I'rab Al Quran li Al Darwish — الأنبياء 21:1 – الأنبياء 21:58
المحتويات
- الأنبياء 21:1
- الأنبياء 21:2
- الأنبياء 21:3
- الأنبياء 21:4
- الأنبياء 21:5
- الأنبياء 21:6
- الأنبياء 21:7
- الأنبياء 21:8
- الأنبياء 21:9
- الأنبياء 21:10
- الأنبياء 21:11
- الأنبياء 21:12
- الأنبياء 21:13
- الأنبياء 21:14
- الأنبياء 21:15
- الأنبياء 21:16
- الأنبياء 21:17
- الأنبياء 21:18
- الأنبياء 21:19
- الأنبياء 21:20
- الأنبياء 21:21
- الأنبياء 21:22
- الأنبياء 21:23
- الأنبياء 21:24
- الأنبياء 21:25
- الأنبياء 21:26
- الأنبياء 21:27
- الأنبياء 21:28
- الأنبياء 21:29
- الأنبياء 21:30
- الأنبياء 21:31
- الأنبياء 21:32
- الأنبياء 21:33
- الأنبياء 21:34
- الأنبياء 21:35
- الأنبياء 21:36
- الأنبياء 21:37
- الأنبياء 21:38
- الأنبياء 21:39
- الأنبياء 21:40
- الأنبياء 21:41
- الأنبياء 21:42
- الأنبياء 21:43
- الأنبياء 21:44
- الأنبياء 21:45
- الأنبياء 21:46
- الأنبياء 21:47
- الأنبياء 21:48
- الأنبياء 21:49
- الأنبياء 21:50
- الأنبياء 21:51
- الأنبياء 21:52
- الأنبياء 21:53
- الأنبياء 21:54
- الأنبياء 21:55
- الأنبياء 21:56
- الأنبياء 21:57
- الأنبياء 21:58
الأنبياء 21:1
اللغة:
(النَّجْوَى) : الكلام السرّ وهي اسم من التناجي ولا تكون إلا خفية، وفي القاموس: «وهو وصف بالمصدر يستوفى فيه المفرد والجمع يقال: هم نجوى» .
(أَضْغاثُ أَحْلامٍ) : أخلاط رآها في النوم وقد تقدم بحثها.
الإعراب:
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) اقترب فعل ماض مبني على الفتح وللناس متعلقان باقترب ويجوز أن تكون تأكيدا لإضافة الحساب إليهم كقولك أزف للحي رحيلهم. والأصل أزف رحيل الحي ثم أزف للحي الرحيل ثم أزف للحي رحيلهم، وحسابهم فاعل اقترب لأن كل آت قريب مهما يطل الأمد والواو للحال وهم مبتدأ وفي غفلة خبر ومعرضون خبر ثان. (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) الجملة تعليل للجملة السابقة فلا محل لها وما نافية ويأتيهم فعل مضارع والهاء مفعول به ومن حرف جر زائد لسبقه بالنفي وذكر مجرور لفظا مرفوع محلا على الفاعلية ومن ربهم صفة لذكر ومحدث صفة ثانية ويجوز تعليق من ربهم بيأتيهم أو بمحذوف حال من ذكر لأنه وصف بمحدث وإلا أداة حصر لأن الاستثناء مفرغ وجملة استمعوه في محل نصب على الحال من مفعول يأتيهم وقد مقدرة وهم الواو حالية وهم مبتدأ وجملة يلعبون خبر هم والجملة نصب على الحال من فاعل استمعوه، هذا وقد استدل بوصف الذكر بكونه محدثا على أن القرآن محدث لأن الذكر هنا هو القرآن وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول فالمعنى محدث تنزيله وإنما النزاع في الكلام النفسي.
(لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) لاهية حال من فاعل يلعبون أيضا فتكون حالا متداخلة ويجوز أن تكون حالا من فاعل استمعوه فتكون الحالان مترادفتين لأن الحال يجوز تعددها وقلوبهم فاعل لاهية وأسروا فعل وفاعل والنجوى مفعول به والذين بدل من واو وأسروا النجوى إشعارا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش الذي جاءوا به وسيأتي المزيد من إعراب هذه الكلمة في باب الفوائد، وجملة ظلموا صلة وهل حرف استفهام وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وبشر خبر. ومثلكم صفة والجملة الاستفهامية في محل نصب بدل من النجوى لأنها بمثابة التفسير لها وأجاز الزمخشري أن تكون في محل نصب مقول قول محذوف ويجوز أن تكون في محل نصب محكية للنجوى لأنها في معنى القول، ولا أرى مانعا من أتكون جملة لا محل لها لأنها مفسرة. (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) وهذه الجملة تنطبق عليها الأوجه المتقدمة والهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على مقدر وتأتون السحر فعل مضارع وفاعل ومفعول به والواو للحال وأنتم مبتدأ وجملة تبصرون خبر وجملة وأنتم تبصرون حالية من فاعل تأتون مقررة للانكار. (قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ربي مبتدأ وجملة يعلم القول خبر والجملة مقول القول وفي السماء والأرض متعلقان بمحذوف حال من القول أو بيعلم وهو الواو عاطفة وهو مبتدأ والسميع العليم خبران لهو وحذف متعلقهما للعلم به أي السميع لما أسروه والعليم به.
(بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ) أضربوا عن قولهم هو سحر فقالوا هو أضغاث أحلام فأضغاث أحلام خبر لمبتدأ محذوف والجملة في محل نصب مقول قالوا بل افتراه ثم أضربوا عن ذلك فقالوا اختلقه فافتراه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ثم أضربوا أيضا فقالوا هو شاعر مبتدأ وخبر. (فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر كأنه قيل وإن لم يكن كما قلنا فليأتنا واللام لام الأمر ويأت فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره هو ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به كما يجوز في الكاف أن تكون نعتا لآية أي كائنة مثل الآية التي أرسل بها الأولون وعندئذ فما موصولة ويجوز أن تكون نعتا لمصدر محذوف وما مصدرية أي فليأتنا بآية اتيانا كائنا مثل إرسال الأولين.
الفوائد:
قوله تعالى «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» قال أبو البقاء:
«الذين ظلموا في موضعه ثلاثة أوجه: أحدها: الرفع، وفيه أربعة أوجه:
آ- أن يكون بدلا من الواو في وأسروا.
ب- أن يكون فاعلا والواو حرف للجمع لا اسم.
ج- أن يكون مبتدأ والخبر هل هذا والتقدير يقولون: هل هذا؟
د- أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين ظلموا.
وثانيها: أن يكون منصوبا على إضمار أعني.
وثالثها: أن يكون مجرورا صفة للناس.
والمعروف أن الفعل يجب أن يبقى مع الفاعل بصيغة الواحد وان كان مثنى أو مجموعا قال ابن مالك:
وجرد الفعل إذا ما أسندا ... لاثنين أو جمع كفاز الشهدا
إلا على لغة ضعيفة لبعض العرب فيطابق فيها الفعل الفاعل، وحكى البصريون عن طيء وحكى بعضهم عن ازدشنوءة نحو ضربوني قومك وضربنني نسوتك وضرباني أخواك وفي الحديث «أو مخرجيّ هم» وقال عمرو بن ملقط الجاهلي:
ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه
فألفيتا بالبناء للمجهول فعل ماض وعيناك نائب الفاعل فألحق الفعل علامة التثنية مع اسناده إلى الظاهر ونائب الفاعل كالفاعل وعند ظرف بمعنى قرب متعلق بألفيتا وذا واقية حال من المضاف إليه وهو الكاف وواقية مصدر معناه الوقاية كالكاذبة مصدر معناه الكذب وأولى، فأولى لك دعاء أي قاربك ما يهلكك قال العيني: فإن قلت: ما موقع أولى من الاعراب؟ قلت: يجوز أن يكون في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره دعائي أولى لك، فأولى لك عطف على أولى الأول كرر للتأكيد وقال أبو البقاء في إعراب أولى لك فأولى فيه قولان أحدهما فعلى والألف فيه للإلحاق لا للتأنيث والثاني أفعل وهو على القولين هنا ولذلك لم ينون ويدل عليه ما حكى أبو زيد في النوادر وهي أولات بالتاء غير مصروف لأنه صار علما للوعيد فصار كرجل اسمه أحمد فعلى هذا يكون أولى مبتدأ ولك الخبر والثاني أن يكون اسما للفعل مبنيا ومعناه ويلك شر بعد شر ولك تبيين، وهذا البيت يصف به رجلا إذا اشتد الوطيس فهو يلتفت إلى ورائه مخافة أن يتبع فتلفى عيناه عند فقاه من شدة الالتفات، وقال أبو فراس:
تنج الربيع محاسنا ... ألقحنها غر السحائب
وأبو فراس من المولدين والغرض من كلامه التمثيل لا الاستشهاد.
وارتأى الشيخ مصطفى الغلاييني رأيا جميلا وسنورد نص كلامه: «وما ورد من ذلك من فصيح الكلام فيعرب الظاهر بدلا من المضمر وعليه قوله تعالى (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أو يعرب الظاهر مبتدأ والجملة قبله خبر مقدم، أو يعرب فاعلا لفعل محذوف فكأنه قيل بعد قوله وأسروا النجوى: من أسرها؟ فيقال أسرها الذين ظلموا وهو الحق وهذا لا يكون إلا حيث يستدعي المقام تقدير كلام استفهامي كما ترى في الآية الكريمة» ونحسب أن القول قد أشبع فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:2
اللغة:
(النَّجْوَى) : الكلام السرّ وهي اسم من التناجي ولا تكون إلا خفية، وفي القاموس: «وهو وصف بالمصدر يستوفى فيه المفرد والجمع يقال: هم نجوى» .
(أَضْغاثُ أَحْلامٍ) : أخلاط رآها في النوم وقد تقدم بحثها.
الإعراب:
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) اقترب فعل ماض مبني على الفتح وللناس متعلقان باقترب ويجوز أن تكون تأكيدا لإضافة الحساب إليهم كقولك أزف للحي رحيلهم. والأصل أزف رحيل الحي ثم أزف للحي الرحيل ثم أزف للحي رحيلهم، وحسابهم فاعل اقترب لأن كل آت قريب مهما يطل الأمد والواو للحال وهم مبتدأ وفي غفلة خبر ومعرضون خبر ثان. (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) الجملة تعليل للجملة السابقة فلا محل لها وما نافية ويأتيهم فعل مضارع والهاء مفعول به ومن حرف جر زائد لسبقه بالنفي وذكر مجرور لفظا مرفوع محلا على الفاعلية ومن ربهم صفة لذكر ومحدث صفة ثانية ويجوز تعليق من ربهم بيأتيهم أو بمحذوف حال من ذكر لأنه وصف بمحدث وإلا أداة حصر لأن الاستثناء مفرغ وجملة استمعوه في محل نصب على الحال من مفعول يأتيهم وقد مقدرة وهم الواو حالية وهم مبتدأ وجملة يلعبون خبر هم والجملة نصب على الحال من فاعل استمعوه، هذا وقد استدل بوصف الذكر بكونه محدثا على أن القرآن محدث لأن الذكر هنا هو القرآن وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول فالمعنى محدث تنزيله وإنما النزاع في الكلام النفسي.
(لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) لاهية حال من فاعل يلعبون أيضا فتكون حالا متداخلة ويجوز أن تكون حالا من فاعل استمعوه فتكون الحالان مترادفتين لأن الحال يجوز تعددها وقلوبهم فاعل لاهية وأسروا فعل وفاعل والنجوى مفعول به والذين بدل من واو وأسروا النجوى إشعارا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش الذي جاءوا به وسيأتي المزيد من إعراب هذه الكلمة في باب الفوائد، وجملة ظلموا صلة وهل حرف استفهام وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وبشر خبر. ومثلكم صفة والجملة الاستفهامية في محل نصب بدل من النجوى لأنها بمثابة التفسير لها وأجاز الزمخشري أن تكون في محل نصب مقول قول محذوف ويجوز أن تكون في محل نصب محكية للنجوى لأنها في معنى القول، ولا أرى مانعا من أتكون جملة لا محل لها لأنها مفسرة. (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) وهذه الجملة تنطبق عليها الأوجه المتقدمة والهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على مقدر وتأتون السحر فعل مضارع وفاعل ومفعول به والواو للحال وأنتم مبتدأ وجملة تبصرون خبر وجملة وأنتم تبصرون حالية من فاعل تأتون مقررة للانكار. (قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ربي مبتدأ وجملة يعلم القول خبر والجملة مقول القول وفي السماء والأرض متعلقان بمحذوف حال من القول أو بيعلم وهو الواو عاطفة وهو مبتدأ والسميع العليم خبران لهو وحذف متعلقهما للعلم به أي السميع لما أسروه والعليم به.
(بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ) أضربوا عن قولهم هو سحر فقالوا هو أضغاث أحلام فأضغاث أحلام خبر لمبتدأ محذوف والجملة في محل نصب مقول قالوا بل افتراه ثم أضربوا عن ذلك فقالوا اختلقه فافتراه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ثم أضربوا أيضا فقالوا هو شاعر مبتدأ وخبر. (فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر كأنه قيل وإن لم يكن كما قلنا فليأتنا واللام لام الأمر ويأت فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره هو ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به كما يجوز في الكاف أن تكون نعتا لآية أي كائنة مثل الآية التي أرسل بها الأولون وعندئذ فما موصولة ويجوز أن تكون نعتا لمصدر محذوف وما مصدرية أي فليأتنا بآية اتيانا كائنا مثل إرسال الأولين.
الفوائد:
قوله تعالى «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» قال أبو البقاء:
«الذين ظلموا في موضعه ثلاثة أوجه: أحدها: الرفع، وفيه أربعة أوجه:
آ- أن يكون بدلا من الواو في وأسروا.
ب- أن يكون فاعلا والواو حرف للجمع لا اسم.
ج- أن يكون مبتدأ والخبر هل هذا والتقدير يقولون: هل هذا؟
د- أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين ظلموا.
وثانيها: أن يكون منصوبا على إضمار أعني.
وثالثها: أن يكون مجرورا صفة للناس.
والمعروف أن الفعل يجب أن يبقى مع الفاعل بصيغة الواحد وان كان مثنى أو مجموعا قال ابن مالك:
وجرد الفعل إذا ما أسندا ... لاثنين أو جمع كفاز الشهدا
إلا على لغة ضعيفة لبعض العرب فيطابق فيها الفعل الفاعل، وحكى البصريون عن طيء وحكى بعضهم عن ازدشنوءة نحو ضربوني قومك وضربنني نسوتك وضرباني أخواك وفي الحديث «أو مخرجيّ هم» وقال عمرو بن ملقط الجاهلي:
ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه
فألفيتا بالبناء للمجهول فعل ماض وعيناك نائب الفاعل فألحق الفعل علامة التثنية مع اسناده إلى الظاهر ونائب الفاعل كالفاعل وعند ظرف بمعنى قرب متعلق بألفيتا وذا واقية حال من المضاف إليه وهو الكاف وواقية مصدر معناه الوقاية كالكاذبة مصدر معناه الكذب وأولى، فأولى لك دعاء أي قاربك ما يهلكك قال العيني: فإن قلت: ما موقع أولى من الاعراب؟ قلت: يجوز أن يكون في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره دعائي أولى لك، فأولى لك عطف على أولى الأول كرر للتأكيد وقال أبو البقاء في إعراب أولى لك فأولى فيه قولان أحدهما فعلى والألف فيه للإلحاق لا للتأنيث والثاني أفعل وهو على القولين هنا ولذلك لم ينون ويدل عليه ما حكى أبو زيد في النوادر وهي أولات بالتاء غير مصروف لأنه صار علما للوعيد فصار كرجل اسمه أحمد فعلى هذا يكون أولى مبتدأ ولك الخبر والثاني أن يكون اسما للفعل مبنيا ومعناه ويلك شر بعد شر ولك تبيين، وهذا البيت يصف به رجلا إذا اشتد الوطيس فهو يلتفت إلى ورائه مخافة أن يتبع فتلفى عيناه عند فقاه من شدة الالتفات، وقال أبو فراس:
تنج الربيع محاسنا ... ألقحنها غر السحائب
وأبو فراس من المولدين والغرض من كلامه التمثيل لا الاستشهاد.
وارتأى الشيخ مصطفى الغلاييني رأيا جميلا وسنورد نص كلامه: «وما ورد من ذلك من فصيح الكلام فيعرب الظاهر بدلا من المضمر وعليه قوله تعالى (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أو يعرب الظاهر مبتدأ والجملة قبله خبر مقدم، أو يعرب فاعلا لفعل محذوف فكأنه قيل بعد قوله وأسروا النجوى: من أسرها؟ فيقال أسرها الذين ظلموا وهو الحق وهذا لا يكون إلا حيث يستدعي المقام تقدير كلام استفهامي كما ترى في الآية الكريمة» ونحسب أن القول قد أشبع فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:3
اللغة:
(النَّجْوَى) : الكلام السرّ وهي اسم من التناجي ولا تكون إلا خفية، وفي القاموس: «وهو وصف بالمصدر يستوفى فيه المفرد والجمع يقال: هم نجوى» .
(أَضْغاثُ أَحْلامٍ) : أخلاط رآها في النوم وقد تقدم بحثها.
الإعراب:
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) اقترب فعل ماض مبني على الفتح وللناس متعلقان باقترب ويجوز أن تكون تأكيدا لإضافة الحساب إليهم كقولك أزف للحي رحيلهم. والأصل أزف رحيل الحي ثم أزف للحي الرحيل ثم أزف للحي رحيلهم، وحسابهم فاعل اقترب لأن كل آت قريب مهما يطل الأمد والواو للحال وهم مبتدأ وفي غفلة خبر ومعرضون خبر ثان. (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) الجملة تعليل للجملة السابقة فلا محل لها وما نافية ويأتيهم فعل مضارع والهاء مفعول به ومن حرف جر زائد لسبقه بالنفي وذكر مجرور لفظا مرفوع محلا على الفاعلية ومن ربهم صفة لذكر ومحدث صفة ثانية ويجوز تعليق من ربهم بيأتيهم أو بمحذوف حال من ذكر لأنه وصف بمحدث وإلا أداة حصر لأن الاستثناء مفرغ وجملة استمعوه في محل نصب على الحال من مفعول يأتيهم وقد مقدرة وهم الواو حالية وهم مبتدأ وجملة يلعبون خبر هم والجملة نصب على الحال من فاعل استمعوه، هذا وقد استدل بوصف الذكر بكونه محدثا على أن القرآن محدث لأن الذكر هنا هو القرآن وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول فالمعنى محدث تنزيله وإنما النزاع في الكلام النفسي.
(لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) لاهية حال من فاعل يلعبون أيضا فتكون حالا متداخلة ويجوز أن تكون حالا من فاعل استمعوه فتكون الحالان مترادفتين لأن الحال يجوز تعددها وقلوبهم فاعل لاهية وأسروا فعل وفاعل والنجوى مفعول به والذين بدل من واو وأسروا النجوى إشعارا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش الذي جاءوا به وسيأتي المزيد من إعراب هذه الكلمة في باب الفوائد، وجملة ظلموا صلة وهل حرف استفهام وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وبشر خبر. ومثلكم صفة والجملة الاستفهامية في محل نصب بدل من النجوى لأنها بمثابة التفسير لها وأجاز الزمخشري أن تكون في محل نصب مقول قول محذوف ويجوز أن تكون في محل نصب محكية للنجوى لأنها في معنى القول، ولا أرى مانعا من أتكون جملة لا محل لها لأنها مفسرة. (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) وهذه الجملة تنطبق عليها الأوجه المتقدمة والهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على مقدر وتأتون السحر فعل مضارع وفاعل ومفعول به والواو للحال وأنتم مبتدأ وجملة تبصرون خبر وجملة وأنتم تبصرون حالية من فاعل تأتون مقررة للانكار. (قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ربي مبتدأ وجملة يعلم القول خبر والجملة مقول القول وفي السماء والأرض متعلقان بمحذوف حال من القول أو بيعلم وهو الواو عاطفة وهو مبتدأ والسميع العليم خبران لهو وحذف متعلقهما للعلم به أي السميع لما أسروه والعليم به.
(بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ) أضربوا عن قولهم هو سحر فقالوا هو أضغاث أحلام فأضغاث أحلام خبر لمبتدأ محذوف والجملة في محل نصب مقول قالوا بل افتراه ثم أضربوا عن ذلك فقالوا اختلقه فافتراه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ثم أضربوا أيضا فقالوا هو شاعر مبتدأ وخبر. (فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر كأنه قيل وإن لم يكن كما قلنا فليأتنا واللام لام الأمر ويأت فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره هو ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به كما يجوز في الكاف أن تكون نعتا لآية أي كائنة مثل الآية التي أرسل بها الأولون وعندئذ فما موصولة ويجوز أن تكون نعتا لمصدر محذوف وما مصدرية أي فليأتنا بآية اتيانا كائنا مثل إرسال الأولين.
الفوائد:
قوله تعالى «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» قال أبو البقاء:
«الذين ظلموا في موضعه ثلاثة أوجه: أحدها: الرفع، وفيه أربعة أوجه:
آ- أن يكون بدلا من الواو في وأسروا.
ب- أن يكون فاعلا والواو حرف للجمع لا اسم.
ج- أن يكون مبتدأ والخبر هل هذا والتقدير يقولون: هل هذا؟
د- أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين ظلموا.
وثانيها: أن يكون منصوبا على إضمار أعني.
وثالثها: أن يكون مجرورا صفة للناس.
والمعروف أن الفعل يجب أن يبقى مع الفاعل بصيغة الواحد وان كان مثنى أو مجموعا قال ابن مالك:
وجرد الفعل إذا ما أسندا ... لاثنين أو جمع كفاز الشهدا
إلا على لغة ضعيفة لبعض العرب فيطابق فيها الفعل الفاعل، وحكى البصريون عن طيء وحكى بعضهم عن ازدشنوءة نحو ضربوني قومك وضربنني نسوتك وضرباني أخواك وفي الحديث «أو مخرجيّ هم» وقال عمرو بن ملقط الجاهلي:
ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه
فألفيتا بالبناء للمجهول فعل ماض وعيناك نائب الفاعل فألحق الفعل علامة التثنية مع اسناده إلى الظاهر ونائب الفاعل كالفاعل وعند ظرف بمعنى قرب متعلق بألفيتا وذا واقية حال من المضاف إليه وهو الكاف وواقية مصدر معناه الوقاية كالكاذبة مصدر معناه الكذب وأولى، فأولى لك دعاء أي قاربك ما يهلكك قال العيني: فإن قلت: ما موقع أولى من الاعراب؟ قلت: يجوز أن يكون في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره دعائي أولى لك، فأولى لك عطف على أولى الأول كرر للتأكيد وقال أبو البقاء في إعراب أولى لك فأولى فيه قولان أحدهما فعلى والألف فيه للإلحاق لا للتأنيث والثاني أفعل وهو على القولين هنا ولذلك لم ينون ويدل عليه ما حكى أبو زيد في النوادر وهي أولات بالتاء غير مصروف لأنه صار علما للوعيد فصار كرجل اسمه أحمد فعلى هذا يكون أولى مبتدأ ولك الخبر والثاني أن يكون اسما للفعل مبنيا ومعناه ويلك شر بعد شر ولك تبيين، وهذا البيت يصف به رجلا إذا اشتد الوطيس فهو يلتفت إلى ورائه مخافة أن يتبع فتلفى عيناه عند فقاه من شدة الالتفات، وقال أبو فراس:
تنج الربيع محاسنا ... ألقحنها غر السحائب
وأبو فراس من المولدين والغرض من كلامه التمثيل لا الاستشهاد.
وارتأى الشيخ مصطفى الغلاييني رأيا جميلا وسنورد نص كلامه: «وما ورد من ذلك من فصيح الكلام فيعرب الظاهر بدلا من المضمر وعليه قوله تعالى (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أو يعرب الظاهر مبتدأ والجملة قبله خبر مقدم، أو يعرب فاعلا لفعل محذوف فكأنه قيل بعد قوله وأسروا النجوى: من أسرها؟ فيقال أسرها الذين ظلموا وهو الحق وهذا لا يكون إلا حيث يستدعي المقام تقدير كلام استفهامي كما ترى في الآية الكريمة» ونحسب أن القول قد أشبع فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:4
اللغة:
(النَّجْوَى) : الكلام السرّ وهي اسم من التناجي ولا تكون إلا خفية، وفي القاموس: «وهو وصف بالمصدر يستوفى فيه المفرد والجمع يقال: هم نجوى» .
(أَضْغاثُ أَحْلامٍ) : أخلاط رآها في النوم وقد تقدم بحثها.
الإعراب:
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) اقترب فعل ماض مبني على الفتح وللناس متعلقان باقترب ويجوز أن تكون تأكيدا لإضافة الحساب إليهم كقولك أزف للحي رحيلهم. والأصل أزف رحيل الحي ثم أزف للحي الرحيل ثم أزف للحي رحيلهم، وحسابهم فاعل اقترب لأن كل آت قريب مهما يطل الأمد والواو للحال وهم مبتدأ وفي غفلة خبر ومعرضون خبر ثان. (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) الجملة تعليل للجملة السابقة فلا محل لها وما نافية ويأتيهم فعل مضارع والهاء مفعول به ومن حرف جر زائد لسبقه بالنفي وذكر مجرور لفظا مرفوع محلا على الفاعلية ومن ربهم صفة لذكر ومحدث صفة ثانية ويجوز تعليق من ربهم بيأتيهم أو بمحذوف حال من ذكر لأنه وصف بمحدث وإلا أداة حصر لأن الاستثناء مفرغ وجملة استمعوه في محل نصب على الحال من مفعول يأتيهم وقد مقدرة وهم الواو حالية وهم مبتدأ وجملة يلعبون خبر هم والجملة نصب على الحال من فاعل استمعوه، هذا وقد استدل بوصف الذكر بكونه محدثا على أن القرآن محدث لأن الذكر هنا هو القرآن وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول فالمعنى محدث تنزيله وإنما النزاع في الكلام النفسي.
(لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) لاهية حال من فاعل يلعبون أيضا فتكون حالا متداخلة ويجوز أن تكون حالا من فاعل استمعوه فتكون الحالان مترادفتين لأن الحال يجوز تعددها وقلوبهم فاعل لاهية وأسروا فعل وفاعل والنجوى مفعول به والذين بدل من واو وأسروا النجوى إشعارا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش الذي جاءوا به وسيأتي المزيد من إعراب هذه الكلمة في باب الفوائد، وجملة ظلموا صلة وهل حرف استفهام وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وبشر خبر. ومثلكم صفة والجملة الاستفهامية في محل نصب بدل من النجوى لأنها بمثابة التفسير لها وأجاز الزمخشري أن تكون في محل نصب مقول قول محذوف ويجوز أن تكون في محل نصب محكية للنجوى لأنها في معنى القول، ولا أرى مانعا من أتكون جملة لا محل لها لأنها مفسرة. (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) وهذه الجملة تنطبق عليها الأوجه المتقدمة والهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على مقدر وتأتون السحر فعل مضارع وفاعل ومفعول به والواو للحال وأنتم مبتدأ وجملة تبصرون خبر وجملة وأنتم تبصرون حالية من فاعل تأتون مقررة للانكار. (قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ربي مبتدأ وجملة يعلم القول خبر والجملة مقول القول وفي السماء والأرض متعلقان بمحذوف حال من القول أو بيعلم وهو الواو عاطفة وهو مبتدأ والسميع العليم خبران لهو وحذف متعلقهما للعلم به أي السميع لما أسروه والعليم به.
(بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ) أضربوا عن قولهم هو سحر فقالوا هو أضغاث أحلام فأضغاث أحلام خبر لمبتدأ محذوف والجملة في محل نصب مقول قالوا بل افتراه ثم أضربوا عن ذلك فقالوا اختلقه فافتراه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ثم أضربوا أيضا فقالوا هو شاعر مبتدأ وخبر. (فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر كأنه قيل وإن لم يكن كما قلنا فليأتنا واللام لام الأمر ويأت فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره هو ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به كما يجوز في الكاف أن تكون نعتا لآية أي كائنة مثل الآية التي أرسل بها الأولون وعندئذ فما موصولة ويجوز أن تكون نعتا لمصدر محذوف وما مصدرية أي فليأتنا بآية اتيانا كائنا مثل إرسال الأولين.
الفوائد:
قوله تعالى «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» قال أبو البقاء:
«الذين ظلموا في موضعه ثلاثة أوجه: أحدها: الرفع، وفيه أربعة أوجه:
آ- أن يكون بدلا من الواو في وأسروا.
ب- أن يكون فاعلا والواو حرف للجمع لا اسم.
ج- أن يكون مبتدأ والخبر هل هذا والتقدير يقولون: هل هذا؟
د- أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين ظلموا.
وثانيها: أن يكون منصوبا على إضمار أعني.
وثالثها: أن يكون مجرورا صفة للناس.
والمعروف أن الفعل يجب أن يبقى مع الفاعل بصيغة الواحد وان كان مثنى أو مجموعا قال ابن مالك:
وجرد الفعل إذا ما أسندا ... لاثنين أو جمع كفاز الشهدا
إلا على لغة ضعيفة لبعض العرب فيطابق فيها الفعل الفاعل، وحكى البصريون عن طيء وحكى بعضهم عن ازدشنوءة نحو ضربوني قومك وضربنني نسوتك وضرباني أخواك وفي الحديث «أو مخرجيّ هم» وقال عمرو بن ملقط الجاهلي:
ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه
فألفيتا بالبناء للمجهول فعل ماض وعيناك نائب الفاعل فألحق الفعل علامة التثنية مع اسناده إلى الظاهر ونائب الفاعل كالفاعل وعند ظرف بمعنى قرب متعلق بألفيتا وذا واقية حال من المضاف إليه وهو الكاف وواقية مصدر معناه الوقاية كالكاذبة مصدر معناه الكذب وأولى، فأولى لك دعاء أي قاربك ما يهلكك قال العيني: فإن قلت: ما موقع أولى من الاعراب؟ قلت: يجوز أن يكون في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره دعائي أولى لك، فأولى لك عطف على أولى الأول كرر للتأكيد وقال أبو البقاء في إعراب أولى لك فأولى فيه قولان أحدهما فعلى والألف فيه للإلحاق لا للتأنيث والثاني أفعل وهو على القولين هنا ولذلك لم ينون ويدل عليه ما حكى أبو زيد في النوادر وهي أولات بالتاء غير مصروف لأنه صار علما للوعيد فصار كرجل اسمه أحمد فعلى هذا يكون أولى مبتدأ ولك الخبر والثاني أن يكون اسما للفعل مبنيا ومعناه ويلك شر بعد شر ولك تبيين، وهذا البيت يصف به رجلا إذا اشتد الوطيس فهو يلتفت إلى ورائه مخافة أن يتبع فتلفى عيناه عند فقاه من شدة الالتفات، وقال أبو فراس:
تنج الربيع محاسنا ... ألقحنها غر السحائب
وأبو فراس من المولدين والغرض من كلامه التمثيل لا الاستشهاد.
وارتأى الشيخ مصطفى الغلاييني رأيا جميلا وسنورد نص كلامه: «وما ورد من ذلك من فصيح الكلام فيعرب الظاهر بدلا من المضمر وعليه قوله تعالى (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أو يعرب الظاهر مبتدأ والجملة قبله خبر مقدم، أو يعرب فاعلا لفعل محذوف فكأنه قيل بعد قوله وأسروا النجوى: من أسرها؟ فيقال أسرها الذين ظلموا وهو الحق وهذا لا يكون إلا حيث يستدعي المقام تقدير كلام استفهامي كما ترى في الآية الكريمة» ونحسب أن القول قد أشبع فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:5
اللغة:
(النَّجْوَى) : الكلام السرّ وهي اسم من التناجي ولا تكون إلا خفية، وفي القاموس: «وهو وصف بالمصدر يستوفى فيه المفرد والجمع يقال: هم نجوى» .
(أَضْغاثُ أَحْلامٍ) : أخلاط رآها في النوم وقد تقدم بحثها.
الإعراب:
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) اقترب فعل ماض مبني على الفتح وللناس متعلقان باقترب ويجوز أن تكون تأكيدا لإضافة الحساب إليهم كقولك أزف للحي رحيلهم. والأصل أزف رحيل الحي ثم أزف للحي الرحيل ثم أزف للحي رحيلهم، وحسابهم فاعل اقترب لأن كل آت قريب مهما يطل الأمد والواو للحال وهم مبتدأ وفي غفلة خبر ومعرضون خبر ثان. (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) الجملة تعليل للجملة السابقة فلا محل لها وما نافية ويأتيهم فعل مضارع والهاء مفعول به ومن حرف جر زائد لسبقه بالنفي وذكر مجرور لفظا مرفوع محلا على الفاعلية ومن ربهم صفة لذكر ومحدث صفة ثانية ويجوز تعليق من ربهم بيأتيهم أو بمحذوف حال من ذكر لأنه وصف بمحدث وإلا أداة حصر لأن الاستثناء مفرغ وجملة استمعوه في محل نصب على الحال من مفعول يأتيهم وقد مقدرة وهم الواو حالية وهم مبتدأ وجملة يلعبون خبر هم والجملة نصب على الحال من فاعل استمعوه، هذا وقد استدل بوصف الذكر بكونه محدثا على أن القرآن محدث لأن الذكر هنا هو القرآن وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول فالمعنى محدث تنزيله وإنما النزاع في الكلام النفسي.
(لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) لاهية حال من فاعل يلعبون أيضا فتكون حالا متداخلة ويجوز أن تكون حالا من فاعل استمعوه فتكون الحالان مترادفتين لأن الحال يجوز تعددها وقلوبهم فاعل لاهية وأسروا فعل وفاعل والنجوى مفعول به والذين بدل من واو وأسروا النجوى إشعارا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش الذي جاءوا به وسيأتي المزيد من إعراب هذه الكلمة في باب الفوائد، وجملة ظلموا صلة وهل حرف استفهام وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وبشر خبر. ومثلكم صفة والجملة الاستفهامية في محل نصب بدل من النجوى لأنها بمثابة التفسير لها وأجاز الزمخشري أن تكون في محل نصب مقول قول محذوف ويجوز أن تكون في محل نصب محكية للنجوى لأنها في معنى القول، ولا أرى مانعا من أتكون جملة لا محل لها لأنها مفسرة. (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) وهذه الجملة تنطبق عليها الأوجه المتقدمة والهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على مقدر وتأتون السحر فعل مضارع وفاعل ومفعول به والواو للحال وأنتم مبتدأ وجملة تبصرون خبر وجملة وأنتم تبصرون حالية من فاعل تأتون مقررة للانكار. (قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ربي مبتدأ وجملة يعلم القول خبر والجملة مقول القول وفي السماء والأرض متعلقان بمحذوف حال من القول أو بيعلم وهو الواو عاطفة وهو مبتدأ والسميع العليم خبران لهو وحذف متعلقهما للعلم به أي السميع لما أسروه والعليم به.
(بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ) أضربوا عن قولهم هو سحر فقالوا هو أضغاث أحلام فأضغاث أحلام خبر لمبتدأ محذوف والجملة في محل نصب مقول قالوا بل افتراه ثم أضربوا عن ذلك فقالوا اختلقه فافتراه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ثم أضربوا أيضا فقالوا هو شاعر مبتدأ وخبر. (فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر كأنه قيل وإن لم يكن كما قلنا فليأتنا واللام لام الأمر ويأت فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره هو ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به كما يجوز في الكاف أن تكون نعتا لآية أي كائنة مثل الآية التي أرسل بها الأولون وعندئذ فما موصولة ويجوز أن تكون نعتا لمصدر محذوف وما مصدرية أي فليأتنا بآية اتيانا كائنا مثل إرسال الأولين.
الفوائد:
قوله تعالى «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» قال أبو البقاء:
«الذين ظلموا في موضعه ثلاثة أوجه: أحدها: الرفع، وفيه أربعة أوجه:
آ- أن يكون بدلا من الواو في وأسروا.
ب- أن يكون فاعلا والواو حرف للجمع لا اسم.
ج- أن يكون مبتدأ والخبر هل هذا والتقدير يقولون: هل هذا؟
د- أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين ظلموا.
وثانيها: أن يكون منصوبا على إضمار أعني.
وثالثها: أن يكون مجرورا صفة للناس.
والمعروف أن الفعل يجب أن يبقى مع الفاعل بصيغة الواحد وان كان مثنى أو مجموعا قال ابن مالك:
وجرد الفعل إذا ما أسندا ... لاثنين أو جمع كفاز الشهدا
إلا على لغة ضعيفة لبعض العرب فيطابق فيها الفعل الفاعل، وحكى البصريون عن طيء وحكى بعضهم عن ازدشنوءة نحو ضربوني قومك وضربنني نسوتك وضرباني أخواك وفي الحديث «أو مخرجيّ هم» وقال عمرو بن ملقط الجاهلي:
ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه
فألفيتا بالبناء للمجهول فعل ماض وعيناك نائب الفاعل فألحق الفعل علامة التثنية مع اسناده إلى الظاهر ونائب الفاعل كالفاعل وعند ظرف بمعنى قرب متعلق بألفيتا وذا واقية حال من المضاف إليه وهو الكاف وواقية مصدر معناه الوقاية كالكاذبة مصدر معناه الكذب وأولى، فأولى لك دعاء أي قاربك ما يهلكك قال العيني: فإن قلت: ما موقع أولى من الاعراب؟ قلت: يجوز أن يكون في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره دعائي أولى لك، فأولى لك عطف على أولى الأول كرر للتأكيد وقال أبو البقاء في إعراب أولى لك فأولى فيه قولان أحدهما فعلى والألف فيه للإلحاق لا للتأنيث والثاني أفعل وهو على القولين هنا ولذلك لم ينون ويدل عليه ما حكى أبو زيد في النوادر وهي أولات بالتاء غير مصروف لأنه صار علما للوعيد فصار كرجل اسمه أحمد فعلى هذا يكون أولى مبتدأ ولك الخبر والثاني أن يكون اسما للفعل مبنيا ومعناه ويلك شر بعد شر ولك تبيين، وهذا البيت يصف به رجلا إذا اشتد الوطيس فهو يلتفت إلى ورائه مخافة أن يتبع فتلفى عيناه عند فقاه من شدة الالتفات، وقال أبو فراس:
تنج الربيع محاسنا ... ألقحنها غر السحائب
وأبو فراس من المولدين والغرض من كلامه التمثيل لا الاستشهاد.
وارتأى الشيخ مصطفى الغلاييني رأيا جميلا وسنورد نص كلامه: «وما ورد من ذلك من فصيح الكلام فيعرب الظاهر بدلا من المضمر وعليه قوله تعالى (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أو يعرب الظاهر مبتدأ والجملة قبله خبر مقدم، أو يعرب فاعلا لفعل محذوف فكأنه قيل بعد قوله وأسروا النجوى: من أسرها؟ فيقال أسرها الذين ظلموا وهو الحق وهذا لا يكون إلا حيث يستدعي المقام تقدير كلام استفهامي كما ترى في الآية الكريمة» ونحسب أن القول قد أشبع فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:6
اللغة:
(قَصَمْنا) : القصم أبلغ من الكسر وفي القاموس «قصم من باب صرب قصما الشيء: كسره، وقصم الرجل: أهلكه، ويقال: قصم الله ظهر الظالم أي أنزل به البلية» وللقاف مع الصاد فاء وعينا للكلمة سر عجيب، انهما تدلان على الكسر والمحق والإهلاك فقولهم: قصب الشاة يعني قطعها قطعا أو عضوا عضوا ومنه سمي القصاب أي الجزار والقصّابة مؤنث القصاب ولها معنى آخر وهو ما نسميه اليوم «الناي» أي قصبة ينفخ بها للغناء وعن بعض العرب: قلت أبياتا فغنى بها حكم الوادي فو الله ما حرك بها قصّابة إلا خفت النار فتركت قول الشعر، وهي الوتر، ونفخ في القصابة: في المزمار، وأقصدته المنية أهلكته ومنه قصد الرجل أتى اليه ونحا نحوه، وقصرته حبسته وقصرت نفسي على هذا الأمر إذا لم تطمح إلى غيره وقصرت طرفي لم أرفعه إلى مالا ينبغي وهنّ قاصرات الطرف: قصرنه على أزواجهنّ، وقص الشعر والريش وقصّصه معروف وجناح مقصوص ومقصص، وقصع الصّؤاب بين ظفريه قتله وقصعت الرحى الحب فضخته وصبي قصيع قميء لا يشب، وقصف القناة والعود كسرهما وقصف ظهره ورجل مقصوف والعامة تقول لمن تدعو عليه يا مقصوف وهي فصيحة لا غبار عليها وعصفت ريح فقصفت السفينة وعود قصف: سريع الانكسار، قال الطرماح:
تميم تمنّى الحرب ما لم ألاقها ... وهم قصف العيدان في الحرب خورها
وقصله قطعه قطعا وحيّا وسيف قاصل وقصّال ومقصل وقصل فرسه يقصله: علفه القصيل ومنه المقصلة وهي آلة للاعدام قوامها سكين تسقط على رأس المجرم فتقطعه، وقصا يقصو قصوا وقصوا وقصا وقصاء الرجل تباعد وفي البعد اشارة إلى الهلكة لأنها بعد أيضا.
(أُتْرِفْتُمْ) : نعمتم من العيش الرافه والحال الناعمة والإتراف ابطار النعمة.
الإعراب:
(ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) ما نافية وآمنت فعل ماض والتاء للتأنيث والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير كفرهم واستبعاد إيمانهم وقبلهم ظرف متعلق بآمنت ومن حرف جر زائد وقرية مجرور لفظا فاعل آمنت محلا وجملة أهلكناها صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها كما سيأتي في باب البلاغة، أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة يؤمنون خبر. (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) الواو عاطفة وما نافية وأرسلنا فعل ماض وفاعل إلا أداة حصر ورجالا مفعول أرسلنا وجملة نوحي إليهم صفة لرجالا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية. (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة واسألوا فعل أمر وفاعل وأهل الذكر مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة لا تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دلت عليه الفاء الفصيحة. (وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) الواو عاطفة وما نافية وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وجسدا مفعول ثان إذا كانت جعل بمعنى التصيير وإن كانت بمعنى الخلق فجسدا حال مؤولة بالمشتق أي متغذين، وجملة لا يأكلون الطعام في محل نصب نعت لجسدا وجسد مفرد أريد به الجمع وانما وحدّه ليشمل الجنس عامة لأن الجسد لا بد له من غذاء، والواو عاطفة وما نافية وكانوا خالدين كان واسمها وخبرها والجملة معطوفة على لا يأكلون. (ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) ثم حرف عطف وصدقناهم فعل وفاعل ومفعول والوعد منصوب بنزع الخافض لأن صدق يتعدى لاثنين إلى ثانيهما بحرف الجر والأصل في الوعد، فأنجيناهم عطف على صدقناهم ومن نشاء عطف على الهاء وجملة نشاء صلة وأهلكنا المسرفين عطف على أنجيناهم والمسرفين مفعول به. (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) اللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وأنزلنا فعل وفاعل وإليكم متعلقان بأنزلنا وكتابا مفعول به وفيه خبر مقدم وذكركم مبتدأ مؤخر والجملة صفة لكتابا وسيأتي معنى فيه ذكركم في باب الفوائد والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ألا تتفكرون فلا تعقلون شيئا من الأشياء المذكورة لكم، (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ) الواو عاطفة أو استئنافية مسوقة للتمثيل بالأمم التي هلكت قبلهم وكم خبرية مفعول به مقدم لقصمنا ومن قرية تمييز لكم الخبرية مجرور بمن وقد تقدم ذلك وجملة كانت ظالمة صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها وكانت ظالمة كان واسمها المستتر وخبرها وأنشأنا عطف على قصمنا وبعدها ظرف متعلق بأنشأنا وقوما مفعول به وآخرين صفة لقوما. (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم الكلام حولها والخلاف فيها مشبعين وهم مبتدأ وجملة يركضون خبرهم ومنها متعلقان بيركضون وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن لما حرف وسماها ابن هشام رابطة لأنه لا عامل لها إذا أعربت ظرفا بمعنى حين ونرى أن معنى المفاجأة التي دلت عليه إذا هو العامل وسيأتي مزيد بحث عن لما في باب الفوائد.
(لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) لا ناهية وتركضوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وجملة لا تركضوا مقول قول محذوف والقائل اختلف فيه فقيل هم الملائكة وقيل هم من كان هناك من المؤمنين وهذا القول على سبيل الاستهزاء بهم طبعا، وارجعوا فعل أمر معطوف على لا تركضوا والى ما متعلقان بارجعوا وجملة أترفتم صلة وفيه متعلقان بأترفتم ومساكنكم بالجر عطف على ما، ولعلكم تسألون لعل واسمها وخبرها والترجي هنا استهزاء بهم وتهكم بما كانوا يظنونه بأنفسهم من أنهم مظنة السخاء ومطلع الكرم والمعنى ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون شيئا من دنياكم حسبما تتصورون أنفسكم من أنكم أهل النوال والعطاء حيث يسألكم الناس في العوادي والنوازل ويندبونكم للملمات ويستشيرونكم في المعضلات وسيأتي المزيد عن هذا البحث الشيق في باب البلاغة.
البلاغة:
1- المجاز المرسل في قوله «قرية» إذ المراد أهلها وقد تقدم مثال ذلك كثيرا.
2- التهكم بقوله «وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» وقد ألمعنا إلى المراد من هذا التهكم ونزيد عليه هنا احتمالين هامين مترتبين على هذا التهكم:
آ- انهم كانوا أسخياء حقيقة يجودون بالنوال ويبسطون أيديهم بالعطايا ولكنهم كانوا يفعلون ذلك رئاء الناس واكتسابا للشهرة والثناء وفي ذلك من الإيلام والايجاع ما فيه، إذ يرون أن ما أنفقوه وما بذلوه لم يكن إلا زيادة في برحائهم وإمعانا في عذابهم: ب- انهم كانوا بخلاء يكرهون البذل ويصدون عمن جاء يستندي سحاب أكفهم ويمتري اخلاف جدواهم فقيل لهم ذلك ليزيدهم إيلاما على إيلام وايجاعا على إيجاع.
الفوائد:
1- قوله «كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ»
أي فيه ما يوجب الثناء عليكم لكونه نازلا بلسانكم وبين ظهرانيكم وعلى رسول منكم وقيل فيه ما تنشدونه من حسن الذكر وبعد الصيت وطيب الأحدوثة وقيل فيه الموعظة لكم والإرشاد لما ينفعكم في دينكم ودنياكم وجميع ذلك محتمل.
2- بحث لما:
تقع لما في العربية على ثلاثة أوجه:
الأول:
أن تختص بالمضارع فتجزمه وتنفيه وتقلبه ماضيا ك «لم» إلا أنها تفارقها في خمسة أمور:
1- انها لا تقترن بأداة شرط فلا يقال: إن لما تقم ويقال: إن لم تقم.
2- ان منفيها مستمر النفي إلى الحال أما منفي لم فيحتمل الاتصال والانقطاع مثل: «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» ولهذا جاز أن تقول: لم يكن ثم كان، ولكن لا يجوز أن تقول: لما يكن ثم كان.
3- ان الغالب في منفي لما ان يكون قريبا من الحال بخلاف منفي لم.
4- ان منفي لما متوقع ثبوته بخلاف منفي لم.
5- ان منفي لما جائز الحذف لدليل كقوله: «فجئت قبورهم بدءا ولما» أي ولما أكن بدءا قبل ذلك أي سيدا ولا يجوز:
«وصلت إلى حمص ولم» تريد ولم أدخلها.
الثاني:
أن تختص بالماضي فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما نحو: لما جاءني أكرمته ويقال فيها حرف وجود لوجود وبعضهم يقول وجوب لوجوب وقيل هي ظرف لفعل وقع لوقوع غيره وقال جماعة: انها ظرف بمعنى حين.
الثالث:
أن تكون حرف استثناء بمعنى إلا فتدخل على الجملة الاسمية نحو: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ» فيمن شدد الميم وعلى الماضي لفظا لا معنى نحو أنشدك الله لما فعلت أي ما أسألك إلا فعلك.
الأنبياء 21:7
اللغة:
(قَصَمْنا) : القصم أبلغ من الكسر وفي القاموس «قصم من باب صرب قصما الشيء: كسره، وقصم الرجل: أهلكه، ويقال: قصم الله ظهر الظالم أي أنزل به البلية» وللقاف مع الصاد فاء وعينا للكلمة سر عجيب، انهما تدلان على الكسر والمحق والإهلاك فقولهم: قصب الشاة يعني قطعها قطعا أو عضوا عضوا ومنه سمي القصاب أي الجزار والقصّابة مؤنث القصاب ولها معنى آخر وهو ما نسميه اليوم «الناي» أي قصبة ينفخ بها للغناء وعن بعض العرب: قلت أبياتا فغنى بها حكم الوادي فو الله ما حرك بها قصّابة إلا خفت النار فتركت قول الشعر، وهي الوتر، ونفخ في القصابة: في المزمار، وأقصدته المنية أهلكته ومنه قصد الرجل أتى اليه ونحا نحوه، وقصرته حبسته وقصرت نفسي على هذا الأمر إذا لم تطمح إلى غيره وقصرت طرفي لم أرفعه إلى مالا ينبغي وهنّ قاصرات الطرف: قصرنه على أزواجهنّ، وقص الشعر والريش وقصّصه معروف وجناح مقصوص ومقصص، وقصع الصّؤاب بين ظفريه قتله وقصعت الرحى الحب فضخته وصبي قصيع قميء لا يشب، وقصف القناة والعود كسرهما وقصف ظهره ورجل مقصوف والعامة تقول لمن تدعو عليه يا مقصوف وهي فصيحة لا غبار عليها وعصفت ريح فقصفت السفينة وعود قصف: سريع الانكسار، قال الطرماح:
تميم تمنّى الحرب ما لم ألاقها ... وهم قصف العيدان في الحرب خورها
وقصله قطعه قطعا وحيّا وسيف قاصل وقصّال ومقصل وقصل فرسه يقصله: علفه القصيل ومنه المقصلة وهي آلة للاعدام قوامها سكين تسقط على رأس المجرم فتقطعه، وقصا يقصو قصوا وقصوا وقصا وقصاء الرجل تباعد وفي البعد اشارة إلى الهلكة لأنها بعد أيضا.
(أُتْرِفْتُمْ) : نعمتم من العيش الرافه والحال الناعمة والإتراف ابطار النعمة.
الإعراب:
(ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) ما نافية وآمنت فعل ماض والتاء للتأنيث والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير كفرهم واستبعاد إيمانهم وقبلهم ظرف متعلق بآمنت ومن حرف جر زائد وقرية مجرور لفظا فاعل آمنت محلا وجملة أهلكناها صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها كما سيأتي في باب البلاغة، أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة يؤمنون خبر. (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) الواو عاطفة وما نافية وأرسلنا فعل ماض وفاعل إلا أداة حصر ورجالا مفعول أرسلنا وجملة نوحي إليهم صفة لرجالا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية. (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة واسألوا فعل أمر وفاعل وأهل الذكر مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة لا تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دلت عليه الفاء الفصيحة. (وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) الواو عاطفة وما نافية وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وجسدا مفعول ثان إذا كانت جعل بمعنى التصيير وإن كانت بمعنى الخلق فجسدا حال مؤولة بالمشتق أي متغذين، وجملة لا يأكلون الطعام في محل نصب نعت لجسدا وجسد مفرد أريد به الجمع وانما وحدّه ليشمل الجنس عامة لأن الجسد لا بد له من غذاء، والواو عاطفة وما نافية وكانوا خالدين كان واسمها وخبرها والجملة معطوفة على لا يأكلون. (ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) ثم حرف عطف وصدقناهم فعل وفاعل ومفعول والوعد منصوب بنزع الخافض لأن صدق يتعدى لاثنين إلى ثانيهما بحرف الجر والأصل في الوعد، فأنجيناهم عطف على صدقناهم ومن نشاء عطف على الهاء وجملة نشاء صلة وأهلكنا المسرفين عطف على أنجيناهم والمسرفين مفعول به. (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) اللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وأنزلنا فعل وفاعل وإليكم متعلقان بأنزلنا وكتابا مفعول به وفيه خبر مقدم وذكركم مبتدأ مؤخر والجملة صفة لكتابا وسيأتي معنى فيه ذكركم في باب الفوائد والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ألا تتفكرون فلا تعقلون شيئا من الأشياء المذكورة لكم، (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ) الواو عاطفة أو استئنافية مسوقة للتمثيل بالأمم التي هلكت قبلهم وكم خبرية مفعول به مقدم لقصمنا ومن قرية تمييز لكم الخبرية مجرور بمن وقد تقدم ذلك وجملة كانت ظالمة صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها وكانت ظالمة كان واسمها المستتر وخبرها وأنشأنا عطف على قصمنا وبعدها ظرف متعلق بأنشأنا وقوما مفعول به وآخرين صفة لقوما. (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم الكلام حولها والخلاف فيها مشبعين وهم مبتدأ وجملة يركضون خبرهم ومنها متعلقان بيركضون وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن لما حرف وسماها ابن هشام رابطة لأنه لا عامل لها إذا أعربت ظرفا بمعنى حين ونرى أن معنى المفاجأة التي دلت عليه إذا هو العامل وسيأتي مزيد بحث عن لما في باب الفوائد.
(لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) لا ناهية وتركضوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وجملة لا تركضوا مقول قول محذوف والقائل اختلف فيه فقيل هم الملائكة وقيل هم من كان هناك من المؤمنين وهذا القول على سبيل الاستهزاء بهم طبعا، وارجعوا فعل أمر معطوف على لا تركضوا والى ما متعلقان بارجعوا وجملة أترفتم صلة وفيه متعلقان بأترفتم ومساكنكم بالجر عطف على ما، ولعلكم تسألون لعل واسمها وخبرها والترجي هنا استهزاء بهم وتهكم بما كانوا يظنونه بأنفسهم من أنهم مظنة السخاء ومطلع الكرم والمعنى ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون شيئا من دنياكم حسبما تتصورون أنفسكم من أنكم أهل النوال والعطاء حيث يسألكم الناس في العوادي والنوازل ويندبونكم للملمات ويستشيرونكم في المعضلات وسيأتي المزيد عن هذا البحث الشيق في باب البلاغة.
البلاغة:
1- المجاز المرسل في قوله «قرية» إذ المراد أهلها وقد تقدم مثال ذلك كثيرا.
2- التهكم بقوله «وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» وقد ألمعنا إلى المراد من هذا التهكم ونزيد عليه هنا احتمالين هامين مترتبين على هذا التهكم:
آ- انهم كانوا أسخياء حقيقة يجودون بالنوال ويبسطون أيديهم بالعطايا ولكنهم كانوا يفعلون ذلك رئاء الناس واكتسابا للشهرة والثناء وفي ذلك من الإيلام والايجاع ما فيه، إذ يرون أن ما أنفقوه وما بذلوه لم يكن إلا زيادة في برحائهم وإمعانا في عذابهم: ب- انهم كانوا بخلاء يكرهون البذل ويصدون عمن جاء يستندي سحاب أكفهم ويمتري اخلاف جدواهم فقيل لهم ذلك ليزيدهم إيلاما على إيلام وايجاعا على إيجاع.
الفوائد:
1- قوله «كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ»
أي فيه ما يوجب الثناء عليكم لكونه نازلا بلسانكم وبين ظهرانيكم وعلى رسول منكم وقيل فيه ما تنشدونه من حسن الذكر وبعد الصيت وطيب الأحدوثة وقيل فيه الموعظة لكم والإرشاد لما ينفعكم في دينكم ودنياكم وجميع ذلك محتمل.
2- بحث لما:
تقع لما في العربية على ثلاثة أوجه:
الأول:
أن تختص بالمضارع فتجزمه وتنفيه وتقلبه ماضيا ك «لم» إلا أنها تفارقها في خمسة أمور:
1- انها لا تقترن بأداة شرط فلا يقال: إن لما تقم ويقال: إن لم تقم.
2- ان منفيها مستمر النفي إلى الحال أما منفي لم فيحتمل الاتصال والانقطاع مثل: «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» ولهذا جاز أن تقول: لم يكن ثم كان، ولكن لا يجوز أن تقول: لما يكن ثم كان.
3- ان الغالب في منفي لما ان يكون قريبا من الحال بخلاف منفي لم.
4- ان منفي لما متوقع ثبوته بخلاف منفي لم.
5- ان منفي لما جائز الحذف لدليل كقوله: «فجئت قبورهم بدءا ولما» أي ولما أكن بدءا قبل ذلك أي سيدا ولا يجوز:
«وصلت إلى حمص ولم» تريد ولم أدخلها.
الثاني:
أن تختص بالماضي فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما نحو: لما جاءني أكرمته ويقال فيها حرف وجود لوجود وبعضهم يقول وجوب لوجوب وقيل هي ظرف لفعل وقع لوقوع غيره وقال جماعة: انها ظرف بمعنى حين.
الثالث:
أن تكون حرف استثناء بمعنى إلا فتدخل على الجملة الاسمية نحو: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ» فيمن شدد الميم وعلى الماضي لفظا لا معنى نحو أنشدك الله لما فعلت أي ما أسألك إلا فعلك.
الأنبياء 21:8
اللغة:
(قَصَمْنا) : القصم أبلغ من الكسر وفي القاموس «قصم من باب صرب قصما الشيء: كسره، وقصم الرجل: أهلكه، ويقال: قصم الله ظهر الظالم أي أنزل به البلية» وللقاف مع الصاد فاء وعينا للكلمة سر عجيب، انهما تدلان على الكسر والمحق والإهلاك فقولهم: قصب الشاة يعني قطعها قطعا أو عضوا عضوا ومنه سمي القصاب أي الجزار والقصّابة مؤنث القصاب ولها معنى آخر وهو ما نسميه اليوم «الناي» أي قصبة ينفخ بها للغناء وعن بعض العرب: قلت أبياتا فغنى بها حكم الوادي فو الله ما حرك بها قصّابة إلا خفت النار فتركت قول الشعر، وهي الوتر، ونفخ في القصابة: في المزمار، وأقصدته المنية أهلكته ومنه قصد الرجل أتى اليه ونحا نحوه، وقصرته حبسته وقصرت نفسي على هذا الأمر إذا لم تطمح إلى غيره وقصرت طرفي لم أرفعه إلى مالا ينبغي وهنّ قاصرات الطرف: قصرنه على أزواجهنّ، وقص الشعر والريش وقصّصه معروف وجناح مقصوص ومقصص، وقصع الصّؤاب بين ظفريه قتله وقصعت الرحى الحب فضخته وصبي قصيع قميء لا يشب، وقصف القناة والعود كسرهما وقصف ظهره ورجل مقصوف والعامة تقول لمن تدعو عليه يا مقصوف وهي فصيحة لا غبار عليها وعصفت ريح فقصفت السفينة وعود قصف: سريع الانكسار، قال الطرماح:
تميم تمنّى الحرب ما لم ألاقها ... وهم قصف العيدان في الحرب خورها
وقصله قطعه قطعا وحيّا وسيف قاصل وقصّال ومقصل وقصل فرسه يقصله: علفه القصيل ومنه المقصلة وهي آلة للاعدام قوامها سكين تسقط على رأس المجرم فتقطعه، وقصا يقصو قصوا وقصوا وقصا وقصاء الرجل تباعد وفي البعد اشارة إلى الهلكة لأنها بعد أيضا.
(أُتْرِفْتُمْ) : نعمتم من العيش الرافه والحال الناعمة والإتراف ابطار النعمة.
الإعراب:
(ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) ما نافية وآمنت فعل ماض والتاء للتأنيث والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير كفرهم واستبعاد إيمانهم وقبلهم ظرف متعلق بآمنت ومن حرف جر زائد وقرية مجرور لفظا فاعل آمنت محلا وجملة أهلكناها صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها كما سيأتي في باب البلاغة، أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة يؤمنون خبر. (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) الواو عاطفة وما نافية وأرسلنا فعل ماض وفاعل إلا أداة حصر ورجالا مفعول أرسلنا وجملة نوحي إليهم صفة لرجالا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية. (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة واسألوا فعل أمر وفاعل وأهل الذكر مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة لا تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دلت عليه الفاء الفصيحة. (وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) الواو عاطفة وما نافية وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وجسدا مفعول ثان إذا كانت جعل بمعنى التصيير وإن كانت بمعنى الخلق فجسدا حال مؤولة بالمشتق أي متغذين، وجملة لا يأكلون الطعام في محل نصب نعت لجسدا وجسد مفرد أريد به الجمع وانما وحدّه ليشمل الجنس عامة لأن الجسد لا بد له من غذاء، والواو عاطفة وما نافية وكانوا خالدين كان واسمها وخبرها والجملة معطوفة على لا يأكلون. (ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) ثم حرف عطف وصدقناهم فعل وفاعل ومفعول والوعد منصوب بنزع الخافض لأن صدق يتعدى لاثنين إلى ثانيهما بحرف الجر والأصل في الوعد، فأنجيناهم عطف على صدقناهم ومن نشاء عطف على الهاء وجملة نشاء صلة وأهلكنا المسرفين عطف على أنجيناهم والمسرفين مفعول به. (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) اللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وأنزلنا فعل وفاعل وإليكم متعلقان بأنزلنا وكتابا مفعول به وفيه خبر مقدم وذكركم مبتدأ مؤخر والجملة صفة لكتابا وسيأتي معنى فيه ذكركم في باب الفوائد والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ألا تتفكرون فلا تعقلون شيئا من الأشياء المذكورة لكم، (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ) الواو عاطفة أو استئنافية مسوقة للتمثيل بالأمم التي هلكت قبلهم وكم خبرية مفعول به مقدم لقصمنا ومن قرية تمييز لكم الخبرية مجرور بمن وقد تقدم ذلك وجملة كانت ظالمة صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها وكانت ظالمة كان واسمها المستتر وخبرها وأنشأنا عطف على قصمنا وبعدها ظرف متعلق بأنشأنا وقوما مفعول به وآخرين صفة لقوما. (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم الكلام حولها والخلاف فيها مشبعين وهم مبتدأ وجملة يركضون خبرهم ومنها متعلقان بيركضون وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن لما حرف وسماها ابن هشام رابطة لأنه لا عامل لها إذا أعربت ظرفا بمعنى حين ونرى أن معنى المفاجأة التي دلت عليه إذا هو العامل وسيأتي مزيد بحث عن لما في باب الفوائد.
(لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) لا ناهية وتركضوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وجملة لا تركضوا مقول قول محذوف والقائل اختلف فيه فقيل هم الملائكة وقيل هم من كان هناك من المؤمنين وهذا القول على سبيل الاستهزاء بهم طبعا، وارجعوا فعل أمر معطوف على لا تركضوا والى ما متعلقان بارجعوا وجملة أترفتم صلة وفيه متعلقان بأترفتم ومساكنكم بالجر عطف على ما، ولعلكم تسألون لعل واسمها وخبرها والترجي هنا استهزاء بهم وتهكم بما كانوا يظنونه بأنفسهم من أنهم مظنة السخاء ومطلع الكرم والمعنى ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون شيئا من دنياكم حسبما تتصورون أنفسكم من أنكم أهل النوال والعطاء حيث يسألكم الناس في العوادي والنوازل ويندبونكم للملمات ويستشيرونكم في المعضلات وسيأتي المزيد عن هذا البحث الشيق في باب البلاغة.
البلاغة:
1- المجاز المرسل في قوله «قرية» إذ المراد أهلها وقد تقدم مثال ذلك كثيرا.
2- التهكم بقوله «وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» وقد ألمعنا إلى المراد من هذا التهكم ونزيد عليه هنا احتمالين هامين مترتبين على هذا التهكم:
آ- انهم كانوا أسخياء حقيقة يجودون بالنوال ويبسطون أيديهم بالعطايا ولكنهم كانوا يفعلون ذلك رئاء الناس واكتسابا للشهرة والثناء وفي ذلك من الإيلام والايجاع ما فيه، إذ يرون أن ما أنفقوه وما بذلوه لم يكن إلا زيادة في برحائهم وإمعانا في عذابهم: ب- انهم كانوا بخلاء يكرهون البذل ويصدون عمن جاء يستندي سحاب أكفهم ويمتري اخلاف جدواهم فقيل لهم ذلك ليزيدهم إيلاما على إيلام وايجاعا على إيجاع.
الفوائد:
1- قوله «كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ»
أي فيه ما يوجب الثناء عليكم لكونه نازلا بلسانكم وبين ظهرانيكم وعلى رسول منكم وقيل فيه ما تنشدونه من حسن الذكر وبعد الصيت وطيب الأحدوثة وقيل فيه الموعظة لكم والإرشاد لما ينفعكم في دينكم ودنياكم وجميع ذلك محتمل.
2- بحث لما:
تقع لما في العربية على ثلاثة أوجه:
الأول:
أن تختص بالمضارع فتجزمه وتنفيه وتقلبه ماضيا ك «لم» إلا أنها تفارقها في خمسة أمور:
1- انها لا تقترن بأداة شرط فلا يقال: إن لما تقم ويقال: إن لم تقم.
2- ان منفيها مستمر النفي إلى الحال أما منفي لم فيحتمل الاتصال والانقطاع مثل: «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» ولهذا جاز أن تقول: لم يكن ثم كان، ولكن لا يجوز أن تقول: لما يكن ثم كان.
3- ان الغالب في منفي لما ان يكون قريبا من الحال بخلاف منفي لم.
4- ان منفي لما متوقع ثبوته بخلاف منفي لم.
5- ان منفي لما جائز الحذف لدليل كقوله: «فجئت قبورهم بدءا ولما» أي ولما أكن بدءا قبل ذلك أي سيدا ولا يجوز:
«وصلت إلى حمص ولم» تريد ولم أدخلها.
الثاني:
أن تختص بالماضي فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما نحو: لما جاءني أكرمته ويقال فيها حرف وجود لوجود وبعضهم يقول وجوب لوجوب وقيل هي ظرف لفعل وقع لوقوع غيره وقال جماعة: انها ظرف بمعنى حين.
الثالث:
أن تكون حرف استثناء بمعنى إلا فتدخل على الجملة الاسمية نحو: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ» فيمن شدد الميم وعلى الماضي لفظا لا معنى نحو أنشدك الله لما فعلت أي ما أسألك إلا فعلك.
الأنبياء 21:9
اللغة:
(قَصَمْنا) : القصم أبلغ من الكسر وفي القاموس «قصم من باب صرب قصما الشيء: كسره، وقصم الرجل: أهلكه، ويقال: قصم الله ظهر الظالم أي أنزل به البلية» وللقاف مع الصاد فاء وعينا للكلمة سر عجيب، انهما تدلان على الكسر والمحق والإهلاك فقولهم: قصب الشاة يعني قطعها قطعا أو عضوا عضوا ومنه سمي القصاب أي الجزار والقصّابة مؤنث القصاب ولها معنى آخر وهو ما نسميه اليوم «الناي» أي قصبة ينفخ بها للغناء وعن بعض العرب: قلت أبياتا فغنى بها حكم الوادي فو الله ما حرك بها قصّابة إلا خفت النار فتركت قول الشعر، وهي الوتر، ونفخ في القصابة: في المزمار، وأقصدته المنية أهلكته ومنه قصد الرجل أتى اليه ونحا نحوه، وقصرته حبسته وقصرت نفسي على هذا الأمر إذا لم تطمح إلى غيره وقصرت طرفي لم أرفعه إلى مالا ينبغي وهنّ قاصرات الطرف: قصرنه على أزواجهنّ، وقص الشعر والريش وقصّصه معروف وجناح مقصوص ومقصص، وقصع الصّؤاب بين ظفريه قتله وقصعت الرحى الحب فضخته وصبي قصيع قميء لا يشب، وقصف القناة والعود كسرهما وقصف ظهره ورجل مقصوف والعامة تقول لمن تدعو عليه يا مقصوف وهي فصيحة لا غبار عليها وعصفت ريح فقصفت السفينة وعود قصف: سريع الانكسار، قال الطرماح:
تميم تمنّى الحرب ما لم ألاقها ... وهم قصف العيدان في الحرب خورها
وقصله قطعه قطعا وحيّا وسيف قاصل وقصّال ومقصل وقصل فرسه يقصله: علفه القصيل ومنه المقصلة وهي آلة للاعدام قوامها سكين تسقط على رأس المجرم فتقطعه، وقصا يقصو قصوا وقصوا وقصا وقصاء الرجل تباعد وفي البعد اشارة إلى الهلكة لأنها بعد أيضا.
(أُتْرِفْتُمْ) : نعمتم من العيش الرافه والحال الناعمة والإتراف ابطار النعمة.
الإعراب:
(ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) ما نافية وآمنت فعل ماض والتاء للتأنيث والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير كفرهم واستبعاد إيمانهم وقبلهم ظرف متعلق بآمنت ومن حرف جر زائد وقرية مجرور لفظا فاعل آمنت محلا وجملة أهلكناها صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها كما سيأتي في باب البلاغة، أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة يؤمنون خبر. (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) الواو عاطفة وما نافية وأرسلنا فعل ماض وفاعل إلا أداة حصر ورجالا مفعول أرسلنا وجملة نوحي إليهم صفة لرجالا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية. (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة واسألوا فعل أمر وفاعل وأهل الذكر مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة لا تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دلت عليه الفاء الفصيحة. (وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) الواو عاطفة وما نافية وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وجسدا مفعول ثان إذا كانت جعل بمعنى التصيير وإن كانت بمعنى الخلق فجسدا حال مؤولة بالمشتق أي متغذين، وجملة لا يأكلون الطعام في محل نصب نعت لجسدا وجسد مفرد أريد به الجمع وانما وحدّه ليشمل الجنس عامة لأن الجسد لا بد له من غذاء، والواو عاطفة وما نافية وكانوا خالدين كان واسمها وخبرها والجملة معطوفة على لا يأكلون. (ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) ثم حرف عطف وصدقناهم فعل وفاعل ومفعول والوعد منصوب بنزع الخافض لأن صدق يتعدى لاثنين إلى ثانيهما بحرف الجر والأصل في الوعد، فأنجيناهم عطف على صدقناهم ومن نشاء عطف على الهاء وجملة نشاء صلة وأهلكنا المسرفين عطف على أنجيناهم والمسرفين مفعول به. (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) اللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وأنزلنا فعل وفاعل وإليكم متعلقان بأنزلنا وكتابا مفعول به وفيه خبر مقدم وذكركم مبتدأ مؤخر والجملة صفة لكتابا وسيأتي معنى فيه ذكركم في باب الفوائد والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ألا تتفكرون فلا تعقلون شيئا من الأشياء المذكورة لكم، (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ) الواو عاطفة أو استئنافية مسوقة للتمثيل بالأمم التي هلكت قبلهم وكم خبرية مفعول به مقدم لقصمنا ومن قرية تمييز لكم الخبرية مجرور بمن وقد تقدم ذلك وجملة كانت ظالمة صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها وكانت ظالمة كان واسمها المستتر وخبرها وأنشأنا عطف على قصمنا وبعدها ظرف متعلق بأنشأنا وقوما مفعول به وآخرين صفة لقوما. (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم الكلام حولها والخلاف فيها مشبعين وهم مبتدأ وجملة يركضون خبرهم ومنها متعلقان بيركضون وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن لما حرف وسماها ابن هشام رابطة لأنه لا عامل لها إذا أعربت ظرفا بمعنى حين ونرى أن معنى المفاجأة التي دلت عليه إذا هو العامل وسيأتي مزيد بحث عن لما في باب الفوائد.
(لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) لا ناهية وتركضوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وجملة لا تركضوا مقول قول محذوف والقائل اختلف فيه فقيل هم الملائكة وقيل هم من كان هناك من المؤمنين وهذا القول على سبيل الاستهزاء بهم طبعا، وارجعوا فعل أمر معطوف على لا تركضوا والى ما متعلقان بارجعوا وجملة أترفتم صلة وفيه متعلقان بأترفتم ومساكنكم بالجر عطف على ما، ولعلكم تسألون لعل واسمها وخبرها والترجي هنا استهزاء بهم وتهكم بما كانوا يظنونه بأنفسهم من أنهم مظنة السخاء ومطلع الكرم والمعنى ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون شيئا من دنياكم حسبما تتصورون أنفسكم من أنكم أهل النوال والعطاء حيث يسألكم الناس في العوادي والنوازل ويندبونكم للملمات ويستشيرونكم في المعضلات وسيأتي المزيد عن هذا البحث الشيق في باب البلاغة.
البلاغة:
1- المجاز المرسل في قوله «قرية» إذ المراد أهلها وقد تقدم مثال ذلك كثيرا.
2- التهكم بقوله «وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» وقد ألمعنا إلى المراد من هذا التهكم ونزيد عليه هنا احتمالين هامين مترتبين على هذا التهكم:
آ- انهم كانوا أسخياء حقيقة يجودون بالنوال ويبسطون أيديهم بالعطايا ولكنهم كانوا يفعلون ذلك رئاء الناس واكتسابا للشهرة والثناء وفي ذلك من الإيلام والايجاع ما فيه، إذ يرون أن ما أنفقوه وما بذلوه لم يكن إلا زيادة في برحائهم وإمعانا في عذابهم: ب- انهم كانوا بخلاء يكرهون البذل ويصدون عمن جاء يستندي سحاب أكفهم ويمتري اخلاف جدواهم فقيل لهم ذلك ليزيدهم إيلاما على إيلام وايجاعا على إيجاع.
الفوائد:
1- قوله «كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ»
أي فيه ما يوجب الثناء عليكم لكونه نازلا بلسانكم وبين ظهرانيكم وعلى رسول منكم وقيل فيه ما تنشدونه من حسن الذكر وبعد الصيت وطيب الأحدوثة وقيل فيه الموعظة لكم والإرشاد لما ينفعكم في دينكم ودنياكم وجميع ذلك محتمل.
2- بحث لما:
تقع لما في العربية على ثلاثة أوجه:
الأول:
أن تختص بالمضارع فتجزمه وتنفيه وتقلبه ماضيا ك «لم» إلا أنها تفارقها في خمسة أمور:
1- انها لا تقترن بأداة شرط فلا يقال: إن لما تقم ويقال: إن لم تقم.
2- ان منفيها مستمر النفي إلى الحال أما منفي لم فيحتمل الاتصال والانقطاع مثل: «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» ولهذا جاز أن تقول: لم يكن ثم كان، ولكن لا يجوز أن تقول: لما يكن ثم كان.
3- ان الغالب في منفي لما ان يكون قريبا من الحال بخلاف منفي لم.
4- ان منفي لما متوقع ثبوته بخلاف منفي لم.
5- ان منفي لما جائز الحذف لدليل كقوله: «فجئت قبورهم بدءا ولما» أي ولما أكن بدءا قبل ذلك أي سيدا ولا يجوز:
«وصلت إلى حمص ولم» تريد ولم أدخلها.
الثاني:
أن تختص بالماضي فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما نحو: لما جاءني أكرمته ويقال فيها حرف وجود لوجود وبعضهم يقول وجوب لوجوب وقيل هي ظرف لفعل وقع لوقوع غيره وقال جماعة: انها ظرف بمعنى حين.
الثالث:
أن تكون حرف استثناء بمعنى إلا فتدخل على الجملة الاسمية نحو: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ» فيمن شدد الميم وعلى الماضي لفظا لا معنى نحو أنشدك الله لما فعلت أي ما أسألك إلا فعلك.
الأنبياء 21:10
اللغة:
(قَصَمْنا) : القصم أبلغ من الكسر وفي القاموس «قصم من باب صرب قصما الشيء: كسره، وقصم الرجل: أهلكه، ويقال: قصم الله ظهر الظالم أي أنزل به البلية» وللقاف مع الصاد فاء وعينا للكلمة سر عجيب، انهما تدلان على الكسر والمحق والإهلاك فقولهم: قصب الشاة يعني قطعها قطعا أو عضوا عضوا ومنه سمي القصاب أي الجزار والقصّابة مؤنث القصاب ولها معنى آخر وهو ما نسميه اليوم «الناي» أي قصبة ينفخ بها للغناء وعن بعض العرب: قلت أبياتا فغنى بها حكم الوادي فو الله ما حرك بها قصّابة إلا خفت النار فتركت قول الشعر، وهي الوتر، ونفخ في القصابة: في المزمار، وأقصدته المنية أهلكته ومنه قصد الرجل أتى اليه ونحا نحوه، وقصرته حبسته وقصرت نفسي على هذا الأمر إذا لم تطمح إلى غيره وقصرت طرفي لم أرفعه إلى مالا ينبغي وهنّ قاصرات الطرف: قصرنه على أزواجهنّ، وقص الشعر والريش وقصّصه معروف وجناح مقصوص ومقصص، وقصع الصّؤاب بين ظفريه قتله وقصعت الرحى الحب فضخته وصبي قصيع قميء لا يشب، وقصف القناة والعود كسرهما وقصف ظهره ورجل مقصوف والعامة تقول لمن تدعو عليه يا مقصوف وهي فصيحة لا غبار عليها وعصفت ريح فقصفت السفينة وعود قصف: سريع الانكسار، قال الطرماح:
تميم تمنّى الحرب ما لم ألاقها ... وهم قصف العيدان في الحرب خورها
وقصله قطعه قطعا وحيّا وسيف قاصل وقصّال ومقصل وقصل فرسه يقصله: علفه القصيل ومنه المقصلة وهي آلة للاعدام قوامها سكين تسقط على رأس المجرم فتقطعه، وقصا يقصو قصوا وقصوا وقصا وقصاء الرجل تباعد وفي البعد اشارة إلى الهلكة لأنها بعد أيضا.
(أُتْرِفْتُمْ) : نعمتم من العيش الرافه والحال الناعمة والإتراف ابطار النعمة.
الإعراب:
(ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) ما نافية وآمنت فعل ماض والتاء للتأنيث والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير كفرهم واستبعاد إيمانهم وقبلهم ظرف متعلق بآمنت ومن حرف جر زائد وقرية مجرور لفظا فاعل آمنت محلا وجملة أهلكناها صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها كما سيأتي في باب البلاغة، أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة يؤمنون خبر. (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) الواو عاطفة وما نافية وأرسلنا فعل ماض وفاعل إلا أداة حصر ورجالا مفعول أرسلنا وجملة نوحي إليهم صفة لرجالا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية. (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة واسألوا فعل أمر وفاعل وأهل الذكر مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة لا تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دلت عليه الفاء الفصيحة. (وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) الواو عاطفة وما نافية وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وجسدا مفعول ثان إذا كانت جعل بمعنى التصيير وإن كانت بمعنى الخلق فجسدا حال مؤولة بالمشتق أي متغذين، وجملة لا يأكلون الطعام في محل نصب نعت لجسدا وجسد مفرد أريد به الجمع وانما وحدّه ليشمل الجنس عامة لأن الجسد لا بد له من غذاء، والواو عاطفة وما نافية وكانوا خالدين كان واسمها وخبرها والجملة معطوفة على لا يأكلون. (ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) ثم حرف عطف وصدقناهم فعل وفاعل ومفعول والوعد منصوب بنزع الخافض لأن صدق يتعدى لاثنين إلى ثانيهما بحرف الجر والأصل في الوعد، فأنجيناهم عطف على صدقناهم ومن نشاء عطف على الهاء وجملة نشاء صلة وأهلكنا المسرفين عطف على أنجيناهم والمسرفين مفعول به. (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) اللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وأنزلنا فعل وفاعل وإليكم متعلقان بأنزلنا وكتابا مفعول به وفيه خبر مقدم وذكركم مبتدأ مؤخر والجملة صفة لكتابا وسيأتي معنى فيه ذكركم في باب الفوائد والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ألا تتفكرون فلا تعقلون شيئا من الأشياء المذكورة لكم، (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ) الواو عاطفة أو استئنافية مسوقة للتمثيل بالأمم التي هلكت قبلهم وكم خبرية مفعول به مقدم لقصمنا ومن قرية تمييز لكم الخبرية مجرور بمن وقد تقدم ذلك وجملة كانت ظالمة صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها وكانت ظالمة كان واسمها المستتر وخبرها وأنشأنا عطف على قصمنا وبعدها ظرف متعلق بأنشأنا وقوما مفعول به وآخرين صفة لقوما. (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم الكلام حولها والخلاف فيها مشبعين وهم مبتدأ وجملة يركضون خبرهم ومنها متعلقان بيركضون وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن لما حرف وسماها ابن هشام رابطة لأنه لا عامل لها إذا أعربت ظرفا بمعنى حين ونرى أن معنى المفاجأة التي دلت عليه إذا هو العامل وسيأتي مزيد بحث عن لما في باب الفوائد.
(لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) لا ناهية وتركضوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وجملة لا تركضوا مقول قول محذوف والقائل اختلف فيه فقيل هم الملائكة وقيل هم من كان هناك من المؤمنين وهذا القول على سبيل الاستهزاء بهم طبعا، وارجعوا فعل أمر معطوف على لا تركضوا والى ما متعلقان بارجعوا وجملة أترفتم صلة وفيه متعلقان بأترفتم ومساكنكم بالجر عطف على ما، ولعلكم تسألون لعل واسمها وخبرها والترجي هنا استهزاء بهم وتهكم بما كانوا يظنونه بأنفسهم من أنهم مظنة السخاء ومطلع الكرم والمعنى ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون شيئا من دنياكم حسبما تتصورون أنفسكم من أنكم أهل النوال والعطاء حيث يسألكم الناس في العوادي والنوازل ويندبونكم للملمات ويستشيرونكم في المعضلات وسيأتي المزيد عن هذا البحث الشيق في باب البلاغة.
البلاغة:
1- المجاز المرسل في قوله «قرية» إذ المراد أهلها وقد تقدم مثال ذلك كثيرا.
2- التهكم بقوله «وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» وقد ألمعنا إلى المراد من هذا التهكم ونزيد عليه هنا احتمالين هامين مترتبين على هذا التهكم:
آ- انهم كانوا أسخياء حقيقة يجودون بالنوال ويبسطون أيديهم بالعطايا ولكنهم كانوا يفعلون ذلك رئاء الناس واكتسابا للشهرة والثناء وفي ذلك من الإيلام والايجاع ما فيه، إذ يرون أن ما أنفقوه وما بذلوه لم يكن إلا زيادة في برحائهم وإمعانا في عذابهم: ب- انهم كانوا بخلاء يكرهون البذل ويصدون عمن جاء يستندي سحاب أكفهم ويمتري اخلاف جدواهم فقيل لهم ذلك ليزيدهم إيلاما على إيلام وايجاعا على إيجاع.
الفوائد:
1- قوله «كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ»
أي فيه ما يوجب الثناء عليكم لكونه نازلا بلسانكم وبين ظهرانيكم وعلى رسول منكم وقيل فيه ما تنشدونه من حسن الذكر وبعد الصيت وطيب الأحدوثة وقيل فيه الموعظة لكم والإرشاد لما ينفعكم في دينكم ودنياكم وجميع ذلك محتمل.
2- بحث لما:
تقع لما في العربية على ثلاثة أوجه:
الأول:
أن تختص بالمضارع فتجزمه وتنفيه وتقلبه ماضيا ك «لم» إلا أنها تفارقها في خمسة أمور:
1- انها لا تقترن بأداة شرط فلا يقال: إن لما تقم ويقال: إن لم تقم.
2- ان منفيها مستمر النفي إلى الحال أما منفي لم فيحتمل الاتصال والانقطاع مثل: «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» ولهذا جاز أن تقول: لم يكن ثم كان، ولكن لا يجوز أن تقول: لما يكن ثم كان.
3- ان الغالب في منفي لما ان يكون قريبا من الحال بخلاف منفي لم.
4- ان منفي لما متوقع ثبوته بخلاف منفي لم.
5- ان منفي لما جائز الحذف لدليل كقوله: «فجئت قبورهم بدءا ولما» أي ولما أكن بدءا قبل ذلك أي سيدا ولا يجوز:
«وصلت إلى حمص ولم» تريد ولم أدخلها.
الثاني:
أن تختص بالماضي فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما نحو: لما جاءني أكرمته ويقال فيها حرف وجود لوجود وبعضهم يقول وجوب لوجوب وقيل هي ظرف لفعل وقع لوقوع غيره وقال جماعة: انها ظرف بمعنى حين.
الثالث:
أن تكون حرف استثناء بمعنى إلا فتدخل على الجملة الاسمية نحو: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ» فيمن شدد الميم وعلى الماضي لفظا لا معنى نحو أنشدك الله لما فعلت أي ما أسألك إلا فعلك.
الأنبياء 21:11
اللغة:
(قَصَمْنا) : القصم أبلغ من الكسر وفي القاموس «قصم من باب صرب قصما الشيء: كسره، وقصم الرجل: أهلكه، ويقال: قصم الله ظهر الظالم أي أنزل به البلية» وللقاف مع الصاد فاء وعينا للكلمة سر عجيب، انهما تدلان على الكسر والمحق والإهلاك فقولهم: قصب الشاة يعني قطعها قطعا أو عضوا عضوا ومنه سمي القصاب أي الجزار والقصّابة مؤنث القصاب ولها معنى آخر وهو ما نسميه اليوم «الناي» أي قصبة ينفخ بها للغناء وعن بعض العرب: قلت أبياتا فغنى بها حكم الوادي فو الله ما حرك بها قصّابة إلا خفت النار فتركت قول الشعر، وهي الوتر، ونفخ في القصابة: في المزمار، وأقصدته المنية أهلكته ومنه قصد الرجل أتى اليه ونحا نحوه، وقصرته حبسته وقصرت نفسي على هذا الأمر إذا لم تطمح إلى غيره وقصرت طرفي لم أرفعه إلى مالا ينبغي وهنّ قاصرات الطرف: قصرنه على أزواجهنّ، وقص الشعر والريش وقصّصه معروف وجناح مقصوص ومقصص، وقصع الصّؤاب بين ظفريه قتله وقصعت الرحى الحب فضخته وصبي قصيع قميء لا يشب، وقصف القناة والعود كسرهما وقصف ظهره ورجل مقصوف والعامة تقول لمن تدعو عليه يا مقصوف وهي فصيحة لا غبار عليها وعصفت ريح فقصفت السفينة وعود قصف: سريع الانكسار، قال الطرماح:
تميم تمنّى الحرب ما لم ألاقها ... وهم قصف العيدان في الحرب خورها
وقصله قطعه قطعا وحيّا وسيف قاصل وقصّال ومقصل وقصل فرسه يقصله: علفه القصيل ومنه المقصلة وهي آلة للاعدام قوامها سكين تسقط على رأس المجرم فتقطعه، وقصا يقصو قصوا وقصوا وقصا وقصاء الرجل تباعد وفي البعد اشارة إلى الهلكة لأنها بعد أيضا.
(أُتْرِفْتُمْ) : نعمتم من العيش الرافه والحال الناعمة والإتراف ابطار النعمة.
الإعراب:
(ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) ما نافية وآمنت فعل ماض والتاء للتأنيث والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير كفرهم واستبعاد إيمانهم وقبلهم ظرف متعلق بآمنت ومن حرف جر زائد وقرية مجرور لفظا فاعل آمنت محلا وجملة أهلكناها صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها كما سيأتي في باب البلاغة، أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة يؤمنون خبر. (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) الواو عاطفة وما نافية وأرسلنا فعل ماض وفاعل إلا أداة حصر ورجالا مفعول أرسلنا وجملة نوحي إليهم صفة لرجالا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية. (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة واسألوا فعل أمر وفاعل وأهل الذكر مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة لا تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دلت عليه الفاء الفصيحة. (وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) الواو عاطفة وما نافية وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وجسدا مفعول ثان إذا كانت جعل بمعنى التصيير وإن كانت بمعنى الخلق فجسدا حال مؤولة بالمشتق أي متغذين، وجملة لا يأكلون الطعام في محل نصب نعت لجسدا وجسد مفرد أريد به الجمع وانما وحدّه ليشمل الجنس عامة لأن الجسد لا بد له من غذاء، والواو عاطفة وما نافية وكانوا خالدين كان واسمها وخبرها والجملة معطوفة على لا يأكلون. (ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) ثم حرف عطف وصدقناهم فعل وفاعل ومفعول والوعد منصوب بنزع الخافض لأن صدق يتعدى لاثنين إلى ثانيهما بحرف الجر والأصل في الوعد، فأنجيناهم عطف على صدقناهم ومن نشاء عطف على الهاء وجملة نشاء صلة وأهلكنا المسرفين عطف على أنجيناهم والمسرفين مفعول به. (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) اللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وأنزلنا فعل وفاعل وإليكم متعلقان بأنزلنا وكتابا مفعول به وفيه خبر مقدم وذكركم مبتدأ مؤخر والجملة صفة لكتابا وسيأتي معنى فيه ذكركم في باب الفوائد والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ألا تتفكرون فلا تعقلون شيئا من الأشياء المذكورة لكم، (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ) الواو عاطفة أو استئنافية مسوقة للتمثيل بالأمم التي هلكت قبلهم وكم خبرية مفعول به مقدم لقصمنا ومن قرية تمييز لكم الخبرية مجرور بمن وقد تقدم ذلك وجملة كانت ظالمة صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها وكانت ظالمة كان واسمها المستتر وخبرها وأنشأنا عطف على قصمنا وبعدها ظرف متعلق بأنشأنا وقوما مفعول به وآخرين صفة لقوما. (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم الكلام حولها والخلاف فيها مشبعين وهم مبتدأ وجملة يركضون خبرهم ومنها متعلقان بيركضون وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن لما حرف وسماها ابن هشام رابطة لأنه لا عامل لها إذا أعربت ظرفا بمعنى حين ونرى أن معنى المفاجأة التي دلت عليه إذا هو العامل وسيأتي مزيد بحث عن لما في باب الفوائد.
(لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) لا ناهية وتركضوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وجملة لا تركضوا مقول قول محذوف والقائل اختلف فيه فقيل هم الملائكة وقيل هم من كان هناك من المؤمنين وهذا القول على سبيل الاستهزاء بهم طبعا، وارجعوا فعل أمر معطوف على لا تركضوا والى ما متعلقان بارجعوا وجملة أترفتم صلة وفيه متعلقان بأترفتم ومساكنكم بالجر عطف على ما، ولعلكم تسألون لعل واسمها وخبرها والترجي هنا استهزاء بهم وتهكم بما كانوا يظنونه بأنفسهم من أنهم مظنة السخاء ومطلع الكرم والمعنى ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون شيئا من دنياكم حسبما تتصورون أنفسكم من أنكم أهل النوال والعطاء حيث يسألكم الناس في العوادي والنوازل ويندبونكم للملمات ويستشيرونكم في المعضلات وسيأتي المزيد عن هذا البحث الشيق في باب البلاغة.
البلاغة:
1- المجاز المرسل في قوله «قرية» إذ المراد أهلها وقد تقدم مثال ذلك كثيرا.
2- التهكم بقوله «وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» وقد ألمعنا إلى المراد من هذا التهكم ونزيد عليه هنا احتمالين هامين مترتبين على هذا التهكم:
آ- انهم كانوا أسخياء حقيقة يجودون بالنوال ويبسطون أيديهم بالعطايا ولكنهم كانوا يفعلون ذلك رئاء الناس واكتسابا للشهرة والثناء وفي ذلك من الإيلام والايجاع ما فيه، إذ يرون أن ما أنفقوه وما بذلوه لم يكن إلا زيادة في برحائهم وإمعانا في عذابهم: ب- انهم كانوا بخلاء يكرهون البذل ويصدون عمن جاء يستندي سحاب أكفهم ويمتري اخلاف جدواهم فقيل لهم ذلك ليزيدهم إيلاما على إيلام وايجاعا على إيجاع.
الفوائد:
1- قوله «كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ»
أي فيه ما يوجب الثناء عليكم لكونه نازلا بلسانكم وبين ظهرانيكم وعلى رسول منكم وقيل فيه ما تنشدونه من حسن الذكر وبعد الصيت وطيب الأحدوثة وقيل فيه الموعظة لكم والإرشاد لما ينفعكم في دينكم ودنياكم وجميع ذلك محتمل.
2- بحث لما:
تقع لما في العربية على ثلاثة أوجه:
الأول:
أن تختص بالمضارع فتجزمه وتنفيه وتقلبه ماضيا ك «لم» إلا أنها تفارقها في خمسة أمور:
1- انها لا تقترن بأداة شرط فلا يقال: إن لما تقم ويقال: إن لم تقم.
2- ان منفيها مستمر النفي إلى الحال أما منفي لم فيحتمل الاتصال والانقطاع مثل: «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» ولهذا جاز أن تقول: لم يكن ثم كان، ولكن لا يجوز أن تقول: لما يكن ثم كان.
3- ان الغالب في منفي لما ان يكون قريبا من الحال بخلاف منفي لم.
4- ان منفي لما متوقع ثبوته بخلاف منفي لم.
5- ان منفي لما جائز الحذف لدليل كقوله: «فجئت قبورهم بدءا ولما» أي ولما أكن بدءا قبل ذلك أي سيدا ولا يجوز:
«وصلت إلى حمص ولم» تريد ولم أدخلها.
الثاني:
أن تختص بالماضي فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما نحو: لما جاءني أكرمته ويقال فيها حرف وجود لوجود وبعضهم يقول وجوب لوجوب وقيل هي ظرف لفعل وقع لوقوع غيره وقال جماعة: انها ظرف بمعنى حين.
الثالث:
أن تكون حرف استثناء بمعنى إلا فتدخل على الجملة الاسمية نحو: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ» فيمن شدد الميم وعلى الماضي لفظا لا معنى نحو أنشدك الله لما فعلت أي ما أسألك إلا فعلك.
الأنبياء 21:12
اللغة:
(قَصَمْنا) : القصم أبلغ من الكسر وفي القاموس «قصم من باب صرب قصما الشيء: كسره، وقصم الرجل: أهلكه، ويقال: قصم الله ظهر الظالم أي أنزل به البلية» وللقاف مع الصاد فاء وعينا للكلمة سر عجيب، انهما تدلان على الكسر والمحق والإهلاك فقولهم: قصب الشاة يعني قطعها قطعا أو عضوا عضوا ومنه سمي القصاب أي الجزار والقصّابة مؤنث القصاب ولها معنى آخر وهو ما نسميه اليوم «الناي» أي قصبة ينفخ بها للغناء وعن بعض العرب: قلت أبياتا فغنى بها حكم الوادي فو الله ما حرك بها قصّابة إلا خفت النار فتركت قول الشعر، وهي الوتر، ونفخ في القصابة: في المزمار، وأقصدته المنية أهلكته ومنه قصد الرجل أتى اليه ونحا نحوه، وقصرته حبسته وقصرت نفسي على هذا الأمر إذا لم تطمح إلى غيره وقصرت طرفي لم أرفعه إلى مالا ينبغي وهنّ قاصرات الطرف: قصرنه على أزواجهنّ، وقص الشعر والريش وقصّصه معروف وجناح مقصوص ومقصص، وقصع الصّؤاب بين ظفريه قتله وقصعت الرحى الحب فضخته وصبي قصيع قميء لا يشب، وقصف القناة والعود كسرهما وقصف ظهره ورجل مقصوف والعامة تقول لمن تدعو عليه يا مقصوف وهي فصيحة لا غبار عليها وعصفت ريح فقصفت السفينة وعود قصف: سريع الانكسار، قال الطرماح:
تميم تمنّى الحرب ما لم ألاقها ... وهم قصف العيدان في الحرب خورها
وقصله قطعه قطعا وحيّا وسيف قاصل وقصّال ومقصل وقصل فرسه يقصله: علفه القصيل ومنه المقصلة وهي آلة للاعدام قوامها سكين تسقط على رأس المجرم فتقطعه، وقصا يقصو قصوا وقصوا وقصا وقصاء الرجل تباعد وفي البعد اشارة إلى الهلكة لأنها بعد أيضا.
(أُتْرِفْتُمْ) : نعمتم من العيش الرافه والحال الناعمة والإتراف ابطار النعمة.
الإعراب:
(ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) ما نافية وآمنت فعل ماض والتاء للتأنيث والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير كفرهم واستبعاد إيمانهم وقبلهم ظرف متعلق بآمنت ومن حرف جر زائد وقرية مجرور لفظا فاعل آمنت محلا وجملة أهلكناها صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها كما سيأتي في باب البلاغة، أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة يؤمنون خبر. (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) الواو عاطفة وما نافية وأرسلنا فعل ماض وفاعل إلا أداة حصر ورجالا مفعول أرسلنا وجملة نوحي إليهم صفة لرجالا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية. (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة واسألوا فعل أمر وفاعل وأهل الذكر مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة لا تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دلت عليه الفاء الفصيحة. (وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) الواو عاطفة وما نافية وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وجسدا مفعول ثان إذا كانت جعل بمعنى التصيير وإن كانت بمعنى الخلق فجسدا حال مؤولة بالمشتق أي متغذين، وجملة لا يأكلون الطعام في محل نصب نعت لجسدا وجسد مفرد أريد به الجمع وانما وحدّه ليشمل الجنس عامة لأن الجسد لا بد له من غذاء، والواو عاطفة وما نافية وكانوا خالدين كان واسمها وخبرها والجملة معطوفة على لا يأكلون. (ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) ثم حرف عطف وصدقناهم فعل وفاعل ومفعول والوعد منصوب بنزع الخافض لأن صدق يتعدى لاثنين إلى ثانيهما بحرف الجر والأصل في الوعد، فأنجيناهم عطف على صدقناهم ومن نشاء عطف على الهاء وجملة نشاء صلة وأهلكنا المسرفين عطف على أنجيناهم والمسرفين مفعول به. (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) اللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وأنزلنا فعل وفاعل وإليكم متعلقان بأنزلنا وكتابا مفعول به وفيه خبر مقدم وذكركم مبتدأ مؤخر والجملة صفة لكتابا وسيأتي معنى فيه ذكركم في باب الفوائد والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ألا تتفكرون فلا تعقلون شيئا من الأشياء المذكورة لكم، (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ) الواو عاطفة أو استئنافية مسوقة للتمثيل بالأمم التي هلكت قبلهم وكم خبرية مفعول به مقدم لقصمنا ومن قرية تمييز لكم الخبرية مجرور بمن وقد تقدم ذلك وجملة كانت ظالمة صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها وكانت ظالمة كان واسمها المستتر وخبرها وأنشأنا عطف على قصمنا وبعدها ظرف متعلق بأنشأنا وقوما مفعول به وآخرين صفة لقوما. (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم الكلام حولها والخلاف فيها مشبعين وهم مبتدأ وجملة يركضون خبرهم ومنها متعلقان بيركضون وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن لما حرف وسماها ابن هشام رابطة لأنه لا عامل لها إذا أعربت ظرفا بمعنى حين ونرى أن معنى المفاجأة التي دلت عليه إذا هو العامل وسيأتي مزيد بحث عن لما في باب الفوائد.
(لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) لا ناهية وتركضوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وجملة لا تركضوا مقول قول محذوف والقائل اختلف فيه فقيل هم الملائكة وقيل هم من كان هناك من المؤمنين وهذا القول على سبيل الاستهزاء بهم طبعا، وارجعوا فعل أمر معطوف على لا تركضوا والى ما متعلقان بارجعوا وجملة أترفتم صلة وفيه متعلقان بأترفتم ومساكنكم بالجر عطف على ما، ولعلكم تسألون لعل واسمها وخبرها والترجي هنا استهزاء بهم وتهكم بما كانوا يظنونه بأنفسهم من أنهم مظنة السخاء ومطلع الكرم والمعنى ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون شيئا من دنياكم حسبما تتصورون أنفسكم من أنكم أهل النوال والعطاء حيث يسألكم الناس في العوادي والنوازل ويندبونكم للملمات ويستشيرونكم في المعضلات وسيأتي المزيد عن هذا البحث الشيق في باب البلاغة.
البلاغة:
1- المجاز المرسل في قوله «قرية» إذ المراد أهلها وقد تقدم مثال ذلك كثيرا.
2- التهكم بقوله «وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» وقد ألمعنا إلى المراد من هذا التهكم ونزيد عليه هنا احتمالين هامين مترتبين على هذا التهكم:
آ- انهم كانوا أسخياء حقيقة يجودون بالنوال ويبسطون أيديهم بالعطايا ولكنهم كانوا يفعلون ذلك رئاء الناس واكتسابا للشهرة والثناء وفي ذلك من الإيلام والايجاع ما فيه، إذ يرون أن ما أنفقوه وما بذلوه لم يكن إلا زيادة في برحائهم وإمعانا في عذابهم: ب- انهم كانوا بخلاء يكرهون البذل ويصدون عمن جاء يستندي سحاب أكفهم ويمتري اخلاف جدواهم فقيل لهم ذلك ليزيدهم إيلاما على إيلام وايجاعا على إيجاع.
الفوائد:
1- قوله «كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ»
أي فيه ما يوجب الثناء عليكم لكونه نازلا بلسانكم وبين ظهرانيكم وعلى رسول منكم وقيل فيه ما تنشدونه من حسن الذكر وبعد الصيت وطيب الأحدوثة وقيل فيه الموعظة لكم والإرشاد لما ينفعكم في دينكم ودنياكم وجميع ذلك محتمل.
2- بحث لما:
تقع لما في العربية على ثلاثة أوجه:
الأول:
أن تختص بالمضارع فتجزمه وتنفيه وتقلبه ماضيا ك «لم» إلا أنها تفارقها في خمسة أمور:
1- انها لا تقترن بأداة شرط فلا يقال: إن لما تقم ويقال: إن لم تقم.
2- ان منفيها مستمر النفي إلى الحال أما منفي لم فيحتمل الاتصال والانقطاع مثل: «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» ولهذا جاز أن تقول: لم يكن ثم كان، ولكن لا يجوز أن تقول: لما يكن ثم كان.
3- ان الغالب في منفي لما ان يكون قريبا من الحال بخلاف منفي لم.
4- ان منفي لما متوقع ثبوته بخلاف منفي لم.
5- ان منفي لما جائز الحذف لدليل كقوله: «فجئت قبورهم بدءا ولما» أي ولما أكن بدءا قبل ذلك أي سيدا ولا يجوز:
«وصلت إلى حمص ولم» تريد ولم أدخلها.
الثاني:
أن تختص بالماضي فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما نحو: لما جاءني أكرمته ويقال فيها حرف وجود لوجود وبعضهم يقول وجوب لوجوب وقيل هي ظرف لفعل وقع لوقوع غيره وقال جماعة: انها ظرف بمعنى حين.
الثالث:
أن تكون حرف استثناء بمعنى إلا فتدخل على الجملة الاسمية نحو: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ» فيمن شدد الميم وعلى الماضي لفظا لا معنى نحو أنشدك الله لما فعلت أي ما أسألك إلا فعلك.
الأنبياء 21:13
اللغة:
(قَصَمْنا) : القصم أبلغ من الكسر وفي القاموس «قصم من باب صرب قصما الشيء: كسره، وقصم الرجل: أهلكه، ويقال: قصم الله ظهر الظالم أي أنزل به البلية» وللقاف مع الصاد فاء وعينا للكلمة سر عجيب، انهما تدلان على الكسر والمحق والإهلاك فقولهم: قصب الشاة يعني قطعها قطعا أو عضوا عضوا ومنه سمي القصاب أي الجزار والقصّابة مؤنث القصاب ولها معنى آخر وهو ما نسميه اليوم «الناي» أي قصبة ينفخ بها للغناء وعن بعض العرب: قلت أبياتا فغنى بها حكم الوادي فو الله ما حرك بها قصّابة إلا خفت النار فتركت قول الشعر، وهي الوتر، ونفخ في القصابة: في المزمار، وأقصدته المنية أهلكته ومنه قصد الرجل أتى اليه ونحا نحوه، وقصرته حبسته وقصرت نفسي على هذا الأمر إذا لم تطمح إلى غيره وقصرت طرفي لم أرفعه إلى مالا ينبغي وهنّ قاصرات الطرف: قصرنه على أزواجهنّ، وقص الشعر والريش وقصّصه معروف وجناح مقصوص ومقصص، وقصع الصّؤاب بين ظفريه قتله وقصعت الرحى الحب فضخته وصبي قصيع قميء لا يشب، وقصف القناة والعود كسرهما وقصف ظهره ورجل مقصوف والعامة تقول لمن تدعو عليه يا مقصوف وهي فصيحة لا غبار عليها وعصفت ريح فقصفت السفينة وعود قصف: سريع الانكسار، قال الطرماح:
تميم تمنّى الحرب ما لم ألاقها ... وهم قصف العيدان في الحرب خورها
وقصله قطعه قطعا وحيّا وسيف قاصل وقصّال ومقصل وقصل فرسه يقصله: علفه القصيل ومنه المقصلة وهي آلة للاعدام قوامها سكين تسقط على رأس المجرم فتقطعه، وقصا يقصو قصوا وقصوا وقصا وقصاء الرجل تباعد وفي البعد اشارة إلى الهلكة لأنها بعد أيضا.
(أُتْرِفْتُمْ) : نعمتم من العيش الرافه والحال الناعمة والإتراف ابطار النعمة.
الإعراب:
(ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) ما نافية وآمنت فعل ماض والتاء للتأنيث والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير كفرهم واستبعاد إيمانهم وقبلهم ظرف متعلق بآمنت ومن حرف جر زائد وقرية مجرور لفظا فاعل آمنت محلا وجملة أهلكناها صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها كما سيأتي في باب البلاغة، أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة يؤمنون خبر. (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) الواو عاطفة وما نافية وأرسلنا فعل ماض وفاعل إلا أداة حصر ورجالا مفعول أرسلنا وجملة نوحي إليهم صفة لرجالا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية. (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة واسألوا فعل أمر وفاعل وأهل الذكر مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة لا تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دلت عليه الفاء الفصيحة. (وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) الواو عاطفة وما نافية وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وجسدا مفعول ثان إذا كانت جعل بمعنى التصيير وإن كانت بمعنى الخلق فجسدا حال مؤولة بالمشتق أي متغذين، وجملة لا يأكلون الطعام في محل نصب نعت لجسدا وجسد مفرد أريد به الجمع وانما وحدّه ليشمل الجنس عامة لأن الجسد لا بد له من غذاء، والواو عاطفة وما نافية وكانوا خالدين كان واسمها وخبرها والجملة معطوفة على لا يأكلون. (ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) ثم حرف عطف وصدقناهم فعل وفاعل ومفعول والوعد منصوب بنزع الخافض لأن صدق يتعدى لاثنين إلى ثانيهما بحرف الجر والأصل في الوعد، فأنجيناهم عطف على صدقناهم ومن نشاء عطف على الهاء وجملة نشاء صلة وأهلكنا المسرفين عطف على أنجيناهم والمسرفين مفعول به. (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) اللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وأنزلنا فعل وفاعل وإليكم متعلقان بأنزلنا وكتابا مفعول به وفيه خبر مقدم وذكركم مبتدأ مؤخر والجملة صفة لكتابا وسيأتي معنى فيه ذكركم في باب الفوائد والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ألا تتفكرون فلا تعقلون شيئا من الأشياء المذكورة لكم، (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ) الواو عاطفة أو استئنافية مسوقة للتمثيل بالأمم التي هلكت قبلهم وكم خبرية مفعول به مقدم لقصمنا ومن قرية تمييز لكم الخبرية مجرور بمن وقد تقدم ذلك وجملة كانت ظالمة صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها وكانت ظالمة كان واسمها المستتر وخبرها وأنشأنا عطف على قصمنا وبعدها ظرف متعلق بأنشأنا وقوما مفعول به وآخرين صفة لقوما. (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم الكلام حولها والخلاف فيها مشبعين وهم مبتدأ وجملة يركضون خبرهم ومنها متعلقان بيركضون وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن لما حرف وسماها ابن هشام رابطة لأنه لا عامل لها إذا أعربت ظرفا بمعنى حين ونرى أن معنى المفاجأة التي دلت عليه إذا هو العامل وسيأتي مزيد بحث عن لما في باب الفوائد.
(لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) لا ناهية وتركضوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وجملة لا تركضوا مقول قول محذوف والقائل اختلف فيه فقيل هم الملائكة وقيل هم من كان هناك من المؤمنين وهذا القول على سبيل الاستهزاء بهم طبعا، وارجعوا فعل أمر معطوف على لا تركضوا والى ما متعلقان بارجعوا وجملة أترفتم صلة وفيه متعلقان بأترفتم ومساكنكم بالجر عطف على ما، ولعلكم تسألون لعل واسمها وخبرها والترجي هنا استهزاء بهم وتهكم بما كانوا يظنونه بأنفسهم من أنهم مظنة السخاء ومطلع الكرم والمعنى ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون شيئا من دنياكم حسبما تتصورون أنفسكم من أنكم أهل النوال والعطاء حيث يسألكم الناس في العوادي والنوازل ويندبونكم للملمات ويستشيرونكم في المعضلات وسيأتي المزيد عن هذا البحث الشيق في باب البلاغة.
البلاغة:
1- المجاز المرسل في قوله «قرية» إذ المراد أهلها وقد تقدم مثال ذلك كثيرا.
2- التهكم بقوله «وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» وقد ألمعنا إلى المراد من هذا التهكم ونزيد عليه هنا احتمالين هامين مترتبين على هذا التهكم:
آ- انهم كانوا أسخياء حقيقة يجودون بالنوال ويبسطون أيديهم بالعطايا ولكنهم كانوا يفعلون ذلك رئاء الناس واكتسابا للشهرة والثناء وفي ذلك من الإيلام والايجاع ما فيه، إذ يرون أن ما أنفقوه وما بذلوه لم يكن إلا زيادة في برحائهم وإمعانا في عذابهم: ب- انهم كانوا بخلاء يكرهون البذل ويصدون عمن جاء يستندي سحاب أكفهم ويمتري اخلاف جدواهم فقيل لهم ذلك ليزيدهم إيلاما على إيلام وايجاعا على إيجاع.
الفوائد:
1- قوله «كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ»
أي فيه ما يوجب الثناء عليكم لكونه نازلا بلسانكم وبين ظهرانيكم وعلى رسول منكم وقيل فيه ما تنشدونه من حسن الذكر وبعد الصيت وطيب الأحدوثة وقيل فيه الموعظة لكم والإرشاد لما ينفعكم في دينكم ودنياكم وجميع ذلك محتمل.
2- بحث لما:
تقع لما في العربية على ثلاثة أوجه:
الأول:
أن تختص بالمضارع فتجزمه وتنفيه وتقلبه ماضيا ك «لم» إلا أنها تفارقها في خمسة أمور:
1- انها لا تقترن بأداة شرط فلا يقال: إن لما تقم ويقال: إن لم تقم.
2- ان منفيها مستمر النفي إلى الحال أما منفي لم فيحتمل الاتصال والانقطاع مثل: «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» ولهذا جاز أن تقول: لم يكن ثم كان، ولكن لا يجوز أن تقول: لما يكن ثم كان.
3- ان الغالب في منفي لما ان يكون قريبا من الحال بخلاف منفي لم.
4- ان منفي لما متوقع ثبوته بخلاف منفي لم.
5- ان منفي لما جائز الحذف لدليل كقوله: «فجئت قبورهم بدءا ولما» أي ولما أكن بدءا قبل ذلك أي سيدا ولا يجوز:
«وصلت إلى حمص ولم» تريد ولم أدخلها.
الثاني:
أن تختص بالماضي فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما نحو: لما جاءني أكرمته ويقال فيها حرف وجود لوجود وبعضهم يقول وجوب لوجوب وقيل هي ظرف لفعل وقع لوقوع غيره وقال جماعة: انها ظرف بمعنى حين.
الثالث:
أن تكون حرف استثناء بمعنى إلا فتدخل على الجملة الاسمية نحو: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ» فيمن شدد الميم وعلى الماضي لفظا لا معنى نحو أنشدك الله لما فعلت أي ما أسألك إلا فعلك.
الأنبياء 21:14
اللغة:
(حَصِيداً) : فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد وغيره وستأتي قاعدته في باب الفوائد وهو الزرع المحصود.
(خامِدِينَ) : يقال خمدت النار وهمدت كل منهما من باب دخل لكن الاول عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الجمر والثاني عبارة عن ذهابها بالكلية.
(لَهْواً) : في المصباح: «اللهو معروف، تقول أهل نجد: لهوت عنه ألهو لهيّا والأصل على فعول من باب قعد، وأهل العالية لهيت عنه ألهى من باب تعب ومعناه السلوان والترك ولهوت به لهوا من باب قتل أولعت به أيضا، قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني» اهـ.
وفي القاموس والتاج: «لهى لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك والملاهي آلاته وتلاهى بذاك والألهوة والألهية والتلهية ما يتلاهى به ولهت المرأة إلى حديثه لهوا ولهوّا: أنست به وأعجبها واللهوة المرأة الملهو بها كاللهو وبالضم والفتح ما ألقيته في فم الرحى والعطية أو أفضل العطايا وأجزلها كاللهية والحفنة من المال أو الألف من الدنانير والدراهم لا غير ولهي به كرضي أحبه وعنه سلا وغفل وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا، وقال شارح القاموس قوله: لها لهوا لعب قضية اتحادهما وقد فرق بينهما جماعة فقيل يشتركان في أنهما اشتغال بما لا يعني حراما أو لا قيل واللهو أعم مطلقا فاستماع الملاهي لهو لا لعب وقال الجوهري: قد يكنى باللهو عن الجماع ويدل على ما قاله امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي
(فَيَدْمَغُهُ) : فيذهبه وبابه قطع وفي القاموس: دمغة قهره ودمغ الحق بالباطل: أبطله ومحقه وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة.
(يَسْتَحْسِرُونَ) يكلون ويتعبون يقال: استحسر البعير أي كلّ وتعب ويقال حسر البعير وحسرته أنا فيكون لازما ومتعديا وأحسرته أيضا فيكون فعل وأفعل بمعنى واحد وسيأتي مزيد بيان عن الاستحسار في باب البلاغة.
الإعراب:
(قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) يا أداة نداء وويلنا منادى مضاف يدعون الويل والثبور لأن هذا وقته ويجوز أن تكون يا للتنبيه وويلنا مصدر لفعل محذوف والجملة مقول قولهم وإن واسمها وجملة كنا ظالمين خبرها وكان واسمها وظالمين خبرها. (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) الفاء عاطفة وما زالت فعل ماض ناقص والتاء علامة التأنيث وتلك اسم اشارة اسمها في محل رفع ودعواهم خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف والهاء مضاف اليه والميم حرف دال على جمع الذكور والمراد بالدعوى تلك الكلمات وهي «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» وحتى حرف غاية وجر وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وحصيدا خامدين مفعول به ثان لأن حكمهما حكم الواحد. إذ أن معنى جعلناهم حصيدا خامدين: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود ومثال ذلك قولك جعلته حلوا حامضا أي جامعا للطعين أي مزا، ولك أن تجعل خامدين صفة لحصيدا. (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) الواو حرف عطف أو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لعرض البدائع والعجائب التي انطوى عليها خلق السموات والأرض وما فيهما للعظة ولتكون مطارح اعتبار وحافزا للتفكير والاستدلال وما نافية وخلقنا فعل وفاعل والسماء مفعول به والأرض عطف على السماء وما عطف على السماء والأرض وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول ولاعبين حال من فاعل خلقنا. (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) لو شرطية امتناعية وأردنا فعل وفاعل وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أردنا وفاعل نتخذ ضمير مستتر تقديره نحن ولهوا مفعول به ولاتخذناه اللام واقعة في جواب لو واتخذناه فعل وفاعل ومفعول به من لدنا متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لاتخذ وإن يجوز أن تكون نافية بمعنى ما وكنا فاعلين كان واسمها وخبرها والجملة حالية من فاعل اتخذناه أي حال كوننا غير فاعلين ويجوز أن تكون إن شرطية وجوابها محذوف يدل عليه جواب لو ولعل هذا أولى وأشبه الوجهين بمذهب العربية. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) بل إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه تعالى لذاته ونقذف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وبالحق جار ومجرور متعلقان بنقذف وعلى الباطل متعلقان بمحذوف حال أي مستعليا على الباطل، فيدمغه عطف على نقذف فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وقد تقدم ذكرها وهو مبتدأ وزاهق خبرها ولكم الواو استئنافية ولكم خبر مقدم والويل مبتدأ مؤخر ومما متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو مما، أي استقر لكم الويل من كل ما تصفون ومما يجوز أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية وعلى كل جملة تصفون لا محل لها. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وله خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وفي السموات والأرض صلة. (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) الواو عاطفة ومن معطوفة على من الأولى وعنده ظرف متعلق بمحذوف صلة وجملة لا يستكبرون حالية من من الأولى وعن عبادته متعلقان بيستكبرون وجملة لا يستحسرون عطف على جملة لا يستكبرون ويجوز أن تكون الواو للاستئناف ومن عنده أي الملائكة مبتدأ خبره جملة لا يستكبرون والجملة مستأنفة. (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما يصنعه من عند الله في عبادتهم ويسبحون فعل مضارع وفاعل ويجوز أن تكون الجملة حالية والليل والنهار ظرفان متعلقان بيسبحون وجملة لا يفترون حال من فاعل يسبحون. (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) أم المنقطعة عاطفة وتفيد الإنكار واتخذوا فعل وفاعل وآلهة مفعول به ومن الأرض صفة وهم مبتدأ وجملة ينشرون خبر وجملة هم ينشرون صفة لآلهة ومفعول ينشرون محذوف أي يحيون الموتى ويجوز جعلها جملة مستأنفة لم يدعوا لآلهتهم انها تنشر الموتى ولكنهم بمجرد دعواهم ألوهيتها يترتب عليهم أن يدعوا ضمنا انها تنشر الموتى وسيأتي مزيد بحث حول الضمير الذي هو «هم» في باب البلاغة. (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) لو
شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وفيهما خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وإلا بمعنى غير صفة لآلهة ظهر اعرابها على ما بعدها ولا يصح أن تكون استثنائية لأن مفهوم الاستثناء فاسد هنا إذ حاصله انه لو كان فيهما آلهة لم يستثن الله منهم لم تفسدا وليس كذلك فإن مجرد تعدد الآلهة يوجب لزوم الفساد مطلقا وسيأتي مزيد بسط لهذا المبحث الهام، ولفسدتا اللام واقعة في جواب لو وجملة فسدتا لا محل لها من الإعراب فسبحان الله الفاء عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان وسبحان مفعول مطلق لفعل محذوف ولفظ الجلالة مضاف اليه ورب العرش بدل أو صفة للفظ الجلالة وعما متعلقان بسبحان وجملة يصفون لا محل لها لأنها صلة ما ويجوز أن تكون ما مصدرية. (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تفرده سبحانه بالسلطان، بحيث لا يسأله أحد عما يفعله ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وعما متعلقان بيسأل وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة يسألون خبر.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون عديدة أولها:
1- الاستعارة في قولهم «يا ويلنا» فقد خاطبوا الويل وهو الهلاك كأنه شخص حي يدعونه لينقذهم مما هم فيه.
2- التشبيه البليغ في قوله «جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ» .
فقد شبههم بعد حلول العذاب بهم بالحصيد أولا وهو الزرع المحصود ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به هو الاستئصال من المنابت ثم شبههم ثانيا بالنار المنطفئة ولم يبق منها إلا جمر منطفىء لا نفع فيه ولا قابلية لشيء من النفع منه فلا ترى إلا أشلاء متناثرة وأجزاء متفرقة قد تمددت وقدران عليها البلى.
3- الاستعارة المكنية في قوله «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» فقد شبه الحق والباطل وهما معنويان بشيئين ماديين محسوسين يقذفان ويدفعان ثم حذف هذين الشيئين واستعار ما هو من لوازمهما وهما القذف والدمغ لتجسيد الاطاحة بالباطل واعتلاء الحق عليه وتصوير إبطاله وإهداره ومحقه كأنه جرم صلب كصخرة أو ما يماثلها في القوة والصلابة قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه وهي من استعارة المحسوس للمعقول وقد تقدم بحث ذلك مفصلا مع استيفاء أقسام الاستعارة بالنسبة لطرفي التشبيه.
4- قوة اللفظ لقوة المعنى: وقد تقدم الكلام عن هذا الفن ونعني به نقل اللفظ من وزن إلى وزن آخر أكثر منه ليتضمن من المعنى الدال عليه أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني وأمثلة للابانة عنها فاذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني وهذا الضرب من الزيادة لا يستعمل إلا في مقام المبالغة وهو هنا في قوله تعالى «وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» فقد عدل عن الثلاثي وهو حسر إلى السداسي وهو استحسر وقد كان ظاهر الكلام أن يقال يحسرون أي يكلون ويتعبون، لأن أقل ملل منهم أو كلال إزاء الملائكة وإزاء عبادتهم لله سبحانه لا يتصور منهم ولكنه عدل عن ذلك لسرّ يخفى على النظرة السطحية الأولى وهو أن ما هم فيه من انهماك بالعبادة وانصراف بالكلية لها يوجب غاية الحسور وأقصاه.
5- التصريح بالضمير: وذلك في قوله: «هم ينشرون» وقد كان يكفي أن يقول ينشرون ولكنه عدل عن ذلك إلى التصريح بالضمير لإفادة معنى الخصوصية أولا كأنهم قالوا ليس هنا من يقدر على الإنشار غيرهم وثانيا لتسجيل إلزامهم ادعاء صفات الألوهية لآلهتهم وهذا الادعاء قد أبطله الله في الآية التالية لهذه الآية بدليل التمانع المغترف من بحر هذه الآية وهي «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» كما سيوضح في الاعراب، وهذا من جوهر الكلام وخالصه.
6- المذهب الكلامي: وذلك في قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» وذكر ابن المعتز أن الذي سماه هذه التسمية هو الجاحظ والكتاب الكريم مشحون به وتعريفه هو انه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام وله طرق متعددة وقد أوصلها الرماني في تفسيره المسمى بالنكت في اعجاز القرآن إلى خمسة ضروب ومنها إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل فملزوم قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» انهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله، وإيضاح ذلك إن دليل التمانع هو انه لو وجد مع الله إله آخر ربما قالوا لو فرضنا وجود إلهين فإما أن يكونا جميعا موصوفين بصفات الكمال اللاتي يندرج فيها القدرة على احياء الموتى وانشارهم وغير ذلك من الممكنات أو لا يتصف بها واحد منهما أو أحدهما دون الآخر وعندئذ تفسد الرعية بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق: «كان والله أعز علي من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول» وللمتكلمين في طريقة التمانع جولات واسعة تؤخذ في مظانها، وسيرد إيضاحها في باب الفوائد.
الفوائد:
«إلا» بمعنى «غير» :
الأصل في «إلا» أن تكون للاستثناء وفي «غير» أن تكون وصفا ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيوصف بإلا ويستثنى بغير فإن كانت إلا بمعنى غير وقعت هي وما بعدها صفة لما قبلها وذلك حيث لا يراد بها الاستثناء وانما يراد بها وصف ما قبلها بما يغاير ما بعدها كقوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فإلا وما بعدها صفة لآلهة لأن المراد نفي الآلهة المتعددة واثبات الإله الواحد الفرد ولا يصح الاستثناء بالنصب لأن المعنى يكون حينئذ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وهذا ظاهر الفساد، وسامح الله ابن يعيش شارح مفصل الزمخشري حيث أجاز النصب على الاستثناء في الآية الكريمة غير مقدر ما يترتب على النصب من فساد وعبارة ابن يعيش «قال الله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والمراد غير الله فهذا لا يكون إلا وصفا ولا يجوز أن يكون بدلا يراد به الاستثناء لأنه يصير في تقدير لو كان فيهما إلا الله لفسدتا وذلك فاسد لأن لو شرط فيما مضى فهي بمنزلة إن في المستقبل وأنت لو قلت إن أتاني إلا زيد لم يصح لأن الشرط في حكم الموجب فكما لا يصح أتاني إلا زيد كذلك لا يصح إن أتاني إلا زيد فلو نصب على الاستثناء فقلت لو كان فيهما إلا الله لجاز» . ثم لا يصح أيضا أن يعرب لفظ الجلالة بدلا من آلهة لأنه حيث لا يصح الاستثناء لا تصح البدلية ثم إن الكلام موجب فلا تجوز البدلية ولو صح الاستثناء لأن النصب واجب في الكلام الموجب التام وأيضا لو جعلته بدلا لكان التقدير: لو كان فيهما إلا الله لفسدتا لأن البدل على نية طرح المبدل منه كما هو معلوم ولعدم صحة الاستثناء هنا وعدم جواز البدلية تعين أن تكون إلا بمعنى غير.
ولتتمة هذا المبحث الدقيق ننقل الفصل الممتع الذي أورده العلامة ابن هشام في مغني اللبيب ورده على المبرد مع تعليقات مناسبة ليستوفي الموضوع حقه قال ابن هشام بعد أن ذكر أن لإلا أربعة أوجه:
«والثاني أن تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه فمثال الجمع المنكر: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فلا يجوز في إلا هذه أن تكون للاستثناء من جهة المعنى إذ التقدير حينئذ لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وليس ذلك المراد، ولا من جهة اللفظ لأن آلهة جمع منكر في الإثبات فلا عموم له فلا يصح الاستثناء منه فلو قلت قام رجال إلا زيدا لم يصح اتفاقا، وزعم المبرد أن «إلا» في الآية للاستثناء وان ما بعدها بدل محتجا بأن «لو» تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها جائز وان نحو «لو كان معنا إلا زيد» أجود كلام ويرده انهم لا يقولون «لو جاءني ديّار أكرمته» ولا «لو جاءني من أحد أكرمته» ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد ولما لم يجز ذلك دل على أن الصواب قول سيبويه إن إلا وما بعدها صفة» . إلى أن يقول:
«وشرط ابن الحاجب في وقوع إلا صفة تعذر الاستثناء وجعل من الشاذ قول حضرمي بن عامر الصحابي وقيل عمرو بن معدى كرب:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ومعنى الشذوذ فيه انه ليس استثناء إذ لم ينصب بعد الكلام التام الموجب فتعين انه صفة ولم يتعذر الاستثناء فهو شاذ إذ كان يمكنه أن يقول إلا الفرقدين، ونحسب أن البحث طال فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:15
اللغة:
(حَصِيداً) : فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد وغيره وستأتي قاعدته في باب الفوائد وهو الزرع المحصود.
(خامِدِينَ) : يقال خمدت النار وهمدت كل منهما من باب دخل لكن الاول عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الجمر والثاني عبارة عن ذهابها بالكلية.
(لَهْواً) : في المصباح: «اللهو معروف، تقول أهل نجد: لهوت عنه ألهو لهيّا والأصل على فعول من باب قعد، وأهل العالية لهيت عنه ألهى من باب تعب ومعناه السلوان والترك ولهوت به لهوا من باب قتل أولعت به أيضا، قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني» اهـ.
وفي القاموس والتاج: «لهى لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك والملاهي آلاته وتلاهى بذاك والألهوة والألهية والتلهية ما يتلاهى به ولهت المرأة إلى حديثه لهوا ولهوّا: أنست به وأعجبها واللهوة المرأة الملهو بها كاللهو وبالضم والفتح ما ألقيته في فم الرحى والعطية أو أفضل العطايا وأجزلها كاللهية والحفنة من المال أو الألف من الدنانير والدراهم لا غير ولهي به كرضي أحبه وعنه سلا وغفل وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا، وقال شارح القاموس قوله: لها لهوا لعب قضية اتحادهما وقد فرق بينهما جماعة فقيل يشتركان في أنهما اشتغال بما لا يعني حراما أو لا قيل واللهو أعم مطلقا فاستماع الملاهي لهو لا لعب وقال الجوهري: قد يكنى باللهو عن الجماع ويدل على ما قاله امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي
(فَيَدْمَغُهُ) : فيذهبه وبابه قطع وفي القاموس: دمغة قهره ودمغ الحق بالباطل: أبطله ومحقه وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة.
(يَسْتَحْسِرُونَ) يكلون ويتعبون يقال: استحسر البعير أي كلّ وتعب ويقال حسر البعير وحسرته أنا فيكون لازما ومتعديا وأحسرته أيضا فيكون فعل وأفعل بمعنى واحد وسيأتي مزيد بيان عن الاستحسار في باب البلاغة.
الإعراب:
(قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) يا أداة نداء وويلنا منادى مضاف يدعون الويل والثبور لأن هذا وقته ويجوز أن تكون يا للتنبيه وويلنا مصدر لفعل محذوف والجملة مقول قولهم وإن واسمها وجملة كنا ظالمين خبرها وكان واسمها وظالمين خبرها. (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) الفاء عاطفة وما زالت فعل ماض ناقص والتاء علامة التأنيث وتلك اسم اشارة اسمها في محل رفع ودعواهم خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف والهاء مضاف اليه والميم حرف دال على جمع الذكور والمراد بالدعوى تلك الكلمات وهي «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» وحتى حرف غاية وجر وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وحصيدا خامدين مفعول به ثان لأن حكمهما حكم الواحد. إذ أن معنى جعلناهم حصيدا خامدين: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود ومثال ذلك قولك جعلته حلوا حامضا أي جامعا للطعين أي مزا، ولك أن تجعل خامدين صفة لحصيدا. (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) الواو حرف عطف أو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لعرض البدائع والعجائب التي انطوى عليها خلق السموات والأرض وما فيهما للعظة ولتكون مطارح اعتبار وحافزا للتفكير والاستدلال وما نافية وخلقنا فعل وفاعل والسماء مفعول به والأرض عطف على السماء وما عطف على السماء والأرض وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول ولاعبين حال من فاعل خلقنا. (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) لو شرطية امتناعية وأردنا فعل وفاعل وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أردنا وفاعل نتخذ ضمير مستتر تقديره نحن ولهوا مفعول به ولاتخذناه اللام واقعة في جواب لو واتخذناه فعل وفاعل ومفعول به من لدنا متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لاتخذ وإن يجوز أن تكون نافية بمعنى ما وكنا فاعلين كان واسمها وخبرها والجملة حالية من فاعل اتخذناه أي حال كوننا غير فاعلين ويجوز أن تكون إن شرطية وجوابها محذوف يدل عليه جواب لو ولعل هذا أولى وأشبه الوجهين بمذهب العربية. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) بل إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه تعالى لذاته ونقذف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وبالحق جار ومجرور متعلقان بنقذف وعلى الباطل متعلقان بمحذوف حال أي مستعليا على الباطل، فيدمغه عطف على نقذف فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وقد تقدم ذكرها وهو مبتدأ وزاهق خبرها ولكم الواو استئنافية ولكم خبر مقدم والويل مبتدأ مؤخر ومما متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو مما، أي استقر لكم الويل من كل ما تصفون ومما يجوز أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية وعلى كل جملة تصفون لا محل لها. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وله خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وفي السموات والأرض صلة. (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) الواو عاطفة ومن معطوفة على من الأولى وعنده ظرف متعلق بمحذوف صلة وجملة لا يستكبرون حالية من من الأولى وعن عبادته متعلقان بيستكبرون وجملة لا يستحسرون عطف على جملة لا يستكبرون ويجوز أن تكون الواو للاستئناف ومن عنده أي الملائكة مبتدأ خبره جملة لا يستكبرون والجملة مستأنفة. (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما يصنعه من عند الله في عبادتهم ويسبحون فعل مضارع وفاعل ويجوز أن تكون الجملة حالية والليل والنهار ظرفان متعلقان بيسبحون وجملة لا يفترون حال من فاعل يسبحون. (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) أم المنقطعة عاطفة وتفيد الإنكار واتخذوا فعل وفاعل وآلهة مفعول به ومن الأرض صفة وهم مبتدأ وجملة ينشرون خبر وجملة هم ينشرون صفة لآلهة ومفعول ينشرون محذوف أي يحيون الموتى ويجوز جعلها جملة مستأنفة لم يدعوا لآلهتهم انها تنشر الموتى ولكنهم بمجرد دعواهم ألوهيتها يترتب عليهم أن يدعوا ضمنا انها تنشر الموتى وسيأتي مزيد بحث حول الضمير الذي هو «هم» في باب البلاغة. (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) لو
شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وفيهما خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وإلا بمعنى غير صفة لآلهة ظهر اعرابها على ما بعدها ولا يصح أن تكون استثنائية لأن مفهوم الاستثناء فاسد هنا إذ حاصله انه لو كان فيهما آلهة لم يستثن الله منهم لم تفسدا وليس كذلك فإن مجرد تعدد الآلهة يوجب لزوم الفساد مطلقا وسيأتي مزيد بسط لهذا المبحث الهام، ولفسدتا اللام واقعة في جواب لو وجملة فسدتا لا محل لها من الإعراب فسبحان الله الفاء عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان وسبحان مفعول مطلق لفعل محذوف ولفظ الجلالة مضاف اليه ورب العرش بدل أو صفة للفظ الجلالة وعما متعلقان بسبحان وجملة يصفون لا محل لها لأنها صلة ما ويجوز أن تكون ما مصدرية. (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تفرده سبحانه بالسلطان، بحيث لا يسأله أحد عما يفعله ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وعما متعلقان بيسأل وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة يسألون خبر.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون عديدة أولها:
1- الاستعارة في قولهم «يا ويلنا» فقد خاطبوا الويل وهو الهلاك كأنه شخص حي يدعونه لينقذهم مما هم فيه.
2- التشبيه البليغ في قوله «جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ» .
فقد شبههم بعد حلول العذاب بهم بالحصيد أولا وهو الزرع المحصود ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به هو الاستئصال من المنابت ثم شبههم ثانيا بالنار المنطفئة ولم يبق منها إلا جمر منطفىء لا نفع فيه ولا قابلية لشيء من النفع منه فلا ترى إلا أشلاء متناثرة وأجزاء متفرقة قد تمددت وقدران عليها البلى.
3- الاستعارة المكنية في قوله «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» فقد شبه الحق والباطل وهما معنويان بشيئين ماديين محسوسين يقذفان ويدفعان ثم حذف هذين الشيئين واستعار ما هو من لوازمهما وهما القذف والدمغ لتجسيد الاطاحة بالباطل واعتلاء الحق عليه وتصوير إبطاله وإهداره ومحقه كأنه جرم صلب كصخرة أو ما يماثلها في القوة والصلابة قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه وهي من استعارة المحسوس للمعقول وقد تقدم بحث ذلك مفصلا مع استيفاء أقسام الاستعارة بالنسبة لطرفي التشبيه.
4- قوة اللفظ لقوة المعنى: وقد تقدم الكلام عن هذا الفن ونعني به نقل اللفظ من وزن إلى وزن آخر أكثر منه ليتضمن من المعنى الدال عليه أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني وأمثلة للابانة عنها فاذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني وهذا الضرب من الزيادة لا يستعمل إلا في مقام المبالغة وهو هنا في قوله تعالى «وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» فقد عدل عن الثلاثي وهو حسر إلى السداسي وهو استحسر وقد كان ظاهر الكلام أن يقال يحسرون أي يكلون ويتعبون، لأن أقل ملل منهم أو كلال إزاء الملائكة وإزاء عبادتهم لله سبحانه لا يتصور منهم ولكنه عدل عن ذلك لسرّ يخفى على النظرة السطحية الأولى وهو أن ما هم فيه من انهماك بالعبادة وانصراف بالكلية لها يوجب غاية الحسور وأقصاه.
5- التصريح بالضمير: وذلك في قوله: «هم ينشرون» وقد كان يكفي أن يقول ينشرون ولكنه عدل عن ذلك إلى التصريح بالضمير لإفادة معنى الخصوصية أولا كأنهم قالوا ليس هنا من يقدر على الإنشار غيرهم وثانيا لتسجيل إلزامهم ادعاء صفات الألوهية لآلهتهم وهذا الادعاء قد أبطله الله في الآية التالية لهذه الآية بدليل التمانع المغترف من بحر هذه الآية وهي «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» كما سيوضح في الاعراب، وهذا من جوهر الكلام وخالصه.
6- المذهب الكلامي: وذلك في قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» وذكر ابن المعتز أن الذي سماه هذه التسمية هو الجاحظ والكتاب الكريم مشحون به وتعريفه هو انه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام وله طرق متعددة وقد أوصلها الرماني في تفسيره المسمى بالنكت في اعجاز القرآن إلى خمسة ضروب ومنها إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل فملزوم قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» انهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله، وإيضاح ذلك إن دليل التمانع هو انه لو وجد مع الله إله آخر ربما قالوا لو فرضنا وجود إلهين فإما أن يكونا جميعا موصوفين بصفات الكمال اللاتي يندرج فيها القدرة على احياء الموتى وانشارهم وغير ذلك من الممكنات أو لا يتصف بها واحد منهما أو أحدهما دون الآخر وعندئذ تفسد الرعية بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق: «كان والله أعز علي من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول» وللمتكلمين في طريقة التمانع جولات واسعة تؤخذ في مظانها، وسيرد إيضاحها في باب الفوائد.
الفوائد:
«إلا» بمعنى «غير» :
الأصل في «إلا» أن تكون للاستثناء وفي «غير» أن تكون وصفا ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيوصف بإلا ويستثنى بغير فإن كانت إلا بمعنى غير وقعت هي وما بعدها صفة لما قبلها وذلك حيث لا يراد بها الاستثناء وانما يراد بها وصف ما قبلها بما يغاير ما بعدها كقوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فإلا وما بعدها صفة لآلهة لأن المراد نفي الآلهة المتعددة واثبات الإله الواحد الفرد ولا يصح الاستثناء بالنصب لأن المعنى يكون حينئذ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وهذا ظاهر الفساد، وسامح الله ابن يعيش شارح مفصل الزمخشري حيث أجاز النصب على الاستثناء في الآية الكريمة غير مقدر ما يترتب على النصب من فساد وعبارة ابن يعيش «قال الله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والمراد غير الله فهذا لا يكون إلا وصفا ولا يجوز أن يكون بدلا يراد به الاستثناء لأنه يصير في تقدير لو كان فيهما إلا الله لفسدتا وذلك فاسد لأن لو شرط فيما مضى فهي بمنزلة إن في المستقبل وأنت لو قلت إن أتاني إلا زيد لم يصح لأن الشرط في حكم الموجب فكما لا يصح أتاني إلا زيد كذلك لا يصح إن أتاني إلا زيد فلو نصب على الاستثناء فقلت لو كان فيهما إلا الله لجاز» . ثم لا يصح أيضا أن يعرب لفظ الجلالة بدلا من آلهة لأنه حيث لا يصح الاستثناء لا تصح البدلية ثم إن الكلام موجب فلا تجوز البدلية ولو صح الاستثناء لأن النصب واجب في الكلام الموجب التام وأيضا لو جعلته بدلا لكان التقدير: لو كان فيهما إلا الله لفسدتا لأن البدل على نية طرح المبدل منه كما هو معلوم ولعدم صحة الاستثناء هنا وعدم جواز البدلية تعين أن تكون إلا بمعنى غير.
ولتتمة هذا المبحث الدقيق ننقل الفصل الممتع الذي أورده العلامة ابن هشام في مغني اللبيب ورده على المبرد مع تعليقات مناسبة ليستوفي الموضوع حقه قال ابن هشام بعد أن ذكر أن لإلا أربعة أوجه:
«والثاني أن تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه فمثال الجمع المنكر: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فلا يجوز في إلا هذه أن تكون للاستثناء من جهة المعنى إذ التقدير حينئذ لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وليس ذلك المراد، ولا من جهة اللفظ لأن آلهة جمع منكر في الإثبات فلا عموم له فلا يصح الاستثناء منه فلو قلت قام رجال إلا زيدا لم يصح اتفاقا، وزعم المبرد أن «إلا» في الآية للاستثناء وان ما بعدها بدل محتجا بأن «لو» تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها جائز وان نحو «لو كان معنا إلا زيد» أجود كلام ويرده انهم لا يقولون «لو جاءني ديّار أكرمته» ولا «لو جاءني من أحد أكرمته» ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد ولما لم يجز ذلك دل على أن الصواب قول سيبويه إن إلا وما بعدها صفة» . إلى أن يقول:
«وشرط ابن الحاجب في وقوع إلا صفة تعذر الاستثناء وجعل من الشاذ قول حضرمي بن عامر الصحابي وقيل عمرو بن معدى كرب:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ومعنى الشذوذ فيه انه ليس استثناء إذ لم ينصب بعد الكلام التام الموجب فتعين انه صفة ولم يتعذر الاستثناء فهو شاذ إذ كان يمكنه أن يقول إلا الفرقدين، ونحسب أن البحث طال فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:16
اللغة:
(حَصِيداً) : فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد وغيره وستأتي قاعدته في باب الفوائد وهو الزرع المحصود.
(خامِدِينَ) : يقال خمدت النار وهمدت كل منهما من باب دخل لكن الاول عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الجمر والثاني عبارة عن ذهابها بالكلية.
(لَهْواً) : في المصباح: «اللهو معروف، تقول أهل نجد: لهوت عنه ألهو لهيّا والأصل على فعول من باب قعد، وأهل العالية لهيت عنه ألهى من باب تعب ومعناه السلوان والترك ولهوت به لهوا من باب قتل أولعت به أيضا، قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني» اهـ.
وفي القاموس والتاج: «لهى لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك والملاهي آلاته وتلاهى بذاك والألهوة والألهية والتلهية ما يتلاهى به ولهت المرأة إلى حديثه لهوا ولهوّا: أنست به وأعجبها واللهوة المرأة الملهو بها كاللهو وبالضم والفتح ما ألقيته في فم الرحى والعطية أو أفضل العطايا وأجزلها كاللهية والحفنة من المال أو الألف من الدنانير والدراهم لا غير ولهي به كرضي أحبه وعنه سلا وغفل وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا، وقال شارح القاموس قوله: لها لهوا لعب قضية اتحادهما وقد فرق بينهما جماعة فقيل يشتركان في أنهما اشتغال بما لا يعني حراما أو لا قيل واللهو أعم مطلقا فاستماع الملاهي لهو لا لعب وقال الجوهري: قد يكنى باللهو عن الجماع ويدل على ما قاله امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي
(فَيَدْمَغُهُ) : فيذهبه وبابه قطع وفي القاموس: دمغة قهره ودمغ الحق بالباطل: أبطله ومحقه وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة.
(يَسْتَحْسِرُونَ) يكلون ويتعبون يقال: استحسر البعير أي كلّ وتعب ويقال حسر البعير وحسرته أنا فيكون لازما ومتعديا وأحسرته أيضا فيكون فعل وأفعل بمعنى واحد وسيأتي مزيد بيان عن الاستحسار في باب البلاغة.
الإعراب:
(قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) يا أداة نداء وويلنا منادى مضاف يدعون الويل والثبور لأن هذا وقته ويجوز أن تكون يا للتنبيه وويلنا مصدر لفعل محذوف والجملة مقول قولهم وإن واسمها وجملة كنا ظالمين خبرها وكان واسمها وظالمين خبرها. (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) الفاء عاطفة وما زالت فعل ماض ناقص والتاء علامة التأنيث وتلك اسم اشارة اسمها في محل رفع ودعواهم خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف والهاء مضاف اليه والميم حرف دال على جمع الذكور والمراد بالدعوى تلك الكلمات وهي «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» وحتى حرف غاية وجر وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وحصيدا خامدين مفعول به ثان لأن حكمهما حكم الواحد. إذ أن معنى جعلناهم حصيدا خامدين: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود ومثال ذلك قولك جعلته حلوا حامضا أي جامعا للطعين أي مزا، ولك أن تجعل خامدين صفة لحصيدا. (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) الواو حرف عطف أو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لعرض البدائع والعجائب التي انطوى عليها خلق السموات والأرض وما فيهما للعظة ولتكون مطارح اعتبار وحافزا للتفكير والاستدلال وما نافية وخلقنا فعل وفاعل والسماء مفعول به والأرض عطف على السماء وما عطف على السماء والأرض وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول ولاعبين حال من فاعل خلقنا. (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) لو شرطية امتناعية وأردنا فعل وفاعل وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أردنا وفاعل نتخذ ضمير مستتر تقديره نحن ولهوا مفعول به ولاتخذناه اللام واقعة في جواب لو واتخذناه فعل وفاعل ومفعول به من لدنا متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لاتخذ وإن يجوز أن تكون نافية بمعنى ما وكنا فاعلين كان واسمها وخبرها والجملة حالية من فاعل اتخذناه أي حال كوننا غير فاعلين ويجوز أن تكون إن شرطية وجوابها محذوف يدل عليه جواب لو ولعل هذا أولى وأشبه الوجهين بمذهب العربية. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) بل إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه تعالى لذاته ونقذف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وبالحق جار ومجرور متعلقان بنقذف وعلى الباطل متعلقان بمحذوف حال أي مستعليا على الباطل، فيدمغه عطف على نقذف فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وقد تقدم ذكرها وهو مبتدأ وزاهق خبرها ولكم الواو استئنافية ولكم خبر مقدم والويل مبتدأ مؤخر ومما متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو مما، أي استقر لكم الويل من كل ما تصفون ومما يجوز أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية وعلى كل جملة تصفون لا محل لها. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وله خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وفي السموات والأرض صلة. (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) الواو عاطفة ومن معطوفة على من الأولى وعنده ظرف متعلق بمحذوف صلة وجملة لا يستكبرون حالية من من الأولى وعن عبادته متعلقان بيستكبرون وجملة لا يستحسرون عطف على جملة لا يستكبرون ويجوز أن تكون الواو للاستئناف ومن عنده أي الملائكة مبتدأ خبره جملة لا يستكبرون والجملة مستأنفة. (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما يصنعه من عند الله في عبادتهم ويسبحون فعل مضارع وفاعل ويجوز أن تكون الجملة حالية والليل والنهار ظرفان متعلقان بيسبحون وجملة لا يفترون حال من فاعل يسبحون. (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) أم المنقطعة عاطفة وتفيد الإنكار واتخذوا فعل وفاعل وآلهة مفعول به ومن الأرض صفة وهم مبتدأ وجملة ينشرون خبر وجملة هم ينشرون صفة لآلهة ومفعول ينشرون محذوف أي يحيون الموتى ويجوز جعلها جملة مستأنفة لم يدعوا لآلهتهم انها تنشر الموتى ولكنهم بمجرد دعواهم ألوهيتها يترتب عليهم أن يدعوا ضمنا انها تنشر الموتى وسيأتي مزيد بحث حول الضمير الذي هو «هم» في باب البلاغة. (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) لو
شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وفيهما خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وإلا بمعنى غير صفة لآلهة ظهر اعرابها على ما بعدها ولا يصح أن تكون استثنائية لأن مفهوم الاستثناء فاسد هنا إذ حاصله انه لو كان فيهما آلهة لم يستثن الله منهم لم تفسدا وليس كذلك فإن مجرد تعدد الآلهة يوجب لزوم الفساد مطلقا وسيأتي مزيد بسط لهذا المبحث الهام، ولفسدتا اللام واقعة في جواب لو وجملة فسدتا لا محل لها من الإعراب فسبحان الله الفاء عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان وسبحان مفعول مطلق لفعل محذوف ولفظ الجلالة مضاف اليه ورب العرش بدل أو صفة للفظ الجلالة وعما متعلقان بسبحان وجملة يصفون لا محل لها لأنها صلة ما ويجوز أن تكون ما مصدرية. (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تفرده سبحانه بالسلطان، بحيث لا يسأله أحد عما يفعله ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وعما متعلقان بيسأل وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة يسألون خبر.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون عديدة أولها:
1- الاستعارة في قولهم «يا ويلنا» فقد خاطبوا الويل وهو الهلاك كأنه شخص حي يدعونه لينقذهم مما هم فيه.
2- التشبيه البليغ في قوله «جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ» .
فقد شبههم بعد حلول العذاب بهم بالحصيد أولا وهو الزرع المحصود ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به هو الاستئصال من المنابت ثم شبههم ثانيا بالنار المنطفئة ولم يبق منها إلا جمر منطفىء لا نفع فيه ولا قابلية لشيء من النفع منه فلا ترى إلا أشلاء متناثرة وأجزاء متفرقة قد تمددت وقدران عليها البلى.
3- الاستعارة المكنية في قوله «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» فقد شبه الحق والباطل وهما معنويان بشيئين ماديين محسوسين يقذفان ويدفعان ثم حذف هذين الشيئين واستعار ما هو من لوازمهما وهما القذف والدمغ لتجسيد الاطاحة بالباطل واعتلاء الحق عليه وتصوير إبطاله وإهداره ومحقه كأنه جرم صلب كصخرة أو ما يماثلها في القوة والصلابة قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه وهي من استعارة المحسوس للمعقول وقد تقدم بحث ذلك مفصلا مع استيفاء أقسام الاستعارة بالنسبة لطرفي التشبيه.
4- قوة اللفظ لقوة المعنى: وقد تقدم الكلام عن هذا الفن ونعني به نقل اللفظ من وزن إلى وزن آخر أكثر منه ليتضمن من المعنى الدال عليه أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني وأمثلة للابانة عنها فاذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني وهذا الضرب من الزيادة لا يستعمل إلا في مقام المبالغة وهو هنا في قوله تعالى «وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» فقد عدل عن الثلاثي وهو حسر إلى السداسي وهو استحسر وقد كان ظاهر الكلام أن يقال يحسرون أي يكلون ويتعبون، لأن أقل ملل منهم أو كلال إزاء الملائكة وإزاء عبادتهم لله سبحانه لا يتصور منهم ولكنه عدل عن ذلك لسرّ يخفى على النظرة السطحية الأولى وهو أن ما هم فيه من انهماك بالعبادة وانصراف بالكلية لها يوجب غاية الحسور وأقصاه.
5- التصريح بالضمير: وذلك في قوله: «هم ينشرون» وقد كان يكفي أن يقول ينشرون ولكنه عدل عن ذلك إلى التصريح بالضمير لإفادة معنى الخصوصية أولا كأنهم قالوا ليس هنا من يقدر على الإنشار غيرهم وثانيا لتسجيل إلزامهم ادعاء صفات الألوهية لآلهتهم وهذا الادعاء قد أبطله الله في الآية التالية لهذه الآية بدليل التمانع المغترف من بحر هذه الآية وهي «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» كما سيوضح في الاعراب، وهذا من جوهر الكلام وخالصه.
6- المذهب الكلامي: وذلك في قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» وذكر ابن المعتز أن الذي سماه هذه التسمية هو الجاحظ والكتاب الكريم مشحون به وتعريفه هو انه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام وله طرق متعددة وقد أوصلها الرماني في تفسيره المسمى بالنكت في اعجاز القرآن إلى خمسة ضروب ومنها إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل فملزوم قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» انهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله، وإيضاح ذلك إن دليل التمانع هو انه لو وجد مع الله إله آخر ربما قالوا لو فرضنا وجود إلهين فإما أن يكونا جميعا موصوفين بصفات الكمال اللاتي يندرج فيها القدرة على احياء الموتى وانشارهم وغير ذلك من الممكنات أو لا يتصف بها واحد منهما أو أحدهما دون الآخر وعندئذ تفسد الرعية بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق: «كان والله أعز علي من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول» وللمتكلمين في طريقة التمانع جولات واسعة تؤخذ في مظانها، وسيرد إيضاحها في باب الفوائد.
الفوائد:
«إلا» بمعنى «غير» :
الأصل في «إلا» أن تكون للاستثناء وفي «غير» أن تكون وصفا ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيوصف بإلا ويستثنى بغير فإن كانت إلا بمعنى غير وقعت هي وما بعدها صفة لما قبلها وذلك حيث لا يراد بها الاستثناء وانما يراد بها وصف ما قبلها بما يغاير ما بعدها كقوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فإلا وما بعدها صفة لآلهة لأن المراد نفي الآلهة المتعددة واثبات الإله الواحد الفرد ولا يصح الاستثناء بالنصب لأن المعنى يكون حينئذ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وهذا ظاهر الفساد، وسامح الله ابن يعيش شارح مفصل الزمخشري حيث أجاز النصب على الاستثناء في الآية الكريمة غير مقدر ما يترتب على النصب من فساد وعبارة ابن يعيش «قال الله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والمراد غير الله فهذا لا يكون إلا وصفا ولا يجوز أن يكون بدلا يراد به الاستثناء لأنه يصير في تقدير لو كان فيهما إلا الله لفسدتا وذلك فاسد لأن لو شرط فيما مضى فهي بمنزلة إن في المستقبل وأنت لو قلت إن أتاني إلا زيد لم يصح لأن الشرط في حكم الموجب فكما لا يصح أتاني إلا زيد كذلك لا يصح إن أتاني إلا زيد فلو نصب على الاستثناء فقلت لو كان فيهما إلا الله لجاز» . ثم لا يصح أيضا أن يعرب لفظ الجلالة بدلا من آلهة لأنه حيث لا يصح الاستثناء لا تصح البدلية ثم إن الكلام موجب فلا تجوز البدلية ولو صح الاستثناء لأن النصب واجب في الكلام الموجب التام وأيضا لو جعلته بدلا لكان التقدير: لو كان فيهما إلا الله لفسدتا لأن البدل على نية طرح المبدل منه كما هو معلوم ولعدم صحة الاستثناء هنا وعدم جواز البدلية تعين أن تكون إلا بمعنى غير.
ولتتمة هذا المبحث الدقيق ننقل الفصل الممتع الذي أورده العلامة ابن هشام في مغني اللبيب ورده على المبرد مع تعليقات مناسبة ليستوفي الموضوع حقه قال ابن هشام بعد أن ذكر أن لإلا أربعة أوجه:
«والثاني أن تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه فمثال الجمع المنكر: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فلا يجوز في إلا هذه أن تكون للاستثناء من جهة المعنى إذ التقدير حينئذ لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وليس ذلك المراد، ولا من جهة اللفظ لأن آلهة جمع منكر في الإثبات فلا عموم له فلا يصح الاستثناء منه فلو قلت قام رجال إلا زيدا لم يصح اتفاقا، وزعم المبرد أن «إلا» في الآية للاستثناء وان ما بعدها بدل محتجا بأن «لو» تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها جائز وان نحو «لو كان معنا إلا زيد» أجود كلام ويرده انهم لا يقولون «لو جاءني ديّار أكرمته» ولا «لو جاءني من أحد أكرمته» ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد ولما لم يجز ذلك دل على أن الصواب قول سيبويه إن إلا وما بعدها صفة» . إلى أن يقول:
«وشرط ابن الحاجب في وقوع إلا صفة تعذر الاستثناء وجعل من الشاذ قول حضرمي بن عامر الصحابي وقيل عمرو بن معدى كرب:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ومعنى الشذوذ فيه انه ليس استثناء إذ لم ينصب بعد الكلام التام الموجب فتعين انه صفة ولم يتعذر الاستثناء فهو شاذ إذ كان يمكنه أن يقول إلا الفرقدين، ونحسب أن البحث طال فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:17
اللغة:
(حَصِيداً) : فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد وغيره وستأتي قاعدته في باب الفوائد وهو الزرع المحصود.
(خامِدِينَ) : يقال خمدت النار وهمدت كل منهما من باب دخل لكن الاول عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الجمر والثاني عبارة عن ذهابها بالكلية.
(لَهْواً) : في المصباح: «اللهو معروف، تقول أهل نجد: لهوت عنه ألهو لهيّا والأصل على فعول من باب قعد، وأهل العالية لهيت عنه ألهى من باب تعب ومعناه السلوان والترك ولهوت به لهوا من باب قتل أولعت به أيضا، قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني» اهـ.
وفي القاموس والتاج: «لهى لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك والملاهي آلاته وتلاهى بذاك والألهوة والألهية والتلهية ما يتلاهى به ولهت المرأة إلى حديثه لهوا ولهوّا: أنست به وأعجبها واللهوة المرأة الملهو بها كاللهو وبالضم والفتح ما ألقيته في فم الرحى والعطية أو أفضل العطايا وأجزلها كاللهية والحفنة من المال أو الألف من الدنانير والدراهم لا غير ولهي به كرضي أحبه وعنه سلا وغفل وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا، وقال شارح القاموس قوله: لها لهوا لعب قضية اتحادهما وقد فرق بينهما جماعة فقيل يشتركان في أنهما اشتغال بما لا يعني حراما أو لا قيل واللهو أعم مطلقا فاستماع الملاهي لهو لا لعب وقال الجوهري: قد يكنى باللهو عن الجماع ويدل على ما قاله امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي
(فَيَدْمَغُهُ) : فيذهبه وبابه قطع وفي القاموس: دمغة قهره ودمغ الحق بالباطل: أبطله ومحقه وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة.
(يَسْتَحْسِرُونَ) يكلون ويتعبون يقال: استحسر البعير أي كلّ وتعب ويقال حسر البعير وحسرته أنا فيكون لازما ومتعديا وأحسرته أيضا فيكون فعل وأفعل بمعنى واحد وسيأتي مزيد بيان عن الاستحسار في باب البلاغة.
الإعراب:
(قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) يا أداة نداء وويلنا منادى مضاف يدعون الويل والثبور لأن هذا وقته ويجوز أن تكون يا للتنبيه وويلنا مصدر لفعل محذوف والجملة مقول قولهم وإن واسمها وجملة كنا ظالمين خبرها وكان واسمها وظالمين خبرها. (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) الفاء عاطفة وما زالت فعل ماض ناقص والتاء علامة التأنيث وتلك اسم اشارة اسمها في محل رفع ودعواهم خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف والهاء مضاف اليه والميم حرف دال على جمع الذكور والمراد بالدعوى تلك الكلمات وهي «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» وحتى حرف غاية وجر وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وحصيدا خامدين مفعول به ثان لأن حكمهما حكم الواحد. إذ أن معنى جعلناهم حصيدا خامدين: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود ومثال ذلك قولك جعلته حلوا حامضا أي جامعا للطعين أي مزا، ولك أن تجعل خامدين صفة لحصيدا. (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) الواو حرف عطف أو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لعرض البدائع والعجائب التي انطوى عليها خلق السموات والأرض وما فيهما للعظة ولتكون مطارح اعتبار وحافزا للتفكير والاستدلال وما نافية وخلقنا فعل وفاعل والسماء مفعول به والأرض عطف على السماء وما عطف على السماء والأرض وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول ولاعبين حال من فاعل خلقنا. (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) لو شرطية امتناعية وأردنا فعل وفاعل وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أردنا وفاعل نتخذ ضمير مستتر تقديره نحن ولهوا مفعول به ولاتخذناه اللام واقعة في جواب لو واتخذناه فعل وفاعل ومفعول به من لدنا متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لاتخذ وإن يجوز أن تكون نافية بمعنى ما وكنا فاعلين كان واسمها وخبرها والجملة حالية من فاعل اتخذناه أي حال كوننا غير فاعلين ويجوز أن تكون إن شرطية وجوابها محذوف يدل عليه جواب لو ولعل هذا أولى وأشبه الوجهين بمذهب العربية. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) بل إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه تعالى لذاته ونقذف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وبالحق جار ومجرور متعلقان بنقذف وعلى الباطل متعلقان بمحذوف حال أي مستعليا على الباطل، فيدمغه عطف على نقذف فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وقد تقدم ذكرها وهو مبتدأ وزاهق خبرها ولكم الواو استئنافية ولكم خبر مقدم والويل مبتدأ مؤخر ومما متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو مما، أي استقر لكم الويل من كل ما تصفون ومما يجوز أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية وعلى كل جملة تصفون لا محل لها. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وله خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وفي السموات والأرض صلة. (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) الواو عاطفة ومن معطوفة على من الأولى وعنده ظرف متعلق بمحذوف صلة وجملة لا يستكبرون حالية من من الأولى وعن عبادته متعلقان بيستكبرون وجملة لا يستحسرون عطف على جملة لا يستكبرون ويجوز أن تكون الواو للاستئناف ومن عنده أي الملائكة مبتدأ خبره جملة لا يستكبرون والجملة مستأنفة. (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما يصنعه من عند الله في عبادتهم ويسبحون فعل مضارع وفاعل ويجوز أن تكون الجملة حالية والليل والنهار ظرفان متعلقان بيسبحون وجملة لا يفترون حال من فاعل يسبحون. (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) أم المنقطعة عاطفة وتفيد الإنكار واتخذوا فعل وفاعل وآلهة مفعول به ومن الأرض صفة وهم مبتدأ وجملة ينشرون خبر وجملة هم ينشرون صفة لآلهة ومفعول ينشرون محذوف أي يحيون الموتى ويجوز جعلها جملة مستأنفة لم يدعوا لآلهتهم انها تنشر الموتى ولكنهم بمجرد دعواهم ألوهيتها يترتب عليهم أن يدعوا ضمنا انها تنشر الموتى وسيأتي مزيد بحث حول الضمير الذي هو «هم» في باب البلاغة. (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) لو
شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وفيهما خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وإلا بمعنى غير صفة لآلهة ظهر اعرابها على ما بعدها ولا يصح أن تكون استثنائية لأن مفهوم الاستثناء فاسد هنا إذ حاصله انه لو كان فيهما آلهة لم يستثن الله منهم لم تفسدا وليس كذلك فإن مجرد تعدد الآلهة يوجب لزوم الفساد مطلقا وسيأتي مزيد بسط لهذا المبحث الهام، ولفسدتا اللام واقعة في جواب لو وجملة فسدتا لا محل لها من الإعراب فسبحان الله الفاء عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان وسبحان مفعول مطلق لفعل محذوف ولفظ الجلالة مضاف اليه ورب العرش بدل أو صفة للفظ الجلالة وعما متعلقان بسبحان وجملة يصفون لا محل لها لأنها صلة ما ويجوز أن تكون ما مصدرية. (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تفرده سبحانه بالسلطان، بحيث لا يسأله أحد عما يفعله ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وعما متعلقان بيسأل وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة يسألون خبر.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون عديدة أولها:
1- الاستعارة في قولهم «يا ويلنا» فقد خاطبوا الويل وهو الهلاك كأنه شخص حي يدعونه لينقذهم مما هم فيه.
2- التشبيه البليغ في قوله «جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ» .
فقد شبههم بعد حلول العذاب بهم بالحصيد أولا وهو الزرع المحصود ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به هو الاستئصال من المنابت ثم شبههم ثانيا بالنار المنطفئة ولم يبق منها إلا جمر منطفىء لا نفع فيه ولا قابلية لشيء من النفع منه فلا ترى إلا أشلاء متناثرة وأجزاء متفرقة قد تمددت وقدران عليها البلى.
3- الاستعارة المكنية في قوله «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» فقد شبه الحق والباطل وهما معنويان بشيئين ماديين محسوسين يقذفان ويدفعان ثم حذف هذين الشيئين واستعار ما هو من لوازمهما وهما القذف والدمغ لتجسيد الاطاحة بالباطل واعتلاء الحق عليه وتصوير إبطاله وإهداره ومحقه كأنه جرم صلب كصخرة أو ما يماثلها في القوة والصلابة قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه وهي من استعارة المحسوس للمعقول وقد تقدم بحث ذلك مفصلا مع استيفاء أقسام الاستعارة بالنسبة لطرفي التشبيه.
4- قوة اللفظ لقوة المعنى: وقد تقدم الكلام عن هذا الفن ونعني به نقل اللفظ من وزن إلى وزن آخر أكثر منه ليتضمن من المعنى الدال عليه أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني وأمثلة للابانة عنها فاذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني وهذا الضرب من الزيادة لا يستعمل إلا في مقام المبالغة وهو هنا في قوله تعالى «وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» فقد عدل عن الثلاثي وهو حسر إلى السداسي وهو استحسر وقد كان ظاهر الكلام أن يقال يحسرون أي يكلون ويتعبون، لأن أقل ملل منهم أو كلال إزاء الملائكة وإزاء عبادتهم لله سبحانه لا يتصور منهم ولكنه عدل عن ذلك لسرّ يخفى على النظرة السطحية الأولى وهو أن ما هم فيه من انهماك بالعبادة وانصراف بالكلية لها يوجب غاية الحسور وأقصاه.
5- التصريح بالضمير: وذلك في قوله: «هم ينشرون» وقد كان يكفي أن يقول ينشرون ولكنه عدل عن ذلك إلى التصريح بالضمير لإفادة معنى الخصوصية أولا كأنهم قالوا ليس هنا من يقدر على الإنشار غيرهم وثانيا لتسجيل إلزامهم ادعاء صفات الألوهية لآلهتهم وهذا الادعاء قد أبطله الله في الآية التالية لهذه الآية بدليل التمانع المغترف من بحر هذه الآية وهي «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» كما سيوضح في الاعراب، وهذا من جوهر الكلام وخالصه.
6- المذهب الكلامي: وذلك في قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» وذكر ابن المعتز أن الذي سماه هذه التسمية هو الجاحظ والكتاب الكريم مشحون به وتعريفه هو انه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام وله طرق متعددة وقد أوصلها الرماني في تفسيره المسمى بالنكت في اعجاز القرآن إلى خمسة ضروب ومنها إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل فملزوم قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» انهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله، وإيضاح ذلك إن دليل التمانع هو انه لو وجد مع الله إله آخر ربما قالوا لو فرضنا وجود إلهين فإما أن يكونا جميعا موصوفين بصفات الكمال اللاتي يندرج فيها القدرة على احياء الموتى وانشارهم وغير ذلك من الممكنات أو لا يتصف بها واحد منهما أو أحدهما دون الآخر وعندئذ تفسد الرعية بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق: «كان والله أعز علي من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول» وللمتكلمين في طريقة التمانع جولات واسعة تؤخذ في مظانها، وسيرد إيضاحها في باب الفوائد.
الفوائد:
«إلا» بمعنى «غير» :
الأصل في «إلا» أن تكون للاستثناء وفي «غير» أن تكون وصفا ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيوصف بإلا ويستثنى بغير فإن كانت إلا بمعنى غير وقعت هي وما بعدها صفة لما قبلها وذلك حيث لا يراد بها الاستثناء وانما يراد بها وصف ما قبلها بما يغاير ما بعدها كقوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فإلا وما بعدها صفة لآلهة لأن المراد نفي الآلهة المتعددة واثبات الإله الواحد الفرد ولا يصح الاستثناء بالنصب لأن المعنى يكون حينئذ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وهذا ظاهر الفساد، وسامح الله ابن يعيش شارح مفصل الزمخشري حيث أجاز النصب على الاستثناء في الآية الكريمة غير مقدر ما يترتب على النصب من فساد وعبارة ابن يعيش «قال الله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والمراد غير الله فهذا لا يكون إلا وصفا ولا يجوز أن يكون بدلا يراد به الاستثناء لأنه يصير في تقدير لو كان فيهما إلا الله لفسدتا وذلك فاسد لأن لو شرط فيما مضى فهي بمنزلة إن في المستقبل وأنت لو قلت إن أتاني إلا زيد لم يصح لأن الشرط في حكم الموجب فكما لا يصح أتاني إلا زيد كذلك لا يصح إن أتاني إلا زيد فلو نصب على الاستثناء فقلت لو كان فيهما إلا الله لجاز» . ثم لا يصح أيضا أن يعرب لفظ الجلالة بدلا من آلهة لأنه حيث لا يصح الاستثناء لا تصح البدلية ثم إن الكلام موجب فلا تجوز البدلية ولو صح الاستثناء لأن النصب واجب في الكلام الموجب التام وأيضا لو جعلته بدلا لكان التقدير: لو كان فيهما إلا الله لفسدتا لأن البدل على نية طرح المبدل منه كما هو معلوم ولعدم صحة الاستثناء هنا وعدم جواز البدلية تعين أن تكون إلا بمعنى غير.
ولتتمة هذا المبحث الدقيق ننقل الفصل الممتع الذي أورده العلامة ابن هشام في مغني اللبيب ورده على المبرد مع تعليقات مناسبة ليستوفي الموضوع حقه قال ابن هشام بعد أن ذكر أن لإلا أربعة أوجه:
«والثاني أن تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه فمثال الجمع المنكر: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فلا يجوز في إلا هذه أن تكون للاستثناء من جهة المعنى إذ التقدير حينئذ لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وليس ذلك المراد، ولا من جهة اللفظ لأن آلهة جمع منكر في الإثبات فلا عموم له فلا يصح الاستثناء منه فلو قلت قام رجال إلا زيدا لم يصح اتفاقا، وزعم المبرد أن «إلا» في الآية للاستثناء وان ما بعدها بدل محتجا بأن «لو» تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها جائز وان نحو «لو كان معنا إلا زيد» أجود كلام ويرده انهم لا يقولون «لو جاءني ديّار أكرمته» ولا «لو جاءني من أحد أكرمته» ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد ولما لم يجز ذلك دل على أن الصواب قول سيبويه إن إلا وما بعدها صفة» . إلى أن يقول:
«وشرط ابن الحاجب في وقوع إلا صفة تعذر الاستثناء وجعل من الشاذ قول حضرمي بن عامر الصحابي وقيل عمرو بن معدى كرب:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ومعنى الشذوذ فيه انه ليس استثناء إذ لم ينصب بعد الكلام التام الموجب فتعين انه صفة ولم يتعذر الاستثناء فهو شاذ إذ كان يمكنه أن يقول إلا الفرقدين، ونحسب أن البحث طال فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:18
اللغة:
(حَصِيداً) : فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد وغيره وستأتي قاعدته في باب الفوائد وهو الزرع المحصود.
(خامِدِينَ) : يقال خمدت النار وهمدت كل منهما من باب دخل لكن الاول عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الجمر والثاني عبارة عن ذهابها بالكلية.
(لَهْواً) : في المصباح: «اللهو معروف، تقول أهل نجد: لهوت عنه ألهو لهيّا والأصل على فعول من باب قعد، وأهل العالية لهيت عنه ألهى من باب تعب ومعناه السلوان والترك ولهوت به لهوا من باب قتل أولعت به أيضا، قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني» اهـ.
وفي القاموس والتاج: «لهى لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك والملاهي آلاته وتلاهى بذاك والألهوة والألهية والتلهية ما يتلاهى به ولهت المرأة إلى حديثه لهوا ولهوّا: أنست به وأعجبها واللهوة المرأة الملهو بها كاللهو وبالضم والفتح ما ألقيته في فم الرحى والعطية أو أفضل العطايا وأجزلها كاللهية والحفنة من المال أو الألف من الدنانير والدراهم لا غير ولهي به كرضي أحبه وعنه سلا وغفل وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا، وقال شارح القاموس قوله: لها لهوا لعب قضية اتحادهما وقد فرق بينهما جماعة فقيل يشتركان في أنهما اشتغال بما لا يعني حراما أو لا قيل واللهو أعم مطلقا فاستماع الملاهي لهو لا لعب وقال الجوهري: قد يكنى باللهو عن الجماع ويدل على ما قاله امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي
(فَيَدْمَغُهُ) : فيذهبه وبابه قطع وفي القاموس: دمغة قهره ودمغ الحق بالباطل: أبطله ومحقه وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة.
(يَسْتَحْسِرُونَ) يكلون ويتعبون يقال: استحسر البعير أي كلّ وتعب ويقال حسر البعير وحسرته أنا فيكون لازما ومتعديا وأحسرته أيضا فيكون فعل وأفعل بمعنى واحد وسيأتي مزيد بيان عن الاستحسار في باب البلاغة.
الإعراب:
(قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) يا أداة نداء وويلنا منادى مضاف يدعون الويل والثبور لأن هذا وقته ويجوز أن تكون يا للتنبيه وويلنا مصدر لفعل محذوف والجملة مقول قولهم وإن واسمها وجملة كنا ظالمين خبرها وكان واسمها وظالمين خبرها. (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) الفاء عاطفة وما زالت فعل ماض ناقص والتاء علامة التأنيث وتلك اسم اشارة اسمها في محل رفع ودعواهم خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف والهاء مضاف اليه والميم حرف دال على جمع الذكور والمراد بالدعوى تلك الكلمات وهي «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» وحتى حرف غاية وجر وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وحصيدا خامدين مفعول به ثان لأن حكمهما حكم الواحد. إذ أن معنى جعلناهم حصيدا خامدين: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود ومثال ذلك قولك جعلته حلوا حامضا أي جامعا للطعين أي مزا، ولك أن تجعل خامدين صفة لحصيدا. (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) الواو حرف عطف أو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لعرض البدائع والعجائب التي انطوى عليها خلق السموات والأرض وما فيهما للعظة ولتكون مطارح اعتبار وحافزا للتفكير والاستدلال وما نافية وخلقنا فعل وفاعل والسماء مفعول به والأرض عطف على السماء وما عطف على السماء والأرض وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول ولاعبين حال من فاعل خلقنا. (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) لو شرطية امتناعية وأردنا فعل وفاعل وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أردنا وفاعل نتخذ ضمير مستتر تقديره نحن ولهوا مفعول به ولاتخذناه اللام واقعة في جواب لو واتخذناه فعل وفاعل ومفعول به من لدنا متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لاتخذ وإن يجوز أن تكون نافية بمعنى ما وكنا فاعلين كان واسمها وخبرها والجملة حالية من فاعل اتخذناه أي حال كوننا غير فاعلين ويجوز أن تكون إن شرطية وجوابها محذوف يدل عليه جواب لو ولعل هذا أولى وأشبه الوجهين بمذهب العربية. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) بل إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه تعالى لذاته ونقذف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وبالحق جار ومجرور متعلقان بنقذف وعلى الباطل متعلقان بمحذوف حال أي مستعليا على الباطل، فيدمغه عطف على نقذف فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وقد تقدم ذكرها وهو مبتدأ وزاهق خبرها ولكم الواو استئنافية ولكم خبر مقدم والويل مبتدأ مؤخر ومما متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو مما، أي استقر لكم الويل من كل ما تصفون ومما يجوز أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية وعلى كل جملة تصفون لا محل لها. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وله خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وفي السموات والأرض صلة. (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) الواو عاطفة ومن معطوفة على من الأولى وعنده ظرف متعلق بمحذوف صلة وجملة لا يستكبرون حالية من من الأولى وعن عبادته متعلقان بيستكبرون وجملة لا يستحسرون عطف على جملة لا يستكبرون ويجوز أن تكون الواو للاستئناف ومن عنده أي الملائكة مبتدأ خبره جملة لا يستكبرون والجملة مستأنفة. (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما يصنعه من عند الله في عبادتهم ويسبحون فعل مضارع وفاعل ويجوز أن تكون الجملة حالية والليل والنهار ظرفان متعلقان بيسبحون وجملة لا يفترون حال من فاعل يسبحون. (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) أم المنقطعة عاطفة وتفيد الإنكار واتخذوا فعل وفاعل وآلهة مفعول به ومن الأرض صفة وهم مبتدأ وجملة ينشرون خبر وجملة هم ينشرون صفة لآلهة ومفعول ينشرون محذوف أي يحيون الموتى ويجوز جعلها جملة مستأنفة لم يدعوا لآلهتهم انها تنشر الموتى ولكنهم بمجرد دعواهم ألوهيتها يترتب عليهم أن يدعوا ضمنا انها تنشر الموتى وسيأتي مزيد بحث حول الضمير الذي هو «هم» في باب البلاغة. (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) لو
شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وفيهما خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وإلا بمعنى غير صفة لآلهة ظهر اعرابها على ما بعدها ولا يصح أن تكون استثنائية لأن مفهوم الاستثناء فاسد هنا إذ حاصله انه لو كان فيهما آلهة لم يستثن الله منهم لم تفسدا وليس كذلك فإن مجرد تعدد الآلهة يوجب لزوم الفساد مطلقا وسيأتي مزيد بسط لهذا المبحث الهام، ولفسدتا اللام واقعة في جواب لو وجملة فسدتا لا محل لها من الإعراب فسبحان الله الفاء عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان وسبحان مفعول مطلق لفعل محذوف ولفظ الجلالة مضاف اليه ورب العرش بدل أو صفة للفظ الجلالة وعما متعلقان بسبحان وجملة يصفون لا محل لها لأنها صلة ما ويجوز أن تكون ما مصدرية. (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تفرده سبحانه بالسلطان، بحيث لا يسأله أحد عما يفعله ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وعما متعلقان بيسأل وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة يسألون خبر.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون عديدة أولها:
1- الاستعارة في قولهم «يا ويلنا» فقد خاطبوا الويل وهو الهلاك كأنه شخص حي يدعونه لينقذهم مما هم فيه.
2- التشبيه البليغ في قوله «جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ» .
فقد شبههم بعد حلول العذاب بهم بالحصيد أولا وهو الزرع المحصود ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به هو الاستئصال من المنابت ثم شبههم ثانيا بالنار المنطفئة ولم يبق منها إلا جمر منطفىء لا نفع فيه ولا قابلية لشيء من النفع منه فلا ترى إلا أشلاء متناثرة وأجزاء متفرقة قد تمددت وقدران عليها البلى.
3- الاستعارة المكنية في قوله «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» فقد شبه الحق والباطل وهما معنويان بشيئين ماديين محسوسين يقذفان ويدفعان ثم حذف هذين الشيئين واستعار ما هو من لوازمهما وهما القذف والدمغ لتجسيد الاطاحة بالباطل واعتلاء الحق عليه وتصوير إبطاله وإهداره ومحقه كأنه جرم صلب كصخرة أو ما يماثلها في القوة والصلابة قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه وهي من استعارة المحسوس للمعقول وقد تقدم بحث ذلك مفصلا مع استيفاء أقسام الاستعارة بالنسبة لطرفي التشبيه.
4- قوة اللفظ لقوة المعنى: وقد تقدم الكلام عن هذا الفن ونعني به نقل اللفظ من وزن إلى وزن آخر أكثر منه ليتضمن من المعنى الدال عليه أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني وأمثلة للابانة عنها فاذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني وهذا الضرب من الزيادة لا يستعمل إلا في مقام المبالغة وهو هنا في قوله تعالى «وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» فقد عدل عن الثلاثي وهو حسر إلى السداسي وهو استحسر وقد كان ظاهر الكلام أن يقال يحسرون أي يكلون ويتعبون، لأن أقل ملل منهم أو كلال إزاء الملائكة وإزاء عبادتهم لله سبحانه لا يتصور منهم ولكنه عدل عن ذلك لسرّ يخفى على النظرة السطحية الأولى وهو أن ما هم فيه من انهماك بالعبادة وانصراف بالكلية لها يوجب غاية الحسور وأقصاه.
5- التصريح بالضمير: وذلك في قوله: «هم ينشرون» وقد كان يكفي أن يقول ينشرون ولكنه عدل عن ذلك إلى التصريح بالضمير لإفادة معنى الخصوصية أولا كأنهم قالوا ليس هنا من يقدر على الإنشار غيرهم وثانيا لتسجيل إلزامهم ادعاء صفات الألوهية لآلهتهم وهذا الادعاء قد أبطله الله في الآية التالية لهذه الآية بدليل التمانع المغترف من بحر هذه الآية وهي «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» كما سيوضح في الاعراب، وهذا من جوهر الكلام وخالصه.
6- المذهب الكلامي: وذلك في قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» وذكر ابن المعتز أن الذي سماه هذه التسمية هو الجاحظ والكتاب الكريم مشحون به وتعريفه هو انه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام وله طرق متعددة وقد أوصلها الرماني في تفسيره المسمى بالنكت في اعجاز القرآن إلى خمسة ضروب ومنها إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل فملزوم قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» انهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله، وإيضاح ذلك إن دليل التمانع هو انه لو وجد مع الله إله آخر ربما قالوا لو فرضنا وجود إلهين فإما أن يكونا جميعا موصوفين بصفات الكمال اللاتي يندرج فيها القدرة على احياء الموتى وانشارهم وغير ذلك من الممكنات أو لا يتصف بها واحد منهما أو أحدهما دون الآخر وعندئذ تفسد الرعية بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق: «كان والله أعز علي من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول» وللمتكلمين في طريقة التمانع جولات واسعة تؤخذ في مظانها، وسيرد إيضاحها في باب الفوائد.
الفوائد:
«إلا» بمعنى «غير» :
الأصل في «إلا» أن تكون للاستثناء وفي «غير» أن تكون وصفا ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيوصف بإلا ويستثنى بغير فإن كانت إلا بمعنى غير وقعت هي وما بعدها صفة لما قبلها وذلك حيث لا يراد بها الاستثناء وانما يراد بها وصف ما قبلها بما يغاير ما بعدها كقوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فإلا وما بعدها صفة لآلهة لأن المراد نفي الآلهة المتعددة واثبات الإله الواحد الفرد ولا يصح الاستثناء بالنصب لأن المعنى يكون حينئذ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وهذا ظاهر الفساد، وسامح الله ابن يعيش شارح مفصل الزمخشري حيث أجاز النصب على الاستثناء في الآية الكريمة غير مقدر ما يترتب على النصب من فساد وعبارة ابن يعيش «قال الله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والمراد غير الله فهذا لا يكون إلا وصفا ولا يجوز أن يكون بدلا يراد به الاستثناء لأنه يصير في تقدير لو كان فيهما إلا الله لفسدتا وذلك فاسد لأن لو شرط فيما مضى فهي بمنزلة إن في المستقبل وأنت لو قلت إن أتاني إلا زيد لم يصح لأن الشرط في حكم الموجب فكما لا يصح أتاني إلا زيد كذلك لا يصح إن أتاني إلا زيد فلو نصب على الاستثناء فقلت لو كان فيهما إلا الله لجاز» . ثم لا يصح أيضا أن يعرب لفظ الجلالة بدلا من آلهة لأنه حيث لا يصح الاستثناء لا تصح البدلية ثم إن الكلام موجب فلا تجوز البدلية ولو صح الاستثناء لأن النصب واجب في الكلام الموجب التام وأيضا لو جعلته بدلا لكان التقدير: لو كان فيهما إلا الله لفسدتا لأن البدل على نية طرح المبدل منه كما هو معلوم ولعدم صحة الاستثناء هنا وعدم جواز البدلية تعين أن تكون إلا بمعنى غير.
ولتتمة هذا المبحث الدقيق ننقل الفصل الممتع الذي أورده العلامة ابن هشام في مغني اللبيب ورده على المبرد مع تعليقات مناسبة ليستوفي الموضوع حقه قال ابن هشام بعد أن ذكر أن لإلا أربعة أوجه:
«والثاني أن تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه فمثال الجمع المنكر: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فلا يجوز في إلا هذه أن تكون للاستثناء من جهة المعنى إذ التقدير حينئذ لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وليس ذلك المراد، ولا من جهة اللفظ لأن آلهة جمع منكر في الإثبات فلا عموم له فلا يصح الاستثناء منه فلو قلت قام رجال إلا زيدا لم يصح اتفاقا، وزعم المبرد أن «إلا» في الآية للاستثناء وان ما بعدها بدل محتجا بأن «لو» تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها جائز وان نحو «لو كان معنا إلا زيد» أجود كلام ويرده انهم لا يقولون «لو جاءني ديّار أكرمته» ولا «لو جاءني من أحد أكرمته» ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد ولما لم يجز ذلك دل على أن الصواب قول سيبويه إن إلا وما بعدها صفة» . إلى أن يقول:
«وشرط ابن الحاجب في وقوع إلا صفة تعذر الاستثناء وجعل من الشاذ قول حضرمي بن عامر الصحابي وقيل عمرو بن معدى كرب:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ومعنى الشذوذ فيه انه ليس استثناء إذ لم ينصب بعد الكلام التام الموجب فتعين انه صفة ولم يتعذر الاستثناء فهو شاذ إذ كان يمكنه أن يقول إلا الفرقدين، ونحسب أن البحث طال فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:19
اللغة:
(حَصِيداً) : فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد وغيره وستأتي قاعدته في باب الفوائد وهو الزرع المحصود.
(خامِدِينَ) : يقال خمدت النار وهمدت كل منهما من باب دخل لكن الاول عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الجمر والثاني عبارة عن ذهابها بالكلية.
(لَهْواً) : في المصباح: «اللهو معروف، تقول أهل نجد: لهوت عنه ألهو لهيّا والأصل على فعول من باب قعد، وأهل العالية لهيت عنه ألهى من باب تعب ومعناه السلوان والترك ولهوت به لهوا من باب قتل أولعت به أيضا، قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني» اهـ.
وفي القاموس والتاج: «لهى لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك والملاهي آلاته وتلاهى بذاك والألهوة والألهية والتلهية ما يتلاهى به ولهت المرأة إلى حديثه لهوا ولهوّا: أنست به وأعجبها واللهوة المرأة الملهو بها كاللهو وبالضم والفتح ما ألقيته في فم الرحى والعطية أو أفضل العطايا وأجزلها كاللهية والحفنة من المال أو الألف من الدنانير والدراهم لا غير ولهي به كرضي أحبه وعنه سلا وغفل وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا، وقال شارح القاموس قوله: لها لهوا لعب قضية اتحادهما وقد فرق بينهما جماعة فقيل يشتركان في أنهما اشتغال بما لا يعني حراما أو لا قيل واللهو أعم مطلقا فاستماع الملاهي لهو لا لعب وقال الجوهري: قد يكنى باللهو عن الجماع ويدل على ما قاله امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي
(فَيَدْمَغُهُ) : فيذهبه وبابه قطع وفي القاموس: دمغة قهره ودمغ الحق بالباطل: أبطله ومحقه وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة.
(يَسْتَحْسِرُونَ) يكلون ويتعبون يقال: استحسر البعير أي كلّ وتعب ويقال حسر البعير وحسرته أنا فيكون لازما ومتعديا وأحسرته أيضا فيكون فعل وأفعل بمعنى واحد وسيأتي مزيد بيان عن الاستحسار في باب البلاغة.
الإعراب:
(قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) يا أداة نداء وويلنا منادى مضاف يدعون الويل والثبور لأن هذا وقته ويجوز أن تكون يا للتنبيه وويلنا مصدر لفعل محذوف والجملة مقول قولهم وإن واسمها وجملة كنا ظالمين خبرها وكان واسمها وظالمين خبرها. (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) الفاء عاطفة وما زالت فعل ماض ناقص والتاء علامة التأنيث وتلك اسم اشارة اسمها في محل رفع ودعواهم خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف والهاء مضاف اليه والميم حرف دال على جمع الذكور والمراد بالدعوى تلك الكلمات وهي «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» وحتى حرف غاية وجر وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وحصيدا خامدين مفعول به ثان لأن حكمهما حكم الواحد. إذ أن معنى جعلناهم حصيدا خامدين: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود ومثال ذلك قولك جعلته حلوا حامضا أي جامعا للطعين أي مزا، ولك أن تجعل خامدين صفة لحصيدا. (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) الواو حرف عطف أو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لعرض البدائع والعجائب التي انطوى عليها خلق السموات والأرض وما فيهما للعظة ولتكون مطارح اعتبار وحافزا للتفكير والاستدلال وما نافية وخلقنا فعل وفاعل والسماء مفعول به والأرض عطف على السماء وما عطف على السماء والأرض وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول ولاعبين حال من فاعل خلقنا. (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) لو شرطية امتناعية وأردنا فعل وفاعل وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أردنا وفاعل نتخذ ضمير مستتر تقديره نحن ولهوا مفعول به ولاتخذناه اللام واقعة في جواب لو واتخذناه فعل وفاعل ومفعول به من لدنا متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لاتخذ وإن يجوز أن تكون نافية بمعنى ما وكنا فاعلين كان واسمها وخبرها والجملة حالية من فاعل اتخذناه أي حال كوننا غير فاعلين ويجوز أن تكون إن شرطية وجوابها محذوف يدل عليه جواب لو ولعل هذا أولى وأشبه الوجهين بمذهب العربية. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) بل إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه تعالى لذاته ونقذف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وبالحق جار ومجرور متعلقان بنقذف وعلى الباطل متعلقان بمحذوف حال أي مستعليا على الباطل، فيدمغه عطف على نقذف فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وقد تقدم ذكرها وهو مبتدأ وزاهق خبرها ولكم الواو استئنافية ولكم خبر مقدم والويل مبتدأ مؤخر ومما متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو مما، أي استقر لكم الويل من كل ما تصفون ومما يجوز أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية وعلى كل جملة تصفون لا محل لها. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وله خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وفي السموات والأرض صلة. (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) الواو عاطفة ومن معطوفة على من الأولى وعنده ظرف متعلق بمحذوف صلة وجملة لا يستكبرون حالية من من الأولى وعن عبادته متعلقان بيستكبرون وجملة لا يستحسرون عطف على جملة لا يستكبرون ويجوز أن تكون الواو للاستئناف ومن عنده أي الملائكة مبتدأ خبره جملة لا يستكبرون والجملة مستأنفة. (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما يصنعه من عند الله في عبادتهم ويسبحون فعل مضارع وفاعل ويجوز أن تكون الجملة حالية والليل والنهار ظرفان متعلقان بيسبحون وجملة لا يفترون حال من فاعل يسبحون. (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) أم المنقطعة عاطفة وتفيد الإنكار واتخذوا فعل وفاعل وآلهة مفعول به ومن الأرض صفة وهم مبتدأ وجملة ينشرون خبر وجملة هم ينشرون صفة لآلهة ومفعول ينشرون محذوف أي يحيون الموتى ويجوز جعلها جملة مستأنفة لم يدعوا لآلهتهم انها تنشر الموتى ولكنهم بمجرد دعواهم ألوهيتها يترتب عليهم أن يدعوا ضمنا انها تنشر الموتى وسيأتي مزيد بحث حول الضمير الذي هو «هم» في باب البلاغة. (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) لو
شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وفيهما خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وإلا بمعنى غير صفة لآلهة ظهر اعرابها على ما بعدها ولا يصح أن تكون استثنائية لأن مفهوم الاستثناء فاسد هنا إذ حاصله انه لو كان فيهما آلهة لم يستثن الله منهم لم تفسدا وليس كذلك فإن مجرد تعدد الآلهة يوجب لزوم الفساد مطلقا وسيأتي مزيد بسط لهذا المبحث الهام، ولفسدتا اللام واقعة في جواب لو وجملة فسدتا لا محل لها من الإعراب فسبحان الله الفاء عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان وسبحان مفعول مطلق لفعل محذوف ولفظ الجلالة مضاف اليه ورب العرش بدل أو صفة للفظ الجلالة وعما متعلقان بسبحان وجملة يصفون لا محل لها لأنها صلة ما ويجوز أن تكون ما مصدرية. (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تفرده سبحانه بالسلطان، بحيث لا يسأله أحد عما يفعله ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وعما متعلقان بيسأل وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة يسألون خبر.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون عديدة أولها:
1- الاستعارة في قولهم «يا ويلنا» فقد خاطبوا الويل وهو الهلاك كأنه شخص حي يدعونه لينقذهم مما هم فيه.
2- التشبيه البليغ في قوله «جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ» .
فقد شبههم بعد حلول العذاب بهم بالحصيد أولا وهو الزرع المحصود ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به هو الاستئصال من المنابت ثم شبههم ثانيا بالنار المنطفئة ولم يبق منها إلا جمر منطفىء لا نفع فيه ولا قابلية لشيء من النفع منه فلا ترى إلا أشلاء متناثرة وأجزاء متفرقة قد تمددت وقدران عليها البلى.
3- الاستعارة المكنية في قوله «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» فقد شبه الحق والباطل وهما معنويان بشيئين ماديين محسوسين يقذفان ويدفعان ثم حذف هذين الشيئين واستعار ما هو من لوازمهما وهما القذف والدمغ لتجسيد الاطاحة بالباطل واعتلاء الحق عليه وتصوير إبطاله وإهداره ومحقه كأنه جرم صلب كصخرة أو ما يماثلها في القوة والصلابة قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه وهي من استعارة المحسوس للمعقول وقد تقدم بحث ذلك مفصلا مع استيفاء أقسام الاستعارة بالنسبة لطرفي التشبيه.
4- قوة اللفظ لقوة المعنى: وقد تقدم الكلام عن هذا الفن ونعني به نقل اللفظ من وزن إلى وزن آخر أكثر منه ليتضمن من المعنى الدال عليه أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني وأمثلة للابانة عنها فاذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني وهذا الضرب من الزيادة لا يستعمل إلا في مقام المبالغة وهو هنا في قوله تعالى «وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» فقد عدل عن الثلاثي وهو حسر إلى السداسي وهو استحسر وقد كان ظاهر الكلام أن يقال يحسرون أي يكلون ويتعبون، لأن أقل ملل منهم أو كلال إزاء الملائكة وإزاء عبادتهم لله سبحانه لا يتصور منهم ولكنه عدل عن ذلك لسرّ يخفى على النظرة السطحية الأولى وهو أن ما هم فيه من انهماك بالعبادة وانصراف بالكلية لها يوجب غاية الحسور وأقصاه.
5- التصريح بالضمير: وذلك في قوله: «هم ينشرون» وقد كان يكفي أن يقول ينشرون ولكنه عدل عن ذلك إلى التصريح بالضمير لإفادة معنى الخصوصية أولا كأنهم قالوا ليس هنا من يقدر على الإنشار غيرهم وثانيا لتسجيل إلزامهم ادعاء صفات الألوهية لآلهتهم وهذا الادعاء قد أبطله الله في الآية التالية لهذه الآية بدليل التمانع المغترف من بحر هذه الآية وهي «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» كما سيوضح في الاعراب، وهذا من جوهر الكلام وخالصه.
6- المذهب الكلامي: وذلك في قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» وذكر ابن المعتز أن الذي سماه هذه التسمية هو الجاحظ والكتاب الكريم مشحون به وتعريفه هو انه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام وله طرق متعددة وقد أوصلها الرماني في تفسيره المسمى بالنكت في اعجاز القرآن إلى خمسة ضروب ومنها إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل فملزوم قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» انهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله، وإيضاح ذلك إن دليل التمانع هو انه لو وجد مع الله إله آخر ربما قالوا لو فرضنا وجود إلهين فإما أن يكونا جميعا موصوفين بصفات الكمال اللاتي يندرج فيها القدرة على احياء الموتى وانشارهم وغير ذلك من الممكنات أو لا يتصف بها واحد منهما أو أحدهما دون الآخر وعندئذ تفسد الرعية بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق: «كان والله أعز علي من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول» وللمتكلمين في طريقة التمانع جولات واسعة تؤخذ في مظانها، وسيرد إيضاحها في باب الفوائد.
الفوائد:
«إلا» بمعنى «غير» :
الأصل في «إلا» أن تكون للاستثناء وفي «غير» أن تكون وصفا ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيوصف بإلا ويستثنى بغير فإن كانت إلا بمعنى غير وقعت هي وما بعدها صفة لما قبلها وذلك حيث لا يراد بها الاستثناء وانما يراد بها وصف ما قبلها بما يغاير ما بعدها كقوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فإلا وما بعدها صفة لآلهة لأن المراد نفي الآلهة المتعددة واثبات الإله الواحد الفرد ولا يصح الاستثناء بالنصب لأن المعنى يكون حينئذ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وهذا ظاهر الفساد، وسامح الله ابن يعيش شارح مفصل الزمخشري حيث أجاز النصب على الاستثناء في الآية الكريمة غير مقدر ما يترتب على النصب من فساد وعبارة ابن يعيش «قال الله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والمراد غير الله فهذا لا يكون إلا وصفا ولا يجوز أن يكون بدلا يراد به الاستثناء لأنه يصير في تقدير لو كان فيهما إلا الله لفسدتا وذلك فاسد لأن لو شرط فيما مضى فهي بمنزلة إن في المستقبل وأنت لو قلت إن أتاني إلا زيد لم يصح لأن الشرط في حكم الموجب فكما لا يصح أتاني إلا زيد كذلك لا يصح إن أتاني إلا زيد فلو نصب على الاستثناء فقلت لو كان فيهما إلا الله لجاز» . ثم لا يصح أيضا أن يعرب لفظ الجلالة بدلا من آلهة لأنه حيث لا يصح الاستثناء لا تصح البدلية ثم إن الكلام موجب فلا تجوز البدلية ولو صح الاستثناء لأن النصب واجب في الكلام الموجب التام وأيضا لو جعلته بدلا لكان التقدير: لو كان فيهما إلا الله لفسدتا لأن البدل على نية طرح المبدل منه كما هو معلوم ولعدم صحة الاستثناء هنا وعدم جواز البدلية تعين أن تكون إلا بمعنى غير.
ولتتمة هذا المبحث الدقيق ننقل الفصل الممتع الذي أورده العلامة ابن هشام في مغني اللبيب ورده على المبرد مع تعليقات مناسبة ليستوفي الموضوع حقه قال ابن هشام بعد أن ذكر أن لإلا أربعة أوجه:
«والثاني أن تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه فمثال الجمع المنكر: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فلا يجوز في إلا هذه أن تكون للاستثناء من جهة المعنى إذ التقدير حينئذ لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وليس ذلك المراد، ولا من جهة اللفظ لأن آلهة جمع منكر في الإثبات فلا عموم له فلا يصح الاستثناء منه فلو قلت قام رجال إلا زيدا لم يصح اتفاقا، وزعم المبرد أن «إلا» في الآية للاستثناء وان ما بعدها بدل محتجا بأن «لو» تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها جائز وان نحو «لو كان معنا إلا زيد» أجود كلام ويرده انهم لا يقولون «لو جاءني ديّار أكرمته» ولا «لو جاءني من أحد أكرمته» ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد ولما لم يجز ذلك دل على أن الصواب قول سيبويه إن إلا وما بعدها صفة» . إلى أن يقول:
«وشرط ابن الحاجب في وقوع إلا صفة تعذر الاستثناء وجعل من الشاذ قول حضرمي بن عامر الصحابي وقيل عمرو بن معدى كرب:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ومعنى الشذوذ فيه انه ليس استثناء إذ لم ينصب بعد الكلام التام الموجب فتعين انه صفة ولم يتعذر الاستثناء فهو شاذ إذ كان يمكنه أن يقول إلا الفرقدين، ونحسب أن البحث طال فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:20
اللغة:
(حَصِيداً) : فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد وغيره وستأتي قاعدته في باب الفوائد وهو الزرع المحصود.
(خامِدِينَ) : يقال خمدت النار وهمدت كل منهما من باب دخل لكن الاول عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الجمر والثاني عبارة عن ذهابها بالكلية.
(لَهْواً) : في المصباح: «اللهو معروف، تقول أهل نجد: لهوت عنه ألهو لهيّا والأصل على فعول من باب قعد، وأهل العالية لهيت عنه ألهى من باب تعب ومعناه السلوان والترك ولهوت به لهوا من باب قتل أولعت به أيضا، قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني» اهـ.
وفي القاموس والتاج: «لهى لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك والملاهي آلاته وتلاهى بذاك والألهوة والألهية والتلهية ما يتلاهى به ولهت المرأة إلى حديثه لهوا ولهوّا: أنست به وأعجبها واللهوة المرأة الملهو بها كاللهو وبالضم والفتح ما ألقيته في فم الرحى والعطية أو أفضل العطايا وأجزلها كاللهية والحفنة من المال أو الألف من الدنانير والدراهم لا غير ولهي به كرضي أحبه وعنه سلا وغفل وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا، وقال شارح القاموس قوله: لها لهوا لعب قضية اتحادهما وقد فرق بينهما جماعة فقيل يشتركان في أنهما اشتغال بما لا يعني حراما أو لا قيل واللهو أعم مطلقا فاستماع الملاهي لهو لا لعب وقال الجوهري: قد يكنى باللهو عن الجماع ويدل على ما قاله امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي
(فَيَدْمَغُهُ) : فيذهبه وبابه قطع وفي القاموس: دمغة قهره ودمغ الحق بالباطل: أبطله ومحقه وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة.
(يَسْتَحْسِرُونَ) يكلون ويتعبون يقال: استحسر البعير أي كلّ وتعب ويقال حسر البعير وحسرته أنا فيكون لازما ومتعديا وأحسرته أيضا فيكون فعل وأفعل بمعنى واحد وسيأتي مزيد بيان عن الاستحسار في باب البلاغة.
الإعراب:
(قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) يا أداة نداء وويلنا منادى مضاف يدعون الويل والثبور لأن هذا وقته ويجوز أن تكون يا للتنبيه وويلنا مصدر لفعل محذوف والجملة مقول قولهم وإن واسمها وجملة كنا ظالمين خبرها وكان واسمها وظالمين خبرها. (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) الفاء عاطفة وما زالت فعل ماض ناقص والتاء علامة التأنيث وتلك اسم اشارة اسمها في محل رفع ودعواهم خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف والهاء مضاف اليه والميم حرف دال على جمع الذكور والمراد بالدعوى تلك الكلمات وهي «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» وحتى حرف غاية وجر وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وحصيدا خامدين مفعول به ثان لأن حكمهما حكم الواحد. إذ أن معنى جعلناهم حصيدا خامدين: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود ومثال ذلك قولك جعلته حلوا حامضا أي جامعا للطعين أي مزا، ولك أن تجعل خامدين صفة لحصيدا. (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) الواو حرف عطف أو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لعرض البدائع والعجائب التي انطوى عليها خلق السموات والأرض وما فيهما للعظة ولتكون مطارح اعتبار وحافزا للتفكير والاستدلال وما نافية وخلقنا فعل وفاعل والسماء مفعول به والأرض عطف على السماء وما عطف على السماء والأرض وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول ولاعبين حال من فاعل خلقنا. (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) لو شرطية امتناعية وأردنا فعل وفاعل وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أردنا وفاعل نتخذ ضمير مستتر تقديره نحن ولهوا مفعول به ولاتخذناه اللام واقعة في جواب لو واتخذناه فعل وفاعل ومفعول به من لدنا متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لاتخذ وإن يجوز أن تكون نافية بمعنى ما وكنا فاعلين كان واسمها وخبرها والجملة حالية من فاعل اتخذناه أي حال كوننا غير فاعلين ويجوز أن تكون إن شرطية وجوابها محذوف يدل عليه جواب لو ولعل هذا أولى وأشبه الوجهين بمذهب العربية. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) بل إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه تعالى لذاته ونقذف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وبالحق جار ومجرور متعلقان بنقذف وعلى الباطل متعلقان بمحذوف حال أي مستعليا على الباطل، فيدمغه عطف على نقذف فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وقد تقدم ذكرها وهو مبتدأ وزاهق خبرها ولكم الواو استئنافية ولكم خبر مقدم والويل مبتدأ مؤخر ومما متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو مما، أي استقر لكم الويل من كل ما تصفون ومما يجوز أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية وعلى كل جملة تصفون لا محل لها. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وله خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وفي السموات والأرض صلة. (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) الواو عاطفة ومن معطوفة على من الأولى وعنده ظرف متعلق بمحذوف صلة وجملة لا يستكبرون حالية من من الأولى وعن عبادته متعلقان بيستكبرون وجملة لا يستحسرون عطف على جملة لا يستكبرون ويجوز أن تكون الواو للاستئناف ومن عنده أي الملائكة مبتدأ خبره جملة لا يستكبرون والجملة مستأنفة. (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما يصنعه من عند الله في عبادتهم ويسبحون فعل مضارع وفاعل ويجوز أن تكون الجملة حالية والليل والنهار ظرفان متعلقان بيسبحون وجملة لا يفترون حال من فاعل يسبحون. (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) أم المنقطعة عاطفة وتفيد الإنكار واتخذوا فعل وفاعل وآلهة مفعول به ومن الأرض صفة وهم مبتدأ وجملة ينشرون خبر وجملة هم ينشرون صفة لآلهة ومفعول ينشرون محذوف أي يحيون الموتى ويجوز جعلها جملة مستأنفة لم يدعوا لآلهتهم انها تنشر الموتى ولكنهم بمجرد دعواهم ألوهيتها يترتب عليهم أن يدعوا ضمنا انها تنشر الموتى وسيأتي مزيد بحث حول الضمير الذي هو «هم» في باب البلاغة. (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) لو
شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وفيهما خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وإلا بمعنى غير صفة لآلهة ظهر اعرابها على ما بعدها ولا يصح أن تكون استثنائية لأن مفهوم الاستثناء فاسد هنا إذ حاصله انه لو كان فيهما آلهة لم يستثن الله منهم لم تفسدا وليس كذلك فإن مجرد تعدد الآلهة يوجب لزوم الفساد مطلقا وسيأتي مزيد بسط لهذا المبحث الهام، ولفسدتا اللام واقعة في جواب لو وجملة فسدتا لا محل لها من الإعراب فسبحان الله الفاء عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان وسبحان مفعول مطلق لفعل محذوف ولفظ الجلالة مضاف اليه ورب العرش بدل أو صفة للفظ الجلالة وعما متعلقان بسبحان وجملة يصفون لا محل لها لأنها صلة ما ويجوز أن تكون ما مصدرية. (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تفرده سبحانه بالسلطان، بحيث لا يسأله أحد عما يفعله ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وعما متعلقان بيسأل وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة يسألون خبر.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون عديدة أولها:
1- الاستعارة في قولهم «يا ويلنا» فقد خاطبوا الويل وهو الهلاك كأنه شخص حي يدعونه لينقذهم مما هم فيه.
2- التشبيه البليغ في قوله «جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ» .
فقد شبههم بعد حلول العذاب بهم بالحصيد أولا وهو الزرع المحصود ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به هو الاستئصال من المنابت ثم شبههم ثانيا بالنار المنطفئة ولم يبق منها إلا جمر منطفىء لا نفع فيه ولا قابلية لشيء من النفع منه فلا ترى إلا أشلاء متناثرة وأجزاء متفرقة قد تمددت وقدران عليها البلى.
3- الاستعارة المكنية في قوله «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» فقد شبه الحق والباطل وهما معنويان بشيئين ماديين محسوسين يقذفان ويدفعان ثم حذف هذين الشيئين واستعار ما هو من لوازمهما وهما القذف والدمغ لتجسيد الاطاحة بالباطل واعتلاء الحق عليه وتصوير إبطاله وإهداره ومحقه كأنه جرم صلب كصخرة أو ما يماثلها في القوة والصلابة قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه وهي من استعارة المحسوس للمعقول وقد تقدم بحث ذلك مفصلا مع استيفاء أقسام الاستعارة بالنسبة لطرفي التشبيه.
4- قوة اللفظ لقوة المعنى: وقد تقدم الكلام عن هذا الفن ونعني به نقل اللفظ من وزن إلى وزن آخر أكثر منه ليتضمن من المعنى الدال عليه أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني وأمثلة للابانة عنها فاذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني وهذا الضرب من الزيادة لا يستعمل إلا في مقام المبالغة وهو هنا في قوله تعالى «وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» فقد عدل عن الثلاثي وهو حسر إلى السداسي وهو استحسر وقد كان ظاهر الكلام أن يقال يحسرون أي يكلون ويتعبون، لأن أقل ملل منهم أو كلال إزاء الملائكة وإزاء عبادتهم لله سبحانه لا يتصور منهم ولكنه عدل عن ذلك لسرّ يخفى على النظرة السطحية الأولى وهو أن ما هم فيه من انهماك بالعبادة وانصراف بالكلية لها يوجب غاية الحسور وأقصاه.
5- التصريح بالضمير: وذلك في قوله: «هم ينشرون» وقد كان يكفي أن يقول ينشرون ولكنه عدل عن ذلك إلى التصريح بالضمير لإفادة معنى الخصوصية أولا كأنهم قالوا ليس هنا من يقدر على الإنشار غيرهم وثانيا لتسجيل إلزامهم ادعاء صفات الألوهية لآلهتهم وهذا الادعاء قد أبطله الله في الآية التالية لهذه الآية بدليل التمانع المغترف من بحر هذه الآية وهي «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» كما سيوضح في الاعراب، وهذا من جوهر الكلام وخالصه.
6- المذهب الكلامي: وذلك في قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» وذكر ابن المعتز أن الذي سماه هذه التسمية هو الجاحظ والكتاب الكريم مشحون به وتعريفه هو انه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام وله طرق متعددة وقد أوصلها الرماني في تفسيره المسمى بالنكت في اعجاز القرآن إلى خمسة ضروب ومنها إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل فملزوم قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» انهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله، وإيضاح ذلك إن دليل التمانع هو انه لو وجد مع الله إله آخر ربما قالوا لو فرضنا وجود إلهين فإما أن يكونا جميعا موصوفين بصفات الكمال اللاتي يندرج فيها القدرة على احياء الموتى وانشارهم وغير ذلك من الممكنات أو لا يتصف بها واحد منهما أو أحدهما دون الآخر وعندئذ تفسد الرعية بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق: «كان والله أعز علي من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول» وللمتكلمين في طريقة التمانع جولات واسعة تؤخذ في مظانها، وسيرد إيضاحها في باب الفوائد.
الفوائد:
«إلا» بمعنى «غير» :
الأصل في «إلا» أن تكون للاستثناء وفي «غير» أن تكون وصفا ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيوصف بإلا ويستثنى بغير فإن كانت إلا بمعنى غير وقعت هي وما بعدها صفة لما قبلها وذلك حيث لا يراد بها الاستثناء وانما يراد بها وصف ما قبلها بما يغاير ما بعدها كقوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فإلا وما بعدها صفة لآلهة لأن المراد نفي الآلهة المتعددة واثبات الإله الواحد الفرد ولا يصح الاستثناء بالنصب لأن المعنى يكون حينئذ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وهذا ظاهر الفساد، وسامح الله ابن يعيش شارح مفصل الزمخشري حيث أجاز النصب على الاستثناء في الآية الكريمة غير مقدر ما يترتب على النصب من فساد وعبارة ابن يعيش «قال الله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والمراد غير الله فهذا لا يكون إلا وصفا ولا يجوز أن يكون بدلا يراد به الاستثناء لأنه يصير في تقدير لو كان فيهما إلا الله لفسدتا وذلك فاسد لأن لو شرط فيما مضى فهي بمنزلة إن في المستقبل وأنت لو قلت إن أتاني إلا زيد لم يصح لأن الشرط في حكم الموجب فكما لا يصح أتاني إلا زيد كذلك لا يصح إن أتاني إلا زيد فلو نصب على الاستثناء فقلت لو كان فيهما إلا الله لجاز» . ثم لا يصح أيضا أن يعرب لفظ الجلالة بدلا من آلهة لأنه حيث لا يصح الاستثناء لا تصح البدلية ثم إن الكلام موجب فلا تجوز البدلية ولو صح الاستثناء لأن النصب واجب في الكلام الموجب التام وأيضا لو جعلته بدلا لكان التقدير: لو كان فيهما إلا الله لفسدتا لأن البدل على نية طرح المبدل منه كما هو معلوم ولعدم صحة الاستثناء هنا وعدم جواز البدلية تعين أن تكون إلا بمعنى غير.
ولتتمة هذا المبحث الدقيق ننقل الفصل الممتع الذي أورده العلامة ابن هشام في مغني اللبيب ورده على المبرد مع تعليقات مناسبة ليستوفي الموضوع حقه قال ابن هشام بعد أن ذكر أن لإلا أربعة أوجه:
«والثاني أن تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه فمثال الجمع المنكر: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فلا يجوز في إلا هذه أن تكون للاستثناء من جهة المعنى إذ التقدير حينئذ لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وليس ذلك المراد، ولا من جهة اللفظ لأن آلهة جمع منكر في الإثبات فلا عموم له فلا يصح الاستثناء منه فلو قلت قام رجال إلا زيدا لم يصح اتفاقا، وزعم المبرد أن «إلا» في الآية للاستثناء وان ما بعدها بدل محتجا بأن «لو» تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها جائز وان نحو «لو كان معنا إلا زيد» أجود كلام ويرده انهم لا يقولون «لو جاءني ديّار أكرمته» ولا «لو جاءني من أحد أكرمته» ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد ولما لم يجز ذلك دل على أن الصواب قول سيبويه إن إلا وما بعدها صفة» . إلى أن يقول:
«وشرط ابن الحاجب في وقوع إلا صفة تعذر الاستثناء وجعل من الشاذ قول حضرمي بن عامر الصحابي وقيل عمرو بن معدى كرب:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ومعنى الشذوذ فيه انه ليس استثناء إذ لم ينصب بعد الكلام التام الموجب فتعين انه صفة ولم يتعذر الاستثناء فهو شاذ إذ كان يمكنه أن يقول إلا الفرقدين، ونحسب أن البحث طال فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:21
اللغة:
(حَصِيداً) : فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد وغيره وستأتي قاعدته في باب الفوائد وهو الزرع المحصود.
(خامِدِينَ) : يقال خمدت النار وهمدت كل منهما من باب دخل لكن الاول عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الجمر والثاني عبارة عن ذهابها بالكلية.
(لَهْواً) : في المصباح: «اللهو معروف، تقول أهل نجد: لهوت عنه ألهو لهيّا والأصل على فعول من باب قعد، وأهل العالية لهيت عنه ألهى من باب تعب ومعناه السلوان والترك ولهوت به لهوا من باب قتل أولعت به أيضا، قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني» اهـ.
وفي القاموس والتاج: «لهى لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك والملاهي آلاته وتلاهى بذاك والألهوة والألهية والتلهية ما يتلاهى به ولهت المرأة إلى حديثه لهوا ولهوّا: أنست به وأعجبها واللهوة المرأة الملهو بها كاللهو وبالضم والفتح ما ألقيته في فم الرحى والعطية أو أفضل العطايا وأجزلها كاللهية والحفنة من المال أو الألف من الدنانير والدراهم لا غير ولهي به كرضي أحبه وعنه سلا وغفل وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا، وقال شارح القاموس قوله: لها لهوا لعب قضية اتحادهما وقد فرق بينهما جماعة فقيل يشتركان في أنهما اشتغال بما لا يعني حراما أو لا قيل واللهو أعم مطلقا فاستماع الملاهي لهو لا لعب وقال الجوهري: قد يكنى باللهو عن الجماع ويدل على ما قاله امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي
(فَيَدْمَغُهُ) : فيذهبه وبابه قطع وفي القاموس: دمغة قهره ودمغ الحق بالباطل: أبطله ومحقه وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة.
(يَسْتَحْسِرُونَ) يكلون ويتعبون يقال: استحسر البعير أي كلّ وتعب ويقال حسر البعير وحسرته أنا فيكون لازما ومتعديا وأحسرته أيضا فيكون فعل وأفعل بمعنى واحد وسيأتي مزيد بيان عن الاستحسار في باب البلاغة.
الإعراب:
(قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) يا أداة نداء وويلنا منادى مضاف يدعون الويل والثبور لأن هذا وقته ويجوز أن تكون يا للتنبيه وويلنا مصدر لفعل محذوف والجملة مقول قولهم وإن واسمها وجملة كنا ظالمين خبرها وكان واسمها وظالمين خبرها. (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) الفاء عاطفة وما زالت فعل ماض ناقص والتاء علامة التأنيث وتلك اسم اشارة اسمها في محل رفع ودعواهم خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف والهاء مضاف اليه والميم حرف دال على جمع الذكور والمراد بالدعوى تلك الكلمات وهي «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» وحتى حرف غاية وجر وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وحصيدا خامدين مفعول به ثان لأن حكمهما حكم الواحد. إذ أن معنى جعلناهم حصيدا خامدين: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود ومثال ذلك قولك جعلته حلوا حامضا أي جامعا للطعين أي مزا، ولك أن تجعل خامدين صفة لحصيدا. (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) الواو حرف عطف أو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لعرض البدائع والعجائب التي انطوى عليها خلق السموات والأرض وما فيهما للعظة ولتكون مطارح اعتبار وحافزا للتفكير والاستدلال وما نافية وخلقنا فعل وفاعل والسماء مفعول به والأرض عطف على السماء وما عطف على السماء والأرض وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول ولاعبين حال من فاعل خلقنا. (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) لو شرطية امتناعية وأردنا فعل وفاعل وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أردنا وفاعل نتخذ ضمير مستتر تقديره نحن ولهوا مفعول به ولاتخذناه اللام واقعة في جواب لو واتخذناه فعل وفاعل ومفعول به من لدنا متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لاتخذ وإن يجوز أن تكون نافية بمعنى ما وكنا فاعلين كان واسمها وخبرها والجملة حالية من فاعل اتخذناه أي حال كوننا غير فاعلين ويجوز أن تكون إن شرطية وجوابها محذوف يدل عليه جواب لو ولعل هذا أولى وأشبه الوجهين بمذهب العربية. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) بل إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه تعالى لذاته ونقذف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وبالحق جار ومجرور متعلقان بنقذف وعلى الباطل متعلقان بمحذوف حال أي مستعليا على الباطل، فيدمغه عطف على نقذف فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وقد تقدم ذكرها وهو مبتدأ وزاهق خبرها ولكم الواو استئنافية ولكم خبر مقدم والويل مبتدأ مؤخر ومما متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو مما، أي استقر لكم الويل من كل ما تصفون ومما يجوز أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية وعلى كل جملة تصفون لا محل لها. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وله خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وفي السموات والأرض صلة. (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) الواو عاطفة ومن معطوفة على من الأولى وعنده ظرف متعلق بمحذوف صلة وجملة لا يستكبرون حالية من من الأولى وعن عبادته متعلقان بيستكبرون وجملة لا يستحسرون عطف على جملة لا يستكبرون ويجوز أن تكون الواو للاستئناف ومن عنده أي الملائكة مبتدأ خبره جملة لا يستكبرون والجملة مستأنفة. (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما يصنعه من عند الله في عبادتهم ويسبحون فعل مضارع وفاعل ويجوز أن تكون الجملة حالية والليل والنهار ظرفان متعلقان بيسبحون وجملة لا يفترون حال من فاعل يسبحون. (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) أم المنقطعة عاطفة وتفيد الإنكار واتخذوا فعل وفاعل وآلهة مفعول به ومن الأرض صفة وهم مبتدأ وجملة ينشرون خبر وجملة هم ينشرون صفة لآلهة ومفعول ينشرون محذوف أي يحيون الموتى ويجوز جعلها جملة مستأنفة لم يدعوا لآلهتهم انها تنشر الموتى ولكنهم بمجرد دعواهم ألوهيتها يترتب عليهم أن يدعوا ضمنا انها تنشر الموتى وسيأتي مزيد بحث حول الضمير الذي هو «هم» في باب البلاغة. (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) لو
شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وفيهما خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وإلا بمعنى غير صفة لآلهة ظهر اعرابها على ما بعدها ولا يصح أن تكون استثنائية لأن مفهوم الاستثناء فاسد هنا إذ حاصله انه لو كان فيهما آلهة لم يستثن الله منهم لم تفسدا وليس كذلك فإن مجرد تعدد الآلهة يوجب لزوم الفساد مطلقا وسيأتي مزيد بسط لهذا المبحث الهام، ولفسدتا اللام واقعة في جواب لو وجملة فسدتا لا محل لها من الإعراب فسبحان الله الفاء عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان وسبحان مفعول مطلق لفعل محذوف ولفظ الجلالة مضاف اليه ورب العرش بدل أو صفة للفظ الجلالة وعما متعلقان بسبحان وجملة يصفون لا محل لها لأنها صلة ما ويجوز أن تكون ما مصدرية. (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تفرده سبحانه بالسلطان، بحيث لا يسأله أحد عما يفعله ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وعما متعلقان بيسأل وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة يسألون خبر.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون عديدة أولها:
1- الاستعارة في قولهم «يا ويلنا» فقد خاطبوا الويل وهو الهلاك كأنه شخص حي يدعونه لينقذهم مما هم فيه.
2- التشبيه البليغ في قوله «جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ» .
فقد شبههم بعد حلول العذاب بهم بالحصيد أولا وهو الزرع المحصود ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به هو الاستئصال من المنابت ثم شبههم ثانيا بالنار المنطفئة ولم يبق منها إلا جمر منطفىء لا نفع فيه ولا قابلية لشيء من النفع منه فلا ترى إلا أشلاء متناثرة وأجزاء متفرقة قد تمددت وقدران عليها البلى.
3- الاستعارة المكنية في قوله «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» فقد شبه الحق والباطل وهما معنويان بشيئين ماديين محسوسين يقذفان ويدفعان ثم حذف هذين الشيئين واستعار ما هو من لوازمهما وهما القذف والدمغ لتجسيد الاطاحة بالباطل واعتلاء الحق عليه وتصوير إبطاله وإهداره ومحقه كأنه جرم صلب كصخرة أو ما يماثلها في القوة والصلابة قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه وهي من استعارة المحسوس للمعقول وقد تقدم بحث ذلك مفصلا مع استيفاء أقسام الاستعارة بالنسبة لطرفي التشبيه.
4- قوة اللفظ لقوة المعنى: وقد تقدم الكلام عن هذا الفن ونعني به نقل اللفظ من وزن إلى وزن آخر أكثر منه ليتضمن من المعنى الدال عليه أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني وأمثلة للابانة عنها فاذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني وهذا الضرب من الزيادة لا يستعمل إلا في مقام المبالغة وهو هنا في قوله تعالى «وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» فقد عدل عن الثلاثي وهو حسر إلى السداسي وهو استحسر وقد كان ظاهر الكلام أن يقال يحسرون أي يكلون ويتعبون، لأن أقل ملل منهم أو كلال إزاء الملائكة وإزاء عبادتهم لله سبحانه لا يتصور منهم ولكنه عدل عن ذلك لسرّ يخفى على النظرة السطحية الأولى وهو أن ما هم فيه من انهماك بالعبادة وانصراف بالكلية لها يوجب غاية الحسور وأقصاه.
5- التصريح بالضمير: وذلك في قوله: «هم ينشرون» وقد كان يكفي أن يقول ينشرون ولكنه عدل عن ذلك إلى التصريح بالضمير لإفادة معنى الخصوصية أولا كأنهم قالوا ليس هنا من يقدر على الإنشار غيرهم وثانيا لتسجيل إلزامهم ادعاء صفات الألوهية لآلهتهم وهذا الادعاء قد أبطله الله في الآية التالية لهذه الآية بدليل التمانع المغترف من بحر هذه الآية وهي «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» كما سيوضح في الاعراب، وهذا من جوهر الكلام وخالصه.
6- المذهب الكلامي: وذلك في قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» وذكر ابن المعتز أن الذي سماه هذه التسمية هو الجاحظ والكتاب الكريم مشحون به وتعريفه هو انه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام وله طرق متعددة وقد أوصلها الرماني في تفسيره المسمى بالنكت في اعجاز القرآن إلى خمسة ضروب ومنها إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل فملزوم قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» انهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله، وإيضاح ذلك إن دليل التمانع هو انه لو وجد مع الله إله آخر ربما قالوا لو فرضنا وجود إلهين فإما أن يكونا جميعا موصوفين بصفات الكمال اللاتي يندرج فيها القدرة على احياء الموتى وانشارهم وغير ذلك من الممكنات أو لا يتصف بها واحد منهما أو أحدهما دون الآخر وعندئذ تفسد الرعية بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق: «كان والله أعز علي من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول» وللمتكلمين في طريقة التمانع جولات واسعة تؤخذ في مظانها، وسيرد إيضاحها في باب الفوائد.
الفوائد:
«إلا» بمعنى «غير» :
الأصل في «إلا» أن تكون للاستثناء وفي «غير» أن تكون وصفا ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيوصف بإلا ويستثنى بغير فإن كانت إلا بمعنى غير وقعت هي وما بعدها صفة لما قبلها وذلك حيث لا يراد بها الاستثناء وانما يراد بها وصف ما قبلها بما يغاير ما بعدها كقوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فإلا وما بعدها صفة لآلهة لأن المراد نفي الآلهة المتعددة واثبات الإله الواحد الفرد ولا يصح الاستثناء بالنصب لأن المعنى يكون حينئذ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وهذا ظاهر الفساد، وسامح الله ابن يعيش شارح مفصل الزمخشري حيث أجاز النصب على الاستثناء في الآية الكريمة غير مقدر ما يترتب على النصب من فساد وعبارة ابن يعيش «قال الله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والمراد غير الله فهذا لا يكون إلا وصفا ولا يجوز أن يكون بدلا يراد به الاستثناء لأنه يصير في تقدير لو كان فيهما إلا الله لفسدتا وذلك فاسد لأن لو شرط فيما مضى فهي بمنزلة إن في المستقبل وأنت لو قلت إن أتاني إلا زيد لم يصح لأن الشرط في حكم الموجب فكما لا يصح أتاني إلا زيد كذلك لا يصح إن أتاني إلا زيد فلو نصب على الاستثناء فقلت لو كان فيهما إلا الله لجاز» . ثم لا يصح أيضا أن يعرب لفظ الجلالة بدلا من آلهة لأنه حيث لا يصح الاستثناء لا تصح البدلية ثم إن الكلام موجب فلا تجوز البدلية ولو صح الاستثناء لأن النصب واجب في الكلام الموجب التام وأيضا لو جعلته بدلا لكان التقدير: لو كان فيهما إلا الله لفسدتا لأن البدل على نية طرح المبدل منه كما هو معلوم ولعدم صحة الاستثناء هنا وعدم جواز البدلية تعين أن تكون إلا بمعنى غير.
ولتتمة هذا المبحث الدقيق ننقل الفصل الممتع الذي أورده العلامة ابن هشام في مغني اللبيب ورده على المبرد مع تعليقات مناسبة ليستوفي الموضوع حقه قال ابن هشام بعد أن ذكر أن لإلا أربعة أوجه:
«والثاني أن تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه فمثال الجمع المنكر: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فلا يجوز في إلا هذه أن تكون للاستثناء من جهة المعنى إذ التقدير حينئذ لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وليس ذلك المراد، ولا من جهة اللفظ لأن آلهة جمع منكر في الإثبات فلا عموم له فلا يصح الاستثناء منه فلو قلت قام رجال إلا زيدا لم يصح اتفاقا، وزعم المبرد أن «إلا» في الآية للاستثناء وان ما بعدها بدل محتجا بأن «لو» تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها جائز وان نحو «لو كان معنا إلا زيد» أجود كلام ويرده انهم لا يقولون «لو جاءني ديّار أكرمته» ولا «لو جاءني من أحد أكرمته» ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد ولما لم يجز ذلك دل على أن الصواب قول سيبويه إن إلا وما بعدها صفة» . إلى أن يقول:
«وشرط ابن الحاجب في وقوع إلا صفة تعذر الاستثناء وجعل من الشاذ قول حضرمي بن عامر الصحابي وقيل عمرو بن معدى كرب:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ومعنى الشذوذ فيه انه ليس استثناء إذ لم ينصب بعد الكلام التام الموجب فتعين انه صفة ولم يتعذر الاستثناء فهو شاذ إذ كان يمكنه أن يقول إلا الفرقدين، ونحسب أن البحث طال فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:22
اللغة:
(حَصِيداً) : فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد وغيره وستأتي قاعدته في باب الفوائد وهو الزرع المحصود.
(خامِدِينَ) : يقال خمدت النار وهمدت كل منهما من باب دخل لكن الاول عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الجمر والثاني عبارة عن ذهابها بالكلية.
(لَهْواً) : في المصباح: «اللهو معروف، تقول أهل نجد: لهوت عنه ألهو لهيّا والأصل على فعول من باب قعد، وأهل العالية لهيت عنه ألهى من باب تعب ومعناه السلوان والترك ولهوت به لهوا من باب قتل أولعت به أيضا، قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني» اهـ.
وفي القاموس والتاج: «لهى لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك والملاهي آلاته وتلاهى بذاك والألهوة والألهية والتلهية ما يتلاهى به ولهت المرأة إلى حديثه لهوا ولهوّا: أنست به وأعجبها واللهوة المرأة الملهو بها كاللهو وبالضم والفتح ما ألقيته في فم الرحى والعطية أو أفضل العطايا وأجزلها كاللهية والحفنة من المال أو الألف من الدنانير والدراهم لا غير ولهي به كرضي أحبه وعنه سلا وغفل وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا، وقال شارح القاموس قوله: لها لهوا لعب قضية اتحادهما وقد فرق بينهما جماعة فقيل يشتركان في أنهما اشتغال بما لا يعني حراما أو لا قيل واللهو أعم مطلقا فاستماع الملاهي لهو لا لعب وقال الجوهري: قد يكنى باللهو عن الجماع ويدل على ما قاله امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي
(فَيَدْمَغُهُ) : فيذهبه وبابه قطع وفي القاموس: دمغة قهره ودمغ الحق بالباطل: أبطله ومحقه وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة.
(يَسْتَحْسِرُونَ) يكلون ويتعبون يقال: استحسر البعير أي كلّ وتعب ويقال حسر البعير وحسرته أنا فيكون لازما ومتعديا وأحسرته أيضا فيكون فعل وأفعل بمعنى واحد وسيأتي مزيد بيان عن الاستحسار في باب البلاغة.
الإعراب:
(قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) يا أداة نداء وويلنا منادى مضاف يدعون الويل والثبور لأن هذا وقته ويجوز أن تكون يا للتنبيه وويلنا مصدر لفعل محذوف والجملة مقول قولهم وإن واسمها وجملة كنا ظالمين خبرها وكان واسمها وظالمين خبرها. (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) الفاء عاطفة وما زالت فعل ماض ناقص والتاء علامة التأنيث وتلك اسم اشارة اسمها في محل رفع ودعواهم خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف والهاء مضاف اليه والميم حرف دال على جمع الذكور والمراد بالدعوى تلك الكلمات وهي «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» وحتى حرف غاية وجر وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وحصيدا خامدين مفعول به ثان لأن حكمهما حكم الواحد. إذ أن معنى جعلناهم حصيدا خامدين: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود ومثال ذلك قولك جعلته حلوا حامضا أي جامعا للطعين أي مزا، ولك أن تجعل خامدين صفة لحصيدا. (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) الواو حرف عطف أو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لعرض البدائع والعجائب التي انطوى عليها خلق السموات والأرض وما فيهما للعظة ولتكون مطارح اعتبار وحافزا للتفكير والاستدلال وما نافية وخلقنا فعل وفاعل والسماء مفعول به والأرض عطف على السماء وما عطف على السماء والأرض وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول ولاعبين حال من فاعل خلقنا. (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) لو شرطية امتناعية وأردنا فعل وفاعل وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أردنا وفاعل نتخذ ضمير مستتر تقديره نحن ولهوا مفعول به ولاتخذناه اللام واقعة في جواب لو واتخذناه فعل وفاعل ومفعول به من لدنا متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لاتخذ وإن يجوز أن تكون نافية بمعنى ما وكنا فاعلين كان واسمها وخبرها والجملة حالية من فاعل اتخذناه أي حال كوننا غير فاعلين ويجوز أن تكون إن شرطية وجوابها محذوف يدل عليه جواب لو ولعل هذا أولى وأشبه الوجهين بمذهب العربية. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) بل إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه تعالى لذاته ونقذف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وبالحق جار ومجرور متعلقان بنقذف وعلى الباطل متعلقان بمحذوف حال أي مستعليا على الباطل، فيدمغه عطف على نقذف فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وقد تقدم ذكرها وهو مبتدأ وزاهق خبرها ولكم الواو استئنافية ولكم خبر مقدم والويل مبتدأ مؤخر ومما متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو مما، أي استقر لكم الويل من كل ما تصفون ومما يجوز أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية وعلى كل جملة تصفون لا محل لها. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وله خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وفي السموات والأرض صلة. (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) الواو عاطفة ومن معطوفة على من الأولى وعنده ظرف متعلق بمحذوف صلة وجملة لا يستكبرون حالية من من الأولى وعن عبادته متعلقان بيستكبرون وجملة لا يستحسرون عطف على جملة لا يستكبرون ويجوز أن تكون الواو للاستئناف ومن عنده أي الملائكة مبتدأ خبره جملة لا يستكبرون والجملة مستأنفة. (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما يصنعه من عند الله في عبادتهم ويسبحون فعل مضارع وفاعل ويجوز أن تكون الجملة حالية والليل والنهار ظرفان متعلقان بيسبحون وجملة لا يفترون حال من فاعل يسبحون. (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) أم المنقطعة عاطفة وتفيد الإنكار واتخذوا فعل وفاعل وآلهة مفعول به ومن الأرض صفة وهم مبتدأ وجملة ينشرون خبر وجملة هم ينشرون صفة لآلهة ومفعول ينشرون محذوف أي يحيون الموتى ويجوز جعلها جملة مستأنفة لم يدعوا لآلهتهم انها تنشر الموتى ولكنهم بمجرد دعواهم ألوهيتها يترتب عليهم أن يدعوا ضمنا انها تنشر الموتى وسيأتي مزيد بحث حول الضمير الذي هو «هم» في باب البلاغة. (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) لو
شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وفيهما خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وإلا بمعنى غير صفة لآلهة ظهر اعرابها على ما بعدها ولا يصح أن تكون استثنائية لأن مفهوم الاستثناء فاسد هنا إذ حاصله انه لو كان فيهما آلهة لم يستثن الله منهم لم تفسدا وليس كذلك فإن مجرد تعدد الآلهة يوجب لزوم الفساد مطلقا وسيأتي مزيد بسط لهذا المبحث الهام، ولفسدتا اللام واقعة في جواب لو وجملة فسدتا لا محل لها من الإعراب فسبحان الله الفاء عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان وسبحان مفعول مطلق لفعل محذوف ولفظ الجلالة مضاف اليه ورب العرش بدل أو صفة للفظ الجلالة وعما متعلقان بسبحان وجملة يصفون لا محل لها لأنها صلة ما ويجوز أن تكون ما مصدرية. (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تفرده سبحانه بالسلطان، بحيث لا يسأله أحد عما يفعله ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وعما متعلقان بيسأل وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة يسألون خبر.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون عديدة أولها:
1- الاستعارة في قولهم «يا ويلنا» فقد خاطبوا الويل وهو الهلاك كأنه شخص حي يدعونه لينقذهم مما هم فيه.
2- التشبيه البليغ في قوله «جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ» .
فقد شبههم بعد حلول العذاب بهم بالحصيد أولا وهو الزرع المحصود ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به هو الاستئصال من المنابت ثم شبههم ثانيا بالنار المنطفئة ولم يبق منها إلا جمر منطفىء لا نفع فيه ولا قابلية لشيء من النفع منه فلا ترى إلا أشلاء متناثرة وأجزاء متفرقة قد تمددت وقدران عليها البلى.
3- الاستعارة المكنية في قوله «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» فقد شبه الحق والباطل وهما معنويان بشيئين ماديين محسوسين يقذفان ويدفعان ثم حذف هذين الشيئين واستعار ما هو من لوازمهما وهما القذف والدمغ لتجسيد الاطاحة بالباطل واعتلاء الحق عليه وتصوير إبطاله وإهداره ومحقه كأنه جرم صلب كصخرة أو ما يماثلها في القوة والصلابة قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه وهي من استعارة المحسوس للمعقول وقد تقدم بحث ذلك مفصلا مع استيفاء أقسام الاستعارة بالنسبة لطرفي التشبيه.
4- قوة اللفظ لقوة المعنى: وقد تقدم الكلام عن هذا الفن ونعني به نقل اللفظ من وزن إلى وزن آخر أكثر منه ليتضمن من المعنى الدال عليه أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني وأمثلة للابانة عنها فاذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني وهذا الضرب من الزيادة لا يستعمل إلا في مقام المبالغة وهو هنا في قوله تعالى «وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» فقد عدل عن الثلاثي وهو حسر إلى السداسي وهو استحسر وقد كان ظاهر الكلام أن يقال يحسرون أي يكلون ويتعبون، لأن أقل ملل منهم أو كلال إزاء الملائكة وإزاء عبادتهم لله سبحانه لا يتصور منهم ولكنه عدل عن ذلك لسرّ يخفى على النظرة السطحية الأولى وهو أن ما هم فيه من انهماك بالعبادة وانصراف بالكلية لها يوجب غاية الحسور وأقصاه.
5- التصريح بالضمير: وذلك في قوله: «هم ينشرون» وقد كان يكفي أن يقول ينشرون ولكنه عدل عن ذلك إلى التصريح بالضمير لإفادة معنى الخصوصية أولا كأنهم قالوا ليس هنا من يقدر على الإنشار غيرهم وثانيا لتسجيل إلزامهم ادعاء صفات الألوهية لآلهتهم وهذا الادعاء قد أبطله الله في الآية التالية لهذه الآية بدليل التمانع المغترف من بحر هذه الآية وهي «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» كما سيوضح في الاعراب، وهذا من جوهر الكلام وخالصه.
6- المذهب الكلامي: وذلك في قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» وذكر ابن المعتز أن الذي سماه هذه التسمية هو الجاحظ والكتاب الكريم مشحون به وتعريفه هو انه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام وله طرق متعددة وقد أوصلها الرماني في تفسيره المسمى بالنكت في اعجاز القرآن إلى خمسة ضروب ومنها إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل فملزوم قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» انهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله، وإيضاح ذلك إن دليل التمانع هو انه لو وجد مع الله إله آخر ربما قالوا لو فرضنا وجود إلهين فإما أن يكونا جميعا موصوفين بصفات الكمال اللاتي يندرج فيها القدرة على احياء الموتى وانشارهم وغير ذلك من الممكنات أو لا يتصف بها واحد منهما أو أحدهما دون الآخر وعندئذ تفسد الرعية بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق: «كان والله أعز علي من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول» وللمتكلمين في طريقة التمانع جولات واسعة تؤخذ في مظانها، وسيرد إيضاحها في باب الفوائد.
الفوائد:
«إلا» بمعنى «غير» :
الأصل في «إلا» أن تكون للاستثناء وفي «غير» أن تكون وصفا ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيوصف بإلا ويستثنى بغير فإن كانت إلا بمعنى غير وقعت هي وما بعدها صفة لما قبلها وذلك حيث لا يراد بها الاستثناء وانما يراد بها وصف ما قبلها بما يغاير ما بعدها كقوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فإلا وما بعدها صفة لآلهة لأن المراد نفي الآلهة المتعددة واثبات الإله الواحد الفرد ولا يصح الاستثناء بالنصب لأن المعنى يكون حينئذ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وهذا ظاهر الفساد، وسامح الله ابن يعيش شارح مفصل الزمخشري حيث أجاز النصب على الاستثناء في الآية الكريمة غير مقدر ما يترتب على النصب من فساد وعبارة ابن يعيش «قال الله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والمراد غير الله فهذا لا يكون إلا وصفا ولا يجوز أن يكون بدلا يراد به الاستثناء لأنه يصير في تقدير لو كان فيهما إلا الله لفسدتا وذلك فاسد لأن لو شرط فيما مضى فهي بمنزلة إن في المستقبل وأنت لو قلت إن أتاني إلا زيد لم يصح لأن الشرط في حكم الموجب فكما لا يصح أتاني إلا زيد كذلك لا يصح إن أتاني إلا زيد فلو نصب على الاستثناء فقلت لو كان فيهما إلا الله لجاز» . ثم لا يصح أيضا أن يعرب لفظ الجلالة بدلا من آلهة لأنه حيث لا يصح الاستثناء لا تصح البدلية ثم إن الكلام موجب فلا تجوز البدلية ولو صح الاستثناء لأن النصب واجب في الكلام الموجب التام وأيضا لو جعلته بدلا لكان التقدير: لو كان فيهما إلا الله لفسدتا لأن البدل على نية طرح المبدل منه كما هو معلوم ولعدم صحة الاستثناء هنا وعدم جواز البدلية تعين أن تكون إلا بمعنى غير.
ولتتمة هذا المبحث الدقيق ننقل الفصل الممتع الذي أورده العلامة ابن هشام في مغني اللبيب ورده على المبرد مع تعليقات مناسبة ليستوفي الموضوع حقه قال ابن هشام بعد أن ذكر أن لإلا أربعة أوجه:
«والثاني أن تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه فمثال الجمع المنكر: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فلا يجوز في إلا هذه أن تكون للاستثناء من جهة المعنى إذ التقدير حينئذ لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وليس ذلك المراد، ولا من جهة اللفظ لأن آلهة جمع منكر في الإثبات فلا عموم له فلا يصح الاستثناء منه فلو قلت قام رجال إلا زيدا لم يصح اتفاقا، وزعم المبرد أن «إلا» في الآية للاستثناء وان ما بعدها بدل محتجا بأن «لو» تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها جائز وان نحو «لو كان معنا إلا زيد» أجود كلام ويرده انهم لا يقولون «لو جاءني ديّار أكرمته» ولا «لو جاءني من أحد أكرمته» ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد ولما لم يجز ذلك دل على أن الصواب قول سيبويه إن إلا وما بعدها صفة» . إلى أن يقول:
«وشرط ابن الحاجب في وقوع إلا صفة تعذر الاستثناء وجعل من الشاذ قول حضرمي بن عامر الصحابي وقيل عمرو بن معدى كرب:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ومعنى الشذوذ فيه انه ليس استثناء إذ لم ينصب بعد الكلام التام الموجب فتعين انه صفة ولم يتعذر الاستثناء فهو شاذ إذ كان يمكنه أن يقول إلا الفرقدين، ونحسب أن البحث طال فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:23
اللغة:
(حَصِيداً) : فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد وغيره وستأتي قاعدته في باب الفوائد وهو الزرع المحصود.
(خامِدِينَ) : يقال خمدت النار وهمدت كل منهما من باب دخل لكن الاول عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الجمر والثاني عبارة عن ذهابها بالكلية.
(لَهْواً) : في المصباح: «اللهو معروف، تقول أهل نجد: لهوت عنه ألهو لهيّا والأصل على فعول من باب قعد، وأهل العالية لهيت عنه ألهى من باب تعب ومعناه السلوان والترك ولهوت به لهوا من باب قتل أولعت به أيضا، قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني» اهـ.
وفي القاموس والتاج: «لهى لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك والملاهي آلاته وتلاهى بذاك والألهوة والألهية والتلهية ما يتلاهى به ولهت المرأة إلى حديثه لهوا ولهوّا: أنست به وأعجبها واللهوة المرأة الملهو بها كاللهو وبالضم والفتح ما ألقيته في فم الرحى والعطية أو أفضل العطايا وأجزلها كاللهية والحفنة من المال أو الألف من الدنانير والدراهم لا غير ولهي به كرضي أحبه وعنه سلا وغفل وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا، وقال شارح القاموس قوله: لها لهوا لعب قضية اتحادهما وقد فرق بينهما جماعة فقيل يشتركان في أنهما اشتغال بما لا يعني حراما أو لا قيل واللهو أعم مطلقا فاستماع الملاهي لهو لا لعب وقال الجوهري: قد يكنى باللهو عن الجماع ويدل على ما قاله امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي
(فَيَدْمَغُهُ) : فيذهبه وبابه قطع وفي القاموس: دمغة قهره ودمغ الحق بالباطل: أبطله ومحقه وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة.
(يَسْتَحْسِرُونَ) يكلون ويتعبون يقال: استحسر البعير أي كلّ وتعب ويقال حسر البعير وحسرته أنا فيكون لازما ومتعديا وأحسرته أيضا فيكون فعل وأفعل بمعنى واحد وسيأتي مزيد بيان عن الاستحسار في باب البلاغة.
الإعراب:
(قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) يا أداة نداء وويلنا منادى مضاف يدعون الويل والثبور لأن هذا وقته ويجوز أن تكون يا للتنبيه وويلنا مصدر لفعل محذوف والجملة مقول قولهم وإن واسمها وجملة كنا ظالمين خبرها وكان واسمها وظالمين خبرها. (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) الفاء عاطفة وما زالت فعل ماض ناقص والتاء علامة التأنيث وتلك اسم اشارة اسمها في محل رفع ودعواهم خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف والهاء مضاف اليه والميم حرف دال على جمع الذكور والمراد بالدعوى تلك الكلمات وهي «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» وحتى حرف غاية وجر وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وحصيدا خامدين مفعول به ثان لأن حكمهما حكم الواحد. إذ أن معنى جعلناهم حصيدا خامدين: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود ومثال ذلك قولك جعلته حلوا حامضا أي جامعا للطعين أي مزا، ولك أن تجعل خامدين صفة لحصيدا. (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) الواو حرف عطف أو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لعرض البدائع والعجائب التي انطوى عليها خلق السموات والأرض وما فيهما للعظة ولتكون مطارح اعتبار وحافزا للتفكير والاستدلال وما نافية وخلقنا فعل وفاعل والسماء مفعول به والأرض عطف على السماء وما عطف على السماء والأرض وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول ولاعبين حال من فاعل خلقنا. (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) لو شرطية امتناعية وأردنا فعل وفاعل وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أردنا وفاعل نتخذ ضمير مستتر تقديره نحن ولهوا مفعول به ولاتخذناه اللام واقعة في جواب لو واتخذناه فعل وفاعل ومفعول به من لدنا متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لاتخذ وإن يجوز أن تكون نافية بمعنى ما وكنا فاعلين كان واسمها وخبرها والجملة حالية من فاعل اتخذناه أي حال كوننا غير فاعلين ويجوز أن تكون إن شرطية وجوابها محذوف يدل عليه جواب لو ولعل هذا أولى وأشبه الوجهين بمذهب العربية. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) بل إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه تعالى لذاته ونقذف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وبالحق جار ومجرور متعلقان بنقذف وعلى الباطل متعلقان بمحذوف حال أي مستعليا على الباطل، فيدمغه عطف على نقذف فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وقد تقدم ذكرها وهو مبتدأ وزاهق خبرها ولكم الواو استئنافية ولكم خبر مقدم والويل مبتدأ مؤخر ومما متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو مما، أي استقر لكم الويل من كل ما تصفون ومما يجوز أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية وعلى كل جملة تصفون لا محل لها. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وله خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وفي السموات والأرض صلة. (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) الواو عاطفة ومن معطوفة على من الأولى وعنده ظرف متعلق بمحذوف صلة وجملة لا يستكبرون حالية من من الأولى وعن عبادته متعلقان بيستكبرون وجملة لا يستحسرون عطف على جملة لا يستكبرون ويجوز أن تكون الواو للاستئناف ومن عنده أي الملائكة مبتدأ خبره جملة لا يستكبرون والجملة مستأنفة. (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما يصنعه من عند الله في عبادتهم ويسبحون فعل مضارع وفاعل ويجوز أن تكون الجملة حالية والليل والنهار ظرفان متعلقان بيسبحون وجملة لا يفترون حال من فاعل يسبحون. (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) أم المنقطعة عاطفة وتفيد الإنكار واتخذوا فعل وفاعل وآلهة مفعول به ومن الأرض صفة وهم مبتدأ وجملة ينشرون خبر وجملة هم ينشرون صفة لآلهة ومفعول ينشرون محذوف أي يحيون الموتى ويجوز جعلها جملة مستأنفة لم يدعوا لآلهتهم انها تنشر الموتى ولكنهم بمجرد دعواهم ألوهيتها يترتب عليهم أن يدعوا ضمنا انها تنشر الموتى وسيأتي مزيد بحث حول الضمير الذي هو «هم» في باب البلاغة. (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) لو
شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وفيهما خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وإلا بمعنى غير صفة لآلهة ظهر اعرابها على ما بعدها ولا يصح أن تكون استثنائية لأن مفهوم الاستثناء فاسد هنا إذ حاصله انه لو كان فيهما آلهة لم يستثن الله منهم لم تفسدا وليس كذلك فإن مجرد تعدد الآلهة يوجب لزوم الفساد مطلقا وسيأتي مزيد بسط لهذا المبحث الهام، ولفسدتا اللام واقعة في جواب لو وجملة فسدتا لا محل لها من الإعراب فسبحان الله الفاء عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان وسبحان مفعول مطلق لفعل محذوف ولفظ الجلالة مضاف اليه ورب العرش بدل أو صفة للفظ الجلالة وعما متعلقان بسبحان وجملة يصفون لا محل لها لأنها صلة ما ويجوز أن تكون ما مصدرية. (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تفرده سبحانه بالسلطان، بحيث لا يسأله أحد عما يفعله ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وعما متعلقان بيسأل وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة يسألون خبر.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون عديدة أولها:
1- الاستعارة في قولهم «يا ويلنا» فقد خاطبوا الويل وهو الهلاك كأنه شخص حي يدعونه لينقذهم مما هم فيه.
2- التشبيه البليغ في قوله «جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ» .
فقد شبههم بعد حلول العذاب بهم بالحصيد أولا وهو الزرع المحصود ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به هو الاستئصال من المنابت ثم شبههم ثانيا بالنار المنطفئة ولم يبق منها إلا جمر منطفىء لا نفع فيه ولا قابلية لشيء من النفع منه فلا ترى إلا أشلاء متناثرة وأجزاء متفرقة قد تمددت وقدران عليها البلى.
3- الاستعارة المكنية في قوله «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» فقد شبه الحق والباطل وهما معنويان بشيئين ماديين محسوسين يقذفان ويدفعان ثم حذف هذين الشيئين واستعار ما هو من لوازمهما وهما القذف والدمغ لتجسيد الاطاحة بالباطل واعتلاء الحق عليه وتصوير إبطاله وإهداره ومحقه كأنه جرم صلب كصخرة أو ما يماثلها في القوة والصلابة قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه وهي من استعارة المحسوس للمعقول وقد تقدم بحث ذلك مفصلا مع استيفاء أقسام الاستعارة بالنسبة لطرفي التشبيه.
4- قوة اللفظ لقوة المعنى: وقد تقدم الكلام عن هذا الفن ونعني به نقل اللفظ من وزن إلى وزن آخر أكثر منه ليتضمن من المعنى الدال عليه أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني وأمثلة للابانة عنها فاذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني وهذا الضرب من الزيادة لا يستعمل إلا في مقام المبالغة وهو هنا في قوله تعالى «وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» فقد عدل عن الثلاثي وهو حسر إلى السداسي وهو استحسر وقد كان ظاهر الكلام أن يقال يحسرون أي يكلون ويتعبون، لأن أقل ملل منهم أو كلال إزاء الملائكة وإزاء عبادتهم لله سبحانه لا يتصور منهم ولكنه عدل عن ذلك لسرّ يخفى على النظرة السطحية الأولى وهو أن ما هم فيه من انهماك بالعبادة وانصراف بالكلية لها يوجب غاية الحسور وأقصاه.
5- التصريح بالضمير: وذلك في قوله: «هم ينشرون» وقد كان يكفي أن يقول ينشرون ولكنه عدل عن ذلك إلى التصريح بالضمير لإفادة معنى الخصوصية أولا كأنهم قالوا ليس هنا من يقدر على الإنشار غيرهم وثانيا لتسجيل إلزامهم ادعاء صفات الألوهية لآلهتهم وهذا الادعاء قد أبطله الله في الآية التالية لهذه الآية بدليل التمانع المغترف من بحر هذه الآية وهي «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» كما سيوضح في الاعراب، وهذا من جوهر الكلام وخالصه.
6- المذهب الكلامي: وذلك في قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» وذكر ابن المعتز أن الذي سماه هذه التسمية هو الجاحظ والكتاب الكريم مشحون به وتعريفه هو انه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام وله طرق متعددة وقد أوصلها الرماني في تفسيره المسمى بالنكت في اعجاز القرآن إلى خمسة ضروب ومنها إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل فملزوم قوله «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» انهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله، وإيضاح ذلك إن دليل التمانع هو انه لو وجد مع الله إله آخر ربما قالوا لو فرضنا وجود إلهين فإما أن يكونا جميعا موصوفين بصفات الكمال اللاتي يندرج فيها القدرة على احياء الموتى وانشارهم وغير ذلك من الممكنات أو لا يتصف بها واحد منهما أو أحدهما دون الآخر وعندئذ تفسد الرعية بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق: «كان والله أعز علي من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول» وللمتكلمين في طريقة التمانع جولات واسعة تؤخذ في مظانها، وسيرد إيضاحها في باب الفوائد.
الفوائد:
«إلا» بمعنى «غير» :
الأصل في «إلا» أن تكون للاستثناء وفي «غير» أن تكون وصفا ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيوصف بإلا ويستثنى بغير فإن كانت إلا بمعنى غير وقعت هي وما بعدها صفة لما قبلها وذلك حيث لا يراد بها الاستثناء وانما يراد بها وصف ما قبلها بما يغاير ما بعدها كقوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فإلا وما بعدها صفة لآلهة لأن المراد نفي الآلهة المتعددة واثبات الإله الواحد الفرد ولا يصح الاستثناء بالنصب لأن المعنى يكون حينئذ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وهذا ظاهر الفساد، وسامح الله ابن يعيش شارح مفصل الزمخشري حيث أجاز النصب على الاستثناء في الآية الكريمة غير مقدر ما يترتب على النصب من فساد وعبارة ابن يعيش «قال الله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والمراد غير الله فهذا لا يكون إلا وصفا ولا يجوز أن يكون بدلا يراد به الاستثناء لأنه يصير في تقدير لو كان فيهما إلا الله لفسدتا وذلك فاسد لأن لو شرط فيما مضى فهي بمنزلة إن في المستقبل وأنت لو قلت إن أتاني إلا زيد لم يصح لأن الشرط في حكم الموجب فكما لا يصح أتاني إلا زيد كذلك لا يصح إن أتاني إلا زيد فلو نصب على الاستثناء فقلت لو كان فيهما إلا الله لجاز» . ثم لا يصح أيضا أن يعرب لفظ الجلالة بدلا من آلهة لأنه حيث لا يصح الاستثناء لا تصح البدلية ثم إن الكلام موجب فلا تجوز البدلية ولو صح الاستثناء لأن النصب واجب في الكلام الموجب التام وأيضا لو جعلته بدلا لكان التقدير: لو كان فيهما إلا الله لفسدتا لأن البدل على نية طرح المبدل منه كما هو معلوم ولعدم صحة الاستثناء هنا وعدم جواز البدلية تعين أن تكون إلا بمعنى غير.
ولتتمة هذا المبحث الدقيق ننقل الفصل الممتع الذي أورده العلامة ابن هشام في مغني اللبيب ورده على المبرد مع تعليقات مناسبة ليستوفي الموضوع حقه قال ابن هشام بعد أن ذكر أن لإلا أربعة أوجه:
«والثاني أن تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه فمثال الجمع المنكر: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فلا يجوز في إلا هذه أن تكون للاستثناء من جهة المعنى إذ التقدير حينئذ لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وليس ذلك المراد، ولا من جهة اللفظ لأن آلهة جمع منكر في الإثبات فلا عموم له فلا يصح الاستثناء منه فلو قلت قام رجال إلا زيدا لم يصح اتفاقا، وزعم المبرد أن «إلا» في الآية للاستثناء وان ما بعدها بدل محتجا بأن «لو» تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها جائز وان نحو «لو كان معنا إلا زيد» أجود كلام ويرده انهم لا يقولون «لو جاءني ديّار أكرمته» ولا «لو جاءني من أحد أكرمته» ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد ولما لم يجز ذلك دل على أن الصواب قول سيبويه إن إلا وما بعدها صفة» . إلى أن يقول:
«وشرط ابن الحاجب في وقوع إلا صفة تعذر الاستثناء وجعل من الشاذ قول حضرمي بن عامر الصحابي وقيل عمرو بن معدى كرب:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ومعنى الشذوذ فيه انه ليس استثناء إذ لم ينصب بعد الكلام التام الموجب فتعين انه صفة ولم يتعذر الاستثناء فهو شاذ إذ كان يمكنه أن يقول إلا الفرقدين، ونحسب أن البحث طال فحسبنا ما تقدم.
الأنبياء 21:24
الإعراب:
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً» أم حرف عطف للاضراب والانتقال إلى إظهار بطلان ما اتخذوه آلهة مع خلوها من خصائص الألوهية، واتخذوا فعل ماض وفاعل ومن دونه في محل نصب مفعول به ثان لاتخذوا وآلهة هو المفعول الأول. (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) هاتوا فعل أمر مبني على الكسر دائما إلا مع واو الجماعة فيضم وواو الجماعة فاعل وبرهانكم مفعول به. (هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) هذا مبتدأ والاشارة للقرآن وجميع الكتب السماوية وذكر خبر ومن مضاف اليه ومعي ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول وذكر عطف على ذكر الأولى ومن مضاف اليه والظرف صلة والجملة مستأنفة.
(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وأكثرهم مبتدأ وجملة لا يعلمون خبر والواو فاعل والحق مفعول به، فهم الفاء للتعليل وهم مبتدأ ومعرضون خبر. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الواو استئنافية وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن قبلك حال ومن حرف جر زائد ورسول مجرور لفظا منصوب محلا على انه مفعول به وإلا أداة حصر ونوحي فعل وفاعل واليه متعلقان بنوحي ولا إله إلا أنا تقدم اعرابها كثيرا والفاء الفصيحة واعبدوني فعل أمر والواو فاعل والياء المحذوفة تبعا لرسم المصحف مفعول به والجملة مستأنفة مقررة لما سبق اجماله من توحيد الله كما نطقت بذلك الكتب السماوية استدلالا بمقتضيات العقل والمنطق. (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، سُبْحانَهُ، بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) استئناف آخر مسوق لحكاية أقوال بعض القبائل العربية الذين قالوا:
الملائكة بنات الله ويقال انهم بنو خزاعة وبنو جهينة وبنو سلمة وبنو مليح وجملة اتخذ الرحمن ولدا مقول القول وسبحانه مصدر لفعل محذوف وقد مر والجملة معترضة وبل حرف إضراب وعباد خبر لمبتدأ محذوف ومكرمون صفة وقد وصف الملائكة بسبع صفات تقدمت الأولى. (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) وهاتان صفتان ثانيتان الأولى جملة لا يسبقونه بالقول والثانية جملة هم بأمره يعملون، وبأمره متعلقان بيعملون وجملة يعملون خبرهم.
(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) وهذه هي الصفة الرابعة وما موصول مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضاف اليه وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم. (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) وهاتان صفتان أخريان ويشفعون فعل مضارع وفاعل وإلا أداة حصر ولمن متعلقان بيشفعون وارتضى صلة الموصول وهم مبتدأ ومن خشيته جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم. (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) وهذه هي الصفة السابعة والأخيرة ومن شرطية مبتدأ ويقل فعل الشرط مجزوم ومنهم حال وان واسمها وإله خبرها والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه وقع جملة اسمية وذلك اسم اشارة مبتدأ وجملة نجزيه خبر والهاء مفعول نجزي وجهنم مفعول نجزي الثاني والجملة جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر ذلك وكذلك نجزي الظالمين الكاف نعت لمصدر محذوف أي نجزي الظالمين جزاء مثل ذلك.
الأنبياء 21:25
الإعراب:
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً» أم حرف عطف للاضراب والانتقال إلى إظهار بطلان ما اتخذوه آلهة مع خلوها من خصائص الألوهية، واتخذوا فعل ماض وفاعل ومن دونه في محل نصب مفعول به ثان لاتخذوا وآلهة هو المفعول الأول. (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) هاتوا فعل أمر مبني على الكسر دائما إلا مع واو الجماعة فيضم وواو الجماعة فاعل وبرهانكم مفعول به. (هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) هذا مبتدأ والاشارة للقرآن وجميع الكتب السماوية وذكر خبر ومن مضاف اليه ومعي ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول وذكر عطف على ذكر الأولى ومن مضاف اليه والظرف صلة والجملة مستأنفة.
(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وأكثرهم مبتدأ وجملة لا يعلمون خبر والواو فاعل والحق مفعول به، فهم الفاء للتعليل وهم مبتدأ ومعرضون خبر. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الواو استئنافية وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن قبلك حال ومن حرف جر زائد ورسول مجرور لفظا منصوب محلا على انه مفعول به وإلا أداة حصر ونوحي فعل وفاعل واليه متعلقان بنوحي ولا إله إلا أنا تقدم اعرابها كثيرا والفاء الفصيحة واعبدوني فعل أمر والواو فاعل والياء المحذوفة تبعا لرسم المصحف مفعول به والجملة مستأنفة مقررة لما سبق اجماله من توحيد الله كما نطقت بذلك الكتب السماوية استدلالا بمقتضيات العقل والمنطق. (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، سُبْحانَهُ، بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) استئناف آخر مسوق لحكاية أقوال بعض القبائل العربية الذين قالوا:
الملائكة بنات الله ويقال انهم بنو خزاعة وبنو جهينة وبنو سلمة وبنو مليح وجملة اتخذ الرحمن ولدا مقول القول وسبحانه مصدر لفعل محذوف وقد مر والجملة معترضة وبل حرف إضراب وعباد خبر لمبتدأ محذوف ومكرمون صفة وقد وصف الملائكة بسبع صفات تقدمت الأولى. (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) وهاتان صفتان ثانيتان الأولى جملة لا يسبقونه بالقول والثانية جملة هم بأمره يعملون، وبأمره متعلقان بيعملون وجملة يعملون خبرهم.
(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) وهذه هي الصفة الرابعة وما موصول مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضاف اليه وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم. (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) وهاتان صفتان أخريان ويشفعون فعل مضارع وفاعل وإلا أداة حصر ولمن متعلقان بيشفعون وارتضى صلة الموصول وهم مبتدأ ومن خشيته جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم. (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) وهذه هي الصفة السابعة والأخيرة ومن شرطية مبتدأ ويقل فعل الشرط مجزوم ومنهم حال وان واسمها وإله خبرها والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه وقع جملة اسمية وذلك اسم اشارة مبتدأ وجملة نجزيه خبر والهاء مفعول نجزي وجهنم مفعول نجزي الثاني والجملة جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر ذلك وكذلك نجزي الظالمين الكاف نعت لمصدر محذوف أي نجزي الظالمين جزاء مثل ذلك.
الأنبياء 21:26
الإعراب:
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً» أم حرف عطف للاضراب والانتقال إلى إظهار بطلان ما اتخذوه آلهة مع خلوها من خصائص الألوهية، واتخذوا فعل ماض وفاعل ومن دونه في محل نصب مفعول به ثان لاتخذوا وآلهة هو المفعول الأول. (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) هاتوا فعل أمر مبني على الكسر دائما إلا مع واو الجماعة فيضم وواو الجماعة فاعل وبرهانكم مفعول به. (هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) هذا مبتدأ والاشارة للقرآن وجميع الكتب السماوية وذكر خبر ومن مضاف اليه ومعي ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول وذكر عطف على ذكر الأولى ومن مضاف اليه والظرف صلة والجملة مستأنفة.
(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وأكثرهم مبتدأ وجملة لا يعلمون خبر والواو فاعل والحق مفعول به، فهم الفاء للتعليل وهم مبتدأ ومعرضون خبر. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الواو استئنافية وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن قبلك حال ومن حرف جر زائد ورسول مجرور لفظا منصوب محلا على انه مفعول به وإلا أداة حصر ونوحي فعل وفاعل واليه متعلقان بنوحي ولا إله إلا أنا تقدم اعرابها كثيرا والفاء الفصيحة واعبدوني فعل أمر والواو فاعل والياء المحذوفة تبعا لرسم المصحف مفعول به والجملة مستأنفة مقررة لما سبق اجماله من توحيد الله كما نطقت بذلك الكتب السماوية استدلالا بمقتضيات العقل والمنطق. (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، سُبْحانَهُ، بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) استئناف آخر مسوق لحكاية أقوال بعض القبائل العربية الذين قالوا:
الملائكة بنات الله ويقال انهم بنو خزاعة وبنو جهينة وبنو سلمة وبنو مليح وجملة اتخذ الرحمن ولدا مقول القول وسبحانه مصدر لفعل محذوف وقد مر والجملة معترضة وبل حرف إضراب وعباد خبر لمبتدأ محذوف ومكرمون صفة وقد وصف الملائكة بسبع صفات تقدمت الأولى. (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) وهاتان صفتان ثانيتان الأولى جملة لا يسبقونه بالقول والثانية جملة هم بأمره يعملون، وبأمره متعلقان بيعملون وجملة يعملون خبرهم.
(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) وهذه هي الصفة الرابعة وما موصول مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضاف اليه وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم. (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) وهاتان صفتان أخريان ويشفعون فعل مضارع وفاعل وإلا أداة حصر ولمن متعلقان بيشفعون وارتضى صلة الموصول وهم مبتدأ ومن خشيته جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم. (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) وهذه هي الصفة السابعة والأخيرة ومن شرطية مبتدأ ويقل فعل الشرط مجزوم ومنهم حال وان واسمها وإله خبرها والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه وقع جملة اسمية وذلك اسم اشارة مبتدأ وجملة نجزيه خبر والهاء مفعول نجزي وجهنم مفعول نجزي الثاني والجملة جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر ذلك وكذلك نجزي الظالمين الكاف نعت لمصدر محذوف أي نجزي الظالمين جزاء مثل ذلك.
الأنبياء 21:27
الإعراب:
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً» أم حرف عطف للاضراب والانتقال إلى إظهار بطلان ما اتخذوه آلهة مع خلوها من خصائص الألوهية، واتخذوا فعل ماض وفاعل ومن دونه في محل نصب مفعول به ثان لاتخذوا وآلهة هو المفعول الأول. (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) هاتوا فعل أمر مبني على الكسر دائما إلا مع واو الجماعة فيضم وواو الجماعة فاعل وبرهانكم مفعول به. (هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) هذا مبتدأ والاشارة للقرآن وجميع الكتب السماوية وذكر خبر ومن مضاف اليه ومعي ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول وذكر عطف على ذكر الأولى ومن مضاف اليه والظرف صلة والجملة مستأنفة.
(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وأكثرهم مبتدأ وجملة لا يعلمون خبر والواو فاعل والحق مفعول به، فهم الفاء للتعليل وهم مبتدأ ومعرضون خبر. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الواو استئنافية وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن قبلك حال ومن حرف جر زائد ورسول مجرور لفظا منصوب محلا على انه مفعول به وإلا أداة حصر ونوحي فعل وفاعل واليه متعلقان بنوحي ولا إله إلا أنا تقدم اعرابها كثيرا والفاء الفصيحة واعبدوني فعل أمر والواو فاعل والياء المحذوفة تبعا لرسم المصحف مفعول به والجملة مستأنفة مقررة لما سبق اجماله من توحيد الله كما نطقت بذلك الكتب السماوية استدلالا بمقتضيات العقل والمنطق. (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، سُبْحانَهُ، بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) استئناف آخر مسوق لحكاية أقوال بعض القبائل العربية الذين قالوا:
الملائكة بنات الله ويقال انهم بنو خزاعة وبنو جهينة وبنو سلمة وبنو مليح وجملة اتخذ الرحمن ولدا مقول القول وسبحانه مصدر لفعل محذوف وقد مر والجملة معترضة وبل حرف إضراب وعباد خبر لمبتدأ محذوف ومكرمون صفة وقد وصف الملائكة بسبع صفات تقدمت الأولى. (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) وهاتان صفتان ثانيتان الأولى جملة لا يسبقونه بالقول والثانية جملة هم بأمره يعملون، وبأمره متعلقان بيعملون وجملة يعملون خبرهم.
(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) وهذه هي الصفة الرابعة وما موصول مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضاف اليه وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم. (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) وهاتان صفتان أخريان ويشفعون فعل مضارع وفاعل وإلا أداة حصر ولمن متعلقان بيشفعون وارتضى صلة الموصول وهم مبتدأ ومن خشيته جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم. (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) وهذه هي الصفة السابعة والأخيرة ومن شرطية مبتدأ ويقل فعل الشرط مجزوم ومنهم حال وان واسمها وإله خبرها والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه وقع جملة اسمية وذلك اسم اشارة مبتدأ وجملة نجزيه خبر والهاء مفعول نجزي وجهنم مفعول نجزي الثاني والجملة جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر ذلك وكذلك نجزي الظالمين الكاف نعت لمصدر محذوف أي نجزي الظالمين جزاء مثل ذلك.
الأنبياء 21:28
الإعراب:
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً» أم حرف عطف للاضراب والانتقال إلى إظهار بطلان ما اتخذوه آلهة مع خلوها من خصائص الألوهية، واتخذوا فعل ماض وفاعل ومن دونه في محل نصب مفعول به ثان لاتخذوا وآلهة هو المفعول الأول. (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) هاتوا فعل أمر مبني على الكسر دائما إلا مع واو الجماعة فيضم وواو الجماعة فاعل وبرهانكم مفعول به. (هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) هذا مبتدأ والاشارة للقرآن وجميع الكتب السماوية وذكر خبر ومن مضاف اليه ومعي ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول وذكر عطف على ذكر الأولى ومن مضاف اليه والظرف صلة والجملة مستأنفة.
(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وأكثرهم مبتدأ وجملة لا يعلمون خبر والواو فاعل والحق مفعول به، فهم الفاء للتعليل وهم مبتدأ ومعرضون خبر. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الواو استئنافية وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن قبلك حال ومن حرف جر زائد ورسول مجرور لفظا منصوب محلا على انه مفعول به وإلا أداة حصر ونوحي فعل وفاعل واليه متعلقان بنوحي ولا إله إلا أنا تقدم اعرابها كثيرا والفاء الفصيحة واعبدوني فعل أمر والواو فاعل والياء المحذوفة تبعا لرسم المصحف مفعول به والجملة مستأنفة مقررة لما سبق اجماله من توحيد الله كما نطقت بذلك الكتب السماوية استدلالا بمقتضيات العقل والمنطق. (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، سُبْحانَهُ، بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) استئناف آخر مسوق لحكاية أقوال بعض القبائل العربية الذين قالوا:
الملائكة بنات الله ويقال انهم بنو خزاعة وبنو جهينة وبنو سلمة وبنو مليح وجملة اتخذ الرحمن ولدا مقول القول وسبحانه مصدر لفعل محذوف وقد مر والجملة معترضة وبل حرف إضراب وعباد خبر لمبتدأ محذوف ومكرمون صفة وقد وصف الملائكة بسبع صفات تقدمت الأولى. (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) وهاتان صفتان ثانيتان الأولى جملة لا يسبقونه بالقول والثانية جملة هم بأمره يعملون، وبأمره متعلقان بيعملون وجملة يعملون خبرهم.
(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) وهذه هي الصفة الرابعة وما موصول مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضاف اليه وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم. (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) وهاتان صفتان أخريان ويشفعون فعل مضارع وفاعل وإلا أداة حصر ولمن متعلقان بيشفعون وارتضى صلة الموصول وهم مبتدأ ومن خشيته جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم. (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) وهذه هي الصفة السابعة والأخيرة ومن شرطية مبتدأ ويقل فعل الشرط مجزوم ومنهم حال وان واسمها وإله خبرها والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه وقع جملة اسمية وذلك اسم اشارة مبتدأ وجملة نجزيه خبر والهاء مفعول نجزي وجهنم مفعول نجزي الثاني والجملة جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر ذلك وكذلك نجزي الظالمين الكاف نعت لمصدر محذوف أي نجزي الظالمين جزاء مثل ذلك.
الأنبياء 21:29
الإعراب:
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً» أم حرف عطف للاضراب والانتقال إلى إظهار بطلان ما اتخذوه آلهة مع خلوها من خصائص الألوهية، واتخذوا فعل ماض وفاعل ومن دونه في محل نصب مفعول به ثان لاتخذوا وآلهة هو المفعول الأول. (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) هاتوا فعل أمر مبني على الكسر دائما إلا مع واو الجماعة فيضم وواو الجماعة فاعل وبرهانكم مفعول به. (هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) هذا مبتدأ والاشارة للقرآن وجميع الكتب السماوية وذكر خبر ومن مضاف اليه ومعي ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول وذكر عطف على ذكر الأولى ومن مضاف اليه والظرف صلة والجملة مستأنفة.
(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وأكثرهم مبتدأ وجملة لا يعلمون خبر والواو فاعل والحق مفعول به، فهم الفاء للتعليل وهم مبتدأ ومعرضون خبر. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الواو استئنافية وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن قبلك حال ومن حرف جر زائد ورسول مجرور لفظا منصوب محلا على انه مفعول به وإلا أداة حصر ونوحي فعل وفاعل واليه متعلقان بنوحي ولا إله إلا أنا تقدم اعرابها كثيرا والفاء الفصيحة واعبدوني فعل أمر والواو فاعل والياء المحذوفة تبعا لرسم المصحف مفعول به والجملة مستأنفة مقررة لما سبق اجماله من توحيد الله كما نطقت بذلك الكتب السماوية استدلالا بمقتضيات العقل والمنطق. (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، سُبْحانَهُ، بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) استئناف آخر مسوق لحكاية أقوال بعض القبائل العربية الذين قالوا:
الملائكة بنات الله ويقال انهم بنو خزاعة وبنو جهينة وبنو سلمة وبنو مليح وجملة اتخذ الرحمن ولدا مقول القول وسبحانه مصدر لفعل محذوف وقد مر والجملة معترضة وبل حرف إضراب وعباد خبر لمبتدأ محذوف ومكرمون صفة وقد وصف الملائكة بسبع صفات تقدمت الأولى. (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) وهاتان صفتان ثانيتان الأولى جملة لا يسبقونه بالقول والثانية جملة هم بأمره يعملون، وبأمره متعلقان بيعملون وجملة يعملون خبرهم.
(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) وهذه هي الصفة الرابعة وما موصول مفعول به وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيديهم مضاف اليه وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم. (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) وهاتان صفتان أخريان ويشفعون فعل مضارع وفاعل وإلا أداة حصر ولمن متعلقان بيشفعون وارتضى صلة الموصول وهم مبتدأ ومن خشيته جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم. (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) وهذه هي الصفة السابعة والأخيرة ومن شرطية مبتدأ ويقل فعل الشرط مجزوم ومنهم حال وان واسمها وإله خبرها والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه وقع جملة اسمية وذلك اسم اشارة مبتدأ وجملة نجزيه خبر والهاء مفعول نجزي وجهنم مفعول نجزي الثاني والجملة جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر ذلك وكذلك نجزي الظالمين الكاف نعت لمصدر محذوف أي نجزي الظالمين جزاء مثل ذلك.
الأنبياء 21:30
اللغة:
(رَتْقاً) : في المختار: «الرتق: ضد الفتق وقد رتقت الفتق من باب نصر سددته فارتتق أي التأم ومنه قوله تعالى: كانتا رتقا ففتقناهما، والرتق بفتحتين مصدر قولك امرأة رتقاء أي لا يستطاع جماعها لارتتاق ذلك الموضع منها» وفي الأساس: «رتق الفتق حتى ارتتق وقرئ كانتا رتقا ورتقا وعن ابن الكلبي كانتا رتقاوين ففتق الله السماء بالماء وفتق الأرض بالنبات وامرأة رتقاء بينة الرّتق إذا لم يكن لها خرق إلا المبال» .
(رَواسِيَ) : جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ وفي المختار: «والرواسي من الجبال الرواسخ واحدتها راسية» وفي المصباح: «رسا الشيء يرسو رسوا ورسوّا ثبت فهو راس وجبال راسية وراسيات ورواس» .
(تَمِيدَ) : في المصباح: «ماد يميد ميدا من باب باع وميدانا بفتح الياء تحرك» وفي الأساس: «غصن مائد مائل وماد يميد ميدانا ومن المجاز مادت المرأة وماست وتميّدت وتميّست ومادت به الأرض دارت، ورجل مائد: يدار به والمطعون يميد في الرمح» .
(فِجاجاً) : في المختار: «الفج بالفتح: الطريق الواسع بين الجبلين والجمع فجاج بالكسر مثل سهم وسهام والفج بالكسر البطيخ الشامي وكل شيء من البطيخ والفواكه لم ينضج فهو فج بالكسر» وفي القاموس: الفج وجمعه فجاج، والفجاج: الطريق الواسع بين جبلين.
الإعراب:
(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو حرف عطف على مقدر ولم حرف نفي وقلب وجزم والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما بعدها سدت مسد مفعولي رأى لأن الرؤية قلبية وان واسمها وجملة كانتا خبرها والالف اسم كان ورتقا خبرها وفي الاخبار به ما تقدم في زيد عدل أي كانت الشمس والأرض نفس الرتق، ففتقناهما الفاء عاطفة وفتقناهما فعل وفاعل ومفعول به والجملة معطوفة على كانتا والميم والالف حرفان دالان على التثنية، قال الأخفش: إنما قال كانتا لأنهما صنفان أي جماعتا السموات والأرضين كما قال سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا» وقال الزجاج: انما قال كانتا لأنه يعبر عن السموات بلفظ الواحد لأن السموات كانت سماء واحدة وكذلك الأرضون. (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) وجعلنا عطف على ما تقدم وجعلنا فعل وفاعل بمعنى خلق ومن الماء متعلقان بجعلنا لأنها بمعنى خلقنا أو بمحذوف حال من كل شيء لأنه كان في الأصل وصفا له فلما قدم عليه نصب على الحال ولك أن تجعل وجعلنا بمعنى صير متعديا لاثنين فيكون من الماء في محل نصب على أنه مفعول ثان وكل شيء مفعول أول، أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية ويؤمنون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل.
(وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) وجعلنا عطف على جعلنا وفي الأرض إما مفعول ثان ورواسي هو المفعول الاول وإما متعلقان بجعلنا أو بمحذوف حال ورواسي مفعول به وان وما في حيزها في محل نصب مفعول لأجله أي كراهة أن تميد أو لئلا تميد وبهم متعلقان بتميد.
(وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) وجعلنا عطف على ما تقدم وفيها هو المفعول الثاني أو متعلق بجعلنا وفجاجا حال لأنه كان صفة لسبلا وتقدم عليه وسبلا مفعول به ولعل واسمها وجملة يهتدون خبرها.
(وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ) وجعلنا السماء فعل وفاعل ومفعول به أول وسقفا مفعول به ثان وهم مبتدأ وعن آياتها متعلقان بمعرضون ومعرضون خبرهم والجملة حالية أو استئنافية.
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) الواو عاطفة وهو مبتدأ والذي خبر وجملة خلق صلة وفاعل خلق ضمير مستتر تقديره هو والليل مفعول به وما بعده عطف عليه وكل مبتدأ وساغ الابتداء لما فيه من معنى العموم وفي فلك متعلقان بيسبحون وجملة يسبحون خبر كل وجملة كل في فلك يسبحون محلها النصب على الحال من الشمس والقمر، وانما جعل الضمير واو العقلاء للوصف بفعل هو من خصائص العقلاء هو السباحة وتقدم نظيره في قوله «رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» .
الفوائد:
1- بحث شيق في المفعول لأجله:
هذا بحث طريف أفرد له سيبويه فصلا خاصا في كتابه وهو بتعلق بالمفعول لأجله المؤول وهو هنا في قوله «وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ» قال ما خلاصته: هو من وادي قولهم: أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه قال ومعناه «ان ادعم الحائط إذا مال» وانما قدم ذكر الميل اهتماما بشأنه ولأنه أيضا هو السبب في الإدغام، وادعام سبب في إعداد الخشبة فعامل سبب السبب معاملة السبب وعليه حمل قوله تعالى «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» كذلك ما نحن بصدده يكون الأصل وجعلنا في الأرض رواسي لأجل أن تثبتها إذا مادت بهم فجعل الميد هو السبب كما جعل الميل في المثل المذكور سببا وصار الكلام وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد فتثبتها ثم حذف فتثبتها لأمن الإلباس إيجازا واختصارا» وهذا لعمري أولى مما درجنا عليه في الاعراب لأن مقتضى ما ذكرناه وذكره أكثر المعربين والمفسرين يقتضي أن لا تميد الأرض بأهلها لأن الله كره ذلك ومكروه الله تعالى محال أن يقع كما أن مراده واجب أن يقع والمشاهد خلاف ذلك فكم من زلزلة مادت لها الأرض وكادت تقلب عاليها سافلها واما على تقرير سيبويه فالمراد أن الله تعالى يثبت الأرض بالجبال إذا مادت وهذا لا يأبى وقوع الميد، وهذا بحث جليل قلّ من ينتبه له إلا بعد هذا التفصيل فتأمله تر السحر الحلال وان من البيان لسحرا.
2- ذهب سيبويه والجمهور إلى القول بأن لفظي كل وبعض معرفتان بنية الاضافة ولذلك يأتي الحال منهما كقولهم مررت بكل قائما وببعض جالسا، وأصل صاحب الحال التعريف وذهب الفارسي إلى أنهما نكرتان وألزم من قال بتعريفهما أن يقول إن نصفا وسدسا وثلثا وربعا ونحوها معارف لأنها في المعنى مضافات وهي نكرات بإجماع، ورد بأن العرب تحذف المضاف وتريده وقد لا تريده ودلّ مجيء الحال بعد كل وبعض على إرادته، بقي هنا سؤال واحد وهو لم أتى بصيغة الجمع وهما اثنان؟ والجواب ان الضمير عائد عليهما مع الليل والنهار وذلك لأن الليل والنهار يسبحان أيضا لأن الليل ظل الأرض وهو يدور على محيط كرة الأرض على حسب دوران الأرض وكذلك النهار يدور أيضا لأنه يخلف الليل في المحيط.
الأنبياء 21:31
اللغة:
(رَتْقاً) : في المختار: «الرتق: ضد الفتق وقد رتقت الفتق من باب نصر سددته فارتتق أي التأم ومنه قوله تعالى: كانتا رتقا ففتقناهما، والرتق بفتحتين مصدر قولك امرأة رتقاء أي لا يستطاع جماعها لارتتاق ذلك الموضع منها» وفي الأساس: «رتق الفتق حتى ارتتق وقرئ كانتا رتقا ورتقا وعن ابن الكلبي كانتا رتقاوين ففتق الله السماء بالماء وفتق الأرض بالنبات وامرأة رتقاء بينة الرّتق إذا لم يكن لها خرق إلا المبال» .
(رَواسِيَ) : جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ وفي المختار: «والرواسي من الجبال الرواسخ واحدتها راسية» وفي المصباح: «رسا الشيء يرسو رسوا ورسوّا ثبت فهو راس وجبال راسية وراسيات ورواس» .
(تَمِيدَ) : في المصباح: «ماد يميد ميدا من باب باع وميدانا بفتح الياء تحرك» وفي الأساس: «غصن مائد مائل وماد يميد ميدانا ومن المجاز مادت المرأة وماست وتميّدت وتميّست ومادت به الأرض دارت، ورجل مائد: يدار به والمطعون يميد في الرمح» .
(فِجاجاً) : في المختار: «الفج بالفتح: الطريق الواسع بين الجبلين والجمع فجاج بالكسر مثل سهم وسهام والفج بالكسر البطيخ الشامي وكل شيء من البطيخ والفواكه لم ينضج فهو فج بالكسر» وفي القاموس: الفج وجمعه فجاج، والفجاج: الطريق الواسع بين جبلين.
الإعراب:
(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو حرف عطف على مقدر ولم حرف نفي وقلب وجزم والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما بعدها سدت مسد مفعولي رأى لأن الرؤية قلبية وان واسمها وجملة كانتا خبرها والالف اسم كان ورتقا خبرها وفي الاخبار به ما تقدم في زيد عدل أي كانت الشمس والأرض نفس الرتق، ففتقناهما الفاء عاطفة وفتقناهما فعل وفاعل ومفعول به والجملة معطوفة على كانتا والميم والالف حرفان دالان على التثنية، قال الأخفش: إنما قال كانتا لأنهما صنفان أي جماعتا السموات والأرضين كما قال سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا» وقال الزجاج: انما قال كانتا لأنه يعبر عن السموات بلفظ الواحد لأن السموات كانت سماء واحدة وكذلك الأرضون. (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) وجعلنا عطف على ما تقدم وجعلنا فعل وفاعل بمعنى خلق ومن الماء متعلقان بجعلنا لأنها بمعنى خلقنا أو بمحذوف حال من كل شيء لأنه كان في الأصل وصفا له فلما قدم عليه نصب على الحال ولك أن تجعل وجعلنا بمعنى صير متعديا لاثنين فيكون من الماء في محل نصب على أنه مفعول ثان وكل شيء مفعول أول، أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية ويؤمنون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل.
(وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) وجعلنا عطف على جعلنا وفي الأرض إما مفعول ثان ورواسي هو المفعول الاول وإما متعلقان بجعلنا أو بمحذوف حال ورواسي مفعول به وان وما في حيزها في محل نصب مفعول لأجله أي كراهة أن تميد أو لئلا تميد وبهم متعلقان بتميد.
(وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) وجعلنا عطف على ما تقدم وفيها هو المفعول الثاني أو متعلق بجعلنا وفجاجا حال لأنه كان صفة لسبلا وتقدم عليه وسبلا مفعول به ولعل واسمها وجملة يهتدون خبرها.
(وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ) وجعلنا السماء فعل وفاعل ومفعول به أول وسقفا مفعول به ثان وهم مبتدأ وعن آياتها متعلقان بمعرضون ومعرضون خبرهم والجملة حالية أو استئنافية.
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) الواو عاطفة وهو مبتدأ والذي خبر وجملة خلق صلة وفاعل خلق ضمير مستتر تقديره هو والليل مفعول به وما بعده عطف عليه وكل مبتدأ وساغ الابتداء لما فيه من معنى العموم وفي فلك متعلقان بيسبحون وجملة يسبحون خبر كل وجملة كل في فلك يسبحون محلها النصب على الحال من الشمس والقمر، وانما جعل الضمير واو العقلاء للوصف بفعل هو من خصائص العقلاء هو السباحة وتقدم نظيره في قوله «رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» .
الفوائد:
1- بحث شيق في المفعول لأجله:
هذا بحث طريف أفرد له سيبويه فصلا خاصا في كتابه وهو بتعلق بالمفعول لأجله المؤول وهو هنا في قوله «وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ» قال ما خلاصته: هو من وادي قولهم: أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه قال ومعناه «ان ادعم الحائط إذا مال» وانما قدم ذكر الميل اهتماما بشأنه ولأنه أيضا هو السبب في الإدغام، وادعام سبب في إعداد الخشبة فعامل سبب السبب معاملة السبب وعليه حمل قوله تعالى «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» كذلك ما نحن بصدده يكون الأصل وجعلنا في الأرض رواسي لأجل أن تثبتها إذا مادت بهم فجعل الميد هو السبب كما جعل الميل في المثل المذكور سببا وصار الكلام وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد فتثبتها ثم حذف فتثبتها لأمن الإلباس إيجازا واختصارا» وهذا لعمري أولى مما درجنا عليه في الاعراب لأن مقتضى ما ذكرناه وذكره أكثر المعربين والمفسرين يقتضي أن لا تميد الأرض بأهلها لأن الله كره ذلك ومكروه الله تعالى محال أن يقع كما أن مراده واجب أن يقع والمشاهد خلاف ذلك فكم من زلزلة مادت لها الأرض وكادت تقلب عاليها سافلها واما على تقرير سيبويه فالمراد أن الله تعالى يثبت الأرض بالجبال إذا مادت وهذا لا يأبى وقوع الميد، وهذا بحث جليل قلّ من ينتبه له إلا بعد هذا التفصيل فتأمله تر السحر الحلال وان من البيان لسحرا.
2- ذهب سيبويه والجمهور إلى القول بأن لفظي كل وبعض معرفتان بنية الاضافة ولذلك يأتي الحال منهما كقولهم مررت بكل قائما وببعض جالسا، وأصل صاحب الحال التعريف وذهب الفارسي إلى أنهما نكرتان وألزم من قال بتعريفهما أن يقول إن نصفا وسدسا وثلثا وربعا ونحوها معارف لأنها في المعنى مضافات وهي نكرات بإجماع، ورد بأن العرب تحذف المضاف وتريده وقد لا تريده ودلّ مجيء الحال بعد كل وبعض على إرادته، بقي هنا سؤال واحد وهو لم أتى بصيغة الجمع وهما اثنان؟ والجواب ان الضمير عائد عليهما مع الليل والنهار وذلك لأن الليل والنهار يسبحان أيضا لأن الليل ظل الأرض وهو يدور على محيط كرة الأرض على حسب دوران الأرض وكذلك النهار يدور أيضا لأنه يخلف الليل في المحيط.
الأنبياء 21:32
اللغة:
(رَتْقاً) : في المختار: «الرتق: ضد الفتق وقد رتقت الفتق من باب نصر سددته فارتتق أي التأم ومنه قوله تعالى: كانتا رتقا ففتقناهما، والرتق بفتحتين مصدر قولك امرأة رتقاء أي لا يستطاع جماعها لارتتاق ذلك الموضع منها» وفي الأساس: «رتق الفتق حتى ارتتق وقرئ كانتا رتقا ورتقا وعن ابن الكلبي كانتا رتقاوين ففتق الله السماء بالماء وفتق الأرض بالنبات وامرأة رتقاء بينة الرّتق إذا لم يكن لها خرق إلا المبال» .
(رَواسِيَ) : جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ وفي المختار: «والرواسي من الجبال الرواسخ واحدتها راسية» وفي المصباح: «رسا الشيء يرسو رسوا ورسوّا ثبت فهو راس وجبال راسية وراسيات ورواس» .
(تَمِيدَ) : في المصباح: «ماد يميد ميدا من باب باع وميدانا بفتح الياء تحرك» وفي الأساس: «غصن مائد مائل وماد يميد ميدانا ومن المجاز مادت المرأة وماست وتميّدت وتميّست ومادت به الأرض دارت، ورجل مائد: يدار به والمطعون يميد في الرمح» .
(فِجاجاً) : في المختار: «الفج بالفتح: الطريق الواسع بين الجبلين والجمع فجاج بالكسر مثل سهم وسهام والفج بالكسر البطيخ الشامي وكل شيء من البطيخ والفواكه لم ينضج فهو فج بالكسر» وفي القاموس: الفج وجمعه فجاج، والفجاج: الطريق الواسع بين جبلين.
الإعراب:
(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو حرف عطف على مقدر ولم حرف نفي وقلب وجزم والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما بعدها سدت مسد مفعولي رأى لأن الرؤية قلبية وان واسمها وجملة كانتا خبرها والالف اسم كان ورتقا خبرها وفي الاخبار به ما تقدم في زيد عدل أي كانت الشمس والأرض نفس الرتق، ففتقناهما الفاء عاطفة وفتقناهما فعل وفاعل ومفعول به والجملة معطوفة على كانتا والميم والالف حرفان دالان على التثنية، قال الأخفش: إنما قال كانتا لأنهما صنفان أي جماعتا السموات والأرضين كما قال سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا» وقال الزجاج: انما قال كانتا لأنه يعبر عن السموات بلفظ الواحد لأن السموات كانت سماء واحدة وكذلك الأرضون. (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) وجعلنا عطف على ما تقدم وجعلنا فعل وفاعل بمعنى خلق ومن الماء متعلقان بجعلنا لأنها بمعنى خلقنا أو بمحذوف حال من كل شيء لأنه كان في الأصل وصفا له فلما قدم عليه نصب على الحال ولك أن تجعل وجعلنا بمعنى صير متعديا لاثنين فيكون من الماء في محل نصب على أنه مفعول ثان وكل شيء مفعول أول، أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية ويؤمنون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل.
(وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) وجعلنا عطف على جعلنا وفي الأرض إما مفعول ثان ورواسي هو المفعول الاول وإما متعلقان بجعلنا أو بمحذوف حال ورواسي مفعول به وان وما في حيزها في محل نصب مفعول لأجله أي كراهة أن تميد أو لئلا تميد وبهم متعلقان بتميد.
(وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) وجعلنا عطف على ما تقدم وفيها هو المفعول الثاني أو متعلق بجعلنا وفجاجا حال لأنه كان صفة لسبلا وتقدم عليه وسبلا مفعول به ولعل واسمها وجملة يهتدون خبرها.
(وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ) وجعلنا السماء فعل وفاعل ومفعول به أول وسقفا مفعول به ثان وهم مبتدأ وعن آياتها متعلقان بمعرضون ومعرضون خبرهم والجملة حالية أو استئنافية.
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) الواو عاطفة وهو مبتدأ والذي خبر وجملة خلق صلة وفاعل خلق ضمير مستتر تقديره هو والليل مفعول به وما بعده عطف عليه وكل مبتدأ وساغ الابتداء لما فيه من معنى العموم وفي فلك متعلقان بيسبحون وجملة يسبحون خبر كل وجملة كل في فلك يسبحون محلها النصب على الحال من الشمس والقمر، وانما جعل الضمير واو العقلاء للوصف بفعل هو من خصائص العقلاء هو السباحة وتقدم نظيره في قوله «رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» .
الفوائد:
1- بحث شيق في المفعول لأجله:
هذا بحث طريف أفرد له سيبويه فصلا خاصا في كتابه وهو بتعلق بالمفعول لأجله المؤول وهو هنا في قوله «وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ» قال ما خلاصته: هو من وادي قولهم: أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه قال ومعناه «ان ادعم الحائط إذا مال» وانما قدم ذكر الميل اهتماما بشأنه ولأنه أيضا هو السبب في الإدغام، وادعام سبب في إعداد الخشبة فعامل سبب السبب معاملة السبب وعليه حمل قوله تعالى «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» كذلك ما نحن بصدده يكون الأصل وجعلنا في الأرض رواسي لأجل أن تثبتها إذا مادت بهم فجعل الميد هو السبب كما جعل الميل في المثل المذكور سببا وصار الكلام وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد فتثبتها ثم حذف فتثبتها لأمن الإلباس إيجازا واختصارا» وهذا لعمري أولى مما درجنا عليه في الاعراب لأن مقتضى ما ذكرناه وذكره أكثر المعربين والمفسرين يقتضي أن لا تميد الأرض بأهلها لأن الله كره ذلك ومكروه الله تعالى محال أن يقع كما أن مراده واجب أن يقع والمشاهد خلاف ذلك فكم من زلزلة مادت لها الأرض وكادت تقلب عاليها سافلها واما على تقرير سيبويه فالمراد أن الله تعالى يثبت الأرض بالجبال إذا مادت وهذا لا يأبى وقوع الميد، وهذا بحث جليل قلّ من ينتبه له إلا بعد هذا التفصيل فتأمله تر السحر الحلال وان من البيان لسحرا.
2- ذهب سيبويه والجمهور إلى القول بأن لفظي كل وبعض معرفتان بنية الاضافة ولذلك يأتي الحال منهما كقولهم مررت بكل قائما وببعض جالسا، وأصل صاحب الحال التعريف وذهب الفارسي إلى أنهما نكرتان وألزم من قال بتعريفهما أن يقول إن نصفا وسدسا وثلثا وربعا ونحوها معارف لأنها في المعنى مضافات وهي نكرات بإجماع، ورد بأن العرب تحذف المضاف وتريده وقد لا تريده ودلّ مجيء الحال بعد كل وبعض على إرادته، بقي هنا سؤال واحد وهو لم أتى بصيغة الجمع وهما اثنان؟ والجواب ان الضمير عائد عليهما مع الليل والنهار وذلك لأن الليل والنهار يسبحان أيضا لأن الليل ظل الأرض وهو يدور على محيط كرة الأرض على حسب دوران الأرض وكذلك النهار يدور أيضا لأنه يخلف الليل في المحيط.
الأنبياء 21:33
اللغة:
(رَتْقاً) : في المختار: «الرتق: ضد الفتق وقد رتقت الفتق من باب نصر سددته فارتتق أي التأم ومنه قوله تعالى: كانتا رتقا ففتقناهما، والرتق بفتحتين مصدر قولك امرأة رتقاء أي لا يستطاع جماعها لارتتاق ذلك الموضع منها» وفي الأساس: «رتق الفتق حتى ارتتق وقرئ كانتا رتقا ورتقا وعن ابن الكلبي كانتا رتقاوين ففتق الله السماء بالماء وفتق الأرض بالنبات وامرأة رتقاء بينة الرّتق إذا لم يكن لها خرق إلا المبال» .
(رَواسِيَ) : جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ وفي المختار: «والرواسي من الجبال الرواسخ واحدتها راسية» وفي المصباح: «رسا الشيء يرسو رسوا ورسوّا ثبت فهو راس وجبال راسية وراسيات ورواس» .
(تَمِيدَ) : في المصباح: «ماد يميد ميدا من باب باع وميدانا بفتح الياء تحرك» وفي الأساس: «غصن مائد مائل وماد يميد ميدانا ومن المجاز مادت المرأة وماست وتميّدت وتميّست ومادت به الأرض دارت، ورجل مائد: يدار به والمطعون يميد في الرمح» .
(فِجاجاً) : في المختار: «الفج بالفتح: الطريق الواسع بين الجبلين والجمع فجاج بالكسر مثل سهم وسهام والفج بالكسر البطيخ الشامي وكل شيء من البطيخ والفواكه لم ينضج فهو فج بالكسر» وفي القاموس: الفج وجمعه فجاج، والفجاج: الطريق الواسع بين جبلين.
الإعراب:
(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو حرف عطف على مقدر ولم حرف نفي وقلب وجزم والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما بعدها سدت مسد مفعولي رأى لأن الرؤية قلبية وان واسمها وجملة كانتا خبرها والالف اسم كان ورتقا خبرها وفي الاخبار به ما تقدم في زيد عدل أي كانت الشمس والأرض نفس الرتق، ففتقناهما الفاء عاطفة وفتقناهما فعل وفاعل ومفعول به والجملة معطوفة على كانتا والميم والالف حرفان دالان على التثنية، قال الأخفش: إنما قال كانتا لأنهما صنفان أي جماعتا السموات والأرضين كما قال سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا» وقال الزجاج: انما قال كانتا لأنه يعبر عن السموات بلفظ الواحد لأن السموات كانت سماء واحدة وكذلك الأرضون. (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) وجعلنا عطف على ما تقدم وجعلنا فعل وفاعل بمعنى خلق ومن الماء متعلقان بجعلنا لأنها بمعنى خلقنا أو بمحذوف حال من كل شيء لأنه كان في الأصل وصفا له فلما قدم عليه نصب على الحال ولك أن تجعل وجعلنا بمعنى صير متعديا لاثنين فيكون من الماء في محل نصب على أنه مفعول ثان وكل شيء مفعول أول، أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية ويؤمنون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل.
(وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) وجعلنا عطف على جعلنا وفي الأرض إما مفعول ثان ورواسي هو المفعول الاول وإما متعلقان بجعلنا أو بمحذوف حال ورواسي مفعول به وان وما في حيزها في محل نصب مفعول لأجله أي كراهة أن تميد أو لئلا تميد وبهم متعلقان بتميد.
(وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) وجعلنا عطف على ما تقدم وفيها هو المفعول الثاني أو متعلق بجعلنا وفجاجا حال لأنه كان صفة لسبلا وتقدم عليه وسبلا مفعول به ولعل واسمها وجملة يهتدون خبرها.
(وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ) وجعلنا السماء فعل وفاعل ومفعول به أول وسقفا مفعول به ثان وهم مبتدأ وعن آياتها متعلقان بمعرضون ومعرضون خبرهم والجملة حالية أو استئنافية.
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) الواو عاطفة وهو مبتدأ والذي خبر وجملة خلق صلة وفاعل خلق ضمير مستتر تقديره هو والليل مفعول به وما بعده عطف عليه وكل مبتدأ وساغ الابتداء لما فيه من معنى العموم وفي فلك متعلقان بيسبحون وجملة يسبحون خبر كل وجملة كل في فلك يسبحون محلها النصب على الحال من الشمس والقمر، وانما جعل الضمير واو العقلاء للوصف بفعل هو من خصائص العقلاء هو السباحة وتقدم نظيره في قوله «رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» .
الفوائد:
1- بحث شيق في المفعول لأجله:
هذا بحث طريف أفرد له سيبويه فصلا خاصا في كتابه وهو بتعلق بالمفعول لأجله المؤول وهو هنا في قوله «وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ» قال ما خلاصته: هو من وادي قولهم: أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه قال ومعناه «ان ادعم الحائط إذا مال» وانما قدم ذكر الميل اهتماما بشأنه ولأنه أيضا هو السبب في الإدغام، وادعام سبب في إعداد الخشبة فعامل سبب السبب معاملة السبب وعليه حمل قوله تعالى «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» كذلك ما نحن بصدده يكون الأصل وجعلنا في الأرض رواسي لأجل أن تثبتها إذا مادت بهم فجعل الميد هو السبب كما جعل الميل في المثل المذكور سببا وصار الكلام وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد فتثبتها ثم حذف فتثبتها لأمن الإلباس إيجازا واختصارا» وهذا لعمري أولى مما درجنا عليه في الاعراب لأن مقتضى ما ذكرناه وذكره أكثر المعربين والمفسرين يقتضي أن لا تميد الأرض بأهلها لأن الله كره ذلك ومكروه الله تعالى محال أن يقع كما أن مراده واجب أن يقع والمشاهد خلاف ذلك فكم من زلزلة مادت لها الأرض وكادت تقلب عاليها سافلها واما على تقرير سيبويه فالمراد أن الله تعالى يثبت الأرض بالجبال إذا مادت وهذا لا يأبى وقوع الميد، وهذا بحث جليل قلّ من ينتبه له إلا بعد هذا التفصيل فتأمله تر السحر الحلال وان من البيان لسحرا.
2- ذهب سيبويه والجمهور إلى القول بأن لفظي كل وبعض معرفتان بنية الاضافة ولذلك يأتي الحال منهما كقولهم مررت بكل قائما وببعض جالسا، وأصل صاحب الحال التعريف وذهب الفارسي إلى أنهما نكرتان وألزم من قال بتعريفهما أن يقول إن نصفا وسدسا وثلثا وربعا ونحوها معارف لأنها في المعنى مضافات وهي نكرات بإجماع، ورد بأن العرب تحذف المضاف وتريده وقد لا تريده ودلّ مجيء الحال بعد كل وبعض على إرادته، بقي هنا سؤال واحد وهو لم أتى بصيغة الجمع وهما اثنان؟ والجواب ان الضمير عائد عليهما مع الليل والنهار وذلك لأن الليل والنهار يسبحان أيضا لأن الليل ظل الأرض وهو يدور على محيط كرة الأرض على حسب دوران الأرض وكذلك النهار يدور أيضا لأنه يخلف الليل في المحيط.
الأنبياء 21:34
الإعراب:
(وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير عدم خلود البشر جوابا لقولهم أن محمدا سيموت، وما نافية وجعلنا فعل وفاعل ولبشر في محل نصب مفعول ثان ومن قبلك صفة لبشر والخلد مفعول جعلنا الاول والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وإن شرطية ومت فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وهم مبتدأ والخالدون خبر والجملة في محل جزم جواب الشرط وهي بنية التقديم لأن أصل الكلام أفهم الخالدون إن مت، قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم سيموت قال ويجوز حذف الفاء واضمارها والمعنى إن مت فهم يموتون أيضا فلا شماتة في الموت. (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) كل مبتدأ ونفس مضاف اليه وذائقة الموت خبر والجملة مستأنفة مسوقة للتدليل على عدم الخلود فلا مجال للشماتة ورحم الله القائل:
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) الواو استئنافية أيضا ونبلوكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وبالشر متعلقان بنبلوكم والخير عطف على الشر أي نختبركم بما يجب فيه الصبر وبما يجب فيه الشكر وفتنة مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قيل نفتنكم فتنة ويجوز أن يعرب مفعولا من أجله أو نصبا على الحال من فاعل نبلوكم أي فاتنين لكم وإلينا متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة معطوفة على نبلوكم أو حالية. (وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً) لك أن تجعل الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير موقفهم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأن تجعلها عاطفة فتكون الجملة معطوفة على قوله الآنف «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى» وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة رآك مضاف لها الظرف وفاعل رآك الذين والكاف مفعول به وجملة كفروا صلة وإن نافية ويتخذونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإن النافية وما في حيزها جواب إذا وسيأتي ذكر السبب في عدم اقتران الجواب بالفاء في باب الفوائد وإلا أداة حصر وهزوا مفعول به ثان اما على الوصف بالمصدر مبالغة وقد مرت له نظائر واما على حذف مضاف، هذا ويجوز ان تكون ان النافية وما بعدها جملة معترضة فيكون الجواب قوله الآتي:
(أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) الهمزة للاستفهام والاستفهام معناه السخرية والجملة اما جواب إذا كما تقدم وإما مقول قول محذوف أي يقول بعضهم لبعض على سبيل السخرية والهزء أهذا، وهذا مبتدأ والذي خبره وجملة يذكر صلة وآلهتكم مفعول به والواو حالية وهم مبتدأ وبذكر متعلقان بكافرون والرحمن مضاف اليه وهم تأكيد لهم الأولى تأكيدا لفظيا وكافرون خبر هم والجملة حال إما من فاعل يتخذونك وإما من فاعل القول المقدر كما أسلفنا ومفعول يذكر محذوف وسيرد بحثه في باب البلاغة.
(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على استعجالهم العذاب وخلق فعل ماض مبني للمجهول والإنسان نائب فاعل ومن عجل متعلقان بخلق أو بمحذوف حال وسيأتي معنى هذا التركيب في باب البلاغة وسأريكم السنين للاستقبال وأريكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به أول وآياتي مفعول به ثان والفاء عاطفة ولا ناهية وتستعجلون فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والياء المحذوفة للرسم مفعول به وجملة سأريكم مستأنفة أيضا مسوقة لتأكيد العجلة وعاقبتها التي هي رؤية العذاب. (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لإيراد نمط من استعجالهم المذموم ويقولون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومتى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم وهذا مبتدأ مؤخر والوعد بدل وإن شرطية وكنتم كان واسمها في محل جزم فعل الشرط وصادقين خبر كنتم وجواب ان محذوف تقديره فعينوا موعده وخطابهم للنبي وأصحابه.
(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) لو شرطية ويعلم فعل مضارع والذين فاعل وجملة كفروا صلة وحين يجوز أن يكون مفعول يعلم أي الوقت الذي يستعجلون فيه بقولهم متى هذا الوعد وهو وقت صعب ضنك تحيط بهم النار من كل مكان لما كانوا بتلك المثابة من الكفر فجواب لو محذوف وقد تقدمت الاشارة اليه كثيرا ويجوز أن يكون يعلم متروكا بلا تعدية بمعنى لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا متعجلين وحين منصوب بمضمر أي حين لا يكفوا عن وجوههم النار يعلمون أنهم كانوا على الباطل والأرجح ان مفعول يعلم محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستبطئوه وحين منصوب بالمفعول الذي هو مجيء وجملة لا يكفون مضافة إلى الظرف وعن وجوههم متعلقان بيكفون والنار مفعول به ولا عن ظهورهم معطوفة، والواو حرف عطف ولا نافية وهم مبتدأ وجملة ينصرون خبر وينصرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) بل حرف إضراب وعطف وتأتيهم فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على النار وبغتة حال أتى مصدرا وقيل مفعول مطلق وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد، فتبهتهم عطف على تأتيهم فلا يستطيعون عطف أيضا وردها مفعول يستطيعون ولا هم ينظرون عطف أيضا وهم مبتدأ وجملة ينظرون خبر كما أنظروا وأمهلوا من قبل.
البلاغة:
1- التذييل: في قوله تعالى: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» فن طريف من فنون البلاغة أطلق عليه علماؤها اسم «التذييل» وعرفوه بأنه تذييل الكلام بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتخرجه مخرج المثل السائر ليشيع الكلام بعد دورانه على الألسنة فإن لم تكن الزيادة تفيد ذلك فلا يسمى تذييلا وبعضهم يسميه آنذاك تذييلا ولكنه يقول عنه أنه معيب وما أجدر المعيب أن ينتفى عن فنون البلاغة أو يندرج في سلكها وهو شائع في القرآن الكريم وستأتي أمثلة كثيرة منه، أما في الآية التي نحن بصددها فإن المعنى مستوفى في الاخبار بأنه سبحانه لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد ثم ذيل ذلك الاخبار بما أخرجه مخرج تجاهل العارف وهو قوله «أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» ثم ذيل هذا التذييل بما أخرجه مخرج المثل السائر حيث قال: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» .
ومن أروع أمثلة التذييل في الشعر قول شاعر الخلود أبي الطيب:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
يقول أبو الطيب: لا تصل الأماني إلى قلبه فتستميله، ولا إلى لسانه فتجري عليه لأنه لا يحتاج أن يتمنى شيئا إلا وله خير منه أو صار له ذلك الشيء فالأماني تقصر عن بلوغ قدره، وتقصر عن جلالة أمره وتمسي صرعى دون إدراك مجده فما يتمنى في الرفعة أكثر مما قد بلغه، ولم يزل سيف الدولة لهجا بهذا البيت معظما له، مثنيا عليه، مقرا له بأنه لا يلحق سبقا ولا يأتي أحد في بابه من المبالغة بمثل ما أتى به.
وقال ابن نباتة السعدي وأجاد:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
لقد حقق له جميع آماله ومشتهياته فلم يعد لديه ما يؤمله وهبه صبا إلى شيء فإنه واثق بحضوره فغدا بلا آمال.
2- الإيجاز بالحذف: وذلك في حذف مفعول يذكر في قوله تعالى:
«أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ» والذكر يكون بالخير والشر فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد كقولك للرجل: سمعت فلانا يذكرك فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء وإن كان عدوا فذم ومن جهة ثانية لم يقولوا: أهذا الذي يذكر آلهتكم بكل سوء لأنهم استفظعوا حكاية ما يقوله النبي من القدح في آلهتهم رميا بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ورئبوا بها عن نقل ذمها تفصيلا وتصريحا فنقلوه إجمالا وتلميحا، بل أومئوا اليه بالاشارة المذكورة كما يتحاشى المؤمن من حكاية كلمة الكفر وان كان قائلها غير كافر فيومىء إليها بلفظ يفهم المقصود بطريق التعريض فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان، وأساءوا الأدب على الرحمن.
3- الاستعارة المكنية في قوله «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» فقد شبه العجل الذي طبع عليه الشخص وصار له كالجبلة بأصل مادته وهي الطين ثم حذف المشبه به ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو قوله «خلق» وقيل لا استعارة فيه وانما هو من باب القلب والأصل خلق العجل من الإنسان لشدة صدوره عنه وملازمته له والقلب موجود كثيرا في كلامهم وقد تقدمت الإشارة اليه والأول أولى وأقعد بالبلاغة ومن بدع التفاسير ما قالوه من أن العجل هو الطين بلغة حمير وقال شاعرهم:
النبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل ينبت بين الماء والعجل
يقول النبع وهو شجر تتخذ منه القسي في الصخرة الصماء الصلبة لا في غيرها منبته أي نباته والنخل ينبت في الأرض اللينة الريانة فهو بين الماء والعجل أي الطين وهذه لغه حمير كما قيل والظاهر أن الشطر الأول تمثيل للصعب البخيل والثاني للسهل الجواد أو الاول للشجاع والثاني للجبان لشدة الاول ورخاوة الثاني وعلى كل حال هذا المعنى غير وارد في الآية الكريمة لأن السياق يأباها فهم يستعجلون والله سبحانه ينعى عليهم عجلتهم.
وفي هذه الآية الاستعارة المكنية بقوله «ذائقة الموت» وليس الموت مما يذاق ولكنه شبهه بطعام غير مريء ولا مستساغ ولكنه لحتمية وقوعه وكونه أمرا لا بد منه أصبح بمثابة المريء المستساغ فلا مندوحة لنفس عن ذوقه وقد تقدمت نظائر لهذه الاستعارة.
الفوائد:
1- جواب «إذا» :
تخالف «إذا» أدوات الشرط جيمعا، فإن أدوات الشرط متى أجيبت بأن النافية أو بما النافية وجب الإتيان بالفاء كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى أيضا: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا» .
2- مجيء المصدر حالا:
جاءت مصادر تعرب أحوالا بكثرة في النكرات كطلع زيد بغتة وجاء ركضا وقتلته صبرا وهو أن تحبسه حيا ثم يرمى حتى يقتل وذلك كله على كثرته مؤول بالوصف فيؤول بغتة بوصف من باغت لأنها بمعنى مفاجأة أي مباغتا ويؤول ركضا بوصف الفاعل من ركض أي راكضا ويؤول صبرا بوصف المفعول من صبر أي مصبورا محبوسا ومع كثرة وروده قال سيبويه: لا ينقاس مطلقا وقاسه بعضهم بما يمكن الرجوع اليه في المطولات.
ونعود إلى بغتة فقد أكد بعضهم أنه يجوز جعلها مفعولا مطلقا وكذلك القول في الأمثلة المتقدمة إذ هي نوع من عاملها فهي كرجع القهقرى.
ويتحصل مما ذكره النحاة أن المصدر المنصوب فيه أقوال ثلاثة:
1- مذهب سيبويه ان المصدر هو الحال وهو الأصل.
2- مذهب المبرد والأخفش انه مفعول مطلق غير منصوب بالعامل قبله وانما هو منصوب بالعامل المحذوف من لفظه وذلك المحذوف هو الحال وهو قول جميل كما ترى.
3- مذهب الكوفيين انه مفعول مطلق منصوب بالعامل قبله وليس في موضع الحال.
ومما يرد في هذا المجال اعراب «أسفا» من قول أبي الطيب:
أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردّد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولا إنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
فالحال هنا غير واردة لأن المعنى يأباها والمفعول لأجله لا يصح لاختلاف الفاعل فلم يبق إلا المفعولية المطلقة والتقدير أسفت أسفا ودل على فعله ما تقدمه لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه كأنه قال أسفت أسفا، وتعسف ابن هشام فحاول أن يبرر نصبه على أنه مفعول لأجله فقال: فمن لم يشترط اتحاد الفاعل فلا إشكال (والقائل بهذا هو ابن خروف) واما من اشترطه فهو على إسقاط لام العلة توسعا كما في قوله «يَبْغُونَها عِوَجاً» (أي يبغون لها عوجا) أو الاتحاد موجود تقديرا إما على أن الفعل المعلل مطاوع أبلى محذوفا أي فبليت أسفا ولا تقدر فبلي بدني لأن الاختلاف حاصل إذ الأسف فعل النفس لا البدن أو لأن الهوى لما حصل بتسببه كأنه قال أبليت بالهوى بدني ولا طائل تحت هذه التأويلات المتعسفة.
الأنبياء 21:35
الإعراب:
(وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير عدم خلود البشر جوابا لقولهم أن محمدا سيموت، وما نافية وجعلنا فعل وفاعل ولبشر في محل نصب مفعول ثان ومن قبلك صفة لبشر والخلد مفعول جعلنا الاول والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وإن شرطية ومت فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وهم مبتدأ والخالدون خبر والجملة في محل جزم جواب الشرط وهي بنية التقديم لأن أصل الكلام أفهم الخالدون إن مت، قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم سيموت قال ويجوز حذف الفاء واضمارها والمعنى إن مت فهم يموتون أيضا فلا شماتة في الموت. (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) كل مبتدأ ونفس مضاف اليه وذائقة الموت خبر والجملة مستأنفة مسوقة للتدليل على عدم الخلود فلا مجال للشماتة ورحم الله القائل:
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) الواو استئنافية أيضا ونبلوكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وبالشر متعلقان بنبلوكم والخير عطف على الشر أي نختبركم بما يجب فيه الصبر وبما يجب فيه الشكر وفتنة مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قيل نفتنكم فتنة ويجوز أن يعرب مفعولا من أجله أو نصبا على الحال من فاعل نبلوكم أي فاتنين لكم وإلينا متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة معطوفة على نبلوكم أو حالية. (وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً) لك أن تجعل الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير موقفهم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأن تجعلها عاطفة فتكون الجملة معطوفة على قوله الآنف «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى» وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة رآك مضاف لها الظرف وفاعل رآك الذين والكاف مفعول به وجملة كفروا صلة وإن نافية ويتخذونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإن النافية وما في حيزها جواب إذا وسيأتي ذكر السبب في عدم اقتران الجواب بالفاء في باب الفوائد وإلا أداة حصر وهزوا مفعول به ثان اما على الوصف بالمصدر مبالغة وقد مرت له نظائر واما على حذف مضاف، هذا ويجوز ان تكون ان النافية وما بعدها جملة معترضة فيكون الجواب قوله الآتي:
(أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) الهمزة للاستفهام والاستفهام معناه السخرية والجملة اما جواب إذا كما تقدم وإما مقول قول محذوف أي يقول بعضهم لبعض على سبيل السخرية والهزء أهذا، وهذا مبتدأ والذي خبره وجملة يذكر صلة وآلهتكم مفعول به والواو حالية وهم مبتدأ وبذكر متعلقان بكافرون والرحمن مضاف اليه وهم تأكيد لهم الأولى تأكيدا لفظيا وكافرون خبر هم والجملة حال إما من فاعل يتخذونك وإما من فاعل القول المقدر كما أسلفنا ومفعول يذكر محذوف وسيرد بحثه في باب البلاغة.
(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على استعجالهم العذاب وخلق فعل ماض مبني للمجهول والإنسان نائب فاعل ومن عجل متعلقان بخلق أو بمحذوف حال وسيأتي معنى هذا التركيب في باب البلاغة وسأريكم السنين للاستقبال وأريكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به أول وآياتي مفعول به ثان والفاء عاطفة ولا ناهية وتستعجلون فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والياء المحذوفة للرسم مفعول به وجملة سأريكم مستأنفة أيضا مسوقة لتأكيد العجلة وعاقبتها التي هي رؤية العذاب. (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لإيراد نمط من استعجالهم المذموم ويقولون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومتى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم وهذا مبتدأ مؤخر والوعد بدل وإن شرطية وكنتم كان واسمها في محل جزم فعل الشرط وصادقين خبر كنتم وجواب ان محذوف تقديره فعينوا موعده وخطابهم للنبي وأصحابه.
(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) لو شرطية ويعلم فعل مضارع والذين فاعل وجملة كفروا صلة وحين يجوز أن يكون مفعول يعلم أي الوقت الذي يستعجلون فيه بقولهم متى هذا الوعد وهو وقت صعب ضنك تحيط بهم النار من كل مكان لما كانوا بتلك المثابة من الكفر فجواب لو محذوف وقد تقدمت الاشارة اليه كثيرا ويجوز أن يكون يعلم متروكا بلا تعدية بمعنى لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا متعجلين وحين منصوب بمضمر أي حين لا يكفوا عن وجوههم النار يعلمون أنهم كانوا على الباطل والأرجح ان مفعول يعلم محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستبطئوه وحين منصوب بالمفعول الذي هو مجيء وجملة لا يكفون مضافة إلى الظرف وعن وجوههم متعلقان بيكفون والنار مفعول به ولا عن ظهورهم معطوفة، والواو حرف عطف ولا نافية وهم مبتدأ وجملة ينصرون خبر وينصرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) بل حرف إضراب وعطف وتأتيهم فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على النار وبغتة حال أتى مصدرا وقيل مفعول مطلق وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد، فتبهتهم عطف على تأتيهم فلا يستطيعون عطف أيضا وردها مفعول يستطيعون ولا هم ينظرون عطف أيضا وهم مبتدأ وجملة ينظرون خبر كما أنظروا وأمهلوا من قبل.
البلاغة:
1- التذييل: في قوله تعالى: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» فن طريف من فنون البلاغة أطلق عليه علماؤها اسم «التذييل» وعرفوه بأنه تذييل الكلام بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتخرجه مخرج المثل السائر ليشيع الكلام بعد دورانه على الألسنة فإن لم تكن الزيادة تفيد ذلك فلا يسمى تذييلا وبعضهم يسميه آنذاك تذييلا ولكنه يقول عنه أنه معيب وما أجدر المعيب أن ينتفى عن فنون البلاغة أو يندرج في سلكها وهو شائع في القرآن الكريم وستأتي أمثلة كثيرة منه، أما في الآية التي نحن بصددها فإن المعنى مستوفى في الاخبار بأنه سبحانه لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد ثم ذيل ذلك الاخبار بما أخرجه مخرج تجاهل العارف وهو قوله «أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» ثم ذيل هذا التذييل بما أخرجه مخرج المثل السائر حيث قال: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» .
ومن أروع أمثلة التذييل في الشعر قول شاعر الخلود أبي الطيب:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
يقول أبو الطيب: لا تصل الأماني إلى قلبه فتستميله، ولا إلى لسانه فتجري عليه لأنه لا يحتاج أن يتمنى شيئا إلا وله خير منه أو صار له ذلك الشيء فالأماني تقصر عن بلوغ قدره، وتقصر عن جلالة أمره وتمسي صرعى دون إدراك مجده فما يتمنى في الرفعة أكثر مما قد بلغه، ولم يزل سيف الدولة لهجا بهذا البيت معظما له، مثنيا عليه، مقرا له بأنه لا يلحق سبقا ولا يأتي أحد في بابه من المبالغة بمثل ما أتى به.
وقال ابن نباتة السعدي وأجاد:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
لقد حقق له جميع آماله ومشتهياته فلم يعد لديه ما يؤمله وهبه صبا إلى شيء فإنه واثق بحضوره فغدا بلا آمال.
2- الإيجاز بالحذف: وذلك في حذف مفعول يذكر في قوله تعالى:
«أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ» والذكر يكون بالخير والشر فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد كقولك للرجل: سمعت فلانا يذكرك فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء وإن كان عدوا فذم ومن جهة ثانية لم يقولوا: أهذا الذي يذكر آلهتكم بكل سوء لأنهم استفظعوا حكاية ما يقوله النبي من القدح في آلهتهم رميا بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ورئبوا بها عن نقل ذمها تفصيلا وتصريحا فنقلوه إجمالا وتلميحا، بل أومئوا اليه بالاشارة المذكورة كما يتحاشى المؤمن من حكاية كلمة الكفر وان كان قائلها غير كافر فيومىء إليها بلفظ يفهم المقصود بطريق التعريض فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان، وأساءوا الأدب على الرحمن.
3- الاستعارة المكنية في قوله «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» فقد شبه العجل الذي طبع عليه الشخص وصار له كالجبلة بأصل مادته وهي الطين ثم حذف المشبه به ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو قوله «خلق» وقيل لا استعارة فيه وانما هو من باب القلب والأصل خلق العجل من الإنسان لشدة صدوره عنه وملازمته له والقلب موجود كثيرا في كلامهم وقد تقدمت الإشارة اليه والأول أولى وأقعد بالبلاغة ومن بدع التفاسير ما قالوه من أن العجل هو الطين بلغة حمير وقال شاعرهم:
النبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل ينبت بين الماء والعجل
يقول النبع وهو شجر تتخذ منه القسي في الصخرة الصماء الصلبة لا في غيرها منبته أي نباته والنخل ينبت في الأرض اللينة الريانة فهو بين الماء والعجل أي الطين وهذه لغه حمير كما قيل والظاهر أن الشطر الأول تمثيل للصعب البخيل والثاني للسهل الجواد أو الاول للشجاع والثاني للجبان لشدة الاول ورخاوة الثاني وعلى كل حال هذا المعنى غير وارد في الآية الكريمة لأن السياق يأباها فهم يستعجلون والله سبحانه ينعى عليهم عجلتهم.
وفي هذه الآية الاستعارة المكنية بقوله «ذائقة الموت» وليس الموت مما يذاق ولكنه شبهه بطعام غير مريء ولا مستساغ ولكنه لحتمية وقوعه وكونه أمرا لا بد منه أصبح بمثابة المريء المستساغ فلا مندوحة لنفس عن ذوقه وقد تقدمت نظائر لهذه الاستعارة.
الفوائد:
1- جواب «إذا» :
تخالف «إذا» أدوات الشرط جيمعا، فإن أدوات الشرط متى أجيبت بأن النافية أو بما النافية وجب الإتيان بالفاء كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى أيضا: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا» .
2- مجيء المصدر حالا:
جاءت مصادر تعرب أحوالا بكثرة في النكرات كطلع زيد بغتة وجاء ركضا وقتلته صبرا وهو أن تحبسه حيا ثم يرمى حتى يقتل وذلك كله على كثرته مؤول بالوصف فيؤول بغتة بوصف من باغت لأنها بمعنى مفاجأة أي مباغتا ويؤول ركضا بوصف الفاعل من ركض أي راكضا ويؤول صبرا بوصف المفعول من صبر أي مصبورا محبوسا ومع كثرة وروده قال سيبويه: لا ينقاس مطلقا وقاسه بعضهم بما يمكن الرجوع اليه في المطولات.
ونعود إلى بغتة فقد أكد بعضهم أنه يجوز جعلها مفعولا مطلقا وكذلك القول في الأمثلة المتقدمة إذ هي نوع من عاملها فهي كرجع القهقرى.
ويتحصل مما ذكره النحاة أن المصدر المنصوب فيه أقوال ثلاثة:
1- مذهب سيبويه ان المصدر هو الحال وهو الأصل.
2- مذهب المبرد والأخفش انه مفعول مطلق غير منصوب بالعامل قبله وانما هو منصوب بالعامل المحذوف من لفظه وذلك المحذوف هو الحال وهو قول جميل كما ترى.
3- مذهب الكوفيين انه مفعول مطلق منصوب بالعامل قبله وليس في موضع الحال.
ومما يرد في هذا المجال اعراب «أسفا» من قول أبي الطيب:
أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردّد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولا إنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
فالحال هنا غير واردة لأن المعنى يأباها والمفعول لأجله لا يصح لاختلاف الفاعل فلم يبق إلا المفعولية المطلقة والتقدير أسفت أسفا ودل على فعله ما تقدمه لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه كأنه قال أسفت أسفا، وتعسف ابن هشام فحاول أن يبرر نصبه على أنه مفعول لأجله فقال: فمن لم يشترط اتحاد الفاعل فلا إشكال (والقائل بهذا هو ابن خروف) واما من اشترطه فهو على إسقاط لام العلة توسعا كما في قوله «يَبْغُونَها عِوَجاً» (أي يبغون لها عوجا) أو الاتحاد موجود تقديرا إما على أن الفعل المعلل مطاوع أبلى محذوفا أي فبليت أسفا ولا تقدر فبلي بدني لأن الاختلاف حاصل إذ الأسف فعل النفس لا البدن أو لأن الهوى لما حصل بتسببه كأنه قال أبليت بالهوى بدني ولا طائل تحت هذه التأويلات المتعسفة.
الأنبياء 21:36
الإعراب:
(وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير عدم خلود البشر جوابا لقولهم أن محمدا سيموت، وما نافية وجعلنا فعل وفاعل ولبشر في محل نصب مفعول ثان ومن قبلك صفة لبشر والخلد مفعول جعلنا الاول والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وإن شرطية ومت فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وهم مبتدأ والخالدون خبر والجملة في محل جزم جواب الشرط وهي بنية التقديم لأن أصل الكلام أفهم الخالدون إن مت، قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم سيموت قال ويجوز حذف الفاء واضمارها والمعنى إن مت فهم يموتون أيضا فلا شماتة في الموت. (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) كل مبتدأ ونفس مضاف اليه وذائقة الموت خبر والجملة مستأنفة مسوقة للتدليل على عدم الخلود فلا مجال للشماتة ورحم الله القائل:
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) الواو استئنافية أيضا ونبلوكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وبالشر متعلقان بنبلوكم والخير عطف على الشر أي نختبركم بما يجب فيه الصبر وبما يجب فيه الشكر وفتنة مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قيل نفتنكم فتنة ويجوز أن يعرب مفعولا من أجله أو نصبا على الحال من فاعل نبلوكم أي فاتنين لكم وإلينا متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة معطوفة على نبلوكم أو حالية. (وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً) لك أن تجعل الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير موقفهم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأن تجعلها عاطفة فتكون الجملة معطوفة على قوله الآنف «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى» وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة رآك مضاف لها الظرف وفاعل رآك الذين والكاف مفعول به وجملة كفروا صلة وإن نافية ويتخذونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإن النافية وما في حيزها جواب إذا وسيأتي ذكر السبب في عدم اقتران الجواب بالفاء في باب الفوائد وإلا أداة حصر وهزوا مفعول به ثان اما على الوصف بالمصدر مبالغة وقد مرت له نظائر واما على حذف مضاف، هذا ويجوز ان تكون ان النافية وما بعدها جملة معترضة فيكون الجواب قوله الآتي:
(أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) الهمزة للاستفهام والاستفهام معناه السخرية والجملة اما جواب إذا كما تقدم وإما مقول قول محذوف أي يقول بعضهم لبعض على سبيل السخرية والهزء أهذا، وهذا مبتدأ والذي خبره وجملة يذكر صلة وآلهتكم مفعول به والواو حالية وهم مبتدأ وبذكر متعلقان بكافرون والرحمن مضاف اليه وهم تأكيد لهم الأولى تأكيدا لفظيا وكافرون خبر هم والجملة حال إما من فاعل يتخذونك وإما من فاعل القول المقدر كما أسلفنا ومفعول يذكر محذوف وسيرد بحثه في باب البلاغة.
(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على استعجالهم العذاب وخلق فعل ماض مبني للمجهول والإنسان نائب فاعل ومن عجل متعلقان بخلق أو بمحذوف حال وسيأتي معنى هذا التركيب في باب البلاغة وسأريكم السنين للاستقبال وأريكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به أول وآياتي مفعول به ثان والفاء عاطفة ولا ناهية وتستعجلون فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والياء المحذوفة للرسم مفعول به وجملة سأريكم مستأنفة أيضا مسوقة لتأكيد العجلة وعاقبتها التي هي رؤية العذاب. (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لإيراد نمط من استعجالهم المذموم ويقولون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومتى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم وهذا مبتدأ مؤخر والوعد بدل وإن شرطية وكنتم كان واسمها في محل جزم فعل الشرط وصادقين خبر كنتم وجواب ان محذوف تقديره فعينوا موعده وخطابهم للنبي وأصحابه.
(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) لو شرطية ويعلم فعل مضارع والذين فاعل وجملة كفروا صلة وحين يجوز أن يكون مفعول يعلم أي الوقت الذي يستعجلون فيه بقولهم متى هذا الوعد وهو وقت صعب ضنك تحيط بهم النار من كل مكان لما كانوا بتلك المثابة من الكفر فجواب لو محذوف وقد تقدمت الاشارة اليه كثيرا ويجوز أن يكون يعلم متروكا بلا تعدية بمعنى لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا متعجلين وحين منصوب بمضمر أي حين لا يكفوا عن وجوههم النار يعلمون أنهم كانوا على الباطل والأرجح ان مفعول يعلم محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستبطئوه وحين منصوب بالمفعول الذي هو مجيء وجملة لا يكفون مضافة إلى الظرف وعن وجوههم متعلقان بيكفون والنار مفعول به ولا عن ظهورهم معطوفة، والواو حرف عطف ولا نافية وهم مبتدأ وجملة ينصرون خبر وينصرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) بل حرف إضراب وعطف وتأتيهم فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على النار وبغتة حال أتى مصدرا وقيل مفعول مطلق وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد، فتبهتهم عطف على تأتيهم فلا يستطيعون عطف أيضا وردها مفعول يستطيعون ولا هم ينظرون عطف أيضا وهم مبتدأ وجملة ينظرون خبر كما أنظروا وأمهلوا من قبل.
البلاغة:
1- التذييل: في قوله تعالى: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» فن طريف من فنون البلاغة أطلق عليه علماؤها اسم «التذييل» وعرفوه بأنه تذييل الكلام بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتخرجه مخرج المثل السائر ليشيع الكلام بعد دورانه على الألسنة فإن لم تكن الزيادة تفيد ذلك فلا يسمى تذييلا وبعضهم يسميه آنذاك تذييلا ولكنه يقول عنه أنه معيب وما أجدر المعيب أن ينتفى عن فنون البلاغة أو يندرج في سلكها وهو شائع في القرآن الكريم وستأتي أمثلة كثيرة منه، أما في الآية التي نحن بصددها فإن المعنى مستوفى في الاخبار بأنه سبحانه لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد ثم ذيل ذلك الاخبار بما أخرجه مخرج تجاهل العارف وهو قوله «أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» ثم ذيل هذا التذييل بما أخرجه مخرج المثل السائر حيث قال: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» .
ومن أروع أمثلة التذييل في الشعر قول شاعر الخلود أبي الطيب:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
يقول أبو الطيب: لا تصل الأماني إلى قلبه فتستميله، ولا إلى لسانه فتجري عليه لأنه لا يحتاج أن يتمنى شيئا إلا وله خير منه أو صار له ذلك الشيء فالأماني تقصر عن بلوغ قدره، وتقصر عن جلالة أمره وتمسي صرعى دون إدراك مجده فما يتمنى في الرفعة أكثر مما قد بلغه، ولم يزل سيف الدولة لهجا بهذا البيت معظما له، مثنيا عليه، مقرا له بأنه لا يلحق سبقا ولا يأتي أحد في بابه من المبالغة بمثل ما أتى به.
وقال ابن نباتة السعدي وأجاد:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
لقد حقق له جميع آماله ومشتهياته فلم يعد لديه ما يؤمله وهبه صبا إلى شيء فإنه واثق بحضوره فغدا بلا آمال.
2- الإيجاز بالحذف: وذلك في حذف مفعول يذكر في قوله تعالى:
«أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ» والذكر يكون بالخير والشر فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد كقولك للرجل: سمعت فلانا يذكرك فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء وإن كان عدوا فذم ومن جهة ثانية لم يقولوا: أهذا الذي يذكر آلهتكم بكل سوء لأنهم استفظعوا حكاية ما يقوله النبي من القدح في آلهتهم رميا بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ورئبوا بها عن نقل ذمها تفصيلا وتصريحا فنقلوه إجمالا وتلميحا، بل أومئوا اليه بالاشارة المذكورة كما يتحاشى المؤمن من حكاية كلمة الكفر وان كان قائلها غير كافر فيومىء إليها بلفظ يفهم المقصود بطريق التعريض فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان، وأساءوا الأدب على الرحمن.
3- الاستعارة المكنية في قوله «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» فقد شبه العجل الذي طبع عليه الشخص وصار له كالجبلة بأصل مادته وهي الطين ثم حذف المشبه به ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو قوله «خلق» وقيل لا استعارة فيه وانما هو من باب القلب والأصل خلق العجل من الإنسان لشدة صدوره عنه وملازمته له والقلب موجود كثيرا في كلامهم وقد تقدمت الإشارة اليه والأول أولى وأقعد بالبلاغة ومن بدع التفاسير ما قالوه من أن العجل هو الطين بلغة حمير وقال شاعرهم:
النبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل ينبت بين الماء والعجل
يقول النبع وهو شجر تتخذ منه القسي في الصخرة الصماء الصلبة لا في غيرها منبته أي نباته والنخل ينبت في الأرض اللينة الريانة فهو بين الماء والعجل أي الطين وهذه لغه حمير كما قيل والظاهر أن الشطر الأول تمثيل للصعب البخيل والثاني للسهل الجواد أو الاول للشجاع والثاني للجبان لشدة الاول ورخاوة الثاني وعلى كل حال هذا المعنى غير وارد في الآية الكريمة لأن السياق يأباها فهم يستعجلون والله سبحانه ينعى عليهم عجلتهم.
وفي هذه الآية الاستعارة المكنية بقوله «ذائقة الموت» وليس الموت مما يذاق ولكنه شبهه بطعام غير مريء ولا مستساغ ولكنه لحتمية وقوعه وكونه أمرا لا بد منه أصبح بمثابة المريء المستساغ فلا مندوحة لنفس عن ذوقه وقد تقدمت نظائر لهذه الاستعارة.
الفوائد:
1- جواب «إذا» :
تخالف «إذا» أدوات الشرط جيمعا، فإن أدوات الشرط متى أجيبت بأن النافية أو بما النافية وجب الإتيان بالفاء كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى أيضا: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا» .
2- مجيء المصدر حالا:
جاءت مصادر تعرب أحوالا بكثرة في النكرات كطلع زيد بغتة وجاء ركضا وقتلته صبرا وهو أن تحبسه حيا ثم يرمى حتى يقتل وذلك كله على كثرته مؤول بالوصف فيؤول بغتة بوصف من باغت لأنها بمعنى مفاجأة أي مباغتا ويؤول ركضا بوصف الفاعل من ركض أي راكضا ويؤول صبرا بوصف المفعول من صبر أي مصبورا محبوسا ومع كثرة وروده قال سيبويه: لا ينقاس مطلقا وقاسه بعضهم بما يمكن الرجوع اليه في المطولات.
ونعود إلى بغتة فقد أكد بعضهم أنه يجوز جعلها مفعولا مطلقا وكذلك القول في الأمثلة المتقدمة إذ هي نوع من عاملها فهي كرجع القهقرى.
ويتحصل مما ذكره النحاة أن المصدر المنصوب فيه أقوال ثلاثة:
1- مذهب سيبويه ان المصدر هو الحال وهو الأصل.
2- مذهب المبرد والأخفش انه مفعول مطلق غير منصوب بالعامل قبله وانما هو منصوب بالعامل المحذوف من لفظه وذلك المحذوف هو الحال وهو قول جميل كما ترى.
3- مذهب الكوفيين انه مفعول مطلق منصوب بالعامل قبله وليس في موضع الحال.
ومما يرد في هذا المجال اعراب «أسفا» من قول أبي الطيب:
أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردّد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولا إنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
فالحال هنا غير واردة لأن المعنى يأباها والمفعول لأجله لا يصح لاختلاف الفاعل فلم يبق إلا المفعولية المطلقة والتقدير أسفت أسفا ودل على فعله ما تقدمه لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه كأنه قال أسفت أسفا، وتعسف ابن هشام فحاول أن يبرر نصبه على أنه مفعول لأجله فقال: فمن لم يشترط اتحاد الفاعل فلا إشكال (والقائل بهذا هو ابن خروف) واما من اشترطه فهو على إسقاط لام العلة توسعا كما في قوله «يَبْغُونَها عِوَجاً» (أي يبغون لها عوجا) أو الاتحاد موجود تقديرا إما على أن الفعل المعلل مطاوع أبلى محذوفا أي فبليت أسفا ولا تقدر فبلي بدني لأن الاختلاف حاصل إذ الأسف فعل النفس لا البدن أو لأن الهوى لما حصل بتسببه كأنه قال أبليت بالهوى بدني ولا طائل تحت هذه التأويلات المتعسفة.
الأنبياء 21:37
الإعراب:
(وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير عدم خلود البشر جوابا لقولهم أن محمدا سيموت، وما نافية وجعلنا فعل وفاعل ولبشر في محل نصب مفعول ثان ومن قبلك صفة لبشر والخلد مفعول جعلنا الاول والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وإن شرطية ومت فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وهم مبتدأ والخالدون خبر والجملة في محل جزم جواب الشرط وهي بنية التقديم لأن أصل الكلام أفهم الخالدون إن مت، قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم سيموت قال ويجوز حذف الفاء واضمارها والمعنى إن مت فهم يموتون أيضا فلا شماتة في الموت. (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) كل مبتدأ ونفس مضاف اليه وذائقة الموت خبر والجملة مستأنفة مسوقة للتدليل على عدم الخلود فلا مجال للشماتة ورحم الله القائل:
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) الواو استئنافية أيضا ونبلوكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وبالشر متعلقان بنبلوكم والخير عطف على الشر أي نختبركم بما يجب فيه الصبر وبما يجب فيه الشكر وفتنة مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قيل نفتنكم فتنة ويجوز أن يعرب مفعولا من أجله أو نصبا على الحال من فاعل نبلوكم أي فاتنين لكم وإلينا متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة معطوفة على نبلوكم أو حالية. (وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً) لك أن تجعل الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير موقفهم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأن تجعلها عاطفة فتكون الجملة معطوفة على قوله الآنف «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى» وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة رآك مضاف لها الظرف وفاعل رآك الذين والكاف مفعول به وجملة كفروا صلة وإن نافية ويتخذونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإن النافية وما في حيزها جواب إذا وسيأتي ذكر السبب في عدم اقتران الجواب بالفاء في باب الفوائد وإلا أداة حصر وهزوا مفعول به ثان اما على الوصف بالمصدر مبالغة وقد مرت له نظائر واما على حذف مضاف، هذا ويجوز ان تكون ان النافية وما بعدها جملة معترضة فيكون الجواب قوله الآتي:
(أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) الهمزة للاستفهام والاستفهام معناه السخرية والجملة اما جواب إذا كما تقدم وإما مقول قول محذوف أي يقول بعضهم لبعض على سبيل السخرية والهزء أهذا، وهذا مبتدأ والذي خبره وجملة يذكر صلة وآلهتكم مفعول به والواو حالية وهم مبتدأ وبذكر متعلقان بكافرون والرحمن مضاف اليه وهم تأكيد لهم الأولى تأكيدا لفظيا وكافرون خبر هم والجملة حال إما من فاعل يتخذونك وإما من فاعل القول المقدر كما أسلفنا ومفعول يذكر محذوف وسيرد بحثه في باب البلاغة.
(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على استعجالهم العذاب وخلق فعل ماض مبني للمجهول والإنسان نائب فاعل ومن عجل متعلقان بخلق أو بمحذوف حال وسيأتي معنى هذا التركيب في باب البلاغة وسأريكم السنين للاستقبال وأريكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به أول وآياتي مفعول به ثان والفاء عاطفة ولا ناهية وتستعجلون فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والياء المحذوفة للرسم مفعول به وجملة سأريكم مستأنفة أيضا مسوقة لتأكيد العجلة وعاقبتها التي هي رؤية العذاب. (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لإيراد نمط من استعجالهم المذموم ويقولون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومتى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم وهذا مبتدأ مؤخر والوعد بدل وإن شرطية وكنتم كان واسمها في محل جزم فعل الشرط وصادقين خبر كنتم وجواب ان محذوف تقديره فعينوا موعده وخطابهم للنبي وأصحابه.
(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) لو شرطية ويعلم فعل مضارع والذين فاعل وجملة كفروا صلة وحين يجوز أن يكون مفعول يعلم أي الوقت الذي يستعجلون فيه بقولهم متى هذا الوعد وهو وقت صعب ضنك تحيط بهم النار من كل مكان لما كانوا بتلك المثابة من الكفر فجواب لو محذوف وقد تقدمت الاشارة اليه كثيرا ويجوز أن يكون يعلم متروكا بلا تعدية بمعنى لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا متعجلين وحين منصوب بمضمر أي حين لا يكفوا عن وجوههم النار يعلمون أنهم كانوا على الباطل والأرجح ان مفعول يعلم محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستبطئوه وحين منصوب بالمفعول الذي هو مجيء وجملة لا يكفون مضافة إلى الظرف وعن وجوههم متعلقان بيكفون والنار مفعول به ولا عن ظهورهم معطوفة، والواو حرف عطف ولا نافية وهم مبتدأ وجملة ينصرون خبر وينصرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) بل حرف إضراب وعطف وتأتيهم فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على النار وبغتة حال أتى مصدرا وقيل مفعول مطلق وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد، فتبهتهم عطف على تأتيهم فلا يستطيعون عطف أيضا وردها مفعول يستطيعون ولا هم ينظرون عطف أيضا وهم مبتدأ وجملة ينظرون خبر كما أنظروا وأمهلوا من قبل.
البلاغة:
1- التذييل: في قوله تعالى: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» فن طريف من فنون البلاغة أطلق عليه علماؤها اسم «التذييل» وعرفوه بأنه تذييل الكلام بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتخرجه مخرج المثل السائر ليشيع الكلام بعد دورانه على الألسنة فإن لم تكن الزيادة تفيد ذلك فلا يسمى تذييلا وبعضهم يسميه آنذاك تذييلا ولكنه يقول عنه أنه معيب وما أجدر المعيب أن ينتفى عن فنون البلاغة أو يندرج في سلكها وهو شائع في القرآن الكريم وستأتي أمثلة كثيرة منه، أما في الآية التي نحن بصددها فإن المعنى مستوفى في الاخبار بأنه سبحانه لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد ثم ذيل ذلك الاخبار بما أخرجه مخرج تجاهل العارف وهو قوله «أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» ثم ذيل هذا التذييل بما أخرجه مخرج المثل السائر حيث قال: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» .
ومن أروع أمثلة التذييل في الشعر قول شاعر الخلود أبي الطيب:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
يقول أبو الطيب: لا تصل الأماني إلى قلبه فتستميله، ولا إلى لسانه فتجري عليه لأنه لا يحتاج أن يتمنى شيئا إلا وله خير منه أو صار له ذلك الشيء فالأماني تقصر عن بلوغ قدره، وتقصر عن جلالة أمره وتمسي صرعى دون إدراك مجده فما يتمنى في الرفعة أكثر مما قد بلغه، ولم يزل سيف الدولة لهجا بهذا البيت معظما له، مثنيا عليه، مقرا له بأنه لا يلحق سبقا ولا يأتي أحد في بابه من المبالغة بمثل ما أتى به.
وقال ابن نباتة السعدي وأجاد:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
لقد حقق له جميع آماله ومشتهياته فلم يعد لديه ما يؤمله وهبه صبا إلى شيء فإنه واثق بحضوره فغدا بلا آمال.
2- الإيجاز بالحذف: وذلك في حذف مفعول يذكر في قوله تعالى:
«أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ» والذكر يكون بالخير والشر فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد كقولك للرجل: سمعت فلانا يذكرك فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء وإن كان عدوا فذم ومن جهة ثانية لم يقولوا: أهذا الذي يذكر آلهتكم بكل سوء لأنهم استفظعوا حكاية ما يقوله النبي من القدح في آلهتهم رميا بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ورئبوا بها عن نقل ذمها تفصيلا وتصريحا فنقلوه إجمالا وتلميحا، بل أومئوا اليه بالاشارة المذكورة كما يتحاشى المؤمن من حكاية كلمة الكفر وان كان قائلها غير كافر فيومىء إليها بلفظ يفهم المقصود بطريق التعريض فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان، وأساءوا الأدب على الرحمن.
3- الاستعارة المكنية في قوله «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» فقد شبه العجل الذي طبع عليه الشخص وصار له كالجبلة بأصل مادته وهي الطين ثم حذف المشبه به ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو قوله «خلق» وقيل لا استعارة فيه وانما هو من باب القلب والأصل خلق العجل من الإنسان لشدة صدوره عنه وملازمته له والقلب موجود كثيرا في كلامهم وقد تقدمت الإشارة اليه والأول أولى وأقعد بالبلاغة ومن بدع التفاسير ما قالوه من أن العجل هو الطين بلغة حمير وقال شاعرهم:
النبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل ينبت بين الماء والعجل
يقول النبع وهو شجر تتخذ منه القسي في الصخرة الصماء الصلبة لا في غيرها منبته أي نباته والنخل ينبت في الأرض اللينة الريانة فهو بين الماء والعجل أي الطين وهذه لغه حمير كما قيل والظاهر أن الشطر الأول تمثيل للصعب البخيل والثاني للسهل الجواد أو الاول للشجاع والثاني للجبان لشدة الاول ورخاوة الثاني وعلى كل حال هذا المعنى غير وارد في الآية الكريمة لأن السياق يأباها فهم يستعجلون والله سبحانه ينعى عليهم عجلتهم.
وفي هذه الآية الاستعارة المكنية بقوله «ذائقة الموت» وليس الموت مما يذاق ولكنه شبهه بطعام غير مريء ولا مستساغ ولكنه لحتمية وقوعه وكونه أمرا لا بد منه أصبح بمثابة المريء المستساغ فلا مندوحة لنفس عن ذوقه وقد تقدمت نظائر لهذه الاستعارة.
الفوائد:
1- جواب «إذا» :
تخالف «إذا» أدوات الشرط جيمعا، فإن أدوات الشرط متى أجيبت بأن النافية أو بما النافية وجب الإتيان بالفاء كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى أيضا: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا» .
2- مجيء المصدر حالا:
جاءت مصادر تعرب أحوالا بكثرة في النكرات كطلع زيد بغتة وجاء ركضا وقتلته صبرا وهو أن تحبسه حيا ثم يرمى حتى يقتل وذلك كله على كثرته مؤول بالوصف فيؤول بغتة بوصف من باغت لأنها بمعنى مفاجأة أي مباغتا ويؤول ركضا بوصف الفاعل من ركض أي راكضا ويؤول صبرا بوصف المفعول من صبر أي مصبورا محبوسا ومع كثرة وروده قال سيبويه: لا ينقاس مطلقا وقاسه بعضهم بما يمكن الرجوع اليه في المطولات.
ونعود إلى بغتة فقد أكد بعضهم أنه يجوز جعلها مفعولا مطلقا وكذلك القول في الأمثلة المتقدمة إذ هي نوع من عاملها فهي كرجع القهقرى.
ويتحصل مما ذكره النحاة أن المصدر المنصوب فيه أقوال ثلاثة:
1- مذهب سيبويه ان المصدر هو الحال وهو الأصل.
2- مذهب المبرد والأخفش انه مفعول مطلق غير منصوب بالعامل قبله وانما هو منصوب بالعامل المحذوف من لفظه وذلك المحذوف هو الحال وهو قول جميل كما ترى.
3- مذهب الكوفيين انه مفعول مطلق منصوب بالعامل قبله وليس في موضع الحال.
ومما يرد في هذا المجال اعراب «أسفا» من قول أبي الطيب:
أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردّد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولا إنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
فالحال هنا غير واردة لأن المعنى يأباها والمفعول لأجله لا يصح لاختلاف الفاعل فلم يبق إلا المفعولية المطلقة والتقدير أسفت أسفا ودل على فعله ما تقدمه لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه كأنه قال أسفت أسفا، وتعسف ابن هشام فحاول أن يبرر نصبه على أنه مفعول لأجله فقال: فمن لم يشترط اتحاد الفاعل فلا إشكال (والقائل بهذا هو ابن خروف) واما من اشترطه فهو على إسقاط لام العلة توسعا كما في قوله «يَبْغُونَها عِوَجاً» (أي يبغون لها عوجا) أو الاتحاد موجود تقديرا إما على أن الفعل المعلل مطاوع أبلى محذوفا أي فبليت أسفا ولا تقدر فبلي بدني لأن الاختلاف حاصل إذ الأسف فعل النفس لا البدن أو لأن الهوى لما حصل بتسببه كأنه قال أبليت بالهوى بدني ولا طائل تحت هذه التأويلات المتعسفة.
الأنبياء 21:38
الإعراب:
(وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير عدم خلود البشر جوابا لقولهم أن محمدا سيموت، وما نافية وجعلنا فعل وفاعل ولبشر في محل نصب مفعول ثان ومن قبلك صفة لبشر والخلد مفعول جعلنا الاول والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وإن شرطية ومت فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وهم مبتدأ والخالدون خبر والجملة في محل جزم جواب الشرط وهي بنية التقديم لأن أصل الكلام أفهم الخالدون إن مت، قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم سيموت قال ويجوز حذف الفاء واضمارها والمعنى إن مت فهم يموتون أيضا فلا شماتة في الموت. (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) كل مبتدأ ونفس مضاف اليه وذائقة الموت خبر والجملة مستأنفة مسوقة للتدليل على عدم الخلود فلا مجال للشماتة ورحم الله القائل:
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) الواو استئنافية أيضا ونبلوكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وبالشر متعلقان بنبلوكم والخير عطف على الشر أي نختبركم بما يجب فيه الصبر وبما يجب فيه الشكر وفتنة مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قيل نفتنكم فتنة ويجوز أن يعرب مفعولا من أجله أو نصبا على الحال من فاعل نبلوكم أي فاتنين لكم وإلينا متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة معطوفة على نبلوكم أو حالية. (وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً) لك أن تجعل الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير موقفهم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأن تجعلها عاطفة فتكون الجملة معطوفة على قوله الآنف «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى» وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة رآك مضاف لها الظرف وفاعل رآك الذين والكاف مفعول به وجملة كفروا صلة وإن نافية ويتخذونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإن النافية وما في حيزها جواب إذا وسيأتي ذكر السبب في عدم اقتران الجواب بالفاء في باب الفوائد وإلا أداة حصر وهزوا مفعول به ثان اما على الوصف بالمصدر مبالغة وقد مرت له نظائر واما على حذف مضاف، هذا ويجوز ان تكون ان النافية وما بعدها جملة معترضة فيكون الجواب قوله الآتي:
(أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) الهمزة للاستفهام والاستفهام معناه السخرية والجملة اما جواب إذا كما تقدم وإما مقول قول محذوف أي يقول بعضهم لبعض على سبيل السخرية والهزء أهذا، وهذا مبتدأ والذي خبره وجملة يذكر صلة وآلهتكم مفعول به والواو حالية وهم مبتدأ وبذكر متعلقان بكافرون والرحمن مضاف اليه وهم تأكيد لهم الأولى تأكيدا لفظيا وكافرون خبر هم والجملة حال إما من فاعل يتخذونك وإما من فاعل القول المقدر كما أسلفنا ومفعول يذكر محذوف وسيرد بحثه في باب البلاغة.
(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على استعجالهم العذاب وخلق فعل ماض مبني للمجهول والإنسان نائب فاعل ومن عجل متعلقان بخلق أو بمحذوف حال وسيأتي معنى هذا التركيب في باب البلاغة وسأريكم السنين للاستقبال وأريكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به أول وآياتي مفعول به ثان والفاء عاطفة ولا ناهية وتستعجلون فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والياء المحذوفة للرسم مفعول به وجملة سأريكم مستأنفة أيضا مسوقة لتأكيد العجلة وعاقبتها التي هي رؤية العذاب. (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لإيراد نمط من استعجالهم المذموم ويقولون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومتى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم وهذا مبتدأ مؤخر والوعد بدل وإن شرطية وكنتم كان واسمها في محل جزم فعل الشرط وصادقين خبر كنتم وجواب ان محذوف تقديره فعينوا موعده وخطابهم للنبي وأصحابه.
(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) لو شرطية ويعلم فعل مضارع والذين فاعل وجملة كفروا صلة وحين يجوز أن يكون مفعول يعلم أي الوقت الذي يستعجلون فيه بقولهم متى هذا الوعد وهو وقت صعب ضنك تحيط بهم النار من كل مكان لما كانوا بتلك المثابة من الكفر فجواب لو محذوف وقد تقدمت الاشارة اليه كثيرا ويجوز أن يكون يعلم متروكا بلا تعدية بمعنى لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا متعجلين وحين منصوب بمضمر أي حين لا يكفوا عن وجوههم النار يعلمون أنهم كانوا على الباطل والأرجح ان مفعول يعلم محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستبطئوه وحين منصوب بالمفعول الذي هو مجيء وجملة لا يكفون مضافة إلى الظرف وعن وجوههم متعلقان بيكفون والنار مفعول به ولا عن ظهورهم معطوفة، والواو حرف عطف ولا نافية وهم مبتدأ وجملة ينصرون خبر وينصرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) بل حرف إضراب وعطف وتأتيهم فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على النار وبغتة حال أتى مصدرا وقيل مفعول مطلق وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد، فتبهتهم عطف على تأتيهم فلا يستطيعون عطف أيضا وردها مفعول يستطيعون ولا هم ينظرون عطف أيضا وهم مبتدأ وجملة ينظرون خبر كما أنظروا وأمهلوا من قبل.
البلاغة:
1- التذييل: في قوله تعالى: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» فن طريف من فنون البلاغة أطلق عليه علماؤها اسم «التذييل» وعرفوه بأنه تذييل الكلام بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتخرجه مخرج المثل السائر ليشيع الكلام بعد دورانه على الألسنة فإن لم تكن الزيادة تفيد ذلك فلا يسمى تذييلا وبعضهم يسميه آنذاك تذييلا ولكنه يقول عنه أنه معيب وما أجدر المعيب أن ينتفى عن فنون البلاغة أو يندرج في سلكها وهو شائع في القرآن الكريم وستأتي أمثلة كثيرة منه، أما في الآية التي نحن بصددها فإن المعنى مستوفى في الاخبار بأنه سبحانه لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد ثم ذيل ذلك الاخبار بما أخرجه مخرج تجاهل العارف وهو قوله «أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» ثم ذيل هذا التذييل بما أخرجه مخرج المثل السائر حيث قال: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» .
ومن أروع أمثلة التذييل في الشعر قول شاعر الخلود أبي الطيب:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
يقول أبو الطيب: لا تصل الأماني إلى قلبه فتستميله، ولا إلى لسانه فتجري عليه لأنه لا يحتاج أن يتمنى شيئا إلا وله خير منه أو صار له ذلك الشيء فالأماني تقصر عن بلوغ قدره، وتقصر عن جلالة أمره وتمسي صرعى دون إدراك مجده فما يتمنى في الرفعة أكثر مما قد بلغه، ولم يزل سيف الدولة لهجا بهذا البيت معظما له، مثنيا عليه، مقرا له بأنه لا يلحق سبقا ولا يأتي أحد في بابه من المبالغة بمثل ما أتى به.
وقال ابن نباتة السعدي وأجاد:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
لقد حقق له جميع آماله ومشتهياته فلم يعد لديه ما يؤمله وهبه صبا إلى شيء فإنه واثق بحضوره فغدا بلا آمال.
2- الإيجاز بالحذف: وذلك في حذف مفعول يذكر في قوله تعالى:
«أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ» والذكر يكون بالخير والشر فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد كقولك للرجل: سمعت فلانا يذكرك فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء وإن كان عدوا فذم ومن جهة ثانية لم يقولوا: أهذا الذي يذكر آلهتكم بكل سوء لأنهم استفظعوا حكاية ما يقوله النبي من القدح في آلهتهم رميا بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ورئبوا بها عن نقل ذمها تفصيلا وتصريحا فنقلوه إجمالا وتلميحا، بل أومئوا اليه بالاشارة المذكورة كما يتحاشى المؤمن من حكاية كلمة الكفر وان كان قائلها غير كافر فيومىء إليها بلفظ يفهم المقصود بطريق التعريض فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان، وأساءوا الأدب على الرحمن.
3- الاستعارة المكنية في قوله «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» فقد شبه العجل الذي طبع عليه الشخص وصار له كالجبلة بأصل مادته وهي الطين ثم حذف المشبه به ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو قوله «خلق» وقيل لا استعارة فيه وانما هو من باب القلب والأصل خلق العجل من الإنسان لشدة صدوره عنه وملازمته له والقلب موجود كثيرا في كلامهم وقد تقدمت الإشارة اليه والأول أولى وأقعد بالبلاغة ومن بدع التفاسير ما قالوه من أن العجل هو الطين بلغة حمير وقال شاعرهم:
النبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل ينبت بين الماء والعجل
يقول النبع وهو شجر تتخذ منه القسي في الصخرة الصماء الصلبة لا في غيرها منبته أي نباته والنخل ينبت في الأرض اللينة الريانة فهو بين الماء والعجل أي الطين وهذه لغه حمير كما قيل والظاهر أن الشطر الأول تمثيل للصعب البخيل والثاني للسهل الجواد أو الاول للشجاع والثاني للجبان لشدة الاول ورخاوة الثاني وعلى كل حال هذا المعنى غير وارد في الآية الكريمة لأن السياق يأباها فهم يستعجلون والله سبحانه ينعى عليهم عجلتهم.
وفي هذه الآية الاستعارة المكنية بقوله «ذائقة الموت» وليس الموت مما يذاق ولكنه شبهه بطعام غير مريء ولا مستساغ ولكنه لحتمية وقوعه وكونه أمرا لا بد منه أصبح بمثابة المريء المستساغ فلا مندوحة لنفس عن ذوقه وقد تقدمت نظائر لهذه الاستعارة.
الفوائد:
1- جواب «إذا» :
تخالف «إذا» أدوات الشرط جيمعا، فإن أدوات الشرط متى أجيبت بأن النافية أو بما النافية وجب الإتيان بالفاء كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى أيضا: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا» .
2- مجيء المصدر حالا:
جاءت مصادر تعرب أحوالا بكثرة في النكرات كطلع زيد بغتة وجاء ركضا وقتلته صبرا وهو أن تحبسه حيا ثم يرمى حتى يقتل وذلك كله على كثرته مؤول بالوصف فيؤول بغتة بوصف من باغت لأنها بمعنى مفاجأة أي مباغتا ويؤول ركضا بوصف الفاعل من ركض أي راكضا ويؤول صبرا بوصف المفعول من صبر أي مصبورا محبوسا ومع كثرة وروده قال سيبويه: لا ينقاس مطلقا وقاسه بعضهم بما يمكن الرجوع اليه في المطولات.
ونعود إلى بغتة فقد أكد بعضهم أنه يجوز جعلها مفعولا مطلقا وكذلك القول في الأمثلة المتقدمة إذ هي نوع من عاملها فهي كرجع القهقرى.
ويتحصل مما ذكره النحاة أن المصدر المنصوب فيه أقوال ثلاثة:
1- مذهب سيبويه ان المصدر هو الحال وهو الأصل.
2- مذهب المبرد والأخفش انه مفعول مطلق غير منصوب بالعامل قبله وانما هو منصوب بالعامل المحذوف من لفظه وذلك المحذوف هو الحال وهو قول جميل كما ترى.
3- مذهب الكوفيين انه مفعول مطلق منصوب بالعامل قبله وليس في موضع الحال.
ومما يرد في هذا المجال اعراب «أسفا» من قول أبي الطيب:
أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردّد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولا إنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
فالحال هنا غير واردة لأن المعنى يأباها والمفعول لأجله لا يصح لاختلاف الفاعل فلم يبق إلا المفعولية المطلقة والتقدير أسفت أسفا ودل على فعله ما تقدمه لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه كأنه قال أسفت أسفا، وتعسف ابن هشام فحاول أن يبرر نصبه على أنه مفعول لأجله فقال: فمن لم يشترط اتحاد الفاعل فلا إشكال (والقائل بهذا هو ابن خروف) واما من اشترطه فهو على إسقاط لام العلة توسعا كما في قوله «يَبْغُونَها عِوَجاً» (أي يبغون لها عوجا) أو الاتحاد موجود تقديرا إما على أن الفعل المعلل مطاوع أبلى محذوفا أي فبليت أسفا ولا تقدر فبلي بدني لأن الاختلاف حاصل إذ الأسف فعل النفس لا البدن أو لأن الهوى لما حصل بتسببه كأنه قال أبليت بالهوى بدني ولا طائل تحت هذه التأويلات المتعسفة.
الأنبياء 21:39
الإعراب:
(وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير عدم خلود البشر جوابا لقولهم أن محمدا سيموت، وما نافية وجعلنا فعل وفاعل ولبشر في محل نصب مفعول ثان ومن قبلك صفة لبشر والخلد مفعول جعلنا الاول والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وإن شرطية ومت فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وهم مبتدأ والخالدون خبر والجملة في محل جزم جواب الشرط وهي بنية التقديم لأن أصل الكلام أفهم الخالدون إن مت، قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم سيموت قال ويجوز حذف الفاء واضمارها والمعنى إن مت فهم يموتون أيضا فلا شماتة في الموت. (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) كل مبتدأ ونفس مضاف اليه وذائقة الموت خبر والجملة مستأنفة مسوقة للتدليل على عدم الخلود فلا مجال للشماتة ورحم الله القائل:
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) الواو استئنافية أيضا ونبلوكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وبالشر متعلقان بنبلوكم والخير عطف على الشر أي نختبركم بما يجب فيه الصبر وبما يجب فيه الشكر وفتنة مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قيل نفتنكم فتنة ويجوز أن يعرب مفعولا من أجله أو نصبا على الحال من فاعل نبلوكم أي فاتنين لكم وإلينا متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة معطوفة على نبلوكم أو حالية. (وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً) لك أن تجعل الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير موقفهم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأن تجعلها عاطفة فتكون الجملة معطوفة على قوله الآنف «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى» وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة رآك مضاف لها الظرف وفاعل رآك الذين والكاف مفعول به وجملة كفروا صلة وإن نافية ويتخذونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإن النافية وما في حيزها جواب إذا وسيأتي ذكر السبب في عدم اقتران الجواب بالفاء في باب الفوائد وإلا أداة حصر وهزوا مفعول به ثان اما على الوصف بالمصدر مبالغة وقد مرت له نظائر واما على حذف مضاف، هذا ويجوز ان تكون ان النافية وما بعدها جملة معترضة فيكون الجواب قوله الآتي:
(أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) الهمزة للاستفهام والاستفهام معناه السخرية والجملة اما جواب إذا كما تقدم وإما مقول قول محذوف أي يقول بعضهم لبعض على سبيل السخرية والهزء أهذا، وهذا مبتدأ والذي خبره وجملة يذكر صلة وآلهتكم مفعول به والواو حالية وهم مبتدأ وبذكر متعلقان بكافرون والرحمن مضاف اليه وهم تأكيد لهم الأولى تأكيدا لفظيا وكافرون خبر هم والجملة حال إما من فاعل يتخذونك وإما من فاعل القول المقدر كما أسلفنا ومفعول يذكر محذوف وسيرد بحثه في باب البلاغة.
(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على استعجالهم العذاب وخلق فعل ماض مبني للمجهول والإنسان نائب فاعل ومن عجل متعلقان بخلق أو بمحذوف حال وسيأتي معنى هذا التركيب في باب البلاغة وسأريكم السنين للاستقبال وأريكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به أول وآياتي مفعول به ثان والفاء عاطفة ولا ناهية وتستعجلون فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والياء المحذوفة للرسم مفعول به وجملة سأريكم مستأنفة أيضا مسوقة لتأكيد العجلة وعاقبتها التي هي رؤية العذاب. (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لإيراد نمط من استعجالهم المذموم ويقولون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومتى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم وهذا مبتدأ مؤخر والوعد بدل وإن شرطية وكنتم كان واسمها في محل جزم فعل الشرط وصادقين خبر كنتم وجواب ان محذوف تقديره فعينوا موعده وخطابهم للنبي وأصحابه.
(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) لو شرطية ويعلم فعل مضارع والذين فاعل وجملة كفروا صلة وحين يجوز أن يكون مفعول يعلم أي الوقت الذي يستعجلون فيه بقولهم متى هذا الوعد وهو وقت صعب ضنك تحيط بهم النار من كل مكان لما كانوا بتلك المثابة من الكفر فجواب لو محذوف وقد تقدمت الاشارة اليه كثيرا ويجوز أن يكون يعلم متروكا بلا تعدية بمعنى لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا متعجلين وحين منصوب بمضمر أي حين لا يكفوا عن وجوههم النار يعلمون أنهم كانوا على الباطل والأرجح ان مفعول يعلم محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستبطئوه وحين منصوب بالمفعول الذي هو مجيء وجملة لا يكفون مضافة إلى الظرف وعن وجوههم متعلقان بيكفون والنار مفعول به ولا عن ظهورهم معطوفة، والواو حرف عطف ولا نافية وهم مبتدأ وجملة ينصرون خبر وينصرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) بل حرف إضراب وعطف وتأتيهم فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على النار وبغتة حال أتى مصدرا وقيل مفعول مطلق وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد، فتبهتهم عطف على تأتيهم فلا يستطيعون عطف أيضا وردها مفعول يستطيعون ولا هم ينظرون عطف أيضا وهم مبتدأ وجملة ينظرون خبر كما أنظروا وأمهلوا من قبل.
البلاغة:
1- التذييل: في قوله تعالى: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» فن طريف من فنون البلاغة أطلق عليه علماؤها اسم «التذييل» وعرفوه بأنه تذييل الكلام بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتخرجه مخرج المثل السائر ليشيع الكلام بعد دورانه على الألسنة فإن لم تكن الزيادة تفيد ذلك فلا يسمى تذييلا وبعضهم يسميه آنذاك تذييلا ولكنه يقول عنه أنه معيب وما أجدر المعيب أن ينتفى عن فنون البلاغة أو يندرج في سلكها وهو شائع في القرآن الكريم وستأتي أمثلة كثيرة منه، أما في الآية التي نحن بصددها فإن المعنى مستوفى في الاخبار بأنه سبحانه لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد ثم ذيل ذلك الاخبار بما أخرجه مخرج تجاهل العارف وهو قوله «أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» ثم ذيل هذا التذييل بما أخرجه مخرج المثل السائر حيث قال: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» .
ومن أروع أمثلة التذييل في الشعر قول شاعر الخلود أبي الطيب:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
يقول أبو الطيب: لا تصل الأماني إلى قلبه فتستميله، ولا إلى لسانه فتجري عليه لأنه لا يحتاج أن يتمنى شيئا إلا وله خير منه أو صار له ذلك الشيء فالأماني تقصر عن بلوغ قدره، وتقصر عن جلالة أمره وتمسي صرعى دون إدراك مجده فما يتمنى في الرفعة أكثر مما قد بلغه، ولم يزل سيف الدولة لهجا بهذا البيت معظما له، مثنيا عليه، مقرا له بأنه لا يلحق سبقا ولا يأتي أحد في بابه من المبالغة بمثل ما أتى به.
وقال ابن نباتة السعدي وأجاد:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
لقد حقق له جميع آماله ومشتهياته فلم يعد لديه ما يؤمله وهبه صبا إلى شيء فإنه واثق بحضوره فغدا بلا آمال.
2- الإيجاز بالحذف: وذلك في حذف مفعول يذكر في قوله تعالى:
«أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ» والذكر يكون بالخير والشر فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد كقولك للرجل: سمعت فلانا يذكرك فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء وإن كان عدوا فذم ومن جهة ثانية لم يقولوا: أهذا الذي يذكر آلهتكم بكل سوء لأنهم استفظعوا حكاية ما يقوله النبي من القدح في آلهتهم رميا بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ورئبوا بها عن نقل ذمها تفصيلا وتصريحا فنقلوه إجمالا وتلميحا، بل أومئوا اليه بالاشارة المذكورة كما يتحاشى المؤمن من حكاية كلمة الكفر وان كان قائلها غير كافر فيومىء إليها بلفظ يفهم المقصود بطريق التعريض فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان، وأساءوا الأدب على الرحمن.
3- الاستعارة المكنية في قوله «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» فقد شبه العجل الذي طبع عليه الشخص وصار له كالجبلة بأصل مادته وهي الطين ثم حذف المشبه به ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو قوله «خلق» وقيل لا استعارة فيه وانما هو من باب القلب والأصل خلق العجل من الإنسان لشدة صدوره عنه وملازمته له والقلب موجود كثيرا في كلامهم وقد تقدمت الإشارة اليه والأول أولى وأقعد بالبلاغة ومن بدع التفاسير ما قالوه من أن العجل هو الطين بلغة حمير وقال شاعرهم:
النبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل ينبت بين الماء والعجل
يقول النبع وهو شجر تتخذ منه القسي في الصخرة الصماء الصلبة لا في غيرها منبته أي نباته والنخل ينبت في الأرض اللينة الريانة فهو بين الماء والعجل أي الطين وهذه لغه حمير كما قيل والظاهر أن الشطر الأول تمثيل للصعب البخيل والثاني للسهل الجواد أو الاول للشجاع والثاني للجبان لشدة الاول ورخاوة الثاني وعلى كل حال هذا المعنى غير وارد في الآية الكريمة لأن السياق يأباها فهم يستعجلون والله سبحانه ينعى عليهم عجلتهم.
وفي هذه الآية الاستعارة المكنية بقوله «ذائقة الموت» وليس الموت مما يذاق ولكنه شبهه بطعام غير مريء ولا مستساغ ولكنه لحتمية وقوعه وكونه أمرا لا بد منه أصبح بمثابة المريء المستساغ فلا مندوحة لنفس عن ذوقه وقد تقدمت نظائر لهذه الاستعارة.
الفوائد:
1- جواب «إذا» :
تخالف «إذا» أدوات الشرط جيمعا، فإن أدوات الشرط متى أجيبت بأن النافية أو بما النافية وجب الإتيان بالفاء كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى أيضا: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا» .
2- مجيء المصدر حالا:
جاءت مصادر تعرب أحوالا بكثرة في النكرات كطلع زيد بغتة وجاء ركضا وقتلته صبرا وهو أن تحبسه حيا ثم يرمى حتى يقتل وذلك كله على كثرته مؤول بالوصف فيؤول بغتة بوصف من باغت لأنها بمعنى مفاجأة أي مباغتا ويؤول ركضا بوصف الفاعل من ركض أي راكضا ويؤول صبرا بوصف المفعول من صبر أي مصبورا محبوسا ومع كثرة وروده قال سيبويه: لا ينقاس مطلقا وقاسه بعضهم بما يمكن الرجوع اليه في المطولات.
ونعود إلى بغتة فقد أكد بعضهم أنه يجوز جعلها مفعولا مطلقا وكذلك القول في الأمثلة المتقدمة إذ هي نوع من عاملها فهي كرجع القهقرى.
ويتحصل مما ذكره النحاة أن المصدر المنصوب فيه أقوال ثلاثة:
1- مذهب سيبويه ان المصدر هو الحال وهو الأصل.
2- مذهب المبرد والأخفش انه مفعول مطلق غير منصوب بالعامل قبله وانما هو منصوب بالعامل المحذوف من لفظه وذلك المحذوف هو الحال وهو قول جميل كما ترى.
3- مذهب الكوفيين انه مفعول مطلق منصوب بالعامل قبله وليس في موضع الحال.
ومما يرد في هذا المجال اعراب «أسفا» من قول أبي الطيب:
أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردّد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولا إنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
فالحال هنا غير واردة لأن المعنى يأباها والمفعول لأجله لا يصح لاختلاف الفاعل فلم يبق إلا المفعولية المطلقة والتقدير أسفت أسفا ودل على فعله ما تقدمه لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه كأنه قال أسفت أسفا، وتعسف ابن هشام فحاول أن يبرر نصبه على أنه مفعول لأجله فقال: فمن لم يشترط اتحاد الفاعل فلا إشكال (والقائل بهذا هو ابن خروف) واما من اشترطه فهو على إسقاط لام العلة توسعا كما في قوله «يَبْغُونَها عِوَجاً» (أي يبغون لها عوجا) أو الاتحاد موجود تقديرا إما على أن الفعل المعلل مطاوع أبلى محذوفا أي فبليت أسفا ولا تقدر فبلي بدني لأن الاختلاف حاصل إذ الأسف فعل النفس لا البدن أو لأن الهوى لما حصل بتسببه كأنه قال أبليت بالهوى بدني ولا طائل تحت هذه التأويلات المتعسفة.
الأنبياء 21:40
الإعراب:
(وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير عدم خلود البشر جوابا لقولهم أن محمدا سيموت، وما نافية وجعلنا فعل وفاعل ولبشر في محل نصب مفعول ثان ومن قبلك صفة لبشر والخلد مفعول جعلنا الاول والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وإن شرطية ومت فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وهم مبتدأ والخالدون خبر والجملة في محل جزم جواب الشرط وهي بنية التقديم لأن أصل الكلام أفهم الخالدون إن مت، قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم سيموت قال ويجوز حذف الفاء واضمارها والمعنى إن مت فهم يموتون أيضا فلا شماتة في الموت. (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) كل مبتدأ ونفس مضاف اليه وذائقة الموت خبر والجملة مستأنفة مسوقة للتدليل على عدم الخلود فلا مجال للشماتة ورحم الله القائل:
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) الواو استئنافية أيضا ونبلوكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وبالشر متعلقان بنبلوكم والخير عطف على الشر أي نختبركم بما يجب فيه الصبر وبما يجب فيه الشكر وفتنة مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قيل نفتنكم فتنة ويجوز أن يعرب مفعولا من أجله أو نصبا على الحال من فاعل نبلوكم أي فاتنين لكم وإلينا متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة معطوفة على نبلوكم أو حالية. (وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً) لك أن تجعل الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير موقفهم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأن تجعلها عاطفة فتكون الجملة معطوفة على قوله الآنف «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى» وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة رآك مضاف لها الظرف وفاعل رآك الذين والكاف مفعول به وجملة كفروا صلة وإن نافية ويتخذونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإن النافية وما في حيزها جواب إذا وسيأتي ذكر السبب في عدم اقتران الجواب بالفاء في باب الفوائد وإلا أداة حصر وهزوا مفعول به ثان اما على الوصف بالمصدر مبالغة وقد مرت له نظائر واما على حذف مضاف، هذا ويجوز ان تكون ان النافية وما بعدها جملة معترضة فيكون الجواب قوله الآتي:
(أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) الهمزة للاستفهام والاستفهام معناه السخرية والجملة اما جواب إذا كما تقدم وإما مقول قول محذوف أي يقول بعضهم لبعض على سبيل السخرية والهزء أهذا، وهذا مبتدأ والذي خبره وجملة يذكر صلة وآلهتكم مفعول به والواو حالية وهم مبتدأ وبذكر متعلقان بكافرون والرحمن مضاف اليه وهم تأكيد لهم الأولى تأكيدا لفظيا وكافرون خبر هم والجملة حال إما من فاعل يتخذونك وإما من فاعل القول المقدر كما أسلفنا ومفعول يذكر محذوف وسيرد بحثه في باب البلاغة.
(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على استعجالهم العذاب وخلق فعل ماض مبني للمجهول والإنسان نائب فاعل ومن عجل متعلقان بخلق أو بمحذوف حال وسيأتي معنى هذا التركيب في باب البلاغة وسأريكم السنين للاستقبال وأريكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به أول وآياتي مفعول به ثان والفاء عاطفة ولا ناهية وتستعجلون فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والياء المحذوفة للرسم مفعول به وجملة سأريكم مستأنفة أيضا مسوقة لتأكيد العجلة وعاقبتها التي هي رؤية العذاب. (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لإيراد نمط من استعجالهم المذموم ويقولون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومتى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم وهذا مبتدأ مؤخر والوعد بدل وإن شرطية وكنتم كان واسمها في محل جزم فعل الشرط وصادقين خبر كنتم وجواب ان محذوف تقديره فعينوا موعده وخطابهم للنبي وأصحابه.
(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) لو شرطية ويعلم فعل مضارع والذين فاعل وجملة كفروا صلة وحين يجوز أن يكون مفعول يعلم أي الوقت الذي يستعجلون فيه بقولهم متى هذا الوعد وهو وقت صعب ضنك تحيط بهم النار من كل مكان لما كانوا بتلك المثابة من الكفر فجواب لو محذوف وقد تقدمت الاشارة اليه كثيرا ويجوز أن يكون يعلم متروكا بلا تعدية بمعنى لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا متعجلين وحين منصوب بمضمر أي حين لا يكفوا عن وجوههم النار يعلمون أنهم كانوا على الباطل والأرجح ان مفعول يعلم محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستبطئوه وحين منصوب بالمفعول الذي هو مجيء وجملة لا يكفون مضافة إلى الظرف وعن وجوههم متعلقان بيكفون والنار مفعول به ولا عن ظهورهم معطوفة، والواو حرف عطف ولا نافية وهم مبتدأ وجملة ينصرون خبر وينصرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) بل حرف إضراب وعطف وتأتيهم فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على النار وبغتة حال أتى مصدرا وقيل مفعول مطلق وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد، فتبهتهم عطف على تأتيهم فلا يستطيعون عطف أيضا وردها مفعول يستطيعون ولا هم ينظرون عطف أيضا وهم مبتدأ وجملة ينظرون خبر كما أنظروا وأمهلوا من قبل.
البلاغة:
1- التذييل: في قوله تعالى: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» فن طريف من فنون البلاغة أطلق عليه علماؤها اسم «التذييل» وعرفوه بأنه تذييل الكلام بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتخرجه مخرج المثل السائر ليشيع الكلام بعد دورانه على الألسنة فإن لم تكن الزيادة تفيد ذلك فلا يسمى تذييلا وبعضهم يسميه آنذاك تذييلا ولكنه يقول عنه أنه معيب وما أجدر المعيب أن ينتفى عن فنون البلاغة أو يندرج في سلكها وهو شائع في القرآن الكريم وستأتي أمثلة كثيرة منه، أما في الآية التي نحن بصددها فإن المعنى مستوفى في الاخبار بأنه سبحانه لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد ثم ذيل ذلك الاخبار بما أخرجه مخرج تجاهل العارف وهو قوله «أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» ثم ذيل هذا التذييل بما أخرجه مخرج المثل السائر حيث قال: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» .
ومن أروع أمثلة التذييل في الشعر قول شاعر الخلود أبي الطيب:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
يقول أبو الطيب: لا تصل الأماني إلى قلبه فتستميله، ولا إلى لسانه فتجري عليه لأنه لا يحتاج أن يتمنى شيئا إلا وله خير منه أو صار له ذلك الشيء فالأماني تقصر عن بلوغ قدره، وتقصر عن جلالة أمره وتمسي صرعى دون إدراك مجده فما يتمنى في الرفعة أكثر مما قد بلغه، ولم يزل سيف الدولة لهجا بهذا البيت معظما له، مثنيا عليه، مقرا له بأنه لا يلحق سبقا ولا يأتي أحد في بابه من المبالغة بمثل ما أتى به.
وقال ابن نباتة السعدي وأجاد:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
لقد حقق له جميع آماله ومشتهياته فلم يعد لديه ما يؤمله وهبه صبا إلى شيء فإنه واثق بحضوره فغدا بلا آمال.
2- الإيجاز بالحذف: وذلك في حذف مفعول يذكر في قوله تعالى:
«أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ» والذكر يكون بالخير والشر فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد كقولك للرجل: سمعت فلانا يذكرك فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء وإن كان عدوا فذم ومن جهة ثانية لم يقولوا: أهذا الذي يذكر آلهتكم بكل سوء لأنهم استفظعوا حكاية ما يقوله النبي من القدح في آلهتهم رميا بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ورئبوا بها عن نقل ذمها تفصيلا وتصريحا فنقلوه إجمالا وتلميحا، بل أومئوا اليه بالاشارة المذكورة كما يتحاشى المؤمن من حكاية كلمة الكفر وان كان قائلها غير كافر فيومىء إليها بلفظ يفهم المقصود بطريق التعريض فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان، وأساءوا الأدب على الرحمن.
3- الاستعارة المكنية في قوله «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» فقد شبه العجل الذي طبع عليه الشخص وصار له كالجبلة بأصل مادته وهي الطين ثم حذف المشبه به ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو قوله «خلق» وقيل لا استعارة فيه وانما هو من باب القلب والأصل خلق العجل من الإنسان لشدة صدوره عنه وملازمته له والقلب موجود كثيرا في كلامهم وقد تقدمت الإشارة اليه والأول أولى وأقعد بالبلاغة ومن بدع التفاسير ما قالوه من أن العجل هو الطين بلغة حمير وقال شاعرهم:
النبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل ينبت بين الماء والعجل
يقول النبع وهو شجر تتخذ منه القسي في الصخرة الصماء الصلبة لا في غيرها منبته أي نباته والنخل ينبت في الأرض اللينة الريانة فهو بين الماء والعجل أي الطين وهذه لغه حمير كما قيل والظاهر أن الشطر الأول تمثيل للصعب البخيل والثاني للسهل الجواد أو الاول للشجاع والثاني للجبان لشدة الاول ورخاوة الثاني وعلى كل حال هذا المعنى غير وارد في الآية الكريمة لأن السياق يأباها فهم يستعجلون والله سبحانه ينعى عليهم عجلتهم.
وفي هذه الآية الاستعارة المكنية بقوله «ذائقة الموت» وليس الموت مما يذاق ولكنه شبهه بطعام غير مريء ولا مستساغ ولكنه لحتمية وقوعه وكونه أمرا لا بد منه أصبح بمثابة المريء المستساغ فلا مندوحة لنفس عن ذوقه وقد تقدمت نظائر لهذه الاستعارة.
الفوائد:
1- جواب «إذا» :
تخالف «إذا» أدوات الشرط جيمعا، فإن أدوات الشرط متى أجيبت بأن النافية أو بما النافية وجب الإتيان بالفاء كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى أيضا: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا» .
2- مجيء المصدر حالا:
جاءت مصادر تعرب أحوالا بكثرة في النكرات كطلع زيد بغتة وجاء ركضا وقتلته صبرا وهو أن تحبسه حيا ثم يرمى حتى يقتل وذلك كله على كثرته مؤول بالوصف فيؤول بغتة بوصف من باغت لأنها بمعنى مفاجأة أي مباغتا ويؤول ركضا بوصف الفاعل من ركض أي راكضا ويؤول صبرا بوصف المفعول من صبر أي مصبورا محبوسا ومع كثرة وروده قال سيبويه: لا ينقاس مطلقا وقاسه بعضهم بما يمكن الرجوع اليه في المطولات.
ونعود إلى بغتة فقد أكد بعضهم أنه يجوز جعلها مفعولا مطلقا وكذلك القول في الأمثلة المتقدمة إذ هي نوع من عاملها فهي كرجع القهقرى.
ويتحصل مما ذكره النحاة أن المصدر المنصوب فيه أقوال ثلاثة:
1- مذهب سيبويه ان المصدر هو الحال وهو الأصل.
2- مذهب المبرد والأخفش انه مفعول مطلق غير منصوب بالعامل قبله وانما هو منصوب بالعامل المحذوف من لفظه وذلك المحذوف هو الحال وهو قول جميل كما ترى.
3- مذهب الكوفيين انه مفعول مطلق منصوب بالعامل قبله وليس في موضع الحال.
ومما يرد في هذا المجال اعراب «أسفا» من قول أبي الطيب:
أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردّد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولا إنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
فالحال هنا غير واردة لأن المعنى يأباها والمفعول لأجله لا يصح لاختلاف الفاعل فلم يبق إلا المفعولية المطلقة والتقدير أسفت أسفا ودل على فعله ما تقدمه لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه كأنه قال أسفت أسفا، وتعسف ابن هشام فحاول أن يبرر نصبه على أنه مفعول لأجله فقال: فمن لم يشترط اتحاد الفاعل فلا إشكال (والقائل بهذا هو ابن خروف) واما من اشترطه فهو على إسقاط لام العلة توسعا كما في قوله «يَبْغُونَها عِوَجاً» (أي يبغون لها عوجا) أو الاتحاد موجود تقديرا إما على أن الفعل المعلل مطاوع أبلى محذوفا أي فبليت أسفا ولا تقدر فبلي بدني لأن الاختلاف حاصل إذ الأسف فعل النفس لا البدن أو لأن الهوى لما حصل بتسببه كأنه قال أبليت بالهوى بدني ولا طائل تحت هذه التأويلات المتعسفة.
الأنبياء 21:41
اللغة:
(يَكْلَؤُكُمْ) : في المصباح: «كلأه الله يكلؤه مهموز بفتحتين من باب قطع كلاءة بالكسر والمد حفظه ويجوز التخفيف فيقال كليته أكلاه وكلئته أكلؤه من باب تعب لغة لقريش لكنهم قالوا: مكلوّ بالواو أكثر من مكليّ بالياء» وفي القاموس: «كلأ يكلأ بالفتح كلئا وكلاءة وكلاء بكسر الكاف الله فلانا حرسه وحفظه وكلأه بالسوط ضربه به وكلأ بصره في الشيء ردّده فيه وكلأ النجم متى يطلع: رعاه» وفي الأساس: «الله يكلؤك، وتداركه الله بكلاءته واكتلأت منه: احترست قال كعب بن زهير:
أنخت قلوصي واكتلأت بعينها ... وآمرت نفسي أيّ أمري أفعل
أي احترست بعينها لأنها إذا رأت شيئا ذعرت، وكلأ دينه كلوءا: تأخر فهو كالىء ونهي عن «بيع الكالئ بالكالئ» وكلّأته أنا تكلئة واستكلأت كلأة وتكلأت: استلفت سلفا وتقول: «إن الكلى تذيب شحم الكلى» جمع كلأة» .
(خَرْدَلٍ) : الخردل: نبات له حبّ صغير جدا أسود مقرح والواحدة خردلة ويقال خردل الطعام: أكل خياره وخردل اللحم قطع أعضاءه والخرادل القطع من اللحم.
الإعراب:
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته واللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق واستهزئ فعل ماض مبني للمجهول وبرسل قام مقام نائب الفاعل ومن قبلك نعت لرسل.
(فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة وحاق فعل ماض وبالذين متعلقان بحاق وجملة سخروا لا محل لها لأنها صلة الموصول ومنهم حال من فاعل سخروا وما فاعل حاق وجملة كانوا صلة الموصول وكان واسمها وبه متعلقان بقوله يستهزئون ويستهزئون جملة فعلية في محل نصب خبر كانوا. (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) من اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة يكلؤكم خبر والجملة مقول القول وبالليل متعلقان ييكلؤكم والنهار عطف على الليل ومن الرحمن أي من عذابه وأمره وهما متعلقان بيكلؤكم. (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وهم مبتدأ وعن ذكر ربهم متعلقان بمعرضون، ومعرضون خبر هم وهو إضراب عما تضمنه الكلام من النفي والتقدير ليس لهم كالىء ولا مانع غير الرحمن مع انهم لا يخطرونه في بالهم فضلا عن أن يخافوا بأسه وعذابه. (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا) أم حرف عطف وإضراب فهي بمعنى بل ولهم خبر مقدم وآلهة مبتدأ مؤخر وهمزة الاستفهام مقدرة والتقدير ألهم آلهة تمنعهم وجملة تمنعهم صفة لآلهة ومن دوننا صفة لآلهة أيضا.
(لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن من ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره ولا نافية ويستطيعون فعل مضارع وفاعل ونصر أنفسهم مفعول به ولا الواو عاطفة ولا نافية وهم مبتدأ ومنا متعلقان بيصحبون ويصحبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة يصحبون خبرهم، تقول العرب أنا لك صاحب من فلان أي مجير لك منه وتقول أيضا: صحبك الله أي حفظك وأجارك. (بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) بل حرف إضراب انتقالي ومتعنا فعل وفاعل وهؤلاء اسم اشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به وآباءهم عطف على هؤلاء وحتى حرف غاية وجر وطال فعل ماض وعليهم متعلقان بطال والعمر فاعل طال.
(أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر وقد تكرر هذا التعبير حتى لم يعد ثمة موجب لإعادته ولا نافية ويرون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يرون لأن الرؤية هنا علمية ويجوز أن تكون بصرية وان واسمها وجملة نأتي الأرض خبرها وجملة ننقصها من أطرافها حالية من فاعل نأتي أو من مفعوله أي نفتحها أرضا بعد أرض بما ينقص من أطراف المشركين ويزيد في أطراف المؤمنين وقد تقدم بسط هذا مفصلا في سورة الرعد فجدد به عهدا وسيأتي السر في اسناد الفعل إلى نفسه في باب البلاغة وقوله أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري التقريعي والفاء عاطفة على مقدر وهم مبتدأ والغالبون خبر (قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ) إنما كافة ومكفوفة وأنذركم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبالوحي متعلقان بأنذركم ولا يسمع الواو عاطفة ويجوز أن تكون حالية ولا نافية ويسمع الصم الدعاء فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وهي لمجرد الظرفية متعلقة بيسمع أي وقت إنذارهم، وما زائدة وينذرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة ينذرون في محل جر باضافة الظرف إليها وسيأتي تفصيل لهذه الآية في باب البلاغة.
(وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية ومستهم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به ونفحة فاعل والمراد بالنفحة القليل مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان ومنه قول النعمان بن بشير:
وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها وقال المبرد: النفحة الدفعة من الشيء التي دون معظمه يقال نفحه نفحة بالسيف إذا ضربه ضربة خفيفة، وقيل: هي النصيب، وقيل هي الطرف والمعنى متقارب أي ولئن مسهم أقل شيء من العذاب، ومن عذاب ربك صفة لنفحة، ليقولن اللام واقعة في جواب القسم لأنه سبق ويقولنّ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون للتوكيد ويا ويلنا إما نداء للويل ليحضر فهذا أوانه واما ان يا للتنبيه وويلنا مفعول مطلق لفعل محذوف وإنا إن واسمها وجملة كنا خبرها ونا اسم كان وظالمين خبرها. (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما سيقع عند إتيان ما أنذروه ونضع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والموازين مفعول به والقسط وصف الموازين وقد وصفت بنفس المصدر مبالغة من قسط إذا عدل وليوم القيامة متعلق بنضع واللام بمعنى «في» كقولهم مضى لسبيله وقيل يمعنى عند قال الزمخشري: «مثلها في قولك جئته لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة:
توسمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
ومعناه تتبعت رسومها وآثارها فعرفتها أي في تلك المواضع المذكورة في البيت قبله وقوله لستة أعوام أي تمام ستة أعوام مضت من عهدها وهذا العام الحاضر الذي نحن فيه هو السابع ولو قال لسبعة أعوام لأفاد أن السبعة كلها مضت وليس مرادا فقول بعضهم انه كان يكفيه أن يقول لسبعة أعوام فعجز عن إتمامه وكمله بما لا معنى له ولا وجه إلا عدم التبصر. فلا الفاء عاطفة وتظلم فعل مضارع مبني للمجهول ونفس نائب فاعل وشيئا مفعول مطلق أو مفعول ثان لتظلم.
(وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) الواو عاطفة وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسمها مستتر تقديره هو يعود على العمل ومثقال حبة خبر كان ومن خردل صفة لحبة وأتينا بها في محل جزم جواب الشرط وكفى الواو عاطفة وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد وحاسبين تمييز أو حال وأنث ضمير المثقال لأنه أضيف إلى الحبة وقد مرت قاعدته.
البلاغة:
1- وضع الظاهر موضع المضمر: في قوله تعالى: «قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ» فن لطيف يمكن تسميته وضع الظاهر موضع المضمر والفائدة منه التسجيل عليهم فقد كان مقتضى السياق أن يقول ولا يسمعون ولكنه صرح بالصم وتجاوز بالظاهر عن ضميره للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إن أنذروا، وللدلالة على صدور إنكار شديد وغضب عظيم وتعجب من نبو أسماعهم عن الوحي وعدم إصاختهم لما ينفعهم وإمعانهم في ركوب الغي والتعسف في متاهات الضلال وهذا فن عجيب تميز به القرآن الكريم وسيرد عليك الكثير من نماذجه.
2- اسناد الضمير إلى الله تعالى في قوله تعالى: «أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها» أسند سبحانه الضمير إلى نفسه تعظيما للمسلمين الذين أجرى على أيديهم الانتصار العظيم وافتتاح البلاد والأمصار وان عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها فأصله تأتي جيوش المسلمين ولكنه أسند الإتيان إلى نفسه تنويها بقدر المجاهدين وتعظيما لما أتوا به من جلائل الأعمال وناهيك بمن يعمل عملا ينسبه الله إلى نفسه ألا يصح فيه أن يكون مصداقا لقوله في حديثه «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها» إلى آخر الحديث القدسي.
3- مبالغات ثلاث:
وفي قوله تعالى: «وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا» ثلاث مبالغات:
آ- ذكر المس وهو أقل شيء بل هو شيء رفيق جدا فما بالك إذا انثال عليهم؟ أي يكفي للدلالة على ذلهم وهوان أمرهم ووهن عزيمتهم أن أقل مس يكفيهم ليذعنوا ويتطامنوا ويعلنوا ذلهم وخضوعهم والإقرار على أنفسهم بأنهم تصاموا وأعرضوا وقد رمق المتنبي سماء هذه المبالغة فقال في وصف قوم جبناء:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ب- وما في النفحة من معنى القلة والنزارة يقال: نفحته الدابة ونفحه بعطية.
ج- بناء المرة من النفح فمصدر المرة يأتي على فعلة أي نفحة واحدة لا ثاني لها تكفي لتشتيت أمرهم وتوهين كيانهم وتصدع صفوفهم فكيف إذا عززت بثانية أو ثالثة؟.
الفوائد:
مصدرا المرة والهيئة:
مصدر المرة هو ما يذكر لبيان عدد الفعل ويبنى من الثلاثي المجرّد على وزن فعلة بفتح الفاء وسكون العين مثل: وقفت وقفة ووقفتين ووقفات فإن كان الفعل فوق الثلاثي ألحقت بمصدره التاء مثل أكرمته إكرامة وفرّحته تفريحة وتدحرج تدحرجة إلا ان كان المصدر ملحقا في الأصل بالتاء فيذكر بعده ما يدلّ على العدد مثل رحمته رحمة واحدة وأقمت إقامة واحدة واستقمت استقامة واحدة.
أما مصدر النوع أو الهيئة فهو ما يذكر لبيان نوع الفعل وصفته نحو وقفت وقفة ويبنى من الثلاثي المجرد على وزن فعلة بكسر الفاء مثل عاش عيشة حسنة ومات ميتة سيئة وفلان حسن الجلسة وفلانة هادئة المشية فإن كان الفعل فوق الثلاثي يصير مصدره بالوصف مصدر نوع مثل أكرمته إكراما عظيما.
هذا وهنا تنبيه هام نبه عليه الشيخ أبو حيان وهو أن هذه التاء الدالة على المرة الواحدة لا تدخل على كل مصدر بل على المصادر الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس نحو قومة وضربة وقعدة وأكلة، وأما مصادر الأفعال الباطنة والخصال الجليلة الثابتة نحو الظرف والحسن والجبن والعلم فلا يقال من ذلك علمته علمة ولا فهمته فهمة ولا صبرته صبرة.
الأنبياء 21:42
اللغة:
(يَكْلَؤُكُمْ) : في المصباح: «كلأه الله يكلؤه مهموز بفتحتين من باب قطع كلاءة بالكسر والمد حفظه ويجوز التخفيف فيقال كليته أكلاه وكلئته أكلؤه من باب تعب لغة لقريش لكنهم قالوا: مكلوّ بالواو أكثر من مكليّ بالياء» وفي القاموس: «كلأ يكلأ بالفتح كلئا وكلاءة وكلاء بكسر الكاف الله فلانا حرسه وحفظه وكلأه بالسوط ضربه به وكلأ بصره في الشيء ردّده فيه وكلأ النجم متى يطلع: رعاه» وفي الأساس: «الله يكلؤك، وتداركه الله بكلاءته واكتلأت منه: احترست قال كعب بن زهير:
أنخت قلوصي واكتلأت بعينها ... وآمرت نفسي أيّ أمري أفعل
أي احترست بعينها لأنها إذا رأت شيئا ذعرت، وكلأ دينه كلوءا: تأخر فهو كالىء ونهي عن «بيع الكالئ بالكالئ» وكلّأته أنا تكلئة واستكلأت كلأة وتكلأت: استلفت سلفا وتقول: «إن الكلى تذيب شحم الكلى» جمع كلأة» .
(خَرْدَلٍ) : الخردل: نبات له حبّ صغير جدا أسود مقرح والواحدة خردلة ويقال خردل الطعام: أكل خياره وخردل اللحم قطع أعضاءه والخرادل القطع من اللحم.
الإعراب:
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته واللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق واستهزئ فعل ماض مبني للمجهول وبرسل قام مقام نائب الفاعل ومن قبلك نعت لرسل.
(فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة وحاق فعل ماض وبالذين متعلقان بحاق وجملة سخروا لا محل لها لأنها صلة الموصول ومنهم حال من فاعل سخروا وما فاعل حاق وجملة كانوا صلة الموصول وكان واسمها وبه متعلقان بقوله يستهزئون ويستهزئون جملة فعلية في محل نصب خبر كانوا. (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) من اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة يكلؤكم خبر والجملة مقول القول وبالليل متعلقان ييكلؤكم والنهار عطف على الليل ومن الرحمن أي من عذابه وأمره وهما متعلقان بيكلؤكم. (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وهم مبتدأ وعن ذكر ربهم متعلقان بمعرضون، ومعرضون خبر هم وهو إضراب عما تضمنه الكلام من النفي والتقدير ليس لهم كالىء ولا مانع غير الرحمن مع انهم لا يخطرونه في بالهم فضلا عن أن يخافوا بأسه وعذابه. (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا) أم حرف عطف وإضراب فهي بمعنى بل ولهم خبر مقدم وآلهة مبتدأ مؤخر وهمزة الاستفهام مقدرة والتقدير ألهم آلهة تمنعهم وجملة تمنعهم صفة لآلهة ومن دوننا صفة لآلهة أيضا.
(لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن من ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره ولا نافية ويستطيعون فعل مضارع وفاعل ونصر أنفسهم مفعول به ولا الواو عاطفة ولا نافية وهم مبتدأ ومنا متعلقان بيصحبون ويصحبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة يصحبون خبرهم، تقول العرب أنا لك صاحب من فلان أي مجير لك منه وتقول أيضا: صحبك الله أي حفظك وأجارك. (بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) بل حرف إضراب انتقالي ومتعنا فعل وفاعل وهؤلاء اسم اشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به وآباءهم عطف على هؤلاء وحتى حرف غاية وجر وطال فعل ماض وعليهم متعلقان بطال والعمر فاعل طال.
(أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر وقد تكرر هذا التعبير حتى لم يعد ثمة موجب لإعادته ولا نافية ويرون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يرون لأن الرؤية هنا علمية ويجوز أن تكون بصرية وان واسمها وجملة نأتي الأرض خبرها وجملة ننقصها من أطرافها حالية من فاعل نأتي أو من مفعوله أي نفتحها أرضا بعد أرض بما ينقص من أطراف المشركين ويزيد في أطراف المؤمنين وقد تقدم بسط هذا مفصلا في سورة الرعد فجدد به عهدا وسيأتي السر في اسناد الفعل إلى نفسه في باب البلاغة وقوله أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري التقريعي والفاء عاطفة على مقدر وهم مبتدأ والغالبون خبر (قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ) إنما كافة ومكفوفة وأنذركم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبالوحي متعلقان بأنذركم ولا يسمع الواو عاطفة ويجوز أن تكون حالية ولا نافية ويسمع الصم الدعاء فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وهي لمجرد الظرفية متعلقة بيسمع أي وقت إنذارهم، وما زائدة وينذرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة ينذرون في محل جر باضافة الظرف إليها وسيأتي تفصيل لهذه الآية في باب البلاغة.
(وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية ومستهم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به ونفحة فاعل والمراد بالنفحة القليل مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان ومنه قول النعمان بن بشير:
وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها وقال المبرد: النفحة الدفعة من الشيء التي دون معظمه يقال نفحه نفحة بالسيف إذا ضربه ضربة خفيفة، وقيل: هي النصيب، وقيل هي الطرف والمعنى متقارب أي ولئن مسهم أقل شيء من العذاب، ومن عذاب ربك صفة لنفحة، ليقولن اللام واقعة في جواب القسم لأنه سبق ويقولنّ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون للتوكيد ويا ويلنا إما نداء للويل ليحضر فهذا أوانه واما ان يا للتنبيه وويلنا مفعول مطلق لفعل محذوف وإنا إن واسمها وجملة كنا خبرها ونا اسم كان وظالمين خبرها. (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما سيقع عند إتيان ما أنذروه ونضع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والموازين مفعول به والقسط وصف الموازين وقد وصفت بنفس المصدر مبالغة من قسط إذا عدل وليوم القيامة متعلق بنضع واللام بمعنى «في» كقولهم مضى لسبيله وقيل يمعنى عند قال الزمخشري: «مثلها في قولك جئته لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة:
توسمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
ومعناه تتبعت رسومها وآثارها فعرفتها أي في تلك المواضع المذكورة في البيت قبله وقوله لستة أعوام أي تمام ستة أعوام مضت من عهدها وهذا العام الحاضر الذي نحن فيه هو السابع ولو قال لسبعة أعوام لأفاد أن السبعة كلها مضت وليس مرادا فقول بعضهم انه كان يكفيه أن يقول لسبعة أعوام فعجز عن إتمامه وكمله بما لا معنى له ولا وجه إلا عدم التبصر. فلا الفاء عاطفة وتظلم فعل مضارع مبني للمجهول ونفس نائب فاعل وشيئا مفعول مطلق أو مفعول ثان لتظلم.
(وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) الواو عاطفة وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسمها مستتر تقديره هو يعود على العمل ومثقال حبة خبر كان ومن خردل صفة لحبة وأتينا بها في محل جزم جواب الشرط وكفى الواو عاطفة وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد وحاسبين تمييز أو حال وأنث ضمير المثقال لأنه أضيف إلى الحبة وقد مرت قاعدته.
البلاغة:
1- وضع الظاهر موضع المضمر: في قوله تعالى: «قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ» فن لطيف يمكن تسميته وضع الظاهر موضع المضمر والفائدة منه التسجيل عليهم فقد كان مقتضى السياق أن يقول ولا يسمعون ولكنه صرح بالصم وتجاوز بالظاهر عن ضميره للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إن أنذروا، وللدلالة على صدور إنكار شديد وغضب عظيم وتعجب من نبو أسماعهم عن الوحي وعدم إصاختهم لما ينفعهم وإمعانهم في ركوب الغي والتعسف في متاهات الضلال وهذا فن عجيب تميز به القرآن الكريم وسيرد عليك الكثير من نماذجه.
2- اسناد الضمير إلى الله تعالى في قوله تعالى: «أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها» أسند سبحانه الضمير إلى نفسه تعظيما للمسلمين الذين أجرى على أيديهم الانتصار العظيم وافتتاح البلاد والأمصار وان عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها فأصله تأتي جيوش المسلمين ولكنه أسند الإتيان إلى نفسه تنويها بقدر المجاهدين وتعظيما لما أتوا به من جلائل الأعمال وناهيك بمن يعمل عملا ينسبه الله إلى نفسه ألا يصح فيه أن يكون مصداقا لقوله في حديثه «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها» إلى آخر الحديث القدسي.
3- مبالغات ثلاث:
وفي قوله تعالى: «وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا» ثلاث مبالغات:
آ- ذكر المس وهو أقل شيء بل هو شيء رفيق جدا فما بالك إذا انثال عليهم؟ أي يكفي للدلالة على ذلهم وهوان أمرهم ووهن عزيمتهم أن أقل مس يكفيهم ليذعنوا ويتطامنوا ويعلنوا ذلهم وخضوعهم والإقرار على أنفسهم بأنهم تصاموا وأعرضوا وقد رمق المتنبي سماء هذه المبالغة فقال في وصف قوم جبناء:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ب- وما في النفحة من معنى القلة والنزارة يقال: نفحته الدابة ونفحه بعطية.
ج- بناء المرة من النفح فمصدر المرة يأتي على فعلة أي نفحة واحدة لا ثاني لها تكفي لتشتيت أمرهم وتوهين كيانهم وتصدع صفوفهم فكيف إذا عززت بثانية أو ثالثة؟.
الفوائد:
مصدرا المرة والهيئة:
مصدر المرة هو ما يذكر لبيان عدد الفعل ويبنى من الثلاثي المجرّد على وزن فعلة بفتح الفاء وسكون العين مثل: وقفت وقفة ووقفتين ووقفات فإن كان الفعل فوق الثلاثي ألحقت بمصدره التاء مثل أكرمته إكرامة وفرّحته تفريحة وتدحرج تدحرجة إلا ان كان المصدر ملحقا في الأصل بالتاء فيذكر بعده ما يدلّ على العدد مثل رحمته رحمة واحدة وأقمت إقامة واحدة واستقمت استقامة واحدة.
أما مصدر النوع أو الهيئة فهو ما يذكر لبيان نوع الفعل وصفته نحو وقفت وقفة ويبنى من الثلاثي المجرد على وزن فعلة بكسر الفاء مثل عاش عيشة حسنة ومات ميتة سيئة وفلان حسن الجلسة وفلانة هادئة المشية فإن كان الفعل فوق الثلاثي يصير مصدره بالوصف مصدر نوع مثل أكرمته إكراما عظيما.
هذا وهنا تنبيه هام نبه عليه الشيخ أبو حيان وهو أن هذه التاء الدالة على المرة الواحدة لا تدخل على كل مصدر بل على المصادر الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس نحو قومة وضربة وقعدة وأكلة، وأما مصادر الأفعال الباطنة والخصال الجليلة الثابتة نحو الظرف والحسن والجبن والعلم فلا يقال من ذلك علمته علمة ولا فهمته فهمة ولا صبرته صبرة.
الأنبياء 21:43
اللغة:
(يَكْلَؤُكُمْ) : في المصباح: «كلأه الله يكلؤه مهموز بفتحتين من باب قطع كلاءة بالكسر والمد حفظه ويجوز التخفيف فيقال كليته أكلاه وكلئته أكلؤه من باب تعب لغة لقريش لكنهم قالوا: مكلوّ بالواو أكثر من مكليّ بالياء» وفي القاموس: «كلأ يكلأ بالفتح كلئا وكلاءة وكلاء بكسر الكاف الله فلانا حرسه وحفظه وكلأه بالسوط ضربه به وكلأ بصره في الشيء ردّده فيه وكلأ النجم متى يطلع: رعاه» وفي الأساس: «الله يكلؤك، وتداركه الله بكلاءته واكتلأت منه: احترست قال كعب بن زهير:
أنخت قلوصي واكتلأت بعينها ... وآمرت نفسي أيّ أمري أفعل
أي احترست بعينها لأنها إذا رأت شيئا ذعرت، وكلأ دينه كلوءا: تأخر فهو كالىء ونهي عن «بيع الكالئ بالكالئ» وكلّأته أنا تكلئة واستكلأت كلأة وتكلأت: استلفت سلفا وتقول: «إن الكلى تذيب شحم الكلى» جمع كلأة» .
(خَرْدَلٍ) : الخردل: نبات له حبّ صغير جدا أسود مقرح والواحدة خردلة ويقال خردل الطعام: أكل خياره وخردل اللحم قطع أعضاءه والخرادل القطع من اللحم.
الإعراب:
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته واللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق واستهزئ فعل ماض مبني للمجهول وبرسل قام مقام نائب الفاعل ومن قبلك نعت لرسل.
(فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة وحاق فعل ماض وبالذين متعلقان بحاق وجملة سخروا لا محل لها لأنها صلة الموصول ومنهم حال من فاعل سخروا وما فاعل حاق وجملة كانوا صلة الموصول وكان واسمها وبه متعلقان بقوله يستهزئون ويستهزئون جملة فعلية في محل نصب خبر كانوا. (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) من اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة يكلؤكم خبر والجملة مقول القول وبالليل متعلقان ييكلؤكم والنهار عطف على الليل ومن الرحمن أي من عذابه وأمره وهما متعلقان بيكلؤكم. (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وهم مبتدأ وعن ذكر ربهم متعلقان بمعرضون، ومعرضون خبر هم وهو إضراب عما تضمنه الكلام من النفي والتقدير ليس لهم كالىء ولا مانع غير الرحمن مع انهم لا يخطرونه في بالهم فضلا عن أن يخافوا بأسه وعذابه. (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا) أم حرف عطف وإضراب فهي بمعنى بل ولهم خبر مقدم وآلهة مبتدأ مؤخر وهمزة الاستفهام مقدرة والتقدير ألهم آلهة تمنعهم وجملة تمنعهم صفة لآلهة ومن دوننا صفة لآلهة أيضا.
(لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن من ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره ولا نافية ويستطيعون فعل مضارع وفاعل ونصر أنفسهم مفعول به ولا الواو عاطفة ولا نافية وهم مبتدأ ومنا متعلقان بيصحبون ويصحبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة يصحبون خبرهم، تقول العرب أنا لك صاحب من فلان أي مجير لك منه وتقول أيضا: صحبك الله أي حفظك وأجارك. (بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) بل حرف إضراب انتقالي ومتعنا فعل وفاعل وهؤلاء اسم اشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به وآباءهم عطف على هؤلاء وحتى حرف غاية وجر وطال فعل ماض وعليهم متعلقان بطال والعمر فاعل طال.
(أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر وقد تكرر هذا التعبير حتى لم يعد ثمة موجب لإعادته ولا نافية ويرون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يرون لأن الرؤية هنا علمية ويجوز أن تكون بصرية وان واسمها وجملة نأتي الأرض خبرها وجملة ننقصها من أطرافها حالية من فاعل نأتي أو من مفعوله أي نفتحها أرضا بعد أرض بما ينقص من أطراف المشركين ويزيد في أطراف المؤمنين وقد تقدم بسط هذا مفصلا في سورة الرعد فجدد به عهدا وسيأتي السر في اسناد الفعل إلى نفسه في باب البلاغة وقوله أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري التقريعي والفاء عاطفة على مقدر وهم مبتدأ والغالبون خبر (قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ) إنما كافة ومكفوفة وأنذركم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبالوحي متعلقان بأنذركم ولا يسمع الواو عاطفة ويجوز أن تكون حالية ولا نافية ويسمع الصم الدعاء فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وهي لمجرد الظرفية متعلقة بيسمع أي وقت إنذارهم، وما زائدة وينذرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة ينذرون في محل جر باضافة الظرف إليها وسيأتي تفصيل لهذه الآية في باب البلاغة.
(وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية ومستهم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به ونفحة فاعل والمراد بالنفحة القليل مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان ومنه قول النعمان بن بشير:
وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها وقال المبرد: النفحة الدفعة من الشيء التي دون معظمه يقال نفحه نفحة بالسيف إذا ضربه ضربة خفيفة، وقيل: هي النصيب، وقيل هي الطرف والمعنى متقارب أي ولئن مسهم أقل شيء من العذاب، ومن عذاب ربك صفة لنفحة، ليقولن اللام واقعة في جواب القسم لأنه سبق ويقولنّ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون للتوكيد ويا ويلنا إما نداء للويل ليحضر فهذا أوانه واما ان يا للتنبيه وويلنا مفعول مطلق لفعل محذوف وإنا إن واسمها وجملة كنا خبرها ونا اسم كان وظالمين خبرها. (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما سيقع عند إتيان ما أنذروه ونضع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والموازين مفعول به والقسط وصف الموازين وقد وصفت بنفس المصدر مبالغة من قسط إذا عدل وليوم القيامة متعلق بنضع واللام بمعنى «في» كقولهم مضى لسبيله وقيل يمعنى عند قال الزمخشري: «مثلها في قولك جئته لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة:
توسمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
ومعناه تتبعت رسومها وآثارها فعرفتها أي في تلك المواضع المذكورة في البيت قبله وقوله لستة أعوام أي تمام ستة أعوام مضت من عهدها وهذا العام الحاضر الذي نحن فيه هو السابع ولو قال لسبعة أعوام لأفاد أن السبعة كلها مضت وليس مرادا فقول بعضهم انه كان يكفيه أن يقول لسبعة أعوام فعجز عن إتمامه وكمله بما لا معنى له ولا وجه إلا عدم التبصر. فلا الفاء عاطفة وتظلم فعل مضارع مبني للمجهول ونفس نائب فاعل وشيئا مفعول مطلق أو مفعول ثان لتظلم.
(وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) الواو عاطفة وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسمها مستتر تقديره هو يعود على العمل ومثقال حبة خبر كان ومن خردل صفة لحبة وأتينا بها في محل جزم جواب الشرط وكفى الواو عاطفة وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد وحاسبين تمييز أو حال وأنث ضمير المثقال لأنه أضيف إلى الحبة وقد مرت قاعدته.
البلاغة:
1- وضع الظاهر موضع المضمر: في قوله تعالى: «قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ» فن لطيف يمكن تسميته وضع الظاهر موضع المضمر والفائدة منه التسجيل عليهم فقد كان مقتضى السياق أن يقول ولا يسمعون ولكنه صرح بالصم وتجاوز بالظاهر عن ضميره للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إن أنذروا، وللدلالة على صدور إنكار شديد وغضب عظيم وتعجب من نبو أسماعهم عن الوحي وعدم إصاختهم لما ينفعهم وإمعانهم في ركوب الغي والتعسف في متاهات الضلال وهذا فن عجيب تميز به القرآن الكريم وسيرد عليك الكثير من نماذجه.
2- اسناد الضمير إلى الله تعالى في قوله تعالى: «أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها» أسند سبحانه الضمير إلى نفسه تعظيما للمسلمين الذين أجرى على أيديهم الانتصار العظيم وافتتاح البلاد والأمصار وان عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها فأصله تأتي جيوش المسلمين ولكنه أسند الإتيان إلى نفسه تنويها بقدر المجاهدين وتعظيما لما أتوا به من جلائل الأعمال وناهيك بمن يعمل عملا ينسبه الله إلى نفسه ألا يصح فيه أن يكون مصداقا لقوله في حديثه «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها» إلى آخر الحديث القدسي.
3- مبالغات ثلاث:
وفي قوله تعالى: «وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا» ثلاث مبالغات:
آ- ذكر المس وهو أقل شيء بل هو شيء رفيق جدا فما بالك إذا انثال عليهم؟ أي يكفي للدلالة على ذلهم وهوان أمرهم ووهن عزيمتهم أن أقل مس يكفيهم ليذعنوا ويتطامنوا ويعلنوا ذلهم وخضوعهم والإقرار على أنفسهم بأنهم تصاموا وأعرضوا وقد رمق المتنبي سماء هذه المبالغة فقال في وصف قوم جبناء:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ب- وما في النفحة من معنى القلة والنزارة يقال: نفحته الدابة ونفحه بعطية.
ج- بناء المرة من النفح فمصدر المرة يأتي على فعلة أي نفحة واحدة لا ثاني لها تكفي لتشتيت أمرهم وتوهين كيانهم وتصدع صفوفهم فكيف إذا عززت بثانية أو ثالثة؟.
الفوائد:
مصدرا المرة والهيئة:
مصدر المرة هو ما يذكر لبيان عدد الفعل ويبنى من الثلاثي المجرّد على وزن فعلة بفتح الفاء وسكون العين مثل: وقفت وقفة ووقفتين ووقفات فإن كان الفعل فوق الثلاثي ألحقت بمصدره التاء مثل أكرمته إكرامة وفرّحته تفريحة وتدحرج تدحرجة إلا ان كان المصدر ملحقا في الأصل بالتاء فيذكر بعده ما يدلّ على العدد مثل رحمته رحمة واحدة وأقمت إقامة واحدة واستقمت استقامة واحدة.
أما مصدر النوع أو الهيئة فهو ما يذكر لبيان نوع الفعل وصفته نحو وقفت وقفة ويبنى من الثلاثي المجرد على وزن فعلة بكسر الفاء مثل عاش عيشة حسنة ومات ميتة سيئة وفلان حسن الجلسة وفلانة هادئة المشية فإن كان الفعل فوق الثلاثي يصير مصدره بالوصف مصدر نوع مثل أكرمته إكراما عظيما.
هذا وهنا تنبيه هام نبه عليه الشيخ أبو حيان وهو أن هذه التاء الدالة على المرة الواحدة لا تدخل على كل مصدر بل على المصادر الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس نحو قومة وضربة وقعدة وأكلة، وأما مصادر الأفعال الباطنة والخصال الجليلة الثابتة نحو الظرف والحسن والجبن والعلم فلا يقال من ذلك علمته علمة ولا فهمته فهمة ولا صبرته صبرة.
الأنبياء 21:44
اللغة:
(يَكْلَؤُكُمْ) : في المصباح: «كلأه الله يكلؤه مهموز بفتحتين من باب قطع كلاءة بالكسر والمد حفظه ويجوز التخفيف فيقال كليته أكلاه وكلئته أكلؤه من باب تعب لغة لقريش لكنهم قالوا: مكلوّ بالواو أكثر من مكليّ بالياء» وفي القاموس: «كلأ يكلأ بالفتح كلئا وكلاءة وكلاء بكسر الكاف الله فلانا حرسه وحفظه وكلأه بالسوط ضربه به وكلأ بصره في الشيء ردّده فيه وكلأ النجم متى يطلع: رعاه» وفي الأساس: «الله يكلؤك، وتداركه الله بكلاءته واكتلأت منه: احترست قال كعب بن زهير:
أنخت قلوصي واكتلأت بعينها ... وآمرت نفسي أيّ أمري أفعل
أي احترست بعينها لأنها إذا رأت شيئا ذعرت، وكلأ دينه كلوءا: تأخر فهو كالىء ونهي عن «بيع الكالئ بالكالئ» وكلّأته أنا تكلئة واستكلأت كلأة وتكلأت: استلفت سلفا وتقول: «إن الكلى تذيب شحم الكلى» جمع كلأة» .
(خَرْدَلٍ) : الخردل: نبات له حبّ صغير جدا أسود مقرح والواحدة خردلة ويقال خردل الطعام: أكل خياره وخردل اللحم قطع أعضاءه والخرادل القطع من اللحم.
الإعراب:
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته واللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق واستهزئ فعل ماض مبني للمجهول وبرسل قام مقام نائب الفاعل ومن قبلك نعت لرسل.
(فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة وحاق فعل ماض وبالذين متعلقان بحاق وجملة سخروا لا محل لها لأنها صلة الموصول ومنهم حال من فاعل سخروا وما فاعل حاق وجملة كانوا صلة الموصول وكان واسمها وبه متعلقان بقوله يستهزئون ويستهزئون جملة فعلية في محل نصب خبر كانوا. (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) من اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة يكلؤكم خبر والجملة مقول القول وبالليل متعلقان ييكلؤكم والنهار عطف على الليل ومن الرحمن أي من عذابه وأمره وهما متعلقان بيكلؤكم. (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وهم مبتدأ وعن ذكر ربهم متعلقان بمعرضون، ومعرضون خبر هم وهو إضراب عما تضمنه الكلام من النفي والتقدير ليس لهم كالىء ولا مانع غير الرحمن مع انهم لا يخطرونه في بالهم فضلا عن أن يخافوا بأسه وعذابه. (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا) أم حرف عطف وإضراب فهي بمعنى بل ولهم خبر مقدم وآلهة مبتدأ مؤخر وهمزة الاستفهام مقدرة والتقدير ألهم آلهة تمنعهم وجملة تمنعهم صفة لآلهة ومن دوننا صفة لآلهة أيضا.
(لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن من ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره ولا نافية ويستطيعون فعل مضارع وفاعل ونصر أنفسهم مفعول به ولا الواو عاطفة ولا نافية وهم مبتدأ ومنا متعلقان بيصحبون ويصحبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة يصحبون خبرهم، تقول العرب أنا لك صاحب من فلان أي مجير لك منه وتقول أيضا: صحبك الله أي حفظك وأجارك. (بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) بل حرف إضراب انتقالي ومتعنا فعل وفاعل وهؤلاء اسم اشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به وآباءهم عطف على هؤلاء وحتى حرف غاية وجر وطال فعل ماض وعليهم متعلقان بطال والعمر فاعل طال.
(أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر وقد تكرر هذا التعبير حتى لم يعد ثمة موجب لإعادته ولا نافية ويرون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يرون لأن الرؤية هنا علمية ويجوز أن تكون بصرية وان واسمها وجملة نأتي الأرض خبرها وجملة ننقصها من أطرافها حالية من فاعل نأتي أو من مفعوله أي نفتحها أرضا بعد أرض بما ينقص من أطراف المشركين ويزيد في أطراف المؤمنين وقد تقدم بسط هذا مفصلا في سورة الرعد فجدد به عهدا وسيأتي السر في اسناد الفعل إلى نفسه في باب البلاغة وقوله أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري التقريعي والفاء عاطفة على مقدر وهم مبتدأ والغالبون خبر (قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ) إنما كافة ومكفوفة وأنذركم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبالوحي متعلقان بأنذركم ولا يسمع الواو عاطفة ويجوز أن تكون حالية ولا نافية ويسمع الصم الدعاء فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وهي لمجرد الظرفية متعلقة بيسمع أي وقت إنذارهم، وما زائدة وينذرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة ينذرون في محل جر باضافة الظرف إليها وسيأتي تفصيل لهذه الآية في باب البلاغة.
(وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية ومستهم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به ونفحة فاعل والمراد بالنفحة القليل مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان ومنه قول النعمان بن بشير:
وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها وقال المبرد: النفحة الدفعة من الشيء التي دون معظمه يقال نفحه نفحة بالسيف إذا ضربه ضربة خفيفة، وقيل: هي النصيب، وقيل هي الطرف والمعنى متقارب أي ولئن مسهم أقل شيء من العذاب، ومن عذاب ربك صفة لنفحة، ليقولن اللام واقعة في جواب القسم لأنه سبق ويقولنّ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون للتوكيد ويا ويلنا إما نداء للويل ليحضر فهذا أوانه واما ان يا للتنبيه وويلنا مفعول مطلق لفعل محذوف وإنا إن واسمها وجملة كنا خبرها ونا اسم كان وظالمين خبرها. (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما سيقع عند إتيان ما أنذروه ونضع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والموازين مفعول به والقسط وصف الموازين وقد وصفت بنفس المصدر مبالغة من قسط إذا عدل وليوم القيامة متعلق بنضع واللام بمعنى «في» كقولهم مضى لسبيله وقيل يمعنى عند قال الزمخشري: «مثلها في قولك جئته لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة:
توسمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
ومعناه تتبعت رسومها وآثارها فعرفتها أي في تلك المواضع المذكورة في البيت قبله وقوله لستة أعوام أي تمام ستة أعوام مضت من عهدها وهذا العام الحاضر الذي نحن فيه هو السابع ولو قال لسبعة أعوام لأفاد أن السبعة كلها مضت وليس مرادا فقول بعضهم انه كان يكفيه أن يقول لسبعة أعوام فعجز عن إتمامه وكمله بما لا معنى له ولا وجه إلا عدم التبصر. فلا الفاء عاطفة وتظلم فعل مضارع مبني للمجهول ونفس نائب فاعل وشيئا مفعول مطلق أو مفعول ثان لتظلم.
(وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) الواو عاطفة وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسمها مستتر تقديره هو يعود على العمل ومثقال حبة خبر كان ومن خردل صفة لحبة وأتينا بها في محل جزم جواب الشرط وكفى الواو عاطفة وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد وحاسبين تمييز أو حال وأنث ضمير المثقال لأنه أضيف إلى الحبة وقد مرت قاعدته.
البلاغة:
1- وضع الظاهر موضع المضمر: في قوله تعالى: «قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ» فن لطيف يمكن تسميته وضع الظاهر موضع المضمر والفائدة منه التسجيل عليهم فقد كان مقتضى السياق أن يقول ولا يسمعون ولكنه صرح بالصم وتجاوز بالظاهر عن ضميره للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إن أنذروا، وللدلالة على صدور إنكار شديد وغضب عظيم وتعجب من نبو أسماعهم عن الوحي وعدم إصاختهم لما ينفعهم وإمعانهم في ركوب الغي والتعسف في متاهات الضلال وهذا فن عجيب تميز به القرآن الكريم وسيرد عليك الكثير من نماذجه.
2- اسناد الضمير إلى الله تعالى في قوله تعالى: «أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها» أسند سبحانه الضمير إلى نفسه تعظيما للمسلمين الذين أجرى على أيديهم الانتصار العظيم وافتتاح البلاد والأمصار وان عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها فأصله تأتي جيوش المسلمين ولكنه أسند الإتيان إلى نفسه تنويها بقدر المجاهدين وتعظيما لما أتوا به من جلائل الأعمال وناهيك بمن يعمل عملا ينسبه الله إلى نفسه ألا يصح فيه أن يكون مصداقا لقوله في حديثه «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها» إلى آخر الحديث القدسي.
3- مبالغات ثلاث:
وفي قوله تعالى: «وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا» ثلاث مبالغات:
آ- ذكر المس وهو أقل شيء بل هو شيء رفيق جدا فما بالك إذا انثال عليهم؟ أي يكفي للدلالة على ذلهم وهوان أمرهم ووهن عزيمتهم أن أقل مس يكفيهم ليذعنوا ويتطامنوا ويعلنوا ذلهم وخضوعهم والإقرار على أنفسهم بأنهم تصاموا وأعرضوا وقد رمق المتنبي سماء هذه المبالغة فقال في وصف قوم جبناء:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ب- وما في النفحة من معنى القلة والنزارة يقال: نفحته الدابة ونفحه بعطية.
ج- بناء المرة من النفح فمصدر المرة يأتي على فعلة أي نفحة واحدة لا ثاني لها تكفي لتشتيت أمرهم وتوهين كيانهم وتصدع صفوفهم فكيف إذا عززت بثانية أو ثالثة؟.
الفوائد:
مصدرا المرة والهيئة:
مصدر المرة هو ما يذكر لبيان عدد الفعل ويبنى من الثلاثي المجرّد على وزن فعلة بفتح الفاء وسكون العين مثل: وقفت وقفة ووقفتين ووقفات فإن كان الفعل فوق الثلاثي ألحقت بمصدره التاء مثل أكرمته إكرامة وفرّحته تفريحة وتدحرج تدحرجة إلا ان كان المصدر ملحقا في الأصل بالتاء فيذكر بعده ما يدلّ على العدد مثل رحمته رحمة واحدة وأقمت إقامة واحدة واستقمت استقامة واحدة.
أما مصدر النوع أو الهيئة فهو ما يذكر لبيان نوع الفعل وصفته نحو وقفت وقفة ويبنى من الثلاثي المجرد على وزن فعلة بكسر الفاء مثل عاش عيشة حسنة ومات ميتة سيئة وفلان حسن الجلسة وفلانة هادئة المشية فإن كان الفعل فوق الثلاثي يصير مصدره بالوصف مصدر نوع مثل أكرمته إكراما عظيما.
هذا وهنا تنبيه هام نبه عليه الشيخ أبو حيان وهو أن هذه التاء الدالة على المرة الواحدة لا تدخل على كل مصدر بل على المصادر الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس نحو قومة وضربة وقعدة وأكلة، وأما مصادر الأفعال الباطنة والخصال الجليلة الثابتة نحو الظرف والحسن والجبن والعلم فلا يقال من ذلك علمته علمة ولا فهمته فهمة ولا صبرته صبرة.
الأنبياء 21:45
اللغة:
(يَكْلَؤُكُمْ) : في المصباح: «كلأه الله يكلؤه مهموز بفتحتين من باب قطع كلاءة بالكسر والمد حفظه ويجوز التخفيف فيقال كليته أكلاه وكلئته أكلؤه من باب تعب لغة لقريش لكنهم قالوا: مكلوّ بالواو أكثر من مكليّ بالياء» وفي القاموس: «كلأ يكلأ بالفتح كلئا وكلاءة وكلاء بكسر الكاف الله فلانا حرسه وحفظه وكلأه بالسوط ضربه به وكلأ بصره في الشيء ردّده فيه وكلأ النجم متى يطلع: رعاه» وفي الأساس: «الله يكلؤك، وتداركه الله بكلاءته واكتلأت منه: احترست قال كعب بن زهير:
أنخت قلوصي واكتلأت بعينها ... وآمرت نفسي أيّ أمري أفعل
أي احترست بعينها لأنها إذا رأت شيئا ذعرت، وكلأ دينه كلوءا: تأخر فهو كالىء ونهي عن «بيع الكالئ بالكالئ» وكلّأته أنا تكلئة واستكلأت كلأة وتكلأت: استلفت سلفا وتقول: «إن الكلى تذيب شحم الكلى» جمع كلأة» .
(خَرْدَلٍ) : الخردل: نبات له حبّ صغير جدا أسود مقرح والواحدة خردلة ويقال خردل الطعام: أكل خياره وخردل اللحم قطع أعضاءه والخرادل القطع من اللحم.
الإعراب:
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته واللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق واستهزئ فعل ماض مبني للمجهول وبرسل قام مقام نائب الفاعل ومن قبلك نعت لرسل.
(فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة وحاق فعل ماض وبالذين متعلقان بحاق وجملة سخروا لا محل لها لأنها صلة الموصول ومنهم حال من فاعل سخروا وما فاعل حاق وجملة كانوا صلة الموصول وكان واسمها وبه متعلقان بقوله يستهزئون ويستهزئون جملة فعلية في محل نصب خبر كانوا. (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) من اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة يكلؤكم خبر والجملة مقول القول وبالليل متعلقان ييكلؤكم والنهار عطف على الليل ومن الرحمن أي من عذابه وأمره وهما متعلقان بيكلؤكم. (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وهم مبتدأ وعن ذكر ربهم متعلقان بمعرضون، ومعرضون خبر هم وهو إضراب عما تضمنه الكلام من النفي والتقدير ليس لهم كالىء ولا مانع غير الرحمن مع انهم لا يخطرونه في بالهم فضلا عن أن يخافوا بأسه وعذابه. (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا) أم حرف عطف وإضراب فهي بمعنى بل ولهم خبر مقدم وآلهة مبتدأ مؤخر وهمزة الاستفهام مقدرة والتقدير ألهم آلهة تمنعهم وجملة تمنعهم صفة لآلهة ومن دوننا صفة لآلهة أيضا.
(لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن من ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره ولا نافية ويستطيعون فعل مضارع وفاعل ونصر أنفسهم مفعول به ولا الواو عاطفة ولا نافية وهم مبتدأ ومنا متعلقان بيصحبون ويصحبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة يصحبون خبرهم، تقول العرب أنا لك صاحب من فلان أي مجير لك منه وتقول أيضا: صحبك الله أي حفظك وأجارك. (بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) بل حرف إضراب انتقالي ومتعنا فعل وفاعل وهؤلاء اسم اشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به وآباءهم عطف على هؤلاء وحتى حرف غاية وجر وطال فعل ماض وعليهم متعلقان بطال والعمر فاعل طال.
(أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر وقد تكرر هذا التعبير حتى لم يعد ثمة موجب لإعادته ولا نافية ويرون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يرون لأن الرؤية هنا علمية ويجوز أن تكون بصرية وان واسمها وجملة نأتي الأرض خبرها وجملة ننقصها من أطرافها حالية من فاعل نأتي أو من مفعوله أي نفتحها أرضا بعد أرض بما ينقص من أطراف المشركين ويزيد في أطراف المؤمنين وقد تقدم بسط هذا مفصلا في سورة الرعد فجدد به عهدا وسيأتي السر في اسناد الفعل إلى نفسه في باب البلاغة وقوله أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري التقريعي والفاء عاطفة على مقدر وهم مبتدأ والغالبون خبر (قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ) إنما كافة ومكفوفة وأنذركم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبالوحي متعلقان بأنذركم ولا يسمع الواو عاطفة ويجوز أن تكون حالية ولا نافية ويسمع الصم الدعاء فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وهي لمجرد الظرفية متعلقة بيسمع أي وقت إنذارهم، وما زائدة وينذرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة ينذرون في محل جر باضافة الظرف إليها وسيأتي تفصيل لهذه الآية في باب البلاغة.
(وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية ومستهم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به ونفحة فاعل والمراد بالنفحة القليل مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان ومنه قول النعمان بن بشير:
وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها وقال المبرد: النفحة الدفعة من الشيء التي دون معظمه يقال نفحه نفحة بالسيف إذا ضربه ضربة خفيفة، وقيل: هي النصيب، وقيل هي الطرف والمعنى متقارب أي ولئن مسهم أقل شيء من العذاب، ومن عذاب ربك صفة لنفحة، ليقولن اللام واقعة في جواب القسم لأنه سبق ويقولنّ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون للتوكيد ويا ويلنا إما نداء للويل ليحضر فهذا أوانه واما ان يا للتنبيه وويلنا مفعول مطلق لفعل محذوف وإنا إن واسمها وجملة كنا خبرها ونا اسم كان وظالمين خبرها. (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما سيقع عند إتيان ما أنذروه ونضع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والموازين مفعول به والقسط وصف الموازين وقد وصفت بنفس المصدر مبالغة من قسط إذا عدل وليوم القيامة متعلق بنضع واللام بمعنى «في» كقولهم مضى لسبيله وقيل يمعنى عند قال الزمخشري: «مثلها في قولك جئته لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة:
توسمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
ومعناه تتبعت رسومها وآثارها فعرفتها أي في تلك المواضع المذكورة في البيت قبله وقوله لستة أعوام أي تمام ستة أعوام مضت من عهدها وهذا العام الحاضر الذي نحن فيه هو السابع ولو قال لسبعة أعوام لأفاد أن السبعة كلها مضت وليس مرادا فقول بعضهم انه كان يكفيه أن يقول لسبعة أعوام فعجز عن إتمامه وكمله بما لا معنى له ولا وجه إلا عدم التبصر. فلا الفاء عاطفة وتظلم فعل مضارع مبني للمجهول ونفس نائب فاعل وشيئا مفعول مطلق أو مفعول ثان لتظلم.
(وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) الواو عاطفة وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسمها مستتر تقديره هو يعود على العمل ومثقال حبة خبر كان ومن خردل صفة لحبة وأتينا بها في محل جزم جواب الشرط وكفى الواو عاطفة وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد وحاسبين تمييز أو حال وأنث ضمير المثقال لأنه أضيف إلى الحبة وقد مرت قاعدته.
البلاغة:
1- وضع الظاهر موضع المضمر: في قوله تعالى: «قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ» فن لطيف يمكن تسميته وضع الظاهر موضع المضمر والفائدة منه التسجيل عليهم فقد كان مقتضى السياق أن يقول ولا يسمعون ولكنه صرح بالصم وتجاوز بالظاهر عن ضميره للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إن أنذروا، وللدلالة على صدور إنكار شديد وغضب عظيم وتعجب من نبو أسماعهم عن الوحي وعدم إصاختهم لما ينفعهم وإمعانهم في ركوب الغي والتعسف في متاهات الضلال وهذا فن عجيب تميز به القرآن الكريم وسيرد عليك الكثير من نماذجه.
2- اسناد الضمير إلى الله تعالى في قوله تعالى: «أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها» أسند سبحانه الضمير إلى نفسه تعظيما للمسلمين الذين أجرى على أيديهم الانتصار العظيم وافتتاح البلاد والأمصار وان عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها فأصله تأتي جيوش المسلمين ولكنه أسند الإتيان إلى نفسه تنويها بقدر المجاهدين وتعظيما لما أتوا به من جلائل الأعمال وناهيك بمن يعمل عملا ينسبه الله إلى نفسه ألا يصح فيه أن يكون مصداقا لقوله في حديثه «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها» إلى آخر الحديث القدسي.
3- مبالغات ثلاث:
وفي قوله تعالى: «وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا» ثلاث مبالغات:
آ- ذكر المس وهو أقل شيء بل هو شيء رفيق جدا فما بالك إذا انثال عليهم؟ أي يكفي للدلالة على ذلهم وهوان أمرهم ووهن عزيمتهم أن أقل مس يكفيهم ليذعنوا ويتطامنوا ويعلنوا ذلهم وخضوعهم والإقرار على أنفسهم بأنهم تصاموا وأعرضوا وقد رمق المتنبي سماء هذه المبالغة فقال في وصف قوم جبناء:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ب- وما في النفحة من معنى القلة والنزارة يقال: نفحته الدابة ونفحه بعطية.
ج- بناء المرة من النفح فمصدر المرة يأتي على فعلة أي نفحة واحدة لا ثاني لها تكفي لتشتيت أمرهم وتوهين كيانهم وتصدع صفوفهم فكيف إذا عززت بثانية أو ثالثة؟.
الفوائد:
مصدرا المرة والهيئة:
مصدر المرة هو ما يذكر لبيان عدد الفعل ويبنى من الثلاثي المجرّد على وزن فعلة بفتح الفاء وسكون العين مثل: وقفت وقفة ووقفتين ووقفات فإن كان الفعل فوق الثلاثي ألحقت بمصدره التاء مثل أكرمته إكرامة وفرّحته تفريحة وتدحرج تدحرجة إلا ان كان المصدر ملحقا في الأصل بالتاء فيذكر بعده ما يدلّ على العدد مثل رحمته رحمة واحدة وأقمت إقامة واحدة واستقمت استقامة واحدة.
أما مصدر النوع أو الهيئة فهو ما يذكر لبيان نوع الفعل وصفته نحو وقفت وقفة ويبنى من الثلاثي المجرد على وزن فعلة بكسر الفاء مثل عاش عيشة حسنة ومات ميتة سيئة وفلان حسن الجلسة وفلانة هادئة المشية فإن كان الفعل فوق الثلاثي يصير مصدره بالوصف مصدر نوع مثل أكرمته إكراما عظيما.
هذا وهنا تنبيه هام نبه عليه الشيخ أبو حيان وهو أن هذه التاء الدالة على المرة الواحدة لا تدخل على كل مصدر بل على المصادر الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس نحو قومة وضربة وقعدة وأكلة، وأما مصادر الأفعال الباطنة والخصال الجليلة الثابتة نحو الظرف والحسن والجبن والعلم فلا يقال من ذلك علمته علمة ولا فهمته فهمة ولا صبرته صبرة.
الأنبياء 21:46
اللغة:
(يَكْلَؤُكُمْ) : في المصباح: «كلأه الله يكلؤه مهموز بفتحتين من باب قطع كلاءة بالكسر والمد حفظه ويجوز التخفيف فيقال كليته أكلاه وكلئته أكلؤه من باب تعب لغة لقريش لكنهم قالوا: مكلوّ بالواو أكثر من مكليّ بالياء» وفي القاموس: «كلأ يكلأ بالفتح كلئا وكلاءة وكلاء بكسر الكاف الله فلانا حرسه وحفظه وكلأه بالسوط ضربه به وكلأ بصره في الشيء ردّده فيه وكلأ النجم متى يطلع: رعاه» وفي الأساس: «الله يكلؤك، وتداركه الله بكلاءته واكتلأت منه: احترست قال كعب بن زهير:
أنخت قلوصي واكتلأت بعينها ... وآمرت نفسي أيّ أمري أفعل
أي احترست بعينها لأنها إذا رأت شيئا ذعرت، وكلأ دينه كلوءا: تأخر فهو كالىء ونهي عن «بيع الكالئ بالكالئ» وكلّأته أنا تكلئة واستكلأت كلأة وتكلأت: استلفت سلفا وتقول: «إن الكلى تذيب شحم الكلى» جمع كلأة» .
(خَرْدَلٍ) : الخردل: نبات له حبّ صغير جدا أسود مقرح والواحدة خردلة ويقال خردل الطعام: أكل خياره وخردل اللحم قطع أعضاءه والخرادل القطع من اللحم.
الإعراب:
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته واللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق واستهزئ فعل ماض مبني للمجهول وبرسل قام مقام نائب الفاعل ومن قبلك نعت لرسل.
(فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة وحاق فعل ماض وبالذين متعلقان بحاق وجملة سخروا لا محل لها لأنها صلة الموصول ومنهم حال من فاعل سخروا وما فاعل حاق وجملة كانوا صلة الموصول وكان واسمها وبه متعلقان بقوله يستهزئون ويستهزئون جملة فعلية في محل نصب خبر كانوا. (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) من اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة يكلؤكم خبر والجملة مقول القول وبالليل متعلقان ييكلؤكم والنهار عطف على الليل ومن الرحمن أي من عذابه وأمره وهما متعلقان بيكلؤكم. (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وهم مبتدأ وعن ذكر ربهم متعلقان بمعرضون، ومعرضون خبر هم وهو إضراب عما تضمنه الكلام من النفي والتقدير ليس لهم كالىء ولا مانع غير الرحمن مع انهم لا يخطرونه في بالهم فضلا عن أن يخافوا بأسه وعذابه. (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا) أم حرف عطف وإضراب فهي بمعنى بل ولهم خبر مقدم وآلهة مبتدأ مؤخر وهمزة الاستفهام مقدرة والتقدير ألهم آلهة تمنعهم وجملة تمنعهم صفة لآلهة ومن دوننا صفة لآلهة أيضا.
(لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن من ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره ولا نافية ويستطيعون فعل مضارع وفاعل ونصر أنفسهم مفعول به ولا الواو عاطفة ولا نافية وهم مبتدأ ومنا متعلقان بيصحبون ويصحبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة يصحبون خبرهم، تقول العرب أنا لك صاحب من فلان أي مجير لك منه وتقول أيضا: صحبك الله أي حفظك وأجارك. (بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) بل حرف إضراب انتقالي ومتعنا فعل وفاعل وهؤلاء اسم اشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به وآباءهم عطف على هؤلاء وحتى حرف غاية وجر وطال فعل ماض وعليهم متعلقان بطال والعمر فاعل طال.
(أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر وقد تكرر هذا التعبير حتى لم يعد ثمة موجب لإعادته ولا نافية ويرون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يرون لأن الرؤية هنا علمية ويجوز أن تكون بصرية وان واسمها وجملة نأتي الأرض خبرها وجملة ننقصها من أطرافها حالية من فاعل نأتي أو من مفعوله أي نفتحها أرضا بعد أرض بما ينقص من أطراف المشركين ويزيد في أطراف المؤمنين وقد تقدم بسط هذا مفصلا في سورة الرعد فجدد به عهدا وسيأتي السر في اسناد الفعل إلى نفسه في باب البلاغة وقوله أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري التقريعي والفاء عاطفة على مقدر وهم مبتدأ والغالبون خبر (قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ) إنما كافة ومكفوفة وأنذركم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبالوحي متعلقان بأنذركم ولا يسمع الواو عاطفة ويجوز أن تكون حالية ولا نافية ويسمع الصم الدعاء فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وهي لمجرد الظرفية متعلقة بيسمع أي وقت إنذارهم، وما زائدة وينذرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة ينذرون في محل جر باضافة الظرف إليها وسيأتي تفصيل لهذه الآية في باب البلاغة.
(وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية ومستهم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به ونفحة فاعل والمراد بالنفحة القليل مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان ومنه قول النعمان بن بشير:
وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها وقال المبرد: النفحة الدفعة من الشيء التي دون معظمه يقال نفحه نفحة بالسيف إذا ضربه ضربة خفيفة، وقيل: هي النصيب، وقيل هي الطرف والمعنى متقارب أي ولئن مسهم أقل شيء من العذاب، ومن عذاب ربك صفة لنفحة، ليقولن اللام واقعة في جواب القسم لأنه سبق ويقولنّ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون للتوكيد ويا ويلنا إما نداء للويل ليحضر فهذا أوانه واما ان يا للتنبيه وويلنا مفعول مطلق لفعل محذوف وإنا إن واسمها وجملة كنا خبرها ونا اسم كان وظالمين خبرها. (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما سيقع عند إتيان ما أنذروه ونضع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والموازين مفعول به والقسط وصف الموازين وقد وصفت بنفس المصدر مبالغة من قسط إذا عدل وليوم القيامة متعلق بنضع واللام بمعنى «في» كقولهم مضى لسبيله وقيل يمعنى عند قال الزمخشري: «مثلها في قولك جئته لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة:
توسمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
ومعناه تتبعت رسومها وآثارها فعرفتها أي في تلك المواضع المذكورة في البيت قبله وقوله لستة أعوام أي تمام ستة أعوام مضت من عهدها وهذا العام الحاضر الذي نحن فيه هو السابع ولو قال لسبعة أعوام لأفاد أن السبعة كلها مضت وليس مرادا فقول بعضهم انه كان يكفيه أن يقول لسبعة أعوام فعجز عن إتمامه وكمله بما لا معنى له ولا وجه إلا عدم التبصر. فلا الفاء عاطفة وتظلم فعل مضارع مبني للمجهول ونفس نائب فاعل وشيئا مفعول مطلق أو مفعول ثان لتظلم.
(وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) الواو عاطفة وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسمها مستتر تقديره هو يعود على العمل ومثقال حبة خبر كان ومن خردل صفة لحبة وأتينا بها في محل جزم جواب الشرط وكفى الواو عاطفة وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد وحاسبين تمييز أو حال وأنث ضمير المثقال لأنه أضيف إلى الحبة وقد مرت قاعدته.
البلاغة:
1- وضع الظاهر موضع المضمر: في قوله تعالى: «قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ» فن لطيف يمكن تسميته وضع الظاهر موضع المضمر والفائدة منه التسجيل عليهم فقد كان مقتضى السياق أن يقول ولا يسمعون ولكنه صرح بالصم وتجاوز بالظاهر عن ضميره للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إن أنذروا، وللدلالة على صدور إنكار شديد وغضب عظيم وتعجب من نبو أسماعهم عن الوحي وعدم إصاختهم لما ينفعهم وإمعانهم في ركوب الغي والتعسف في متاهات الضلال وهذا فن عجيب تميز به القرآن الكريم وسيرد عليك الكثير من نماذجه.
2- اسناد الضمير إلى الله تعالى في قوله تعالى: «أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها» أسند سبحانه الضمير إلى نفسه تعظيما للمسلمين الذين أجرى على أيديهم الانتصار العظيم وافتتاح البلاد والأمصار وان عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها فأصله تأتي جيوش المسلمين ولكنه أسند الإتيان إلى نفسه تنويها بقدر المجاهدين وتعظيما لما أتوا به من جلائل الأعمال وناهيك بمن يعمل عملا ينسبه الله إلى نفسه ألا يصح فيه أن يكون مصداقا لقوله في حديثه «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها» إلى آخر الحديث القدسي.
3- مبالغات ثلاث:
وفي قوله تعالى: «وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا» ثلاث مبالغات:
آ- ذكر المس وهو أقل شيء بل هو شيء رفيق جدا فما بالك إذا انثال عليهم؟ أي يكفي للدلالة على ذلهم وهوان أمرهم ووهن عزيمتهم أن أقل مس يكفيهم ليذعنوا ويتطامنوا ويعلنوا ذلهم وخضوعهم والإقرار على أنفسهم بأنهم تصاموا وأعرضوا وقد رمق المتنبي سماء هذه المبالغة فقال في وصف قوم جبناء:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ب- وما في النفحة من معنى القلة والنزارة يقال: نفحته الدابة ونفحه بعطية.
ج- بناء المرة من النفح فمصدر المرة يأتي على فعلة أي نفحة واحدة لا ثاني لها تكفي لتشتيت أمرهم وتوهين كيانهم وتصدع صفوفهم فكيف إذا عززت بثانية أو ثالثة؟.
الفوائد:
مصدرا المرة والهيئة:
مصدر المرة هو ما يذكر لبيان عدد الفعل ويبنى من الثلاثي المجرّد على وزن فعلة بفتح الفاء وسكون العين مثل: وقفت وقفة ووقفتين ووقفات فإن كان الفعل فوق الثلاثي ألحقت بمصدره التاء مثل أكرمته إكرامة وفرّحته تفريحة وتدحرج تدحرجة إلا ان كان المصدر ملحقا في الأصل بالتاء فيذكر بعده ما يدلّ على العدد مثل رحمته رحمة واحدة وأقمت إقامة واحدة واستقمت استقامة واحدة.
أما مصدر النوع أو الهيئة فهو ما يذكر لبيان نوع الفعل وصفته نحو وقفت وقفة ويبنى من الثلاثي المجرد على وزن فعلة بكسر الفاء مثل عاش عيشة حسنة ومات ميتة سيئة وفلان حسن الجلسة وفلانة هادئة المشية فإن كان الفعل فوق الثلاثي يصير مصدره بالوصف مصدر نوع مثل أكرمته إكراما عظيما.
هذا وهنا تنبيه هام نبه عليه الشيخ أبو حيان وهو أن هذه التاء الدالة على المرة الواحدة لا تدخل على كل مصدر بل على المصادر الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس نحو قومة وضربة وقعدة وأكلة، وأما مصادر الأفعال الباطنة والخصال الجليلة الثابتة نحو الظرف والحسن والجبن والعلم فلا يقال من ذلك علمته علمة ولا فهمته فهمة ولا صبرته صبرة.
الأنبياء 21:47
اللغة:
(يَكْلَؤُكُمْ) : في المصباح: «كلأه الله يكلؤه مهموز بفتحتين من باب قطع كلاءة بالكسر والمد حفظه ويجوز التخفيف فيقال كليته أكلاه وكلئته أكلؤه من باب تعب لغة لقريش لكنهم قالوا: مكلوّ بالواو أكثر من مكليّ بالياء» وفي القاموس: «كلأ يكلأ بالفتح كلئا وكلاءة وكلاء بكسر الكاف الله فلانا حرسه وحفظه وكلأه بالسوط ضربه به وكلأ بصره في الشيء ردّده فيه وكلأ النجم متى يطلع: رعاه» وفي الأساس: «الله يكلؤك، وتداركه الله بكلاءته واكتلأت منه: احترست قال كعب بن زهير:
أنخت قلوصي واكتلأت بعينها ... وآمرت نفسي أيّ أمري أفعل
أي احترست بعينها لأنها إذا رأت شيئا ذعرت، وكلأ دينه كلوءا: تأخر فهو كالىء ونهي عن «بيع الكالئ بالكالئ» وكلّأته أنا تكلئة واستكلأت كلأة وتكلأت: استلفت سلفا وتقول: «إن الكلى تذيب شحم الكلى» جمع كلأة» .
(خَرْدَلٍ) : الخردل: نبات له حبّ صغير جدا أسود مقرح والواحدة خردلة ويقال خردل الطعام: أكل خياره وخردل اللحم قطع أعضاءه والخرادل القطع من اللحم.
الإعراب:
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته واللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق واستهزئ فعل ماض مبني للمجهول وبرسل قام مقام نائب الفاعل ومن قبلك نعت لرسل.
(فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة وحاق فعل ماض وبالذين متعلقان بحاق وجملة سخروا لا محل لها لأنها صلة الموصول ومنهم حال من فاعل سخروا وما فاعل حاق وجملة كانوا صلة الموصول وكان واسمها وبه متعلقان بقوله يستهزئون ويستهزئون جملة فعلية في محل نصب خبر كانوا. (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) من اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة يكلؤكم خبر والجملة مقول القول وبالليل متعلقان ييكلؤكم والنهار عطف على الليل ومن الرحمن أي من عذابه وأمره وهما متعلقان بيكلؤكم. (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وهم مبتدأ وعن ذكر ربهم متعلقان بمعرضون، ومعرضون خبر هم وهو إضراب عما تضمنه الكلام من النفي والتقدير ليس لهم كالىء ولا مانع غير الرحمن مع انهم لا يخطرونه في بالهم فضلا عن أن يخافوا بأسه وعذابه. (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا) أم حرف عطف وإضراب فهي بمعنى بل ولهم خبر مقدم وآلهة مبتدأ مؤخر وهمزة الاستفهام مقدرة والتقدير ألهم آلهة تمنعهم وجملة تمنعهم صفة لآلهة ومن دوننا صفة لآلهة أيضا.
(لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن من ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره ولا نافية ويستطيعون فعل مضارع وفاعل ونصر أنفسهم مفعول به ولا الواو عاطفة ولا نافية وهم مبتدأ ومنا متعلقان بيصحبون ويصحبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة يصحبون خبرهم، تقول العرب أنا لك صاحب من فلان أي مجير لك منه وتقول أيضا: صحبك الله أي حفظك وأجارك. (بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) بل حرف إضراب انتقالي ومتعنا فعل وفاعل وهؤلاء اسم اشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به وآباءهم عطف على هؤلاء وحتى حرف غاية وجر وطال فعل ماض وعليهم متعلقان بطال والعمر فاعل طال.
(أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر وقد تكرر هذا التعبير حتى لم يعد ثمة موجب لإعادته ولا نافية ويرون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يرون لأن الرؤية هنا علمية ويجوز أن تكون بصرية وان واسمها وجملة نأتي الأرض خبرها وجملة ننقصها من أطرافها حالية من فاعل نأتي أو من مفعوله أي نفتحها أرضا بعد أرض بما ينقص من أطراف المشركين ويزيد في أطراف المؤمنين وقد تقدم بسط هذا مفصلا في سورة الرعد فجدد به عهدا وسيأتي السر في اسناد الفعل إلى نفسه في باب البلاغة وقوله أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري التقريعي والفاء عاطفة على مقدر وهم مبتدأ والغالبون خبر (قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ) إنما كافة ومكفوفة وأنذركم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبالوحي متعلقان بأنذركم ولا يسمع الواو عاطفة ويجوز أن تكون حالية ولا نافية ويسمع الصم الدعاء فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وهي لمجرد الظرفية متعلقة بيسمع أي وقت إنذارهم، وما زائدة وينذرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة ينذرون في محل جر باضافة الظرف إليها وسيأتي تفصيل لهذه الآية في باب البلاغة.
(وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية ومستهم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به ونفحة فاعل والمراد بالنفحة القليل مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان ومنه قول النعمان بن بشير:
وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها وقال المبرد: النفحة الدفعة من الشيء التي دون معظمه يقال نفحه نفحة بالسيف إذا ضربه ضربة خفيفة، وقيل: هي النصيب، وقيل هي الطرف والمعنى متقارب أي ولئن مسهم أقل شيء من العذاب، ومن عذاب ربك صفة لنفحة، ليقولن اللام واقعة في جواب القسم لأنه سبق ويقولنّ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون للتوكيد ويا ويلنا إما نداء للويل ليحضر فهذا أوانه واما ان يا للتنبيه وويلنا مفعول مطلق لفعل محذوف وإنا إن واسمها وجملة كنا خبرها ونا اسم كان وظالمين خبرها. (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما سيقع عند إتيان ما أنذروه ونضع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والموازين مفعول به والقسط وصف الموازين وقد وصفت بنفس المصدر مبالغة من قسط إذا عدل وليوم القيامة متعلق بنضع واللام بمعنى «في» كقولهم مضى لسبيله وقيل يمعنى عند قال الزمخشري: «مثلها في قولك جئته لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة:
توسمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
ومعناه تتبعت رسومها وآثارها فعرفتها أي في تلك المواضع المذكورة في البيت قبله وقوله لستة أعوام أي تمام ستة أعوام مضت من عهدها وهذا العام الحاضر الذي نحن فيه هو السابع ولو قال لسبعة أعوام لأفاد أن السبعة كلها مضت وليس مرادا فقول بعضهم انه كان يكفيه أن يقول لسبعة أعوام فعجز عن إتمامه وكمله بما لا معنى له ولا وجه إلا عدم التبصر. فلا الفاء عاطفة وتظلم فعل مضارع مبني للمجهول ونفس نائب فاعل وشيئا مفعول مطلق أو مفعول ثان لتظلم.
(وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) الواو عاطفة وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسمها مستتر تقديره هو يعود على العمل ومثقال حبة خبر كان ومن خردل صفة لحبة وأتينا بها في محل جزم جواب الشرط وكفى الواو عاطفة وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد وحاسبين تمييز أو حال وأنث ضمير المثقال لأنه أضيف إلى الحبة وقد مرت قاعدته.
البلاغة:
1- وضع الظاهر موضع المضمر: في قوله تعالى: «قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ» فن لطيف يمكن تسميته وضع الظاهر موضع المضمر والفائدة منه التسجيل عليهم فقد كان مقتضى السياق أن يقول ولا يسمعون ولكنه صرح بالصم وتجاوز بالظاهر عن ضميره للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إن أنذروا، وللدلالة على صدور إنكار شديد وغضب عظيم وتعجب من نبو أسماعهم عن الوحي وعدم إصاختهم لما ينفعهم وإمعانهم في ركوب الغي والتعسف في متاهات الضلال وهذا فن عجيب تميز به القرآن الكريم وسيرد عليك الكثير من نماذجه.
2- اسناد الضمير إلى الله تعالى في قوله تعالى: «أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها» أسند سبحانه الضمير إلى نفسه تعظيما للمسلمين الذين أجرى على أيديهم الانتصار العظيم وافتتاح البلاد والأمصار وان عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها فأصله تأتي جيوش المسلمين ولكنه أسند الإتيان إلى نفسه تنويها بقدر المجاهدين وتعظيما لما أتوا به من جلائل الأعمال وناهيك بمن يعمل عملا ينسبه الله إلى نفسه ألا يصح فيه أن يكون مصداقا لقوله في حديثه «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها» إلى آخر الحديث القدسي.
3- مبالغات ثلاث:
وفي قوله تعالى: «وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا» ثلاث مبالغات:
آ- ذكر المس وهو أقل شيء بل هو شيء رفيق جدا فما بالك إذا انثال عليهم؟ أي يكفي للدلالة على ذلهم وهوان أمرهم ووهن عزيمتهم أن أقل مس يكفيهم ليذعنوا ويتطامنوا ويعلنوا ذلهم وخضوعهم والإقرار على أنفسهم بأنهم تصاموا وأعرضوا وقد رمق المتنبي سماء هذه المبالغة فقال في وصف قوم جبناء:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ب- وما في النفحة من معنى القلة والنزارة يقال: نفحته الدابة ونفحه بعطية.
ج- بناء المرة من النفح فمصدر المرة يأتي على فعلة أي نفحة واحدة لا ثاني لها تكفي لتشتيت أمرهم وتوهين كيانهم وتصدع صفوفهم فكيف إذا عززت بثانية أو ثالثة؟.
الفوائد:
مصدرا المرة والهيئة:
مصدر المرة هو ما يذكر لبيان عدد الفعل ويبنى من الثلاثي المجرّد على وزن فعلة بفتح الفاء وسكون العين مثل: وقفت وقفة ووقفتين ووقفات فإن كان الفعل فوق الثلاثي ألحقت بمصدره التاء مثل أكرمته إكرامة وفرّحته تفريحة وتدحرج تدحرجة إلا ان كان المصدر ملحقا في الأصل بالتاء فيذكر بعده ما يدلّ على العدد مثل رحمته رحمة واحدة وأقمت إقامة واحدة واستقمت استقامة واحدة.
أما مصدر النوع أو الهيئة فهو ما يذكر لبيان نوع الفعل وصفته نحو وقفت وقفة ويبنى من الثلاثي المجرد على وزن فعلة بكسر الفاء مثل عاش عيشة حسنة ومات ميتة سيئة وفلان حسن الجلسة وفلانة هادئة المشية فإن كان الفعل فوق الثلاثي يصير مصدره بالوصف مصدر نوع مثل أكرمته إكراما عظيما.
هذا وهنا تنبيه هام نبه عليه الشيخ أبو حيان وهو أن هذه التاء الدالة على المرة الواحدة لا تدخل على كل مصدر بل على المصادر الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس نحو قومة وضربة وقعدة وأكلة، وأما مصادر الأفعال الباطنة والخصال الجليلة الثابتة نحو الظرف والحسن والجبن والعلم فلا يقال من ذلك علمته علمة ولا فهمته فهمة ولا صبرته صبرة.
الأنبياء 21:48
اللغة:
(التَّماثِيلُ) : جمع تمثال بكسر التاء أي الصورة المصورة أو ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله من ذوات الروح والصورة وهذا الوزن فيه زائدان أحدهما قبل الفاء والآخر قبل اللام وقد جاء اسما وصفة. فالاسم تمثال للصورة ويجمع على تماثيل وقالوا تجفاف وتبيان فالتجفاف واحد تجافيف الفرس وهو ما يلبس عند الحرب والزينة وتبيان بمعنى البيان فمنهم من يجعله مصدرا من قبيل الشاذ لأن المصادر إنما تجيء على تفعال بالفتح نحو التلعاب والتهدار ولم يجيء بالكسر إلا تبيان وتلقاء، وسيبويه يجعلهما من الأسماء التي وضعت موضع المصادر كالغارة وضعت موضع الإغارة. وقال غير واحد من علماء اللغة: التمثال هو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق الآدمي.
الإعراب:
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يكابده من قومه وتقوية لقلبه وحفزا لاستدامته في تأدية الرسالة وذكر منها في هذه السورة عشر قصص وستأتي. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وموسى مفعول به وهارون معطوف على موسى والفرقان مفعول به ثان وضياء عطف على الفرقان وذكرا عطف على ضياء وللمتقين متعلقان بضياء وعطف الصفات جائز فهو من هذا الوادي واختار الزمخشري أن يعرب حالا وعامله محذوف دل عليه ما قبله وقدره: وآتينا به ضياء، أما ما ارتآه بعضهم من أن الواو زائدة وضياء حال من الفرقان فهذا مجرد تحكم لا نتردد في رده.
(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) الذين اسم موصول في محل جر صفة للمتقين ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف أي هم الذين وجملة يخشون صلة والواو فاعل وربهم مفعول به وبالغيب حال من الفاعل في يخشون وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومن الساعة جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم وسيأتي سر التعبير بالاسمية في باب البلاغة. (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لخطاب أهل مكة ومحاورتهم حول القرآن الكريم الذي أنزل بلسانهم، وهذا مبتدأ وذكر خبر ومبارك صفة وجملة أنزلناه صفة لذكر وهو فعل وفاعل ومفعول به والهمزة للاستفهام التوبيخي لأنه خطاب للعرب وهم أهل اللسان العربي ومعادن الفصاحة فما أجدرهم باكتناه أسرار القرآن وإدراك بلاغته والفاء عاطفة على محذوف وأنتم مبتدأ وله متعلقان بمنكرون ومنكرون خبر أنتم. (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به أول ورشده مفعول به ثان ومن قبل حال أي من قبل موسى وهارون وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وبه متعلقان بعالمين وعالمين خبر كنا. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ؟) الظرف متعلق بفعل محذوف أي اذكر ولك أن تعلقه بعالمين وعلقه الزمخشري بآتينا أو برشده أيضا وليس ثمة ما يمنع من ذلك وجملة قال مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال وقومه عطف على لأبيه، وما اسم استفهام مبتدأ وهذه خبر والتماثيل بدل من اسم الاشارة والتي صفة وجملة أنتم لها عاكفون صلة الموصول وأنتم مبتدأ وعاكفون خبر ولها متعلقان بعاكفون وسيأتي السر في عدوله عن القول عليها عاكفون إلى لها عاكفون في باب البلاغة. (قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) قالوا فعل وفاعل ووجدنا فعل وفاعل والجملة مقول القول وآباءنا مفعول وجدنا الأول ولها متعلقان بعابدين وعابدين مفعول وجدنا الثاني. (قالَ: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وكنتم كان واسمها وأنتم تأكيد للتاء وآباؤكم عطف على التاء وفي ضلال خبر كنتم ومبين صفة لضلال. (قالُوا: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) الهمزة للاستفهام وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وبالحق متعلقان بجئتنا وأم حرف عطف معادل للهمزة وأنت مبتدأ ومن اللاعبين خبره.
البلاغة:
1- العدول عن الفعلية إلى الاسمية: في قوله تعالى: «وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ» عدول عن الخطاب بالجملة الفعلية كما هو مقتضى السياق إلى الخطاب بالجملة الاسمية وانما يعدل عن أحد الخطابين وإن كان السياق يقتضيه لضرب من التأكيد والمبالغة وقد جيء بها هنا تنويها بالخاص بعد العام فالخشية من الله ملازمة لهم ولكنها من الساعة أكثر ملازمة وأشد امتلاكا لقلوبهم وأسرا لجوارحهم، ما يريمون عن تذكرها، وتفادي كل ذنب خشية مواجهتها بما هم فيه، وأمر ثان هو الديمومة والاستمرار اللذان تفيدهما الجملة الاسمية أكثر مما تفيدهما الجملة الفعلية التي تتوزع على الأزمنة.
2- في قوله تعالى: «ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ» عدول عن «على» التي يتعدى فعل العكوف بها ولكنه أم يقصد التعدية ولو قصد التعدية لقال عليها ولكنه عدل عنها إلى اللام لأنه قصد من العكوف معنى العبادة ليجيبوه بقولهم «وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ» وانهم لا ينفكون عن التقليد الأعمى وفي ذلك ما فيه من التنديد بالتقليد والقول بغير برهان والانجرار إلى ما عليه آباؤهم ولو بالأرسان، وكفى أهل التقليد سبة أن عبدة الأوثان والأصنام منهم وقيل إن اللام بمعنى على وقد نص النحاة على مجيئها بمعنى على ولكن تفوت بذلك النكتة التي ألمعنا إليها فالأولى بقاؤها على بابها من الاختصاص الذي هو معنى رئيسي للام.
3- خولف بين الجملتين في الآية «قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ» لملاحظة تجدد في إحداهما فبرزت في صورة الفعلية وثبات في الأخرى فبرزت في صورة الاسمية والمعنى: أحدثت عندنا الإتيان بالحق وهو التوحيد فيما نسمعه منك أم أنت على ما كنت عليه من اللعب منذ أيام الصبا وأرادوا بالتجدد في الجملة الاولى أن التوحيد أمر محدث مخترع وبالثبات في الثانية أنه على عادتهم المستمرة من اللعب تحقيرا له، وما أقبح ضلالهم في تقليد آبائهم في عبادة جماد هو دونهم في الرتبة حيث ينحتونها بأيديهم ثم يعفرون وجوههم وجباههم دونها.
الأنبياء 21:49
اللغة:
(التَّماثِيلُ) : جمع تمثال بكسر التاء أي الصورة المصورة أو ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله من ذوات الروح والصورة وهذا الوزن فيه زائدان أحدهما قبل الفاء والآخر قبل اللام وقد جاء اسما وصفة. فالاسم تمثال للصورة ويجمع على تماثيل وقالوا تجفاف وتبيان فالتجفاف واحد تجافيف الفرس وهو ما يلبس عند الحرب والزينة وتبيان بمعنى البيان فمنهم من يجعله مصدرا من قبيل الشاذ لأن المصادر إنما تجيء على تفعال بالفتح نحو التلعاب والتهدار ولم يجيء بالكسر إلا تبيان وتلقاء، وسيبويه يجعلهما من الأسماء التي وضعت موضع المصادر كالغارة وضعت موضع الإغارة. وقال غير واحد من علماء اللغة: التمثال هو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق الآدمي.
الإعراب:
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يكابده من قومه وتقوية لقلبه وحفزا لاستدامته في تأدية الرسالة وذكر منها في هذه السورة عشر قصص وستأتي. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وموسى مفعول به وهارون معطوف على موسى والفرقان مفعول به ثان وضياء عطف على الفرقان وذكرا عطف على ضياء وللمتقين متعلقان بضياء وعطف الصفات جائز فهو من هذا الوادي واختار الزمخشري أن يعرب حالا وعامله محذوف دل عليه ما قبله وقدره: وآتينا به ضياء، أما ما ارتآه بعضهم من أن الواو زائدة وضياء حال من الفرقان فهذا مجرد تحكم لا نتردد في رده.
(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) الذين اسم موصول في محل جر صفة للمتقين ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف أي هم الذين وجملة يخشون صلة والواو فاعل وربهم مفعول به وبالغيب حال من الفاعل في يخشون وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومن الساعة جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم وسيأتي سر التعبير بالاسمية في باب البلاغة. (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لخطاب أهل مكة ومحاورتهم حول القرآن الكريم الذي أنزل بلسانهم، وهذا مبتدأ وذكر خبر ومبارك صفة وجملة أنزلناه صفة لذكر وهو فعل وفاعل ومفعول به والهمزة للاستفهام التوبيخي لأنه خطاب للعرب وهم أهل اللسان العربي ومعادن الفصاحة فما أجدرهم باكتناه أسرار القرآن وإدراك بلاغته والفاء عاطفة على محذوف وأنتم مبتدأ وله متعلقان بمنكرون ومنكرون خبر أنتم. (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به أول ورشده مفعول به ثان ومن قبل حال أي من قبل موسى وهارون وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وبه متعلقان بعالمين وعالمين خبر كنا. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ؟) الظرف متعلق بفعل محذوف أي اذكر ولك أن تعلقه بعالمين وعلقه الزمخشري بآتينا أو برشده أيضا وليس ثمة ما يمنع من ذلك وجملة قال مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال وقومه عطف على لأبيه، وما اسم استفهام مبتدأ وهذه خبر والتماثيل بدل من اسم الاشارة والتي صفة وجملة أنتم لها عاكفون صلة الموصول وأنتم مبتدأ وعاكفون خبر ولها متعلقان بعاكفون وسيأتي السر في عدوله عن القول عليها عاكفون إلى لها عاكفون في باب البلاغة. (قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) قالوا فعل وفاعل ووجدنا فعل وفاعل والجملة مقول القول وآباءنا مفعول وجدنا الأول ولها متعلقان بعابدين وعابدين مفعول وجدنا الثاني. (قالَ: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وكنتم كان واسمها وأنتم تأكيد للتاء وآباؤكم عطف على التاء وفي ضلال خبر كنتم ومبين صفة لضلال. (قالُوا: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) الهمزة للاستفهام وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وبالحق متعلقان بجئتنا وأم حرف عطف معادل للهمزة وأنت مبتدأ ومن اللاعبين خبره.
البلاغة:
1- العدول عن الفعلية إلى الاسمية: في قوله تعالى: «وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ» عدول عن الخطاب بالجملة الفعلية كما هو مقتضى السياق إلى الخطاب بالجملة الاسمية وانما يعدل عن أحد الخطابين وإن كان السياق يقتضيه لضرب من التأكيد والمبالغة وقد جيء بها هنا تنويها بالخاص بعد العام فالخشية من الله ملازمة لهم ولكنها من الساعة أكثر ملازمة وأشد امتلاكا لقلوبهم وأسرا لجوارحهم، ما يريمون عن تذكرها، وتفادي كل ذنب خشية مواجهتها بما هم فيه، وأمر ثان هو الديمومة والاستمرار اللذان تفيدهما الجملة الاسمية أكثر مما تفيدهما الجملة الفعلية التي تتوزع على الأزمنة.
2- في قوله تعالى: «ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ» عدول عن «على» التي يتعدى فعل العكوف بها ولكنه أم يقصد التعدية ولو قصد التعدية لقال عليها ولكنه عدل عنها إلى اللام لأنه قصد من العكوف معنى العبادة ليجيبوه بقولهم «وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ» وانهم لا ينفكون عن التقليد الأعمى وفي ذلك ما فيه من التنديد بالتقليد والقول بغير برهان والانجرار إلى ما عليه آباؤهم ولو بالأرسان، وكفى أهل التقليد سبة أن عبدة الأوثان والأصنام منهم وقيل إن اللام بمعنى على وقد نص النحاة على مجيئها بمعنى على ولكن تفوت بذلك النكتة التي ألمعنا إليها فالأولى بقاؤها على بابها من الاختصاص الذي هو معنى رئيسي للام.
3- خولف بين الجملتين في الآية «قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ» لملاحظة تجدد في إحداهما فبرزت في صورة الفعلية وثبات في الأخرى فبرزت في صورة الاسمية والمعنى: أحدثت عندنا الإتيان بالحق وهو التوحيد فيما نسمعه منك أم أنت على ما كنت عليه من اللعب منذ أيام الصبا وأرادوا بالتجدد في الجملة الاولى أن التوحيد أمر محدث مخترع وبالثبات في الثانية أنه على عادتهم المستمرة من اللعب تحقيرا له، وما أقبح ضلالهم في تقليد آبائهم في عبادة جماد هو دونهم في الرتبة حيث ينحتونها بأيديهم ثم يعفرون وجوههم وجباههم دونها.
الأنبياء 21:50
اللغة:
(التَّماثِيلُ) : جمع تمثال بكسر التاء أي الصورة المصورة أو ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله من ذوات الروح والصورة وهذا الوزن فيه زائدان أحدهما قبل الفاء والآخر قبل اللام وقد جاء اسما وصفة. فالاسم تمثال للصورة ويجمع على تماثيل وقالوا تجفاف وتبيان فالتجفاف واحد تجافيف الفرس وهو ما يلبس عند الحرب والزينة وتبيان بمعنى البيان فمنهم من يجعله مصدرا من قبيل الشاذ لأن المصادر إنما تجيء على تفعال بالفتح نحو التلعاب والتهدار ولم يجيء بالكسر إلا تبيان وتلقاء، وسيبويه يجعلهما من الأسماء التي وضعت موضع المصادر كالغارة وضعت موضع الإغارة. وقال غير واحد من علماء اللغة: التمثال هو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق الآدمي.
الإعراب:
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يكابده من قومه وتقوية لقلبه وحفزا لاستدامته في تأدية الرسالة وذكر منها في هذه السورة عشر قصص وستأتي. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وموسى مفعول به وهارون معطوف على موسى والفرقان مفعول به ثان وضياء عطف على الفرقان وذكرا عطف على ضياء وللمتقين متعلقان بضياء وعطف الصفات جائز فهو من هذا الوادي واختار الزمخشري أن يعرب حالا وعامله محذوف دل عليه ما قبله وقدره: وآتينا به ضياء، أما ما ارتآه بعضهم من أن الواو زائدة وضياء حال من الفرقان فهذا مجرد تحكم لا نتردد في رده.
(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) الذين اسم موصول في محل جر صفة للمتقين ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف أي هم الذين وجملة يخشون صلة والواو فاعل وربهم مفعول به وبالغيب حال من الفاعل في يخشون وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومن الساعة جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم وسيأتي سر التعبير بالاسمية في باب البلاغة. (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لخطاب أهل مكة ومحاورتهم حول القرآن الكريم الذي أنزل بلسانهم، وهذا مبتدأ وذكر خبر ومبارك صفة وجملة أنزلناه صفة لذكر وهو فعل وفاعل ومفعول به والهمزة للاستفهام التوبيخي لأنه خطاب للعرب وهم أهل اللسان العربي ومعادن الفصاحة فما أجدرهم باكتناه أسرار القرآن وإدراك بلاغته والفاء عاطفة على محذوف وأنتم مبتدأ وله متعلقان بمنكرون ومنكرون خبر أنتم. (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به أول ورشده مفعول به ثان ومن قبل حال أي من قبل موسى وهارون وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وبه متعلقان بعالمين وعالمين خبر كنا. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ؟) الظرف متعلق بفعل محذوف أي اذكر ولك أن تعلقه بعالمين وعلقه الزمخشري بآتينا أو برشده أيضا وليس ثمة ما يمنع من ذلك وجملة قال مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال وقومه عطف على لأبيه، وما اسم استفهام مبتدأ وهذه خبر والتماثيل بدل من اسم الاشارة والتي صفة وجملة أنتم لها عاكفون صلة الموصول وأنتم مبتدأ وعاكفون خبر ولها متعلقان بعاكفون وسيأتي السر في عدوله عن القول عليها عاكفون إلى لها عاكفون في باب البلاغة. (قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) قالوا فعل وفاعل ووجدنا فعل وفاعل والجملة مقول القول وآباءنا مفعول وجدنا الأول ولها متعلقان بعابدين وعابدين مفعول وجدنا الثاني. (قالَ: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وكنتم كان واسمها وأنتم تأكيد للتاء وآباؤكم عطف على التاء وفي ضلال خبر كنتم ومبين صفة لضلال. (قالُوا: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) الهمزة للاستفهام وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وبالحق متعلقان بجئتنا وأم حرف عطف معادل للهمزة وأنت مبتدأ ومن اللاعبين خبره.
البلاغة:
1- العدول عن الفعلية إلى الاسمية: في قوله تعالى: «وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ» عدول عن الخطاب بالجملة الفعلية كما هو مقتضى السياق إلى الخطاب بالجملة الاسمية وانما يعدل عن أحد الخطابين وإن كان السياق يقتضيه لضرب من التأكيد والمبالغة وقد جيء بها هنا تنويها بالخاص بعد العام فالخشية من الله ملازمة لهم ولكنها من الساعة أكثر ملازمة وأشد امتلاكا لقلوبهم وأسرا لجوارحهم، ما يريمون عن تذكرها، وتفادي كل ذنب خشية مواجهتها بما هم فيه، وأمر ثان هو الديمومة والاستمرار اللذان تفيدهما الجملة الاسمية أكثر مما تفيدهما الجملة الفعلية التي تتوزع على الأزمنة.
2- في قوله تعالى: «ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ» عدول عن «على» التي يتعدى فعل العكوف بها ولكنه أم يقصد التعدية ولو قصد التعدية لقال عليها ولكنه عدل عنها إلى اللام لأنه قصد من العكوف معنى العبادة ليجيبوه بقولهم «وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ» وانهم لا ينفكون عن التقليد الأعمى وفي ذلك ما فيه من التنديد بالتقليد والقول بغير برهان والانجرار إلى ما عليه آباؤهم ولو بالأرسان، وكفى أهل التقليد سبة أن عبدة الأوثان والأصنام منهم وقيل إن اللام بمعنى على وقد نص النحاة على مجيئها بمعنى على ولكن تفوت بذلك النكتة التي ألمعنا إليها فالأولى بقاؤها على بابها من الاختصاص الذي هو معنى رئيسي للام.
3- خولف بين الجملتين في الآية «قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ» لملاحظة تجدد في إحداهما فبرزت في صورة الفعلية وثبات في الأخرى فبرزت في صورة الاسمية والمعنى: أحدثت عندنا الإتيان بالحق وهو التوحيد فيما نسمعه منك أم أنت على ما كنت عليه من اللعب منذ أيام الصبا وأرادوا بالتجدد في الجملة الاولى أن التوحيد أمر محدث مخترع وبالثبات في الثانية أنه على عادتهم المستمرة من اللعب تحقيرا له، وما أقبح ضلالهم في تقليد آبائهم في عبادة جماد هو دونهم في الرتبة حيث ينحتونها بأيديهم ثم يعفرون وجوههم وجباههم دونها.
الأنبياء 21:51
اللغة:
(التَّماثِيلُ) : جمع تمثال بكسر التاء أي الصورة المصورة أو ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله من ذوات الروح والصورة وهذا الوزن فيه زائدان أحدهما قبل الفاء والآخر قبل اللام وقد جاء اسما وصفة. فالاسم تمثال للصورة ويجمع على تماثيل وقالوا تجفاف وتبيان فالتجفاف واحد تجافيف الفرس وهو ما يلبس عند الحرب والزينة وتبيان بمعنى البيان فمنهم من يجعله مصدرا من قبيل الشاذ لأن المصادر إنما تجيء على تفعال بالفتح نحو التلعاب والتهدار ولم يجيء بالكسر إلا تبيان وتلقاء، وسيبويه يجعلهما من الأسماء التي وضعت موضع المصادر كالغارة وضعت موضع الإغارة. وقال غير واحد من علماء اللغة: التمثال هو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق الآدمي.
الإعراب:
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يكابده من قومه وتقوية لقلبه وحفزا لاستدامته في تأدية الرسالة وذكر منها في هذه السورة عشر قصص وستأتي. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وموسى مفعول به وهارون معطوف على موسى والفرقان مفعول به ثان وضياء عطف على الفرقان وذكرا عطف على ضياء وللمتقين متعلقان بضياء وعطف الصفات جائز فهو من هذا الوادي واختار الزمخشري أن يعرب حالا وعامله محذوف دل عليه ما قبله وقدره: وآتينا به ضياء، أما ما ارتآه بعضهم من أن الواو زائدة وضياء حال من الفرقان فهذا مجرد تحكم لا نتردد في رده.
(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) الذين اسم موصول في محل جر صفة للمتقين ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف أي هم الذين وجملة يخشون صلة والواو فاعل وربهم مفعول به وبالغيب حال من الفاعل في يخشون وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومن الساعة جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم وسيأتي سر التعبير بالاسمية في باب البلاغة. (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لخطاب أهل مكة ومحاورتهم حول القرآن الكريم الذي أنزل بلسانهم، وهذا مبتدأ وذكر خبر ومبارك صفة وجملة أنزلناه صفة لذكر وهو فعل وفاعل ومفعول به والهمزة للاستفهام التوبيخي لأنه خطاب للعرب وهم أهل اللسان العربي ومعادن الفصاحة فما أجدرهم باكتناه أسرار القرآن وإدراك بلاغته والفاء عاطفة على محذوف وأنتم مبتدأ وله متعلقان بمنكرون ومنكرون خبر أنتم. (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به أول ورشده مفعول به ثان ومن قبل حال أي من قبل موسى وهارون وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وبه متعلقان بعالمين وعالمين خبر كنا. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ؟) الظرف متعلق بفعل محذوف أي اذكر ولك أن تعلقه بعالمين وعلقه الزمخشري بآتينا أو برشده أيضا وليس ثمة ما يمنع من ذلك وجملة قال مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال وقومه عطف على لأبيه، وما اسم استفهام مبتدأ وهذه خبر والتماثيل بدل من اسم الاشارة والتي صفة وجملة أنتم لها عاكفون صلة الموصول وأنتم مبتدأ وعاكفون خبر ولها متعلقان بعاكفون وسيأتي السر في عدوله عن القول عليها عاكفون إلى لها عاكفون في باب البلاغة. (قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) قالوا فعل وفاعل ووجدنا فعل وفاعل والجملة مقول القول وآباءنا مفعول وجدنا الأول ولها متعلقان بعابدين وعابدين مفعول وجدنا الثاني. (قالَ: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وكنتم كان واسمها وأنتم تأكيد للتاء وآباؤكم عطف على التاء وفي ضلال خبر كنتم ومبين صفة لضلال. (قالُوا: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) الهمزة للاستفهام وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وبالحق متعلقان بجئتنا وأم حرف عطف معادل للهمزة وأنت مبتدأ ومن اللاعبين خبره.
البلاغة:
1- العدول عن الفعلية إلى الاسمية: في قوله تعالى: «وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ» عدول عن الخطاب بالجملة الفعلية كما هو مقتضى السياق إلى الخطاب بالجملة الاسمية وانما يعدل عن أحد الخطابين وإن كان السياق يقتضيه لضرب من التأكيد والمبالغة وقد جيء بها هنا تنويها بالخاص بعد العام فالخشية من الله ملازمة لهم ولكنها من الساعة أكثر ملازمة وأشد امتلاكا لقلوبهم وأسرا لجوارحهم، ما يريمون عن تذكرها، وتفادي كل ذنب خشية مواجهتها بما هم فيه، وأمر ثان هو الديمومة والاستمرار اللذان تفيدهما الجملة الاسمية أكثر مما تفيدهما الجملة الفعلية التي تتوزع على الأزمنة.
2- في قوله تعالى: «ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ» عدول عن «على» التي يتعدى فعل العكوف بها ولكنه أم يقصد التعدية ولو قصد التعدية لقال عليها ولكنه عدل عنها إلى اللام لأنه قصد من العكوف معنى العبادة ليجيبوه بقولهم «وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ» وانهم لا ينفكون عن التقليد الأعمى وفي ذلك ما فيه من التنديد بالتقليد والقول بغير برهان والانجرار إلى ما عليه آباؤهم ولو بالأرسان، وكفى أهل التقليد سبة أن عبدة الأوثان والأصنام منهم وقيل إن اللام بمعنى على وقد نص النحاة على مجيئها بمعنى على ولكن تفوت بذلك النكتة التي ألمعنا إليها فالأولى بقاؤها على بابها من الاختصاص الذي هو معنى رئيسي للام.
3- خولف بين الجملتين في الآية «قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ» لملاحظة تجدد في إحداهما فبرزت في صورة الفعلية وثبات في الأخرى فبرزت في صورة الاسمية والمعنى: أحدثت عندنا الإتيان بالحق وهو التوحيد فيما نسمعه منك أم أنت على ما كنت عليه من اللعب منذ أيام الصبا وأرادوا بالتجدد في الجملة الاولى أن التوحيد أمر محدث مخترع وبالثبات في الثانية أنه على عادتهم المستمرة من اللعب تحقيرا له، وما أقبح ضلالهم في تقليد آبائهم في عبادة جماد هو دونهم في الرتبة حيث ينحتونها بأيديهم ثم يعفرون وجوههم وجباههم دونها.
الأنبياء 21:52
اللغة:
(التَّماثِيلُ) : جمع تمثال بكسر التاء أي الصورة المصورة أو ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله من ذوات الروح والصورة وهذا الوزن فيه زائدان أحدهما قبل الفاء والآخر قبل اللام وقد جاء اسما وصفة. فالاسم تمثال للصورة ويجمع على تماثيل وقالوا تجفاف وتبيان فالتجفاف واحد تجافيف الفرس وهو ما يلبس عند الحرب والزينة وتبيان بمعنى البيان فمنهم من يجعله مصدرا من قبيل الشاذ لأن المصادر إنما تجيء على تفعال بالفتح نحو التلعاب والتهدار ولم يجيء بالكسر إلا تبيان وتلقاء، وسيبويه يجعلهما من الأسماء التي وضعت موضع المصادر كالغارة وضعت موضع الإغارة. وقال غير واحد من علماء اللغة: التمثال هو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق الآدمي.
الإعراب:
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يكابده من قومه وتقوية لقلبه وحفزا لاستدامته في تأدية الرسالة وذكر منها في هذه السورة عشر قصص وستأتي. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وموسى مفعول به وهارون معطوف على موسى والفرقان مفعول به ثان وضياء عطف على الفرقان وذكرا عطف على ضياء وللمتقين متعلقان بضياء وعطف الصفات جائز فهو من هذا الوادي واختار الزمخشري أن يعرب حالا وعامله محذوف دل عليه ما قبله وقدره: وآتينا به ضياء، أما ما ارتآه بعضهم من أن الواو زائدة وضياء حال من الفرقان فهذا مجرد تحكم لا نتردد في رده.
(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) الذين اسم موصول في محل جر صفة للمتقين ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف أي هم الذين وجملة يخشون صلة والواو فاعل وربهم مفعول به وبالغيب حال من الفاعل في يخشون وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومن الساعة جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم وسيأتي سر التعبير بالاسمية في باب البلاغة. (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لخطاب أهل مكة ومحاورتهم حول القرآن الكريم الذي أنزل بلسانهم، وهذا مبتدأ وذكر خبر ومبارك صفة وجملة أنزلناه صفة لذكر وهو فعل وفاعل ومفعول به والهمزة للاستفهام التوبيخي لأنه خطاب للعرب وهم أهل اللسان العربي ومعادن الفصاحة فما أجدرهم باكتناه أسرار القرآن وإدراك بلاغته والفاء عاطفة على محذوف وأنتم مبتدأ وله متعلقان بمنكرون ومنكرون خبر أنتم. (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به أول ورشده مفعول به ثان ومن قبل حال أي من قبل موسى وهارون وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وبه متعلقان بعالمين وعالمين خبر كنا. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ؟) الظرف متعلق بفعل محذوف أي اذكر ولك أن تعلقه بعالمين وعلقه الزمخشري بآتينا أو برشده أيضا وليس ثمة ما يمنع من ذلك وجملة قال مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال وقومه عطف على لأبيه، وما اسم استفهام مبتدأ وهذه خبر والتماثيل بدل من اسم الاشارة والتي صفة وجملة أنتم لها عاكفون صلة الموصول وأنتم مبتدأ وعاكفون خبر ولها متعلقان بعاكفون وسيأتي السر في عدوله عن القول عليها عاكفون إلى لها عاكفون في باب البلاغة. (قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) قالوا فعل وفاعل ووجدنا فعل وفاعل والجملة مقول القول وآباءنا مفعول وجدنا الأول ولها متعلقان بعابدين وعابدين مفعول وجدنا الثاني. (قالَ: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وكنتم كان واسمها وأنتم تأكيد للتاء وآباؤكم عطف على التاء وفي ضلال خبر كنتم ومبين صفة لضلال. (قالُوا: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) الهمزة للاستفهام وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وبالحق متعلقان بجئتنا وأم حرف عطف معادل للهمزة وأنت مبتدأ ومن اللاعبين خبره.
البلاغة:
1- العدول عن الفعلية إلى الاسمية: في قوله تعالى: «وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ» عدول عن الخطاب بالجملة الفعلية كما هو مقتضى السياق إلى الخطاب بالجملة الاسمية وانما يعدل عن أحد الخطابين وإن كان السياق يقتضيه لضرب من التأكيد والمبالغة وقد جيء بها هنا تنويها بالخاص بعد العام فالخشية من الله ملازمة لهم ولكنها من الساعة أكثر ملازمة وأشد امتلاكا لقلوبهم وأسرا لجوارحهم، ما يريمون عن تذكرها، وتفادي كل ذنب خشية مواجهتها بما هم فيه، وأمر ثان هو الديمومة والاستمرار اللذان تفيدهما الجملة الاسمية أكثر مما تفيدهما الجملة الفعلية التي تتوزع على الأزمنة.
2- في قوله تعالى: «ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ» عدول عن «على» التي يتعدى فعل العكوف بها ولكنه أم يقصد التعدية ولو قصد التعدية لقال عليها ولكنه عدل عنها إلى اللام لأنه قصد من العكوف معنى العبادة ليجيبوه بقولهم «وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ» وانهم لا ينفكون عن التقليد الأعمى وفي ذلك ما فيه من التنديد بالتقليد والقول بغير برهان والانجرار إلى ما عليه آباؤهم ولو بالأرسان، وكفى أهل التقليد سبة أن عبدة الأوثان والأصنام منهم وقيل إن اللام بمعنى على وقد نص النحاة على مجيئها بمعنى على ولكن تفوت بذلك النكتة التي ألمعنا إليها فالأولى بقاؤها على بابها من الاختصاص الذي هو معنى رئيسي للام.
3- خولف بين الجملتين في الآية «قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ» لملاحظة تجدد في إحداهما فبرزت في صورة الفعلية وثبات في الأخرى فبرزت في صورة الاسمية والمعنى: أحدثت عندنا الإتيان بالحق وهو التوحيد فيما نسمعه منك أم أنت على ما كنت عليه من اللعب منذ أيام الصبا وأرادوا بالتجدد في الجملة الاولى أن التوحيد أمر محدث مخترع وبالثبات في الثانية أنه على عادتهم المستمرة من اللعب تحقيرا له، وما أقبح ضلالهم في تقليد آبائهم في عبادة جماد هو دونهم في الرتبة حيث ينحتونها بأيديهم ثم يعفرون وجوههم وجباههم دونها.
الأنبياء 21:53
اللغة:
(التَّماثِيلُ) : جمع تمثال بكسر التاء أي الصورة المصورة أو ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله من ذوات الروح والصورة وهذا الوزن فيه زائدان أحدهما قبل الفاء والآخر قبل اللام وقد جاء اسما وصفة. فالاسم تمثال للصورة ويجمع على تماثيل وقالوا تجفاف وتبيان فالتجفاف واحد تجافيف الفرس وهو ما يلبس عند الحرب والزينة وتبيان بمعنى البيان فمنهم من يجعله مصدرا من قبيل الشاذ لأن المصادر إنما تجيء على تفعال بالفتح نحو التلعاب والتهدار ولم يجيء بالكسر إلا تبيان وتلقاء، وسيبويه يجعلهما من الأسماء التي وضعت موضع المصادر كالغارة وضعت موضع الإغارة. وقال غير واحد من علماء اللغة: التمثال هو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق الآدمي.
الإعراب:
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يكابده من قومه وتقوية لقلبه وحفزا لاستدامته في تأدية الرسالة وذكر منها في هذه السورة عشر قصص وستأتي. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وموسى مفعول به وهارون معطوف على موسى والفرقان مفعول به ثان وضياء عطف على الفرقان وذكرا عطف على ضياء وللمتقين متعلقان بضياء وعطف الصفات جائز فهو من هذا الوادي واختار الزمخشري أن يعرب حالا وعامله محذوف دل عليه ما قبله وقدره: وآتينا به ضياء، أما ما ارتآه بعضهم من أن الواو زائدة وضياء حال من الفرقان فهذا مجرد تحكم لا نتردد في رده.
(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) الذين اسم موصول في محل جر صفة للمتقين ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف أي هم الذين وجملة يخشون صلة والواو فاعل وربهم مفعول به وبالغيب حال من الفاعل في يخشون وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومن الساعة جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم وسيأتي سر التعبير بالاسمية في باب البلاغة. (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لخطاب أهل مكة ومحاورتهم حول القرآن الكريم الذي أنزل بلسانهم، وهذا مبتدأ وذكر خبر ومبارك صفة وجملة أنزلناه صفة لذكر وهو فعل وفاعل ومفعول به والهمزة للاستفهام التوبيخي لأنه خطاب للعرب وهم أهل اللسان العربي ومعادن الفصاحة فما أجدرهم باكتناه أسرار القرآن وإدراك بلاغته والفاء عاطفة على محذوف وأنتم مبتدأ وله متعلقان بمنكرون ومنكرون خبر أنتم. (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به أول ورشده مفعول به ثان ومن قبل حال أي من قبل موسى وهارون وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وبه متعلقان بعالمين وعالمين خبر كنا. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ؟) الظرف متعلق بفعل محذوف أي اذكر ولك أن تعلقه بعالمين وعلقه الزمخشري بآتينا أو برشده أيضا وليس ثمة ما يمنع من ذلك وجملة قال مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال وقومه عطف على لأبيه، وما اسم استفهام مبتدأ وهذه خبر والتماثيل بدل من اسم الاشارة والتي صفة وجملة أنتم لها عاكفون صلة الموصول وأنتم مبتدأ وعاكفون خبر ولها متعلقان بعاكفون وسيأتي السر في عدوله عن القول عليها عاكفون إلى لها عاكفون في باب البلاغة. (قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) قالوا فعل وفاعل ووجدنا فعل وفاعل والجملة مقول القول وآباءنا مفعول وجدنا الأول ولها متعلقان بعابدين وعابدين مفعول وجدنا الثاني. (قالَ: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وكنتم كان واسمها وأنتم تأكيد للتاء وآباؤكم عطف على التاء وفي ضلال خبر كنتم ومبين صفة لضلال. (قالُوا: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) الهمزة للاستفهام وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وبالحق متعلقان بجئتنا وأم حرف عطف معادل للهمزة وأنت مبتدأ ومن اللاعبين خبره.
البلاغة:
1- العدول عن الفعلية إلى الاسمية: في قوله تعالى: «وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ» عدول عن الخطاب بالجملة الفعلية كما هو مقتضى السياق إلى الخطاب بالجملة الاسمية وانما يعدل عن أحد الخطابين وإن كان السياق يقتضيه لضرب من التأكيد والمبالغة وقد جيء بها هنا تنويها بالخاص بعد العام فالخشية من الله ملازمة لهم ولكنها من الساعة أكثر ملازمة وأشد امتلاكا لقلوبهم وأسرا لجوارحهم، ما يريمون عن تذكرها، وتفادي كل ذنب خشية مواجهتها بما هم فيه، وأمر ثان هو الديمومة والاستمرار اللذان تفيدهما الجملة الاسمية أكثر مما تفيدهما الجملة الفعلية التي تتوزع على الأزمنة.
2- في قوله تعالى: «ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ» عدول عن «على» التي يتعدى فعل العكوف بها ولكنه أم يقصد التعدية ولو قصد التعدية لقال عليها ولكنه عدل عنها إلى اللام لأنه قصد من العكوف معنى العبادة ليجيبوه بقولهم «وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ» وانهم لا ينفكون عن التقليد الأعمى وفي ذلك ما فيه من التنديد بالتقليد والقول بغير برهان والانجرار إلى ما عليه آباؤهم ولو بالأرسان، وكفى أهل التقليد سبة أن عبدة الأوثان والأصنام منهم وقيل إن اللام بمعنى على وقد نص النحاة على مجيئها بمعنى على ولكن تفوت بذلك النكتة التي ألمعنا إليها فالأولى بقاؤها على بابها من الاختصاص الذي هو معنى رئيسي للام.
3- خولف بين الجملتين في الآية «قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ» لملاحظة تجدد في إحداهما فبرزت في صورة الفعلية وثبات في الأخرى فبرزت في صورة الاسمية والمعنى: أحدثت عندنا الإتيان بالحق وهو التوحيد فيما نسمعه منك أم أنت على ما كنت عليه من اللعب منذ أيام الصبا وأرادوا بالتجدد في الجملة الاولى أن التوحيد أمر محدث مخترع وبالثبات في الثانية أنه على عادتهم المستمرة من اللعب تحقيرا له، وما أقبح ضلالهم في تقليد آبائهم في عبادة جماد هو دونهم في الرتبة حيث ينحتونها بأيديهم ثم يعفرون وجوههم وجباههم دونها.
الأنبياء 21:54
اللغة:
(التَّماثِيلُ) : جمع تمثال بكسر التاء أي الصورة المصورة أو ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله من ذوات الروح والصورة وهذا الوزن فيه زائدان أحدهما قبل الفاء والآخر قبل اللام وقد جاء اسما وصفة. فالاسم تمثال للصورة ويجمع على تماثيل وقالوا تجفاف وتبيان فالتجفاف واحد تجافيف الفرس وهو ما يلبس عند الحرب والزينة وتبيان بمعنى البيان فمنهم من يجعله مصدرا من قبيل الشاذ لأن المصادر إنما تجيء على تفعال بالفتح نحو التلعاب والتهدار ولم يجيء بالكسر إلا تبيان وتلقاء، وسيبويه يجعلهما من الأسماء التي وضعت موضع المصادر كالغارة وضعت موضع الإغارة. وقال غير واحد من علماء اللغة: التمثال هو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق الآدمي.
الإعراب:
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يكابده من قومه وتقوية لقلبه وحفزا لاستدامته في تأدية الرسالة وذكر منها في هذه السورة عشر قصص وستأتي. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وموسى مفعول به وهارون معطوف على موسى والفرقان مفعول به ثان وضياء عطف على الفرقان وذكرا عطف على ضياء وللمتقين متعلقان بضياء وعطف الصفات جائز فهو من هذا الوادي واختار الزمخشري أن يعرب حالا وعامله محذوف دل عليه ما قبله وقدره: وآتينا به ضياء، أما ما ارتآه بعضهم من أن الواو زائدة وضياء حال من الفرقان فهذا مجرد تحكم لا نتردد في رده.
(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) الذين اسم موصول في محل جر صفة للمتقين ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف أي هم الذين وجملة يخشون صلة والواو فاعل وربهم مفعول به وبالغيب حال من الفاعل في يخشون وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومن الساعة جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم وسيأتي سر التعبير بالاسمية في باب البلاغة. (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لخطاب أهل مكة ومحاورتهم حول القرآن الكريم الذي أنزل بلسانهم، وهذا مبتدأ وذكر خبر ومبارك صفة وجملة أنزلناه صفة لذكر وهو فعل وفاعل ومفعول به والهمزة للاستفهام التوبيخي لأنه خطاب للعرب وهم أهل اللسان العربي ومعادن الفصاحة فما أجدرهم باكتناه أسرار القرآن وإدراك بلاغته والفاء عاطفة على محذوف وأنتم مبتدأ وله متعلقان بمنكرون ومنكرون خبر أنتم. (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به أول ورشده مفعول به ثان ومن قبل حال أي من قبل موسى وهارون وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وبه متعلقان بعالمين وعالمين خبر كنا. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ؟) الظرف متعلق بفعل محذوف أي اذكر ولك أن تعلقه بعالمين وعلقه الزمخشري بآتينا أو برشده أيضا وليس ثمة ما يمنع من ذلك وجملة قال مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال وقومه عطف على لأبيه، وما اسم استفهام مبتدأ وهذه خبر والتماثيل بدل من اسم الاشارة والتي صفة وجملة أنتم لها عاكفون صلة الموصول وأنتم مبتدأ وعاكفون خبر ولها متعلقان بعاكفون وسيأتي السر في عدوله عن القول عليها عاكفون إلى لها عاكفون في باب البلاغة. (قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) قالوا فعل وفاعل ووجدنا فعل وفاعل والجملة مقول القول وآباءنا مفعول وجدنا الأول ولها متعلقان بعابدين وعابدين مفعول وجدنا الثاني. (قالَ: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وكنتم كان واسمها وأنتم تأكيد للتاء وآباؤكم عطف على التاء وفي ضلال خبر كنتم ومبين صفة لضلال. (قالُوا: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) الهمزة للاستفهام وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وبالحق متعلقان بجئتنا وأم حرف عطف معادل للهمزة وأنت مبتدأ ومن اللاعبين خبره.
البلاغة:
1- العدول عن الفعلية إلى الاسمية: في قوله تعالى: «وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ» عدول عن الخطاب بالجملة الفعلية كما هو مقتضى السياق إلى الخطاب بالجملة الاسمية وانما يعدل عن أحد الخطابين وإن كان السياق يقتضيه لضرب من التأكيد والمبالغة وقد جيء بها هنا تنويها بالخاص بعد العام فالخشية من الله ملازمة لهم ولكنها من الساعة أكثر ملازمة وأشد امتلاكا لقلوبهم وأسرا لجوارحهم، ما يريمون عن تذكرها، وتفادي كل ذنب خشية مواجهتها بما هم فيه، وأمر ثان هو الديمومة والاستمرار اللذان تفيدهما الجملة الاسمية أكثر مما تفيدهما الجملة الفعلية التي تتوزع على الأزمنة.
2- في قوله تعالى: «ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ» عدول عن «على» التي يتعدى فعل العكوف بها ولكنه أم يقصد التعدية ولو قصد التعدية لقال عليها ولكنه عدل عنها إلى اللام لأنه قصد من العكوف معنى العبادة ليجيبوه بقولهم «وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ» وانهم لا ينفكون عن التقليد الأعمى وفي ذلك ما فيه من التنديد بالتقليد والقول بغير برهان والانجرار إلى ما عليه آباؤهم ولو بالأرسان، وكفى أهل التقليد سبة أن عبدة الأوثان والأصنام منهم وقيل إن اللام بمعنى على وقد نص النحاة على مجيئها بمعنى على ولكن تفوت بذلك النكتة التي ألمعنا إليها فالأولى بقاؤها على بابها من الاختصاص الذي هو معنى رئيسي للام.
3- خولف بين الجملتين في الآية «قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ» لملاحظة تجدد في إحداهما فبرزت في صورة الفعلية وثبات في الأخرى فبرزت في صورة الاسمية والمعنى: أحدثت عندنا الإتيان بالحق وهو التوحيد فيما نسمعه منك أم أنت على ما كنت عليه من اللعب منذ أيام الصبا وأرادوا بالتجدد في الجملة الاولى أن التوحيد أمر محدث مخترع وبالثبات في الثانية أنه على عادتهم المستمرة من اللعب تحقيرا له، وما أقبح ضلالهم في تقليد آبائهم في عبادة جماد هو دونهم في الرتبة حيث ينحتونها بأيديهم ثم يعفرون وجوههم وجباههم دونها.
الأنبياء 21:55
اللغة:
(التَّماثِيلُ) : جمع تمثال بكسر التاء أي الصورة المصورة أو ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله من ذوات الروح والصورة وهذا الوزن فيه زائدان أحدهما قبل الفاء والآخر قبل اللام وقد جاء اسما وصفة. فالاسم تمثال للصورة ويجمع على تماثيل وقالوا تجفاف وتبيان فالتجفاف واحد تجافيف الفرس وهو ما يلبس عند الحرب والزينة وتبيان بمعنى البيان فمنهم من يجعله مصدرا من قبيل الشاذ لأن المصادر إنما تجيء على تفعال بالفتح نحو التلعاب والتهدار ولم يجيء بالكسر إلا تبيان وتلقاء، وسيبويه يجعلهما من الأسماء التي وضعت موضع المصادر كالغارة وضعت موضع الإغارة. وقال غير واحد من علماء اللغة: التمثال هو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق الآدمي.
الإعراب:
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يكابده من قومه وتقوية لقلبه وحفزا لاستدامته في تأدية الرسالة وذكر منها في هذه السورة عشر قصص وستأتي. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وموسى مفعول به وهارون معطوف على موسى والفرقان مفعول به ثان وضياء عطف على الفرقان وذكرا عطف على ضياء وللمتقين متعلقان بضياء وعطف الصفات جائز فهو من هذا الوادي واختار الزمخشري أن يعرب حالا وعامله محذوف دل عليه ما قبله وقدره: وآتينا به ضياء، أما ما ارتآه بعضهم من أن الواو زائدة وضياء حال من الفرقان فهذا مجرد تحكم لا نتردد في رده.
(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) الذين اسم موصول في محل جر صفة للمتقين ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف أي هم الذين وجملة يخشون صلة والواو فاعل وربهم مفعول به وبالغيب حال من الفاعل في يخشون وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومن الساعة جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم وسيأتي سر التعبير بالاسمية في باب البلاغة. (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لخطاب أهل مكة ومحاورتهم حول القرآن الكريم الذي أنزل بلسانهم، وهذا مبتدأ وذكر خبر ومبارك صفة وجملة أنزلناه صفة لذكر وهو فعل وفاعل ومفعول به والهمزة للاستفهام التوبيخي لأنه خطاب للعرب وهم أهل اللسان العربي ومعادن الفصاحة فما أجدرهم باكتناه أسرار القرآن وإدراك بلاغته والفاء عاطفة على محذوف وأنتم مبتدأ وله متعلقان بمنكرون ومنكرون خبر أنتم. (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به أول ورشده مفعول به ثان ومن قبل حال أي من قبل موسى وهارون وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وبه متعلقان بعالمين وعالمين خبر كنا. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ؟) الظرف متعلق بفعل محذوف أي اذكر ولك أن تعلقه بعالمين وعلقه الزمخشري بآتينا أو برشده أيضا وليس ثمة ما يمنع من ذلك وجملة قال مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال وقومه عطف على لأبيه، وما اسم استفهام مبتدأ وهذه خبر والتماثيل بدل من اسم الاشارة والتي صفة وجملة أنتم لها عاكفون صلة الموصول وأنتم مبتدأ وعاكفون خبر ولها متعلقان بعاكفون وسيأتي السر في عدوله عن القول عليها عاكفون إلى لها عاكفون في باب البلاغة. (قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) قالوا فعل وفاعل ووجدنا فعل وفاعل والجملة مقول القول وآباءنا مفعول وجدنا الأول ولها متعلقان بعابدين وعابدين مفعول وجدنا الثاني. (قالَ: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وكنتم كان واسمها وأنتم تأكيد للتاء وآباؤكم عطف على التاء وفي ضلال خبر كنتم ومبين صفة لضلال. (قالُوا: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) الهمزة للاستفهام وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وبالحق متعلقان بجئتنا وأم حرف عطف معادل للهمزة وأنت مبتدأ ومن اللاعبين خبره.
البلاغة:
1- العدول عن الفعلية إلى الاسمية: في قوله تعالى: «وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ» عدول عن الخطاب بالجملة الفعلية كما هو مقتضى السياق إلى الخطاب بالجملة الاسمية وانما يعدل عن أحد الخطابين وإن كان السياق يقتضيه لضرب من التأكيد والمبالغة وقد جيء بها هنا تنويها بالخاص بعد العام فالخشية من الله ملازمة لهم ولكنها من الساعة أكثر ملازمة وأشد امتلاكا لقلوبهم وأسرا لجوارحهم، ما يريمون عن تذكرها، وتفادي كل ذنب خشية مواجهتها بما هم فيه، وأمر ثان هو الديمومة والاستمرار اللذان تفيدهما الجملة الاسمية أكثر مما تفيدهما الجملة الفعلية التي تتوزع على الأزمنة.
2- في قوله تعالى: «ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ» عدول عن «على» التي يتعدى فعل العكوف بها ولكنه أم يقصد التعدية ولو قصد التعدية لقال عليها ولكنه عدل عنها إلى اللام لأنه قصد من العكوف معنى العبادة ليجيبوه بقولهم «وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ» وانهم لا ينفكون عن التقليد الأعمى وفي ذلك ما فيه من التنديد بالتقليد والقول بغير برهان والانجرار إلى ما عليه آباؤهم ولو بالأرسان، وكفى أهل التقليد سبة أن عبدة الأوثان والأصنام منهم وقيل إن اللام بمعنى على وقد نص النحاة على مجيئها بمعنى على ولكن تفوت بذلك النكتة التي ألمعنا إليها فالأولى بقاؤها على بابها من الاختصاص الذي هو معنى رئيسي للام.
3- خولف بين الجملتين في الآية «قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ» لملاحظة تجدد في إحداهما فبرزت في صورة الفعلية وثبات في الأخرى فبرزت في صورة الاسمية والمعنى: أحدثت عندنا الإتيان بالحق وهو التوحيد فيما نسمعه منك أم أنت على ما كنت عليه من اللعب منذ أيام الصبا وأرادوا بالتجدد في الجملة الاولى أن التوحيد أمر محدث مخترع وبالثبات في الثانية أنه على عادتهم المستمرة من اللعب تحقيرا له، وما أقبح ضلالهم في تقليد آبائهم في عبادة جماد هو دونهم في الرتبة حيث ينحتونها بأيديهم ثم يعفرون وجوههم وجباههم دونها.
الأنبياء 21:56
اللغة:
(جُذاذاً) : في القاموس الجذاذ بتثليث الجيم: ما تكسر من الشيء وفعله جذّ يجذّ من باب نصر وقد تقدمت الخصائص لاجتماع الجيم والذال فاء وعينا للكلمة.
الإعراب:
(قالَ: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) بل حرف إضراب وربكم مبتدأ ورب السموات والأرض خبر والذي صفة لرب وجملة فطرهن صلة والضمير يعود على السموات والأرض أو على التماثيل ورجح الزمخشري الثاني لكونه «أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم» ويدل على ذلك أيضا قوله «وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» كأنه قال وسأبين لكم ذلك وأبرهن عليه، وأنا مبتدأ خبره من الشاهدين وعلى ذلك متعلقان بالشاهدين. (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) وهذا شروع في تأكيد الطريقة الفعلية أو الدليل العملي كما يقال فالواو عاطفة والتاء تاء القسم وسيرد بحث هام عن حروف القسم الجارة في باب الفوائد والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم واللام جواب القسم وأكيدن فعل مضارع مبني على الفتح لوجوب توكيده بنون التوكيد الثقيلة وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا وأصنامكم مفعول به وبعد ظرف متعلق بأكيدن وأن وما في حيزها مصدر مؤول مضاف إلى الظروف ومدبرين حال أي تعودوا إلى مجتمعاتكم. (فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) الفاء عاطفة على محذوف تقديره فولوا وعادوا إلى مجتمعاتهم وذهب معهم ابراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا فرجع إبراهيم إلى بيت الأصنام وقبالة الباب صنم عظيم والى جنبه أصغر منه وهكذا دواليك فقال لهم إبراهيم ألا تأكلون فلم ينبس أحد فانهال عليهم تكسيرا فجعلهم ... والقصة بكاملها مروية في الخازن وغيره.
وجعلهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول وجذاذا مفعول به ثان وإلا أداة استثناء لأن الكلام تام موجب وكبيرا مستثنى من الهاء أي لم يكسره وتركه لحبك النكتة واستكمال الهزء بهم، ولعل واسمها واليه متعلقان بيرجعون وجملة يرجعون خبر لعل وفي هذا من التهكم ما فيه.
(قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) قالوا فعل وفاعل ومن اسم استفهام قصد به الإنكار مبتدأ وجملة فعل خبر وهذا مفعول فعل وبآلهتنا متعلقان بفعل ولم يشيروا إليها بهؤلاء وهي أمامهم لوضع الظاهر موضع المضمر وقد تقدم بحثه وجملة إنه لمن الظالمين مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدم وتأكيد استنكارهم لما حدث وان واسمها واللام المزحلقة ومن الظالمين خبران. (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) جملة سمعنا مقول القول وفتى مفعول سمعنا وجملة يذكرهم مفعول به ثان وستأتي خاصة فعل سمع في باب الفوائد وجملة يقال صفة لفتى وله متعلقان بيقال وابراهيم: في رفعه عدة أوجه متساوية الرجحان أولها انه نائب فاعل، يقال أي يقال له هذا اللفظ قال الزمخشري: وهو الصحيح لأن المراد الاسم لا المسمى وثانيها أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ابراهيم أو هذا ابراهيم وثالثها أنه مبتدأ محذوف الخبر أي ابراهيم فاعل ذلك ورابعها انه منادى وحرف النداء محذوف أي يا ابراهيم. (قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) فأتوا الفاء الفصيحة وأتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وبه متعلقان بقوله فأتوا، وعلى أعين الناس في محل نصب على الحال من الضمير المجرور بالباء أي ائتوا به حال كونه معاينا مشاهدا وسيأتي سر الاستعلاء في هذا التعبير ولعلهم لعل واسمها وجملة يشهدون خبرها أي يشهدون عليه انه الفاعل.
الفوائد:
في هذه الآيات فوائد كثيرة نورد أهمها فيما يلي:
1- حروف القسم:
أصل حروف القسم الباء والواو مبدلة منها وانما قلنا ذلك لأنها حرف الجر الذي يضاف به فعل الحلف إلى المحلوف وذلك الفعل أحلف أو أقسم أو نحوهما ولكنه لما كان الفعل غير متعد وصلوه بالباء المعدية فصار أحلف بالله أو أقسم بالله، قال الله تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ» وقال الشاعر:
أقسم بالله وآلائه ... والمرء عما قال مسئول
وقال زهير بن أبي سلمى:
فأقست بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم
وانما خص الباء بذلك دون غيرها من حروف الجر لأمور:
آ- انه يجوز ذكر فعل القسم معها كما رأيت في الشواهد المتقدمة ولا يجوز ذلك في الواو والتاء فلا تقول أقسم والله ولا أقسم تالله.
ب- جواز دخولها على الضمير دون غيرها من الحروف تقول:
بك لأفعلن ولا تقول تك ولا وك، ومعروف أن الضمير يرد الشيء إلى أصله.
ج- استعمالها في القسم الاستعطافي وذلك أن القسم جملة انشائية يقصد بها تأكيد جملة أخرى فإن كانت هذه الجملة الاخرى انشائية أيضا فذلك هو القسم الاستعطافي نحو بالله هل قام زيد أي أسألك بالله مستحلفا. ومن القسم الاستعطافي بالباء قول المجنون:
بربك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها
د- اختصاص الباء دون الواو والتاء بمجيئها لغير القسم وهو ظاهر.
ولما كثر استعمال ذلك في الحلف آثروا التخفيف فحذفوا الفعل من اللفظ وهو مراد ليعلق حرف الجر به ثم أبدلوا الواو من الباء توسعا في اللغة ولأنها أخف لأن الواو أخف من الباء وحركتها أخف من حركة الباء وانما خصوا الواو بذلك لأمرين:
آ- انها من مخرج الباء أي من الشفتين.
ب- من جهة المعنى وذلك ان الباء معناها الإلصاق والواو معناها الاجتماع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد جاء معه.
وأما التاء فهي مبدلة من الواو لأنه قد كثر إبدالها في نحو تكأة وتراث وتخمة لشبهها من جهة اتساع المخرج وهي من الحروف المهموسة فناسب همسها لين حروف اللين، ولما كانت الواو بدلا من الباء والبدل ينحط عن درجة الأصل فلذلك لا تدخل إلا على كل ظاهر ولا تدخل على المضمر لانحطاط الفرع عن درجة الأصل لأنه من المرتبة الثانية والتاء لما كانت بدلا من الواو وكانت من المرتبة الثالثة انحطت عن درجة الواو فاختصت باسم الله تعالى لكثرة الحلف به وقد يكون فيها معنى التعجب قال الله تعالى: «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ» على طريق التعجب وكالآية التي نحن بصددها كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه لأن ذلك كان أمرا مقنوطا منه أو مشكوكا فيه على الأقل لتعذره وصعوبته.
2- خصائص فعل سمع:
لهذا الفعل خصائص عجيبة وذلك انه إذا دخل على ما لا يسمع تعدى لاثنين كما في الآية الكريمة فالمفعول الأول فتى والثاني يذكرهم بخلاف ما لو دخلت على ما يسمع كأن قلت سمعت كلام زيد فانها تتعدى لواحد.
3- معنى الاستعلاء:
معنى الاستعلاء العلو فالسين والتاء للعلو لا للطلب ويكون الاستعلاء على نوعين حقيقي نحوَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ»
ومجازي نحو «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ» «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» شبه التمكن من الهدى والأخلاق العظيمة الشريفة والثبوت عليها بمن على دابة يصرفها كيف شاء وكذلك قولهم: عليه دين كأن شيئا اعتلاه وكما في قوله «عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ» أي يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن منها ثبات الراكب على المركوب وتملكه منه.
الأنبياء 21:57
اللغة:
(جُذاذاً) : في القاموس الجذاذ بتثليث الجيم: ما تكسر من الشيء وفعله جذّ يجذّ من باب نصر وقد تقدمت الخصائص لاجتماع الجيم والذال فاء وعينا للكلمة.
الإعراب:
(قالَ: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) بل حرف إضراب وربكم مبتدأ ورب السموات والأرض خبر والذي صفة لرب وجملة فطرهن صلة والضمير يعود على السموات والأرض أو على التماثيل ورجح الزمخشري الثاني لكونه «أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم» ويدل على ذلك أيضا قوله «وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» كأنه قال وسأبين لكم ذلك وأبرهن عليه، وأنا مبتدأ خبره من الشاهدين وعلى ذلك متعلقان بالشاهدين. (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) وهذا شروع في تأكيد الطريقة الفعلية أو الدليل العملي كما يقال فالواو عاطفة والتاء تاء القسم وسيرد بحث هام عن حروف القسم الجارة في باب الفوائد والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم واللام جواب القسم وأكيدن فعل مضارع مبني على الفتح لوجوب توكيده بنون التوكيد الثقيلة وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا وأصنامكم مفعول به وبعد ظرف متعلق بأكيدن وأن وما في حيزها مصدر مؤول مضاف إلى الظروف ومدبرين حال أي تعودوا إلى مجتمعاتكم. (فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) الفاء عاطفة على محذوف تقديره فولوا وعادوا إلى مجتمعاتهم وذهب معهم ابراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا فرجع إبراهيم إلى بيت الأصنام وقبالة الباب صنم عظيم والى جنبه أصغر منه وهكذا دواليك فقال لهم إبراهيم ألا تأكلون فلم ينبس أحد فانهال عليهم تكسيرا فجعلهم ... والقصة بكاملها مروية في الخازن وغيره.
وجعلهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول وجذاذا مفعول به ثان وإلا أداة استثناء لأن الكلام تام موجب وكبيرا مستثنى من الهاء أي لم يكسره وتركه لحبك النكتة واستكمال الهزء بهم، ولعل واسمها واليه متعلقان بيرجعون وجملة يرجعون خبر لعل وفي هذا من التهكم ما فيه.
(قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) قالوا فعل وفاعل ومن اسم استفهام قصد به الإنكار مبتدأ وجملة فعل خبر وهذا مفعول فعل وبآلهتنا متعلقان بفعل ولم يشيروا إليها بهؤلاء وهي أمامهم لوضع الظاهر موضع المضمر وقد تقدم بحثه وجملة إنه لمن الظالمين مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدم وتأكيد استنكارهم لما حدث وان واسمها واللام المزحلقة ومن الظالمين خبران. (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) جملة سمعنا مقول القول وفتى مفعول سمعنا وجملة يذكرهم مفعول به ثان وستأتي خاصة فعل سمع في باب الفوائد وجملة يقال صفة لفتى وله متعلقان بيقال وابراهيم: في رفعه عدة أوجه متساوية الرجحان أولها انه نائب فاعل، يقال أي يقال له هذا اللفظ قال الزمخشري: وهو الصحيح لأن المراد الاسم لا المسمى وثانيها أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ابراهيم أو هذا ابراهيم وثالثها أنه مبتدأ محذوف الخبر أي ابراهيم فاعل ذلك ورابعها انه منادى وحرف النداء محذوف أي يا ابراهيم. (قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) فأتوا الفاء الفصيحة وأتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وبه متعلقان بقوله فأتوا، وعلى أعين الناس في محل نصب على الحال من الضمير المجرور بالباء أي ائتوا به حال كونه معاينا مشاهدا وسيأتي سر الاستعلاء في هذا التعبير ولعلهم لعل واسمها وجملة يشهدون خبرها أي يشهدون عليه انه الفاعل.
الفوائد:
في هذه الآيات فوائد كثيرة نورد أهمها فيما يلي:
1- حروف القسم:
أصل حروف القسم الباء والواو مبدلة منها وانما قلنا ذلك لأنها حرف الجر الذي يضاف به فعل الحلف إلى المحلوف وذلك الفعل أحلف أو أقسم أو نحوهما ولكنه لما كان الفعل غير متعد وصلوه بالباء المعدية فصار أحلف بالله أو أقسم بالله، قال الله تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ» وقال الشاعر:
أقسم بالله وآلائه ... والمرء عما قال مسئول
وقال زهير بن أبي سلمى:
فأقست بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم
وانما خص الباء بذلك دون غيرها من حروف الجر لأمور:
آ- انه يجوز ذكر فعل القسم معها كما رأيت في الشواهد المتقدمة ولا يجوز ذلك في الواو والتاء فلا تقول أقسم والله ولا أقسم تالله.
ب- جواز دخولها على الضمير دون غيرها من الحروف تقول:
بك لأفعلن ولا تقول تك ولا وك، ومعروف أن الضمير يرد الشيء إلى أصله.
ج- استعمالها في القسم الاستعطافي وذلك أن القسم جملة انشائية يقصد بها تأكيد جملة أخرى فإن كانت هذه الجملة الاخرى انشائية أيضا فذلك هو القسم الاستعطافي نحو بالله هل قام زيد أي أسألك بالله مستحلفا. ومن القسم الاستعطافي بالباء قول المجنون:
بربك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها
د- اختصاص الباء دون الواو والتاء بمجيئها لغير القسم وهو ظاهر.
ولما كثر استعمال ذلك في الحلف آثروا التخفيف فحذفوا الفعل من اللفظ وهو مراد ليعلق حرف الجر به ثم أبدلوا الواو من الباء توسعا في اللغة ولأنها أخف لأن الواو أخف من الباء وحركتها أخف من حركة الباء وانما خصوا الواو بذلك لأمرين:
آ- انها من مخرج الباء أي من الشفتين.
ب- من جهة المعنى وذلك ان الباء معناها الإلصاق والواو معناها الاجتماع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد جاء معه.
وأما التاء فهي مبدلة من الواو لأنه قد كثر إبدالها في نحو تكأة وتراث وتخمة لشبهها من جهة اتساع المخرج وهي من الحروف المهموسة فناسب همسها لين حروف اللين، ولما كانت الواو بدلا من الباء والبدل ينحط عن درجة الأصل فلذلك لا تدخل إلا على كل ظاهر ولا تدخل على المضمر لانحطاط الفرع عن درجة الأصل لأنه من المرتبة الثانية والتاء لما كانت بدلا من الواو وكانت من المرتبة الثالثة انحطت عن درجة الواو فاختصت باسم الله تعالى لكثرة الحلف به وقد يكون فيها معنى التعجب قال الله تعالى: «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ» على طريق التعجب وكالآية التي نحن بصددها كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه لأن ذلك كان أمرا مقنوطا منه أو مشكوكا فيه على الأقل لتعذره وصعوبته.
2- خصائص فعل سمع:
لهذا الفعل خصائص عجيبة وذلك انه إذا دخل على ما لا يسمع تعدى لاثنين كما في الآية الكريمة فالمفعول الأول فتى والثاني يذكرهم بخلاف ما لو دخلت على ما يسمع كأن قلت سمعت كلام زيد فانها تتعدى لواحد.
3- معنى الاستعلاء:
معنى الاستعلاء العلو فالسين والتاء للعلو لا للطلب ويكون الاستعلاء على نوعين حقيقي نحوَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ»
ومجازي نحو «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ» «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» شبه التمكن من الهدى والأخلاق العظيمة الشريفة والثبوت عليها بمن على دابة يصرفها كيف شاء وكذلك قولهم: عليه دين كأن شيئا اعتلاه وكما في قوله «عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ» أي يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن منها ثبات الراكب على المركوب وتملكه منه.
الأنبياء 21:58
اللغة:
(جُذاذاً) : في القاموس الجذاذ بتثليث الجيم: ما تكسر من الشيء وفعله جذّ يجذّ من باب نصر وقد تقدمت الخصائص لاجتماع الجيم والذال فاء وعينا للكلمة.
الإعراب:
(قالَ: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) بل حرف إضراب وربكم مبتدأ ورب السموات والأرض خبر والذي صفة لرب وجملة فطرهن صلة والضمير يعود على السموات والأرض أو على التماثيل ورجح الزمخشري الثاني لكونه «أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم» ويدل على ذلك أيضا قوله «وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» كأنه قال وسأبين لكم ذلك وأبرهن عليه، وأنا مبتدأ خبره من الشاهدين وعلى ذلك متعلقان بالشاهدين. (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) وهذا شروع في تأكيد الطريقة الفعلية أو الدليل العملي كما يقال فالواو عاطفة والتاء تاء القسم وسيرد بحث هام عن حروف القسم الجارة في باب الفوائد والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم واللام جواب القسم وأكيدن فعل مضارع مبني على الفتح لوجوب توكيده بنون التوكيد الثقيلة وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا وأصنامكم مفعول به وبعد ظرف متعلق بأكيدن وأن وما في حيزها مصدر مؤول مضاف إلى الظروف ومدبرين حال أي تعودوا إلى مجتمعاتكم. (فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) الفاء عاطفة على محذوف تقديره فولوا وعادوا إلى مجتمعاتهم وذهب معهم ابراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا فرجع إبراهيم إلى بيت الأصنام وقبالة الباب صنم عظيم والى جنبه أصغر منه وهكذا دواليك فقال لهم إبراهيم ألا تأكلون فلم ينبس أحد فانهال عليهم تكسيرا فجعلهم ... والقصة بكاملها مروية في الخازن وغيره.
وجعلهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول وجذاذا مفعول به ثان وإلا أداة استثناء لأن الكلام تام موجب وكبيرا مستثنى من الهاء أي لم يكسره وتركه لحبك النكتة واستكمال الهزء بهم، ولعل واسمها واليه متعلقان بيرجعون وجملة يرجعون خبر لعل وفي هذا من التهكم ما فيه.
(قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) قالوا فعل وفاعل ومن اسم استفهام قصد به الإنكار مبتدأ وجملة فعل خبر وهذا مفعول فعل وبآلهتنا متعلقان بفعل ولم يشيروا إليها بهؤلاء وهي أمامهم لوضع الظاهر موضع المضمر وقد تقدم بحثه وجملة إنه لمن الظالمين مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدم وتأكيد استنكارهم لما حدث وان واسمها واللام المزحلقة ومن الظالمين خبران. (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) جملة سمعنا مقول القول وفتى مفعول سمعنا وجملة يذكرهم مفعول به ثان وستأتي خاصة فعل سمع في باب الفوائد وجملة يقال صفة لفتى وله متعلقان بيقال وابراهيم: في رفعه عدة أوجه متساوية الرجحان أولها انه نائب فاعل، يقال أي يقال له هذا اللفظ قال الزمخشري: وهو الصحيح لأن المراد الاسم لا المسمى وثانيها أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ابراهيم أو هذا ابراهيم وثالثها أنه مبتدأ محذوف الخبر أي ابراهيم فاعل ذلك ورابعها انه منادى وحرف النداء محذوف أي يا ابراهيم. (قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) فأتوا الفاء الفصيحة وأتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وبه متعلقان بقوله فأتوا، وعلى أعين الناس في محل نصب على الحال من الضمير المجرور بالباء أي ائتوا به حال كونه معاينا مشاهدا وسيأتي سر الاستعلاء في هذا التعبير ولعلهم لعل واسمها وجملة يشهدون خبرها أي يشهدون عليه انه الفاعل.
الفوائد:
في هذه الآيات فوائد كثيرة نورد أهمها فيما يلي:
1- حروف القسم:
أصل حروف القسم الباء والواو مبدلة منها وانما قلنا ذلك لأنها حرف الجر الذي يضاف به فعل الحلف إلى المحلوف وذلك الفعل أحلف أو أقسم أو نحوهما ولكنه لما كان الفعل غير متعد وصلوه بالباء المعدية فصار أحلف بالله أو أقسم بالله، قال الله تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ» وقال الشاعر:
أقسم بالله وآلائه ... والمرء عما قال مسئول
وقال زهير بن أبي سلمى:
فأقست بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم
وانما خص الباء بذلك دون غيرها من حروف الجر لأمور:
آ- انه يجوز ذكر فعل القسم معها كما رأيت في الشواهد المتقدمة ولا يجوز ذلك في الواو والتاء فلا تقول أقسم والله ولا أقسم تالله.
ب- جواز دخولها على الضمير دون غيرها من الحروف تقول:
بك لأفعلن ولا تقول تك ولا وك، ومعروف أن الضمير يرد الشيء إلى أصله.
ج- استعمالها في القسم الاستعطافي وذلك أن القسم جملة انشائية يقصد بها تأكيد جملة أخرى فإن كانت هذه الجملة الاخرى انشائية أيضا فذلك هو القسم الاستعطافي نحو بالله هل قام زيد أي أسألك بالله مستحلفا. ومن القسم الاستعطافي بالباء قول المجنون:
بربك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها
د- اختصاص الباء دون الواو والتاء بمجيئها لغير القسم وهو ظاهر.
ولما كثر استعمال ذلك في الحلف آثروا التخفيف فحذفوا الفعل من اللفظ وهو مراد ليعلق حرف الجر به ثم أبدلوا الواو من الباء توسعا في اللغة ولأنها أخف لأن الواو أخف من الباء وحركتها أخف من حركة الباء وانما خصوا الواو بذلك لأمرين:
آ- انها من مخرج الباء أي من الشفتين.
ب- من جهة المعنى وذلك ان الباء معناها الإلصاق والواو معناها الاجتماع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد جاء معه.
وأما التاء فهي مبدلة من الواو لأنه قد كثر إبدالها في نحو تكأة وتراث وتخمة لشبهها من جهة اتساع المخرج وهي من الحروف المهموسة فناسب همسها لين حروف اللين، ولما كانت الواو بدلا من الباء والبدل ينحط عن درجة الأصل فلذلك لا تدخل إلا على كل ظاهر ولا تدخل على المضمر لانحطاط الفرع عن درجة الأصل لأنه من المرتبة الثانية والتاء لما كانت بدلا من الواو وكانت من المرتبة الثالثة انحطت عن درجة الواو فاختصت باسم الله تعالى لكثرة الحلف به وقد يكون فيها معنى التعجب قال الله تعالى: «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ» على طريق التعجب وكالآية التي نحن بصددها كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه لأن ذلك كان أمرا مقنوطا منه أو مشكوكا فيه على الأقل لتعذره وصعوبته.
2- خصائص فعل سمع:
لهذا الفعل خصائص عجيبة وذلك انه إذا دخل على ما لا يسمع تعدى لاثنين كما في الآية الكريمة فالمفعول الأول فتى والثاني يذكرهم بخلاف ما لو دخلت على ما يسمع كأن قلت سمعت كلام زيد فانها تتعدى لواحد.
3- معنى الاستعلاء:
معنى الاستعلاء العلو فالسين والتاء للعلو لا للطلب ويكون الاستعلاء على نوعين حقيقي نحوَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ»
ومجازي نحو «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ» «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» شبه التمكن من الهدى والأخلاق العظيمة الشريفة والثبوت عليها بمن على دابة يصرفها كيف شاء وكذلك قولهم: عليه دين كأن شيئا اعتلاه وكما في قوله «عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ» أي يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن منها ثبات الراكب على المركوب وتملكه منه.