Lafzullah

Jamia Al-Bayan AlIji — مريم 19:95 – طه 20:64

المؤلف / المصدر: Jamia Al-Bayan AlIji

المحتويات
  1. مريم 19:95
  2. مريم 19:96
  3. مريم 19:97
  4. مريم 19:98
  5. طه 20:1
  6. طه 20:2
  7. طه 20:3
  8. طه 20:4
  9. طه 20:5
  10. طه 20:6
  11. طه 20:7
  12. طه 20:8
  13. طه 20:9
  14. طه 20:10
  15. طه 20:11
  16. طه 20:12
  17. طه 20:13
  18. طه 20:14
  19. طه 20:15
  20. طه 20:16
  21. طه 20:17
  22. طه 20:18
  23. طه 20:19
  24. طه 20:20
  25. طه 20:21
  26. طه 20:22
  27. طه 20:23
  28. طه 20:24
  29. طه 20:25
  30. طه 20:26
  31. طه 20:27
  32. طه 20:28
  33. طه 20:29
  34. طه 20:30
  35. طه 20:31
  36. طه 20:32
  37. طه 20:33
  38. طه 20:34
  39. طه 20:35
  40. طه 20:36
  41. طه 20:37
  42. طه 20:38
  43. طه 20:39
  44. طه 20:40
  45. طه 20:41
  46. طه 20:42
  47. طه 20:43
  48. طه 20:44
  49. طه 20:45
  50. طه 20:46
  51. طه 20:47
  52. طه 20:48
  53. طه 20:49
  54. طه 20:50
  55. طه 20:51
  56. طه 20:52
  57. طه 20:53
  58. طه 20:54
  59. طه 20:55
  60. طه 20:56
  61. طه 20:57
  62. طه 20:58
  63. طه 20:59
  64. طه 20:60
  65. طه 20:61
  66. طه 20:62
  67. طه 20:63
  68. طه 20:64

مريم 19:95

﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾: سلطناهم عليهم ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ الأز، والهز التحريك أي: تحركهم وتحثهم على المعاصي ﴿فَلا تَعجلْ عَلَيْهِمْ﴾: بطلب عقوبتهم حتى تطهر الأرض من دنسهم ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهُمْ﴾: أيام آجالهم وأنفاسهم ﴿عَدًّا﴾ أي: لم يبق إلا أيام محصورة معدودة ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ﴾ منصوب بمقدر وهو اذكر أو تقديره يوم نحشر ونسوق نفعل بهم ما لا يحيط به الوصف، أو بلا يملكون ﴿وفْدًا﴾: وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ﴾: كما يساق البهائم ﴿إلى جَهًّمَ وِرْدًا﴾: عطاشا؛ لأن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾: كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض ﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدً﴾ استثناء منقطع أي: لكن من اتخذ عهدًا هو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بحقها له الشفاعة، أو ضمير لا يملكون للفريقين والاستثناء المتصل بدل من الضمير ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾: عجيبًا أو عظيمًا منكرًا أو الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة [التسجيل] عليهم بالجرأة على الله تعالى [وللتنبيه] على عظيم قولهم ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطرْنَ﴾: يشققن ﴿مِنهُ﴾ من ذلك القول ﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ أي: تهدُّ هَدًّا أي: تنكسر وتسقط ﴿أن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ أي: لأن أو بدل من ضمير منه والدعاء بمعنى التسمية وترك مفعوله الأول للعموم والإحاطة بكل ما دعى له ولدًا أو بمعنى النسبة وفي اختصاص الرحمن أن أصول النعم وفروعها منه خلق العالمين وجميع ما معهم فمن أضاف إليه ولدا من نعمه فقد جعله كبعض خلقه ونعمه فحينئذ لا يستحق اسم الرحمن ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ أي: ما يتأتى له اتخاذه لأن الولادة لا مقال في [استحالتها] [[في الأصل هكذا [أنه مح] والتصويب من الكشاف. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).]] وأما التبني فلا يكون إلا في مجانس وأين للقديم الرحمن مجانس؟! ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ أي: ما منهم إلا وهو مملوك له يأوى إليه بالعبودية ﴿لَقَدْ أحْصاهمْ﴾: حصرهم بعلمه وأحاط بهم ﴿وعَدَّهم عَدًّا وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾: منفردًا عن الأتباع والأنصار كعبد ذليل ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾: سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض للأسباب التي يكتسب بها الناس موادات القلوب وقد صح " إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل إني قد أحببت فلانًا فأحبه فينادى في السماء ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله تعالى. ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ أي يسرنا القرآن عليك حال كونه منزلًا بلغتك ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أشداء الخصومة بالباطل ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ تخويف لهم، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾: هل تشعر بأحد منهم وتراه ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾: صوتًا خفيّا. اللهم اجعلنا من الوافدين إلى الرحمن لا من الواردين إلى النيران.

مريم 19:96

﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾: سلطناهم عليهم ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ الأز، والهز التحريك أي: تحركهم وتحثهم على المعاصي ﴿فَلا تَعجلْ عَلَيْهِمْ﴾: بطلب عقوبتهم حتى تطهر الأرض من دنسهم ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهُمْ﴾: أيام آجالهم وأنفاسهم ﴿عَدًّا﴾ أي: لم يبق إلا أيام محصورة معدودة ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ﴾ منصوب بمقدر وهو اذكر أو تقديره يوم نحشر ونسوق نفعل بهم ما لا يحيط به الوصف، أو بلا يملكون ﴿وفْدًا﴾: وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ﴾: كما يساق البهائم ﴿إلى جَهًّمَ وِرْدًا﴾: عطاشا؛ لأن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾: كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض ﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدً﴾ استثناء منقطع أي: لكن من اتخذ عهدًا هو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بحقها له الشفاعة، أو ضمير لا يملكون للفريقين والاستثناء المتصل بدل من الضمير ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾: عجيبًا أو عظيمًا منكرًا أو الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة [التسجيل] عليهم بالجرأة على الله تعالى [وللتنبيه] على عظيم قولهم ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطرْنَ﴾: يشققن ﴿مِنهُ﴾ من ذلك القول ﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ أي: تهدُّ هَدًّا أي: تنكسر وتسقط ﴿أن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ أي: لأن أو بدل من ضمير منه والدعاء بمعنى التسمية وترك مفعوله الأول للعموم والإحاطة بكل ما دعى له ولدًا أو بمعنى النسبة وفي اختصاص الرحمن أن أصول النعم وفروعها منه خلق العالمين وجميع ما معهم فمن أضاف إليه ولدا من نعمه فقد جعله كبعض خلقه ونعمه فحينئذ لا يستحق اسم الرحمن ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ أي: ما يتأتى له اتخاذه لأن الولادة لا مقال في [استحالتها] [[في الأصل هكذا [أنه مح] والتصويب من الكشاف. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).]] وأما التبني فلا يكون إلا في مجانس وأين للقديم الرحمن مجانس؟! ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ أي: ما منهم إلا وهو مملوك له يأوى إليه بالعبودية ﴿لَقَدْ أحْصاهمْ﴾: حصرهم بعلمه وأحاط بهم ﴿وعَدَّهم عَدًّا وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾: منفردًا عن الأتباع والأنصار كعبد ذليل ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾: سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض للأسباب التي يكتسب بها الناس موادات القلوب وقد صح " إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل إني قد أحببت فلانًا فأحبه فينادى في السماء ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله تعالى. ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ أي يسرنا القرآن عليك حال كونه منزلًا بلغتك ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أشداء الخصومة بالباطل ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ تخويف لهم، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾: هل تشعر بأحد منهم وتراه ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾: صوتًا خفيّا. اللهم اجعلنا من الوافدين إلى الرحمن لا من الواردين إلى النيران.

مريم 19:97

﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾: سلطناهم عليهم ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ الأز، والهز التحريك أي: تحركهم وتحثهم على المعاصي ﴿فَلا تَعجلْ عَلَيْهِمْ﴾: بطلب عقوبتهم حتى تطهر الأرض من دنسهم ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهُمْ﴾: أيام آجالهم وأنفاسهم ﴿عَدًّا﴾ أي: لم يبق إلا أيام محصورة معدودة ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ﴾ منصوب بمقدر وهو اذكر أو تقديره يوم نحشر ونسوق نفعل بهم ما لا يحيط به الوصف، أو بلا يملكون ﴿وفْدًا﴾: وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ﴾: كما يساق البهائم ﴿إلى جَهًّمَ وِرْدًا﴾: عطاشا؛ لأن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾: كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض ﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدً﴾ استثناء منقطع أي: لكن من اتخذ عهدًا هو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بحقها له الشفاعة، أو ضمير لا يملكون للفريقين والاستثناء المتصل بدل من الضمير ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾: عجيبًا أو عظيمًا منكرًا أو الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة [التسجيل] عليهم بالجرأة على الله تعالى [وللتنبيه] على عظيم قولهم ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطرْنَ﴾: يشققن ﴿مِنهُ﴾ من ذلك القول ﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ أي: تهدُّ هَدًّا أي: تنكسر وتسقط ﴿أن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ أي: لأن أو بدل من ضمير منه والدعاء بمعنى التسمية وترك مفعوله الأول للعموم والإحاطة بكل ما دعى له ولدًا أو بمعنى النسبة وفي اختصاص الرحمن أن أصول النعم وفروعها منه خلق العالمين وجميع ما معهم فمن أضاف إليه ولدا من نعمه فقد جعله كبعض خلقه ونعمه فحينئذ لا يستحق اسم الرحمن ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ أي: ما يتأتى له اتخاذه لأن الولادة لا مقال في [استحالتها] [[في الأصل هكذا [أنه مح] والتصويب من الكشاف. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).]] وأما التبني فلا يكون إلا في مجانس وأين للقديم الرحمن مجانس؟! ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ أي: ما منهم إلا وهو مملوك له يأوى إليه بالعبودية ﴿لَقَدْ أحْصاهمْ﴾: حصرهم بعلمه وأحاط بهم ﴿وعَدَّهم عَدًّا وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾: منفردًا عن الأتباع والأنصار كعبد ذليل ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾: سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض للأسباب التي يكتسب بها الناس موادات القلوب وقد صح " إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل إني قد أحببت فلانًا فأحبه فينادى في السماء ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله تعالى. ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ أي يسرنا القرآن عليك حال كونه منزلًا بلغتك ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أشداء الخصومة بالباطل ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ تخويف لهم، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾: هل تشعر بأحد منهم وتراه ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾: صوتًا خفيّا. اللهم اجعلنا من الوافدين إلى الرحمن لا من الواردين إلى النيران.

مريم 19:98

﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾: سلطناهم عليهم ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ الأز، والهز التحريك أي: تحركهم وتحثهم على المعاصي ﴿فَلا تَعجلْ عَلَيْهِمْ﴾: بطلب عقوبتهم حتى تطهر الأرض من دنسهم ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهُمْ﴾: أيام آجالهم وأنفاسهم ﴿عَدًّا﴾ أي: لم يبق إلا أيام محصورة معدودة ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ﴾ منصوب بمقدر وهو اذكر أو تقديره يوم نحشر ونسوق نفعل بهم ما لا يحيط به الوصف، أو بلا يملكون ﴿وفْدًا﴾: وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ﴾: كما يساق البهائم ﴿إلى جَهًّمَ وِرْدًا﴾: عطاشا؛ لأن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾: كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض ﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدً﴾ استثناء منقطع أي: لكن من اتخذ عهدًا هو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بحقها له الشفاعة، أو ضمير لا يملكون للفريقين والاستثناء المتصل بدل من الضمير ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾: عجيبًا أو عظيمًا منكرًا أو الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة [التسجيل] عليهم بالجرأة على الله تعالى [وللتنبيه] على عظيم قولهم ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطرْنَ﴾: يشققن ﴿مِنهُ﴾ من ذلك القول ﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ أي: تهدُّ هَدًّا أي: تنكسر وتسقط ﴿أن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ أي: لأن أو بدل من ضمير منه والدعاء بمعنى التسمية وترك مفعوله الأول للعموم والإحاطة بكل ما دعى له ولدًا أو بمعنى النسبة وفي اختصاص الرحمن أن أصول النعم وفروعها منه خلق العالمين وجميع ما معهم فمن أضاف إليه ولدا من نعمه فقد جعله كبعض خلقه ونعمه فحينئذ لا يستحق اسم الرحمن ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ أي: ما يتأتى له اتخاذه لأن الولادة لا مقال في [استحالتها] [[في الأصل هكذا [أنه مح] والتصويب من الكشاف. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).]] وأما التبني فلا يكون إلا في مجانس وأين للقديم الرحمن مجانس؟! ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ أي: ما منهم إلا وهو مملوك له يأوى إليه بالعبودية ﴿لَقَدْ أحْصاهمْ﴾: حصرهم بعلمه وأحاط بهم ﴿وعَدَّهم عَدًّا وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾: منفردًا عن الأتباع والأنصار كعبد ذليل ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾: سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض للأسباب التي يكتسب بها الناس موادات القلوب وقد صح " إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل إني قد أحببت فلانًا فأحبه فينادى في السماء ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله تعالى. ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ أي يسرنا القرآن عليك حال كونه منزلًا بلغتك ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أشداء الخصومة بالباطل ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ تخويف لهم، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾: هل تشعر بأحد منهم وتراه ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾: صوتًا خفيّا. اللهم اجعلنا من الوافدين إلى الرحمن لا من الواردين إلى النيران.

طه 20:1

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:2

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:3

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:4

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:5

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:6

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:7

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:8

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:9

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:10

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:11

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:12

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:13

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:14

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:15

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:16

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:17

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:18

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:19

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:20

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:21

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:22

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:23

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:24

﴿طه﴾ عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه عليه السلام إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾: لتتعب، لما نزل القرآن قام هو عليه السلام وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن ﴿لِمَن يَخْشى﴾: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار ﴿تَنْزِيلًا﴾ أي: نزل تنزيلًا أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ جمع العُليا، أي: الرفيعة و ”مِن“ صلة تنزيلًا أو صفة له والالتفات للتعظيم. ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ استَوى﴾ هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثرى﴾: ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أي: بذكر الله ودعائه ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: ”واذكر ربَّك في نفسك“ [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تأنيث الأحسن. ﴿وهَلْ أتاكَ﴾: يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾: قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ﴿إذ رَأى﴾ مفعول لاذكر أو ظرف للحديث ﴿نارًا﴾: في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا ﴿فقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم ﴿إني آنسْتُ﴾: أبصرت إبصارًا بينًا ﴿نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾: بشعلة منها ﴿أوْ أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾: هاديًا يهديني إلى الطريق ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أي: النار ﴿نودِيَ يا مُوسى إنِّي﴾: من قرأ بكسر إنّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني ﴿أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيتك للنبوة، ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾: إليك، ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾، بدل مما يوحى، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾: لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: لا محالة ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أخفيها بفتح الهمزة أي أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به ﴿لِتُجْزى﴾ متعلق بـ آتية ﴿كُل نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾: تعمل ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾: عن التصديق بالساعة ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾: خالف أمر الله ﴿فَتَرْدى﴾: فتهلك منصوب على جواب النهي. ﴿وما تِلْكَ﴾، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. ﴿يا مُوسى قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيْها﴾: عند المشي والإعياء ﴿وأهُشُّ﴾: أخبط الورق عن الشجر ﴿بِها عَلى﴾ رؤوس. ﴿غَنَمِي﴾: تأكله، ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾: حاجات، ﴿أُخْرى﴾: كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو ظرف، أي: في طريقتها ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أي: إلى جنبك تحت العضد. ﴿تَخْرُجْ﴾، حال كونها ﴿بَيْضاءَ﴾: لها شعاع كالشمس. ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾: كـ برص صلة لبيضاء. ﴿آيَةً أُخْرى﴾، حال ﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي: فعلنا ذلك لنريك، أو تقديره خذ آية أخرى. لنريك فلا تكون آية على هذا حالًا. ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾، ثاني مفعولي نريك. ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾: وادعه إلى التوحيد ﴿إنَّهُ طَغى﴾: عصى وتكبر.

طه 20:25

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:26

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:27

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:28

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:29

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:30

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:31

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:32

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:33

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:34

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:35

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:36

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:37

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:38

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:39

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:40

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:41

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:42

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:43

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:44

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:45

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:46

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:47

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:48

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:49

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:50

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:51

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:52

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:53

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:54

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.

طه 20:55

﴿مِنها﴾: من الأرض ﴿خَلَقْناكُمْ﴾: فإن أب الكل منها وعن بعض الملك يأخذ من تراب الأرض الذي قدر أن يدفن فيها فيذره على النطفة فيخلق منها ﴿وفيها نُعِيدُكُمْ﴾: بالموت ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾: يوم البعث ﴿تارَةً أُخْرى﴾. ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ أي: الآيات التي ظهرت على يد موسى ﴿فَكَذَّبَ﴾: الآيات وقال إنّها سحر، ﴿وأبى﴾: قبولها ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾: فيبقى لك ديارنا ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: مثل سحرك ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ اسم مكان أو زمان ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ جعل المكان أو الزمان مخلفًا على الاتساع كيوم شهدناه ﴿نَحْنُ ولا أنتَ مَكانًا﴾ بدل من الموعد على الأول، وظرف لـ لا نخلفه على الثاني، وقيل مفعول أول لـ اجعل ﴿سُوًى﴾ منصفًا يستوى مسافته إلينا وإليك أو عدلًا أو مستوىً يتبين الناس وما فيه فيه، ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيد لهم، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - يوم عاشوراء إذا كان الموعد اسم زمان فهو ظاهر، وأما إن كان اسم مكان فهو كما تقول يوم عرفة في جواب أين أراك؟ أي: في عرفة فإن له مكانًا معينًا معروفًا ﴿وأن يُحْشَرَ النّاسُ﴾، عطف على اليوم والزينة ﴿ضُحًى﴾: في وقت الضحوة جهارًا في محضر الخلائق ليتضح الحق على رءوس الأشهاد ويشتهر، ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ هو كما تقول ذهب يفعل كذا أي شرع فيه ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: ما يكاد به من السحرة وآلاتها ﴿ثُمَّ أتى﴾: الموعد ﴿قالَ لَهُمْ﴾: للسحرة ﴿مُوسى﴾ وفي عددهم اختلاف كثير قيل سبعون رجلًا، وقيل ثمانون ألفًا أو ثلاثون أو تسعة عشر ألفًا، أو خمسة عشر ألفًا، أو اثنا عشر ألفًا ﴿ويْلَكم لا تَفتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا﴾، بأن تخيلوا للناس ما لا حقيقة له، فتقولوا إنه مخلوق لله وأن تدعوا معجزاته سحرًا أو تدعوا له ندا ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: يستأصلكم ﴿بِعَذابٍ وقَدْ خابَ﴾: خسر ﴿مَنِ افْتَرى﴾: على الله ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أي: تشاجر السحرة سرًّا من فرعون في أمرهم فقائل منهم يقول ليس هذا بساحر إنما هو كلام نبي وقائل يقول بل هو ساحر ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ أي: تناجوا فيما بينهم ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، تفسير لـ أسَرُّوا النَّجْوى وهذا من اسم إن لغة من يجعل التثنية غير مختلف في الرفع والنصب والجر، أو تقديره أنه هذان لساحران [[قال العلّامة السمين ما نصه: قوله: ﴿إنْ هذان﴾: اختلف القُرّاءُ في هذه الآيةِ الكريمة: فقرأ ابن كثيرٍ وحدَه «إنْ هذانِّ» بتخفيف إنْ، والألفِ، وتشديدِ النون. وحفصٌ كذلك إلاَّ أنه خَفَّف نونَ «هذانٍ». وقرأ أبو عمرو «إنّ» بالتشديد «هذين» بالياء وتخفيفِ النون. والباقون كذلك إلاَّ أنهم قَرَؤوا/ «هذان» بالألف. فأمّا القراءةُ الأولى وهي قراءةُ ابنِ كثير وحفص فأوضحُ القراءاتِ معنىً ولفظًا وخَطًَّا؛ وذلك أنهما جعلا «إنْ» المخففةَ من الثقيلة فَأُهْمِلَتْ، ولَمّا أُهْمِلَتْ كما هو الأفصحُ مِن وجهيها خِيْفَ التباسُها بالنافية فجيء باللامِ فارقةً في الخبر. ف «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، ووافَقَتْ خَطَّ المصحفِ؛ فإن الرسم «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ وسيأتي بيانُ ذلك. وأمّا تشديدُ نونِ «هذان» فعلى ما تقدَّم في سورةِ النساءِ، وقد أتْقَنتُ ذلك هناك. وأمّا الكوفيون فيزعمون أنّ «إنْ» نافيةٌ بمعنى ما، واللامُ بمعنى إلاَّ، وهو خلافٌ مشهورٌ وقد وافقَ تخريجُهم هنا قراءةَ بعضِهم «ما هذانِ إلاَّ ساحران». وأمّا قراءةُ أبي عمروٍ فواضحةٌ من حيث الإعرابُ والمعنى. أمّا الإعرابُ ف «هذَيْن» اسمُ «إنّ» وعلامةُ نصبِه الياءُ. و «لَساحِران» خبرُها، ودخَلَتِ اللام توكيدًا. وأمّا مِن حيث المعنى: فإنّهم أثْبتوا لهما السحرَ بطريق تأكيديٍّ من طرفيه، ولكنهم استشكلُوها من حيث خَطُّ المصحفِ؛ وذلك أنّ رَسْمَه «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ، فإثباتُه بالياءِ زيادةٌ على خطِّ المصحفِ. قال أبو إسحاق: «لا أُجيز قراءةَ أبي عمرو لأنّها خلافُ المصحفِ». وقال أبو عبيد: «رأيتُهما في الإمام مصحفِ عثمان» هذن «ليس فيها ألفٌ، وهكذا رأيتُ رفعَ الاثنين في ذلك المصحفِ بإسقاط الألفِ، وإذا كتبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء، ولا يُسْقِطونها». قلت: وهذا لا ينبغي أنْ يُرَدَّ به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم أشياءُ خارجةٌ عن القياسِ، وقد نَصُّوا هم أنه لا يجوزُ القراءةُ بها فليكنْ هذا منها، أعني ممّا خَرَجَ عن القياس. فإن قلتَ: ما نَقَلْتَه عن أبي عبيد مشتركُ الإلزامِ بين أبي عمروٍ وغيرِه، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادةِ الياء يُعْترض عليهم بزيادةِ الألفِ: فإنّ الألفَ ثابتةٌ في قراءتِهم، ساقطةٌ من خَطِّ المصحفِ. فالجواب ما تقدَّم مِن قولِ أبي عبيدٍ أنهم رآهم يُسْقِطون الألفَ مِن رفع الاثنين، فإذا كتُبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء. وذهب جماعةٌ منهم عائشةُ رضي الله عنها وأبو عمروٍ إلى أن هذا ممّا لَحَنَ فيه الكاتبُ وأُقيم بالصواب. يَعْنُون أنه كان مِن حقه أن يكتبَه بالياءِ فلم يفعلْ، فلم يقرَأْه الناسُ إلاَّ بالياءِ على الصوابِ. وأمّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أن «إنّ» بمعنى نَعَمْ، و «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، وكَثُرَ ورودُ «إنّ» بمعنى نعم وأنشدوا: ٣٢٩٧ - بَكَرَ العَواذِلُ في المَشِيْ ... بِ يَلُمْنَني وألوْمُهُنَّهْ ويَقلْن شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنّهْ أي: فقلت: نَعَمْ. والهاءُ للسَّكْتِ. وقال رجلٌ لابن الزبير: لَعَن اللهُ ناقةً حَمَلَتْني إليكَ. فقال: «إنّ وصاحبَها» أي: نعم. ولَعَنَ صاحبَها. وهذا رأيُ المبردِ وعلي بن سليمان في آخرين. وهو مردودٌ من وجهين، أحدهما: عدمُ ثبوتِ «إنّ» بمعنى نعم، وما أوردُه مُؤَوَّلٌ: أمّا البيتُ فإنّ الهاءَ اسمُها، والخبرَ محذوفٌ لفهمِ المعنى تقديرُه: إنه كذلك. وأمّا قولُ ابنِ الزبير فذلك مِن حَذْفِ المعطوفِ عليه وإبقاءِ المعطوف وحَذْفِ خبر «إنّ» للدلالةِ عليه، تقديره: إنّها وصاحَبها ملعونان، وفيه تكلُّفٌ لا يَخْفى والثاني: دخولُ اللامِ على خبرِ المبتدأ غيرِ المؤكَّد ب «إنّ» المكسورةِ، لأنَّ مثلَه لا يقعُ إلاَّ ضرورةً كقولِه: ٣٢٩٨ - أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضى من اللحمِ بعظمِ الرَّقَبَهْ وقد يُجاب عنه: بأنّ «لَساحِران» يجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ دَخَلَتْ عليه هذه اللامُ تقديرُه: لهما ساحران. وقد فعل ذلك الزجاج كما ستأتي حكايتُه عنه. الثاني: أنّ اسمَها ضميرُ القصةِ وهو «ها» التي قبل «ذان» وليست ب «ها» التي للتنبيهِ الداخلةِ على أسماءِ الإشارةِ، والتقدير: إنّ القصةَ ذانِ لساحران. وقد رَدُّوا هذا من وجهين، أحدهما: من جهةِ الخَطِّ، وهو أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن تُكتبَ «إنها» فيصِلوا الضميرَ بالحرفِ قبلَه كقوله تعالى: ﴿فَإنَّها لاَ تَعْمى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] فكَتْبُهم إياها مفصولةً من «إنّ» متصلةً باسمِ الإشارة يمنع كونَها ضميرًا، وهو واضح. الثاني: أنّه يؤدِّي إلى دخولِ لامِ الابتداءِ في الخبرِ غيرِ المنسوخِ. وقد يُجاب عنه بما تقدَّم. الثالث: أنّ اسمَها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ، والجملةُ من المبتدأ والخبرِ بعدَه في محلِّ رفعٍ خبرًا ل «إنّ»، التقديرُ: إنّه، أي: الأمرُ والشأنُ. وقد ضُعِّفَ هذا بوجهين، أحدهما: حَذْفُ اسمِ «إن»، وهو غيرُ جائزٍ إلاَّ في شعرٍ، بشرطِ أنْ لا تباشرَ «إنّ» فعلًا كقولِه: ٣٢٩٩ - إنّ مَن يَدْخُلِ الكنيسةَ يومًا ... يَلْقَ فيها جَآذرًا وظِباءَ / والثاني: دخولُ اللام في الخبرِ. وقد أجابَ الزجّاج بأنها داخلةٌ على مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: لهما ساحران. وهذا قد استحسنه شيخُه المبردُ، أعني جوابَه بذلك. الرابع: أنّ «هذان» اسمُها، و «لَساحران» خبرُها. وقد رُدَّ هذا بأنه كان ينبغي أنْ يكونَ «هذين» بالياءِ كقراءةِ أبي عمرو. وقد أُجيب عن ذلك: بأنه على لغةِ بني الحارثِ وبين الهُجَيْم وبني العَنْبر وزُبَيْد وعُذْرَة ومُراد وخَثْعَم. وحكى هذه اللغةَ الأئمةُ الكبارُ كأبي الخَطّاب وأبي زيد الأنصاري والكسائي. قال أبو زيد: «سمعتُ من العربِ مَن يَقْلِبُ كلَّ ياءٍ ينفتح ما قبلها ألفًا»، يجعلون المثنى كالمقصورِ فيُثْبِتون ألفًا في جميع أحواله، ويُقَدِّرون إعرابَه بالحركاتِ، وأنشدوا قولَه: ٣٣٠٠ - فأطْرَق إطْراقَ الشُّجاعِ ولو يرى ... مَساغًا لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما أي: لنابَيْه. وقولَه: ٣٣٠١ - إنّ أباها وأبا أباها ... قد بَلَغا في المجدِ غايتاها أي: غايتيهما، إلى غير ذلك من الشواهد. وقرأ ابن مسعود: «أنْ هذان ساحِران» بفتح «أنْ» وإسقاط اللامِ: على أنها وما في حَيِّزها بدلٌ من «النجوى» كذا قاله الزمخشري، وتبعه الشيخ ولم ينكره. وفيه نظرٌ: لأنّ الاعتراضَ بالجملة القولية بين البدلِ والمبدلِ منه لا يَصِحُّ. وأيضًا فإنّ الجملةَ القوليةَ مفسرةٌ للنجوى في قراءةِ العامَّة، وكذا قاله الزمخشريُّ أولًا فكيف يَصحُّ أنْ يُجْعَلَ «أنْ هذان ساحران» بدلًا من «النجوى»؟ اهـ (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. ٨/ ٦٣ - ٦٨)]] ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتكُم المُثْلى﴾: بملككم وعيشكم الذي أنتم فيه أو بأشراف قومكم أو بدينكم الذي هو أمثل الأديان، ﴿فأجْمِعوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: أحكموا واعزموا كلكم على كيدهما مجتمعين لهما ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: مصطفين فإنه أهيب في عين الرائين، وهذا قول بعض السحرة لبعضهم ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾: فإن من غلب، ﴿قالُوا يا مُوسى﴾، بعدما جمعوا كيدهم وأتوا، ﴿إمّا أن تُلْقِيَ﴾: عصاك أولًا، ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾، ما بعد أن منصوب بمحذوف أي: اختر إلقاءك أو إلقاءنا أو مرفوع أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا﴾، قيل: لما علم ميلهم إلى البدء أمرهم به وليشعر علية تغيير نظمهم عن إما أن تلقي إلى أو أن نكون أول من ألقى ﴿فَإذا حِبالُهُمْ﴾، إذا للمفاجأة أي: فألقوا فإذا حبالهم ﴿وعِصِيُّهُمْ﴾، جمع عصى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾، وتحريكها ما كان إلا بحيلة وحاصل الكلام فألقوا ففاجأ موسى تخيله وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم من سحرهم ومن قرأ تخيل بالتاء فقوله: أنها تسعى بدل اشتمال من ضميره الراجع إلى الحبال والعصي قيل لطخوا بالزئبق فلما ضربت عليهما الشمس اضطربت. ﴿فَأوْجَسَ﴾: أضمر ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾: من أن يلتبس الأمر على القوم فلا يتبعونه وقيل من: طبع البشرية ظن أنها تقصده ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾، وهذا مشعر ومؤيد للوجه الأول، وإلا فالمناسب أن يقال لا تخف إنك آمن ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ لم يقل عصاك تحقيرًا لها أي العويدة التي في يدك ولا تبال بعصيهم ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع جواب الأمر وقراءة تلقف بالرفع أي: تتلقف فبالحال أو الاستئناف. ﴿ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا﴾ أي: إن الذي زوروا ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾، وحد الساحر لأن المراد به الجنس، وقراءة سِحْرٍ كعِلْمُ فِقْهٍ بأن الإضافة للبيان أو جعل الساحر سحر للمبالغة ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيثُ أتى﴾: حيث كان ﴿فأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أي: ألقى موسى عصاه فتلقفت فألقى ذلك السحرة على وجوههم ساجدين لله ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وموسى﴾، وعن بعض لما سجدوا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها ﴿قالَ﴾ فرعون: ﴿آمَنتمْ به﴾ أي: لموسى واللام لتضمين معنى الاتباع ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكمْ﴾: في اتباعه ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾: أستاذكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أي: مختلفات من اليد اليمني ومن الرجل اليسرى، ومن للابتداء، فإن القطع ناشئ من مخالفة العضو العضو. أي: من وضع المخالفة فقد لابس المخالفة أيضًا وقيل من أجل خلاف ظهر منكم ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها شبه تمكن المصلوب بالجذوع [بتمكن] المظروف بالظرف، فقال: في جذوع ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾: أنا أو موسى وأراد به الهزء فإنه لم يكن من التعذيب في شيء وقيل أينا أي؛ أنا أو رب موسى الذي آمنتم به ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى قالُوا لَن نُؤْثِرَكَ﴾: نختارك، ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ الضمير لما ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾: المعجزات ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾، عطف على ما جاءنا وقيل قسم ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ أي: قاضيه يعني اصنع ما تصنع ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَ﴾ أي: إنما لك تسلط في دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل، وأمر بتعليم السحر لهم كارهين، وهم الذين قالوا ذلك، وقيل لما رأى السحرة عصاهُ يحرس موسى وهو نائم قالوا لفرعون: إن هذا ليس بساحر فأبى إلا المعارضة ﴿واللهُ خَيْرٌ﴾: جزاءً أو لنا منك ﴿وأبْقى﴾ عقابًا أو لنا فإنك فانٍ. ﴿إنَّهُ﴾ الضمير للشأن ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾: بأن يموت كافرًا ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾: فيستريح ﴿ولا يَحْيى﴾: حياة مرضية وهذه الجملة إما من تمام قول السحرة وإما ابتداء كلام من الله، وفي مسلم وغيره وإما أناس تصيبهم النار بذنوبهم، وليسوا من أهلها فيميتهم إماتة حتى يصيروا فحمًا يقوم الشفعاء فيشفعون فيؤتى بهم نهرًا يقال له الحياة فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل. ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ وفي مسند أحمد والترمذي: قال عليه السلام: ”في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة“ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، بدل من الدرجات ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾: تطهر من أدناس المعاصي.

طه 20:56

﴿مِنها﴾: من الأرض ﴿خَلَقْناكُمْ﴾: فإن أب الكل منها وعن بعض الملك يأخذ من تراب الأرض الذي قدر أن يدفن فيها فيذره على النطفة فيخلق منها ﴿وفيها نُعِيدُكُمْ﴾: بالموت ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾: يوم البعث ﴿تارَةً أُخْرى﴾. ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ أي: الآيات التي ظهرت على يد موسى ﴿فَكَذَّبَ﴾: الآيات وقال إنّها سحر، ﴿وأبى﴾: قبولها ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾: فيبقى لك ديارنا ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: مثل سحرك ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ اسم مكان أو زمان ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ جعل المكان أو الزمان مخلفًا على الاتساع كيوم شهدناه ﴿نَحْنُ ولا أنتَ مَكانًا﴾ بدل من الموعد على الأول، وظرف لـ لا نخلفه على الثاني، وقيل مفعول أول لـ اجعل ﴿سُوًى﴾ منصفًا يستوى مسافته إلينا وإليك أو عدلًا أو مستوىً يتبين الناس وما فيه فيه، ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيد لهم، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - يوم عاشوراء إذا كان الموعد اسم زمان فهو ظاهر، وأما إن كان اسم مكان فهو كما تقول يوم عرفة في جواب أين أراك؟ أي: في عرفة فإن له مكانًا معينًا معروفًا ﴿وأن يُحْشَرَ النّاسُ﴾، عطف على اليوم والزينة ﴿ضُحًى﴾: في وقت الضحوة جهارًا في محضر الخلائق ليتضح الحق على رءوس الأشهاد ويشتهر، ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ هو كما تقول ذهب يفعل كذا أي شرع فيه ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: ما يكاد به من السحرة وآلاتها ﴿ثُمَّ أتى﴾: الموعد ﴿قالَ لَهُمْ﴾: للسحرة ﴿مُوسى﴾ وفي عددهم اختلاف كثير قيل سبعون رجلًا، وقيل ثمانون ألفًا أو ثلاثون أو تسعة عشر ألفًا، أو خمسة عشر ألفًا، أو اثنا عشر ألفًا ﴿ويْلَكم لا تَفتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا﴾، بأن تخيلوا للناس ما لا حقيقة له، فتقولوا إنه مخلوق لله وأن تدعوا معجزاته سحرًا أو تدعوا له ندا ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: يستأصلكم ﴿بِعَذابٍ وقَدْ خابَ﴾: خسر ﴿مَنِ افْتَرى﴾: على الله ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أي: تشاجر السحرة سرًّا من فرعون في أمرهم فقائل منهم يقول ليس هذا بساحر إنما هو كلام نبي وقائل يقول بل هو ساحر ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ أي: تناجوا فيما بينهم ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، تفسير لـ أسَرُّوا النَّجْوى وهذا من اسم إن لغة من يجعل التثنية غير مختلف في الرفع والنصب والجر، أو تقديره أنه هذان لساحران [[قال العلّامة السمين ما نصه: قوله: ﴿إنْ هذان﴾: اختلف القُرّاءُ في هذه الآيةِ الكريمة: فقرأ ابن كثيرٍ وحدَه «إنْ هذانِّ» بتخفيف إنْ، والألفِ، وتشديدِ النون. وحفصٌ كذلك إلاَّ أنه خَفَّف نونَ «هذانٍ». وقرأ أبو عمرو «إنّ» بالتشديد «هذين» بالياء وتخفيفِ النون. والباقون كذلك إلاَّ أنهم قَرَؤوا/ «هذان» بالألف. فأمّا القراءةُ الأولى وهي قراءةُ ابنِ كثير وحفص فأوضحُ القراءاتِ معنىً ولفظًا وخَطًَّا؛ وذلك أنهما جعلا «إنْ» المخففةَ من الثقيلة فَأُهْمِلَتْ، ولَمّا أُهْمِلَتْ كما هو الأفصحُ مِن وجهيها خِيْفَ التباسُها بالنافية فجيء باللامِ فارقةً في الخبر. ف «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، ووافَقَتْ خَطَّ المصحفِ؛ فإن الرسم «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ وسيأتي بيانُ ذلك. وأمّا تشديدُ نونِ «هذان» فعلى ما تقدَّم في سورةِ النساءِ، وقد أتْقَنتُ ذلك هناك. وأمّا الكوفيون فيزعمون أنّ «إنْ» نافيةٌ بمعنى ما، واللامُ بمعنى إلاَّ، وهو خلافٌ مشهورٌ وقد وافقَ تخريجُهم هنا قراءةَ بعضِهم «ما هذانِ إلاَّ ساحران». وأمّا قراءةُ أبي عمروٍ فواضحةٌ من حيث الإعرابُ والمعنى. أمّا الإعرابُ ف «هذَيْن» اسمُ «إنّ» وعلامةُ نصبِه الياءُ. و «لَساحِران» خبرُها، ودخَلَتِ اللام توكيدًا. وأمّا مِن حيث المعنى: فإنّهم أثْبتوا لهما السحرَ بطريق تأكيديٍّ من طرفيه، ولكنهم استشكلُوها من حيث خَطُّ المصحفِ؛ وذلك أنّ رَسْمَه «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ، فإثباتُه بالياءِ زيادةٌ على خطِّ المصحفِ. قال أبو إسحاق: «لا أُجيز قراءةَ أبي عمرو لأنّها خلافُ المصحفِ». وقال أبو عبيد: «رأيتُهما في الإمام مصحفِ عثمان» هذن «ليس فيها ألفٌ، وهكذا رأيتُ رفعَ الاثنين في ذلك المصحفِ بإسقاط الألفِ، وإذا كتبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء، ولا يُسْقِطونها». قلت: وهذا لا ينبغي أنْ يُرَدَّ به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم أشياءُ خارجةٌ عن القياسِ، وقد نَصُّوا هم أنه لا يجوزُ القراءةُ بها فليكنْ هذا منها، أعني ممّا خَرَجَ عن القياس. فإن قلتَ: ما نَقَلْتَه عن أبي عبيد مشتركُ الإلزامِ بين أبي عمروٍ وغيرِه، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادةِ الياء يُعْترض عليهم بزيادةِ الألفِ: فإنّ الألفَ ثابتةٌ في قراءتِهم، ساقطةٌ من خَطِّ المصحفِ. فالجواب ما تقدَّم مِن قولِ أبي عبيدٍ أنهم رآهم يُسْقِطون الألفَ مِن رفع الاثنين، فإذا كتُبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء. وذهب جماعةٌ منهم عائشةُ رضي الله عنها وأبو عمروٍ إلى أن هذا ممّا لَحَنَ فيه الكاتبُ وأُقيم بالصواب. يَعْنُون أنه كان مِن حقه أن يكتبَه بالياءِ فلم يفعلْ، فلم يقرَأْه الناسُ إلاَّ بالياءِ على الصوابِ. وأمّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أن «إنّ» بمعنى نَعَمْ، و «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، وكَثُرَ ورودُ «إنّ» بمعنى نعم وأنشدوا: ٣٢٩٧ - بَكَرَ العَواذِلُ في المَشِيْ ... بِ يَلُمْنَني وألوْمُهُنَّهْ ويَقلْن شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنّهْ أي: فقلت: نَعَمْ. والهاءُ للسَّكْتِ. وقال رجلٌ لابن الزبير: لَعَن اللهُ ناقةً حَمَلَتْني إليكَ. فقال: «إنّ وصاحبَها» أي: نعم. ولَعَنَ صاحبَها. وهذا رأيُ المبردِ وعلي بن سليمان في آخرين. وهو مردودٌ من وجهين، أحدهما: عدمُ ثبوتِ «إنّ» بمعنى نعم، وما أوردُه مُؤَوَّلٌ: أمّا البيتُ فإنّ الهاءَ اسمُها، والخبرَ محذوفٌ لفهمِ المعنى تقديرُه: إنه كذلك. وأمّا قولُ ابنِ الزبير فذلك مِن حَذْفِ المعطوفِ عليه وإبقاءِ المعطوف وحَذْفِ خبر «إنّ» للدلالةِ عليه، تقديره: إنّها وصاحَبها ملعونان، وفيه تكلُّفٌ لا يَخْفى والثاني: دخولُ اللامِ على خبرِ المبتدأ غيرِ المؤكَّد ب «إنّ» المكسورةِ، لأنَّ مثلَه لا يقعُ إلاَّ ضرورةً كقولِه: ٣٢٩٨ - أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضى من اللحمِ بعظمِ الرَّقَبَهْ وقد يُجاب عنه: بأنّ «لَساحِران» يجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ دَخَلَتْ عليه هذه اللامُ تقديرُه: لهما ساحران. وقد فعل ذلك الزجاج كما ستأتي حكايتُه عنه. الثاني: أنّ اسمَها ضميرُ القصةِ وهو «ها» التي قبل «ذان» وليست ب «ها» التي للتنبيهِ الداخلةِ على أسماءِ الإشارةِ، والتقدير: إنّ القصةَ ذانِ لساحران. وقد رَدُّوا هذا من وجهين، أحدهما: من جهةِ الخَطِّ، وهو أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن تُكتبَ «إنها» فيصِلوا الضميرَ بالحرفِ قبلَه كقوله تعالى: ﴿فَإنَّها لاَ تَعْمى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] فكَتْبُهم إياها مفصولةً من «إنّ» متصلةً باسمِ الإشارة يمنع كونَها ضميرًا، وهو واضح. الثاني: أنّه يؤدِّي إلى دخولِ لامِ الابتداءِ في الخبرِ غيرِ المنسوخِ. وقد يُجاب عنه بما تقدَّم. الثالث: أنّ اسمَها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ، والجملةُ من المبتدأ والخبرِ بعدَه في محلِّ رفعٍ خبرًا ل «إنّ»، التقديرُ: إنّه، أي: الأمرُ والشأنُ. وقد ضُعِّفَ هذا بوجهين، أحدهما: حَذْفُ اسمِ «إن»، وهو غيرُ جائزٍ إلاَّ في شعرٍ، بشرطِ أنْ لا تباشرَ «إنّ» فعلًا كقولِه: ٣٢٩٩ - إنّ مَن يَدْخُلِ الكنيسةَ يومًا ... يَلْقَ فيها جَآذرًا وظِباءَ / والثاني: دخولُ اللام في الخبرِ. وقد أجابَ الزجّاج بأنها داخلةٌ على مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: لهما ساحران. وهذا قد استحسنه شيخُه المبردُ، أعني جوابَه بذلك. الرابع: أنّ «هذان» اسمُها، و «لَساحران» خبرُها. وقد رُدَّ هذا بأنه كان ينبغي أنْ يكونَ «هذين» بالياءِ كقراءةِ أبي عمرو. وقد أُجيب عن ذلك: بأنه على لغةِ بني الحارثِ وبين الهُجَيْم وبني العَنْبر وزُبَيْد وعُذْرَة ومُراد وخَثْعَم. وحكى هذه اللغةَ الأئمةُ الكبارُ كأبي الخَطّاب وأبي زيد الأنصاري والكسائي. قال أبو زيد: «سمعتُ من العربِ مَن يَقْلِبُ كلَّ ياءٍ ينفتح ما قبلها ألفًا»، يجعلون المثنى كالمقصورِ فيُثْبِتون ألفًا في جميع أحواله، ويُقَدِّرون إعرابَه بالحركاتِ، وأنشدوا قولَه: ٣٣٠٠ - فأطْرَق إطْراقَ الشُّجاعِ ولو يرى ... مَساغًا لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما أي: لنابَيْه. وقولَه: ٣٣٠١ - إنّ أباها وأبا أباها ... قد بَلَغا في المجدِ غايتاها أي: غايتيهما، إلى غير ذلك من الشواهد. وقرأ ابن مسعود: «أنْ هذان ساحِران» بفتح «أنْ» وإسقاط اللامِ: على أنها وما في حَيِّزها بدلٌ من «النجوى» كذا قاله الزمخشري، وتبعه الشيخ ولم ينكره. وفيه نظرٌ: لأنّ الاعتراضَ بالجملة القولية بين البدلِ والمبدلِ منه لا يَصِحُّ. وأيضًا فإنّ الجملةَ القوليةَ مفسرةٌ للنجوى في قراءةِ العامَّة، وكذا قاله الزمخشريُّ أولًا فكيف يَصحُّ أنْ يُجْعَلَ «أنْ هذان ساحران» بدلًا من «النجوى»؟ اهـ (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. ٨/ ٦٣ - ٦٨)]] ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتكُم المُثْلى﴾: بملككم وعيشكم الذي أنتم فيه أو بأشراف قومكم أو بدينكم الذي هو أمثل الأديان، ﴿فأجْمِعوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: أحكموا واعزموا كلكم على كيدهما مجتمعين لهما ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: مصطفين فإنه أهيب في عين الرائين، وهذا قول بعض السحرة لبعضهم ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾: فإن من غلب، ﴿قالُوا يا مُوسى﴾، بعدما جمعوا كيدهم وأتوا، ﴿إمّا أن تُلْقِيَ﴾: عصاك أولًا، ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾، ما بعد أن منصوب بمحذوف أي: اختر إلقاءك أو إلقاءنا أو مرفوع أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا﴾، قيل: لما علم ميلهم إلى البدء أمرهم به وليشعر علية تغيير نظمهم عن إما أن تلقي إلى أو أن نكون أول من ألقى ﴿فَإذا حِبالُهُمْ﴾، إذا للمفاجأة أي: فألقوا فإذا حبالهم ﴿وعِصِيُّهُمْ﴾، جمع عصى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾، وتحريكها ما كان إلا بحيلة وحاصل الكلام فألقوا ففاجأ موسى تخيله وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم من سحرهم ومن قرأ تخيل بالتاء فقوله: أنها تسعى بدل اشتمال من ضميره الراجع إلى الحبال والعصي قيل لطخوا بالزئبق فلما ضربت عليهما الشمس اضطربت. ﴿فَأوْجَسَ﴾: أضمر ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾: من أن يلتبس الأمر على القوم فلا يتبعونه وقيل من: طبع البشرية ظن أنها تقصده ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾، وهذا مشعر ومؤيد للوجه الأول، وإلا فالمناسب أن يقال لا تخف إنك آمن ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ لم يقل عصاك تحقيرًا لها أي العويدة التي في يدك ولا تبال بعصيهم ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع جواب الأمر وقراءة تلقف بالرفع أي: تتلقف فبالحال أو الاستئناف. ﴿ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا﴾ أي: إن الذي زوروا ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾، وحد الساحر لأن المراد به الجنس، وقراءة سِحْرٍ كعِلْمُ فِقْهٍ بأن الإضافة للبيان أو جعل الساحر سحر للمبالغة ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيثُ أتى﴾: حيث كان ﴿فأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أي: ألقى موسى عصاه فتلقفت فألقى ذلك السحرة على وجوههم ساجدين لله ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وموسى﴾، وعن بعض لما سجدوا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها ﴿قالَ﴾ فرعون: ﴿آمَنتمْ به﴾ أي: لموسى واللام لتضمين معنى الاتباع ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكمْ﴾: في اتباعه ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾: أستاذكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أي: مختلفات من اليد اليمني ومن الرجل اليسرى، ومن للابتداء، فإن القطع ناشئ من مخالفة العضو العضو. أي: من وضع المخالفة فقد لابس المخالفة أيضًا وقيل من أجل خلاف ظهر منكم ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها شبه تمكن المصلوب بالجذوع [بتمكن] المظروف بالظرف، فقال: في جذوع ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾: أنا أو موسى وأراد به الهزء فإنه لم يكن من التعذيب في شيء وقيل أينا أي؛ أنا أو رب موسى الذي آمنتم به ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى قالُوا لَن نُؤْثِرَكَ﴾: نختارك، ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ الضمير لما ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾: المعجزات ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾، عطف على ما جاءنا وقيل قسم ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ أي: قاضيه يعني اصنع ما تصنع ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَ﴾ أي: إنما لك تسلط في دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل، وأمر بتعليم السحر لهم كارهين، وهم الذين قالوا ذلك، وقيل لما رأى السحرة عصاهُ يحرس موسى وهو نائم قالوا لفرعون: إن هذا ليس بساحر فأبى إلا المعارضة ﴿واللهُ خَيْرٌ﴾: جزاءً أو لنا منك ﴿وأبْقى﴾ عقابًا أو لنا فإنك فانٍ. ﴿إنَّهُ﴾ الضمير للشأن ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾: بأن يموت كافرًا ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾: فيستريح ﴿ولا يَحْيى﴾: حياة مرضية وهذه الجملة إما من تمام قول السحرة وإما ابتداء كلام من الله، وفي مسلم وغيره وإما أناس تصيبهم النار بذنوبهم، وليسوا من أهلها فيميتهم إماتة حتى يصيروا فحمًا يقوم الشفعاء فيشفعون فيؤتى بهم نهرًا يقال له الحياة فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل. ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ وفي مسند أحمد والترمذي: قال عليه السلام: ”في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة“ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، بدل من الدرجات ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾: تطهر من أدناس المعاصي.

طه 20:57

﴿مِنها﴾: من الأرض ﴿خَلَقْناكُمْ﴾: فإن أب الكل منها وعن بعض الملك يأخذ من تراب الأرض الذي قدر أن يدفن فيها فيذره على النطفة فيخلق منها ﴿وفيها نُعِيدُكُمْ﴾: بالموت ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾: يوم البعث ﴿تارَةً أُخْرى﴾. ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ أي: الآيات التي ظهرت على يد موسى ﴿فَكَذَّبَ﴾: الآيات وقال إنّها سحر، ﴿وأبى﴾: قبولها ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾: فيبقى لك ديارنا ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: مثل سحرك ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ اسم مكان أو زمان ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ جعل المكان أو الزمان مخلفًا على الاتساع كيوم شهدناه ﴿نَحْنُ ولا أنتَ مَكانًا﴾ بدل من الموعد على الأول، وظرف لـ لا نخلفه على الثاني، وقيل مفعول أول لـ اجعل ﴿سُوًى﴾ منصفًا يستوى مسافته إلينا وإليك أو عدلًا أو مستوىً يتبين الناس وما فيه فيه، ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيد لهم، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - يوم عاشوراء إذا كان الموعد اسم زمان فهو ظاهر، وأما إن كان اسم مكان فهو كما تقول يوم عرفة في جواب أين أراك؟ أي: في عرفة فإن له مكانًا معينًا معروفًا ﴿وأن يُحْشَرَ النّاسُ﴾، عطف على اليوم والزينة ﴿ضُحًى﴾: في وقت الضحوة جهارًا في محضر الخلائق ليتضح الحق على رءوس الأشهاد ويشتهر، ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ هو كما تقول ذهب يفعل كذا أي شرع فيه ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: ما يكاد به من السحرة وآلاتها ﴿ثُمَّ أتى﴾: الموعد ﴿قالَ لَهُمْ﴾: للسحرة ﴿مُوسى﴾ وفي عددهم اختلاف كثير قيل سبعون رجلًا، وقيل ثمانون ألفًا أو ثلاثون أو تسعة عشر ألفًا، أو خمسة عشر ألفًا، أو اثنا عشر ألفًا ﴿ويْلَكم لا تَفتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا﴾، بأن تخيلوا للناس ما لا حقيقة له، فتقولوا إنه مخلوق لله وأن تدعوا معجزاته سحرًا أو تدعوا له ندا ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: يستأصلكم ﴿بِعَذابٍ وقَدْ خابَ﴾: خسر ﴿مَنِ افْتَرى﴾: على الله ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أي: تشاجر السحرة سرًّا من فرعون في أمرهم فقائل منهم يقول ليس هذا بساحر إنما هو كلام نبي وقائل يقول بل هو ساحر ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ أي: تناجوا فيما بينهم ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، تفسير لـ أسَرُّوا النَّجْوى وهذا من اسم إن لغة من يجعل التثنية غير مختلف في الرفع والنصب والجر، أو تقديره أنه هذان لساحران [[قال العلّامة السمين ما نصه: قوله: ﴿إنْ هذان﴾: اختلف القُرّاءُ في هذه الآيةِ الكريمة: فقرأ ابن كثيرٍ وحدَه «إنْ هذانِّ» بتخفيف إنْ، والألفِ، وتشديدِ النون. وحفصٌ كذلك إلاَّ أنه خَفَّف نونَ «هذانٍ». وقرأ أبو عمرو «إنّ» بالتشديد «هذين» بالياء وتخفيفِ النون. والباقون كذلك إلاَّ أنهم قَرَؤوا/ «هذان» بالألف. فأمّا القراءةُ الأولى وهي قراءةُ ابنِ كثير وحفص فأوضحُ القراءاتِ معنىً ولفظًا وخَطًَّا؛ وذلك أنهما جعلا «إنْ» المخففةَ من الثقيلة فَأُهْمِلَتْ، ولَمّا أُهْمِلَتْ كما هو الأفصحُ مِن وجهيها خِيْفَ التباسُها بالنافية فجيء باللامِ فارقةً في الخبر. ف «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، ووافَقَتْ خَطَّ المصحفِ؛ فإن الرسم «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ وسيأتي بيانُ ذلك. وأمّا تشديدُ نونِ «هذان» فعلى ما تقدَّم في سورةِ النساءِ، وقد أتْقَنتُ ذلك هناك. وأمّا الكوفيون فيزعمون أنّ «إنْ» نافيةٌ بمعنى ما، واللامُ بمعنى إلاَّ، وهو خلافٌ مشهورٌ وقد وافقَ تخريجُهم هنا قراءةَ بعضِهم «ما هذانِ إلاَّ ساحران». وأمّا قراءةُ أبي عمروٍ فواضحةٌ من حيث الإعرابُ والمعنى. أمّا الإعرابُ ف «هذَيْن» اسمُ «إنّ» وعلامةُ نصبِه الياءُ. و «لَساحِران» خبرُها، ودخَلَتِ اللام توكيدًا. وأمّا مِن حيث المعنى: فإنّهم أثْبتوا لهما السحرَ بطريق تأكيديٍّ من طرفيه، ولكنهم استشكلُوها من حيث خَطُّ المصحفِ؛ وذلك أنّ رَسْمَه «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ، فإثباتُه بالياءِ زيادةٌ على خطِّ المصحفِ. قال أبو إسحاق: «لا أُجيز قراءةَ أبي عمرو لأنّها خلافُ المصحفِ». وقال أبو عبيد: «رأيتُهما في الإمام مصحفِ عثمان» هذن «ليس فيها ألفٌ، وهكذا رأيتُ رفعَ الاثنين في ذلك المصحفِ بإسقاط الألفِ، وإذا كتبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء، ولا يُسْقِطونها». قلت: وهذا لا ينبغي أنْ يُرَدَّ به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم أشياءُ خارجةٌ عن القياسِ، وقد نَصُّوا هم أنه لا يجوزُ القراءةُ بها فليكنْ هذا منها، أعني ممّا خَرَجَ عن القياس. فإن قلتَ: ما نَقَلْتَه عن أبي عبيد مشتركُ الإلزامِ بين أبي عمروٍ وغيرِه، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادةِ الياء يُعْترض عليهم بزيادةِ الألفِ: فإنّ الألفَ ثابتةٌ في قراءتِهم، ساقطةٌ من خَطِّ المصحفِ. فالجواب ما تقدَّم مِن قولِ أبي عبيدٍ أنهم رآهم يُسْقِطون الألفَ مِن رفع الاثنين، فإذا كتُبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء. وذهب جماعةٌ منهم عائشةُ رضي الله عنها وأبو عمروٍ إلى أن هذا ممّا لَحَنَ فيه الكاتبُ وأُقيم بالصواب. يَعْنُون أنه كان مِن حقه أن يكتبَه بالياءِ فلم يفعلْ، فلم يقرَأْه الناسُ إلاَّ بالياءِ على الصوابِ. وأمّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أن «إنّ» بمعنى نَعَمْ، و «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، وكَثُرَ ورودُ «إنّ» بمعنى نعم وأنشدوا: ٣٢٩٧ - بَكَرَ العَواذِلُ في المَشِيْ ... بِ يَلُمْنَني وألوْمُهُنَّهْ ويَقلْن شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنّهْ أي: فقلت: نَعَمْ. والهاءُ للسَّكْتِ. وقال رجلٌ لابن الزبير: لَعَن اللهُ ناقةً حَمَلَتْني إليكَ. فقال: «إنّ وصاحبَها» أي: نعم. ولَعَنَ صاحبَها. وهذا رأيُ المبردِ وعلي بن سليمان في آخرين. وهو مردودٌ من وجهين، أحدهما: عدمُ ثبوتِ «إنّ» بمعنى نعم، وما أوردُه مُؤَوَّلٌ: أمّا البيتُ فإنّ الهاءَ اسمُها، والخبرَ محذوفٌ لفهمِ المعنى تقديرُه: إنه كذلك. وأمّا قولُ ابنِ الزبير فذلك مِن حَذْفِ المعطوفِ عليه وإبقاءِ المعطوف وحَذْفِ خبر «إنّ» للدلالةِ عليه، تقديره: إنّها وصاحَبها ملعونان، وفيه تكلُّفٌ لا يَخْفى والثاني: دخولُ اللامِ على خبرِ المبتدأ غيرِ المؤكَّد ب «إنّ» المكسورةِ، لأنَّ مثلَه لا يقعُ إلاَّ ضرورةً كقولِه: ٣٢٩٨ - أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضى من اللحمِ بعظمِ الرَّقَبَهْ وقد يُجاب عنه: بأنّ «لَساحِران» يجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ دَخَلَتْ عليه هذه اللامُ تقديرُه: لهما ساحران. وقد فعل ذلك الزجاج كما ستأتي حكايتُه عنه. الثاني: أنّ اسمَها ضميرُ القصةِ وهو «ها» التي قبل «ذان» وليست ب «ها» التي للتنبيهِ الداخلةِ على أسماءِ الإشارةِ، والتقدير: إنّ القصةَ ذانِ لساحران. وقد رَدُّوا هذا من وجهين، أحدهما: من جهةِ الخَطِّ، وهو أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن تُكتبَ «إنها» فيصِلوا الضميرَ بالحرفِ قبلَه كقوله تعالى: ﴿فَإنَّها لاَ تَعْمى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] فكَتْبُهم إياها مفصولةً من «إنّ» متصلةً باسمِ الإشارة يمنع كونَها ضميرًا، وهو واضح. الثاني: أنّه يؤدِّي إلى دخولِ لامِ الابتداءِ في الخبرِ غيرِ المنسوخِ. وقد يُجاب عنه بما تقدَّم. الثالث: أنّ اسمَها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ، والجملةُ من المبتدأ والخبرِ بعدَه في محلِّ رفعٍ خبرًا ل «إنّ»، التقديرُ: إنّه، أي: الأمرُ والشأنُ. وقد ضُعِّفَ هذا بوجهين، أحدهما: حَذْفُ اسمِ «إن»، وهو غيرُ جائزٍ إلاَّ في شعرٍ، بشرطِ أنْ لا تباشرَ «إنّ» فعلًا كقولِه: ٣٢٩٩ - إنّ مَن يَدْخُلِ الكنيسةَ يومًا ... يَلْقَ فيها جَآذرًا وظِباءَ / والثاني: دخولُ اللام في الخبرِ. وقد أجابَ الزجّاج بأنها داخلةٌ على مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: لهما ساحران. وهذا قد استحسنه شيخُه المبردُ، أعني جوابَه بذلك. الرابع: أنّ «هذان» اسمُها، و «لَساحران» خبرُها. وقد رُدَّ هذا بأنه كان ينبغي أنْ يكونَ «هذين» بالياءِ كقراءةِ أبي عمرو. وقد أُجيب عن ذلك: بأنه على لغةِ بني الحارثِ وبين الهُجَيْم وبني العَنْبر وزُبَيْد وعُذْرَة ومُراد وخَثْعَم. وحكى هذه اللغةَ الأئمةُ الكبارُ كأبي الخَطّاب وأبي زيد الأنصاري والكسائي. قال أبو زيد: «سمعتُ من العربِ مَن يَقْلِبُ كلَّ ياءٍ ينفتح ما قبلها ألفًا»، يجعلون المثنى كالمقصورِ فيُثْبِتون ألفًا في جميع أحواله، ويُقَدِّرون إعرابَه بالحركاتِ، وأنشدوا قولَه: ٣٣٠٠ - فأطْرَق إطْراقَ الشُّجاعِ ولو يرى ... مَساغًا لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما أي: لنابَيْه. وقولَه: ٣٣٠١ - إنّ أباها وأبا أباها ... قد بَلَغا في المجدِ غايتاها أي: غايتيهما، إلى غير ذلك من الشواهد. وقرأ ابن مسعود: «أنْ هذان ساحِران» بفتح «أنْ» وإسقاط اللامِ: على أنها وما في حَيِّزها بدلٌ من «النجوى» كذا قاله الزمخشري، وتبعه الشيخ ولم ينكره. وفيه نظرٌ: لأنّ الاعتراضَ بالجملة القولية بين البدلِ والمبدلِ منه لا يَصِحُّ. وأيضًا فإنّ الجملةَ القوليةَ مفسرةٌ للنجوى في قراءةِ العامَّة، وكذا قاله الزمخشريُّ أولًا فكيف يَصحُّ أنْ يُجْعَلَ «أنْ هذان ساحران» بدلًا من «النجوى»؟ اهـ (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. ٨/ ٦٣ - ٦٨)]] ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتكُم المُثْلى﴾: بملككم وعيشكم الذي أنتم فيه أو بأشراف قومكم أو بدينكم الذي هو أمثل الأديان، ﴿فأجْمِعوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: أحكموا واعزموا كلكم على كيدهما مجتمعين لهما ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: مصطفين فإنه أهيب في عين الرائين، وهذا قول بعض السحرة لبعضهم ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾: فإن من غلب، ﴿قالُوا يا مُوسى﴾، بعدما جمعوا كيدهم وأتوا، ﴿إمّا أن تُلْقِيَ﴾: عصاك أولًا، ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾، ما بعد أن منصوب بمحذوف أي: اختر إلقاءك أو إلقاءنا أو مرفوع أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا﴾، قيل: لما علم ميلهم إلى البدء أمرهم به وليشعر علية تغيير نظمهم عن إما أن تلقي إلى أو أن نكون أول من ألقى ﴿فَإذا حِبالُهُمْ﴾، إذا للمفاجأة أي: فألقوا فإذا حبالهم ﴿وعِصِيُّهُمْ﴾، جمع عصى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾، وتحريكها ما كان إلا بحيلة وحاصل الكلام فألقوا ففاجأ موسى تخيله وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم من سحرهم ومن قرأ تخيل بالتاء فقوله: أنها تسعى بدل اشتمال من ضميره الراجع إلى الحبال والعصي قيل لطخوا بالزئبق فلما ضربت عليهما الشمس اضطربت. ﴿فَأوْجَسَ﴾: أضمر ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾: من أن يلتبس الأمر على القوم فلا يتبعونه وقيل من: طبع البشرية ظن أنها تقصده ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾، وهذا مشعر ومؤيد للوجه الأول، وإلا فالمناسب أن يقال لا تخف إنك آمن ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ لم يقل عصاك تحقيرًا لها أي العويدة التي في يدك ولا تبال بعصيهم ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع جواب الأمر وقراءة تلقف بالرفع أي: تتلقف فبالحال أو الاستئناف. ﴿ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا﴾ أي: إن الذي زوروا ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾، وحد الساحر لأن المراد به الجنس، وقراءة سِحْرٍ كعِلْمُ فِقْهٍ بأن الإضافة للبيان أو جعل الساحر سحر للمبالغة ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيثُ أتى﴾: حيث كان ﴿فأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أي: ألقى موسى عصاه فتلقفت فألقى ذلك السحرة على وجوههم ساجدين لله ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وموسى﴾، وعن بعض لما سجدوا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها ﴿قالَ﴾ فرعون: ﴿آمَنتمْ به﴾ أي: لموسى واللام لتضمين معنى الاتباع ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكمْ﴾: في اتباعه ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾: أستاذكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أي: مختلفات من اليد اليمني ومن الرجل اليسرى، ومن للابتداء، فإن القطع ناشئ من مخالفة العضو العضو. أي: من وضع المخالفة فقد لابس المخالفة أيضًا وقيل من أجل خلاف ظهر منكم ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها شبه تمكن المصلوب بالجذوع [بتمكن] المظروف بالظرف، فقال: في جذوع ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾: أنا أو موسى وأراد به الهزء فإنه لم يكن من التعذيب في شيء وقيل أينا أي؛ أنا أو رب موسى الذي آمنتم به ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى قالُوا لَن نُؤْثِرَكَ﴾: نختارك، ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ الضمير لما ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾: المعجزات ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾، عطف على ما جاءنا وقيل قسم ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ أي: قاضيه يعني اصنع ما تصنع ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَ﴾ أي: إنما لك تسلط في دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل، وأمر بتعليم السحر لهم كارهين، وهم الذين قالوا ذلك، وقيل لما رأى السحرة عصاهُ يحرس موسى وهو نائم قالوا لفرعون: إن هذا ليس بساحر فأبى إلا المعارضة ﴿واللهُ خَيْرٌ﴾: جزاءً أو لنا منك ﴿وأبْقى﴾ عقابًا أو لنا فإنك فانٍ. ﴿إنَّهُ﴾ الضمير للشأن ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾: بأن يموت كافرًا ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾: فيستريح ﴿ولا يَحْيى﴾: حياة مرضية وهذه الجملة إما من تمام قول السحرة وإما ابتداء كلام من الله، وفي مسلم وغيره وإما أناس تصيبهم النار بذنوبهم، وليسوا من أهلها فيميتهم إماتة حتى يصيروا فحمًا يقوم الشفعاء فيشفعون فيؤتى بهم نهرًا يقال له الحياة فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل. ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ وفي مسند أحمد والترمذي: قال عليه السلام: ”في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة“ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، بدل من الدرجات ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾: تطهر من أدناس المعاصي.

طه 20:58

﴿مِنها﴾: من الأرض ﴿خَلَقْناكُمْ﴾: فإن أب الكل منها وعن بعض الملك يأخذ من تراب الأرض الذي قدر أن يدفن فيها فيذره على النطفة فيخلق منها ﴿وفيها نُعِيدُكُمْ﴾: بالموت ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾: يوم البعث ﴿تارَةً أُخْرى﴾. ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ أي: الآيات التي ظهرت على يد موسى ﴿فَكَذَّبَ﴾: الآيات وقال إنّها سحر، ﴿وأبى﴾: قبولها ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾: فيبقى لك ديارنا ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: مثل سحرك ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ اسم مكان أو زمان ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ جعل المكان أو الزمان مخلفًا على الاتساع كيوم شهدناه ﴿نَحْنُ ولا أنتَ مَكانًا﴾ بدل من الموعد على الأول، وظرف لـ لا نخلفه على الثاني، وقيل مفعول أول لـ اجعل ﴿سُوًى﴾ منصفًا يستوى مسافته إلينا وإليك أو عدلًا أو مستوىً يتبين الناس وما فيه فيه، ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيد لهم، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - يوم عاشوراء إذا كان الموعد اسم زمان فهو ظاهر، وأما إن كان اسم مكان فهو كما تقول يوم عرفة في جواب أين أراك؟ أي: في عرفة فإن له مكانًا معينًا معروفًا ﴿وأن يُحْشَرَ النّاسُ﴾، عطف على اليوم والزينة ﴿ضُحًى﴾: في وقت الضحوة جهارًا في محضر الخلائق ليتضح الحق على رءوس الأشهاد ويشتهر، ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ هو كما تقول ذهب يفعل كذا أي شرع فيه ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: ما يكاد به من السحرة وآلاتها ﴿ثُمَّ أتى﴾: الموعد ﴿قالَ لَهُمْ﴾: للسحرة ﴿مُوسى﴾ وفي عددهم اختلاف كثير قيل سبعون رجلًا، وقيل ثمانون ألفًا أو ثلاثون أو تسعة عشر ألفًا، أو خمسة عشر ألفًا، أو اثنا عشر ألفًا ﴿ويْلَكم لا تَفتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا﴾، بأن تخيلوا للناس ما لا حقيقة له، فتقولوا إنه مخلوق لله وأن تدعوا معجزاته سحرًا أو تدعوا له ندا ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: يستأصلكم ﴿بِعَذابٍ وقَدْ خابَ﴾: خسر ﴿مَنِ افْتَرى﴾: على الله ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أي: تشاجر السحرة سرًّا من فرعون في أمرهم فقائل منهم يقول ليس هذا بساحر إنما هو كلام نبي وقائل يقول بل هو ساحر ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ أي: تناجوا فيما بينهم ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، تفسير لـ أسَرُّوا النَّجْوى وهذا من اسم إن لغة من يجعل التثنية غير مختلف في الرفع والنصب والجر، أو تقديره أنه هذان لساحران [[قال العلّامة السمين ما نصه: قوله: ﴿إنْ هذان﴾: اختلف القُرّاءُ في هذه الآيةِ الكريمة: فقرأ ابن كثيرٍ وحدَه «إنْ هذانِّ» بتخفيف إنْ، والألفِ، وتشديدِ النون. وحفصٌ كذلك إلاَّ أنه خَفَّف نونَ «هذانٍ». وقرأ أبو عمرو «إنّ» بالتشديد «هذين» بالياء وتخفيفِ النون. والباقون كذلك إلاَّ أنهم قَرَؤوا/ «هذان» بالألف. فأمّا القراءةُ الأولى وهي قراءةُ ابنِ كثير وحفص فأوضحُ القراءاتِ معنىً ولفظًا وخَطًَّا؛ وذلك أنهما جعلا «إنْ» المخففةَ من الثقيلة فَأُهْمِلَتْ، ولَمّا أُهْمِلَتْ كما هو الأفصحُ مِن وجهيها خِيْفَ التباسُها بالنافية فجيء باللامِ فارقةً في الخبر. ف «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، ووافَقَتْ خَطَّ المصحفِ؛ فإن الرسم «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ وسيأتي بيانُ ذلك. وأمّا تشديدُ نونِ «هذان» فعلى ما تقدَّم في سورةِ النساءِ، وقد أتْقَنتُ ذلك هناك. وأمّا الكوفيون فيزعمون أنّ «إنْ» نافيةٌ بمعنى ما، واللامُ بمعنى إلاَّ، وهو خلافٌ مشهورٌ وقد وافقَ تخريجُهم هنا قراءةَ بعضِهم «ما هذانِ إلاَّ ساحران». وأمّا قراءةُ أبي عمروٍ فواضحةٌ من حيث الإعرابُ والمعنى. أمّا الإعرابُ ف «هذَيْن» اسمُ «إنّ» وعلامةُ نصبِه الياءُ. و «لَساحِران» خبرُها، ودخَلَتِ اللام توكيدًا. وأمّا مِن حيث المعنى: فإنّهم أثْبتوا لهما السحرَ بطريق تأكيديٍّ من طرفيه، ولكنهم استشكلُوها من حيث خَطُّ المصحفِ؛ وذلك أنّ رَسْمَه «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ، فإثباتُه بالياءِ زيادةٌ على خطِّ المصحفِ. قال أبو إسحاق: «لا أُجيز قراءةَ أبي عمرو لأنّها خلافُ المصحفِ». وقال أبو عبيد: «رأيتُهما في الإمام مصحفِ عثمان» هذن «ليس فيها ألفٌ، وهكذا رأيتُ رفعَ الاثنين في ذلك المصحفِ بإسقاط الألفِ، وإذا كتبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء، ولا يُسْقِطونها». قلت: وهذا لا ينبغي أنْ يُرَدَّ به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم أشياءُ خارجةٌ عن القياسِ، وقد نَصُّوا هم أنه لا يجوزُ القراءةُ بها فليكنْ هذا منها، أعني ممّا خَرَجَ عن القياس. فإن قلتَ: ما نَقَلْتَه عن أبي عبيد مشتركُ الإلزامِ بين أبي عمروٍ وغيرِه، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادةِ الياء يُعْترض عليهم بزيادةِ الألفِ: فإنّ الألفَ ثابتةٌ في قراءتِهم، ساقطةٌ من خَطِّ المصحفِ. فالجواب ما تقدَّم مِن قولِ أبي عبيدٍ أنهم رآهم يُسْقِطون الألفَ مِن رفع الاثنين، فإذا كتُبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء. وذهب جماعةٌ منهم عائشةُ رضي الله عنها وأبو عمروٍ إلى أن هذا ممّا لَحَنَ فيه الكاتبُ وأُقيم بالصواب. يَعْنُون أنه كان مِن حقه أن يكتبَه بالياءِ فلم يفعلْ، فلم يقرَأْه الناسُ إلاَّ بالياءِ على الصوابِ. وأمّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أن «إنّ» بمعنى نَعَمْ، و «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، وكَثُرَ ورودُ «إنّ» بمعنى نعم وأنشدوا: ٣٢٩٧ - بَكَرَ العَواذِلُ في المَشِيْ ... بِ يَلُمْنَني وألوْمُهُنَّهْ ويَقلْن شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنّهْ أي: فقلت: نَعَمْ. والهاءُ للسَّكْتِ. وقال رجلٌ لابن الزبير: لَعَن اللهُ ناقةً حَمَلَتْني إليكَ. فقال: «إنّ وصاحبَها» أي: نعم. ولَعَنَ صاحبَها. وهذا رأيُ المبردِ وعلي بن سليمان في آخرين. وهو مردودٌ من وجهين، أحدهما: عدمُ ثبوتِ «إنّ» بمعنى نعم، وما أوردُه مُؤَوَّلٌ: أمّا البيتُ فإنّ الهاءَ اسمُها، والخبرَ محذوفٌ لفهمِ المعنى تقديرُه: إنه كذلك. وأمّا قولُ ابنِ الزبير فذلك مِن حَذْفِ المعطوفِ عليه وإبقاءِ المعطوف وحَذْفِ خبر «إنّ» للدلالةِ عليه، تقديره: إنّها وصاحَبها ملعونان، وفيه تكلُّفٌ لا يَخْفى والثاني: دخولُ اللامِ على خبرِ المبتدأ غيرِ المؤكَّد ب «إنّ» المكسورةِ، لأنَّ مثلَه لا يقعُ إلاَّ ضرورةً كقولِه: ٣٢٩٨ - أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضى من اللحمِ بعظمِ الرَّقَبَهْ وقد يُجاب عنه: بأنّ «لَساحِران» يجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ دَخَلَتْ عليه هذه اللامُ تقديرُه: لهما ساحران. وقد فعل ذلك الزجاج كما ستأتي حكايتُه عنه. الثاني: أنّ اسمَها ضميرُ القصةِ وهو «ها» التي قبل «ذان» وليست ب «ها» التي للتنبيهِ الداخلةِ على أسماءِ الإشارةِ، والتقدير: إنّ القصةَ ذانِ لساحران. وقد رَدُّوا هذا من وجهين، أحدهما: من جهةِ الخَطِّ، وهو أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن تُكتبَ «إنها» فيصِلوا الضميرَ بالحرفِ قبلَه كقوله تعالى: ﴿فَإنَّها لاَ تَعْمى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] فكَتْبُهم إياها مفصولةً من «إنّ» متصلةً باسمِ الإشارة يمنع كونَها ضميرًا، وهو واضح. الثاني: أنّه يؤدِّي إلى دخولِ لامِ الابتداءِ في الخبرِ غيرِ المنسوخِ. وقد يُجاب عنه بما تقدَّم. الثالث: أنّ اسمَها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ، والجملةُ من المبتدأ والخبرِ بعدَه في محلِّ رفعٍ خبرًا ل «إنّ»، التقديرُ: إنّه، أي: الأمرُ والشأنُ. وقد ضُعِّفَ هذا بوجهين، أحدهما: حَذْفُ اسمِ «إن»، وهو غيرُ جائزٍ إلاَّ في شعرٍ، بشرطِ أنْ لا تباشرَ «إنّ» فعلًا كقولِه: ٣٢٩٩ - إنّ مَن يَدْخُلِ الكنيسةَ يومًا ... يَلْقَ فيها جَآذرًا وظِباءَ / والثاني: دخولُ اللام في الخبرِ. وقد أجابَ الزجّاج بأنها داخلةٌ على مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: لهما ساحران. وهذا قد استحسنه شيخُه المبردُ، أعني جوابَه بذلك. الرابع: أنّ «هذان» اسمُها، و «لَساحران» خبرُها. وقد رُدَّ هذا بأنه كان ينبغي أنْ يكونَ «هذين» بالياءِ كقراءةِ أبي عمرو. وقد أُجيب عن ذلك: بأنه على لغةِ بني الحارثِ وبين الهُجَيْم وبني العَنْبر وزُبَيْد وعُذْرَة ومُراد وخَثْعَم. وحكى هذه اللغةَ الأئمةُ الكبارُ كأبي الخَطّاب وأبي زيد الأنصاري والكسائي. قال أبو زيد: «سمعتُ من العربِ مَن يَقْلِبُ كلَّ ياءٍ ينفتح ما قبلها ألفًا»، يجعلون المثنى كالمقصورِ فيُثْبِتون ألفًا في جميع أحواله، ويُقَدِّرون إعرابَه بالحركاتِ، وأنشدوا قولَه: ٣٣٠٠ - فأطْرَق إطْراقَ الشُّجاعِ ولو يرى ... مَساغًا لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما أي: لنابَيْه. وقولَه: ٣٣٠١ - إنّ أباها وأبا أباها ... قد بَلَغا في المجدِ غايتاها أي: غايتيهما، إلى غير ذلك من الشواهد. وقرأ ابن مسعود: «أنْ هذان ساحِران» بفتح «أنْ» وإسقاط اللامِ: على أنها وما في حَيِّزها بدلٌ من «النجوى» كذا قاله الزمخشري، وتبعه الشيخ ولم ينكره. وفيه نظرٌ: لأنّ الاعتراضَ بالجملة القولية بين البدلِ والمبدلِ منه لا يَصِحُّ. وأيضًا فإنّ الجملةَ القوليةَ مفسرةٌ للنجوى في قراءةِ العامَّة، وكذا قاله الزمخشريُّ أولًا فكيف يَصحُّ أنْ يُجْعَلَ «أنْ هذان ساحران» بدلًا من «النجوى»؟ اهـ (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. ٨/ ٦٣ - ٦٨)]] ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتكُم المُثْلى﴾: بملككم وعيشكم الذي أنتم فيه أو بأشراف قومكم أو بدينكم الذي هو أمثل الأديان، ﴿فأجْمِعوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: أحكموا واعزموا كلكم على كيدهما مجتمعين لهما ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: مصطفين فإنه أهيب في عين الرائين، وهذا قول بعض السحرة لبعضهم ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾: فإن من غلب، ﴿قالُوا يا مُوسى﴾، بعدما جمعوا كيدهم وأتوا، ﴿إمّا أن تُلْقِيَ﴾: عصاك أولًا، ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾، ما بعد أن منصوب بمحذوف أي: اختر إلقاءك أو إلقاءنا أو مرفوع أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا﴾، قيل: لما علم ميلهم إلى البدء أمرهم به وليشعر علية تغيير نظمهم عن إما أن تلقي إلى أو أن نكون أول من ألقى ﴿فَإذا حِبالُهُمْ﴾، إذا للمفاجأة أي: فألقوا فإذا حبالهم ﴿وعِصِيُّهُمْ﴾، جمع عصى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾، وتحريكها ما كان إلا بحيلة وحاصل الكلام فألقوا ففاجأ موسى تخيله وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم من سحرهم ومن قرأ تخيل بالتاء فقوله: أنها تسعى بدل اشتمال من ضميره الراجع إلى الحبال والعصي قيل لطخوا بالزئبق فلما ضربت عليهما الشمس اضطربت. ﴿فَأوْجَسَ﴾: أضمر ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾: من أن يلتبس الأمر على القوم فلا يتبعونه وقيل من: طبع البشرية ظن أنها تقصده ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾، وهذا مشعر ومؤيد للوجه الأول، وإلا فالمناسب أن يقال لا تخف إنك آمن ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ لم يقل عصاك تحقيرًا لها أي العويدة التي في يدك ولا تبال بعصيهم ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع جواب الأمر وقراءة تلقف بالرفع أي: تتلقف فبالحال أو الاستئناف. ﴿ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا﴾ أي: إن الذي زوروا ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾، وحد الساحر لأن المراد به الجنس، وقراءة سِحْرٍ كعِلْمُ فِقْهٍ بأن الإضافة للبيان أو جعل الساحر سحر للمبالغة ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيثُ أتى﴾: حيث كان ﴿فأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أي: ألقى موسى عصاه فتلقفت فألقى ذلك السحرة على وجوههم ساجدين لله ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وموسى﴾، وعن بعض لما سجدوا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها ﴿قالَ﴾ فرعون: ﴿آمَنتمْ به﴾ أي: لموسى واللام لتضمين معنى الاتباع ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكمْ﴾: في اتباعه ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾: أستاذكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أي: مختلفات من اليد اليمني ومن الرجل اليسرى، ومن للابتداء، فإن القطع ناشئ من مخالفة العضو العضو. أي: من وضع المخالفة فقد لابس المخالفة أيضًا وقيل من أجل خلاف ظهر منكم ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها شبه تمكن المصلوب بالجذوع [بتمكن] المظروف بالظرف، فقال: في جذوع ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾: أنا أو موسى وأراد به الهزء فإنه لم يكن من التعذيب في شيء وقيل أينا أي؛ أنا أو رب موسى الذي آمنتم به ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى قالُوا لَن نُؤْثِرَكَ﴾: نختارك، ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ الضمير لما ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾: المعجزات ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾، عطف على ما جاءنا وقيل قسم ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ أي: قاضيه يعني اصنع ما تصنع ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَ﴾ أي: إنما لك تسلط في دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل، وأمر بتعليم السحر لهم كارهين، وهم الذين قالوا ذلك، وقيل لما رأى السحرة عصاهُ يحرس موسى وهو نائم قالوا لفرعون: إن هذا ليس بساحر فأبى إلا المعارضة ﴿واللهُ خَيْرٌ﴾: جزاءً أو لنا منك ﴿وأبْقى﴾ عقابًا أو لنا فإنك فانٍ. ﴿إنَّهُ﴾ الضمير للشأن ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾: بأن يموت كافرًا ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾: فيستريح ﴿ولا يَحْيى﴾: حياة مرضية وهذه الجملة إما من تمام قول السحرة وإما ابتداء كلام من الله، وفي مسلم وغيره وإما أناس تصيبهم النار بذنوبهم، وليسوا من أهلها فيميتهم إماتة حتى يصيروا فحمًا يقوم الشفعاء فيشفعون فيؤتى بهم نهرًا يقال له الحياة فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل. ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ وفي مسند أحمد والترمذي: قال عليه السلام: ”في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة“ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، بدل من الدرجات ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾: تطهر من أدناس المعاصي.

طه 20:59

﴿مِنها﴾: من الأرض ﴿خَلَقْناكُمْ﴾: فإن أب الكل منها وعن بعض الملك يأخذ من تراب الأرض الذي قدر أن يدفن فيها فيذره على النطفة فيخلق منها ﴿وفيها نُعِيدُكُمْ﴾: بالموت ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾: يوم البعث ﴿تارَةً أُخْرى﴾. ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ أي: الآيات التي ظهرت على يد موسى ﴿فَكَذَّبَ﴾: الآيات وقال إنّها سحر، ﴿وأبى﴾: قبولها ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾: فيبقى لك ديارنا ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: مثل سحرك ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ اسم مكان أو زمان ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ جعل المكان أو الزمان مخلفًا على الاتساع كيوم شهدناه ﴿نَحْنُ ولا أنتَ مَكانًا﴾ بدل من الموعد على الأول، وظرف لـ لا نخلفه على الثاني، وقيل مفعول أول لـ اجعل ﴿سُوًى﴾ منصفًا يستوى مسافته إلينا وإليك أو عدلًا أو مستوىً يتبين الناس وما فيه فيه، ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيد لهم، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - يوم عاشوراء إذا كان الموعد اسم زمان فهو ظاهر، وأما إن كان اسم مكان فهو كما تقول يوم عرفة في جواب أين أراك؟ أي: في عرفة فإن له مكانًا معينًا معروفًا ﴿وأن يُحْشَرَ النّاسُ﴾، عطف على اليوم والزينة ﴿ضُحًى﴾: في وقت الضحوة جهارًا في محضر الخلائق ليتضح الحق على رءوس الأشهاد ويشتهر، ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ هو كما تقول ذهب يفعل كذا أي شرع فيه ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: ما يكاد به من السحرة وآلاتها ﴿ثُمَّ أتى﴾: الموعد ﴿قالَ لَهُمْ﴾: للسحرة ﴿مُوسى﴾ وفي عددهم اختلاف كثير قيل سبعون رجلًا، وقيل ثمانون ألفًا أو ثلاثون أو تسعة عشر ألفًا، أو خمسة عشر ألفًا، أو اثنا عشر ألفًا ﴿ويْلَكم لا تَفتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا﴾، بأن تخيلوا للناس ما لا حقيقة له، فتقولوا إنه مخلوق لله وأن تدعوا معجزاته سحرًا أو تدعوا له ندا ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: يستأصلكم ﴿بِعَذابٍ وقَدْ خابَ﴾: خسر ﴿مَنِ افْتَرى﴾: على الله ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أي: تشاجر السحرة سرًّا من فرعون في أمرهم فقائل منهم يقول ليس هذا بساحر إنما هو كلام نبي وقائل يقول بل هو ساحر ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ أي: تناجوا فيما بينهم ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، تفسير لـ أسَرُّوا النَّجْوى وهذا من اسم إن لغة من يجعل التثنية غير مختلف في الرفع والنصب والجر، أو تقديره أنه هذان لساحران [[قال العلّامة السمين ما نصه: قوله: ﴿إنْ هذان﴾: اختلف القُرّاءُ في هذه الآيةِ الكريمة: فقرأ ابن كثيرٍ وحدَه «إنْ هذانِّ» بتخفيف إنْ، والألفِ، وتشديدِ النون. وحفصٌ كذلك إلاَّ أنه خَفَّف نونَ «هذانٍ». وقرأ أبو عمرو «إنّ» بالتشديد «هذين» بالياء وتخفيفِ النون. والباقون كذلك إلاَّ أنهم قَرَؤوا/ «هذان» بالألف. فأمّا القراءةُ الأولى وهي قراءةُ ابنِ كثير وحفص فأوضحُ القراءاتِ معنىً ولفظًا وخَطًَّا؛ وذلك أنهما جعلا «إنْ» المخففةَ من الثقيلة فَأُهْمِلَتْ، ولَمّا أُهْمِلَتْ كما هو الأفصحُ مِن وجهيها خِيْفَ التباسُها بالنافية فجيء باللامِ فارقةً في الخبر. ف «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، ووافَقَتْ خَطَّ المصحفِ؛ فإن الرسم «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ وسيأتي بيانُ ذلك. وأمّا تشديدُ نونِ «هذان» فعلى ما تقدَّم في سورةِ النساءِ، وقد أتْقَنتُ ذلك هناك. وأمّا الكوفيون فيزعمون أنّ «إنْ» نافيةٌ بمعنى ما، واللامُ بمعنى إلاَّ، وهو خلافٌ مشهورٌ وقد وافقَ تخريجُهم هنا قراءةَ بعضِهم «ما هذانِ إلاَّ ساحران». وأمّا قراءةُ أبي عمروٍ فواضحةٌ من حيث الإعرابُ والمعنى. أمّا الإعرابُ ف «هذَيْن» اسمُ «إنّ» وعلامةُ نصبِه الياءُ. و «لَساحِران» خبرُها، ودخَلَتِ اللام توكيدًا. وأمّا مِن حيث المعنى: فإنّهم أثْبتوا لهما السحرَ بطريق تأكيديٍّ من طرفيه، ولكنهم استشكلُوها من حيث خَطُّ المصحفِ؛ وذلك أنّ رَسْمَه «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ، فإثباتُه بالياءِ زيادةٌ على خطِّ المصحفِ. قال أبو إسحاق: «لا أُجيز قراءةَ أبي عمرو لأنّها خلافُ المصحفِ». وقال أبو عبيد: «رأيتُهما في الإمام مصحفِ عثمان» هذن «ليس فيها ألفٌ، وهكذا رأيتُ رفعَ الاثنين في ذلك المصحفِ بإسقاط الألفِ، وإذا كتبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء، ولا يُسْقِطونها». قلت: وهذا لا ينبغي أنْ يُرَدَّ به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم أشياءُ خارجةٌ عن القياسِ، وقد نَصُّوا هم أنه لا يجوزُ القراءةُ بها فليكنْ هذا منها، أعني ممّا خَرَجَ عن القياس. فإن قلتَ: ما نَقَلْتَه عن أبي عبيد مشتركُ الإلزامِ بين أبي عمروٍ وغيرِه، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادةِ الياء يُعْترض عليهم بزيادةِ الألفِ: فإنّ الألفَ ثابتةٌ في قراءتِهم، ساقطةٌ من خَطِّ المصحفِ. فالجواب ما تقدَّم مِن قولِ أبي عبيدٍ أنهم رآهم يُسْقِطون الألفَ مِن رفع الاثنين، فإذا كتُبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء. وذهب جماعةٌ منهم عائشةُ رضي الله عنها وأبو عمروٍ إلى أن هذا ممّا لَحَنَ فيه الكاتبُ وأُقيم بالصواب. يَعْنُون أنه كان مِن حقه أن يكتبَه بالياءِ فلم يفعلْ، فلم يقرَأْه الناسُ إلاَّ بالياءِ على الصوابِ. وأمّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أن «إنّ» بمعنى نَعَمْ، و «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، وكَثُرَ ورودُ «إنّ» بمعنى نعم وأنشدوا: ٣٢٩٧ - بَكَرَ العَواذِلُ في المَشِيْ ... بِ يَلُمْنَني وألوْمُهُنَّهْ ويَقلْن شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنّهْ أي: فقلت: نَعَمْ. والهاءُ للسَّكْتِ. وقال رجلٌ لابن الزبير: لَعَن اللهُ ناقةً حَمَلَتْني إليكَ. فقال: «إنّ وصاحبَها» أي: نعم. ولَعَنَ صاحبَها. وهذا رأيُ المبردِ وعلي بن سليمان في آخرين. وهو مردودٌ من وجهين، أحدهما: عدمُ ثبوتِ «إنّ» بمعنى نعم، وما أوردُه مُؤَوَّلٌ: أمّا البيتُ فإنّ الهاءَ اسمُها، والخبرَ محذوفٌ لفهمِ المعنى تقديرُه: إنه كذلك. وأمّا قولُ ابنِ الزبير فذلك مِن حَذْفِ المعطوفِ عليه وإبقاءِ المعطوف وحَذْفِ خبر «إنّ» للدلالةِ عليه، تقديره: إنّها وصاحَبها ملعونان، وفيه تكلُّفٌ لا يَخْفى والثاني: دخولُ اللامِ على خبرِ المبتدأ غيرِ المؤكَّد ب «إنّ» المكسورةِ، لأنَّ مثلَه لا يقعُ إلاَّ ضرورةً كقولِه: ٣٢٩٨ - أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضى من اللحمِ بعظمِ الرَّقَبَهْ وقد يُجاب عنه: بأنّ «لَساحِران» يجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ دَخَلَتْ عليه هذه اللامُ تقديرُه: لهما ساحران. وقد فعل ذلك الزجاج كما ستأتي حكايتُه عنه. الثاني: أنّ اسمَها ضميرُ القصةِ وهو «ها» التي قبل «ذان» وليست ب «ها» التي للتنبيهِ الداخلةِ على أسماءِ الإشارةِ، والتقدير: إنّ القصةَ ذانِ لساحران. وقد رَدُّوا هذا من وجهين، أحدهما: من جهةِ الخَطِّ، وهو أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن تُكتبَ «إنها» فيصِلوا الضميرَ بالحرفِ قبلَه كقوله تعالى: ﴿فَإنَّها لاَ تَعْمى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] فكَتْبُهم إياها مفصولةً من «إنّ» متصلةً باسمِ الإشارة يمنع كونَها ضميرًا، وهو واضح. الثاني: أنّه يؤدِّي إلى دخولِ لامِ الابتداءِ في الخبرِ غيرِ المنسوخِ. وقد يُجاب عنه بما تقدَّم. الثالث: أنّ اسمَها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ، والجملةُ من المبتدأ والخبرِ بعدَه في محلِّ رفعٍ خبرًا ل «إنّ»، التقديرُ: إنّه، أي: الأمرُ والشأنُ. وقد ضُعِّفَ هذا بوجهين، أحدهما: حَذْفُ اسمِ «إن»، وهو غيرُ جائزٍ إلاَّ في شعرٍ، بشرطِ أنْ لا تباشرَ «إنّ» فعلًا كقولِه: ٣٢٩٩ - إنّ مَن يَدْخُلِ الكنيسةَ يومًا ... يَلْقَ فيها جَآذرًا وظِباءَ / والثاني: دخولُ اللام في الخبرِ. وقد أجابَ الزجّاج بأنها داخلةٌ على مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: لهما ساحران. وهذا قد استحسنه شيخُه المبردُ، أعني جوابَه بذلك. الرابع: أنّ «هذان» اسمُها، و «لَساحران» خبرُها. وقد رُدَّ هذا بأنه كان ينبغي أنْ يكونَ «هذين» بالياءِ كقراءةِ أبي عمرو. وقد أُجيب عن ذلك: بأنه على لغةِ بني الحارثِ وبين الهُجَيْم وبني العَنْبر وزُبَيْد وعُذْرَة ومُراد وخَثْعَم. وحكى هذه اللغةَ الأئمةُ الكبارُ كأبي الخَطّاب وأبي زيد الأنصاري والكسائي. قال أبو زيد: «سمعتُ من العربِ مَن يَقْلِبُ كلَّ ياءٍ ينفتح ما قبلها ألفًا»، يجعلون المثنى كالمقصورِ فيُثْبِتون ألفًا في جميع أحواله، ويُقَدِّرون إعرابَه بالحركاتِ، وأنشدوا قولَه: ٣٣٠٠ - فأطْرَق إطْراقَ الشُّجاعِ ولو يرى ... مَساغًا لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما أي: لنابَيْه. وقولَه: ٣٣٠١ - إنّ أباها وأبا أباها ... قد بَلَغا في المجدِ غايتاها أي: غايتيهما، إلى غير ذلك من الشواهد. وقرأ ابن مسعود: «أنْ هذان ساحِران» بفتح «أنْ» وإسقاط اللامِ: على أنها وما في حَيِّزها بدلٌ من «النجوى» كذا قاله الزمخشري، وتبعه الشيخ ولم ينكره. وفيه نظرٌ: لأنّ الاعتراضَ بالجملة القولية بين البدلِ والمبدلِ منه لا يَصِحُّ. وأيضًا فإنّ الجملةَ القوليةَ مفسرةٌ للنجوى في قراءةِ العامَّة، وكذا قاله الزمخشريُّ أولًا فكيف يَصحُّ أنْ يُجْعَلَ «أنْ هذان ساحران» بدلًا من «النجوى»؟ اهـ (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. ٨/ ٦٣ - ٦٨)]] ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتكُم المُثْلى﴾: بملككم وعيشكم الذي أنتم فيه أو بأشراف قومكم أو بدينكم الذي هو أمثل الأديان، ﴿فأجْمِعوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: أحكموا واعزموا كلكم على كيدهما مجتمعين لهما ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: مصطفين فإنه أهيب في عين الرائين، وهذا قول بعض السحرة لبعضهم ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾: فإن من غلب، ﴿قالُوا يا مُوسى﴾، بعدما جمعوا كيدهم وأتوا، ﴿إمّا أن تُلْقِيَ﴾: عصاك أولًا، ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾، ما بعد أن منصوب بمحذوف أي: اختر إلقاءك أو إلقاءنا أو مرفوع أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا﴾، قيل: لما علم ميلهم إلى البدء أمرهم به وليشعر علية تغيير نظمهم عن إما أن تلقي إلى أو أن نكون أول من ألقى ﴿فَإذا حِبالُهُمْ﴾، إذا للمفاجأة أي: فألقوا فإذا حبالهم ﴿وعِصِيُّهُمْ﴾، جمع عصى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾، وتحريكها ما كان إلا بحيلة وحاصل الكلام فألقوا ففاجأ موسى تخيله وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم من سحرهم ومن قرأ تخيل بالتاء فقوله: أنها تسعى بدل اشتمال من ضميره الراجع إلى الحبال والعصي قيل لطخوا بالزئبق فلما ضربت عليهما الشمس اضطربت. ﴿فَأوْجَسَ﴾: أضمر ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾: من أن يلتبس الأمر على القوم فلا يتبعونه وقيل من: طبع البشرية ظن أنها تقصده ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾، وهذا مشعر ومؤيد للوجه الأول، وإلا فالمناسب أن يقال لا تخف إنك آمن ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ لم يقل عصاك تحقيرًا لها أي العويدة التي في يدك ولا تبال بعصيهم ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع جواب الأمر وقراءة تلقف بالرفع أي: تتلقف فبالحال أو الاستئناف. ﴿ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا﴾ أي: إن الذي زوروا ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾، وحد الساحر لأن المراد به الجنس، وقراءة سِحْرٍ كعِلْمُ فِقْهٍ بأن الإضافة للبيان أو جعل الساحر سحر للمبالغة ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيثُ أتى﴾: حيث كان ﴿فأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أي: ألقى موسى عصاه فتلقفت فألقى ذلك السحرة على وجوههم ساجدين لله ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وموسى﴾، وعن بعض لما سجدوا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها ﴿قالَ﴾ فرعون: ﴿آمَنتمْ به﴾ أي: لموسى واللام لتضمين معنى الاتباع ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكمْ﴾: في اتباعه ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾: أستاذكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أي: مختلفات من اليد اليمني ومن الرجل اليسرى، ومن للابتداء، فإن القطع ناشئ من مخالفة العضو العضو. أي: من وضع المخالفة فقد لابس المخالفة أيضًا وقيل من أجل خلاف ظهر منكم ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها شبه تمكن المصلوب بالجذوع [بتمكن] المظروف بالظرف، فقال: في جذوع ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾: أنا أو موسى وأراد به الهزء فإنه لم يكن من التعذيب في شيء وقيل أينا أي؛ أنا أو رب موسى الذي آمنتم به ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى قالُوا لَن نُؤْثِرَكَ﴾: نختارك، ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ الضمير لما ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾: المعجزات ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾، عطف على ما جاءنا وقيل قسم ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ أي: قاضيه يعني اصنع ما تصنع ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَ﴾ أي: إنما لك تسلط في دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل، وأمر بتعليم السحر لهم كارهين، وهم الذين قالوا ذلك، وقيل لما رأى السحرة عصاهُ يحرس موسى وهو نائم قالوا لفرعون: إن هذا ليس بساحر فأبى إلا المعارضة ﴿واللهُ خَيْرٌ﴾: جزاءً أو لنا منك ﴿وأبْقى﴾ عقابًا أو لنا فإنك فانٍ. ﴿إنَّهُ﴾ الضمير للشأن ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾: بأن يموت كافرًا ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾: فيستريح ﴿ولا يَحْيى﴾: حياة مرضية وهذه الجملة إما من تمام قول السحرة وإما ابتداء كلام من الله، وفي مسلم وغيره وإما أناس تصيبهم النار بذنوبهم، وليسوا من أهلها فيميتهم إماتة حتى يصيروا فحمًا يقوم الشفعاء فيشفعون فيؤتى بهم نهرًا يقال له الحياة فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل. ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ وفي مسند أحمد والترمذي: قال عليه السلام: ”في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة“ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، بدل من الدرجات ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾: تطهر من أدناس المعاصي.

طه 20:60

﴿مِنها﴾: من الأرض ﴿خَلَقْناكُمْ﴾: فإن أب الكل منها وعن بعض الملك يأخذ من تراب الأرض الذي قدر أن يدفن فيها فيذره على النطفة فيخلق منها ﴿وفيها نُعِيدُكُمْ﴾: بالموت ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾: يوم البعث ﴿تارَةً أُخْرى﴾. ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ أي: الآيات التي ظهرت على يد موسى ﴿فَكَذَّبَ﴾: الآيات وقال إنّها سحر، ﴿وأبى﴾: قبولها ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾: فيبقى لك ديارنا ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: مثل سحرك ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ اسم مكان أو زمان ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ جعل المكان أو الزمان مخلفًا على الاتساع كيوم شهدناه ﴿نَحْنُ ولا أنتَ مَكانًا﴾ بدل من الموعد على الأول، وظرف لـ لا نخلفه على الثاني، وقيل مفعول أول لـ اجعل ﴿سُوًى﴾ منصفًا يستوى مسافته إلينا وإليك أو عدلًا أو مستوىً يتبين الناس وما فيه فيه، ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيد لهم، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - يوم عاشوراء إذا كان الموعد اسم زمان فهو ظاهر، وأما إن كان اسم مكان فهو كما تقول يوم عرفة في جواب أين أراك؟ أي: في عرفة فإن له مكانًا معينًا معروفًا ﴿وأن يُحْشَرَ النّاسُ﴾، عطف على اليوم والزينة ﴿ضُحًى﴾: في وقت الضحوة جهارًا في محضر الخلائق ليتضح الحق على رءوس الأشهاد ويشتهر، ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ هو كما تقول ذهب يفعل كذا أي شرع فيه ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: ما يكاد به من السحرة وآلاتها ﴿ثُمَّ أتى﴾: الموعد ﴿قالَ لَهُمْ﴾: للسحرة ﴿مُوسى﴾ وفي عددهم اختلاف كثير قيل سبعون رجلًا، وقيل ثمانون ألفًا أو ثلاثون أو تسعة عشر ألفًا، أو خمسة عشر ألفًا، أو اثنا عشر ألفًا ﴿ويْلَكم لا تَفتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا﴾، بأن تخيلوا للناس ما لا حقيقة له، فتقولوا إنه مخلوق لله وأن تدعوا معجزاته سحرًا أو تدعوا له ندا ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: يستأصلكم ﴿بِعَذابٍ وقَدْ خابَ﴾: خسر ﴿مَنِ افْتَرى﴾: على الله ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أي: تشاجر السحرة سرًّا من فرعون في أمرهم فقائل منهم يقول ليس هذا بساحر إنما هو كلام نبي وقائل يقول بل هو ساحر ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ أي: تناجوا فيما بينهم ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، تفسير لـ أسَرُّوا النَّجْوى وهذا من اسم إن لغة من يجعل التثنية غير مختلف في الرفع والنصب والجر، أو تقديره أنه هذان لساحران [[قال العلّامة السمين ما نصه: قوله: ﴿إنْ هذان﴾: اختلف القُرّاءُ في هذه الآيةِ الكريمة: فقرأ ابن كثيرٍ وحدَه «إنْ هذانِّ» بتخفيف إنْ، والألفِ، وتشديدِ النون. وحفصٌ كذلك إلاَّ أنه خَفَّف نونَ «هذانٍ». وقرأ أبو عمرو «إنّ» بالتشديد «هذين» بالياء وتخفيفِ النون. والباقون كذلك إلاَّ أنهم قَرَؤوا/ «هذان» بالألف. فأمّا القراءةُ الأولى وهي قراءةُ ابنِ كثير وحفص فأوضحُ القراءاتِ معنىً ولفظًا وخَطًَّا؛ وذلك أنهما جعلا «إنْ» المخففةَ من الثقيلة فَأُهْمِلَتْ، ولَمّا أُهْمِلَتْ كما هو الأفصحُ مِن وجهيها خِيْفَ التباسُها بالنافية فجيء باللامِ فارقةً في الخبر. ف «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، ووافَقَتْ خَطَّ المصحفِ؛ فإن الرسم «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ وسيأتي بيانُ ذلك. وأمّا تشديدُ نونِ «هذان» فعلى ما تقدَّم في سورةِ النساءِ، وقد أتْقَنتُ ذلك هناك. وأمّا الكوفيون فيزعمون أنّ «إنْ» نافيةٌ بمعنى ما، واللامُ بمعنى إلاَّ، وهو خلافٌ مشهورٌ وقد وافقَ تخريجُهم هنا قراءةَ بعضِهم «ما هذانِ إلاَّ ساحران». وأمّا قراءةُ أبي عمروٍ فواضحةٌ من حيث الإعرابُ والمعنى. أمّا الإعرابُ ف «هذَيْن» اسمُ «إنّ» وعلامةُ نصبِه الياءُ. و «لَساحِران» خبرُها، ودخَلَتِ اللام توكيدًا. وأمّا مِن حيث المعنى: فإنّهم أثْبتوا لهما السحرَ بطريق تأكيديٍّ من طرفيه، ولكنهم استشكلُوها من حيث خَطُّ المصحفِ؛ وذلك أنّ رَسْمَه «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ، فإثباتُه بالياءِ زيادةٌ على خطِّ المصحفِ. قال أبو إسحاق: «لا أُجيز قراءةَ أبي عمرو لأنّها خلافُ المصحفِ». وقال أبو عبيد: «رأيتُهما في الإمام مصحفِ عثمان» هذن «ليس فيها ألفٌ، وهكذا رأيتُ رفعَ الاثنين في ذلك المصحفِ بإسقاط الألفِ، وإذا كتبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء، ولا يُسْقِطونها». قلت: وهذا لا ينبغي أنْ يُرَدَّ به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم أشياءُ خارجةٌ عن القياسِ، وقد نَصُّوا هم أنه لا يجوزُ القراءةُ بها فليكنْ هذا منها، أعني ممّا خَرَجَ عن القياس. فإن قلتَ: ما نَقَلْتَه عن أبي عبيد مشتركُ الإلزامِ بين أبي عمروٍ وغيرِه، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادةِ الياء يُعْترض عليهم بزيادةِ الألفِ: فإنّ الألفَ ثابتةٌ في قراءتِهم، ساقطةٌ من خَطِّ المصحفِ. فالجواب ما تقدَّم مِن قولِ أبي عبيدٍ أنهم رآهم يُسْقِطون الألفَ مِن رفع الاثنين، فإذا كتُبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء. وذهب جماعةٌ منهم عائشةُ رضي الله عنها وأبو عمروٍ إلى أن هذا ممّا لَحَنَ فيه الكاتبُ وأُقيم بالصواب. يَعْنُون أنه كان مِن حقه أن يكتبَه بالياءِ فلم يفعلْ، فلم يقرَأْه الناسُ إلاَّ بالياءِ على الصوابِ. وأمّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أن «إنّ» بمعنى نَعَمْ، و «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، وكَثُرَ ورودُ «إنّ» بمعنى نعم وأنشدوا: ٣٢٩٧ - بَكَرَ العَواذِلُ في المَشِيْ ... بِ يَلُمْنَني وألوْمُهُنَّهْ ويَقلْن شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنّهْ أي: فقلت: نَعَمْ. والهاءُ للسَّكْتِ. وقال رجلٌ لابن الزبير: لَعَن اللهُ ناقةً حَمَلَتْني إليكَ. فقال: «إنّ وصاحبَها» أي: نعم. ولَعَنَ صاحبَها. وهذا رأيُ المبردِ وعلي بن سليمان في آخرين. وهو مردودٌ من وجهين، أحدهما: عدمُ ثبوتِ «إنّ» بمعنى نعم، وما أوردُه مُؤَوَّلٌ: أمّا البيتُ فإنّ الهاءَ اسمُها، والخبرَ محذوفٌ لفهمِ المعنى تقديرُه: إنه كذلك. وأمّا قولُ ابنِ الزبير فذلك مِن حَذْفِ المعطوفِ عليه وإبقاءِ المعطوف وحَذْفِ خبر «إنّ» للدلالةِ عليه، تقديره: إنّها وصاحَبها ملعونان، وفيه تكلُّفٌ لا يَخْفى والثاني: دخولُ اللامِ على خبرِ المبتدأ غيرِ المؤكَّد ب «إنّ» المكسورةِ، لأنَّ مثلَه لا يقعُ إلاَّ ضرورةً كقولِه: ٣٢٩٨ - أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضى من اللحمِ بعظمِ الرَّقَبَهْ وقد يُجاب عنه: بأنّ «لَساحِران» يجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ دَخَلَتْ عليه هذه اللامُ تقديرُه: لهما ساحران. وقد فعل ذلك الزجاج كما ستأتي حكايتُه عنه. الثاني: أنّ اسمَها ضميرُ القصةِ وهو «ها» التي قبل «ذان» وليست ب «ها» التي للتنبيهِ الداخلةِ على أسماءِ الإشارةِ، والتقدير: إنّ القصةَ ذانِ لساحران. وقد رَدُّوا هذا من وجهين، أحدهما: من جهةِ الخَطِّ، وهو أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن تُكتبَ «إنها» فيصِلوا الضميرَ بالحرفِ قبلَه كقوله تعالى: ﴿فَإنَّها لاَ تَعْمى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] فكَتْبُهم إياها مفصولةً من «إنّ» متصلةً باسمِ الإشارة يمنع كونَها ضميرًا، وهو واضح. الثاني: أنّه يؤدِّي إلى دخولِ لامِ الابتداءِ في الخبرِ غيرِ المنسوخِ. وقد يُجاب عنه بما تقدَّم. الثالث: أنّ اسمَها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ، والجملةُ من المبتدأ والخبرِ بعدَه في محلِّ رفعٍ خبرًا ل «إنّ»، التقديرُ: إنّه، أي: الأمرُ والشأنُ. وقد ضُعِّفَ هذا بوجهين، أحدهما: حَذْفُ اسمِ «إن»، وهو غيرُ جائزٍ إلاَّ في شعرٍ، بشرطِ أنْ لا تباشرَ «إنّ» فعلًا كقولِه: ٣٢٩٩ - إنّ مَن يَدْخُلِ الكنيسةَ يومًا ... يَلْقَ فيها جَآذرًا وظِباءَ / والثاني: دخولُ اللام في الخبرِ. وقد أجابَ الزجّاج بأنها داخلةٌ على مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: لهما ساحران. وهذا قد استحسنه شيخُه المبردُ، أعني جوابَه بذلك. الرابع: أنّ «هذان» اسمُها، و «لَساحران» خبرُها. وقد رُدَّ هذا بأنه كان ينبغي أنْ يكونَ «هذين» بالياءِ كقراءةِ أبي عمرو. وقد أُجيب عن ذلك: بأنه على لغةِ بني الحارثِ وبين الهُجَيْم وبني العَنْبر وزُبَيْد وعُذْرَة ومُراد وخَثْعَم. وحكى هذه اللغةَ الأئمةُ الكبارُ كأبي الخَطّاب وأبي زيد الأنصاري والكسائي. قال أبو زيد: «سمعتُ من العربِ مَن يَقْلِبُ كلَّ ياءٍ ينفتح ما قبلها ألفًا»، يجعلون المثنى كالمقصورِ فيُثْبِتون ألفًا في جميع أحواله، ويُقَدِّرون إعرابَه بالحركاتِ، وأنشدوا قولَه: ٣٣٠٠ - فأطْرَق إطْراقَ الشُّجاعِ ولو يرى ... مَساغًا لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما أي: لنابَيْه. وقولَه: ٣٣٠١ - إنّ أباها وأبا أباها ... قد بَلَغا في المجدِ غايتاها أي: غايتيهما، إلى غير ذلك من الشواهد. وقرأ ابن مسعود: «أنْ هذان ساحِران» بفتح «أنْ» وإسقاط اللامِ: على أنها وما في حَيِّزها بدلٌ من «النجوى» كذا قاله الزمخشري، وتبعه الشيخ ولم ينكره. وفيه نظرٌ: لأنّ الاعتراضَ بالجملة القولية بين البدلِ والمبدلِ منه لا يَصِحُّ. وأيضًا فإنّ الجملةَ القوليةَ مفسرةٌ للنجوى في قراءةِ العامَّة، وكذا قاله الزمخشريُّ أولًا فكيف يَصحُّ أنْ يُجْعَلَ «أنْ هذان ساحران» بدلًا من «النجوى»؟ اهـ (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. ٨/ ٦٣ - ٦٨)]] ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتكُم المُثْلى﴾: بملككم وعيشكم الذي أنتم فيه أو بأشراف قومكم أو بدينكم الذي هو أمثل الأديان، ﴿فأجْمِعوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: أحكموا واعزموا كلكم على كيدهما مجتمعين لهما ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: مصطفين فإنه أهيب في عين الرائين، وهذا قول بعض السحرة لبعضهم ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾: فإن من غلب، ﴿قالُوا يا مُوسى﴾، بعدما جمعوا كيدهم وأتوا، ﴿إمّا أن تُلْقِيَ﴾: عصاك أولًا، ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾، ما بعد أن منصوب بمحذوف أي: اختر إلقاءك أو إلقاءنا أو مرفوع أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا﴾، قيل: لما علم ميلهم إلى البدء أمرهم به وليشعر علية تغيير نظمهم عن إما أن تلقي إلى أو أن نكون أول من ألقى ﴿فَإذا حِبالُهُمْ﴾، إذا للمفاجأة أي: فألقوا فإذا حبالهم ﴿وعِصِيُّهُمْ﴾، جمع عصى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾، وتحريكها ما كان إلا بحيلة وحاصل الكلام فألقوا ففاجأ موسى تخيله وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم من سحرهم ومن قرأ تخيل بالتاء فقوله: أنها تسعى بدل اشتمال من ضميره الراجع إلى الحبال والعصي قيل لطخوا بالزئبق فلما ضربت عليهما الشمس اضطربت. ﴿فَأوْجَسَ﴾: أضمر ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾: من أن يلتبس الأمر على القوم فلا يتبعونه وقيل من: طبع البشرية ظن أنها تقصده ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾، وهذا مشعر ومؤيد للوجه الأول، وإلا فالمناسب أن يقال لا تخف إنك آمن ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ لم يقل عصاك تحقيرًا لها أي العويدة التي في يدك ولا تبال بعصيهم ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع جواب الأمر وقراءة تلقف بالرفع أي: تتلقف فبالحال أو الاستئناف. ﴿ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا﴾ أي: إن الذي زوروا ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾، وحد الساحر لأن المراد به الجنس، وقراءة سِحْرٍ كعِلْمُ فِقْهٍ بأن الإضافة للبيان أو جعل الساحر سحر للمبالغة ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيثُ أتى﴾: حيث كان ﴿فأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أي: ألقى موسى عصاه فتلقفت فألقى ذلك السحرة على وجوههم ساجدين لله ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وموسى﴾، وعن بعض لما سجدوا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها ﴿قالَ﴾ فرعون: ﴿آمَنتمْ به﴾ أي: لموسى واللام لتضمين معنى الاتباع ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكمْ﴾: في اتباعه ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾: أستاذكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أي: مختلفات من اليد اليمني ومن الرجل اليسرى، ومن للابتداء، فإن القطع ناشئ من مخالفة العضو العضو. أي: من وضع المخالفة فقد لابس المخالفة أيضًا وقيل من أجل خلاف ظهر منكم ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها شبه تمكن المصلوب بالجذوع [بتمكن] المظروف بالظرف، فقال: في جذوع ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾: أنا أو موسى وأراد به الهزء فإنه لم يكن من التعذيب في شيء وقيل أينا أي؛ أنا أو رب موسى الذي آمنتم به ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى قالُوا لَن نُؤْثِرَكَ﴾: نختارك، ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ الضمير لما ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾: المعجزات ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾، عطف على ما جاءنا وقيل قسم ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ أي: قاضيه يعني اصنع ما تصنع ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَ﴾ أي: إنما لك تسلط في دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل، وأمر بتعليم السحر لهم كارهين، وهم الذين قالوا ذلك، وقيل لما رأى السحرة عصاهُ يحرس موسى وهو نائم قالوا لفرعون: إن هذا ليس بساحر فأبى إلا المعارضة ﴿واللهُ خَيْرٌ﴾: جزاءً أو لنا منك ﴿وأبْقى﴾ عقابًا أو لنا فإنك فانٍ. ﴿إنَّهُ﴾ الضمير للشأن ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾: بأن يموت كافرًا ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾: فيستريح ﴿ولا يَحْيى﴾: حياة مرضية وهذه الجملة إما من تمام قول السحرة وإما ابتداء كلام من الله، وفي مسلم وغيره وإما أناس تصيبهم النار بذنوبهم، وليسوا من أهلها فيميتهم إماتة حتى يصيروا فحمًا يقوم الشفعاء فيشفعون فيؤتى بهم نهرًا يقال له الحياة فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل. ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ وفي مسند أحمد والترمذي: قال عليه السلام: ”في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة“ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، بدل من الدرجات ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾: تطهر من أدناس المعاصي.

طه 20:61

﴿مِنها﴾: من الأرض ﴿خَلَقْناكُمْ﴾: فإن أب الكل منها وعن بعض الملك يأخذ من تراب الأرض الذي قدر أن يدفن فيها فيذره على النطفة فيخلق منها ﴿وفيها نُعِيدُكُمْ﴾: بالموت ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾: يوم البعث ﴿تارَةً أُخْرى﴾. ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ أي: الآيات التي ظهرت على يد موسى ﴿فَكَذَّبَ﴾: الآيات وقال إنّها سحر، ﴿وأبى﴾: قبولها ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾: فيبقى لك ديارنا ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: مثل سحرك ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ اسم مكان أو زمان ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ جعل المكان أو الزمان مخلفًا على الاتساع كيوم شهدناه ﴿نَحْنُ ولا أنتَ مَكانًا﴾ بدل من الموعد على الأول، وظرف لـ لا نخلفه على الثاني، وقيل مفعول أول لـ اجعل ﴿سُوًى﴾ منصفًا يستوى مسافته إلينا وإليك أو عدلًا أو مستوىً يتبين الناس وما فيه فيه، ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيد لهم، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - يوم عاشوراء إذا كان الموعد اسم زمان فهو ظاهر، وأما إن كان اسم مكان فهو كما تقول يوم عرفة في جواب أين أراك؟ أي: في عرفة فإن له مكانًا معينًا معروفًا ﴿وأن يُحْشَرَ النّاسُ﴾، عطف على اليوم والزينة ﴿ضُحًى﴾: في وقت الضحوة جهارًا في محضر الخلائق ليتضح الحق على رءوس الأشهاد ويشتهر، ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ هو كما تقول ذهب يفعل كذا أي شرع فيه ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: ما يكاد به من السحرة وآلاتها ﴿ثُمَّ أتى﴾: الموعد ﴿قالَ لَهُمْ﴾: للسحرة ﴿مُوسى﴾ وفي عددهم اختلاف كثير قيل سبعون رجلًا، وقيل ثمانون ألفًا أو ثلاثون أو تسعة عشر ألفًا، أو خمسة عشر ألفًا، أو اثنا عشر ألفًا ﴿ويْلَكم لا تَفتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا﴾، بأن تخيلوا للناس ما لا حقيقة له، فتقولوا إنه مخلوق لله وأن تدعوا معجزاته سحرًا أو تدعوا له ندا ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: يستأصلكم ﴿بِعَذابٍ وقَدْ خابَ﴾: خسر ﴿مَنِ افْتَرى﴾: على الله ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أي: تشاجر السحرة سرًّا من فرعون في أمرهم فقائل منهم يقول ليس هذا بساحر إنما هو كلام نبي وقائل يقول بل هو ساحر ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ أي: تناجوا فيما بينهم ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، تفسير لـ أسَرُّوا النَّجْوى وهذا من اسم إن لغة من يجعل التثنية غير مختلف في الرفع والنصب والجر، أو تقديره أنه هذان لساحران [[قال العلّامة السمين ما نصه: قوله: ﴿إنْ هذان﴾: اختلف القُرّاءُ في هذه الآيةِ الكريمة: فقرأ ابن كثيرٍ وحدَه «إنْ هذانِّ» بتخفيف إنْ، والألفِ، وتشديدِ النون. وحفصٌ كذلك إلاَّ أنه خَفَّف نونَ «هذانٍ». وقرأ أبو عمرو «إنّ» بالتشديد «هذين» بالياء وتخفيفِ النون. والباقون كذلك إلاَّ أنهم قَرَؤوا/ «هذان» بالألف. فأمّا القراءةُ الأولى وهي قراءةُ ابنِ كثير وحفص فأوضحُ القراءاتِ معنىً ولفظًا وخَطًَّا؛ وذلك أنهما جعلا «إنْ» المخففةَ من الثقيلة فَأُهْمِلَتْ، ولَمّا أُهْمِلَتْ كما هو الأفصحُ مِن وجهيها خِيْفَ التباسُها بالنافية فجيء باللامِ فارقةً في الخبر. ف «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، ووافَقَتْ خَطَّ المصحفِ؛ فإن الرسم «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ وسيأتي بيانُ ذلك. وأمّا تشديدُ نونِ «هذان» فعلى ما تقدَّم في سورةِ النساءِ، وقد أتْقَنتُ ذلك هناك. وأمّا الكوفيون فيزعمون أنّ «إنْ» نافيةٌ بمعنى ما، واللامُ بمعنى إلاَّ، وهو خلافٌ مشهورٌ وقد وافقَ تخريجُهم هنا قراءةَ بعضِهم «ما هذانِ إلاَّ ساحران». وأمّا قراءةُ أبي عمروٍ فواضحةٌ من حيث الإعرابُ والمعنى. أمّا الإعرابُ ف «هذَيْن» اسمُ «إنّ» وعلامةُ نصبِه الياءُ. و «لَساحِران» خبرُها، ودخَلَتِ اللام توكيدًا. وأمّا مِن حيث المعنى: فإنّهم أثْبتوا لهما السحرَ بطريق تأكيديٍّ من طرفيه، ولكنهم استشكلُوها من حيث خَطُّ المصحفِ؛ وذلك أنّ رَسْمَه «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ، فإثباتُه بالياءِ زيادةٌ على خطِّ المصحفِ. قال أبو إسحاق: «لا أُجيز قراءةَ أبي عمرو لأنّها خلافُ المصحفِ». وقال أبو عبيد: «رأيتُهما في الإمام مصحفِ عثمان» هذن «ليس فيها ألفٌ، وهكذا رأيتُ رفعَ الاثنين في ذلك المصحفِ بإسقاط الألفِ، وإذا كتبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء، ولا يُسْقِطونها». قلت: وهذا لا ينبغي أنْ يُرَدَّ به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم أشياءُ خارجةٌ عن القياسِ، وقد نَصُّوا هم أنه لا يجوزُ القراءةُ بها فليكنْ هذا منها، أعني ممّا خَرَجَ عن القياس. فإن قلتَ: ما نَقَلْتَه عن أبي عبيد مشتركُ الإلزامِ بين أبي عمروٍ وغيرِه، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادةِ الياء يُعْترض عليهم بزيادةِ الألفِ: فإنّ الألفَ ثابتةٌ في قراءتِهم، ساقطةٌ من خَطِّ المصحفِ. فالجواب ما تقدَّم مِن قولِ أبي عبيدٍ أنهم رآهم يُسْقِطون الألفَ مِن رفع الاثنين، فإذا كتُبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء. وذهب جماعةٌ منهم عائشةُ رضي الله عنها وأبو عمروٍ إلى أن هذا ممّا لَحَنَ فيه الكاتبُ وأُقيم بالصواب. يَعْنُون أنه كان مِن حقه أن يكتبَه بالياءِ فلم يفعلْ، فلم يقرَأْه الناسُ إلاَّ بالياءِ على الصوابِ. وأمّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أن «إنّ» بمعنى نَعَمْ، و «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، وكَثُرَ ورودُ «إنّ» بمعنى نعم وأنشدوا: ٣٢٩٧ - بَكَرَ العَواذِلُ في المَشِيْ ... بِ يَلُمْنَني وألوْمُهُنَّهْ ويَقلْن شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنّهْ أي: فقلت: نَعَمْ. والهاءُ للسَّكْتِ. وقال رجلٌ لابن الزبير: لَعَن اللهُ ناقةً حَمَلَتْني إليكَ. فقال: «إنّ وصاحبَها» أي: نعم. ولَعَنَ صاحبَها. وهذا رأيُ المبردِ وعلي بن سليمان في آخرين. وهو مردودٌ من وجهين، أحدهما: عدمُ ثبوتِ «إنّ» بمعنى نعم، وما أوردُه مُؤَوَّلٌ: أمّا البيتُ فإنّ الهاءَ اسمُها، والخبرَ محذوفٌ لفهمِ المعنى تقديرُه: إنه كذلك. وأمّا قولُ ابنِ الزبير فذلك مِن حَذْفِ المعطوفِ عليه وإبقاءِ المعطوف وحَذْفِ خبر «إنّ» للدلالةِ عليه، تقديره: إنّها وصاحَبها ملعونان، وفيه تكلُّفٌ لا يَخْفى والثاني: دخولُ اللامِ على خبرِ المبتدأ غيرِ المؤكَّد ب «إنّ» المكسورةِ، لأنَّ مثلَه لا يقعُ إلاَّ ضرورةً كقولِه: ٣٢٩٨ - أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضى من اللحمِ بعظمِ الرَّقَبَهْ وقد يُجاب عنه: بأنّ «لَساحِران» يجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ دَخَلَتْ عليه هذه اللامُ تقديرُه: لهما ساحران. وقد فعل ذلك الزجاج كما ستأتي حكايتُه عنه. الثاني: أنّ اسمَها ضميرُ القصةِ وهو «ها» التي قبل «ذان» وليست ب «ها» التي للتنبيهِ الداخلةِ على أسماءِ الإشارةِ، والتقدير: إنّ القصةَ ذانِ لساحران. وقد رَدُّوا هذا من وجهين، أحدهما: من جهةِ الخَطِّ، وهو أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن تُكتبَ «إنها» فيصِلوا الضميرَ بالحرفِ قبلَه كقوله تعالى: ﴿فَإنَّها لاَ تَعْمى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] فكَتْبُهم إياها مفصولةً من «إنّ» متصلةً باسمِ الإشارة يمنع كونَها ضميرًا، وهو واضح. الثاني: أنّه يؤدِّي إلى دخولِ لامِ الابتداءِ في الخبرِ غيرِ المنسوخِ. وقد يُجاب عنه بما تقدَّم. الثالث: أنّ اسمَها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ، والجملةُ من المبتدأ والخبرِ بعدَه في محلِّ رفعٍ خبرًا ل «إنّ»، التقديرُ: إنّه، أي: الأمرُ والشأنُ. وقد ضُعِّفَ هذا بوجهين، أحدهما: حَذْفُ اسمِ «إن»، وهو غيرُ جائزٍ إلاَّ في شعرٍ، بشرطِ أنْ لا تباشرَ «إنّ» فعلًا كقولِه: ٣٢٩٩ - إنّ مَن يَدْخُلِ الكنيسةَ يومًا ... يَلْقَ فيها جَآذرًا وظِباءَ / والثاني: دخولُ اللام في الخبرِ. وقد أجابَ الزجّاج بأنها داخلةٌ على مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: لهما ساحران. وهذا قد استحسنه شيخُه المبردُ، أعني جوابَه بذلك. الرابع: أنّ «هذان» اسمُها، و «لَساحران» خبرُها. وقد رُدَّ هذا بأنه كان ينبغي أنْ يكونَ «هذين» بالياءِ كقراءةِ أبي عمرو. وقد أُجيب عن ذلك: بأنه على لغةِ بني الحارثِ وبين الهُجَيْم وبني العَنْبر وزُبَيْد وعُذْرَة ومُراد وخَثْعَم. وحكى هذه اللغةَ الأئمةُ الكبارُ كأبي الخَطّاب وأبي زيد الأنصاري والكسائي. قال أبو زيد: «سمعتُ من العربِ مَن يَقْلِبُ كلَّ ياءٍ ينفتح ما قبلها ألفًا»، يجعلون المثنى كالمقصورِ فيُثْبِتون ألفًا في جميع أحواله، ويُقَدِّرون إعرابَه بالحركاتِ، وأنشدوا قولَه: ٣٣٠٠ - فأطْرَق إطْراقَ الشُّجاعِ ولو يرى ... مَساغًا لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما أي: لنابَيْه. وقولَه: ٣٣٠١ - إنّ أباها وأبا أباها ... قد بَلَغا في المجدِ غايتاها أي: غايتيهما، إلى غير ذلك من الشواهد. وقرأ ابن مسعود: «أنْ هذان ساحِران» بفتح «أنْ» وإسقاط اللامِ: على أنها وما في حَيِّزها بدلٌ من «النجوى» كذا قاله الزمخشري، وتبعه الشيخ ولم ينكره. وفيه نظرٌ: لأنّ الاعتراضَ بالجملة القولية بين البدلِ والمبدلِ منه لا يَصِحُّ. وأيضًا فإنّ الجملةَ القوليةَ مفسرةٌ للنجوى في قراءةِ العامَّة، وكذا قاله الزمخشريُّ أولًا فكيف يَصحُّ أنْ يُجْعَلَ «أنْ هذان ساحران» بدلًا من «النجوى»؟ اهـ (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. ٨/ ٦٣ - ٦٨)]] ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتكُم المُثْلى﴾: بملككم وعيشكم الذي أنتم فيه أو بأشراف قومكم أو بدينكم الذي هو أمثل الأديان، ﴿فأجْمِعوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: أحكموا واعزموا كلكم على كيدهما مجتمعين لهما ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: مصطفين فإنه أهيب في عين الرائين، وهذا قول بعض السحرة لبعضهم ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾: فإن من غلب، ﴿قالُوا يا مُوسى﴾، بعدما جمعوا كيدهم وأتوا، ﴿إمّا أن تُلْقِيَ﴾: عصاك أولًا، ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾، ما بعد أن منصوب بمحذوف أي: اختر إلقاءك أو إلقاءنا أو مرفوع أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا﴾، قيل: لما علم ميلهم إلى البدء أمرهم به وليشعر علية تغيير نظمهم عن إما أن تلقي إلى أو أن نكون أول من ألقى ﴿فَإذا حِبالُهُمْ﴾، إذا للمفاجأة أي: فألقوا فإذا حبالهم ﴿وعِصِيُّهُمْ﴾، جمع عصى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾، وتحريكها ما كان إلا بحيلة وحاصل الكلام فألقوا ففاجأ موسى تخيله وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم من سحرهم ومن قرأ تخيل بالتاء فقوله: أنها تسعى بدل اشتمال من ضميره الراجع إلى الحبال والعصي قيل لطخوا بالزئبق فلما ضربت عليهما الشمس اضطربت. ﴿فَأوْجَسَ﴾: أضمر ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾: من أن يلتبس الأمر على القوم فلا يتبعونه وقيل من: طبع البشرية ظن أنها تقصده ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾، وهذا مشعر ومؤيد للوجه الأول، وإلا فالمناسب أن يقال لا تخف إنك آمن ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ لم يقل عصاك تحقيرًا لها أي العويدة التي في يدك ولا تبال بعصيهم ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع جواب الأمر وقراءة تلقف بالرفع أي: تتلقف فبالحال أو الاستئناف. ﴿ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا﴾ أي: إن الذي زوروا ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾، وحد الساحر لأن المراد به الجنس، وقراءة سِحْرٍ كعِلْمُ فِقْهٍ بأن الإضافة للبيان أو جعل الساحر سحر للمبالغة ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيثُ أتى﴾: حيث كان ﴿فأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أي: ألقى موسى عصاه فتلقفت فألقى ذلك السحرة على وجوههم ساجدين لله ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وموسى﴾، وعن بعض لما سجدوا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها ﴿قالَ﴾ فرعون: ﴿آمَنتمْ به﴾ أي: لموسى واللام لتضمين معنى الاتباع ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكمْ﴾: في اتباعه ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾: أستاذكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أي: مختلفات من اليد اليمني ومن الرجل اليسرى، ومن للابتداء، فإن القطع ناشئ من مخالفة العضو العضو. أي: من وضع المخالفة فقد لابس المخالفة أيضًا وقيل من أجل خلاف ظهر منكم ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها شبه تمكن المصلوب بالجذوع [بتمكن] المظروف بالظرف، فقال: في جذوع ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾: أنا أو موسى وأراد به الهزء فإنه لم يكن من التعذيب في شيء وقيل أينا أي؛ أنا أو رب موسى الذي آمنتم به ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى قالُوا لَن نُؤْثِرَكَ﴾: نختارك، ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ الضمير لما ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾: المعجزات ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾، عطف على ما جاءنا وقيل قسم ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ أي: قاضيه يعني اصنع ما تصنع ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَ﴾ أي: إنما لك تسلط في دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل، وأمر بتعليم السحر لهم كارهين، وهم الذين قالوا ذلك، وقيل لما رأى السحرة عصاهُ يحرس موسى وهو نائم قالوا لفرعون: إن هذا ليس بساحر فأبى إلا المعارضة ﴿واللهُ خَيْرٌ﴾: جزاءً أو لنا منك ﴿وأبْقى﴾ عقابًا أو لنا فإنك فانٍ. ﴿إنَّهُ﴾ الضمير للشأن ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾: بأن يموت كافرًا ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾: فيستريح ﴿ولا يَحْيى﴾: حياة مرضية وهذه الجملة إما من تمام قول السحرة وإما ابتداء كلام من الله، وفي مسلم وغيره وإما أناس تصيبهم النار بذنوبهم، وليسوا من أهلها فيميتهم إماتة حتى يصيروا فحمًا يقوم الشفعاء فيشفعون فيؤتى بهم نهرًا يقال له الحياة فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل. ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ وفي مسند أحمد والترمذي: قال عليه السلام: ”في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة“ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، بدل من الدرجات ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾: تطهر من أدناس المعاصي.

طه 20:62

﴿مِنها﴾: من الأرض ﴿خَلَقْناكُمْ﴾: فإن أب الكل منها وعن بعض الملك يأخذ من تراب الأرض الذي قدر أن يدفن فيها فيذره على النطفة فيخلق منها ﴿وفيها نُعِيدُكُمْ﴾: بالموت ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾: يوم البعث ﴿تارَةً أُخْرى﴾. ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ أي: الآيات التي ظهرت على يد موسى ﴿فَكَذَّبَ﴾: الآيات وقال إنّها سحر، ﴿وأبى﴾: قبولها ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾: فيبقى لك ديارنا ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: مثل سحرك ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ اسم مكان أو زمان ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ جعل المكان أو الزمان مخلفًا على الاتساع كيوم شهدناه ﴿نَحْنُ ولا أنتَ مَكانًا﴾ بدل من الموعد على الأول، وظرف لـ لا نخلفه على الثاني، وقيل مفعول أول لـ اجعل ﴿سُوًى﴾ منصفًا يستوى مسافته إلينا وإليك أو عدلًا أو مستوىً يتبين الناس وما فيه فيه، ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيد لهم، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - يوم عاشوراء إذا كان الموعد اسم زمان فهو ظاهر، وأما إن كان اسم مكان فهو كما تقول يوم عرفة في جواب أين أراك؟ أي: في عرفة فإن له مكانًا معينًا معروفًا ﴿وأن يُحْشَرَ النّاسُ﴾، عطف على اليوم والزينة ﴿ضُحًى﴾: في وقت الضحوة جهارًا في محضر الخلائق ليتضح الحق على رءوس الأشهاد ويشتهر، ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ هو كما تقول ذهب يفعل كذا أي شرع فيه ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: ما يكاد به من السحرة وآلاتها ﴿ثُمَّ أتى﴾: الموعد ﴿قالَ لَهُمْ﴾: للسحرة ﴿مُوسى﴾ وفي عددهم اختلاف كثير قيل سبعون رجلًا، وقيل ثمانون ألفًا أو ثلاثون أو تسعة عشر ألفًا، أو خمسة عشر ألفًا، أو اثنا عشر ألفًا ﴿ويْلَكم لا تَفتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا﴾، بأن تخيلوا للناس ما لا حقيقة له، فتقولوا إنه مخلوق لله وأن تدعوا معجزاته سحرًا أو تدعوا له ندا ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: يستأصلكم ﴿بِعَذابٍ وقَدْ خابَ﴾: خسر ﴿مَنِ افْتَرى﴾: على الله ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أي: تشاجر السحرة سرًّا من فرعون في أمرهم فقائل منهم يقول ليس هذا بساحر إنما هو كلام نبي وقائل يقول بل هو ساحر ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ أي: تناجوا فيما بينهم ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، تفسير لـ أسَرُّوا النَّجْوى وهذا من اسم إن لغة من يجعل التثنية غير مختلف في الرفع والنصب والجر، أو تقديره أنه هذان لساحران [[قال العلّامة السمين ما نصه: قوله: ﴿إنْ هذان﴾: اختلف القُرّاءُ في هذه الآيةِ الكريمة: فقرأ ابن كثيرٍ وحدَه «إنْ هذانِّ» بتخفيف إنْ، والألفِ، وتشديدِ النون. وحفصٌ كذلك إلاَّ أنه خَفَّف نونَ «هذانٍ». وقرأ أبو عمرو «إنّ» بالتشديد «هذين» بالياء وتخفيفِ النون. والباقون كذلك إلاَّ أنهم قَرَؤوا/ «هذان» بالألف. فأمّا القراءةُ الأولى وهي قراءةُ ابنِ كثير وحفص فأوضحُ القراءاتِ معنىً ولفظًا وخَطًَّا؛ وذلك أنهما جعلا «إنْ» المخففةَ من الثقيلة فَأُهْمِلَتْ، ولَمّا أُهْمِلَتْ كما هو الأفصحُ مِن وجهيها خِيْفَ التباسُها بالنافية فجيء باللامِ فارقةً في الخبر. ف «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، ووافَقَتْ خَطَّ المصحفِ؛ فإن الرسم «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ وسيأتي بيانُ ذلك. وأمّا تشديدُ نونِ «هذان» فعلى ما تقدَّم في سورةِ النساءِ، وقد أتْقَنتُ ذلك هناك. وأمّا الكوفيون فيزعمون أنّ «إنْ» نافيةٌ بمعنى ما، واللامُ بمعنى إلاَّ، وهو خلافٌ مشهورٌ وقد وافقَ تخريجُهم هنا قراءةَ بعضِهم «ما هذانِ إلاَّ ساحران». وأمّا قراءةُ أبي عمروٍ فواضحةٌ من حيث الإعرابُ والمعنى. أمّا الإعرابُ ف «هذَيْن» اسمُ «إنّ» وعلامةُ نصبِه الياءُ. و «لَساحِران» خبرُها، ودخَلَتِ اللام توكيدًا. وأمّا مِن حيث المعنى: فإنّهم أثْبتوا لهما السحرَ بطريق تأكيديٍّ من طرفيه، ولكنهم استشكلُوها من حيث خَطُّ المصحفِ؛ وذلك أنّ رَسْمَه «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ، فإثباتُه بالياءِ زيادةٌ على خطِّ المصحفِ. قال أبو إسحاق: «لا أُجيز قراءةَ أبي عمرو لأنّها خلافُ المصحفِ». وقال أبو عبيد: «رأيتُهما في الإمام مصحفِ عثمان» هذن «ليس فيها ألفٌ، وهكذا رأيتُ رفعَ الاثنين في ذلك المصحفِ بإسقاط الألفِ، وإذا كتبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء، ولا يُسْقِطونها». قلت: وهذا لا ينبغي أنْ يُرَدَّ به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم أشياءُ خارجةٌ عن القياسِ، وقد نَصُّوا هم أنه لا يجوزُ القراءةُ بها فليكنْ هذا منها، أعني ممّا خَرَجَ عن القياس. فإن قلتَ: ما نَقَلْتَه عن أبي عبيد مشتركُ الإلزامِ بين أبي عمروٍ وغيرِه، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادةِ الياء يُعْترض عليهم بزيادةِ الألفِ: فإنّ الألفَ ثابتةٌ في قراءتِهم، ساقطةٌ من خَطِّ المصحفِ. فالجواب ما تقدَّم مِن قولِ أبي عبيدٍ أنهم رآهم يُسْقِطون الألفَ مِن رفع الاثنين، فإذا كتُبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء. وذهب جماعةٌ منهم عائشةُ رضي الله عنها وأبو عمروٍ إلى أن هذا ممّا لَحَنَ فيه الكاتبُ وأُقيم بالصواب. يَعْنُون أنه كان مِن حقه أن يكتبَه بالياءِ فلم يفعلْ، فلم يقرَأْه الناسُ إلاَّ بالياءِ على الصوابِ. وأمّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أن «إنّ» بمعنى نَعَمْ، و «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، وكَثُرَ ورودُ «إنّ» بمعنى نعم وأنشدوا: ٣٢٩٧ - بَكَرَ العَواذِلُ في المَشِيْ ... بِ يَلُمْنَني وألوْمُهُنَّهْ ويَقلْن شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنّهْ أي: فقلت: نَعَمْ. والهاءُ للسَّكْتِ. وقال رجلٌ لابن الزبير: لَعَن اللهُ ناقةً حَمَلَتْني إليكَ. فقال: «إنّ وصاحبَها» أي: نعم. ولَعَنَ صاحبَها. وهذا رأيُ المبردِ وعلي بن سليمان في آخرين. وهو مردودٌ من وجهين، أحدهما: عدمُ ثبوتِ «إنّ» بمعنى نعم، وما أوردُه مُؤَوَّلٌ: أمّا البيتُ فإنّ الهاءَ اسمُها، والخبرَ محذوفٌ لفهمِ المعنى تقديرُه: إنه كذلك. وأمّا قولُ ابنِ الزبير فذلك مِن حَذْفِ المعطوفِ عليه وإبقاءِ المعطوف وحَذْفِ خبر «إنّ» للدلالةِ عليه، تقديره: إنّها وصاحَبها ملعونان، وفيه تكلُّفٌ لا يَخْفى والثاني: دخولُ اللامِ على خبرِ المبتدأ غيرِ المؤكَّد ب «إنّ» المكسورةِ، لأنَّ مثلَه لا يقعُ إلاَّ ضرورةً كقولِه: ٣٢٩٨ - أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضى من اللحمِ بعظمِ الرَّقَبَهْ وقد يُجاب عنه: بأنّ «لَساحِران» يجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ دَخَلَتْ عليه هذه اللامُ تقديرُه: لهما ساحران. وقد فعل ذلك الزجاج كما ستأتي حكايتُه عنه. الثاني: أنّ اسمَها ضميرُ القصةِ وهو «ها» التي قبل «ذان» وليست ب «ها» التي للتنبيهِ الداخلةِ على أسماءِ الإشارةِ، والتقدير: إنّ القصةَ ذانِ لساحران. وقد رَدُّوا هذا من وجهين، أحدهما: من جهةِ الخَطِّ، وهو أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن تُكتبَ «إنها» فيصِلوا الضميرَ بالحرفِ قبلَه كقوله تعالى: ﴿فَإنَّها لاَ تَعْمى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] فكَتْبُهم إياها مفصولةً من «إنّ» متصلةً باسمِ الإشارة يمنع كونَها ضميرًا، وهو واضح. الثاني: أنّه يؤدِّي إلى دخولِ لامِ الابتداءِ في الخبرِ غيرِ المنسوخِ. وقد يُجاب عنه بما تقدَّم. الثالث: أنّ اسمَها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ، والجملةُ من المبتدأ والخبرِ بعدَه في محلِّ رفعٍ خبرًا ل «إنّ»، التقديرُ: إنّه، أي: الأمرُ والشأنُ. وقد ضُعِّفَ هذا بوجهين، أحدهما: حَذْفُ اسمِ «إن»، وهو غيرُ جائزٍ إلاَّ في شعرٍ، بشرطِ أنْ لا تباشرَ «إنّ» فعلًا كقولِه: ٣٢٩٩ - إنّ مَن يَدْخُلِ الكنيسةَ يومًا ... يَلْقَ فيها جَآذرًا وظِباءَ / والثاني: دخولُ اللام في الخبرِ. وقد أجابَ الزجّاج بأنها داخلةٌ على مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: لهما ساحران. وهذا قد استحسنه شيخُه المبردُ، أعني جوابَه بذلك. الرابع: أنّ «هذان» اسمُها، و «لَساحران» خبرُها. وقد رُدَّ هذا بأنه كان ينبغي أنْ يكونَ «هذين» بالياءِ كقراءةِ أبي عمرو. وقد أُجيب عن ذلك: بأنه على لغةِ بني الحارثِ وبين الهُجَيْم وبني العَنْبر وزُبَيْد وعُذْرَة ومُراد وخَثْعَم. وحكى هذه اللغةَ الأئمةُ الكبارُ كأبي الخَطّاب وأبي زيد الأنصاري والكسائي. قال أبو زيد: «سمعتُ من العربِ مَن يَقْلِبُ كلَّ ياءٍ ينفتح ما قبلها ألفًا»، يجعلون المثنى كالمقصورِ فيُثْبِتون ألفًا في جميع أحواله، ويُقَدِّرون إعرابَه بالحركاتِ، وأنشدوا قولَه: ٣٣٠٠ - فأطْرَق إطْراقَ الشُّجاعِ ولو يرى ... مَساغًا لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما أي: لنابَيْه. وقولَه: ٣٣٠١ - إنّ أباها وأبا أباها ... قد بَلَغا في المجدِ غايتاها أي: غايتيهما، إلى غير ذلك من الشواهد. وقرأ ابن مسعود: «أنْ هذان ساحِران» بفتح «أنْ» وإسقاط اللامِ: على أنها وما في حَيِّزها بدلٌ من «النجوى» كذا قاله الزمخشري، وتبعه الشيخ ولم ينكره. وفيه نظرٌ: لأنّ الاعتراضَ بالجملة القولية بين البدلِ والمبدلِ منه لا يَصِحُّ. وأيضًا فإنّ الجملةَ القوليةَ مفسرةٌ للنجوى في قراءةِ العامَّة، وكذا قاله الزمخشريُّ أولًا فكيف يَصحُّ أنْ يُجْعَلَ «أنْ هذان ساحران» بدلًا من «النجوى»؟ اهـ (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. ٨/ ٦٣ - ٦٨)]] ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتكُم المُثْلى﴾: بملككم وعيشكم الذي أنتم فيه أو بأشراف قومكم أو بدينكم الذي هو أمثل الأديان، ﴿فأجْمِعوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: أحكموا واعزموا كلكم على كيدهما مجتمعين لهما ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: مصطفين فإنه أهيب في عين الرائين، وهذا قول بعض السحرة لبعضهم ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾: فإن من غلب، ﴿قالُوا يا مُوسى﴾، بعدما جمعوا كيدهم وأتوا، ﴿إمّا أن تُلْقِيَ﴾: عصاك أولًا، ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾، ما بعد أن منصوب بمحذوف أي: اختر إلقاءك أو إلقاءنا أو مرفوع أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا﴾، قيل: لما علم ميلهم إلى البدء أمرهم به وليشعر علية تغيير نظمهم عن إما أن تلقي إلى أو أن نكون أول من ألقى ﴿فَإذا حِبالُهُمْ﴾، إذا للمفاجأة أي: فألقوا فإذا حبالهم ﴿وعِصِيُّهُمْ﴾، جمع عصى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾، وتحريكها ما كان إلا بحيلة وحاصل الكلام فألقوا ففاجأ موسى تخيله وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم من سحرهم ومن قرأ تخيل بالتاء فقوله: أنها تسعى بدل اشتمال من ضميره الراجع إلى الحبال والعصي قيل لطخوا بالزئبق فلما ضربت عليهما الشمس اضطربت. ﴿فَأوْجَسَ﴾: أضمر ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾: من أن يلتبس الأمر على القوم فلا يتبعونه وقيل من: طبع البشرية ظن أنها تقصده ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾، وهذا مشعر ومؤيد للوجه الأول، وإلا فالمناسب أن يقال لا تخف إنك آمن ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ لم يقل عصاك تحقيرًا لها أي العويدة التي في يدك ولا تبال بعصيهم ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع جواب الأمر وقراءة تلقف بالرفع أي: تتلقف فبالحال أو الاستئناف. ﴿ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا﴾ أي: إن الذي زوروا ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾، وحد الساحر لأن المراد به الجنس، وقراءة سِحْرٍ كعِلْمُ فِقْهٍ بأن الإضافة للبيان أو جعل الساحر سحر للمبالغة ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيثُ أتى﴾: حيث كان ﴿فأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أي: ألقى موسى عصاه فتلقفت فألقى ذلك السحرة على وجوههم ساجدين لله ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وموسى﴾، وعن بعض لما سجدوا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها ﴿قالَ﴾ فرعون: ﴿آمَنتمْ به﴾ أي: لموسى واللام لتضمين معنى الاتباع ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكمْ﴾: في اتباعه ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾: أستاذكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أي: مختلفات من اليد اليمني ومن الرجل اليسرى، ومن للابتداء، فإن القطع ناشئ من مخالفة العضو العضو. أي: من وضع المخالفة فقد لابس المخالفة أيضًا وقيل من أجل خلاف ظهر منكم ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها شبه تمكن المصلوب بالجذوع [بتمكن] المظروف بالظرف، فقال: في جذوع ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾: أنا أو موسى وأراد به الهزء فإنه لم يكن من التعذيب في شيء وقيل أينا أي؛ أنا أو رب موسى الذي آمنتم به ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى قالُوا لَن نُؤْثِرَكَ﴾: نختارك، ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ الضمير لما ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾: المعجزات ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾، عطف على ما جاءنا وقيل قسم ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ أي: قاضيه يعني اصنع ما تصنع ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَ﴾ أي: إنما لك تسلط في دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل، وأمر بتعليم السحر لهم كارهين، وهم الذين قالوا ذلك، وقيل لما رأى السحرة عصاهُ يحرس موسى وهو نائم قالوا لفرعون: إن هذا ليس بساحر فأبى إلا المعارضة ﴿واللهُ خَيْرٌ﴾: جزاءً أو لنا منك ﴿وأبْقى﴾ عقابًا أو لنا فإنك فانٍ. ﴿إنَّهُ﴾ الضمير للشأن ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾: بأن يموت كافرًا ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾: فيستريح ﴿ولا يَحْيى﴾: حياة مرضية وهذه الجملة إما من تمام قول السحرة وإما ابتداء كلام من الله، وفي مسلم وغيره وإما أناس تصيبهم النار بذنوبهم، وليسوا من أهلها فيميتهم إماتة حتى يصيروا فحمًا يقوم الشفعاء فيشفعون فيؤتى بهم نهرًا يقال له الحياة فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل. ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ وفي مسند أحمد والترمذي: قال عليه السلام: ”في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة“ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، بدل من الدرجات ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾: تطهر من أدناس المعاصي.

طه 20:63

﴿مِنها﴾: من الأرض ﴿خَلَقْناكُمْ﴾: فإن أب الكل منها وعن بعض الملك يأخذ من تراب الأرض الذي قدر أن يدفن فيها فيذره على النطفة فيخلق منها ﴿وفيها نُعِيدُكُمْ﴾: بالموت ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾: يوم البعث ﴿تارَةً أُخْرى﴾. ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ أي: الآيات التي ظهرت على يد موسى ﴿فَكَذَّبَ﴾: الآيات وقال إنّها سحر، ﴿وأبى﴾: قبولها ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾: فيبقى لك ديارنا ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: مثل سحرك ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ اسم مكان أو زمان ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ جعل المكان أو الزمان مخلفًا على الاتساع كيوم شهدناه ﴿نَحْنُ ولا أنتَ مَكانًا﴾ بدل من الموعد على الأول، وظرف لـ لا نخلفه على الثاني، وقيل مفعول أول لـ اجعل ﴿سُوًى﴾ منصفًا يستوى مسافته إلينا وإليك أو عدلًا أو مستوىً يتبين الناس وما فيه فيه، ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيد لهم، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - يوم عاشوراء إذا كان الموعد اسم زمان فهو ظاهر، وأما إن كان اسم مكان فهو كما تقول يوم عرفة في جواب أين أراك؟ أي: في عرفة فإن له مكانًا معينًا معروفًا ﴿وأن يُحْشَرَ النّاسُ﴾، عطف على اليوم والزينة ﴿ضُحًى﴾: في وقت الضحوة جهارًا في محضر الخلائق ليتضح الحق على رءوس الأشهاد ويشتهر، ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ هو كما تقول ذهب يفعل كذا أي شرع فيه ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: ما يكاد به من السحرة وآلاتها ﴿ثُمَّ أتى﴾: الموعد ﴿قالَ لَهُمْ﴾: للسحرة ﴿مُوسى﴾ وفي عددهم اختلاف كثير قيل سبعون رجلًا، وقيل ثمانون ألفًا أو ثلاثون أو تسعة عشر ألفًا، أو خمسة عشر ألفًا، أو اثنا عشر ألفًا ﴿ويْلَكم لا تَفتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا﴾، بأن تخيلوا للناس ما لا حقيقة له، فتقولوا إنه مخلوق لله وأن تدعوا معجزاته سحرًا أو تدعوا له ندا ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: يستأصلكم ﴿بِعَذابٍ وقَدْ خابَ﴾: خسر ﴿مَنِ افْتَرى﴾: على الله ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أي: تشاجر السحرة سرًّا من فرعون في أمرهم فقائل منهم يقول ليس هذا بساحر إنما هو كلام نبي وقائل يقول بل هو ساحر ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ أي: تناجوا فيما بينهم ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، تفسير لـ أسَرُّوا النَّجْوى وهذا من اسم إن لغة من يجعل التثنية غير مختلف في الرفع والنصب والجر، أو تقديره أنه هذان لساحران [[قال العلّامة السمين ما نصه: قوله: ﴿إنْ هذان﴾: اختلف القُرّاءُ في هذه الآيةِ الكريمة: فقرأ ابن كثيرٍ وحدَه «إنْ هذانِّ» بتخفيف إنْ، والألفِ، وتشديدِ النون. وحفصٌ كذلك إلاَّ أنه خَفَّف نونَ «هذانٍ». وقرأ أبو عمرو «إنّ» بالتشديد «هذين» بالياء وتخفيفِ النون. والباقون كذلك إلاَّ أنهم قَرَؤوا/ «هذان» بالألف. فأمّا القراءةُ الأولى وهي قراءةُ ابنِ كثير وحفص فأوضحُ القراءاتِ معنىً ولفظًا وخَطًَّا؛ وذلك أنهما جعلا «إنْ» المخففةَ من الثقيلة فَأُهْمِلَتْ، ولَمّا أُهْمِلَتْ كما هو الأفصحُ مِن وجهيها خِيْفَ التباسُها بالنافية فجيء باللامِ فارقةً في الخبر. ف «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، ووافَقَتْ خَطَّ المصحفِ؛ فإن الرسم «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ وسيأتي بيانُ ذلك. وأمّا تشديدُ نونِ «هذان» فعلى ما تقدَّم في سورةِ النساءِ، وقد أتْقَنتُ ذلك هناك. وأمّا الكوفيون فيزعمون أنّ «إنْ» نافيةٌ بمعنى ما، واللامُ بمعنى إلاَّ، وهو خلافٌ مشهورٌ وقد وافقَ تخريجُهم هنا قراءةَ بعضِهم «ما هذانِ إلاَّ ساحران». وأمّا قراءةُ أبي عمروٍ فواضحةٌ من حيث الإعرابُ والمعنى. أمّا الإعرابُ ف «هذَيْن» اسمُ «إنّ» وعلامةُ نصبِه الياءُ. و «لَساحِران» خبرُها، ودخَلَتِ اللام توكيدًا. وأمّا مِن حيث المعنى: فإنّهم أثْبتوا لهما السحرَ بطريق تأكيديٍّ من طرفيه، ولكنهم استشكلُوها من حيث خَطُّ المصحفِ؛ وذلك أنّ رَسْمَه «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ، فإثباتُه بالياءِ زيادةٌ على خطِّ المصحفِ. قال أبو إسحاق: «لا أُجيز قراءةَ أبي عمرو لأنّها خلافُ المصحفِ». وقال أبو عبيد: «رأيتُهما في الإمام مصحفِ عثمان» هذن «ليس فيها ألفٌ، وهكذا رأيتُ رفعَ الاثنين في ذلك المصحفِ بإسقاط الألفِ، وإذا كتبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء، ولا يُسْقِطونها». قلت: وهذا لا ينبغي أنْ يُرَدَّ به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم أشياءُ خارجةٌ عن القياسِ، وقد نَصُّوا هم أنه لا يجوزُ القراءةُ بها فليكنْ هذا منها، أعني ممّا خَرَجَ عن القياس. فإن قلتَ: ما نَقَلْتَه عن أبي عبيد مشتركُ الإلزامِ بين أبي عمروٍ وغيرِه، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادةِ الياء يُعْترض عليهم بزيادةِ الألفِ: فإنّ الألفَ ثابتةٌ في قراءتِهم، ساقطةٌ من خَطِّ المصحفِ. فالجواب ما تقدَّم مِن قولِ أبي عبيدٍ أنهم رآهم يُسْقِطون الألفَ مِن رفع الاثنين، فإذا كتُبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء. وذهب جماعةٌ منهم عائشةُ رضي الله عنها وأبو عمروٍ إلى أن هذا ممّا لَحَنَ فيه الكاتبُ وأُقيم بالصواب. يَعْنُون أنه كان مِن حقه أن يكتبَه بالياءِ فلم يفعلْ، فلم يقرَأْه الناسُ إلاَّ بالياءِ على الصوابِ. وأمّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أن «إنّ» بمعنى نَعَمْ، و «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، وكَثُرَ ورودُ «إنّ» بمعنى نعم وأنشدوا: ٣٢٩٧ - بَكَرَ العَواذِلُ في المَشِيْ ... بِ يَلُمْنَني وألوْمُهُنَّهْ ويَقلْن شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنّهْ أي: فقلت: نَعَمْ. والهاءُ للسَّكْتِ. وقال رجلٌ لابن الزبير: لَعَن اللهُ ناقةً حَمَلَتْني إليكَ. فقال: «إنّ وصاحبَها» أي: نعم. ولَعَنَ صاحبَها. وهذا رأيُ المبردِ وعلي بن سليمان في آخرين. وهو مردودٌ من وجهين، أحدهما: عدمُ ثبوتِ «إنّ» بمعنى نعم، وما أوردُه مُؤَوَّلٌ: أمّا البيتُ فإنّ الهاءَ اسمُها، والخبرَ محذوفٌ لفهمِ المعنى تقديرُه: إنه كذلك. وأمّا قولُ ابنِ الزبير فذلك مِن حَذْفِ المعطوفِ عليه وإبقاءِ المعطوف وحَذْفِ خبر «إنّ» للدلالةِ عليه، تقديره: إنّها وصاحَبها ملعونان، وفيه تكلُّفٌ لا يَخْفى والثاني: دخولُ اللامِ على خبرِ المبتدأ غيرِ المؤكَّد ب «إنّ» المكسورةِ، لأنَّ مثلَه لا يقعُ إلاَّ ضرورةً كقولِه: ٣٢٩٨ - أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضى من اللحمِ بعظمِ الرَّقَبَهْ وقد يُجاب عنه: بأنّ «لَساحِران» يجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ دَخَلَتْ عليه هذه اللامُ تقديرُه: لهما ساحران. وقد فعل ذلك الزجاج كما ستأتي حكايتُه عنه. الثاني: أنّ اسمَها ضميرُ القصةِ وهو «ها» التي قبل «ذان» وليست ب «ها» التي للتنبيهِ الداخلةِ على أسماءِ الإشارةِ، والتقدير: إنّ القصةَ ذانِ لساحران. وقد رَدُّوا هذا من وجهين، أحدهما: من جهةِ الخَطِّ، وهو أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن تُكتبَ «إنها» فيصِلوا الضميرَ بالحرفِ قبلَه كقوله تعالى: ﴿فَإنَّها لاَ تَعْمى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] فكَتْبُهم إياها مفصولةً من «إنّ» متصلةً باسمِ الإشارة يمنع كونَها ضميرًا، وهو واضح. الثاني: أنّه يؤدِّي إلى دخولِ لامِ الابتداءِ في الخبرِ غيرِ المنسوخِ. وقد يُجاب عنه بما تقدَّم. الثالث: أنّ اسمَها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ، والجملةُ من المبتدأ والخبرِ بعدَه في محلِّ رفعٍ خبرًا ل «إنّ»، التقديرُ: إنّه، أي: الأمرُ والشأنُ. وقد ضُعِّفَ هذا بوجهين، أحدهما: حَذْفُ اسمِ «إن»، وهو غيرُ جائزٍ إلاَّ في شعرٍ، بشرطِ أنْ لا تباشرَ «إنّ» فعلًا كقولِه: ٣٢٩٩ - إنّ مَن يَدْخُلِ الكنيسةَ يومًا ... يَلْقَ فيها جَآذرًا وظِباءَ / والثاني: دخولُ اللام في الخبرِ. وقد أجابَ الزجّاج بأنها داخلةٌ على مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: لهما ساحران. وهذا قد استحسنه شيخُه المبردُ، أعني جوابَه بذلك. الرابع: أنّ «هذان» اسمُها، و «لَساحران» خبرُها. وقد رُدَّ هذا بأنه كان ينبغي أنْ يكونَ «هذين» بالياءِ كقراءةِ أبي عمرو. وقد أُجيب عن ذلك: بأنه على لغةِ بني الحارثِ وبين الهُجَيْم وبني العَنْبر وزُبَيْد وعُذْرَة ومُراد وخَثْعَم. وحكى هذه اللغةَ الأئمةُ الكبارُ كأبي الخَطّاب وأبي زيد الأنصاري والكسائي. قال أبو زيد: «سمعتُ من العربِ مَن يَقْلِبُ كلَّ ياءٍ ينفتح ما قبلها ألفًا»، يجعلون المثنى كالمقصورِ فيُثْبِتون ألفًا في جميع أحواله، ويُقَدِّرون إعرابَه بالحركاتِ، وأنشدوا قولَه: ٣٣٠٠ - فأطْرَق إطْراقَ الشُّجاعِ ولو يرى ... مَساغًا لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما أي: لنابَيْه. وقولَه: ٣٣٠١ - إنّ أباها وأبا أباها ... قد بَلَغا في المجدِ غايتاها أي: غايتيهما، إلى غير ذلك من الشواهد. وقرأ ابن مسعود: «أنْ هذان ساحِران» بفتح «أنْ» وإسقاط اللامِ: على أنها وما في حَيِّزها بدلٌ من «النجوى» كذا قاله الزمخشري، وتبعه الشيخ ولم ينكره. وفيه نظرٌ: لأنّ الاعتراضَ بالجملة القولية بين البدلِ والمبدلِ منه لا يَصِحُّ. وأيضًا فإنّ الجملةَ القوليةَ مفسرةٌ للنجوى في قراءةِ العامَّة، وكذا قاله الزمخشريُّ أولًا فكيف يَصحُّ أنْ يُجْعَلَ «أنْ هذان ساحران» بدلًا من «النجوى»؟ اهـ (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. ٨/ ٦٣ - ٦٨)]] ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتكُم المُثْلى﴾: بملككم وعيشكم الذي أنتم فيه أو بأشراف قومكم أو بدينكم الذي هو أمثل الأديان، ﴿فأجْمِعوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: أحكموا واعزموا كلكم على كيدهما مجتمعين لهما ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: مصطفين فإنه أهيب في عين الرائين، وهذا قول بعض السحرة لبعضهم ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾: فإن من غلب، ﴿قالُوا يا مُوسى﴾، بعدما جمعوا كيدهم وأتوا، ﴿إمّا أن تُلْقِيَ﴾: عصاك أولًا، ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾، ما بعد أن منصوب بمحذوف أي: اختر إلقاءك أو إلقاءنا أو مرفوع أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا﴾، قيل: لما علم ميلهم إلى البدء أمرهم به وليشعر علية تغيير نظمهم عن إما أن تلقي إلى أو أن نكون أول من ألقى ﴿فَإذا حِبالُهُمْ﴾، إذا للمفاجأة أي: فألقوا فإذا حبالهم ﴿وعِصِيُّهُمْ﴾، جمع عصى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾، وتحريكها ما كان إلا بحيلة وحاصل الكلام فألقوا ففاجأ موسى تخيله وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم من سحرهم ومن قرأ تخيل بالتاء فقوله: أنها تسعى بدل اشتمال من ضميره الراجع إلى الحبال والعصي قيل لطخوا بالزئبق فلما ضربت عليهما الشمس اضطربت. ﴿فَأوْجَسَ﴾: أضمر ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾: من أن يلتبس الأمر على القوم فلا يتبعونه وقيل من: طبع البشرية ظن أنها تقصده ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾، وهذا مشعر ومؤيد للوجه الأول، وإلا فالمناسب أن يقال لا تخف إنك آمن ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ لم يقل عصاك تحقيرًا لها أي العويدة التي في يدك ولا تبال بعصيهم ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع جواب الأمر وقراءة تلقف بالرفع أي: تتلقف فبالحال أو الاستئناف. ﴿ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا﴾ أي: إن الذي زوروا ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾، وحد الساحر لأن المراد به الجنس، وقراءة سِحْرٍ كعِلْمُ فِقْهٍ بأن الإضافة للبيان أو جعل الساحر سحر للمبالغة ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيثُ أتى﴾: حيث كان ﴿فأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أي: ألقى موسى عصاه فتلقفت فألقى ذلك السحرة على وجوههم ساجدين لله ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وموسى﴾، وعن بعض لما سجدوا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها ﴿قالَ﴾ فرعون: ﴿آمَنتمْ به﴾ أي: لموسى واللام لتضمين معنى الاتباع ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكمْ﴾: في اتباعه ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾: أستاذكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أي: مختلفات من اليد اليمني ومن الرجل اليسرى، ومن للابتداء، فإن القطع ناشئ من مخالفة العضو العضو. أي: من وضع المخالفة فقد لابس المخالفة أيضًا وقيل من أجل خلاف ظهر منكم ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها شبه تمكن المصلوب بالجذوع [بتمكن] المظروف بالظرف، فقال: في جذوع ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾: أنا أو موسى وأراد به الهزء فإنه لم يكن من التعذيب في شيء وقيل أينا أي؛ أنا أو رب موسى الذي آمنتم به ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى قالُوا لَن نُؤْثِرَكَ﴾: نختارك، ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ الضمير لما ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾: المعجزات ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾، عطف على ما جاءنا وقيل قسم ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ أي: قاضيه يعني اصنع ما تصنع ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَ﴾ أي: إنما لك تسلط في دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل، وأمر بتعليم السحر لهم كارهين، وهم الذين قالوا ذلك، وقيل لما رأى السحرة عصاهُ يحرس موسى وهو نائم قالوا لفرعون: إن هذا ليس بساحر فأبى إلا المعارضة ﴿واللهُ خَيْرٌ﴾: جزاءً أو لنا منك ﴿وأبْقى﴾ عقابًا أو لنا فإنك فانٍ. ﴿إنَّهُ﴾ الضمير للشأن ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾: بأن يموت كافرًا ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾: فيستريح ﴿ولا يَحْيى﴾: حياة مرضية وهذه الجملة إما من تمام قول السحرة وإما ابتداء كلام من الله، وفي مسلم وغيره وإما أناس تصيبهم النار بذنوبهم، وليسوا من أهلها فيميتهم إماتة حتى يصيروا فحمًا يقوم الشفعاء فيشفعون فيؤتى بهم نهرًا يقال له الحياة فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل. ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ وفي مسند أحمد والترمذي: قال عليه السلام: ”في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة“ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، بدل من الدرجات ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾: تطهر من أدناس المعاصي.

طه 20:64

﴿مِنها﴾: من الأرض ﴿خَلَقْناكُمْ﴾: فإن أب الكل منها وعن بعض الملك يأخذ من تراب الأرض الذي قدر أن يدفن فيها فيذره على النطفة فيخلق منها ﴿وفيها نُعِيدُكُمْ﴾: بالموت ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾: يوم البعث ﴿تارَةً أُخْرى﴾. ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ أي: الآيات التي ظهرت على يد موسى ﴿فَكَذَّبَ﴾: الآيات وقال إنّها سحر، ﴿وأبى﴾: قبولها ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾: فيبقى لك ديارنا ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: مثل سحرك ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ اسم مكان أو زمان ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ جعل المكان أو الزمان مخلفًا على الاتساع كيوم شهدناه ﴿نَحْنُ ولا أنتَ مَكانًا﴾ بدل من الموعد على الأول، وظرف لـ لا نخلفه على الثاني، وقيل مفعول أول لـ اجعل ﴿سُوًى﴾ منصفًا يستوى مسافته إلينا وإليك أو عدلًا أو مستوىً يتبين الناس وما فيه فيه، ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيد لهم، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - يوم عاشوراء إذا كان الموعد اسم زمان فهو ظاهر، وأما إن كان اسم مكان فهو كما تقول يوم عرفة في جواب أين أراك؟ أي: في عرفة فإن له مكانًا معينًا معروفًا ﴿وأن يُحْشَرَ النّاسُ﴾، عطف على اليوم والزينة ﴿ضُحًى﴾: في وقت الضحوة جهارًا في محضر الخلائق ليتضح الحق على رءوس الأشهاد ويشتهر، ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ هو كما تقول ذهب يفعل كذا أي شرع فيه ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: ما يكاد به من السحرة وآلاتها ﴿ثُمَّ أتى﴾: الموعد ﴿قالَ لَهُمْ﴾: للسحرة ﴿مُوسى﴾ وفي عددهم اختلاف كثير قيل سبعون رجلًا، وقيل ثمانون ألفًا أو ثلاثون أو تسعة عشر ألفًا، أو خمسة عشر ألفًا، أو اثنا عشر ألفًا ﴿ويْلَكم لا تَفتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا﴾، بأن تخيلوا للناس ما لا حقيقة له، فتقولوا إنه مخلوق لله وأن تدعوا معجزاته سحرًا أو تدعوا له ندا ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: يستأصلكم ﴿بِعَذابٍ وقَدْ خابَ﴾: خسر ﴿مَنِ افْتَرى﴾: على الله ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أي: تشاجر السحرة سرًّا من فرعون في أمرهم فقائل منهم يقول ليس هذا بساحر إنما هو كلام نبي وقائل يقول بل هو ساحر ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ أي: تناجوا فيما بينهم ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، تفسير لـ أسَرُّوا النَّجْوى وهذا من اسم إن لغة من يجعل التثنية غير مختلف في الرفع والنصب والجر، أو تقديره أنه هذان لساحران [[قال العلّامة السمين ما نصه: قوله: ﴿إنْ هذان﴾: اختلف القُرّاءُ في هذه الآيةِ الكريمة: فقرأ ابن كثيرٍ وحدَه «إنْ هذانِّ» بتخفيف إنْ، والألفِ، وتشديدِ النون. وحفصٌ كذلك إلاَّ أنه خَفَّف نونَ «هذانٍ». وقرأ أبو عمرو «إنّ» بالتشديد «هذين» بالياء وتخفيفِ النون. والباقون كذلك إلاَّ أنهم قَرَؤوا/ «هذان» بالألف. فأمّا القراءةُ الأولى وهي قراءةُ ابنِ كثير وحفص فأوضحُ القراءاتِ معنىً ولفظًا وخَطًَّا؛ وذلك أنهما جعلا «إنْ» المخففةَ من الثقيلة فَأُهْمِلَتْ، ولَمّا أُهْمِلَتْ كما هو الأفصحُ مِن وجهيها خِيْفَ التباسُها بالنافية فجيء باللامِ فارقةً في الخبر. ف «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، ووافَقَتْ خَطَّ المصحفِ؛ فإن الرسم «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ وسيأتي بيانُ ذلك. وأمّا تشديدُ نونِ «هذان» فعلى ما تقدَّم في سورةِ النساءِ، وقد أتْقَنتُ ذلك هناك. وأمّا الكوفيون فيزعمون أنّ «إنْ» نافيةٌ بمعنى ما، واللامُ بمعنى إلاَّ، وهو خلافٌ مشهورٌ وقد وافقَ تخريجُهم هنا قراءةَ بعضِهم «ما هذانِ إلاَّ ساحران». وأمّا قراءةُ أبي عمروٍ فواضحةٌ من حيث الإعرابُ والمعنى. أمّا الإعرابُ ف «هذَيْن» اسمُ «إنّ» وعلامةُ نصبِه الياءُ. و «لَساحِران» خبرُها، ودخَلَتِ اللام توكيدًا. وأمّا مِن حيث المعنى: فإنّهم أثْبتوا لهما السحرَ بطريق تأكيديٍّ من طرفيه، ولكنهم استشكلُوها من حيث خَطُّ المصحفِ؛ وذلك أنّ رَسْمَه «هذن» بدونِ ألفٍ ولا ياءٍ، فإثباتُه بالياءِ زيادةٌ على خطِّ المصحفِ. قال أبو إسحاق: «لا أُجيز قراءةَ أبي عمرو لأنّها خلافُ المصحفِ». وقال أبو عبيد: «رأيتُهما في الإمام مصحفِ عثمان» هذن «ليس فيها ألفٌ، وهكذا رأيتُ رفعَ الاثنين في ذلك المصحفِ بإسقاط الألفِ، وإذا كتبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء، ولا يُسْقِطونها». قلت: وهذا لا ينبغي أنْ يُرَدَّ به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم أشياءُ خارجةٌ عن القياسِ، وقد نَصُّوا هم أنه لا يجوزُ القراءةُ بها فليكنْ هذا منها، أعني ممّا خَرَجَ عن القياس. فإن قلتَ: ما نَقَلْتَه عن أبي عبيد مشتركُ الإلزامِ بين أبي عمروٍ وغيرِه، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادةِ الياء يُعْترض عليهم بزيادةِ الألفِ: فإنّ الألفَ ثابتةٌ في قراءتِهم، ساقطةٌ من خَطِّ المصحفِ. فالجواب ما تقدَّم مِن قولِ أبي عبيدٍ أنهم رآهم يُسْقِطون الألفَ مِن رفع الاثنين، فإذا كتُبوا النصبَ والخفضَ كتبُوه بالياء. وذهب جماعةٌ منهم عائشةُ رضي الله عنها وأبو عمروٍ إلى أن هذا ممّا لَحَنَ فيه الكاتبُ وأُقيم بالصواب. يَعْنُون أنه كان مِن حقه أن يكتبَه بالياءِ فلم يفعلْ، فلم يقرَأْه الناسُ إلاَّ بالياءِ على الصوابِ. وأمّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أن «إنّ» بمعنى نَعَمْ، و «هذان» مبتدأٌ، و «لَساحران» خبرُه، وكَثُرَ ورودُ «إنّ» بمعنى نعم وأنشدوا: ٣٢٩٧ - بَكَرَ العَواذِلُ في المَشِيْ ... بِ يَلُمْنَني وألوْمُهُنَّهْ ويَقلْن شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنّهْ أي: فقلت: نَعَمْ. والهاءُ للسَّكْتِ. وقال رجلٌ لابن الزبير: لَعَن اللهُ ناقةً حَمَلَتْني إليكَ. فقال: «إنّ وصاحبَها» أي: نعم. ولَعَنَ صاحبَها. وهذا رأيُ المبردِ وعلي بن سليمان في آخرين. وهو مردودٌ من وجهين، أحدهما: عدمُ ثبوتِ «إنّ» بمعنى نعم، وما أوردُه مُؤَوَّلٌ: أمّا البيتُ فإنّ الهاءَ اسمُها، والخبرَ محذوفٌ لفهمِ المعنى تقديرُه: إنه كذلك. وأمّا قولُ ابنِ الزبير فذلك مِن حَذْفِ المعطوفِ عليه وإبقاءِ المعطوف وحَذْفِ خبر «إنّ» للدلالةِ عليه، تقديره: إنّها وصاحَبها ملعونان، وفيه تكلُّفٌ لا يَخْفى والثاني: دخولُ اللامِ على خبرِ المبتدأ غيرِ المؤكَّد ب «إنّ» المكسورةِ، لأنَّ مثلَه لا يقعُ إلاَّ ضرورةً كقولِه: ٣٢٩٨ - أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضى من اللحمِ بعظمِ الرَّقَبَهْ وقد يُجاب عنه: بأنّ «لَساحِران» يجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ دَخَلَتْ عليه هذه اللامُ تقديرُه: لهما ساحران. وقد فعل ذلك الزجاج كما ستأتي حكايتُه عنه. الثاني: أنّ اسمَها ضميرُ القصةِ وهو «ها» التي قبل «ذان» وليست ب «ها» التي للتنبيهِ الداخلةِ على أسماءِ الإشارةِ، والتقدير: إنّ القصةَ ذانِ لساحران. وقد رَدُّوا هذا من وجهين، أحدهما: من جهةِ الخَطِّ، وهو أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن تُكتبَ «إنها» فيصِلوا الضميرَ بالحرفِ قبلَه كقوله تعالى: ﴿فَإنَّها لاَ تَعْمى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] فكَتْبُهم إياها مفصولةً من «إنّ» متصلةً باسمِ الإشارة يمنع كونَها ضميرًا، وهو واضح. الثاني: أنّه يؤدِّي إلى دخولِ لامِ الابتداءِ في الخبرِ غيرِ المنسوخِ. وقد يُجاب عنه بما تقدَّم. الثالث: أنّ اسمَها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ، والجملةُ من المبتدأ والخبرِ بعدَه في محلِّ رفعٍ خبرًا ل «إنّ»، التقديرُ: إنّه، أي: الأمرُ والشأنُ. وقد ضُعِّفَ هذا بوجهين، أحدهما: حَذْفُ اسمِ «إن»، وهو غيرُ جائزٍ إلاَّ في شعرٍ، بشرطِ أنْ لا تباشرَ «إنّ» فعلًا كقولِه: ٣٢٩٩ - إنّ مَن يَدْخُلِ الكنيسةَ يومًا ... يَلْقَ فيها جَآذرًا وظِباءَ / والثاني: دخولُ اللام في الخبرِ. وقد أجابَ الزجّاج بأنها داخلةٌ على مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: لهما ساحران. وهذا قد استحسنه شيخُه المبردُ، أعني جوابَه بذلك. الرابع: أنّ «هذان» اسمُها، و «لَساحران» خبرُها. وقد رُدَّ هذا بأنه كان ينبغي أنْ يكونَ «هذين» بالياءِ كقراءةِ أبي عمرو. وقد أُجيب عن ذلك: بأنه على لغةِ بني الحارثِ وبين الهُجَيْم وبني العَنْبر وزُبَيْد وعُذْرَة ومُراد وخَثْعَم. وحكى هذه اللغةَ الأئمةُ الكبارُ كأبي الخَطّاب وأبي زيد الأنصاري والكسائي. قال أبو زيد: «سمعتُ من العربِ مَن يَقْلِبُ كلَّ ياءٍ ينفتح ما قبلها ألفًا»، يجعلون المثنى كالمقصورِ فيُثْبِتون ألفًا في جميع أحواله، ويُقَدِّرون إعرابَه بالحركاتِ، وأنشدوا قولَه: ٣٣٠٠ - فأطْرَق إطْراقَ الشُّجاعِ ولو يرى ... مَساغًا لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما أي: لنابَيْه. وقولَه: ٣٣٠١ - إنّ أباها وأبا أباها ... قد بَلَغا في المجدِ غايتاها أي: غايتيهما، إلى غير ذلك من الشواهد. وقرأ ابن مسعود: «أنْ هذان ساحِران» بفتح «أنْ» وإسقاط اللامِ: على أنها وما في حَيِّزها بدلٌ من «النجوى» كذا قاله الزمخشري، وتبعه الشيخ ولم ينكره. وفيه نظرٌ: لأنّ الاعتراضَ بالجملة القولية بين البدلِ والمبدلِ منه لا يَصِحُّ. وأيضًا فإنّ الجملةَ القوليةَ مفسرةٌ للنجوى في قراءةِ العامَّة، وكذا قاله الزمخشريُّ أولًا فكيف يَصحُّ أنْ يُجْعَلَ «أنْ هذان ساحران» بدلًا من «النجوى»؟ اهـ (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. ٨/ ٦٣ - ٦٨)]] ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتكُم المُثْلى﴾: بملككم وعيشكم الذي أنتم فيه أو بأشراف قومكم أو بدينكم الذي هو أمثل الأديان، ﴿فأجْمِعوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: أحكموا واعزموا كلكم على كيدهما مجتمعين لهما ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: مصطفين فإنه أهيب في عين الرائين، وهذا قول بعض السحرة لبعضهم ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾: فإن من غلب، ﴿قالُوا يا مُوسى﴾، بعدما جمعوا كيدهم وأتوا، ﴿إمّا أن تُلْقِيَ﴾: عصاك أولًا، ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾، ما بعد أن منصوب بمحذوف أي: اختر إلقاءك أو إلقاءنا أو مرفوع أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا﴾، قيل: لما علم ميلهم إلى البدء أمرهم به وليشعر علية تغيير نظمهم عن إما أن تلقي إلى أو أن نكون أول من ألقى ﴿فَإذا حِبالُهُمْ﴾، إذا للمفاجأة أي: فألقوا فإذا حبالهم ﴿وعِصِيُّهُمْ﴾، جمع عصى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾، وتحريكها ما كان إلا بحيلة وحاصل الكلام فألقوا ففاجأ موسى تخيله وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم من سحرهم ومن قرأ تخيل بالتاء فقوله: أنها تسعى بدل اشتمال من ضميره الراجع إلى الحبال والعصي قيل لطخوا بالزئبق فلما ضربت عليهما الشمس اضطربت. ﴿فَأوْجَسَ﴾: أضمر ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾: من أن يلتبس الأمر على القوم فلا يتبعونه وقيل من: طبع البشرية ظن أنها تقصده ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾، وهذا مشعر ومؤيد للوجه الأول، وإلا فالمناسب أن يقال لا تخف إنك آمن ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ لم يقل عصاك تحقيرًا لها أي العويدة التي في يدك ولا تبال بعصيهم ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع جواب الأمر وقراءة تلقف بالرفع أي: تتلقف فبالحال أو الاستئناف. ﴿ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا﴾ أي: إن الذي زوروا ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾، وحد الساحر لأن المراد به الجنس، وقراءة سِحْرٍ كعِلْمُ فِقْهٍ بأن الإضافة للبيان أو جعل الساحر سحر للمبالغة ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيثُ أتى﴾: حيث كان ﴿فأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أي: ألقى موسى عصاه فتلقفت فألقى ذلك السحرة على وجوههم ساجدين لله ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وموسى﴾، وعن بعض لما سجدوا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها ﴿قالَ﴾ فرعون: ﴿آمَنتمْ به﴾ أي: لموسى واللام لتضمين معنى الاتباع ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكمْ﴾: في اتباعه ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾: أستاذكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أي: مختلفات من اليد اليمني ومن الرجل اليسرى، ومن للابتداء، فإن القطع ناشئ من مخالفة العضو العضو. أي: من وضع المخالفة فقد لابس المخالفة أيضًا وقيل من أجل خلاف ظهر منكم ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها شبه تمكن المصلوب بالجذوع [بتمكن] المظروف بالظرف، فقال: في جذوع ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾: أنا أو موسى وأراد به الهزء فإنه لم يكن من التعذيب في شيء وقيل أينا أي؛ أنا أو رب موسى الذي آمنتم به ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى قالُوا لَن نُؤْثِرَكَ﴾: نختارك، ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ الضمير لما ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾: المعجزات ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾، عطف على ما جاءنا وقيل قسم ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ أي: قاضيه يعني اصنع ما تصنع ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَ﴾ أي: إنما لك تسلط في دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل، وأمر بتعليم السحر لهم كارهين، وهم الذين قالوا ذلك، وقيل لما رأى السحرة عصاهُ يحرس موسى وهو نائم قالوا لفرعون: إن هذا ليس بساحر فأبى إلا المعارضة ﴿واللهُ خَيْرٌ﴾: جزاءً أو لنا منك ﴿وأبْقى﴾ عقابًا أو لنا فإنك فانٍ. ﴿إنَّهُ﴾ الضمير للشأن ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾: بأن يموت كافرًا ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾: فيستريح ﴿ولا يَحْيى﴾: حياة مرضية وهذه الجملة إما من تمام قول السحرة وإما ابتداء كلام من الله، وفي مسلم وغيره وإما أناس تصيبهم النار بذنوبهم، وليسوا من أهلها فيميتهم إماتة حتى يصيروا فحمًا يقوم الشفعاء فيشفعون فيؤتى بهم نهرًا يقال له الحياة فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل. ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ وفي مسند أحمد والترمذي: قال عليه السلام: ”في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة“ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، بدل من الدرجات ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾: تطهر من أدناس المعاصي.