Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الفاتحة 1:1 – البقرة 2:105
المحتويات
- الفاتحة 1:1
- الفاتحة 1:2
- الفاتحة 1:3
- الفاتحة 1:4
- الفاتحة 1:5
- الفاتحة 1:6
- الفاتحة 1:7
- البقرة 2:1
- البقرة 2:2
- البقرة 2:3
- البقرة 2:4
- البقرة 2:5
- البقرة 2:6
- البقرة 2:7
- البقرة 2:8
- البقرة 2:9
- البقرة 2:10
- البقرة 2:11
- البقرة 2:12
- البقرة 2:13
- البقرة 2:14
- البقرة 2:15
- البقرة 2:16
- البقرة 2:17
- البقرة 2:18
- البقرة 2:19
- البقرة 2:20
- البقرة 2:21
- البقرة 2:22
- البقرة 2:23
- البقرة 2:24
- البقرة 2:25
- البقرة 2:26
- البقرة 2:27
- البقرة 2:28
- البقرة 2:29
- البقرة 2:30
- البقرة 2:31
- البقرة 2:32
- البقرة 2:33
- البقرة 2:34
- البقرة 2:35
- البقرة 2:36
- البقرة 2:37
- البقرة 2:38
- البقرة 2:39
- البقرة 2:40
- البقرة 2:41
- البقرة 2:42
- البقرة 2:43
- البقرة 2:44
- البقرة 2:45
- البقرة 2:46
- البقرة 2:47
- البقرة 2:48
- البقرة 2:49
- البقرة 2:50
- البقرة 2:51
- البقرة 2:52
- البقرة 2:53
- البقرة 2:54
- البقرة 2:55
- البقرة 2:56
- البقرة 2:57
- البقرة 2:58
- البقرة 2:59
- البقرة 2:60
- البقرة 2:61
- البقرة 2:62
- البقرة 2:63
- البقرة 2:64
- البقرة 2:65
- البقرة 2:66
- البقرة 2:67
- البقرة 2:68
- البقرة 2:69
- البقرة 2:70
- البقرة 2:71
- البقرة 2:72
- البقرة 2:73
- البقرة 2:74
- البقرة 2:75
- البقرة 2:76
- البقرة 2:77
- البقرة 2:78
- البقرة 2:79
- البقرة 2:80
- البقرة 2:81
- البقرة 2:82
- البقرة 2:83
- البقرة 2:84
- البقرة 2:85
- البقرة 2:86
- البقرة 2:87
- البقرة 2:88
- البقرة 2:89
- البقرة 2:90
- البقرة 2:91
- البقرة 2:92
- البقرة 2:93
- البقرة 2:94
- البقرة 2:95
- البقرة 2:96
- البقرة 2:97
- البقرة 2:98
- البقرة 2:99
- البقرة 2:100
- البقرة 2:101
- البقرة 2:102
- البقرة 2:103
- البقرة 2:104
- البقرة 2:105
الفاتحة 1:1
(p-٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ
فاتِحَةُ الشَّيْءِ: أوَّلُهُ وابْتِداؤُهُ. ولَمّا افْتُتِحَ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ بِها، إمّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ بِاجْتِهادٍ مِنَ الصَّحابَةِ- كَما حَكى القَوْلَيْنِ القاضِي الباقِلّانِيُّ في تَرْتِيبِ التَّنْزِيلِ- سُمِّيَتْ بِذَلِكَ.
قالَ السَّيِّدُ الجُرْجانِيُّ: فاتِحَةُ الكِتابِ صارَتْ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ لِسُورَةِ الحَمْدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْها «الفاتِحَةُ» وحْدَها، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلَمًا آخَرَ بِالغَلَبَةِ أيْضًا، لِكَوْنِ اللّامِ لازِمَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ اخْتِصارًا، واللّامُ كالعِوَضِ عَنِ الإضافَةِ إلى الكِتابِ، مَعَ لَمْحِ الوَصْفِيَّةِ الأصْلِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: سُمِّيَتْ «فاتِحَةَ الكِتابِ»: لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِكِتابَتِها المَصاحِفُ، ويُقْرَأُ بِها في الصَّلَواتِ. فَهي فَواتِحُ لِما يَتْلُوها مِن سُوَرِ القُرْآنِ في الكِتابَةِ والقِراءَةِ.
وتُسَمّى «أُمَّ القُرْآنِ»: لِتُقَدُّمِها عَلى سائِرِ سُوَرِ القُرْآنِ غَيْرَها، وتَأخُّرِ ما سِواها خَلْفَها في القِراءَةِ والكِتابَةِ تُقَدَّمُ الأُمُّ والأصْلُ؛ أوْ لِاشْتِمالِها عَلى ما فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ، والتَّعَبُّدُ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وبَيانُ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ؛ أوْ عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعِ عَلى مَعارِجِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ.
والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ أمْرٍ جامِعٍ أُمُورًا، وكُلَّ مُقَدَّمٍ لَهُ تَوابِعُ تَتْبَعُهُ «أُمًّا» - فَتَقُولُ لِلْجِلْدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّماغَ «أُمَّ الرَّأْسِ» وتُسَمِّي لِواءَ الجَيْشِ ورايَتَهُمُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ تَحْتَها «أُمًّا».
وتُسَمّى «السَّبْعَ المَثانِيَ» - جَمْعُ مَثْنى كَمُفْعَلٍ اسْمِ مَكانٍ، أوْ مُثَنّى بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّثْنِيَةِ (p-٤)عَلى غَيْرِ قِياسٍ- لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ تُثَنّى في الصَّلاةِ أيْ تُكَرَّرُ فِيها.
والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الفاتِحَةَ مَكِّيَّةٌ، وأنَّها سَبْعُ آياتٍ.
وأصْلُ مَعْنى «السُّورَةِ» لُغَةً: المَنزِلَةُ مِن مَنازِلِ الِارْتِفاعِ. ومِن ذَلِكَ سُورُ المَدِينَةِ لِلْحائِطِ الَّذِي يَحْوِيها، وذَلِكَ لِارْتِفاعِهِ عَلى ما يَحْوِيهِ. ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةَ بَنِي ذُبْيانَ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ
أيْ مَنزِلَةً مِن مَنازِلِ الشَّرَفِ الَّتِي قَصَرَتْ عَنْها مَنازِلُ المُلُوكِ.
وأمّا «الآيَةُ» فَإمّا بِمَعْنى: العَلامَةُ- لِأنَّها عَلامَةٌ يُعْرَفُ بِها تَمامُ ما قَبْلَها وابْتِداؤُها، كالآيَةِ الَّتِي تَكُونُ دَلالَةً عَلى الشَّيْءِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ- وإمّا بِمَعْنى: القِصَّةِ- كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ألا أبْلِغا هَذا المُعَرِّضَ آيَةً ∗∗∗ أيَقْظانَ قالَ القَوْلَ، إذْ قالَ، أمْ حَلَمْ
أيْ رِسالَةٌ مِنِّي، وخَبَرًا عَنِّي- فَيَكُونُ مَعْنى الآياتِ «القَصَصَ» قِصَّةً تَتْلُو قِصَّةً.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ ] ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
قالَ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ، وتَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ، أدَّبَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِتَعْلِيمِهِ تَقْدِيمَ ذِكْرِ أسْمائِهِ الحُسْنى أمامَ جَمِيعِ أفْعالِهِ، وتَقَدَّمَ إلَيْهِ في وصْفِهِ بِها قَبْلَ جَمِيعِ مُهِمّاتِهِ، وجَعَلَ -ما أدَّبَهُ بِهِ مِن ذَلِكَ، وعَلَّمَهُ إيّاهُ- مِنهُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ: سُنَّةً يَسْتَنُّونَ بِها، وسَبِيلًا يَتْبَعُونَهُ عَلَيْها، فَبِهِ افْتِتاحُ أوائِلِ مَنطِقِهِمْ، وصُدُورِ رَسائِلِهِمْ وكُتُبِهِمْ وحاجاتِهِمْ، حَتّى أغْنَتْ دَلالَةُ ما ظَهَرَ، مِن قَوْلِ القائِلِ: بِسْمِ اللَّهِ، عَلى ما بَطَنَ مِن مُرادِهِ الَّذِي هو مَحْذُوفٌ، (p-٥)وذَلِكَ أنَّ الباءَ مُقْتَضِيَةٌ فِعْلًا يَكُونُ لَها جالِبًا؛ فَإذا كانَ مَحْذُوفًا يُقَدَّرُ بِما جُعِلَتِ التَّسْمِيَةُ مَبْدَأً لَهُ. والِاسْمُ هُنا بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ -كالكَلامِ بِمَعْنى التَّكْلِيمِ، والعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ- والمَعْنى: أقْرَأُ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ وذِكْرِهِ، وأفْتَتِحُ القِراءَةَ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلى. و"اللَّهُ" عَلَمٌ عَلى ذاتِهِ، تَعالى وتَقَدَّسَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَأْلَهُهُ كُلُّ شَيْءٍ ويَعْبُدُهُ وأصْلُهُ "إلاهُ" بِمَعْنى مَأْلُوهٍ أيْ مَعْبُودٍ؛ فَلَمّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَتِهِ في الكَلامِ؛ وبَعْدَ الإدْغامِ فُخِّمَتْ تَعْظِيمًا -هَذا تَحْقِيقُ اللُّغَوِيِّينَ.
و"الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" قالَ الجَوْهَرِيُّ: هُما اسْمانِ مُشْتَقّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، ونَظِيرُهُما في اللُّغَةِ "نَدِيمٌ ونَدْمانُ" وهُما بِمَعْنًى. ويَجُوزُ تَكْرِيرُ الِاسْمَيْنِ إذا اخْتَلَفَ اشْتِقاقَهُما عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ، كَما يُقالُ: جادٌّ مُجِدٌّ إلّا أنَّ "الرَّحْمَنِ" اسْمٌ مُخَصَّصٌ بِاللَّهِ لا يَجُوزُ أنْ يُسَمّى بِهِ غَيْرُهُ. ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] فَعادَلَ بِهِ الِاسْمَ الَّذِي لا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. اهـ.
وقَدْ ناقَشَ في كَوْنِ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" بِمَعْنًى واحِدٍ، العَلّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ المِصْرِيُّ في بَعْضِ مَباحِثِهِ التَّفْسِيرِيَّةِ قائِلًا: إنَّ ذَلِكَ غَفْلَةٌ نَسْألُ اللَّهَ أنْ يُسامِحَ صاحِبَها -ثُمَّ قالَ:- وأنا لا أُجِيزُ لِمُسْلِمٍ أنْ يَقُولَ، في نَفْسِهِ أوْ بِلِسانِهِ: إنَّ في القُرْآنِ كَلِمَةً جاءَتْ لِتَأْكِيدِ غَيْرِها ولا مَعْنًى لَها في نَفْسِها، بَلْ لَيْسَ في القُرْآنِ حَرْفٌ جاءَ لِغَيْرِ مَعْنًى مَقْصُودٍ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ مَعْنى الرَّحْمَنِ المُنْعِمُ بِجَلائِلِ النِّعَمِ، ومَعْنى الرَّحِيمِ المُنْعِمُ بِدَقائِقِها. وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ الرَّحْمَنَ هو المُنْعِمُ بِنِعَمٍ عامَّةٍ تَشْمَلُ الكافِرِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ، والرَّحِيمَ المُنْعِمُ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِالمُؤْمِنِينَ، وكُلُّ هَذا تَحَكُّمٌ بِاللُّغَةِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ زِيادَةَ المَبْنى تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، ولَكِنَّ الزِّيادَةَ تَدُلُّ عَلى الوَصْفِ مُطْلَقًا؛ فَصِيغَةُ "الرَّحْمَنِ" تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الإحْسانِ الَّذِي يُعْطِيهِ، سَواءٌ كانَ جَلِيلًا (p-٦)أوْ دَقِيقًا. وأمّا كَوْنُ أفْرادِ الإحْسانِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها اللَّفْظُ الأكْثَرُ حُرُوفًا أعْظَمَ مِن أفْرادِ الإحْسانِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها اللَّفْظُ الأقَلُّ حُرُوفًا، فَهو غَيْرُ مَعْنِيٍّ ولا مُرادٍ، وقَدْ قارَبَ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى "الرَّحْمَنِ" المُحْسِنُ بِالإحْسانِ العامِّ. ولَكِنَّهُ أخْطَأ في تَخْصِيصِ مَدْلُولِ الرَّحِيمِ بِالمُؤْمِنِينَ؛ ولَعَلَّ الَّذِي حَمَلَ مَن قالَ: إنَّ الثّانِيَ مُؤَكِّدٌ لِلْأوَّلِ -عَلى قَوْلِهِ هَذا- هو عَدَمُ الِاقْتِناعِ بِما قالُوهُ مِنَ التَّفْرِقَةِ، مَعَ عَدَمِ التَّفَطُّنِ لِما هو أحْسَنُ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي أقُولُ: إنَّ لَفْظَ "رَحْمَنِ" وصْفٌ فِعْلِيٌّ فِيهِ مَعْنى المُبالَغَةِ - كَفَعّالٍ - ويَدُلُّ في اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ عَلى الصِّفاتِ العارِضَةِ -كَعَطْشانَ وغَرْثانَ وغَضْبانَ- وأمّا لَفْظُ "رَحِيمٍ" فَإنَّهُ يَدُلُّ في الِاسْتِعْمالِ عَلى المَعانِي الثّابِتَةِ كالأخْلاقِ والسَّجايا في النّاسِ -كَعَلِيمٍ وحَكِيمٍ وحَلِيمٍ وجَمِيلٍ- والقُرْآنُ لا يَخْرُجُ عَنِ الأُسْلُوبِ العَرَبِيِّ البَلِيغِ في الحِكايَةِ عَنْ صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّتِي تَعْلُو عَنْ مُماثَلَةِ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ؛ فَلَفْظُ "الرَّحْمَنِ" يَدُلُّ عَلى مَن تَصْدُرُ عَنْهُ آثارُ الرَّحْمَةِ بِالفِعْلِ وهي إفاضَةُ النِّعَمِ والإحْسانِ؛ ولَفْظُ "الرَّحِيمِ" يَدُلُّ عَلى مَنشَأِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ والإحْسانِ، وعَلى أنَّها مِنَ الصِّفاتِ الثّابِتَةِ الواجِبَةِ، وبِهَذا المَعْنى لا يُسْتَغْنى بِأحَدِ الوَصْفَيْنِ عَنِ الآخَرِ، ولا يَكُونُ الثّانِي مُؤَكِّدًا لِلْأوَّلِ، فَإذا سَمِعَ العَرَبِيُّ وصْفَ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ بِـ "الرَّحْمَنِ"، وفَهِمَ مِنهُ أنَّهُ المُفِيضُ لِلنِّعَمِ فِعْلًا، لا يَعْتَقِدُ مِنهُ أنَّ الرَّحْمَةَ مِنَ الصِّفاتِ الواجِبَةِ لَهُ دائِمًا -لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ يَنْقَطِعُ إذا كانَ عارِضًا لَمْ يَنْشَأْ عَنْ صِفَةٍ لازِمَةٍ ثابِتَةٍ -فَعِنْدَما يَسْمَعُ لَفْظَ "الرَّحِيمِ" يَكْمُلُ اعْتِقادُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى ويُرْضِيهِ سُبْحانَهُ. انْتَهى.
الفاتحة 1:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢ ] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
" الحَمْدُ لِلَّهِ" أيِ الثَّناءُ بِالجَمِيلِ، والمَدْحُ بِالكَمالِ ثابِتٌ لِلَّهِ دُونَ سائِرِ ما يَعْبُدُ مِن دُونِهِ، ودُونِ كُلِّ ما بَرَأ مِن خَلْقِهِ. واللّامُ في "الحَمْدُ" لِلِاسْتِغْراقِ أيِ اسْتِغْراقُ جَمِيعِ أجْناسِ الحَمْدِ وثُبُوتُها لِلَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا وتَمْجِيدًا- كَما في الحَدِيثِ: ««اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ ولَكَ المُلْكُ كُلُّهُ»» .
(p-٧)قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ": المُلْكُ والحَمْدُ في حَقِّهِ تَعالى مُتَلازِمانِ. فَكُلُّ ما شَمِلَهُ مُلْكَهُ وقُدْرَتُهُ شَمِلَهُ حَمْدُهُ، فَهو مَحْمُودٌ في مُلْكِهِ، ولَهُ المُلْكُ والقُدْرَةُ مَعَ حَمْدِهِ، فَكَما يَسْتَحِيلُ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ عَنْ مُلْكِهِ وقُدْرَتِهِ، يَسْتَحِيلُ خُرُوجُها عَنْ حَمْدِهِ وحِكْمَتِهِ، ولِهَذا يَحْمَدُ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عِنْدَ خَلْقِهِ وأمْرِهِ لِيُنَبِّهَ عِبادَهُ عَلى أنَّ مَصْدَرَ خَلْقِهِ وأمْرِهِ عَنْ حَمْدِهِ. فَهو مَحْمُودٌ عَلى كُلِّ ما خَلَقَهُ وأمَرَ بِهِ، حَمْدَ شُكْرٍ وعُبُودِيَّةٍ، وحَمْدَ ثَناءٍ ومَدْحٍ، ويَجْمَعُهُما التَّبارُكُ، "فَتَبارَكَ اللَّهُ" يَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، ولِهَذا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِمَةَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فالحَمْدُ أوْسَعُ الصِّفاتِ وأعَمُّ المَدائِحِ. والطُّرُقُ إلى العِلْمِ بِهِ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والسَّبِيلُ إلى اعْتِبارِهِ في ذَرّاتِ العالَمِ وجُزْئِيّاتِهِ، وتَفاصِيلِ الأمْرِ والنَّهْيِ واسِعَةٌ جِدًّا، لِأنَّ جَمِيعَ أسْمائِهِ، تَبارَكَ وتَعالى حَمْدٌ، وصِفاتُهُ حَمْدٌ، وأفْعالُهُ حَمْدٌ، وأحْكامُهُ حَمْدٌ، وعَدْلُهُ حَمْدٌ، وانْتِقامُهُ مِن أعْدائِهِ حَمْدٌ، وفَضْلُهُ في إحْسانِهِ إلى أوْلِيائِهِ حَمْدٌ، والخَلْقُ والأمْرُ إنَّما قامَ بِحَمْدِهِ، ووُجِدَ بِحَمْدِهِ، وظَهَرَ بِحَمْدِهِ، وكانَ الغايَةُ هي حَمْدُهُ، فَحَمْدُهُ سَبَبُ ذَلِكَ وغايَتُهُ ومَظْهَرُهُ وحامِلُهُ، فَحَمْدُهُ رُوحُ كُلِّ شَيْءٍ، وقِيامُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَمْدِهِ، وسَرَيانُ حَمْدِهِ في المَوْجُوداتِ، وظُهُورُ آثارِهِ فِيهِ أمْرٌ مَشْهُودٌ بِالأبْصارِ والبَصائِرِ -ثُمَّ قالَ-: وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ صِفَةِ عَلْياءَ، واسْمِ حُسْنٍ، وثَناءٍ جَمِيلٍ، وكُلُّ حَمْدٍ ومَدْحٍ وتَسْبِيحٍ وتَنْزِيهٍ وتَقْدِيسٍ وجَلالٍ وإكْرامٍ فَهو لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأتَمِّها وأدْوَمِها؛ وجَمِيعُ ما يُوصَفُ بِهِ، ويُذْكَرُ بِهِ، ويُخْبَرُ عَنْهُ بِهِ فَهو مَحامِدُ لَهُ وثَناءٌ وتَسْبِيحٌ وتَقْدِيسٌ، فَسُبْحانَهُ وبِحَمْدِهِ لا يُحْصِي أحَدٌ مِن خَلْقِهِ ثَناءً عَلَيْهِ. اهـ.
" رَبِّ العالَمِينَ" الرَّبُّ يُطْلَقُ عَلى السَّيِّدِ المُطاعِ وعَلى المُصْلِحِ وعَلى المالِكِ -تَقُولُ: رَبَّهُ يَرُبُّهُ فَهو رَبٌّ كَما تَقُولُ: نَمَّ عَلَيْهِ يَنِمُّ فَهو نَمٌّ -فَهُوَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (p-٨)مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّرْبِيَةِ، وهي: تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وُصِفَ بِهِ الفاعِلُ مُبالَغَةً كَما وُصِفَ بِالعَدْلِ، والرَّبُّ - بِاللّامِ - لا يُقالُ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وهو في غَيْرِهِ عَلى التَّقْيِيدِ بِالإضافَةِ - كَرَبِّ الدّارِ- ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف: ٢٣]
و"العالَمِينَ" جَمْعُ عالَمٍ وهو: الخَلْقُ كُلُّهُ وكُلُّ صِنْفٍ مِنهُ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ لِبَيانِ شُمُولِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأجْناسِ، والتَّعْرِيفُ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ كُلٍّ مِنها بِأسْرِها.
الفاتحة 1:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ ] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
إيرادُهُما عَقْدُ وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مِن بابِ قَرْنِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ الَّذِي هو أُسْلُوبُ التَّنْزِيلِ الحَكِيمِ.
الفاتحة 1:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ ] ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإثْباتِ ألِفِ "مالِكِ" والباقُونَ بِحَذْفِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورُجِّحَتْ قِراءَةُ "مَلِكِ" لِأنَّهُ قِراءَةُ أهْلِ الحَرَمَيْنِ، وهم أوْلى النّاسِ بِأنْ يَقْرَأُوا القُرْآنَ غَضًّا طَرِيًّا كَما أُنْزِلَ، وقُرّاؤُهُمُ الأعْلَوْنَ رِوايَةً وفَصاحَةً، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] (p-٩)فَقَدْ وصَفَ ذاتَهُ بِأنَّهُ المَلِكُ يَوْمَ القِيامَةِ، والقُرْآنُ يَتَعاضَدُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وتَتَناسَبُ مَعانِيهِ في المَوادِّ. وثَمَّةُ مُرَجِّحاتٍ أُخْرى.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ قِراءَةَ "مالِكِ" أبْلَغُ، لِأنَّ المَلِكَ هو الَّذِي يُدَبِّرُ أعْمالَ رَعِيَّتِهِ العامَّةَ، ولا تَصَرُّفَ لَهُ بِشَيْءٍ مِن شُؤُونِهِمُ الخاصَّةِ. وتَظْهَرُ التَّفْرِقَةُ في عَبْدٍ مَمْلُوكٍ في مَمْلَكَةٍ لَها سُلْطانٌ، فَلا رَيْبَ أنَّ مالِكَهُ هو الَّذِي يَتَوَلّى جَمِيعَ شُؤُونِهِ دُونَ سُلْطانِهِ، ومِن وُجُوهِ تَفْضِيلِها: إنَّها تَزِيدُ بِحَرْفٍ، ولِقارِئِ القُرْآنِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ -كَما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وكِلاهُما صَحِيحٌ مُتَواتِرٌ في السَّبْعِ.
و"الدِّينِ" الحِسابُ والمُجازاةُ بِالأعْمالِ. ومِنهُ: ««كَما تَدِينُ تُدانُ»» أيْ: مالِكُ أُمُورِ العالَمِينَ كُلِّها في يَوْمِ الدِّينِ، وتَخْصِيصُهُ بِالإضافَةِ إمّا لِتَعْظِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ، أوْ لِبَيانِ تَفَرُّدِهِ تَعالى بِإجْراءِ الأمْرِ وفَصْلِ القَضاءِ فِيهِ.
الفاتحة 1:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ ] ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
قالَ الطَّبَرِيُّ: أيْ: لَكَ، اللَّهُمَّ نَخْشَعُ ونَذِلُّ ونَسْتَكِينُ. إقْرارًا لَكَ بِالرُّبُوبِيَّةِ لا لِغَيْرِكَ -قالَ- والعُبُودِيَّةُ عِنْدَ جَمِيعِ العَرَبِ أصْلُها الذِّلَّةُ، وأنَّها تُسَمِّي الطَّرِيقَ المُذَلَّلَ الَّذِي قَدْ وطِئَتْهُ الأقْدامُ، وذَلَّلَتْهُ السّابِلَةُ "مُعَبَّدًا"، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَعِيرِ المُذَلَّلِ بِالرُّكُوبِ في الحَوائِجِ "مُعَبَّدٌ"، ومِنهُ سُمِّيَ العَبْدُ "عَبْدًا"؛ لِذِلَّتِهِ لِمَوْلاهُ انْتَهى.
وفِيهِ إعْلامٌ بِما صَدَعَ بِهِ الإسْلامُ مِن تَحْرِيرِ الأنْفُسِ لِلَّهِ تَعالى وتَخْلِيصِها لِعِبادَتِهِ وحْدَهُ. أعْنِي: أنْ لا يُشْرِكَ شَيْئًا ما مَعَهُ، لا في مَحَبَّتِهِ كَمَحَبَّتِهِ، ولا في خَوْفِهِ، ولا في رَجائِهِ، ولا (p-١٠)فِي التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، ولا في العَمَلِ لَهُ، ولا في النَّذْرِ لَهُ، ولا في الخُضُوعِ لَهُ، ولا في التَّذَلُّلِ والتَّعْظِيمِ والسُّجُودِ والتَّقَرُّبِ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ إنَّما يَسْتَحِقُّهُ فاطِرُ الأرْضِ والسَّماواتِ وحْدَهُ، وذَلِكَ أنَّ لَفْظَ العِبادَةِ يَتَضَمَّنُ كَمالَ الذُّلِّ بِكَمالِ الحُبِّ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ العابِدُ مُحِبًّا لِلْإلَهِ المَعْبُودِ كَمالَ الحُبِّ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذَلِيلًا لَهُ كَمالَ الذُّلِّ، وهُما لا يَصْلُحانِ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ. فَهو الإلَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، الَّذِي لا يَسْتَحِقُّها إلّا هو، وهي كَمالُ الحُبِّ والذُّلِّ والإجْلالِ والتَّوَكُّلِ والدُّعاءِ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو، تَعالى. وقَدْ أشارَ لِذَلِكَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ، فَإنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى ما يَجِبُ لِلْعَبْدِ مِن تَخْصِيصِهِ رَبَّهُ بِالعِبادَةِ، وإسْلامِهِ وجْهَهُ لِلَّهِ وحْدَهُ، لا كَما كانَ عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في عِبادَتِهِمْ، مُتَشاكِسِينَ في وُجْهَتِهِمْ: مِنهم مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ الأحْبارَ والرُّهْبانَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ الأشْجارَ والأحْجارَ. . . إلى غَيْرِ ذَلِكَ، كَما بَيَّنَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت: ٣٧] الآيَةَ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ (p-١١)تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ [آل عمران: ٨٠] الآيَةَ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] وحَدِيثُ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى حُنَيْنٍ ونَحْنُ حُدَثاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَها، ويَنُوطُونَ بِها أسْلِحَتَهم يُقالُ لَها: ذاتُ أنْواطٍ، فَمَرَرْنا بِسِدْرَةٍ فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُ أكْبَرُ، إنَّها السَّنَنُ، قُلْتُمْ - والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٠]»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ.
(p-١٢)وأمّا عِبادَتُهم لِلْأحْبارِ والرُّهْبانِ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] فَرَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ «أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] الآيَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: إنّا لَسْنا نَعْبُدُهم، قالَ: «ألَيْسَ يُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَ، ويُحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ ؟» فَقُلْتُ: بَلى قالَ: «فَتِلْكَ عِبادَتُهم»» .
فالعِبادَةُ أنْواعٌ وأصْنافٌ، ولا يَتِمُّ الإيمانُ إلّا بِتَوْحِيدِها كُلِّها لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أنَّ الدُّعاءَ هو العِبادَةُ؛ أيْ رُكْنُها المُهِمُّ الأعْظَمُ، وأصْلُهُ مِنَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] فَمَسّاهُ عِبادَةً.
(p-١٣)وفِي الخَبَرِ: ««الشِّرْكُ في هَذِهِ الأُمَّةِ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ»» .
قالَ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ القَيِّمِ: ولِهَذا كانَ العَبْدُ مَأْمُورًا في كُلِّ صَلاةٍ أنْ يَقُولَ: "إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ" والشَّيْطانُ يَأْمُرُ بِالشَّرَكِ، والنَّفْسُ تُطِيعُهُ في ذَلِكَ، فَلا تَزالُ النَّفْسُ تَلْتَفِتُ إلى غَيْرِ اللَّهِ، إمّا خَوْفًا مِنهُ، أوْ رَجاءً لَهُ، فَلا يَزالُ العَبْدُ مُفْتَقِرًا إلى تَخْلِيصِ تَوْحِيدِهِ مِن شَوائِبِ الشِّرْكِ؛ ولِذا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم ما قَدَرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ في ثَلاثِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، وكَيْفَ يُقَدِّرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ مَن جَعَلَ لَهُ عِدْلًا ونِدًّا، يُحِبُّهُ، ويَخافُهُ، ويَرْجُوهُ، يَذِلُّ، ويَخْضَعُ لَهُ، ويَهْرُبُ مِن سُخْطِهِ، ويُؤْثِرُ مَرْضاتَهُ، والمُؤْثَرُ لا يَرْضى بِإيثارِهِ انْتَهى.
(فائِدَةٌ) قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الفاتِحَةُ سِرُّ القُرْآنِ، وسِرُّها هَذِهِ الكَلِمَةُ "إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ": فالأوَّلُ تَبَرُّؤٌ مِنَ الشِّرْكِ، والثّانِي تَبَرُّؤٌ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، والتَّفْوِيضُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا المَعْنى في غَيْرِ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك: ٢٩] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩]
الفاتحة 1:6
(p-١٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ ] ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾
أيْ ألْهِمْنا الطَّرِيقَ الهادِيَ، وأرْشِدْنا إلَيْهِ، ووَفِّقْنا لَهُ.
قالَ الإمامُ الرّاغِبُ في تَفْسِيرِهِ: "الهِدايَةُ دَلالَةٌ بِلُطْفٍ، ومِنهُ الهَدِيَّةُ، وهَوادِي الوَحْشِ، وهي مُتَقَدِّماتُها لِكَوْنِها هادِيَةً لِسائِرِها، وخَصَّ ما كانَ دَلالَةً بِفَعَلْتُ نَحْوَ: هَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ، وما كانَ مِنَ الإعْطاءِ بِأفْعَلْتُ نَحْوَ: أهْدَيْتُ الهَدِيَّةَ. ولِما يُصَوِّرُ العَرُوسُ عَلى وجْهَيْنِ: قِيلَ فِيهِ: هَدَيْتُ وأهْدَيْتُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جَعَلَتَ الهُدى دَلالَةَ لُطْفٍ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] وقالَ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ حَسَبَ اسْتِعْمالِهِمُ اللَّفْظَ عَلى التَّهَكُّمِ كَما قالَ:
؎وخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ !
والهِدايَةُ هي الإرْشادُ إلى الخَيْراتِ قَوْلًا وفِعْلًا، وهي مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى مَنازِلَ بَعْضُها يَتَرَتَّبُ عَلى بَعْضٍ، لا يَصِحُّ حُصُولُ الثّانِي إلّا بَعْدَ الأوَّلِ، ولا الثّالِثِ إلّا بَعْدَ الثّانِي، فَأوَّلُ المَنازِلِ إعْطاؤُهُ العَبْدَ القُوى الَّتِي بِها يَهْتَدِي إلى مَصالِحِهِ إمّا تَسْخِيرًا وإمّا طَوْعًا -كالمَشاعِرِ الخَمْسَةِ والقُوَّةِ الفِكْرِيَّةِ، وبَعْضُ ذَلِكَ قَدْ أعْطاهُ الحَيَواناتِ، وبَعْضٌ خَصَّ بِهِ الإنْسانَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قَدَّرَ (p-١٥)فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] وهَذِهِ الهِدايَةُ إمّا تَسْخِيرٌ وإمّا تَعْلِيمٌ، وإلى نَحْوِهِ أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] وقالَ في الإنْسانِ بِما أعْطاهُ مِنَ العَقْلِ، وعَرَفَهُ مِنَ الرُّشْدِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] وقالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] وقالَ في ثَمُودَ: ﴿فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧]
وثانِيهِما الهِدايَةُ بِالدُّعاءِ وبَعْثَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وإيّاها عَنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [السجدة: ٢٤] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] وهَذِهِ الهِدايَةُ تُنْسَبُ تارَةً إلى اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ، وتارَةً إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتارَةً إلى القُرْآنِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]
(p-١٦)وثالِثُها هِدايَةٌ يُوَلِّيها صالِحِي عِبادِهِ بِما اكْتَسَبُوهُ مِنَ الخَيْراتِ، وهي الهِدايَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وهَذِهِ الهِدايَةُ هي المَعْنِيَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]
ويَصِحُّ أنْ نَنْسُبَ هَذِهِ الهِدايَةَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُقالُ: هو آثَرَهم بِها مِن حَيْثُ إنَّهُ هو السَّبَبُ في وُصُولِهِمْ إلَيْها. ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: اكْتَسَبُوها مِن حَيْثُ إنَّهم تَوَصَّلُوا إلَيْها بِاجْتِهادِهِمْ. فَمَن قَصَدَ سُلْطانًا مُسْتَرْفِدًا فَأعْطاهُ، يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ السُّلْطانَ خَوَّلَهُ. ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: فُلانٌ اكْتَسَبَ بِسَعْيِهِ، ولِانْطِواءِ ذَلِكَ عَلى الأمْرَيْنِ، قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] فَنَبَّهَ أنَّ ذَلِكَ بِجُهْدِهِمْ وبِفَضْلِهِ جَمِيعًا.
وهَذِهِ الهِدايَةُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هي مُباحَةٌ لِلْعُقَلاءِ كُلِّهِمْ، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: هي مَحْظُورَةٌ (p-١٧)إلّا عَلى أوْلِيائِهِ، لِما كانَ في إمْكانِ جَمِيعِ العُقَلاءِ أنْ يَتَرَشَّحُوا لِتَناوُلِها، ومِن ذَلِكَ قِيلَ: إنَّها لا يَسْهُلُ تَناوُلُها قَبْلَ أنْ يَتَشَكَّلَ الإنْساْنُ بِشَكْلٍ مَخْصُوصٍ، بِتَقْدِيمِ عِباداتٍ. وقَدْ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الهُدى مِنَ اللَّهِ كَثِيرٌ، ولا يُبْصِرُهُ إلّا البَصِيرُ، ولا يَعْمَلُ بِهِ إلّا اليَسِيرُ. ألا تَرى أنَّ نُجُومَ السَّماءِ ما أكْثَرَها ولا يَهْتَدِي بِها إلّا العُلَماءُ. وقالَ بَعْضُ الأوْلِياءِ: إنَّ مَثَلَ هِدايَةِ اللَّهِ مَعَ النّاسِ كَمَثَلِ سَيْلٍ مَرَّ عَلى قِلاتٍ وغُدْرانٍ، فَيَتَناوَلُ كُلُّ قَلْتٍ مِنها بِقَدْرِ سِعَتِهِ -ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ-: ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ [الرعد: ١٧] وقالَ بَعْضُهم: هي كَمَطَرٍ أتى عَلى أرَضِينَ فَيَنْتَفِعُ كُلُّ أرْضٍ بِقَدْرِ تَرْشِيحِها لِلِانْتِفاعِ بِهِ.
(والمَنزِلَةُ الرّابِعَةُ): مِنَ الهِدايَةِ التَّمْكِينُ مِن مُجاوَرَتِهِ في دارِ الخُلْدِ، وإيّاها عَنى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنَ الهِدايَةِ ما لا يُنْفى عَنْ أحَدٍ بِوَجْهٍ. ومِنها ما يُنْفى (p-١٨)عَنْ بَعْضٍ، ويَثْبُتُ لِبَعْضٍ، ومِن هَذا الوَجْهِ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] فَإنَّهُ عَنى الهِدايَةَ -الَّتِي هي التَّوْفِيقُ وإدْخالُ الجَنَّةِ- دُونَ الَّتِي هي الدُّعاءُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ في الأنْبِياءِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [الأنبياء: ٧٣]
فَقَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فُسِّرَ عَلى وُجُوهٍ بِحَسَبِ أنْظارٍ مُخْتَلِفَةٍ إلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ:
(الأوَّلُ): أنَّهُ عَنى الهِدايَةَ العامَّةَ، وأمَرَ أنْ نَدْعُوَ بِذَلِكَ -وإنْ كانَ هو قَدْ فَعَلَهُ لا مَحالَةَ- لِيَزِيدَنا ثَوابًا بِالدُّعاءِ، كَما أمَرَنا أنْ نَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ. (الثّانِي) قِيلَ: وفِّقْنا لِطَرِيقَةِ الشَّرْعِ.
(الثّالِثُ): احْرُسْنا عَنِ اسْتِغْواءِ الغُواةِ واسْتِهْواءِ الشَّهَواتِ، واعْصِمْنا مِنَ الشُّبُهاتِ.
(p-١٩)الرّابِعُ: زِدْنا هُدًى اسْتِنْجاحًا لِما وعَدْتَ بِقَوْلِكَ: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] وقَوْلِكَ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧]
(الخامِسُ): قِيلَ: عَلِّمْنا العِلْمَ الحَقِيقِيَّ فَذَلِكَ سَبَبُ الخَلاصِ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنُّورِ في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ [النور: ٣٥]
(السّادِسُ): قِيلَ: هو سُؤالُ الجَنَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٥] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] الآيَةَ. فَهَذِهِ الأقاوِيلُ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلافِ أنْظارِهِمْ إلى أبْعاضِ الهِدايَةِ وجُزْئِيّاتِها، والجَمِيعُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِالآيَةِ - إذْ لا تَنافِيَ بَيْنَها – (p-٢٠)وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ" . اهـ كَلامُ الرّاغِبِ. وبِهِ يُعْلَمُ تَحْقِيقُ مَعْنى الهِدايَةِ في سائِرِ مَواقِعِها في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ، وأنَّ الوُجُوهَ المَأْثُورَةَ في آيَةٍ ما -إذا لَمْ تَتَنافَ- صَحَّ إرادَتُها كُلُّها؛ ومِثْلْ هَذا يُسَمّى: اخْتِلافَ تَنَوُّعٍ لا اخْتِلافَ تَضادٍّ.
كَما أشارَ لِذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في مَبْحَثٍ لَهُ مُهِمٍّ، نَأْثُرُهُ عَنْهُ هُنا، لِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ الِاخْتِلافَ الواقِعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ وغَيْرِهِمْ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما لَيْسَ فِيهِ تَضادٌّ وتَناقُضٌ، بَلْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما حَقًّا، وإنَّما هو اخْتِلافُ تَنَوُّعٍ أوِ اخْتِلافٌ في الصِّفاتِ أوِ العِباراتِ، وعامَّةُ الِاخْتِلافِ الثّابِتِ عَنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ هو مِن هَذا البابِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إذا ذَكَرَ في القُرْآنِ اسْمًا مِثْلَ قَوْلِهِ: "اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ" فَكُلُّ المُفَسِّرِينَ يُعَبِّرُ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِعِبارَةٍ تَدُلُّ بِها عَلى بَعْضِ صِفاتِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ بِمَنزِلَةِ ما يُسَمِّي اللَّهَ ورَسُولَهُ وكِتابَهُ بِأسْماءٍ، كُلُّ اسْمٍ مِنها يَدُلُّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمُ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ كِتابُ اللَّهِ، أوِ اتِّباعُ كِتابِ اللَّهِ. ويَقُولُ الآخَرُ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإسْلامُ أوْ دِينُ الإسْلامِ. ويَقُولُ الآخَرُ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو السُّنَّةُ والجَماعَةُ. ويَقُولُ الآخَرُ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ طَرِيقُ العُبُودِيَّةِ، أوْ طَرِيقُ الخَوْفِ والرِّضا والحُبِّ، وامْتِثالُ المَأْمُورِ، واجْتِنابُ المَحْظُورِ، أوْ مُتابَعَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ أوِ العَمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ، أوْ نَحْوَ هَذِهِ الأسْماءِ والعِباراتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُسَمّى هو واحِدٌ، وإنْ تَنَوَّعَتْ صِفاتُهُ وتَعَدَّدَتْ أسْماؤُهُ وعِباراتُهُ؛ وكَثِيرٌ مِنَ التَّفْسِيرِ والتَّرْجَمَةِ تَكُونُ مِن هَذا الوَجْهِ.
ومِنهُ قِسْمٌ آخَرُ وهو أنْ يَذْكُرَ المُفَسِّرُ والمُتَرْجِمُ مَعْنى اللَّفْظِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا عَلى سَبِيلِ الحَدِّ والحَصْرِ - مِثْلَ أنْ يَقُولَ قائِلٌ مِنَ العَجَمِ: ما مَعْنى الخُبْزِ ؟ فَيُشارُ لَهُ إلى رَغِيفٍ -ولَيْسَ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ عَيْنِهِ، وإنَّما الإشارَةُ إلى تَعْيِينِ هَذا الشَّخْصِ تَمْثِيلًا. وهَذا كَما إذا سُئِلُوا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] (p-٢١). أوْ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] أوْ عَنِ الصّالِحِينَ أوِ الظّالِمِينَ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ العامَّةِ الجامِعَةِ الَّتِي قَدْ يَتَعَسَّرُ أوْ يَتَعَذَّرُ عَلى المُسْتَمِعِ أوِ المُتَكَلِّمِ ضَبْطُ مَجْمُوعِ مَعْناهُ؛ إذْ لا يَكُونُ مُحْتاجًا إلى ذَلِكَ فَيَذْكُرُ لَهُ مِن أنْواعِهِ وأشْخاصِهِ ما يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُهُ، وقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى نَظائِرِهِ. فَإنَّ الظّالِمَ لِنَفْسِهِ هو تارِكُ المَأْمُورِ فاعِلُ المَحْظُورِ، والمُقْتَصِدُ هو فاعِلُ الواجِبِ وتارِكُ المُحَرَّمِ، والسّابِقُ هو فاعِلُ الواجِبِ والمُسْتَحَبِّ، وتارِكُ المُحَرَّمِ والمَكْرُوهِ. فَيَقُولُ المُجِيبُ بِحَسَبِ حاجَةِ السّائِلِ: الظّالِمُ الَّذِي يُفَوِّتُ الصَّلاةَ، أوِ الَّذِي لا يُسْبِغُ الوُضُوءَ، أوِ الَّذِي لا يُتِمُّ الأرْكانَ ونَحْوَ ذَلِكَ. والمُقْتَصِدُ الَّذِي يُصَلِّي في الوَقْتِ - كَما أُمِرِ - والسّابِقُ بِالخَيْراتِ الَّذِي يُصَلِّي الصَّلاةَ بِواجِباتِها ومُسْتَحِبّاتِها ويَأْتِي بِالنَّوافِلِ المُسْتَحَبَّةِ مَعَها، وكَذَلِكَ يَقُولُ مِثْلَ هَذا في الزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ وسائِرِ الواجِباتِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: التَّفْسِيرُ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
تَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ العَرَبُ مِن كَلامِها، وتَفْسِيرٌ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِجَهالَتِهِ، وتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ العُلَماءُ، وتَفْسِيرٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَمَنِ ادَّعى عِلْمَهُ فَهو كاذِبٌ.
والصَّحابَةُ أخَذُوا عَنِ الرَّسُولِ لَفْظَ القُرْآنِ ومَعْناهُ كَما أخَذُوا عَنْهُ السُّنَّةَ، وإنْ كانَ مِنَ النّاسِ مَن غَيَّرَ السُّنَّةَ، فَمِنَ النّاسِ مَن غَيَّرَ بَعْضَ مَعانِي القُرْآنِ - إذْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن تَغْيِيرِ لَفْظِهِ، وأيْضًا فَقَدْ يَخْفى عَلى بَعْضِ العُلَماءِ بَعْضُ مَعانِي القُرْآنِ، كَما خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ السُّنَّةِ، فَيَقَعُ خَطَأُ المُجْتَهِدِينَ مِن هَذا البابِ واللَّهُ أعْلَمُ.
وتَقَدَّمَ في مُقَدِّمَةِ الكِتابِ بَسْطٌ لِهَذا البَحْثِ فارْجِعْ إلَيْهِ. (انْظُرْ: ج١ ص١٧).
(p-٢٢)وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أيْضًا في تَحْقِيقِ هَذِهِ الآيَةِ:
"كُلُّ عَبْدٍ مُضْطَرٍّ دائِمًا إلى مَقْصُودِ هَذا الدُّعاءِ، وهو هِدايَةُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّهُ لا نَجاةَ مِنَ العَذابِ إلّا بِهَذِهِ الهِدايَةِ، ولا وُصُولَ إلى السَّعادَةِ إلّا بِهِ، فَمَن فاتَهُ هَذا الهُدى فَهو: إمّا مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وإمّا مِنَ الضّالِّينَ؛ وهَذا الِاهْتِداءُ لا يَحْصُلُ إلّا بِهُدى اللَّهِ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] فَإنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ: أنْ تَفْعَلَ في كُلِّ وقْتٍ ما أُمِرْتَ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ، ولا تَفْعَلُ ما نُهِيتَ عَنْهُ، وهَذا يَحْتاجُ في كُلِّ وقْتٍ إلى أنْ تَعْلَمَ: ما أمَرَ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وما نَهى عَنْهُ، وإلى أنْ يَحْصُلَ لَكَ إرادَةٌ جازِمَةٌ لِفِعْلِ المَأْمُورِ؛ وكَراهَةٌ لِتَرْكِ المَحْظُورِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ قَدْ فُسِّرَ بِالقُرْآنِ والإسْلامِ وطُرُقِ العُبُودِيَّةِ، وكُلُّ هَذا حَقٌّ، فَهو مَوْصُوفٌ بِهَذا وبِغَيْرِهِ، فَحاجَتُهُ إلى هَذِهِ الهِدايَةِ ضَرُورِيَّةٌ في سَعادَتِهِ ونَجاتِهِ؛ بِخِلافِ الحاجَةِ إلى الرِّزْقِ والنَّصْرِ، فَإنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ، وإنِ انْقَطَعَ رِزْقُهُ ماتَ -والمَوْتُ لا بُدَّ مِنهُ- فَإنْ كانَ مِن أهْلِ الهِدايَةِ، كانَ سَعِيدًا بَعْدَ المَوْتِ، وكانَ المَوْتُ مُوَصِّلًا لَهُ إلى السَّعادَةِ الدّائِمَةِ الأبَدِيَّةِ، فَيَكُونُ رَحْمَةً في حَقِّهِ، وكَذَلِكَ النَّصْرُ -إذا قُدِّرَ أنَّهُ قُهِرَ وغُلِبَ حَتّى قُتِلَ - فَإذا كانَ مِن أهْلِ الهِدايَةِ إلى الِاسْتِقامَةِ ماتَ شَهِيدًا، وكانَ القَتْلُ مِن تَمامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَتَبَيَّنَ أنَّ حاجَةَ العِبادِ إلى الهُدى أعْظَمُ مِن حاجَتِهِمْ إلى الرِّزْقِ والنَّصْرِ، بَلْ لا نِسْبَةَ بَيْنَهُما فَلِهَذا كانَ هَذا الدُّعاءُ مَفْرُوضًا عَلَيْهِمْ في الصَّلَواتِ - فَرْضِها ونَفْلِها - وأيْضًا فَإنَّ هَذا الدُّعاءَ يَتَضَمَّنُ الرِّزْقَ والنَّصْرَ لِأنَّهُ إذا هُدِيَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ كانَ مِنَ المُتَّقِينَ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] وكانَ مِنَ المُتَوَكِّلِينَ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى (p-٢٣)اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] وكانَ مِمَّنْ يَنْصُرُهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، ومَن يَنْصُرُ اللَّهَ يَنْصُرُهُ، وكانَ مِن جُنْدِ اللَّهِ، وجُنْدُ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ. فالهُدى التّامُّ يَتَضَمَّنُ حُصُولَ أعْظَمِ ما يَحْصُلُ بِهِ الرِّزْقُ والنَّصْرُ، فَتَبَيَّنَ أنَّ هَذا الدُّعاءَ هو الجامِعُ لِكُلِّ مَطْلُوبٍ تَحْصُلُ بِهِ كُلُّ مَنفَعَةٍ، وتَنْدَفِعُ بِهِ كُلُّ مُضِرَّةٍ.
(فائِدَةٌ): الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ أصْلُهُ الطَّرِيقُ الواضِحُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، ولا انْحِرافَ، ويُسْتَعارُ لِكُلِّ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ يَبْلُغُ بِهِ صاحِبُهُ الغايَةَ الحَمِيدَةَ، فالطَّرِيقُ الواضِحُ لِلْحِسِّ، كالحَقِّ لِلْعَقْلِ، في أنَّهُ: إذا سُيِّرَ بِهِما أبْلَغا السّالِكَ النِّهايَةَ الحُسْنى.
الفاتحة 1:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ ] ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾
أيْ: بِطاعَتِكَ وعِبادَتِكَ، وهُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]
(p-٢٤)"غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ" قالَ الأصْفَهانِيُّ: وإنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الجُمْلَةَ لِأنَّ الكُفّارَ قَدْ شارَكُوا المُؤْمِنِينَ في إنْعامِ كَثِيرٍ عَلَيْهِمْ، فَبَيَّنَ بِالوَصْفِ أنَّ المُرادَ بِالدُّعاءِ لَيْسَ هو النِّعَمُ العامَّةُ، بَلْ ذَلِكَ نِعْمَةٌ خاصَّةٌ، ثُمَّ إنَّ المُرادَ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ: كُلُّ مَن حادَ عَنْ جادَّةِ الإسْلامِ مِن أيِّ فِرْقَةٍ ونِحْلَةٍ، وتَعْيِينُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ فِرْقَةً مِنهم مِن بابِ تَمْثِيلِ العامِّ بِأوْضَحِ أفْرادِهِ وأشْهَرِها، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ: لا أعْلَمُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ اخْتِلافًا في أنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمُ اليَهُودُ، والضّالِّينَ النَّصارى.
(فَوائِدُ): الأُولى: يُسْتَحَبُّ لِمَن يَقْرَأُ الفاتِحَةَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "آمِينَ"؛ ومَعْناهُ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، أوْ كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ، أوْ كَذَلِكَ فافْعَلْ: ولَيْسَ مِنَ القُرْآنِ. بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في المَصاحِفِ، والدَّلِيلُ عَلى اسْتِحْبابِ التَّأْمِينِ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ وائِلِ بْنِ حُجْرٍ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ فَقالَ: «آمِينَ»» مَدَّ بِها صَوْتَهُ. ولِأبِي داوُدَ: رَفَعَ بِها صَوْتَهُ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وفي البابِ عَنْ عَلِيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِمْ.
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا تَلا: غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ. قالَ: «آمِينَ» حَتّى يَسْمَعَ مَن يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الأوَّلِ». رَواهُ أبُو داوُدَ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إذا أمَّنَ (p-٢٥)الإمامُ فَأمِّنُوا، فَإنَّهُ مَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»» .
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي مُوسى مَرْفُوعًا: ««إذا قالَ - يَعْنِي الإمامَ - ولا الضّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ يُجِبْكُمُ اللَّهُ»» .
الثّانِيَةُ: في ذِكْرِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ العُلُومِ.
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ قَدِ اشْتَمَلَتْ - وهي سَبْعُ آياتٍ – عَلى حَمْدِ اللَّهِ تَعالى وتَمْجِيدِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ: بِذِكْرِ أسْمائِهِ الحُسْنى المُسْتَلْزِمَةِ لِصِفاتِهِ العُلْيا، وعَلى ذِكْرِ المَعادِ وهو يَوْمُ الدِّينِ، وعَلى إرْشادِ عَبِيدِهِ إلى سُؤالِهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ والتَّبَرُّؤِ مِن حَوْلِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، وإلى إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، وتَوْحِيدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، تَبارَكَ وتَعالى، وتَنْزِيهِهِ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ نَظِيرٌ أوْ مُماثِلٌ، وإلى سُؤالِهِمْ إيّاهُ الهِدايَةَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ -وهُوَ الدِّينُ القَوِيمُ- وتَثْبِيتُهم عَلَيْهِ حَتّى يُفْضِيَ بِهِمْ إلى جَنّاتِ النَّعِيمِ في جِوارِ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ.
واشْتَمَلَتْ عَلى التَّرْغِيبِ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِيَكُونُوا مَعَ أهْلِها يَوْمَ القِيامَةِ، والتَّحْذِيرِ مِن مَسالِكِ الباطِلِ لِئَلّا يُحْشَرُوا مَعَ سالِكِيها يَوْمَ القِيامَةِ، وهُمُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ والضّالُّونَ.
قالَ العَلّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ في تَفْسِيرِهِ:
الفاتِحَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مُجْمَلِ ما في القُرْآنِ. وكُلُّ ما فِيهِ تَفْصِيلٌ لِلْأُصُولِ الَّتِي وُضِعَتْ فِيها، ولَسْتُ أعْنِي بِهَذا ما يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالإشارَةِ ودَلالَةِ الحُرُوفِ كَقَوْلِهِمْ: إنَّ أسْرارَ (p-٢٦)القُرْآنِ في الفاتِحَةِ، وأسْرارَ الفاتِحَةِ في البَسْمَلَةِ، وأسْرارَ البَسْمَلَةِ في الباءِ، وأسْرارَ الباءِ في نُقْطَتِها ! فَإنَّ هَذا لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ عَلَيْهِمُ الرِّضْوانُ، ولا هو مَعْقُولٌ في نَفْسِهِ، وإنَّما هو مِن مُخْتَرَعاتِ الغُلاةِ الَّذِينَ ذَهَبَ بِهِمُ الغُلُوُّ إلى إعْدامِ القُرْآنِ خاصَّتَهُ، وهي البَيانُ - قالَ - وبَيانُ ما أُرِيدُ: أنَّ ما نَزَلَ القُرْآنُ لِأجْلِهِ أُمُورٌ:
أحَدُها التَّوْحِيدُ: لِأنَّ النّاسَ كانُوا كُلُّهم وثَنِيِّينَ - وإنْ كانَ بَعْضُهم يَدَّعِي التَّوْحِيدَ - .
ثانِيها: وعْدُ مَن أخَذَ بِهِ، وتَبْشِيرُهُ بِحُسْنِ المَثُوبَةِ، ووَعِيدُ مَن لَمْ يَأْخُذْ بِهِ، وإنْذارُهُ بِسُوءِ العُقُوبَةِ، والوَعْدُ يَشْمَلُ ما لِلْأُمَّةِ وما لِلْأفْرادِ، فَيَعُمُّ نِعَمَ الدُّنْيا والآخِرَةِ وسَعادَتَهُما. والوَعِيدُ - كَذَلِكَ - يَشْمَلُ نِقَمَهُما وشَقاءَهُما، فَقَدْ وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ: بِالِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ، والعِزَّةِ، والسُّلْطانِ، والسِّيادَةِ. وأوْعَدَ المُخالِفِينَ: بِالخِزْيِ والشَّقاءِ في الدُّنْيا. كَما وعَدَ في الآخِرَةِ بِالجَنَّةِ والنَّعِيمِ وأوْعَدَ بِنارِ الجَحِيمِ.
ثالِثُها: العِبادَةُ الَّتِي تُحْيِي التَّوْحِيدَ في القُلُوبِ وتُثَبِّتُهُ في النُّفُوسِ.
رابِعُها: بَيانُ سَبِيلِ السَّعادَةِ وكَيْفِيَّةِ السَّيْرِ فِيهِ، المُوَصِّلِ إلى نِعَمِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
خامِسُها: قَصَصُ مَن وقَفَ عِنْدَ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى، وأخَذَ بِأحْكامِ دِينِهِ، وأخْبارُ الَّذِينَ تَعَدَّوْا حُدُودَهُ ونَبَذُوا أحْكامَ دِينِهِ ظِهْرِيًّا لِأجْلِ الِاعْتِبارِ، واخْتِيارِ طَرِيقِ المُحْسِنِينَ.
هَذِهِ هي الأُمُورُ الَّتِي احْتَوى عَلَيْها القُرْآنُ، وفِيها حَياةُ النّاسِ وسَعادَتُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ والأُخْرَوِيَّةُ، والفاتِحَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْها إجْمالًا بِغَيْرِ ما شَكٍّ ولا رَيْبٍ.
فَأمّا التَّوْحِيدُ فَفي قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] لِأنَّهُ ناطِقٌ بِأنَّ كُلَّ حَمْدٍ وثَناءٍ يَصْدُرُ عَنْ نِعْمَةٍ ما فَهو لَهُ تَعالى، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا إذا كانَ سُبْحانَهُ مَصْدَرَ كُلِّ نِعْمَةٍ في الكَوْنِ تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ، ومِنها نِعْمَةُ الخَلْقِ والإيجادِ والتَّرْبِيَةِ والتَّنْمِيَةِ، ولَمْ يَكْتَفِ بِاسْتِلْزامِ العِبارَةِ لِهَذا المَعْنى فَصَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: "رَبِّ العالَمِينَ" . ولَفْظُ "رَبِّ" لَيْسَ مَعْناهُ المالِكَ والسَّيِّدَ فَقَطْ، بَلْ فِيهِ مَعْنى التَّرْبِيَةِ والإنْماءِ. وهو صَرِيحٌ بِأنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ يَراها الإنْسانُ في (p-٢٧)نَفْسِهِ وفي الآفاقِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ. فَلَيْسَ في الكَوْنِ مُتَصَرِّفٌ بِالإيجادِ والإشْقاءِ، والإسْعادِ سِواهُ. ثُمَّ إنَّ التَّوْحِيدَ أهَمُّ ما جاءَ لِأجْلِهِ الدِّينُ. ولِذَلِكَ لَمْ يَكْتَفِ في الفاتِحَةِ بِمُجَرَّدِ الإشارَةِ إلَيْهِ، بَلِ اسْتَكْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: "إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ" فاجْتَثَّ بِذَلِكَ جُذُورَ الشِّرْكِ والوَثَنِيَّةِ الَّتِي كانَتْ فاشِيَةً في جَمِيعِ الأُمَمِ، وهي اتِّخاذُ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعْتَقِدُ لَهُمُ السُّلْطَةُ الغَيْبِيَّةُ، يُدْعَوْنَ لِذَلِكَ مَن دُونِ اللَّهِ، ويُسْتَعانُ بِهِمْ عَلى قَضاءِ الحَوائِجِ في الدُّنْيا، ويَتَقَرَّبُ بِهِمْ إلى اللَّهِ زُلْفى، وجَمِيعُ ما في القُرْآنِ مِن آياتِ التَّوْحِيدِ ومُقارَعَةِ المُشْرِكِينَ هو تَفْصِيلٌ لِهَذا الإجْمالِ.
"وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ: فالأوَّلُ مِنهُما مَطْوِيٌّ في "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فَذِكْرُ الرَّحْمَةِ في أوَّلِ الكِتابِ، وهي الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ. وعْدٌ بِالإحْسانِ – لا سِيَّما وقَدْ كَرَّرَها مَرَّةً ثانِيَةً- تَنْبِيهًا لَنا عَلى أنَّ أمْرَهُ إيّانا بِتَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ رَحْمَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِنا، لِأنَّهُ لِمَصْلَحَتِنا ومَنفَعَتِنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ مَعًا، لِأنَّ مَعْنى الدِّينِ الخُضُوعُ، أيْ: إنَّ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ السُّلْطانَ المُطْلَقَ، والسِّيادَةَ الَّتِي لا نِزاعَ فِيها، لا حَقِيقَةَ ولا ادِّعاءَ؛ وإنَّ العالَمَ كُلَّهُ يَكُونُ فِيهِ خاضِعًا لِعَظَمَتِهِ -ظاهِرًا وباطِنًا - يَرْجُو رَحْمَتَهُ، ويَخْشى عَذابَهُ، وهَذا يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ، أوْ مَعْنى الدِّينِ الجَزاءُ وهو: إمّا ثَوابٌ لِلْمُحْسِنِ، وإمّا عِقابٌ لِلْمُسِيءِ، وذَلِكَ وعْدٌ ووَعِيدٌ، وزِدْ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ "الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ" وهو الَّذِي مَن سَلَكَهُ فازَ، ومَن تَنَكَّبَهُ هَلَكَ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الوَعْدَ والوَعِيدَ.
وأمّا العِبادَةُ، فَبَعْدَ أنْ ذُكِرَتْ في مَقامِ التَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] أوْضَحَ مَعْناها بَعْضَ الإيضاحِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أيْ: إنَّهُ قَدْ وضَعَ لَنا صِراطًا سَيُبَيِّنُهُ ويُحَدِّدُهُ. ويَكُونُ مَناطُ السَّعادَةِ في الِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ، والشَّقاءِ في الِانْحِرافِ عَنْهُ، وهَذِهِ الِاسْتِقامَةُ عَلَيْهِ هي رُوحُ العِبادَةِ، ويُشْبِهُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى: (p-٢٨)﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] فالتَّواصِي بِالحَقِّ والصَّبْرِ هو كَمالُ العِبادَةِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ. والفاتِحَةُ بِجُمْلَتِها تَنْفُخُ رُوحَ العِبادَةِ في المُتَدَبِّرِ لَها، ورُوحُ العِبادَةِ هي إشْرابُ القُلُوبِ خَشْيَةَ اللَّهِ، وهَيْبَتَهُ، والرَّجاءَ لِفَضْلِهِ، لا الأعْمالُ المَعْرُوفَةُ مِن فِعْلٍ وكَفٍّ وحَرَكاتِ اللِّسانِ والأعْضاءِ. فَقَدْ ذُكِرَتِ العِبادَةُ في الفاتِحَةِ قَبْلَ ذِكْرِ الصَّلاةِ وأحْكامِها، والصِّيامِ وأيّامِهِ، وكانَتْ هَذِهِ الرُّوحُ في المُسْلِمِينَ قَبْلَ أنْ يُكَلَّفُوا بِهَذِهِ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، وقَبْلَ نُزُولِ أحْكامِها الَّتِي فُصِّلَتْ في القُرْآنِ تَفْصِيلًا ما؛ وإنَّما الحَرَكاتُ والأعْمالُ مِمّا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى حَقِيقَةِ العِبادَةِ، ومُخُّ العِبادَةِ الفِكْرُ والعِبْرَةُ؛ وأمّا الأخْبارُ والقِصَصُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ هُنالِكَ قَوْمًا تَقَدَّمُوا، وقَدْ شَرَعَ اللَّهُ شَرائِعَ لِهِدايَتِهِمْ، وصائِحٌ يَصِيحُ: ألا فانْظُرُوا في الشُّؤُونِ العامَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها واعْتَبِرُوا بِها، كَما قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ يَدْعُوهُ إلى الِاقْتِداءِ بِمَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ القَصَصَ إنَّما هو لِلْعِظَةِ والِاعْتِبارِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ مَن دُونِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ ضَلَّ عَنْ صِراطِ اللَّهِ، وفَرِيقٌ جاحِدُهُ، وعانَدَ مَن يَدْعُو إلَيْهِ، فَكانَ مَحْفُوفًا بِالغَضَبِ الإلَهِيِّ، والخِزْيِ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. وباقِي القُرْآنِ يُفَصِّلُ لَنا في أخْبارِ الأُمَمِ هَذا الإجْمالَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يُفِيدُ العِبْرَةَ، فَيَشْرَحُ حالَ الظّالِمِينَ الَّذِينَ قاوَمُوا الحَقَّ، وحالَ الَّذِينَ حافَظُوا عَلَيْهِ وصَبَرُوا عَلى ما أصابَهم في سَبِيلِهِ.
فَتَبَيَّنَ مِن مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ: أنَّ الفاتِحَةَ قَدِ اشْتَمَلَتْ إجْمالًا عَلى الأُصُولِ الَّتِي يُفَصِّلُها (p-٢٩)القُرْآنُ تَفْصِيلًا. فَكانَ إنْزالُها أوَّلًا مُوافِقًا لِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في الإبْداعِ، وعَلى هَذا تَكُونُ الفاتِحَةُ جَدِيرَةً بِأنْ تُسَمّى "أُمَّ الكِتابِ" .
الثّالِثَةُ: مِمّا صَحَّ في فَضْلِها مِنَ الأخْبارِ: ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ:
«كُنْتُ أُصَلِّي في المَسْجِدِ فَدَعانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ. فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. فَقالَ: «ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]» ؟ - ثُمَّ قالَ لِي: «لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هي أعْظَمُ السُّوَرِ في القُرْآنِ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ ؟» ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي، فَلَمّا أرادَ أنْ نَخْرُجَ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَمْ تَقُلْ «لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هي أعْظَمُ سُورَةٍ في القُرْآنِ» . قالَ: " الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، هي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ بِإسْنادٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، نَحْوَهُ، غَيْرَ أنَّ القِصَّةَ مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وفي آخِرِهِ:
««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أُنْزِلَ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها، إنَّها السَّبْعُ المَثانِي»» .
واسْتُدِلَّ بِهَذا الحَدِيثِ وأمْثالِهِ عَلى تَفاضُلِ بَعْضِ الآياتِ والسُّوَرِ عَلى بَعْضٍ، كَما هو المَحْكِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ مِنهم: إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وأبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ وابْنُ الحَضّارِ مِنَ المالِكِيَّةِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ واضِحٌ.
ورَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كُنّا في مَسِيرٍ لَنا فَنَزَلْنا، فَجاءَتْ جارِيَةٌ فَقالَتْ: إنَّ سَيِّدَ الحَيِّ سَلِيمٌ، وإنَّ نَفَرَنا غَيَبٌ، (p-٣٠)فَهَلْ مِنكم واقٍ ؟ فَقامَ مَعَها رَجُلٌ ما كُنّا نَأْبِنُهُ بِرُقْيَةٍ. فَرَقاهُ، فَبَرَأ، فَأمَرَ لَهُ بِثَلاثِينَ شاةً، وسَقانا لَبَنًا؛ فَلَمّا رَجَعَ قُلْنا لَهُ: أكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً، أوْ كُنْتَ تَرْقِي ؟ قالَ: لا، ما رَقَيْتُ إلّا بِأُمِّ الكِتابِ. قُلْنا: لا تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتّى نَأْتِيَ، أوْ نَسْألَ، النَّبِيَّ ﷺ، فَلَمّا قَدِمْنا المَدِينَةَ، ذَكَرْناهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «وما كانَ يُدْرِيهِ أنَّها رُقْيَةٌ ؟ اقْمِسُوا واضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ»» . وهَكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، وفي بَعْضِ رِواياتِ مُسْلِمٍ: أنَّ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ هو الَّذِي رَقى ذَلِكَ السَّلِيمَ - يَعْنِي اللَّدِيغَ، يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ تَفاؤُلًا - .
ورَوى مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ:
«بَيْنَما جِبْرِيلُ قاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِن فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: «هَذا بابٌ مِنَ السَّماءِ فُتِحَ اليَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إلّا اليَوْمَ. فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ. فَقالَ: هَذا مَلَكٌ نَزَلَ إلى الأرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إلّا اليَوْمَ. فَسَلَّمَ وقالَ: أبْشِرْ بِنُورَيْنِ قَدْ أُوتِيتَهُما، لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قَبْلَكَ؛ فاتِحَةُ الكِتابِ وخَواتِيمُ البَقَرَةِ، لَمْ تَقْرَأْ بِحَرْفٍ مِنهُما إلّا أُعْطِيتَهُ»» .
ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن صَلّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيها بِأُمِّ القُرْآنِ فَهي خِداجٌ - ثَلاثًا - غَيْرُ تَمامٍ» فَقِيلَ لِأبِي هُرَيْرَةَ: إنّا نَكُونُ وراءَ الإمامِ. فَقالَ: اقْرَأْ بِها في نَفْسِكَ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
«قالَ اللَّهُ تَعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ العَبْدُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] قالَ اللَّهُ تَعالى: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وقالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي - فَإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قالَ: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ: هَذا لِعَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ»» .
ويَكْفِي مِن شَرْحِ الفاتِحَةِ هَذا المِقْدارُ الجَلِيلُ، واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.
البقرة 2:1
(p-٣١)سُورَةُ البَقَرَةِ
جَمِيعُها مَدَنِيٌّ بِلا خِلافٍ. وآيَها مِائَتانِ وسِتٌّ وثَمانُونَ. وقَدْ صَحَّ في فَضْلِها عِدَّةُ أخْبارٍ: مِنها ما في مُسْنَدِ أحْمَدَ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكم قُبُورًا، فَإنَّ البَيْتَ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ لا يَدْخُلُهُ الشَّيْطانُ»» .
وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ورَوى ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ««إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنامًا، وإنَّ سَنامَ القُرْآنِ البَقَرَةُ، وإنَّ مَن قَرَأها في بَيْتِهِ لَيْلَةً لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطانُ ثَلاثَ لَيالٍ، ومَن قَرَأها في بَيْتِهِ نَهارًا لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطانُ ثَلاثَةَ أيّامٍ»» .
ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««اقْرَأُوا القُرْآنَ فَإنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ شَفِيعًا لِأصْحابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْراوَيْنِ: البَقَرَةَ وسُورَةَ آلِ عِمْرانَ فَإنَّهُما يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيايَتانِ أوْ كَأنَّهُما فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافٍّ تُحاجّانِ عَنْ أصْحابِهِما، اقْرَءُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فَإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ»» .
(وقَوْلُهُ الزَّهْراوَيْنِ: أيِ المُنِيرَتَيْنِ- في الإعْجازِ أوْ في وفْرَةِ الأحْكامِ- والغَيايَةُ: ما أظَلَّكَ مِن فَوْقِكَ. والفِرْقُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ. والصَّوافُّ: المُصْطَفَّةُ. والبَطَلَةُ: السَّحَرَةُ. ومَعْنى لا تَسْتَطِيعُها: لا تَسْتَطِيعُ النُّفُوذَ في قارِئِها، أوْ لا يُمْكِنُهم حِفْظُها. واللَّهُ أعْلَمُ) .
(p-٣٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [١ ] ﴿الم﴾
اعْلَمْ أنَّ لِلنّاسِ في هَذا وما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الفَواتِحِ مَذْهَبَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا عِلْمٌ مَسْتُورٌ، وسِرٌّ مَحْجُوبٌ، اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ؛ فَهو مِنَ المُتَشابِهِ. ولَمْ يَرْتَضِ هَذا كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يَرِدَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما لا يَكُونُ مَفْهُومًا لِلْخَلْقِ، واحْتَجُّوا بِأدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ ونَقْلِيَّةٍ، بَسَطَها العَلّامَةُ الفَخْرُ.
(المَذْهَبُ الثّانِي) مَذْهَبُ مَن فَسَّرَها، وتَكَلَّمَ فِيما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُرادًا مِنها، وهو ما لِلْجُمْهُورِ. وفِيهِ وجْهانِ:
(الأوَّلُ): وعَلَيْهِ الأكْثَرُ: أنَّها أسْماءٌ لِلسُّوَرِ.
(الثّانِي): أنْ يَكُونَ وُرُودُ الأسْماءِ هَكَذا مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ: كالإيقاظِ وقَرْعِ العَصا لِمَن تُحُدِّيَ بِالقُرْآنِ وبِغَرابَةِ نَظْمِهِ، وكالتَّحْرِيكِ لِلْنَظَرِ في أنَّ هَذا المَتْلُوَّ عَلَيْهِمْ - وقَدْ عَجَزُوا عَنْهُ عَنْ آخِرِهِمْ - كَلامٌ مَنظُومٌ مِن عَيْنِ ما يَنْظِمُونَ مِنهُ كَلامَهم، لِيُؤَدِّيَهُمُ النَّظَرُ إلى أنْ يَسْتَيْقِنُوا أنْ لَمْ تَتَساقَطْ مَقْدِرَتُهم دُونَهُ، ولَمْ تَظْهَرْ مُعْجِزَتُهم عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ - بَعْدَ المُراجَعاتِ المُتَطاوِلَةِ - وهم أُمَراءُ الكَلامِ، وزُعَماءُ الحِوارِ، وهُمُ الحُرّاصُ عَلى التَّساجُلِ في اقْتِضابِ الخُطَبِ، والمُتَهالِكُونَ عَلى الِاقْتِنانِ في القَصِيدِ والرَّجْزِ، ولَمْ يَبْلُغْ مِنَ الجَزالَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ المَبالِغَ الَّتِي بَزَّتْ بَلاغَةَ كُلِّ ناطِقٍ، وشَقَّتْ غُبارَ كُلِّ سابِقٍ، ولَمْ يَتَجاوَزِ الحَدَّ الخارِجَ مِن قُوى الفُصَحاءِ، ولَمْ يَقَعْ وراءَ مَطامِحِ أعْيُنِ البُصَراءِ إلّا لِأنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ البَشَرِ، وإنَّهُ كَلامُ خالِقِ القُوى والقُدَرِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
البقرة 2:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢ ] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾
أيْ: هَذا القُرْآنُ لا شَكَّ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى في السَّجْدَةِ: ﴿الم﴾ [السجدة: ١] ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢] قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: اخْتِصاصُ ذَلِكَ (p-٣٣)بِالإشارَةِ لِلْبَعِيدِ حُكْمٌ عُرْفِيٌّ لا وضْعِيٌّ، فَإنَّ العَرَبَ تُعارِضُ بَيْنَ اسْمَيِ الإشارَةِ. فَيَسْتَعْمِلُونَ كُلًّا مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في كَلامِهِمْ. وفي التَّنْزِيلِ مِن ذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ، ومَن جَرى عَلى أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ لِلْبَعِيدِ يَقُولُ: إنَّما صَحَّتِ الإشارَةُ بِذَلِكَ هُنا إلى ما لَيْسَ بِبَعِيدٍ، لِتَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ، ذَهابًا إلى بُعْدِ دَرَجَتِهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ ومَنزِلَتِهِ في الهِدايَةِ والشَّرَفِ.
والرَّيْبُ في الأصْلِ: مَصْدَرُ رابَنِي إذا حَصَلَ فِيكَ الرِّيبَةُ. وحَقِيقَتُها: قَلَقُ النَّفْسِ واضْطِرابُها. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مَعْنى الشَّكِّ مُطْلَقًا، أوْ مَعَ تُهْمَةٍ. لِأنَّهُ يُقْلِقُ النَّفْسَ ويُزِيلُ الطُّمَأْنِينَةَ.
وفِي الحَدِيثِ: ««دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ»» .
ومَعْنى نَفْيِهِ عَنِ الكِتابِ، أنَّهُ في عُلُوِّ الشَّأْنِ، وسُطُوعِ البُرْهانِ، بِحَيْثُ لَيْسَ فِيهِ مَظِنَّةُ أنْ يُرْتابَ في حَقِيقَتِهِ، وكَوْنِهِ وحْيًا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ العَرَبَ، مَعَ بُلُوغِهِمْ في الفَصاحَةِ إلى النِّهايَةِ، عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَةِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ. وذَلِكَ يَشْهَدُ بِأنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ الحُجَّةُ في الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَرْتابَ فِيهِ، لا أنَّهُ لا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ أصْلًا.
" هُدًى لِلْمُتَّقِينَ" أيْ: هادٍ لَهم ودالٌّ عَلى الدِّينِ القَوِيمِ المُفْضِي إلى سَعادَتَيِ الدّارَيْنِ.
قالَ النّاصِرُ في الِانْتِصافِ: الهُدى يُطْلَقُ في القُرْآنِ عَلى مَعْنَيَيْنِ: (أحَدُهُما) الإرْشادُ وإيضاحُ سَبِيلِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] وعَلى هَذا يَكُونُ الهُدى لِلضّالِّ بِاعْتِبارِ أنَّهُ رَشَدٌ إلى الحَقِّ، سَواءٌ حَصَلَ لَهُ الِاهْتِداءُ أوْ لا.
و(الآخَرُ): خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الِاهْتِداءَ في قَلْبِ العَبْدِ، ومِنهُ: ﴿أُولَئِكَ (p-٣٤)الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَإذا ثَبَتَ وُرُودُهُ عَلى المَعْنَيَيْنِ فَهو في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَعْنَيانِ جَمِيعًا. وعَلى الأوَّلِ، فَتَخْصِيصُ الهُدى بِالمُتَّقِينَ لِلتَّنْوِيهِ بِمَدْحِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا وانْتَفَعُوا بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] وقالَ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] وقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، مُنْذِرًا لِكُلِّ النّاسِ، فَذَكَرَ هَؤُلاءِ لِأجْلِ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِإنْذارِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ آيَةِ: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] ﴿ونُنَـزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا دَلَّ عَلى أنَّ النَّفْعَ بِهِ لا يَنالُهُ إلّا الأبْرارُ، والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ -هُنا- مَن نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ.
البقرة 2:3
(p-٣٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ ] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾
" الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ" أيْ يُصَدِّقُونَ "بِالغَيْبِ" الغَيْبُ في الأصْلِ مَصْدَرُ غابَ. بِمَعْنى اسْتَتَرَ واحْتَجَبَ وخَفِيَ، وهو بِمَعْنى الفاعِلِ - كالزُّورِ لِلزّائِرِ - أُطْلِقَ عَلَيْهِ مُبالَغَةً، والمُرادُ بِهِ ما لا يَقَعُ تَحْتَ الحَواسِّ، ولا تَقْتَضِيهِ بَداهَةُ العُقُولِ، وإنَّما يَعْلَمُ بِخَبَرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَعْنى يُؤْمِنُونَ بِما لا يَتَناوَلُهُ حِسُّهم. كَذاتِهِ تَعالى، ومَلائِكَتِهِ، والجَنَّةِ، والنّارِ، والعَرْشِ، والكُرْسِيِّ، واللَّوْحِ، ونَحْوِها.
" ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ"، أيْ: يُؤَدُّونَها بِحُدُودِها وفُرُوضِها الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ. كالخُشُوعِ والمُراقَبَةِ وتَدَبُّرِ المَتْلُوِّ والمَقْرُوءِ.
قالَ الرّاغِبُ: إقامَةُ الصَّلاةِ تَوْفِيَةُ حُدُودِها، وإدامَتُها. وتَخْصِيصُ الإقامَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ إيقاعَها فَقَطْ، ولِهَذا لَمْ يَأْمُرْ بِالصَّلاةِ ولَمْ يَمْدَحْ بِها إلّا بِلَفْظِ الإقامَةِ نَحْوَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٦٢] و: ﴿الَّذِينَ (p-٣٦)يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال: ٣] ولَمْ يَقُلِ: المُصَلِّي، إلّا في المُنافِقِينَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُصَلِّينَ كَثِيرٌ والمُقِيمِينَ لَها قَلِيلٌ - كَما قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الحاجُّ قَلِيلٌ والرَّكْبُ كَثِيرٌ - ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««مَن صَلّى رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ عَلى رَبِّهِ خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ»» . فَذَكَرَ مَعَ قَوْلِهِ: «صَلّى» الإقْبالَ بِقَلْبِهِ عَلى اللَّهِ تَنْبِيهًا عَلى مَعْنى الإقامَةِ، وبِذَلِكَ عَظُمَ ثَوابُهُ، وكَثِيرٌ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي حَثَّ تَعالى عَلى تَوْفِيَةِ حَقِّهِ، ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الإقامَةِ، نَحْوَ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦] ونَحْوَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] تَنْبِيهًا عَلى المُحافَظَةِ عَلى تَعْدِيلِهِ. انْتَهى.
فالإقامَةُ مِن أقامَ العُودَ إذا قَوَّمَهُ. و"الصَّلَوةَ" فِعْلَةٌ مِن صَلّى إذا دَعا، كَـ "الزَّكَوةِ" مِن زَكى - وإنَّما كُتِبَتا بِالواوِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُفَخَّمِ - وإنَّما سُمِّيَ الفِعْلُ المَخْصُوصُ بِها لِاشْتِمالِهِ عَلى الدُّعاءِ.
" ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ" أيْ: يُؤْتُونَ مِمّا رَزَقْناهم مِنَ الأمْوالِ مَن شُرِعَ لَهم إيتاؤُهُ والإنْفاقُ عَلَيْهِ مِنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ وذَوِي القُرْبى واليَتامى وأمْثالِهِمْ، عَلى ما بَيَّنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ.
البقرة 2:4
(p-٣٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ ] ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾
" والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ" والمُرادُ "بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ" الكِتابُ المُنَزَّلُ كُلُّهُ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي - وإنْ كانَ بَعْضُهُ مُتَرَقِّبًا - تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلى ما لَمْ يُوجَدْ. كَما أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: "وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ" الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ السّالِفَةُ كُلُّها. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] الآيَةَ. والإنْزالُ النَّقْلُ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ. فَنُزُولُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَتَلَقّاها جِبْرِيلُ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَنْزِلُ بِها إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ولِهَذا يُقالُ: القُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، مِنهُ بَدَأ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ: وإلَيْهِ يَعُودُ أيْ هو المُتَكَلِّمُ بِهِ. قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ (p-٣٨)رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وقالَ تَعالى: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]
" وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ الآخِرَةُ في الأصْلِ: تَأْنِيثُ الآخِرِ الَّذِي هو نَقِيضُ الأوَّلِ وهي صِفَةُ الدّارِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الدُّنْيا. وقِيلَ لِلدُّنْيا: دُنْيا، لِأنَّها أدْنى مِنَ الآخِرَةِ. وهُما مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ. ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ جَرَيا مَجْرى الأسْماءِ؛ إذْ قَدْ غَلَبَ تَرْكُ ذِكْرِ اسْمِ مَوْصُوفِهِما مَعَهُما، كَأنَّهُما لَيْسا مِنَ الصِّفاتِ.
والإيقانُ إتْقانُ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ عَنْهُ، وفي تَقْدِيمِ "الآخِرَةُ" وبِناءُ "يُوقِنُونَ" عَلى "هُمْ" تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ، وبِما كانُوا عَلَيْهِ مِن إثْباتِ أمْرِ الآخِرَةِ عَلى خِلافِ حَقِيقَتِهِ. كَزَعْمِهِمْ أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى؛ وأنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً؛ واخْتِلافُهم في أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ هَلْ هو مِن قَبِيلِ نَعِيمِ الدُّنْيا أوْ لا ؟ وهَلْ هو دائِمٌ أوْ لا ؟ فاعْتِقادُهم في أُمُورِ الآخِرَةِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الصِّحَّةِ، فَضْلًا عَنِ الوُصُولِ إلى مَرْتَبَةِ اليَقِينِ ! .
البقرة 2:5
(p-٣٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ ] ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
" أُولَئِكَ" أيِ: المُتَّصِفُونَ بِما تَقَدَّمَ. عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ" أيْ عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِمْ، وبُرْهانٍ، واسْتِقامَةٍ، وسَدادٍ - بِتَسْدِيدِهِ إيّاهم وتَوْفِيقِهِ لَهُمْ- . "وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ" أيِ المُنْجَحُونَ، المُدْرِكُونَ ما طَلَبُوا عِنْدَ اللَّهِ -بِإيمانِهِمْ - مِنَ الفَوْزِ بِالثَّوابِ، والخُلُودِ في الجَنّاتِ، والنَّجاةِ مِمّا أعَدَّ اللَّهُ لِأعْدائِهِ مِنَ العِقابِ.
البقرة 2:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
لَمّا بَيَّنَ تَعالى نُعُوتَ المُؤْمِنِينَ قَبْلُ، شَرَحَ أحْوالَ مُقابِلِيهِمْ وهُمُ الكَفَرَةُ المَرَدَةُ بِأنَّهم: تَناهَوْا في الغَوايَةِ والضَّلالِ إلى حَيْثُ لا يُجْدِيهُمُ الإنْذارُ والتَّذْكِيرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ [يونس: ٩٧] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في المُعانِدِينَ الكِتابِيِّينَ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] الآيَةَ.
و"سَواءٌ" اسْمٌ بِمَعْنى: الِاسْتِواءِ، وُصِفَ بِهِ، كَما يُوصَفُ بِالمَصادِرِ، مُبالَغَةً؛ ومِنهُ (p-٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] بِمَعْنى: مُسْتَوِيَةٍ.
و(الإنْذارُ): الإعْلامُ مَعَ تَخْوِيفٍ، والمُرادُ هُنا: التَّخْوِيفُ مِن عَذابِهِ تَعالى، وانْتِقامِهِ، والِاقْتِصارِ عَلَيْهِ لِما أنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لِلْبِشارَةِ، ولِأنَّ الإنْذارَ أوْقَعُ في القُلُوبِ؛ ومَن لَمْ يَتَأثَّرْ بِهِ فَلَأنْ لا يَرْفَعَ لِلْبِشارَةِ رَأْسًا - أوْلى.
وقَوْلُهُ "لا يُؤْمِنُونَ" جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها، مُبَيِّنَةٌ لِما فِيهِ مِن إجْمالِ ما فِيهِ الِاسْتِواءُ.
البقرة 2:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ ] ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
اسْتِنْئافٌ مُعَلِّلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الحُكْمِ، أوْ بَيانٌ وتَأْكِيدٌ لَهُ. والخَتْمُ عَلى الشَّيْءِ: الِاسْتِيثاقُ مِنهُ بِضَرْبِ الخاتَمِ عَلَيْهِ. والمُرادُ: إحْداثُ حالَةٍ تَجْعَلُها -بِسَبَبِ تَمادِيهِمْ في الغَيِّ، وانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ، وإعْراضِهِمْ عَنْ مِنهاجِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ - بِحَيْثُ لا يُؤَثِّرُ فِيها الإنْذارُ، ولا يَنْفُذُ فِيها الحَقُّ أصْلًا.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإسْنادُ إحْداثِ تِلْكَ الحالَةِ في قُلُوبِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، لِاسْتِنادِ جَمِيعِ الحَوادِثِ عِنْدَنا -مِن حَيْثُ الخَلْقُ- إلَيْهِ سُبْحانَهُ. ووُرُودُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ناعِيَةً عَلَيْهِمْ سُوءَ صَنِيعِهِمْ، ووَخامَةَ عاقِبَتِهِمْ، لِكَوْنِ أفْعالِهِمْ - مِن حَيْثُ الكَسْبُ - مُسْتَنِدَةً إلَيْهِمْ، فَإنَّ خَلْقَها مِنهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الجَبْرِ، بَلْ بِطَرِيقِ التَّرْتِيبِ - عَلى ما اقْتَرَفُوهُ مِنَ القَبائِحِ - كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ونَحْوَ ذَلِكَ، (p-٤١)يَعْنِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]
وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ سَلَكُوا مَسْلَكَ التَّأْوِيلِ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ عِدَّةً مِنَ الأقاوِيلِ.
مِنها: أنَّ القَوْمَ لَمّا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ، وتَمَكَّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ، حَتّى صارَ كالطَّبِيعَةِ لَهم، شُبِّهَ بِالوَصْفِ الخُلْقِيِّ المَجْبُولِ عَلَيْهِ.
ومِنها: أنَّ المُرادَ بِهِ تَمْثِيلُ قُلُوبِهِمْ بِقُلُوبِ البَهائِمِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ تَعالى خالِيَةً عَنِ الفَطِنِ، أوْ بِقُلُوبٍ قُدِّرَ خَتْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها. كَما في: سالَ بِهِ الوادِي - إذا هَلَكَ - وطارَتْ بِهِ العَنْقاءُ - إذا طالَتْ غَيْبَتُهُ - .
ومِنها: أنَّ أعْراقَهم لَمّا رَسَخَتْ في الكُفْرِ، واسْتَحْكَمَتْ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ إلى تَحْصِيلِ إيمانِهِمْ طَرِيقٌ سِوى الإلْجاءِ والقَسْرِ؛ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُحافَظَةً عَلى حِكْمَةِ التَّكْلِيفِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالخَتْمِ، لِأنَّهُ سَدٌّ لِطَرِيقِ إيمانِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِتَرامِي أمْرِهِمْ في الغَيِّ والعِنادِ.
ومِنها: أنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ لِما كانَتِ الكَفَرَةُ يَقُولُونَهُ. مِثْلَ قَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ، وفي آذانِنا وقْرٌ، ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ. تَهَكُّمًا بِهِمْ.
ومِنها: أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وإنَّما أخْبَرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا﴾ [الإسراء: ٩٧] انْتَهى مُلَخَّصًا
(فائِدَةٌ): قالَ الرّاغِبُ: المُرادُ بِالقَلْبِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ العَقْلُ والمَعْرِفَةُ اهـ.
البقرة 2:8
(p-٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ ] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾
أصْلُ ناسٍ أُناسٌ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا، وحَذْفُها مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ كاللّازِمِ. ويَشْهَدُ لِأصْلِهِ إنْسانٌ، وأُناسٌ، وأناسِيٌّ، وإنْسٌ، وسُمُّوا لِظُهُورِهِمْ وأنَّهم يُؤْنِسُونَ أيْ: يُبْصِرُونَ - كَما سُمِّيَ الجِنُّ لِاجْتِنانِهِمْ - ولِذَلِكَ سُمُّوا بَشَرًا. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الأُنْسِ - ضِدِّ الوَحْشَةِ - لِأنَّ الإنْساْنَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ. والأوَّلُ أظْهَرُ.
واعْلَمْ أنَّ صِفاتِ المُنافِقِينَ إنَّما نَزَلَتْ في السُّوَرِ المَدَنِيَّةِ. لِأنَّ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيها نِفاقٌ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ، وكانَ بِها الأنْصارُ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وكانُوا في جاهِلِيَّتِهِمْ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ عَلى طَرِيقَةِ مُشْرِكِي العَرَبِ. وبِها اليَهُودُ - مِن أهْلِ الكِتابِ- وهم ثَلاثُ قَبائِلَ: بَنُو قَيْنُقاعٍ - حُلَفاءُ الخَزْرَجِ - وبَنُو النَّضِيرِ وبَنُو قُرَيْظَةَ - حُلَفاءُ الأوْسِ - فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، وأسْلَمَ مَن أسْلَمَ مِنَ الأنْصارِ مِن قَبِيلَتَيِ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وقَلَّ مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ -إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ نِفاقٌ أيْضًا، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدُ شَوْكَةٌ تُخافُ؛ بَلْ قَدْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وادَعَ اليَهُودَ وقَبائِلَ كَثِيرَةً -مِن أحْياءِ العَرَبِ حَوالَيِ المَدِينَةِ- فَلَمّا كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ العُظْمى، وأظْهَرَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، وأعَزَّ الإسْلامَ وأهْلَهُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ -وكانَ رَأْسًا في المَدِينَةِ، وهو مَنَ الخَزْرَجِ، وكانَ ابْنَ سَيِّدِ الطّائِفَتَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ؛ وكانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلى أنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، فَجاءَهُمُ الخَبَرُ، وأسْلَمُوا، واشْتَغَلُوا عَنْهُ، فَبَقِيَ في نَفْسِهِ مِنَ الإسْلامِ وأهْلِهِ، فَلَمّا كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ، قالَ: هَذا أمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ. فَأظْهَرَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ، ودَخَلَ مَعَهُ طَوائِفُ - مِمَّنْ هو عَلى طَرِيقَتِهِ ونِحْلَتِهِ - وآخَرُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَمِن ثَمَّ وُجِدَ النِّفاقُ في أهْلِ المَدِينَةِ، ومَن حَوْلَها مِنَ الأعْرابِ.
البقرة 2:9
(p-٤٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ ] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾
قالَ القاشانِيُّ: المُخادَعَةُ اسْتِعْمالُ الخُدَعِ مِنَ الجانِبَيْنِ، وهو إظْهارُ الخَيْرِ، واسْتِبْطانُ الشَّرِّ، ومُخادَعَةُ اللَّهِ مُخادَعَةُ رَسُولِهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فَخِداعُهم لِلَّهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ إظْهارُ الإيمانِ والمَحَبَّةِ، واسْتِبْطانُ الكُفْرِ والعَداوَةِ. وخِداعُ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ إيّاهم مُسالَمَتُهم، وإجْراءُ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ. بِحَقْنِ الدِّماءِ وحَصْنِ الأمْوالِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وادِّخارِ العَذابِ الألِيمِ، والمَآلِ الوَخِيمِ، وسُوءِ المَغِبَّةِ لَهم، وخِزْيِهِمْ في الدُّنْيا لِافْتِضاحِهِمْ بِإخْبارِهِ تَعالى وبِالوَحْيِ عَنْ حالِهِمْ. لَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الخَدّاعِينَ: أنَّ خِداعَهم لا يَنْجَحُ إلّا في أنْفُسِهِمْ. بِإهْلاكِها، و تَحْسِيرِها، وإيراثِها الوَبالَ والنَّكالَ- بِازْدِيادِ الظُّلْمَةِ، والكُفْرِ، والنِّفاقِ، واجْتِماعِ أسْبابِ الهَلَكَةِ، والبُعْدِ والشَّقاءِ، عَلَيْها -وخِداعُ اللَّهِ يُؤَثِّرُ فِيهِمْ أبْلَغَ تَأْثِيرٍ، ويُوبِقُهم أشَدَّ إيباقٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] وهم - مِن غايَةِ تَعَمُّقِهِمْ في جَهْلِهِمْ - لا يُحِسُّونَ بِذَلِكَ الأمْرِ الظّاهِرِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وما يُخادِعُونَ" بِالألِفِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى صِفاتِ المُنافِقِينَ، لِئَلّا يَغْتَرَّ بِظاهِرِ أمْرِهِمُ المُؤْمِنُونَ، فَيَقَعَ بِذَلِكَ فَسادٌ عَرِيضٌ - مِن عَدَمِ الِاحْتِرازِ مِنهم، ومِنِ اعْتِقادِ إيمانِهِمْ، وهم كُفّارٌ في نَفْسِ الأمْرِ - وهَذا مِنَ المَحْذُوراتِ: أنْ يُظَنَّ بِأهْلِ الفُجُورِ خَيْرٌ. ثُمَّ إنَّ قَوْلَ مَن قالَ: كانَ عَلَيْهِ (p-٤٤)الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْلَمُ أعْيانَ بَعْضِ المُنافِقِينَ -إنَّما مُسْتَنَدُهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ في تَسْمِيَةِ أُولَئِكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ مُنافِقًا - في غَزْوَةِ تَبُوكَ - الَّذِينَ هَمُّوا أنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ظَلْماءِ اللَّيْلِ عِنْدَ عَقَبَةٍ هُناكَ، عَزَمُوا عَلى أنْ يُنَفِّرُوا بِهِ النّاقَةَ، لِيَسْقُطَ عَنْها، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أمْرَهم، فَأطْلَعَ عَلى ذَلِكَ حُذَيْفَةَ.
فَأمّا غَيْرُ هَؤُلاءِ، فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] الآيَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٠] فَفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُغْرَ بِهِمْ ولَمْ يُدْرَكْ عَلى أعْيانِهِمْ، وإنَّما كانَ تُذْكَرُ لَهُ صِفاتُهم، فَيَتَوَسَّمُها في بَعْضِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠] وقَدْ كانَ مِن أشْهَرِهِمْ بِالنِّفاقِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ.
واسْتَنَدَ - غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ - في الحِكْمَةِ عَنْ كَفِّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ المُنافِقِينَ، بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ ﷺ قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ««أكْرَهُ أنْ يَتَحَدَّثَ العَرَبُ أنَّ مُحَمَّدًا (p-٤٥)يَقْتُلُ أصْحابَهُ»» . ومَعْناهُ خَشْيَةَ أنْ يَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ تَنْفِيرٌ لِكَثِيرٍ مِنَ الأعْرابِ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، ولا يَعْلَمُونَ حِكْمَةَ قَتْلِهِمْ -بِأنَّهُ لِأجْلِ كُفْرِهِمْ- فَإنَّهم إنَّما يَأْخُذُونَهُ بِمُجَرَّدِ ما يَظْهَرُ لَهم، فَيَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ.
البقرة 2:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ ] ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾
المَرَضُ: السَّقَمُ، وهو نَقِيضُ الصِّحَّةِ، بِسَبَبِ ما يَعْرِضُ لِلْبَدَنِ، فَيُخْرِجُهُ عَنْ الِاعْتِدالِ اللّائِقِ بِهِ، ويُوجِبُ الخَلَلَ في أفاعِيلِهِ، اُسْتُعِيرَ هاهُنا لِعَدَمِ صِحَّةِ يَقِينِهِمْ، وضَعْفِ دِينِهِمْ - وكَذا تُوصَفُ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ بِالسَّلامَةِ الَّتِي هي صِحَّةُ اليَقِينِ، وعَدَمُ ضَعْفِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] أيْ: غَيْرُ مَرِيضٍ بِما ذَكَرْنا - أوِ اُسْتُعِيرَ لِشَكِّهِمْ، لِأنَّ الشَّكَّ تَرَدُّدٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، والمُنافِقُ مُتَرَدِّدٌ، كَما في الحَدِيثِ ««مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَلِ الشّاةِ (p-٤٦)العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ»» والمَرِيضُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ.
" فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا" بِأنْ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، لِعِلْمِهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُؤَثِّرُ فِيها التَّذْكِيرُ والإنْذارُ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: مَرَضًا آخَرَ - حِقْدًا وحَسَدًا وغِلًّا - بِإعْلاءِ كَلِمَةِ الدِّينِ، ونُصْرَةِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ - ثُمَّ قالَ: والرَّذائِلُ كُلُّها أمْراضُ القُلُوبِ، لِأنَّها أسْبابُ ضَعْفِها وآفَتِها في أفْعالِها الخاصَّةِ، وهَلاكِها في العاقِبَةِ.
" ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ" أيْ: مُؤْلِمٌ - بِكَسْرِ اللّامِ - فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ - كَسَمِيعٍ وبَصِيرٍ -
قالَ في المُحْكَمِ: الألِيمُ مِنَ العَذابِ الَّذِي يَبْلُغُ إيجاعُهُ غايَةَ البُلُوغِ. ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ إيثارِهِ في عَذابِ المُنافِقِينَ -عَلى "العِظَمِ" المُتَقَدِّمِ في وصْفِ عَذابِ الكافِرِينَ- ويُؤَيِّدُهُ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]
"بِما كانُوا يَكْذِبُونَ" الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُقابَلَةِ -أيْ: بِسَبَبِ كَذِبِهِمْ أوْ بِمُقابَلَتِهِ- وهو قَوْلُهم: آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. وفِيهِ رَمْزٌ إلى قُبْحِ الكَذِبِ، وسَماجَتِهِ، وتَخْيِيلِ أنَّ العَذابَ الألِيمَ لاحِقٌ بِهِمْ مِن أجْلِ كَذِبِهِمْ- مَعَ إحاطَةِ عِلْمِ السّامِعِ بِأنَّ لُحُوقَ العَذابِ بِهِمْ مِن جِهاتٍ شَتّى- ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥] - والقَوْمُ كَفَرَةٌ - وإنَّما خَصَّتِ الخَطِيئاتِ اسْتِعْظامًا لَها، وتَنْفِيرًا عَنِ ارْتِكابِها.
البقرة 2:11
(p-٤٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ ] ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [١٢ ] ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]
شُرُوعٌ في تَعْدِيدِ بَعْضٍ مِن مَساوِئِهِمُ المُتَفَرِّعَةِ -عَلى ما حَكى عَنْهم مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ-، و"الفَسادُ": خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ حالِ اسْتِقامَتِهِ وكَوْنِهِ مُنْتَفِعًا بِهِ. ونَقِيضُهُ "الصَّلاحُ" وهو الحُصُولُ عَلى الحالَةِ المُسْتَقِيمَةِ النّافِعَةِ. والفَسادُ في الأرْضِ: تَهْيِيجُ الحُرُوبِ والفِتَنِ، لِأنَّ في ذَلِكَ فَسادَ ما في الأرْضِ، وانْتِفاءَ الِاسْتِقامَةِ عَنْ أحْوالِ النّاسِ، والزُّرُوعِ، والمَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ومِنهُ قِيلَ لِحَرْبٍ كانَتْ بَيْنَ طَيْءٍ: حَرْبُ الفَسادِ - .
وكانَ إفْسادُ المُنافِقِينَ في الأرْضِ أنَّهم كانُوا يُمالِئُونَ الكُفّارَ عَلى المُسْلِمِينَ بِإفْشاءِ أسْرارِهِمْ إلَيْهِمْ، وإغْرائِهِمْ عَلَيْهِمْ، واتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ، مَعَ ما يَدْعُونَ في السِّرِّ إلى: تَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ، وجَحْدِ الإسْلامِ، وإلْقاءِ الشُّبَهِ، وذَلِكَ مِمّا يُجَرِّئُ الكَفَرَةَ عَلى إظْهارِ عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، ونَصْبِ الحَرْبِ لَهُ، وطَمَعِهِمْ - في الغَلَبَةِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ مِن صَنِيعِهِمْ مُؤَدِّيًا إلى الفَسادِ -بِتَهْيِيجِ الفِتَنِ بَيْنَهُمْ- قِيلَ لَهم: لا تُفْسِدُوا - كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: لا تَقْتُلْ نَفْسَكَ بِيَدِكَ ولا تُلْقِ نَفْسَكَ في النّارِ؛ إذا أقْدَمَ عَلى ما هَذِهِ عاقِبَتُهُ- وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] (p-٤٨)فَأخْبَرَ أنَّ مُوَلّاةَ الكافِرِينَ تُؤَدِّي إلى الفِتْنَةِ والفَسادِ، لِما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهم "إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ" أيْ: بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ. نُدارِي الفَرِيقَيْنِ ونُرِيدُ الإصْلاحَ بَيْنَهُما كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] أوْ مَعْناهُ: إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ في الأرْضِ بِالطّاعَةِ والِانْقِيادِ.
قالَ الرّاغِبُ: تَصَوَّرُوا إفْسادَهم بِصُورَةِ الإصْلاحِ - لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَرَضِ -كَما قالَ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]
وقالَ القاشانِيُّ: كانُوا يَرَوْنَ الصَّلاحَ في تَحْصِيلِ المَعاشِ، وتَيْسِيرِ أسْبابِهِ، وتَنْظِيمِ أُمُورِ الدُّنْيا - لِأنْفُسِهِمْ خاصَّةً - لِتَوَغُّلِهِمْ في مَحَبَّةِ الدُّنْيا، وانْهِماكِهِمْ في اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، واحْتِجابِهِمْ- بِالمَنافِعِ الجُزْئِيَّةِ، والمَلاذِّ الحِسِّيَّةِ -عَنِ المَصالِحِ العامَّةِ الكُلِّيَّةِ، واللَّذّاتِ العَقْلِيَّةِ، وبِذَلِكَ يَتَيَسَّرُ مُرادُهم، ويَتَسَهَّلُ مَطْلُوبُهم، وهم لا يُحِسُّونَ بِإفْسادِهِمُ المُدْرَكَ بِالحِسِّ.
البقرة 2:12
(p-٤٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ ] ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [١٢ ] ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]
شُرُوعٌ في تَعْدِيدِ بَعْضٍ مِن مَساوِئِهِمُ المُتَفَرِّعَةِ -عَلى ما حَكى عَنْهم مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ-، و"الفَسادُ": خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ حالِ اسْتِقامَتِهِ وكَوْنِهِ مُنْتَفِعًا بِهِ. ونَقِيضُهُ "الصَّلاحُ" وهو الحُصُولُ عَلى الحالَةِ المُسْتَقِيمَةِ النّافِعَةِ. والفَسادُ في الأرْضِ: تَهْيِيجُ الحُرُوبِ والفِتَنِ، لِأنَّ في ذَلِكَ فَسادَ ما في الأرْضِ، وانْتِفاءَ الِاسْتِقامَةِ عَنْ أحْوالِ النّاسِ، والزُّرُوعِ، والمَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ومِنهُ قِيلَ لِحَرْبٍ كانَتْ بَيْنَ طَيْءٍ: حَرْبُ الفَسادِ - .
وكانَ إفْسادُ المُنافِقِينَ في الأرْضِ أنَّهم كانُوا يُمالِئُونَ الكُفّارَ عَلى المُسْلِمِينَ بِإفْشاءِ أسْرارِهِمْ إلَيْهِمْ، وإغْرائِهِمْ عَلَيْهِمْ، واتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ، مَعَ ما يَدْعُونَ في السِّرِّ إلى: تَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ، وجَحْدِ الإسْلامِ، وإلْقاءِ الشُّبَهِ، وذَلِكَ مِمّا يُجَرِّئُ الكَفَرَةَ عَلى إظْهارِ عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، ونَصْبِ الحَرْبِ لَهُ، وطَمَعِهِمْ - في الغَلَبَةِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ مِن صَنِيعِهِمْ مُؤَدِّيًا إلى الفَسادِ -بِتَهْيِيجِ الفِتَنِ بَيْنَهُمْ- قِيلَ لَهم: لا تُفْسِدُوا - كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: لا تَقْتُلْ نَفْسَكَ بِيَدِكَ ولا تُلْقِ نَفْسَكَ في النّارِ؛ إذا أقْدَمَ عَلى ما هَذِهِ عاقِبَتُهُ- وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] (p-٤٨)فَأخْبَرَ أنَّ مُوَلّاةَ الكافِرِينَ تُؤَدِّي إلى الفِتْنَةِ والفَسادِ، لِما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهم "إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ" أيْ: بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ. نُدارِي الفَرِيقَيْنِ ونُرِيدُ الإصْلاحَ بَيْنَهُما كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] أوْ مَعْناهُ: إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ في الأرْضِ بِالطّاعَةِ والِانْقِيادِ.
قالَ الرّاغِبُ: تَصَوَّرُوا إفْسادَهم بِصُورَةِ الإصْلاحِ - لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَرَضِ -كَما قالَ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]
وقالَ القاشانِيُّ: كانُوا يَرَوْنَ الصَّلاحَ في تَحْصِيلِ المَعاشِ، وتَيْسِيرِ أسْبابِهِ، وتَنْظِيمِ أُمُورِ الدُّنْيا - لِأنْفُسِهِمْ خاصَّةً - لِتَوَغُّلِهِمْ في مَحَبَّةِ الدُّنْيا، وانْهِماكِهِمْ في اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، واحْتِجابِهِمْ- بِالمَنافِعِ الجُزْئِيَّةِ، والمَلاذِّ الحِسِّيَّةِ -عَنِ المَصالِحِ العامَّةِ الكُلِّيَّةِ، واللَّذّاتِ العَقْلِيَّةِ، وبِذَلِكَ يَتَيَسَّرُ مُرادُهم، ويَتَسَهَّلُ مَطْلُوبُهم، وهم لا يُحِسُّونَ بِإفْسادِهِمُ المُدْرَكَ بِالحِسِّ.
البقرة 2:13
(p-٤٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ ] ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾
"وإذا قِيلَ لَهُمْ" بِطَرِيقِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، إثْرِ نَهْيِهِمْ عَنَ المُنْكَرِ - إتْمامًا لِلنُّصْحِ، وإكْمالًا لِلْإرْشادِ – "آمِنُواْ كَما آمَنَ النّاسُ" أيِ: الكامِلُونَ في الإنْسانِيَّةِ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ النّاسُ في الحَقِيقَةِ لِجَمْعِهِمْ ما يُعَدُّ مِن خَواصِّ الإنْسانِ وفَضائِلِهِ- "قالُواْ أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ" اسْتِفْهامٌ في مَعْنى الإنْكارِ. و(السَّفَهُ) خِفَّةٌ وسَخافَةُ رَأْيٍ يُورِثُهُما قُصُورَ العَقْلِ، وقِلَّةَ المَعْرِفَةِ بِمَواضِعِ المَصالِحِ والمَضارِّ، ولِهَذا سَمّى اللَّهُ النِّساءَ والصِّبْيانَ سُفَهاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ [النساء: ٥]
وإنَّما سَفَّهُوهم - مَعَ أنَّهُمُ العُقَلاءُ المَراجِيحُ- لِأنَّهُمْ: لِجَهْلِهِمْ، وإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ، وإنْصافِ أنْفُسِهِمُ اعْتَقَدُوا أنَّ ما هم فِيهِ هو الحَقُّ، وأنَّ ما عَداهُ باطِلٌ - ومَن رَكِبَ مَتْنَ الباطِلِ كانَ سَفِيهًا - ولِأنَّهم كانُوا في رِياسَةٍ في قَوْمِهِمْ، ويَسارٍ، وكانَ أكْثَرُ المُؤْمِنِينَ فُقَراءَ، ومِنهم مَوالٍ- كَصُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابٍ- فَدَعَوْهم سُفَهاءَ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ ! "ألّا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ".
البقرة 2:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ ] ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾
"وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا" أيْ: أظْهَرُوا لَهُمُ الإيمانَ، والمُوالاةَ، والمُصافاةَ -نِفاقًا، ومُصانَعَةً، وتَقِيَّةً، ولِيُشْرِكُوهم فِيما أصابُوا مِن خَيْرٍ ومَغْنَمٍ- .
(p-٥٠)واعْلَمْ أنَّ مَساقَ هَذِهِ الآيَةِ بِخِلافِ ما سِيقَتْ لَهُ أوَّلَ قِصَّةِ المُنافِقِينَ، فَلَيْسَ بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّ تِلْكَ في بَيانِ مَذْهَبِهِمْ، والتَّرْجَمَةِ عَنْ نِفاقِهِمْ؛ وهَذِهِ لِبَيانِ تَبايُنِ أحْوالِهِمْ، وتَناقُضِ أقْوالِهِمْ - في أثْناءِ المُعامَلَةِ والمُخاطَبَةِ - حَسَبَ تَبايُنِ المُخاطَبِينَ!
﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: خَلَوْتُ بِفُلانٍ وإلَيْهِ أيِ: انْفَرَدْتُ مَعَهُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن خَلا بِمَعْنى: مَضى، ومِنهُ: القُرُونُ الخالِيَةُ. والمُرادُ بِـ "شَياطِينِهِمْ": أصْحابُهم أُولُو التَّمَرُّدِ والعِنادِ؛ والشَّيْطانُ يَكُونُ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] وإضافَتُهم إلَيْهِمْ لِلْمُشارَكَةِ في الكُفْرِ، واشْتِقاقُ شَيْطانٍ مِن شَطَنَ، إذا بَعُدَ؛ لِبُعْدِهِ مِنَ الصَّلاحِ والخَيْرِ.
ومَعْنى "إنّا مَعَكُمْ" أيْ: في الِاعْتِقادِ عَلى مِثْلِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، إنَّما نَحْنُ في إظْهارِ الإيمانِ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ مُسْتَهْزِئُونَ ساخِرُونَ بِهِمْ. والِاسْتِهْزاءُ بِالشَّيْءِ السُّخْرِيَةُ مِنهُ، يُقالُ: هَزَأْتُ واسْتَهْزَأْتُ بِمَعْنًى.
البقرة 2:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥ ] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
"اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ" يَسْخَرُ بِهِمْ لِلنِّقْمَةِ مِنهم -هَكَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فِيما رَواهُ الضَّحّاكُ-: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَزِيدُهم عَلى وجْهِ الإمْلاءِ، والتَّرْكُ لَهم في عُتُوِّهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]
(p-٥١)و(الطُّغْيانُ) المُرادُ بِهِ هُنا: الغُلُوُّ في الكُفْرِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ في العُتُوِّ. وأصْلُ المادَّةِ هو المُجاوَزَةُ في الشَّيْءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]
و(العَمَهُ): مِثْلُ العَمى - إلّا أنَّ العَمى عامٌّ في البَصَرِ والرَّأْيِ، والعَمَهُ في الرَّأْيِ خاصَّةً - وهو التَّحَيُّرُ والتَّرَدُّدُ، لا يَدْرِي أيْنَ يَتَوَجَّهُ.
أيْ في ضَلالِهِمْ وكُفْرِهِمُ - الَّذِي غَمَرَهم دَنَسُهُ، وعَلاهم رِجْسُهُ - يَتَرَدَّدُونَ حَيارى، ضُلّالًا، لا يَجِدُونَ إلى المَخْرَجِ مِنهُ سَبِيلًا.
والمَشْهُورُ فَتْحُ الياءِ مِن "يَمُدُّهُمْ"، وقُرِئَ - شاذًّا - بِضَمِّها، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. يُقالُ: مَدَّ الجَيْشَ وأمَدَّهُ - إذا زادَهُ، وألْحَقَ بِهِ ما يُقَوِّيهِ ويُكَثِّرُهُ -وكَذَلِكَ مَدَّ الدَّواةَ وأمَدَّها زادَها ما يُصْلِحُها.
البقرة 2:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ ] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾
"أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى" إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِهِ اتِّصافَهم بِما ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ المُمَيِّزَةِ لَهم عَمَّنْ عَداهم أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، بِحَيْثُ صارُوا كَأنَّهم حُضّارٌ مُشاهِدُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ. وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ وسُوءِ الحالِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى "الَّذِينَ اشْتَرَوُا" إلَخْ. والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، وبَيانٌ لِكَمالِ جَهالَتِهِمْ - فِيما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ - بِإظْهارِ غايَةِ سَماجَتِها، وتَصْوِيرِها بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَتَعاطاهُ مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ - فَضْلًا عَنِ العُقَلاءِ - . و"الضَّلالَةَ" الجَوْرُ عَنِ القَصْدِ؛ و"الهُدى" التَّوَجُّهُ إلَيْهِ. وقَدِ اسْتُعِيرَ الأوَّلُ: لِلْعُدُولِ عَنِ الصَّوابِ في الدِّينِ، والثّانِي: لِلِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ. و"الِاشْتِراءُ" اسْتِبْدالُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ -أيْ: أخْذُها بِهِ- (p-٥٢)فاشْتِراءُ الضَّلالَةِ بِالهُدى مُسْتَعارٌ لِأخْذِها بَدَلًا مِنهُ أخْذًا مَنُوطًا بِالرَّغْبَةِ فِيها والإعْراضِ عَنْهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى، وما كانُوا عَلى هُدًى؟
قُلْتُ: جَعَلُوا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنهُ -بِتَيْسِيرِ أسْبابِهِ- كَأنَّهُ في أيْدِيهِمْ، فَإذا تَرَكُوهُ إلى الضَّلالَةِ قَدْ عَطَّلُوهُ، واسْتَبْدَلُوها بِهِ؛ فاسْتُعِيرَ ثُبُوتُهُ لِتَمَكُّنِهِمْ بِجامِعِ المُشارَكَةِ في اسْتِتْباعِ الجَدْوى، ولا مِرْيَةَ في أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ -مِنَ التَّمَكُّنِ- كانَتْ حاصِلَةً لَهم بِما شاهَدُوهُ- مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ- مِن جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ .
"فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ" عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ داخِلٌ في حَيِّزِها. والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ مَضْمُونِهِ عَلَيْها. والتِّجارَةُ صِناعَةُ التُّجّارِ، وهو التَّصَدِّي لِلْبَيْعِ والشِّراءِ، لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ وهو الفَضْلُ عَلى رَأْسِ المالِ، وإسْنادُ عَدَمِهِ - الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الخُسْرانِ- إلَيْها؛ وهو لِأصْحابِها، مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ وهو: أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى شَيْءٍ يَتَلَبَّسُ بِالَّذِي هو في الحَقِيقَةِ لَهُ -كَما تَلَبَّسَتِ التِّجارَةُ بِالمُشْتَرِينَ- . وفائِدَتُهُ: المُبالَغَةُ في تَخْسِيرِهِمْ، لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَثْرَةِ الخَسارِ، وعُمُومُهُ المُسْتَتْبَعُ، لِسِرايَتِهِ إلى ما يُلابِسُهم.
فَإنْ قُلْتَ: هَبْ أنَّ شِراءَ الضَّلالَةِ بِالهُدى وقَعَ مَجازًا في مَعْنى الِاسْتِبْدالِ، فَما مَعْنى ذِكْرِ الرِّبْحِ، والتِّجارَةِ كَأنَّ ثَمَّ مُبايَعَةً عَلى الحَقِيقَةِ ؟
قُلْتُ: هَذا مِنَ الصَّنْعَةِ البَدِيعَةِ الَّتِي تَبْلُغُ بِالمَجازِ الذُّرْوَةَ العُلْيا، وهو أنْ تُساقَ كَلِمَةٌ مَساقَ المَجازِ، ثُمَّ تُقَفّى بِأشْكالٍ لَها، وأخَواتٍ إذا تَلاحَقْنَ- لَمْ تَرَ كَلامًا أحْسَنَ مِنهُ دِيباجَةً، وأكْثَرَ ماءً ورَوْنَقًا، وهو المَجازُ المُرَشَّحُ؛ فَإيرادُهُما - إثْرَ الِاشْتِراءِ -تَصْوِيرٌ لِما فاتَهم مِن فَوائِدِ الهُدى بِصُورَةِ خَسارِ التِّجارَةِ -الَّذِي يَتَحاشى عَنْهُ كُلُّ أحَدٍ- لِلْإشْباعِ في التَّخْسِيرِ والتَّحْسِيرِ. وهَذا النَّوْعُ قَرِيبٌ مِنَ التَّتْمِيمِ الَّذِي يُمَثِّلُهُ أهْلُ صِناعَةِ البَدِيعِ بِقَوْلِ الخَنْساءِ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ. . !
لَمّا شَبَّهَتْهُ - في الِاهْتِداءِ بِهِ- بِالعَلَمِ المُرْتَفِعِ، أتْبَعَتْ ذَلِكَ ما يُناسِبُهُ ويُحَقِّقُهُ، فَلَمْ تَقْنَعْ بِظُهُورِ الِارْتِفاعِ حَتّى أضافَتْ إلى ذَلِكَ ظُهُورًا آخَرَ، بِاشْتِعالِ النّارِ في رَأْسِهِ.
(p-٥٣)وقَوْلُهُ: "وما كانُوا مُهْتَدِينَ" أيْ: لِزَوالِ اسْتِعْدادِهِمْ، وتَكْدِيرِ قُلُوبِهِمْ بِالرَّيْنِ المُوجِبِ لِلْحِجابِ والحِرْمانِ الأبَدِيِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قِيلَ: لِمَ عَطَفَ بِالواوِ عَدَمَ اهْتِدائِهِمْ عَلى انْتِفاءِ رِبْحِ تِجارَتِهِمْ، ورُتِّبا مَعًا بِالفاءِ عَلى اشْتِراءِ الضَّلالَةِ بِالهُدى ؟ وما وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُما -مَعَ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ- عَلى أنَّ عَدَمَ الِاهْتِداءِ قَدْ فُهِمَ مِنِ اسْتِبْدالِ الضَّلالَةِ بِالهُدى، فَيَكُونُ تَكْرارًا لِما مَضى ؟ فالجَوابُ: أنَّ رَأْسَ مالِهِمْ هو الهُدى، فَلَمّا اسْتَبْدَلُوا بِهِ ما يُضادُّهُ - ولا يُجامِعُهُ أصْلًا - انْتَفى رَأْسُ المالِ بِالكُلِّيَّةِ، وحِينَ لَمْ يَبْقَ في أيْدِيهِمْ إلّا ذَلِكَ الضِّدُّ - أعْنِي الضَّلالَةَ - وُصِفُوا بِانْتِفاءِ الرِّبْحِ والخَسارَةِ. لِأنَّ الضّالَّ في دِينِهِ خاسِرٌ هالِكٌ - وإنْ أصابَ فَوائِدَ دُنْيَوِيَّةً- ولِأنَّ مَن لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ رَأْسَ مالِهِ لَمْ يُوصَفْ بِالرِّبْحِ، بَلْ بِانْتِفائِهِ؛ فَقَدْ أضاعُوا سَلامَةَ رَأْسِ المالِ بِالِاسْتِبْدالِ، وتَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ إضاعَةُ الرِّبْحِ.
وأمّا قَوْلُهُ: "وما كانُواْ مُهْتَدِينَ" فَلَيْسَ مَعْناهُ عَدَمَ اهْتِدائِهِمْ في الدِّينِ - فَيَكُونُ تَكْرارًا لِما سَبَقَ - بَلْ لِما وُصِفُوا بِالخَسارَةِ في هَذِهِ التِّجارَةِ أُشِيرَ إلى عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ لِطُرُقِ التِّجارَةِ - كَما يَهْتَدِي إلَيْهِ التُّجّارُ البُصَراءُ بِالأُمُورِ الَّتِي يَرْبَحُ فِيها ويَخْسَرُ - فَهَذا راجِعٌ إلى التَّرْشِيحِ.
البقرة 2:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ ] ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾
ولَمّا جاءَ بِحَقِيقَةِ صِفَتِهِمْ، عَقَّبَها بِضَرْبِ المَثَلِ -زِيادَةً في الكَشْفِ، وتَتْمِيمًا لِلْبَيانِ- فَقالَ تَعالى "مَثَلُهُمْ" أيْ: مِثالُهم في نِفاقِهِمْ، وحالُهم فِيهِ "كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ" أيْ: أوْقَدَ "نارًا" في ظُلْمَةٍ - والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ -: "فَلَمّا أضاءَتْ" أيْ: أنارَتِ النّارُ (p-٥٤)"ما حَوْلَهُ" فَأبْصَرَ، واسْتَدْفَأ، وأمِنَ مِمّا يَخافُهُ "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" أيْ: أطْفَأ اللَّهُ نارَهُمُ - الَّتِي هي مَدارُ نُورِهِمْ- فَبَقُوا في ظُلْمَةٍ وخَوْفٍ- وجَمْعُ الضَّمِيرِ مُراعاةً لِمَعْنى الَّذِي كَقَوْلِهِ ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] "وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ" ما حَوْلَهم - مُتَحَيِّرِينَ عَنِ الطَّرِيقِ، خائِفِينَ - فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ اسْتَضاؤُوا قَلِيلًا بِالِانْتِفاعِ بِالكَلِمَةِ المُجْراةِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، حَيْثُ أمِنُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وما يَتْبَعُها. ثُمَّ وراءَ اسْتِضاءَتِهِمْ بِنُورِ هَذِهِ الكَلِمَةِ –ظُلْمَةُ النِّفاقِ- الَّتِي تَرْمِي بِهِمْ إلى ظُلْمَةِ سُخْطِ اللَّهِ، وظُلْمَةِ العِقابِ السَّرْمَدِ، ومَحْصُولُهُ: أنَّهُمُ انْتَفَعُوا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ مُدَّةَ حَياتِهِمُ القَلِيلَةِ، ثُمَّ قَطَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِالمَوْتِ.
ونُقِلَ - عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ - تَفْسِيرٌ آخَرُ، وهو: تَمْثِيلُ إيمانِهِمْ أوَّلًا، ثُمَّ كُفْرِهِمْ ثانِيًا. فَيَكُونُ إذْهابُ النُّورِ في الدُّنْيا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون: ٣] الآيَةَ، فَلَمّا آمَنُوا أضاءَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ -كَما أضاءَتِ النّارُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا نارًا - ثُمَّ لَمّا كَفَرُوا، ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمُ: انْتَزَعَهُ - كَما ذَهَبَ بِضَوْءِ هَذِهِ النّارِ - وعَلى هَذا فالتَّمْثِيلُ مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ. فَإنَّهم - لَمّا وُصِفُوا بِأنَّهُمُ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى - مَثَّلَ هُداهُمُ - الَّذِي باعُوهُ بِالنّارِ المُضِيئَةِ ما حَوْلَ المُسْتَوْقَدِ - والضَّلالَةَ - الَّتِي اشْتَرَوْها وطُبِعَ بِها عَلى قُلُوبِهِمْ - بِذَهابِ اللَّهِ بِنُورِهِمْ، وتَرْكِهِ إيّاهم في الظُّلُماتِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: ولِضَرْبِ العَرَبِ الأمْثالَ، واسْتِحْضارِ العُلَماءِ المُثُلَ (p-٥٥)والنَّظائِرَ شَأْنٌ لَيْسَ بِالخَفِيِّ في إبْرازِ خَبِيّاتِ المَعانِي، ورَفْعِ الأسْتارِ عَنِ الحَقائِقِ، حَتّى تُرِيَكَ المُتَخَيَّلَ في صُورَةِ المُحَقَّقِ، والمُتَوَهَّمَ في مَعْرِضِ المُتَيَقَّنِ، والغائِبَ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ - وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْخَصْمِ الألَدِّ، وقَمْعٌ لِسَوْرَةِ الجامِحِ الأبِيِّ.
ولِأمْرٍ ما، أكْثَرَ اللَّهُ - في كِتابِهِ المُبِينِ، وفي سائِرِ كُتُبِهِ - أمْثالَهُ، وفَشَتْ في كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكَلامِ الأنْبِياءِ والحُكَماءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]
و(المَثَلُ): في أصْلِ كَلامِهِمْ بِمَعْنى: المِثْلُ وهو النَّظِيرُ. يُقالُ: مِثْلٌ، ومَثَلٌ، ومَثِيلٌ - كَشِبْهٍ وشَبَهٍ وشَبِيهٍ - ثُمَّ قِيلَ لِلْقَوْلِ السّائِرِ المُمَثِّلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ: مَثَلٌ. ولَمْ يَضْرِبُوا مَثَلًا، ولا رَأوْهُ أهْلًا لِلتَّسْيِيرِ ولا جَدِيرًا بِالتَّداوُلِ والقَبُولِ، إلّا قَوْلًا فِيهِ غَرابَةٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ. ومِن ثَمَّ حُوفِظَ عَلَيْهِ، وحُمِيَ مِنَ التَّغْيِيرِ.
فَإنَّهُ - لَوْ غُيِّرَ - لَرُبَّما انْتَفَتِ الدَّلالَةُ عَلى تِلْكَ الغَرابَةِ. وقِيلَ: إنَّ المُحافَظَةَ عَلى المَثَلِ إنَّما هي بِسَبَبِ كَوْنِهِ اسْتِعارَةً. فَوَجَبَ لِذَلِكَ أنْ يَكُونَ هو بِعَيْنِهِ لَفْظَ المُشَبَّهِ بِهِ. فَإنَّ وقَعَ تَغْيِيرٌ، لَمْ يَكُنْ مَثَلًا، بَلْ مَأْخُوذًا مِنهُ، وإشارَةً إلَيْهِ - كَما في قَوْلِكَ: بِالصَّيْفِ ضَيَّعْتَ اللَّبَنَ بِالتَّذْكِيرِ.
(p-٥٦)وقالَ بَعْضُهم: قَدِ اسْتُعِيرَ المَثَلُ لِلْحالِ، أوِ القِصَّةِ، أوِ الصِّفَةِ - إذا كانَ لَها شَأْنٌ، وفِيها غَرابَةٌ - كَأنَّهُ قِيلَ: حالُهُمُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ كَحالِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] أيْ: - فِيما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنَ العَجائِبِ - قِصَّةَ الجَنَّةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنَ، ثُمَّ أخَذَ في بَيانِ عَجائِبِها: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] أيِ: الوَصْفُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالَةِ ﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ [الفتح: ٢٩] أيْ: صِفَتُهم وشَأْنُهُمُ المُتَعَجَّبُ مِنهُ.
ولِما في المَثَلِ مِن مَعْنى الغَرابَةِ قالُوا: فُلانٌ مُثْلَةٌ في الخَيْرِ والشَّرِّ، فاشْتَقُّوا مِنهُ صِفَةً لِلْعَجِيبِ الشَّأْنِ.
البقرة 2:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ ] ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾
"صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ" الصَّمَمُ: آفَةٌ مانِعَةٌ مِنَ السَّماعِ، سُمِّيَ بِهِ فِقْدانُ حاسَّةِ السَّمْعِ، لِما أنَّ سَبَبَهُ اكْتِنازُ باطِنِ الصِّماخِ، وانْسِدادُ مَنافِذِهِ، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَدْخُلُهُ هَواءٌ يَحْصُلُ الصَّوْتُ بِتَمَوُّجِهِ. والبُكْمُ: الخَرَسُ. والعَمى: عَدَمُ البَصَرِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يُبْصَرَ.
(p-٥٧)وُصِفُوا بِذَلِكَ -مَعَ سَلامَةِ حَواسِّهِمُ المَذْكُورَةِ- لِما أنَّهم سَدُّوا عَنِ الإصاخَةِ إلى الحَقِّ مَسامِعَهم، وأبَوْا أنْ يُنْطِقُوا بِهِ ألْسِنَتَهم، وأنْ يَنْظُرُوا ويَتَبَصَّرُوا بِعُيُونِهِمْ، فَجَعَلُوا كَأنَّما أُصِيبَ بِآفَةٍ مَشاعِرُهم - كَقَوْلِهِ -:
؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وكَقَوْلِهِ:
؎أصَمُّ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا أُرِيدُهُ ∗∗∗ وأسْمَعُ خَلْقَ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ
"فَهم لا يَرْجِعُونَ" أيْ: - بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ - لا يَعُودُونَ إلى الهُدى - بَعْدَ أنْ باعُوهُ، أوْ عَنِ الضَّلالَةِ - بَعْدَ أنِ اشْتَرَوْها، فالآيَةُ الكَرِيمَةُ تَتِمَّةٌ لِلتَّمْثِيلِ بِأنَّ ما أصابَهم لَيْسَ مُجَرَّدَ انْطِفاءِ نارِهِمْ، وبَقائِهِمْ في ظُلُماتٍ كَثِيفَةٍ هائِلَةٍ- مَعَ بَقاءِ حاسَّةِ البَصَرِ بِحالِها- بَلِ اخْتَلَّتْ مَشاعِرُهم جَمِيعًا، واتَّصَفُوا بِتِلْكَ الصِّفاتِ فَبَقُوا جامِدِينَ في مَكانِهِمْ لا يَرْجِعُونَ، ولا يَدْرُونَ أيَتَقَدَّمُونَ أمْ يَتَأخَّرُونَ ؟ وكَيْفَ يَرْجِعُونَ إلى ما ابْتَدَأُوا مِنهُ.
البقرة 2:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩ ] ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾
"أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ" تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ إثْرَ تَمْثِيلٍ، لِيَعُمَّ البَيانُ مِنها كُلَّ دَقِيقٍ وجَلِيلٍ، ويُوَفِّي حَقَّها مِنَ التَّفْظِيعِ والتَّهْوِيلِ. فَإنَّ تَفَنُّنَهم في فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ حَقِيقٌ بِأنْ يُضْرَبَ في شَأْنِهِ الأمْثالُ. وكَما يَجِبُ عَلى البَلِيغِ -فِي مَظانِّ الإجْمالِ والإيجازِ- أنْ يُجْمِلَ ويُوجِزَ، فَكَذَلِكَ الواجِبُ عَلَيْهِ -فِي مَوارِدِ التَّفْصِيلِ والإشْباعِ- أنْ يُفَصِّلَ ويُشْبِعَ.
و(الصَّيِّبُ): السَّحابُ ذُو الصَّوْبِ، والصَّوْبُ المَطَرُ. والمُرادُ بِالسَّماءِ: السَّحابُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] وهي في الأصْلِ: كُلُّ ما عَلاكَ مِن سَقْفٍ ونَحْوِهِ.
(p-٥٨)"فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ" التَّنْوِينُ في الكُلِّ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ - كَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ ظُلُماتٌ داجِيَةٌ، ورَعْدٌ قاصِفٌ، وبَرْقٌ خاطِفٌ – "يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ " الصّاعِقَةُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ مِنَ الرِّعْدَةِ يَسْقُطُ مَعَها قِطْعَةُ نارٍ تَنْقَدِحُ مِنَ السَّحابِ - إذا اصْطَكَّتْ أجْرامُهُ- لا تَأْتِي عَلى شَيْءٍ إلّا أحْرَقَتْهُ "حَذَرَ" -أيْ: خَوْفَ -: "المَوْتِ" مِن سَماعِها- "واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ" عِلْمًا وقُدْرَةً فَلا يَفُوتُونَهُ.
والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ ما صَنَعُوا -مِن سَدِّ الآذانِ بِالأصابِعِ- لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، فَإنَّ القَدَرَ لا يُدافِعُهُ الحَذَرُ، والحِيَلَ لا تَرُدُّ بَأْسَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وفائِدَةُ وضْعِ الكافِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ -الرّاجِعِ إلى أصْحابِ الصَّيِّبِ- الإيذانُ بِأنَّ ما دَهَمَهم - مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ المَحْكِيَّةِ- بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَيُظْهِرُ اسْتِحْقاقُهم شِدَّةَ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا﴾ [آل عمران: ١١٧] فَإنَّ الإهْلاكَ النّاشِئَ عَنِ السُّخْطِ أشَدُّ.
البقرة 2:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ ] ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
"يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ" اسْتِئْنافٌ آخَرُ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ - كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ ذَلِكَ البَرْقِ ؟ فَقِيلَ: يَكادُ يَخْطِفُ أبْصارَهم، أيْ: يَأْخُذُها بِسُرْعَةٍ: "كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ" أيْ: في ضَوْئِهِ: "وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا" أيْ: وقَفُوا، (p-٥٩)وثَبَتُوا في مَكانِهِمْ - ومِنهُ: قامَتِ السُّوقُ، إذا رَكَدَتْ وكَسَدَتْ. وقامَ الماءُ، جَمُدَ - وهَذا تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُنافِقِينَ: بِشِدَّتِهِ عَلى أصْحابِ الصَّيِّبِ، وما هم فِيهِ مِن غايَةِ التَّحَيُّرِ والجَهْلِ -بِما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ- إذا صادَفُوا مِنَ البَرْقِ خَفْقَةً- مَعَ خَوْفِ أنْ يَخْطِفَ أبْصارَهُمُ- انْتَهَزُوا تِلْكَ الخَفْقَةَ فُرْصَةً، فَخَطَوْا خُطُواتٍ يَسِيرَةً، فَإذا خَفِيَ، وفَتَرَ لَمَعانُهُ، بَقُوا وافِقِينَ مُتَقَيِّدِينَ عَنِ الحَرَكَةِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ أيْ: لَزادَ في قَصِيفِ الرَّعْدِ فَأصَمَّهم، أوْ في ضَوْءِ البَرْقِ فَأعْماهم. ومَفْعُولُ "شاءَ" مَحْذُوفٌ، لِأنَّ الجَوابَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. والمَعْنى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَذْهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ لَذَهَبَ بِها.
ولَقَدْ تَكاثَرَ هَذا الحَذْفُ في "شاءَ" و"أرادَ" . لا يَكادُونَ يَبْرُزُونَ المَفْعُولَ إلّا في الشَّيْءِ المُسْتَغْرَبِ- كَنَحْوِ قَوْلِهِ: فَلَوْ شِئْتُ أنْ أبْكِيَ دَمًا لَبَكَيْتُهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ [الأنبياء: ١٧] "إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" تَعْلِيلٌ لِلشَّرْطِيَّةِ، وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِها النّاطِقِ بِقُدْرَتِهِ تَعالى عَلى إزالَةِ مَشاعِرِهِمْ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: مَحْصُولُ التَّمْثِيلَيْنِ - غِبُّ وصْفِ أرْبابِهِما بِوُقُوعِهِمْ في ضَلالَتِهِمُ الَّتِي اسْتَبْدَلُوها بِالهُدى - هو أنَّهُ شَبَّهَ، في الأوَّلِ، حَيْرَتَهم وشِدَّةَ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِما يُكابِدُ مَن طَفِئَتْ نارُهُ بَعْدَ إيقادِها في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ.
وفِي الثّانِي: شَبَّهَ حالَهم بِحالِ مَن أخَذَتْهُمُ السَّماءُ في لَيْلَةٍ تَكاثَفَ ظُلُماتُها - بِتَراكُمِ السُّحُبِ، وانْتِساجِ قَطَراتِها، وتَواتَرَ فِيها الرُّعُودُ الهائِلَةُ، والبُرُوقُ المُخِيفَةُ، والصَّواعِقُ المُخْتَلِفَةُ المُهْلِكَةُ، وهم في أثْناءِ ذَلِكَ يُزاوِلُونَ غَمَراتِ المَوْتِ. وبِذَلِكَ يَعْلَمُ أنَّ التَّمْثِيلَيْنِ جَمِيعًا مِن جُمْلَةِ التَّمْثِيلاتِ المُرَكَّبَةِ، وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ المَعانِي -لِأنَّهُ يَحْصُلُ في النَّفْسِ مِن تَشْبِيهِ الهَيْئاتِ المُرَكَّبَةِ ما لا يَحْصُلُ مِن تَشْبِيهِ مُفْرَداتِها. فَإنَّكَ إذا تَصَوَّرْتَ حالَ مَن طَفِئَتْ نارُهُ بَعْدَ إيقادِها. . . إلَخْ. وحالَ مَن أخَذَتْهُمُ السَّماءُ. . إلَخْ. حَصَلَ في نَفْسِكَ (p-٦٠)هَيْئَةٌ عَجِيبَةٌ تُوصِلُكَ إلى مَعْرِفَةِ حالِ المُنافِقِينَ، عَلى وجْهٍ يَتَقاصَرُ عَنْهُ تَشْبِيهُ المُنافِقِ - في التَّمْثِيلِ الأوَّلِ - بِالمُسْتَوْقِدِ نارًا، وإظْهارُهُ الإيمانَ بِالإضاءَةِ، وانْقِطاعُ انْتِفاعِهِ بِانْتِفاءِ النّارِ وتَشْبِيهِ دِينِ الإسْلامِ - في الثّانِي - بِالصَّيِّبِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ - مِن شُبَهِ الكُفّارِ - بِالظُّلُماتِ، وما فِيهِ - مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ - بِالرَّعْدِ والبَرْقِ، وما يُصِيبُ الكَفَرَةَ - مِنَ الإفْزاعِ والبَلايا والفِتَنِ- مِن جِهَةِ أهْلِ الإسْلامِ بِالصَّواعِقِ. وأيْضًا في تَشْبِيهِ المُفْرَداتِ، وطَيُّ ذِكْرِ المُشَبَّهاتِ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ. وأيْضًا في لَفْظِ (المِثْلِ) نَوْعُ إنْباءٍ عَنِ التَّرْكِيبِ، إذِ المُتَبادَرُ مِنهُ القِصَّةُ الَّتِي هي في غَرابَتِها كالمَثَلِ السّائِرِ، وهي في الهَيْئَةِ المُرَكَّبَةِ دُونَ كُلِّ واحِدٍ مِن مُفْرَداتِها. وأيْضًا في التَّمْثِيلِ المُرَكَّبِ اشْتِمالٌ عَلى التَّشْبِيهِ في المُفْرَداتِ إجْمالًا، مَعَ أمْرٍ زائِدٍ: هو تَشْبِيهُ الهَيْئَةِ بِالهَيْئَةِ، وإيذانُهِ بِأنَّ اجْتِماعَ تِلْكَ المُفْرَداتِ مُسْتَتْبِعٌ لِهَيْئَةٍ عَجِيبَةٍ حَقِيقَةً بِأنْ تَكُونَ مَثَلًا في الغَرابَةِ.
التَّنْبِيهُ الثّانِي:
قالَ الإمامُ العَلّامَةُ "ابْنُ القَيِّمِ" في كِتابِهِ (اجْتِماعُ الجُيُوشِ الإسْلامِيَّةِ عَلى غَزْوِ المُعَطِّلَةِ والجَهْمِيَّةِ" .
"فِي هَذِهِ الآيَةِ، شَبَّهَ، سُبْحانَهُ، أعْداءَهُ المُنافِقِينَ: بِقَوْمٍ أوْقَدُوا نارًا لِتُضِيءَ لَهم، ويَنْتَفِعُوا بِها، فَلَمّا أضاءَتْ لَهُمُ النّارُ فَأبْصَرُوا في ضَوْئِها ما يَنْفَعُهم ويَضُرُّهم، وأبْصَرُوا الطَّرِيقَ - بَعْدَ أنْ كانُوا حَيارى تائِهِينَ -فَهم كَقَوْمٍ سَفْرٍ ضَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ، فَأوْقَدُوا النّارَ لِتُضِيءَ لَهُمُ الطَّرِيقَ فَلَمّا أضاءَتْ لَهم - فَأبْصَرُوا وعَرَفُوا - طَفِئَتْ تِلْكَ الأنْوارُ، وبَقُوا في الظُّلُماتِ لا يُبْصِرُونَ، قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمُ أبْوابُ الهُدى الثَّلاثُ - فَإنَّ الهُدى يَدْخُلُ إلى العَبْدِ مِن ثَلاثَةِ أبْوابٍ: مِمّا يَسْمَعُهُ بِإذْنِهِ، ويَراهُ بِعَيْنِهِ، ويَعْقِلُ بِقَلْبِهِ، وهَؤُلاءِ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ أبْوابُ الهُدى: فَلا تَسْمَعُ قُلُوبُهم شَيْئًا، ولا تُبْصِرُهُ، ولا تَعْقِلُ ما يَنْفَعُها. وقِيلَ: لِما لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وقُلُوبِهِمْ نَزَلُوا بِمَنزِلَةِ مَن لا سَمْعَ لَهُ، ولا بَصَرَ، ولا عَقْلَ، والقَوْلانِ مُتَلازِمانِ.
(p-٦١)وقالَ في صِفَتِهِمْ "فَهم لا يَرْجِعُونَ" لِأنَّهم قَدْ رَأوْا في ضَوْءِ النّارِ، وأبْصَرُوا الهُدى، فَلَمّا طَفِئَتْ عَنْهم لَمْ يَرْجِعُوا إلى ما رَأوْا وأبْصَرُوا. وقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" ولَمْ يَقُلْ: ذَهَبَ نُورُهم، وفِيهِ سِرٌّ بَدِيعٌ: وهو انْقِطاعُ سِرِّ تِلْكَ المَعِيَّةِ الخاصَّةِ - الَّتِي هي لِلْمُؤْمِنِينَ - مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مَعَ المُؤْمِنِينَ، وإنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ، و: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] فَذَهابُ اللَّهِ بِذَلِكَ النُّورِ: انْقِطاعُ المَعِيَّةِ -الَّتِي خَصَّ بِها أوْلِياءَهُ- فَقَطَعَها بَيْنَهُ وبَيْنَ المُنافِقِينَ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهم -بَعْدَ ذَهابِ نُورِهِمْ-، ولا مَعَهم، فَلَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] (p-٦٢)ولا مِن: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]
وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] كَيْفَ جَعَلَ ضَوْءَها خارِجًا عَنْهُ، مُنْفَصِلًا، ولَوِ اتَّصَلَ ضَوْؤُها بِهِ، ولابَسَهُ، لَمْ يَذْهَبْ، ولَكِنَّهُ كانَ ضَوْءَ مُجاوَرَةٍ لا مُلابَسَةٍ ومُخالَطَةٍ، وكانَ الضَّوْءُ عارِضًا والظُّلْمَةُ أصْلِيَّةً، فَرَجَعَ الضَّوْءُ إلى مَعْدِنِهِ، وبَقِيَتِ الظُّلْمَةُ في مَعْدِنِها، فَرَجَعَ كُلٌّ مِنهُما إلى أصْلِهِ اللّائِقِ بِهِ: حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ قائِمَةٌ، وحِكْمَةٌ بالِغَةٌ، تَعَرَّفَ بِها إلى أُولِي الألْبابِ مِن عِبادِهِ.
وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ولَمْ يَقُلْ بِنارِهِمْ، لِيُطابِقَ أوَّلَ الآيَةِ، فَإنَّ النّارَ فِيها إشْراقٌ وإحْراقٌ: فَذَهَبَ بِما فِيها مِنَ الإشْراقِ -وهُوَ النُّورُ- وأبْقى عَلَيْهِمْ ما فِيها مِنَ الإحْراقِ -وهُوَ النّارِيَّةُ- وتَأمَّلْ كَيْفَ قالَ "بِنُورِهِمْ" ولَمْ يَقُلْ: بِضَوْئِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ "فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ"- لِأنَّ الضَّوْءَ هي زِيادَةٌ في النُّورِ؛ فَلَوْ قِيلَ: ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ، لَأوْهَمَ الذَّهابَ بِالزِّيادَةِ فَقَطْ دُونَ الأصْلِ؛ فَلَمّا كانَ النُّورُ أصْلَ الضَّوْءِ، كانَ الذَّهابُ بِهِ ذَهابًا بِالشَّيْءِ وزِيادَتِهِ، وأيْضًا فَإنَّهُ أبْلَغُ في النَّفْيِ عَنْهم، وأنَّهم مِن أهْلِ الظُّلُماتِ الَّذِينَ لا نُورَ لَهم؛ وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى كِتابَهُ (نُورًا)، ورَسُولَهُ ﷺ (نُورًا)، ودِينَهُ (نُورًا)، وهُداهُ (نُورًا)، ومِن أسْمائِهِ (النُّورُ)، والصَّلاةُ (نُورٌ)؛ فَذَهابُهُ سُبْحانَهُ بِهِمْ: ذَهابٌ بِهَذا كُلِّهِ، وتَأمَّلْ مُطابَقَةَ هَذِهِ المُثُلِ - لِما تَقَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] كَيْفَ (p-٦٣)طابَقَ هَذِهِ التِّجارَةَ الخاسِرَةَ، الَّتِي تَضَمَّنَتْ هَوْلَ الضَّلالَةِ والرِّضاءَ بِها، وبَدَّلَ الهُدى في مُقابَلَتِها، وهَوْلَ الظُّلُماتِ - الَّتِي هي الضَّلالَةُ والرِّضاءُ بِها - بَدَلًا عَنِ النُّورِ - الَّذِي هو الهُدى والنُّورُ - فَبَدَّلُوا الهُدى والنُّورَ، وتَعَوَّضُوا عَنْهُ بِالظُّلْمَةِ والضَّلالَةِ، فَيا لَها مِن تِجارَةٍ ما أخْسَرَها، وصَفْقَةٍ ما أشَدَّ غَبْنَها. وتَأمَّلْ كَيْفَ قالَ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] فَوَحَّدَهُ ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ﴾ [البقرة: ١٧] فَجَمَعَها. فَإنَّ الحَقَّ واحِدٌ: هو صِراطُ اللَّهِ المُسْتَقِيمُ - الَّذِي لا صِراطَ يُوَصِّلُ إلَيْهِ سِواهُ - وهو عِبادَتُهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، بِما شَرَعَهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ، لا بِالأهْواءِ، والبِدَعِ، وطُرُقِ الخارِجِينَ عَنْ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ - مِنَ الهُدى ودِينِ الحَقِّ -، بِخِلافِ طُرُقِ الباطِلِ؛ فَإنَّها مُتَعَدِّدَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ. ولِهَذا، يُفْرِدُ، سُبْحانَهُ، الحَقَّ، ويَجْمَعُ الباطِلَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقالَ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فَجَمَعَ سُبُلَ الباطِلِ، ووَحَّدَ سَبِيلَ الحَقِّ، ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦] فَإنَّ تِلْكَ هي طُرُقُ مَرْضاتِهِ الَّتِي يَجْمَعُها سَبِيلُهُ الواحِدُ، وصِراطُهُ المُسْتَقِيمُ، فَإنَّ طُرُقَ مَرْضاتِهِ كُلَّها تَرْجِعُ إلى صِراطٍ واحِدٍ، وسَبِيلٍ واحِدٍ، وهي سَبِيلُهُ الَّتِي لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا مِنها. وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «أنَّهُ خَطَّ خَطًّا مُسْتَقِيمًا، وقالَ: «هَذا سَبِيلُ اللَّهِ» . (p-٦٤)ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ، وقالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ، عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ» ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]» .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَثَلٌ لِلْمُنافِقِينَ، وما يُوقِدُونَهُ مِن نارِ الفِتْنَةِ الَّتِي يُوقِعُونَها بَيْنَ أهْلِ الإسْلامِ، ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" مُطابِقًا لِقَوْلِهِ تَعالى "أطْفَأها اللَّهُ" ويَكُونُ تَخْيِيبُهم، وإبْطالُ ما رامُوهُ، هو: تَرْكَهم في ظُلُماتِ الحَيْرَةِ، لا يَهْتَدُونَ إلى التَّخَلُّصِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ، ولا يُبْصِرُونَ سَبِيلًا؛ بَلْ هم "صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ" . وهَذا التَّقْدِيرُ - وإنْ كانَ حَقًّا - فَفي كَوْنِهِ مُرادًا بِالآيَةِ نَظَرٌ؛ فَإنَّ السِّياقَ إنَّما قُصِدَ لِغَيْرِهِ، ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى "فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ" ومَوْقِدُ نارِ الحَرْبِ لا يُضِيءُ ما حَوْلَهُ أبَدًا، ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ومَوْقِدُ نارِ الحَرْبِ لا نُورَ لَهُ، ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُمُ انْتَقَلُوا مِن نُورِ المَعْرِفَةِ والبَصِيرَةِ، إلى ظُلْمَةِ الشَّكِّ والكُفْرِ.
(p-٦٥)قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هو المُنافِقُ أبْصَرَ ثُمَّ عَمِيَ، وعَرَفَ ثُمَّ أنْكَرَ. ولِهَذا قالَ: ﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] أيْ: لا يَرْجِعُونَ إلى النُّورِ الَّذِي فارَقُوهُ. وقالَ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] فَسَلَبَ العَقْلَ عَنِ الكُفّارِ - إذْ لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ البَصِيرَةِ والإيمانِ -وسَلَبَ الرُّجُوعَ عَنِ المُنافِقِينَ -لِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا -فَلَمْ يَرْجِعُوا إلى الإيمانِ.
فَصْلٌ
ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ، سُبْحانَهُ، لَهم مَثَلًا آخَرَ مائِيًّا، فَقالَ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩] فَشَبَّهَ نَصِيبِهِمْ - مِمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بِهِ رَسُولَهُ ﷺ - مِنَ النُّورِ والحَياةِ بِنَصِيبِ المُسْتَوْقِدِ النّارِ الَّتِي طَفِئَتْ عَنْهُ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْها، وذَهَبَ نُورُهُ، وبَقِيَ في الظُّلُماتِ حائِرًا، تائِهًا، لا يَهْتَدِي سَبِيلًا، ولا يَعْرِفُ طَرِيقًا؛ وبِنَصِيبِ أصْحابِ الصَّيِّبِ -وهُوَ المَطَرُ الَّذِي يُصَوَّبُ؛ (أيْ يَنْزِلُ) مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ - فَشَبَّهَ الهُدى - الَّذِي هَدى بِهِ عِبادَهُ - بِالصَّيِّبِ، لِأنَّ القُلُوبَ تَحْيى بِهِ حَياةَ الأرْضِ بِالمَطَرِ، ونَصِيبُ المُنافِقِينَ مِن هَذا الهُدى، بِنَصِيبِ مَن لَمْ يَحْصُلْ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الصَّيِّبِ إلّا ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ. ولا نَصِيبَ لَهُ - فِيما وراءَ ذَلِكَ - مِمّا هو المَقْصُودُ بِالصَّيِّبِ - مِن حَياةِ البِلادِ، والعِبادِ، والشَّجَرِ، والدَّوابِّ؛ وأنَّ تِلْكَ الظُّلُماتِ الَّتِي فِيهِ، وذَلِكَ الرَّعْدَ، والبَرْقَ، مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ، وهو وسِيلَةٌ إلى كَمالِ الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ الصَّيِّبِ. فالجاهِلُ - لِفَرْطِ جَهْلِهِ - يَقْتَصِرُ عَلى الإحْساسِ بِما في الصَّيِّبِ مِن ظُلْمَةٍ ورَعْدٍ وبَرْقٍ ولَوازِمِ ذَلِكَ مِن بَرْدٍ شَدِيدٍ، وتَعْطِيلِ المُسافِرِ عَنْ سَفَرِهِ، وصانِعٍ عَنْ صَنْعَتِهِ ولا بَصِيرَةَ لَهُ تَنْفُذُ إلى ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ ذَلِكَ الصَّيِّبِ مِنَ الحَياةِ والنَّفْعِ العامِّ. وهَكَذا شَأْنُ كُلِّ قاصِرِ النَّظَرِ، ضَعِيفِ العَقْلِ، لا يُجاوِزُ نَظَرُهُ الأمْرَ المَكْرُوهَ الظّاهِرَ إلى ما وراءَهُ مِن كُلِّ مَحْبُوبٍ، وهَذِهِ حالُ أكْثَرِ الخَلْقِ، إلّا مَن صَحَّتْ بَصِيرَتُهُ – (p-٦٦)فَإذا رَأى ضَعِيفَ البَصِيرَةِ ما في الجِهادِ مِنَ التَّعَبِ، والمَشاقِّ، والتَّعَرُّضِ لِإتْلافِ المُهْجَةِ، والجِراحاتِ الشَّدِيدَةِ، ومَلامَةِ اللُّوّامِ، ومُعاداةِ مَن يَخافُ مُعاداتَهُ - لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ ما يَؤُولُ إلَيْهِ مِنَ العَواقِبِ الحَمِيدَةِ، والغاياتِ الَّتِي إلَيْها تَسابَقَ المُتَسابِقُونَ، وفِيها تَنافَسَ المُتَنافِسُونَ. وكَذَلِكَ مَن عَزَمَ عَلى سَفَرِ الحَجِّ إلى البَيْتِ الحَرامِ، فَلَمْ يَعْلَمْ - مِن سَفَرِهِ ذَلِكَ - إلّا مَشَقَّةَ السَّفَرِ، ومُفارَقَةَ الأهْلِ والوَطَنِ، ومُقاساةَ الشَّدائِدِ، وفِراقَ المَأْلُوفاتِ، ولا يُجاوِزُ نَظَرُهُ وبَصِيرَتُهُ آخِرَ هَذا السَّفَرِ، ومَآلَهُ، وعاقِبَتَهُ - فَإنَّهُ لا يَخْرُجُ إلَيْهِ، ولا يَعْزِمُ عَلَيْهِ. وحالُ هَؤُلاءِ، حالُ الضَّعِيفِ البَصِيرَةِ والإيمانِ، الَّذِي يَرى ما في القُرْآنِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ. والزَّواجِرِ والنَّواهِي، والأوامِرِ الشّاقَّةِ عَلى النُّفُوسِ الَّتِي تَفْطِمُها عَنْ رِضاعِها مِن ثَدْيِ المَأْلُوفاتِ والشَّهَواتِ -والفِطامُ عَلى الصَّبِيِّ أصْعَبُ شَيْءٍ، وأشَقُّهُ- والنّاسُ كُلُّهم صِبْيانُ العُقُولِ، إلّا مَن بَلَغَ مَبالِغَ الرِّجالِ العُقَلاءِ الألِبّاءِ، وأدْرَكَ الحَقَّ عِلْمًا، وعَمَلًا، ومَعْرِفَةً، فَهو الَّذِي يَنْظُرُ إلى ما وراءِ الصَّيِّبِ، وما فِيهِ - مِنَ الرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ - ويَعْلَمُ أنَّهُ حَياةُ الوُجُودِ.
التَّنْبِيهُ الثّالِثُ:
قالَ القاشانِيُّ: "إنَّما بُولِغَ في ذِكْرِ فَرِيقِ المُنافِقِينَ، وذَمِّهِمْ، وتَعْيِيرِهِمْ، وتَقْبِيحِ صُورَةِ حالِهِمْ، وتَهْدِيدِهِمْ، وإبْعادِهِمْ، وتَهْجِينِ سِيَرِهِمْ وعاداتِهِمْ: لِإمْكانِ قَبُولِهِمْ لِلْهِدايَةِ، وزَوالِ مَرَضِهِمُ العارِضِ. عَسى التَّقْرِيعُ يَكْسِرُ أعْوادَ شَكائِمِهِمْ، والتَّوْبِيخُ يُقْلِعُ أُصُولَ رَذائِلِهِمْ، فَتَتَزَكّى بَواطِنُهم، وتَتَنَوَّرُ قُلُوبُهم، فَيَسْلُكُوا طَرِيقَ الحَقِّ، ولَعَلَّ مُوادَعَةَ المُؤْمِنِينَ، ومُلاطَفَتَهم إيّاهم، ومُجالَسَتَهم مَعَهم - تَسْتَمِيلُ طِباعَهم، فَتُهَيِّجُ فِيهِمْ مَحَبَّةً ما، وشَوْقًا تَلِينُ بِهِ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْقادُ بِهِ نُفُوسُهم لِأمْرِ اللَّهِ، فَيَتُوبُوا ويُصْلِحُوا، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦]
البقرة 2:21
(p-٦٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ ] ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ عُلُوَّ طَبَقَةِ كِتابِهِ الكَرِيمِ، وتَحَزَّبَ النّاسُ في شَأْنِهِ إلى ثَلاثِ فِرَقٍ: مُؤْمِنَةٍ بِهِ مُحافِظَةٍ عَلى ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ. وكافِرَةٍ قَدْ نَبَذَتْهُ وراءَ ظَهْرِها بِالمُجاهَرَةِ والشِّقاقِ، وأُخْرى مُذَبْذَبَةٌ بَيْنَهُما بِالمُخادَعَةِ والنِّفاقِ، وما اخْتَصَّتْ بِهِ كُلُّ فِرْقَةٍ مِمّا يُسْعِدُها ويُشْقِيها، ويُحْظِيها عِنْدَ اللَّهِ ويُرْدِيها؛ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ - وهو مِن الِالتِفاتِ المَذْكُورِ عِنْدَ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] - وهو فَنٌّ مِنَ الكَلامِ جَزْلٌ، فِيهِ هَزٌّ وتَحْرِيكٌ مِنَ السّامِعِ -كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ لِصاحِبِكَ حاكِيًا عَنْ ثالِثٍ لَكُما: إنَّ فُلانًا مِن قِصَّتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، فَقَصَصْتَ عَلَيْهِ ما فَرَطَ مِنهُ، ثُمَّ عَدَلْتَ بِخِطابِكَ إلى الثّالِثِ، فَقُلْتَ: يا فُلانُ ! مِن حَقِّكَ أنْ تَلْزَمَ الطَّرِيقَةَ الحَمِيدَةَ في مَجارِي أُمُورِكَ، وتَسْتَوِي عَلى جادَّةِ السَّدادِ في مَصادِرِكَ ومَوارِدِكَ - نَبَّهْتَهُ بِالتِفاتِكَ نَحْوَهُ فَضْلَ تَنَبُّهٍ، واسْتَدْعَيْتَ إصْغاءَهُ إلى إرْشادِكَ زِيادَةَ اسْتِدْعاءٍ؛ وأوْجَدْتَهُ، بِالِانْتِقالِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُواجَهَةِ هازًّا مِن طَبْعِهِ، ما لا يَجِدُهُ إذا اسْتَمْرَرْتَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ، وهَكَذا الِافْتِنانُ في الحَدِيثِ والخُرُوجُ فِيهِ مِن صِنْفٍ إلى صِنْفٍ، يَسْتَفْتِحُ الآذانَ لِلِاسْتِماعِ، ويَسْتَهِشُّ الأنْفُسَ لِلْقَبُولِ، وإنَّما كَثُرَ النِّداءُ في كِتابِهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ (يا أيُّها النّاسُ) لِاسْتِقْلالِهِ بِأوْجُهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، وأسْبابٍ مِنَ المُبالَغَةِ. كالإيضاحِ بَعْدَ الإبْهامِ. واخْتِيارُ لَفْظِ البَعِيدِ، وتَأْكِيدُ مَعْناهُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ما نادى اللَّهُ لَهُ عِبادَهُ: مِن أوامِرِهِ، ونَواهِيهِ وعِظاتِهِ، وزَواجِرِهِ، ووَعْدِهِ، ووَعِيدِهِ، واقْتِصاصِ أخْبارِ الأُمَمِ الدّارِجَةِ عَلَيْهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ. . مِمّا أنْطَقَ بِهِ كِتابَهُ - أُمُورٌ عِظامٌ، وخُطُوبٌ جِسامٌ، ومَعانٍ عَلَّمَهم أنْ يَتَيَقَّظُوا لَها، ويَمِيلُوا بِقُلُوبِهِمْ وبَصائِرِهِمْ إلَيْها وهم عَنْها غافِلُونَ فاقْتَضَتِ الحالُ أنْ يُنادُوا بِالآكَدِ الأبْلَغِ - . أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - .
(p-٦٨)والمُرادُ بِالنّاسِ: كافَّةُ المُكَلَّفِينَ - مُؤْمِنُهم وكافِرُهُمْ- فَطَلَبُ العِبادَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ طَلَبُ الزِّيادَةِ فِيها، والثَّباتِ عَلَيْها، ومِنَ الكافِرِينَ ابْتِداؤُها "الَّذِي خَلَقَكُمْ" أنْعَمَ عَلَيْكم بِإخْراجِكم مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ "و" –خَلَقَ-: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ: كَيْ تَتَّقُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ [الملك: ٢] وفي إيرادِ "لَعَلَّ"، تَشْبِيهُ طَلَبِهِ تَعالى بِرَجاءِ الرّاجِي مِنَ المَرْجُوِّ مِنهُ أمْرًا هَيِّنَ الحُصُولِ؛ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا وضَعَ في أيْدِي المُكَلَّفِينَ زِمامَ الِاخْتِيارِ، وطَلَبَ مِنهُمُ الطّاعَةَ، ونَصَبَ لَهم أدِلَّةً عَقْلِيَّةً ونَقْلِيَّةً داعِيَةً إلَيْها؛ ووَعَدَ، وأوْعَدَ، وألْطَفَ بِما لا يُحْصى كَثْرَةً، لَمْ يَبْقَ لِلْمُكَلَّفِ عُذْرٌ، وصارَ حالُهُ في رُجْحانِ اخْتِيارِهِ لِلطّاعَةِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنَ المَعْصِيَةِ كَحالِ المُتَرَجِّي مِنهُ في رُجْحانِ اخْتِيارِهِ لِما يُرْتَجى مِنهُ - مَعَ تَمَكُّنِهِ مِن خِلافِهِ - وصارَ طَلَبُ اللَّهِ تَعالى لِعِبادَتِهِ واتِّقائِهِ بِمَنزِلَةِ التَّرَجِّي -فِيما ذَكَرْناهُ- .
البقرة 2:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ ] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
" الَّذِي جَعَلَ" - خَلَقَ -: "لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا" بِساطًا ومِهادًا غَيْرَ حَزْنَةٍ، "والسَّماءَ بِناءً" البِناءُ، في الأصْلِ، مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَبْنِيُّ -بَيْتًا كانَ، أوْ قُبَّةً، أوْ خَباءً.
قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ في مَعْنى الآيَةِ: أيْ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضَهُ بَعْضًا. و"السَّماءَ" يُرادُ بِها الجِنْسُ كالسَّماواتِ، والمَعْنِيُّ بِها الكَواكِبُ السَّيّاراتُ –قالَ-: فَجَمِيعُ السَّماواتِ (p-٦٩)أوِ الكَواكِبِ كالبِناءِ المُرْتَبِطِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِن كُلِّ جِهَةٍ، المُتَماسِكُ كَأجْزاءِ الجِسْمِ الواحِدِ بِالجاذِبِيَّةِ الَّتِي تَحْفَظُ نِظامَها في مَداراتِها، وهو جَذْبُ الشَّمْسِ لَها.
"وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ" أيِ: السَّحابُ "ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا" النَّهْيُ مُتَفَرِّعٌ عَلى مَضْمُونِ ذَلِكَ الأمْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا أُمِرْتُمْ بِعِبادَةِ مَن هَذا شَأْنُهُ - مِنَ التَّفَرُّدِ بِهَذِهِ الأفْعالِ الجَلِيلَةِ - فَلا تَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا شُرَكاءَ في العِبادَةِ، أيْ: أمْثالًا تَعْبُدُونَهم كَعِبادَتِهِ- جَمْعُ نِدٍّ. وهو المَثَلُ، ولا يُقالُ إلّا لِلْمَثَلِ المُخالِفِ المُناوِئِ - فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ صَلَحَ تَسْمِيَتُها أنْدادًا، وهم ما كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّها تُخالِفُهُ وتُناوِئُهُ، بَلْ كانُوا يَجْعَلُونَها شُفَعاءَ عِنْدَهُ ؟ أُجِيبَ: بِأنَّهم لَمّا تَقَرَّبُوا إلَيْها، وعَظَّمُوها، وسَمَّوْها آلِهَةً - أشْبَهَتْ حالُهم حالَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّها آلِهَةٌ مِثْلُهُ قادِرَةٌ عَلى مُخالَفَتِهِ، ومُضادَّتِهِ، فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ. وكَما تَهَكَّمَ بِهِمْ بِلَفْظِ النِّدِّ شَنَّعَ عَلَيْهِمْ، واسْتَفْظَعَ شَأْنَهم، بِأنْ جَعَلُوا أنْدادًا كَثِيرَةً لِمَن لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ قَطُّ.
"وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" ما بَيْنَهُ وبَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ، وأنَّها لا تَفْعَلُ مِثْلَ أفْعالِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]؛ أوْ وأنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ - والتَّوْبِيخُ فِيهِ آكَدُ - أيْ: أنْتُمُ العَرّافُونَ المُمَيَّزُونَ، ثُمَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في أمْرِ دِيانَتِكم مِن جَعْلِ الأصْنامِ لِلَّهِ أنْدادًا - هو غايَةُ الجَهْلِ، ونِهايَةُ سَخافَةِ العَقْلِ.
ومِمّا يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ - في الِاعْتِبارِ بِهَذِهِ الآيَةِ - ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدَّمَ مِن مُوجِباتِ عِبادَتِهِ، ومُلْزَماتِ حَقِّ الشُّكْرِ لَهُ: خَلْقَهم أحْياءَ قادِرِينَ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ سابِقَةُ أُصُولِ النِّعَمِ، ومُقَدِّمَتُها، والسَّبَبُ في التَّمَكُّنِ مِنَ العِبادَةِ والشُّكْرِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ خَلَقَ الأرْضَ، الَّتِي هي مَكانُهم، ومُسْتَقَرُّهُمُ الَّذِي لا بُدَّ لَهم مِنهُ - وهي بِمَنزِلَةِ عَرَصَةِ المَسْكَنِ، ومُتَقَلَّبِهِ، ومُفْتَرِشِهِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ- الَّتِي هي كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ، والخَيْمَةِ المُطَنَّبَةِ- عَلى هَذا القَرارِ، ثُمَّ ما سَوّاهُ عَزَّ وجَلَّ مِن شَبَهِ عَقْدِ النِّكاحِ بَيْنَ المُقِلَّةِ والمُظِلَّةِ (p-٧٠)بِإنْزالِ الماءِ مِنها عَلَيْها، والإخْراجِ بِهِ مِن بَطْنِها أشْباهَ النَّسْلِ المُنْتَجِ مِنَ الحَيَوانِ - مِن ألْوانِ الثِّمارِ - رِزْقًا لِبَنِي آدَمَ، لِيَكُونَ لَهم ذَلِكَ مُعْتَبَرًا، ومُتَسَلِّقًا إلى النَّظَرِ المُوَصِّلِ إلى التَّوْحِيدِ والِاعْتِرافِ. ونِعْمَةً يَتَعَرَّفُونَها فَيُقابِلُونَها بِلازِمِ الشُّكْرِ، ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ أنْفُسِهِمْ؛ وخَلْقِ ما فَوْقَهم وتَحْتَهم، وأنَّ شَيْئًا مِن هَذِهِ المَخْلُوقاتِ كُلِّها لا يَقْدِرُ عَلى إيجادِ شَيْءٍ مِنها، فَيَتَيَقَّنُوا -عِنْدَ ذَلِكَ- أنْ لا بُدَّ لَها مِن خالِقٍ - لَيْسَ كَمِثْلِها - حَتّى لا يَجْعَلُوا المَخْلُوقاتِ لَهُ أنْدادًا، وهم يَعْلَمُونَ أنَّها [ لا ] تَقْدِرُ عَلى نَحْوِ ما هو عَلَيْهِ قادِرٌ.
ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤] فَمَضْمُونُهُ أنَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ، مالِكُ الدّارِ وساكِنِيها، ورازِقُهم. فَبِهَذا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ ولا يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ.
ولَمّا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما يُثْبِتُ الوَحْدانِيَّةَ، ويُحَقِّقُها، ويُبْطِلُ الإشْراكَ، ويَهْدِمُهُ، وعَلَّمَ الطَّرِيقَ إلى إثْباتِ ذَلِكَ، وتَصْحِيحِهِ. وعَرَّفَهم أنَّ مَن أشْرَكَ فَقَدْ كابَرَ عَقْلَهُ، وغَطّى عَلى ما أنْعَمَ عَلَيْهِ مِن مَعْرِفَتِهِ وتَمْيِيزِهِ - عَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما هو الحُجَّةُ عَلى إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وما يَدْحَضُ الشُّبْهَةَ في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزَةً، وأراهم كَيْفَ يَتَعَرَّفُونَ: أهُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ -كَما يَدَّعِي- أمْ هو مِن عِنْدِ نَفْسِهِ -كَما يَدَّعُونَ- ؟ بِإرْشادِهِمْ إلى أنْ يَحْزِرُوا أنْفُسَهم، ويَذُوقُوا طِباعَهم، وهم أبْناءُ جِنْسِهِ، وأهْلُ جِلْدَتِهِ. فَقالَ تَعالى:
البقرة 2:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣ ] ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَـزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
"وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا" - أيْ: مِنَ القُرْآنِ الَّذِي نَزَّلْناهُ – "عَلى عَبْدِنا" (p-٧١)مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، والتَّعْبِيرُ عَنِ اعْتِقادِهِمْ في حَقِّهِ بِالرَّيْبِ - مَعَ أنَّهم جازِمُونَ بِكَوْنِهِ مِن كَلامِ البَشَرِ -كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" إمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ أقْصى ما يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْهم - وإنْ كانُوا في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ- هو الِارْتِيابُ في شَأْنِهِ (وأمّا الجَزْمُ المَذْكُورُ فَخارِجٌ مِن دائِرَةِ الِاحْتِمالِ، كَما أنَّ تَنْكِيرَهُ وتَصْدِيرَهُ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ ضَعِيفًا مَشْكُوكَ الوُقُوعِ)، وإمّا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ جَزْمَهم ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الرَّيْبِ الضَّعِيفِ لِكَمالِ وُضُوحِ دَلائِلِ الإعْجازِ، ونِهايَةِ قُوَّتِها، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: وإنِ ارْتَبْتُمْ فِيما نَزَّلْنا. . . إلَخْ، لِما أُشِيرَ إلَيْهِ - فِيما سَلَفَ - مِنَ المُبالَغَةِ في تَنْزِيهِ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ شائِبَةِ وُقُوعِ الرَّيْبِ فِيهِ -حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لا رَيْبَ فِيهِ"- والإشْعارُ بِأنَّ ذَلِكَ - إنْ وقَعَ - فَمِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَتِهِ العالِيَةِ. واعْتِبارُ اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ، وإحاطَتِهِ بِهِمْ، لا يُنافِي اعْتِبارَ ضَعْفِهِ وقِلَّتِهِ: لِما أنَّ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ هو دَوامُ مُلابَسَتِهِمْ بِهِ، لا قِلَّتُهُ ولا كَثْرَتُهُ.
وفِي ذِكْرِهِ ﷺ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ - مِنَ التَّشْرِيفِ، والتَّنْوِيهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، وانْقِيادِهِ لِأوامِرِهِ تَعالى - ما لا يَخْفى، والأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَأْتُوا بِسُورَةٍ" مِن بابِ التَّعْجِيزِ وإلْقامِ الحَجَرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أوْ مِن بابِ المُجاراةِ مَعَهم -بِحَسَبِ حُسْبانِهِمْ- حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا.
و(السُّورَةُ): الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ المُتَرْجَمَةُ، وأقَلُّها ثَلاثُ آياتٍ، وواوُها أصْلِيَّةٌ، مَنقُولَةٌ مِن سُورِ البَلَدِ - لِأنَّها مُحِيطَةٌ بِطائِفَةٍ مِنَ القُرْآنِ مُفْرِزَةٍ، مُحْوِزَةٍ، أوْ مُحْتَوِيَةٌ عَلى فُنُونٍ رائِقَةٍ مِنَ (p-٧٢)العُلُومِ، احْتِواءَ سُورِ المَدِينَةِ عَلى ما فِيها، أوْ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي هي الرُّتْبَةُ. فَإنَّ سُوَرَ القُرْآنِ مَعَ كَوْنِها في أنْفُسِها رُتَبًا- مِن حَيْثُ الفَضْلُ والشَّرَفُ، أوْ مِن حَيْثُ الطُّولُ والقِصَرُ - فَهي مِن حَيْثُ انْتِظامُها مَعَ أخَواتِها في المُصْحَفِ: مَراتِبُ يَرْتَقِي إلَيْها القارِئُ شَيْئًا فَشَيْئًا. و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن مِثْلِهِ" بَيانِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةً لِسُورَةٍ، والضَّمِيرُ "مِمّا نَزَّلْنا" أيْ: بِسُورَةٍ كائِنَةٍ مِن مِثْلِهِ في عُلُوِّ الرُّتْبَةِ، وسُمُوِّ الطَّبَقَةِ، والنَّظْمِ الرّائِقِ، والبَيانِ البَدِيعِ، وحِيازَةِ سائِرِ نُعُوتِ الإعْجازِ. وقِيلَ "مِن" زائِدَةٌ -عَلى ما هو رَأْيُ الأخْفَشِ- بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إرْشادٌ لَهم إلى إنْهاضِ أُمَّةٍ جَمَّةٍ، لِيَحْتَشِدُوا في حَلَبَةِ المُعارَضَةِ بِخَيْلِهِمْ ورَجْلِهِمْ، ويَتَعاوَنُوا عَلى الإتْيانِ بِقَدْرٍ يَسِيرٍ مُماثِلٍ في صِفاتِ الكَمالِ لِما أتى بِجُمْلَتِهِ واحِدٌ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]
و"الشُّهَداءُ " جَمْعُ شَهِيدٍ، بِمَعْنى: الحاضِرُ، أوِ القائِمُ بِالشَّهادَةِ، أوِ النّاصِرُ. و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ " ادْعُوا "، والظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ. والمَعْنى: ادْعُوا، مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى لِلِاسْتِظْهارِ، مَن حَضَرَكم -كائِنًا مَن كانَ- أوِ الحاضِرِينَ في مُشاهِدِكم ومُحاضِرِكم مِن رُؤَسائِكم وأشْرافِكُمُ - الَّذِينَ تَفْزَعُونَ إلَيْهِمْ في المُلِمّاتِ، وتُعَوِّلُونَ عَلَيْهِمْ في المُهِمّاتِ - أوِ القائِمِينَ بِشَهاداتِكُمُ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَكم -مِن (p-٧٣)أُمَنائِكُمُ المُتَوَلِّينَ لِاسْتِخْلاصِ الحُقُوقِ، بِتَنْفِيذِ القَوْلِ عِنْدَ الوُلاةِ - أوِ القائِمِينَ بِنُصْرَتِكم -حَقِيقَةً أوْ زَعْمًا- مِنَ الإنْسِ والجِنِّ لِيُعِينُوكم. وإخْراجُهُ، سُبْحانَهُ وتَعالى، مِن حُكْمِ الدُّعاءِ في الأوَّلِ - مَعَ انْدِراجِهِ في الحُضُورِ - لِتَأْكِيدِ تَناوُلِهِ لِجَمِيعِ ما عَداهُ، لا لِبَيانِ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى ما كَلَّفُوهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهُ تَعالى لَأجابَهم إلَيْهِ. وأمّا في سائِرِ الوُجُوهِ: فَلِلتَّصْرِيحِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِبَراءَتِهِمْ مِنهُ تَعالى، وكَوْنُهم في عُدْوَةِ المُحادَّةِ والمُشاقَّةِ لَهُ، قاصِرِينَ اسْتِظْهارَهم عَلى ما سِواهُ؛ والِالتِفاتُ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ: "إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" أيْ: في زَعْمِكم أنَّهُ مِن كَلامِهِ ﷺ، واسْتِلْزامُ المُقَدَّمِ لِلتّالِي مِن حَيْثُ إنَّ صِدْقَهم في ذَلِكَ الزَّعْمِ يَسْتَدْعِي قُدْرَتَهم عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، بِقَضِيَّةِ مُشارَكَتِهِمْ لَهُ ﷺ في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، مَعَ ما بِهِمْ مِن طُولِ المُمارَسَةِ لِلْخُطَبِ والأشْعارِ، وكَثْرَةِ المُزاوَلَةِ لِأسالِيبِ النَّظْمِ والنَّثْرِ، والمُبالَغَةِ في حِفْظِ الوَقائِعِ والأيّامِ، لا سِيَّما عِنْدَ المُظاهَرَةِ والتَّعاوُنِ - ولا رَيْبَ في أنَّ القُدْرَةَ عَلى الشَّيْءِ مِن مُوجِباتِ الإتْيانِ بِهِ، ودَواعِي الأمْرِ بِهِ - .
البقرة 2:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤ ] ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾
"فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا" أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الإتْيانِ بِالمِثْلِ، بَعْدَ ما بَذَلْتُمْ في السَّعْيِ غايَةَ المَجْهُودِ "ولَنْ تَفْعَلُوا" اعْتِراضٌ بَيْنَ جُزْأيِ الشَّرْطِيَّةِ، مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ مُقَدَّمِها، ومُؤَكِّدٌ لِإيجابِ العَمَلِ بِتالِيها، وهي مُعْجِزَةٌ باهِرَةٌ: حَيْثُ أخْبَرَ بِالغَيْبِ الخاصِّ - عَلَّمَهُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ - وقَدْ وقَعَ الأمْرُ كَذَلِكَ: "فاتَّقُوا النّارَ" جَوابُ الشَّرْطِ، عَلى أنَّ اتِّقاءَ النّارِ كِنايَةٌ عَنْ الِاحْتِرازِ مِنَ العِنادِ، إذْ -بِذَلِكَ- يَتَحَقَّقُ تَسَبُّبُهُ عَنْهُ، وتَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ -كَما هو المُقَرَّرُ- فاحْتَرِزُوا مِن إنْكارِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ فَإنَّهُ مُسْتَوْجِبٌ لِلْعِقابِ بِالنّارِ، لَكِنْ أُوثِرَ عَلَيْهِ الكِنايَةُ المَذْكُورَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى (p-٧٤)تَصْوِيرِ العِنادِ بِصُورَةِ النّارِ، وجَعْلِ الِاتِّصافِ بِهِ عَيْنَ المُلابَسَةِ بِها، لِلْمُبالَغَةِ في تَهْوِيلِ شَأْنِهِ، وتَفْظِيعِ أمْرِهِ، وإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ - بِتَحْذِيرِ المُخاطَبِينَ مِنهُ، وتَنْفِيرِهِمْ عَنْهُ، وحَثِّهِمْ عَلى الجَدِّ في تَحْقِيقِ المَكْنِيِّ بِهِ - وفِيهِ مِنَ الإيجازِ البَدِيعِ ما لا يَخْفى. حَيْثُ كانَ الأصْلُ: فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَقَدْ صَحَّ صِدْقُهُ عِنْدَكم، وإذا صَحَّ ذَلِكَ كانَ لُزُومُكُمُ العِنادَ، وتَرْكُكُمُ الإيمانَ بِهِ، سَبَبًا لِاسْتِحْقاقِكُمُ العِقابَ بِالنّارِ، فاحْتَرِزُوا مِنهُ واتَّقُوا النّارَ "الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ" صِفَةٌ لِلنّارِ مُوَرِّثَةٌ لَها زِيادَةَ هَوْلٍ وفَظاعَةً - أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِرَحْمَتِهِ الواسِعَةِ - .
و"الوَقُودُ": ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ، وتُرْفَعُ مِنَ الحَطَبِ. وقُرِئَ بِضَمِّ الواوِ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ مُبالَغَةً - كَما يُقالُ: فُلانٌ فَخْرُ قَوْمِهِ، وزَيْنُ بَلَدِهِ - . فَإنْ قِيلَ: صِلَةُ الَّذِي والَّتِي يَجِبُ أنْ تَكُونَ قِصَّةً مَعْلُومَةً لِلْمُخاطَبِ، فَكَيْفَ عَلِمَ أُولَئِكَ أنَّ نارَ الآخِرَةِ تُوقَدُ بِالنّاسِ والحِجارَةِ ؟
قُلْتُ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَتَقَدَّمَ لَهم بِذَلِكَ سَماعٌ مِن آياتِ التَّنْزِيلِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْها، أوْ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ. والمُرادُ بِالحِجارَةِ الأصْنامُ، وبِالنّاسِ أنْفُسُهم - حَسْبَما ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] فَإنَّها مُفَسِّرَةٌ لِما نَحْنُ فِيهِ -، وحِكْمَةُ اقْتِرانِهِمْ مَعَ الحِجارَةِ في الوَقُودِ: أنَّهم لَمّا اعْتَقَدُوا في حِجارَتِهِمُ المَعْبُودَةِ مِن دُونِ اللَّهِ أنَّها الشُّفَعاءُ والشُّهَداءُ الَّذِينَ يَسْتَنْفِعُونَ بِهِمْ، ويَسْتَدْفِعُونَ المَضارَّ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِمَكانِهِمْ، جَعَلَها اللَّهُ عَذابَهم، فَقَرَنَهم بِها مُحْماةً في نارِ جَهَنَّمَ - إبْلاغًا في إيلامِهِمْ، وإغْراقًا في تَحْسِيرِهِمْ، ونَحْوَهُ ما يَفْعَلُهُ بِالكانِزِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا ذَهَبَهم وفِضَّتَهم عِدَّةً وذَخِيرَةً، فَشَحُّوا بِها، ومَنَعُوها مِنَ الحُقُوقِ، حَيْثُ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ. فَتُكْوى جِباهُهم وجُنُوبُهم.
"أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ" هُيِّئَتْ لَهم، وجُعِلَتْ عِدَّةً لِعَذابِهِمْ، والمُرادُ: إمّا جِنْسُ الكُفّارِ -والمُخاطَبُونَ داخِلُونَ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا- وإمّا هم خاصَّةً، ووَضْعُ الكافِرِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ، وتَعْلِيلُ الحُكْمِ بِكَفْرِهِمْ - والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِمَن أُرِيدَ بِالنّاسِ، دافِعَةٌ لِاحْتِمالِ العُمُومِ.
(p-٧٥)(تَنْبِيهٌ):
هَذِهِ الآيَةُ الجَلِيلَةُ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي صَدَعَتْ بِتَحَدِّي الكافِرِينَ بِالتَّنْزِيلِ الكَرِيمِ، وقَدْ تَحَدّاهُمُ اللَّهُ تَعالى في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنهُ، فَقالَ في سُورَةِ القَصَصِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] وقالَ في سُورَةِ الإسْراءِ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وقالَ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] وقالَ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] وكُلُّ هَذِهِ الآياتِ مَكِّيَّةٌ.
ثُمَّ تَحَدّاهم أيْضًا في المَدِينَةِ بِقَوْلِهِ "وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ" إلى آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ فَعَجَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ: - وهم فُرْسانُ الكَلامِ؛ وأرْبابُ النِّظامِ، وقَدْ خُصُّوا مِنَ البَلاغَةِ والحُكْمِ، ما لَمْ يُخَصَّ بِهِ غَيْرُهم مِنَ الأُمَمِ، وأُوتُوا مِن ذَرابَةِ اللِّسانِ، ما لَمْ يُؤْتَ إنْسانٌ. ومِن فَصْلِ الخِطابِ، ما يُقَيِّدُ الألْبابَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ طَبْعًا وخِلْقَةً، وفِيهِمْ غَرِيزَةً وقُوَّةً، يَأْتُونَ مِنهُ عَلى البَدِيهَةِ بِالعَجَبِ، ويُدْلُونَ بِهِ إلى كُلِّ سَبَبٍ، فَيَخْطُبُونَ بَدِيهًا في المَقاماتِ وشَدِيدِ الخُطَبِ، ويَرْتَجِزُونَ بِهِ بَيْنَ الطَّعْنِ والضَّرْبِ، ويَمْدَحُونَ، ويَقْدَحُونَ، ويَتَوَسَّلُونَ، ويَتَوَصَّلُونَ، ويَرْفَعُونَ، ويَضَعُونَ، فَيَأْتُونَ بِالسِّحْرِ (p-٧٦)الحَلالِ، ويُطَوِّقُونَ مِن أوْصافِهِمْ أجْمَلَ مِن سِمْطِ اللَآلِ، فَيَخْدَعُونَ الألْبابَ، ويُذَلِّلُونَ الصِّعابَ، ويُذْهِبُونَ الإحَنَ، ويُهَيِّجُونَ الدِّمَنَ، ويُجَرِّئُونَ الجَبانَ، ويَبْسُطُونَ يَدَ الجَعْدِ البَنانِ، ويُصَيِّرُونَ النّاقِصَ كامِلًا، ويَتْرُكُونَ النَّبِيهَ خامِلًا، مِنهُمُ البَدَوِيُّ: ذُو اللَّفْظِ الجَزْلِ، والقَوْلِ الفَصْلِ، والكَلامِ الفَخْمِ، والطَّبْعِ الجَوْهَرِيِّ، والمَنزِعِ القَوِيِّ. ومِنهُمُ الحَضَرِيُّ: ذُو البَلاغَةِ البارِعَةِ، والألْفاظِ النّاصِعَةِ، والكَلِماتِ الجامِعَةِ، والطَّبْعِ السَّهْلِ، والتَّصَرُّفِ في القَوْلِ القَلِيلِ الكُلْفَةِ، الكَثِيرِ الرَّوْنَقِ، الرَّقِيقِ الحاشِيَةِ، وكِلا البابَيْنِ فَلَهُما - في البَلاغَةِ - الحُجَّةُ البالِغَةُ، والقُوَّةُ الدّامِغَةُ، والقِدْحُ الفالِجُ، والمُهْبِعُ النّاهِجُ، لا يَشُكُّونَ أنَّ الكَلامَ طَوْعُ مُرادِهِمْ، والبَلاغَةَ مِلْكُ قِيادِهِمْ، قَدَحُوا فُنُونَها، واسْتَنْبَطُوا عُيُونَها، ودَخَلُوا مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِها، وعَلَوْا صَرْحًا لِبُلُوغِ أسْبابِها، فَقالُوا في الخَطِيرِ والمَهِينِ، وتَفَنَّنُوا في الغَثِّ والسَّمِينِ، وتَقاوَلُوا في القِلِّ والكُثْرِ، وتَساجَلُوا في النَّظْمِ والنَّثْرِ - ومَعَ هَذا فَلَمْ يَتَصَدَّ لِلْإتْيانِ بِما يُوازِيهِ أوْ يُدانِيهِ واحِدٌ مِن فُصَحائِهِمْ، ولَمْ يَنْهَضْ - لِمِقْدارِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ - ناهِضٌ مِن بُلَغائِهِمْ، عَلى أنَّهم كانُوا أكْثَرَ مِن حَصى البَطْحاءِ، وأوْفَرَ عَدَدًا مِن رِمالِ الدَّهْناءِ، ولَمْ يَنْبِضْ مِنهم عِرْقُ العَصَبِيَّةِ مَعَ اشْتِهارِهِمْ بِالإفْراطِ في المُضادَّةِ والمُضارَّةِ، وإلْقائِهِمُ الشَّراشِرَ عَلى المُعازَّةِ والمُعارَّةِ، ولِقائِهِمْ دُونَ المُناضَلَةِ عَنْ أحْسابِهِمُ الخُطَطَ، ورُكُوبِهِمْ في كُلِّ ما يَرُومُونَهُ الشَّطَطَ: إنْ أتاهم أحَدٌ بِمَفْخَرَةٍ أتَوْهُ بِمَفاخِرَ، وإنْ رَماهم بِمَأْثَرَةٍ رَمَوْهُ بِمَآثِرَ. وقَدْ جَرَّدَ لَهُمُ الحُجَّةَ أوَّلًا، والسَّيْفَ آخِرًا، فَلَمْ يُعارِضُوا إلّا السَّيْفَ وحْدَهُ. فَما أعْرَضُوا عَنْ مُعارَضَةِ الحُجَّةِ إلّا لِعِلْمِهِمْ أنَّ البَحْرَ قَدْ زَخَرَ فَطَمَّ عَلى الكَواكِبِ، وأنَّ الشَّمْسَ قَدْ أشْرَقَتْ فَطَمَسَتْ نُورَ الكَواكِبِ؛ وبِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى "ولَنْ تَفْعَلُوا" مُعْجِزَةً أُخْرى، فَإنَّهم ما فَعَلُوا، وما قَدَّرُوا، ومَن تَعاطى ذَلِكَ مِن سُخَفائِهِمْ - كَمُسَيْلِمَةَ - كَشَفَ عَوارَهُ لِجَمِيعِهِمْ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرُوا أنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ وفَدَ عَلى مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ عَمْرٌو،، فَقالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: ماذا أُنْزِلَ عَلى صاحِبِكم في هَذِهِ المُدَّةِ ؟ فَقالَ لَهُ عَمْرٌو: لَقَدْ (p-٧٧)أُنْزِلَ عَلَيْهِ سُورَةٌ وجِيزَةٌ بَلِيغَةٌ. فَقالَ وما هي ؟ فَقالَ: ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] فَفَكَّرَ ساعَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: ولَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ مِثْلُها. قالَ: وما هو ؟ فَقالَ: يا وبْرُ يا وبْرُ ! إنَّما أنْتَ أُذُنانِ وصَدْرٌ. وسائِرُكَ حَفْرُ نَقْرٌ - . ثُمَّ قالَ -: كَيْفَ تَرى يا عَمْرُو ؟ فَقالَ لَهُ عَمْرٌو: واللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ إنِّي أعْلَمُ أنَّكَ تَكْذِبُ ! . .
وحَيْثُ عَجَزَ عَرَبُ ذَلِكَ العَصْرِ، فَما سِواهم أعْجَزُ في هَذا الأمْرِ. . ! وقَدْ مَضى -إلى الآنِ - أكْثَرُ مِن ألْفٍ وثَلاثِمِائَةِ عامٍ، ولَمْ يُوجَدْ أحَدٌ مِن مُعادِيهِ البُلَغاءِ إلّا وهو مُسْلِمٌ، أوْ ذُو اسْتِسْلامٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ، بَلْ كَلامُ خالِقِ القُوى والقُدَرِ، أنْزَلَهُ تَصْدِيقًا لِرَسُولِهِ، وتَحْقِيقًا لِمَقُولِهِ، وهَذا الوَجْهُ - أعْنِي بُلُوغَهُ في الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ إلى حَدٍّ خَرَجَ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ - كافٍ وحْدَهُ في الإعْجازِ، وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ أوْجُهٌ:
(مِنها): إخْبارُهُ عَنْ أُمُورٍ مَغِيبَةٍ ظَهَرَتْ كَما أخْبَرَ.
و(مِنها): كَوْنُهُ لا يَمَلُّهُ السَّمْعُ مَهْما تَكَرَّرَ.
و(مِنها): جَمْعُهُ لِعُلُومٍ لَمْ تَكُنْ مَعْهُودَةً، عِنْدَ العَرَبِ والعَجَمِ.
و(مِنها): إنْباؤُهُ عَنِ الوَقائِعِ الخالِيَةِ، وأحْوالِ الأُمَمِ، والحالُ أنَّ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، ﷺ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، لِاسْتِغْنائِهِ بِالوَحْيِ، ولِيَكُونَ وجْهُ الإعْجازِ بِالقَبُولِ أحْرى. وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ القُرْآنَ أعْظَمُ المُعْجِزاتِ، فَإنَّهُ آيَةٌ باقِيَةٌ مَدى الدَّهْرِ، يُشاهِدُها -كُلَّ حِينٍ بِعَيْنِ الفِكْرِ- كُلُّ ذِي حِجْرٍ، وسِواهُ - مِنَ المُعْجِزاتِ- انْقَضَتْ بِانْقِضاءِ وقْتِها، فَلَمْ يَبْقَ مِنها إلّا الخَبَرُ.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ عُلَماءِ الشِّيعَةِ - في وجْهِ إعْجازِهِ - إلى: كَوْنِهِ قاهِرًا لِمَن يُقاوِمُهُ، (p-٧٨)وغالِبًا عَلى مَن يُغالِبُهُ، ونافِذًا في إزْهاقِ ما يُخالِفُهُ، وكَوْنِهِ مُؤَثِّرًا في إيجادِ الأُمَّةِ، وبَقاءِ الشَّرِيعَةِ، ونُفُوذِ الحُكْمِ، وثُبُوتِ الكَلِمَةِ، لِما جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ النُّورِ، والهِدايَةِ، والرَّحْمَةِ. وعِبارَتُهُ:
إنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى يَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ بِالنُّفُوذِ، والغَلَبَةِ في هِدايَةِ الخَلْقِ، وإنْشاءِ أُمَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وإبْقاءِ شَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ، وهي عَلامَةٌ كافِيَةٌ في مَعْرِفَةِ الكَلِماتِ الإلَهِيَّةِ، والآياتِ السَّماوِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: وخُلاصَةُ تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ أنَّ الكَلامَ -الَّذِي يَتَحَدّى الدّاعِي بِهِ، ويَنْسُبُهُ إلى اللَّهِ- إذا ظَهَرَ مِنهُ التَّأْثِيرُ التّامُّ في هِدايَةِ النُّفُوسِ المُسْتَعِدَّةِ الطّالِبَةِ، وقَهْرِ الأُمَمِ المُنْكِرَةِ المانِعَةِ، فَأوْجَدَ أُمَّةً مُسْتَقِلَّةً نامِيَةً، وشَرِيعَةً جَدِيدَةً باقِيَةً، فَلا يَبْقى ثَمَّةَ شَكٍّ أنَّهُ هو كَلامُ اللَّهِ النّازِلُ مِنَ السَّماءِ، والقُدْرَةُ الظّاهِرَةُ مِنهُ هي القُدْرَةُ الَّتِي مُنْذُ القَدِيمِ ظَهَرَتْ مِنَ المُرْسَلِينَ والأنْبِياءِ، وإلى هَذِهِ النُّكْتَةِ أُشِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] وهَذِهِ العَلامَةُ لا تُوجَدُ إلّا في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَمَكَّنُ كُلُّ إنْسانٍ أنْ يُدْرِكَها ويَفْهَمَها مِنها. سَواءٌ كانَ عالِمًا، أوْ أُمِّيًّا، عَرَبِيًّا أوْ عَجَمِيًّا. شَرْقِيًّا، أوْ غَرْبِيًّا. . ! . فَمَنِ الَّذِي يَشُكُّ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ ما خَرَجُوا عَنْ ظُلُماتِ الجَهْلِ إلى نُورِ الإيمانِ، وعَنْ ذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ إلى عِزِّ الِاسْتِقْلالِ إلّا بِسَبَبِ التَّوْراةِ. . ؟ ! ومَنِ الَّذِي يَجْهَلُ أنَّ الأُمَمَ الأُورُوبِّيَّةَ ما وصَلُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى -بَعْدَ عِبادَةِ الأوْثانِ- إلّا بِواسِطَةِ الإنْجِيلِ. . ؟ ! ومَنِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أنَّ الأُمَمَ الكُبْرى -مِن حُدُودِ الشَّرْقِ الأقْصى إلى أقاصِي إفْرِيقِيَّةَ- ما خَرَجُوا عَنْ رِبْقَةِ الوَثَنِيَّةِ، (p-٧٩)وعِبادَةِ النّارِ إلى التَّوْحِيدِ وعِبادَةِ اللَّهِ إلّا بِهِدايَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ ؟ وما تَحَرَّرُوا عَنْ أغْلالِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، والأعْمالِ القَبِيحَةِ، وما وصَلُوا إلى الأخْلاقِ الفاضِلَةِ، والعَقائِدِ الصَّحِيحَةِ إلّا بِنُورِ هَذا السِّفْرِ الكَرِيمِ. . ؟ ! ثُمَّ قالَ: والخُلاصَةُ أنَّ هَذِهِ العَلامَةَ وهي هِدايَةُ النُّفُوسِ، وإيجادُ الدِّيانَةِ الجَدِيدَةِ - بِقَهْرِ الأدْيانِ القَدِيمَةِ، وتَبْدِيلِ العَوائِدِ العَتِيقَةِ - هي العَلامَةُ الظّاهِرَةُ المُمَيَّزَةُ بَيْنَ الكَلِماتِ الإلَهِيَّةِ ! والمُصَنَّفاتِ البَشَرِيَّةِ. حَتّى أنَّ أوَّلَ نَفْسٍ أذْعَنَتْ بِحَقِيقَةِ رِسالَةِ رَسُولٍ، وصِدْقِ شَرِيعَتِهِ، لَوْ لَمْ تَعْرِفْ في نَفْسِها هَذِهِ الهِدايَةَ، ولَمْ تَشْعُرْ في ذاتِها بِهَذِهِ المَغْلُوبِيَّةِ لِما كانَتْ أوَّلَ مَن صَدَّقَهُ ولَبّاهُ، واتَّبَعَهُ وآساهُ، فَإنَّ مَحَبَّةَ الدِّينِ القَدِيمِ المَوْرُوثِ راسِخَةٌ في جَمِيعِ النُّفُوسِ. والخَوْفُ مِن تَبْدِيلِ أرْكانِهِ وآدابِهِ مُتَمَكِّنٌ في أعْماقِ القُلُوبِ. فالهِدايَةُ أظْهَرُ عَلامَةً في صِدْقِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ؛ إذْ هي صِفَةُ الفِعْلِ، ومُرْتَبِطَةٌ بِالدَّعْوَةِ - كالإبْراءِ لِلطِّبِّ، ومَعْرِفَةِ السُّطُوحِ لِلْهَنْدَسَةِ، والبَيْعِ والشِّراءِ لِلتِّجارَةِ، وصُنْعِ الأسِرَّةِ والأبْوابِ وغَيْرِها لِلنِّجارَةِ - .
ثُمَّ قالَ: وإذا تَصَفَّحْتَ القُرْآنَ المَجِيدَ، تَجِدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَدَلَّ بِها في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، ووَصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهُ حُجَّةٌ -بِما أوْدَعَ فِيهِ مِنَ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ- ولا تَرى مَوْضِعًا واحِدًا وصَفَهُ بِأنَّهُ أفْصَحُ الكُتُبِ وأبْلَغُ الصُّحُفِ، فانْظُرْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] أتُرى أنَّ اللَّهَ تَعالى أفْحَمَهم بِقَوْلِهِ: فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أفْصَحُ مِنهُما أوْ أبْلَغُ مِنهُما ؟ وكَذَلِكَ لِما انْتَقَدُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِعَدَمِ صُدُورِ مُعْجِزَةٍ مِنهُ كالمُعْجِزاتِ السّالِفَةِ؛ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ (p-٨٠)فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مَزِيَّةَ القُرْآنِ عَلى سائِرِ المُعْجِزاتِ، وكِفايَتَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِأنَّ فِيهِ الذِّكْرى والرَّحْمَةَ. وقالَ تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وما قالَ فِيهِ فَصاحَةٌ وبَلاغَةٌ يَعْجِزُ عَنْ مِثْلِها جَمِيعُ العالَمِينَ. وذَلِكَ لِأنَّ الفَصاحَةَ والبَلاغَةَ مِنَ الأوْصافِ الخَفِيَّةِ الغامِضَةِ الدَّقِيقَةِ -الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها الأذْواقُ، وتَتَشَعَّبُ فِيها الآراءُ والأنْظارُ- ولَكِنْ ما ظَهَرَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ- بِسَبَبِ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ - مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ عَلى هِدايَةِ الأُمَمِ، وإزالَةِ أسْقامِ أهْلِ العالَمِ، وتَأْسِيسِ الشَّرِيعَةِ الإلْهامِيَّةِ، وإيجادِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ رَغْمًا لِلْأُمَمِ الكُبْرى، ومُبايِنًا لِلدِّياناتِ العُظْمى، أمْرٌ ظاهِرٌ مَحْسُوسٌ، تَصْعُبُ فِيهِ المُناقَشَةُ، ولا تَفِيدُ مَعَهُ المُغالَطَةُ، فَمَنِ الَّذِي يُمْكِنُهُ أنْ يُنْكِرَ أنَّ الأُمَمَ العَظِيمَةَ -كالعَرَبِ والفُرْسِ، والخَزْرِ، والتُّرْكِ، والهُنُودِ، والصِّينِيِّينَ، وأهالِي إفْرِيقِيَّةَ - خَرَجُوا مِن ظُلُماتِ الشِّرْكِ، وعِبادَةِ النّارِ والأوْثانِ، وإنْكارِ الأنْبِياءِ؛ ودَخَلُوا في نُورِ التَّوْحِيدِ، وعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، والإيمانِ بِأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِهِ، بِنُورِ الكِتابِ المُبِينِ. . . !
-كَذا في كِتابِ (الدُّرَرِ البَهِيَّةِ) لِأبِي الفَضائِلِ الإيرانِيِّ- ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرَهُ هو وجْهٌ مَتِينٌ، ولَكِنْ لا يَسُوغُ نَفْيُ ما عَداهُ لِأجْلِهِ، بَلْ يَجْدُرُ أنْ يُضَمَّ إلَيْها، ويَكُونُ في مُقَدِّمَتِها واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ مِن عادَتِهِ تَعالى، في كِتابِهِ، أنْ يَذْكُرَ التَّرْغِيبَ مَعَ التَّرْهِيبِ، ويَشْفَعَ البِشارَةَ بِالإنْذارِ، وهَذا مَعْنى تَسْمِيَةِ القُرْآنِ مَثانِيَ - عَلى الأصَحِّ - وهو أنْ يَذْكُرَ الإيمانَ ويُتْبِعَ بِذِكْرِ الكُفْرِ - أوْ عَكْسِهِ - أوْ حالِ السُّعَداءِ ثُمَّ الأشْقِياءِ - أوْ عَكْسِهِ - وحاصِلُهُ ذِكْرُ الشَّيْءِ ومُقابِلِهِ. والحِكْمَةُ في ذَلِكَ: هي إرادَةُ التَّنْشِيطِ لِاكْتِسابِ ما يَزْلُفُ، والتَّثْبِيطُ عَنِ اقْتِرافِ ما يَتْلَفُ. فَلَمّا ذَكَرَ الكَفّارَ وأعْمالَهم، وأوْعَدَهم بِالعِقابِ، قَفّاهُ بِبِشارَةِ عِبادِهِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ التَّصْدِيقِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي- فَقالَ عَزَّ وجَلَّ:
البقرة 2:25
(p-٨١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ ] ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فِيها خالِدُونَ﴾
"وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ" (البِشارَةُ): الإخْبارُ بِما يُظْهِرُ سُرُورَ المُخْبَرِ بِهِ، ومِنهُ البَشَرَةُ: لِظاهِرِ الجِلْدِ. وتَباشِيرُ الصُّبْحِ ما ظَهَرَ مِن أوائِلِ ضَوْئِهِ. وأمّا "فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ" فَمِنَ العَكْسِ في الكَلامِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِهْزاءُ - الزّائِدُ في غَيْظِ المُسْتَهْزَأِ بِهِ، وتَألُّمِهِ، واغْتِمامِهِ- فَفِيهِ اسْتِعارَةُ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لِلْآخَرِ تَهَكُّمًا وسُخْرِيَةً. و"الصّالِحاتِ" ما اسْتَقامَ مِنَ الأعْمالِ أيْ صَلُحَ لِتَرَتُّبِ الثَّوابِ عَلَيْهِ، وقَدْ أجْمَعَ السَّلَفُ عَلى أنَّ الإيمانَ: قَوْلٌ وعَمَلٌ، يَزِيدُ ويَنْقُصُ. ثُمَّ إنَّهُ إذا أطْلَقَ دَخَلَتْ فِيهِ الأعْمالُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ««الإيمانُ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً -أوْ بِضْعٌ وسَبْعُونَ شُعْبَةً- أعْلاها قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأدْناها إماطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ، والحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ»» .
وإذا عُطِفَ عَلَيْهِ -كَما في هَذِهِ الآيَةِ - فَهُنا، قَدْ يُقالُ: الأعْمالُ دَخَلَتْ فِيهِ، وعُطِفَتْ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقَدْ يُقالُ: لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ، ولَكِنْ مَعَ العَطْفِ -كَما في اسْمِ الفَقِيرِ (p-٨٢)والمِسْكِينِ. إذا أفْرَدَ أحَدَهُما تَناوَلَ الآخَرَ، وإذا عَطَفَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ فَهُما صِنْفانِ - وهَذا التَّفْصِيلُ في الإيمانِ هو كَذَلِكَ في لَفْظِ البِرِّ، والتَّقْوى، والمَعْرُوفِ. وفي الإثْمِ، والعُدْوانِ، والمُنْكَرِ، تَخْتَلِفُ دَلالَتُها في الإفْرادِ والِاقْتِرانِ لِمَن تَدَبَّرَ القُرْآنَ.
وقَدْ بَيَّنَ حَدِيثُ جِبْرِيلَ أنَّ الإيمانَ أصْلُهُ في القَلْبِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ - كَما في المُسْنَدِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - أنَّهُ قالَ: ««الإسْلامُ عَلانِيَةٌ والإيمانُ في القَلْبِ»» .
وقَدْ قالَ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««ألا إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلُحَتْ صَلَحَ لَها سائِرُ الجَسَدِ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ لَها سائِرُ الجَسَدِ، ألا وهي القَلْبُ»» .
فَإذا كانَ الإيمانُ في القَلْبِ، فَقَدْ صَلَحَ القَلْبُ، فَيَجِبُ أنْ يَصْلُحَ سائِرُ الجَسَدِ، فَلِذَلِكَ هو ثَمَرَةُ ما في القَلْبِ. فَلِهَذا قالَ بَعْضُهُمُ: الأعْمالُ ثَمَرَةُ الإيمانِ، وصِحَّتُهُ؛ لِما كانَتْ لازِمَةً لِصَلاحِ (p-٨٣)القَلْبِ، دَخَلَتْ في الِاسْمِ، كَما نَطَقَ بِذَلِكَ الكِتابُ والسُّنَّةُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، هَذا ما أفادَهُ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى "أنَّ لَهم جَنّاتٍ" جَمْعُ (جَنَّةٍ): وهي البُسْتانُ مِنَ النَّخْلِ والشَّجَرِ المُتَكاثِفِ المُظَلِّلِ بِالتِفافِ أغْصانِهِ، وإنَّما سُمِّيَتْ: دارُ الثَّوابِ، بِها مَعَ أنَّ فِيها ما لا يُوصَفُ مِنَ الغُرُفاتِ والقُصُورِ، لِما أنَّها مَناطُ نَعِيمِها، ومُعْظَمُ مَلاذِّها. وجَمْعُها مَعَ التَّنْكِيرِ: لِاشْتِمالِها عَلى جِنانٍ كَثِيرَةٍ في كُلٍّ مِنها مَراتِبُ ودَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفاوُتِ الأعْمالِ وأصْحابِها.
وقَوْلُهُ: "تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ" صِفَةُ جَنّاتٍ، ثُمَّ إنْ أُرِيدَ بِها الأشْجارُ، فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ -أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها-، وإنْ أُرِيدَ بِها مَجْمُوعُ الأرْضِ والأشْجارِ، فاعْتِبارُ التَّحْتِيَّةِ بِالنَّظَرِ إلى الجُزْءِ الظّاهِرِ المُصَحِّحِ لِإطْلاقِ اسْمِ الجَنَّةِ عَلى الكُلِّ، وإنَّما جِيءَ ذِكْرُ الجَنّاتِ -مَشْفُوعًا بِذِكْرِ الأنْهارِ الجارِيَةِ- لِما أنَّ أنْزَهَ البَساتِينِ، وأكْرَمَها مَنظَرًا، ما كانَتْ أشْجارُهُ مُظَلِّلَةً، والأنْهارُ في خِلالِها مُطَّرِدَةٌ، وفي ذَلِكَ النِّعْمَةُ العُظْمى، واللَّذَّةُ الكُبْرى. واللّامُ في الأنْهارِ: لِلْجِنْسِ- كَما في قَوْلِكَ: لِفُلانٍ بُسْتانٌ فِيهِ الماءُ الجارِي- أوْ لِلْعَهْدِ. والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] الآيَةَ.
"كُلَّما رُزِقُوا مِنها" أيْ: أُطْعِمُوا مِن تِلْكَ الجَنّاتِ "مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ" أيْ: مِثْلُ الَّذِي رَزَقْناهُ مِن قَبْلِ هَذا الَّذِي أحْضَرَ إلَيْنا، فالإشارَةُ إلى المَرْزُوقِ في الجَنَّةِ لِتَشابُهِ ثِمارِها. بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ "وأُتُوا بِهِ" - أيْ: أتَتْهُمُ المَلائِكَةُ، والوِلْدانُ (p-٨٤)بِرِزْقِ الجَنَّةِ – "مُتَشابِهًا" يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا لَوْنًا، ويَخْتَلِفُ طَعْمًا، وذَلِكَ أجْلَبُ لِلسُّرُورِ، وأزْيَدُ في التَّعَجُّبِ، وأظْهَرُ لِلْمَزِيَّةِ، وأبْيَنُ لِلْفَضْلِ.
وتَرْدِيدُهم هَذا القَوْلَ، ونُطْقُهم بِهِ - عِنْدَ كُلِّ ثَمَرَةٍ يُرْزَقُونَها- دَلِيلٌ عَلى تَناهِي الأمْرِ في اسْتِحْكامِ الشَّبَهِ، وأنَّهُ الَّذِي يَسْتَمْلِي تَعَجُّبَهم، ويَسْتَدْعِي اسْتِغْرابَهم، ويُفَرِّطُ ابْتِهاجَهم. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ "وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا" مِن نَظْمِ الكَلامِ ؟ قُلْتُ: هو كَقَوْلِكَ: فُلانٌ أحْسَنُ بِفُلانٍ، ونِعْمَ ما فَعَلَ. ورَأى مِنَ الرَّأْيِ كَذا، وكانَ صَوابًا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وما أشْبَهُ ذَلِكَ مِنَ الجُمَلِ الَّتِي تُساقُ في الكَلامِ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّقْرِيرِ "ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ" مِنَ الحَيْضِ والِاسْتِحاضَةِ وما يَخْتَصُّ بِهِنَّ مِنَ الأقْذارِ والأدْناسِ - ويَجُوزُ لِمَجِيئِهِ مُطْلَقًا، أنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ الطُّهْرُ مِن دَنَسِ الطِّباعِ، وسُوءِ الأخْلاقِ وسائِرِ مَثالِبِهِنَّ وكَيْدِهِنَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى "وهم فِيها خالِدُونَ" هَذا هو تَمامُ السَّعادَةِ؛ فَإنَّهم -مَعَ هَذا النَّعِيمِ- في مَقامٍ أمِينٍ مِنَ المَوْتِ والِانْقِطاعِ، فَلا آخِرَ لَهُ ولا انْقِضاءَ. بَلْ في نَعِيمٍ سَرْمَدِيٍّ أبَدِيٍّ عَلى الدَّوامِ. واللَّهُ المَسْؤُولُ أنْ يَحْشُرَنا في زُمْرَتِهِمْ، إنَّهُ البَرُّ الرَّحِيمُ.
ولَمّا ضَرَبَ تَعالى -فِيما تَقَدَّمَ- لِلْمُنافِقِينَ مَثَلَيْنِ: في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: ١٧] إلَخْ. وقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] إلَخْ. إلى أمْثالٍ أُخْرى تَقَدَّمَتْ عَلى نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، مِنَ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ، ضُرِبَتْ لِلْمُشْرِكِينَ - نَبَّهَ تَعالى إلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ بِها، والحِكْمَةِ مِنها، وتَضْلِيلِ مَن لا يُقَدِّرُها قَدْرَها - مِمَّنْ يَتَجاهَلُ عَنْ سِرِّها، ويَتَعامى عَنْ نُورِها، ويَحُولُ دُونَ الِاهْتِداءِ بِها، والأخْذِ بِسَبَبِها -فَقالَ سُبْحانَهُ:
البقرة 2:26
(p-٨٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ ] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾
"إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها" أيْ: يَذْكُرُ مَثَلًا ما. يُقالُ ضَرَبَ مَثَلًا، ذَكَرَهُ، فَيَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ واحِدٍ. أوْ صُيِّرَ، فَلِمَفْعُولَيْنِ.
قالَ أبُو إسْحاقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا﴾ [الكهف: ٣٢] أيِ: اذْكُرْ لَهم. وعِبارَةُ الجَوْهَرِيِّ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أيْ: وصَفَ وبَيَّنَ. وفي شَرْحِ نَظْمِ الفَصِيحِ: ضَرْبُ المَثَلِ: إيرادُهُ لِيَمْتَثِلَ بِهِ، ويَتَصَوَّرَ ما أرادَ المُتَكَلِّمُ بَيانَهُ لِلْمُخاطَبِ. يُقالُ: ضَرَبَ الشَّيْءُ مَثَلًا، وضَرَبَ بِهِ، وتَمَثَّلَهُ، وتَمَثَّلَ بِهِ. ثُمَّ قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: ضَرْبُ المَثَلِ اعْتِبارُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ، وتَمْثِيلُهُ بِهِ. و"ما" هَذِهِ اسْمِيَّةٌ إبْهامِيَّةٌ، وهي الَّتِي إذا اقْتَرَنَتْ بِاسْمٍ نَكِرَةٍ أبْهَمَتْهُ إبْهامًا، وزادَتْهُ شِياعًا وعُمُومًا - كَقَوْلِكَ: أعْطِنِي كِتابًا ما،، تُرِيدُ أيَّ كِتابٍ كانَ -كَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلًا ما مِنَ الأمْثالِ أيَّ مَثَلٍ كانَ. فَهي صِفَةٌ لِما قَبْلَها. أوْ حَرْفِيَّةٌ مَزِيدَةٌ لِتَقْوِيَةِ النِّسْبَةِ وتَوْكِيدِها -كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا حَقًّا، أوِ البَتَّةَ.
(p-٨٦)و"بَعُوضَةً" بَدَلٌ مِن "مَثَلًا". أوْ هُما مَفْعُولا "يَضْرِبُ"؛ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الجَعْلِ والتَّصْيِيرِ. ومَعْنى الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى لا يَتْرُكُ ضَرْبَ المَثَلِ بِالبَعُوضَةِ، تَرْكَ مَن يَسْتَحْيِي أنْ يَتَمَثَّلَ بِها لِحَقارَتِها. أيْ لا يَسْتَصْغِرُ شَيْئًا يَضْرِبُ بِهِ مَثَلًا -ولَوْ كانَ في الحَقارَةِ والصِّغَرِ كالبَعُوضَةِ- كَما لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ خَلْقِها، كَذَلِكَ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ ضَرْتِ المَثَلِ بِها. كَما ضَرَبَ المَثَلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] وقالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أمْثالِ الكِتابِ العَزِيزِ، فَما اسْتَنْكَرَهُ السُّفَهاءُ، وأهْلُ العِنادِ والمِراءِ، واسْتَغْرَبُوهُ مِن أنْ تَكُونَ المُحَقَّراتُ مِنَ الأشْياءِ، ومَضْرُوبًا بِها المَثَلُ- لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِنْكارِ والِاسْتِغْرابِ. مِن قِبَلِ أنَّ التَّمْثِيلَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ لِما فِيهِ مِن كَشْفِ المَعْنى، ورَفْعِ الحِجابِ عَنِ الغَرَضِ المَطْلُوبِ، وإدْناءِ المُتَوَهِّمِ مِنَ المُشاهَدِ. فَإنْ كانَ المُتَمَثِّلُ لَهُ عَظِيمًا، كانَ المُتَمَثِّلُ بِهِ مِثْلَهُ، وإنْ كانَ حَقِيرًا كانَ المُتَمَثِّلُ بِهِ كَذَلِكَ. فَلَيْسَ العِظَمُ والحَقارَةُ في المَضْرُوبِ بِهِ المَثَلُ إذًا، إلّا أمْرًا تَسْتَدْعِيهِ حالُ المُتَمَثَّلِ لَهُ وتَسْتَجِرُّهُ إلى نَفْسِها، فَيَعْمَلُ الضّارِبُ لِلْمَثَلِ عَلى حَسَبِ تِلْكَ القَضِيَّةِ. ألا تَرى إلى الحَقِّ لَمّا كانَ واضِحًا، جَلِيًّا أبْلَجَ، كَيْفَ تَمَثَّلَ لَهُ بِالضِّياءِ والنُّورِ ؟ وإلى الباطِلِ لَمّا كانَ بِضِدِّ صِفَتِهِ، كَيْفَ تَمَثَّلَ لَهُ بِالظُّلْمَةِ ؟ أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
"فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا" شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى ضَرْبِ المَثَلِ مِنَ الحُكْمِ إثْرَ (p-٨٧)تَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ صُدُورِهِ عَنْهُ تَعالى -أيْ: فَأمّا المُؤْمِنُونَ "فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ" كَسائِرِ ما ورَدَ مِنهُ تَعالى- والحَقُّ: هو الثّابِتُ الَّذِي لا يَسُوغُ إنْكارُهُ. وذَلِكَ لِأنَّ التَّمَثُّلَ بِهِ مَسُوقٌ عَلى قَضِيَّةِ مَضْرِبِهِ، ومُحْتَذًى عَلى مِثالِ ما يَسْتَدْعِيهِ - كَما جَعَلَ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ مَثَلَ الآلِهَةِ الَّتِي جَعَلَها الكُفّارُ أنْدادًا لِلَّهِ تَعالى -وجُعِلَتْ أقَلَّ مِنَ الذُّبابِ، وأخَسَّ قَدْرًا، وضُرِبَتْ لَها البَعُوضَةُ فَما دُونَها مَثَلًا؛ لِأنَّهُ لا حالَ أحْقَرُ مِن تِلْكَ الأنْدادِ وأقَلُّ. . . . . . . ! .
فالمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عادَتُهُمُ الإنْصافُ، والعَمَلُ عَلى العَدْلِ والتَّسْوِيَةِ، والنَّظَرُ في الأُمُورِ بِناظِرِ العَقْلِ - إذا سَمِعُوا بِمِثْلِ هَذا التَّمْثِيلِ عَلِمُوا أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا تَمُرُّ الشُّبْهَةُ بِساحَتِهِ، والصَّوابُ الَّذِي لا يَرْتَعُ الخَطَأُ حَوْلَهُ "وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا" مِمَّنْ غَلَبَهُمُ الجَهْلُ عَلى عُقُولِهِمْ، وغَشِيَهم عَلى بَصائِرِهِمْ- فَلا يَتَفَطَّنُونَ، ولا يُلْقُونَ أذْهانَهم، أوْ عَرَفُوا أنَّهُ الحَقُّ، إلّا أنَّ حُبَّ الرِّياسَةِ، وهَوى الإلْفِ والعادَةِ، لا يُخَلِّيهِمْ أنْ يُنْصِفُوا: "فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا" أيْ: فَإذا سَمِعُوهُ عانَدُوا، وكابَرُوا، وقَضَوْا عَلَيْهِ بِالبُطْلانِ، وقابَلُوهُ بِالإنْكارِ، ولا خَفاءَ في أنَّ التَّمْثِيلَ بِالبَعُوضَةِ وبِأحْقَرَ مِنها- مِمّا لا تَغْبِي اسْتِقامَتُهُ وصِحَّتُهُ عَلى مَن بِهِ أدْنى مَسْكَةٍ، ولَكِنْ دَيْدَنُ المَحْجُوجِ المَبْهُوتِ الَّذِي لا يَبْقى لَهُ مُتَمَسِّكٌ بِدَلِيلٍ، ولا مُتَشَبِّثٌ بِأمارَةٍ ولا إقْناعٍ، أنْ يَرْمِيَ لِفَرْطِ الحَيْرَةِ، والعَجْزِ عَنْ إعْمالِ الحِيلَةِ، بِدَفْعِ الواضِحِ، وإنْكارِ المُسْتَقِيمِ، والتَّعْوِيلِ عَلى المُكابَرَةِ والمُغالَطَةِ- إذا لَمْ يَجِدْ سِوى ذَلِكَ مُعَوِّلًا. "يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا" جَوابٌ عَنْ تِلْكَ المَقالَةِ الباطِلَةِ، ورَدَّ لَها بِبَيانِ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى حِكْمَةٍ جَلِيلَةٍ، وغايَةٍ جَمِيلَةٍ، هي كَوْنُهُ ذَرِيعَةً إلى هِدايَةِ المُسْتَعِدِّينَ لِلْهِدايَةِ، وإضْلالِ المُنْهَمِكِينَ في الغِوايَةِ، وقَدَّمَ الإضْلالَ عَلى الهِدايَةِ -مَعَ تَقَدُّمِ حالِ المُهْتَدِينَ عَلى حالِ الضّالِّينَ فِيما قَبْلَهُ، لِيَكُونَ أوَّلُ ما يَقْرَعُ أسْماعَهم مِنَ الجَوابِ أمْرًا فَظِيعًا يَسُوؤُهم، ويُفِتُّ في أعَضادِهِمْ، وهو السِّرُّ في تَخْصِيصِ هَذِهِ الفائِدَةِ بِالذِّكْرِ "وما يُضِلُّ بِهِ" أيْ بِالمَثَلِ أوْ بِضَرْبِهِ "إلّا الفاسِقِينَ" تَكْمِلَةً لِلْجَوابِ والرَّدِّ، وزِيادَةَ تَعْيِينٍ لِمَن أُرِيدَ إضْلالُهم، بِبَيانِ صِفاتِهِمُ القَبِيحَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لَهُ.
البقرة 2:27
(p-٨٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى
[٢٧ ] ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
"الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ" صِفَةٌ لِلْفاسِقِينَ لِلذَّمِّ، و"العَهْدُ" الَّذِي وُصِفُوا بِنَقْضِهِ: هو وصِيَّةُ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ، وأمْرُهُ إيّاهم بِما أمَرَهم بِهِ مِن طاعَتِهِ، ونَهْيُهُ إيّاهم عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِن مَعْصِيَتِهِ في كُتُبِهِ، وعَلى لِسانِ رُسُلِهِ - ونَقْضُهم ذَلِكَ هو تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِهِ: "ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ" عامٌّ في كُلِّ قَطِيعَةٍ لا يَرْضاها اللَّهُ تَعالى: كَقَطْعِ الرَّحِمِ، والإعْراضِ عَنْ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، والتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والكُتُبِ في التَّصْدِيقِ، وسائِرُ ما فِيهِ رَفْضُ خَيْرٍ أوْ تَعاطِي شَرٍّ، فَإنَّهُ يَقْطَعُ ما بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ العَبْدِ مِنَ الوَصْلَةِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ مِن كُلِّ وصْلٍ وفَصْلٍ "ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ" بِالمَنعِ عَنِ الإيمانِ، والِاسْتِهْزاءِ بِالحَقِّ، وقَطْعِ الوُصَلِ الَّتِي بِها نِظامُ العالَمِ وصَلاحُهُ: "أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ" لِأنَّهُمُ اسْتَبْدَلُوا النَّقْضَ بِالوَفاءِ، والقَطْعَ بِالوَصْلِ، والفَسادَ بِالصَّلاحِ، وعِقابَها بِثَوابِها. وهَذِهِ الصِّفاتُ المَسُوقَةُ في الآيَةِ صِفاتُ الكُفّارِ المُبايِنَةِ لِصِفاتِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ الرَّعْدِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ [الرعد: ٢٠] ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ [الرعد: ٢١] الآياتِ -إلى أنْ قالَ-: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]
البقرة 2:28
(p-٨٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى
[٢٨ ] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
"كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ" التِفاتٌ إلى خِطابِ المَذْكُورِينَ، مَبْنِيٌّ عَلى إيرادِ ما عَدَّدَ مِن قَبائِحِهِمُ السّابِقَةِ، لِتَزايُدِ السُّخْطِ المُوجِبِ لِلْمُشافَهَةِ بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ، واسْتِبْعادُهُ، والتَّعْجِيبُ مِنهُ، لِأنَّ مَعَهم ما يَصْرِفُ عَنِ الكُفْرِ، ويَدْعُو إلى الإيمانِ "وكُنْتُمْ أمْواتًا" أجْسامًا لا حَياةَ لَها عَناصِرَ، وأغْذِيَةً، ونُطَفًا، ومُضَغًا مُخَلَّقَةً وغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ -وإطْلاقُ الأمْواتِ عَلى تِلْكَ الأجْسامِ الجَمادِيَّةِ، إمّا حَقِيقَةً- بِناءً عَلى أنَّ المَيِّتَ عادِمُ الحَياةِ مُطْلَقًا. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١] و: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] أوِ اسْتِعارَةً، جَرْيًا عَلى أنَّ إطْلاقَ المَيِّتِ فِيما تَصِحُّ فِيهِ الحَياةُ، لِاجْتِماعِهِما في أنْ لا رُوحَ ولا إحْساسَ. "فَأحْياكُمْ" بِخَلْقِ الأرْواحِ، ونَفَخَها فِيكم. وإنَّما عَطْفُهُ بِالفاءِ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما عَطَفَ عَلَيْهِ، غَيْرُ مُتَراخٍ عَنْهُ، بِخِلافِ البَواقِي "ثُمَّ يُمِيتُكُمْ" عِنْدَما تُقْضى آجالُكم "ثُمَّ يُحْيِيكُمْ" بِالنُّشُورِ، والبَعْثِ، لِلْحِسابِ والجَزاءِ "ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ" -بَعْدَ الحَشْرِ- فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم: إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. فَما أعْجَبَ كُفْرَكم مَعَ عِلْمِكم بِحالَتِكم هَذِهِ. . . !
فَإنْ قِيلَ: إنْ عَلِمُوا أنَّهم كانُوا أمْواتًا فَأحْياهم ثُمَّ يُمِيتُهُمْ، لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ يُحْيِيهِمْ ثُمَّ إلَيْهِ (p-٩٠)يَرْجِعُونَ، فَكَيْفَ نَظَّمَ ما يُنْكِرُونَهُ، مِنَ الإحْياءِ الأخِيرِ والرَّجْعِ، في سِلْكِ ما يَعْتَرِفُونَ بِهِ مِنَ الإحْياءِ الأوَّلِ، والإماتَةِ. . . . ؟
قُلْتُ: تُمَكِّنُهم مِنَ العِلْمِ بِهِما -لِما نَصَبَ لَهم مِنَ الدَّلائِلِ- مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ عِلْمِهِمْ في إزاحَةِ العُذْرِ. سِيَّما وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى ما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِما، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى إحْيائِهِمْ أوَّلًا، قَدَرَ عَلى أنْ يُحْيِيَهم ثانِيًا، فَإنَّ بَدْءَ الخَلْقِ لَيْسَ بِأهْوَنَ عَلَيْهِ مِن إعادَتِهِ. . ! أوِ الخِطابَ، مَعَ أهْلِ الكِتابَيْنِ، وإنْكارَ اجْتِماعِ الكُفْرِ مَعَ القِصَّةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى- إمّا لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتٍ بَيِّناتٍ تَصْرِفُهم عَنِ الكُفْرِ، أوْ عَلى نِعَمٍ جِسامٍ حَقُّها أنْ تُشْكَرَ ولا تُكْفَرَ، أوْ لِإرادَةِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا. فَإنَّ ما عَدَّدَهُ آياتٌ، وهي -مَعَ كَوْنِها آياتٍ- مِن أعْظَمِ النِّعَمِ.
البقرة 2:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩ ] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
"هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا" بَيانُ نِعْمَةٍ أُخْرى مُرَتَّبَةٍ عَلى الأُولى، فَإنَّها خَلْقُهم أحْياءً قادِرِينَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وهَذِهِ خَلْقُ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَقاؤُهم، ويَتِمُّ بِهِ مَعاشُهم، ومَعْنى "لَكُمْ" لِأجْلِكم، ولِانْتِفاعِكم. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ المَخْلُوقَةِ الإباحَةُ حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلى النَّقْلِ عَنْ هَذا الأصْلِ. ولا فَرْقَ بَيْنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها، مِمّا يَنْتَفِعُ بِهِ مِن غَيْرِ ضَرَرٍ. وفي التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ "جَمِيعًا" أقْوى دَلالَةً عَلى هَذا.
﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ: اسْتَوى إلى السَّماءِ أيِ: ارْتَفَعَ. نَقَلَهُ عَنْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، ورَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ. (p-٩١)وقالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: ارْتَفَعَ إلى السَّماءِ. وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ في "ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ": ارْتَفَعَ. رَواهُ أبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في شَرْحِ المُوَطَّأِ، نَقَلَهُ الذَّهَبِيُّ في "كِتابِ العُلُوِّ" . وقَدِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ "ثُمَّ اسْتَوى" عَلى أنَّ خَلْقَ الأرْضِ مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، وكَذَلِكَ الآيَةُ الَّتِي في (حم السَّجْدَةِ) . وقَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ (والنّازِعاتِ): ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] إنَّما يُفِيدُ تَأخُّرَ دُحُوِّها، لا خَلْقَ جِرْمِها، فَإنَّ خَلْقَ الأرْضِ وتَهْيِئَتَها -لِما يُرادُ مِنها- قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ. ودُحُوُّها بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ، والدُّحُوُّ: هو البَسْطُ، وإنْباتُ العُشْبِ مِنها، وغَيْرُ ذَلِكَ. مِمّا فَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ [النازعات: ٣١] الآيَةَ -وكانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ خَرِبَةً وخالِيَةً. عَلى أنَّ "بَعْدَ" تَأْتِي بِمَعْنى "مَعَ"؛ كَقَوْلِهِ: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: مَعَ ذَلِكَ، فَلا إشْكالَ. وتَقْدِيمُ الأرْضِ –هُنا-؛ لِأنَّها أدَلُّ لِشِدَّةِ المُلابَسَةِ والمُباشَرَةِ ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: صَيَّرَهُنَّ، كَما في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَقَضاهُنَّ﴾ [فصلت: ١٢]
(تَنْبِيهٌ) قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: السَّماواتُ السَّبْعُ -المَذْكُورَةُ كَثِيرًا في القُرْآنِ- هي هَذِهِ السَّيّاراتُ السَّبْعُ. وإنَّما خُصَّتْ بِالذِّكْرِ -مَعَ أنَّ السَّيّاراتِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ- لِأنَّها أكْبَرُ السَّيّاراتِ وأعْظَمُها؛ عَلى أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لَمْ يَذْكُرْها في مَوْضِعٍ واحِدٍ -عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ- فَلا يُنافِي ذَلِكَ أنَّها أكْثَرُ مِن سَبْعٍ.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ اللُّغَةِ: إنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُ لَفْظَ سَبْعٍ، وسَبْعِينَ، وسَبْعِمِائَةٍ لِلْمُبالَغَةِ (p-٩٢)فِي الكَثْرَةِ. فالعَدَدُ إذَنْ غَيْرُ مُرادٍ. ومِنهُ آيَةُ: ﴿سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] وآيَةُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] وآيَةُ: ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] واللَّهُ أعْلَمُ.
وذَهَبَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ إلى أنَّ الحَصْرَ في السَّبْعِ حَقِيقِيٌّ، وأنَّ المُرادَ بِهِ العالَمُ الشَّمْسِيُّ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ. وعِبارَتُهُ: إنْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ ما يَعْلُو الأرْضَ -مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ- هو سَماءٌ، فَلِماذا خَصَّصَ تَعالى عَدَدًا هو سَبْعٌ ؟
فالجَوابُ: لا شَكَّ أنَّهُ يُشِيرُ إلى العالَمِ الشَّمْسِيِّ -الَّذِي أحَطْنا الآنَ بِهِ عِلْمًا- وأنَّ حَصْرَ العَدَدِ لا يَدُلُّ عَلى احْتِمالِ وُجُودِ زِيادَةٍ عَنْ سَبْعٍ، لِأنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ، يُخْرِجُ تَطْبِيقَ القُرْآنِ عَلى الفَلَكِ، لِأنَّ العِلْمَ أثْبَتَها سَبْعًا كالقُرْآنِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ فِيهِ احْتِمالُ الزِّيادَةِ -لِأنَّ الجَمْعَ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ العَوالَمِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها- حَتّى يُمْكِنَ أنْ يُقالَ: إنَّ سَبْعًا لِلْمُبالَغَةِ -كَسَبْعِينَ وسَبْعِمِائَةٍ-، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ العَدَدُ سَبْعَةٌ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّهُ قَلِيلٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى العَوالَمِ الَّتِي تُعَدُّ بِالمَلايِينِ -مِثْلَ العالَمِ الشَّمْسِيِّ- ويُؤَيِّدُ الحَصْرَ في هَذا العَدَدِ آيَةُ: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] فَأخْرَجَ الشَّمْسَ لِأنَّها مَرْكَزٌ، (p-٩٣)وأخْرَجَ القَمَرَ لِأنَّهُ تابِعٌ لِلْأرْضِ، ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا سَبْعٌ. . . . . !
قالَ: وبِذَلِكَ تَتَجَلّى الآنَ مُعْجِزَةٌ واضِحَةٌ جَلِيَّةٌ. لِأنَّهُ في عَصْرِ التَّقَدُّمِ والمَدَنِيَّةِ العَرَبِيَّةِ، حِينَما كانَ العِلْمُ ساطِعًا عَلى الأرْضِ بِعُلَماءِ الإسْلامِ، كانَ عُلَماءُ الفَلَكِ لا يَعْرِفُونَ مِنَ السَّيّاراتِ إلّا خَمْسًا -بِأسْمائِها العَرَبِيَّةِ إلى اليَوْمِ- وهي: عُطارِدُ، الزُّهْرَةُ، المِرِّيخُ، المُشْتَرى، زُحَلُ. وكانُوا يُفَسِّرُونَها بِأنَّها هي السَّماواتُ المَذْكُورَةُ في القُرْآنِ. ولَمّا لَمْ يُمْكِنْهُمُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ السَّبْعِ والخَمْسِ، أضافُوا الشَّمْسَ والقَمَرَ لِتَمامِ العَدَدِ. مَعَ أنَّ القُرْآنَ يُصَرِّحُ بِأنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ غَيْرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: ٢] فَلَفْظُ "وسَخَّرَ" دَلِيلٌ يَفْصِلُ تَعْدادَ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَنِ السَّبْعِ السَّماواتِ. ولِذَلِكَ كانَ المُفَسِّرُونَ -الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ الهَيْئَةَ- لا يَرَوْنَ أنْ تُعَدَّ الشَّمْسُ سَماءً، ولا القَمَرُ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ مَسْكُونَةٌ، وأمّا الشَّمْسُ فَنارٌ مُحْرِقَةٌ؛ فَذَهَبُوا -فِي تَفْسِيرِ السَّماواتِ- عَلى تِلْكَ الظُّنُونِ. ولَمّا اكْتُشِفَ بَعْدُ (بِالتِّلِسْكُوبِ) سَيّارٌ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا، دَعَوْهُ: أُورانُوسَ، ثُمَّ سَيّارٌ آخَرُ سَمَّوْهُ: نِبْتُونَ -صارَتْ مَجامِيعُ السَّيّاراتِ سَبْعًا، فَهَذا الِاكْتِشافُ -الَّذِي ظَهَرَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِألْفٍ ومِائَتَيْ سَنَةٍ- دَلَّ عَلى مُعْجِزَةِ القُرْآنِ، ونُبُوَّةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ ﷺ .
ثُمَّ قالَ: وأمّا كَوْنُ السَّماواتِ هي السَّيّاراتُ السَّبْعُ بِدُونِ تَوابِعِها، فَلا يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ، لِأنَّ الأقْمارَ الَّتِي نُثْبِتُها، والنُّجُومَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي مَعَ المِرِّيخِ، يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ تابِعَةً لِلسَّماواتِ السَّبْعِ - لِأنَّها تَعْلُونا- وهي في العالَمِ الشَّمْسِيِّ. وحِينَئِذٍ فالسَّماواتُ السَّبْعُ هي مَجامِيعُ السَّيّاراتِ السَّبْعِ؛ بِمَعْنى: أنَّ مَجْمُوعَةَ زُحَلَ -بِما فِيها هو نَفْسُهُ أيْ مَعَ أقْمارِهِ الثَّمانِيَةِ- تُعَدُّ سَماءً، لِأنَّ فَلَكَها طَبَقَةٌ فَوْقَ طَبَقَةِ فَلَكِ مَجْمُوعَةِ المُشْتَرى، ويَدُلُّ عَلى هَذا (p-٩٤)التَّطْبِيقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] يُشِيرُ إلى أنَّ السَّماءَ الدُّنْيا -أيِ السَّماءُ الَّتِي تَلِي الأرْضَ- فَلَكُ المِرِّيخِ؛ فَهو وما حَوْلَهُ مِنَ النُّجُومِ العَدِيدَةِ الَّتِي تُسَمّى مَصابِيحَ، وتُعْتَبَرُ كُلُّها سَماءً ولَيْسَ السَّيّارُ نَفْسُهُ .. . . ! انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ -مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيها- عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ المُنْطَوِي عَلى الحِكَمِ الفائِقَةِ، والمَصالِحِ اللّائِقَةِ، فَإنَّ عِلْمَهُ عَزَّ وجَلَّ بِجَمِيعِ الأشْياءِ يَسْتَدْعِي أنْ يَخْلُقَ كُلَّ ما يَخْلُقُهُ عَلى الوَجْهِ الرّائِقِ.
ولِما ذَكَرَ تَعالى الحَياةَ والمَوْتَ المُشاهَدَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى القُدْرَةِ عَلى ما اتَّبَعَهُما بِهِ مِنَ البَعْثِ، ثُمَّ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا بِخَلْقِ هَذا الكَوْنِ كُلِّهِ عَلى هَذا النِّظامِ البَدِيعِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِصِفَةِ العِلْمِ- ذَكَرَ ابْتِداءً خَلْقَ هَذا النَّوْعِ البَشَرِيِّ -المُودَعَ مِن صِفَةِ العِلْمِ- ما ظَهَرَ بِهِ فَضْلُهُ بِقَوْلِهِ:
البقرة 2:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ ] ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ أيْ: قَوْمًا يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقالَ (p-٩٥)﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] وقالَ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] وقالَ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: خَلِيفَةٌ مِنكم، لِأنَّهم كانُوا سُكّانَ الأرْضِ، فَخَلَفَهم فِيها آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، وأنْ يُرادَ: خَلِيفَةٌ مِنِّي، لِأنَّ آدَمَ كانَ خَلِيفَةَ اللَّهِ في أرْضِهِ، وكَذَلِكَ كَلُّ نَبِيٍّ: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] والغَرَضُ مِن إخْبارِ المَلائِكَةِ بِذَلِكَ، هو أنْ يَسْألُوا ذَلِكَ السُّؤالَ، ويُجابُوا بِما أُجِيبُوا بِهِ، فَيَعْرِفُوا حِكْمَتَهُ في اسْتِخْلافِهِمْ قَبْلَ كَوْنِهِمْ، صِيانَةً لَهم عَنِ اعْتِراضِ الشُّبْهَةِ في وقْتِ اسْتِخْلافِهِمْ، أوِ الحِكْمَةُ: تَعْلِيمُ العِبادِ المُشاوَرَةَ في أُمُورِهِمْ قَبْلَ أنْ يُقْدِمُوا عَلَيْها، وعَرْضُها عَلى ثِقاتِهِمْ ونُصَحائِهِمْ -وإنْ كانَ هو بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ البالِغَةِ غَنِيًّا عَنِ المُشاوَرَةِ- أوْ تَعْظِيمُ شَأْنِ المَجْعُولِ، وإظْهارُ فَضْلِهِ، بِأنْ بَشَّرَ بِوُجُودِ سُكّانِ مَلَكُوتِهِ، ونَوَّهَ بِذِكْرِهِ في المَلَأِ الأعْلى قَبْلَ إيجادِهِ، ولَقَّبَهُ بِالخَلِيفَةِ.
﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ هَذا تَعَجُّبٌ مِن أنْ يَسْتَخْلِفَ -لِعِمارَةِ الأرْضِ وإصْلاحِها- مَن يُفْسِدُ فِيها، واسْتِعْلامٌ عَنِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ. أيْ: كَيْفَ تَسْتَخْلِفُ هَؤُلاءِ، مَعَ أنَّ (p-٩٦)مِنهم مَن يُفْسِدُ في الأرْضِ ويَسْفِكُ الدِّماءَ ؟ فَإنْ كانَ المُرادُ عِبادَتَكَ، فَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، ونُقَدِّسُ لَكَ -أيْ ولا يَصْدُرُ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ- وهَلّا وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلَيْنا ... ؟ فَقالَ تَعالى مُجِيبًا لَهم "إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ" أيْ: إنَّ لِي حِكْمَةً -فِي خَلْقِ الخَلِيقَةِ- لا تَعْلَمُونَها.
فَإنْ قُلْتَ: مِن أيْنَ عَرَفَ المَلائِكَةُ ذَلِكَ حَتّى تَعَجَّبُوا مِنهُ، وإنَّما هو غَيْبٌ ؟ أُجِيبَ: بِأنَّهم عَرَفُوهُ: إمّا بِعِلْمٍ خاصٍّ، أوْ بِما فَهِمُوهُ مِنَ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ. فَإنَّهُ أخْبَرَهم أنَّهُ يَخْلُقُ هَذا الصِّنْفَ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] أوْ فَهِمُوا مِنَ "الخَلِيفَةِ" أنَّهُ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ النّاسِ، ما يَقَعُ بَيْنَهم مِنَ المَظالِمِ، ويَرْدَعُهم عَنِ المَحارِمِ والمَآثِمِ.
قالَ العَلّامَةُ بُرْهانُ الدِّينِ البِقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وما يُقالُ مِن أنَّهُ كانَ قَبْلَ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، في الأرْضِ خَلْقٌ يَعْصُونَ، قاسَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ حالَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ -كَلامٌ لا أصْلَ لَهُ. بَلْ آدَمُ أوَّلُ ساكِنِيها بِنَفْسِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ أيْ: نُنَزِّهُكَ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِكَ، مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِكَ- عَلى ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْنا مِن فُنُونِ النِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَوْفِيقُنا لِهَذِهِ العِبادَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ أيْ: نَصِفُكَ بِما يَلِيقُ بِكَ -مِنَ العُلُوِّ والعِزَّةِ- ونُنَزِّهُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ. وقِيلَ: المَعْنى نُطَهِّرُ نُفُوسَنا عَنِ الذُّنُوبِ لِأجْلِكَ. كَأنَّهم قابَلُوا الفَسادَ، الَّذِي أعْظَمُهُ الإشْراكُ بِالتَّسْبِيحِ. وسَفْكَ الدِّماءِ الَّذِي هو تَلْوِيثُ النَّفْسِ بِأقْبَحِ الجَرائِمِ، بِتَطْهِيرِ النَّفْسِ عَنِ الآثامِ. لا تَمَدُّحًا بِذَلِكَ، ولا إظْهارًا لِلْمِنَّةِ، بَلْ بَيانًا لِلْواقِعِ
(p-٩٧)تَنْبِيهاتٌ
فِي وُجُوهِ فَوائِدَ مِنَ الآيَةِ
الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى -فِي عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ- يَرْضى لِعَبِيدِهِ أنْ يَسْألُوهُ عَنْ حِكْمَتِهِ في صُنْعِهِ، وما يَخْفى عَلَيْهِمْ مِن أسْرارِهِ في خَلْقِهِ، لا سِيَّما عِنْدَ الحَيْرَةِ. والسُّؤالُ يَكُونُ بِالمَقالِ، ويَكُونُ بِالحالِ، والتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى في إفاضَةِ العِلْمِ بِالمَطْلُوبِ مِن يَنابِيعِهِ الَّتِي جَرَتْ سُنَّتُهُ تَعالى بِأنْ يَفِيضَ مِنها -كالبَحْثِ العِلْمِيِّ، والِاسْتِدْلالِ العَقْلِيِّ، والإلْهامِ الإلَهِيِّ- .
الثّانِي: إذا كانَ مِن أسْرارِ اللَّهِ تَعالى، وحِكَمِهِ، ما يَخْفى عَلى المَلائِكَةِ، فَنَخْنُ أوْلى بِأنْ يَخْفى عَلَيْنا، فَلا مَطْمَعَ لِلْإنْسانِ في مَعْرِفَةِ جَمِيعِ أسْرارِ الخَلِيقَةِ وحُكْمِها، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا. . . . . . . !
الثّالِثُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى المَلائِكَةَ في حَيْرَتِهِمْ، وأجابَهم عَنْ سُؤالِهِمْ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ -بَعْدَ الإرْشادِ- إلى الخُضُوعِ والتَّسْلِيمِ. وذَلِكَ أنَّهُ -بَعْدَ أنْ أخْبَرَهم بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَ- عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ، ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.
الرّابِعُ: تَسْلِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ تَكْذِيبِ النّاسِ، ومُحاجَّتِهِمْ في النُّبُوَّةِ بِغَيْرِ بُرْهانٍ، عَلى إنْكارِ ما أنْكَرُوا، وبُطْلانِ ما جَحَدُوا. فَإذا كانَ المَلَأُ الأعْلى قَدْ مُثِّلُوا عَلى أنَّهم يَخْتَصِمُونَ، ويَطْلُبُونَ البَيانَ والبُرْهانَ، فِيما لا يَعْلَمُونَ، فَأجْدِرْ بِالنّاسِ أنْ يَكُونُوا مَعْذُورِينَ، وبِالأنْبِياءِ أنْ يُعامِلُوهم كَما عامَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ. أيْ: فَعَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ أنْ تَصْبِرَ عَلى هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ، وتُرْشِدَ المُسْتَرْشِدِينَ، وتَأْتِيَ أهْلَ الدَّعْوَةِ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ. وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي يُبَيِّنُ اتِّصالَ هَذِهِ الآياتِ بِما قَبْلَها. وكَوْنَ الكَلامِ لا يَزالُ في مَوْضُوعِ الكِتابِ، وكَوْنَهُ لا رَيْبَ فِيهِ؛ والرَّسُولِ، وكَوْنَهُ يُبَلِّغُ وحْيَ اللَّهِ تَعالى، ويَهْدِي بِهِ عِبادَهُ، واخْتِلافَ النّاسِ فِيها.
(p-٩٨)ومِن خَواصِّ القُرْآنِ الحَكِيمِ الِانْتِقالُ مِن مَسْألَةٍ إلى أُخْرى مُبايِنَةٍ لَها، أوْ قَرِيبَةٍ مِنها، مَعَ كَوْنِ الجَمِيعِ في سِياقِ مَوْضُوعٍ واحِدٍ، -كَذا في تَفْسِيرِ مُفْتِي مِصْرَ- .
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم أوَّلًا عَلى وجْهِ الإجْمالِ والإبْهامِ، أنَّ في الخَلِيفَةِ فَضائِلَ غائِبَةً عَنْهم، لِيَسْتَشْرِفُوا إلَيْها، أبْرَزَ لَهم طَرَفًا مِنها، لِيُعايِنُوهُ جَهْرَةً، ويُظْهِرَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وحِكْمَتِهِ، وتَنْزاحَ شُبْهَتُهم بِالكُلِّيَّةِ، فَقالَ:
البقرة 2:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ ] ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
"وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها" إمّا بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ بِها فِيهِ، أوْ إلْقاءٍ في رُوعِهِ. وآدَمُ: اسْمٌ عِبْرانِيٌّ مُشْتَقٌّ مَن أدَمَهْ، وهي لَفْظَةٌ عِبْرانِيَّةٌ مَعْناها التُّرابُ، لِأنَّهُ جُبِلَ مِن تُرابِ الأرْضِ. كَما أنَّ حَوّاءَ كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ مَعْناها "حَيٌّ"، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَكُونُ أُمَّ الأحْياءِ. والمُرادُ بِالأسْماءِ، أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي هَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي يَتَعارَفُ بِها النّاسُ: إنْسانٌ، ودابَّةٌ، وأرْضٌ، وسَهْلٌ، وبَحْرٌ، وجَبَلٌ، وحِمارٌ، وأشْباهُ ذَلِكَ مِنَ الأُمَمِ وغَيْرِها، وفي التَّوْراةِ مِصْداقُ الآيَةِ: وهو أنَّهُ تَعالى صَوَّرَ مِنَ الأرْضِ كُلَّ حَيَواناتِ البَرِّ، وكُلَّ طُيُورِ السَّماءِ، وأحْضَرَها إلى آدَمَ، لِيَنْظُرَ ما يُسَمِّيها، وكُلُّ ما سَمّاهُ آدَمُ مِن نَفْسٍ حَيَّةٍ، فَهو اسْمُهُ. وسَمّى آدَمُ جَمِيعَ الحَيَواناتِ بِأسامِيها، وجَمِيعَ طُيُورِ السَّماءِ، وجَمِيعَ وُحُوشِ الأرْضِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وفي هَذِهِ الآياتِ العِبْرَةُ لِمَنِ اعْتَبَرَ، والذِّكْرى لِمَنِ ادَّكَرَ، والبَيانُ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، عَمّا أوْدَعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذا القُرْآنِ، مِن لَطائِفِ الحِكَمِ الَّتِي تَعْجِزُ عَنْ أوْصافِها الألْسُنُ؛ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَناؤُهُ، احْتَجَّ فِيها لِنَبِيِّهِ ﷺ، عَلى مَن كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِ، مَن يَهُودِ بَنِي إسْرائِيلَ، بِإطْلاعِهِ إيّاهُ مِن عُلُومِ الغَيْبِ، الَّتِي لَمْ يَكُنْ تَعالى (p-٩٩)أطْلَعَ عَلَيْها مِن خَلْقِهِ إلّا خاصًّا، ولَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا عِلْمَهُ إلّا بِالأنْباءِ والأخْبارِ، لِتَتَقَرَّرَ عِنْدَهم صِحَّةُ نُبُوَّتِهِ، ويَعْلَمُوا أنَّ ما آتاهم بِهِ فَمِن عِنْدِهِ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا كانَ بَعْدَ سُجُودِهِمْ لَهُ، وإنَّما قَدَّمَ هَذا الفَصْلَ عَلى ذاكَ، لِمُناسَبَةِ ما بَيْنَ هَذا المَقامِ، وعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِحِكْمَةِ خَلْقِ الخَلِيفَةِ، حِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ. فَأخْبَرَهم تَعالى بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَ، ولِهَذا ذَكَرَ اللَّهُ هَذا المَقامَ، عَقِيبَ هَذا، لِيُبَيِّنَ لَهم شَرَفَ آدَمَ بِما فُضِّلَ عَلَيْهِمْ في العِلْمِ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾ أيْ: عَرَضَ أهْلَ الأسْماءِ، فالضَّمِيرُ لِلْمُسَمَّياتِ المَدْلُولِ عَلَيْها ضِمْنًا: ﴿فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ أيِ الَّتِي عَلَّمْتُها آدَمَ. وإنَّما اسْتَنْبَأهم، وقَدْ عَلِمَ عَجْزَهم عَنِ الإنْباءِ، تَبْكِيتًا لَهم، وإظْهارًا لِعَجْزِهِمْ عَنْ إقامَةِ ما عَلَّقُوا بِهِ رَجاءَهم مِن أمْرِ الخِلافَةِ، فَإنَّ التَّصَرُّفَ والتَّدْبِيرَ، وإقامَةَ المُعَدِّلَةِ، بِغَيْرِ وُقُوفٍ عَلى مَراتِبِ الِاسْتِعْداداتِ، ومَقادِيرِ الحُقُوقِ، مِمّا لا يَكادُ يُمْكِنُ "إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" أيْ: في زَعْمِكم أنَّكم أحِقّاءُ بِالخِلافَةِ مِمَّنِ اسْتَخْلَفْتُهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ مَقالُكم. والتَّصْدِيقُ كَما يَتَطَرَّقُ إلى الكَلامِ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ، قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُهُ مِنَ الأخْبارِ. فَإنَّ أدْنى مَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ، هو الوُقُوفُ عَلى أسْماءِ ما في الأرْضِ، ولِما اتَّضَحَ لَهم مَوْضِعُ خَطَأِ قِيلِهِمْ، وبَدَتْ لَهم هَفْوَةُ زَلَّتِهِمْ، أنابُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ، وذَلِكَ ما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى:
البقرة 2:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ ] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
"قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ" تَقْدِيسٌ وتَنْزِيهٌ مِنَ المَلائِكَةِ لِلَّهِ تَعالى أنْ يُحِيطَ أحَدٌ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ، إلّا بِما شاءَ. وأنْ يَعْلَمُوا شَيْئًا إلّا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى. واعْتِرافٌ مِنهم بِالعَجْزِ والقُصُورِ عَمّا كُلِّفُوهُ، وأنَّهُ العالِمُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اسْتِعْدادُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما نَحْنُ بِمَعْزِلٍ مِن الِاسْتِعْدادِ لَهُ، مِنَ العُلُومِ الخَفِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِما في الأرْضِ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ خِلافَةِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ (p-١٠٠)إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، ومِن جُمْلَتِهِ تَعْلِيمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هو قابِلٌ لَهُ مِنَ العُلُومِ الكُلِّيَّةِ، والمَعارِفِ الجُزْئِيَّةِ، المُتَعَلِّقَةِ بِالأحْكامِ الوارِدَةِ عَلى ما في الأرْضِ، وبِناءِ أمْرِ الخِلافَةِ عَلَيْها.
البقرة 2:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ ] ﴿قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾
"قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهُمْ" أيْ: أعْلِمْهم "بِأسْمائِهِمُ" الَّتِي عَجَزُوا عَنْ عِلْمِها: ﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ﴾ عَزَّ وجَلَّ تَقْرِيرًا لِما مَرَّ مِنَ الجَوابِ الإجْمالِيِّ واسْتِحْضارًا لَهُ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إيرادُ ما لا تَعْلَمُونَ بِعُنْوانِ الغَيْبِ مُضافًا إلى السَّماواتِ والأرْضِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ كَمالِ شُمُولِ عِلْمِهِ المُحِيطِ، وغايَةِ سِعَتِهِ. مَعَ الإيذانِ بِأنَّ ما ظَهَرَ مِن عَجْزِهِمْ، وعِلْمِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ. وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِما لا تَعْلَمُونَ، فِيما سَبَقَ، ما أُشِيرَ إلَيْهِ هُناكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ فِيهِ مِن دَواعِي الخِلافَةِ ما لا تَعْلَمُونَهُ فِيهِ، هو هَذا الَّذِي عايَنْتُمُوهُ. وفي الآيَةِ تَعْرِيضٌ بِمُعاتَبَتِهِمْ عَلى تَرْكِ الأوْلى، وهو أنْ يَتَوَقَّفُوا مُتَرَصِّدِينَ لِأنْ يُبَيِّنَ لَهم: ﴿وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ لا عَلى "أعْلَمُ"، إذْ هو غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ. أيْ: ما تُظْهِرُونَهُ بِألْسِنَتِكم، وما كُنْتُمْ تُخْفُونَ في أنْفُسِكم.
البقرة 2:34
(p-١٠١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ ] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾
"وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ" لَمّا أنْبَأهم بِأسْماءٍ، وعَلَّمَهم ما لَمْ يَعْلَمُوا، أمَرَهم بِالسُّجُودِ لَهُ، عَلى وجْهِ التَّحِيَّةِ والتَّكْرِمَةِ تَعْظِيمًا لَهُ، واعْتِرافًا بِفَضْلِهِ، واعْتِذارًا عَمّا قالُوا فِيهِ. وهَذِهِ كَرامَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى﴾ أيِ: امْتَنَعَ عَنِ السُّجُودِ "واسْتَكْبَرَ" أيْ: تَكَبَّرَ، وقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ، فالسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ "وكانَ" في سابِقِ عِلْمِ اللَّهِ أوْ صارَ "مِنَ الكافِرِينَ" .
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: لِلنّاسِ في هَذا السُّجُودِ أقْوالٌ: أحَدُها أنَّهُ تَكْرِيمٌ لِآدَمَ، وطاعَةٌ لِلَّهِ، ولَمْ يَكُنْ عِبادَةً لِآدَمَ. وقِيلَ: السُّجُودُ لِلَّهِ، وآدَمُ قِبْلَةٌ، أوِ السُّجُودُ لِآدَمَ تَحِيَّةً، أوِ السُّجُودُ لِآدَمَ عِبادَةً بِأمْرِ اللَّهِ، وفَرْضِهِ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، وجَماعَةٍ مِنَ الأئِمَّةِ: أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ لِآدَمَ، كانَ تَحِيَّةً، ولَمْ يَكُنْ عِبادَةً، وكانَ سُجُودَ تَعْظِيمٍ وتَسْلِيمٍ وتَحِيَّةٍ، لا سُجُودَ صَلاةٍ وعِبادَةٍ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: قالَ أهْلُ العِلْمِ: السُّجُودُ كانَ لِآدَمَ بِأمْرِ اللَّهِ وفَرْضِهِ. وعَلى هَذا إجْماعُ كُلِّ مَن يَسْمَعُ قَوْلَهُ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إلى آدَمَ. وكُلُّ حَرْفٍ لَهُ مَعْنًى، وفَرْقٌ بَيْنَ "سَجَدْتُ لَهُ"، وبَيْنَ "سَجَدْتُ إلَيْهِ" . قالَ تَعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ (p-١٠٢)مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرعد: ١٥] أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ السُّجُودَ لِلْأحْجارِ، والأشْجارِ، والدَّوابِّ مُحَرَّمٌ، وأمّا الكَعْبَةُ، فَيُقالُ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ صَلّى إلى الكَعْبَةِ، ولا يُقالُ صَلّى لِبَيْتِ المَقْدِسِ، ولا لِلْكَعْبَةِ. والصَّوابُ أنَّ الخُضُوعَ بِالقُلُوبِ، والِاعْتِرافَ بِالعُبُودِيَّةِ، لا يُصَلِّي عَلى الإطْلاقِ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وأمّا السُّجُودُ فَشَرِيعَةٌ مِنَ الشَّرائِعِ يَتْبَعُ الأمْرَ. فَلَوْ أمَرَنا سُبْحانَهُ أنْ نَسْجُدَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ، لَسَجَدْنا طاعَةً واتِّباعًا لِأمْرِهِ. فَسُجُودُ المَلائِكَةِ لِآدَمَ عِبادَةٌ لِلَّهِ، وطاعَةٌ، وقُرْبَةٌ يَتَقَرَّبُونَ بِها إلَيْهِ. وهو لِآدَمَ تَشْرِيفٌ وتَعْظِيمٌ وتَكْرِيمٌ. وسُجُودُ إخْوَةِ يُوسُفَ لَهُ تَحِيَّةٌ وسَلامٌ. ولَمْ يَأْتِ أنَّ آدَمَ سَجَدَ لِلْمَلائِكَةِ. بَلْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُّجُودِ إلّا لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وبِالجُمْلَةِ، أهْلُ السُّنَّةِ قالُوا: إنَّهُ سُجُودُ تَعْظِيمٍ وتَكْرِيمٍ وتَحِيَّةٍ لَهُ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: كانَ آدَمُ كالقِبْلَةِ يَسْجُدُ إلَيْهِ، ولَمْ يَسْجُدُوا لَهُ. قالُوا ذَلِكَ هَرَبًا مِن أنْ تَكُونَ الآيَةُ الكَرِيمَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ أهْلَ السُّنَّةِ قالُوا: إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، وصالِحُ البَشَرِ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، واحْتَجُّوا بِسُجُودِ المَلائِكَةِ لِآدَمَ. وخالَفَتِ المُعْتَزِلَةُ في ذَلِكَ وقالَتِ: المَلائِكَةُ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، وسُجُودُ المَلائِكَةِ لِآدَمَ كانَ كالقِبْلَةِ، ويُبْطِلُهُ ما حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ إبْلِيسَ: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢]
الثّانِي: اخْتَلَفُوا في المَلائِكَةِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ، فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ إبْلِيسَ في الأرْضِ. قالَ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: هَذا القَوْلُ لَيْسَ مِن أقْوالِ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ النَّصارى. وقِيلَ: هم جَمِيعُ المَلائِكَةِ، حَتّى جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ. وهَذا قَوْلُ العامَّةِ مِن أهْلِ العِلْمِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ. قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: ومَن قالَ خِلافَهُ فَقَدْ رَدَّ القُرْآنَ بِالكَذِبِ والبُهْتانِ، (p-١٠٣)لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] وهَذا تَأْكِيدٌ لِلْعُمُومِ.
الثّالِثُ: لِلْعُلَماءِ في إبْلِيسَ، هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا ؟ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، واخْتارَهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ، والشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ، وأئِمَّةُ المالِكِيَّةِ، وابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ. قالَ البَغَوِيُّ: هَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ. قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾ فَلَوْلا أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ، لَما تَوَجَّهَ الأمْرُ إلَيْهِ بِالسُّجُودِ، ولَوْ لَمْ يَتَوَجَّهِ الأمْرُ إلَيْهِ بِالسُّجُودِ لَمْ يَكُنْ عاصِيًا، ولَما اسْتَحَقَّ الخِزْيَ والنَّكالَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ، ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، في رِوايَةٍ، والحَسَنُ وقَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأبُو البَقاءِ العُكْبَرِيُّ، والكَواشِيُّ في تَفْسِيرِهِ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] فَهو أصْلُ الجِنِّ، كَما أنَّ آدَمَ أصْلُ الإنْسِ، ولِأنَّهُ خُلِقَ مِن نارٍ، والمَلائِكَةُ خُلِقُوا مِن نُورٍ، ولِأنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً، ولا ذُرِّيَّةَ لِلْمَلائِكَةِ.
قالَ في الكَشّافِ: إنَّما تَناوَلَهُ الأمْرُ، وهو لِلْمَلائِكَةِ خاصَّةً، لِأنَّ إبْلِيسَ كانَ في صُحْبَتِهِمْ، وكانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عِبادَتَهم، فَلَمّا أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ والتَّواضُعِ لَهُ كَرامَةً لَهُ كانَ الجِنِّيُّ الَّذِي مَعَهم أجْدَرَ بِأنْ يَتَواضَعَ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، وصَحَّحَهُ البَغَوِيُّ. وأجابُوا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ الجَنَّةِ.
(p-١٠٤)قالَ ابْنُ القَيِّمِ: الصَّوابُ التَّفْصِيلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وأنَّ القَوْلَيْنِ في الحَقِيقَةِ قَوْلٌ واحِدٌ. فَإنَّ إبْلِيسَ كانَ مَعَ المَلائِكَةِ بِصُورَتِهِ ولَيْسَ مِنهم بِمادَّتِهِ وأصْلِهِ؛ كانَ أصْلُهُ مِن نارٍ، وأصْلُ المَلائِكَةِ مِن نُورٍ. فالنّافِي كَوْنُهُ مِنَ المَلائِكَةِ، والمُثْبِتُ، لَمْ يَتَوارَدا عَلى مَحَلٍّ واحِدٍ. وكَذَلِكَ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ في الفَتاوى المِصْرِيَّةِ: وقِيلَ إنَّ فِرْقَةً مِنَ المَلائِكَةِ خُلِقُوا مِنَ النّارِ. سُمُّوا "جِنًّا"؛ لِاسْتِتارِهِمْ عَنِ الأعْيُنِ، فَإبْلِيسُ كانَ مِنهُمُ. الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] وهو قَوْلُهُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ولَمّا أخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ جَعَلَ لَهُ ذُرِّيَّةً.
سُئِلَ الشَّعْبِيُّ: هَلْ لِإبْلِيسَ زَوْجَةٌ ؟ قالَ: ذَلِكَ عُرْسٌ لَمْ أشْهَدْهُ ! قالَ: ثُمَّ قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ، فَعَلِمْتُ أنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ إلّا مِن زَوْجَةٍ. فَقُلْتُ: نَعَمْ. وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ولا أوْلادٌ، وذُرِّيَّتُهُ أعْوانُهُ مِنَ الشَّياطِينِ.
الرّابِعُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ وقْتَ العِبادَةِ كانَ مُنافِقًا، والثّانِي أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ كَفَرَ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. فَقِيلَ في مَعْنى الآيَةِ: "وكانَ مِنَ الكافِرِينَ" في عِلْمِ اللَّهِ، أيْ كانَ عالِمًا في الأزَلِ أنَّهُ سَيَكْفُرُ. والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ إبْلِيسَ أوَّلُ كافِرٍ بِاللَّهِ. أوْ يُقالُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ صارَ مِنَ الَّذِينَ وافَقُوهُ في الكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ النّاسُ بِأيِّ سَبَبٍ كَفَرَ إبْلِيسُ، لَعَنَهُ اللَّهُ. فَقالَتِ الخَوارِجُ: إنَّما كَفَرَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، وكُلُّ مَعْصِيَةٍ كُفْرٌ. وهَذا قَوْلٌ باطِلٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ الأُمَّةِ. وقالَ آخَرُونَ: كَفَرَ بِتَرْكِ السُّجُودِ لِآدَمَ ومُخالَفَتِهِ أمْرَ اللَّهِ. وقالَ آخَرُونَ: كَفَرَ لِأنَّهُ خالَفَ الأمْرَ الشَّفاهِيَّ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ خاطَبَ المَلائِكَةَ وأمَرَهم بِالسُّجُودِ. ومُخالَفَةُ الأمْرِ الشَّفاهِيِّ أشَدُّ قُبْحًا. وقالَ جُمْهُورُ النّاسِ: كَفَرَ إبْلِيسُ لِأنَّهُ أبى السُّجُودَ واسْتَكْبَرَ وعانَدَ وطَعَنَ، (p-١٠٥)واعْتَقَدَ أنَّهُ مُحِقٌّ في تَمَرُّدِهِ، واسْتَدَلَّ بِـ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [الأعراف: ١٢] كَما يَأْتِي. فَكَأنَّهُ تَرَكَ السُّجُودَ لِآدَمَ. تَسْفِيهًا لِأمْرِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ. وهَذا الكِبْرُ عَبَّرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ»» كَذا في كِتابِ الِاسْتِعاذَةِ لِلْإمامِ ابْنِ مُفْلِحٍ الحَنْبَلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
البقرة 2:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥ ] ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾
﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وخَلَقَ لَهُ زَوْجَةً وأقَرَّهُما في الجَنَّةِ، أباحَهُما الأكْلَ مِنها بِقَوْلِهِ "وكُلا مِنها رَغَدًا" أيْ: أكْلًا واسِعًا. و"حَيْثُ" لِلْمَكانِ المُبْهَمِ، أيْ: أيَّ مَكانٍ مِنَ الجَنَّةِ شِئْتُما. أطْلَقَ لَهُما الأكْلَ مِنَ الجَنَّةِ عَلى وجْهِ التَّوْسِعَةِ البالِغَةِ المُزِيحَةِ لِلْعِلَّةِ. حِينَ لَمْ يُحَظِّرْ عَلَيْهِما بَعْضَ الأكْلِ ولا بَعْضَ المَواضِعِ الجامِعَةِ لِلْمَأْكُولاتِ مِنَ الجَنَّةِ. حَتّى لا يَبْقى لَهُما عُذْرٌ في التَّناوُلِ مِمّا مُنِعا مِنهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أيْ هَذِهِ الحاضِرَةِ مِنَ الشَّجَرِ، أيْ لا تَأْكُلا مِنها، وإنَّما عَلَّقَ النَّهْيَ بِالقُرْبانِ مِنها، مُبالَغَةً في تَحْرِيمِ الأكْلِ، ووُجُوبِ الِاجْتِنابِ عَنْهُ. لِأنَّ القُرْبَ مِنَ الشَّيْءِ مُقْتَضى الأُلْفَةِ. والأُلْفَةُ داعِيَةٌ لِلْمَحَبَّةِ، ومَحَبَّةُ الشَّيْءِ تُعْمِي وتُصِمُّ. فَلا يَرى قَبِيحًا، ولا (p-١٠٦)يَسْمَعُ نَهْيًا، فَيَقَعُ. والسَّبَبُ الدّاعِي إلى الشَّرِّ مَنهِيٌّ عَنْهُ، كَما أنَّ السَّبَبَ المُوَصِّلَ إلى الخَيْرِ مَأْمُورٌ بِهِ. وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ ««العَيْنانِ تَزْنِيانِ»» لِما كانَ النَّظَرُ داعِيًا إلى الأُلْفَةِ، والأُلْفَةُ إلى المَحَبَّةِ، وذَلِكَ مُفْضٍ لِارْتِكابِهِ، فَصارَ النَّظَرُ مَبْدَأ الزِّنا. وعَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ [الإسراء: ٣٢] ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: سَمِعْتُ الشّاشِيَّ في مَجْلِسِ النَّظَرِ يَقُولُ: إذا قِيلَ: لا تَقْرَبْ بِفَتْحِ الرّاءِ، كانَ مَعْناهُ لا تَتَلَبَّسْ بِالفِعْلِ، وإذا كانَ بِضَمِّ الرّاءِ، مَعْناهُ لا تَدْنُ، نَقَلَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ في كِتابِ الِاسْتِعاذَةِ. ونَقَلَ الفَرْقَ المَذْكُورَ بَيْنَهُما أيْضًا السَّيِّدُ مُرْتَضى في شَرْحِ القامُوسِ عَنْ شَيْخِهِ العَلّامَةِ الفاسِيِّ. قالَ: إنَّ أرْبابَ الأفْعالِ نَصُّوا عَلَيْهِ، وظاهِرُ القامُوسِ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَإنَّهُ قالَ: قَرُبَ مِنهُ، كَكَرُمَ، وقَرِبَهُ كَسَمِعَ قُرْبًا وقُرْبانًا، وقِرْبانًا: دَنا، فَهو قَرِيبٌ. لِلْواحِدِ والجَمْعِ. انْتَهى.
(p-١٠٧)لَطِيفَةٌ:
جاءَ في آيَةِ الأعْرافِ "فَكُلا" وهُنا بِالواوِ، لِأنَّ كُلَّ فِعْلٍ عُطِفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ كالشَّرْطِ، وذِكْرُ الشَّيْءِ كالجَزاءِ، عُطِفَ بِالفاءِ دُونَ الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: ٥٨] لَمّا كانَ وُجُودُ الأكْلِ مِنها مُتَعَلِّقًا بِدُخُولِها ذُكِرَ بِالفاءِ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ دَخَلْتُمُوها أكَلْتُمْ مِنها، فالأكْلُ يَتَعَلَّقُ وُجُودُهُ بِوُجُودِ الدُّخُولِ. وقَوْلُهُ في الأعْرافِ: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها﴾ [الأعراف: ١٦١] بِالواوِ دُونَ الفاءِ، لِأنَّهُ مِنَ السُّكْنى، وهو في المَقامِ مَعَ اللُّبْثِ الطَّوِيلِ، والأكْلُ لا يَخْتَصُّ وُجُودُهُ بِوُجُودِهِ، لِأنَّ مَن دَخَلَ بُسْتانًا قَدْ يَأْكُلُ مِنهُ، وإنْ كانَ مُجْتازًا، فَلَمّا لَمْ يَتَعَلَّقِ الثّانِي بِالأوَّلِ تَعَلُّقَ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ، عُطِفَ بِالواوِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَدْ يُرادُ بِـ "اسْكُنِ" الزَمْ مَكانًا دَخَلْتَهُ، ولا تَنْتَقِلْ عَنْهُ، وقَدْ يُرادُ ادْخُلْهُ واسْكُنْ فِيهِ. فَفي البَقَرَةِ، ورَدَ الأمْرُ، بَعْدَ أنْ كانَ آدَمُ في الجَنَّةِ، فَكانَ المُرادُ المُكْثَ، والأكْلُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَجِيءَ بِالواوِ. وفي الأعْرافِ ورَدَ قَبْلَ أنْ دَخَلَ الجَنَّةَ، والمُرادُ الدُّخُولُ والأكْلُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَوَرَدَ بِالفاءِ.
(p-١٠٨)تَنْبِيهٌ:
لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ المَجِيدِ، ولا في السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ تَعْيِينُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ إذْ لا حاجَةَ إلَيْهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ تَعَرُّفَ عَيْنِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، وما لا يَكُونُ مَقْصُودًا، لا يَجِبُ بَيانُهُ. وقَوْلُهُ "مِنَ الظّالِمِينَ" أيْ: مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ ابْنُ مُفْلِحٍ الحَنْبَلِيُّ في كِتابِ الِاسْتِعاذَةِ: قالَ ابْنُ حَزْمٍ: حَمْلُ الأمْرِ عَلى النَّدْبِ، والنَّهْيِ عَلى الكَراهَةِ، يَقَعُ فِيهِ الفُقَهاءُ والأفاضِلُ كَثِيرًا، وهو الَّذِي يَقَعُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يُؤاخَذُونَ بِهِ، وعَلى السَّبِيلِ أكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ. ومَعْنى قَوْلِهِ "فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ" أيْ: ظالِمِينَ لِأنْفُسِكُما، والظُّلْمُ في اللُّغَةِ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَمَن وضَعَ الأمْرَ والنَّهْيَ في مَوْضِعِ النَّدْبِ والكَراهَةِ، فَقَدْ وضَعَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. انْتَهى.
ثُمَّ قالَ: وقالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ في "المِلَلِ والنِّحَلِ": لا بَراءَةَ مِنَ المَعْصِيَةِ أعْظَمُ مِن حالِ مَن ظَنَّ أنَّ أحَدًا لا يَحْلِفُ حانِثًا، وهَكَذا فَعَلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهاهُ اللَّهُ عَنْها ناسِيًا لِنَصِّ القُرْآنِ، ومُتَأوِّلًا وقاصِدًا إلى الخَيْرِ، لِأنَّهُ قَدَّرَ أنَّهُ يَزْدادُ حُظْوَةً عِنْدَ اللَّهِ فَيَكُونُ مَلَكًا مُقَرَّبًا، أوْ خالِدًا فِيما هو فِيهِ أبَدًا، فَأدّاهُ ذَلِكَ إلى خِلافِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وكانَ الواجِبُ أنْ يَحْمِلَ أمْرَ رَبِّهِ عَلى ظاهِرِهِ، لَكِنْ تَأوَّلَ وأرادَ الخَيْرَ فَلَمْ يُصِبْهُ، ولَوْ فَعَلَ هَذا عالِمٌ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ لَكانَ مَأْجُورًا، ولَكِنَّ آدَمَ لَمّا فَعَلَ وأُخْرِجَ عَنِ الجَنَّةِ إلى الدُّنْيا، كانَ بِذَلِكَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ. وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى قاتِلَ الخَطَأِ قاتِلًا، كَما سَمّى العامِدَ، والمُخْطِئُ لَمْ يَعْمِدْ مَعْصِيَةً، وجَعَلَ في مِثْلِ الخَطَأِ عِتْقَ رَقَبَةٍ، وهو لَمْ يَعْمِدْ ذَنْبًا. انْتَهى.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ، وجَماعَةٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ: الصَّوابُ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا قاسَمَهُ عَدُوُّ اللَّهِ أنَّهُ ناصِحٌ، وأكَّدَ كَلامَهُ بِأنْواعٍ مِنَ التَّأْكِيداتِ: أحَدُها القَسَمُ.
والثّانِي الإتْيانُ بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لا فِعْلِيَّةٍ.
والثّالِثُ تَصْدِيرُها بِأداةِ التَّأْكِيدِ.
الرّابِعُ الإتْيانُ بِلامِ التَّأْكِيدِ في الخَبَرِ.
الخامِسُ الإتْيانُ بِهِ اسْمَ فاعِلٍ لا فِعْلًا دالًّا عَلى الحَدَثِ.
السّادِسُ (p-١٠٩)تَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلى العامِلِ فِيهِ. ولَمْ يَظُنَّ آدَمُ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا يَمِينَ غَمُوسٍ، فَظَنَّ صِدْقَهُ، وأنَّهُ إنْ أكَلَ مِنها لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الجَنَّةِ، ورَأى أنَّ الأكْلَ، وإنْ كانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ، فَمَصْلَحَةُ الخُلُودِ أرْجَحُ، ولَعَلَّهُ يَتَأتّى لَهُ اسْتِدْراكُ مَفْسَدَةِ اليَمِينِ في أثْناءِ ذَلِكَ بِاعْتِذارٍ أوْ تَوْبَةٍ، كَما تَجِدُ هَذا التَّأْوِيلَ في نَفْسِ كُلِّ مُؤْمِنٍ أقْدَمَ عَلى مَعْصِيَةٍ. اهـ.
قالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الجَنَّةِ إلّا بِالتَّأْوِيلِ، فالتَّأْوِيلُ لِنَصِّ اللَّهِ أخْرَجَهُ، وإلّا فَهو لَمْ يَقْصِدِ المَعْصِيَةَ، والمُخالَفَةَ، وأنْ يَكُونَ ظالِمًا مُسْتَحِقًّا لِلشَّقاءِ. انْتَهى.
البقرة 2:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦ ] ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾
"فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها" أيْ: أذْهَبَهُما عَنِ الجَنَّةِ، وأبْعَدَهُما. يُقالُ: زَلَّ عَنْ مَرْتَبَتِهِ، وزَلَّ عَنِّي ذاكَ، إذا ذَهَبَ عَنْكَ؛ وزَلَّ مِنَ الشَّهْرِ كَذا. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَأزَلَّهُما، بِتَشْدِيدِ اللّامِ، بِمَعْنى اسْتَزَلَّهُما، مِن قَوْلِكَ زَلَّ الرَّجُلُ في دِينِهِ، إذا هَفا فِيهِ وأخْطَأ، فَأتى ما لَيْسَ لَهُ إتْيانٌ فِيهِ، وأزَلَّهُ غَيْرُهُ إذا سَبَّبَ لَهُ ما يَزِلُّ مِن أجْلِهِ في دِينِهِ أوْ دُنْياهُ. وقُرِئَ "فَأزالَهُما" بِالألِفِ، مِنَ التَّنْحِيَةِ: ﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ مِنَ الرَّغَدِ والنَّعِيمِ والكَرامَةِ "وقُلْنا اهْبِطُوا" أيِ: انْزِلُوا إلى الأرْضِ، خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ والشَّيْطانِ، أوْ خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ خاصَّةً، لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] وجَمَعَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُما أصْلا الإنْسِ، فَكَأنَّهُما الإنْسُ كُلُّهم "بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ" مُتَعادِينَ يَبْغِي بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ: "ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ" مَنزِلٌ ومَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ "ومَتاعٌ" تَمَتُّعٌ بِالعَيْشِ "إلى حِينٍ" أيْ: إلى المَوْتِ.
البقرة 2:37
(p-١١٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٧ ] ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾
"فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ" اسْتَقْبَلَها بِالأخْذِ والقَبُولِ، والعَمَلِ بِها حِينَ عَلِمَها. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهي الكَلِماتُ الَّتِي أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَها مُتَنَصِّلًا بِقِيلِها إلى رَبِّهِ، مُعْتَرِفًا بِذَنْبِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] الآيَةَ، فَدَعا بِها لِكَيْ تَكُونَ عُنْوانًا لَهُ ولِأوْلادِهِ عَلى التَّوْبَةِ "فَتابَ عَلَيْهِ" فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ والقَبُولِ، وتَجاوَزَ عَنْهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ" في الجَمْعِ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وعْدٌ لِلتّائِبِ بِالإحْسانِ مَعَ العَفْوِ.
البقرة 2:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ ] ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
"قُلْنا" لِآدَمَ وحَوّاءَ "اهْبِطُواْ مِنها" مِنَ الجَنَّةِ "جَمِيعًا" ثُمَّ ذَكَرَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ فَقالَ "فَإمّا" بِإدْغامِ نُونِ "إنِ" الشَّرْطِيَّةِ في "ما" الزّائِدَةِ "يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى" كِتابٌ أُنْزِلُهُ عَلَيْكم، ورَسُولٌ أبْعَثُهُ إلَيْكم "فَمَن تَبِعَ هُدايَ" أقْبَلَ عَلى الهُدى وقَبِلَ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في الآخِرَةِ بِأنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ.
البقرة 2:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩ ] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بِالكِتابِ والرَّسُولِ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لا يَمُوتُونَ ولا يَخْرُجُونَ.
(p-١١١)تَنْبِيهٌ:
إنَّما كَرَّرَ الأمْرَ بِالهُبُوطِ لِلتَّأْكِيدِ والإيذانِ بِتَحَتُّمِ مُقْتَضاهُ. وتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ. أوْ لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ. فَإنَّ الأوَّلَ دَلَّ عَلى أنَّ هُبُوطَهم إلى دارِ بَلِيَّةٍ يَتَعادُّونَ فِيها ولا يَخْلُدُونَ. والثّانِي أشْعَرَ بِأنَّهم أُهْبِطُوا لِلتَّكْلِيفِ. فَمَنِ اتَّبَعَ الهُدى نَجا، ومَن ضَلَّهُ هَلَكَ.
فَوائِدُ:
الأُولى:
ذَهَبَ كَثِيرُونَ إلى أنَّ الجَنَّةَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَتْ في الأرْضِ. قالَ بَعْضُهم: هي عَلى رَأْسِ جَبَلٍ بِالمَشْرِقِ تَحْتَ خَطِّ الِاسْتِواءِ. وحَمَلُوا الهُبُوطِ عَلى الِانْتِقالِ مِن بُقْعَةٍ إلى بُقْعَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ: لَوْ كانَتْ هي دارَ الثَّوابِ، لَكانَتْ جَنَّةَ الخُلْدِ، ولَوْ كانَ آدَمُ في جَنَّةِ الخُلْدِ، لَما لَحِقَهُ الغُرُورُ مِنَ الشَّيْطانِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] ولَما صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]
وثانِيها: أنَّ مَن دَخَلَ هَذِهِ الجَنَّةَ لا يَخْرُجُ مِنها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]
(p-١١٢)وثالِثُها: لا نِزاعَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الأرْضِ، ولَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ القِصَّةِ أنَّهُ نَقَلَهُ إلى السَّماءِ، ولَوْ كانَ تَعالى قَدْ نَقَلَهُ إلى السَّماءِ، لَكانَ ذَلِكَ أوْلى بِالذِّكْرِ، لِأنَّ نَقْلَهُ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ. وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ المُرادَ مِنَ الجَنَّةِ غَيْرُ جَنَّةِ الخُلْدِ.
ورابِعُها: رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««سَيَحانُ وجِيحانُ والفُراتُ والنِّيلُ، كُلٌّ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ»» .
قالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: أكْثَرُ النّاسِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالجَنَّةِ الَّتِي أسْكَنَها آدَمَ جَنَّةَ الخُلْدِ، دارَ الثَّوابِ. ثُمَّ قالَ: قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ومَن قالَ إنَّها جَنَّةٌ في الأرْضِ بِالهِنْدِ أوْ جُدَّةَ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهو مِنَ المُلْحِدَةِ المُبْتَدِعِينَ. والكِتابُ والسُّنَّةُ يَرِدانِ هَذا القَوْلَ. وقَدِ اسْتَوْفى الكَلامُ فِيها في " مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ " وكِتابِ " حادِي الأرْواحِ إلى بِلادِ الأفْراحِ " .
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ النّاسُ أنَّ الشَّيْطانَ كانَ مُتَوَلِّيًا إغْواءَ آدَمَ، واخْتُلِفَ في الكَيْفِيَّةِ. فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ العُلَماءِ: أغْواهُما مُشافَهَةً، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] ومُقاسَمَتُهُ لَهُما (p-١١٣)﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] والمُقاسَمَةُ ظاهِرُها المُشافَهَةُ، ومِنهم مَن قالَ: كانَ ذَلِكَ بِالوَسْوَسَةِ، كَما قالَ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] فَإغْواؤُهُ إغْراؤُهُ بِوَسْواسِهِ وسُلْطانِهِ الَّذِي جَعَلَ لَهُ، كَما قالَ ﷺ: ««إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ»» .
وزَعَمُوا أنَّ الشَّيْطانَ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ إلى آدَمَ بَعْدَ ما أُخْرِجَ مِنها. والوَسْوَسَةُ: لُغَةً، حَدِيثُ النَّفْسِ والأفْكارِ. وحَدِيثُ الشَّيْطانِ بِما لا نَفْعَ فِيهِ ولا خَيْرَ، والكَلامُ الخَفِيُّ. وظاهِرُ الآياتِ يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ:
لَمْ يُسَمَّ الشَّيْطانُ في الآيَةِ، إذْ لا حاجَةَ ماسَّةً إلى اسْمِهِ، كَما تَقَدَّمَ في الشَّجَرَةِ.
ولَمّا قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى دَعْوَةَ النّاسِ عُمُومًا، وذَكَرَ مَبْدَأهم - دَعا بَنِي إسْرائِيلَ خُصُوصًا، وهُمُ اليَهُودُ، لِأنَّهم كانُوا أوْلى النّاسِ بِالإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ، وقَدْ جَرى الكَلامُ مَعَهم (مِن هُنا إلى الآيَةِ رَقْمِ ١٤٢) فَتارَةً دَعاهم بِالمُلاطَفَةِ، وذِكْرِ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ. وتارَةً بِالتَّخْوِيفِ، وتارَةً بِإقامَةِ الحُجَّةِ وتَوْبِيخِهِمْ عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ، وذِكْرِ عُقُوباتِهِمُ الَّتِي عاقَبَهم بِها، كَما سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ، فَقالَ تَعالى:
البقرة 2:40
(p-١١٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٠ ] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾
"يا بَنِي إسْرائِيلَ" أيْ أوْلادُ يَعْقُوبَ. وقَدْ هَيَّجَهم تَعالى بِذِكْرِ أبِيهِمْ إسْرائِيلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا بَنِي العَبْدِ الصّالِحِ المُطِيعِ لِلَّهِ، كُونُوا مِثْلَ أبِيكم، كَما تَقُولُ: يا ابْنَ الكَرِيمِ، افْعَلْ كَذا، ويا ابْنَ العالِمِ، اطْلُبِ العِلْمَ، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: نِعَمُهُ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ: اصْطِفاؤُهُ مِنهُمُ الرُّسُلَ، وإنْزالُهُ عَلَيْهِمُ الكُتُبَ، واسْتِنْقاذُهُ إيّاهم مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ البَلاءِ والضَّرّاءِ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، إلى التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ، وتَفْجِيرُ عُيُونِ الماءِ مِنَ الحَجَرِ، وإطْعامُ المَنِّ والسَّلْوى، فَأمَرَ جَلَّ ثَناؤُهُ أعْقابَهم أنْ يَكُونَ ما سَلَفَ مِنهُ إلى آبائِهِمْ عَلى ذِكْرٍ، وأنْ لا يَنْسَوْا صَنِيعَهُ إلى أسْلافِهِمْ وآبائِهِمْ، فَيَحِلُّ بِهِمْ مِنَ النِّقَمِ، ما أحَلَّ بِمَن نَسِيَ نِعَمَهُ عِنْدَهُ مِنهم وكَفْرَها، وجَحَدَ صَنائِعَهُ عِنْدَهُ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ العَهْدُ هو المِيثاقُ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [المائدة: ١٢] الآيَةَ. فَعَهْدُ اللَّهِ هو وصِيَّتُهُ لَهم، بِما ذَكَرَ في الآيَةِ. ومِنها: الإيمانُ بِرُسُلِهِ المُتَناوِلُ لِخاتَمِهِمْ (p-١١٥)عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ. وعَهْدُهُ تَعالى إيّاهم، هو أنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ اخْشَوْنِي واتَّقُوا، أيُّها المُضَيِّعُونَ عَهْدِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُكَذِّبُونَ رَسُولِي الَّذِي أخَذْتُ مِيثاقَكم فِيما أنْزَلْتُ عَلى أنْبِيائِي أنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وتَتَّبِعُوهُ، أنْ أُحِلَّ بِكم مِن عُقُوبَتِي إنْ لَمْ تَتُوبُوا إلَيَّ بِاتِّباعِهِ والإقْرارِ بِما أنْزَلْتُ إلَيْهِ، ما أحْلَلْتُ بِمَن خالَفَ أمْرِي، وكَذَّبَ رُسُلِي مِن أسْلافِكم.
البقرة 2:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ ] ﴿وآمِنُوا بِما أنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾
"وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ" أيْ: مِنَ القُرْآنِ: "مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ" أيْ: مُوافِقًا بِالتَّوْحِيدِ، وصِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونَعْتِهُ، وبَعْضِ الشَّرائِعِ، لِما مَعَكم مِنَ الكِتابِ -كَما في التَّنْوِيرِ- قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أمَرَهم بِالتَّصْدِيقِ بِالقُرْآنِ، وأخْبَرَهم أنَّ في تَصْدِيقِهِمْ بِالقُرْآنِ تَصْدِيقًا مِنهم لِلتَّوْراةِ؛ لِأنَّ الَّذِي في القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ بِالإقْرارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَصْدِيقِهِ واتِّباعِهِ، نَظِيرُ الَّذِي مِن ذَلِكَ في الإنْجِيلِ والتَّوْراةِ. فَفي تَصْدِيقِهِمْ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ، تَصْدِيقٌ مِنهم لِما مَعَهم مِنَ التَّوْراةِ. وفي تَكْذِيبِهِمْ بِهِ تَكْذِيبٌ مِنهم لِما مَعَهم مِنَ التَّوْراةِ. انْتَهى.
وتَقْيِيدُ المُنَزَّلِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، فَإنَّ إيمانَهم بِما مَعَهم مِمّا يَقْتَضِي الإيمانَ بِما يُصَدِّقُهُ قَطْعًا.
تَنْبِيهٌ:
كَثِيرًا ما يَسْتَدِلُّ مُجادِلَةُ أهْلِ الكِتابِ عَلى عَدَمِ تَحْرِيفِ كُتُبِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها، كَآيَةِ: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠١] وآيَةِ: ﴿ولَكِنْ (p-١١٦)تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يونس: ٣٧] وغَيْرِهِما. مَعَ أنَّهُ ثَبَتَ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ ذَهابُ قَدْرٍ كَبِيرٍ مِن كُتُبِهِمْ، واخْتِلاطُ حَقِّها بِباطِلِها فِيما بَقِيَ، كَما صُنِّفَتْ في ذَلِكَ مُصَنَّفاتٌ عِدَّةٌ، وقَدْ رُدَّ اسْتِدْلالُهم بِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها عَلى ما ادَّعُوهُ، بِأنَّ مَعْنى كَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، ما ذَكَرْناهُ قَبْلُ في تَأْوِيلِها؛ وحاصِلُهُ أنَّ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ هو طِبْقُ ما عِنْدَهم مِن حَقِّيَّةِ نُبُوَّتِهِ، وصِحَّةِ البَشائِرِ عَنْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠١] أيْ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ طِبْقَ ما عِنْدَهم عَنْهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، بِمَعْنى أنَّ أحْوالَهُ جَمِيعًا تُوافِقُ البَشائِرَ.
﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ يَعْنِي مِن جِنْسِكم أهْلِ الكِتابِ، بَعْدَ سَماعِكم بِمَبْعَثِهِ. فالأوَّلِيَّةُ نِسْبِيَّةٌ، فَإنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ أوَّلُ بَنِي إسْرائِيلَ خُوطِبُوا بِالقُرْآنِ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وبِصِفَتِهِ، ولِأنَّهم كانُوا المُبَشِّرِينَ بِزَمانِ مَن أوْحى إلَيْهِ، والمُسْتَفْتِحِينَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، وكانُوا يُعِدُّونَ أتْباعَهُ أوَّلَ النّاسِ كُلِّهِمْ، فَلَمّا بُعِثَ كانَ أمْرُهم عَلى العَكْسِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]
﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: لا تَعْتاضُوا عَنِ الإيمانِ بِآياتِي وتَصْدِيقِ رَسُولِي، بِالدُّنْيا وشَهَواتِها، فَإنَّها قَلِيلَةٌ فانِيَةٌ، فالِاشْتِراءُ اسْتِعارَةٌ لِلِاسْتِبْدالِ ﴿وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ بِالإيمانِ واتِّباعِ الحَقِّ، والإعْراضِ عَنْ حُطامِ الدُّنْيا.
البقرة 2:42
(p-١١٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢ ] ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٤٣ ] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]
﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] اللَّبْسُ الخَلْطُ، وقَدْ يَلْزَمُهُ الِاشْتِباهُ بَيْنَ المُخْتَلِطِينَ. والمَعْنى لا تَخْلِطُوا الحَقَّ المُنَزَّلَ بِالباطِلِ الَّذِي يَخْتَرِعُونَهُ أوْ يَذْكُرُونَهُ في تَأْوِيلِهِ حَتّى يُشْتَبَهَ أحَدُهُما بِالآخَرِ، وقَوْلُهُ "وتَكْتُمُوا" مَجْزُومٌ داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَّهْيِ. وتَكْرِيرُ الحَقِّ، لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ إذْ في التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الحَقِّ، ما لَيْسَ في ضَمِيرِهِ، والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ؛ إذِ الجاهِلُ عَسى يُعْذَرُ، وقَوْلُهُ "وأقِيمُوا الصَّلاةَ" الآيَةَ، أمْرٌ بِلُزُومِ الشَّرائِعِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، وذَلِكَ إقامَةُ الصَّلاةِ بِأدائِها بِفُرُوضِها، والمُحافَظَةِ عَلَيْها. وإعْطاءِ الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، والرُّكُوعِ لِلَّهِ، أيِ: الخُضُوعُ لِأوامِرِهِ بِإطاعَتِها.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ، لِمَن ذَكَرَ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ ومُنافِقِيها بِالإنابَةِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ، وبِإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، والدُّخُولِ مَعَ المُسْلِمِينَ في الإسْلامِ، والخُضُوعِ لَهُ بِالطّاعَةِ، ونَهْيٌ مِنهُ لَهم عَنْ كِتْمانِ ما قَدْ عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَعْدَ تَظاهُرِ حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ، وبَعْدَ الإعْذارِ لَهم والإنْذارِ. وبَعْدَ تَذْكِيرِهِ نِعَمَهُ إلَيْهِمْ، وإلى أسْلافِهِمْ تَعَطُّفًا مِنهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وإبْلاغًا إلَيْهِمْ في المَقْدِرَةِ. اهـ.
وقَدْ قِيلَ في قَوْلِهِ: "وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ" حَثٌّ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ لِما فِيها مِن تَظاهُرِ النُّفُوسِ في المُناجاةِ.
البقرة 2:43
(p-١١٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢ ] ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٤٣ ] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]
﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] اللَّبْسُ الخَلْطُ، وقَدْ يَلْزَمُهُ الِاشْتِباهُ بَيْنَ المُخْتَلِطِينَ. والمَعْنى لا تَخْلِطُوا الحَقَّ المُنَزَّلَ بِالباطِلِ الَّذِي يَخْتَرِعُونَهُ أوْ يَذْكُرُونَهُ في تَأْوِيلِهِ حَتّى يُشْتَبَهَ أحَدُهُما بِالآخَرِ، وقَوْلُهُ "وتَكْتُمُوا" مَجْزُومٌ داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَّهْيِ. وتَكْرِيرُ الحَقِّ، لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ إذْ في التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الحَقِّ، ما لَيْسَ في ضَمِيرِهِ، والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ؛ إذِ الجاهِلُ عَسى يُعْذَرُ، وقَوْلُهُ "وأقِيمُوا الصَّلاةَ" الآيَةَ، أمْرٌ بِلُزُومِ الشَّرائِعِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، وذَلِكَ إقامَةُ الصَّلاةِ بِأدائِها بِفُرُوضِها، والمُحافَظَةِ عَلَيْها. وإعْطاءِ الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، والرُّكُوعِ لِلَّهِ، أيِ: الخُضُوعُ لِأوامِرِهِ بِإطاعَتِها.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ، لِمَن ذَكَرَ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ ومُنافِقِيها بِالإنابَةِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ، وبِإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، والدُّخُولِ مَعَ المُسْلِمِينَ في الإسْلامِ، والخُضُوعِ لَهُ بِالطّاعَةِ، ونَهْيٌ مِنهُ لَهم عَنْ كِتْمانِ ما قَدْ عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَعْدَ تَظاهُرِ حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ، وبَعْدَ الإعْذارِ لَهم والإنْذارِ. وبَعْدَ تَذْكِيرِهِ نِعَمَهُ إلَيْهِمْ، وإلى أسْلافِهِمْ تَعَطُّفًا مِنهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وإبْلاغًا إلَيْهِمْ في المَقْدِرَةِ. اهـ.
وقَدْ قِيلَ في قَوْلِهِ: "وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ" حَثٌّ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ لِما فِيها مِن تَظاهُرِ النُّفُوسِ في المُناجاةِ.
البقرة 2:44
(p-١١٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ ] ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
"أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ" أيْ: بِما فِيهِ لِلَّهِ رِضًا مِنَ القَوْلِ أوِ الفِعْلِ. وجِماعُ البِرِّ كُلُّ ما فِيهِ طاعَةٌ لِلَّهِ تَعالى. والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ مَعَ التَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ: "وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ" أيْ: تَتْرُكُونَها مِنَ البَرِّ كالمَنسِيّاتِ. والمَعْنى تُخالِفُونَ ما تَأْمُرُونَ بِهِ مِن ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ. وقَوْلُهُ "وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ" تَبْكِيتٌ مِثْلُ قَوْلِهِ "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" يَعْنِي تَتْلُونَ التَّوْراةَ، وفِيها الوَعِيدُ عَلى الخِيانَةِ وتَرْكِ البِرِّ ومُخالَفَةِ القَوْلِ العَمَلَ. "أفَلا تَعْقِلُونَ" تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ بِمَعْنى أفَلا تَفْطِنُونَ لِقُبْحِ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَصُدَّكُمُ اسْتِقْباحُهُ عَنِ ارْتِكابِهِ وكَأنَّكم في ذَلِكَ مَسْلُوبُوا العُقُولِ، لِأنَّ العُقُولَ تَأْباهُ وتَدْفَعُهُ.
