أدبنا العربي، كما لا يتسع المجال لدراستها فنكتفي بإيراد بعض الملاحظات السريعة عليها:
1- تشعر حين تقرأ السينية بروعة موسيقاها الناتجة عن خفة الجر وجماله (الخفيف) وتلاؤمه مع العواطف والمعاني والألفاظ والروي المهموس وهو السين وترداد الحروف المهموسة كالسين والصاد والتاء.
2- تشعر بتأثر الشاعر بالعظمة حين قدم لوصف الايوان ثم ما تعتم أن تأسى وتحزن حين تقرأ أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس وهذا التجاوب النفسي بين ما يصفه الشاعر وبين ما يصف ميزة فنية بحتة.
3- تشعر أن الشاعر يعجب بكل ما هو عظيم في الدنيا ولو كان من غير قومه فنراه هنا معجبا بالفرس فبكاهم أصدق بكاء ورثاهم أحر رثاء وهكذا الفن يسمو ليستحيل انسانية صرفا.
4- وأخيرا تعجب من أن الشاعر يطرق في الأدب العربي فنا جديدا لم يطرقه أحد من قبله وهو رثاء الممالك الزائلة والآثار الباقية، ولم يشر إليه قبل القرآن أحد فيقول الله تعالى «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» .
وننتقل إلى عينية أبي الطيب المتنبي وهي القصيدة التي رثى بها أبا شجاع فاتك وفيها تحدث عن شعور الإنسان حيال الآثار المتخلفة عن أصحابها فقال منها:
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه؟ ما المصرع تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
ويظهر أن أبا الطيب كان يحب القائد فاتكا أبا شجاع حبا خالصا قائما على الاعجاب فهو يرثيه بقصيدتين يجعل منهما وسيلة إلى الإبانة عما في نفسه من هموم ومحن وترى من خلالهما بعض النظرات الفلسفية فهو كما ترى يرى الحياة لا تصفو إلا للجاهل أو الغافل أما الشجاع الأبي فقلما تخطئه سهامها ونراه هنا معاني مظلمة قاتمة في نفسه حتى ليكاد يلقي سلاحه أمام عوادي الزمان لولا بقية من قوة يستمسك بها:
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع
والناس أنزل في مكانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
2- وفي قوله: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... » الآية فن المناسبة وهي على ضربين معنوية ولفظية والمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ فالآية موعظتها سمعية فختمها بأشد مناسبة معنوية بقوله «أَفَلا يَسْمَعُونَ» وقال في الآية التي موعظتها مرئية وهي آية السجدة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ» فقد ختمها بقوله:
«أَفَلا يُبْصِرُونَ» لأن ذلك مما يتبين بالرؤية وما فوق هذه المناسبة مناسبة. ومن بديع ما ورد فيها شعرا قول القاضي الفاضل:
وبدر بأفلاك الخواطر طالع ... وغصن بريحان الغدار وريق لئن بت في بحر من الفكر سابحا ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فالمناسبة في الشطر الاول في البدر والافلاك والطلوع وفي الشطر الثاني بين الغصن والريحان ووريق وفي الثالث بين البحر وسابحا وفي الرابع بين إنسان العين والدموع وغريق ففي كل شطر من البيتين مناسبات عديدة، وأما المناسبة اللفظية فهي دون رتبة المعنوية وهي الإتيان بكلمات متزنات وهي أيضا على ضربين: تامة وغير تامة فالتامة تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة فمن شواهد التامة من القرآن العظيم قوله تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» ومن الشعر قول ابن هانئ الاندلسي:
وعوابس وقوابس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل
ومن غير التامة قول ابن خلوف المغربي:
كالورد خدا والغزالة بهجة ... والغصن قدا والغزال مقلدا
وقد اجتمعت التامة والناقصة في قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الحظ إلا أن تلك ذوابل فبين قنا ومها مناسبة لفظية تامة وبين الوحش والحظ وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة.
الفوائد:
النسخ في القرآن:
في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» مبحث هام جدير بالتأمل وهو أن معظم المفسرين درجوا على القول إن هذه الآية منسوخة بآية القتال والصواب انها ليست منسوخة بل هي أمر بالصبر المحمود على كل حال وهو عدم الاضطراب ومساورة الجزع لما يقولون ولما يصدر عنهم من الأذية وليس فيها أية اشارة أو تلميح إلى عدم القتال حتى يكون الأمر بالقتال ناسخا لها.
وموضوع النسخ في القرآن الكريم من الموضوعات الشائكة الصعبة، والاختلاف حوله كثير وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين انهم كانوا يستعملون النسخ بإزالة المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء لا بإزاء مصطلح الأصوليين فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى إما بانتهاء مدة العمل أو بصر الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا أو تخصيص عام أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس ظاهرا عليه أو ازالة عادة الجاهلية أو الشريعة السابقة فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك واتسعت دائرة الاختلاف.
أما المنسوخ باصطلاح المتأخرين فهو قليل جدا وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في الإتقان بتقرير مبسوط، كما ينبغي، بعض ما ذكره العلماء ثم حرر المنسوخ الذي فيه رأي المتأخرين على وفق الامام الحافظ القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الاندلسي فعنده قريبا من عشرين آية، وأتى في العصر الحديث الشيخ الامام محمد عبده فأنكر النسخ في القرآن وقال ان كل ما زعموا انه منسوخ يمكن تأويله كما رأيت في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» وهو ظاهر في هذه الآية يطيح بالقول القديم ان الآيات المنسوخة تبلغ حوالي خمسمائة آية وهو قول ظاهر البطلان بالبداهة.
طه 20:135
اللغة:
(ضَنْكاً) : بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة ولهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة على حد القاعدة التي ذكرها صاحب الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد أو التذكيرا
وفي القاموس: «الضنك الضيق في كل شيء للذكر والأنثى يقال ضنك ككرم ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق» وقرئ ضنكى على فعلى.
(يَهْدِ لَهُمْ) : أي يهتدي لهم فهو لازم ومعناه يتبين.
(آناءِ اللَّيْلِ) : جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى بكسر الميم.
وفي المختار: آناء الليل ساعاته، قال الأخفش واحدها إنى مثل معى وقيل واحدها أني وأنو، يقال مضى من الليل أنوان وانيان.
(مُتَرَبِّصٌ) : منتظر ما يئول اليه الأمر.
الإعراب:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) الواو عاطفة على جواب الشرط المتقدم وهو «فمن اتبع هداي» ومن اسم شرط جازم مبتدأ وأعرض فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وعن ذكري متعلقان بأعرض، فإن الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ومعيشة اسمها المؤخر وضنكا صفة والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) ونحشره الواو استئنافية ونحشر فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق بنحشره وأعمى حال من الهاء في نحشره وقد قرئ بالجزم عطفا على محل «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» .
(قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولم اللام حرف جر وما الاستفهامية في محل جر باللام وقد حذفت ألف ما الاستفهامية كما هي القاعدة والجار والمجرور متعلقان بحشرتني، وحشرتني فعل وفاعل ومفعول به وأعمى حال والواو للحال وقد حرف تحقيق وكنت: كان واسمها وبصيرا خبر كنت.
(قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) كذلك نعت لمصدر محذوف أي حشرا مثل ذلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وأتتك آياتي فعل وو مفعول به مقدم وفاعل مؤخر، فنسيتها الفاء عاطفة ونسيتها فعل وفاعل ومفعول به، وكذلك نعت لمصدر محذوف واليوم ظرف متعلق بتنسى. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومن موصول مفعول به وجملة أسرف صلة، ولم يؤمن عطف على أسرف فهو داخل في حيز الصلة وبآيات متعلقان بيؤمن وربه مضاف إليه، ولعذاب: الواو حالية أو عاطفة واللام للابتداء وعذاب مبتدأ والآخرة مضاف إليه وأشد خبر وأبقى عطف على أشد. (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) الهمزة للاستفهام وهي داخلة على محذوف عطف عليه بالفاء وقد تقدم تقريره كثيرا وأعدناه الآن للتذكير والتقدير أغفلوا فلم يتبين لهم، وفاعل يهد المصدر المفهوم من أهلكنا أي أفلم يتبين لهم إهلاكنا ويحتمل أن يكون فاعل يهد ضميرا عائدا على الله تعالى أي يبين