Jamia Al-Bayan AlIji — الأعراف 7:142 – الأعراف 7:206
المحتويات
- الأعراف 7:142
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:144
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:147
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:149
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:151
- الأعراف 7:152
- الأعراف 7:153
- الأعراف 7:154
- الأعراف 7:155
- الأعراف 7:156
- الأعراف 7:157
- الأعراف 7:158
- الأعراف 7:159
- الأعراف 7:160
- الأعراف 7:161
- الأعراف 7:162
- الأعراف 7:163
- الأعراف 7:164
- الأعراف 7:165
- الأعراف 7:166
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:170
- الأعراف 7:171
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:173
- الأعراف 7:174
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:177
- الأعراف 7:178
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:183
- الأعراف 7:184
- الأعراف 7:185
- الأعراف 7:186
- الأعراف 7:187
- الأعراف 7:188
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:191
- الأعراف 7:192
- الأعراف 7:193
- الأعراف 7:194
- الأعراف 7:195
- الأعراف 7:196
- الأعراف 7:197
- الأعراف 7:198
- الأعراف 7:199
- الأعراف 7:200
- الأعراف 7:201
- الأعراف 7:202
- الأعراف 7:203
- الأعراف 7:204
- الأعراف 7:205
- الأعراف 7:206
الأعراف 7:142
﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاِثينَ لَيْلَةً﴾ ذا القعدة للمناجاة وإرسال كتاب من عنده ﴿وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة نقل أنه بعد صوم الشهر استاك فزال خلوفه فلذلك أمر بصوم عشر ليكون لفمه خلوف ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي﴾ كن خليفتي ﴿فِي قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ ارفق بهم واحملهم على طاعة الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ لا تطع من دعاك إلى الفساد.
﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ أي: لوقتنا الذي وقتنا له ﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ فلما سمع كلامه اشتاق لقاءه ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي﴾ نفسك بأن تتجلى إلي ﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أراك ﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾ في الدنيا وقد وردت أحاديث صحاح صريحة على رؤية الله تعالى في الآخرة وأجمعت الأمة على ذلك سوى المعتزلة وحسبهم من الخسران والحسرة أن عاملهم الله تعالى في الآخرة بعقيدتهم وحرمهم من نعمة لقائه كما قال جدي قدس سره ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ﴾ ويطيق الرؤية مع أنه أعظم وأئقل جسمًا ﴿فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ظهر نور ربه وقد ورد ما تجلى إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مدكوكًا كالتراب ومن قرأ دكاء فمعناه أرضًا مستوية ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ سقط مغشيًا عليه ﴿فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ﴾ أنزهك مما لا يليق بك أو قال سبحانك لعظمة ما رأى ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ من مسألة الرؤية بغير إذن ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ بأنه لا يراك أحد إلى يوم القيامة أو أول قومي إيمانًا.
﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتك ﴿عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي﴾ بوحيي ﴿وبِكَلامِي﴾ من غير واسطة ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ أعطتك من الرسالة ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ولا تطلب ما لا طاقة لك به.
﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ ألواح التوراة وقيل الألواح قبل نزول التوراة وهي من خشب أو من جوهرة ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ هم إليه محتاجون في أمر دينهم ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ تبيينًا لكل أمر ونهي حلال وحرام فنصبهما على المفعول له أي: للموعظة ولتبيين الحلال والحرام وقيل من كل شيء مفعول كتبنا وموعظة وتفصيلًا بدل منه ﴿فَخُذْها﴾ أي: فقلنا له خذ الألواخ ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد وعزيمة ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ أي: التكليف عليك يا موسى أشد من التكليف على قومك قيل في الألواح ما هو أحسن كالصبر بالإضافة إلى الانتصار مثلًا فأمرهم على طريقة الندب أن يتبعوا أفضل ما فيها وهو الصبر والعفو ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ أي: سترون عاقبة من خالف أمري كيف تصير إلى الهلاك أو هي جهنم فاحذروا أن تكونوا منهم أو منازلهم كيف تكون خاوية على عروشها قيل هذا بشارة بأنه سيرزقهم أرض أعدائهم ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ أي: أمنعهم عن فهم الحجج والأدلة الدالة على وحدانيتي وعظمتي وأنزع عنهم فهم كلامي ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ صلة يتكبرون أو حال فإن تكبر المحق على المبطل حق والتكبر على المتكبر صدقة ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ معجزة ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لعنادهم ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ طريق الهدى والسداد ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ﴾ طريق الضلال ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ﴾ إشارة إلى مصيرهم إلى هذه الحالة ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ لا يتدبرون فيها ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أي: لقائهم الدار الآخرة ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ بطلت فليس لها نفع ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلا جزاء أعمالهم.
الأعراف 7:143
﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاِثينَ لَيْلَةً﴾ ذا القعدة للمناجاة وإرسال كتاب من عنده ﴿وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة نقل أنه بعد صوم الشهر استاك فزال خلوفه فلذلك أمر بصوم عشر ليكون لفمه خلوف ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي﴾ كن خليفتي ﴿فِي قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ ارفق بهم واحملهم على طاعة الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ لا تطع من دعاك إلى الفساد.
﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ أي: لوقتنا الذي وقتنا له ﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ فلما سمع كلامه اشتاق لقاءه ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي﴾ نفسك بأن تتجلى إلي ﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أراك ﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾ في الدنيا وقد وردت أحاديث صحاح صريحة على رؤية الله تعالى في الآخرة وأجمعت الأمة على ذلك سوى المعتزلة وحسبهم من الخسران والحسرة أن عاملهم الله تعالى في الآخرة بعقيدتهم وحرمهم من نعمة لقائه كما قال جدي قدس سره ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ﴾ ويطيق الرؤية مع أنه أعظم وأئقل جسمًا ﴿فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ظهر نور ربه وقد ورد ما تجلى إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مدكوكًا كالتراب ومن قرأ دكاء فمعناه أرضًا مستوية ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ سقط مغشيًا عليه ﴿فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ﴾ أنزهك مما لا يليق بك أو قال سبحانك لعظمة ما رأى ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ من مسألة الرؤية بغير إذن ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ بأنه لا يراك أحد إلى يوم القيامة أو أول قومي إيمانًا.
﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتك ﴿عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي﴾ بوحيي ﴿وبِكَلامِي﴾ من غير واسطة ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ أعطتك من الرسالة ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ولا تطلب ما لا طاقة لك به.
﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ ألواح التوراة وقيل الألواح قبل نزول التوراة وهي من خشب أو من جوهرة ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ هم إليه محتاجون في أمر دينهم ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ تبيينًا لكل أمر ونهي حلال وحرام فنصبهما على المفعول له أي: للموعظة ولتبيين الحلال والحرام وقيل من كل شيء مفعول كتبنا وموعظة وتفصيلًا بدل منه ﴿فَخُذْها﴾ أي: فقلنا له خذ الألواخ ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد وعزيمة ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ أي: التكليف عليك يا موسى أشد من التكليف على قومك قيل في الألواح ما هو أحسن كالصبر بالإضافة إلى الانتصار مثلًا فأمرهم على طريقة الندب أن يتبعوا أفضل ما فيها وهو الصبر والعفو ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ أي: سترون عاقبة من خالف أمري كيف تصير إلى الهلاك أو هي جهنم فاحذروا أن تكونوا منهم أو منازلهم كيف تكون خاوية على عروشها قيل هذا بشارة بأنه سيرزقهم أرض أعدائهم ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ أي: أمنعهم عن فهم الحجج والأدلة الدالة على وحدانيتي وعظمتي وأنزع عنهم فهم كلامي ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ صلة يتكبرون أو حال فإن تكبر المحق على المبطل حق والتكبر على المتكبر صدقة ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ معجزة ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لعنادهم ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ طريق الهدى والسداد ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ﴾ طريق الضلال ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ﴾ إشارة إلى مصيرهم إلى هذه الحالة ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ لا يتدبرون فيها ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أي: لقائهم الدار الآخرة ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ بطلت فليس لها نفع ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلا جزاء أعمالهم.
الأعراف 7:144
﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاِثينَ لَيْلَةً﴾ ذا القعدة للمناجاة وإرسال كتاب من عنده ﴿وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة نقل أنه بعد صوم الشهر استاك فزال خلوفه فلذلك أمر بصوم عشر ليكون لفمه خلوف ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي﴾ كن خليفتي ﴿فِي قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ ارفق بهم واحملهم على طاعة الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ لا تطع من دعاك إلى الفساد.
﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ أي: لوقتنا الذي وقتنا له ﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ فلما سمع كلامه اشتاق لقاءه ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي﴾ نفسك بأن تتجلى إلي ﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أراك ﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾ في الدنيا وقد وردت أحاديث صحاح صريحة على رؤية الله تعالى في الآخرة وأجمعت الأمة على ذلك سوى المعتزلة وحسبهم من الخسران والحسرة أن عاملهم الله تعالى في الآخرة بعقيدتهم وحرمهم من نعمة لقائه كما قال جدي قدس سره ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ﴾ ويطيق الرؤية مع أنه أعظم وأئقل جسمًا ﴿فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ظهر نور ربه وقد ورد ما تجلى إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مدكوكًا كالتراب ومن قرأ دكاء فمعناه أرضًا مستوية ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ سقط مغشيًا عليه ﴿فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ﴾ أنزهك مما لا يليق بك أو قال سبحانك لعظمة ما رأى ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ من مسألة الرؤية بغير إذن ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ بأنه لا يراك أحد إلى يوم القيامة أو أول قومي إيمانًا.
﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتك ﴿عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي﴾ بوحيي ﴿وبِكَلامِي﴾ من غير واسطة ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ أعطتك من الرسالة ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ولا تطلب ما لا طاقة لك به.
﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ ألواح التوراة وقيل الألواح قبل نزول التوراة وهي من خشب أو من جوهرة ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ هم إليه محتاجون في أمر دينهم ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ تبيينًا لكل أمر ونهي حلال وحرام فنصبهما على المفعول له أي: للموعظة ولتبيين الحلال والحرام وقيل من كل شيء مفعول كتبنا وموعظة وتفصيلًا بدل منه ﴿فَخُذْها﴾ أي: فقلنا له خذ الألواخ ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد وعزيمة ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ أي: التكليف عليك يا موسى أشد من التكليف على قومك قيل في الألواح ما هو أحسن كالصبر بالإضافة إلى الانتصار مثلًا فأمرهم على طريقة الندب أن يتبعوا أفضل ما فيها وهو الصبر والعفو ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ أي: سترون عاقبة من خالف أمري كيف تصير إلى الهلاك أو هي جهنم فاحذروا أن تكونوا منهم أو منازلهم كيف تكون خاوية على عروشها قيل هذا بشارة بأنه سيرزقهم أرض أعدائهم ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ أي: أمنعهم عن فهم الحجج والأدلة الدالة على وحدانيتي وعظمتي وأنزع عنهم فهم كلامي ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ صلة يتكبرون أو حال فإن تكبر المحق على المبطل حق والتكبر على المتكبر صدقة ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ معجزة ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لعنادهم ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ طريق الهدى والسداد ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ﴾ طريق الضلال ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ﴾ إشارة إلى مصيرهم إلى هذه الحالة ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ لا يتدبرون فيها ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أي: لقائهم الدار الآخرة ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ بطلت فليس لها نفع ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلا جزاء أعمالهم.
الأعراف 7:145
﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاِثينَ لَيْلَةً﴾ ذا القعدة للمناجاة وإرسال كتاب من عنده ﴿وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة نقل أنه بعد صوم الشهر استاك فزال خلوفه فلذلك أمر بصوم عشر ليكون لفمه خلوف ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي﴾ كن خليفتي ﴿فِي قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ ارفق بهم واحملهم على طاعة الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ لا تطع من دعاك إلى الفساد.
﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ أي: لوقتنا الذي وقتنا له ﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ فلما سمع كلامه اشتاق لقاءه ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي﴾ نفسك بأن تتجلى إلي ﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أراك ﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾ في الدنيا وقد وردت أحاديث صحاح صريحة على رؤية الله تعالى في الآخرة وأجمعت الأمة على ذلك سوى المعتزلة وحسبهم من الخسران والحسرة أن عاملهم الله تعالى في الآخرة بعقيدتهم وحرمهم من نعمة لقائه كما قال جدي قدس سره ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ﴾ ويطيق الرؤية مع أنه أعظم وأئقل جسمًا ﴿فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ظهر نور ربه وقد ورد ما تجلى إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مدكوكًا كالتراب ومن قرأ دكاء فمعناه أرضًا مستوية ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ سقط مغشيًا عليه ﴿فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ﴾ أنزهك مما لا يليق بك أو قال سبحانك لعظمة ما رأى ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ من مسألة الرؤية بغير إذن ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ بأنه لا يراك أحد إلى يوم القيامة أو أول قومي إيمانًا.
﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتك ﴿عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي﴾ بوحيي ﴿وبِكَلامِي﴾ من غير واسطة ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ أعطتك من الرسالة ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ولا تطلب ما لا طاقة لك به.
﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ ألواح التوراة وقيل الألواح قبل نزول التوراة وهي من خشب أو من جوهرة ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ هم إليه محتاجون في أمر دينهم ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ تبيينًا لكل أمر ونهي حلال وحرام فنصبهما على المفعول له أي: للموعظة ولتبيين الحلال والحرام وقيل من كل شيء مفعول كتبنا وموعظة وتفصيلًا بدل منه ﴿فَخُذْها﴾ أي: فقلنا له خذ الألواخ ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد وعزيمة ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ أي: التكليف عليك يا موسى أشد من التكليف على قومك قيل في الألواح ما هو أحسن كالصبر بالإضافة إلى الانتصار مثلًا فأمرهم على طريقة الندب أن يتبعوا أفضل ما فيها وهو الصبر والعفو ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ أي: سترون عاقبة من خالف أمري كيف تصير إلى الهلاك أو هي جهنم فاحذروا أن تكونوا منهم أو منازلهم كيف تكون خاوية على عروشها قيل هذا بشارة بأنه سيرزقهم أرض أعدائهم ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ أي: أمنعهم عن فهم الحجج والأدلة الدالة على وحدانيتي وعظمتي وأنزع عنهم فهم كلامي ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ صلة يتكبرون أو حال فإن تكبر المحق على المبطل حق والتكبر على المتكبر صدقة ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ معجزة ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لعنادهم ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ طريق الهدى والسداد ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ﴾ طريق الضلال ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ﴾ إشارة إلى مصيرهم إلى هذه الحالة ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ لا يتدبرون فيها ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أي: لقائهم الدار الآخرة ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ بطلت فليس لها نفع ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلا جزاء أعمالهم.
الأعراف 7:146
﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاِثينَ لَيْلَةً﴾ ذا القعدة للمناجاة وإرسال كتاب من عنده ﴿وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة نقل أنه بعد صوم الشهر استاك فزال خلوفه فلذلك أمر بصوم عشر ليكون لفمه خلوف ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي﴾ كن خليفتي ﴿فِي قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ ارفق بهم واحملهم على طاعة الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ لا تطع من دعاك إلى الفساد.
﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ أي: لوقتنا الذي وقتنا له ﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ فلما سمع كلامه اشتاق لقاءه ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي﴾ نفسك بأن تتجلى إلي ﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أراك ﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾ في الدنيا وقد وردت أحاديث صحاح صريحة على رؤية الله تعالى في الآخرة وأجمعت الأمة على ذلك سوى المعتزلة وحسبهم من الخسران والحسرة أن عاملهم الله تعالى في الآخرة بعقيدتهم وحرمهم من نعمة لقائه كما قال جدي قدس سره ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ﴾ ويطيق الرؤية مع أنه أعظم وأئقل جسمًا ﴿فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ظهر نور ربه وقد ورد ما تجلى إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مدكوكًا كالتراب ومن قرأ دكاء فمعناه أرضًا مستوية ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ سقط مغشيًا عليه ﴿فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ﴾ أنزهك مما لا يليق بك أو قال سبحانك لعظمة ما رأى ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ من مسألة الرؤية بغير إذن ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ بأنه لا يراك أحد إلى يوم القيامة أو أول قومي إيمانًا.
﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتك ﴿عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي﴾ بوحيي ﴿وبِكَلامِي﴾ من غير واسطة ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ أعطتك من الرسالة ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ولا تطلب ما لا طاقة لك به.
﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ ألواح التوراة وقيل الألواح قبل نزول التوراة وهي من خشب أو من جوهرة ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ هم إليه محتاجون في أمر دينهم ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ تبيينًا لكل أمر ونهي حلال وحرام فنصبهما على المفعول له أي: للموعظة ولتبيين الحلال والحرام وقيل من كل شيء مفعول كتبنا وموعظة وتفصيلًا بدل منه ﴿فَخُذْها﴾ أي: فقلنا له خذ الألواخ ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد وعزيمة ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ أي: التكليف عليك يا موسى أشد من التكليف على قومك قيل في الألواح ما هو أحسن كالصبر بالإضافة إلى الانتصار مثلًا فأمرهم على طريقة الندب أن يتبعوا أفضل ما فيها وهو الصبر والعفو ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ أي: سترون عاقبة من خالف أمري كيف تصير إلى الهلاك أو هي جهنم فاحذروا أن تكونوا منهم أو منازلهم كيف تكون خاوية على عروشها قيل هذا بشارة بأنه سيرزقهم أرض أعدائهم ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ أي: أمنعهم عن فهم الحجج والأدلة الدالة على وحدانيتي وعظمتي وأنزع عنهم فهم كلامي ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ صلة يتكبرون أو حال فإن تكبر المحق على المبطل حق والتكبر على المتكبر صدقة ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ معجزة ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لعنادهم ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ طريق الهدى والسداد ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ﴾ طريق الضلال ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ﴾ إشارة إلى مصيرهم إلى هذه الحالة ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ لا يتدبرون فيها ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أي: لقائهم الدار الآخرة ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ بطلت فليس لها نفع ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلا جزاء أعمالهم.
الأعراف 7:147
﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاِثينَ لَيْلَةً﴾ ذا القعدة للمناجاة وإرسال كتاب من عنده ﴿وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة نقل أنه بعد صوم الشهر استاك فزال خلوفه فلذلك أمر بصوم عشر ليكون لفمه خلوف ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي﴾ كن خليفتي ﴿فِي قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ ارفق بهم واحملهم على طاعة الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ لا تطع من دعاك إلى الفساد.
﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ أي: لوقتنا الذي وقتنا له ﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ فلما سمع كلامه اشتاق لقاءه ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي﴾ نفسك بأن تتجلى إلي ﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أراك ﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾ في الدنيا وقد وردت أحاديث صحاح صريحة على رؤية الله تعالى في الآخرة وأجمعت الأمة على ذلك سوى المعتزلة وحسبهم من الخسران والحسرة أن عاملهم الله تعالى في الآخرة بعقيدتهم وحرمهم من نعمة لقائه كما قال جدي قدس سره ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ﴾ ويطيق الرؤية مع أنه أعظم وأئقل جسمًا ﴿فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ظهر نور ربه وقد ورد ما تجلى إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مدكوكًا كالتراب ومن قرأ دكاء فمعناه أرضًا مستوية ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ سقط مغشيًا عليه ﴿فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ﴾ أنزهك مما لا يليق بك أو قال سبحانك لعظمة ما رأى ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ من مسألة الرؤية بغير إذن ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ بأنه لا يراك أحد إلى يوم القيامة أو أول قومي إيمانًا.
﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتك ﴿عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي﴾ بوحيي ﴿وبِكَلامِي﴾ من غير واسطة ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ أعطتك من الرسالة ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ولا تطلب ما لا طاقة لك به.
﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ ألواح التوراة وقيل الألواح قبل نزول التوراة وهي من خشب أو من جوهرة ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ هم إليه محتاجون في أمر دينهم ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ تبيينًا لكل أمر ونهي حلال وحرام فنصبهما على المفعول له أي: للموعظة ولتبيين الحلال والحرام وقيل من كل شيء مفعول كتبنا وموعظة وتفصيلًا بدل منه ﴿فَخُذْها﴾ أي: فقلنا له خذ الألواخ ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد وعزيمة ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ أي: التكليف عليك يا موسى أشد من التكليف على قومك قيل في الألواح ما هو أحسن كالصبر بالإضافة إلى الانتصار مثلًا فأمرهم على طريقة الندب أن يتبعوا أفضل ما فيها وهو الصبر والعفو ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ أي: سترون عاقبة من خالف أمري كيف تصير إلى الهلاك أو هي جهنم فاحذروا أن تكونوا منهم أو منازلهم كيف تكون خاوية على عروشها قيل هذا بشارة بأنه سيرزقهم أرض أعدائهم ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ أي: أمنعهم عن فهم الحجج والأدلة الدالة على وحدانيتي وعظمتي وأنزع عنهم فهم كلامي ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ صلة يتكبرون أو حال فإن تكبر المحق على المبطل حق والتكبر على المتكبر صدقة ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ معجزة ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لعنادهم ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ طريق الهدى والسداد ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ﴾ طريق الضلال ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ﴾ إشارة إلى مصيرهم إلى هذه الحالة ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ لا يتدبرون فيها ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أي: لقائهم الدار الآخرة ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ بطلت فليس لها نفع ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلا جزاء أعمالهم.
الأعراف 7:148
﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ أي: اتخذ السامري لهم بإعانتهم ورضاهم فكأنهم هم الذين اتخذوا ﴿مِن بَعْدِه﴾ من بعد ذهابه إلى الجبل ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ التي استعاروا من القبط ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ بدنا ذا لحم ودم بدل من عجلا ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ صوت البقر قال بعضهم: استمر على كونه من الذهب إلا أنه يدخل في فيه الهواء فيصوت كالبقر ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: ألم يروا حين اتخذوه إلها أنه حيوان لا يقدر على كلام ولا على إرشاد فكيف اعتقدوا على أنه خالق القوى والقدر؟! ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ إلهًا ﴿وكانُوا ظالِمِينَ﴾ فلوضعهم الأشياء في غير موضعها اتخذوه إلها ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ كناية عن الندامة فإن النادم يعض يده ﴿ورَأوْا﴾ اعلموا ﴿أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ بقبول توبتنا ﴿ويَغْفِرْ لَنا﴾ هذا الذنب العظيم ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الهالكين.
﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ﴾ عليهم ﴿أسِفًا﴾ شديد الغضب أو حزينًا فإنه قد أعلمه الله بذلك وهو على الطور كما قال تعالى: ”فإنا قد فتنا قومك من بعدك“ [طه: ٨٥]، ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتمونِي مِن بَعْدِي﴾ أي: فعلتم بعد ذهابي وفاعل بئس ضمير يفسره ما والمخصوص بالذم محذوف أي: بئس فعلًا فعلتموه من بعدي فعلكم ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ وهذا كما يقال لمن ولى أحدًا غير مستحق للولاية: عجلت أمر السلطنة أي: في حالها وأمرها أو ضمن عجل معنى سبق فعدى تعديته أي: سبقتم أمر ربكم أو ميعاد ربكم أو سخط ربكم ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ طرحها غضبًا ﴿وأخَد بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ بشعره ﴿يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ خوفًا عن أن يكون قد قصر في نهيهم وهارون أكبر من موسى ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾ كانا أخوين من أب وأم وذكَر الأم ليرققه ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ أي: بذلت وسعي في النهي حتى قهروني وقاربوا قتلى ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ لا تفعل بي شيئًا يشمتون لأجله ﴿ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ معدودًا في عداد عابدي العجل في عقوبتك.
﴿قالَ﴾ لما علم براءة ساحته ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما صنعت بأخي ﴿ولِأخِي﴾ إن قصر في نهيهم ﴿وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ﴾ بمزيد الإنعام أو في جنتك ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾.
الأعراف 7:149
﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ أي: اتخذ السامري لهم بإعانتهم ورضاهم فكأنهم هم الذين اتخذوا ﴿مِن بَعْدِه﴾ من بعد ذهابه إلى الجبل ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ التي استعاروا من القبط ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ بدنا ذا لحم ودم بدل من عجلا ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ صوت البقر قال بعضهم: استمر على كونه من الذهب إلا أنه يدخل في فيه الهواء فيصوت كالبقر ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: ألم يروا حين اتخذوه إلها أنه حيوان لا يقدر على كلام ولا على إرشاد فكيف اعتقدوا على أنه خالق القوى والقدر؟! ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ إلهًا ﴿وكانُوا ظالِمِينَ﴾ فلوضعهم الأشياء في غير موضعها اتخذوه إلها ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ كناية عن الندامة فإن النادم يعض يده ﴿ورَأوْا﴾ اعلموا ﴿أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ بقبول توبتنا ﴿ويَغْفِرْ لَنا﴾ هذا الذنب العظيم ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الهالكين.
﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ﴾ عليهم ﴿أسِفًا﴾ شديد الغضب أو حزينًا فإنه قد أعلمه الله بذلك وهو على الطور كما قال تعالى: ”فإنا قد فتنا قومك من بعدك“ [طه: ٨٥]، ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتمونِي مِن بَعْدِي﴾ أي: فعلتم بعد ذهابي وفاعل بئس ضمير يفسره ما والمخصوص بالذم محذوف أي: بئس فعلًا فعلتموه من بعدي فعلكم ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ وهذا كما يقال لمن ولى أحدًا غير مستحق للولاية: عجلت أمر السلطنة أي: في حالها وأمرها أو ضمن عجل معنى سبق فعدى تعديته أي: سبقتم أمر ربكم أو ميعاد ربكم أو سخط ربكم ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ طرحها غضبًا ﴿وأخَد بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ بشعره ﴿يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ خوفًا عن أن يكون قد قصر في نهيهم وهارون أكبر من موسى ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾ كانا أخوين من أب وأم وذكَر الأم ليرققه ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ أي: بذلت وسعي في النهي حتى قهروني وقاربوا قتلى ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ لا تفعل بي شيئًا يشمتون لأجله ﴿ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ معدودًا في عداد عابدي العجل في عقوبتك.
﴿قالَ﴾ لما علم براءة ساحته ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما صنعت بأخي ﴿ولِأخِي﴾ إن قصر في نهيهم ﴿وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ﴾ بمزيد الإنعام أو في جنتك ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾.
الأعراف 7:150
﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ أي: اتخذ السامري لهم بإعانتهم ورضاهم فكأنهم هم الذين اتخذوا ﴿مِن بَعْدِه﴾ من بعد ذهابه إلى الجبل ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ التي استعاروا من القبط ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ بدنا ذا لحم ودم بدل من عجلا ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ صوت البقر قال بعضهم: استمر على كونه من الذهب إلا أنه يدخل في فيه الهواء فيصوت كالبقر ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: ألم يروا حين اتخذوه إلها أنه حيوان لا يقدر على كلام ولا على إرشاد فكيف اعتقدوا على أنه خالق القوى والقدر؟! ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ إلهًا ﴿وكانُوا ظالِمِينَ﴾ فلوضعهم الأشياء في غير موضعها اتخذوه إلها ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ كناية عن الندامة فإن النادم يعض يده ﴿ورَأوْا﴾ اعلموا ﴿أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ بقبول توبتنا ﴿ويَغْفِرْ لَنا﴾ هذا الذنب العظيم ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الهالكين.
﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ﴾ عليهم ﴿أسِفًا﴾ شديد الغضب أو حزينًا فإنه قد أعلمه الله بذلك وهو على الطور كما قال تعالى: ”فإنا قد فتنا قومك من بعدك“ [طه: ٨٥]، ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتمونِي مِن بَعْدِي﴾ أي: فعلتم بعد ذهابي وفاعل بئس ضمير يفسره ما والمخصوص بالذم محذوف أي: بئس فعلًا فعلتموه من بعدي فعلكم ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ وهذا كما يقال لمن ولى أحدًا غير مستحق للولاية: عجلت أمر السلطنة أي: في حالها وأمرها أو ضمن عجل معنى سبق فعدى تعديته أي: سبقتم أمر ربكم أو ميعاد ربكم أو سخط ربكم ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ طرحها غضبًا ﴿وأخَد بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ بشعره ﴿يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ خوفًا عن أن يكون قد قصر في نهيهم وهارون أكبر من موسى ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾ كانا أخوين من أب وأم وذكَر الأم ليرققه ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ أي: بذلت وسعي في النهي حتى قهروني وقاربوا قتلى ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ لا تفعل بي شيئًا يشمتون لأجله ﴿ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ معدودًا في عداد عابدي العجل في عقوبتك.
﴿قالَ﴾ لما علم براءة ساحته ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما صنعت بأخي ﴿ولِأخِي﴾ إن قصر في نهيهم ﴿وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ﴾ بمزيد الإنعام أو في جنتك ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾.
الأعراف 7:151
﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ أي: اتخذ السامري لهم بإعانتهم ورضاهم فكأنهم هم الذين اتخذوا ﴿مِن بَعْدِه﴾ من بعد ذهابه إلى الجبل ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ التي استعاروا من القبط ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ بدنا ذا لحم ودم بدل من عجلا ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ صوت البقر قال بعضهم: استمر على كونه من الذهب إلا أنه يدخل في فيه الهواء فيصوت كالبقر ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: ألم يروا حين اتخذوه إلها أنه حيوان لا يقدر على كلام ولا على إرشاد فكيف اعتقدوا على أنه خالق القوى والقدر؟! ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ إلهًا ﴿وكانُوا ظالِمِينَ﴾ فلوضعهم الأشياء في غير موضعها اتخذوه إلها ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ كناية عن الندامة فإن النادم يعض يده ﴿ورَأوْا﴾ اعلموا ﴿أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ بقبول توبتنا ﴿ويَغْفِرْ لَنا﴾ هذا الذنب العظيم ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الهالكين.
﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ﴾ عليهم ﴿أسِفًا﴾ شديد الغضب أو حزينًا فإنه قد أعلمه الله بذلك وهو على الطور كما قال تعالى: ”فإنا قد فتنا قومك من بعدك“ [طه: ٨٥]، ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتمونِي مِن بَعْدِي﴾ أي: فعلتم بعد ذهابي وفاعل بئس ضمير يفسره ما والمخصوص بالذم محذوف أي: بئس فعلًا فعلتموه من بعدي فعلكم ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ وهذا كما يقال لمن ولى أحدًا غير مستحق للولاية: عجلت أمر السلطنة أي: في حالها وأمرها أو ضمن عجل معنى سبق فعدى تعديته أي: سبقتم أمر ربكم أو ميعاد ربكم أو سخط ربكم ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ طرحها غضبًا ﴿وأخَد بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ بشعره ﴿يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ خوفًا عن أن يكون قد قصر في نهيهم وهارون أكبر من موسى ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾ كانا أخوين من أب وأم وذكَر الأم ليرققه ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ أي: بذلت وسعي في النهي حتى قهروني وقاربوا قتلى ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ لا تفعل بي شيئًا يشمتون لأجله ﴿ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ معدودًا في عداد عابدي العجل في عقوبتك.
﴿قالَ﴾ لما علم براءة ساحته ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما صنعت بأخي ﴿ولِأخِي﴾ إن قصر في نهيهم ﴿وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ﴾ بمزيد الإنعام أو في جنتك ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾.
الأعراف 7:152
﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلهًا ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وهو أمرهم بقتل أنفسهم للتوبة كما مر فهو حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى حين أخبره أو غضب في الآخرة ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إخراجهم من ديارهم وهوانهم إلى الأبد وقيل المراد من الذين اتخذوا العجل: أبناؤهم وهم يهود زمن النبي ﷺ وصف الأبناء بقبائح فعل الآباء ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ على الله تعالى ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ أي: الشرك ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها﴾ بعد السَّيِّئاتِ ﴿وآمَنُوا﴾ أخلصوا الإيمان واشتغلوا بما هو مقتضى الإيمان ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ بعد التوبة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ولَمّا سَكَتَ﴾ أي: سكن ﴿عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ﴾ التي ألقاها ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ أي: في الألواح فإنها نسخت من اللوح المحفوظ أو لما ألقى الألواح تكسرت ثم رد عليه لوحان أو لما تكسرت نسخ منها نسخة أخرى ﴿هُدًى﴾ من الضلال ﴿ورَحْمَةٌ﴾ من العذاب ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ للخائفين ودخول اللام في المفعول لضعف الفعل بالتأخير وقيل في يرهبون تضمين معنى الخضوع ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ منصوب بنزع الخافض أي: من قومه ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ أمر موسى أن يختار من بني إسرائيل سبعين ليدعوا ربَّهُم فلما دعوا قالوا اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدًا من قبلنا ولا من بعدنا فكره الله تعالى ذلك فأخذكم الرجفة أو اختار سبعين ليعتذروا من عبادة العجل فلما سمعوا كلام الله تعالى قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا أو أخذتهم الرجفة فإنهم علماء وما نهوا بني إسرائيل عن عبادة العجل، وقال بعضهم: ما ماتوا ثم بعد تضرع موسى كشف عنهم الرجفة فاطمأنوا أو ماتوا لكن أحياهم الله تعالى بدعاء موسى ﴿فَلَمّا أخَذَتهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ﴾ موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ﴾ لو للتمني ﴿أهْلَكْتَهم مِن قَبلُ وإيّايَ﴾ تمنى هلاكهم وهلاكه قبل أن يرى ما يرى، أو المراد أهلكتهم أي: عبدة العجل من قبل عبادتهم ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ من التجاسر على طلب الرؤية فإن بعضًا من السبعين طلبوا الرؤية، أو من عبادة العجل، ولذلك قيل: علماؤهم ما عبدوا العجل ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ اختبارك وامتحانك حين أسمعتهم كلامك فطمعوا في الرؤية، أو حين خلقت في العجل خوارًا فضلوا ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ ضلاله ﴿وتَهْدِي﴾ بها ﴿مَن تَشاءُ﴾ هداه ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ القائم بأمرنا ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ذنوبنا الماضية ﴿وارْحَمْنا﴾ بأن لا توقعنا بعد في مثله ﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ لأنك تغفر الذنوب جميعًا بلا عرض ولا عوض ﴿واكْتُبْ﴾ أي: أثبت ﴿لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ عافية وطاعة ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ جنة وقربة ﴿إنّا هُدْنا﴾ رجعنا وتبنا ﴿إلَيْكَ قالَ﴾ الله مجيبًا له في قوله: ”إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ“ ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ تعذيبه ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في الدنيا حتى الشجر والحجر ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ فسأوجب رحمتي في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكبائر ﴿ويُؤتونَ الزكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ بما أنزل على جميع الأنبياء لا يكفرون بشيء منها قيل لما اختار موسى سبعين قال لهم: أجعل لكم الأرض مسجدًا وطهورًا وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم؟ فقالوا: لا نريد إلا أن نصلي في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة في القلوب، ولا أن نقرأ التوراة إلا نظرًا قال تعالى: ”فسأكتبها للذين يتقون“ الآية ﴿الذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ أي: هم الذين أو بدل من الذين يتقون، والمراد اليهود الذين في آخر الزمان وآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام أو عامة أمته الصالحين ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ الذي لا يكتب ولا يقرأ ﴿الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ اسمه وصفته ﴿فِي التَّوْراةِ والإنجِيلِ يَأمُرُهُمْ﴾ النبي ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ والخير ﴿ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ والشر ﴿ويحِل لَهُمُ الطيِّباتِ﴾ مما حرموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة ومما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل والشحوم ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ كالدم ولحم الخنزير والميتة والربا ﴿ويَضَعُ﴾ يخفف ويسقط ﴿عَنْهمْ إصْرَهمْ﴾ أي: ثقلهم العهد الثقيل الذي أخذ عليهم بالعمل بالتوراة ﴿والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ التكاليف الشاقة التي كانت في دينهم ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بهذا الرسول ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ عظموه ﴿ونَصَرُوهُ﴾ على عدوه ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: مع نبوته وقيل: متعلق باتبعوا القرآن مع اتباع النبي أي: اتبعوا الكتاب والسنة ﴿أُولَئِكَ هُمُ المفْلِحون﴾ الفائزون في الدارين.
الأعراف 7:153
﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلهًا ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وهو أمرهم بقتل أنفسهم للتوبة كما مر فهو حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى حين أخبره أو غضب في الآخرة ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إخراجهم من ديارهم وهوانهم إلى الأبد وقيل المراد من الذين اتخذوا العجل: أبناؤهم وهم يهود زمن النبي ﷺ وصف الأبناء بقبائح فعل الآباء ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ على الله تعالى ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ أي: الشرك ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها﴾ بعد السَّيِّئاتِ ﴿وآمَنُوا﴾ أخلصوا الإيمان واشتغلوا بما هو مقتضى الإيمان ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ بعد التوبة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ولَمّا سَكَتَ﴾ أي: سكن ﴿عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ﴾ التي ألقاها ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ أي: في الألواح فإنها نسخت من اللوح المحفوظ أو لما ألقى الألواح تكسرت ثم رد عليه لوحان أو لما تكسرت نسخ منها نسخة أخرى ﴿هُدًى﴾ من الضلال ﴿ورَحْمَةٌ﴾ من العذاب ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ للخائفين ودخول اللام في المفعول لضعف الفعل بالتأخير وقيل في يرهبون تضمين معنى الخضوع ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ منصوب بنزع الخافض أي: من قومه ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ أمر موسى أن يختار من بني إسرائيل سبعين ليدعوا ربَّهُم فلما دعوا قالوا اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدًا من قبلنا ولا من بعدنا فكره الله تعالى ذلك فأخذكم الرجفة أو اختار سبعين ليعتذروا من عبادة العجل فلما سمعوا كلام الله تعالى قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا أو أخذتهم الرجفة فإنهم علماء وما نهوا بني إسرائيل عن عبادة العجل، وقال بعضهم: ما ماتوا ثم بعد تضرع موسى كشف عنهم الرجفة فاطمأنوا أو ماتوا لكن أحياهم الله تعالى بدعاء موسى ﴿فَلَمّا أخَذَتهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ﴾ موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ﴾ لو للتمني ﴿أهْلَكْتَهم مِن قَبلُ وإيّايَ﴾ تمنى هلاكهم وهلاكه قبل أن يرى ما يرى، أو المراد أهلكتهم أي: عبدة العجل من قبل عبادتهم ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ من التجاسر على طلب الرؤية فإن بعضًا من السبعين طلبوا الرؤية، أو من عبادة العجل، ولذلك قيل: علماؤهم ما عبدوا العجل ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ اختبارك وامتحانك حين أسمعتهم كلامك فطمعوا في الرؤية، أو حين خلقت في العجل خوارًا فضلوا ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ ضلاله ﴿وتَهْدِي﴾ بها ﴿مَن تَشاءُ﴾ هداه ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ القائم بأمرنا ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ذنوبنا الماضية ﴿وارْحَمْنا﴾ بأن لا توقعنا بعد في مثله ﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ لأنك تغفر الذنوب جميعًا بلا عرض ولا عوض ﴿واكْتُبْ﴾ أي: أثبت ﴿لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ عافية وطاعة ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ جنة وقربة ﴿إنّا هُدْنا﴾ رجعنا وتبنا ﴿إلَيْكَ قالَ﴾ الله مجيبًا له في قوله: ”إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ“ ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ تعذيبه ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في الدنيا حتى الشجر والحجر ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ فسأوجب رحمتي في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكبائر ﴿ويُؤتونَ الزكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ بما أنزل على جميع الأنبياء لا يكفرون بشيء منها قيل لما اختار موسى سبعين قال لهم: أجعل لكم الأرض مسجدًا وطهورًا وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم؟ فقالوا: لا نريد إلا أن نصلي في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة في القلوب، ولا أن نقرأ التوراة إلا نظرًا قال تعالى: ”فسأكتبها للذين يتقون“ الآية ﴿الذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ أي: هم الذين أو بدل من الذين يتقون، والمراد اليهود الذين في آخر الزمان وآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام أو عامة أمته الصالحين ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ الذي لا يكتب ولا يقرأ ﴿الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ اسمه وصفته ﴿فِي التَّوْراةِ والإنجِيلِ يَأمُرُهُمْ﴾ النبي ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ والخير ﴿ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ والشر ﴿ويحِل لَهُمُ الطيِّباتِ﴾ مما حرموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة ومما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل والشحوم ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ كالدم ولحم الخنزير والميتة والربا ﴿ويَضَعُ﴾ يخفف ويسقط ﴿عَنْهمْ إصْرَهمْ﴾ أي: ثقلهم العهد الثقيل الذي أخذ عليهم بالعمل بالتوراة ﴿والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ التكاليف الشاقة التي كانت في دينهم ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بهذا الرسول ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ عظموه ﴿ونَصَرُوهُ﴾ على عدوه ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: مع نبوته وقيل: متعلق باتبعوا القرآن مع اتباع النبي أي: اتبعوا الكتاب والسنة ﴿أُولَئِكَ هُمُ المفْلِحون﴾ الفائزون في الدارين.
الأعراف 7:154
﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلهًا ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وهو أمرهم بقتل أنفسهم للتوبة كما مر فهو حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى حين أخبره أو غضب في الآخرة ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إخراجهم من ديارهم وهوانهم إلى الأبد وقيل المراد من الذين اتخذوا العجل: أبناؤهم وهم يهود زمن النبي ﷺ وصف الأبناء بقبائح فعل الآباء ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ على الله تعالى ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ أي: الشرك ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها﴾ بعد السَّيِّئاتِ ﴿وآمَنُوا﴾ أخلصوا الإيمان واشتغلوا بما هو مقتضى الإيمان ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ بعد التوبة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ولَمّا سَكَتَ﴾ أي: سكن ﴿عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ﴾ التي ألقاها ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ أي: في الألواح فإنها نسخت من اللوح المحفوظ أو لما ألقى الألواح تكسرت ثم رد عليه لوحان أو لما تكسرت نسخ منها نسخة أخرى ﴿هُدًى﴾ من الضلال ﴿ورَحْمَةٌ﴾ من العذاب ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ للخائفين ودخول اللام في المفعول لضعف الفعل بالتأخير وقيل في يرهبون تضمين معنى الخضوع ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ منصوب بنزع الخافض أي: من قومه ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ أمر موسى أن يختار من بني إسرائيل سبعين ليدعوا ربَّهُم فلما دعوا قالوا اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدًا من قبلنا ولا من بعدنا فكره الله تعالى ذلك فأخذكم الرجفة أو اختار سبعين ليعتذروا من عبادة العجل فلما سمعوا كلام الله تعالى قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا أو أخذتهم الرجفة فإنهم علماء وما نهوا بني إسرائيل عن عبادة العجل، وقال بعضهم: ما ماتوا ثم بعد تضرع موسى كشف عنهم الرجفة فاطمأنوا أو ماتوا لكن أحياهم الله تعالى بدعاء موسى ﴿فَلَمّا أخَذَتهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ﴾ موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ﴾ لو للتمني ﴿أهْلَكْتَهم مِن قَبلُ وإيّايَ﴾ تمنى هلاكهم وهلاكه قبل أن يرى ما يرى، أو المراد أهلكتهم أي: عبدة العجل من قبل عبادتهم ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ من التجاسر على طلب الرؤية فإن بعضًا من السبعين طلبوا الرؤية، أو من عبادة العجل، ولذلك قيل: علماؤهم ما عبدوا العجل ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ اختبارك وامتحانك حين أسمعتهم كلامك فطمعوا في الرؤية، أو حين خلقت في العجل خوارًا فضلوا ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ ضلاله ﴿وتَهْدِي﴾ بها ﴿مَن تَشاءُ﴾ هداه ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ القائم بأمرنا ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ذنوبنا الماضية ﴿وارْحَمْنا﴾ بأن لا توقعنا بعد في مثله ﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ لأنك تغفر الذنوب جميعًا بلا عرض ولا عوض ﴿واكْتُبْ﴾ أي: أثبت ﴿لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ عافية وطاعة ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ جنة وقربة ﴿إنّا هُدْنا﴾ رجعنا وتبنا ﴿إلَيْكَ قالَ﴾ الله مجيبًا له في قوله: ”إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ“ ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ تعذيبه ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في الدنيا حتى الشجر والحجر ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ فسأوجب رحمتي في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكبائر ﴿ويُؤتونَ الزكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ بما أنزل على جميع الأنبياء لا يكفرون بشيء منها قيل لما اختار موسى سبعين قال لهم: أجعل لكم الأرض مسجدًا وطهورًا وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم؟ فقالوا: لا نريد إلا أن نصلي في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة في القلوب، ولا أن نقرأ التوراة إلا نظرًا قال تعالى: ”فسأكتبها للذين يتقون“ الآية ﴿الذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ أي: هم الذين أو بدل من الذين يتقون، والمراد اليهود الذين في آخر الزمان وآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام أو عامة أمته الصالحين ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ الذي لا يكتب ولا يقرأ ﴿الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ اسمه وصفته ﴿فِي التَّوْراةِ والإنجِيلِ يَأمُرُهُمْ﴾ النبي ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ والخير ﴿ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ والشر ﴿ويحِل لَهُمُ الطيِّباتِ﴾ مما حرموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة ومما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل والشحوم ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ كالدم ولحم الخنزير والميتة والربا ﴿ويَضَعُ﴾ يخفف ويسقط ﴿عَنْهمْ إصْرَهمْ﴾ أي: ثقلهم العهد الثقيل الذي أخذ عليهم بالعمل بالتوراة ﴿والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ التكاليف الشاقة التي كانت في دينهم ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بهذا الرسول ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ عظموه ﴿ونَصَرُوهُ﴾ على عدوه ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: مع نبوته وقيل: متعلق باتبعوا القرآن مع اتباع النبي أي: اتبعوا الكتاب والسنة ﴿أُولَئِكَ هُمُ المفْلِحون﴾ الفائزون في الدارين.
الأعراف 7:155
﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلهًا ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وهو أمرهم بقتل أنفسهم للتوبة كما مر فهو حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى حين أخبره أو غضب في الآخرة ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إخراجهم من ديارهم وهوانهم إلى الأبد وقيل المراد من الذين اتخذوا العجل: أبناؤهم وهم يهود زمن النبي ﷺ وصف الأبناء بقبائح فعل الآباء ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ على الله تعالى ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ أي: الشرك ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها﴾ بعد السَّيِّئاتِ ﴿وآمَنُوا﴾ أخلصوا الإيمان واشتغلوا بما هو مقتضى الإيمان ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ بعد التوبة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ولَمّا سَكَتَ﴾ أي: سكن ﴿عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ﴾ التي ألقاها ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ أي: في الألواح فإنها نسخت من اللوح المحفوظ أو لما ألقى الألواح تكسرت ثم رد عليه لوحان أو لما تكسرت نسخ منها نسخة أخرى ﴿هُدًى﴾ من الضلال ﴿ورَحْمَةٌ﴾ من العذاب ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ للخائفين ودخول اللام في المفعول لضعف الفعل بالتأخير وقيل في يرهبون تضمين معنى الخضوع ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ منصوب بنزع الخافض أي: من قومه ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ أمر موسى أن يختار من بني إسرائيل سبعين ليدعوا ربَّهُم فلما دعوا قالوا اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدًا من قبلنا ولا من بعدنا فكره الله تعالى ذلك فأخذكم الرجفة أو اختار سبعين ليعتذروا من عبادة العجل فلما سمعوا كلام الله تعالى قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا أو أخذتهم الرجفة فإنهم علماء وما نهوا بني إسرائيل عن عبادة العجل، وقال بعضهم: ما ماتوا ثم بعد تضرع موسى كشف عنهم الرجفة فاطمأنوا أو ماتوا لكن أحياهم الله تعالى بدعاء موسى ﴿فَلَمّا أخَذَتهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ﴾ موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ﴾ لو للتمني ﴿أهْلَكْتَهم مِن قَبلُ وإيّايَ﴾ تمنى هلاكهم وهلاكه قبل أن يرى ما يرى، أو المراد أهلكتهم أي: عبدة العجل من قبل عبادتهم ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ من التجاسر على طلب الرؤية فإن بعضًا من السبعين طلبوا الرؤية، أو من عبادة العجل، ولذلك قيل: علماؤهم ما عبدوا العجل ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ اختبارك وامتحانك حين أسمعتهم كلامك فطمعوا في الرؤية، أو حين خلقت في العجل خوارًا فضلوا ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ ضلاله ﴿وتَهْدِي﴾ بها ﴿مَن تَشاءُ﴾ هداه ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ القائم بأمرنا ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ذنوبنا الماضية ﴿وارْحَمْنا﴾ بأن لا توقعنا بعد في مثله ﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ لأنك تغفر الذنوب جميعًا بلا عرض ولا عوض ﴿واكْتُبْ﴾ أي: أثبت ﴿لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ عافية وطاعة ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ جنة وقربة ﴿إنّا هُدْنا﴾ رجعنا وتبنا ﴿إلَيْكَ قالَ﴾ الله مجيبًا له في قوله: ”إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ“ ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ تعذيبه ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في الدنيا حتى الشجر والحجر ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ فسأوجب رحمتي في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكبائر ﴿ويُؤتونَ الزكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ بما أنزل على جميع الأنبياء لا يكفرون بشيء منها قيل لما اختار موسى سبعين قال لهم: أجعل لكم الأرض مسجدًا وطهورًا وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم؟ فقالوا: لا نريد إلا أن نصلي في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة في القلوب، ولا أن نقرأ التوراة إلا نظرًا قال تعالى: ”فسأكتبها للذين يتقون“ الآية ﴿الذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ أي: هم الذين أو بدل من الذين يتقون، والمراد اليهود الذين في آخر الزمان وآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام أو عامة أمته الصالحين ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ الذي لا يكتب ولا يقرأ ﴿الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ اسمه وصفته ﴿فِي التَّوْراةِ والإنجِيلِ يَأمُرُهُمْ﴾ النبي ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ والخير ﴿ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ والشر ﴿ويحِل لَهُمُ الطيِّباتِ﴾ مما حرموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة ومما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل والشحوم ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ كالدم ولحم الخنزير والميتة والربا ﴿ويَضَعُ﴾ يخفف ويسقط ﴿عَنْهمْ إصْرَهمْ﴾ أي: ثقلهم العهد الثقيل الذي أخذ عليهم بالعمل بالتوراة ﴿والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ التكاليف الشاقة التي كانت في دينهم ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بهذا الرسول ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ عظموه ﴿ونَصَرُوهُ﴾ على عدوه ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: مع نبوته وقيل: متعلق باتبعوا القرآن مع اتباع النبي أي: اتبعوا الكتاب والسنة ﴿أُولَئِكَ هُمُ المفْلِحون﴾ الفائزون في الدارين.
الأعراف 7:156
﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلهًا ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وهو أمرهم بقتل أنفسهم للتوبة كما مر فهو حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى حين أخبره أو غضب في الآخرة ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إخراجهم من ديارهم وهوانهم إلى الأبد وقيل المراد من الذين اتخذوا العجل: أبناؤهم وهم يهود زمن النبي ﷺ وصف الأبناء بقبائح فعل الآباء ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ على الله تعالى ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ أي: الشرك ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها﴾ بعد السَّيِّئاتِ ﴿وآمَنُوا﴾ أخلصوا الإيمان واشتغلوا بما هو مقتضى الإيمان ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ بعد التوبة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ولَمّا سَكَتَ﴾ أي: سكن ﴿عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ﴾ التي ألقاها ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ أي: في الألواح فإنها نسخت من اللوح المحفوظ أو لما ألقى الألواح تكسرت ثم رد عليه لوحان أو لما تكسرت نسخ منها نسخة أخرى ﴿هُدًى﴾ من الضلال ﴿ورَحْمَةٌ﴾ من العذاب ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ للخائفين ودخول اللام في المفعول لضعف الفعل بالتأخير وقيل في يرهبون تضمين معنى الخضوع ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ منصوب بنزع الخافض أي: من قومه ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ أمر موسى أن يختار من بني إسرائيل سبعين ليدعوا ربَّهُم فلما دعوا قالوا اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدًا من قبلنا ولا من بعدنا فكره الله تعالى ذلك فأخذكم الرجفة أو اختار سبعين ليعتذروا من عبادة العجل فلما سمعوا كلام الله تعالى قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا أو أخذتهم الرجفة فإنهم علماء وما نهوا بني إسرائيل عن عبادة العجل، وقال بعضهم: ما ماتوا ثم بعد تضرع موسى كشف عنهم الرجفة فاطمأنوا أو ماتوا لكن أحياهم الله تعالى بدعاء موسى ﴿فَلَمّا أخَذَتهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ﴾ موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ﴾ لو للتمني ﴿أهْلَكْتَهم مِن قَبلُ وإيّايَ﴾ تمنى هلاكهم وهلاكه قبل أن يرى ما يرى، أو المراد أهلكتهم أي: عبدة العجل من قبل عبادتهم ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ من التجاسر على طلب الرؤية فإن بعضًا من السبعين طلبوا الرؤية، أو من عبادة العجل، ولذلك قيل: علماؤهم ما عبدوا العجل ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ اختبارك وامتحانك حين أسمعتهم كلامك فطمعوا في الرؤية، أو حين خلقت في العجل خوارًا فضلوا ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ ضلاله ﴿وتَهْدِي﴾ بها ﴿مَن تَشاءُ﴾ هداه ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ القائم بأمرنا ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ذنوبنا الماضية ﴿وارْحَمْنا﴾ بأن لا توقعنا بعد في مثله ﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ لأنك تغفر الذنوب جميعًا بلا عرض ولا عوض ﴿واكْتُبْ﴾ أي: أثبت ﴿لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ عافية وطاعة ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ جنة وقربة ﴿إنّا هُدْنا﴾ رجعنا وتبنا ﴿إلَيْكَ قالَ﴾ الله مجيبًا له في قوله: ”إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ“ ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ تعذيبه ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في الدنيا حتى الشجر والحجر ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ فسأوجب رحمتي في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكبائر ﴿ويُؤتونَ الزكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ بما أنزل على جميع الأنبياء لا يكفرون بشيء منها قيل لما اختار موسى سبعين قال لهم: أجعل لكم الأرض مسجدًا وطهورًا وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم؟ فقالوا: لا نريد إلا أن نصلي في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة في القلوب، ولا أن نقرأ التوراة إلا نظرًا قال تعالى: ”فسأكتبها للذين يتقون“ الآية ﴿الذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ أي: هم الذين أو بدل من الذين يتقون، والمراد اليهود الذين في آخر الزمان وآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام أو عامة أمته الصالحين ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ الذي لا يكتب ولا يقرأ ﴿الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ اسمه وصفته ﴿فِي التَّوْراةِ والإنجِيلِ يَأمُرُهُمْ﴾ النبي ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ والخير ﴿ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ والشر ﴿ويحِل لَهُمُ الطيِّباتِ﴾ مما حرموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة ومما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل والشحوم ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ كالدم ولحم الخنزير والميتة والربا ﴿ويَضَعُ﴾ يخفف ويسقط ﴿عَنْهمْ إصْرَهمْ﴾ أي: ثقلهم العهد الثقيل الذي أخذ عليهم بالعمل بالتوراة ﴿والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ التكاليف الشاقة التي كانت في دينهم ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بهذا الرسول ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ عظموه ﴿ونَصَرُوهُ﴾ على عدوه ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: مع نبوته وقيل: متعلق باتبعوا القرآن مع اتباع النبي أي: اتبعوا الكتاب والسنة ﴿أُولَئِكَ هُمُ المفْلِحون﴾ الفائزون في الدارين.
الأعراف 7:157
﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلهًا ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وهو أمرهم بقتل أنفسهم للتوبة كما مر فهو حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى حين أخبره أو غضب في الآخرة ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إخراجهم من ديارهم وهوانهم إلى الأبد وقيل المراد من الذين اتخذوا العجل: أبناؤهم وهم يهود زمن النبي ﷺ وصف الأبناء بقبائح فعل الآباء ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ على الله تعالى ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ أي: الشرك ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها﴾ بعد السَّيِّئاتِ ﴿وآمَنُوا﴾ أخلصوا الإيمان واشتغلوا بما هو مقتضى الإيمان ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ بعد التوبة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ولَمّا سَكَتَ﴾ أي: سكن ﴿عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ﴾ التي ألقاها ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ أي: في الألواح فإنها نسخت من اللوح المحفوظ أو لما ألقى الألواح تكسرت ثم رد عليه لوحان أو لما تكسرت نسخ منها نسخة أخرى ﴿هُدًى﴾ من الضلال ﴿ورَحْمَةٌ﴾ من العذاب ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ للخائفين ودخول اللام في المفعول لضعف الفعل بالتأخير وقيل في يرهبون تضمين معنى الخضوع ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ منصوب بنزع الخافض أي: من قومه ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ أمر موسى أن يختار من بني إسرائيل سبعين ليدعوا ربَّهُم فلما دعوا قالوا اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدًا من قبلنا ولا من بعدنا فكره الله تعالى ذلك فأخذكم الرجفة أو اختار سبعين ليعتذروا من عبادة العجل فلما سمعوا كلام الله تعالى قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا أو أخذتهم الرجفة فإنهم علماء وما نهوا بني إسرائيل عن عبادة العجل، وقال بعضهم: ما ماتوا ثم بعد تضرع موسى كشف عنهم الرجفة فاطمأنوا أو ماتوا لكن أحياهم الله تعالى بدعاء موسى ﴿فَلَمّا أخَذَتهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ﴾ موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ﴾ لو للتمني ﴿أهْلَكْتَهم مِن قَبلُ وإيّايَ﴾ تمنى هلاكهم وهلاكه قبل أن يرى ما يرى، أو المراد أهلكتهم أي: عبدة العجل من قبل عبادتهم ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ من التجاسر على طلب الرؤية فإن بعضًا من السبعين طلبوا الرؤية، أو من عبادة العجل، ولذلك قيل: علماؤهم ما عبدوا العجل ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ اختبارك وامتحانك حين أسمعتهم كلامك فطمعوا في الرؤية، أو حين خلقت في العجل خوارًا فضلوا ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ ضلاله ﴿وتَهْدِي﴾ بها ﴿مَن تَشاءُ﴾ هداه ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ القائم بأمرنا ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ذنوبنا الماضية ﴿وارْحَمْنا﴾ بأن لا توقعنا بعد في مثله ﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ لأنك تغفر الذنوب جميعًا بلا عرض ولا عوض ﴿واكْتُبْ﴾ أي: أثبت ﴿لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ عافية وطاعة ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ جنة وقربة ﴿إنّا هُدْنا﴾ رجعنا وتبنا ﴿إلَيْكَ قالَ﴾ الله مجيبًا له في قوله: ”إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ“ ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ تعذيبه ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في الدنيا حتى الشجر والحجر ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ فسأوجب رحمتي في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكبائر ﴿ويُؤتونَ الزكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ بما أنزل على جميع الأنبياء لا يكفرون بشيء منها قيل لما اختار موسى سبعين قال لهم: أجعل لكم الأرض مسجدًا وطهورًا وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم؟ فقالوا: لا نريد إلا أن نصلي في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة في القلوب، ولا أن نقرأ التوراة إلا نظرًا قال تعالى: ”فسأكتبها للذين يتقون“ الآية ﴿الذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ أي: هم الذين أو بدل من الذين يتقون، والمراد اليهود الذين في آخر الزمان وآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام أو عامة أمته الصالحين ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ الذي لا يكتب ولا يقرأ ﴿الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ اسمه وصفته ﴿فِي التَّوْراةِ والإنجِيلِ يَأمُرُهُمْ﴾ النبي ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ والخير ﴿ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ والشر ﴿ويحِل لَهُمُ الطيِّباتِ﴾ مما حرموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة ومما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل والشحوم ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ كالدم ولحم الخنزير والميتة والربا ﴿ويَضَعُ﴾ يخفف ويسقط ﴿عَنْهمْ إصْرَهمْ﴾ أي: ثقلهم العهد الثقيل الذي أخذ عليهم بالعمل بالتوراة ﴿والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ التكاليف الشاقة التي كانت في دينهم ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بهذا الرسول ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ عظموه ﴿ونَصَرُوهُ﴾ على عدوه ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: مع نبوته وقيل: متعلق باتبعوا القرآن مع اتباع النبي أي: اتبعوا الكتاب والسنة ﴿أُولَئِكَ هُمُ المفْلِحون﴾ الفائزون في الدارين.
الأعراف 7:158
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ خطاب عام لا يشذ عنها أحد ﴿إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي﴾ صفة الله والفصل غير أجنبي أو منصوب بتقدير أعني ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ بدل اشتمال من له ملك السماوات ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وكَلِماتِهِ﴾ جميع كتبه ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ في الإيمان بالله وجميع الكتب وبما أمر ونهى ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لكي تهتدوا ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ بني إسرائيل ﴿أمَّةٌ يَهْدُون﴾ الناس ﴿بِالحَقِّ﴾ محقين ﴿وبِهِ﴾ بالحق ﴿يَعْدِلُون﴾ في الحكم وهم الثابتون على الحق من اليهود قرنا بعد قرن أو من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأتباعه أو قوم وراء الصين هم على الحق آمنوا بمحمد لا يصل أحد منهم إلينا ولا منا إليهم.
﴿وقَطَّعْناهُمُ﴾ صيرنا بني إسرائيل قطعًا وفرقناهم ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ مفعول ثان لقطع لأنه متضمن معنى صير أو حال وتأنيثه للحمل على الأمة أو القطعة ﴿أسْباطًا﴾ تمييز له وهو من الجمع الذي وقع موقع المفرد فإن معناها القبيلة؛ لأن كل قبيلة أسباط لا سبط أو بدل منه ﴿أُمَمًا﴾ بدل أو نعت لأسباطًا ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ في التيه ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ جنس الحجر أو حجرًا خاصًا كان معه كما مر ذكره في سورة البقرة ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ أي: فضرب فانفجرت ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ كل قبيلة ﴿مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ لدفع حر الشمس ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ﴾ شيء كالترنجبين ﴿والسَّلْوى﴾ طير كالسماني وقلنا لهم ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ﴾ مستلذات ﴿ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا﴾ ما رجع ضر كفران نعمه إلينا ﴿ولَكِنْ كانُوا أئفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ يضرون أنفسهم ووبال فعلهم راجع إليهم ﴿وإذ قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: واذكر هذا الزمان ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَريةَ﴾ بيت المقدس أو أريحا ﴿وكُلُوا مِنها حَيْثُ شئْتُمْ وقُولُوا حِطةٌ﴾ أي: مغفرة يعني استغفروا أو أقروا بالذنب أو احطط عنا الخطايا ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ باب البلد ﴿سُجَّدًا﴾ شكرًا لله تعالى على الفتح والإنقاذ من التيه ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ثوابًا وهو استئناف ولم يأت بالعطف إشعارًا على أنه تفضل محض ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ بدلوا بحطة حنطة استهزاء ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا﴾ عذائا مقدرًا ﴿مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بسبب ظلمهم.
الأعراف 7:159
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ خطاب عام لا يشذ عنها أحد ﴿إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي﴾ صفة الله والفصل غير أجنبي أو منصوب بتقدير أعني ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ بدل اشتمال من له ملك السماوات ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وكَلِماتِهِ﴾ جميع كتبه ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ في الإيمان بالله وجميع الكتب وبما أمر ونهى ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لكي تهتدوا ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ بني إسرائيل ﴿أمَّةٌ يَهْدُون﴾ الناس ﴿بِالحَقِّ﴾ محقين ﴿وبِهِ﴾ بالحق ﴿يَعْدِلُون﴾ في الحكم وهم الثابتون على الحق من اليهود قرنا بعد قرن أو من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأتباعه أو قوم وراء الصين هم على الحق آمنوا بمحمد لا يصل أحد منهم إلينا ولا منا إليهم.
﴿وقَطَّعْناهُمُ﴾ صيرنا بني إسرائيل قطعًا وفرقناهم ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ مفعول ثان لقطع لأنه متضمن معنى صير أو حال وتأنيثه للحمل على الأمة أو القطعة ﴿أسْباطًا﴾ تمييز له وهو من الجمع الذي وقع موقع المفرد فإن معناها القبيلة؛ لأن كل قبيلة أسباط لا سبط أو بدل منه ﴿أُمَمًا﴾ بدل أو نعت لأسباطًا ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ في التيه ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ جنس الحجر أو حجرًا خاصًا كان معه كما مر ذكره في سورة البقرة ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ أي: فضرب فانفجرت ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ كل قبيلة ﴿مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ لدفع حر الشمس ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ﴾ شيء كالترنجبين ﴿والسَّلْوى﴾ طير كالسماني وقلنا لهم ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ﴾ مستلذات ﴿ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا﴾ ما رجع ضر كفران نعمه إلينا ﴿ولَكِنْ كانُوا أئفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ يضرون أنفسهم ووبال فعلهم راجع إليهم ﴿وإذ قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: واذكر هذا الزمان ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَريةَ﴾ بيت المقدس أو أريحا ﴿وكُلُوا مِنها حَيْثُ شئْتُمْ وقُولُوا حِطةٌ﴾ أي: مغفرة يعني استغفروا أو أقروا بالذنب أو احطط عنا الخطايا ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ باب البلد ﴿سُجَّدًا﴾ شكرًا لله تعالى على الفتح والإنقاذ من التيه ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ثوابًا وهو استئناف ولم يأت بالعطف إشعارًا على أنه تفضل محض ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ بدلوا بحطة حنطة استهزاء ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا﴾ عذائا مقدرًا ﴿مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بسبب ظلمهم.
الأعراف 7:160
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ خطاب عام لا يشذ عنها أحد ﴿إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي﴾ صفة الله والفصل غير أجنبي أو منصوب بتقدير أعني ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ بدل اشتمال من له ملك السماوات ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وكَلِماتِهِ﴾ جميع كتبه ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ في الإيمان بالله وجميع الكتب وبما أمر ونهى ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لكي تهتدوا ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ بني إسرائيل ﴿أمَّةٌ يَهْدُون﴾ الناس ﴿بِالحَقِّ﴾ محقين ﴿وبِهِ﴾ بالحق ﴿يَعْدِلُون﴾ في الحكم وهم الثابتون على الحق من اليهود قرنا بعد قرن أو من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأتباعه أو قوم وراء الصين هم على الحق آمنوا بمحمد لا يصل أحد منهم إلينا ولا منا إليهم.
﴿وقَطَّعْناهُمُ﴾ صيرنا بني إسرائيل قطعًا وفرقناهم ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ مفعول ثان لقطع لأنه متضمن معنى صير أو حال وتأنيثه للحمل على الأمة أو القطعة ﴿أسْباطًا﴾ تمييز له وهو من الجمع الذي وقع موقع المفرد فإن معناها القبيلة؛ لأن كل قبيلة أسباط لا سبط أو بدل منه ﴿أُمَمًا﴾ بدل أو نعت لأسباطًا ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ في التيه ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ جنس الحجر أو حجرًا خاصًا كان معه كما مر ذكره في سورة البقرة ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ أي: فضرب فانفجرت ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ كل قبيلة ﴿مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ لدفع حر الشمس ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ﴾ شيء كالترنجبين ﴿والسَّلْوى﴾ طير كالسماني وقلنا لهم ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ﴾ مستلذات ﴿ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا﴾ ما رجع ضر كفران نعمه إلينا ﴿ولَكِنْ كانُوا أئفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ يضرون أنفسهم ووبال فعلهم راجع إليهم ﴿وإذ قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: واذكر هذا الزمان ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَريةَ﴾ بيت المقدس أو أريحا ﴿وكُلُوا مِنها حَيْثُ شئْتُمْ وقُولُوا حِطةٌ﴾ أي: مغفرة يعني استغفروا أو أقروا بالذنب أو احطط عنا الخطايا ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ باب البلد ﴿سُجَّدًا﴾ شكرًا لله تعالى على الفتح والإنقاذ من التيه ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ثوابًا وهو استئناف ولم يأت بالعطف إشعارًا على أنه تفضل محض ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ بدلوا بحطة حنطة استهزاء ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا﴾ عذائا مقدرًا ﴿مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بسبب ظلمهم.
الأعراف 7:161
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ خطاب عام لا يشذ عنها أحد ﴿إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي﴾ صفة الله والفصل غير أجنبي أو منصوب بتقدير أعني ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ بدل اشتمال من له ملك السماوات ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وكَلِماتِهِ﴾ جميع كتبه ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ في الإيمان بالله وجميع الكتب وبما أمر ونهى ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لكي تهتدوا ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ بني إسرائيل ﴿أمَّةٌ يَهْدُون﴾ الناس ﴿بِالحَقِّ﴾ محقين ﴿وبِهِ﴾ بالحق ﴿يَعْدِلُون﴾ في الحكم وهم الثابتون على الحق من اليهود قرنا بعد قرن أو من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأتباعه أو قوم وراء الصين هم على الحق آمنوا بمحمد لا يصل أحد منهم إلينا ولا منا إليهم.
﴿وقَطَّعْناهُمُ﴾ صيرنا بني إسرائيل قطعًا وفرقناهم ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ مفعول ثان لقطع لأنه متضمن معنى صير أو حال وتأنيثه للحمل على الأمة أو القطعة ﴿أسْباطًا﴾ تمييز له وهو من الجمع الذي وقع موقع المفرد فإن معناها القبيلة؛ لأن كل قبيلة أسباط لا سبط أو بدل منه ﴿أُمَمًا﴾ بدل أو نعت لأسباطًا ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ في التيه ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ جنس الحجر أو حجرًا خاصًا كان معه كما مر ذكره في سورة البقرة ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ أي: فضرب فانفجرت ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ كل قبيلة ﴿مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ لدفع حر الشمس ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ﴾ شيء كالترنجبين ﴿والسَّلْوى﴾ طير كالسماني وقلنا لهم ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ﴾ مستلذات ﴿ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا﴾ ما رجع ضر كفران نعمه إلينا ﴿ولَكِنْ كانُوا أئفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ يضرون أنفسهم ووبال فعلهم راجع إليهم ﴿وإذ قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: واذكر هذا الزمان ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَريةَ﴾ بيت المقدس أو أريحا ﴿وكُلُوا مِنها حَيْثُ شئْتُمْ وقُولُوا حِطةٌ﴾ أي: مغفرة يعني استغفروا أو أقروا بالذنب أو احطط عنا الخطايا ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ باب البلد ﴿سُجَّدًا﴾ شكرًا لله تعالى على الفتح والإنقاذ من التيه ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ثوابًا وهو استئناف ولم يأت بالعطف إشعارًا على أنه تفضل محض ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ بدلوا بحطة حنطة استهزاء ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا﴾ عذائا مقدرًا ﴿مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بسبب ظلمهم.
الأعراف 7:162
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ خطاب عام لا يشذ عنها أحد ﴿إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي﴾ صفة الله والفصل غير أجنبي أو منصوب بتقدير أعني ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ بدل اشتمال من له ملك السماوات ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وكَلِماتِهِ﴾ جميع كتبه ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ في الإيمان بالله وجميع الكتب وبما أمر ونهى ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لكي تهتدوا ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ بني إسرائيل ﴿أمَّةٌ يَهْدُون﴾ الناس ﴿بِالحَقِّ﴾ محقين ﴿وبِهِ﴾ بالحق ﴿يَعْدِلُون﴾ في الحكم وهم الثابتون على الحق من اليهود قرنا بعد قرن أو من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأتباعه أو قوم وراء الصين هم على الحق آمنوا بمحمد لا يصل أحد منهم إلينا ولا منا إليهم.
﴿وقَطَّعْناهُمُ﴾ صيرنا بني إسرائيل قطعًا وفرقناهم ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ مفعول ثان لقطع لأنه متضمن معنى صير أو حال وتأنيثه للحمل على الأمة أو القطعة ﴿أسْباطًا﴾ تمييز له وهو من الجمع الذي وقع موقع المفرد فإن معناها القبيلة؛ لأن كل قبيلة أسباط لا سبط أو بدل منه ﴿أُمَمًا﴾ بدل أو نعت لأسباطًا ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ في التيه ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ جنس الحجر أو حجرًا خاصًا كان معه كما مر ذكره في سورة البقرة ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ أي: فضرب فانفجرت ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ كل قبيلة ﴿مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ لدفع حر الشمس ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ﴾ شيء كالترنجبين ﴿والسَّلْوى﴾ طير كالسماني وقلنا لهم ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ﴾ مستلذات ﴿ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا﴾ ما رجع ضر كفران نعمه إلينا ﴿ولَكِنْ كانُوا أئفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ يضرون أنفسهم ووبال فعلهم راجع إليهم ﴿وإذ قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: واذكر هذا الزمان ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَريةَ﴾ بيت المقدس أو أريحا ﴿وكُلُوا مِنها حَيْثُ شئْتُمْ وقُولُوا حِطةٌ﴾ أي: مغفرة يعني استغفروا أو أقروا بالذنب أو احطط عنا الخطايا ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ باب البلد ﴿سُجَّدًا﴾ شكرًا لله تعالى على الفتح والإنقاذ من التيه ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ثوابًا وهو استئناف ولم يأت بالعطف إشعارًا على أنه تفضل محض ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ بدلوا بحطة حنطة استهزاء ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا﴾ عذائا مقدرًا ﴿مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بسبب ظلمهم.
الأعراف 7:163
﴿واسْألْهُمْ﴾ أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين بحضرتك سؤال توبيخ وتقريع ﴿عَنِ القَريةِ﴾ أي: خبر أهلها ﴿التِي كانتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قريبة منه، وهي أيلة بين مدين والطور ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ بدل من اشتمال القرية أو ظرف كانت أو حاضرة، ومعناه يتجاوزون حدود الله يوم السبت ﴿إذ تَأتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ أي: يوم تعظيمهم أمر السبت من سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة ﴿شُرَّعًا﴾ ظاهرة على الماء حال من الحيتان ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُون﴾ لا يعظمون سبتهم وهو غير يوم السبت ﴿لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الامتحان التام ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم بإظهار السمك في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائها في اليوم المحلل لهم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب خروجهم عن طاعة الله تعالى ﴿وإذْ قالَتْ﴾ عطف على إذ يعدون ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أي: فرقة من أهل القرية فإنهم ثلاث فرق: فرقة ارتكبوا الخطيئة، وفرقة ناهية، وفرقة سكتوا فما ارتكبوا وما نهوهم، فقالت الفرقة الساكتة للناهية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ فإنهم علموا لكثرة عدم نفع الموعظة أنها لا تنفع لا محالة استحقوا سخط الله تعالى ﴿قالُوا﴾ أي: الفرقة الناهية ترهيبًا لهم هذه ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، ومن قرأ بالنصب فتقديره وعظناهم معذرة ﴿ولَعَلَّهم يَتقُونَ﴾ عن الاصطياد في السبت فلا نيأس من أن تدركهم الرحمة ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ تركوا ترك الناسي ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خالفوا أمرنا ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ شديد ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم والأصح أن الفرقة المرتكبة دون غيرهم صاروا قردة والفرقتين الأخريين نجوا وعند بعضهم أن الفرقة الساكتة أيضًا مسخوا ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ تكبروا ﴿عَن﴾ ترك ﴿ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ﴾ عن بعض السلف أنّهم سمعوا مناديًا قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ذليلين أو المراد من أمرهم سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك لا حقيقة الأمر والأصح أن المسخ صوري ومعنوي ثم هلكوا بعد ثلاثة أيام ولم يبق منهم نسل، والعذاب البئيس هو المسخ فهذه الآية تقرير وتفصيل للأولى.
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ أعلم أو قال أو أمر وحكم ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود وأجرى تَأذَّنَ كعلم الله وشهد الله مجرى القسم ولذلك أجيب بقوله ليبعثن ﴿إلى يَوْمِ القيامَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾ يعذبهم ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أي: أوجب الله على نفسه ليسلطن عليهم من يعذبهم بضرب الجزية والإهانة وسبي النساء إلى آخر الدهر ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ لمن أصر على المعصية ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على من تاب وأناب ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ فرقناهم في البلاد فلا تجتمع كلمتهم مفعول ثان؛ لأن القطع بمعنى التصيير ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ صفة أمم ﴿ومِنهُمْ﴾ ناس ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ منحطون عن الصلاح ﴿وبَلَوناهُمْ﴾ امتحناهم ﴿بِالحَسَناتِ﴾ بالنعم ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ بالنقم ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا فيه ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح ﴿خَلْفٌ﴾ والخلف بسكون العين البدل السوء ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ التوراة من أسلافهم ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أي: حطام هذه الدنيا الحقير كالرشوة في تبديل حكم الله والجملة حال من فاعل ورثوا ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ الفعل مسند إلى الجار والمجرور ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجون المغفرة والحال أنّهم مصرون على الذنب عائدون على مثله. عن السدي كان بعضهم يطعن في حكامهم بأخذ الرشوة فإذا جعل مكان حاكمهم من يطعن بأخذ الرشوة هو أيضًا يأخذ فحاصله وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أي: في التوراة ﴿أنْ لا يَقُولُوا﴾ أي: بأن لا يقولوا أو عطف بيان لميثاق ﴿عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ فهم ذاكرون لهذا الميثاق عطف على ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ ﴿والدّارُ الاخِرَةُ خَيْرٌ لِلذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي لا للذين يخالفون أمر الله تعالى فإن مصيرهم إلى النار ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فيعلموا ذلك ويرتدعوا عما هم فيه ﴿والذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكتابِ﴾ اعتصموا بكتابهم فآمنوا بمحمد ﷺ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ﴾ خبر الذين يمسكون ﴿أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ أي: أجرهم لإصلاحهم ﴿وإذْ نَتَقْنا﴾ رفعنا ﴿الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ الظلة: كل ما أظلك ﴿وظَنُّوا﴾ تيقنوا ﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقط عليهم إن خالفوا وقلنا لهم: ﴿خُذُوا ما آتيْناكُم﴾ من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد في العمل به ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ فاعملوا به ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ كي تتقوا عن القبائح وذلك أنّهم أبوا قبول أحكام التوراة فرفع الطور فوقهم، وقيل لهم: إن قبلتم وإلا ليقعن عليكم فسجدوا وقبلوا.
الأعراف 7:164
﴿واسْألْهُمْ﴾ أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين بحضرتك سؤال توبيخ وتقريع ﴿عَنِ القَريةِ﴾ أي: خبر أهلها ﴿التِي كانتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قريبة منه، وهي أيلة بين مدين والطور ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ بدل من اشتمال القرية أو ظرف كانت أو حاضرة، ومعناه يتجاوزون حدود الله يوم السبت ﴿إذ تَأتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ أي: يوم تعظيمهم أمر السبت من سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة ﴿شُرَّعًا﴾ ظاهرة على الماء حال من الحيتان ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُون﴾ لا يعظمون سبتهم وهو غير يوم السبت ﴿لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الامتحان التام ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم بإظهار السمك في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائها في اليوم المحلل لهم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب خروجهم عن طاعة الله تعالى ﴿وإذْ قالَتْ﴾ عطف على إذ يعدون ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أي: فرقة من أهل القرية فإنهم ثلاث فرق: فرقة ارتكبوا الخطيئة، وفرقة ناهية، وفرقة سكتوا فما ارتكبوا وما نهوهم، فقالت الفرقة الساكتة للناهية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ فإنهم علموا لكثرة عدم نفع الموعظة أنها لا تنفع لا محالة استحقوا سخط الله تعالى ﴿قالُوا﴾ أي: الفرقة الناهية ترهيبًا لهم هذه ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، ومن قرأ بالنصب فتقديره وعظناهم معذرة ﴿ولَعَلَّهم يَتقُونَ﴾ عن الاصطياد في السبت فلا نيأس من أن تدركهم الرحمة ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ تركوا ترك الناسي ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خالفوا أمرنا ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ شديد ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم والأصح أن الفرقة المرتكبة دون غيرهم صاروا قردة والفرقتين الأخريين نجوا وعند بعضهم أن الفرقة الساكتة أيضًا مسخوا ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ تكبروا ﴿عَن﴾ ترك ﴿ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ﴾ عن بعض السلف أنّهم سمعوا مناديًا قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ذليلين أو المراد من أمرهم سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك لا حقيقة الأمر والأصح أن المسخ صوري ومعنوي ثم هلكوا بعد ثلاثة أيام ولم يبق منهم نسل، والعذاب البئيس هو المسخ فهذه الآية تقرير وتفصيل للأولى.
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ أعلم أو قال أو أمر وحكم ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود وأجرى تَأذَّنَ كعلم الله وشهد الله مجرى القسم ولذلك أجيب بقوله ليبعثن ﴿إلى يَوْمِ القيامَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾ يعذبهم ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أي: أوجب الله على نفسه ليسلطن عليهم من يعذبهم بضرب الجزية والإهانة وسبي النساء إلى آخر الدهر ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ لمن أصر على المعصية ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على من تاب وأناب ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ فرقناهم في البلاد فلا تجتمع كلمتهم مفعول ثان؛ لأن القطع بمعنى التصيير ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ صفة أمم ﴿ومِنهُمْ﴾ ناس ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ منحطون عن الصلاح ﴿وبَلَوناهُمْ﴾ امتحناهم ﴿بِالحَسَناتِ﴾ بالنعم ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ بالنقم ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا فيه ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح ﴿خَلْفٌ﴾ والخلف بسكون العين البدل السوء ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ التوراة من أسلافهم ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أي: حطام هذه الدنيا الحقير كالرشوة في تبديل حكم الله والجملة حال من فاعل ورثوا ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ الفعل مسند إلى الجار والمجرور ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجون المغفرة والحال أنّهم مصرون على الذنب عائدون على مثله. عن السدي كان بعضهم يطعن في حكامهم بأخذ الرشوة فإذا جعل مكان حاكمهم من يطعن بأخذ الرشوة هو أيضًا يأخذ فحاصله وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أي: في التوراة ﴿أنْ لا يَقُولُوا﴾ أي: بأن لا يقولوا أو عطف بيان لميثاق ﴿عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ فهم ذاكرون لهذا الميثاق عطف على ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ ﴿والدّارُ الاخِرَةُ خَيْرٌ لِلذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي لا للذين يخالفون أمر الله تعالى فإن مصيرهم إلى النار ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فيعلموا ذلك ويرتدعوا عما هم فيه ﴿والذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكتابِ﴾ اعتصموا بكتابهم فآمنوا بمحمد ﷺ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ﴾ خبر الذين يمسكون ﴿أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ أي: أجرهم لإصلاحهم ﴿وإذْ نَتَقْنا﴾ رفعنا ﴿الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ الظلة: كل ما أظلك ﴿وظَنُّوا﴾ تيقنوا ﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقط عليهم إن خالفوا وقلنا لهم: ﴿خُذُوا ما آتيْناكُم﴾ من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد في العمل به ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ فاعملوا به ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ كي تتقوا عن القبائح وذلك أنّهم أبوا قبول أحكام التوراة فرفع الطور فوقهم، وقيل لهم: إن قبلتم وإلا ليقعن عليكم فسجدوا وقبلوا.
الأعراف 7:165
﴿واسْألْهُمْ﴾ أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين بحضرتك سؤال توبيخ وتقريع ﴿عَنِ القَريةِ﴾ أي: خبر أهلها ﴿التِي كانتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قريبة منه، وهي أيلة بين مدين والطور ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ بدل من اشتمال القرية أو ظرف كانت أو حاضرة، ومعناه يتجاوزون حدود الله يوم السبت ﴿إذ تَأتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ أي: يوم تعظيمهم أمر السبت من سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة ﴿شُرَّعًا﴾ ظاهرة على الماء حال من الحيتان ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُون﴾ لا يعظمون سبتهم وهو غير يوم السبت ﴿لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الامتحان التام ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم بإظهار السمك في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائها في اليوم المحلل لهم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب خروجهم عن طاعة الله تعالى ﴿وإذْ قالَتْ﴾ عطف على إذ يعدون ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أي: فرقة من أهل القرية فإنهم ثلاث فرق: فرقة ارتكبوا الخطيئة، وفرقة ناهية، وفرقة سكتوا فما ارتكبوا وما نهوهم، فقالت الفرقة الساكتة للناهية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ فإنهم علموا لكثرة عدم نفع الموعظة أنها لا تنفع لا محالة استحقوا سخط الله تعالى ﴿قالُوا﴾ أي: الفرقة الناهية ترهيبًا لهم هذه ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، ومن قرأ بالنصب فتقديره وعظناهم معذرة ﴿ولَعَلَّهم يَتقُونَ﴾ عن الاصطياد في السبت فلا نيأس من أن تدركهم الرحمة ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ تركوا ترك الناسي ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خالفوا أمرنا ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ شديد ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم والأصح أن الفرقة المرتكبة دون غيرهم صاروا قردة والفرقتين الأخريين نجوا وعند بعضهم أن الفرقة الساكتة أيضًا مسخوا ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ تكبروا ﴿عَن﴾ ترك ﴿ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ﴾ عن بعض السلف أنّهم سمعوا مناديًا قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ذليلين أو المراد من أمرهم سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك لا حقيقة الأمر والأصح أن المسخ صوري ومعنوي ثم هلكوا بعد ثلاثة أيام ولم يبق منهم نسل، والعذاب البئيس هو المسخ فهذه الآية تقرير وتفصيل للأولى.
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ أعلم أو قال أو أمر وحكم ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود وأجرى تَأذَّنَ كعلم الله وشهد الله مجرى القسم ولذلك أجيب بقوله ليبعثن ﴿إلى يَوْمِ القيامَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾ يعذبهم ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أي: أوجب الله على نفسه ليسلطن عليهم من يعذبهم بضرب الجزية والإهانة وسبي النساء إلى آخر الدهر ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ لمن أصر على المعصية ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على من تاب وأناب ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ فرقناهم في البلاد فلا تجتمع كلمتهم مفعول ثان؛ لأن القطع بمعنى التصيير ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ صفة أمم ﴿ومِنهُمْ﴾ ناس ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ منحطون عن الصلاح ﴿وبَلَوناهُمْ﴾ امتحناهم ﴿بِالحَسَناتِ﴾ بالنعم ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ بالنقم ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا فيه ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح ﴿خَلْفٌ﴾ والخلف بسكون العين البدل السوء ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ التوراة من أسلافهم ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أي: حطام هذه الدنيا الحقير كالرشوة في تبديل حكم الله والجملة حال من فاعل ورثوا ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ الفعل مسند إلى الجار والمجرور ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجون المغفرة والحال أنّهم مصرون على الذنب عائدون على مثله. عن السدي كان بعضهم يطعن في حكامهم بأخذ الرشوة فإذا جعل مكان حاكمهم من يطعن بأخذ الرشوة هو أيضًا يأخذ فحاصله وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أي: في التوراة ﴿أنْ لا يَقُولُوا﴾ أي: بأن لا يقولوا أو عطف بيان لميثاق ﴿عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ فهم ذاكرون لهذا الميثاق عطف على ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ ﴿والدّارُ الاخِرَةُ خَيْرٌ لِلذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي لا للذين يخالفون أمر الله تعالى فإن مصيرهم إلى النار ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فيعلموا ذلك ويرتدعوا عما هم فيه ﴿والذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكتابِ﴾ اعتصموا بكتابهم فآمنوا بمحمد ﷺ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ﴾ خبر الذين يمسكون ﴿أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ أي: أجرهم لإصلاحهم ﴿وإذْ نَتَقْنا﴾ رفعنا ﴿الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ الظلة: كل ما أظلك ﴿وظَنُّوا﴾ تيقنوا ﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقط عليهم إن خالفوا وقلنا لهم: ﴿خُذُوا ما آتيْناكُم﴾ من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد في العمل به ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ فاعملوا به ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ كي تتقوا عن القبائح وذلك أنّهم أبوا قبول أحكام التوراة فرفع الطور فوقهم، وقيل لهم: إن قبلتم وإلا ليقعن عليكم فسجدوا وقبلوا.
الأعراف 7:166
﴿واسْألْهُمْ﴾ أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين بحضرتك سؤال توبيخ وتقريع ﴿عَنِ القَريةِ﴾ أي: خبر أهلها ﴿التِي كانتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قريبة منه، وهي أيلة بين مدين والطور ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ بدل من اشتمال القرية أو ظرف كانت أو حاضرة، ومعناه يتجاوزون حدود الله يوم السبت ﴿إذ تَأتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ أي: يوم تعظيمهم أمر السبت من سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة ﴿شُرَّعًا﴾ ظاهرة على الماء حال من الحيتان ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُون﴾ لا يعظمون سبتهم وهو غير يوم السبت ﴿لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الامتحان التام ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم بإظهار السمك في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائها في اليوم المحلل لهم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب خروجهم عن طاعة الله تعالى ﴿وإذْ قالَتْ﴾ عطف على إذ يعدون ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أي: فرقة من أهل القرية فإنهم ثلاث فرق: فرقة ارتكبوا الخطيئة، وفرقة ناهية، وفرقة سكتوا فما ارتكبوا وما نهوهم، فقالت الفرقة الساكتة للناهية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ فإنهم علموا لكثرة عدم نفع الموعظة أنها لا تنفع لا محالة استحقوا سخط الله تعالى ﴿قالُوا﴾ أي: الفرقة الناهية ترهيبًا لهم هذه ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، ومن قرأ بالنصب فتقديره وعظناهم معذرة ﴿ولَعَلَّهم يَتقُونَ﴾ عن الاصطياد في السبت فلا نيأس من أن تدركهم الرحمة ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ تركوا ترك الناسي ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خالفوا أمرنا ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ شديد ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم والأصح أن الفرقة المرتكبة دون غيرهم صاروا قردة والفرقتين الأخريين نجوا وعند بعضهم أن الفرقة الساكتة أيضًا مسخوا ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ تكبروا ﴿عَن﴾ ترك ﴿ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ﴾ عن بعض السلف أنّهم سمعوا مناديًا قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ذليلين أو المراد من أمرهم سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك لا حقيقة الأمر والأصح أن المسخ صوري ومعنوي ثم هلكوا بعد ثلاثة أيام ولم يبق منهم نسل، والعذاب البئيس هو المسخ فهذه الآية تقرير وتفصيل للأولى.
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ أعلم أو قال أو أمر وحكم ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود وأجرى تَأذَّنَ كعلم الله وشهد الله مجرى القسم ولذلك أجيب بقوله ليبعثن ﴿إلى يَوْمِ القيامَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾ يعذبهم ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أي: أوجب الله على نفسه ليسلطن عليهم من يعذبهم بضرب الجزية والإهانة وسبي النساء إلى آخر الدهر ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ لمن أصر على المعصية ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على من تاب وأناب ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ فرقناهم في البلاد فلا تجتمع كلمتهم مفعول ثان؛ لأن القطع بمعنى التصيير ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ صفة أمم ﴿ومِنهُمْ﴾ ناس ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ منحطون عن الصلاح ﴿وبَلَوناهُمْ﴾ امتحناهم ﴿بِالحَسَناتِ﴾ بالنعم ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ بالنقم ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا فيه ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح ﴿خَلْفٌ﴾ والخلف بسكون العين البدل السوء ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ التوراة من أسلافهم ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أي: حطام هذه الدنيا الحقير كالرشوة في تبديل حكم الله والجملة حال من فاعل ورثوا ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ الفعل مسند إلى الجار والمجرور ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجون المغفرة والحال أنّهم مصرون على الذنب عائدون على مثله. عن السدي كان بعضهم يطعن في حكامهم بأخذ الرشوة فإذا جعل مكان حاكمهم من يطعن بأخذ الرشوة هو أيضًا يأخذ فحاصله وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أي: في التوراة ﴿أنْ لا يَقُولُوا﴾ أي: بأن لا يقولوا أو عطف بيان لميثاق ﴿عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ فهم ذاكرون لهذا الميثاق عطف على ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ ﴿والدّارُ الاخِرَةُ خَيْرٌ لِلذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي لا للذين يخالفون أمر الله تعالى فإن مصيرهم إلى النار ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فيعلموا ذلك ويرتدعوا عما هم فيه ﴿والذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكتابِ﴾ اعتصموا بكتابهم فآمنوا بمحمد ﷺ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ﴾ خبر الذين يمسكون ﴿أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ أي: أجرهم لإصلاحهم ﴿وإذْ نَتَقْنا﴾ رفعنا ﴿الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ الظلة: كل ما أظلك ﴿وظَنُّوا﴾ تيقنوا ﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقط عليهم إن خالفوا وقلنا لهم: ﴿خُذُوا ما آتيْناكُم﴾ من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد في العمل به ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ فاعملوا به ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ كي تتقوا عن القبائح وذلك أنّهم أبوا قبول أحكام التوراة فرفع الطور فوقهم، وقيل لهم: إن قبلتم وإلا ليقعن عليكم فسجدوا وقبلوا.
الأعراف 7:167
﴿واسْألْهُمْ﴾ أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين بحضرتك سؤال توبيخ وتقريع ﴿عَنِ القَريةِ﴾ أي: خبر أهلها ﴿التِي كانتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قريبة منه، وهي أيلة بين مدين والطور ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ بدل من اشتمال القرية أو ظرف كانت أو حاضرة، ومعناه يتجاوزون حدود الله يوم السبت ﴿إذ تَأتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ أي: يوم تعظيمهم أمر السبت من سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة ﴿شُرَّعًا﴾ ظاهرة على الماء حال من الحيتان ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُون﴾ لا يعظمون سبتهم وهو غير يوم السبت ﴿لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الامتحان التام ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم بإظهار السمك في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائها في اليوم المحلل لهم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب خروجهم عن طاعة الله تعالى ﴿وإذْ قالَتْ﴾ عطف على إذ يعدون ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أي: فرقة من أهل القرية فإنهم ثلاث فرق: فرقة ارتكبوا الخطيئة، وفرقة ناهية، وفرقة سكتوا فما ارتكبوا وما نهوهم، فقالت الفرقة الساكتة للناهية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ فإنهم علموا لكثرة عدم نفع الموعظة أنها لا تنفع لا محالة استحقوا سخط الله تعالى ﴿قالُوا﴾ أي: الفرقة الناهية ترهيبًا لهم هذه ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، ومن قرأ بالنصب فتقديره وعظناهم معذرة ﴿ولَعَلَّهم يَتقُونَ﴾ عن الاصطياد في السبت فلا نيأس من أن تدركهم الرحمة ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ تركوا ترك الناسي ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خالفوا أمرنا ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ شديد ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم والأصح أن الفرقة المرتكبة دون غيرهم صاروا قردة والفرقتين الأخريين نجوا وعند بعضهم أن الفرقة الساكتة أيضًا مسخوا ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ تكبروا ﴿عَن﴾ ترك ﴿ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ﴾ عن بعض السلف أنّهم سمعوا مناديًا قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ذليلين أو المراد من أمرهم سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك لا حقيقة الأمر والأصح أن المسخ صوري ومعنوي ثم هلكوا بعد ثلاثة أيام ولم يبق منهم نسل، والعذاب البئيس هو المسخ فهذه الآية تقرير وتفصيل للأولى.
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ أعلم أو قال أو أمر وحكم ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود وأجرى تَأذَّنَ كعلم الله وشهد الله مجرى القسم ولذلك أجيب بقوله ليبعثن ﴿إلى يَوْمِ القيامَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾ يعذبهم ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أي: أوجب الله على نفسه ليسلطن عليهم من يعذبهم بضرب الجزية والإهانة وسبي النساء إلى آخر الدهر ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ لمن أصر على المعصية ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على من تاب وأناب ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ فرقناهم في البلاد فلا تجتمع كلمتهم مفعول ثان؛ لأن القطع بمعنى التصيير ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ صفة أمم ﴿ومِنهُمْ﴾ ناس ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ منحطون عن الصلاح ﴿وبَلَوناهُمْ﴾ امتحناهم ﴿بِالحَسَناتِ﴾ بالنعم ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ بالنقم ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا فيه ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح ﴿خَلْفٌ﴾ والخلف بسكون العين البدل السوء ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ التوراة من أسلافهم ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أي: حطام هذه الدنيا الحقير كالرشوة في تبديل حكم الله والجملة حال من فاعل ورثوا ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ الفعل مسند إلى الجار والمجرور ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجون المغفرة والحال أنّهم مصرون على الذنب عائدون على مثله. عن السدي كان بعضهم يطعن في حكامهم بأخذ الرشوة فإذا جعل مكان حاكمهم من يطعن بأخذ الرشوة هو أيضًا يأخذ فحاصله وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أي: في التوراة ﴿أنْ لا يَقُولُوا﴾ أي: بأن لا يقولوا أو عطف بيان لميثاق ﴿عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ فهم ذاكرون لهذا الميثاق عطف على ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ ﴿والدّارُ الاخِرَةُ خَيْرٌ لِلذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي لا للذين يخالفون أمر الله تعالى فإن مصيرهم إلى النار ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فيعلموا ذلك ويرتدعوا عما هم فيه ﴿والذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكتابِ﴾ اعتصموا بكتابهم فآمنوا بمحمد ﷺ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ﴾ خبر الذين يمسكون ﴿أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ أي: أجرهم لإصلاحهم ﴿وإذْ نَتَقْنا﴾ رفعنا ﴿الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ الظلة: كل ما أظلك ﴿وظَنُّوا﴾ تيقنوا ﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقط عليهم إن خالفوا وقلنا لهم: ﴿خُذُوا ما آتيْناكُم﴾ من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد في العمل به ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ فاعملوا به ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ كي تتقوا عن القبائح وذلك أنّهم أبوا قبول أحكام التوراة فرفع الطور فوقهم، وقيل لهم: إن قبلتم وإلا ليقعن عليكم فسجدوا وقبلوا.
الأعراف 7:168
﴿واسْألْهُمْ﴾ أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين بحضرتك سؤال توبيخ وتقريع ﴿عَنِ القَريةِ﴾ أي: خبر أهلها ﴿التِي كانتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قريبة منه، وهي أيلة بين مدين والطور ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ بدل من اشتمال القرية أو ظرف كانت أو حاضرة، ومعناه يتجاوزون حدود الله يوم السبت ﴿إذ تَأتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ أي: يوم تعظيمهم أمر السبت من سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة ﴿شُرَّعًا﴾ ظاهرة على الماء حال من الحيتان ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُون﴾ لا يعظمون سبتهم وهو غير يوم السبت ﴿لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الامتحان التام ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم بإظهار السمك في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائها في اليوم المحلل لهم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب خروجهم عن طاعة الله تعالى ﴿وإذْ قالَتْ﴾ عطف على إذ يعدون ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أي: فرقة من أهل القرية فإنهم ثلاث فرق: فرقة ارتكبوا الخطيئة، وفرقة ناهية، وفرقة سكتوا فما ارتكبوا وما نهوهم، فقالت الفرقة الساكتة للناهية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ فإنهم علموا لكثرة عدم نفع الموعظة أنها لا تنفع لا محالة استحقوا سخط الله تعالى ﴿قالُوا﴾ أي: الفرقة الناهية ترهيبًا لهم هذه ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، ومن قرأ بالنصب فتقديره وعظناهم معذرة ﴿ولَعَلَّهم يَتقُونَ﴾ عن الاصطياد في السبت فلا نيأس من أن تدركهم الرحمة ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ تركوا ترك الناسي ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خالفوا أمرنا ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ شديد ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم والأصح أن الفرقة المرتكبة دون غيرهم صاروا قردة والفرقتين الأخريين نجوا وعند بعضهم أن الفرقة الساكتة أيضًا مسخوا ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ تكبروا ﴿عَن﴾ ترك ﴿ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ﴾ عن بعض السلف أنّهم سمعوا مناديًا قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ذليلين أو المراد من أمرهم سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك لا حقيقة الأمر والأصح أن المسخ صوري ومعنوي ثم هلكوا بعد ثلاثة أيام ولم يبق منهم نسل، والعذاب البئيس هو المسخ فهذه الآية تقرير وتفصيل للأولى.
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ أعلم أو قال أو أمر وحكم ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود وأجرى تَأذَّنَ كعلم الله وشهد الله مجرى القسم ولذلك أجيب بقوله ليبعثن ﴿إلى يَوْمِ القيامَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾ يعذبهم ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أي: أوجب الله على نفسه ليسلطن عليهم من يعذبهم بضرب الجزية والإهانة وسبي النساء إلى آخر الدهر ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ لمن أصر على المعصية ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على من تاب وأناب ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ فرقناهم في البلاد فلا تجتمع كلمتهم مفعول ثان؛ لأن القطع بمعنى التصيير ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ صفة أمم ﴿ومِنهُمْ﴾ ناس ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ منحطون عن الصلاح ﴿وبَلَوناهُمْ﴾ امتحناهم ﴿بِالحَسَناتِ﴾ بالنعم ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ بالنقم ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا فيه ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح ﴿خَلْفٌ﴾ والخلف بسكون العين البدل السوء ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ التوراة من أسلافهم ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أي: حطام هذه الدنيا الحقير كالرشوة في تبديل حكم الله والجملة حال من فاعل ورثوا ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ الفعل مسند إلى الجار والمجرور ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجون المغفرة والحال أنّهم مصرون على الذنب عائدون على مثله. عن السدي كان بعضهم يطعن في حكامهم بأخذ الرشوة فإذا جعل مكان حاكمهم من يطعن بأخذ الرشوة هو أيضًا يأخذ فحاصله وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أي: في التوراة ﴿أنْ لا يَقُولُوا﴾ أي: بأن لا يقولوا أو عطف بيان لميثاق ﴿عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ فهم ذاكرون لهذا الميثاق عطف على ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ ﴿والدّارُ الاخِرَةُ خَيْرٌ لِلذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي لا للذين يخالفون أمر الله تعالى فإن مصيرهم إلى النار ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فيعلموا ذلك ويرتدعوا عما هم فيه ﴿والذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكتابِ﴾ اعتصموا بكتابهم فآمنوا بمحمد ﷺ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ﴾ خبر الذين يمسكون ﴿أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ أي: أجرهم لإصلاحهم ﴿وإذْ نَتَقْنا﴾ رفعنا ﴿الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ الظلة: كل ما أظلك ﴿وظَنُّوا﴾ تيقنوا ﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقط عليهم إن خالفوا وقلنا لهم: ﴿خُذُوا ما آتيْناكُم﴾ من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد في العمل به ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ فاعملوا به ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ كي تتقوا عن القبائح وذلك أنّهم أبوا قبول أحكام التوراة فرفع الطور فوقهم، وقيل لهم: إن قبلتم وإلا ليقعن عليكم فسجدوا وقبلوا.
الأعراف 7:169
﴿واسْألْهُمْ﴾ أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين بحضرتك سؤال توبيخ وتقريع ﴿عَنِ القَريةِ﴾ أي: خبر أهلها ﴿التِي كانتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قريبة منه، وهي أيلة بين مدين والطور ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ بدل من اشتمال القرية أو ظرف كانت أو حاضرة، ومعناه يتجاوزون حدود الله يوم السبت ﴿إذ تَأتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ أي: يوم تعظيمهم أمر السبت من سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة ﴿شُرَّعًا﴾ ظاهرة على الماء حال من الحيتان ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُون﴾ لا يعظمون سبتهم وهو غير يوم السبت ﴿لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الامتحان التام ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم بإظهار السمك في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائها في اليوم المحلل لهم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب خروجهم عن طاعة الله تعالى ﴿وإذْ قالَتْ﴾ عطف على إذ يعدون ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أي: فرقة من أهل القرية فإنهم ثلاث فرق: فرقة ارتكبوا الخطيئة، وفرقة ناهية، وفرقة سكتوا فما ارتكبوا وما نهوهم، فقالت الفرقة الساكتة للناهية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ فإنهم علموا لكثرة عدم نفع الموعظة أنها لا تنفع لا محالة استحقوا سخط الله تعالى ﴿قالُوا﴾ أي: الفرقة الناهية ترهيبًا لهم هذه ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، ومن قرأ بالنصب فتقديره وعظناهم معذرة ﴿ولَعَلَّهم يَتقُونَ﴾ عن الاصطياد في السبت فلا نيأس من أن تدركهم الرحمة ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ تركوا ترك الناسي ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خالفوا أمرنا ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ شديد ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم والأصح أن الفرقة المرتكبة دون غيرهم صاروا قردة والفرقتين الأخريين نجوا وعند بعضهم أن الفرقة الساكتة أيضًا مسخوا ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ تكبروا ﴿عَن﴾ ترك ﴿ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ﴾ عن بعض السلف أنّهم سمعوا مناديًا قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ذليلين أو المراد من أمرهم سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك لا حقيقة الأمر والأصح أن المسخ صوري ومعنوي ثم هلكوا بعد ثلاثة أيام ولم يبق منهم نسل، والعذاب البئيس هو المسخ فهذه الآية تقرير وتفصيل للأولى.
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ أعلم أو قال أو أمر وحكم ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود وأجرى تَأذَّنَ كعلم الله وشهد الله مجرى القسم ولذلك أجيب بقوله ليبعثن ﴿إلى يَوْمِ القيامَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾ يعذبهم ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أي: أوجب الله على نفسه ليسلطن عليهم من يعذبهم بضرب الجزية والإهانة وسبي النساء إلى آخر الدهر ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ لمن أصر على المعصية ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على من تاب وأناب ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ فرقناهم في البلاد فلا تجتمع كلمتهم مفعول ثان؛ لأن القطع بمعنى التصيير ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ صفة أمم ﴿ومِنهُمْ﴾ ناس ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ منحطون عن الصلاح ﴿وبَلَوناهُمْ﴾ امتحناهم ﴿بِالحَسَناتِ﴾ بالنعم ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ بالنقم ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا فيه ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح ﴿خَلْفٌ﴾ والخلف بسكون العين البدل السوء ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ التوراة من أسلافهم ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أي: حطام هذه الدنيا الحقير كالرشوة في تبديل حكم الله والجملة حال من فاعل ورثوا ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ الفعل مسند إلى الجار والمجرور ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجون المغفرة والحال أنّهم مصرون على الذنب عائدون على مثله. عن السدي كان بعضهم يطعن في حكامهم بأخذ الرشوة فإذا جعل مكان حاكمهم من يطعن بأخذ الرشوة هو أيضًا يأخذ فحاصله وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أي: في التوراة ﴿أنْ لا يَقُولُوا﴾ أي: بأن لا يقولوا أو عطف بيان لميثاق ﴿عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ فهم ذاكرون لهذا الميثاق عطف على ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ ﴿والدّارُ الاخِرَةُ خَيْرٌ لِلذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي لا للذين يخالفون أمر الله تعالى فإن مصيرهم إلى النار ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فيعلموا ذلك ويرتدعوا عما هم فيه ﴿والذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكتابِ﴾ اعتصموا بكتابهم فآمنوا بمحمد ﷺ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ﴾ خبر الذين يمسكون ﴿أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ أي: أجرهم لإصلاحهم ﴿وإذْ نَتَقْنا﴾ رفعنا ﴿الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ الظلة: كل ما أظلك ﴿وظَنُّوا﴾ تيقنوا ﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقط عليهم إن خالفوا وقلنا لهم: ﴿خُذُوا ما آتيْناكُم﴾ من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد في العمل به ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ فاعملوا به ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ كي تتقوا عن القبائح وذلك أنّهم أبوا قبول أحكام التوراة فرفع الطور فوقهم، وقيل لهم: إن قبلتم وإلا ليقعن عليكم فسجدوا وقبلوا.
الأعراف 7:170
﴿واسْألْهُمْ﴾ أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين بحضرتك سؤال توبيخ وتقريع ﴿عَنِ القَريةِ﴾ أي: خبر أهلها ﴿التِي كانتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قريبة منه، وهي أيلة بين مدين والطور ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ بدل من اشتمال القرية أو ظرف كانت أو حاضرة، ومعناه يتجاوزون حدود الله يوم السبت ﴿إذ تَأتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ أي: يوم تعظيمهم أمر السبت من سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة ﴿شُرَّعًا﴾ ظاهرة على الماء حال من الحيتان ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُون﴾ لا يعظمون سبتهم وهو غير يوم السبت ﴿لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الامتحان التام ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم بإظهار السمك في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائها في اليوم المحلل لهم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب خروجهم عن طاعة الله تعالى ﴿وإذْ قالَتْ﴾ عطف على إذ يعدون ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أي: فرقة من أهل القرية فإنهم ثلاث فرق: فرقة ارتكبوا الخطيئة، وفرقة ناهية، وفرقة سكتوا فما ارتكبوا وما نهوهم، فقالت الفرقة الساكتة للناهية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ فإنهم علموا لكثرة عدم نفع الموعظة أنها لا تنفع لا محالة استحقوا سخط الله تعالى ﴿قالُوا﴾ أي: الفرقة الناهية ترهيبًا لهم هذه ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، ومن قرأ بالنصب فتقديره وعظناهم معذرة ﴿ولَعَلَّهم يَتقُونَ﴾ عن الاصطياد في السبت فلا نيأس من أن تدركهم الرحمة ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ تركوا ترك الناسي ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خالفوا أمرنا ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ شديد ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم والأصح أن الفرقة المرتكبة دون غيرهم صاروا قردة والفرقتين الأخريين نجوا وعند بعضهم أن الفرقة الساكتة أيضًا مسخوا ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ تكبروا ﴿عَن﴾ ترك ﴿ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ﴾ عن بعض السلف أنّهم سمعوا مناديًا قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ذليلين أو المراد من أمرهم سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك لا حقيقة الأمر والأصح أن المسخ صوري ومعنوي ثم هلكوا بعد ثلاثة أيام ولم يبق منهم نسل، والعذاب البئيس هو المسخ فهذه الآية تقرير وتفصيل للأولى.
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ أعلم أو قال أو أمر وحكم ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود وأجرى تَأذَّنَ كعلم الله وشهد الله مجرى القسم ولذلك أجيب بقوله ليبعثن ﴿إلى يَوْمِ القيامَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾ يعذبهم ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أي: أوجب الله على نفسه ليسلطن عليهم من يعذبهم بضرب الجزية والإهانة وسبي النساء إلى آخر الدهر ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ لمن أصر على المعصية ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على من تاب وأناب ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ فرقناهم في البلاد فلا تجتمع كلمتهم مفعول ثان؛ لأن القطع بمعنى التصيير ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ صفة أمم ﴿ومِنهُمْ﴾ ناس ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ منحطون عن الصلاح ﴿وبَلَوناهُمْ﴾ امتحناهم ﴿بِالحَسَناتِ﴾ بالنعم ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ بالنقم ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا فيه ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح ﴿خَلْفٌ﴾ والخلف بسكون العين البدل السوء ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ التوراة من أسلافهم ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أي: حطام هذه الدنيا الحقير كالرشوة في تبديل حكم الله والجملة حال من فاعل ورثوا ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ الفعل مسند إلى الجار والمجرور ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجون المغفرة والحال أنّهم مصرون على الذنب عائدون على مثله. عن السدي كان بعضهم يطعن في حكامهم بأخذ الرشوة فإذا جعل مكان حاكمهم من يطعن بأخذ الرشوة هو أيضًا يأخذ فحاصله وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أي: في التوراة ﴿أنْ لا يَقُولُوا﴾ أي: بأن لا يقولوا أو عطف بيان لميثاق ﴿عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ فهم ذاكرون لهذا الميثاق عطف على ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ ﴿والدّارُ الاخِرَةُ خَيْرٌ لِلذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي لا للذين يخالفون أمر الله تعالى فإن مصيرهم إلى النار ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فيعلموا ذلك ويرتدعوا عما هم فيه ﴿والذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكتابِ﴾ اعتصموا بكتابهم فآمنوا بمحمد ﷺ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ﴾ خبر الذين يمسكون ﴿أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ أي: أجرهم لإصلاحهم ﴿وإذْ نَتَقْنا﴾ رفعنا ﴿الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ الظلة: كل ما أظلك ﴿وظَنُّوا﴾ تيقنوا ﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقط عليهم إن خالفوا وقلنا لهم: ﴿خُذُوا ما آتيْناكُم﴾ من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد في العمل به ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ فاعملوا به ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ كي تتقوا عن القبائح وذلك أنّهم أبوا قبول أحكام التوراة فرفع الطور فوقهم، وقيل لهم: إن قبلتم وإلا ليقعن عليكم فسجدوا وقبلوا.
الأعراف 7:171
﴿واسْألْهُمْ﴾ أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين بحضرتك سؤال توبيخ وتقريع ﴿عَنِ القَريةِ﴾ أي: خبر أهلها ﴿التِي كانتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قريبة منه، وهي أيلة بين مدين والطور ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ بدل من اشتمال القرية أو ظرف كانت أو حاضرة، ومعناه يتجاوزون حدود الله يوم السبت ﴿إذ تَأتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ أي: يوم تعظيمهم أمر السبت من سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة ﴿شُرَّعًا﴾ ظاهرة على الماء حال من الحيتان ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُون﴾ لا يعظمون سبتهم وهو غير يوم السبت ﴿لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الامتحان التام ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم بإظهار السمك في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائها في اليوم المحلل لهم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب خروجهم عن طاعة الله تعالى ﴿وإذْ قالَتْ﴾ عطف على إذ يعدون ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أي: فرقة من أهل القرية فإنهم ثلاث فرق: فرقة ارتكبوا الخطيئة، وفرقة ناهية، وفرقة سكتوا فما ارتكبوا وما نهوهم، فقالت الفرقة الساكتة للناهية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ فإنهم علموا لكثرة عدم نفع الموعظة أنها لا تنفع لا محالة استحقوا سخط الله تعالى ﴿قالُوا﴾ أي: الفرقة الناهية ترهيبًا لهم هذه ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، ومن قرأ بالنصب فتقديره وعظناهم معذرة ﴿ولَعَلَّهم يَتقُونَ﴾ عن الاصطياد في السبت فلا نيأس من أن تدركهم الرحمة ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ تركوا ترك الناسي ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خالفوا أمرنا ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ شديد ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم والأصح أن الفرقة المرتكبة دون غيرهم صاروا قردة والفرقتين الأخريين نجوا وعند بعضهم أن الفرقة الساكتة أيضًا مسخوا ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ تكبروا ﴿عَن﴾ ترك ﴿ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ﴾ عن بعض السلف أنّهم سمعوا مناديًا قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ذليلين أو المراد من أمرهم سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك لا حقيقة الأمر والأصح أن المسخ صوري ومعنوي ثم هلكوا بعد ثلاثة أيام ولم يبق منهم نسل، والعذاب البئيس هو المسخ فهذه الآية تقرير وتفصيل للأولى.
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ أعلم أو قال أو أمر وحكم ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود وأجرى تَأذَّنَ كعلم الله وشهد الله مجرى القسم ولذلك أجيب بقوله ليبعثن ﴿إلى يَوْمِ القيامَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾ يعذبهم ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أي: أوجب الله على نفسه ليسلطن عليهم من يعذبهم بضرب الجزية والإهانة وسبي النساء إلى آخر الدهر ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ لمن أصر على المعصية ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على من تاب وأناب ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ فرقناهم في البلاد فلا تجتمع كلمتهم مفعول ثان؛ لأن القطع بمعنى التصيير ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ صفة أمم ﴿ومِنهُمْ﴾ ناس ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ منحطون عن الصلاح ﴿وبَلَوناهُمْ﴾ امتحناهم ﴿بِالحَسَناتِ﴾ بالنعم ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ بالنقم ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا فيه ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح ﴿خَلْفٌ﴾ والخلف بسكون العين البدل السوء ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ التوراة من أسلافهم ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أي: حطام هذه الدنيا الحقير كالرشوة في تبديل حكم الله والجملة حال من فاعل ورثوا ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ الفعل مسند إلى الجار والمجرور ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجون المغفرة والحال أنّهم مصرون على الذنب عائدون على مثله. عن السدي كان بعضهم يطعن في حكامهم بأخذ الرشوة فإذا جعل مكان حاكمهم من يطعن بأخذ الرشوة هو أيضًا يأخذ فحاصله وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أي: في التوراة ﴿أنْ لا يَقُولُوا﴾ أي: بأن لا يقولوا أو عطف بيان لميثاق ﴿عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ فهم ذاكرون لهذا الميثاق عطف على ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ ﴿والدّارُ الاخِرَةُ خَيْرٌ لِلذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي لا للذين يخالفون أمر الله تعالى فإن مصيرهم إلى النار ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فيعلموا ذلك ويرتدعوا عما هم فيه ﴿والذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكتابِ﴾ اعتصموا بكتابهم فآمنوا بمحمد ﷺ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ﴾ خبر الذين يمسكون ﴿أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ أي: أجرهم لإصلاحهم ﴿وإذْ نَتَقْنا﴾ رفعنا ﴿الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ الظلة: كل ما أظلك ﴿وظَنُّوا﴾ تيقنوا ﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقط عليهم إن خالفوا وقلنا لهم: ﴿خُذُوا ما آتيْناكُم﴾ من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد في العمل به ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ فاعملوا به ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ كي تتقوا عن القبائح وذلك أنّهم أبوا قبول أحكام التوراة فرفع الطور فوقهم، وقيل لهم: إن قبلتم وإلا ليقعن عليكم فسجدوا وقبلوا.
الأعراف 7:172
﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: أن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أشهد بعضهم على بعض ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ قال بعضهم: شهدنا قول الملائكة لا قول بني آدم وهو أنه قال الله تعالى للملائكة اشهدوا على إقرارهم قالوا شهدنا ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ أي: كراهة أن تقولوا ﴿يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أي: عن إنك ربنا ﴿غافِلِينَ﴾ لم ننبه عليه ولذلك نصبنا الأدلة على الربوبية وأرسلنا الرسل بذكرهم العهد فلا يكون لهم عذر ﴿أوْ تقُولُوا﴾ عطف على أن تقولوا ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ قبل زماننا ﴿وكُنّا ذُريةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدينا بهم ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ الآباء المبطلون بتأسيس الشرك. اعلم أن الأحاديث الصحاح الدالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة والنار وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربُّهم ففي حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - كما حققه الثبات من المحدثين ووافقهما أكثر السلف والخلف كأبي بن كعب ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم وقال بعض السلف والخلف: المراد بهذا الإشهاد أنه خلقهم على فطرة الإسلام ونصب لهم دلائل التوحيد ولظهورها صارت بمنزلة أنه قيل لهم: ”ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى“ وأنت تعلم أن ابن عباس حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني القرآن ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك التبيين ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ لفوائد جمة ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن اتباع الأصل.
﴿واتْل عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود أو على قومك ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ من الآيات بأن أعرض وكفر ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ لحقه وأدركه ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ صار من الضالين هو رجل من بني إسرائيل والأكثرون على أنه بلعم بن باعوراء عالم باسم الله الأعظم سألوا عنه أن يدعو على موسى وجنوده فأبى ثم ألحوا فألحوا وجاءوه بالرشوة فقبل فدعا عليهم فقبل الله ثم دعا موسى عليه فنزع عنه الإيمان والاسم الأعظم، وقال بعضهم: ما يسر الله له الدعاء على موسى لكن قال لهم: أخرجوا النساء تستقبلهم فعسى أن يزنوا ففعلوا فوقع واحد من بني إسرائيل في الزنا فنزل عليهم الطاعون فقتل أحد علمائهم الزاني فكشف عنهم العذاب قيل فحسب من هلك في الطاعون في ساعة من النهار فوجدوا سبعين ألفًا ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ﴾ إلى الدرجات العلى ﴿بِها﴾ بسبب تلك الآيات ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مال إلى الدنيا وزخارفها فإن جميع زخارفها من الأرض ﴿واتبَعَ هَواهُ﴾ في أخذ الرشوة والإعراض عن أمر الله تعالى ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثلِ الكَلْبِ﴾ في أخس أحواله وهو ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ إن شد عليه فطرد ﴿يَلْهَثْ﴾: هو إخراج الكلب اللسان ﴿أوْ تَتْرُكْهُ﴾ غير متعرض له بالزجر ﴿يَلْهَثْ﴾ قد نقل: إن بلعم لما دعا عليهم اندلع لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب أو مثله في أنه إن وعظته أو تركته فهو على الضلال كالكلب في لهثته في الحالتين أو إن قلب الكافر ضعيف كالكلب فإن لهث الكلب من ضعف قلبه ولا يلهث سائر الحيوان إلا في حال إعياء أو عطش ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ المذكور على اليهود أو على كفار مكة ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلموا أنها شابهت قصتهم وحالهم فيتعظوا ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ أي: مثل القوم على حذف المضاف ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فتقديم المفعول للتخصيص ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ والاهتداء من أعظم الصفات ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ والإفراد في الأول والجمع في الثاني إشارة إلى أن طريق الهدى واحد فهم كرجل واحد وأنواع الضلال مختلفة متكثرة ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ اللام للعاقبة ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهم الذين حقت عليهم كلمة الشقاوة ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أي: لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي خلقها الله للاهتداء ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ فِى عدم فقه معرفة الحق والإبصار للاعتبار والاستماع للتدبر بل صرفوا مشاعرهم وقصروها في أسباب التعيش ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فإن الدواب تفعل ما خلقت له إما بالطبع وإما بالتسخير وترتدع عن مضارها بخلاف الكافر فإنه خلق ليعبد الله وهو يعبد الشيطان ويعلم بعضهم أنه يضره ويرتكبه عنادًا ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أشد غفلة لا غفلة بعد ﴿ولله الأسْماءُ الحُسْنى﴾ هي أحسن الأسماء دالة على أحسن المعاني وليست منحصرة في التسعة والتسعين ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ سموه بتلك الأسماء ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ ذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على آلهتهم بزيادة ونقصان كاللات من الله والمنات من المنان والعزى من العزيز وقيل الإلحاد فيها تسميته بما لم يرد في الكتاب ولا في السنة كـ يا سخي ويا مكار، ويا عاقل ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الإلحاد ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون وهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان إلى يوم الدين وهذه صفة من ذرأ للجنة كما وصف من ذرأ لجهنم.
الأعراف 7:173
﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: أن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أشهد بعضهم على بعض ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ قال بعضهم: شهدنا قول الملائكة لا قول بني آدم وهو أنه قال الله تعالى للملائكة اشهدوا على إقرارهم قالوا شهدنا ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ أي: كراهة أن تقولوا ﴿يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أي: عن إنك ربنا ﴿غافِلِينَ﴾ لم ننبه عليه ولذلك نصبنا الأدلة على الربوبية وأرسلنا الرسل بذكرهم العهد فلا يكون لهم عذر ﴿أوْ تقُولُوا﴾ عطف على أن تقولوا ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ قبل زماننا ﴿وكُنّا ذُريةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدينا بهم ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ الآباء المبطلون بتأسيس الشرك. اعلم أن الأحاديث الصحاح الدالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة والنار وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربُّهم ففي حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - كما حققه الثبات من المحدثين ووافقهما أكثر السلف والخلف كأبي بن كعب ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم وقال بعض السلف والخلف: المراد بهذا الإشهاد أنه خلقهم على فطرة الإسلام ونصب لهم دلائل التوحيد ولظهورها صارت بمنزلة أنه قيل لهم: ”ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى“ وأنت تعلم أن ابن عباس حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني القرآن ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك التبيين ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ لفوائد جمة ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن اتباع الأصل.
﴿واتْل عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود أو على قومك ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ من الآيات بأن أعرض وكفر ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ لحقه وأدركه ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ صار من الضالين هو رجل من بني إسرائيل والأكثرون على أنه بلعم بن باعوراء عالم باسم الله الأعظم سألوا عنه أن يدعو على موسى وجنوده فأبى ثم ألحوا فألحوا وجاءوه بالرشوة فقبل فدعا عليهم فقبل الله ثم دعا موسى عليه فنزع عنه الإيمان والاسم الأعظم، وقال بعضهم: ما يسر الله له الدعاء على موسى لكن قال لهم: أخرجوا النساء تستقبلهم فعسى أن يزنوا ففعلوا فوقع واحد من بني إسرائيل في الزنا فنزل عليهم الطاعون فقتل أحد علمائهم الزاني فكشف عنهم العذاب قيل فحسب من هلك في الطاعون في ساعة من النهار فوجدوا سبعين ألفًا ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ﴾ إلى الدرجات العلى ﴿بِها﴾ بسبب تلك الآيات ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مال إلى الدنيا وزخارفها فإن جميع زخارفها من الأرض ﴿واتبَعَ هَواهُ﴾ في أخذ الرشوة والإعراض عن أمر الله تعالى ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثلِ الكَلْبِ﴾ في أخس أحواله وهو ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ إن شد عليه فطرد ﴿يَلْهَثْ﴾: هو إخراج الكلب اللسان ﴿أوْ تَتْرُكْهُ﴾ غير متعرض له بالزجر ﴿يَلْهَثْ﴾ قد نقل: إن بلعم لما دعا عليهم اندلع لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب أو مثله في أنه إن وعظته أو تركته فهو على الضلال كالكلب في لهثته في الحالتين أو إن قلب الكافر ضعيف كالكلب فإن لهث الكلب من ضعف قلبه ولا يلهث سائر الحيوان إلا في حال إعياء أو عطش ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ المذكور على اليهود أو على كفار مكة ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلموا أنها شابهت قصتهم وحالهم فيتعظوا ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ أي: مثل القوم على حذف المضاف ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فتقديم المفعول للتخصيص ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ والاهتداء من أعظم الصفات ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ والإفراد في الأول والجمع في الثاني إشارة إلى أن طريق الهدى واحد فهم كرجل واحد وأنواع الضلال مختلفة متكثرة ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ اللام للعاقبة ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهم الذين حقت عليهم كلمة الشقاوة ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أي: لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي خلقها الله للاهتداء ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ فِى عدم فقه معرفة الحق والإبصار للاعتبار والاستماع للتدبر بل صرفوا مشاعرهم وقصروها في أسباب التعيش ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فإن الدواب تفعل ما خلقت له إما بالطبع وإما بالتسخير وترتدع عن مضارها بخلاف الكافر فإنه خلق ليعبد الله وهو يعبد الشيطان ويعلم بعضهم أنه يضره ويرتكبه عنادًا ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أشد غفلة لا غفلة بعد ﴿ولله الأسْماءُ الحُسْنى﴾ هي أحسن الأسماء دالة على أحسن المعاني وليست منحصرة في التسعة والتسعين ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ سموه بتلك الأسماء ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ ذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على آلهتهم بزيادة ونقصان كاللات من الله والمنات من المنان والعزى من العزيز وقيل الإلحاد فيها تسميته بما لم يرد في الكتاب ولا في السنة كـ يا سخي ويا مكار، ويا عاقل ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الإلحاد ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون وهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان إلى يوم الدين وهذه صفة من ذرأ للجنة كما وصف من ذرأ لجهنم.
الأعراف 7:174
﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: أن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أشهد بعضهم على بعض ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ قال بعضهم: شهدنا قول الملائكة لا قول بني آدم وهو أنه قال الله تعالى للملائكة اشهدوا على إقرارهم قالوا شهدنا ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ أي: كراهة أن تقولوا ﴿يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أي: عن إنك ربنا ﴿غافِلِينَ﴾ لم ننبه عليه ولذلك نصبنا الأدلة على الربوبية وأرسلنا الرسل بذكرهم العهد فلا يكون لهم عذر ﴿أوْ تقُولُوا﴾ عطف على أن تقولوا ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ قبل زماننا ﴿وكُنّا ذُريةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدينا بهم ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ الآباء المبطلون بتأسيس الشرك. اعلم أن الأحاديث الصحاح الدالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة والنار وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربُّهم ففي حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - كما حققه الثبات من المحدثين ووافقهما أكثر السلف والخلف كأبي بن كعب ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم وقال بعض السلف والخلف: المراد بهذا الإشهاد أنه خلقهم على فطرة الإسلام ونصب لهم دلائل التوحيد ولظهورها صارت بمنزلة أنه قيل لهم: ”ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى“ وأنت تعلم أن ابن عباس حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني القرآن ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك التبيين ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ لفوائد جمة ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن اتباع الأصل.
﴿واتْل عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود أو على قومك ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ من الآيات بأن أعرض وكفر ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ لحقه وأدركه ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ صار من الضالين هو رجل من بني إسرائيل والأكثرون على أنه بلعم بن باعوراء عالم باسم الله الأعظم سألوا عنه أن يدعو على موسى وجنوده فأبى ثم ألحوا فألحوا وجاءوه بالرشوة فقبل فدعا عليهم فقبل الله ثم دعا موسى عليه فنزع عنه الإيمان والاسم الأعظم، وقال بعضهم: ما يسر الله له الدعاء على موسى لكن قال لهم: أخرجوا النساء تستقبلهم فعسى أن يزنوا ففعلوا فوقع واحد من بني إسرائيل في الزنا فنزل عليهم الطاعون فقتل أحد علمائهم الزاني فكشف عنهم العذاب قيل فحسب من هلك في الطاعون في ساعة من النهار فوجدوا سبعين ألفًا ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ﴾ إلى الدرجات العلى ﴿بِها﴾ بسبب تلك الآيات ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مال إلى الدنيا وزخارفها فإن جميع زخارفها من الأرض ﴿واتبَعَ هَواهُ﴾ في أخذ الرشوة والإعراض عن أمر الله تعالى ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثلِ الكَلْبِ﴾ في أخس أحواله وهو ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ إن شد عليه فطرد ﴿يَلْهَثْ﴾: هو إخراج الكلب اللسان ﴿أوْ تَتْرُكْهُ﴾ غير متعرض له بالزجر ﴿يَلْهَثْ﴾ قد نقل: إن بلعم لما دعا عليهم اندلع لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب أو مثله في أنه إن وعظته أو تركته فهو على الضلال كالكلب في لهثته في الحالتين أو إن قلب الكافر ضعيف كالكلب فإن لهث الكلب من ضعف قلبه ولا يلهث سائر الحيوان إلا في حال إعياء أو عطش ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ المذكور على اليهود أو على كفار مكة ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلموا أنها شابهت قصتهم وحالهم فيتعظوا ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ أي: مثل القوم على حذف المضاف ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فتقديم المفعول للتخصيص ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ والاهتداء من أعظم الصفات ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ والإفراد في الأول والجمع في الثاني إشارة إلى أن طريق الهدى واحد فهم كرجل واحد وأنواع الضلال مختلفة متكثرة ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ اللام للعاقبة ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهم الذين حقت عليهم كلمة الشقاوة ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أي: لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي خلقها الله للاهتداء ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ فِى عدم فقه معرفة الحق والإبصار للاعتبار والاستماع للتدبر بل صرفوا مشاعرهم وقصروها في أسباب التعيش ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فإن الدواب تفعل ما خلقت له إما بالطبع وإما بالتسخير وترتدع عن مضارها بخلاف الكافر فإنه خلق ليعبد الله وهو يعبد الشيطان ويعلم بعضهم أنه يضره ويرتكبه عنادًا ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أشد غفلة لا غفلة بعد ﴿ولله الأسْماءُ الحُسْنى﴾ هي أحسن الأسماء دالة على أحسن المعاني وليست منحصرة في التسعة والتسعين ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ سموه بتلك الأسماء ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ ذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على آلهتهم بزيادة ونقصان كاللات من الله والمنات من المنان والعزى من العزيز وقيل الإلحاد فيها تسميته بما لم يرد في الكتاب ولا في السنة كـ يا سخي ويا مكار، ويا عاقل ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الإلحاد ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون وهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان إلى يوم الدين وهذه صفة من ذرأ للجنة كما وصف من ذرأ لجهنم.
الأعراف 7:175
﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: أن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أشهد بعضهم على بعض ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ قال بعضهم: شهدنا قول الملائكة لا قول بني آدم وهو أنه قال الله تعالى للملائكة اشهدوا على إقرارهم قالوا شهدنا ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ أي: كراهة أن تقولوا ﴿يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أي: عن إنك ربنا ﴿غافِلِينَ﴾ لم ننبه عليه ولذلك نصبنا الأدلة على الربوبية وأرسلنا الرسل بذكرهم العهد فلا يكون لهم عذر ﴿أوْ تقُولُوا﴾ عطف على أن تقولوا ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ قبل زماننا ﴿وكُنّا ذُريةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدينا بهم ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ الآباء المبطلون بتأسيس الشرك. اعلم أن الأحاديث الصحاح الدالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة والنار وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربُّهم ففي حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - كما حققه الثبات من المحدثين ووافقهما أكثر السلف والخلف كأبي بن كعب ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم وقال بعض السلف والخلف: المراد بهذا الإشهاد أنه خلقهم على فطرة الإسلام ونصب لهم دلائل التوحيد ولظهورها صارت بمنزلة أنه قيل لهم: ”ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى“ وأنت تعلم أن ابن عباس حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني القرآن ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك التبيين ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ لفوائد جمة ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن اتباع الأصل.
﴿واتْل عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود أو على قومك ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ من الآيات بأن أعرض وكفر ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ لحقه وأدركه ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ صار من الضالين هو رجل من بني إسرائيل والأكثرون على أنه بلعم بن باعوراء عالم باسم الله الأعظم سألوا عنه أن يدعو على موسى وجنوده فأبى ثم ألحوا فألحوا وجاءوه بالرشوة فقبل فدعا عليهم فقبل الله ثم دعا موسى عليه فنزع عنه الإيمان والاسم الأعظم، وقال بعضهم: ما يسر الله له الدعاء على موسى لكن قال لهم: أخرجوا النساء تستقبلهم فعسى أن يزنوا ففعلوا فوقع واحد من بني إسرائيل في الزنا فنزل عليهم الطاعون فقتل أحد علمائهم الزاني فكشف عنهم العذاب قيل فحسب من هلك في الطاعون في ساعة من النهار فوجدوا سبعين ألفًا ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ﴾ إلى الدرجات العلى ﴿بِها﴾ بسبب تلك الآيات ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مال إلى الدنيا وزخارفها فإن جميع زخارفها من الأرض ﴿واتبَعَ هَواهُ﴾ في أخذ الرشوة والإعراض عن أمر الله تعالى ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثلِ الكَلْبِ﴾ في أخس أحواله وهو ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ إن شد عليه فطرد ﴿يَلْهَثْ﴾: هو إخراج الكلب اللسان ﴿أوْ تَتْرُكْهُ﴾ غير متعرض له بالزجر ﴿يَلْهَثْ﴾ قد نقل: إن بلعم لما دعا عليهم اندلع لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب أو مثله في أنه إن وعظته أو تركته فهو على الضلال كالكلب في لهثته في الحالتين أو إن قلب الكافر ضعيف كالكلب فإن لهث الكلب من ضعف قلبه ولا يلهث سائر الحيوان إلا في حال إعياء أو عطش ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ المذكور على اليهود أو على كفار مكة ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلموا أنها شابهت قصتهم وحالهم فيتعظوا ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ أي: مثل القوم على حذف المضاف ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فتقديم المفعول للتخصيص ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ والاهتداء من أعظم الصفات ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ والإفراد في الأول والجمع في الثاني إشارة إلى أن طريق الهدى واحد فهم كرجل واحد وأنواع الضلال مختلفة متكثرة ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ اللام للعاقبة ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهم الذين حقت عليهم كلمة الشقاوة ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أي: لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي خلقها الله للاهتداء ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ فِى عدم فقه معرفة الحق والإبصار للاعتبار والاستماع للتدبر بل صرفوا مشاعرهم وقصروها في أسباب التعيش ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فإن الدواب تفعل ما خلقت له إما بالطبع وإما بالتسخير وترتدع عن مضارها بخلاف الكافر فإنه خلق ليعبد الله وهو يعبد الشيطان ويعلم بعضهم أنه يضره ويرتكبه عنادًا ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أشد غفلة لا غفلة بعد ﴿ولله الأسْماءُ الحُسْنى﴾ هي أحسن الأسماء دالة على أحسن المعاني وليست منحصرة في التسعة والتسعين ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ سموه بتلك الأسماء ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ ذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على آلهتهم بزيادة ونقصان كاللات من الله والمنات من المنان والعزى من العزيز وقيل الإلحاد فيها تسميته بما لم يرد في الكتاب ولا في السنة كـ يا سخي ويا مكار، ويا عاقل ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الإلحاد ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون وهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان إلى يوم الدين وهذه صفة من ذرأ للجنة كما وصف من ذرأ لجهنم.
الأعراف 7:176
﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: أن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أشهد بعضهم على بعض ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ قال بعضهم: شهدنا قول الملائكة لا قول بني آدم وهو أنه قال الله تعالى للملائكة اشهدوا على إقرارهم قالوا شهدنا ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ أي: كراهة أن تقولوا ﴿يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أي: عن إنك ربنا ﴿غافِلِينَ﴾ لم ننبه عليه ولذلك نصبنا الأدلة على الربوبية وأرسلنا الرسل بذكرهم العهد فلا يكون لهم عذر ﴿أوْ تقُولُوا﴾ عطف على أن تقولوا ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ قبل زماننا ﴿وكُنّا ذُريةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدينا بهم ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ الآباء المبطلون بتأسيس الشرك. اعلم أن الأحاديث الصحاح الدالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة والنار وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربُّهم ففي حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - كما حققه الثبات من المحدثين ووافقهما أكثر السلف والخلف كأبي بن كعب ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم وقال بعض السلف والخلف: المراد بهذا الإشهاد أنه خلقهم على فطرة الإسلام ونصب لهم دلائل التوحيد ولظهورها صارت بمنزلة أنه قيل لهم: ”ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى“ وأنت تعلم أن ابن عباس حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني القرآن ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك التبيين ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ لفوائد جمة ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن اتباع الأصل.
﴿واتْل عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود أو على قومك ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ من الآيات بأن أعرض وكفر ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ لحقه وأدركه ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ صار من الضالين هو رجل من بني إسرائيل والأكثرون على أنه بلعم بن باعوراء عالم باسم الله الأعظم سألوا عنه أن يدعو على موسى وجنوده فأبى ثم ألحوا فألحوا وجاءوه بالرشوة فقبل فدعا عليهم فقبل الله ثم دعا موسى عليه فنزع عنه الإيمان والاسم الأعظم، وقال بعضهم: ما يسر الله له الدعاء على موسى لكن قال لهم: أخرجوا النساء تستقبلهم فعسى أن يزنوا ففعلوا فوقع واحد من بني إسرائيل في الزنا فنزل عليهم الطاعون فقتل أحد علمائهم الزاني فكشف عنهم العذاب قيل فحسب من هلك في الطاعون في ساعة من النهار فوجدوا سبعين ألفًا ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ﴾ إلى الدرجات العلى ﴿بِها﴾ بسبب تلك الآيات ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مال إلى الدنيا وزخارفها فإن جميع زخارفها من الأرض ﴿واتبَعَ هَواهُ﴾ في أخذ الرشوة والإعراض عن أمر الله تعالى ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثلِ الكَلْبِ﴾ في أخس أحواله وهو ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ إن شد عليه فطرد ﴿يَلْهَثْ﴾: هو إخراج الكلب اللسان ﴿أوْ تَتْرُكْهُ﴾ غير متعرض له بالزجر ﴿يَلْهَثْ﴾ قد نقل: إن بلعم لما دعا عليهم اندلع لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب أو مثله في أنه إن وعظته أو تركته فهو على الضلال كالكلب في لهثته في الحالتين أو إن قلب الكافر ضعيف كالكلب فإن لهث الكلب من ضعف قلبه ولا يلهث سائر الحيوان إلا في حال إعياء أو عطش ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ المذكور على اليهود أو على كفار مكة ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلموا أنها شابهت قصتهم وحالهم فيتعظوا ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ أي: مثل القوم على حذف المضاف ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فتقديم المفعول للتخصيص ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ والاهتداء من أعظم الصفات ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ والإفراد في الأول والجمع في الثاني إشارة إلى أن طريق الهدى واحد فهم كرجل واحد وأنواع الضلال مختلفة متكثرة ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ اللام للعاقبة ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهم الذين حقت عليهم كلمة الشقاوة ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أي: لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي خلقها الله للاهتداء ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ فِى عدم فقه معرفة الحق والإبصار للاعتبار والاستماع للتدبر بل صرفوا مشاعرهم وقصروها في أسباب التعيش ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فإن الدواب تفعل ما خلقت له إما بالطبع وإما بالتسخير وترتدع عن مضارها بخلاف الكافر فإنه خلق ليعبد الله وهو يعبد الشيطان ويعلم بعضهم أنه يضره ويرتكبه عنادًا ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أشد غفلة لا غفلة بعد ﴿ولله الأسْماءُ الحُسْنى﴾ هي أحسن الأسماء دالة على أحسن المعاني وليست منحصرة في التسعة والتسعين ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ سموه بتلك الأسماء ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ ذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على آلهتهم بزيادة ونقصان كاللات من الله والمنات من المنان والعزى من العزيز وقيل الإلحاد فيها تسميته بما لم يرد في الكتاب ولا في السنة كـ يا سخي ويا مكار، ويا عاقل ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الإلحاد ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون وهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان إلى يوم الدين وهذه صفة من ذرأ للجنة كما وصف من ذرأ لجهنم.
الأعراف 7:177
﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: أن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أشهد بعضهم على بعض ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ قال بعضهم: شهدنا قول الملائكة لا قول بني آدم وهو أنه قال الله تعالى للملائكة اشهدوا على إقرارهم قالوا شهدنا ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ أي: كراهة أن تقولوا ﴿يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أي: عن إنك ربنا ﴿غافِلِينَ﴾ لم ننبه عليه ولذلك نصبنا الأدلة على الربوبية وأرسلنا الرسل بذكرهم العهد فلا يكون لهم عذر ﴿أوْ تقُولُوا﴾ عطف على أن تقولوا ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ قبل زماننا ﴿وكُنّا ذُريةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدينا بهم ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ الآباء المبطلون بتأسيس الشرك. اعلم أن الأحاديث الصحاح الدالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة والنار وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربُّهم ففي حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - كما حققه الثبات من المحدثين ووافقهما أكثر السلف والخلف كأبي بن كعب ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم وقال بعض السلف والخلف: المراد بهذا الإشهاد أنه خلقهم على فطرة الإسلام ونصب لهم دلائل التوحيد ولظهورها صارت بمنزلة أنه قيل لهم: ”ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى“ وأنت تعلم أن ابن عباس حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني القرآن ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك التبيين ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ لفوائد جمة ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن اتباع الأصل.
﴿واتْل عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود أو على قومك ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ من الآيات بأن أعرض وكفر ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ لحقه وأدركه ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ صار من الضالين هو رجل من بني إسرائيل والأكثرون على أنه بلعم بن باعوراء عالم باسم الله الأعظم سألوا عنه أن يدعو على موسى وجنوده فأبى ثم ألحوا فألحوا وجاءوه بالرشوة فقبل فدعا عليهم فقبل الله ثم دعا موسى عليه فنزع عنه الإيمان والاسم الأعظم، وقال بعضهم: ما يسر الله له الدعاء على موسى لكن قال لهم: أخرجوا النساء تستقبلهم فعسى أن يزنوا ففعلوا فوقع واحد من بني إسرائيل في الزنا فنزل عليهم الطاعون فقتل أحد علمائهم الزاني فكشف عنهم العذاب قيل فحسب من هلك في الطاعون في ساعة من النهار فوجدوا سبعين ألفًا ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ﴾ إلى الدرجات العلى ﴿بِها﴾ بسبب تلك الآيات ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مال إلى الدنيا وزخارفها فإن جميع زخارفها من الأرض ﴿واتبَعَ هَواهُ﴾ في أخذ الرشوة والإعراض عن أمر الله تعالى ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثلِ الكَلْبِ﴾ في أخس أحواله وهو ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ إن شد عليه فطرد ﴿يَلْهَثْ﴾: هو إخراج الكلب اللسان ﴿أوْ تَتْرُكْهُ﴾ غير متعرض له بالزجر ﴿يَلْهَثْ﴾ قد نقل: إن بلعم لما دعا عليهم اندلع لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب أو مثله في أنه إن وعظته أو تركته فهو على الضلال كالكلب في لهثته في الحالتين أو إن قلب الكافر ضعيف كالكلب فإن لهث الكلب من ضعف قلبه ولا يلهث سائر الحيوان إلا في حال إعياء أو عطش ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ المذكور على اليهود أو على كفار مكة ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلموا أنها شابهت قصتهم وحالهم فيتعظوا ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ أي: مثل القوم على حذف المضاف ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فتقديم المفعول للتخصيص ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ والاهتداء من أعظم الصفات ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ والإفراد في الأول والجمع في الثاني إشارة إلى أن طريق الهدى واحد فهم كرجل واحد وأنواع الضلال مختلفة متكثرة ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ اللام للعاقبة ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهم الذين حقت عليهم كلمة الشقاوة ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أي: لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي خلقها الله للاهتداء ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ فِى عدم فقه معرفة الحق والإبصار للاعتبار والاستماع للتدبر بل صرفوا مشاعرهم وقصروها في أسباب التعيش ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فإن الدواب تفعل ما خلقت له إما بالطبع وإما بالتسخير وترتدع عن مضارها بخلاف الكافر فإنه خلق ليعبد الله وهو يعبد الشيطان ويعلم بعضهم أنه يضره ويرتكبه عنادًا ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أشد غفلة لا غفلة بعد ﴿ولله الأسْماءُ الحُسْنى﴾ هي أحسن الأسماء دالة على أحسن المعاني وليست منحصرة في التسعة والتسعين ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ سموه بتلك الأسماء ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ ذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على آلهتهم بزيادة ونقصان كاللات من الله والمنات من المنان والعزى من العزيز وقيل الإلحاد فيها تسميته بما لم يرد في الكتاب ولا في السنة كـ يا سخي ويا مكار، ويا عاقل ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الإلحاد ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون وهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان إلى يوم الدين وهذه صفة من ذرأ للجنة كما وصف من ذرأ لجهنم.
الأعراف 7:178
﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: أن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أشهد بعضهم على بعض ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ قال بعضهم: شهدنا قول الملائكة لا قول بني آدم وهو أنه قال الله تعالى للملائكة اشهدوا على إقرارهم قالوا شهدنا ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ أي: كراهة أن تقولوا ﴿يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أي: عن إنك ربنا ﴿غافِلِينَ﴾ لم ننبه عليه ولذلك نصبنا الأدلة على الربوبية وأرسلنا الرسل بذكرهم العهد فلا يكون لهم عذر ﴿أوْ تقُولُوا﴾ عطف على أن تقولوا ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ قبل زماننا ﴿وكُنّا ذُريةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدينا بهم ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ الآباء المبطلون بتأسيس الشرك. اعلم أن الأحاديث الصحاح الدالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة والنار وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربُّهم ففي حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - كما حققه الثبات من المحدثين ووافقهما أكثر السلف والخلف كأبي بن كعب ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم وقال بعض السلف والخلف: المراد بهذا الإشهاد أنه خلقهم على فطرة الإسلام ونصب لهم دلائل التوحيد ولظهورها صارت بمنزلة أنه قيل لهم: ”ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى“ وأنت تعلم أن ابن عباس حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني القرآن ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك التبيين ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ لفوائد جمة ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن اتباع الأصل.
﴿واتْل عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود أو على قومك ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ من الآيات بأن أعرض وكفر ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ لحقه وأدركه ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ صار من الضالين هو رجل من بني إسرائيل والأكثرون على أنه بلعم بن باعوراء عالم باسم الله الأعظم سألوا عنه أن يدعو على موسى وجنوده فأبى ثم ألحوا فألحوا وجاءوه بالرشوة فقبل فدعا عليهم فقبل الله ثم دعا موسى عليه فنزع عنه الإيمان والاسم الأعظم، وقال بعضهم: ما يسر الله له الدعاء على موسى لكن قال لهم: أخرجوا النساء تستقبلهم فعسى أن يزنوا ففعلوا فوقع واحد من بني إسرائيل في الزنا فنزل عليهم الطاعون فقتل أحد علمائهم الزاني فكشف عنهم العذاب قيل فحسب من هلك في الطاعون في ساعة من النهار فوجدوا سبعين ألفًا ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ﴾ إلى الدرجات العلى ﴿بِها﴾ بسبب تلك الآيات ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مال إلى الدنيا وزخارفها فإن جميع زخارفها من الأرض ﴿واتبَعَ هَواهُ﴾ في أخذ الرشوة والإعراض عن أمر الله تعالى ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثلِ الكَلْبِ﴾ في أخس أحواله وهو ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ إن شد عليه فطرد ﴿يَلْهَثْ﴾: هو إخراج الكلب اللسان ﴿أوْ تَتْرُكْهُ﴾ غير متعرض له بالزجر ﴿يَلْهَثْ﴾ قد نقل: إن بلعم لما دعا عليهم اندلع لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب أو مثله في أنه إن وعظته أو تركته فهو على الضلال كالكلب في لهثته في الحالتين أو إن قلب الكافر ضعيف كالكلب فإن لهث الكلب من ضعف قلبه ولا يلهث سائر الحيوان إلا في حال إعياء أو عطش ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ المذكور على اليهود أو على كفار مكة ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلموا أنها شابهت قصتهم وحالهم فيتعظوا ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ أي: مثل القوم على حذف المضاف ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فتقديم المفعول للتخصيص ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ والاهتداء من أعظم الصفات ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ والإفراد في الأول والجمع في الثاني إشارة إلى أن طريق الهدى واحد فهم كرجل واحد وأنواع الضلال مختلفة متكثرة ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ اللام للعاقبة ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهم الذين حقت عليهم كلمة الشقاوة ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أي: لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي خلقها الله للاهتداء ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ فِى عدم فقه معرفة الحق والإبصار للاعتبار والاستماع للتدبر بل صرفوا مشاعرهم وقصروها في أسباب التعيش ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فإن الدواب تفعل ما خلقت له إما بالطبع وإما بالتسخير وترتدع عن مضارها بخلاف الكافر فإنه خلق ليعبد الله وهو يعبد الشيطان ويعلم بعضهم أنه يضره ويرتكبه عنادًا ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أشد غفلة لا غفلة بعد ﴿ولله الأسْماءُ الحُسْنى﴾ هي أحسن الأسماء دالة على أحسن المعاني وليست منحصرة في التسعة والتسعين ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ سموه بتلك الأسماء ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ ذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على آلهتهم بزيادة ونقصان كاللات من الله والمنات من المنان والعزى من العزيز وقيل الإلحاد فيها تسميته بما لم يرد في الكتاب ولا في السنة كـ يا سخي ويا مكار، ويا عاقل ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الإلحاد ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون وهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان إلى يوم الدين وهذه صفة من ذرأ للجنة كما وصف من ذرأ لجهنم.
الأعراف 7:179
﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: أن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أشهد بعضهم على بعض ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ قال بعضهم: شهدنا قول الملائكة لا قول بني آدم وهو أنه قال الله تعالى للملائكة اشهدوا على إقرارهم قالوا شهدنا ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ أي: كراهة أن تقولوا ﴿يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أي: عن إنك ربنا ﴿غافِلِينَ﴾ لم ننبه عليه ولذلك نصبنا الأدلة على الربوبية وأرسلنا الرسل بذكرهم العهد فلا يكون لهم عذر ﴿أوْ تقُولُوا﴾ عطف على أن تقولوا ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ قبل زماننا ﴿وكُنّا ذُريةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدينا بهم ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ الآباء المبطلون بتأسيس الشرك. اعلم أن الأحاديث الصحاح الدالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة والنار وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربُّهم ففي حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - كما حققه الثبات من المحدثين ووافقهما أكثر السلف والخلف كأبي بن كعب ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم وقال بعض السلف والخلف: المراد بهذا الإشهاد أنه خلقهم على فطرة الإسلام ونصب لهم دلائل التوحيد ولظهورها صارت بمنزلة أنه قيل لهم: ”ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى“ وأنت تعلم أن ابن عباس حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني القرآن ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك التبيين ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ لفوائد جمة ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن اتباع الأصل.
﴿واتْل عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود أو على قومك ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ من الآيات بأن أعرض وكفر ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ لحقه وأدركه ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ صار من الضالين هو رجل من بني إسرائيل والأكثرون على أنه بلعم بن باعوراء عالم باسم الله الأعظم سألوا عنه أن يدعو على موسى وجنوده فأبى ثم ألحوا فألحوا وجاءوه بالرشوة فقبل فدعا عليهم فقبل الله ثم دعا موسى عليه فنزع عنه الإيمان والاسم الأعظم، وقال بعضهم: ما يسر الله له الدعاء على موسى لكن قال لهم: أخرجوا النساء تستقبلهم فعسى أن يزنوا ففعلوا فوقع واحد من بني إسرائيل في الزنا فنزل عليهم الطاعون فقتل أحد علمائهم الزاني فكشف عنهم العذاب قيل فحسب من هلك في الطاعون في ساعة من النهار فوجدوا سبعين ألفًا ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ﴾ إلى الدرجات العلى ﴿بِها﴾ بسبب تلك الآيات ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مال إلى الدنيا وزخارفها فإن جميع زخارفها من الأرض ﴿واتبَعَ هَواهُ﴾ في أخذ الرشوة والإعراض عن أمر الله تعالى ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثلِ الكَلْبِ﴾ في أخس أحواله وهو ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ إن شد عليه فطرد ﴿يَلْهَثْ﴾: هو إخراج الكلب اللسان ﴿أوْ تَتْرُكْهُ﴾ غير متعرض له بالزجر ﴿يَلْهَثْ﴾ قد نقل: إن بلعم لما دعا عليهم اندلع لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب أو مثله في أنه إن وعظته أو تركته فهو على الضلال كالكلب في لهثته في الحالتين أو إن قلب الكافر ضعيف كالكلب فإن لهث الكلب من ضعف قلبه ولا يلهث سائر الحيوان إلا في حال إعياء أو عطش ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ المذكور على اليهود أو على كفار مكة ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلموا أنها شابهت قصتهم وحالهم فيتعظوا ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ أي: مثل القوم على حذف المضاف ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فتقديم المفعول للتخصيص ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ والاهتداء من أعظم الصفات ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ والإفراد في الأول والجمع في الثاني إشارة إلى أن طريق الهدى واحد فهم كرجل واحد وأنواع الضلال مختلفة متكثرة ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ اللام للعاقبة ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهم الذين حقت عليهم كلمة الشقاوة ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أي: لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي خلقها الله للاهتداء ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ فِى عدم فقه معرفة الحق والإبصار للاعتبار والاستماع للتدبر بل صرفوا مشاعرهم وقصروها في أسباب التعيش ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فإن الدواب تفعل ما خلقت له إما بالطبع وإما بالتسخير وترتدع عن مضارها بخلاف الكافر فإنه خلق ليعبد الله وهو يعبد الشيطان ويعلم بعضهم أنه يضره ويرتكبه عنادًا ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أشد غفلة لا غفلة بعد ﴿ولله الأسْماءُ الحُسْنى﴾ هي أحسن الأسماء دالة على أحسن المعاني وليست منحصرة في التسعة والتسعين ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ سموه بتلك الأسماء ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ ذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على آلهتهم بزيادة ونقصان كاللات من الله والمنات من المنان والعزى من العزيز وقيل الإلحاد فيها تسميته بما لم يرد في الكتاب ولا في السنة كـ يا سخي ويا مكار، ويا عاقل ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الإلحاد ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون وهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان إلى يوم الدين وهذه صفة من ذرأ للجنة كما وصف من ذرأ لجهنم.
الأعراف 7:180
﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: أن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أشهد بعضهم على بعض ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ قال بعضهم: شهدنا قول الملائكة لا قول بني آدم وهو أنه قال الله تعالى للملائكة اشهدوا على إقرارهم قالوا شهدنا ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ أي: كراهة أن تقولوا ﴿يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أي: عن إنك ربنا ﴿غافِلِينَ﴾ لم ننبه عليه ولذلك نصبنا الأدلة على الربوبية وأرسلنا الرسل بذكرهم العهد فلا يكون لهم عذر ﴿أوْ تقُولُوا﴾ عطف على أن تقولوا ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ قبل زماننا ﴿وكُنّا ذُريةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدينا بهم ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ الآباء المبطلون بتأسيس الشرك. اعلم أن الأحاديث الصحاح الدالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة والنار وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربُّهم ففي حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - كما حققه الثبات من المحدثين ووافقهما أكثر السلف والخلف كأبي بن كعب ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم وقال بعض السلف والخلف: المراد بهذا الإشهاد أنه خلقهم على فطرة الإسلام ونصب لهم دلائل التوحيد ولظهورها صارت بمنزلة أنه قيل لهم: ”ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى“ وأنت تعلم أن ابن عباس حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني القرآن ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك التبيين ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ لفوائد جمة ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن اتباع الأصل.
﴿واتْل عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود أو على قومك ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ من الآيات بأن أعرض وكفر ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ لحقه وأدركه ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ صار من الضالين هو رجل من بني إسرائيل والأكثرون على أنه بلعم بن باعوراء عالم باسم الله الأعظم سألوا عنه أن يدعو على موسى وجنوده فأبى ثم ألحوا فألحوا وجاءوه بالرشوة فقبل فدعا عليهم فقبل الله ثم دعا موسى عليه فنزع عنه الإيمان والاسم الأعظم، وقال بعضهم: ما يسر الله له الدعاء على موسى لكن قال لهم: أخرجوا النساء تستقبلهم فعسى أن يزنوا ففعلوا فوقع واحد من بني إسرائيل في الزنا فنزل عليهم الطاعون فقتل أحد علمائهم الزاني فكشف عنهم العذاب قيل فحسب من هلك في الطاعون في ساعة من النهار فوجدوا سبعين ألفًا ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ﴾ إلى الدرجات العلى ﴿بِها﴾ بسبب تلك الآيات ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مال إلى الدنيا وزخارفها فإن جميع زخارفها من الأرض ﴿واتبَعَ هَواهُ﴾ في أخذ الرشوة والإعراض عن أمر الله تعالى ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثلِ الكَلْبِ﴾ في أخس أحواله وهو ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ إن شد عليه فطرد ﴿يَلْهَثْ﴾: هو إخراج الكلب اللسان ﴿أوْ تَتْرُكْهُ﴾ غير متعرض له بالزجر ﴿يَلْهَثْ﴾ قد نقل: إن بلعم لما دعا عليهم اندلع لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب أو مثله في أنه إن وعظته أو تركته فهو على الضلال كالكلب في لهثته في الحالتين أو إن قلب الكافر ضعيف كالكلب فإن لهث الكلب من ضعف قلبه ولا يلهث سائر الحيوان إلا في حال إعياء أو عطش ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ المذكور على اليهود أو على كفار مكة ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلموا أنها شابهت قصتهم وحالهم فيتعظوا ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ أي: مثل القوم على حذف المضاف ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فتقديم المفعول للتخصيص ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ والاهتداء من أعظم الصفات ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ والإفراد في الأول والجمع في الثاني إشارة إلى أن طريق الهدى واحد فهم كرجل واحد وأنواع الضلال مختلفة متكثرة ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ اللام للعاقبة ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهم الذين حقت عليهم كلمة الشقاوة ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أي: لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي خلقها الله للاهتداء ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ فِى عدم فقه معرفة الحق والإبصار للاعتبار والاستماع للتدبر بل صرفوا مشاعرهم وقصروها في أسباب التعيش ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فإن الدواب تفعل ما خلقت له إما بالطبع وإما بالتسخير وترتدع عن مضارها بخلاف الكافر فإنه خلق ليعبد الله وهو يعبد الشيطان ويعلم بعضهم أنه يضره ويرتكبه عنادًا ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أشد غفلة لا غفلة بعد ﴿ولله الأسْماءُ الحُسْنى﴾ هي أحسن الأسماء دالة على أحسن المعاني وليست منحصرة في التسعة والتسعين ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ سموه بتلك الأسماء ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ ذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على آلهتهم بزيادة ونقصان كاللات من الله والمنات من المنان والعزى من العزيز وقيل الإلحاد فيها تسميته بما لم يرد في الكتاب ولا في السنة كـ يا سخي ويا مكار، ويا عاقل ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الإلحاد ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون وهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان إلى يوم الدين وهذه صفة من ذرأ للجنة كما وصف من ذرأ لجهنم.
الأعراف 7:181
﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: أن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أشهد بعضهم على بعض ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ قال بعضهم: شهدنا قول الملائكة لا قول بني آدم وهو أنه قال الله تعالى للملائكة اشهدوا على إقرارهم قالوا شهدنا ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ أي: كراهة أن تقولوا ﴿يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أي: عن إنك ربنا ﴿غافِلِينَ﴾ لم ننبه عليه ولذلك نصبنا الأدلة على الربوبية وأرسلنا الرسل بذكرهم العهد فلا يكون لهم عذر ﴿أوْ تقُولُوا﴾ عطف على أن تقولوا ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ قبل زماننا ﴿وكُنّا ذُريةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدينا بهم ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ الآباء المبطلون بتأسيس الشرك. اعلم أن الأحاديث الصحاح الدالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة والنار وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربُّهم ففي حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - كما حققه الثبات من المحدثين ووافقهما أكثر السلف والخلف كأبي بن كعب ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم وقال بعض السلف والخلف: المراد بهذا الإشهاد أنه خلقهم على فطرة الإسلام ونصب لهم دلائل التوحيد ولظهورها صارت بمنزلة أنه قيل لهم: ”ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى“ وأنت تعلم أن ابن عباس حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني القرآن ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك التبيين ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ لفوائد جمة ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا عن اتباع الأصل.
﴿واتْل عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود أو على قومك ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ من الآيات بأن أعرض وكفر ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ لحقه وأدركه ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ صار من الضالين هو رجل من بني إسرائيل والأكثرون على أنه بلعم بن باعوراء عالم باسم الله الأعظم سألوا عنه أن يدعو على موسى وجنوده فأبى ثم ألحوا فألحوا وجاءوه بالرشوة فقبل فدعا عليهم فقبل الله ثم دعا موسى عليه فنزع عنه الإيمان والاسم الأعظم، وقال بعضهم: ما يسر الله له الدعاء على موسى لكن قال لهم: أخرجوا النساء تستقبلهم فعسى أن يزنوا ففعلوا فوقع واحد من بني إسرائيل في الزنا فنزل عليهم الطاعون فقتل أحد علمائهم الزاني فكشف عنهم العذاب قيل فحسب من هلك في الطاعون في ساعة من النهار فوجدوا سبعين ألفًا ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ﴾ إلى الدرجات العلى ﴿بِها﴾ بسبب تلك الآيات ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مال إلى الدنيا وزخارفها فإن جميع زخارفها من الأرض ﴿واتبَعَ هَواهُ﴾ في أخذ الرشوة والإعراض عن أمر الله تعالى ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثلِ الكَلْبِ﴾ في أخس أحواله وهو ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ إن شد عليه فطرد ﴿يَلْهَثْ﴾: هو إخراج الكلب اللسان ﴿أوْ تَتْرُكْهُ﴾ غير متعرض له بالزجر ﴿يَلْهَثْ﴾ قد نقل: إن بلعم لما دعا عليهم اندلع لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب أو مثله في أنه إن وعظته أو تركته فهو على الضلال كالكلب في لهثته في الحالتين أو إن قلب الكافر ضعيف كالكلب فإن لهث الكلب من ضعف قلبه ولا يلهث سائر الحيوان إلا في حال إعياء أو عطش ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ المذكور على اليهود أو على كفار مكة ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلموا أنها شابهت قصتهم وحالهم فيتعظوا ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ أي: مثل القوم على حذف المضاف ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فتقديم المفعول للتخصيص ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ والاهتداء من أعظم الصفات ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ والإفراد في الأول والجمع في الثاني إشارة إلى أن طريق الهدى واحد فهم كرجل واحد وأنواع الضلال مختلفة متكثرة ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ اللام للعاقبة ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهم الذين حقت عليهم كلمة الشقاوة ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أي: لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي خلقها الله للاهتداء ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ فِى عدم فقه معرفة الحق والإبصار للاعتبار والاستماع للتدبر بل صرفوا مشاعرهم وقصروها في أسباب التعيش ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فإن الدواب تفعل ما خلقت له إما بالطبع وإما بالتسخير وترتدع عن مضارها بخلاف الكافر فإنه خلق ليعبد الله وهو يعبد الشيطان ويعلم بعضهم أنه يضره ويرتكبه عنادًا ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أشد غفلة لا غفلة بعد ﴿ولله الأسْماءُ الحُسْنى﴾ هي أحسن الأسماء دالة على أحسن المعاني وليست منحصرة في التسعة والتسعين ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ سموه بتلك الأسماء ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ ذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على آلهتهم بزيادة ونقصان كاللات من الله والمنات من المنان والعزى من العزيز وقيل الإلحاد فيها تسميته بما لم يرد في الكتاب ولا في السنة كـ يا سخي ويا مكار، ويا عاقل ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الإلحاد ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون وهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان إلى يوم الدين وهذه صفة من ذرأ للجنة كما وصف من ذرأ لجهنم.
الأعراف 7:182
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سنقربهم إلى الهلاك والعذاب قليلًا قليلًا ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ كلما جددوا معصية جددنا لهم وأسبغنا عليهم النعم وننسيهم الشكر والاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة درجة ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأمهلهم ليزدادوا ضلالًا بعد ضلال ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مكري شديد ﴿أوَلَمْ يَتَفَكرُوا﴾ فيعلموا ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ أي: محمد عليه الصلاة والسلام ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ جنون نزلت حين علا عليه الصلاة والسلام الصفا فدعاهم يحذر فقال قائل منهم: إن صاحبكم مجنون بات يهوت إلى الصباح ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبينٌ﴾ إنذاره ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ نظر استدلال ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ربوبيتها وملكها وقيل عجائبها والتاء فيه للمبالغة ﴿وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ وفيما يقع عليه اسمًا لشيء ففي كل شيء له آية ﴿وأنْ﴾ أي: أنه ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ أي: أولم ينظروا في اقتراب آجالهم ليسارعوا إلى ما ينجيهم من العذاب واسم كان ضمير الشأن ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ بعد القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إن لم يؤمنوا به وليس بعد هذا البيان حديث آخر ينتطر وروده ليؤمنوا به ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ حال من هم ومن قرأ ويذرهم بالياء والجزم فعطف على محل فلا هادي.
﴿يَسْألونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أي: القيامة ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ متى يكون، وأي وقت إثباتها؟ نزلت في قريش يسألون وقتها استبعادًا لوقوعها ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ أي: لا يظهر أمرها في وقتها إلا هو أي: الخفاء به مستمر إلى وقت الوقوع واللام للتأنيث كقولهم كتب لثلاث من رجب ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عظمت وشقت على أهل السماوات والأرض لهولها أو ثقلت عليهما عند الوقوع حتى انشقت وانهدمت، أو ثقل علمها وخفاؤها على أهلهما وعلى الوجوه كلمة في استعارة منبهة على تمكن الثقل، أو معناه خفيت في السماوات والأرض لا يعلمها شيء وكل خفي ثقيل ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ فجأة على غفلة ونصبه على المصدر فإنها نوع من الإتيان ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أي: عالم بها من حفى عن الشيء بالغ في السؤال عنه، والمبالغة في السؤال مستلزم للعلم أطلق الحفى وأريد العالم، أو كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمت، أو عنها متعلق بـ يسألونك أي: يسألونك عنها كأنك شفيق بهم من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشًا قالوا يا محمد بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة، وكأنك في موقع الحال أي: مشبهًا حالك بحال الحفي ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ لا يطلع عليه أحد كرره تأكيدًا ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أن علمها مختص بالله ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أي: جلب نفع ولا دفع ضر ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ أي: لكن ما شاء يصل فمنقطع أو إلا نفعًا وضرًّا يملكني الله ويوفقني به فمتصل ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أي: لكانت حالي من استكثار الخير واستفراز المنافع واجتناب السوء على خلاف ما هي عليه، فلم أكن غالبًا مرة ومغلوبًا أخرى، ورابحًا وخاسرًا في التجارة ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة لهم فإنهم المنتفعون بهما، أو ما أنا إلا نذير للكافرين وبشير للمؤمنين فمتعلق النذير محذوف، ونزلت حين قالت قريش: ألا تعلم الرخص قبل الغلاء فتشتري وتربح والأرض التي تريد أن تجدب فترتحل إلى المخصبة.
الأعراف 7:183
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سنقربهم إلى الهلاك والعذاب قليلًا قليلًا ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ كلما جددوا معصية جددنا لهم وأسبغنا عليهم النعم وننسيهم الشكر والاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة درجة ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأمهلهم ليزدادوا ضلالًا بعد ضلال ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مكري شديد ﴿أوَلَمْ يَتَفَكرُوا﴾ فيعلموا ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ أي: محمد عليه الصلاة والسلام ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ جنون نزلت حين علا عليه الصلاة والسلام الصفا فدعاهم يحذر فقال قائل منهم: إن صاحبكم مجنون بات يهوت إلى الصباح ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبينٌ﴾ إنذاره ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ نظر استدلال ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ربوبيتها وملكها وقيل عجائبها والتاء فيه للمبالغة ﴿وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ وفيما يقع عليه اسمًا لشيء ففي كل شيء له آية ﴿وأنْ﴾ أي: أنه ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ أي: أولم ينظروا في اقتراب آجالهم ليسارعوا إلى ما ينجيهم من العذاب واسم كان ضمير الشأن ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ بعد القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إن لم يؤمنوا به وليس بعد هذا البيان حديث آخر ينتطر وروده ليؤمنوا به ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ حال من هم ومن قرأ ويذرهم بالياء والجزم فعطف على محل فلا هادي.
﴿يَسْألونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أي: القيامة ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ متى يكون، وأي وقت إثباتها؟ نزلت في قريش يسألون وقتها استبعادًا لوقوعها ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ أي: لا يظهر أمرها في وقتها إلا هو أي: الخفاء به مستمر إلى وقت الوقوع واللام للتأنيث كقولهم كتب لثلاث من رجب ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عظمت وشقت على أهل السماوات والأرض لهولها أو ثقلت عليهما عند الوقوع حتى انشقت وانهدمت، أو ثقل علمها وخفاؤها على أهلهما وعلى الوجوه كلمة في استعارة منبهة على تمكن الثقل، أو معناه خفيت في السماوات والأرض لا يعلمها شيء وكل خفي ثقيل ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ فجأة على غفلة ونصبه على المصدر فإنها نوع من الإتيان ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أي: عالم بها من حفى عن الشيء بالغ في السؤال عنه، والمبالغة في السؤال مستلزم للعلم أطلق الحفى وأريد العالم، أو كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمت، أو عنها متعلق بـ يسألونك أي: يسألونك عنها كأنك شفيق بهم من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشًا قالوا يا محمد بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة، وكأنك في موقع الحال أي: مشبهًا حالك بحال الحفي ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ لا يطلع عليه أحد كرره تأكيدًا ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أن علمها مختص بالله ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أي: جلب نفع ولا دفع ضر ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ أي: لكن ما شاء يصل فمنقطع أو إلا نفعًا وضرًّا يملكني الله ويوفقني به فمتصل ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أي: لكانت حالي من استكثار الخير واستفراز المنافع واجتناب السوء على خلاف ما هي عليه، فلم أكن غالبًا مرة ومغلوبًا أخرى، ورابحًا وخاسرًا في التجارة ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة لهم فإنهم المنتفعون بهما، أو ما أنا إلا نذير للكافرين وبشير للمؤمنين فمتعلق النذير محذوف، ونزلت حين قالت قريش: ألا تعلم الرخص قبل الغلاء فتشتري وتربح والأرض التي تريد أن تجدب فترتحل إلى المخصبة.
الأعراف 7:184
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سنقربهم إلى الهلاك والعذاب قليلًا قليلًا ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ كلما جددوا معصية جددنا لهم وأسبغنا عليهم النعم وننسيهم الشكر والاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة درجة ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأمهلهم ليزدادوا ضلالًا بعد ضلال ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مكري شديد ﴿أوَلَمْ يَتَفَكرُوا﴾ فيعلموا ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ أي: محمد عليه الصلاة والسلام ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ جنون نزلت حين علا عليه الصلاة والسلام الصفا فدعاهم يحذر فقال قائل منهم: إن صاحبكم مجنون بات يهوت إلى الصباح ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبينٌ﴾ إنذاره ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ نظر استدلال ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ربوبيتها وملكها وقيل عجائبها والتاء فيه للمبالغة ﴿وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ وفيما يقع عليه اسمًا لشيء ففي كل شيء له آية ﴿وأنْ﴾ أي: أنه ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ أي: أولم ينظروا في اقتراب آجالهم ليسارعوا إلى ما ينجيهم من العذاب واسم كان ضمير الشأن ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ بعد القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إن لم يؤمنوا به وليس بعد هذا البيان حديث آخر ينتطر وروده ليؤمنوا به ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ حال من هم ومن قرأ ويذرهم بالياء والجزم فعطف على محل فلا هادي.
﴿يَسْألونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أي: القيامة ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ متى يكون، وأي وقت إثباتها؟ نزلت في قريش يسألون وقتها استبعادًا لوقوعها ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ أي: لا يظهر أمرها في وقتها إلا هو أي: الخفاء به مستمر إلى وقت الوقوع واللام للتأنيث كقولهم كتب لثلاث من رجب ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عظمت وشقت على أهل السماوات والأرض لهولها أو ثقلت عليهما عند الوقوع حتى انشقت وانهدمت، أو ثقل علمها وخفاؤها على أهلهما وعلى الوجوه كلمة في استعارة منبهة على تمكن الثقل، أو معناه خفيت في السماوات والأرض لا يعلمها شيء وكل خفي ثقيل ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ فجأة على غفلة ونصبه على المصدر فإنها نوع من الإتيان ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أي: عالم بها من حفى عن الشيء بالغ في السؤال عنه، والمبالغة في السؤال مستلزم للعلم أطلق الحفى وأريد العالم، أو كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمت، أو عنها متعلق بـ يسألونك أي: يسألونك عنها كأنك شفيق بهم من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشًا قالوا يا محمد بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة، وكأنك في موقع الحال أي: مشبهًا حالك بحال الحفي ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ لا يطلع عليه أحد كرره تأكيدًا ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أن علمها مختص بالله ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أي: جلب نفع ولا دفع ضر ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ أي: لكن ما شاء يصل فمنقطع أو إلا نفعًا وضرًّا يملكني الله ويوفقني به فمتصل ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أي: لكانت حالي من استكثار الخير واستفراز المنافع واجتناب السوء على خلاف ما هي عليه، فلم أكن غالبًا مرة ومغلوبًا أخرى، ورابحًا وخاسرًا في التجارة ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة لهم فإنهم المنتفعون بهما، أو ما أنا إلا نذير للكافرين وبشير للمؤمنين فمتعلق النذير محذوف، ونزلت حين قالت قريش: ألا تعلم الرخص قبل الغلاء فتشتري وتربح والأرض التي تريد أن تجدب فترتحل إلى المخصبة.
الأعراف 7:185
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سنقربهم إلى الهلاك والعذاب قليلًا قليلًا ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ كلما جددوا معصية جددنا لهم وأسبغنا عليهم النعم وننسيهم الشكر والاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة درجة ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأمهلهم ليزدادوا ضلالًا بعد ضلال ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مكري شديد ﴿أوَلَمْ يَتَفَكرُوا﴾ فيعلموا ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ أي: محمد عليه الصلاة والسلام ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ جنون نزلت حين علا عليه الصلاة والسلام الصفا فدعاهم يحذر فقال قائل منهم: إن صاحبكم مجنون بات يهوت إلى الصباح ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبينٌ﴾ إنذاره ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ نظر استدلال ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ربوبيتها وملكها وقيل عجائبها والتاء فيه للمبالغة ﴿وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ وفيما يقع عليه اسمًا لشيء ففي كل شيء له آية ﴿وأنْ﴾ أي: أنه ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ أي: أولم ينظروا في اقتراب آجالهم ليسارعوا إلى ما ينجيهم من العذاب واسم كان ضمير الشأن ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ بعد القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إن لم يؤمنوا به وليس بعد هذا البيان حديث آخر ينتطر وروده ليؤمنوا به ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ حال من هم ومن قرأ ويذرهم بالياء والجزم فعطف على محل فلا هادي.
﴿يَسْألونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أي: القيامة ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ متى يكون، وأي وقت إثباتها؟ نزلت في قريش يسألون وقتها استبعادًا لوقوعها ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ أي: لا يظهر أمرها في وقتها إلا هو أي: الخفاء به مستمر إلى وقت الوقوع واللام للتأنيث كقولهم كتب لثلاث من رجب ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عظمت وشقت على أهل السماوات والأرض لهولها أو ثقلت عليهما عند الوقوع حتى انشقت وانهدمت، أو ثقل علمها وخفاؤها على أهلهما وعلى الوجوه كلمة في استعارة منبهة على تمكن الثقل، أو معناه خفيت في السماوات والأرض لا يعلمها شيء وكل خفي ثقيل ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ فجأة على غفلة ونصبه على المصدر فإنها نوع من الإتيان ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أي: عالم بها من حفى عن الشيء بالغ في السؤال عنه، والمبالغة في السؤال مستلزم للعلم أطلق الحفى وأريد العالم، أو كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمت، أو عنها متعلق بـ يسألونك أي: يسألونك عنها كأنك شفيق بهم من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشًا قالوا يا محمد بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة، وكأنك في موقع الحال أي: مشبهًا حالك بحال الحفي ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ لا يطلع عليه أحد كرره تأكيدًا ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أن علمها مختص بالله ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أي: جلب نفع ولا دفع ضر ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ أي: لكن ما شاء يصل فمنقطع أو إلا نفعًا وضرًّا يملكني الله ويوفقني به فمتصل ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أي: لكانت حالي من استكثار الخير واستفراز المنافع واجتناب السوء على خلاف ما هي عليه، فلم أكن غالبًا مرة ومغلوبًا أخرى، ورابحًا وخاسرًا في التجارة ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة لهم فإنهم المنتفعون بهما، أو ما أنا إلا نذير للكافرين وبشير للمؤمنين فمتعلق النذير محذوف، ونزلت حين قالت قريش: ألا تعلم الرخص قبل الغلاء فتشتري وتربح والأرض التي تريد أن تجدب فترتحل إلى المخصبة.
الأعراف 7:186
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سنقربهم إلى الهلاك والعذاب قليلًا قليلًا ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ كلما جددوا معصية جددنا لهم وأسبغنا عليهم النعم وننسيهم الشكر والاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة درجة ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأمهلهم ليزدادوا ضلالًا بعد ضلال ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مكري شديد ﴿أوَلَمْ يَتَفَكرُوا﴾ فيعلموا ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ أي: محمد عليه الصلاة والسلام ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ جنون نزلت حين علا عليه الصلاة والسلام الصفا فدعاهم يحذر فقال قائل منهم: إن صاحبكم مجنون بات يهوت إلى الصباح ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبينٌ﴾ إنذاره ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ نظر استدلال ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ربوبيتها وملكها وقيل عجائبها والتاء فيه للمبالغة ﴿وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ وفيما يقع عليه اسمًا لشيء ففي كل شيء له آية ﴿وأنْ﴾ أي: أنه ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ أي: أولم ينظروا في اقتراب آجالهم ليسارعوا إلى ما ينجيهم من العذاب واسم كان ضمير الشأن ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ بعد القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إن لم يؤمنوا به وليس بعد هذا البيان حديث آخر ينتطر وروده ليؤمنوا به ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ حال من هم ومن قرأ ويذرهم بالياء والجزم فعطف على محل فلا هادي.
﴿يَسْألونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أي: القيامة ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ متى يكون، وأي وقت إثباتها؟ نزلت في قريش يسألون وقتها استبعادًا لوقوعها ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ أي: لا يظهر أمرها في وقتها إلا هو أي: الخفاء به مستمر إلى وقت الوقوع واللام للتأنيث كقولهم كتب لثلاث من رجب ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عظمت وشقت على أهل السماوات والأرض لهولها أو ثقلت عليهما عند الوقوع حتى انشقت وانهدمت، أو ثقل علمها وخفاؤها على أهلهما وعلى الوجوه كلمة في استعارة منبهة على تمكن الثقل، أو معناه خفيت في السماوات والأرض لا يعلمها شيء وكل خفي ثقيل ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ فجأة على غفلة ونصبه على المصدر فإنها نوع من الإتيان ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أي: عالم بها من حفى عن الشيء بالغ في السؤال عنه، والمبالغة في السؤال مستلزم للعلم أطلق الحفى وأريد العالم، أو كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمت، أو عنها متعلق بـ يسألونك أي: يسألونك عنها كأنك شفيق بهم من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشًا قالوا يا محمد بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة، وكأنك في موقع الحال أي: مشبهًا حالك بحال الحفي ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ لا يطلع عليه أحد كرره تأكيدًا ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أن علمها مختص بالله ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أي: جلب نفع ولا دفع ضر ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ أي: لكن ما شاء يصل فمنقطع أو إلا نفعًا وضرًّا يملكني الله ويوفقني به فمتصل ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أي: لكانت حالي من استكثار الخير واستفراز المنافع واجتناب السوء على خلاف ما هي عليه، فلم أكن غالبًا مرة ومغلوبًا أخرى، ورابحًا وخاسرًا في التجارة ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة لهم فإنهم المنتفعون بهما، أو ما أنا إلا نذير للكافرين وبشير للمؤمنين فمتعلق النذير محذوف، ونزلت حين قالت قريش: ألا تعلم الرخص قبل الغلاء فتشتري وتربح والأرض التي تريد أن تجدب فترتحل إلى المخصبة.
الأعراف 7:187
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سنقربهم إلى الهلاك والعذاب قليلًا قليلًا ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ كلما جددوا معصية جددنا لهم وأسبغنا عليهم النعم وننسيهم الشكر والاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة درجة ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأمهلهم ليزدادوا ضلالًا بعد ضلال ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مكري شديد ﴿أوَلَمْ يَتَفَكرُوا﴾ فيعلموا ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ أي: محمد عليه الصلاة والسلام ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ جنون نزلت حين علا عليه الصلاة والسلام الصفا فدعاهم يحذر فقال قائل منهم: إن صاحبكم مجنون بات يهوت إلى الصباح ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبينٌ﴾ إنذاره ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ نظر استدلال ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ربوبيتها وملكها وقيل عجائبها والتاء فيه للمبالغة ﴿وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ وفيما يقع عليه اسمًا لشيء ففي كل شيء له آية ﴿وأنْ﴾ أي: أنه ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ أي: أولم ينظروا في اقتراب آجالهم ليسارعوا إلى ما ينجيهم من العذاب واسم كان ضمير الشأن ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ بعد القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إن لم يؤمنوا به وليس بعد هذا البيان حديث آخر ينتطر وروده ليؤمنوا به ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ حال من هم ومن قرأ ويذرهم بالياء والجزم فعطف على محل فلا هادي.
﴿يَسْألونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أي: القيامة ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ متى يكون، وأي وقت إثباتها؟ نزلت في قريش يسألون وقتها استبعادًا لوقوعها ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ أي: لا يظهر أمرها في وقتها إلا هو أي: الخفاء به مستمر إلى وقت الوقوع واللام للتأنيث كقولهم كتب لثلاث من رجب ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عظمت وشقت على أهل السماوات والأرض لهولها أو ثقلت عليهما عند الوقوع حتى انشقت وانهدمت، أو ثقل علمها وخفاؤها على أهلهما وعلى الوجوه كلمة في استعارة منبهة على تمكن الثقل، أو معناه خفيت في السماوات والأرض لا يعلمها شيء وكل خفي ثقيل ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ فجأة على غفلة ونصبه على المصدر فإنها نوع من الإتيان ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أي: عالم بها من حفى عن الشيء بالغ في السؤال عنه، والمبالغة في السؤال مستلزم للعلم أطلق الحفى وأريد العالم، أو كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمت، أو عنها متعلق بـ يسألونك أي: يسألونك عنها كأنك شفيق بهم من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشًا قالوا يا محمد بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة، وكأنك في موقع الحال أي: مشبهًا حالك بحال الحفي ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ لا يطلع عليه أحد كرره تأكيدًا ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أن علمها مختص بالله ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أي: جلب نفع ولا دفع ضر ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ أي: لكن ما شاء يصل فمنقطع أو إلا نفعًا وضرًّا يملكني الله ويوفقني به فمتصل ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أي: لكانت حالي من استكثار الخير واستفراز المنافع واجتناب السوء على خلاف ما هي عليه، فلم أكن غالبًا مرة ومغلوبًا أخرى، ورابحًا وخاسرًا في التجارة ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة لهم فإنهم المنتفعون بهما، أو ما أنا إلا نذير للكافرين وبشير للمؤمنين فمتعلق النذير محذوف، ونزلت حين قالت قريش: ألا تعلم الرخص قبل الغلاء فتشتري وتربح والأرض التي تريد أن تجدب فترتحل إلى المخصبة.
الأعراف 7:188
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سنقربهم إلى الهلاك والعذاب قليلًا قليلًا ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ كلما جددوا معصية جددنا لهم وأسبغنا عليهم النعم وننسيهم الشكر والاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة درجة ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأمهلهم ليزدادوا ضلالًا بعد ضلال ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مكري شديد ﴿أوَلَمْ يَتَفَكرُوا﴾ فيعلموا ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ أي: محمد عليه الصلاة والسلام ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ جنون نزلت حين علا عليه الصلاة والسلام الصفا فدعاهم يحذر فقال قائل منهم: إن صاحبكم مجنون بات يهوت إلى الصباح ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبينٌ﴾ إنذاره ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ نظر استدلال ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ربوبيتها وملكها وقيل عجائبها والتاء فيه للمبالغة ﴿وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ وفيما يقع عليه اسمًا لشيء ففي كل شيء له آية ﴿وأنْ﴾ أي: أنه ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ أي: أولم ينظروا في اقتراب آجالهم ليسارعوا إلى ما ينجيهم من العذاب واسم كان ضمير الشأن ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ بعد القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إن لم يؤمنوا به وليس بعد هذا البيان حديث آخر ينتطر وروده ليؤمنوا به ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ حال من هم ومن قرأ ويذرهم بالياء والجزم فعطف على محل فلا هادي.
﴿يَسْألونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أي: القيامة ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ متى يكون، وأي وقت إثباتها؟ نزلت في قريش يسألون وقتها استبعادًا لوقوعها ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ أي: لا يظهر أمرها في وقتها إلا هو أي: الخفاء به مستمر إلى وقت الوقوع واللام للتأنيث كقولهم كتب لثلاث من رجب ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عظمت وشقت على أهل السماوات والأرض لهولها أو ثقلت عليهما عند الوقوع حتى انشقت وانهدمت، أو ثقل علمها وخفاؤها على أهلهما وعلى الوجوه كلمة في استعارة منبهة على تمكن الثقل، أو معناه خفيت في السماوات والأرض لا يعلمها شيء وكل خفي ثقيل ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ فجأة على غفلة ونصبه على المصدر فإنها نوع من الإتيان ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أي: عالم بها من حفى عن الشيء بالغ في السؤال عنه، والمبالغة في السؤال مستلزم للعلم أطلق الحفى وأريد العالم، أو كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمت، أو عنها متعلق بـ يسألونك أي: يسألونك عنها كأنك شفيق بهم من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشًا قالوا يا محمد بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة، وكأنك في موقع الحال أي: مشبهًا حالك بحال الحفي ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ لا يطلع عليه أحد كرره تأكيدًا ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أن علمها مختص بالله ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أي: جلب نفع ولا دفع ضر ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ أي: لكن ما شاء يصل فمنقطع أو إلا نفعًا وضرًّا يملكني الله ويوفقني به فمتصل ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أي: لكانت حالي من استكثار الخير واستفراز المنافع واجتناب السوء على خلاف ما هي عليه، فلم أكن غالبًا مرة ومغلوبًا أخرى، ورابحًا وخاسرًا في التجارة ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة لهم فإنهم المنتفعون بهما، أو ما أنا إلا نذير للكافرين وبشير للمؤمنين فمتعلق النذير محذوف، ونزلت حين قالت قريش: ألا تعلم الرخص قبل الغلاء فتشتري وتربح والأرض التي تريد أن تجدب فترتحل إلى المخصبة.
الأعراف 7:189
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:190
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:191
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:192
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:193
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:194
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:195
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:196
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:197
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:198
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:199
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:200
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:201
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:202
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:203
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:204
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:205
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..
الأعراف 7:206
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَة﴾ آدم ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ خلق من ضلع آدم حواء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ليطمئن ﴿إلَيْها﴾ ويأنس بها فإنها جزءه ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عليها يعني النطفة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل لكبر الولد ﴿دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لك ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [[قال قتادة أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.]] لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد ﴿فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري رحمه الله يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: ”شركاء“ و ”تعالى الله عما يشركون“ بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: ”فتعالى الله عما يشركون“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نَفْسُ آدَمَ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها أيْ حَوّاءَ خَلَقَها الله مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى فَلَمّا تَغَشّاها آدَمُ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... فَلَمّا أثْقَلَتْ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ/ إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ الله أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أيْ لَمّا آتاهُما الله ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ له شريكًا، والمراد به الحرث هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لله تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ «مَن» لا بِصِيغَةِ «ما» الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أن اسم إبليس هو الحرث فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ؟
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ. فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنه عبد الحرث ومَخْلُوقٌ مِن قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بالله لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لله شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ/ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ. فَلَمّا آتاهُما الله ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لله شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَنَزَّهَ الله عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أجعلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟ ثُمَّ قالَ: فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أيْ تَعالى الله عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ/ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قوله: وسْئَلِ القَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِي]] ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ ابتداء كلام وإنكار على المشركين ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ كالأصنام ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا ﴿ولا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ﴾ لِعُبّادهم ﴿نَصْرًا ولا أنفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنام أو المشركين ﴿إلى الهُدى﴾ إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم ولا يجيبوكم ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.
﴿إن الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونهم ﴿مِن دُون الله﴾ أي: الأصنام ﴿عبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مملوكون مسخرون ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنهم آلهة ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قلِ﴾ يا محمد ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ يلي أمرهم وينصرهم ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ الأصنام ﴿إلى الهُدى﴾ أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم ﴿لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“ [البقرة: ١٨] ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ: ”ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك“ أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ لا تقابل السفه بالسفه ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فإنه الملجأ أو المنجى ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح وبأحوال الناس ﴿إن الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكبائر ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ ﴿طَيفٌ﴾ فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون ﴿مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ وعيد الله ووعده ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو معجزة اقترحوها ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله تعالى حتى نراها ونؤمن بها ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه ﴿هَذا﴾ أي: القرآن ﴿بَصائِرُ﴾ للقلوب بها تبصر الحق ﴿مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أمر بذكره أول النهار وآخره ﴿تَضَرُّعًا﴾ متضرعًا ﴿وخِيفَةً﴾ خائفًا ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بهذين الوقتين لفضلهما ﴿ولا تَكنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة المقربين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه ﴿ولَهُ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُونَ﴾ لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع.
والحمد لله حقَّ حمده ..