رَوى الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: إنِّي لَأكْرَهُ القَصَصَ لِثَلاثِ آياتٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وقَوْلِهِ إخْبارًا عَنْ شُعَيْبٍ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]
البقرة 2:45
(p-١١٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥ ] ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾
"واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ" أيْ: عَلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ "والصَّلاةِ" أيِ الَّتِي سِرُّها خُشُوعُ القَلْبِ لِلرَّبِّ. فَإنَّها مِن أكْبَرِ العَوْنِ عَلى الثَّباتِ في الأمْرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ: اسْتَعِينُوا عَلى الوَفاءِ بِعَهْدِيِ الَّذِي عاهَدْتُمُونِي في كِتابِكم مِن طاعَتِي واتِّباعِ أمْرِي وتَرْكِ ما تَهْوَوْنَهُ مِنَ الرِّياسَةِ وحُبِّ الدُّنْيا إلى ما تَكْرَهُونَهُ مِنَ التَّسْلِيمِ لِأمْرِي، واتِّباعِ رَسُولِي مُحَمَّدٍ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، والصَّلاةِ. فالآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها. كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِما شَقَّ عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ وتَرْكِ الرِّياسَةِ والإعْراضِ عَنِ المالِ عُولِجُوا بِذَلِكَ "وإنَّها" الضَّمِيرُ لِلصَّلاةِ. وتَخْصِيصُها بِرَدِّ الضَّمِيرِ إلَيْها لِعِظَمِ شَأْنِها واشْتِمالِها عَلى ضُرُوبٍ مِنَ الصَّبْرِ؛ وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِهِما "لَكَبِيرَةٌ" لَشاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾
البقرة 2:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦ ] ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أيْ مَحْشُورُونَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ. والظَّنُّ (p-١٢٠)هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، ومِثْلُهُ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ قَدْ تُسَمِّي اليَقِينَ ظَنًّا، نَظِيرَ تَسْمِيَتِهِمُ الظُّلْمَةَ سُدْفَةً، والضِّياءَ سُدْفَةً، والمُغِيثَ صارِخًا، والمُسْتَغِيثَ صارِخًا، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي يُسَمّى بِها الشَّيْءُ وضِدُّهُ.
والشَّواهِدُ عَلى ذَلِكَ مِن أشْعارِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصَرَ: ﴿وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ فَيُجازِيهِمْ.
البقرة 2:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧ ] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ كَرَّرَ التَّذْكِيرَ لِلتَّأْكِيدِ ولِرَبْطِ ما بَعْدَهُ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِهِ "وأنِّي فَضَّلْتُكُمْ" عَطْفٌ عَلى نِعْمَتِي، عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ لِكَمالِهِ. أيْ: فَضَّلْتُ آباءَكم "عَلى العالَمِينَ" أيْ عالَمِي زَمانِهِمْ بِإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِمْ، وإرْسالِ الرُّسُلِ فِيهِمْ وجَعْلِهم مُلُوكًا، وهم آباؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَعْدَهُ قَبْلَ أنْ يُغَيِّرُوا، وتَفْضِيلُ الآباءِ شَرَفُ الأبْناءِ.
البقرة 2:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ ] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾
"واتَّقُوا يَوْمًا" يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ أيْ: حِسابُهُ أوْ عَذابُهُ "لا تَجْزِي" فِيهِ "نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا" أيْ لا تَقْضِي عَنْها شَيْئًا مِنَ الحُقُوقِ. فانْتِصابُ "شَيْئًا" عَلى المَفْعُولِيَّةِ. أوْ شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ. وإيرادُهُ مُنْكَرًا مَعَ تَنْكِيرِ النَّفْسِ لِلتَّعْمِيمِ والإقْناطِ الكُلِّيِّ (p-١٢١)﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ﴾ لا يُقْبَلُ "مِنها عَدْلٌ" أيْ: فِدْيَةٌ "ولا هم يُنْصَرُونَ" يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وجُمِعَ لِدَلالَةِ النَّفْسِ المُنَكَّرَةِ عَلى النُّفُوسِ الكَثِيرَةِ، وذُكِّرَ لِمَعْنى العِبادِ أوِ الأناسِيِّ.
(تَنْبِيهٌ) تَمَسَّكَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ لا تُقْبَلُ لِلْعُصاةِ؛ لِأنَّهُ نَفى أنْ تَقْضِيَ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ حَقًّا أخَلَّتْ بِهِ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ، ثُمَّ نَفى أنْ يُقْبَلَ مِنها شَفاعَةُ شَفِيعٍ، فَعَلِمَ أنَّها لا تُقْبَلُ لِلْعُصاةِ.
والجَوابُ: أنَّها خاصَّةٌ بِالكُفّارِ. ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الخِطابَ مَعَهم كَما قالَ: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وكَما قالَ عَنْ أهْلِ النّارِ: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١] فَمَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يَقْبَلُ فِيمَن كَفَرَ بِهِ فِدْيَةً ولا شَفاعَةً، ولا يُنْقِذُ أحَدًا مِن عَذابِهِ مُنْقِذٌ، ولا يَخْلُصُ مِنهُ أحَدٌ.
وفِي الِانْتِصافِ: مَن جَحَدَ الشَّفاعَةَ فَهو جَدِيرٌ أنْ لا يَنالَها. وأمّا مَن آمَنَ بِها وصَدَّقَها؛ وهم أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، فَأُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ، ومُعْتَقَدُهم أنَّها تَنالُ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وإنَّما ادُّخِرَتْ لَهم. ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ لِمُنْكِرِيها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ "يَوْمًا" أخْرَجَهُ مُنَكَّرًا، ولا شَكَّ أنَّ في القِيامَةِ مَواطِنَ، ويَوْمُها مَعْدُودٌ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. فَبَعْضُ أوْقاتِها لَيْسَ زَمانًا لِلشَّفاعَةِ. وبَعْضُها هو الوَقْتُ المَوْعُودُ، وفِيهِ المَقامُ المَحْمُودُ لِسَيِّدِ البَشَرِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ. وقَدْ ورَدَتْ آيٌ كَثِيرَةٌ تُرْشِدُ إلى تَعَدُّدِ أيّامِها واخْتِلافِ أوْقاتِها. مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] (p-١٢٢)فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الآيَتَيْنِ عَلى يَوْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ووَقْتَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ: أحَدُهُما مَحَلٌّ لِلتَّناوُلِ، والآخَرُ لَيْسَ مَحَلًّا لَهُ، وكَذَلِكَ الشَّفاعَةُ، وأدِلَّةُ ثُبُوتِها لا تُحْصى كَثْرَةً، رَزَقَنا اللَّهُ الشَّفاعَةَ، وحَشَرَنا في زُمْرَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ.
البقرة 2:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ ] ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾
﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ تَذْكِيرٌ لِتَفاصِيلِ ما أجْمَلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧] مِن فُنُونِ النَّعْماءِ. أيْ: واذْكُرُوا وقْتَ تَنْجِيَتِنا إيّاكم، أيْ: آباءَكم. فَإنَّ تَنْجِيَتَهم تَنْجِيَةٌ لِأعْقابِهِمْ. والمُرادُ بِالآلِ: فِرْعَوْنُ وأتْباعُهُ، فَإنَّ الآلَ يُطْلَقُ عَلى الشَّخْصِ نَفْسِهِ، وعَلى أهْلِهِ وأتْباعِهِ وأوْلِيائِهِ (قالَهُ في القامُوسِ).
ثُمَّ بَيَّنَ ما أنْجاهم مِنهُ بِقَوْلِهِ "يَسُومُونَكُمْ" أيْ: يَبْغُونَكم "سُوَءَ العَذابِ" أيْ: أفْظَعُهُ وأشَدُّهُ: ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ أيْ: يَتْرُكُونَهم أحْياءَ: ﴿وفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ البَلاءُ إمّا المِحْنَةُ، إنْ أُشِيرَ بِذَلِكم إلى صَنِيعِ فِرْعَوْنَ، أوِ النِّعْمَةُ، إنْ أُشِيرَ بِهِ إلى الإنْجاءِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ تُسَمِّي الخَيْرَ بَلاءً، والشَّرَّ بَلاءً.
فائِدَةٌ: فِرْعَوْنُ لَقَبٌ لِمَن مَلَكَ مِصْرَ كافِرًا. كَكِسْرى لِمَلِكِ الفُرْسِ. وقَيْصَرَ لِمَلِكِ الرُّومِ، وتُبَّعٍ لِمَن مَلَكَ اليَمَنَ كافِرًا، والنَّجاشِيِّ لِمَن مَلَكَ الحَبَشَةَ، وخاقانَ لِمَلِكِ التُّرْكِ. ولِعُتُوِّهِ اشْتُقَّ مِنهُ: تَفَرْعَنَ الرَّجُلُ، إذا عَتا وتَمَرَّدَ.
وسَبَبُ سَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ سُوءَ العَذابِ مِن تَذْبِيحِ أبْنائِهِمْ (عَلى ما رُوِيَ في التَّوْراةِ) خَوْفُهُ مِن نُمُوِّهِمْ وكَثْرَةِ تَوالُدِهِمْ. وكانَتْ أرْضُ مِصْرَ امْتَلَأتْ مِنهم؛ فَإنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ (p-١٢٣)السَّلامُ، لَمّا اسْتَقْدَمَ أباهُ وإخْوَتَهُ وأهْلَهم مِن أرْضِ كَنْعانَ إلى مِصْرَ، أعْطاهم مُلْكًا في أرْضِ مِصْرَ في أفْضَلِ الأرْضِ كَما أمَرَهُ مَلِكُ مِصْرَ. وكانَ لَهم في مِصْرَ مَقامٌ عَظِيمٌ بِسَبَبِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَتَكاثَرُوا وتَناسَلُوا. ولَمّا تُوُفِّيَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَلِكُ الَّذِي اتَّخَذَهُ وزِيرًا عِنْدَهُ، انْقَطَعَ ذَلِكَ الِاحْتِرامُ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ. إلى أنْ قامَ عَلى مِصْرَ أحَدُ مُلُوكِها الفَراعِنَةِ، فَرَأى غُوَّ الإسْرائِيلِيِّينَ، فَقالَ لِقَوْمِهِ: أضْحى بَنُو إسْرائِيلَ شَعْبًا أكْثَرَ مِنّا وأعْظَمَ. فَهَلُمَّ نَحْتالُ لَهم لِئَلّا يَنْمُوا، فَيَكُونُ إذا حَدَثَتْ حَرْبٌ أنَّهم يَنْضَمُّونَ إلى أعْدائِنا ويُحارِبُونَنا. ويَخْرُجُونَ مِن أرْضِنا. فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رُؤَساءَ تَسْخِيرٍ لِكَيْ يُذِلُّوهم بِأثْقالِهِمْ، وكانُوا كُلَّما اشْتَدَّ تَعَبُّدُهُمُ ازْدادُوا كَثْرَةً وشِدَّةً، فَشَقَّ عَلى المِصْرِيِّينَ كَثْرَتُهم واخْتَشُوا مِنهم، فَجَعَلَ أهْلَ مِصْرَ يَسْتَعْبِدُونَهم جَوْرًا ويُمَرِّرُونَ عَلَيْهِمْ حَياتِهِمْ بِالعَمَلِ الشَّدِيدِ بِالطِّينِ واللَّبِنِ، وكُلِّ فِلاحَةِ الأرْضِ، وكُلِّ الأفْعالِ الَّتِي اسْتَعْبَدُوهم بِها بِالمَشَقَّةِ.
وأمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَبْحِ أبْنائِهِمْ كَما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى. ولَمْ يَزَلِ الأمْرُ في هَذِهِ الشِّدَّةِ عَلَيْهِمْ حَتّى نَجّاهم سُبْحانَهُ بِإرْسالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ.
البقرة 2:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٠ ] ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾
﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ بَيانٌ لِسَبَبِ التَّنْجِيَةِ، وتَصْوِيرٌ لِكَيْفِيَّتِها، إثْرَ تَذْكِيرِها وبَيانُ عِظَمِها وهَوْلِها، وقَدْ بَيَّنَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ نِعْمَةً جَلِيلَةً أُخْرى هي الإنْجاءُ مِنَ الغَرَقِ. أيْ: واذْكُرُوا إذْ فَلَقْناهُ بِسُلُوكِكم، أوْ مُلْتَبِسًا بِكم، أوْ بِسَبَبِ إنْجائِكم. وفَصَلْنا بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ حَتّى حَصَلَتْ مَسالِكُ. فالباءُ عَلى الأوَّلِ اسْتِعانَةٌ، مِثْلُها في: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ. وعَلى الثّانِي لِلْمُصاحَبَةِ. مِثْلُها في: أسْنَدْتُ ظَهْرِي بِالحائِطِ. وعَلى الثّالِثِ لِلسَّبَبِيَّةِ. والوَجْهُ الأوَّلُ (p-١٢٤)ضَعِيفٌ مِن حَيْثُ إنَّ مُقْتَضاهُ أنَّ تَفْرِيقَ البَحْرِ وقَعَ بِبَنِي إسْرائِيلَ والمَنصُوصُ عَلَيْهِ في التَّنْزِيلِ أنَّ البَحْرَ إنَّما انْفَرَقَ بِعَصا مُوسى. قالَ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] فَآلَةُ التَّفْرِيقِ العَصا لا بَنُو إسْرائِيلَ "فَأنْجَيْناكُمْ" أيْ: مِنَ الغَرَقِ بِإخْراجِكم إلى السّاحِلِ "وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ" أُرِيدَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِمْ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ أوْلى بِهِ مِنهم "وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ" أيْ: إلى ذَلِكَ وتُشاهِدُونَهُ لا تَشُكُّونَ فِيهِ. لِيَكُونَ ذَلِكَ أشْفى لِصُدُورِكم وأبْلَغَ في إهانَةِ عَدُوِّكم.
وكانَتْ قِصَّةُ إغْراقِ آلِ فِرْعَوْنَ المُشارِ لَها في هَذِهِ الآيَةِ، عَلى ما رُوِيَ، أنَّ الحَقَّ تَعالى لَمّا شاءَ إخْراجَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ مِن بَيْتِ العُبُودِيَّةِ، أوْقَعَ في نَفْسِ فِرْعَوْنَ أنْ يُطْلِقَهم مِن مِصْرَ. بَعْدَ إباءٍ شَدِيدٍ مِنهُ، ورُؤْيَةِ آياتٍ إلَهِيَّةٍ كادَتْ تُحِلُّ بِهِ وبِقَوْمِهِ البَوارَ. فَدَعا مُوسى وهارُونَ وقالَ: اخْرُجُوا مِن بَيْنِ شَعْبِي أنْتُما وبَنُو إسْرائِيلَ جَمِيعًا. واذْهَبُوا اعْبُدُوا الرَّبَّ كَما تَكَلَّمْتُمْ. فَلَمّا ارْتَحَلُوا وأُخْبِرَ فِرْعَوْنُ أنَّ الشَّعْبَ قَدْ هَرَبَ، تَغَيَّرَ قَلْبُهُ عَلَيْهِمْ وقالَ: ماذا فَعَلْنا حَتّى أطْلَقْناهم مِن خِدْمَتِنا ؟ فَشَدَّ مَرْكَبَتَهُ وأخَذَ قَوْمَهُ مَعَهُ وسَعى وراءَهم، وأدْرَكَهم وهم نازِلُونَ عِنْدَ بَحْرِ القُلْزُمِ، وهو المَشْهُورُ بِبَحْرِ السُّوَيْسِ فَلَمّا رَأتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَسْكَرَ فِرْعَوْنُ وراءَهم، قالُوا: يا مُوسى أيْنَ ما وعَدْتَنا مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ؟ فَلَوْ بَقِينا عَلى خِدْمَةِ المِصْرِيِّينَ لَكانَ خَيْرًا لَنا مِن أنْ نَهْلِكَ في هَذِهِ البَرِّيَّةِ: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وقالَ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] وأوْحى (p-١٢٥)اللَّهُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ، وأيْبَسَ قَعْرُهُ، فَدَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ فِيهِ. فَتَبِعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ. فَخَرَجَ مُوسى وقَوْمُهُ مِنَ الجِهَةِ الثّانِيَةِ. وانْطَبَقَ البَحْرُ عَلى فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ فَغَرِقُوا كُلُّهم. وسَيَأْتِي الإشارَةُ إلى هَذِهِ القِصَّةِ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ. ومِن أبْسَطِها فِيهِ سُورَةُ الشُّعَراءِ.
البقرة 2:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١ ] ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾
﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى﴾ أيْ بَعْدَ فَراغِهِ مِن مُقاوَمَةِ آلِ فِرْعَوْنَ وإهْلاكِهِمْ "أرْبَعِينَ لَيْلَةً" أيْ: لِنُعْطِيَهُ عِنْدَ انْقِضائِها التَّوْراةَ لِتَعْمَلُوا بِها. وقَدْ رُوِيَ في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ أنَّهُ تَعالى قالَ لِمُوسى: اصْعَدْ إلى الجَبَلِ وكُنْ هُناكَ فَأُعْطِيكَ ألْواحًا مِن حِجارَةٍ والشَّرِيعَةَ والوَصِيَّةَ الَّتِي كَتَبْتُها لِتُعَلِّمَهم. فَصَعِدَ مُوسى إلى الجَبَلِ وبَقِيَ هُناكَ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً. ومُوسى: كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ مَعْناها مَنشُولٌ مِنَ الماءِ "ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ" أيْ: إلَهًا ومَعْبُودًا "مِن بَعْدِهِ" أيْ مِن بَعْدِ مُضِيِّهِ لِلْمِيقاتِ "وأنْتُمْ ظالِمُونَ" أيْ: بِوَضْعِ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ اتَّخَذْتُمْ، أوِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ. أيْ: وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُّلْمُ.
البقرة 2:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٢ ] ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
"ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ" أيْ: مَحَوْنا ذُنُوبَكم "مِن بَعْدِ ذَلِكَ" أيْ: الِاتِّخاذِ والظُّلْمِ القَبِيحِ "لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ" لِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ العَفْوِ وتَسْتَمِرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الطّاعَةِ.
البقرة 2:53
(p-١٢٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣ ] ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ﴾ يَعْنِي الجامِعَ بَيْنَ كَوْنِهِ كِتابًا مُنَزَّلًا، وفُرْقانًا يَفْرِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. يَعْنِي التَّوْراةَ. كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ الغَيْثَ واللَّيْثَ تُرِيدُ الرَّجُلَ الجامِعَ بَيْنَ الجُودِ والجَراءَةِ. ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] يَعْنِي الكِتابَ الجامِعَ بَيْنَ كَوْنِهِ فُرْقانًا وضِياءً وذِكْرًا، أوِ التَّوْراةَ والبُرْهانَ الفارِقَ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ مِنَ العَصا واليَدِ وغَيْرِها مِنَ الآياتِ. أوِ الشَّرْعَ الفارِقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقِيلَ: الفُرْقانِ انْفِراقُ البَحْرِ. وقِيلَ: النَّصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ "لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ" أيْ: لِكَيْ تَهْتَدُوا بِالعَمَلِ فِيهِ مِنَ الضَّلالِ.
البقرة 2:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٤ ] ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ (p-١٢٧)هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ هَذِهِ الآيَةُ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِ العَفْوِ المَذْكُورِ في الآيَةِ قَبْلُ. رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَجَعَ مِنَ المِيقاتِ ورَأى ما صَنَعَ قَوْمُهُ بَعْدَهُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ، غَضِبَ ورَمى بِاللَّوْحَيْنِ مِن يَدِهِ. فَكَسَرَهُما في أسْفَلِ الجَبَلِ. ثُمَّ أحْرَقَ العِجْلَ الَّذِي صَنَعُوهُ. ثُمَّ قالَ: مَن كانَ مِن حِزْبِ الرَّبِّ فَلْيُقْبِلْ إلَيَّ. فاجْتَمَعَ إلَيْهِ جَمِيعُ بَنِي لاوى. وقالَ لَهم: هَذا ما يَقُولُ الرَّبُّ إلَهُ إسْرائِيلَ: لِيَتَقَلَّدْ كُلُّ رَجُلٍ مِنكم سَيْفَهُ. فَجُوزُوا في وسَطِ المَحَلَّةِ مِن بابٍ إلى بابٍ وارْجِعُوا، ولْيَقْتُلِ الرَّجُلُ مِنكم أخاهُ وصاحِبَهُ وقَرِيبَهُ. فَصَنَعَ بَنُو لاوى كَما أمَرَهم مُوسى، فَقَتَلُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الشَّعْبِ نَحْوَ ثَلاثَةٍ وعِشْرِينَ ألْفَ رَجُلٍ (وفِي رِوايَةٍ نَحْوَ ثَلاثَةِ آلافِ رَجُلٍ) وفي غَدِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَلَّمَ مُوسى الشَّعْبَ، وقالَ لَهم: أنْتُمْ قَدْ أخْطَأْتُمْ خَطِيئَةً عَظِيمَةً، وإنِّي الآنَ أصْعَدُ إلى الرَّبِّ فَأتَضَرَّعُ إلَيْهِ مِن أجْلِ خَطِيئَتِكم. فَصَعِدَ مُوسى وتَضَرَّعَ لِلرَّبِّ وسَألَ المَغْفِرَةَ لِقَوْمِهِ اهـ.
ولاوى: ثالِثُ مَوْلُودٍ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوْلادِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، مَعْناهُ في العَرَبِيَّةِ مُلْتَصِقٌ أوْ مُتَّصِلٌ.
والأحْبارُ اللاوِيُّونَ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ، وقَدِ اخْتارَهم تَعالى مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْخِدْمَةِ المُقَدَّسَةِ. وجَعَلَهم مِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْهِ. وبِما سُقْناهُ يَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى "فاقْتُلُواْ أنْفُسَكُمْ" أمْرٌ لِمَن لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ، أعْنِي اللاوِيِّينَ، أنْ يَقْتُلُوا العَبَدَةَ. لا كَما فَهِمَهُ بَعْضُهم مِن قَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مُطْلَقًا.
البقرة 2:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٥ ] ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [٥٦ ] ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦]
﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ (p-١٢٨)الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] أيْ: واذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكم في بَعْثِي لَكم بَعْدَ الصَّعْقِ؛ إذْ سَألْتُمْ رُؤْيَتِي عَيانًا مِمّا لا يُسْتَطاعُ لَكم ولا لِأمْثالِكم في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ القائِلِينَ لِمُوسى ذَلِكَ هُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ. ويُؤَيِّدُهُ آيَةُ الأعْرافِ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ﴾ [الأعراف: ١٥٥] الآيَةَ.
وقَدْ غَلِطَ أهْلُ الكِتابِ في دَعْواهم أنَّ هَؤُلاءِ رَأوُا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ؛ فَإنَّ مُوسى الكَلِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ سَألَ ذَلِكَ، فَمُنِعَ مِنهُ، فَكَيْفَ يَنالُهُ هَؤُلاءِ السَّبْعُونَ ؟ أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وقَدْ رَأيْتُ دَعْواهُمُ المَذْكُورَةَ في الفَصْلِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ في سِفْرِ الخُرُوجِ. وهَذا مِنَ المَواضِعِ المُحَقَّقِ تَحْرِيفُها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما في الفَصْلِ الثّالِثِ والثَّلاثِينَ مِنَ السِّفْرِ المَذْكُورِ أنَّهُ تَعالى قالَ لِمُوسى: لا تَقْدِرُ أنْ تَرى وجْهِي لِأنَّ الإنْسانَ لا يَرانِي ويَعِيشُ اهـ.
وجَهْرَةً، في الأصْلِ، مَصْدَرُ قَوْلِكَ جَهَرْتُ بِالقِراءَةِ. اُسْتُعِيرَتْ لِلْمُعايَنَةِ، لِما بَيْنَهُما مِن الِاتِّحادِ. في الوُضُوحِ والِانْكِشافِ. إلّا أنَّ الأوَّلَ في المَسْمُوعاتِ، والثّانِي في المُبْصَراتِ، ونَصْبُها عَلى المَصْدَرِ لِأنَّها نَوْعٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، فَنُصِبَتْ بِفِعْلِها كَما تُنْصَبُ القُرْفُصاءُ بِفِعْلِ الجُلُوسِ. أوْ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ الصّاعِقَةِ كُلُّ أمْرٍ هائِلٍ رَآهُ، أوْ عايَنَهُ، أوْ أصابَهُ، حَتّى يَصِيرَ مِن هَوْلِهِ وعَظِيمِ شَأْنِهِ إلى هَلاكٍ وعَطَبٍ، وإلى ذَهابِ عَقْلٍ وغُمُورِ فَهْمٍ، أوْ فَقْدِ بَعْضِ آلاتِ الجِسْمِ، صَوْتًا كانَ ذَلِكَ أوْ نارًا. أوْ زَلْزَلَةً أوْ رَجْفًا (قالَ) ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَصْعُوقًا وهو (p-١٢٩)حَيٌّ غَيْرُ مَيِّتٍ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: "وخَرَّ مُوسى صَعِقًا" يَعْنِي مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎وهَلْ كانَ الفَرَزْدَقُ غَيْرَ قِرْدٍ أصابَتْهُ الصَّواعِقُ فاسْتَدارا !
فَقَدْ عَلِمَ أنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ، حِينَ غُشِيَ عَلَيْهِ وصَعِقَ مَيْتًا؛ لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَزَّ، أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا أفاقَ قالَ: تُبْتُ إلَيْكَ. ولا شَبَّهَ جَرِيرٌ الفَرَزْدَقَ، وهو حَيٌّ، بِالقِرْدِ مَيْتًا، ولَكِنْ مَعْنى ذَلِكَ ما وصَفْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى "وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ" أيْ إلى تِلْكَ الصّاعِقَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] قالَ الرّاغِبُ الأصْبَهانِيُّ في تَفْسِيرِهِ: البَعْثُ إرْسالُ المَبْعُوثِ مِنَ المَكانِ الَّذِي فِيهِ. لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَ تَفاسِيرِهِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المُعَلَّقِ بِهِ، فَقِيلَ: بَعَثْتُ البَعِيرَ مِن مَبْرَكِهِ أيْ: أثَرْتُهُ، وبَعَثْتُهُ في السَّيْرِ أيْ هَيَّجْتُهُ، وبَعَثَ اللَّهُ المَيِّتَ أحْياهُ، وضَرَبَ البَعْثَ عَلى الجُنْدِ إذا أُمِرُوا بِالِارْتِحالِ. وكُلُّ ذَلِكَ واحِدٌ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما اخْتَلَفَ لِاخْتِلافِ صُوَرِ المَبْعُوثاتِ (ثُمَّ قالَ) والمَوْتُ حُمِلَ عَلى المَعْرُوفِ، وحُمِلَ أيْضًا عَلى الأحْوالِ الشّاقَّةِ الجارِيَةِ مَجْرى (p-١٣٠)المَوْتِ، ولَيْسَ يَقْتَضِي قَوْلُهُ "فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ" أنَّهم ماتُوا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] لَكِنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، وحَقِيقَةُ ما كانَ إنَّما يَعْتَمِدُ فِيها عَلى السَّمْعِ المُتَعَرِّي عَنْ الِاحْتِمالاتِ. انْتَهى.
وقَدْ يُؤَيِّدُ الثّانِيَ آيَةُ الأعْرافِ المَذْكُورَةُ وهي: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فالرَّجْفَةُ هي المُسَمّاةُ بِالصّاعِقَةِ هُنا، والتَّنْزِيلُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والأصْلُ تَوافُقُ الآيِ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ والسُّدِّيُّ أنَّ الَّذِينَ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ هُمُ الَّذِينَ سَألُوا مُوسى رُؤْيَةَ اللَّهِ جَهْرَةً، وسَيَأْتِي في الأعْرافِ بَسْطُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ.
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ طَلَبَ رُؤْيَتِهِ تَعالى في الدُّنْيا مُسْتَنْكَرٌ غَيْرُ جائِزٍ، ولِذا لَمْ يَذْكُرْ، سُبْحانَهُ وتَعالى، سُؤالَ الرُّؤْيَةِ إلّا اسْتَعْظَمَهُ، وذَلِكَ في آياتٍ: مِنها هَذِهِ. ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣] ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] فَدَلَّتْ هَذِهِ التَّهْوِيلاتُ الفَظِيعَةُ الوارِدَةُ لِطالِبِيها في الدُّنْيا عَلى امْتِناعِها فِيها. وكَما أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ لا يُرى في الدُّنْيا، فَقَدْ وعَدَ الوَعْدَ الصّادِقَ عَزَّ وجَلَّ بِرُؤْيَتِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ في آياتٍ عَدِيدَةٍ، كَما تَواتَرَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِذَلِكَ، وهي قَطْعِيَّةُ الدَّلالَةِ، لا يَنْبَغِي لِمُنْصِفٍ أنْ يَتَمَسَّكَ في مُقابِلِها بِتِلْكَ القَواعِدِ الكَلامِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها قُدَماءُ المُعْتَزِلَةِ، وزَعَمُوا أنَّ العَقْلَ قَدْ حَكَمَ بِها.
البقرة 2:56
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٥ ] ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [٥٦ ] ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦]
﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ (p-١٢٨)الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] أيْ: واذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكم في بَعْثِي لَكم بَعْدَ الصَّعْقِ؛ إذْ سَألْتُمْ رُؤْيَتِي عَيانًا مِمّا لا يُسْتَطاعُ لَكم ولا لِأمْثالِكم في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ القائِلِينَ لِمُوسى ذَلِكَ هُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ. ويُؤَيِّدُهُ آيَةُ الأعْرافِ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ﴾ [الأعراف: ١٥٥] الآيَةَ.
وقَدْ غَلِطَ أهْلُ الكِتابِ في دَعْواهم أنَّ هَؤُلاءِ رَأوُا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ؛ فَإنَّ مُوسى الكَلِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ سَألَ ذَلِكَ، فَمُنِعَ مِنهُ، فَكَيْفَ يَنالُهُ هَؤُلاءِ السَّبْعُونَ ؟ أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وقَدْ رَأيْتُ دَعْواهُمُ المَذْكُورَةَ في الفَصْلِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ في سِفْرِ الخُرُوجِ. وهَذا مِنَ المَواضِعِ المُحَقَّقِ تَحْرِيفُها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما في الفَصْلِ الثّالِثِ والثَّلاثِينَ مِنَ السِّفْرِ المَذْكُورِ أنَّهُ تَعالى قالَ لِمُوسى: لا تَقْدِرُ أنْ تَرى وجْهِي لِأنَّ الإنْسانَ لا يَرانِي ويَعِيشُ اهـ.
وجَهْرَةً، في الأصْلِ، مَصْدَرُ قَوْلِكَ جَهَرْتُ بِالقِراءَةِ. اُسْتُعِيرَتْ لِلْمُعايَنَةِ، لِما بَيْنَهُما مِن الِاتِّحادِ. في الوُضُوحِ والِانْكِشافِ. إلّا أنَّ الأوَّلَ في المَسْمُوعاتِ، والثّانِي في المُبْصَراتِ، ونَصْبُها عَلى المَصْدَرِ لِأنَّها نَوْعٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، فَنُصِبَتْ بِفِعْلِها كَما تُنْصَبُ القُرْفُصاءُ بِفِعْلِ الجُلُوسِ. أوْ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ الصّاعِقَةِ كُلُّ أمْرٍ هائِلٍ رَآهُ، أوْ عايَنَهُ، أوْ أصابَهُ، حَتّى يَصِيرَ مِن هَوْلِهِ وعَظِيمِ شَأْنِهِ إلى هَلاكٍ وعَطَبٍ، وإلى ذَهابِ عَقْلٍ وغُمُورِ فَهْمٍ، أوْ فَقْدِ بَعْضِ آلاتِ الجِسْمِ، صَوْتًا كانَ ذَلِكَ أوْ نارًا. أوْ زَلْزَلَةً أوْ رَجْفًا (قالَ) ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَصْعُوقًا وهو (p-١٢٩)حَيٌّ غَيْرُ مَيِّتٍ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: "وخَرَّ مُوسى صَعِقًا" يَعْنِي مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎وهَلْ كانَ الفَرَزْدَقُ غَيْرَ قِرْدٍ أصابَتْهُ الصَّواعِقُ فاسْتَدارا !
فَقَدْ عَلِمَ أنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ، حِينَ غُشِيَ عَلَيْهِ وصَعِقَ مَيْتًا؛ لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَزَّ، أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا أفاقَ قالَ: تُبْتُ إلَيْكَ. ولا شَبَّهَ جَرِيرٌ الفَرَزْدَقَ، وهو حَيٌّ، بِالقِرْدِ مَيْتًا، ولَكِنْ مَعْنى ذَلِكَ ما وصَفْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى "وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ" أيْ إلى تِلْكَ الصّاعِقَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] قالَ الرّاغِبُ الأصْبَهانِيُّ في تَفْسِيرِهِ: البَعْثُ إرْسالُ المَبْعُوثِ مِنَ المَكانِ الَّذِي فِيهِ. لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَ تَفاسِيرِهِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المُعَلَّقِ بِهِ، فَقِيلَ: بَعَثْتُ البَعِيرَ مِن مَبْرَكِهِ أيْ: أثَرْتُهُ، وبَعَثْتُهُ في السَّيْرِ أيْ هَيَّجْتُهُ، وبَعَثَ اللَّهُ المَيِّتَ أحْياهُ، وضَرَبَ البَعْثَ عَلى الجُنْدِ إذا أُمِرُوا بِالِارْتِحالِ. وكُلُّ ذَلِكَ واحِدٌ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما اخْتَلَفَ لِاخْتِلافِ صُوَرِ المَبْعُوثاتِ (ثُمَّ قالَ) والمَوْتُ حُمِلَ عَلى المَعْرُوفِ، وحُمِلَ أيْضًا عَلى الأحْوالِ الشّاقَّةِ الجارِيَةِ مَجْرى (p-١٣٠)المَوْتِ، ولَيْسَ يَقْتَضِي قَوْلُهُ "فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ" أنَّهم ماتُوا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] لَكِنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، وحَقِيقَةُ ما كانَ إنَّما يَعْتَمِدُ فِيها عَلى السَّمْعِ المُتَعَرِّي عَنْ الِاحْتِمالاتِ. انْتَهى.
وقَدْ يُؤَيِّدُ الثّانِيَ آيَةُ الأعْرافِ المَذْكُورَةُ وهي: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فالرَّجْفَةُ هي المُسَمّاةُ بِالصّاعِقَةِ هُنا، والتَّنْزِيلُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والأصْلُ تَوافُقُ الآيِ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ والسُّدِّيُّ أنَّ الَّذِينَ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ هُمُ الَّذِينَ سَألُوا مُوسى رُؤْيَةَ اللَّهِ جَهْرَةً، وسَيَأْتِي في الأعْرافِ بَسْطُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ.
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ طَلَبَ رُؤْيَتِهِ تَعالى في الدُّنْيا مُسْتَنْكَرٌ غَيْرُ جائِزٍ، ولِذا لَمْ يَذْكُرْ، سُبْحانَهُ وتَعالى، سُؤالَ الرُّؤْيَةِ إلّا اسْتَعْظَمَهُ، وذَلِكَ في آياتٍ: مِنها هَذِهِ. ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣] ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] فَدَلَّتْ هَذِهِ التَّهْوِيلاتُ الفَظِيعَةُ الوارِدَةُ لِطالِبِيها في الدُّنْيا عَلى امْتِناعِها فِيها. وكَما أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ لا يُرى في الدُّنْيا، فَقَدْ وعَدَ الوَعْدَ الصّادِقَ عَزَّ وجَلَّ بِرُؤْيَتِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ في آياتٍ عَدِيدَةٍ، كَما تَواتَرَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِذَلِكَ، وهي قَطْعِيَّةُ الدَّلالَةِ، لا يَنْبَغِي لِمُنْصِفٍ أنْ يَتَمَسَّكَ في مُقابِلِها بِتِلْكَ القَواعِدِ الكَلامِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها قُدَماءُ المُعْتَزِلَةِ، وزَعَمُوا أنَّ العَقْلَ قَدْ حَكَمَ بِها.
البقرة 2:57
(p-١٣١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧ ] ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْـزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْـزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما دَفَعَهُ عَنْهم مِنَ النِّقَمِ شَرَعَ يُذَكِّرُهم أيْضًا بِما أسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، فَمِنها تَظْلِيلُ الغَمامِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانَتْ تُظِلُّهم سَحابَةٌ إذا ارْتَحَلُوا. لِئَلّا تُؤْذِيهِمْ حَرارَةُ الشَّمْسِ، وقَدْ ذَكَرَ تَفْصِيلَ شَأْنِها في تَوْراتِهِمْ في الفَصْلِ التّاسِعِ مِن سِفْرِ العَدَدِ، ومِنها إنْزالُ المَنِّ.
وقَدْ رُوِيَ في التَّوْراةِ أنَّهم لَمّا ارْتَحَلُوا مِن إيلِيمَ وأتَوْا إلى بَرِّيَّةِ سِينَ، الَّتِي بَيْنَ إيلِيمَ وسَيْناءَ، في مُنْتَصَفِ الشَّهْرِ الثّانِي بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ، تَذَمَّرُوا عَلى مُوسى وهارُونَ في البَرِّيَّةِ، وقالُوا لَهُما: لَيْتَنا مُتْنا في أرْضِ مِصْرَ إذْ كُنّا نَأْكُلُ خُبْزًا ولَحْمًا، فَأخْرَجْتُمانا إلى هَذِهِ البَرِّيَّةِ لِتُهْلِكا هَذا الجَمْعَ بِالجُوعِ. فَأوْحى تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنِّي أُمْطِرُ عَلَيْكم خُبْزًا مِنَ السَّماءِ. فَلْيَخْرُجِ الشَّعْبُ، ويَلْتَقِطُوا حاجَةَ اليَوْمِ بِيَوْمِها طَعامَهم مِن أجْلِ أنِّي أمْتَحِنُهم، هَلْ يَمْشُونَ في شَرِيعَتِي أمْ لا، ولْيَكُونُوا في اليَوْمِ السّادِسِ أنَّهم يُهَيِّئُونَ ضِعْفَ ما يَلْتَقِطُونَهُ يَوْمًا فَيَوْمًا. لِأنَّ اليَوْمَ السّابِعَ يَوْمُ عِيدٍ لا يُشْخَصُ فِيهِ لِأمْرِ المَعِيشَةِ ولا لِطُلْبَةِ شَيْءٍ.
فَقالَ لَهم مُوسى: إنَّ الرَّبَّ تَعالى يُعْطِيكم عِنْدَ المَساءِ لَحْمًا تَأْكُلُونَ، وبِالغَداةِ تَشْبَعُونَ خُبْزًا. فَكانَ في المَساءِ أنَّ السَّلْوى صَعِدَتْ وغَطَّتِ المَحَلَّةَ، وبِالغَداةِ أيْضًا وقَعَ النَّدى حَوْلَ المَحَلَّةِ. ولَمّا غَطّى وجْهَ الأرْضِ تَبايَنَ في البَرِّيَّةِ شَيْءٌ رَقِيقٌ كَأنَّهُ مَدْقُوقٌ بِالمِدَقَّةِ، يُشْبِهُ الجَلِيدَ عَلى الأرْضِ. فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ بَنُو إسْرائِيلَ قالُوا: ما هَذا ؟ لِأنَّهم لَمْ يَعْرِفُوهُ. فَقالَ لَهم مُوسى: هَذا هو الخُبْزُ الَّذِي أعْطاكُمُ الرَّبُّ لِتَأْكُلُوا. وقَدْ أمَرَكم أنْ يَلْقُطَ كُلُّ واحِدٍ عَلى قَدْرِ ما في بَيْتِهِ، وقَدَرِ مَأْكَلِهِ. فَفَعَلَ بَنُو إسْرائِيلَ كَذَلِكَ، ولَقَطُوا ما بَيْنَ مُكَثِّرٍ ومُقَلِّلٍ، وقالَ لَهم مُوسى: لا تُبْقُوا مِنهُ شَيْئًا إلى الغَدِ. فَلَمْ يُطِيعُوا (p-١٣٢)مُوسى، واسْتَفْضَلَ مِنهُ رِجالٌ إلى الغَدِ، فَضَرَبَ فِيهِ الدُّودُ ونَتِنَ، فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ مُوسى، وكانُوا يَلْقُطُونَ غَدْوَةً، كُلُّ إنْسانٍ يَلْقُطُ عَلى قَدْرِ ما يَأْكُلُ، فَإذا أصابَهُ حَرُّ الشَّمْسِ ذابَ. وقَدْ أُعْطُوا في اليَوْمِ السّادِسِ خُبْزَ يَوْمَيْنِ لِيَجْلِسَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم في مَكانِهِ في اليَوْمِ السّابِعِ، راحَةً وتَقْدِيسًا لَهُ. وكانَ إذا خَرَجَ بَعْضُ الشَّعْبِ لِيَلْقُطَ، يَوْمَ السّابِعِ، لا يَجِدُ في الأرْضِ مِنهُ شَيْئًا. ودَعا آلُ إسْرائِيلَ اسْمَهُ المَنَّ، وكانَ مِثْلَ حَبِّ الكُزْبُرَةِ أبْيَضَ، وطَعْمُهُ كَرُقاقٍ بِعَسَلٍ، وأكَلَ بَنُو إسْرائِيلَ المَنَّ أرْبَعِينَ سَنَةً حَتّى أتَوْا إلى الأرْضِ العامِرَةِ، ودَنَوْا مِن تُخُومِ أرْضِ كَنْعانَ. ورُوِيَ في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ أيْضًا أنَّ المَنَّ كانَ يُشْبِهُ لَوْنَ اللُّؤْلُؤِ. وكانَ يَطُوفُ الشَّعْبُ ويَلْتَقِطُونَهُ ويَطْحَنُونَهُ بِالرَّحى. ويَدُقُّونَهُ في الهاوُنِ ويَطْبُخُونَهُ في القُدُورِ، ويَعْمَلُونَ مِنهُ رُغُفًا طَعْمُها كالخُبْزِ المَعْجُونِ بِالدُّهْنِ. ومَتى نَزَلَ النَّدى عَلى المَحَلَّةِ لَيْلًا كانَ يَنْزِلُ المَنُّ مَعَهُ اهـ.
هَذا ما كانَ مِن أمْرِ المَنِّ. وأمّا السَّلْوى فَرُوِيَ أيْضًا: أنَّ جَماعَةً مِمَّنْ صَعِدَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ تاقَتْ أنْفُسُهم لِلَحْمٍ وجَلَسُوا يَبْكُونَ، ووافَقَهم بَنُو إسْرائِيلَ عَلى اشْتِهائِهِ أيْضًا. وقالُوا: مَن يَطْعَمُنا لَحْمًا لِنَأْكُلَ ؟ قَدْ تَذَكَّرْنا السَّمَكَ الَّذِي كُنّا نَأْكُلُهُ بِمِصْرَ مِن غَيْرِ ثَمَنٍ، والقِثّاءِ والبِطِّيخَ والكُرّاثَ والبَصَلَ والثُّومَ. والآنَ قَدْ يَبِسَتْ نُفُوسُنا ولا تَنْظُرُ عُيُونُنا إلّا المَنَّ. فَلَمّا سَمِعَ مُوسى الشَّعْبَ يَبْكُونَ بِعَشائِرِهِمْ، وعَلِمَ غَضَبَ الرَّبِّ عَلَيْهِمْ؛ لِذَلِكَ، ابْتَهَلَ إلى رَبِّهِ وقالَ: مِن أيْنَ لِي لَحْمٌ أُطْعِمُ مِنهُ هَذا الجَمْعَ وهم يَبْكُونَ عَلَيَّ ويَقُولُونَ أعْطِنا لَحْمًا لِنَأْكُلَ ؟ فَأوْحى إلَيْهِ رَبُّهُ أنْ يَجْمَعَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن شُيُوخِ شَعْبِهِ وعُرَفائِهِ، ويُقْبِلُ بِهِمْ إلى خَيْمَةِ الِاجْتِماعِ فَيَكُونُوا مَعَهُ، ثُمَّ كَلَّمَهُ رَبُّهُ ووَعَدَهُ أنْ يُعْطِيَهُ لَحْمًا يَأْكُلُونَ مِنهُ شَهْرًا حَتّى يَأْنَفُوا مِنهُ. فَأخْبَرَ مُوسى الشَّعْبَ بِذَلِكَ. ثُمَّ انْحازَ إلى المَحَلَّةِ هو وشُيُوخُ قَوْمِهِ، فَخَرَجَتْ رِيحٌ وحَمَلَتِ السَّلْوى مِنَ البَحْرِ وألْقَتْها عَلى المَحَلَّةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ حَوْلَ المَحَلَّةِ مِن كُلِّ جانِبٍ، وكانَتْ تَطِيرُ بِالجَوِّ ذِراعَيْنِ عَلى الأرْضِ، وقامَ الشَّعْبُ يَوْمَهم ذَلِكَ كُلَّهُ واللَّيْلَ. وفي غَدِ اليَوْمِ الثّانِي، فَجَمَعُوا السَّلْوى أقَلَّ مِن جَمْعِ عَشَرَةِ أكْرارٍ، سَطَحُوهُ سَطِيحًا ويَبِسُوهُ حَوْلَ المَحَلَّةِ. (p-١٣٣)وقَبْلَ أنْ يَنْقَطِعَ اللَّحْمُ مِن عِنْدِهِمْ غَضِبَ الرَّبُّ تَعالى عَلى الشَّعْبِ؛ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً عَظِيمَةً جِدًّا، ودُعِيَ اسْمُ ذَلِكَ المَوْضِعِ قُبُورَ الشَّهْوَةِ. لِأنَّهم هُناكَ دَفَنُوا القَوْمَ الَّذِينَ اشْتَهَوْا. ثُمَّ خَرَجُوا مِن قُبُورِ الشَّهْوَةِ، وارْتَحَلُوا لِغَيْرِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى "كُلُوا" عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قائِلِينَ لَهم أوْ قِيلَ لَهم كُلُوا. وقَوْلُهُ "وما ظَلَمُونا" كَلامٌ عَدَلَ بِهِ عَنْ نَهْجِ الخِطابِ السّابِقِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ جِناياتِ المُخاطَبِينَ لِلْإعْراضِ عَنْهم وتَعْدادِ قَبائِحِهِمْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ عَلى طَرِيقِ المُباثَّةِ. مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ قَدْ حُذِفَ لِلْإيجازِ، والإشْعارِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ. أيْ: فَظَلَمُوا بِأنْ أكْثَرُوا مِنَ التَّضَجُّرِ والتَّذَمُّرِ عَلى رَبِّهِمْ وشَكْوى سُكْناهم في البَرِّيَّةِ وفِراقِهِمْ مِصْرَ، وما ظَلَمُونا بِذَلِكَ، ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ، بِالعِصْيانِ. إذْ لا يَتَخَطّاهم ضَرَرُهُ، وبِذَلِكَ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ الَّذِي ضُرِبُوا بِهِ كَما ذَكَرْناهُ.
البقرة 2:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٨ ] ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ [٥٩ ] ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْـزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩]
﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْـزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] هَذا إشارَةٌ إلى ما حَلَّ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا -نَكَلُوا عَنِ الجِهادِ- ودُخُولِهِمُ الأرْضَ (p-١٣٤)المُقَدَّسَةَ -أرْضَ كَنْعانَ- لَمّا قَدِمُوا مِن بِلادِ مِصْرَ صُحْبَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما أُطْلِقَ عَلى الأرْضِ المَذْكُورَةِ قَرْيَةٌ؛ لِأنَّ القَرْيَةَ: كُلُّ مَكانٍ اتَّصَلَتْ بِهِ الأبْنِيَةُ واتُّخِذَ قَرارًا. وتَقَعُ عَلى المُدُنِ وغَيْرِها -كَذا في "كِفايَةِ المُتَحَفِّظِ"- ثُمَّ إنَّ ما قُصَّ- هُنا -ذُكِرَ في سُورَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢] الآياتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى "ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا" في التَّأْوِيلاتِ: يَحْتَمِلُ المُرادَ مِنَ البابِ حَقِيقَةَ البابِ، وهو بابُ القَرْيَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِالدُّخُولِ فِيها. ويَحْتَمِلُ مِنَ البابِ القَرْيَةَ نَفْسَها، لا حَقِيقَةَ البابِ- كَقَوْلِهِ "وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ" ذَكَرَ القَرْيَةَ ولَمْ يَذْكُرِ البابَ-، وذَلِكَ في اللُّغَةِ جائِزٌ. (ويُقالُ: فُلانٌ دَخَلَ في بابِ كَذا - لا يَعْنُونَ حَقِيقَةَ البابِ، ولَكِنْ كَوْنُهُ في أمْرٍ هو فِيهِ.
وقَوْلُهُ "سُجَّدًا" يَحْتَمِلُ المُرادُ مِنَ السُّجُودِ: حَقِيقَةَ السُّجُودِ. فَيُخَرَّجُ عَلى وُجُوهٍ: عَلى التَّحِيَّةِ لِذَلِكَ المَكانِ، ويَحْتَمِلُ عَلى الشُّكْرِ لَهُ لِما أهْلَكَ أعْداءَهُمُ الجَبّارِينَ؛ ويَحْتَمِلُ الكِنايَةَ عَنِ الصَّلاةِ -إذِ العَرَبُ قَدْ تُسَمِّي السُّجُودَ (صَلاةً)- كَأنَّهم أُمِرُوا بِالصَّلاةِ فِيها؛ ويَحْتَمِلُ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ -لا عَلى حَقِيقَةِ السُّجُودِ والصَّلاةِ- ولَكِنْ أمْرٌ بِالخُضُوعِ لَهُ والطّاعَةِ والشُّكْرِ عَلى أيادِيهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى "وقُولُوا حِطَّةٌ" خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، أيْ مَسْألَتُنا حِطَّةٌ -والأصْلُ النَّصْبُ- بِمَعْنى: حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً، وإنَّما رُفِعَتْ لِتُعْطِيَ مَعْنى الثَّباتِ.
(p-١٣٥)وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] أيْ: بَدَّلُوا أمْرَهُ تَعالى لَهم -بِدُخُولِ الأرْضِ مُجاهِدِينَ- بِالإحْجامِ عَنْهُ، وتَثْبِيطِ النّاسِ. ولِذا قالَ أبُو مُسْلِمٍ "قَوْلُهُ تَعالى "فَبَدَّلَ" يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، لا عَلى أنَّهم أتَوْا لَهُ بِبَدَلٍ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ تَبْدِيلَ القَوْلِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في المُخالَفَةِ. قالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ﴾ [الفتح: ١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] ولَمْ يَكُنْ تَبْدِيلُهم إلّا الخِلافَ في الفِعْلِ لا في القَوْلِ. فَكَذا هُنا، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِدُخُولِ الأرْضِ -وما ذُكِرَ مَعَهُ- لَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَ اللَّهِ، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ" .
وفِي تَكْرِيرِ "الَّذِينَ ظَلَمُوا" زِيادَةٌ في تَقْبِيحِ أمْرِهِمْ، وإيذانٌ بِأنَّ إنْزالَ الرِّجْزِ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ. و(الرِّجْزُ): هو المَوْتُ بَغْتَةً، كَما تَقَدَّمَ.
قالَ الرّاغِبُ: وتَخْصِيصُ قَوْلِهِ "رِجْزًا مِنَ السَّماءِ" هو أنَّ العَذابَ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ قَدْ يُمْكِنُ -عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ- دِفاعُهُ، أوْ يَظُنُّ أنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، وهو كُلُّ عَذابٍ عَلى يَدِ آدَمِيٍّ، أوْ مِن جِهَةِ المَخْلُوقاتِ كالهَدْمِ والغَرَقِ. وضَرْبٌ لا يُمْكِنُ -ولا يُظَنُّ- دِفاعُهُ بِقُوَّةِ آدَمِيٍّ كالطّاعُونِ، والصّاعِقَةِ، والمَوْتِ- وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ "رِجْزًا مِنَ السَّماءِ" اهـ.
البقرة 2:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٨ ] ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ [٥٩ ] ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْـزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩]
﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْـزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] هَذا إشارَةٌ إلى ما حَلَّ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا -نَكَلُوا عَنِ الجِهادِ- ودُخُولِهِمُ الأرْضَ (p-١٣٤)المُقَدَّسَةَ -أرْضَ كَنْعانَ- لَمّا قَدِمُوا مِن بِلادِ مِصْرَ صُحْبَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما أُطْلِقَ عَلى الأرْضِ المَذْكُورَةِ قَرْيَةٌ؛ لِأنَّ القَرْيَةَ: كُلُّ مَكانٍ اتَّصَلَتْ بِهِ الأبْنِيَةُ واتُّخِذَ قَرارًا. وتَقَعُ عَلى المُدُنِ وغَيْرِها -كَذا في "كِفايَةِ المُتَحَفِّظِ"- ثُمَّ إنَّ ما قُصَّ- هُنا -ذُكِرَ في سُورَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢] الآياتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى "ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا" في التَّأْوِيلاتِ: يَحْتَمِلُ المُرادَ مِنَ البابِ حَقِيقَةَ البابِ، وهو بابُ القَرْيَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِالدُّخُولِ فِيها. ويَحْتَمِلُ مِنَ البابِ القَرْيَةَ نَفْسَها، لا حَقِيقَةَ البابِ- كَقَوْلِهِ "وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ" ذَكَرَ القَرْيَةَ ولَمْ يَذْكُرِ البابَ-، وذَلِكَ في اللُّغَةِ جائِزٌ. (ويُقالُ: فُلانٌ دَخَلَ في بابِ كَذا - لا يَعْنُونَ حَقِيقَةَ البابِ، ولَكِنْ كَوْنُهُ في أمْرٍ هو فِيهِ.
وقَوْلُهُ "سُجَّدًا" يَحْتَمِلُ المُرادُ مِنَ السُّجُودِ: حَقِيقَةَ السُّجُودِ. فَيُخَرَّجُ عَلى وُجُوهٍ: عَلى التَّحِيَّةِ لِذَلِكَ المَكانِ، ويَحْتَمِلُ عَلى الشُّكْرِ لَهُ لِما أهْلَكَ أعْداءَهُمُ الجَبّارِينَ؛ ويَحْتَمِلُ الكِنايَةَ عَنِ الصَّلاةِ -إذِ العَرَبُ قَدْ تُسَمِّي السُّجُودَ (صَلاةً)- كَأنَّهم أُمِرُوا بِالصَّلاةِ فِيها؛ ويَحْتَمِلُ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ -لا عَلى حَقِيقَةِ السُّجُودِ والصَّلاةِ- ولَكِنْ أمْرٌ بِالخُضُوعِ لَهُ والطّاعَةِ والشُّكْرِ عَلى أيادِيهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى "وقُولُوا حِطَّةٌ" خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، أيْ مَسْألَتُنا حِطَّةٌ -والأصْلُ النَّصْبُ- بِمَعْنى: حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً، وإنَّما رُفِعَتْ لِتُعْطِيَ مَعْنى الثَّباتِ.
(p-١٣٥)وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] أيْ: بَدَّلُوا أمْرَهُ تَعالى لَهم -بِدُخُولِ الأرْضِ مُجاهِدِينَ- بِالإحْجامِ عَنْهُ، وتَثْبِيطِ النّاسِ. ولِذا قالَ أبُو مُسْلِمٍ "قَوْلُهُ تَعالى "فَبَدَّلَ" يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، لا عَلى أنَّهم أتَوْا لَهُ بِبَدَلٍ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ تَبْدِيلَ القَوْلِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في المُخالَفَةِ. قالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ﴾ [الفتح: ١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] ولَمْ يَكُنْ تَبْدِيلُهم إلّا الخِلافَ في الفِعْلِ لا في القَوْلِ. فَكَذا هُنا، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِدُخُولِ الأرْضِ -وما ذُكِرَ مَعَهُ- لَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَ اللَّهِ، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ" .
وفِي تَكْرِيرِ "الَّذِينَ ظَلَمُوا" زِيادَةٌ في تَقْبِيحِ أمْرِهِمْ، وإيذانٌ بِأنَّ إنْزالَ الرِّجْزِ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ. و(الرِّجْزُ): هو المَوْتُ بَغْتَةً، كَما تَقَدَّمَ.
قالَ الرّاغِبُ: وتَخْصِيصُ قَوْلِهِ "رِجْزًا مِنَ السَّماءِ" هو أنَّ العَذابَ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ قَدْ يُمْكِنُ -عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ- دِفاعُهُ، أوْ يَظُنُّ أنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، وهو كُلُّ عَذابٍ عَلى يَدِ آدَمِيٍّ، أوْ مِن جِهَةِ المَخْلُوقاتِ كالهَدْمِ والغَرَقِ. وضَرْبٌ لا يُمْكِنُ -ولا يُظَنُّ- دِفاعُهُ بِقُوَّةِ آدَمِيٍّ كالطّاعُونِ، والصّاعِقَةِ، والمَوْتِ- وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ "رِجْزًا مِنَ السَّماءِ" اهـ.
البقرة 2:60
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٠ ] ﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
هَذا تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى كَفَرُوها. رُوِيَ في تَوْراتِهِمْ أنَّهُ ارْتَحَلَتْ كُلُّ جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ (p-١٣٦)مِن بَرِّيَّةِ سِينا بِأمْرِهِ تَعالى، وحَلُّوا في رُقادِينَ، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ ماءً لِيَشْرَبُوا، فَخاصَمُوا مُوسى، وقالُوا لَهُ أعْطِنا ماءً لِنَشْرَبَ، أخْرَجَتْنا مِن مِصْرَ لِتَقْتُلَنا نَحْنُ وأوْلادُنا، ودَوابُّنا بِالعَطَشِ ؟ فابْتَهَلَ مُوسى إلى رَبِّهِ في السُّقْيا، فَأوْحى إلَيْهِ أنِ امْضِ أمامَ الشَّعْبِ، وخُذْ مَعَكَ مِن شُيُوخِ إسْرائِيلَ. والعَصا الَّتِي ضَرَبْتَ بِها النَّهْرَ خُذْها بِيَدِكَ. واذْهَبْ إلى صَخْرَةِ حُورِيبَ، فاضْرِبْها فَيَخْرُجُ مِنها ماءٌ لِيَشْرَبَ الشَّعْبُ. فَفَعَلَ مُوسى كَذَلِكَ أمامَ شُيُوخِ إسْرائِيلَ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى "اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا" أيْ عَدَدُ أسْباطِ يَعْقُوبَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنٌ قَدْ عَرَفُوها. قالَ الرّاغِبُ: وأنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الطَّبِيعِيِّينَ واسْتَبْعَدَهُ، وهَذا المُنْكَرُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى في تَغْيِيرِ الطَّبائِعِ والِاسْتِحالاتِ الخارِجَةِ عَنِ العاداتِ، فَقَدْ تَرَكَ النَّظَرَ عَلى طَرِيقَتِهِ. إذْ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهم أنَّ حَجَرَ المِغْناطِيسِ يَجُرُّ الحَدِيدَ، وأنَّ الحَجَرَ المُنَفِّرَ لِلنَّحْلِ يُنَفِّرُهُ، والحَجَرَ الحَلّاقَ يَحْلِقُ الشَّعَرَ، وذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَهم مِن أسْرارِ الطَّبِيعَةِ. وإذا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ ذَلِكَ مُنْكَرًا عِنْدَهم، فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ حَجَرًا يُسَخِّرُهُ لِجَذْبِ الماءِ مِن تَحْتِ الأرْضِ. اهـ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا تَمْشُوا في الأرْضِ بِالفَسادِ، وخِلافِ أمْرِ مُوسى. قالَ الرّاغِبُ: فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ "مُفْسِدِينَ" والعُثُوُّ ضَرْبٌ مِنَ الإفْسادِ ؟ قِيلَ: قَدْ قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ ذَلِكَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وذَكَرَ ألْفاظًا مِمّا يُشْبِهُ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ العُثُوَّ، وإنِ اقْتَضى الفَسادَ، فَلَيْسَ بِمَوْضُوعٍ لَهُ، بَلْ هو كالِاعْتِداءِ، وقَدْ يُوجَدُ في الِاعْتِداءِ ما لَيْسَ بِفَسادٍ، وهو مُقابَلَةُ المُعْتَدِي بِفِعْلِهِ نَحْوَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وهَذا الِاعْتِداءُ لَيْسَ بِإفْسادِ، بَلْ هُوَ، بِالإضافَةِ إلى (p-١٣٧)ما قُوبِلَ بِهِ، عَدَلَ. ولَوْلا كَوْنُهُ جَزاءً لَكانَ إفْسادًا. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ العُثُوَّ المَنهِيَّ عَنْهُ، هو المَقْصُودُ بِهِ الإفْسادُ. فالإفْسادُ مَكْرُوهٌ عَلى الإطْلاقِ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ [الأعراف: ٥٦] وقَدْ يَكُونُ في صُورَةِ العُثُوِّ والتَّعَدِّي ما هو صَلاحٌ وعَدْلٌ، كَما تَقَدَّمَ. وهَذا ظاهِرٌ اهـ.
البقرة 2:61
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦١ ] ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾
﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: لَمّا مَلُّوا طَعامَهم وذَكَرُوا عَيْشَهُمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ، قالُوا ذَلِكَ. قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ وكانَ لَهُمُ المَنُّ والسَّلْوى، قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مُساواتِهِ في الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ يَفْعَلُ فِعْلًا واحِدًا في كُلِّ يَوْمٍ، وإنْ كَثُرَتْ أفْعالُهُ، إذا تَحَرّى طَرِيقَةً واحِدَةً وداوَمَ عَلَيْها اهـ. وهَذا المَعْنى في إنْكارِ الطَّعامِ أبْلَغُ. لِأنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا في إنْكارِهِ بِقَوْلِهِمْ "لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ"، حَتّى أكَّدُوا بِقَوْلِهِمْ "واحِدٍ" أوْ (p-١٣٨)أرادُوا بِالواحِدِ ما لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَبَدَّلُ.
﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها﴾ هو الثُّومُ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وثُومِها" ولِلتَّصْرِيحِ بِهِ في التَّوْراةِ في هَذِهِ القِصَّةِ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ شَواهِدَ لِإبْدالِ الثّاءِ فاءً لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما كَقَوْلِهِمْ لِلْأثافِيِّ "أثاثِيُّ"، وقَوْلِهِمْ وقَعُوا في عاثُورِ شَرٍّ وعافُورِ شَرٍّ، ولِلْمَغافِيرِ "مَغاثِيرُ" "وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى" أيْ: أدْوَنُ قَدْرًا، وأصْلُ الدُّنُوِّ القُرْبُ في المَكانِ، فاسْتُعِيرَ لِلْخِسَّةِ، كَما اسْتُعِيرَ البُعْدُ لِلشَّرَفِ والرِّفْعَةِ، فَقِيلَ: بَعِيدُ الهِمَّةِ "بِالَّذِي هو خَيْرٌ" أيْ: بِمُقابَلَةِ ما هو خَيْرٌ، أيْ: أرْفَعُ وأجَلُّ، وهو المَنُّ الَّذِي فِيهِ الحَلاوَةُ الَّتِي تَأْلَفُها أغْلَبُ الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ، والسَّلْوى مِن أطْيَبِ لُحُومِ الطَّيْرِ، وفي مَجْمُوعِهِما غِذاءٌ تَقُومُ بِهِ البِنْيَةُ. ولَيْسَ فِيما طَلَبُوهُ ما يُساوِيهِما لَذَّةً ولا تَغْذِيَةً "اهْبِطُوا مِصْرًا" هَكَذا هو مُنَوَّنٌ مَصْرُوفٌ مَكْتُوبٌ بِالألِفِ في المَصاحِفِ الأئِمَّةِ العُثْمانِيَّةِ، وهو قِراءَةُ الجُمْهُورِ، بِالصَّرْفِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ولا أسْتَجِيزُ القِراءَةَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، لِإجْماعِ المَصاحِفِ عَلى ذَلِكَ؛ أيْ: مِنَ الأمْصارِ، أيِ انْحَدِرُوا إلَيْهِ "فَإنَّ لَكُمْ" فِيها "ما سَألْتُمْ" أيْ: فَإنَّ الَّذِي سَألْتُمْ يَكُونُ في الأمْصارِ لا في القِفارِ، والمَعْنى أنَّ هَذا الَّذِي سَألْتُمْ لَيْسَ بِأمْرٍ عَزِيزٍ، بَلْ هو كَثِيرٌ، في أيِّ بَلَدٍ دَخَلْتُمُوها وجَدْتُمُوهُ. فَلَيْسَ يُساوِي مَعَ دَناءَتِهِ، وكَثْرَتِهِ في الأمْصارِ أنْ أسْألَ اللَّهَ فِيهِ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى إنْكارَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى اليَهُودِ اسْتِبْدالَهُمُ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ، بَعْدَ تَعْدادِ النِّعَمِ، جاءَ بِحِكايَةِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِالأنْبِياءِ، وكُفْرِهِمْ، واعْتِدائِهِمْ، وضَرْبِ الذِّلَّةِ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، اسْتِطْرادًا فَقالَ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ فَمِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] مُعْتَرِضٌ في خِلالِ القِصَصِ المُتَعَلِّقَةِ بِحِكايَةِ أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ مُوسى، يَدُلُّ هَذا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ فَإنَّ قَتْلَ الأنْبِياءِ إنَّما كانَ مِن فُرُوعِهِمْ وذُرِّيَّتِهِمْ. والذِّلَّةُ بِالكَسْرِ الصَّغارُ والهَوانُ والحَقارَةُ. والذُّلُّ بِالضَّمِّ ضِدُّ العِزِّ. والمَسْكَنَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ السُّكُونِ، لِأنَّ المِسْكِينَ قَلِيلُ الحَرَكَةِ والنُّهُوضِ، لِما بِهِ مِنَ الفَقْرِ. والمِسْكِينُ مِفْعِيلٌ مِنهُ -كَذا في السَّمِينِ- (p-١٣٩)وفِي الذِّلَّةِ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ حَيْثُ شُبِّهَتْ بِالقُبَّةِ في الشُّمُولِ والإحاطَةِ، أوْ شُبِّهَتِ الذِّلَّةُ بِهِمْ بِلُصُوقِ الطِّينِ بِالحائِطِ في عَدَمِ الِانْفِكاكِ. وهَذا الخَبَرُ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ هو مَعْلُومٌ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ، فَإنَّ اليَهُودَ أذَلُّ الفِرَقِ، وأشَدُّهم مَسْكَنَةً، وأكْثَرُهم تَصاغُرًا، لَمْ يَنْتَظِمْ لَهم جَمْعٌ، ولا خَفَقَتْ عَلى رُؤُوسِهِمْ رايَةٌ، ولا ثَبَتَتْ لَهم وِلايَةٌ، بَلْ ما زالُوا عَبِيدَ العَصى في كُلِّ زَمَنٍ، وطَرُوقَةَ كُلِّ فَحْلٍ في كُلِّ عَصْرٍ، ومَن تَمَسَّكَ مِنهم بِنَصِيبٍ مِنَ المالِ، وإنْ بَلَغَ في الكَثْرَةِ أيَّ مَبْلَغٍ، فَهو مُرْتَدٍ بِأثْوابِ المَسْكَنَةِ. "وباؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ" أيْ رَجَعُوا بِهِ، أيْ صارَ عَلَيْهِمْ، أوْ صارُوا أحِقّاءَ بِهِ. مِن قَوْلِهِمْ. باءَ فُلانٌ بِفُلانٍ، أيْ صارَ حَقِيقًا أنْ يُقْتَلَ بِمُقابَلَتِهِ. فالباءُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ صِلَةُ باؤُوا، لا لِلْمُلابَسَةِ. وإلّا لاحْتِيجَ اعْتِبارُ المَرْجُوعِ إلَيْهِ، ولا دَلالَةَ في الكَلامِ عَلَيْهِ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والبَوْءِ بِالغَضَبِ العَظِيمِ "بِأنَّهُمْ" بِسَبَبِ أنَّهم "كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ" الباهِرَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ كَزَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ. وقَتْلُ الأنْبِياءِ في بَنِي إسْرائِيلَ كانَ ظاهِرًا، ولَمْ يَذْكُرْ قَتْلَ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ. وذَلِكَ -واللَّهُ أعْلَمُ- لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] وقالَ قَوْمٌ: لَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ مِنَ الرُّسُلِ، وإنَّما قُتِلَ الأنْبِياءُ، أوْ رُسُلُ الرُّسُلِ، واللَّهُ أعْلَمُ. كَذا في التَّأْوِيلاتِ.
وقَوْلُهُ "بِغَيْرِ الحَقِّ" لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ التَّقْيِيدِ، حَتّى يُقالَ إنَّهُ لا يَكُونُ قَتْلُ الأنْبِياءِ بِحَقٍّ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، لِمَكانِ العِصْمَةِ. بَلِ المُرادُ نَعْيُ هَذا الأمْرِ عَلَيْهِمْ، وتَعْظِيمُهُ، وأنَّهُ ظُلْمٌ بَحْتٌ في نَفْسِ الأمْرِ، حَمَلَهم عَلَيْهِ اتِّباعُ الهَوى وحُبُّ الدُّنْيا، والغُلُوُّ في العِصْيانِ، (p-١٤٠)والِاعْتِداءِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أيْ: جَرَّهُمُ العِصْيانُ والتَّمادِي في العُدْوانِ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الكُفْرِ، وقَتْلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقِيلَ: كُرِّرَتِ الإشارَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما لَحِقَهم، كَما أنَّهُ بِسَبَبِ الكُفْرِ والقَتْلِ، فَهو بِسَبَبِ ارْتِكابِهِمُ المَعاصِي، واعْتِدائِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى. وعَلَيْهِ فَيَكُونُ ذِكْرُ عِلَلِ إنْزالِ العُقُوبَةِ بِهِمْ في نِهايَةِ حُسْنِ التَّرْتِيبِ؛ إذْ بُدِئَ أوَّلًا بِما فَعَلُوهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى وهو كُفْرُهم بِآياتِهِ. ثُمَّ ثُنِّيَ بِما يَتْلُوهُ في العَظْمِ، وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ. ثُمَّ بِما يَكُونُ مِنهم مِنَ المَعاصِي الَّتِي تَخُصُّهم. ثُمَّ بِما يَكُونُ مِنهم مِنَ المَعاصِي المُعْتَدِّيَةِ إلى الغَيْرِ، مِثْلُ الِاعْتِداءِ. وهَذا مِن لَطائِفِ أُسْلُوبِ التَّنْزِيلِ.
ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى بِأنَّ بابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ عَلى الوَجْهِ العامِّ لِلْيَهُودِ وغَيْرِهِمْ. وأنَّ مَنِ ارْتَكَبَ كَبائِرَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ الغَضَبَ الإلَهِيَّ، وضَرْبَ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، كَما حَلَّ بِاليَهُودِ، إذا آمَنَ وتابَ فَلَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ما لِلْمُؤْمِنِينَ. وعادَةُ التَّنْزِيلِ جارِيَةٌ بِأنَّهُ مَتى ذُكِرَ وعْدٌ أوْ وعِيدٌ، عُقِّبَ بِضِدِّهِ لِيَكُونَ الكَلامُ تامًّا فَقِيلَ:
البقرة 2:62
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٢ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
أيْ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِما دَعا إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وصارُوا مِن جُمْلَةِ أتْباعِهِ. قالَ في فَتْحِ البَيانِ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ حالَ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وحالَ مَن قَبْلَها مِن سائِرِ المِلَلِ، يَرْجِعُ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا اسْتَحَقَّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ الأجْرِ. ومَن فاتَهُ ذَلِكَ فاتَهُ الخَيْرُ كُلُّهُ، والأجْرُ دِقُّهُ وجُلُّهُ. والمُرادُ بِالإيمانِ هَهُنا هو ما بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ، «لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الإيمانِ (p-١٤١)فَقالَ: «أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ»» .
ولا يَتَّصِفُ بِهَذا الإيمانِ إلّا مَن دَخَلَ في المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ. فَمَن لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولا بِالقُرْآنِ، فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. ومَن آمَنَ بِهِما صارَ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا، ولَمْ يَبْقَ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولا مَجُوسِيًّا. انْتَهى.
قالَ الرّاغِبُ في تَفْسِيرِهِ: تَقَدَّمَ أنَّ الإيمانَ يُسْتَعْمَلُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما الإقْرارُ بِالشَّهادَتَيْنِ، الَّذِي يُؤَمِّنُ نَفْسَ الإنْسانَ، ومالَهُ عَنِ الإباحَةِ إلّا بِحَقٍّ، وذَلِكَ بَعْدَ اسْتِقْرارِ هَذا الدِّينِ مُخْتَصٌّ بِهِ كالإسْلامِ. والثّانِي تَحَرِّي اليَقِينِ فِيما يَتَعاطاهُ الإنْسانُ مِن أمْرِ دِينِهِ. فَقَوْلُهُ: (p-١٤٢)"إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا" عَنى بِهِ المُتَدَيِّنَ بِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ "مَن آمَنَ بِاللَّهِ" عَنى بِهِ المُتَحَرِّي لِلِاعْتِقادِ اليَقِينِيِّ، فَهو غَيْرُ الأوَّلِ. ولِما كانَتْ مَشاهِيرُ الأدْيانِ هَذِهِ الأرْبَعَ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ مَن تَعاطى دِينًا مِن هَذِهِ الأدْيانِ في وقْتِ شَرْعِهِ، وقَبْلَ أنْ يُنْسَخَ، فَتَحَرّى في ذَلِكَ الِاعْتِقادَ اليَقِينِيَّ، وأتْبَعَ اعْتِقادَهُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ.
ثُمَّ قالَ: وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] يَعْنُونَ أنَّ هَذِهِ الأدْيانَ كُلَّها مَنسُوخَةٌ بِدِينِ الإسْلامِ، وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ لَهُمُ الأجْرَ قَبْلَ وقْتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَأمّا في وقْتِهِ، فالأدْيانُ كُلُّها مَنسُوخَةٌ بِدِينِهِ. اهـ. أيْ فَلَيْسَ مُرادُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَن وافَقَهُ، أنَّهُ تَعالى كانَ وعَدَ مَن عَمِلَ صالِحًا مِنَ اليَهُودِ، ومَن ذُكِرَ مَعَهم عَلى عَمَلِهِ، في الآخِرَةِ الجَنَّةَ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِآيَةِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] بَلْ مُرادُهُ ما ذَكَرَ الرّاغِبُ. وهَذا ما لا شُبْهَةَ فِيهِ. ولِذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ظاهِرُ التَّنْزِيلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُخَصِّصْ بِالأجْرِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ مَعَ الإيمانِ، بَعْضَ خَلْقِهِ دُونَ بَعْضٍ مِنهم، والخَبَرُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ عَنْ جَمِيعِ ما ذُكِرَ في أوَّلِ الآيَةِ.
تَنْبِيهٌ:
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ تَفْسِيرِ الرّاغِبِ "مَن آمَنَ" بِالمُتَحَرِّي لِلِاعْتِقادِ اليَقِينِيِّ، مِمّا قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ العَنْبَرِيُّ لِمَذْهَبِهِ. فَقَدْ نَقَلَ الأُصُولِيُّونَ في بابِ الِاجْتِهادِ والتَّقْلِيدِ أنَّ العَنْبَرِيَّ ذَهَبَ إلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، حَتّى في الأُصُولِ، ووافَقَهُ الجاحِظُ. قالَ الغَزالِيُّ في " المُسْتَصْفى ": ذَهَبَ الجاحِظُ إلى أنَّ مُخالِفَ مِلَّةِ الإسْلامِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والدَّهْرِيَّةِ، إنْ كانَ مُعانِدًا عَلى خِلافِ اعْتِقادِهِ، فَهو آثِمٌ، وإنْ نَظَرَ فَعَجَزَ عَنْ دَرْكِ الحَقِّ فَهو مَعْذُورٌ (p-١٤٣)غَيْرُ آثِمٍ، وإنْ لَمْ يَنْظُرْ مِن حَيْثُ لَمْ يَعْرِفْ وُجُوبَ النَّظَرِ، فَهو أيْضًا مَعْذُورٌ، وإنَّما الآثِمُ المُعَذَّبُ المُعانِدُ فَقَطْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها. وهَؤُلاءِ قَدْ عَجَزُوا عَنْ دَرْكِ الحَقِّ، ولَزِمُوا عَقائِدَهم خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ إذِ اسْتَدَّ عَلَيْهِمْ طَرِيقَ المَعْرِفَةِ. ثُمَّ رَدَّهُ الغَزالِيُّ بِأدِلَّةٍ سَمْعِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وذَلِكَ مِثْلُ مَعْرِفَتِنا ضَرُورَةَ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ اليَهُودَ والنَّصارى بِالإيمانِ بِهِ، وذَمَّهم عَلى إصْرارِهِمْ عَلى عَقائِدِهِمْ، وذَلِكَ لا يَنْحَصِرُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ.
ثُمَّ قالَ الغَزالِيُّ: وأمّا قَوْلُهُ -أيِ: الجاحِظُ-: كَيْفَ يُكَلِّفُهم ما لا يُطِيقُونَ ؟ قُلْنا: نَعْلَمُ ضَرُورَةً أنَّهُ كَلَّفَهم، أمّا أنَّهم يُطِيقُونَ أوْ لا يُطِيقُونَ، فَلْنَنْظُرْ فِيهِ، بَلْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّهُ أقْدَرُهم عَلَيْهِ بِما رَزَقَهم مِنَ العَقْلِ، ونَصَبَ مِنَ الأدِلَّةِ، وبَعَثَ مِنَ الرُّسُلِ المُؤَيَّدِينَ بِالمُعْجِزاتِ، الَّذِينَ نَبَّهُوا العُقُولَ، وحَرَّكُوا دَواعِيَ النَّظَرِ، حَتّى لَمَّ يَبْقَ عَلى اللَّهِ لِأحَدٍ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ اهـ.
وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ: تَهَوَّدُوا. يُقالُ: هادَ يَهُودُ، وتَهَوَّدَ، إذا دَخَلَ في اليَهُودِيَّةِ. وهو هائِدٌ، والجَمْعُ هُودٌ. وهم أُمَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما لَزِمَهم هَذا الِاسْمُ؛ لِأنَّ الإسْرائِيلِيِّينَ الَّذِينَ رَجَعُوا مِن جَلاءِ سَبْعِينَ سَنَةً، ومِن سَبِّي بابِلَ إلى وطَنِهِمُ القَدِيمِ، كانَ أكْثَرُهم مِن نَسْلِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ (بِالذّالِ المُعْجَمَةِ، فَقَلَبَتْها العَرَبُ دالًا مُهْمَلَةً) .
وقَوْلُهُ تَعالى "والنَّصارى" جَمْعُ نَصْرانَ، كَنَدامى جَمْعِ نَدْمانَ، يُقالُ: رَجُلٌ نَصْرانُ، وامْرَأةٌ نَصْرانِيَّةٌ، والياءُ في نَصْرانِيٍّ لِلْمُبالَغَةِ، كَما في أحْمَرِيِّ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم نَصَرُوا المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ -كَذا في " الكَشّافِ"- أوْ هو جَمْعُ نَصْرانِيٍّ، مُغَيَّرٌ عَنْ ناصِرِيٍّ نِسْبَةً إلى ناصِرَةَ -القَرْيَةِ المَعْرُوفَةِ- وقَدْ نُسِبَ إلَيْها المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ رُبِّيَ بِها. وجاءَ في الإنْجِيلِ "يَسُوعُ النّاصِرِيُّ" .
وقَوْلُهُ تَعالى "والصّابِئِينَ" جَمْعُ صابِئٍ، ويُقالُ لَهُمُ الصّابِئَةُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصّابِئُ هو المُسْتَحْدِثُ، سِوى دِينِهِ، دِينًا، كالمُرْتَدِّ مِن أهْلِ الإسْلامِ عَنْ دِينِهِ. وكُلُّ خارِجٍ مِن دِينٍ كانَ عَلَيْهِ إلى آخَرَ غَيْرِهِ تُسَمِّيهِ العَرَبُ "صابِئًا" . يُقالُ مِنهُ: صَبا فُلانٌ يَصْبُو صِباءً، ويُقالُ: صَبَأتِ النُّجُومُ إذا طَلَعَتْ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ (p-١٤٤)التَّأْوِيلِ فِيمَن يَلْزَمُهُ هَذا الِاسْمُ، مِن أهْلِ المِلَلِ. فَقالَ بَعْضِهِمْ: يَلْزَمُ ذَلِكَ كُلُّ مَن خَرَجَ مِن دِينٍ إلى غَيْرِ دِينٍ. وقالُوا: الَّذِي عَنى اللَّهُ بِهَذا الِاسْمِ قَوْمًا لا دِينَ لَهم، فَعَنْ مُجاهِدٍ: الصّابِئُونَ لَيْسُوا بِيَهُودَ ولا نَصارى، ولا دِينَ لَهم. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: الصّابِئُونَ دِينٌ مِنَ الأدْيانِ كانُوا بِجَزِيرَةِ المَوْصِلِ، يَقُولُونَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا كِتابٌ ولا نَبِيٌّ. وعَنْ قَتادَةَ: أنَّهم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ اهـ.
وقالَ الإمامُ الشُّهْرَسْتانِيُّ، في الكَلامِ عَنِ الصّابِئَةِ ما مِثالُهُ: والصَّبْوَةُ في مُقابَلَةِ الحَنِيفِيَّةِ. وفي اللُّغَةِ: صَبا الرَّجُلُ إذا مالَ وزاغَ. فَبِحُكْمِ مَيْلِ هَؤُلاءِ عَنْ سُنَنِ الحَقِّ وزَيْغِهِمْ عَنْ نَهْجِ الأنْبِياءِ قِيلَ لَهُمُ: الصّابِئَةُ. وهم يَقُولُونَ: الصَّبْوَةُ هو الِانْحِلالُ عَنْ قَيْدِ الرِّجالِ. وإنَّما مَدارُ مَذْهَبِهِمْ عَلى التَّعَصُّبِ لِلرُّوحانِيِّينَ، كَما أنَّ مَدارَ مَذْهَبِ الحُنَفاءِ هو التَّعَصُّبُ لِلْبَشَرِ الجُسْمانِيِّينَ. والصّابِئَةُ تَدَّعِي أنَّ مَذْهَبَها هو الِاكْتِسابُ، والحُنَفاءُ تَدَّعِي أنَّ مَذْهَبَها هو الفِطْرَةُ. فَدَعْوَةُ الصّابِئَةِ إلى الِاكْتِسابِ، ودَعْوَةُ الحُنَفاءِ إلى الفِطْرَةِ، فالصّابِئَةُ قَوْمٌ يَقُولُونَ بِحُدُودٍ وأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ، ولا يَقُولُونَ بِالشَّرِيعَةِ والإسْلامِ. فَيُقابِلُونَ أرْبابَ الدِّياناتِ تَقابُلَ التَّضادِّ. والصّابِئَةُ الأوْلى الَّذِينَ قالُوا بِعاذِيمُونَ وهَرْمَسَ، وهُما شِيتُ وإدْرِيسُ، ولَمْ يَقُولُوا بِغَيْرِهِما مِنَ الأنْبِياءِ. وهم أصْحابُ الرُّوحانِيّاتِ. فَيَعْتَقِدُونَ أنَّ لِلْعالَمِ صانِعًا حَكِيمًا مُقَدَّسًا عَنْ سِماتِ الحَدَثانِ. والواجِبُ عَلَيْنا مَعْرِفَةُ العَجْزِ عَنِ الوُصُولِ إلى جَلالِهِ، وإنَّما يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالمُتَوَسِّطاتِ المُقَرَّبِينَ لَدَيْهِ، وهُمُ الرُّوحانِيُّونَ المُطَهَّرُونَ المُقَدَّسُونَ جَوْهَرًا وفِعْلًا وحالَةً. أمّا الجَوْهَرُ فَهُمُ المُقَدَّسُونَ عَنِ المَوادِّ الجُسْمانِيَّةِ، الَّذِينَ جُبِلُوا عَلى الطَّهارَةِ، وفُطِرُوا عَلى التَّقْدِيسِ والتَّسْبِيحِ، لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. قالُوا فَنَحْنُ نَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ ونَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ، مِنهم أرْبابُنا وآلِهَتُنا وشُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وهو رَبُّ الأرْبابِ.
وأمّا الفِعْلُ، فَقالُوا: الرُّوحانِيّاتُ هُمُ الأسْبابُ المُتَوَسِّطُونَ في الِاخْتِراعِ وتَصْرِيفِ الأُمُورِ مِن حالٍ إلى حالٍ، يَسْتَمِدُّونَ القُوَّةَ مِنَ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ، ويُفِيضُونَ الفَيْضَ عَلى المَوْجُوداتِ السُّفْلِيَّةِ، (p-١٤٥)فَمِنها مُدَبِّراتُ الكَواكِبِ السَّبْعِ السَّيّارَةِ في أفْلاكِها وهي هَياكِلُها، ولِكُلِّ رُوحانِيٍّ هَيْكَلٌ، ولِكُلِّ هَيْكَلٍ فَلَكٌ، ونِسْبَةُ الرُّوحانِيِّ إلى ذَلِكَ الهَيْكَلِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ نِسْبَةُ الرُّوحِ إلى الجَسَدِ، فَهو رَبُّهُ ومُدَبِّرُهُ. وكانُوا يُسَمُّونَ الهَياكِلَ أرْبابًا، ورُبَّما يُسَمُّونَها آباءً، والعَناصِرَ أُمَّهاتٍ. فَفِعْلُ الرُّوحانِيّاتِ: تَحْرِيكُها عَلى قَدْرٍ مَخْصُوصٍ لِيَحْصُلَ مِن حَرَكاتِها انْفِعالاتٌ في الطَّبائِعِ والعَناصِرِ، فَيَحْصُلُ مِن ذَلِكَ تَرْكِيباتٌ وامْتِزاجاتٌ في المُرَكَّباتِ، فَيَتْبَعُها قُوًى جُسْمانِيَّةٌ ويَرْكَبُ عَلَيْها نُفُوسٌ رُوحانِيَّةٌ: مِثْلَ أنْواعِ النَّباتِ وأنْواعِ الحَيَوانِ. ثُمَّ قَدْ تَكُونُ التَّأْثِيراتُ كُلِّيَّةً صادِرَةً عَنْ رُوحانِيٍّ كُلِّيٍّ، وقَدْ تَكُونُ جُزْئِيَّةً صادِرَةً عَنْ رُوحانِيٍّ جُزْئِيٍّ. فَمَعَ جِنْسِ المَطَرِ مَلَكٌ، ومَعَ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكٌ. ومِنها مُدَبِّراتُ الآثارِ العُلْوِيَّةِ الظّاهِرَةِ في الجَوِّ مِمّا يَصْعَدُ مِنَ الأرْضِ فَيَنْزِلُ، مِثْلَ الأمْطارِ والثُّلُوجِ والبَرَدِ والرِّياحِ، وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ: مِثْلَ الصَّواعِقِ والشُّهُبِ، وما يَحْدُثُ في الجَوِّ مِنَ الرَّعْدِ، والبَرْقِ، والسَّحابِ، والضَّبابِ، وقَوْسِ قُزَحَ، وذَواتِ الأذْنابِ، والهالَةِ، والمَجَرَّةِ؛ وما يَحْدُثُ في الأرْضِ مِنَ الزَّلازِلِ، والمِياهِ، والأبْخِرَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
قالُوا: وأمّا الحالَةُ، فَأحْوالُ الرُّوحانِيّاتِ مِنَ الرُّوحِ والرَّيْحانِ والنِّعْمَةِ واللَّذَّةِ والسُّرُورِ في جِوارِ رَبِّ الأرْبابِ كَيْفَ يَخْفى ؟ .
هَذا مُلَخَّصُ ما أفادَهُ العَلّامَةُ الشِّهْرِسْتانِيُّ في كِتابِ -المِلَلِ والنِّحَلِ- ثُمَّ ساقَ مُناظَراتٍ ومُحاوَراتٍ بَيْنَ الصّابِئَةِ والحُنَفاءِ جَرَتْ في المُفاضَلَةِ بَيْنَ الرُّوحانِيِّ المَحْضِ، والبَشَرِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وأوْرَدَها عَلى شَكْلِ سُؤالٍ وجَوابٍ. فَلْتُنْظَرْ ثَمَّ.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في كِتابِهِ -فِي الرَّدِّ عَلى المَنطِقِيِّينَ- إنَّ حَرّانَ كانَتْ دارَ هَؤُلاءِ الصّابِئَةِ، وفِيها وُلِدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، (أوِ انْتَقَلَ إلَيْها مِنَ العِراقِ. عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ)، وكانَ بِها هَيْكَلُ الصِّلَةِ الأُولى، هَيْكَلُ العَقْلِ الأوَّلِ، هَيْكَلُ النَّفْسِ الكُلِّيَّةِ، هَيْكَلُ زُحَلَ. هَيْكَلُ المُشْتَرى. هَيْكَلُ المِرِّيخِ، هَيْكَلُ الشَّمْسِ. وكَذَلِكَ الزُّهْرَةُ، وعُطارِدُ، والقَمَرُ. وكانَ هَذا دِينَهم قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرانِيَّةِ فِيهِمْ. ثُمَّ ظَهَرَتِ النَّصْرانِيَّةُ فِيهِمْ مَعَ بَقاءِ أُولَئِكَ الصّابِئَةِ (p-١٤٦)المُشْرِكِينَ، حَتّى جاءَ الإسْلامُ، ولَمْ يَزَلْ بِها الصّابِئَةُ والفَلاسِفَةُ في دَوْلَةِ الإسْلامِ إلى آخِرِ وقْتٍ، ومِنهُمُ الصّابِئَةُ الَّذِينَ كانُوا بِبَغْدادَ وغَيْرِها، أطِبّاءَ وكُتّابًا، وبَعْضُهم لَمْ يُسْلِمْ. وكَذَلِكَ كانَ دِينُ أهْلِ دِمَشْقَ وغَيْرِها قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرانِيَّةِ. وكانُوا يُصَلُّونَ إلى القُطْبِ الشَّمالِيِّ. وتَحْتَ جامِعِ دِمَشْقَ مَعْبَدٌ كَبِيرٌ لَهُ قِبْلَةٌ إلى القُطْبِ الشَّمالِيِّ كانَ لِهَؤُلاءِ.
فَإنَّ الصّابِئَةَ نَوْعانِ: صابِئَةٌ حُنَفاءُ مُوَحِّدُونَ، وصابِئَةٌ مُشْرِكُونَ. فالأُوَلُ هُمُ الَّذِينَ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَأثْنى عَلى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا. مِن هَذِهِ المِلَلِ الأرْبَعِ: المُؤْمِنِينَ واليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئِينَ، فَهَؤُلاءِ كانُوا يَدِينُونَ بِالتَّوْراةِ قَبْلَ النَّسْخِ والتَّبْدِيلِ، وكَذَلِكَ الَّذِينَ دانُوا بِالإنْجِيلِ قَبْلَ النَّسْخِ والتَّبْدِيلِ.
والصّابِئُونَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ هَؤُلاءِ، كالمُتَّبِعِينَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ إمامِ الحُنَفاءِ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وهَذا بِخِلافِ المَجُوسِ والمُشْرِكِينَ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ. فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] فَذَكَرَ المِلَلَ السِّتَّ هَؤُلاءِ، وأخْبَرَ أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ. لَمْ يَذْكُرْ في السِّتِّ مَن كانَ مُؤْمِنًا، وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ في الأرْبَعَةِ فَقَطْ. ثُمَّ إنَّ الصّابِئِينَ ابْتَدَعُوا الشِّرْكَ فَصارُوا مُشْرِكِينَ، والفَلاسِفَةُ المُشْرِكُونَ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ.
وأمّا قُدَماءُ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، ويُؤْمِنُونَ بِأنَّ اللَّهَ مُحْدِثٌ لِهَذا العالَمِ، ويُقِرُّونَ بِمَعادِ الأبْدانِ، فَأُولَئِكَ مِنَ الصّابِئَةِ الحُنَفاءِ الَّذِينَ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ المُشْرِكُونَ مِنَ الصّابِئَةِ كانُوا يُقِرُّونَ بِحُدُوثِ هَذا العالَمِ كَما كانَ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ يُقِرُّونَ بِحُدُوثِهِ. وكَذَلِكَ المُشْرِكُونَ مِنَ الهِنْدِ. وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ المَقالاتِ أنَّ أوَّلَ مَن ظَهَرَ عَنْهُ القَوْلُ بِقِدَمِهِ مِن هَؤُلاءِ الفَلاسِفَةِ المُشْرِكِينَ، هو أرِسْطُو. انْتَهى.
وما قَرَّرَهُ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، مِن أنَّ مَعْنى (p-١٤٧)قَوْلِهِ تَعالى "مَن آمَنَ" مَن كانَ مِنهم في دِينِهِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ، مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ، وذَلِكَ كَأهْلِ الكِتابَيْنِ أوْ كانَ مِنَ الصّابِئَةِ المُوَحِّدِينَ. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ "مَن آمَنَ" مَن أحْدَثَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ، إيمانًا خالِصًا بِما ذَكَرَ. قالُوا: لِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ هو التَّرْغِيبُ في دِينِ الإسْلامِ. وأمّا بَيانُ حالِ مَن مَضى عَلى دِينٍ آخَرَ قَبْلَ انْتِساخِهِ، فَلا مُلابَسَةَ لَهُ بِالمَقامِ، والصّابِئُونَ لَيْسَ لَهم دِينٌ يَجُوزُ رِعايَتُهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ. فَلْيَتَأمَّلْ.
وقَوْلُهُ تَعالى "فَلَهم أجْرُهُمْ" أيِ: الَّذِي وعَدُوهُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ المَشْرُوطَةِ بِالإيمانِ، وهو في الأصْلِ جُعْلُ العامِلِ عَلى عَمَلِهِ. وفي قَوْلِهِ "عِنْدَ رَبِّهِمْ" مَزِيدُ لُطْفٍ بِهِمْ وإيذانٌ بِأنَّ أجْرَهم مُتَيَقِّنُ الثُّبُوتِ، مَأْمُونٌ مِنَ الفَواتِ. وقَوْلُهُ تَعالى "ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ" أيْ حِينَ يَخافُ الكُفّارُ العِقابَ ويَحْزَنُونَ عَلى تَفْوِيتِ الثَّوابِ.
(تَنْبِيهٌ) قالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وحَسَّنَ وضْعَ هَذِهِ الآيَةِ، في أثْناءِ قِصَصِهِمْ، أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ بِقَتْلِ كُلِّ ذَكَرٍ مِمَّنْ عَداهم. ورُبَّما أُمِرُوا بِقَتْلِ النِّساءِ أيْضًا. فَرُبَّما ظُنَّ مِن ذَلِكَ أنَّ مَن آمَنَ مِن غَيْرِهِمْ لا يُقْبَلُ. وقَدْ ذُكِرَ مِنهُ في سُورَةِ المائِدَةِ، وفي وضْعِها أيْضًا في أثْناءِ قِصَصِهِمْ، إشارَةٌ إلى تَكْذِيبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] وأنَّ المَدارَ في عِصْمَةِ الدَّمِ والمالِ إنَّما هو الإيمانُ والِاسْتِقامَةُ. وذَلِكَ مَوْجُودٌ في نَصِّ التَّوْراةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. وفِيها تَهْدِيدُهم عَلى المُخالَفَةِ في ذَلِكَ بِالذُّلِّ والمَسْكَنَةِ. وسَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] الآيَةَ. بَلْ وفِيها ما يَقْتَضِي المَنعَ مِن مالِ المُخالِفِ (p-١٤٨)فِي الدِّينِ، فَإنَّهُ قالَ في وسَطِ السِّفْرِ الثّانِي: وإذا لَقِيتَ ثَوْرَ عَدُوِّكَ أوْ حِمارَهُ وعَلَيْهِ حُمُولَةٌ فارْدُدْها إلَيْهِ. وإذا رَأيْتَ حِمارَ عَدُوِّكَ جاثِمًا تَحْتَ حِمْلِهِ فَهَمَمْتَ أنْ لا تُوازِرَهُ فَوازِرْهُ وساعِدْهُ. ثُمَّ رَجَعَ إلى قِصَصِهِمْ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ فَقالَ:
البقرة 2:63
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣ ] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
"وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ" تَذْكِيرًا لِجِنايَةٍ أُخْرى لِأسْلافِهِمْ، أيْ واذْكُرُوا وقْتَ أخْذِنا لِمِيثاقِكم بِالمُحافَظَةِ عَلى ما في التَّوْراةِ، ﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ تَرْهِيبًا لَكم لِتَقْبَلُوا المِيثاقَ. وذَلِكَ أنَّ الطُّورَ اقْتُلِعَ مِن أصْلِهِ، ورُفِعَ وظَلَّلَ فَوْقَهم. والطُّورُ: هو الجَبَلُ. وقِيلَ لَهم وهو مُطِلٌّ فَوْقَهم "خُذُواْ ما آتَيْناكُمْ" مِنَ الكِتابِ "بِقُوَّةٍ" أيْ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ "واذْكُرُواْ ما فِيهِ" واحْفَظُوا ما في الكِتابِ وادْرُسُوهُ ولا تَنْسَوْهُ ولا تَغْفُلُوا عَنْهُ "لَعَلَّكم تَتَّقُونَ" لِكَيْ تَتَّقُوا المَعاصِيَ، أوْ رَجاءً مِنكم أنْ تَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ، أوْ طَلَبًا لِذَلِكَ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٧١]
قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ إنَّ هَذا يَكُونُ إلْجاءً ولا يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوابَ، قِيلَ: لَمْ يَسْتَحِقُّوا الثَّوابَ بِالِالتِزامِ، وإنَّما اسْتَحَقُّوهُ بِالعَمَلِ بِها مِن بَعْدُ. فَأمّا في التِزامِها فَمُضْطَرُّونَ، وقالَ بَعْضُ (p-١٤٩)النّاسِ: عَنى بِالطُّورِ تَشْدِيدَ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، وجَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا. وذَلِكَ بَعِيدٌ. ومِثْلُهُ قالَ القاشانِيُّ: طَوَّرَ الدِّماغَ لِلتَّمَكُّنِ مِن فَهْمِ المَعانِي وقَبُولِها. فَإنَّهُ بَعِيدٌ يَأْباهُ ظاهِرُ الآيَةِ الأُخْرى. وإنْ كانَ الإطْلاقُ في اللُّغَةِ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ.
البقرة 2:64
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٤ ] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
"ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ" أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ "مِن بَعْدِ ذَلِكَ" أيْ: مِن بَعْدِ أخْذِ ذَلِكَ المِيثاقِ المُؤَكَّدِ: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ أيْ لَكم بِتَوْفِيقِكم لِلتَّوْبَةِ، أوْ تَأْخِيرِ العَذابِ، ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ الهالِكِينَ بِالعُقُوبَةِ.
قالَ الرّاغِبُ: الخاسِرُ المُطْلَقُ، في القُرْآنِ، هو الَّذِي خَسِرَ أعْظَمَ ما يُقْتَنى، وذَلِكَ نَعِيمُ الأبَدِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ١٥]
وقالَ القَفّالُ: قَدْ يُعْلَمُ في الجُمْلَةِ أنَّهم بَعْدَ قَبُولِ التَّوْراةِ ورَفْعِ الطُّورِ، تَوَلَّوْا عَنِ التَّوْراةِ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ؛ فَحَرَّفُوا كَلِمَها عَنْ مَواضِعِهِ، وتَرَكُوا العَمَلَ بِها، وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، وكَفَرُوا بِهِمْ، وعَصَوْا أمْرَهم. ومِنها ما عَمِلَهُ أوائِلُهم، ومِنها ما فَعَلَهُ مُتَأخِّرُوهم، ولَمْ يَزالُوا في التِّيهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمُ الأعاجِيبَ لَيْلًا ونَهارًا يُخالِفُونَ مُوسى ويَعْتَرِضُونَ عَلَيْهِ، ويَلْقَوْنَهُ بِكُلِّ أذًى ويُجاهِرُونَ بِالمَعاصِي في مُعَسْكَرِهِمْ ذَلِكَ. حَتّى لَقَدْ خُسِفَ بِبَعْضِهِمْ، وأحْرَقَتِ النّارُ بَعْضَهُمْ، وعُوقِبُوا بِالطّاعُونِ. وكُلُّ هَذا مَذْكُورٌ في تَراجِمِ التَّوْراةِ الَّتِي يُقِرُّونَ بِها، ثُمَّ فَعَلَ مُتَأخِّرُوهم ما لا خَفاءَ بِهِ. حَتّى عُوقِبُوا بِتَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَفَرُوا بِالمَسِيحِ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِ.
والقُرْآنُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَيانُ ما تَوَلَّوْا بِهِ عَنِ التَّوْراةِ، فالجُمْلَةُ مَعْرُوفَةٌ، وذَلِكَ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ عِنادِ أسْلافِهِمْ. فَغَيْرُ عَجِيبٍ إنْكارُهم ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-١٥٠)مِنَ الكِتابِ، وجُحُودِهِمْ لِحَقِّهِ. وحالُهم في كِتابِهِمْ ونَبِيِّهِمْ ما ذُكِرَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَّرَهم تَعالى بِالإيقاعِ بِمَن نَقَضَ مِيثاقَهُ وفِيما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ مِن تَعْظِيمِ السَّبْتِ بِقَوْلِهِ:
البقرة 2:65
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٥ ] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾
﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ أيْ: تَعَمَّدُوا العُدْوانَ "مِنكم في السَّبْتِ" بِأنِ اسْتَحَلُّوهُ وتَحَيَّلُوا عَلى اصْطِيادِ الحِيتانِ فِيهِ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ابْتَلاهم، فَما كانَ يَبْقى حُوتٌ في البَحْرِ إلّا أخْرَجَ خُرْطُومَهُ يَوْمَ السَّبْتِ، فَإذا مَضى تَفَرَّقَتْ كَما قالَ: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] فَحَفَرُوا حِياضًا عِنْدَ البَحْرِ، وشَرَعُوا إلَيْها الجَداوِلَ، فَكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ. فَذَلِكَ الحَبْسُ في الحِياضِ هو اعْتِداؤُهم. فَتَسَبَّبَ عَنِ اعْتِدائِهِمُ المَذْكُورِ ما ذَكَرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ أيْ: صاغِرِينَ مَطْرُودِينَ مُبْعَدِينَ مِنَ الخَيْرِ، أذِلّاءَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ: أنَّهم مُسِخُوا قِرَدَةً، لَها أذْنابٌ تَعاوى، بَعْدَ ما كانُوا رِجالًا ونِساءً. وأمّا مُجاهِدٌ فَقالَ: مُسِخَتْ قُلُوبُهم ولَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَةً. وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهم كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا. رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وهَكَذا قالَ القاشانِيُّ "كُونُوا قِرَدَةً" أيْ مُشابِهِينَ النّاسَ في الصُّورَةِ ولَيْسُوا بِهِمْ. ثُمَّ قالَ: والمَسْخُ بِالحَقِيقَةِ حَقٌّ غَيْرُ مُنْكَرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ورَدَتْ بِهِ الآياتُ والأحادِيثُ. وفي أثَرٍ: عُدَّ المُسُوخُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، وبَيانُ أعْمالِهِمْ ومَعاصِيهِمْ ومُوجِباتِ (p-١٥١)مَسْخِهِمْ. والحاصِلُ أنَّ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ وصْفٌ مِن أوْصافِ الحَيَواناتِ، ورَسَخَ فِيهِ بِحَيْثُ زالَ اسْتِعْدادُهُ، وتَمَكَّنَ في طَبْعِهِ، وصارَ صُورَةً ذاتِيَّةً لَهُ، صارَ طَبْعُهُ طَبْعَ ذَلِكَ الحَيَوانِ. ونَفْسُهُ نَفْسَهُ، فَصارَتْ صِفَتُهُ صُورَتَهُ.
وهَذِهِ القِصَّةُ مَبْسُوطَةٌ في سُورَةِ الأعْرافِ حَيْثُ يَقُولُ تَعالى: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣]
البقرة 2:66
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٦ ] ﴿فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾
"فَجَعَلْناها" أيِ: المِسْخَةُ والعُقُوبَةُ "نَكالًا" عِبْرَةً تُنَكِّلُ المُعْتَبِرَ بِها، أيْ: تَمْنَعُهُ وتَرْدَعُهُ. ومِنهُ النِّكْلُ لِلْقَيْدِ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ مِنَ المَعاصِي مِن أهْلِ عالَمِها الشّاهِدِينَ لَها "وما خَلْفَها" مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم، أوْ لِأهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ وما حَوالَيْها، أوْ لِما بِحَضْرَتِها مِنَ القُرى وما تَباعَدَ عَنْها "ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ" مِن قَوْمِهِمْ، أوْ لِكُلِّ مُتَّقٍ سَمِعَها. وأشْعَرَ هَذا أنَّ التَّقْوى عِصْمَةٌ مِن كُلِّ مَحْذُورٍ، وأنَّ النِّقَمَ تَقَعُ في غَيْرِهِمْ، وعْظًا لَهم.
(تَنْبِيهٌ): أفادَتْ هَذِهِ الآيَةُ التَّنْوِيهَ بِشَأْنِ يَوْمِ السَّبْتِ عِنْدَ الإسْرائِيلِيِّينَ؛ إذْ مُسْتَحِلُّوهُ مِنهم مُسِخُوا قِرَدَةً. وفي تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ ما نَصُّهُ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى قائِلًا: كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ، تَحْفَظُونَ السَّبْتَ لِأنَّهُ مُقَدَّسٌ لَكم، مَن دَنَّسَهُ يُقْتَلْ، ومَن صَنَعَ فِيهِ عَمَلًا يُقْطَعُ مِن بَيْنِ شُعَبِهِ. في سِتَّةِ أيّامٍ تُصْنَعُ الأعْمالُ، وأمّا اليَوْمُ السّابِعُ فَفِيهِ سَبْتٌ راحَةٌ، ولْيَحْفَظْ بَنُو إسْرائِيلَ السَّبْتَ، ولْيَتَّخِذُوهُ عِيدًا بِأجْيالِهِمْ. لِأنَّ الرَّبَّ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ، وفَرَغَ يَوْمَ السّابِعِ. وفِيها أيْضًا ما نَصُّهُ: في سِتَّةِ أيّامٍ تَعْمَلُ عَمَلَكَ، وأمّا اليَوْمُ السّابِعُ فَفِيهِ تَسْتَرِيحُ، لِكَيْ يَسْتَرِيحَ ثَوْرُكَ وحِمارُكَ ويَتَنَفَّسَ ابْنُ أمَتِكَ والغَرِيبُ. انْتَهى.
وقَدْ حَرُمَ عَلى اليَهُودِ فِيهِ أنْ يُعِدُّوا طَعامَهم. بَلْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ أنْ يُوقِدُوا نارًا. وفي (p-١٥٢)سِفْرِ نَحِمْيا -فِي الفَصْلِ الثّالِثَ عَشَرَ- ما نَصُّهُ: وفي تِلْكَ الأيّامِ رَأيْتُ في يَهُوذا قَوْمًا يَدُوسُونَ في المَعاصِرِ في السَّبْتِ، ويَأْتُونَ بِأكْداسِها يَحْمِلُونَها عَلى الحَمِيرِ، وبِخَمْرٍ أيْضًا، وعِنَبٍ وتِينٍ، وكُلِّ حِمْلٍ مِمّا كانُوا يَأْتُونَ بِهِ إلى أُورْشَلِيمَ في يَوْمِ السَّبْتِ. فَأشْهَدْتُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَيْعِهِمُ الطَّعامَ. وكانَ الصُّورِيُّونَ المُقِيمُونَ بِها يَأْتُونَ بِالسَّمَكِ. وكُلُّ نَوْعٍ مِنَ المَبِيعاتِ، ويَبِيعُونَ في يَوْمِ السَّبْتِ لِبَنِي يَهُوذا وفي أُورْشَلِيمَ. فَخاصَمْتُ عُظَماءَ يَهُوذا، وقُلْتُ لَهم: ما هَذا الشَّرُّ الَّذِي تَفْعَلُونَهُ وتُدَنِّسُونَ يَوْمَ السَّبْتِ ؟ ألَمْ تَفْعَلْ آباؤُكم هَكَذا ؟ فَجَلَبَ إلَهُنا كُلَّ هَذا الشَّرِّ عَلَيْنا وعَلى هَذِهِ المَدِينَةِ، وأنْتُمْ تَزِيدُونَ الغَضَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِتَدْنِيسِكُمُ السَّبْتَ، إلى آخِرِهِ.
ولِما بَيَّنَ تَعالى قَساوَتَهم في حُقُوقِهِ العَلِيَّةِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ قَساوَتِهِمْ في مَصالِحِ أنْفُسِهِمْ تَوْبِيخًا لِأخْلاقِهِمْ. مَعَ الإشارَةِ إلى نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ في خَرْقِ العادَةِ في شَأْنِ البَقَرَةِ، وبَيانِ مَن هو القاتِلُ بِسَبَبِها، وإحْياءِ اللَّهِ تَعالى المَقْتُولَ، ونَصِّهِ عَلى مَن قَتَلَهُ مِنهم، فَقالَ:
البقرة 2:67
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٧ ] ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وذَلِكَ أنَّهُ وُجِدَ قَتِيلٌ فِيهِمْ، وكانُوا يُطالِبُونَ بِدَمِهِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ وأنْ يَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها لِيَحْيى ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ "قالُوا" اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعُوا ؟ هَلْ سارَعُوا إلى الِامْتِثالِ أوْ لا. فَقِيلَ: ﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ بِضَمِّ الزّايِ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا، وقُرِئَ بِالهَمْزَةِ مَعَ الضَّمِّ والسُّكُونِ. أيْ: أتَجْعَلُنا مَكانَ هُزُوٍ، أوْ أهْلَ هُزُوٍ، أوْ مَهْزُوًّا بِنا، أوْ نَفْسَ الهُزُوِ، لِلْمُبالَغَةِ. وأشْعَرَ جَوابُهم ما ثَبَتَ مِن فَظاظَتِهِمْ؛ إذْ فِيهِ سُوءُ الأدَبِ عَلى مَن ثَبَتَتْ رِسالَتُهُ وقَدْ عَلِمُوها.
" قالَ" اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ (p-١٥٣)أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لِأنَّ الهُزُؤَ في أثْناءِ تَبْلِيغِ أمْرِ اللَّهِ، سُبْحانَهُ، جَهْلٌ وسَفَهٌ. نَفى عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ما تَوَهَّمُوهُ مِن قِبَلِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وآكَدِهِ، بِإخْراجِهِ مَخْرَجَ ما لا مَكْرُوهَ وراءَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ، اسْتِفْظاعًا لَهُ، واسْتِعْظامًا لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ الَّتِي شافَهُوهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بِها. والعَوْذُ: اللَّجَأُ مِن مُتَخَوَّفٍ لِكافٍ يَكْفِيهِ. والجَهْلُ: التَّقَدُّمُ في الأُمُورِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
البقرة 2:68
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨ ] ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾
"قالُوا" تَمادِيًا في الغِلْظَةِ "ادْعُ لَنا" أيْ: لِأجْلِنا: ﴿رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ ما حالُها، وصِفَتُها ؟ ! . وذَلِكَ أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن بَقَرَةٍ مَيِّتَةٍ يُضْرَبُ بِبَعْضِها مَيِّتٌ فَيَحْيى. فَسَألُوا عَنْ صِفَةِ تِلْكَ البَقَرَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ، الخارِجَةِ عَمّا عَلَيْهِ البَقَرُ، و"ما" وإنْ شاعَتْ في طَلَبِ مَفْهُومِ الحَقِيقَةِ، لَكِنَّها قَدْ يُطْلَبُ بِها الصِّفَةُ والحالُ. تَقُولُ: ما زَيْدٌ ؟ فَيُقالُ: طَبِيبٌ أوْ عالِمٌ "قالَ" أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَعْدَ ما دَعا رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالبَيانِ، وأتاهُ الوَحْيُ "إنَّهُ" تَعالى: "يَقُولُ إنَّها" أيِ البَقَرَةُ المَأْمُورُ بِذَبْحِها "بَقَرَةٌ لا فارِضٌ" أيْ لا مُسِنَّةٌ. وقَدْ فَرَضَتْ فُرُوضًا، فَهي فارِضٌ، أيْ: أسَنَّتْ. مِنَ الفَرْضِ بِمَعْنى القَطْعِ. كَأنَّها قَطَعَتْ سِنَّها وبَلَغَتْ آخِرَها "ولا بِكْرٌ" أيْ لا فَتِيَّةٌ صَغِيرَةٌ لَمْ يُلَقِّحْها الفَحْلُ. "عَوانٌ" أيْ: نَصِفٌ "بَيْنَ ذَلِكَ" أيْ سِنَّيِ الفارِضِ والبِكْرِ ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ هَذا أمْرٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن بَيانِ صِفَةِ المَأْمُورِ بِهِ. وفِيهِ حَثٌّ عَلى الِامْتِثالِ، وزَجْرٌ عَنِ المُراجَعَةِ. ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَفْعَلُوا، بَلْ سَألُوا بَيانَ اللَّوْنِ بَعْدَ بَيانِ السِّنِّ بِأنْ:
البقرة 2:69
(p-١٥٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٩ ] ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾
شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، يُقالُ في التَّوْكِيدِ: أصْفَرُ فاقِعٌ ووارِسٌ، كَما يُقالُ: أسْوَدُ حالِكٌ وأبْيَضُ يَقِقٌ، وأحْمَرُ قانِئٌ، وأخْضَرُ ناضِرٌ ومُدْهامٌّ. وفي إسْنادِ الفُقُوعِ إلى اللَّوْنِ -مَعَ كَوْنِهِ مِن أحْوالِ المُلَوَّنِ لِمُلابَسَتِهِ بِهِ- ما لا يَخْفى مِن فَضْلِ تَأْكِيدٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: صَفْراءُ شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ صُفْرَتُها كَما في: جِدُّ جِدِّهِ "تَسُرُّ النّاظِرِينَ" أيْ: تُبْهِجُ نُفُوسَهم.
رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ أخَذُوا أدْنى بَقَرَةٍ لاكْتَفَوْا بِها، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ. وقَدْ رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَفَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:70
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٠ ] ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ زِيادَةُ اسْتِكْشافٍ عَنْ حالِها لِتَمْتازَ عَمّا يُشارِكُها في التَّعْوِينِ والصُّفْرَةِ. ولِذَلِكَ عَلَّلُوا تَكْرِيرَ سُؤالِهِمْ بِقَوْلِهِمْ "إنَّ البَقَرَ" المَوْصُوفَ بِما تَقَدَّمَ "تَشابَهَ عَلَيْنا" لِكَثْرَتِهِ، أيِ: اشْتَبَهَ عَلَيْنا أيُّها نَذْبَحُ. قالَ البِقاعِيُّ: وذَكَّرَ الفِعْلَ، لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ حُرُوفُهُ أقَلُّ مِن حُرُوفِ واحِدِهِ، فَإنَّ العَرَبَ تُذَكِّرُهُ. نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى البَقَرَةِ المُرادِ ذَبْحُها.
البقرة 2:71
(p-١٥٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧١ ] ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾
﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ أيْ: لَمْ تُذَلَّلْ لِإثارَةِ الأرْضِ وسَقْيِ الحَرْثِ. و"ذَلُولٌ" صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ. بِمَعْنى غَيْرُ ذَلُولٍ و"لا" الأُولى لِلنَّفْيِ، والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ الأُولى. لِأنَّ المَعْنى: لا ذَلُولَ تُثِيرُ وتَسْقِي، عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ صِفَتانِ لِذَلُولٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولَ مُثِيرَةٌ وساقِيَةٌ، والمَقْصُودُ: إنَّها مُكَرَّمَةٌ لَيْسَتْ مُذَلَّلَةً بِالحِراثَةِ، ولا مُعَدَّةً لِلسَّقْيِ في السّانِيَّةِ. "مُسَلَّمَةٌ"، سَلَّمَها اللَّهُ مِنَ العُيُوبِ، أوْ مُعْفاةٌ مِنَ العِلْمِ، سَلَّمَها أهْلُها مِنهُ، أوَمُخَلَّصَةُ اللَّوْنِ لَمْ يَشِبْ صُفْرَتَها شَيْءٌ مِنَ الألْوانِ. مِن: سَلَمَ لَهُ كَذا، إذا خَلَصَ لَهُ "لا شِيَةَ فِيها"، أيْ: لا لَوْنَ فِيها يُخالِفُ لَوْنَ جِلْدِها مِن بَياضٍ وسَوادٍ وحُمْرَةٍ، فَهي صَفْراءُ كُلُّها، وهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ: وشاهٌ وشَيا وشِيَةٌ، إذا خَلَطَ بِلَوْنِهِ لَوْنًا آخَرَ. في الصِّحاحِ: الشِّيَةُ: كُلُّ لَوْنٍ يُخالِفُ مُعْظَمَ لَوْنِ الفَرَسِ وغَيْرِهِ. والهاءُ عِوَضٌ مِنَ الواوِ الذّاهِبَةِ مِن أوَّلِهِ. والجَمْعُ: شِياتٌ. يُقالُ: ثَوْرٌ أشْيَهُ، كَما يُقالُ: فَرَسٌ أبْلَقُ.
﴿قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِحَقِيقَةِ وصْفِ البَقَرَةِ بِحَيْثُ مَيَّزْتَها عَنْ جَمِيعِ ما عَداها، ولَمْ يَبْقَ لَنا في شَأْنِها اشْتِباهٌ أصْلًا. بِخِلافِ المَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، فَإنَّ ما جِئْتَ بِهِ فِيهِما لَمْ يَكُنْ في التَّعْيِينِ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ "فَذَبَحُوها"، الفاءُ فَصِيحَةٌ، كَما في "فانْفَجَرَتْ"، أيْ: فَحَصَلُوا البَقَرَةَ فَذَبَحُوها "وما كادُوا يَفْعَلُونَ" كادَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ، وُضِعَ لِدُنُوِّ الخَبَرِ مِنَ الحُصُولِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ذَبَحُوا، أيْ: فَذَبَحُوها والحالُ أنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِنهُ. اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ. ومَآلُهُ اسْتِثْقالُ اسْتِقْصائِهِمْ واسْتِبْطاءٌ لَهم، وأنَّهم لِفَرْطِ تَطْوِيلِهِمْ وكَثْرَةِ مُراجَعاتِهِمْ ما كادَ يَنْتَهِي خَيْطُ إسْهابِهِمْ فِيها.
(تَنْبِيهٌ) قالَ الرّاغِبُ: قالَ بَعْضُ النّاسِ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى نَسْخِ الشَّيْءِ قَبْلَ (p-١٥٦)فِعْلِهِ. فَإنَّ في الأوَّلِ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، وكانَ لَهم أنْ يَذْبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ شاؤُوا. وفي الثّانِي والثّالِثِ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مَخْصُوصَةٍ. فَكَأنَّهم نُهُوا عَمّا كانُوا أُمِرُوا بِهِ مِن قَبْلُ. ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الأوَّلَ أمْرٌ مُطْلَقٌ، والثّانِي والثّالِثُ كالبَيانِ لَهُ، لَمّا راجَعُوا، ولَمْ يَسْقُطْ عَنْهم ذَبْحُ البَقَرَةِ. بَلْ زِيدَ في أوْصافِها، وكُشِفَ عَنِ المُرادِ بِالأمْرِ الأوَّلِ. وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ.
البقرة 2:72
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢ ] ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾
﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ أيِ: اخْتَلَفْتُمْ واخْتَصَمْتُمْ في شَأْنِها؛ إذْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخُصَماءِ يُدافِعُ الآخَرَ: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مُظْهِرٌ، لا مَحالَةَ ما كَتَمْتُمْ مِن أمْرِ القَتِيلِ، لا يَتْرُكُهُ مَكْتُومًا.
البقرة 2:73
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٣ ] ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
"فَقُلْنا اضْرِبُوهُ" أيِ: المَقْتُولَ "بِبَعْضِها" أيِ: البَقَرَةِ. يَعْنِي فَضَرَبُوهُ فَحَيى وأخْبَرَ بِقاتِلِهِ. كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ "كَذَلِكَ" أيْ: مِثْلُ هَذا الإحْياءِ العَظِيمِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الغَرِيبَةِ "يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى" يَوْمَ القِيامَةِ "ويُرِيكم آياتِهِ" أيْ: دَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى أنَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ هَذا الإحْياءُ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالجَمْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى أُمُورٍ بَدِيعَةٍ مِن تَرَتُّبِ الحَياةِ عَلى عُضْوٍ مَيِّتٍ، وإخْبارُهُ بِقاتِلِهِ، وما يُلابِسُهُ مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ "لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ" لِتَكُونُوا بِرُؤْيَةِ تِلْكَ الآياتِ عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يَحْصُلَ لَكم عَقْلٌ، فَيُرْشِدُكم إلى اعْتِقادِ البَعْثِ وغَيْرِهِ، مِمّا تُخْبِرُ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
(p-١٥٧)قالَ الرّاغِبُ: وقَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ قِيلَ هو حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ، وقِيلَ بَلْ هو خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِهَذِهِ الأُمَّةِ، تَنْبِيهًا عَلى الِاعْتِبارِ بِإحْيائِهِ المَوْتى.
تَنْبِيهاتٌ:
(الأوَّلُ): قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما لِلْقِصَّةِ لَمْ تُقَصَّ عَلى تَرْتِيبِها، وكانَ حَقُّها أنْ يُقَدَّمَ ذِكْرُ القَتِيلِ والضَّرْبِ بِبَعْضِ البَقَرَةِ عَلى الأمْرِ بِذَبْحِها ؟ فَيُقالُ: وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها، فَقُلْنا اذْبَحُوا بَقَرَةً واضْرِبُوهُ بِبَعْضِها ؟
(أُجِيبَ): بِأنَّ كُلَّ ما قُصَّ مِن قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ، إنَّما قُصَّ تَعْدِيدًا لِما وُجِدَ مِنهم مِنَ الجِناياتِ، وتَقْرِيعًا لَهم عَلَيْها، ولِما جُدِّدَ فِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ. وهاتانِ قِصَّتانِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُسْتَقِلَّةٌ بِنَوْعٍ مِنَ التَّقْرِيعِ وإنْ كانَتا مُتَّصِلَتَيْنِ مُتَّحِدَتَيْنِ. فالأُولى لِتَقْرِيعِهِمْ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، وتَرْكِ المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ. والثّانِيَةُ لِلتَّقْرِيعِ عَلى قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، وما يَتْبَعُهُ مِنَ الآيَةِ العَظِيمَةِ. وإنَّما قُدِّمَتْ قِصَّةُ الأمْرِ بِذَبْحِ البَقَرَةِ عَلى ذِكْرِ القَتِيلِ، لِأنَّهُ لَوْ عَمِلَ عَلى عَكْسِهِ لَكانَتْ قِصَّةً واحِدَةً، ولَذَهَبَ الغَرَضُ في تَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ. ولَقَدْ رُوعِيَتْ نُكْتَةٌ، بَعْدَ ما اسْتُؤْنِفَتِ الثّانِيَةُ، اسْتِئْنافَ قِصَّةٍ بِرَأْسِها أنْ وصَلَتْ بِالأُولى دَلالَةً عَلى اتِّحادِهِما بِضَمِيرِ البَقَرَةِ لا بِاسْمِها الصَّرِيحِ في قَوْلِهِ: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها، حَتّى تَبَيَّنَ أنَّهُما قِصَّتانِ فِيما يَرْجِعُ إلى التَّقْرِيعِ، وتَثْنِيَتُهُ بِإخْراجِ الثّانِيَةِ مَخْرَجَ الِاسْتِئْنافِ مَعَ تَأْخِيرِها. وأنَّها قِصَّةٌ واحِدَةٌ بِالضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى البَقَرَةِ. اهـ.
وقالَ الحَرالِيُّ: قُدِّمَ نَبَأُ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ذِكْرِ نِدائِهِمْ في القَتِيلِ، ابْتِداءً بِأشْرَفِ القَصْدَيْنِ مِن مَعْنى التَّشْرِيعِ الَّذِي هو القائِمُ عَلى أفْعالِ الِاعْتِداءِ وأقْوالِ الخُصُومَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
(التَّنْبِيهُ الثّانِي) قالَ الرّاغِبُ: قَدِ اسْتَبْعَدَ بَعْضُ النّاسِ ذَلِكَ وما حَكاهُ اللَّهُ مِنهُ، وأنْكَرَ (p-١٥٨)حُصُولَ ذَلِكَ الفِعْلِ عَلى الحَقِيقَةِ وقالَ: ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مِن حَيْثُ الطَّبِيعَةُ، وأيْضًا فَإنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ فِيهِ حِكْمَةٌ إلَهِيَّةً. فَأمّا اسْتِبْعادُهُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الطَّبِيعَةُ فَإنَّما هو اسْتِبْعادٌ لِلْإحْياءِ والنُّشُورِ، ولِذَلِكَ مَوْضِعٌ لا يَخْتَصُّ بِالتَّفْسِيرِ. ومَن كانَ ذَلِكَ طَرِيقَتَهُ فَلا خَوْضَ مَعَهُ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ. وأمّا الحِكْمَةُ فِيهِ فَظاهِرَةٌ إذْ هو مِنَ المُعْجِزاتِ المَحْسُوسَةِ الباهِرَةِ لِلْعُقُولِ. وأمّا تَخْصِيصُ البَقَرَةِ، فَإنَّ كَثِيرًا مِن حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى لا يُمْكِنُ لِلْبَشَرِ الوُقُوفُ عَلَيْهِ. ولَوْ لَمْ يَكُنْ في تَخْصِيصِ بَقَرَةٍ عَلى وصْفٍ مَخْصُوصٍ إلّا تَوافُرَ المَأْمُورِينَ بِذَلِكَ عَلى طَلَبِها، واسْتِيجابَ الثَّوابِ في بَذْلِ ثَمَنِها، وجَلْبَ نَفْعٍ تَوَفَرَ إلى صاحِبِها -لَكانَ في ذَلِكَ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ.
وفِي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الجَماعَةَ الَّتِي حُكْمُهم واحِدٌ يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ الفِعْلُ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ واقِعًا مِن بَعْضِهِمْ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ كَذِبًا، كَأنَّ الجُمْلَةَ المُرَكَّبَةَ مِن شَخْصٍ واحِدٍ يَصِحُّ أنْ يُنْسَبَ إلَيْها ما وقَعَ مِن عُضْوٍ مِنها.
وقَدْ ذَكَرَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قِصَّةَ البَقَرَةِ وصاحِبِها بِرِواياتٍ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ نُورِدْ شَيْئًا مِنها لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ. كَما أنَّ البَعْضَ مِنَ البَقَرَةِ لَمْ يَجِئْ مِن طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْصُومٍ بَيانُهُ. فَنَحْنُ نُبْهِمُهُ كَما أبْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى، إذْ لَيْسَ في تَعْيِينِهِ لَنا فائِدَةٌ دِينِيَّةٌ ولا دُنْيَوِيَّةٌ، وإنْ كانَ مُعَيَّنًا في نَفْسِ الأمْرِ، وأيًّا كانَ فالمُعْجِزَةُ حاصِلَةٌ بِهِ.
البقرة 2:74
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٤ ] ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ المُخاطَبُونَ إمّا أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِهِ ﷺ، أيِ اشْتَدَّتْ قُلُوبُكم وقَسَتْ وصَلُبَتْ مِن بَعْدِ البَيِّناتِ الَّتِي جاءَتْ أوائِلَكم، والأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ عَلَيْهِمْ، والعِقابِ الَّذِي نَزَلَ بِمَن أصَرَّ عَلى المَعْصِيَةِ مِنهم، والآياتِ الَّتِي (p-١٥٩)جاءَهم بِها أنْبِياؤُهم، والمَواثِيقُ الَّتِي أخَذُوها عَلى أنْفُسِهِمْ، وعَلى كُلِّ مَن دانَ بِالتَّوْراةِ مِمَّنْ سِواهم. فَأخْبَرْ بِذَلِكَ عَنْ طُغْيانِهِمْ وجَفائِهِمْ مَعَ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي تَلِينُ عِنْدَها القُلُوبُ. وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ"، خِطابُ مُشافَهَةٍ. فَحَمْلُهُ عَلى الحاضِرِينَ أوْلى. وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أُولَئِكَ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خُصُوصًا، أوْ مَن قَبْلَ المُخاطَبِينَ مِن سَلَفِهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ.
"فَهِيَ كالحِجارَةِ" في القَساوَةِ "أوْ أشَدُّ" مِنها "قَسْوَةً" أيْ: هي في القَسْوَةِ مِثْلُ الحِجارَةِ أوْ زائِدَةٌ عَلَيْها فِيها. و"أوْ" لِلتَّخْيِيرِ أوْ لِلتَّرْدِيدِ. بِمَعْنى أنَّ مَن عَرَفَ حالَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ، أوْ بِما هو أقْسى كالحَدِيدِ، أوْ مَن عَرَفَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ، أوْ قالَ هي أقْسى مِنَ الحِجارَةِ، وتَرْكُ ضَمِيرِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِلْأمْنِ مِن الِالتِباسِ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ﴾ أيْ يَتَفَتَّحُ بِالسِّعَةِ والكَثْرَةِ "مِنهُ الأنْهارُ" بَيانٌ لِأشَدِّيَّةِ قُلُوبِهِمْ مِنَ الحِجارَةِ في القَساوَةِ وعَدَمِ التَّأثُّرِ بِالعِظاتِ والقَوارِعِ الَّتِي تَمِيعُ مِنها الجِبالُ وتَلِينُ بِها الصُّخُورُ، يَعْنِي أنَّ الحِجارَةَ رُبَّما تَتَأثَّرُ حَيْثُ يَكُونُ مِنها ما يَتَفَجَّرُ مِنهُ المِياهُ العَظِيمَةُ "وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ" أيْ يَتَشَقَّقُ "فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ" أيِ العُيُونُ الَّتِي هي دُونَ الأنْهارِ ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ يَتَرَدّى مِن رَأْسِ الجَبَلِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، انْقِيادًا لِما سَخَّرَهُ لَهُ مِنَ المَيْلِ إلى المَرْكَزِ بِالسَّلاسَةِ، قالَهُ القاشانِيُّ.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى الِاسْتِدْلالِ بِظاهِرِ الآيَةِ عَلى خَلْقِ التَّمْيِيزِ في الجَمادِ حَتّى يَخْشى ويُسَبِّحَ. والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وأمْثالَها مِنَ المَجازِ البَلِيغِ. وأنَّ الإطْلاقَ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. لا سِيَّما وأنَّ المَجازَ أكْثَرُ في اللِّسانِ مِنها، كَما بَسَطَ في مُطَوَّلاتِ البَيانِ.
وقَدْ رَدَّ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ، في أوَّلِ كِتابِهِ "الفَصْلُ" عَلى مَن زَعَمَ أنَّ لِلْحَيَوانِ والجَمادِ تَمْيِيزًا، رَدًّا مُسْهَبًا. وقالَ: مَنِ ادَّعى ذَلِكَ أُكَذِّبُهُ العِيانَ. ثُمَّ اسْتَثْنى ما كانَ مُعْجِزَةً لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
(قالَ): ولَعَلَّ مُعْتَرِضًا يَعْتَرِضُ بِقَوْلِهِ تَعالى يَصِفُ الحِجارَةَ: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن (p-١٦٠)خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ فَقَدْ عَلِمْنا بِالضَّرُورَةِ أنَّ الحِجارَةَ لَمْ تُؤْمَرْ بِشَرِيعَةٍ ولا بِعَقْلٍ ولا بُعِثَ إلَيْها نَبِيٌّ. فَإذْ لا شَكَّ في هَذا، فَإنَّ القَوْلَ مِنهُ تَعالى يَخْرُجُ عَلى أحَدِ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ﴾ راجِعٌ إلى القُلُوبِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ فَذَكَرَ تَعالى أنَّ مِن تِلْكَ القُلُوبِ القاسِيَةِ ما يَقْبَلُ الإيمانَ يَوْمًا ما، فَيَهْبِطُ عَنِ القَسْوَةِ إلى اللِّينِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا أمْرٌ يُشاهَدُ بِالعِيانِ، فَقَدْ تَلِينُ القُلُوبُ القاسِيَةُ بِلُطْفِ اللَّهِ تَعالى، ويَخْشى العاصِي. وقَدْ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] وكَما أخْبَرَ تَعالى أنَّ مِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ أنْ أخْبَرَ أنَّ ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ [التوبة: ٩٧] (قالَ) فَهَذا وجْهٌ ظاهِرٌ مُتَيَقَّنُ الصِّحَّةِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الخَشْيَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ إنَّما هي التَّصَرُّفُ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى وجَرْيِ أقْدارِهِ، كَما قُلْنا في قَوْلِهِ تَعالى حاكِيًا عَنِ السَّماءِ والأرْضِ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]
(p-١٦١)والوَجْهُ الثّالِثُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الجَبَلَ الَّذِي صارَ دَكًّا، إذْ تَجَلّى اللَّهُ تَعالى لَهُ يَوْمَ سَألَهُ كَلِيمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ الرُّؤْيَةَ، فَذَلِكَ الجَبَلُ بِلا شَكٍّ مِن جُمْلَةِ الحِجارَةِ، وقَدْ هَبَطَ عَنْ مَكانِهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ وآيَةٌ وإحالَةُ طَبِيعَةٍ في ذَلِكَ الجَبَلِ خاصَّةً. ويَكُونُ "يَهْبِطُ" بِمَعْنى "هَبَطَ" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] مَعْناهُ: وإذْ مَكَرَ، وبَيَّنَ قَوْلُهُ تَعالى، مُصَدِّقًا إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ ﷺ في إنْكارِهِ عَلى أبِيهِ عِبادَةَ الحِجارَةِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] فَصَحَّ بِهَذا، صِحَّةً لا مَجالَ لِلشَّكِّ فِيها، أنَّ الحِجارَةَ لا تَعْقِلُ. وإذْ تَيَقَّنَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ وبِالضَّرُورَةِ والمُشاهَدَةِ فَقَدِ انْتَفى عَنْها النُّطْقُ والتَّمْيِيزُ والخَشْيَةُ، المَعْهُودُ كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنا.
وأمّا الأحادِيثُ المَأْثُورَةُ في أنَّ الحَجَرَ لَهُ لِسانٌ وشَفَتانِ، والكَعْبَةُ كَذَلِكَ، وأنَّ الجِبالَ تَطاوَلَتْ، وخَشَعَ جَبَلُ كَذا، فَخُرافاتٌ مَوْضُوعَةٌ نَقَلَها كُلُّ كَذّابٍ وضَعِيفٍ، لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ مِن طَرِيقِ الإسْنادِ أصْلًا. ويَكْفِي مِنَ التَّطْوِيلِ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ شَيْئًا مِنها مَنِ انْتَدَبَ مِنَ الأئِمَّةِ لِتَصْنِيفِ الصَّحِيحِ مِنَ الحَدِيثِ، أوْ ما يُسْتَجازُ رِوايَتُهُ، مِمّا يُقارِبُ الصِّحَّةَ (انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَزْمٍ) .
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أهْلُ النَّحْوِ في مَعْنى الهُبُوطِ -ما هَبَطَ مِنَ الأحْجارِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ- فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ هُبُوطَ ما هَبَطَ مِنها مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَفَيَّؤُ ظِلالَهُ. وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ الجَبَلُ الَّذِي صارَ دَكًّا إذْ تَجَلّى لَهُ رَبُّهُ. وقالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ: ﴿يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (p-١٦٢)كَقَوْلِهِ: ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] ولا إرادَةَ لَهُ. قالُوا: وإنَّما أُرِيدَ بِذَلِكَ أنَّهُ مِن عِظَمِ أمْرِ اللَّهِ يُرى كَأنَّهُ هابِطٌ خاشِعٌ مِن ذُلِّ خَشْيَةِ اللَّهِ. قالَزَيْدُ الخَيْلِ:
؎بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِهِ تَرى الأُكْمَ مِنهُ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
وكَما قالَ سُوَيْدُ بْنُ أبِي كاهِلٍ، يَصِفُ عَدُوًّا لَهُ:
؎ساجِدَ المَنخِرِ لاْ يَرْفَعُهُ ∗∗∗ خاشِعَ الطَّرْفِ أصَمَّ المُسْتَمَعْ
يُرِيدُ أنَّهُ ذَلِيلٌ.
(p-١٦٣)وكَما قالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ:
؎لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُوَرُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
وقالَ آخَرُونَ: مَعْنى قَوْلِهِ "يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ" أيْ يُوجِبُ الخَشْيَةَ لِغَيْرِهِ بِدَلالَتِهِ عَلى صانِعِهِ. كَما قِيلَ: ناقَةٌ تاجِرَةٌ إذا كانَتْ، مِن نَجابَتِها وفَراهَتِها، تَدْعُو النّاسَ إلى الرَّغْبَةِ فِيها، كَما قالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ:
؎وأعْوَرُ مِن نَبْهانَ، أمّا نَهارُهُ ∗∗∗ فَأعْمىْ، وأمّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ
فَجَعَلَ الصِّفَةَ لِلَّيْلِ والنَّهارِ، وهو يُرِيدُ بِذَلِكَ صاحِبَهُ النَّبْهانِيَّ الَّذِي يَهْجُوهُ. مِن أجْلِ أنَّهُ فِيهِما كانَ ما وصَفَهُ بِهِ. ثُمَّ اخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ. وتَقَدَّمَ رَدُّ ابْنُ حَزْمٍ لَهُ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ.
(p-١٦٤)ثُمَّ رَأيْتُ الإمامَ الرّاغِبَ حاوَلَ هُنا تَقْرِيبَ ما نَقَلَ مِنَ الوُقُوفِ عَلى ظاهِرِها بِتَأْوِيلِهِ. وعِبارَتُهُ: قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: كُلُّ حَجَرٍ تَرَدّى مِن رَأْسِ جَبَلٍ فَخَشْيَةُ اللَّهِ نَزَلَتْ بِهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الهابِطُ مِنها قَدْ جُعِلَ لَهُ مَعْرِفَةً، قالَ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْـزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] وقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الحج: ١٨] إلى قَوْلِهِ ﴿والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ﴾ [الحج: ١٨] وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذا عَنِ السَّلَفِ، ولا بُدَّ في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِن مُقَدِّمَةٍ تَكْشِفُ عَنْ وجْهِ هَذا القَوْلِ، وحَقِيقَتِهِ. فَإنَّ قَوْمًا اسْتَسْلَمُوا لِما حُكِيَ لَهم مِن هَذا النَّحْوِ، فانْطَوَوْا عَلى شُبْهَةٍ، وقَوْمًا اسْتَبْعَدُوا ذَلِكَ واسْتَخَفُّوا عَقْلَ رُواتِهِ وقائِلِيهِ، فَيُقالُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ قَوْمًا مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ذَكَرُوا أنَّ جَمِيعَ المَعارِفِ عَلى أضْرُبٍ:
الأوَّلُ المَعْرِفَةُ التّامَّةُ الَّتِي هي العِلْمُ التّامُّ. وذَلِكَ لِعَلّامِ الغُيُوبِ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
والثّانِي مَعْرِفَةٌ مُتَزايِدَةٌ، وهي لِلْإنْسانِ، وذاكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لَهُ مَعْرِفَةً غَرِيزِيَّةً، وجَعَلَ لَهُ بِذَلِكَ سَبِيلًا إلى تَعَرُّفِ كَثِيرٍ مِمّا لَمْ يَعْرِفْهُ. ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلْإنْسانِ. والثّالِثُ مَعْرِفَةٌ دُونَ ذَلِكَ، وهي مَعْرِفَةُ الحَيَواناتِ الَّتِي سَخَّرَها لِإيثارِ أشْياءَ نافِعَةٍ لَها والسَّعْيِ إلَيْها. واسْتِرْذالِ أشْياءَ هي ضارَّةٌ لَها وتَجَنُّبِها، ودَفْعِ مَضارَّ عَنْ أنْفُسِها.
والرّابِعُ: مَعْرِفَةُ النّامِياتِ مِنَ الأشْجارِ والنَّباتِ، وهي دُونَ ما لِلْحَيَواناتِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا في اسْتِجْلابِ المَنافِعِ وما يُنَمِّيها.
والخامِسُ: مَعْرِفَةُ العَناصِرِ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُسَخَّرٌ لِأنْ يَشْغَلَ المَكانَ المُخْتَصَّ بِهِ كالحَجَرِ في طَلَبِ السُّفْلِ، والنّارِ في (p-١٦٥)طَلَبِ العُلُوِّ، وذَلِكَ بِتَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى، بِلا اخْتِيارٍ مِنهُ. قالُوا: والدَّلالَةُ عَلى ذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ العَناصِرِ إذا نُقِلَ مِن مَرْكَزِهِ قَهْرًا، أبى إلّا العَوْدَ إلَيْهِ طَوْعًا. قالُوا ويُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ السِّراجَ يَجْتَذِبُ الأدْهانَ الَّتِي تُبْقِيهِ، ويَأْبى الماءَ الَّذِي يُطْفِيهِ، وأنَّ المِغْناطِيسَ يَجُرُّ الحَدِيدَ ولا يَجُرُّ غَيْرَهُ. هَذا ما حَكَوْهُ.
فَعَلى هَذا إذا قِيلَ: لِهَذِهِ الأشْياءِ مَعْرِفَةٌ، فَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، مَتى سَلِمَ لَهم أنَّ هَذِهِ القُوى تُسَمّى مَعْرِفَةً، فَأمّا إذا قِيلَ إنَّ لِلْجَماداتِ مَعارِفَ الإنْسانِ في أنَّها تُمَيِّزُ وتَخْتارُ وتُرِيدُ، فَهَذا مِمّا تُعافُهُ العُقُولُ. (انْتَهى قَوْلُ الرّاغِبِ) .
وهُوَ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، ومَبْناهُ عَلى أنَّ اصْطِلاحَ السَّلَفِ في كَثِيرٍ مِنَ الإطْلاقاتِ غَيْرُ اصْطِلاحاتِ الخَلَفِ. وهو مُسَلَّمٌ في كَثِيرٍ مِنَ الإطْلاقاتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ وتَشْدِيدِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى. فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا كانَ عالِمًا بِما يَعْمَلُونَهُ، مُطَّلِعًا عَلَيْهِ غَيْرَ غافِلٍ عَنْهُ، كانَ لِمُجازاتِهِمْ بِالمِرْصادِ، ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَساوَةَ قُلُوبِهِمْ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ بُعْدُهم عَنِ الإيمانِ، فالتَفَتَ إلى المُؤْمِنِينَ يُؤْيِسُهم مِن فَلاحِهِمْ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ عَمّا كانَ يَشْتَدُّ حِرْصُهُ عَلَيْهِ مِن طَلَبِ إيمانِهِمْ في مَعْرِضِ التَّنْكِيتِ عَلَيْهِمْ، والتَّبْكِيتِ لَهم، مُنْكِرًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ فَقالَ:
البقرة 2:75
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٥ ] ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾
"أفَتَطْمَعُونَ" أيُّها المُؤْمِنُونَ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ تَفاصِيلَ شُؤُونِ أسْلافِهِمُ المُؤَيَّسَةِ عَنْهم "أنْ يُؤْمِنُوا" أيْ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ الَّذِينَ بَيْنَ أظْهُرِكم، وهم مُتَماثِلُونَ في الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، لا يَأْتِي مِن أخْلاقِهِمْ إلّا مِثْلُ ما أتى مِن أسْلافِهِمْ. (واللّامُ في قَوْلِهِ) "لَكُمْ" لِتَضْمِينِ (p-١٦٦)مَعْنى الِاسْتِجابَةِ. كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: في إيمانِهِمْ مُسْتَجِيبِينَ لَكم، أوْ لِلتَّعْلِيلِ أيْ في أنْ يُحْدِثُوا الإيمانَ لِأجْلِ دَعْوَتِكم: ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ طائِفَةٌ فِيمَن سَلَفَ مِنهم: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وهو ما يَتْلُونَهُ مِنَ التَّوْراةِ "ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ" قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ "يُحَرِّفُونَهُ" يُبَدِّلُونَ مَعْناهُ وتَأْوِيلَهُ ويُغَيِّرُونَهُ، وأصْلُهُ مِنِ انْحِرافِ الشَّيْءِ عَنْ جِهَتِهِ وهو مَيْلُهُ عَنْها إلى غَيْرِها. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ "يُحَرِّفُونَهُ" أيْ: يُمِيلُونَهُ عَنْ وجْهِهِ، ومَعْناهُ الَّذِي هو مَعْناهُ، إلى غَيْرِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ أيْ فَهِمُوهُ عَلى الجَلِيَّةِ، ومَعَ هَذا يُخالِفُونَهُ عَلى بَصِيرَةٍ "وهم يَعْلَمُونَ" أنَّهم مُخْطِئُونَ فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن تَحْرِيفِهِ وتَأْوِيلِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا إخْبارٌ عَنْ إقْدامِهِمْ عَلى البَهْتِ ومُناصَبَتِهِمُ العَداوَةَ لَهُ ولِرَسُولِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وأنَّ بَقاياهم في العَصْرِ المُحَمَّدِيِّ عَلى مِثْلِ ما كانَ عَلَيْهِ أوائِلُهم في العَصْرِ المُوسَوِيِّ بَغْيًا وحَسَدًا. وهَذا المَقامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ، بِالفَرِيقِ مِنهم، أحْبارُهم، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لِضَرْبٍ مِنَ الأغْراضِ عَلى ما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى، مِن بَعْدُ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقالَ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]
(p-١٦٧)ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ، كَيْفَ يَلْزَمُ مِن إقْدامِ البَعْضِ عَلى التَّحْرِيفِ حُصُولُ اليَأْسِ مِن إيمانِ الباقِينَ، فَإنَّ عِنادَ البَعْضِ لا يُنافِي إقْرارَ الباقِينَ. وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ فَقالَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ، وهم إنَّما يَأْخُذُونَ دِينَهم، ويَتَعَلَّمُونَهُ مِن قَوْمٍ هم يَتَعَمَّدُونَ التَّحْرِيفَ عِنادًا، فَأُولَئِكَ إنَّما يُعَلِّمُونَهم ما حَرَّفُوهُ وغَيَّرُوهُ عَنْ وجْهِهِ، والمُقَلِّدَةُ لا يَقْبَلُونَ إلّا ذَلِكَ، ولا يَلْتَفِتُونَ إلى أقْوالِ أهْلِ الحَقِّ، وهو قَوْلُكَ لِلرَّجُلِ كَيْفَ تَفْلَحُ، وأُسْتاذُكَ فُلانٌ ؟ أيْ وأنْتَ عَنْهُ تَأْخُذُ، ولا تَأْخُذُ عَنْ غَيْرِهِ.
ونَحْوَهُ قَوْلُ الرّاغِبِ: لَمّا كانَ الإيمانُ هو العِلْمَ الحَقِيقِيَّ مَعَ العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، فَمَتى لَمْ يَتَحَرَّ ذَلِكَ مَن حَصَلَ لَهُ بَعْضُ العُلُومِ، فَحَقِيقٌ أنْ لا يَحْصُلَ لِمَن غَبِيَ عَنْ كُلِّ العُلُومِ. فَذَكَرَ ذَلِكَ تَبْعِيدًا لِإيمانِهِمْ لا يَأْسًا لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ ما لا يُطْمَعُ فِيهِ كانَ مَأْيُوسًا (ثُمَّ قالَ الرّاغِبُ) وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ أنْ لَيْسَ المانِعُ لِلْإنْسانِ مِن تَحَرِّي الإيمانَ الجَهْلَ بِهِ فَقَطْ، بَلْ يَكُونُ عِنادًا وغَلَبَةَ شَهْوَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) ما نَقَلْناهُ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ "ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ" هو الأنْسَبُ بِاعْتِبارِ سَوْقِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ولا يُتَوَهَّمُ مِن ذَلِكَ دَفْعُ تَحْرِيفِهِمُ اللَّفْظِيِّ عَنِ التَّوْراةِ، فَإنَّهُ واقِعٌ بِلا رَيْبٍ؛ فَقَدْ بَدَّلُوا بَعْضًا مِنها وحَرَّفُوا لَفْظَهُ، وأوَّلُوا بَعْضًا مِنها بِغَيْرِ المُرادِ مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الإنْجِيلِ. ويَشْهَدُ لِذَلِكَ كَلامُ أحْبارِهِمْ، فَقَدْ نَقَلَ العَلّامَةُ الجَلِيلُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ الهِنْدِيُّ في كِتابِهِ (إظْهارُ الحَقِّ): أنَّ أهْلَ الكِتابِ سَلَفًا وخَلَفًا، عادَتُهم جارِيَةٌ بِأنَّهم يُتَرْجِمُونَ غالِبًا الأسْماءَ في تَراجُمِهِمْ، ويُورِدُونَ بَدَلَها مَعانِيها، وهَذا خَبْطٌ عَظِيمٌ ومَنشَأٌ لِلْفَسادِ، وأنَّهم يَزِيدُونَ تارَةً شَيْئًا بِطَرِيقِ التَّفْسِيرِ في الكَلامِ، الَّذِي هو كَلامُ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ، (p-١٦٨)ولا يُشِيرُونَ إلى الِامْتِيازِ، وهَذانِ الأمْرانِ بِمَنزِلَةِ الأُمُورِ العادِيَّةِ عِنْدَهم. ومَن تَأمَّلَ في تَراجُمِهِمُ المُتَداوَلَةِ بِألْسِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وجَدَ شَواهِدَ تِلْكَ الأُمُورِ كَثِيرَةً. ثُمَّ ساقَ بَعْضًا مِنها فانْظُرْهُ.
وفِي (ذَخِيرَةِ الألْبابِ)، لِأحَدِ عُلَماءِ النَّصارى، ما مِثالُهُ: إنَّ بَعْضَهم ذَهَبَ إلى أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لَمْ يَقِ الكَتَبَةَ عَثْرَةَ الخَطَأِ الطَّفِيفِ، ولا كَفاهم زَلَّةَ القَدَمِ حَتّى لَمْ يَسْتَحِلْ أنَّهم خَلَطُوا البُشْرَياتِ بِالإلَهِيّاتِ. وفِيهِ أيْضًا: إنَّ بَيْنَ النُّسْخَةِ العِبْرانِيَّةِ والسّامِرِيَّةِ واليُونانِيَّةِ مِنَ الأسْفارِ الخَمْسَةِ خِلافًا عَظِيمًا في أمْرِ التّارِيخِ. فَإذًا تَحْرِيفُ الأسْفارِ الخَمْسَةِ أمْرٌ بَيِّنٌ. وفِيهِ أيْضًا في الفَصْلِ (٣١): أنَّ بَعْضَ عُلَمائِهِمْ زَعَمَ أنَّهُ وجَدَ في التَّرْجَمَةِ اللّاتِينِيَّةِ العامِّيَّةِ لِلْعَهْدَيْنِ العَتِيقِ والجَدِيدِ نَيِّفًا وأرْبَعَةَ آلافِ غَلْطَةٍ، ورَأى آخَرُ فِيها ما يَزِيدُ عَلى الثَّمانِيَةِ آلافِ خَطَأٍ. انْتَهى. فَثَبَتَ مِن شَهادَتِهِمْ وُقُوعُ التَّحْرِيفِ اللَّفْظِيِّ فِيها. وهو المَقْصُودُ.
وأمّا القَوْلُ بِتَحْرِيفِ الأسْفارِ كُلِّها أوْ جُلِّها، فَهو إفْراطٌ. قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في آواخِرِ شَرْحِ الصَّحِيحِ في بابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] إنَّ القَوْلَ بِأنَّها بُدِّلَتْ كُلُّها مُكابَرَةٌ. والآياتُ والأخْبارُ كَثِيرَةٌ في أنَّهُ بَقِيَ مِنها أشْياءُ كَثِيرَةٌ لَمْ تُبَدَّلْ. مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآيَةَ. ومِن ذَلِكَ (p-١٦٩)قِصَّةُ رَجْمِ اليَهُودِيَّيْنِ وفِيهِ وُجُودُ آيَةِ الرَّجْمِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] وقَدْ أسْلَفْنا تَتِمَّةَ هَذا البَحْثِ في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ في الكَلامِ عَلى الإسْرائِيلِيّاتِ. فارْجِعْ إلَيْهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى، عَنْ تَخَلُّقِ أُولَئِكَ المَأْيُوسِ مِن إيمانِهِمْ مِنَ اليَهُودِ بِأخْلاقِ المُنافِقِينَ، وسُلُوكِهِمْ مِنهاجَهم، بِقَوْلِهِ تَعالى:
البقرة 2:76
(p-١٧٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٦ ] ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
"وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا" أيْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ "قالُواْ آمَنّا" أيْ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ، وأنَّ مُحَمَّدًا هو الرَّسُولُ المُبَشَّرُ بِهِ، وكَأنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إرْضاءً لِحُلَفائِهِمْ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، أوْ جَهْرًا بِحَقِيقَةٍ لا يَسَعُهُمْ، أمامَ حُلَفائِهِمُ، السُّكُوتُ عَنْها. "وإذا خَلا بَعْضُهُمْ" يَعْنِي الَّذِينَ لَمْ يُنافِقُوا "إلىَ بَعْضٍ" أيِ الَّذِينَ نافَقُوا "قالُوا" أيْ عاتِبِينَ عَلَيْهِمْ: ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِما بَيَّنَ لَكم في التَّوْراةِ مِنَ البِشارَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، والإيمانِ بِالنَّبِيِّ الَّذِي يَجِيئُكم مُصَدِّقًا لِما مَعَكم، ونَصْرِهِ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: أيْ أتُقِرُّونَ بِأنَّهُ نَبِيٌّ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ أُخِذَ لَهُ المِيثاقُ عَلَيْكم بِاتِّباعِهِ، وهو يُخْبِرُهم أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في كِتابِنا، اجْحَدُوهُ ولا تُقِرُّوا بِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أصْلُ الفَتْحِ في كَلامِ العَرَبِ القَضاءُ والحُكْمُ. والمَعْنى: أتُحَدِّثُونَهم بِما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم وقَضاهُ فِيكم ؟ ومِن حُكْمِهِ تَعالى وقَضائِهِ فِيهِمْ، ما أخَذَ بِهِ مِيثاقَهم مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وبِما جاءَ بِهِ في التَّوْراةِ. اهـ.
"لِيُحاجُّوكُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّحْدِيثِ، دُونَ الفَتْحِ، أيْ لِيُقِيمَ المُؤْمِنُونَ بِهِ عَلَيْكُمُ الحُجَّةَ "بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ" أيْ لِتَكُونَ الحُجَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكم في الآخِرَةِ، فَيَقُولُونَ: ألَمْ تُحَدِّثُونا بِما في كِتابِكم، في الدُّنْيا، مِن حَقِّيَّةِ دِينِنا، وصِدْقِ نَبِيِّنا ؟ فَيَكُونُ ذَلِكَ زائِدًا في ظُهُورِ فَضِيحَتِكم، وتَوْبِيخِكم عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ، في المَوْقِفِ. لِأنَّهُ لَيْسَ مَنِ اعْتَرَفَ بِالحَقِّ، ثُمَّ كَتَمَ، كَمَن ثَبَتَ عَلى الإنْكارِ.
وتَأوَّلَ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ قَوْلَهُ تَعالى "عِنْدَ رَبِّكُمْ" أيْ في حُكْمِهِ وكِتابِهِ، كَما هو وجْهٌ في آيَةِ: ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] أيْ في (p-١٧١)حُكْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ، وهو وجْهٌ جَيِّدٌ، وقَوْلُهُ "أفَلا تَعْقِلُونَ" مِن تَمامِ التَّوْبِيخِ والعِتابِ، فَهو مِن جُمْلَةِ الحِكايَةِ عَنْهم عَلى سَبِيلِ إنْكارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الرّاغِبُ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إنْكارٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، عَلى سَبِيلِ ما يُسَمّى في البَلاغَةِ (الِالتِفاتُ) . ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، تَنْبِيهًا عَلى ما يَفْعَلُهُ الكُفّارُ والمُنافِقُونَ.
البقرة 2:77
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧ ] ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾
﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ أيْ يُخْفُونَ مِن قَوْلِهِمْ لِأصْحابِهِمْ، ومِن غَيْرِهِ "وما يُعْلِنُونَ" أيْ يُظْهِرُونَ مِن ذَلِكَ، فَيُخْبِرُ بِهِ أوْلِياءَهُ. قالَ الرّاغِبُ: هَذا تَبْكِيتٌ لَهم، وإنْكارٌ لِما يَتَعاطَوْنَهُ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
ولَمّا ذَكَرَ العُلَماءَ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ عانَدُوا بِالتَّحْرِيفِ، مَعَ العِلْمِ والِاسْتِيقانِ، ذَكَرَ العَوامَّ الَّذِينَ قَلَّدُوهم، ونَبَّهَ عَلى أنَّهم في الضَّلالِ سَواءٌ؛ لِأنَّ العالِمَ عَلَيْهِ أنْ يَعْمَلَ بِعِلْمِهِ، وعَلى العامِّيِّ أنْ لا يَرْضى بِالتَّقْلِيدِ والظَّنِّ، وهو مُتَمَكِّنٌ مِنَ العِلْمِ، فَقالَ:
البقرة 2:78
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨ ] ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلا أمانِيَّ وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾
"ومِنهم أُمِّيُّونَ" أيْ لا يُحْسِنُونَ الكُتُبَ فَيُطالِعُوا التَّوْراةَ ويَتَحَقَّقُوا ما فِيها مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، فَيُؤْمِنُوا. "لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ" أيِ التَّوْراةُ، أيْ لا يَدْرُونَ ما فِيها مِن حُدُودٍ وأحْكامٍ ومَواثِيقَ "إلّا أمانِيَّ" بِالتَّشْدِيدِ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، أصْلُها أُمْنُويَةٌ (أُفْعُولَةٌ) فَأُعِلَّتْ إعْلالَ سَيِّدٍ، ومَيِّتٍ. مَأْخُوذَةٌ مِن تَمَنّى الشَّيْءَ: قَدَّرَهُ وأحَبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ. أوْ مِن تَمَنّى: كَذَبَ. أوْ مِن تَمَنّى الكِتابَ: قَرَأهُ. وعَلى كُلٍّ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ إذْ لَيْسَ ما يُتَمَنّى، وما يُخْتَلَقُ وما يُتْلى، مِن جِنْسِ عِلْمِ الكِتابِ. أيْ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ. لَكِنْ يَتَمَنَّوْنَ (p-١٧٢)أمانِيَّ حَسْبَما مَنَّتْهم أحْبارُهم مِن أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْفُو عَنْهم. وأنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم. وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أمانِيِّهِمُ الفارِغَةِ، المُسْتَنِدَةِ إلى الكِتابِ، عَلى زَعْمِ رُؤَسائِهِمْ. أوْ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ، لَكِنْ أكاذِيبُ مُخْتَلَقَةٌ سَمِعُوها مِن عُلَمائِهِمْ. فَتَقَبَّلُوها عَلى التَّقْلِيدِ. أوْ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ لَكِنْ يَتَلَقَّوْنَهُ قَدْرَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، فَيَقْبَلُونَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأوْلى ما رُوِّينا في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ "إلّا أمانِيَّ" أنَّ هَؤُلاءِ الأُمِّيِّينَ لا يَفْقَهُونَ، مِنَ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ، شَيْئًا. ولَكِنَّهم يَتَخَرَّصُونَ الكَذِبَ ويَتَقَوَّلُونَ الأباطِيلَ كَذِبًا وزُورًا. والتَّمَنِّي في هَذا المَوْضِعِ هو تَخَلُّقُ الكَذِبِ وتَخَرُّصُهُ وافْتِعالُهُ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ فَأخْبَرَ عَنْهم أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ ما يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأكاذِيبِ ظَنًّا مِنهم، لا يَقِينًا.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: حَمْلُهُ عَلى تَمَنِّي القَلْبِ أوْلى. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] أيْ: تَمَنِّيهِمْ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وقالَ: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] ﴿وقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] بِمَعْنى يَقْدِرُونَ ويَخْرُصُونَ. ورَجَّحَ كَثِيرُونَ حَمْلَهُ عَلى القِراءَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٧٣)﴿إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] إذْ في الِاسْتِثْناءِ، حِينَئِذٍ، نَوْعٌ تَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ. فَيَكُونُ ألْيَقَ في طَرِيقَةِ الِاسْتِثْناءِ. و"وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ" ما هم إلّا قَوْمٌ قُصارى أمْرِهِمُ الظَّنُّ والتَّقْلِيدُ. مِن غَيْرِ أنْ يَصِلُوا إلى رُتْبَةِ العِلْمِ. فَأنّى يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ المُؤَسَّسُ عَلى قَواعِدِ اليَقِينِ ؟
(تَنْبِيهٌ) قالَ الرّاغِبُ: قَدْ أنْبَأ اللَّهُ عَنْ جَهْلِ الأُمِّيِّينَ وذَمِّهِمْ، والمُبالَغَةِ في ذَمِّ عُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ؛ فَإنَّ الأُمِّيِّينَ لَمْ يَعْرِفُوا إلّا مُجَرَّدَ التِّلاوَةِ، واعْتَمَدُوا عَلى زُعَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ، وهم قَدْ ضَلُّوا وأضَلُّوا، ونَبَّهَنا اللَّهُ تَعالى بِذَمِّ الأُمِّيِّينَ، عَلى اكْتِسابِ المَعارِفِ لِئَلّا يَحْتاجَ إلى التَّقْلِيدِ والِاعْتِمادِ عَلى مَن لا يُؤْمَنُ كَذِبُهُ، وبِذَمِّ زُعَمائِهِمْ، عَلى تَحَرِّي الصِّدْقِ وتَجَنُّبِ الإضْلالِ؛ إذْ هو أعْظَمُ مِنَ الضَّلالِ. اهـ.
ولَمّا بَيَّنَ حالَ هَؤُلاءِ في تَمَسُّكِهِمْ بِحِبالِ الأمانِيِّ واتِّباعِ الظَّنِّ، عَقَّبَ بِبَيانِ حالِ الَّذِينَ أوْقَعُوهم في تِلْكَ الوَرْطَةِ، وهُمُ الدُّعاةُ إلى الضَّلالِ بِالزُّورِ والكَذِبِ عَلى اللَّهِ، وأكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، فَقِيلَ عَلى وجْهِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
البقرة 2:79
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٩ ] ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾
"فَوَيْلٌ" فَإنْ أُضِيفَ، نُصِبَ. نَحْوَ: ويْلَكَ ووَيْحَكَ -وإذا فُصِلَ عَنِ الإضافَةِ، (p-١٧٤)رُفِعَ. نَحْوَ: ويْلٌ لَهُ. الوَيْلُ: الهَلاكُ وشِدَّةُ العَذابِ "لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ" أيِ المُحَرَّفُ. أوْ ما كَتَبُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الزّائِفَةِ "بِأيْدِيهِمْ" تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ المَجازِ. كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُهُ بِيَمِينِي. وقَدْ يُقالُ في مِثْلِ هَذا: إنَّ فائِدَتَهُ تَصْوِيرُ الحالَةِ في النَّفْسِ كَما وقَعَتْ حَتّى يَكادَ السّامِعُ لِذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُشاهِدًا لِلْهَيْئَةِ "ثُمَّ يَقُولُونَ" لِما كَتَبُوهُ، كَذِبًا وبُهْتانًا "هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ" أيْ يَأْخُذُوا لِأنْفُسِهِمْ بِمُقابَلَتِهِ "ثَمَنًا قَلِيلًا" أيْ عَرَضًا يَسِيرًا.
ويَجُوزُ في الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ؛ أيْ: فَوَيْلٌ لِلَّذِينِ يَكْتُبُونَ كِتابَ التَّوْراةِ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَشْهَدُونَ بِذَلِكَ. وكانَ مِن مُقْتَضى كِتابَتِهِمْ بِأيْدِيهِمُ الَّتِي تَقِفُهم مِنَ الكِتابِ عَلى ما لا يَقِفُونَ عَلَيْهِ، لَوْ كانَ كِتابَةَ غَيْرِهِمْ، ومُقْتَضى قَوْلِهِمْ وإقْرارِهِمْ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ -الوُقُوفُ مَعَ عُهُودِهِ ومَواثِيقِهِ، إجْلالًا لِمُنْزِلِهِ ومُوحِيهِ، ودَعْوى النّاسِ إلى ظَواهِرِهِ وخَوافِيهِ. ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم. بَلْ كانَ أنْ حَرَّفُوا كَلِمَهُ عَنْ مَواضِعِهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. وحاصِلُ هَذا الوَجْهِ إبْقاءُ الكِتابِ المَكْتُوبِ عَلى أصْلِهِ، وصِدْقُهم في قَوْلِهِمْ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ثُمَّ مُخالَفَتُهم لِذَلِكَ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى "لِيَشْتَرُوا بِهِ" تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ. أيْ: ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُحَرِّفُونَهُ لِيَشْتَرُوا بِهِ، وهو وجْهٌ جَيِّدٌ يُوافِقُ آيَةَ "يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ" ورُبَّما يُشِيرُ إلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُ مُجاهِدٍ فِيما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ عَرَفُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ يُحَرِّفُونَهُ: ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: فَشِدَّةُ العَذابِ لَهم مِمّا غَيَّرَتْ أيْدِيهِمْ "ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ" يُصِيبُونَ مِنَ الحَرامِ والسُّحْتِ.
قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ "يَكْسِبُونَ" بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ و"كَتَبَتْ" بِلَفْظِ الماضِي ؟ قِيلَ: تَنْبِيهًا عَلى ما قالَ النَّبِيُّ ﷺ ««مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةٍ فَعَلَيْهِ وِزْرُها (p-١٧٥)ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» فَنَبَّهَ بِالآيَةِ أنَّ ما أصَّلُوهُ وأثْبَتُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ، الَّتِي يَعْتَمِدُها الجَهَلَةُ، هو اكْتِسابُ وِزْرٍ يَكْتَسِبُونَهُ حالًا فَحالًا (إنْ قِيلَ) لِمَ ذَكَرَ الكِتابَةَ دُونَ القَوْلِ. (قِيلَ) لَمّا كانَتِ الكِتابَةُ مُتَضَمِّنَةً لِلْقَوْلِ وزائِدَةً عَلَيْهِ؛ إذْ هو كَذَّبَ بِاللِّسانِ واليَدِ، صارَ أبْلَغَ. لِأنَّ كَلامَ اليَدِ يَبْقى رَسْمُهُ والقَوْلُ يَضْمَحِلُّ أثَرُهُ.
(إنْ قِيلَ): ما الَّذِي كانُوا يَكْتُبُونَهُ ؟ (قِيلَ): رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ كانُوا يُغَيِّرُونَ مِنَ التَّوْراةِ نَعْتَ النَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ. وهَذا فَصْلٌ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ شَرْحٍ. وهو أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُتَصَوَّرَ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أتى بِوَصْفٍ لِنَبِيٍّ بَعْدَهُ، فَإنَّهُ أتى بِلَفْظَةٍ مُعَرِّضَةٍ وإشارَةٍ مُدْرَجَةٍ، لا يَعْرِفُها إلّا الرّاسِخُونَ في العِلْمِ. وقَدْ قالَ العُلَماءُ: ما انْفَكَّ كِتابٌ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ مِن تَضَمُّنِ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنْ بِإشاراتٍ. ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُتَجَلِّيًا لِلْعَوامِّ لَما عُوتِبَ عُلَماؤُهم في كِتْمانِهِ. ثُمَّ ازْدادَ ذَلِكَ غُمُوضًا بِنَقْلِهِ مِن لِسانٍ إلى لِسانٍ؛ مِنَ العِبْرانِيِّ إلى السُّرْيانِيِّ إلى العَرَبِيِّ. وقَدْ ذَكَرَ المُحَصِّلَةُ ألْفاظًا مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، إذا اعْتُبِرَتْ وُجِدَتْ دالَّةً عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِتَعْرِيضٍ، هو عِنْدَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ جَلِيٌّ، وعِنْدَ العامَّةِ خَفِيٌّ. فَبانَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّ ما كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ كانَتْ تَأْوِيلاتٍ مُحَرَّفَةً، وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى بِالآيَةِ عَلى التَّحْذِيرِ مِن تَغْيِيرِ أحْكامِهِ، وتَبْدِيلِ آياتِهِ، وكِتْمانِ الحَقِّ عَنْ أهْلِهِ، وتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، طَمَعًا في عَرَضِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ عَنى بِالثَّمَنِ القَلِيلِ، أعْراضَ الدُّنْيا وإنْ كَثُرَتْ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] اهـ كَلامُ الرّاغِبِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
البقرة 2:80
(p-١٧٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٠ ] ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ بَيانٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ فِيما ادَّعَوْا لِأنْفُسِهِمْ مِن أنَّهم لا تَمَسُّهُمُ النّارُ في الآخِرَةِ إلّا مُدَّةً يَسِيرَةً، ومُرادُهم بِذَلِكَ أنَّهم لا يَخْلُدُونَ فِيها. لِأنَّ كُلَّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ. قالَ مُجاهِدٌ: كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إنَّما الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ. فَإنَّما نُعَذَّبُ، مَكانَ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْمًا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ العَذابُ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْهُ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: لَنْ نَدْخُلَ النّارَ إلّا الأيّامَ الَّتِي عَبَدْنا فِيها العِجْلَ، أرْبَعِينَ، فَإذا انْقَضَتِ انْقَطَعَ عَنّا العَذابُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى إفْكَهم. لِأنَّ العَقْلَ لا طَرِيقَ لَهُ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وإنَّما سَبِيلُ مَعْرِفَتِهِ الإخْبارُ مِنهُ تَعالى، وهو مُنْتَفٍ، فَقالَ سُبْحانَهُ "قُلْ" مُنْكِرًا لِقَوْلِهِمْ ومُوَبِّخًا لَهم: ﴿أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أيْ: عَهِدَ إلَيْكم أنَّهُ لا يُعَذِّبُكم إلّا هَذا المِقْدارَ "فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ" أيْ فَتَقُولُوا لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ. وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الفاءَ فَصِيحَةً مُعْرِبَةً عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَنْ يَخْلُفَهُ "أمْ تَقُولُونَ" أيْ أمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأنْتُمْ تَقُولُونَ مُفْتَرِينَ "عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ" أيْ وُقُوعُهُ جَهْلًا وجَراءَةً. وقَوْلُهُمُ المَحْكِيُّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ تَصْرِيحًا بِالِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، لَكِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ. لِأنَّ ذَلِكَ الجَزْمَ لا يَكُونُ إلّا بِإسْنادِ سَبَبِهِ إلَيْهِ تَعالى.
البقرة 2:81
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨١ ] ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
"بَلى" إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ وهو قَوْلُهُ "لَنْ تَمَسَّنا النّارُ" أيْ بَلى تَمَسُّكم أبَدًا. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ "هم فِيها خالِدُونَ"، "مَن كَسَبَ سَيِّئَةً" أيْ عَمِلَها وهي والسَّيِّئُ (p-١٧٧)عَمَلانِ قَبِيحانِ أصْلُها سَيْوَءَةٌ، مِن: ساءَهُ يَسُوهُ. فَأُعِلَّتْ إعْلالَ سَيِّدٍ. ثُمَّ أوْضَحَ سُبْحانَهُ أنَّ مُجَرَّدَ كَسْبِ السَّيِّئَةِ لا يُوجِبُ الخُلُودَ في النّارِ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ سَبَبُهُ مُحِيطًا بِهِ فَقالَ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أيْ غَمَرَتْهُ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ فَلا تُبْقِي لَهُ حَسَنَةً، وسَدَّتْ عَلَيْهِ مَسالِكَ النَّجاةِ؛ بِأنْ عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِكم أيُّها اليَهُودُ. وكَفَرَ بِما كَفَرْتُمْ بِهِ حَتّى يُحِيطَ كُفْرُهُ بِما لَهُ مِن حَسَنَةٍ: ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
(تَنْبِيهٌ) ذَهَبَ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ إلى أنَّ الخُلُودَ في النّارِ إنَّما هو لِلْكُفّارِ والمُشْرِكِينَ. لِما ثَبَتَ في السُّنَّةِ، تَواتُرًا، مِن خُرُوجِ عُصاةِ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ، فَيَتَعَيَّنُ تَفْسِيرُ السَّيِّئَةِ والخَطِيئَةِ، في هَذِهِ الآيَةِ، بِالكُفْرِ والشِّرْكِ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُها نازِلَةً في اليَهُودِ.
البقرة 2:82
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢ ] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ مِن عادَةِ التَّنْزِيلِ العَزِيزِ أنَّهُ لا يُذْكَرُ فِيهِ آيَةٌ في الوَعِيدِ إلّا ويَتْلُوها آيَةٌ في الوَعْدِ. وذَلِكَ لِفَوائِدَ: مِنها، لِيَظْهَرَ بِذَلِكَ عَدْلُهُ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَكَمَ بِالعَذابِ الدّائِمِ عَلى المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، وجَبَ أنْ يَحْكُمَ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ عَلى المُصِرِّينَ عَلى الإيمانِ. ومِنها، أنَّ المُؤْمِنَ لا بُدَّ وأنْ يَعْتَدِلَ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ. وذَلِكَ الِاعْتِدالُ لا يَحْصُلُ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ. ومِنها، أنَّهُ يَظْهَرُ بِوَعْدِهِ كَمالُ رَحْمَتِهِ، وبِوَعِيدِهِ كَمالُ حِكْمَتِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْعِرْفانِ.
وقَدْ قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] أنَّ السَّلَفَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ. فَإذا عُطِفَ عَلَيْهِ العَمَلُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. أوْ يُقالُ: لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ولَكِنْ مَعَ العَطْفِ، كَما في اسْمِ الفَقِيرِ والمِسْكِينِ. فَتَذْكَّرْ.
(p-١٧٨)قالَ الرّاغِبُ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] هو الكُفْرُ، وإحاطَةُ الخَطِيئَةِ بِهِ، الأعْمالُ السَّيِّئَةُ، وذَلِكَ لِما قابَلَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ، سُبْحانَهُ، يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلى أنَّهم مِمَّنْ أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَقالَ:
البقرة 2:83
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٣ ] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلا قَلِيلا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾
﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ المِيثاقَ بِقَوْلِهِ تَعالى "لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ" وهو إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وكَما تَقُولُ: تَذْهَبُ إلى فُلانٍ وتَقُولُ لَهُ كَذا، وهو أبْلَغُ مِن صَرِيحِ الأمْرِ والنَّهْيِ. وقَدْ بُدِئَ بِأعْلى الحُقُوقِ وأعْظَمِها، وهو حَقُّ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ ولا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ. وبِهَذا أمَرَ جَمِيعَ خَلْقِهِ. ولِذَلِكَ خَلَقَهم. كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ والإحْسانِ نِهايَةِ البَرِّ، (p-١٧٩)فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما يَجِبُ مِنَ الرِّعايَةِ والعِنايَةِ، وقَدْ أكَّدَ اللَّهُ الأمْرَ بِإكْرامِ الوالِدَيْنِ. حَتّى قَرَنَ تَعالى الأمْرَ بِالإحْسانِ إلَيْهِما، بِعِبادَتِهِ الَّتِي هي تَوْحِيدُهُ، والبَراءَةُ عَنِ الشِّرْكِ، اهْتِمامًا بِهِ وتَعْظِيمًا لَهُ.
قالَ حَكِيمُ مِصْرَ في تَفْسِيرِهِ: العِلَّةُ الصَّحِيحَةُ في وُجُوبِ هَذا الإحْسانِ عَلى الوَلَدِ، هي العِنايَةُ الصّادِقَةُ الَّتِي بَذَلاها في تَرْبِيَتِهِ، والقِيامُ بِشُؤُونِهِ أيّامَ كانَ ضَعِيفًا عاجِزًا جاهِلًا. لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْها ضَرَرًا. وكانا يَحُوطانِهِ بِالعِنايَةِ والرِّعايَةِ، ويَكْفُلانِهِ، حَتّى يَقْدِرَ عَلى الِاسْتِقْلالِ والقِيامِ بِشَأْنِ نَفْسِهِ. فَهَذا هو الإحْسانُ الَّذِي يَكُونُ مِنهُما، عَنْ عِلْمٍ واخْتِيارٍ، بَلْ مَعَ الشَّغَفِ الصَّحِيحِ والحَنانِ العَظِيمِ، وما جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ. وإذا وجَبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يُشْكَرَ، لِكُلِّ مَن يُساعِدُهُ عَلى أمْرٍ عَسِيرٍ، فَضْلَهُ، ويُكافِئُهُ بِما يَلِيقُ بِهِ عَلى حَسَبِ الحالِ في المُساعِدِ؛ وما كانَتْ بِهِ المُساعَدَةُ، فَكَيْفَ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ الشُّكْرُ لِلْوالِدَيْنِ بَعْدَ الشُّكْرِ لِلَّهِ تَعالى، وهُما اللَّذانِ كانا يُساعِدانِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، أيّامَ كانَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ اهـ "وذِي القُرْبى" أيِ القَرابَةُ.
قالَ الأُسْتاذُ الحَكِيمُ "الإحْسانُ هو الَّذِي يُقَوِّي غَرائِزَ الفِطْرَةِ، ويُوَثِّقُ الرَّوابِطَ الطَّبِيعِيَّةَ، حَتّى تَبْلُغَ البُيُوتَ، في وحْدَةِ المَصْلَحَةِ، دَرَجَةَ الكَمالِ، والأُمَّةُ تَتَألَّفُ مِنَ البُيُوتِ، أيِ: العائِلاتُ. فَصَلاحُها صَلاحُها. ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ لا تَكُونُ لَهُ أُمَّةٌ، وذَلِكَ أنَّ عاطِفَةَ التَّراحُمِ وداعِيَةَ التَّعاوُنِ إنَّما تَكُونانِ عَلى أشُدِّهِما وأكْمَلِهِما في الفِطْرَةِ بَيْنَ الوالِدَيْنِ والأوْلادِ، ثُمَّ بَيْنَ سائِرِ الأقْرَبِينَ. فَمَن فَسَدَتْ فِطْرَتُهُ حَتّى لا خَيْرَ فِيهِ لِأهْلِهِ، فَأيُّ خَيْرٍ يُرْجى مِنهُ لِلْبُعَداءِ والأبْعَدِينَ؟ ومَن لا خَيْرَ فِيهِ لِلنّاسِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جُزْءًا مِن بِنْيَةِ أُمَّتِهِ. لِأنَّهُ لَمْ تَنْفَعْ فِيهِ اللُّحْمَةُ النَّسَبِيَّةُ الَّتِي هي أقْوى لُحْمَةٍ طَبِيعِيَّةٍ تَصِلُ بَيْنَ النّاسِ، فَأيُّ لُحْمَةٍ بَعْدَها تَصِلُهُ بِغَيْرِ الأهْلِ فَتَجْعَلُهُ جُزْءًا مِنهم، يَسُرُّهُ ما يَسُرُّهم ويُؤْلِمُهُ ما يُؤْلِمُهم، ويَرى مَنفَعَتَهم عَيْنَ مَنفَعَتِهِ، ومُضِرَّتَهم عَيْنَ مُضِرَّتِهِ ؟ قَضى نِظامُ الفِطْرَةِ بِأنْ تَكُونَ نَعْرَةُ القَرابَةِ أقْوى مَن كُلِّ نَعْرَةٍ، وصِلَتُها أمْتَنَ مِن كُلِّ صِلَةٍ، فَجاءَ الدِّينُ يُقَدِّمُ حُقُوقَ الأقْرَبِينَ عَلى سائِرِ الحُقُوقِ.
(p-١٨٠)وجَعَلَ حُقُوقَهم عَلى حَسَبِ قُرْبِهِمْ مِنَ الشَّخْصِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حُقُوقَ أهْلِ الحاجَةِ مِن سائِرِ النّاسِ فَقالَ سُبْحانَهُ "واليَتامى والمَساكِينِ" . اليَتامى جَمْعُ يَتِيمٍ. وهو مَن ماتَ أبُوهُ وهو صَغِيرٌ. قَدَّمَ تَعالى الوَصِيَّةَ بِهِ عَلى الوَصِيَّةِ بِالمِسْكِينِ، ولَمْ يُقَيِّدْها بِفَقْرٍ ولا مَسْكَنَةٍ، فَعُلِمَ أنَّها مَقْصُودَةٌ لِذاتِها. وقَدْ أكَّدَ تَعالى في الوَحْيِ الوَصِيَّةَ بِاليَتِيمِ. وفي القُرْآنِ والسُّنَّةِ كَثِيرٌ مِن هَذِهِ الوَصايا. وحَسْبُكَ أنَّ القُرْآنَ نَهى عَنْ قَهْرِ اليَتِيمِ، وشَدَّدَ الوَعِيدَ عَلى أكْلِ مالِهِ تَشْدِيدًا خاصًّا، والسِّرُّ في ذَلِكَ هو كَوْنُ اليَتِيمِ لا يَجِدُ، قِي الغالِبِ، مَن تَبْعَثُهُ عاطِفَةُ الرَّحْمَةِ الفِطْرِيَّةِ عَلى العِنايَةِ بِتَرْبِيَتِهِ والقِيامِ بِحِفْظِ حُقُوقِهِ، والعِنايَةِ بِأُمُورِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ؛ فَإنَّ الأُمَّ، إنْ وُجِدَتْ، تَكُونُ في الأغْلَبِ عاجِزَةً. لا سِيَّما إذا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ أبِيهِ. فَأرادَ اللَّهُ تَعالى، وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، بِما أكَّدَ مِنَ الوَصِيَّةِ بِالأيْتامِ، أنْ يَكُونُوا مِنَ النّاسِ بِمَنزِلَةِ أبْنائِهِمْ، يُرَبُّونَهم تَرْبِيَةً دِينِيَّةً دُنْيَوِيَّةً، لِئَلّا يَفْسِدُوا ويَفْسِدَ بِهِمْ غَيْرُهم؛ فَيَنْتَشِرُ الفَسادُ في الأُمَّةِ فَتَنْحَلُّ انْحِلالًا. فالعِنايَةُ بِتَرْبِيَةِ اليَتامى هي الذَّرِيعَةُ لِمَنعِ كَوْنِهِمْ قُدْوَةً سَيِّئَةً لِسائِرِ الأوْلادِ. والتَّرْبِيَةُ لا تَتَيَسَّرُ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ القُدْوَةِ. فَإهْمالُ اليَتامى إهْمالٌ لِسائِرِ أوْلادِ الأُمَّةِ. وأمّا المَساكِينُ فَلا يُرادُ بِهِمْ هَؤُلاءِ السّائِلُونَ الشَّحّاذُونَ المُلْحِفُونَ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلى كَسْبِ ما يَفِي بِحاجاتِهِمْ، أوْ يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ ولَوْ لَمْ يَكْتَسِبُوا. إلّا أنَّهم قَدِ اتَّخَذُوا السُّؤالَ حِرْفَةً يَبْتَغُونَ بِها الثَّرْوَةَ مِن حَيْثُ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا يَنْفَعُ النّاسَ، ولَكِنَّ المِسْكِينَ مَن يَعْجِزُ عَنْ كَسْبِ ما يَكْفِيهِ اهـ.
﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ أيْ قَوْلًا حَسَنًا. أيْ: كَلِّمُوهم طَيِّبًا ولِينُوا لَهم جانِبًا. وفِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّحْضِيضِ عَلى إحْسانِ مُقاوَلَةِ النّاسِ، أنَّهُ وضَعَ المَصْدَرَ فِيهِ مَوْضِعَ الِاسْمِ، وهَذا إنَّما يُسْتَعْمَلُ لِلْمُبالَغَةِ في تَأْكِيدِ الوَصْفِ، كَرَجُلٍ عَدْلٍ وصَوْمٍ وفِطْرٍ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ. فالمُرادُ الصَّلاةُ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَها، والزَّكاةَ الَّتِي كانُوا يُخْرِجُونَها. "ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ" أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ المُضِيِّ عَلى مُقْتَضى المِيثاقِ الَّذِي فِيهِ سَعادَتُكم ورَفَضْتُمُوهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلا قَلِيلا مِنكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ لِبَعْضِ مَن كانُوا في زَمَنِ سَيِّدِنا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ في كُلِّ زَمَنٍ، فَإنَّهُ لا تَخْلُو أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، مِنَ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ (p-١٨١)يُحافِظُونَ عَلى الحَقِّ بِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِمْ وقَدْرِ طاقَتِهِمْ.
والحِكْمَةُ في ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ عَدَمُ بَخْسِ المُحْسِنِينَ حَقَّهم، وبَيانُ أنَّ وُجُودَ قَلِيلٍ مِنَ الصّالِحِينَ في الأُمَّةِ لا يَمْنَعُ عَنْها العِقابَ الإلَهِيَّ إذا فَشا فِيها المُنْكَرُ، وقَلَّ المَعْرُوفُ "وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ" عادَتُكُمُ الإعْراضُ عَنِ الطّاعَةِ، ومُراعاةِ حُقُوقِ المِيثاقِ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ أيْضًا إخْلالَهم بِواجِبِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ في حُقُوقِ العِبادِ بِقَوْلِهِ:
البقرة 2:84
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٤ ] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾
﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ. والمُرادُ بِهِ النَّهْيُ الشَّدِيدُ عَنْ تَعَرُّضِ بَعْضِ بَنِي إسْرائِيلَ لِبَعْضٍ بِالقَتْلِ والإجْلاءِ. أيْ لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا ولا يُخْرِجُهُ مِن مَنزِلِهِ "ثُمَّ أقْرَرْتُمْ" أيْ أظْهَرْتُمْ الِالتِزامَ بِمُوجَبِ المُحافَظَةِ عَلى المِيثاقِ المَذْكُورِ "وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ" بِلُزُومِهِ. فَهو تَوْكِيدٌ لِلْإقْرارِ، كَقَوْلِكَ: أقَرَّ فُلانٌ، شاهِدًا عَلى نَفْسِهِ.
البقرة 2:85
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥ ] ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
"ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ" خِطابٌ خاصٌّ لِلْحاضِرِينَ، فِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم (p-١٨٢)وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى هَذا العَهْدِ الوَثِيقِ "تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ" أيْ تَتَعاوَنُونَ عَلَيْهِمْ "بِالإثْمِ" وهو الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ الذَّمَّ واللَّوْمَ "والعُدْوانِ" وهو التَّجاوُزُ في الظُّلْمِ "وإنْ يَأْتُوكُمْ" أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَعاوَنْتُمْ أوْ عاوَنْتُمْ عَلَيْهِمْ "أُسارى" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وفَتْحِ السِّينِ، والألِفِ بَعْدَها. وقَرَأ حَمْزَةُ "أسْرى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وسُكُونِ السِّينِ كَقَتْلى، جَمْعُ أسِيرٍ، وأصْلُهُ المَشْدُودُ بِالأسْرِ، وهو القِدُّ، وهو ما يُقَدُّ أيْ يُقْطَعُ مِنَ السَّيْرِ "تُفادُوهُمْ" بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الفاءِ. وقُرِئَ "تَفْدُوهُمْ" بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الفاءِ، أيْ تُخَلِّصُوهم بِالمالِ مِنَ الفِداءِ. وهو الفِكاكُ بِعِوَضٍ: ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ الجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "تُخْرِجُونَ" أوْ مِن "فَرِيقًا" أوْ مِنهُما. وتَخْصِيصُ بَيانِ الحُرْمَةِ هَهُنا بِالإخْراجِ، مَعَ كَوْنِهِ قَرِينًا لِلْقَتْلِ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ، لِكَوْنِهِ مَظِنَّةً لِلْمُساهَلَةِ في أمْرِهِ، بِسَبَبِ قِلَّةِ خَطَرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى القَتْلِ. ولِأنَّ مَساقَ الكَلامِ لِذَمِّهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ عَلى جِناياتِهِمْ، وتَناقُضِ أفْعالِهِمْ مَعًا. وذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِصُورَةِ الإخْراجِ حَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهم تَدارُكُ القَتْلى بِشَيْءٍ مِن دِيَةٍ أوْ قِصاصٍ. وهو السِّرُّ في تَخْصِيصِ التَّظاهُرِ بِهِ فِيما سَبَقَ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الأحْكامِ فَقالَ ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ﴾ أيِ: التَّوْراةِ وهو المُوجِبُ لِلْمُفاداةِ "وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ" وهو المُحَرَّمُ لِلْقَتْلِ والإخْراجِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى "تُفادُوهُمْ"، و"تُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ" هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ ذَلِكَ وصْفٌ لَهم بِما هو طاعَةٌ، وهو التَّخْلِيصُ مِنَ الأسْرِ بِبَذْلِ مالٍ أوْ غَيْرِهِ، والإيمانُ بِذَلِكَ. وذَكَرَ أبُو مُسْلِمٍ أنَّهُ ضِدُّ ذَلِكَ. والمُرادُ أنَّكم، مَعَ القَتْلِ والإخْراجِ، إذا وقَعَ أسِيرٌ في أيْدِيكم لَمْ تَرْضَوْا مِنهُ إلّا بِأخْذِ مالٍ وإنْ كانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عَلَيْكم؛ ثُمَّ عِنْدَهُ تُخْرِجُونَهُ مِنَ الأسْرِ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والمُفَسِّرُونَ، إنَّما أُتُوا مِن جِهَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ هَذا القَوْلَ راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ أنَّهُ إذا كانَ في الكِتابِ الَّذِي مَعَكم نَبَأُ مُحَمَّدٍ فَجَحَدْتُمُوهُ فَقَدْ آمَنتُمْ بِبَعْضِ الكِتابِ وكَفَرْتُمْ بِبَعْضٍ.
(p-١٨٣)وكِلا القَوْلَيْنِ يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ المُفاداةِ، لِأنَّ الباذِلَ عَنِ الأسِيرِ يُوصَفُ بِأنَّهُ فاداهُ. والآخِذُ مِنهُ لِلتَّخْلِيصِ يُوصَفُ أيْضًا بِذَلِكَ. إلّا أنَّ الَّذِي أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلَيْهِ أقْرَبُ. لِأنَّ عَوْدَ قَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، أوْلى مِن عَوْدِهِ إلى أُمُورٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُها بَعْدَ آياتٍ. أفادَهُ الرّازِيُّ. ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الكُفْرِ بِبَعْضِ الكِتابِ مَعَ الإيمانِ بِبَعْضٍ، أوْ إلى ما فَعَلُوا مِنَ القَتْلِ والإجْلاءِ مَعَ مُفاداةِ الأُسارى "إلّا خِزْيٌ" ذُلٌّ وهَوانٌ مَعَ الفَضِيحَةِ. والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ. "فِي الحَياةِ الدُّنْيا" وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، فَقُتِلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ وأُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ إلى أذْرِعاتٍ وأرِيحا مِنَ الشّامِ. ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾ يَعْنِي النّارَ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
البقرة 2:86
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٦ ] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾
"أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا" أيْ آثَرُوا "الحَياةَ الدُّنْيا" عَلى خَساسَتِها. واسْتَبْدَلُوها "بِالآخِرَةِ" مَعَ نَفاسَتِها. ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ في واحِدَةٍ مِنَ الدّارَيْنِ. ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: أنْكَرَ تَعالى عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في المَدِينَةِ، وما كانُوا يُعانُونَهُ مِنَ القِتالِ مَعَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وذَلِكَ أنَّ الأوْسَ والخَزْرَجَ وهُمُ الأنْصارُ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ عُبّادَ أصْنامٍ، وكانَتْ (p-١٨٤)بَيْنَهم حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، وكانَتْ يَهُودُ المَدِينَةِ ثَلاثَ قَبائِلَ: بَنُو قَيْنُقاعَ، حُلَفاءُ الخَزْرَجِ، وبَنُو نَضِيرَ، وبَنُو قُرَيْظَةَ، حُلَفاءُ الأوْسِ فَكانُوا، إذا كانَتْ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ حَرْبٌ، خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقاعَ مَعَ الخَزْرَجِ وخَرَجَتِ النَّضِيرُ وقُرَيْظَةُ مَعَ الأوْسِ، يُظاهِرُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حُلَفاءَهُ عَلى إخْوانِهِ. فَيُخَرِّبُونَ دِيارَهم ويُخْرِجُونَهم مِنها، ويَسْفِكُونَ دِماءَهم، وبِأيْدِيهِمُ التَّوْراةُ. يَعْرِفُونَ فِيها ما عَلَيْهِمْ وما لَهم. والأوْسُ والخَزْرَجُ أهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الأوْثانَ، ولا يَعْرِفُونَ جَنَّةً ولا نارًا ولا بَعْثًا ولا قِيامَةً، ولا كِتابًا، ولا حَلالًا ولا حَرامًا؛ فَإذا وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها، وأُسِرَ الرَّجُلُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ، فَتَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقاعَ ما كانَ مِن أسْراهم في أيْدِي الأوْسِ، وتَفْتَدِي النَّضِيرُ وقُرَيْظَةُ ما كانَ في أيْدِي الخَزْرَجِ مِنهم. فَإذا عَيَّرَتْهُمُ العَرَبُ بِذَلِكَ وقالُوا: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم وتَفْدُونَهم ؟ قالُوا. إنّا أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم وحُرِّمَ عَلَيْنا قِتالُهم. فَيُقالُ: لِمَ تُقاتِلُونَهم ؟ قالُوا: إنّا نَسْتَحِي أنْ تُسْتَذَلَّ حُلَفاؤُنا. فَلِذَلِكَ حِينَ عَيَّرَهم عَزَّ وجَلَّ فَقالَ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] أيْ تُفادُوهم بِحُكْمِ التَّوْراةِ وتَقْتُلُونَهم. وفي حُكْمِ التَّوْراةِ أنْ لا يُقْتَلَ ولا يُخْرَجَ مِن دارِهِ ولا يُظاهَرَ عَلَيْهِ مَن يُشْرِكُ بِاللَّهِ، ويَعْبُدُ الأوْثانَ مِن دُونِهِ؛ ابْتِغاءَ عَرَضِ الدُّنْيا. هَذا مُلَخَّصُ ما ساقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ. ورَواهُ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ. فَلْيُحَقَّقْ تَصْحِيحُ هَذِهِ القِصَّةِ.
وفِي الآيَةِ تَفْسِيرٌ آخَرُ. أيْ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم لِشِدَّةٍ تُصِيبُكم بِسِكِّينٍ، أوْ خَنْقٍ، أوْ بِارْتِكابِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ. كالِارْتِدادِ والزِّنى بَعْدَ الإحْصانِ. وقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ الحَقِّ ونَحْوِ ذَلِكَ. ولا تُسِيئُوا جِوارَ مَن جاوَرَكم فَيَضْطَرُّونَ إلى الخُرُوجِ مِن دِيارِكم. أوْ: لا تُفْسِدُوا فَتَكُونُوا سَبَبًا لِإخْراجِكم أنْفُسَكم. واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:87
(p-١٨٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٧ ] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ. وتَصْدِيرُهُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ. والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ. ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ يُقالُ: قَفّاهُ بِهِ أتْبَعَهُ إيّاهُ، مِنَ التَّقْفِيَةِ وهي مُتابَعَةُ شَيْءٍ شَيْئًا. كَأنَّهُ يَتْلُو قَفاهُ، وقَفا الصُّورَةَ مِنها، خَلْفُها المُقابِلُ لِلْوَجْهِ. والمَعْنى لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى الضَّبْطِ بِالكِتابِ الَّذِي تَرَكَهُ فِيكم مُوسى، بَلْ أرْسَلْنا مِن بَعْدِهِ الرُّسُلَ تَتْرى، لِيُجَدِّدُوا لَكم أمْرَ الدِّينِ ويُؤَكِّدُوا عَلَيْكُمُ العُهُودَ. "وآتَيْنا عِيسى" اسْمٌ مُعَرَّبٌ أصْلُهُ يَسُوعُ. لَفْظَةٌ يُونانِيَّةٌ بِمَعْنى مُخْلَصٍ، ومِثْلُهُ يَشُوعُ بِالمُعْجَمَةِ، في اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ "ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ" المُعْجِزاتِ الواضِحاتِ الَّتِي لا مِرْيَةَ فِيها لِذِي عَقْلٍ. كَإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ "وأيَّدْناهُ" أيْ: قَوَّيْناهُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ "بِرُوحِ القُدُسِ" بِالرُّوحِ المُقَدَّسَةِ كَما تَقُولُ: حاتِمُ الجُودِ ورَجُلُ صِدْقٍ، وهي الرُّوحُ الطّاهِرَةُ الَّتِي نَفَخَها اللَّهُ فِيهِ ومَيَّزَهُ بِها عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ خَلَقَ. قالَ تَعالى ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] ولِذا كانَ لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِالرُّوحِ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ لِكَثْرَةِ ما أحْيى مِنَ المَوْتى. وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: القُدُسُ هو اللَّهُ، ورُوحُهُ جِبْرِيلُ. والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ. والمَعْنى: (p-١٨٦)أعَنّاهُ بِجِبْرِيلَ. قالَ الرّازِيُّ: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ رُوحَ القُدُسِ جِبْرِيلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] واللَّهُ أعْلَمُ.
وتَخْصِيصُهُ مِن بَيْنِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالذِّكْرِ ووَصْفُهُ بِما ذَكَرَ مِن إيتاءِ البَيِّناتِ، والتَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ لِحَسْمِ مادَّةِ اعْتِقادِهِمُ الباطِلَ في حَقِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِبَيانِ حَقِّيَّتِهِ وإظْهارِ نِهايَةِ قُبْحِ ما فَعَلُوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾ مِنَ الحَقِّ، أيْ لا تُحِبُّهُ. مِن هَوِيَ كَفَرِحَ، إذا أحَبَّ "اسْتَكْبَرْتُمْ" عَنْ الِاتِّباعِ لَهُ، والإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى "فَفَرِيقًا" مِنهم "كَذَّبْتُمْ" إذْ لَمْ تَنَلْ أيْدِيكم مَضَرَّتَهُ "وفَرِيقًا" آخَرَ مِنهم "تَقْتُلُونَ" غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ.
البقرة 2:88
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٨ ] ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾
"وقالُوا" بَيانٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن مَخازِيهِمْ. والقائِلُونَ المُعاصِرُونَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ "قُلُوبُنا غُلْفٌ" هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] أيْ هي مُغْشاةٌ بِأغْطِيَةٍ مانِعَةٍ مِن وُصُولِ أثَرِ دَعْوَتِكَ إلَيْها، فَلا تَفْقَهُهُ. مُسْتَعارٌ مِنَ الأغْلَفِ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ رَدَّ اللَّهُ أنْ تَكُونَ قُلُوبُهم كَذَلِكَ لِأنَّها مُتَمَكِّنَةٌ مِن قَبُولِ الحَقِّ. وإنَّما طَرَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وزَيْغِهِمْ. وهَذا كَما قالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٥٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَقَلِيلا (p-١٨٧)ما يُؤْمِنُونَ﴾ "ما" مَزِيدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ أيْ فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ. وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الكِتابِ.
البقرة 2:89
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٩ ] ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾
"ولَمّا جاءَهم كِتابٌ" هو القُرْآنُ الكَرِيمُ الَّذِي مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ. وصَفَهُ بِالهُدى. وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ. ونَعَتَهُ بِقَوْلِهِ "مِن عِنْدِ اللَّهِ" لِلتَّشْرِيفِ "مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ" مِنَ التَّوْراةِ. وجَوابُ "لَمّا" مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ "لَمّا" الثّانِيَةِ. وعَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى "وكانُوا" إلَخْ. . جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الشَّرْطِيَّةِ، عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ. وقِيلَ: جَوابُها كَفَرُوا. ولَمّا الثّانِيَةُ تَكْرارٌ لِلْأُولى، فَلا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ. وقِيلَ: كَفَرُوا جَوابٌ لِلْأُولى والثّانِيَةِ لِأنَّ مُقْتَضاهُما واحِدٌ. وعَلى الوَجْهَيْنِ فَجُمْلَةُ قَوْلِهِ "وكانُوا مِن قَبْلُ" أيْ قَبْلَ مَجِيئِهِ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ مُكابَرَتِهِمْ وعِنادِهِمْ. والِاسْتِفْتاحُ: الِاسْتِنْصارُ أيْ طَلَبُ النَّصْرِ، أيْ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ النَّصْرَ عَلى المُشْرِكِينَ لِما أنَّهم كانُوا مُسْتَذَلِّينَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، ولِذا كانُوا يُحالِفُونَ بَعْضَ القَبائِلِ تَعَزُّزًا بِهِمْ عَلى ما تَقَدَّمَ "فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا" صِحَّتَهُ وصِدْقَهُ. كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُسارِعُوا إلى الإيمانِ بِهِ لِظَفْرِهِمْ بِأُمْنِيَّتِهِمْ حِينَئِذٍ، وهو انْتِصارُهم عَلى المُشْرِكِينَ، وحُصُولُ العِزَّةِ لَهم مَعَ المُؤْمِنِينَ. ولَكِنْ "كَفَرُوا بِهِ" أيِ امْتَنَعُوا مِنَ الإيمانِ بِهِ خَوْفًا مِن زَوالِ رِياسَتِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وأصَرُّوا عَلى الإنْكارِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ. ولِذا قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ في (p-١٨٨)قِصَّةِ إسْلامِهِ: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ. فَواللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّهُ جاءَ بِحَقٍّ. رَواهُ البُخارِيُّ في الهِجْرَةِ.
ورَوى أيْضًا أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ لَمّا بَلَغَهُ مَقْدِمَ النَّبِيِّ ﷺ أتاهُ فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ. فَلَمّا أجابَهُ عَنْها قالَ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. وسَنَذْكُرُ الحَدِيثَ بِتَمامِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] الآيَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ أيْ عَلَيْهِمْ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حُلُولَ اللَّعْنَةِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ؛ كَما أنَّ الفاءَ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِها عَلَيْهِ. أوْ لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، إذِ الكَلامُ فِيهِمْ، وأيًّا ما كانَ فَهو مُحَقِّقٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]
البقرة 2:90
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٠ ] ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْـزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾
﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها، مَنصُوبَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ، مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ. أيْ بِئْسَ شَيْئًا باعُوا بِهِ أنْفُسَهم واعْتاضُوا لَها، فَرَضُوا بِهِ وعَدَلُوا إلَيْهِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ كُفْرُهم بِالكِتابِ المُصَدِّقِ (p-١٨٩)لِما مَعَهم بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى حَقِيقَتِهِ "بَغْيًا" حَسَدًا "أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ" لِأنْ يُنَزِّلَ، أوْ عَلى أنْ يُنَزِّلَ. أيْ حَسَدُوهُ عَلى أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ "مِن فَضْلِهِ" الَّذِي هو الوَحْيُ "عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ" أيْ: يَشاؤُهُ ويَصْطَفِيهِ لِلرِّسالَةِ "فَباؤُوا بِغَضَبٍ" أيْ رَجَعُوا لِأجْلِ ذَلِكَ بِغَضَبٍ، في حَسَدِهِمْ لِهَذا النَّبِيِّ ﷺ حَتّى كَفَرُوا بِهِ "عَلى غَضَبٍ" كانُوا اسْتَحَقُّوهُ قَبْلَ بِعْثَتِهِ ﷺ مِن أجْلِ تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ، وتَضْيِيعِهِمْ بَعْضَ أحْكامِ التَّوْراةِ، وكُفْرِهِمْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّ غَضَبَهُ تَعالى يَتَزايَدُ ويَكْثُرُ ويَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ كَصِحَّتِهِ في العَذابِ، فَلا يَكُونُ غَضَبُهُ عَلى مَن كَفَرَ بِخِصْلَةٍ واحِدَةٍ، كَغَضَبِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِخِصالٍ كَثِيرَةٍ.
قُلْتُ: وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ««اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ مَلِكُ الأمْلاكِ؛ لا مَلِكَ إلّا اللَّهُ»» . والرِّواياتُ في تَوْصِيفِ غَضَبِهِ تَعالى بِالشِّدَّةِ عَلى بَعْضِ المُنْكَراتِ مُتَوافِرَةٌ. انْظُرِ الجامِعَ الصَّغِيرَ.
ويَحْتَمِلُ المَعْنى. فَصارُوا أحِقّاءَ بِغَضَبٍ مُتَرادِفٍ، فَلا يَكُونُ القَصْدُ إثْباتَ غَضَبَيْنِ (p-١٩٠)لِأمْرَيْنِ مُتَنَوِّعَيْنِ أوْ أُمُورٍ، بَلِ المُرادُ بِهِ تَأْكِيدُ الغَضَبِ وتَكْثِيرُهُ لِأجْلِ أنَّ هَذا الكُفْرَ، وإنْ كانَ واحِدًا، إلّا أنَّهُ عَظِيمٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَدْ قَدَّمْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] أنَّ الغَضَبَ صِفَةٌ وصَفَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ بِها. ولَيْسَ غَضَبُهُ كَغَضَبِنا. كَما أنَّ ذاتَهُ لَيْسَتْ مِثْلَ ذَواتِنا، فَلَيْسَ هو مُماثِلًا لِأبْدانِنا ولا لِأرْواحِنا، وصِفاتُهُ كَذاتِهِ. وما قِيلَ: إنَّ الغَضَبَ مِن الِانْفِعالاتِ النَّفْسانِيَّةِ فَيُقالُ نَحْنُ وذَواتُنا مُنْفَعِلَةٌ، فَكَوْنُها انْفِعالاتٍ فِينا لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُنْفَعِلًا بِها. كَما أنَّ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ لَيْسَتْ مِثْلَ ذَواتِ المَخْلُوقِينَ. فَصِفاتُهُ كَذَلِكَ لَيْسَتْ كَصِفاتِ المَخْلُوقِينَ، ونِسْبَةُ صِفَةِ المَخْلُوقِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ صِفَةِ الخالِقِ إلَيْهِ. ولَيْسَ المَنسُوبُ كالمَنسُوبِ والمَنسُوبُ إلَيْهِ كالمَنسُوبِ إلَيْهِ. كَما قالَ ﷺ: ««تَرَوْنَ رَبَّكم كَما تَرَوْنَ الشَّمْسَ والقَمَرَ»» فَشَبَّهَ الرُّؤْيَةَ بِالرُّؤْيَةِ لا المَرْئِيِّ بِالمَرْئِيِّ. وهَذا يَتَبَيَّنُ بِقاعِدَةٍ: وهي أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَتَوَهَّمُ، في بَعْضِ الصِّفاتِ أوْ كَثِيرٍ مِنها، أوْ أكْثَرِها أوْ كُلِّها، أنَّها تُماثِلُ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ. ثُمَّ يُرِيدُ نَفْيَ ذَلِكَ الَّذِي فَهِمَهُ فَيَقَعُ في أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ المَحاذِيرِ: أحَدُها: كَوْنُهُ مِثْلَ ما فَهِمَهُ مِنَ النُّصُوصِ لِصِفاتِ المَخْلُوقِينَ. وظَنَّ أنَّ مَدْلُولَ النُّصُوصِ هو التَّمْثِيلُ.
الثّانِي: أنَّهُ إذْ جَعَلَ ذَلِكَ هو مَفْهُومُها وعَطَّلَهُ فَبَقِيَتِ النُّصُوصُ مُعَطَّلَةً عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن إثْباتِ الصِّفاتِ اللّائِقَةِ بِاللَّهِ فَيَبْقى مَعَ جِنايَةٍ عَلى النُّصُوصِ، وظَنِّهِ السَّيِّئِ الَّذِي ظَنَّهُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، حَيْثُ خِلافُ الَّذِي يُفْهَمُ مِن كَلامِهِما، مِن إثْباتِ صِفاتِ اللَّهِ، والمَعانِي الإلَهِيَّةِ اللّائِقَةِ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَنْفِي تِلْكَ الصِّفاتِ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. فَيَكُونُ مُعَطَّلًا عَمّا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى.
الرّابِعُ: أنَّهُ يَصِفُ الرَّبَّ بِنَقِيضِ تِلْكَ الصِّفاتِ مِن صِفاتِ المَواتِ، والجَماداتِ، وصِفاتِ المَعْدُوماتِ. فَيَكُونُ قَدْ عَطَّلَ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّها الرَّبُّ. ومَثَّلَهُ بِالمَنقُوصاتِ والمَعْدُوماتِ. وعَطَّلَ النُّصُوصَ عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ. وجَعَلَ مَدْلُولَها هو التَّمْثِيلُ بِالمَخْلُوقاتِ. فَيَجْمَعُ في اللَّهِ وفي كَلامِ اللَّهِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ والتَّمْثِيلِ. سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. أفادَهُ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ. عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، في القاعِدَةِ التَّدْمُرِيَّةِ.
(p-١٩١)"ولِلْكافِرِينَ" أيْ لَهم. والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ كُفْرِهِمْ لِما حاقَ بِهِمْ "عَذابٌ مُهِينٌ" يُرادُ بِهِ إهانَتُهم. أيْ إذْلالُهم. فَإنَّ كُفْرَهم، لَمّا كانَ سَبَبُهُ البَغْيَ والحَسَدَ، ومَنشَأُ ذَلِكَ التَّكَبُّرُ، قُوبِلُوا بِالإهانَةِ والصِّغارِ في الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أيْ: صاغِرِينَ حَقِيرِينَ.
البقرة 2:91
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩١ ] ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْـزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْـزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
"وإذا قِيلَ لَهُمْ" أيْ لِلْيَهُودِ "آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ" عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وصَدِّقُوهُ واتَّبِعُوهُ ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْـزِلَ عَلَيْنا﴾ مِنَ التَّوْراةِ، ولا نُقِرُّ إلّا بِها "ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ" حالٌ مِن ضَمِيرِ "قالُوا" بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ. أيْ قالُوا ما قالُوا وهم يَكْفُرُونَ بِما بَعْدَهُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ مِنها غَيْرُ مُخالِفٍ لَهُ. وفِيهِ رَدٌّ لِمَقالَتِهِمْ. لِأنَّهم إذا كَفَرُوا بِما يُوافِقُ التَّوْراةَ فَقَدْ كَفَرُوا بِها "قُلْ" تَبْكِيتًا لَهم بِبَيانِ التَّناقُضِ بَيْنَ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكُمُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكم، فَلِمَ قَتَلْتُمُ الأنْبِياءَ الَّذِينَ جاؤُوكم بِتَصْدِيقِ التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَهم. قَتَلْتُمُوهم بَغْيًا وعِنادًا، واسْتِكْبارًا عَلى رُسُلِ اللَّهِ. فَلَسْتُمْ تَتَّبِعُونَ إلّا مُجَرَّدَ الأهْواءِ والآراءِ والتَّشَهِّي كَما قالَ تَعالى ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] والخِطابُ لِلْحاضِرِينَ مِنَ اليَهُودِ والماضِينَ، عَلى (p-١٩٢)طَرِيقِ التَّغْلِيبِ، وحَيْثُ كانُوا مُشارِكِينَ في العَقْدِ والعَمَلِ، كانَ الِاعْتِراضُ عَلى أسْلافِهِمُ اعْتِراضًا عَلى أخْلافِهِمْ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُجادَلَةَ في الدِّينِ مِن عُرْفِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإنَّ إيرادَ المُناقَضَةِ عَلى الخَصْمِ جائِزٌ.
ولَمّا دَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ في دَعْوى الإيمانِ بِما فَعَلُوا بَعْدَ مُوسى، أقامَ دَلِيلًا آخَرَ أقْوى مِمّا تَقَدَّمَهُ. فَإنَّهُ لَمْ يَعْهَدْ إلَيْهِمْ في التَّوْراةِ ما عَهِدَ إلَيْهِمْ في التَّوْحِيدِ والبُعْدِ عَنِ الإشْراكِ. وهو في النُّسَخِ المَوْجُودَةِ بَيْنَ أظْهُرِهِمُ الآنَ. وقَدْ نَقَضُوا جَمِيعَ ذَلِكَ بِاتِّخاذِ العِجْلِ في أيّامِ مُوسى، وبِحَضْرَةِ هارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ. فَقالَ تَعالى:
البقرة 2:92
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٢ ] ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾
﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ مِنَ الآياتِ كَفَلْقِ البَحْرِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعاتِ عَلى أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ" مَعْبُودًا مِن دُونِ اللَّهِ "مِن بَعْدِهِ" أيْ مِن بَعْدِ ما ذَهَبَ مُوسى عَنْكم إلى الطُّورِ لِمُناجاةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] وقَوْلُهُ تَعالى "وأنْتُمْ ظالِمُونَ" أيْ بِعِبادَتِهِ. واضِعِينَ لَها في غَيْرِ مَوْضِعِها. أوْ بِالإخْلالِ بِحُقُوقِ آياتِ اللَّهِ تَعالى. أوْ هو اعْتِراضٌ. أيْ وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُّلْمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ أمْرًا آخَرَ هو أبْيَنُ في عِنادِهِمْ وأنَّهم مَعَ الهَوى فَقالَ:
البقرة 2:93
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
(p-١٩٣)[٩٣ ] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
"وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ" عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ. "ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ" قائِلِينَ "خُذُوا ما آتَيْناكُمْ" أيْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ في التَّوْراةِ "بِقُوَّةٍ" بِجِدٍّ "واسْمَعُوا" أطِيعُوا "قالُواْ سَمِعْنا" قَوْلُكَ "وعَصَيْنا" أمْرَكَ. وظاهِرُ السَّوْقِ يَقْتَضِي أنَّهم قالُوا ذَلِكَ حَقِيقَةً.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَمِعُوهُ فَتَلْقَوْهُ بِالعِصْيانِ. فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَوْلِ وإنْ لَمْ يَقُولُوهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ أيْ حُبَّهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ. وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ لِلْمُبالَغَةِ. أوِ العِجْلُ مَجازٌ عَنْ صُورَتِهِ. فَلا يَحْتاجُ إلى حَذْفِ المُضافِ. وعَلى كُلٍّ، فَأُشْرِبُوا اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً. إمّا مِن إشْرابِ الثَّوْبِ الصَّبْغَ -أيْ تُداخِلُهُ فِيهِ- أوْ مِن إشْرابِ الماءِ -أيْ تَداخُلُهُ أعْماقَ البَدَنِ- والجامِعُ السِّرايَةِ في كُلِّ جُزْءٍ. وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِمْ إيهامٌ لِمَكانِ الإشْرابِ. ثُمَّ بُيِّنَ بِقَوْلِهِ "فِي قُلُوبِهِمُ" لِلْمُبالَغَةِ، فَظَهَرَ وجْهُ العُدُولِ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ وهو: وأُشْرِبَ قُلُوبُهُمُ العِجْلَ "بِكُفْرِهِمْ" بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.
﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ كَما زَعَمْتُمْ، بِالتَّوْراةِ. وإضافَةُ الأمْرِ إلى إيمانِهِمْ تَهَكُّمٌ كَما في قِصَّةِ شُعَيْبٍ ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧] (p-١٩٤)وكَذا إضافَةُ الإيمانِ إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ "إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" قَدْحٌ في صِحَّةِ دَعْواهم. فَإنَّ الإيمانَ إنَّما يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ لا بِشَرِكَةِ العِبادِ لِما هو في غايَةِ البَلادَةِ. فَهو غايَةُ الِاسْتِهْزاءِ. وحاصِلُ الكَلامِ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِها عامِلِينَ، فِيما ذَكَرَ مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ، بِما فِيها، فَبِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم بِها. وإذْ لا يُسَوَّغُ الإيمانُ بِها مِثْلَ تِلْكَ القَبائِحِ فَلَسْتُمْ بِمُؤْمِنِينَ بِها قَطْعًا. فَجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ كَما تَرى، لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ.
البقرة 2:94
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٤ ] ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
"قُلْ" كَرَّرَ الأمْرَ بِتَبْكِيتِهِمْ لِإظْهارِ نَوْعٍ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ. وهو ادِّعاؤُهم أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَهم مِن دُونِ النّاسِ. لَكِنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْهم قَبْلَ الأمْرِ بِإبْطالِهِ، بَلِ اكْتَفى بِالإشارَةِ إلَيْهِ في تَضاعِيفِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ. والمُرادُ الجَنَّةُ. أيْ سالِمَةً لَكم، خاصَّةً بِكم، لَيْسَ لِأحَدٍ سِواكم فِيها حَقٌّ كَما تَقُولُونَ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] "مِن دُونِ النّاسِ" اللّامُ لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ وهُمُ المُسْلِمُونَ "فَتَمَنَّوُا المَوْتَ" فَسَلُوا المَوْتَ "إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" لِأنَّ مَن أيْقَنَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ اشْتاقَ إلَيْها وتَمَنّى سُرْعَةَ الوُصُولِ إلى النَّعِيمِ والتَّخَلُّصِ مِنَ الدّارِ ذاتِ الأكْدارِ، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا بِالمَوْتِ. والَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَطْلُوبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا، نَظَرًا إلى كَوْنِهِ وسِيلَةً إلى ذَلِكَ المَطْلُوبِ. والمُرادُ بِالتَّمَنِّي هُنا هو التَّلَفُّظُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، لا مُجَرَّدَ خُطُورِهِ بِالقَلْبِ ومَيْلِ النَّفْسِ إلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُرادُ في مَقامِ المُحاجَّةِ ومَواطِنِ الخُصُومَةِ ومَواقِفِ التَّحَدِّي لِأنَّهُ مِن ضَمائِرِ القُلُوبِ. وثَمَّ تَفْسِيرٌ آخَرُ لِلتَّمَنِّي (p-١٩٥)بِأنْ يُدْعَوْا إلى المُباهَلَةِ والدُّعاءِ بِالمَوْتِ. وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ. والأوَّلُ أقْرَبُ إلى مُوافَقَةِ اللَّفْظِ. وقَوْلُهُ:
البقرة 2:95
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٥ ] ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾
﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ. وكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ. كَقَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] "بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ" بِما أسْلَفُوا مِن أنْواعِ العِصْيانِ. واليَدُ مَجازٌ عَنِ النَّفْسِ. عَبَّرَ بِها عَنْها، لِأنَّها مِن بَيْنِ جَوارِحِ الإنْسانِ، مَناطُ عامَّةِ صَنائِعِهِ. ولِذا كانَتِ الجِناياتُ بِها أكْثَرَ مِن غَيْرِها. ولَمْ يُجْعَلِ المَجازُ في الإسْنادِ، فَيَكُونُ المَعْنى بِما قَدَّمُوا بِأيْدِيهِمْ، لِيَشْمَلَ ما قَدَّمُوا بِسائِرِ الأعْضاءِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ بِهِمْ. تَذْيِيلٌ لِلتَّهْدِيدِ. والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم ظالِمُونَ في دَعْوى ما لَيْسَ لَهم، ونَفْيِهِ عَمَّنْ سِواهم. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الجُمُعَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦] ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٧]
و قَدْ تَلَطَّفَ الغَزالِيُّ في تَوْجِيهِ الإتْيانِ بِـ "لَنْ" هُنا، و"لا" في سُورَةِ الجُمُعَةِ بِأنَّ الدَّعْوى هُنا أعْظَمُ مِنَ الثّانِيَةِ، إذِ السَّعادَةُ القُصْوى هي الحُصُولُ في دارِ الثَّوابِ، وأمّا مَرْتَبَةُ الوِلايَةِ فَهِيَ، وإنْ كانَتْ شَرِيفَةً إلّا أنَّها إنَّما تُرادُ لِيُتَوَسَّلَ بِها إلى الجَنَّةِ. فَلَمّا كانَتِ الدَّعْوى الأُولى أعْظَمَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ تَعالى فَسادَ قَوْلِهِمْ بِلَفْظِ "لَنْ" لِأنَّها أقْوى الألْفاظِ النّافِيَةِ. ولَمّا كانَتِ (p-١٩٦)الدَّعْوى الثّانِيَةُ لَيْسَتْ في غايَةِ العَظَمَةِ اكْتَفى في إبْطالِها بِلَفْظِ "لا" لِأنَّهُ لَيْسَ في نِهايَةِ القُوَّةِ، في إفادَةِ مَعْنى النَّفْيِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْهم أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ، أتْبَعَهُ بِأنَّهم في غايَةِ الحِرْصِ عَلى الحَياةِ بِقَوْلِهِ:
البقرة 2:96
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٦ ] ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾
﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ التَّنْكِيرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، وهي الحَياةُ المُتَطاوِلَةُ، ولِذا كانَتِ القِراءَةُ بِها أوْقَعَ مِن قِراءَةِ أُبَيٍّ: عَلى الحَياةِ "ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا" عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ بِحَسَبِ المَعْنى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أحْرَصُ مِنَ النّاسِ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا. وإفْرادُهم بِالذِّكْرِ، مَعَ دُخُولِهِمْ في النّاسِ، لِلْإيذانِ بِامْتِيازِهِمْ مِن بَيْنِهِمْ بِشِدَّةِ الحِرْصِ. لِلْمُبالَغَةِ في تَوْبِيخِ اليَهُودِ، فَإنَّ حِرْصَهم، وهم مُعْتَرِفُونَ بِالجَزاءِ، لَمّا كانَ أشَدَّ مِن حِرْصِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لَهُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى جَزْمِهِمْ بِمَصِيرِهِمْ إلى النّارِ. ويَجُوزُ أنْ يَحْمِلَ عَلى حَذْفِ المَعْطُوفِ ثِقَةً بِإنْباءِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، عَنْهُ؛ أيْ وأحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا.
وأمّا تَجْوِيزُ كَوْنِ الواوِ لِلِاسْتِئْنافِ وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: "عَلى حَياةٍ" تَقْدِيرُهُ "ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا" ناسٌ يَوَدُّ أحَدُهم، عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ، وقَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: ولَتَجِدَنَّهم وطائِفَةً مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ، ثُمَّ فَسَّرَ هَذِهِ المَحَبَّةَ بِقَوْلِهِ: يَوَدُّ أحَدُكم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ -فَلّا يَخْفى بُعْدُهُ. لِأنَّهُ إذا كانَتِ القِصَّةُ في شَأْنِ اليَهُودِ خاصَّةً فالألْيَقُ بِالظّاهِرِ، أنْ يَكُونَ المُرادُ: (p-١٩٧)ولَتَجِدَنَّ اليَهُودَ أحْرَصَ عَلى الحَياةِ مِن سائِرِ النّاسِ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ في إبْطالِ دَعْواهم وفي إظْهارِ كَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَنا، لا لِغَيْرِنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
"يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ" بَيانٌ لِزِيادَةِ حِرْصِهِمْ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ. و"لَوْ" مَصْدَرِيَّةٌ، بِمَعْنى "أنْ" مُؤَوَّلٌ ما بَعْدَها بِمَصْدَرٍ، مَفْعُولُ يَوَدُّ. أيْ: يَوَدُّ أحَدُهم تَعْمِيرَ ألْفِ سَنَةٍ: ﴿وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ﴾ "ما" حِجازِيَّةٌ، والضَّمِيرُ العائِدُ عَلى أحَدِهِمُ اسْمُها، وبِمُزَحْزِحِهِ خَبَرُها، والباءُ زائِدَةٌ، وأنْ يُعَمَّرَ فاعِلُ مُزَحْزِحِهِ، أيْ وما أحَدُهُمُ المُتَمَنِّي بِمَن يُزَحْزِحُهُ، أيْ يُبْعِدُهُ ويُنْجِيهِ، مِنَ العَذابِ تَعْمِيرُهُ. قالَ القاضِي: والمُرادُ أنَّهُ لا يُؤَثِّرُ في إزالَةِ العَذابِ أقَلَّ تَأْثِيرٍ، ولَوْ قالَ تَعالى: وما هو بِمُبْعِدِهِ وبِمُنْجِيهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى قِلَّةِ التَّأْثِيرِ كَدَلالَةِ هَذا القَوْلِ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فَسَوْفَ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
وما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ البَصِيرَ في اللُّغَةِ بِمَعْنى العَلِيمِ لا يَخْفى فَسادُهُ، فَإنَّ العَلِيمَ والبَصِيرَ اسْمانِ مُتَبايِنا المَعْنى لُغَةً. نَعَمْ ! لَوْ حُمِلَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ مَجازًا لَمْ يَبْعُدْ، ولا ضَرُورَةَ إلَيْهِ هُنا. ودَعْوى أنَّ بَعْضَ الأعْمالِ مِمّا لا يَصِحُّ أنْ يُرى، فَلِذا حَمْلُ هَذا البَصَرِ عَلى العِلْمِ- هو مِن بابِ قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وهو بَدِيهِيُّ البُطْلانِ. قالَ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ الدِّمَشْقِيُّ في كِتابِ الكافِيَةِ الشّافِيَةِ:
؎وهُوَ البَصِيرُ يَرىْ دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّ وْداْءِ تَحْتَ الصَّخْرِ والصَّوّانِ
؎ويَرىْ مَجارِي القُوتِ في أعْضائِها ∗∗∗ ويَرى عُرُوقَ بَياضِها بِعِيانِ
؎ويَرى خِياناتِ العُيُونِ بِلَحْظِها ∗∗∗ ويَرى، كَذاكَ، تَقَلُّبَ الأجْفانِ
وقَوْلُهُ تَعالى:
البقرة 2:97
(p-١٩٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٧ ] ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [٩٨ ] ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]
﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]
رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في كِتابِ التَّفْسِيرِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهو في أرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ، لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ. فَما أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ ؟ وما أوَّلُ طَعامِ أهْلِ الجَنَّةِ ؟ وما يَنْزِعُ الوَلَدَ إلى أبِيهِ أوْ إلى أُمِّهِ ؟ قالَ: «أخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا»، قالَ: جِبْرِيلُ ؟ قالَ: «نَعَمْ»، قالَ: ذاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ «أمّا أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ، فَنارٌ تَحْشُرُ النّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ. وأمّا أوَّلُ طَعامِ أهْلِ الجَنَّةِ، فَزِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ. وإذا سَبَقَ ماءُ الرَّجُلِ ماءَ المَرْأةِ، نَزَعَ الوَلَدَ، وإذا سَبَقَ ماءُ المَرْأةِ نَزَعَتْ» قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ وإنَّهم إنْ يَعْلَمُوا بِإسْلامِي قَبْلَ أنْ تَسْألَهم يَبْهَتُونِي. فَجاءَتِ اليَهُودُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ «أيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ»؟ قالُوا: (p-١٩٩)خَيْرُنا وابْنُ خَيْرِنا، وسَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ» ؟ فَقالُوا: أعاذَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ ! فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقالُوا: شَرُّنا وابْنُ شَرِّنا. وانْتَقَصُوهُ. قالَ: فَهَذا الَّذِي كُنْتُ أخافُ يا رَسُولَ اللَّهِ» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ في مَسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ: «حَضَرَتْ عِصابَةٌ مِنَ اليَهُودِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، حَدِّثْنا عَنْ خِلالٍ نَسْألُكَ عَنْهُنَّ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ. وساقَ نَحْوًا مِمّا تَقَدَّمَ. وتَتِمَتُّهُ قالُوا: أنْتَ الآنَ، فَحَدِّثْنا مَن ولِيُّكَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَعِنْدَها نُجامِعُكَ أوْ نُفارِقُكَ، قالَ: «فَإنَّ ولِيِّيَ جِبْرِيلُ، ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ، إلّا وهو ولِيُّهُ» . قالُوا: فَعِنْدَها نُفارِقُكَ. ولَوْ كانَ ولِيُّكَ سِواهُ مِنَ المَلائِكَةِ تابَعْناكَ وصَدَّقْناكَ. قالَ: فَما مَنَعَكم أنْ تُصَدِّقُوهُ ؟ قالُوا: إنَّهُ عَدُوُّنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَعِنْدَها باؤُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ».
وفِي رِوايَةٍ لِلْإمامِ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ في القِصَّةِ: «فَأخْبِرْنا مَن صاحِبُكَ ؟ قالَ: «جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ» . قالُوا: جِبْرِيلُ ! ذاكَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالحَرْبِ والقِتالِ والعَذابِ، عَدُّونا. لَوْ قُلْتَ: مِيكائِيلُ، الَّذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ والقَطْرِ والنَّباتِ لَكانَ ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ». ويُؤْخَذُ مِن رِواياتٍ أُخَرَ أنَّ سَبَبَ قِيلِهِمْ ذَلِكَ مِن أجْلِ مُناظَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . فَقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «نَزَلَ عُمَرُ الرَّوْحاءَ، فَرَأى رِجالًا يَبْتَدِرُونَ أحْجارًا يُصَلُّونَ إلَيْها. فَقالَ: ما هَؤُلاءِ ؟ قالُوا: يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى هَهُنا. قالَ فَكَرِهَ ذَلِكَ، وقالَ: أيُّما ؟ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ بِوادٍ فَصَلّى، ثُمَّ ارْتَحَلَ فَتَرَكَهُ. ثُمَّ أنْشَأ يُحَدِّثُهم، فَقالَ: كُنْتُ أشْهَدُ اليَهُودَ يَوْمَ مِدْراسِهِمْ، فَأعْجَبُ مِنَ التَّوْراةِ كَيْفَ تُصَدِّقُ الفُرْقانَ، ومِنَ الفُرْقانِ كَيْفَ يُصَدِّقُ (p-٢٠٠)التَّوْراةَ ! فَبَيْنَما أنا عِنْدَهم ذاتَ يَوْمٍ، قالُوا: يا ابْنَ الخَطّابِ ! ما مِن أصْحابِكَ أحَدٌ أحَبُّ إلَيْنا مِنكَ. قُلْتُ: ولِمَ ذَلِكَ ؟ قالُوا: إنَّكَ تَغْشانا وتَأْتِينا. قالَ قُلْتُ: إنِّي آتِيكم فَأعْجَبُ مِنَ الفُرْقانِ كَيْفَ يُصَدِّقُ التَّوْراةَ، ومِنَ التَّوْراةِ كَيْفَ تُصَدِّقُ الفُرْقانَ. قالَ، ومَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا ابْنَ الخَطّابِ ! ذاكَ صاحِبُكم فالحَقْ بِهِ. قالَ: فَقُلْتُ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، وما اسْتَرْعاكم مِن حَقِّهِ، وما اسْتَوْدَعَكم مِن كِتابِهِ، أتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: فَسَكَتُوا. قالَ: فَقالَ لَهم عالِمُهم وكَبِيرُهم: إنَّهُ قَدْ عَظَّمَ عَلَيْكم فَأجِيبُوهُ. قالُوا: أنْتَ عالِمُنا وسَيِّدُنا، فَأجِبْهُ أنْتَ. قالَ: أمّا إذْ نَشَدْتَنا بِهِ. فَإنّا نَعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: قُلْتُ ويْحَكم، إذًا هَلَكْتُمْ. قالُوا: إنّا لَمْ نَهْلَكْ. قالَ: قُلْتُ: كَيْفَ ذَلِكَ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ لا تَتْبَعُونَهُ ولا تُصَدِّقُونَهُ ؟ قالُوا: إنَّ لَنا عَدُوًّا مِنَ المَلائِكَةِ، وسِلْمًا مِنَ المَلائِكَةِ. وإنَّهُ قُرِنَ بِهِ عَدُوُّنا مِنَ المَلائِكَةِ. قالَ: قُلْتُ: ومَن عَدُوُّكم، ومَن سِلْمُكم ؟ . قالُوا: عَدُوُّنا جِبْرِيلُ، وسِلْمُنا مِيكائِيلُ. قالَ: قُلْتُ: وفِيمَ عادَيْتُمْ جِبْرِيلَ ؟ وفِيمَ سالَمْتُمْ مِيكائِيلَ ؟ قالُوا: إنَّ جِبْرِيلَ مَلَكُ الفَظاظَةِ والغِلْظَةِ والإعْسارِ، والتَّشْدِيدِ والعَذابِ، ونَحْوَ هَذا. وإنَّ مِيكائِيلَ مَلَكُ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ والتَّخْفِيفِ، ونَحْوَ هَذا. قالَ: قُلْتُ: وما مَنزِلَتُهُما مِن رَبِّهِما؟ قالُوا: أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ يَسارِهِ، قالَ: قُلْتُ: فَواللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو إنَّهُما والَّذِي بَيْنَهُما لَعَدُوٌّ لِمَن عاداهُما وسِلْمٌ لِمَن سالَمَهُما، ما يَنْبَغِي لِجِبْرِيلَ أنْ يُسالِمَ عَدُوَّ مِيكائِيلَ، وما يَنْبَغِي لِمِيكائِيلَ أنْ يُسالِمَ عَدُوَّ جِبْرِيلَ. قالَ: ثُمَّ قُمْتُ فاتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَحِقْتُهُ وهو خارِجٌ مِن مَخْرَفَةٍ لِبَنِي فُلانٍ. فَقالَ لِي: يا ابْنَ الخَطّابِ، ألا أُقْرِئُكَ آياتٍ نَزَلْنَ ؟ فَقَرَأ عَلَيَّ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ حَتّى قَرَأ الآياتِ. قالَ: قُلْتُ: بِأبِي وأُمِّي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ جِئْتُ وأنا أُرِيدُ أنْ أُخْبِرَكَ الخَبَرَ، فَأسْمَعُ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ قَدْ سَبَقَنِي إلَيْكَ بِالخَبَرِ».
ورَواهُ مُخْتَصَرًا ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا، وفِيهِ انْقِطاعٌ، فَإنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يُدْرِكْ زَمانَ عُمَرَ رَضِيَ (p-٢٠١)اللَّهُ عَنْهُ. كَذا قالَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ، وساقَهُ أيْضًا الواحِدِيُّ، وزادَ في آخِرِهِ: قالَ عُمَرُ: فَلَقَدْ رَأيْتُنِي في دِينِ اللَّهِ أشَدَّ مِن حَجَرٍ.
قالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ: وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ أيْضًا إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قالَ شَيْخُنا البُوصَيْرِيُّ: وهو مُرْسَلٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، انْتَهى.
وثَمَّ رِواياتٌ مُتَنَوِّعاتٌ ساقَها ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، لا نُطَوِّلُ كِتابَنا بِسَرْدِها، ومَرْجِعُها واحِدٌ. فَإنْ قِيلَ: بَيْنَ رِوايَةِ البُخارِيِّ الأُولى وما بَعْدَها تَنافٍ. فالجَوابُ: لا مُنافاةَ؛ لِأنَّ قِراءَتَهُ ﷺ لَها في مُحاوَرَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، رَدًّا لِقَوْلِ اليَهُودِ، لا يَسْتَلْزِمُ نُزُولَها حِينَئِذٍ. فَإنَّ المُعْتَمَدَ في سَبَبِ نُزُولِها غَيْرُ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ مِمّا سَلَفَ مِنَ الرِّواياتِ. فَإنَّ طُرُقَها يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، وكَأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: إنَّ جِبْرِيلَ عَدُوٌّ لِلْيَهُودِ، تَلا عَلَيْهِ الآيَةَ، مُذَكِّرًا لَهُ سَبَبَ نُزُولِها -كَذا قالَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ.
وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) حَيْثُ قالَ (تَنْبِيهً) قَدْ يَكُونُ في إحْدى القِصَّتَيْنِ، (فَتَلا) فَيَهِمُ الرّاوِي، فَيَقُولُ (فَيَنْزِلُ) . وقالَ العَلّامَةُ ولِيُّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في كِتابِهِ (أُصُولُ التَّفْسِيرِ) وقَدْ تَحَقَّقَ عِنْدَ الفَقِيرِ أنَّ الصَّحابَةَ والتّابِعِينَ كَثِيرًا ما كانُوا يَقُولُونَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا وكَذا، وكَأنَّ غَرَضَهم تَصْوِيرُ ما صَدَّقَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ، وذِكْرُ بَعْضِ الحَوادِثِ الَّتِي تَشْمَلُها الآيَةُ بِعُمُومِها. سَواءٌ تَقَدَّمَتِ القِصَّةُ أوْ تَأخَّرَتْ. إسْرائِيلِيًّا كانَ ذَلِكَ أوْ جاهِلِيًّا أوْ إسْلامِيًّا. اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ قُيُودِ الآيَةِ أوْ بَعْضِها، واللَّهُ أعْلَمُ.
فَعُلِمَ مِن هَذا التَّحْقِيقِ أنَّ لِلِاجْتِهادِ في هَذا القِسْمِ مَدْخَلًا. ولِلْقِصَصِ المُتَعَدِّدَةِ هُنالِكَ سِعَةٌ. فَمَنِ اسْتَحْضَرَ هَذِهِ النُّكْتَةَ يَتَمَكَّنُ مِن حَلِّ ما اخْتُلِفَ مِن سَبَبِ النُّزُولِ بِأدْنى عِنايَةٍ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى "لِجِبْرِيلَ" قُرِئَ في السَّبْعِ بِكَسْرِ الجِيمِ والرّاءِ بِلا هَمْزٍ، وبِفَتْحِ الجِيمِ بِدُونِها أيْضًا، وبِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ ياءٍ وبِدُونِها. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ إذا نَطَقَتْ بِالأعْجَمِيِّ خَلَطَتْ فِيهِ.
(p-٢٠٢)وقَوْلُهُ "فَإنَّهُ نَزَّلَهُ" تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ قائِمٌ مَقامَهُ، والبارِزُ الأوَّلُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والثّانِي لِلْقُرْآنِ، أُضْمِرَ مِن غَيْرِ سَبْقِ ذِكْرٍ، إيذانًا بِفَخامَةِ شَأْنِهِ، واسْتِغْنائِهِ عَنِ الذِّكْرِ، لِكَمالِ شُهْرَتِهِ ونَباهَتِهِ، لا سِيَّما عِنْدَ ذِكْرِ شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ. وقَوْلُهُ "عَلى قَلْبِكَ" زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِلتَّنْزِيلِ، بِبَيانِ مَحَلِّ الوَحْيِ، فَإنَّهُ القابِلُ الأوَّلُ لَهُ، إنْ أُرِيدَ بِهِ الرُّوحُ. ومَدارُ الفَهْمِ والحِفْظِ إنْ أُرِيدَ بِهِ العُضْوُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وكانَ حَقَّ الكَلامِ أنْ يُقالَ "عَلى قَلْبِي" لِأنَّهُ المُطابِقُ لِقُلْ، ولَكِنْ جاءَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ اللَّهِ كَما تَكَلَّمَ بِهِ تَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ كَلامَ اللَّهِ. وأنَّهُ أمْرٌ بِإبْلاغِهِ. وقَوْلُهُ "بِإذْنِ اللَّهِ" أيْ: بِأمْرِهِ. وقَوْلُهُ: "مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ" أيْ مِنَ التَّوْراةِ وبَقِيَّةِ الصُّحُفِ المُنَزَّلَةِ. وقَوْلُهُ "وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ" أيْ يَهْدِي لِلرُّشْدِ وبُشْرى لَهم بِالجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿ونُنَـزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وفِيهِ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ، حَيْثُ قالُوا: إنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بِالحَرْبِ والشِّدَّةِ كَما تَقَدَّمَ، فَقِيلَ: فَإنَّهُ يَنْزِلُ بِالهُدى والبُشْرى أيْضًا. فَإنْ قِيلَ: مِن شَأْنِ الشَّرْطِ والجَزاءِ الِاتِّصالُ بِالسَّبَبِيَّةِ والتَّرَتُّبِ، فَكَيْفَ اسْتَقامَ قَوْلُهُ "فَإنَّهُ نَزَّلَهُ" جَزاءً لِلشَّرْطِ؟ أُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهُ "فَإنَّهُ نَزَّلَهُ" تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ، كَما أسْلَفْنا. والمَعْنى: مَن عادى جِبْرِيلَ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَلا وجْهَ لِمُعاداتِهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَحَبَّتُهُ، فَإنَّهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ كِتابًا (p-٢٠٣)مُصَدِّقًا لِكُتُبِهِمْ. فَلَوْ أنْصَفُوا لَأحَبُّوهُ وشَكَرُوا لَهُ صَنِيعَهُ، في إنْزالِهِ ما يَنْفَعُهم، ويُصَحِّحُ المُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ "فَلْيَمُتْ غَيْظًا" . وعَلَيْهِ فَلا يَكُونُ "فَإنَّهُ نَزَّلَهُ" نائِبًا عَنْهُ. ووَجْهُهُ أنْ يُقَدَّرَ الجَوابُ مُؤَخَّرًا عَنْ قَوْلِهِ "فَإنَّهُ نَزَّلَهُ" ويَكُونُ هو تَعْلِيلًا وبَيانًا لِسَبَبِ العَداوَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن عاداهُ، لِأنَّهُ نَزَلَ عَلى قَلْبِكَ فَلْيَمُتْ غَيْظًا.
قالَ الرَّضِيُّ: كَثِيرًا ما يَدْخُلُ الفاءُ عَلى السَّبَبِ ويَكُونُ بِمَعْنى اللّامِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤] وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: فَهو عَدُوٌّ لِي وأنا عَدُوُّهُ، بِقَرِينَةِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ في وعِيدِهِمْ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] أيْ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ لِإنْزالِهِ فَضْلَهُ عَلى مَن يَشاءُ أوْ لِأمْرٍ آخَرَ. وأفادَتِ الآيَةُ غَضَبَ اللَّهِ تَعالى لِجِبْرِيلَ عَلى مَن عاداهُ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثًا قُدْسِيًّا ««مَن عادى لِي ولِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ»» .
وصَدَّرَ الكَلامَ بِذِكْرِهِ الجَلِيلِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ، وإيذانًا بِأنَّ عَداوَتَهم عَداوَتُهُ عَزَّ وعَلا، وقَدَّمَ المَلائِكَةُ عَلى الرُّسُلِ، كَما قَدَّمَ اللَّهَ عَلى الجَمِيعِ؛ لِأنَّ عَداوَةَ الرُّسُلِ بِسَبَبِ نُزُولِ الوَحْيِ، ونُزُولُهُ بِتَنْزِيلِ المَلائِكَةِ، وتَنْزِيلُهم لَها بِأمْرِ اللَّهِ، فَذِكْرُ اللَّهِ تَعالى ومَن بَعْدَهُ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ، (p-٢٠٤)وإنَّما خَصَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ لِقَصْدِ التَّشْرِيفِ لَهُما، والدَّلالَةِ عَلى فَضْلِهِما، وإنَّهُما، وإنْ كانا مِنَ المَلائِكَةِ، فَقَدْ صارا بِاعْتِبارِ ما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ بِمَنزِلَةِ جِنْسٍ آخَرَ أشْرَفَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ الوَصْفِيِّ، مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مُعاداةَ الواحِدِ والكُلِّ سَواءٌ في الكُفْرِ، واسْتِجْلابِ العَداوَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ مَن عادى أحَدَهم فَكَأنَّهُ عادى الجَمِيعَ؛ إذِ المُوجِبُ لِمَحَبَّتِهِمْ وعَداوَتِهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ واحِدٌ، ولِأنَّ المُحاجَّةَ كانَتْ فِيهِما. ووَضَعَ "الكافِرِينَ" مَوْضِعَ "لَهُمْ"، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ إنَّما عاداهم لِكُفْرِهِمْ، وأنَّ عَداوَةَ المَلائِكَةِ كُفْرٌ. وقَدْ قُرِئَ في السَّبْعِ "مِيكالَ" كَمِيزانٍ، و"مِيكائِلُ" بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الألِفِ بِدُونِ ياءٍ و"مِيكائِيلُ" بِالهَمْزَةِ والياءِ.
البقرة 2:98
(p-١٩٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٧ ] ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [٩٨ ] ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]
﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]
رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في كِتابِ التَّفْسِيرِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهو في أرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ، لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ. فَما أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ ؟ وما أوَّلُ طَعامِ أهْلِ الجَنَّةِ ؟ وما يَنْزِعُ الوَلَدَ إلى أبِيهِ أوْ إلى أُمِّهِ ؟ قالَ: «أخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا»، قالَ: جِبْرِيلُ ؟ قالَ: «نَعَمْ»، قالَ: ذاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ «أمّا أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ، فَنارٌ تَحْشُرُ النّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ. وأمّا أوَّلُ طَعامِ أهْلِ الجَنَّةِ، فَزِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ. وإذا سَبَقَ ماءُ الرَّجُلِ ماءَ المَرْأةِ، نَزَعَ الوَلَدَ، وإذا سَبَقَ ماءُ المَرْأةِ نَزَعَتْ» قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ وإنَّهم إنْ يَعْلَمُوا بِإسْلامِي قَبْلَ أنْ تَسْألَهم يَبْهَتُونِي. فَجاءَتِ اليَهُودُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ «أيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ»؟ قالُوا: (p-١٩٩)خَيْرُنا وابْنُ خَيْرِنا، وسَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ» ؟ فَقالُوا: أعاذَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ ! فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقالُوا: شَرُّنا وابْنُ شَرِّنا. وانْتَقَصُوهُ. قالَ: فَهَذا الَّذِي كُنْتُ أخافُ يا رَسُولَ اللَّهِ» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ في مَسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ: «حَضَرَتْ عِصابَةٌ مِنَ اليَهُودِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، حَدِّثْنا عَنْ خِلالٍ نَسْألُكَ عَنْهُنَّ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ. وساقَ نَحْوًا مِمّا تَقَدَّمَ. وتَتِمَتُّهُ قالُوا: أنْتَ الآنَ، فَحَدِّثْنا مَن ولِيُّكَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَعِنْدَها نُجامِعُكَ أوْ نُفارِقُكَ، قالَ: «فَإنَّ ولِيِّيَ جِبْرِيلُ، ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ، إلّا وهو ولِيُّهُ» . قالُوا: فَعِنْدَها نُفارِقُكَ. ولَوْ كانَ ولِيُّكَ سِواهُ مِنَ المَلائِكَةِ تابَعْناكَ وصَدَّقْناكَ. قالَ: فَما مَنَعَكم أنْ تُصَدِّقُوهُ ؟ قالُوا: إنَّهُ عَدُوُّنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَعِنْدَها باؤُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ».
وفِي رِوايَةٍ لِلْإمامِ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ في القِصَّةِ: «فَأخْبِرْنا مَن صاحِبُكَ ؟ قالَ: «جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ» . قالُوا: جِبْرِيلُ ! ذاكَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالحَرْبِ والقِتالِ والعَذابِ، عَدُّونا. لَوْ قُلْتَ: مِيكائِيلُ، الَّذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ والقَطْرِ والنَّباتِ لَكانَ ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ». ويُؤْخَذُ مِن رِواياتٍ أُخَرَ أنَّ سَبَبَ قِيلِهِمْ ذَلِكَ مِن أجْلِ مُناظَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . فَقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «نَزَلَ عُمَرُ الرَّوْحاءَ، فَرَأى رِجالًا يَبْتَدِرُونَ أحْجارًا يُصَلُّونَ إلَيْها. فَقالَ: ما هَؤُلاءِ ؟ قالُوا: يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى هَهُنا. قالَ فَكَرِهَ ذَلِكَ، وقالَ: أيُّما ؟ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ بِوادٍ فَصَلّى، ثُمَّ ارْتَحَلَ فَتَرَكَهُ. ثُمَّ أنْشَأ يُحَدِّثُهم، فَقالَ: كُنْتُ أشْهَدُ اليَهُودَ يَوْمَ مِدْراسِهِمْ، فَأعْجَبُ مِنَ التَّوْراةِ كَيْفَ تُصَدِّقُ الفُرْقانَ، ومِنَ الفُرْقانِ كَيْفَ يُصَدِّقُ (p-٢٠٠)التَّوْراةَ ! فَبَيْنَما أنا عِنْدَهم ذاتَ يَوْمٍ، قالُوا: يا ابْنَ الخَطّابِ ! ما مِن أصْحابِكَ أحَدٌ أحَبُّ إلَيْنا مِنكَ. قُلْتُ: ولِمَ ذَلِكَ ؟ قالُوا: إنَّكَ تَغْشانا وتَأْتِينا. قالَ قُلْتُ: إنِّي آتِيكم فَأعْجَبُ مِنَ الفُرْقانِ كَيْفَ يُصَدِّقُ التَّوْراةَ، ومِنَ التَّوْراةِ كَيْفَ تُصَدِّقُ الفُرْقانَ. قالَ، ومَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا ابْنَ الخَطّابِ ! ذاكَ صاحِبُكم فالحَقْ بِهِ. قالَ: فَقُلْتُ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، وما اسْتَرْعاكم مِن حَقِّهِ، وما اسْتَوْدَعَكم مِن كِتابِهِ، أتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: فَسَكَتُوا. قالَ: فَقالَ لَهم عالِمُهم وكَبِيرُهم: إنَّهُ قَدْ عَظَّمَ عَلَيْكم فَأجِيبُوهُ. قالُوا: أنْتَ عالِمُنا وسَيِّدُنا، فَأجِبْهُ أنْتَ. قالَ: أمّا إذْ نَشَدْتَنا بِهِ. فَإنّا نَعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: قُلْتُ ويْحَكم، إذًا هَلَكْتُمْ. قالُوا: إنّا لَمْ نَهْلَكْ. قالَ: قُلْتُ: كَيْفَ ذَلِكَ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ لا تَتْبَعُونَهُ ولا تُصَدِّقُونَهُ ؟ قالُوا: إنَّ لَنا عَدُوًّا مِنَ المَلائِكَةِ، وسِلْمًا مِنَ المَلائِكَةِ. وإنَّهُ قُرِنَ بِهِ عَدُوُّنا مِنَ المَلائِكَةِ. قالَ: قُلْتُ: ومَن عَدُوُّكم، ومَن سِلْمُكم ؟ . قالُوا: عَدُوُّنا جِبْرِيلُ، وسِلْمُنا مِيكائِيلُ. قالَ: قُلْتُ: وفِيمَ عادَيْتُمْ جِبْرِيلَ ؟ وفِيمَ سالَمْتُمْ مِيكائِيلَ ؟ قالُوا: إنَّ جِبْرِيلَ مَلَكُ الفَظاظَةِ والغِلْظَةِ والإعْسارِ، والتَّشْدِيدِ والعَذابِ، ونَحْوَ هَذا. وإنَّ مِيكائِيلَ مَلَكُ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ والتَّخْفِيفِ، ونَحْوَ هَذا. قالَ: قُلْتُ: وما مَنزِلَتُهُما مِن رَبِّهِما؟ قالُوا: أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ يَسارِهِ، قالَ: قُلْتُ: فَواللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو إنَّهُما والَّذِي بَيْنَهُما لَعَدُوٌّ لِمَن عاداهُما وسِلْمٌ لِمَن سالَمَهُما، ما يَنْبَغِي لِجِبْرِيلَ أنْ يُسالِمَ عَدُوَّ مِيكائِيلَ، وما يَنْبَغِي لِمِيكائِيلَ أنْ يُسالِمَ عَدُوَّ جِبْرِيلَ. قالَ: ثُمَّ قُمْتُ فاتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَحِقْتُهُ وهو خارِجٌ مِن مَخْرَفَةٍ لِبَنِي فُلانٍ. فَقالَ لِي: يا ابْنَ الخَطّابِ، ألا أُقْرِئُكَ آياتٍ نَزَلْنَ ؟ فَقَرَأ عَلَيَّ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ حَتّى قَرَأ الآياتِ. قالَ: قُلْتُ: بِأبِي وأُمِّي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ جِئْتُ وأنا أُرِيدُ أنْ أُخْبِرَكَ الخَبَرَ، فَأسْمَعُ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ قَدْ سَبَقَنِي إلَيْكَ بِالخَبَرِ».
ورَواهُ مُخْتَصَرًا ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا، وفِيهِ انْقِطاعٌ، فَإنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يُدْرِكْ زَمانَ عُمَرَ رَضِيَ (p-٢٠١)اللَّهُ عَنْهُ. كَذا قالَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ، وساقَهُ أيْضًا الواحِدِيُّ، وزادَ في آخِرِهِ: قالَ عُمَرُ: فَلَقَدْ رَأيْتُنِي في دِينِ اللَّهِ أشَدَّ مِن حَجَرٍ.
قالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ: وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ أيْضًا إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قالَ شَيْخُنا البُوصَيْرِيُّ: وهو مُرْسَلٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، انْتَهى.
وثَمَّ رِواياتٌ مُتَنَوِّعاتٌ ساقَها ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، لا نُطَوِّلُ كِتابَنا بِسَرْدِها، ومَرْجِعُها واحِدٌ. فَإنْ قِيلَ: بَيْنَ رِوايَةِ البُخارِيِّ الأُولى وما بَعْدَها تَنافٍ. فالجَوابُ: لا مُنافاةَ؛ لِأنَّ قِراءَتَهُ ﷺ لَها في مُحاوَرَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، رَدًّا لِقَوْلِ اليَهُودِ، لا يَسْتَلْزِمُ نُزُولَها حِينَئِذٍ. فَإنَّ المُعْتَمَدَ في سَبَبِ نُزُولِها غَيْرُ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ مِمّا سَلَفَ مِنَ الرِّواياتِ. فَإنَّ طُرُقَها يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، وكَأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: إنَّ جِبْرِيلَ عَدُوٌّ لِلْيَهُودِ، تَلا عَلَيْهِ الآيَةَ، مُذَكِّرًا لَهُ سَبَبَ نُزُولِها -كَذا قالَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ.
وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ) حَيْثُ قالَ (تَنْبِيهً) قَدْ يَكُونُ في إحْدى القِصَّتَيْنِ، (فَتَلا) فَيَهِمُ الرّاوِي، فَيَقُولُ (فَيَنْزِلُ) . وقالَ العَلّامَةُ ولِيُّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في كِتابِهِ (أُصُولُ التَّفْسِيرِ) وقَدْ تَحَقَّقَ عِنْدَ الفَقِيرِ أنَّ الصَّحابَةَ والتّابِعِينَ كَثِيرًا ما كانُوا يَقُولُونَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا وكَذا، وكَأنَّ غَرَضَهم تَصْوِيرُ ما صَدَّقَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ، وذِكْرُ بَعْضِ الحَوادِثِ الَّتِي تَشْمَلُها الآيَةُ بِعُمُومِها. سَواءٌ تَقَدَّمَتِ القِصَّةُ أوْ تَأخَّرَتْ. إسْرائِيلِيًّا كانَ ذَلِكَ أوْ جاهِلِيًّا أوْ إسْلامِيًّا. اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ قُيُودِ الآيَةِ أوْ بَعْضِها، واللَّهُ أعْلَمُ.
فَعُلِمَ مِن هَذا التَّحْقِيقِ أنَّ لِلِاجْتِهادِ في هَذا القِسْمِ مَدْخَلًا. ولِلْقِصَصِ المُتَعَدِّدَةِ هُنالِكَ سِعَةٌ. فَمَنِ اسْتَحْضَرَ هَذِهِ النُّكْتَةَ يَتَمَكَّنُ مِن حَلِّ ما اخْتُلِفَ مِن سَبَبِ النُّزُولِ بِأدْنى عِنايَةٍ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى "لِجِبْرِيلَ" قُرِئَ في السَّبْعِ بِكَسْرِ الجِيمِ والرّاءِ بِلا هَمْزٍ، وبِفَتْحِ الجِيمِ بِدُونِها أيْضًا، وبِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ ياءٍ وبِدُونِها. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ إذا نَطَقَتْ بِالأعْجَمِيِّ خَلَطَتْ فِيهِ.
(p-٢٠٢)وقَوْلُهُ "فَإنَّهُ نَزَّلَهُ" تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ قائِمٌ مَقامَهُ، والبارِزُ الأوَّلُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والثّانِي لِلْقُرْآنِ، أُضْمِرَ مِن غَيْرِ سَبْقِ ذِكْرٍ، إيذانًا بِفَخامَةِ شَأْنِهِ، واسْتِغْنائِهِ عَنِ الذِّكْرِ، لِكَمالِ شُهْرَتِهِ ونَباهَتِهِ، لا سِيَّما عِنْدَ ذِكْرِ شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ. وقَوْلُهُ "عَلى قَلْبِكَ" زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِلتَّنْزِيلِ، بِبَيانِ مَحَلِّ الوَحْيِ، فَإنَّهُ القابِلُ الأوَّلُ لَهُ، إنْ أُرِيدَ بِهِ الرُّوحُ. ومَدارُ الفَهْمِ والحِفْظِ إنْ أُرِيدَ بِهِ العُضْوُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وكانَ حَقَّ الكَلامِ أنْ يُقالَ "عَلى قَلْبِي" لِأنَّهُ المُطابِقُ لِقُلْ، ولَكِنْ جاءَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ اللَّهِ كَما تَكَلَّمَ بِهِ تَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ كَلامَ اللَّهِ. وأنَّهُ أمْرٌ بِإبْلاغِهِ. وقَوْلُهُ "بِإذْنِ اللَّهِ" أيْ: بِأمْرِهِ. وقَوْلُهُ: "مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ" أيْ مِنَ التَّوْراةِ وبَقِيَّةِ الصُّحُفِ المُنَزَّلَةِ. وقَوْلُهُ "وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ" أيْ يَهْدِي لِلرُّشْدِ وبُشْرى لَهم بِالجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿ونُنَـزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وفِيهِ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ، حَيْثُ قالُوا: إنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بِالحَرْبِ والشِّدَّةِ كَما تَقَدَّمَ، فَقِيلَ: فَإنَّهُ يَنْزِلُ بِالهُدى والبُشْرى أيْضًا. فَإنْ قِيلَ: مِن شَأْنِ الشَّرْطِ والجَزاءِ الِاتِّصالُ بِالسَّبَبِيَّةِ والتَّرَتُّبِ، فَكَيْفَ اسْتَقامَ قَوْلُهُ "فَإنَّهُ نَزَّلَهُ" جَزاءً لِلشَّرْطِ؟ أُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهُ "فَإنَّهُ نَزَّلَهُ" تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ، كَما أسْلَفْنا. والمَعْنى: مَن عادى جِبْرِيلَ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَلا وجْهَ لِمُعاداتِهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَحَبَّتُهُ، فَإنَّهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ كِتابًا (p-٢٠٣)مُصَدِّقًا لِكُتُبِهِمْ. فَلَوْ أنْصَفُوا لَأحَبُّوهُ وشَكَرُوا لَهُ صَنِيعَهُ، في إنْزالِهِ ما يَنْفَعُهم، ويُصَحِّحُ المُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ "فَلْيَمُتْ غَيْظًا" . وعَلَيْهِ فَلا يَكُونُ "فَإنَّهُ نَزَّلَهُ" نائِبًا عَنْهُ. ووَجْهُهُ أنْ يُقَدَّرَ الجَوابُ مُؤَخَّرًا عَنْ قَوْلِهِ "فَإنَّهُ نَزَّلَهُ" ويَكُونُ هو تَعْلِيلًا وبَيانًا لِسَبَبِ العَداوَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن عاداهُ، لِأنَّهُ نَزَلَ عَلى قَلْبِكَ فَلْيَمُتْ غَيْظًا.
قالَ الرَّضِيُّ: كَثِيرًا ما يَدْخُلُ الفاءُ عَلى السَّبَبِ ويَكُونُ بِمَعْنى اللّامِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤] وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: فَهو عَدُوٌّ لِي وأنا عَدُوُّهُ، بِقَرِينَةِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ في وعِيدِهِمْ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] أيْ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ لِإنْزالِهِ فَضْلَهُ عَلى مَن يَشاءُ أوْ لِأمْرٍ آخَرَ. وأفادَتِ الآيَةُ غَضَبَ اللَّهِ تَعالى لِجِبْرِيلَ عَلى مَن عاداهُ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثًا قُدْسِيًّا ««مَن عادى لِي ولِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ»» .
وصَدَّرَ الكَلامَ بِذِكْرِهِ الجَلِيلِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ، وإيذانًا بِأنَّ عَداوَتَهم عَداوَتُهُ عَزَّ وعَلا، وقَدَّمَ المَلائِكَةُ عَلى الرُّسُلِ، كَما قَدَّمَ اللَّهَ عَلى الجَمِيعِ؛ لِأنَّ عَداوَةَ الرُّسُلِ بِسَبَبِ نُزُولِ الوَحْيِ، ونُزُولُهُ بِتَنْزِيلِ المَلائِكَةِ، وتَنْزِيلُهم لَها بِأمْرِ اللَّهِ، فَذِكْرُ اللَّهِ تَعالى ومَن بَعْدَهُ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ، (p-٢٠٤)وإنَّما خَصَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ لِقَصْدِ التَّشْرِيفِ لَهُما، والدَّلالَةِ عَلى فَضْلِهِما، وإنَّهُما، وإنْ كانا مِنَ المَلائِكَةِ، فَقَدْ صارا بِاعْتِبارِ ما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ بِمَنزِلَةِ جِنْسٍ آخَرَ أشْرَفَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ الوَصْفِيِّ، مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مُعاداةَ الواحِدِ والكُلِّ سَواءٌ في الكُفْرِ، واسْتِجْلابِ العَداوَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ مَن عادى أحَدَهم فَكَأنَّهُ عادى الجَمِيعَ؛ إذِ المُوجِبُ لِمَحَبَّتِهِمْ وعَداوَتِهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ واحِدٌ، ولِأنَّ المُحاجَّةَ كانَتْ فِيهِما. ووَضَعَ "الكافِرِينَ" مَوْضِعَ "لَهُمْ"، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ إنَّما عاداهم لِكُفْرِهِمْ، وأنَّ عَداوَةَ المَلائِكَةِ كُفْرٌ. وقَدْ قُرِئَ في السَّبْعِ "مِيكالَ" كَمِيزانٍ، و"مِيكائِلُ" بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الألِفِ بِدُونِ ياءٍ و"مِيكائِيلُ" بِالهَمْزَةِ والياءِ.
البقرة 2:99
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٩ ] ﴿ولَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾
﴿ولَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ أيْ أنْزَلْنا إلَيْكَ عَلاماتٍ واضِحاتٍ دالّاتٍ عَلى نُبُوَّتِكَ، وتِلْكَ الآياتُ هي ما حَواهُ القُرْآنُ مِن خَفايا عُلُومِ اليَهُودِ ومَكْنُوناتِ سَرائِرِ أخْبارِهِمْ، وأخْبارِ أوائِلِهِمْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والنَّبَأِ عَمّا تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُمُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُها إلّا أحْبارُهم وعُلَماؤُهم، وما حَرَّفَهُ أوائِلُهم وأواخِرُهم، وبَدَّلُوهُ مِن أحْكامِهِمُ الَّتِي كانَتْ في التَّوْراةِ، فَأطْلَعَها اللَّهُ في كِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكانَ في ذَلِكَ مِن أمْرِهِ الآياتُ البَيِّناتُ لِمَن أنْصَفَ مِن نَفْسِهِ ولَمْ يَدْعُهُ إلى إهْلاكِها الحَسَدُ والبَغْيُ. إذْ كانَ في فِطْرَةِ كُلِّ ذِي فِطْرَةٍ صَحِيحَةٍ، تَصْدِيقُ مَن أتى بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ الَّتِي وصَفْتُ، مِن غَيْرِ تَعَلُّمٍ تَعَلَّمَهُ مِن بَشَرٍ، ولا أخْذِ شَيْءٍ مِنهُ عَنْ آدَمِيٍّ.
وحَمْلُ الآياتِ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِن آياتِ القُرْآنِ المَجِيدِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى سائِرِ المُعْجِزاتِ المَأْثُورَةِ؛ لِأنَّ الآياتِ إذا قُرِنَتْ إلى التَّنْزِيلِ، كانَتْ أخَصَّ بِالقُرْآنِ، وقَوْلُهُ "وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ" أيِ: المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكَفَرَةِ، واللّامُ لِلْعَهْدِ، أيِ الفاسِقُونَ المَعْهُودُونَ، وهُمُ اليَهُودُ. أوْ لِلْجِنْسِ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
البقرة 2:100
(p-٢٠٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٠ ] ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ كَفَرُوا بِالآياتِ بِالبَيِّناتِ، "وكُلَّما عاهَدُوا" إلَخْ. أوْ أيُنْكِرُونَ فِسْقَهم وكُلَّما إلَخْ، وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ، وقِيلَ هي "أوَ" الَّتِي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ. حُرِّكَتْ بِالفَتْحِ. وقَدْ قُرِئَ شاذًّا بِسُكُونِها. فَتَكُونُ بِمَعْنى بَلْ. دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ. أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ تَرَقِّيًا إلى الأغْلَظِ فالأغْلَظِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ "أوْ" هَذِهِ هي الَّتِي بِمَعْنى "أمِ" المُنْقَطِعَةِ، وكِلْتاهُما بِمَعْنى "بَلْ" مَوْجُودَةٌ في الكَلامِ كَثِيرًا. أنْشَدَ الفَرّاءُ لِذِي الرُّمَّةِ:
؎بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى وصُورَتِها أوْ أنْتِ في العَيْنِ أمْلَحُ
وكَذا قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارُ، وإعْظامُ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ، إذا قِيلَ بِهَذا اللَّفْظِ كانَ أبْلَغَ في التَّنْكِيرِ والتَّبْكِيتِ.
ودَلَّ بِقَوْلِهِ "أوَكُلَّما عاهَدُوا" عَلى عَهْدٍ بَعْدَ عَهْدٍ نَقَضُوهُ ونَبَذُوهُ. بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كالعادَةِ فِيهِمْ. فَكَأنَّهُ تَعالى أرادَ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عِنْدَ كُفْرِهِمْ بِما أنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ، بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبِدَعٍ مِنهم بَلْ هو سَجِيَّتُهم وعادَتُهم وعادَةُ سَلَفِهِمْ. عَلى ما بَيَّنَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن نَقْضِهِمُ العُهُودَ والمَواثِيقَ حالًا بَعْدَ حالٍ. لِأنَّ مَن يُعْتادُ مِنهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ لا يَصْعُبُ عَلى النَّفْسِ مُخالَفَتُهُ، كَصُعُوبَةِ مَن لَمْ تَجْرِ عادَتُهُ بِذَلِكَ.
قالَ العَلّامَةُ: واليَهُودُ مَوْسُومُونَ بِالغَدْرِ ونَقْضِ العُهُودِ، وكَمْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ مِنهُمْ، ومِن آبائِهِمْ فَنَقَضُوا، وكَمْ عاهَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَفُوا: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ﴾ [الأنفال: ٥٦] والنَّبْذُ الرَّمْيُ بِالذِّمامِ، ورَفَضُهُ. وإسْنادُهُ إلى فَرِيقٍ مِنهم، لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَنْبِذْهُ. وفي قَوْلِهِ "بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ" دَفْعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ النّابِذِينَ هُمُ الأقَلُّونَ. قَوْلُهُ تَعالى:
البقرة 2:101
(p-٢٠٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠١ ] ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾
﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَصْرِيحٌ بِما طَوى قَبْلُ. فَإنَّ نَبْذَهُمُ العُهُودَ الَّتِي تَقَدَّمَ اللَّهُ إلَيْهِمْ في التَّمَسُّكِ بِها والقِيامِ بِحَقِّها، أعْقَبَهُمُ التَّكْذِيبَ بِالرَّسُولِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ وإلى النّاسِ كافَّةً، الَّذِي في كُتُبِهِمْ نَعْتُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآيَةَ، فَتَنْكِيرُ "رَسُولٌ" لِلتَّفْخِيمِ. والجارُّ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرَسُولٍ، لِإفادَةِ مَزِيدِ تَعْظِيمِهِ بِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، وقَوْلُهُ "كِتابَ اللَّهِ" يَعْنِي التَّوْراةَ، لِأنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ، المُصَدِّقِ لِما مَعَهم، كافِرُونَ بِها، نابِذُونَ لَها. وقِيلَ "كِتابَ اللَّهِ" القُرْآنُ نَبَذُوهُ بَعْدَ ما لَزِمَهم تَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ. وقَوْلُهُ "وراءَ ظُهُورِهِمْ" مَثَلٌ لِتَرْكِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ، مُثِّلَ بِما يُرْمى بِهِ وراءَ الظَّهْرِ اسْتِغْناءً عَنْهُ، وقِلَّةَ التِفاتٍ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ "كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ" جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ نَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، مُشَبَّهِينَ بِمَن لا يَعْلَمُهُ. فَإنْ أُرِيدَ بِهِمْ أحْبارُهم، فالمَعْنى كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَهُ عَلى وجْهِ الإيقانِ، ولا يَعْرِفُونَ ما فِيهِ مِن دَلائِلَ نُبُوَّتِهِ ﷺ . فَفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ عِلْمَهم بِهِ رَصِينٌ، لَكِنَّهم يَتَجاهَلُونَ. أوْ كَأنَّهم (p-٢٠٧)لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ، أوْ لا يَعْلَمُونَ أصْلًا، كَما إذا أُرِيدَ بِهِمُ الكُلُّ.
وفِي هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، زِيادَةُ مُبالَغَةٍ في إعْراضِهِمْ عَمّا في التَّوْراةِ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. وهَذا، وإنْ أُرِيدَ بِما نَبَذُوهُ مِن كِتابِ اللَّهِ القُرْآنِ، فالمُرادُ بِالعِلْمِ المَنفِيِّ في "كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ" هو العِلْمُ بِأنَّهُ كِتابُ اللَّهِ، فَفِيهِ ما في الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّهم مُتَيَقِّنُونَ في ذَلِكَ، وإنَّما يَكْفُرُونَ بِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وقَوْلُهُ تَعالى:
البقرة 2:102
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٢ ] ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْـزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾
﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ هو حِكايَةٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن زَيْغِهِمْ وضَلالِهِمْ، إثْرَ نَبْذِهِمْ كِتابَ اللَّهِ والعَمَلَ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ. وهو اتِّباعُهم لِما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ، وإنَّهُ إنَّما نالَ ذَلِكَ المُلْكَ بِسَبَبِ مَعْرِفَتِهِ السِّحْرَ. وزادُوا عَلى ذَلِكَ فَنَسَبُوهُ إلى الرِّدَّةِ والكُفْرِ لِأسْبابٍ افْتَرَوْها عَلَيْهِ، فَبَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِن هَذا الِافْتِراءِ والِاخْتِلاقِ، وألْصَقَ الكُفْرَ بِأُولَئِكَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يُضَلِّلُونَ العُقُولَ والأفْهامَ بِتَعْلِيمِ السِّحْرِ والشَّعْبَذَةِ، وإسْنادِ التَّأْثِيرِ إلى غَيْرِ الخالِقِ، سُبْحانَهُ، والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، وابْتِغائِهِمْ إيّاها عِوَجًا (p-٢٠٨)و"تَتْلُو" بِمَعْنى تَقُصُّ وتُحَدِّثُ. مِنَ التِّلاوَةِ، وهي القِراءَةُ. أوْ بِمَعْنى تَكْذِبُ وتَخْتَلِقُ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، قالَ: يُقالُ تَلا عَلَيْهِ، إذا كَذَبَ، وتَلا عَنْهُ إذا صَدَقَ. وهَكَذا قالَ الرّاغِبُ في تَفْسِيرِهِ: تَلا عَلَيْهِ كَذِبَ، نَحْوَ رَوى عَلَيْهِ، وقالَ عَلَيْهِ "ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ". وقالَ: الآيَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ اليَهُودِ، وهي مُنْطَوِيَةٌ عَلى أمْرَيْنِ: ذَمِّ اليَهُودِ في تَحَرِّي السِّحْرِ وإيثارِهِ، وتَبْرِئَةٍ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ، وتَخَرَّصُوهُ عَلَيْهِ اهـ. وذَلِكَ أنَّهم زَعَمُوا أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ارْتَدَّ في آخِرِ عُمْرِهِ وعَبَدَ الأصْنامَ، وبَنى لَها المَعابِدَ، كَما تَراهُ في الفَصْلِ الحادِيَ عَشَرَ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الثّالِثِ. فانْظُرْ إلى هَذِهِ الجُرْأةِ العَظِيمَةِ والقِحَّةِ الكَبِيرَةِ، ولَمّا تَنَبَّهَ عُقَلاءُ أهْلِ الكِتابِ المُتَأخِّرُونَ لِمِثْلِ هَذِهِ الفِرى، اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ المُنْدَرِجَةِ في كُتُبِهِمُ المُقَدَّسَةِ إلْهامِيًّا، بَلْ بَعْضُها كُتِبَ عَلى طَرِيقَةِ المُؤَرِّخِينَ، يَعْنِي بِلا إلْهامٍ، كَما في "إظْهارِ الحَقِّ" . والمُرادُ بِالشَّياطِينِ شَياطِينُ الإنْسِ، وهُمُ المُتَمَرِّدَةُ العُصاةُ الأشْرارُ الأقْوِياءُ، الدُّعاةُ إلى الباطِلِ.
وقَوْلُهُ "عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ" أيْ عَلى عَهْدِ مُلْكِهِ مِن تِلْكَ الأقاصِيصِ المُخْتَلَقَةِ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى "وما كَفَرَ سُلَيْمانُ" تَنْزِيهٌ لِساحَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرِّدَّةِ والشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ الَّتِي نَسَبُوها إلَيْهِ، وتَكْذِيبٌ لِمَن تَقَوَّلَها. وقالَ كَثِيرُونَ: هَذا تَبْرِئَةٌ مِنَ السِّحْرِ، وأنَّهُ تَعالى كَنّى عَنِ السِّحْرِ بِالكُفْرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ كُفْرٌ، وأنَّ مَن كانَ نَبِيًّا كانَ مَعْصُومًا عَنْهُ. وإنَّما كانَ كُفْرًا لِكَوْنِهِ يَكُونُ بِالتَّوَجُّهِ إلى الأفْلاكِ والشَّياطِينِ وعِبادَتِها، وزَعَمَ أنَّها مُؤَثِّرَةٌ دُونَهُ تَعالى.
(p-٢٠٩)والمَعْنى الأوَّلُ أصْرَحُ وأوْضَحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ عَنى بِالشَّياطِينِ مَن ذَكَرْناهم قَبْلُ وهم خُبَثاءُ الإنْسِ وأشْرارُهم. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١١٢] والَّذِي يُعَيِّنُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ "تَتْلُو" لِأنَّ تِلاوَةَ شَياطِينِ الجِنِّ، لا يَسْمَعُها أحَدٌ، ومَعْنى "تَتْلُو" تَقُصُّ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ "يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ" يُعَيِّنُ هَذا المَعْنى أيْضًا، إذْ لا يَتَعَلَّمُ أحَدٌ السِّحْرَ إلّا مِن شَياطِينِ الإنْسِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ "كَفَرُوا" كُفْرُهم بِآياتِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ، أوْ عِبادَتُهم غَيْرَهُ تَعالى، أوْ كُفْرُهم بِاسْتِعْمالِ السِّحْرِ والشَّعْوَذَةِ، تَعْمِيَةً عَلى الحَقِّ، وتَغْشِيَةً لِلْبَصائِرِ. وجُمْلَةُ قَوْلِهِ "يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ" حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ "كَفَرُوا"، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِـ "لَكِنَّ"، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلشَّياطِينِ. وأمّا عَلى تَقْدِيرِ رُجُوعِهِ إلى فاعِلِ "اتَّبَعُوا" فَهي إمّا حالٌ مِنهُ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُنْـزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ لِلْعُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا كَثِيرَةً، وأقْوالًا عَدِيدَةً، فَمِنهم مَن ذَهَبَ فِيها مَذْهَبَ الأخْبارِيِّينَ نَقَلَةِ الغَثِّ والسَّمِينِ، ومِنهم مَن وقَفَ مَعَ (p-٢١٠)ظاهِرِها البَحْتِ وتَمَحَّلَ لِما اعْتَرَضَهُ، بِما المَعْنى الصَّحِيحُ في غِنًى عَنْهُ. ومِنهم مَنِ ادَّعى فِيها التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ ورَدَّ آخِرَها عَلى أوَّلِها، بِما جَعَلَها أشْبَهُ بِالألْغازِ والمُعَمَّياتِ، الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْها بَيانُ أبْلَغِ كَلامٍ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَراهُ المُتَتَبِّعُ لِما كَتَبَ فِيها.
والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ أنَّ هارُوتَ ومارُوتَ كانا رَجُلَيْنِ مُتَظاهِرَيْنِ بِالصَّلاحِ والتَّقْوى في بابِلَ -وهِيَ مَدِينَةٌ بِالعِراقِ عَلى نَهْرِ الفُراتِ- وكانا يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحْرَ، وبَلَغَ حُسْنُ اعْتِقادِ النّاسِ بِهِما أنْ ظَنُّوا أنَّهُما مَلَكانِ مِنَ السَّماءِ، وما يُعَلِّمانِهِ لِلنّاسِ هو بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ. وبَلَغَ مَكْرُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، ومُحافَظَتُهُما عَلى اعْتِقادِ النّاسِ بِالحُسْنِ فِيهِما أنَّهُما صارا يَقُولانِ لِكُلِّ مَن أرادَ أنْ يَتَعَلَّمَ مِنهُما "إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ"، أيْ إنَّما نَحْنُ أُولُو فِتْنَةٍ نَبْلُوكَ ونَخْتَبِرُكَ، أتَشْكُرُ أمْ تَكْفُرُ، ونَنْصَحُ لَكَ أنْ لا تَكْفُرَ. يَقُولانِ ذَلِكَ لِيُوهِما النّاسَ أنَّ عُلُومَهُما إلَهِيَّةٌ، وصِناعَتَهُما رُوحانِيَّةٌ، وأنَّهُما لا يَقْصِدانِ إلّا الخَيْرَ. كَما يَفْعَلُ ذَلِكَ دَجاجِلَةُ هَذا الزَّمانِ، قائِلِينَ لِمَن يُعَلِّمُونَهُمُ الكِتابَةَ لِلْمَحَبَّةِ والبُغْضِ عَلى زَعْمِهِمْ: نُوصِيكَ بِأنْ لا تَكْتُبَ لِجَلْبِ امْرَأةٍ مُتَزَوِّجَةٍ إلى رَجُلٍ غَيْرِ زَوْجِها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْهامِ والِافْتِراءِ.
ولِلْيَهُودِ في ذَلِكَ خُرافاتٌ كَثِيرَةٌ. حَتّى إنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ السِّحْرَ نَزَلَ عَلَيْهِما مِنَ اللَّهِ. وأنَّهُما مَلَكانِ جاءا لِتَعْلِيمِهِ لِلنّاسِ. فَجاءَ القُرْآنُ مُكَذِّبًا لَهم في دَعْواهم نُزُولَهُ مِنَ السَّماءِ، وفي ذَمِّ السِّحْرِ، ومَن يَتَعَلَّمُهُ أوْ يُعَلِّمُهُ، فَقالَ: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْـزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ الآيَةَ، فَـ "ما" هُنا نافِيَةٌ، عَلى أصَحِّ الأقْوالِ، ولَفْظُ "المَلَكَيْنِ" هُنا وارِدٌ حَسَبَ العُرْفِ الجارِي بَيْنَ النّاسِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كَما يَرِدُ ذِكْرُ آلِهَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ في كِتاباتِ المُؤَلِّفِينَ عَنْ تارِيخِ اليُونانِ والمِصْرِيِّينَ وغَيْرِهِمْ، وكَما يَرِدُ في كَلامِ المُسْلِمِ، في الرَّدِّ عَلى المَسِيحِيِّينَ، ذِكْرُ تَجَسُّدِ الإلَهِ وصَلْبِهِ، وإنْ كانَ لا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وإظْهارِ الأمْرِ في أقْبَحِ صُورَةٍ، أيْ بَلَغَ مِن أمْرِ ما يَتَعَلَّمُونَهُ مِن ضُرُوبِ الحِيَلِ، وطُرُقِ الإفْسادِ، أنْ يَتَمَكَّنُوا بِهِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ أعْظَمِ مُجْتَمَعٍ: كالمَرْءِ وزَوْجِهِ.
والخُلاصَةُ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها هَكَذا: أنَّ اليَهُودَ كَذَّبُوا القُرْآنَ (p-٢١١)ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، واعْتاضُوا عَنْهُ بِالأقاصِيصِ والخُرافاتِ الَّتِي يَسْمَعُونَها مِن خُبَثائِهِمْ عَنْ سُلَيْمانَ ومُلْكِهِ. وزَعَمُوا أنَّهُ كَفَرَ، وهو لَمْ يَكْفُرْ. ولَكِنَّ شَياطِينَهم هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وصارُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ، ويَدَّعُونَ أنَّهُ أُنْزِلَ عَلى هارُوتَ ومارُوتَ، اللَّذَيْنِ سَمَّوْهُما مَلَكَيْنِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِما شَيْءٌ، وإنَّما كانا رَجُلَيْنِ يَدَّعِيانِ الصَّلاحَ لِدَرَجَةِ أنَّهُما كانا يُوهِمانِ النّاسَ أنَّهُما لا يَقْصِدانِ إلّا الخَيْرَ، ويُحَذِّرانِهِمْ مِنَ الكُفْرِ. وبَلَغَ مِن أمْرِ ما يَتَعَلَّمُونَهُ مِنهُما مِن طُرُقِ الحِيَلِ والدَّهاءِ أنَّهم يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المُجْتَمِعِينَ، ويَحِلُّونَ بِهِ عُقَدَ المُتَّحِدِينَ. فَأنْتَ تَرى مِن هَذا أنَّ المَقامَ كُلَّهُ لِلذَّمِّ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَرِدَ فِيهِ مَدْحُ هارُوتَ ومارُوتَ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما قُلْناهُ فِيهِما أنَّ القُرْآنَ أنْكَرَ نُزُولَ أيِّ مَلَكٍ إلى الأرْضِ لِيُعَلِّمَ النّاسَ شَيْئًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، غَيْرَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، ونَصَّ نَصًّا صَرِيحًا أنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْ إلّا الإنْسَ لِتَعْلِيمِ بَنِي نَوْعِهِمْ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] وقالَ مُنْكِرًا عَلى مَن طَلَبَ إنْزالَ المَلَكِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْـزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] وقالَ في سُورَةِ الفُرْقانِ: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْـزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] -إلى قَوْلِهِ- ﴿فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٩]
ولِلْقُصّاصِ في هارُوتَ ومارُوتَ أحادِيثُ عَجِيبَةٌ. فَزَعَمُوا أنَّهُما كانا مَلَكَيْنِ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنَّهُما لَمّا نَظَرا إلى ما يَصْنَعُ أهْلُ الأرْضِ مِنَ المَعاصِي، أنْكَرا ذَلِكَ وأكْبَراهُ ودَعَوا عَلى أهْلِ الأرْضِ. فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِما: إنِّي لَوِ ابْتَلَيْتُكُما بِما ابْتَلَيْتُ بِهِ بَنِي آدَمَ مِنَ الشَّهَواتِ لَعَصَيْتُمانِي، فَقالا: يا رَبُّ، لَوِ ابْتَلَيْتَنا لَمْ نَفْعَلْ، فَجَرِّبْنا. فَأهْبَطَهُما إلى الأرْضِ، وابْتَلاهُما اللَّهُ بِشَهَواتِ (p-٢١٢)بَنِي آدَمَ، فَمَكَثا في بَلْدَةٍ كانَتْ فِيها فاجِرَةٌ تُسَمّى "الزَّهْرَةَ" فَدَعَواها إلى الفاحِشَةِ وواقَعاها بَعْدَ أنْ شَرِبا الخَمْرَ، وقَتَلا النَّفْسَ وسَجَدا لِلصَّنَمِ. وعَلَّماها الِاسْمَ الأعْظَمَ، الَّذِي كانا بِهِ يَعْرُجانِ إلى السَّماءِ، فَتَكَلَّمَتِ المَرْأةُ بِذَلِكَ الِاسْمِ، وعَرَجَتْ إلى السَّماءِ، فَمَسَخَها اللَّهُ تَعالى، وصَيَّرَها هَذا الكَوْكَبَ المُسَمّى بِالزَّهْرَةِ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَ هارُوتَ ومارُوتَ قَبِيحَ ما فِيهِ وقَعا، ثُمَّ خَيَّرَهُما بَيْنَ عَذابِ الآخِرَةِ آجِلًا، وبَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا عاجِلًا، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا، فَجَعَلَهُما بِبابِلَ مَنكُوسَيْنِ في بِئْرٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهُما يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحْرَ، ويَدْعُوانِ إلَيْهِ، ولا يَراهُما أحَدٌ إلّا مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ لِتَعَلُّمِ السِّحْرِ خاصَّةً.
وهَذِهِ القِصَّةُ مِنِ اخْتِلاقِ اليَهُودِ وتَقَوُّلاتِهِمْ. ولَمْ يَقُلْ بِها القُرْآنُ قَطُّ، وإنَّما ذَكَرَها التِّلْمُودُ، كَما يُعْلَمُ مِن مُراجَعَةِ "مَدارِسِ يِدْكُوتَ" في الإصْحاحِ الثّالِثِ والثَّلاثِينَ، وجاراهُ جَهَلَةُ القُصّاصِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأخَذُوها مِنهُ.
قالَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّ القِصَّةَ الَّتِي ذَكَرُوها باطِلَةٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم ذَكَرُوا في القِصَّةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُما (أيْ لِهارُوتَ ومارُوتَ): لَوِ ابْتَلَيْتُكُما بِما ابْتَلَيْتُ بِهِ بَنِي آدَمَ لَعَصَيْتُمانِي، فَقالا: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِنا يا رَبُّ لَما عَصَيْناكَ، وهَذا مِنهم تَكْذِيبٌ لِلَّهِ تَعالى، وتَجْهِيلٌ لَهُ، وذَلِكَ مِن صَرِيحِ الكُفْرِ.
وثانِيها: أنَّهُما خُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ فاسِدٌ، بَلْ كانَ الأوْلى أنْ يُخَيَّرا بَيْنَ التَّوْبَةِ وبَيْنَ العَذابِ، واللَّهُ تَعالى خَيَّرَ بَيْنَهُما مَن أشْرَكَ بِهِ طُولَ عُمْرِهِ، وبالَغَ في إيذاءِ أنْبِيائِهِ.
وثالِثُهُما: أنَّ مِن أعْجَبِ الأُمُورِ قَوْلَهم: إنَّهُما يُعَلِّمانِ السِّحْرَ، في حالِ كَوْنِهِما مُعَذَّبَيْنِ ويَدْعُوانِ إلَيْهِ، وهُما يُعاقَبانِ.
وهَكَذا، الإمامُ أبُو مُسْلِمٍ احْتَجَّ عَلى بُطْلانِ نُزُولِ السِّحْرِ عَلَيْهِما أيْضًا بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ السِّحْرَ لَوْ كانَ نازِلًا عَلَيْهِما لَكانَ مُنَزِّلُهُ هو اللَّهُ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لَأنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ وعَبَثٌ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى إنْزالُ ذَلِكَ.
(p-٢١٣)الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعْلِيمَ السِّحْرِ كُفْرٌ. فَلَوْ ثَبَتَ في المَلائِكَةِ أنَّهم يُعَلِّمُونَ السِّحْرَ لَزِمَهُمُ الكُفْرُ. وذَلِكَ باطِلٌ.
الثّالِثُ: كَما لا يَجُوزُ في الأنْبِياءِ أنْ يُبْعَثُوا لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ، فَكَذَلِكَ في المَلائِكَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
الرّابِعُ: إنَّ السِّحْرَ لا يَنْضافُ إلّا إلى الكَفَرَةِ والفَسَقَةِ والشَّياطِينِ المَرَدَةِ، وكَيْفَ يُضافُ إلى اللَّهِ ما يَنْهى عَنْهُ ويَتَوَعَّدُ عَلَيْهِ بِالعِقابِ ؟ وهَلِ السِّحْرُ إلّا الباطِلُ المُمَوَّهُ ؟ وقَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ بِإبْطالِهِ، كَما قالَ في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] انْتَهى.
وقَدْ ساقَ الرّازِيُّ ما ارْتَآهُ أبُو مُسْلِمٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. ولَمْ نَشَأْ نَقْلَهُ لِبُعْدِهِ عَنِ الصَّوابِ. وهَكَذا ما ذَكَرَهُ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في كِتابِهِ (الفَصْلُ) في بَحْثِ (عِصْمَةُ المَلائِكَةِ) فَفِيهِ تَكَلُّفٌ وتَمَحُّلٌ غَرِيبٌ، كَما يُعْلَمُ بِمُراجَعَتِهِما.
ولِلرّاغِبِ الأصْفَهانِيِّ احْتِمالاتٌ في تَصْحِيحِ القِصَّةِ، وتَجْوِيزاتٌ عَجِيبَةٌ تَنْبُو عَنِ الحَقِّ الصُّراحِ الَّذِي آثَرْنا نَقْلَهُ أوَّلًا عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ السِّحْرِ، في عُرْفِ الشَّرْعِ، مُخْتَصٌّ بِكُلِّ أمْرٍ يَخْفى سَبَبُهُ، ويُتَخَيَّلُ عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ، ويَجْرِي مَجْرى التَّمْوِيهِ والخِداعِ، ومَتى أُطْلِقَ ولَمْ يُقَيَّدْ، أفادَ ذَمَّ فاعِلِهِ، قالَ تَعالى ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] يَعْنِي مَوَّهُوا عَلَيْهِمْ حَتّى ظَنُّوا أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم تَسْعى. وقَدْ (p-٢١٤)يُسْتَعْمَلُ مُقَيَّدًا فِيما يُمْدَحُ ويُحْمَدُ، كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ أهْتَمَ: ««إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا»»، لِأنَّ صاحِبَهُ يُوَضِّحُ الشَّيْءَ المُشْكَلَ، ويَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِحُسْنِ بَيانِهِ، وبَلِيغِ عِبارَتِهِ. وبِالجُمْلَةِ، فالسِّحْرُ المُطْلَقُ إنَّما هو تَخْيِيلٌ بِشَعْوَذَةٍ صارِفَةٍ لِلْأبْصارِ، أوْ تَمْتَمَةٌ مُزَخْرَفَةٌ عائِقَةٌ لِلْأسْماعِ، فَلا يُغَيِّرُ حَقائِقَ الأشْياءِ، ولا يَنْقُلُ الصُّوَرَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قالَ الرّاغِبُ: الإذْنُ قَدْ يُقالُ في الإعْلامِ بِالرُّخْصَةِ، ويُقالُ لِلْعِلْمِ، ومِنهُ آذَنْتُهُ بِكَذا، ويُقالُ لِلْأمْرِ الحَتْمِ. ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ الإذْنَ في الشَّيْءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ضَرْبانِ:
أحَدُهُما: الإذْنُ لِقاصِدِ الفِعْلِ في مُباشَرَتِهِ. نَحْوَ قَوْلِكَ: أذِنَ اللَّهُ لَكَ أنْ تَصِلَ الرَّحِمَ.
والثّانِي: الإذْنُ في تَسْخِيرِ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ تَسْخِيرِ السُّمِّ في قَتْلِهِ مَن يَتَناوَلُهُ، والتِّرْياقُ في تَخْلِيصِهِ مِن أذِيَّتِهِ. فَإذْنُ اللَّهِ تَعالى في وُقُوعِ التَّسْخِيرِ وتَأْثِيرِهِ مِنَ القَبِيلِ الثّانِي، وذَلِكَ هو المُشارُ إلَيْهِ بِالقَضاءِ، وعَلى هَذا يُقالُ: "الأشْياءُ كُلُّها بِإذْنِ اللَّهِ وقَضائِهِ" . ولا يُقالُ: الأشْياءُ كُلُّها بِأمْرِهِ ورِضاهُ. وقَوْلُهُ تَعالى "ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ" إرْشادٌ إلى أنْ لَيْسَ في تَعَلُّمِ السِّحْرِ إلّا المَضَرَّةُ، لِما فِيهِ مِنَ التَّلْبِيسِ والتَّمْوِيهِ، وإيهامِ الباطِلِ حَقًّا، والتَّوَصُّلِ بِهِ إلى المَفاسِدِ والشُّرُورِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ "ولا يَنْفَعُهُمْ" صَرَّحَ بِهِ إيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأُمُورِ المَشُوبَةِ بِالنَّفْعِ والضَّرَرِ، بَلْ هو شَرٌّ بَحْتٌ، وضَرَرٌ مَحْضٌ. وقَوْلُهُ تَعالى "ولَقَدْ عَلِمُوا" أيِ اليَهُودُ الَّذِي حُكِيَتْ ضَلالاتُهم. وقَوْلُهُ "لَمَنِ اشْتَراهُ" أيِ اسْتَبْدَلَ ما تَتْلُو الشَّياطِينُ بِكِتابِ اللَّهِ، والحَقِّ الَّذِي أنْزَلَهُ. وقَوْلُهُ "ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ" أيْ نَصِيبٍ، لِإقْبالِهِ عَلى التَّمْوِيهِ والكَذِبِ، واسْتِعْمالِ (p-٢١٥)ذَلِكَ في اكْتِسابِ حُطامِ الدُّنْيا وتَمَتُّعاتِها. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اخْتِيارَهم لِلسِّحْرِ، لَيْسَ مِن جَهْلِهِمْ بِضَرَرِهِ، بَلْ أتَوْا ما أتَوْا عَنْ عِلْمٍ بِعاقِبَتِهِ السُّوأى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ ما باعُوا بِهِ حَظَّهُمُ الأُخْرَوِيَّ، حَتّى كَأنَّهم أتْلَفُوا أنْفُسَهم، وإنَّما نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ بِقَوْلِهِ "لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ" مَعَ إثْباتِهِ لَهم عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ بِقَوْلِهِ "ولَقَدْ عَلِمُوا"- لِأنَّ مَعْناهُ لَوْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِمْ. فَجَعَلَهم غَيْرَ عالِمِينَ، لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِمُوجِبِ عِلْمِهِمْ. ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما عَلَيْهِمْ فِيما ارْتَكَبُوا مِنَ المَضارِّ أتْبَعَهُ ما في الإعْراضِ عَنْهُ مِنَ المَنافِعِ فَقالَ:
البقرة 2:103
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٣ ] ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾
"ولَوْ أنَّهم آمَنُوا" أيْ بِما دَعَوْا إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ الحَكِيمِ "واتَّقَوْا" أيْ ما يُؤَثِّمُهم، ومِنهُ السِّحْرُ والتَّمْوِيهُ وقَوْلُهُ "لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ" جَوابُ "لَوْ"، وأصْلُهُ: لَأُثِيبُوا مَثُوبَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرًا مِمّا شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم. فَحَذَفَ الفِعْلَ وغَيَّرَ السَّبْكَ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، دَلالَةً عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ لَهم والجَزْمِ بِخَيْرِيَّتِها، وحُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ إجْلالًا لِلْمُفَضَّلِ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى "لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ" أيْ أنَّ ثَوابَ اللَّهِ خَيْرٌ. وإنَّما نُسِبُوا إلى الجَهْلِ لِعَدَمِ العَمَلِ بِمُوجَبِ العِلْمِ.
البقرة 2:104
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٤ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾
"يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا" لِلنَّبِيِّ ﷺ "راعِنا" الَّتِي تَقْصِدُونَ بِها الرِّعايَةَ والمُراقَبَةَ لِمَقْصِدِ الخَيْرِ وحِفْظِ الجانِبِ، فاغْتَنَمَها اليَهُودُ لِمُوافَقَةِ كَلِمَةِ سَيِّئَةٍ عِنْدَهم فَصارُوا يَلْوُونَ (p-٢١٦)بِها ألْسِنَتَهم، ويَقْصِدُونَ بِها الرُّعُونَةَ، وهي إفْراطُ الجَهالَةِ، فَنَهاهم عَنْ مُوافَقَتِهِمْ في القَوْلِ، مَنعًا لِلصَّحِيحِ المُوافِقِ في الصُّورَةِ لِشُبَهِهِ مِنَ القَبِيحِ، وعِوَضِهِمْ مِنها ما لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ فَسادٌ فَقالَ "وقُولُوا انْظُرْنا" فَأبْقى المَعْنى وصَرَفَ اللَّفْظِ. أيِ انْظُرْ إلَيْنا. بِالحَذْفِ والإيصالِ، أوِ انْتَظِرْنا. عَلى أنَّهُ مِن نَظَرَهُ إذا انْتَظَرَهُ، وقُرِئَ "أنْظِرْنا" مِنَ النَّظْرَةِ أيْ أمْهِلْنا حَتّى نَحْفَظَ. وقُرِئَ راعُونا عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ لِلتَّوْقِيرِ. وراعِنًا عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ أيْ قَوْلًا ذا رَعَنٍ، كَدارِعٍ ولابِنٍ، لِأنَّهُ لَمّا أشْبَهَ قَوْلُهم راعِينا وكانَ سَبَبًا لِلسَّبِّ بِالرَّعَنِ اتَّصَفَ بِهِ.
"واسْمَعُوا" أيْ قُولُوا ما أمَرْتُكم بِهِ، وامْتَثِلُوا جَمِيعَ أوامِرِي، ولا تَكُونُوا كاليَهُودِ، حَيْثُ قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا "ولِلْكافِرِينَ" أيِ اليَهُودِ الَّذِي تَوَسَّلُوا بِقَوْلِكُمُ المَذْكُورِ إلى التَّهاوُنِ بِمَقامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "عَذابٌ ألِيمٌ" لِما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ، وهو تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ، فِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم، ونَوْعُ تَحْذِيرٍ لِلْمُخاطَبِينَ عَمّا نُهُوا عَنْهُ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٤٦] ومِن لَيِّهِمْ ما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهم كانُوا إذا سَلَّمُوا يَقُولُونَ "السّامُّ عَلَيْكُمْ" والسّامُ هو المَوْتُ، ولِهَذا أُمِرْنا أنْ نَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِـ «وعَلَيْكم» وإنَّما يُسْتَجابُ لَنا فِيهِمْ، ولا يُسْتَجابُ لَهم فِينا.
البقرة 2:105
(p-٢١٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٥ ] ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ بَيانٌ لِشِدَّةِ عَداوَةِ الكافِرِينَ مِنَ القَبِيلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَسَدًا وبَغْيًا. لِيَقْطَعَ التَّشَبُّهَ بِهِمْ؛ فَإنَّ مُخالَفَةَ الأعْداءِ مِنَ الأغْراضِ العَظِيمَةِ لِلْمُتَمَكِّنِينَ في الأخْلاقِ الفاضِلَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الحَسَدَ لا يُؤَثِّرُ في زَوالِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ (والِاخْتِصاصُ) عِنايَةٌ تُعَيِّنُ المُخْتَصَّ لِمَرْتَبَةٍ يَنْفَرِدُ بِها دُونَ غَيْرِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، مِنَ الشَّرْعِ التّامِّ الكامِلِ الَّذِي شَرَعَهُ لَهم.
ولَمّا أنْكَرَتِ اليَهُودُ أنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِنَ النَّسْخِ لِآياتِ اللَّهِ، تَوَصُّلًا بِذَلِكَ إلى إنْكارِ آياتِ القُرْآنِ، وتَأْبِيدِ تَأْبِيدِ التَّوْراةِ، رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ -بَعْدَ تَحْقِيقِ حِقَّيَّةِ الوَحْيِ- بِقَوْلِهِ: