Lafzullah

I'rab Al Quran li Al Darwish — الأنبياء 21:59 – الأنبياء 21:112

المؤلف / المصدر: I'rab Al Quran li Al Darwish

المحتويات
  1. الأنبياء 21:59
  2. الأنبياء 21:60
  3. الأنبياء 21:61
  4. الأنبياء 21:62
  5. الأنبياء 21:63
  6. الأنبياء 21:64
  7. الأنبياء 21:65
  8. الأنبياء 21:66
  9. الأنبياء 21:67
  10. الأنبياء 21:68
  11. الأنبياء 21:69
  12. الأنبياء 21:70
  13. الأنبياء 21:71
  14. الأنبياء 21:72
  15. الأنبياء 21:73
  16. الأنبياء 21:74
  17. الأنبياء 21:75
  18. الأنبياء 21:76
  19. الأنبياء 21:77
  20. الأنبياء 21:78
  21. الأنبياء 21:79
  22. الأنبياء 21:80
  23. الأنبياء 21:81
  24. الأنبياء 21:82
  25. الأنبياء 21:83
  26. الأنبياء 21:84
  27. الأنبياء 21:85
  28. الأنبياء 21:86
  29. الأنبياء 21:87
  30. الأنبياء 21:88
  31. الأنبياء 21:89
  32. الأنبياء 21:90
  33. الأنبياء 21:91
  34. الأنبياء 21:92
  35. الأنبياء 21:93
  36. الأنبياء 21:94
  37. الأنبياء 21:95
  38. الأنبياء 21:96
  39. الأنبياء 21:97
  40. الأنبياء 21:98
  41. الأنبياء 21:99
  42. الأنبياء 21:100
  43. الأنبياء 21:101
  44. الأنبياء 21:102
  45. الأنبياء 21:103
  46. الأنبياء 21:104
  47. الأنبياء 21:105
  48. الأنبياء 21:106
  49. الأنبياء 21:107
  50. الأنبياء 21:108
  51. الأنبياء 21:109
  52. الأنبياء 21:110
  53. الأنبياء 21:111
  54. الأنبياء 21:112

الأنبياء 21:59

اللغة: (جُذاذاً) : في القاموس الجذاذ بتثليث الجيم: ما تكسر من الشيء وفعله جذّ يجذّ من باب نصر وقد تقدمت الخصائص لاجتماع الجيم والذال فاء وعينا للكلمة. الإعراب: (قالَ: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) بل حرف إضراب وربكم مبتدأ ورب السموات والأرض خبر والذي صفة لرب وجملة فطرهن صلة والضمير يعود على السموات والأرض أو على التماثيل ورجح الزمخشري الثاني لكونه «أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم» ويدل على ذلك أيضا قوله «وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» كأنه قال وسأبين لكم ذلك وأبرهن عليه، وأنا مبتدأ خبره من الشاهدين وعلى ذلك متعلقان بالشاهدين. (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) وهذا شروع في تأكيد الطريقة الفعلية أو الدليل العملي كما يقال فالواو عاطفة والتاء تاء القسم وسيرد بحث هام عن حروف القسم الجارة في باب الفوائد والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم واللام جواب القسم وأكيدن فعل مضارع مبني على الفتح لوجوب توكيده بنون التوكيد الثقيلة وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا وأصنامكم مفعول به وبعد ظرف متعلق بأكيدن وأن وما في حيزها مصدر مؤول مضاف إلى الظروف ومدبرين حال أي تعودوا إلى مجتمعاتكم. (فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) الفاء عاطفة على محذوف تقديره فولوا وعادوا إلى مجتمعاتهم وذهب معهم ابراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا فرجع إبراهيم إلى بيت الأصنام وقبالة الباب صنم عظيم والى جنبه أصغر منه وهكذا دواليك فقال لهم إبراهيم ألا تأكلون فلم ينبس أحد فانهال عليهم تكسيرا فجعلهم ... والقصة بكاملها مروية في الخازن وغيره. وجعلهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول وجذاذا مفعول به ثان وإلا أداة استثناء لأن الكلام تام موجب وكبيرا مستثنى من الهاء أي لم يكسره وتركه لحبك النكتة واستكمال الهزء بهم، ولعل واسمها واليه متعلقان بيرجعون وجملة يرجعون خبر لعل وفي هذا من التهكم ما فيه. (قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) قالوا فعل وفاعل ومن اسم استفهام قصد به الإنكار مبتدأ وجملة فعل خبر وهذا مفعول فعل وبآلهتنا متعلقان بفعل ولم يشيروا إليها بهؤلاء وهي أمامهم لوضع الظاهر موضع المضمر وقد تقدم بحثه وجملة إنه لمن الظالمين مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدم وتأكيد استنكارهم لما حدث وان واسمها واللام المزحلقة ومن الظالمين خبران. (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) جملة سمعنا مقول القول وفتى مفعول سمعنا وجملة يذكرهم مفعول به ثان وستأتي خاصة فعل سمع في باب الفوائد وجملة يقال صفة لفتى وله متعلقان بيقال وابراهيم: في رفعه عدة أوجه متساوية الرجحان أولها انه نائب فاعل، يقال أي يقال له هذا اللفظ قال الزمخشري: وهو الصحيح لأن المراد الاسم لا المسمى وثانيها أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ابراهيم أو هذا ابراهيم وثالثها أنه مبتدأ محذوف الخبر أي ابراهيم فاعل ذلك ورابعها انه منادى وحرف النداء محذوف أي يا ابراهيم. (قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) فأتوا الفاء الفصيحة وأتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وبه متعلقان بقوله فأتوا، وعلى أعين الناس في محل نصب على الحال من الضمير المجرور بالباء أي ائتوا به حال كونه معاينا مشاهدا وسيأتي سر الاستعلاء في هذا التعبير ولعلهم لعل واسمها وجملة يشهدون خبرها أي يشهدون عليه انه الفاعل. الفوائد: في هذه الآيات فوائد كثيرة نورد أهمها فيما يلي: 1- حروف القسم: أصل حروف القسم الباء والواو مبدلة منها وانما قلنا ذلك لأنها حرف الجر الذي يضاف به فعل الحلف إلى المحلوف وذلك الفعل أحلف أو أقسم أو نحوهما ولكنه لما كان الفعل غير متعد وصلوه بالباء المعدية فصار أحلف بالله أو أقسم بالله، قال الله تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ» وقال الشاعر: أقسم بالله وآلائه ... والمرء عما قال مسئول وقال زهير بن أبي سلمى: فأقست بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم وانما خص الباء بذلك دون غيرها من حروف الجر لأمور: آ- انه يجوز ذكر فعل القسم معها كما رأيت في الشواهد المتقدمة ولا يجوز ذلك في الواو والتاء فلا تقول أقسم والله ولا أقسم تالله. ب- جواز دخولها على الضمير دون غيرها من الحروف تقول: بك لأفعلن ولا تقول تك ولا وك، ومعروف أن الضمير يرد الشيء إلى أصله. ج- استعمالها في القسم الاستعطافي وذلك أن القسم جملة انشائية يقصد بها تأكيد جملة أخرى فإن كانت هذه الجملة الاخرى انشائية أيضا فذلك هو القسم الاستعطافي نحو بالله هل قام زيد أي أسألك بالله مستحلفا. ومن القسم الاستعطافي بالباء قول المجنون: بربك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها د- اختصاص الباء دون الواو والتاء بمجيئها لغير القسم وهو ظاهر. ولما كثر استعمال ذلك في الحلف آثروا التخفيف فحذفوا الفعل من اللفظ وهو مراد ليعلق حرف الجر به ثم أبدلوا الواو من الباء توسعا في اللغة ولأنها أخف لأن الواو أخف من الباء وحركتها أخف من حركة الباء وانما خصوا الواو بذلك لأمرين: آ- انها من مخرج الباء أي من الشفتين. ب- من جهة المعنى وذلك ان الباء معناها الإلصاق والواو معناها الاجتماع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد جاء معه. وأما التاء فهي مبدلة من الواو لأنه قد كثر إبدالها في نحو تكأة وتراث وتخمة لشبهها من جهة اتساع المخرج وهي من الحروف المهموسة فناسب همسها لين حروف اللين، ولما كانت الواو بدلا من الباء والبدل ينحط عن درجة الأصل فلذلك لا تدخل إلا على كل ظاهر ولا تدخل على المضمر لانحطاط الفرع عن درجة الأصل لأنه من المرتبة الثانية والتاء لما كانت بدلا من الواو وكانت من المرتبة الثالثة انحطت عن درجة الواو فاختصت باسم الله تعالى لكثرة الحلف به وقد يكون فيها معنى التعجب قال الله تعالى: «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ» على طريق التعجب وكالآية التي نحن بصددها كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه لأن ذلك كان أمرا مقنوطا منه أو مشكوكا فيه على الأقل لتعذره وصعوبته. 2- خصائص فعل سمع: لهذا الفعل خصائص عجيبة وذلك انه إذا دخل على ما لا يسمع تعدى لاثنين كما في الآية الكريمة فالمفعول الأول فتى والثاني يذكرهم بخلاف ما لو دخلت على ما يسمع كأن قلت سمعت كلام زيد فانها تتعدى لواحد. 3- معنى الاستعلاء: معنى الاستعلاء العلو فالسين والتاء للعلو لا للطلب ويكون الاستعلاء على نوعين حقيقي نحوَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ» ومجازي نحو «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ» «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» شبه التمكن من الهدى والأخلاق العظيمة الشريفة والثبوت عليها بمن على دابة يصرفها كيف شاء وكذلك قولهم: عليه دين كأن شيئا اعتلاه وكما في قوله «عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ» أي يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن منها ثبات الراكب على المركوب وتملكه منه.

الأنبياء 21:60

اللغة: (جُذاذاً) : في القاموس الجذاذ بتثليث الجيم: ما تكسر من الشيء وفعله جذّ يجذّ من باب نصر وقد تقدمت الخصائص لاجتماع الجيم والذال فاء وعينا للكلمة. الإعراب: (قالَ: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) بل حرف إضراب وربكم مبتدأ ورب السموات والأرض خبر والذي صفة لرب وجملة فطرهن صلة والضمير يعود على السموات والأرض أو على التماثيل ورجح الزمخشري الثاني لكونه «أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم» ويدل على ذلك أيضا قوله «وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» كأنه قال وسأبين لكم ذلك وأبرهن عليه، وأنا مبتدأ خبره من الشاهدين وعلى ذلك متعلقان بالشاهدين. (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) وهذا شروع في تأكيد الطريقة الفعلية أو الدليل العملي كما يقال فالواو عاطفة والتاء تاء القسم وسيرد بحث هام عن حروف القسم الجارة في باب الفوائد والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم واللام جواب القسم وأكيدن فعل مضارع مبني على الفتح لوجوب توكيده بنون التوكيد الثقيلة وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا وأصنامكم مفعول به وبعد ظرف متعلق بأكيدن وأن وما في حيزها مصدر مؤول مضاف إلى الظروف ومدبرين حال أي تعودوا إلى مجتمعاتكم. (فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) الفاء عاطفة على محذوف تقديره فولوا وعادوا إلى مجتمعاتهم وذهب معهم ابراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا فرجع إبراهيم إلى بيت الأصنام وقبالة الباب صنم عظيم والى جنبه أصغر منه وهكذا دواليك فقال لهم إبراهيم ألا تأكلون فلم ينبس أحد فانهال عليهم تكسيرا فجعلهم ... والقصة بكاملها مروية في الخازن وغيره. وجعلهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول وجذاذا مفعول به ثان وإلا أداة استثناء لأن الكلام تام موجب وكبيرا مستثنى من الهاء أي لم يكسره وتركه لحبك النكتة واستكمال الهزء بهم، ولعل واسمها واليه متعلقان بيرجعون وجملة يرجعون خبر لعل وفي هذا من التهكم ما فيه. (قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) قالوا فعل وفاعل ومن اسم استفهام قصد به الإنكار مبتدأ وجملة فعل خبر وهذا مفعول فعل وبآلهتنا متعلقان بفعل ولم يشيروا إليها بهؤلاء وهي أمامهم لوضع الظاهر موضع المضمر وقد تقدم بحثه وجملة إنه لمن الظالمين مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدم وتأكيد استنكارهم لما حدث وان واسمها واللام المزحلقة ومن الظالمين خبران. (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) جملة سمعنا مقول القول وفتى مفعول سمعنا وجملة يذكرهم مفعول به ثان وستأتي خاصة فعل سمع في باب الفوائد وجملة يقال صفة لفتى وله متعلقان بيقال وابراهيم: في رفعه عدة أوجه متساوية الرجحان أولها انه نائب فاعل، يقال أي يقال له هذا اللفظ قال الزمخشري: وهو الصحيح لأن المراد الاسم لا المسمى وثانيها أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ابراهيم أو هذا ابراهيم وثالثها أنه مبتدأ محذوف الخبر أي ابراهيم فاعل ذلك ورابعها انه منادى وحرف النداء محذوف أي يا ابراهيم. (قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) فأتوا الفاء الفصيحة وأتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وبه متعلقان بقوله فأتوا، وعلى أعين الناس في محل نصب على الحال من الضمير المجرور بالباء أي ائتوا به حال كونه معاينا مشاهدا وسيأتي سر الاستعلاء في هذا التعبير ولعلهم لعل واسمها وجملة يشهدون خبرها أي يشهدون عليه انه الفاعل. الفوائد: في هذه الآيات فوائد كثيرة نورد أهمها فيما يلي: 1- حروف القسم: أصل حروف القسم الباء والواو مبدلة منها وانما قلنا ذلك لأنها حرف الجر الذي يضاف به فعل الحلف إلى المحلوف وذلك الفعل أحلف أو أقسم أو نحوهما ولكنه لما كان الفعل غير متعد وصلوه بالباء المعدية فصار أحلف بالله أو أقسم بالله، قال الله تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ» وقال الشاعر: أقسم بالله وآلائه ... والمرء عما قال مسئول وقال زهير بن أبي سلمى: فأقست بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم وانما خص الباء بذلك دون غيرها من حروف الجر لأمور: آ- انه يجوز ذكر فعل القسم معها كما رأيت في الشواهد المتقدمة ولا يجوز ذلك في الواو والتاء فلا تقول أقسم والله ولا أقسم تالله. ب- جواز دخولها على الضمير دون غيرها من الحروف تقول: بك لأفعلن ولا تقول تك ولا وك، ومعروف أن الضمير يرد الشيء إلى أصله. ج- استعمالها في القسم الاستعطافي وذلك أن القسم جملة انشائية يقصد بها تأكيد جملة أخرى فإن كانت هذه الجملة الاخرى انشائية أيضا فذلك هو القسم الاستعطافي نحو بالله هل قام زيد أي أسألك بالله مستحلفا. ومن القسم الاستعطافي بالباء قول المجنون: بربك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها د- اختصاص الباء دون الواو والتاء بمجيئها لغير القسم وهو ظاهر. ولما كثر استعمال ذلك في الحلف آثروا التخفيف فحذفوا الفعل من اللفظ وهو مراد ليعلق حرف الجر به ثم أبدلوا الواو من الباء توسعا في اللغة ولأنها أخف لأن الواو أخف من الباء وحركتها أخف من حركة الباء وانما خصوا الواو بذلك لأمرين: آ- انها من مخرج الباء أي من الشفتين. ب- من جهة المعنى وذلك ان الباء معناها الإلصاق والواو معناها الاجتماع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد جاء معه. وأما التاء فهي مبدلة من الواو لأنه قد كثر إبدالها في نحو تكأة وتراث وتخمة لشبهها من جهة اتساع المخرج وهي من الحروف المهموسة فناسب همسها لين حروف اللين، ولما كانت الواو بدلا من الباء والبدل ينحط عن درجة الأصل فلذلك لا تدخل إلا على كل ظاهر ولا تدخل على المضمر لانحطاط الفرع عن درجة الأصل لأنه من المرتبة الثانية والتاء لما كانت بدلا من الواو وكانت من المرتبة الثالثة انحطت عن درجة الواو فاختصت باسم الله تعالى لكثرة الحلف به وقد يكون فيها معنى التعجب قال الله تعالى: «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ» على طريق التعجب وكالآية التي نحن بصددها كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه لأن ذلك كان أمرا مقنوطا منه أو مشكوكا فيه على الأقل لتعذره وصعوبته. 2- خصائص فعل سمع: لهذا الفعل خصائص عجيبة وذلك انه إذا دخل على ما لا يسمع تعدى لاثنين كما في الآية الكريمة فالمفعول الأول فتى والثاني يذكرهم بخلاف ما لو دخلت على ما يسمع كأن قلت سمعت كلام زيد فانها تتعدى لواحد. 3- معنى الاستعلاء: معنى الاستعلاء العلو فالسين والتاء للعلو لا للطلب ويكون الاستعلاء على نوعين حقيقي نحوَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ» ومجازي نحو «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ» «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» شبه التمكن من الهدى والأخلاق العظيمة الشريفة والثبوت عليها بمن على دابة يصرفها كيف شاء وكذلك قولهم: عليه دين كأن شيئا اعتلاه وكما في قوله «عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ» أي يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن منها ثبات الراكب على المركوب وتملكه منه.

الأنبياء 21:61

اللغة: (جُذاذاً) : في القاموس الجذاذ بتثليث الجيم: ما تكسر من الشيء وفعله جذّ يجذّ من باب نصر وقد تقدمت الخصائص لاجتماع الجيم والذال فاء وعينا للكلمة. الإعراب: (قالَ: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) بل حرف إضراب وربكم مبتدأ ورب السموات والأرض خبر والذي صفة لرب وجملة فطرهن صلة والضمير يعود على السموات والأرض أو على التماثيل ورجح الزمخشري الثاني لكونه «أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم» ويدل على ذلك أيضا قوله «وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» كأنه قال وسأبين لكم ذلك وأبرهن عليه، وأنا مبتدأ خبره من الشاهدين وعلى ذلك متعلقان بالشاهدين. (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) وهذا شروع في تأكيد الطريقة الفعلية أو الدليل العملي كما يقال فالواو عاطفة والتاء تاء القسم وسيرد بحث هام عن حروف القسم الجارة في باب الفوائد والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم واللام جواب القسم وأكيدن فعل مضارع مبني على الفتح لوجوب توكيده بنون التوكيد الثقيلة وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا وأصنامكم مفعول به وبعد ظرف متعلق بأكيدن وأن وما في حيزها مصدر مؤول مضاف إلى الظروف ومدبرين حال أي تعودوا إلى مجتمعاتكم. (فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) الفاء عاطفة على محذوف تقديره فولوا وعادوا إلى مجتمعاتهم وذهب معهم ابراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا فرجع إبراهيم إلى بيت الأصنام وقبالة الباب صنم عظيم والى جنبه أصغر منه وهكذا دواليك فقال لهم إبراهيم ألا تأكلون فلم ينبس أحد فانهال عليهم تكسيرا فجعلهم ... والقصة بكاملها مروية في الخازن وغيره. وجعلهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول وجذاذا مفعول به ثان وإلا أداة استثناء لأن الكلام تام موجب وكبيرا مستثنى من الهاء أي لم يكسره وتركه لحبك النكتة واستكمال الهزء بهم، ولعل واسمها واليه متعلقان بيرجعون وجملة يرجعون خبر لعل وفي هذا من التهكم ما فيه. (قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) قالوا فعل وفاعل ومن اسم استفهام قصد به الإنكار مبتدأ وجملة فعل خبر وهذا مفعول فعل وبآلهتنا متعلقان بفعل ولم يشيروا إليها بهؤلاء وهي أمامهم لوضع الظاهر موضع المضمر وقد تقدم بحثه وجملة إنه لمن الظالمين مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدم وتأكيد استنكارهم لما حدث وان واسمها واللام المزحلقة ومن الظالمين خبران. (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) جملة سمعنا مقول القول وفتى مفعول سمعنا وجملة يذكرهم مفعول به ثان وستأتي خاصة فعل سمع في باب الفوائد وجملة يقال صفة لفتى وله متعلقان بيقال وابراهيم: في رفعه عدة أوجه متساوية الرجحان أولها انه نائب فاعل، يقال أي يقال له هذا اللفظ قال الزمخشري: وهو الصحيح لأن المراد الاسم لا المسمى وثانيها أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ابراهيم أو هذا ابراهيم وثالثها أنه مبتدأ محذوف الخبر أي ابراهيم فاعل ذلك ورابعها انه منادى وحرف النداء محذوف أي يا ابراهيم. (قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) فأتوا الفاء الفصيحة وأتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وبه متعلقان بقوله فأتوا، وعلى أعين الناس في محل نصب على الحال من الضمير المجرور بالباء أي ائتوا به حال كونه معاينا مشاهدا وسيأتي سر الاستعلاء في هذا التعبير ولعلهم لعل واسمها وجملة يشهدون خبرها أي يشهدون عليه انه الفاعل. الفوائد: في هذه الآيات فوائد كثيرة نورد أهمها فيما يلي: 1- حروف القسم: أصل حروف القسم الباء والواو مبدلة منها وانما قلنا ذلك لأنها حرف الجر الذي يضاف به فعل الحلف إلى المحلوف وذلك الفعل أحلف أو أقسم أو نحوهما ولكنه لما كان الفعل غير متعد وصلوه بالباء المعدية فصار أحلف بالله أو أقسم بالله، قال الله تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ» وقال الشاعر: أقسم بالله وآلائه ... والمرء عما قال مسئول وقال زهير بن أبي سلمى: فأقست بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم وانما خص الباء بذلك دون غيرها من حروف الجر لأمور: آ- انه يجوز ذكر فعل القسم معها كما رأيت في الشواهد المتقدمة ولا يجوز ذلك في الواو والتاء فلا تقول أقسم والله ولا أقسم تالله. ب- جواز دخولها على الضمير دون غيرها من الحروف تقول: بك لأفعلن ولا تقول تك ولا وك، ومعروف أن الضمير يرد الشيء إلى أصله. ج- استعمالها في القسم الاستعطافي وذلك أن القسم جملة انشائية يقصد بها تأكيد جملة أخرى فإن كانت هذه الجملة الاخرى انشائية أيضا فذلك هو القسم الاستعطافي نحو بالله هل قام زيد أي أسألك بالله مستحلفا. ومن القسم الاستعطافي بالباء قول المجنون: بربك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها د- اختصاص الباء دون الواو والتاء بمجيئها لغير القسم وهو ظاهر. ولما كثر استعمال ذلك في الحلف آثروا التخفيف فحذفوا الفعل من اللفظ وهو مراد ليعلق حرف الجر به ثم أبدلوا الواو من الباء توسعا في اللغة ولأنها أخف لأن الواو أخف من الباء وحركتها أخف من حركة الباء وانما خصوا الواو بذلك لأمرين: آ- انها من مخرج الباء أي من الشفتين. ب- من جهة المعنى وذلك ان الباء معناها الإلصاق والواو معناها الاجتماع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد جاء معه. وأما التاء فهي مبدلة من الواو لأنه قد كثر إبدالها في نحو تكأة وتراث وتخمة لشبهها من جهة اتساع المخرج وهي من الحروف المهموسة فناسب همسها لين حروف اللين، ولما كانت الواو بدلا من الباء والبدل ينحط عن درجة الأصل فلذلك لا تدخل إلا على كل ظاهر ولا تدخل على المضمر لانحطاط الفرع عن درجة الأصل لأنه من المرتبة الثانية والتاء لما كانت بدلا من الواو وكانت من المرتبة الثالثة انحطت عن درجة الواو فاختصت باسم الله تعالى لكثرة الحلف به وقد يكون فيها معنى التعجب قال الله تعالى: «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ» على طريق التعجب وكالآية التي نحن بصددها كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه لأن ذلك كان أمرا مقنوطا منه أو مشكوكا فيه على الأقل لتعذره وصعوبته. 2- خصائص فعل سمع: لهذا الفعل خصائص عجيبة وذلك انه إذا دخل على ما لا يسمع تعدى لاثنين كما في الآية الكريمة فالمفعول الأول فتى والثاني يذكرهم بخلاف ما لو دخلت على ما يسمع كأن قلت سمعت كلام زيد فانها تتعدى لواحد. 3- معنى الاستعلاء: معنى الاستعلاء العلو فالسين والتاء للعلو لا للطلب ويكون الاستعلاء على نوعين حقيقي نحوَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ» ومجازي نحو «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ» «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» شبه التمكن من الهدى والأخلاق العظيمة الشريفة والثبوت عليها بمن على دابة يصرفها كيف شاء وكذلك قولهم: عليه دين كأن شيئا اعتلاه وكما في قوله «عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ» أي يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن منها ثبات الراكب على المركوب وتملكه منه.

الأنبياء 21:62

الإعراب: (قالُوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟) الهمزة للاستفهام وأنت مبتدأ وجملة فعلت خبر وهذا مفعول به وبآلهتنا متعلقان بفعلت ويا حرف نداء وابراهيم منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب منادى. (قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) بل حرف إضراب وفعله كبيرهم فعل ومفعول به وفاعل مؤخر وهذا نعت لكبيرهم أو بدل منه والفاء الفصيحة واسألوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وإن شرطية وكانوا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والواو اسمها وجملة ينطقون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاسألوهم. (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) الفاء عاطفة ورجعوا فعل ماض وفاعل والى أنفسهم متعلقان برجعوا فقالوا عطف على فرجعوا وإنكم ان واسمها وجملة أنتم الظالمون خبرها ولك أن تجعل أنتم ضمير فصل والظالمون خبر إن. (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) ثم حرف عطف للتراخي وسيأتي معنى التنكيس في باب البلاغة ونكسوا فعل ونائب فاعل وعلى رءوسهم حال أي كائنين على رءوسهم ولك أن تعلقه بنفس الفعل ومعنى التنكيس القلب يقال نكس رأسه ونكسه مخففا ومشددا أي طأطأه حتى صار أعلاه أسفله واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعلمت فعل وفاعل والخطاب لابراهيم والجملة معمول لقول محذوف في موضع الحال وما نافية حجازية وهؤلاء اسمها وجملة ينطقون خبرها وجملة ما هؤلاء ينطقون في موضع المفعولين لعلمت أو في موضع المفعول الواحد إن كانت علمت بمعنى عرفت. (قالَ: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف وتعبدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومن دون الله حال وما مفعول به وجملة لا ينفعكم صلة وشيئا مفعول مطلق ولا يضركم عطف على لا ينفعكم. (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) أف اسم فعل مضارع وقد تقدمت اللغات فيها ومعناه أتضجر ولكم متعلقان بمحذوف حال لأن اللام للبيان بالنسبة للمتأفف ولما تعبدون عطف على لكم وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية وتعقلون فعل مضارع والواو فاعل. (قالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) حرقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وانصروا فعل أمر وفاعل وآلهتكم مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل الشرط والتاء اسم كان وفاعلين خبرها وجواب ان محذوف دل عليه ما قبله أي فحرقوه وانصروا آلهتكم. (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) لا بد من تقدير جمل محذوفة أي فأزمعوا أمرهم على حرقه فجمعوا الحطب الكثير وأضرموا النار وأوثقوا ابراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، وقلنا فعل وفاعل ويا حرف نداء ونار منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب وكوني فعل أمر ناقص والياء اسمها وبردا خبرها وسلاما عطف على بردا وعلى ابراهيم صفة سلاما. (وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الواو حرف عطف وأرادوا فعل ماض وفاعل وبه متعلقان بأرادوا وكيدا مفعول به، فجعلناهم الفاء حرف عطف وجعلناهم عطف على أرادوا والأخسرين مفعول به ثان. البلاغة: 1- تجاهل العارف: في قوله: «أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ» فن طريف من فنونهم يسمى تجاهل العارف وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج الكلام مخرج المدح أو الذم أو ليدل على شدة الوله في الحب أو لقصد التعجب أو التوبيخ أو التقرير وهو على قسمين موجب ومنفي والآية التي نحن بصددها من التجاهل الموجب الجاري مجرى التقرير. 2- التعريض: في قوله «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» فن التعريض، وقد تقدمت الاشارة اليه أكثر من مرة، أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة لانهم إذا قالوا لا ينطقون قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه، فهذا الكلام من فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته.

الأنبياء 21:63

الإعراب: (قالُوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟) الهمزة للاستفهام وأنت مبتدأ وجملة فعلت خبر وهذا مفعول به وبآلهتنا متعلقان بفعلت ويا حرف نداء وابراهيم منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب منادى. (قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) بل حرف إضراب وفعله كبيرهم فعل ومفعول به وفاعل مؤخر وهذا نعت لكبيرهم أو بدل منه والفاء الفصيحة واسألوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وإن شرطية وكانوا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والواو اسمها وجملة ينطقون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاسألوهم. (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) الفاء عاطفة ورجعوا فعل ماض وفاعل والى أنفسهم متعلقان برجعوا فقالوا عطف على فرجعوا وإنكم ان واسمها وجملة أنتم الظالمون خبرها ولك أن تجعل أنتم ضمير فصل والظالمون خبر إن. (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) ثم حرف عطف للتراخي وسيأتي معنى التنكيس في باب البلاغة ونكسوا فعل ونائب فاعل وعلى رءوسهم حال أي كائنين على رءوسهم ولك أن تعلقه بنفس الفعل ومعنى التنكيس القلب يقال نكس رأسه ونكسه مخففا ومشددا أي طأطأه حتى صار أعلاه أسفله واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعلمت فعل وفاعل والخطاب لابراهيم والجملة معمول لقول محذوف في موضع الحال وما نافية حجازية وهؤلاء اسمها وجملة ينطقون خبرها وجملة ما هؤلاء ينطقون في موضع المفعولين لعلمت أو في موضع المفعول الواحد إن كانت علمت بمعنى عرفت. (قالَ: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف وتعبدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومن دون الله حال وما مفعول به وجملة لا ينفعكم صلة وشيئا مفعول مطلق ولا يضركم عطف على لا ينفعكم. (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) أف اسم فعل مضارع وقد تقدمت اللغات فيها ومعناه أتضجر ولكم متعلقان بمحذوف حال لأن اللام للبيان بالنسبة للمتأفف ولما تعبدون عطف على لكم وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية وتعقلون فعل مضارع والواو فاعل. (قالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) حرقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وانصروا فعل أمر وفاعل وآلهتكم مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل الشرط والتاء اسم كان وفاعلين خبرها وجواب ان محذوف دل عليه ما قبله أي فحرقوه وانصروا آلهتكم. (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) لا بد من تقدير جمل محذوفة أي فأزمعوا أمرهم على حرقه فجمعوا الحطب الكثير وأضرموا النار وأوثقوا ابراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، وقلنا فعل وفاعل ويا حرف نداء ونار منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب وكوني فعل أمر ناقص والياء اسمها وبردا خبرها وسلاما عطف على بردا وعلى ابراهيم صفة سلاما. (وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الواو حرف عطف وأرادوا فعل ماض وفاعل وبه متعلقان بأرادوا وكيدا مفعول به، فجعلناهم الفاء حرف عطف وجعلناهم عطف على أرادوا والأخسرين مفعول به ثان. البلاغة: 1- تجاهل العارف: في قوله: «أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ» فن طريف من فنونهم يسمى تجاهل العارف وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج الكلام مخرج المدح أو الذم أو ليدل على شدة الوله في الحب أو لقصد التعجب أو التوبيخ أو التقرير وهو على قسمين موجب ومنفي والآية التي نحن بصددها من التجاهل الموجب الجاري مجرى التقرير. 2- التعريض: في قوله «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» فن التعريض، وقد تقدمت الاشارة اليه أكثر من مرة، أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة لانهم إذا قالوا لا ينطقون قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه، فهذا الكلام من فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته.

الأنبياء 21:64

الإعراب: (قالُوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟) الهمزة للاستفهام وأنت مبتدأ وجملة فعلت خبر وهذا مفعول به وبآلهتنا متعلقان بفعلت ويا حرف نداء وابراهيم منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب منادى. (قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) بل حرف إضراب وفعله كبيرهم فعل ومفعول به وفاعل مؤخر وهذا نعت لكبيرهم أو بدل منه والفاء الفصيحة واسألوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وإن شرطية وكانوا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والواو اسمها وجملة ينطقون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاسألوهم. (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) الفاء عاطفة ورجعوا فعل ماض وفاعل والى أنفسهم متعلقان برجعوا فقالوا عطف على فرجعوا وإنكم ان واسمها وجملة أنتم الظالمون خبرها ولك أن تجعل أنتم ضمير فصل والظالمون خبر إن. (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) ثم حرف عطف للتراخي وسيأتي معنى التنكيس في باب البلاغة ونكسوا فعل ونائب فاعل وعلى رءوسهم حال أي كائنين على رءوسهم ولك أن تعلقه بنفس الفعل ومعنى التنكيس القلب يقال نكس رأسه ونكسه مخففا ومشددا أي طأطأه حتى صار أعلاه أسفله واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعلمت فعل وفاعل والخطاب لابراهيم والجملة معمول لقول محذوف في موضع الحال وما نافية حجازية وهؤلاء اسمها وجملة ينطقون خبرها وجملة ما هؤلاء ينطقون في موضع المفعولين لعلمت أو في موضع المفعول الواحد إن كانت علمت بمعنى عرفت. (قالَ: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف وتعبدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومن دون الله حال وما مفعول به وجملة لا ينفعكم صلة وشيئا مفعول مطلق ولا يضركم عطف على لا ينفعكم. (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) أف اسم فعل مضارع وقد تقدمت اللغات فيها ومعناه أتضجر ولكم متعلقان بمحذوف حال لأن اللام للبيان بالنسبة للمتأفف ولما تعبدون عطف على لكم وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية وتعقلون فعل مضارع والواو فاعل. (قالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) حرقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وانصروا فعل أمر وفاعل وآلهتكم مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل الشرط والتاء اسم كان وفاعلين خبرها وجواب ان محذوف دل عليه ما قبله أي فحرقوه وانصروا آلهتكم. (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) لا بد من تقدير جمل محذوفة أي فأزمعوا أمرهم على حرقه فجمعوا الحطب الكثير وأضرموا النار وأوثقوا ابراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، وقلنا فعل وفاعل ويا حرف نداء ونار منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب وكوني فعل أمر ناقص والياء اسمها وبردا خبرها وسلاما عطف على بردا وعلى ابراهيم صفة سلاما. (وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الواو حرف عطف وأرادوا فعل ماض وفاعل وبه متعلقان بأرادوا وكيدا مفعول به، فجعلناهم الفاء حرف عطف وجعلناهم عطف على أرادوا والأخسرين مفعول به ثان. البلاغة: 1- تجاهل العارف: في قوله: «أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ» فن طريف من فنونهم يسمى تجاهل العارف وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج الكلام مخرج المدح أو الذم أو ليدل على شدة الوله في الحب أو لقصد التعجب أو التوبيخ أو التقرير وهو على قسمين موجب ومنفي والآية التي نحن بصددها من التجاهل الموجب الجاري مجرى التقرير. 2- التعريض: في قوله «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» فن التعريض، وقد تقدمت الاشارة اليه أكثر من مرة، أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة لانهم إذا قالوا لا ينطقون قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه، فهذا الكلام من فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته.

الأنبياء 21:65

الإعراب: (قالُوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟) الهمزة للاستفهام وأنت مبتدأ وجملة فعلت خبر وهذا مفعول به وبآلهتنا متعلقان بفعلت ويا حرف نداء وابراهيم منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب منادى. (قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) بل حرف إضراب وفعله كبيرهم فعل ومفعول به وفاعل مؤخر وهذا نعت لكبيرهم أو بدل منه والفاء الفصيحة واسألوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وإن شرطية وكانوا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والواو اسمها وجملة ينطقون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاسألوهم. (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) الفاء عاطفة ورجعوا فعل ماض وفاعل والى أنفسهم متعلقان برجعوا فقالوا عطف على فرجعوا وإنكم ان واسمها وجملة أنتم الظالمون خبرها ولك أن تجعل أنتم ضمير فصل والظالمون خبر إن. (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) ثم حرف عطف للتراخي وسيأتي معنى التنكيس في باب البلاغة ونكسوا فعل ونائب فاعل وعلى رءوسهم حال أي كائنين على رءوسهم ولك أن تعلقه بنفس الفعل ومعنى التنكيس القلب يقال نكس رأسه ونكسه مخففا ومشددا أي طأطأه حتى صار أعلاه أسفله واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعلمت فعل وفاعل والخطاب لابراهيم والجملة معمول لقول محذوف في موضع الحال وما نافية حجازية وهؤلاء اسمها وجملة ينطقون خبرها وجملة ما هؤلاء ينطقون في موضع المفعولين لعلمت أو في موضع المفعول الواحد إن كانت علمت بمعنى عرفت. (قالَ: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف وتعبدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومن دون الله حال وما مفعول به وجملة لا ينفعكم صلة وشيئا مفعول مطلق ولا يضركم عطف على لا ينفعكم. (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) أف اسم فعل مضارع وقد تقدمت اللغات فيها ومعناه أتضجر ولكم متعلقان بمحذوف حال لأن اللام للبيان بالنسبة للمتأفف ولما تعبدون عطف على لكم وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية وتعقلون فعل مضارع والواو فاعل. (قالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) حرقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وانصروا فعل أمر وفاعل وآلهتكم مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل الشرط والتاء اسم كان وفاعلين خبرها وجواب ان محذوف دل عليه ما قبله أي فحرقوه وانصروا آلهتكم. (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) لا بد من تقدير جمل محذوفة أي فأزمعوا أمرهم على حرقه فجمعوا الحطب الكثير وأضرموا النار وأوثقوا ابراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، وقلنا فعل وفاعل ويا حرف نداء ونار منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب وكوني فعل أمر ناقص والياء اسمها وبردا خبرها وسلاما عطف على بردا وعلى ابراهيم صفة سلاما. (وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الواو حرف عطف وأرادوا فعل ماض وفاعل وبه متعلقان بأرادوا وكيدا مفعول به، فجعلناهم الفاء حرف عطف وجعلناهم عطف على أرادوا والأخسرين مفعول به ثان. البلاغة: 1- تجاهل العارف: في قوله: «أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ» فن طريف من فنونهم يسمى تجاهل العارف وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج الكلام مخرج المدح أو الذم أو ليدل على شدة الوله في الحب أو لقصد التعجب أو التوبيخ أو التقرير وهو على قسمين موجب ومنفي والآية التي نحن بصددها من التجاهل الموجب الجاري مجرى التقرير. 2- التعريض: في قوله «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» فن التعريض، وقد تقدمت الاشارة اليه أكثر من مرة، أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة لانهم إذا قالوا لا ينطقون قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه، فهذا الكلام من فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته.

الأنبياء 21:66

الإعراب: (قالُوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟) الهمزة للاستفهام وأنت مبتدأ وجملة فعلت خبر وهذا مفعول به وبآلهتنا متعلقان بفعلت ويا حرف نداء وابراهيم منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب منادى. (قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) بل حرف إضراب وفعله كبيرهم فعل ومفعول به وفاعل مؤخر وهذا نعت لكبيرهم أو بدل منه والفاء الفصيحة واسألوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وإن شرطية وكانوا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والواو اسمها وجملة ينطقون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاسألوهم. (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) الفاء عاطفة ورجعوا فعل ماض وفاعل والى أنفسهم متعلقان برجعوا فقالوا عطف على فرجعوا وإنكم ان واسمها وجملة أنتم الظالمون خبرها ولك أن تجعل أنتم ضمير فصل والظالمون خبر إن. (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) ثم حرف عطف للتراخي وسيأتي معنى التنكيس في باب البلاغة ونكسوا فعل ونائب فاعل وعلى رءوسهم حال أي كائنين على رءوسهم ولك أن تعلقه بنفس الفعل ومعنى التنكيس القلب يقال نكس رأسه ونكسه مخففا ومشددا أي طأطأه حتى صار أعلاه أسفله واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعلمت فعل وفاعل والخطاب لابراهيم والجملة معمول لقول محذوف في موضع الحال وما نافية حجازية وهؤلاء اسمها وجملة ينطقون خبرها وجملة ما هؤلاء ينطقون في موضع المفعولين لعلمت أو في موضع المفعول الواحد إن كانت علمت بمعنى عرفت. (قالَ: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف وتعبدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومن دون الله حال وما مفعول به وجملة لا ينفعكم صلة وشيئا مفعول مطلق ولا يضركم عطف على لا ينفعكم. (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) أف اسم فعل مضارع وقد تقدمت اللغات فيها ومعناه أتضجر ولكم متعلقان بمحذوف حال لأن اللام للبيان بالنسبة للمتأفف ولما تعبدون عطف على لكم وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية وتعقلون فعل مضارع والواو فاعل. (قالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) حرقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وانصروا فعل أمر وفاعل وآلهتكم مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل الشرط والتاء اسم كان وفاعلين خبرها وجواب ان محذوف دل عليه ما قبله أي فحرقوه وانصروا آلهتكم. (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) لا بد من تقدير جمل محذوفة أي فأزمعوا أمرهم على حرقه فجمعوا الحطب الكثير وأضرموا النار وأوثقوا ابراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، وقلنا فعل وفاعل ويا حرف نداء ونار منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب وكوني فعل أمر ناقص والياء اسمها وبردا خبرها وسلاما عطف على بردا وعلى ابراهيم صفة سلاما. (وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الواو حرف عطف وأرادوا فعل ماض وفاعل وبه متعلقان بأرادوا وكيدا مفعول به، فجعلناهم الفاء حرف عطف وجعلناهم عطف على أرادوا والأخسرين مفعول به ثان. البلاغة: 1- تجاهل العارف: في قوله: «أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ» فن طريف من فنونهم يسمى تجاهل العارف وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج الكلام مخرج المدح أو الذم أو ليدل على شدة الوله في الحب أو لقصد التعجب أو التوبيخ أو التقرير وهو على قسمين موجب ومنفي والآية التي نحن بصددها من التجاهل الموجب الجاري مجرى التقرير. 2- التعريض: في قوله «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» فن التعريض، وقد تقدمت الاشارة اليه أكثر من مرة، أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة لانهم إذا قالوا لا ينطقون قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه، فهذا الكلام من فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته.

الأنبياء 21:67

الإعراب: (قالُوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟) الهمزة للاستفهام وأنت مبتدأ وجملة فعلت خبر وهذا مفعول به وبآلهتنا متعلقان بفعلت ويا حرف نداء وابراهيم منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب منادى. (قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) بل حرف إضراب وفعله كبيرهم فعل ومفعول به وفاعل مؤخر وهذا نعت لكبيرهم أو بدل منه والفاء الفصيحة واسألوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وإن شرطية وكانوا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والواو اسمها وجملة ينطقون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاسألوهم. (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) الفاء عاطفة ورجعوا فعل ماض وفاعل والى أنفسهم متعلقان برجعوا فقالوا عطف على فرجعوا وإنكم ان واسمها وجملة أنتم الظالمون خبرها ولك أن تجعل أنتم ضمير فصل والظالمون خبر إن. (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) ثم حرف عطف للتراخي وسيأتي معنى التنكيس في باب البلاغة ونكسوا فعل ونائب فاعل وعلى رءوسهم حال أي كائنين على رءوسهم ولك أن تعلقه بنفس الفعل ومعنى التنكيس القلب يقال نكس رأسه ونكسه مخففا ومشددا أي طأطأه حتى صار أعلاه أسفله واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعلمت فعل وفاعل والخطاب لابراهيم والجملة معمول لقول محذوف في موضع الحال وما نافية حجازية وهؤلاء اسمها وجملة ينطقون خبرها وجملة ما هؤلاء ينطقون في موضع المفعولين لعلمت أو في موضع المفعول الواحد إن كانت علمت بمعنى عرفت. (قالَ: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف وتعبدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومن دون الله حال وما مفعول به وجملة لا ينفعكم صلة وشيئا مفعول مطلق ولا يضركم عطف على لا ينفعكم. (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) أف اسم فعل مضارع وقد تقدمت اللغات فيها ومعناه أتضجر ولكم متعلقان بمحذوف حال لأن اللام للبيان بالنسبة للمتأفف ولما تعبدون عطف على لكم وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية وتعقلون فعل مضارع والواو فاعل. (قالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) حرقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وانصروا فعل أمر وفاعل وآلهتكم مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل الشرط والتاء اسم كان وفاعلين خبرها وجواب ان محذوف دل عليه ما قبله أي فحرقوه وانصروا آلهتكم. (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) لا بد من تقدير جمل محذوفة أي فأزمعوا أمرهم على حرقه فجمعوا الحطب الكثير وأضرموا النار وأوثقوا ابراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، وقلنا فعل وفاعل ويا حرف نداء ونار منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب وكوني فعل أمر ناقص والياء اسمها وبردا خبرها وسلاما عطف على بردا وعلى ابراهيم صفة سلاما. (وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الواو حرف عطف وأرادوا فعل ماض وفاعل وبه متعلقان بأرادوا وكيدا مفعول به، فجعلناهم الفاء حرف عطف وجعلناهم عطف على أرادوا والأخسرين مفعول به ثان. البلاغة: 1- تجاهل العارف: في قوله: «أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ» فن طريف من فنونهم يسمى تجاهل العارف وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج الكلام مخرج المدح أو الذم أو ليدل على شدة الوله في الحب أو لقصد التعجب أو التوبيخ أو التقرير وهو على قسمين موجب ومنفي والآية التي نحن بصددها من التجاهل الموجب الجاري مجرى التقرير. 2- التعريض: في قوله «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» فن التعريض، وقد تقدمت الاشارة اليه أكثر من مرة، أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة لانهم إذا قالوا لا ينطقون قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه، فهذا الكلام من فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته.

الأنبياء 21:68

الإعراب: (قالُوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟) الهمزة للاستفهام وأنت مبتدأ وجملة فعلت خبر وهذا مفعول به وبآلهتنا متعلقان بفعلت ويا حرف نداء وابراهيم منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب منادى. (قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) بل حرف إضراب وفعله كبيرهم فعل ومفعول به وفاعل مؤخر وهذا نعت لكبيرهم أو بدل منه والفاء الفصيحة واسألوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وإن شرطية وكانوا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والواو اسمها وجملة ينطقون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاسألوهم. (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) الفاء عاطفة ورجعوا فعل ماض وفاعل والى أنفسهم متعلقان برجعوا فقالوا عطف على فرجعوا وإنكم ان واسمها وجملة أنتم الظالمون خبرها ولك أن تجعل أنتم ضمير فصل والظالمون خبر إن. (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) ثم حرف عطف للتراخي وسيأتي معنى التنكيس في باب البلاغة ونكسوا فعل ونائب فاعل وعلى رءوسهم حال أي كائنين على رءوسهم ولك أن تعلقه بنفس الفعل ومعنى التنكيس القلب يقال نكس رأسه ونكسه مخففا ومشددا أي طأطأه حتى صار أعلاه أسفله واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعلمت فعل وفاعل والخطاب لابراهيم والجملة معمول لقول محذوف في موضع الحال وما نافية حجازية وهؤلاء اسمها وجملة ينطقون خبرها وجملة ما هؤلاء ينطقون في موضع المفعولين لعلمت أو في موضع المفعول الواحد إن كانت علمت بمعنى عرفت. (قالَ: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف وتعبدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومن دون الله حال وما مفعول به وجملة لا ينفعكم صلة وشيئا مفعول مطلق ولا يضركم عطف على لا ينفعكم. (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) أف اسم فعل مضارع وقد تقدمت اللغات فيها ومعناه أتضجر ولكم متعلقان بمحذوف حال لأن اللام للبيان بالنسبة للمتأفف ولما تعبدون عطف على لكم وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية وتعقلون فعل مضارع والواو فاعل. (قالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) حرقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وانصروا فعل أمر وفاعل وآلهتكم مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل الشرط والتاء اسم كان وفاعلين خبرها وجواب ان محذوف دل عليه ما قبله أي فحرقوه وانصروا آلهتكم. (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) لا بد من تقدير جمل محذوفة أي فأزمعوا أمرهم على حرقه فجمعوا الحطب الكثير وأضرموا النار وأوثقوا ابراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، وقلنا فعل وفاعل ويا حرف نداء ونار منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب وكوني فعل أمر ناقص والياء اسمها وبردا خبرها وسلاما عطف على بردا وعلى ابراهيم صفة سلاما. (وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الواو حرف عطف وأرادوا فعل ماض وفاعل وبه متعلقان بأرادوا وكيدا مفعول به، فجعلناهم الفاء حرف عطف وجعلناهم عطف على أرادوا والأخسرين مفعول به ثان. البلاغة: 1- تجاهل العارف: في قوله: «أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ» فن طريف من فنونهم يسمى تجاهل العارف وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج الكلام مخرج المدح أو الذم أو ليدل على شدة الوله في الحب أو لقصد التعجب أو التوبيخ أو التقرير وهو على قسمين موجب ومنفي والآية التي نحن بصددها من التجاهل الموجب الجاري مجرى التقرير. 2- التعريض: في قوله «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» فن التعريض، وقد تقدمت الاشارة اليه أكثر من مرة، أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة لانهم إذا قالوا لا ينطقون قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه، فهذا الكلام من فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته.

الأنبياء 21:69

الإعراب: (قالُوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟) الهمزة للاستفهام وأنت مبتدأ وجملة فعلت خبر وهذا مفعول به وبآلهتنا متعلقان بفعلت ويا حرف نداء وابراهيم منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب منادى. (قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) بل حرف إضراب وفعله كبيرهم فعل ومفعول به وفاعل مؤخر وهذا نعت لكبيرهم أو بدل منه والفاء الفصيحة واسألوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وإن شرطية وكانوا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والواو اسمها وجملة ينطقون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاسألوهم. (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) الفاء عاطفة ورجعوا فعل ماض وفاعل والى أنفسهم متعلقان برجعوا فقالوا عطف على فرجعوا وإنكم ان واسمها وجملة أنتم الظالمون خبرها ولك أن تجعل أنتم ضمير فصل والظالمون خبر إن. (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) ثم حرف عطف للتراخي وسيأتي معنى التنكيس في باب البلاغة ونكسوا فعل ونائب فاعل وعلى رءوسهم حال أي كائنين على رءوسهم ولك أن تعلقه بنفس الفعل ومعنى التنكيس القلب يقال نكس رأسه ونكسه مخففا ومشددا أي طأطأه حتى صار أعلاه أسفله واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعلمت فعل وفاعل والخطاب لابراهيم والجملة معمول لقول محذوف في موضع الحال وما نافية حجازية وهؤلاء اسمها وجملة ينطقون خبرها وجملة ما هؤلاء ينطقون في موضع المفعولين لعلمت أو في موضع المفعول الواحد إن كانت علمت بمعنى عرفت. (قالَ: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف وتعبدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومن دون الله حال وما مفعول به وجملة لا ينفعكم صلة وشيئا مفعول مطلق ولا يضركم عطف على لا ينفعكم. (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) أف اسم فعل مضارع وقد تقدمت اللغات فيها ومعناه أتضجر ولكم متعلقان بمحذوف حال لأن اللام للبيان بالنسبة للمتأفف ولما تعبدون عطف على لكم وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية وتعقلون فعل مضارع والواو فاعل. (قالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) حرقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وانصروا فعل أمر وفاعل وآلهتكم مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل الشرط والتاء اسم كان وفاعلين خبرها وجواب ان محذوف دل عليه ما قبله أي فحرقوه وانصروا آلهتكم. (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) لا بد من تقدير جمل محذوفة أي فأزمعوا أمرهم على حرقه فجمعوا الحطب الكثير وأضرموا النار وأوثقوا ابراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، وقلنا فعل وفاعل ويا حرف نداء ونار منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب وكوني فعل أمر ناقص والياء اسمها وبردا خبرها وسلاما عطف على بردا وعلى ابراهيم صفة سلاما. (وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الواو حرف عطف وأرادوا فعل ماض وفاعل وبه متعلقان بأرادوا وكيدا مفعول به، فجعلناهم الفاء حرف عطف وجعلناهم عطف على أرادوا والأخسرين مفعول به ثان. البلاغة: 1- تجاهل العارف: في قوله: «أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ» فن طريف من فنونهم يسمى تجاهل العارف وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج الكلام مخرج المدح أو الذم أو ليدل على شدة الوله في الحب أو لقصد التعجب أو التوبيخ أو التقرير وهو على قسمين موجب ومنفي والآية التي نحن بصددها من التجاهل الموجب الجاري مجرى التقرير. 2- التعريض: في قوله «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» فن التعريض، وقد تقدمت الاشارة اليه أكثر من مرة، أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة لانهم إذا قالوا لا ينطقون قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه، فهذا الكلام من فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته.

الأنبياء 21:70

الإعراب: (قالُوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟) الهمزة للاستفهام وأنت مبتدأ وجملة فعلت خبر وهذا مفعول به وبآلهتنا متعلقان بفعلت ويا حرف نداء وابراهيم منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب منادى. (قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) بل حرف إضراب وفعله كبيرهم فعل ومفعول به وفاعل مؤخر وهذا نعت لكبيرهم أو بدل منه والفاء الفصيحة واسألوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وإن شرطية وكانوا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والواو اسمها وجملة ينطقون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاسألوهم. (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) الفاء عاطفة ورجعوا فعل ماض وفاعل والى أنفسهم متعلقان برجعوا فقالوا عطف على فرجعوا وإنكم ان واسمها وجملة أنتم الظالمون خبرها ولك أن تجعل أنتم ضمير فصل والظالمون خبر إن. (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) ثم حرف عطف للتراخي وسيأتي معنى التنكيس في باب البلاغة ونكسوا فعل ونائب فاعل وعلى رءوسهم حال أي كائنين على رءوسهم ولك أن تعلقه بنفس الفعل ومعنى التنكيس القلب يقال نكس رأسه ونكسه مخففا ومشددا أي طأطأه حتى صار أعلاه أسفله واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعلمت فعل وفاعل والخطاب لابراهيم والجملة معمول لقول محذوف في موضع الحال وما نافية حجازية وهؤلاء اسمها وجملة ينطقون خبرها وجملة ما هؤلاء ينطقون في موضع المفعولين لعلمت أو في موضع المفعول الواحد إن كانت علمت بمعنى عرفت. (قالَ: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف وتعبدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومن دون الله حال وما مفعول به وجملة لا ينفعكم صلة وشيئا مفعول مطلق ولا يضركم عطف على لا ينفعكم. (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) أف اسم فعل مضارع وقد تقدمت اللغات فيها ومعناه أتضجر ولكم متعلقان بمحذوف حال لأن اللام للبيان بالنسبة للمتأفف ولما تعبدون عطف على لكم وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية وتعقلون فعل مضارع والواو فاعل. (قالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) حرقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وانصروا فعل أمر وفاعل وآلهتكم مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل الشرط والتاء اسم كان وفاعلين خبرها وجواب ان محذوف دل عليه ما قبله أي فحرقوه وانصروا آلهتكم. (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) لا بد من تقدير جمل محذوفة أي فأزمعوا أمرهم على حرقه فجمعوا الحطب الكثير وأضرموا النار وأوثقوا ابراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، وقلنا فعل وفاعل ويا حرف نداء ونار منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب وكوني فعل أمر ناقص والياء اسمها وبردا خبرها وسلاما عطف على بردا وعلى ابراهيم صفة سلاما. (وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الواو حرف عطف وأرادوا فعل ماض وفاعل وبه متعلقان بأرادوا وكيدا مفعول به، فجعلناهم الفاء حرف عطف وجعلناهم عطف على أرادوا والأخسرين مفعول به ثان. البلاغة: 1- تجاهل العارف: في قوله: «أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ» فن طريف من فنونهم يسمى تجاهل العارف وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج الكلام مخرج المدح أو الذم أو ليدل على شدة الوله في الحب أو لقصد التعجب أو التوبيخ أو التقرير وهو على قسمين موجب ومنفي والآية التي نحن بصددها من التجاهل الموجب الجاري مجرى التقرير. 2- التعريض: في قوله «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» فن التعريض، وقد تقدمت الاشارة اليه أكثر من مرة، أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة لانهم إذا قالوا لا ينطقون قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه، فهذا الكلام من فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته.

