Lafzullah

Jamia Al-Bayan AlIji — هود 11:65 – هود 11:123

المؤلف / المصدر: Jamia Al-Bayan AlIji

المحتويات
  1. هود 11:65
  2. هود 11:66
  3. هود 11:67
  4. هود 11:68
  5. هود 11:69
  6. هود 11:70
  7. هود 11:71
  8. هود 11:72
  9. هود 11:73
  10. هود 11:74
  11. هود 11:75
  12. هود 11:76
  13. هود 11:77
  14. هود 11:78
  15. هود 11:79
  16. هود 11:80
  17. هود 11:81
  18. هود 11:82
  19. هود 11:83
  20. هود 11:84
  21. هود 11:85
  22. هود 11:86
  23. هود 11:87
  24. هود 11:88
  25. هود 11:89
  26. هود 11:90
  27. هود 11:91
  28. هود 11:92
  29. هود 11:93
  30. هود 11:94
  31. هود 11:95
  32. هود 11:96
  33. هود 11:97
  34. هود 11:98
  35. هود 11:99
  36. هود 11:100
  37. هود 11:101
  38. هود 11:102
  39. هود 11:103
  40. هود 11:104
  41. هود 11:105
  42. هود 11:106
  43. هود 11:107
  44. هود 11:108
  45. هود 11:109
  46. هود 11:110
  47. هود 11:111
  48. هود 11:112
  49. هود 11:113
  50. هود 11:114
  51. هود 11:115
  52. هود 11:116
  53. هود 11:117
  54. هود 11:118
  55. هود 11:119
  56. هود 11:120
  57. هود 11:121
  58. هود 11:122
  59. هود 11:123

هود 11:65

﴿وإلى ثَمُودَ﴾ عطف على ﴿وإلى عاد﴾، ﴿أخاهُمْ﴾ واحد منهم، ﴿صالِحًا﴾ عطف بيان، ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ صفة تابعة لمحل الموصوف، ﴿هُوَ أنشَأكُم مِّنَ الأرْضِ﴾ فإنهم من آدم وآدم من تراب، ﴿واستَعْمَرَكم فِيها﴾ أقدركم على عمارتها، وعن الضحاك أطال عمركم فيها فإن الواحد منهم يعيش ثلاثمائة إلى ألف سنة، ﴿فاسْتَغفِرُوهُ﴾ لما مضى، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقي، ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ يسمع أو قريب الرحمة، ﴿مُجِيبٌ﴾ لداعيه، ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ نرجوا أن تكون لنا سيدًا مستشارًا في الأمور لما نرى فيك من الرشد ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ عدوا هذا النهي منه بلاهة وشبه جنون، ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍ ممّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ من التبرء عن الأوثان، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ يقين وبصيرة، ﴿مِن رَبِّي﴾ وحرف الشك باعتبار المخاطبين، ﴿وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ نبوة، ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ يمنعني من عذابه، ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تبليغ الرسالة، ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ إذن حينئذ، ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ غير أن تخسروا أعمالي وتبطلوا أو ما تزيدونني بما تقولون إلا أن أنسبكم إلى الخسران، ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً﴾ آية حال، ولكم حال منها أو بيان، ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾: عاجل، ﴿فَعَقَرُوها فقالَ﴾ لهم صاع، ﴿تَمَتَّعُوا﴾: عيشوا، ﴿فى دارِكُمْ﴾ الدنيا أو منازلكم، ﴿ثَلاَثةَ أيّامٍ﴾ ثم تهلكون، ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ مصدر كالمجلود والمصدوقة أو غير مكذوب فيه فاتسع فيه بإجرائه مجرى المفعول به كيوم شهدناه سليمًا وعامرًا، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ منّا ومِن خِزْيِ﴾ عطف على نجينا بتقدير: ونجيناهم من خزي، ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ يوم هلاكهم بالصيحة وقيل: يوم القيامة، ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادر الغالب، ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ كان عذابهم صيحة من السماء وزلزلة من الأرض به تقطعت قلوبهم في صدورهم، ﴿فَأصْبَحُوا في ديارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ خامدين ميتين، ﴿كَأن لَّمْ يَغنَوْا﴾: لم يقيموا ولم يكونوا، ﴿فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا﴾ من رحمة الله، ﴿لِثَمُودَ﴾ وصرف ثمود للذهاب إلى الحي أو الأب الأكبر.

هود 11:66

﴿وإلى ثَمُودَ﴾ عطف على ﴿وإلى عاد﴾، ﴿أخاهُمْ﴾ واحد منهم، ﴿صالِحًا﴾ عطف بيان، ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ صفة تابعة لمحل الموصوف، ﴿هُوَ أنشَأكُم مِّنَ الأرْضِ﴾ فإنهم من آدم وآدم من تراب، ﴿واستَعْمَرَكم فِيها﴾ أقدركم على عمارتها، وعن الضحاك أطال عمركم فيها فإن الواحد منهم يعيش ثلاثمائة إلى ألف سنة، ﴿فاسْتَغفِرُوهُ﴾ لما مضى، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقي، ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ يسمع أو قريب الرحمة، ﴿مُجِيبٌ﴾ لداعيه، ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ نرجوا أن تكون لنا سيدًا مستشارًا في الأمور لما نرى فيك من الرشد ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ عدوا هذا النهي منه بلاهة وشبه جنون، ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍ ممّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ من التبرء عن الأوثان، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ يقين وبصيرة، ﴿مِن رَبِّي﴾ وحرف الشك باعتبار المخاطبين، ﴿وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ نبوة، ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ يمنعني من عذابه، ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تبليغ الرسالة، ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ إذن حينئذ، ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ غير أن تخسروا أعمالي وتبطلوا أو ما تزيدونني بما تقولون إلا أن أنسبكم إلى الخسران، ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً﴾ آية حال، ولكم حال منها أو بيان، ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾: عاجل، ﴿فَعَقَرُوها فقالَ﴾ لهم صاع، ﴿تَمَتَّعُوا﴾: عيشوا، ﴿فى دارِكُمْ﴾ الدنيا أو منازلكم، ﴿ثَلاَثةَ أيّامٍ﴾ ثم تهلكون، ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ مصدر كالمجلود والمصدوقة أو غير مكذوب فيه فاتسع فيه بإجرائه مجرى المفعول به كيوم شهدناه سليمًا وعامرًا، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ منّا ومِن خِزْيِ﴾ عطف على نجينا بتقدير: ونجيناهم من خزي، ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ يوم هلاكهم بالصيحة وقيل: يوم القيامة، ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادر الغالب، ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ كان عذابهم صيحة من السماء وزلزلة من الأرض به تقطعت قلوبهم في صدورهم، ﴿فَأصْبَحُوا في ديارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ خامدين ميتين، ﴿كَأن لَّمْ يَغنَوْا﴾: لم يقيموا ولم يكونوا، ﴿فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا﴾ من رحمة الله، ﴿لِثَمُودَ﴾ وصرف ثمود للذهاب إلى الحي أو الأب الأكبر.

هود 11:67

﴿وإلى ثَمُودَ﴾ عطف على ﴿وإلى عاد﴾، ﴿أخاهُمْ﴾ واحد منهم، ﴿صالِحًا﴾ عطف بيان، ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ صفة تابعة لمحل الموصوف، ﴿هُوَ أنشَأكُم مِّنَ الأرْضِ﴾ فإنهم من آدم وآدم من تراب، ﴿واستَعْمَرَكم فِيها﴾ أقدركم على عمارتها، وعن الضحاك أطال عمركم فيها فإن الواحد منهم يعيش ثلاثمائة إلى ألف سنة، ﴿فاسْتَغفِرُوهُ﴾ لما مضى، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقي، ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ يسمع أو قريب الرحمة، ﴿مُجِيبٌ﴾ لداعيه، ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ نرجوا أن تكون لنا سيدًا مستشارًا في الأمور لما نرى فيك من الرشد ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ عدوا هذا النهي منه بلاهة وشبه جنون، ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍ ممّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ من التبرء عن الأوثان، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ يقين وبصيرة، ﴿مِن رَبِّي﴾ وحرف الشك باعتبار المخاطبين، ﴿وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ نبوة، ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ يمنعني من عذابه، ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تبليغ الرسالة، ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ إذن حينئذ، ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ غير أن تخسروا أعمالي وتبطلوا أو ما تزيدونني بما تقولون إلا أن أنسبكم إلى الخسران، ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً﴾ آية حال، ولكم حال منها أو بيان، ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾: عاجل، ﴿فَعَقَرُوها فقالَ﴾ لهم صاع، ﴿تَمَتَّعُوا﴾: عيشوا، ﴿فى دارِكُمْ﴾ الدنيا أو منازلكم، ﴿ثَلاَثةَ أيّامٍ﴾ ثم تهلكون، ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ مصدر كالمجلود والمصدوقة أو غير مكذوب فيه فاتسع فيه بإجرائه مجرى المفعول به كيوم شهدناه سليمًا وعامرًا، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ منّا ومِن خِزْيِ﴾ عطف على نجينا بتقدير: ونجيناهم من خزي، ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ يوم هلاكهم بالصيحة وقيل: يوم القيامة، ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادر الغالب، ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ كان عذابهم صيحة من السماء وزلزلة من الأرض به تقطعت قلوبهم في صدورهم، ﴿فَأصْبَحُوا في ديارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ خامدين ميتين، ﴿كَأن لَّمْ يَغنَوْا﴾: لم يقيموا ولم يكونوا، ﴿فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا﴾ من رحمة الله، ﴿لِثَمُودَ﴾ وصرف ثمود للذهاب إلى الحي أو الأب الأكبر.

هود 11:68

﴿وإلى ثَمُودَ﴾ عطف على ﴿وإلى عاد﴾، ﴿أخاهُمْ﴾ واحد منهم، ﴿صالِحًا﴾ عطف بيان، ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ صفة تابعة لمحل الموصوف، ﴿هُوَ أنشَأكُم مِّنَ الأرْضِ﴾ فإنهم من آدم وآدم من تراب، ﴿واستَعْمَرَكم فِيها﴾ أقدركم على عمارتها، وعن الضحاك أطال عمركم فيها فإن الواحد منهم يعيش ثلاثمائة إلى ألف سنة، ﴿فاسْتَغفِرُوهُ﴾ لما مضى، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقي، ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ يسمع أو قريب الرحمة، ﴿مُجِيبٌ﴾ لداعيه، ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ نرجوا أن تكون لنا سيدًا مستشارًا في الأمور لما نرى فيك من الرشد ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ عدوا هذا النهي منه بلاهة وشبه جنون، ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍ ممّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ من التبرء عن الأوثان، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ يقين وبصيرة، ﴿مِن رَبِّي﴾ وحرف الشك باعتبار المخاطبين، ﴿وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ نبوة، ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ يمنعني من عذابه، ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تبليغ الرسالة، ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ إذن حينئذ، ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ غير أن تخسروا أعمالي وتبطلوا أو ما تزيدونني بما تقولون إلا أن أنسبكم إلى الخسران، ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً﴾ آية حال، ولكم حال منها أو بيان، ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾: عاجل، ﴿فَعَقَرُوها فقالَ﴾ لهم صاع، ﴿تَمَتَّعُوا﴾: عيشوا، ﴿فى دارِكُمْ﴾ الدنيا أو منازلكم، ﴿ثَلاَثةَ أيّامٍ﴾ ثم تهلكون، ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ مصدر كالمجلود والمصدوقة أو غير مكذوب فيه فاتسع فيه بإجرائه مجرى المفعول به كيوم شهدناه سليمًا وعامرًا، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ منّا ومِن خِزْيِ﴾ عطف على نجينا بتقدير: ونجيناهم من خزي، ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ يوم هلاكهم بالصيحة وقيل: يوم القيامة، ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادر الغالب، ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ كان عذابهم صيحة من السماء وزلزلة من الأرض به تقطعت قلوبهم في صدورهم، ﴿فَأصْبَحُوا في ديارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ خامدين ميتين، ﴿كَأن لَّمْ يَغنَوْا﴾: لم يقيموا ولم يكونوا، ﴿فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا﴾ من رحمة الله، ﴿لِثَمُودَ﴾ وصرف ثمود للذهاب إلى الحي أو الأب الأكبر.

هود 11:69

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:70

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:71

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:72

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:73

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:74

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:75

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:76

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:77

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:78

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:79

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:80

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:81

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:82

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:83

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة، ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ببشارة الولد وقيل هلاك قوم لوط، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سلمنا عليك سلامًا، ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أي: عليكم سلام، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: فما أبطأ مجيئه بعجل مشوي على الحجارة المحماة أو ما أبطأ في المجيء به أي: أسرع في ضيافتهم وكانت عامة ماله البقرة، ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يمدون إليه أيديهم، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ﴿وأوْجَسَ﴾ أدرك، ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لأن الضيف إذا أتى بشر لا يأكل، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب، ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارة، ﴿قَآئِمَةٌ﴾ وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أي: يا عجبًا، ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، ﴿وهَذا بَعْلِي﴾: زوجي، ﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، ﴿إن هَذا لَشَيْء عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قدرته، ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء منهم، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله، ﴿مَّجِيدٌ﴾ كريم، ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ بأن عرفهم، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ كثير التأسف على الذنوب، ﴿منِيبٌ﴾ راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجدال، ﴿إنَّهُ﴾ إن الشأن، ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه، ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ بجدال ودعاء. ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: هذه الملائكة، ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حزن بمجيئهم وساءة، ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، ﴿إلَيهِ﴾ عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، ﴿ومِن قبْلُ﴾: قبل ذلك الوقت، ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكمْ﴾ من نكاح الرجال، ﴿فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ لا تفضحوني، ﴿في﴾ شأن، ﴿ضَيْفِي﴾ فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رشِيدٌ﴾ يعرف حقية ما أقول، ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾: من حاجة، ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال، ﴿قالَ لَوْ أن لِي بِكم قُوَّةً﴾ قويت بنفسى على دفعكم، ﴿أوْ آوِي﴾: أنضم، ﴿إلى ركْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ إلى إضرارك بإضرارنا، ﴿فَأسْرِ﴾: يا لوط، ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾: بطائفة، ﴿مِّنَ اللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك﴾، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، ﴿إنَّهُ﴾ الشأن ﴿مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ من العذاب، ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أي: موعد عذابهم، ﴿الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جواب لاستعجال لوط عذابهم، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرنا﴾: بالعذاب، ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، ﴿حِجارَةً﴾ أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، ﴿مَنضُودٍ﴾ متتابع أو معد في السماء لذلك، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة مكتوبًا فيها اسم من يقتل بها، أو معلمة بسيما متميزة عن أحجار الأرض ما ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ي خزائنه، ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ما هذه النقمة ممن يشبههم ببعيد، وقيل معناه: ما هذه القرى من ظالمي مكة ببعيد يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

هود 11:84

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ اسم بلدة، ﴿أخاهُمْ﴾ من أشرافهم نسبًا، ﴿شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، ﴿ما لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نهاهم عن هذا بعد الإيمان؛ لأنّهُم اعتادوا البخس، ﴿إنِّي أراكُم بخَيْرٍ﴾ موسرين في نعمة وخصب لا حاجة لكم إلى التطفيف، ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍّ مُّحِيطٍ﴾ وعدهم بعذاب يحيط بهم فلا يفلت منهم أحد ووصف اليوم بالإحاطة لاشتماله على عذاب محيط، ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن ضده مبالغة، ﴿بِالقِسْطِ﴾ بالعدل والسوية، ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقصوا، ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ تعميم بعد تخصيص وقيل: كانوا مكاسين، ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ لا تبالغوا، ﴿فِي الأرْضِ﴾ بالفساد حال كونكم، ﴿مُفْسِدِينَ﴾ وقد كانوا يقطعون الطريق، ﴿بَقِيَّت اللهِ﴾ ما أبقى الله من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، ﴿خَيْرٌ لكمْ﴾ مما تأخذونه بالتطفيف أو طاعة الله خير لكم، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بشرط الإيمان فإن الثواب بالأعمال مشروط بالإيمان أو إن كنتم مؤمنين مصدقين لي، ﴿وما أنا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح وإنما أنا ناصح، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ بتكليف، ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام أجابوه على سبيل التهكم وكان عليه السلام كثير الصلاة، ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ عطف على ما، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، ما نشاء قيل: عطف على أن نترك بتقدير أصلاتك تأمرك بنهيك عن أن نفعل إلخ، ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء وأرادوا ضدهما أو أنت حليم رشيد فكيف تبادر على مثل كلام المجانين ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبصيرة، ﴿مِّن ربي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ من الله بلا كدًّ مني، ﴿رِزقًا حَسَنًا﴾، حلالًا وكان عليه السلام كثير المال، أو أراد من الرزق الحسن العلم والمعرفة وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يجوز لي الخيانة في الوحي والمخالفة في أمره وفيه، ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْ﴾ ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستقل بها دونكم، ﴿إذ أُرِيدُ﴾ فيما آمركم وأنهاكم، ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أي: إصلاحكم، ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما دمت أستطيع الإصلاح فما مصدرية واقعة موقع الظرف أو إصلاح ما استطعته فالموصولة مفعول الإصلاح، ولا يبعد أن يكون معناه ما قصدت إلى ما نهيتكم عنه مجرد مخالفتكم؛ بل الإصلاح قصدي وهو الباعث إلى النهي، ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ لإصابة الحق، ﴿إلّا بِاللهِ﴾ بإعانته، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فإنه القادر المطلق، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في المعاد أو فيما ينزل عليَّ من المصائب، ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم، ﴿شِقاقِي﴾ عداوتي، ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ ثاني مفعوليه فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، ﴿مِّثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق، ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح المهلكة، ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من الصيحة، ﴿وما قَوْمُ لُوط مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا فلا تنسوهم، أو مكانًا فإنهم جيران قوم لوط ولم يقل ببعيدة ولا ببعيدين لأن المراد، وما إهلاكهم ببعيد أو لأنه يستوي في مثله المذكر والمؤنث لأنه على زنة المصادر كالصهيل والشهيق، ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عما سلف، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقى من عمركم، ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ فاعل بالتائبين ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ قالوه على وجه الاستهانة كما تقول لمن لم تعبأ بحديثه ما أدري ما تقول، ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لأنه كان أعمى [[لا دليل عليه ولو صح ذلك لعيروه شعيبًا - عليه السلام - بذلك.]] أو لأنه لا خدم ولا عسكر له، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي: عزتهم فإنهم على ديننا والرهط من الثلاثة إلى العشرة، ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ قتلناك بأذل وجه، ﴿وما أنتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ يمنعنا عزك عن الرجم، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ﴾ فإنكم تبقون عليَّ لرهطي ولا تبقون عليَّ لله وأنا رسوله، ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: الله، ﴿وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ جعلتموه كالشيء الملقى وراء الظهر وهو منسوب إلى الظهر والكسر من تغيرات النسب كالإمسيّ في الأمس، ﴿إنَّ رَبِّي﴾، أي: علمه، ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازي عليه، ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك أو على تمكنكم من أمركم، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أنا عليه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ استئناف كأنه قيل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فإنهم أوعدوه وسموه كاذبًا، أو من استفهامية منقطعة عن سوف تعلمون أي: أينا يأتيه إلخ، ﴿وارْتَقِبُوا﴾ انتظروا ما أقول لكم، ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ منتظر، ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عذابنا، ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبربل فهلكوا، ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ميتين، الجثوم: اللزوم في المكان، ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ لم يكونوا فيها، ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكًا لهم، ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فإن عذابهم أيضًا صيحة قيل: صيحة أهل مدين من فوق وصيحتهم من تحت ثم اعلم أن الصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة كلها لأهل مدين.

هود 11:85

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ اسم بلدة، ﴿أخاهُمْ﴾ من أشرافهم نسبًا، ﴿شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، ﴿ما لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نهاهم عن هذا بعد الإيمان؛ لأنّهُم اعتادوا البخس، ﴿إنِّي أراكُم بخَيْرٍ﴾ موسرين في نعمة وخصب لا حاجة لكم إلى التطفيف، ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍّ مُّحِيطٍ﴾ وعدهم بعذاب يحيط بهم فلا يفلت منهم أحد ووصف اليوم بالإحاطة لاشتماله على عذاب محيط، ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن ضده مبالغة، ﴿بِالقِسْطِ﴾ بالعدل والسوية، ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقصوا، ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ تعميم بعد تخصيص وقيل: كانوا مكاسين، ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ لا تبالغوا، ﴿فِي الأرْضِ﴾ بالفساد حال كونكم، ﴿مُفْسِدِينَ﴾ وقد كانوا يقطعون الطريق، ﴿بَقِيَّت اللهِ﴾ ما أبقى الله من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، ﴿خَيْرٌ لكمْ﴾ مما تأخذونه بالتطفيف أو طاعة الله خير لكم، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بشرط الإيمان فإن الثواب بالأعمال مشروط بالإيمان أو إن كنتم مؤمنين مصدقين لي، ﴿وما أنا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح وإنما أنا ناصح، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ بتكليف، ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام أجابوه على سبيل التهكم وكان عليه السلام كثير الصلاة، ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ عطف على ما، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، ما نشاء قيل: عطف على أن نترك بتقدير أصلاتك تأمرك بنهيك عن أن نفعل إلخ، ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء وأرادوا ضدهما أو أنت حليم رشيد فكيف تبادر على مثل كلام المجانين ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبصيرة، ﴿مِّن ربي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ من الله بلا كدًّ مني، ﴿رِزقًا حَسَنًا﴾، حلالًا وكان عليه السلام كثير المال، أو أراد من الرزق الحسن العلم والمعرفة وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يجوز لي الخيانة في الوحي والمخالفة في أمره وفيه، ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْ﴾ ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستقل بها دونكم، ﴿إذ أُرِيدُ﴾ فيما آمركم وأنهاكم، ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أي: إصلاحكم، ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما دمت أستطيع الإصلاح فما مصدرية واقعة موقع الظرف أو إصلاح ما استطعته فالموصولة مفعول الإصلاح، ولا يبعد أن يكون معناه ما قصدت إلى ما نهيتكم عنه مجرد مخالفتكم؛ بل الإصلاح قصدي وهو الباعث إلى النهي، ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ لإصابة الحق، ﴿إلّا بِاللهِ﴾ بإعانته، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فإنه القادر المطلق، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في المعاد أو فيما ينزل عليَّ من المصائب، ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم، ﴿شِقاقِي﴾ عداوتي، ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ ثاني مفعوليه فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، ﴿مِّثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق، ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح المهلكة، ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من الصيحة، ﴿وما قَوْمُ لُوط مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا فلا تنسوهم، أو مكانًا فإنهم جيران قوم لوط ولم يقل ببعيدة ولا ببعيدين لأن المراد، وما إهلاكهم ببعيد أو لأنه يستوي في مثله المذكر والمؤنث لأنه على زنة المصادر كالصهيل والشهيق، ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عما سلف، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقى من عمركم، ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ فاعل بالتائبين ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ قالوه على وجه الاستهانة كما تقول لمن لم تعبأ بحديثه ما أدري ما تقول، ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لأنه كان أعمى [[لا دليل عليه ولو صح ذلك لعيروه شعيبًا - عليه السلام - بذلك.]] أو لأنه لا خدم ولا عسكر له، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي: عزتهم فإنهم على ديننا والرهط من الثلاثة إلى العشرة، ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ قتلناك بأذل وجه، ﴿وما أنتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ يمنعنا عزك عن الرجم، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ﴾ فإنكم تبقون عليَّ لرهطي ولا تبقون عليَّ لله وأنا رسوله، ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: الله، ﴿وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ جعلتموه كالشيء الملقى وراء الظهر وهو منسوب إلى الظهر والكسر من تغيرات النسب كالإمسيّ في الأمس، ﴿إنَّ رَبِّي﴾، أي: علمه، ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازي عليه، ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك أو على تمكنكم من أمركم، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أنا عليه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ استئناف كأنه قيل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فإنهم أوعدوه وسموه كاذبًا، أو من استفهامية منقطعة عن سوف تعلمون أي: أينا يأتيه إلخ، ﴿وارْتَقِبُوا﴾ انتظروا ما أقول لكم، ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ منتظر، ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عذابنا، ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبربل فهلكوا، ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ميتين، الجثوم: اللزوم في المكان، ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ لم يكونوا فيها، ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكًا لهم، ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فإن عذابهم أيضًا صيحة قيل: صيحة أهل مدين من فوق وصيحتهم من تحت ثم اعلم أن الصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة كلها لأهل مدين.

هود 11:86

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ اسم بلدة، ﴿أخاهُمْ﴾ من أشرافهم نسبًا، ﴿شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، ﴿ما لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نهاهم عن هذا بعد الإيمان؛ لأنّهُم اعتادوا البخس، ﴿إنِّي أراكُم بخَيْرٍ﴾ موسرين في نعمة وخصب لا حاجة لكم إلى التطفيف، ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍّ مُّحِيطٍ﴾ وعدهم بعذاب يحيط بهم فلا يفلت منهم أحد ووصف اليوم بالإحاطة لاشتماله على عذاب محيط، ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن ضده مبالغة، ﴿بِالقِسْطِ﴾ بالعدل والسوية، ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقصوا، ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ تعميم بعد تخصيص وقيل: كانوا مكاسين، ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ لا تبالغوا، ﴿فِي الأرْضِ﴾ بالفساد حال كونكم، ﴿مُفْسِدِينَ﴾ وقد كانوا يقطعون الطريق، ﴿بَقِيَّت اللهِ﴾ ما أبقى الله من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، ﴿خَيْرٌ لكمْ﴾ مما تأخذونه بالتطفيف أو طاعة الله خير لكم، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بشرط الإيمان فإن الثواب بالأعمال مشروط بالإيمان أو إن كنتم مؤمنين مصدقين لي، ﴿وما أنا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح وإنما أنا ناصح، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ بتكليف، ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام أجابوه على سبيل التهكم وكان عليه السلام كثير الصلاة، ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ عطف على ما، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، ما نشاء قيل: عطف على أن نترك بتقدير أصلاتك تأمرك بنهيك عن أن نفعل إلخ، ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء وأرادوا ضدهما أو أنت حليم رشيد فكيف تبادر على مثل كلام المجانين ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبصيرة، ﴿مِّن ربي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ من الله بلا كدًّ مني، ﴿رِزقًا حَسَنًا﴾، حلالًا وكان عليه السلام كثير المال، أو أراد من الرزق الحسن العلم والمعرفة وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يجوز لي الخيانة في الوحي والمخالفة في أمره وفيه، ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْ﴾ ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستقل بها دونكم، ﴿إذ أُرِيدُ﴾ فيما آمركم وأنهاكم، ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أي: إصلاحكم، ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما دمت أستطيع الإصلاح فما مصدرية واقعة موقع الظرف أو إصلاح ما استطعته فالموصولة مفعول الإصلاح، ولا يبعد أن يكون معناه ما قصدت إلى ما نهيتكم عنه مجرد مخالفتكم؛ بل الإصلاح قصدي وهو الباعث إلى النهي، ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ لإصابة الحق، ﴿إلّا بِاللهِ﴾ بإعانته، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فإنه القادر المطلق، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في المعاد أو فيما ينزل عليَّ من المصائب، ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم، ﴿شِقاقِي﴾ عداوتي، ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ ثاني مفعوليه فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، ﴿مِّثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق، ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح المهلكة، ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من الصيحة، ﴿وما قَوْمُ لُوط مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا فلا تنسوهم، أو مكانًا فإنهم جيران قوم لوط ولم يقل ببعيدة ولا ببعيدين لأن المراد، وما إهلاكهم ببعيد أو لأنه يستوي في مثله المذكر والمؤنث لأنه على زنة المصادر كالصهيل والشهيق، ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عما سلف، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقى من عمركم، ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ فاعل بالتائبين ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ قالوه على وجه الاستهانة كما تقول لمن لم تعبأ بحديثه ما أدري ما تقول، ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لأنه كان أعمى [[لا دليل عليه ولو صح ذلك لعيروه شعيبًا - عليه السلام - بذلك.]] أو لأنه لا خدم ولا عسكر له، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي: عزتهم فإنهم على ديننا والرهط من الثلاثة إلى العشرة، ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ قتلناك بأذل وجه، ﴿وما أنتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ يمنعنا عزك عن الرجم، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ﴾ فإنكم تبقون عليَّ لرهطي ولا تبقون عليَّ لله وأنا رسوله، ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: الله، ﴿وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ جعلتموه كالشيء الملقى وراء الظهر وهو منسوب إلى الظهر والكسر من تغيرات النسب كالإمسيّ في الأمس، ﴿إنَّ رَبِّي﴾، أي: علمه، ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازي عليه، ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك أو على تمكنكم من أمركم، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أنا عليه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ استئناف كأنه قيل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فإنهم أوعدوه وسموه كاذبًا، أو من استفهامية منقطعة عن سوف تعلمون أي: أينا يأتيه إلخ، ﴿وارْتَقِبُوا﴾ انتظروا ما أقول لكم، ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ منتظر، ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عذابنا، ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبربل فهلكوا، ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ميتين، الجثوم: اللزوم في المكان، ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ لم يكونوا فيها، ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكًا لهم، ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فإن عذابهم أيضًا صيحة قيل: صيحة أهل مدين من فوق وصيحتهم من تحت ثم اعلم أن الصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة كلها لأهل مدين.

هود 11:87

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ اسم بلدة، ﴿أخاهُمْ﴾ من أشرافهم نسبًا، ﴿شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، ﴿ما لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نهاهم عن هذا بعد الإيمان؛ لأنّهُم اعتادوا البخس، ﴿إنِّي أراكُم بخَيْرٍ﴾ موسرين في نعمة وخصب لا حاجة لكم إلى التطفيف، ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍّ مُّحِيطٍ﴾ وعدهم بعذاب يحيط بهم فلا يفلت منهم أحد ووصف اليوم بالإحاطة لاشتماله على عذاب محيط، ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن ضده مبالغة، ﴿بِالقِسْطِ﴾ بالعدل والسوية، ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقصوا، ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ تعميم بعد تخصيص وقيل: كانوا مكاسين، ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ لا تبالغوا، ﴿فِي الأرْضِ﴾ بالفساد حال كونكم، ﴿مُفْسِدِينَ﴾ وقد كانوا يقطعون الطريق، ﴿بَقِيَّت اللهِ﴾ ما أبقى الله من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، ﴿خَيْرٌ لكمْ﴾ مما تأخذونه بالتطفيف أو طاعة الله خير لكم، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بشرط الإيمان فإن الثواب بالأعمال مشروط بالإيمان أو إن كنتم مؤمنين مصدقين لي، ﴿وما أنا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح وإنما أنا ناصح، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ بتكليف، ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام أجابوه على سبيل التهكم وكان عليه السلام كثير الصلاة، ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ عطف على ما، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، ما نشاء قيل: عطف على أن نترك بتقدير أصلاتك تأمرك بنهيك عن أن نفعل إلخ، ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء وأرادوا ضدهما أو أنت حليم رشيد فكيف تبادر على مثل كلام المجانين ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبصيرة، ﴿مِّن ربي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ من الله بلا كدًّ مني، ﴿رِزقًا حَسَنًا﴾، حلالًا وكان عليه السلام كثير المال، أو أراد من الرزق الحسن العلم والمعرفة وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يجوز لي الخيانة في الوحي والمخالفة في أمره وفيه، ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْ﴾ ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستقل بها دونكم، ﴿إذ أُرِيدُ﴾ فيما آمركم وأنهاكم، ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أي: إصلاحكم، ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما دمت أستطيع الإصلاح فما مصدرية واقعة موقع الظرف أو إصلاح ما استطعته فالموصولة مفعول الإصلاح، ولا يبعد أن يكون معناه ما قصدت إلى ما نهيتكم عنه مجرد مخالفتكم؛ بل الإصلاح قصدي وهو الباعث إلى النهي، ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ لإصابة الحق، ﴿إلّا بِاللهِ﴾ بإعانته، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فإنه القادر المطلق، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في المعاد أو فيما ينزل عليَّ من المصائب، ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم، ﴿شِقاقِي﴾ عداوتي، ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ ثاني مفعوليه فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، ﴿مِّثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق، ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح المهلكة، ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من الصيحة، ﴿وما قَوْمُ لُوط مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا فلا تنسوهم، أو مكانًا فإنهم جيران قوم لوط ولم يقل ببعيدة ولا ببعيدين لأن المراد، وما إهلاكهم ببعيد أو لأنه يستوي في مثله المذكر والمؤنث لأنه على زنة المصادر كالصهيل والشهيق، ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عما سلف، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقى من عمركم، ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ فاعل بالتائبين ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ قالوه على وجه الاستهانة كما تقول لمن لم تعبأ بحديثه ما أدري ما تقول، ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لأنه كان أعمى [[لا دليل عليه ولو صح ذلك لعيروه شعيبًا - عليه السلام - بذلك.]] أو لأنه لا خدم ولا عسكر له، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي: عزتهم فإنهم على ديننا والرهط من الثلاثة إلى العشرة، ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ قتلناك بأذل وجه، ﴿وما أنتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ يمنعنا عزك عن الرجم، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ﴾ فإنكم تبقون عليَّ لرهطي ولا تبقون عليَّ لله وأنا رسوله، ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: الله، ﴿وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ جعلتموه كالشيء الملقى وراء الظهر وهو منسوب إلى الظهر والكسر من تغيرات النسب كالإمسيّ في الأمس، ﴿إنَّ رَبِّي﴾، أي: علمه، ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازي عليه، ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك أو على تمكنكم من أمركم، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أنا عليه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ استئناف كأنه قيل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فإنهم أوعدوه وسموه كاذبًا، أو من استفهامية منقطعة عن سوف تعلمون أي: أينا يأتيه إلخ، ﴿وارْتَقِبُوا﴾ انتظروا ما أقول لكم، ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ منتظر، ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عذابنا، ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبربل فهلكوا، ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ميتين، الجثوم: اللزوم في المكان، ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ لم يكونوا فيها، ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكًا لهم، ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فإن عذابهم أيضًا صيحة قيل: صيحة أهل مدين من فوق وصيحتهم من تحت ثم اعلم أن الصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة كلها لأهل مدين.

هود 11:88

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ اسم بلدة، ﴿أخاهُمْ﴾ من أشرافهم نسبًا، ﴿شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، ﴿ما لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نهاهم عن هذا بعد الإيمان؛ لأنّهُم اعتادوا البخس، ﴿إنِّي أراكُم بخَيْرٍ﴾ موسرين في نعمة وخصب لا حاجة لكم إلى التطفيف، ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍّ مُّحِيطٍ﴾ وعدهم بعذاب يحيط بهم فلا يفلت منهم أحد ووصف اليوم بالإحاطة لاشتماله على عذاب محيط، ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن ضده مبالغة، ﴿بِالقِسْطِ﴾ بالعدل والسوية، ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقصوا، ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ تعميم بعد تخصيص وقيل: كانوا مكاسين، ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ لا تبالغوا، ﴿فِي الأرْضِ﴾ بالفساد حال كونكم، ﴿مُفْسِدِينَ﴾ وقد كانوا يقطعون الطريق، ﴿بَقِيَّت اللهِ﴾ ما أبقى الله من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، ﴿خَيْرٌ لكمْ﴾ مما تأخذونه بالتطفيف أو طاعة الله خير لكم، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بشرط الإيمان فإن الثواب بالأعمال مشروط بالإيمان أو إن كنتم مؤمنين مصدقين لي، ﴿وما أنا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح وإنما أنا ناصح، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ بتكليف، ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام أجابوه على سبيل التهكم وكان عليه السلام كثير الصلاة، ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ عطف على ما، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، ما نشاء قيل: عطف على أن نترك بتقدير أصلاتك تأمرك بنهيك عن أن نفعل إلخ، ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء وأرادوا ضدهما أو أنت حليم رشيد فكيف تبادر على مثل كلام المجانين ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبصيرة، ﴿مِّن ربي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ من الله بلا كدًّ مني، ﴿رِزقًا حَسَنًا﴾، حلالًا وكان عليه السلام كثير المال، أو أراد من الرزق الحسن العلم والمعرفة وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يجوز لي الخيانة في الوحي والمخالفة في أمره وفيه، ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْ﴾ ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستقل بها دونكم، ﴿إذ أُرِيدُ﴾ فيما آمركم وأنهاكم، ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أي: إصلاحكم، ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما دمت أستطيع الإصلاح فما مصدرية واقعة موقع الظرف أو إصلاح ما استطعته فالموصولة مفعول الإصلاح، ولا يبعد أن يكون معناه ما قصدت إلى ما نهيتكم عنه مجرد مخالفتكم؛ بل الإصلاح قصدي وهو الباعث إلى النهي، ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ لإصابة الحق، ﴿إلّا بِاللهِ﴾ بإعانته، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فإنه القادر المطلق، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في المعاد أو فيما ينزل عليَّ من المصائب، ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم، ﴿شِقاقِي﴾ عداوتي، ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ ثاني مفعوليه فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، ﴿مِّثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق، ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح المهلكة، ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من الصيحة، ﴿وما قَوْمُ لُوط مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا فلا تنسوهم، أو مكانًا فإنهم جيران قوم لوط ولم يقل ببعيدة ولا ببعيدين لأن المراد، وما إهلاكهم ببعيد أو لأنه يستوي في مثله المذكر والمؤنث لأنه على زنة المصادر كالصهيل والشهيق، ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عما سلف، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقى من عمركم، ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ فاعل بالتائبين ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ قالوه على وجه الاستهانة كما تقول لمن لم تعبأ بحديثه ما أدري ما تقول، ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لأنه كان أعمى [[لا دليل عليه ولو صح ذلك لعيروه شعيبًا - عليه السلام - بذلك.]] أو لأنه لا خدم ولا عسكر له، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي: عزتهم فإنهم على ديننا والرهط من الثلاثة إلى العشرة، ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ قتلناك بأذل وجه، ﴿وما أنتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ يمنعنا عزك عن الرجم، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ﴾ فإنكم تبقون عليَّ لرهطي ولا تبقون عليَّ لله وأنا رسوله، ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: الله، ﴿وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ جعلتموه كالشيء الملقى وراء الظهر وهو منسوب إلى الظهر والكسر من تغيرات النسب كالإمسيّ في الأمس، ﴿إنَّ رَبِّي﴾، أي: علمه، ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازي عليه، ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك أو على تمكنكم من أمركم، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أنا عليه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ استئناف كأنه قيل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فإنهم أوعدوه وسموه كاذبًا، أو من استفهامية منقطعة عن سوف تعلمون أي: أينا يأتيه إلخ، ﴿وارْتَقِبُوا﴾ انتظروا ما أقول لكم، ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ منتظر، ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عذابنا، ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبربل فهلكوا، ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ميتين، الجثوم: اللزوم في المكان، ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ لم يكونوا فيها، ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكًا لهم، ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فإن عذابهم أيضًا صيحة قيل: صيحة أهل مدين من فوق وصيحتهم من تحت ثم اعلم أن الصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة كلها لأهل مدين.

هود 11:89

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ اسم بلدة، ﴿أخاهُمْ﴾ من أشرافهم نسبًا، ﴿شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، ﴿ما لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نهاهم عن هذا بعد الإيمان؛ لأنّهُم اعتادوا البخس، ﴿إنِّي أراكُم بخَيْرٍ﴾ موسرين في نعمة وخصب لا حاجة لكم إلى التطفيف، ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍّ مُّحِيطٍ﴾ وعدهم بعذاب يحيط بهم فلا يفلت منهم أحد ووصف اليوم بالإحاطة لاشتماله على عذاب محيط، ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن ضده مبالغة، ﴿بِالقِسْطِ﴾ بالعدل والسوية، ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقصوا، ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ تعميم بعد تخصيص وقيل: كانوا مكاسين، ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ لا تبالغوا، ﴿فِي الأرْضِ﴾ بالفساد حال كونكم، ﴿مُفْسِدِينَ﴾ وقد كانوا يقطعون الطريق، ﴿بَقِيَّت اللهِ﴾ ما أبقى الله من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، ﴿خَيْرٌ لكمْ﴾ مما تأخذونه بالتطفيف أو طاعة الله خير لكم، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بشرط الإيمان فإن الثواب بالأعمال مشروط بالإيمان أو إن كنتم مؤمنين مصدقين لي، ﴿وما أنا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح وإنما أنا ناصح، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ بتكليف، ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام أجابوه على سبيل التهكم وكان عليه السلام كثير الصلاة، ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ عطف على ما، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، ما نشاء قيل: عطف على أن نترك بتقدير أصلاتك تأمرك بنهيك عن أن نفعل إلخ، ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء وأرادوا ضدهما أو أنت حليم رشيد فكيف تبادر على مثل كلام المجانين ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبصيرة، ﴿مِّن ربي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ من الله بلا كدًّ مني، ﴿رِزقًا حَسَنًا﴾، حلالًا وكان عليه السلام كثير المال، أو أراد من الرزق الحسن العلم والمعرفة وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يجوز لي الخيانة في الوحي والمخالفة في أمره وفيه، ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْ﴾ ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستقل بها دونكم، ﴿إذ أُرِيدُ﴾ فيما آمركم وأنهاكم، ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أي: إصلاحكم، ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما دمت أستطيع الإصلاح فما مصدرية واقعة موقع الظرف أو إصلاح ما استطعته فالموصولة مفعول الإصلاح، ولا يبعد أن يكون معناه ما قصدت إلى ما نهيتكم عنه مجرد مخالفتكم؛ بل الإصلاح قصدي وهو الباعث إلى النهي، ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ لإصابة الحق، ﴿إلّا بِاللهِ﴾ بإعانته، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فإنه القادر المطلق، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في المعاد أو فيما ينزل عليَّ من المصائب، ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم، ﴿شِقاقِي﴾ عداوتي، ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ ثاني مفعوليه فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، ﴿مِّثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق، ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح المهلكة، ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من الصيحة، ﴿وما قَوْمُ لُوط مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا فلا تنسوهم، أو مكانًا فإنهم جيران قوم لوط ولم يقل ببعيدة ولا ببعيدين لأن المراد، وما إهلاكهم ببعيد أو لأنه يستوي في مثله المذكر والمؤنث لأنه على زنة المصادر كالصهيل والشهيق، ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عما سلف، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقى من عمركم، ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ فاعل بالتائبين ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ قالوه على وجه الاستهانة كما تقول لمن لم تعبأ بحديثه ما أدري ما تقول، ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لأنه كان أعمى [[لا دليل عليه ولو صح ذلك لعيروه شعيبًا - عليه السلام - بذلك.]] أو لأنه لا خدم ولا عسكر له، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي: عزتهم فإنهم على ديننا والرهط من الثلاثة إلى العشرة، ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ قتلناك بأذل وجه، ﴿وما أنتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ يمنعنا عزك عن الرجم، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ﴾ فإنكم تبقون عليَّ لرهطي ولا تبقون عليَّ لله وأنا رسوله، ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: الله، ﴿وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ جعلتموه كالشيء الملقى وراء الظهر وهو منسوب إلى الظهر والكسر من تغيرات النسب كالإمسيّ في الأمس، ﴿إنَّ رَبِّي﴾، أي: علمه، ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازي عليه، ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك أو على تمكنكم من أمركم، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أنا عليه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ استئناف كأنه قيل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فإنهم أوعدوه وسموه كاذبًا، أو من استفهامية منقطعة عن سوف تعلمون أي: أينا يأتيه إلخ، ﴿وارْتَقِبُوا﴾ انتظروا ما أقول لكم، ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ منتظر، ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عذابنا، ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبربل فهلكوا، ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ميتين، الجثوم: اللزوم في المكان، ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ لم يكونوا فيها، ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكًا لهم، ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فإن عذابهم أيضًا صيحة قيل: صيحة أهل مدين من فوق وصيحتهم من تحت ثم اعلم أن الصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة كلها لأهل مدين.

هود 11:90

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ اسم بلدة، ﴿أخاهُمْ﴾ من أشرافهم نسبًا، ﴿شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، ﴿ما لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نهاهم عن هذا بعد الإيمان؛ لأنّهُم اعتادوا البخس، ﴿إنِّي أراكُم بخَيْرٍ﴾ موسرين في نعمة وخصب لا حاجة لكم إلى التطفيف، ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍّ مُّحِيطٍ﴾ وعدهم بعذاب يحيط بهم فلا يفلت منهم أحد ووصف اليوم بالإحاطة لاشتماله على عذاب محيط، ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن ضده مبالغة، ﴿بِالقِسْطِ﴾ بالعدل والسوية، ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقصوا، ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ تعميم بعد تخصيص وقيل: كانوا مكاسين، ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ لا تبالغوا، ﴿فِي الأرْضِ﴾ بالفساد حال كونكم، ﴿مُفْسِدِينَ﴾ وقد كانوا يقطعون الطريق، ﴿بَقِيَّت اللهِ﴾ ما أبقى الله من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، ﴿خَيْرٌ لكمْ﴾ مما تأخذونه بالتطفيف أو طاعة الله خير لكم، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بشرط الإيمان فإن الثواب بالأعمال مشروط بالإيمان أو إن كنتم مؤمنين مصدقين لي، ﴿وما أنا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح وإنما أنا ناصح، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ بتكليف، ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام أجابوه على سبيل التهكم وكان عليه السلام كثير الصلاة، ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ عطف على ما، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، ما نشاء قيل: عطف على أن نترك بتقدير أصلاتك تأمرك بنهيك عن أن نفعل إلخ، ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء وأرادوا ضدهما أو أنت حليم رشيد فكيف تبادر على مثل كلام المجانين ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبصيرة، ﴿مِّن ربي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ من الله بلا كدًّ مني، ﴿رِزقًا حَسَنًا﴾، حلالًا وكان عليه السلام كثير المال، أو أراد من الرزق الحسن العلم والمعرفة وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يجوز لي الخيانة في الوحي والمخالفة في أمره وفيه، ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْ﴾ ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستقل بها دونكم، ﴿إذ أُرِيدُ﴾ فيما آمركم وأنهاكم، ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أي: إصلاحكم، ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما دمت أستطيع الإصلاح فما مصدرية واقعة موقع الظرف أو إصلاح ما استطعته فالموصولة مفعول الإصلاح، ولا يبعد أن يكون معناه ما قصدت إلى ما نهيتكم عنه مجرد مخالفتكم؛ بل الإصلاح قصدي وهو الباعث إلى النهي، ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ لإصابة الحق، ﴿إلّا بِاللهِ﴾ بإعانته، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فإنه القادر المطلق، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في المعاد أو فيما ينزل عليَّ من المصائب، ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم، ﴿شِقاقِي﴾ عداوتي، ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ ثاني مفعوليه فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، ﴿مِّثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق، ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح المهلكة، ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من الصيحة، ﴿وما قَوْمُ لُوط مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا فلا تنسوهم، أو مكانًا فإنهم جيران قوم لوط ولم يقل ببعيدة ولا ببعيدين لأن المراد، وما إهلاكهم ببعيد أو لأنه يستوي في مثله المذكر والمؤنث لأنه على زنة المصادر كالصهيل والشهيق، ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عما سلف، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقى من عمركم، ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ فاعل بالتائبين ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ قالوه على وجه الاستهانة كما تقول لمن لم تعبأ بحديثه ما أدري ما تقول، ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لأنه كان أعمى [[لا دليل عليه ولو صح ذلك لعيروه شعيبًا - عليه السلام - بذلك.]] أو لأنه لا خدم ولا عسكر له، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي: عزتهم فإنهم على ديننا والرهط من الثلاثة إلى العشرة، ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ قتلناك بأذل وجه، ﴿وما أنتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ يمنعنا عزك عن الرجم، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ﴾ فإنكم تبقون عليَّ لرهطي ولا تبقون عليَّ لله وأنا رسوله، ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: الله، ﴿وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ جعلتموه كالشيء الملقى وراء الظهر وهو منسوب إلى الظهر والكسر من تغيرات النسب كالإمسيّ في الأمس، ﴿إنَّ رَبِّي﴾، أي: علمه، ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازي عليه، ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك أو على تمكنكم من أمركم، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أنا عليه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ استئناف كأنه قيل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فإنهم أوعدوه وسموه كاذبًا، أو من استفهامية منقطعة عن سوف تعلمون أي: أينا يأتيه إلخ، ﴿وارْتَقِبُوا﴾ انتظروا ما أقول لكم، ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ منتظر، ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عذابنا، ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبربل فهلكوا، ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ميتين، الجثوم: اللزوم في المكان، ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ لم يكونوا فيها، ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكًا لهم، ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فإن عذابهم أيضًا صيحة قيل: صيحة أهل مدين من فوق وصيحتهم من تحت ثم اعلم أن الصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة كلها لأهل مدين.

هود 11:91

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ اسم بلدة، ﴿أخاهُمْ﴾ من أشرافهم نسبًا، ﴿شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، ﴿ما لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نهاهم عن هذا بعد الإيمان؛ لأنّهُم اعتادوا البخس، ﴿إنِّي أراكُم بخَيْرٍ﴾ موسرين في نعمة وخصب لا حاجة لكم إلى التطفيف، ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍّ مُّحِيطٍ﴾ وعدهم بعذاب يحيط بهم فلا يفلت منهم أحد ووصف اليوم بالإحاطة لاشتماله على عذاب محيط، ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن ضده مبالغة، ﴿بِالقِسْطِ﴾ بالعدل والسوية، ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقصوا، ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ تعميم بعد تخصيص وقيل: كانوا مكاسين، ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ لا تبالغوا، ﴿فِي الأرْضِ﴾ بالفساد حال كونكم، ﴿مُفْسِدِينَ﴾ وقد كانوا يقطعون الطريق، ﴿بَقِيَّت اللهِ﴾ ما أبقى الله من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، ﴿خَيْرٌ لكمْ﴾ مما تأخذونه بالتطفيف أو طاعة الله خير لكم، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بشرط الإيمان فإن الثواب بالأعمال مشروط بالإيمان أو إن كنتم مؤمنين مصدقين لي، ﴿وما أنا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح وإنما أنا ناصح، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ بتكليف، ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام أجابوه على سبيل التهكم وكان عليه السلام كثير الصلاة، ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ عطف على ما، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، ما نشاء قيل: عطف على أن نترك بتقدير أصلاتك تأمرك بنهيك عن أن نفعل إلخ، ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء وأرادوا ضدهما أو أنت حليم رشيد فكيف تبادر على مثل كلام المجانين ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبصيرة، ﴿مِّن ربي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ من الله بلا كدًّ مني، ﴿رِزقًا حَسَنًا﴾، حلالًا وكان عليه السلام كثير المال، أو أراد من الرزق الحسن العلم والمعرفة وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يجوز لي الخيانة في الوحي والمخالفة في أمره وفيه، ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْ﴾ ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستقل بها دونكم، ﴿إذ أُرِيدُ﴾ فيما آمركم وأنهاكم، ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أي: إصلاحكم، ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما دمت أستطيع الإصلاح فما مصدرية واقعة موقع الظرف أو إصلاح ما استطعته فالموصولة مفعول الإصلاح، ولا يبعد أن يكون معناه ما قصدت إلى ما نهيتكم عنه مجرد مخالفتكم؛ بل الإصلاح قصدي وهو الباعث إلى النهي، ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ لإصابة الحق، ﴿إلّا بِاللهِ﴾ بإعانته، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فإنه القادر المطلق، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في المعاد أو فيما ينزل عليَّ من المصائب، ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم، ﴿شِقاقِي﴾ عداوتي، ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ ثاني مفعوليه فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، ﴿مِّثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق، ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح المهلكة، ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من الصيحة، ﴿وما قَوْمُ لُوط مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا فلا تنسوهم، أو مكانًا فإنهم جيران قوم لوط ولم يقل ببعيدة ولا ببعيدين لأن المراد، وما إهلاكهم ببعيد أو لأنه يستوي في مثله المذكر والمؤنث لأنه على زنة المصادر كالصهيل والشهيق، ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عما سلف، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقى من عمركم، ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ فاعل بالتائبين ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ قالوه على وجه الاستهانة كما تقول لمن لم تعبأ بحديثه ما أدري ما تقول، ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لأنه كان أعمى [[لا دليل عليه ولو صح ذلك لعيروه شعيبًا - عليه السلام - بذلك.]] أو لأنه لا خدم ولا عسكر له، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي: عزتهم فإنهم على ديننا والرهط من الثلاثة إلى العشرة، ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ قتلناك بأذل وجه، ﴿وما أنتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ يمنعنا عزك عن الرجم، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ﴾ فإنكم تبقون عليَّ لرهطي ولا تبقون عليَّ لله وأنا رسوله، ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: الله، ﴿وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ جعلتموه كالشيء الملقى وراء الظهر وهو منسوب إلى الظهر والكسر من تغيرات النسب كالإمسيّ في الأمس، ﴿إنَّ رَبِّي﴾، أي: علمه، ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازي عليه، ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك أو على تمكنكم من أمركم، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أنا عليه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ استئناف كأنه قيل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فإنهم أوعدوه وسموه كاذبًا، أو من استفهامية منقطعة عن سوف تعلمون أي: أينا يأتيه إلخ، ﴿وارْتَقِبُوا﴾ انتظروا ما أقول لكم، ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ منتظر، ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عذابنا، ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبربل فهلكوا، ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ميتين، الجثوم: اللزوم في المكان، ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ لم يكونوا فيها، ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكًا لهم، ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فإن عذابهم أيضًا صيحة قيل: صيحة أهل مدين من فوق وصيحتهم من تحت ثم اعلم أن الصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة كلها لأهل مدين.

هود 11:92

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ اسم بلدة، ﴿أخاهُمْ﴾ من أشرافهم نسبًا، ﴿شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، ﴿ما لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نهاهم عن هذا بعد الإيمان؛ لأنّهُم اعتادوا البخس، ﴿إنِّي أراكُم بخَيْرٍ﴾ موسرين في نعمة وخصب لا حاجة لكم إلى التطفيف، ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍّ مُّحِيطٍ﴾ وعدهم بعذاب يحيط بهم فلا يفلت منهم أحد ووصف اليوم بالإحاطة لاشتماله على عذاب محيط، ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن ضده مبالغة، ﴿بِالقِسْطِ﴾ بالعدل والسوية، ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقصوا، ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ تعميم بعد تخصيص وقيل: كانوا مكاسين، ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ لا تبالغوا، ﴿فِي الأرْضِ﴾ بالفساد حال كونكم، ﴿مُفْسِدِينَ﴾ وقد كانوا يقطعون الطريق، ﴿بَقِيَّت اللهِ﴾ ما أبقى الله من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، ﴿خَيْرٌ لكمْ﴾ مما تأخذونه بالتطفيف أو طاعة الله خير لكم، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بشرط الإيمان فإن الثواب بالأعمال مشروط بالإيمان أو إن كنتم مؤمنين مصدقين لي، ﴿وما أنا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح وإنما أنا ناصح، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ بتكليف، ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام أجابوه على سبيل التهكم وكان عليه السلام كثير الصلاة، ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ عطف على ما، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، ما نشاء قيل: عطف على أن نترك بتقدير أصلاتك تأمرك بنهيك عن أن نفعل إلخ، ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء وأرادوا ضدهما أو أنت حليم رشيد فكيف تبادر على مثل كلام المجانين ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبصيرة، ﴿مِّن ربي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ من الله بلا كدًّ مني، ﴿رِزقًا حَسَنًا﴾، حلالًا وكان عليه السلام كثير المال، أو أراد من الرزق الحسن العلم والمعرفة وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يجوز لي الخيانة في الوحي والمخالفة في أمره وفيه، ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْ﴾ ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستقل بها دونكم، ﴿إذ أُرِيدُ﴾ فيما آمركم وأنهاكم، ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أي: إصلاحكم، ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما دمت أستطيع الإصلاح فما مصدرية واقعة موقع الظرف أو إصلاح ما استطعته فالموصولة مفعول الإصلاح، ولا يبعد أن يكون معناه ما قصدت إلى ما نهيتكم عنه مجرد مخالفتكم؛ بل الإصلاح قصدي وهو الباعث إلى النهي، ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ لإصابة الحق، ﴿إلّا بِاللهِ﴾ بإعانته، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فإنه القادر المطلق، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في المعاد أو فيما ينزل عليَّ من المصائب، ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم، ﴿شِقاقِي﴾ عداوتي، ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ ثاني مفعوليه فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، ﴿مِّثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق، ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح المهلكة، ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من الصيحة، ﴿وما قَوْمُ لُوط مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا فلا تنسوهم، أو مكانًا فإنهم جيران قوم لوط ولم يقل ببعيدة ولا ببعيدين لأن المراد، وما إهلاكهم ببعيد أو لأنه يستوي في مثله المذكر والمؤنث لأنه على زنة المصادر كالصهيل والشهيق، ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عما سلف، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقى من عمركم، ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ فاعل بالتائبين ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ قالوه على وجه الاستهانة كما تقول لمن لم تعبأ بحديثه ما أدري ما تقول، ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لأنه كان أعمى [[لا دليل عليه ولو صح ذلك لعيروه شعيبًا - عليه السلام - بذلك.]] أو لأنه لا خدم ولا عسكر له، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي: عزتهم فإنهم على ديننا والرهط من الثلاثة إلى العشرة، ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ قتلناك بأذل وجه، ﴿وما أنتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ يمنعنا عزك عن الرجم، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ﴾ فإنكم تبقون عليَّ لرهطي ولا تبقون عليَّ لله وأنا رسوله، ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: الله، ﴿وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ جعلتموه كالشيء الملقى وراء الظهر وهو منسوب إلى الظهر والكسر من تغيرات النسب كالإمسيّ في الأمس، ﴿إنَّ رَبِّي﴾، أي: علمه، ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازي عليه، ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك أو على تمكنكم من أمركم، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أنا عليه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ استئناف كأنه قيل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فإنهم أوعدوه وسموه كاذبًا، أو من استفهامية منقطعة عن سوف تعلمون أي: أينا يأتيه إلخ، ﴿وارْتَقِبُوا﴾ انتظروا ما أقول لكم، ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ منتظر، ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عذابنا، ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبربل فهلكوا، ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ميتين، الجثوم: اللزوم في المكان، ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ لم يكونوا فيها، ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكًا لهم، ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فإن عذابهم أيضًا صيحة قيل: صيحة أهل مدين من فوق وصيحتهم من تحت ثم اعلم أن الصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة كلها لأهل مدين.

هود 11:93

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ اسم بلدة، ﴿أخاهُمْ﴾ من أشرافهم نسبًا، ﴿شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، ﴿ما لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نهاهم عن هذا بعد الإيمان؛ لأنّهُم اعتادوا البخس، ﴿إنِّي أراكُم بخَيْرٍ﴾ موسرين في نعمة وخصب لا حاجة لكم إلى التطفيف، ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍّ مُّحِيطٍ﴾ وعدهم بعذاب يحيط بهم فلا يفلت منهم أحد ووصف اليوم بالإحاطة لاشتماله على عذاب محيط، ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن ضده مبالغة، ﴿بِالقِسْطِ﴾ بالعدل والسوية، ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقصوا، ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ تعميم بعد تخصيص وقيل: كانوا مكاسين، ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ لا تبالغوا، ﴿فِي الأرْضِ﴾ بالفساد حال كونكم، ﴿مُفْسِدِينَ﴾ وقد كانوا يقطعون الطريق، ﴿بَقِيَّت اللهِ﴾ ما أبقى الله من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، ﴿خَيْرٌ لكمْ﴾ مما تأخذونه بالتطفيف أو طاعة الله خير لكم، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بشرط الإيمان فإن الثواب بالأعمال مشروط بالإيمان أو إن كنتم مؤمنين مصدقين لي، ﴿وما أنا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح وإنما أنا ناصح، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ بتكليف، ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام أجابوه على سبيل التهكم وكان عليه السلام كثير الصلاة، ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ عطف على ما، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، ما نشاء قيل: عطف على أن نترك بتقدير أصلاتك تأمرك بنهيك عن أن نفعل إلخ، ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء وأرادوا ضدهما أو أنت حليم رشيد فكيف تبادر على مثل كلام المجانين ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبصيرة، ﴿مِّن ربي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ من الله بلا كدًّ مني، ﴿رِزقًا حَسَنًا﴾، حلالًا وكان عليه السلام كثير المال، أو أراد من الرزق الحسن العلم والمعرفة وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يجوز لي الخيانة في الوحي والمخالفة في أمره وفيه، ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْ﴾ ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستقل بها دونكم، ﴿إذ أُرِيدُ﴾ فيما آمركم وأنهاكم، ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أي: إصلاحكم، ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما دمت أستطيع الإصلاح فما مصدرية واقعة موقع الظرف أو إصلاح ما استطعته فالموصولة مفعول الإصلاح، ولا يبعد أن يكون معناه ما قصدت إلى ما نهيتكم عنه مجرد مخالفتكم؛ بل الإصلاح قصدي وهو الباعث إلى النهي، ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ لإصابة الحق، ﴿إلّا بِاللهِ﴾ بإعانته، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فإنه القادر المطلق، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في المعاد أو فيما ينزل عليَّ من المصائب، ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم، ﴿شِقاقِي﴾ عداوتي، ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ ثاني مفعوليه فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، ﴿مِّثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق، ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح المهلكة، ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من الصيحة، ﴿وما قَوْمُ لُوط مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا فلا تنسوهم، أو مكانًا فإنهم جيران قوم لوط ولم يقل ببعيدة ولا ببعيدين لأن المراد، وما إهلاكهم ببعيد أو لأنه يستوي في مثله المذكر والمؤنث لأنه على زنة المصادر كالصهيل والشهيق، ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عما سلف، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقى من عمركم، ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ فاعل بالتائبين ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ قالوه على وجه الاستهانة كما تقول لمن لم تعبأ بحديثه ما أدري ما تقول، ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لأنه كان أعمى [[لا دليل عليه ولو صح ذلك لعيروه شعيبًا - عليه السلام - بذلك.]] أو لأنه لا خدم ولا عسكر له، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي: عزتهم فإنهم على ديننا والرهط من الثلاثة إلى العشرة، ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ قتلناك بأذل وجه، ﴿وما أنتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ يمنعنا عزك عن الرجم، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ﴾ فإنكم تبقون عليَّ لرهطي ولا تبقون عليَّ لله وأنا رسوله، ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: الله، ﴿وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ جعلتموه كالشيء الملقى وراء الظهر وهو منسوب إلى الظهر والكسر من تغيرات النسب كالإمسيّ في الأمس، ﴿إنَّ رَبِّي﴾، أي: علمه، ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازي عليه، ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك أو على تمكنكم من أمركم، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أنا عليه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ استئناف كأنه قيل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فإنهم أوعدوه وسموه كاذبًا، أو من استفهامية منقطعة عن سوف تعلمون أي: أينا يأتيه إلخ، ﴿وارْتَقِبُوا﴾ انتظروا ما أقول لكم، ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ منتظر، ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عذابنا، ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبربل فهلكوا، ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ميتين، الجثوم: اللزوم في المكان، ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ لم يكونوا فيها، ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكًا لهم، ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فإن عذابهم أيضًا صيحة قيل: صيحة أهل مدين من فوق وصيحتهم من تحت ثم اعلم أن الصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة كلها لأهل مدين.

هود 11:94

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ اسم بلدة، ﴿أخاهُمْ﴾ من أشرافهم نسبًا، ﴿شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، ﴿ما لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نهاهم عن هذا بعد الإيمان؛ لأنّهُم اعتادوا البخس، ﴿إنِّي أراكُم بخَيْرٍ﴾ موسرين في نعمة وخصب لا حاجة لكم إلى التطفيف، ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍّ مُّحِيطٍ﴾ وعدهم بعذاب يحيط بهم فلا يفلت منهم أحد ووصف اليوم بالإحاطة لاشتماله على عذاب محيط، ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن ضده مبالغة، ﴿بِالقِسْطِ﴾ بالعدل والسوية، ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقصوا، ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ تعميم بعد تخصيص وقيل: كانوا مكاسين، ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ لا تبالغوا، ﴿فِي الأرْضِ﴾ بالفساد حال كونكم، ﴿مُفْسِدِينَ﴾ وقد كانوا يقطعون الطريق، ﴿بَقِيَّت اللهِ﴾ ما أبقى الله من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، ﴿خَيْرٌ لكمْ﴾ مما تأخذونه بالتطفيف أو طاعة الله خير لكم، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بشرط الإيمان فإن الثواب بالأعمال مشروط بالإيمان أو إن كنتم مؤمنين مصدقين لي، ﴿وما أنا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح وإنما أنا ناصح، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ بتكليف، ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام أجابوه على سبيل التهكم وكان عليه السلام كثير الصلاة، ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ عطف على ما، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، ما نشاء قيل: عطف على أن نترك بتقدير أصلاتك تأمرك بنهيك عن أن نفعل إلخ، ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء وأرادوا ضدهما أو أنت حليم رشيد فكيف تبادر على مثل كلام المجانين ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبصيرة، ﴿مِّن ربي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ من الله بلا كدًّ مني، ﴿رِزقًا حَسَنًا﴾، حلالًا وكان عليه السلام كثير المال، أو أراد من الرزق الحسن العلم والمعرفة وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يجوز لي الخيانة في الوحي والمخالفة في أمره وفيه، ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْ﴾ ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستقل بها دونكم، ﴿إذ أُرِيدُ﴾ فيما آمركم وأنهاكم، ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أي: إصلاحكم، ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما دمت أستطيع الإصلاح فما مصدرية واقعة موقع الظرف أو إصلاح ما استطعته فالموصولة مفعول الإصلاح، ولا يبعد أن يكون معناه ما قصدت إلى ما نهيتكم عنه مجرد مخالفتكم؛ بل الإصلاح قصدي وهو الباعث إلى النهي، ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ لإصابة الحق، ﴿إلّا بِاللهِ﴾ بإعانته، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فإنه القادر المطلق، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في المعاد أو فيما ينزل عليَّ من المصائب، ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم، ﴿شِقاقِي﴾ عداوتي، ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ ثاني مفعوليه فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، ﴿مِّثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق، ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح المهلكة، ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من الصيحة، ﴿وما قَوْمُ لُوط مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا فلا تنسوهم، أو مكانًا فإنهم جيران قوم لوط ولم يقل ببعيدة ولا ببعيدين لأن المراد، وما إهلاكهم ببعيد أو لأنه يستوي في مثله المذكر والمؤنث لأنه على زنة المصادر كالصهيل والشهيق، ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عما سلف، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقى من عمركم، ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ فاعل بالتائبين ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ قالوه على وجه الاستهانة كما تقول لمن لم تعبأ بحديثه ما أدري ما تقول، ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لأنه كان أعمى [[لا دليل عليه ولو صح ذلك لعيروه شعيبًا - عليه السلام - بذلك.]] أو لأنه لا خدم ولا عسكر له، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي: عزتهم فإنهم على ديننا والرهط من الثلاثة إلى العشرة، ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ قتلناك بأذل وجه، ﴿وما أنتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ يمنعنا عزك عن الرجم، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ﴾ فإنكم تبقون عليَّ لرهطي ولا تبقون عليَّ لله وأنا رسوله، ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: الله، ﴿وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ جعلتموه كالشيء الملقى وراء الظهر وهو منسوب إلى الظهر والكسر من تغيرات النسب كالإمسيّ في الأمس، ﴿إنَّ رَبِّي﴾، أي: علمه، ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازي عليه، ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك أو على تمكنكم من أمركم، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أنا عليه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ استئناف كأنه قيل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فإنهم أوعدوه وسموه كاذبًا، أو من استفهامية منقطعة عن سوف تعلمون أي: أينا يأتيه إلخ، ﴿وارْتَقِبُوا﴾ انتظروا ما أقول لكم، ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ منتظر، ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عذابنا، ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبربل فهلكوا، ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ميتين، الجثوم: اللزوم في المكان، ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ لم يكونوا فيها، ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكًا لهم، ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فإن عذابهم أيضًا صيحة قيل: صيحة أهل مدين من فوق وصيحتهم من تحت ثم اعلم أن الصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة كلها لأهل مدين.

هود 11:95

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ اسم بلدة، ﴿أخاهُمْ﴾ من أشرافهم نسبًا، ﴿شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، ﴿ما لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نهاهم عن هذا بعد الإيمان؛ لأنّهُم اعتادوا البخس، ﴿إنِّي أراكُم بخَيْرٍ﴾ موسرين في نعمة وخصب لا حاجة لكم إلى التطفيف، ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍّ مُّحِيطٍ﴾ وعدهم بعذاب يحيط بهم فلا يفلت منهم أحد ووصف اليوم بالإحاطة لاشتماله على عذاب محيط، ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن ضده مبالغة، ﴿بِالقِسْطِ﴾ بالعدل والسوية، ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقصوا، ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ تعميم بعد تخصيص وقيل: كانوا مكاسين، ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ لا تبالغوا، ﴿فِي الأرْضِ﴾ بالفساد حال كونكم، ﴿مُفْسِدِينَ﴾ وقد كانوا يقطعون الطريق، ﴿بَقِيَّت اللهِ﴾ ما أبقى الله من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، ﴿خَيْرٌ لكمْ﴾ مما تأخذونه بالتطفيف أو طاعة الله خير لكم، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بشرط الإيمان فإن الثواب بالأعمال مشروط بالإيمان أو إن كنتم مؤمنين مصدقين لي، ﴿وما أنا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح وإنما أنا ناصح، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ بتكليف، ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام أجابوه على سبيل التهكم وكان عليه السلام كثير الصلاة، ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ عطف على ما، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، ما نشاء قيل: عطف على أن نترك بتقدير أصلاتك تأمرك بنهيك عن أن نفعل إلخ، ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء وأرادوا ضدهما أو أنت حليم رشيد فكيف تبادر على مثل كلام المجانين ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبصيرة، ﴿مِّن ربي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ من الله بلا كدًّ مني، ﴿رِزقًا حَسَنًا﴾، حلالًا وكان عليه السلام كثير المال، أو أراد من الرزق الحسن العلم والمعرفة وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يجوز لي الخيانة في الوحي والمخالفة في أمره وفيه، ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْ﴾ ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستقل بها دونكم، ﴿إذ أُرِيدُ﴾ فيما آمركم وأنهاكم، ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أي: إصلاحكم، ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما دمت أستطيع الإصلاح فما مصدرية واقعة موقع الظرف أو إصلاح ما استطعته فالموصولة مفعول الإصلاح، ولا يبعد أن يكون معناه ما قصدت إلى ما نهيتكم عنه مجرد مخالفتكم؛ بل الإصلاح قصدي وهو الباعث إلى النهي، ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ لإصابة الحق، ﴿إلّا بِاللهِ﴾ بإعانته، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فإنه القادر المطلق، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في المعاد أو فيما ينزل عليَّ من المصائب، ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم، ﴿شِقاقِي﴾ عداوتي، ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ ثاني مفعوليه فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، ﴿مِّثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق، ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح المهلكة، ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من الصيحة، ﴿وما قَوْمُ لُوط مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا فلا تنسوهم، أو مكانًا فإنهم جيران قوم لوط ولم يقل ببعيدة ولا ببعيدين لأن المراد، وما إهلاكهم ببعيد أو لأنه يستوي في مثله المذكر والمؤنث لأنه على زنة المصادر كالصهيل والشهيق، ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عما سلف، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيما بقى من عمركم، ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ فاعل بالتائبين ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ قالوه على وجه الاستهانة كما تقول لمن لم تعبأ بحديثه ما أدري ما تقول، ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لأنه كان أعمى [[لا دليل عليه ولو صح ذلك لعيروه شعيبًا - عليه السلام - بذلك.]] أو لأنه لا خدم ولا عسكر له، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي: عزتهم فإنهم على ديننا والرهط من الثلاثة إلى العشرة، ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ قتلناك بأذل وجه، ﴿وما أنتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ يمنعنا عزك عن الرجم، ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ﴾ فإنكم تبقون عليَّ لرهطي ولا تبقون عليَّ لله وأنا رسوله، ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: الله، ﴿وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ جعلتموه كالشيء الملقى وراء الظهر وهو منسوب إلى الظهر والكسر من تغيرات النسب كالإمسيّ في الأمس، ﴿إنَّ رَبِّي﴾، أي: علمه، ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازي عليه، ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك أو على تمكنكم من أمركم، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أنا عليه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ استئناف كأنه قيل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فإنهم أوعدوه وسموه كاذبًا، أو من استفهامية منقطعة عن سوف تعلمون أي: أينا يأتيه إلخ، ﴿وارْتَقِبُوا﴾ انتظروا ما أقول لكم، ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ منتظر، ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عذابنا، ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبربل فهلكوا، ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ميتين، الجثوم: اللزوم في المكان، ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ لم يكونوا فيها، ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكًا لهم، ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فإن عذابهم أيضًا صيحة قيل: صيحة أهل مدين من فوق وصيحتهم من تحت ثم اعلم أن الصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة كلها لأهل مدين.

هود 11:96

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:97

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:98

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:99

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:100

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:101

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:102

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:103

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:104

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:105

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:106

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:107

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:108

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:109

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ، ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: في الكفر بموسى، ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مرشد إلى الخير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ﴿وبِئْسَ الوِرْد﴾ أي: المورد، ﴿المَوْرُودُ﴾ أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: ”وما أمر فرعون برشيد“، ﴿واتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أي: الدنيا، ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾، فإنهم ملعونون في الدارين، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، ﴿ذلِكَ﴾: النبأ، ﴿مِن أنباءِ القُرى﴾: المهلكة، ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿مِنها قائِمٌ﴾ بقيت آثاره كالحيطان، ﴿وحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فاستحقوا العذاب، ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ شيئًا من عذابه، ﴿لَمّا جاءَ﴾ حين جاء، ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ﴿وما زادُوهُمْ﴾ أي: ما زاد الآلهة الظالمين، ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ بلاء وتخسير، ﴿وكَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الأخذ، ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾ أهل، ﴿القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، ﴿لَآيَةً﴾: عبرة، ﴿لِّمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فيجعلها أنموذجًا ودليلًا على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لأن يجازيهم، ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم، ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، ﴿لا تَكَلَّمُ﴾: لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ﴾ وهو الناصب للظرف، ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾: بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، ﴿شَقِيٌّ و﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ فَأمّا الَّذِينَ شَقوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه، أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع، والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أو هو من باب ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، و ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ حاكم غير محكوم [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه: قالَ تَعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السموات والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً. وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى الله تَعالى لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ ولا إلى غَيْرِهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الآخِرَةِ وأرْضُها. قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ [إبْراهِيمَ: ٤٨] وقَوْلُهُ: وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهُمْ، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسموات. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المشبه ووجود السموات والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وبِتَقْدِيرِ أنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ، كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرْضٍ في الآخِرَةِ وثَبَتَ دَوامُهُما وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالُوا إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ ما دامَتِ السموات والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامت السموات والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السموات، أوْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ، لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السموات فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ: ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائِمَةٌ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ. فَإنْ قالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ؟ قُلْنا بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: في الجَوابِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ. قالُوا هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ الله تَعالى ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: والله لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللفظ تدل عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ كلمة إلّ]]. ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ عبادة، ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ إلا كعبادتهم، ﴿مِن قَبْلُ﴾ استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من الجزاء، ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.

هود 11:110

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..

هود 11:111

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..

هود 11:112

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..

هود 11:113

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..

هود 11:114

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..

هود 11:115

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..

هود 11:116

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..

هود 11:117

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..

هود 11:118

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..

هود 11:119

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..

هود 11:120

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..

هود 11:121

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..

هود 11:122

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..

هود 11:123

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن قومك، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من جزائهم، ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ منْهُ﴾ من القرآن، ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة، ﴿وإنَّ كُلًّا﴾ جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، ﴿لَمّا﴾ ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فاسْتَقِمْ﴾ استقامة، ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، ﴿ومَن تابَ﴾ عن الكفر وآمن، ﴿مَعَكَ﴾ عطف على ضمير استقم، ﴿ولاَ تَطْغَوْا﴾ لا تخرجوا عن حدود الله، ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ولا تَرْكَنُوا﴾، لا تميلوا أدنى ميل، ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، ﴿وزُلَفًا﴾ ساعات، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، ﴿إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفي الحديث: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأتْبِعْها حَسَنَةً تَمْحُها) [[في الأصل [تمحوها] والحديث عند الإمام أحمد - رحمه الله - برقم (٢١٤٨٧). (مصحح النسخة الإلكترونية).]] نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل ”أقم الصلاة“ الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) ﴿ذلِكَ﴾ بها إشارة إلى استقم فما بعده، ﴿ذكْرى لِلذاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين، ﴿واصْبِرْ﴾ على حكم الله، ﴿فَإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المحسنين أي: المصلين، ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا، ﴿كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولوا بَقِيَّةٍ﴾ يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كما قال: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلًا مِّمَّن أنجَيْنا مِنهُمْ﴾ ﴿من﴾ في ﴿ممن﴾ للبيان، أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون الاستثناء متصلًا لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلًا وهم من أنجيناهم، ﴿واتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، ﴿ما أُتْرِفوْا﴾ نعموا، ﴿فيه﴾ من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، ﴿وما كان ربُّكَ﴾ ما صح وما استقام له، ﴿لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾: بشرك، ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه ”حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا“ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلهم، ﴿ولاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الأديان والاعتقادات، ﴿إلا مَن رحِمَ ربُّكَ﴾ وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، ﴿ولِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، ﴿خَلَقَهُمْ﴾ الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وقدره، ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾: من عصاتهما، ﴿أجْمَعِينَ﴾ أو منهما أجمعين لا من أحدهما، ﴿وكُلًّا﴾ التنوين عوض، أي: كل نبأ، ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ﴾ وقوله: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لـ ﴿كُلًّا﴾ أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السورة، ﴿الحَقُّ﴾ خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى﴾ جاءتك فيها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: على طريقتكم تهديد شديد، ﴿إنّا عامِلُونَ﴾: على حالنا، ﴿وانتَظِرُوا﴾ لنا الدوائر، ﴿إنّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، ﴿ولله غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يخفي عليه خافية، ﴿وإلَيهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده ..