Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — البقرة 2:106 – البقرة 2:189

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. البقرة 2:106
  2. البقرة 2:107
  3. البقرة 2:108
  4. البقرة 2:109
  5. البقرة 2:110
  6. البقرة 2:111
  7. البقرة 2:112
  8. البقرة 2:113
  9. البقرة 2:114
  10. البقرة 2:115
  11. البقرة 2:116
  12. البقرة 2:117
  13. البقرة 2:118
  14. البقرة 2:119
  15. البقرة 2:120
  16. البقرة 2:121
  17. البقرة 2:122
  18. البقرة 2:123
  19. البقرة 2:124
  20. البقرة 2:125
  21. البقرة 2:126
  22. البقرة 2:127
  23. البقرة 2:128
  24. البقرة 2:129
  25. البقرة 2:130
  26. البقرة 2:131
  27. البقرة 2:132
  28. البقرة 2:133
  29. البقرة 2:134
  30. البقرة 2:135
  31. البقرة 2:136
  32. البقرة 2:137
  33. البقرة 2:138
  34. البقرة 2:139
  35. البقرة 2:140
  36. البقرة 2:141
  37. البقرة 2:142
  38. البقرة 2:143
  39. البقرة 2:144
  40. البقرة 2:145
  41. البقرة 2:146
  42. البقرة 2:147
  43. البقرة 2:148
  44. البقرة 2:149
  45. البقرة 2:150
  46. البقرة 2:151
  47. البقرة 2:152
  48. البقرة 2:153
  49. البقرة 2:154
  50. البقرة 2:155
  51. البقرة 2:156
  52. البقرة 2:157
  53. البقرة 2:158
  54. البقرة 2:159
  55. البقرة 2:160
  56. البقرة 2:161
  57. البقرة 2:162
  58. البقرة 2:163
  59. البقرة 2:164
  60. البقرة 2:165
  61. البقرة 2:166
  62. البقرة 2:167
  63. البقرة 2:168
  64. البقرة 2:169
  65. البقرة 2:170
  66. البقرة 2:171
  67. البقرة 2:172
  68. البقرة 2:173
  69. البقرة 2:174
  70. البقرة 2:175
  71. البقرة 2:176
  72. البقرة 2:177
  73. البقرة 2:178
  74. البقرة 2:179
  75. البقرة 2:180
  76. البقرة 2:181
  77. البقرة 2:182
  78. البقرة 2:183
  79. البقرة 2:184
  80. البقرة 2:185
  81. البقرة 2:186
  82. البقرة 2:187
  83. البقرة 2:188
  84. البقرة 2:189

البقرة 2:106

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٦ ] ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ "ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ" أيْ: ما نُبَدِّلْ مِن آيَةٍ بِغَيْرِها -كَنَسْخِنا آياتِ التَّوْراةِ بِآياتِ القُرْآنِ- "أوْ نُنْسِها" أيْ: نُذْهِبْها مِنَ القُلُوبِ- كَما أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] - وقُرِئَ "أوْ نَنْسَأْها" أيْ نُؤَخِّرْها ونَتْرُكْها بِلا نَسْخٍ، كَما أبْقى كَثِيرًا (p-٢١٨)مِن أحْكامِ التَّوْراةِ في القُرْآنِ. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فَقَدْ نُشِرَ عَلى تَرْتِيبِ هَذا اللَّفِّ قَوْلُهُ "نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها" أيْ: مِنَ المَنسُوخَةِ المُبَدَّلَةِ- كَما فَعَلَ في الآياتِ الَّتِي شَرَعَتْ في المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ ما فِيهِ اليُسْرُ، ورَفْعُ الحَرَجِ والعَنَتِ - فَكانَتْ خَيْرًا مِن تِلْكَ الآصارِ والأغْلالِ. وقَوْلُهُ "أوْ مِثْلِها" أيْ: مِثْلِ تِلْكَ الآياتِ المُوحاةِ قَبْلُ، كَما يُرى في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ في القُرْآنِ المُوافِقَةِ لِما بَيْنَ يَدَيْها مِمّا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ بَقاءَهُ واسْتِمْرارَهُ. قالَ الرّاغِبُ: فَإنْ قِيلَ: إنَّ الَّذِي تُرِكَ ولَمْ يُنْسَخْ لَيْسَ هو مِثْلَهُ بَلْ هو هو، فَكَيْفَ قالَ "بِمِثْلِها" قِيلَ: الحُكْمُ الَّذِي أُنْزِلَ في القُرْآنِ -وكانَ ثابِتًا في الشَّرْعِ الَّذِي قَبْلَنا- يَصِحُّ أنْ يُقالَ هو هو، إذا اعْتَبَرَ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَعْتَبِرْ بِكُسْوَتِهِ- الَّتِي هي اللَّفْظُ. ويَصِحُّ أنْ يُقالَ هو مِثْلُهُ إذا لَمْ يَعْتَبِرْ بِنَفْسِهِ فَقَطْ بَلِ اعْتُبِرَ بِاللَّفْظِ. ونَحْوَ ذَلِكَ أنْ يُقالَ: ماءُ البِئْرِ هو ماءُ النَّهْرِ- إذا اعْتُبِرَ جِنْسُ الماءِ، وتارَةً يُقالُ: مِثْلَ ماءِ النَّهْرِ- إذا اعْتُبِرَ قَرارُ الماءِ. اهـ. عَلى أنَّ إرادَةَ العَيْنِ بِالمِثْلِ شائِعَةٌ؛ كَما في قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ- . ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو يَقْدِرُ عَلى الخَيْرِ، وما هو خَيْرٌ مِنهُ، وعَلى مِثْلِهِ في الخَيْرِ. قالَ الرّاغِبُ: أيْ لا تَحْسَبَنَّ أنَّ تَغْيِيرِي لِحُكْمٍ حالًا فَحالًا، وأنِّي لَمْ آتِ بِالثّانِي في الِابْتِداءِ- هو العَجْزُ؛ فَإنَّ مَن عَلِمَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَظُنُّ ذَلِكَ. وإنَّما تَغَيُّرُ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى مَصْلَحَةِ العِبادِ، وأنَّ الألْيَقَ بِهِمْ، في الوَقْتِ المُتَقَدِّمِ، الحُكْمُ المُتَقَدِّمُ. وفي الوَقْتِ المُتَأخِّرِ، الحُكْمُ المُتَأخِّرُ.

البقرة 2:107

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٧ ] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو يَمْلِكُ أُمُورَكم ويُدَبِّرُها، وهو أعْلَمُ بِما يَتَعَبَّدُكم بِهِ مِن ناسِخٍ أوْ مَنسُوخٍ. "وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ" يَلِي أُمُورَكم (p-٢١٩)"ولا نَصِيرٍ" ناصِرٍ يَمْنَعُكم مِنَ العَذابِ. وقَضِيَّةُ العِلْمِ بِما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، هو الجَزْمُ والإيقانُ بِأنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ بِهِمْ -فِي أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أوْ دُنْياهُمْ- إلّا ما هو خَيْرٌ لَهم، والعَمَلُ بِمُوجِبِهِ مِنَ الثِّقَةِ بِهِ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ. مِن غَيْرِ إصْغاءٍ إلى أقاوِيلِ اليَهُودِ، وتَشْكِيكاتِها الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما قالُوا في أمْرِ النَّسْخِ، حَيْثُ أنْكَرُوا نَسْخَ أحْكامِ التَّوْراةِ، وجَحَدُوا نُبُوَّةَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِمَجِيئِهِما بِما جاءا بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِتَغْيِيرِ ما غَيَّرَ اللَّهُ مِن حُكْمِ التَّوْراةِ. فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ وسُلْطانَهُما، وأنَّ الخَلْقَ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ وطاعَتِهِ. عَلَيْهِمُ السَّمْعُ والطّاعَةُ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وأنَّ لَهُ أمْرَهم بِما يَشاءُ، ونَهْيَهم عَمّا يَشاءُ، ونَسْخَ ما يَشاءُ، وإقْرارَ ما يَشاءُ. والَّذِي حَمَلَ اليَهُودَ عَلى مَنعِ النَّسْخِ إنَّما هو الكُفْرُ والعِنادُ؛ وإلّا فَقَدَ وُجِدَ في شَرِيعَتِهِمُ النَّسْخُ بِكَثْرَةٍ. وقَدْ ذَكَرَ العَلّامَةُ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ الهِنْدِيُّ في (إظْهارِ الحَقِّ) أمْثِلَةً وافِرَةً مِمّا وقَعَ مِن ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فارْجِعْ إلَيْها في البابِ الثّالِثِ مِنهُ. تَنْبِيهانِ: الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمّا قالَ المُشْرِكُونَ أوِ اليَهُودُ: إنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ ويَأْمُرُ بِخِلافِهِ. وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن نَسْخِ الحُكْمِ السّابِقِ: تَهَيُّؤُ النُّفُوسِ لِأرْقى مِنهُ. وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى "نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها" لِأنَّ الخالِقَ تَعالى رَبّى الأُمَّةَ العَرَبِيَّةَ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً تَرْبِيَةً تَدْرِيجِيَّةً لا تَتِمُّ لِغَيْرِها -بِواسِطَةِ الفَواعِلِ الِاجْتِماعِيَّةِ- إلّا في قُرُونٍ عَدِيدَةٍ. لِذَلِكَ كانَتْ عَلَيْهِمُ الأحْكامُ عَلى حَسَبِ قابِلِيَّتِها، ومَتى ارْتَقَتْ قابِلِيَّتُها بَدَّلَ اللَّهُ لَها ذَلِكَ الحُكْمَ بِغَيْرِهِ. وهَذِهِ سُنَّةُ الخالِقِ في الأفْرادِ والأُمَمِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ. فَإنَّكَ لَوْ نَظَرْتَ في الكائِناتِ الحَيَّةِ -مِن أوَّلِ الخَلِيَّةِ النَّباتِيَّةِ إلى أرْقى شَكْلٍ مِن أشْكالِ الأشْجارِ، ومِن أوَّلِ رُتْبَةٍ مِن رُتَبِ الحَيَواناتِ إلى الإنْسانِ- لَرَأيْتَ (p-٢٢٠)أنَّ النَّسْخَ نامُوسٌ طَبِيعِيٌّ مَحْسُوسٌ في الأُمُورِ المادِّيَّةِ، والأدَبِيَّةِ مَعًا. . ! فَإنَّ انْتِقالَ الخَلِيَّةِ الإنْسانِيَّةِ إلى جَنِينٍ، ثُمَّ إلى طِفْلٍ، فَيافِعٍ، فَشابٍّ، فَكَهْلٍ، فَشَيْخٍ، وما يَتْبَعُ كُلَّ دَوْرٍ مِن هَذِهِ الأدْوارِ -مِنَ الأحْوالِ النّاسِخَةِ لِلْأحْوالِ الَّتِي قَبْلَها- يُرِيكَ بِأجْلى دَلِيلٍ: أنَّ التَّبَدُّلَ في الكائِناتِ نامُوسٌ طَبِيعِيٌّ مُحَقَّقٌ. وإذا كانَ هَذا النَّسْخُ لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ في الكائِناتِ، فَكَيْفَ يُسْتَنْكَرُ نَسْخُ حُكْمٍ وإبْدالُهُ بِحُكْمٍ آخَرَ في الأُمَّةِ، وهي في حالَةِ نُمُوٍّ وتَدَرُّجٍ مِن أدْنى إلى أرْقى ؟ هَلْ يَرى إنْسانٌ لَهُ مَسْكَةً مِن عَقْلٍ أنَّ مِنَ الحِكْمَةِ تَكْلِيفَ العَرَبِ -وهم في مَبْدَأِ أمْرِهِمْ- بِما يَلْزَمُ أنْ يَتَّصِفُوا بِهِ وهم في نِهايَةِ الرُّقِيِّ الإنْسانِيِّ، وغايَةِ الكَمالِ البَشَرِيِّ ..؟! وإذا كانَ هَذا يَصِحُّ، وجَبَ أنَّ الشَّرائِعَ تُكَلِّفُ الأطْفالَ بِما تُكَلِّفُ بِهِ الرِّجالَ، وهَذا لَمْ يَقُلْ بِهِ عاقِلٌ في الوُجُودِ. . . . ! وإذا كانَ هَذا لا يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ في الوُجُودِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلى اللَّهِ -وهُوَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ- بِأنْ يُكَلِّفَ الأُمَّةَ -وهِيَ في دَوْرِ طُفُولِيَّتِها- بِما لا تَتَحَمَّلُهُ إلّا في دَوْرِ شُبُوبِيَّتِها وكُهُولَتِها ..؟ وأيُّ الأمْرَيْنِ أفْضَلُ: أشَرْعُنا الَّذِي سَنَّ اللَّهُ لَنا حُدُودَهُ بِنَفْسِهِ، ونَسَخَ مِنهُ ما أرادَ بِعِلْمِهِ، وأتَمَّهُ -بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ الإنْسُ والجِنُّ أنْ يَنْقُضُوا حَرْفًا مِنهُ- لِانْطِباقِهِ عَلى كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، وعَدَمِ مُجافاتِهِ لِأيِّ حالَةٍ مِن حالاتِ الإنْسانِ ..؟! أمْ شَرائِعُ دِينِيَّةٌ أُخْرى، حَرَّفَها كُهّانُها، ونَسَخَ الوُجُودُ أحْكامَها -بِحَيْثُ يَسْتَحِيلُ العَمَلُ بِها- لِمُنافاتِها لِمُقْتَضَياتِ الحَياةِ البَشَرِيَّةِ مِن كُلِّ وجْهٍ.؟! . الثّانِي: أسْلَفْنا -فِي مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ- إلى أنَّ النَّسْخَ بِاصْطِلاحِ السَّلَفِ أعَمُّ مِنهُ في اصْطِلاحِ الخَلَفِ، بِما يَنْبَغِي مُراجَعَتُهُ.

البقرة 2:108

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٨ ] ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ (أمْ) هُنا، إمّا (p-٢٢١)مُتَّصِلَةٌ مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في (ألَمْ تَعْلَمْ) أيْ ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ مالِكُ الأُمُورِ، قادِرٌ عَلى الأشْياءِ كُلِّها، يَأْمُرُ ويَنْهى كَما أرادَ ... أمْ تَعْلَمُوا وتَقْتَرِحُونَ بِالسُّؤالِ -كَما اقْتَرَحَتِ اليَهُودُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ وإمّا مُنْقَطِعَةٌ -بِمَعْنى بَلْ- لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَنْ حَمْلِهِمْ عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ عِلْمِهِمْ بِما ذَكَرَ عِنْدَ ظُهُورِ بَعْضِ مَخايِلِ المُساهَلَةِ مِنهم في ذَلِكَ، وأماراتِ التَّأثُّرِ مِن أقاوِيلِ الكَفَرَةِ، إلى التَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ. ومَعْنى (الهَمْزَةِ) إنْكارُ وُقُوعِ الإرادَةِ مِنهم، واسْتِبْعادُهُ؛ لِما أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ وازِعَةٌ عَنْها. وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ -دُونَ مُتَعَلِّقِها- لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِهِ واسْتِبْعادِهِ، بِبَيانِ أنَّهُ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ إرادَتُهُ، فَضْلًا عَنْ صُدُورِ نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ "ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ" أيْ: يَخْتَرْهُ، ويَأْخُذْهُ لِنَفْسِهِ "بِالإيمانِ" . بِمُقابَلَتِهِ بَدَلًا مِنهُ "فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ" أيْ عَدَلَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُكْمٍ كُلِّيٍّ أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ المَثَلِ جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنْ الِاقْتِراحِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ "أمْ تُرِيدُونَ" إلَخْ، مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ. ومَعْنى الآيَةِ لا تَقْتَرِحُوا فَتَضِلُّوا وسَطَ السَّبِيلِ ويُؤَدِّي بِكُمُ الضَّلالُ إلى البُعْدِ عَنِ المَقْصِدِ وتَبْدِيلِ الكُفْرِ بِالإيمانِ. فَظَهَرَ وجْهُ ذِكْرِ قَوْلِهِ "أمْ تُرِيدُونَ" إلَخْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى "ما نَنْسَخْ" . فَإنَّ المَقْصُودَ مِن كُلٍّ مِنهُما تَثْبِيتُهم عَلى الآياتِ وتَوْصِيَتُهم بِالثِّقَةِ بِها. قالَ الرّاغِبُ: فَإنْ قِيلَ ما فائِدَةُ قَوْلِهِ "ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ" إلَخْ ومَعْلُومٌ أنَّهُ بِدُونِ الكُفْرِ يَضِلُّ الإنْسانُ سَواءَ السَّبِيلِ فَكَيْفَ بِالكُفْرِ ؟ وقِيلَ مَعْنى ذَلِكَ مَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ضَلَّ، قَبْلُ سَواءَ السَّبِيلِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ أنَّ ضَلالَهُ سَواءَ السَّبِيلِ قادَهُ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ. ومَعْناهُ لا تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى فَتَضِلُّوا سَواءَ السَّبِيلِ فَيُؤَدِّي بِكم إلى تَبْدِيلِ الكُفْرِ بِالإيمانِ. فَمَبْدَأُ ذَلِكَ، الضَّلالُ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ سَمّى مُعانَدَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بَعْدَ حُصُولِ ما تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ كُفْرًا. إذْ هي مُؤَدِّيَةٌ إلَيْهِ. كَتَسْمِيَةِ العَصِيرِ خَمْرًا، فَقالَ "ومَن يَتَبَدَّلِ" أيْ يَطْلُبُ تَبْدِيلَ الكُفْرِ، أيِ المُعانَدَةُ الَّتِي هي مَبْدَأُ الكُفْرِ، بِالإيمانِ أيْ بِما حَصَلَ لَهُ مِنَ الدَّلالَةِ المُتَقَضِّيَةِ لِسُكُونِ النَّفْسِ، فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ. (p-٢٢٢)ووَجْهٌ ثالِثٌ وهو أنَّ ذَلِكَ نِهايَةُ التَّبْكِيتِ لِمَن ظَهَرَ لَهُ الحَقُّ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الباطِلِ. وأنَّهُ كَمَن كانَ عَلى وضَحِ الطَّرِيقِ فَتاهَ فِيهِ. ووَجْهٌ رابِعٌ وهو أنَّ "سَواءَ السَّبِيلِ" إشارَةٌ إلى الفِطْرَةِ الَّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها. والإيمانُ إشارَةٌ إلى المُكْتَسَبِ مِن جِهَةِ الشَّرائِعِ فَقالَ "ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ" أيْ بِالإيمانِ المُكْتَسَبِ فَقَدْ أبْطَلَهُ، وضَيَّعَ الفِطْرَةَ الَّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها فَلا يُرْجى لَهُ نُزُوعٌ عَمّا هو عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. هَذا. وما قَرَّرْناهُ في الآيَةِ مِن أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ هو ما يَتَرَجَّحُ ويَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ويُرَشِّحُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ فَإنَّ مَوْقِعَ خِطابِهِ إنَّما يَتَّضِحُ مَعَ المُؤْمِنِينَ. ورَجَّحَ الرّازِيُّ كَوْنَ الخِطابِ مَعَ اليَهُودِ قالَ: لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِ قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] حِكايَةٌ عَنْهم ومُحاجَّةٌ مَعَهم ولِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُ غَيْرِهِمْ في السِّياقِ، وقَدْ قَصَّ تَعالى عَنْهم سُؤالَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا﴾ [النساء: ١٥٣] الآيَةَ، وحِينَئِذٍ فَمَعْنى تَبَدَّلَ الكُفْرَ بِالإيمانِ، وهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الإيمانِ، إعْراضُهم عَنْهُ، مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُ، وإيثارِهِمْ لِلْكُفْرِ عَلَيْهِ. كَما أنَّ إضافَةَ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّهم مِن أُمَّةِ الدَّعْوَةِ.

البقرة 2:109

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٩ ] ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا﴾ (p-٢٢٣)عِلَّةُ ودَّ ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ مِن صِحَّةِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِشَهادَةِ ما طابَقَهُ مِنَ التَّوْراةِ "فاعْفُوا واصْفَحُوا" أيْ أعْرِضُوا عَمّا يَكُونُ مِنهم مِنَ الجَهْلِ والعَداوَةِ فَلا تُجازُوهم "حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ" وهو الإذْنُ في قِتالِهِمْ وإجْلائِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَنْتَقِمُ مِنهم إذا آنَ أوانُهُ.

البقرة 2:110

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٠ ] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ﴾ أيْ ثَوابَهُ "عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" فُلا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ عامِلٍ.

البقرة 2:111

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١١ ] ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ " وقالُوا" أيْ أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى" نَشْرٌ لِما لَفَّتْهُ الواوُ في "وقالُوا"، واليَهُودُ جَمْعُ هائِدٍ، كَعُوذٍ جَمْعِ عائِذٍ. وقُرِئَ "إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا" . "تِلْكَ أمانِيُّهُمْ" جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُطْلانِ ما قالُوا. والأمانِيُّ جَمْعُ أُمْنِيَةٍ وهي ما يَتَمَنّى. كالأُعْجُوبَةِ والأُضْحُوكَةِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهم "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ" أُمْنِيَةٌ واحِدَةٌ، فَلِمَ قالَ: أمانِيُّهم ؟ أُجِيبَ: بِأنَّ الجَمْعَ بِاعْتِبارِ صُدُورِهِ عَنِ الجَمِيعِ. وأجابَ صاحِبُ الِانْتِصافِ بِأنَّهم لِشِدَّةِ تَمَنِّيهِمْ لِهَذِهِ الأُمْنِيَةِ ومُعاوَدَتِهِمْ لَها وتَأكُّدِها في نُفُوسِهِمْ، جُمِعَتْ. لِيَفِيدَ جَمْعُها أنَّها مُتَأكِّدَةٌ في قُلُوبِهِمْ، بالِغَةٌ مِنهم كُلَّ مَبْلَغٍ، والجَمْعُ يُفِيدُ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مُؤَدّاهُ واحِدًا. ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: مِعًى جِياعٌ. فَجَمَعُوا الصِّفَةَ، ومُؤَدّاها (p-٢٢٤)واحِدٌ؛ لِأنَّ مَوْصُوفَها واحِدٌ، تَأْكِيدًا لِثُبُوتِها وتَمَكُّنِها. وهَذا المَعْنى أحَدُ ما رُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] فَإنَّهُ جَمَعَ (قَلِيلًا)، وقَدْ كانَ الأصْلُ إفْرادَهُ فَيُقالُ (لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] لَوْلا ما قَصَدَ إلَيْهِ مِن تَأْكِيدِ مَعْنى القِلَّةِ بِجَمْعِها. ووَجْهُ إفادَةِ الجَمْعِ في مِثْلِ هَذا لِلتَّأْكِيدِ، أنَّ الجَمْعَ يُفِيدُ بِوَضْعِهِ الزِّيادَةَ في الآحادِ، فَنُقِلَ إلى تَأْكِيدِ الواحِدِ، وإبانَةِ زِيادَتِهِ عَلى نُظَرائِهِ، نَقْلًا مَجازِيًّا بَدِيعًا. فَتَدَبَّرْ هَذا الفَصْلَ فَإنَّهُ مِن نَفائِسِ صِناعَةِ البَيانِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ حُجَّتَكم عَلى اخْتِصاصِكم بِدُخُولِ الجَنَّةِ "إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" في دَعْواكم. قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُدَّعِيَ سَواءٌ ادَّعى نَفْيًا أوْ إثْباتًا، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الدَّلِيلِ والبُرْهانِ، وذَلِكَ مِن أصْدَقِ الدَّلائِلِ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مَنِ ادَّعى شَيْئًا بِلا شاهِدٍ لا بُدَّ أنْ تَبْطُلَ دَعْواهُ انْتَهى كَلامُ الرّازِيِّ. وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: وهَذا أهْدَمُ شَيْءٍ لِمَذْهَبِ المُقَلِّدِينَ، وإنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَهو باطِلٌ غَيْرُ ثابِتٍ. انْتَهى.

البقرة 2:112

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٢ ] ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ "بَلى" إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ "مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ" مَن أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ. وإنَّما عَبَّرَ عَنِ النَّفْسِ بِالوَجْهِ، لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، ومَجْمَعُ المَشاعِرِ، ومَوْضِعُ السُّجُودِ، ومَظْهَرُ آثارِ الخُضُوعِ. أوِ المَعْنى: مَن أخْلَصَ تَوَجُّهَهُ وقَصْدَهُ، بِحَيْثُ لا يَلْوِي (p-٢٢٥)عَزِيمَتَهُ إلى شَيْءٍ غَيْرِهِ "وهُوَ مُحْسِنٌ" في عَمَلِهِ، مُوافِقٌ لِهَدْيِهِ ﷺ، وإلّا لَمْ يُقْبَلْ، ولِذا قالَ ﷺ: ««مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»» رَواهُ مُسْلِمٌ ﴿فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ. وتَصْوِيرُهُ بِصُورَةِ الأجْرِ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ ارْتِباطِهِ بِالعَمَلِ. "ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ" مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ "ولا هم يَحْزَنُونَ" مِن فَواتِ مَطْلُوبٍ. والجَمْعُ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ.

البقرة 2:113

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٣ ] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِتَضْلِيلِ كُلِّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ بِخُصُوصِهِ، إثْرَ بَيانِ تَضْلِيلِهِ كُلَّ مَن عَداهُ عَلى وجْهِ العُمُومِ. ومَعْنى "عَلى شَيْءٍ" أيَّ أمْرٍ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الدِّينِ "وهم يَتْلُونَ الكِتابَ" الواوُ لِلْحالِ. والكِتابُ لِلْجِنْسِ. أيْ قالُوا ذَلِكَ وحالُهم أنَّهم مِن أهْلِ العِلْمِ والتِّلاوَةِ لِلْكُتُبِ. وحَقُّ مَن حَمَلَ التَّوْراةَ أوِ الإنْجِيلَ، أوْ غَيْرَهُما مِن كُتُبِ اللَّهِ، وآمَنَ بِهِ، أنْ لا يَكْفُرَ بِالباقِي. لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الكِتابَيْنِ مُصَدِّقٌ لِلثّانِي، شاهِدٌ بِصِحَّتِهِ. وكَذَلِكَ كُتُبُ اللَّهِ جَمِيعًا مُتَوارِدَةٌ عَلى تَصْدِيقِ بَعْضِها بَعْضًا "كَذَلِكَ" أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ عَلى ذَلِكَ المِنهاجِ "قالَ" الجَهَلَةُ "الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" لا عِلْمَ عِنْدَهم ولا كِتابَ. كَعَبَدَةِ الأصْنامِ. قالُوا لِأهْلِ كُلِّ دِينٍ "مِثْلَ قَوْلِهِمْ" لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ. وهَذا تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ نَظَّمُوا أنْفُسَهم، مَعَ عِلْمِهِمْ، (p-٢٢٦)فِي سِلْكِ مَن لا يَعْلَمُ. ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ يَفْصِلُ بَيْنَهم بِقَضائِهِ العَدْلِ، فَيَحْكُمُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] وكَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ [سبإ: ٢٦] قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ بِعَيْنِها قَدْ وقَعَتْ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تُكَفِّرُ الأُخْرى. مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى تِلاوَةِ القُرْآنِ. انْتَهى. فَها هُنا تُسْكَبُ العَبَراتُ بِما جَناهُ التَّعَصُّبُ في الدِّينِ عَلى غالِبِ المُسْلِمِينَ مِنَ التَّرامِي بِالكُفْرِ، لا بِسُنَّةٍ ولا قُرْآنٍ، ولا لِبَيانٍ مِنَ اللَّهِ ولا لِبُرْهانٍ، بَلْ لَمّا غَلَتْ مَراجِلُ العَصَبِيَّةِ في الدِّينِ، تَمَكَّنَ الشَّيْطانُ مِن تَفْرِيقِ كَلِمَةِ المُسْلِمِينَ. ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالجَماعَةِ والِائْتِلافِ. ونَهى عَنِ الفُرْقَةِ والِاخْتِلافِ. فَقالَ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا (p-٢٢٧)واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] وقالَ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقَدِ امْتازَ أهْلُ الحَقِّ، مِن هَذِهِ الأُمَّةِ بِالسُّنَّةِ والجَماعَةِ، عَنْ أهْلِ الباطِلِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ الكِتابَ ويُعْرِضُونَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَمّا مَضَتْ عَلَيْهِ جَماعَةُ المُسْلِمِينَ.

البقرة 2:114

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٤ ] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ، ولَمّا وجَّهَ تَعالى الذَّمَّ فِيما سَبَقَ في حَقِّ اليَهُودِ والنَّصارى، ذَيَّلَهُ بِذَمِّ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] ثُمَّ وجَّهَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أخْرَجُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ مِن مَكَّةَ، ومَنَعُوهم مِنَ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ، وصَدُّوهم أيْضًا عَنْهُ، حِينَ ذَهَبَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ (p-٢٢٨)وأصْحابُهُ مِنَ المَدِينَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وكُلُّ هَذا تَخْرِيبٌ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ، لِأنَّ مَنعَ النّاسِ مِن إقامَةِ شَعائِرِ العِبادَةِ فِيهِ، سَعْيٌ في تَخْرِيبِهِ. وأيُّ خَرابٍ أعْظَمُ مِمّا فَعَلُوا ؟ أخْرَجُوا عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ. واسْتَحْوَذُوا عَلَيْهِ بِأصْنامِهِمْ وأنْدادِهِمْ وشِرْكِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] وقالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧] ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] وقالَ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] فَإذا كانَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ..إلَخْ مَصْدُودًا عَنْهُ، مَطْرُودًا مِنهُ، (p-٢٢٩)فَأيُّ خَرابٍ لَهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. والعِمارَةُ إحْياءُ المَكانِ وشَغْلُهُ بِما وُضِعَ لَهُ. ولَيْسَ المُرادُ بِعِمارَتِهِ، زَخْرَفَتَهُ وإقامَةَ صُورَتِهِ فَقَطْ، إنَّما عِمارَتُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ فِيهِ وإقامَةِ شَرْعِهِ فِيهِ ورَفْعِهِ عَنِ الدَّنَسِ والشِّرْكِ. وإنَّما أُوقِعَ المَنعُ عَلى المَساجِدِ، وإنْ كانَ المَمْنُوعُ هو النّاسُ لِما أنَّ المَآلَ عائِدٌ لَها. ولا يُقالُ: كَيْفَ قِيلَ مَساجِدُ والمُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ فَقَطْ ؟ لِأنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يَجِيءَ الحُكْمُ عامًّا، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، كَما تَقُولُ، لِمَن آذى صالِحًا واحِدًا: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ آذى الصّالِحِينَ ؟ وكَما قالَ تَعالى ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] والمَنزُولُ فِيهِ واحِدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ هَذا بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهُ سَيُظْهِرُهم عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، ويُذِلُّ لَهُمُ المُشْرِكِينَ، حَتّى لا يَدْخُلَ المَسْجِدُ الحَرامُ واحِدٌ مِنهم إلّا خائِفًا. يَخافُ أنْ يُؤْخَذَ فَيُعاقَبَ، أوْ يُقْتَلَ إنْ لَمْ يُسْلِمْ. وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ صِدْقَ هَذا الوَعْدِ فَمَنَعَهم مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ. ونادى فِيهِمْ عامَ حَجَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««ألا لا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ»» . فَحَجَّ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ العامِ الثّانِي ظاهِرًا عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، لا يَجْتَرِئُ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَحُجَّ ويَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ. وهَذا هو الخِزْيُ لَهم في الدُّنْيا، المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ لِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ. فَكَما صَدُّوا المُؤْمِنِينَ صُدُّوا عَنْهُ ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عَذابُ النّارِ لِما انْتَهَكُوا مِن حُرْمَةِ البَيْتِ وامْتَهَنُوهُ، مِن نَصْبِ الأصْنامِ حَوْلَهُ، ودُعاءِ غَيْرِ اللَّهِ، والطَّوافِ بِهِ عُرْيًا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِهِمُ الَّتِي يَكْرَهُها اللَّهُ ورَسُولُهُ. وفِي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الآيَةَ في ذَمِّ اليَهُودِ، تَبَعًا لِلسّابِقِ واللّاحِقِ، وما جَنَوْهُ بِكُفْرِهِمْ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ مِن خَرابِهِ وتَسْلِيطِ عَدُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ حَتّى خَرَّبَهُ ودَمَّرَ مَدِينَتَهم، وقَتَلَ وسَبى مِنهم، وأسَرَهم (p-٢٣٠)وبَقُوا في الأسْرِ البابِلِيِّ سَبْعِينَ سَنَةً؛ كُلُّ ذَلِكَ كانَ بِرَفْضِهِمْ كِتابَ اللَّهِ، والعَمَلَ بِشَرِيعَتِهِ. وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ إشارَةٌ إلى رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ بَعْدَ الأسْرِ عَلى تَخَوُّفٍ مِنَ العَدُوِّ ومَذَلَّةٌ لَصِقَتْ بِهِمْ. وهو وجْهٌ وجِيهٌ. لِأنَّ لَفْظَ "سَعى"، يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ. كَما أنَّ مَفْهُومَها يُشْعِرُ بِذَمِّ القائِمِينَ عَلى الخَرابِ بِالأوْلى وهُمُ النَّصارى، حِينَما تَمَكَّنَتْ سُلْطَتُهُمُ انْتِقامًا مِن أعْدائِهِمُ اليَهُودِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ في الآيَةِ: هُمُ النَّصارى كانُوا يَطْرَحُونَ في بَيْتِ المَقْدِسِ الأذى. ويَمْنَعُونَ النّاسَ أنْ يُصَلُّوا فِيهِ. وقالَ قَتادَةُ: حَمَلَهم بُغْضُ اليَهُودِ عَلى أنْ أعانُوا بِخْتِنْصَرَ البابِلِيَّ المَجُوسِيَّ عَلى تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ أماكِنَ العِبادَةِ تُصانُ وتُحْتَرَمُ، لِأنَّها المَدْرَسَةُ العامَّةُ الَّتِي تُتْلى فِيها الحِكَمُ والأحْكامُ، والإرْشادُ إلى سُبُلِ السَّلامِ. وقَدْ ورَدَ الحَدِيثُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن خِزْيِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ بُسْرِ بْنِ أرْطاةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ أحْسِنْ عاقِبَتَنا في الأُمُورِ كُلِّها، وأجِرْنا مِن خِزْيِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ»» . قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ السِّتَّةِ، ولَيْسَ لِصَحابِيِّهِ، وهو بُسْرُ بْنُ أرْطاةَ، (ويُقالُ ابْنُ أبِي أرْطاةَ) حَدِيثٌ سِواهُ، وسِوى حَدِيثِ: ««لا تُقْطَعُ الأيْدِي في الغَزْوِ»» .

البقرة 2:115

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٥ ] ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ بَيانٌ لِشُمُولِ مَلَكُوتِهِ لِجَمِيعِ الآفاقِ، المُتَسَبِّبِ عَنْهُ سِعَةُ عِلْمِهِ. وفي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنَ المَعاصِي وزَجْرٌ (p-٢٣١)عَنِ ارْتِكابِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] أيْ: عَمَّ كُلَّ شَيْءٍ بِعِلْمِهِ وتَدْبِيرِهِ وإحاطَتِهِ بِهِ وعُلُوِّهِ عَلَيْهِ.

البقرة 2:116

(p-٢٣٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٦ ] ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ يُرِيدُ الَّذِينَ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَأكْذَبَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَهم في دَعْواهم وقَوْلِهِمْ: إنَّ لِلَّهِ ولَدًا. فَقالَ "سُبْحانَهُ" أيْ تَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ عَمّا زَعَمُوا تَنَزُّهًا بَلِيغًا. وكَلِمَةُ "بَلْ" لِلْإضْرابِ عَمّا تَقْتَضِيهِ مَقالَتُهُمُ الباطِلَةُ مِن مُجانَسَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِشَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ. أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هو خالِقُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عُزَيْرٌ والمَسِيحُ والمَلائِكَةُ، والتَّنْوِينُ في "كُلٌّ" عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. أيْ كُلُّ ما فِيهِما، كائِنًا ما كانَ مِن أُولِي العِلْمِ وغَيْرِهِمْ "لَهُ قانِتُونَ" مُنْقادُونَ، لا يَسْتَعْصِي شَيْءٌ مِنهم عَلى تَكْوِينِهِ وتَقْدِيرِهِ ومَشِيئَتِهِ، ومَن كانَ هَذا شَأْنُهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ مُجانَسَتُهُ لِشَيْءٍ، ومِن حَقِّ الوَلَدِ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الوالِدِ. قالَ الرّاغِبُ في تَفْسِيرِهِ: نَبَّهَ عَلى أقْوى حُجَّةٍ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ. وبَيانُها: هو أنَّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ في العالَمِ، مَخْلُوقًا طَبِيعِيًّا، أوْ مَعْمُولًا صِناعِيًّا، غَرَضًا وكَمالًا أُوجِدَ لِأجْلِهِ. وإنْ كانَ قَدْ يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ عَلى سَبِيلِ العَرْضِ، كاليَدِ لِلْبَطْشِ، والرِّجْلِ لِلْمَشْيِ، والسِّكِّينِ لِقَطْعٍ مَخْصُوصٍ، والمِنشارِ لِلنَّشْرِ، وإنْ كانَتِ اليَدُ قَدْ تَصْلُحُ لِلْمَشْيِ في حالٍ، والرِّجْلُ لِلتَّناوُلِ، لَكِنْ لَيْسَ عَلى التَّمامِ. والغَرَضُ في الوَلَدِ لِلْإنْسانِ إنَّما هو لِأنْ يَبْقى بِهِ نَوْعُهُ، وجُزْءٌ مِنهُ، لَمّا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ سَبِيلًا إلى بَقائِهِ بِشَخْصِهِ، فَجَعَلَ لَهُ بَذْرًا لِحِفْظِ نَوْعِهِ. ويُقَوِّي ذَلِكَ، أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ وسائِرِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ بَذْرًا واسْتِخْلافًا، لَمّا لَمْ يَجْعَلْ لَها فَناءَ النَّباتِ والحَيَوانِ. ولِما كانَ اللَّهُ تَعالى هو الباقِيَ الدّائِمَ، بِلا ابْتِداءٍ ولا انْتِهاءٍ، لَمْ يَكُنْ لِاتِّخاذِهِ الوَلَدَ لِنَفْسِهِ مَعْنًى، ولِهَذا قالَ: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] أيْ هو مُنَزَّهٌ عَنِ السَّبَبِ المُقْتَضِي لِلْوَلَدِ. (p-٢٣٣)ثُمَّ لَمّا كانَ اقْتِناءُ الوَلَدِ لِفَقْرٍ ما، وذَلِكَ لِما تَقَدَّمَ، أنَّ الإنْسانَ افْتَقَرَ إلى نَسْلٍ يَخْلُفُهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ كامِلٍ إلى نَفْسِهِ - بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ لَهُ فَقَرٌ، فَيَحْتاجُ إلى اتِّخاذِ ما هو سَدٌّ لِفَقْرِهِ، فَصارَ في قَوْلِهِ "لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ" دَلالَةٌ ثانِيَةٌ، ثُمَّ زادَ حُجَّةً بِقَوْلِهِ "قانِتُونَ" وهو أنَّهُ لَمّا كانَ الوَلَدُ يُعْتَقَدُ فِيهِ خِدْمَةُ الأبِ، ومُظاهَرَتُهُ كَما قالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢] بَيَّنَ أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، مَعَ كَوْنِهِ مُلْكًا لَهُ، قانِتٌ أيْضًا، إمّا طائِعًا، وإمّا كارِهًا، وإمّا مُسَخَّرًا. كَقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وهَذا أبْلَغُ حُجَّةً لِمَن هو عَلى المَحَجَّةِ. ثُمَّ قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ مِن أيْنَ وقَعَ لَهُمُ الشُّبْهَةُ في نِسْبَةِ الوَلَدِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟ قِيلَ قَدْ ذُكِرَ في الشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ: كانُوا يُطْلِقُونَ عَلى البارِئِ تَعالى اسْمَ الأبِ وعَلى الكَبِيرِ مِنهُمُ اسْمَ الإلَهِ، حَتّى إنَّهم قالُوا: إنَّ الأبَ هو الرَّبُّ الأصْغَرُ وإنَّ اللَّهَ هو الأبُ الأكْبَرُ، وكانُوا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى هو السَّبَبُ الأوَّلُ في وُجُودِ الإنْسانِ، وإنَّ الأبَ هو السَّبَبُ الأخِيرُ في وُجُودِهِ وإنَّ الأبَ هو مَعْبُودُ الِابْنِ مِن وجْهٍ أيْ مَخْدُومُهُ. وكانُوا يَقُولُونَ لِلْمَلائِكَةِ: آلِهَةٌ. كَما (p-٢٣٤)قالَتِ العَرَبُ لِلشَّمْسِ: إلاهَةٌ، وكانُوا يَقْصِدُونَ مَعْنًى صَحِيحًا كَما يَقْصِدُ عُلَماؤُنا بِقَوْلِهِمُ: اللَّهُ مُحِبٌّ ومَحْبُوبٌ، ومُرِيدٌ ومُرادٌ ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ. كَما يُقالُ لِلسُّلْطانِ: المَلِكُ، وقَوْلُ النّاسِ: رَبُّ الأرْبابِ وإلَهُ الآلِهَةِ ومَلِكُ المُلُوكِ، مِمّا يَكْشِفُ عَنْ تَقَدُّمِ ذَلِكَ التَّعارُفِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ ما يُرْوى أنَّ يَعْقُوبَ كانَ يُقالُ لَهُ بِكْرُ اللَّهِ، وأنَّ عِيسى كانَ يَقُولُ: أنا ذاهِبٌ إلى أبِي. ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ، ثُمَّ تَصَوَّرَ الجَهَلَةُ مِنهم، بِأُخَرَةٍ، مَعْنى الوِلادَةِ الطَّبِيعِيَّةِ. فَصارَ ذَلِكَ مَنهِيًّا عَنِ التَّفَوُّهِ بِهِ في شَرْعِنا، تَنَزُّهًا عَنْ هَذا الِاعْتِقادِ، حَتّى صارَ إطْلاقُهُ، وإنْ قَصَدَ بِهِ ما قَصَدَهُ هَؤُلاءِ، قَرِينُ الكُفْرِ، اهـ كَلامُ الرّاغِبِ رَحِمَهُ اللَّهُ.

البقرة 2:117

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٧ ] ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ "بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ" أيْ مُبْدِعُهُما وخالِقُهُما عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ. وكُلُّ مَن فَعَلَ ما لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ يُقالُ لَهُ: أبْدَعْتَ. ولِهَذا قِيلَ لِمَن خالَفَ السُّنَّةَ والجَماعَةَ: مُبْتَدِعٌ، لِأنَّهُ يَأْتِي في دِينِ الإسْلامِ، ما لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حُجَّةٌ أُخْرى لِدَفْعِ تَشَبُّثِهِمْ في وِلادَةِ عِيسى بِلا أبٍ، وعِلْمِ عُزَيْرٍ بِالتَّوْراةِ بِلا تَعَلُّمٍ. وتَقْرِيرُ الحُجَّةِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مُبْدِعُ الأشْياءِ كُلِّها. فَلا يَبْعُدُ أنْ يُوجِدَ أحَدًا بِلا أبٍ، أوْ يَعْلَمَ بِلا واسِطَةِ بَشَرٍ. وقالَ الرّاغِبُ: ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةً رابِعَةً. شَرْحُها: إنَّ الأبَ هو عُنْصُرٌ لِلِابْنِ. مِنهُ تَكَوَّنَ. واللَّهُ مُبْدِعُ الأشْياءِ كُلِّها، فَلا يَكُونُ عُنْصُرًا لِلْوَلَدِ، فَمِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ المُنْفَعِلُ فاعِلًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا أرادَ أمْرًا. والقَضاءُ إنْفاذُ المُقَدَّرِ. والمُقَدَّرُ ما حَدَّ مِن مُطْلَقِ المَعْلُومِ. قالَ الرّاغِبُ: القَضاءُ إتْمامُ الشَّيْءِ قَوْلًا أوْ فِعْلًا، فَمِنَ القَوْلِ آيَةُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] (p-٢٣٥)﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسراء: ٤] ومِنَ الفِعْلِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] وقَضى فُلانٌ دَيْنَهُ، وقَضى نَحْبَهُ، وانْقَضى الأمْرُ. (ثُمَّ قالَ) ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ "وإذا قَضى أمْرًا" عَلى حُجَّةٍ خامِسَةٍ وهو أنَّ الوَلَدَ يَكُونُ بِنُشُوءٍ وتَرْكِيبٍ، حالًا بَعْدَ حالٍ. وهو إذا أرادَ شَيْئًا، فَقَدْ فَعَلَ بِلا مُهْلَةٍ. ولَمْ يُرَدْ بِـ "إذا" حَقِيقَةُ الزَّمانِ، إذْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما قَبْلَ وُجُودِ الزَّمانِ. ولَمْ يُرَدْ أيْضًا بِـ "كُنْ" حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، ولا بِالفاءِ التَّعْقِيبُ الزَّمانِيُّ. بَلِ اسْتُعِيرَ كُلُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ أقْرَبُ ما يَتَراءى لَنا بِهِ سُرْعَةَ الفِعْلِ وتَمامَهُ، وذُكِرَ لَفْظُ القَضاءِ إذْ هو لِإتْمامِ الفِعْلِ، والأمْرُ لِكَوْنِهِ مُنْطَوِيًا عَلى اللَّفْظِ والفِعْلِ، والقَوْلُ إذْ هو أخَفُّ مُوجِدٍ مِنّا وأسْرَعُهُ إيجادًا، ولَفْظُ "كُنْ" لِعُمُومِ مَعْناهُ واخْتِصارِ لَفْظِهِ، ثُمَّ قالَ "فَيَكُونُ" تَنْبِيهًا لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُرِيدُ إيجادَهُ. و"كُنْ فَيَكُونُ" وإنْ كانَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما مَبْنِيٌّ عَلى الآخَرِ، فَهو في الحَقِيقَةِ شَيْءٌ واحِدٌ. انْتَهى. والَّذِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ المُرادَ بِـ "كُنْ" حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ سُؤالٌ مَشْهُورٌ، وهو: إنَّ "كُنْ" لَفْظُ أمْرٍ، والأمْرُ لا يَكُونُ إلّا لِمَوْجُودٍ. فَبَعْضٌ أجابَ بِأنَّهُ أمْرٌ لِلشَّيْءِ في حالِ تَكَوُّنِهِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ. وبَعْضٌ قالَ: هو أمْرٌ لِمَعْلُومٍ لَهُ، وذَلِكَ في حُكْمِ المَوْجُودِ، وإنْ كانَ مَعْدُومَ الذّاتِ. وبَعْضٌ قالَ: هو أمْرٌ لِلْمَعْدُومِ. قالَ ويَصِحُّ أمْرُ المَعْدُومِ كَما يَصِحُّ أمْرُ المَوْجُودِ. ولَهم أجْوِبَةٌ أكْثَرُ تَكَلُّفًا وتَمَحُّلًا. (p-٢٣٦)وقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا بِأنَّهُ إنْ كانَ المُخاطَبُ بِـ "كُنْ" مَوْجُودًا، فَتَحْصِيلُ الحاصِلِ مُحالٌ. وإنْ كانَ مَعْدُومًا، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ خِطابُ المَعْدُومِ ؟ فَأجابَ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ المَسْألَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أصْلَيْنِ: أحَدِهِما: الفَرْقُ بَيْنَ خِطابِ التَّكْوِينِ الَّذِي لا يَطْلُبُ بِهِ سُبْحانَهُ فِعْلًا مِنَ المُخاطَبِ، بَلْ هو الَّذِي يُكَوِّنُ المُخاطَبَ بِهِ، ويَخْلُقُهُ بِدُونِ فِعْلٍ مِنَ المُخاطَبِ، أوْ قُدْرَةٍ أوْ إرادَةٍ أوْ وُجُودٍ لَهُ. وبَيَّنَ خِطابَ التَّكْلِيفِ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ مِنَ المَأْمُورِ فِعْلًا أوْ تَرْكًا يَفْعَلُهُ بِقُدْرَةٍ وإرادَةٍ. وإنْ كانَ ذَلِكَ جَمِيعُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ؛ إذْ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ؛ وهَذا الخِطابُ قَدْ تَنازَعَ فِيهِ النّاسُ. هَلْ يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ بِهِ المَعْدُومُ بِشَرْطِ وُجُودِهِ أمْ لا يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ بِهِ إلّا بَعْدَ وُجُودِهِ ؟ لا نِزاعَ بَيْنَهم أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الخِطابِ إلّا بَعْدَ وُجُودِهِ. وكَذَلِكَ تَنازَعُوا في الأوَّلِ هَلْ هو خِطابٌ حَقِيقِيٌّ ؟ أمْ هو عِبارَةٌ عَنْ الِاقْتِدارِ وسُرْعَةِ التَّكْوِينِ بِالقُدْرَةِ ؟ . والأوَّلُ هو المَشْهُورُ عِنْدَ المُنْتَسِبِينَ إلى السُّنَّةِ. والأصْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْدُومَ في حالِ عَدَمِهِ، هَلْ هو شَيْءٌ أمْ لا ؟ فَإنَّهُ قَدْ ذَهَبَ طَوائِفُ مِن مُتَكَلِّمَةِ المُعْتَزِلَةِ والشِّيعَةِ إلى أنَّهُ شَيْءٌ في الخارِجِ وذاتٌ وعَيْنٌ، وزَعَمُوا أنَّ الماهِيّاتِ غَيْرُ مَجْعُولَةٍ ولا مَخْلُوقَةٍ، وأنَّ وُجُودَها زائِدٌ عَلى حَقِيقَتِها. وكَذَلِكَ ذَهَبَ إلى هَذا طَوائِفُ مِنَ المُتَفَلْسِفَةِ والِاتِّحادِيَّةِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المَلاحِدَةِ. والَّذِي عَلَيْهِ جَماهِيرُ النّاسِ، وهو قَوْلُ مُتَكَلِّمَةِ أهْلِ الإثْباتِ والمُنْتَسِبِينَ إلى السُّنَّةِ والجَماعَةِ، إنَّهُ في الخارِجِ عَنِ الذِّهْنِ قَبْلَ وُجُودِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ولا ذاتٍ ولا عَيْنٍ، وإنَّهُ لَيْسَ في الخارِجِ شَيْئانِ أحَدُهُما حَقِيقَةٌ، والآخَرُ وُجُودُهُ الزّائِدُ عَلى حَقِيقَتِهِ. فَإنَّ اللَّهَ أبْدَعَ الذَّواتَ الَّتِي هي الماهِيّاتُ. فَكُلُّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ مَخْلُوقٌ ومَجْعُولٌ ومُبْدَعٌ ومَبْدُوءٌ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. ولَكِنْ في هَؤُلاءِ مَن يَقُولُ: المَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، وإنَّ سُمِّيَ شَيْئًا بِاعْتِبارِ ثُبُوتِهِ في العِلْمِ، كانَ مَجازًا. ومِنهم مَن يَقُولُ: لا رَيْبَ أنَّ لَهُ ثُبُوتًا في العِلْمِ ووُجُودًا فِيهِ، فَهو بِاعْتِبارِ هَذا الثُّبُوتِ والوُجُودِ هو شَيْءٌ وذاتٌ. وهَؤُلاءِ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الوُجُودِ والثُّبُوتِ. كَما فَرَّقَ مَن قالَ: المَعْدُومُ شَيْءٌ. ولا يُفَرِّقُونَ في كَوْنِ المَعْدُومِ لَيْسَ بِشَيْءٍ بَيْنَ المُمْكِنِ والمُمْتَنِعِ، كَما فَرَّقَ أُولَئِكَ؛ إذْ قَدِ (p-٢٣٧)اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُمْتَنِعَ لَيْسَ بِشَيْءٍ وإنَّما النِّزاعُ في المُمْكِنِ. وعُمْدَةُ مَن جَعَلَهُ شَيْئًا، إنَّما هو لِأنَّهُ ثابِتٌ في العِلْمِ، وبِاعْتِبارِ ذَلِكَ صَحَّ أنْ يَخُصَّ بِالقَصْدِ والخَلْقِ والخَبَرِ عَنْهُ والأمْرِ بِهِ والنَّهْيِ عَنْهُ، وغَيْرِ ذَلِكَ. قالُوا: وهَذِهِ التَّخْصِيصاتُ تَمْتَنِعُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِالعَدَمِ المَحْضِ. فَإنْ خُصَّ الفَرْقُ بَيْنَ الوُجُودِ الَّذِي هو الثُّبُوتُ العَيْنِيُّ، وبَيْنَ الوُجُودِ الَّذِي هو الثُّبُوتُ العِلْمِيُّ، زالَتِ الشُّبْهَةُ في هَذا البابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ذَلِكَ الشَّيْءُ هو مَعْلُومٌ قَبْلَ إبْداعِهِ وقَبْلَ تَوْجِيهِ هَذا الخِطابِ إلَيْهِ. وبِذَلِكَ كانَ مِقْدَرًا مَقْضِيًّا. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ ويَكْتُبُ مِمّا يَعْلَمُهُ ما شاءَ. كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««كَتَبَ اللَّهُ مَقادِيرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ» . قالَ: «وعَرْشُهُ عَلى الماءِ»» . وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عِمْرانَ (p-٢٣٨)بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ»» . وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ: اكْتُبْ قالَ: رَبِّ، وماذا أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ مَقادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ»» . إلى أمْثالِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي تُبَيِّنُ أنَّ المَخْلُوقَ قَبْلَ أنْ يُخْلَقَ كانَ مَعْلُومًا مُخْبَرًا عَنْهُ، مَكْتُوبًا، فَهو شَيْءٌ بِاعْتِبارِ وُجُودِهِ العِلْمِيِّ الكَلامِيِّ الكِتابِيِّ، وإنْ كانَتْ حَقِيقَتُهُ الَّتِي هي وُجُودُهُ العَيْنِيُّ لَيْسَ ثابِتًا في الخارِجِ. بَلْ هو عَدَمٌ مَحْضٌ ونَفْيٌ صِرْفٌ. وهَذِهِ المَراتِبُ الأرْبَعَةُ المَشْهُورَةُ مَوْجُوداتٌ. وقَدْ ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في أوَّلِ سُورَةٍ أنْزَلَها عَلى نَبِيِّهِ في قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] وقَدْ بَسَطْنا الكَلامَ في ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الخِطابُ مُوَجَّهًا إلى مَن تَوَجَّهَتْ إلَيْهِ الإرادَةُ، وتَعَلَّقَتْ بِهِ القُدْرَةُ، وخَلَقَ وكَوَّنَ كَما قالَ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالَّذِي يُقالُ لَهُ "كُنْ" هو الَّذِي يُرادُ، وهو، حِينَ يُرادُ قَبْلَ أنْ يُخْلَقَ، لَهُ ثُبُوتٌ وتَمَيُّزٌ في العِلْمِ والتَّقْدِيرِ. ولَوْلا ذَلِكَ لَما تَمَيَّزَ المُرادُ المَخْلُوقُ مِن غَيْرِهِ، وبِهَذا يَحْصُلُ الجَوابُ عَنِ التَّقْسِيمِ. فَإنَّ قَوْلَ السّائِلِ: إنْ كانَ المُخاطَبُ مَوْجُودًا، فَتَحْصِيلُ الحاصِلِ مُحالٌ. يُقالُ لَهُ هَذا إذا كانَ مَوْجُودًا في الخارِجِ وُجُودَهُ الَّذِي هو وُجُودُهُ. ولا رَيْبَ أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ مَوْجُودًا، ولا هو في نَفْسِهِ ثابِتٌ. وأمّا ما عُلِمَ وأُرِيدَ وكانَ شَيْئًا في العِلْمِ والإرادَةِ والتَّقْدِيرِ فَلَيْسَ وُجُودُهُ في الخارِجِ مُحالًا، بَلْ (p-٢٣٩)جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ لا تُوجَدُ إلّا بَعْدَ وُجُودِها في العِلْمِ والإرادَةِ. وقَوْلُ السّائِلِ: إنْ كانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ خِطابُ المَعْدُومِ ؟ يُقالُ لَهُ: أمّا إذا قَصَدَ أنْ يُخاطِبَ المَعْدُومَ بِخِطابٍ يَفْهَمُهُ ويَمْتَثِلُهُ فَهَذا مُحالٌ، إذْ مِن شَرْطِ المُخاطَبِ أنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الفَهْمِ والفِعْلِ. والمَعْدُومُ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَفْهَمَ ويَفْعَلَ. فَيَمْتَنِعُ خِطابُ التَّكْلِيفِ لَهُ حالَ عَدَمِهِ بِمَعْنى أنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنهُ حِينَ عَدَمِهِ أنْ يَفْهَمَ ويَفْعَلَ، ولِذَلِكَ أيْضًا يَمْتَنِعُ أنْ يُخاطَبَ المَعْدُومُ في الخارِجِ خِطابَ تَكْوِينٍ. بِمَعْنى أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ شَيْءٌ ثابِتٌ في الخارِجِ وأنَّهُ يُخاطَبُ بِأنْ يَكُونَ. وأمّا الشَّيْءُ المَعْلُومُ المَذْكُورُ المَكْتُوبُ إذا كانَ تَوْجِيهُ خِطابِ التَّكْوِينِ إلَيْهِ مِثْلَ تَوْجِيهِ الإرادَةِ إلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مُحالًا. بَلْ هو أمْرٌ مُمْكِنٌ. بَلْ مِثْلُ ذَلِكَ يَجِدُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ؛ فَيُقَدِّرُ أمْرًا في نَفْسِهِ يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ وبِوَجْهِ إرادَتِهِ وطَلَبِهِ إلى ذَلِكَ المُرادِ المَطْلُوبِ، الَّذِي قَدَّرَهُ في نَفْسِهِ، ويَكُونُ حُصُولُ المُرادِ المَطْلُوبِ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ. فَإنْ كانَ قادِرًا عَلى حُصُولِهِ حَصَلَ مَعَ الإرادَةِ والطَّلَبِ الجازِمِ. وإنْ كانَ عاجِزًا، لَمْ يَحْصُلْ. وقَدْ يَقُولُ الإنْسانُ: لِيَكُنْ كَذا ونَحْوَ ذَلِكَ مِن صِيَغِ الطَّلَبِ. فَيَكُونُ المَطْلُوبُ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَإنَّ أمْرَهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. انْتَهى.

البقرة 2:118

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٨ ] ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهم قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ "وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ وهو الأظْهَرُ. لِأنَّ ما تَقَدَّمَ، كُلُّهُ في حِوارِهِمْ ورَدِّ أضالِيلِهِمْ، ونَفى عَنْهُمُ العِلْمَ لِأنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ: ﴿لَوْلا (p-٢٤٠)يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ هَلّا يُكَلِّمُنا كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَ مُوسى ؟ اسْتِكْبارًا مِنهم وعُتُوًّا "أوْ تَأْتِينا آيَةٌ" جُحُودًا لِأنْ يَكُونَ ما أتاهم مِن آياتِ اللَّهِ، آياتٌ، واسْتِهانَةً بِها: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أيْ: هَذا الباطِلُ الشَّنِيعُ فَقالُوا: أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً. وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ كَما تُعُنِّتَ عَلَيْهِ تُعُنِّتَ عَلى مَن قَبْلَهُ "تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ" أيْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ ومَن قَبْلَهم في العَمى والعِنادِ والتَّحَكُّمِ عَلى الأنْبِياءِ ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ بِالحَقِّ. لا تَعْتَرِيهِمْ شُبْهَةٌ ولا رِيبَةٌ. وهَذا رَدٌّ لِطَلَبِهِمُ الآيَةَ وفي تَعْرِيفِ الآياتِ وجَمْعِها وإيرادِ التَّبْيِينِ المُفْصِحِ عَنْ كَمالِ التَّوْضِيحِ، مَكانَ الإتْيانِ الَّذِي طَلَبُوهُ، ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ. والمَعْنى أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا آيَةً فَذَّةً، ونَحْنُ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ العِظامَ لِقَوْمٍ يَطْلُبُونَ الحَقَّ واليَقِينَ. وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ "لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ" إيذانًا بِأنَّهُ مِن ظُهُورِ البُطْلانِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ لَهُ إلى الرَّدِّ والجَوابِ.

البقرة 2:119

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٩ ] ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا﴾ بِالثَّوابِ لِلْمُؤْمِنِينَ "ونَذِيرًا" بِالعِقابِ لِلْكافِرِينَ "ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ" ولا نَسْألُكَ عَنْهم: ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ أنْ بَلَّغْتَ وبَلَغْتَ جُهْدَكَ في دَعْوَتِهِمْ ؟ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وفي التَّعْبِيرِ عَنْهم بِصاحِبِيَّةِ الجَحِيمِ، دُونَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ ونَحْوِهِما، وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم، وإيذانٌ بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، لا يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ. والجَحِيمُ، مِن أسْماءِ النّارِ وتُطْلَقُ عَلى النّارِ الشَّدِيدَةِ التَّأجُّجِ، وعَلى كُلِّ نارٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وعَلى كُلِّ نارٍ عَظِيمَةٍ في مِهْواةٍ، وعَلى المَكانِ الشَّدِيدِ الحَرِّ.

البقرة 2:120

(p-٢٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٠ ] ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ أيْ لِأنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يَكُونُوا مَتْبُوعِينَ عَلى الإطْلاقِ. وفِيهِ مُبالَغَةٌ في الإقْناطِ مِن إسْلامِهِمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يُرْضِيهِمْ إلّا ما لا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مِنهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ "قُلْ" لا يَتْبَعُ رَسُولٌ إلّا الهُدى "إنَّ هُدى اللَّهِ" أيِ الَّذِي هو الإسْلامُ "هُوَ الهُدى" أيْ فَلَيْسَ وراءَهُ هُدًى. وما تَدْعُونَ إلَيْهِ لَيْسَ بِهُدًى، بَلْ هو هَوًى. كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ "ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ" أيْ آراءَهُمُ الزّائِغَةَ الصّادِرَةَ عَنْهم بِقَضِيَّةِ شَهَواتِ أنْفُسِهِمْ "بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ" بِأنَّ دِينَ اللَّهِ هو الإسْلامُ، أوْ مِنَ الدِّينِ المَعْلُومِ صِحَّتُهُ بِالبَراهِينِ الواضِحَةِ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يَلِي أمْرَكَ "ولا نَصِيرٍ" يَدْفَعُ عَنْكَ عِقابَهُ. وإنَّما أُوثِرَ خِطابُهُ ﷺ لِيَدْخُلَ دُخُولًا أوَّلِيًّا مَنِ اتَّبَعَ أهْواءَهم بَعْدَ الإسْلامِ مِنَ المُنافِقِينَ تَمَسُّكًا بِوِلايَتِهِمْ، طَمَعًا في نُصْرَتِهِمْ. قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اتِّباعَ الهَوى لا يَكُونُ إلّا باطِلًا. فَمِن هَذا الوَجْهِ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ. انْتَهى. وفِي فَتْحِ البَيانِ ما نَصُّهُ: وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي تَرْجُفُ لَهُ القُلُوبُ وتَنْصَدِعُ مِنهُ الأفْئِدَةُ، ما يُوجِبُ عَلى أهْلِ العِلْمِ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والقائِمِينَ بِبَيانِ شَرائِعِهِ تَرْكَ الدِّهانِ لِتارِكِي العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، المُؤْثِرِينَ لِمَحْضِ الرَّأْيِ عَلَيْهِما. انْتَهى.

البقرة 2:121

(p-٢٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢١ ] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ لِما ذَكَرَ تَعالى، فِيما تَقَدَّمَ، عَدَمَ رِضاءِ اليَهُودِ والنَّصارى إلّا بِاتِّباعِ مِلَّتِهِمْ، لِدَعْواهم أنَّهم عَلى حَقٍّ، وأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِما لَدَيْهِمْ - فَنَّدَ تَعالى دَعْواهُمُ الإيمانَ بِهِ بِأنَّ مَن أُوتِيَ الكِتابَ فَتَلاهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ فَذاكَ المُؤْمِنُ بِهِ. والمَذْكُورُونَ مِمَّنْ لَمْ يَتْلُهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، لِما عَدَّدَ مِن مَساوِئِ اليَهُودِ أوَّلًا، وشَفَعَهُ بِدَعْوى النَّصارى اتِّخاذَ الوَلَدِ. ومَن كانَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ فَأنّى لَهُ الإيمانُ ؟ وهَلْ هو مِمَّنْ يَتْلُو الكِتابَ حَقَّ تِلاوَتِهِ؟ وكِتابُهُ يَأْمُرُ بِتَوْحِيدِ رَبِّهِ والمَشْيِ مَعَ شَرِيعَتِهِ وتَصْدِيقِ كُلِّ نَبِيٍّ يُصَدِّقُ ما مَعَهم، وقَدْ كَفَرُوا بِكُلِّ ذَلِكَ. فَجُمْلَةُ "يَتْلُونَهُ" حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن "هُمْ" أوْ مِنَ "الكِتابِ" . وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ سِيقَتْ مَدْحًا لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِالقُرْآنِ. فالضَّمِيرُ في "يَتْلُونَهُ" لِلْقُرْآنِ. فَتَكُونُ كَآيَةِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] وكَآيَةِ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ومِن تِلاوَتِهِ حَقَّ تِلاوَتِهِ الإيمانُ بِأنَّهُ حَقٌّ مِن رَبِّهِمْ، وصَبْرُهم ودَرْؤُهم بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، وإنْفاقُهم وسُجُودُهم لَهُ تَعالى فالآيَتانِ مُفَسِّرَتانِ لِتِلاوَتِهِمْ حَقَّ تِلاوَتِهِ. (p-٢٤٣)وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! إنَّ حَقَّ تِلاوَتِهِ أنْ يُحِلَّ حَلالَهُ ويُحَرِّمَ حَرامَهُ، ويَقْرَأهُ كَما أنْزَلَ اللَّهُ، ولا يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ولا يَتَأوَّلُ مِنهُ شَيْئًا عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ. ومِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَوْلُهُ تَعالى "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِإيتاءِ الكِتابِ وتِلاوَتِهِ كَما هو حَقُّهُ "يُؤْمِنُونَ بِهِ" مَحَطُّ الفائِدَةِ ما يَلْزَمُ الإيمانُ بِهِ مِنَ الرِّبْحِ. بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ حَيْثُ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى.

البقرة 2:122

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٢ ] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [١٢٣ ] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا﴾ [البقرة: ١٢٣] أيْ خافُوا "يَوْمًا لا تَجْزِي" أيْ لا تُغْنِي "نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ" فِيهِ "شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ" أيْ فِداءٌ "ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ" أيْ يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ مَرَّ نَظِيرُ الآيَتَيْنِ في صَدْرِ السُّورَةِ. قالَ القاضِي: ولَمّا صَدَّرَ قِصَّتَهم بِالأمْرِ بِذِكْرِ النِّعَمِ، والقِيامِ بِحُقُوقِها، والحَذَرِ عَنْ إضاعَتِها، والخَوْفِ مِنَ السّاعَةِ، وأهْوالِها- كَرَّرَ ذَلِكَ وخَتَمَ بِهِ الكَلامَ مَعَهم، مُبالَغَةً في النُّصْحِ وإيذانًا بِأنَّهُ فَذْلَكَةُ القَضِيَّةِ والمَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ.

البقرة 2:123

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٢ ] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [١٢٣ ] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا﴾ [البقرة: ١٢٣] أيْ خافُوا "يَوْمًا لا تَجْزِي" أيْ لا تُغْنِي "نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ" فِيهِ "شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ" أيْ فِداءٌ "ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ" أيْ يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ مَرَّ نَظِيرُ الآيَتَيْنِ في صَدْرِ السُّورَةِ. قالَ القاضِي: ولَمّا صَدَّرَ قِصَّتَهم بِالأمْرِ بِذِكْرِ النِّعَمِ، والقِيامِ بِحُقُوقِها، والحَذَرِ عَنْ إضاعَتِها، والخَوْفِ مِنَ السّاعَةِ، وأهْوالِها- كَرَّرَ ذَلِكَ وخَتَمَ بِهِ الكَلامَ مَعَهم، مُبالَغَةً في النُّصْحِ وإيذانًا بِأنَّهُ فَذْلَكَةُ القَضِيَّةِ والمَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ.

البقرة 2:124

(p-٢٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٤ ] ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ "وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ" لِما عابَ سُبْحانَهُ أهْلَ الضَّلالِ، وكانَ جُلُّهم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَمِيعُ طَوائِفِ المِلَلِ تُعَظِّمُهُ ومِنهُمُ العَرَبُ، وبَيْتُهُ الَّذِي بَناهُ أكْبَرُ مَفاخِرِهِمْ وأعْظَمُ مَآثِرِهِمْ- ذَكَّرَ الجَمِيعَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ تَذْكِيرًا يُؤَدِّي إلى ثُبُوتِ هَذا الدِّينِ بِاطِّلاعِ هَذا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، الَّذِي لَمْ يُخالِطْ عالِمًا قَطُّ، عَلى ما لا يَعْلَمُهُ إلّا خَواصُّ العُلَماءِ. وذَكَرَ البَيْتَ الَّذِي بَناهُ فَجَعَلَهُ عِمادَ صَلاحِهِمْ، وأمَرَ بِأنْ يَتَّخِذَ بَعْضُ ما هُناكَ مُصَلًّى، تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِعَلِيِّ قَدْرِهِ، وفي التَّذْكِيرِ بِوَفائِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الَّذِينَ وفَوْا بِحَقِّ التِّلاوَةِ، وبَعْدَ دَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ عامَّةً إلى الوَفاءِ بِالشُّكْرِ- حَثٌّ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وكَذا في ذِكْرِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، هَزٌّ لِجَمِيعِ مَن يُعَظِّمُهُ إلى اتِّباعِهِ في ذَلِكَ. ذَكَرَهُ البِقاعِيُّ. و"إذْ" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ. أيْ واذْكُرْ لَهم وقْتَ ابْتِلائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِيَتَذَكَّرُوا بِما وقَعَ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ، الوازِعَةِ عَنِ الشِّرْكِ، فَيَقْبَلُوا الحَقَّ ويَتْرُكُوا ما هم فِيهِ مِنَ الباطِلِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى "اذْكُرُوا" خُوطِبَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ لِيَتَأمَّلُوا فِيما يُحْكى، عَمَّنْ يَنْتَمُونَ إلى مِلَّتِهِ عَنْ إبْراهِيمَ وبَنِيهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ، فَيَقْتَدُوا بِهِمْ ويَسِيرُوا سِيرَتَهم. أيْ واذْكُرُوا إذِ ابْتَلى أباكم إبْراهِيمَ، فَأتَمَّ ما ابْتَلاهُ بِهِ. فَما لَكم أنْتُمْ لا تَقْتَدُونَ بِهِ فَتَفْعَلُوا عِنْدَ الِابْتِلاءِ فِعْلَهُ، في إيفاءِ العَهْدِ والثَّباتِ عَلى الوَعْدِ، لِأُجازِيَكم عَلى ذَلِكَ جَزاءَ المُحْسِنِينَ؟ والِابْتِلاءُ في الأصْلِ، الِاخْتِبارُ. أيْ تَطَلُّبُ الخِبْرَةِ بِحالِ المُخْتَبِرِ بِتَعْرِيضِهِ لِأمْرٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ، غالِبًا، فَعَلَهُ أوْ تَرَكَهُ. والِاخْتِبارُ مِنّا لِظُهُورِ ما لَمْ نَعْلَمْ. ومِنَ اللَّهِ لِإظْهارِ ما قَدْ عُلِمَ. وعاقِبَهُ الِابْتِلاءِ ظُهُورُ الأمْرِ الخَفِيِّ في الشّاهِدِ والغائِبِ جَمِيعًا، فَلِذا تَجُوزُ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى "بِكَلِماتٍ" أيْ بِشَرائِعَ: أوامِرَ ونَواهٍ. ولِلْمُفَسِّرِينَ أقاوِيلُ فِيها وفي (p-٢٤٥)تَعْدادِها. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ولا يَجُوزُ الجَزْمُ بِشَيْءٍ مِمّا ذَكَرُوهُ مِنها أنَّهُ المُرادُ عَلى التَّعْيِينِ، إلّا بِحَدِيثٍ أوْ إجْماعٍ. قالَ: ولَمْ يَصِحَّ في ذَلِكَ خَبَرٌ بِنَقْلِ الواحِدِ ولا بِنَقْلِ الجَماعَةِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ. انْتَهى. وعِنْدِي أنَّ الأقْرَبَ في مَعْنى الكَلِماتِ هو ابْتِلاؤُهُ بِالإسْلامِ، فَأسْلَمَ لِرَبِّ العالَمِينَ وابْتِلاؤُهُ بِالهِجْرَةِ، فَخَرَجَ مِن بِلادِهِ وقَوْمِهِ حَتّى لَحِقَ بِالشّامِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ. وابْتِلاؤُهُ بِالنّارِ فَصَبَرَ عَلَيْها، ثُمَّ ابْتِلاؤُهُ بِالخِتانِ فَصَبَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ابْتِلاؤُهُ بِذَبْحِ ابْنِهِ فَسَلَّمَ واحْتَسَبَ. كَما يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن تَتَبُّعِ سِيرَتِهِ في التَّنْزِيلِ العَزِيزِ، وسِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ. فَفِيهِما بَيانُ ما ذَكَرْناهُ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. مِن قِيامِهِ بِتِلْكَ الكَلِماتِ حَقَّ القِيامِ، وتَوْفِيَتُهُنَّ أحْسَنَ الوَفاءِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى "فَأتَمَّهُنَّ" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] والإتْمامُ التَّوْفِيَةُ. "قالَ" جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٍ وقَعَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما جُوزِيَ عَلى شُكْرِهِ ؟ قِيلَ: قالَ لَهُ رَبُّهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ أيْ قُدْوَةً لِمَن بَعْدَكَ. والإمامُ اسْمٌ لِمَن يُؤْتَمُّ بِهِ، ولَمْ يُبْعَثْ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إلّا كانَ مَأْمُورًا بِاتِّباعِ مِلَّتِهِ، وكانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] "قالَ" أيْ إبْراهِيمُ "ومِن ذُرِّيَّتِي" أيْ واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي أئِمَّةً "قالَ لا يَنالُ" أيْ قَدْ أجَبْتُكَ وعاهَدْتُكَ بِأنْ أُحْسِنَ إلى ذُرِّيَّتِكَ. لَكِنْ لا يَنالُ "عَهْدِي" أيِ الَّذِي عَهِدْتُهُ إلَيْكَ بِالإمامَةِ "الظّالِمِينَ" أيْ مِنهم. لِأنَّهم نَفَوْا أنْفُسَهم عَنْكَ في أُبُوَّةِ الدِّينِ. فَفي قَوْلِهِ "لا يَنالُ" .. إلَخْ إجابَةٌ خَفِيَّةٌ لِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وعِدَةٌ إجْمالِيَّةٌ مِنهُ تَعالى بِتَشْرِيفِ بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ بِنَيْلِ عَهْدِ الإمامَةِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] وفي ذَلِكَ أتَمُّ تَرْغِيبٍ في التَّخَلُّقِ بِوَفائِهِ، (p-٢٤٦)لا سِيَّما لِلَّذِينِ دَعَوْا قَبْلَها إلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ، وإشارَةٌ إلى أنَّهم إنْ شَكَرُوا أبْقى رِفْعَتَهم كَما أدامَ رِفْعَتَهُ، وإنْ ظَلَمُوا لَمْ تَنَلْهم دَعْوَتُهُ، فَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وما مَعَها، ولا يُجْزى أحَدٌ عَنْهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ. وقُرِئَ "الظّالِمُونَ" عَلى أنَّ "عَهْدِي" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ اهْتِمامًا ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ. وقَدِ اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الظّالِمَ لَيْسَ بِأهْلٍ لِلْإمامَةِ. والكَشّافُ أوْسَعَ المَقالَ، في ذَلِكَ، هُنا، وأبْدَعَ في إيرادِ الشَّواهِدِ. كَما أنَّ الشِّيعَةَ اسْتَدَلَّتْ بِها عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في وُجُوبِ العِصْمَةِ في الأئِمَّةِ، ظاهِرًا وباطِنًا. عَلى ما نَقَلَهُ الرّازِيُّ عَنْهم وحاوَرَهم. أقُولُ: إنَّ اسْتِدْلالَ الفِرْقَتَيْنِ عَلى مَدْعاهُما وُقُوفٌ مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ. إلّا أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ بِمَعْزِلٍ عَنْ إرادَةِ خِلافَةِ السَّلْطَنَةِ والمُلْكِ. المُرادُ بِالعَهْدِ، تِلْكَ الإمامَةُ المَسْؤُولُ عَنْها، وهَلْ كانَتْ إلّا الإمامَةَ في الدِّينِ وهي النُّبُوَّةُ الَّتِي حُرِمَها الظّالِمُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] ولَوْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى ما ادَّعَوْا لَخالَفَهُ الواقِعُ. . . فَقَدْ نالَ الإمامَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ كَثِيرٌ مِنَ الظّالِمِينَ. فَظَهَرَ أنَّ المُرادَ مِنَ العَهْدِ إنَّما هو الإمامَةُ في الدِّينِ خاصَّةً. والِاحْتِجاجُ بِها عَلى عَدَمِ صَلاحِيَةِ الظّالِمِ لِلْوِلايَةِ تَمَحُّلٌ. لِأنَّهُ اعْتِبارٌ لِعُمُومِ اللَّفْظِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى السَّبَبِ ولا إلى السِّياقِ؛ أوْ ذَهابٌ إلى أنَّ الخَبَرَ في مَعْنى الأمْرِ بِعَدَمِ تَوْلِيَةِ الظّالِمِ. كَما قالَهُ بَعْضُهم. وهو أشَدُّ تَمَحُّلًا. ومَعْلُومٌ أنَّ الإمامَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ العَدْلِ والعَمَلِ بِالشَّرْعِ، كَما ورَدَ. ومَتى زاغَ عَنْ ذَلِكَ كانَ ظالِمًا، والبَحْثُ في ذَلِكَ لَهُ غَيْرُ هَذا المَقامِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

البقرة 2:125

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٥ ] ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ "وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ" أيِ الَّذِي بَناهُ إبْراهِيمُ بِأُمِّ القُرى. وهو اسْمٌ غالِبٌ لِلْكَعْبَةِ. كالنَّجْمِ (p-٢٤٧)لِلثُّرَيّا "مَثابَةً لِلنّاسِ" مَباءَةً ومَرْجِعًا لِلْحُجّاجِ والعُمّارِ، يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ ثُمَّ يَتُوبُونَ إلَيْهِ. ومَثابَةٌ مَفْعَلَةٌ مِنَ (الثَّوْبِ) وهو الرُّجُوعُ تَرامِيًا إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ. وسِرُّ هَذا التَّفْضِيلِ ظاهِرٌ في انْجِذابِ الأفْئِدَةِ وهَوى القُلُوبِ وانْعِطافِها ومَحَبَّتِها لَهُ. فَجَذْبُهُ لِلْقُلُوبِ أعْظَمُ مِن جَذْبِ المِغْناطِيسِ لِلْحَدِيدِ فَهو الأوْلى بِقَوْلِ القائِلِ: ؎مَحاسِنُهُ هُيُولى كُلِّ حُسْنٍ ومِغْناطِيسُ أفْئِدَةِ الرِّجالِ فَهم يَثُوبُونَ إلَيْهِ عَلى تَعاقُبِ الأعْوامِ مِن جَمِيعِ الأقْطارِ. ولا يَقْضُونَ مِنهُ وطَرًا. بَلْ كُلَّما ازْدادُوا لَهُ زِيارَةً، ازْدادُوا لَهُ اشْتِياقًا. ؎لاْ يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْها حِينَ يُبْصِرُها ∗∗∗ حَتّىْ يَعُودَ إلَيْها الطَّرْفُ مُشْتاقًا فَلِلَّهِ كَمْ لَها مِن قَتِيلٍ وسَلِيبٍ وجَرِيحٍ ! وكَمْ أنْفَقَ في حُبِّها مِنَ الأمْوالِ والأرْواحِ ! ورَضِيَ المُحِبُّ بِمُفارَقَةِ فَلِذِ الأكْبادِ والأهْلِ والأحْبابِ والأوْطانِ، مُقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ أنْواعَ المَخاوِفِ والمَتالِفِ والمَعاطِبِ والمَشاقِّ، وهو يَسْتَلِذُّ ذَلِكَ كُلَّهُ ويَسْتَطِيبُهُ ! ذَكَرَ هَذِهِ الشَّذْرَةَ (الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في أوائِلِ زادِ المَعادِ). "وأمْنًا" مَوْضِعَ أمْنٍ. كَقَوْلِهِ: ﴿حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وكَقَوْلِهِ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ وهم آمِنُونَ لا يُسْبَوْنَ. وكانَ الرَّجُلُ يَلْقى قاتِلَ أبِيهِ أوْ أخِيهِ فَلا يَعْرِضُ لَهُ. وفي هَذا بَيانُ شَرَفِ البَيْتِ مِن كَوْنِهِ مَحَلًّا تَشْتاقُ إلَيْهِ الأرْواحُ ولا تَقْضِي مِنهُ وطَرًا، ولَوْ تَرَدَّدَتْ إلَيْهِ كُلَّ (p-٢٤٨)عامٍ، اسْتِجابَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِدُعاءِ خَلِيلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] إلى أنْ قالَ: ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] ومِن كَوْنِهِ مَأْمَنًا لِمَن دَخَلَهُ. كَما بَيَّنّا. وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ هَذا بَلَدٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ. وهو حَرامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتالُ فِيهِ لِأحَدٍ قَبْلِي، ولَمْ يَحِلَّ لِي إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ»» . الحَدِيثَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الخاءِ، أمْرًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ الخَبَرِيَّتَيْنِ. أوْ بِتَقْدِيرِ: وقُلْنا اتَّخِذُوا. وقُرِئَ بِفَتْحِ الخاءِ ماضِيًا مَعْطُوفًا عَلى جَعَلْنا. أيْ: واتَّخَذُوهُ مُصَلًّى، ومَقامُ إبْراهِيمَ هو الحَرَمُ كُلُّهُ. عَنْ مُجاهِدٍ. وعَنْهُ: هو جَمْعٌ ومُزْدَلِفَةُ ومِنًى ومَكَّةُ. ويُقالُ: هو مَقامُهُ الَّذِي هو في المَسْجِدِ الحَرامِ. فَقَدْ قالَ قَتادَةُ: إنَّما أُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا عِنْدَهُ ولَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ. ولَقَدْ تَكَلَّفَتِ الأُمَمُ شَيْئًا مِمّا تَكَلَّفَتْهُ الأُمَمُ قَبْلَها. (p-٢٤٩)قالَ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ: والأوْلى أنَّهُ الحَرَمُ كُلُّهُ. فَما مِن مَوْضِعٍ ذَكَرُوهُ إلّا هو مُصَلًّى، أوْ مُدَّعًى أوْ مَوْضِعُ صَلاةٍ. أقُولُ: كانَ الأصْلُ في الآيَةِ: وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا ومُصَلًّى. إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى هَذا الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ دُونَ ذاكَ، ودُونَ أنْ يُقالَ مَثَلًا: واتَّخَذُوا مِنهُ مُصَلًّى - لِوُجُوهٍ: (أحَدُها) التَّنْوِيهُ بِأمْرِ الصَّلاةِ فِيهِ والتَّعْظِيمِ لِشَأْنِها حَيْثُ أُفْرِدَ، لِلْعِنايَةِ بِها، جُمْلَةٌ عَلى حِدَةٍ. (وثانِيها) التَّذْكِيرُ بِأنَّهُ مَقامُ الأبِ الأكْبَرِ لِلْأنْبِياءِ كافَّةً. وما كانَ مَقامَهُ فَجَدِيرٌ أنْ يُحْتَرَمَ ويُعَظَّمَ. (وثالِثُها) التَّنْصِيصُ عَلى أنَّ هَذا الِاتِّخاذَ بِأمْرٍ رَبّانِيٍّ لا بِتَشْرِيعِ بَشَرٍ، تَمْهِيدًا لِلْأمْرِ بِاسْتِقْبالِهِ، وإلْزامًا لِمَن جادَلَ فِيهِ، وهُمُ اليَهُودُ. وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومَقامُ إبْراهِيمَ هو الحَجَرُ الَّذِي يُصَلِّي عِنْدَهُ الأئِمَّةُ. وذَلِكَ الحَجَرُ هو الَّذِي قامَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ بِناءِ البَيْتِ، لَمّا ارْتَفَعَ الجِدارُ أتاهُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ لِيَقُومَ فَوْقَهُ ويُناوِلَهُ الحِجارَةَ فَيَضَعُها بِيَدِهِ لِرَفْعِ الجِدارِ، وكُلَّما كَمَّلَ ناحِيَةً انْتَقَلَ إلى النّاحِيَةِ الأُخْرى، يَطُوفُ حَوْلَ الكَعْبَةِ وهو واقِفٌ عَلَيْهِ، كُلَّما فَرَغَ مِن جِدارٍ نَقَلَهُ إلى النّاحِيَةِ الَّتِي تَلِيها. وهَكَذا حَتّى تَمَّ جُدْرانُ الكَعْبَةِ، كَما جاءَ بَيانُهُ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ في بِناءِ البَيْتِ مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ البُخارِيِّ. (p-٢٥٠)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ كانَ هَذا المَقامُ مُلْصَقًا بِجِدارِ الكَعْبَةِ قَدِيمًا. ومَكانُهُ مَعْرُوفٌ اليَوْمَ إلى جانِبِ البابِ مِمّا يَلِي الحَجَرَ يُمْنَةَ الدّاخِلِ مِنَ البابِ في البُقْعَةِ المُسْتَقِلَّةِ هُناكَ، وكَأنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا فَرَغَ مِن بِناءِ البَيْتِ، وضَعَهُ إلى جِدارِ الكَعْبَةِ، أوْ أنَّهُ انْتَهى عِنْدَهُ البِناءُ، فَتَرَكَهُ هُناكَ. ولِهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - أُمِرَ بِالصَّلاةِ هُناكَ عِنْدَ الفَراغِ مِنَ الطَّوافِ. وناسَبَ أنْ يَكُونَ عِنْدَ مَقامِ إبْراهِيمَ حَيْثُ انْتَهى بِناءُ الكَعْبَةِ فِيهِ. كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ لَمّا قَدِمَ مَكَّةَ طافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وجَعَلَ المَقامَ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإنَّما أخَّرَهُ عَنْ جِدارِ الكَعْبَةِ إلى مَوْضِعِهِ الآنَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ. وقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ بِسَنَدِهِ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: إنَّ المَقامَ كانَ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وزَمانِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُلْتَصِقًا بِالبَيْتِ، ثُمَّ أخَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وهو إمامُ المَكِّيِّينَ في زَمانِهِ: كانَ المَقامُ مِن سُقِعَ البَيْتِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحَوَّلَهُ عُمَرُ إلى مَكانِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ: ذَهَبَ السَّيْلُ بِهِ بَعْدَ تَحْوِيلِ عُمَرَ إيّاهُ مِن مَوْضِعِهِ هَذا فَرَدَّهُ عُمَرُ إلَيْهِ. وقالَ سُفْيانُ: لا أدْرِي كَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَعْبَةِ قَبْلَ تَحْوِيلِهِ: وقالَ أيْضًا: لا أدْرِي أكانَ لاصِقًا بِها أمْ لا. وأثَرُ عائِشَةَ المُتَقَدِّمُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ لاصِقًا بِها. واللَّهُ أعْلَمُ. وقالَ الحافِظُ الشَّيْخُ عُمَرُ بْنُ الحافِظِ التَّقِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ فَهْدٍ المَكِّيُّ الهاشِمِيُّ، في كِتابِ (إتْحافُ الوَرى بِأخْبارِ أُمِّ القُرى) في حَوادِثِ سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ: فِيها جاءَ سَيْلٌ عَظِيمٌ يُعْرَفُ بِسَيْلِ أُمِّ نَهْشَلَ مِن أعْلى مَكَّةَ مِن طَرِيقِ الرَّدْمِ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ الحَرامُ واقْتَلَعَ مَقامَ (p-٢٥١)إبْراهِيمَ مِن مَوْضِعِهِ، وذَهَبَ بِهِ حَتّى وُجِدَ بِأسْفَلِ مَكَّةَ، وعُيِّنَ مَكانُهُ الَّذِي كانَ فِيهِ لَمّا عَفاهُ السَّيْلُ، فَأُتِيَ بِهِ ورُبِطَ بِلَصْقِ الكَعْبَةِ في وجْهِها. وذَهَبَ السَّيْلُ بِأُمِّ نَهْشَلٍ بِنْتِ عُبَيْدَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ العاصِ بْنِ أُمَيَّةَ. فَماتَتْ فِيهِ واسْتُخْرِجَتْ بِأسْفَلِ مَكَّةَ، وكانَ سَيْلًا هائِلًا. فَكُتِبَ بِذَلِكَ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، فَهالَهُ ذَلِكَ. ورَكِبَ فَزِعًا إلى مَكَّةَ. فَدَخَلَها بِعُمْرَةٍ في شَهْرِ رَمَضانَ. فَلَمّا وصَلَ إلى مَكَّةَ وقَفَ عَلى حَجَرِ المَقامِ وهو مُلْصَقٌ بِالبَيْتِ الشَّرِيفِ. ثُمَّ قالَ: أنْشُدُ اللَّهَ عَبْدًا عِنْدَهُ عِلْمٌ في هَذا المَقامِ ! . فَقالَ المُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ السَّهْمِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عِنْدِي عِلْمُ ذَلِكَ، فَقَدْ كُنْتُ أخْشى عَلَيْهِ مِثْلَ هَذا الأمْرِ، فَأخَذْتُ قَدْرَهُ مِن مَوْضِعِهِ إلى بابِ الحُجَرِ. ومِن مَوْضِعِهِ إلى زَمْزَمَ بِمِقاطٍ. وهي عِنْدِي في البَيْتِ. فَقالَ لَهُ عُمَرُ: اجْلِسْ عِنْدِي وأرْسِلْ إلَيْها مَن يَأْتِي بِها. فَجَلَسَ عِنْدَهُ وأرْسَلَ إلَيْها فَأُتِيَ بِها. فَقِيسَ، ووُضِعَ حَجَرُ المَقامِ في هَذا المَحَلِّ الَّذِي هو فِيهِ الآنَ. وأُحْكِمَ ذَلِكَ واسْتَمَرَّ إلى الآنِ. انْتَهى: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ أيْ أمَرْناهُما. وتَعْدِيَتُهُ بِـ "إلى" لِأنَّهُ في مَعْنى: تَقَدَّمْنا وأوْحَيْنا "أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ" أيْ عَنْ كُلِّ رِجْسٍ حِسِّيٍّ ومَعْنَوِيٍّ: فَلا يُفْعَلُ بِحَضْرَتِهِ شَيْءٌ لا يَلِيقُ في الشَّرْعِ، أوِ ابْنِياهُ عَلى طُهْرٍ مِنَ الشِّرْكِ بِي. كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] أوْ أخْلِصاهُ لِلطّائِفِينَ وما بَعْدَهُ، لِئَلّا يَغْشاهُ غَيْرُهم. فاللّامُ صِلَةُ "طَهِّرا" عَلى هَذا. وعَلى ما قَبْلَهُ، لامُ العِلَّةِ. أيْ طَهِّراهُ لِأجْلِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى "لِلطّائِفِينَ" أيْ حَوْلَهُ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَعْنِي مَن أتاهُ مِن غُرْبَةٍ "والعاكِفِينَ" يَعْنِي أهْلَهُ المُقِيمِينَ فِيهِ أوِ المُعْتَكِفِينَ. كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدِهِ إلى ثابِتٍ قالَ: قُلْنا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: ما أُرانِي إلّا مُكَلِّمُ الأمِيرِ: أنِ امْنَعِ الَّذِينَ يَنامُونَ في المَسْجِدِ الحَرامِ. فَإنَّهم يُجْنِبُونَ ويُحْدِثُونَ. قالَ: لا تَفْعَلْ فَإنَّ ابْنَ عُمَرَ سُئِلَ (p-٢٥٢)عَنْهم فَقالَ: هُمُ العاكِفُونَ. ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يَنامُ في مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ وهو عَزَبٌ. وفِي الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالعاكِفِينَ الواقِفِينَ. يَعْنِي القائِمِينَ في الصَّلاةِ. كَما قالَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ "والرُّكَّعِ السُّجُودِ" جَمْعُ راكِعٍ وساجِدٍ والمَعْنى لِلطّائِفِينَ والمُصَلِّينَ. لِأنَّ القِيامَ والرُّكُوعَ والسُّجُودَ هَيْآتُ المُصَلِّي. ولِتَقارُبِ الأخِيرَيْنِ ذاتًا وزَمانًا تُرِكَ العاطِفُ بَيْنَ مَوْصُوفَيْهِما. وجَمَعَ صِفَتَيْنِ جَمْعَ سَلامَةٍ، وأُخْرَيَيْنِ جَمْعَ تَكْسِيرٍ لِأجْلِ المُقابَلَةِ. وهو نَوْعٌ مِنَ الفَصاحَةِ. وأخَّرَ صِيغَةَ (فُعُولٍ) عَلى (فُعَّلٍ)؛ لِأنَّها فاصِلَةٌ. والمُرادُ مِنَ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ عِنْدَ بَيْتِهِ المُؤَسَّسِ عَلى عِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَصُدُّونَ أهْلَهُ المُؤْمِنِينَ عَنْهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فَفي ذَلِكَ تَبْكِيتٌ لَهم وتَنْبِيهٌ عَلى تَوْبِيخِهِمْ بِتَرْكِ دِينِهِ.

البقرة 2:126

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٦ ] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ "وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا" أيِ المَوْضِعَ الَّذِي جَعَلْتَ فِيهِ بَيْتَكَ وأمَرْتَنِي (p-٢٥٣)بِأنْ أسْكَنْتُهُ مِن ذُرِّيَّتِي "بَلَدًا" أيْ يَأْنَسُ مَن يَحِلُّ بِهِ "آمِنًا" أيْ مِنَ الخَوْفِ. أيْ لا يُرْعَبُ أهْلُهُ. وقَدْ أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وصَحَّتْ أحادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ بِتَحْرِيمِ القِتالِ فِيهِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««لا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاحَ»» فَهو آمِنٌ مِنَ الآفاتِ، لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللَّهُ. كَما فَعَلَ بِأصْحابِ الفِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] بِتَعْرِيفِ البَلَدِ مَعَ جَعْلِهِ صِفَةً لِهَذا، خِلافَ ما هُنا، إمّا أنْ يُحْمَلَ عَلى تَعَدُّدِ السُّؤالِ بِأنْ تَكُونَ الدَّعْوَةُ الأُولى المَذْكُورَةُ هُنا، وقَعَتْ ولَمْ يَكُنِ المَكانُ قَدْ جُعِلَ بَلَدًا. كَأنَّهُ قالَ: اجْعَلْ هَذا الوادِيَ بَلَدًا آمِنًا. لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] فَقالَ، هَهُنا، اجْعَلْ هَذا الوادِيَ بَلَدًا آمِنًا. والدَّعْوَةُ الثّانِيَةُ وقَعَتْ وقَدْ جُعِلَ بَلَدًا. فَكَأنَّهُ قالَ: اجْعَلْ هَذا (p-٢٥٤)المَكانَ الَّذِي صَيَّرْتَهُ بَلَدًا ذا أمْنٍ وسَلامَةٍ. وإمّا أنْ يُحْمَلَ عَلى وحْدَةِ السُّؤالِ وتَكَرُّرِ الحِكايَةِ كَما هو المُتَبادِرُ. فالظّاهِرُ أنَّ المَسْؤُولَ كِلا الأمْرَيْنِ. وقَدْ حَكى ذَلِكَ هُنا. واقْتَصَرَ هُناكَ عَلى حِكايَةِ سُؤالِ الأمْنِ، اكْتِفاءً عَنْ حِكايَةِ سُؤالِ البَلَدِيَّةِ بِحِكايَةِ سُؤالِ اجْعَلْ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِ، هَذا خُلاصَةُ ما حَقَّقُوهُ. وعِنْدِي أنَّ السُّؤالَ والمَسْؤُولَ واحِدٌ. إلّا أنَّهُ تَفَنَّنَ في المَوْضِعَيْنِ. فَحَذَفَ مِن كُلٍّ ما أثْبَتَهُ في الآخَرِ احْتِباكًا. والأصْلُ: رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ بَلَدًا آمِنًا. وبِهِ تَتَطابَقُ الدَّعْوَتانِ عَلى أبْدَعِ وجْهٍ وأخْلَصِهِ مِنَ التَّكَلُّفِ. عَلى ما فِيهِ مِن إفادَةِ المُبالَغَةِ. أيْ بَلَدًا كامِلًا في الأمْنِ: كَأنَّهُ قِيلَ: اجْعَلْهُ بَلَدًا مَعْلُومَ الِاتِّصافِ بِالأمْنِ مَشْهُورًا بِهِ كَقَوْلِكَ: كانَ هَذا اليَوْمُ يَوْمًا حارًّا. وفي القامُوسِ وشَرَحَهُ التّاجُ: البَلَدُ والبَلْدَةُ عَلَمٌ عَلى مَكَّةَ، شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى، تَفْخِيمًا لَها. كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا. وكُلُّ قِطْعَةٍ مِنَ الأرْضِ مُسْتَحِيزَةٌ عامِرَةٌ أوْ غامِرَةٌ خالِيَةٌ أوْ مَسْكُونَةٌ. وفي النِّهايَةِ: البَلَدُ مِنَ الأرْضِ ما كانَ مَأْوى الحَيَوانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بِناءٌ. ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ إنَّما سَألَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ، لِأنَّ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ بِها زَرْعٌ ولا ثَمَرٌ، فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى لَهُ، فَصارَتْ يُجْبى إلَيْها ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ "مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ" بَدَلٌ مِن "أهْلَهُ"، بَدَلُ البَعْضِ، يَعْنِي: ارْزُقِ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِهِ خاصَّةً. وإنَّما خَصَّهم بِالدُّعاءِ إظْهارًا لِشَرَفِ الإيمانِ، واهْتِمامًا بِشَأْنِ أهْلِهِ، ومُراعاةً لِحُسْنِ الأدَبِ في المَسْألَةِ. حَيْثُ مَيَّزَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ الكافِرِينَ، في بابِ الإمامَةِ، في قَوْلِهِ "لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ" بَعْدَ أنْ سَألَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، جَعْلَها في ذُرِّيَّتِهِ، فَلا جَرَمَ خَصَّصَ المُؤْمِنِينَ بِهَذا الدُّعاءِ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ لِقَوْمِهِ في الإيمانِ، وزَجْرٌ عَنِ الكُفْرِ "قالَ" اللَّهُ تَعالى مُعْلِمًا أنَّ شُمُولَ الرَّحْمانِيَّةِ بِأمْنِ الدُّنْيا ورِزْقِها لِجَمِيعِ عَمَرَةِ الأرْضِ "ومَن كَفَرَ" أيْ أُنِيلُهُ أيْضًا ما ألْهَمْتُكَ مِنَ الدُّعاءِ بِالأمْنِ والرِّزْقِ، فَهو عَطْفٌ عَلى مَفْعُولِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، دَلَّ الكَلامُ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مَن" مُبْتَدَأً مَوْصُولَةً أوْ شَرْطِيَّةً. وقَوْلُهُ "فَأُمَتِّعُهُ" خَبَرُهُ أوْ جَوابُهُ. وعَبَّرَ عَنْ رِزْقِهِ (p-٢٥٥)بِالمُتْعَةِ الَّتِي هي الزّادُ القَلِيلُ والبُلْغَةُ، تَخْسِيسًا لَهُ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ "قَلِيلًا" تَمْتِيعًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا "ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ" أيْ أُلْجِئُهُ إلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] و: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] وقُرِئَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ، بِلَفْظِ الأمْرِ فِيهِما عَلى أنَّهُما مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي "قالَ" ضَمِيرُهُ "وبِئْسَ المَصِيرُ" النّارُ أوْ عَذابُها.

البقرة 2:127

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٧ ] ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ أيِ اذْكُرْ بِناءَهُما البَيْتَ ورَفْعَهُما القَواعِدَ مِنهُ. وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ، والقَواعِدُ: جَمْعُ قاعِدَةٍ، وهي الأساسُ والأصْلُ لِما فَوْقَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: القَواعِدُ: أساطِينُ البِناءِ الَّتِي تَعَمَّدَهُ "رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا" عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: يَقُولانِ، وتَرْكُ مَفْعُولِ "تَقَبَّلْ" لِيَعُمَّ الدُّعاءُ وغَيْرُهُ مِنَ القُرَبِ والطّاعاتِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما هُما بِصَدَدِهِ مِنَ البِناءِ. كَما يُعْرِبُ عَنْهُ جَعْلُ الجُمْلَةِ الدُّعائِيَّةِ حالِيَّةً "إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ" لِدُعائِنا "العَلِيمُ" بِضَمائِرِنا ونِيّاتِنا. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في حَدِيثِ مَجِيءِ إبْراهِيمَ لِتَفَقُّدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، «ثُمَّ قالَ: يا إسْماعِيلُ ! إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَرَنِي بِأمْرٍ، قالَ: فاصْنَعْ ما أمَرَكَ رَبُّكَ، قالَ: وتُعِينُنِي ؟ (p-٢٥٦)قالَ: وأُعِينُكَ. قالَ: فَإنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أبْنِيَ هَهُنا بَيْتًا، وأشارَ إلى أكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلى ما حَوْلَها. قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعا القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إسْماعِيلُ يَأْتِي بِالحِجارَةِ، وإبْراهِيمُ يَبْنِي، حَتّى إذا ارْتَفَعَ البِناءُ، جاءَ بِهَذا الحَجَرِ، فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقامَ عَلَيْهِ وهو يَبْنِي، وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، وهُما يَقُولانِ ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ قالَ فَجَعَلا يَبْنِيانِ حَتّى يَدُورا حَوْلَ البَيْتِ، وهُما يَقُولانِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ» .

البقرة 2:128

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٨ ] ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ "رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ" مُخْلِصَيْنِ لَكَ أوْجُهَنا. مِن قَوْلِهِ: أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ. أوْ مُسْتَسْلِمَيْنِ، يُقالُ: أسْلَمَ لَهُ وسَلَّمَ، واسْتَسْلَمَ، إذا خَضَعَ وأذْعَنَ. والمَعْنى: زِدْنا إخْلاصًا أوْ إذْعانًا لَكَ "ومِن ذُرِّيَّتِنا" واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِنا "أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ" و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلتَّبْيِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٥] وإنَّما خَصّا الذُّرِّيَّةَ بِالدُّعاءِ، لِأنَّهم أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ، ولِأنَّهم إذا صَلَحُوا صَلَحَ بِهِمُ الأتْباعُ "وأرِنا مَناسِكَنا" أيْ عَرِّفْنا مُتَعَبَّداتِنا، جَمْعُ مَنسَكٍ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها، وهو المُتَعَبَّدُ، وشِرْعَةُ العِبادَةِ. يَقَعُ عَلى المَصْدَرِ والزَّمانِ والمَكانِ، مِنَ النُّسُكِ مُثَلَّثَةٌ وبِضَمَّتَيْنِ وهو العِبادَةُ والطّاعَةُ، وكُلُّ ما تُقُرِّبَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ المَناسِكَ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ لِشُيُوعِها في أعْمالِهِ ومَواضِعِهِ. فالإراءَةُ حِينَئِذٍ لِتَعْرِيفِ تِلْكَ الأعْمالِ والبِقاعِ، وقَدْ رُوِيَتْ آثارٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ تَتَضَمَّنُ أنَّ (p-٢٥٧)جِبْرِيلَ أرى إبْراهِيمَ المَناسِكَ وأنَّ الشَّيْطانَ تَعَرَّضَ لَهُ، فَرَماهُ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالُوا: وفي ذَلِكَ ظُهُورٌ لِشَرَفِ عَمَلِ الحَجِّ، حَيْثُ كانَ مُتَلَقًّى عَنِ اللَّهِ بِلا واسِطَةٍ، لِكَوْنِهِ عَلَمًا عَلى آتِي يَوْمِ الدِّينِ، حَيْثُ لا واسِطَةَ هُناكَ بَيْنَ الرَّبِّ والعِبادِ. والَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا مِن حَمْلِ المَناسِكِ عَلى ما يَرْجِعُ إلَيْهِ أصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ العِبادَةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، واللُّزُومِ لِما يُرْضِيهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ عامًّا لِكُلِّ ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أيْ عَلِّمْنا كَيْفَ نَعْبُدُكَ وأيْنَ نَعْبُدُكَ، وبِماذا نَتَقَرَّبُ إلَيْكَ، حَتّى نَخْدِمَكَ كَما يَخْدِمُ العَبْدُ مَوْلاهُ ؟ ﴿وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ هَذا الدُّعاءُ اسْتِتابَةَ لِما فَرَطَ مِنَ التَّقْصِيرِ. فَإنَّ العَبْدَ، وإنِ اجْتَهَدَ في طاعَةِ رَبِّهِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ التَّقْصِيرِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، إمّا عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ، أوْ عَلى سَبِيلِ تَرْكِ الأوْلى، فالدُّعاءُ مِنهُما، عَلَيْهِما السَّلامُ، لِأجْلِ ذَلِكَ.

البقرة 2:129

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٩ ] ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ هَذا إخْبارٌ عَنْ تَمامِ دَعْوَةِ إبْراهِيمَ لِأهْلِ الحَرَمِ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم، أيْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وهُمُ العَرَبُ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ. وقَدْ أجابَ اللَّهُ تَعالى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، فَبَعَثَ في ذُرِّيَّتِهِ رَسُولًا مِنهم، وهو مُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، إلى النّاسِ كافَّةً، وقَدْ أخْبَرَ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ، ومُرادُهُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ؛ وذَلِكَ فِيما خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنِّي، عِنْدَ اللَّهِ، لَخاتَمُ النَّبِيِّينَ، وإنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ، (p-٢٥٨)وسَأُنْبِئُكم بِأوَّلِ ذَلِكَ: أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبِشارَةُ عِيسى بِي، ورُؤْيا أُمِّيَ الَّتِي رَأتْ، وكَذَلِكَ أُمَّهاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ»» . وأخْرَجَ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ أبِي أُمامَةَ، قالَ: «قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ ! ما كانَ أوَّلُ بَدْءِ أمْرِكَ ؟ قالَ: «دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى بِي، ورَأتْ أُمِّي أنَّهُ يَخْرُجُ مِنها نُورٌ أضاءَتْ مِنها قُصُورُ الشّامِ»» . والمُرادُ أنَّ أوَّلَ مَن نَوَّهَ بِذِكْرِهِ وشَهَرَهُ في النّاسِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَزَلْ ذِكْرُهُ في النّاسِ مَشْهُورًا حَتّى أفْصَحَ بِاسْمِهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، حَيْثُ قالَ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: ««دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ»» . وقَوْلُهُ فِيهِ ««ورَأتْ أُمِّي أنَّهُ خَرَجَ مِنها نُورٌ أضاءَتْ مِنها قُصُورُ الشّامِ»» . قِيلَ: كانَ مِنها ما رَأتْهُ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، وقَصَّتْهُ عَلى قَوْمِها، فَشاعَ فِيهِمْ واشْتُهِرَ بَيْنَهم، وكانَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً وإرْهاصًا. وتَخْصِيصُ الشّامِ بِظُهُورِ نُورِهِ إشارَةٌ إلى اسْتِقْرارِ دِينِهِ ونُبُوَّتِهِ بِبِلادِ الشّامِ، ولِهَذا يَكُونُ الشّامُ في آخِرِ الزَّمانِ مَعْقِلًا لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ، وبِها يَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ -إذا نَزَلَ بِدِمَشْقَ- بِالمَنارَةِ الشَّرْقِيَّةِ البَيْضاءِ مِنها. ولِهَذا جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ: ««لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي ظاهِرِينَ عَلى الحَقِّ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم، حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، وهم كَذَلِكَ» وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ «وهم بِالشّامِ»» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ هي إمّا الفُرْقانُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى (p-٢٥٩)النَّبِيِّ ﷺ، المَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ، وإمّا الأعْلامُ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ تَعالى. ومَعْنى تِلاوَتِهِ إيّاها عَلَيْهِمْ أنَّهُ كانَ يُذَكِّرُهم بِها، ويَدْعُوهم إلَيْها، ويَحْمِلُهم عَلى الإيمانِ بِها. وقَوْلُهُ تَعالى "ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ" أيِ الكامِلَ الشّامِلَ لِكُلِّ كِتابٍ وهو القُرْآنُ و"الحِكْمَةَ" هي السُّنَّةُ، فَسَّرَها بِها كَثِيرُونَ. وعَنْ مالِكٍ: هي مَعْرِفَةُ الدِّينِ، والفِقْهِ فِيهِ، والاتِّباعُ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى "ويُزَكِّيهِمْ" أيْ يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ، وسائِرِ الأرْجاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (p-٢٦٠)ولَمّا ذَكَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الدَّعَواتِ، خَتَمَها بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ والعَزِيزُ ذُو العِزَّةِ وهي القُوَّةُ، والشِّدَّةُ، والغَلَبَةُ، والرِّفْعَةُ، و"الحَكِيمُ" بِمَعْنى الحاكِمِ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي يَحْكُمُ الأشْياءَ ويُتْقِنُها، وكِلاهُما مِن أوْصافِهِ تَعالى. قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ ما وجْهُ التَّرْتِيبِ في الآيَةِ ؟ قِيلَ: أمّا الآياتُ فَهي الآياتُ الدّالَّةُ عَلى مُعْجِزِ النَّبِيِّ ﷺ . وذَكَرَ التِّلاوَةَ لِما كانَ أعْظَمَ دَلالَةِ نُبُوَّتِهِ مُتَعَلِّقًا بِالقُرْآنِ. وأمّا التَّرْتِيبُ، فَلِأنَّ أوَّلَ مَنزِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، الإتْيانُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ، ثُمَّ بَعْدَهُ تَعْلِيمُهُمُ الكِتابَ، أيْ تَعْرِيفُهم حَقائِقَهُ لا ألْفاظَهُ فَقَطْ، ثُمَّ بِتَعْلِيمِهِمُ الكِتابَ يُوَصِّلُهم إلى إفادَةِ الحِكْمَةِ، وهي أشْرَفُ مَنزِلَةِ العِلْمِ، ولِهَذا قالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] ثُمَّ بِالتَّدَرُّجِ في الحِكْمَةِ يَصِيرُ الإنْسانُ مُزَكًّى أيْ مُطَهَّرًا مُسْتَصْلِحًا لِمُجاوَرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. انْتَهى.

البقرة 2:130

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٠ ] ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ هَذا إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ في العُقَلاءِ مَن يَرْغَبُ عَنِ الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي هو مِلَّةُ إبْراهِيمَ، وهو ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ (p-٢٦١)ﷺ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمُعانِدِي أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، أيْ لا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ الواضِحَةِ الغَرّاءِ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، أيْ: حَمَلَها عَلى السَّفَهِ وهو الجَهْلُ. قالَ الرّاغِبُ: وسَفِهَ نَفْسَهُ أبْلَغُ مِن جَهِلَها، وذاكَ أنَّ الجَهْلَ ضَرْبانِ: جَهْلٌ بَسِيطٌ، وهو أنْ لا يَكُونَ لِلْإنْسانِ اعْتِقادٌ في الشَّيْءِ. وجَهْلٌ مُرَكَّبٌ وهو أنْ يَعْتَقِدَ في الحَقِّ أنَّهُ باطِلٌ، وفي الباطِلِ أنَّهُ حَقٌّ. والسَّفَهُ أنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ ويَتَحَرّى بِالفِعْلِ مُقْتَضى ما اعْتَقَدَهُ. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن رَغِبَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَإنَّ ذَلِكَ لِسَفَهِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ أعْظَمُ مَذَمَّةً، فَهو مَبْدَأُ كُلِّ نَقِيضَةٍ، وذاكَ أنَّ مَن جَهِلَ نَفْسَهُ، جَهِلَ أنَّهُ مَصْنُوعٌ، وإذا جَهِلَ كَوْنَهُ مَصْنُوعًا جَهِلَ صانِعَهُ، وإذا لَمْ يُعْلَمْ أنَّ لَهُ صانِعًا، فَكَيْفَ يَعْرِفُ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، وما حَسَّنَهُ وقَبَّحَهُ ؟ ولِكَوْنِ مَعْرِفَتِها ذَرِيعَةً إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ جَلَّ ثَناؤُهُ، قالَ: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وقالَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾ أيِ اخْتَرْناهُ مِن بَيْنِ سائِرِ الخَلْقِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ والإمامَةِ، وتَكْثِيرِ الأنْبِياءِ مِن نَسْلِهِ، وإعْطاءِ الخُلَّةِ، وإظْهارِ المَناسِكِ عَلَيْهِ، وجَعْلِ بَيْتِهِ آمِنًا، ذا آياتٍ بَيِّناتٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ الَّذِينَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى، وفي هَذا أكْبَرُ تَفْخِيمٍ لِرُتْبَةِ الصَّلاحِ، حَيْثُ جَعَلَهُ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِها، فَهو حَقِيقٌ بِالإمامَةِ، لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في الدّارَيْنِ، فَفي ذَلِكَ أعْظَمُ تَرْغِيبٍ قِي اتِّباعِ دِينِهِ، والِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ. وأشَدُّ ذَمٍّ لِمَن خالَفَهُ. قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ كَيْفَ وصَفَهُ بِالِاصْطِفاءِ في الدُّنْيا، وبِالصَّلاحِ في الآخِرَةِ، والنَّظَرِ يَقْتَضِي عَكْسَ ذَلِكَ. فَإنَّ الصَّلاحَ وصْفٌ يَرْجِعُ إلى الفِعْلِ، وذَلِكَ يَكُونُ في الدُّنْيا، والِاصْطِفاءُ (p-٢٦٢)حالٌ يَسْتَحِقُّهُ العَبْدُ بِكَوْنِهِ صالِحًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ ؟ قِيلَ: الِاصْطِفاءُ ضَرْبانِ، أحَدُهُما كَما قُلْتُ، والآخَرُ في الدُّنْيا، وهو اخْتِصاصُ اللَّهِ بَعْضَ العَبِيدِ بِوِلايَتِهِ ونُبُوَّتِهِ بِخُصُوصِيَّةٍ فِيهِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ﴾ [النحل: ١٢١] والصَّلاحُ وإنِ اعْتُبِرَ بِأحْوالِ الدُّنْيا، فَمُجازًى بِهِ في الآخِرَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مُجْتَبًى في الدُّنْيا لِما عَلِمَ اللَّهُ مِن حِكْمَتِهِ فِيهِ، ومَحْكُومٌ لَهُ في الآخِرَةِ، بِصَلاحِهِ في الدُّنْيا، تَنْبِيهًا أنَّ الثَّوابَ في الآخِرَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ بِاصْطِفائِهِ في الدُّنْيا، وإنَّما اسْتَحَقَّهُ بِصَلاحِهِ فِيها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "فِي الآخِرَةِ" أيْ في أفْعالِ الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ. ويَجُوزُ أنَّهُ عَنى بِقَوْلِهِ "فِي الدُّنْيا" حالَ بَقائِهِ، و"فِي الآخِرَةِ" أيْ حالَ وفاتِهِ، ويَكُونُ الإشارَةُ بِصَلاحِهِ إلى الثَّناءِ الحَسَنِ عَلَيْهِ، الَّذِي رَغِبَ إلى اللَّهِ تَعالى فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] ويَجُوزُ أنَّهُ لَمّا كانَ النّاسُ ثَلاثَةَ أضْرُبٍ: ظالِمٍ، ومُقْتَصِدٍ، وسابِقٍ، عَبَّرَ عَنِ السّابِقِ بِالصّالِحِ، فَكُلُّ سابِقٍ إلى طاعَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ صالِحٌ. انْتَهى. وكُلُّ ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لِأهْلِ الكِتابِ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِأمْرِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ أكْثَرَ ذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى "اذْكُرُوا" في قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٢] (p-٢٦٣)ولَمّا ذَكَرَ إمامَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ذَكَرَ ما يُؤْتَمُّ بِهِ فِيهِ، وهو سَبَبُ اصْطِفائِهِ وصَلاحِهِ، وذَلِكَ دِينُهُ، وما أوْصى بِهِ بَنِيهِ، وما أوْصى بِهِ بَنُوهُ بَنِيهِمْ سَلَفًا عَنْ خَلَفٍ، ولا سِيَّما يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُنَوَّهُ بِنِسْبَةِ أهْلِ الكِتابِ إلَيْهِ فَقالَ:

البقرة 2:131

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣١ ] ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ "إذْ" أيِ اصْطَفَيْناهُ لِأنَّهُ "قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ" أيْ لِرَبِّكَ، أيِ انْقَدْ لَهُ، وأخْلِصْ نَفْسَكَ لَهُ، أوِ اسْتَقِمْ عَلى الإسْلامِ، واثْبُتْ عَلى التَّوْحِيدِ "قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ" وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ القَوْلَ حَقِيقِيٌّ، ولَيْسَ في ذَلِكَ مانِعٌ، ولا ما جاءَ ما يُوجِبُ تَأْوِيلَهُ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو تَمْثِيلٌ، والمَعْنى: أخَطَرَ بِبالِهِ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ المُؤَدِّيَةُ إلى المَعْرِفَةِ الدّاعِيَةِ إلى الإسْلامِ- لَيْسَ بِشَيْءٍ. ولا مَعْنى لِحَمْلِ شَيْءٍ مِنَ الكَلامِ عَلى المَجازِ، إذا أمْكَنَتْ فِيهِ الحَقِيقَةُ بِوَجْهٍ ما.

البقرة 2:132

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٢ ] ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ "ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ" شُرُوعٌ في بَيانِ تَكْمِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِغَيْرِهِ، إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ في نَفْسِهِ. والتَّوْصِيَةُ التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ في الشَّيْءِ النّافِعِ المَحْمُودِ عاقِبَتُهُ، والضَّمِيرُ في "بِها" إمّا عائِدٌ لِقَوْلِهِ "أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ" عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ والجُمْلَةِ. ونَحْوَهُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ [الزخرف: ٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] (p-٢٦٤)﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] وقَوْلُهُ "كَلِمَةً" دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّأْنِيثَ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ. وإمّا عائِدٌ إلى المِلَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وأُيِّدَ الأوَّلُ بِكَوْنِ المُوصى بِهِ مُطابِقًا في اللَّفْظِ لِأسْلَمْتُ، وقُرْبُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ورَجَّحَ القاضِي الثّانِيَ لِكَوْنِ المَرْجِعِ مَذْكُورًا صَرِيحًا، ورَدُّ الإضْمارِ إلى المُصَرَّحِ بِذِكْرِهِ، إذا أمْكَنَ، أوْلى مِن رَدِّهِ إلى المَدْلُولِ والمَفْهُومِ. ولِكَوْنِ المِلَّةِ أجْمَعَ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ. والكُلُّ حَسَنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى "بَنِيهِ" تُفِيدُ صِيغَةَ الجَمْعِ أنَّ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الوَلَدِ غَيْرَ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ. وقَرَأْتُ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَزَوَّجَ، بَعْدَ وفاةِ سارَّةَ أُمِّ إسْحاقَ، امْرَأةً أُخْرى اسْمُها قَطُورَةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ: زِمْرانَ ويَقْشانَ ومَدانَ ومِدْيانَ ويِشْباقَ وشُوحًا، فَعَلى هَذا تَكُونُ بَنُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانِيَةً "ويَعْقُوبُ" مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ووَصّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ. لِأنَّ يَعْقُوبَ أوْصى بَنِيهِ أيْضًا كَما أوْصى إبْراهِيمُ بَنِيهِ. ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] كَما سَيَأْتِي. وقُرِئَ "ويَعْقُوبَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى بَنِيهِ، ومَعْناهُ: ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ، ونافِلَتَهُ يَعْقُوبَ. وقَدْ وُلِدَ يَعْقُوبُ في حَياةِ جَدِّهِ إبْراهِيمَ، وأدْرَكَ مِن حَياتِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، كَما يُسْتَفادُ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ، فَإنَّ فِيها أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ (p-٢٦٥)وهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وماتَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وخَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وكانَ لِإسْحاقَ، حِينَ وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ وعِيسُو، سِتُّونَ سَنَةً، فاسْتُفِيدَ مِن ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ. ولِوُجُودِ يَعْقُوبَ في حَياةِ جَدِّهِ يُفْهَمُ سِرُّ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] "يا بَنِيَّ" أيْ قالَ كُلٌّ مِن إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ، عَلى القِراءَةِ الأُولى. وعَلى الثّانِيَةِ: قالَ إبْراهِيمُ: ﴿يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أعْطاكُمُ الدِّينَ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ، وهو دِينُ الإسْلامِ، الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى "فَلا" أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنِّي أقُولُ لَكم: لا "تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ" وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إيجازٌ بَلِيغٌ. والمُرادُ: الزَمُوا الإسْلامَ، ولا تُفارِقُوهُ حَتّى تَمُوتُوا. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ لا تَمُوتُوا عَلى حالَةٍ إلّا عَلى حالِ كَوْنِكم ثابِتِينَ عَلى الإسْلامِ. فالنَّهْيُ في الحَقِيقَةِ عَنْ كَوْنِهِمْ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ إذا ماتُوا، لِأنَّهُ هو المَقْدُورُ. فَلا يُقالُ: صِيغَةُ النَّهْيِ مَوْضُوعَةٌ لِطَلَبِ الكَفِّ عَمّا هو مَدْلُولُها، فَيَكُونُ المَفْهُومُ مِنهُ النَّهْيَ عَنِ المَوْتِ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ، وذا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ. وإنَّما المَقْدُورُ فِيهِ هو الكَوْنُ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ، فَيَعُودُ النَّهْيُ إلَيْهِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ النَّهْيَ عَنْ الِاتِّصافِ بِخِلافِ (p-٢٦٦)حالِ الإسْلامِ وقْتَ المَوْتِ، لِما أنَّ الِامْتِناعَ عَنْ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الحالِ يَتْبَعُ الِامْتِناعَ عَنِ المَوْتِ في تِلْكَ الحالِ. فَإمّا أنْ يُقالَ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ المَوْضُوعُ لِلْأوَّلِ في الثّانِي، فَيَكُونُ مَجازًا. أوْ يُقالُ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ في مَعْناهُ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى مَلْزُومِهِ، فَيَكُونُ كِنايَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُكَ: لا تُصَلِّ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، فَلا تَنْهاهُ عَنِ الصَّلاةِ، ولَكِنْ عَنْ تَرْكِ الخُشُوعِ في حالِ صَلاتِهِ، والنُّكْتَةُ في إدْخالِ حَرْفِ النَّهْيِ عَمّا لَيْسَ بِمَنهِيٍّ عَنْهُ، هو إظْهارُ أنَّ مَوْتَهم لا عَلى حالِ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ، مَوْتٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَوْتِ السُّعَداءِ، وأنَّ مِن حَقِّ هَذا المَوْتِ أنْ لا يَحِلَّ فِيهِمْ. كَما تَقُولُ في الأمْرِ: مُتْ وأنْتَ شَهِيدٌ، فَلَيْسَ مُرادُكَ الأمْرَ بِالمَوْتِ، ولَكِنْ بِالكَوْنِ عَلى صِفَةِ الشُّهَداءِ إذا ماتَ. وإنَّما أمَرْتَهُ بِالمَوْتِ اعْتِدادًا مِنكَ بِمِيتَتِهِ، وإظْهارًا لِفَضْلِها عَلى غَيْرِها، وإنَّها حَقِيقَةٌ بِأنْ يُحَثَّ عَلَيْها. هَذا. وقَدْ قَرَّرَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآياتِ بُطْلانَ ما عَلَيْهِ المُتَعَنِّتُونَ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وبَرَّأ خَلِيلَهُ والأنْبِياءَ مِن ذَلِكَ. ولَمّا حَكى عَنْإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ بالَغَ في وصِيَّةِ بَنِيهِ بِالدِّينِ والإسْلامِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّ يَعْقُوبَ وصّى بَنِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى ومُبالَغَةً في البَيانِ بِقَوْلِهِ:

البقرة 2:133

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٣ ] ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ أيْ ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ حِينَئِذٍ، فَـ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ "بَلْ"، والهَمْزَةِ، وفي الهَمْزَةِ الإنْكارُ المُفِيدُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ. والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ أوْ شاهِدٍ بِمَعْنى الحاضِرِ، وحُضُورُ المَوْتِ حُضُورُ مُقَدِّماتِهِ "إذْ قالَ" أيْ يَعْقُوبُ (p-٢٦٧)"لِبَنِيهِ" وهم: رَأُوبَيْنُ، وشِمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ويَسّاكَرُ، وزَبُولُونُ، ويُوسُفُ، وبَنْيامِينُ، ودانُ، ونَفْتالِي، وجادُ، وأشِيرُ، وهُمُ الأسْباطُ الآتِي ذِكْرُهم "ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي" أيْ أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ بَعْدَ مَوْتِي، وأرادَ بِسُؤالِهِ تَقْرِيرَهم عَلى التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، وأخَذَ مِيثاقَهم عَلى الثَّباتِ عَلَيْهِما: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِآبائِكَ، وجَعَلَ إسْماعِيلَ وهو عَمُّهُ مِن جُمْلَةِ آبائِهِ. لِأنَّ العَمَّ أبٌ والخالَةَ أُمٌّ، لِانْخِراطِهِما في سِلْكٍ واحِدٍ، وهو الأُخُوَّةُ، لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما، ومِنهُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، رَفَعَهُ ««عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبِيهِ»» أيْ لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما، كَما لا تَفاوُتَ بَيْنَ صِنْوَيِ النَّخْلَةِ. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ البَراءِ، رَفَعَهُ: ««الخالَةُ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ»»؛ ورَوى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مُرْسَلًا: ««الخالَةُ والِدَةٌ»» . (p-٢٦٨)"إلَهًا واحِدًا" بَدَلٌ مِن إلَهِ آبائِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، أيْ نُرِيدُ بِإلَهِ آبائِكَ إلَهًا واحِدًا، وفي ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِلْبَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ، لِلتَّصْرِيحِ بِالتَّوْحِيدِ. ثُمَّ أخْبَرُوا بَعْدَ تَوْحِيدِهِمْ بِإخْلاصِهِمْ في عِبادَتِهِمْ، بِقَوْلِهِمْ "ونَحْنُ لَهُ" أيْ وحْدَهُ لا لِأبٍ ولا غَيْرِهِ "مُسْلِمُونَ" أيْ مُطِيعُونَ خاضِعُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] والإسْلامُ هو مِلَّةُ الأنْبِياءِ قاطِبَةً، وإنْ تَنَوَّعَتْ شَرائِعُهم، واخْتَلَفَتْ مَناهِجُهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] والآياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ، والأحادِيثُ. ومِنها قَوْلُهُ ﷺ: ««نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أوْلادُ عِلّاتٍ، دِينُنا واحِدٌ»» وقَدِ اشْتَمَلَ نَبَأُ وصِيَّةِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ لِبَنِيهِما عَلى دَقائِقَ مُرَغِّبَةٍ في الدِّينِ. مِنها أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: «وأمَرَ إبْراهِيمُ بَنِيهِ» بَلْ قالَ "وصّاهُمْ" . ولَفْظُ الوَصِيَّةِ أوْكَدُ مِنَ الأمْرِ، لِأنَّ الوَصِيَّةَ عِنْدَ الخَوْفِ مِنَ المَوْتِ، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُ احْتِياطُ الإنْسانِ لِدِينِهِ أشَدَّ وأتَمَّ، فَدَلَّ عَلى الِاهْتِمامِ بِالوَصِيِّ بِهِ، والتَّمَسُّكِ بِهِ. ومِنها تَخْصِيصُ بَنِيهِما بِذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ شَفَقَةَ الرَّجُلِ عَلى أبْنائِهِ أكْثَرُ مِن شَفَقَتِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَلَمّا خَصّاهم بِذَلِكَ في آخِرِ عُمْرِهِما عَلِمْنا أنَّ اهْتِمامَهُما (p-٢٦٩)بِذَلِكَ كانَ أشَدَّ مِنِ اهْتِمامِهِما بِغَيْرِهِ. ومِنها أنَّهُما، عَلَيْهِما السَّلامُ، ما مَزَجا بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ وصِيَّةً أُخْرى، وهَذا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ أيْضًا. إلى دَقائِقَ أُخْرى أشارَ إلَيْها الفَخْرُ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.

البقرة 2:134

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٤ ] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "تِلْكَ" إشارَةٌ إلى إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِما المُوَحِّدِينَ "أُمَّةٌ" أيْ: جِيلٌ وجَماعَةٌ "قَدْ خَلَتْ" أيْ: سَلَفَتْ ومَضَتْ "لَها ما كَسَبَتْ" في إسْلامِها مِن الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ والأخْلاقِ "ولَكم ما كَسَبْتُمْ" أيْ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الهَوى خاصٌّ بِكم، لا يُسْألُونَ هم عَنْ أعْمالِكم "ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ" والمَعْنى أنَّ أحَدًا لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ مُتَقَدِّمًا كانَ أوْ مُتَأخِّرًا. فَكَما أنَّ أُولَئِكَ لا يَنْفَعُهم إلّا ما اكْتَسَبُوا، فَكَذَلِكَ أنْتُمْ لا يَنْفَعُكم إلّا ما اكْتَسَبْتُمْ. فَما اقْتُصَّ عَلَيْكم أخْبارُهم، وما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ، إلّا لِتَفْعَلُوا ما فَعَلُوهُ، فَتَنْتَفِعُوا. وإنْ أبَيْتُمْ، لَمْ تَنْتَفِعُوا بِأعْمالِهِمْ. قالَ الرّازِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ "لَها ما كَسَبَتْ" يَدُلُّ عَلى أنَّ كَسْبَ كُلِّ أحَدٍ يَخْتَصُّ بِهِ، ولا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَ التَّقْلِيدُ جائِزًا، لَكانَ كَسْبُ المَتْبُوعِ نافِعًا لِلتّابِعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِّي ما ذَكَرْتُ حِكايَةَ أحْوالِهِمْ طَلَبًا مِنكم أنْ تُقَلِّدُوهم، ولَكِنْ لِتَنَبَّهُوا عَلى ما يَلْزَمُكم، فَتَسْتَدِلُّوا وتَعْلَمُوا أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المِلَّةِ هو الحَقُّ. انْتَهى. ومَعْلُومٌ أنَّ اتِّباعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والإيمانَ بِهِمْ، لا يُسَمّى تَقْلِيدًا، لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّهِ المُقَرَّرِ في كُتُبِ الأُصُولِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُمُ اعْتاضُوا عَنْ الِاهْتِداءِ بِالأصْفِياءِ مِن أسْلافِهِمْ، بِأنْ صارُوا دُعاةً إلى الكُفْرِ، مَعَ بَيانِ بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ بِقَوْلِهِ:

البقرة 2:135

(p-٢٧٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٥ ] ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ "وقالُوا" أيِ الفَرِيقانِ مِن أهْلِ الكِتابِ "كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ" نَتَّبِعُ "مِلَّةَ إبْراهِيمَ" ونَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِ لا نُحَوَّلُ عَنْها كَما تَحَوَّلْتُمْ "حَنِيفًا" أيْ مُسْتَقِيمًا أوْ مائِلًا عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ، لِأنَّ الحَنَفَ، مُحَرَّكَةً، يُطْلَقُ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمائِلِ الرِّجْلِ أحْنَفُ، تَفاؤُلًا بِالِاسْتِقامَةِ كَما قالُوا لِلَّدِيغِ: سَلِيمٌ. ولِلْمُهْلِكَةِ: مَفازَةٌ. ويُطْلَقُ عَلى مَيْلٍ في صَدْرِ القَدَمِ، واعْوِجاجٍ في الرِّجْلِ، فالحَنِيفُ المُسْتَقِيمُ عَلى إسْلامِهِ لِلَّهِ تَعالى، المائِلُ عَنِ الشِّرْكِ إلى دِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ولَمّا أثْبَتَ إسْلامَهُ بِالحَنِيفِيَّةِ نَفى عَنْهُ غَيْرَهُ بِقَوْلِهِ "وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ" وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ، وإيذانٌ بِبُطْلانِ دَعْواهُمُ اتِّباعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ إشْراكِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقَدْ أفادَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أنَّ ما عَلَيْهِ الفَرِيقانِ مَحْضُ ضَلالٍ وارْتِكابُ بُطْلانٍ، وأنَّ الدِّينَ المَرْضِيَّ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، وهو دَعْوَةُ الخَلْقِ إلى تَوْحِيدِهِ تَعالى، وعِبادَتِهِ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ. ولَمّا خالَفَ المُشْرِكُونَ هَذا الأصْلَ العَظِيمَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا خاتَمَ النَّبِيِّينَ لِدَعْوَةِ النّاسِ جَمِيعًا إلى هَذا الأصْلِ.

البقرة 2:136

(p-٢٧١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٦ ] ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ "قُولُوا" أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا. وفِيهِ إظْهارٌ لِمَزِيَّةِ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ يُلَقِّنُهم ولا يَسْتَنْطِقُهم فَيُقَصِّرُوا في مَقالِهِمْ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا﴾ أيْ: مِنَ الكِتابِ الَّذِي تَقَدَّمَ إنَّهُ الهُدى: ﴿وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي كانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِها، مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ صُحُفُ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومِنَ المُوحى إلَيْهِمْ خاصَّةً. والأسْباطُ هم أوْلادُ يَعْقُوبَ الِاثْنا عَشَرَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم، جَمْعُ سِبْطٍ وهو الحافِدُ. سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ حَفَدَةَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ. ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ﴾ مِمّا ذُكِرَ، وغَيْرُهم. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ في الإيمانِ فَلا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى "ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" مُنْقادُونَ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، وقُولُوا: آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا»» .

البقرة 2:137

(p-٢٧٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٧ ] ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ "فَإنْ آمَنُوا" أيْ أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَسْتَتْبِعُوكم "بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ" أيْ بِما آمَنتُمْ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي فُصِّلَ. عَلى أنَّ المِثْلَ مُقْحَمٌ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: بِما آمَنتُمْ بِهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ "فَقَدِ اهْتَدَوْا" إلى الحَقِّ وأصابُوهُ كَما اهْتَدَيْتُمْ. عَكْسَ ما قالُوا: كُونُوا مِثْلَنا تَهْتَدُوا "وإنْ تَوَلَّوْا" أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ بِما آمَنتُمْ بِهِ. "فَإنَّما هم في شِقاقٍ" أيْ فَما هم إلّا في خِلافٍ وعَداوَةٍ ولَيْسُوا مِن طَلَبِ الحَقِّ في شَيْءٍ. قالَ القاضِي: ولا يَكادُ يُقالُ في المُعاداةِ عَلى وجْهِ الحَقِّ أوِ المُخالَفَةِ الَّتِي لا تَكُونُ مَعْصِيَةً إنَّهُ شِقاقٌ. وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ في مُخالَفَةٍ عَظِيمَةٍ تُوقِعُ صاحِبَها في عَداوَةِ اللَّهِ وغَضَبِهِ ولَعْنِهِ، وفي اسْتِحْقاقِ النّارِ. فَصارَ هَذا القَوْلُ وعِيدًا مِنهُ تَعالى لَهم، وصارَ وصْفُهم بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ القَوْمَ مُعادُونَ لِلرَّسُولِ، مُضْمِرُونَ لَهُ السُّوءَ، مُتَرَصِّدُونَ لِإيقاعِهِ في المِحَنِ، فَعِنْدَ هَذا أمَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِن كَيْدِهِمْ وأمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِن شَرِّهِمْ ومَكْرِهِمْ فَقالَ "فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ" تَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ وقَلْبِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ تَعالى إذا تَكَفَّلَ بِالكِفايَةِ في أمْرٍ حَصَلَتِ الثِّقَةُ بِهِ. وقَدْ أنْجَزَ وعْدَهُ بِقَتْلِ قُرَيْظَةَ وسَبْيِهِمْ (p-٢٧٣)وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ "وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ" أتْبَعَ وعْدَهُ بِالنَّصْرِ والكِفايَةِ، بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ مِن أمْرِهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِ تَعالى. فَهو يُسَبِّبُ لِكُلِّ قَوْلٍ وضَمِيرٍ مِنهم ما يَرُدُّ ضَرَرَهُ عَلَيْهِمْ. فَهو وعِيدٌ لَهم، أوْ وعْدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أيْ يَسْمَعُ ما تَدْعُو بِهِ، ويَعْلَمُ نِيَّتَكَ وما تُرِيدُهُ مِن إظْهارِ دِينِ الحَقِّ. وهو مُسْتَجِيبٌ لَكَ ومُوَصِّلُكَ إلى مُرادِكَ.

البقرة 2:138

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٨ ] ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ "صِبْغَةَ اللَّهِ" مَصْدَرُ مُؤَكِّدٌ مُنْتَصِبٌ مِن قَوْلِهِ "آمَنّا بِاللَّهِ" كَذا قالَهُ سِيبَوَيْهِ، فَهو بِمَثابَةِ فِعْلِهِ. كَأنَّهُ قِيلَ صَبَغَنا اللَّهُ صِبْغَةً. أيْ صَبَغَ قُلُوبَنا بِالهِدايَةِ والبَيانِ صِبْغَةً كامِلَةً لا تَرْتَفِعُ بِماءِ الشَّبَهِ، ولا تَغْلِبُ صِبْغَةُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ. والصِّبْغَةُ كالصَّبْغِ (بِالكَسْرِ فِيهِما لُغَةً)، ما يُصْبَغُ بِهِ وتُلَوَّنُ بِهِ الثِّيابُ. ووُصِفَ الإيمانُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ تَطْهِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أوْضارِ الكُفْرِ، وحِلْيَةً تُزَيِّنُهم بِآثارِهِ الجَمِيلَةِ، ومُتَداخِلًا في قُلُوبِهِمْ. كَما أنَّ شَأْنَ الصَّبْغِ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّوْبِ كَذَلِكَ. ويُقالُ: صَبَغَ يَدَهُ بِالماءِ غَمَسَها فِيهِ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ: ؎دَعِ الشَّرَّ وانْزِلْ بِالنَّجاةِ تَحَرُّزًا إذا أنْتَ لَمْ يِصْبِغْكَ في الشَّرِّ صابِغُ وقالَ الرّاغِبُ: الصِّبْغَةُ إشارَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى ما أوْجَدَهُ في النّاسِ مِن بِدايَةِ العُقُولِ (p-٢٧٤)الَّتِي مَيَّزَنا بِها مِنَ البَهائِمِ، ووَشَحَنا بِها لِمَعْرِفَتِهِ ومَعْرِفَةِ حُسْنِ العَدالَةِ وطَلَبِ الحَقِّ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِالفِطْرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] الآيَةَ، والمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ. .».» الخَبَرُ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ بِالصِّبْغَةِ مِن حَيْثُ إنَّ قُوى الإنْسانِ الَّتِي رَكِبَ عَلَيْها، إذا اعْتُبِرَتْ بِذاتِهِ، تَجْرِي مَجْرى الصِّبْغَةِ الَّتِي هي زِينَةُ المَصْبُوغِ. ولَمّا كانَتِ اليَهُودُ والنَّصارى، إذا لَقَّنُوا أوْلادَهُمُ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، يَقُولُونَ: قَدْ صَبَغْناهُ -بَيَّنَ تَعالى أنَّ الإيمانَ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ هو صِبْغَةُ اللَّهِ وفِطْرَتُهُ الَّتِي رَكَزَها في الخَلْقِ، ولا أحَدَ أحْسَنُ صِبْغَةً مِنهُ. (ثُمَّ قالَ): وقَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ: إنَّ الصِّبْغَةَ هي الدِّينُ، وقَوْلُ غَيْرِهِمْ: إنَّها الشَّرِيعَةُ، وقَوْلُ مَن قالَ: هو الخِتانُ- إشارَةً إلى مَغْزًى واحِدٍ: ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ. أيْ: لا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ تَعالى. لِأنَّها صِبْغَةُ قَلْبٍ لا تَزُولُ. لِثَباتِها بِما تَوَلّاها الحَفِيظُ العَلِيمُ، فَلا يَرْتَدُّ أحَدٌ عَنْ دِينِهِ سَخْطَةً لَهُ بَعْدَ أنْ خالَطَ الإيمانُ بَشاشَةَ قَلْبِهِ. والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما في "صِبْغَةَ اللَّهِ" مِن مَعْنى الِابْتِهاجِ "ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ" شُكْرًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ ولِسائِرِ نِعَمِهِ. فَكَيْفَ تَذْهَبُ عَنّا صِبْغَتُهُ ونَحْنُ نُوَكِّدُها بِالعِبادَةِ، وهي تُزِيلُ رَيْنَ القَلْبِ فَيَنْطَبِعُ فِيهِ صُورَةُ الهِدايَةِ. وهو عَطْفٌ عَلى آمَنّا، داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ الأمْرِ.

البقرة 2:139

(p-٢٧٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٩ ] ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ وهو رَبُّنا ورَبُّكم ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ "قُلْ" مُنْكِرًا لِمُحاجَّتِهِمْ ومُوَبِّخًا لَهم عَلَيْها "أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ" أيْ: أتُناظِرُونَنا في تَوْحِيدِ اللَّهِ والإخْلاصِ لَهُ واتِّباعِ الهُدى وتَرْكِ الهَوى "وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمُ" المُسْتَحِقُّ لِإخْلاصِ العُبُودِيَّةِ لَهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ونَحْنُ وأنْتُمْ في العُبُودِيَّةِ لَهُ سَواءٌ: ﴿ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ أيْ نَحْنُ بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ، وأنْتُمْ بُرَآءُ مِنّا. كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] الآيَةَ. "ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ" في العِبادَةِ والتَّوَجُّهِ، لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وأنْتُمْ تُشْرِكُونَ بِهِ عُزَيْرًا والمَسِيحَ والأحْبارَ والرُّهْبانَ. ولَمّا بَقِيَ مِن مُباهَتاتِهِمُ ادِّعاؤُهم أنَّ أسْلافَهم كانُوا عَلى دِينِهِمْ، أبْطَلَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ:

البقرة 2:140

(p-٢٧٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٠ ] ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ "أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ" خَلِيلَ اللَّهِ "وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ" ابْنَيْهِ "ويَعْقُوبَ" ابْنَ إسْحاقَ "والأسْباطَ" أوْلادَ يَعْقُوبَ: "كانُوا هُودًا أوْ نَصارى" أيْ عَلى مِلَّتِهِمْ، إمّا اليَهُودِيَّةِ وإمّا النَّصْرانِيَّةِ "قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ" أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ كُلُّها أعْلَمُ. فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: نَحْنُ. وإنْ قالُوا: اللَّهُ، فَقَدْ بَرَّأ اللَّهُ إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ مِن ذَلِكَ. فَبَطَلَ ما ادَّعَوْا. وثَبَتَ أنَّهم، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كانُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ مُسْلِمِينَ مُبَرَّئِينَ عَنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. هَذا مَعَ أنَّ رَدَّ قَوْلِهِمْ هَذا أظْهَرُ ظاهِرٍ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَعْقِلُ أنْ يَكُونَ السّابِقُ عَلى نِسْبَةٍ لِلّاحِقِ، ما حَدَثَتْ إلّا بَعْدَهُ بِمُدَدٍ مُتَطاوِلَةٍ. وسَيَأْتِي النَّصُّ الصَّرِيحُ بِإبْطالِ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ. ولِما كانَ العِلْمُ عِنْدَهم عَنِ اللَّهِ بِأنَّ الخَلِيلَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، عَلى دِينِ الإسْلامِ، وكانُوا يَكْتُمُونَ ما عِنْدَهم مِن ذَلِكَ. مَعَ تَقْرِيرِ اللَّهِ لَهم بِهِ واسْتِخْبارِهِمْ عَنْهُ ونَهْيِهِ لَهم عَنْ كِتْمانِهِ وما يُقارِبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] الآيَةَ- أشارَ إلى أشَدِّ الوَعِيدِ في كِتْمانِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ مَوْجُودَةً ومَوْعُودَةً "عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ" وهو كِتْمانُ العِلْمِ الَّذِي هو الإخْبارُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ حَيْثُ كَتَمُوا شَهادَتَهُ تَعالى لَهم، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِالحَنِيفِيَّةِ والبَراءَةِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. (p-٢٧٧)قالَ التَّقِيُّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: سَمّى تَعالى ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ شَهادَةً كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ [البقرة: ١٥٩] الآيَةَ، كَأنَّهُ قالَ: خَبَرًا عِنْدَهُ، دِينًا عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ، وبَيانًا عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ، وعِلْمًا عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ فَإنْ كانَ قَوْلُهُ "مِنَ اللَّهِ" مُتَعَلِّقًا بِـ "كَتَمَ" فَإنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ الشَّهاداتِ. وإنْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِـ "عِنْدَهُ"، وهو الأوْجَهُ، أوْ بِشَهادَةٍ، أوْ بِهِما، فَإنَّ الأمْرَ في ذَلِكَ واحِدٌ. أيْ شَهادَةً اسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ مِن جِهَةِ اللَّهِ. فَهو كِتْمانُ شَهاداتِ العِلْمِ المَوْرُوثِ عَنِ الأنْبِياءِ. فَسَمّى الإخْبارَ بِهِ شَهادَةً. ثُمَّ قالَ: وكَذَلِكَ الأخْبارُ النَّبَوِيَّةُ إنَّما يُرادُ بِالشَّهادَةِ فِيها الإخْبارُ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ. أيْ أنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكم وسَيَجْزِيكم عَلَيْهِ. قالَ الرّازِيُّ: هَذا هو الكَلامُ الجامِعُ لِكُلِّ وعِيدٍ. ومَن تَصَوَّرَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِسِرِّهِ وإعْلانِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وأنَّهُ مِن وراءِ مُجازاتِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ لا يَمْضِي عَلَيْهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ إلّا وهو حَذِرٌ خائِفٌ. ألا تَرى أنَّ أحَدَنا لَوْ كانَ عَلَيْهِ رَقِيبٌ مِن جِهَةِ سُلْطانٍ يَعِدُّ عَلَيْهِ الأنْفاسَ، لَكانَ دائِمَ الحَذَرِ والوَجَلِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ الرَّقِيبَ لا يَعْرِفُ إلّا الظّاهِرَ، فَكَيْفَ بِالرَّبِّ الرَّقِيبِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، إذا هَدَّدَ وأوْعَدَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ ؟

البقرة 2:141

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤١ ] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ فَلا يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِكم (p-٢٧٨)﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِما ذَكَرَ تَعالى حُسْنَ طَرِيقَةِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ولَمْ يَدَعْ لَهم مُتَمَسِّكًا مِن جِهَتِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ الإشارَةَ إلى أنَّ الدِّينَ دائِرٌ مَعَ أمْرِهِ في كُلِّ زَمانٍ. وأنَّهُ لا يَنْفَعُهم إلّا ما يَسْتَجِدُّونَهُ بِحُكْمِ ما تَجَدَّدَ مِنَ المُنْزَلِ المُعْجِزِ لِكافَّةِ أهْلِ الأرْضِ، أحْمَرُهم وأسْوَدُهم. . أيْ فَعَلَيْكم بِتَرْكِ الكَلامِ في تِلْكَ الأُمَّةِ. فَلَها ما كَسَبَتْ. وانْظُرُوا فِيما دَعاكم إلَيْهِ خاتَمُ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّ ذَلِكَ أنْفَعُ لَكم وأعْوَدُ عَلَيْكم. ولا تُسْألُونَ إلّا عَنْ عَمَلِكم. قالَ الرّاغِبُ: إعادَةُ هَذِهِ الآيَةِ مِن أجْلِ أنَّ العادَةَ مُسْتَحْكَمَةٌ في النّاسِ، صالِحِهِمْ وطالِحِهِمْ أنْ يَفْتَخِرُوا بِآبائِهِمْ ويَقْتَدُوا بِهِمْ في مُتَحَرِّياتِهِمْ. سِيَّما في أُمُورِ دِينِهِمْ. ولِهَذا حَكى عَنِ الكُفّارِ قَوْلَهم: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] فَأكَّدَ اللَّهُ تَعالى القَوْلَ في إنْزالِهِمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. وذَكَرَ في أثَرِ ما حَكى مِن وصِيَّةِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ بَنِيهِ بِذَلِكَ، تَنْبِيهًا أنَّ الأمْرَ سَواءٌ عَلى ما قُلْتَ أوْ لَمْ يَكُنْ. فَلَيْسَ لَكم ثَوابُ فِعْلِهِمْ ولا عَلَيْكم عِقابُهُ، وفي الثّانِي لَمّا ذَكَرَ ادِّعاءَهُمُ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ لِآبائِهِمْ أعادَ أيْضًا تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ تَنْبِيهًا عَلى نَحْوِ ما قالَ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [فاطر: ١٨] ولِما جَرَتْ بِهِ عادَتُهم وتَفَرَّدَتْ بِهِ مَعْرِفَتُهم: كُلُّ شاةٍ تُناطُ بِرِجْلَيْها.

البقرة 2:142

(p-٢٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٢ ] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ أنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وأنَّهُ صَلّى أوَّلَ صَلاةٍ صَلّاها، صَلاةَ العَصْرِ وصَلّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ صَلّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلى أهْلِ المَسْجِدِ وهم راكِعُونَ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدارُوا كَما هم قِبَلَ البَيْتِ». ورَوى مُسْلِمٌ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ ولَفْظُهُ: «صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَنا نَحْوَ الكَعْبَةِ» . ورَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «بَيْنا النّاسُ بِقُباءٍ في صَلاةِ الصُّبْحِ إذْ جاءَهم آتٍ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ. وقَدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبِلُوها، وكانَتْ وُجُوهُهم إلى الشّامِ فاسْتَدارُوا إلى الكَعْبَةِ». (اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) والأحادِيثُ في تَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِنَ القُدْسِ إلى الكَعْبَةِ مُتَوافِرَةٌ، وفِيما ذَكَرْنا كِفايَةٌ. (p-٢٨٠)وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ أنَّ فَرِيقًا مِنَ النّاسِ سَيُنْكِرُونَ تَغْيِيرَ القِبْلَةِ وسَمّاهم سُفَهاءَ، جَمْعُ سَفِيهٍ، وهو الخَفِيفُ الحِلْمِ والأحْمَقُ والجاهِلُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أيِ الَّذِينَ خَفَّتْ أحْلامُهم واسْتَمْهَنُوها بِالتَّقْلِيدِ والإعْراضِ عَنِ التَّدَبُّرِ والنَّظَرِ. انْتَهى. ومَعْنى قَوْلِهِ "ما ولّاهُمْ" أيْ أيُّ شَيْءٍ صَرَفَهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، أيْ ثابِتِينَ عَلى التَّوَجُّهِ إلَيْها، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ. ومَدارُ الإنْكارِ، إنْ كانَ القائِلُونَ هُمُ اليَهُودَ، كَراهَتُهم لِلتَّحْوِيلِ عَنْها لِأنَّها قَبِلَتَهم، وإنْ كانَ غَيْرُهم، فَمُجَرَّدُ القَصْدِ إلى الطَّعْنِ في الدِّينِ والقَدْحِ في أحْكامِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ القائِلِينَ هُمُ اليَهُودُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ. قالَ الرّاغِبُ: ولا تَنافِيَ بَيْنَ أقْوالِهِمْ فَكُلٌّ قَدْ عابُوا، وكُلٌّ سُفَهاءُ. (تَنْبِيهٌ): ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى "سَيَقُولُ السُّفَهاءُ" إلَخْ، أنَّهُ إخْبارٌ بِقَوْلِهِمُ المَذْكُورِ، ثُمَّ إنَّ الإخْبارَ قَبْلَ وُقُوعِهِ. وفائِدَتُهُ تَوْطِينُ النَّفْسِ وإعْدادُ ما يُبَكِّتُهم، فَإنَّ مُفاجَأةَ المَكْرُوهِ عَلى النَّفْسِ أشَقُّ وأشَدُّ، والجَوابُ العَتِيدُ لِشَغَبِ الخَصْمِ الألَدِّ أرَدُّ، مَعَ ما فِيهِ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ حَيْثُ يَكُونُ إخْبارًا عَنْ غَيْبٍ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ جَوابٌ عَنْ شُبْهَتِهِمْ. وتَقْرِيرُهُ أنَّ الجِهاتِ كُلَّها لِلَّهِ مِلْكًا، فَلا يَسْتَحِقُّ شَيْءٌ مِنها لِذاتِهِ أنْ يَكُونَ قِبْلَةً. بَلْ إنَّما تَصِيرُ قِبْلَةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها قِبْلَةً، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ بِالتَّحْوِيلِ مِن جِهَةٍ إلى أُخْرى، وما أمَرَ بِهِ فَهو الحَقُّ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فِيهِ تَعْظِيمُ أهْلِ الإسْلامِ وإظْهارُ عِنايَتِهِ تَعالى بِهِمْ وتَفْخِيمُ شَأْنِ الكَعْبَةِ. كَما فَخَّمَهُ بِإضافَتِهِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]

البقرة 2:143

(p-٢٨١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٣ ] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ "وكَذَلِكَ" أيْ كَما هَدَيْناكم إلى قِبْلَةٍ هي أوْسَطُ القِبَلِ وأفْضَلُها "جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا" أيْ عُدُولًا خِيارًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ المُنَوَّهِ بِهِ الَّذِي تَمَّتِ المِنَّةُ بِهِ عَلَيْهِمْ. واعْلَمْ أنَّ أصْلَ الشُّهُودِ والشَّهادَةِ الحُضُورُ مَعَ المُشاهَدَةِ. إمّا بِالبَصَرِ أوْ بِالبَصِيرَةِ. قالَ الرّازِيُّ: الشَّهادَةُ والمُشاهَدَةُ والشُّهُودُ هو الرُّؤْيَةُ، يُقالُ شاهَدْتُ كَذا إذا رَأيْتَهُ وأبْصَرْتَهُ، ولَمّا كانَ بَيْنَ الإبْصارِ بِالعَيْنِ، وبَيْنَ المَعْرِفَةِ بِالقَلْبِ مُناسَبَةٌ شَدِيدَةٌ، لا جَرَمَ قَدْ تُسَمّى المَعْرِفَةُ الَّتِي في القَلْبِ مُشاهَدَةً وشُهُودًا، والعارِفُ بِالشَّيْءِ شاهِدًا ومُشاهِدًا، ثُمَّ سُمِّيَتِ الدَّلالَةُ عَلى الشَّيْءِ شاهِدًا عَلى الشَّيْءِ لِأنَّها هي الَّتِي بِها صارَ الشّاهِدُ شاهِدًا. ولِما كانَ المُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ والمُبَيِّنُ لِحالِهِ جارِيًا مَجْرى الدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ، سُمِّيَ ذَلِكَ المُخْبِرُ أيْضًا شاهِدًا. وبِالجُمْلَةِ، فَكُلُّ مَن عَرَفَ حالَ شَيْءٍ، وكَشَفَ عَنْهُ كانَ شاهِدًا عَلَيْهِ. انْتَهى. والشَّهِيدُ أصْلُهُ الشّاهِدُ والمُشاهِدُ لِلشَّيْءِ والمُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ حَصَلَ بِمُشاهَدَةِ بَصَرٍ أوْ بَصِيرَةٍ. وهو، بِالمَعْنى الثّالِثِ، مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ. ولِذَلِكَ وُصِفَ بِهِ النَّبِيُّونَ والسّادَةُ والأئِمَّةُ. كَما تَرى في هَذِهِ الآيَةِ وفي آيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى (p-٢٨٢)هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وآيَةِ ﴿وادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣] ﴿والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] ثُمَّ إنَّ في اللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ وجْهَيْنِ (الأوَّلُ) إنَّها لامُ الصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ. أيْ فَآلَ الأمْرُ بِهِدايَتِكم وجَعْلِكم وسَطًا أنْ كُنْتُمْ شُهَداءَ عَلى النّاسِ، وهم أهْلُ الأدْيانِ الأُخَرِ. أيْ بُصَراءُ عَلى كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وما غَيَّرُوا وبَدَّلُوا وأشْرَكُوا وألْحَدُوا. مِمّا قَصَّ عَلَيْكم في الآياتِ قَبْلُ، حَتّى أحَطْتُمْ بِهِ خُبَرًا. فَعَرَفْتُمْ حَقَّ دِينِهِمْ مِن باطِلِهِ، ووَحْيِهِ مِن مُخْتَرَعِهِ. يَعْنِي: وإذا شَهِدْتُمْ ذَلِكَ مِنهم وأبْصَرْتُمْ فاشْكُرُوا مَوْلاكم عَلى ما أوْلاكم، وعافاكم مِمّا ابْتَلى بِهِ سِواكم، حَيْثُ وفَّقَكم لِلْمَنهَجِ السَّوِيِّ وهَداكم لِلْمَهِيعِ الرَّضِيِّ، وكَذَلِكَ صارَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا بِأنَّكم عَرَفْتُمُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، والهُدى مِنَ الضَّلالِ، والنُّورَ مِنَ الظُّلُماتِ، بِما بَلَغَكم مِن وحْيِهِ وأراكم مِن آياتِهِ. فَعَظُمَتِ المِنَّةُ لِلَّهِ عَلَيْكم؛ إذْ أصْبَحْتُمْ مُهْتَدِينَ بَعْدَ الضَّلالَةِ، عُلَماءَ بَعْدَ الجَهالَةِ. فَفِيهِ إشارَةٌ إلى تَحْذِيرِ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يَزِيغُوا بَعْدَ الهُدى، كَما زاغَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَعى عَلَيْهِمْ ضَلالَتَهم، فَتَقُومُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ كَما قامَتْ مِن أُولَئِكَ. (الوَجْهُ الثّانِي) أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، عَلى أصْلِها. والمَعْنى: جَعَلْناكم أُمَّةً خِيارًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ، أيْ رُقَباءَ قُوّامًا عَلَيْهِمْ بِدُعائِهِمْ إلى الحَقِّ وإرْشادِهِمْ إلى الهُدى وإنْذارِهِمْ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الزَّيْغِ والضَّلالِ، كَما كانَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم بِقِيامِهِ عَلَيْكم بِما بَلَغَكم وأمَرَكم ونَهاكم وحَذَّرَكم وأنْذَرَكم. فَتَكُونُ الآيَةُ نَظِيرَ آيَةِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ (p-٢٨٣)لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ورُبَّما آثَرَ هَذا المَعْنى مَن قالَ: خَيْرُ ما فُسِّرَ القُرْآنُ بِالقُرْآنِ، لِتُماثِلَ الآيَتَيْنِ بادِئَ بَدْءٍ. فَإنَّ الوَسَطَ بِمَعْنى الخِيارِ. وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ "خَيْرَ أُمَّةٍ" وإلى هَذا المَعْنى يُشِيرُ قَوْلُ مُجاهِدٍ في الآيَةِ: لِتَكُونُوا شُهَداءَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الأُمَمِ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ: أيْ شُهَداءُ عَلى حِقِّيَّةِ رِسالَتِهِ، وذَلِكَ بِالدَّعْوَةِ إلَيْها، والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ الَّذِي هو قُطْبُ الدَّعْوَةِ ورُوحُها. وبَعْدَ كِتابَةِ هَذا رَأيْتُ السَّمَرْقَنْدِيَّ في تَفْسِيرِهِ نَقَلَ خُلاصَةَ ما قُلْناهُ. وعِبارَتُهُ: ولِلْآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ "وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا" أيْ عُدُولًا "لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ" إلَخْ يَقُولُ: إنَّكم حُجَّةٌ عَلى جَمِيعِ مَن خالَفَكم. ورَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حُجَّةٌ عَلَيْكم. والشَّهادَةُ في اللُّغَةِ هو البَيانُ. ولِهَذا سُمِّيَ الشّاهِدُ بَيِّنَةً؛ لِأنَّهُ يُبَيِّنُ حَقَّ المُدَّعِي. يَعْنِي إنَّكم تُبَيِّنُونَ لِمَن بَعْدَكم، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ يُبَيِّنُ لَكُمُ. انْتَهى. وأوْضَحَ ذَلِكَ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ بِأُسْلُوبٍ آخَرَ فَقالَ: إنْ قِيلَ: عَلى أيِّ وجْهٍ شَهادَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى الأُمَّةِ وشَهادَةُ الأُمَّةِ عَلى النّاسِ ؟ قِيلَ: الشّاهِدُ هو العالِمُ بِالشَّيْءِ المُخْبِرُ عَنْهُ مُثْبِتًا حُكْمَهُ. وأعْظَمُ شاهِدٍ مَن ثَبَتَ شَهادَتَهُ بِحُجَّةٍ، ولِما خَصَّ اللَّهُ تَعالى الإنْسانَ بِالعَقْلِ والتَّمْيِيزِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وكَمَّلَهُ بِبَعْثَةِ الأنْبِياءِ، وخَصَّ هَذا الأُمَّةَ بِأتَمِّ كِتابٍ، كَما وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَـزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] (p-٢٨٤)فَأفادَناهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيَّنَهُ لَنا- صارَ حُجَّةً وشاهِدًا أنْ يَقُولُوا: ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] وجَعَلَ أُمَّتَهُ، المُتَخَصِّصَةَ بِمَعْرِفَتِهِ، شُهُودًا عَلى سائِرِ النّاسِ. (إنْ قِيلَ) هَلْ أُمَّتُهُ شُهُودٌ كُلُّهم أمْ بَعْضُهم ؟ (قِيلَ) كُلُّهم مُمْكِنٌ مِن أنْ يَكُونُوا شُهَداءَ. وذَلِكَ بِشَرِيطَةِ أنْ يُزَكُّوا أنْفُسَهم بِالعِلْمِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَمَن لَمْ يُزَكِّ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ شاهِدًا ومَقْبُولًا. ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] وعَلى هَذا قالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] فالقِيامُ بِالقِسْطِ مُراعاةُ العَدالَةِ، وهِيَ، بِالقَوْلِ المُجْمَلِ ثَلاثٌ: عَدالَةٌ بَيْنَ الإنْسانِ ونَفْسِهِ -وعَدالَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ- وعَدالَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَمَن رَعى ذَلِكَ فَقَدْ صارَ عَدْلًا شاهِدًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. (إنْ قِيلَ) فَهَلْ هم شُهُودٌ عَلى بَعْضِ الأُمَّةِ أمْ عَلى النّاسِ كافَّةً ؟ (قِيلَ) بَلْ كُلٌّ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، وعَلى أُمَّتِهِ وعَلى النّاسِ كافَّةً، فَإنَّ مَن عَرَفَ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى وجُودَهُ، وعَدْلَهُ، ورَأْفَتَهُ، عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَغْفُلْ تَعالى عَنْهُ ولا عَنْ أحَدٍ مِنَ النّاسِ، ولا بَخِلَ عَلَيْهِمْ ولا ظَلَمَهم، ومَن عَلِمَ ذَلِكَ فَهو شاهِدٌ لِلَّهِ عَلى مَن في زَمانِهِ وعَلى (p-٢٨٥)مَن قَبْلَهُ ومَن بَعْدَهُ. وعَلى هَذا الوَجْهِ ما رُوِيَ في الخَبَرِ ««أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تَشْهَدُ لِلْأنْبِياءِ عَلى الأُمَمِ»» . انْتَهى كَلامُ الرّاغِبِ. والخَبَرُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُدْعى نُوحٌ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ يا رَبُّ. فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكم ؟ فَيَقُولُونَ: ما أتانا مِن نَذِيرٍ. فَيَقُولُ: مَن يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ. فَيَشْهَدُونَ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ويَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا»» . فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ جابِرٍ. أخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وعَنْ ثُلَّةٍ مِنَ التّابِعِينَ مِن قَوْلِهِمْ. وأقُولُ: قَدْ بَيَّنّا مِرارًا، أنَّ مِثْلَ هَذا الخَبَرِ وكُلَّ ما يُرْوى مَرْفُوعًا أوْ غَيْرَ مَرْفُوعٍ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَكُلُّهُ يُفِيدُ أنَّ لِلْآيَةِ عُمُومًا يَشْمَلُ ما ذُكِرَ، لا أنَّها خاصَّةٌ بِهِ لا يُسْتَفادُ مِنها غَيْرُهُ. كَما أوْضَحْناهُ في المُقَدِّمَةِ في قَوْلِهِمْ: نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا. وعَلَيْهِ، فَلا تَنافِيَ بَيْنَ ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الآيَةِ أوْ ما يَتَقاضاهُ مَعْناها لُغَةً، مِن حَيْثُ عُمُومُها، أوْ ما يُحْمَلُ عَلَيْها مِن نَظائِرِها في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ، وبَيْنَ ما يُرْوى في تَفْسِيرِها، فَمَآلُ ما يَتَعَدَّدُ مِن سَبَبِ النُّزُولِ في آيَةٍ ما، أوْ ما يَكْثُرُ مِنَ الآثارِ في وُجُوهِها، كُلُّهُ مِن بابِ تَفْسِيرِ العامِّ بِبَعْضِ ما يَتَناوَلُهُ لَفْظُهُ. ولِذَلِكَ يَكْثُرُ في بَعْضِ طُرُقِ الرِّواياتِ؛ ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ تَعالى. أوْ: ثُمَّ قَرَأ. أوِ اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ. مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ذَكَرَتِ الآيَةُ حُجَّةً لِما أخْبَرَ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَنْدَرِجُ فِيها. فاحْرِصْ عَلى ذَلِكَ. (p-٢٨٦)تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالعَدالَةِ. والعَدْلُ هو المُسْتَحِقُّ لِلشَّهادَةِ وقَبُولِها، فَإذا اجْتَمَعُوا عَلى شَيْءٍ وشَهِدُوا بِهِ لَزِمَ قَبُولُهُ، فَإجْماعُ الأُمَّةِ حَقٌّ؛ لا تَجْتَمِعُ الأُمَّةُ - والحَمْدُ لِلَّهِ - عَلى ضَلالَةٍ. كَما وصَفَها اللَّهُ بِذَلِكَ في الكِتابِ فَقالَ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وهَذا وصْفٌ لَهم بِأنَّهم يَأْمُرُونَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ، ويَنْهَوْنَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ. كَما وصَفَ نَبِيَّهم ﷺ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وبِذَلِكَ وصَفَ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] فَلَوْ قالَتِ الأُمَّةُ في الدِّينِ بِما هو ضَلالٌ، لَكانَتْ لَمْ تَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ في ذَلِكَ، ولَمْ تَنْهَ عَنِ المُنْكَرِ فِيهِ، وقَدْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ شُهَداءَ عَلى النّاسِ. وأقامَ شَهادَتَهم مَقامَ شَهادَةِ الرَّسُولِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَقُولُ: «مَرُّوا بِجِنازَةٍ فَأثْنَوْا عَلَيْها خَيْرًا فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ «وجَبَتْ» ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرى فَأثْنَوْا عَلَيْها شَرًّا فَقالَ «وجَبَتْ» . (p-٢٨٧)فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما وجَبَتْ ؟ قالَ: «هَذا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وهَذا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النّارُ؛ أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ»» . وعِنْدَ الحاكِمِ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ﴾ إلى آخِرِها. فَإذا كانَ الرَّبُّ قَدْ جَعَلَهم شُهَداءَ، لَمْ يَشْهَدُوا بِباطِلٍ، فَإذا شَهِدُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِشَيْءٍ، فَقَدْ أمَرَ بِهِ، وإذا شَهِدُوا أنَّ اللَّهَ نَهى عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ نَهى عَنْهُ. ولَوْ كانُوا يَشْهَدُونَ بِباطِلٍ أوْ خَطَأٍ لَمْ يَكُونُوا شُهَداءَ اللَّهِ في الأرْضِ. بَلْ زَكّاهُمُ اللَّهُ في شَهادَتِهِمْ، كَما زَكّى الأنْبِياءَ فِيما يُبَلِّغُونَ عَنْهُ أنَّهم لا يَقُولُونَ عَلَيْهِ إلّا الحَقَّ، وكَذَلِكَ الأُمَّةُ لا تَشْهَدُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ. هَذِهِ نُبْذَةٌ مِن كَلامِ الإمامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، في الإجْماعِ، مِن بَعْضِ رَسائِلِهِ. (الثّانِي) مِمّا يَتَعَلَّقُ أيْضًا بِهَذا المَقامِ، ما قالَهُ أيْضًا هَذا الإمامُ في رِسالَتِهِ إلى جَماعَةِ عَدِيِّ بْنِ مُسافِرٍ. ونَصُّهُ: فَعَصَمَ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ أنْ تَجْتَمِعَ عَلى ضَلالَةٍ، وجَعَلَ فِيها مَن تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ولِهَذا كانَ إجْماعُهم حُجَّةً، كَما كانَ الكِتابُ والسُّنَّةُ حُجَّةً. ولِهَذا امْتازَ أهْلُ الحَقِّ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ بِالسُّنَّةِ والجَماعَةِ، عَنْ أهْلِ الباطِلِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ الكِتابَ، ويُعْرِضُونَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَمّا مَضَتْ عَلَيْهِ جَماعَةُ المُسْلِمِينَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، رَواها عَنْهُ أهْلُ السُّنَنِ والمَسانِيدِ، كالإمامِ أحْمَدَ، (p-٢٨٨)وأبِي داوُدَ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ، أنَّهُ قالَ: ««سَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّها في النّارِ، إلّا واحِدَةً، وهي الجَماعَةُ»» . وفي رِوايَةٍ: ««مَن كانَ عَلى مِثْلِ ما أنا عَلَيْهِ اليَوْمَ، وأصْحابِي»» . وهَذِهِ الفِرْقَةُ النّاجِيَةُ أهْلُ السُّنَّةِ. وهم وسَطٌ في النِّحَلِ، كَما أنَّ مِلَّةَ الإسْلامِ وسَطٌ في المِلَلِ، فالمُسْلِمُونَ وسَطٌ في أنْبِياءِ اللَّهِ، ورُسُلِهِ، وعِبادِهِ الصّالِحِينَ، لَمْ يَغْلُوا فِيهِمْ كَما غَلَتْ في النَّصارى فَـ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ (p-٢٨٩)وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] ولا جَفَوْا عَنْهم، كَما جَفَتِ اليَهُودُ، فَكانُوا يَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] وكُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم كَذَّبُوا فَرِيقًا وقَتَلُوا فَرِيقًا. بَلِ المُؤْمِنُونَ آمَنُوا بِرُسُلِ اللَّهِ، وعَزَّرُوهم، ونَصَرُوهم، ووَقَّرُوهم، وأحَبُّوهم، وأطاعُوهم، ولَمْ يَعْبُدُوهم، ولَمْ يَتَّخِذُوهم أرْبابًا. كَما قالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] ومِن ذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ تَوَسَّطُوا في المَسِيحِ، فَلَمْ يَقُولُوا: هو اللَّهُ، ولا ابْنُ اللَّهِ، ولا ثالِثُ ثَلاثَةٍ. كَما تَقُولُهُ النَّصارى. ولا كَفَرُوا بِهِ، وقالُوا عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا، حَتّى جَعَلُوهُ، ولَدَ غَيَّةٍ، كَما زَعَمَتِ اليَهُودُ. بَلْ قالُوا: هَذا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ العَذْراءِ البَتُولِ، ورُوحٌ مِنهُ. وكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ وسَطٌ في شَرائِعِ دِينِ اللَّهِ، فَلَمْ يُحَرِّمُوا عَلى اللَّهِ أنْ يَنْسَخَ ما شاءَ، ويَمْحُوَ ما شاءَ ويُثْبِتَ. كَما قالَتْهُ اليَهُودُ. كَما حَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] وبِقَوْلِهِ (p-٢٩٠)﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْـزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْـزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] ولا جَوَّزُوا لِأكابِرِ عُلَمائِهِمْ وعُبّادِهِمْ أنْ يُغَيِّرُوا دِينَ اللَّهِ، فَيَأْمُرُوا بِما شاؤُوا ويَنْهَوْا عَمّا شاؤُوا. كَما يَفْعَلُهُ النَّصارى. كَما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما عَبَدُوهم ؟ قالَ: «ما عَبَدُوهم، ولَكِنْ أحَلُّوا لَهُمُ الحَرامَ فَأطاعُوهم، وحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الحَلالَ فَأطاعُوهم»» . والمُؤْمِنُونَ قالُوا: لِلَّهِ الخَلْقُ والأمْرُ، فَكَما لا يَخْلُقُ غَيْرُهُ، لا يَأْمُرُ غَيْرُهُ. وقالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، فَأطاعُوا (p-٢٩١)كُلَّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ. وقالُوا: إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ. وأمّا المَخْلُوقُ، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُبَدِّلَ أمْرَ الخالِقِ تَعالى، ولَوْ كانَ عَظِيمًا. وكَذَلِكَ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ اليَهُودَ وصَفُوا اللَّهَ تَعالى بِصِفاتِ المَخْلُوقِ النّاقِصَةِ، فَقالُوا: هو فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ. وقالُوا يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ. وقالُوا: إنَّهُ تَعِبَ مِنَ الخَلْقِ فاسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ. والنَّصارى وصَفُوا المَخْلُوقَ بِصِفاتِ الخالِقِ المُخْتَصَّةِ بِهِ. فَقالُوا إنَّهُ يَخْلُقُ ويَرْزُقُ ويَغْفِرُ ويَرْحَمُ ويَتُوبُ عَلى الخَلْقِ، ويُثِيبُ ويُعاقِبُ. والمُؤْمِنُونَ آمَنُوا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. لَيْسَ لَهُ سَمِيٌّ ولا نِدٌّ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فَإنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ، وخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وكُلُّ ما سِواهُ عِبادٌ لَهُ، فُقَراءُ إلَيْهِ. (p-٢٩٢)﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ [مريم: ٩٤] ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] ومِن ذَلِكَ: أمْرُ الحَلالِ والحَرامِ، فَإنَّ اليَهُودَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] فَلا يَأْكُلُونَ ذَواتَ الظُّفْرِ مِثْلَ الإبِلِ والبَطِّ، ولا شَحْمَ الثَّرْبِ (الثَّرْبُ: شَحْمٌ رَقِيقٌ يُغْشِي الكَرِشَ والأمْعاءَ، وجَمْعُهُ ثُرُوبٌ) والكُلْيَتَيْنِ، ولا الجَدْيَ في لَبَنِ أُمِّهِ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّعامِ واللِّباسِ وغَيْرِهِما. حَتّى قِيلَ: إنَّ المُحَرَّماتِ عَلَيْهِمْ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ نَوْعًا. والواجِبُ عَلَيْهِمْ مِائَتانِ وثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ أمْرًا، وكَذَلِكَ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ في النَّجاساتِ حَتّى لا يُواكِلُوا الحائِضَ، ولا يُجامِعُوها في البُيُوتِ. وأمّا النَّصارى فاسْتَحَلُّوا الخَبائِثَ وجَمِيعَ المُحَرَّماتِ، وباشَرُوا جَمِيعَ النَّجاساتِ، وإنَّما قالَ لَهُمُ المَسِيحُ: ﴿ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وأمّا المُؤْمِنُونَ فَكَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ (p-٢٩٣)ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمُ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهَذا بابٌ يَطُولُ وصْفُهُ، وهَكَذا أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ في الفِرَقِ. فَهم في بابِ أسْماءِ اللَّهِ وآياتِهِ وصِفاتِهِ، وسَطٌ بَيْنَ أهْلِ التَّعْطِيلِ، الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْماءِ اللَّهِ وآياتِهِ، ويُعَطِّلُونَ حَقائِقَ ما نَعَتَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ حَتّى يُشَبِّهُوهُ بِالعَدَمِ والمَواتِ. وبَيْنَ أهْلِ التَّمْثِيلِ الَّذِينَ يَضْرِبُونَ لَهُ الأمْثالَ ويُشَبِّهُونَهُ بِالمَخْلُوقاتِ. فَيُؤْمِنُ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ بِما وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، وما وصَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ، ومِن غَيْرِ تَكْيِيفٍ وتَمْثِيلٍ، وهم في بابِ خَلْقِهِ وأمْرِهِ وسَطٌ بَيْنَ المُكَذِّبِينَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِقُدْرَتِهِ الكامِلَةِ ومَشِيئَتِهِ الشّامِلَةِ وخَلْقِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ. وبَيْنَ المُفْسِدِينَ لِدِينِ اللَّهِ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ العَبْدَ لَيْسَ لَهُ مَشِيئَةٌ ولا قُدْرَةٌ ولا عَمَلٌ، فَيُعَطِّلُونَ الأمْرَ والنَّهْيَ والثَّوابَ والعِقابَ. فَيَصِيرُونَ بِمَنزِلَةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَيُؤْمِنُ أهْلُ السُّنَّةِ بِأنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فَيَقْدِرُ أنْ يَهْدِيَ العِبادَ، ويُقَلِّبَ قُلُوبَهم. وإنَّهُ ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. فَلا يَكُونُ في مُلْكِهِ ما لا يُرِيدُ، ولا يَعْجِزُ عَنْ إنْفاذِ مُرادِهِ. وإنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأعْيانِ والصِّفاتِ والحَرَكاتِ. ويُؤْمِنُونَ أنَّ العَبْدَ لَهُ قُدْرَةٌ ومَشِيئَةٌ وعَمَلٌ. وأنَّهُ مُخْتارٌ. ولا يُسَمُّونَهُ مَجْبُورًا. إذِ المَجْبُورُ مَن أُكْرِهَ عَلى خِلافِ اخْتِيارِهِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ العَبْدَ مُخْتارًا لِما يَفْعَلُهُ. فَهو مُخْتارٌ مُرِيدٌ، واللَّهُ خالِقُهُ وخالِقُ اخْتِيارِهِ. وهَذا لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ. (p-٢٩٤)فَإنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لا في ذاتِهِ ولا في صِفاتِهِ ولا في أفْعالِهِ. وهم في بابِ الأسْماءِ والأحْكامِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، وسَطٌ بَيْنَ الوَعِيدِيَّةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ أهْلَ الكَبائِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ مُخَلَّدِينَ في النّارِ، ويُخْرِجُونَهم مِنَ الإيمانِ بِالكُلِّيَّةِ. ويُكَذِّبُونَ بِشَفاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ . وبَيْنَ المُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إيمانُ الفُسّاقِ مِثْلُ إيمانِ الأنْبِياءِ. والأعْمالُ الصّالِحَةُ لَيْسَتْ مِنَ الدِّينِ والإيمانِ، ويُكَذِّبُونَ بِالوَعِيدِ والعِقابِ بِالكُلِّيَّةِ. فَيُؤْمِنُ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ بِأنَّ فُسّاقَ المُسْلِمِينَ مَعَهم بَعْضُ الإيمانِ وأصْلُهُ. ولَيْسَ مَعَهم جَمِيعُ الإيمانِ الواجِبِ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ الجَنَّةَ. وأنَّهم لا يَخْلُدُونَ في النّارِ بَلْ يَخْرُجُ مِنها مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن إيمانٍ، أوْ مِثْقالُ خَرْدَلَةٍ مِن إيمانٍ. وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ادَّخَرَ شَفاعَتَهُ لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِهِ. وهم أيْضًا في أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَضِيَ عَنْهم، وسَطٌ بَيْنَ الغالِيَةِ الَّذِي يُغالُونَ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيُفَضِّلُونَهُ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُ الإمامُ المَعْصُومُ دُونَهُما، وأنَّ الصَّحابَةَ ظَلَمُوا وفَسَقُوا، وكَفَّرُوا الأُمَّةَ بَعْدَهم كَذَلِكَ، ورُبَّما جَعَلُوهُ نَبِيًّا أوْ إلَهًا. وبَيْنَ الجافِيَةِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ كُفْرَهُ وكُفْرَ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ويَسْتَحِلُّونَ دِماءَهُما ودِماءَ مَن تَوَلّاهُما. ويَسْتَحِبُّونَ سَبَّ عَلِيٍّ وعُثْمانَ ونَحْوَهُما. ويَقْدَحُونَ في خِلافَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وإمامَتِهِ. وكَذَلِكَ في سائِرِ أبْوابِ السُّنَّةِ هم وسَطٌ. لِأنَّهم مُتَمَسِّكُونَ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وما اتَّفَقَ عَلَيْهِ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ. انْتَهى. "وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها" أيْ ما شَرَعْنا القِبْلَةَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] أيْ ما شَرَعَها. و"الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها" لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْقِبْلَةِ إنَّما هو ثانِي مَفْعُولَيْ "جَعَلَ" أيْ وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها أيْ في مَكَّةَ تَسْتَقْبِلُها قَبْلَ (p-٢٩٥)الهِجْرَةِ، وهي الكَعْبَةُ. يَعْنِي: وما رَدَدْناكَ إلَيْها إلّا امْتِحانًا لِلنّاسِ وابْتِلاءً. أوْ "كُنْتَ عَلَيْها" بِمَعْنى صِرْتَ عَلَيْها الآنَ. كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] أوْ بِمَعْنى كُنْتَ عَلى تَطَلُبِها، أيْ حَرِيصًا عَلَيْهِ، وراغِبًا فِيهِ. كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيَةَ. وعَلى هَذِهِ الأوْجُهِ، فَتَكُونُ الآيَةُ بَيانًا لِلْحِكْمَةِ في جَعْلِ الكَعْبَةِ قِبْلَةً، أوْ مَعْنى "الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها": قَبْلَ وقْتِكَ هَذا، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ. أيْ: إنَّما شَرَعْنا لَكَ التَّوَجُّهَ أوَّلًا إلَيْهِ ثُمَّ صَرَفْناكَ عَنْهُ إلى الكَعْبَةِ لِيَظْهَرَ حالُ مَن يَتَّبِعُكَ، حَيْثُما تَوَجَّهَتْ، مِن غَيْرِهِ. فَتَكُونُ الآيَةُ بَيانًا لِلْحِكْمَةِ في جَعْلِ بَيْتِ المَقْدِسِ قِبْلَةً أوَّلًا. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ هو التَّمْيِيزُ بَيْنَ النّاسِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ في كُلِّ ما يُؤْمَرُ بِهِ، فَيَثْبُتُ عِنْدَ تَقَلُّبِ الأحْكامِ بِما في قَلْبِهِ مِن صِدْقِ التَّعَلُّقِ بِاللَّهِ والتَّوَجُّهِ لَهُ أيّانَ ما وجَّهَهُ "مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ" أيْ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ فَيُنافِقُ أوْ يَكْفُرُ مِمَّنْ كانَ يُظْهِرُ الِاتِّباعَ. وأصْلُ المُنْقَلِبِ عَلى عَقِبَيْهِ: الرّاجِعُ مُسْتَدِيرًا في الطَّرِيقِ الَّذِي قَدْ كانَ قَطَعَهُ مُنْصَرِفًا عَنْهُ. اسْتُعِيرَ لِكُلِّ راجِعٍ عَنْ أمْرٍ كانَ فِيهِ مِن دِينٍ أوْ خَيْرٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَدِ ارْتَدَّ، في مِحْنَةِ اللَّهِ أصْحابَ رَسُولِهِ في القِبْلَةِ، رِجالٌ مِمَّنْ كانَ قَدْ أسْلَمَ، وأظْهَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُنافِقِينَ مِن (p-٢٩٦)أجْلِ ذَلِكَ نِفاقَهم. وقالُوا: ما بالُ مُحَمَّدٍ يُحَوِّلُنا مَرَّةً إلى هَهُنا ومَرَّةً إلى هَهُنا ؟ وقالَ المُسْلِمُونَ، فِيمَن مَضى مِن إخْوانِهِمُ المُسْلِمِينَ وهم يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ: بَطَلَتْ أعْمالُنا وأعْمالُهم وضاعَتْ. وقالَ المُشْرِكُونَ: تَحَيَّرَ مُحَمَّدٌ في دِينِهِ. فَكانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وتَمْحِيصًا لِلْمُؤْمِنِينَ. انْتَهى. (لَطِيفَةٌ) العَقِبَيْنِ تَثْنِيَةُ عَقِبٍ وهو مُؤَخَّرُ القَدَمِ. والِانْقِلابُ عَلَيْهِما اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] وكَقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] (تَنْبِيهٌ) قالَ الرّاغِبُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ما وجْهُ قَوْلِهِ "إلّا لِنَعْلَمَ" وذَلِكَ يَقْتَضِي اسْتِفادَةَ عِلْمٍ، ولَمْ يَزَلْ تَعالى عالِمًا بِما كانَ وبِما يَكُونُ ؟ (قِيلَ): إنَّ ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي لَوْلا السَّمْعُ لَما تَجاسَرْنا عَلى إطْلاقِها عَلَيْهِ تَعالى. ومَجازُ ذَلِكَ عَلى أوْجُهٍ: (الأوَّلُ) أنَّ اللّامَ في مِثْلِ ذَلِكَ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: حُدُوثَ الفِعْلِ في نَفْسِهِ وحُدُوثَ العِلْمِ بِهِ. ولِما كانَ عِلْمُ اللَّهِ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ، صارَ اللّامُ فِيهِ مُقْتَضِيًا حُدُوثَ الفِعْلِ لا حُدُوثَ العِلْمِ. (والثّانِي) أنَّ العِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ عَلى ما هو بِهِ. واللَّهُ تَعالى عَلِمَهم، قَبْلَ أنْ يَتْبَعُوهُ، غَيْرَ تابِعِينَ. وبَعْدَ أنْ تَبِعُوهُ عَلِمَهم تابِعِينَ. وهَذا الجَوابُ هو في الحَقِيقَةِ الأوَّلُ. لِأنَّ التَّغْيِيرَ داخِلٌ في المَعْلُومِ لا في العِلْمِ. (والثّالِثُ) مَعْناهُ لِيُعْلِمَ غَيْرَنا بِنا. فَنَسَبَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] (p-٢٩٧)وفِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] وإنَّما عَلَّمَهُ بِمَلائِكَتِهِ. (والرّابِعُ) مَعْناهُ لِنُجازِيَ. وذَلِكَ مُتَعارَفٌ. نَحْوَ قَوْلِكَ: سَأعْلَمُ حُسْنَ بَلائِكَ. أيْ سَأجْزِيكَ عَلى حَسَبِ مُقْتَضى عِلْمِي قَبْلُ. فَعَبَّرَ عَنِ الجَزاءِ بِالعِلْمِ لِما كانَ هو سَبَبَهُ. (والخامِسُ) أنَّ عادَةَ الحَلِيمِ إذا أفادَ غَيْرَهُ عِلْمًا أنْ يَقُولَ: تَعالَ حَتّى نَعْلَمَ كَذا. وإنَّما يُرِيدُ إعْلامَ المُخاطَبِ. لَكِنْ يُحِلُّ نَفْسَهُ مَحَلَّ المُشارِكِ لِلْمُتَعَلِّمِ عَلى سَبِيلِ اللُّطْفِ. انْتَهى. والوَجْهُ الثّالِثُ هو الَّذِي اخْتارَهُ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ قالَ: أمّا مَعْناهُ عِنْدَنا: وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِيَعْلَمَ رَسُولِي وحِزْبِي وأوْلِيائِي: مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ. (قالَ) وكانَ مِن شَأْنِ العَرَبِ إضافَةُ ما فَعَلَتْهُ أتْباعُ الرَّئِيسِ، إلى الرَّئِيسِ، وما فُعِلَ بِهِمْ، إلَيْهِ. نَحْوَ قَوْلِهِمْ: فَتَحَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ سَوادَ العِراقِ وجَبى خَراجَها، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ أصْحابُهُ، عَنْ سَبَبٍ كانَ مِنهُ في ذَلِكَ. وكالَّذِي رُوِيَ في نَظِيرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««يَقُولُ اللَّهُ (p-٢٩٨)جَلَّ ثَناؤُهُ: مَرِضْتُ فَلَمْ يَعُدْنِي عَبْدِي. واسْتَقْرَضْتُهُ فَلَمْ يُقْرِضْنِي»» فَأضافَ، تَعالى ذِكْرُهُ، الِاسْتِقْراضَ والعِيادَةَ إلى نَفْسِهِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ، إذْ كانَ ذَلِكَ عَنْ سَبَبِهِ. قَدْ حُكِيَ عَنِ العَرَبِ سَماعًا: أجُوعُ في غَيْرِ بَطْنِي، وأعْرى في غَيْرِ ظَهْرِي. بِمَعْنى جُوعِ أهْلِهِ وعِيالِهِ وعُرْيِ ظُهُورِهِمْ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ "إلّا لِنَعْلَمَ" بِمَعْنى: يَعْلَمُ أوْلِيائِي وحِزْبِي اهـ. "وإنْ كانَتْ" أيِ التَّوْلِيَةُ إلَيْها أوِ الجَعْلَةُ أوِ التَّحْوِيلَةُ "لَكَبِيرَةً" أيْ ثَقِيلَةٌ شاقَّةٌ. لِأنَّ مُفارَقَةَ الإلْفِ، بَعْدَ طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ إلَيْهِ، أمْرٌ شاقٌّ جِدًّا ﴿إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ قُلُوبَهم، فَأيْقَنُوا بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ وأنَّ كُلَّ ما جاءَ بِهِ فَهو الحَقُّ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ. وأنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ. فَلَهُ أنْ يُكَلِّفَ عِبادَهُ بِما شاءَ ويَنْسَخَ ما يَشاءُ. ولَهُ الحِكْمَةُ التّامَّةُ والحُجَّةُ البالِغَةُ في جَمِيعِ ذَلِكَ، بِخِلافِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَإنَّهُ كُلَّما حَدَثَ أمْرٌ، أحْدَثَ لَهم شَكًّا. كَما يَحْصُلُ، لِلَّذِينِ آمَنُوا، إيقانٌ وتَصْدِيقٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿ونُنَـزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هَذا تَطْمِينٌ لِمَن صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ مِنَ المُسْلِمِينَ ومِن أهْلِ الكِتابِ قَبْلَ النَّسْخِ. (p-٢٩٩)وبَيانُ أنَّهم يُثابُونَ عَلى ذَلِكَ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي إسْحاقَ المُتَقَدِّمِ عَنِ البَراءِ: وكانَ الَّذِي ماتَ عَلى القِبْلَةِ، قَبْلَ أنْ تَحَوَّلَ قِبَلَ البَيْتِ، رِجالٌ قُتِلُوا، لَمْ نَدْرِ ما نَقُولُ فِيهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ أيْ صَلاتَكم. وإنَّما عَدَلَ إلى لَفْظِ الإيمانِ، الَّذِي هو عامٌّ في الصَّلاةِ وغَيْرِها، لِيُفِيدَهم أنَّهُ لَمْ يَضِعْ شَيْءٌ مِمّا عَمِلُوهُ، ثُمَّ يَصِحُّ عَنْهم، فَيَنْدَرِجُ المَسْؤُولُ عَنْهُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، ويَكُونُ الحُكْمُ كُلِّيًّا. وذُكِرَ بِلَفْظِ الخِطابِ دُونَ الغائِبِ، لِيَتَناوَلَ الماضِينَ والباقِينَ، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ المُخاطَبِ عَلى الغائِبِ في اللَّفْظِ، وفي تَتِمَّةِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى تَعْلِيلِ عَدَمِ الإضاعَةِ، بِما اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الرَّأْفَةِ المُنافِيَةِ لِما هَجَسَ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الإضاعَةِ. ولِما انْطَوى ضَمِيرُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى إرادَةِ التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، لِأنَّها قِبْلَةُ أبِيهِ إبْراهِيمَ ومَفْخَرَةُ العَرَبِ ومَزارُهم ومَطافُهم، ولِمُخالَفَةِ اليَهُودِ - أجابَهُ الحَقُّ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

البقرة 2:144

(p-٣٠٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٤ ] ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ أيْ تَرَدُّدَ وجْهِكَ وتَصَرُّفَ نَظَرِكَ في جِهَةِ السَّماءِ تَشَوُّفًا لِنُزُولِ الوَحْيِ بِالتَّحْوِيلِ. قالُوا: وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى حُسْنِ أدَبِهِ حَيْثُ انْتَظَرَ ولَمْ يَسْألْ. وهَذا ألْطَفُ مِمّا قِيلَ: إنَّ تَقَلُّبَ وجْهِهِ كِنايَةٌ عَنْ دُعائِهِ، ولا مانِعَ أنْ يُرادَ بِتَقَلُّبِ وجْهِهِ ﷺ بِالتَّحْوِيلِ، فَفِيهِ إعْلامٌ بِما جَعَلَهُ تَعالى مِنِ اخْتِصاصِ السَّماءِ بِوَجْهِ الدّاعِي. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً في التِّلاوَةِ، فَهي مُتَقَدِّمَةٌ في المَعْنى، فَإنَّها رَأْسُ القِصَّةِ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ أيْ: لَنُعْطِيَنَّكَ أوْ لَنُوَجِّهَنَّكَ إلى قِبْلَةٍ تُحِبُّها وتَمِيلُ إلَيْها. ودَلَّ عَلى أنَّ مَرْضِيَّهُ الكَعْبَةُ، بِفاءِ السَّبَبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ نَحْوَهُ وجِهَتَهُ. والتَّعْبِيرُ عَنِ الكَعْبَةِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ إشارَةٌ إلى أنَّ الواجِبَ مُراعاةُ الجِهَةِ دُونَ العَيْنِ: ﴿وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ أيْ حَيْثُما كُنْتُمْ في بَرٍّ أوْ بَحْرٍ فَوَلُّوا وُجُوهَكم في الصَّلاةِ تِلْقاءَ المَسْجِدِ. وأمّا سِرُّ الأمْرِ بِالتَّوْلِيَةِ خاصًّا وعامًّا، فَقالَ الرّاغِبُ: أمّا خِطابُهُ الخاصُّ فَتَشْرِيفًا لَهُ وإيجابًا لِرَغْبَتِهِ. وأمّا خِطابُهُ العامُّ بَعْدَهُ، فَلِأنَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ هَذا أمْرٌ قَدْ خُصَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ. كَما خُصَّ في قَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] ولِأنَّهُ لَمّا كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ أمْرًا لَهُ خَطَرَ، خَصَّهم بِخِطابٍ مُفْرَدٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ ولِيَكُونَ لَهم في ذَلِكَ تَشْرِيفٌ. ولِأنَّ في الخِطابِ العامِّ (p-٣٠١)تَعْلِيقَ حُكْمٍ آخَرَ بِهِ. وهو أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ القُرْبِ والبُعْدِ في وُجُوبِ التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ. ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ قالَ الفَخْرُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ "أنَّهُ الحَقُّ" راجِعٌ إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّسُولِ، كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُ القِبْلَةِ. فَجازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ القَوْمَ يَعْلَمُونَ أنَّ الرَّسُولَ مَعَ شَرْعِهِ ونُبُوَّتِهِ حَقٌّ، فَيَشْتَمِلُ ذَلِكَ عَلى أمْرِ القِبْلَةِ وغَيْرِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَرْجِعَ إلى هَذا التَّكْلِيفِ الخاصِّ بِالقِبْلَةِ، وأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ. وهَذا الِاحْتِمالُ الأخِيرُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِالمَساقِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن وُجُوهِ عِلْمِهِمْ لِذَلِكَ: أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الكَعْبَةَ هي البَيْتُ العَتِيقُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى قِبْلَةً لِإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ. وأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ. ومَتى عَلِمُوا نُبُوَّتَهُ فَقَدْ عَلِمُوا لا مَحالَةَ أنَّ كُلَّ ما أتى بِهِ فَهو حَقٌّ. فَكانَ هَذا التَّحْوِيلُ حَقًّا. قُلْتُ: وثَمَّ وجْهٌ آخَرُ أدَقُّ مِمّا ذَكَرَهُ الفَخْرُ في عِلْمِهِمْ حَقِّيَّةَ ذَلِكَ التَّحْوِيلِ وأنَّهُ مِن أعْلامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ . وبَيانُهُ أنَّ أمْرَهُ تَعالى لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولِكافَّةِ مَنِ اتَّبَعَهُ، بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، مِن جُمْلَةِ الِاسْتِعْلانِ في فارّانِ المَذْكُورِ في التَّوْراةِ إشارَةً لِخاتَمِ النَّبِيِّينَ وبِشارَةً بِهِ. فَقَدْ جاءَ في الإصْحاحِ الثّالِثِ والثَّلاثِينَ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ – (ويُقالُ الِاسْتِثْناءُ) هَكَذا: وهَذِهِ هي البَرَكَةُ الَّتِي بارَكَ بِها مُوسى رَجُلُ اللَّهِ بَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَقالَ: جاءَ الرَّبُّ مِن سَيْناءَ وأشْرَقَ لَهم مِن سَعِيرٍ، وتَلَأْلَأ مِن جَبَلِ فارانَ. وهَذِهِ البِشارَةُ تُنَبِّهُ عَلى مُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى في طُورِ سَيْناءَ، والإنْجِيلَ عَلى عِيسى في جَبَلِ سَعِيرٍ. لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَسْكُنُ أرْضَ الخَلِيلِ مِن سَعِيرٍ بِقَرْيَةٍ تُدْعى النّاصِرَةَ. وتَلَأْلُؤُهُ مِن جَبَلِ فارانَ عِبارَةٌ عَنْ إنْزالِهِ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في جَبَلِ فارانَ. وفارانُ هي مَكَّةُ. لا يُخالِفُنا في ذَلِكَ أهْلُ الكِتابِ. فَفي الإصْحاحِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ في حالِ إسْماعِيلَ (p-٣٠٢)عَلَيْهِ السَّلامُ هَكَذا: وكانَ اللَّهُ مَعَ الغُلامِ فَكَبَّرَ. وسَكَنَ في البَرِّيَّةِ وكانَ يَنْمُو رامِيَ قَوْسٍ، وسَكَنَ في بَرِّيَّةِ فارانَ. ولا شَكَّ أنَّ إسْماعِيلَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ سُكْناهُ في مَكَّةَ، وفِيها ماتَ وبِها دُفِنَ. وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: وفي الحَدِيثِ ذِكْرُ جَبَلِ فارانَ اسْمٌ لِجِبالِ مَكَّةَ بِالعِبْرانِيِّ. لَهُ ذِكْرٌ في أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وألِفُهُ الأُولى لَيْسَتْ بِهَمْزَةٍ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ قُرِئَ بِالياءِ والتّاءِ. فِيهِ إنْباءٌ بِتَمادِيهِمْ عَلى سُوءِ أحْوالِهِمْ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ حَقٌّ، أعْلَمَ أنَّ صِفَتَهم لا تَتَغَيَّرُ في الِاسْتِمْرارِ عَلى المُعانَدَةِ بِقَوْلِهِ:

البقرة 2:145

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٥ ] ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى "بِكُلِّ آيَةٍ" أيْ بُرْهانٍ قاطِعٍ أنَّ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ هو الحَقُّ "ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ" أيْ هَذِهِ الَّتِي حَوَّلَتْ إلَيْها. لِأنَّ تَرْكَهُمُ اتِّباعَكَ لَيْسَ عَنْ شُبْهَةٍ تُزِيلُها بِإيرادِ الحُجَّةِ. إنَّما هو عَنْ مُكابَرَةٍ وعِنادٍ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِن نَعْتِكَ أنَّكَ عَلى الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ هَذا حَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ في العَوْدِ إلَيْها. أوْ لِلْمُقابَلَةِ. يَعْنِي ما هم بِتارِكِي باطِلِهِمْ وما أنْتَ بِتارِكِ حَقِّكَ ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فَلا اتِّفاقَ بَيْنَ فَرِيقَيْهِمْ، مَعَ كَوْنِ الكُلِّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أخْبَرَ تَعالى عَنْ تَصَلُّبِ كُلِّ حِزْبٍ فِيما هو فِيهِ وثَباتِهِ عَلَيْهِ. فالمُحِقُّ مِنهم لا يَزِلُّ عَنْ مَذْهَبِهِ لِتَمَسُّكِهِ بِالبُرْهانِ. والمُبْطِلُ لا يُقْلِعُ عَنْ باطِلِهِ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ في عِنادِهِ. وفِيهِ إراحَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ التَّطَلُّعِ إلى هُدى بَعْضِهِمْ. (p-٣٠٣)فَوائِدُ الأُولى: قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ كَيْفَ أُعْلِمَ بِأنَّهم لا يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَهُ وقَدْ آمَنَ مِنهم فَرِيقٌ ؟ قِيلَ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ هَذا حُكْمٌ عَلى الكُلِّ دُونَ الأبْعاضِ. وهَذا صَحِيحٌ. بِدَلالَةِ أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما آمَنُوا ولَكِنْ آمَنَ بَعْضُهم، لَمْ يَكُنْ مُنافِيًا. وقِيلَ: عُنِيَ بِهِ أقْوامٌ مَخْصُوصُونَ. الثّانِيَةُ: قالَ الرّاغِبُ: في قَوْلِهِ تَعالى "وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ" إشارَةٌ عَلى أنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، فَمِنَ المُحالِ أنْ يَرْتَدَّ. ولِذا قِيلَ: ما رَجَعَ مَن رَجَعَ إلّا مِنَ الطَّرِيقِ: أيْ ما أخَلَّ بِالإيمانِ إلّا مَن لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ حَقَّ الوُصُولِ. إنْ قِيلَ: فَقَدْ يُوجَدُ مَن يَحْصُلُ لَهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ ثُمَّ يَرْتَدُّ ! . (قِيلَ) إنَّ الَّذِي يُقَدِّرُ أنَّهُ مَعْرِفَةٌ، هو ظَنٌّ مُتَصَوَّرٌ بِصُورَةِ العِلْمِ. فَأمّا أنْ يَحْصُلَ لَهُ العِلْمُ الحَقِيقِيُّ ثُمَّ يَعْقُبُهُ الِارْتِدادُ فَبَعِيدٌ، ولَمْ يَعْنِ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ ما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإنْسانِ بِالفِطْنَةِ، فَإنَّ تِلْكَ كَشَرَرَةٍ تَخْمَدُ إذا لَمْ تَتَوَقَّدْ. الثّالِثَةُ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، في بَدائِعِ الفَوائِدِ: قِبْلَةُ أهْلِ الكِتابِ لَيْسَتْ بِوَحْيٍ وتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ. بَلْ بِمَشُورَةٍ واجْتِهادٍ مِنهم. أمّا النَّصارى فَلا رَيْبَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهم في الإنْجِيلِ ولا في غَيْرِهِ بِاسْتِقْبالِ المَشْرِقِ. وهم يُقِرُّونَ بِأنَّ قِبْلَةَ المَسِيحِ قِبْلَةُ بَنِي إسْرائِيلَ. وهي الصَّخْرَةُ، وإنَّما وضَعَ لَهم أشْياخُهم هَذِهِ القِبْلَةَ. فَهم مَعَ اليَهُودِ، مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يُشَرِّعِ اسْتِقْبالَ بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى رَسُولِهِ أبَدًا. والمُسْلِمُونَ شاهِدُونَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الأمْرِ. وأمّا اليَهُودُ فَلَيْسَ في التَّوْراةِ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ الصَّخْرَةِ البَتَّةَ. وإنَّما كانُوا يَنْصِبُونَ التّابُوتَ ويُصَلُّونَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ خَرَجُوا. فَإذا قَدِمُوا نَصَبُوهُ عَلى الصَّخْرَةِ وصَلَّوْا إلَيْهِ. فَلَمّا رُفِعَ صَلَّوْا إلى مَوْضِعِهِ وهو الصَّخْرَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ بَعْدَ الإفْصاحِ عَنْ حَقِيقَةِ حالِهِ المَعْلُومَةِ عِنْدَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ كَلامٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ. بِمَعْنى: ولَئِنِ اتَّبَعْتَهم، مَثَلًا، بَعْدَ وُضُوحِ البُرْهانِ والإحاطَةِ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ "إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ" أيِ المُرْتَكِبِينَ الظُّلْمَ الفاحِشَ. (p-٣٠٤)وفِي ذَلِكَ لُطْفٌ لِلسّامِعِينَ وزِيادَةُ تَحْذِيرٍ واسْتِفْظاعٍ لِحالِ مَن يَتْرُكُ الدَّلِيلَ بَعْدَ إنارَتِهِ، ويَتَّبِعُ الهَوى. وتَهْيِيجٌ وإلْهابٌ لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قالَ الرّاغِبُ: حَذَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ مِنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ. ونَبَّهَ أنَّ اتِّباعَ الهَوى بَعْدَ التَّحَقُّقِ بِالعِلْمِ يَدْخُلُ مُتَحَرِّيهِ في جُمْلَةِ الظُّلْمَةِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ تَحْذِيرَهُ مِنَ الجُنُوحِ إلى الهَوى حَتّى كَرَّرَ ذَلِكَ في عِدَّةِ مَواضِعَ. وقَوْلُ مَن قالَ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمَعْنِيُّ بِهِ الأُمَّةُ، فَلا مَعْنى لِتَخَصُّصِهِ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُحَذِّرُ نَبِيَّهُ مِنِ اتِّباعِ الهَوى أكْثَرَ مِمّا يُحَذِّرُ غَيْرَهُ. فَذُو المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ إلى تَحْذِيرِ الإنْذارِ عَلَيْهِ أحْوَجُ، حِفْظًا لِمَنزِلَتِهِ وصِيانَةً لِمَكانَتِهِ اهـ. وهو كَلامٌ نَفِيسٌ جِدًّا. (الثّانِي) في الآيَةِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ العِلْمِ. حَيْثُ سَمّى أمْرَ النُّبُوّاتِ والدَّلائِلِ والمُعْجِزاتِ بِاسْمِ العِلْمِ، فَذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ العِلْمَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ شَرَفًا ومَرْتَبَةً. (الثّالِثُ) دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَوَجُّهَ الوَعِيدِ عَلى العُلَماءِ أشَدُّ مِن تَوَجُّهِهِ عَلى غَيْرِهِمْ. لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. ذَكَرَهُ الرّازِيُّ.

البقرة 2:146

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٦ ] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ أيْ يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعْرِفَةً لا امْتِراءَ فِيها، كَما لا يَمْتَرُونَ في مَعْرِفَةِ أوْلادِهِمْ مِن بَيْنِ أوْلادِ النّاسِ. وهَذِهِ المَعْرِفَةُ مُسْتَفادَةٌ مِنَ الكِتابِ. كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْ نَعْتِهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا (p-٣٠٥)عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] يَعْنِي يَعْرِفُونَهُ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِأنَّهُ هو النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِحَيْثُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ. كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، ولا تَلْتَبِسُ أشْخاصُهم بِغَيْرِهِمْ. فَهو تَشْبِيهٌ لِلْمَعْرِفَةِ العَقْلِيَّةِ الحاصِلَةِ مِن مُطالَعَةِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، بِالمَعْرِفَةِ الحِسِّيَّةِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما يَقِينِيٌّ، لا اشْتِباهَ فِيهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمْرَ أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: أتَعْرِفُ مُحَمَّدًا كَما تَعْرِفُ ولَدَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ وأكْثَرُ؛ نَزَلَ الأمِينُ مِنَ السَّماءِ عَلى الأمِينِ في الأرْضِ بِنَعْتِهِ فَعَرَفْتُهُ، وإنِّي لا أدْرِي ما كانَ مِن أُمِّهِ. فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأْسَهُ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهُمْ﴾ أيْ أهْلَ الكِتابِ، مَعَ ذَلِكَ التَّحَقُّقِ والإيقانِ العِلْمِيِّ ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيْ يُخْفُونَهُ ولا يُعْلِنُونَهُ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيِ الحَقَّ، أوْ عِقابَ الكِتْمانِ، أوْ أنَّهم يَكْتُمُونَ. قالَ الرّاغِبُ: لَمْ يَقُلْ يَكْتُمُونَهُ. لِأنَّ في كِتْمانِ أمْرِهِ كِتْمانَ الحَقِّ جُمْلَةً. وزادَ في ذَمِّهِمْ بِقَوْلِهِ "وهم يَعْلَمُونَ" فَإنَّهُ لَيْسَ المُرْتَكِبُ ذَنْبًا عَنْ جَهْلٍ، كَمَن يَرْتَكِبُهُ عَنْ عِلْمٍ.

البقرة 2:147

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٧ ] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ "الحَقُّ مِن رَبِّكَ" أيِ الحَقُّ مِنَ اللَّهِ، لا مِن غَيْرِهِ. يَعْنِي أنَّ الحَقَّ ما ثَبَتَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ. وما لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ، فَهو الباطِلُ. أيْ: (p-٣٠٦)هَذا الَّذِي يَكْتُمُونَهُ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ. وقَرَأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "الحَقَّ"، بِالنَّصْبِ عَلى الإبْدالِ مِنَ الأوَّلِ، كَما في الكَشّافِ. أوِ المَفْعُولِيَّةِ لِـ "يَعْلَمُونَ" . كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ. "فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ" الشّاكِّينَ في كِتْمانِهِمُ الحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ، أوْ في الحَقِّ الَّذِي جاءَكَ مِن رَبِّكَ، وهو ما أنْتَ عَلَيْهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّكَّ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ مِنهُ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْأُمَّةِ. وقالَ الرّاغِبُ: لَيْسَ هَذا بِنَهْيٍ عَنِ الشَّكِّ لِأنَّهُ لا يَكُونُ بِقَصْدٍ مِنَ الشّاكِّ، بَلْ هو حَثٌّ عَلى اكْتِسابِ المَعارِفِ المُزِيلَةِ لِلشَّكِّ واسْتِعْمالِها. وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]

البقرة 2:148

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٨ ] ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ "ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ" أيْ لِكُلِّ أُمَّةٍ، أوْ لِكُلِّ نَبِيٍّ قِبْلَةٌ أوْ شِرْعَةٌ ومِنهاجٌ "هُوَ مُوَلِّيها" وجْهَهُ. أيْ مائِلٌ إلَيْها بِوَجْهِهِ، تابِعٌ لَها. لِأنَّها حُبِّبَتْ إلَيْهِ، وزُيِّنَتْ لَهُ. وقالَ أبُو مُعاذٍ: مُوَلِّيها بِمَعْنى مُتَوَلِّيها. أيْ تَوَلّاها ورَضِيَها واتَّبَعَها "فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ" أيِ ابْتَدِرُوها بِالمُسابَقَةِ إلَيْها. وهَذا أبْلَغُ مِنَ الأمْرِ بِالمُسارَعَةِ، لِما فِيهِ مِنَ الحَثِّ عَلى إحْرازِ قَصَبِ السَّبْقِ، والمُرادُ بِالخَيْراتِ جَمِيعُ أنْواعِها مِمّا يَنالُ بِهِ سَعادَةَ الدّارَيْنِ: ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ قالَ الرّاغِبُ: أيْ أيُّ شُغْلٍ تَحَرَّيْتُمْ، وحَيْثُما تَصَرَّفْتُمْ، وأيَّ مَعْبُودٍ اتَّخَذْتُمْ، فَإنَّكم مَجْمُوعُونَ ومُحاسَبُونَ عَلَيْها: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. أيْ هو قادِرٌ عَلى جَمْعِكم مِنَ الأرْضِ، وإنْ تَفَرَّقَتْ أجْسادُكم وأبْدانُكم. (تَنْبِيهٌ) تُشِيرُ الآيَةُ إلى أنَّ النّاسَ عَلى مَذاهِبَ عَدِيدَةٍ وأدْيانٍ مُتَنَوِّعَةٍ. وأنَّ عَلى العاقِلِ أنْ يَسْتَبِقَ إلى ما كانَ خَيْرَها وأرْقاها. وقَدِ اتَّفَقَ العُقَلاءُ قاطِبَةً والفَلاسِفَةُ أنَّ دِينَ الإسْلامِ أرْقى الأدْيانِ كُلِّها لِما حَوى مِن حاجِيّاتِ الكَمالِ البَشَرِيِّ، ووَفى بِشُؤُونِ الِاجْتِماعِ، وأسْبابِ (p-٣٠٧)العُمْرانِ، وذَرائِعِ الرُّقِيِّ وطُرُقِ السَّعادَتَيْنِ. وهَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧] وقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ حُكْمَ التَّحْوِيلِ وبَيَّنَ عَدَمَ تَفاوُتِ أمْرِ الِاسْتِقْبالِ في حالَتَيِ السَّفَرِ والحَضَرِ بِقَوْلِهِ:

البقرة 2:149

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٩ ] ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ "ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ" أيْ: ومِن أيِّ بَلَدٍ خَرَجْتَ لِلسَّفَرِ "فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ" إذا صَلَّيْتَ "وإنَّهُ" أيْ هَذا الأمْرَ "لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ" قُرِئَ بِالياءِ فَهو وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ، وبِالتّاءِ فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. ولِما عَظُمَ في شَأْنِ القِبْلَةِ انْتِشارُ أقْوالِ السُّفَهاءِ وتَنَوُّعُ شَغَبِهِمْ وجِدالِهِمْ، كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ لِأمْرِها، تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وتَوْهِيَةً لِشُبَهِهِمْ، فَقالَ تَعالى:

البقرة 2:150

(p-٣٠٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٠ ] ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ أيْ لِئَلّا يَحْتَجَّ عَلَيْكم أحَدٌ في التَّوَلِّي إلى غَيْرِهِ، ولِتَنْتَفِيَ مُجادَلَتُهم لَكم، كَقَوْلِ اليَهُودِ مَثَلًا: يَجْحَدُ دِينَنا ويَتَّبِعُ قِبْلَتَنا ! وقَوْلُ غَيْرِهِمْ: يَدَّعِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ ويُخالِفُ قِبْلَتَهُ ! فَإذا صَلَّيْتُمْ إلَيْهِ لا تَكُونُ لَهم عَلَيْكم حُجَّةٌ. قالَ الرّاغِبُ: وأشارَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩] إلى تَحْقِيقِ ما قَدَّمَهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ إذا كانَتِ الحِكْمَةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِكُلِّ صاحِبِ شَرْعٍ قِبْلَةٌ يَخْتَصُّ بِها، وأنْتَ صاحِبُ شَرْعٍ، فَتَغْيِيرُ القِبْلَةِ لَكَ حَقٌّ مِن رَبِّكَ. (ثُمَّ قالَ): إنْ قِيلَ: لِمَ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ ؟ قِيلَ: حَثٌّ بِإحْداهُما عَلى التَّوَجُّهِ نَحْوَ القِبْلَةِ بِالقَلْبِ والبَدَنِ في أيْ مَكانٍ حَصَلَ لِلْإنْسانِ، نائِيًا كانَ عَنْها أوْ دانِيًا مِنها. وذَلِكَ مَآلُ الِاخْتِيارِ والتَّمَكُّنِ، وحَثَّ بِالآخَرِ عَلى التَّمَكُّنِ بِالقَلْبِ وحْدَهُ عِنْدَ اشْتِباهِ القِبْلَةِ، وفي النّافِلَةِ في حالِ اليُسْرِ عَلى الرّاحِلَةِ والسَّفَرِ. ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ فَإنَّهم يُظْهِرُونَ فُجُورًا ولَدَدًا في ذَلِكَ، بِالعِنادِ. وهم: إمّا اليَهُودُ المُعَبِّرُ عَنْهم بِأهْلِ الكِتابِ قَبْلُ، أوِ المُنافِقُونَ أوِ المُشْرِكُونَ كَما حَكى قَبْلُ في "السُّفَهاءِ"، وكانَ مِن قَوْلِ اليَهُودِ، فِيما حَكاهُ قَتادَةُ: اشْتاقَ الرَّجُلُ إلى بَيْتِ أبِيهِ ودِينِ قَوْمِهِ. ومِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ، فِيما حَكاهُ مُجاهِدٌ: قَدْ رَجَعَ إلى قِبْلَتِكم فَيُوشِكُ (p-٣٠٩)أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم. وتَقَدَّمَ قَوْلُ المُنافِقِينَ. وبِالجُمْلَةِ فالكُلُّ عابُوا وخاضُوا ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ تَخافُوا جِدالَهم ﴿واخْشَوْنِي﴾ فَلا تُخالِفُوا أمْرِي ﴿ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلى أكْمَلِ الجِهاتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْآياتِ البَيِّناتِ والأمْنِ "ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ" لِلصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها، فَتَهْتَدُونَ بِهَذِهِ القِبْلَةِ هِدايَةً كامِلَةً. قالَ الحُرّالِيُّ: وفي طَيِّهِ بُشْرى بِفَتْحِ مَكَّةَ، واسْتِيلائِهِ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ كُلِّها، وتَمْكِينُهُ بِذَلِكَ مِن سائِرِ أهْلِ الأرْضِ، لِاسْتِغْراقِ الإسْلامِ لِكافَّةِ العَرَبِ الَّذِينَ فَتَحَ اللَّهُ بِهِمْ لَهُ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، الَّتِي انْتَهى إلَيْها مُلْكُ أُمَّتِهِ.

البقرة 2:151

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥١ ] ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ "كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكُمْ" وقَوْلُهُ تَعالى "فِيكُمُ" المُرادُ بِهِ العَرَبُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ "مِنكُمْ" . وفِي إرْسالِهِ فِيهِمْ ومِنهم نِعَمٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ لِما لَهم فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ. ولِأنَّ المَشْهُورَ مِن حالِ العَرَبِ الأنَفَةُ الشَّدِيدَةُ مِن الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ. فَبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى مِن واسِطَتِهِمْ لِيَكُونُوا إلى القَبُولِ أقْرَبَ "يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا" يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ الَّذِي هو مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ. ولِأنَّهُ يُتْلى فَتَتَأدّى بِهِ العِباداتُ ويُسْتَفادُ مِنهُ جَمِيعُ العُلُومِ، ومَجامِعُ الأخْلاقِ الحَمِيدَةُ، فَتَحْصُلُ مِن تِلاوَتِهِ كُلُّ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ "ويُزَكِّيكُمْ" أيْ يُطَهِّرُكم مِنَ الشِّرْكِ وأفْعالِ الجاهِلِيَّةِ وسَفاسِفِ الأخْلاقِ "ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ" وهو القُرْآنُ. وهَذا لَيْسَ بِتَكْرارٍ. لِأنَّ تِلاوَةَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ تَعْلِيمِهِ إيّاهم "والحِكْمَةَ" وهي العِلْمُ بِسائِرِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَشْتَمِلُ القُرْآنُ عَلى تَفْصِيلِها. ولِذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الحِكْمَةُ هي (p-٣١٠)سُنَّةُ الرَّسُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ رَسُولَهُ عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وجَهالَةٍ مِنَ الأُمَمِ، فالخَلْقُ كانُوا مُتَحَيِّرِينَ ضالِّينَ في أمْرِ أدْيانِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ بِالحَقِّ. حَتّى عَلَّمَهم ما احْتاجُوا إلَيْهِ في دِينِهِمْ، فَصارُوا أعْمَقَ النّاسِ عِلْمًا وأبَرَّهم قُلُوبًا وأقَلَّهم تَكَلُّفًا وأصْدَقَهم لَهْجَةً، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ النِّعَمِ. قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآيَةَ، وذَمَّ مَن لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي، بِنِعْمَةِ اللَّهِ، مُحَمَّدًا ﷺ، ولِهَذا نَدَبَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى الِاعْتِرافِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ ومُقابَلَتِها بِذِكْرِهِ وشُكْرِهِ. وقالَ:

البقرة 2:152

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٢ ] ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ اذْكُرُونِي أيُّها المُؤْمِنُونَ بِطاعَتِكم إيّايَ فِيما آمُرُكم بِهِ وفِيما أنْهاكم عَنْهُ، أذْكُرُكم بِرَحْمَتِي إيّاكم ومَغْفِرَتِي لَكم. وقَدْ كانَ بَعْضُهم يَتَأوَّلُ ذَلِكَ أنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ بِالثَّناءِ والمَدْحِ. وقالَ القاشانِيُّ: اذْكُرُونِي بِالإجابَةِ والطّاعَةِ، أذْكُرُكم بِالمَزِيدِ والتَّوالِي. وهي بِمَعْنى ما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ "واشْكُرُوا لِي" قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ اشْكُرُوا لِي فِيما أنْعَمْتُ عَلَيْكم مِنَ الإسْلامِ والهِدايَةِ لِلدِّينِ الَّذِي شَرَعْتُهُ. وقَوْلُهُ "ولا تَكْفُرُونِ" أيْ لا تَجْحَدُوا إحْسانِي إلَيْكم فَأسْلُبَكم نِعْمَتِي الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم. قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أيِ اشْكُرُوا نِعْمَتِي: أنْ أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ، ولا تَجْحَدُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ، ويُقالُ: النِّعْمَةُ، في الحَقِيقَةِ هي العِلْمُ. وما سِواهُ فَهو تَحَوُّلٌ مِن راحَةٍ إلى راحَةٍ، ولَيْسَ بِنِعْمَةٍ. والعِلْمُ (p-٣١١)لا يَمِلُّ مِنهُ صاحِبُهُ. بَلْ يَطْلُبُ مِنهُ الزِّيادَةَ. فَأمْرُ اللَّهِ تَعالى بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وهي نِعْمَةُ بَعْثِهِ رَسُولًا يُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ. كَما قَصَّهُ الحَرّالِيُّ. ولَمّا كانَ لِلْعَرَبِ ولَعٌ بِالذِّكْرِ لِآبائِهِمْ ولِوَقائِعِهِمْ، جَعَلَ تَعالى ذِكْرَهُ لَهم عِوَضَ ما كانُوا يَذْكُرُونَ. كَما جَعَلَ كِتابَهُ عِوَضًا مِن أشْعارِهِمْ. وهَزَّ عَزائِمَهم لِذَلِكَ بِما يَسُرُّهم بِهِ مِن ذِكْرِهِ لَهم. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا مَعَ عَبْدِي حِينَ يَذْكُرُنِي. فَإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ هم خَيْرٌ مِنهم. وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ شِبْرًا اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا. وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ ذِراعًا اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ باعًا. فَإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»» . صَحِيحُ الإسْنادِ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ أيْضًا. ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ: أنَّهُما شَهِدا عَلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إلّا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، ونَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فَيَمَن عِنْدَهُ»» . والآثارُ في فَضْلِ الذِّكْرِ مُتَوافِرَةٌ ويَكْفِي فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ. (تَنْبِيهٌ) قالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: اعْلَمْ أنَّ فَضِيلَةَ الذِّكْرِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ في التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ ونَحْوِهِما، بَلْ كُلُّ عامِلٍ لِلَّهِ تَعالى بِطاعَةٍ، فَهو ذاكِرٌ لِلَّهِ تَعالى. (p-٣١٢)كَذا قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ. وقالَ عَطاءٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَجالِسُ الذِّكْرِ هي مَجالِسُ الحَلالِ والحَرامِ، كَيْفَ تَشْتَرِي وتَبِيعُ ؟ وتُصَلِّي وتَصُومُ ؟ وتَنْكِحُ وتُطَلِّقُ ؟ وأشْباهُ هَذا. وقالَ النَّوَوِيُّ أيْضًا: إنَّ الأذْكارَ المَشْرُوعَةَ في الصَّلاةِ وغَيْرِها، واجِبَةً كانَتْ أوْ مُسْتَحَبَّةً، لا يُحْسَبُ شَيْءٌ مِنها ولا يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى يَتَلَفَّظَ بِهِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ نَفْسَهُ إذا كانَ صَحِيحَ السَّمْعِ، لا عارِضَ. وقَدْ صَنَّفَ، في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ كُتُبًا نَفِيسَةً. ومِن أجْمَعِها لِلْمُتَأخِّرِينَ (كِتابُ الأذْكارِ لِلنَّوَوِيِّ)، ومِمَّنْ جَمَعَ زُبْدَةَ ما رَوى فِيها الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في (زادِ المَعادِ)، وقالَ في طَلِيعَةِ ذَلِكَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ أكْمَلَ الخَلْقِ ذِكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. بَلْ كانَ كَلامُهُ كُلُّهُ في ذِكْرِ اللَّهِ وما والاهُ. وكانَ أمْرُهُ ونَهْيُهُ وتَشْرِيعُهُ لِلْأُمَّةِ ذِكْرًا مِنهُ لِلَّهِ. وإخْبارُهُ عَنْ أسْماءِ الرَّبِّ وصِفاتِهِ وأحْكامِهِ وأفْعالِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ ذِكْرًا مِنهُ لَهُ. وثَناؤُهُ عَلَيْهِ بِآلائِهِ وتَمْجِيدُهُ وتَسْبِيحُهُ ذِكْرًا مِنهُ لَهُ. وسُؤالُهُ ودُعاؤُهُ إيّاهُ ورَغْبَتُهُ ورَهْبَتُهُ ذِكْرًا مِنهُ لَهُ. وسُكُونُهُ وصَمْتُهُ ذِكْرًا مِنهُ لَهُ بِقَلْبِهِ. فَكانَ ذِكْرُ اللَّهِ في كُلِّ أحْيانِهِ وعَلى جَمِيعِ أحْوالِهِ. وكانَ ذِكْرُهُ اللَّهَ يَجْرِي مَعَ أنْفاسِهِ قائِمًا وقاعِدًا، وعَلى جَنْبِهِ، وفي مَشْيِهِ ورُكُوبِهِ ومَسِيرِهِ، ونُزُولِهِ وظَعْنِهِ وإقامَتِهِ. انْتَهى. وأمّا الأذْكارُ المُحْدَثَةُ والسَّماعاتُ المُبْتَدَعَةُ، سَماعُ الكَفِّ والدُّفِّ، فَلَمْ يَكُنِ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وسائِرُ الأكابِرِ مِن أئِمَّةِ الدِّينِ، يَجْعَلُونَ هَذا طَرِيقًا إلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى. ولا يَعُدُّونَهُ مِنَ القُرَبِ والطّاعاتِ بَلْ يَعُدُّونَهُ مِنَ البِدَعِ المَذْمُومَةِ. حَتّى قالَ الشّافِعِيُّ: خَلَّفْتُ بِبَغْدادَ شَيْئًا أحْدَثَتْهُ الزَّنادِقَةُ يُسَمُّونَهُ (التَّغْبِيرَ) يَصُدُّونَ بِهِ النّاسَ عَنِ القُرْآنِ. وأوْلِياءُ اللَّهِ العارِفُونَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، ويَعْلَمُونَ أنَّ لِلشَّيْطانِ فِيهِ نَصِيبًا وافِرًا. ولِهَذا تابَ مِنهُ خِيارُ مَن حَضَرَهُ مِنهم، ومَن كانَ أبْعَدَ عَنِ المَعْرِفَةِ وعَنْ كَمالِ وِلايَةِ اللَّهِ، كانَ نَصِيبُ الشَّيْطانِ فِيهِ أكْثَرَ. فَسَماعُ الغِناءِ والمَلاهِي مِن أعْظَمِ ما يُقَوِّي الأحْوالَ الشَّيْطانِيَّةَ، وهو (p-٣١٣)سَماعُ المُشْرِكِينَ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وغَيْرُهُما مِنَ السَّلَفِ: التَّصْدِيَةُ، التَّصْفِيقُ بِاليَدِ. والمُكاءُ مِثْلُ الصَّفِيرِ. فَكانَ المُشْرِكُونَ يَتَّخِذُونَ هَذا عِبادَةً. وأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَعِبادَتُهم ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ والقِراءَةِ والذِّكْرِ ونَحْوَ ذَلِكَ، والِاجْتِماعاتِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَمْ يَجْتَمِعِ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ عَلى اسْتِماعِ غِناءٍ قَطُّ. لا بِكَفٍّ ولا بِدُفٍّ ولا تَواجُدَ. وكانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، إذا اجْتَمَعُوا، أمَرُوا واحِدًا مِنهم أنْ يَقْرَأ. والباقُونَ يَسْتَمِعُونَ. وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لِأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ: ذَكِّرْنا رَبَّنا. فَيَقْرَأُ وهم يَسْتَمِعُونَ. «ومَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وهو يَقْرَأُ فَقالَ لَهُ: «مَرَرْتُ بِكَ البارِحَةَ، (p-٣١٤)وأنْتَ تَقْرَأُ فَجَعَلْتُ أسْتَمِعُ لِقِراءَتِكَ» . فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّكَ تَسْتَمِعُ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا». أيْ لَحَسَّنْتُهُ لَكَ تَحْسِينًا. كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأصْواتِكم»» . وقالَ ﷺ: ««لَلَّهُ أشَدُّ أذَنًا (أيِ اسْتِماعًا) إلى الرَّجُلِ الحَسَنِ الصَّوْتِ بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ، مِن صاحِبِ القَيْنَةِ إلى قَيْنَتِهِ»» . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ: أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ قالَ: «نَعَمْ» . فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قالَ: «حَسْبُكَ الآنَ» . فالتَفَتُّ فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ». ومِثْلُ هَذا السَّماعِ هو سَماعُ النَّبِيِّينَ وأتْباعِهِمْ كَما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في كِتابِهِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وقالَ تَعالى في أهْلِ المَعْرِفَةِ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ (p-٣١٥)تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] ومَدَحَ سُبْحانَهُ أهْلَ هَذا السَّماعِ بِما يَحْصُلُ لَهم مِن زِيادَةِ الإيمانِ واقْشِعْرارِ الجِلْدِ ودَمْعِ العَيْنِ فَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَـزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] فَخِلافُ هَذا السَّماعِ، مِنَ الباطِلِ الَّذِي نَهى عَنْهُ. ولِذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ القُرُونُ الثَّلاثَةُ الَّتِي أثْنى عَلَيْها النَّبِيُّ ﷺ، ولا فَعَلَهُ أكابِرُ المَشايِخِ، فَلْيُفِقْ مَن كانَ مِنَ الفَرِيقِ الأدْنى في سُلُوكِ فَقْرِهِ، ولِيَصْحَبْ مَن هو مِنَ الرَّفِيقِ الأعْلى إلى حُلُولِ قَبْرِهِ، ولْيُداوِ جِراحاتِ اجْتِراحِ بِدْعَتِهِ، بِاتِّباعِ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ، ولُزُومِ سُنَّتِهِ. واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى تارَةً يَكُونُ لِعَظَمَتِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ الهَيْبَةُ والإجْلالُ. وتارَةً يَكُونُ لِقُدْرَتِهِ فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ الخَوْفُ والحُزْنُ، وتارَةً لِنِعْمَتِهِ فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ الشُّكْرُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُها، وتارَةً لِأفْعالِهِ الباهِرَةِ فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ العِبَرُ. فَحَقُّ المُؤْمِنِ أنْ لا يَنْفَكَّ أبَدًا عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى عَلى أحَدِ هَذِهِ الأوْجُهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ فِيهِ أمْرٌ بِشُكْرِهِ عَلى نِعَمِهِ وعَدَمِ جَحْدِها؛ (فالكُفْرُ هُنا سَتْرُ النِّعْمَةِ لا التَّكْذِيبُ) . وقَدْ وعَدَ تَعالى عَلى شُكْرِهِ بِمَزِيدِ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اشْكُرُوا لِي واشْكُرُونِي بِمَعْنًى واحِدٍ. و"لِي" أفْصَحُ وأشْهَرُ مَعَ الشُّكْرِ.

البقرة 2:153

(p-٣١٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٣ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ أرْشَدَ تَعالى المُؤْمِنِينَ، إثْرَ الأمْرِ بِالشُّكْرِ في الآيَةِ قَبْلُ، بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ. لِأنَّ العَبْدَ إمّا أنْ يَكُونَ في نِعْمَةٍ فَيَشْكُرُ عَلَيْها، أوْ في نِقْمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْها. كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ««عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ لا يُقْضى لَهُ قَضاءٌ إلّا كانَ خَيْرًا لَهُ، إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ فَشَكَرَ كانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ فَصَبَرَ كانَ خَيْرًا لَهُ»» . وبَيَّنَ تَعالى أنَّ أجْوَدَ ما يُسْتَعانُ بِهِ عَلى تَحَمُّلِ المَصائِبِ في سَبِيلِ اللَّهِ، الصَّبْرُ والصَّلاةُ؛ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] وفي الحَدِيثِ: ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى»» . ثُمَّ إنَّ الصَّبْرَ صَبْرانِ: صَبْرٌ عَلى تَرْكِ المَحارِمِ والمَآثِمِ، وصَبْرٌ عَلى فِعْلِ الطّاعاتِ والقُرُباتِ. والثّانِي أكْثَرُ ثَوابًا. لِأنَّهُ المَقْصُودُ. وأمّا الصَّبْرُ الثّالِثُ، وهو الصَّبْرُ عَلى المَصائِبِ والنَّوائِبِ، فَذاكَ أيْضًا واجِبٌ. كالِاسْتِغْفارِ مِنَ المَعائِبِ. (p-٣١٧)وقالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في كِتابِهِ (السِّياسَةُ الشَّرْعِيَّةُ) وأعْظَمُ عَوْنٍ لِوَلِيِّ الأمْرِ خاصَّةً، ولِغَيْرِهِ عامَّةً ثَلاثَةُ أُمُورٍ: أحَدُها الإخْلاصُ لِلَّهِ، والتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ بِالدُّعاءِ وغَيْرِهِ. وأصْلُ ذَلِكَ المُحافَظَةُ عَلى الصَّلاةِ بِالقَلْبِ والبَدَنِ. والثّانِي الإحْسانُ إلى الخَلْقِ بِالنَّفْعِ والمالِ الَّذِي هو الزَّكاةُ. والثّالِثُ الصَّبْرُ عَلى الأذى مِنَ الخَلْقِ وغَيْرِهِ مِنَ النَّوائِبِ؛ ولِهَذا يَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّبْرِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] وقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه: ١٣٠] وأمّا قِرانُهُ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ في القُرْآنِ فَكَثِيرٌ جِدًّا. فَبِالقِيامِ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّبْرِ يَصْلُحُ حالُ الرّاعِي والرَّعِيَّةِ. إذا عَرَفَ الإنْسانُ ما يَدْخُلُ في هَذِهِ الأسْماءِ الجامِعَةِ، يَدْخُلُ في الصَّلاةِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ودُعائِهِ وتِلاوَةِ كِتابِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وفي الزَّكاةِ الإحْسانُ إلى الخَلْقِ بِالمالِ والنَّفْعِ: مِن نَصْرِ المَظْلُومِ وإعانَةِ المَلْهُوفِ وقَضاءِ حاجَةِ المُحْتاجِ. وفي الصَّبْرِ احْتِمالُ الأذى وكَظْمُ الغَيْظِ والعَفْوُ عَنِ النّاسِ ومُخالَفَةُ الهَوى وتَرْكُ الشَّرِّ والبَطَرِ. انْتَهى. "إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ" قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في (شَرْحِ حَدِيثِ النُّزُولِ): لَفْظُ المَعِيَّةِ في كِتابِ اللَّهِ جاءَ عامًّا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وفي قَوْلِهِ (p-٣١٨)﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧] وجاءَ خاصًّا كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] فَلَوْ كانَ المُرادُ بِذاتِهِ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لَكانَ التَّعْمِيمُ يُناقِضُ التَّخْصِيصَ. فَإنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] أرادَ بِهِ تَخْصِيصَ نَفْسِهِ وأبا بَكْرٍ دُونَ عَدُوِّهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] خَصَّهم بِذَلِكَ دُونَ الظّالِمِينَ والفُجّارِ. وأيْضًا، فَلَفْظُ المَعِيَّةِ لَيْسَتْ في لُغَةِ العَرَبِ ولا في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ أنْ يُرادَ بِها اخْتِلاطُ إحْدى (p-٣١٩)الذّاتَيْنِ بِالأُخْرى. كَما في قَوْلِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقَوْلِهِ: ﴿وجاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ. فامْتَنَعَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "وهُوَ مَعَكُمْ" يَدُلُّ عَلى أنْ تَكُونَ ذاتُهُ مُخْتَلِطَةً بِذَواتِ الخَلْقِ. وقَدْ بَسَطَ الكَلامَ عَلَيْهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وبَيَّنَ أنَّ لَفْظَ المَعِيَّةِ في اللُّغَةِ، وإنِ اقْتَضى المُجامَعَةَ والمُصاحَبَةَ والمُقارَنَةَ، فَهو، إذا كانَ مَعَ العِبادِ، لَمْ يُنافِ ذَلِكَ عُلُوَّهُ عَلى عَرْشِهِ. ويَكُونُ حُكْمُ مَعِيَّتِهِ في كُلِّ مَوْطِنٍ بِحَسَبِهِ. فَمَعَ الخَلْقِ كُلِّهِمْ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والسُّلْطانِ، ويَخُصُّ بَعْضَهم بِالإعانَةِ والنُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ. انْتَهى مُخْتَصَرًا.

البقرة 2:154

(p-٣٢٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٤ ] ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [ ١٥٤ ] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ يَنْهى تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَقُولُوا لِلشُّهَداءِ أمْواتًا؛ بِمَعْنى الَّذِينَ تَلِفَتْ نُفُوسُهم وعَدِمُوا الحَياةَ، وتَصَرَّمَتْ عَنْهُمُ اللَّذّاتُ، وأضْحَوْا كالجَماداتِ، كَما يَتَبادَرُ مِن مَعْنى المَيِّتِ، ويَأْمُرُهم سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولُوا لَهُمُ: الأحْياءُ؛ لِأنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، كَما قالَ تَعالى في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١] فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ "عِنْدَ رَبِّهِمْ" يُفَسِّرُ المُرادَ مِن حَياتِهِمْ؛ أيْ: إنَّها لِأرْواحِهِمْ عِنْدَهُ تَعالى، وقَوْلُهُ "ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ" أيْ بِحَياتِهِمُ الزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛ إذْ لَمْ يَظْهَرْ مِنها شَيْءٌ في أبْدانِهِمْ، وإنْ حَفِظَ بَعْضَها عَنِ التَّلَفِ، كَما تَرَوْنَ النِّيامَ هُمُودًا لا يَتَحَرَّكُونَ، فَلا فَخْرَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ في الدُّنْيا، ولا عَيْشَ أرْغَدُ مِنهُ في الآخِرَةِ. قالَ الحَرّالِيُّ: فَكَأنَّهُ تَعالى يَنْفِي عَنِ المُجاهِدِ مَنالَ المَكْرُوهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، حَتّى في أنْ يُقالَ عَنْهُ: مَيِّتٌ. فَحَماهُ مِنَ القَوْلِ الَّذِي هو عِنْدَهم مِن أشَدِّ غَرَضِ أنْفُسِهِمْ، لِاعْتِلاقِ أنْفُسِهِمْ بِجَمِيلِ الذِّكْرِ. انْتَهى. ولِذا قالَ الأصَمُّ: يَعْنِي لا تُسَمُّوهم بِالمَوْتى، وقُولُوا لَهُمُ الشُّهَداءُ الأحْياءُ. وقالَ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ: الحَياةُ عَلى أوْجُهٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها يُقابِلُهُ مَوْتٌ (الأُولى) هي القُوَّةُ النّامِيَةُ الَّتِي (p-٣٢١)بِها الغِذاءُ، والشَّهْوَةُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ. ولِذَلِكَ يُقالُ: نَباتٌ حَيٌّ. (والثّانِيَةُ) في القُوَّةِ الحاسَّةِ الَّتِي بِها الحَرَكَةُ المَكانِيَّةُ. وهي في الحَيَوانِ دُونَ النَّباتِ. (والثّالِثَةُ) القُوَّةُ العامِلَةُ العاقِلَةُ. وهي في الإنْسانِ دُونَ الحَيَوانِ والنَّباتِ. وبِها يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ. وقَدْ يُقالُ لِلْعِلْمِ المُسْتَفادِ والعَمَلِ الصّالِحِ: حَياةٌ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] وقِيلَ: المُحْسِنُ حَيٌّ وإنْ كانَ في دارِ الأمْواتِ، والمُسِيءُ مَيِّتٌ وإنْ كانَ في دارِ الأحْياءِ. (قالَ) ونَعُودُ إلى مَعْنى الآيَةِ فَنَقُولُ: قَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَثْبُتُ لَهُمُ الحَياةُ الَّتِي بِها النُّمُوُّ والغِذاءُ، ولا الحَياةُ الَّتِي بِها الحِسُّ. فَإنَّ فِقْدانَهُما عَنِ المَيِّتِ مَحْسُوسٌ ومَعْقُولٌ. فَبَعْضُ المُفَسِّرِينَ اعْتَبَرَ الحَياةَ المُخْتَصَّةَ بِالإنْسانِ. وقالَ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ مُخَصَّصَةٌ بِالقُوَّةِ المُسَمّاةِ تارَةً الرُّوحَ وتارَةً النَّفْسَ. قالَ: والمَوْتُ المُشاهَدُ هو مُفارَقَةُ هَذِهِ القُوَّةِ - الَّتِي هي الرُّوحُ البَدَنَ. فَمَتى كانَ الإنْسانُ مُحْسِنًا كانَ مُنَعَّمًا بِرُوحِهِ مَسْرُورًا لِمَكانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وإنْ كانَ مُسِيئًا كانَ بِهِ مُعَذَّبًا. وإلى هَذا ذَهَبَ الحُكَماءُ ودَلُّوا عَلَيْهِ بِالبَراهِينِ والأدِلَّةِ. وهو مَذْهَبُ أصْحابِ الحَدِيثِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ الأخْبارُ والآياتُ المَرْوِيَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . بَلْ إلَيْهِ ذَهَبَ أصْحابُ المِلَلِ كُلِّها. ومِمّا دَلَّ عَلى صِحَّتِهِ خَبَرا ««الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ وما تَناكَرَ مِنها اخْتَلَفَ»» وما رُوِيَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ (p-٣٢٢)بِألْفَيْ عامٍ»» . ورُوِيَ «أنَّهُ لَمّا قُتِلَ مَن قُتِلَ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ -يَوْمَ بَدْرٍ- وجُمِعُوا في قَلِيبٍ، أقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَخاطَبَهم بِقَوْلِهِ: «هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا ؟ فَإنِّي وجَدْتُ ما وعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أتُخاطِبُ جِيَفًا ؟ فَقالَ: «ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَوْ قَدَرُوا لَأجابُوا»» . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ. وقالَ تَعالى في آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وهَذا يَعْنِي بِهِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] انْتَهى. وفِي البَيْضاوِيِّ وحَواشِيهِ: إنَّ إثْباتَ الحَياةِ لِلشُّهَداءِ في زَمانِ بُطْلانِ الجَسَدِ، وفَسادِ البِنْيَةِ؛ ونَفْيَ الشُّعُورِ بِها - دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَياتَهم لَيْسَتِ الجَسَدَ، ولا مِن جِنْسِ حَياةِ الحَيَوانِ، لِأنَّها بِصِحَّةِ البِنْيَةِ، واعْتِدالِ المِزاجِ وإنَّما هي أمْرٌ يُدْرَكُ بِالوَحْيِ لا بِالعَقْلِ. انْتَهى. وقَدْ جاءَ الوَحْيُ بِبَيانِ حَياتِهِمْ -كَما أسْلَفْنا- قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِ (الرُّوحِ): وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الشُّهَداءِ بِأنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وهَذِهِ حَياةُ أرْواحِهِمْ، ورِزْقُها دارٌّ، وإلّا فالأبْدانُ قَدْ تَمَزَّقَتْ. وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ (p-٣٢٣)الحَياةَ: بِأنَّ أرْواحَهم في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَها قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنادِيلِ، فاطَّلَعَ إلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاعَةً فَقالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا ؟ قالُوا: أيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي ؟ ونَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنا. . . ! فَفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ. فَلَمّا رَأوْا أنَّهم لَنْ يُتْرَكُوا مِن أنْ يُسْألُوا -قالُوا: يا رَبِّ ! نُرِيدُ أنْ تُرَدَّ أرْواحُنا في أجْسادِنا حَتّى نُقْتَلَ في سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرى. . ! فَلَمّا رَأى أنْ لَيْسَ لَهم حاجَةٌ تَرَكُوا. وصَحَّ عَنْهُ ﷺ: ««إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ»» (وتَعْلُقُ بِضَمِّ اللّامِ؛ أيْ: تَأْكُلُ العَلَقَةَ) وهَذا صَرِيحٌ في أكْلِها، وشُرْبِها، وحَرَكَتِها، وانْتِقالِها، وكَلامِها. . . ! انْتَهى. قالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ ﷺ: ««أرْواحُهم في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ»» أيْ: يَخْلُقُ لِأرْواحِهِمْ، بَعْدَما فارَقَتْ أبْدانَهم، هَياكِلَ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ، تَتَعَلَّقُ بِها وتَكُونُ خَلَفًا عَنْ أبْدانِهِمْ، فَيَتَوَسَّلُونَ بِها إلى نَيْلِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ. وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِ (الرُّوحِ): إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ الدُّورَ ثَلاثَةً: دارَ الدُّنْيا، ودارَ البَرْزَخِ، ودارَ القَرارِ، وجَعَلَ لِكُلِّ دارٍ أحْكامًا تَخْتَصُّ بِها، ورَكَّبَ هَذا الإنْسانَ مِن بَدَنٍ ونَفْسٍ وجَعَلَ أحْكامَ دارِ الدُّنْيا عَلى الأبْدانِ، والأرْواحُ تَبَعٌ لَها، ولِهَذا جَعَلَ أحْكامَهُ الشَّرْعِيَّةَ مُرَتَّبَةً عَلى ما يَظْهَرُ مِن حَرَكاتِ اللِّسانِ والجَوارِحِ، وإنْ أضْمَرَتِ النُّفُوسُ خِلافَهُ. وجَعَلَ أحْكامَ البَرْزَخِ عَلى الأرْواحِ، والأبْدانُ (p-٣٢٤)تَبَعٌ لَها، فَكَما تَبِعَتِ الأرْواحُ الأبْدانَ في أحْكامِ الدُّنْيا، فَتَألَّمَتْ بِألَمِها، والتَذَّتْ بِراحَتِها، وكانَتْ هي الَّتِي باشَرَتْ أسْبابَ النَّعِيمِ والعَذابِ -تَبِعَتِ الأبْدانُ الأرْواحَ في نَعِيمِها وعَذابِها، والأرْواحُ حِينَئِذٍ هي الَّتِي تُباشِرُ العَذابَ والنَّعِيمَ، فالأبْدانُ هُنا ظاهِرَةٌ، والأرْواحُ خَفِيَّةٌ. والأبْدانُ كالقُبُورِ لَها. والأرْواحُ هُناكَ ظاهِرَةٌ والأبْدانُ خَفِيَّةٌ في قُبُورِها، فَتَجْرِي أحْكامُ البَرْزَخِ عَلى الأرْواحِ. فَتَرى إلى أبْدانِها نَعِيمًا وعَذابًا. كَما جَرى أحْكامُ الدُّنْيا عَلى الأبْدانِ فَتَرى إلى أرْواحِها نَعِيمًا وعَذابًا، فَأحِطْ بِهَذا المَوْضِعِ عِلْمًا واعْرِفْهُ كَما يَنْبَغِي، يَزُلْ عَنْكَ كُلُّ إشْكالٍ يُورَدُ عَلَيْكَ مِن داخِلٍ وخارِجٍ. وقَدْ أرانا اللَّهُ سُبْحانَهُ، بِلُطْفِهِ، ورَحْمَتِهِ وهِدايَتِهِ مِن ذَلِكَ، أُنْمُوذَجًا في الدُّنْيا مِن حالِ النّائِمِ. فَإنَّ ما يَنْعَمُ بِهِ، أوْ يُعَذَّبُ في نَوْمِهِ، يَجْرِي عَلى رُوحِهِ أصْلًا، والبَدَنُ تَبَعٌ لَهُ، وقَدْ يَقْوى حَتّى يُؤَثِّرَ في البَدَنِ تَأْثِيرًا مُشاهَدًا، فَيَرى النّائِمُ أنَّهُ في نَوْمِهِ ضُرِبَ، فَيُصْبِحُ وآثارُ الضَّرْبِ في جِسْمِهِ. ويَرى أنَّهُ قَدْ أكَلَ وشَرِبَ، فَيَسْتَيْقِظُ وهو يَجِدُ أثَرَ الطَّعامِ والشَّرابِ في فِيهِ. ويَذْهَبُ عَنْهُ الجُوعُ والظَّمَأُ. وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ أنَّكَ تَرى النّائِمَ، ثُمَّ يَقُومُ مِن نَوْمِهِ، ويَضْرِبُ ويَبْطِشُ ويُدافِعُ، كَأنَّهُ يَقْظانُ، وهو نائِمٌ لا شُعُورَ لَهُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. لِأنَّ الحُكْمَ، لَمّا جَرى عَلى الرُّوحِ، اسْتَعانَتْ بِالبَدَنِ مِن خارِجِهِ، ولَوْ دَخَلَتْ فِيهِ لاسْتَيْقَظَ وأحَسَّ. فَإذا كانَتِ الرُّوحُ تَتَألَّمُ وتَتَنَعَّمُ، ويَصِلُ ذَلِكَ إلى بَدَنِها بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ، فَهَكَذا في البَرْزَخِ، بَلْ أعْظَمُ. فَإنَّ تَجَرُّدَ الرُّوحِ هُناكَ أكْمَلُ وأقْوى، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِبَدَنِها، لَمْ تَنْقَطِعْ عَنْهُ كُلَّ الِانْقِطاعِ. فَإذا كانَ يَوْمُ حَشْرِ الأجْسادِ، وقِيامِ النّاسِ مِن قُبُورِهِمْ، صارَ الحُكْمُ والنَّعِيمُ والعَذابُ عَلى الأرْواحِ والأجْسادِ ظاهِرًا بادِيًا. ومَتى أعْطَيْتَ هَذا المَوْضِعَ حَقَّهُ تَبَيَّنَ لَكَ أنَّ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ مِن عَذابِ القَبْرِ ونَعِيمِهِ، وضِيقِهِ وسِعَتِهِ، وضَمِّهِ، وكَوْنِهِ حُفْرَةً مِن حُفَرِ النّارِ، أوْ رَوْضَةً مِن رِياضِ الجَنَّةِ- مُطابِقٌ لِلْعَقْلِ. وأنَّهُ حَقٌّ لا مِرْيَةَ فِيهِ. وأنَّ مَن أشْكَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَمِن سُوءِ فَهْمِهِ، وقِلَّةِ عِلْمِهِ. انْتَهى.

البقرة 2:155

(p-٣٢٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٥ ] ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [١٥٦ ] ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] وقَوْلُهُ تَعالى: "ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ" خِطابٌ لِمَن آمَنَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، خُصُّوا بِهِ، وإنْ شَمِلَ مَن ماثَلَهم، لِأنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلدَّعْوَةِ والجِهادِ، ومُكافَحَةِ الفُجّارِ. وكُلُّ قائِمٍ بِحَقٍّ، وداعٍ إلَيْهِ، مُعَرَّضٌ لِلِابْتِلاءِ بِما ذَكَرَ، كُلَّهُ أوْ بَعْضَهُ. والتَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ؛ أيْ: بِقَلِيلٍ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ البَلايا وطَرَفٍ مِنهُ، وإنَّما قَلَّلَ لِيُؤْذَنَ أنَّ كُلَّ بِلاءٍ أصابَ الإنْسانَ، وإنْ جَلَّ، فَفَوْقَهُ ما يَقِلُّ إلَيْهِ، ولِيُخَفِّفَ عَلَيْهِمْ ويُرِيَهم أنَّ رَحْمَتَهُ مَعَهم في كُلِّ حالٍ لا تُزايِلُهم، وإنَّما أخْبَرَ بِهِ قَبْلَ الوُقُوعِ، لِيُوَطِّنُوا عَلَيْهِ نُفُوسَهم، ويَزْدادَ يَقِينُهم، عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ حَسْبَما أُخْبِرَ بِهِ، ولِيَعْلَمُوا أنَّهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ، لَهُ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ "مِنَ الخَوْفِ" أيْ خَوْفِ العَدُوِّ والإرْجافِ بِهِ "والجُوعِ" أيِ الفَقْرِ، لِلشَّغْلِ بِالجِهادِ، أوْ فَقْدِ الزّادِ، إذا كُنْتُمْ في سَرِيَّةٍ تُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقَدْ كانَ يَتَّفِقُ لَهم ذَلِكَ أيّامًا يَتَبَلَّغُونَ فِيها بِتَمْرَةٍ "ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ" أيْ: لِانْقِطاعِهِمْ بِالجِهادِ عَنْ عِمارَةِ بَساتِينِهِمْ، أوْ لِافْتِقادِ بَعْضِها بِسَبَبِ الهِجْرَةِ، وتَرْكِ شَيْءٍ مِنهُ في البَلْدَةِ المُهاجَرِ مِنها "والأنْفُسِ" بِقَتْلِها شَهِيدَةً في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ ذَهابِ أطْرافِها فِيهِ "والثَّمَراتِ" أيْ بِأنْ لا نَغِلَّ الحَدائِقَ كَعادَتِها، لِلْغَيْبَةِ عَنْها في سَبِيلِ اللَّهِ، وفَقْدِ مَن يَتَعاهَدُها، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أعْظَمُ أمْوالِ الأنْصارِ الَّذِينَ هم أخَصُّ النّاسِ بِهَذا الذِّكْرِ لا سِيَّما في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وهو أوَّلُ زَمانِ الهِجْرَةِ. فَكُلُّ هَذا وأمْثالُهُ مِمّا يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ كَما قالَ (p-٣٢٦)﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] قالَ الرّاغِبُ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مِحَنِ الدُّنْيا كُلِّها: أيْ إذا نَظَرَ إلى عُمُومِ كُلِّ فَرْدٍ مِمّا ذَكَرَ فِيها، وقَطَعَ النَّظَرَ عَنْ خُصُوصِ حالِ المُخاطَبِينَ فِيها، بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ سابِقُهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما لِلصّابِرِينَ عِنْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦] مَكْرُوهٌ، اسْمُ فاعِلٍ مِن أصابَتْهُ شِدَّةٌ: لَحِقَتْهُ. أيْ كَهَذِهِ البَلايا "قالُواْ إنّا لِلَّهِ" أيْ مُلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَنْبَغِي أنْ نَخافَ غَيْرَهُ، لِأنَّهُ غالِبٌ عَلى الكُلِّ، أوْ نُبالِي بِالجُوعِ؛ لِأنَّ رِزْقَ العَبْدِ عَلى سَيِّدِهِ، فَإنْ مُنِعَ وقْتًا، فَلا بُدَّ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ. وأمْوالُنا وأنْفُسُنا وثَمَراتُنا مِلْكٌ لَهُ، فَلَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيها بِما يَشاءُ "وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ" في الدّارِ الآخِرَةِ. فَيَحْصُلُ لَنا عِنْدَهُ ما فَوَّتَهُ عَلَيْنا. لِأنَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ. فالمُصابُ يَهُونُ عَلَيْهِ خَطْبُهُ، إذا تَسَلّى بِقَوْلِهِ هَذا، وتَصَوَّرَ ما خُلِقَ لَهُ، وأنَّهُ راجِعٌ إلى رَبِّهِ، وتَذَكَّرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، ورَأى أنَّ ما أبْقى عَلَيْهِ أضْعافُ ما اسْتَرَدَّهُ مِنهُ. قالَ الرّاغِبُ: ولَيْسَ يُرِيدُ بِالقَوْلِ اللَّفْظَ فَقَطْ، فَإنَّ التَّلَفُّظَ بِذَلِكَ مَعَ الجَزَعِ القَبِيحِ وتَسَخُّطِ القَضاءِ لَيْسَ يُغْنِي شَيْئًا، وإنَّما يُرِيدُ تَصَوُّرَ ما خُلِقَ الإنْسانُ لِأجْلِهِ والقَصْدَ لَهُ، والِاسْتِهانَةَ بِما يَعْرِضُ في طَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَأمَرَ تَعالى بِبِشارَةِ مَنِ اكْتَسَبَ العُلُومَ الحَقِيقِيَّةَ وتَصَوَّرَها، وقَصَدَ هَذا المَقْصِدِ ووَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ. (ثُمَّ قالَ) إنْ قِيلَ: ولِمَ قُلْتَ: إنَّ الأمْرَ بِالصَّبْرِ يَقْتَضِي العِلْمَ ؟ قِيلَ: الصَّبْرُ في الحَقِيقَةِ إنَّما يَكُونُ لِمَن عَرَفَ فَضِيلَةَ مَطْلُوبِهِ.

البقرة 2:156

(p-٣٢٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٥ ] ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [١٥٦ ] ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] وقَوْلُهُ تَعالى: "ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ" خِطابٌ لِمَن آمَنَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، خُصُّوا بِهِ، وإنْ شَمِلَ مَن ماثَلَهم، لِأنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلدَّعْوَةِ والجِهادِ، ومُكافَحَةِ الفُجّارِ. وكُلُّ قائِمٍ بِحَقٍّ، وداعٍ إلَيْهِ، مُعَرَّضٌ لِلِابْتِلاءِ بِما ذَكَرَ، كُلَّهُ أوْ بَعْضَهُ. والتَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ؛ أيْ: بِقَلِيلٍ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ البَلايا وطَرَفٍ مِنهُ، وإنَّما قَلَّلَ لِيُؤْذَنَ أنَّ كُلَّ بِلاءٍ أصابَ الإنْسانَ، وإنْ جَلَّ، فَفَوْقَهُ ما يَقِلُّ إلَيْهِ، ولِيُخَفِّفَ عَلَيْهِمْ ويُرِيَهم أنَّ رَحْمَتَهُ مَعَهم في كُلِّ حالٍ لا تُزايِلُهم، وإنَّما أخْبَرَ بِهِ قَبْلَ الوُقُوعِ، لِيُوَطِّنُوا عَلَيْهِ نُفُوسَهم، ويَزْدادَ يَقِينُهم، عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ حَسْبَما أُخْبِرَ بِهِ، ولِيَعْلَمُوا أنَّهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ، لَهُ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ "مِنَ الخَوْفِ" أيْ خَوْفِ العَدُوِّ والإرْجافِ بِهِ "والجُوعِ" أيِ الفَقْرِ، لِلشَّغْلِ بِالجِهادِ، أوْ فَقْدِ الزّادِ، إذا كُنْتُمْ في سَرِيَّةٍ تُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقَدْ كانَ يَتَّفِقُ لَهم ذَلِكَ أيّامًا يَتَبَلَّغُونَ فِيها بِتَمْرَةٍ "ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ" أيْ: لِانْقِطاعِهِمْ بِالجِهادِ عَنْ عِمارَةِ بَساتِينِهِمْ، أوْ لِافْتِقادِ بَعْضِها بِسَبَبِ الهِجْرَةِ، وتَرْكِ شَيْءٍ مِنهُ في البَلْدَةِ المُهاجَرِ مِنها "والأنْفُسِ" بِقَتْلِها شَهِيدَةً في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ ذَهابِ أطْرافِها فِيهِ "والثَّمَراتِ" أيْ بِأنْ لا نَغِلَّ الحَدائِقَ كَعادَتِها، لِلْغَيْبَةِ عَنْها في سَبِيلِ اللَّهِ، وفَقْدِ مَن يَتَعاهَدُها، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أعْظَمُ أمْوالِ الأنْصارِ الَّذِينَ هم أخَصُّ النّاسِ بِهَذا الذِّكْرِ لا سِيَّما في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وهو أوَّلُ زَمانِ الهِجْرَةِ. فَكُلُّ هَذا وأمْثالُهُ مِمّا يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ كَما قالَ (p-٣٢٦)﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] قالَ الرّاغِبُ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مِحَنِ الدُّنْيا كُلِّها: أيْ إذا نَظَرَ إلى عُمُومِ كُلِّ فَرْدٍ مِمّا ذَكَرَ فِيها، وقَطَعَ النَّظَرَ عَنْ خُصُوصِ حالِ المُخاطَبِينَ فِيها، بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ سابِقُهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما لِلصّابِرِينَ عِنْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦] مَكْرُوهٌ، اسْمُ فاعِلٍ مِن أصابَتْهُ شِدَّةٌ: لَحِقَتْهُ. أيْ كَهَذِهِ البَلايا "قالُواْ إنّا لِلَّهِ" أيْ مُلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَنْبَغِي أنْ نَخافَ غَيْرَهُ، لِأنَّهُ غالِبٌ عَلى الكُلِّ، أوْ نُبالِي بِالجُوعِ؛ لِأنَّ رِزْقَ العَبْدِ عَلى سَيِّدِهِ، فَإنْ مُنِعَ وقْتًا، فَلا بُدَّ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ. وأمْوالُنا وأنْفُسُنا وثَمَراتُنا مِلْكٌ لَهُ، فَلَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيها بِما يَشاءُ "وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ" في الدّارِ الآخِرَةِ. فَيَحْصُلُ لَنا عِنْدَهُ ما فَوَّتَهُ عَلَيْنا. لِأنَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ. فالمُصابُ يَهُونُ عَلَيْهِ خَطْبُهُ، إذا تَسَلّى بِقَوْلِهِ هَذا، وتَصَوَّرَ ما خُلِقَ لَهُ، وأنَّهُ راجِعٌ إلى رَبِّهِ، وتَذَكَّرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، ورَأى أنَّ ما أبْقى عَلَيْهِ أضْعافُ ما اسْتَرَدَّهُ مِنهُ. قالَ الرّاغِبُ: ولَيْسَ يُرِيدُ بِالقَوْلِ اللَّفْظَ فَقَطْ، فَإنَّ التَّلَفُّظَ بِذَلِكَ مَعَ الجَزَعِ القَبِيحِ وتَسَخُّطِ القَضاءِ لَيْسَ يُغْنِي شَيْئًا، وإنَّما يُرِيدُ تَصَوُّرَ ما خُلِقَ الإنْسانُ لِأجْلِهِ والقَصْدَ لَهُ، والِاسْتِهانَةَ بِما يَعْرِضُ في طَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَأمَرَ تَعالى بِبِشارَةِ مَنِ اكْتَسَبَ العُلُومَ الحَقِيقِيَّةَ وتَصَوَّرَها، وقَصَدَ هَذا المَقْصِدِ ووَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ. (ثُمَّ قالَ) إنْ قِيلَ: ولِمَ قُلْتَ: إنَّ الأمْرَ بِالصَّبْرِ يَقْتَضِي العِلْمَ ؟ قِيلَ: الصَّبْرُ في الحَقِيقَةِ إنَّما يَكُونُ لِمَن عَرَفَ فَضِيلَةَ مَطْلُوبِهِ.

البقرة 2:157

(p-٣٢٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٧ ] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى الصّابِرِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ "عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ" قالَ الرّاغِبُ: الصَّلاةُ، وإنْ كانَتْ في الأصْلِ الدُّعاءَ، فَهي مِنَ اللَّهِ البَرَكَةُ عَلى وجْهٍ، والمَغْفِرَةُ عَلى وجْهٍ. وقالَ الرّازِيُّ: الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ هي الثَّناءُ والمَدْحُ والتَّعْظِيمُ. قالَ الرّاغِبُ: وإنَّما قالَ "صَلَواتٌ" عَلى الجَمْعِ، تَنْبِيهًا عَلى كَثْرَتِها مِنهُ وأنَّها حاصِلَةٌ في الدُّنْيا تَوْفِيقًا وإرْشادًا، وفي الآخِرَةِ ثَوابًا ومَغْفِرَةً "ورَحْمَةٌ" عَظِيمَةٌ في الدُّنْيا عِوَضُ مُصِيبَتِهِمْ "وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ" أيْ إلى الوَفاءِ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، فَلا بُدَّ أنْ يُوَفِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَلَواتِهُ ورَحْمَتَهُ. (تَنْبِيهٌ) ورَدَ في ثَوابِ الِاسْتِرْجاعِ وهو قَوْلُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، عِنْدَ المَصائِبِ، وفي أجْرِ الصّابِرِينَ، أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. مِنها ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««ما مِن عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنها، إلّا أجَرَهُ اللَّهُ في مُصِيبَتِهِ، وأخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنها» . قالَتْ: فَلَمّا تُوُفِّيَ أبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: مَن خَيْرٌ مِن أبِي سَلَمَةَ: صاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ؟ ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي فَقُلْتُها. قالَتْ: فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ». ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ما مِن مُسْلِمٍ ولا مُسْلِمَةٍ يُصابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُها، وإنْ طالَ عَهْدُها، فَيَحْدُثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجاعًا، إلّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأعْطاهُ مِثْلَ أجْرِها يَوْمَ أُصِيبَ بِها»» . (p-٣٢٨)ورَوى الإمامُ أحْمَدُ بِسَنَدِهِ عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: «دَفَنْتُ ابْنًا لِي، وإنِّي لَفي القَبْرِ إذْ أخَذَ بِيَدِي أبُو طَلْحَةَ (يَعْنِي الخَوْلانِيَّ) فَأخْرَجَنِي وقالَ: ألا أُبَشِّرُكَ ؟ قالَ قُلْتُ: بَلى. قالَ: حَدَّثَنِي الضَّحّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَبٍ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: يا مَلَكَ المَوْتِ، قَبَضْتَ ولَدَ عَبْدِي، قَبَضْتَ قُرَّةَ عَيْنِهِ وثَمَرَةَ فُؤادِهِ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَما قالَ ؟ قالَ: حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ. قالَ ابْنُوا لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ وسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ»» . ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورَوى البُخارِيُّ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنهُ»» . ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ما يُصِيبُ المُسْلِمُ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ ولا هَمٍّ ولا حَزَنٍ ولا أذًى ولا غَمٍّ، حَتّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها، إلّا كَفَّرَ اللَّهُ بِها مِن خَطاياهُ»» . ورَوَيا أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أذًى مِن مَرَضٍ (p-٣٢٩)فَما سِواهُ إلّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ مِن سَيِّئاتِهِ، كَما تَحُطُّ الشَّجَرَةُ ورَقَها»» . والأحادِيثُ في ذَلِكَ مُتَوافِرَةٌ مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ السُّنَّةِ. ولِلْإمامِ عِزِّ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، كَلامٌ عَلى فَوائِدِ المِحَنِ والرَّزايا يَحْسُنُ إيرادُهُ هُنا. قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لِلْمَصائِبِ والبَلايا والمِحَنِ والرَّزايا فَوائِدُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ رُتَبِ النّاسِ: أحَدُها: مَعْرِفَةُ عِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ وقَهْرِها. والثّانِي: مَعْرِفَةُ ذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ وكَسْرِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] اعْتَرَفُوا بِأنَّهم مِلْكُهُ وعَبِيدُهُ، وأنَّهم راجِعُونَ إلى حُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ وقَضائِهِ وتَقْدِيرِهِ لا مَفَرَّ لَهم مِنهُ ولا مَحِيدَ لَهم عَنْهُ. والثّالِثَةُ: الإخْلاصُ لِلَّهِ تَعالى؛ إذْ لا مَرْجِعَ في رَفْعِ الشَّدائِدِ إلّا إلَيْهِ، ولا مُعْتَمَدَ في كَشْفِها إلّا عَلَيْهِ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧] ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] (p-٣٣٠)الرّابِعَةُ: الإنابَةُ إلى اللَّهِ تَعالى والإقْبالُ عَلَيْهِ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨] الخامِسَةُ: التَّضَرُّعُ والدُّعاءُ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا﴾ [يونس: ١٢] ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١] ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣] السّادِسَةُ: الحِلْمُ مِمَّنْ صَدَرَتْ عَنْهُ المُصِيبَةُ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] (p-٣٣١)﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣] [ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِأشَجِّ عَبْدِ قَيْسٍ ]: «إنَّ فِيكَ لِخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُما اللَّهُ تَعالى: الحِلْمُ والأناةُ»» . وتَخْتَلِفُ مَراتِبُ الحِلْمِ بِاخْتِلافِ المَصائِبِ في صِغَرِها وكِبَرِها، فالحِلْمُ عِنْدَ أعْظَمِ المَصائِبِ أفْضَلُ مِن كُلِّ حِلْمٍ. السّابِعَةُ: العَفْوُ عَنْ جانِيها: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] والعَفْوُ عَنْ أعْظَمِها أفْضَلُ مِن كُلِّ عَفْوٍ. الثّامِنَةُ: الصَّبْرُ عَلَيْها، وهو مُوجِبٌ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى وكَثْرَةِ ثَوابِهِ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وما أُعْطِيَ أحَدٌ عَطاءً خَيْرًا وأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ. (p-٣٣٢)التّاسِعَةُ: الفَرَحُ بِها لِأجْلِ فَوائِدِها: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! إنْ كانُوا لَيَفْرَحُونِ بِالبَلاءِ كَما تَفْرَحُونَ بِالرَّخاءِ»» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: حَبَّذا المَكْرُوهانِ المَوْتُ والفَقْرُ. وإنَّما فَرِحُوا بِها إذْ لا وقْعَ لِشِدَّتِها ومَرارَتِها بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها وفائِدَتِها، كَما يَفْرَحُ مَن عَظُمَتْ أدْواؤُهُ بِشُرْبِ الأدْوِيَةِ الحاسِمَةِ لَها، مَعَ تَجَرُّعِهِ لِمَرارَتِها. العاشِرَةُ: الشُّكْرُ عَلَيْها لِما تَضَمَّنَتْهُ مِن فَوائِدِها. كَما يَشْكُرُ المَرِيضُ الطَّبِيبَ القاطِعَ لِأطْرافِهِ، المانِعَ مِن شَهَواتِهِ، لِما يَتَوَقَّعُ في ذَلِكَ مِنَ البُرْءِ والشِّفاءِ. الحادِيَةَ عَشْرَةَ: تَمْحِيصُها لِلذُّنُوبِ والخَطايا: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ««ولا يُصِيبُ المُؤْمِنَ وصَبٌ ولا نَصَبٌ حَتّى الهَمِّ يُهِمُّهُ (p-٣٣٣)والشَّوْكَةُ يُشاكُها إلّا كَفَّرَ بِهِ مِن سَيِّئاتِهِ»» . الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: رَحْمَةُ أهْلِ البَلاءِ ومُساعَدَتُهم عَلى بَلْواهم؛ فالنّاسُ مُعافًى ومُبْتَلًى، فارْحَمُوا أهْلَ البَلاءِ واشْكُرُوا اللَّهَ تَعالى عَلى العافِيَةِ، وإنَّما يَرْحَمُ العُشّاقَ مَن عَشَقَ. الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ قَدْرِ نِعْمَةِ العافِيَةِ والشُّكْرُ عَلَيْها. فَإنَّ النِّعَمَ لا تُعْرَفُ أقْدارُها إلّا بَعْدَ فَقْدِها. الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: ما أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى هَذِهِ الفَوائِدِ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها. الخامِسَةَ عَشْرَةَ: ما في طَيِّها مِنَ الفَوائِدِ الخَفِيَّةِ: ﴿فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] (p-٣٣٤)﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكم لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ١١] ولَمّا أخَذَ الجَبّارُ سارَّةَ مِن إبْراهِيمَ كانَ في طَيِّ تِلْكَ البَلِيَّةِ أنْ أخْدَمَها هاجَرَ. فَوَلَدَتْ إسْماعِيلَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ خاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَأعْظِمْ بِذَلِكَ مِن خَبَرٍ كانَ في طَيِّ تِلْكَ البَلِيَّةِ، وقَدْ قِيلَ: ؎كَمْ نِعْمَةٍ مَطْوِيَّةٍ لَكَ بَيْنَ أثْناءِ المَصائِبِ (p-٣٣٥)وقالَ آخَرُ: ؎رُبَّ مَبْغُوضٍ كَرِيهٍ ∗∗∗ فِيهِ لِلَّهِ لَطائِفُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: إنَّ المَصائِبَ والشَّدائِدَ تَمْنَعُ مِنَ الأشَرِ والبَطَرِ والفَخْرِ والخُيَلاءِ والتَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ، فَإنَّ نَمْرُودَ، لَوْ كانَ فَقِيرًا سَقِيمًا، فاقِدَ السَّمْعِ والبَصَرِ، لَما حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ، لَكِنْ حَمَلَهُ بَطَرُ المُلْكِ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ عَلَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُحاجَّتَهُ بِإتْيانِهِ المُلْكَ، ولَوِ ابْتُلِيَ فِرْعَوْنُ بِمِثْلِ ذَلِكَ لَما قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] ﴿وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ [هود: ١١٦] ﴿لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٧] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ (p-٣٣٦)مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [سبإ: ٣٤] والفُقَراءُ والضُّعَفاءُ هُمُ الأوْلِياءُ وأتْباعُ الأنْبِياءِ. ولِهَذِهِ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ كانَ أشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأنْبِياءَ، ثُمَّ الأمْثَلَ فالأمْثَلَ؛ نُسِبُوا إلى الجُنُونِ، والسِّحْرِ، والكَهانَةِ واسْتُهْزِئَ بِهِمْ وسُخِرَ مِنهم، ﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤] وقِيلَ لَنا: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] (p-٣٣٧)﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] كالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ وتَغَرَّبُوا عَنْ أوْطانِهِمْ، وكَثُرَ عَناهم، واشْتَدَّ بَلاهم، وتَكاثَرَ أعْداهم. فَغُلِبُوا في بَعْضِ المُواطِنِ، وقُتِلَ مِنهم بِأُحُدٍ وبِئْرِ مَعُونَةَ مَن قُتِلَ. وشُجَّ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، وهُشِمَتِ البَيْضَةُ عَلى رَأْسِهِ، وقُتِلَ أعِزّاؤُهُ ومُثِّلَ بِهِمْ، فَشَمِتَتْ أعْداؤُهُ واغْتَمَّ أوْلِياؤُهُ، وابْتُلُوا يَوْمَ الخَنْدَقِ، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا، وزاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ، وكانُوا في خَوْفٍ دائِمٍ وعُرْيٍ لازِمٍ. وفَقْرٍ مُدْقِعٍ. حَتّى شَدُّوا الحِجارَةَ عَلى بُطُونِهِمْ مِنَ الجُوعِ. ولَمْ يَشْبَعْ سَيِّدُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مِن خُبْزِ بُرٍّ في يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، وأُوذِيَ بِأنْواعِ الأذِيَّةِ حَتّى قَذَفُوا أحَبَّ أهْلِهِ إلَيْهِ. ثُمَّ ابْتُلِيَ في آخِرِ الأمْرِ (p-٣٣٨)بِمُسَيْلِمَةَ وطُلَيْحَةَ والعَنْسِيِّ، ولَقِيَ هو وأصْحابُهُ في جَيْشِ العُسْرَةِ ما لَقُوهُ، وماتَ ودِرْعُهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلى آصُعٍ مِن شَعِيرٍ. ولَمْ تَزَلِ الأنْبِياءُ والصّالِحُونَ يَتَعَهَّدُونَ بِالبَلاءِ الوَقْتَ بِالوَقْتِ «(يُبْتَلى الرَّجُلُ عَلى قَدْرِ دِينِهِ، فَإنْ كانَ صُلْبًا في دِينِهِ شُدِّدَ في بَلائِهِ». «ولَقَدْ كانَ أحَدُهم يُوضَعُ المِنشارُ عَلى مَفْرِقِهِ فَلا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ)» . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (p-٣٣٩)««مَثَلُ المُؤْمِنِ مَثَلُ الزَّرْعِ، لا تَزالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ ولا يَزالُ المُؤْمِنُ يُصِيبُهُ البَلاءُ»» . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ الخامَةِ مِنَ الزَّرْعِ تَفِيئُها الرِّيحُ، تَصْرَعُها مَرَّةً وتَعْدِلُها مَرَّةً حَتّى تَهِيجَ»» فَحالُ الشِّدَّةِ والبَلْوى مُقْبِلَةٌ بِالعَبْدِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وحالُ العافِيَةِ والنَّعْماءِ صارِفَةٌ لِلْعَبْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] فَلِأجْلِ ذَلِكَ تَقَلَّلُوا في المَأْكَلِ والمَشارِبِ والمَناكِحِ والمَجالِسِ والمَراكِبِ وغَيْرِ ذَلِكَ. لِيَكُونُوا عَلى حالَةٍ تُوجِبُ لَهُمُ الرُّجُوعَ إلى اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ والإقْبالَ عَلَيْهِ. السّابِعَةَ عَشْرَةَ: الرِّضا المُوجِبُ لِرِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ المَصائِبَ تَنْزِلُ بِالبَرِّ والفاجِرِ، فَمَن سَخَطَها فَلَهُ السُّخْطُ وخُسْرانُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَن رَضِيَها فَلَهُ الرِّضا. والرِّضا أفْضَلُ مِنَ الجَنَّةِ وما فِيها؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] أيْ: مِن جَنّاتِ عَدْنٍ ومَساكِنِها الطَّيِّبَةِ. (p-٣٤٠)فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِمّا حَضَرَنا مِن فَوائِدِ البَلْوى ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلَسْنا مِن رِجالِ البَلْوى.وفَّقَنا اللَّهُ تَعالى لِما يُحِبُّ ويَرْضى وعافانا مِنَ المِحَنِ والرَّزايا بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ. آمِينَ

البقرة 2:158

(p-٣٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٨] ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ ﴿الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ عَلَمانِ لِجَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، ومَعْنى كَوْنِهِما مِن شَعائِرِ اللَّهِ: مِن أعْلامِ مَناسِكِهِ ومُتَعَبَّداتِهِ. قالَ الرّازِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ جُعِلَ عَلَمًا مِن أعْلامِ طاعَةِ اللَّهِ، فَهو مِن شَعائِرِ اللَّهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: عَلامَةً لِلْقُرْبَةِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] وشَعائِرُ الحَجِّ مَعالِمُ نُسُكِهِ، ومِنهُ المَشْعَرُ الحَرامُ، ومِنهُ إشْعارُ السَّنامِ - وهو أنْ يُعَلَّمَ بِالمُدْيَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَمًا عَلى إحْرامِ صاحِبِها، وعَلى أنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ هَدْيًا لِبَيْتِ اللَّهِ. و(الشَّعائِرُ): جَمْعُ شَعِيرَةٍ وهي العَلامَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الإشْعارِ الَّذِي هو الإعْلامُ، ومِنهُ قَوْلُكَ: شَعَرْتُ بِكَذا أيْ: عَلِمْتُ انْتَهى. (p-٣٤٤)والحَجُّ: في اللُّغَةِ: القَصْدُ. والِاعْتِمارُ: الزِّيارَةُ. غُلِبا في الشَّرِيعَةِ عَلى قَصْدِ البَيْتِ، وزِيارَتِهِ، عَلى الوَجْهَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ في النُّسُكِ. والجُناحُ: بِالضَّمِّ: الإثْمُ والتَّضْيِيقُ والمُؤاخَذَةُ. وأصْلُ الطَّوافِ: المَشْيُ حَوْلَ الشَّيْءِ. والمُرادُ: السَّعْيُ بَيْنَهُما. وقَدْ رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ عِدَّةُ رِواياتٍ: ولَفْظُ البُخارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «سَألْتُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقُلْتُ لَها: أرَأيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ فَواللَّهِ! ما عَلى أحَدٍ جُناحٌ أنْ لا يَطَّوَّفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ! قالَتْ: بِئْسَما قُلْتَ يا ابْنَ أُخْتِي! إنَّ هَذِهِ لَوْ كانَتْ كَما أوَّلْتَها عَلَيْهِ، كانَتْ: لا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتَطَوَّفَ بِهِما، ولَكِنَّها أُنْزِلَتْ في الأنْصارِ، كانُوا قَبْلَ أنْ يُسَلِّمُوا يَهُلُّونَ لِمَناةَ الطّاغِيَةِ، الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها عِنْدَ المُشَلَّلِ، فَكانَ مَن أهَلَّ يَتَحَرَّجُ أنْ يَطَّوَّفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ. فَلَمّا أسْلَمُوا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنّا كُنّا نَتَحَرَّجُ أنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ﴾ الآيَةَ. قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: وقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوافَ بَيْنَهُما». فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ الطَّوافَ بَيْنَهُما. ثُمَّ أخْبَرْتُ أبا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقالَ: إنَّ هَذا لَعِلْمٌ ما كُنْتُ سَمِعْتُهُ، ولَقَدْ سَمِعْتُ رِجالًا مِن أهْلِ العِلْمِ يَذْكُرُونَ أنَّ النّاسَ - إلّا مَن ذَكَرَتْ عائِشَةُ مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ بِمَناةَ - كانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهم بِالصَّفا والمَرْوَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الطَّوافَ بِالبَيْتِ، ولَمْ يَذْكُرِ الصَّفا والمَرْوَةَ في القُرْآنِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! كُنّا نَطُوفُ بِالصَّفا والمَرْوَةِ، وإنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الطَّوافَ بِالبَيْتِ فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفا. فَهَلْ عَلَيْنا مَن حَرَجٍ أنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. (p-٣٤٥)قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأسْمَعُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما: في الَّذِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَطُوفُوا بِالجاهِلِيَّةِ بِالصَّفا والمَرْوَةِ، والَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أنْ يَطُوفُوا بِهِما في الإسْلامِ. مِن أجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالطَّوافِ بِالبَيْتِ ولَمْ يَذْكُرِ الصَّفا، حَتّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ ما ذَكَرَ الطَّوافَ بِالبَيْتِ. وفِي رِوايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: إنّا كُنّا لا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَناةَ. أخْرَجَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، ووَصَلَهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ في رِوايَةِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ أخْبَرَتْهُ «أنَّ الأنْصارَ كانُوا قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا، هم وغَسّانُ، يَهُلُّونَ لِمَناةَ. فَتَحَرَّجُوا أنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وكانَ ذَلِكَ سُنَّةً في آبائِهِمْ: مَن أحْرَمَ لِمَناةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ. وإنَّهم سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمُوا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في ذَلِكَ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾» ورَوى الفاكِهِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ نَصَبَ مَناةَ عَلى ساحِلِ البَحْرِ مِمّا يَلِي قُدَيْدٍ، فَكانَتِ الأزْدُ وغَسّانُ يَحُجُّونَها ويُعَظِّمُونَها، إذا طافُوا بِالبَيْتِ وأفاضُوا مِن عَرَفاتٍ وفَرَغُوا مِن مِنًى أتَوْا مَناةَ فَأهَلُّوا لَها. فَمَن أهَلَّ لَها لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ قالَ: وكانَتْ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ والأزْدِ مِن غَسّانَ، ومَن دانَ دِينَهم مِن أهْلِ يَثْرِبَ. ورَوى النَّسائِيُّ بِإسْنادٍ قَوِيٍّ عَنْ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ قالَ: كانَ عَلى الصَّفا والمَرْوَةِ صَنَمانِ مِن نُحاسٍ يُقالُ لَهُما إسافُ ونائِلَةُ كانَ المُشْرِكُونَ إذا طافُوا تَمَسَّحُوا بِهِما... الحَدِيثَ. ورَوى الطَّبَرانِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في التَّفْسِيرِ بِإسْنادٍ حَسَنٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: (p-٣٤٦)قالَتِ الأنْصارُ: إنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ الآيَةَ. ورَوى الفاكِهِيُّ وإسْماعِيلُ القاضِي في " الأحْكامِ " بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَ صَنَمٌ بِالصَّفا يُدْعى "إسافُ"، ووَثَنٌ بِالمَرْوَةِ يُدْعى "نائِلَةُ"، فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَ بَيْنَهُما، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ رَمى بِهِما، وقالُوا: إنَّما كانَ ذَلِكَ يَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن أجْلِ أوْثانِهِمْ، فَأمْسَكُوا عَنِ السَّعْيِ بَيْنَهُما، قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ الآيَةَ. وقَدِ اسْتُفِيدَ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ الرِّواياتِ: أنَّهُ تَحَرَّجَ طَوائِفُ مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ لِأسْبابٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَنَزَلَتْ في الكُلِّ. واللَّهُ أعْلَمُ. وجَوابُ عائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، لِعُرْوَةَ هو مِن دَقِيقِ عِلْمِها وفَهْمِها الثّاقِبِ، وكَبِيرِ مَعْرِفَتِها بِدَقائِقِ الألْفاظِ؛ لِأنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ إنَّما دَلَّ لَفْظُها عَلى رَفْعِ الجُناحِ عَمَّنْ يَطُوفُ بِهِما، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ السَّعْيِ ولا عَلى وُجُوبِهِ. ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: مَن فَعَلَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ يَشْكُرُهُ عَلَيْهِ ويُثِيبُهُ بِهِ. ومَعْنى: (تَطَوَّعَ) أتى بِما في طَوْعِهِ أوْ بِالطّاعَةِ، وإطْلاقُهُ عَلى ما لا يَجِبُ عُرْفٌ فِقْهِيٌّ لا لُغَوِيٌّ. والشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى المُجازاةُ والثَّناءُ الجَمِيلُ. قالَ الرّاغِبُ: الشُّكْرُ، كَما يَكُونُ بِالقَوْلِ، يَكُونُ بِالفِعْلِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣] قالَ: ولَيْسَ شُكْرُ الرَّفِيعِ لِلْوَضِيعِ إلّا الإفْضالَ عَلَيْهِ وقَبُولَ حَمَدٍ مِنهُ. (p-٣٤٧)تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: تَمَسُّكُ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ عَلى أنَّ السَّعْيَ سُنَّةٌ، وأنَّ مَن تَرَكَهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ مَأْخَذُهُ مِنها: إنَّ التَّطَوُّعَ التَّبَرُّعُ بِما لا يَلْزَمُ، فَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ عُرْفٌ فِقْهِيٌّ لا لُغَوِيٌّ، فَلا حُجَّةَ فِيهِ. وإنْ كانَ نَفى الجُناحَ، فَقَدْ عَلِمْتَ المُرادَ مِنهُ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ سُنَّةٌ، لا يُجْبَرُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ، أنَسٌ فِيما نَقَلَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وعَطاءٌ، نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ في " الفَتْحِ ". وقالَ الرّازِيُّ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ، أنَّ مَن تَرَكَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ. وأمّا حَدِيثُ: ««اسْعَوْا فَإنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ»» رَواهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ، فَفي إسْنادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُؤَمِّلِ، وفِيهِ ضَعْفٌ. ومِن ثَمَّ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: إنْ ثَبَتَ فَهو حُجَّةٌ في الوُجُوبِ. ذَكَرَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في " الفَتْحِ ". الثّانِي: صَحَّ «أنَّهُ ﷺ طافَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ سَبْعًا». رَواهُ الشَّيْخانِ (p-٣٤٨)وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِن طَوافِهِ أتى الصَّفا فَعَلا عَلَيْهِ حَتّى نَظَرَ إلى البَيْتِ ورَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ ويَدْعُو بِما شاءَ أنْ يَدْعُوَ». وأخْرَجَ أيْضًا مِن حَدِيثِ جابِرٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا دَنا مِنَ الصَّفا قَرَأ: «إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ. أبْدَأُ بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» فَبَدَأ بِالصَّفا فَرَقى عَلَيْهِ حَتّى رَأى البَيْتَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وكَبَّرَهُ قالَ: «لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ أنْجَزَ وعْدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ» ثُمَّ دَعا بَيْنَ ذَلِكَ، فَقالَ مِثْلَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلى المَرْوَةِ حَتّى إذا أُنْصِبَتْ قَدَماهُ في بَطْنِ الوادِي، حَتّى إذا صَعِدَتا مَشى حَتّى أتى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلى المَرْوَةِ كَما فَعَلَ عَلى الصَّفا» اهـ. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ كانَ ماشِيًا. وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ: أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «طافَ النَّبِيُّ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ عَلى راحِلَتِهِ بِالبَيْتِ، وبَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، لِيَراهُ النّاسُ، ولِيُشْرِفَ ولِيَسْألُوهُ، فَإنَّ النّاسَ غَشُوهُ». ولَمْ يَطُفْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا أصْحابُهُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ إلّا طَوافًا واحِدًا. قالَ ابْنُ حَزْمٍ: لا تَعارُضَ بَيْنَهُما، لِأنَّ الرّاكِبَ إذا انْصَبَّ بِهِ بَعِيرُهُ فَقَدِ انْصَبَّ كُلُّهُ وانْصَبَّتْ قَدَماهُ أيْضًا مَعَ سائِرِ جَسَدِهِ. (p-٣٤٩)وعِنْدِي - في الجَمْعِ بَيْنَهُما - وجْهٌ آخَرُ أحْسَنُ مِن هَذا وهُوَ: أنَّهُ سَعى ماشِيًا أوَّلًا، ثُمَّ أتَمَّ سَعْيَهُ راكِبًا، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ؛ فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أخْبِرْنِي عَنِ الطَّوافِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ راكِبًا، أسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أنَّهُ سُنَّةٌ! قالَ: صَدَقُوا وكَذَبُوا..! قالَ: قُلْتُ: ما قَوْلُكَ صَدَقُوا وكَذَبُوا..؟ قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النّاسُ. يَقُولُونَ: هَذا مُحَمَّدٌ..! حَتّى خَرَجَ عَلَيْهِ العَواتِقُ مِنَ البُيُوتِ - قالَ - وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُضْرَبُ النّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ - فَلَمّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ. والمَشْيُ والسَّعْيُ أفْضَلُ». وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: إنَّما سَعى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ..! وعَنْ كُرَيْبٍ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الوادِي بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ بِسُنَّةٍ، إنَّما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْعُونَها ويَقُولُونَ: لا نُجِيزُ البَطْحاءَ إلّا شَدًّا..! رَواهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، ووَصَلَهُ أبُو نُعَيْمٍ في مُسْتَخْرَجِهِ. قالَ شُرّاحُ الصَّحِيحِ: المُرادُ بِالسَّعْيِ المَنفِيِّ هو شِدَّةُ المَشْيِ والعَدْوِ. فَهُوَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمْ يَنْفِ سُنِّيَّةَ السَّعْيِ المُجَرَّدِ، بَلْ مُجاوَزَةَ الوادِي بِقُوَّةٍ وعَدْوٍ شَدِيدٍ، إذْ أصْلُ السَّعْيِ هَدْيُهُ ﷺ، واللَّهُ أعْلَمُ. (p-٣٥٠)الثّالِثُ: في البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قِصَّةِ هاجَرَ أُمِّ إسْماعِيلَ: إنَّ الطَّوافَ بَيْنَهُما مَأْخُوذٌ مِن طَوافِها وتَزْدادِها في طَلَبِ الماءِ. ولَفْظُهُ: وجَعَلَتْ أُمُّ إسْماعِيلَ تُرْضِعُ إسْماعِيلَ وتَشْرَبُ مِن ذَلِكَ الماءِ، حَتّى إذا نَفِدَ ما في السِّقاءِ عَطِشَتْ وعَطِشَ ابْنُها، وجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَوّى - أوْ قالَ: يَتَلَبَّطُ - فانْطَلَقَتْ كَراهِيَةَ أنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفا أقْرَبَ جَبَلٍ في الأرْضِ يَلِيَها، فَقامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادِي تَنْظُرُ هَلْ تَرى أحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفا حَتّى إذا بَلَغَتِ الوادِي رَفَعَتْ طَرْفَ دِرْعِها، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسانِ المَجْهُودِ حَتّى جاوَزَتِ الوادِيَ، ثُمَّ أتَتِ المَرْوَةَ، فَقامَتْ عَلَيْها، ونَظَرَتْ هَلْ تَرى أحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرّاتٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««فَذَلِكَ سَعْيُ النّاسِ بَيْنَهُما فَلَمّا أشْرَفَتْ عَلى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا...»» الحَدِيثَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لِما تَرَدَّدَتْ هاجَرُ في هَذِهِ البُقْعَةِ المُشَرَّفَةِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، تَطْلُبُ الغَوْثَ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُتَذَلِّلَةً، خائِفَةً، مُضْطَرَّةً، فَقِيرَةً إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَشَفَ تَعالى كُرْبَتَها، وآنَسَ غُرْبَتَها، وفَرَّجَ شِدَّتَها، وأنْبَعَ لَها زَمْزَمَ الَّتِي طَعامُها طَعامُ طُعْمٍ. وشِفاءُ سُقْمٍ. فالسّاعِي بَيْنَهُما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَسْتَحْضِرَ فَقْرَهُ وذُلَّهُ وحاجَتَهُ إلى اللَّهِ في هِدايَةِ قَلْبِهِ، وصَلاحِ حالِهِ، وغُفْرانِ ذَنْبِهِ، وأنَّهُ يَلْتَجِئُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِتَفْرِيجِ ما هو بِهِ مِنَ النَّقائِصِ والعُيُوبِ، وأنْ يَهْدِيَهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وأنْ يُثَبِّتَهُ عَلَيْهِ إلى مَماتِهِ، وأنْ يُحَوِّلَهُ مِن حالِهِ الَّذِي هو عَلَيْهِ - مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي - إلى حالِ الكَمالِ والغُفْرانِ والسَّدادِ والِاسْتِقامَةِ، كَما فَعَلَ بِهاجَرَ عَلَيْها السَّلامُ.

البقرة 2:159

(p-٣٥١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ يَكْتُمُونَ ما يَعْلَمُونَ مِن هَذا الحَقِّ، وخَتَمَ ما أتْبَعَهُ لَهُ بِصِفَتَيِ الشُّكْرِ والعِلْمِ - تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا - بِأنَّهُ يَشْكُرُ مَن فَعَلَ ما شَرَعَهُ لَهُ، ويَعْلَمُ مَن أخْفاهُ وإنْ دَقَّ فِعْلُهُ وبالَغَ في كِتْمانِهِ، انْعَطَفَ الكَلامُ إلى تَبْكِيتِ المُنافِقِينَ مِنهُمْ، ولَعَنَهم عَلى كِتْمانِهِمْ ما يَعْلَمُونَ مِنَ الحَقِّ؛ إذْ كانَتْ هَذِهِ كُلُّها في الحَقِيقَةِ قِصَصَهُمْ، والخُرُوجُ إلى غَيْرِها إنَّما هو اسْتِطْرادٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ المُبِينِ؛ لِأنَّ هَذا الكِتابَ هُدًى، وكانَ السِّياقُ مُرْشِدًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ بَعْدَ: ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] ومَن أحْدَثَ شَرًّا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، فَوَصَلَ بِهِ اسْتِئْنافًا قَوْلَهُ - عَلى وجْهٍ يَعُمُّهم وغَيْرَهم -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلْنا﴾ الآيَةَ، بَيانًا لِجَزائِهِمْ، فانْتَظَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَتْمِها لِهَذا الخِطابِ بِما مَضى في أوَّلِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] فَكانَتِ البِدايَةُ خاصَّةً، وكانَ الخَتْمُ عامًّا، لِيَكُونَ ما في كِتابِ اللَّهِ أمْرًا مُنْطَبِقًا - عَلى نَحْوِ ما كانَ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ خَلْقًا - لِيَنْطَبِقَ الأمْرُ عَلى الخَلْقِ بَدْءًا وخَتْمًا انْطِباقًا واحِدًا، فَعَمَّ كُلَّ كاتِمٍ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ. نَقَلَهُ البِقاعِيُّ. واللَّعْنُ: الطَّرْدُ والإبْعادُ عَنِ الخَيْرِ، هَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِنَ الخَلْقِ: السَّبُّ والشَّتْمُ، والدُّعاءُ عَلى المَلْعُونِ، ومُشاقَّتُهُ، ومُخالَفَتُهُ، مَعَ السُّخْطِ عَلَيْهِ، والبَراءَةِ مِنهُ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللاعِنُونَ﴾ كُلُّ مَن يَصِحُّ مِنهُ لَعْنٌ، وقَدْ بَيَّنَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١] (p-٣٥٢)وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذا الكِتْمانَ مِنَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ فِيهِ اللَّعْنَ، لِأنَّ ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ ويَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَمَ، ومَن كَتَمَهُ فَقَدْ عَظُمَتْ خَطِيئَتُهُ، وبَلَغَ لِلَعْنِهِ مِنَ الشَّقاوَةِ والخُسْرانِ الغايَةَ الَّتِي لا يُدْرَكُ كُنْهُها..! وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في النَّهْيِ عَنْ كِتْمانِ العِلْمِ. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَوْلا آيَتانِ أنْزَلَهُما اللَّهُ في كِتابِهِ ما حَدَّثْتُ شَيْئًا أبَدًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآيَةَ. ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن هَؤُلاءِ مَن تابَ إلَيْهِ فَقالَ:

البقرة 2:160

(p-٣٥٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦٠] ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ - أيْ: عَنِ الكِتْمانِ -: ﴿وأصْلَحُوا﴾ - أيْ: عَمِلُوا صالِحًا -: ﴿وبَيَّنُوا﴾ - ما كانُوا كَتَمُوهُ فَظَهَرَتْ تَوْبَتُهم بِالإقْلاعِ -: ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ - أيْ: أقْبَلُ تَوْبَتَهم بِإفاضَةِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ -: ﴿وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ واسْتَمَرَّ بِهِ الحالُ إلى كُفْرِهِ بِقَوْلِهِ:

البقرة 2:161

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ [البقرة: ١٦٢] - أيْ: في اللَّعْنَةِ، أوْ في النّارِ، عَلى أنَّها أُضْمِرَتْ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وتَهْوِيلًا لِأمْرِها -: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢] - إمّا مِنَ الإنْظارِ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ والإمْهالِ. أيْ: لا يُمْهَلُونَ عَنِ العَذابِ ولا يُؤَخَّرُ عَنْهم ساعَةً بَلْ هو مُتَواصِلٌ دائِمٌ، أوْ مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ أيْ: لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]

البقرة 2:162

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ [البقرة: ١٦٢] - أيْ: في اللَّعْنَةِ، أوْ في النّارِ، عَلى أنَّها أُضْمِرَتْ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وتَهْوِيلًا لِأمْرِها -: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢] - إمّا مِنَ الإنْظارِ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ والإمْهالِ. أيْ: لا يُمْهَلُونَ عَنِ العَذابِ ولا يُؤَخَّرُ عَنْهم ساعَةً بَلْ هو مُتَواصِلٌ دائِمٌ، أوْ مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ أيْ: لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]

البقرة 2:163

(p-٣٥٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦٣] ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ يُخْبِرُ تَعالى بِخِطابِهِ كافَّةَ النّاسِ عَنْ تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ ولا عَدِيلَ. قالَ الرّاغِبُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ خِطابًا عامًّا، أيِ: المُسْتَحِقُّ مِنكُمُ العِبادَةَ هو إلَهٌ واحِدٌ لا أكْثَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: الَّذِي تَعْبُدُونَهُ إلَهٌ واحِدٌ، تَنْبِيهًا أنَّكم لَسْتُمْ كالكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ أصْنامًا آلِهَةً والشَّيْطانَ والهَوى وغَيْرَ ذَلِكَ. إنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ الجَمْعِ بَيْنَ: (إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ) وبَيْنَ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وأحَدُهُما يُبْنى عَلى الآخَرِ؟ قِيلَ: لِما بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالعِبادَةِ أوِ المُسْتَحِقُّ لَها - وكانَ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنْ يُوجَدَ إلَهٌ غَيْرُهُ، ولَكِنْ لا يُعْبَدُ ولا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ - أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وحُقَّ لِهَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا وتُكَرَّرَ عَلَيْهِ الألْفاظُ؛ إذْ هو مَبْدَأٌ مَقْصُودُ العِبادَةِ ومُنْتَهاهُ. انْتَهى. وقالَ الرّازِيُّ: إنَّما خَصَّ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا المَوْضِعَ بِذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الإلَهِيَّةِ والفَرْدانِيَّةِ يُفِيدُ القَهْرَ والعُلُوَّ، فَعَقَّبَهُما بِذِكْرِ هَذِهِ المُبالَغَةِ في الرَّحْمَةِ تَرْوِيحًا لِلْقُلُوبِ عَنْ هَيْبَةِ الإلَهِيَّةِ وعِزَّةِ الفَرْدانِيَّةِ، وإشْعارًا بِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وأنَّهُ ما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا لِلرَّحْمَةِ والإحْسانِ. انْتَهى. ولَمّا كانَ مَقامُ الوَحْدانِيَّةِ لا يَصِحُّ إلّا بِتَمامِ العِلْمِ وكَمالِ القُدْرَةِ، نَصَبَ تَعالى الأدِلَّةَ، مِنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ وعَوارِضِهِما والمُتَوَسِّطاتِ، عَلى ذَلِكَ تَبْصِيرًا لِلْجُهّالِ وتَذْكِيرًا لِلْعُلَماءِ بِقَوْلِهِ:

البقرة 2:164

(p-٣٥٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦٤] ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ - في ارْتِفاعِ الأُولى ولَطافَتِها واتِّساعِها وكَواكِبِها السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ ودَوَرانِ فَلَكِها، وفي انْخِفاضِ الثّانِيَةِ وكَثافَتِها وجِبالِها وبِحارِها وقِفارِها ووِهادِها وعُمْرانِها وما فِيها مِنَ المَنافِعِ -: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيِ: اعْتِقابِهِما وكَوْنُ كُلٍّ مِنهُما خَلْفًا لِلْآخَرِ، فَيَجِيءُ أحَدُهُما ثُمَّ يَذْهَبُ ويُخْلِفُهُ الآخَرُ ويَعْقُبُهُ لا يَتَأخَّرُ عَنْهُ لَحْظَةً. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] أوِ اخْتِلافُ كُلٍّ مِنهُما في أنْفُسِهِما ازْدِيادًا وانْتِقاصًا كَما قالَ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [الحديد: ٦] أيْ: يَزِيدُ مِن هَذا في هَذا ومِن هَذا في ذاكَ ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ أيْ: في تَسْخِيرِ البَحْرِ بِحَمْلِ السُّفُنِ مِن جانِبٍ إلى آخَرَ لِمَعايِشِ النّاسِ والِانْتِفاعِ بِما عِنْدَ أهْلِ إقْلِيمٍ لِغَيْرِهِ. قالَ الرّاغِبُ: ولَمّا لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ أنْ يُقالَ: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ وبَيْنَ أنْ يُقالَ: والبَحْرُ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الفُلْكُ، في أنَّ القَصْدَ الأوَّلَ بِالآيَةِ أنْ يُعْرَفَ مَنفَعَةُ البَحْرِ، (p-٣٥٦)وإنْ أُخِّرَ في اللَّفْظِ، قَدَّمَ ذِكْرَ الفُلْكِ الَّذِي هو مِن صَنْعَتِنا. ولَمّا كانَ سَبِيلُنا إلى مَعْرِفَتِها أقْرَبَ مِنهُ إلى مَعْرِفَةِ صُنْعِهِ - قَدَّمَ ذِكْرَ الفُلْكِ لِيُنْظُرَ مِنها إلى آثارِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى ﴿وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: المُزْنَ: ﴿مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾ بِأنْواعِ النَّباتِ والأزْهارِ وما عَلَيْها مِنَ الأشْجارِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ بِاسْتِيلاءِ اليُبُوسَةِ عَلَيْها: ﴿وبَثَّ فِيها﴾ أيْ: نَشَرَ وفَرَّقَ: ﴿مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أيْ: تَقْلِيبِها في مَهابِّها: قُبُولًا ودُبُورًا وجَنُوبًا وشَمالًا، وفي أحْوالِها: حارَّةً وبارِدَةً وعاصِفَةً ولَيِّنَةً، فَتارَةً مُبَشِّرَةً بَيْنَ يَدَيِ السَّحابِ، وطْوَرًا تَسُوقُهُ، وآوِنَةً تَجْمَعُهُ، ووَقْتًا تُفَرِّقُهُ، وحِينًا تَصْرِفُهُ. قالَ الثَّعالِبِيُّ: إذا جاءَتِ الرِّيحُ بِنَفَسٍ ضَعِيفٍ، ورَوْحٍ فَهي النَّسِيمُ، فَإذا كانَتْ شَدِيدَةً فَهي العاصِفُ، فَإذا حَرَّكَتِ الأغْصانَ تَحْرِيكًا شَدِيدًا وقَلَعَتِ الأشْجارَ فَهي الزَّعْزَعانُ والزَّعْزَعُ، فَإذا جاءَتْ بِالحَصْباءِ فَهي الحاصِبَةُ، فَإذا هَبَّتْ مِنَ الأرْضِ نَحْوَ السَّماءِ كالعَمُودِ فَهي الإعْصارُ، ويُقالُ لَها زَوْبَعَةٌ أيْضًا، فَإذا هَبَّتْ بِالغَبَرَةِ فَهي الهَبْوَةُ، فَإذا كانَتْ بارِدَةً فَهي الصَّرْصَرُ، فَإذا كانَ مَعَ بَرْدِها نَدًى فَهي البَلِيلُ، فَإذا كانَتْ حارَّةً فَهي الحَرُورُ والسَّمُومُ، فَإذا لَمْ تُلَقِّحْ شَجَرًا ولَمْ تَحْمِلْ مَطَرًا فَهي العَقِيمُ، ومِمّا يُذْكَرُ مِنها بِلَفْظِ الجَمْعِ: الأعاصِيرُ وهي الَّتِي تَهِيجُ بِالغُبارِ، واللَّواقِحُ الَّتِي تُلَقِّحُ الأشْجارَ، والمُعْصِراتُ الَّتِي تَأْتِي بِالأمْطارِ، والمُبَشِّراتُ الَّتِي تَأْتِي بِالسَّحابِ والغَيْثِ. ﴿والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ: فَلا يَهْوِي إلى جِهَةِ السُّفْلِ مَعَ ثِقَلِهِ يَحْمِلُهُ بُخارُ الماءِ - كَما تَهْوِي بَقِيَّةُ الأجْرامِ العالِيَةِ - حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَها مُمْسِكٌ مَحْسُوسٌ، ولا يَعْلُو، ولا يَنْقَشِعُ، مَعَ أنَّ الطَّبْعَ يَقْتَضِي أحَدَ الثَّلاثَةِ: فالكَثِيفُ يَقْتَضِي النُّزُولَ، واللَّطِيفُ يَقْتَضِي العُلُوَّ، والمُتَوَسِّطُ يَقْتَضِي الِانْقِشاعَ. ذَكَرَهُ البِقاعِيُّ. لَطِيفَتانِ: الأُولى: قالَ الثَّعالِبِيُّ: أوَّلُ ما يَنْشَأُ السَّحابُ فَهو النَّشْءُ، فَإذا انْسَحَبَ في الهَواءِ (p-٣٥٧)فَهُوَ السَّحابُ، فَإذا تَغَيَّرَتْ لَهُ السَّماءُ، فَهو الغَمامُ، فَإذا أظَلَّ فَهو العارِضُ، فَإذا ارْتَفَعَ وحَمَلَ الماءَ وكَثُفَ وأطْبَقَ فَهو العَماءُ، فَإذا عَنَّ فَهو العَنانُ، فَإذا كانَ أبْيَضَ فَهو المُزْنُ. الثّانِيَةُ: قالَ الرّاغِبُ: التَّسْخِيرُ القَهْرُ عَلى الفِعْلِ، وهو أبْلَغُ مِنَ الإكْراهِ، فَإنَّهُ حَمْلُ الغَيْرِ عَلى الفِعْلِ بِلا إرادَةٍ مِنهُ عَلى وجْهٍ، كَحَمْلِ الرَّحى عَلى الطَّحْنِ،اهـ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لآياتٍ﴾ أيْ: عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ، فالتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: يَتَفَكَّرُونَ فِيها ويَنْظُرُونَ إلَيْها بِعَيْنِ العُقُولِ، فَيَسْتَدِلُّونَ عَلى قُدْرَتِهِ، سُبْحانَهُ، القاهِرَةِ، وحِكْمَتِهِ الباهِرَةِ، ورَحْمَتِهِ الواسِعَةِ المُقْتَضِيَةِ لِاخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ. قالَ البِقاعِيُّ: وسَبَبُ تَكْثِيرِ الأدِلَّةِ أنَّ عُقُولَ النّاسِ مُتَفاوِتَةٌ فَجَعَلَ سُبْحانَهُ العالَمَ - وهو المُمْكِناتُ المَوْجُودَةُ، وهي جُمْلَةُ ما سِواهُ، الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ - عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْرَكَ بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ، ويُسَمّى في عُرْفِ أهْلِ الشَّرْعِ: الشَّهادَةُ والخَلْقُ والمُلْكُ، وقِسْمٌ لا يُدْرَكُ بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ ويُسَمّى: الغَيْبُ والأمْرُ والمَلَكُوتُ. والأوَّلُ يُدْرِكُهُ عامَّةُ النّاسِ، والثّانِي يُدْرِكُهُ أُولُو الألْبابِ الَّذِينَ عُقُولُهم خالِصَةٌ عَنِ الوَهْمِ والوَساوِسِ. فاللَّهُ تَعالى - بِكَمالِ عِنايَتِهِ ورَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ - جَعَلَ العالَمَ بِقِسْمَيْهِ مُحْتَوِيًا عَلى جُمَلٍ وتَفاصِيلَ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وطُرُقٍ مُتَكَثِّرَةٍ، تَعْجِزُ القُوى البَشَرِيَّةُ، عَنْ ضَبْطِها، يُسْتَدَلُّ بِها عَلى وحْدانِيَّتِهِ، بَعْضُها أوْضَحُ مِن بَعْضٍ، لِيَشْتَرِكَ الكُلُّ في المَعْرِفَةِ، فَيَحْصُلَ لِكُلٍّ بِقَدْرِ ما هُيِّئَ لَهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ مِمَّنْ طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ، فَذَلِكَ - والعِياذُ بِاللَّهِ - هو الشَّقِيُّ انْتَهى. قالَ المَهايِمِيُّ: وكَيْفَ يُنْكِرُونَ وُجُودَ اللَّهِ، وتَوْحِيدَهُ، ورَحْمانِيَّتَهُ، ورَحِيمِيَّتَهُ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْها دَلائِلُ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ وعَوارِضِهِما والمُتَوَسِّطاتِ؟ ثُمَّ قالَ: أمّا دَلالَةُ السَّماءِ والأرْضِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ فَلِأنَّهُما حادِثانِ؛ لِأنَّ لَهُما أجْزاءً يَفْتَقِرانِ إلَيْها، فَلا بُدَّ لَها مِن مُحْدِثٍ لَيْسَ بَعْضَ أجْزائِهِما، لِأنَّهُ دَخَلَهُ التَّرْكِيبُ الحادِثُ، والقَدِيمُ لا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْحَوادِثِ، والمُحْدِثُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ (p-٣٥٨)قَدِيمًا قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وعَلى التَّوْحِيدِ، فَلِأنَّ إلَهَ السَّماواتِ لَوْ كانَ غَيْرَ إلَهِ الأرْضِ لَمْ يَرْتَبِطْ مَنافِعُ أحَدِهِما بِالآخَرِ، وعَلى الرَّحْمَتَيْنِ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ في الأرْضِ مَوادَّ قابِلَةً لِلصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ وأفاضَها واحِدَةً بَعْدَ أُخْرى بِتَحْرِيكِ السَّماواتِ. وأمّا دَلالَةُ اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ فَلِحُدُوثِهِما مِن حَرَكاتِ السَّماواتِ، ولا بُدَّ لَها مِن مُحَرِّكٍ، فَإنْ كانَ حادِثًا فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ، وعَلى التَّوْحِيدِ، فَلِأنَّ إلَهَ اللَّيْلِ لَوْ كانَ غَيْرَ إلَهِ النَّهارِ لَأمْكَنَ كُلُّ واحِدٍ أنْ يَأْتِيَ بِما هو لَهُ في وقْتِ إتْيانِ الآخَرِ بِما هو لَهُ، فَيَلْزَمُ اجْتِماعُهُما وهو مُحالٌ. فَإنِ امْتَنَعَ لَزِمَ عَجْزُ أحَدِهِما أوْ كِلَيْهِما، وعَلى الرَّحْمَتَيْنِ، فَلِأنَّ الِاعْتِدالَ الَّذِي بِهِ انْتِظامُ أمْرِ الحَيَواناتِ إنَّما يَكُونُ مِن تَعاقُبِهِما، إذْ دَوامُ اللَّيْلِ مُبَرِّدٌ لِلْعالَمِ في الغايَةِ، ودَوامُ النَّهارِ مُسَخِّنٌ لَهُ في الغايَةِ. وأمّا دَلالَةُ الفُلْكِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، فَلِأنَّها أثْقَلُ مِنَ الماءِ فَحَقُّها الرُّسُوبُ فِيها، فَإمْساكُها فَوْقَ الماءِ مِنَ اللَّهِ، ودُخُولُ الهَواءِ فِيها - وإنْ كانَ مِنَ الأسْبابِ - فَلا يَتِمُّ عِنْدَ امْتِلاءِ الفُلْكِ بِالأمْتِعَةِ الكَثِيرَةِ، إذْ يَقِلُّ الهَواءُ جِدًّا فَيَضْعُفُ أثَرُهُ في إمْساكِ هَذا الثَّقِيلِ جِدًّا، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى مِن أوَّلِ الأمْرِ، وعَلى التَّوْحِيدِ، فَلِأنَّ إلَهَ الفُلْكِ لَوْ كانَ غَيْرَ إلَهِ البَحْرِ لَرُبَّما مَنَعَ أحَدُهُما الآخَرَ مِنَ التَّصَرُّفِ في مُلْكِهِ، وهو يُفْضِي إلى اخْتِلالِ نِظامِ العالَمِ لِاخْتِلافِ المَنافِعِ المَنُوطَةِ بِالفُلْكِ، وعَلى الرَّحْمَتَيْنِ فَلِأنَّهُ رَحِمَ المُسافِرِينَ بِالتِّجاراتِ، والمُسافَرَ إلَيْهِمْ بِالأمْتِعَةِ الَّتِي يَحْتاجُونَ إلَيْها. وأمّا دَلالَةُ إنْزالِ الماءِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، فَلِأنَّهُ أثْقَلُ مِنَ الهَواءِ، فَوُجُودُهُ في مَرْكَزِهِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وعَلى التَّوْحِيدِ، فَلِأنَّ إلَهَ الماءِ لَوْ كانَ غَيْرَ إلَهِ الهَواءِ، لَمُنِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ في مُلْكِهِ، وعَلى الرَّحْمَتَيْنِ، فَلِأنَّهُ أحْيا بِهِ الأرْضَ مَعاشًا لِلْحَيَواناتِ، وبَثَّ بِهِ الدَّوابَّ تَكْمِيلًا لِمَنافِعِ الإنْسانِ. وأمّا دَلالَةُ تَصْرِيفِ الرِّياحِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ،َ فَلِأنَّها حادِثَةٌ تُحْدِثُ هَذِهِ مَرَّةً وهَذِهِ أُخْرى، وقَدْ يَعْدَمُ الكُلُّ، فَلا بُدَّ مِن مُحْدِثٍ، فَإنْ كانَ حادِثًا افْتَقَرَ إلى قَدِيمٍ، وعَلى التَّوْحِيدِ، فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ لِكُلِّ رِيحٍ إلَهٌ لَأمْكَنَ لِلْكُلِّ أنْ يَأْتِيَ بِما لَهُ، فَيَلْزَمُ اجْتِماعُ الرِّياحِ المُخْتَلِفَةِ وهو مُخِلٌّ بِالنِّظامِ، وعَلى الرَّحْمَتَيْنِ، فَلِأنَّها تُحَرِّكُ الفُلْكَ والسُّحُبَ وتُنْمِي (p-٣٥٩)الأشْجارَ والثِّمارَ. وأمّا دَلالَةُ السَّحابِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ ثَقِيلًا لَنَزَلَ، أوْ كانَ خَفِيفًا لَصَعِدَ، لَكِنَّهُ يَصْعَدُ تارَةً ويَنْزِلُ أُخْرى فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا عَلى التَّوْحِيدِ، فَلِأنَّ إلَهَ السَّحابِ، لَوْ كانَ غَيْرَ إلَهِ السَّحابِ الآخَرِ، لَأمْكَنَ لِكُلِّ واحِدٍ أنْ يَجْعَلَ سَحابَهُ في مَكانِ سَحابِ الآخَرِ، فَيَلْزَمُ تَداخُلُ الأجْسامِ أوِ العَجُزُ، وعَلى الرَّحْمَتَيْنِ فَلِأنَّ مِنها الأمْطارَ. ولَهُ وُجُوهُ أُخَرُ مِنَ الدَّلالاتِ، وفَوائِدُ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، قَنِعْنا بِما ذَكَرْنا. قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أُمُورٍ: أحَدُها: لَوْ كانَ الحَقُّ يُدْرَكُ بِالتَّقْلِيدِ، واتِّباعِ الآباءِ، والجَرْيِ عَلى الإلْفِ والعادَةِ، لَما صَحَّ ذَلِكَ. وثانِيها: لَوْ كانَتِ المَعارِفُ ضَرُورِيَّةً وحاصِلَةً بِالإلْهامِ لَما صَحَّ وصْفُ هَذِهِ الأُمُورِ بِأنَّها آياتٌ؛ لَأنَّ المَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ لا يَحْتاجُ في مَعْرِفَتِهِ إلى الآياتِ. وثالِثُها: أنَّ سائِرَ الأجْسامِ والأعْراضِ، وإنْ كانَتْ تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ، فَهو تَعالى خَصَّ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها جامِعَةٌ بَيْنَ كَوْنِها دَلائِلَ وبَيْنَ كَوْنِها نِعَمًا عَلى المُكَلَّفِينَ عَلى أوْفَرِ حَظٍّ ونَصِيبٍ، ومَتّى كانَتِ الدَّلائِلُ كَذَلِكَ كانَتْ أنْجَعَ في القُلُوبِ وأشَدَّ تَأْثِيرًا في الخَواطِرِ. نَقَلَهُ الرّازِيُّ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أظْهَرَ هَذِهِ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى وُجُودِهِ، وتَوْحِيدِهِ، ورَحْمَتِهِ، لِيَخُصَّهُ الخَلْقُ بِالمَحَبَّةِ والعِبادَةِ.

البقرة 2:165

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ {و } لَكِنْ: {مِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أندادًا } أيْ: أمْثالًا. مَعَ أنَّ الآياتِ مَنَعَتْ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ واحِدٌ فَضْلًا عَنْ جَماعَتِها يُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ إذْ: (p-٣٦٠)﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أيْ: يُعَظِّمُونَهم ويَخْضَعُونَ لَهم كَتَعْظِيمِ اللَّهِ والخُضُوعِ لَهُ. والأنْدادُ هِيَ: إمّا الأوْثانُ الَّتِي اتَّخَذُوها آلِهَةً لِتَقُرِّبَهم إلى اللَّهِ زُلْفى، ورَجَوْا مِنها النَّفْعَ والضُّرَّ، وقَصَدُوها بِالمَسائِلِ، ونَذَرُوا لَها النُّذُورَ وقَرَّبُوا لَها القَرابِينَ. وإمّا الرُّؤَساءُ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهم فِيما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ، لاسِيَّما في الأوامِرِ والنَّواهِي، ورُجِّحَ هَذا؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَنِ اتَّخَذَ الرِّجالَ أنْدادًا، وأمْثالًا لِلَّهِ تَعالى يَلْتَزِمُونَ مِن تَعْظِيمِهِمْ والِانْقِيادِ لَهم ما يَلْتَزِمُهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ لِأنْدادِهِمْ، لِأنَّ أُولَئِكَ أشْرَكُوا في المَحَبَّةِ، والمُؤْمِنُونَ أخْلَصُوها كُلَّها لِلَّهِ، ولِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ جَمِيعَ الكِمالاتِ لَهُ ومِنهُ، ولِأنَّهم لا يَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، بِخِلافِ المُشْرِكِينَ فَكانُوا يَعْبُدُونَ الصَّنَمَ زَمانًا ثُمَّ يَرْفُضُونَهُ إلى غَيْرِهِ أوْ يَأْكُلُونَهُ، كَما أكَلَتْ باهِلَةُ إلَهَها مِن حَيْسٍ، عامَ المَجاعَةِ. قالَ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في " شَرْحِ المَنازِلِ " في بابِ التَّوْبَةِ: أمّا الشِّرْكُ فَهو نَوْعانِ: أكْبَرُ وأصْغَرُ. فالأكْبَرُ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ إلّا بِالتَّوْبَةِ، وهو أنْ يَتَّخِذَ مِن دُونِ اللَّهِ نِدًّا يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ تَعالى، وهو الشِّرْكُ الَّذِي تَضَمَّنَ تَسْوِيَةَ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ بِرَبِّ العالَمِينَ، ولِذا قالُوا لِآلِهَتِهِمْ في النّارِ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧] ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ خالِقٌ كُلِّ شَيْءٍ، ورَبُّهُ، ومَلِيكُهُ، وأنَّ آلِهَتَهم لا تَخْلُقُ ولا تَرْزُقُ ولا تُمِيتُ ولا تُحْيِي، وإنَّما كانَتْ هَذِهِ التَّسْوِيَةُ في المَحَبَّةِ، والتَّعْظِيمِ، والعِبادَةِ، كَما هو حالُ أكْثَرِ مُشْرِكِي العالَمِ..! بَلْ كُلُّهم يُحِبُّونَ مَعْبُودِيهِمْ، ويُعَظِّمُونَها، ويُوادُّونَها مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى..! وكَثِيرٌ مِنهم - بَلْ أكْثَرُهم - يُحِبُّونَ آلِهَتَهم (p-٣٦١)أعْظَمَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى..! ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِهِمْ أعْظَمَ مِنَ اسْتِبْشارِهِمْ إذا ذُكِرَ اللَّهُ تَعالى..! ويَغْضَبُونَ بِتَنَقُّصِ مَعْبُودِيهِمْ وآلِهَتِهِمْ مِنَ المَشايِخِ أعْظَمَ ما يَغْضَبُونَ إذا انْتَقَصَ أحَدٌ رَبَّ العالَمِينَ..! وإذا انْتُقِصَتْ حُرُماتُ آلِهَتِهِمْ ومَعْبُودِيهِمْ غَضِبُوا غَضَبَ اللَّيْثِ أوِ الكَلْبِ..! وإذا انْتُهِكَتْ حُرُماتُ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَغْضَبُوا لَها. بَلْ إذا قامَ المُنْتَهِكُ لَها بِإطْعامِهِمْ شَيْئًا رَضُوا عَنْهُ، ولَمْ تُنْكِرْ لَهُ قُلُوبُهم..! قَدْ شاهَدْنا نَحْنُ وغَيْرُنا هَذا مِنهُمُ.. انْتَهى. وقالَ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ أحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ المَقْرِيزِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ومِن أجَلِّ الشِّرْكِ، وأصْلِهِ الشِّرْكُ في مَحَبَّةِ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ مَن أحَبَّ مَعَ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَهُ، كَما يُحِبُّهُ، فَقَدِ اتَّخَذَ نِدًّا مِن دُونِهِ! وهَذا عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ في الآيَةِ أنَّهم يُحِبُّونَهم كَما يُحِبُّونَ اللَّهَ، وهَذا هو العَدْلُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] والمَعْنى عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ: أنَّهم يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ فَيُسَوُّونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ في الحُبِّ والعِبادَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ المُشْرِكِينَ في النّارِ لِأصْنامِهِمْ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧] ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] ومَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ هَذِهِ التَّسْوِيَةَ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ في كَوْنِهِمْ خالِقِيهِمْ، فَإنَّهم كانُوا كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم مُقِرِّينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ هو رَبُّهم وخالِقُهُمْ، وأنَّ الأرْضَ ومَن فِيها لِلَّهِ وحْدَهُ، وأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ ورَبُّ (p-٣٦٢)العَرْشِ العَظِيمِ، وأنَّهُ هو الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ.... وإنَّما كانَتْ هَذِهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى في المَحَبَّةِ والعِبادَةِ، فَمَن أحَبَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، وخافَهُ، ورَجاهُ، وذَلَّ لَهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ ويَخافُهُ ويَرْجُوهُ فَهَذا هو الشِّرْكُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ تَعالى...! فَعِياذًا بِاللَّهِ! مِن أنْ يَنْسَلِخَ القَلْبُ مِنَ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، كانْسِلاخِ الحَيَّةِ مِن قِشْرِها، وهو يَظُنُّ أنَّهُ مُسْلِمٌ مُوَحِّدٌ...! وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في بَعْضِ فَتاوِيهِ: والمُتَّخِذُ إلَهَهُ هَواهُ، لَهُ مَحَبَّةٌ كَمَحَبَّةِ المُشْرِكِينَ لِآلِهَتِهِمْ، ومَحَبَّةِ عُبّادِ العِجْلِ لَهُ، وهَذِهِ مَحَبَّةٌ مَعَ اللَّهِ لا مَحَبَّةٌ لِلَّهِ! وهَذِهِ مَحَبَّةُ أهْلِ الشِّرْكِ...! والنُّفُوسُ قَدْ تَدَّعِي مَحَبَّةَ اللَّهِ، وتَكُونُ في نَفْسِ الأمْرِ مَحَبَّةَ شِرْكٍ تُحِبُّ ما تَهْواهُ، وقَدْ أشْرَكَتْهُ في الحُبِّ مَعَ اللَّهِ! وقَدْ يَخْفى الهَوى عَلى النَّفْسِ، فَإنَّ حُبَّكَ الشَّيْءُ يُعْمِي ويُصِمُّ..! وهَكَذا الأعْمالُ الَّتِي يَظُنُّ الإنْسانُ أنَّهُ يَعْمَلُها لِلَّهِ وفي نَفْسِهِ شِرْكٌ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ وهو يَعْلَمُهُ، إمّا لِحُبِّ رِياسَةٍ، وإمّا لِحُبِّ مالٍ، وإمّا لِحُبِّ صُورَةٍ...!. ولِهَذا «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! الرَّجُلُ يُقاتِلُ شَجاعَةً وحَمِيَّةً ورِياءً، فَأيُّ ذَلِكَ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ: مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ...!» فَلَمّا صارَ كَثِيرٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ النُّسّاكِ المُتَأخِّرِينَ يَدَّعُونَ المَحَبَّةَ - ولَمْ يَزِنُوها بِمِيزانِ العِلْمِ والكِتابِ والسُّنَّةِ - دَخَلَ فِيها نَوْعٌ مِنَ الشِّرْكِ واتِّباعِ الأهْواءِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ جَعَلَ مَحَبَّتَهُ مُوجِبَةً لِاتِّباعِ رَسُولِهِ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (p-٣٦٣)، وهَذا، لِأنَّ الرَّسُولَ هو الَّذِي يَدْعُو إلى ما يُحِبُّهُ اللَّهُ، ولَيْسَ شَيْءٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ إلّا والرَّسُولُ يَدْعُو إلَيْهِ...! ولَيْسَ شَيْءٌ يَدْعُو إلَيْهِ الرَّسُولُ إلّا واللَّهُ يُحِبُّهُ...! فَصارَ مَحْبُوبُ الرَّبِّ ومَدْعُوُّ الرَّسُولِ مُتَلازِمَيْنِ، بَلْ هَذا هو هَذا في ذاتِهِ، وإنْ تَنَوَّعَتِ الصِّفاتُ...! انْتَهى. ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: بِاتِّخاذِ الأنْدادِ ووَضْعِها مَوْضِعَ المَعْبُودِ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ المُعَدَّ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيِ: القُدْرَةَ كُلَّها لِلَّهِ، عَلى كُلِّ شَيْءٍ، مِنَ العِقابِ والثَّوابِ، دُونَ أنْدادِهِمْ: ﴿وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ أيِ: العِقابِ لِلظّالِمِينَ. وفائِدَةُ عَطْفِها عَلى ما قَبْلَها: المُبالَغَةُ في تَهْوِيلِ الخَطْبِ، وتَفْظِيعِ الأمْرِ؛ فَإنَّ اخْتِصاصَ القُوَّةِ بِهِ تَعالى لا يُوجِبُ شِدَّةَ العَذابِ، لِجَوازِ تَرْكِهِ عَفْوًا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ. وجَوابُ لَوْ: مَحْذُوفٌ لِلْإيذانِ بِخُرُوجِهِ عَنْ دائِرَةِ البَيانِ، إمّا لِعَدَمِ الإحاطَةِ بِكُنْهِهِ، وإمّا لِضِيقِ العِبارَةِ عَنْهُ، وإمّا لِإيجابِ ذِكْرِهِ ما لا يَسْتَطِيعُهُ المُعَبِّرُ أوِ المُسْتَمِعُ مِنَ الضَّجَرِ والتَّفَجُّعِ عَلَيْهِ؛ أيْ: لَكانَ مِنهم ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ مِنَ النَّدَمِ والحَسْرَةِ ووُقُوعِ العِلْمِ بِظُلْمِهِمْ وضَلالِهِمْ. ونَظِيرُهُ - في حَذْفِ الجَوابِ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧] وقَوْلُهُمْ: لَوْ رَأيْتَ فُلانًا والسِّياطُ تَأْخُذُهُ. وقُرِئَ: (ولَوْ تَرى) بِالتّاءِ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ أوْ كُلِّ مُخاطَبٍ؛ أيْ: ولَوْ تَرى ذَلِكَ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا في الفَظاعَةِ والهَوْلِ.

البقرة 2:166

(p-٣٦٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦٦] ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ بَدَلٌ مِن: ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾ [البقرة: ١٦٥] أيْ: تَبَرَّأ المَتْبُوعُونَ وهُمُ الرُّؤَساءُ الآمِرُونَ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ مِنَ الأتْباعِ، بِأنِ اعْتَرَفُوا بِبُطْلانِ ما كانُوا يَدْعُونَهُ في الدُّنْيا لَهُمْ، أوْ يَدْعُونَهم إلَيْهِ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ، واعْتَزَلُوا عَنْ مُخالَطَتِهِمْ، وقابَلُوهم بِاللَّعْنِ. وقُرِئَ الأوَّلُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والثّانِي عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ الواوُ لِلْحالِ، أيْ: تَبَرَّأُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ أيِ: الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ، مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى دِينٍ واحِدٍ، ومِنَ الأنْسابِ، والمَحابِّ، والِاتِّباعِ، والِاسْتِتْباعِ.

البقرة 2:167

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦٧] ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ حِينَ عايَنُوا تَبَرُّؤَ الرُّؤَساءِ مِنهُمْ، ونَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا مِنِ اتِّباعِهِمْ لَهم في الدُّنْيا: ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ أيْ: لَيْتَ لَنا رَجْعَةً إلى الدُّنْيا: ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهُمْ﴾ هُناكَ، ومِن عِبادَتِهِمْ، ونَعْبُدُهُ تَعالى وحْدَهُ: ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ اليَوْمَ. وهم كاذِبُونَ في هَذا، بَلْ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ، كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِذَلِكَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ تِلْكَ الإراءَةِ الفَظِيعَةِ: ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ﴾ نَدَماتٍ شَدِيدَةً: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: تَذْهَبُ وتَضْمَحِلُّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (p-٣٦٥)وقالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾ [النور: ٣٩] الآيَةَ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبإ: ٣٢] ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبإ: ٣٣] ؟ وقالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] (p-٣٦٦)وقالَ الخَلِيلُ لِقَوْمِهِ: ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ويَقُولُونَ: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] وقالَ تَعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]

البقرة 2:168

(p-٣٦٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦٨] ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا﴾ حالٌ أوْ مَفْعُولٌ، وهو ما انْتَفى عَنْهُ حُكْمُ التَّحْرِيمِ: ﴿طَيِّبًا﴾ أيْ: مُسْتَطابًا في نَفْسِهِ، غَيْرَ ضارٍّ لِلْأبْدانِ ولا لِلْعُقُولِ. وقَدْ رَوى الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ فَقامَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ! فَقالَ: «يا سَعْدُ! أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ. والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إنَّ الرَّجُلَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحَرامَ في جَوْفِهِ ما يُتَقَبَّلُ مِنهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأيُّما عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ والرِّبا فالنّارُ أوْلى بِهِ...!»»: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ وهي طَرائِقُهُ ومَسالِكُهُ فِيما أضَلَّ أتْباعَهُ فِيهِ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ والوَصائِلِ ونَحْوِها... مِمّا زَيَّنَهُ لَهم في جاهِلِيَّتِهِمْ، كَما في حَدِيثِ عِياضِ بْنِ حِمارٍ الَّذِي في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ كُلَّ مالٍ مَنَحْتُهُ عِبادِي فَهو لَهم حَلالٌ» . وفِيهِ: «وإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ، فَجاءَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم»» . (p-٣٦٨)ومِمّا يَدْخُلُ في خُطُواتِ الشَّيْطانِ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ، ومِنها: النُّذُورُ في المَعاصِي كَما قالَهُ بَعْضُ السَّلَفِ في الآيَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ: نَذَرَ رَجُلٌ أنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ، فَأفْتاهُ مَسْرُوقٌ بِذَبْحِ كَبْشٍ، وقالَ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ! قالَ أبُو الضُّحى عَنْ مَسْرُوقٍ: أتى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِضَرْعٍ ومِلْحٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ فاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ناوِلُوا صاحِبَكُمْ، فَقالَ: لا أُرِيدُهُ. فَقالَ: أصائِمٌ أنْتَ؟ قالَ: لا..! قالَ: فَما شَأْنُكَ؟ قالَ حَرَّمْتُ أنْ آكُلَ ضَرْعًا أبَدًا...! فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فَأطْعِمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ..! رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ. ورُوِيَ أيْضًا عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: غَضِبْتُ يَوْمًا عَلى امْرَأتِي، فَقالَتْ: هي يَوْمًا يَهُودِيَّةٌ (p-٣٦٩)ويَوْمًا نَصْرانِيَّةٌ، وكُلُّ مَمْلُوكٍ لَها حُرٌّ إنْ لَمْ تُطَلِّقِ امْرَأتَكَ..! فَأتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقالَ: إنَّما هَذِهِ مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ..! وكَذَلِكَ قالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ - وهي يَوْمَئِذٍ أفْقَهُ امْرَأةٍ في المَدِينَةِ - وأتَيْتُ عاصِمًا وابْنَ عُمَرَ فَقالا مِثْلَ ذَلِكَ. ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كانَ مِن يَمِينٍ أوْ نَذْرٍ في غَضَبٍ، فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ! نَقَلَهُ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، لِلتَّنْفِيرِ عَنْهُ والتَّحْذِيرِ مِنهُ كَما قالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف: ٥٠]

البقرة 2:169

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦٩] ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ عَداوَتِهِ، وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ شَرِّهِ وإفْسادِهِ. والسُّوءُ: يُشَكِّلُ جَمِيعَ المَعاصِي، سَواءٌ كانَتْ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، أوْ أفْعالِ القُلُوبِ. و: ﴿والفَحْشاءِ﴾ ما تَجاوَزَ الحَدَّ في القُبْحِ مِنَ العَظائِمِ ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِأنْ تَفْتَرُوا عَلَيْهِ تَعالى بِأنَّهُ حَرَّمَ هَذا وذاكَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. فَمَعْنى: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ما لا تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِهِ. (p-٣٧٠)قالَ البِقاعِيُّ: ولَقَدْ أبْلَغَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ في حُسْنِ الدُّعاءِ لِعِبادِهِ إلَيْهِ، لُطْفًا بِهِمْ ورَحْمَةً لَهُمْ، بِتَذْكِيرِهِمْ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، بِخَلْقِهِ لَهم أوَّلًا، وبِجَعْلِهِ مُلائِمًا لَهم ثانِيًا وإباحَتِهِ لَهم ثالِثًا، وتَحْذِيرِهِ لَهم مِنَ العَدُوِّ رابِعًا.... إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن دَقائِقِ الألْطافِ وجَلائِلِ المِنَنِ...!اهـ. قالَ الرّازِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ، بَلْ يَتَناوَلُ مُقَلِّدَ الحَقِّ...! لِأنَّهُ - وإنْ كانَ مُقَلِّدًا لِلْحَقِّ - لَكِنَّهُ قالَ ما لا يَعْلَمُهُ، فَصارَ مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ لِانْدَراجِهِ تَحْتَ الذَّمِّ في هَذِهِ الآيَةِ.! انْتَهى. وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " أعْلامِ المُوَقِّعِينَ ": القَوْلُ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ يَعُمُّ القَوْلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في أسْمائِهِ، وصِفاتِهِ، وأفْعالِهِ، وفي دِينِهِ وشَرْعِهِ. وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أعْظَمِ المُحَرَّماتِ، بَلْ جَعَلَهُ في المَرْتَبَةِ العُلْيا مِنها، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧] ! فَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِالوَعِيدِ عَلى الكَذِبِ عَلَيْهِ في أحْكامِهِ، وقَوْلِهِمْ لِما لَمْ يُحَرِّمْهُ: هَذا حَرامٌ. ولِما لَمْ يَحِلُّهُ: هَذا حَلالٌ. وهَذا بَيانٌ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أنْ يَقُولَ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، إلّا بِما عَلِمَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحَلَّهُ وحَرَّمَهُ. وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لِيَتَّقِ أحَدُكم أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ ولا ورَدَ الوَحْيُ المُبَيِّنُ بِتَحْلِيلِهِ وتَحْرِيمِهِ: أحَلَّهُ اللَّهُ وحَرَّمَهُ، لِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ أوْ بِالتَّأْوِيلِ. (p-٣٧١)وقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ، في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، أمِيرَهُ بُرَيْدَةَ أنْ يَنْزِلَ عَدُوَّهُ إذا حاصَرَهُمْ، عَلى حُكْمِ اللَّهِ، وقالَ: ««فَإنَّكَ لا تَدْرِي أتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أمْ لا....؟ ولَكِنْ (p-٣٧٢)أنْزِلْهم عَلى حُكْمِكَ وحُكْمِ أصْحابِكَ.....»» فَتَأمَّلْ، كَيْفَ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ اللَّهِ وحُكْمِ الأمِيرِ المُجْتَهِدِ، ونَهى أنْ يُسَمّى حُكْمُ المُجْتَهِدِينَ حُكْمُ اللَّهِ. ومِن هَذالَمّا كَتَبَ الكاتِبُ بَيْنَ يَدَيْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حُكْمًا حَكَمَ بِهِ فَقالَ: هَذا ما أرى اللَّهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ، فَقالَ: لا تَقُلْ هَكَذا. ولَكِنْ قُلْ هَذا ما رَأى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. وقالَ مالِكٌ: لَمْ يَكُنْ مِن أمْرِ النّاسِ، ولا مَن مَضى مِن سَلَفِنا، ولا أدْرَكْتُ أحَدًا أقْتَدِي بِهِ، يَقُولُ في شَيْءٍ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ. وما كانُوا يَجْتَرِئُونَ عَلى ذَلِكَ. وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ: نَكْرَهُ كَذا ونَرى هَذا حَسَنًا. ولَمّا نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ مُتابَعَةِ العَدُوِّ، ذَمَّهم بِمُتابَعَتِهِ، مَعَ أنَّهُ عَدُوٌّ، مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ لِلْجَهَلَةِ، فَقالَ:

البقرة 2:170

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧٠] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ واجْتَهِدُوا في تَكْلِيفِ أنْفُسِكُمُ الرَّدَّ عَنِ الهَوى الَّذِي نَفَخَهُ فِيها الشَّيْطانُ: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا﴾ أيْ: وجَدْنا: ﴿عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ الأصْنامِ والأنْدادِ. فَقالَ مُبَكِّتًا لَهُمْ: ﴿أوَلَوْ﴾ أيْ: أيَتَّبِعُونَ آباءَهم ولَوْ: ﴿كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ أيْ: مِنَ الدِّينِ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ﴾ لِلصَّوابِ إذْ جَهِلُوهُ؟ قالَ الحَرالِيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ عَوائِدَ الآباءِ مَنهِيَّةٌ حَتّى يَشْهَدَ لَها شاهِدُ أُبُوَّةِ الدِّينِ، فَفِيهِ التَّحْذِيرُ في رُتَبٍ ما بَيْنَ حالِ الكُفْرِ إلى أدْنى الفِتْنَةِ الَّتِي شَأْنُ النّاسِ أنْ يَتَّبِعُوا فِيها عَوائِدَ آبائِهِمْ. (p-٣٧٣)قالَ الرّازِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِأنْ يَتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ. فَهم قالُوا: لا نَتَّبِعُ ذَلِكَ وإنَّما نَتَّبِعُ آباءَنا وأسْلافَنا. فَكَأنَّهم عارَضُوا الدَّلالَةَ بِالتَّقْلِيدِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ. ثُمَّ قالَ: تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يُقالَ لِلْمُقَلِّدِ: هَلْ تَعْتَرِفُ بِأنَّ شَرْطَ جَوازِ تَقْلِيدِ الإنْسانِ أنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ مُحِقًّا أمْ لا؟ فَإنِ اعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ، لَمْ تَعْلَمْ جَوازَ تَقْلِيدِهِ إلّا بَعْدَ أنْ تَعْرِفَ كَوْنَهُ مُحِقًّا، فَكَيْفَ عَرَفْتَ أنَّهُ مُحِقٌّ؟ وإنْ عَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدٍ آخَرَ، لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ عَرَفْتَهُ بِالعَقْلِ، فَذاكَ كافٍ، فَلا حاجَةَ إلى التَّقْلِيدِ...! وإنْ قُلْتَ: لَيْسَ مِن شَرْطِ جَوازِ تَقْلِيدِهِ أنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ مُحِقًّا... فَإذَنْ قَدْ جَوَّزْتَ تَقْلِيدَهُ وإنْ كانَ مُبْطِلًا..! فَإذَنْ أنْتَ - عَلى تَقْلِيدِكَ - لا تَعْلَمُ أنَّكَ مُحِقٌّ أوْ مُبْطِلٌ...! وثانِيها: هَبْ أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ كانَ عالِمًا بِهَذا الشَّيْءِ، إلّا أنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ ما كانَ عالِمًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ قَطُّ، وما اخْتارَ فِيهِ البَتَّةَ مَذْهَبًا، فَأنْتَ ماذا كُنْتَ تَعْمَلُ؟ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يُوجَدَ ذَلِكَ المُتَقَدِّمُ ولا مَذْهَبُهُ، كانَ لا بُدَّ مِنَ العُدُولِ إلى النَّظَرِ، فَكَذا هَهُنا. وثالِثُها: أنَّكَ إذا قَلَّدْتَ مَن قَبْلَكَ، فَذَلِكَ المُتَقَدِّمُ كَيْفَ عَرَفْتَهُ؟ أعَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدٍ أمْ لا بِتَقْلِيدٍ؟ فَإنْ عَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدٍ، لَزِمَ إمّا الدَّوْرُ وإمّا التَّسَلْسُلُ. وإنْ عَرَفْتَهُ لا بِتَقْلِيدٍ، بَلْ بِدَلِيلٍ، فَإذا أوْجَبْتَ تَقْلِيدَ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ، وجَبَ أنْ تَطْلُبَ العِلْمَ بِالدَّلِيلِ لا بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّكَ لَوْ طَلَبْتَ بِالتَّقْلِيدِ لا بِالدَّلِيلِ - مَعَ أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ طَلَبَهُ بِالدَّلِيلِ لا بِالتَّقْلِيدِ - كُنْتَ مُخالِفًا لَهُ. فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ يُفْضِي ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ، فَيَكُونُ باطِلًا. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ عُقَيْبَ الزَّجْرِ عَنِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ مُتابَعَةِ وساوِسِ الشَّيْطانِ وبَيْنَ مُتابَعَةِ التَّقْلِيدِ، وفِيهِ (p-٣٧٤)أقْوى دَلِيلٍ، عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ وتَرْكِ التَّعْوِيلِ عَلى ما يَقَعُ في الخاطِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، أوَ عَلى ما يَقُولُهُ الغَيْرُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. وقالَ الإمامُ الرّاغِبُ: ذَمَّهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم أبْطَلُوا ما خَصَّ اللَّهُ بِهِ الإنْسانَ مِنَ الفِكْرِ والرَّوِيَّةِ، ورَكَّبَ فِيهِ مِنَ المَعارِفِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ مَيَّزَ الإنْسانَ بِالفِكْرِ لِيَعْرِفَ بِهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ في الِاعْتِقادِ، والصِّدْقَ مِنَ الكَذِبِ في الأقْوالِ، والجَمِيلَ مِنَ القَبِيحِ في الفِعْلِ، لِيَتَحَرّى الحَقَّ والصِّدْقَ والجَمِيلَ، ويَتَجَنَّبَ أضْدادَها، وجَعَلَ لَهُ مِن نُورِ العَقْلِ ما يَسْتَغْنِي بِهِ. فَيَدُلُّهُ عَلى مَعْرِفَةِ مَطْلُوبِهِ. فَلَمّا حَثَّ النّاسَ عَلى تَناوُلِ الحَلالِ الطَّيِّبِ، ونَهاهم عَنْ مُتابَعَةِ الشَّيْطانِ، بَيِّنَ حالَ الكُفّارِ في تَرْكِهِمُ الرَّشادَ، واتِّباعِهِمُ الآباءَ والأجْدادَ لِيُحَذِّرَ الِاقْتِداءَ بِهِمْ، تارِكِينَ اسْتِعْمالَ الفِكْرِ الَّذِي هو صُورَةُ الإنْسانِ وحَقِيقَتُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ أيْ: أيَتَّبِعُونَهم وإنْ كانُوا جَهَلَةً؟ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مُحالٌ اتِّباعُ مَن لا عَقْلَ لَهُ ولا اهْتِداءَ. إنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: (يَعْقِلُونَ) و: (يَهْتَدُونَ) وأحَدُهُما يُغْنِي عَنِ الآخَرِ؟ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ العاقِلَ يُقالُ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما لِمَن يَحْصُلُ لَهُ القُوَّةُ الَّتِي بِها يَصِحُّ التَّكْلِيفُ، والثّانِي لِمَن يَحْصُلُ العُلُومَ المُكْتَسَبَةَ وهو المَقْصُودُ هَهُنا. والمُهْتَدِي قَدْ يُقالُ لِمَنِ اقْتَدى في أفْعالِهِ بِالعالِمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ في العِلْمِ، فَبَيَّنَ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ ولا يَهْتَدُونَ، ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنْ يَعْقِلَ ويَهْتَدِيَ، وإنْ كانَ كَثِيرًا ما يَتَلازَمانِ، فَإنَّ العَقْلَ يُقالُ بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، والِاهْتِداءَ بِالإضافَةِ إلى العَمَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا عِلْمَ لَهم صَحِيحٌ ولا مُسْتَقِيمٌ. ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى لِلْكافِرِينَ مَثَلًا فَظِيعًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ [النحل: ٦٠] فَقالَ:

البقرة 2:171

(p-٣٧٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧١] ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ أيْ: يَصِيحُ، يُقالُ: نَعَقَ الرّاعِي بِغَنَمِهِ: صاحَ بِها وزَجَرَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ أيْ: بِالبَهائِمِ الَّتِي لا تَسْمَعُ إلّا دُعاءَ النّاعِقِ ونِداءَهُ - الَّذِي هو تَصْوِيتٌ بِها، وزَجْرٌ لَها - ولا تَفْقَهُ شَيْئًا آخَرَ، ولا تَعِي كَما يَفْهَمُ العُقَلاءُ ويَعُونَ. وقَدْ أفْهَمَ هَذا الإيجازُ البَلِيغَ تَمْثِيلَيْنِ في مَثَلٍ واحِدٍ. فَكَأنَّ وفاءَ اللَّفْظِ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ومَثَلُ داعِيهِمْ كَمَثَلِ الرّاعِي ومَثَلِ ما يَرْعى مِنَ البَهائِمِ. وهو مِن أعْلى خِطابِ فُصَحاءِ العَرَبِ، ومَن لا يَصِلُ فَهْمُهُ إلى جَمْعِ المَثَلَيْنِ، يَقْتَصِرُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِمَثَلٍ واحِدٍ، فَيُقَدَّرُ في الكَلامِ: ومَثَلُ داعِي الَّذِينَ كَفَرُوا. أشارَ لِذَلِكَ الحَرالِيُّ فِيما نَقَلَهُ البِقاعِيُّ عَنْهُ. وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ تَعالى المَثَلَ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ شَبَّهَهم بِالرّاعِي ولَمْ يَقُلْ كالغَنَمِ. والمَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كالبَهائِمِ الَّتِي لا تَفْقَهُ ما يَقُولُ الرّاعِي أكْثَرَ مِنَ الصَّوْتِ، فَأضافَ التَّشْبِيهَ إلى الرّاعِي والمَعْنى في المَرْعِيِّ. قالَ: ومِثْلُهُ في الكَلامِ: فُلانٌ يَخافُكَ كَخَوْفِ الأسَدِ. المَعْنى كَخَوْفِهِ الأسَدَ، لِأنَّ الأسَدَ مَعْرُوفٌ أنَّهُ المَخُوفُ. وقِيلَ: أُرِيدَ تَشْبِيهُ حالِ الكافِرِ في دُعائِهِ الصَّنَمَ بِحالِ مَن يَنْعَقُ بِما لا يَسْمَعُهُ. والمَعْنى: مَثَلُ هَؤُلاءِ في دُعائِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَفْقَهُ دُعاءَهم كَمَثَلِ النّاعِقِ بِغَنَمِهِ فَلا يَنْتَفِعُ مِن نَعِيقِهِ بِشَيْءٍ، غَيْرَ أنَّهُ هو في دُعاءٍ ونِداءٍ. وكَذَلِكَ المُشْرِكُ لَيْسَ لَهُ مِن دُعائِهِ وعِبادَتِهِ إلّا العَناءُ. (p-٣٧٦)وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في " أعْلامِ المُوَقِّعِينَ ": ولَكَ أنْ تَجْعَلَ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، وأنْ تَجْعَلَهُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَرِّقِ. فَإنْ جَعَلْتَهُ مِنَ المُرَكَّبِ: كانَ تَشْبِيهًا لِلْكَفّارِ في عَدَمِ فِقْهِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ بِالغَنَمِ الَّتِي يَنْعَقُ بِها الرّاعِي فَلا تَفْقَهُ مِن قَوْلِهِ شَيْئًا غَيْرَ الصَّوْتِ المُجَرَّدِ الَّذِي هو الدُّعاءُ والنِّداءُ. وإنْ جَعَلْتَهُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَرِّقِ: فالَّذِينَ كَفَرُوا بِمَنزِلَةِ البَهائِمِ، ودُعاءُ داعِيهِمْ إلى الطَّرِيقِ والهُدى بِمَنزِلَةِ الَّذِي يَنْعَقُ بِها، ودُعاؤُهم إلى الهُدى بِمَنزِلَةِ النَّعْقِ، وإدْراكُهم مُجَرَّدَ الدُّعاءِ والنِّداءِ كَإدْراكِ البَهائِمِ مُجَرَّدَ صَوْتِ النّاعِقِ. واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم عِنْدَ الدُّعاءِ إلى اتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، تَرَكُوا النَّظَرَ والتَّدَبُّرَ، وأخْلَدُوا إلى التَّقْلِيدِ، وقالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا، ضَرَبَ لَهم هَذا المَثَلَ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ لَهم إنَّهم إنَّما وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ: بِسَبَبِ تَرْكِ الإصْغاءِ، وقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِالدِّينِ، فَصَيَّرَهم مِن هَذا الوَجْهِ بِمَنزِلَةِ الأنْعامِ...! ومِثْلُ هَذا المَثَلِ يَزِيدُ السّامِعَ مَعْرِفَةً بِأحْوالِ الكُفّارِ، ويُحَقِّرُ إلى الكافِرِ نَفْسَهُ إذا سَمِعَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كَسْرًا لِقَلْبِهِ، وتَضْيِيقًا لِصَدْرِهِ حَيْثُ صَيَّرَهُ كالبَهِيمَةِ فَيَكُونُ في ذَلِكَ نِهايَةُ الزَّجْرِ والرَّدْعِ لِمَن يَسْمَعُهُ عَنْ أنْ يَسْلُكَ مِثْلَ طَرِيقِهِ في التَّقْلِيدِ. ثُمَّ زادَ في تَبْكِيتِهِمْ فَقالَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ فَهم بِمَنزِلَةِ الصُّمِّ: في أنَّ الَّذِي سَمِعُوهُ كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوهُ، وبِمَنزِلَةِ البُكْمِ: في أنَّهم لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِما دُعُوا إلَيْهِ، وبِمَنزِلَةِ العُمْيِ: مِن حَيْثُ إنَّهم أعْرَضُوا عَنِ الدَّلائِلِ فَصارُوا كَأنَّهم لَمْ يُشاهِدُوها. ولَمّا كانَ طَرِيقُ اكْتِسابِ العَقْلِ المُكْتَسَبِ هو الِاسْتِعانَةَ بِهَذِهِ القُوى الثَّلاثَةِ، فَلَمّا أعْرَضُوا عَنْها، فَقَدُوا العَقْلَ المُكْتَسَبَ. ولِهَذا قِيلَ: مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدَ عِلْمًا..!

البقرة 2:172

(p-٣٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: ما أخْلَصْناهُ لَكم مِنَ الشُّبَهِ، ولا تَعَرَّضُوا لِما فِيهِ دَنَسٌ كَما أحَلَّهُ المُشْرِكُونَ مِنَ المُحَرَّماتِ، ولا تُحَرِّمُوا ما أحَلُّوا مِنها مِنَ السّائِبَةِ وما مَعَها: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ الَّذِي رَزَقَكم هَذِهِ النِّعَمَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: إنْ صَحَّ أنَّكم تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ، وتُقِرُّونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُنْعِمُ لا غَيْرَ. قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في " جَوابِ أهْلِ الإيمانِ ": الطَّيِّباتُ الَّتِي أباحَها هي المَطاعِمُ النّافِعَةُ لِلْعُقُولِ والأخْلاقِ، والخَبائِثُ هي الضّارَّةُ في العُقُولِ والأخْلاقِ، كَما أنَّ الخَمْرَ أُمُّ الخَبائِثِ لِأنَّها تُفْسِدُ العُقُولَ والأخْلاقَ. فَأباحَ اللَّهُ الطَّيِّباتِ لِلْمُتَّقِينَ الَّتِي يَسْتَعِينُونَ بِها عَلى عِبادَةِ رَبِّهِمُ الَّتِي خُلِقُوا لَها. وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ الَّتِي تَضُرُّهم في المَقْصُودِ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ، وأمَرَهم مَعَ أكْلِها بِالشُّكْرِ، ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِها، فَمَن أكَلَها ولَمْ يَشْكُرْ تَرَكَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ واسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ، ومَن حَرَّمَها كالرُّهْبانِ فَقَدْ تَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ فاسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ. وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ لِيَرْضى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها، أوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها»» . وفي حَدِيثٍ آخَرَ: ««الطّاعِمُ الشّاكِرُ بِمَنزِلَةِ الصّائِمِ الصّابِرِ»» . (p-٣٧٨)وقالَ تَعالى: ﴿لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] أيْ: عَنْ شُكْرِهِ؛ فَإنَّهُ لا يُبِيحُ شَيْئًا ويُعاقِبُ مَن فَعَلَهُ، ولَكِنْ يَسْألُهُ عَنِ الواجِبِ الَّذِي أوْجَبَهُ مَعَهُ، وعَمّا حَرَّمَهُ عَلَيْهِ، هَلْ فَرَّطَ بِتَرْكِ مَأْمُورٍ أوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] ولَمّا قَيَّدَ تَعالى الإذْنَ لَهم بِالطَّيِّبِ مِنَ الرِّزْقِ، افْتَقَرَ الأمْرُ إلى بَيانِ الخَبِيثِ مِنهُ لِيُجْتَنَبَ، فَبَيَّنَ صَرِيحًا ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَسْتَحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَ غَيْرَهُ وأفْهَمَ حِلَّ ما عَداهُ، وأنَّهُ كَثِيرٌ جِدًّا لِيَزْدادَ المُخاطَبُ شُكْرًا، فَقالَ:

البقرة 2:173

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧٣] ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ وهي في عُرْفِ الشَّرْعِ: ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ، أوْ قَتَلَ عَلى هَيْئَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ، إمّا في الفاعِلِ أوْ في المَفْعُولِ فَدَخَلَ فِيها: المُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ، والمُتَرَدِّيَةُ، والنَّطِيحَةُ، وما عَدا عَلَيْها السَّبُعُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ خَصَّصَ الجُمْهُورُ مِن ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ، لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وحَدِيثُ العَنْبَرِ في الصَّحِيحِ. وفِي المُسْنَدِ، والمُوَطَّأِ، والسُّنَنِ: قَوْلُهُ ﷺ في البَحْرِ: ««هو الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ»» . (p-٣٧٩)ورَوى الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: ««أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، فَأمّا المَيْتَتانِ الحُوتُ والجَرادُ. وأمّا الدَّمانِ فالكَبِدُ والطُّحالُ»» ﴿والدَّمَ﴾ وهو المَسْفُوحُ أيِ: الجارِي، كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في الآيَةِ الأُخْرى والمُفَسَّرُ قاضٍ عَلى المُبْهَمِ، وكانَ بَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُ الدَّمَ في المَصارِينِ ثُمَّ يَشْوِيها ويَأْكُلُها ويُسَمُّونَهُ الفَصْدَ. وفي القامُوسِ وشَرْحِهِ: والفَصِيدُ دَمٌ كانَ يُوضَعُ في الجاهِلِيَّةِ في مِعًى مِن فَصْدِ عِرْقِ البَعِيرِ، ويُشْوى، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَهُ ويُطْعِمُونَهُ الضَّيْفَ في الأزْمَةِ. ويُحْكى: أنَّهُ باتَ رَجُلانِ عِنْدَ أعْرابِيٍّ فالتَقَيا صَباحًا، فَسَألَ أحَدُهُما صاحِبَهُ عَنِ القُرى، فَقالَ: ما قَرَيْتُ وإنَّما فُصِدَ لِي. فَقالَ لَمْ يُحْرَمْ مَن فُصْدَ لَهُ - بِسُكُونِ الصّادِ - فَجَرى ذَلِكَ مَثَلًا لِمَن نالَ بَعْضَ المَقْصِدِ، وسَكَّنَ الصّادَ تَخْفِيفًا، أيْ: لَمْ يُحْرَمِ القُرى مَن فَصَدَتْ لَهُ الرّاحِلَةُ فَحَظِيَ بِدَمِها. ويُرْوى: مَن فَزْدَ لَهُ بِالزّايِ بَدَلَ الصّادِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَن قُصِدَ لَهُ - بِالقافِ - أيْ: مَن أُعْطِيَ قَصْدًا أيْ: قَلِيلًا. وكَلامُ العَرَبِ بِالفاءِ. وقالَ يَعْقُوبُ: تَأْوِيلُ هَذا أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُضِيفُ الرَّجُلَ في شِدَّةِ الزَّمانِ، فَلا يَكُونُ عِنْدَهُ ما يَقْرِيهِ، ويَشِحُّ أنْ يَنْحَرَ راحِلَتَهُ، فَيَفْصِدُها، فَإذا خَرَجَ الدَّمُ سَخَّنَهُ لِلضَّيْفِ إلى أنْ يُجَمَّدَ ويَقْوى فَيُطْعِمَهُ إيّاهُ ﴿ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ﴾ ويَدْخُلُ شَحْمُهُ وبَقِيَّةُ أجْزائِهِ في حُكْمِ لَحْمِهِ: إمّا تَغْلِيبًا، أوْ لِأنَّ اللَّحْمَ يَشْمَلُ ذَلِكَ لُغَةً، لِأنَّهُ ما لَحَمَ بَيْنَ أخْفى ما في الحَيَوانِ مِن وسَطِ عَظْمِهِ، وما انْتَهى إلَيْهِ ظاهِرُهُ مِن سَطْحِ جِلْدِهِ، وعُرِفَ غَلَبَةُ اسْتِعْمالِهِ عَلى رُطَبِهِ الأحْمَرِ، وهو هُنا عَلى أصْلِهِ في اللُّغَةِ، وإمّا بِطَرِيقِ القِياسِ عَلى رَأْيٍ؛ لِأنَّهُ إذا حَرَّمَ لَحْمَهُ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالأكْلِ وهو أطْيَبُ ما فِيهِ كانَ غَيْرُهُ مِن أجْزائِهِ أوْلى بِالتَّحْرِيمِ، ولَمّا حَرَّمَ ما يَضُرُّ الجِسْمَ ويُؤْذِي النَّفْسَ، حَرَّمَ ما يَرِينُ عَلى القَلْبِ، فَقالَ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: ذُبِحَ عَلى غَيْرِ اسْمِهِ تَعالى مِنَ الأنْصابِ والأنْدادِ ونَحْوِ ذَلِكَ (p-٣٨٠)مِمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ يَنْحَرُونَ لَهُ. وأصْلُ الإهْلالِ: رَفْعُ الصَّوْتِ أيْ: رَفَعَ بِهِ الصَّوْتَ لِلصَّنَمِ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ كَقَوْلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ: بِاسْمِ اللّاتِ والعُزّى. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ نَقَلَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأةٍ عَمِلَتْ عُرْسًا لِلُعَبِها، فَنَحَرَتْ فِيهِ جَزُورًا، فَقالَ: لا تُؤْكَلْ لِأنَّها ذُبِحَتْ لِصَنَمٍ. وذَكَرَ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّها سُئِلَتْ عَمّا يَذْبَحُهُ العَجَمُ لِأعْيادِهِمْ فَيَهْدُونَ مِنهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَقالَتْ: ما ذُبِحَ لِذَلِكَ اليَوْمِ فَلا تَأْكُلُوا مِنهُ، وكُلُوا مِن أشْجارِهِمْ. والقَصْدُ سَدُّ ما كانَ مَظِنَّةً لِلشِّرْكِ. قالَ النَّوَوِيُّ في " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": فَإنْ قَصَدَ الذّابِحُ مَعَ ذَلِكَ تَعْظِيمَ المَذْبُوحِ لَهُ، وكانَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى والعِبادَةَ لَهُ، كانَ ذَلِكَ كُفْرًا، فَإنْ كانَ الذّابِحُ مُسْلِمًا، قَبْلَ ذَلِكَ، صارَ بِالذَّبْحِ مُرْتَدًّا. ذَكَرَهُ في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««لَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ»» . قالَ الحَرالِيُّ: وذِكْرُ الإهْلالِ إعْلامٌ بِأنَّ ما أعْلَنَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ هو أشَدُّ المُحَرَّمِ، فَفي إفْهامِهِ تَخْفِيفُ الخِطابِ عَمّا لا يُعْلَمُ مِن خَفِيِّ الذِّكْرِ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «إنَّ قَوْمًا قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنا بِاللَّحْمِ، لا نَدْرِي أذُكِرَ (p-٣٨١)اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أمْ لا؟ فَقالَ: «سَمُّوا عَلَيْهِ أنْتُمْ وكُلُوهُ» . قالَتْ: وكانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ». فَكَأنَّ المُحَرَّمَ لَيْسَ ما لَمْ يُعْلَمْ أنَّ اسْمَ اللَّهِ ذُكِرَ عَلَيْهِ؛ بَلِ الَّذِي عُلِمَ أنَّ اسْمَ اللَّهِ قَدْ أُعْلِنَ بِهِ عَلَيْهِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إذا سَمِعْتُمُ اليَهُودَ والنَّصارى يَهُلُّونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلا تَأْكُلُوا، وإذا لَمْ تَسْمَعُوهم فَكُلُوا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ ذَبائِحَهم وهو يَعْلَمُ ما يَقُولُونَ. فَصْلٌ فِيما لِتَحْرِيمِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ مِنَ الحِكَمِ والأسْرارِ الباهِراتِ فَأمّا المَيْتَةُ: فَقالَ الحَرالِيُّ: هي ما أدْرَكَهُ المَوْتُ مِنَ الحَيَوانِ عَنْ ذُبُولِ القُوَّةِ وفَناءِ الحَياةِ، وهي أشَدُّ مُفْسِدٍ لِلْجِسْمِ، لِفَسادِ تَرْكِيبِها بِالمَوْتِ، وذَهابِ تَلَذُّذِ أجْزائِها، وعَفَنِها، وذَهابِ رَوْحِ الحَياةِ والطَّهارَةِ مِنها. وقالَ المَهايِمِيُّ في " تَفْسِيرِهِ ": ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ إنَّما يَقْطَعُ مَحَبَّتَهُ أكْلُ ما حَرَّمَ، وهو المَيْتَةُ وما ذُكِرَ مَعَها. فَأمّا المَيْتَةُ فَلِأنَّها خَبُثَتْ بِنَزْعِ الرُّوحِ مِنها بِلا مُطَهِّرٍ مِنَ الذَّبْحِ بِاسْمِ اللَّهِ، تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا فَتَتَعَلَّقُ أرْواحُكم بِالخَبِيثِ فَتَخْبُثُ، فَيَنْقَطِعُ عَنْها مَحَبَّةُ اللَّهِ. وإنَّما أُبِيحَ مَيْتَةُ السَّمَكِ لِأنَّ أصْلَهُ الماءُ المُطَهَّرُ، فَكَما لا يُؤَثِّرُ فِيهِ النَّجاسَةُ، لا يُؤَثِّرُ نَزْعُ الرُّوحِ فِيما حَصَلَ مِنهُ، والجَرادُ لِأنَّهُ حَصَلَ مِن غَيْرِ تَوَلُّدٍ ولا خُبْثٍ في ذاتِهِ كَسائِرِ الحَشَراتِ. وأمّا خُبْثُ الدَّمِ فَلِأنَّهُ جَوْهَرٌ مُرْتَكِسٌ عَنْ حالِ الطَّعامِ، ولَمْ يَبْلُغْ بَعْدُ إلى حالِ الأعْضاءِ فَهو مَيْتَةٌ. وقالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: حُرِّمَ الدَّمُ المَسْفُوحُ لِأنَّهُ مَجْمَعُ قُوى النَّفْسِ الشَّهَوِيَّةِ الغَضَبِيَّةِ، (p-٣٨٢)وزِيادَتُهُ تُوجِبُ طُغْيانَ هَذِهِ القُوى، وهو مَجْرى الشَّيْطانِ مِنَ البَدَنِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ»» . وأمّا خُبْثُ لَحْمِ الخِنْزِيرِ: فَلِأذاهُ لِلنَّفْسِ، كَما حُرِّمَ ما قَبْلَهُ لِمَضَرَّتِها في الجِسْمِ لِأنَّ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِهِ: أنَّ مَنِ اغْتَذى جِسْمُهُ بِجُسْمانِيَّةِ شَيْءٍ اغْتَذَتْ نَفْسانِيَّتُهُ بِنَفْسانِيَّةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ: ««الكِبْرُ والخُيَلاءُ في الفَدّادِينَ أهْلِ الوَبَرِ، والسَّكِينَةُ في أهْلِ الغَنَمِ»» . فَلَمّا جُعِلَ في الخِنْزِيرِ مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ، حُرِّمَ عَلى مَن حُوفِظَ عَلى نَفْسِهِ مِن ذَمِيمِ الأخْلاقِ. نَقَلَهُ البِقاعِيُّ. وقَدْ كُشِفَ لِأطِبّاءِ هَذا العَصْرِ مِن مَضارِّ لَحْمِ الخِنْزِيرِ المَبْنِيَّةِ عَلى التَّجارِبِ الحِسِّيَّةِ غَيْرِ ما قالُوهُ القُدَماءُ. فَمِن مَضارِّهِ: أنَّهُ يُورِثُ الدُّودَةَ الوَحِيدَةَ المُتَسَبِّبُ مِن وُجُودِها في الأمْعاءِ أعْراضٌ كَثِيرَةٌ: كالمَغَصِ، والإسْهالِ، والقَيْءِ، وفَقْدِ شَهْوَةِ الطَّعامِ، أوِ النَّهَمِ الشَّدِيدِ، وآلامِ الرَّأْسِ، والإغْماءِ، والدُّوارِ، واضْطِرابِ الفِكْرِ، وعُرُوضِ نَوْباتٍ صَرَعِيَّةٍ، وتَشَنُّجاتٍ عَصَبِيَّةٍ، وإصابَةِ مَرَضِ دُودَةِ الشَّعْرِ الحَلَزُونِيَّةِ الَّذِي يَفُوقُ الحُمّى، ويُودِي بِحَياةِ المُصابِ...... إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّعَبِ وعُسْرِ الهَضْمِ، ومَضارِّ سِواها. (p-٣٨٣)قالَ حَكِيمٌ: فالإسْلامُ لَمْ يَأْتِ لِإصْلاحِ الرُّوحِ فَقَطْ، بَلْ لِإصْلاحِ الرُّوحِ والجِسْمِ مَعًا..! فَلَمْ يَتْرُكْ ضارًّا لِأحَدِهِما إلّا ونَّبَهَ عَلَيْهِ تَصْرِيحًا أوْ تَلْوِيحًا... وقَدْ بَسَطَ الحُكَماءُ المُتَأخِّرُونَ الكَلامَ عَلى مُضِرّاتِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ في مَقالاتٍ عَدِيدَةٍ. وأمّا خُبْثُ المُهَلِّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ: فَلِأنَّهُ يَرِينُ عَلى القَلْبِ، لِأنَّهُ تَقَرَّبَ بِهِ لِغَيْرِ مُوجِدِهِ وخالِقِهِ تَقَرُّبَ عِبادَةٍ، وذَلِكَ مِن صَرِيحِ الإشْراكِ والِاعْتِمادَ عَلى غَيْرِهِ تَعالى؛ فَكانَ خُبْثُهُ مَعْنَوِيًّا لِتَأْثِيرِهِ عَلى النُّفُوسِ والأخْلاقِ كَتَأْثِيرِ المُضِرِّ بِالجِسْمِ والبَدَنِ، والشَّرْعُ جاءَ لِلْحِفْظِ عَمّا يَضُرُّ مُطْلَقًا، ولِصِيانَةِ مَقامِ التَّوْحِيدِ. ولَمّا كانَ هَذا الدِّينُ يُسْرًا لا عُسْرَ فِيهِ ولا حَرَجَ، رَفَعَ حُكْمَ هَذا التَّحْرِيمِ عَنِ المُضْطَرِّ. فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ: ألْجَأهُ مُلْجِئٌ بِأيِّ ضَرُورَةٍ كانَتْ إلى أكْلِ شَيْءٍ مِمّا حُرِّمَ بِأنْ أشْرَفَ عَلى التَّلَفِ، فَأكَلَ مِن شَيْءٍ مِنهُ حالَ كَوْنِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أيْ: غَيْرُ طالِبٍ لَهُ راغِبٌ فِيهِ لِذاتِهِ. مِن بَغى الشَّيْءَ وابْتَغاهُ طَلَبَهُ وحَرَصَ عَلَيْهِ ﴿ولا عادٍ﴾ أيْ: مُجاوِزٍ لِسَدِّ الرَّمَقِ وإزالَةِ الضَّرُورَةِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وإنْ بَقِيَتْ حُرْمَتُهُ، لِأنَّهُ إذا تَناوَلَهُ حالَ الِاضْطِرارِ لا يُؤَثِّرُ فِيهِ الخُبْثُ لِأنَّهُ كارِهٌ بِالطَّبْعِ. وقالَ الرّاغِبُ: واخْتُلِفَ إذا اضْطُرَّ إلى ذَلِكَ في دَواءٍ لا يَسُدُّ غَيْرُهُ مَسَدَّهُ. والصَّحِيحُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَناوُلُهُ لِلْعِلَّةِ المَذْكُورَةِ، يَعْنِي: إبْقاءَ رُوحِهِ بِجِهَةِ ما رَآهُ أقْرَبَ إلى إبْقائِهِ، وهي الَّتِي أُجِيزَ تَناوُلُهُ ما ذُكِرَ لَهُ لِلْجُوعِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِما أكَلَهُ حالَ الضَّرُورَةِ: ﴿رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ رَخَّصَ لِعِبادِهِ في ذَلِكَ إبْقاءً عَلَيْهِمْ. ثُمَّ أعادَ تَعالى وعِيدَ كاتِمِي أحْكامِهِ، إثْرَ ما ذَكَرَهُ مِنَ الأحْكامِ، تَحْذِيرًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنْ يَسْلُكُوا سَبِيلَ مَن عَنَوْا بِهِ، وهم أهْلُ الكِتابِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

البقرة 2:174

(p-٣٨٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: مِن حُدُودِهِ وأحْكامِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ الأُولى بِالبَيِّناتِ والهُدى: ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ﴾ أيْ: يَأْخُذُونَ بَدَلَهُ: ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: مِمّا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِن لَذّاتِ العاجِلَةِ، وقَلَّلَهَ لِحَقارَتِهِ في نَفْسِهِ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِدَناءَةِ نُفُوسِهِمْ حَيْثُ رَضِيَتْ بِالقَلِيلِ، أوْ بِالنِّسْبَةِ لِما فَوَّتُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ الَّذِي لا يُحاطُ بِوَصْفِهِ: ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ أيْ: ما يَسْتَتْبِعُ النّارَ ويَسْتَلْزِمُها، فَكَأنَّهُ عَيْنُ النّارِ، وأكْلُهُ أكْلُها، و: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿يَأْكُلُونَ﴾ وفائِدَتُهُ: تَأْكِيدُ الأكْلِ، وتَقْرِيرُهُ بِبَيانِ مُقِرِّ المَأْكُولِ. قالَ الرّاغِبُ: أكْلُ النّارِ: تَناوُلُ ما يُؤَدِّي إلَيْها، وذُكِرُ الأكْلُ لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ الأوَّلَ بِتَحْصِيلِ المالِ، وذُكِرَ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ تَنْبِيهًا عَلى شَرَهِهِمْ وتَقْبِيحًا لِتَضْيِيعِ أعْظَمِ النِّعَمِ لِأجْلِ الطَّعْمِ الَّذِي هو أخَسُّ مُتَناوَلٍ مِنَ الدُّنْيا....! ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ الرّاغِبُ: لَمْ يَعْنِ نَفْيَ الكَلامِ رَأْسًا، فَقَدْ قالَ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] وقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ﴾ [الكهف: ٥٢] وإنَّما أرادَ كَلامًا يَقْتَضِي جَدْوى؛ ولِهَذا قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ تَنْبِيهًا (p-٣٨٥)أنَّهم بِخِلافِ مَن قالَ فِيهِمْ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] وقِيلَ: حَقِيقَةُ: {كَلِمَته } حَمَلْتُهُ عَلى الكَلامِ، نَحْوَ حَرَّكْتُهُ، لِأنَّ مَن كَلَّمْتَهُ فَقَدِ اسْتَدْعَيْتَ كَلامَهُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَسْتَدْعِي كَلامَهم نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ الذُّنُوبِ لِغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم كَتَمُوا، وقَدْ عَلِمُوا، فاسْتَحَقُّوا الغَضَبَ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ.

البقرة 2:175

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] أيِ: اسْتَبْدَلُوا إضْلالَ أنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكِتْمانِ والتَّحْرِيفِ بِالِاهْتِداءِ: ﴿والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ أيْ: أسْبابَهُ بِأسْبابِها، ولَمّا جَعَلَ سُبْحانَهُ أوَّلَ مَأْكَلِهِمْ نارًا، وآخِرَ أمْرِهِمْ عَذابًا، وتَرْجَمَةَ حالِهِمْ عَدَمَ المَغْفِرَةِ، فَكانَ بِذَلِكَ أيْضًا أوْسَطُ حالِهِمْ نارًا سُبِّبَ عَنْهُ التَّعْجِيبُ مِن أمْرِهِمْ: بِحَبْسِهِمْ أنْفُسَهم في ذَلِكَ الَّذِي هو مَعْنى الصَّبْرِ، لِالتِباسِهِمْ بِالنّارِ حَقِيقَةً أوْ بِمُوجِباتِها مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، فَقالَ: ﴿فَما أصْبَرَهُمْ﴾ أيْ: ما أشَدَّ حَبْسَهم أنْفُسَهُمْ، أوْ ما أجْرَأهُمْ: ﴿عَلى النّارِ﴾ الَّتِي أكَلُوها في الدُّنْيا فَأحَسُّوا بِها في الأُخْرى نَقَلَهُ البِقاعِيُّ. ثُمَّ قالَ: وإذا جَعَلْتَهُ مَجازًا، كانَ مِثْلَ قَوْلِكَ لِمَن عانَدَ السُّلْطانَ: ما أصْبَرَكَ عَلى السِّجْنِ الطَّوِيلِ والقَيْدِ الثَّقِيلِ؟ تَهْدِيدًا لَهُ، تُرِيدُ أنَّهُ لا يَتَعَرَّضُ لِذَلِكَ إلّا مَن هو شَدِيدُ الصَّبْرِ عَلى العَذابِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: قالَ لِي قاضِي اليَمَنِ بِمَكَّةَ: اخْتَصَمَ إلَيَّ رَجُلانِ مِنَ العَرَبِ، فَحَلِفَ أحَدُهُما عَلى حَقِّ صاحِبِهِ فَقالَ لَهُ: ما أصْبَرَكَ عَلى اللَّهِ! أيْ: ما أصْبَرَكَ عَلى عَذابِ اللَّهِ. نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. (p-٣٨٦)قالَ الرّاغِبُ: وقَدْ يُوصَفُ بِالصَّبْرِ مَن لا صَبْرَ لَهُ اعْتِبارًا بِالنّاظِرِ إلَيْهِ، وتُصُوِّرَ أنَّهُ صابِرٌ، واسْتِعْمالُ لَفْظِ التَّعَجُّبِ في ذَلِكَ اعْتِبارًا بِالخَلْقِ لا بِالخالِقِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى السَّبَبَ المُوجِبَ لِهَذا الإبْعادِ العَظِيمِ بِقَوْلِهِ:

البقرة 2:176

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧٦] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَـزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَـزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ إنَّما اسْتَحَقُّوا هَذا العَذابَ الشَّدِيدَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ الجامِعَ لِأنْواعِ الهُدى، وهو صالِحٌ لِإرادَةِ القُرْآنِ والتَّوْراةِ، بِالحَقِّ، أيْ: مُتَلَبِّسًا بِهِ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ مَن يَخْتَلِفُ فِيهِ ويَرْفُضُهُ بِالتَّحْرِيفِ والكِتْمانِ مُبْتَلًى بِمِثْلِ هَذا مِن أفانِينِ العَذابِ؛ لِأنَّهُ حاوَلَ نَفْيَ ما أثْبَتَ اللَّهُ، فَقَدْ ضادَّ اللَّهَ في شَرْعِهِ، عِياذًا بِهِ سُبْحانَهُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ أيْ: في جِنْسِ الكِتابِ الإلَهِيِّ، بِأنْ آمَنُوا بِبَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وكَفَرُوا بِبَعْضِها؛ أوْ في التَّوْراةِ، بِأنْ آمَنُوا بِبَعْضِ آياتِها وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، أوِ الِاخْتِلافِ في تَأْوِيلِها، فاجْتَرَأُوا لِأجْلِهِ عَلى تَحْرِيفِها، أوْ في القُرْآنِ بِأنَّ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ سِحْرٌ، وبَعْضُهم إنَّهُ شِعْرٌ، وبَعْضُهُمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ. قالَ الرّاغِبُ: وأصْلُ الِاخْتِلافِ: التَّخَلُّفُ عَنِ المَنهَجِ. وقِيلَ اخْتَلَفُوا: أتَوْا بِخِلافِ ما أنْزَلَ اللَّهُ. وقِيلَ: اخْتَلَفُوا: بِمَعْنى خَلَّفُوا نَحْوَ اكْتَسَبُوا، وكَسَبُوا، وعَمِلُوا واعْتَمَلُوا أيْ: صارُوا خُلَفاءَ فِيهِ، نَحْوَ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩] و. ﴿لَفِي شِقاقٍ﴾ أيْ: خِلافٍ ومُنازَعَةٍ: ﴿بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ، مُسْتَوْجِبٌ لِأشَدِّ العَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

البقرة 2:177

(p-٣٨٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧٧] ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ اسْمٌ جامِعٌ لِلطّاعاتِ، وأعْمالِ الخَيْرِ المُقَرِّبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومِن هَذا: بِرُّ الوالِدَيْنِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣] ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] فَجَعَلَ البِرَّ ضِدَّ الفُجُورِ، وقالَ: ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [المائدة: ٢] فَجَعَلَ البِرَّ ضِدَّ الإثْمِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِجَمِيعِ ما يُؤْجَرُ عَلَيْهِ الإنْسانُ. أيْ: لَيْسَ الصَّلاحُ والطّاعَةُ والفِعْلُ المُرْضِيُّ في تَزْكِيَةِ النَّفْسِ - الَّذِي يَجِبُ أنْ تُذْهَلُوا بِشَأْنِهِ عَنْ سائِرِ صُنُوفِ البِرِّ - هو أمْرَ القِبْلَةِ، ولَكِنَّ البِرَّ الَّذِي يَجِبُ الِاهْتِمامُ بِهِ - هو هَذِهِ الخِصالُ الَّتِي عَدَّها جَلَّ شَأْنُهُ. ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ - عِنْدَ نَسْخِ القِبْلَةِ وتَحْوِيلِها - حَصَلَ مِنهُمُ الِاغْتِباطُ بِهَذِهِ القِبْلَةِ، وحَصَلَ مِنهُمُ التَّشَدُّدُ في شَأْنِها حَتّى ظَنُّوا أنَّهُ الغَرَضُ الأكْبَرُ في الدِّينِ، فَبَعَثَهم تَعالى بِهَذا الخِطابِ عَلى اسْتِيفاءِ جَمِيعِ العِباداتِ والطّاعاتِ. أشارَ لِهَذا الرّازِيُّ. وقالَ الرّاغِبُ: الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْكُفّارِ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ أنْكَرُوا تَغْيِيرَ القِبْلَةِ. وقِيلَ: بَلْ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ قَدْ يَرَوْنَ أنَّهم نالُوا البِرَّ كُلَّهُ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها. ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: إيمانُ مَن آمَنَ بِاللَّهِ الَّذِي دَعَتْ إلَيْهِ آيَةُ (p-٣٨٨)الوَحْدانِيَّةِ فَأثْبَتَ لَهُ صِفاتِ الكَمالِ، ونَزَّهَهُ عَنْ سِماتِ النُّقْصانِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الَّذِي كَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فاخْتَلَّ نِظامُهم بِبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ: ﴿والمَلائِكَةِ﴾ أيْ: وآمَنَ بِهِمْ وبِأنَّهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ مُتَوَسِّطُونَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ رُسُلِهِ بِإلْقاءِ الوَحْيِ وإنْزالِ الكُتُبِ: ﴿والكِتابِ﴾ أيْ: بِحَبْسِ الكِتابِ. فَيَشْمَلُ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ مِنَ السَّماءِ عَلى الأنْبِياءِ الَّتِي مِن أفْرادِها: أشْرَفُها وهو القُرْآنُ المُهَيْمِنُ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ كُلُّ خَيْرٍ واشْتَمَلَ عَلى كُلِّ سَعادَةٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿والنَّبِيِّينَ﴾ جَمِيعًا مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابَيْنِ. قالَ الحَرالِيُّ فَفِيهِ - أيِ: الإيمانُ بِهِمْ وبِما قَبْلَهم قَهْرُ النَّفْسِ لِلْإذْعانِ لِمَن هو مِن جِنْسِها، والإيمانُ بِغَيْبِ مَن لَيْسَ مِن جِنْسِها، لِيَكُونَ في ذَلِكَ ما يَزَعُ النَّفْسَ عَنْ هَواها. ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ: أخْرَجَهُ وهو مُحِبٌّ لَهُ راغِبٌ فِيهِ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهُما مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««أفْضَلُ الصَّدَقَةِ أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الغِنى وتَخْشى الفَقْرَ»» . وقَوْلُهُ: ﴿ذَوِي القُرْبى﴾ هم قَراباتُ الرَّجُلِ، وهم أوْلى مَن أعْطى مِنَ الصَّدَقَةِ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ الصَّدَقَةَ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ. وعَلى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتانِ: صَدَقَةٌ وصِلَةٌ»» . وفي (p-٣٨٩)الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ، امْرَأةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، «أنَّها وامْرَأةٌ أُخْرى سَألَتا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُما عَلى أزْواجِهِما وعَلى أيْتامٍ في حُجُورِهِما....؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَهُما أجْرانِ: أجْرُ القَرابَةِ وأجْرُ الصَّدَقَةِ»» . وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالإحْسانِ إلى القَرابَةِ (p-٣٩٠)فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ العَزِيزِ. ﴿واليَتامى﴾ وهُمُ الَّذِينَ لا كاسِبَ لَهم وقَدْ ماتَ آباؤُهم وهم ضُعَفاءُ صِغارٌ دُونَ البُلُوغِ ﴿والمَساكِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يَكْفِيهِمْ في قُوَّتِهِمْ وكُسْوَتِهِمْ وسُكْناهُمْ، فَيُعْطَوْنَ ما يَسُدُّ بِهِ حاجَتَهم وخَلَّتَهم. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَّوافِ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ واللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، ولَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، ولا يَفْطَنُ لَهُ فَيَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ»» . ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو المُسافِرُ المُجْتازُ الَّذِي قَدْ فَرَغَتْ نَفَقَتُهُ، فَيُعْطى ما يُوَصِّلُهُ إلى بَلَدِهِ لِعَجْزِهِ بِالغُرْبَةِ، وكَذا الَّذِي يُرِيدُ سَفَرًا في طاعَةٍ فَيُعْطى ما يَكْفِيهِ في ذَهابِهِ وإيابِهِ. ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الضَّيْفُ، كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ابْنُ السَّبِيلِ هو الضَّيْفُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالمُسْلِمِينَ. (p-٣٩١)وكَذا قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ الباقِرُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والزُّهْرِيُّ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. والسَّبِيلُ اسْمُ الطَّرِيقِ، وجُعِلَ المُسافِرُ ابْنًا لَها لِمُلازَمَتِهِ إيّاها كَما يُقالُ لِطَيْرِ الماءِ: ابْنُ الماءِ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي أتَتْ عَلَيْهِ السُّنُونَ: ابْنُ الأيّامِ، ولِلشُّجْعانِ: بَنُو الحَرْبِ، ولِلنّاسِ: بَنُو الزَّمانِ. ﴿والسّائِلِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِلطَّلَبِ، فَيُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَواتِ والصَّدَقاتِ. كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ»» . ورَواهُ أبُو داوُدَ ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ وهو ذَوِي أيْ: وآتى المالَ في الرِّقابِ، أيْ: دَفَعَهُ في فَكِّها، أيْ: لِأجْلِهِ وبِسَبَبِهِ قالَ الرّاغِبُ: الرِّقابُ جَمْعُ رَقَبَةٍ. وأصْلُ الرَّقَبَةِ: العُنُقُ. ويُعَبَّرُ بِها عَنِ الجُمْلَةِ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ. وقالَ الحَرالِيُّ: الرِّقابُ جَمْعُ رَقَبَةٍ وهو ما نالَهُ الرِّقُّ مِن بَنِي آدَمَ. فالمُرادُ: الرِّقابُ المُسْتَرِقَّةُ الَّتِي يُرامُ فَكُّها بِالكِتابَةِ، وفَكُّ الأسْرى مِنهُ، وقَدَّمَ عَلَيْهِمْ أُولَئِكَ؛ لِأنَّ حاجَتَهم لِإقامَةِ البِنْيَةِ. قِيلَ: نُكْتَةُ إيرادِ: في هو أنَّ ما يُعْطى لَهُمْ: مَصْرُوفٌ في تَخْلِيصِ رِقابِهِمْ، فَلا يَمْلِكُونَهُ كالمَصارِفِ الأُخْرى. واللَّهُ أعْلَمُ. لَطِيفَةٌ: قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ كَيْفَ اعْتُبِرَ التَّرْتِيبُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ الآيَةَ؟ قِيلَ: لَمّا كانَ أوْلى مَن يَتَفَقَّدُهُ الإنْسانُ بِمَعْرُوفِهِ أقارِبَهُ، كانَ تَقْدِيمُها أوْلى ثُمَّ عَقَّبَهُ بِاليَتامى لِأنَّ مُواساتَهم بَعْدَ الأقارِبِ أوْلى، ثُمَّ ذَكَرَ المَساكِينَ الَّذِينَ لا مالَ لَهم حاضِرًا ولا غائِبًا، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنَ السَّبِيلِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ لَهُ مالٌ غائِبٌ، ثُمَّ ذَكَرَ السّائِلِينَ (p-٣٩٢)الَّذِينَ مِنهم صادِقٌ وكاذِبٌ، ثُمَّ ذَكَرَ الرِّقابَ الَّذِينَ لَهم أرْبابٌ يَعُولُونَهُمْ، فَكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ أُخِّرَ ذِكْرُهُ أقَلُّ فَقْرًا مِمَّنْ قُدِّمَ ذِكْرُهُ...! ﴿وأقامَ الصَّلاةَ﴾ أيْ: أتَمَّ أفْعالَها في أوْقاتِها بِرُكُوعِها وسُجُودِها وطُمَأْنِينَتِها وخُشُوعِها عَلى الوَجْهِ الشَّرْعِيِّ المُرْضِيِّ ﴿وآتى الزَّكاةَ﴾ أيْ: زَكاةَ المالِ المَفْرُوضَةَ؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِما مَرَّ مِن إيتاءِ المالِ، التَّنَفُّلُ بِالصَّدَقاتِ والبِرِّ والصِّلَةِ، قُدِّمَ عَلى الفَرِيضَةِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلَيْهِ، أوِ المُرادُ بِهِما المَفْرُوضَةُ، والأوَّلُ لِبَيانِ المَصارِفِ، والثّانِي لِبَيانِ وُجُوبِ الأداءِ، وقَدْ أبْعَدَ مَن حَمَلَ الزَّكاةَ هُنا عَلى زَكاةِ النَّفْسِ وتَخْلِيصِها مِنَ الأخْلاقِ الدَّنِيئَةِ الرَّذِيلَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨] ووَجْهُ البُعْدِ: أنَّ الزَّكاةَ المَقْرُونَةَ بِالصَّلاةِ في التَّنْزِيلِ لا يُرادُ بِها إلّا زَكاةُ المالِ، وأمّا مَعَ الِانْفِرادِ فَعَلى حَسَبِ المَقامِ: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ عَطْفٌ عَلى مَن آمَنَ، فَإنَّهُ في قُوَّةٍ أنْ يُقالَ: ومَن أوْفَوْا بِعَهْدِهِمْ. وإيثارُ صِيغَةِ الفاعِلِ لِلدَّلالَةِ عَلى وُجُوبِ اسْتِمْرارِ الوَفاءِ. قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ هَذا العَهْدَ إمّا أنْ يَكُونَ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ النّاسِ. فالأوَّلُ: ما يَلْزَمُهُ بِالنُّذُورِ والأيْمانِ. والثّانِي: فَهو ما عاهَدَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّبِعَةِ: مِنَ القِيامِ بِالنُّصْرَةِ، والمُظاهَرَةِ، ومُوالاةِ مَن والاهُ، ومُعاداةِ مَن عاداهُ. والثّالِثُ: قَدْ يَكُونُ مِنَ الواجِباتِ: مِثْلُ ما يَلْزَمُهُ في عُقُودِ المُعاوَضاتِ مِنَ التَّسْلِيمِ والتَّسَلُّمِ. وكَذا الشَّرائِطُ الَّتِي يَلْتَزِمُها في السِّلْمِ والرَّهْنِ، وقَدْ يَكُونُ مِنَ المَندُوباتِ: مِثْلُ الوَفاءِ بِالمَواعِيدِ في بَذْلِ المالِ، والإخْلاصِ في المُناصَرَةِ. فالآيَةُ تَتَناوَلُ كُلَّ هَذِهِ الأقْسامِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وعَكْسُ هَذِهِ الصِّفَةِ النِّفاقُ، كَما صَحَّ في الحَدِيثِ: ««آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: (p-٣٩٣)إذا حَدَّثَ كَذِبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ»» . وفي رِوايَةٍ: ««إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ»»: ﴿والصّابِرِينَ﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ. غَيَّرَ سَبْكَهُ عَمّا قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ ومَزِيَّتِهِ، وهو في الحَقِيقَةِ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا ذَكَرْتَ صِفاتٍ لِلْمَدْحِ أوْ لِلذَّمِّ فَخُولِفَ في بَعْضِها الإعْرابُ، فَقَدْ خُولِفَ لِلِافْتِنانِ، ويُسَمّى ذَلِكَ قَطْعًا؛ لِأنَّ تَغْيِيرَ المَأْلُوفِ يَدُلُّ عَلى زِيادَةِ تَرْغِيبٍ في اسْتِماعِ المَذْكُورِ، ومَزِيدِ اهْتِمامٍ بِشَأْنِهِ ! وقَدْ قُرِئَ: والصّابِرُونَ. كَما قُرِئَ: والمُوفِينَ. قالَ الرّاغِبُ: لَمّا كانَ الصَّبْرُ: مِن وجْهٍ مَبْدَأً لِلْفَضائِلِ، ومِن وجْهٍ جامِعًا لِلْفَضائِلِ؛ إذْ لا فَضِيلَةَ إلّا ولِلصَّبْرِ فِيها أثَرٌ بَلِيغٌ. غُيِّرَ إعْرابُهُ تَنْبِيهًا عَلى هَذا المَقْصِدِ..!: ﴿فِي البَأْساءِ﴾ أيِ: الشِّدَّةِ، أيْ: عِنْدَ حُلُولِها بِهِمْ: ﴿والضَّرّاءِ﴾ بِمَعْنى البَأْساءِ وهي الشِّدَّةُ أيْضًا، كَما فَسَّرَهُما بِها في القامُوسِ. وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: الضَّرّاءُ: الحالَةُ الَّتِي تَضُرُّ وهي نَقِيضُ السَّرّاءِ، وهُما بِناءانِ لِلْمُؤَنَّثِ ولا مُذَكَّرَ لَهُما: ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ أيْ: وقْتَ مُجاهَدَةِ العَدُوِّ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وزِيادَةُ الحِينِ لِلْإشْعارِ بِوُقُوعِهِ أحْيانًا، وسُرْعَةِ انْقِضائِهِ، ومَعْنى البَأْسِ في اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ، يُقالُ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ في هَذا أيْ: لا شِدَّةَ. وعَذابٌ بَئِيسٌ شَدِيدٌ. وسُمِّيَتِ الحَرْبُ بَأْسًا لِما فِيها مِنَ الشِّدَّةِ. والعَذابُ يُسَمّى بَأْسًا لِشِدَّتِهِ. قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٤] ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ [الأنبياء: ١٢] ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] (p-٣٩٤)وقالَ ابْنُ سِيدَهْ: البَأْسُ الحَرْبُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ، أيْ: لا خَوْفَ. وقالَ الرّاغِبُ: اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْواعَ الضُّرِّ. لِأنَّهُ إمّا يَحْتاجُ إلى الصَّبْرِ في شَيْءٍ يُعْوِزُ الإنْسانَ، أوْ يُرِيدُهُ فَلا يَنالُهُ، وهو البَأْساءُ. أوْ فِيما نالَ جِسْمَهُ مِنَ ألَمٍ، وهو الضَّرّاءُ. أوْ في مُدافَعَةِ مُؤْذِيهِ وهو اليَأْسُ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في إيمانِهِمْ، لِأنَّهم حَقَّقُوا الإيمانَ القَلْبِيَّ بِالأقْوالِ والأفْعالِ، فَلَمْ تُغَيِّرْهُمُ الأحْوالُ، ولَمْ تُزَلْزِلْهُمُ الأهْوالُ. وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن لَمْ يَفْعَلْ أفْعالَهم لَمْ يَصْدُقْ في دَعْواهُ الإيمانَ...!: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ عَنِ الكُفْرِ وسائِرِ الرَّذائِلِ. وتَكْرِيرُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَنْوِيهٍ بِشَأْنِهِمْ. وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى انْحِصارِ التَّقْوى فِيهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ الواواتُ في الأوْصافِ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْجَمْعِ. فَمِن شَرائِطِ البِرِّ، وتَمامِ شَرْطِ البارِّ، أنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ هَذِهِ الأوْصافُ، ومَن قامَ بِهِ واحِدٌ مِنها لَمْ يَسْتَحِقَّ الوَصْفَ بِالبِرِّ.

البقرة 2:178

(p-٣٩٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحُدُودِ والحُقُوقِ الَّتِي لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، وهي النُّفُوسُ. و: ﴿كُتِبَ﴾ بِمَعْنى فُرِضَ وأُوجِبَ. قالَ الرّاغِبُ: الكِتابَةُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الإيجابِ. وأصْلُ ذَلِكَ: أنَّ الشَّيْءَ يُرادُ ثُمَّ يُقالُ ثُمَّ يُكْتَبُ. فَيُعَبَّرُ عَنِ المُرادِ الَّذِي هو المَبْدَأُ بِالكِتابَةِ الَّتِي هي المُنْتَهى. ﴿الحُرُّ﴾ يُقْتَلُ: ﴿بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ مِنَ القاتِلِينَ: ﴿مِن أخِيهِ﴾ أيْ: دَمِ أخِيهِ المَقْتُولِ: ﴿شَيْءٌ﴾ بِأنْ تَرْكَ ولِيُّهُ القَوْدَ مِنهُ، ونَزَلَ عَنْ طَلَبِ الدَّمِ إلى الدِّيَةِ. وفي ذِكْرِ الأُخُوَّةِ: تَعَطُّفٌ داعٍ إلى العَفْوِ، وإيذانٌ بِأنَّ القَتْلَ لا يَقْطَعُ أُخُوَّةَ الإيمانِ: ﴿فاتِّباعٌ﴾ أيْ: فَعَلى العافِي اتِّباعٌ لِلْقاتِلِ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِأنْ يُطالِبَهُ بِالدِّيَةِ بِلا عُنْفٍ: {و } عَلى القاتِلِ: {أداءٌ } لِلدِّيَةِ: ﴿إلَيْهِ﴾ أيِ: العافِي وهو الوارِثُ: ﴿بِإحْسانٍ﴾ بِلا مَطَلٍ ولا بَخْسٍ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الحُكْمِ، وهو جَوازُ القِصاصِ والعَفْوِ عَنْهُ عَلى الدِّيَةِ: ﴿تَخْفِيفٌ﴾ تَسْهِيلٌ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ عَلَيْكُمْ: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ بِكُمْ، حَيْثُ وسَّعَ في ذَلِكَ، ولَمْ يُحَتِّمْ واحِدًا مِنهُما: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بِأنْ قَتَلَ غَيْرَ القاتِلِ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الحُكْمِ، أوْ قَتَلَ القاتِلَ بَعْدَ العَفْوِ، أوْ أخْذِ الدِّيَةِ: ﴿فَلَهُ﴾ بِاعْتِدائِهِ: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أمّا في الدُّنْيا فَبِالِاقْتِصاصِ بِما قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِالنّارِ. (p-٣٩٦)تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: عَلى مَن يَتَوَجَّهُ هَذا الوُجُوبُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ ؟ أُجِيبَ: عَلى النّاسِ كافَّةً. فَمِنهم مَن يَلْزَمُهُ اسْتِقادَتُهُ - وهو الإمامُ - إذا طَلَبَهُ الوَلِيُّ. ومِنهُ مَن يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ النَّفْسِ وهو القاتِلُ. ومِنهم مَن يَلْزَمُهُ المُعاوَنَةُ والرِّضا بِهِ. ومِنهم مَن يَلْزَمُهُ أنْ لا يَتَعَدّى بَلْ يَقْتَصَّ، أوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ. والقَصْدُ بِالآيَةِ: مَنعُ التَّعَدِّي الجاهِلِيِّ. الثّانِي: القَصاصُ مَصْدَرُ قاصَّهُ، المَزِيدُ. وأصْلُ القَصِّ: قَطْعُ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الِاجْتِذاذِ، ومِنهُ: قَصَّ شَعْرَهُ. وقَصَّ الحَدِيثَ: اقْتَطَعَ كَلامًا حادِثًا جِدًّا وغَيْرَهُ، والقِصَّةُ اسْمٌ مِنهُ. وحَقِيقَةُ القَصاصِ: أنْ يُفْعَلَ بِالقاتِلِ والجارِحِ مِثْلُ ما فَعَلا. أفادَهُ الرّاغِبُ. الثّالِثُ: ذَكَرَ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في " السِّياسَةِ الشَّرْعِيَّةِ " جُمْلَةً مِن أحْكامِ القَتْلِ نَأْثُرُها عَنْهُ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: القَتْلُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحَدُها: العَمْدُ المَحْضُ، وهو أنْ يَقْصِدَ مَن يَعْلَمُهُ مَعْصُومًا بِما يَقْتُلُ غالِبًا. سَواءٌ كانَ يَقْتُلُ بِحَدِّهِ: كالسَّيْفِ ونَحْوِهِ، أوْ بِثِقَلِهِ: كالسِّنْدانِ وكَوْدَسِ القَصّارِ. أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ: كالتَّحْرِيقِ، والتَّغْرِيقِ، وإلْقاءٍ مِن مَكانٍ شاهِقٍ، والخَنْقِ، وإمْساكِ الخُصْيَتَيْنِ حَتّى يَخْرُجَ الرُّوحُ، وغَمِّ الوَجْهِ حَتّى يَمُوتَ، وسَقْيِ السُّمُومِ... ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ. فَهَذا إذا فَعَلَهُ وجَبَ فِيهِ القَوَدُ. وهو أنْ يُمَكَّنَ أوْلِياءُ المَقْتُولِ مِنَ القاتِلِ. فَإنْ أحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أحَبُّوا عَفَوْا، وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ؛ ولَيْسَ لَهم أنْ يَقْتُلُوا غَيْرَ قاتِلِهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: لا يَقْتُلُ (p-٣٩٧)غَيْرَ قاتِلِهِ. وعَنْ أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أُصِيبَ بِدَمٍ أوْ خَبْلٍ - والخَبْلُ: الجُرْحُ - فَهو بِالخِيارِ بَيْنَ إحْدى ثَلاثٍ. فَإنْ أرادَ الرّابِعَةَ، فَخُذُوا عَلى يَدَيْهِ: أنْ يَقْتُلَ، أوْ يَعْفُوَ، أوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ. فَمَن فَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَعادَ، فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا»» . فَمَن قَتَلَ بَعْدَ العَفْوِ وأخْذِ الدِّيَةِ فَهو أعْظَمُ جُرْمًا مِمَّنْ قَتَلَ ابْتِداءً. حَتّى قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ حَدًّا، ولا يَكُونُ أمْرُهُ إلى أوْلِياءِ المَقْتُولِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] قالَ العُلَماءُ: إنَّ أوْلِياءَ المَقْتُولِ تَغْلِي قُلُوبُهم بِالغَيْظِ، حَتّى يُؤْثِرُوا أنْ يَقْتُلُوا القاتِلَ وأوْلِياءَهُ. ورُبَّما لَمْ يَرْضَوْا بِقَتْلِ القاتِلِ، بَلْ يَقْتُلُونَ كَثِيرًا مِن أصْحابِ القاتِلِ كَسَيِّدِ القَبِيلَةِ ومُقَدَّمِ الطّائِفَةِ - فَيَكُونُ القاتِلُ قَدِ اعْتَدى في الِابْتِداءِ، ويَعْتَدِي هَؤُلاءِ في الِاسْتِيفاءِ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، وكَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ الخارِجُونَ عَنِ الشَّرِيعَةِ في هَذِهِ الأوْقاتِ: مِنَ الأعْرابِ والحاضِرَةِ وغَيْرِهِمْ. وقَدْ يَسْتَعْظِمُونَ قَتْلَ القاتِلِ لِكَوْنِهِ عَظِيمًا، أشْرَفَ مِنَ المَقْتُولِ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى أنَّ أوْلِياءَ المَقْتُولِ يَقْتُلُونَ مَن قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن أوْلِياءِ القاتِلِ. ورُبَّما حالَفَ هَؤُلاءِ قَوْمًا واسْتَعانُوا بِهِمْ، وهَؤُلاءِ قَوْمًا، فَيُفْضِي إلى الفِتَنِ والعَداوَةِ العَظِيمَةِ. وسَبَبُ ذَلِكَ: خُرُوجُهم عَنْ سُنَنِ العَدْلِ الَّذِي هو القَصاصُ في القَتْلى. فَكَتَبَ اللَّهُ عَلَيْنا القَصاصَ وهو المُساواةُ والمُعادَلَةُ في القَتْلِ. وأخْبَرَ أنَّ فِيهِ حَياةً فَإنَّهُ يَحْقِنُ دَمَ غَيْرِ القاتِلِ مِن أوْلِياءَ الرَّجُلَيْنِ. وأيْضًا إذا عَلِمَ مَن يُرِيدُ القَتْلَ: أنَّهُ يَقْتُلُ، كَفَّ عَنِ القَتْلِ...! (p-٣٩٨)وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««المُؤْمِنُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهُمْ، وهم يَدٌ عَلى مَن سِواهُمْ، ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم. ألا لا يُقْتُلْ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ، ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ..!»» رَواهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ السُّنَنِ. فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ المُسْلِمِينَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم - أيْ: تَتَساوى أوْ تَتَعادَلُ - فَلا يَفْضُلُ عَرَبِيٌّ عَلى عَجَمِيٍّ، ولا قُرَشِيٌّ أوْ هاشِمِيٌّ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولا حُرٌّ أصْلِيٌّ عَلى مَوْلًى عَتِيقٍ، ولا عالِمٌ أوْ أمِيرٌ عَلى أُمِّيٍّ أوْ مَأْمُورٍ. وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. بِخِلافِ ما عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ وحُكّامُ اليَهُودِ. فَإنَّهُ كانَ يَقْرَبُ مَدِينَةَ النَّبِيِّ ﷺ صِنْفانِ مِنَ اليَهُودِ: قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ. وكانَتِ النَّضِيرُ تَفْضُلُ عَلى قُرَيْظَةَ في الدِّماءِ. فَتَحاكَمُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ وفي حَدِّ الزّانِي، فَإنَّهم كانُوا قَدْ غَيَّرُوهُ مِنَ الرَّجْمِ إلى التَّحْمِيمِ، وقالُوا: إنْ حَكَمَ بَيْنَكم بِذَلِكَ كانَ لَكم (p-٣٩٩)حُجَّةً، وإلّا فَأنْتُمْ قَدَ تَرَكْتُمْ حُكْمَ التَّوْراةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] إلى قَوْلِهِ.. ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] فَبَيِّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ سَوّى بَيْنَ نُفُوسِهِمْ، ولَمْ يُفَضِّلْ مِنهم نَفْسًا عَلى أُخْرى، كَما كانُوا يَفْعَلُونَهُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] - (p-٤٠٠)إلى قَوْلِهِ -: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فَحُكْمُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في دِماءِ المُسْلِمِينَ أنَّها كُلُّها سَواءٌ. خِلافَ ما عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ. وأكْثَرُ سَبَبِ الأهْواءِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ - في البَوادِي والحَواضِرِ - إنَّما هي البَغْيُ وتَرْكُ العَدْلِ. فَإنَّ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ قَدْ يُصِيبُ بَعْضُها دَمًا مِنَ الأُخْرى، أوْ مالًا، أوْ يَعْلُو عَلَيْها بِالباطِلِ، فَلا يُنْصِفُها. ولا تَقْتَصِرُ الأُخْرى عَلى اسْتِيفاءِ الحَقِّ! فالواجِبُ في كِتابِ اللَّهِ الحُكْمُ بَيْنَ النّاسِ في الدِّماءِ، والأمْوالِ، وغَيْرِها... بِالقِسْطِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ومَحْوُ ما كانَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ مِن حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ.... وإذا أصْلَحَ مُصْلِحٌ بَيْنَهم فَلْيُصْلِحْ بِالعَدْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠] ويَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ العَفْوَ مِن أوْلِياءِ المَقْتُولِ، فَإنَّهُ أفْضَلُ لَهم كَما قالَ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] قالَ أنَسٌ: «ما رَأيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ رُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قَصاصٌ إلّا أمَرَ فِيهِ بِالعَفْوِ..!» رَواهُ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ. ورَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٤٠١)««ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ لِلَّهِ إلّا رَفَعَهُ اللَّهُ»» . وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِنَ التَّكافُؤِ، هو في المُسْلِمِ الحُرِّ مَعَ المُسْلِمِ الحُرِّ، فَأمّا الذِّمِّيُّ: فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلْمُسْلِمِ. كَما أنَّ المُسْتَأْمَنَ الَّذِي يَقْدُمُ مِن بِلادِ الكُفّارِ - رَسُولًا أوْ تاجِرًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ - لَيْسَ بِكُفْءٍ لَهم وِفاقًا. ومِنهم مَن يَقُولُ: بَلْ هو كُفْءٌ لَهُ. وكَذَلِكَ النِّزاعُ في قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ. النَّوْعُ الثّانِي: الخَطَأُ الَّذِي يُشْبِهُ العَمْدَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««ألا إنَّ قَتِيلَ العَمْدِ الخَطَأِ بِالسَّوْطِ والعَصا شِبْهُ العَمْدِ فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ مُغَلَّظَةٌ، مِنها أرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِها أوْلادُها»» . سَمّاهُ شِبْهَ العَمْدِ؛ لِأنَّهُ قَصَدَ العُدْوانَ عَلَيْهِ بِالخِيانَةِ، لَكِنَّهُ بِفِعْلٍ لا بِقَتْلٍ غالِبًا، فَقَدْ تَعَمَّدَ العُدْوانَ ولَمْ يَتَعَمَّدْ ما يَقْتُلُ. الثّالِثُ: الخَطَأُ المَحْضُ وما يَجْرِي مَجْراهُ: مِثْلَ أنْ يَكُونَ يَرْمِي صَيْدًا أوْ هَدَفًا، فَيُصِيبُ إنْسانًا بِغَيْرِ عِلْمِهِ ولا قَصْدِهِ. فَهَذا لَيْسَ فِيهِ قَوَدٌ، وإنَّما فِيهِ الدِّيَةُ والكَفّارَةُ. وهُنا مَسائِلُ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ أهْلِ العِلْمِ وبَيْنَهم. التَّنْبِيهُ الرّابِعُ: قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: لِمَ قالَ فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ ولَمْ يَقُلْ: فَمَن عَفا لَهُ أخُوهُ شَيْئًا...؟ قِيلَ: العُدُولُ إلى ذَلِكَ لِلَطِيفَةٍ، وهي أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ صاحِبُ الدَّمِ قَدْ عَفا أوْ جَماعَةٌ، فَعَفا أحَدُهم؛ إذِ القَصاصُ يَبْطُلُ ويَعْدِلُ حِينَئِذٍ إلى الدِّيَةِ. فَقالَ: فَمِن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ لِيَدُلَّ عَلى هَذا المَعْنى، والهاءُ في قَوْلِهِ: أخِيهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمَقْتُولِ ولِوَلِيِّهِ. وجَعَلَهُ أخًا لِوَلِيِّ الدَّمِ لا لِلنَّسَبِ ولا لِمُوالاةٍ دِينِيَّةٍ، ولَكِنْ لِلْإحْسانِ الَّذِي أسْداهُ في الرِّضا مِنهُ بِالدِّيَةِ اهـ. (p-٤٠٢)الخامِسُ: هَذِهِ الآيَةُ مُفَسِّرَةٌ لِما أُبْهِمَ في آيَةِ المائِدَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] كَما أنَّها مُقَيَّدَةٌ، وتِلْكَ مُطْلَقَةٌ، والمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلى المُقَيَّدِ. وكَذا ما ورَدَ في السُّنَّةِ وصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا البابِ، فَإنَّهُ يُبَيِّنُ ما يُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ المائِدَةِ. وقَدْ رُوِيَتْ أحادِيثُ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِأنَّهُ لا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ. كالأحادِيثِ والآثارِ القاضِيَةِ بِأنَّهُ يُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالأُنْثى. فالتَّعْوِيلُ عَلى ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ إلخ لا يُفِيدُ الحَصْرَ البَتَّةَ، بَلْ يُفِيدُ شَرْعَ القَصاصِ بَيْنَ المَذْكُورِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى سائِرِ الأقْسامِ. هَذا ما اعْتَمَدُوهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:179

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧٩] ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ كَلامٌ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الغَرابَةِ، حَيْثُ جُعِلَ الشَّيْءُ مَحَلَّ ضِدِّهِ، فَإنَّ القَصاصَ قَتْلٌ وتَفْوِيتٌ لِلْحَياةِ، وقَدْ جُعِلَ مَكانًا وظَرْفًا لِلْحَياةِ، وعَرَّفَ القَصاصَ ونَكَّرَ الحَياةَ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ في هَذا الجِنْسِ مِنَ الحُكْمِ - الَّذِي هو القَصاصُ - حَياةً عَظِيمَةً. وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ بِالواحِدِ الجَماعَةَ. وكَمْ قُتِلَ مُهَلْهَلٌ بِأخِيهِ، حَتّى كادَ يَفْنى بَكْرُ بْنُ وائِلٍ!. وكانَ يُقْتَلُ بِالمَقْتُولِ غَيْرُ قاتِلِهِ، فَتَثُورُ الفِتْنَةُ، ويَقَعُ بَيْنَهُمُ التَّناحُرُ..!. فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ بِشَرْعِ القَصاصِ كانَتْ فِيهِ حَياةٌ أيُّ: حَياةٍ..! أوْ نَوْعٌ مِنَ الحَياةِ، وهي الحَياةُ الحاصِلَةُ بِالِارْتِداعِ عَنِ القَتْلِ لِوُقُوعِ العِلْمِ بِالِاقْتِصاصِ مِنَ القاتِلِ، لِأنَّهُ إذا هَمَّ بِالقَتْلِ، فَعَلِمَ أنَّهُ يُقْتَصُّ مِنهُ فارْتَدَعَ؛ سَلِمَ صاحِبُهُ مِنَ القَتْلِ، وسَلِمَ هو مِنَ القَوَدِ. فَكانَ (p-٤٠٣)القَصاصُ سَبَبَ حَياةِ نَفْسَيْنِ...!. هَذا ما يُسْتَفادُ مِنَ " الكَشّافِ ". لَطِيفَةٌ: اتَّفَقَ عُلَماءُ البَيانِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ - في الإيجازِ مَعَ جَمْعِ المَعانِي - بالِغَةٌ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ...! وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ عَبَّرُوا عَنْ هَذا المَعْنى بِألْفاظٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِمْ: قَتْلُ البَعْضِ إحْياءٌ لِلْجَمِيعِ، وقَوْلُ آخَرِينَ: أكْثِرُوا القَتْلَ لِيَقِلَّ القَتْلُ. وأجْوَدُ الألْفاظِ المَنقُولَةِ عَنْهم في هَذا البابِ قَوْلُهُمُ: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ. وقَدْ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى اسْتِجادَةِ مَعْنى كَلِمَتِهِمْ واسْتِرْشاقِ لَفْظِها...! ومِنَ المَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما في القُرْآنِ كَما بَيْنَ اللَّهِ وخَلْقِهِ! وأنّى لَها الوُصُولُ إلى رَشاقَةِ القُرْآنِ وعُذُوبَتِهِ. قالَ في الإتْقانِ: وقَدْ فَضَّلْتُ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى أوْجَزِ ما كانَ عِنْدَ العَرَبِ في هَذا المَعْنى، وهو قَوْلُهُمُ: " القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ " بِعِشْرِينَ وجْهًا أوْ أكْثَرَ. وقَدْ أشارَ ابْنُ الأثِيرِ إلى إنْكارِ هَذا التَّفْضِيلِ وقالَ: لا تَشْبِيهَ بَيْنَ كَلامِ الخالِقِ وكَلامِ المَخْلُوقِ..! وإنَّما العُلَماءُ يَقْدَحُونَ أذْهانَهم فِيما يَظْهَرُ لَهم مِن ذَلِكَ..! الأوَّلُ: أنَّ ما يُناظِرُهُ مِن كَلامِهِمْ وهُوَ: ﴿القِصاصِ حَياةٌ﴾ أقَلُّ حُرُوفًا، فَإنَّ حُرُوفَهُ عَشَرَةٌ، وحُرُوفَ " القَتْلِ أنْفى لِلْقَتْلِ " أرْبَعَةَ عَشَرَ..! الثّانِي: أنَّ نَفْيَ القَتْلِ لا يَسْتَلْزِمُ الحَياةَ، والحَياةُ ناصَّةٌ عَلى ثُبُوتِها الَّتِي هي الغَرَضُ المَطْلُوبُ مِنهُ!. الثّالِثُ: أنَّ تَنْكِيرَ: ﴿حَياةٌ﴾ يُفِيدُ تَعْظِيمًا، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ في القَصاصِ حَياةً مُتَطاوِلَةً، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] ولا كَذَلِكَ المَثَلُ، فَإنَّ اللّامَ فِيهِ لِلْجِنْسِ، ولِذا فَسَّرُوا الحَياةَ فِيها بِالبَقاءِ. (p-٤٠٤)الرّابِعُ: أنَّ الآيَةَ فِيهِ مُطَّرِدَةٌ، بِخِلافِ المَثَلِ، فَإنَّهُ لَيْسَ كُلُّ قَتْلٍ أنْفى لِلْقَتْلِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أدْعى لَهُ، وهو القَتْلُ ظُلْمًا! وإنَّما يَنْفِيهِ قَتْلٌ خاصٌّ، وهو القَصاصُ، فَفِيهِ حَياةٌ أبَدًا.. الخامِسُ: أنَّ الآيَةَ خالِيَةٌ مِن تَكْرارِ لَفْظِ القَتْلِ الواقِعِ في المَثَلِ، والخالِي مِنَ التَّكْرارِ أفْضَلُ مِنَ المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُخِلًّا بِالفَصاحَةِ..! السّادِسُ: أنَّ الآيَةَ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ. بِخِلافِ قَوْلِهِمْ. فَإنَّ فِيهِ حَذْفَ مِنَ الَّتِي بَعْدَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ وما بَعْدَها. وحَذْفَ " قَصاصًا " مَعَ القَتْلِ الأوَّلِ، " وظُلْمًا " مَعَ القَتْلِ الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: القَتْلُ قَصاصًا أنْفى ظُلْمًا مِن تَرْكِهِ. السّابِعُ: أنَّ في الآيَةِ طِباقًا، لِأنَّ القَصاصَ يُشْعِرُ بِضِدِّ الحَياةِ بِخِلافِ المَثَلِ... الثّامِنُ: أنَّ الآيَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى فَنٍّ بَدِيعٍ، وهو جَعْلُ أحَدِ الضِّدَّيْنِ - الَّذِي هو الفَناءُ والمَوْتُ - مَحَلًّا ومَكانًا لِضِدِّهِ - الَّذِي هو الحَياةُ. واسْتِقْرارُ الحَياةِ في المَوْتِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ... ذَكَرَهُ في " الكَشّافِ ". وعَبَّرَ عَنْهُ صاحِبُ " الإيضاحِ " بِأنَّهُ جَعَلَ القَصاصَ كالمَنبَعِ لِلْحَياةِ والمَعْدِنِ لَها بِإدْخالِ " في " عَلَيْهِ. التّاسِعُ: أنَّ في المَثَلِ تَوالِيَ أسْبابٍ كَثِيرَةٍ خَفِيفَةٍ - وهو السُّكُونُ بَعْدَ الحَرَكَةِ - وذَلِكَ مُسْتَكْرَهٌ. فَإنَّ اللَّفْظَ المَنطُوقَ بِهِ إذا تَوالَتْ حَرَكاتُهُ تَمَكَّنَ اللِّسانُ مِنَ النُّطْقِ بِهِ وظَهَرَتْ بِذَلِكَ فَصاحَتُهُ، بِخِلافِ ما إذا تَعَقَّبَ كُلَّ حَرَكَةٍ سُكُونٌ، فالحَرَكاتُ تَنْقَطِعُ بِالسَّكَناتِ. نَظِيرُهُ: إذا تَحَرَّكَتِ الدّابَّةُ أدْنى حَرَكَةٍ، فَحُبِسَتْ، ثُمَّ تَحَرَّكَتْ فَحُبِسَتْ، لا تُطِيقُ إطْلاقَها، ولا تَتَمَكَّنُ مِن حَرَكَتِها عَلى ما تَخْتارُهُ، فَهي كالمُقَيَّدَةِ!. العاشِرُ: أنَّ المَثَلَ كالتَّناقُضِ مِن حَيْثُ الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يَنْفِي نَفْسَهُ!. الحادِي عَشَرَ: سَلامَةُ الآيَةِ مِن تَكْرِيرِ قَلْقَلَةِ القافِ المُوجِبِ لِلضَّغْطِ والشِّدَّةِ، وبُعْدُها عَنْ غُنَّةِ النُّونِ. (p-٤٠٥)الثّانِي عَشَرَ: اشْتِمالُها عَلى حُرُوفٍ مُتَلائِمَةٍ، لِما فِيها مِنَ الخُرُوجِ مِنَ القافِ إلى الصّادِ؛ إذِ القافُ مِن حُرُوفِ الِاسْتِعْلاءِ، والصّادُ مِن حُرُوفِ الِاسْتِعْلاءِ والإطْباقِ. بِخِلافِ الخُرُوجِ مِنَ القافِ إلى التّاءِ - الَّتِي هي حَرْفٌ مُنْخَفِضٌ - فَهو غَيْرُ مُلائِمٍ لِلْقافِ. وكَذا الخُرُوجُ مِنَ الصّادِ إلى الحاءِ أحْسَنُ مِنَ الخُرُوجِ مِنَ اللّامِ إلى الهَمْزَةِ، لِبُعْدِ ما دُونُ طَرَفِ اللِّسانِ وأقْصى الحَلْقِ. الثّالِثَ عَشَرَ: في النُّطْقِ بِالصّادِ والحاءِ والتّاءِ حُسْنُ الصَّوْتِ، ولا كَذَلِكَ تَكْرِيرُ القافِ والتّاءِ. الرّابِعَ عَشَرَ: سَلامَتُها مِن لَفْظِ القَتْلِ المُشْعِرِ بِالوَحْشَةِ، بِخِلافِ لَفْظِ الحَياةِ، فَإنَّ الطِّباعَ أقْبَلُ لَهُ مِن لَفْظِ القَتْلِ. الخامِسَ عَشَرَ: أنَّ لَفْظَ القَصاصِ مُشْعِرٌ بِالمُساواةِ، فَهو مُنْبِئٌ عَنِ العَدْلِ، بِخِلافِ مُطْلَقِ القَتْلِ. السّادِسَ عَشَرَ: الآيَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى الإثْباتِ، والمَثَلُ عَلى النَّفْيِ، والإثْباتُ أشْرَفُ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ، والنَّفْيُ ثانٍ عَنْهُ. السّابِعَ عَشَرَ: أنَّ المَثَلَ لا يَكادُ يُفْهَمُ إلّا بَعْدَ فَهْمِ أنَّ القَصاصَ هو الحَياةُ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ مَفْهُومٌ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ..! الثّامِنَ عَشَرَ: أنَّ في المَثَلِ بِناءَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِن فِعْلٍ مُتَعَدٍّ، والآيَةُ سالِمَةٌ مِنهُ..! التّاسِعَ عَشَرَ: أنْ أفْعَلَ في الغالِبِ يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ، فَيَكُونُ تَرْكُ القَصاصِ نافِيًا لِلْقَتْلِ، ولَكِنَّ القَصاصَ أكْثَرُ نَفْيًا..! ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والآيَةُ سالِمَةٌ مِن ذَلِكَ. العِشْرُونَ: أنَّ الآيَةَ رادِعَةٌ عَنِ القَتْلِ والجُرْحِ مَعًا، لِشُمُولِ القَصاصِ لَهُما. والحَياةُ أيْضًا في قَصاصِ الأعْضاءِ؛ لِأنَّ قَطْعَ العُضْوِ يَنْقُصُ أوْ يُنَغِّصُ مَصْلَحَةَ الحَياةِ، وقَدْ يَسْرِي إلى النَّفْسِ فَيُزِيلُها، ولا كَذَلِكَ المَثَلُ!. (p-٤٠٦)فِي أوَّلِ الآيَةِ: ﴿ولَكُمْ﴾ وفِيها لَطِيفَةٌ، وهِيَ: بَيانُ العِنايَةِ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى الخُصُوصِ، وأنَّهُمُ المُرادُ حَياتُهم لا غَيْرُهُمْ، لِتَخْصِيصِهِمْ بِالمَعْنى مَعَ وُجُودِهِ فِيمَن سِواهُمُ..! انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ المُرادُ بِهِ: العُقَلاءُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ العَواقِبَ ويَعْلَمُونَ جِهاتِ الخَوْفِ. فَإذا أرادُوا الإقْدامَ عَلى قَتْلِ أعْدائِهِمْ، وعَلِمُوا أنَّهم يُطالِبُونَ بِالقَوَدِ، صارَ ذَلِكَ رادِعًا لَهم؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يُرِيدُ إتْلافَ غَيْرِهِ بِإتْلافِ نَفْسِهِ. فَإذا خافَ ذَلِكَ كانَ خَوْفُهُ سَبَبًا لِلْكَفِّ والِامْتِناعِ..! إلّا أنَّ هَذا الخَوْفَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الفِكْرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ يَهْدِيهِ إلى هَذا الفِكْرِ، فَمَن لا عَقْلَ لَهُ يَهْدِيهِ إلى هَذا الفِكْرِ لا يَحْصُلُ لَهُ هَذا الخَوْفُ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الخِطابِ أُولِي الألْبابِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيِ: اللَّهَ تَعالى بِالِانْقِيادِ لِما شَرَعَ، فَتَتَحامُونَ القَتْلَ.

البقرة 2:180

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨٠] ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ . ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: فُرِضَ، كَما اسْتَفاضَ في الشَّرْعِ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ: أمارَتُهُ وهو المَرَضُ المُخَوِّفُ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أيْ: مالًا يَنْبَغِي أنْ يُوصِيَ فِيهِ. وقَدْ أُطْلِقَ في القُرْآنِ: الخَيْرُ وأُرِيدَ بِهِ المالُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، مِنها هَذِهِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٢] (p-٤٠٧)ومِنها: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] ومِنها: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْـزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] إلى غَيْرِها. وإنَّما سُمِّيَ المالُ خَيْرًا؛ تَنْبِيهًا عَلى مَعْنًى لَطِيفٍ: وهو أنَّ المالَ الَّذِي يُحَسَنُ الوَصِيَّةُ بِهِ ما كانَ مَجْمُوعًا مِن وجْهٍ مَحْمُودٍ..! كَما أنَّ في التَّسْمِيَةِ إشارَةً إلى كَثْرَتِهِ، كَما قالَ بَعْضُهُمْ: لا يُقالُ لِلْمالِ خَيْرٌ حَتّى يَكُونَ كَثِيرًا، ومِن مَكانٍ طَيِّبٍ..!. وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ: أنْ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ عَلى رَجُلٍ مِن قَوْمِهِ يَعُودُهُ، فَقالَ لَهُ: أُوصِي؟ فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: إنَّما قالَ اللَّهُ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ إنَّما تَرَكْتَ شَيْئًا يَسِيرًا فاتْرُكْهُ لِوَلَدِكَ..! ورَوى الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن لَمْ يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينارًا لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا!. وقالَ طاوُسٌ: لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا مَن لَمْ يَتْرُكْ ثَمانِينَ دِينارًا. وقالَ قَتادَةُ: كانَ يُقالُ: ألْفًا فَما فَوْقَها. ومِنهُ يُعْلَمُ أنْ لا تَحْدِيدَ لِلْكَثْرَةِ المَفْهُومَةِ، وأنَّ مَرَدَّها لِلْعُرْفِ لِاخْتِلافِ أحْوالِ الزَّمانِ والمَكانِ. ثُمَّ ذُكِرَ نائِبُ فاعِلٍ كُتِبَ بَعْدَ أنِ اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلَيْهِ، فَقالَ: الوَصِيَّةُ وتَذْكِيرُ الفِعْلِ الرّافِعِ لَها: إمّا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالوَصِيَّةِ الإيصاءُ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] وإمّا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ ونائِبِهِ، لِأنَّ الكَلامَ لَمّا طالَ، كانَ الفاصِلُ بَيْنَ المُؤَنَّثِ والفِعْلِ كالعِوَضِ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلْوالِدَيْنِ﴾ بَدَأ بِهِما لِشَرَفِهِما وعِظَمِ حَقِّهِما: ﴿والأقْرَبِينَ﴾ مَن عَداهُما مِن جَمِيعِ القَراباتِ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ وهو ما تَتَقَبَّلُهُ الأنْفُسُ ولا تَجِدُ مِنهُ تَكَرُّهًا. (p-٤٠٨)وفِي الصَّحِيحَيْنِ: «أنَّ سَعْدًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي مالًا ولا يَرِثُنِي إلّا ابْنَةٌ لِي: أفَأُوصِي بِثُلُثَيْ مالِي؟ قالَ: «لا» .. قالَ: فَبِالشَّطْرِ؟ قالَ: «لا» ..! قالَ: فالثُّلُثُ؟ قالَ: «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّكَ إنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ»» !. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: «لَوْ أنَّ النّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إلى الرُّبُعِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ»» ..!. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ عَنْ زِيادِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ: سَمِعْتُ (p-٤٠٩)حَنْظَلَةَ بْنَ جُذَيْمِ بْنِ حَنِيفَةَ «أنَّ جَدَّهُ حَنِيفَةَ أوْصى لِيَتِيمٍ في حِجْرِهِ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى بَنِيهِ، فارْتَفَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ حَنِيفَةُ: إنِّي أوْصَيْتُ لِيَتِيمٍ لِي بِمِائَةٍ مِنَ (p-٤١٠)الإبِلِ كُنّا نُسَمِّيها: المُطَبِّيَّةُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا لا لا..! الصَّدَقَةُ خَمْسٌ، وإلّا فَعَشْرٌ، وإلّا فَخَمْسَ عَشْرَةَ، وإلّا فَعِشْرُونَ، وإلّا فَخَمْسٌ وعِشْرُونَ، وإلّا فَثَلاثُونَ، وإلّا فَخَمْسٌ وثَلاثُونَ، فَإنْ كَثُرَتْ فَأرْبَعُونَ»» ! وذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ. ثُمَّ أكَّدَ تَعالى الوُجُوبَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا﴾ - وكَذا قَوْلُهُ -: ﴿عَلى المُتَّقِينَ﴾ فَهو إلْهابٌ وتَهْيِيجٌ وتَذْكِيرٌ بِما أمامَهُ مِنَ القُدُومِ عَلى مَن يَسْألُهُ عَنِ النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ.

البقرة 2:181

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨١] ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ أيْ: فَمَن غَيَّرَ الإيصاءَ عَنْ وجْهِهِ، إنْ كانَ مُوافِقًا لِلشَّرْعِ، مِنَ الأوْصِياءِ والشُّهُودِ: ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ أيْ: بَعْدَ ما وصَلَ إلَيْهِ وتَحَقَّقَ لَدَيْهِ: ﴿فَإنَّما إثْمُهُ﴾ أيِ: التَّبْدِيلُ: ﴿عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ لِأنَّهم خانُوا وخالَفُوا حُكْمَ الشَّرْعِ، فَلا يَلْحَقُ المُوصِي مِنهُ شَيْءٌ، وقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْمُبَدِّلِينَ. هَذا، وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المَنهِيَّ عَنِ التَّبْدِيلِ إمّا الأوْصِياءُ أوِ الشُّهُودُ، هو المَشْهُورُ. وهُناكَ وجْهٌ آخَرُ - أراهُ أقْرَبُ - وهو أنْ يَكُونَ المَنهِيُّ عَنِ التَّغْيِيرِ هو المُوصِي، نُهِيَ عَنْ تَغْيِيرِ الوَصِيَّةِ عَنِ المَواضِعِ الَّتِي بَيَّنَ تَعالى الوَصِيَّةَ إلَيْها. وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوصُونَ لِلْأبْعَدِينَ الأجانِبِ، طَلَبًا لِلْفَخْرِ والشَّرَفِ. ويَتْرُكُونَ الأقارِبَ في الفَقْرِ والمَسْكَنَةِ والضُّرِّ، فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى الوَصِيَّةَ لِهَؤُلاءِ مَنعًا لِلْقَوْمِ عَمّا اعْتادُوهُ. كَذا قالَهُ الأصَمُّ.

البقرة 2:182

(p-٤١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨٢] ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ﴿فَمَن خافَ﴾ أيْ: تَوَقَّعَ وعَلِمَ، وهَذا في كَلامِهِمْ شائِعٌ، ويَقُولُونَ: أخافُ أنْ تُرْسِلَ السَّماءُ، يُرِيدُونَ: التَّوَقُّعَ والظَّنَّ الغالِبَ الجارِي مَجْرى العِلْمِ: ﴿مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ مَيْلًا عَنِ الحَقِّ، بِالخَطَأِ في الوَصِيَّةِ، والتَّصَرُّفِ فِيما لَيْسَ لَهُ: ﴿أوْ إثْمًا﴾ أيْ: مَيْلًا فِيها عَمْدًا: ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ المُوصى لَهم - وهُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ - بِإجْرائِهِمْ عَلى طَرِيقِ الشَّرْعِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بِأنْ يَأْمُرَهُ بِالعَدْلِ في وصِيَّتِهِ، وأنْ يَنْهاهم عَنْ مَنعِهِ فِيما أُذِنَ لَهُ فِيهِ وأُبِيحَ لَهُ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِهَذا التَّبْدِيلِ، لِأنَّ تَبْدِيلَهُ تَبْدِيلٌ باطِلٌ إلى حَقٍّ!: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: غَفُورٌ لِلْمُوصِي - فِيما كانَ حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الجَنَفِ والإثْمِ إذا تَرَكَ أنْ يَأْثَمَ ويَجْنَفَ في وصِيَّتِهِ - فَتَجاوَزَ لَهُ عَمّا كانَ حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الجَوْرِ إذْ لَمْ يَمْضِ ذَلِكَ، ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالمُصْلِحِ بَيْنَ الوَصِيِّ وبَيْنَ مَن أرادَ أنْ يَحِيفَ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ أوْ يَأْثَمَ فِيهِ لَهُ..!. تَنْبِيهٌ: ما أفادَتْهُ الآيَةُ مِن فَرْضِيَّةِ الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ. ذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أنَّهُ كانَ واجِبًا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ المَوارِيثِ. فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ نَسَخَتْ هَذِهِ، وصارَتِ المَوارِيثُ المُقَدَّرَةُ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، يَأْخُذُهُ أهْلُوها حَتْمًا مِن غَيْرِ وصِيَّةٍ، ولا تَحْمِلُ مِنَّةَ المُوصِي. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ - الَّذِي في السُّنَنِ وغَيْرِها - عَنْ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ وهو يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»» . (p-٤١٢)ونَصَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ عَلى أنَّ هَذا المَتْنَ مُتَواتِرٌ، فَقالَ: وجَدْنا أهْلَ الفُتْيا ومَن حَفِظْنا عَنْهم مِن أهْلِ العِلْمِ بِالمَغازِي مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ لا يَخْتَلِفُونَ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ عامَ الفَتْحِ: ««لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»» . ويَأْثِرُونَهُ عَمَّنْ حَفِظُوهُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقُوهُ مِن أهْلِ العِلْمِ، فَكانَ نَقْلَ كافَّةٍ عَنْ كافَّةٍ. فَهو أقْوى مِن نَقْلِ واحِدٍ. قالَ الإمامُ مالِكٌ في " المُوَطَّأِ ": السُّنَّةُ الثّابِتَةُ عِنْدَنا الَّتِي لا اخْتِلافَ فِيها: أنَّهُ لا تَجُوزُ وصِيَّةٌ لِوارِثٍ إلّا أنْ يُجِيزَ لَهُ ذَلِكَ ورَثَةُ المَيِّتِ. وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لا تُخالِفُ آيَةَ المَوارِيثِ. والمَعْنى: كَتَبَ عَلَيْكم ما أوْصاكم بِهِ مِن تَوْرِيثِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أوْ كُتِبَ عَلى المُحْتَضَرِ: أنْ يُوصِيَ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِتَوْفِيرِ ما أوْصى بِهِ اللَّهُ لَهم عَلَيْهِمْ، وأنْ لا يُنْقِصَ مِن أنْصِبائِهِمْ! فَلا مُنافاةَ بَيْنَ ثُبُوتِ المِيراثِ لِلْأقْرِباءِ، مَعَ ثُبُوتِ الوَصِيَّةِ بِالمِيراثِ عَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، والوَصِيَّةُ عَطِيَّةٌ مِمَّنْ حَضَرَهُ المَوْتُ. فالوارِثُ جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الوَصِيَّةِ والمِيراثِ بِحُكْمِ الآيَتَيْنِ. ولَوْ فُرِضَ المُنافاةُ، لَأمْكَنَ جَعْلُ آيَةِ المِيراثِ مُخَصَّصَةً لِهَذِهِ الآيَةِ. بِإبْقاءِ القَرِيبِ الَّذِي لا يَكُونُ وارِثًا لِأجْلِ صِلَةِ الرَّحِمِ. فَقَدْ أكَّدَ تَعالى الإحْسانَ إلى الأرْحامِ وذَوِي القُرْبى في غَيْرِ ما آيَةٍ، فَتَكُونُ الوَصِيَّةُ لِلْأقارِبِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ عَصَبَةً، أوْ ذَوِي رَحِمٍ مَفْرُوضَةٍ..! قالُوا: ونَسْخُ وُجُوبِها لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ الوارِثِينَ لا يَسْتَلْزِمُ نَسْخَ وُجُوبِها في غَيْرِهِمْ..!. ومِمّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ مِنَ السُّنَّةِ: خَبْرُ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: (p-٤١٣)قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلّا ووَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»» . قالَ ابْنُ عُمَرَ: ما مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا وعِنْدِي وصِيَّتِي..!. والآياتُ والأحادِيثُ - بِالأمْرِ بِبِرِّ الأقارِبِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ - كَثِيرَةٌ جِدًّا.. ظَهَرَ لِي في آيَةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] إلخ - وكانَ دَرْسُنا صَباحًا مِنَ البُخارِيِّ في كِتابِ " الوَصايا " - أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ مَنسُوخَةً - كَما قِيلَ - بَلْ هي مُحْكَمَةٌ بِطَرِيقَةٍ لا أدْرِي هَلْ أحَدٌ سَبَقَنِي بِها أمْ لا؟ فَإنِّي في تَفْسِيرِي المُسَمّى بِمَحاسِنِ التَّأْوِيلِ نَقَلْتُ هُناكَ مَذاهِبَ العُلَماءِ، ولا يَحْضُرُنِي الآنَ أنَّ ما سَأذْكُرُهُ مَأْثُورٌ أمْ لا؟ وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ آيَةِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] مُتَلاقِيَتانِ في المَعْنى، مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ بِالوَصِيَّةِ: وصِيَّةُ اللَّهِ في إيتاءِ ذَوِي الحُقُوقِ حُقُوقَهُمْ، وعَدَمُ الغَضِّ مِنها، والحَذَرُ مِن تَبْدِيلِها، لِما يَلْحَقُ المُبَدِّلَ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ..! وخُلاصَةُ المَعْنى عَلى ما ظَهَرَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٠] أيْ: فُرِضَ عَلَيْكم فَرْضًا مُؤَكَّدًا بِمَثابَةِ المَكْتُوبِ الَّذِي لا يُمْحى ولا يَعْتَوِرُهُ تَغْيِيرٌ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] أيْ: قُرْبَ نُزُولِهِ بِهِ، بِأنْ قَرُبَ مُفارَقَتُهُ الحَياةَ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] أيْ: مالًا يُورَثُ: الوَصِيَّةُ أيِ: المَعْهُودَةُ، وهي وصِيَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في إيتاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، عَلى ما بَيَّنَتْهُ تِلْكَ الآيَةُ: ﴿لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] أيْ: في إبْلاغِهِمْ فَرْضَهُمُ المُبَيَّنَ في آيَةِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فَإنَّهُ أجْمَعَ آيَةَ: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] تَأْكِيدٌ لِلْكِتابَةِ بِأنَّها أمْرٌ ثابِتٌ لا يَسُوغُ التَّسامُحُ فِيهِ بِوَجْهٍ ما: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] (p-٤١٤)أيْ: هَذا المَكْتُوبَ الحَقَّ: ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] أيْ: فَعَلِمَ الحَقَّ المَفْرُوضَ فِيهِ: ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١] أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن حالِ المُمْتَثِلِ والمُبَدِّلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ أيْ: مَيْلًا عَمّا فَرَضَهُ تَعالى: ﴿أوْ إثْمًا﴾ أيْ: بِقَطْعِ مَن يَسْتَحِقُّ عَنْ حَقِّهِ، لِما لا تَخْلُو عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الأنْفُسِ الَّتِي لَمْ يُدْرِكْها نُورُ التَّهْذِيبِ: ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بِأمْرٍ رَضِيَ بِهِ الكُلُّ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: لِأنَّ الصُّلْحَ جائِزٌ، إلّا صُلْحًا أحَلَّ حَرامًا أوْ حَرَّمَ حَلالًا، واللَّهُ أعْلَمُ.اهـ المَنقُولُ مِنَ الدَّفْتَرِ.

البقرة 2:183

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ أيْ - فُرِضَ -: ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ وهو الإمْساكُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ والوِقاعِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. واعْلَمْ أنَّ مَصالِحَ الصَّوْمِ لَمّا كانَتْ مَشْهُودَةً بِالعُقُولِ السَّلِيمَةِ، والفِطَرِ المُسْتَقِيمَةِ شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ رَحْمَةً لَهُمْ، وإحْسانًا إلَيْهِمْ، وحَمِيَّةً، وجُنَّةً..! فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الصِّيامِ: حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ، وفَطْمُها عَنِ المَأْلُوفاتِ، وتَعْدِيلُ قُوَّتِها الشَّهْوانِيَّةِ، لِتَسْعَدَ بِطَلَبِ ما فِيهِ غايَةُ سَعادَتِها ونَعِيمِها، وقَبُولِ ما تَزْكُوا بِهِ مِمّا فِيهِ حَياتُها الأبَدِيَّةُ..!. ويَكْسِرُ الجُوعُ والظَّمَأُ مِن حِدَّتِها وسَوْرَتِها، ويُذَكِّرُها بِحالِ الأكْبادِ الجائِعَةِ مِنَ المَساكِينِ... وتَضِيقُ مَجارِي الشَّيْطانِ مِنَ العَبْدِ بِتَضْيِيقِ مَجارِي الطَّعامِ والشَّرابِ، وحَبْسُ قُوى الأعْضاءِ عَنِ اسْتِرْسالِها لِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ فِيما يَضُرُّها في مَعاشِها ومَعادِها، ويُسَكِّنُ كُلَّ عُضْوٍ مِنها وكُلَّ قُوَّةٍ عَنْ جِماحِها، وتُلْجَمُ بِلِجامِهِ، فَهو لِجامُ المُتَّقِينَ، وجَنَّةُ المُجاهِدِينَ، ورِياضَةُ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ... وهو لِرَبِّ العالَمِينَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْمالِ، فَإنَّ الصّائِمَ لا يَفْعَلُ شَيْئًا، إنَّما تَرَكَ شَهْوَتَهُ وطَعامَهُ (p-٤١٥)وشَرابَهُ مِن أجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهو تَرْكُ مَحْبُوباتِ النَّفْسِ وتَلَذُّذاتِها؛ إيثارًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ، وهو سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ، ولا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِواهُ... والعِبادُ قَدْ يَطَّلِعُونَ مِنهُ عَلى تَرْكِ المُفْطِراتِ الظّاهِرَةِ. وأمّا كَوْنُهُ تَرَكَ طَعامَهُ وشَرابَهُ وشَهْوَتَهُ مِن أجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهو أمْرٌ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَشَرٌ. وذَلِكَ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ..! ولِلصَّوْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ في حِفْظِ الجَوارِحِ الظّاهِرَةِ، والقُوى الباطِنَةِ. وحَمِيَّتِها عَنِ التَّخْلِيطِ الجالِبِ لَها المَوادَّ الفاسِدَةَ، الَّتِي إذا اسْتَوْلَتْ عَلَيْها أفْسَدَتْها. واسْتِفْراغِ المَوادِّ الرِّدْيَةِ المانِعَةِ لَهُ مِن صِحَّتِها، فالصَّوْمُ يَحْفَظُ عَلى القَلْبِ والجَوارِحِ صِحَّتَها. ويُعِيدُ إلَيْها ما اسْتَلَبَتْهُ مِنها أيْدِي الشَّهَواتِ. فَهو مِن أكْبَرِ العَوْنِ عَلى التَّقْوى، كَما قالَ تَعالى في تَتِمَّةِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««الصَّوْمُ جُنَّةٌ»» . وأمَرَ مَنِ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النِّكاحِ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ بِالصِّيامِ، وجَعَلَهُ وِجاءَ هَذِهِ الشَّهْوَةِ. وكانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ أكْمَلَ الهَدْيِ، وأعْظَمَ (p-٤١٦)تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ، وأسْهَلَهُ عَلى النُّفُوسِ. ولَمّا كانَ فَطْمُ النَّفْسِ عَنْ مَأْلُوفاتِها وشَهَواتِها مِن أشَقِّ الأُمُورِ وأصْعَبِها، تَأخَّرَ فَرْضُهُ إلى وسَطِ الإسْلامِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ لَمّا تَوَطَّنَتِ النُّفُوسُ عَلى التَّوْحِيدِ والصَّلاةِ، وألَفِتْ أوامِرَ القُرْآنِ، فَنُقِلَتْ إلَيْهِ بِالتَّدْرِيجِ. وكانَ فَرْضُهُ السَّنَةَ الثّانِيَةَ مِنَ الهِجْرَةِ. فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَدْ صامَ تِسْعَةَ رَمَضاناتٍ. وفُرِضَ أوَّلًا عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. ثُمَّ نُقِلَ مِن ذَلِكَ التَّخْيِيرِ إلى تَحَتُّمِ الصَّوْمِ، وجُعِلَ الإطْعامُ لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ والمَرْأةِ - إذا لَمْ يُطِيقا الصِّيامَ - فَإنَّهُما يُفْطِرانِ ويُطْعِمانِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ - وكانَ لِلصَّوْمِ رُتَبٌ ثَلاثٌ: أحَدُها: إيجابُهُ بِوَصْفِ التَّخْيِيرِ. والثّانِيَةُ: تَحَتُّمُهُ، لَكِنْ كانَ الصّائِمُ إذا نامَ قَبْلَ أنْ يُطْعَمَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعامُ والشَّرابُ إلى اللَّيْلَةِ القابِلَةِ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالرُّتْبَةِ الثّالِثَةِ، وهي الَّتِي اسْتَقَرَّ عَلَيْها الشَّرْعُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ..! كَما أفادَهُ ابْنُ القَيِّمِ في زادِ المَعادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ، وتَرْغِيبٌ فِيهِ، وتَطْيِيبٌ لِأنْفُسِ المُخاطَبِينَ بِهِ، فَإنَّ الشّاقَّ إذا عَمَّ سَهُلَ عَمَلُهُ. والمُماثَلَةُ إنَّما هي في أصْلِ الوُجُوبِ لا في الوَقْتِ والمِقْدارِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّوْمَ عِبادَةٌ قَدِيمَةٌ. وفي التَّوْراةِ، سِفْرِ عَزْرا، الإصْحاحِ الثّانِي، ص ٧٥٠: (٢١) ونادَيْتُ هُناكَ بِصَوْمٍ عَلى نَهْرِ أهْوا، لِكَيْ نَتَذَلَّلَ أمامَ إلَهِنا لِنَطْلُبَ مِنهُ طَرِيقًا مُسْتَقِيمَةً لَنا ولِأطْفالِنا ولِكُلِّ مالِنا. وفِي سِفْرِ إشْعِياءَ، الإصْحاحُ الثّامِنُ والخَمْسُونَ ص ١٠٦٢: (٣) يَقُولُونَ: لِماذا صُمْنا ولَمْ نَنْظُرْ. ذَلَّلْنا أنْفُسَنا ولَمْ نُلاحِظْ. ها إنَّكم في يَوْمِ صَوْمِكم تُوجِدُونَ مَسَرَّةً وبِكُلِّ أشْغالِكم تُسَخَّرُونَ. (٤) ها إنَّكم لِلْخُصُومَةِ والنِّزاعِ تَصُومُونَ ولِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ الشَّرِّ. لَسْتُمْ تَصُومُونَ، كَما اليَوْمَ، لِتَسْمِيعِ صَوْتِكم في العَلاءِ. (٥) أمِثْلُ هَذا يَكُونُ صَوْمٌ أخْتارُهُ، يَوْمًا يُذَلِّلُ الإنْسانُ فِيهِ نَفْسَهُ، يُحْنِي كالأسَلَةِ رَأْسَهُ، ويَفْرُشُ تَحْتَهُ مِسْحًا ورَمادًا. هَلْ تُسَمِّي هَذا صَوْمًا ويَوْمًا مَقْبُولًا لِلرَّبِّ؟.. إلخ. (p-٤١٧)وفِي سِفْرِ يُوئِيلَ، الإصْحاحُ الأوَّلُ، ص ١٢٩٩: ١٤ * قَدِّسُوا صَوْمًا. وفِي الإصْحاحِ الثّانِي، ص ١٣٠٠: ١٢ * ولَكِنَّ الآنَ يَقُولُ الرَّبُّ: ارْجِعُوا إلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكم وبِالصَّوْمِ والبُكاءِ والنَّوْحِ. ١٣ * ومَزِّقُوا قُلُوبَكم لا ثِيابَكُمْ، وارْجِعُوا إلى الرَّبِّ إلَهِكم؛ لِأنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ بَطِيءُ الغَضَبِ وكَثِيرُ الرَّأْفَةِ... ١٥ *.. قَدِّسُوا صَوْمًا نادُوا بِاعْتِكافٍ. ١٦ * اجْمَعُوا الشَّعْبَ قَدِّسُوا الجَماعَةَ. وفِي سِفْرِ زَكَرِيّاءَ، الإصْحاحُ الثّامِنُ ص ١٣٤٧: ١٩ * هَكَذا قالَ رَبُّ الجُنُودِ: إنَّ صَوْمَ الشَّهْرِ الرّابِعِ وصَوْمَ الخامِسِ وصَوْمَ السّابِعِ وصَوْمَ العاشِرِ يَكُونُ لِبَيْتِ يَهُوذا ابْتِهاجًا وفَرَحًا وأعْيادًا طَيِّبَةً. فَأحِبُّوا الحَقَّ والسَّلامَ. وفِي إنْجِيلِ مَتّى، الإصْحاحُ السّادِسُ ص ١١: ١٧ * وأمّا أنْتَ فَمَتى صَمْتَ فادْهُنْ رَأْسَكَ واغْسِلْ وجْهَكَ. ١٨ * لِكَيْ لا تَظْهَرَ لِلنّاسِ صائِمًا، بَلْ لِأبِيكَ الَّذِي في الخَفاءِ. فَأبُوكَ الَّذِي يَرى في الخَفاءِ يُجازِيكَ عَلانِيَةً. الإصْحاحُ السّابِعَ عَشَرَ ص ٣٢: لَمّا رَأى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتًى وأخْرَجَ مِنهُ الشَّيْطانَ قالَ لِأصْحابِهِ: ٢١ * وأمّا هَذا الجِنْسُ فَلا يَخْرُجُ إلّا بِالصَّلاةِ والصَّوْمِ. وفِي الإصْحاحِ الرّابِعِ ص ٦: ٢ * فَبَعْدَ ما صامَ أرْبَعِينَ نَهارًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً جاعَ أخِيرًا أيِ: المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وفِي رِسالَةِ بُولِسَ الثّانِيَةِ إلى أهْلِ كُورَنْثُوسَ، الإصْحاحُ السّادِسُ ص ٢٩٥: ٤ * بَلْ في كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أنْفُسَنا كَخُدّامِ اللَّهِ في صَبْرٍ كَثِيرٍ، في شَدائِدَ، في ضَرُوراتٍ، في ضِيقاتٍ. ٥ * في ضَرَباتٍ، في سُجُونٍ، في اضْطِراباتٍ، في أتْعابٍ، في أسْهارٍ، في أصَوامٍ. (p-٤١٨)وفِي الإصْحاحِ الحادِي عَشَرَ ص ٣٠١: ٢٧ * في تَعَبٍ وكَدٍّ، في أسْهارٍ مِرارًا كَثِيرَةً، في جُوعٍ وعَطَشٍ، في أصْوامٍ مِرارًا كَثِيرَةً، في بَرْدٍ وعُرْيٍ. هَذا، ومَتى أُطْلِقَ الصَّوْمُ في كُلِّ شَرِيعَةٍ، فَلا يُقْصَدُ بِهِ إلّا الِامْتِناعُ عَنِ الأكْلِ كُلَّ النَّهارِ إلى المَساءِ، لا مُجَرَّدَ إبْدالِ طَعامٍ بِطَعامٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] أيْ: تَجْعَلُونَ بَيْنَكم وبَيْنَ سُخْطِهِ تَعالى وِقايَةً بِالمُسارَعَةِ إلَيْهِ، والمُواظَبَةِ عَلَيْهِ، رَجاءً لِرِضاهُ تَعالى؛ فَإنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ، فَيَقْمَعُ الهَوى، فَيَرْدَعُ عَنْ مُواقَعَةِ السُّوءِ.

البقرة 2:184

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨٤] ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ، وهي أيّامُ شَهْرِ رَمَضانَ، كَما بَيَّنَها تَعالى فِيما بَعْدُ، بِقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ أيْ: مَرَضًا يَضُرُّهُ الصَّوْمُ، أوْ يَعْسُرُ مَعَهُ. والمَرَضُ: السَّقَمُ، وهو نَقِيضُ الصِّحَّةِ واضْطِرابُ الطَّبِيعَةِ بَعْدَ صَفائِها واعْتِدالِها: ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ أيْ: فافْطُرْ: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صَوْمُ عِدَّةِ أيّامِ المَرَضِ والسَّفَرِ: ﴿مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ غَيْرِ المَعْدُوداتِ المَذْكُورَةِ. وإنَّما رَخَّصَ الفِطْرَ في حالِ المَرَضِ والسَّفَرِ لِما في ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ. وقَدْ سافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في رَمَضانَ في أعْظَمِ الغَزَواتِ وأجَلِّها: في غَزْوَةِ بَدْرٍ، (p-٤١٩)وغَزْوَةِ الفَتْحِ. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في رَمَضانَ غَزْوَتَيْنِ: يَوْمَ بَدْرٍ والفَتْحِ، فَأفْطَرْنا فِيهِما». تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: ثَبَتَ أنَّهُ ﷺ صامَ في السَّفَرِ وأفْطَرَ، كَما خَيَّرَ بَعْضَ الصَّحابَةِ بَيْنَ الصَّوْمِ والفِطْرِ. فَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ أسْفارِهِ في يَوْمٍ حارٍّ، حَتّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ، وما فِينا صائِمٌ إلّا ما كانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وابْنِ رَواحَةَ». وقَوْلُهُ: في بَعْضِ أسْفارِهِ: وقَعَ في إحْدى رِوايَتَيْ مُسْلِمٍ، بَدَلَهُ في شَهْرِ رَمَضانَ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سِرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو صائِمٌ». وفي رِوايَةٍ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ، فَلَمّا غابَتِ الشَّمْسُ قالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فاجْدَحْ لَنا..!» فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أمْسَيْتَ. قالَ: «انْزِلْ فاجْدَحْ لَنا» . قالَ: «إنَّ عَلَيْكَ نَهارًا» . فَنَزَلَ، فَجَدَحَ لَهُ، فَشَرِبَ، ثُمَّ قالَ: «إذا رَأيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِن هَهُنا - وأشارَ بِيَدِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ - فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ»» رَواهُ الشَّيْخانِ. واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (p-٤٢٠)وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ فَصامَ حَتّى بَلَغَ عُسْفانَ، ثُمَّ دَعا بِماءٍ فَرَفَعَهُ إلى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النّاسَ، فَأفْطَرَ حَتّى قَدِمَ مَكَّةَ، وذَلِكَ في رَمَضانَ. فَكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأفْطَرَ، فَمَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفْطَرَ». رَواهُ الشَّيْخانِ. واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ. وعَنْ قَزْعَةَ قالَ: «أتَيْتُ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فَسَألَتْهُ عَنِ الصَّوْمِ في السَّفَرِ، فَقالَ: سافَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى مَكَّةَ ونَحْنُ صِيامٌ، قالَ: فَنَزَلْنا مَنزِلًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّكم قَدْ دَنَوْتُمْ مِن عَدُوِّكُمْ، والفِطْرُ أقْوى لَكم» . فَكانَتْ رُخْصَةً، فَمِنّا مَن صامَ ومِنّا مَن أفْطَرَ. ثُمَّ نَزَلْنا مَنزِلًا آخَرَ فَقالَ: «إنَّكم مُصَبِّحُو عَدُوِّكم والفِطْرُ أقْوى لَكم فَأفْطِرُوا» . وكانَتْ عَزْمَةً فَأفْطَرْنا. ثُمَّ قالَ لَقَدْ رَأيْتُنا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ في السَّفَرِ،» رَواهُ مُسْلِمٌ. وعَنْ عائِشَةَ: «أنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأسْلَمِيَّ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أأصُومُ في السَّفَرِ؟ - وكانَ كَثِيرَ الصِّيامِ - فَقالَ: «إنْ شِئْتَ فَصُمْ وإنْ شِئْتَ فَأفْطِرْ»» . رَواهُ البُخارِيُّ. ورَواهُ مُسْلِمٌ مِن طَرِيقٍ آخَرَ، أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أجِدُ بِي قُوَّةً عَلى الصِّيامِ في السَّفَرِ (p-٤٢١)فَهَلْ عَلَيَّ جُناحٌ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هي رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَن أخَذَ بِها فَحَسَنٌ، ومَن أحَبَّ أنْ يَصُومَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ»» . وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا نُسافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ يَعِبِ الصّائِمَ عَلى المُفْطِرِ ولا المُفْطِرِ عَلى الصّائِمِ». رَواهُ الشَّيْخانِ. الثّانِي: لا يَخْفى أنَّ جَوازَ الصَّوْمِ لِلْمُسافِرِ إذا أطاقَهُ بِلا ضَرَرٍ. وأمّا إذا شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَلا رَيْبَ في كَراهَتِهِ، لِما في الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ، فَرَأى زِحامًا، ورَجُلٍ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقالَ: «ما هَذا؟» فَقالُوا: صائِمٌ، فَقالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ»» . فَلا يُنافِي هَذا ما تَقَدَّمَ، كَما لا يَرِدُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لِأنَّ السِّياقَ والقَرائِنَ تَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِهِ بِمَن شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ. وما تَقَدَّمَ في غَيْرِهِ. قالَ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ: ويَنْبَغِي أنْ يُتَنَبَّهَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ دَلالَةِ السَّبَبِ والسِّياقِ والقَرائِنِ عَلى تَخْصِيصِ العامِّ، وعَلى مُرادِ المُتَكَلِّمِ؛ وبَيْنَ مُجَرَّدِ العامِّ عَلى سَبَبٍ. فَإنَّ بَيْنَ المَقامَيْنِ فَرْقًا واضِحًا. ومَن أجْراهُما مَجْرًى واحِدًا لَمْ يُصِبْ. فَإنَّ مُجَرَّدَ وُرُودِ العامِّ عَلى سَبَبٍ لا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِهِ، كَنُزُولِ آيَةِ السَّرِقَةِ في قِصَّةِ رِداءِ صَفْوانَ. وأمّا السِّياقُ والقَرائِنُ الدّالَّةُ عَلى مُرادِ المُتَكَلِّمِ فَهي المُرْشِدَةُ إلى بَيانِ المُجْمِلاتِ، كَما في هَذا الحَدِيثِ. انْتَهى. وهو اسْتِنْباطٌ جَيِّدٌ. وبِالجُمْلَةِ: فالمَرِيضُ والمُسافِرُ يُباحُ لَهُما الفِطْرُ. فَإنْ صاما صَحَّ، فَإنَّ تَضَرَّرا، كُرِهَ..!. (p-٤٢٢)الثّالِثُ: لَمْ يَكُنْ مِن هَدْيِهِ ﷺ تَقْدِيرُ المَسافَةِ الَّتِي يُفْطِرُ فِيهِ الصّائِمُ بِحَدٍّ، ولا صَحَّ عَنْهُ في ذَلِكَ شَيْءٌ. وقَدْ أفْطَرَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ في سَفَرِ ثَلاثَةِ أمْيالٍ، وقالَ لِمَن صامَ: قَدْ رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ مُحَمَّدٍ ﷺ..!. وكانَ الصَّحابَةُ حِينَ يُنْشِئُونَ السَّفَرَ يُفْطِرُونَ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مُجاوَزَةِ البُيُوتِ، ويُخْبِرُونَ أنَّ ذَلِكَ سُنَّتُهُ وهَدْيُهُ ﷺ. كَما قالَ عُبَيْدُ بْنُ جَبْرٍ: «رَكِبْتُ مَعَ أبِي بَصْرَةَ الغِفارِيِّ صاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفِينَةٍ مِنَ الفُسْطاطِ في رَمَضانَ، فَلَمْ نُجاوِزِ البُيُوتَ حَتّى دَعا بِالسُّفْرَةِ. قالَ: اقْتَرِبْ، قُلْتُ: ألَسْتَ تَرى البُيُوتَ؟ قالَ أبُو بَصْرَةَ: أتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟» رَواهُ أبُو داوُدَ وأحْمَدُ. ولَفْظُ أحْمَدَ: «رَكِبْتُ مَعَ أبِي بَصْرَةَ مِنَ الفُسْطاطِ إلى الإسْكَنْدَرِيَّةِ في سَفِينَةٍ، فَلَمّا دَفَعْنا مِن مَرْسانا أمَرَ بِسُفْرَتِهِ فَقُرِّبَتْ، ثُمَّ دَعانِي إلى الغَداءِ. وذَلِكَ في رَمَضانَ، فَقُلْتُ: يا أبا بَصْرَةَ! واللَّهِ ما تَغَيَّبَتْ عَنّا مَنازِلُنا بَعْدُ؟! فَقالَ: أتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقُلْتُ: لا! قالَ: فَلَمْ نَزَلْ مُفْطِرِينَ حَتّى بَلَغْنا ماحَوِزَنا، قِيلَ: أيْ: مَوْضِعُهُمُ الَّذِي أرادُوهُ». وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: «أتَيْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ في رَمَضانَ - وهو يُرِيدُ السَّفَرَ - وقَدْ رُحِلَتْ راحِلَتُهُ، وقَدْ لَبِسَ ثِيابَ السَّفَرِ، فَدَعا بِطَعامٍ فَأكَلَ. فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟ قالَ: سُنَّةٌ. ثُمَّ رَكِبَ». قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ فِيهِ: فَأكَلَ وقَدْ تَقارَبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ..!. وهَذِهِ الآثارُ صَرِيحَةٌ أنَّ مَن أنْشَأ السَّفَرَ في أثْناءِ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ فَلَهُ الفِطْرُ فِيهِ. قالَهُ في " زادِ المَعادِ ". ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أيِ: الصَّوْمَ، إنْ أفْطَرُوا: ﴿فِدْيَةٌ﴾ أيْ: إعْطاءُ فِدْيَةٍ وهِيَ: ﴿طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ و" الفِدْيَةُ ": ما يَقِي الإنْسانُ بِهِ نَفْسَهُ مِن مالٍ يَبْذُلُهُ في عِبادَةٍ يُقَصِّرُ فِيها، و" الطَّعامُ ": ما يُؤْكَلُ وما بِهِ قِوامُ البَدَنِ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ بِأنْ أطْعَمَ أكْثَرَ (p-٤٢٣)مِن مِسْكِينٍ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ لِأنَّهُ فَعَلَ ما يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ حُبِّهِ لِرَبِّهِ: ﴿وأنْ تَصُومُوا﴾ أيُّها المُطِيقُونَ: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الفِدْيَةِ وإنْ زادَتْ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: فَضِيلَةَ الصَّوْمِ وفَوائِدَهُ، أوْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ. وقَدْ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِما بَعْدَها. فَإنَّهُ كانَ في بَدْءِ الإسْلامِ فُرِضَ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ ولَمْ يَتَعَوَّدُوهُ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَرُخِّصَ لَهم في الإفْطارِ والفِدْيَةِ، كَما رَوى مُسْلِمٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ كانَ مَن أرادَ أنْ يُفْطِرَ ويَفْتَدِيَ، حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ بَعْدَها فَنَسَخَتْها. وأسْنَدَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ سَلَمَةَ أيْضًا قالَ: «كُنّا في رَمَضانَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفْطَرَ فافْتَدى بِطَعامٍ مِسْكِينٍ، حَتّى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]» . وفي البُخارِيِّ. قالَ ابْنُ عُمَرَ وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ: نَسَخَتْها: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآيَةَ. ثُمَّ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى: «حَدَّثَنا أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ: نَزَلَ رَمَضانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكانَ مَن أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، ورُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ، فَنُسِخَتْ وأُمِرُوا بِالصَّوْمِ». ثُمَّ أسْنَدَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: هي مَنسُوخَةٌ. هَذا، وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في " التَّفْسِيرِ ": عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، هو الشَّيْخُ الكَبِيرُ والمَرْأةُ الكَبِيرَةُ لا يَسْتَطِيعانِ أنْ يَصُوما، فَلْيُطْعِمانِ مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. (p-٤٢٤)هَذا، وقَدْ ذَكَرَ البُخارِيُّ في " التَّفْسِيرِ ": أنَّ أنَسَ بْنَ مالِكٍ أطْعَمَ - بَعْدَ ما كَبُرَ - عامًا أوْ عامَيْنِ، كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، خُبْزًا ولَحْمًا، وأفْطَرَ. رَواهُ تَعْلِيقًا، ووَصَلَهُ أبُو يَعْلى المُوصِلِيُّ في " مُسْنَدِهِ " ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في " مُسْنَدِهِ " مِن حَدِيثِ سِتَّةٍ مِن أصْحابِ أنَسٍ عَنْ أنَسٍ، بِمَعْناهُ ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ هِشامٍ في فَوائِدِهِ عَنْ حُمَيْدٍ قالَ: ضَعُفَ أنَسٌ عَنِ الصَّوْمِ عامَ تُوُفِّيَ، فَسَألْتُ ابْنَهُ عُمَرَ بْنَ أنَسٍ: أطاقَ الصَّوْمَ؟ قالَ: لا..! فَلَمّا عَرَفَ أنَّهُ لا يُطِيقُ القَضاءَ أمَرَ بِجِفانٍ مِن خُبْزٍ ولَحْمٍ فَأطْعَمَ العُدَّةَ أوْ أكْثَرَ...!. ولَمّا أُبْهِمَ الأمْرُ في الأيّامِ عُيِّنَتْ هُنا بِقَوْلِهِ تَعالى:

البقرة 2:185

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨٥] ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ . ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ أفْخَمُ وآكَدُ مِن تَعْيِينِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ. وقالَ الرّاغِبُ: جُعِلَ مَعالِمُ فَرْضِهِ عَلى الأهِلَّةِ لِيُبادِرَ الإنْسانُ بِهِ في كُلِّ وقْتٍ مِن أوْقاتِ السَّنَةِ، كَما يَدُورُ الشَّهْرُ فِيهِ مِنَ الصَّيْفِ والشِّتاءِ والرَّبِيعَيْنِ. وفِي رَفْعِ: ﴿شَهْرُ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي شَهْرٌ، يَعْنِي الأيّامَ المَعْدُوداتِ. فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أُنْـزِلَ﴾ نَعْتًا لِلشَّهْرِ أوْ لِرَمَضانَ. والثّانِي: (p-٤٢٥)هُوَ مُبْتَدَأٌ. ثُمَّ في الخَبَرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ﴿الَّذِي أُنْـزِلَ﴾ والثّانِي: إنَّ: ﴿الَّذِي أُنْـزِلَ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرَ هو الجُمْلَةُ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ﴾ فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ خَبَرًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الفاءُ لَأنَّ شَهْرَ رَمَضانَ لا يُشْبِهُ الشَّرْطَ؟!. قِيلَ: الفاءُ - عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ - زائِدَةٌ. وعَلى قَوْلِ غَيْرِهِ: لَيْسَتْ زائِدَةً، وإنَّما دَخَلَتْ لِأنَّكَ وصَفْتَ الشَّهْرَ بِـ: (الَّذِي)، فَدَخَلَتِ الفاءُ كَما تَدْخُلُ في خَبَرِ نَفْسِ الَّذِي. ومِثْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] فَإنْ قِيلَ: فَأيْنَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ؟ قِيلَ: وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَهُ تَفْخِيمًا، أيْ: فَمِن شَهِدَهُ مِنكم. كَذا في العُكْبُرِيِّ. ﴿الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ أيِ: ابْتَدَأ فِيهِ إنْزالُهُ، وكانَ ذَلِكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ. قالَ الرّازِيُّ: لِأنَّ مَبادِي المِلَلِ والدُّوَلِ هي الَّتِي يُؤَرَّخُ بِها، لِكَوْنِها أشْرَفَ الأوْقاتِ، ولِأنَّها أيْضًا أوْقاتٌ مَضْبُوطَةٌ مَعْلُومَةٌ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَعْناهُ: أُنْزِلَ في فَضْلِهِ القُرْآنُ. وهَذا اخْتِيارُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ. قالَ: ومِثْلُهُ أنْ يُقالَ: أنْزَلَ اللَّهُ في الصِّدِّيقِ كَذا آيَةٍ، يُرِيدُونَ: في فَضْلِهِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أُنْزِلَ - في إيجابِ صَوْمِهِ عَلى الخَلْقِ - القُرْآنُ، كَما يُقالُ: أنْزَلَ اللَّهُ في الزَّكاةِ كَذا وكَذا، يُرِيدُ في إيجابِها، وأنْزَلَ في الخَمْرِ كَذا يُرِيدُ في تَحْرِيمِها. واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ الحَرالِيُّ: أشْعَرَتِ الآيَةُ أنَّ في الصَّوْمِ حُسْنَ تَلَقٍّ لِمَعْناهُ، ويُسْرًا لِتِلاوَتِهِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ صَوْمِ النَّهارِ وتَهَجُّدِ اللَّيْلِ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ القُرْءِ وهو ما جَمَعَ الكُتُبَ والصُّحُفَ والألْواحَ. انْتَهى. (p-٤٢٦)وفِي مَدْحِهِ - بِإنْزالِهِ فِيهِ - مَدْحٌ لِلْقُرْآنِ بِهِ، مِن حَيْثُ أشْعَرَ أنَّ مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ تَصْفِيَةَ الفِكْرِ لِأجْلِ فَهْمِ القُرْآنِ، لِيُوقَفَ عَلى حَقِيقَةِ ما اتَّبَعَ هَذا بِهِ مِن أوْصافِهِ الَّتِي قَرَّرَتْ ما افْتَتَحَتْ بِهِ السُّورَةُ، مِن أنَّهُ لا رَيْبَ فِيهِ، وأنَّهُ هُدًى عَلى وجْهٍ أعَمَّ مِن ذَلِكَ الأوَّلِ. فَقالَ تَعالى: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ ﴿وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ عُطِفَ عَلى الحالِ قَبْلَهُ. فَهي حالٌ أيْضًا. والظَّرْفُ صِفَةٌ. أيْ: أُنْزِلَ حالَ كَوْنِهِ هِدايَةً لِلنّاسِ، وآياتٍ واضِحَةً مُرْشِدَةً إلى الحَقِّ، فارِقَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ. ولِدَفْعِ سُؤالِ التَّكْرارِ في قَوْلِهِ: ﴿وبَيِّناتٍ﴾ إلخ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ حَمَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ﴿الهُدى﴾ الأوَّلَ بِواسِطَةِ النَّكِرَةِ عَلى الهُدى الَّذِي لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ المُخْتَصُّ بِالقُرْآنِ، أعَنِي هِدايَتَهُ بِإعْجازِهِ. والثّانِي عَلى الهُدى الحاصِلِ بِاشْتِمالِهِ عَلى الواضِحاتِ مِن أمْرِ الدِّينِ، والفَرْقانِ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ والأحْكامِ والحُدُودِ والخُرُوجِ مِنَ الشُّبَهاتِ. وثَمَّتَ وجْهٍ آخَرَ نَقَلَهُ الرّازِيُّ: وهو أنَّ: ﴿الهُدى﴾ الثّانِي المُرادُ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَ تَعالى: ﴿نَـزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْـزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْـزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ القُرْآنَ - مَعَ كَوْنِهِ هُدًى في نَفْسِهِ - فَفِيهِ أيْضًا هُدًى مِنَ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي هُدًى وفُرْقانٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هَذا إيجابٌ حَتْمٌ عَلى مَن شَهِدَ اسْتِهْلالَ الشَّهْرِ - أيْ: حَضَرَ فِيهِ بِأنْ كانَ مُقِيمًا في البَلَدِ حِينَ دَخَلَ شَهْرُ رَمَضانَ، وهو صَحِيحٌ في بَدَنِهِ - أنْ يَصُومَ لا مَحالَةَ. ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْظِيمِ والمُبالَغَةِ في البَيانِ. ثُمَّ أُعِيدَ ذِكْرُ الرُّخْصَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الصَّوْمِ في نَفْسِهِ وأنَّهُ خَيْرٌ، أنَّ الصَّوْمَ حَتْمٌ لا تَتَناوَلُهُ الرُّخْصَةُ بِوَجْهٍ، أوْ (p-٤٢٧)تَتَناوَلُهُ ولَكِنَّها مَفْضُولَةٌ. وفِيهِ عِنايَةٌ بِأمْرِ الرُّخْصَةِ، وأنَّها مَحْبُوبَةٌ لَهُ تَعالى كَما ورَدَ. وفي إطْلاقِهِ، إشْعارٌ بِصِحَّةِ وُقُوعِ القَضاءِ مُتَتابِعًا وغَيْرَ مُتَتابِعٍ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ أيْ: تَشْرِيعَ السُّهُولَةِ بِالتَّرْخِيصِ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ، وبِقَصْرِ الصَّوْمِ عَلى شَهْرٍ: ﴿ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ في جَعْلِهِ عَزِيمَةً عَلى الكُلِّ وزِيادَتِهِ عَلى شَهْرٍ. قالَ الحَرالِيُّ: اليُسْرُ: عَمَلٌ لا يُجْهِدُ النَّفْسَ ولا يُثْقِلُ الجِسْمَ. والعُسْرُ: ما يُجْهِدُ النَّفْسَ ويَضُرُّ الجِسْمَ. قالَ الشَّعْبِيُّ: إذا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ أمْرانِ، فَإنَّ أيْسَرَهُما أقْرَبُهُما إلى الحَقِّ، لِهَذِهِ الآيَةِ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ مَرْفُوعًا: ««إنَّ خَيْرَ دِينِكم أيْسَرُهُ، إنَّ خَيْرَ دِينِكم أيْسَرُهُ»» . ورَوى أيْضًا: ««إنَّ دِينَ اللَّهِ في يُسْرٍ. ثَلاثًا»» . وفِي الصَّحِيحَيْنِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ قالَ لِمُعاذٍ وأبِي مُوسى، حِينَ بَعَثَهُما إلى اليَمَنِ: «يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، وتَطاوَعا ولا تَخْتَلِفا»» . وفِي السُّنَنِ والمَسانِيدِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ»» . أيِ الَّتِي (p-٤٢٨)لا إصْرَ فِيها ولا حَرَجَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عَلَّلَ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ بِما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ. ولِهَذِهِ الأُمُورِ شَرَعَ ذَلِكَ. يَعْنِي جُمْلَةَ ما ذَكَرَ مِن أمْرِ الشّاهِدِ بِصَوْمِ الشَّهْرِ، وأمْرِ المُرَخَّصِ لَهُ بِمُراعاةِ عِدَّةِ ما أفْطَرَ فِيهِ، ومِنَ التَّرْخِيصِ في إباحَةِ الفِطْرِ. فَقَوْلُهُ: {لِتُكْمِلُوا } عِلَّةُ الأمْرِ بِمُراعاةِ العِدَّةِ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا﴾ عِلَّةُ ما عَلَّمَ مِن كَيْفِيَّةِ القَضاءِ، والخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الفِطْرِ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عِلَّةُ التَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ. وهَذا نَوْعٌ مِنَ اللَّفِّ لَطِيفُ المَسْلَكِ، لا يَكادُ يَهْتَدِي إلى تَبَيُّنِهِ إلّا النَّقّابُ المُحْدَثُ مِن عُلَماءِ البَيانِ!. وإنَّما عُدِّيَ فِعْلُ التَّكْبِيرِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ لِكَوْنِهِ مُضَمَّنًا مَعْنى الحَمْدِ. كَأنَّهُ قِيلَ: (p-٤٢٩)ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ حامِدِينَ عَلى ما هَداكم. ومَعْنى: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ وإرادَةُ أنْ تَشْكُرُوا. ويَجُوزُ عَطْفُها عَلى اليُسْرِ، أيْ: يُرِيدُ بِكم لِتُكْمِلُوا... إلخ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصف: ٨] إلخ. والمُرادُ بِالتَّكْبِيرِ: تَعْظِيمُهُ تَعالى والثَّناءُ عَلَيْهِ. كَذا أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ الحَرالِيُّ: وفي لَفْظِ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ إشْعارٌ لِما أظْهَرَتْهُ السُّنَّةُ مِن صَلاةِ العِيدِ، وأُعْلِنَ فِيها بِالتَّكْبِيرِ. وكُرِّرَ مَعَ الجَهْرِ فِيها لِمَقْصِدِ مُوافَقَةِ مَعْنى التَّكْبِيرِ الَّذِي إنَّما يَكُونُ عَلَنًا. وجُعِلَتْ في بَراحٍ مِن مُتَّسَعِ الأرْضِ لِمَقْصِدِ التَّكْبِيرِ، لِأنَّ تَكْبِيرَ اللَّهِ إنَّما هو بِما جَلَّ مِن مَخْلُوقاتِهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: ولِتَذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ انْقِضاءِ عِبادَتِكُمْ، كَما قالَ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] وقالَ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] وقالَ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] ولِهَذا جاءَتِ السُّنَّةُ بِاسْتِحْبابِ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ بَعْدَ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ. (p-٤٣٠)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «ما كُنّا نَعْرِفُ انْقِضاءَ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا بِالتَّكْبِيرِ». ولِهَذا أخَذَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ مَشْرُوعِيَّةَ التَّكْبِيرِ في عِيدِ الفِطْرِ مِن هَذِهِ الآيَةِ. حَتّى ذَهَبَ داوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الأصْبَهانِيُّ الظّاهِرِيُّ إلى وُجُوبِهِ في عِيدِ الفِطْرِ، لِظاهِرِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ وفي مُقابَلَتِهِ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ لا يَشْرَعُ التَّكْبِيرُ في عِيدِ الفِطْرِ. والباقُونَ عَلى اسْتِحْبابِهِ. انْتَهى. وفِي " زَوائِدِ المِشْكاةِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ إذا غَدا يَوْمَ الأضْحى ويَوْمَ الفِطْرُ يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ حَتّى يَأْتِيَ المُصَلّى. ثُمَّ يُكَبِّرُ حَتّى يَأْتِيَ الإمامُ. وفي رِوايَةٍ: رَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ. وعَنْ نافِعٍ أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يَغْدُو إلى المُصَلّى يَوْمَ الفِطْرِ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَيُكَبِّرُ حَتّى يَأْتِيَ المُصَلّى، ثُمَّ يَكْبُرُ بِالمُصَلّى حَتّى إذا جَلَسَ الإمامُ تَرَكَ التَّكْبِيرَ. رَواهُ الشّافِعِيُّ. قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الرّافِعِيِّ: حَدِيثُ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطَرِ والأضْحى رافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ حَتّى يَأْتِيَ المُصَلّى،» رَواهُ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِن طُرُقٍ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا، وصَحَّحَ وقْفَهُ. ورَواهُ الشّافِعِيُّ مَوْقُوفًا أيْضًا. وفِي الأوْسَطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «زَيِّنُوا أعْيادَكم بِالتَّكْبِيرِ». إسْنادُهُ غَرِيبٌ. انْتَهى. وفائِدَةُ طَلَبِ الشُّكْرِ في هَذا المَوْضِعِ، هو أنَّهُ تَعالى، لَمّا أمَرَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو لا يَتِمُّ إلّا بِأنْ يَعْلَمَ العَبْدُ جَلالَ اللَّهِ وكِبْرِياءَهُ وعِزَّتَهُ وعَظَمَتَهُ، وكَوْنَهُ أكْبَرَ مِن أنْ تَصِلَ إلَيْهِ عُقُولُ العُقَلاءِ، وأوْصافُ الواصِفِينَ، وذِكْرُ الذّاكِرِينَ. ثُمَّ يَعْلَمُ أنَّهُ سُبْحانَهُ - مَعَ جَلالِهِ وعِزَّتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، فَضْلًا عَنْ هَذا المِسْكِينِ - خَصَّهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الهِدايَةِ العَظِيمَةِ - لا بُدَّ وأنْ يَصْبِرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْعَبْدِ إلى الِاشْتِغالِ بِشُكْرِهِ، والمُواظَبَةِ عَلى الثَّناءِ عَلَيْهِ بِمِقْدارِ قُدْرَتِهِ وطاقَتِهِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أفادَهُ الرّازِيُّ.

البقرة 2:186

(p-٤٣١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨٦] ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ . ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ قالَ الرّاغِبُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن تَمامِ الآيَةِ الأُولى. لِأنَّهُ لَمّا حَثَّ عَلى تَكْبِيرِهِ وشُكْرِهِ عَلى ما قَيَّضَهُ لَهم مِن تَمامِ الصَّوْمِ، بَيَّنَ أنَّ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ ويَشْكُرُونَهُ قَرِيبٌ مِنهُمْ، ومُجِيبٌ لَهم إذا دَعَوْهُ، ثُمَّ تَمَّمَ ما بَقِيَ مِن أحْكامِ الصَّوْمِ. قالَ الرّازِيُّ: إنَّ السُّؤالَ مَتى كانَ مُبْهَمًا، والجَوابَ مُفَصَّلًا، دَلَّ الجَوابُ عَلى أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ المُبْهَمِ هو ذَلِكَ المُعَيَّنُ. فَلَمّا قالَ في الجَوابِ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ عَلِمْنا أنَّ السُّؤالَ كانَ عَنِ القُرْبِ والبُعْدِ بِحَسْبِ الذّاتِ، أيْ: كَما صَرَّحَتْ بِهِ الرِّوايَةُ السّابِقَةُ. والقَرِيبُ مِن أسْمائِهِ تَعالى الحُسْنى. ومَعْناهُ القَرِيبُ مِن عَبْدِهِ بِسَماعِهِ دُعاءَهُ، ورُؤْيَتِهِ تَضَرُّعَهُ، وعِلْمِهِ بِهِ، كَما قالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وقالَ: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقالَ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] (p-٤٣٢)قالَ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، في عَقِيدَتِهِ الواسِطِيَّةِ: ودَخَلَ - فِيما ذَكَرْناهُ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ - الإيمانُ بِما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ، وتَواتَرَ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ، وأجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ. مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ، عَلِيٌّ عَلى خَلْقِهِ. وهو مَعَهم سُبْحانَهُ أيْنَما كانُوا. يَعْلَمُ ما هم عامِلُونَ. كَما جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] ولَيْسَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] أنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالخَلْقِ، فَإنَّ هَذا لا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ. وهو خِلافُ ما أجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، وخِلافُ ما فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الخَلْقَ. بَلِ القَمَرُ - آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ - مِن أصْغَرِ مَخْلُوقاتِهِ، وهو مَوْضُوعٌ في السَّماءِ، وهو مَعَ المُسافِرِ أيْنَما كانَ. وهو سُبْحانُهُ فَوْقَ العَرْشِ رَقِيبٌ عَلى خَلْقِهِ، مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ، مُطَّلِعٌ إلَيْهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعانِي رُبُوبِيَّتِهِ، وكُلُّ هَذا الكَلامِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ مِن أنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ، وأنَّهُ مَعَنا - حَقٌّ عَلى حَقِيقَتِهِ لا يَحْتاجُ إلى تَحْرِيفٍ، ولَكِنْ يُصانُ عَنِ الظُّنُونِ الكاذِبَةِ. ودَخَلَ في ذَلِكَ: الإيمانُ بِأنَّهُ قَرِيبٌ مِن خَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ الآيَةَ. وفي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ»» . وما ذُكِرَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ - مِن قُرْبِهِ ومَعِيَّتِهِ - لا يُنافِي ما ذُكِرَ مِن عُلُوِّهِ وفَوْقِيَّتِهِ..! فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (p-٤٣٣)فِي جَمِيعِ نُعُوتِهِ. وهو عَلِيٌّ في دُنُوِّهِ، قَرِيبٌ في عُلُوِّهِ...!. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْقُرْبِ وتَحْقِيقٌ لَهُ، ووَعْدٌ لِلدّاعِي بِالإجابَةِ. وقَدْ قُرِئَ في السَّبْعِ بِإثْباتِ الياءِ في الدّاعِ ودَعانِ في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ، وبِالحَذْفِ مُطْلَقًا. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: في مَعْنى الدُّعاءِ. قالَ في القامُوسِ وشَرْحِهِ: الدُّعاءُ: الرَّغْبَةُ إلى اللَّهِ تَعالى فِيما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ، والِابْتِهالِ إلَيْهِ بِالسُّؤالِ، ويُطْلَقُ عَلى العِبادَةِ والِاسْتِغاثَةِ. الثّانِي: فِيما فُسِّرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ قالَ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ " في هَدْيِهِ ﷺ في سُجُودِهِ ما نَصُّهُ: وأمَرَ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ بِالدُّعاءِ في السُّجُودِ، وقالَ: إنَّهُ قَمِنٌ أنْ يُسْتَجابَ لَكم. وهَلْ هَذا أمْرٌ بِأنْ يَكْثُرَ الدُّعاءُ في السُّجُودِ؟ أوْ أمْرٌ بِأنَّ الدّاعِيَ إذا دَعا في مَحَلٍّ فَلْيَكُنْ في السُّجُودِ؟ وفُرِّقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.! وأحْسَنُ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ الحَدِيثُ، أنَّ الدُّعاءَ نَوْعانِ: دُعاءُ ثَناءٍ، ودُعاءُ مَسْألَةٍ. والنَّبِيُّ ﷺ كانَ يُكْثِرُ في سُجُودِهِ مِنَ النَّوْعَيْنِ. والدُّعاءُ الَّذِي أمَرَ بِهِ في السُّجُودِ يَتَناوَلُ النَّوْعَيْنِ. والِاسْتِجابَةُ - أيْضًا - نَوْعانِ: اسْتِجابَةُ دُعاءِ الطّالِبِ بِإعْطائِهِ سُؤالَهُ، (p-٤٣٤)واسْتِجابَةِ دُعاءِ المُثْنِي بِالثَّوابِ. وبِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النَّوْعَيْنِ فُسِرَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ والصَّحِيحُ أنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ. انْتَهى. الثّالِثُ: فِيمَن هو الدّاعِي المُجابُ: قالَ الرّاغِبُ: بَيَّنَ تَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ - إفْضالَهُ عَلى عِبادِهِ، وضَمِنَ أنَّهم إذا دَعَوْهُ أجابَهُمْ، وعَلَيْهِ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] إنْ قِيلَ: قَدْ ضَمِنَ في الآيَتَيْنِ أنَّ مَن دَعاهُ أجابَهُ، وكَمْ رَأيْنا مِن داعٍ لَهُ لَمْ يُجِبْهُ؟! قِيلَ: إنَّهُ ضَمِنَ الإجابَةَ لِعِبادِهِ، ولَمْ يُرِدْ بِالعِبادِ مَن ذَكَرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] وإنَّما عَنى بِهِ المَوْصُوفِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣] الآياتِ. ولِلدُّعاءِ المُجابِ شَرائِطُ وهِيَ: أنْ يَدْعُوَ بِأحْسَنِ الأسْماءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] ويُخْلِصُ النِّيَّةَ، ويُظْهِرُ الِافْتِقارَ، ولا يَدْعُو بِإثْمٍ، ولا بِما يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى مُعاداتِهِ. وأنْ يَعْلَمَ أنَّ نِعْمَتَهُ فِيما يَمْنَعُهُ مِن دُنْياهُ كَنِعْمَتِهِ فِيما خَوَّلَهُ وأعْطاهُ. ومَعْلُومٌ أنَّ مَن هَذا حالُهُ فَمُجابُ الدَّعْوَةِ..! وقالَ ابْنُ القَيِّمِ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، أيْضًا في أوَّلِ كِتابِهِ: " الجَوابِ الكافِي لِمَن سَألَ عَنِ الدَّواءِ (p-٤٣٥)الشّافِي " ما نَصُّهُ، بَعْدَ جُمَلٍ: وكَذَلِكَ الدُّعاءُ، فَإنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ في دَفْعِ المَكْرُوهِ وحُصُولِ المَطْلُوبِ. ولَكِنْ قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ أثَرُهُ، إمّا لِضَعْفِهِ في نَفْسِهِ، بِأنْ يَكُونَ دُعاءً لا يُحِبُّهُ اللَّهُ لِما فِيهِ مِنَ العُدْوانِ. وإمّا لِضَعْفِ القَلْبِ وعَدَمِ إقْبالِهِ عَلى اللَّهِ وجَمْعِيَّتِهِ عَلَيْهِ وقْتَ الدُّعاءِ، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ القَوْسِ الرَّخْوِ جِدًّا. فَإنَّ السَّهْمَ يَخْرُجُ مِنهُ خُرُوجًا ضَعِيفًا. وإمّا لِحُصُولِ المانِعِ مِنَ الإجابَةِ مِن أكْلِ الحَرامِ والظُّلْمِ ورَيْنِ الذُّنُوبِ عَنِ القُلُوبِ واسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ والسَّهْوِ واللَّهْوِ وغَلَبَتِها عَلَيْهِ، كَما في صَحِيحِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««ادْعُوا اللَّهَ وأنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجابَةِ، واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ دُعاءً مِن قَلْبٍ غافِلٍ لاهٍ!»» . فَهَذا دَواءٌ نافِعٌ مُزِيلٌ لِلدّاءِ. ولَكِنَّ غَفْلَةَ القَلْبِ عَنِ اللَّهِ، تُبْطِلُ قُوَّتَهُ. وكَذَلِكَ أكْلُ الحَرامِ يُبْطِلُ قُوَّتَهُ ويُضْعِفُها، كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أيُّها النّاسُ! إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ: الرَّجُلُ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَهُ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ يا رَبِّ! ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِّيَ بِالحَرامِ، فَأنّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ..؟!»» . وذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِ " الزُّهْدِ " لِأبِيهِ: أصابَ بَنِي إسْرائِيلَ بَلاءٌ، فَخَرَجُوا مَخْرَجًا، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى نَبِيِّهِمْ أنْ أخْبِرْهُمْ: أنَّكم تَخْرُجُونَ إلى الصَّعِيدِ بِأبْدانٍ نَجِسَةٍ، وتَرْفَعُونَ إلَيَّ أكُفًّا قَدْ سَفَكْتُمْ بِها الدِّماءَ، ومَلَأْتُمْ بِها بُيُوتَكم مِنَ الحَرامِ، الآنَ حِينَ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلَيْكُمْ؟! ولَنْ تَزْدادُوا مِنِّي إلّا بُعْدًا..!. ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: والدُّعاءُ مِن أنْفَعِ الأدْوِيَةِ. وهو عَدُوُّ البَلاءِ، يُدافِعُهُ، ويُعالِجُهُ، ويَمْنَعُ نُزُولَهُ، ويَرْفَعُهُ، أوْ يُخَفِّفُهُ إذا نَزَلَ، وهو سِلاحُ المُؤْمِنِ. كَما رَوى الحاكِمُ في " (p-٤٣٦)صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««الدُّعاءُ سِلاحُ المُؤْمِنِ وعِمادُ الدِّينِ، ونُورُ السَّماواتِ والأرْضِ»»، ولَهُ مَعَ البَلاءِ ثَلاثُ مَقاماتٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ أقْوى مِنَ البَلاءِ فَيَدْفَعُهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ أضْعَفَ مِنَ البَلاءِ فَيَقْوى عَلَيْهِ البَلاءُ فَيُصابُ بِهِ العَبْدُ، ولَكِنْ قَدْ يُخَفِّفُهُ وإنْ كانَ ضَعِيفًا. الثّالِثُ: أنْ يَتَقاوَما ويَمْنَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ.... وقَدْ رَوى الحاكِمُ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا يُغْنِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ، والدُّعاءُ يَنْفَعُ مِمّا نَزَلَ ومِمّا لَمْ يَنْزِلْ، وإنَّ البَلاءَ لَيَنْزِلُ فَيَلْقاهُ الدُّعاءُ فَيَعْتَلِجانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» !. وفِيهِ أيْضًا، مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««الدُّعاءُ يَنْفَعُ مِمّا نَزَلَ ومِمّا لَمْ يَنْزِلْ. فَعَلَيْكم عِبادَ اللَّهِ، بِالدُّعاءِ»» !. وفِيهِ أيْضًا: مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لا يَرُدُّ القَدَرَ إلّا الدُّعاءُ، ولا يَزِيدُ في العُمُرِ إلّا البِرُّ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ..»» !. ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ومِن أنْفَعِ الأدْوِيَةِ الإلْحاحُ في الدُّعاءِ. وقَدْ رَوى ابْنُ ماجَهْ في " سُنَنِهِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن لَمْ يَسْألِ اللَّهَ يَغْضَبُ عَلَيْهِ»» ! وفي " صَحِيحِ الحاكِمِ " مِن حَدِيثِ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لا تَعْجِزُوا في الدُّعاءِ فَإنَّهُ لا يَهْلَكُ مَعَ الدُّعاءِ أحَدٌ»» . وذَكَرَ الأوْزاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ»» ؟ وفي كِتابِ " الزُّهْدِ " لِلْإمامِ أحْمَدَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ مُوَرِّقٌ: ما وجَدْتُ لِلْمُؤْمِنِ مَثَلًا إلّا رَجُلٌ في البَحْرِ عَلى خَشَبَةٍ، فَهو يَدْعُو: يا رَبِّ! لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُنْجِيَهُ..!. (p-٤٣٧)ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ نَوَّرَ اللَّهُ ضَرِيحَهُ: ومِنَ الآفاتِ الَّتِي تَمْنَعُ تَرَتُّبَ أثَرِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ، أنْ يَسْتَعْجِلَ العَبْدُ ويَسْتَبْطِئَ الإجابَةَ، فَيَسْتَحْسِرَ ويَدَعَ الدُّعاءَ. وهو بِمَنزِلَةِ مَن بَذَرَ بَذْرًا أوْ غَرَسَ غَرْسًا، فَجَعَلَ يَتَعاهَدُهُ ويَسْقِيهِ، فَلَمّا اسْتَبْطَأ كَمالَهُ وإدْراكَهُ تَرَكَهُ وأهْمَلَهُ..!. وفي البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يُسْتَجابُ لِأحَدِكم ما لَمْ يُعَجِّلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي»» !. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ: ««لا يَزالُ يُسْتَجابُ لِلْعَبْدِ ما لَمْ يَدْعُ بِإثْمٍ أوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ ما لَمْ يَسْتَعْجِلْ» ! قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما الِاسْتِعْجالُ؟ قالَ: «يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أرَ اللَّهَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذاكَ ويَدَعُ الدُّعاءَ»» . وفي مُسْنَدِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا يَزالُ العَبْدُ بِخَيْرٍ ما لَمْ يَسْتَعْجِلْ» . قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ؟ قالَ: «يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ لِرَبِّي فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي»» . ثُمَّ قالَ: فَصْلٌ وإذا اجْتَمَعَ مَعَ الدُّعاءِ حُضُورُ القَلْبِ وجَمْعِيَّتُهُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلى المَطْلُوبِ، وصادَفَ وقْتًا مِن أوْقاتِ الإجابَةِ السِّتَّةِ وهِيَ: الثُّلْثُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، وعِنْدَ الأذانِ، وبَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ، وأدْبارِ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ، وعِنْدَ صُعُودِ الإمامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلى المِنبَرِ حَتّى تُقْضى الصَّلاةُ، وآخِرِ ساعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، وصادَفَ خُشُوعًا في القَلْبِ، وانْكِسارًا بَيْنَ يَدَيِ (p-٤٣٨)الرَّبِّ، وذُلًّا وتَضَرُّعًا ورِقَّةً، واسْتَقْبَلَ الدّاعِي القِبْلَةَ، وكانَ عَلى طَهارَةٍ، ورَفَعَ يَدَيْهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وبَدَأ بِحَمْدِ اللَّهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ ثَنّى بِالصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ ﷺ، ثُمَّ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ حاجَتِهِ التَّوْبَةَ والِاسْتِغْفارَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلى اللَّهِ وألَحَّ عَلَيْهِ في المُسالَةِ وتَمَلَّقَهُ ودَعاهُ رَغْبَةً ورَهْبَةً، وتَوَسَّلَ إلَيْهِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وتَوْحِيدِهِ، وقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ دُعائِهِ صَدَقَةً؛ فَإنَّ هَذا الدُّعاءَ لا يَكادُ يُرَدُّ أبَدًا. ولا سِيَّما إنْ صادَفَ الأدْعِيَةَ الَّتِي أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّها مَظِنَّةُ الإجابَةِ، أوْ أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلِاسْمِ الأعْظَمِ. فَمِنها ما في السُّنَنِ، وفي صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنَّكَ أنْتَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ..!. فَقالَ: «لَقَدْ سَألْتَ اللَّهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إذا سُئِلَ بِهِ أعْطى وإذا دُعِيَ بِهِ أجابَ» !. وفي لَفْظٍ: «لَقَدْ سَألْتَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ»» . وفي السُّنَنِ و" صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ " أيْضًا مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّهُ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جالِسًا ورَجُلٌ يُصَلِّي، ثُمَّ دَعا: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنَّ لَكَ الحَمْدَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ المَنّانُ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ، يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ دَعا اللَّهَ بِاسْمِهِ العَظِيمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى»» . وأخْرَجَ الحَدِيثَيْنِ أحْمَدُ في " مُسْنَدِهِ " وفي " جامِعِ التِّرْمِذِيِّ " مِن حَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««اسْمُ (p-٤٣٩)اللَّهِ الأعْظَمِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وفاتِحَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢]»» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وفي " مُسْنَدِ أحْمَدَ " و" صَحِيحِ الحاكِمِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ ورَبِيعَةَ بْنِ عامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««ألِظُّوا بَيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ»» . يَعْنِي: تَعَلَّقُوا بِها والزَمُوها وداوِمُوا عَلَيْها. وفي " جامِعِ التِّرْمِذِيِّ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا أهَمَّهُ الأمْرُ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ فَقالَ: «سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ» وإذا اجْتَهَدَ في الدُّعاءِ قالَ: «يا حَيُّ يا قَيُّومُ..»» ! وفِيهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا كَرَبَهُ أمْرٌ قالَ: «يا حَيُّ يا قَيُّومُ! بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ»» . وفِي صَحِيحِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ في ثَلاثِ سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ: البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ وطَهَ»» . قالَ القاسِمُ: فالتَمَسْتُها فَإذا هي آيَةُ الحَيِّ القَيُّومِ. وفي " جامِعِ التِّرْمِذِيِّ " و" صَحِيحِ الحاكِمِ " مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إذْ دَعا وهو في بَطْنِ الحُوتِ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِها رَجُلٌ مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطُّ، إلّا اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ»» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وفي " صَحِيحِ الحاكِمِ " أيْضًا مِن حَدِيثِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««ألا أُخْبِرُكم بِشَيْءٍ إذا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنكم أمْرٌ مُهِمٌّ فَدَعا بِهِ يُفَرِّجُ اللَّهُ عَنْهُ؟! دُعاءُ ذِي النُّونِ»» . وفي " صَحِيحِهِ " أيْضًا عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ (p-٤٤٠)وهُوَ يَقُولُ: ««هَلْ أدُلُّكم عَلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ؟ دُعاءُ يُونُسَ» . فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ كانَ لِيُونُسَ خاصَّةً؟ فَقالَ: «ألا تَسْمَعُ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] فَأيُّما مُسْلِمٍ دَعا بِها في مَرَضِهِ أرْبَعِينَ مَرَّةً فَماتَ في مَرَضِهِ ذَلِكَ، أُعْطِيَ أجْرَ شَهِيدٍ. وإنْ بَرَأ، بَرَأ مَغْفُورًا لَهُ!»» . وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: «لا إلَهَ إلّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ رَبُّ السَّماواتِ ورَبُّ الأرْضِ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ»» . وفي " مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ ": مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا نَزَلَ بِي كَرْبٌ أنْ أقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحانَ اللَّهِ وتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ». وفي " مُسْنَدِهِ " أيْضًا مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما أصابَ أحَدًا قَطُّ هَمٌّ ولا حُزْنٌ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ. أسْألُكَ اللَّهُمَّ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ؛ أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ (p-٤٤١)رَبِيعَ قَلْبِي، ونُورَ بَصَرِي، وجَلاءَ حُزْنِي، وذَهابَ هَمِّي.... إلّا أذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وحُزْنَهُ وأبْدَلَهُ مَكانَهُ فَرَحًا» فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ألا نَتَعَلَّمُها؟ قالَ: «بَلْ يَنْبَغِي لِمَن سَمِعَها أنْ يَتَعَلَّمَها»» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما كَرُبَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا اسْتَغاثَ بِالتَّسْبِيحِ. ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وكَثِيرًا ما نَجِدُ أدْعِيَةً دَعا بِها قَوْمٌ فاسْتُجِيبَ لَهُمْ، فَيَكُونُ قَدِ اقْتَرَنَ بِالدُّعاءِ ضَرُورَةُ صاحِبِهِ وإقْبالُهُ عَلى اللَّهِ، أوْ حَسَنَةٌ تَقَدَّمَتْ مِنهُ، جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إجابَةَ دَعْوَتِهِ شُكْرًا لِحَسَنَتِهِ. أوْ صادَفَ الدُّعاءُ وقْتَ إجابَةٍ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ. فَيَظُنُّ الظّانُّ أنَّ السِّرَّ في لَفْظِ ذَلِكَ الدُّعاءِ، فَيَأْخُذُهُ مُجَرَّدًا عَنْ تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي قارَنَتْهُ مِن ذَلِكَ الدّاعِي. وهَذا كَمّا إذا اسْتَعْمَلَ رَجُلٌ دَواءً نافِعًا في الوَقْتِ الَّذِي يَنْبَغِي عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، فانْتَفَعَ بِهِ، فَظَنَّ غَيْرُهُ أنَّ اسْتِعْمالَ هَذا الدَّواءِ بِمُجَرَّدِهِ كافٍ في حُصُولِ المَطْلُوبِ كانَ غالِطًا. وهَذا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. ومِن هَذا، قَدْ يَتَّفِقُ دُعاؤُهُ بِاضْطِرارٍ عِنْدَ قَبْرٍ فَيُجابُ. فَيَظُنُّ الجاهِلُ أنَّ السِّرَّ لِلْقَبْرِ. ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ السِّرَّ لِلِاضْطِرارِ وصِدْقِ اللَّجَأِ إلى اللَّهِ. فَإذا حَصَلَ لَكَ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ كانَ أفْضَلَ وأحَبَّ إلى اللَّهِ... ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: والأدْعِيَةُ والتَّعَوُّذاتُ بِمَنزِلَةِ السِّلاحِ. والسِّلاحُ بِضارِبِهِ لا بِحَدِّهِ فَقَطْ! فَمَتى كانَ السِّلاحُ سِلاحًا تامًّا لا آفَةَ بِهِ، والسّاعِدُ ساعِدٌ قَوِيٌّ، والمانِعُ مَفْقُودٌ، حَصَلَتْ بِهِ النِّكايَةُ في العَدُوِّ..! ومَتى تَخَلَّفَ واحِدٌ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، تَخَلَّفَ التَّأْثِيرُ..! فَإنْ كانَ الدُّعاءُ في نَفْسِهِ غَيْرَ صالِحٍ، أوِ الدّاعِي لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ قَلْبِهِ ولِسانِهِ في الدُّعاءِ، أوْ كانَ ثَمَّ مانِعٌ مِنَ الإجابَةِ؛ لَمْ يَحْصُلِ التَّأْثِيرُ..!. ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وهُنا سُؤالٌ مَشْهُورٌ، وهُوَ: أنَّ المَدْعُو بِهِ إنْ كانَ قَدْ قُدِّرَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن وُقُوعِهِ، دَعا بِهِ العَبْدُ أوْ لَمْ يَدْعُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ قُدِّرَ لَمْ يَقَعْ، سَواءٌ سَألَهُ العَبْدُ أوْ لَمْ يَسْألْهُ. فَظَنَّتْ طائِفَةٌ صِحَّةَ هَذا السُّؤالِ، فَتَرَكَتِ الدُّعاءَ وقالَتْ: لا فائِدَةَ فِيهِ! وهَؤُلاءِ - مَعَ فَرْطِ جَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ - يَتَناقَضُونَ. فَإنَّ طَرْدَ مَذْهَبِهِمْ يُوجِبُ تَعْطِيلَ جَمِيعِ الأسْبابِ. (p-٤٤٢)فَيُقالُ لِأحَدِهِمْ: إنْ كانَ الشِّبَعُ والرِّيُّ قَدْ قُدِّرَ لَكَ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِما. أكَلَتْ أوْ لَمْ تَأْكُلْ. وإنْ لَمْ يُقَدِّرا لَمْ يَقَعا. أكَلْتَ أوْ لَمْ تَأْكُلْ. وإنْ كانَ الوَلَدُ قُدِّرَ لَكَ، فَلا بُدَّ مِنهُ، وطَأْتَ الزَّوْجَةَ والأمَةَ أوْ لَمْ تَطَأْهُما، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ لَمْ يَكُنْ. فَلا حاجَةَ إلى التَّزْوِيجِ والتَّسَرِّي. وهَلُمَّ جَرّا... فَهَلْ يُقالُ: هَذا عاقِلٌ أوْ آدَمِيٌّ؟ بَلِ الحَيَوانُ البَهِيمُ مَفْطُورٌ عَلى مُباشَرَةِ الأسْبابِ الَّتِي بِها قِوامُهُ وحَياتُهُ. فالحَيَواناتُ أعْقَلُ وأفْهَمُ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا. وتَكايَسَ بَعْضُهُمْ، وقالَ: الِاشْتِغالُ بِالدُّعاءِ مِن بابِ التَّعَبُّدِ المَحْضِ. يُثِيبُ اللَّهُ عَلَيْهِ الدّاعِيَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ في المَطْلُوبِ بِوَجْهٍ ما..! ولا فَرْقَ - عِنْدَ هَذا الكَيِّسِ - بَيْنَ الدُّعاءِ والإمْساكِ عَنْهُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ في التَّأْثِيرِ في حُصُولِ المَطْلُوبِ. وارْتِباطِ الدُّعاءِ عِنْدَهم بِهِ كارْتِباطِ السُّكُوتِ، ولا فَرْقَ.... وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى أكْيَسُ مِن هَؤُلاءِ: بَلِ الدُّعاءُ عَلامَةٌ مُجَرَّدَةٌ نَصَبَها اللَّهُ سُبْحانَهُ أمارَةً عَلى قَضاءِ الحاجَةِ، فَمَتى وُفِّقَ العَبْدُ لِلدُّعاءِ كانَ ذَلِكَ عَلامَةً لَهُ، وأمارَةً عَلى أنَّ حاجَتَهُ قَدْ قُضِيَتْ... وهَذا كَما إذا رَأيْتَ غَيْمًا أسْوَدَ بارِدًا في زَمَنِ الشِّتاءِ. فَإنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ وعَلامَةٌ عَلى أنَّهُ يُمْطِرُ.... قالُوا: وهَكَذا حُكْمُ الطّاعاتِ مَعَ الثَّوابِ، والكُفْرِ والمَعاصِي مَعَ العِقابِ، هي أماراتٌ مَحْضَةٌ لِوُقُوعِ الثَّوابِ والعِقابِ، لا أنَّها أسْبابٌ لَهُ..! وهَكَذا - عِنْدَهُمُ - الكَسْرُ مَعَ الِانْكِسارِ، والحَرْقُ مَعَ الإحْراقِ، والإزْهاقُ مَعَ القَتْلِ، لَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ سَبَبًا البَتَّةَ، ولا ارْتِباطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلّا بِمُجَرَّدِ الِاقْتِرانِ العادِيِّ لا التَّأْثِيرِ السَّبَبِيِّ. وخالَفُوا بِذَلِكَ، الحِسَّ والعَقْلَ والشَّرْعَ وسائِرَ طَوائِفِ العُقَلاءِ. بَلْ أضْحَكُوا عَلَيْهِمُ العُقَلاءَ.... والصَّوابُ أنَّ هَهُنا قِسْمًا ثالِثًا غَيْرَ ما ذَكَرَهُ السّائِلُ، وهُوَ: إنَّ هَذا المَقْدُورَ قُدِّرَ بِأسْبابٍ، ومِن أسْبابِهِ الدُّعاءُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ مُجَرَّدًا عَنْ سَبَبِهِ ولَكِنْ قُدِّرَ بِسَبَبِهِ، فَمَتى أتى العَبْدُ بِالسَّبَبِ وقَعَ المَقْدُورُ، ومَتى لَمْ يَأْتِ بِالسَّبَبِ انْتَفى المَقْدُورُ. وهَذا كَما قُدِّرَ الشِّبَعُ والرِّيُّ بِالأكْلِ والشُّرْبِ، وقُدِّرَ الوَلَدُ بِالوَطْءِ، وقُدِّرَ حُصُولُ الزَّرْعِ بِالبَذْرِ، (p-٤٤٣)وقُدِّرَ خُرُوجُ نَفْسِ الحَيَوانِ بِذَبْحِهِ. وكَذَلِكَ قُدِّرَ دُخُولُ الجَنَّةِ بِالأعْمالِ، ودُخُولُ النّارِ بِالأعْمالِ. وهَذا القِسْمُ هو الحَقُّ، وهَذا الَّذِي حَرَّمَهُ السّائِلُ ولَمْ يُوَفَّقْ لَهُ. وحِينَئِذٍ، فالدُّعاءُ، مِن أقْوى الأسْبابِ. فَإذا قُدِّرَ وُقُوعُ المَدْعُوِّ بِهِ بِالدُّعاءِ، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: لا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، كَما لا يُقالُ: لا فائِدَةَ في الأكْلِ والشُّرْبِ، وجَمِيعِ الحَرَكاتِ والأعْمالِ؛ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الأسْبابِ أنْفَعَ مِنَ الدُّعاءِ ولا أبْلَغَ في حُصُولِ المَطْلُوبِ! ولَمّا كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أعْلَمَ الأُمَّةِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأفْقَهَهم في دِينِهِ، كانُوا أقْوَمَ بِهَذا السَّبَبِ وشُرُوطِهِ وآدابِهِ مِن غَيْرِهِمْ. وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْتَنْصِرُ بِهِ عَلى عَدُوِّهِ، وكانَ أعْظَمَ جُنْدِهِ، وكانَ يَقُولُ لِلصَّحابَةِ: لَسْتُمْ تُنْصَرُونَ بِكَثْرَةٍ وإنَّما تُنْصَرُونَ مِنَ السَّماءِ! وكانَ يَقُولُ: إنِّي لا أحْمِلُ هَمَّ الإجابَةِ ولَكِنْ هَمَّ الدُّعاءِ، فَإذا أُلْهِمْتَ الدُّعاءَ فَإنَّ الإجابَةَ مَعَهُ.... فَمَن أُلْهِمَ الدُّعاءَ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الإجابَةُ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ وفي " سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن لَمْ يَسْألِ اللَّهَ يَغْضَبُ عَلَيْهِ»» . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رِضاهُ في سُؤالِهِ وطاعَتِهِ، وإذا رَضِيَ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى فَكُلُّ خَيْرٍ في رِضاهُ، كَما أنَّ كُلَّ بَلاءٍ ومُصِيبَةٍ في غَضَبِهِ... وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ " الزُّهْدِ " أثَرًا: أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا، إذا رَضِيتُ بارَكْتُ ولَيْسَ لِبَرَكَتِي مُنْتَهًى. وإذا غَضِبْتُ لَعَنْتُ ولَعْنَتِي تَبْلُغُ السّابِعَ مِنَ الوَلَدِ، وقَدْ دَلَّ العَقْلُ والنَّقْلُ والفِطْرَةُ وتَجارِبُ الأُمَمِ - عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها ومِلَلِها ونِحَلِها - عَلى أنَّ التَّقَرُّبَ إلى رَبِّ العالَمِينَ، وطَلَبَ مَرْضاتِهِ، والبِرَّ والإحْسانَ إلى خَلْقِهِ، مَن أعْظَمِ الأسْبابِ الجالِبَةِ لِكُلِّ خَيْرٍ؛ وأضْدادُها مَن أكْبَرِ الأسْبابِ الجالِبَةِ (p-٤٤٤)لِكُلِّ شَرٍّ... فَما اسْتُجْلِبَتْ نِعَمُ اللَّهِ واسْتُدْفِعَتْ نِقْمَةُ اللَّهِ بِمِثْلِ طاعَتِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ والإحْسانِ إلى خَلْقِهِ. وقَدْ رَتَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حُصُولَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وحُصُولَ السُّرُورِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ - في كِتابِهِ - عَلى الأعْمالِ، تَرَتُّبَ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ، والمَعْلُولِ عَلى العِلَّةِ، والمُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ. وهَذا في القُرْآنِ يَزِيدُ عَلى ألْفِ مَوْضِعٍ، فَتارَةً يُرَتَّبُ الحُكْمُ الخَبَرِيُّ الكَوْنِيُّ والأمْرُ الشَّرْعِيُّ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا﴾ [المائدة: ٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا..! وتارَةً تَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] (p-٤٤٥)وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] ونَظائِرُهُ... وتارَةً يَأْتِي بِلامِ التَّعْلِيلِ: كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وتارَةً يَأْتِي بِأداةِ كَيِ الَّتِي لِلتَّعْلِيلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧] وتارَةً يَأْتِي بِباءِ السَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢] وقَوْلِهِ: (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، (p-٤٤٦)و: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩] وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ [الإسراء: ٩٨] وتارَةً يَأْتِي بِالمَفْعُولِ لِأجْلِهِ ظاهِرًا أوْ مَحْذُوفًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنعام: ١٥٦] أيْ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا. (p-٤٤٧)وتارَةً بِفاءِ السَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ﴾ [الشمس: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] ونَظائِرُهُ. وتارَةً يَأْتِي بِأداةِ لَمّا الدّالَّةِ عَلى الجَزاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ونَظائِرُهُ. وتارَةً يَأْتِي بِإنَّ وما عَمِلَتْ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقَوْلِهِ في ضِدِّ هَؤُلاءِ: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٧] وتارَةً يَأْتِي بِأداةِ لَوْلا الدّالَّةِ عَلى ارْتِباطِ ما قَبْلَها بِما بَعْدَها، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] وتارَةً يَأْتِي بِـ " لَوِ " الدّالَّةِ عَلى الشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] (p-٤٤٨)وبِالجُمْلَةِ: فالقُرْآنُ - مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ - صَرِيحٌ في تَرَتُّبِ الجَزاءِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ والأحْكامِ الكَوْنِيَّةِ والأمْرِيَّةِ عَلى الأسْبابِ، بَلْ تَرَتُّبُ أحْكامِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ومَصالِحِهِما ومَفاسِدِهِما عَلى الأسْبابِ والأعْمالِ. ومَن تَفَقَّهَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وتَأمَّلَها حَقَّ التَّأمُّلِ، انْتَفَعَ بِها غايَةَ النَّفْعِ، ولَمْ يَتَّكِلْ عَلى القَدَرِ جَهْلًا مِنهُ وعَجْزًا وتَفْرِيطًا وإضاعَةً؛ فَيَكُونُ تَوَكُّلُهُ عَجْزًا، وعَجْزُهُ تَوَكُّلًا..! بَلِ الفَقِيهُ - كُلَّ الفَقِيهِ - الَّذِي يَرُدُّ القَدَرَ بِالقَدَرِ، ويَدْفَعُ القَدَرَ بِالقَدَرِ، ويُعارِضُ القَدَرَ بِالقَدَرِ. لا يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يَعِيشَ إلّا بِذَلِكَ..! فَإنَّ الجُوعَ والعَطَشَ والبَرْدَ وأنْواعَ المَخاوِفِ والمَحاذِيرِ هي مِنَ القَدَرِ. والخَلْقُ كُلُّهم ساعُونَ في دَفْعِ هَذا القَدَرِ.... وهَكَذا مَن وفَّقَهُ اللَّهُ وألْهَمَهُ رُشْدَهُ يَدْفَعُ قَدَرَ العُقُوبَةِ الأُخْرَوِيَّةِ بِقَدَرِ التَّوْبَةِ والإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ... فَهَذا وزْنُ القَدَرِ المُخَوِّفِ في الدُّنْيا وما يُضادُّهُ، فَرَبُّ الدّارَيْنِ واحِدٌ، وحِكْمَتُهُ واحِدَةٌ، لا يُناقِضُ بَعْضُها بَعْضًا، ولا يُبْطِلُ بَعْضُها بَعْضًا. فَهَذِهِ المَسْألَةُ مِن أشْرَفِ المَسائِلِ لِمَن عَرَفَ قَدْرَها، ورَعاها حَقَّ رِعايَتِها... واللَّهُ المُسْتَعانُ. ولَكِنْ يَبْقى عَلَيْهِ أمْرانِ بِهِما تَتِمُّ سَعادَتُهُ وفَلاحُهُ: أحَدُهُما: أنْ يَعْرِفَ تَفاصِيلَ أسْبابِ الشَّرِّ والخَيْرِ ويَكُونَ لَهُ بَصِيرَةً في ذَلِكَ بِما شَهِدَهُ في العالَمِ، وما جَرَّبَهُ في نَفْسِهِ وغَيْرِهِ، وما سَمِعَهُ مِن أخْبارِ الأُمَمِ قَدِيمًا وحَدِيثًا. ومِن أنْفَعِ ما في ذَلِكَ: تَدَبُّرُ القُرْآنِ، فَإنَّهُ كَفِيلٌ بِذَلِكَ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وفِيهِ أسْبابُ الخَيْرِ والشَّرِّ جَمِيعًا مُفَصَّلَةٌ مُبَيَّنَةٌ؛ ثُمَّ السُّنَّةُ، فَإنَّها شَقِيقَةُ القُرْآنِ وهي الوَحْيُ الثّانِي. ومَن صَرَفَ إلَيْهِما عِنايَتَهُ اكْتَفى بِهِما مِن غَيْرِهِما، وهُما يُرِيانِكَ الخَيْرَ والشَّرَّ وأسْبابَهُما، حَتّى كَأنَّكَ تُعايِنُ ذَلِكَ عِيانًا... وبَعْدَ ذَلِكَ، فَإذا تَأمَّلْتَ أخْبارَ الأُمَمِ، وأيّامَ اللَّهِ في أهْلِ طاعَتِهِ وأهْلِ (p-٤٤٩)مَعْصِيَتِهِ، طابَقَ ذَلِكَ ما عَلِمْتَهُ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، ورَأيْتَهُ بِتَفاصِيلِ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ ووَعَدَ بِهِ. وعَلِمْتَ مِن آياتِهِ في الآفاقِ ما يَدُلُّكَ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، وأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وأنَّ اللَّهَ يُنْجِزُ وعْدَهُ لا مَحالَةَ..! فالتّارِيخُ تَفْصِيلٌ لِجُزْئِيّاتِ ما عَرَّفَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنَ الأسْبابِ الكُلِّيَّةِ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ... انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أيْ: إذا دَعَوْتُهم لِلْإيمانِ والطّاعَةِ، كَما أُجِيبُهم إذا دَعَوْنِي لِمُهِمّاتِهِمْ: ﴿ولْيُؤْمِنُوا بِي﴾ أمْرٌ بِالثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ: ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ أيْ: راجِينَ إصابَةَ الرُّشْدِ وهو الحَقُّ. تَنْبِيهانِ: الأوَّلُ: قالَ الرّاغِبُ: أُوثِرُ فَلْيَسْتَجِيبُوا عَلى فَلْيُجِيبُوا لِلَطِيفَةٍ، وهِيَ: أنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِجابَةِ طَلَبُ الإجابَةِ، وإنْ كانَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى الإجابَةِ. فَبَيَّنَ أنَّ العِبادَ مَتى تَحَرَّوْا إجابَتَهُ بِقَدْرِ وُسْعِهِمْ فَإنَّهُ يَرْضى عَنْهم. إنْ قِيلَ: كَيْفَ جَمَعَ بَيْنَ الِاسْتِجابَةِ والإيمانِ، وأحَدُهُما يُغْنِي عَنِ الآخَرِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَجِيبًا لِلَّهِ مَن لا يَكُونُ مُؤْمِنًا؟ قُلْنا: اسْتِجابَتُهُ ارْتِسامُ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ الَّتِي تَتَوَلّاهُ الجَوارِحُ، والإيمانُ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ القُلُوبُ. وأيْضًا فَإنَّ الإيمانَ المَعْنِيَّ هَهُنا هو الإيمانُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٢] الآيَةَ. الثّانِي: قَدَّمْنا عَنِ الرّاغِبِ سِرَّ وصْلِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، ووَجْهَ التَّناسُبِ. وثَمَّتَ سِرٍّ آخَرَ قالَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ، وعِبارَتُهُ: وفِي ذِكْرِهِ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ الباعِثَةَ عَلى الدُّعاءِ، مُتَخَلِّلَةً بَيْنَ أحْكامِ الصِّيامِ، إرْشادٌ إلى الِاجْتِهادِ (p-٤٥٠)فِي الدُّعاءِ عِنْدَ إكْمالِ العِدَّةِ، بَلْ وعِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ. كَما رَوى أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ في " مُسْنَدِهِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««لِلصّائِمِ عِنْدَ إفْطارِهِ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ»» . فَكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو إذا أفْطَرَ دَعا أهْلَهُ ووَلَدَهُ ودَعا. ورَوى ابْنُ ماجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««إنَّ لِلصّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةً ما تُرَدُّ...»» وكانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ إذا أفْطَرَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أنْ تَغْفِرَ لِي... ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ: الإمامُ العادِلُ، والصّائِمُ حَتّى يُفْطِرَ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُها اللَّهُ دُونَ الغَمامِ يَوْمَ القِيامَةِ، وتُفْتَحُ لَها أبْوابُ السَّماءِ، ويَقُولُ: بِعِزَّتِي لَأنْصُرَنَّكِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ»» .

البقرة 2:187

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨٧] ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكم وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ . (p-٤٥١)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ إرْشادٌ إلى ما شَرَعَهُ في الصَّوْمِ - بَعْدَ بَيانِ إيجابِهِ عَلى مَن وجَبَ عَلَيْهِ، وحالِهِ مَعَهُ حَضَرًا أوْ سَفَرًا، وعِدَّتِهِ مِن إحْلالِ غَشِيانِ الزَّوْجَ لَيْلًا. وكَأنَّ الصَّحابَةَ تَحَرَّجُوا عَنْ ذَلِكَ ظَنًّا أنَّهُ مِن تَتِمَّةِ الصَّوْمِ، ورَأوْا أنْ لا صَبْرَ لِأنْفُسِهِمْ عَنْهُ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ ذَلِكَ حَلالٌ لا حَرَجَ فِيهِ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضانَ كانُوا لا يَقْرَبُونَ النِّساءَ رَمَضانَ كُلَّهُ، وكانَ رِجالٌ يَخُونُونَ أنْفُسَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ﴾ إيذانًا بِأنَّهُ أحَلَّهُ ولَمْ يُحَرِّمْهُ؛ إذْ لَمْ يُشَرِّعْ مِن فَضْلِهِ ما فِيهِ إعْناتٌ وحَرَجٌ. و" الرَّفَثُ ": أصْلُهُ قَوْلُ الفُحْشِ. وكَنّى بِهِ هُنا عَنِ الجِماعِ وما يَتْبَعُهُ، كَما كَنّى عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ [الأعراف: ١٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فاللَّهُ تَعالى كَرِيمٌ يُكَنِّي. وإيثارُ الكِنايَةِ عَنْهُ - هُنا - بِلَفْظِ الرَّفَثِ الدّالِّ عَلى مَعْنى القُبْحِ - عَدا بَقِيَّةِ الآياتِ - اسْتِهْجانًا لِما (p-٤٥٢)وجَدَ مِنهم قَبْلَ الإباحَةِ، كَما سَمّاهُ اخْتِيانًا لِأنْفُسِهِمْ. والكِنايَةُ عَمّا يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُهُ بِما يُسْتَحْسَنُ لَفْظُهُ مِن سُنَنِ العَرَبِ. ولِلثَّعالِبِيِّ في آخِرِ كِتابِهِ " فِقْهِ اللُّغَةِ " فَصْلٌ في ذَلِكَ بَدِيعٌ. ثُمَّ إنَّ المُسْتَعْمَلَ الشّائِعَ: رَفَثَ بِالمَرْأةِ - بِالباءِ - وإنَّما عُدِّيَ هُنا بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ قالَ الرّاغِبُ: جَعَلَ اللِّباسَ كِنايَةً عَنِ الزَّوْجِ لِكَوْنِهِ سَتْرًا لِنَفْسِهِ ولِزَوْجِهِ أنْ يَظْهَرَ مِنهُما سُوءٌ، كَما أنَّ اللِّباسَ سَتْرٌ يَمْنَعُ أنْ يَبْدُوَ مِنهُ السَّوْأةُ. وعَلى ذَلِكَ كَنّى عَنِ المَرْأةِ بِالإزارِ، وسُمِّيَ النِّكاحُ حِصْنًا لِكَوْنِهِ حِصْنًا لِذَوِيهِ عَنْ تَعاطِي القَبِيحِ. وهَذا ألْطَفُ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ: شَبَّهَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ - لِاشْتِمالِهِ عَلى صاحِبِهِ في العِناقِ والضَّمِّ - بِاللِّباسِ المُشْتَمِلِ عَلى لابِسِهِ، وفِيهِ قالَ الجَعْدِيُّ: ؎إذا ما الضَّجِيعُ ثَنّى عِطْفَها تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسا وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ ؟ قُلْتُ: هو اسْتِئْنافٌ كالبَيانِ لِسَبَبِ الإحْلالِ، وهو أنَّهُ إذا كانَتْ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ مِثْلُ هَذِهِ المُخالَطَةِ والمُلابَسَةِ، قَلَّ صَبْرُكم عَنْهُنَّ، وصَعُبَ عَلَيْكُمُ اجْتِنابُهُنَّ؛ فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَكم في مُباشَرَتِهِنَّ. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مُبَيِّنٌ لِما ذُكِرَ مِنَ السَّبَبِ، وهو اخْتِيانُ النَّفْسِ، أيْ: قِلَّةُ تَصْبِيرِها مِن نُزُوعِها إلى رَغِيبَتِها. ومِنهُ: خانَتْهُ رِجْلاهُ، إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى المَشْيِ. أيْ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ، لَوْ لَمْ يَحِلَّ لَكم ذَلِكَ (p-٤٥٣)فَأحَلَّهُ رَحْمَةً بِكم ولُطْفًا، وفي الِاخْتِيانِ وجْهٌ آخَرُ وهُوَ: أنَّهُ عَنى بِهِ مُخالَفَةَ الحَقِّ بِنَقْضِ العَهْدِ، أيْ: كُنْتُمْ تَظْلِمُونَها بِذَلِكَ - بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ - لَوْ لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ لَكم. قالُوا: والِاخْتِيانُ أبْلَغُ مِنَ الخِيانَةِ - كالِاكْتِسابِ مِنَ الكَسْبِ - فَفِيهِ زِيادَةٌ وشِدَّةٌ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى لُطْفِهِ بِالمُؤْمِنِينَ بِتَخْفِيفِهِ ما كانَ يَغُلُّهم ويُثْقِلُهم ويَخُونُهم لَوْلا رَحْمَتُهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عادَ بِفَضْلِهِ وتَيْسِيرِهِ عَلَيْكم بِرَفْعِ الحَرَجِ في الرَّفَثِ لَيْلًا: ﴿وعَفا عَنْكُمْ﴾ أيْ: جاوَزَ عَنْكم تَحْرِيمَهُ، فالعَفْوُ بِمَعْنى التَّوْسِعَةِ والتَّخْفِيفِ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ قالَ أبُو البَقاءِ: حَقِيقَةُ الآنَ: الوَقْتُ الَّذِي أنْتَ فِيهِ؛ وقَدْ يَقَعُ عَلى الماضِي القَرِيبِ مِنكَ، وعَلى المُسْتَقْبَلِ القَرِيبِ وُقُوعُهُ، تَنْزِيلًا لِلْقَرِيبِ مَنزِلَةَ الحاضِرِ وهو المُرادُ - هُنا - لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ أيْ: فالوَقْتُ الَّذِي كانَ يَحْرُمُ عَلَيْكُمُ الجِماعُ فِيهِ مِنَ اللَّيْلِ قَدْ أبَحْناهُ لَكم فِيهِ؛ فَعَلى هَذا " الآنَ " ظَرْفٌ لِ " فَباشِرُوهُنَّ ". وقِيلَ: الكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: فالآنَ قَدْ أبَحْنا لَكم أنْ تُباشِرُوهُنَّ. ودَلَّ عَلى المَحْذُوفِ لَفْظُ الأمْرِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الإباحَةُ. فَعَلى هَذا الآنَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وأصْلُ " المُباشِرَةِ " إلْصاقُ البَشَرَةِ بِالبَشَرَةِ. كُنِّيَ بِها عَنِ الجِماعِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُها: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، أيِ: ابْتَغُوا هَذِهِ الرُّخْصَةَ الَّتِي أحَلَّها لَكم. و" كَتَبَ " هُنا، إمّا بِمَعْنى جَعَلَ كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] (p-٤٥٤)أيْ: جَعَلَ، وقَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أيْ: أجْعَلُها. أوْ بِمَعْنى قَضى، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ [التوبة: ٥١] أيْ: قَضاهُ، وقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ﴾ [آل عمران: ١٥٤] أيْ: قُضِيَ. قالَ الرّاغِبُ: في الآيَةِ إشارَةٌ في تَحَرِّي النِّكاحِ إلى لَطِيفَةٍ. وهِيَ: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لَنا شَهْوَةَ النِّكاحِ لِبَقاءِ نَوْعِ الإنْسانِ إلى غايَةٍ! كَما جَعَلَ لَنا شَهْوَةَ الطَّعامِ لِبَقاءِ أشْخاصِنا إلى غايَةٍ! فَحَقُّ الإنْسانِ أنْ يَتَحَرّى بِالنِّكاحِ ما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ والدِّيانَةُ. فَمَتى تَحَرّى بِهِ حِفْظَ النَّفْسِ وحِصْنَ النَّفْسِ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ، فَقَدِ ابْتَغى ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُ. وإلى هَذا أشارَ مَن قالَ: عَنى الوَلَدَ. (p-٤٥٥)﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ أباحَ تَعالى الأكْلَ والشُّرْبَ - مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن إباحَةِ الجِماعِ - في أيِّ اللَّيْلِ شاءَ الصّائِمُ إلى أنْ يَتَبَيَّنَ ضِياءَ الصَّباحِ مِن سَوادِ اللَّيْلِ. وشُبِّها بِخَيْطَيْنِ: أبْيَضَ وأسْوَدَ، لِأنَّ أوَّلَ ما يَبْدُو مِنَ الفَجْرِ المُعْتَرِضُ في الأُفُقِ وما يَمْتَدُّ مَعَهُ مِن غَبَشِ اللَّيْلِ، كالخَيْطِ المَمْدُودِ. قالَ أبُو دُؤادَ الإيادِيُّ: ؎فَلَمّا أضاءَتْ لَنا سُدْفَةٌ ∗∗∗ ولاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أنارا وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ بَيانٌ لِلْخَيْطِ الأبْيَضِ. واكْتَفى بِهِ عَنْ بَيانِ الخَيْطِ الأسْوَدِ، لِأنَّ بَيانَ أحَدِهِما بَيانٌ لِلثّانِي. وقَدْ رَفَعَ بِهَذا البَيانِ الِالتِباسَ الَّذِي وقَعَ أوَّلَ أمْرِ الصِّيامِ. كَما رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: أُنْزِلَتْ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ ولَمْ يَنْزِلْ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ (p-٤٥٦)وكانَ رِجالٌ إذا أرادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهم في رِجْلِهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ، ولا يَزالُ يَأْكُلُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهُ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا إنَّما يَعْنِي اللَّيْلَ والنَّهارَ، ورَوَيا أيْضًا. واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ قالَ لَهُ عَدِيٌّ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي أجْعَلُ تَحْتَ وِسادَتِي عِقالَيْنِ: عِقالًا أبْيَضَ وعِقالًا أسْوَدَ، أعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهارِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ وِسادَكَ لَعَرِيضٌ، إنَّما هو سَوادُ اللَّيْلِ وبَياضُ النَّهارِ»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومَعْنى قَوْلِهِ: إنَّ وِسادَكَ لَعَرِيضٌ أيْ: إنْ كانَ يَسَعُ تَحْتَهُ الخَيْطَيْنِ المُرادَيْنِ مِن هَذِهِ الآيَةِ؛ فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بِعَرْضِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ..! وجاءَ في بَعْضِ هَذِهِ الألْفاظِ: ««إنَّكَ لَعَرِيضُ القَفا»» فَفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالبَلادَةِ - وهو ضَعِيفٌ بَلْ يَرْجِعُ إلى هَذا؛ لِأنَّهُ إذا كانَ وِسادُهُ عَرِيضًا فَقَفاهُ أيْضًا عَرِيضٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى. وفِي الإتْيانِ بِلَفْظِ التَّفَعُّلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ﴾ إشْعارٌ بِأنَّهُ لا يَكْفِي إلّا التَّبَيُّنُ الواضِحُ لا تَباشِيرُ الضَّوْءِ. وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا يَغُرَّنَّكم مِن سُحُورِكم أذانُ بِلالٍ ولا بَياضُ الأُفُقِ المُسْتَطِيلِ هَكَذا حَتّى يَسْتَطِيرَ هَكَذا»» . وحَكاهُ حَمّادٌ بِيَدَيْهِ، قالَ: يَعْنِي مُعْتَرَضًا. وفي لَفْظٍ آخَرَ عَنْهُ: ««لا يَغُرَّنَّكم نِداءُ بِلالٍ ولا هَذا البَياضُ حَتّى يَبْدُوَ الفَجْرُ - أوْ قالَ: - حَتّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أبِيهِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لَيْسَ الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ (p-٤٥٧)فِي الأُفُقِ، ولَكِنَّهُ المُعْتَرَضُ الأحْمَرُ»» . ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: ««كُلُوا واشْرَبُوا ولا يَهِيدَنَّكُمُ السّاطِعُ المِصْعَدُ، وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الأحْمَرُ»» . قالَ: وفي البابِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ وأبِي ذَرٍّ وسُمْرَةَ. ثُمَّ قالَ: حَدِيثُ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِن هَذا الوَجْهِ. والعَمَلُ عَلى هَذا - عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ - أنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلى الصّائِمِ الأكْلُ والشُّرْبُ حَتّى يَكُونَ الفَجْرُ الأحْمَرُ المُعْتَرَضُ، وبِهِ يَقُولُ أهْلُ العِلْمِ. انْتَهى. قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِالأحْمَرِ: الأبْيَضُ، كَما فُسِّرَ بِهِ حَدِيثُ: ««بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ»» . وقالَ شِمْرٌ: سَمُّوا الأبْيَضَ أحْمَرَ تَطَيُّرًا بِالأبْرَصِ. حَكاهُ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ. ويَظْهَرُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى هَذا، فَإنَّ طُلُوعَ الفَجْرِ يَصْحَبُهُ حُمْرَةٌ. وفي " القامُوسِ" الفَجْرُ: ضَوْءُ الصَّباحِ، وهو حُمْرَةُ الشَّمْسِ في سَوادِ اللَّيْلِ. فافْهَمْ. وقالَ الحافِظُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في " مُصَنَّفِهِ ": أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: هُما فَجْرانِ: فَأمّا الَّذِي يَسْطَعُ في السَّماءِ فَلَيْسَ يَحِلُّ ولا يُحَرِّمُ شَيْئًا، لَكِنَّ الفَجْرَ الَّذِي يَسْتَنِيرُ عَلى رُؤُوسِ الجِبالِ هو الَّذِي يُحَرِّمُ الشَّرابَ. وقالَ عَطاءٌ: فَأمّا إذا سَطَعَ سُطُوعًا في السَّماءِ - وسُطُوعُهُ أنْ يَذْهَبَ في السَّماءِ طُولًا - فَإنَّهُ لا يُحَرَّمُ بِهِ شَرابٌ لِلصّائِمِ ولا صَلاةٌ، ولا يَفُوتُ بِهِ الحَجُّ. ولَكِنْ إذا انْتَشَرَ عَلى رُؤُوسِ الجِبالِ حَرَّمَ الشَّرابَ لِلصِّيامِ، وفاتَ الحَجُّ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ. وهَكَذا رُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. رَحِمَهُمُ اللَّهُ. انْتَهى. (p-٤٥٨)﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ﴾ أيْ: صَوْمَ كُلِّ يَوْمٍ: ﴿إلى اللَّيْلِ﴾ أيْ: إلى ظُهُورِ الظُّلْمَةِ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ. وذَلِكَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ. وكَلِمَةُ إلى تُفِيدُ أنَّ الإفْطارَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، كَما جاءَ في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِن هَهُنا، وأدْبَرَ النَّهارُ مِن هَهُنا، وغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ»» . قالَ ابْنُ القَيِّمِ: أيْ: أفْطَرَ حُكْمًا وإنْ لَمْ يَنْوِهِ، أوْ دَخَلَ في وقْتِ فِطْرِهِ، كَما فِي: أصْبَحَ وأمْسى. وقَدْ كانَ ﷺ يُعَجِّلُ الفِطْرَ ويَحُضُّ عَلَيْهِ، كَما في " الصَّحِيحَيْنِ ": ««لا يَزالُ النّاسُ بِخَيْرٍ ما عَجَّلُوا الفِطْرَ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إنَّ أحَبَّ عِبادِي إلَيَّ أعْجَلُهم فِطْرًا»» . ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ عَلى رَطَباتٍ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ رَطَباتٌ فَتُمَيْراتٍ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْراتٌ حَسا حَسَواتٍ مِن ماءٍ». رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، (p-٤٥٩)وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ لَيْلى امْرَأةِ بَشِيرِ بْنِ الخَصاصِيَّةِ قالَتْ: «أرَدْتُ أنْ أصُومَ يَوْمَيْنِ مُواصِلَةً، فَمَنَعَنِي بَشِيرٌ وقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْهُ وقالَ: «يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّصارى، ولَكِنْ صُومُوا كَما أمَرَكُمُ اللَّهُ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ، فَإذا كانَ اللَّيْلُ فَأفْطِرُوا»» . ولِهَذا ورَدَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، النَّهْيُ عَنِ الوِصالِ. وهُوَ: أنْ يَصِلَ يَوْمًا بِيَوْمٍ ولا يَأْكُلَ بَيْنَهُما شَيْئًا. فَفي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا تُواصِلُوا...!» قالُوا: إنَّكَ تُواصِلُ، قالَ: «لَسْتُ كَأحَدٍ مِنكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وأُسْقى - أوْ إنِّي أبَيْتُ أُطْعَمُ وأُسْقى»» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: وفي البابِ عَنْ عَلِيٍّ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وعائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وأبِي سَعِيدٍ، وبَشِيرِ بْنِ الخَصاصِيَّةِ. أيْ: فالنَّهْيُ عَنْهُ قَدْ ثَبَتَ مِن غَيْرِ وجْهٍ. نَعَمْ مَن أحَبَّ أنْ يُواصِلَ إلى السَّحَرِ فَلَهُ ذَلِكَ، كَما في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تُواصِلُوا، فَأيُّكم أرادَ أنْ يُواصِلَ فَلْيُواصِلْ إلى السَّحَرِ» (p-٤٦٠)قالُوا: فَإنَّكَ تُواصِلُ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أبَيْتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وساقٍ يَسْقِينِي»» . أخْرَجاهُ في " الصَّحِيحَيْنِ ". والمُرادُ بِهَذا الطَّعامِ والشَّرابِ: ما يُغَذِّيهِ اللَّهُ بِهِ مِنَ المَعارِفِ، وما يَفِيضُ عَلى قَلْبِهِ مِن لَذَّةِ مُناجاتِهِ، وقُرَّةِ عَيْنِهِ بِقُرْبِهِ، وتَنَعُّمِهِ بِحُبِّهِ، والشَّوْقِ إلَيْهِ، وتَوابِعِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي هي غِذاءُ القَلْبِ، ونَعِيمُ الأرْواحِ، وقُرَّةُ العَيْنِ، وبَهْجَةُ النُّفُوسِ والرُّوحِ والقَلْبِ؛ بِما هو أعْظَمُ غِذاءً، وأجْوَدُهُ، وأنْفَعُهُ. وقَدْ يُقَوِّي هَذا الغِذاءَ حَتّى يُغْنِيَ عَنْ غِذاءِ الأجْسامِ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ. ومِن لَهُ أدْنى تَجْرِبَةٍ وشَوْقٍ يَعْلَمُ اسْتِغْناءَ الجِسْمِ بِغِذاءِ القَلْبِ والرُّوحِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الغِذاءِ الحَيَوانِيِّ، ولا سِيَّما المَسْرُورُ الفَرْحانُ الظّافِرُ بِمَطْلُوبِهِ الَّذِي قَدْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ، وتَنَعَّمَ بِقُرْبِهِ والرِّضاءِ عَنْهُ، وألْطافُ مَحْبُوبِهِ وهَداياهُ وتُحَفِهِ تَصِلُ إلَيْهِ كُلَّ وقْتٍ. ومَحْبُوبُهُ حَفِيٌّ بِهِ، مُعْتَزٌّ بِأمْرِهِ، مُكْرِمٌ لَهُ غايَةَ الإكْرامِ، مَعَ المَحَبَّةِ التّامَّةِ لَهُ. أفَلَيْسَ في هَذا أعْظَمُ غِذاءٍ لِهَذا المُحِبِّ؟! فَكَيْفَ بِالحَبِيبِ الَّذِي لا شَيْءَ أجَلُّ مِنهُ، ولا أعْظَمُ، ولا أجْمَلُ، ولا أكْمَلُ، ولا أعْظَمُ إحْسانًا، إذا امْتَلَأ قَلْبُ المُحِبِّ بِحُبِّهِ، ومَلَكَ حُبُّهُ جَمِيعَ أجْزاءِ قَلْبِهِ وجَوارِحِهِ، وتَمَكَّنَ حُبُّهُ مِنهُ أعْظَمَ تَمَكُّنٍ؟ وهَذا حالُهُ مَعَ حَبِيبِهِ. أفَلَيْسَ هَذا المُحِبُّ عِنْدَ حَبِيبِهِ يُطْعِمُهُ ويَسْقِيهِ لَيْلًا ونَهارًا؟ ولِهَذا قالَ: ««إنِّي أظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي»» . ولَوْ كانَ ذَلِكَ طَعامًا وشَرابًا لِلْفَمِ - كَما قالَ - لَما كانَ صائِمًا، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُواصِلًا. كَذا في " زادِ المَعادِ ". وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ، أنَّهم كانُوا يُواصِلُونَ الأيّامَ المُتَعَدِّدَةَ. وحَمَلَهُ مِنهم عَلى أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ رِياضَةً لِأنْفُسِهِمْ لا أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِبادَةً. واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويَحْتَمِلُ أنَّهم كانُوا يَفْهَمُونَ مِنَ النَّهْيِ أنَّهُ إرْشادِيٌّ مِن بابِ الشَّفَقَةِ. كَما جاءَ في حَدِيثِ عائِشَةَ: رَحْمَةٌ لَهم. فَكانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وابْنُهُ عامِرٌ ومَن سَلَكَ سَبِيلَهم يَتَجَشَّمُونَ ذَلِكَ ويَفْعَلُونَهُ؛ لِأنَّهم كانُوا يَجِدُونَ قُوَّةً عَلَيْهِ. (p-٤٦١)﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هَذا في الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ في المَسْجِدِ في رَمَضانَ أوْ في غَيْرِهِ. فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ يَنْكِحَ النِّساءَ لَيْلًا أوْ نَهارًا حَتّى يَقْضِيَ اعْتِكافَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: كانَ الرَّجُلُ إذا اعْتَكَفَ فَخَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ جامِعَ إنْ شاءَ. وكَذا قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ: إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ ابْنِ أنَسٍ، ومُقاتِلٍ قالُوا: لا يَقْرَبُها وهو مُعْتَكِفٌ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي حَكاهُ عَنْ هَؤُلاءِ هو الأمْرُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ العُلَماءِ: أنَّ المُعْتَكِفَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النِّساءُ ما دامَ مُعْتَكِفًا في مَسْجِدِهِ ولَوْ ذَهَبَ إلى مَنزِلِهِ لِحاجَةٍ لا بُدَّ لَهُ مِنها؛ فَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَثْبُتَ فِيهِ إلّا بِمِقْدارِ ما يَفْرَغُ مِن حاجَتِهِ تِلْكَ - مِن قَضاءِ الغائِطِ أوِ الأكْلِ - ولَيْسَ لَهُ أنْ يُقَبِّلَ امْرَأتَهُ، ولا أنْ يَضُمَّها إلَيْهِ، ولا أنْ يَشْتَغِلَ بِشَيْءٍ سِوى اعْتِكافِهِ. ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: المُرادُ بِالمُباشِرَةِ: الجِماعُ ودَواعِيهِ: مِن تَقْبِيلٍ ومُعانَقَةٍ ونَحْوَ ذَلِكَ. فَأمّا مُعاطاةُ الشَّيْءِ ونَحْوِهِ فَلا بَأْسَ بِهِ. فَقَدْ ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وأنا حائِضٌ. وكانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إلّا لِحاجَةِ الإنْسانِ». وفي " الصَّحِيحَيْنِ " أيْضًا: «أنَّ صَفِيَّةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ كانَتْ تَزُورُ (p-٤٦٢)النَّبِيَّ ﷺ وهو مُعْتَكَفٌ في المَسْجِدِ. فَتَتَحَدَّثُ عِنْدَهُ ساعَةً ثُمَّ تَرْجِعُ إلى مَنزِلِها. فَيَقُومُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَمْشِيَ مَعَها حَتّى يُبَلِّغَها دارَها، وذَلِكَ في اللَّيْلِ». تَنْبِيهانِ: الأوَّلُ: قالَ الرّاغِبُ: ظاهِرُ ذِكْرِ المَساجِدِ يَقْتَضِي جَوازَ الِاعْتِكافِ في كُلِّ مَسْجِدٍ. الثّانِي: في ذِكْرِهِ تَعالى الِاعْتِكافَ بَعْدَ الصِّيامِ إرْشادٌ وتَنْبِيهٌ عَلى الِاعْتِكافِ في الصِّيامِ أوْ في آخِرِ شَهْرِ الصِّيامِ. كَما ثَبَتَ في السُّنَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأواخِرَ مِن شَهْرِ رَمَضانَ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أزْواجُهُ مِن بَعْدِهِ». ثُمَّ إنَّ حَقِيقَةَ الِاعْتِكافِ: هو المُكْثُ في بَيْتِ اللَّهِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ. وهو مِنَ الشَّرائِعِ القَدِيمَةِ. وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ " في هَدْيِهِ ﷺ في الِاعْتِكافِ: لَمّا كانَ صَلاحُ القَلْبِ واسْتِقامَتُهُ عَلى طَرِيقِ سَيْرِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مُتَوَقِّفًا وعَلى جَمْعِيَّتِهِ عَلى اللَّهِ. ولَمُّ شَعَثِهِ بِإقْبالِهِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى. فَإنَّ شَعَثَ القَلْبِ لا يَلُمُّهُ إلّا الإقْبالُ عَلى اللَّهِ تَعالى. وكانَ فُضُولُ الطَّعامِ والشَّرابِ، وفُضُولُ مُخالَطَةِ الأنامِ، وفُضُولُ الكَلامِ، وفُضُولُ المَنامِ؛ مِمّا يَزِيدُهُ شَعَثًا، ويُشَتِّتُهُ في كُلِّ وادٍ، ويَقْطَعُهُ عَنْ سَيْرِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، أوْ يُضْعِفُهُ، أوْ يَعُوقُهُ ويُوقِفُهُ - اقْتَضَتْ رَحْمَةُ العَزِيزِ الرَّحِيمِ لِعِبادِهِ أنْ شَرَعَ لَهم مِنَ الصَّوْمِ ما يُذْهِبُ فُضُولَ الطَّعامِ والشَّرابِ، ويَسْتَفْرِغُ مِنَ القَلْبِ أخْلاطَ الشَّهَواتِ المُعَوِّقَةِ لَهُ عَنْ سَيْرِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. وشَرَعَهُ بِقَدْرِ (p-٤٦٣)المَصْلَحَةِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ العَبْدُ في دُنْياهُ وأُخْراهُ. ولا يَضُرُّهُ ولا يَقْطَعُهُ مِن مَصالِحِهِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ. وشَرَعَ لَهُمُ الِاعْتِكافَ الَّذِي مَقْصُودُهُ ورُوحُهُ؛ عُكُوفُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وجَمْعِيَّتُهُ عَلَيْهِ، والخَلْوَةُ بِهِ، والِانْقِطاعُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالخَلْقِ، والِاشْتِغالِ بِهِ وحْدَهُ سُبْحانَهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذِكْرُهُ وحُبُّهُ والإقْبالُ عَلَيْهِ في مَحَلِّ هُمُومِ القَلْبِ وخَطَراتِهِ. فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهِ بَدَلُها، ويَصِيرُ الهَمُّ بِهِ كُلِّهِ، والخَطِراتُ كُلُّها بِذِكْرِهِ. والفِكْرَةُ في تَحْصِيلِ مَراضِيهِ وما يُقَرِّبُ مِنهُ، فَيَكُونُ أُنْسُهُ بِاللَّهِ بَدَلًا عَنْ أُنْسِهِ بِالخَلْقِ، فَيُعِدُّهُ بِذَلِكَ لِأُنْسِهِ بِهِ يَوْمَ الوَحْشَةِ في القُبُورِ حِينَ لا أنِيسَ لَهُ ولا ما يَفْرَحُ بِهِ سِواهُ. فَهَذا مَقْصُودُ الِاعْتِكافِ الأعْظَمُ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ إنَّما يَتِمُّ مَعَ الصَّوْمِ شَرَعَ الِاعْتِكافَ في أفْضَلِ أيّامِ الصَّوْمِ وهو العُشْرُ الأخِيرُ مِن رَمَضانَ. ولَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ اعْتَكَفَ مُفْطِرًا قَطُّ. بَلْ قَدْ قالَتْ عائِشَةُ: لا اعْتِكافَ إلّا بِصَوْمٍ. ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ سُبْحانَهُ الِاعْتِكافَ إلّا مَعَ الصَّوْمِ، ولا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا مَعَ الصَّوْمِ. فالقَوْلُ الرّاجِحُ في الدَّلِيلِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ، أنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ في الِاعْتِكافِ. وهو الَّذِي كانَ يُرَجِّحُهُ شَيْخُ الإسْلامِ أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ. وأمّا الكَلامُ: فَإنَّهُ شَرَعَ لِلْأُمَّةِ حَبْسَ اللِّسانِ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْفَعُ في الآخِرَةِ. وأمّا فُضُولُ المَنامِ: فَإنَّهُ شَرَعَ لَهم مِن قِيامِ اللَّيْلِ ما هو أفْضَلُ مِنَ السَّهَرِ وأحْمَدُ عاقِبَةً: وهو السَّهَرُ المُتَوَسِّطُ الَّذِي يَنْفَعُ القَلْبَ والبَدَنَ، ولا يَعُوقُ عَنْ مَصْلَحَةِ العَبْدِ. ومَدارُ أرْبابِ الرِّياضاتِ والسُّلُوكِ عَلى هَذِهِ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ. وأسْعَدُهم بِها مَن سَلَكَ فِيها المِنهاجَ النَّبَوِيَّ المُحَمَّدِيَّ، ولَمْ يَنْحَرِفِ انْحِرافَ الغالِينَ ولا قَصَّرَ تَقْصِيرَ المُفَرِّطِينَ. ثُمَّ قالَ: «كانَ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأواخِرَ مِن رَمَضانَ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وتَرَكَهُ مَرَّةً فَقَضاهُ في شَوّالٍ. واعْتَكَفَ مَرَّةً - في العَشْرِ الأوَّلِ، ثُمَّ الأوْسَطِ، ثُمَّ العَشْرِ الأخِيرِ - يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّها في العَشْرِ الأخِيرِ، فَداوَمَ عَلى اعْتِكافِهِ حَتّى (p-٤٦٤)لَحِقَ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ». «وكانَ يَأْمُرُ بِخِباءٍ فَيُضْرَبُ لَهُ في المَسْجِدِ يَخْلُو فِيهِ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ. وكانَ إذا أرادَ الِاعْتِكافَ صَلّى الفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَهُ. فَأمَرَ بِهِ مَرَّةً فَضُرِبَ. فَأمَرَ أزْواجَهُ بِأخْبِيَتِهِنَّ فَضُرِبَتْ. فَلَمّا صَلّى الفَجْرَ نَظَرَ فَرَأى تِلْكَ الأخْبِيَةَ. فَأمَرَ بِخِبائِهِ فَقُوِّضَ وتَرَكَ الِاعْتِكافَ في شَهْرِ رَمَضانَ حَتّى اعْتَكَفَ في العَشْرِ الأُوَلِ مِن شَوّالٍ. وكانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ سَنَةٍ عَشَرَةَ أيّامٍ. فَلَمّا كانَ في العامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا. وكانَ يُعارِضُهُ جِبْرِيلُ بِالقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً. فَلَمّا كانَ ذَلِكَ العامُ عارَضَهُ بِهِ مَرَّتَيْنِ، ولَمْ يُباشِرِ امْرَأةً مِن نِسائِهِ - وهو مُعْتَكِفٌ - لا بِقُبْلَةٍ ولا بِغَيْرِها. وكانَ إذا اعْتَكَفَ طُرِحَ لَهُ فِراشُهُ، ووُضِعَ لَهُ سَرِيرُهُ في مُعْتَكَفِهِ. وكانَ إذا خَرَجَ لِحاجَتِهِ مَرَّ بِالمَرِيضِ، وهو عَلى طَرِيقِهِ، فَلا يُعَرِّجُ لَهُ إلّا سَألَ عَنْهُ. واعْتَكَفَ مَرَّةً في قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ. وجَعَلَ عَلى سُدَّتِها حَصِيرًا». كُلُّ هَذا تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الِاعْتِكافِ ورُوحِهِ. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ يَعْنِي: تِلْكَ الأحْكامُ الَّتِي ذُكِرَتْ في الصِّيامِ والِاعْتِكافِ: مِن تَحْرِيمِ الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ. وشَبَّهَ تِلْكَ الأحْكامَ بِالحُدُودِ الحاجِزَةِ بَيْنَ الأشْياءِ لِكَوْنِها حاجِزَةً بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. فَإنَّ مَن عَمِلَ بِها كانَ في حَيِّزِ الحَقِّ، ومَن خالَفَها وقَعَ في الباطِلِ. ونَهى عَنْ قُرْبِها كَيْلا يُدانِيَ الباطِلَ، فَضْلًا مِن أنْ يَتَخَطّى إلَيْهِ. فالنَّهْيُ عَنْ مَكانِ القُرْبِ مِنَ الحُدُودِ الَّتِي هي الأحْكامُ، كِنايَةٌ عَنِ النَّهْيِ عَنْ قُرْبِ الباطِلِ؛ لِكَوْنِ الأوَّلِ لازِمًا لِلثّانِي. وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩] (p-٤٦٥)ويَنْدَفِعُ التَّنافِي. وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ أبْلَغُ مِن: {لا تَعْتَدُوها } لِأنَّهُ نَهْيٌ عَنْ قُرْبِ الباطِلِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الَّتِي هي أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، وذَلِكَ نَهْيٌ عَنِ الوُقُوعِ في الباطِلِ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ﴾ أيْ: كَما بَيَّنَ ما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ - في هَذا المَوْضِعِ - يُبَيِّنُ لِلنّاسِ ما شَرَعَهُ لَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ المَحارِمَ فَيَعْرِفُونَ كَيْفَ يُطِيعُونَ ويَهْتَدُونَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩] قالَ الرّازِيُّ: والغَرَضُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ إلخ تَعْظِيمُ حالِ البَيانِ، وتَعْظِيمُ رَحْمَتِهِ عَلى الخَلْقِ في ذِكْرِهِ مِثْلَ هَذا البَيانِ. وفِيهِ أيْضًا تَقْرِيرٌ لِلْأحْكامِ السّابِقَةِ، والتَّرْغِيبُ إلى امْتِثالِها بِأنَّها شُرِعَتْ لِأجْلِ التَّقْوى.

البقرة 2:188

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨٨] ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي تَعالى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: ولا يَأْكُلْ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ بِالباطِلِ، فَجُعِلَ بِذَلِكَ آكِلُ مالِ أخِيهِ بِالباطِلِ (p-٤٦٦)كالآكِلِ مالَ نَفْسِهِ بِالباطِلِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] بِمَعْنى: لا يَلْمِزْ بَعْضُكم بَعْضًا ولا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعْلَ المُؤْمِنِينَ إخْوَةً. وكَذَلِكَ تَفْعَلُ العَرَبُ. تُكَنِّي عَنْ أنْفُسِها بِأخَواتِها، وعَنْ أخَواتِها بِأنْفُسِها؛ لِأنَّ أخا الرَّجُلِ عِنْدَها كَنَفْسِهِ. فَتَأْوِيلُ الكَلامِ: ولا يَأْكُلْ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ فِيما بَيْنَكم بِالباطِلِ. وأكْلُهُ بِالباطِلِ أكْلُهُ مِن غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي أباحَهُ اللَّهُ لِآكِلِيهِ.اهـ. وبَيْنَكُمْ: إمّا ظَرْفٌ لِـ " تَأْكُلُوا " بِمَعْنى: لا تَتَناوَلُوها فِيما بَيْنَكم بِالأكْلِ، أوْ حالٌ مِنَ الأمْوالِ أيْ: لا تَأْكُلُوها كائِنَةً بَيْنَكم ودائِرَةً بَيْنَكم. وبِالباطِلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ " تَأْكُلُوا " أيْ: لا تَأْخُذُوها بِالسَّبَبِ الباطِلِ - أيِ: الوَجْهُ الَّذِي لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الأمْوالِ أيْ: لا تَأْكُلُوها مُتَلَبِّسَةً بِالباطِلِ. أوْ مِنَ الفاعِلِ في تَأْكُلُوا أيْ: لا تَأْكُلُوها مُبْطِلِينَ، أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالباطِلِ: ﴿وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ أيْ: تُخاصِمُوا بِها - أيْ: بِأمْوالِهِمْ - إلى الحُكّامِ، مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى النَّهْيِ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: {ولا وتُدْلُوا } بِإعادَةِ لا النّاهِيَةِ والإدْلاءُ: مَأْخُوذٌ مِن إدْلاءِ الدَّلْوِ، وهُوَ: إرْسالُها في البِئْرِ لِلِاسْتِقاءِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ إلْقاءِ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ تَوَصُّلًا إلى شَيْءٍ. ومِنهُ يُقالُ لِلْمُحْتَجِّ: (p-٤٦٧)أدْلى بِحُجَّتِهِ. كَأنَّهُ يُرْسِلُها لِيَصِيرَ إلى مُرادِهِ. كَإدْلاءِ المُسْتَقِي لِلدَّلْوِ لِيَصِلَ إلى مَطْلُوبِهِ مِنَ الماءِ. وفُلانٌ يُدْلِي إلى المَيِّتِ بِقَرابَةٍ أوْ رَحِمٍ: إذا كانَ مُنْتَسِبًا إلَيْهِ، فَيَطْلُبُ المِيراثَ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ. فالباءُ صِفَةُ الإدْلاءِ تَجُوُّزًا بِهِ عَنِ الإلْقاءِ كَما ذَكَرْنا. والمَعْنى: لا تُلْقُوا أمْرَها - والحُكُومَةُ فِيها - إلى الحُكّامِ. أوْ لا تُلْقُوا بَعْضَها إلى حُكّامِ السُّوءِ عَلى وجْهِ الرِّشْوَةِ لِيُعِينُوكم عَلى اقْتِطاعِ أمْوالِ النّاسِ. وقَدْ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ والرّائِشَ» - وهو الواسِطَةُ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُما - رَواهُ أهْلُ السُّنَنِ. وذَلِكَ لِأنَّ ولِيِّ الأمْرِ إذا أكَلَ هَذا السُّحْتَ - أعْنِي الرِّشْوَةَ المُسَمّاةَ: بِالبِرْطِيلِ وتُسَمّى أحْيانًا: بِالهَدِيَّةِ وغَيْرِها - احْتاجَ أنْ يَسْمَعَ الكَذِبَ مِنَ الشَّهادَةِ الزُّورِ وغَيْرِها مِمّا فِيهِ إعانَةٌ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ. ووَلِيُّ الأمْرِ إنَّما نُصِّبَ لِيَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، هَذا مَقْصُودُ الوِلايَةِ. وإذا كانَ الوالِي يُمَكِّنُ مِنَ المُنْكَرِ بِمالٍ يَأْخُذُهُ كانَ قَدْ أتى بِضِدِّ المَقْصُودِ، مِثْلَ مَن نَصَّبْتَهُ لِيُعِينَكَ عَلى عَدُوِّكَ فَأعانَ عَدُوَّكَ عَلَيْكَ. وبِمَنزِلَةِ مِن أخَذَ مالًا لِيُجاهِدَ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقاتَلَ المُسْلِمِينَ. والحُكّامُ: جَمْعُ حاكِمٍ، وهُوَ: مُنَفِّذُ الحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ كالحَكَمِ، مُحَرَّكَةً ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ أيْ: بِواسِطَةِ حُكْمِهِمُ الفاسِدِ وبِالتَّحاكُمِ إلَيْهِمْ: ﴿فَرِيقًا﴾ - أيْ: طائِفَةً وقِطْعَةً -: ﴿مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ﴾ بِما يُوجِبُ إثْمًا - كَشَهادَةِ الزُّورِ واليَمِينِ الفاجِرَةِ، وحُكْمِهِمُ الفاسِدِ - فَإنَّهُ لا يُفِيدُ الحَلَّ والظُّلْمَ. فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. مُتَعَلِّقُها لِتَأْكُلُوا. وجُوِّزَ كَوْنُها لِلْمُصاحَبَةِ. فالمَجْرُورُ حالٌ مِن فاعِلِ لِتَأْكُلُوا أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالإثْمِ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّكم عَلى الباطِلِ. وارْتِكابُ المَعْصِيَةِ - مَعَ العِلْمِ بِقُبْحِها - أقْبَحُ، وصاحِبُهُ أحَقُّ بِالتَّوْبِيخِ، فالتَّقْيِيدُ لِكَمالِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ. قالَ الرّاغِبُ: أيْ: إنْ خَفِيَ ظُلْمُكم عَلى النّاسِ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْكُمْ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاعْتِبارَ بِما عَلَيْهِ الأمْرُ في نَفْسِهِ، وما عَلِمْتُمْ مِنهُ لا بِما يَظْهَرُ. (p-٤٦٨)وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في " تَفْسِيرِهِ ": قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ مالٌ ولَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ بَيِّنَةٌ، فَيَجْحَدُ المالَ، ويُخاصِمُ إلى الحُكّامِ. وهو يَعْرِفُ أنَّ الحَقَّ عَلَيْهِ. وهو يَعْلَمُ أنَّهُ آثِمٌ آكِلٌ الحَرامَ. وكَذا رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أنَّهم قالُوا: لا تُخاصِمْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّكَ ظالِمٌ. وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««ألّا إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّما يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِيَ لَهُ. فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإنَّما هي قِطْعَةٌ مِن نارٍ. فَلْيَحْمِلْها أوْ لِيَذَرْها»» . فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ وهَذا الحَدِيثُ عَلى أنَّ حُكْمَ الحاكِمِ لا يُغَيِّرُ الشَّيْءَ في نَفْسِ الأمْرِ. فَلا يَحِلُّ في نَفْسِ الأمْرِ حَرامًا هو حَلالٌ، ولا يُحَرِّمُ باطِلًا هو حَلالٌ. وإنَّما هو مُلْزَمٌ في الظّاهِرِ. فَإنَّ طابَقَ في نَفْسِ الأمْرِ فَذاكَ، وإلّا فَلِلْحاكِمِ أجْرُهُ، وعَلى المُحْتالِ وِزْرُهُ. ولِهَذا قالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: تَعْلَمُونَ بُطْلانَ ما تَدْعُونَهُ وتَرْجُونَهُ في كَلامِكم. قالَ قَتادَةُ: اعْلَمْ يا بُنَيَّ آدَمَ...! أنَّ قَضاءَ القاضِي لا يَحِلُّ حَرامًا، ولا يَحِقُّ لَكَ باطِلًا، وإنَّما يَقْضِي القاضِي بِنَحْوِ ما يَرى وتَشْهَدُ بِهِ الشُّهُودُ، والقاضِي بَشَرٌ يُخْطِئُ ويُصِيبُ. واعْلَمُوا أنَّ مَن قُضِيَ لَهُ بِباطِلٍ أنَّ خُصُومَتَهُ لَمْ تَنْقَضِ حَتّى يَجْمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما يَوْمَ القِيامَةِ. فَيَقْضِيَ عَلى المُبْطِلِ لِلْمُحِقِّ بِأجْوَدِ مِمّا قَضى بِهِ لِلْمُبْطِلِ عَلى المُحِقِّ في الدُّنْيا.

البقرة 2:189

(p-٤٦٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨٩] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ . ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ: بَلَغَنا «أنَّهم قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ خُلِقَتِ الأهِلَّةُ؟ فَنَزَلَتْ». ورَوى أبُو نُعَيْمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نَزَلَتْ في مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ. قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو - أوْ يَطْلُعُ - دَقِيقًا مِثْلَ الخَيْطِ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَعْظُمَ ويَسْتَدِيرَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ ويَدُقُّ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ، لا يَكُونُ عَلى حالٍ واحِدٍ؟ فَنَزَلَتْ». ومَعْنى كَوْنِها: ﴿مَواقِيتُ لِلنّاسِ﴾ مَعالِمُ لَهم في حَلِّ دِينِهِمْ، ولِصَوْمِهِمْ، ولِفِطْرِهِمْ، وأوْقاتِ حَجِّهِمْ، وأجائِرِهِمْ، وأوْقاتِ الحَيْضِ، وعِدَدِ نِسائِهِمْ، والشُّرُوطِ الَّتِي إلى أجَلٍ، فَكُلُّ هَذا مِمّا لا يَسْهُلُ ضَبْطُ أوْقاتِها إلّا عِنْدَ وُقُوعِ الِاخْتِلافِ في شَكْلِ القَمَرِ زِيادَةً ونَقْصًا. ولِهَذا خالَفَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ الَّتِي هي دائِمَةٌ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ. قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ: أنَّ الأحْكامَ الشَّرْعِيَّةَ - كالزَّكاةِ والعِدَدِ لِلنِّساءِ والحَمْلِ تَتَعَلَّقُ بِشُهُورِ الأهِلَّةِ لا بِشُهُورِ الفُرْسِ. أمّا ما تَعَلَّقَ بِالعُقُودِ والأفْعالِ المُتَعَلِّقَةِ بِفِعْلِ بَنِي آدَمَ فَيُتْبَعُ فِيهِ العُرْفُ مِن حِسابِهِمْ، بِالأهِلَّةِ أوْ بِشُهُورِ الفُرْسِ. فَهَذا حُكْمٌ، وذاكَ حُكْمٌ آخَرُ. وقَدْ ذَكَرَ تَعالى هَذا المَعْنى في آياتٍ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [الإسراء: ١٢] (p-٤٧٠)أيْ: مِن غَيْرِ افْتِقارٍ إلى مُراجَعَةِ المُنَجِّمِ وحِسابِ الحاسِبِ؛ رَحْمَةً مِنهُ تَعالى وفَضْلًا. وإفْرادُ الحَجِّ بِالذِّكْرِ هُنا تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ. وقالَ القَفّالُ: نُكْتَةُ إفْرادِهِ: بَيانُ أنَّ الحَجَّ مَقْصُورٌ عَلى الأشْهُرِ الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى لِفَرْضِهِ. وأنَّهُ لا يَجُوزُ نَقْلُ الحَجِّ مِن تِلْكَ الأشْهُرِ إلى أشْهُرٍ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ في النَّسِيءِ. واللَّهُ أعْلَمُ. والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ حاءِ الحَجِّ والحَسَنُ عَلى كَسْرِها في جَمِيعِ القُرْآنِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: هُما مَصْدَرانِ كالرَّدِّ والذِّكْرِ. وقِيلَ: بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ. والأهِلَّةُ: جَمْعُ هِلالٍ. وجَمْعُهُ بِاخْتِلافِ زَمانِهِ. وهُوَ: غِرَّةُ القَمَرِ إلى ثَلاثِ لَيالٍ أوْ سَبْعٍ، ثُمَّ يُسَمّى قَمَرًا، ولَيْلَةَ البَدْرِ لِأرْبَعَ عَشْرَةَ. قالَ أبُو العَبّاسٍ: سُمِّيَ الهِلالُ هِلالًا: لِأنَّ النّاسَ يَرْفَعُونَ أصْواتَهم بِالإخْبارِ عَنْهُ، وسُمِّي بَدْرًا: لِمُبادَرَتِهِ الشَّمْسَ بِالطُّلُوعِ كَأنَّهُ يَجْعَلُها المَغِيبَ. ويُقالُ: سُمِّيَ بَدْرًا: لِتَمامِهِ وامْتِلائِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ تَمَّ فَهو بَدْرٌ. تَنْبِيهٌ: الجَوابُ عَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. وهو تَلَقِّي السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَطَلَّبُ - بِتَنْزِيلِ سُؤالِهِ مَنزِلَةَ غَيْرِهِ؛ تَنْبِيهًا لِلسّائِلِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ هو الأوْلى بِحالِهِ أوِ المُهِمُّ لَهُ. فَلَمّا سَألُوا عَنِ السَّبَبِ الفاعِلِيِّ لِلتَّشَكُّلاتِ النُّورِيَّةِ في الهِلالِ، أُجِيبُوا بِما تَرى مِنَ السَّبَبِ الغائِيِّ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السُّؤالَ عَنِ الغايَةِ والفائِدَةِ هو ألْيَقُ بِحالِهِمْ؛ لِأنَّ دَرْكَ الأسْبابِ الفاعِلِيَّةِ لِتِلْكَ التَّشَكُّلاتِ مَبْنِيٌّ عَلى أُمُورٍ مِن عِلْمِ الهَيْئَةِ لا عِنايَةَ لِلشَّرْعِ بِها. فَلَوْ (p-٤٧١)أُجِيبُوا: بِأنَّ اخْتِلافَ تَشَكُّلاتِ الهِلالِ، بِقَدْرِ مُحاذاتِهِ لِلشَّمْسِ، فَإذا حاذاها طَرَفٌ مِنهُ اسْتَنارَ ذَلِكَ الطَّرَفُ. ثُمَّ تَزْدادُ المُحاذاةُ والِاسْتِنارَةُ، حَتّى إذا تَمَّتْ بِالمُقابَلَةِ امْتَلَأ. ثُمَّ تَنْقُصُ المُحاذاةُ والِاسْتِنارَةُ حَتّى إذا حَصَلَ الِاجْتِماعُ أظْلَمَ بِالكُلِّيَّةِ؛ لَكانَ هَذا الجَوابُ اشْتِغالًا بِعِلْمِ الهَيْئَةِ الَّذِي لا يَنْتَفِعُ بِهِ في الدِّينِ، ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ صَلاحُ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ. والنَّبِيُّ ﷺ إنَّما بُعِثَ لِبَيانِ ذَلِكَ وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ بابًا مِنَ السِّحْرِ، زادَ ما زادَ»» . أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ. وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن طَلَبَ عِلْمَ النُّجُومِ تَكَهَّنَ. وهو مِنَ العِلْمِ الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««عِلْمٌ لا يَنْفَعُ، وجَهْلٌ لا يَضُرُّ»» . والمَقْصُودُ أنَّ الجَوابَ، عَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ؛ إشْعارًا بِأنَّ الأوْلى السُّؤالُ عَنِ الحِكْمَةِ فِيهِ. قالَ السَّكّاكِيُّ في " المِفْتاحِ ": ولِهَذا النَّوْعِ - أعْنِي إخْراجَ الكَلامِ لا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ - أسالِيبُ مُتَفَنِّنَةٌ، إذْ ما مِن مُقْتَضى كَلامٍ ظاهِرِيٍّ إلّا ولِهَذا النَّوْعِ مَدْخَلٌ فِيهِ بِجِهَةٍ مِن جِهاتِ البَلاغَةِ. تُرْشِدُ إلَيْهِ تارَةً بِالتَّصْرِيحِ، وتارَةً بِالفَحْوى. ولِكُلٍّ مِن تِلْكَ الأسالِيبِ عِرْقٌ في البَلاغَةِ يَتَشَرَّبُ مِن أفانِينِ سِحْرِها، ولا كَأُسْلُوبِ الحَكِيمِ فِيها، وهو تَلَقِّي المُخاطَبِ بِغَيْرِ ما يَتَرَقَّبُ كَما قالَ:(p-٤٧٢) ؎أتَتْ تَشْتَكِي عِنْدِي مُزاوِلَةَ القُرى وقَدْ رَأتِ الضِّيفانَ يَنْحُونَ مَنزِلِي ؎فَقُلْتُ كَأنِّي ما سَمِعْتُ كَلامَها: ∗∗∗ هُمُ الضَّيْفُ جِدِّي في قُراهم وعَجِّلِي أوِ السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَطَلَّبُ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ الآيَةَ، قالُوا في السُّؤالِ: ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو دَقِيقًا...! إلخ؟ فَأُجِيبُوا بِما تَرى. وكَما قالَ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] سَألُوا عَنْ بَيانِ ما يُنْفِقُونَ، فَأُجِيبُوا بِبَيانِ المَصْرِفِ. يَنْزِلُ سُؤالُ السّائِلِ مَنزِلَةَ سُؤالٍ غَيْرِ سُؤالِهِ، لِتَوَخِّي التَّنْبِيهِ لَهُ بِألْطَفِ وجْهٍ عَلى تَعَدِّيهِ عَنْ مَوْضِعِ سُؤالٍ هو ألْيَقُ بِحالِهِ أنَّ يَسْألَ عَنْهُ، أوْ أهَمُّ لَهُ إذا تَأمَّلَ، وأنَّ هَذا الأُسْلُوبَ الحَكِيمَ لَرُبَّما صادَفَ المَقامَ فَحَرَّكَ مِن نَشاطِ السّامِعِ ما سَلَبَهُ حُكْمَ الوَقُورِ، وأبْرَزَهُ في مَعْرِضِ المَسْحُورِ؛ وهَلْ ألانَ شَكِيمَةَ الحَجّاجِ لِذَلِكَ الخارِجِيِّ، وسَلَّ سَخِيمَتَهُ، حَتّى آثَرَ أنْ يُحْسِنَ، عَلى أنْ يُسِيءَ؛ غَيْرَ أنْ سَحَرَهُ بِهَذا الأُسْلُوبِ؟ إذْ تَوَعَّدَهُ الحَجّاجُ بِالقَيْدِ في قَوْلِهِ: " لَأحْمِلَنَّكَ عَلى الأدْهَمِ! " فَقالَ مُتَغابِيًا: مِثْلُ الأمِيرِ يُحْمَلُ عَلى الأدْهَمِ والأشْهَبِ! مُبْرِزًا وعِيدَهُ في مَعْرِضِ الوَعْدِ، مُتَوَصِّلًا أنْ يُرِيَهُ بِألْطَفِ وجْهٍ: أنَّ امْرَأً مِثْلَهُ - في مُسْنَدِ الإمْرَةِ المُطاعَةِ - خَلِيقٌ بِأنْ يُصْفِدَ لا أنْ يَصْفِدَ، وأنْ يَعِدَ لا أنْ يُوعِدَ. ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ قالَ الرّاغِبُ في " تَفْسِيرِهِ ": البابُ مَعْرُوفٌ. وعَنْهُ اسْتُعِيرَ لِمَدْخَلِ الأُمُورِ المُتَوَصَّلِ بِهِ إلَيْها. وقِيلَ في العِلْمِ: بابُ كَذا. وقَدْ سُئِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ زِيادَةِ القَمَرِ ونُقْصانِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ تَنْبِيهًا عَلى أظْهَرِ فائِدَتِهِ لِلْحِسِّ، وأبْيَنِها لَهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ (p-٤٧٣)أيْ: بِأنْ تَطْلُبُوا الأمْرَ مِن غَيْرِ وجْهِهِ. وذَلِكَ أنَّهُ يُقالُ: أتى فُلانٌ البَيْتَ مِن بابِهِ - إذا طَلَبَ الِشَيْءَ مِن وجْهِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أتَيْتُ المُرُوءَةَ مِن بابِها وأتى البَيْتَ مِن ظَهْرِهِ: إذا طَلَبَ الأمْرَ مِن غَيْرِ وجْهِهِ. وجُعِلَ ذَلِكَ مَثَلًا لِسُؤالِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ عَمّا هو لَيْسَ مِنَ العِلْمِ المُخْتَصِّ بِالنُّبُوَّةِ. وإنَّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ المَنهَجِ، وذَلِكَ أنَّ العُلُومَ ضَرْبانِ: دُنْيَوِيٌّ: يَتَعَلَّقُ بِأمْرِ المَعاشِ - كَمَعْرِفَةِ الصَّنائِعِ. ومَعْرِفَةِ حَرَكاتِ النُّجُومِ ومَعْرِفَةِ المَعادِنِ، والنَّباتِ، وطَبائِعِ الحَيَواناتِ، وقَدْ جُعِلَ لَنا سَبِيلًا إلى مَعْرِفَتِهِ عَلى غَيْرِ لِسانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وشَرِيعَةٌ: وهو البِرُّ: ولا سَبِيلَ إلى أخْذِهِ إلّا مِن جِهَتِهِ وهو أحْكامُ التَّقْوى... فَلَّما جاءُوا يَسْألُونَ النَّبِيَّ ﷺ، عَمّا أمْكَنَهم مَعْرِفَتَهُ مِن غَيْرِ جِهَتِهِ، أجابَهُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَيْسَ البِرُّ تَرْكَ المَنهَجِ في السُّؤالِ مِنَ النَّبِيِّ ما لَيْسَ مُخْتَصًّا بِعِلْمِ نُبُوَّتِهِ. ولَكِنَّ البِرَّ هو مُجَرَّدُ التَّقْوى. وذَلِكَ يَكُونُ بِالعِلْمِ والعَمَلِ المُخْتَصِّ بِالدِّينِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ النَّسِيءِ. فَإنَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ الحَجَّ عَنْ وقْتِهِ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُ. فَيُحَرِّمُونَ الحَلالَ ويُحَلِّلُونَ الحَرامَ. فَذِكْرُ إتْيانِ البُيُوتِ مِن ظُهُورِها مَثَلٌ لِمُخالَفَةِ الواجِبِ في الحَجِّ وشُهُورِهِ. وأمّا ما رَواهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: سَمِعْتُ البَراءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا. كانَتِ الأنْصارُ إذا حَجُّوا فَجاؤُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِن قِبَلِ أبْوابِ بُيُوتِهِمْ ولَكِنْ مِن ظُهُورِها. فَجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَدَخَلَ مِن قِبَلِ بابِهِ، فَكَأنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ﴾ الآيَةَ، فالمُرادُ مِن نُزُولِها في ذَلِكَ، صِدْقُها عَلَيْهِ حَسْبَما رَآهُ لا أنَّ ذَلِكَ كانَ سَبَبَ نُزُولِها. كَما بَيَّنّا مِرارًا مَعْنى قَوْلِهِمْ: نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا. (p-٤٧٤)وقَدْ أشارَ لِهَذا الرّاغِبُ - بَعْدَ حِكايَتِهِ هَذِهِ الرِّوايَةَ، وما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ - بِقَوْلِهِ: وكُلُّ ذَلِكَ لا يَدْفَعُ أنْ تَتَناوَلَهُ الآيَةُ، لَكِنَّ الألْيَقَ أنْ تُؤَوَّلَ الآيَةُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أنَّ مَعْنى: ﴿وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ أيْ: تَحَرُّوا في كُلِّ عَمَلٍ إتْيانَ الشَّيْءِ مِن وجْهِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما يُطْلُبُ مِن غَيْرِ وجْهِهِ صَعْبٌ تَناوُلُهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ حَثًّا لَنا أنْ نَجْعَلَ تَقْوى اللَّهِ شِعارَنا في كُلِّ ما نَتَحَرّاهُ. وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلى تَحْصِيلِ الفَلاحِ.