Jamia Al-Bayan AlIji — الصافات 37:156 – ص 38:56
المحتويات
- الصافات 37:156
- الصافات 37:157
- الصافات 37:158
- الصافات 37:159
- الصافات 37:160
- الصافات 37:161
- الصافات 37:162
- الصافات 37:163
- الصافات 37:164
- الصافات 37:165
- الصافات 37:166
- الصافات 37:167
- الصافات 37:168
- الصافات 37:169
- الصافات 37:170
- الصافات 37:171
- الصافات 37:172
- الصافات 37:173
- الصافات 37:174
- الصافات 37:175
- الصافات 37:176
- الصافات 37:177
- الصافات 37:178
- الصافات 37:179
- الصافات 37:180
- الصافات 37:181
- الصافات 37:182
- ص 38:1
- ص 38:2
- ص 38:3
- ص 38:4
- ص 38:5
- ص 38:6
- ص 38:7
- ص 38:8
- ص 38:9
- ص 38:10
- ص 38:11
- ص 38:12
- ص 38:13
- ص 38:14
- ص 38:15
- ص 38:16
- ص 38:17
- ص 38:18
- ص 38:19
- ص 38:20
- ص 38:21
- ص 38:22
- ص 38:23
- ص 38:24
- ص 38:25
- ص 38:26
- ص 38:27
- ص 38:28
- ص 38:29
- ص 38:30
- ص 38:31
- ص 38:32
- ص 38:33
- ص 38:34
- ص 38:35
- ص 38:36
- ص 38:37
- ص 38:38
- ص 38:39
- ص 38:40
- ص 38:41
- ص 38:42
- ص 38:43
- ص 38:44
- ص 38:45
- ص 38:46
- ص 38:47
- ص 38:48
- ص 38:49
- ص 38:50
- ص 38:51
- ص 38:52
- ص 38:53
- ص 38:54
- ص 38:55
- ص 38:56
الصافات 37:156
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:157
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:158
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:159
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:160
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:161
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:162
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:163
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:164
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:165
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:166
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:167
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:168
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:169
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:170
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:171
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:172
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:173
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:174
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:175
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:176
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:177
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:178
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:179
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:180
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:181
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
الصافات 37:182
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ﴾: هرب ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: المملوء ﴿فَساهَمَ﴾: فقارع أهل الفلك ﴿فَكانَ مِن المُدْحَضِينَ﴾ صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى عليه السلام نفسه في البحر ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾: ابتلعه ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له ﴿فنَبَذْناهُ﴾: طرحناه ﴿بِالعَراء﴾: الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾: كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد ﴿وأنبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: فوقه ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾: شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر ﴿فَآمَنُوا﴾: المرسل إليهم ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: إلى وقت آجالهم ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾، الذي وقع في أول السورة ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿ولَهُمُ البَنُونَ﴾ لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾: خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة ﴿ألا إنَّهُم منْ إفْكِهِم﴾: بهتانهم ﴿لَيَقولُونَ ولَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: فإنه محال على الله سبحانه ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بمثل هذا ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: حجة واضحة من السماء على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾: الذي أنزل عليكم هذا ﴿إنْ كنتُمْ صادِقِينَ وجَعَلُوا بَينَهُ﴾: بين الله ﴿وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُون﴾ أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفون﴾: من الولد والنسب ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم، قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: ”ما أنتم عليه“ إلخ ﴿وما مِنّا﴾: أحد ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾: في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾: في طاعة الله ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: الله عما لا يليق به، أو المصلون ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: ﴿لَوْ أنَّ عِندَنا ذِكْرًا﴾: كتابًا ﴿مِّنْ الأوَّلِينَ﴾: من كتبهم ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالذكر لما جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾: وعدنا بالنصر ﴿لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وهذه الكلمة هي قوله: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾: في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾: إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك ﴿وأبْصِرْهُمْ﴾: حينئذ كيف يذلون ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَساءَ﴾: بئس ﴿صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾: صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ فإن العزة له تعالى يعز من يشاء ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: المشركون ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم ﴿والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي - رضي الله عنه -: ”من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة“، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروى الطبراني عنه عليه السلام أنه قال: ”من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك رب العزة [... إلخ]، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر“[[قلت (مدخِّل الكتاب): ولم تصح من هذه الأحاديث شيء، والله أعلم]]، والحمد لله على ما هدانا.
ص 38:1
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:2
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:3
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:4
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:5
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:6
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:7
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:8
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:9
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:10
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:11
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:12
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:13
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:14
﴿ص والقُرْآنِ﴾ إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد - عليه السلام -، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة ﴿بَلِ الذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾: استكبار عن الحق ﴿وشِقاقٍ﴾: خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد ﴿كمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ وعيد لهم على عدم الإذعان ﴿فَنادَوْا﴾ استغاثة وتوبة عند حلول العذاب ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾: لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن ﴿وعَجِبُوا أن جاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ﴾: رسول بشر من أنفسهم ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ أي: فقالوا لكفرهم ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ لمعجزاته ﴿كَذابٌ﴾ لما ينسب إلى الله تعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: ”يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم“ فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: ﴿قولوا لا إله إلا الله﴾ فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾: اثبتوا ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة ﴿إنَّ هَذا لَشَيْء يُرادُ﴾ أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾: الذي يقوله ﴿في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾: كذب اختلقه ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾: من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾: لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين العذاب لم يبق عناد ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾: بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾: إن كان لهم ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم ﴿جندٌ ما﴾ أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل ﴿هنالِكَ مَهْزُومٌ﴾: مكسور ﴿مِّنَ الأحْزابِ﴾: هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾: ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﴿أُوْلَئِكَ الأحْزابُ﴾ مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾: فوجب عقابي عليهم.
ص 38:15
﴿وما يَنظُرُ هَؤُلاء﴾ أي: أهل مكة ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي نفخة الفزع ﴿مّا لَها مِن فواقٍ﴾: من رجوع أي: نفخة واحدة لا تُثنّى ولا تردَّد أو ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين ﴿وقالُوا رَبنا عَجِّل لنا قِطَّنا﴾: نصيبنا من العذاب الذي يعد من يدعي النبوة، أو كتابنا الذي فيه أعمالنا ننظر فيه، أو نصيبنا من الجنة التي بعدها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ قالوا ذلك استهزاء، فإنهم غير مؤمنين بالجنة ولا بالنار ولا بيوم الحساب ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾: من السخرية ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أي: اصبر واذكر قصته كيف لقي من توبيخ الله تعالى بسبب زلة يسيرة [[عبارة فيها سوء أدب مع نبي الله داود - عليه السلام - وأين هذه الزلة والآيات تفتتح بالثناء عليه - عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم.]]، فصُنْ نفسك عن أن تزل فيما أمرتك من تحمل أذاهم، وقيل معناه: اصبر وعظم أمر معصية الله تعالى في أعينهم بذكر قصة داود ﴿ذا الأيْدِ﴾: ذا القوة في الطاعة ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إلى الله تعالى في أموره وشئونه ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أي مسبحات معه ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقت الإشراق حين تشرق الشمس وهو وقت الضحى ﴿والطيْرَ﴾ عطف على الجبال ﴿محْشُورَةً﴾: مجتمعة محبوسة إليه من كل جانب ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾: مطيع أو رجاع إلى التسبيح كلما رجع داود إلى التسبيح، فهذه الأشياء كانت ترجع إلى تسبيحها ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾: قويناه بالهيبة وكثرة الجنود ﴿وآتيْناهُ الحِكْمَةَ﴾: الفهم والعقل والإصابة في الأمور أو النبوة ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾: الفاصل من الخطاب بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ الخصم في الأصل مصدر، فلذلك أطلق على غير واحد، والمراد من هذا الاستفهام التشويق إلى استماعه ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾: تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه، وإذ ظرف للنبأ على حذف مضاف أي: قصة نبأ الخصم، أو متعلق بمحذوف أي: نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُودَ﴾ بدل من إذ تسوروا، أو ظرف لتسوروا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ إذ دخلوا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم، فإن له يومًا معينًا للقضاء ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي: نحن خصمان، والتحاكم بين ملكين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، والظاهر أن معهما غيرهما فمعناه: نحن فوجان متخاصمان ﴿بَغى﴾: ظلم ﴿بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا تمثيل منهم، وتعريض بحال داود، وما صدر عنه، وتصوير للمسألة، وفرض لها ﴿فاحْكُم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾: لا تجر في الحكومة ﴿واهْدِنا إلى سَواء الصِّراطِ﴾: إلى وسطه وهو العدل ﴿إنَّ هَذا أخي﴾: في الصداقة ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ هي الأنثى من الضأن كناية عن المرأة [[وإن وردت به اللغة لكنه ليس مرادا في هذا المقام، وقد أصاب وأجاد المؤلف - رحمه الله - عندما حكم على كلام القصاص بالبطلان وعدم الصحة.]] ﴿ولِى نعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾: ملكنيها واجعلني أكفلها ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾: غلبني: في مخاطبته إياي، لأنه أقدر على النطق فقهرني ﴿قالَ﴾: داود لما اعترف الخصم الآخر: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ في السؤال تضمين كأنه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب، وقصته أن عين داود وقعت على امرأة رجل فأعجبها، فسأله النزول عنها، فذنبه مجرد أنه التمس النزول عن امرأته، وعن بعضهم ذنبه أن زوجها قتل في بعض الغزوات، فلم يغتم داود اغتمامه بالشهداء، فتزوج امرأته، وما يذكره القصاص ليس له أصل يعتمد عليه، بل منقول عن علي - رضى الله عنه - أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ﴿وإن كَثِيرًا مِّنْ الخُلَطاءِ﴾: الشركاء ﴿لَيَبْغِي﴾ يظلم ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ما مزيدة للإبهام، وفيه تعجب من قلتهم ﴿وظَنَّ﴾ أي: علم ﴿داوُودُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ ابتليناه ذكر أنه لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك فصعدا إلى السماء، فعلم أنه تمثيل بحاله ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: من ذنبه ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ سمي السجود ركوعًا، لأنه مبدأه، أو معناه خر للسجود حال كونه راكعًا أى: مصليًا ﴿وأنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة، وذُكِرَ أنه استمر ساجدًا أربعين يومًا ﴿فَغَفَرنا لَهُ ذَلِكَ وإن لَهُ عِندَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ومنقلب ﴿يا داوُودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾: استخلفناك على الملك ﴿فِى الأرْضِ﴾ أو خليفة ممن قبلك من الأنبياء ﴿فاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ﴾: الذي هو حكم الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ هوى النفس في قضائك ﴿فَيُضِلَّكَ﴾: اتباع الهوى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ طريقه المستقيم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾: بسبب نسيانهم يوم القيامة فلم يعملوا له، وقيل ظرف متعلق بلهم، ومفعول نسوا متروك.