الأنبياء 21:71

الإعراب: (وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ولوطا معطوف على الهاء أو مفعول معه والواو واو المعية وهو ابن أخيه فنقلناه من أرض نمروذ بالعراق، إلى الأرض متعلقان بنجيناه أو بمحذوف حال والتي صفة للأرض وجملة باركنا فيها للعالمين صلة وفيها حال وللعالمين متعلقان بباركنا وهي قرى بيت المقدس بفلسطين وسيأتي بحث هام عن فلسطين لغة في باب الفوائد (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ) الواو حرف عطف ووهبنا فعل وفاعل وله متعلقان بوهبنا واسحق مفعول به ويعقوب عطف على اسحق ونافلة حال من يعقوب أي أعطي يعقوب زيادة من غير سؤال وإذا جعلت معنى نافلة عطية فيكون انتصابها على المفعولية المطلقة من معنى العامل وهو وهبنا لأن الهبة والعطية متقاربان في المعنى وكلّا مفعول أول لجعلنا مقدم وجعلنا فعل وفاعل وصالحين مفعول به ثان. (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وأئمة مفعول به ثان وجملة يهدون بأمرنا صفة لأئمة وبأمرنا حال أي يهدون إلى ديننا ملتبسين بأمرنا. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ) وأوحينا عطف على ما تقدم وإليهم متعلقان بأوحينا وفعل الخيرات مفعول به وإقام الصلاة عطف على فعل الخيرات وكذلك إيتاء الزكاة، وكانوا الواو عاطفة وكانوا كان واسمها وعابدين خبرها ولنا متعلقان بعابدين. (وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) ولوطا منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده أي آتينا لوطا فهو من باب الاشتغال وجملة آتيناه مفسرة لا محل لها وحكما مفعول ثان لآتيناه وعلما معطوف على حكما. (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ) ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القرية متعلقان بنجيناه والتي صفة للقرية وجملة كانت صلة واسم كانت ضمير مستتر تقديره هي وجملة تعمل الخبائث خبر كانت وجملة انهم تعليلية لا محل لها وان اسمها وجملة كانوا خبرها وقوم خبر كانوا وسوء مضاف لقوم وفاسقين صفة لقوم. (وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) في رحمتنا متعلقان بأدخلناه وجملة انه من الصالحين تعليلية وان واسمها والجار والمجرور خبرها. البلاغة: في هذه الآيات مجازان الأول في قوله «وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ» والمراد أهلها لأنهم كانوا يمارسون الخبائث أي الأعمال القبيحة من اللواط والرمي بالبندق واللعب بالطيور وغيرها. والثاني في قوله «وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا» أي في جنتنا لأنها مكان الرحمة فهو مجاز مرسل علاقته المحلية. الفوائد: 1- فلسطين: فلسطين بفتح الفاء وكسرها مع فتح اللام لا غير قرى بيت المقدس وفي القاموس: «فلسطون وفلسطين وقد تفتح فاؤهما: كورة بالشام وقرية بالعراق تقول في حال الرفع بالواو وفي حال النصب والجر بالياء أو تلزمها الياء في كل حال والنسبة فلسطي» هذا ويجوز في هذا النوع أي المسمى بجمع المذكر السالم أن يعرب بالحركات الثلاثة ظاهرة على النون حال كونه لم يكن أعجميا وإن كان أعجميا أعرب إعراب ما لا ينصرف أي لا ينون ويجر بالفتحة ويجوز فيه أن يعرب اعراب جمع المذكر السالم. 2- إقام الصلاة وإيتاء الزكاة: (إِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ) القاعدة في مصدر الفعل الرباعي على وزن أفعل أن يأتي على إفعال إن كان صحيح العين نحو أكرم إكراما وأوجد إيجادا فان اعتلت عينه نحو اقام وأعان وأبان جاء مصدره على إفالة كإقامة وإعانة وابانة حذفت عين المصدر وعوض منها تاء التأنيث والأصل أقوام وإعوان وإبيان فنقلت حركة الواو والياء وهي الفتحة إلى الحرف الساكن قبلهما ثم حذفتا فرارا من اجتماع الساكنين وعوض منهما التاء وقد تحذف هذه التاء من المصدر إذا أضيف كقوله تعالى «وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ» وما كان منه معتلّ اللام مثل أعطى وأهدى وأولى قلبت لامه في المصدر همزة مثل إعطاء وإهداء وإيلاء والأصل إعطاو وإهداي وايلاي قال في شرح القاموس «العرب تهمز الواو والياء إذا جاءتا بعد ألف لأن الهمزة أحمل للحركة منهما ولأنهم يستثقلون الوقف على الواو وكذلك الياء مثل الرداء أصله رداي» هذا ويرجع في هذا إلى بحث الابدال في كتب النحو المطولة.

الأنبياء 21:72

الإعراب: (وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ولوطا معطوف على الهاء أو مفعول معه والواو واو المعية وهو ابن أخيه فنقلناه من أرض نمروذ بالعراق، إلى الأرض متعلقان بنجيناه أو بمحذوف حال والتي صفة للأرض وجملة باركنا فيها للعالمين صلة وفيها حال وللعالمين متعلقان بباركنا وهي قرى بيت المقدس بفلسطين وسيأتي بحث هام عن فلسطين لغة في باب الفوائد (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ) الواو حرف عطف ووهبنا فعل وفاعل وله متعلقان بوهبنا واسحق مفعول به ويعقوب عطف على اسحق ونافلة حال من يعقوب أي أعطي يعقوب زيادة من غير سؤال وإذا جعلت معنى نافلة عطية فيكون انتصابها على المفعولية المطلقة من معنى العامل وهو وهبنا لأن الهبة والعطية متقاربان في المعنى وكلّا مفعول أول لجعلنا مقدم وجعلنا فعل وفاعل وصالحين مفعول به ثان. (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وأئمة مفعول به ثان وجملة يهدون بأمرنا صفة لأئمة وبأمرنا حال أي يهدون إلى ديننا ملتبسين بأمرنا. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ) وأوحينا عطف على ما تقدم وإليهم متعلقان بأوحينا وفعل الخيرات مفعول به وإقام الصلاة عطف على فعل الخيرات وكذلك إيتاء الزكاة، وكانوا الواو عاطفة وكانوا كان واسمها وعابدين خبرها ولنا متعلقان بعابدين. (وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) ولوطا منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده أي آتينا لوطا فهو من باب الاشتغال وجملة آتيناه مفسرة لا محل لها وحكما مفعول ثان لآتيناه وعلما معطوف على حكما. (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ) ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القرية متعلقان بنجيناه والتي صفة للقرية وجملة كانت صلة واسم كانت ضمير مستتر تقديره هي وجملة تعمل الخبائث خبر كانت وجملة انهم تعليلية لا محل لها وان اسمها وجملة كانوا خبرها وقوم خبر كانوا وسوء مضاف لقوم وفاسقين صفة لقوم. (وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) في رحمتنا متعلقان بأدخلناه وجملة انه من الصالحين تعليلية وان واسمها والجار والمجرور خبرها. البلاغة: في هذه الآيات مجازان الأول في قوله «وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ» والمراد أهلها لأنهم كانوا يمارسون الخبائث أي الأعمال القبيحة من اللواط والرمي بالبندق واللعب بالطيور وغيرها. والثاني في قوله «وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا» أي في جنتنا لأنها مكان الرحمة فهو مجاز مرسل علاقته المحلية. الفوائد: 1- فلسطين: فلسطين بفتح الفاء وكسرها مع فتح اللام لا غير قرى بيت المقدس وفي القاموس: «فلسطون وفلسطين وقد تفتح فاؤهما: كورة بالشام وقرية بالعراق تقول في حال الرفع بالواو وفي حال النصب والجر بالياء أو تلزمها الياء في كل حال والنسبة فلسطي» هذا ويجوز في هذا النوع أي المسمى بجمع المذكر السالم أن يعرب بالحركات الثلاثة ظاهرة على النون حال كونه لم يكن أعجميا وإن كان أعجميا أعرب إعراب ما لا ينصرف أي لا ينون ويجر بالفتحة ويجوز فيه أن يعرب اعراب جمع المذكر السالم. 2- إقام الصلاة وإيتاء الزكاة: (إِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ) القاعدة في مصدر الفعل الرباعي على وزن أفعل أن يأتي على إفعال إن كان صحيح العين نحو أكرم إكراما وأوجد إيجادا فان اعتلت عينه نحو اقام وأعان وأبان جاء مصدره على إفالة كإقامة وإعانة وابانة حذفت عين المصدر وعوض منها تاء التأنيث والأصل أقوام وإعوان وإبيان فنقلت حركة الواو والياء وهي الفتحة إلى الحرف الساكن قبلهما ثم حذفتا فرارا من اجتماع الساكنين وعوض منهما التاء وقد تحذف هذه التاء من المصدر إذا أضيف كقوله تعالى «وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ» وما كان منه معتلّ اللام مثل أعطى وأهدى وأولى قلبت لامه في المصدر همزة مثل إعطاء وإهداء وإيلاء والأصل إعطاو وإهداي وايلاي قال في شرح القاموس «العرب تهمز الواو والياء إذا جاءتا بعد ألف لأن الهمزة أحمل للحركة منهما ولأنهم يستثقلون الوقف على الواو وكذلك الياء مثل الرداء أصله رداي» هذا ويرجع في هذا إلى بحث الابدال في كتب النحو المطولة.

الأنبياء 21:73

الإعراب: (وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ولوطا معطوف على الهاء أو مفعول معه والواو واو المعية وهو ابن أخيه فنقلناه من أرض نمروذ بالعراق، إلى الأرض متعلقان بنجيناه أو بمحذوف حال والتي صفة للأرض وجملة باركنا فيها للعالمين صلة وفيها حال وللعالمين متعلقان بباركنا وهي قرى بيت المقدس بفلسطين وسيأتي بحث هام عن فلسطين لغة في باب الفوائد (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ) الواو حرف عطف ووهبنا فعل وفاعل وله متعلقان بوهبنا واسحق مفعول به ويعقوب عطف على اسحق ونافلة حال من يعقوب أي أعطي يعقوب زيادة من غير سؤال وإذا جعلت معنى نافلة عطية فيكون انتصابها على المفعولية المطلقة من معنى العامل وهو وهبنا لأن الهبة والعطية متقاربان في المعنى وكلّا مفعول أول لجعلنا مقدم وجعلنا فعل وفاعل وصالحين مفعول به ثان. (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وأئمة مفعول به ثان وجملة يهدون بأمرنا صفة لأئمة وبأمرنا حال أي يهدون إلى ديننا ملتبسين بأمرنا. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ) وأوحينا عطف على ما تقدم وإليهم متعلقان بأوحينا وفعل الخيرات مفعول به وإقام الصلاة عطف على فعل الخيرات وكذلك إيتاء الزكاة، وكانوا الواو عاطفة وكانوا كان واسمها وعابدين خبرها ولنا متعلقان بعابدين. (وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) ولوطا منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده أي آتينا لوطا فهو من باب الاشتغال وجملة آتيناه مفسرة لا محل لها وحكما مفعول ثان لآتيناه وعلما معطوف على حكما. (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ) ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القرية متعلقان بنجيناه والتي صفة للقرية وجملة كانت صلة واسم كانت ضمير مستتر تقديره هي وجملة تعمل الخبائث خبر كانت وجملة انهم تعليلية لا محل لها وان اسمها وجملة كانوا خبرها وقوم خبر كانوا وسوء مضاف لقوم وفاسقين صفة لقوم. (وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) في رحمتنا متعلقان بأدخلناه وجملة انه من الصالحين تعليلية وان واسمها والجار والمجرور خبرها. البلاغة: في هذه الآيات مجازان الأول في قوله «وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ» والمراد أهلها لأنهم كانوا يمارسون الخبائث أي الأعمال القبيحة من اللواط والرمي بالبندق واللعب بالطيور وغيرها. والثاني في قوله «وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا» أي في جنتنا لأنها مكان الرحمة فهو مجاز مرسل علاقته المحلية. الفوائد: 1- فلسطين: فلسطين بفتح الفاء وكسرها مع فتح اللام لا غير قرى بيت المقدس وفي القاموس: «فلسطون وفلسطين وقد تفتح فاؤهما: كورة بالشام وقرية بالعراق تقول في حال الرفع بالواو وفي حال النصب والجر بالياء أو تلزمها الياء في كل حال والنسبة فلسطي» هذا ويجوز في هذا النوع أي المسمى بجمع المذكر السالم أن يعرب بالحركات الثلاثة ظاهرة على النون حال كونه لم يكن أعجميا وإن كان أعجميا أعرب إعراب ما لا ينصرف أي لا ينون ويجر بالفتحة ويجوز فيه أن يعرب اعراب جمع المذكر السالم. 2- إقام الصلاة وإيتاء الزكاة: (إِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ) القاعدة في مصدر الفعل الرباعي على وزن أفعل أن يأتي على إفعال إن كان صحيح العين نحو أكرم إكراما وأوجد إيجادا فان اعتلت عينه نحو اقام وأعان وأبان جاء مصدره على إفالة كإقامة وإعانة وابانة حذفت عين المصدر وعوض منها تاء التأنيث والأصل أقوام وإعوان وإبيان فنقلت حركة الواو والياء وهي الفتحة إلى الحرف الساكن قبلهما ثم حذفتا فرارا من اجتماع الساكنين وعوض منهما التاء وقد تحذف هذه التاء من المصدر إذا أضيف كقوله تعالى «وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ» وما كان منه معتلّ اللام مثل أعطى وأهدى وأولى قلبت لامه في المصدر همزة مثل إعطاء وإهداء وإيلاء والأصل إعطاو وإهداي وايلاي قال في شرح القاموس «العرب تهمز الواو والياء إذا جاءتا بعد ألف لأن الهمزة أحمل للحركة منهما ولأنهم يستثقلون الوقف على الواو وكذلك الياء مثل الرداء أصله رداي» هذا ويرجع في هذا إلى بحث الابدال في كتب النحو المطولة.

الأنبياء 21:74

الإعراب: (وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ولوطا معطوف على الهاء أو مفعول معه والواو واو المعية وهو ابن أخيه فنقلناه من أرض نمروذ بالعراق، إلى الأرض متعلقان بنجيناه أو بمحذوف حال والتي صفة للأرض وجملة باركنا فيها للعالمين صلة وفيها حال وللعالمين متعلقان بباركنا وهي قرى بيت المقدس بفلسطين وسيأتي بحث هام عن فلسطين لغة في باب الفوائد (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ) الواو حرف عطف ووهبنا فعل وفاعل وله متعلقان بوهبنا واسحق مفعول به ويعقوب عطف على اسحق ونافلة حال من يعقوب أي أعطي يعقوب زيادة من غير سؤال وإذا جعلت معنى نافلة عطية فيكون انتصابها على المفعولية المطلقة من معنى العامل وهو وهبنا لأن الهبة والعطية متقاربان في المعنى وكلّا مفعول أول لجعلنا مقدم وجعلنا فعل وفاعل وصالحين مفعول به ثان. (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وأئمة مفعول به ثان وجملة يهدون بأمرنا صفة لأئمة وبأمرنا حال أي يهدون إلى ديننا ملتبسين بأمرنا. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ) وأوحينا عطف على ما تقدم وإليهم متعلقان بأوحينا وفعل الخيرات مفعول به وإقام الصلاة عطف على فعل الخيرات وكذلك إيتاء الزكاة، وكانوا الواو عاطفة وكانوا كان واسمها وعابدين خبرها ولنا متعلقان بعابدين. (وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) ولوطا منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده أي آتينا لوطا فهو من باب الاشتغال وجملة آتيناه مفسرة لا محل لها وحكما مفعول ثان لآتيناه وعلما معطوف على حكما. (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ) ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القرية متعلقان بنجيناه والتي صفة للقرية وجملة كانت صلة واسم كانت ضمير مستتر تقديره هي وجملة تعمل الخبائث خبر كانت وجملة انهم تعليلية لا محل لها وان اسمها وجملة كانوا خبرها وقوم خبر كانوا وسوء مضاف لقوم وفاسقين صفة لقوم. (وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) في رحمتنا متعلقان بأدخلناه وجملة انه من الصالحين تعليلية وان واسمها والجار والمجرور خبرها. البلاغة: في هذه الآيات مجازان الأول في قوله «وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ» والمراد أهلها لأنهم كانوا يمارسون الخبائث أي الأعمال القبيحة من اللواط والرمي بالبندق واللعب بالطيور وغيرها. والثاني في قوله «وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا» أي في جنتنا لأنها مكان الرحمة فهو مجاز مرسل علاقته المحلية. الفوائد: 1- فلسطين: فلسطين بفتح الفاء وكسرها مع فتح اللام لا غير قرى بيت المقدس وفي القاموس: «فلسطون وفلسطين وقد تفتح فاؤهما: كورة بالشام وقرية بالعراق تقول في حال الرفع بالواو وفي حال النصب والجر بالياء أو تلزمها الياء في كل حال والنسبة فلسطي» هذا ويجوز في هذا النوع أي المسمى بجمع المذكر السالم أن يعرب بالحركات الثلاثة ظاهرة على النون حال كونه لم يكن أعجميا وإن كان أعجميا أعرب إعراب ما لا ينصرف أي لا ينون ويجر بالفتحة ويجوز فيه أن يعرب اعراب جمع المذكر السالم. 2- إقام الصلاة وإيتاء الزكاة: (إِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ) القاعدة في مصدر الفعل الرباعي على وزن أفعل أن يأتي على إفعال إن كان صحيح العين نحو أكرم إكراما وأوجد إيجادا فان اعتلت عينه نحو اقام وأعان وأبان جاء مصدره على إفالة كإقامة وإعانة وابانة حذفت عين المصدر وعوض منها تاء التأنيث والأصل أقوام وإعوان وإبيان فنقلت حركة الواو والياء وهي الفتحة إلى الحرف الساكن قبلهما ثم حذفتا فرارا من اجتماع الساكنين وعوض منهما التاء وقد تحذف هذه التاء من المصدر إذا أضيف كقوله تعالى «وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ» وما كان منه معتلّ اللام مثل أعطى وأهدى وأولى قلبت لامه في المصدر همزة مثل إعطاء وإهداء وإيلاء والأصل إعطاو وإهداي وايلاي قال في شرح القاموس «العرب تهمز الواو والياء إذا جاءتا بعد ألف لأن الهمزة أحمل للحركة منهما ولأنهم يستثقلون الوقف على الواو وكذلك الياء مثل الرداء أصله رداي» هذا ويرجع في هذا إلى بحث الابدال في كتب النحو المطولة.

الأنبياء 21:75

الإعراب: (وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ولوطا معطوف على الهاء أو مفعول معه والواو واو المعية وهو ابن أخيه فنقلناه من أرض نمروذ بالعراق، إلى الأرض متعلقان بنجيناه أو بمحذوف حال والتي صفة للأرض وجملة باركنا فيها للعالمين صلة وفيها حال وللعالمين متعلقان بباركنا وهي قرى بيت المقدس بفلسطين وسيأتي بحث هام عن فلسطين لغة في باب الفوائد (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ) الواو حرف عطف ووهبنا فعل وفاعل وله متعلقان بوهبنا واسحق مفعول به ويعقوب عطف على اسحق ونافلة حال من يعقوب أي أعطي يعقوب زيادة من غير سؤال وإذا جعلت معنى نافلة عطية فيكون انتصابها على المفعولية المطلقة من معنى العامل وهو وهبنا لأن الهبة والعطية متقاربان في المعنى وكلّا مفعول أول لجعلنا مقدم وجعلنا فعل وفاعل وصالحين مفعول به ثان. (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وأئمة مفعول به ثان وجملة يهدون بأمرنا صفة لأئمة وبأمرنا حال أي يهدون إلى ديننا ملتبسين بأمرنا. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ) وأوحينا عطف على ما تقدم وإليهم متعلقان بأوحينا وفعل الخيرات مفعول به وإقام الصلاة عطف على فعل الخيرات وكذلك إيتاء الزكاة، وكانوا الواو عاطفة وكانوا كان واسمها وعابدين خبرها ولنا متعلقان بعابدين. (وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) ولوطا منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده أي آتينا لوطا فهو من باب الاشتغال وجملة آتيناه مفسرة لا محل لها وحكما مفعول ثان لآتيناه وعلما معطوف على حكما. (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ) ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القرية متعلقان بنجيناه والتي صفة للقرية وجملة كانت صلة واسم كانت ضمير مستتر تقديره هي وجملة تعمل الخبائث خبر كانت وجملة انهم تعليلية لا محل لها وان اسمها وجملة كانوا خبرها وقوم خبر كانوا وسوء مضاف لقوم وفاسقين صفة لقوم. (وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) في رحمتنا متعلقان بأدخلناه وجملة انه من الصالحين تعليلية وان واسمها والجار والمجرور خبرها. البلاغة: في هذه الآيات مجازان الأول في قوله «وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ» والمراد أهلها لأنهم كانوا يمارسون الخبائث أي الأعمال القبيحة من اللواط والرمي بالبندق واللعب بالطيور وغيرها. والثاني في قوله «وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا» أي في جنتنا لأنها مكان الرحمة فهو مجاز مرسل علاقته المحلية. الفوائد: 1- فلسطين: فلسطين بفتح الفاء وكسرها مع فتح اللام لا غير قرى بيت المقدس وفي القاموس: «فلسطون وفلسطين وقد تفتح فاؤهما: كورة بالشام وقرية بالعراق تقول في حال الرفع بالواو وفي حال النصب والجر بالياء أو تلزمها الياء في كل حال والنسبة فلسطي» هذا ويجوز في هذا النوع أي المسمى بجمع المذكر السالم أن يعرب بالحركات الثلاثة ظاهرة على النون حال كونه لم يكن أعجميا وإن كان أعجميا أعرب إعراب ما لا ينصرف أي لا ينون ويجر بالفتحة ويجوز فيه أن يعرب اعراب جمع المذكر السالم. 2- إقام الصلاة وإيتاء الزكاة: (إِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ) القاعدة في مصدر الفعل الرباعي على وزن أفعل أن يأتي على إفعال إن كان صحيح العين نحو أكرم إكراما وأوجد إيجادا فان اعتلت عينه نحو اقام وأعان وأبان جاء مصدره على إفالة كإقامة وإعانة وابانة حذفت عين المصدر وعوض منها تاء التأنيث والأصل أقوام وإعوان وإبيان فنقلت حركة الواو والياء وهي الفتحة إلى الحرف الساكن قبلهما ثم حذفتا فرارا من اجتماع الساكنين وعوض منهما التاء وقد تحذف هذه التاء من المصدر إذا أضيف كقوله تعالى «وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ» وما كان منه معتلّ اللام مثل أعطى وأهدى وأولى قلبت لامه في المصدر همزة مثل إعطاء وإهداء وإيلاء والأصل إعطاو وإهداي وايلاي قال في شرح القاموس «العرب تهمز الواو والياء إذا جاءتا بعد ألف لأن الهمزة أحمل للحركة منهما ولأنهم يستثقلون الوقف على الواو وكذلك الياء مثل الرداء أصله رداي» هذا ويرجع في هذا إلى بحث الابدال في كتب النحو المطولة.

الأنبياء 21:76

اللغة: (الْحَرْثِ) : الزرع وبابه نصر أو كتب كما في المختار وفي القاموس: الحرث مصدر والأرض التي تستنبت بالبذر والنوى والغرس قال ابن عباس وأكثر المفسرين إن الحرث كان كرما قد تدلت عناقيده وقيل كان زرعا. (نَفَشَتْ) : تفرقت وانتشرت فيه فرعته وأفسدته وفي المختار: «نفشت الغنم والإبل أي رعت ليلا بلا راع من باب جلس ... والنفش بفتحتين اسم منه ومنه قوله تعالى «إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ» ولا يكون النفش إلا بالليل» ونفش الصوف والقطن من باب نصر والنفش تشعيب الشيء بأصابعك حتى ينتشر. (لَبُوسٍ) : اللبوس اللباس قال: «البس لكل حال لبوسها» والمراد الدرع، قال قتادة: كانت صفائح فأول من سردها وخلقها داود فجمعت الخفة والتحصين وهي المسماة بالدرع والدرع كما في المختار مؤنثة، وقال أبو عبيدة تؤنث وتذكر. الإعراب: (وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) ونوحا عطف على لوطا فيكون مشتركا معه في عامله الذي هو آتينا المفسر بآتينا الظاهر وكذلك داود وسليمان والتقدير ونوحا آتيناه حكما وداود وسليمان آتيناهما حكما فإذ بدل اشتمال من نوحا وداود وسليمان ولك أن تعربه مفعولا به لفعل محذوف أي واذكر نوحا وداود وسليمان أي اذكر خبرهم وقصتهم فتكون إذ منصوبة بنفس المضاف المقدر أي خبرهم الواقع في وقت كذا، وجملة نادى مضاف إليها ومن قبل متعلقان بنادى فاستجبنا عطف على نادى وله متعلقان باستجبنا، فنجيناه عطف على استجبنا ومن الكرب متعلقان بنجيناه والعظيم صفة. (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ) ونصرناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القوم متعلقان بنصرناه والذين صفة للقوم وجملة كذبوا بآياتنا صلة وان واسمها وجملة كانوا خبرها وجملة انهم تعليلية لا محل لها وقوم سوء خبر كانوا فأغرقناهم عطف على ما تقدم وأجمعين تأكيد للهاء. (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) وداود وسليمان تقدم اعرابهما وإذ ظرف بدل من المضاف المحذوف أي اذكر قصة داود وسليمان وجملة يحكمان مضافة إليها وفي الحرث متعلقان بيحكمان وإذ ظرف متعلق بدل من المضاف المحذوف وجملة نفشت مضاف إليها وفيه جار ومجرور متعلقان بنفشت وغنم القوم فاعل وستأتي خلاصة القصة في باب الفوائد، وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وشاهدين خبرها ولحكمهم متعلقان بشاهدين وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما، أو انه ضمير يراد به المثنى وانما وقع الجمع مقام التثنية مجازا أو لأن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان، ويدل على أن المراد التثنية قراءة ابن عباس لحكمهما بصيغة التثنية. (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) ففهمناها عطف على يحكمان لأنه بمعنى الماضي أي فهمناه الصواب فيها وفهمناها فعل وفاعل ومفعول به وسليمان مفعول به ثان وكلّا مفعول أول مقدم لآتينا وحكما وعلما مفعول به ثان لآتينا. (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ) وسخرنا فعل وفاعل ومع ظرف مكان متعلق بسخرنا وداود مضاف اليه والجبال مفعول به وجملة يسبحن حالية من الجبال أي مسبحة ويجوز أن تكون مستأنفة والطير عطف على الجبال أو مفعول معه وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وفاعلين خبرها. (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ) وعلمناه عطف على ما تقدم وعلمناه فعل وفاعل ومفعول به وصنعة مفعول ثان لعلمناه ولبوس مضاف ولكم يجوز أن تتعلق بمحذوف صفة للبوس فاللام للتمليك ويجوز أن تتعلق بعلمناه فتكون اللام للتعليل وعلى هذا يكون قوله لتحصنكم بدلا باعادة اللام أي لكم ولإحصانكم، وعلى الوجه الأول يتعلق قوله لتحصنكم بعلمنا، ولتحصنكم اللام للتعليل وتحصنكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل مستتر تقديره هي والكاف مفعول به ومن بأسكم متعلقان بتحصنكم والفاء استئنافية وأنتم مبتدأ وشاكرون خبر. (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) الواو عاطفة ولسليمان متعلقان بفعل محذوف تقديره سخرنا والريح مفعول به للفعل المحذوف المفهوم من قوله تعالى «وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ» وعاصفة حال وجملة تجري بأمره حال ثانية والى الأرض متعلقان بتجري والتي صفة وجملة باركنا فيها صلة. (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ) الواو عاطفة، وكنا: كان واسمها وبكل شيء متعلقان بعالمين وعالمين خبرها. (وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) ومن الشياطين خبر مقدم ومن يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة مبتدأ مؤخر ولك أن تعطفها نسقا على الريح وجملة يغوصون صلة أو صفة وجمع الضمير حملا على معنى من وحسّن ذلك تقدم جمع ما قبله وله متعلقان بيغوصون. (وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) ويعملون عطف على يغوصون وعملا مفعول به أو مفعول مطلق ودون ظرف متعلق بمحذوف صفة وذلك مضاف اليه وكنا كان واسمها وحافظين خبرها ولهم متعلقان بحافظين. البلاغة: في قوله تعالى: «وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» الخ فن جمع المختلف والمؤتلف، وهو عبارة عن أن يريد المتكلم التسوية بين ممدوحين فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما ثم يروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة فضل لا ينقص مدح الآخر فيأتي لأجل ذلك الترجيح بمعان تخالف معاني التسوية، وقبل أن نتحدث عن الآية نورد أبياتا للخنساء توضح هذا الفن بجلاء نظمتها في أخيها صخر وقد أرادت مساواته في الفضل بأبيها مع مراعاة حق الوالد بزيادة فضل لا ينقص بها مدح الولد فقالت: جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطّا إلى وكر حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر وعلا هتاف الناس أيهما ... قال المجيب هناك: لا أدري برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر فلنتكم الآن على الآية والأبيات معا لتتضح لك حقيقة هذا الفن العجيب: ففي الآية ساوى أول الآية بين داود وسليمان عليهما السلام في أهلية الحكم ثم رجح آخرها سليمان حيث يقول «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» وحصل الالتفات إلى مراعاة فأتى بما يقوم مقام تلك الزيادة التي يرجح بها سليمان لترشد إلى المساواة في الفضل لتكون فضيلة السن وما يستتبعها من وفرة التجارب وحنكة الحياة قائمة مقام الزيادة التي رجح بها سليمان في الحكم أما معنى شعر الخنساء فإنها بعد قولها في المساواة: وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطا إلى وكر وبعد قولها فيها أيضا: حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر تريد أن عذر اللجم لز بعضها بعضا والعذر جميع عذار وهو السير الذي يكون على خد الدابة من اللجام وهذا يدل على المساواة في العدو ثم قالت في ترجيح الوالد: برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري تعني أنه خرج وجهه من الغبار دون وجه رسيله سبقا. ثم قالت في الحاق الولد بالوالد في الفضل: أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر تريد أن الولد كان قادرا على مساواة الوالد لولا ما التزمه من الأدب مع برّ أبيه، ومعرفته بحقه، فغض من عنانه وخفض جناح فضله ليؤثر أباه بالفضل على نفسه. والآية الكريمة ساوت بين داود وسليمان في التأهل للحكم وشركت بينهما فيه حيث قالت: «إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» وأخبرت ان الله سبحانه فهم سليمان إصابة الحكم ففضل أباه بذلك بعد المساواة ثم التفت سبحانه، إلى مراعاة حق الوالد فقال: «وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً» فرجعا بذلك إلى المساواة بعد ترجيح سليمان ليعلم الولد بذلك بر الوالد ويعرفه ما له عليه من الحق حتى إذا فكر الناظر في هذا الكلام وقال: من أين جاءت المساواة في الحكم والعلم بعد الاخبار بأن سليمان فهم من الحكم ما لم يفهمه أبوه؟ علم أن حق الأبوة قام مقام تلك الفضيلة فحصلت المساواة وحصل في هذا الكلام من الزيادة على معنى الخنساء بعد اشتراكهما في جمع المختلف والمؤتلف ضرب آخر من المحاسن يقال له الالتفات وذلك في قوله تعالى فيها «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» وأدمج في هذا الالتفات ضربا آخر من المحاسن يقال له «التنكيت» فإن النكتة التي من أجلها جمع الضمير الذي كان من حقه أن يكون مثنى هي الاشارة إلى أن هذا الحكم متبع يجب الاقتداء به لأنه عين الحق ونفس العدل وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه أنه شاهد له أي هو مراعى بعينه عز وجل ويجوز أن يكون جمع الضمير الذي أضيف اليه الحكم من أجل أن الحكم يستلزم حاكما ومحكوما له ومحكوما عليه فجمع الضمير لأجل ذلك. هذا ومن طريف ما قيل في جمع المؤتلف والمختلف قول الخبز أرزي واسمه نصر الله بن أحمد البصري وكان أميا يخبز خبز الأرز في البصرة وبنشد أشعار الغزل فقد قال: رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر فلم أدر من حيرتي فيهما ... هلال السما من هلال البشر ولولا التورد في الوجنتين ... وما لاح لي من خلال ا لشعر لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر فقد سوى بينهما أولا ثم رجع ففضل الحبيب على الهلال. الفوائد: قصة حكم داود وسليمان في الحرث: سنلخص قصة حكومة داود وسليمان في الحرث لما انطوت عليه من طرافة لتكون حافزا لأقلام كتاب القصة على ترجمتها على غرار قصة أهل الكهف فقد روى التاريخ: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث ان هذا انفلتت غنمه فوقعت في حرثي فأفسدته فلم تبق منه شيئا فأعطاه داود رقاب الغنم في الحرث فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن احدى عشرة سنة فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه فقال سليمان لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا وروي انه قال: غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود فدعاه فقال: كيف تقضي، ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال: أدفع الغنم إلى صاحب الزرع ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه فإذا صار الحرث كهيئته دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه فقال داود: القضاء ما قضيت كما قال تعالى: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» أي علمناه القضية ويروى قال سليمان أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها والحرث إلى أرباب الشاء يقومون عليه حتى يعود كهيئته يوم أفسد ثم يتراد ان فقال: القضاء ما قضيت وامضى الحكم بذلك. الحكم بالشريعة الاسلامية: أما حكم هذه القضية في الشريعة الاسلامية فقد تساءل عنه الزمخشري في كشافه فقال: «فإن قلت: فلو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها؟ قلت: أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم لا يرون فيه ضمانا بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد، والشافعي رضي الله عنه يوجب الضمان بالليل» . بقي هنا سؤال وهو لماذا استعمل ضمير الجمع لاثنين في قوله تعالى: «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» . وفي الجواب قولان أولهما أن المراد المثنى ولو وقع الضمير جمعا لأن التثنية أقل الجمع والثاني أن المصدر المضاف انما هو مضاف للحاكمين وهما داود وسليمان والمحكوم عليه، فهؤلاء جماعة ولكن فيه على هذا اضافة المصدر إلى فاعله ومفعوله دفعة واحدة وهما انما يضاف إلى أحدهما فقط وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز فان الحقيقة اضافة المصدر إلى فاعله والمجاز إضافته إلى مفعوله» . ومن عجائب حكم سليمان ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (بينا امرأتان معهما ابناهما إذ جاء الذئب فذهب بأحدهما فقالت هذه: إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك فاختصمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى فمرتا على سليمان فأخبرتاه فقال: ائتياني بسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى: لا ويرحمك الله فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله إن كنت سمعت بالسكين قبل ذلك ما كنت أقول إلا المدية. قال في القاموس: والسكين مؤنثة كالسكينة وصانعها سكّان وسكاكيني، هذا وقد اشتهر داود بصنع الدروع والجواشن ونحوها وفد رمق أبو الطيب المتنبي سماء هذه الصناعة فقال يصف مفرشه وملبسه بصدد الافتخار بنفسه: مفرشي صهوة الحصان ولكنّ ... قميصي مسرودة من حديد لأمة فاضة أهناة دلاص ... أحكمت نسجها يدا داود يقول: إني شجاع لا أفارق ظهر الفرس وملبوسي الدرع وقميصي لأمة أي ملتئمة الصنعة محكمة النسج من صنع داود وهو أول من عمل الدرع. وسؤال آخر: كيف وصف الريح المسخرة لسليمان بأنها عاصف ووصفها في موضع آخر بأنها رخاء فوصفها تارة بالعصف وتارة بالرخاوة وقد أجاب الزمخشري على هذا السؤال ببراعة نادرة فقال: «كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال «غدوها شهر ورواحها شهر» فكأن جمعها بين الأمرين، أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم، آية إلى آية، ومعجزة إلى معجزة، وقيل كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفا لهبوبها على حكم إرادته» . قلت: ويشبه هذا الوصف عصا موسى تارة بأنها جان وتارة بأنها ثعبان والجان الرقيق من الحيات والثعبان العظيم الجافي منها ووجه ذلك أنها جمعت الوصفين فكانت في خفتها وفي سرعة حركتها كالجان وكانت في عظم خلقها كالثعبان وقد رمق الشعراء سماء هذا المعنى فوصفوا اجتماع النقيضين في موصوف واحد، قال ابن الرومي في وصف وحيد المغنية: خلقت فتنة غناء وحسنا ... ما لها فيهما جميعا نديد فهي نعمى يميد منها كبير ... وهي بلوى يشيب منها الوليد فوصفها بأنها نعمى يميد منها الكبير ثم وصفها بأنها بلوى يشيب منها الصغير فهي إن واصلت أحيت وإن هاجرت أماتت وقال من هذه القصيدة الممتعة التي أحب أن ترجع اليها في ديوانه: ما تزالين نظرة منك موت ... لي مميت ونظرة تخليد نتلاقى فلحظة منك وعد ... بوصال ولحظة تهديد وهو في الشعر كثير نجتزى منه بهذا المثال.

الأنبياء 21:77

اللغة: (الْحَرْثِ) : الزرع وبابه نصر أو كتب كما في المختار وفي القاموس: الحرث مصدر والأرض التي تستنبت بالبذر والنوى والغرس قال ابن عباس وأكثر المفسرين إن الحرث كان كرما قد تدلت عناقيده وقيل كان زرعا. (نَفَشَتْ) : تفرقت وانتشرت فيه فرعته وأفسدته وفي المختار: «نفشت الغنم والإبل أي رعت ليلا بلا راع من باب جلس ... والنفش بفتحتين اسم منه ومنه قوله تعالى «إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ» ولا يكون النفش إلا بالليل» ونفش الصوف والقطن من باب نصر والنفش تشعيب الشيء بأصابعك حتى ينتشر. (لَبُوسٍ) : اللبوس اللباس قال: «البس لكل حال لبوسها» والمراد الدرع، قال قتادة: كانت صفائح فأول من سردها وخلقها داود فجمعت الخفة والتحصين وهي المسماة بالدرع والدرع كما في المختار مؤنثة، وقال أبو عبيدة تؤنث وتذكر. الإعراب: (وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) ونوحا عطف على لوطا فيكون مشتركا معه في عامله الذي هو آتينا المفسر بآتينا الظاهر وكذلك داود وسليمان والتقدير ونوحا آتيناه حكما وداود وسليمان آتيناهما حكما فإذ بدل اشتمال من نوحا وداود وسليمان ولك أن تعربه مفعولا به لفعل محذوف أي واذكر نوحا وداود وسليمان أي اذكر خبرهم وقصتهم فتكون إذ منصوبة بنفس المضاف المقدر أي خبرهم الواقع في وقت كذا، وجملة نادى مضاف إليها ومن قبل متعلقان بنادى فاستجبنا عطف على نادى وله متعلقان باستجبنا، فنجيناه عطف على استجبنا ومن الكرب متعلقان بنجيناه والعظيم صفة. (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ) ونصرناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القوم متعلقان بنصرناه والذين صفة للقوم وجملة كذبوا بآياتنا صلة وان واسمها وجملة كانوا خبرها وجملة انهم تعليلية لا محل لها وقوم سوء خبر كانوا فأغرقناهم عطف على ما تقدم وأجمعين تأكيد للهاء. (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) وداود وسليمان تقدم اعرابهما وإذ ظرف بدل من المضاف المحذوف أي اذكر قصة داود وسليمان وجملة يحكمان مضافة إليها وفي الحرث متعلقان بيحكمان وإذ ظرف متعلق بدل من المضاف المحذوف وجملة نفشت مضاف إليها وفيه جار ومجرور متعلقان بنفشت وغنم القوم فاعل وستأتي خلاصة القصة في باب الفوائد، وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وشاهدين خبرها ولحكمهم متعلقان بشاهدين وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما، أو انه ضمير يراد به المثنى وانما وقع الجمع مقام التثنية مجازا أو لأن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان، ويدل على أن المراد التثنية قراءة ابن عباس لحكمهما بصيغة التثنية. (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) ففهمناها عطف على يحكمان لأنه بمعنى الماضي أي فهمناه الصواب فيها وفهمناها فعل وفاعل ومفعول به وسليمان مفعول به ثان وكلّا مفعول أول مقدم لآتينا وحكما وعلما مفعول به ثان لآتينا. (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ) وسخرنا فعل وفاعل ومع ظرف مكان متعلق بسخرنا وداود مضاف اليه والجبال مفعول به وجملة يسبحن حالية من الجبال أي مسبحة ويجوز أن تكون مستأنفة والطير عطف على الجبال أو مفعول معه وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وفاعلين خبرها. (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ) وعلمناه عطف على ما تقدم وعلمناه فعل وفاعل ومفعول به وصنعة مفعول ثان لعلمناه ولبوس مضاف ولكم يجوز أن تتعلق بمحذوف صفة للبوس فاللام للتمليك ويجوز أن تتعلق بعلمناه فتكون اللام للتعليل وعلى هذا يكون قوله لتحصنكم بدلا باعادة اللام أي لكم ولإحصانكم، وعلى الوجه الأول يتعلق قوله لتحصنكم بعلمنا، ولتحصنكم اللام للتعليل وتحصنكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل مستتر تقديره هي والكاف مفعول به ومن بأسكم متعلقان بتحصنكم والفاء استئنافية وأنتم مبتدأ وشاكرون خبر. (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) الواو عاطفة ولسليمان متعلقان بفعل محذوف تقديره سخرنا والريح مفعول به للفعل المحذوف المفهوم من قوله تعالى «وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ» وعاصفة حال وجملة تجري بأمره حال ثانية والى الأرض متعلقان بتجري والتي صفة وجملة باركنا فيها صلة. (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ) الواو عاطفة، وكنا: كان واسمها وبكل شيء متعلقان بعالمين وعالمين خبرها. (وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) ومن الشياطين خبر مقدم ومن يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة مبتدأ مؤخر ولك أن تعطفها نسقا على الريح وجملة يغوصون صلة أو صفة وجمع الضمير حملا على معنى من وحسّن ذلك تقدم جمع ما قبله وله متعلقان بيغوصون. (وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) ويعملون عطف على يغوصون وعملا مفعول به أو مفعول مطلق ودون ظرف متعلق بمحذوف صفة وذلك مضاف اليه وكنا كان واسمها وحافظين خبرها ولهم متعلقان بحافظين. البلاغة: في قوله تعالى: «وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» الخ فن جمع المختلف والمؤتلف، وهو عبارة عن أن يريد المتكلم التسوية بين ممدوحين فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما ثم يروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة فضل لا ينقص مدح الآخر فيأتي لأجل ذلك الترجيح بمعان تخالف معاني التسوية، وقبل أن نتحدث عن الآية نورد أبياتا للخنساء توضح هذا الفن بجلاء نظمتها في أخيها صخر وقد أرادت مساواته في الفضل بأبيها مع مراعاة حق الوالد بزيادة فضل لا ينقص بها مدح الولد فقالت: جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطّا إلى وكر حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر وعلا هتاف الناس أيهما ... قال المجيب هناك: لا أدري برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر فلنتكم الآن على الآية والأبيات معا لتتضح لك حقيقة هذا الفن العجيب: ففي الآية ساوى أول الآية بين داود وسليمان عليهما السلام في أهلية الحكم ثم رجح آخرها سليمان حيث يقول «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» وحصل الالتفات إلى مراعاة فأتى بما يقوم مقام تلك الزيادة التي يرجح بها سليمان لترشد إلى المساواة في الفضل لتكون فضيلة السن وما يستتبعها من وفرة التجارب وحنكة الحياة قائمة مقام الزيادة التي رجح بها سليمان في الحكم أما معنى شعر الخنساء فإنها بعد قولها في المساواة: وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطا إلى وكر وبعد قولها فيها أيضا: حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر تريد أن عذر اللجم لز بعضها بعضا والعذر جميع عذار وهو السير الذي يكون على خد الدابة من اللجام وهذا يدل على المساواة في العدو ثم قالت في ترجيح الوالد: برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري تعني أنه خرج وجهه من الغبار دون وجه رسيله سبقا. ثم قالت في الحاق الولد بالوالد في الفضل: أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر تريد أن الولد كان قادرا على مساواة الوالد لولا ما التزمه من الأدب مع برّ أبيه، ومعرفته بحقه، فغض من عنانه وخفض جناح فضله ليؤثر أباه بالفضل على نفسه. والآية الكريمة ساوت بين داود وسليمان في التأهل للحكم وشركت بينهما فيه حيث قالت: «إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» وأخبرت ان الله سبحانه فهم سليمان إصابة الحكم ففضل أباه بذلك بعد المساواة ثم التفت سبحانه، إلى مراعاة حق الوالد فقال: «وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً» فرجعا بذلك إلى المساواة بعد ترجيح سليمان ليعلم الولد بذلك بر الوالد ويعرفه ما له عليه من الحق حتى إذا فكر الناظر في هذا الكلام وقال: من أين جاءت المساواة في الحكم والعلم بعد الاخبار بأن سليمان فهم من الحكم ما لم يفهمه أبوه؟ علم أن حق الأبوة قام مقام تلك الفضيلة فحصلت المساواة وحصل في هذا الكلام من الزيادة على معنى الخنساء بعد اشتراكهما في جمع المختلف والمؤتلف ضرب آخر من المحاسن يقال له الالتفات وذلك في قوله تعالى فيها «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» وأدمج في هذا الالتفات ضربا آخر من المحاسن يقال له «التنكيت» فإن النكتة التي من أجلها جمع الضمير الذي كان من حقه أن يكون مثنى هي الاشارة إلى أن هذا الحكم متبع يجب الاقتداء به لأنه عين الحق ونفس العدل وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه أنه شاهد له أي هو مراعى بعينه عز وجل ويجوز أن يكون جمع الضمير الذي أضيف اليه الحكم من أجل أن الحكم يستلزم حاكما ومحكوما له ومحكوما عليه فجمع الضمير لأجل ذلك. هذا ومن طريف ما قيل في جمع المؤتلف والمختلف قول الخبز أرزي واسمه نصر الله بن أحمد البصري وكان أميا يخبز خبز الأرز في البصرة وبنشد أشعار الغزل فقد قال: رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر فلم أدر من حيرتي فيهما ... هلال السما من هلال البشر ولولا التورد في الوجنتين ... وما لاح لي من خلال ا لشعر لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر فقد سوى بينهما أولا ثم رجع ففضل الحبيب على الهلال. الفوائد: قصة حكم داود وسليمان في الحرث: سنلخص قصة حكومة داود وسليمان في الحرث لما انطوت عليه من طرافة لتكون حافزا لأقلام كتاب القصة على ترجمتها على غرار قصة أهل الكهف فقد روى التاريخ: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث ان هذا انفلتت غنمه فوقعت في حرثي فأفسدته فلم تبق منه شيئا فأعطاه داود رقاب الغنم في الحرث فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن احدى عشرة سنة فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه فقال سليمان لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا وروي انه قال: غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود فدعاه فقال: كيف تقضي، ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال: أدفع الغنم إلى صاحب الزرع ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه فإذا صار الحرث كهيئته دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه فقال داود: القضاء ما قضيت كما قال تعالى: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» أي علمناه القضية ويروى قال سليمان أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها والحرث إلى أرباب الشاء يقومون عليه حتى يعود كهيئته يوم أفسد ثم يتراد ان فقال: القضاء ما قضيت وامضى الحكم بذلك. الحكم بالشريعة الاسلامية: أما حكم هذه القضية في الشريعة الاسلامية فقد تساءل عنه الزمخشري في كشافه فقال: «فإن قلت: فلو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها؟ قلت: أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم لا يرون فيه ضمانا بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد، والشافعي رضي الله عنه يوجب الضمان بالليل» . بقي هنا سؤال وهو لماذا استعمل ضمير الجمع لاثنين في قوله تعالى: «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» . وفي الجواب قولان أولهما أن المراد المثنى ولو وقع الضمير جمعا لأن التثنية أقل الجمع والثاني أن المصدر المضاف انما هو مضاف للحاكمين وهما داود وسليمان والمحكوم عليه، فهؤلاء جماعة ولكن فيه على هذا اضافة المصدر إلى فاعله ومفعوله دفعة واحدة وهما انما يضاف إلى أحدهما فقط وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز فان الحقيقة اضافة المصدر إلى فاعله والمجاز إضافته إلى مفعوله» . ومن عجائب حكم سليمان ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (بينا امرأتان معهما ابناهما إذ جاء الذئب فذهب بأحدهما فقالت هذه: إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك فاختصمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى فمرتا على سليمان فأخبرتاه فقال: ائتياني بسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى: لا ويرحمك الله فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله إن كنت سمعت بالسكين قبل ذلك ما كنت أقول إلا المدية. قال في القاموس: والسكين مؤنثة كالسكينة وصانعها سكّان وسكاكيني، هذا وقد اشتهر داود بصنع الدروع والجواشن ونحوها وفد رمق أبو الطيب المتنبي سماء هذه الصناعة فقال يصف مفرشه وملبسه بصدد الافتخار بنفسه: مفرشي صهوة الحصان ولكنّ ... قميصي مسرودة من حديد لأمة فاضة أهناة دلاص ... أحكمت نسجها يدا داود يقول: إني شجاع لا أفارق ظهر الفرس وملبوسي الدرع وقميصي لأمة أي ملتئمة الصنعة محكمة النسج من صنع داود وهو أول من عمل الدرع. وسؤال آخر: كيف وصف الريح المسخرة لسليمان بأنها عاصف ووصفها في موضع آخر بأنها رخاء فوصفها تارة بالعصف وتارة بالرخاوة وقد أجاب الزمخشري على هذا السؤال ببراعة نادرة فقال: «كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال «غدوها شهر ورواحها شهر» فكأن جمعها بين الأمرين، أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم، آية إلى آية، ومعجزة إلى معجزة، وقيل كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفا لهبوبها على حكم إرادته» . قلت: ويشبه هذا الوصف عصا موسى تارة بأنها جان وتارة بأنها ثعبان والجان الرقيق من الحيات والثعبان العظيم الجافي منها ووجه ذلك أنها جمعت الوصفين فكانت في خفتها وفي سرعة حركتها كالجان وكانت في عظم خلقها كالثعبان وقد رمق الشعراء سماء هذا المعنى فوصفوا اجتماع النقيضين في موصوف واحد، قال ابن الرومي في وصف وحيد المغنية: خلقت فتنة غناء وحسنا ... ما لها فيهما جميعا نديد فهي نعمى يميد منها كبير ... وهي بلوى يشيب منها الوليد فوصفها بأنها نعمى يميد منها الكبير ثم وصفها بأنها بلوى يشيب منها الصغير فهي إن واصلت أحيت وإن هاجرت أماتت وقال من هذه القصيدة الممتعة التي أحب أن ترجع اليها في ديوانه: ما تزالين نظرة منك موت ... لي مميت ونظرة تخليد نتلاقى فلحظة منك وعد ... بوصال ولحظة تهديد وهو في الشعر كثير نجتزى منه بهذا المثال.

الأنبياء 21:78

اللغة: (الْحَرْثِ) : الزرع وبابه نصر أو كتب كما في المختار وفي القاموس: الحرث مصدر والأرض التي تستنبت بالبذر والنوى والغرس قال ابن عباس وأكثر المفسرين إن الحرث كان كرما قد تدلت عناقيده وقيل كان زرعا. (نَفَشَتْ) : تفرقت وانتشرت فيه فرعته وأفسدته وفي المختار: «نفشت الغنم والإبل أي رعت ليلا بلا راع من باب جلس ... والنفش بفتحتين اسم منه ومنه قوله تعالى «إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ» ولا يكون النفش إلا بالليل» ونفش الصوف والقطن من باب نصر والنفش تشعيب الشيء بأصابعك حتى ينتشر. (لَبُوسٍ) : اللبوس اللباس قال: «البس لكل حال لبوسها» والمراد الدرع، قال قتادة: كانت صفائح فأول من سردها وخلقها داود فجمعت الخفة والتحصين وهي المسماة بالدرع والدرع كما في المختار مؤنثة، وقال أبو عبيدة تؤنث وتذكر. الإعراب: (وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) ونوحا عطف على لوطا فيكون مشتركا معه في عامله الذي هو آتينا المفسر بآتينا الظاهر وكذلك داود وسليمان والتقدير ونوحا آتيناه حكما وداود وسليمان آتيناهما حكما فإذ بدل اشتمال من نوحا وداود وسليمان ولك أن تعربه مفعولا به لفعل محذوف أي واذكر نوحا وداود وسليمان أي اذكر خبرهم وقصتهم فتكون إذ منصوبة بنفس المضاف المقدر أي خبرهم الواقع في وقت كذا، وجملة نادى مضاف إليها ومن قبل متعلقان بنادى فاستجبنا عطف على نادى وله متعلقان باستجبنا، فنجيناه عطف على استجبنا ومن الكرب متعلقان بنجيناه والعظيم صفة. (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ) ونصرناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القوم متعلقان بنصرناه والذين صفة للقوم وجملة كذبوا بآياتنا صلة وان واسمها وجملة كانوا خبرها وجملة انهم تعليلية لا محل لها وقوم سوء خبر كانوا فأغرقناهم عطف على ما تقدم وأجمعين تأكيد للهاء. (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) وداود وسليمان تقدم اعرابهما وإذ ظرف بدل من المضاف المحذوف أي اذكر قصة داود وسليمان وجملة يحكمان مضافة إليها وفي الحرث متعلقان بيحكمان وإذ ظرف متعلق بدل من المضاف المحذوف وجملة نفشت مضاف إليها وفيه جار ومجرور متعلقان بنفشت وغنم القوم فاعل وستأتي خلاصة القصة في باب الفوائد، وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وشاهدين خبرها ولحكمهم متعلقان بشاهدين وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما، أو انه ضمير يراد به المثنى وانما وقع الجمع مقام التثنية مجازا أو لأن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان، ويدل على أن المراد التثنية قراءة ابن عباس لحكمهما بصيغة التثنية. (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) ففهمناها عطف على يحكمان لأنه بمعنى الماضي أي فهمناه الصواب فيها وفهمناها فعل وفاعل ومفعول به وسليمان مفعول به ثان وكلّا مفعول أول مقدم لآتينا وحكما وعلما مفعول به ثان لآتينا. (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ) وسخرنا فعل وفاعل ومع ظرف مكان متعلق بسخرنا وداود مضاف اليه والجبال مفعول به وجملة يسبحن حالية من الجبال أي مسبحة ويجوز أن تكون مستأنفة والطير عطف على الجبال أو مفعول معه وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وفاعلين خبرها. (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ) وعلمناه عطف على ما تقدم وعلمناه فعل وفاعل ومفعول به وصنعة مفعول ثان لعلمناه ولبوس مضاف ولكم يجوز أن تتعلق بمحذوف صفة للبوس فاللام للتمليك ويجوز أن تتعلق بعلمناه فتكون اللام للتعليل وعلى هذا يكون قوله لتحصنكم بدلا باعادة اللام أي لكم ولإحصانكم، وعلى الوجه الأول يتعلق قوله لتحصنكم بعلمنا، ولتحصنكم اللام للتعليل وتحصنكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل مستتر تقديره هي والكاف مفعول به ومن بأسكم متعلقان بتحصنكم والفاء استئنافية وأنتم مبتدأ وشاكرون خبر. (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) الواو عاطفة ولسليمان متعلقان بفعل محذوف تقديره سخرنا والريح مفعول به للفعل المحذوف المفهوم من قوله تعالى «وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ» وعاصفة حال وجملة تجري بأمره حال ثانية والى الأرض متعلقان بتجري والتي صفة وجملة باركنا فيها صلة. (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ) الواو عاطفة، وكنا: كان واسمها وبكل شيء متعلقان بعالمين وعالمين خبرها. (وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) ومن الشياطين خبر مقدم ومن يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة مبتدأ مؤخر ولك أن تعطفها نسقا على الريح وجملة يغوصون صلة أو صفة وجمع الضمير حملا على معنى من وحسّن ذلك تقدم جمع ما قبله وله متعلقان بيغوصون. (وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) ويعملون عطف على يغوصون وعملا مفعول به أو مفعول مطلق ودون ظرف متعلق بمحذوف صفة وذلك مضاف اليه وكنا كان واسمها وحافظين خبرها ولهم متعلقان بحافظين. البلاغة: في قوله تعالى: «وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» الخ فن جمع المختلف والمؤتلف، وهو عبارة عن أن يريد المتكلم التسوية بين ممدوحين فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما ثم يروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة فضل لا ينقص مدح الآخر فيأتي لأجل ذلك الترجيح بمعان تخالف معاني التسوية، وقبل أن نتحدث عن الآية نورد أبياتا للخنساء توضح هذا الفن بجلاء نظمتها في أخيها صخر وقد أرادت مساواته في الفضل بأبيها مع مراعاة حق الوالد بزيادة فضل لا ينقص بها مدح الولد فقالت: جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطّا إلى وكر حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر وعلا هتاف الناس أيهما ... قال المجيب هناك: لا أدري برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر فلنتكم الآن على الآية والأبيات معا لتتضح لك حقيقة هذا الفن العجيب: ففي الآية ساوى أول الآية بين داود وسليمان عليهما السلام في أهلية الحكم ثم رجح آخرها سليمان حيث يقول «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» وحصل الالتفات إلى مراعاة فأتى بما يقوم مقام تلك الزيادة التي يرجح بها سليمان لترشد إلى المساواة في الفضل لتكون فضيلة السن وما يستتبعها من وفرة التجارب وحنكة الحياة قائمة مقام الزيادة التي رجح بها سليمان في الحكم أما معنى شعر الخنساء فإنها بعد قولها في المساواة: وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطا إلى وكر وبعد قولها فيها أيضا: حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر تريد أن عذر اللجم لز بعضها بعضا والعذر جميع عذار وهو السير الذي يكون على خد الدابة من اللجام وهذا يدل على المساواة في العدو ثم قالت في ترجيح الوالد: برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري تعني أنه خرج وجهه من الغبار دون وجه رسيله سبقا. ثم قالت في الحاق الولد بالوالد في الفضل: أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر تريد أن الولد كان قادرا على مساواة الوالد لولا ما التزمه من الأدب مع برّ أبيه، ومعرفته بحقه، فغض من عنانه وخفض جناح فضله ليؤثر أباه بالفضل على نفسه. والآية الكريمة ساوت بين داود وسليمان في التأهل للحكم وشركت بينهما فيه حيث قالت: «إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» وأخبرت ان الله سبحانه فهم سليمان إصابة الحكم ففضل أباه بذلك بعد المساواة ثم التفت سبحانه، إلى مراعاة حق الوالد فقال: «وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً» فرجعا بذلك إلى المساواة بعد ترجيح سليمان ليعلم الولد بذلك بر الوالد ويعرفه ما له عليه من الحق حتى إذا فكر الناظر في هذا الكلام وقال: من أين جاءت المساواة في الحكم والعلم بعد الاخبار بأن سليمان فهم من الحكم ما لم يفهمه أبوه؟ علم أن حق الأبوة قام مقام تلك الفضيلة فحصلت المساواة وحصل في هذا الكلام من الزيادة على معنى الخنساء بعد اشتراكهما في جمع المختلف والمؤتلف ضرب آخر من المحاسن يقال له الالتفات وذلك في قوله تعالى فيها «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» وأدمج في هذا الالتفات ضربا آخر من المحاسن يقال له «التنكيت» فإن النكتة التي من أجلها جمع الضمير الذي كان من حقه أن يكون مثنى هي الاشارة إلى أن هذا الحكم متبع يجب الاقتداء به لأنه عين الحق ونفس العدل وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه أنه شاهد له أي هو مراعى بعينه عز وجل ويجوز أن يكون جمع الضمير الذي أضيف اليه الحكم من أجل أن الحكم يستلزم حاكما ومحكوما له ومحكوما عليه فجمع الضمير لأجل ذلك. هذا ومن طريف ما قيل في جمع المؤتلف والمختلف قول الخبز أرزي واسمه نصر الله بن أحمد البصري وكان أميا يخبز خبز الأرز في البصرة وبنشد أشعار الغزل فقد قال: رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر فلم أدر من حيرتي فيهما ... هلال السما من هلال البشر ولولا التورد في الوجنتين ... وما لاح لي من خلال ا لشعر لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر فقد سوى بينهما أولا ثم رجع ففضل الحبيب على الهلال. الفوائد: قصة حكم داود وسليمان في الحرث: سنلخص قصة حكومة داود وسليمان في الحرث لما انطوت عليه من طرافة لتكون حافزا لأقلام كتاب القصة على ترجمتها على غرار قصة أهل الكهف فقد روى التاريخ: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث ان هذا انفلتت غنمه فوقعت في حرثي فأفسدته فلم تبق منه شيئا فأعطاه داود رقاب الغنم في الحرث فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن احدى عشرة سنة فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه فقال سليمان لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا وروي انه قال: غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود فدعاه فقال: كيف تقضي، ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال: أدفع الغنم إلى صاحب الزرع ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه فإذا صار الحرث كهيئته دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه فقال داود: القضاء ما قضيت كما قال تعالى: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» أي علمناه القضية ويروى قال سليمان أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها والحرث إلى أرباب الشاء يقومون عليه حتى يعود كهيئته يوم أفسد ثم يتراد ان فقال: القضاء ما قضيت وامضى الحكم بذلك. الحكم بالشريعة الاسلامية: أما حكم هذه القضية في الشريعة الاسلامية فقد تساءل عنه الزمخشري في كشافه فقال: «فإن قلت: فلو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها؟ قلت: أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم لا يرون فيه ضمانا بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد، والشافعي رضي الله عنه يوجب الضمان بالليل» . بقي هنا سؤال وهو لماذا استعمل ضمير الجمع لاثنين في قوله تعالى: «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» . وفي الجواب قولان أولهما أن المراد المثنى ولو وقع الضمير جمعا لأن التثنية أقل الجمع والثاني أن المصدر المضاف انما هو مضاف للحاكمين وهما داود وسليمان والمحكوم عليه، فهؤلاء جماعة ولكن فيه على هذا اضافة المصدر إلى فاعله ومفعوله دفعة واحدة وهما انما يضاف إلى أحدهما فقط وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز فان الحقيقة اضافة المصدر إلى فاعله والمجاز إضافته إلى مفعوله» . ومن عجائب حكم سليمان ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (بينا امرأتان معهما ابناهما إذ جاء الذئب فذهب بأحدهما فقالت هذه: إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك فاختصمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى فمرتا على سليمان فأخبرتاه فقال: ائتياني بسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى: لا ويرحمك الله فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله إن كنت سمعت بالسكين قبل ذلك ما كنت أقول إلا المدية. قال في القاموس: والسكين مؤنثة كالسكينة وصانعها سكّان وسكاكيني، هذا وقد اشتهر داود بصنع الدروع والجواشن ونحوها وفد رمق أبو الطيب المتنبي سماء هذه الصناعة فقال يصف مفرشه وملبسه بصدد الافتخار بنفسه: مفرشي صهوة الحصان ولكنّ ... قميصي مسرودة من حديد لأمة فاضة أهناة دلاص ... أحكمت نسجها يدا داود يقول: إني شجاع لا أفارق ظهر الفرس وملبوسي الدرع وقميصي لأمة أي ملتئمة الصنعة محكمة النسج من صنع داود وهو أول من عمل الدرع. وسؤال آخر: كيف وصف الريح المسخرة لسليمان بأنها عاصف ووصفها في موضع آخر بأنها رخاء فوصفها تارة بالعصف وتارة بالرخاوة وقد أجاب الزمخشري على هذا السؤال ببراعة نادرة فقال: «كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال «غدوها شهر ورواحها شهر» فكأن جمعها بين الأمرين، أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم، آية إلى آية، ومعجزة إلى معجزة، وقيل كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفا لهبوبها على حكم إرادته» . قلت: ويشبه هذا الوصف عصا موسى تارة بأنها جان وتارة بأنها ثعبان والجان الرقيق من الحيات والثعبان العظيم الجافي منها ووجه ذلك أنها جمعت الوصفين فكانت في خفتها وفي سرعة حركتها كالجان وكانت في عظم خلقها كالثعبان وقد رمق الشعراء سماء هذا المعنى فوصفوا اجتماع النقيضين في موصوف واحد، قال ابن الرومي في وصف وحيد المغنية: خلقت فتنة غناء وحسنا ... ما لها فيهما جميعا نديد فهي نعمى يميد منها كبير ... وهي بلوى يشيب منها الوليد فوصفها بأنها نعمى يميد منها الكبير ثم وصفها بأنها بلوى يشيب منها الصغير فهي إن واصلت أحيت وإن هاجرت أماتت وقال من هذه القصيدة الممتعة التي أحب أن ترجع اليها في ديوانه: ما تزالين نظرة منك موت ... لي مميت ونظرة تخليد نتلاقى فلحظة منك وعد ... بوصال ولحظة تهديد وهو في الشعر كثير نجتزى منه بهذا المثال.

الأنبياء 21:79

اللغة: (الْحَرْثِ) : الزرع وبابه نصر أو كتب كما في المختار وفي القاموس: الحرث مصدر والأرض التي تستنبت بالبذر والنوى والغرس قال ابن عباس وأكثر المفسرين إن الحرث كان كرما قد تدلت عناقيده وقيل كان زرعا. (نَفَشَتْ) : تفرقت وانتشرت فيه فرعته وأفسدته وفي المختار: «نفشت الغنم والإبل أي رعت ليلا بلا راع من باب جلس ... والنفش بفتحتين اسم منه ومنه قوله تعالى «إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ» ولا يكون النفش إلا بالليل» ونفش الصوف والقطن من باب نصر والنفش تشعيب الشيء بأصابعك حتى ينتشر. (لَبُوسٍ) : اللبوس اللباس قال: «البس لكل حال لبوسها» والمراد الدرع، قال قتادة: كانت صفائح فأول من سردها وخلقها داود فجمعت الخفة والتحصين وهي المسماة بالدرع والدرع كما في المختار مؤنثة، وقال أبو عبيدة تؤنث وتذكر. الإعراب: (وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) ونوحا عطف على لوطا فيكون مشتركا معه في عامله الذي هو آتينا المفسر بآتينا الظاهر وكذلك داود وسليمان والتقدير ونوحا آتيناه حكما وداود وسليمان آتيناهما حكما فإذ بدل اشتمال من نوحا وداود وسليمان ولك أن تعربه مفعولا به لفعل محذوف أي واذكر نوحا وداود وسليمان أي اذكر خبرهم وقصتهم فتكون إذ منصوبة بنفس المضاف المقدر أي خبرهم الواقع في وقت كذا، وجملة نادى مضاف إليها ومن قبل متعلقان بنادى فاستجبنا عطف على نادى وله متعلقان باستجبنا، فنجيناه عطف على استجبنا ومن الكرب متعلقان بنجيناه والعظيم صفة. (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ) ونصرناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القوم متعلقان بنصرناه والذين صفة للقوم وجملة كذبوا بآياتنا صلة وان واسمها وجملة كانوا خبرها وجملة انهم تعليلية لا محل لها وقوم سوء خبر كانوا فأغرقناهم عطف على ما تقدم وأجمعين تأكيد للهاء. (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) وداود وسليمان تقدم اعرابهما وإذ ظرف بدل من المضاف المحذوف أي اذكر قصة داود وسليمان وجملة يحكمان مضافة إليها وفي الحرث متعلقان بيحكمان وإذ ظرف متعلق بدل من المضاف المحذوف وجملة نفشت مضاف إليها وفيه جار ومجرور متعلقان بنفشت وغنم القوم فاعل وستأتي خلاصة القصة في باب الفوائد، وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وشاهدين خبرها ولحكمهم متعلقان بشاهدين وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما، أو انه ضمير يراد به المثنى وانما وقع الجمع مقام التثنية مجازا أو لأن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان، ويدل على أن المراد التثنية قراءة ابن عباس لحكمهما بصيغة التثنية. (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) ففهمناها عطف على يحكمان لأنه بمعنى الماضي أي فهمناه الصواب فيها وفهمناها فعل وفاعل ومفعول به وسليمان مفعول به ثان وكلّا مفعول أول مقدم لآتينا وحكما وعلما مفعول به ثان لآتينا. (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ) وسخرنا فعل وفاعل ومع ظرف مكان متعلق بسخرنا وداود مضاف اليه والجبال مفعول به وجملة يسبحن حالية من الجبال أي مسبحة ويجوز أن تكون مستأنفة والطير عطف على الجبال أو مفعول معه وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وفاعلين خبرها. (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ) وعلمناه عطف على ما تقدم وعلمناه فعل وفاعل ومفعول به وصنعة مفعول ثان لعلمناه ولبوس مضاف ولكم يجوز أن تتعلق بمحذوف صفة للبوس فاللام للتمليك ويجوز أن تتعلق بعلمناه فتكون اللام للتعليل وعلى هذا يكون قوله لتحصنكم بدلا باعادة اللام أي لكم ولإحصانكم، وعلى الوجه الأول يتعلق قوله لتحصنكم بعلمنا، ولتحصنكم اللام للتعليل وتحصنكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل مستتر تقديره هي والكاف مفعول به ومن بأسكم متعلقان بتحصنكم والفاء استئنافية وأنتم مبتدأ وشاكرون خبر. (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) الواو عاطفة ولسليمان متعلقان بفعل محذوف تقديره سخرنا والريح مفعول به للفعل المحذوف المفهوم من قوله تعالى «وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ» وعاصفة حال وجملة تجري بأمره حال ثانية والى الأرض متعلقان بتجري والتي صفة وجملة باركنا فيها صلة. (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ) الواو عاطفة، وكنا: كان واسمها وبكل شيء متعلقان بعالمين وعالمين خبرها. (وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) ومن الشياطين خبر مقدم ومن يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة مبتدأ مؤخر ولك أن تعطفها نسقا على الريح وجملة يغوصون صلة أو صفة وجمع الضمير حملا على معنى من وحسّن ذلك تقدم جمع ما قبله وله متعلقان بيغوصون. (وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) ويعملون عطف على يغوصون وعملا مفعول به أو مفعول مطلق ودون ظرف متعلق بمحذوف صفة وذلك مضاف اليه وكنا كان واسمها وحافظين خبرها ولهم متعلقان بحافظين. البلاغة: في قوله تعالى: «وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» الخ فن جمع المختلف والمؤتلف، وهو عبارة عن أن يريد المتكلم التسوية بين ممدوحين فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما ثم يروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة فضل لا ينقص مدح الآخر فيأتي لأجل ذلك الترجيح بمعان تخالف معاني التسوية، وقبل أن نتحدث عن الآية نورد أبياتا للخنساء توضح هذا الفن بجلاء نظمتها في أخيها صخر وقد أرادت مساواته في الفضل بأبيها مع مراعاة حق الوالد بزيادة فضل لا ينقص بها مدح الولد فقالت: جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطّا إلى وكر حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر وعلا هتاف الناس أيهما ... قال المجيب هناك: لا أدري برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر فلنتكم الآن على الآية والأبيات معا لتتضح لك حقيقة هذا الفن العجيب: ففي الآية ساوى أول الآية بين داود وسليمان عليهما السلام في أهلية الحكم ثم رجح آخرها سليمان حيث يقول «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» وحصل الالتفات إلى مراعاة فأتى بما يقوم مقام تلك الزيادة التي يرجح بها سليمان لترشد إلى المساواة في الفضل لتكون فضيلة السن وما يستتبعها من وفرة التجارب وحنكة الحياة قائمة مقام الزيادة التي رجح بها سليمان في الحكم أما معنى شعر الخنساء فإنها بعد قولها في المساواة: وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطا إلى وكر وبعد قولها فيها أيضا: حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر تريد أن عذر اللجم لز بعضها بعضا والعذر جميع عذار وهو السير الذي يكون على خد الدابة من اللجام وهذا يدل على المساواة في العدو ثم قالت في ترجيح الوالد: برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري تعني أنه خرج وجهه من الغبار دون وجه رسيله سبقا. ثم قالت في الحاق الولد بالوالد في الفضل: أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر تريد أن الولد كان قادرا على مساواة الوالد لولا ما التزمه من الأدب مع برّ أبيه، ومعرفته بحقه، فغض من عنانه وخفض جناح فضله ليؤثر أباه بالفضل على نفسه. والآية الكريمة ساوت بين داود وسليمان في التأهل للحكم وشركت بينهما فيه حيث قالت: «إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» وأخبرت ان الله سبحانه فهم سليمان إصابة الحكم ففضل أباه بذلك بعد المساواة ثم التفت سبحانه، إلى مراعاة حق الوالد فقال: «وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً» فرجعا بذلك إلى المساواة بعد ترجيح سليمان ليعلم الولد بذلك بر الوالد ويعرفه ما له عليه من الحق حتى إذا فكر الناظر في هذا الكلام وقال: من أين جاءت المساواة في الحكم والعلم بعد الاخبار بأن سليمان فهم من الحكم ما لم يفهمه أبوه؟ علم أن حق الأبوة قام مقام تلك الفضيلة فحصلت المساواة وحصل في هذا الكلام من الزيادة على معنى الخنساء بعد اشتراكهما في جمع المختلف والمؤتلف ضرب آخر من المحاسن يقال له الالتفات وذلك في قوله تعالى فيها «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» وأدمج في هذا الالتفات ضربا آخر من المحاسن يقال له «التنكيت» فإن النكتة التي من أجلها جمع الضمير الذي كان من حقه أن يكون مثنى هي الاشارة إلى أن هذا الحكم متبع يجب الاقتداء به لأنه عين الحق ونفس العدل وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه أنه شاهد له أي هو مراعى بعينه عز وجل ويجوز أن يكون جمع الضمير الذي أضيف اليه الحكم من أجل أن الحكم يستلزم حاكما ومحكوما له ومحكوما عليه فجمع الضمير لأجل ذلك. هذا ومن طريف ما قيل في جمع المؤتلف والمختلف قول الخبز أرزي واسمه نصر الله بن أحمد البصري وكان أميا يخبز خبز الأرز في البصرة وبنشد أشعار الغزل فقد قال: رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر فلم أدر من حيرتي فيهما ... هلال السما من هلال البشر ولولا التورد في الوجنتين ... وما لاح لي من خلال ا لشعر لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر فقد سوى بينهما أولا ثم رجع ففضل الحبيب على الهلال. الفوائد: قصة حكم داود وسليمان في الحرث: سنلخص قصة حكومة داود وسليمان في الحرث لما انطوت عليه من طرافة لتكون حافزا لأقلام كتاب القصة على ترجمتها على غرار قصة أهل الكهف فقد روى التاريخ: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث ان هذا انفلتت غنمه فوقعت في حرثي فأفسدته فلم تبق منه شيئا فأعطاه داود رقاب الغنم في الحرث فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن احدى عشرة سنة فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه فقال سليمان لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا وروي انه قال: غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود فدعاه فقال: كيف تقضي، ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال: أدفع الغنم إلى صاحب الزرع ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه فإذا صار الحرث كهيئته دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه فقال داود: القضاء ما قضيت كما قال تعالى: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» أي علمناه القضية ويروى قال سليمان أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها والحرث إلى أرباب الشاء يقومون عليه حتى يعود كهيئته يوم أفسد ثم يتراد ان فقال: القضاء ما قضيت وامضى الحكم بذلك. الحكم بالشريعة الاسلامية: أما حكم هذه القضية في الشريعة الاسلامية فقد تساءل عنه الزمخشري في كشافه فقال: «فإن قلت: فلو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها؟ قلت: أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم لا يرون فيه ضمانا بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد، والشافعي رضي الله عنه يوجب الضمان بالليل» . بقي هنا سؤال وهو لماذا استعمل ضمير الجمع لاثنين في قوله تعالى: «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» . وفي الجواب قولان أولهما أن المراد المثنى ولو وقع الضمير جمعا لأن التثنية أقل الجمع والثاني أن المصدر المضاف انما هو مضاف للحاكمين وهما داود وسليمان والمحكوم عليه، فهؤلاء جماعة ولكن فيه على هذا اضافة المصدر إلى فاعله ومفعوله دفعة واحدة وهما انما يضاف إلى أحدهما فقط وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز فان الحقيقة اضافة المصدر إلى فاعله والمجاز إضافته إلى مفعوله» . ومن عجائب حكم سليمان ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (بينا امرأتان معهما ابناهما إذ جاء الذئب فذهب بأحدهما فقالت هذه: إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك فاختصمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى فمرتا على سليمان فأخبرتاه فقال: ائتياني بسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى: لا ويرحمك الله فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله إن كنت سمعت بالسكين قبل ذلك ما كنت أقول إلا المدية. قال في القاموس: والسكين مؤنثة كالسكينة وصانعها سكّان وسكاكيني، هذا وقد اشتهر داود بصنع الدروع والجواشن ونحوها وفد رمق أبو الطيب المتنبي سماء هذه الصناعة فقال يصف مفرشه وملبسه بصدد الافتخار بنفسه: مفرشي صهوة الحصان ولكنّ ... قميصي مسرودة من حديد لأمة فاضة أهناة دلاص ... أحكمت نسجها يدا داود يقول: إني شجاع لا أفارق ظهر الفرس وملبوسي الدرع وقميصي لأمة أي ملتئمة الصنعة محكمة النسج من صنع داود وهو أول من عمل الدرع. وسؤال آخر: كيف وصف الريح المسخرة لسليمان بأنها عاصف ووصفها في موضع آخر بأنها رخاء فوصفها تارة بالعصف وتارة بالرخاوة وقد أجاب الزمخشري على هذا السؤال ببراعة نادرة فقال: «كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال «غدوها شهر ورواحها شهر» فكأن جمعها بين الأمرين، أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم، آية إلى آية، ومعجزة إلى معجزة، وقيل كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفا لهبوبها على حكم إرادته» . قلت: ويشبه هذا الوصف عصا موسى تارة بأنها جان وتارة بأنها ثعبان والجان الرقيق من الحيات والثعبان العظيم الجافي منها ووجه ذلك أنها جمعت الوصفين فكانت في خفتها وفي سرعة حركتها كالجان وكانت في عظم خلقها كالثعبان وقد رمق الشعراء سماء هذا المعنى فوصفوا اجتماع النقيضين في موصوف واحد، قال ابن الرومي في وصف وحيد المغنية: خلقت فتنة غناء وحسنا ... ما لها فيهما جميعا نديد فهي نعمى يميد منها كبير ... وهي بلوى يشيب منها الوليد فوصفها بأنها نعمى يميد منها الكبير ثم وصفها بأنها بلوى يشيب منها الصغير فهي إن واصلت أحيت وإن هاجرت أماتت وقال من هذه القصيدة الممتعة التي أحب أن ترجع اليها في ديوانه: ما تزالين نظرة منك موت ... لي مميت ونظرة تخليد نتلاقى فلحظة منك وعد ... بوصال ولحظة تهديد وهو في الشعر كثير نجتزى منه بهذا المثال.

الأنبياء 21:80

اللغة: (الْحَرْثِ) : الزرع وبابه نصر أو كتب كما في المختار وفي القاموس: الحرث مصدر والأرض التي تستنبت بالبذر والنوى والغرس قال ابن عباس وأكثر المفسرين إن الحرث كان كرما قد تدلت عناقيده وقيل كان زرعا. (نَفَشَتْ) : تفرقت وانتشرت فيه فرعته وأفسدته وفي المختار: «نفشت الغنم والإبل أي رعت ليلا بلا راع من باب جلس ... والنفش بفتحتين اسم منه ومنه قوله تعالى «إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ» ولا يكون النفش إلا بالليل» ونفش الصوف والقطن من باب نصر والنفش تشعيب الشيء بأصابعك حتى ينتشر. (لَبُوسٍ) : اللبوس اللباس قال: «البس لكل حال لبوسها» والمراد الدرع، قال قتادة: كانت صفائح فأول من سردها وخلقها داود فجمعت الخفة والتحصين وهي المسماة بالدرع والدرع كما في المختار مؤنثة، وقال أبو عبيدة تؤنث وتذكر. الإعراب: (وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) ونوحا عطف على لوطا فيكون مشتركا معه في عامله الذي هو آتينا المفسر بآتينا الظاهر وكذلك داود وسليمان والتقدير ونوحا آتيناه حكما وداود وسليمان آتيناهما حكما فإذ بدل اشتمال من نوحا وداود وسليمان ولك أن تعربه مفعولا به لفعل محذوف أي واذكر نوحا وداود وسليمان أي اذكر خبرهم وقصتهم فتكون إذ منصوبة بنفس المضاف المقدر أي خبرهم الواقع في وقت كذا، وجملة نادى مضاف إليها ومن قبل متعلقان بنادى فاستجبنا عطف على نادى وله متعلقان باستجبنا، فنجيناه عطف على استجبنا ومن الكرب متعلقان بنجيناه والعظيم صفة. (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ) ونصرناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القوم متعلقان بنصرناه والذين صفة للقوم وجملة كذبوا بآياتنا صلة وان واسمها وجملة كانوا خبرها وجملة انهم تعليلية لا محل لها وقوم سوء خبر كانوا فأغرقناهم عطف على ما تقدم وأجمعين تأكيد للهاء. (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) وداود وسليمان تقدم اعرابهما وإذ ظرف بدل من المضاف المحذوف أي اذكر قصة داود وسليمان وجملة يحكمان مضافة إليها وفي الحرث متعلقان بيحكمان وإذ ظرف متعلق بدل من المضاف المحذوف وجملة نفشت مضاف إليها وفيه جار ومجرور متعلقان بنفشت وغنم القوم فاعل وستأتي خلاصة القصة في باب الفوائد، وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وشاهدين خبرها ولحكمهم متعلقان بشاهدين وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما، أو انه ضمير يراد به المثنى وانما وقع الجمع مقام التثنية مجازا أو لأن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان، ويدل على أن المراد التثنية قراءة ابن عباس لحكمهما بصيغة التثنية. (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) ففهمناها عطف على يحكمان لأنه بمعنى الماضي أي فهمناه الصواب فيها وفهمناها فعل وفاعل ومفعول به وسليمان مفعول به ثان وكلّا مفعول أول مقدم لآتينا وحكما وعلما مفعول به ثان لآتينا. (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ) وسخرنا فعل وفاعل ومع ظرف مكان متعلق بسخرنا وداود مضاف اليه والجبال مفعول به وجملة يسبحن حالية من الجبال أي مسبحة ويجوز أن تكون مستأنفة والطير عطف على الجبال أو مفعول معه وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وفاعلين خبرها. (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ) وعلمناه عطف على ما تقدم وعلمناه فعل وفاعل ومفعول به وصنعة مفعول ثان لعلمناه ولبوس مضاف ولكم يجوز أن تتعلق بمحذوف صفة للبوس فاللام للتمليك ويجوز أن تتعلق بعلمناه فتكون اللام للتعليل وعلى هذا يكون قوله لتحصنكم بدلا باعادة اللام أي لكم ولإحصانكم، وعلى الوجه الأول يتعلق قوله لتحصنكم بعلمنا، ولتحصنكم اللام للتعليل وتحصنكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل مستتر تقديره هي والكاف مفعول به ومن بأسكم متعلقان بتحصنكم والفاء استئنافية وأنتم مبتدأ وشاكرون خبر. (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) الواو عاطفة ولسليمان متعلقان بفعل محذوف تقديره سخرنا والريح مفعول به للفعل المحذوف المفهوم من قوله تعالى «وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ» وعاصفة حال وجملة تجري بأمره حال ثانية والى الأرض متعلقان بتجري والتي صفة وجملة باركنا فيها صلة. (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ) الواو عاطفة، وكنا: كان واسمها وبكل شيء متعلقان بعالمين وعالمين خبرها. (وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) ومن الشياطين خبر مقدم ومن يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة مبتدأ مؤخر ولك أن تعطفها نسقا على الريح وجملة يغوصون صلة أو صفة وجمع الضمير حملا على معنى من وحسّن ذلك تقدم جمع ما قبله وله متعلقان بيغوصون. (وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) ويعملون عطف على يغوصون وعملا مفعول به أو مفعول مطلق ودون ظرف متعلق بمحذوف صفة وذلك مضاف اليه وكنا كان واسمها وحافظين خبرها ولهم متعلقان بحافظين. البلاغة: في قوله تعالى: «وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» الخ فن جمع المختلف والمؤتلف، وهو عبارة عن أن يريد المتكلم التسوية بين ممدوحين فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما ثم يروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة فضل لا ينقص مدح الآخر فيأتي لأجل ذلك الترجيح بمعان تخالف معاني التسوية، وقبل أن نتحدث عن الآية نورد أبياتا للخنساء توضح هذا الفن بجلاء نظمتها في أخيها صخر وقد أرادت مساواته في الفضل بأبيها مع مراعاة حق الوالد بزيادة فضل لا ينقص بها مدح الولد فقالت: جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطّا إلى وكر حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر وعلا هتاف الناس أيهما ... قال المجيب هناك: لا أدري برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر فلنتكم الآن على الآية والأبيات معا لتتضح لك حقيقة هذا الفن العجيب: ففي الآية ساوى أول الآية بين داود وسليمان عليهما السلام في أهلية الحكم ثم رجح آخرها سليمان حيث يقول «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» وحصل الالتفات إلى مراعاة فأتى بما يقوم مقام تلك الزيادة التي يرجح بها سليمان لترشد إلى المساواة في الفضل لتكون فضيلة السن وما يستتبعها من وفرة التجارب وحنكة الحياة قائمة مقام الزيادة التي رجح بها سليمان في الحكم أما معنى شعر الخنساء فإنها بعد قولها في المساواة: وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطا إلى وكر وبعد قولها فيها أيضا: حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر تريد أن عذر اللجم لز بعضها بعضا والعذر جميع عذار وهو السير الذي يكون على خد الدابة من اللجام وهذا يدل على المساواة في العدو ثم قالت في ترجيح الوالد: برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري تعني أنه خرج وجهه من الغبار دون وجه رسيله سبقا. ثم قالت في الحاق الولد بالوالد في الفضل: أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر تريد أن الولد كان قادرا على مساواة الوالد لولا ما التزمه من الأدب مع برّ أبيه، ومعرفته بحقه، فغض من عنانه وخفض جناح فضله ليؤثر أباه بالفضل على نفسه. والآية الكريمة ساوت بين داود وسليمان في التأهل للحكم وشركت بينهما فيه حيث قالت: «إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» وأخبرت ان الله سبحانه فهم سليمان إصابة الحكم ففضل أباه بذلك بعد المساواة ثم التفت سبحانه، إلى مراعاة حق الوالد فقال: «وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً» فرجعا بذلك إلى المساواة بعد ترجيح سليمان ليعلم الولد بذلك بر الوالد ويعرفه ما له عليه من الحق حتى إذا فكر الناظر في هذا الكلام وقال: من أين جاءت المساواة في الحكم والعلم بعد الاخبار بأن سليمان فهم من الحكم ما لم يفهمه أبوه؟ علم أن حق الأبوة قام مقام تلك الفضيلة فحصلت المساواة وحصل في هذا الكلام من الزيادة على معنى الخنساء بعد اشتراكهما في جمع المختلف والمؤتلف ضرب آخر من المحاسن يقال له الالتفات وذلك في قوله تعالى فيها «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» وأدمج في هذا الالتفات ضربا آخر من المحاسن يقال له «التنكيت» فإن النكتة التي من أجلها جمع الضمير الذي كان من حقه أن يكون مثنى هي الاشارة إلى أن هذا الحكم متبع يجب الاقتداء به لأنه عين الحق ونفس العدل وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه أنه شاهد له أي هو مراعى بعينه عز وجل ويجوز أن يكون جمع الضمير الذي أضيف اليه الحكم من أجل أن الحكم يستلزم حاكما ومحكوما له ومحكوما عليه فجمع الضمير لأجل ذلك. هذا ومن طريف ما قيل في جمع المؤتلف والمختلف قول الخبز أرزي واسمه نصر الله بن أحمد البصري وكان أميا يخبز خبز الأرز في البصرة وبنشد أشعار الغزل فقد قال: رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر فلم أدر من حيرتي فيهما ... هلال السما من هلال البشر ولولا التورد في الوجنتين ... وما لاح لي من خلال ا لشعر لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر فقد سوى بينهما أولا ثم رجع ففضل الحبيب على الهلال. الفوائد: قصة حكم داود وسليمان في الحرث: سنلخص قصة حكومة داود وسليمان في الحرث لما انطوت عليه من طرافة لتكون حافزا لأقلام كتاب القصة على ترجمتها على غرار قصة أهل الكهف فقد روى التاريخ: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث ان هذا انفلتت غنمه فوقعت في حرثي فأفسدته فلم تبق منه شيئا فأعطاه داود رقاب الغنم في الحرث فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن احدى عشرة سنة فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه فقال سليمان لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا وروي انه قال: غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود فدعاه فقال: كيف تقضي، ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال: أدفع الغنم إلى صاحب الزرع ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه فإذا صار الحرث كهيئته دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه فقال داود: القضاء ما قضيت كما قال تعالى: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» أي علمناه القضية ويروى قال سليمان أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها والحرث إلى أرباب الشاء يقومون عليه حتى يعود كهيئته يوم أفسد ثم يتراد ان فقال: القضاء ما قضيت وامضى الحكم بذلك. الحكم بالشريعة الاسلامية: أما حكم هذه القضية في الشريعة الاسلامية فقد تساءل عنه الزمخشري في كشافه فقال: «فإن قلت: فلو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها؟ قلت: أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم لا يرون فيه ضمانا بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد، والشافعي رضي الله عنه يوجب الضمان بالليل» . بقي هنا سؤال وهو لماذا استعمل ضمير الجمع لاثنين في قوله تعالى: «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» . وفي الجواب قولان أولهما أن المراد المثنى ولو وقع الضمير جمعا لأن التثنية أقل الجمع والثاني أن المصدر المضاف انما هو مضاف للحاكمين وهما داود وسليمان والمحكوم عليه، فهؤلاء جماعة ولكن فيه على هذا اضافة المصدر إلى فاعله ومفعوله دفعة واحدة وهما انما يضاف إلى أحدهما فقط وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز فان الحقيقة اضافة المصدر إلى فاعله والمجاز إضافته إلى مفعوله» . ومن عجائب حكم سليمان ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (بينا امرأتان معهما ابناهما إذ جاء الذئب فذهب بأحدهما فقالت هذه: إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك فاختصمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى فمرتا على سليمان فأخبرتاه فقال: ائتياني بسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى: لا ويرحمك الله فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله إن كنت سمعت بالسكين قبل ذلك ما كنت أقول إلا المدية. قال في القاموس: والسكين مؤنثة كالسكينة وصانعها سكّان وسكاكيني، هذا وقد اشتهر داود بصنع الدروع والجواشن ونحوها وفد رمق أبو الطيب المتنبي سماء هذه الصناعة فقال يصف مفرشه وملبسه بصدد الافتخار بنفسه: مفرشي صهوة الحصان ولكنّ ... قميصي مسرودة من حديد لأمة فاضة أهناة دلاص ... أحكمت نسجها يدا داود يقول: إني شجاع لا أفارق ظهر الفرس وملبوسي الدرع وقميصي لأمة أي ملتئمة الصنعة محكمة النسج من صنع داود وهو أول من عمل الدرع. وسؤال آخر: كيف وصف الريح المسخرة لسليمان بأنها عاصف ووصفها في موضع آخر بأنها رخاء فوصفها تارة بالعصف وتارة بالرخاوة وقد أجاب الزمخشري على هذا السؤال ببراعة نادرة فقال: «كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال «غدوها شهر ورواحها شهر» فكأن جمعها بين الأمرين، أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم، آية إلى آية، ومعجزة إلى معجزة، وقيل كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفا لهبوبها على حكم إرادته» . قلت: ويشبه هذا الوصف عصا موسى تارة بأنها جان وتارة بأنها ثعبان والجان الرقيق من الحيات والثعبان العظيم الجافي منها ووجه ذلك أنها جمعت الوصفين فكانت في خفتها وفي سرعة حركتها كالجان وكانت في عظم خلقها كالثعبان وقد رمق الشعراء سماء هذا المعنى فوصفوا اجتماع النقيضين في موصوف واحد، قال ابن الرومي في وصف وحيد المغنية: خلقت فتنة غناء وحسنا ... ما لها فيهما جميعا نديد فهي نعمى يميد منها كبير ... وهي بلوى يشيب منها الوليد فوصفها بأنها نعمى يميد منها الكبير ثم وصفها بأنها بلوى يشيب منها الصغير فهي إن واصلت أحيت وإن هاجرت أماتت وقال من هذه القصيدة الممتعة التي أحب أن ترجع اليها في ديوانه: ما تزالين نظرة منك موت ... لي مميت ونظرة تخليد نتلاقى فلحظة منك وعد ... بوصال ولحظة تهديد وهو في الشعر كثير نجتزى منه بهذا المثال.

الأنبياء 21:81

اللغة: (الْحَرْثِ) : الزرع وبابه نصر أو كتب كما في المختار وفي القاموس: الحرث مصدر والأرض التي تستنبت بالبذر والنوى والغرس قال ابن عباس وأكثر المفسرين إن الحرث كان كرما قد تدلت عناقيده وقيل كان زرعا. (نَفَشَتْ) : تفرقت وانتشرت فيه فرعته وأفسدته وفي المختار: «نفشت الغنم والإبل أي رعت ليلا بلا راع من باب جلس ... والنفش بفتحتين اسم منه ومنه قوله تعالى «إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ» ولا يكون النفش إلا بالليل» ونفش الصوف والقطن من باب نصر والنفش تشعيب الشيء بأصابعك حتى ينتشر. (لَبُوسٍ) : اللبوس اللباس قال: «البس لكل حال لبوسها» والمراد الدرع، قال قتادة: كانت صفائح فأول من سردها وخلقها داود فجمعت الخفة والتحصين وهي المسماة بالدرع والدرع كما في المختار مؤنثة، وقال أبو عبيدة تؤنث وتذكر. الإعراب: (وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) ونوحا عطف على لوطا فيكون مشتركا معه في عامله الذي هو آتينا المفسر بآتينا الظاهر وكذلك داود وسليمان والتقدير ونوحا آتيناه حكما وداود وسليمان آتيناهما حكما فإذ بدل اشتمال من نوحا وداود وسليمان ولك أن تعربه مفعولا به لفعل محذوف أي واذكر نوحا وداود وسليمان أي اذكر خبرهم وقصتهم فتكون إذ منصوبة بنفس المضاف المقدر أي خبرهم الواقع في وقت كذا، وجملة نادى مضاف إليها ومن قبل متعلقان بنادى فاستجبنا عطف على نادى وله متعلقان باستجبنا، فنجيناه عطف على استجبنا ومن الكرب متعلقان بنجيناه والعظيم صفة. (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ) ونصرناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القوم متعلقان بنصرناه والذين صفة للقوم وجملة كذبوا بآياتنا صلة وان واسمها وجملة كانوا خبرها وجملة انهم تعليلية لا محل لها وقوم سوء خبر كانوا فأغرقناهم عطف على ما تقدم وأجمعين تأكيد للهاء. (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) وداود وسليمان تقدم اعرابهما وإذ ظرف بدل من المضاف المحذوف أي اذكر قصة داود وسليمان وجملة يحكمان مضافة إليها وفي الحرث متعلقان بيحكمان وإذ ظرف متعلق بدل من المضاف المحذوف وجملة نفشت مضاف إليها وفيه جار ومجرور متعلقان بنفشت وغنم القوم فاعل وستأتي خلاصة القصة في باب الفوائد، وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وشاهدين خبرها ولحكمهم متعلقان بشاهدين وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما، أو انه ضمير يراد به المثنى وانما وقع الجمع مقام التثنية مجازا أو لأن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان، ويدل على أن المراد التثنية قراءة ابن عباس لحكمهما بصيغة التثنية. (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) ففهمناها عطف على يحكمان لأنه بمعنى الماضي أي فهمناه الصواب فيها وفهمناها فعل وفاعل ومفعول به وسليمان مفعول به ثان وكلّا مفعول أول مقدم لآتينا وحكما وعلما مفعول به ثان لآتينا. (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ) وسخرنا فعل وفاعل ومع ظرف مكان متعلق بسخرنا وداود مضاف اليه والجبال مفعول به وجملة يسبحن حالية من الجبال أي مسبحة ويجوز أن تكون مستأنفة والطير عطف على الجبال أو مفعول معه وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وفاعلين خبرها. (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ) وعلمناه عطف على ما تقدم وعلمناه فعل وفاعل ومفعول به وصنعة مفعول ثان لعلمناه ولبوس مضاف ولكم يجوز أن تتعلق بمحذوف صفة للبوس فاللام للتمليك ويجوز أن تتعلق بعلمناه فتكون اللام للتعليل وعلى هذا يكون قوله لتحصنكم بدلا باعادة اللام أي لكم ولإحصانكم، وعلى الوجه الأول يتعلق قوله لتحصنكم بعلمنا، ولتحصنكم اللام للتعليل وتحصنكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل مستتر تقديره هي والكاف مفعول به ومن بأسكم متعلقان بتحصنكم والفاء استئنافية وأنتم مبتدأ وشاكرون خبر. (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) الواو عاطفة ولسليمان متعلقان بفعل محذوف تقديره سخرنا والريح مفعول به للفعل المحذوف المفهوم من قوله تعالى «وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ» وعاصفة حال وجملة تجري بأمره حال ثانية والى الأرض متعلقان بتجري والتي صفة وجملة باركنا فيها صلة. (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ) الواو عاطفة، وكنا: كان واسمها وبكل شيء متعلقان بعالمين وعالمين خبرها. (وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) ومن الشياطين خبر مقدم ومن يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة مبتدأ مؤخر ولك أن تعطفها نسقا على الريح وجملة يغوصون صلة أو صفة وجمع الضمير حملا على معنى من وحسّن ذلك تقدم جمع ما قبله وله متعلقان بيغوصون. (وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) ويعملون عطف على يغوصون وعملا مفعول به أو مفعول مطلق ودون ظرف متعلق بمحذوف صفة وذلك مضاف اليه وكنا كان واسمها وحافظين خبرها ولهم متعلقان بحافظين. البلاغة: في قوله تعالى: «وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» الخ فن جمع المختلف والمؤتلف، وهو عبارة عن أن يريد المتكلم التسوية بين ممدوحين فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما ثم يروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة فضل لا ينقص مدح الآخر فيأتي لأجل ذلك الترجيح بمعان تخالف معاني التسوية، وقبل أن نتحدث عن الآية نورد أبياتا للخنساء توضح هذا الفن بجلاء نظمتها في أخيها صخر وقد أرادت مساواته في الفضل بأبيها مع مراعاة حق الوالد بزيادة فضل لا ينقص بها مدح الولد فقالت: جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطّا إلى وكر حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر وعلا هتاف الناس أيهما ... قال المجيب هناك: لا أدري برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر فلنتكم الآن على الآية والأبيات معا لتتضح لك حقيقة هذا الفن العجيب: ففي الآية ساوى أول الآية بين داود وسليمان عليهما السلام في أهلية الحكم ثم رجح آخرها سليمان حيث يقول «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» وحصل الالتفات إلى مراعاة فأتى بما يقوم مقام تلك الزيادة التي يرجح بها سليمان لترشد إلى المساواة في الفضل لتكون فضيلة السن وما يستتبعها من وفرة التجارب وحنكة الحياة قائمة مقام الزيادة التي رجح بها سليمان في الحكم أما معنى شعر الخنساء فإنها بعد قولها في المساواة: وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطا إلى وكر وبعد قولها فيها أيضا: حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر تريد أن عذر اللجم لز بعضها بعضا والعذر جميع عذار وهو السير الذي يكون على خد الدابة من اللجام وهذا يدل على المساواة في العدو ثم قالت في ترجيح الوالد: برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري تعني أنه خرج وجهه من الغبار دون وجه رسيله سبقا. ثم قالت في الحاق الولد بالوالد في الفضل: أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر تريد أن الولد كان قادرا على مساواة الوالد لولا ما التزمه من الأدب مع برّ أبيه، ومعرفته بحقه، فغض من عنانه وخفض جناح فضله ليؤثر أباه بالفضل على نفسه. والآية الكريمة ساوت بين داود وسليمان في التأهل للحكم وشركت بينهما فيه حيث قالت: «إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» وأخبرت ان الله سبحانه فهم سليمان إصابة الحكم ففضل أباه بذلك بعد المساواة ثم التفت سبحانه، إلى مراعاة حق الوالد فقال: «وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً» فرجعا بذلك إلى المساواة بعد ترجيح سليمان ليعلم الولد بذلك بر الوالد ويعرفه ما له عليه من الحق حتى إذا فكر الناظر في هذا الكلام وقال: من أين جاءت المساواة في الحكم والعلم بعد الاخبار بأن سليمان فهم من الحكم ما لم يفهمه أبوه؟ علم أن حق الأبوة قام مقام تلك الفضيلة فحصلت المساواة وحصل في هذا الكلام من الزيادة على معنى الخنساء بعد اشتراكهما في جمع المختلف والمؤتلف ضرب آخر من المحاسن يقال له الالتفات وذلك في قوله تعالى فيها «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» وأدمج في هذا الالتفات ضربا آخر من المحاسن يقال له «التنكيت» فإن النكتة التي من أجلها جمع الضمير الذي كان من حقه أن يكون مثنى هي الاشارة إلى أن هذا الحكم متبع يجب الاقتداء به لأنه عين الحق ونفس العدل وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه أنه شاهد له أي هو مراعى بعينه عز وجل ويجوز أن يكون جمع الضمير الذي أضيف اليه الحكم من أجل أن الحكم يستلزم حاكما ومحكوما له ومحكوما عليه فجمع الضمير لأجل ذلك. هذا ومن طريف ما قيل في جمع المؤتلف والمختلف قول الخبز أرزي واسمه نصر الله بن أحمد البصري وكان أميا يخبز خبز الأرز في البصرة وبنشد أشعار الغزل فقد قال: رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر فلم أدر من حيرتي فيهما ... هلال السما من هلال البشر ولولا التورد في الوجنتين ... وما لاح لي من خلال ا لشعر لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر فقد سوى بينهما أولا ثم رجع ففضل الحبيب على الهلال. الفوائد: قصة حكم داود وسليمان في الحرث: سنلخص قصة حكومة داود وسليمان في الحرث لما انطوت عليه من طرافة لتكون حافزا لأقلام كتاب القصة على ترجمتها على غرار قصة أهل الكهف فقد روى التاريخ: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث ان هذا انفلتت غنمه فوقعت في حرثي فأفسدته فلم تبق منه شيئا فأعطاه داود رقاب الغنم في الحرث فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن احدى عشرة سنة فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه فقال سليمان لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا وروي انه قال: غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود فدعاه فقال: كيف تقضي، ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال: أدفع الغنم إلى صاحب الزرع ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه فإذا صار الحرث كهيئته دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه فقال داود: القضاء ما قضيت كما قال تعالى: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» أي علمناه القضية ويروى قال سليمان أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها والحرث إلى أرباب الشاء يقومون عليه حتى يعود كهيئته يوم أفسد ثم يتراد ان فقال: القضاء ما قضيت وامضى الحكم بذلك. الحكم بالشريعة الاسلامية: أما حكم هذه القضية في الشريعة الاسلامية فقد تساءل عنه الزمخشري في كشافه فقال: «فإن قلت: فلو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها؟ قلت: أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم لا يرون فيه ضمانا بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد، والشافعي رضي الله عنه يوجب الضمان بالليل» . بقي هنا سؤال وهو لماذا استعمل ضمير الجمع لاثنين في قوله تعالى: «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» . وفي الجواب قولان أولهما أن المراد المثنى ولو وقع الضمير جمعا لأن التثنية أقل الجمع والثاني أن المصدر المضاف انما هو مضاف للحاكمين وهما داود وسليمان والمحكوم عليه، فهؤلاء جماعة ولكن فيه على هذا اضافة المصدر إلى فاعله ومفعوله دفعة واحدة وهما انما يضاف إلى أحدهما فقط وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز فان الحقيقة اضافة المصدر إلى فاعله والمجاز إضافته إلى مفعوله» . ومن عجائب حكم سليمان ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (بينا امرأتان معهما ابناهما إذ جاء الذئب فذهب بأحدهما فقالت هذه: إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك فاختصمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى فمرتا على سليمان فأخبرتاه فقال: ائتياني بسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى: لا ويرحمك الله فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله إن كنت سمعت بالسكين قبل ذلك ما كنت أقول إلا المدية. قال في القاموس: والسكين مؤنثة كالسكينة وصانعها سكّان وسكاكيني، هذا وقد اشتهر داود بصنع الدروع والجواشن ونحوها وفد رمق أبو الطيب المتنبي سماء هذه الصناعة فقال يصف مفرشه وملبسه بصدد الافتخار بنفسه: مفرشي صهوة الحصان ولكنّ ... قميصي مسرودة من حديد لأمة فاضة أهناة دلاص ... أحكمت نسجها يدا داود يقول: إني شجاع لا أفارق ظهر الفرس وملبوسي الدرع وقميصي لأمة أي ملتئمة الصنعة محكمة النسج من صنع داود وهو أول من عمل الدرع. وسؤال آخر: كيف وصف الريح المسخرة لسليمان بأنها عاصف ووصفها في موضع آخر بأنها رخاء فوصفها تارة بالعصف وتارة بالرخاوة وقد أجاب الزمخشري على هذا السؤال ببراعة نادرة فقال: «كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال «غدوها شهر ورواحها شهر» فكأن جمعها بين الأمرين، أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم، آية إلى آية، ومعجزة إلى معجزة، وقيل كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفا لهبوبها على حكم إرادته» . قلت: ويشبه هذا الوصف عصا موسى تارة بأنها جان وتارة بأنها ثعبان والجان الرقيق من الحيات والثعبان العظيم الجافي منها ووجه ذلك أنها جمعت الوصفين فكانت في خفتها وفي سرعة حركتها كالجان وكانت في عظم خلقها كالثعبان وقد رمق الشعراء سماء هذا المعنى فوصفوا اجتماع النقيضين في موصوف واحد، قال ابن الرومي في وصف وحيد المغنية: خلقت فتنة غناء وحسنا ... ما لها فيهما جميعا نديد فهي نعمى يميد منها كبير ... وهي بلوى يشيب منها الوليد فوصفها بأنها نعمى يميد منها الكبير ثم وصفها بأنها بلوى يشيب منها الصغير فهي إن واصلت أحيت وإن هاجرت أماتت وقال من هذه القصيدة الممتعة التي أحب أن ترجع اليها في ديوانه: ما تزالين نظرة منك موت ... لي مميت ونظرة تخليد نتلاقى فلحظة منك وعد ... بوصال ولحظة تهديد وهو في الشعر كثير نجتزى منه بهذا المثال.