الله والأول أولى لأن يهدي معناه يتبين فهو لازم فالفاعل هو الجملة المنسبكة مصدرا لأهلكنا. وقد أنكر البصريون وقوع الجملة فاعلا وجوزه غيرهم قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم، قال النحاس: وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر باهلاكنا من أهلكناه وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى. ولهم متعلقان بيهد وكم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ومن القرون نعت لتمييزكم الخبرية أي كم قرن من القرون والمراد الأمة، وجملة يمشون في مساكنهم حال من مفعول أهلكنا أو من الضمير في لهم وفي مساكنهم متعلقان بيمشون والضمير يعود على المهلكين بفتح اللام يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار هلاكهم وفيها ما يدعوا إلى العبرة والاتعاظ، وقد رمق أبو الطيب سماء هذا المعنى كما سيأتي في باب البلاغة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر، ولأولي صفة لآيات والنهى مضاف اليه وهي جمع نهية بمعنى العقل.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت من ربك صفة لكلمة ومن ربك متعلقان بسبقت، لكان اللام واقعة في جواب لولا وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإهلاك ولزاما خبرها، وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى لكان الإهلاك لازما لهم ويجوز كما يرى الزمخشري وأبو البقاء أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في «كان» أي لكان الإهلاك العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ومن العجيب ان معظم المفسرين كالجلال والبيضاوي وغيرهما جروا على هذا الوجه رغم ما فيه من تكلف وقالوا: ان الفصل بالخبر قام مقام التأكيد لأنه كان من حق العطف أن يؤكد الضمير المستتر في كان بالضمير المنفصل فكان يقال هو لزاما وأجل مسمى ولا داعي لكل هذا التكلف وعطفه على كلمة أسهل وأسرع في تأدية المعنى المراد. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس باهمال بل امهال وهو واقع بهم وآت عليهم فاصبر. واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة وسبح عطف على اصبر وبحمد ربك في موضع نصب على الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه وسيأتي المراد بالصبر في باب الفوائد. وقبل متعلق بسبح وطلوع الشمس مضاف وقبل غروبها عطف على قبل طلوع الشمس. (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) الجار والمجرور متعلقان بسبح والفاء هي الفصيحة أيضا وسبح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأطراف النهار نصب عطفا على محل «ومن آناء» المنصوب ويجوز عطفه على قبل طلوع الشمس ولعل حرف ترج ونصب والكاف اسمها وجملة ترضى خبرها ومتعلق نرضى محذوف مفهوم من السياق أي بما تعطاه من الثواب وجملة لعلك ترضى حالية من فاعل سبح أي صل حال كونك راجيا في أن الله تعالى يرضيك بما يعطيكه من الثواب. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهو في محل جزم بلا وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وعينيك مفعول به والى ما متعلقان بتمدن وجملة متعنا صلة وبه متعلقان بمتعنا والهاء هي العائد وأزواجا مفعول متعنا أي أصنافا منهم ومنهم صفة ويجوز أن يعرب نصبا على الحال من هاء الضمير فيكون منهم متعلقا بمتعنا وزهرة الحياة الدنيا توسع المعربون في اعرابها فأوصلوا أوجه نصبها إلى تسعة وقد محصناها فرأيناها كلها سائغة ولهذا نعرضها كما ذكروها لنتوصل إلى الترجيح:
1- أن تكون مفعولا ثانيا إذا أعربنا أزواجا هو المفعول الاول لأن معنى متعنا أعطينا.
2- أن تكون منصوبة على الحال من ما الموصولة.
3- أن تكون منصوبة على البدلية من أزواجا على المبالغة كأنهم نفس الزهرة.
4- أن تكون منصوبة بفعل مضمر دل عليه متّعنا تقديره جعلنا لهم زهرة.
5- أن تكون منصوبة على الذم أي أذم زهرة الحياة الدنيا.
6- أن تكون منصوبة على الاختصاص.
7- أن تكون منصوبة على البدلية من محل «به» .
8- أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في «به» .
9- أن تكون منصوبة على التمييز ل «ما» أو للهاء في «به» .
ومن تمحيص هذه الوجوه ومراعاة جانب السهولة يتبين أن نصب زهرة يترجح في نصبها على الذم أو المفعولية على تضمين متعنا معنى أعطينا وبهما بدأ الزمخشري وغيره.
ولنفتنهم اللام للتعليل ونفتنهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمتعناهم والهاء مفعول به وفيه متعلقان بنفتنهم. (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) الواو للحال ورزق ربك مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير. (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) وأمر الواو استئنافية أو عاطفة وأمر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأهلك مفعول به وبالصلاة متعلقان بفعل الأمر واصطبر فعل أمر وفاعله مستتر وتقديره أنت وعليها متعلقان باصطبر وجملة لا نسألك استئنافية ونسألك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به ثان. (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) نحن مبتدأ وجملة نرزقك خبر والعاقبة مبتدأ وللتقوى خبر وهاتان الجملتان مستأنفتان أيضا. (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) لولا حرف تحضيض أي هلا ويأتينا فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبآية متعلقان بيأتينا ومن ربه متعلقان بمحذوف صفة لآية، اقترحوا جريا على دينهم المعروف وعادتهم في التعنت واللجاج، أولم الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق والتقدير ألم تأتهم البينات تترى ولم تأتهم بصورة خاصة بينة ما في الصحف الأولى، وبينة فاعل لتأتهم وما موصول مضاف لبينة وفي الصحف متعلقان بمحذوف صلة الموصول والأولى صفة للصحف وفيها ما يكفي المنصف أما المكابر المتعنت فهيهات أن يقنعه شيء. (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) تقدم اعراب مثل هذا التركيب أي لو ثبت إهلاكنا، فأنا وما بعدها فاعل لفعل محذوف والجملة مستأنفة سيقت لدعيم ما تقرر من تعنتهم وصلفهم ومجادلتهم وبعذاب متعلقان بأهلكناهم ومن قبله صفة لعذاب. لقالوا: جواب لو والجملة لا محل لها وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولولا حرف تحضيض وأرسلت فعل وفاعل وإلينا متعلقان بأرسلت ورسولا مفعول به والجملة مقول القول. (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) فنتبع الفاء هي السببية وتنبع منصوب بأن مضمرة في جواب التحضيض والفاعل مستتر تقديره نحن وآياتك مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم ومن قبل متعلقان بنتبع وان وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لقبل ونخزى عطف على نذل. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) كل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومتربص خبر والجملة مقول القول والفاء الفصيحة وتربصوا فعل أمر، فستعلمون الفاء استئنافية والسين حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ومن اسم استفهامية مبتدأ وأصحاب الصراط السوي خبر ومن اهتدى عطف على من أصحاب والجملة من أصحاب مفعول تعلمون المعلقة عن العمل ويجوز أن تكون من موصولة مفعول تعلمون وأصحاب الصراط خبر لمبتدأ محذوف أي هم أصحاب.
البلاغة:
1- المجاز المرسل فقد ذكر القرون وأراد الأمم التي تعيش عبرها والاعتبار بآثار الأمم البائدة، والقرون الخالية، كان مثارا لأخيلة الشعراء وخاصة في مقام الرثاء وأبرع من سما بخياله إلى هذا المعنى أبو الطيب المتنبي والبحتري فنكتفي بهما وسنورد أبياتا مختارة من قصيدتين لهما.
يقول عبد الله بن المعتز الشاعر العباسي الخليفة: «لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته في ايوان كسرى وقصيدته في وصف بركة المتوكل لكان أشعر الناس» فقد زار البحتري بعد أن سئم الحياة في بغداد بعد مقتل المتوكل على الله المدائن وهي مدينة يقع فيها ايوان كسرى وقد أبدع في وصف الايوان إبداعا فريدا زاده روعة أنه من شعراء العرب أول من وصف الآثار القديمة الخالدة واستوحاها وصب عليها من روحه وهذه مختارات منها:
صنت نفسي عما يدنّس نفسي ... وترفعت عن جدا كلّ جبس
وتماسكت حيث زعزعني الده ... ر التماسا منه لتعسي ونكسي
حضرت رحلي الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في فقار من البسابس ملس
فكأن الجرماز من عدم الأن ... س وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس فإذا ما رأيت صورة انطا ... كية ارتعت بين روم
وفرس والمنايا مواثل وانوشر ... ... ... وان يزجي الصفوف تحت ال
درفس في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة
ورس عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزي رباعهم وال
تأسي فلها ان أعينها بدموع ... موفقات على الصبابة حبس
ولا يتسع المجال لا يراد القصيدة بكاملها، فهي نموذج حي معبر من أدبنا العربي، كما لا يتسع المجال لدراستها فنكتفي بإيراد بعض الملاحظات السريعة عليها:
1- تشعر حين تقرأ السينية بروعة موسيقاها الناتجة عن خفة الجر وجماله (الخفيف) وتلاؤمه مع العواطف والمعاني والألفاظ والروي المهموس وهو السين وترداد الحروف المهموسة كالسين والصاد والتاء.
2- تشعر بتأثر الشاعر بالعظمة حين قدم لوصف الايوان ثم ما تعتم أن تأسى وتحزن حين تقرأ أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس وهذا التجاوب النفسي بين ما يصفه الشاعر وبين ما يصف ميزة فنية بحتة.
3- تشعر أن الشاعر يعجب بكل ما هو عظيم في الدنيا ولو كان من غير قومه فنراه هنا معجبا بالفرس فبكاهم أصدق بكاء ورثاهم أحر رثاء وهكذا الفن يسمو ليستحيل انسانية صرفا.
4- وأخيرا تعجب من أن الشاعر يطرق في الأدب العربي فنا جديدا لم يطرقه أحد من قبله وهو رثاء الممالك الزائلة والآثار الباقية، ولم يشر إليه قبل القرآن أحد فيقول الله تعالى «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» .
وننتقل إلى عينية أبي الطيب المتنبي وهي القصيدة التي رثى بها أبا شجاع فاتك وفيها تحدث عن شعور الإنسان حيال الآثار المتخلفة عن أصحابها فقال منها:
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه؟ ما المصرع تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
ويظهر أن أبا الطيب كان يحب القائد فاتكا أبا شجاع حبا خالصا قائما على الاعجاب فهو يرثيه بقصيدتين يجعل منهما وسيلة إلى الإبانة عما في نفسه من هموم ومحن وترى من خلالهما بعض النظرات الفلسفية فهو كما ترى يرى الحياة لا تصفو إلا للجاهل أو الغافل أما الشجاع الأبي فقلما تخطئه سهامها ونراه هنا معاني مظلمة قاتمة في نفسه حتى ليكاد يلقي سلاحه أمام عوادي الزمان لولا بقية من قوة يستمسك بها:
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع
والناس أنزل في مكانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
2- وفي قوله: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... » الآية فن المناسبة وهي على ضربين معنوية ولفظية والمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ فالآية موعظتها سمعية فختمها بأشد مناسبة معنوية بقوله «أَفَلا يَسْمَعُونَ» وقال في الآية التي موعظتها مرئية وهي آية السجدة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ» فقد ختمها بقوله:
«أَفَلا يُبْصِرُونَ» لأن ذلك مما يتبين بالرؤية وما فوق هذه المناسبة مناسبة. ومن بديع ما ورد فيها شعرا قول القاضي الفاضل:
وبدر بأفلاك الخواطر طالع ... وغصن بريحان الغدار وريق لئن بت في بحر من الفكر سابحا ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فالمناسبة في الشطر الاول في البدر والافلاك والطلوع وفي الشطر الثاني بين الغصن والريحان ووريق وفي الثالث بين البحر وسابحا وفي الرابع بين إنسان العين والدموع وغريق ففي كل شطر من البيتين مناسبات عديدة، وأما المناسبة اللفظية فهي دون رتبة المعنوية وهي الإتيان بكلمات متزنات وهي أيضا على ضربين: تامة وغير تامة فالتامة تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة فمن شواهد التامة من القرآن العظيم قوله تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» ومن الشعر قول ابن هانئ الاندلسي:
وعوابس وقوابس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل
ومن غير التامة قول ابن خلوف المغربي:
كالورد خدا والغزالة بهجة ... والغصن قدا والغزال مقلدا
وقد اجتمعت التامة والناقصة في قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الحظ إلا أن تلك ذوابل فبين قنا ومها مناسبة لفظية تامة وبين الوحش والحظ وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة.
الفوائد:
النسخ في القرآن:
في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» مبحث هام جدير بالتأمل وهو أن معظم المفسرين درجوا على القول إن هذه الآية منسوخة بآية القتال والصواب انها ليست منسوخة بل هي أمر بالصبر المحمود على كل حال وهو عدم الاضطراب ومساورة الجزع لما يقولون ولما يصدر عنهم من الأذية وليس فيها أية اشارة أو تلميح إلى عدم القتال حتى يكون الأمر بالقتال ناسخا لها.
وموضوع النسخ في القرآن الكريم من الموضوعات الشائكة الصعبة، والاختلاف حوله كثير وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين انهم كانوا يستعملون النسخ بإزالة المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء لا بإزاء مصطلح الأصوليين فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى إما بانتهاء مدة العمل أو بصر الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا أو تخصيص عام أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس ظاهرا عليه أو ازالة عادة الجاهلية أو الشريعة السابقة فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك واتسعت دائرة الاختلاف.
أما المنسوخ باصطلاح المتأخرين فهو قليل جدا وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في الإتقان بتقرير مبسوط، كما ينبغي، بعض ما ذكره العلماء ثم حرر المنسوخ الذي فيه رأي المتأخرين على وفق الامام الحافظ القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الاندلسي فعنده قريبا من عشرين آية، وأتى في العصر الحديث الشيخ الامام محمد عبده فأنكر النسخ في القرآن وقال ان كل ما زعموا انه منسوخ يمكن تأويله كما رأيت في قوله تعالى «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» وهو ظاهر في هذه الآية يطيح بالقول القديم ان الآيات المنسوخة تبلغ حوالي خمسمائة آية وهو قول ظاهر البطلان بالبداهة.