ص 38:16
﴿وما يَنظُرُ هَؤُلاء﴾ أي: أهل مكة ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي نفخة الفزع ﴿مّا لَها مِن فواقٍ﴾: من رجوع أي: نفخة واحدة لا تُثنّى ولا تردَّد أو ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين ﴿وقالُوا رَبنا عَجِّل لنا قِطَّنا﴾: نصيبنا من العذاب الذي يعد من يدعي النبوة، أو كتابنا الذي فيه أعمالنا ننظر فيه، أو نصيبنا من الجنة التي بعدها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ قالوا ذلك استهزاء، فإنهم غير مؤمنين بالجنة ولا بالنار ولا بيوم الحساب ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾: من السخرية ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أي: اصبر واذكر قصته كيف لقي من توبيخ الله تعالى بسبب زلة يسيرة [[عبارة فيها سوء أدب مع نبي الله داود - عليه السلام - وأين هذه الزلة والآيات تفتتح بالثناء عليه - عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم.]]، فصُنْ نفسك عن أن تزل فيما أمرتك من تحمل أذاهم، وقيل معناه: اصبر وعظم أمر معصية الله تعالى في أعينهم بذكر قصة داود ﴿ذا الأيْدِ﴾: ذا القوة في الطاعة ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إلى الله تعالى في أموره وشئونه ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أي مسبحات معه ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقت الإشراق حين تشرق الشمس وهو وقت الضحى ﴿والطيْرَ﴾ عطف على الجبال ﴿محْشُورَةً﴾: مجتمعة محبوسة إليه من كل جانب ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾: مطيع أو رجاع إلى التسبيح كلما رجع داود إلى التسبيح، فهذه الأشياء كانت ترجع إلى تسبيحها ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾: قويناه بالهيبة وكثرة الجنود ﴿وآتيْناهُ الحِكْمَةَ﴾: الفهم والعقل والإصابة في الأمور أو النبوة ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾: الفاصل من الخطاب بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ الخصم في الأصل مصدر، فلذلك أطلق على غير واحد، والمراد من هذا الاستفهام التشويق إلى استماعه ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾: تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه، وإذ ظرف للنبأ على حذف مضاف أي: قصة نبأ الخصم، أو متعلق بمحذوف أي: نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُودَ﴾ بدل من إذ تسوروا، أو ظرف لتسوروا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ إذ دخلوا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم، فإن له يومًا معينًا للقضاء ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي: نحن خصمان، والتحاكم بين ملكين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، والظاهر أن معهما غيرهما فمعناه: نحن فوجان متخاصمان ﴿بَغى﴾: ظلم ﴿بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا تمثيل منهم، وتعريض بحال داود، وما صدر عنه، وتصوير للمسألة، وفرض لها ﴿فاحْكُم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾: لا تجر في الحكومة ﴿واهْدِنا إلى سَواء الصِّراطِ﴾: إلى وسطه وهو العدل ﴿إنَّ هَذا أخي﴾: في الصداقة ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ هي الأنثى من الضأن كناية عن المرأة [[وإن وردت به اللغة لكنه ليس مرادا في هذا المقام، وقد أصاب وأجاد المؤلف - رحمه الله - عندما حكم على كلام القصاص بالبطلان وعدم الصحة.]] ﴿ولِى نعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾: ملكنيها واجعلني أكفلها ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾: غلبني: في مخاطبته إياي، لأنه أقدر على النطق فقهرني ﴿قالَ﴾: داود لما اعترف الخصم الآخر: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ في السؤال تضمين كأنه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب، وقصته أن عين داود وقعت على امرأة رجل فأعجبها، فسأله النزول عنها، فذنبه مجرد أنه التمس النزول عن امرأته، وعن بعضهم ذنبه أن زوجها قتل في بعض الغزوات، فلم يغتم داود اغتمامه بالشهداء، فتزوج امرأته، وما يذكره القصاص ليس له أصل يعتمد عليه، بل منقول عن علي - رضى الله عنه - أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ﴿وإن كَثِيرًا مِّنْ الخُلَطاءِ﴾: الشركاء ﴿لَيَبْغِي﴾ يظلم ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ما مزيدة للإبهام، وفيه تعجب من قلتهم ﴿وظَنَّ﴾ أي: علم ﴿داوُودُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ ابتليناه ذكر أنه لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك فصعدا إلى السماء، فعلم أنه تمثيل بحاله ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: من ذنبه ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ سمي السجود ركوعًا، لأنه مبدأه، أو معناه خر للسجود حال كونه راكعًا أى: مصليًا ﴿وأنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة، وذُكِرَ أنه استمر ساجدًا أربعين يومًا ﴿فَغَفَرنا لَهُ ذَلِكَ وإن لَهُ عِندَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ومنقلب ﴿يا داوُودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾: استخلفناك على الملك ﴿فِى الأرْضِ﴾ أو خليفة ممن قبلك من الأنبياء ﴿فاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ﴾: الذي هو حكم الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ هوى النفس في قضائك ﴿فَيُضِلَّكَ﴾: اتباع الهوى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ طريقه المستقيم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾: بسبب نسيانهم يوم القيامة فلم يعملوا له، وقيل ظرف متعلق بلهم، ومفعول نسوا متروك.
ص 38:17
﴿وما يَنظُرُ هَؤُلاء﴾ أي: أهل مكة ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي نفخة الفزع ﴿مّا لَها مِن فواقٍ﴾: من رجوع أي: نفخة واحدة لا تُثنّى ولا تردَّد أو ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين ﴿وقالُوا رَبنا عَجِّل لنا قِطَّنا﴾: نصيبنا من العذاب الذي يعد من يدعي النبوة، أو كتابنا الذي فيه أعمالنا ننظر فيه، أو نصيبنا من الجنة التي بعدها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ قالوا ذلك استهزاء، فإنهم غير مؤمنين بالجنة ولا بالنار ولا بيوم الحساب ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾: من السخرية ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أي: اصبر واذكر قصته كيف لقي من توبيخ الله تعالى بسبب زلة يسيرة [[عبارة فيها سوء أدب مع نبي الله داود - عليه السلام - وأين هذه الزلة والآيات تفتتح بالثناء عليه - عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم.]]، فصُنْ نفسك عن أن تزل فيما أمرتك من تحمل أذاهم، وقيل معناه: اصبر وعظم أمر معصية الله تعالى في أعينهم بذكر قصة داود ﴿ذا الأيْدِ﴾: ذا القوة في الطاعة ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إلى الله تعالى في أموره وشئونه ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أي مسبحات معه ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقت الإشراق حين تشرق الشمس وهو وقت الضحى ﴿والطيْرَ﴾ عطف على الجبال ﴿محْشُورَةً﴾: مجتمعة محبوسة إليه من كل جانب ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾: مطيع أو رجاع إلى التسبيح كلما رجع داود إلى التسبيح، فهذه الأشياء كانت ترجع إلى تسبيحها ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾: قويناه بالهيبة وكثرة الجنود ﴿وآتيْناهُ الحِكْمَةَ﴾: الفهم والعقل والإصابة في الأمور أو النبوة ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾: الفاصل من الخطاب بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ الخصم في الأصل مصدر، فلذلك أطلق على غير واحد، والمراد من هذا الاستفهام التشويق إلى استماعه ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾: تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه، وإذ ظرف للنبأ على حذف مضاف أي: قصة نبأ الخصم، أو متعلق بمحذوف أي: نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُودَ﴾ بدل من إذ تسوروا، أو ظرف لتسوروا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ إذ دخلوا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم، فإن له يومًا معينًا للقضاء ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي: نحن خصمان، والتحاكم بين ملكين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، والظاهر أن معهما غيرهما فمعناه: نحن فوجان متخاصمان ﴿بَغى﴾: ظلم ﴿بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا تمثيل منهم، وتعريض بحال داود، وما صدر عنه، وتصوير للمسألة، وفرض لها ﴿فاحْكُم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾: لا تجر في الحكومة ﴿واهْدِنا إلى سَواء الصِّراطِ﴾: إلى وسطه وهو العدل ﴿إنَّ هَذا أخي﴾: في الصداقة ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ هي الأنثى من الضأن كناية عن المرأة [[وإن وردت به اللغة لكنه ليس مرادا في هذا المقام، وقد أصاب وأجاد المؤلف - رحمه الله - عندما حكم على كلام القصاص بالبطلان وعدم الصحة.]] ﴿ولِى نعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾: ملكنيها واجعلني أكفلها ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾: غلبني: في مخاطبته إياي، لأنه أقدر على النطق فقهرني ﴿قالَ﴾: داود لما اعترف الخصم الآخر: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ في السؤال تضمين كأنه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب، وقصته أن عين داود وقعت على امرأة رجل فأعجبها، فسأله النزول عنها، فذنبه مجرد أنه التمس النزول عن امرأته، وعن بعضهم ذنبه أن زوجها قتل في بعض الغزوات، فلم يغتم داود اغتمامه بالشهداء، فتزوج امرأته، وما يذكره القصاص ليس له أصل يعتمد عليه، بل منقول عن علي - رضى الله عنه - أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ﴿وإن كَثِيرًا مِّنْ الخُلَطاءِ﴾: الشركاء ﴿لَيَبْغِي﴾ يظلم ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ما مزيدة للإبهام، وفيه تعجب من قلتهم ﴿وظَنَّ﴾ أي: علم ﴿داوُودُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ ابتليناه ذكر أنه لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك فصعدا إلى السماء، فعلم أنه تمثيل بحاله ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: من ذنبه ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ سمي السجود ركوعًا، لأنه مبدأه، أو معناه خر للسجود حال كونه راكعًا أى: مصليًا ﴿وأنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة، وذُكِرَ أنه استمر ساجدًا أربعين يومًا ﴿فَغَفَرنا لَهُ ذَلِكَ وإن لَهُ عِندَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ومنقلب ﴿يا داوُودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾: استخلفناك على الملك ﴿فِى الأرْضِ﴾ أو خليفة ممن قبلك من الأنبياء ﴿فاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ﴾: الذي هو حكم الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ هوى النفس في قضائك ﴿فَيُضِلَّكَ﴾: اتباع الهوى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ طريقه المستقيم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾: بسبب نسيانهم يوم القيامة فلم يعملوا له، وقيل ظرف متعلق بلهم، ومفعول نسوا متروك.
ص 38:18
﴿وما يَنظُرُ هَؤُلاء﴾ أي: أهل مكة ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي نفخة الفزع ﴿مّا لَها مِن فواقٍ﴾: من رجوع أي: نفخة واحدة لا تُثنّى ولا تردَّد أو ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين ﴿وقالُوا رَبنا عَجِّل لنا قِطَّنا﴾: نصيبنا من العذاب الذي يعد من يدعي النبوة، أو كتابنا الذي فيه أعمالنا ننظر فيه، أو نصيبنا من الجنة التي بعدها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ قالوا ذلك استهزاء، فإنهم غير مؤمنين بالجنة ولا بالنار ولا بيوم الحساب ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾: من السخرية ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أي: اصبر واذكر قصته كيف لقي من توبيخ الله تعالى بسبب زلة يسيرة [[عبارة فيها سوء أدب مع نبي الله داود - عليه السلام - وأين هذه الزلة والآيات تفتتح بالثناء عليه - عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم.]]، فصُنْ نفسك عن أن تزل فيما أمرتك من تحمل أذاهم، وقيل معناه: اصبر وعظم أمر معصية الله تعالى في أعينهم بذكر قصة داود ﴿ذا الأيْدِ﴾: ذا القوة في الطاعة ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إلى الله تعالى في أموره وشئونه ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أي مسبحات معه ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقت الإشراق حين تشرق الشمس وهو وقت الضحى ﴿والطيْرَ﴾ عطف على الجبال ﴿محْشُورَةً﴾: مجتمعة محبوسة إليه من كل جانب ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾: مطيع أو رجاع إلى التسبيح كلما رجع داود إلى التسبيح، فهذه الأشياء كانت ترجع إلى تسبيحها ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾: قويناه بالهيبة وكثرة الجنود ﴿وآتيْناهُ الحِكْمَةَ﴾: الفهم والعقل والإصابة في الأمور أو النبوة ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾: الفاصل من الخطاب بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ الخصم في الأصل مصدر، فلذلك أطلق على غير واحد، والمراد من هذا الاستفهام التشويق إلى استماعه ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾: تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه، وإذ ظرف للنبأ على حذف مضاف أي: قصة نبأ الخصم، أو متعلق بمحذوف أي: نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُودَ﴾ بدل من إذ تسوروا، أو ظرف لتسوروا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ إذ دخلوا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم، فإن له يومًا معينًا للقضاء ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي: نحن خصمان، والتحاكم بين ملكين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، والظاهر أن معهما غيرهما فمعناه: نحن فوجان متخاصمان ﴿بَغى﴾: ظلم ﴿بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا تمثيل منهم، وتعريض بحال داود، وما صدر عنه، وتصوير للمسألة، وفرض لها ﴿فاحْكُم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾: لا تجر في الحكومة ﴿واهْدِنا إلى سَواء الصِّراطِ﴾: إلى وسطه وهو العدل ﴿إنَّ هَذا أخي﴾: في الصداقة ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ هي الأنثى من الضأن كناية عن المرأة [[وإن وردت به اللغة لكنه ليس مرادا في هذا المقام، وقد أصاب وأجاد المؤلف - رحمه الله - عندما حكم على كلام القصاص بالبطلان وعدم الصحة.]] ﴿ولِى نعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾: ملكنيها واجعلني أكفلها ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾: غلبني: في مخاطبته إياي، لأنه أقدر على النطق فقهرني ﴿قالَ﴾: داود لما اعترف الخصم الآخر: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ في السؤال تضمين كأنه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب، وقصته أن عين داود وقعت على امرأة رجل فأعجبها، فسأله النزول عنها، فذنبه مجرد أنه التمس النزول عن امرأته، وعن بعضهم ذنبه أن زوجها قتل في بعض الغزوات، فلم يغتم داود اغتمامه بالشهداء، فتزوج امرأته، وما يذكره القصاص ليس له أصل يعتمد عليه، بل منقول عن علي - رضى الله عنه - أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ﴿وإن كَثِيرًا مِّنْ الخُلَطاءِ﴾: الشركاء ﴿لَيَبْغِي﴾ يظلم ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ما مزيدة للإبهام، وفيه تعجب من قلتهم ﴿وظَنَّ﴾ أي: علم ﴿داوُودُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ ابتليناه ذكر أنه لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك فصعدا إلى السماء، فعلم أنه تمثيل بحاله ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: من ذنبه ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ سمي السجود ركوعًا، لأنه مبدأه، أو معناه خر للسجود حال كونه راكعًا أى: مصليًا ﴿وأنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة، وذُكِرَ أنه استمر ساجدًا أربعين يومًا ﴿فَغَفَرنا لَهُ ذَلِكَ وإن لَهُ عِندَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ومنقلب ﴿يا داوُودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾: استخلفناك على الملك ﴿فِى الأرْضِ﴾ أو خليفة ممن قبلك من الأنبياء ﴿فاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ﴾: الذي هو حكم الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ هوى النفس في قضائك ﴿فَيُضِلَّكَ﴾: اتباع الهوى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ طريقه المستقيم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾: بسبب نسيانهم يوم القيامة فلم يعملوا له، وقيل ظرف متعلق بلهم، ومفعول نسوا متروك.
ص 38:19
﴿وما يَنظُرُ هَؤُلاء﴾ أي: أهل مكة ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي نفخة الفزع ﴿مّا لَها مِن فواقٍ﴾: من رجوع أي: نفخة واحدة لا تُثنّى ولا تردَّد أو ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين ﴿وقالُوا رَبنا عَجِّل لنا قِطَّنا﴾: نصيبنا من العذاب الذي يعد من يدعي النبوة، أو كتابنا الذي فيه أعمالنا ننظر فيه، أو نصيبنا من الجنة التي بعدها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ قالوا ذلك استهزاء، فإنهم غير مؤمنين بالجنة ولا بالنار ولا بيوم الحساب ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾: من السخرية ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أي: اصبر واذكر قصته كيف لقي من توبيخ الله تعالى بسبب زلة يسيرة [[عبارة فيها سوء أدب مع نبي الله داود - عليه السلام - وأين هذه الزلة والآيات تفتتح بالثناء عليه - عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم.]]، فصُنْ نفسك عن أن تزل فيما أمرتك من تحمل أذاهم، وقيل معناه: اصبر وعظم أمر معصية الله تعالى في أعينهم بذكر قصة داود ﴿ذا الأيْدِ﴾: ذا القوة في الطاعة ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إلى الله تعالى في أموره وشئونه ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أي مسبحات معه ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقت الإشراق حين تشرق الشمس وهو وقت الضحى ﴿والطيْرَ﴾ عطف على الجبال ﴿محْشُورَةً﴾: مجتمعة محبوسة إليه من كل جانب ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾: مطيع أو رجاع إلى التسبيح كلما رجع داود إلى التسبيح، فهذه الأشياء كانت ترجع إلى تسبيحها ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾: قويناه بالهيبة وكثرة الجنود ﴿وآتيْناهُ الحِكْمَةَ﴾: الفهم والعقل والإصابة في الأمور أو النبوة ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾: الفاصل من الخطاب بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ الخصم في الأصل مصدر، فلذلك أطلق على غير واحد، والمراد من هذا الاستفهام التشويق إلى استماعه ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾: تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه، وإذ ظرف للنبأ على حذف مضاف أي: قصة نبأ الخصم، أو متعلق بمحذوف أي: نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُودَ﴾ بدل من إذ تسوروا، أو ظرف لتسوروا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ إذ دخلوا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم، فإن له يومًا معينًا للقضاء ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي: نحن خصمان، والتحاكم بين ملكين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، والظاهر أن معهما غيرهما فمعناه: نحن فوجان متخاصمان ﴿بَغى﴾: ظلم ﴿بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا تمثيل منهم، وتعريض بحال داود، وما صدر عنه، وتصوير للمسألة، وفرض لها ﴿فاحْكُم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾: لا تجر في الحكومة ﴿واهْدِنا إلى سَواء الصِّراطِ﴾: إلى وسطه وهو العدل ﴿إنَّ هَذا أخي﴾: في الصداقة ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ هي الأنثى من الضأن كناية عن المرأة [[وإن وردت به اللغة لكنه ليس مرادا في هذا المقام، وقد أصاب وأجاد المؤلف - رحمه الله - عندما حكم على كلام القصاص بالبطلان وعدم الصحة.]] ﴿ولِى نعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾: ملكنيها واجعلني أكفلها ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾: غلبني: في مخاطبته إياي، لأنه أقدر على النطق فقهرني ﴿قالَ﴾: داود لما اعترف الخصم الآخر: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ في السؤال تضمين كأنه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب، وقصته أن عين داود وقعت على امرأة رجل فأعجبها، فسأله النزول عنها، فذنبه مجرد أنه التمس النزول عن امرأته، وعن بعضهم ذنبه أن زوجها قتل في بعض الغزوات، فلم يغتم داود اغتمامه بالشهداء، فتزوج امرأته، وما يذكره القصاص ليس له أصل يعتمد عليه، بل منقول عن علي - رضى الله عنه - أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ﴿وإن كَثِيرًا مِّنْ الخُلَطاءِ﴾: الشركاء ﴿لَيَبْغِي﴾ يظلم ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ما مزيدة للإبهام، وفيه تعجب من قلتهم ﴿وظَنَّ﴾ أي: علم ﴿داوُودُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ ابتليناه ذكر أنه لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك فصعدا إلى السماء، فعلم أنه تمثيل بحاله ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: من ذنبه ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ سمي السجود ركوعًا، لأنه مبدأه، أو معناه خر للسجود حال كونه راكعًا أى: مصليًا ﴿وأنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة، وذُكِرَ أنه استمر ساجدًا أربعين يومًا ﴿فَغَفَرنا لَهُ ذَلِكَ وإن لَهُ عِندَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ومنقلب ﴿يا داوُودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾: استخلفناك على الملك ﴿فِى الأرْضِ﴾ أو خليفة ممن قبلك من الأنبياء ﴿فاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ﴾: الذي هو حكم الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ هوى النفس في قضائك ﴿فَيُضِلَّكَ﴾: اتباع الهوى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ طريقه المستقيم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾: بسبب نسيانهم يوم القيامة فلم يعملوا له، وقيل ظرف متعلق بلهم، ومفعول نسوا متروك.
ص 38:20
﴿وما يَنظُرُ هَؤُلاء﴾ أي: أهل مكة ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي نفخة الفزع ﴿مّا لَها مِن فواقٍ﴾: من رجوع أي: نفخة واحدة لا تُثنّى ولا تردَّد أو ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين ﴿وقالُوا رَبنا عَجِّل لنا قِطَّنا﴾: نصيبنا من العذاب الذي يعد من يدعي النبوة، أو كتابنا الذي فيه أعمالنا ننظر فيه، أو نصيبنا من الجنة التي بعدها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ قالوا ذلك استهزاء، فإنهم غير مؤمنين بالجنة ولا بالنار ولا بيوم الحساب ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾: من السخرية ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أي: اصبر واذكر قصته كيف لقي من توبيخ الله تعالى بسبب زلة يسيرة [[عبارة فيها سوء أدب مع نبي الله داود - عليه السلام - وأين هذه الزلة والآيات تفتتح بالثناء عليه - عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم.]]، فصُنْ نفسك عن أن تزل فيما أمرتك من تحمل أذاهم، وقيل معناه: اصبر وعظم أمر معصية الله تعالى في أعينهم بذكر قصة داود ﴿ذا الأيْدِ﴾: ذا القوة في الطاعة ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إلى الله تعالى في أموره وشئونه ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أي مسبحات معه ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقت الإشراق حين تشرق الشمس وهو وقت الضحى ﴿والطيْرَ﴾ عطف على الجبال ﴿محْشُورَةً﴾: مجتمعة محبوسة إليه من كل جانب ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾: مطيع أو رجاع إلى التسبيح كلما رجع داود إلى التسبيح، فهذه الأشياء كانت ترجع إلى تسبيحها ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾: قويناه بالهيبة وكثرة الجنود ﴿وآتيْناهُ الحِكْمَةَ﴾: الفهم والعقل والإصابة في الأمور أو النبوة ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾: الفاصل من الخطاب بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ الخصم في الأصل مصدر، فلذلك أطلق على غير واحد، والمراد من هذا الاستفهام التشويق إلى استماعه ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾: تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه، وإذ ظرف للنبأ على حذف مضاف أي: قصة نبأ الخصم، أو متعلق بمحذوف أي: نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُودَ﴾ بدل من إذ تسوروا، أو ظرف لتسوروا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ إذ دخلوا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم، فإن له يومًا معينًا للقضاء ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي: نحن خصمان، والتحاكم بين ملكين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، والظاهر أن معهما غيرهما فمعناه: نحن فوجان متخاصمان ﴿بَغى﴾: ظلم ﴿بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا تمثيل منهم، وتعريض بحال داود، وما صدر عنه، وتصوير للمسألة، وفرض لها ﴿فاحْكُم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾: لا تجر في الحكومة ﴿واهْدِنا إلى سَواء الصِّراطِ﴾: إلى وسطه وهو العدل ﴿إنَّ هَذا أخي﴾: في الصداقة ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ هي الأنثى من الضأن كناية عن المرأة [[وإن وردت به اللغة لكنه ليس مرادا في هذا المقام، وقد أصاب وأجاد المؤلف - رحمه الله - عندما حكم على كلام القصاص بالبطلان وعدم الصحة.]] ﴿ولِى نعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾: ملكنيها واجعلني أكفلها ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾: غلبني: في مخاطبته إياي، لأنه أقدر على النطق فقهرني ﴿قالَ﴾: داود لما اعترف الخصم الآخر: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ في السؤال تضمين كأنه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب، وقصته أن عين داود وقعت على امرأة رجل فأعجبها، فسأله النزول عنها، فذنبه مجرد أنه التمس النزول عن امرأته، وعن بعضهم ذنبه أن زوجها قتل في بعض الغزوات، فلم يغتم داود اغتمامه بالشهداء، فتزوج امرأته، وما يذكره القصاص ليس له أصل يعتمد عليه، بل منقول عن علي - رضى الله عنه - أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ﴿وإن كَثِيرًا مِّنْ الخُلَطاءِ﴾: الشركاء ﴿لَيَبْغِي﴾ يظلم ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ما مزيدة للإبهام، وفيه تعجب من قلتهم ﴿وظَنَّ﴾ أي: علم ﴿داوُودُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ ابتليناه ذكر أنه لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك فصعدا إلى السماء، فعلم أنه تمثيل بحاله ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: من ذنبه ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ سمي السجود ركوعًا، لأنه مبدأه، أو معناه خر للسجود حال كونه راكعًا أى: مصليًا ﴿وأنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة، وذُكِرَ أنه استمر ساجدًا أربعين يومًا ﴿فَغَفَرنا لَهُ ذَلِكَ وإن لَهُ عِندَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ومنقلب ﴿يا داوُودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾: استخلفناك على الملك ﴿فِى الأرْضِ﴾ أو خليفة ممن قبلك من الأنبياء ﴿فاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ﴾: الذي هو حكم الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ هوى النفس في قضائك ﴿فَيُضِلَّكَ﴾: اتباع الهوى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ طريقه المستقيم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾: بسبب نسيانهم يوم القيامة فلم يعملوا له، وقيل ظرف متعلق بلهم، ومفعول نسوا متروك.
ص 38:21
﴿وما يَنظُرُ هَؤُلاء﴾ أي: أهل مكة ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي نفخة الفزع ﴿مّا لَها مِن فواقٍ﴾: من رجوع أي: نفخة واحدة لا تُثنّى ولا تردَّد أو ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين ﴿وقالُوا رَبنا عَجِّل لنا قِطَّنا﴾: نصيبنا من العذاب الذي يعد من يدعي النبوة، أو كتابنا الذي فيه أعمالنا ننظر فيه، أو نصيبنا من الجنة التي بعدها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ قالوا ذلك استهزاء، فإنهم غير مؤمنين بالجنة ولا بالنار ولا بيوم الحساب ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾: من السخرية ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أي: اصبر واذكر قصته كيف لقي من توبيخ الله تعالى بسبب زلة يسيرة [[عبارة فيها سوء أدب مع نبي الله داود - عليه السلام - وأين هذه الزلة والآيات تفتتح بالثناء عليه - عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم.]]، فصُنْ نفسك عن أن تزل فيما أمرتك من تحمل أذاهم، وقيل معناه: اصبر وعظم أمر معصية الله تعالى في أعينهم بذكر قصة داود ﴿ذا الأيْدِ﴾: ذا القوة في الطاعة ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إلى الله تعالى في أموره وشئونه ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أي مسبحات معه ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقت الإشراق حين تشرق الشمس وهو وقت الضحى ﴿والطيْرَ﴾ عطف على الجبال ﴿محْشُورَةً﴾: مجتمعة محبوسة إليه من كل جانب ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾: مطيع أو رجاع إلى التسبيح كلما رجع داود إلى التسبيح، فهذه الأشياء كانت ترجع إلى تسبيحها ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾: قويناه بالهيبة وكثرة الجنود ﴿وآتيْناهُ الحِكْمَةَ﴾: الفهم والعقل والإصابة في الأمور أو النبوة ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾: الفاصل من الخطاب بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ الخصم في الأصل مصدر، فلذلك أطلق على غير واحد، والمراد من هذا الاستفهام التشويق إلى استماعه ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾: تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه، وإذ ظرف للنبأ على حذف مضاف أي: قصة نبأ الخصم، أو متعلق بمحذوف أي: نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُودَ﴾ بدل من إذ تسوروا، أو ظرف لتسوروا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ إذ دخلوا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم، فإن له يومًا معينًا للقضاء ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي: نحن خصمان، والتحاكم بين ملكين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، والظاهر أن معهما غيرهما فمعناه: نحن فوجان متخاصمان ﴿بَغى﴾: ظلم ﴿بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا تمثيل منهم، وتعريض بحال داود، وما صدر عنه، وتصوير للمسألة، وفرض لها ﴿فاحْكُم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾: لا تجر في الحكومة ﴿واهْدِنا إلى سَواء الصِّراطِ﴾: إلى وسطه وهو العدل ﴿إنَّ هَذا أخي﴾: في الصداقة ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ هي الأنثى من الضأن كناية عن المرأة [[وإن وردت به اللغة لكنه ليس مرادا في هذا المقام، وقد أصاب وأجاد المؤلف - رحمه الله - عندما حكم على كلام القصاص بالبطلان وعدم الصحة.]] ﴿ولِى نعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾: ملكنيها واجعلني أكفلها ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾: غلبني: في مخاطبته إياي، لأنه أقدر على النطق فقهرني ﴿قالَ﴾: داود لما اعترف الخصم الآخر: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ في السؤال تضمين كأنه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب، وقصته أن عين داود وقعت على امرأة رجل فأعجبها، فسأله النزول عنها، فذنبه مجرد أنه التمس النزول عن امرأته، وعن بعضهم ذنبه أن زوجها قتل في بعض الغزوات، فلم يغتم داود اغتمامه بالشهداء، فتزوج امرأته، وما يذكره القصاص ليس له أصل يعتمد عليه، بل منقول عن علي - رضى الله عنه - أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ﴿وإن كَثِيرًا مِّنْ الخُلَطاءِ﴾: الشركاء ﴿لَيَبْغِي﴾ يظلم ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ما مزيدة للإبهام، وفيه تعجب من قلتهم ﴿وظَنَّ﴾ أي: علم ﴿داوُودُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ ابتليناه ذكر أنه لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك فصعدا إلى السماء، فعلم أنه تمثيل بحاله ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: من ذنبه ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ سمي السجود ركوعًا، لأنه مبدأه، أو معناه خر للسجود حال كونه راكعًا أى: مصليًا ﴿وأنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة، وذُكِرَ أنه استمر ساجدًا أربعين يومًا ﴿فَغَفَرنا لَهُ ذَلِكَ وإن لَهُ عِندَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ومنقلب ﴿يا داوُودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾: استخلفناك على الملك ﴿فِى الأرْضِ﴾ أو خليفة ممن قبلك من الأنبياء ﴿فاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ﴾: الذي هو حكم الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ هوى النفس في قضائك ﴿فَيُضِلَّكَ﴾: اتباع الهوى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ طريقه المستقيم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾: بسبب نسيانهم يوم القيامة فلم يعملوا له، وقيل ظرف متعلق بلهم، ومفعول نسوا متروك.
ص 38:22
﴿وما يَنظُرُ هَؤُلاء﴾ أي: أهل مكة ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي نفخة الفزع ﴿مّا لَها مِن فواقٍ﴾: من رجوع أي: نفخة واحدة لا تُثنّى ولا تردَّد أو ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين ﴿وقالُوا رَبنا عَجِّل لنا قِطَّنا﴾: نصيبنا من العذاب الذي يعد من يدعي النبوة، أو كتابنا الذي فيه أعمالنا ننظر فيه، أو نصيبنا من الجنة التي بعدها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ قالوا ذلك استهزاء، فإنهم غير مؤمنين بالجنة ولا بالنار ولا بيوم الحساب ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾: من السخرية ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أي: اصبر واذكر قصته كيف لقي من توبيخ الله تعالى بسبب زلة يسيرة [[عبارة فيها سوء أدب مع نبي الله داود - عليه السلام - وأين هذه الزلة والآيات تفتتح بالثناء عليه - عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم.]]، فصُنْ نفسك عن أن تزل فيما أمرتك من تحمل أذاهم، وقيل معناه: اصبر وعظم أمر معصية الله تعالى في أعينهم بذكر قصة داود ﴿ذا الأيْدِ﴾: ذا القوة في الطاعة ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إلى الله تعالى في أموره وشئونه ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أي مسبحات معه ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقت الإشراق حين تشرق الشمس وهو وقت الضحى ﴿والطيْرَ﴾ عطف على الجبال ﴿محْشُورَةً﴾: مجتمعة محبوسة إليه من كل جانب ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾: مطيع أو رجاع إلى التسبيح كلما رجع داود إلى التسبيح، فهذه الأشياء كانت ترجع إلى تسبيحها ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾: قويناه بالهيبة وكثرة الجنود ﴿وآتيْناهُ الحِكْمَةَ﴾: الفهم والعقل والإصابة في الأمور أو النبوة ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾: الفاصل من الخطاب بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ الخصم في الأصل مصدر، فلذلك أطلق على غير واحد، والمراد من هذا الاستفهام التشويق إلى استماعه ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾: تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه، وإذ ظرف للنبأ على حذف مضاف أي: قصة نبأ الخصم، أو متعلق بمحذوف أي: نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُودَ﴾ بدل من إذ تسوروا، أو ظرف لتسوروا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ إذ دخلوا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم، فإن له يومًا معينًا للقضاء ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي: نحن خصمان، والتحاكم بين ملكين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، والظاهر أن معهما غيرهما فمعناه: نحن فوجان متخاصمان ﴿بَغى﴾: ظلم ﴿بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا تمثيل منهم، وتعريض بحال داود، وما صدر عنه، وتصوير للمسألة، وفرض لها ﴿فاحْكُم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾: لا تجر في الحكومة ﴿واهْدِنا إلى سَواء الصِّراطِ﴾: إلى وسطه وهو العدل ﴿إنَّ هَذا أخي﴾: في الصداقة ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ هي الأنثى من الضأن كناية عن المرأة [[وإن وردت به اللغة لكنه ليس مرادا في هذا المقام، وقد أصاب وأجاد المؤلف - رحمه الله - عندما حكم على كلام القصاص بالبطلان وعدم الصحة.]] ﴿ولِى نعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾: ملكنيها واجعلني أكفلها ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾: غلبني: في مخاطبته إياي، لأنه أقدر على النطق فقهرني ﴿قالَ﴾: داود لما اعترف الخصم الآخر: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ في السؤال تضمين كأنه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب، وقصته أن عين داود وقعت على امرأة رجل فأعجبها، فسأله النزول عنها، فذنبه مجرد أنه التمس النزول عن امرأته، وعن بعضهم ذنبه أن زوجها قتل في بعض الغزوات، فلم يغتم داود اغتمامه بالشهداء، فتزوج امرأته، وما يذكره القصاص ليس له أصل يعتمد عليه، بل منقول عن علي - رضى الله عنه - أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ﴿وإن كَثِيرًا مِّنْ الخُلَطاءِ﴾: الشركاء ﴿لَيَبْغِي﴾ يظلم ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ما مزيدة للإبهام، وفيه تعجب من قلتهم ﴿وظَنَّ﴾ أي: علم ﴿داوُودُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ ابتليناه ذكر أنه لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك فصعدا إلى السماء، فعلم أنه تمثيل بحاله ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: من ذنبه ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ سمي السجود ركوعًا، لأنه مبدأه، أو معناه خر للسجود حال كونه راكعًا أى: مصليًا ﴿وأنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة، وذُكِرَ أنه استمر ساجدًا أربعين يومًا ﴿فَغَفَرنا لَهُ ذَلِكَ وإن لَهُ عِندَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ومنقلب ﴿يا داوُودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾: استخلفناك على الملك ﴿فِى الأرْضِ﴾ أو خليفة ممن قبلك من الأنبياء ﴿فاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ﴾: الذي هو حكم الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ هوى النفس في قضائك ﴿فَيُضِلَّكَ﴾: اتباع الهوى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ طريقه المستقيم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾: بسبب نسيانهم يوم القيامة فلم يعملوا له، وقيل ظرف متعلق بلهم، ومفعول نسوا متروك.
ص 38:23
﴿وما يَنظُرُ هَؤُلاء﴾ أي: أهل مكة ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي نفخة الفزع ﴿مّا لَها مِن فواقٍ﴾: من رجوع أي: نفخة واحدة لا تُثنّى ولا تردَّد أو ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين ﴿وقالُوا رَبنا عَجِّل لنا قِطَّنا﴾: نصيبنا من العذاب الذي يعد من يدعي النبوة، أو كتابنا الذي فيه أعمالنا ننظر فيه، أو نصيبنا من الجنة التي بعدها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ قالوا ذلك استهزاء، فإنهم غير مؤمنين بالجنة ولا بالنار ولا بيوم الحساب ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾: من السخرية ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أي: اصبر واذكر قصته كيف لقي من توبيخ الله تعالى بسبب زلة يسيرة [[عبارة فيها سوء أدب مع نبي الله داود - عليه السلام - وأين هذه الزلة والآيات تفتتح بالثناء عليه - عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم.]]، فصُنْ نفسك عن أن تزل فيما أمرتك من تحمل أذاهم، وقيل معناه: اصبر وعظم أمر معصية الله تعالى في أعينهم بذكر قصة داود ﴿ذا الأيْدِ﴾: ذا القوة في الطاعة ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إلى الله تعالى في أموره وشئونه ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أي مسبحات معه ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقت الإشراق حين تشرق الشمس وهو وقت الضحى ﴿والطيْرَ﴾ عطف على الجبال ﴿محْشُورَةً﴾: مجتمعة محبوسة إليه من كل جانب ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾: مطيع أو رجاع إلى التسبيح كلما رجع داود إلى التسبيح، فهذه الأشياء كانت ترجع إلى تسبيحها ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾: قويناه بالهيبة وكثرة الجنود ﴿وآتيْناهُ الحِكْمَةَ﴾: الفهم والعقل والإصابة في الأمور أو النبوة ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾: الفاصل من الخطاب بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ الخصم في الأصل مصدر، فلذلك أطلق على غير واحد، والمراد من هذا الاستفهام التشويق إلى استماعه ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾: تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه، وإذ ظرف للنبأ على حذف مضاف أي: قصة نبأ الخصم، أو متعلق بمحذوف أي: نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُودَ﴾ بدل من إذ تسوروا، أو ظرف لتسوروا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ إذ دخلوا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم، فإن له يومًا معينًا للقضاء ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي: نحن خصمان، والتحاكم بين ملكين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، والظاهر أن معهما غيرهما فمعناه: نحن فوجان متخاصمان ﴿بَغى﴾: ظلم ﴿بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا تمثيل منهم، وتعريض بحال داود، وما صدر عنه، وتصوير للمسألة، وفرض لها ﴿فاحْكُم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾: لا تجر في الحكومة ﴿واهْدِنا إلى سَواء الصِّراطِ﴾: إلى وسطه وهو العدل ﴿إنَّ هَذا أخي﴾: في الصداقة ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ هي الأنثى من الضأن كناية عن المرأة [[وإن وردت به اللغة لكنه ليس مرادا في هذا المقام، وقد أصاب وأجاد المؤلف - رحمه الله - عندما حكم على كلام القصاص بالبطلان وعدم الصحة.]] ﴿ولِى نعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾: ملكنيها واجعلني أكفلها ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾: غلبني: في مخاطبته إياي، لأنه أقدر على النطق فقهرني ﴿قالَ﴾: داود لما اعترف الخصم الآخر: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ في السؤال تضمين كأنه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب، وقصته أن عين داود وقعت على امرأة رجل فأعجبها، فسأله النزول عنها، فذنبه مجرد أنه التمس النزول عن امرأته، وعن بعضهم ذنبه أن زوجها قتل في بعض الغزوات، فلم يغتم داود اغتمامه بالشهداء، فتزوج امرأته، وما يذكره القصاص ليس له أصل يعتمد عليه، بل منقول عن علي - رضى الله عنه - أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ﴿وإن كَثِيرًا مِّنْ الخُلَطاءِ﴾: الشركاء ﴿لَيَبْغِي﴾ يظلم ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ما مزيدة للإبهام، وفيه تعجب من قلتهم ﴿وظَنَّ﴾ أي: علم ﴿داوُودُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ ابتليناه ذكر أنه لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك فصعدا إلى السماء، فعلم أنه تمثيل بحاله ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: من ذنبه ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ سمي السجود ركوعًا، لأنه مبدأه، أو معناه خر للسجود حال كونه راكعًا أى: مصليًا ﴿وأنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة، وذُكِرَ أنه استمر ساجدًا أربعين يومًا ﴿فَغَفَرنا لَهُ ذَلِكَ وإن لَهُ عِندَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ومنقلب ﴿يا داوُودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾: استخلفناك على الملك ﴿فِى الأرْضِ﴾ أو خليفة ممن قبلك من الأنبياء ﴿فاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ﴾: الذي هو حكم الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ هوى النفس في قضائك ﴿فَيُضِلَّكَ﴾: اتباع الهوى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ طريقه المستقيم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾: بسبب نسيانهم يوم القيامة فلم يعملوا له، وقيل ظرف متعلق بلهم، ومفعول نسوا متروك.
ص 38:24
﴿وما يَنظُرُ هَؤُلاء﴾ أي: أهل مكة ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي نفخة الفزع ﴿مّا لَها مِن فواقٍ﴾: من رجوع أي: نفخة واحدة لا تُثنّى ولا تردَّد أو ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين ﴿وقالُوا رَبنا عَجِّل لنا قِطَّنا﴾: نصيبنا من العذاب الذي يعد من يدعي النبوة، أو كتابنا الذي فيه أعمالنا ننظر فيه، أو نصيبنا من الجنة التي بعدها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ قالوا ذلك استهزاء، فإنهم غير مؤمنين بالجنة ولا بالنار ولا بيوم الحساب ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾: من السخرية ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أي: اصبر واذكر قصته كيف لقي من توبيخ الله تعالى بسبب زلة يسيرة [[عبارة فيها سوء أدب مع نبي الله داود - عليه السلام - وأين هذه الزلة والآيات تفتتح بالثناء عليه - عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم.]]، فصُنْ نفسك عن أن تزل فيما أمرتك من تحمل أذاهم، وقيل معناه: اصبر وعظم أمر معصية الله تعالى في أعينهم بذكر قصة داود ﴿ذا الأيْدِ﴾: ذا القوة في الطاعة ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إلى الله تعالى في أموره وشئونه ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أي مسبحات معه ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقت الإشراق حين تشرق الشمس وهو وقت الضحى ﴿والطيْرَ﴾ عطف على الجبال ﴿محْشُورَةً﴾: مجتمعة محبوسة إليه من كل جانب ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾: مطيع أو رجاع إلى التسبيح كلما رجع داود إلى التسبيح، فهذه الأشياء كانت ترجع إلى تسبيحها ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾: قويناه بالهيبة وكثرة الجنود ﴿وآتيْناهُ الحِكْمَةَ﴾: الفهم والعقل والإصابة في الأمور أو النبوة ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾: الفاصل من الخطاب بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ الخصم في الأصل مصدر، فلذلك أطلق على غير واحد، والمراد من هذا الاستفهام التشويق إلى استماعه ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾: تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه، وإذ ظرف للنبأ على حذف مضاف أي: قصة نبأ الخصم، أو متعلق بمحذوف أي: نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُودَ﴾ بدل من إذ تسوروا، أو ظرف لتسوروا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ إذ دخلوا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم، فإن له يومًا معينًا للقضاء ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي: نحن خصمان، والتحاكم بين ملكين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، والظاهر أن معهما غيرهما فمعناه: نحن فوجان متخاصمان ﴿بَغى﴾: ظلم ﴿بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا تمثيل منهم، وتعريض بحال داود، وما صدر عنه، وتصوير للمسألة، وفرض لها ﴿فاحْكُم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾: لا تجر في الحكومة ﴿واهْدِنا إلى سَواء الصِّراطِ﴾: إلى وسطه وهو العدل ﴿إنَّ هَذا أخي﴾: في الصداقة ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ هي الأنثى من الضأن كناية عن المرأة [[وإن وردت به اللغة لكنه ليس مرادا في هذا المقام، وقد أصاب وأجاد المؤلف - رحمه الله - عندما حكم على كلام القصاص بالبطلان وعدم الصحة.]] ﴿ولِى نعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾: ملكنيها واجعلني أكفلها ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾: غلبني: في مخاطبته إياي، لأنه أقدر على النطق فقهرني ﴿قالَ﴾: داود لما اعترف الخصم الآخر: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ في السؤال تضمين كأنه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب، وقصته أن عين داود وقعت على امرأة رجل فأعجبها، فسأله النزول عنها، فذنبه مجرد أنه التمس النزول عن امرأته، وعن بعضهم ذنبه أن زوجها قتل في بعض الغزوات، فلم يغتم داود اغتمامه بالشهداء، فتزوج امرأته، وما يذكره القصاص ليس له أصل يعتمد عليه، بل منقول عن علي - رضى الله عنه - أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ﴿وإن كَثِيرًا مِّنْ الخُلَطاءِ﴾: الشركاء ﴿لَيَبْغِي﴾ يظلم ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ما مزيدة للإبهام، وفيه تعجب من قلتهم ﴿وظَنَّ﴾ أي: علم ﴿داوُودُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ ابتليناه ذكر أنه لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك فصعدا إلى السماء، فعلم أنه تمثيل بحاله ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: من ذنبه ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ سمي السجود ركوعًا، لأنه مبدأه، أو معناه خر للسجود حال كونه راكعًا أى: مصليًا ﴿وأنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة، وذُكِرَ أنه استمر ساجدًا أربعين يومًا ﴿فَغَفَرنا لَهُ ذَلِكَ وإن لَهُ عِندَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ومنقلب ﴿يا داوُودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾: استخلفناك على الملك ﴿فِى الأرْضِ﴾ أو خليفة ممن قبلك من الأنبياء ﴿فاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ﴾: الذي هو حكم الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ هوى النفس في قضائك ﴿فَيُضِلَّكَ﴾: اتباع الهوى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ طريقه المستقيم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾: بسبب نسيانهم يوم القيامة فلم يعملوا له، وقيل ظرف متعلق بلهم، ومفعول نسوا متروك.
ص 38:25
﴿وما يَنظُرُ هَؤُلاء﴾ أي: أهل مكة ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي نفخة الفزع ﴿مّا لَها مِن فواقٍ﴾: من رجوع أي: نفخة واحدة لا تُثنّى ولا تردَّد أو ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين ﴿وقالُوا رَبنا عَجِّل لنا قِطَّنا﴾: نصيبنا من العذاب الذي يعد من يدعي النبوة، أو كتابنا الذي فيه أعمالنا ننظر فيه، أو نصيبنا من الجنة التي بعدها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ قالوا ذلك استهزاء، فإنهم غير مؤمنين بالجنة ولا بالنار ولا بيوم الحساب ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾: من السخرية ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أي: اصبر واذكر قصته كيف لقي من توبيخ الله تعالى بسبب زلة يسيرة [[عبارة فيها سوء أدب مع نبي الله داود - عليه السلام - وأين هذه الزلة والآيات تفتتح بالثناء عليه - عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم.]]، فصُنْ نفسك عن أن تزل فيما أمرتك من تحمل أذاهم، وقيل معناه: اصبر وعظم أمر معصية الله تعالى في أعينهم بذكر قصة داود ﴿ذا الأيْدِ﴾: ذا القوة في الطاعة ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إلى الله تعالى في أموره وشئونه ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أي مسبحات معه ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقت الإشراق حين تشرق الشمس وهو وقت الضحى ﴿والطيْرَ﴾ عطف على الجبال ﴿محْشُورَةً﴾: مجتمعة محبوسة إليه من كل جانب ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾: مطيع أو رجاع إلى التسبيح كلما رجع داود إلى التسبيح، فهذه الأشياء كانت ترجع إلى تسبيحها ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾: قويناه بالهيبة وكثرة الجنود ﴿وآتيْناهُ الحِكْمَةَ﴾: الفهم والعقل والإصابة في الأمور أو النبوة ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾: الفاصل من الخطاب بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ الخصم في الأصل مصدر، فلذلك أطلق على غير واحد، والمراد من هذا الاستفهام التشويق إلى استماعه ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾: تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه، وإذ ظرف للنبأ على حذف مضاف أي: قصة نبأ الخصم، أو متعلق بمحذوف أي: نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُودَ﴾ بدل من إذ تسوروا، أو ظرف لتسوروا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ إذ دخلوا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم، فإن له يومًا معينًا للقضاء ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي: نحن خصمان، والتحاكم بين ملكين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، والظاهر أن معهما غيرهما فمعناه: نحن فوجان متخاصمان ﴿بَغى﴾: ظلم ﴿بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا تمثيل منهم، وتعريض بحال داود، وما صدر عنه، وتصوير للمسألة، وفرض لها ﴿فاحْكُم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾: لا تجر في الحكومة ﴿واهْدِنا إلى سَواء الصِّراطِ﴾: إلى وسطه وهو العدل ﴿إنَّ هَذا أخي﴾: في الصداقة ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ هي الأنثى من الضأن كناية عن المرأة [[وإن وردت به اللغة لكنه ليس مرادا في هذا المقام، وقد أصاب وأجاد المؤلف - رحمه الله - عندما حكم على كلام القصاص بالبطلان وعدم الصحة.]] ﴿ولِى نعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾: ملكنيها واجعلني أكفلها ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾: غلبني: في مخاطبته إياي، لأنه أقدر على النطق فقهرني ﴿قالَ﴾: داود لما اعترف الخصم الآخر: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ في السؤال تضمين كأنه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب، وقصته أن عين داود وقعت على امرأة رجل فأعجبها، فسأله النزول عنها، فذنبه مجرد أنه التمس النزول عن امرأته، وعن بعضهم ذنبه أن زوجها قتل في بعض الغزوات، فلم يغتم داود اغتمامه بالشهداء، فتزوج امرأته، وما يذكره القصاص ليس له أصل يعتمد عليه، بل منقول عن علي - رضى الله عنه - أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ﴿وإن كَثِيرًا مِّنْ الخُلَطاءِ﴾: الشركاء ﴿لَيَبْغِي﴾ يظلم ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ما مزيدة للإبهام، وفيه تعجب من قلتهم ﴿وظَنَّ﴾ أي: علم ﴿داوُودُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ ابتليناه ذكر أنه لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك فصعدا إلى السماء، فعلم أنه تمثيل بحاله ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: من ذنبه ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ سمي السجود ركوعًا، لأنه مبدأه، أو معناه خر للسجود حال كونه راكعًا أى: مصليًا ﴿وأنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة، وذُكِرَ أنه استمر ساجدًا أربعين يومًا ﴿فَغَفَرنا لَهُ ذَلِكَ وإن لَهُ عِندَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ومنقلب ﴿يا داوُودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾: استخلفناك على الملك ﴿فِى الأرْضِ﴾ أو خليفة ممن قبلك من الأنبياء ﴿فاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ﴾: الذي هو حكم الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ هوى النفس في قضائك ﴿فَيُضِلَّكَ﴾: اتباع الهوى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ طريقه المستقيم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾: بسبب نسيانهم يوم القيامة فلم يعملوا له، وقيل ظرف متعلق بلهم، ومفعول نسوا متروك.
ص 38:26
﴿وما يَنظُرُ هَؤُلاء﴾ أي: أهل مكة ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي نفخة الفزع ﴿مّا لَها مِن فواقٍ﴾: من رجوع أي: نفخة واحدة لا تُثنّى ولا تردَّد أو ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين ﴿وقالُوا رَبنا عَجِّل لنا قِطَّنا﴾: نصيبنا من العذاب الذي يعد من يدعي النبوة، أو كتابنا الذي فيه أعمالنا ننظر فيه، أو نصيبنا من الجنة التي بعدها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ قالوا ذلك استهزاء، فإنهم غير مؤمنين بالجنة ولا بالنار ولا بيوم الحساب ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾: من السخرية ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أي: اصبر واذكر قصته كيف لقي من توبيخ الله تعالى بسبب زلة يسيرة [[عبارة فيها سوء أدب مع نبي الله داود - عليه السلام - وأين هذه الزلة والآيات تفتتح بالثناء عليه - عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم.]]، فصُنْ نفسك عن أن تزل فيما أمرتك من تحمل أذاهم، وقيل معناه: اصبر وعظم أمر معصية الله تعالى في أعينهم بذكر قصة داود ﴿ذا الأيْدِ﴾: ذا القوة في الطاعة ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إلى الله تعالى في أموره وشئونه ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أي مسبحات معه ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقت الإشراق حين تشرق الشمس وهو وقت الضحى ﴿والطيْرَ﴾ عطف على الجبال ﴿محْشُورَةً﴾: مجتمعة محبوسة إليه من كل جانب ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾: مطيع أو رجاع إلى التسبيح كلما رجع داود إلى التسبيح، فهذه الأشياء كانت ترجع إلى تسبيحها ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾: قويناه بالهيبة وكثرة الجنود ﴿وآتيْناهُ الحِكْمَةَ﴾: الفهم والعقل والإصابة في الأمور أو النبوة ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾: الفاصل من الخطاب بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ الخصم في الأصل مصدر، فلذلك أطلق على غير واحد، والمراد من هذا الاستفهام التشويق إلى استماعه ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾: تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه، وإذ ظرف للنبأ على حذف مضاف أي: قصة نبأ الخصم، أو متعلق بمحذوف أي: نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُودَ﴾ بدل من إذ تسوروا، أو ظرف لتسوروا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ إذ دخلوا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم، فإن له يومًا معينًا للقضاء ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي: نحن خصمان، والتحاكم بين ملكين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، والظاهر أن معهما غيرهما فمعناه: نحن فوجان متخاصمان ﴿بَغى﴾: ظلم ﴿بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا تمثيل منهم، وتعريض بحال داود، وما صدر عنه، وتصوير للمسألة، وفرض لها ﴿فاحْكُم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾: لا تجر في الحكومة ﴿واهْدِنا إلى سَواء الصِّراطِ﴾: إلى وسطه وهو العدل ﴿إنَّ هَذا أخي﴾: في الصداقة ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ هي الأنثى من الضأن كناية عن المرأة [[وإن وردت به اللغة لكنه ليس مرادا في هذا المقام، وقد أصاب وأجاد المؤلف - رحمه الله - عندما حكم على كلام القصاص بالبطلان وعدم الصحة.]] ﴿ولِى نعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾: ملكنيها واجعلني أكفلها ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾: غلبني: في مخاطبته إياي، لأنه أقدر على النطق فقهرني ﴿قالَ﴾: داود لما اعترف الخصم الآخر: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ في السؤال تضمين كأنه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب، وقصته أن عين داود وقعت على امرأة رجل فأعجبها، فسأله النزول عنها، فذنبه مجرد أنه التمس النزول عن امرأته، وعن بعضهم ذنبه أن زوجها قتل في بعض الغزوات، فلم يغتم داود اغتمامه بالشهداء، فتزوج امرأته، وما يذكره القصاص ليس له أصل يعتمد عليه، بل منقول عن علي - رضى الله عنه - أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ﴿وإن كَثِيرًا مِّنْ الخُلَطاءِ﴾: الشركاء ﴿لَيَبْغِي﴾ يظلم ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ما مزيدة للإبهام، وفيه تعجب من قلتهم ﴿وظَنَّ﴾ أي: علم ﴿داوُودُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ ابتليناه ذكر أنه لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك فصعدا إلى السماء، فعلم أنه تمثيل بحاله ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: من ذنبه ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ سمي السجود ركوعًا، لأنه مبدأه، أو معناه خر للسجود حال كونه راكعًا أى: مصليًا ﴿وأنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة، وذُكِرَ أنه استمر ساجدًا أربعين يومًا ﴿فَغَفَرنا لَهُ ذَلِكَ وإن لَهُ عِندَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ومنقلب ﴿يا داوُودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾: استخلفناك على الملك ﴿فِى الأرْضِ﴾ أو خليفة ممن قبلك من الأنبياء ﴿فاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ﴾: الذي هو حكم الله تعالى ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ هوى النفس في قضائك ﴿فَيُضِلَّكَ﴾: اتباع الهوى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ طريقه المستقيم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾: بسبب نسيانهم يوم القيامة فلم يعملوا له، وقيل ظرف متعلق بلهم، ومفعول نسوا متروك.
ص 38:27
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:28
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:29
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:30
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:31
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:32
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:33
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:34
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:35
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:36
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:37
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:38
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:39
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:40
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى ﴿ذلِكَ﴾ أي: خلقنا إياهن باطلًا ﴿ظَنُّ﴾ أي: مظنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من لوازم خلقهما باطلًا، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالًا في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ يعني: القرآن ﴿مُبارَكٌ﴾: كثير النفع ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾: يتفكروا فيها ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾: يتعظ به ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾: سليمان ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ ظرف لأواب، أو لنعم ﴿بِالعَشِيِّ﴾: بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ﴾ الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل ﴿الجِيادُ﴾ جمع جواد وهو المسرع في سيره ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: آثرت حب الخيل بدلًا عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس ﴿بِالحِجابِ﴾ أي حتى غربت ﴿رُدُّوها﴾ أي: الصافنات ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾: جعل يمسح السيف ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام [[بل هو الحق والصواب إن شاء الله تعالى
وقد روي عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، والزهري، واختاره ابن جرير قال: إنه لم يكن ليعذب حيوانًا ويهلك مالًا من ماله بلا ذنب منها، ولا شك في بعد هذا القول، والله أعلم.]] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾: ابتلينا ﴿سُلَيْمانَ﴾ بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾: وسلطنا على ملكه ﴿جَسَدًا﴾: شيطانًا ﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا نصدقها، ولا نكذبها [[بل نكذبها، لكونها لم تأت من وجه يعتبر، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها: نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم. وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضى عياض في ”الشفا“: لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير فى تفسيره. (الإسرائيليات والموضوعات ص ٢٧٢).]]، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام -، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: ذنبي ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك
قال: ﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال [[هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها.
قال النسفى في المدارك: وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى.
وقال الخازن: قال القاضى عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى.]] لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾: وهو من جملة ما وهبنا له خاصة ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾: لينة لا تُزعزِعُ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾: أراد وقصد سليمان ﴿والشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر ﴿وآخَرِينَ﴾ عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قرن بعضهم مع بعض ﴿فِي الأصْفادِ﴾: في السلاسل ﴿هَذا﴾: التسليط ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾: فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾: أو احرم من شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾: لقربة ورتبة في الآخرة ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجنة.
ص 38:41
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:42
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:43
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:44
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:45
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:46
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:47
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:48
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:49
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:50
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:51
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:52
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:53
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:54
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:55
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.
ص 38:56
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عطف بيان لعبدنا ﴿إذ نادى رَبَّهُ﴾ بدل من عبدنا ﴿أنِّي﴾ أي: بأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾: بتعب ﴿وعَذابٍ﴾: ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: ”مسني الشيطان“ إلخ، فهذه حكاية لكلامه [[لم يصح في ذلك شيء.]]، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه ﴿ارْكُضْ﴾: اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾: الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾: أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَّعَهم رَحْمَةً﴾ أي: الرحمة ﴿مِّنّا﴾: عليه ﴿وذِكْرى﴾: تذكرة ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أي: امرأتك ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾: أيوب ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾: مقبل بكليته على الله تعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ﴾ من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا ﴿أُوْلِي الأيْدِي﴾: ذوي القوة في العبادة ﴿والأبْصارِ﴾: في معرفة الله تعالى ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾: جعلنهم خالصين لنا ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بسبب خصلة خالصة ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء ﴿هَذا ذكْرٌ﴾ أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: مرجع ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان ﴿مفَتَّحَةً﴾ حال من فاعل الظرف ﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾ مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حال من ضمير لهم ﴿يَدْعُونَ﴾ إما حال أو استثناء ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ من غير أزواجهن ﴿أتْرابٌ﴾: مساويات في السن ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أي: لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء ﴿إنْ هَذا لَرِزْقُنا﴾: الذي رزقناهم ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾: انقطاع ﴿هَذا﴾ أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لشر مآب ﴿يصْلَوْنَها﴾: أي حال كونهم يدخلونها ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾: جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾: انتهى حره ﴿وغَسّاقٌ﴾ انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر ﴿وآخَرُ﴾ أى: عذاب آخر ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة ﴿أزواجٌ﴾: أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾: داخل في النار ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ لأنّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض ﴿قالُوا﴾: الأتباع للقادة ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: العذاب ﴿لَنا﴾: بإغوائكم إيانا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أي: المقر جهنم ﴿قالُوا﴾: الأتباع ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا أي: ذا ضعف ﴿فِي النّارِ وقالُوا﴾ أي: الطاغون ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾ وهم فقراء المسلمين ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ إما بكسر همزة اتخذنا، فصفة أخرى لـ ﴿رجالًا﴾ أو تقديره: أتخذناهم بحذف همزة الاستفهام، وإما بفتح همزته فيكون استفهامًا ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ وحاصله أن ﴿أم﴾ معادلة الهمزة أي: أي الأمرين واقع أئنا اتخذناهم سخريًّا، وهم في نفس الأمر معظمون أحقاء بالتعظيم، فلم يدخلوا النار أم هم أحقاء بما فعلنا بهم، ودخلوا النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلا نراهم، أو قوله: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ كناية عن تحقيرهم، أي: فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم تحقيرهم في الدنيا على معنى إنكار الأمرين على أنفسهم، ولذلك قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، أو الهمزة لإنكار سخريتهم، وأم بمعنى بل، ففيه تسلية لأنفسهم بما لم يكن يعني هم في النار، لكن نحن لا نراهم أو معناه: بل زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا حتى خفي عنا مكانهم، وإنهم على الحق المبين، أو معادلة لما لنا أن جعلنا اتخذناهم صفة أى: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾: ما ذكرنا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾: واقع بلا مرية ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أي: هو تخاصم، أو خبر بعد خبر.