الأنبياء 21:82

اللغة: (الْحَرْثِ) : الزرع وبابه نصر أو كتب كما في المختار وفي القاموس: الحرث مصدر والأرض التي تستنبت بالبذر والنوى والغرس قال ابن عباس وأكثر المفسرين إن الحرث كان كرما قد تدلت عناقيده وقيل كان زرعا. (نَفَشَتْ) : تفرقت وانتشرت فيه فرعته وأفسدته وفي المختار: «نفشت الغنم والإبل أي رعت ليلا بلا راع من باب جلس ... والنفش بفتحتين اسم منه ومنه قوله تعالى «إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ» ولا يكون النفش إلا بالليل» ونفش الصوف والقطن من باب نصر والنفش تشعيب الشيء بأصابعك حتى ينتشر. (لَبُوسٍ) : اللبوس اللباس قال: «البس لكل حال لبوسها» والمراد الدرع، قال قتادة: كانت صفائح فأول من سردها وخلقها داود فجمعت الخفة والتحصين وهي المسماة بالدرع والدرع كما في المختار مؤنثة، وقال أبو عبيدة تؤنث وتذكر. الإعراب: (وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) ونوحا عطف على لوطا فيكون مشتركا معه في عامله الذي هو آتينا المفسر بآتينا الظاهر وكذلك داود وسليمان والتقدير ونوحا آتيناه حكما وداود وسليمان آتيناهما حكما فإذ بدل اشتمال من نوحا وداود وسليمان ولك أن تعربه مفعولا به لفعل محذوف أي واذكر نوحا وداود وسليمان أي اذكر خبرهم وقصتهم فتكون إذ منصوبة بنفس المضاف المقدر أي خبرهم الواقع في وقت كذا، وجملة نادى مضاف إليها ومن قبل متعلقان بنادى فاستجبنا عطف على نادى وله متعلقان باستجبنا، فنجيناه عطف على استجبنا ومن الكرب متعلقان بنجيناه والعظيم صفة. (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ) ونصرناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القوم متعلقان بنصرناه والذين صفة للقوم وجملة كذبوا بآياتنا صلة وان واسمها وجملة كانوا خبرها وجملة انهم تعليلية لا محل لها وقوم سوء خبر كانوا فأغرقناهم عطف على ما تقدم وأجمعين تأكيد للهاء. (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) وداود وسليمان تقدم اعرابهما وإذ ظرف بدل من المضاف المحذوف أي اذكر قصة داود وسليمان وجملة يحكمان مضافة إليها وفي الحرث متعلقان بيحكمان وإذ ظرف متعلق بدل من المضاف المحذوف وجملة نفشت مضاف إليها وفيه جار ومجرور متعلقان بنفشت وغنم القوم فاعل وستأتي خلاصة القصة في باب الفوائد، وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وشاهدين خبرها ولحكمهم متعلقان بشاهدين وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما، أو انه ضمير يراد به المثنى وانما وقع الجمع مقام التثنية مجازا أو لأن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان، ويدل على أن المراد التثنية قراءة ابن عباس لحكمهما بصيغة التثنية. (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) ففهمناها عطف على يحكمان لأنه بمعنى الماضي أي فهمناه الصواب فيها وفهمناها فعل وفاعل ومفعول به وسليمان مفعول به ثان وكلّا مفعول أول مقدم لآتينا وحكما وعلما مفعول به ثان لآتينا. (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ) وسخرنا فعل وفاعل ومع ظرف مكان متعلق بسخرنا وداود مضاف اليه والجبال مفعول به وجملة يسبحن حالية من الجبال أي مسبحة ويجوز أن تكون مستأنفة والطير عطف على الجبال أو مفعول معه وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وفاعلين خبرها. (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ) وعلمناه عطف على ما تقدم وعلمناه فعل وفاعل ومفعول به وصنعة مفعول ثان لعلمناه ولبوس مضاف ولكم يجوز أن تتعلق بمحذوف صفة للبوس فاللام للتمليك ويجوز أن تتعلق بعلمناه فتكون اللام للتعليل وعلى هذا يكون قوله لتحصنكم بدلا باعادة اللام أي لكم ولإحصانكم، وعلى الوجه الأول يتعلق قوله لتحصنكم بعلمنا، ولتحصنكم اللام للتعليل وتحصنكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل مستتر تقديره هي والكاف مفعول به ومن بأسكم متعلقان بتحصنكم والفاء استئنافية وأنتم مبتدأ وشاكرون خبر. (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) الواو عاطفة ولسليمان متعلقان بفعل محذوف تقديره سخرنا والريح مفعول به للفعل المحذوف المفهوم من قوله تعالى «وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ» وعاصفة حال وجملة تجري بأمره حال ثانية والى الأرض متعلقان بتجري والتي صفة وجملة باركنا فيها صلة. (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ) الواو عاطفة، وكنا: كان واسمها وبكل شيء متعلقان بعالمين وعالمين خبرها. (وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) ومن الشياطين خبر مقدم ومن يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة مبتدأ مؤخر ولك أن تعطفها نسقا على الريح وجملة يغوصون صلة أو صفة وجمع الضمير حملا على معنى من وحسّن ذلك تقدم جمع ما قبله وله متعلقان بيغوصون. (وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) ويعملون عطف على يغوصون وعملا مفعول به أو مفعول مطلق ودون ظرف متعلق بمحذوف صفة وذلك مضاف اليه وكنا كان واسمها وحافظين خبرها ولهم متعلقان بحافظين. البلاغة: في قوله تعالى: «وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» الخ فن جمع المختلف والمؤتلف، وهو عبارة عن أن يريد المتكلم التسوية بين ممدوحين فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما ثم يروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة فضل لا ينقص مدح الآخر فيأتي لأجل ذلك الترجيح بمعان تخالف معاني التسوية، وقبل أن نتحدث عن الآية نورد أبياتا للخنساء توضح هذا الفن بجلاء نظمتها في أخيها صخر وقد أرادت مساواته في الفضل بأبيها مع مراعاة حق الوالد بزيادة فضل لا ينقص بها مدح الولد فقالت: جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطّا إلى وكر حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر وعلا هتاف الناس أيهما ... قال المجيب هناك: لا أدري برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر فلنتكم الآن على الآية والأبيات معا لتتضح لك حقيقة هذا الفن العجيب: ففي الآية ساوى أول الآية بين داود وسليمان عليهما السلام في أهلية الحكم ثم رجح آخرها سليمان حيث يقول «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» وحصل الالتفات إلى مراعاة فأتى بما يقوم مقام تلك الزيادة التي يرجح بها سليمان لترشد إلى المساواة في الفضل لتكون فضيلة السن وما يستتبعها من وفرة التجارب وحنكة الحياة قائمة مقام الزيادة التي رجح بها سليمان في الحكم أما معنى شعر الخنساء فإنها بعد قولها في المساواة: وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطا إلى وكر وبعد قولها فيها أيضا: حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر تريد أن عذر اللجم لز بعضها بعضا والعذر جميع عذار وهو السير الذي يكون على خد الدابة من اللجام وهذا يدل على المساواة في العدو ثم قالت في ترجيح الوالد: برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري تعني أنه خرج وجهه من الغبار دون وجه رسيله سبقا. ثم قالت في الحاق الولد بالوالد في الفضل: أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر تريد أن الولد كان قادرا على مساواة الوالد لولا ما التزمه من الأدب مع برّ أبيه، ومعرفته بحقه، فغض من عنانه وخفض جناح فضله ليؤثر أباه بالفضل على نفسه. والآية الكريمة ساوت بين داود وسليمان في التأهل للحكم وشركت بينهما فيه حيث قالت: «إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» وأخبرت ان الله سبحانه فهم سليمان إصابة الحكم ففضل أباه بذلك بعد المساواة ثم التفت سبحانه، إلى مراعاة حق الوالد فقال: «وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً» فرجعا بذلك إلى المساواة بعد ترجيح سليمان ليعلم الولد بذلك بر الوالد ويعرفه ما له عليه من الحق حتى إذا فكر الناظر في هذا الكلام وقال: من أين جاءت المساواة في الحكم والعلم بعد الاخبار بأن سليمان فهم من الحكم ما لم يفهمه أبوه؟ علم أن حق الأبوة قام مقام تلك الفضيلة فحصلت المساواة وحصل في هذا الكلام من الزيادة على معنى الخنساء بعد اشتراكهما في جمع المختلف والمؤتلف ضرب آخر من المحاسن يقال له الالتفات وذلك في قوله تعالى فيها «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» وأدمج في هذا الالتفات ضربا آخر من المحاسن يقال له «التنكيت» فإن النكتة التي من أجلها جمع الضمير الذي كان من حقه أن يكون مثنى هي الاشارة إلى أن هذا الحكم متبع يجب الاقتداء به لأنه عين الحق ونفس العدل وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه أنه شاهد له أي هو مراعى بعينه عز وجل ويجوز أن يكون جمع الضمير الذي أضيف اليه الحكم من أجل أن الحكم يستلزم حاكما ومحكوما له ومحكوما عليه فجمع الضمير لأجل ذلك. هذا ومن طريف ما قيل في جمع المؤتلف والمختلف قول الخبز أرزي واسمه نصر الله بن أحمد البصري وكان أميا يخبز خبز الأرز في البصرة وبنشد أشعار الغزل فقد قال: رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر فلم أدر من حيرتي فيهما ... هلال السما من هلال البشر ولولا التورد في الوجنتين ... وما لاح لي من خلال ا لشعر لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر فقد سوى بينهما أولا ثم رجع ففضل الحبيب على الهلال. الفوائد: قصة حكم داود وسليمان في الحرث: سنلخص قصة حكومة داود وسليمان في الحرث لما انطوت عليه من طرافة لتكون حافزا لأقلام كتاب القصة على ترجمتها على غرار قصة أهل الكهف فقد روى التاريخ: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث ان هذا انفلتت غنمه فوقعت في حرثي فأفسدته فلم تبق منه شيئا فأعطاه داود رقاب الغنم في الحرث فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن احدى عشرة سنة فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه فقال سليمان لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا وروي انه قال: غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود فدعاه فقال: كيف تقضي، ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال: أدفع الغنم إلى صاحب الزرع ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه فإذا صار الحرث كهيئته دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه فقال داود: القضاء ما قضيت كما قال تعالى: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» أي علمناه القضية ويروى قال سليمان أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها والحرث إلى أرباب الشاء يقومون عليه حتى يعود كهيئته يوم أفسد ثم يتراد ان فقال: القضاء ما قضيت وامضى الحكم بذلك. الحكم بالشريعة الاسلامية: أما حكم هذه القضية في الشريعة الاسلامية فقد تساءل عنه الزمخشري في كشافه فقال: «فإن قلت: فلو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها؟ قلت: أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم لا يرون فيه ضمانا بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد، والشافعي رضي الله عنه يوجب الضمان بالليل» . بقي هنا سؤال وهو لماذا استعمل ضمير الجمع لاثنين في قوله تعالى: «وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» . وفي الجواب قولان أولهما أن المراد المثنى ولو وقع الضمير جمعا لأن التثنية أقل الجمع والثاني أن المصدر المضاف انما هو مضاف للحاكمين وهما داود وسليمان والمحكوم عليه، فهؤلاء جماعة ولكن فيه على هذا اضافة المصدر إلى فاعله ومفعوله دفعة واحدة وهما انما يضاف إلى أحدهما فقط وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز فان الحقيقة اضافة المصدر إلى فاعله والمجاز إضافته إلى مفعوله» . ومن عجائب حكم سليمان ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (بينا امرأتان معهما ابناهما إذ جاء الذئب فذهب بأحدهما فقالت هذه: إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك فاختصمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى فمرتا على سليمان فأخبرتاه فقال: ائتياني بسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى: لا ويرحمك الله فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله إن كنت سمعت بالسكين قبل ذلك ما كنت أقول إلا المدية. قال في القاموس: والسكين مؤنثة كالسكينة وصانعها سكّان وسكاكيني، هذا وقد اشتهر داود بصنع الدروع والجواشن ونحوها وفد رمق أبو الطيب المتنبي سماء هذه الصناعة فقال يصف مفرشه وملبسه بصدد الافتخار بنفسه: مفرشي صهوة الحصان ولكنّ ... قميصي مسرودة من حديد لأمة فاضة أهناة دلاص ... أحكمت نسجها يدا داود يقول: إني شجاع لا أفارق ظهر الفرس وملبوسي الدرع وقميصي لأمة أي ملتئمة الصنعة محكمة النسج من صنع داود وهو أول من عمل الدرع. وسؤال آخر: كيف وصف الريح المسخرة لسليمان بأنها عاصف ووصفها في موضع آخر بأنها رخاء فوصفها تارة بالعصف وتارة بالرخاوة وقد أجاب الزمخشري على هذا السؤال ببراعة نادرة فقال: «كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال «غدوها شهر ورواحها شهر» فكأن جمعها بين الأمرين، أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم، آية إلى آية، ومعجزة إلى معجزة، وقيل كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفا لهبوبها على حكم إرادته» . قلت: ويشبه هذا الوصف عصا موسى تارة بأنها جان وتارة بأنها ثعبان والجان الرقيق من الحيات والثعبان العظيم الجافي منها ووجه ذلك أنها جمعت الوصفين فكانت في خفتها وفي سرعة حركتها كالجان وكانت في عظم خلقها كالثعبان وقد رمق الشعراء سماء هذا المعنى فوصفوا اجتماع النقيضين في موصوف واحد، قال ابن الرومي في وصف وحيد المغنية: خلقت فتنة غناء وحسنا ... ما لها فيهما جميعا نديد فهي نعمى يميد منها كبير ... وهي بلوى يشيب منها الوليد فوصفها بأنها نعمى يميد منها الكبير ثم وصفها بأنها بلوى يشيب منها الصغير فهي إن واصلت أحيت وإن هاجرت أماتت وقال من هذه القصيدة الممتعة التي أحب أن ترجع اليها في ديوانه: ما تزالين نظرة منك موت ... لي مميت ونظرة تخليد نتلاقى فلحظة منك وعد ... بوصال ولحظة تهديد وهو في الشعر كثير نجتزى منه بهذا المثال.

الأنبياء 21:83

الإعراب: (وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وأيوب مفعول به لفعل محذوف تقديره اذكر وهو على حذف مضاف أي اذكر خبر أيوب، وإذ بدل من خبر أي من المضاف المقدر وجملة نادى ربه مضاف اليه، وربه مفعول نادى، وأني أن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي بأني وان واسمها وجملة مسني الضر خبر أن وأنت الواو حالية وأنت مبتدأ وأرحم خبر والراحمين مضاف إليه وستأتي في باب الفوائد. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ) الفاء عاطفة واستجبنا فعل وفاعل وله متعلقان باستجبنا، فكشفنا عطف على فاستجبنا وما مفعول به وبه صلة ما ومن ضر حال. (وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله مفعول به ثان ومثلهم عطف على أهله أو مفعول معه ومعهم ظرف مكان متعلق بمحذوف حال أي كائنين معهم ورحمة مفعول من أجله ويجوز أن يكون مصدرا لفعل مقدر أي رحمناه رحمة والأول أرجح ومن عندنا صفة لرحمة وذكرى عطف على رحمة وللعابدين متعلقان بذكرى. (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) وإسماعيل مفعول به لفعل محذوف أي واذكر ويجوز أن يعطف نسقا على من تقدم من الأنبياء وإدريس عطف على إسماعيل وذا الكفل عطف أيضا وسيأتي سبب تسميته بذلك في باب الفوائد وكل مبتدأ ومن الصابرين خبره. (وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) الجملة معطوفة وان واسمها ومن الصالحين خبرها. (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) وذا النون مفعول به لفعل محذوف أو معطوف نسقا على من تقدم وسيأتي بحثه في باب الفوائد، وإذ بدل من المضاف المحذوف كما تقدم وجملة ذهب مضاف إليها ومغاضبا حال أي لقومه لا لربه أي انه غضب عليهم لما كابده منهم، فظن الفاء عاطفة وظن معطوف على ذهب أي تركهم وذهب دون أن يؤذن له وفاعل ظن مستتر تقديره هو وأن مخففة من الثقلية واسمها ضمير الشأن وجملة لن نقدر عليه خبر وسيأتي معنى لن في باب الفوائد كما ستأتي خلاصة قصته. (فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فنادى عطف على ظن وفي الظلمات متعلقان بمحذوف حال وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وجملة لا إله إلا أنت هي الخبر ويجوز أن تكون مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه وسبحانك مفعول مطلق لفعل محذوف والجملة حالية واني ان واسمها والجملة تعليلية وجملة كنت من الظالمين خبر إني ومن الظالمين خبر كنت. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) فاستجبنا عطف على ما تقدم وله متعلقان باستجبنا ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ومن الغم متعلقان بنجيناه، وكذلك الكاف نعت لمصدر محذوف وننجي المؤمنين فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به. الفوائد: 1- خلاصة قصة أيوب: روى التاريخ أن أيوب كان رجلا روميا من ولد اسحق بن يعقوب وقد استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله وكان له سبعة بنين وسبع بنات وله أصناف البهائم وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ونخيل فابتلاه الله بذهاب ولده انهدم عليهم البيت فهلكوا وبذهاب ماله وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة وقيل ثلاث عشرة سنة وقالت له امرأته يوما: لو دعوت الله فقال لها كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة فقال: أنا أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي فلما كشف الله عنه أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم، وقصة أيوب حافلة بالصور الشعرية الملهمة وهي ديوان حافل عن الصبر على البلاء وعدم البطر في الرخاء. 2- الفرق بين الضّر والضّر: يقال ضر بفتح الضاد وضر بضمها والفرق بينهما أن الضر بالفتح هو الضرر بكل شيء والضر بالضم هو الضرر في النفس من هزال ومرض وفرق بين البناءين لافتراق المعنيين وقد نظم بعضهم الفرق بينهما كما أورد معاني أخرى لهما قال: وضدّ نفع قيل فيه ضرّ ... وجود ضرّة لعرس ضرّ وسوء حال المرء ذاك ضرّ ... كذا هزال مرض أو كبر 3- التلطف في السؤال: وقد تلطف أيوب في السؤال وألمح إلى ما يعانيه من بلاء دون أن يصرح بمطلوبه حيث اكتفى بذكر المس في الضر وأدخل أل الجنسية على الضر لتشمل أنواعه المتقدمة ووصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها فكان درسا بليغا لكل من تتعاوره الأرزاء وتنتابه اللأواء ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصي فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنّها تثب وثب الفهود وملأ بيتها حبا. وقد تعلق أبو الطيب المتنبي بأذيال هذه البلاغة عند ما خاطب كافورا بما كان يرجوه منه وهو أن يعطيه ولاية وإن كان قصده المواربة: أرى لي بقربي منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب أقلّ سلامي حبّ ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب وفي البيت الثالث نكتة نحوية وهي انتصاب حبّ وذلك انه نصبه على أنه مفعول له وهو مصدر كأنه يقول الحب ما خف أي لإيثاري التخفيف وقد تلطف حبيب بن أوس أبو تمام وأجمل أغراضه كلها في بيت واحد وهو قوله: وإذا الجود كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي أما أبو بكر الخوارزمي فقال راسما خظة الطلب: وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فلقاؤه يكفيك والتسليم فإذا رآك مسلما عرف الذي ... حملته فكأنه ملزوم وسبقهم جميعا أمية بن أبي الصلت بقوله المشهور: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء 4- ذو الكفل: هذا لقبه والكفل هو النصيب واسمه بشير وقيل الياس وقيل زكريا كأنه سمي بذلك لأنه المجدور وذو النصيب الأوفى من الحظ، وقيل ذو الكفل اسمه وقد كان له اسمان ولم يكن لقبا. 5- ذو النون: في المختار: «ذو النون الحوت وجمعه أنوان ونينان وذو النون لقب يونس بن متى على وزن شتى اسم والده على ما ذكر في القاموس أو اسم لأمه على ما قاله ابن الأثير في النهاية، وقيل ذا النون لأنه رأى صبيا مليحا فقال دسموا نونته لئلا تصيبه العين، وحكى ثعلب أن نونة الصبي هي الثقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير، ومعنى دسموا: سودوا، وذو بمعنى صاحب، قال السهيلي في كتاب الأعلام في قوله تعالى «وذا» النون هو يونس بن متى أضاف ذا إلى النون وهو الحوت فقال سبحانه «وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ» وبينهما فرق وذلك انه حين ذكر في معرض الثناء عليه قيل ذا النون ولم يقل صاحب النون والاضافة بذا أشرف من الاضافة بصاحب لأن قولك ذو يضاف إلى التابع وصاحب يضاف إلى المتبوع تقول: أبو هريرة صاحب النبي ولا تقول: النبي صاحب أبي هريرة إلا على وجه ما وأما ذو فانك تقول فيها ذو الملك وذو الجلال وذو العرش وذو القرنين فتجد الاسم الاول متبوعا غير تابع ولذلك سميت أقيال حمير أذواء منهم ذو جدن وذو يزن وذو رعين وذو كلاع وفي الإسلام ذو الشهادتين وذو الشمالين وذو اليدين وذلك كله تفخيم للمسمى بهذا وليس ذلك في لفظ صاحب وانما فيه تعريف لا يقترن به شيء من هذا المعنى» وستأتي قصته وابتلاع الحوت له في الصافات. 6- معنى لن نقدر عليه: أما معنى قوله «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» لن نقضي عليه بما قضينا من حبسه في بطن الحوت أو نضيق عليه بذلك فهي من القدر. لا من القدرة كما في قوله تعالى «اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ» وعن ابن عباس أنه دخل على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك، قال وما هي يا معاوية؟ فقرأ عليه هذه الآية وقال: أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه، قال: هذا من القدر لا من القدرة على أن الزمخشري بعد أن ذكر الوجه الذي أوردناه أجاز أن يفسر بالقدرة على معنى أن لن نعمل فيه قدرتنا وأن يكون من باب التمثيل بمعنى «فكانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر الله» . وذهب جمهور من العلماء أن معناها فظنّ أن لن نضيق عليه من قدر عليه رزقه أي ضيق وقتر.

الأنبياء 21:84

الإعراب: (وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وأيوب مفعول به لفعل محذوف تقديره اذكر وهو على حذف مضاف أي اذكر خبر أيوب، وإذ بدل من خبر أي من المضاف المقدر وجملة نادى ربه مضاف اليه، وربه مفعول نادى، وأني أن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي بأني وان واسمها وجملة مسني الضر خبر أن وأنت الواو حالية وأنت مبتدأ وأرحم خبر والراحمين مضاف إليه وستأتي في باب الفوائد. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ) الفاء عاطفة واستجبنا فعل وفاعل وله متعلقان باستجبنا، فكشفنا عطف على فاستجبنا وما مفعول به وبه صلة ما ومن ضر حال. (وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله مفعول به ثان ومثلهم عطف على أهله أو مفعول معه ومعهم ظرف مكان متعلق بمحذوف حال أي كائنين معهم ورحمة مفعول من أجله ويجوز أن يكون مصدرا لفعل مقدر أي رحمناه رحمة والأول أرجح ومن عندنا صفة لرحمة وذكرى عطف على رحمة وللعابدين متعلقان بذكرى. (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) وإسماعيل مفعول به لفعل محذوف أي واذكر ويجوز أن يعطف نسقا على من تقدم من الأنبياء وإدريس عطف على إسماعيل وذا الكفل عطف أيضا وسيأتي سبب تسميته بذلك في باب الفوائد وكل مبتدأ ومن الصابرين خبره. (وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) الجملة معطوفة وان واسمها ومن الصالحين خبرها. (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) وذا النون مفعول به لفعل محذوف أو معطوف نسقا على من تقدم وسيأتي بحثه في باب الفوائد، وإذ بدل من المضاف المحذوف كما تقدم وجملة ذهب مضاف إليها ومغاضبا حال أي لقومه لا لربه أي انه غضب عليهم لما كابده منهم، فظن الفاء عاطفة وظن معطوف على ذهب أي تركهم وذهب دون أن يؤذن له وفاعل ظن مستتر تقديره هو وأن مخففة من الثقلية واسمها ضمير الشأن وجملة لن نقدر عليه خبر وسيأتي معنى لن في باب الفوائد كما ستأتي خلاصة قصته. (فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فنادى عطف على ظن وفي الظلمات متعلقان بمحذوف حال وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وجملة لا إله إلا أنت هي الخبر ويجوز أن تكون مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه وسبحانك مفعول مطلق لفعل محذوف والجملة حالية واني ان واسمها والجملة تعليلية وجملة كنت من الظالمين خبر إني ومن الظالمين خبر كنت. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) فاستجبنا عطف على ما تقدم وله متعلقان باستجبنا ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ومن الغم متعلقان بنجيناه، وكذلك الكاف نعت لمصدر محذوف وننجي المؤمنين فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به. الفوائد: 1- خلاصة قصة أيوب: روى التاريخ أن أيوب كان رجلا روميا من ولد اسحق بن يعقوب وقد استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله وكان له سبعة بنين وسبع بنات وله أصناف البهائم وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ونخيل فابتلاه الله بذهاب ولده انهدم عليهم البيت فهلكوا وبذهاب ماله وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة وقيل ثلاث عشرة سنة وقالت له امرأته يوما: لو دعوت الله فقال لها كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة فقال: أنا أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي فلما كشف الله عنه أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم، وقصة أيوب حافلة بالصور الشعرية الملهمة وهي ديوان حافل عن الصبر على البلاء وعدم البطر في الرخاء. 2- الفرق بين الضّر والضّر: يقال ضر بفتح الضاد وضر بضمها والفرق بينهما أن الضر بالفتح هو الضرر بكل شيء والضر بالضم هو الضرر في النفس من هزال ومرض وفرق بين البناءين لافتراق المعنيين وقد نظم بعضهم الفرق بينهما كما أورد معاني أخرى لهما قال: وضدّ نفع قيل فيه ضرّ ... وجود ضرّة لعرس ضرّ وسوء حال المرء ذاك ضرّ ... كذا هزال مرض أو كبر 3- التلطف في السؤال: وقد تلطف أيوب في السؤال وألمح إلى ما يعانيه من بلاء دون أن يصرح بمطلوبه حيث اكتفى بذكر المس في الضر وأدخل أل الجنسية على الضر لتشمل أنواعه المتقدمة ووصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها فكان درسا بليغا لكل من تتعاوره الأرزاء وتنتابه اللأواء ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصي فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنّها تثب وثب الفهود وملأ بيتها حبا. وقد تعلق أبو الطيب المتنبي بأذيال هذه البلاغة عند ما خاطب كافورا بما كان يرجوه منه وهو أن يعطيه ولاية وإن كان قصده المواربة: أرى لي بقربي منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب أقلّ سلامي حبّ ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب وفي البيت الثالث نكتة نحوية وهي انتصاب حبّ وذلك انه نصبه على أنه مفعول له وهو مصدر كأنه يقول الحب ما خف أي لإيثاري التخفيف وقد تلطف حبيب بن أوس أبو تمام وأجمل أغراضه كلها في بيت واحد وهو قوله: وإذا الجود كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي أما أبو بكر الخوارزمي فقال راسما خظة الطلب: وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فلقاؤه يكفيك والتسليم فإذا رآك مسلما عرف الذي ... حملته فكأنه ملزوم وسبقهم جميعا أمية بن أبي الصلت بقوله المشهور: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء 4- ذو الكفل: هذا لقبه والكفل هو النصيب واسمه بشير وقيل الياس وقيل زكريا كأنه سمي بذلك لأنه المجدور وذو النصيب الأوفى من الحظ، وقيل ذو الكفل اسمه وقد كان له اسمان ولم يكن لقبا. 5- ذو النون: في المختار: «ذو النون الحوت وجمعه أنوان ونينان وذو النون لقب يونس بن متى على وزن شتى اسم والده على ما ذكر في القاموس أو اسم لأمه على ما قاله ابن الأثير في النهاية، وقيل ذا النون لأنه رأى صبيا مليحا فقال دسموا نونته لئلا تصيبه العين، وحكى ثعلب أن نونة الصبي هي الثقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير، ومعنى دسموا: سودوا، وذو بمعنى صاحب، قال السهيلي في كتاب الأعلام في قوله تعالى «وذا» النون هو يونس بن متى أضاف ذا إلى النون وهو الحوت فقال سبحانه «وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ» وبينهما فرق وذلك انه حين ذكر في معرض الثناء عليه قيل ذا النون ولم يقل صاحب النون والاضافة بذا أشرف من الاضافة بصاحب لأن قولك ذو يضاف إلى التابع وصاحب يضاف إلى المتبوع تقول: أبو هريرة صاحب النبي ولا تقول: النبي صاحب أبي هريرة إلا على وجه ما وأما ذو فانك تقول فيها ذو الملك وذو الجلال وذو العرش وذو القرنين فتجد الاسم الاول متبوعا غير تابع ولذلك سميت أقيال حمير أذواء منهم ذو جدن وذو يزن وذو رعين وذو كلاع وفي الإسلام ذو الشهادتين وذو الشمالين وذو اليدين وذلك كله تفخيم للمسمى بهذا وليس ذلك في لفظ صاحب وانما فيه تعريف لا يقترن به شيء من هذا المعنى» وستأتي قصته وابتلاع الحوت له في الصافات. 6- معنى لن نقدر عليه: أما معنى قوله «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» لن نقضي عليه بما قضينا من حبسه في بطن الحوت أو نضيق عليه بذلك فهي من القدر. لا من القدرة كما في قوله تعالى «اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ» وعن ابن عباس أنه دخل على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك، قال وما هي يا معاوية؟ فقرأ عليه هذه الآية وقال: أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه، قال: هذا من القدر لا من القدرة على أن الزمخشري بعد أن ذكر الوجه الذي أوردناه أجاز أن يفسر بالقدرة على معنى أن لن نعمل فيه قدرتنا وأن يكون من باب التمثيل بمعنى «فكانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر الله» . وذهب جمهور من العلماء أن معناها فظنّ أن لن نضيق عليه من قدر عليه رزقه أي ضيق وقتر.

الأنبياء 21:85

الإعراب: (وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وأيوب مفعول به لفعل محذوف تقديره اذكر وهو على حذف مضاف أي اذكر خبر أيوب، وإذ بدل من خبر أي من المضاف المقدر وجملة نادى ربه مضاف اليه، وربه مفعول نادى، وأني أن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي بأني وان واسمها وجملة مسني الضر خبر أن وأنت الواو حالية وأنت مبتدأ وأرحم خبر والراحمين مضاف إليه وستأتي في باب الفوائد. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ) الفاء عاطفة واستجبنا فعل وفاعل وله متعلقان باستجبنا، فكشفنا عطف على فاستجبنا وما مفعول به وبه صلة ما ومن ضر حال. (وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله مفعول به ثان ومثلهم عطف على أهله أو مفعول معه ومعهم ظرف مكان متعلق بمحذوف حال أي كائنين معهم ورحمة مفعول من أجله ويجوز أن يكون مصدرا لفعل مقدر أي رحمناه رحمة والأول أرجح ومن عندنا صفة لرحمة وذكرى عطف على رحمة وللعابدين متعلقان بذكرى. (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) وإسماعيل مفعول به لفعل محذوف أي واذكر ويجوز أن يعطف نسقا على من تقدم من الأنبياء وإدريس عطف على إسماعيل وذا الكفل عطف أيضا وسيأتي سبب تسميته بذلك في باب الفوائد وكل مبتدأ ومن الصابرين خبره. (وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) الجملة معطوفة وان واسمها ومن الصالحين خبرها. (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) وذا النون مفعول به لفعل محذوف أو معطوف نسقا على من تقدم وسيأتي بحثه في باب الفوائد، وإذ بدل من المضاف المحذوف كما تقدم وجملة ذهب مضاف إليها ومغاضبا حال أي لقومه لا لربه أي انه غضب عليهم لما كابده منهم، فظن الفاء عاطفة وظن معطوف على ذهب أي تركهم وذهب دون أن يؤذن له وفاعل ظن مستتر تقديره هو وأن مخففة من الثقلية واسمها ضمير الشأن وجملة لن نقدر عليه خبر وسيأتي معنى لن في باب الفوائد كما ستأتي خلاصة قصته. (فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فنادى عطف على ظن وفي الظلمات متعلقان بمحذوف حال وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وجملة لا إله إلا أنت هي الخبر ويجوز أن تكون مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه وسبحانك مفعول مطلق لفعل محذوف والجملة حالية واني ان واسمها والجملة تعليلية وجملة كنت من الظالمين خبر إني ومن الظالمين خبر كنت. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) فاستجبنا عطف على ما تقدم وله متعلقان باستجبنا ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ومن الغم متعلقان بنجيناه، وكذلك الكاف نعت لمصدر محذوف وننجي المؤمنين فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به. الفوائد: 1- خلاصة قصة أيوب: روى التاريخ أن أيوب كان رجلا روميا من ولد اسحق بن يعقوب وقد استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله وكان له سبعة بنين وسبع بنات وله أصناف البهائم وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ونخيل فابتلاه الله بذهاب ولده انهدم عليهم البيت فهلكوا وبذهاب ماله وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة وقيل ثلاث عشرة سنة وقالت له امرأته يوما: لو دعوت الله فقال لها كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة فقال: أنا أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي فلما كشف الله عنه أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم، وقصة أيوب حافلة بالصور الشعرية الملهمة وهي ديوان حافل عن الصبر على البلاء وعدم البطر في الرخاء. 2- الفرق بين الضّر والضّر: يقال ضر بفتح الضاد وضر بضمها والفرق بينهما أن الضر بالفتح هو الضرر بكل شيء والضر بالضم هو الضرر في النفس من هزال ومرض وفرق بين البناءين لافتراق المعنيين وقد نظم بعضهم الفرق بينهما كما أورد معاني أخرى لهما قال: وضدّ نفع قيل فيه ضرّ ... وجود ضرّة لعرس ضرّ وسوء حال المرء ذاك ضرّ ... كذا هزال مرض أو كبر 3- التلطف في السؤال: وقد تلطف أيوب في السؤال وألمح إلى ما يعانيه من بلاء دون أن يصرح بمطلوبه حيث اكتفى بذكر المس في الضر وأدخل أل الجنسية على الضر لتشمل أنواعه المتقدمة ووصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها فكان درسا بليغا لكل من تتعاوره الأرزاء وتنتابه اللأواء ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصي فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنّها تثب وثب الفهود وملأ بيتها حبا. وقد تعلق أبو الطيب المتنبي بأذيال هذه البلاغة عند ما خاطب كافورا بما كان يرجوه منه وهو أن يعطيه ولاية وإن كان قصده المواربة: أرى لي بقربي منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب أقلّ سلامي حبّ ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب وفي البيت الثالث نكتة نحوية وهي انتصاب حبّ وذلك انه نصبه على أنه مفعول له وهو مصدر كأنه يقول الحب ما خف أي لإيثاري التخفيف وقد تلطف حبيب بن أوس أبو تمام وأجمل أغراضه كلها في بيت واحد وهو قوله: وإذا الجود كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي أما أبو بكر الخوارزمي فقال راسما خظة الطلب: وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فلقاؤه يكفيك والتسليم فإذا رآك مسلما عرف الذي ... حملته فكأنه ملزوم وسبقهم جميعا أمية بن أبي الصلت بقوله المشهور: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء 4- ذو الكفل: هذا لقبه والكفل هو النصيب واسمه بشير وقيل الياس وقيل زكريا كأنه سمي بذلك لأنه المجدور وذو النصيب الأوفى من الحظ، وقيل ذو الكفل اسمه وقد كان له اسمان ولم يكن لقبا. 5- ذو النون: في المختار: «ذو النون الحوت وجمعه أنوان ونينان وذو النون لقب يونس بن متى على وزن شتى اسم والده على ما ذكر في القاموس أو اسم لأمه على ما قاله ابن الأثير في النهاية، وقيل ذا النون لأنه رأى صبيا مليحا فقال دسموا نونته لئلا تصيبه العين، وحكى ثعلب أن نونة الصبي هي الثقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير، ومعنى دسموا: سودوا، وذو بمعنى صاحب، قال السهيلي في كتاب الأعلام في قوله تعالى «وذا» النون هو يونس بن متى أضاف ذا إلى النون وهو الحوت فقال سبحانه «وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ» وبينهما فرق وذلك انه حين ذكر في معرض الثناء عليه قيل ذا النون ولم يقل صاحب النون والاضافة بذا أشرف من الاضافة بصاحب لأن قولك ذو يضاف إلى التابع وصاحب يضاف إلى المتبوع تقول: أبو هريرة صاحب النبي ولا تقول: النبي صاحب أبي هريرة إلا على وجه ما وأما ذو فانك تقول فيها ذو الملك وذو الجلال وذو العرش وذو القرنين فتجد الاسم الاول متبوعا غير تابع ولذلك سميت أقيال حمير أذواء منهم ذو جدن وذو يزن وذو رعين وذو كلاع وفي الإسلام ذو الشهادتين وذو الشمالين وذو اليدين وذلك كله تفخيم للمسمى بهذا وليس ذلك في لفظ صاحب وانما فيه تعريف لا يقترن به شيء من هذا المعنى» وستأتي قصته وابتلاع الحوت له في الصافات. 6- معنى لن نقدر عليه: أما معنى قوله «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» لن نقضي عليه بما قضينا من حبسه في بطن الحوت أو نضيق عليه بذلك فهي من القدر. لا من القدرة كما في قوله تعالى «اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ» وعن ابن عباس أنه دخل على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك، قال وما هي يا معاوية؟ فقرأ عليه هذه الآية وقال: أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه، قال: هذا من القدر لا من القدرة على أن الزمخشري بعد أن ذكر الوجه الذي أوردناه أجاز أن يفسر بالقدرة على معنى أن لن نعمل فيه قدرتنا وأن يكون من باب التمثيل بمعنى «فكانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر الله» . وذهب جمهور من العلماء أن معناها فظنّ أن لن نضيق عليه من قدر عليه رزقه أي ضيق وقتر.

الأنبياء 21:86

الإعراب: (وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وأيوب مفعول به لفعل محذوف تقديره اذكر وهو على حذف مضاف أي اذكر خبر أيوب، وإذ بدل من خبر أي من المضاف المقدر وجملة نادى ربه مضاف اليه، وربه مفعول نادى، وأني أن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي بأني وان واسمها وجملة مسني الضر خبر أن وأنت الواو حالية وأنت مبتدأ وأرحم خبر والراحمين مضاف إليه وستأتي في باب الفوائد. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ) الفاء عاطفة واستجبنا فعل وفاعل وله متعلقان باستجبنا، فكشفنا عطف على فاستجبنا وما مفعول به وبه صلة ما ومن ضر حال. (وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله مفعول به ثان ومثلهم عطف على أهله أو مفعول معه ومعهم ظرف مكان متعلق بمحذوف حال أي كائنين معهم ورحمة مفعول من أجله ويجوز أن يكون مصدرا لفعل مقدر أي رحمناه رحمة والأول أرجح ومن عندنا صفة لرحمة وذكرى عطف على رحمة وللعابدين متعلقان بذكرى. (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) وإسماعيل مفعول به لفعل محذوف أي واذكر ويجوز أن يعطف نسقا على من تقدم من الأنبياء وإدريس عطف على إسماعيل وذا الكفل عطف أيضا وسيأتي سبب تسميته بذلك في باب الفوائد وكل مبتدأ ومن الصابرين خبره. (وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) الجملة معطوفة وان واسمها ومن الصالحين خبرها. (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) وذا النون مفعول به لفعل محذوف أو معطوف نسقا على من تقدم وسيأتي بحثه في باب الفوائد، وإذ بدل من المضاف المحذوف كما تقدم وجملة ذهب مضاف إليها ومغاضبا حال أي لقومه لا لربه أي انه غضب عليهم لما كابده منهم، فظن الفاء عاطفة وظن معطوف على ذهب أي تركهم وذهب دون أن يؤذن له وفاعل ظن مستتر تقديره هو وأن مخففة من الثقلية واسمها ضمير الشأن وجملة لن نقدر عليه خبر وسيأتي معنى لن في باب الفوائد كما ستأتي خلاصة قصته. (فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فنادى عطف على ظن وفي الظلمات متعلقان بمحذوف حال وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وجملة لا إله إلا أنت هي الخبر ويجوز أن تكون مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه وسبحانك مفعول مطلق لفعل محذوف والجملة حالية واني ان واسمها والجملة تعليلية وجملة كنت من الظالمين خبر إني ومن الظالمين خبر كنت. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) فاستجبنا عطف على ما تقدم وله متعلقان باستجبنا ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ومن الغم متعلقان بنجيناه، وكذلك الكاف نعت لمصدر محذوف وننجي المؤمنين فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به. الفوائد: 1- خلاصة قصة أيوب: روى التاريخ أن أيوب كان رجلا روميا من ولد اسحق بن يعقوب وقد استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله وكان له سبعة بنين وسبع بنات وله أصناف البهائم وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ونخيل فابتلاه الله بذهاب ولده انهدم عليهم البيت فهلكوا وبذهاب ماله وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة وقيل ثلاث عشرة سنة وقالت له امرأته يوما: لو دعوت الله فقال لها كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة فقال: أنا أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي فلما كشف الله عنه أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم، وقصة أيوب حافلة بالصور الشعرية الملهمة وهي ديوان حافل عن الصبر على البلاء وعدم البطر في الرخاء. 2- الفرق بين الضّر والضّر: يقال ضر بفتح الضاد وضر بضمها والفرق بينهما أن الضر بالفتح هو الضرر بكل شيء والضر بالضم هو الضرر في النفس من هزال ومرض وفرق بين البناءين لافتراق المعنيين وقد نظم بعضهم الفرق بينهما كما أورد معاني أخرى لهما قال: وضدّ نفع قيل فيه ضرّ ... وجود ضرّة لعرس ضرّ وسوء حال المرء ذاك ضرّ ... كذا هزال مرض أو كبر 3- التلطف في السؤال: وقد تلطف أيوب في السؤال وألمح إلى ما يعانيه من بلاء دون أن يصرح بمطلوبه حيث اكتفى بذكر المس في الضر وأدخل أل الجنسية على الضر لتشمل أنواعه المتقدمة ووصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها فكان درسا بليغا لكل من تتعاوره الأرزاء وتنتابه اللأواء ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصي فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنّها تثب وثب الفهود وملأ بيتها حبا. وقد تعلق أبو الطيب المتنبي بأذيال هذه البلاغة عند ما خاطب كافورا بما كان يرجوه منه وهو أن يعطيه ولاية وإن كان قصده المواربة: أرى لي بقربي منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب أقلّ سلامي حبّ ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب وفي البيت الثالث نكتة نحوية وهي انتصاب حبّ وذلك انه نصبه على أنه مفعول له وهو مصدر كأنه يقول الحب ما خف أي لإيثاري التخفيف وقد تلطف حبيب بن أوس أبو تمام وأجمل أغراضه كلها في بيت واحد وهو قوله: وإذا الجود كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي أما أبو بكر الخوارزمي فقال راسما خظة الطلب: وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فلقاؤه يكفيك والتسليم فإذا رآك مسلما عرف الذي ... حملته فكأنه ملزوم وسبقهم جميعا أمية بن أبي الصلت بقوله المشهور: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء 4- ذو الكفل: هذا لقبه والكفل هو النصيب واسمه بشير وقيل الياس وقيل زكريا كأنه سمي بذلك لأنه المجدور وذو النصيب الأوفى من الحظ، وقيل ذو الكفل اسمه وقد كان له اسمان ولم يكن لقبا. 5- ذو النون: في المختار: «ذو النون الحوت وجمعه أنوان ونينان وذو النون لقب يونس بن متى على وزن شتى اسم والده على ما ذكر في القاموس أو اسم لأمه على ما قاله ابن الأثير في النهاية، وقيل ذا النون لأنه رأى صبيا مليحا فقال دسموا نونته لئلا تصيبه العين، وحكى ثعلب أن نونة الصبي هي الثقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير، ومعنى دسموا: سودوا، وذو بمعنى صاحب، قال السهيلي في كتاب الأعلام في قوله تعالى «وذا» النون هو يونس بن متى أضاف ذا إلى النون وهو الحوت فقال سبحانه «وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ» وبينهما فرق وذلك انه حين ذكر في معرض الثناء عليه قيل ذا النون ولم يقل صاحب النون والاضافة بذا أشرف من الاضافة بصاحب لأن قولك ذو يضاف إلى التابع وصاحب يضاف إلى المتبوع تقول: أبو هريرة صاحب النبي ولا تقول: النبي صاحب أبي هريرة إلا على وجه ما وأما ذو فانك تقول فيها ذو الملك وذو الجلال وذو العرش وذو القرنين فتجد الاسم الاول متبوعا غير تابع ولذلك سميت أقيال حمير أذواء منهم ذو جدن وذو يزن وذو رعين وذو كلاع وفي الإسلام ذو الشهادتين وذو الشمالين وذو اليدين وذلك كله تفخيم للمسمى بهذا وليس ذلك في لفظ صاحب وانما فيه تعريف لا يقترن به شيء من هذا المعنى» وستأتي قصته وابتلاع الحوت له في الصافات. 6- معنى لن نقدر عليه: أما معنى قوله «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» لن نقضي عليه بما قضينا من حبسه في بطن الحوت أو نضيق عليه بذلك فهي من القدر. لا من القدرة كما في قوله تعالى «اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ» وعن ابن عباس أنه دخل على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك، قال وما هي يا معاوية؟ فقرأ عليه هذه الآية وقال: أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه، قال: هذا من القدر لا من القدرة على أن الزمخشري بعد أن ذكر الوجه الذي أوردناه أجاز أن يفسر بالقدرة على معنى أن لن نعمل فيه قدرتنا وأن يكون من باب التمثيل بمعنى «فكانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر الله» . وذهب جمهور من العلماء أن معناها فظنّ أن لن نضيق عليه من قدر عليه رزقه أي ضيق وقتر.

الأنبياء 21:87

الإعراب: (وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وأيوب مفعول به لفعل محذوف تقديره اذكر وهو على حذف مضاف أي اذكر خبر أيوب، وإذ بدل من خبر أي من المضاف المقدر وجملة نادى ربه مضاف اليه، وربه مفعول نادى، وأني أن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي بأني وان واسمها وجملة مسني الضر خبر أن وأنت الواو حالية وأنت مبتدأ وأرحم خبر والراحمين مضاف إليه وستأتي في باب الفوائد. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ) الفاء عاطفة واستجبنا فعل وفاعل وله متعلقان باستجبنا، فكشفنا عطف على فاستجبنا وما مفعول به وبه صلة ما ومن ضر حال. (وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله مفعول به ثان ومثلهم عطف على أهله أو مفعول معه ومعهم ظرف مكان متعلق بمحذوف حال أي كائنين معهم ورحمة مفعول من أجله ويجوز أن يكون مصدرا لفعل مقدر أي رحمناه رحمة والأول أرجح ومن عندنا صفة لرحمة وذكرى عطف على رحمة وللعابدين متعلقان بذكرى. (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) وإسماعيل مفعول به لفعل محذوف أي واذكر ويجوز أن يعطف نسقا على من تقدم من الأنبياء وإدريس عطف على إسماعيل وذا الكفل عطف أيضا وسيأتي سبب تسميته بذلك في باب الفوائد وكل مبتدأ ومن الصابرين خبره. (وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) الجملة معطوفة وان واسمها ومن الصالحين خبرها. (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) وذا النون مفعول به لفعل محذوف أو معطوف نسقا على من تقدم وسيأتي بحثه في باب الفوائد، وإذ بدل من المضاف المحذوف كما تقدم وجملة ذهب مضاف إليها ومغاضبا حال أي لقومه لا لربه أي انه غضب عليهم لما كابده منهم، فظن الفاء عاطفة وظن معطوف على ذهب أي تركهم وذهب دون أن يؤذن له وفاعل ظن مستتر تقديره هو وأن مخففة من الثقلية واسمها ضمير الشأن وجملة لن نقدر عليه خبر وسيأتي معنى لن في باب الفوائد كما ستأتي خلاصة قصته. (فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فنادى عطف على ظن وفي الظلمات متعلقان بمحذوف حال وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وجملة لا إله إلا أنت هي الخبر ويجوز أن تكون مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه وسبحانك مفعول مطلق لفعل محذوف والجملة حالية واني ان واسمها والجملة تعليلية وجملة كنت من الظالمين خبر إني ومن الظالمين خبر كنت. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) فاستجبنا عطف على ما تقدم وله متعلقان باستجبنا ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ومن الغم متعلقان بنجيناه، وكذلك الكاف نعت لمصدر محذوف وننجي المؤمنين فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به. الفوائد: 1- خلاصة قصة أيوب: روى التاريخ أن أيوب كان رجلا روميا من ولد اسحق بن يعقوب وقد استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله وكان له سبعة بنين وسبع بنات وله أصناف البهائم وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ونخيل فابتلاه الله بذهاب ولده انهدم عليهم البيت فهلكوا وبذهاب ماله وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة وقيل ثلاث عشرة سنة وقالت له امرأته يوما: لو دعوت الله فقال لها كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة فقال: أنا أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي فلما كشف الله عنه أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم، وقصة أيوب حافلة بالصور الشعرية الملهمة وهي ديوان حافل عن الصبر على البلاء وعدم البطر في الرخاء. 2- الفرق بين الضّر والضّر: يقال ضر بفتح الضاد وضر بضمها والفرق بينهما أن الضر بالفتح هو الضرر بكل شيء والضر بالضم هو الضرر في النفس من هزال ومرض وفرق بين البناءين لافتراق المعنيين وقد نظم بعضهم الفرق بينهما كما أورد معاني أخرى لهما قال: وضدّ نفع قيل فيه ضرّ ... وجود ضرّة لعرس ضرّ وسوء حال المرء ذاك ضرّ ... كذا هزال مرض أو كبر 3- التلطف في السؤال: وقد تلطف أيوب في السؤال وألمح إلى ما يعانيه من بلاء دون أن يصرح بمطلوبه حيث اكتفى بذكر المس في الضر وأدخل أل الجنسية على الضر لتشمل أنواعه المتقدمة ووصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها فكان درسا بليغا لكل من تتعاوره الأرزاء وتنتابه اللأواء ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصي فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنّها تثب وثب الفهود وملأ بيتها حبا. وقد تعلق أبو الطيب المتنبي بأذيال هذه البلاغة عند ما خاطب كافورا بما كان يرجوه منه وهو أن يعطيه ولاية وإن كان قصده المواربة: أرى لي بقربي منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب أقلّ سلامي حبّ ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب وفي البيت الثالث نكتة نحوية وهي انتصاب حبّ وذلك انه نصبه على أنه مفعول له وهو مصدر كأنه يقول الحب ما خف أي لإيثاري التخفيف وقد تلطف حبيب بن أوس أبو تمام وأجمل أغراضه كلها في بيت واحد وهو قوله: وإذا الجود كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي أما أبو بكر الخوارزمي فقال راسما خظة الطلب: وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فلقاؤه يكفيك والتسليم فإذا رآك مسلما عرف الذي ... حملته فكأنه ملزوم وسبقهم جميعا أمية بن أبي الصلت بقوله المشهور: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء 4- ذو الكفل: هذا لقبه والكفل هو النصيب واسمه بشير وقيل الياس وقيل زكريا كأنه سمي بذلك لأنه المجدور وذو النصيب الأوفى من الحظ، وقيل ذو الكفل اسمه وقد كان له اسمان ولم يكن لقبا. 5- ذو النون: في المختار: «ذو النون الحوت وجمعه أنوان ونينان وذو النون لقب يونس بن متى على وزن شتى اسم والده على ما ذكر في القاموس أو اسم لأمه على ما قاله ابن الأثير في النهاية، وقيل ذا النون لأنه رأى صبيا مليحا فقال دسموا نونته لئلا تصيبه العين، وحكى ثعلب أن نونة الصبي هي الثقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير، ومعنى دسموا: سودوا، وذو بمعنى صاحب، قال السهيلي في كتاب الأعلام في قوله تعالى «وذا» النون هو يونس بن متى أضاف ذا إلى النون وهو الحوت فقال سبحانه «وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ» وبينهما فرق وذلك انه حين ذكر في معرض الثناء عليه قيل ذا النون ولم يقل صاحب النون والاضافة بذا أشرف من الاضافة بصاحب لأن قولك ذو يضاف إلى التابع وصاحب يضاف إلى المتبوع تقول: أبو هريرة صاحب النبي ولا تقول: النبي صاحب أبي هريرة إلا على وجه ما وأما ذو فانك تقول فيها ذو الملك وذو الجلال وذو العرش وذو القرنين فتجد الاسم الاول متبوعا غير تابع ولذلك سميت أقيال حمير أذواء منهم ذو جدن وذو يزن وذو رعين وذو كلاع وفي الإسلام ذو الشهادتين وذو الشمالين وذو اليدين وذلك كله تفخيم للمسمى بهذا وليس ذلك في لفظ صاحب وانما فيه تعريف لا يقترن به شيء من هذا المعنى» وستأتي قصته وابتلاع الحوت له في الصافات. 6- معنى لن نقدر عليه: أما معنى قوله «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» لن نقضي عليه بما قضينا من حبسه في بطن الحوت أو نضيق عليه بذلك فهي من القدر. لا من القدرة كما في قوله تعالى «اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ» وعن ابن عباس أنه دخل على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك، قال وما هي يا معاوية؟ فقرأ عليه هذه الآية وقال: أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه، قال: هذا من القدر لا من القدرة على أن الزمخشري بعد أن ذكر الوجه الذي أوردناه أجاز أن يفسر بالقدرة على معنى أن لن نعمل فيه قدرتنا وأن يكون من باب التمثيل بمعنى «فكانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر الله» . وذهب جمهور من العلماء أن معناها فظنّ أن لن نضيق عليه من قدر عليه رزقه أي ضيق وقتر.

الأنبياء 21:88

الإعراب: (وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وأيوب مفعول به لفعل محذوف تقديره اذكر وهو على حذف مضاف أي اذكر خبر أيوب، وإذ بدل من خبر أي من المضاف المقدر وجملة نادى ربه مضاف اليه، وربه مفعول نادى، وأني أن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي بأني وان واسمها وجملة مسني الضر خبر أن وأنت الواو حالية وأنت مبتدأ وأرحم خبر والراحمين مضاف إليه وستأتي في باب الفوائد. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ) الفاء عاطفة واستجبنا فعل وفاعل وله متعلقان باستجبنا، فكشفنا عطف على فاستجبنا وما مفعول به وبه صلة ما ومن ضر حال. (وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله مفعول به ثان ومثلهم عطف على أهله أو مفعول معه ومعهم ظرف مكان متعلق بمحذوف حال أي كائنين معهم ورحمة مفعول من أجله ويجوز أن يكون مصدرا لفعل مقدر أي رحمناه رحمة والأول أرجح ومن عندنا صفة لرحمة وذكرى عطف على رحمة وللعابدين متعلقان بذكرى. (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) وإسماعيل مفعول به لفعل محذوف أي واذكر ويجوز أن يعطف نسقا على من تقدم من الأنبياء وإدريس عطف على إسماعيل وذا الكفل عطف أيضا وسيأتي سبب تسميته بذلك في باب الفوائد وكل مبتدأ ومن الصابرين خبره. (وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) الجملة معطوفة وان واسمها ومن الصالحين خبرها. (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) وذا النون مفعول به لفعل محذوف أو معطوف نسقا على من تقدم وسيأتي بحثه في باب الفوائد، وإذ بدل من المضاف المحذوف كما تقدم وجملة ذهب مضاف إليها ومغاضبا حال أي لقومه لا لربه أي انه غضب عليهم لما كابده منهم، فظن الفاء عاطفة وظن معطوف على ذهب أي تركهم وذهب دون أن يؤذن له وفاعل ظن مستتر تقديره هو وأن مخففة من الثقلية واسمها ضمير الشأن وجملة لن نقدر عليه خبر وسيأتي معنى لن في باب الفوائد كما ستأتي خلاصة قصته. (فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فنادى عطف على ظن وفي الظلمات متعلقان بمحذوف حال وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وجملة لا إله إلا أنت هي الخبر ويجوز أن تكون مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه وسبحانك مفعول مطلق لفعل محذوف والجملة حالية واني ان واسمها والجملة تعليلية وجملة كنت من الظالمين خبر إني ومن الظالمين خبر كنت. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) فاستجبنا عطف على ما تقدم وله متعلقان باستجبنا ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ومن الغم متعلقان بنجيناه، وكذلك الكاف نعت لمصدر محذوف وننجي المؤمنين فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به. الفوائد: 1- خلاصة قصة أيوب: روى التاريخ أن أيوب كان رجلا روميا من ولد اسحق بن يعقوب وقد استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله وكان له سبعة بنين وسبع بنات وله أصناف البهائم وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ونخيل فابتلاه الله بذهاب ولده انهدم عليهم البيت فهلكوا وبذهاب ماله وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة وقيل ثلاث عشرة سنة وقالت له امرأته يوما: لو دعوت الله فقال لها كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة فقال: أنا أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي فلما كشف الله عنه أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم، وقصة أيوب حافلة بالصور الشعرية الملهمة وهي ديوان حافل عن الصبر على البلاء وعدم البطر في الرخاء. 2- الفرق بين الضّر والضّر: يقال ضر بفتح الضاد وضر بضمها والفرق بينهما أن الضر بالفتح هو الضرر بكل شيء والضر بالضم هو الضرر في النفس من هزال ومرض وفرق بين البناءين لافتراق المعنيين وقد نظم بعضهم الفرق بينهما كما أورد معاني أخرى لهما قال: وضدّ نفع قيل فيه ضرّ ... وجود ضرّة لعرس ضرّ وسوء حال المرء ذاك ضرّ ... كذا هزال مرض أو كبر 3- التلطف في السؤال: وقد تلطف أيوب في السؤال وألمح إلى ما يعانيه من بلاء دون أن يصرح بمطلوبه حيث اكتفى بذكر المس في الضر وأدخل أل الجنسية على الضر لتشمل أنواعه المتقدمة ووصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها فكان درسا بليغا لكل من تتعاوره الأرزاء وتنتابه اللأواء ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصي فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنّها تثب وثب الفهود وملأ بيتها حبا. وقد تعلق أبو الطيب المتنبي بأذيال هذه البلاغة عند ما خاطب كافورا بما كان يرجوه منه وهو أن يعطيه ولاية وإن كان قصده المواربة: أرى لي بقربي منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب أقلّ سلامي حبّ ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب وفي البيت الثالث نكتة نحوية وهي انتصاب حبّ وذلك انه نصبه على أنه مفعول له وهو مصدر كأنه يقول الحب ما خف أي لإيثاري التخفيف وقد تلطف حبيب بن أوس أبو تمام وأجمل أغراضه كلها في بيت واحد وهو قوله: وإذا الجود كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي أما أبو بكر الخوارزمي فقال راسما خظة الطلب: وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فلقاؤه يكفيك والتسليم فإذا رآك مسلما عرف الذي ... حملته فكأنه ملزوم وسبقهم جميعا أمية بن أبي الصلت بقوله المشهور: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء 4- ذو الكفل: هذا لقبه والكفل هو النصيب واسمه بشير وقيل الياس وقيل زكريا كأنه سمي بذلك لأنه المجدور وذو النصيب الأوفى من الحظ، وقيل ذو الكفل اسمه وقد كان له اسمان ولم يكن لقبا. 5- ذو النون: في المختار: «ذو النون الحوت وجمعه أنوان ونينان وذو النون لقب يونس بن متى على وزن شتى اسم والده على ما ذكر في القاموس أو اسم لأمه على ما قاله ابن الأثير في النهاية، وقيل ذا النون لأنه رأى صبيا مليحا فقال دسموا نونته لئلا تصيبه العين، وحكى ثعلب أن نونة الصبي هي الثقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير، ومعنى دسموا: سودوا، وذو بمعنى صاحب، قال السهيلي في كتاب الأعلام في قوله تعالى «وذا» النون هو يونس بن متى أضاف ذا إلى النون وهو الحوت فقال سبحانه «وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ» وبينهما فرق وذلك انه حين ذكر في معرض الثناء عليه قيل ذا النون ولم يقل صاحب النون والاضافة بذا أشرف من الاضافة بصاحب لأن قولك ذو يضاف إلى التابع وصاحب يضاف إلى المتبوع تقول: أبو هريرة صاحب النبي ولا تقول: النبي صاحب أبي هريرة إلا على وجه ما وأما ذو فانك تقول فيها ذو الملك وذو الجلال وذو العرش وذو القرنين فتجد الاسم الاول متبوعا غير تابع ولذلك سميت أقيال حمير أذواء منهم ذو جدن وذو يزن وذو رعين وذو كلاع وفي الإسلام ذو الشهادتين وذو الشمالين وذو اليدين وذلك كله تفخيم للمسمى بهذا وليس ذلك في لفظ صاحب وانما فيه تعريف لا يقترن به شيء من هذا المعنى» وستأتي قصته وابتلاع الحوت له في الصافات. 6- معنى لن نقدر عليه: أما معنى قوله «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» لن نقضي عليه بما قضينا من حبسه في بطن الحوت أو نضيق عليه بذلك فهي من القدر. لا من القدرة كما في قوله تعالى «اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ» وعن ابن عباس أنه دخل على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك، قال وما هي يا معاوية؟ فقرأ عليه هذه الآية وقال: أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه، قال: هذا من القدر لا من القدرة على أن الزمخشري بعد أن ذكر الوجه الذي أوردناه أجاز أن يفسر بالقدرة على معنى أن لن نعمل فيه قدرتنا وأن يكون من باب التمثيل بمعنى «فكانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر الله» . وذهب جمهور من العلماء أن معناها فظنّ أن لن نضيق عليه من قدر عليه رزقه أي ضيق وقتر.

الأنبياء 21:89

اللغة: (زَكَرِيَّا) : بالمد علم نبي وألفه للتأنيث فلذلك منع من الصرف وهو أيضا غير مصروف للعجمة والتعريف وقيل هو عربي مشتق من زكر أي امتلأ أو تزكر. الإعراب: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) تقدم القول في اعراب وزكريا إذ نادى ربه، ورب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة ولا ناهية للدعاء وتذرني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به وفردا حال وأنت الواو عاطفة على محذوف أي فارزقني وارثا وأنت مبتدأ وخير الوارثين خبر. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) الفاء عاطفة واستجبنا فعل وفاعل وله متعلقان باستجبنا واستجبنا فعل وفاعل والمفعول محذوف أي نداءه وأصلحنا فعل وفاعل وله متعلقان بأصلحنا وزوجه مفعول به والمراد بإصلاحها جعلها صالحة للولادة بعد عقرها وعقمها والعقم انسداد الرحم كما في المختار. (إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) الجملة تعليل للاصلاح وان واسمها وجملة كانوا كانوا خبرها وكان واسمها وجملة يسارعون في الخيرات خبر كان وعبر بفي دون إلى للاشعار بديمومتهم على المسارعة كأنهم استقروا فيها (وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) ويدعوننا عطف على يسارعون ويدعوننا فعل وفاعل ومفعول به ورغبا ورهبا مصدران منتصبان على الحال أو على المصدرية الملاقية لعاملها في المعنى دون اللفظ أو على المفعول له وكانوا كان واسمها وخاشعين خبرها ولنا متعلقان بخاشعين. (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ) والتي أي واذكر مريم التي، وجملة أحصنت فرجها صلة فنفخنا عطف على أحصنت وفيها متعلقان بنفخنا ومن روحنا متعلقان بنفخنا أيضا ولك أن تعرب التي مبتدأ والخبر محذوف أي فيما يتلى عليهم وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به وابنها عطف على الهاء أو مفعول معه وآية مفعول به ثان وانما لم يطابق المفعول الاول فيثنى لأن كلّا من مريم وابنها آية بانضمامه للآخر فصار آية واحدة أو تقول انه حذف من أحدهما لدلالة الثاني عليه أي وجعلنا مريم آية وابنها كذلك أو بالعكس وللعالمين صفة لآية. (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) إن واسمها وخبرها وأمة حال لازمة وقيل بدل من هذه وواحدة صفة وأنا الواو عاطفة وأنا مبتدأ وربكم خبر والفاء الفصيحة واعبدوني فعل أمر وفاعل وياء المتكلم المحذوفة لرسم المصحف مفعول به. (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ) الواو عاطفة وتقطعوا فعل ماض وفاعله والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات كما سيأتي في باب البلاغة، وأمرهم في نصبه وجوه أرجحها أنه منصوب بنزع الخافض أي تفرقوا في أمرهم ويجوز أن يكون تقطعوا معناه قطعوا فيكون أمرهم مفعولا به ورأى أبو البقاء أن يكون تمييزا ولا أدري كيف استقام ذلك معه. البلاغة: 1- الالتفات: في قوله تعالى «إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ» الالتفات، الأصل في تقطعوا تقطعتم على الأول إلا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه ويقبح عندهم ما فعلوه ويقول لهم ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون فيجازيهم على ما فعلوا. 2- معنى النفخ في مريم: ظاهر الكلام يوهم أن مريم هي التي أحييت لأن معنى النفخ الاحياء ولكن الله تعالى نزل نفخ الروح في عيسى لكونه في جوف مريم منزلة نفخ الروح في مريم ونحو ذلك أن يقول الزمار: نفخت في بيت فلان أي نفخت في المزمار في بيته.

الأنبياء 21:90

اللغة: (زَكَرِيَّا) : بالمد علم نبي وألفه للتأنيث فلذلك منع من الصرف وهو أيضا غير مصروف للعجمة والتعريف وقيل هو عربي مشتق من زكر أي امتلأ أو تزكر. الإعراب: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) تقدم القول في اعراب وزكريا إذ نادى ربه، ورب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة ولا ناهية للدعاء وتذرني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به وفردا حال وأنت الواو عاطفة على محذوف أي فارزقني وارثا وأنت مبتدأ وخير الوارثين خبر. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) الفاء عاطفة واستجبنا فعل وفاعل وله متعلقان باستجبنا واستجبنا فعل وفاعل والمفعول محذوف أي نداءه وأصلحنا فعل وفاعل وله متعلقان بأصلحنا وزوجه مفعول به والمراد بإصلاحها جعلها صالحة للولادة بعد عقرها وعقمها والعقم انسداد الرحم كما في المختار. (إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) الجملة تعليل للاصلاح وان واسمها وجملة كانوا كانوا خبرها وكان واسمها وجملة يسارعون في الخيرات خبر كان وعبر بفي دون إلى للاشعار بديمومتهم على المسارعة كأنهم استقروا فيها (وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) ويدعوننا عطف على يسارعون ويدعوننا فعل وفاعل ومفعول به ورغبا ورهبا مصدران منتصبان على الحال أو على المصدرية الملاقية لعاملها في المعنى دون اللفظ أو على المفعول له وكانوا كان واسمها وخاشعين خبرها ولنا متعلقان بخاشعين. (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ) والتي أي واذكر مريم التي، وجملة أحصنت فرجها صلة فنفخنا عطف على أحصنت وفيها متعلقان بنفخنا ومن روحنا متعلقان بنفخنا أيضا ولك أن تعرب التي مبتدأ والخبر محذوف أي فيما يتلى عليهم وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به وابنها عطف على الهاء أو مفعول معه وآية مفعول به ثان وانما لم يطابق المفعول الاول فيثنى لأن كلّا من مريم وابنها آية بانضمامه للآخر فصار آية واحدة أو تقول انه حذف من أحدهما لدلالة الثاني عليه أي وجعلنا مريم آية وابنها كذلك أو بالعكس وللعالمين صفة لآية. (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) إن واسمها وخبرها وأمة حال لازمة وقيل بدل من هذه وواحدة صفة وأنا الواو عاطفة وأنا مبتدأ وربكم خبر والفاء الفصيحة واعبدوني فعل أمر وفاعل وياء المتكلم المحذوفة لرسم المصحف مفعول به. (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ) الواو عاطفة وتقطعوا فعل ماض وفاعله والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات كما سيأتي في باب البلاغة، وأمرهم في نصبه وجوه أرجحها أنه منصوب بنزع الخافض أي تفرقوا في أمرهم ويجوز أن يكون تقطعوا معناه قطعوا فيكون أمرهم مفعولا به ورأى أبو البقاء أن يكون تمييزا ولا أدري كيف استقام ذلك معه. البلاغة: 1- الالتفات: في قوله تعالى «إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ» الالتفات، الأصل في تقطعوا تقطعتم على الأول إلا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه ويقبح عندهم ما فعلوه ويقول لهم ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون فيجازيهم على ما فعلوا. 2- معنى النفخ في مريم: ظاهر الكلام يوهم أن مريم هي التي أحييت لأن معنى النفخ الاحياء ولكن الله تعالى نزل نفخ الروح في عيسى لكونه في جوف مريم منزلة نفخ الروح في مريم ونحو ذلك أن يقول الزمار: نفخت في بيت فلان أي نفخت في المزمار في بيته.

الأنبياء 21:91

اللغة: (زَكَرِيَّا) : بالمد علم نبي وألفه للتأنيث فلذلك منع من الصرف وهو أيضا غير مصروف للعجمة والتعريف وقيل هو عربي مشتق من زكر أي امتلأ أو تزكر. الإعراب: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) تقدم القول في اعراب وزكريا إذ نادى ربه، ورب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة ولا ناهية للدعاء وتذرني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به وفردا حال وأنت الواو عاطفة على محذوف أي فارزقني وارثا وأنت مبتدأ وخير الوارثين خبر. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) الفاء عاطفة واستجبنا فعل وفاعل وله متعلقان باستجبنا واستجبنا فعل وفاعل والمفعول محذوف أي نداءه وأصلحنا فعل وفاعل وله متعلقان بأصلحنا وزوجه مفعول به والمراد بإصلاحها جعلها صالحة للولادة بعد عقرها وعقمها والعقم انسداد الرحم كما في المختار. (إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) الجملة تعليل للاصلاح وان واسمها وجملة كانوا كانوا خبرها وكان واسمها وجملة يسارعون في الخيرات خبر كان وعبر بفي دون إلى للاشعار بديمومتهم على المسارعة كأنهم استقروا فيها (وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) ويدعوننا عطف على يسارعون ويدعوننا فعل وفاعل ومفعول به ورغبا ورهبا مصدران منتصبان على الحال أو على المصدرية الملاقية لعاملها في المعنى دون اللفظ أو على المفعول له وكانوا كان واسمها وخاشعين خبرها ولنا متعلقان بخاشعين. (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ) والتي أي واذكر مريم التي، وجملة أحصنت فرجها صلة فنفخنا عطف على أحصنت وفيها متعلقان بنفخنا ومن روحنا متعلقان بنفخنا أيضا ولك أن تعرب التي مبتدأ والخبر محذوف أي فيما يتلى عليهم وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به وابنها عطف على الهاء أو مفعول معه وآية مفعول به ثان وانما لم يطابق المفعول الاول فيثنى لأن كلّا من مريم وابنها آية بانضمامه للآخر فصار آية واحدة أو تقول انه حذف من أحدهما لدلالة الثاني عليه أي وجعلنا مريم آية وابنها كذلك أو بالعكس وللعالمين صفة لآية. (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) إن واسمها وخبرها وأمة حال لازمة وقيل بدل من هذه وواحدة صفة وأنا الواو عاطفة وأنا مبتدأ وربكم خبر والفاء الفصيحة واعبدوني فعل أمر وفاعل وياء المتكلم المحذوفة لرسم المصحف مفعول به. (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ) الواو عاطفة وتقطعوا فعل ماض وفاعله والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات كما سيأتي في باب البلاغة، وأمرهم في نصبه وجوه أرجحها أنه منصوب بنزع الخافض أي تفرقوا في أمرهم ويجوز أن يكون تقطعوا معناه قطعوا فيكون أمرهم مفعولا به ورأى أبو البقاء أن يكون تمييزا ولا أدري كيف استقام ذلك معه. البلاغة: 1- الالتفات: في قوله تعالى «إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ» الالتفات، الأصل في تقطعوا تقطعتم على الأول إلا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه ويقبح عندهم ما فعلوه ويقول لهم ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون فيجازيهم على ما فعلوا. 2- معنى النفخ في مريم: ظاهر الكلام يوهم أن مريم هي التي أحييت لأن معنى النفخ الاحياء ولكن الله تعالى نزل نفخ الروح في عيسى لكونه في جوف مريم منزلة نفخ الروح في مريم ونحو ذلك أن يقول الزمار: نفخت في بيت فلان أي نفخت في المزمار في بيته.

الأنبياء 21:92

اللغة: (زَكَرِيَّا) : بالمد علم نبي وألفه للتأنيث فلذلك منع من الصرف وهو أيضا غير مصروف للعجمة والتعريف وقيل هو عربي مشتق من زكر أي امتلأ أو تزكر. الإعراب: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) تقدم القول في اعراب وزكريا إذ نادى ربه، ورب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة ولا ناهية للدعاء وتذرني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به وفردا حال وأنت الواو عاطفة على محذوف أي فارزقني وارثا وأنت مبتدأ وخير الوارثين خبر. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) الفاء عاطفة واستجبنا فعل وفاعل وله متعلقان باستجبنا واستجبنا فعل وفاعل والمفعول محذوف أي نداءه وأصلحنا فعل وفاعل وله متعلقان بأصلحنا وزوجه مفعول به والمراد بإصلاحها جعلها صالحة للولادة بعد عقرها وعقمها والعقم انسداد الرحم كما في المختار. (إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) الجملة تعليل للاصلاح وان واسمها وجملة كانوا كانوا خبرها وكان واسمها وجملة يسارعون في الخيرات خبر كان وعبر بفي دون إلى للاشعار بديمومتهم على المسارعة كأنهم استقروا فيها (وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) ويدعوننا عطف على يسارعون ويدعوننا فعل وفاعل ومفعول به ورغبا ورهبا مصدران منتصبان على الحال أو على المصدرية الملاقية لعاملها في المعنى دون اللفظ أو على المفعول له وكانوا كان واسمها وخاشعين خبرها ولنا متعلقان بخاشعين. (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ) والتي أي واذكر مريم التي، وجملة أحصنت فرجها صلة فنفخنا عطف على أحصنت وفيها متعلقان بنفخنا ومن روحنا متعلقان بنفخنا أيضا ولك أن تعرب التي مبتدأ والخبر محذوف أي فيما يتلى عليهم وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به وابنها عطف على الهاء أو مفعول معه وآية مفعول به ثان وانما لم يطابق المفعول الاول فيثنى لأن كلّا من مريم وابنها آية بانضمامه للآخر فصار آية واحدة أو تقول انه حذف من أحدهما لدلالة الثاني عليه أي وجعلنا مريم آية وابنها كذلك أو بالعكس وللعالمين صفة لآية. (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) إن واسمها وخبرها وأمة حال لازمة وقيل بدل من هذه وواحدة صفة وأنا الواو عاطفة وأنا مبتدأ وربكم خبر والفاء الفصيحة واعبدوني فعل أمر وفاعل وياء المتكلم المحذوفة لرسم المصحف مفعول به. (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ) الواو عاطفة وتقطعوا فعل ماض وفاعله والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات كما سيأتي في باب البلاغة، وأمرهم في نصبه وجوه أرجحها أنه منصوب بنزع الخافض أي تفرقوا في أمرهم ويجوز أن يكون تقطعوا معناه قطعوا فيكون أمرهم مفعولا به ورأى أبو البقاء أن يكون تمييزا ولا أدري كيف استقام ذلك معه. البلاغة: 1- الالتفات: في قوله تعالى «إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ» الالتفات، الأصل في تقطعوا تقطعتم على الأول إلا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه ويقبح عندهم ما فعلوه ويقول لهم ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون فيجازيهم على ما فعلوا. 2- معنى النفخ في مريم: ظاهر الكلام يوهم أن مريم هي التي أحييت لأن معنى النفخ الاحياء ولكن الله تعالى نزل نفخ الروح في عيسى لكونه في جوف مريم منزلة نفخ الروح في مريم ونحو ذلك أن يقول الزمار: نفخت في بيت فلان أي نفخت في المزمار في بيته.

الأنبياء 21:93

اللغة: (زَكَرِيَّا) : بالمد علم نبي وألفه للتأنيث فلذلك منع من الصرف وهو أيضا غير مصروف للعجمة والتعريف وقيل هو عربي مشتق من زكر أي امتلأ أو تزكر. الإعراب: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) تقدم القول في اعراب وزكريا إذ نادى ربه، ورب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة ولا ناهية للدعاء وتذرني فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول به وفردا حال وأنت الواو عاطفة على محذوف أي فارزقني وارثا وأنت مبتدأ وخير الوارثين خبر. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) الفاء عاطفة واستجبنا فعل وفاعل وله متعلقان باستجبنا واستجبنا فعل وفاعل والمفعول محذوف أي نداءه وأصلحنا فعل وفاعل وله متعلقان بأصلحنا وزوجه مفعول به والمراد بإصلاحها جعلها صالحة للولادة بعد عقرها وعقمها والعقم انسداد الرحم كما في المختار. (إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) الجملة تعليل للاصلاح وان واسمها وجملة كانوا كانوا خبرها وكان واسمها وجملة يسارعون في الخيرات خبر كان وعبر بفي دون إلى للاشعار بديمومتهم على المسارعة كأنهم استقروا فيها (وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) ويدعوننا عطف على يسارعون ويدعوننا فعل وفاعل ومفعول به ورغبا ورهبا مصدران منتصبان على الحال أو على المصدرية الملاقية لعاملها في المعنى دون اللفظ أو على المفعول له وكانوا كان واسمها وخاشعين خبرها ولنا متعلقان بخاشعين. (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ) والتي أي واذكر مريم التي، وجملة أحصنت فرجها صلة فنفخنا عطف على أحصنت وفيها متعلقان بنفخنا ومن روحنا متعلقان بنفخنا أيضا ولك أن تعرب التي مبتدأ والخبر محذوف أي فيما يتلى عليهم وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به وابنها عطف على الهاء أو مفعول معه وآية مفعول به ثان وانما لم يطابق المفعول الاول فيثنى لأن كلّا من مريم وابنها آية بانضمامه للآخر فصار آية واحدة أو تقول انه حذف من أحدهما لدلالة الثاني عليه أي وجعلنا مريم آية وابنها كذلك أو بالعكس وللعالمين صفة لآية. (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) إن واسمها وخبرها وأمة حال لازمة وقيل بدل من هذه وواحدة صفة وأنا الواو عاطفة وأنا مبتدأ وربكم خبر والفاء الفصيحة واعبدوني فعل أمر وفاعل وياء المتكلم المحذوفة لرسم المصحف مفعول به. (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ) الواو عاطفة وتقطعوا فعل ماض وفاعله والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات كما سيأتي في باب البلاغة، وأمرهم في نصبه وجوه أرجحها أنه منصوب بنزع الخافض أي تفرقوا في أمرهم ويجوز أن يكون تقطعوا معناه قطعوا فيكون أمرهم مفعولا به ورأى أبو البقاء أن يكون تمييزا ولا أدري كيف استقام ذلك معه. البلاغة: 1- الالتفات: في قوله تعالى «إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ» الالتفات، الأصل في تقطعوا تقطعتم على الأول إلا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه ويقبح عندهم ما فعلوه ويقول لهم ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون فيجازيهم على ما فعلوا. 2- معنى النفخ في مريم: ظاهر الكلام يوهم أن مريم هي التي أحييت لأن معنى النفخ الاحياء ولكن الله تعالى نزل نفخ الروح في عيسى لكونه في جوف مريم منزلة نفخ الروح في مريم ونحو ذلك أن يقول الزمار: نفخت في بيت فلان أي نفخت في المزمار في بيته.

الأنبياء 21:94

اللغة: (كُفْرانَ) : الكفران مصدر الكفر قال في القاموس: «كفر يكفر من باب نصر كفرا وكفرا وكفورا وكفرانا ضد آمن وكفر بالخالق نفاه وعطّل وكفر كفرا وكفورا وكفرانا بنعم الله جحدها وتناساها. (حَدَبٍ) : بفتحتين مرتفع من الأرض ومنه الحدب في الظهر وكل كدية أو أكمة فهي حدبة. (يَنْسِلُونَ) : يسرعون والنسلان مقاربة الخطا مع الاسراع، وفي المصباح: نسل في مشيه نسلانا: أسرع وبابه ضرب وفي القاموس هو من باب ضرب وقتل. (حَصَبُ جَهَنَّمَ) : الحصب المحصوب به أي يحصب بهم في النار والحصب الرمي وفي المختار: «والحصب بفتحتين ما تحصب به النار أي ترمى وكل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به وبابه ضرب ومثله في القاموس. الإعراب: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي عملا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة ولا نافية للجنس وكفران اسمها ولسعيه خبر والواو استئنافية أو حالية وان واسمها وكاتبون خبرها وله متعلقان بكاتبون. (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) الواو عاطفة من عطف الجمل أو استئنافية وحرام خبر مقدم وعلى قرية متعلقان بحرام وجملة أهلكناها صفة لقرية وان وما في حيزها مبتدأ مؤخر وان واسمها وجملة لا يرجعون خبرها، وقيل لا زائدة وهو قول أبي عبيدة كقوله ما منعك أن لا تسجد، أي يرجعون إلى الايمان والمعنى وممتنع على أهل القرية قدرنا عليهم إهلاكهم لكفرهم رجوعهم في الدنيا إلى الايمان إلى أن تقوم القيامة فحينئذ يرجعون ويصح أن تكون نافية على بابها والتقدير لأنهم لا يرجعون وقال الزجاج: وحرام على قرية أهلكناها حكمنا بإهلاكها أن نتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون ودلّ على هذا المعنى قوله قبل «فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» أي يتقبل عمله ثم ذكر هذا عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله. وعبارة ابن هشام في المغني «وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون» فقيل لا زائدة والمعنى ممتنع على أهل قرية قدرنا إهلاكهم لكفرهم انهم يرجعون عن الكفر إلى قيام الساعة وعلى هذا فحرام خبر مقدم وجوبا لأن المخبر عنه أن وصلتها ومثله وآية لهم أنا حملنا ذريتهم لا مبتدأ وان وصلتها فاعل أغنى عن الخبر كما جوز أبو البقاء لأنه ليس بوصف صريح ولأنه لم يعتمد على نفي ولا استفهام وقيل لا نافية والاعراب إما على ما تقدم والمعنى ممتنع عليهم انهم لا يرجعون إلى الآخرة وإما على ان حرام مبتدأ حذف خبره أي قبول أعمالهم وابتدئ بالنكرة لتقييدها بالمعمول واما على انه خبر لمبتدأ محذوف أي والعمل الصالح حرام عليهم وعلى الوجهين فانهم لا يرجعون تعليل على إضمار اللام والمعنى لا يرجعون أعمالهم فيه ودليل المحذوف ما تقدم من قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» (حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) حتى حرف غاية وجر وهي غاية لامتناع الرجوع فهي متعلقة بحرام على انها حرف غاية وجر ويجوز أن تكون ابتدائية وهي التي يحكى بعدها الكلام والكلام المحكي هنا جملة الشرط والجزاء وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن والجواب الذي تتعلق به إذا محذوف وتقديره قالوا يا ويلنا واختار الزمخشري وغيره أن يكون الجواب هو الفاء الداخلة على إذا الفجائية فإذا جاءت الفاء معها تساندتا وتعاونتا على وصل الجواب بالشرط فيتأكد ولو قيل إذا هي شاخصة أو فهي شاخصة كان سديدا. هذا وقد اختار أبو حيان أن تكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا على ما فيه من بعد قال: «وكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا فيه من حيث كثرة الفصل لكنه من حيث المعنى جيد وهو انهم لا يزالون مختلفين على دين الحق إلى قرب مجيء الساعة فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك» وفتحت فعل ماض مبني للمجهول ويأجوج ومأجوج نائب فاعل ولا بد من تقدير مضاف وهو سدهما والواو للحال وهم مبتدأ وخبره جملة ينسلون ومن كل حدب متعلقان بينسلون. (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الواو عاطفة واقترب الوعد فعل وفاعل والحق صفة للوعد والفاء رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم بحثها وهي مبتدأ وشاخصة خبر وأبصار الذين كفروا فاعل شاخصة. (يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ) النداء متعلق بقول محذوف في محل نصب على الحال أي يقولون يا ويلنا احضر فهذا أوانك وقد حرف تحقيق وكان واسمها وفي غفلة خبرها ومن هذا متعلقان بغفلة، بل حرف إضراب وكان واسمها وخبرها وهذه الجمل كلها مقول قولهم المحذوف. (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) ان واسمها والجملة ابتدائية وما عطف على الكاف وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وحصب جهنم خبر انكم وجملة أنتم لها واردون جملة اسمية من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من جهنم وفيه أن مجيء الحال من المضاف اليه لم يرد في كلامهم إلا مشروطا ويجوز أن تكون بدلا من حصب جهنم ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لإن وأجاز آخرون أن تكون مستأنفة. (لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ) لو شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وهؤلاء اسمها وآلهة خبرها وجملة ما وردوها لا محل لها لأنها جواب لو والواو للحال وكل مبتدأ وفيها متعلقان بخالدون وخالدون خبر. (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ) لهم خبر مقدم وفيها حال وزفير مبتدأ مؤخر والواو عاطفة وهم مبتدأ وفيها متعلقان بيسمعون وجملة لا يسمعون خبرهم. البلاغة: المذهب الكلامي: في قوله تعالى: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ» المذهب الكلامي وقد تقدمت الاشارة إليه، وسنزيده بسطا هنا فنقول: إذا تقرر أن المذهب الكلامي هو احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام أو استنتاج النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة كما سيأتي في سورة الحج فإن الآية التي نحن بصددها يترتب عليها ان هؤلاء الأصنام والأوثان ليسوا بآلهة فلو كانوا آلهة فهم حصب جهنم كما تقدم ان ملزوم قوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» هو ما تقديره لكنهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله ومن النوع الثاني تقدم الكلام في سورة الأعراف على قوله تعالى: «وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ» فوجه استنتاج النتيجة في هذه الجملة من المقدمتين أن يقال إن الكفار لا يدخلون الجنة أبدا حتى يلج الجمل في خرم الابرة، والجمل لا يدخل في خرم الابرة أبدا فهم لا يدخلون الجنة أبدا لأن تعليق الشرط على مستحيل يلزم منه استحالة وقوع المشروط. ومن المذهب الكلامي قوله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» وتمام الدليل أن يقال: لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم، ومثله قوله مالك بن المرجل الأندلسي: لو يكون الحب وصلا كله ... لم تكن غايته إلا الملل أو يكون الحب هجرا كله ... لم تكن غايته إلا الأجل إنما الوصل كمثل الماء لا ... يستطاب الماء إلا بالغلل فالبيتان الأولان قياس شرطي والثالث قياس فقهي فإنه قاس الوصل على الماء فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد حرارة الهجر، وأما الأقيسة الحملية فقد استنبطوها على صور، منها ما يروى أن أبا دلف قصده شاعر تميمي فقال له: ممن أنت؟ فقال: من تميم، فقال أبو دلف: تميم بطرق اللؤم اهدى من القطا ... ولو سلكت سبل الهداية ضلت فقال التميمي نعم بتلك الهداية جئت إليك فأفحمه بدليل حملي ألزمه فيه أن المجيء إليه ضلال ولعمري إن القياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب من غيره وأعذب في الذوق وأسهل في التركيب فإنه جملة واقعة بعد لو وجوابها وهذه الجملة على اصطلاحهم مقدمة شرطية متصلة يستدل بها على ما تقدم من الحكم. وقال ابن رشيق في كتاب العمدة «ذكر ابن المعتز أن الجاحظ سمى هذا النوع المذهب الكلامي قال ابن المعتز: وهذا باب ما علمت اني وجدت منه في القرآن شيئا وهو ينسب إلى التكلف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» وقد فات ابن رشيق وابن المعتز أن القرآن حافل بهذا النوع كما رأيت وكما سيأتي فيما بعد على أن ابن رشيق لاحظ على ابن المعتز شيئا آخر فقال: «غير أن ابن المعتز قد ختم بهذا الباب أبواب البديع الخمسة التي خصها بهذه التسمية وقدمها على غيرها وأنشد للفرزدق: لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من احرارهن شفيعها وأنشد لآخر ولا أظنه إلا ابراهيم بن العباس: وعلمتني كيف الهوى وجهلته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي فأعلم ما لي عندكم فيميل بي ... هواي إلى جهلي وأعرض عن ظلمي وعاب على أبي تمام قوله: فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا وحكي أن اسحق الموصلي سمع الطائي ينشد ويكثر من هذا الباب وأمثاله عند الحسن بن وهب فقال: «يا هذا لقد شذرت على نفسك» وعندي أن النقد يتوجه إلى أبي تمام في بيته لا من ناحية المذهب الكلامي الذي سلكه بل من ناحية التعقيد اللفظي فيه. ومن طريف هذا المذهب ما أورده ابن رشيق لابن المعتز وهو قوله: أسرفت في الكتمان ... وذاك مني دهاني كتمت حبّك حتى ... كتمته كتماني ولم يكن لي بد ... من ذكره بلساني قال: «وهذه الملاحة نفسها والظرف بعينه» . وقال أبو نواس: سخنت من شدة البرودة حتى ... صرت عندي كأنك النار لا يعجب السامعون صفتي ... كذلك الثلج بارد حار فهذا مذهب كلامي فلسفي، وقوله أيضا: فيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميل ويمكن اعتبار أبي تمام صاحب طريقة خاصة في المذهب الكلامي، استمع إلى قوله في الحسد: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود ومن أزهار البهاء زهير قوله: يا من أكابد فيه ما أكابده ... مولاي أصبر حتى يحكم الله سميت غيرك محبوبي مغالطة ... لمعشر فيك قد فاهوا بما فاهوا أقول زيد وزيد لست أعرفه ... وإنما هو لفظ أنت معناه وكم ذكرت مسمّى لا اكتراث به ... حتى يجر إلى ذكراك ذكراه أتيه فيك على العشاق كلهم ... قد عز من أنت، يا مولاي، مولاه كادت عيونهم بالبغض تنطق لي ... حتى كأن عيون الناس أفواه

الأنبياء 21:95

اللغة: (كُفْرانَ) : الكفران مصدر الكفر قال في القاموس: «كفر يكفر من باب نصر كفرا وكفرا وكفورا وكفرانا ضد آمن وكفر بالخالق نفاه وعطّل وكفر كفرا وكفورا وكفرانا بنعم الله جحدها وتناساها. (حَدَبٍ) : بفتحتين مرتفع من الأرض ومنه الحدب في الظهر وكل كدية أو أكمة فهي حدبة. (يَنْسِلُونَ) : يسرعون والنسلان مقاربة الخطا مع الاسراع، وفي المصباح: نسل في مشيه نسلانا: أسرع وبابه ضرب وفي القاموس هو من باب ضرب وقتل. (حَصَبُ جَهَنَّمَ) : الحصب المحصوب به أي يحصب بهم في النار والحصب الرمي وفي المختار: «والحصب بفتحتين ما تحصب به النار أي ترمى وكل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به وبابه ضرب ومثله في القاموس. الإعراب: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي عملا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة ولا نافية للجنس وكفران اسمها ولسعيه خبر والواو استئنافية أو حالية وان واسمها وكاتبون خبرها وله متعلقان بكاتبون. (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) الواو عاطفة من عطف الجمل أو استئنافية وحرام خبر مقدم وعلى قرية متعلقان بحرام وجملة أهلكناها صفة لقرية وان وما في حيزها مبتدأ مؤخر وان واسمها وجملة لا يرجعون خبرها، وقيل لا زائدة وهو قول أبي عبيدة كقوله ما منعك أن لا تسجد، أي يرجعون إلى الايمان والمعنى وممتنع على أهل القرية قدرنا عليهم إهلاكهم لكفرهم رجوعهم في الدنيا إلى الايمان إلى أن تقوم القيامة فحينئذ يرجعون ويصح أن تكون نافية على بابها والتقدير لأنهم لا يرجعون وقال الزجاج: وحرام على قرية أهلكناها حكمنا بإهلاكها أن نتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون ودلّ على هذا المعنى قوله قبل «فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» أي يتقبل عمله ثم ذكر هذا عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله. وعبارة ابن هشام في المغني «وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون» فقيل لا زائدة والمعنى ممتنع على أهل قرية قدرنا إهلاكهم لكفرهم انهم يرجعون عن الكفر إلى قيام الساعة وعلى هذا فحرام خبر مقدم وجوبا لأن المخبر عنه أن وصلتها ومثله وآية لهم أنا حملنا ذريتهم لا مبتدأ وان وصلتها فاعل أغنى عن الخبر كما جوز أبو البقاء لأنه ليس بوصف صريح ولأنه لم يعتمد على نفي ولا استفهام وقيل لا نافية والاعراب إما على ما تقدم والمعنى ممتنع عليهم انهم لا يرجعون إلى الآخرة وإما على ان حرام مبتدأ حذف خبره أي قبول أعمالهم وابتدئ بالنكرة لتقييدها بالمعمول واما على انه خبر لمبتدأ محذوف أي والعمل الصالح حرام عليهم وعلى الوجهين فانهم لا يرجعون تعليل على إضمار اللام والمعنى لا يرجعون أعمالهم فيه ودليل المحذوف ما تقدم من قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» (حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) حتى حرف غاية وجر وهي غاية لامتناع الرجوع فهي متعلقة بحرام على انها حرف غاية وجر ويجوز أن تكون ابتدائية وهي التي يحكى بعدها الكلام والكلام المحكي هنا جملة الشرط والجزاء وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن والجواب الذي تتعلق به إذا محذوف وتقديره قالوا يا ويلنا واختار الزمخشري وغيره أن يكون الجواب هو الفاء الداخلة على إذا الفجائية فإذا جاءت الفاء معها تساندتا وتعاونتا على وصل الجواب بالشرط فيتأكد ولو قيل إذا هي شاخصة أو فهي شاخصة كان سديدا. هذا وقد اختار أبو حيان أن تكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا على ما فيه من بعد قال: «وكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا فيه من حيث كثرة الفصل لكنه من حيث المعنى جيد وهو انهم لا يزالون مختلفين على دين الحق إلى قرب مجيء الساعة فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك» وفتحت فعل ماض مبني للمجهول ويأجوج ومأجوج نائب فاعل ولا بد من تقدير مضاف وهو سدهما والواو للحال وهم مبتدأ وخبره جملة ينسلون ومن كل حدب متعلقان بينسلون. (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الواو عاطفة واقترب الوعد فعل وفاعل والحق صفة للوعد والفاء رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم بحثها وهي مبتدأ وشاخصة خبر وأبصار الذين كفروا فاعل شاخصة. (يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ) النداء متعلق بقول محذوف في محل نصب على الحال أي يقولون يا ويلنا احضر فهذا أوانك وقد حرف تحقيق وكان واسمها وفي غفلة خبرها ومن هذا متعلقان بغفلة، بل حرف إضراب وكان واسمها وخبرها وهذه الجمل كلها مقول قولهم المحذوف. (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) ان واسمها والجملة ابتدائية وما عطف على الكاف وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وحصب جهنم خبر انكم وجملة أنتم لها واردون جملة اسمية من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من جهنم وفيه أن مجيء الحال من المضاف اليه لم يرد في كلامهم إلا مشروطا ويجوز أن تكون بدلا من حصب جهنم ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لإن وأجاز آخرون أن تكون مستأنفة. (لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ) لو شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وهؤلاء اسمها وآلهة خبرها وجملة ما وردوها لا محل لها لأنها جواب لو والواو للحال وكل مبتدأ وفيها متعلقان بخالدون وخالدون خبر. (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ) لهم خبر مقدم وفيها حال وزفير مبتدأ مؤخر والواو عاطفة وهم مبتدأ وفيها متعلقان بيسمعون وجملة لا يسمعون خبرهم. البلاغة: المذهب الكلامي: في قوله تعالى: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ» المذهب الكلامي وقد تقدمت الاشارة إليه، وسنزيده بسطا هنا فنقول: إذا تقرر أن المذهب الكلامي هو احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام أو استنتاج النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة كما سيأتي في سورة الحج فإن الآية التي نحن بصددها يترتب عليها ان هؤلاء الأصنام والأوثان ليسوا بآلهة فلو كانوا آلهة فهم حصب جهنم كما تقدم ان ملزوم قوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» هو ما تقديره لكنهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله ومن النوع الثاني تقدم الكلام في سورة الأعراف على قوله تعالى: «وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ» فوجه استنتاج النتيجة في هذه الجملة من المقدمتين أن يقال إن الكفار لا يدخلون الجنة أبدا حتى يلج الجمل في خرم الابرة، والجمل لا يدخل في خرم الابرة أبدا فهم لا يدخلون الجنة أبدا لأن تعليق الشرط على مستحيل يلزم منه استحالة وقوع المشروط. ومن المذهب الكلامي قوله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» وتمام الدليل أن يقال: لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم، ومثله قوله مالك بن المرجل الأندلسي: لو يكون الحب وصلا كله ... لم تكن غايته إلا الملل أو يكون الحب هجرا كله ... لم تكن غايته إلا الأجل إنما الوصل كمثل الماء لا ... يستطاب الماء إلا بالغلل فالبيتان الأولان قياس شرطي والثالث قياس فقهي فإنه قاس الوصل على الماء فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد حرارة الهجر، وأما الأقيسة الحملية فقد استنبطوها على صور، منها ما يروى أن أبا دلف قصده شاعر تميمي فقال له: ممن أنت؟ فقال: من تميم، فقال أبو دلف: تميم بطرق اللؤم اهدى من القطا ... ولو سلكت سبل الهداية ضلت فقال التميمي نعم بتلك الهداية جئت إليك فأفحمه بدليل حملي ألزمه فيه أن المجيء إليه ضلال ولعمري إن القياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب من غيره وأعذب في الذوق وأسهل في التركيب فإنه جملة واقعة بعد لو وجوابها وهذه الجملة على اصطلاحهم مقدمة شرطية متصلة يستدل بها على ما تقدم من الحكم. وقال ابن رشيق في كتاب العمدة «ذكر ابن المعتز أن الجاحظ سمى هذا النوع المذهب الكلامي قال ابن المعتز: وهذا باب ما علمت اني وجدت منه في القرآن شيئا وهو ينسب إلى التكلف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» وقد فات ابن رشيق وابن المعتز أن القرآن حافل بهذا النوع كما رأيت وكما سيأتي فيما بعد على أن ابن رشيق لاحظ على ابن المعتز شيئا آخر فقال: «غير أن ابن المعتز قد ختم بهذا الباب أبواب البديع الخمسة التي خصها بهذه التسمية وقدمها على غيرها وأنشد للفرزدق: لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من احرارهن شفيعها وأنشد لآخر ولا أظنه إلا ابراهيم بن العباس: وعلمتني كيف الهوى وجهلته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي فأعلم ما لي عندكم فيميل بي ... هواي إلى جهلي وأعرض عن ظلمي وعاب على أبي تمام قوله: فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا وحكي أن اسحق الموصلي سمع الطائي ينشد ويكثر من هذا الباب وأمثاله عند الحسن بن وهب فقال: «يا هذا لقد شذرت على نفسك» وعندي أن النقد يتوجه إلى أبي تمام في بيته لا من ناحية المذهب الكلامي الذي سلكه بل من ناحية التعقيد اللفظي فيه. ومن طريف هذا المذهب ما أورده ابن رشيق لابن المعتز وهو قوله: أسرفت في الكتمان ... وذاك مني دهاني كتمت حبّك حتى ... كتمته كتماني ولم يكن لي بد ... من ذكره بلساني قال: «وهذه الملاحة نفسها والظرف بعينه» . وقال أبو نواس: سخنت من شدة البرودة حتى ... صرت عندي كأنك النار لا يعجب السامعون صفتي ... كذلك الثلج بارد حار فهذا مذهب كلامي فلسفي، وقوله أيضا: فيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميل ويمكن اعتبار أبي تمام صاحب طريقة خاصة في المذهب الكلامي، استمع إلى قوله في الحسد: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود ومن أزهار البهاء زهير قوله: يا من أكابد فيه ما أكابده ... مولاي أصبر حتى يحكم الله سميت غيرك محبوبي مغالطة ... لمعشر فيك قد فاهوا بما فاهوا أقول زيد وزيد لست أعرفه ... وإنما هو لفظ أنت معناه وكم ذكرت مسمّى لا اكتراث به ... حتى يجر إلى ذكراك ذكراه أتيه فيك على العشاق كلهم ... قد عز من أنت، يا مولاي، مولاه كادت عيونهم بالبغض تنطق لي ... حتى كأن عيون الناس أفواه

الأنبياء 21:96

اللغة: (كُفْرانَ) : الكفران مصدر الكفر قال في القاموس: «كفر يكفر من باب نصر كفرا وكفرا وكفورا وكفرانا ضد آمن وكفر بالخالق نفاه وعطّل وكفر كفرا وكفورا وكفرانا بنعم الله جحدها وتناساها. (حَدَبٍ) : بفتحتين مرتفع من الأرض ومنه الحدب في الظهر وكل كدية أو أكمة فهي حدبة. (يَنْسِلُونَ) : يسرعون والنسلان مقاربة الخطا مع الاسراع، وفي المصباح: نسل في مشيه نسلانا: أسرع وبابه ضرب وفي القاموس هو من باب ضرب وقتل. (حَصَبُ جَهَنَّمَ) : الحصب المحصوب به أي يحصب بهم في النار والحصب الرمي وفي المختار: «والحصب بفتحتين ما تحصب به النار أي ترمى وكل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به وبابه ضرب ومثله في القاموس. الإعراب: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي عملا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة ولا نافية للجنس وكفران اسمها ولسعيه خبر والواو استئنافية أو حالية وان واسمها وكاتبون خبرها وله متعلقان بكاتبون. (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) الواو عاطفة من عطف الجمل أو استئنافية وحرام خبر مقدم وعلى قرية متعلقان بحرام وجملة أهلكناها صفة لقرية وان وما في حيزها مبتدأ مؤخر وان واسمها وجملة لا يرجعون خبرها، وقيل لا زائدة وهو قول أبي عبيدة كقوله ما منعك أن لا تسجد، أي يرجعون إلى الايمان والمعنى وممتنع على أهل القرية قدرنا عليهم إهلاكهم لكفرهم رجوعهم في الدنيا إلى الايمان إلى أن تقوم القيامة فحينئذ يرجعون ويصح أن تكون نافية على بابها والتقدير لأنهم لا يرجعون وقال الزجاج: وحرام على قرية أهلكناها حكمنا بإهلاكها أن نتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون ودلّ على هذا المعنى قوله قبل «فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» أي يتقبل عمله ثم ذكر هذا عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله. وعبارة ابن هشام في المغني «وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون» فقيل لا زائدة والمعنى ممتنع على أهل قرية قدرنا إهلاكهم لكفرهم انهم يرجعون عن الكفر إلى قيام الساعة وعلى هذا فحرام خبر مقدم وجوبا لأن المخبر عنه أن وصلتها ومثله وآية لهم أنا حملنا ذريتهم لا مبتدأ وان وصلتها فاعل أغنى عن الخبر كما جوز أبو البقاء لأنه ليس بوصف صريح ولأنه لم يعتمد على نفي ولا استفهام وقيل لا نافية والاعراب إما على ما تقدم والمعنى ممتنع عليهم انهم لا يرجعون إلى الآخرة وإما على ان حرام مبتدأ حذف خبره أي قبول أعمالهم وابتدئ بالنكرة لتقييدها بالمعمول واما على انه خبر لمبتدأ محذوف أي والعمل الصالح حرام عليهم وعلى الوجهين فانهم لا يرجعون تعليل على إضمار اللام والمعنى لا يرجعون أعمالهم فيه ودليل المحذوف ما تقدم من قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» (حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) حتى حرف غاية وجر وهي غاية لامتناع الرجوع فهي متعلقة بحرام على انها حرف غاية وجر ويجوز أن تكون ابتدائية وهي التي يحكى بعدها الكلام والكلام المحكي هنا جملة الشرط والجزاء وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن والجواب الذي تتعلق به إذا محذوف وتقديره قالوا يا ويلنا واختار الزمخشري وغيره أن يكون الجواب هو الفاء الداخلة على إذا الفجائية فإذا جاءت الفاء معها تساندتا وتعاونتا على وصل الجواب بالشرط فيتأكد ولو قيل إذا هي شاخصة أو فهي شاخصة كان سديدا. هذا وقد اختار أبو حيان أن تكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا على ما فيه من بعد قال: «وكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا فيه من حيث كثرة الفصل لكنه من حيث المعنى جيد وهو انهم لا يزالون مختلفين على دين الحق إلى قرب مجيء الساعة فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك» وفتحت فعل ماض مبني للمجهول ويأجوج ومأجوج نائب فاعل ولا بد من تقدير مضاف وهو سدهما والواو للحال وهم مبتدأ وخبره جملة ينسلون ومن كل حدب متعلقان بينسلون. (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الواو عاطفة واقترب الوعد فعل وفاعل والحق صفة للوعد والفاء رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم بحثها وهي مبتدأ وشاخصة خبر وأبصار الذين كفروا فاعل شاخصة. (يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ) النداء متعلق بقول محذوف في محل نصب على الحال أي يقولون يا ويلنا احضر فهذا أوانك وقد حرف تحقيق وكان واسمها وفي غفلة خبرها ومن هذا متعلقان بغفلة، بل حرف إضراب وكان واسمها وخبرها وهذه الجمل كلها مقول قولهم المحذوف. (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) ان واسمها والجملة ابتدائية وما عطف على الكاف وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وحصب جهنم خبر انكم وجملة أنتم لها واردون جملة اسمية من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من جهنم وفيه أن مجيء الحال من المضاف اليه لم يرد في كلامهم إلا مشروطا ويجوز أن تكون بدلا من حصب جهنم ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لإن وأجاز آخرون أن تكون مستأنفة. (لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ) لو شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وهؤلاء اسمها وآلهة خبرها وجملة ما وردوها لا محل لها لأنها جواب لو والواو للحال وكل مبتدأ وفيها متعلقان بخالدون وخالدون خبر. (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ) لهم خبر مقدم وفيها حال وزفير مبتدأ مؤخر والواو عاطفة وهم مبتدأ وفيها متعلقان بيسمعون وجملة لا يسمعون خبرهم. البلاغة: المذهب الكلامي: في قوله تعالى: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ» المذهب الكلامي وقد تقدمت الاشارة إليه، وسنزيده بسطا هنا فنقول: إذا تقرر أن المذهب الكلامي هو احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام أو استنتاج النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة كما سيأتي في سورة الحج فإن الآية التي نحن بصددها يترتب عليها ان هؤلاء الأصنام والأوثان ليسوا بآلهة فلو كانوا آلهة فهم حصب جهنم كما تقدم ان ملزوم قوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» هو ما تقديره لكنهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله ومن النوع الثاني تقدم الكلام في سورة الأعراف على قوله تعالى: «وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ» فوجه استنتاج النتيجة في هذه الجملة من المقدمتين أن يقال إن الكفار لا يدخلون الجنة أبدا حتى يلج الجمل في خرم الابرة، والجمل لا يدخل في خرم الابرة أبدا فهم لا يدخلون الجنة أبدا لأن تعليق الشرط على مستحيل يلزم منه استحالة وقوع المشروط. ومن المذهب الكلامي قوله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» وتمام الدليل أن يقال: لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم، ومثله قوله مالك بن المرجل الأندلسي: لو يكون الحب وصلا كله ... لم تكن غايته إلا الملل أو يكون الحب هجرا كله ... لم تكن غايته إلا الأجل إنما الوصل كمثل الماء لا ... يستطاب الماء إلا بالغلل فالبيتان الأولان قياس شرطي والثالث قياس فقهي فإنه قاس الوصل على الماء فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد حرارة الهجر، وأما الأقيسة الحملية فقد استنبطوها على صور، منها ما يروى أن أبا دلف قصده شاعر تميمي فقال له: ممن أنت؟ فقال: من تميم، فقال أبو دلف: تميم بطرق اللؤم اهدى من القطا ... ولو سلكت سبل الهداية ضلت فقال التميمي نعم بتلك الهداية جئت إليك فأفحمه بدليل حملي ألزمه فيه أن المجيء إليه ضلال ولعمري إن القياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب من غيره وأعذب في الذوق وأسهل في التركيب فإنه جملة واقعة بعد لو وجوابها وهذه الجملة على اصطلاحهم مقدمة شرطية متصلة يستدل بها على ما تقدم من الحكم. وقال ابن رشيق في كتاب العمدة «ذكر ابن المعتز أن الجاحظ سمى هذا النوع المذهب الكلامي قال ابن المعتز: وهذا باب ما علمت اني وجدت منه في القرآن شيئا وهو ينسب إلى التكلف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» وقد فات ابن رشيق وابن المعتز أن القرآن حافل بهذا النوع كما رأيت وكما سيأتي فيما بعد على أن ابن رشيق لاحظ على ابن المعتز شيئا آخر فقال: «غير أن ابن المعتز قد ختم بهذا الباب أبواب البديع الخمسة التي خصها بهذه التسمية وقدمها على غيرها وأنشد للفرزدق: لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من احرارهن شفيعها وأنشد لآخر ولا أظنه إلا ابراهيم بن العباس: وعلمتني كيف الهوى وجهلته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي فأعلم ما لي عندكم فيميل بي ... هواي إلى جهلي وأعرض عن ظلمي وعاب على أبي تمام قوله: فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا وحكي أن اسحق الموصلي سمع الطائي ينشد ويكثر من هذا الباب وأمثاله عند الحسن بن وهب فقال: «يا هذا لقد شذرت على نفسك» وعندي أن النقد يتوجه إلى أبي تمام في بيته لا من ناحية المذهب الكلامي الذي سلكه بل من ناحية التعقيد اللفظي فيه. ومن طريف هذا المذهب ما أورده ابن رشيق لابن المعتز وهو قوله: أسرفت في الكتمان ... وذاك مني دهاني كتمت حبّك حتى ... كتمته كتماني ولم يكن لي بد ... من ذكره بلساني قال: «وهذه الملاحة نفسها والظرف بعينه» . وقال أبو نواس: سخنت من شدة البرودة حتى ... صرت عندي كأنك النار لا يعجب السامعون صفتي ... كذلك الثلج بارد حار فهذا مذهب كلامي فلسفي، وقوله أيضا: فيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميل ويمكن اعتبار أبي تمام صاحب طريقة خاصة في المذهب الكلامي، استمع إلى قوله في الحسد: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود ومن أزهار البهاء زهير قوله: يا من أكابد فيه ما أكابده ... مولاي أصبر حتى يحكم الله سميت غيرك محبوبي مغالطة ... لمعشر فيك قد فاهوا بما فاهوا أقول زيد وزيد لست أعرفه ... وإنما هو لفظ أنت معناه وكم ذكرت مسمّى لا اكتراث به ... حتى يجر إلى ذكراك ذكراه أتيه فيك على العشاق كلهم ... قد عز من أنت، يا مولاي، مولاه كادت عيونهم بالبغض تنطق لي ... حتى كأن عيون الناس أفواه

الأنبياء 21:97

اللغة: (كُفْرانَ) : الكفران مصدر الكفر قال في القاموس: «كفر يكفر من باب نصر كفرا وكفرا وكفورا وكفرانا ضد آمن وكفر بالخالق نفاه وعطّل وكفر كفرا وكفورا وكفرانا بنعم الله جحدها وتناساها. (حَدَبٍ) : بفتحتين مرتفع من الأرض ومنه الحدب في الظهر وكل كدية أو أكمة فهي حدبة. (يَنْسِلُونَ) : يسرعون والنسلان مقاربة الخطا مع الاسراع، وفي المصباح: نسل في مشيه نسلانا: أسرع وبابه ضرب وفي القاموس هو من باب ضرب وقتل. (حَصَبُ جَهَنَّمَ) : الحصب المحصوب به أي يحصب بهم في النار والحصب الرمي وفي المختار: «والحصب بفتحتين ما تحصب به النار أي ترمى وكل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به وبابه ضرب ومثله في القاموس. الإعراب: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي عملا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة ولا نافية للجنس وكفران اسمها ولسعيه خبر والواو استئنافية أو حالية وان واسمها وكاتبون خبرها وله متعلقان بكاتبون. (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) الواو عاطفة من عطف الجمل أو استئنافية وحرام خبر مقدم وعلى قرية متعلقان بحرام وجملة أهلكناها صفة لقرية وان وما في حيزها مبتدأ مؤخر وان واسمها وجملة لا يرجعون خبرها، وقيل لا زائدة وهو قول أبي عبيدة كقوله ما منعك أن لا تسجد، أي يرجعون إلى الايمان والمعنى وممتنع على أهل القرية قدرنا عليهم إهلاكهم لكفرهم رجوعهم في الدنيا إلى الايمان إلى أن تقوم القيامة فحينئذ يرجعون ويصح أن تكون نافية على بابها والتقدير لأنهم لا يرجعون وقال الزجاج: وحرام على قرية أهلكناها حكمنا بإهلاكها أن نتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون ودلّ على هذا المعنى قوله قبل «فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» أي يتقبل عمله ثم ذكر هذا عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله. وعبارة ابن هشام في المغني «وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون» فقيل لا زائدة والمعنى ممتنع على أهل قرية قدرنا إهلاكهم لكفرهم انهم يرجعون عن الكفر إلى قيام الساعة وعلى هذا فحرام خبر مقدم وجوبا لأن المخبر عنه أن وصلتها ومثله وآية لهم أنا حملنا ذريتهم لا مبتدأ وان وصلتها فاعل أغنى عن الخبر كما جوز أبو البقاء لأنه ليس بوصف صريح ولأنه لم يعتمد على نفي ولا استفهام وقيل لا نافية والاعراب إما على ما تقدم والمعنى ممتنع عليهم انهم لا يرجعون إلى الآخرة وإما على ان حرام مبتدأ حذف خبره أي قبول أعمالهم وابتدئ بالنكرة لتقييدها بالمعمول واما على انه خبر لمبتدأ محذوف أي والعمل الصالح حرام عليهم وعلى الوجهين فانهم لا يرجعون تعليل على إضمار اللام والمعنى لا يرجعون أعمالهم فيه ودليل المحذوف ما تقدم من قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» (حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) حتى حرف غاية وجر وهي غاية لامتناع الرجوع فهي متعلقة بحرام على انها حرف غاية وجر ويجوز أن تكون ابتدائية وهي التي يحكى بعدها الكلام والكلام المحكي هنا جملة الشرط والجزاء وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن والجواب الذي تتعلق به إذا محذوف وتقديره قالوا يا ويلنا واختار الزمخشري وغيره أن يكون الجواب هو الفاء الداخلة على إذا الفجائية فإذا جاءت الفاء معها تساندتا وتعاونتا على وصل الجواب بالشرط فيتأكد ولو قيل إذا هي شاخصة أو فهي شاخصة كان سديدا. هذا وقد اختار أبو حيان أن تكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا على ما فيه من بعد قال: «وكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا فيه من حيث كثرة الفصل لكنه من حيث المعنى جيد وهو انهم لا يزالون مختلفين على دين الحق إلى قرب مجيء الساعة فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك» وفتحت فعل ماض مبني للمجهول ويأجوج ومأجوج نائب فاعل ولا بد من تقدير مضاف وهو سدهما والواو للحال وهم مبتدأ وخبره جملة ينسلون ومن كل حدب متعلقان بينسلون. (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الواو عاطفة واقترب الوعد فعل وفاعل والحق صفة للوعد والفاء رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم بحثها وهي مبتدأ وشاخصة خبر وأبصار الذين كفروا فاعل شاخصة. (يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ) النداء متعلق بقول محذوف في محل نصب على الحال أي يقولون يا ويلنا احضر فهذا أوانك وقد حرف تحقيق وكان واسمها وفي غفلة خبرها ومن هذا متعلقان بغفلة، بل حرف إضراب وكان واسمها وخبرها وهذه الجمل كلها مقول قولهم المحذوف. (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) ان واسمها والجملة ابتدائية وما عطف على الكاف وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وحصب جهنم خبر انكم وجملة أنتم لها واردون جملة اسمية من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من جهنم وفيه أن مجيء الحال من المضاف اليه لم يرد في كلامهم إلا مشروطا ويجوز أن تكون بدلا من حصب جهنم ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لإن وأجاز آخرون أن تكون مستأنفة. (لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ) لو شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وهؤلاء اسمها وآلهة خبرها وجملة ما وردوها لا محل لها لأنها جواب لو والواو للحال وكل مبتدأ وفيها متعلقان بخالدون وخالدون خبر. (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ) لهم خبر مقدم وفيها حال وزفير مبتدأ مؤخر والواو عاطفة وهم مبتدأ وفيها متعلقان بيسمعون وجملة لا يسمعون خبرهم. البلاغة: المذهب الكلامي: في قوله تعالى: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ» المذهب الكلامي وقد تقدمت الاشارة إليه، وسنزيده بسطا هنا فنقول: إذا تقرر أن المذهب الكلامي هو احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام أو استنتاج النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة كما سيأتي في سورة الحج فإن الآية التي نحن بصددها يترتب عليها ان هؤلاء الأصنام والأوثان ليسوا بآلهة فلو كانوا آلهة فهم حصب جهنم كما تقدم ان ملزوم قوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» هو ما تقديره لكنهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله ومن النوع الثاني تقدم الكلام في سورة الأعراف على قوله تعالى: «وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ» فوجه استنتاج النتيجة في هذه الجملة من المقدمتين أن يقال إن الكفار لا يدخلون الجنة أبدا حتى يلج الجمل في خرم الابرة، والجمل لا يدخل في خرم الابرة أبدا فهم لا يدخلون الجنة أبدا لأن تعليق الشرط على مستحيل يلزم منه استحالة وقوع المشروط. ومن المذهب الكلامي قوله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» وتمام الدليل أن يقال: لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم، ومثله قوله مالك بن المرجل الأندلسي: لو يكون الحب وصلا كله ... لم تكن غايته إلا الملل أو يكون الحب هجرا كله ... لم تكن غايته إلا الأجل إنما الوصل كمثل الماء لا ... يستطاب الماء إلا بالغلل فالبيتان الأولان قياس شرطي والثالث قياس فقهي فإنه قاس الوصل على الماء فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد حرارة الهجر، وأما الأقيسة الحملية فقد استنبطوها على صور، منها ما يروى أن أبا دلف قصده شاعر تميمي فقال له: ممن أنت؟ فقال: من تميم، فقال أبو دلف: تميم بطرق اللؤم اهدى من القطا ... ولو سلكت سبل الهداية ضلت فقال التميمي نعم بتلك الهداية جئت إليك فأفحمه بدليل حملي ألزمه فيه أن المجيء إليه ضلال ولعمري إن القياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب من غيره وأعذب في الذوق وأسهل في التركيب فإنه جملة واقعة بعد لو وجوابها وهذه الجملة على اصطلاحهم مقدمة شرطية متصلة يستدل بها على ما تقدم من الحكم. وقال ابن رشيق في كتاب العمدة «ذكر ابن المعتز أن الجاحظ سمى هذا النوع المذهب الكلامي قال ابن المعتز: وهذا باب ما علمت اني وجدت منه في القرآن شيئا وهو ينسب إلى التكلف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» وقد فات ابن رشيق وابن المعتز أن القرآن حافل بهذا النوع كما رأيت وكما سيأتي فيما بعد على أن ابن رشيق لاحظ على ابن المعتز شيئا آخر فقال: «غير أن ابن المعتز قد ختم بهذا الباب أبواب البديع الخمسة التي خصها بهذه التسمية وقدمها على غيرها وأنشد للفرزدق: لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من احرارهن شفيعها وأنشد لآخر ولا أظنه إلا ابراهيم بن العباس: وعلمتني كيف الهوى وجهلته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي فأعلم ما لي عندكم فيميل بي ... هواي إلى جهلي وأعرض عن ظلمي وعاب على أبي تمام قوله: فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا وحكي أن اسحق الموصلي سمع الطائي ينشد ويكثر من هذا الباب وأمثاله عند الحسن بن وهب فقال: «يا هذا لقد شذرت على نفسك» وعندي أن النقد يتوجه إلى أبي تمام في بيته لا من ناحية المذهب الكلامي الذي سلكه بل من ناحية التعقيد اللفظي فيه. ومن طريف هذا المذهب ما أورده ابن رشيق لابن المعتز وهو قوله: أسرفت في الكتمان ... وذاك مني دهاني كتمت حبّك حتى ... كتمته كتماني ولم يكن لي بد ... من ذكره بلساني قال: «وهذه الملاحة نفسها والظرف بعينه» . وقال أبو نواس: سخنت من شدة البرودة حتى ... صرت عندي كأنك النار لا يعجب السامعون صفتي ... كذلك الثلج بارد حار فهذا مذهب كلامي فلسفي، وقوله أيضا: فيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميل ويمكن اعتبار أبي تمام صاحب طريقة خاصة في المذهب الكلامي، استمع إلى قوله في الحسد: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود ومن أزهار البهاء زهير قوله: يا من أكابد فيه ما أكابده ... مولاي أصبر حتى يحكم الله سميت غيرك محبوبي مغالطة ... لمعشر فيك قد فاهوا بما فاهوا أقول زيد وزيد لست أعرفه ... وإنما هو لفظ أنت معناه وكم ذكرت مسمّى لا اكتراث به ... حتى يجر إلى ذكراك ذكراه أتيه فيك على العشاق كلهم ... قد عز من أنت، يا مولاي، مولاه كادت عيونهم بالبغض تنطق لي ... حتى كأن عيون الناس أفواه

الأنبياء 21:98

اللغة: (كُفْرانَ) : الكفران مصدر الكفر قال في القاموس: «كفر يكفر من باب نصر كفرا وكفرا وكفورا وكفرانا ضد آمن وكفر بالخالق نفاه وعطّل وكفر كفرا وكفورا وكفرانا بنعم الله جحدها وتناساها. (حَدَبٍ) : بفتحتين مرتفع من الأرض ومنه الحدب في الظهر وكل كدية أو أكمة فهي حدبة. (يَنْسِلُونَ) : يسرعون والنسلان مقاربة الخطا مع الاسراع، وفي المصباح: نسل في مشيه نسلانا: أسرع وبابه ضرب وفي القاموس هو من باب ضرب وقتل. (حَصَبُ جَهَنَّمَ) : الحصب المحصوب به أي يحصب بهم في النار والحصب الرمي وفي المختار: «والحصب بفتحتين ما تحصب به النار أي ترمى وكل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به وبابه ضرب ومثله في القاموس. الإعراب: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي عملا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة ولا نافية للجنس وكفران اسمها ولسعيه خبر والواو استئنافية أو حالية وان واسمها وكاتبون خبرها وله متعلقان بكاتبون. (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) الواو عاطفة من عطف الجمل أو استئنافية وحرام خبر مقدم وعلى قرية متعلقان بحرام وجملة أهلكناها صفة لقرية وان وما في حيزها مبتدأ مؤخر وان واسمها وجملة لا يرجعون خبرها، وقيل لا زائدة وهو قول أبي عبيدة كقوله ما منعك أن لا تسجد، أي يرجعون إلى الايمان والمعنى وممتنع على أهل القرية قدرنا عليهم إهلاكهم لكفرهم رجوعهم في الدنيا إلى الايمان إلى أن تقوم القيامة فحينئذ يرجعون ويصح أن تكون نافية على بابها والتقدير لأنهم لا يرجعون وقال الزجاج: وحرام على قرية أهلكناها حكمنا بإهلاكها أن نتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون ودلّ على هذا المعنى قوله قبل «فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» أي يتقبل عمله ثم ذكر هذا عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله. وعبارة ابن هشام في المغني «وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون» فقيل لا زائدة والمعنى ممتنع على أهل قرية قدرنا إهلاكهم لكفرهم انهم يرجعون عن الكفر إلى قيام الساعة وعلى هذا فحرام خبر مقدم وجوبا لأن المخبر عنه أن وصلتها ومثله وآية لهم أنا حملنا ذريتهم لا مبتدأ وان وصلتها فاعل أغنى عن الخبر كما جوز أبو البقاء لأنه ليس بوصف صريح ولأنه لم يعتمد على نفي ولا استفهام وقيل لا نافية والاعراب إما على ما تقدم والمعنى ممتنع عليهم انهم لا يرجعون إلى الآخرة وإما على ان حرام مبتدأ حذف خبره أي قبول أعمالهم وابتدئ بالنكرة لتقييدها بالمعمول واما على انه خبر لمبتدأ محذوف أي والعمل الصالح حرام عليهم وعلى الوجهين فانهم لا يرجعون تعليل على إضمار اللام والمعنى لا يرجعون أعمالهم فيه ودليل المحذوف ما تقدم من قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» (حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) حتى حرف غاية وجر وهي غاية لامتناع الرجوع فهي متعلقة بحرام على انها حرف غاية وجر ويجوز أن تكون ابتدائية وهي التي يحكى بعدها الكلام والكلام المحكي هنا جملة الشرط والجزاء وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن والجواب الذي تتعلق به إذا محذوف وتقديره قالوا يا ويلنا واختار الزمخشري وغيره أن يكون الجواب هو الفاء الداخلة على إذا الفجائية فإذا جاءت الفاء معها تساندتا وتعاونتا على وصل الجواب بالشرط فيتأكد ولو قيل إذا هي شاخصة أو فهي شاخصة كان سديدا. هذا وقد اختار أبو حيان أن تكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا على ما فيه من بعد قال: «وكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا فيه من حيث كثرة الفصل لكنه من حيث المعنى جيد وهو انهم لا يزالون مختلفين على دين الحق إلى قرب مجيء الساعة فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك» وفتحت فعل ماض مبني للمجهول ويأجوج ومأجوج نائب فاعل ولا بد من تقدير مضاف وهو سدهما والواو للحال وهم مبتدأ وخبره جملة ينسلون ومن كل حدب متعلقان بينسلون. (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الواو عاطفة واقترب الوعد فعل وفاعل والحق صفة للوعد والفاء رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم بحثها وهي مبتدأ وشاخصة خبر وأبصار الذين كفروا فاعل شاخصة. (يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ) النداء متعلق بقول محذوف في محل نصب على الحال أي يقولون يا ويلنا احضر فهذا أوانك وقد حرف تحقيق وكان واسمها وفي غفلة خبرها ومن هذا متعلقان بغفلة، بل حرف إضراب وكان واسمها وخبرها وهذه الجمل كلها مقول قولهم المحذوف. (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) ان واسمها والجملة ابتدائية وما عطف على الكاف وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وحصب جهنم خبر انكم وجملة أنتم لها واردون جملة اسمية من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من جهنم وفيه أن مجيء الحال من المضاف اليه لم يرد في كلامهم إلا مشروطا ويجوز أن تكون بدلا من حصب جهنم ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لإن وأجاز آخرون أن تكون مستأنفة. (لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ) لو شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وهؤلاء اسمها وآلهة خبرها وجملة ما وردوها لا محل لها لأنها جواب لو والواو للحال وكل مبتدأ وفيها متعلقان بخالدون وخالدون خبر. (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ) لهم خبر مقدم وفيها حال وزفير مبتدأ مؤخر والواو عاطفة وهم مبتدأ وفيها متعلقان بيسمعون وجملة لا يسمعون خبرهم. البلاغة: المذهب الكلامي: في قوله تعالى: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ» المذهب الكلامي وقد تقدمت الاشارة إليه، وسنزيده بسطا هنا فنقول: إذا تقرر أن المذهب الكلامي هو احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام أو استنتاج النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة كما سيأتي في سورة الحج فإن الآية التي نحن بصددها يترتب عليها ان هؤلاء الأصنام والأوثان ليسوا بآلهة فلو كانوا آلهة فهم حصب جهنم كما تقدم ان ملزوم قوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» هو ما تقديره لكنهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله ومن النوع الثاني تقدم الكلام في سورة الأعراف على قوله تعالى: «وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ» فوجه استنتاج النتيجة في هذه الجملة من المقدمتين أن يقال إن الكفار لا يدخلون الجنة أبدا حتى يلج الجمل في خرم الابرة، والجمل لا يدخل في خرم الابرة أبدا فهم لا يدخلون الجنة أبدا لأن تعليق الشرط على مستحيل يلزم منه استحالة وقوع المشروط. ومن المذهب الكلامي قوله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» وتمام الدليل أن يقال: لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم، ومثله قوله مالك بن المرجل الأندلسي: لو يكون الحب وصلا كله ... لم تكن غايته إلا الملل أو يكون الحب هجرا كله ... لم تكن غايته إلا الأجل إنما الوصل كمثل الماء لا ... يستطاب الماء إلا بالغلل فالبيتان الأولان قياس شرطي والثالث قياس فقهي فإنه قاس الوصل على الماء فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد حرارة الهجر، وأما الأقيسة الحملية فقد استنبطوها على صور، منها ما يروى أن أبا دلف قصده شاعر تميمي فقال له: ممن أنت؟ فقال: من تميم، فقال أبو دلف: تميم بطرق اللؤم اهدى من القطا ... ولو سلكت سبل الهداية ضلت فقال التميمي نعم بتلك الهداية جئت إليك فأفحمه بدليل حملي ألزمه فيه أن المجيء إليه ضلال ولعمري إن القياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب من غيره وأعذب في الذوق وأسهل في التركيب فإنه جملة واقعة بعد لو وجوابها وهذه الجملة على اصطلاحهم مقدمة شرطية متصلة يستدل بها على ما تقدم من الحكم. وقال ابن رشيق في كتاب العمدة «ذكر ابن المعتز أن الجاحظ سمى هذا النوع المذهب الكلامي قال ابن المعتز: وهذا باب ما علمت اني وجدت منه في القرآن شيئا وهو ينسب إلى التكلف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» وقد فات ابن رشيق وابن المعتز أن القرآن حافل بهذا النوع كما رأيت وكما سيأتي فيما بعد على أن ابن رشيق لاحظ على ابن المعتز شيئا آخر فقال: «غير أن ابن المعتز قد ختم بهذا الباب أبواب البديع الخمسة التي خصها بهذه التسمية وقدمها على غيرها وأنشد للفرزدق: لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من احرارهن شفيعها وأنشد لآخر ولا أظنه إلا ابراهيم بن العباس: وعلمتني كيف الهوى وجهلته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي فأعلم ما لي عندكم فيميل بي ... هواي إلى جهلي وأعرض عن ظلمي وعاب على أبي تمام قوله: فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا وحكي أن اسحق الموصلي سمع الطائي ينشد ويكثر من هذا الباب وأمثاله عند الحسن بن وهب فقال: «يا هذا لقد شذرت على نفسك» وعندي أن النقد يتوجه إلى أبي تمام في بيته لا من ناحية المذهب الكلامي الذي سلكه بل من ناحية التعقيد اللفظي فيه. ومن طريف هذا المذهب ما أورده ابن رشيق لابن المعتز وهو قوله: أسرفت في الكتمان ... وذاك مني دهاني كتمت حبّك حتى ... كتمته كتماني ولم يكن لي بد ... من ذكره بلساني قال: «وهذه الملاحة نفسها والظرف بعينه» . وقال أبو نواس: سخنت من شدة البرودة حتى ... صرت عندي كأنك النار لا يعجب السامعون صفتي ... كذلك الثلج بارد حار فهذا مذهب كلامي فلسفي، وقوله أيضا: فيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميل ويمكن اعتبار أبي تمام صاحب طريقة خاصة في المذهب الكلامي، استمع إلى قوله في الحسد: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود ومن أزهار البهاء زهير قوله: يا من أكابد فيه ما أكابده ... مولاي أصبر حتى يحكم الله سميت غيرك محبوبي مغالطة ... لمعشر فيك قد فاهوا بما فاهوا أقول زيد وزيد لست أعرفه ... وإنما هو لفظ أنت معناه وكم ذكرت مسمّى لا اكتراث به ... حتى يجر إلى ذكراك ذكراه أتيه فيك على العشاق كلهم ... قد عز من أنت، يا مولاي، مولاه كادت عيونهم بالبغض تنطق لي ... حتى كأن عيون الناس أفواه

الأنبياء 21:99

اللغة: (كُفْرانَ) : الكفران مصدر الكفر قال في القاموس: «كفر يكفر من باب نصر كفرا وكفرا وكفورا وكفرانا ضد آمن وكفر بالخالق نفاه وعطّل وكفر كفرا وكفورا وكفرانا بنعم الله جحدها وتناساها. (حَدَبٍ) : بفتحتين مرتفع من الأرض ومنه الحدب في الظهر وكل كدية أو أكمة فهي حدبة. (يَنْسِلُونَ) : يسرعون والنسلان مقاربة الخطا مع الاسراع، وفي المصباح: نسل في مشيه نسلانا: أسرع وبابه ضرب وفي القاموس هو من باب ضرب وقتل. (حَصَبُ جَهَنَّمَ) : الحصب المحصوب به أي يحصب بهم في النار والحصب الرمي وفي المختار: «والحصب بفتحتين ما تحصب به النار أي ترمى وكل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به وبابه ضرب ومثله في القاموس. الإعراب: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي عملا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة ولا نافية للجنس وكفران اسمها ولسعيه خبر والواو استئنافية أو حالية وان واسمها وكاتبون خبرها وله متعلقان بكاتبون. (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) الواو عاطفة من عطف الجمل أو استئنافية وحرام خبر مقدم وعلى قرية متعلقان بحرام وجملة أهلكناها صفة لقرية وان وما في حيزها مبتدأ مؤخر وان واسمها وجملة لا يرجعون خبرها، وقيل لا زائدة وهو قول أبي عبيدة كقوله ما منعك أن لا تسجد، أي يرجعون إلى الايمان والمعنى وممتنع على أهل القرية قدرنا عليهم إهلاكهم لكفرهم رجوعهم في الدنيا إلى الايمان إلى أن تقوم القيامة فحينئذ يرجعون ويصح أن تكون نافية على بابها والتقدير لأنهم لا يرجعون وقال الزجاج: وحرام على قرية أهلكناها حكمنا بإهلاكها أن نتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون ودلّ على هذا المعنى قوله قبل «فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» أي يتقبل عمله ثم ذكر هذا عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله. وعبارة ابن هشام في المغني «وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون» فقيل لا زائدة والمعنى ممتنع على أهل قرية قدرنا إهلاكهم لكفرهم انهم يرجعون عن الكفر إلى قيام الساعة وعلى هذا فحرام خبر مقدم وجوبا لأن المخبر عنه أن وصلتها ومثله وآية لهم أنا حملنا ذريتهم لا مبتدأ وان وصلتها فاعل أغنى عن الخبر كما جوز أبو البقاء لأنه ليس بوصف صريح ولأنه لم يعتمد على نفي ولا استفهام وقيل لا نافية والاعراب إما على ما تقدم والمعنى ممتنع عليهم انهم لا يرجعون إلى الآخرة وإما على ان حرام مبتدأ حذف خبره أي قبول أعمالهم وابتدئ بالنكرة لتقييدها بالمعمول واما على انه خبر لمبتدأ محذوف أي والعمل الصالح حرام عليهم وعلى الوجهين فانهم لا يرجعون تعليل على إضمار اللام والمعنى لا يرجعون أعمالهم فيه ودليل المحذوف ما تقدم من قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» (حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) حتى حرف غاية وجر وهي غاية لامتناع الرجوع فهي متعلقة بحرام على انها حرف غاية وجر ويجوز أن تكون ابتدائية وهي التي يحكى بعدها الكلام والكلام المحكي هنا جملة الشرط والجزاء وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن والجواب الذي تتعلق به إذا محذوف وتقديره قالوا يا ويلنا واختار الزمخشري وغيره أن يكون الجواب هو الفاء الداخلة على إذا الفجائية فإذا جاءت الفاء معها تساندتا وتعاونتا على وصل الجواب بالشرط فيتأكد ولو قيل إذا هي شاخصة أو فهي شاخصة كان سديدا. هذا وقد اختار أبو حيان أن تكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا على ما فيه من بعد قال: «وكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا فيه من حيث كثرة الفصل لكنه من حيث المعنى جيد وهو انهم لا يزالون مختلفين على دين الحق إلى قرب مجيء الساعة فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك» وفتحت فعل ماض مبني للمجهول ويأجوج ومأجوج نائب فاعل ولا بد من تقدير مضاف وهو سدهما والواو للحال وهم مبتدأ وخبره جملة ينسلون ومن كل حدب متعلقان بينسلون. (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الواو عاطفة واقترب الوعد فعل وفاعل والحق صفة للوعد والفاء رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم بحثها وهي مبتدأ وشاخصة خبر وأبصار الذين كفروا فاعل شاخصة. (يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ) النداء متعلق بقول محذوف في محل نصب على الحال أي يقولون يا ويلنا احضر فهذا أوانك وقد حرف تحقيق وكان واسمها وفي غفلة خبرها ومن هذا متعلقان بغفلة، بل حرف إضراب وكان واسمها وخبرها وهذه الجمل كلها مقول قولهم المحذوف. (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) ان واسمها والجملة ابتدائية وما عطف على الكاف وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وحصب جهنم خبر انكم وجملة أنتم لها واردون جملة اسمية من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من جهنم وفيه أن مجيء الحال من المضاف اليه لم يرد في كلامهم إلا مشروطا ويجوز أن تكون بدلا من حصب جهنم ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لإن وأجاز آخرون أن تكون مستأنفة. (لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ) لو شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وهؤلاء اسمها وآلهة خبرها وجملة ما وردوها لا محل لها لأنها جواب لو والواو للحال وكل مبتدأ وفيها متعلقان بخالدون وخالدون خبر. (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ) لهم خبر مقدم وفيها حال وزفير مبتدأ مؤخر والواو عاطفة وهم مبتدأ وفيها متعلقان بيسمعون وجملة لا يسمعون خبرهم. البلاغة: المذهب الكلامي: في قوله تعالى: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ» المذهب الكلامي وقد تقدمت الاشارة إليه، وسنزيده بسطا هنا فنقول: إذا تقرر أن المذهب الكلامي هو احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام أو استنتاج النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة كما سيأتي في سورة الحج فإن الآية التي نحن بصددها يترتب عليها ان هؤلاء الأصنام والأوثان ليسوا بآلهة فلو كانوا آلهة فهم حصب جهنم كما تقدم ان ملزوم قوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» هو ما تقديره لكنهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله ومن النوع الثاني تقدم الكلام في سورة الأعراف على قوله تعالى: «وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ» فوجه استنتاج النتيجة في هذه الجملة من المقدمتين أن يقال إن الكفار لا يدخلون الجنة أبدا حتى يلج الجمل في خرم الابرة، والجمل لا يدخل في خرم الابرة أبدا فهم لا يدخلون الجنة أبدا لأن تعليق الشرط على مستحيل يلزم منه استحالة وقوع المشروط. ومن المذهب الكلامي قوله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» وتمام الدليل أن يقال: لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم، ومثله قوله مالك بن المرجل الأندلسي: لو يكون الحب وصلا كله ... لم تكن غايته إلا الملل أو يكون الحب هجرا كله ... لم تكن غايته إلا الأجل إنما الوصل كمثل الماء لا ... يستطاب الماء إلا بالغلل فالبيتان الأولان قياس شرطي والثالث قياس فقهي فإنه قاس الوصل على الماء فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد حرارة الهجر، وأما الأقيسة الحملية فقد استنبطوها على صور، منها ما يروى أن أبا دلف قصده شاعر تميمي فقال له: ممن أنت؟ فقال: من تميم، فقال أبو دلف: تميم بطرق اللؤم اهدى من القطا ... ولو سلكت سبل الهداية ضلت فقال التميمي نعم بتلك الهداية جئت إليك فأفحمه بدليل حملي ألزمه فيه أن المجيء إليه ضلال ولعمري إن القياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب من غيره وأعذب في الذوق وأسهل في التركيب فإنه جملة واقعة بعد لو وجوابها وهذه الجملة على اصطلاحهم مقدمة شرطية متصلة يستدل بها على ما تقدم من الحكم. وقال ابن رشيق في كتاب العمدة «ذكر ابن المعتز أن الجاحظ سمى هذا النوع المذهب الكلامي قال ابن المعتز: وهذا باب ما علمت اني وجدت منه في القرآن شيئا وهو ينسب إلى التكلف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» وقد فات ابن رشيق وابن المعتز أن القرآن حافل بهذا النوع كما رأيت وكما سيأتي فيما بعد على أن ابن رشيق لاحظ على ابن المعتز شيئا آخر فقال: «غير أن ابن المعتز قد ختم بهذا الباب أبواب البديع الخمسة التي خصها بهذه التسمية وقدمها على غيرها وأنشد للفرزدق: لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من احرارهن شفيعها وأنشد لآخر ولا أظنه إلا ابراهيم بن العباس: وعلمتني كيف الهوى وجهلته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي فأعلم ما لي عندكم فيميل بي ... هواي إلى جهلي وأعرض عن ظلمي وعاب على أبي تمام قوله: فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا وحكي أن اسحق الموصلي سمع الطائي ينشد ويكثر من هذا الباب وأمثاله عند الحسن بن وهب فقال: «يا هذا لقد شذرت على نفسك» وعندي أن النقد يتوجه إلى أبي تمام في بيته لا من ناحية المذهب الكلامي الذي سلكه بل من ناحية التعقيد اللفظي فيه. ومن طريف هذا المذهب ما أورده ابن رشيق لابن المعتز وهو قوله: أسرفت في الكتمان ... وذاك مني دهاني كتمت حبّك حتى ... كتمته كتماني ولم يكن لي بد ... من ذكره بلساني قال: «وهذه الملاحة نفسها والظرف بعينه» . وقال أبو نواس: سخنت من شدة البرودة حتى ... صرت عندي كأنك النار لا يعجب السامعون صفتي ... كذلك الثلج بارد حار فهذا مذهب كلامي فلسفي، وقوله أيضا: فيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميل ويمكن اعتبار أبي تمام صاحب طريقة خاصة في المذهب الكلامي، استمع إلى قوله في الحسد: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود ومن أزهار البهاء زهير قوله: يا من أكابد فيه ما أكابده ... مولاي أصبر حتى يحكم الله سميت غيرك محبوبي مغالطة ... لمعشر فيك قد فاهوا بما فاهوا أقول زيد وزيد لست أعرفه ... وإنما هو لفظ أنت معناه وكم ذكرت مسمّى لا اكتراث به ... حتى يجر إلى ذكراك ذكراه أتيه فيك على العشاق كلهم ... قد عز من أنت، يا مولاي، مولاه كادت عيونهم بالبغض تنطق لي ... حتى كأن عيون الناس أفواه

الأنبياء 21:100

اللغة: (كُفْرانَ) : الكفران مصدر الكفر قال في القاموس: «كفر يكفر من باب نصر كفرا وكفرا وكفورا وكفرانا ضد آمن وكفر بالخالق نفاه وعطّل وكفر كفرا وكفورا وكفرانا بنعم الله جحدها وتناساها. (حَدَبٍ) : بفتحتين مرتفع من الأرض ومنه الحدب في الظهر وكل كدية أو أكمة فهي حدبة. (يَنْسِلُونَ) : يسرعون والنسلان مقاربة الخطا مع الاسراع، وفي المصباح: نسل في مشيه نسلانا: أسرع وبابه ضرب وفي القاموس هو من باب ضرب وقتل. (حَصَبُ جَهَنَّمَ) : الحصب المحصوب به أي يحصب بهم في النار والحصب الرمي وفي المختار: «والحصب بفتحتين ما تحصب به النار أي ترمى وكل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به وبابه ضرب ومثله في القاموس. الإعراب: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويعمل فعل الشرط ومن الصالحات صفة لمفعول به محذوف أي عملا من الصالحات والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والفاء رابطة ولا نافية للجنس وكفران اسمها ولسعيه خبر والواو استئنافية أو حالية وان واسمها وكاتبون خبرها وله متعلقان بكاتبون. (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) الواو عاطفة من عطف الجمل أو استئنافية وحرام خبر مقدم وعلى قرية متعلقان بحرام وجملة أهلكناها صفة لقرية وان وما في حيزها مبتدأ مؤخر وان واسمها وجملة لا يرجعون خبرها، وقيل لا زائدة وهو قول أبي عبيدة كقوله ما منعك أن لا تسجد، أي يرجعون إلى الايمان والمعنى وممتنع على أهل القرية قدرنا عليهم إهلاكهم لكفرهم رجوعهم في الدنيا إلى الايمان إلى أن تقوم القيامة فحينئذ يرجعون ويصح أن تكون نافية على بابها والتقدير لأنهم لا يرجعون وقال الزجاج: وحرام على قرية أهلكناها حكمنا بإهلاكها أن نتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون ودلّ على هذا المعنى قوله قبل «فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» أي يتقبل عمله ثم ذكر هذا عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله. وعبارة ابن هشام في المغني «وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون» فقيل لا زائدة والمعنى ممتنع على أهل قرية قدرنا إهلاكهم لكفرهم انهم يرجعون عن الكفر إلى قيام الساعة وعلى هذا فحرام خبر مقدم وجوبا لأن المخبر عنه أن وصلتها ومثله وآية لهم أنا حملنا ذريتهم لا مبتدأ وان وصلتها فاعل أغنى عن الخبر كما جوز أبو البقاء لأنه ليس بوصف صريح ولأنه لم يعتمد على نفي ولا استفهام وقيل لا نافية والاعراب إما على ما تقدم والمعنى ممتنع عليهم انهم لا يرجعون إلى الآخرة وإما على ان حرام مبتدأ حذف خبره أي قبول أعمالهم وابتدئ بالنكرة لتقييدها بالمعمول واما على انه خبر لمبتدأ محذوف أي والعمل الصالح حرام عليهم وعلى الوجهين فانهم لا يرجعون تعليل على إضمار اللام والمعنى لا يرجعون أعمالهم فيه ودليل المحذوف ما تقدم من قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ» (حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) حتى حرف غاية وجر وهي غاية لامتناع الرجوع فهي متعلقة بحرام على انها حرف غاية وجر ويجوز أن تكون ابتدائية وهي التي يحكى بعدها الكلام والكلام المحكي هنا جملة الشرط والجزاء وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن والجواب الذي تتعلق به إذا محذوف وتقديره قالوا يا ويلنا واختار الزمخشري وغيره أن يكون الجواب هو الفاء الداخلة على إذا الفجائية فإذا جاءت الفاء معها تساندتا وتعاونتا على وصل الجواب بالشرط فيتأكد ولو قيل إذا هي شاخصة أو فهي شاخصة كان سديدا. هذا وقد اختار أبو حيان أن تكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا على ما فيه من بعد قال: «وكون حتى جارة متعلقة بتقطعوا فيه من حيث كثرة الفصل لكنه من حيث المعنى جيد وهو انهم لا يزالون مختلفين على دين الحق إلى قرب مجيء الساعة فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك» وفتحت فعل ماض مبني للمجهول ويأجوج ومأجوج نائب فاعل ولا بد من تقدير مضاف وهو سدهما والواو للحال وهم مبتدأ وخبره جملة ينسلون ومن كل حدب متعلقان بينسلون. (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الواو عاطفة واقترب الوعد فعل وفاعل والحق صفة للوعد والفاء رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم بحثها وهي مبتدأ وشاخصة خبر وأبصار الذين كفروا فاعل شاخصة. (يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ) النداء متعلق بقول محذوف في محل نصب على الحال أي يقولون يا ويلنا احضر فهذا أوانك وقد حرف تحقيق وكان واسمها وفي غفلة خبرها ومن هذا متعلقان بغفلة، بل حرف إضراب وكان واسمها وخبرها وهذه الجمل كلها مقول قولهم المحذوف. (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) ان واسمها والجملة ابتدائية وما عطف على الكاف وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وحصب جهنم خبر انكم وجملة أنتم لها واردون جملة اسمية من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من جهنم وفيه أن مجيء الحال من المضاف اليه لم يرد في كلامهم إلا مشروطا ويجوز أن تكون بدلا من حصب جهنم ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لإن وأجاز آخرون أن تكون مستأنفة. (لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ) لو شرطية امتناعية وكان فعل ماض ناقص وهؤلاء اسمها وآلهة خبرها وجملة ما وردوها لا محل لها لأنها جواب لو والواو للحال وكل مبتدأ وفيها متعلقان بخالدون وخالدون خبر. (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ) لهم خبر مقدم وفيها حال وزفير مبتدأ مؤخر والواو عاطفة وهم مبتدأ وفيها متعلقان بيسمعون وجملة لا يسمعون خبرهم. البلاغة: المذهب الكلامي: في قوله تعالى: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ» المذهب الكلامي وقد تقدمت الاشارة إليه، وسنزيده بسطا هنا فنقول: إذا تقرر أن المذهب الكلامي هو احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام أو استنتاج النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة كما سيأتي في سورة الحج فإن الآية التي نحن بصددها يترتب عليها ان هؤلاء الأصنام والأوثان ليسوا بآلهة فلو كانوا آلهة فهم حصب جهنم كما تقدم ان ملزوم قوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» هو ما تقديره لكنهما ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله ومن النوع الثاني تقدم الكلام في سورة الأعراف على قوله تعالى: «وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ» فوجه استنتاج النتيجة في هذه الجملة من المقدمتين أن يقال إن الكفار لا يدخلون الجنة أبدا حتى يلج الجمل في خرم الابرة، والجمل لا يدخل في خرم الابرة أبدا فهم لا يدخلون الجنة أبدا لأن تعليق الشرط على مستحيل يلزم منه استحالة وقوع المشروط. ومن المذهب الكلامي قوله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» وتمام الدليل أن يقال: لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم، ومثله قوله مالك بن المرجل الأندلسي: لو يكون الحب وصلا كله ... لم تكن غايته إلا الملل أو يكون الحب هجرا كله ... لم تكن غايته إلا الأجل إنما الوصل كمثل الماء لا ... يستطاب الماء إلا بالغلل فالبيتان الأولان قياس شرطي والثالث قياس فقهي فإنه قاس الوصل على الماء فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد حرارة الهجر، وأما الأقيسة الحملية فقد استنبطوها على صور، منها ما يروى أن أبا دلف قصده شاعر تميمي فقال له: ممن أنت؟ فقال: من تميم، فقال أبو دلف: تميم بطرق اللؤم اهدى من القطا ... ولو سلكت سبل الهداية ضلت فقال التميمي نعم بتلك الهداية جئت إليك فأفحمه بدليل حملي ألزمه فيه أن المجيء إليه ضلال ولعمري إن القياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب من غيره وأعذب في الذوق وأسهل في التركيب فإنه جملة واقعة بعد لو وجوابها وهذه الجملة على اصطلاحهم مقدمة شرطية متصلة يستدل بها على ما تقدم من الحكم. وقال ابن رشيق في كتاب العمدة «ذكر ابن المعتز أن الجاحظ سمى هذا النوع المذهب الكلامي قال ابن المعتز: وهذا باب ما علمت اني وجدت منه في القرآن شيئا وهو ينسب إلى التكلف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» وقد فات ابن رشيق وابن المعتز أن القرآن حافل بهذا النوع كما رأيت وكما سيأتي فيما بعد على أن ابن رشيق لاحظ على ابن المعتز شيئا آخر فقال: «غير أن ابن المعتز قد ختم بهذا الباب أبواب البديع الخمسة التي خصها بهذه التسمية وقدمها على غيرها وأنشد للفرزدق: لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من احرارهن شفيعها وأنشد لآخر ولا أظنه إلا ابراهيم بن العباس: وعلمتني كيف الهوى وجهلته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي فأعلم ما لي عندكم فيميل بي ... هواي إلى جهلي وأعرض عن ظلمي وعاب على أبي تمام قوله: فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا وحكي أن اسحق الموصلي سمع الطائي ينشد ويكثر من هذا الباب وأمثاله عند الحسن بن وهب فقال: «يا هذا لقد شذرت على نفسك» وعندي أن النقد يتوجه إلى أبي تمام في بيته لا من ناحية المذهب الكلامي الذي سلكه بل من ناحية التعقيد اللفظي فيه. ومن طريف هذا المذهب ما أورده ابن رشيق لابن المعتز وهو قوله: أسرفت في الكتمان ... وذاك مني دهاني كتمت حبّك حتى ... كتمته كتماني ولم يكن لي بد ... من ذكره بلساني قال: «وهذه الملاحة نفسها والظرف بعينه» . وقال أبو نواس: سخنت من شدة البرودة حتى ... صرت عندي كأنك النار لا يعجب السامعون صفتي ... كذلك الثلج بارد حار فهذا مذهب كلامي فلسفي، وقوله أيضا: فيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميل ويمكن اعتبار أبي تمام صاحب طريقة خاصة في المذهب الكلامي، استمع إلى قوله في الحسد: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود ومن أزهار البهاء زهير قوله: يا من أكابد فيه ما أكابده ... مولاي أصبر حتى يحكم الله سميت غيرك محبوبي مغالطة ... لمعشر فيك قد فاهوا بما فاهوا أقول زيد وزيد لست أعرفه ... وإنما هو لفظ أنت معناه وكم ذكرت مسمّى لا اكتراث به ... حتى يجر إلى ذكراك ذكراه أتيه فيك على العشاق كلهم ... قد عز من أنت، يا مولاي، مولاه كادت عيونهم بالبغض تنطق لي ... حتى كأن عيون الناس أفواه

الأنبياء 21:101

اللغة: (السِّجِلِّ) : كتاب العهود وكتاب الاحكام، وكتاب يكتب فيه القاضي صورة الدعاوى والحكم فيها وصكوك المبايعات ونحوها لنبقى محفوظة عنده والجمع سجلات ويقال سجّل الرجل: كتب السجل وسجل الأوراق قيدها في المحاكم وسجل القاضي عليه حكم وسجل عليه بكذا شهره به ووسمه وسجل له بماله قرره وأثبته له. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) إن واسمها وجملة سبقت صلة ولهم متعلقان بسبقت ومنّا حال والحسنى فاعل وأولئك مبتدأ وعنها متعلقان بمبعدون ومبعدون خبر أولئك وجملة أولئك عنها مبعدون خبر إن وجملة إن إلخ ابتدائية. (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ) جملة لا يسمعون حسيسها تحتمل وجوها منها أن تكون بدلا من مبعدون لأنها تحل محله فتغني عنه ومنها أن تكون خبرا ثانيا لأولئك ويجوز أن تكون حالا من ضمير مبعدون ولا نافية ويسمعون حسيسها فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به والواو للحال أو استئنافية وهم مبتدأ وفيما متعلقان بخالدون وجملة اشتهت أنفسهم صلة وخالدون خبرهم. (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) الجملة حالية أو بدل من الجملة السابقة ولا نافية ويحزنهم فعل ومفعول به والفزع فاعل والأكبر صفة للفزع وتتلقاهم الملائكة فعل ومفعول به وفاعل، وجملة هذا يومكم مقول قول محذوف واقع موقع الحال أي قائلين: هذا يومكم، وهذا مبتدأ ويومكم خبر والذي صفة ليومكم وجملة كنتم صلة وكان واسمها وجملة توعدون خبر كنتم. (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) الظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر ولك أن تعلقه بلا يحزنهم أو بالفزع أو تتلقاهم الملائكة وجملة نطوي في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن والسماء مفعول به وكطي الكاف نعت لمصدر محذوف أي كما يطوي الرجل صحيفته ليكتب فيها فالطي مصدر مضاف للمفعول والحذف للفاعل مع المصدر مطرد باستمرار وللكتب متعلقان بطي فهي لتقوية التعدية أي للمكتوبات جميعها أي لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة. (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) الكاف نعت لمصدر محذوف وما مصدرية وبدأنا فعل وفاعل وأول خلق مفعول بدأنا أي نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا له والزمخشري يجعل ما كافة للكاف دائما ووعدا مصدر منصوب بوعدنا مقدرا قبله وهو مفعول مطلق مؤكد لمضمون ما قبله، وعلينا متعلقان بوعدا وان واسمها وجملة كنا خبر إنا وكان واسمها وفاعلين خبرها وجملة إنا تعليلية بمثابة التأكيد للقدرة على فعل ذلك وقدرها أبو حيان في البحر «أي نحن قادرون على أن نفعل ذلك» واختار العمادي أن تكون حالية وقدرها «أي محققين هذا الوعد فاستعدوا لذلك» وستأتي فوائد هامة حول هذه الآية في بابي الفوائد والبلاغة. (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن الأرض للصالحين لها ولاستغلال مواردها وطاقاتها المكنوزة فيها واللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وكتبنا فعل وفاعل وفي الزبور متعلقان بكتبنا ومن بعد متعلقان بمحذوف حال من الزبور وأن وما في حيزها مفعول كتبنا، أي كتبنا وراثة الأرض، وان واسمها وجملة يرثها خبر وعبادي فاعل والصالحون صفة. البلاغة: 1- المبالغة: في قوله تعالى: «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها» فن المبالغة ذلك لأن لقائل أن يقول: إذا نزل أهل الجنة منازلهم فيها فأي بشارة لهم في أنهم لا يسمعون حسيسها؟ والجواب انه تأكيد للمبالغة وانها لن تقرب منهم أبدا لأن الذي يكون عن كثب منها يسمع، ولا شك، حسيسها، لأن أهل النار دركات جاءت وفق عدد سكانها وعدد داخليها ووفق عدة معبوداتهم ولذلك قال تعالى في آية أخرى «لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ» وسيأتي تفصيل ذلك في سورة الحجر ويروى أن عليا رضي الله عنه قرأ هذه الآية وهي «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ» ثم قال أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه وهو يقول: «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها» . 2- التشبيه: في قوله تعالى «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ» تشبيه للاعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء قال الزمخشري: «فإن قلت: وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت: أوله إيجاده من العدم فكما أوجده أولا من عدم يعيده ثانيا من عدم فإن قلت: ما بال خلق منكرا؟ قلت: هو كقولك هو أول رجل جاءني تريد أول الرجال ولكنك وحدته ونكرته ارادة تفصيلهم رجلا رجلا فكذلك معنى أول خلق، أول الخلق بمعنى أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع ووجه آخر وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده وما موصولة أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده وأول خلق ظرف لبدأناه أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى» .

الأنبياء 21:102

اللغة: (السِّجِلِّ) : كتاب العهود وكتاب الاحكام، وكتاب يكتب فيه القاضي صورة الدعاوى والحكم فيها وصكوك المبايعات ونحوها لنبقى محفوظة عنده والجمع سجلات ويقال سجّل الرجل: كتب السجل وسجل الأوراق قيدها في المحاكم وسجل القاضي عليه حكم وسجل عليه بكذا شهره به ووسمه وسجل له بماله قرره وأثبته له. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) إن واسمها وجملة سبقت صلة ولهم متعلقان بسبقت ومنّا حال والحسنى فاعل وأولئك مبتدأ وعنها متعلقان بمبعدون ومبعدون خبر أولئك وجملة أولئك عنها مبعدون خبر إن وجملة إن إلخ ابتدائية. (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ) جملة لا يسمعون حسيسها تحتمل وجوها منها أن تكون بدلا من مبعدون لأنها تحل محله فتغني عنه ومنها أن تكون خبرا ثانيا لأولئك ويجوز أن تكون حالا من ضمير مبعدون ولا نافية ويسمعون حسيسها فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به والواو للحال أو استئنافية وهم مبتدأ وفيما متعلقان بخالدون وجملة اشتهت أنفسهم صلة وخالدون خبرهم. (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) الجملة حالية أو بدل من الجملة السابقة ولا نافية ويحزنهم فعل ومفعول به والفزع فاعل والأكبر صفة للفزع وتتلقاهم الملائكة فعل ومفعول به وفاعل، وجملة هذا يومكم مقول قول محذوف واقع موقع الحال أي قائلين: هذا يومكم، وهذا مبتدأ ويومكم خبر والذي صفة ليومكم وجملة كنتم صلة وكان واسمها وجملة توعدون خبر كنتم. (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) الظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر ولك أن تعلقه بلا يحزنهم أو بالفزع أو تتلقاهم الملائكة وجملة نطوي في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن والسماء مفعول به وكطي الكاف نعت لمصدر محذوف أي كما يطوي الرجل صحيفته ليكتب فيها فالطي مصدر مضاف للمفعول والحذف للفاعل مع المصدر مطرد باستمرار وللكتب متعلقان بطي فهي لتقوية التعدية أي للمكتوبات جميعها أي لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة. (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) الكاف نعت لمصدر محذوف وما مصدرية وبدأنا فعل وفاعل وأول خلق مفعول بدأنا أي نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا له والزمخشري يجعل ما كافة للكاف دائما ووعدا مصدر منصوب بوعدنا مقدرا قبله وهو مفعول مطلق مؤكد لمضمون ما قبله، وعلينا متعلقان بوعدا وان واسمها وجملة كنا خبر إنا وكان واسمها وفاعلين خبرها وجملة إنا تعليلية بمثابة التأكيد للقدرة على فعل ذلك وقدرها أبو حيان في البحر «أي نحن قادرون على أن نفعل ذلك» واختار العمادي أن تكون حالية وقدرها «أي محققين هذا الوعد فاستعدوا لذلك» وستأتي فوائد هامة حول هذه الآية في بابي الفوائد والبلاغة. (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن الأرض للصالحين لها ولاستغلال مواردها وطاقاتها المكنوزة فيها واللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وكتبنا فعل وفاعل وفي الزبور متعلقان بكتبنا ومن بعد متعلقان بمحذوف حال من الزبور وأن وما في حيزها مفعول كتبنا، أي كتبنا وراثة الأرض، وان واسمها وجملة يرثها خبر وعبادي فاعل والصالحون صفة. البلاغة: 1- المبالغة: في قوله تعالى: «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها» فن المبالغة ذلك لأن لقائل أن يقول: إذا نزل أهل الجنة منازلهم فيها فأي بشارة لهم في أنهم لا يسمعون حسيسها؟ والجواب انه تأكيد للمبالغة وانها لن تقرب منهم أبدا لأن الذي يكون عن كثب منها يسمع، ولا شك، حسيسها، لأن أهل النار دركات جاءت وفق عدد سكانها وعدد داخليها ووفق عدة معبوداتهم ولذلك قال تعالى في آية أخرى «لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ» وسيأتي تفصيل ذلك في سورة الحجر ويروى أن عليا رضي الله عنه قرأ هذه الآية وهي «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ» ثم قال أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه وهو يقول: «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها» . 2- التشبيه: في قوله تعالى «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ» تشبيه للاعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء قال الزمخشري: «فإن قلت: وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت: أوله إيجاده من العدم فكما أوجده أولا من عدم يعيده ثانيا من عدم فإن قلت: ما بال خلق منكرا؟ قلت: هو كقولك هو أول رجل جاءني تريد أول الرجال ولكنك وحدته ونكرته ارادة تفصيلهم رجلا رجلا فكذلك معنى أول خلق، أول الخلق بمعنى أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع ووجه آخر وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده وما موصولة أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده وأول خلق ظرف لبدأناه أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى» .

الأنبياء 21:103

اللغة: (السِّجِلِّ) : كتاب العهود وكتاب الاحكام، وكتاب يكتب فيه القاضي صورة الدعاوى والحكم فيها وصكوك المبايعات ونحوها لنبقى محفوظة عنده والجمع سجلات ويقال سجّل الرجل: كتب السجل وسجل الأوراق قيدها في المحاكم وسجل القاضي عليه حكم وسجل عليه بكذا شهره به ووسمه وسجل له بماله قرره وأثبته له. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) إن واسمها وجملة سبقت صلة ولهم متعلقان بسبقت ومنّا حال والحسنى فاعل وأولئك مبتدأ وعنها متعلقان بمبعدون ومبعدون خبر أولئك وجملة أولئك عنها مبعدون خبر إن وجملة إن إلخ ابتدائية. (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ) جملة لا يسمعون حسيسها تحتمل وجوها منها أن تكون بدلا من مبعدون لأنها تحل محله فتغني عنه ومنها أن تكون خبرا ثانيا لأولئك ويجوز أن تكون حالا من ضمير مبعدون ولا نافية ويسمعون حسيسها فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به والواو للحال أو استئنافية وهم مبتدأ وفيما متعلقان بخالدون وجملة اشتهت أنفسهم صلة وخالدون خبرهم. (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) الجملة حالية أو بدل من الجملة السابقة ولا نافية ويحزنهم فعل ومفعول به والفزع فاعل والأكبر صفة للفزع وتتلقاهم الملائكة فعل ومفعول به وفاعل، وجملة هذا يومكم مقول قول محذوف واقع موقع الحال أي قائلين: هذا يومكم، وهذا مبتدأ ويومكم خبر والذي صفة ليومكم وجملة كنتم صلة وكان واسمها وجملة توعدون خبر كنتم. (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) الظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر ولك أن تعلقه بلا يحزنهم أو بالفزع أو تتلقاهم الملائكة وجملة نطوي في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن والسماء مفعول به وكطي الكاف نعت لمصدر محذوف أي كما يطوي الرجل صحيفته ليكتب فيها فالطي مصدر مضاف للمفعول والحذف للفاعل مع المصدر مطرد باستمرار وللكتب متعلقان بطي فهي لتقوية التعدية أي للمكتوبات جميعها أي لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة. (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) الكاف نعت لمصدر محذوف وما مصدرية وبدأنا فعل وفاعل وأول خلق مفعول بدأنا أي نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا له والزمخشري يجعل ما كافة للكاف دائما ووعدا مصدر منصوب بوعدنا مقدرا قبله وهو مفعول مطلق مؤكد لمضمون ما قبله، وعلينا متعلقان بوعدا وان واسمها وجملة كنا خبر إنا وكان واسمها وفاعلين خبرها وجملة إنا تعليلية بمثابة التأكيد للقدرة على فعل ذلك وقدرها أبو حيان في البحر «أي نحن قادرون على أن نفعل ذلك» واختار العمادي أن تكون حالية وقدرها «أي محققين هذا الوعد فاستعدوا لذلك» وستأتي فوائد هامة حول هذه الآية في بابي الفوائد والبلاغة. (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن الأرض للصالحين لها ولاستغلال مواردها وطاقاتها المكنوزة فيها واللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وكتبنا فعل وفاعل وفي الزبور متعلقان بكتبنا ومن بعد متعلقان بمحذوف حال من الزبور وأن وما في حيزها مفعول كتبنا، أي كتبنا وراثة الأرض، وان واسمها وجملة يرثها خبر وعبادي فاعل والصالحون صفة. البلاغة: 1- المبالغة: في قوله تعالى: «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها» فن المبالغة ذلك لأن لقائل أن يقول: إذا نزل أهل الجنة منازلهم فيها فأي بشارة لهم في أنهم لا يسمعون حسيسها؟ والجواب انه تأكيد للمبالغة وانها لن تقرب منهم أبدا لأن الذي يكون عن كثب منها يسمع، ولا شك، حسيسها، لأن أهل النار دركات جاءت وفق عدد سكانها وعدد داخليها ووفق عدة معبوداتهم ولذلك قال تعالى في آية أخرى «لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ» وسيأتي تفصيل ذلك في سورة الحجر ويروى أن عليا رضي الله عنه قرأ هذه الآية وهي «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ» ثم قال أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه وهو يقول: «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها» . 2- التشبيه: في قوله تعالى «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ» تشبيه للاعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء قال الزمخشري: «فإن قلت: وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت: أوله إيجاده من العدم فكما أوجده أولا من عدم يعيده ثانيا من عدم فإن قلت: ما بال خلق منكرا؟ قلت: هو كقولك هو أول رجل جاءني تريد أول الرجال ولكنك وحدته ونكرته ارادة تفصيلهم رجلا رجلا فكذلك معنى أول خلق، أول الخلق بمعنى أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع ووجه آخر وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده وما موصولة أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده وأول خلق ظرف لبدأناه أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى» .

الأنبياء 21:104

اللغة: (السِّجِلِّ) : كتاب العهود وكتاب الاحكام، وكتاب يكتب فيه القاضي صورة الدعاوى والحكم فيها وصكوك المبايعات ونحوها لنبقى محفوظة عنده والجمع سجلات ويقال سجّل الرجل: كتب السجل وسجل الأوراق قيدها في المحاكم وسجل القاضي عليه حكم وسجل عليه بكذا شهره به ووسمه وسجل له بماله قرره وأثبته له. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) إن واسمها وجملة سبقت صلة ولهم متعلقان بسبقت ومنّا حال والحسنى فاعل وأولئك مبتدأ وعنها متعلقان بمبعدون ومبعدون خبر أولئك وجملة أولئك عنها مبعدون خبر إن وجملة إن إلخ ابتدائية. (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ) جملة لا يسمعون حسيسها تحتمل وجوها منها أن تكون بدلا من مبعدون لأنها تحل محله فتغني عنه ومنها أن تكون خبرا ثانيا لأولئك ويجوز أن تكون حالا من ضمير مبعدون ولا نافية ويسمعون حسيسها فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به والواو للحال أو استئنافية وهم مبتدأ وفيما متعلقان بخالدون وجملة اشتهت أنفسهم صلة وخالدون خبرهم. (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) الجملة حالية أو بدل من الجملة السابقة ولا نافية ويحزنهم فعل ومفعول به والفزع فاعل والأكبر صفة للفزع وتتلقاهم الملائكة فعل ومفعول به وفاعل، وجملة هذا يومكم مقول قول محذوف واقع موقع الحال أي قائلين: هذا يومكم، وهذا مبتدأ ويومكم خبر والذي صفة ليومكم وجملة كنتم صلة وكان واسمها وجملة توعدون خبر كنتم. (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) الظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر ولك أن تعلقه بلا يحزنهم أو بالفزع أو تتلقاهم الملائكة وجملة نطوي في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن والسماء مفعول به وكطي الكاف نعت لمصدر محذوف أي كما يطوي الرجل صحيفته ليكتب فيها فالطي مصدر مضاف للمفعول والحذف للفاعل مع المصدر مطرد باستمرار وللكتب متعلقان بطي فهي لتقوية التعدية أي للمكتوبات جميعها أي لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة. (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) الكاف نعت لمصدر محذوف وما مصدرية وبدأنا فعل وفاعل وأول خلق مفعول بدأنا أي نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا له والزمخشري يجعل ما كافة للكاف دائما ووعدا مصدر منصوب بوعدنا مقدرا قبله وهو مفعول مطلق مؤكد لمضمون ما قبله، وعلينا متعلقان بوعدا وان واسمها وجملة كنا خبر إنا وكان واسمها وفاعلين خبرها وجملة إنا تعليلية بمثابة التأكيد للقدرة على فعل ذلك وقدرها أبو حيان في البحر «أي نحن قادرون على أن نفعل ذلك» واختار العمادي أن تكون حالية وقدرها «أي محققين هذا الوعد فاستعدوا لذلك» وستأتي فوائد هامة حول هذه الآية في بابي الفوائد والبلاغة. (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن الأرض للصالحين لها ولاستغلال مواردها وطاقاتها المكنوزة فيها واللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وكتبنا فعل وفاعل وفي الزبور متعلقان بكتبنا ومن بعد متعلقان بمحذوف حال من الزبور وأن وما في حيزها مفعول كتبنا، أي كتبنا وراثة الأرض، وان واسمها وجملة يرثها خبر وعبادي فاعل والصالحون صفة. البلاغة: 1- المبالغة: في قوله تعالى: «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها» فن المبالغة ذلك لأن لقائل أن يقول: إذا نزل أهل الجنة منازلهم فيها فأي بشارة لهم في أنهم لا يسمعون حسيسها؟ والجواب انه تأكيد للمبالغة وانها لن تقرب منهم أبدا لأن الذي يكون عن كثب منها يسمع، ولا شك، حسيسها، لأن أهل النار دركات جاءت وفق عدد سكانها وعدد داخليها ووفق عدة معبوداتهم ولذلك قال تعالى في آية أخرى «لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ» وسيأتي تفصيل ذلك في سورة الحجر ويروى أن عليا رضي الله عنه قرأ هذه الآية وهي «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ» ثم قال أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه وهو يقول: «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها» . 2- التشبيه: في قوله تعالى «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ» تشبيه للاعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء قال الزمخشري: «فإن قلت: وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت: أوله إيجاده من العدم فكما أوجده أولا من عدم يعيده ثانيا من عدم فإن قلت: ما بال خلق منكرا؟ قلت: هو كقولك هو أول رجل جاءني تريد أول الرجال ولكنك وحدته ونكرته ارادة تفصيلهم رجلا رجلا فكذلك معنى أول خلق، أول الخلق بمعنى أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع ووجه آخر وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده وما موصولة أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده وأول خلق ظرف لبدأناه أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى» .

الأنبياء 21:105

اللغة: (السِّجِلِّ) : كتاب العهود وكتاب الاحكام، وكتاب يكتب فيه القاضي صورة الدعاوى والحكم فيها وصكوك المبايعات ونحوها لنبقى محفوظة عنده والجمع سجلات ويقال سجّل الرجل: كتب السجل وسجل الأوراق قيدها في المحاكم وسجل القاضي عليه حكم وسجل عليه بكذا شهره به ووسمه وسجل له بماله قرره وأثبته له. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) إن واسمها وجملة سبقت صلة ولهم متعلقان بسبقت ومنّا حال والحسنى فاعل وأولئك مبتدأ وعنها متعلقان بمبعدون ومبعدون خبر أولئك وجملة أولئك عنها مبعدون خبر إن وجملة إن إلخ ابتدائية. (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ) جملة لا يسمعون حسيسها تحتمل وجوها منها أن تكون بدلا من مبعدون لأنها تحل محله فتغني عنه ومنها أن تكون خبرا ثانيا لأولئك ويجوز أن تكون حالا من ضمير مبعدون ولا نافية ويسمعون حسيسها فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به والواو للحال أو استئنافية وهم مبتدأ وفيما متعلقان بخالدون وجملة اشتهت أنفسهم صلة وخالدون خبرهم. (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) الجملة حالية أو بدل من الجملة السابقة ولا نافية ويحزنهم فعل ومفعول به والفزع فاعل والأكبر صفة للفزع وتتلقاهم الملائكة فعل ومفعول به وفاعل، وجملة هذا يومكم مقول قول محذوف واقع موقع الحال أي قائلين: هذا يومكم، وهذا مبتدأ ويومكم خبر والذي صفة ليومكم وجملة كنتم صلة وكان واسمها وجملة توعدون خبر كنتم. (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) الظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر ولك أن تعلقه بلا يحزنهم أو بالفزع أو تتلقاهم الملائكة وجملة نطوي في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن والسماء مفعول به وكطي الكاف نعت لمصدر محذوف أي كما يطوي الرجل صحيفته ليكتب فيها فالطي مصدر مضاف للمفعول والحذف للفاعل مع المصدر مطرد باستمرار وللكتب متعلقان بطي فهي لتقوية التعدية أي للمكتوبات جميعها أي لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة. (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) الكاف نعت لمصدر محذوف وما مصدرية وبدأنا فعل وفاعل وأول خلق مفعول بدأنا أي نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا له والزمخشري يجعل ما كافة للكاف دائما ووعدا مصدر منصوب بوعدنا مقدرا قبله وهو مفعول مطلق مؤكد لمضمون ما قبله، وعلينا متعلقان بوعدا وان واسمها وجملة كنا خبر إنا وكان واسمها وفاعلين خبرها وجملة إنا تعليلية بمثابة التأكيد للقدرة على فعل ذلك وقدرها أبو حيان في البحر «أي نحن قادرون على أن نفعل ذلك» واختار العمادي أن تكون حالية وقدرها «أي محققين هذا الوعد فاستعدوا لذلك» وستأتي فوائد هامة حول هذه الآية في بابي الفوائد والبلاغة. (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن الأرض للصالحين لها ولاستغلال مواردها وطاقاتها المكنوزة فيها واللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وكتبنا فعل وفاعل وفي الزبور متعلقان بكتبنا ومن بعد متعلقان بمحذوف حال من الزبور وأن وما في حيزها مفعول كتبنا، أي كتبنا وراثة الأرض، وان واسمها وجملة يرثها خبر وعبادي فاعل والصالحون صفة. البلاغة: 1- المبالغة: في قوله تعالى: «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها» فن المبالغة ذلك لأن لقائل أن يقول: إذا نزل أهل الجنة منازلهم فيها فأي بشارة لهم في أنهم لا يسمعون حسيسها؟ والجواب انه تأكيد للمبالغة وانها لن تقرب منهم أبدا لأن الذي يكون عن كثب منها يسمع، ولا شك، حسيسها، لأن أهل النار دركات جاءت وفق عدد سكانها وعدد داخليها ووفق عدة معبوداتهم ولذلك قال تعالى في آية أخرى «لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ» وسيأتي تفصيل ذلك في سورة الحجر ويروى أن عليا رضي الله عنه قرأ هذه الآية وهي «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ» ثم قال أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه وهو يقول: «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها» . 2- التشبيه: في قوله تعالى «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ» تشبيه للاعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء قال الزمخشري: «فإن قلت: وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت: أوله إيجاده من العدم فكما أوجده أولا من عدم يعيده ثانيا من عدم فإن قلت: ما بال خلق منكرا؟ قلت: هو كقولك هو أول رجل جاءني تريد أول الرجال ولكنك وحدته ونكرته ارادة تفصيلهم رجلا رجلا فكذلك معنى أول خلق، أول الخلق بمعنى أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع ووجه آخر وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده وما موصولة أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده وأول خلق ظرف لبدأناه أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى» .

الأنبياء 21:106

الإعراب: (إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ) ان حرف مشبه بالفعل وفي هذا خبرها المقدم واللام المزحلقة ولقوم صفة لبلاغا وعابدين صفة. (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) الواو حرف عطف وما نافية وأرسلناك فعل وفاعل ومفعول به وإلا أداة حصر ورحمة مفعول من أجله أو حال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة أو على حذف مضاف أي ذا رحمة وللعالمين صفة لرحمة أو يتعلق بنفس الرحمة. (قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) إنما كافة ومكفوفة ويوحى فعل مضارع مبني للمجهول وإلي متعلقان بيوحى وان وما في حيزها نائب فاعل يوحى وإلهكم. مبتدأ وإله خبر وواحد صفة والفاء الفصيحة أي ان علمتم هذا وهل حرف حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومسلمون خبر وسيأتي مبحث القصر بنوعيه في هذه الآية في باب البلاغة. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ) الفاء استئنافية وان شرطية وتولوا فعل ماض وهو فعل الشرط والواو فاعل والفاء رابطة لجواب الشرط وقل فعل أمر وآذنتكم فعل وفاعل ومفعول به والجملة في محل جزم جواب الشرط وعلى سواء متعلقان بمحذوف حال من التاء أي الفاعل أو من الكاف أي المفعول أي مستوين في العلم بالحرب وسيأتي تفصيل هذا الإيجاز في باب البلاغة. (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) الواو للحال وإن نافية وأدري فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنا والهمزة للاستفهام وقريب خبر مقدم وأم حرف عطف وبعيد عطف عليه وما مبتدأ مؤخر وجملة توعدون صلة وجوز أبو البقاء أن يرتفع ما توعدون فاعلا بقريب سد مسد خبره وقريب مبتدأ قال لأنه اعتمد على الهمزة أو ببعيد لأنه أقرب اليه فتكون المسألة من باب التنازع وجملة أقريب أم بعيد ما توعدون في محل نصب مفعول أدري المعلقة عن العمل. (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ) ان واسمها وجملة يعلم خبرها وفاعل يعلم ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والجهر مفعول به ومن القول حال من الجهر ويعلم عطف على يعلم الأولى وما مفعول به وجملة تكتمون صلة. (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) الواو عاطفة وإن نافية وأدري فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا ولعل واسمها وفتنة خبرها ولكم صفة ومتاع عطف على فتنة وإلى حين متعلقان بمحذوف صفة لمتاع أو يتعلق به وجملة لعله فتنة في محل نصب بأدري والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق عن العمل ولكن النحاة لم يذكروا لعل من المعلقات ولكنها وردت كثيرا في القرآن كقوله في هذه الآية وكقوله: «وما يدريك لعل الساعة قريب، وما يدريك لعله يزكى، وقيل ان قوله ومتاع ليس داخلا في حيز الترجي لأنه محقق فلا يصح عطفه على فتنة لأنه حيث كان معطوفا على خبرها كان معمولا لها وداخلا في حيزها وفي نطاق الترجي الذي تدل عليه فالأولى اذن أن يقال ان قوله ومتاع خبر لمبتدأ محذوف وتقديره وهذا متاع إلى حين أي وتأخير عذابكم متاع لكم وتكون الجملة مستأنفة وليس هذا ببعيد. (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة واحكم فعل دعاء وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وبالحق حال وربنا الواو استئنافية وربنا مبتدأ والرحمن يجوز أن يكون خبرا والمستعان خبرا ثانيا ويجوز أن يكون صفة لربنا والمستعان خبر لأنه المحدث به وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه مخالفا للواقع. البلاغة: 1- القصر: في قوله تعالى «قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» وقد تقدم بحث القصر مفصلا ونقول ان في هذه الآية قصرين الاول قصر الصفة على الموصوف وذلك في قصر الوحي على الوحدانية والمعنى لا يوحى إليّ إلا اختصاص الإله بالوحدانية لا لأنه لم يوح اليه بشيء غيرها ولكنها الأصل الرئيسي في كل عبادة وعمل وهي المطلوبة أولا وقبل كل شيء حتى كأن ما عداها غير منظور اليه أو غير جدير بالذكر والثاني قصر الموصوف على الصفة وذلك في قصر الله على الوحدانية وهو ظاهر. 2- الإيجاز: وذلك في قوله تعالى «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ» تقدم القول في الإيجاز كثيرا وفي هذه الآية إيجاز قصر لأنه تحدث بثلاث كلمات وهي «آذنتكم على سواء» عن كلام طويل أي إن تولوا بعد هذه الآيات والشواهد وأعرضوا وطووا كشحا فقل لهم لقد أعلمناكم على بيان أنا وإياكم في حرب لا مهادنة فيها ولا صلح بيننا ولكنني لا أدري متى يأذن الله. وآذنتكم منقول من اذن إذا علم قال الحارث ابن حلزة: آذنتنا ببنيها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء وقد سما الزمخشري في شرح هذا الإيجاز وهذه نبذة من كلامه: «والمعنى اني بعد توليكم واعراضكم عن قبول ما عرض عليكم من وجوب توحيد الله وتنزيهه عن الأنداد والشركاء كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحسّ منهم بغدرة فنبذ إليهم العهد وشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك «على سواء» أي مستوين في الاعلام به لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم وقشر العصا عن لحائه» . 3- التوليد: في قوله: «قل رب احكم بالحق» فن التوليد وسماه ابن منقذ فن التلطيف وهو على ضربين: من الألفاظ ومن المعاني: 1- التوليد من الألفاظ على ضربين أيضا: آ- توليد المتكلم من لفظه ولفظ غيره صورة من الكلام. ب- توليد المتكلم صورة من موضعين من لفظ نفسه. والأول هو أن يزوج لفظة من لفظة للفظة من لفظ غيره فيتولد بينهما كلام مناقض غرض صاحب اللفظة الأجنبية وذلك في الألفاظ المفردة دون الجمل المؤتلفة ومثاله ما حكي عن مصعب بن الزبير انه كان قد وسم خيله بلفظ «عدّة» وهو يريد عدة الحرب فلما قتل وصارت خيله عند الحجاج ورأى ذلك الوسم أمر أن يوسم إلى جانب عدة بلفظة «الفرار» فتولد بين اللفظين معنى غير ما أراده مصعب وانقلب المدح قدحا. 2- التوليد من المعاني وستأتي أمثلته، أما الآية التي نحن بصددها فقد زوج فنا من فنون البديع لفن آخر فيه فتولد فن ثالث غيرهما وذلك انه يتوجه على ظاهر إشكال وهو أن يقال: ما الحكمة في كونه سبحانه أمر نبيه أن يسأله الحكم بالحق وهو عز وجل يعلم أن نبيه متيقن انه سبحانه لا يحكم إلا بالحق فلو اقتصر على قوله احكم فقط كان ذلك كافيا فلم عدل عن الأوجز الموفي بالمعنى المراد مع سلامة الظاهر من الإشكال إلى الأطول الموجب للإشكال، والجواب: ان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يدعون على من خالفهم حتى يؤذن لهم في ذلك لأنهم بعثوا مؤلفين لا منفرين وهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم به الله فإذا أعلمهم بمن لا يمكن إيمانه من قومهم ساغ لهم الدعاء على ذلك، ألا ترى أن نوحا عليه السلام لم يتجرأ أن يقول: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» إلا بعد قوله تعالى له: «أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ» ولذلك احترس في الدعاء بقوله: على الأرض فإن من آمن معه كان في السفينة ولم يبق على الأرض إلا من حق عليه العذاب ولما علم سبحانه ان الذين عادوا نببه محمدا صلى الله عليه وسلم لا يرجى فلاحهم أمره بالدعاء عليهم بيد أنه علمه كيف يدعو عليهم دعاء غير منفر لغيرهم فأراد سبحانه أن يقول: قل رب أهلك الظالمين فعدل عن هذا اللفظ الخاص لما فيه من التنفير إلى لفظ الإرداف فقال: «قل رب احكم بالحق» فانه سبحانه إذا حكم بالحق وهو العدل عاقب من يستحق العقاب وأما قول مورد الاشكال: لم عدل عن الأوجز إلى الأطول؟ ولو قال رب احكم لكان كافيا، فليس الأمر كما زعم لأن للحاكم المختار الذي لا شريك له أن يحكم بالفضل فينزل عن حق نفسه وله أن يحكم بالعدل ستوفي حقه وحق غيره وطلب مطلق الحكم لا يوفي بذلك فلهذا عدل من الأوجز إلى الأطول ليوفي بالمعنى المراد. وقد تنخّل عن هذا الجواب أربعة عشر ضربا من البديع اتفقت في هذه الألفاظ الثلاثة وهي: 1- الإرداف الذي قدمنا ذكره. 2- الإيضاح لأن إيضاح الإشكال الوارد على ظاهر الكلام جاء مدمجا في الإرداف. 3- التتميم إذ لو وقع الاقتصار على قوله: رب احكم لكان المعنى المراد ناقصا لأن مطلق الحكم لا يوفي بالمقصود كما بينا. 4- المقارنة لأن الادماج والإيضاح اقترنا في التتميم. 5 و6- الافتنان لجمع هذه اللفظات الثلاث بين فنين من الفنون التي يقصدها المتكلمون وهما: آ- فن الأدب في تعليم الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم كيف يدعو على من خالفه دعاء غير منفّر عنه. ب- فن الهجاء لأن عدل الله سبحانه يأبى أن يأمر نبيه بالدعاء إلا على من علم تصميمه على العصيان وبراءته من الايمان ومن كان كذلك كان مستحقا للذم فأدمج سبحانه في أمر الرسول بالدعاء عليهم هجاءهم بمقتضى ما تضمنه الكلام من استحقاق الملام. 7- الإيجاز عن المعنى المراد بأقل ما يمكن من الحروف. 8- السهولة فقد تركبت الكلمات تركيبا سليما من سوء الجوار، سهلة المخارج ولأن الكلمات جاءت في مقارها فلا تتقدم كلمة عن كلمة ولا تتأخر. 9- التهذيب في كون تركيب الجملة وضع على أصح ترتيب وأسهل تهذيب إذ تقدم فيها ذكر المدعو وثنى بالطلب وثلث بالمطلوب. 10- حسن البيان لأن الذهن يسابق إلى فهم معنى الكلام من غير توقف بمجرد سماعه أول وهلة لعدم التعقيد في اللفظ وخلوه من أسباب اللبس من التقديم والتأخير وسلوك الطريق الأبعد وإيقاع المشترك. 11- التمزيج لامتزاج الفنون بمعاني البديع فإن فني الأدب والهجاء امتزجا بمعنى الإرداف والتتميم ولم يظهر في اللفظ لكل معنيين سوى صورة واحدة فظهر فن الأدب وأدمج فيه فن الهجاء وظهر الإرداف وأدمج فيه التتميم. 12- الإبداع لما تتضمن كل لفظة من الجملة الضرب والضربين فصاعدا من البديع. 13- التمثيل: لأن قوة البلاغة ورونق الفصاحة أخرجت هذه اللفظات مخرج المثل السائر الذي يصلح لأن يتمثل به في كل واقعة تشبه واقعته. 14- التوليد: لأن الإرداف لما زوج بالتتميم تولد منهما الإيضاح وتولد من الإيضاح والارداف الادماج ولما ظهرت فائدة الإتيان بالجار والمجرور وثبت التتميم وظهرت العلة في العدول عن لفظ الدعاء الخاص إلى لفظ الارداف وتولد من ذلك فن الأدب ومن فن الأدب فن الهجاء ولما ثبت الائتلاف والتهذيب وما وقع في النظم من حسن الترتيب تولد من ذلك المثل السائر ولذلك غلب التوليد على جميع ما فيها من الضروب الثلاثة عشر وأثبتت في بابه دون أبوابها. التوليد في الشعر: أما في الشعر فلا يستحسن إلا التوليد في المعاني أما التوليد في الألفاظ فيأتي دونه في المرتبة بل ربما غالى بعضهم فجعله غير مقبول لشبهه بالسرقة وذلك أن يستعذب الشاعر لفظه في شعر غيره فيأخذها ويضمنها معنى غير معناها الأول كقول أبي تمام: لها منظر قيد الأوابد لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب أخذ لفظة قيد الأوابد من بيت امرئ القيس في وصف فرس ونقلها إلى الغزل وبيت امرئ القيس هو: وقد اغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل على أنه قد يكون عذبا كما فعل علي بن زريق البغدادي في قوله: استودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه فقد أخذ الأزرار من قول عبد الله بن المعتز: يا حسن أحمد إذ بدا متشمرا ... في قرطق يسعى بكأس عقاره والغصن في أثوابه والدر في ... فمه وجيد الظبي في أزراره ولقد عابوا على عمارة اليمني بيته يمدح الخليفة المصري الفاطمي عند قدومه عليه من اليمن وهو: فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ماسرت من حرم إلا إلى حرم لأنه مأخوذ بلفظه من شعر أبي تمام مادحا: يا من رأى حرما يسري إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم وهنا يحار الناقد في كثرة وقوع الشعراء الكبار بهذه المزالق، قال ابن الأثير: «ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا وهذا من عالي الشعر ثم وفقت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد وهو: لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا وما أعلم كيف هذا» . أما توليد المعاني فهو مستحسن على إطلاقه كقول أبي الطيب المتنبي: همام إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل أخذه من قول أبي تمام: يمدون بالبيض القواطع أيديا ... فهن سواء والسيوف القواطع وقال المتنبي أيضا: وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل أخذه من قول أبي نواس في وصف الخمرة: إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل وجميل أخذ المتنبي من أبي تمام قوله: ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام وبيت أبي تمام: هو الصنع إن تعجل فخير وإن ترث ... فللريث في بعض المواضع أنفع وبيت المتنبي أجمل وأرشق وفيه زيادة ضرب المثل: وولد أحد الشعراء المولدين بيتا فارسيا فقال: كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشهيّ العذب صاد وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد فقد ولد هذا الشاعر من تشبيه العذار باللام وتشبيه الفم بالصاد لفظة لص وولد من معناها ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النجوم فحصل في البيت توليد وإغراب وادماج. وقد أطلنا عنان القول ولكن الحسن غير مملول. الفوائد: التعليق: للأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر أحكام عديدة منها التعليق وهو إبطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده والمعلقات عن العمل هي: 1- لام الابتداء نحو «لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ماله في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدارة فلا يتخطاها عامل وانما تخطاها في باب إن فرفع الخبر لأنها مؤخرة من تقديم لاصلاح اللفظ وأصلها التقديم على إن. 2- لام القسم كقول لبيد: ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها فاللام في لتأتين لام القسم وتسمى جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم لا جملة الجواب فقط، فسقط ما قيل ان جملة جواب القسم لا محل لها وان الجملة المعلق عنها العامل لها محل فيتنافيان ولهذا قال أبو حيان «أكثر أصحابنا لا يذكرون لام القسم في المعلقات وفي العزة، ولام القسم لا تعلق كقوله: لقد علمت أسد أننا ... لهم يوم نصر لنعم النصير بفتح أن فهذه لام القسم ولم تعلق وتقول علمت أن زيدا ليقومن بفتح أن» اهـ وفي المغني أن أفعال القلوب لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم كقوله: ولقد علمت لتأتين منيتي إلخ» اهـ. فأخرج لام لتأتين عن كونها للقسم. 3- ما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وجملة ينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية. 4- لا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالملفوظ به نحو علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو وعلمت والله أن زيد في الدار والمقدر نحو علمت لا زيد في الدار ولا عمرو. 5- الاستفهام كالآية التي نحن بصددها وهي «وإن أدري أقريب إلخ» وقول كثير: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب على الكسرة على محل قوله: ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري.

الأنبياء 21:107

الإعراب: (إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ) ان حرف مشبه بالفعل وفي هذا خبرها المقدم واللام المزحلقة ولقوم صفة لبلاغا وعابدين صفة. (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) الواو حرف عطف وما نافية وأرسلناك فعل وفاعل ومفعول به وإلا أداة حصر ورحمة مفعول من أجله أو حال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة أو على حذف مضاف أي ذا رحمة وللعالمين صفة لرحمة أو يتعلق بنفس الرحمة. (قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) إنما كافة ومكفوفة ويوحى فعل مضارع مبني للمجهول وإلي متعلقان بيوحى وان وما في حيزها نائب فاعل يوحى وإلهكم. مبتدأ وإله خبر وواحد صفة والفاء الفصيحة أي ان علمتم هذا وهل حرف حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومسلمون خبر وسيأتي مبحث القصر بنوعيه في هذه الآية في باب البلاغة. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ) الفاء استئنافية وان شرطية وتولوا فعل ماض وهو فعل الشرط والواو فاعل والفاء رابطة لجواب الشرط وقل فعل أمر وآذنتكم فعل وفاعل ومفعول به والجملة في محل جزم جواب الشرط وعلى سواء متعلقان بمحذوف حال من التاء أي الفاعل أو من الكاف أي المفعول أي مستوين في العلم بالحرب وسيأتي تفصيل هذا الإيجاز في باب البلاغة. (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) الواو للحال وإن نافية وأدري فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنا والهمزة للاستفهام وقريب خبر مقدم وأم حرف عطف وبعيد عطف عليه وما مبتدأ مؤخر وجملة توعدون صلة وجوز أبو البقاء أن يرتفع ما توعدون فاعلا بقريب سد مسد خبره وقريب مبتدأ قال لأنه اعتمد على الهمزة أو ببعيد لأنه أقرب اليه فتكون المسألة من باب التنازع وجملة أقريب أم بعيد ما توعدون في محل نصب مفعول أدري المعلقة عن العمل. (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ) ان واسمها وجملة يعلم خبرها وفاعل يعلم ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والجهر مفعول به ومن القول حال من الجهر ويعلم عطف على يعلم الأولى وما مفعول به وجملة تكتمون صلة. (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) الواو عاطفة وإن نافية وأدري فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا ولعل واسمها وفتنة خبرها ولكم صفة ومتاع عطف على فتنة وإلى حين متعلقان بمحذوف صفة لمتاع أو يتعلق به وجملة لعله فتنة في محل نصب بأدري والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق عن العمل ولكن النحاة لم يذكروا لعل من المعلقات ولكنها وردت كثيرا في القرآن كقوله في هذه الآية وكقوله: «وما يدريك لعل الساعة قريب، وما يدريك لعله يزكى، وقيل ان قوله ومتاع ليس داخلا في حيز الترجي لأنه محقق فلا يصح عطفه على فتنة لأنه حيث كان معطوفا على خبرها كان معمولا لها وداخلا في حيزها وفي نطاق الترجي الذي تدل عليه فالأولى اذن أن يقال ان قوله ومتاع خبر لمبتدأ محذوف وتقديره وهذا متاع إلى حين أي وتأخير عذابكم متاع لكم وتكون الجملة مستأنفة وليس هذا ببعيد. (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة واحكم فعل دعاء وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وبالحق حال وربنا الواو استئنافية وربنا مبتدأ والرحمن يجوز أن يكون خبرا والمستعان خبرا ثانيا ويجوز أن يكون صفة لربنا والمستعان خبر لأنه المحدث به وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه مخالفا للواقع. البلاغة: 1- القصر: في قوله تعالى «قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» وقد تقدم بحث القصر مفصلا ونقول ان في هذه الآية قصرين الاول قصر الصفة على الموصوف وذلك في قصر الوحي على الوحدانية والمعنى لا يوحى إليّ إلا اختصاص الإله بالوحدانية لا لأنه لم يوح اليه بشيء غيرها ولكنها الأصل الرئيسي في كل عبادة وعمل وهي المطلوبة أولا وقبل كل شيء حتى كأن ما عداها غير منظور اليه أو غير جدير بالذكر والثاني قصر الموصوف على الصفة وذلك في قصر الله على الوحدانية وهو ظاهر. 2- الإيجاز: وذلك في قوله تعالى «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ» تقدم القول في الإيجاز كثيرا وفي هذه الآية إيجاز قصر لأنه تحدث بثلاث كلمات وهي «آذنتكم على سواء» عن كلام طويل أي إن تولوا بعد هذه الآيات والشواهد وأعرضوا وطووا كشحا فقل لهم لقد أعلمناكم على بيان أنا وإياكم في حرب لا مهادنة فيها ولا صلح بيننا ولكنني لا أدري متى يأذن الله. وآذنتكم منقول من اذن إذا علم قال الحارث ابن حلزة: آذنتنا ببنيها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء وقد سما الزمخشري في شرح هذا الإيجاز وهذه نبذة من كلامه: «والمعنى اني بعد توليكم واعراضكم عن قبول ما عرض عليكم من وجوب توحيد الله وتنزيهه عن الأنداد والشركاء كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحسّ منهم بغدرة فنبذ إليهم العهد وشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك «على سواء» أي مستوين في الاعلام به لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم وقشر العصا عن لحائه» . 3- التوليد: في قوله: «قل رب احكم بالحق» فن التوليد وسماه ابن منقذ فن التلطيف وهو على ضربين: من الألفاظ ومن المعاني: 1- التوليد من الألفاظ على ضربين أيضا: آ- توليد المتكلم من لفظه ولفظ غيره صورة من الكلام. ب- توليد المتكلم صورة من موضعين من لفظ نفسه. والأول هو أن يزوج لفظة من لفظة للفظة من لفظ غيره فيتولد بينهما كلام مناقض غرض صاحب اللفظة الأجنبية وذلك في الألفاظ المفردة دون الجمل المؤتلفة ومثاله ما حكي عن مصعب بن الزبير انه كان قد وسم خيله بلفظ «عدّة» وهو يريد عدة الحرب فلما قتل وصارت خيله عند الحجاج ورأى ذلك الوسم أمر أن يوسم إلى جانب عدة بلفظة «الفرار» فتولد بين اللفظين معنى غير ما أراده مصعب وانقلب المدح قدحا. 2- التوليد من المعاني وستأتي أمثلته، أما الآية التي نحن بصددها فقد زوج فنا من فنون البديع لفن آخر فيه فتولد فن ثالث غيرهما وذلك انه يتوجه على ظاهر إشكال وهو أن يقال: ما الحكمة في كونه سبحانه أمر نبيه أن يسأله الحكم بالحق وهو عز وجل يعلم أن نبيه متيقن انه سبحانه لا يحكم إلا بالحق فلو اقتصر على قوله احكم فقط كان ذلك كافيا فلم عدل عن الأوجز الموفي بالمعنى المراد مع سلامة الظاهر من الإشكال إلى الأطول الموجب للإشكال، والجواب: ان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يدعون على من خالفهم حتى يؤذن لهم في ذلك لأنهم بعثوا مؤلفين لا منفرين وهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم به الله فإذا أعلمهم بمن لا يمكن إيمانه من قومهم ساغ لهم الدعاء على ذلك، ألا ترى أن نوحا عليه السلام لم يتجرأ أن يقول: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» إلا بعد قوله تعالى له: «أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ» ولذلك احترس في الدعاء بقوله: على الأرض فإن من آمن معه كان في السفينة ولم يبق على الأرض إلا من حق عليه العذاب ولما علم سبحانه ان الذين عادوا نببه محمدا صلى الله عليه وسلم لا يرجى فلاحهم أمره بالدعاء عليهم بيد أنه علمه كيف يدعو عليهم دعاء غير منفر لغيرهم فأراد سبحانه أن يقول: قل رب أهلك الظالمين فعدل عن هذا اللفظ الخاص لما فيه من التنفير إلى لفظ الإرداف فقال: «قل رب احكم بالحق» فانه سبحانه إذا حكم بالحق وهو العدل عاقب من يستحق العقاب وأما قول مورد الاشكال: لم عدل عن الأوجز إلى الأطول؟ ولو قال رب احكم لكان كافيا، فليس الأمر كما زعم لأن للحاكم المختار الذي لا شريك له أن يحكم بالفضل فينزل عن حق نفسه وله أن يحكم بالعدل ستوفي حقه وحق غيره وطلب مطلق الحكم لا يوفي بذلك فلهذا عدل من الأوجز إلى الأطول ليوفي بالمعنى المراد. وقد تنخّل عن هذا الجواب أربعة عشر ضربا من البديع اتفقت في هذه الألفاظ الثلاثة وهي: 1- الإرداف الذي قدمنا ذكره. 2- الإيضاح لأن إيضاح الإشكال الوارد على ظاهر الكلام جاء مدمجا في الإرداف. 3- التتميم إذ لو وقع الاقتصار على قوله: رب احكم لكان المعنى المراد ناقصا لأن مطلق الحكم لا يوفي بالمقصود كما بينا. 4- المقارنة لأن الادماج والإيضاح اقترنا في التتميم. 5 و6- الافتنان لجمع هذه اللفظات الثلاث بين فنين من الفنون التي يقصدها المتكلمون وهما: آ- فن الأدب في تعليم الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم كيف يدعو على من خالفه دعاء غير منفّر عنه. ب- فن الهجاء لأن عدل الله سبحانه يأبى أن يأمر نبيه بالدعاء إلا على من علم تصميمه على العصيان وبراءته من الايمان ومن كان كذلك كان مستحقا للذم فأدمج سبحانه في أمر الرسول بالدعاء عليهم هجاءهم بمقتضى ما تضمنه الكلام من استحقاق الملام. 7- الإيجاز عن المعنى المراد بأقل ما يمكن من الحروف. 8- السهولة فقد تركبت الكلمات تركيبا سليما من سوء الجوار، سهلة المخارج ولأن الكلمات جاءت في مقارها فلا تتقدم كلمة عن كلمة ولا تتأخر. 9- التهذيب في كون تركيب الجملة وضع على أصح ترتيب وأسهل تهذيب إذ تقدم فيها ذكر المدعو وثنى بالطلب وثلث بالمطلوب. 10- حسن البيان لأن الذهن يسابق إلى فهم معنى الكلام من غير توقف بمجرد سماعه أول وهلة لعدم التعقيد في اللفظ وخلوه من أسباب اللبس من التقديم والتأخير وسلوك الطريق الأبعد وإيقاع المشترك. 11- التمزيج لامتزاج الفنون بمعاني البديع فإن فني الأدب والهجاء امتزجا بمعنى الإرداف والتتميم ولم يظهر في اللفظ لكل معنيين سوى صورة واحدة فظهر فن الأدب وأدمج فيه فن الهجاء وظهر الإرداف وأدمج فيه التتميم. 12- الإبداع لما تتضمن كل لفظة من الجملة الضرب والضربين فصاعدا من البديع. 13- التمثيل: لأن قوة البلاغة ورونق الفصاحة أخرجت هذه اللفظات مخرج المثل السائر الذي يصلح لأن يتمثل به في كل واقعة تشبه واقعته. 14- التوليد: لأن الإرداف لما زوج بالتتميم تولد منهما الإيضاح وتولد من الإيضاح والارداف الادماج ولما ظهرت فائدة الإتيان بالجار والمجرور وثبت التتميم وظهرت العلة في العدول عن لفظ الدعاء الخاص إلى لفظ الارداف وتولد من ذلك فن الأدب ومن فن الأدب فن الهجاء ولما ثبت الائتلاف والتهذيب وما وقع في النظم من حسن الترتيب تولد من ذلك المثل السائر ولذلك غلب التوليد على جميع ما فيها من الضروب الثلاثة عشر وأثبتت في بابه دون أبوابها. التوليد في الشعر: أما في الشعر فلا يستحسن إلا التوليد في المعاني أما التوليد في الألفاظ فيأتي دونه في المرتبة بل ربما غالى بعضهم فجعله غير مقبول لشبهه بالسرقة وذلك أن يستعذب الشاعر لفظه في شعر غيره فيأخذها ويضمنها معنى غير معناها الأول كقول أبي تمام: لها منظر قيد الأوابد لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب أخذ لفظة قيد الأوابد من بيت امرئ القيس في وصف فرس ونقلها إلى الغزل وبيت امرئ القيس هو: وقد اغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل على أنه قد يكون عذبا كما فعل علي بن زريق البغدادي في قوله: استودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه فقد أخذ الأزرار من قول عبد الله بن المعتز: يا حسن أحمد إذ بدا متشمرا ... في قرطق يسعى بكأس عقاره والغصن في أثوابه والدر في ... فمه وجيد الظبي في أزراره ولقد عابوا على عمارة اليمني بيته يمدح الخليفة المصري الفاطمي عند قدومه عليه من اليمن وهو: فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ماسرت من حرم إلا إلى حرم لأنه مأخوذ بلفظه من شعر أبي تمام مادحا: يا من رأى حرما يسري إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم وهنا يحار الناقد في كثرة وقوع الشعراء الكبار بهذه المزالق، قال ابن الأثير: «ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا وهذا من عالي الشعر ثم وفقت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد وهو: لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا وما أعلم كيف هذا» . أما توليد المعاني فهو مستحسن على إطلاقه كقول أبي الطيب المتنبي: همام إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل أخذه من قول أبي تمام: يمدون بالبيض القواطع أيديا ... فهن سواء والسيوف القواطع وقال المتنبي أيضا: وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل أخذه من قول أبي نواس في وصف الخمرة: إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل وجميل أخذ المتنبي من أبي تمام قوله: ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام وبيت أبي تمام: هو الصنع إن تعجل فخير وإن ترث ... فللريث في بعض المواضع أنفع وبيت المتنبي أجمل وأرشق وفيه زيادة ضرب المثل: وولد أحد الشعراء المولدين بيتا فارسيا فقال: كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشهيّ العذب صاد وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد فقد ولد هذا الشاعر من تشبيه العذار باللام وتشبيه الفم بالصاد لفظة لص وولد من معناها ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النجوم فحصل في البيت توليد وإغراب وادماج. وقد أطلنا عنان القول ولكن الحسن غير مملول. الفوائد: التعليق: للأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر أحكام عديدة منها التعليق وهو إبطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده والمعلقات عن العمل هي: 1- لام الابتداء نحو «لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ماله في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدارة فلا يتخطاها عامل وانما تخطاها في باب إن فرفع الخبر لأنها مؤخرة من تقديم لاصلاح اللفظ وأصلها التقديم على إن. 2- لام القسم كقول لبيد: ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها فاللام في لتأتين لام القسم وتسمى جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم لا جملة الجواب فقط، فسقط ما قيل ان جملة جواب القسم لا محل لها وان الجملة المعلق عنها العامل لها محل فيتنافيان ولهذا قال أبو حيان «أكثر أصحابنا لا يذكرون لام القسم في المعلقات وفي العزة، ولام القسم لا تعلق كقوله: لقد علمت أسد أننا ... لهم يوم نصر لنعم النصير بفتح أن فهذه لام القسم ولم تعلق وتقول علمت أن زيدا ليقومن بفتح أن» اهـ وفي المغني أن أفعال القلوب لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم كقوله: ولقد علمت لتأتين منيتي إلخ» اهـ. فأخرج لام لتأتين عن كونها للقسم. 3- ما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وجملة ينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية. 4- لا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالملفوظ به نحو علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو وعلمت والله أن زيد في الدار والمقدر نحو علمت لا زيد في الدار ولا عمرو. 5- الاستفهام كالآية التي نحن بصددها وهي «وإن أدري أقريب إلخ» وقول كثير: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب على الكسرة على محل قوله: ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري.

الأنبياء 21:108

الإعراب: (إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ) ان حرف مشبه بالفعل وفي هذا خبرها المقدم واللام المزحلقة ولقوم صفة لبلاغا وعابدين صفة. (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) الواو حرف عطف وما نافية وأرسلناك فعل وفاعل ومفعول به وإلا أداة حصر ورحمة مفعول من أجله أو حال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة أو على حذف مضاف أي ذا رحمة وللعالمين صفة لرحمة أو يتعلق بنفس الرحمة. (قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) إنما كافة ومكفوفة ويوحى فعل مضارع مبني للمجهول وإلي متعلقان بيوحى وان وما في حيزها نائب فاعل يوحى وإلهكم. مبتدأ وإله خبر وواحد صفة والفاء الفصيحة أي ان علمتم هذا وهل حرف حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومسلمون خبر وسيأتي مبحث القصر بنوعيه في هذه الآية في باب البلاغة. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ) الفاء استئنافية وان شرطية وتولوا فعل ماض وهو فعل الشرط والواو فاعل والفاء رابطة لجواب الشرط وقل فعل أمر وآذنتكم فعل وفاعل ومفعول به والجملة في محل جزم جواب الشرط وعلى سواء متعلقان بمحذوف حال من التاء أي الفاعل أو من الكاف أي المفعول أي مستوين في العلم بالحرب وسيأتي تفصيل هذا الإيجاز في باب البلاغة. (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) الواو للحال وإن نافية وأدري فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنا والهمزة للاستفهام وقريب خبر مقدم وأم حرف عطف وبعيد عطف عليه وما مبتدأ مؤخر وجملة توعدون صلة وجوز أبو البقاء أن يرتفع ما توعدون فاعلا بقريب سد مسد خبره وقريب مبتدأ قال لأنه اعتمد على الهمزة أو ببعيد لأنه أقرب اليه فتكون المسألة من باب التنازع وجملة أقريب أم بعيد ما توعدون في محل نصب مفعول أدري المعلقة عن العمل. (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ) ان واسمها وجملة يعلم خبرها وفاعل يعلم ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والجهر مفعول به ومن القول حال من الجهر ويعلم عطف على يعلم الأولى وما مفعول به وجملة تكتمون صلة. (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) الواو عاطفة وإن نافية وأدري فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا ولعل واسمها وفتنة خبرها ولكم صفة ومتاع عطف على فتنة وإلى حين متعلقان بمحذوف صفة لمتاع أو يتعلق به وجملة لعله فتنة في محل نصب بأدري والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق عن العمل ولكن النحاة لم يذكروا لعل من المعلقات ولكنها وردت كثيرا في القرآن كقوله في هذه الآية وكقوله: «وما يدريك لعل الساعة قريب، وما يدريك لعله يزكى، وقيل ان قوله ومتاع ليس داخلا في حيز الترجي لأنه محقق فلا يصح عطفه على فتنة لأنه حيث كان معطوفا على خبرها كان معمولا لها وداخلا في حيزها وفي نطاق الترجي الذي تدل عليه فالأولى اذن أن يقال ان قوله ومتاع خبر لمبتدأ محذوف وتقديره وهذا متاع إلى حين أي وتأخير عذابكم متاع لكم وتكون الجملة مستأنفة وليس هذا ببعيد. (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة واحكم فعل دعاء وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وبالحق حال وربنا الواو استئنافية وربنا مبتدأ والرحمن يجوز أن يكون خبرا والمستعان خبرا ثانيا ويجوز أن يكون صفة لربنا والمستعان خبر لأنه المحدث به وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه مخالفا للواقع. البلاغة: 1- القصر: في قوله تعالى «قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» وقد تقدم بحث القصر مفصلا ونقول ان في هذه الآية قصرين الاول قصر الصفة على الموصوف وذلك في قصر الوحي على الوحدانية والمعنى لا يوحى إليّ إلا اختصاص الإله بالوحدانية لا لأنه لم يوح اليه بشيء غيرها ولكنها الأصل الرئيسي في كل عبادة وعمل وهي المطلوبة أولا وقبل كل شيء حتى كأن ما عداها غير منظور اليه أو غير جدير بالذكر والثاني قصر الموصوف على الصفة وذلك في قصر الله على الوحدانية وهو ظاهر. 2- الإيجاز: وذلك في قوله تعالى «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ» تقدم القول في الإيجاز كثيرا وفي هذه الآية إيجاز قصر لأنه تحدث بثلاث كلمات وهي «آذنتكم على سواء» عن كلام طويل أي إن تولوا بعد هذه الآيات والشواهد وأعرضوا وطووا كشحا فقل لهم لقد أعلمناكم على بيان أنا وإياكم في حرب لا مهادنة فيها ولا صلح بيننا ولكنني لا أدري متى يأذن الله. وآذنتكم منقول من اذن إذا علم قال الحارث ابن حلزة: آذنتنا ببنيها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء وقد سما الزمخشري في شرح هذا الإيجاز وهذه نبذة من كلامه: «والمعنى اني بعد توليكم واعراضكم عن قبول ما عرض عليكم من وجوب توحيد الله وتنزيهه عن الأنداد والشركاء كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحسّ منهم بغدرة فنبذ إليهم العهد وشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك «على سواء» أي مستوين في الاعلام به لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم وقشر العصا عن لحائه» . 3- التوليد: في قوله: «قل رب احكم بالحق» فن التوليد وسماه ابن منقذ فن التلطيف وهو على ضربين: من الألفاظ ومن المعاني: 1- التوليد من الألفاظ على ضربين أيضا: آ- توليد المتكلم من لفظه ولفظ غيره صورة من الكلام. ب- توليد المتكلم صورة من موضعين من لفظ نفسه. والأول هو أن يزوج لفظة من لفظة للفظة من لفظ غيره فيتولد بينهما كلام مناقض غرض صاحب اللفظة الأجنبية وذلك في الألفاظ المفردة دون الجمل المؤتلفة ومثاله ما حكي عن مصعب بن الزبير انه كان قد وسم خيله بلفظ «عدّة» وهو يريد عدة الحرب فلما قتل وصارت خيله عند الحجاج ورأى ذلك الوسم أمر أن يوسم إلى جانب عدة بلفظة «الفرار» فتولد بين اللفظين معنى غير ما أراده مصعب وانقلب المدح قدحا. 2- التوليد من المعاني وستأتي أمثلته، أما الآية التي نحن بصددها فقد زوج فنا من فنون البديع لفن آخر فيه فتولد فن ثالث غيرهما وذلك انه يتوجه على ظاهر إشكال وهو أن يقال: ما الحكمة في كونه سبحانه أمر نبيه أن يسأله الحكم بالحق وهو عز وجل يعلم أن نبيه متيقن انه سبحانه لا يحكم إلا بالحق فلو اقتصر على قوله احكم فقط كان ذلك كافيا فلم عدل عن الأوجز الموفي بالمعنى المراد مع سلامة الظاهر من الإشكال إلى الأطول الموجب للإشكال، والجواب: ان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يدعون على من خالفهم حتى يؤذن لهم في ذلك لأنهم بعثوا مؤلفين لا منفرين وهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم به الله فإذا أعلمهم بمن لا يمكن إيمانه من قومهم ساغ لهم الدعاء على ذلك، ألا ترى أن نوحا عليه السلام لم يتجرأ أن يقول: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» إلا بعد قوله تعالى له: «أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ» ولذلك احترس في الدعاء بقوله: على الأرض فإن من آمن معه كان في السفينة ولم يبق على الأرض إلا من حق عليه العذاب ولما علم سبحانه ان الذين عادوا نببه محمدا صلى الله عليه وسلم لا يرجى فلاحهم أمره بالدعاء عليهم بيد أنه علمه كيف يدعو عليهم دعاء غير منفر لغيرهم فأراد سبحانه أن يقول: قل رب أهلك الظالمين فعدل عن هذا اللفظ الخاص لما فيه من التنفير إلى لفظ الإرداف فقال: «قل رب احكم بالحق» فانه سبحانه إذا حكم بالحق وهو العدل عاقب من يستحق العقاب وأما قول مورد الاشكال: لم عدل عن الأوجز إلى الأطول؟ ولو قال رب احكم لكان كافيا، فليس الأمر كما زعم لأن للحاكم المختار الذي لا شريك له أن يحكم بالفضل فينزل عن حق نفسه وله أن يحكم بالعدل ستوفي حقه وحق غيره وطلب مطلق الحكم لا يوفي بذلك فلهذا عدل من الأوجز إلى الأطول ليوفي بالمعنى المراد. وقد تنخّل عن هذا الجواب أربعة عشر ضربا من البديع اتفقت في هذه الألفاظ الثلاثة وهي: 1- الإرداف الذي قدمنا ذكره. 2- الإيضاح لأن إيضاح الإشكال الوارد على ظاهر الكلام جاء مدمجا في الإرداف. 3- التتميم إذ لو وقع الاقتصار على قوله: رب احكم لكان المعنى المراد ناقصا لأن مطلق الحكم لا يوفي بالمقصود كما بينا. 4- المقارنة لأن الادماج والإيضاح اقترنا في التتميم. 5 و6- الافتنان لجمع هذه اللفظات الثلاث بين فنين من الفنون التي يقصدها المتكلمون وهما: آ- فن الأدب في تعليم الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم كيف يدعو على من خالفه دعاء غير منفّر عنه. ب- فن الهجاء لأن عدل الله سبحانه يأبى أن يأمر نبيه بالدعاء إلا على من علم تصميمه على العصيان وبراءته من الايمان ومن كان كذلك كان مستحقا للذم فأدمج سبحانه في أمر الرسول بالدعاء عليهم هجاءهم بمقتضى ما تضمنه الكلام من استحقاق الملام. 7- الإيجاز عن المعنى المراد بأقل ما يمكن من الحروف. 8- السهولة فقد تركبت الكلمات تركيبا سليما من سوء الجوار، سهلة المخارج ولأن الكلمات جاءت في مقارها فلا تتقدم كلمة عن كلمة ولا تتأخر. 9- التهذيب في كون تركيب الجملة وضع على أصح ترتيب وأسهل تهذيب إذ تقدم فيها ذكر المدعو وثنى بالطلب وثلث بالمطلوب. 10- حسن البيان لأن الذهن يسابق إلى فهم معنى الكلام من غير توقف بمجرد سماعه أول وهلة لعدم التعقيد في اللفظ وخلوه من أسباب اللبس من التقديم والتأخير وسلوك الطريق الأبعد وإيقاع المشترك. 11- التمزيج لامتزاج الفنون بمعاني البديع فإن فني الأدب والهجاء امتزجا بمعنى الإرداف والتتميم ولم يظهر في اللفظ لكل معنيين سوى صورة واحدة فظهر فن الأدب وأدمج فيه فن الهجاء وظهر الإرداف وأدمج فيه التتميم. 12- الإبداع لما تتضمن كل لفظة من الجملة الضرب والضربين فصاعدا من البديع. 13- التمثيل: لأن قوة البلاغة ورونق الفصاحة أخرجت هذه اللفظات مخرج المثل السائر الذي يصلح لأن يتمثل به في كل واقعة تشبه واقعته. 14- التوليد: لأن الإرداف لما زوج بالتتميم تولد منهما الإيضاح وتولد من الإيضاح والارداف الادماج ولما ظهرت فائدة الإتيان بالجار والمجرور وثبت التتميم وظهرت العلة في العدول عن لفظ الدعاء الخاص إلى لفظ الارداف وتولد من ذلك فن الأدب ومن فن الأدب فن الهجاء ولما ثبت الائتلاف والتهذيب وما وقع في النظم من حسن الترتيب تولد من ذلك المثل السائر ولذلك غلب التوليد على جميع ما فيها من الضروب الثلاثة عشر وأثبتت في بابه دون أبوابها. التوليد في الشعر: أما في الشعر فلا يستحسن إلا التوليد في المعاني أما التوليد في الألفاظ فيأتي دونه في المرتبة بل ربما غالى بعضهم فجعله غير مقبول لشبهه بالسرقة وذلك أن يستعذب الشاعر لفظه في شعر غيره فيأخذها ويضمنها معنى غير معناها الأول كقول أبي تمام: لها منظر قيد الأوابد لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب أخذ لفظة قيد الأوابد من بيت امرئ القيس في وصف فرس ونقلها إلى الغزل وبيت امرئ القيس هو: وقد اغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل على أنه قد يكون عذبا كما فعل علي بن زريق البغدادي في قوله: استودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه فقد أخذ الأزرار من قول عبد الله بن المعتز: يا حسن أحمد إذ بدا متشمرا ... في قرطق يسعى بكأس عقاره والغصن في أثوابه والدر في ... فمه وجيد الظبي في أزراره ولقد عابوا على عمارة اليمني بيته يمدح الخليفة المصري الفاطمي عند قدومه عليه من اليمن وهو: فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ماسرت من حرم إلا إلى حرم لأنه مأخوذ بلفظه من شعر أبي تمام مادحا: يا من رأى حرما يسري إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم وهنا يحار الناقد في كثرة وقوع الشعراء الكبار بهذه المزالق، قال ابن الأثير: «ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا وهذا من عالي الشعر ثم وفقت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد وهو: لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا وما أعلم كيف هذا» . أما توليد المعاني فهو مستحسن على إطلاقه كقول أبي الطيب المتنبي: همام إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل أخذه من قول أبي تمام: يمدون بالبيض القواطع أيديا ... فهن سواء والسيوف القواطع وقال المتنبي أيضا: وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل أخذه من قول أبي نواس في وصف الخمرة: إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل وجميل أخذ المتنبي من أبي تمام قوله: ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام وبيت أبي تمام: هو الصنع إن تعجل فخير وإن ترث ... فللريث في بعض المواضع أنفع وبيت المتنبي أجمل وأرشق وفيه زيادة ضرب المثل: وولد أحد الشعراء المولدين بيتا فارسيا فقال: كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشهيّ العذب صاد وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد فقد ولد هذا الشاعر من تشبيه العذار باللام وتشبيه الفم بالصاد لفظة لص وولد من معناها ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النجوم فحصل في البيت توليد وإغراب وادماج. وقد أطلنا عنان القول ولكن الحسن غير مملول. الفوائد: التعليق: للأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر أحكام عديدة منها التعليق وهو إبطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده والمعلقات عن العمل هي: 1- لام الابتداء نحو «لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ماله في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدارة فلا يتخطاها عامل وانما تخطاها في باب إن فرفع الخبر لأنها مؤخرة من تقديم لاصلاح اللفظ وأصلها التقديم على إن. 2- لام القسم كقول لبيد: ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها فاللام في لتأتين لام القسم وتسمى جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم لا جملة الجواب فقط، فسقط ما قيل ان جملة جواب القسم لا محل لها وان الجملة المعلق عنها العامل لها محل فيتنافيان ولهذا قال أبو حيان «أكثر أصحابنا لا يذكرون لام القسم في المعلقات وفي العزة، ولام القسم لا تعلق كقوله: لقد علمت أسد أننا ... لهم يوم نصر لنعم النصير بفتح أن فهذه لام القسم ولم تعلق وتقول علمت أن زيدا ليقومن بفتح أن» اهـ وفي المغني أن أفعال القلوب لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم كقوله: ولقد علمت لتأتين منيتي إلخ» اهـ. فأخرج لام لتأتين عن كونها للقسم. 3- ما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وجملة ينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية. 4- لا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالملفوظ به نحو علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو وعلمت والله أن زيد في الدار والمقدر نحو علمت لا زيد في الدار ولا عمرو. 5- الاستفهام كالآية التي نحن بصددها وهي «وإن أدري أقريب إلخ» وقول كثير: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب على الكسرة على محل قوله: ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري.

الأنبياء 21:109

الإعراب: (إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ) ان حرف مشبه بالفعل وفي هذا خبرها المقدم واللام المزحلقة ولقوم صفة لبلاغا وعابدين صفة. (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) الواو حرف عطف وما نافية وأرسلناك فعل وفاعل ومفعول به وإلا أداة حصر ورحمة مفعول من أجله أو حال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة أو على حذف مضاف أي ذا رحمة وللعالمين صفة لرحمة أو يتعلق بنفس الرحمة. (قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) إنما كافة ومكفوفة ويوحى فعل مضارع مبني للمجهول وإلي متعلقان بيوحى وان وما في حيزها نائب فاعل يوحى وإلهكم. مبتدأ وإله خبر وواحد صفة والفاء الفصيحة أي ان علمتم هذا وهل حرف حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومسلمون خبر وسيأتي مبحث القصر بنوعيه في هذه الآية في باب البلاغة. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ) الفاء استئنافية وان شرطية وتولوا فعل ماض وهو فعل الشرط والواو فاعل والفاء رابطة لجواب الشرط وقل فعل أمر وآذنتكم فعل وفاعل ومفعول به والجملة في محل جزم جواب الشرط وعلى سواء متعلقان بمحذوف حال من التاء أي الفاعل أو من الكاف أي المفعول أي مستوين في العلم بالحرب وسيأتي تفصيل هذا الإيجاز في باب البلاغة. (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) الواو للحال وإن نافية وأدري فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنا والهمزة للاستفهام وقريب خبر مقدم وأم حرف عطف وبعيد عطف عليه وما مبتدأ مؤخر وجملة توعدون صلة وجوز أبو البقاء أن يرتفع ما توعدون فاعلا بقريب سد مسد خبره وقريب مبتدأ قال لأنه اعتمد على الهمزة أو ببعيد لأنه أقرب اليه فتكون المسألة من باب التنازع وجملة أقريب أم بعيد ما توعدون في محل نصب مفعول أدري المعلقة عن العمل. (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ) ان واسمها وجملة يعلم خبرها وفاعل يعلم ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والجهر مفعول به ومن القول حال من الجهر ويعلم عطف على يعلم الأولى وما مفعول به وجملة تكتمون صلة. (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) الواو عاطفة وإن نافية وأدري فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا ولعل واسمها وفتنة خبرها ولكم صفة ومتاع عطف على فتنة وإلى حين متعلقان بمحذوف صفة لمتاع أو يتعلق به وجملة لعله فتنة في محل نصب بأدري والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق عن العمل ولكن النحاة لم يذكروا لعل من المعلقات ولكنها وردت كثيرا في القرآن كقوله في هذه الآية وكقوله: «وما يدريك لعل الساعة قريب، وما يدريك لعله يزكى، وقيل ان قوله ومتاع ليس داخلا في حيز الترجي لأنه محقق فلا يصح عطفه على فتنة لأنه حيث كان معطوفا على خبرها كان معمولا لها وداخلا في حيزها وفي نطاق الترجي الذي تدل عليه فالأولى اذن أن يقال ان قوله ومتاع خبر لمبتدأ محذوف وتقديره وهذا متاع إلى حين أي وتأخير عذابكم متاع لكم وتكون الجملة مستأنفة وليس هذا ببعيد. (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة واحكم فعل دعاء وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وبالحق حال وربنا الواو استئنافية وربنا مبتدأ والرحمن يجوز أن يكون خبرا والمستعان خبرا ثانيا ويجوز أن يكون صفة لربنا والمستعان خبر لأنه المحدث به وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه مخالفا للواقع. البلاغة: 1- القصر: في قوله تعالى «قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» وقد تقدم بحث القصر مفصلا ونقول ان في هذه الآية قصرين الاول قصر الصفة على الموصوف وذلك في قصر الوحي على الوحدانية والمعنى لا يوحى إليّ إلا اختصاص الإله بالوحدانية لا لأنه لم يوح اليه بشيء غيرها ولكنها الأصل الرئيسي في كل عبادة وعمل وهي المطلوبة أولا وقبل كل شيء حتى كأن ما عداها غير منظور اليه أو غير جدير بالذكر والثاني قصر الموصوف على الصفة وذلك في قصر الله على الوحدانية وهو ظاهر. 2- الإيجاز: وذلك في قوله تعالى «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ» تقدم القول في الإيجاز كثيرا وفي هذه الآية إيجاز قصر لأنه تحدث بثلاث كلمات وهي «آذنتكم على سواء» عن كلام طويل أي إن تولوا بعد هذه الآيات والشواهد وأعرضوا وطووا كشحا فقل لهم لقد أعلمناكم على بيان أنا وإياكم في حرب لا مهادنة فيها ولا صلح بيننا ولكنني لا أدري متى يأذن الله. وآذنتكم منقول من اذن إذا علم قال الحارث ابن حلزة: آذنتنا ببنيها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء وقد سما الزمخشري في شرح هذا الإيجاز وهذه نبذة من كلامه: «والمعنى اني بعد توليكم واعراضكم عن قبول ما عرض عليكم من وجوب توحيد الله وتنزيهه عن الأنداد والشركاء كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحسّ منهم بغدرة فنبذ إليهم العهد وشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك «على سواء» أي مستوين في الاعلام به لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم وقشر العصا عن لحائه» . 3- التوليد: في قوله: «قل رب احكم بالحق» فن التوليد وسماه ابن منقذ فن التلطيف وهو على ضربين: من الألفاظ ومن المعاني: 1- التوليد من الألفاظ على ضربين أيضا: آ- توليد المتكلم من لفظه ولفظ غيره صورة من الكلام. ب- توليد المتكلم صورة من موضعين من لفظ نفسه. والأول هو أن يزوج لفظة من لفظة للفظة من لفظ غيره فيتولد بينهما كلام مناقض غرض صاحب اللفظة الأجنبية وذلك في الألفاظ المفردة دون الجمل المؤتلفة ومثاله ما حكي عن مصعب بن الزبير انه كان قد وسم خيله بلفظ «عدّة» وهو يريد عدة الحرب فلما قتل وصارت خيله عند الحجاج ورأى ذلك الوسم أمر أن يوسم إلى جانب عدة بلفظة «الفرار» فتولد بين اللفظين معنى غير ما أراده مصعب وانقلب المدح قدحا. 2- التوليد من المعاني وستأتي أمثلته، أما الآية التي نحن بصددها فقد زوج فنا من فنون البديع لفن آخر فيه فتولد فن ثالث غيرهما وذلك انه يتوجه على ظاهر إشكال وهو أن يقال: ما الحكمة في كونه سبحانه أمر نبيه أن يسأله الحكم بالحق وهو عز وجل يعلم أن نبيه متيقن انه سبحانه لا يحكم إلا بالحق فلو اقتصر على قوله احكم فقط كان ذلك كافيا فلم عدل عن الأوجز الموفي بالمعنى المراد مع سلامة الظاهر من الإشكال إلى الأطول الموجب للإشكال، والجواب: ان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يدعون على من خالفهم حتى يؤذن لهم في ذلك لأنهم بعثوا مؤلفين لا منفرين وهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم به الله فإذا أعلمهم بمن لا يمكن إيمانه من قومهم ساغ لهم الدعاء على ذلك، ألا ترى أن نوحا عليه السلام لم يتجرأ أن يقول: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» إلا بعد قوله تعالى له: «أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ» ولذلك احترس في الدعاء بقوله: على الأرض فإن من آمن معه كان في السفينة ولم يبق على الأرض إلا من حق عليه العذاب ولما علم سبحانه ان الذين عادوا نببه محمدا صلى الله عليه وسلم لا يرجى فلاحهم أمره بالدعاء عليهم بيد أنه علمه كيف يدعو عليهم دعاء غير منفر لغيرهم فأراد سبحانه أن يقول: قل رب أهلك الظالمين فعدل عن هذا اللفظ الخاص لما فيه من التنفير إلى لفظ الإرداف فقال: «قل رب احكم بالحق» فانه سبحانه إذا حكم بالحق وهو العدل عاقب من يستحق العقاب وأما قول مورد الاشكال: لم عدل عن الأوجز إلى الأطول؟ ولو قال رب احكم لكان كافيا، فليس الأمر كما زعم لأن للحاكم المختار الذي لا شريك له أن يحكم بالفضل فينزل عن حق نفسه وله أن يحكم بالعدل ستوفي حقه وحق غيره وطلب مطلق الحكم لا يوفي بذلك فلهذا عدل من الأوجز إلى الأطول ليوفي بالمعنى المراد. وقد تنخّل عن هذا الجواب أربعة عشر ضربا من البديع اتفقت في هذه الألفاظ الثلاثة وهي: 1- الإرداف الذي قدمنا ذكره. 2- الإيضاح لأن إيضاح الإشكال الوارد على ظاهر الكلام جاء مدمجا في الإرداف. 3- التتميم إذ لو وقع الاقتصار على قوله: رب احكم لكان المعنى المراد ناقصا لأن مطلق الحكم لا يوفي بالمقصود كما بينا. 4- المقارنة لأن الادماج والإيضاح اقترنا في التتميم. 5 و6- الافتنان لجمع هذه اللفظات الثلاث بين فنين من الفنون التي يقصدها المتكلمون وهما: آ- فن الأدب في تعليم الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم كيف يدعو على من خالفه دعاء غير منفّر عنه. ب- فن الهجاء لأن عدل الله سبحانه يأبى أن يأمر نبيه بالدعاء إلا على من علم تصميمه على العصيان وبراءته من الايمان ومن كان كذلك كان مستحقا للذم فأدمج سبحانه في أمر الرسول بالدعاء عليهم هجاءهم بمقتضى ما تضمنه الكلام من استحقاق الملام. 7- الإيجاز عن المعنى المراد بأقل ما يمكن من الحروف. 8- السهولة فقد تركبت الكلمات تركيبا سليما من سوء الجوار، سهلة المخارج ولأن الكلمات جاءت في مقارها فلا تتقدم كلمة عن كلمة ولا تتأخر. 9- التهذيب في كون تركيب الجملة وضع على أصح ترتيب وأسهل تهذيب إذ تقدم فيها ذكر المدعو وثنى بالطلب وثلث بالمطلوب. 10- حسن البيان لأن الذهن يسابق إلى فهم معنى الكلام من غير توقف بمجرد سماعه أول وهلة لعدم التعقيد في اللفظ وخلوه من أسباب اللبس من التقديم والتأخير وسلوك الطريق الأبعد وإيقاع المشترك. 11- التمزيج لامتزاج الفنون بمعاني البديع فإن فني الأدب والهجاء امتزجا بمعنى الإرداف والتتميم ولم يظهر في اللفظ لكل معنيين سوى صورة واحدة فظهر فن الأدب وأدمج فيه فن الهجاء وظهر الإرداف وأدمج فيه التتميم. 12- الإبداع لما تتضمن كل لفظة من الجملة الضرب والضربين فصاعدا من البديع. 13- التمثيل: لأن قوة البلاغة ورونق الفصاحة أخرجت هذه اللفظات مخرج المثل السائر الذي يصلح لأن يتمثل به في كل واقعة تشبه واقعته. 14- التوليد: لأن الإرداف لما زوج بالتتميم تولد منهما الإيضاح وتولد من الإيضاح والارداف الادماج ولما ظهرت فائدة الإتيان بالجار والمجرور وثبت التتميم وظهرت العلة في العدول عن لفظ الدعاء الخاص إلى لفظ الارداف وتولد من ذلك فن الأدب ومن فن الأدب فن الهجاء ولما ثبت الائتلاف والتهذيب وما وقع في النظم من حسن الترتيب تولد من ذلك المثل السائر ولذلك غلب التوليد على جميع ما فيها من الضروب الثلاثة عشر وأثبتت في بابه دون أبوابها. التوليد في الشعر: أما في الشعر فلا يستحسن إلا التوليد في المعاني أما التوليد في الألفاظ فيأتي دونه في المرتبة بل ربما غالى بعضهم فجعله غير مقبول لشبهه بالسرقة وذلك أن يستعذب الشاعر لفظه في شعر غيره فيأخذها ويضمنها معنى غير معناها الأول كقول أبي تمام: لها منظر قيد الأوابد لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب أخذ لفظة قيد الأوابد من بيت امرئ القيس في وصف فرس ونقلها إلى الغزل وبيت امرئ القيس هو: وقد اغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل على أنه قد يكون عذبا كما فعل علي بن زريق البغدادي في قوله: استودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه فقد أخذ الأزرار من قول عبد الله بن المعتز: يا حسن أحمد إذ بدا متشمرا ... في قرطق يسعى بكأس عقاره والغصن في أثوابه والدر في ... فمه وجيد الظبي في أزراره ولقد عابوا على عمارة اليمني بيته يمدح الخليفة المصري الفاطمي عند قدومه عليه من اليمن وهو: فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ماسرت من حرم إلا إلى حرم لأنه مأخوذ بلفظه من شعر أبي تمام مادحا: يا من رأى حرما يسري إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم وهنا يحار الناقد في كثرة وقوع الشعراء الكبار بهذه المزالق، قال ابن الأثير: «ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا وهذا من عالي الشعر ثم وفقت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد وهو: لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا وما أعلم كيف هذا» . أما توليد المعاني فهو مستحسن على إطلاقه كقول أبي الطيب المتنبي: همام إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل أخذه من قول أبي تمام: يمدون بالبيض القواطع أيديا ... فهن سواء والسيوف القواطع وقال المتنبي أيضا: وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل أخذه من قول أبي نواس في وصف الخمرة: إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل وجميل أخذ المتنبي من أبي تمام قوله: ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام وبيت أبي تمام: هو الصنع إن تعجل فخير وإن ترث ... فللريث في بعض المواضع أنفع وبيت المتنبي أجمل وأرشق وفيه زيادة ضرب المثل: وولد أحد الشعراء المولدين بيتا فارسيا فقال: كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشهيّ العذب صاد وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد فقد ولد هذا الشاعر من تشبيه العذار باللام وتشبيه الفم بالصاد لفظة لص وولد من معناها ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النجوم فحصل في البيت توليد وإغراب وادماج. وقد أطلنا عنان القول ولكن الحسن غير مملول. الفوائد: التعليق: للأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر أحكام عديدة منها التعليق وهو إبطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده والمعلقات عن العمل هي: 1- لام الابتداء نحو «لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ماله في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدارة فلا يتخطاها عامل وانما تخطاها في باب إن فرفع الخبر لأنها مؤخرة من تقديم لاصلاح اللفظ وأصلها التقديم على إن. 2- لام القسم كقول لبيد: ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها فاللام في لتأتين لام القسم وتسمى جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم لا جملة الجواب فقط، فسقط ما قيل ان جملة جواب القسم لا محل لها وان الجملة المعلق عنها العامل لها محل فيتنافيان ولهذا قال أبو حيان «أكثر أصحابنا لا يذكرون لام القسم في المعلقات وفي العزة، ولام القسم لا تعلق كقوله: لقد علمت أسد أننا ... لهم يوم نصر لنعم النصير بفتح أن فهذه لام القسم ولم تعلق وتقول علمت أن زيدا ليقومن بفتح أن» اهـ وفي المغني أن أفعال القلوب لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم كقوله: ولقد علمت لتأتين منيتي إلخ» اهـ. فأخرج لام لتأتين عن كونها للقسم. 3- ما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وجملة ينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية. 4- لا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالملفوظ به نحو علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو وعلمت والله أن زيد في الدار والمقدر نحو علمت لا زيد في الدار ولا عمرو. 5- الاستفهام كالآية التي نحن بصددها وهي «وإن أدري أقريب إلخ» وقول كثير: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب على الكسرة على محل قوله: ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري.

الأنبياء 21:110

الإعراب: (إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ) ان حرف مشبه بالفعل وفي هذا خبرها المقدم واللام المزحلقة ولقوم صفة لبلاغا وعابدين صفة. (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) الواو حرف عطف وما نافية وأرسلناك فعل وفاعل ومفعول به وإلا أداة حصر ورحمة مفعول من أجله أو حال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة أو على حذف مضاف أي ذا رحمة وللعالمين صفة لرحمة أو يتعلق بنفس الرحمة. (قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) إنما كافة ومكفوفة ويوحى فعل مضارع مبني للمجهول وإلي متعلقان بيوحى وان وما في حيزها نائب فاعل يوحى وإلهكم. مبتدأ وإله خبر وواحد صفة والفاء الفصيحة أي ان علمتم هذا وهل حرف حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومسلمون خبر وسيأتي مبحث القصر بنوعيه في هذه الآية في باب البلاغة. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ) الفاء استئنافية وان شرطية وتولوا فعل ماض وهو فعل الشرط والواو فاعل والفاء رابطة لجواب الشرط وقل فعل أمر وآذنتكم فعل وفاعل ومفعول به والجملة في محل جزم جواب الشرط وعلى سواء متعلقان بمحذوف حال من التاء أي الفاعل أو من الكاف أي المفعول أي مستوين في العلم بالحرب وسيأتي تفصيل هذا الإيجاز في باب البلاغة. (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) الواو للحال وإن نافية وأدري فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنا والهمزة للاستفهام وقريب خبر مقدم وأم حرف عطف وبعيد عطف عليه وما مبتدأ مؤخر وجملة توعدون صلة وجوز أبو البقاء أن يرتفع ما توعدون فاعلا بقريب سد مسد خبره وقريب مبتدأ قال لأنه اعتمد على الهمزة أو ببعيد لأنه أقرب اليه فتكون المسألة من باب التنازع وجملة أقريب أم بعيد ما توعدون في محل نصب مفعول أدري المعلقة عن العمل. (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ) ان واسمها وجملة يعلم خبرها وفاعل يعلم ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والجهر مفعول به ومن القول حال من الجهر ويعلم عطف على يعلم الأولى وما مفعول به وجملة تكتمون صلة. (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) الواو عاطفة وإن نافية وأدري فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا ولعل واسمها وفتنة خبرها ولكم صفة ومتاع عطف على فتنة وإلى حين متعلقان بمحذوف صفة لمتاع أو يتعلق به وجملة لعله فتنة في محل نصب بأدري والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق عن العمل ولكن النحاة لم يذكروا لعل من المعلقات ولكنها وردت كثيرا في القرآن كقوله في هذه الآية وكقوله: «وما يدريك لعل الساعة قريب، وما يدريك لعله يزكى، وقيل ان قوله ومتاع ليس داخلا في حيز الترجي لأنه محقق فلا يصح عطفه على فتنة لأنه حيث كان معطوفا على خبرها كان معمولا لها وداخلا في حيزها وفي نطاق الترجي الذي تدل عليه فالأولى اذن أن يقال ان قوله ومتاع خبر لمبتدأ محذوف وتقديره وهذا متاع إلى حين أي وتأخير عذابكم متاع لكم وتكون الجملة مستأنفة وليس هذا ببعيد. (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة واحكم فعل دعاء وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وبالحق حال وربنا الواو استئنافية وربنا مبتدأ والرحمن يجوز أن يكون خبرا والمستعان خبرا ثانيا ويجوز أن يكون صفة لربنا والمستعان خبر لأنه المحدث به وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه مخالفا للواقع. البلاغة: 1- القصر: في قوله تعالى «قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» وقد تقدم بحث القصر مفصلا ونقول ان في هذه الآية قصرين الاول قصر الصفة على الموصوف وذلك في قصر الوحي على الوحدانية والمعنى لا يوحى إليّ إلا اختصاص الإله بالوحدانية لا لأنه لم يوح اليه بشيء غيرها ولكنها الأصل الرئيسي في كل عبادة وعمل وهي المطلوبة أولا وقبل كل شيء حتى كأن ما عداها غير منظور اليه أو غير جدير بالذكر والثاني قصر الموصوف على الصفة وذلك في قصر الله على الوحدانية وهو ظاهر. 2- الإيجاز: وذلك في قوله تعالى «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ» تقدم القول في الإيجاز كثيرا وفي هذه الآية إيجاز قصر لأنه تحدث بثلاث كلمات وهي «آذنتكم على سواء» عن كلام طويل أي إن تولوا بعد هذه الآيات والشواهد وأعرضوا وطووا كشحا فقل لهم لقد أعلمناكم على بيان أنا وإياكم في حرب لا مهادنة فيها ولا صلح بيننا ولكنني لا أدري متى يأذن الله. وآذنتكم منقول من اذن إذا علم قال الحارث ابن حلزة: آذنتنا ببنيها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء وقد سما الزمخشري في شرح هذا الإيجاز وهذه نبذة من كلامه: «والمعنى اني بعد توليكم واعراضكم عن قبول ما عرض عليكم من وجوب توحيد الله وتنزيهه عن الأنداد والشركاء كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحسّ منهم بغدرة فنبذ إليهم العهد وشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك «على سواء» أي مستوين في الاعلام به لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم وقشر العصا عن لحائه» . 3- التوليد: في قوله: «قل رب احكم بالحق» فن التوليد وسماه ابن منقذ فن التلطيف وهو على ضربين: من الألفاظ ومن المعاني: 1- التوليد من الألفاظ على ضربين أيضا: آ- توليد المتكلم من لفظه ولفظ غيره صورة من الكلام. ب- توليد المتكلم صورة من موضعين من لفظ نفسه. والأول هو أن يزوج لفظة من لفظة للفظة من لفظ غيره فيتولد بينهما كلام مناقض غرض صاحب اللفظة الأجنبية وذلك في الألفاظ المفردة دون الجمل المؤتلفة ومثاله ما حكي عن مصعب بن الزبير انه كان قد وسم خيله بلفظ «عدّة» وهو يريد عدة الحرب فلما قتل وصارت خيله عند الحجاج ورأى ذلك الوسم أمر أن يوسم إلى جانب عدة بلفظة «الفرار» فتولد بين اللفظين معنى غير ما أراده مصعب وانقلب المدح قدحا. 2- التوليد من المعاني وستأتي أمثلته، أما الآية التي نحن بصددها فقد زوج فنا من فنون البديع لفن آخر فيه فتولد فن ثالث غيرهما وذلك انه يتوجه على ظاهر إشكال وهو أن يقال: ما الحكمة في كونه سبحانه أمر نبيه أن يسأله الحكم بالحق وهو عز وجل يعلم أن نبيه متيقن انه سبحانه لا يحكم إلا بالحق فلو اقتصر على قوله احكم فقط كان ذلك كافيا فلم عدل عن الأوجز الموفي بالمعنى المراد مع سلامة الظاهر من الإشكال إلى الأطول الموجب للإشكال، والجواب: ان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يدعون على من خالفهم حتى يؤذن لهم في ذلك لأنهم بعثوا مؤلفين لا منفرين وهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم به الله فإذا أعلمهم بمن لا يمكن إيمانه من قومهم ساغ لهم الدعاء على ذلك، ألا ترى أن نوحا عليه السلام لم يتجرأ أن يقول: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» إلا بعد قوله تعالى له: «أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ» ولذلك احترس في الدعاء بقوله: على الأرض فإن من آمن معه كان في السفينة ولم يبق على الأرض إلا من حق عليه العذاب ولما علم سبحانه ان الذين عادوا نببه محمدا صلى الله عليه وسلم لا يرجى فلاحهم أمره بالدعاء عليهم بيد أنه علمه كيف يدعو عليهم دعاء غير منفر لغيرهم فأراد سبحانه أن يقول: قل رب أهلك الظالمين فعدل عن هذا اللفظ الخاص لما فيه من التنفير إلى لفظ الإرداف فقال: «قل رب احكم بالحق» فانه سبحانه إذا حكم بالحق وهو العدل عاقب من يستحق العقاب وأما قول مورد الاشكال: لم عدل عن الأوجز إلى الأطول؟ ولو قال رب احكم لكان كافيا، فليس الأمر كما زعم لأن للحاكم المختار الذي لا شريك له أن يحكم بالفضل فينزل عن حق نفسه وله أن يحكم بالعدل ستوفي حقه وحق غيره وطلب مطلق الحكم لا يوفي بذلك فلهذا عدل من الأوجز إلى الأطول ليوفي بالمعنى المراد. وقد تنخّل عن هذا الجواب أربعة عشر ضربا من البديع اتفقت في هذه الألفاظ الثلاثة وهي: 1- الإرداف الذي قدمنا ذكره. 2- الإيضاح لأن إيضاح الإشكال الوارد على ظاهر الكلام جاء مدمجا في الإرداف. 3- التتميم إذ لو وقع الاقتصار على قوله: رب احكم لكان المعنى المراد ناقصا لأن مطلق الحكم لا يوفي بالمقصود كما بينا. 4- المقارنة لأن الادماج والإيضاح اقترنا في التتميم. 5 و6- الافتنان لجمع هذه اللفظات الثلاث بين فنين من الفنون التي يقصدها المتكلمون وهما: آ- فن الأدب في تعليم الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم كيف يدعو على من خالفه دعاء غير منفّر عنه. ب- فن الهجاء لأن عدل الله سبحانه يأبى أن يأمر نبيه بالدعاء إلا على من علم تصميمه على العصيان وبراءته من الايمان ومن كان كذلك كان مستحقا للذم فأدمج سبحانه في أمر الرسول بالدعاء عليهم هجاءهم بمقتضى ما تضمنه الكلام من استحقاق الملام. 7- الإيجاز عن المعنى المراد بأقل ما يمكن من الحروف. 8- السهولة فقد تركبت الكلمات تركيبا سليما من سوء الجوار، سهلة المخارج ولأن الكلمات جاءت في مقارها فلا تتقدم كلمة عن كلمة ولا تتأخر. 9- التهذيب في كون تركيب الجملة وضع على أصح ترتيب وأسهل تهذيب إذ تقدم فيها ذكر المدعو وثنى بالطلب وثلث بالمطلوب. 10- حسن البيان لأن الذهن يسابق إلى فهم معنى الكلام من غير توقف بمجرد سماعه أول وهلة لعدم التعقيد في اللفظ وخلوه من أسباب اللبس من التقديم والتأخير وسلوك الطريق الأبعد وإيقاع المشترك. 11- التمزيج لامتزاج الفنون بمعاني البديع فإن فني الأدب والهجاء امتزجا بمعنى الإرداف والتتميم ولم يظهر في اللفظ لكل معنيين سوى صورة واحدة فظهر فن الأدب وأدمج فيه فن الهجاء وظهر الإرداف وأدمج فيه التتميم. 12- الإبداع لما تتضمن كل لفظة من الجملة الضرب والضربين فصاعدا من البديع. 13- التمثيل: لأن قوة البلاغة ورونق الفصاحة أخرجت هذه اللفظات مخرج المثل السائر الذي يصلح لأن يتمثل به في كل واقعة تشبه واقعته. 14- التوليد: لأن الإرداف لما زوج بالتتميم تولد منهما الإيضاح وتولد من الإيضاح والارداف الادماج ولما ظهرت فائدة الإتيان بالجار والمجرور وثبت التتميم وظهرت العلة في العدول عن لفظ الدعاء الخاص إلى لفظ الارداف وتولد من ذلك فن الأدب ومن فن الأدب فن الهجاء ولما ثبت الائتلاف والتهذيب وما وقع في النظم من حسن الترتيب تولد من ذلك المثل السائر ولذلك غلب التوليد على جميع ما فيها من الضروب الثلاثة عشر وأثبتت في بابه دون أبوابها. التوليد في الشعر: أما في الشعر فلا يستحسن إلا التوليد في المعاني أما التوليد في الألفاظ فيأتي دونه في المرتبة بل ربما غالى بعضهم فجعله غير مقبول لشبهه بالسرقة وذلك أن يستعذب الشاعر لفظه في شعر غيره فيأخذها ويضمنها معنى غير معناها الأول كقول أبي تمام: لها منظر قيد الأوابد لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب أخذ لفظة قيد الأوابد من بيت امرئ القيس في وصف فرس ونقلها إلى الغزل وبيت امرئ القيس هو: وقد اغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل على أنه قد يكون عذبا كما فعل علي بن زريق البغدادي في قوله: استودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه فقد أخذ الأزرار من قول عبد الله بن المعتز: يا حسن أحمد إذ بدا متشمرا ... في قرطق يسعى بكأس عقاره والغصن في أثوابه والدر في ... فمه وجيد الظبي في أزراره ولقد عابوا على عمارة اليمني بيته يمدح الخليفة المصري الفاطمي عند قدومه عليه من اليمن وهو: فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ماسرت من حرم إلا إلى حرم لأنه مأخوذ بلفظه من شعر أبي تمام مادحا: يا من رأى حرما يسري إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم وهنا يحار الناقد في كثرة وقوع الشعراء الكبار بهذه المزالق، قال ابن الأثير: «ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا وهذا من عالي الشعر ثم وفقت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد وهو: لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا وما أعلم كيف هذا» . أما توليد المعاني فهو مستحسن على إطلاقه كقول أبي الطيب المتنبي: همام إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل أخذه من قول أبي تمام: يمدون بالبيض القواطع أيديا ... فهن سواء والسيوف القواطع وقال المتنبي أيضا: وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل أخذه من قول أبي نواس في وصف الخمرة: إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل وجميل أخذ المتنبي من أبي تمام قوله: ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام وبيت أبي تمام: هو الصنع إن تعجل فخير وإن ترث ... فللريث في بعض المواضع أنفع وبيت المتنبي أجمل وأرشق وفيه زيادة ضرب المثل: وولد أحد الشعراء المولدين بيتا فارسيا فقال: كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشهيّ العذب صاد وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد فقد ولد هذا الشاعر من تشبيه العذار باللام وتشبيه الفم بالصاد لفظة لص وولد من معناها ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النجوم فحصل في البيت توليد وإغراب وادماج. وقد أطلنا عنان القول ولكن الحسن غير مملول. الفوائد: التعليق: للأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر أحكام عديدة منها التعليق وهو إبطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده والمعلقات عن العمل هي: 1- لام الابتداء نحو «لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ماله في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدارة فلا يتخطاها عامل وانما تخطاها في باب إن فرفع الخبر لأنها مؤخرة من تقديم لاصلاح اللفظ وأصلها التقديم على إن. 2- لام القسم كقول لبيد: ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها فاللام في لتأتين لام القسم وتسمى جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم لا جملة الجواب فقط، فسقط ما قيل ان جملة جواب القسم لا محل لها وان الجملة المعلق عنها العامل لها محل فيتنافيان ولهذا قال أبو حيان «أكثر أصحابنا لا يذكرون لام القسم في المعلقات وفي العزة، ولام القسم لا تعلق كقوله: لقد علمت أسد أننا ... لهم يوم نصر لنعم النصير بفتح أن فهذه لام القسم ولم تعلق وتقول علمت أن زيدا ليقومن بفتح أن» اهـ وفي المغني أن أفعال القلوب لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم كقوله: ولقد علمت لتأتين منيتي إلخ» اهـ. فأخرج لام لتأتين عن كونها للقسم. 3- ما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وجملة ينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية. 4- لا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالملفوظ به نحو علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو وعلمت والله أن زيد في الدار والمقدر نحو علمت لا زيد في الدار ولا عمرو. 5- الاستفهام كالآية التي نحن بصددها وهي «وإن أدري أقريب إلخ» وقول كثير: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب على الكسرة على محل قوله: ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري.

الأنبياء 21:111

الإعراب: (إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ) ان حرف مشبه بالفعل وفي هذا خبرها المقدم واللام المزحلقة ولقوم صفة لبلاغا وعابدين صفة. (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) الواو حرف عطف وما نافية وأرسلناك فعل وفاعل ومفعول به وإلا أداة حصر ورحمة مفعول من أجله أو حال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة أو على حذف مضاف أي ذا رحمة وللعالمين صفة لرحمة أو يتعلق بنفس الرحمة. (قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) إنما كافة ومكفوفة ويوحى فعل مضارع مبني للمجهول وإلي متعلقان بيوحى وان وما في حيزها نائب فاعل يوحى وإلهكم. مبتدأ وإله خبر وواحد صفة والفاء الفصيحة أي ان علمتم هذا وهل حرف حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومسلمون خبر وسيأتي مبحث القصر بنوعيه في هذه الآية في باب البلاغة. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ) الفاء استئنافية وان شرطية وتولوا فعل ماض وهو فعل الشرط والواو فاعل والفاء رابطة لجواب الشرط وقل فعل أمر وآذنتكم فعل وفاعل ومفعول به والجملة في محل جزم جواب الشرط وعلى سواء متعلقان بمحذوف حال من التاء أي الفاعل أو من الكاف أي المفعول أي مستوين في العلم بالحرب وسيأتي تفصيل هذا الإيجاز في باب البلاغة. (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) الواو للحال وإن نافية وأدري فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنا والهمزة للاستفهام وقريب خبر مقدم وأم حرف عطف وبعيد عطف عليه وما مبتدأ مؤخر وجملة توعدون صلة وجوز أبو البقاء أن يرتفع ما توعدون فاعلا بقريب سد مسد خبره وقريب مبتدأ قال لأنه اعتمد على الهمزة أو ببعيد لأنه أقرب اليه فتكون المسألة من باب التنازع وجملة أقريب أم بعيد ما توعدون في محل نصب مفعول أدري المعلقة عن العمل. (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ) ان واسمها وجملة يعلم خبرها وفاعل يعلم ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والجهر مفعول به ومن القول حال من الجهر ويعلم عطف على يعلم الأولى وما مفعول به وجملة تكتمون صلة. (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) الواو عاطفة وإن نافية وأدري فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا ولعل واسمها وفتنة خبرها ولكم صفة ومتاع عطف على فتنة وإلى حين متعلقان بمحذوف صفة لمتاع أو يتعلق به وجملة لعله فتنة في محل نصب بأدري والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق عن العمل ولكن النحاة لم يذكروا لعل من المعلقات ولكنها وردت كثيرا في القرآن كقوله في هذه الآية وكقوله: «وما يدريك لعل الساعة قريب، وما يدريك لعله يزكى، وقيل ان قوله ومتاع ليس داخلا في حيز الترجي لأنه محقق فلا يصح عطفه على فتنة لأنه حيث كان معطوفا على خبرها كان معمولا لها وداخلا في حيزها وفي نطاق الترجي الذي تدل عليه فالأولى اذن أن يقال ان قوله ومتاع خبر لمبتدأ محذوف وتقديره وهذا متاع إلى حين أي وتأخير عذابكم متاع لكم وتكون الجملة مستأنفة وليس هذا ببعيد. (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة واحكم فعل دعاء وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وبالحق حال وربنا الواو استئنافية وربنا مبتدأ والرحمن يجوز أن يكون خبرا والمستعان خبرا ثانيا ويجوز أن يكون صفة لربنا والمستعان خبر لأنه المحدث به وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه مخالفا للواقع. البلاغة: 1- القصر: في قوله تعالى «قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» وقد تقدم بحث القصر مفصلا ونقول ان في هذه الآية قصرين الاول قصر الصفة على الموصوف وذلك في قصر الوحي على الوحدانية والمعنى لا يوحى إليّ إلا اختصاص الإله بالوحدانية لا لأنه لم يوح اليه بشيء غيرها ولكنها الأصل الرئيسي في كل عبادة وعمل وهي المطلوبة أولا وقبل كل شيء حتى كأن ما عداها غير منظور اليه أو غير جدير بالذكر والثاني قصر الموصوف على الصفة وذلك في قصر الله على الوحدانية وهو ظاهر. 2- الإيجاز: وذلك في قوله تعالى «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ» تقدم القول في الإيجاز كثيرا وفي هذه الآية إيجاز قصر لأنه تحدث بثلاث كلمات وهي «آذنتكم على سواء» عن كلام طويل أي إن تولوا بعد هذه الآيات والشواهد وأعرضوا وطووا كشحا فقل لهم لقد أعلمناكم على بيان أنا وإياكم في حرب لا مهادنة فيها ولا صلح بيننا ولكنني لا أدري متى يأذن الله. وآذنتكم منقول من اذن إذا علم قال الحارث ابن حلزة: آذنتنا ببنيها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء وقد سما الزمخشري في شرح هذا الإيجاز وهذه نبذة من كلامه: «والمعنى اني بعد توليكم واعراضكم عن قبول ما عرض عليكم من وجوب توحيد الله وتنزيهه عن الأنداد والشركاء كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحسّ منهم بغدرة فنبذ إليهم العهد وشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك «على سواء» أي مستوين في الاعلام به لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم وقشر العصا عن لحائه» . 3- التوليد: في قوله: «قل رب احكم بالحق» فن التوليد وسماه ابن منقذ فن التلطيف وهو على ضربين: من الألفاظ ومن المعاني: 1- التوليد من الألفاظ على ضربين أيضا: آ- توليد المتكلم من لفظه ولفظ غيره صورة من الكلام. ب- توليد المتكلم صورة من موضعين من لفظ نفسه. والأول هو أن يزوج لفظة من لفظة للفظة من لفظ غيره فيتولد بينهما كلام مناقض غرض صاحب اللفظة الأجنبية وذلك في الألفاظ المفردة دون الجمل المؤتلفة ومثاله ما حكي عن مصعب بن الزبير انه كان قد وسم خيله بلفظ «عدّة» وهو يريد عدة الحرب فلما قتل وصارت خيله عند الحجاج ورأى ذلك الوسم أمر أن يوسم إلى جانب عدة بلفظة «الفرار» فتولد بين اللفظين معنى غير ما أراده مصعب وانقلب المدح قدحا. 2- التوليد من المعاني وستأتي أمثلته، أما الآية التي نحن بصددها فقد زوج فنا من فنون البديع لفن آخر فيه فتولد فن ثالث غيرهما وذلك انه يتوجه على ظاهر إشكال وهو أن يقال: ما الحكمة في كونه سبحانه أمر نبيه أن يسأله الحكم بالحق وهو عز وجل يعلم أن نبيه متيقن انه سبحانه لا يحكم إلا بالحق فلو اقتصر على قوله احكم فقط كان ذلك كافيا فلم عدل عن الأوجز الموفي بالمعنى المراد مع سلامة الظاهر من الإشكال إلى الأطول الموجب للإشكال، والجواب: ان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يدعون على من خالفهم حتى يؤذن لهم في ذلك لأنهم بعثوا مؤلفين لا منفرين وهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم به الله فإذا أعلمهم بمن لا يمكن إيمانه من قومهم ساغ لهم الدعاء على ذلك، ألا ترى أن نوحا عليه السلام لم يتجرأ أن يقول: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» إلا بعد قوله تعالى له: «أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ» ولذلك احترس في الدعاء بقوله: على الأرض فإن من آمن معه كان في السفينة ولم يبق على الأرض إلا من حق عليه العذاب ولما علم سبحانه ان الذين عادوا نببه محمدا صلى الله عليه وسلم لا يرجى فلاحهم أمره بالدعاء عليهم بيد أنه علمه كيف يدعو عليهم دعاء غير منفر لغيرهم فأراد سبحانه أن يقول: قل رب أهلك الظالمين فعدل عن هذا اللفظ الخاص لما فيه من التنفير إلى لفظ الإرداف فقال: «قل رب احكم بالحق» فانه سبحانه إذا حكم بالحق وهو العدل عاقب من يستحق العقاب وأما قول مورد الاشكال: لم عدل عن الأوجز إلى الأطول؟ ولو قال رب احكم لكان كافيا، فليس الأمر كما زعم لأن للحاكم المختار الذي لا شريك له أن يحكم بالفضل فينزل عن حق نفسه وله أن يحكم بالعدل ستوفي حقه وحق غيره وطلب مطلق الحكم لا يوفي بذلك فلهذا عدل من الأوجز إلى الأطول ليوفي بالمعنى المراد. وقد تنخّل عن هذا الجواب أربعة عشر ضربا من البديع اتفقت في هذه الألفاظ الثلاثة وهي: 1- الإرداف الذي قدمنا ذكره. 2- الإيضاح لأن إيضاح الإشكال الوارد على ظاهر الكلام جاء مدمجا في الإرداف. 3- التتميم إذ لو وقع الاقتصار على قوله: رب احكم لكان المعنى المراد ناقصا لأن مطلق الحكم لا يوفي بالمقصود كما بينا. 4- المقارنة لأن الادماج والإيضاح اقترنا في التتميم. 5 و6- الافتنان لجمع هذه اللفظات الثلاث بين فنين من الفنون التي يقصدها المتكلمون وهما: آ- فن الأدب في تعليم الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم كيف يدعو على من خالفه دعاء غير منفّر عنه. ب- فن الهجاء لأن عدل الله سبحانه يأبى أن يأمر نبيه بالدعاء إلا على من علم تصميمه على العصيان وبراءته من الايمان ومن كان كذلك كان مستحقا للذم فأدمج سبحانه في أمر الرسول بالدعاء عليهم هجاءهم بمقتضى ما تضمنه الكلام من استحقاق الملام. 7- الإيجاز عن المعنى المراد بأقل ما يمكن من الحروف. 8- السهولة فقد تركبت الكلمات تركيبا سليما من سوء الجوار، سهلة المخارج ولأن الكلمات جاءت في مقارها فلا تتقدم كلمة عن كلمة ولا تتأخر. 9- التهذيب في كون تركيب الجملة وضع على أصح ترتيب وأسهل تهذيب إذ تقدم فيها ذكر المدعو وثنى بالطلب وثلث بالمطلوب. 10- حسن البيان لأن الذهن يسابق إلى فهم معنى الكلام من غير توقف بمجرد سماعه أول وهلة لعدم التعقيد في اللفظ وخلوه من أسباب اللبس من التقديم والتأخير وسلوك الطريق الأبعد وإيقاع المشترك. 11- التمزيج لامتزاج الفنون بمعاني البديع فإن فني الأدب والهجاء امتزجا بمعنى الإرداف والتتميم ولم يظهر في اللفظ لكل معنيين سوى صورة واحدة فظهر فن الأدب وأدمج فيه فن الهجاء وظهر الإرداف وأدمج فيه التتميم. 12- الإبداع لما تتضمن كل لفظة من الجملة الضرب والضربين فصاعدا من البديع. 13- التمثيل: لأن قوة البلاغة ورونق الفصاحة أخرجت هذه اللفظات مخرج المثل السائر الذي يصلح لأن يتمثل به في كل واقعة تشبه واقعته. 14- التوليد: لأن الإرداف لما زوج بالتتميم تولد منهما الإيضاح وتولد من الإيضاح والارداف الادماج ولما ظهرت فائدة الإتيان بالجار والمجرور وثبت التتميم وظهرت العلة في العدول عن لفظ الدعاء الخاص إلى لفظ الارداف وتولد من ذلك فن الأدب ومن فن الأدب فن الهجاء ولما ثبت الائتلاف والتهذيب وما وقع في النظم من حسن الترتيب تولد من ذلك المثل السائر ولذلك غلب التوليد على جميع ما فيها من الضروب الثلاثة عشر وأثبتت في بابه دون أبوابها. التوليد في الشعر: أما في الشعر فلا يستحسن إلا التوليد في المعاني أما التوليد في الألفاظ فيأتي دونه في المرتبة بل ربما غالى بعضهم فجعله غير مقبول لشبهه بالسرقة وذلك أن يستعذب الشاعر لفظه في شعر غيره فيأخذها ويضمنها معنى غير معناها الأول كقول أبي تمام: لها منظر قيد الأوابد لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب أخذ لفظة قيد الأوابد من بيت امرئ القيس في وصف فرس ونقلها إلى الغزل وبيت امرئ القيس هو: وقد اغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل على أنه قد يكون عذبا كما فعل علي بن زريق البغدادي في قوله: استودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه فقد أخذ الأزرار من قول عبد الله بن المعتز: يا حسن أحمد إذ بدا متشمرا ... في قرطق يسعى بكأس عقاره والغصن في أثوابه والدر في ... فمه وجيد الظبي في أزراره ولقد عابوا على عمارة اليمني بيته يمدح الخليفة المصري الفاطمي عند قدومه عليه من اليمن وهو: فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ماسرت من حرم إلا إلى حرم لأنه مأخوذ بلفظه من شعر أبي تمام مادحا: يا من رأى حرما يسري إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم وهنا يحار الناقد في كثرة وقوع الشعراء الكبار بهذه المزالق، قال ابن الأثير: «ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا وهذا من عالي الشعر ثم وفقت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد وهو: لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا وما أعلم كيف هذا» . أما توليد المعاني فهو مستحسن على إطلاقه كقول أبي الطيب المتنبي: همام إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل أخذه من قول أبي تمام: يمدون بالبيض القواطع أيديا ... فهن سواء والسيوف القواطع وقال المتنبي أيضا: وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل أخذه من قول أبي نواس في وصف الخمرة: إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل وجميل أخذ المتنبي من أبي تمام قوله: ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام وبيت أبي تمام: هو الصنع إن تعجل فخير وإن ترث ... فللريث في بعض المواضع أنفع وبيت المتنبي أجمل وأرشق وفيه زيادة ضرب المثل: وولد أحد الشعراء المولدين بيتا فارسيا فقال: كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشهيّ العذب صاد وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد فقد ولد هذا الشاعر من تشبيه العذار باللام وتشبيه الفم بالصاد لفظة لص وولد من معناها ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النجوم فحصل في البيت توليد وإغراب وادماج. وقد أطلنا عنان القول ولكن الحسن غير مملول. الفوائد: التعليق: للأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر أحكام عديدة منها التعليق وهو إبطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده والمعلقات عن العمل هي: 1- لام الابتداء نحو «لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ماله في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدارة فلا يتخطاها عامل وانما تخطاها في باب إن فرفع الخبر لأنها مؤخرة من تقديم لاصلاح اللفظ وأصلها التقديم على إن. 2- لام القسم كقول لبيد: ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها فاللام في لتأتين لام القسم وتسمى جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم لا جملة الجواب فقط، فسقط ما قيل ان جملة جواب القسم لا محل لها وان الجملة المعلق عنها العامل لها محل فيتنافيان ولهذا قال أبو حيان «أكثر أصحابنا لا يذكرون لام القسم في المعلقات وفي العزة، ولام القسم لا تعلق كقوله: لقد علمت أسد أننا ... لهم يوم نصر لنعم النصير بفتح أن فهذه لام القسم ولم تعلق وتقول علمت أن زيدا ليقومن بفتح أن» اهـ وفي المغني أن أفعال القلوب لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم كقوله: ولقد علمت لتأتين منيتي إلخ» اهـ. فأخرج لام لتأتين عن كونها للقسم. 3- ما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وجملة ينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية. 4- لا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالملفوظ به نحو علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو وعلمت والله أن زيد في الدار والمقدر نحو علمت لا زيد في الدار ولا عمرو. 5- الاستفهام كالآية التي نحن بصددها وهي «وإن أدري أقريب إلخ» وقول كثير: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب على الكسرة على محل قوله: ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري.

الأنبياء 21:112

الإعراب: (إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ) ان حرف مشبه بالفعل وفي هذا خبرها المقدم واللام المزحلقة ولقوم صفة لبلاغا وعابدين صفة. (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) الواو حرف عطف وما نافية وأرسلناك فعل وفاعل ومفعول به وإلا أداة حصر ورحمة مفعول من أجله أو حال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة أو على حذف مضاف أي ذا رحمة وللعالمين صفة لرحمة أو يتعلق بنفس الرحمة. (قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) إنما كافة ومكفوفة ويوحى فعل مضارع مبني للمجهول وإلي متعلقان بيوحى وان وما في حيزها نائب فاعل يوحى وإلهكم. مبتدأ وإله خبر وواحد صفة والفاء الفصيحة أي ان علمتم هذا وهل حرف حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومسلمون خبر وسيأتي مبحث القصر بنوعيه في هذه الآية في باب البلاغة. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ) الفاء استئنافية وان شرطية وتولوا فعل ماض وهو فعل الشرط والواو فاعل والفاء رابطة لجواب الشرط وقل فعل أمر وآذنتكم فعل وفاعل ومفعول به والجملة في محل جزم جواب الشرط وعلى سواء متعلقان بمحذوف حال من التاء أي الفاعل أو من الكاف أي المفعول أي مستوين في العلم بالحرب وسيأتي تفصيل هذا الإيجاز في باب البلاغة. (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) الواو للحال وإن نافية وأدري فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنا والهمزة للاستفهام وقريب خبر مقدم وأم حرف عطف وبعيد عطف عليه وما مبتدأ مؤخر وجملة توعدون صلة وجوز أبو البقاء أن يرتفع ما توعدون فاعلا بقريب سد مسد خبره وقريب مبتدأ قال لأنه اعتمد على الهمزة أو ببعيد لأنه أقرب اليه فتكون المسألة من باب التنازع وجملة أقريب أم بعيد ما توعدون في محل نصب مفعول أدري المعلقة عن العمل. (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ) ان واسمها وجملة يعلم خبرها وفاعل يعلم ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والجهر مفعول به ومن القول حال من الجهر ويعلم عطف على يعلم الأولى وما مفعول به وجملة تكتمون صلة. (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) الواو عاطفة وإن نافية وأدري فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا ولعل واسمها وفتنة خبرها ولكم صفة ومتاع عطف على فتنة وإلى حين متعلقان بمحذوف صفة لمتاع أو يتعلق به وجملة لعله فتنة في محل نصب بأدري والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق عن العمل ولكن النحاة لم يذكروا لعل من المعلقات ولكنها وردت كثيرا في القرآن كقوله في هذه الآية وكقوله: «وما يدريك لعل الساعة قريب، وما يدريك لعله يزكى، وقيل ان قوله ومتاع ليس داخلا في حيز الترجي لأنه محقق فلا يصح عطفه على فتنة لأنه حيث كان معطوفا على خبرها كان معمولا لها وداخلا في حيزها وفي نطاق الترجي الذي تدل عليه فالأولى اذن أن يقال ان قوله ومتاع خبر لمبتدأ محذوف وتقديره وهذا متاع إلى حين أي وتأخير عذابكم متاع لكم وتكون الجملة مستأنفة وليس هذا ببعيد. (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة واحكم فعل دعاء وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وبالحق حال وربنا الواو استئنافية وربنا مبتدأ والرحمن يجوز أن يكون خبرا والمستعان خبرا ثانيا ويجوز أن يكون صفة لربنا والمستعان خبر لأنه المحدث به وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه مخالفا للواقع. البلاغة: 1- القصر: في قوله تعالى «قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» وقد تقدم بحث القصر مفصلا ونقول ان في هذه الآية قصرين الاول قصر الصفة على الموصوف وذلك في قصر الوحي على الوحدانية والمعنى لا يوحى إليّ إلا اختصاص الإله بالوحدانية لا لأنه لم يوح اليه بشيء غيرها ولكنها الأصل الرئيسي في كل عبادة وعمل وهي المطلوبة أولا وقبل كل شيء حتى كأن ما عداها غير منظور اليه أو غير جدير بالذكر والثاني قصر الموصوف على الصفة وذلك في قصر الله على الوحدانية وهو ظاهر. 2- الإيجاز: وذلك في قوله تعالى «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ» تقدم القول في الإيجاز كثيرا وفي هذه الآية إيجاز قصر لأنه تحدث بثلاث كلمات وهي «آذنتكم على سواء» عن كلام طويل أي إن تولوا بعد هذه الآيات والشواهد وأعرضوا وطووا كشحا فقل لهم لقد أعلمناكم على بيان أنا وإياكم في حرب لا مهادنة فيها ولا صلح بيننا ولكنني لا أدري متى يأذن الله. وآذنتكم منقول من اذن إذا علم قال الحارث ابن حلزة: آذنتنا ببنيها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء وقد سما الزمخشري في شرح هذا الإيجاز وهذه نبذة من كلامه: «والمعنى اني بعد توليكم واعراضكم عن قبول ما عرض عليكم من وجوب توحيد الله وتنزيهه عن الأنداد والشركاء كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحسّ منهم بغدرة فنبذ إليهم العهد وشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك «على سواء» أي مستوين في الاعلام به لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم وقشر العصا عن لحائه» . 3- التوليد: في قوله: «قل رب احكم بالحق» فن التوليد وسماه ابن منقذ فن التلطيف وهو على ضربين: من الألفاظ ومن المعاني: 1- التوليد من الألفاظ على ضربين أيضا: آ- توليد المتكلم من لفظه ولفظ غيره صورة من الكلام. ب- توليد المتكلم صورة من موضعين من لفظ نفسه. والأول هو أن يزوج لفظة من لفظة للفظة من لفظ غيره فيتولد بينهما كلام مناقض غرض صاحب اللفظة الأجنبية وذلك في الألفاظ المفردة دون الجمل المؤتلفة ومثاله ما حكي عن مصعب بن الزبير انه كان قد وسم خيله بلفظ «عدّة» وهو يريد عدة الحرب فلما قتل وصارت خيله عند الحجاج ورأى ذلك الوسم أمر أن يوسم إلى جانب عدة بلفظة «الفرار» فتولد بين اللفظين معنى غير ما أراده مصعب وانقلب المدح قدحا. 2- التوليد من المعاني وستأتي أمثلته، أما الآية التي نحن بصددها فقد زوج فنا من فنون البديع لفن آخر فيه فتولد فن ثالث غيرهما وذلك انه يتوجه على ظاهر إشكال وهو أن يقال: ما الحكمة في كونه سبحانه أمر نبيه أن يسأله الحكم بالحق وهو عز وجل يعلم أن نبيه متيقن انه سبحانه لا يحكم إلا بالحق فلو اقتصر على قوله احكم فقط كان ذلك كافيا فلم عدل عن الأوجز الموفي بالمعنى المراد مع سلامة الظاهر من الإشكال إلى الأطول الموجب للإشكال، والجواب: ان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يدعون على من خالفهم حتى يؤذن لهم في ذلك لأنهم بعثوا مؤلفين لا منفرين وهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم به الله فإذا أعلمهم بمن لا يمكن إيمانه من قومهم ساغ لهم الدعاء على ذلك، ألا ترى أن نوحا عليه السلام لم يتجرأ أن يقول: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» إلا بعد قوله تعالى له: «أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ» ولذلك احترس في الدعاء بقوله: على الأرض فإن من آمن معه كان في السفينة ولم يبق على الأرض إلا من حق عليه العذاب ولما علم سبحانه ان الذين عادوا نببه محمدا صلى الله عليه وسلم لا يرجى فلاحهم أمره بالدعاء عليهم بيد أنه علمه كيف يدعو عليهم دعاء غير منفر لغيرهم فأراد سبحانه أن يقول: قل رب أهلك الظالمين فعدل عن هذا اللفظ الخاص لما فيه من التنفير إلى لفظ الإرداف فقال: «قل رب احكم بالحق» فانه سبحانه إذا حكم بالحق وهو العدل عاقب من يستحق العقاب وأما قول مورد الاشكال: لم عدل عن الأوجز إلى الأطول؟ ولو قال رب احكم لكان كافيا، فليس الأمر كما زعم لأن للحاكم المختار الذي لا شريك له أن يحكم بالفضل فينزل عن حق نفسه وله أن يحكم بالعدل ستوفي حقه وحق غيره وطلب مطلق الحكم لا يوفي بذلك فلهذا عدل من الأوجز إلى الأطول ليوفي بالمعنى المراد. وقد تنخّل عن هذا الجواب أربعة عشر ضربا من البديع اتفقت في هذه الألفاظ الثلاثة وهي: 1- الإرداف الذي قدمنا ذكره. 2- الإيضاح لأن إيضاح الإشكال الوارد على ظاهر الكلام جاء مدمجا في الإرداف. 3- التتميم إذ لو وقع الاقتصار على قوله: رب احكم لكان المعنى المراد ناقصا لأن مطلق الحكم لا يوفي بالمقصود كما بينا. 4- المقارنة لأن الادماج والإيضاح اقترنا في التتميم. 5 و6- الافتنان لجمع هذه اللفظات الثلاث بين فنين من الفنون التي يقصدها المتكلمون وهما: آ- فن الأدب في تعليم الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم كيف يدعو على من خالفه دعاء غير منفّر عنه. ب- فن الهجاء لأن عدل الله سبحانه يأبى أن يأمر نبيه بالدعاء إلا على من علم تصميمه على العصيان وبراءته من الايمان ومن كان كذلك كان مستحقا للذم فأدمج سبحانه في أمر الرسول بالدعاء عليهم هجاءهم بمقتضى ما تضمنه الكلام من استحقاق الملام. 7- الإيجاز عن المعنى المراد بأقل ما يمكن من الحروف. 8- السهولة فقد تركبت الكلمات تركيبا سليما من سوء الجوار، سهلة المخارج ولأن الكلمات جاءت في مقارها فلا تتقدم كلمة عن كلمة ولا تتأخر. 9- التهذيب في كون تركيب الجملة وضع على أصح ترتيب وأسهل تهذيب إذ تقدم فيها ذكر المدعو وثنى بالطلب وثلث بالمطلوب. 10- حسن البيان لأن الذهن يسابق إلى فهم معنى الكلام من غير توقف بمجرد سماعه أول وهلة لعدم التعقيد في اللفظ وخلوه من أسباب اللبس من التقديم والتأخير وسلوك الطريق الأبعد وإيقاع المشترك. 11- التمزيج لامتزاج الفنون بمعاني البديع فإن فني الأدب والهجاء امتزجا بمعنى الإرداف والتتميم ولم يظهر في اللفظ لكل معنيين سوى صورة واحدة فظهر فن الأدب وأدمج فيه فن الهجاء وظهر الإرداف وأدمج فيه التتميم. 12- الإبداع لما تتضمن كل لفظة من الجملة الضرب والضربين فصاعدا من البديع. 13- التمثيل: لأن قوة البلاغة ورونق الفصاحة أخرجت هذه اللفظات مخرج المثل السائر الذي يصلح لأن يتمثل به في كل واقعة تشبه واقعته. 14- التوليد: لأن الإرداف لما زوج بالتتميم تولد منهما الإيضاح وتولد من الإيضاح والارداف الادماج ولما ظهرت فائدة الإتيان بالجار والمجرور وثبت التتميم وظهرت العلة في العدول عن لفظ الدعاء الخاص إلى لفظ الارداف وتولد من ذلك فن الأدب ومن فن الأدب فن الهجاء ولما ثبت الائتلاف والتهذيب وما وقع في النظم من حسن الترتيب تولد من ذلك المثل السائر ولذلك غلب التوليد على جميع ما فيها من الضروب الثلاثة عشر وأثبتت في بابه دون أبوابها. التوليد في الشعر: أما في الشعر فلا يستحسن إلا التوليد في المعاني أما التوليد في الألفاظ فيأتي دونه في المرتبة بل ربما غالى بعضهم فجعله غير مقبول لشبهه بالسرقة وذلك أن يستعذب الشاعر لفظه في شعر غيره فيأخذها ويضمنها معنى غير معناها الأول كقول أبي تمام: لها منظر قيد الأوابد لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب أخذ لفظة قيد الأوابد من بيت امرئ القيس في وصف فرس ونقلها إلى الغزل وبيت امرئ القيس هو: وقد اغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل على أنه قد يكون عذبا كما فعل علي بن زريق البغدادي في قوله: استودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه فقد أخذ الأزرار من قول عبد الله بن المعتز: يا حسن أحمد إذ بدا متشمرا ... في قرطق يسعى بكأس عقاره والغصن في أثوابه والدر في ... فمه وجيد الظبي في أزراره ولقد عابوا على عمارة اليمني بيته يمدح الخليفة المصري الفاطمي عند قدومه عليه من اليمن وهو: فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ماسرت من حرم إلا إلى حرم لأنه مأخوذ بلفظه من شعر أبي تمام مادحا: يا من رأى حرما يسري إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم وهنا يحار الناقد في كثرة وقوع الشعراء الكبار بهذه المزالق، قال ابن الأثير: «ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا وهذا من عالي الشعر ثم وفقت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد وهو: لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا وما أعلم كيف هذا» . أما توليد المعاني فهو مستحسن على إطلاقه كقول أبي الطيب المتنبي: همام إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل أخذه من قول أبي تمام: يمدون بالبيض القواطع أيديا ... فهن سواء والسيوف القواطع وقال المتنبي أيضا: وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل أخذه من قول أبي نواس في وصف الخمرة: إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل وجميل أخذ المتنبي من أبي تمام قوله: ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام وبيت أبي تمام: هو الصنع إن تعجل فخير وإن ترث ... فللريث في بعض المواضع أنفع وبيت المتنبي أجمل وأرشق وفيه زيادة ضرب المثل: وولد أحد الشعراء المولدين بيتا فارسيا فقال: كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشهيّ العذب صاد وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد فقد ولد هذا الشاعر من تشبيه العذار باللام وتشبيه الفم بالصاد لفظة لص وولد من معناها ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النجوم فحصل في البيت توليد وإغراب وادماج. وقد أطلنا عنان القول ولكن الحسن غير مملول. الفوائد: التعليق: للأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر أحكام عديدة منها التعليق وهو إبطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده والمعلقات عن العمل هي: 1- لام الابتداء نحو «لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ماله في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدارة فلا يتخطاها عامل وانما تخطاها في باب إن فرفع الخبر لأنها مؤخرة من تقديم لاصلاح اللفظ وأصلها التقديم على إن. 2- لام القسم كقول لبيد: ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها فاللام في لتأتين لام القسم وتسمى جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم لا جملة الجواب فقط، فسقط ما قيل ان جملة جواب القسم لا محل لها وان الجملة المعلق عنها العامل لها محل فيتنافيان ولهذا قال أبو حيان «أكثر أصحابنا لا يذكرون لام القسم في المعلقات وفي العزة، ولام القسم لا تعلق كقوله: لقد علمت أسد أننا ... لهم يوم نصر لنعم النصير بفتح أن فهذه لام القسم ولم تعلق وتقول علمت أن زيدا ليقومن بفتح أن» اهـ وفي المغني أن أفعال القلوب لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم كقوله: ولقد علمت لتأتين منيتي إلخ» اهـ. فأخرج لام لتأتين عن كونها للقسم. 3- ما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وجملة ينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية. 4- لا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالملفوظ به نحو علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو وعلمت والله أن زيد في الدار والمقدر نحو علمت لا زيد في الدار ولا عمرو. 5- الاستفهام كالآية التي نحن بصددها وهي «وإن أدري أقريب إلخ» وقول كثير: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فعطف موجعات بالنصب على الكسرة على محل قوله: ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري.