Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — النساء 4:1 – النساء 4:47
المحتويات
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
- النساء 4:13
- النساء 4:14
- النساء 4:15
- النساء 4:16
- النساء 4:17
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:20
- النساء 4:21
- النساء 4:22
- النساء 4:23
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:26
- النساء 4:27
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:30
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:39
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:42
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:45
- النساء 4:46
- النساء 4:47
النساء 4:1
(p-١٠٩٢)سُورَةُ النِّساءِ
رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ بِالمَدِينَةِ.
وكَذا رَوى ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.
وقَدْ زَعَمَ النَّحّاسُ أنَّها مَكِّيَّةٌ مُسْتَنِدًا إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [النساء: ٥٨] [النِّساءِ: ٥٨] الآيَةَ، نَزَلَتْ بِمَكَّةَ اتِّفاقًا في شَأْنِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ، وذَلِكَ مُسْتَنَدٌ واهٍ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نُزُولِ آيَةٍ أوْ آياتٍ مِن سُوَرٍ طَوِيلَةٍ - نَزَلَ مُعْظَمُها بِالمَدِينَةِ - أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً، خُصُوصًا أنَّ الأرْجَحَ أنَّ ما نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ مَدَنِيٌّ.
ومَن راجَعَ أسْبابَ نُزُولِ آياتِها عَرَفَ الرَّدَّ عَلَيْهِ، ومِمّا يَرُدُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلّا وأنا عِنْدُهُ» ودُخُولُها عَلَيْهِ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ اتِّفاقًا.
وقِيلَ: نَزَلَتْ عِنْدَ الهِجْرَةِ.
وآياتُها مِائَةٌ وسَبْعُونَ وخَمْسٌ، وقِيلَ سِتٌّ وقِيلَ سَبْعٌ، كَذا في الإتْقانِ.
ورَوى الحاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: إنَّ في سُورَةِ النِّساءِ لَخَمْسُ آياتٍ ما يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِها الدُّنْيا وما فِيها: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] [النِّساءِ: ٤٠] الآيَةَ، و َ ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] [النِّساءِ: ٣١] الآيَةَ، (p-١٠٩٣)و﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النِّساءِ: ٤٨]، ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤] [النِّساءِ: ٦٤] الآيَةَ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: خَمْسُ آياتٍ مِنَ النِّساءِ لَهُنَّ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا جَمِيعًا: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النِّساءِ: ٦٤] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] [النِّساءِ: ١١٠].
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ثَمانِي آياتٍ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ؛ أوَّلُهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦] [النِّساءِ: ٢٦]، والثّانِيَةُ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] [النِّساءِ: ٢٧] والثّالِثَةُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] [النِّساءِ: ٢٨] ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ سَواءً، يَعْنِي في الخَمْسَةِ الباقِيَةِ.
لَطِيفَةٌ: إنَّما سُمِّيَتْ سُورَةَ النِّساءِ؛ لِأنَّ ما نَزَلَ مِنها في أحْكامِهِنَّ أكْثَرُ مِمّا نَزَلَ في غَيْرِها.
(p-١٠٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالا كَثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ [١]
﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ أيِ: اخْشَوْهُ أنْ تُخالِفُوهُ فِيما أمَرَكم بِهِ أوْ نَهاكم عَنْهُ.
ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى اتِّصافِهِ بِكَمالِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ، لِتَأْيِيدِ الأمْرِ بِالتَّقْوى وتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ عَلى طَرِيقِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: فَرَّعَكم مِن أصْلٍ واحِدٍ، وهو نَفْسُ أبِيكم آدَمَ، وخَلْقُهُ تَعالى إيّاهم عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ مِمّا يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، ومَن قَدَرَ عَلى نَحْوِهِ كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ عِقابُهم عَلى مَعاصِيهِمْ.
فالنَّظَرُ فِيهِ يُؤَدِّي إلى الِاتِّقاءِ مِن مُوجِباتِ نِقْمَتِهِ، وكَذا جَعْلُهُ تَعالى إيّاهم صِنْوانًا مُفَرَّعَةً مِن أرُومَةٍ واحِدَةٍ مِن مُوجِباتِ الِاحْتِرازِ عَنِ الإخْلالِ بِمُراعاةِ ما بَيْنَهم مِن حُقُوقِ الأُخُوَّةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما يَأْتِي مِنَ الإرْشادِ إلى صِلَةِ الأرْحامِ، ورِعايَةِ حالِ الأيْتامِ، والعَدْلِ في النِّكاحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ (p-١٠٩٥)أُولَئِكَ النَّفَرُ مِن مُضَرَ وهم مُجْتابُو النِّمارِ (أيْ: مِن عُرْيِهِمْ وفَقْرِهِمْ) قامَ فَخَطَبَ النّاسَ بَعْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ فَقالَ في خُطْبَتِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ١] حَتّى خَتَمَ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] [الحَشْرِ: مِنَ الآيَةِ ١٨] ثُمَّ حَضَّهم عَلى الصَّدَقَةِ فَقالَ: تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دِينارِهِ، مِن دِرْهَمِهِ، مِن صاعِ بُرِّهِ، مِن صاعِ تَمْرِهِ» وذَكَرَ تَمامَ الحَدِيثِ.
وهَكَذا رَواهُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في خُطْبَةِ الحاجَةِ.
وفِيها: ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلاثَ آياتٍ هَذِهِ مِنها: ﴿أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الآيَةَ ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ: مِن نَفْسِها، يَعْنِي مِن جِنْسِها لِيَكُونَ بَيْنَهُما ما يُوجِبُ التَّآلُفَ والتَّضامَّ، فَإنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ، وقَدْ أوْضَحَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] [الرُّومِ: ٢١].
﴿وبَثَّ مِنهُما﴾ أيْ: نَشَرَ مِن تِلْكَ النَّفْسِ وزَوْجِها المَخْلُوقَةِ مِنها بِطَرِيقِ التَّوالُدِ (p-١٠٩٦)والتَّناسُلِ ﴿رِجالا كَثِيرًا ونِساءً﴾ أيْ: كَثِيرَةً، وتَرَكَ التَّصْرِيحَ بِها لِلِاكْتِفاءِ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْأمْرِ وتَذْكِيرٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن مُوجِباتِ الِامْتِثالِ بِهِ، فَإنَّ سُؤالَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِاللَّهِ تَعالى بِأنْ يَقُولُوا: أسْألُكَ بِاللَّهِ وأنْشُدُكَ اللَّهَ - عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ - يَقْتَضِي الِاتِّقاءَ مِن مُخالَفَةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ.
وتَعْلِيقُ الِاتِّقاءِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في الحَمْلِ عَلى الِامْتِثالِ بِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، ولِوُقُوعِ التَّساؤُلِ بِهِ لا بِغَيْرِهِ مِن أسْمائِهِ تَعالى وصِفاتِهِ.
و: ﴿تَساءَلُونَ﴾ أصْلُهُ تَتَساءَلُونَ، فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وقُرِئَ بِإدْغامِ تاءِ التَّفاعُلِ في السِّينِ لِتَقارُبِهِما في الهَمْسِ، وقُرِئَ (تَسْألُونَ) مِنَ الثُّلاثِيِّ، أيْ: تَسْألُونَ بِهِ غَيْرَكُمْ، وقَدْ فُسِّرَ بِهِ القِراءَةُ الأُولى والثّانِيَةُ، وحَمْلُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ عَلى اعْتِبارِ الجَمْعِ، كَما في قَوْلِكَ: رَأيْتُ الهِلالَ وتَراءَيْناهُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْحامَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيِ: اتَّقُوا اللَّهَ والأرْحامَ أنْ تَقْطَعُوها، فَإنَّ قَطِيعَتَها مِمّا يَجِبُ أنْ يُتَّقى، أوْ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ: (تَساءَلُونَ بِهِ وبِالأرْحامِ) فَإنَّهم كانُوا يُقْرِنُونَها في السُّؤالِ والمُناشَدَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَقُولُونَ: أسْألُكَ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ، ولَقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى - حَيْثُ قَرَنَها بِاسْمِهِ الجَلِيلِ - عَلى أنَّ صِلَتَها بِمَكانٍ مِنهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسْراءِ: مِنَ الآيَةِ ٢٣]، وقالَ تَعالى: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ﴾ [النساء: ٣٦] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٣٦].
(p-١٠٩٧)وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَقُولُ: مَن وصَلَنِي وصَلَهُ اللَّهُ، ومَن قَطَّعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» .
ورَوِيا أيْضًا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قاطِعٌ» .
قالَ سُفْيانُ في رِوايَتِهِ: يَعْنِي قاطِعَ رَحِمٍ.
ورَوى البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَيْسَ الواصِلُ بِالمُكافِئِ، ولَكِنَّ الواصِلَ الَّذِي إذا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وصَلَها» .
ورَوِيا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» والأحادِيثُ في التَّرْغِيبِ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، والتَّرْهِيبِ مِن قَطِيعَتِها كَثِيرَةٌ.
* *
تَنْبِيهٌ:
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ المَسْألَةِ بِاللَّهِ تَعالى، كَذا قالَهُ الرّازِيُّ، ووَجْهُهُ أنَّهُ تَعالى أقَرَّهم عَلى هَذا التَّساؤُلِ؛ لِكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ عَظَمَتَهُ، ولَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمْ، نَعَمْ مَن أدّاهُ التَّساؤُلُ بِاسْمِهِ تَعالى إلى (p-١٠٩٨)التَّساهُلِ في شَأْنِهِ وجَعْلِهِ عُرْضَةً لِعَدَمِ إجْلالِهِ ووَسِيلَةً لِلْأبْوابِ السّاسانِيَّةِ فَهَذا مَحْظُورٌ قَطْعًا.
وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما ورَدَ مِن لَعْنِ مَن سَألَ بِوَجْهِ اللَّهِ، كَما سَنَذْكُرُهُ، وقَدْ ورَدَ في هَذا البابِ أحادِيثُ وافِرَةٌ.
مِنها عَنِ ابْنِ عُمَرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ فَأعِيذُوهُ، ومَن سَألَكم بِاللَّهِ فَأعْطُوهُ، ومَن دَعاكم فَأجِيبُوهُ، ومَن أتى عَلَيْكم مَعْرُوفًا فَكافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا ما تُكافِئُوهُ فادْعُوا لَهُ حَتّى تَعْلَمُوا أنْ قَدْ كافَأْتُمُوهُ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ فَأعِيذُوهُ، ومَن سَألَكم بِوَجْهِ اللَّهِ فَأعْطُوهُ» .
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَن سُئِلَ بِاللَّهِ فَأعْطى كُتِبَ لَهُ سَبْعُونَ حَسَنَةً» رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
وفِي البُخارِيِّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ وذَكَرَ مِنها: وإبْرارِ القَسَمِ» .
ورَوى أبُو داوُدَ والضِّياءُ في "المُخْتارَةِ" بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ (p-١٠٩٩)جابِرٍ مَرْفُوعًا: «لا يُسْألُ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى إلّا الجَنَّةُ» .
ورَوى الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا: «مَلْعُونٌ مَن سَألَ بِوَجْهِ اللَّهِ، ومَلْعُونٌ مَن سُئِلَ بِوَجْهِ اللَّهِ ثُمَّ مَنَعَ سائِلَهُ، ما لَمْ يَسْألْ هُجْرًا» قالَ السُّيُوطِيُّ: إسْنادُهُ حَسَنٌ.
وقالَ الحافِظُ المُنْذِرِيُّ: رِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ إلّا شَيْخَهُ (يَعْنِي الطَّبَرانِيَّ ) يَحْيى بْنَ عُثْمانَ بْنِ صالِحٍ، وهو ثِقَةٌ وفِيهِ كَلامٌ.
وهُجْرًا (بِضَمِّ الهاءِ وسُكُونِ الجِيمِ) أيْ: ما لَمْ يَسْألْ أمْرًا قَبِيحًا لا يَلِيقُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ ما لَمْ يَسْألْ سُؤالًا قَبِيحًا بِكَلامٍ قَبِيحٍ، انْتَهى.
وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، مَوْلى رِفاعَةَ، عَنْ رافِعٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: مَلْعُونٌ مَن سَألَ بِوَجْهِ اللَّهِ، ومَلْعُونٌ مَن سُئِلَ بِوَجْهِ اللَّهِ فَمَنَعَ سائِلَهُ» رَواهُ الطَّبَرانِيُّ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ألا أُخْبِرُكم بِشَرِّ النّاسِ؟ رَجُلٍ يُسْألُ بِوَجْهِ اللَّهِ ولا يُعْطِي» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ.
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ألا أُخْبِرُكم بِشَرِّ البَرِيَّةِ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الَّذِي يُسْألُ بِاللَّهِ ولا يُعْطِي» .
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ أيْ: مُراقِبًا لِجَمِيعِ أحْوالِكم وأعْمالِكُمْ، يَراها ويَعْلَمُها فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، كَما قالَ [تَعالى]: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] وفي الحَدِيثِ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
وهَذا إرْشادٌ وأمْرٌ بِمُراقَبَتِهِ تَعالى، فَعَلى المَرْءِ أنْ يُراقِبَ أحْوالَ نَفْسِهِ، ويَأْخُذَ حَذَرَهُ مِن أنْ يَنْتَهِزَ الشَّيْطانُ مِنهُ فُرْصَةً فَيَهْلَكَ عَلى غَفْلَةٍ.
النساء 4:2
(p-١١٠٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [٢]
﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ مَوارِدِ الِاتِّقاءِ ومَظانِّهِ بِتَكْلِيفِ ما يُقابِلُها أمْرًا ونَهْيًا.
وتَقْدِيمُ ما يَتَعَلَّقُ بِاليَتامى لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِأمْرِهِمْ ولِمُلابَسَتِهِمْ بِالأرْحامِ، إذِ الخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ، وقَلَّما تُفَوَّضُ الوِصايَةُ إلى الأجانِبِ.
واليَتِيمُ مَن ماتَ أبُوهُ، مِنَ اليُتْمِ، وهو الِانْفِرادُ، ومِنهُ الدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ، والقِياسُ الِاشْتِقاقِيُّ يَقْتَضِي وُقُوعَهُ عَلى الصِّغارِ والكِبارِ، وقَدْ خَصَّهُ الشَّرْعُ بِمَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ، كَما رَوى أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ» .
وفِي الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يُرادَ بِاليَتامى الكِبارَ الَّذِينَ أُونِسَ مِنهُمُ الرُّشْدُ مَجازًا، بِاعْتِبارِ ما كانَ، أُوثِرَ لِقُرْبِ العَهْدِ بِالصِّغَرِ، والإشارَةِ إلى (p-١١٠١)وُجُوبِ المُسارَعَةِ إلى دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ حِينَئِذٍ، حَتّى كَأنَّ اسْمَ اليَتِيمِ باقٍ بَعْدُ، غَيْرُ زائِلٍ.
الثّانِي: أنْ يُرادَ بِهِمُ الكِبارَ حَقِيقَةً، وارِدَةً عَلى أصْلِ اللُّغَةِ.
الثّالِثُ: أنْ يُرادَ بِهِمُ الصِّغارَ، وبِـ (الإيتاءِ) ما يَدْفَعُهُ الأوْلِياءُ والأوْصِياءُ إلَيْهِمْ مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ، لا دَفْعُها إلَيْهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ.
الرّابِعُ: أنْ يُرادَ بِهِمْ ما ذُكِرَ، وبِـ(إيتائِهِمُ) الأمْوالَ أنْ لا يَطْمَعَ فِيها الأوْلِياءُ والأوْصِياءُ، وُلاةُ السُّوءِ وقُضاتُهُ، ويَكُفُّوا عَنْها أيْدِيَهُمُ الخاطِفَةَ حَتّى تُؤْتى اليَتامى إذا بَلَغُوا سالِمَةً غَيْرَ مَحْذُوفَةٍ، فالتَّجَوُّزُ في الإيتاءِ حِينَئِذٍ بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ وهو تَرْكُها سالِمَةً؛ لِأنَّها لا تُؤْتى إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ.
قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": هَذا الوَجْهُ قَوِيٌّ بِقَوْلِهِ بَعْدَ آياتٍ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٦] دَلَّ عَلى أنَّ الآيَةَ الأُولى في الحَضِّ عَلى حِفْظِها لَهم لِيُؤْتَوْها عِنْدَ بُلُوغِهِمْ ورُشْدِهِمْ، والثّانِيَةَ في الحَضِّ عَلى الإيتاءِ الحَقِيقِيِّ عِنْدَ حُصُولِ البُلُوغِ والرُّشْدِ.
ويُقَوِّيهِ أيْضًا قَوْلُهُ عَقِيبَ الأُولى: ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا﴾ إلَخْ، فَهَذا كُلُّهُ تَأْدِيبٌ لِلْوَصِيِّ ما دامَ المالُ بِيَدِهِ واليَتِيمُ في حِجْرِهِ.
وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَيَكُونُ مُؤَدّى الآيَتَيْنِ واحِدًا وهو الأمْرُ بِالإيتاءِ حَقِيقَةً، ويُخَلَّصُ عَنِ التَّكْرارِ بِأنَّ الأُولى كالمُجْمَلَةِ والثّانِيَةَ كالمُبَيِّنَةِ لِشَرْطِ الإيتاءِ: مِنَ البُلُوغِ وإيناسِ الرُّشْدِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ أيْ: ولا تَسْتَبْدِلُوا الحَرامَ - وهو مالُ اليَتامى - بِالحَلالِ وهو مالُكُمْ، وما أُبِيحَ لَكم مِنَ المَكاسِبِ، ورِزْقِ اللَّهِ المَبْثُوثِ في الأرْضِ فَتَأْكُلُوهُ مَكانَهُ.
﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ آخَرَ كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ، أيْ: لا تَأْكُلُوها مَضْمُومَةً إلى أمْوالِكم مَخْلُوطَةً بِها لِلتَّوْسِعَةِ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ: الأكْلُ: ﴿كانَ حُوبًا﴾ أيْ: ذَنْبًا (p-١١٠٢)عَظِيمًا، وقُرِئَ بِفَتْحِ الحاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَبِيرًا﴾ مُبالَغَةٌ في بَيانِ عِظَمِ ذَنْبِ الأكْلِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِن كِبارِ الذُّنُوبِ.
* *
تَنْبِيهٌ:
خُصَّ مِن ذَلِكَ مِقْدارُ أجْرِ المِثْلِ عِنْدَ كَوْنِ الوَلِيِّ فَقِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] كَذا قالَهُ البَيْضاوِيُّ، وتابَعَهُ أبُو السُّعُودِ.
وعِنْدِي أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَخْصِيصِ هَذا النَّهْيِ بِالفَقِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّها في الغَنِيِّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إلى أمْوالِكُمْ﴾ فَلا يَشْمَلُ مَساقُها الفَقِيرَ، وسَنُوَضِّحُ ذَلِكَ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أكْلَ مالِ اليَتامى وحْدَهُ ومَعَ أمْوالِهِمْ، فَلِمَ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِهِ مَعَها؟ قُلْتُ: لِأنَّهم إذا كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْ أمْوالِ اليَتامى بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن مالٍ حَلالٍ، وهم عَلى ذَلِكَ يَطْمَعُونَ فِيها، كانَ القُبْحُ أبْلَغَ والذَّمُّ أحَقَّ، ولِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ كَذَلِكَ فَنَعى عَلَيْهِمْ فِعْلَهم وسَمَّعَ بِهِمْ؛ لِيَكُونَ أزْجَرَ لَهُمُ، انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": أهْلُ البَيانِ يَقُولُونَ: المَنهِيُّ مَتى كانَ دَرَجاتٍ فَطَرِيقُ البَلاغَةِ النَّهْيُ عَنْ أدْناها تَنْبِيهًا عَلى الأعْلى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسْراءِ: مِنَ الآيَةِ ٢٣] وإذا اعْتَبَرْتَ هَذا القانُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ وجَدْتَهُ بِبادِئِ الرَّأْيِ مُخالِفًا لَها؛ إذْ أعْلى دَرَجاتِ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ في النَّهْيِ أنْ يَأْكُلَهُ وهو غَنِيٌّ عَنْهُ، وأدْناها أنْ يَأْكُلَهُ وهو فَقِيرٌ إلَيْهِ، فَكانَ مُقْتَضى القانُونِ المَذْكُورِ أنْ يَنْهى عَنْ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ مَن هو فَقِيرٌ إلَيْهِ حَتّى يَلْزَمَ نَهْيُ الغَنِيِّ عَنْهُ مِن طَرِيقِ الأوْلى، وحِينَئِذٍ فَلا بُدَّ مِن تَمْهِيدِ أمْرٍ يُوَضِّحُ فائِدَةَ تَخْصِيصِ الصُّورَةِ العُلْيا بِالنَّهْيِ في هَذِهِ الآيَةِ.
فَنَقُولُ: أبْلَغُ الكَلامِ (p-١١٠٣)ما تَعَدَّدَتْ وُجُوهُ إفادَتِهِ، ولا شَكَّ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الأدْنى - وإنْ أفادَ النَّهْيَ عَنِ الأعْلى - إلّا أنَّ لِلنَّهْيِ عَنِ الأعْلى أيْضًا فائِدَةٌ أُخْرى جَلِيلَةٌ، لا تُؤْخَذُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الأدْنى، وذَلِكَ أنَّ المَنهِيَّ كُلَّما كانَ أقْبَحَ كانَتِ النَّفْسُ عَنْهُ أنْفَرَ والدّاعِيَةُ إلَيْهِ أبْعَدَ.
ولا شَكَّ أنَّ المُسْتَقِرَّ في النُّفُوسِ أنَّ أكْلَ مالِ اليَتِيمِ مَعَ الغِنى عَنْهُ أقْبَحُ صُوَرِ الأكْلِ، فَخُصِّصَ بِالنَّهْيِ؛ تَشْنِيعًا عَلى مَن يَقَعُ فِيهِ، حَتّى إذا اسْتَحْكَمَ نُفُورُهُ مِن أكْلِ مالِهِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ الشَّنْعاءِ دَعاهُ ذَلِكَ إلى الإحْجامِ عَنْ أكْلِ مالِهِ مُطْلَقًا.
فَفِيهِ تَدْرِيبٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى النُّفُورِ مِنَ المَحارِمِ، ولا تَكادُ هَذِهِ الفائِدَةُ تَحْصُلُ لَوْ خُصِّصَ النَّهْيُ بِأكْلِهِ مَعَ الفَقْرِ؛ إذْ لَيْسَتِ الطِّباعُ في هَذِهِ الصُّورَةِ مُعِينَةً عَلى الِاجْتِنابِ، كَإعانَتِها عَلَيْهِ في الصُّورَةِ الأُولى، ويُحَقِّقُ مُراعاةَ هَذا المَعْنى تَخْصِيصُهُ الأكْلَ، مَعَ أنَّ تَناوُلَ مالِ اليَتِيمِ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مَنهِيٌّ عَنْهُ، كانَ ذَلِكَ بِالِادِّخارِ أوْ بِالتِباسٍ أوْ بِبَذْلِهِ في لَذَّةِ النِّكاحِ مَثَلًا، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ - إلّا أنَّ حِكْمَةَ تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِالأكْلِ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تُتَذَمَّمُ بِالإكْثارِ مِنَ الأكْلِ، وتُعِدُّ البِطْنَةَ مِنَ البَهِيمِيَّةِ، وتَعِيبُ عَلى مَنِ اتَّخَذَها دَيْدَنَهُ، ولا كَذَلِكَ سائِرُ المَلاذِّ، فَإنَّهم رُبَّما يَتَفاخَرُونَ بِالإكْثارِ مِنَ النِّكاحِ ويَعُدُّونَهُ مِن زِينَةِ الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ الأكْلُ عِنْدَهم أقْبَحَ المَلاذِّ خُصَّ النَّهْيُ بِهِ، حَتّى إذا نَفَرَتِ النَّفْسُ مِنهُ بِمُقْتَضى طَبْعِها المَأْلُوفِ جَرَّها ذَلِكَ إلى النُّفُورِ مِن صَرْفِ مالِ اليَتِيمِ في سائِرِ المَلاذِّ أوْ غَيْرِها، أكْلًا أوْ غَيْرَهُ.
ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ في تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِما هو أعْلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ١٣٠]، فَخَصَّ هَذِهِ الصُّورَةَ؛ لِأنَّ الطَّبْعَ عَنِ الِانْتِهاءِ عَنْها أعْوَنُ.
ويُقابِلُ هَذا النَّظَرَ في النَّهْيِ نَظَرٌ آخَرُ في الأمْرِ، وهو أنَّهُ تارَةً يَخُصُّ صُورَةَ الأمْرِ الأدْنى تَنْبِيهًا عَلى الأعْلى، وتارَةً يَخُصُّ صُورَةَ الأعْلى لِمِثْلِ الفائِدَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ التَّدْرِيبِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ آياتٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء: ٨] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٨] الآيَةَ، كَيْفَ خَصَّ صُورَةَ حُضُورِهِمْ وإنْ كانَتِ العُلْيا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْبَتِهِمْ، وذَلِكَ (p-١١٠٤)أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ شُحَّ الأنْفُسِ عَلى الأمْوالِ، فَلَوْ أمَرَ بِإسْعافِ الأقارِبِ واليَتامى مِنَ المالِ المَوْرُوثِ - ولَمْ يَذْكُرْ حالَةَ حُضُورِهِمُ القِسْمَةَ - لَمْ تَكُنِ الأنْفُسُ بِالمُنْبَعِثَةِ إلى هَذا المَعْرُوفِ كانْبِعاثِها مَعَ حُضُورِهِمْ، بِخِلافِ ما إذا حَضَرُوا، فَإنَّ النَّفْسَ يَرِقُّ طَبْعُها وتَنْفِرُ مِن أنْ تَأْخُذَ المالَ الجَزْلَ وذُو الرَّحِمِ حاضِرٌ مَحْرُومٌ، ولا يُسْعَفُ ولا يُساعَدُ، فَإذا أُمِرَتْ في هَذِهِ الحالَةِ بِالإسْعافِ هانَ عَلَيْها امْتِثالُ الأمْرِ وائْتِلافُها عَلى امْتِثالِ الطَّبْعِ، ثُمَّ تَدَرَّبَتْ بِذَلِكَ عَلى إسْعافِ ذِي الرَّحِمِ مُطْلَقًا حَضَرَ أوْ غابَ.
فَمُراعاةُ هَذا وأمْثالِهِ مِنَ الفَوائِدِ لا يَكادُ يُلْقى إلّا في الكِتابِ العَزِيزِ، ولا يَعْثُرُ عَلَيْهِ إلّا الحاذِقُ الفَطِنُ المُؤَيَّدُ بِالتَّوْفِيقِ، نَسْألُ اللَّهَ أنْ يَسْلُكَ بِنا في هَذا النَّمَطِ، فَخُذْ هَذا القانُونَ عُمْدَةً، وهُوَ: أنَّ النَّهْيَ إنَّ خَصَّ الأدْنى فَلِفائِدَةِ التَّنْبِيهِ عَلى الأعْلى، وإنَّ خَصَّ الأعْلى فَلِفائِدَةِ التَّدْرِيبِ عَلى الِانْكِفافِ عَنِ القُبْحِ مُطْلَقًا مِنَ الِانْكِفافِ عَنِ الأقْبَحِ، ومِثْلُ هَذا النَّظَرِ في جانِبِ الأمْرِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ، انْتَهى.
النساء 4:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا﴾ [٣]
﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا﴾ أيْ: أنْ لا تَعْدِلُوا ﴿فِي اليَتامى﴾ أيْ: يَتامى النِّساءِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُقالُ لِلْإناثِ اليَتامى كَما يُقالُ لِلذُّكُورِ، وهو جَمْعُ يَتِيمَةٍ عَلى القَلْبِ، كَما قِيلَ: أيامى والأصْلُ أيائِمُ ويَتائِمُ.
﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ أيْ: مَن طِبْنَ لِنُفُوسِكم مِن جِهَةِ الجَمالِ والحُسْنِ أوِ العَقْلِ أوِ الصَّلاحِ مِنهُنَّ.
﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ ومَعْنى الآيَةِ: وإنْ خِفْتُمْ يا أوْلِياءَ اليَتامى أنْ لا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ إذا نَكَحْتُمُوهُنَّ؛ بِإساءَةِ العِشْرَةِ أوْ بِنَقْصِ الصَّداقِ، فانْكِحُوا غَيْرَهُنَّ مِنَ الغَرِيباتِ فَإنَّهُنَّ كَثِيرٌ، ولَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكم.
فالآيَةُ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ التَّوَرُّطِ (p-١١٠٥)فِي الجَوْرِ والأمْرِ بِالِاحْتِياطِ، وإنَّ في غَيْرِهِنَّ مُتَّسَعًا إلى الأرْبَعِ.
ورَوى البُخارِيُّ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَها وكانَ لَها عَذْقٌ (أيْ: نَخْلَةٌ) وكانَ يُمْسِكُها عَلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ لَها مِن نَفْسِهِ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ أحْسَبُهُ قالَ: كانَتْ شَرِيكَتَهُ في ذَلِكَ العَذْقِ وفي مالِهِ، ورَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ.
وفِي رِوايَةٍ لَهم عَنْ عائِشَةَ: هي اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها تُشْرِكُهُ في مالِهِ ويُعْجِبُهُ مالُها وجِمالُها، فَيُرِيدُ ولِيُّها أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ في صَداقِها، فَيُعْطِيها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ، فَنُهُوا عَنْ أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ويَبْلُغُوا لَهُنَّ أعْلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ، فَأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ.
قالَ عُرْوَةُ: قالَتْ عائِشَةُ: وإنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ١٢٧].
قالَتْ عائِشَةُ: وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ١٢٧] رَغْبَةُ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ والجِمالِ.
قالَتْ: فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَن رَغِبُوا في مالِهِ وجِمالِهِ في يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ، إذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ والجَمالِ.
وفِي رِوايَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧] إلى آخَرَ الآيَةِ، قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: هي اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شَرِكَتْهُ في مالِهِ فَيَرْغَبُ عَنْها أنْ يَتَزَوَّجَها، (p-١١٠٦)ويَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَها غَيْرَهُ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ في مالِهِ فَيَحْبِسُها، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
زادَ أبُو داوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: وقالَ رَبِيعَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ قالَ: يَقُولُ: اتْرُكُوهُنَّ إنْ خِفْتُمْ فَقَدْ أحْلَلْتُ لَكم أرْبَعًا.
لَطائِفُ:
الأوَّلُ: (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: (ما طابَ لَكُمْ) مَوْصُولَةٌ، وجاءَ بِـ (ما) مَكانَ (مِن) لِأنَّهُما قَدْ يَتَعاقَبانِ، فَيَقَعُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] [الشَّمْسِ: ٥]، وقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] [الكافِرُونَ: ٥]، ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] [النُّورِ: ٤٥] قالَ بَعْضُهُمْ: وحَسُنَ وُقُوعُها هُنا أنَّها واقِعَةٌ عَلى النِّساءِ، وهُنَّ ناقِصاتُ العُقُولِ.
الثّانِيَةُ: في إيثارِ الأمْرِ بِنِكاحِهِنَّ عَلى النَّهْيِ عَنْ نِكاحِ اليَتامى - مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ - مَزِيدُ لُطْفٍ في اسْتِنْزالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلى الحِرْصِ عَلى ما مُنِعَتْ مِنهُ، كَما أنَّ وصْفَ النِّساءِ بِالطِّيبِ - عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ - فِيهِ مُبالَغَةٌ في الِاسْتِمالَةِ إلَيْهِنَّ والتَّرْغِيبِ فِيهِنَّ، وكُلُّ ذَلِكَ لِلِاعْتِناءِ بِصَرْفِهِمْ عَنْ نِكاحِ اليَتامى - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ -.
(p-١١٠٧)الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ هَذا الشَّرْطَ المَذْكُورَ في الآيَةِ لا مَفْهُومَ لَهُ، وأنَّهُ يَجُوزُ لِمَن لَمْ يَخَفْ أنْ يُقْسِطَ في اليَتامى أنْ يَنْكِحَ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ.
الرّابِعَةُ: مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ مَعْدُولَةٌ عَنْ أعْدادٍ مُكَرَّرَةٍ، ومَحَلُّهُنَّ النَّصْبُ عَلى أنَّها حالٌ مِن فاعِلِ (طابَ) مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ وصْفُ الطِّيبِ مِنَ التَّرْغِيبِ فِيهِنَّ، والِاسْتِمالَةِ إلَيْهِنَّ، بِتَوْسِيعِ دائِرَةِ الإذْنِ، أيْ: فانْكِحُوا الطَّيِّباتِ لَكُمْ، مَعْدُوداتٍ هَذا العَدَدَ، ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، وثَلاثًا ثَلاثًا، وأرْبَعًا أرْبَعًا، حَسْبَما تُرِيدُونَ.
فَإنْ قُلْتَ: الَّذِي أُطْلِقَ لِلنّاكِحِ في الجَمْعِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ أوْ أرْبَعٍ، فَما مَعْنى التَّكْرِيرِ في مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ؟ قُلْتُ: الخِطابُ لِلْجَمِيعِ، فَوَجَبَ التَّكْرِيرُ لِيُصِيبَ كُلُّ ناكِحٍ يُرِيدُ الجَمْعَ ما أرادَ مِنَ العَدَدِ الَّذِي أُطْلِقَ لَهُ، كَما تَقُولُ لِلْجَماعَةِ: اقْتَسِمُوا هَذا المالَ وهو ألْفُ دِرْهَمٍ، دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، وثَلاثَةً ثَلاثَةً، وأرْبَعَةً أرْبَعَةً، ولَوْ أفْرَدْتَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى.
فَإنْ قُلْتَ: فَلِمَ جاءَ العَطْفُ بِواوٍ دُونَ (أوْ) قُلْتُ: كَما جاءَ بِالواوِ في المِثالِ الَّذِي حَذَوْتُهُ لَكَ، ولَوْ ذَهَبْتَ تَقُولُ: اقْتَسِمُوا هَذا المالَ دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ أوْ ثَلاثًا ثَلاثًا أوْ أرْبَعَةً أرْبَعَةً، أعْلَمْتَ أنَّهُ لا يَسُوغُ لَهم أنْ يَقْتَسِمُوهُ إلّا عَلى أحَدِ أنْواعِ هَذِهِ القِسْمَةِ، ولَيْسَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَها، فَيَجْعَلُوا بَعْضَ القَسْمِ عَلى تَثْنِيَةٍ وبَعْضَهُ عَلى تَثْلِيثٍ وبَعْضَهُ عَلى تَرْبِيعٍ، وذَهَبَ مَعْنى تَجْوِيزِ الجَمْعِ بَيْنَ أنْواعِ القِسْمَةِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الواوُ.
وتَحْرِيرُهُ أنَّ الواوَ دَلَّتْ عَلى إطْلاقِ أنْ يَأْخُذَ النّاكِحُونَ مَن أرادُوا نِكاحَها مِنَ النِّساءِ عَلى طَرِيقِ الجَمْعِ إنْ شاءُوا مُخْتَلِفِينَ في تِلْكَ الأعْدادِ، وإنْ شاءُوا مُتَّفِقِينَ فِيها، مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ ما وراءَ ذَلِكَ، أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
بَحْثٌ جَلِيلٌ:
قالَ الرّازِيُّ: ذَهَبَ قَوْمُ سَدّى (كَحَتّى، مَوْضِعٍ قُرْبَ زَبِيدَ بِاليَمَنِ اهـ قامُوسٍ) إلى أنَّهُ يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِأيِّ عَدَدٍ أُرِيدَ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والخَبَرِ:
أمّا القُرْآنُ: فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن (p-١١٠٨)ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ إطْلاقٌ في جَمِيعِ الأعْدادِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لا عَدَدَ إلّا ويَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنهُ، وحُكْمُ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَكانَ داخِلًا.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ لا يَصْلُحُ تَخْصِيصًا لِذَلِكَ العُمُومِ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ بَعْضِ الأعْدادِ بِالذِّكْرِ لا يَنْفِي ثُبُوتَ الحُكْمِ في الباقِي، بَلْ نَقُولُ: إنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأعْدادِ يَدُلُّ عَلى رَفْعِ الحَرَجِ والحَجْرِ مُطْلَقًا، فَإنَّ الإنْسانَ إذا قالَ لِوَلَدِهِ: افْعَلْ ما شِئْتَ، اذْهَبْ إلى السُّوقِ، وإلى المَدِينَةِ، وإلى البُسْتانِ، كانَ تَنْصِيصًا في تَفْوِيضِ زِمامِ الخِيَرَةِ إلَيْهِ مُطْلَقًا، ورَفْعِ الحَجْرِ والحَرَجِ عَنْهُ مُطْلَقًا، ولا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لِلْإذْنِ بِتِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ بَلْ كانَ إذْنًا في المَذْكُورِ وغَيْرِهِ، فَكَذا هاهُنا، وأيْضًا فَذِكْرُ جَمِيعِ الأعْدادِ مُتَعَذَّرٌ فَإذا ذُكِرَ بَعْضُ الأعْدادِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى حُصُولِ الإذْنِ في جَمِيعِ الأعْدادِ.
والثّالِثُ: أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ المُطْلَقِ فَقَوْلُهُ: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ يُفِيدُ حِلَّ هَذا المَجْمُوعِ، وهو يُفِيدُ تِسْعَةً، بَلِ الحَقُّ أنَّهُ يُفِيدُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ مَثْنى لَيْسَ عِبارَةً عَنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ، بَلْ عَنِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في البَقِيَّةِ.
وأمّا الخَبَرُ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ: «أنَّهُ ﷺ ماتَ عَنْ تِسْعٍ» ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا بِاتِّباعِهِ فَقالَ: " فاتَّبِعُوهُ " وأقَلُّ مَراتِبِ الأمْرِ الإباحَةُ.
الثّانِي: أنَّ سُنَّةَ الرَّجُلِ طَرِيقَتُهُ، وكانَ التَّزَوُّجُ بِالأكْثَرِ مِنَ الأرْبَعِ طَرِيقَةَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَكانَ ذَلِكَ سُنَّةً لَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» فَظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ (p-١١٠٩)يَقْتَضِي تَوَجُّهَ اللَّوْمِ عَلى مَن تَرَكَ التَّزَوُّجَ بِأكْثَرَ مِنَ الأرْبَعَةِ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُثْبِتَ أصْلَ الجَوازِ.
واعْلَمْ أنَّ مُعْتَمَدَ الفُقَهاءِ في إثْباتِ الحَصْرِ عَلى أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: الخَبَرُ: وهو ما رُوِيَ «أنَّ غَيْلانَ أسْلَمَ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: أمْسِكْ أرْبَعًا وفارِقْ باقِيَهُنَّ» .
ورُوِيَ «أنَّ نَوْفَلَ بْنَ مُعاوِيَةَ أسْلَمَ وتَحْتَهُ خَمْسُ نِسْوَةٍ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامَ: أمْسِكْ أرْبَعًا وفارِقْ واحِدَةً» .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ لَمّا دَلَّ عَلى عَدَمِ الحَصْرِ بِهَذا الخَبَرِ كانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
والثّانِي: وهو أنَّ الخَبَرَ واقِعَةُ حالٍ، فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أمَرَهُ بِإمْساكِ أرْبَعٍ ومُفارَقَةِ البَواقِي؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأرْبَعَةِ وبَيْنَ البَواقِي غَيْرُ جائِزٍ إمّا بِسَبَبِ النَّسَبِ أوْ بِسَبَبِ الرِّضاعِ.
وبِالجُمْلَةِ فَهَذا الِاحْتِمالُ قائِمٌ في هَذا الخَبَرِ فَلا يُمْكِنُ نَسْخُ القُرْآنِ بِمِثْلِهِ.
الطَّرِيقُ الثّانِي: وهو إجْماعُ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلى الأرْبَعِ، وهَذا هو المُعْتَمَدُ، وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإجْماعَ لا يَنْسَخُ ولا يُنْسَخُ فَكَيْفَ يُقالُ: الإجْماعُ نَسَخَ هَذِهِ الآيَةَ.
الثّانِي: أنَّ في الأُمَّةِ أقْوامًا شُذّاذًا لا يَقُولُونَ بِحُرْمَةِ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ، والإجْماعُ مَعَ مُخالَفَةِ الواحِدِ والِاثْنَيْنِ لا يَنْعَقِدُ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الإجْماعَ يَكْشِفُ عَنْ حُصُولِ النّاسِخِ في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ مُخالِفَ هَذا الإجْماعَ مِن أهْلِ البِدْعَةِ فَلا عِبْرَةَ بِمُخالَفَتِهِ، انْتَهى كَلامُ الرّازِيِّ. وقَوْلُهُ: (مِن أهْلِ البِدْعَةِ) لا يَجُوزُ أخْذُهُ عَلى عُمُومِهِ لِما سَتَراهُ.
(p-١١١٠)قالَ الإمامُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في "وبْلِ الغَمامِ": الَّذِي نَقَلَهُ إلَيْنا أئِمَّةُ اللُّغَةِ والإعْرابِ - وصارَ كالمُجْمَعِ عَلَيْهِ عِنْدَهم - أنَّ العَدْلَ في الأعْدادِ يُفِيدُ أنَّ المَعْدُودَ لَمّا كانَ مُتَكَثِّرًا يَحْتاجُ اسْتِيفاؤُهُ إلى أعْدادٍ كَثِيرَةٍ كانَتْ صِيغَةُ العَدْلِ المُفْرَدِ في قُوَّةٍ تِلْكَ الأعْدادِ، فَإنْ كانَ مَجِيءُ القَوْمِ مَثَلًا اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أوْ ثَلاثَةً ثَلاثَةً، أوْ أرْبَعَةً أرْبَعَةً، وكانُوا أُلُوفًا مُؤَلَّفَةً، فَقُلْتَ: جاءَنِي القَوْمُ مَثْنى، أفادَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ أنَّهم جاءُوا اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، حَتّى تَكامَلُوا.
فَإنْ قُلْتَ: مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ، أفادَ ذَلِكَ أنَّ القَوْمَ جاءُوكَ تارَةً اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وتارَةً ثَلاثَةً ثَلاثَةً، وتارَةً أرْبَعَةً أرْبَعَةً، فَهَذِهِ الصِّيَغُ بَيَّنَتْ مِقْدارَ عَدَدِ دَفَعاتِ المَجِيءِ لا مِقْدارَ عَدَدِ جَمِيعِ القَوْمِ، فَإنَّهُ لا يُسْتَفادُ مِنها أصْلًا، بَلْ غايَةُ ما يُسْتَفادُ مِنها أنَّ عَدَدَهم مُتَكَثِّرٌ تَكَثُّرًا تَشُقُّ الإحاطَةُ بِهِ.
ومِثْلُ هَذا إذا قُلْتَ: نَكَحَتُ النِّساءَ مَثْنى، فَإنَّ مَعْناهُ نَكَحْتُهُنَّ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ دَفْعَةٍ مِن هَذِهِ الدَّفَعاتِ لَمْ يَدْخُلْ في نِكاحِهِ إلّا بَعْدَ خُرُوجِ الأُولى، كَما أنَّهُ لا دَلِيلَ في قَوْلِكِ: جاءَنِي القَوْمُ مَثْنى أنَّهُ لَمْ يَصِلِ الِاثْنانِ الآخَرانِ إلَيْكَ إلّا وقَدْ فارَقَكَ الِاثْنانِ الأوَّلانِ، إذا تَقَرَّرَ هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ يُسْتَفادُ مِنهُ جَوازُ نِكاحِ النِّساءِ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وثَلاثًا ثَلاثًا وأرْبَعًا أرْبَعًا.
والمُرادُ جَوازُ تَزَوُّجِ كُلِّ دَفْعَةٍ مِن هَذِهِ الدَّفَعاتِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، ولَيْسَ في هَذا تَعَرُّضٌ لِمِقْدارِ عَدَدِهِنَّ، بَلْ يُسْتَفادُ مِنَ الصِّيَغِ الكَثْرَةُ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، كَما قَدَّمْنا في مَجِيءِ القَوْمِ.
ولَيْسَ فِيهِ أيْضًا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدَّفْعَةَ الثّانِيَةَ كانَتْ بَعْدَ مُفارَقَةِ الدَّفْعَةِ الأُولى، ومَن زَعَمَ أنَّهُ نَقَلَ إلَيْنا أئِمَّةُ اللُّغَةِ والإعْرابِ ما يُخالِفُ هَذا، فَهَذا مَقامُ الِاسْتِفادَةِ مِنهُ، فَلْيَتَفَضَّلْ بِها عَلَيْنا، وابْنُ عَبّاسٍ - إنْ صَحَّ عَنْهُ في الآيَةِ أنَّهُ قَصْرُ الرِّجالِ عَلى أرْبَعٍ - فَهو فَرْدٌ مِن أفْرادِ الأُمَّةِ.
وأمّا القَعْقَعَةُ بِدَعْوى الإجْماعِ فَما أهْوَنَها وأيْسَرَ خَطْبِها عِنْدَ مَن لَمْ تُفْزِعْهُ هَذِهِ الجَلَبَةُ، وكَيْفَ يَصِحُّ إجْماعٌ خالَفَتْهُ الظّاهِرِيَّةُ، وابْنُ الصَّبّاغِ، والعُمْرانِيُّ، والقاسِمُ بْنُ إبْراهِيمَ، نَجْمُ آلِ الرَّسُولِ، وجَماعَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ، وثُلَّةٌ مِن مُحَقِّقِي المُتَأخِّرِينَ، وخالَفَهُ أيْضًا القُرْآنُ الكَرِيمُ، كَما بَيَّناهُ.
وخالَفَهُ أيْضًا فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما صَحَّ (p-١١١١)ذَلِكَ تَواتُرًا، مِن جَمْعِهِ بَيْنَ تِسْعٍ أوْ أكْثَرَ في بَعْضِ الأوْقاتِ، ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] [الحَشْرِ: مِنَ الآيَةِ ٧] ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] [الأحْزابِ: مِنَ الآيَةِ ٢١] ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ٣١] ودَعْوى الخُصُوصِيَّةِ مُفْتَقِرَةٌ إلى دَلِيلٍ، والبَراءَةُ الأصْلِيَّةُ مُسْتَصْحَبَةٌ لا يَنْقُلُ عَنْها إلّا ناقِلٌ صَحِيحٌ تَنْقَطِعُ عَنْهُ المَعاذِيرُ.
وأمّا حَدِيثُ أمْرِهِ ﷺ – لِغَيْلانَ - لَمّا أسْلَمَ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ - بِأنْ يَخْتارَ مِنهُنَّ أرْبَعًا ويُفارِقَ سائِرَهُنَّ، كَما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، فَهو - وإنْ كانَ لَهُ طُرُقٌ - فَقَدْ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: كُلُّها مَعْلُولَةٌ، وأعَلَّهُ غَيْرُهُ مِنَ الحُفّاظِ بِعِلَلٍ أُخْرى، ومِثْلُ هَذا لا يَنْتَهِضُ لِلنَّقْلِ عَنِ الدَّلِيلِ القُرْآنِيِّ والفِعْلِ المُصْطَفَوِيِّ الَّذِي ماتَ ﷺ عَلَيْهِ والبَراءَةِ الأصْلِيَّةِ.
ومَن صَحَّحَ لَنا هَذا الحَدِيثَ عَلى وجْهٍ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، أوْ جاءَنا بِدَلِيلٍ في مَعْناهُ، فَجَزاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَلَيْسَ بَيْنَ أحَدٍ وبَيْنَ الحَقِّ عَداوَةٌ، وعَلى العالِمِ أنْ يُوَفِّيَ الِاجْتِهادَ حَقَّهُ لا سِيَّما في مَقاماتِ التَّحْرِيرِ (p-١١١٢)والتَّقْرِيرِ، كَما نَفْعَلُهُ في كَثِيرٍ مِنَ الأبْحاثِ، وإذا حاكَ في صَدْرِهِ شَيْءٌ فَلْيَكُنْ تَوَرُّعُهُ في العَمَلِ لا في تَقْرِيرِ الصَّوابِ، فَإيّاكَ أنْ تُحامِيَ التَّصْرِيحَ بِالحَقِّ الَّذِي تَبْلُغُ إلَيْهِ مَلَكَتُكَ لِقِيلٍ وقالٍ، ولا سِيَّما في مِثْلِ مَواطِنَ يَجْبُنُ عَنْها كَثِيرٌ مِنَ الرِّجالِ، فَإنَّكَ لا تُسْئَلُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنِ الَّذِي تَرْتَضِيهِ مِنكَ العِبادُ بَلْ عَنِ الَّذِي يَرْتَضِيهِ المَعْبُودُ، وإذا جاءَ نَهَرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهَرُ مِعْقَلٍ، ومَن ورَدَ البَحْرَ اسْتَقَلَّ السَّواقِيا، انْتَهى.
وقالَ الشَّوْكانِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ أيْضًا - في "نَيْلِ الأوْطارِ": حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ الحارِثِ - وفي رِوايَةٍ: الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ - في إسْنادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، وقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ.
قالَ أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ: ولا أعْلَمُ لِلْحارِثِ بْنِ قَيْسٍ حَدِيثًا غَيْرَ هَذا.
وقالَ أبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ: لَيْسَ لَهُ إلّا حَدِيثٌ واحِدٌ، ولَمْ يَأْتِ بِهِ مِن وجْهٍ صَحِيحٍ.
وفِي مَعْنى هَذا حَدِيثُ غَيْلانَ الثَّقَفِيِّ، وهو عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «أسْلَمَ غَيْلانُ الثَّقَفِيُّ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ في الجاهِلِيَّةِ، فَأسْلَمْنَ مَعَهُ فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَخْتارَ مِنهُنَّ أرْبَعًا» رَواهُ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ، وحَكَمَ أبُو حاتِمٍ وأبُو زُرْعَةَ بِأنَّ المُرْسَلَ أصَحُّ.
وحَكى الحاكِمُ عَنْ مُسْلِمٍ أنَّ هَذا الحَدِيثَ مِمّا وهَمَ فِيهِ مَعْمَرٌ بِالبَصْرَةِ، قالَ: فَإنْ رَواهُ عَنْهُ ثِقَةٌ خارِجَ البَصْرَةِ حَكَمْنا لَهُ بِالصِّحَّةِ، وقَدْ أخَذَ ابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ بِظاهِرِ الحُكْمِ، وأخْرَجُوهُ مِن طُرُقٍ عَنْ مَعْمَرٍ مِن حَدِيثِ أهْلِ الكُوفَةِ، وأهْلِ خُراسانَ، وأهْلِ اليَمامَةِ عَنْهُ.
قالَ الحافِظُ: ولا يُفِيدُ ذَلِكَ شَيْئًا، فَإنَّ هَؤُلاءِ كُلَّهم إنَّما سَمِعُوا مِنهُ بِالبَصْرَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهم سَمِعُوا مِنهُ بِغَيْرِها فَحَدِيثُهُ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ في غَيْرِ بَلَدِهِ مُضْطَرِبٌ؛ لِأنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ في بَلَدِهِ مِن كُتُبِهِ عَلى الصِّحَّةِ، وأمّا إذا رَحَلَ فَحَدَّثَ مِن حِفْظِهِ (p-١١١٣)بِأشْياءَ وهَمَ فِيها، اتَّفَقَ عَلى ذَلِكَ أهْلُ العِلْمِ، كابْنِ المَدِينِيِّ، والبُخارِيِّ، وابْنِ أبِي حاتِمٍ، ويَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ، وغَيْرِهِمْ.
وحَكى الأثْرَمُ عَنْ أحْمَدَ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، والعَمَلَ عَلَيْهِ، وأعَلَّهُ بِتَفَرُّدٍ مَعْمَرٍ في وصْلِهِ وتَحْدِيثِهِ بِهِ في غَيْرِ بَلَدِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: طُرُقُهُ كُلُّها مَعْلُولَةٌ.
وقَدْ أطالَ الدّارَقُطْنِيُّ في "العِلَلِ" تَخْرِيجَ طُرُقِهِ.
ورَواهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ومالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا.
ورَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ كَذَلِكَ.
وقَدْ وافَقَ مَعْمَرًا على وصْلِهِ بَحْرُ بْنُ كُنَيْزٍ السَّقّاءُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، ولَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وكَذا وصَلَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ عَنْ مالِكٍ، ويَحْيى ضَعِيفٌ.
وفِي البابِ «عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعاوِيَةَ، عِنْدَ الشّافِعِيِّ، أنَّهُ أسْلَمَ وتَحْتَهُ خَمْسَةُ نِسْوَةٍ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أمْسِكْ أرْبَعًا وفارِقِ الأُخْرى،» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ؛ لِأنَّ الشّافِعِيَّ قالَ: حَدَّثَنا بَعْضُ أصْحابِنا، عَنْ أبِي الزِّنادِ، عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعاوِيَةَ قالَ: أسْلَمْتُ، فَذَكَرَهُ، وفي البابِ أيْضًا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ.
وقَوْلُهُ: (اخْتَرْ مِنهُنَّ أرْبَعًا) اسْتَدَلَّ بِهِ الجُمْهُورُ عَلى تَحْرِيمِ الزِّيادَةِ عَلى أرْبَعٍ، وذَهَبَتِ الظّاهِرِيَّةُ إلى أنَّهُ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ تِسْعًا، ولَعَلَّ وجْهَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ ومَجْمُوعُ ذَلِكَ - لا بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ العَدْلِ - تِسْعٌ.
وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الصَّبّاغِ، والعُمْرانِيِّ وبَعْضِ الشِّيعَةِ.
وحُكِيَ أيْضًا عَنِ القاسِمِ بْنِ إبْراهِيمَ، وأنْكَرَ الإمامُ يَحْيى الحِكايَةَ عَنْهُ، وحَكاهُ صاحِبُ البَحْرِ عَنِ الظّاهِرِيَّةِ، وقَوْمٍ مَجاهِيلَ.
وأجابُوا عَنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الحارِثِ المَذْكُورِ بِما فِيهِ مِنَ المَقالِ المُتَقَدِّمِ، وأجابُوا عَنْ حَدِيثِ غَيْلانَ الثَّقَفِيِّ بِما تَقَدَّمَ فِيهِ مِنَ المَقالِ، وكَذَلِكَ أجابُوا عَنْ حَدِيثِ نَوْفَلِ بْنِ مُعاوِيَةَ بِما قَدَّمْنا مِن كَوْنِهِ في إسْنادِهِ مَجْهُولٌ، قالُوا: ومِثْلُ هَذا الأصْلِ العَظِيمِ لا يُكْتَفى فِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ولا سِيَّما وقَدْ ثَبَتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ تِسْعٍ أوْ إحْدى عَشْرَةَ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] [الأحْزابِ: مِنَ الآيَةِ ٢١].
وأمّا (p-١١١٤)دَعْوى اخْتِصاصِهِ بِالزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ فَهو مَحَلُّ النِّزاعِ، ولَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ فالواوُ فِيهِ لِلْجَمْعِ لا لِلتَّخْيِيرِ، وأيْضًا لَفْظُ مَثْنى مَعْدُولٌ بِهِ عَنِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وهو يَدُلُّ عَلى تَناوُلِ ما كانَ مُتَّصَفًا مِنَ الأعْدادِ بِصِفَتِهِ الِاثْنَيْنِيَّةِ، وإنْ كانَ في غايَةِ الكَثْرَةِ البالِغَةِ إلى ما فَوْقَ الأُلُوفِ، فَإنَّكَ تَقُولُ: جاءَنِي القَوْمُ مَثْنى أيِ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وهَكَذا (ثُلاثَ ورُباعَ) وهَذا مَعْلُومٌ في لُغَةِ العَرَبِ لا يَشُكُّ فِيهِ أحَدٌ.
فالآيَةُ المَذْكُورَةُ تَدُلُّ بِأصْلِ الوَضْعِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ النِّساءِ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وثَلاثًا ثَلاثًا وأرْبَعًا أرْبَعًا، ولَيْسَ مِن شَرْطِ ذَلِكَ أنْ لا تَأْتِيَ الطّائِفَةُ الأُخْرى في العَدَدِ إلّا بَعْدَ مُفارَقَتِهِ لِلطّائِفَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّهُ لا شَكَّ أنَّهُ يَصِحُّ - لُغَةً وعُرْفًا - أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِألْفِ رَجُلٍ عِنْدَهُ: جاءَنِي هَؤُلاءِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أوْ ثَلاثَةً ثَلاثَةً، أوْ أرْبَعَةً أرْبَعَةً، فَحِينَئِذٍ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى إباحَةِ الزَّواجِ بِعَدَدٍ مِنَ النِّساءِ كَثِيرٍ، سَواءٌ كانَتِ الواوُ لِلْجَمْعِ أوْ لِلتَّخْيِيرِ؛ لِأنَّ خِطابَ الجَماعَةِ بِحُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ بِمَنزِلَةِ الخِطابِ بِهِ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُمْ، فَكَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ النّاسِ: انْكِحْ ما طابَ لَكَ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ، ومَعَ هَذا فالبَراءَةُ الأصْلِيَّةُ مُسْتَصْحَبَةٌ، وهي بِمُجَرَّدِها كافِيَةٌ في الحَلِّ حَتّى يُوجَدَ ناقِلٌ صَحِيحٌ يَنْقُلُ عَنْها.
وقَدْ يُجابُ بِأنَّ مَجْمُوعَ الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ في البابِ لا تَقْصُرُ عَنْ رُتْبَةِ الحَسَنِ لِغَيْرِهِ، فَتَنْتَهِضُ بِمَجْمُوعِها لِلِاحْتِجاجِ، وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ لا يَخْلُو عَنْ مَقالٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُ الأصْلِ في الفُرُوجِ الحُرْمَةُ، كَما صَرَّحَ بِهِ الخَطابِيُّ، فَلا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى شَيْءٍ مِنها إلّا بِدَلِيلٍ، وأيْضًا هَذا الخِلافُ مَسْبُوقٌ بِالإجْماعِ عَلى عَدَمِ جَوازِ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ، كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في "البَحْرِ".
وقالَ في "الفَتْحِ" اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ مِن خَصائِصِهِ ﷺ الزِّيادَةَ عَلى أرْبَعِ نِسْوَةٍ يَجْمَعُ بَيْنَهُنَّ، وقَدْ ذَكَرَ الحافِظُ في "الفَتْحِ" و"التَّلْخِيصِ" الحِكْمَةَ في تَكْثِيرِ نِسائِهِ ﷺ فَلْيُراجَعْ ذَلِكَ، انْتَهى.
وقالَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في تَفْسِيرِهِ "فَتْحِ القَدِيرِ" - وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ ما زادَ عَلى الأرْبَعِ -: (p-١١١٥)وبَيَّنُوا ذَلِكَ بِأنَّهُ خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، وأنَّ كُلَّ ناكِحٍ لَهُ أنْ يَخْتارَ ما أرادَ مِن هَذا العَدَدِ، كَما يُقالُ لِلْجَماعَةِ: اقْتَسِمُوا هَذا المالَ، وهو ألْفُ دِرْهَمٍ (أوْ هَذا المالَ الَّذِي في البَدْرَةِ) دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، وثَلاثَةً ثَلاثَةً، وأرْبَعَةً أرْبَعَةً.
وهَذا مُسَلَّمٌ إذا كانَ المَقْسُومُ قَدْ ذُكِرَتْ جُمْلَتُهُ، أوْ عُيِّنَ مَكانُهُ، أمّا لَوْ كانَ مُطْلَقًا، كَما يُقالُ: اقْتَسِمُوا الدَّراهِمَ، ويُرادُ بِها ما كَسَبُوهُ، فَلَيْسَ المَعْنى هَكَذا، والآيَةُ مِنَ البابِ الآخِرِ لا مِنَ البابِ الأوَّلِ، عَلى أنَّ مَن قالَ لِقَوْمٍ يَقْتَسِمُونَ مالًا مُعَيَّنًا كَبِيرًا: اقْتَسِمُوهُ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ، فَقَسَمُوا بَعْضَهُ بَيْنَهم دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، وبَعْضَهُ ثَلاثَةً ثَلاثَةً، وبَعْضَهُ أرْبَعَةً أرْبَعَةً، كانَ هَذا هو المَعْنى العَرَبِيَّ.
ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا قالَ القائِلُ: جاءَنِي القَوْمُ مَثْنى، وهم مِائَةُ ألْفٍ، كانَ المَعْنى أنَّهم جاءُوهُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، هَكَذا: جاءَنِي القَوْمُ ثَلاثَ ورُباعَ.
والخِطابُ لِلْجَمِيعِ بِمَنزِلَةِ الخِطابِ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " اقْتُلُواْ المُشْرِكِينَ "، " أقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ " ونَحْوِها، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ لِيَنْكِحْ كُلُّ فَرْدٍ مِنكم ما طابَ لَهُ مِنَ النِّساءِ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وثَلاثًا وثَلاثًا، وأرْبَعًا وأرْبَعًا، هَذا ما تَقْتَضِي لُغَةُ العَرَبِ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ما اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ فَإنَّهُ - وإنْ كانَ خِطابًا لِلْجَمِيعِ - فَهو بِمَنزِلَةِ الخِطابِ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ.
فالأوْلى أنْ يُسْتَدَلَّ عَلى تَحْرِيمِ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ بِالسُّنَّةِ لا بِالقُرْآنِ، وأمّا اسْتِدْلالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ نِكاحِ التِّسْعِ بِاعْتِبارِ الواوِ الجامِعَةِ - وكَأنَّهُ قالَ: انْكِحُوا مَجْمُوعَ هَذا العَدَدِ المَذْكُورِ - فَهَذا جَهْلٌ بِالمَعْنى العَرَبِيِّ، ولَوْ قالَ: انْكِحُوا اثْنَتَيْنِ وثَلاثًا وأرْبَعًا كانَ هَذا القَوْلُ لَهُ وجْهٌ، وأمّا مَعَ المَجِيءِ بِصِيغَةِ العَدْلِ فَلا، وإنَّما جاءَ سُبْحانَهُ بِالواوِ الجامِعَةِ دُونَ (أوْ) لِأنَّ التَّخْيِيرَ يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا أحَدُ الأعْدادِ المَذْكُورَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وذَلِكَ لَيْسَ بِمُرادٍ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ.
أخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ غَيْلانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أسْلَمَ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: اخْتَرْ مِنهُنَّ (p-١١١٦)(وفِي لَفْظٍ أمْسِكْ مِنهُنَّ) أرْبَعًا وفارِقْ سائِرَهُنَّ» ورُوِيَ هَذا الحَدِيثُ بِألْفاظٍ مِن طُرُقٍ.
«وعَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعاوِيَةَ الدِّيلِيِّ قالَ: أسْلَمْتُ وعِنْدِي خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أمْسِكْ أرْبَعًا وفارِقِ الأُخْرى» أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ في مُسْنَدِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والنَّحّاسُ في "تارِيخِهِ" «عَنْ قَيْسِ بْنِ الحارِثِ الأسَدِيِّ قالَ: أسْلَمْتُ وكانَ تَحْتِي ثَمانِ نِسْوَةٍ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: اخْتَرْ مِنهُنَّ أرْبَعًا وخَلِّ سائِرَهُنَّ» فَفَعَلْتُ، وهَذِهِ شَواهِدُ لِلْحَدِيثِ الأوَّلِ كَما قالَ البَيْهَقِيُّ.
وقالَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أيْضًا في كِتابِهِ "السَّيْلُ الجَرّارُ المُتَدَفِّقُ عَلى حَدائِقِ الأزْهارِ": أمّا الِاسْتِدْلالُ عَلى تَحْرِيمِ الخامِسَةِ وعَدَمِ جَوازِ زِيادَةٍ عَلى الأرْبَعِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، كَما أوْضَحْتُهُ في "شَرْحِي لِلْمُنْتَقى" وقَدْ قَدَّمْناهُ.
ولَكِنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى ذَلِكَ بِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الحارِثِ، وحَدِيثِ غَيْلانَ الثَّقَفِيِّ، وحَدِيثِ نَوْفَلِ بْنِ مُعاوِيَةَ هو الَّذِي يَنْبَغِي الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها مُقالٌ، لَكِنَّ الإجْماعَ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ قَدْ صارَتْ بِهِ مِنَ المُجْمَعِ عَلى العَمَلِ عَلَيْهِ.
وقَدْ حَكى الإجْماعَ صاحِبُ "فَتْحِ البارِي" والمَهْدِيُّ في "البَحْرِ" والنَّقْلُ عَنِ الظّاهِرِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ، فَإنَّهُ قَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ مِنهم مَن هو أعْرَفُ بِمَذْهَبِهِمُ، انْتَهى.
تَتِمَّةٌ:
رَوى الدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: يَنْكِحُ العَبْدُ امْرَأتَيْنِ، ويُطَلِّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ، وتَعْتَدُّ الأمَةُ حَيْضَتَيْنِ.
قالَ الشَّوْكانِيُّ في "نَيْلِ الأوْطارِ": قَدْ تَمَسَّكَ بِهَذا مَن قالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أنْ يَتَزَوَّجَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، والنّاصِرِ، والحَنَفِيَّةِ، والشّافِعِيَّةِ، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَ الصَّحابِيِّ لا يَكُونُ حُجَّةً عَلى مَن لَمْ يَقُلْ بِحُجِّيَّتِهِ، نَعَمْ، لَوْ صَحَّ إجْماعُ الصَّحابَةِ عَلى ذَلِكَ لَكانَ دَلِيلًا عِنْدَ القائِلِينَ بِحُجِّيَّةِ الإجْماعِ، ولَكِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، ومُجاهِدٍ، ورَبِيعَةَ، (p-١١١٧)وأبِي ثَوْرٍ، والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وسالِمٍ - أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْكِحَ أرْبَعًا كالحُرِّ، حَكى ذَلِكَ عَنْهم صاحِبُ "البَحْرِ".
فالأوْلى الجَزْمُ بِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ والحُكْمُ لَهُ وعَلَيْهِ بِما لِلْأحْرارِ وعَلَيْهِمْ، إلّا أنْ يَقُومَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي المُخالَفَةَ، كَما في المَواضِعِ المَعْرُوفَةِ بِالتَّخالُفِ بَيْنَ حُكْمَيْهِما، انْتَهى.
﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا﴾ أيْ: بَيْنَ هَذِهِ الأعْدادِ ﴿فَواحِدَةً﴾ أيْ: فاخْتارُوها، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ: فَحَسْبُكم واحِدَةٌ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الإماءِ، بالِغَةً ما بَلَغَتْ مِن مَراتِبِ العَدَدِ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ فِيهِنَّ مِنَ الحُقُوقِ مِثْلُ ما يَلْزَمُ في الحَرائِرِ، ولا قَسْمَ لَهُنَّ.
و(أوْ) لِلتَّسْوِيَةِ، أيِ: التَّخْيِيرِ، والعَدَدُ يُؤْخَذُ مِنَ السِّياقِ، ومُقابَلَةِ الواحِدَةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَوّى في السُّهُولَةِ واليُسْرِ بَيْنَ الحُرَّةِ الواحِدَةِ وبَيْنَ الإماءِ مِن غَيْرِ حَصْرٍ ولا تَوْقِيتِ عَدَدٍ، ولَعَمْرِي إنَّهُنَّ أقَلُّ تَبِعَةً وأقْصَرُ شَغَبًا وأخَفُّ مُؤْنَةً مِنَ المَهائِرِ، لا عَلَيْكَ أكْثَرْتَ مِنهُنَّ أمْ أقْلَلْتَ، عَدَلَتْ بَيْنَهُنَّ في القَسْمِ أمْ لَمْ تَعْدِلْ، عَزَلَتْ عَنْهُنَّ أمْ لَمْ تَعْزِلِ، انْتَهى.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الِاقْتِصارُ عَلى واحِدَةٍ أوْ عَلى التَّسَرِّي ﴿أدْنى﴾ أيْ: أقْرَبُ ﴿ألا تَعُولُوا﴾ أيْ: مِن أنْ لا تَمِيلُوا ولا تَجُورُوا؛ لِانْتِفائِهِ رَأْسًا بِانْتِفاءِ مَحَلِّهِ في الأوَّلِ، وانْتِفاءِ خَطَرِهِ في الثّانِي بِخِلافِ اخْتِيارِ العَدَدِ في المَهائِرِ، فَإنَّ المَيْلَ المَحْظُورَ مُتَوَقَّعٌ فِيهِ لِتَحَقُّقِ المَحَلِّ والخَطَرِ، هَذا إنْ قُدِّرَ (تَعُولُوا) مُضارِعَ عالَ، بِمَعْنى جارَ ومالَ عَنِ الحَقِّ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
ومِنَ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ فِيهِ كَوْنُهُ مُضارِعَ عالَ بِمَعْنى كَثُرَ عِيالُهُ، قالَ في "القامُوسِ": وعالَ فُلانٌ عَوْلًا وعِيالَةً: كَثُرَ عِيالُهُ، كَأعْوَلَ وأعْيَلَ، انْتَهى.
وعَلى هَذا الوَجْهِ اقْتَصَرَ الإمامُ المَهايَمِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في تَفْسِيرِهِ حَيْثُ قالَ: أيْ: أقْرَبُ مِن أنْ لا تَكْثُرَ عِيالُكم فَيُمْكِنُ مَعَهُ القَناعَةُ بِحَيْثُ لا يَضْطَرُّ إلى الجَوْرِ في أمْوالِ اليَتامى، انْتَهى.
ورُوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، والشّافِعِيِّ، وأمّا قَوْلُ ابْنِ كَثِيرٍ في هَذا التَّفْسِيرِ: هَهُنا نَظَرٌ، فَإنَّهُ كَما يُخْشى كَثْرَةُ العائِلَةِ مِن تَعْدادِ الحَرائِرِ كَذَلِكَ يُخْشى مِن تَعْدادِ السَّرارِيِّ - فَجَوابُهُ - كَما قالَ الرّازِيُّ - مِن (p-١١١٨)وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو أنَّ الجَوارِيَ إذا كَثُرْنَ فَلَهُ أنْ يُكَلِّفَهُنَّ الكَسْبَ، وإذا اكْتَسَبْنَ أنْفَقْنَ عَلى أنْفُسِهِنَّ وعَلى مَوْلاهُنَّ أيْضًا، وحِينَئِذٍ تَقِلُّ العِيالُ، أمّا إذا كانَتِ المَرْأةُ حُرَّةً، لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
الثّانِي: أنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ مَمْلُوكَةً، فَإذا عَجَزَ المَوْلى عَنِ الإنْفاقِ عَلَيْها باعَها وتَخَلَّصَ مِنها، أمّا إذا كانَتْ حُرَّةً فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الإنْفاقِ عَلَيْها، والعُرْفُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّوْجَ ما دامَ يُمْسِكُ الزَّوْجَةَ فَإنَّها لا تُطالِبُهُ بِالمَهْرِ، فَإذا حاوَلَ طَلاقَها طالَبَتْهُ بِالمَهْرِ فَيَقَعُ الزَّوْجُ في المِحْنَةِ، انْتَهى.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ بِالنِّكاحِ حُقُوقٌ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ مَن خَشِيَ الوُقُوعَ فِيما لا يَجُوزُ قَبُحَ مِنهُ ما دَعا إلى ذَلِكَ القَبِيحِ، فَلا يَجُوزُ لِمَن عَرَفَ أنَّهُ يَخُونُ مالَ اليَتِيمِ - إذا تَزَوَّجَ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ - أنْ يَتَزَوَّجَ أكْثَرَ، وكَذا إذا عَرَفَ أنَّهُ يَخُونُ الوَدِيعَةَ ولا يَحْفَظُها، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ الوَدِيعَةِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ العَدْلَ واجِبٌ بَيْنَ الزَّوْجاتِ، وأنَّ مَن عَرَفَ أنَّهُ لا يَعْدِلُ فَإنَّهُ لا تَحِلُّ لَهُ الزِّيادَةُ عَلى واحِدَةٍ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ زَواجَهُ الصَّغِيرَةَ مِن غَيْرِ أبِيها وجَدِّها جائِزٌ، ولِلْفُقَهاءِ مَذاهِبُ في ذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ.
الثّانِي: في سِرِّ ما تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ مِن إصْلاحِ النَّسْلِ، قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الِاجْتِماعِ مِن فَلاسِفَةِ المُسْلِمِينَ في مَقالَةٍ عُنْوانُها " الإسْلامُ وإصْلاحُ النَّسْلِ" ما مِثالُهُ: ما زالَ البَشَرُ يَسْعى مُنْذُ أُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ وراءَ إصْلاحِ ما يَقْتَنِيهِ مِن خَيْلٍ وبَقَرٍ وغَنَمٍ لِيَكْثُرَ انْتِفاعُهُ بِهِ، فَيَخْتارُ لِإناثِ هَذِهِ الحَيَواناتِ أفْحُلًا كَرِيمَةً، هي عَلى ما يَرُومُهُ مِنَ الصِّفاتِ؛ لِيَحْصُلَ مِنها عَلى نَسْلٍ أنْفَعَ لَهُ مِن أُمَّهاتِهِ.
وقَدْ زادَتْ رَغْبَةُ النّاسِ بِهَذا العَصْرِ في إصْلاحِ النَّوْعِ النّافِعِ مِنَ الحَيَوانِ، فَضَرَّبُوهُ ورَقَّوْهُ بِاخْتِيارِ الأفْحُلِ المُناسِبَةِ؛ حَتّى حَصَلُوا عَلى صِنْفٍ مِنَ الخَيْلِ الجِيادِ تُسابِقُ الرِّياحَ فَتَجْرِي (١٦) مِتْرًا في الثّانِيَةِ مِنَ الزَّمَنِ، وعَلى صِنْفٍ مِنَ البَقَرِ تَحْلِبُ في اليَوْمِ الواحِدِ خَمْسِينَ أُقَّةً، وعَلى صِنْفٍ مِنَ المَعْزى والغَنَمِ شَعَرُهُ أوْ صُوفُهُ مِثْلُ الحَرِيرِ نُعُومَةً، ولَمْ يَقْصُرْ (p-١١١٩)إصْلاحُهم عَلى الحَيَوانِ، بَلْ تَجاوَزَ إلى النَّباتِ، فَحَصَلُوا بِفَضْلِهِ عَلى أشْجارٍ كَثِيرَةِ الثَّمَرِ لَذِيذَتِهِ، وانْتَفَعُوا انْتِفاعًا كَبِيرًا، ما تَيَسَّرَ لِأسْلافِهِمْ.
نَعَمْ، إنَّ البَشَرَ افْتَكَرُوا في إصْلاحِ الحَيَوانِ الصّامِتِ والنَّباتِ، وعَلِمُوا ما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ، فَسَعَوْا إلَيْهِ السَّعْيَ الَّذِي يَرْضاهُ العِلْمُ، وجَنَوْا ثِمارَ ذَلِكَ السَّعْيِ، ولَكِنَّهم ما افْتَكَرُوا في إصْلاحِ ما هو أهَمُّ مِن كُلِّ ذَلِكَ: في إصْلاحِ الحَيَوانِ الذَّكِيِّ، والشِّرِّيرُ أكْثَرُ مِنَ الصّالِحِ، والجَبانُ أكْثَرُ مِنَ الشُّجاعِ، والكاذِبُ أكْثَرُ مِنَ الصّادِقِ، والكَسْلانُ أكْثَرُ مِن أخِي الجَدِّ النَّشِيطِ، ولَوْ أنَّهم أصْلَحُوا نَسْلَهم لَما وُجِدَ في النّاسِ مَن يُولَدُ مَرِيضًا ويَعِيشُ مَرِيضًا، فَلا يَنْتَفِعُ بِوُجُودِهِ المُجْتَمَعُ، وهو كَثِيرٌ.
قامَ مِن بَيْنِ هَذا الجِيلِ فَيْلَسُوفانِ: ألْمانِيٌّ وإنْكِلِيزِيٌّ، وأخَذا يُعَلِّمانِ بِكِتاباتِهِما المَبْنِيَّةِ عَلى البَراهِينِ وُجُوبَ إصْلاحِ الإنْسانِ لِنَسْلِ الإنْسانِ، ويُعَدِّدانِ فَوائِدَ الإصْلاحِ لِنَوْعِهِ، ويُبَيِّنانِ لِلْمَلَأِ أنَّ الرُّقِيَّ المَطْلُوبَ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وطَفِقا يَلُومانِ النّاسَ عَلى اعْتِنائِهِمْ بِإصْلاحِ المَواشِي وإهْمالِهِمْ إصْلاحَ أنْفُسِهِمُ، الأمْرُ الَّذِي هو أهَمُّ مِن ذَلِكَ كَثِيرًا، وذَكَرا لِذَلِكَ طُرُقًا:
(مِنها) مَنعُ أصْحابِ العاهاتِ والأمْراضِ المُزْمِنَةِ وأُولِي الجَرائِمِ الكَبِيرَةِ مِنَ الزَّواجِ؛ لِيَنْقَطِعَ نَسْلُهُمُ الَّذِي يَجِيءُ غالِبًا عَلى شاكِلَتِهِمْ.
(ومِنها) إباحَةُ تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ لِلنّابِغِينَ مِنَ الرِّجالِ؛ لِيَكْثُرَ نَسْلُهُمْ، وقالا: إذا جَرى المُجْتَمَعُ عَلى هَذا الِانْتِخابِ الصِّناعِيِّ قُرُونًا عَدِيدَةً كانَ نَسْلُ الإنْسانِ الأخِيرُ - بِحُكْمِ نامُوسِ الوِراثَةِ - سالِمًا مِنَ الأمْراضِ، حَسَنَ الطَّوِيَّةِ، لَيْسَ فِيهِ مَيْلٌ إلى الشَّرِّ، قَوِيًّا، ذَكِيَّ الفُؤادِ، نابِغًا في العُلُومِ الَّتِي يَتَعَلَّمُها، كَأنَّهُ نَوْعٌ أرْقى مِنَ الإنْسانِ الحاضِرِ، وكانَتْ أهَمُّ طَرِيقَةٍ أبْدَياها لِلِارْتِقاءِ المُنْتَظَرِ لِلْبَشَرِ في المُسْتَقْبَلِ، هي طَرِيقَةُ تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ في الحاضِرِ لِلنّابِغِينَ مِنَ النّاسِ، فَإنَّ مَنعَ أصْحابِ الأمْراضِ المُزْمِنَةِ والجُناةِ مِنَ الزَّواجِ إنَّما يُفِيدُ في تَقْوِيَةِ النَّسْلِ وجَعْلِهِ مَيّالًا بِالفِطْرَةِ إلى الخَيْرِ لَيْسَ إلّا، لا في جَعْلِهِ أذْكى مِن آبائِهِ وأسْمى مَدارِكَ.
وتَعَدُّدُ الزَّوْجاتِ لِلنّابِغِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ قَدْ جاءَ بِهِ الإسْلامُ قَبْلَ هَذَيْنِ الفَيْلَسُوفَيْنِ بِأكْثَرَ مِن ألْفٍ وثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، فَقَدْ أباحَ لَهم تَعْدُدَهُنَّ إلى أرْبَعٍ؛ لِيَكْثُرَ نَسْلُهُمْ، (p-١١٢٠)فَيَكْثُرَ عَدَدُ النّابِغِينَ، الَّذِينَ بِهِمْ وحْدَهم تَتِمُّ الأعْمالُ الكَبِيرَةُ في هَذِهِ الدُّنْيا، فَهو مِن مُكْتَشَفاتِ هَذا الدِّينِ الِاجْتِماعِيَّةِ.
وقَدْ جُعِلَ رِضاهُنَّ بِذَلِكَ شَرْطًا لَهُ؛ لِئَلّا يَكُونَ فِيهِ إجْحافٌ بِحُقُوقِهِنَّ، والعاقِلَةُ مِنَ النِّساءِ تُفَضِّلُ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لِنابِغَةٍ مِنَ الرِّجالِ - وإنْ كانَ ذا زَوْجاتٍ أُخَرَ - عَلى أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لِرَجُلٍ أحْمَقَ، وإنِ اقْتَصَرَ عَلَيْها؛ لِأنَّها تَعْلَمُ أنَّ أوْلادَها مِنَ الأوَّلِ يَنْجُبُونَ أكْثَرَ مِنهم مَنِ الثّانِي.
وأمّا غَيْرُ النّابِغِينَ مِنهم فَإنَّ الدِّينَ يَمْنَعُهم مِن نِكاحِ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ؛ لِئَلّا يَكْثُرَ نَسْلُهُمْ، قالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ المُبِينِ يُخاطِبُ المُؤْمِنِينَ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِعُمُومِ الأُمَّةِ، فَهي تَأْذَنُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِأكْثَرَ مِن واحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ إلى أرْبَعٍ، إذا آنَسَ مِن نَفْسِهِ القُدْرَةَ عَلى العَدْلِ بَيْنَهُنَّ، وإلّا وجَبَ عَلَيْهِ الِاقْتِصارُ عَلى واحِدَةٍ؛ لِئَلّا يَجُورَ عَلَيْهِنَّ.
والقُدْرَةُ عَلى العَدْلِ بَيْنَ أرْبَعٍ مِنَ النِّساءِ مُتَوَقِّفٌ عَلى عَقْلٍ كَبِيرٍ وسِياسَةٍ في الإدارَةِ وحِكْمَةٍ بالِغَةٍ في المُعامَلَةِ، لا تَتَأتّى إلّا لِمَن كانَ نابِغَةً بَيْنَ الرِّجالِ، ذا مَكانَةٍ مِنَ العَقْلِ تَرْفَعُهُ عَلى أقْرانِهِ، والرَّجُلُ النّابِغَةُ إذا تَزَوَّجَ بِأكْثَرَ مِن واحِدَةٍ كَثُرَ نَسْلُهُ فَكَثُرَ النَّوابِغُ.
والشَّعْبُ الَّذِي يَكْثُرُ نَوابِغُهُ أقْدَرُ عَلى الغَلَبَةِ في تَنازُعِ البَقاءِ مِن سائِرِ الشُّعُوبِ، كَما يَدُلُّنا عَلَيْهِ التّارِيخُ.
ثُمَّ خاطَبَ اللَّهُ - في مَكانٍ آخَرَ - الخائِفِينَ أنْ لا يَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ - وهم غَيْرُ النَّوابِغِ مِنَ المُسْلِمِينَ - بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] فَأمَرَهم في هَذِهِ الآيَةِ - الَّتِي هي في المَعْنى تَتِمَّةٌ لِلْأوْلى - أنْ لا يَقْتَرِنُوا بِأكْثَرَ مِن واحِدَةٍ؛ لِأنَّهم في دَرَجَةٍ مِنَ العَقْلِ هي دُونَ دَرَجَةِ النّابِغِينَ، لَنْ يَسْتَطِيعُوا مَعَها إتْيانَ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ، المُتَوَقِّفِ عَلى عَقْلٍ كَبِيرٍ يُسَهِّلُ لِصاحِبِهِ أنْ يُرْضِيَهُنَّ جَمْعاءَ، كَما يَأْتِيهِ النّابِغُونَ والدُّهاةُ مِنَ النّاسِ، وحَرَّمَ عَلى هَؤُلاءِ - الَّذِينَ لَمْ يَحُوزُوا المَقْدِرَةَ عَلى العَدْلِ - التَّزَوُّجَ بِأكْثَرَ مِن واحِدَةٍ؛ لِئَلّا يَقَعَ الظُّلْمُ مِنَ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ، وهو كَثِيرُ الصُّدُورِ مِنَ الأوْساطِ، ومَن كانَ دُونَهم في سُلَّمِ الِارْتِقاءِ؛ ولِئَلّا يَكْثُرَ نَسْلُ غَيْرِ النّابِغِينَ، وهو الأهَمُّ، فَتَبْقى الأُمَّةُ في مَكانِها مِنَ الِانْحِطاطِ.
(p-١١٢١)وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ في الآيَةِ الأوْلى لِعُمُومِ الأُمَّةِ، غَيْرَ أنَّ الشَّرْطَ بِالعَدْلِ جَعَلَهُ خاصًّا بِالعادِلِينَ مِنهُمْ، وهُمُ النّابِغُونَ الَّذِينَ يَقْتَدِرُونَ عَلى إتْيانِ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ لِوُفُورِ عَقْلِهِمْ.
والغايَةُ مِن أمْرِ هَذا الصِّنْفِ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَتَزَوَّجُوا بِأكْثَرَ مِن واحِدَةٍ إلى أرْبَعٍ، هو تَكْثِيرُ نَسْلِهِمْ لِيَسْتَفِيدَ مِن كَثْرَةِ أمْثالِهِمُ المُجْتَمَعُ، كَما أسْلَفْنا، ولَكِنَّ النّابِغَةَ لا يَأْتِي نَسْلُهُ في الغالِبِ نَوابِغُ، بِمُجَرَّدِ تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ، فَإنَّ الزَّوْجَةَ المُتَوَسِّطَةَ أوِ المُنْحَطَّةَ يَكُونُ أوْلادُها في الغالِبِ أوْساطًا أوْ مُنْحَطِّينَ، وإنْ كانَ أبُوهم راقِيًا، فَلا تَحْصُلُ الفائِدَةُ المَطْلُوبَةُ مِن تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ وهي إصْلاحُ النَّسْلِ.
بَلْ يَجِبُ لِلْحُصُولِ عَلى هَذا المَطْلَبِ الأسْنى أنْ يَقْتَرِنَ النّابِغُونَ بِالنّابِغاتِ؛ لِيَكُونَ أوْلادُهم مِثْلَهم نُبُوغًا أوْ أنْبَغَ مِنهُمْ، بِحُكْمِ سُنَّةِ الوِراثَةِ، وذَلِكَ إنَّما يَتِمُّ إذا أحْسَنَ النّابِغُونَ اخْتِيارَ الأزْواجِ، فَنَكَحُوا ما طابَ لَهُمْ، والنّابِغَةُ لا يَطِيبُ لَهُ أنْ يَقْتَرِنَ إلّا بِمَن جَمَعَتْ نُبُوغًا مِثْلَ نُبُوغِهِ، إلى حُسْنٍ رائِعٍ، فَإنَّ مُعاشَرَةَ الحَمْقاءِ لَيْسَ مِمّا يَطِيبُ لِلْعاقِلِ الرّاقِي، وإنَّ الخَيْرَ يُطْلَبُ عِنْدَ حِسانِ الوُجُوهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: (وانْكِحُوا مِنَ النِّساءِ) وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ إشارَةٌ إلى مَراتِبِ نُبُوغِ الرَّجُلِ الثَّلاثِ، فَكَأنَّهُ أرادَ أنْ لا يَتَجاوَزَ الَّذِي قَلَّ نُبُوغُهُ الِاقْتِرانَ بِاثْنَتَيْنِ، وأنْ لا يَتَجاوَزَ الَّذِي نُبُوغُهُ مُتَوَسِّطٌ الِاقْتِرانَ بِثَلاثٍ، وأنْ يَحِلَّ لِلَّذِي نُبُوغُهُ أعْلى مِنَ الأوَّلَيْنِ الِاقْتِرانُ بِأرْبَعٍ.
وأمّا الخائِفُونَ أنْ لا يَعْدِلُوا فَيَجِبُ أنْ لا يَتَجاوَزُوا الِاقْتِرانَ بِواحِدَةٍ؛ لِأنَّهم أُناسٌ لَنْ يَسْتَطِيعُوا - مَعَ كُلِّ حِرْصِهِمْ - أنْ يَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ؛ لِقُصُورِ عَقْلِهِمْ في سِياسَةِ المَنزِلِ وعَدَمِ نُبُوغِهِمْ، وهُناكَ إنْسانٌ نُبُوغُهُ أكْبَرُ مِن كُلِّ نُبُوغٍ، هو مُحَمَّدٌ ﷺ، الَّذِي اخْتارَهُ اللَّهُ لِوُفُورِ حِكْمَتِهِ رَسُولًا مِنهُ إلى البَشَرِ، قَدْ أحَلَّ لَهُ أنْ يَقْتَرِنَ بِأكْثَرَ مِن أرْبَعٍ لِقُدْرَتِهِ عَلى العَدْلِ بَيْنَهُنَّ.
وأظُنُّكَ - بَعْدَ قِراءَةِ ما أوْرَدْتُ - تَعْتَرِفُ - إنْ كُنْتَ مِنَ المُنْصِفِينَ - أنَّ الإسْلامَ جاءَ (p-١١٢٢)قَبْلَ أكْثَرَ مِن ألْفٍ وثَلاثِمِائَةِ عامٍ بِسُنَّةٍ لِلزَّواجِ، عَلَيْها وحْدَها يَتَوَقَّفُ إصْلاحُ نَسْلِ البَشَرِ، الَّذِي أخَذَ في هَذا القَرْنِ أفْرادٌ مِن فَلاسِفَةِ الغَرْبِ يَحُضُّونَ عَلَيْهِ، تِلْكَ السُّنَّةُ هي تَعَدُّدُ الزَّوْجاتِ بَعْدَ أنْ كانَ الرَّأْيُ العامُّ في الغَرْبِ يَعِيبُهُ عَلَيْها، هَذا هو الإسْلامُ يُقَرِّرُ أكْبَرَ قاعِدَةٍ لِلتَّرَقِّي، وهو إباحَةُ تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ، اللّاتِي يَطِبْنَ لِوُفُورِ جَمالِهِنَّ وعَقْلِهِنَّ لِأفْرادٍ نابِغِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، لا يَخافُونَ لِوُفُورِ عَقْلِهِمْ أنْ لا يَعْدِلُوا بَيْنَهُنَّ، ولَكِنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يَأْتَمِرُوا بِأمْرِ اللَّهٍ، فَأباحُوا هَذا التَّعَدُّدَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، لِلْخائِفِينَ أنْ لا يَعْدِلُوا ولِغَيْرِ الخائِفِينَ، فَفَسَدَ النَّسْلُ، والَّذِي أعانَ عَلى فَسادِهِ هو كَوْنُ القُدْرَةِ عَلَيْهِ أصْبَحَتْ - بِحُكْمِ الجَهْلِ - مُنْحَصِرَةً في المالِ الَّذِي يَجْمَعُهُ الغاصِبُ والسّارِقُ والكاسِبُ، فَكَثُرَ نَسْلُ الظّالِمِينَ، وقَلَّ نَسْلُ العادِلِينَ مِن أهْلِ العَقْلِ الرّاجِحِ، انْتَهى كَلامُهُ، وهو اسْتِنْباطٌ بَدِيعٌ.
النساء 4:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [٤]
﴿وآتُوا﴾ أيْ: أعْطُوا ﴿النِّساءَ﴾ أيِ: اللّاتِي أُمِرَ بِنِكاحِهِنَّ ﴿صَدُقاتِهِنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ (جَمْعُ صَدُقَةٍ كَسَمُرَةَ) وهي المَهْرُ ﴿نِحْلَةً﴾ أيْ: عَطاءً غَيْرَ مُسْتَرَدٍّ بِحِيلَةٍ تُلْجِئُهُنَّ إلى الرَّدِّ، والنِّحْلَةُ (بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّها، عَلى ما رَواهُ ابْنُ دُرَيْدٍ) اسْمُ مَصْدَرٍ لِـ (نَحَلَ) والمَصْدَرُ النُّحْلُ (بِالضَّمِّ) وهو العَطاءُ بِلا عِوَضٍ، والتَّعْبِيرُ عَنْ إيتاءِ المُهُورِ بِالنِّحْلَةِ - مَعَ كَوْنِها واجِبَةً عَلى الأزْواجِ - لِإفادَةِ مَعْنى الإيتاءِ عَنْ كَمالِ الرِّضا وطِيبِ الخاطِرِ.
فائِدَتانِ:
الأُولى: هَذا الخِطابُ إمّا لِلْأزْواجِ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ والنَّخَعِيِّ وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، فَإنَّ ما قَبْلَهُ خِطابٌ لِلنّاكِحِينَ وهُمُ الأزْواجُ، وإمّا لِأوْلِياءِ النِّساءِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ (p-١١٢٣)كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ لا تُعْطِي النِّساءَ مِن مُهُورِهِنَّ شَيْئًا.
ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ لِمَن وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ: هَنِيئًا لَكَ النّافِجَةُ، ومَعْناهُ إنَّكَ تَأْخُذُ مَهْرَها إبَلًا فَتَضُمُّها إلى إبِلِكَ فَتَنَفِجُ مالَكَ أيْ: تُعَظِّمُهُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: النّافِجَةُ ما يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ مِنَ الحُلْوانِ إذا زَوَّجَ ابْنَتَهُ، فَنَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وأمَرَ بِدَفْعِ الحَقِّ إلى أهْلِهِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ وأبِي صالِحٍ، واخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ.
الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإيتاءِ المُناوَلَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الِالتِزامَ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] [التَّوْبَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٩]، والمَعْنى حَتّى يَضْمَنُوها ويَلْتَزِمُوها، فَعَلى هَذا الوَجْهِ الأوَّلِ كانَ المُرادُ أنَّهم أُمِرُوا بِدَفْعِ المُهُورِ الَّتِي قَدْ سَمَّوْها لَهُنَّ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي كانَ المُرادُ أنَّ الفُرُوجَ لا تُسْتَباحُ إلّا بِعِوَضٍ يُلْزَمُ، سَواءٌ سُمِّيَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يُسَمَّ، إلّا ما خُصَّ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ في المَوْهُوبَةِ.
ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جامِعًا لِلْوَجْهَيْنِ مَعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ الضَّمِيرُ لِلصَّدُقاتِ، وتَذْكِيرُهُ لِإجْرائِهِ مَجْرى ذَلِكَ، أيْ: فَإنْ أحْلَلْنَ لَكم مِنَ المَهْرِ شَيْئًا بِطِيبَةِ نَفْسٍ؛ جَلْبًا لِمَوَدَّتِكُمْ، لا لِحَياءٍ عَرَضَ لَهُنَّ مِنكم أوْ مِن غَيْرِكُمْ، ولا لِاضْطِرارِهِنَّ إلى البَذْلِ مِن شَكاسَةِ أخْلاقِكم وسُوءِ مُعاشَرَتِكم.
﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ أيْ: فَخُذُوهُ وتَصَرَّفُوا فِيهِ تَمَلُّكًا، وتَخْصِيصُ الأكْلِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ وُجُوهِ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ.
وهَنِيئًا مَرِيئًا: صِفَتانِ مِن (هَنُؤَ الطَّعامُ ومَرُؤَ) إذا كانَ سائِغًا لا تَنْغِيصَ فِيهِ، وقِيلَ: الهَنِيءُ ما أتاكَ بِلا مَشَقَّةٍ ولا تَبِعَةٍ، والمَرِيءُ حَمِيدُ المَغَبَّةِ، وهُما عِبارَةٌ عَنِ التَّحْلِيلِ والمُبالَغَةِ في الإباحَةِ وإزالَةِ التَّبِعَةِ؛ لِأنَّهُنَّ كالرِّجالِ في التَّصَرُّفاتِ والتَّبَرُّعاتِ.
* *
(p-١١٢٤)تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لِلْآيَةِ ثَمَراتٌ:
مِنها: أنَّهُ لا بُدَّ في النِّكاحِ مِن صَداقٍ.
ومِنها: أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلْمَرْأةِ كَسائِرِ الدُّيُونِ.
ومِنها: أنَّ لَها أنْ تَتَصَرَّفَ فِيهِ بِما شاءَتْ، ولَمْ تَفْصِلِ الآيَةُ بَيْنَ أنْ تَقْبِضَهُ أمْ لا، ولِذا قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: لَها بَيْعُ مَهْرِها قَبْلَ قَبْضِهِ، ولِبَعْضِهِمْ: لا تَبِيعُهُ حَتّى تَقْبِضَهُ، كالمِلْكِ بِالشِّراءِ.
ومِنها: أنَّهُ يَسْقُطُ عَنِ الزَّوْجِ بِإسْقاطِها مَعَ طِيبِ نَفْسِها، وقَدْ رَأى شُرَيْحٌ إقالَتَها إذا رَجَعَتْ، واحْتَجَّ بِالآيَةِ.
رَوى الشَّعْبِيُّ أنَّ امْرَأةً جاءَتْ مَعَ زَوْجِها شُرَيْحًا في عَطِيَّةٍ أعْطَتْها إيّاهُ، وهي تَطْلُبُ الرُّجُوعَ، فَقالَ شُرَيْحٌ: رَدَّ عَلَيْها، فَقالَ الرَّجُلُ: ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ﴾ ؟ فَقالَ: لَوْ طابَتْ نَفْسُها عَنْهُ لَما رَجَعَتْ فِيهِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: أُقِيلُها فِيما وهَبَتْ ولا أقْبَلُهُ؛ لِأنَّهُنَّ يُخْدَعْنَ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كَتَبَ إلى قُضاتِهِ: أنَّ النِّساءَ يُعْطِينَ رَغْبَةً ورَهْبَةً، فَأيُّما امْرَأةٍ أعْطَتْهُ ثُمَّ أرادَتْ أنْ تَرْجِعَ فَذَلِكَ لَها، نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
أقُولُ: ما رَآهُ شُرَيْحٌ ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ هو الفِقْهُ الصَّحِيحُ والِاسْتِنْباطُ البَدِيعُ، إذِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى ضِيقِ المَسْلَكِ في ذَلِكَ ووُجُوبِ الِاحْتِياطِ، حَيْثُ بُنِيَ الشَّرْطُ عَلى طِيبِ النَّفْسِ، ولَمْ يَقُلْ: فَإنْ وهَبْنَ لَكُمْ؛ إعْلامًا بِأنَّ المُراعى هو تَجافِي نَفْسِها عَنِ المَوْهُوبِ طَيِّبَةً، وبِرُجُوعِها يَظْهَرُ عَدَمُ طِيبِ نَفْسِها، وذَلِكَ بَيِّنٌ.
النساء 4:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [٥]
﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ وُجُوهًا يَحْتَمِلُها النَّظْمُ الكَرِيمُ:
(p-١١٢٥)الأوَّلُ: أنْ يُرادَ بِالسُّفَهاءِ اليَتامى، كَما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والخِطابُ حِينَئِذٍ لِلْأوْلِياءِ، نُهُوا أنْ يُؤْتُوا اليَتامى أمْوالَهم مَخافَةَ أنْ يُضَيِّعُوها لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ السَّفِيهَ هو الخَفِيفُ الحِلْمِ.، وإنَّما أُضِيفَتْ لِلْأوْلِياءِ - وهي لِلْيَتامى - تَنْزِيلًا لِاخْتِصاصِها بِأصْحابِها مَنزِلَةَ اخْتِصاصِها بِالأوْلِياءِ، فَكَأنَّ أمْوالَهم عَيْنُ أمْوالِهِمْ؛ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ الِاتِّحادِ الجِنْسِيِّ والنَّسَبِيِّ؛ مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٢٩]، أيْ: لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا حَيْثُ عُبِّرَ عَنْ بَنِي نَوْعِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ؛ مُبالَغَةً في زَجْرِهِمْ عَنْ قَتْلِهِمْ، فَكَأنَّ قَتْلَهم قَتْلُ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ أيَّدَ ذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ جَعْلِها مَناطًا لِمَعاشِ أصْحابِها بِجَعْلِها مَناطًا لِمَعاشِ الأوْلِياءِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ أيْ: جَعَلَها اللَّهُ شَيْئًا تَقُومُونَ وتَنْتَعِشُونَ، فَلَوْ ضَيَّعْتُمُوها لَضِعْتُمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ أيِ: اجْعَلُوها مَكانًا لِرِزْقِهِمْ وكِسْوَتِهِمْ، بِأنْ تَتَّجِرُوا وتَتَرَبَّحُوا؛ حَتّى تَكُونَ نَفَقاتُهم مِنَ الأرْباحِ لا مِن صُلْبِ المالِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ أيْ: كَلامًا لَيِّنًا تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهُمْ، ومِنهُ أنْ يَعِدَهم عِدَّةً جَمِيلَةً، بِأنْ يَقُولَ ولِيُّهُمْ: إذا صَلُحْتُمْ ورَشَدْتُمْ سَلَّمْنا إلَيْكم أمْوالَكم.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُرادَ بِالسُّفَهاءِ النّاسُ والصِّبْيانُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِما، فالخِطابُ عامٌّ، والنَّهْيُ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَعْمِدَ إلى ما خَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المالِ فَيُعْطِيَهُ امْرَأتَهُ وأوْلادَهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلى أيْدِيهِمْ، وإنَّما سَمّاهم سُفَهاءَ؛ اسْتِخْفافًا بِعَقْلِهِمْ واسْتِهْجانًا لِجَعْلِهِمْ قُوّامًا عَلى أنْفُسِهِمْ.
قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَقُولُ: لا تَعْمِدْ إلى مالِكَ خَوَّلَكَ اللَّهُ وجَعَلَهُ لَكَ مَعِيشَةً فَتُعْطِيَهُ امْرَأتَكَ أوِ ابْنَتَكَ ثُمَّ تُنْظَرُ إلى ما في أيْدِيهِمْ، ولَكِنْ أمْسِكْ مالَكَ وأصْلِحْهُ وكُنْ أنْتَ الَّذِي تُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِن كِسْوَتِهِمْ ومُؤْنَتِهِمْ ورِزْقِهِمْ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ (p-١١٢٦)يُرادَ بِالسُّفَهاءِ كُلُّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ يَفِي بِحِفْظِ المالِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ النِّساءُ والصِّبْيانُ والأيْتامُ كُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ أوْلى؛ لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ.
قالَ السُّيُوطِيُّ فِي: "الإكْلِيلِ": في هَذِهِ الآيَةِ الحَجْرُ عَلى السَّفِيهِ، وأنَّهُ لا يُمَكَّنُ مِن مالِهِ، وأنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنهُ ويُكْسى، ولا يُنْفَقُ في التَّبَرُّعاتِ، وأنَّهُ يُقالُ لَهُ مَعْرُوفٌ كَـ: (إنْ رَشَدْتَ دَفَعْنا إلَيْكَ مالَكَ، وإنَّما يَحْتاطُ لِنَفْعِكَ).
واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن قالَ بِالحَجْرِ عَلى السَّفِيهِ البالِغِ، سَواءٌ طَرَأ عَلَيْهِ أمْ كانَ مِن حِينِ البُلُوغِ، ومَن قالَ بِالحَجْرِ عَلى مَن يُخْدَعُ في البُيُوعِ، ومَن قالَ بِأنَّ مَن يَتَصَدَّقُ عَلى مَحْجُورٍ، وشَرَطَ أنْ يُتْرَكَ في يَدِهِ لا يُسْمَعُ مِنهُ في ذَلِكَ.
لَطِيفَةٌ:
فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ حَثٌّ عَلى حِفْظِ الأمْوالِ وعَدَمِ تَضْيِيعِها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ: المالُ سِلاحُ المُؤْمِنِ، ولَأنْ أتْرُكَ مالًا يُحاسِبُنِي اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِن أنْ أحْتاجَ إلى النّاسِ.
وعَنْ سُفْيانَ - وكانَتْ لَهُ بِضاعَةٌ يُقَلِّبُها -: لَوْلاها لَتَمَندَلَ بِي بَنُو العَبّاسِ.
وعَنْ غَيْرِهِ (وقِيلَ لَهُ: إنَّها تُدْنِيكَ مِنَ الدُّنْيا): لَإنْ أدْنَتْنِي مِنَ الدُّنْيا لَقَدْ صانَتْنِي عَنْها.
وكانُوا يَقُولُونَ: اتَّجِرُوا واكْتَسِبُوا، فَإنَّكم في زَمانٍ إذا احْتاجَ أحَدُكم كانَ أوَّلُ ما يَأْكُلُ دِينَهُ، ورُبَّما رَأوْا رَجُلًا في جِنازَةٍ، فَقالُوا لَهُ: اذْهَبْ إلى دُكّانِكَ، انْتَهى.
النساء 4:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [٦]
(p-١١٢٧)﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ أيِ: اخْتَبِرُوا عُقُولَهم ومَعْرِفَتَهم بِالتَّصَرُّفِ ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ أيْ: بِأنْ يَحْتَلِمُوا أوْ يَبْلُغُوا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ لِما في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وهو ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجْزِنِي ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وأنا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأجازَنِي» .
قالَ نافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وهو خَلِيفَةٌ فَحَدَّثْتُهُ هَذا الحَدِيثَ فَقالَ: إنَّ هَذا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، وكَتَبَ إلى عُمّالِهِ أنْ يَفْرِضُوا لِمَن بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ.
وكَذا نَباتُ الشَّعَرِ الخَشِنِ حَوْلَ العَوْرَةِ؛ لِما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ قالَ: «عُرِضْنا عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَكانَ مَن أنْبَتَ قُتِلَ، ومَن لَمْ يُنْبِتْ خَلّى سَبِيلَهُ، فَكُنْتُ فِيمَن لَمْ يُنْبِتْ، فَخَلّى سَبِيلِي» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
﴿فَإنْ آنَسْتُمْ﴾ أيْ: شاهَدْتُمْ وتَبَيَّنْتُمْ ﴿مِنهم رُشْدًا﴾ أيْ: صَلاحًا في دِينِهِمْ وحِفْظًا لِأمْوالِهِمْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ.
وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ إمّا بِالتَّبْذِيرِ أوْ بِالعَجْزِ أوْ بِالفِسْقِ، لا يُسَلَّمُ إلَيْهِ مالُهُ؛ لِأنَّها مَفْسَدَةٌ لِلْمالِ.
﴿ولا تَأْكُلُوها﴾ أيُّها الأوْلِياءُ ﴿إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ أيْ: مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ كِبَرَهُمْ، أوْ لِإسْرافِكم ومُبادَرَتِكم كِبَرَهُمْ، تُفَرِّطُونَ في إنْفاقِها وتَقُولُونَ: نُنْفِقُ كَما نَشْتَهِي قَبْلَ أنْ يَكْبُرَ اليَتامى فَيَنْتَزِعُوها مِن أيْدِينا.
﴿ومَن كانَ﴾ مِنَ الأوْلِياءِ ﴿غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أيْ: يَتَنَزَّهُ عَنْ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، ولْيَقْنَعْ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الزُّرْقِ ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا﴾ يَمْنَعُهُ اشْتِغالُهُ بِمالِ اليَتِيمِ عَنِ الكَسْبِ، وإهْمالُهُ يُفْضِي إلى تَلَفِهِ عَلَيْهِ ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِقَدْرِ حاجَتِهِ الضَّرُورِيَّةِ وأُجْرَةِ سَعْيِهِ وخِدْمَتِهِ.
كَما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ (p-١١٢٨)حَيْثُ قالَتْ: فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ بِقَدْرِ قِيامِهِ عَلَيْهِ، ورَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ الفُقَهاءُ: لَهُ أنْ يَأْكُلَ أقَلَّ الأمْرَيْنِ: أُجْرَةَ مِثْلِهِ، وقَدْرَ حاجَتِهِ، وهَلْ يَرُدُّ إذا أيْسَرَ؟ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا يَرُدُّ لِأنَّهُ أكَلَ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ وكانَ فَقِيرًا، وهَذا هو الصَّحِيحُ عِنْدَ أصْحابِ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّ الآيَةَ أباحَتِ الأكْلَ مِن غَيْرٍ بَدَلٍ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَيْسَ لِي مالٌ ولِي يَتِيمٌ، فَقالَ: كُلْ مِن مالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ، ولا مُبَذِّرٍ ولا مُتَأثِّلٍ مالًا، ومِن غَيْرِ أنْ تَقِيَ مالَكَ أوْ قالَ: تَفْدِيَ مالَكَ بِمالِهِ» .
ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ ولَفْظُهُ: «كُلْ بِالمَعْرُوفِ غَيْرَ مُسْرِفٍ» ورَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ.
ورَوى ابْنُ حِبّانَ فِي: "صَحِيحِهِ" وابْنُ مَرْدُويَهْ فِي: "تَفْسِيرِهِ" عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! مِمّا أضْرِبُ يَتِيمِي؟ قالَ: مِمّا كُنْتَ ضارِبًا مِنهُ ولَدَكَ، غَيْرَ واقٍ مالَكَ بِمالِهِ، ولا مُتَأثِّلٍ مِنهُ مالًا» .
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: جاءَ أعْرابِيٌّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: إنَّ في حِجْرِي أيْتامًا، وإنَّ لَهم إبِلًا، ولِي إبِلٌ وأنا أمْنَحُ مِن إبِلِي فُقَراءَ، فَماذا يَحِلُّ لِي مِن ألْبانِها؟ فَقالَ: إنْ كُنْتَ تَبْغِي ضالَّتَها، وتَهْنَأُ جَرْباها، وتَلُوطُ حَوْضَها، وتَسْعى عَلَيْها، فاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ، ولا ناهِكٍ في الحَلْبِ، ورَواهُ مالِكٌ في مُوَطَّئِهِ. وبِهَذا القَوْلِ - وهو عَدَمُ أداءِ البَدَلِ - (p-١١٢٩)يَقُولُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وعِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ
والوَجْهُ الثّانِي: يَرُدُّ؛ لِأنَّ مالَ اليَتِيمِ عَلى الحَظْرِ، وإنَّما أُبِيحَ لِلْحاجَةِ، فَيَرُدُّ بَدَلَهُ، كَأكْلِ مالِ الغَيْرِ لِلْمُضْطَرِّ عِنْدَ الحاجَةِ.
وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ حارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قالَ: قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنِّي أنْزَلْتُ نَفْسِي مِن هَذا المالِ مَنزِلَةَ والِي اليَتِيمِ، إنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وإنِ احْتَجْتُ اسْتَقْرَضْتُ، فَإذا أيْسَرْتُ قَضَيْتُ.
ورَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ فِي: "سُنَنِهِ": حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ لِي عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "إنَّما أنْزَلْتُ نَفْسِي مِن مالِ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ والِي اليَتِيمِ، إنِ احْتَجْتُ أخَذْتُ مِنهُ، فَإذا أيْسَرْتُ رَدَدْتُهُ، وإنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ " قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادٌ صَحِيحٌ.
ورَوى البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَكَذا رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي القَرْضَ، قالَ: ورُوِيَ عَنْ عَبِيدَةَ وأبِي العالِيَةِ وأبِي وائِلٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (فِي إحْدى الرِّواياتِ) ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ والشَّعْبِيِّ والسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ.
قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: وبَعْضُ أهْلِ العِلْمِ خَصَّ هَذا الإقْراضَ بِأُصُولِ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِها.
وأمّا التَّناوُلُ مِن ألْبانِ المَواشِي واسْتِخْدامُ العَبِيدِ ورُكُوبُ الدَّوابِّ فَمُباحٌ لَهُ إذا كانَ غَيْرَ مُضِرٍّ بِالمالِ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ وغَيْرِهِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ فَحَكَمَ في الأمْوالِ بِدَفْعِها إلَيْهِمُ، انْتَهى.
أقُولُ: الكُلُّ مُحْتَمَلٌ، إذْ لا نَصَّ مِنَ الأصْلَيْنِ عَلى واحِدٍ مِنها، ولا يَخْفى الوَرَعُ.
﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ البُلُوغِ والرُّشْدِ ﴿فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ (p-١١٣٠)الدَّفْعِ بِأنَّهم قَبَضُوها، فَإنَّهُ أنْفى لِلتُّهْمَةِ وأبْعَدُ مِنَ الخُصُومَةِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ: فِيهِ الأمْرُ بِالإشْهادِ نَدْبًا، وقِيلَ: وُجُوبًا، ويُسْتَفادُ مِنهُ أنَّ القَوْلَ في الدَّفْعِ قَوْلُ الصَّبِيِّ لا الوَلِيِّ، فَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلّا بِبَيِّنَةٍ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أيْ: كافِيًا في الشَّهادَةِ عَلَيْكم بِالدَّفْعِ والقَبْضِ، أوْ مُحاسِبًا، فَلا تُخالِفُوا ما أمَرَكم بِهِ، ولا يَخْفى مَوْقِعُ هَذا التَّذْيِيلِ هُنا، فَإنَّ الوَصِيَّ يُحاسَبُ عَلى ما في يَدِهِ.
وفِيهِ وعِيدٌ لِوَلِيِّ اليَتِيمِ وإعْلامُ لَهُ أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ باطِنَهُ كَما يَعْلَمُ ظاهِرَهُ؛ لِئَلّا يَنْوِيَ أوْ يَعْمَلَ في مالِهِ ما لا يَحِلُّ، ويَقُومَ بِالأمانَةِ التّامَّةِ في ذَلِكَ إلى أنْ يَصِلَ إلَيْهِ مالُهُ.
وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: يا أبا ذَرٍّ إنِّي أراكَ ضَعِيفًا، وإنِّي أُحِبُّ لَكَ ما أُحِبُّ لِنَفْسِي لا تَأمَّرَنَّ عَلى اثْنَيْنِ ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يَتِيمٍ» .
النساء 4:7
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أحْكامَ المَوارِيثِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [٧]
﴿لِلرِّجالِ﴾ أيِ: الأوْلادِ والأقْرِباءِ ﴿نَصِيبٌ﴾ أيْ: حَظٌّ ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ أيِ: المُتَوَفُّونَ ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ﴾ أيِ: المالِ ﴿أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أيْ: مَقْطُوعًا واجِبًا لَهُمْ، وإيرادُ حُكْمِ النِّساءِ عَلى الِاسْتِقْلالِ دُونَ الدَّرْجِ في تَضاعِيفِ أحْكامِ الرِّجالِ - بِأنْ يُقالَ: لِلرِّجالِ والنِّساءِ إلَخْ - لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِهِنَّ، والإشارَةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ نَصِيبَيِ الفَرِيقَيْنِ، والمُبالَغَةِ في إبْطالِ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ والأطْفالَ، ويَقُولُونَ: لا يَرِثُ إلّا مَن طاعَنَ بِالرِّماحِ، وذادَ عَنِ الحَوْزَةِ، وحازَ الغَنِيمَةَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ؛ لِأنَّهم مِنَ الأقْرَبِينَ، وهو اسْتِدْلالٌ وجِيهٌ، ولا حُجَّةَ لِمَن حاوَلَ دَفْعَهُ.
النساء 4:8
(p-١١٣١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [٨]
﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ أيْ: قِسْمَةَ التَّرِكَةِ ﴿أُولُو القُرْبى﴾ ذَوُو القَرابَةِ مِمَّنْ لا يَرِثُ، قَدَّمَهم لِأنَّ إعْطاءَهم صَدَقَةٌ وصِلَةٌ ﴿واليَتامى﴾ الضُّعَفاءُ بِفَقْدِ الآباءِ ﴿والمَساكِينُ﴾ الضُّعَفاءُ بِفَقْدِ ما يَكْفِيهِمْ مِنَ المالِ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ أيْ: أعْطُوهم مِنَ المِيراثِ شَيْئًا ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ بِتَلْطِيفِ القَوْلِ لَهم والدُّعاءِ لَهم بِمِثْلِ: بارَكَ اللَّهُ عَلَيْكم.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في هَذِهِ الآيَةِ: المَعْنى أنَّهُ إذا حَضَرَ هَؤُلاءِ الفُقَراءُ - مِنَ القَرابَةِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ - واليَتامى والمَساكِينُ قِسْمَةَ مالٍ جَزِيلٍ فَإنَّ أنْفُسَهم تَتُوقُ إلى شَيْءٍ مِنهُ إذا رَأوْا هَذا يَأْخُذُ وهَذا يَأْخُذُ، وهم يائِسُونَ لا يُعْطَوْنَ شَيْئًا، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى - وهو الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ - أنْ يُرْضَخَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الوَسَطِ يَكُونُ بِرًّا بِهِمْ، وصَدَقَةً عَلَيْهِمْ، وإحْسانًا إلَيْهِمْ، وجَبْرًا لِكَسْرِهِمْ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] [الأنْعامِ: مِنَ الآيَةِ ١٤١] وذَمَّ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ المالَ خُفْيَةً؛ خَشْيَةَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمُ المَحاوِيجُ وذَوُو الفاقَةِ كَما أخْبَرَ بِهِ عَنْ أصْحابِ الجَنَّةِ: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] [القَلَمِ: مِنَ الآيَةِ ١٧] ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] [القَلَمِ: ٢٣-٢٤] (p-١١٣٢)﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] [مُحَمَّدٍ: ١٠] فَمَن جَحَدَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ عاقَبَهُ في أعَزِّ ما يَمْلِكُهُ، ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ: «ما خالَطَتِ الصَّدَقَةُ مالًا إلّا أفْسَدَتْهُ» أيْ: مَنعُها يَكُونُ سَبَبَ مَحْقٍ ذَلِكَ المال بِالكُلِّيَّةِ، انْتَهى.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هي مُحْكَمَةٌ ولَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، وفي لَفْظٍ عَنْهُ: هي قائِمَةٌ يُعْمَلُ بِها.
ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها واجِبَةٌ عَلى أهْلِ المِيراثِ ما طابَتْ بِهِ أنْفُسُهم.
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ فِي: "مُصَنَّفِهِ" أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ قَسَمَ مِيراثَ أبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وعائِشَةُ حَيَّةٌ - فَلَمْ يَدَعْ في الدّارِ مِسْكِينًا ولا ذا قَرابَةٍ إلّا أعْطاهُ مِن مِيراثِ أبِيهِ، وتَلا: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ قالَ: ثَلاثُ آياتٍ مَدَنِيّاتٍ مُحْكَماتٍ ضَيَّعَهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ وآيَةُ الِاسْتِئْذانِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨] وقَوْلُهُ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣] الآيَةَ.
وقَدْ ذَكَرَ هَهُنا كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ آثارًا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المِيراثِ، وهي مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، ولَقَدْ أبْعَدَ القائِلُ بِالنَّسْخِ عَنْ فَهْمِ سِرِّ الآيَةِ فِيما نَدَبَتْ إلَيْهِ مِن هَذِهِ المَكْرُمَةِ الجَلِيلَةِ، وهي إسْعافُ مَن ذُكِرَ مِنَ المالِ المَوْرُوثِ، والنَّفْسُ الأبِيَّةُ تَنْفِرُ مِن أنْ تَأْخُذَ المالَ الجَزْلَ وذُو الرَّحِمِ حاضِرٌ مَحْرُومٌ، ولا يُسْعَفُ ولا يُساعَدُ، فالآيَةُ بَيِّنَةٌ بِنَفْسِها، واضِحَةٌ في مَعْناها وُضُوحَ الشَّمْسِ في الظَّهِيرَةِ، لا تُنْسَخُ أوْ تَقُومَ السّاعَةُ.
النساء 4:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
(p-١١٣٣)﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [٩]
﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ في الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّها أمْرٌ لِلْأوْصِياءِ بِأنْ يَخْشَوُا اللَّهَ تَعالى ويَتَّقُوهُ في أمْرِ اليَتامى، فَيَفْعَلُوا بِهِمْ ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِذَرارِيِّهِمُ الضِّعافِ بَعْدَ وفاتِهِمْ.
الثّانِي: أنَّها أمْرٌ لِمَن حَضَرَ المَرِيضَ مِنَ العُوّادِ عِنْدَ الإيصاءِ بِأنْ يَخْشَوْا رَبَّهم أوْ يَخْشَوْا أوْلادَ المَرِيضِ ويُشْفِقُوا عَلَيْهِمْ شَفَقَتَهم عَلى أوْلادِهِمْ، فَلا يَتْرُكُوهُ أنْ يَضُرَّ بِهِمْ بِصَرْفِ المالِ عَنْهم.
الثّالِثُ: أنَّها أمْرٌ لِلْوَرَثَةِ بِالشَّفَقَةِ عَلى مَن حَضَرَ القِسْمَةَ مِن ضُعَفاءِ الأقارِبِ واليَتامى والمَساكِينِ، مُتَصَوِّرِينَ أنَّهم لَوْ كانُوا أوْلادَهم بَقُوا خَلْفَهم ضِعافًا مِثْلَهُمْ، هَلْ يُجَوِّزُونَ حِرْمانَهُمْ؟!
الرّابِعُ: أنَّها أمْرٌ لِلْمُوصِينَ بِأنْ يَنْظُرُوا لِلْوَرَثَةِ فَلا يُسْرِفُوا في الوَصِيَّةِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَخَلَ عَلى سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ يَعُودُهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي ذُو مالٍ ولا يَرِثُنِي إلى ابْنَةٌ، أفَأتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مالِي؟ قالَ: لا قالَ: فالشَّطْرُ؟ (p-١١٣٤)قالَ: لا قالَ: فالثُّلُثُ، قالَ: الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ أنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَذَرَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» .
وفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَوْ غَضَّ النّاسُ إلى الرُّبُعِ؟ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ الثُّلُثُ: والثُّلُثُ كَثِيرٌ (أوْ كَبِيرٌ)».
والوَجْهُ الأوَّلُ حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ يَتَأيَّدُ بِما بَعْدَهُ مِنَ التَّهْدِيدِ في أكْلِ أمْوالِ اليَتامى ظُلْمًا.
ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي: إنَّ هَذا الوَجْهَ ألْيَقُ بِما تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ مِنَ الآياتِ الوارِدَةِ في بابِ الأيْتامِ، فَجَعَلَ تَعالى آخِرَ ما دَعاهم إلى حِفْظِ مالِ اليَتِيمِ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى حالِ أنْفُسِهِمْ وذُرِّيَّتِهِمْ إذا تَصَوَّرُوها، ولا شَكَّ أنَّهُ مِن أقْوى الدَّواعِي والبَواعِثِ في هَذا المَقْصُودِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقَوْلُ السَّدِيدُ مِنَ الأوْصِياءِ أنْ لا يُؤْذُوا اليَتامى، ويُكَلِّمُوهم كَما يُكَلِّمُونَ أوْلادَهم بِالأدَبِ الحَسَنِ والتَّرْحِيبِ، ويَدْعُوهم بِـ(يا بُنَيَّ) ويا ولَدِي، ومِنَ الجالِسِينَ إلى المَرِيضِ أنْ يَقُولُوا لَهُ - إذا أرادَ الوَصِيَّةَ -: لا تُسْرِفْ في وصِيَّتِكَ فَتُجْحِفَ بِأوْلادِكَ، مِثْلَ «قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ: إنَّكَ أنْ تَتْرُكَ ولَدَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» ومِنَ المُتَقاسِمِينَ مِيراثَهم أنْ يَلْطُفُوا القَوْلَ ويُجْمِلُوهُ لِلْحاضِرِينَ.
لَطِيفَةٌ:
لا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ تَعالى: (تَرَكُوا) عَلى المُشارَفَةِ؛ لِيَصِحَّ وُقُوعُ (خافُوا) خَبَرًا لَهُ، ضَرُورَةَ أنَّهُ لا خَوْفَ بَعْدَ حَقِيقَةِ المَوْتِ وتَرْكِ الوَرَثَةِ، ونَظِيرُهُ: (p-١١٣٥)﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٣١] أيْ: شارَفْنَ بُلُوغَ الأجَلِ، ولِهَذا المَجازِ في التَّعْبِيرِ عَنِ المُشارَفَةِ عَلى التَّرْكِ بِالتُّرْكِ سِرٌّ بَدِيعٌ، وهو التَّخْوِيفُ بِالحالَةِ الَّتِي لا يَبْقى مَعَها مَطْمَعٌ في الحَياةِ، ولا في الذَّبِّ عَنِ الذُّرِّيَّةِ الضِّعافِ، وهي الحالَةُ الَّتِي - وإنْ كانَتْ مِنَ الدُّنْيا - إلّا أنَّها لِقُرْبِها مِنَ الآخِرَةِ ولُصُوقِها بِالمُفارَقَةِ صارَتْ مِن حَيِّزِها، ومُعَبَّرًا عَنْها بِما يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الحالَةِ الكائِنَةِ بَعْدَ المُفارَقَةِ مِنَ التَّرْكِ، كَذا في الِانْتِصافِ.
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يَجِبُ أنْ يُحِبَّ الإنْسانُ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، ويُحِبَّ لِذُرِّيَّةِ غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ما يُحِبُّ لِذَرِّيَّتِهِ، وأنَّ عَلى ولِيِّ اليَتِيمِ أنْ لا يُؤْذِيَ اليَتِيمَ، بَلْ يُكَلِّمُهُ كَما يُكَلِّمُ أوْلادَهُ بِالأدَبِ الحَسَنِ والتَّرْحِيبِ، ويَدْعُو اليَتِيمَ: يا بُنَيَّ يا ولَدِي، وقَدْ جاءَ في الرِّقَّةِ عَلى الأيْتامِ آثارٌ كَثِيرَةٌ، اهـ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى إرْشادِ الآباءِ - الَّذِينَ يَخْشَوْنَ تَرْكَ ذُرِّيَّةٍ ضِعافٍ - بِالتَّقْوى في سائِرِ شُؤُونِهِمْ حَتّى تُحْفَظَ أبْناؤُهم وتُغاثَ بِالعِنايَةِ مِنهُ تَعالى، ويَكُونُ في إشْعارِها تَهْدِيدٌ بِضَياعِ أوْلادِهِمْ إنْ فَقَدُوا تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وإشارَةٌ إلى أنَّ تَقْوى الأُصُولِ تَحْفَظُ الفُرُوعَ، وأنَّ الرِّجالَ الصّالِحِينَ يَحْفَظُونَ في ذُرِّيَّتِهِمُ الضِّعافَ، كَما في آيَةِ: ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْـزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] [الكَهْفِ: ٨٢] إلى آخِرِها، فَإنَّ الغُلامَيْنِ حُفِظا - بِبَرَكَةِ صَلاحِ أبِيهِما - في أنْفُسِهِما ومالِهِما.
النساء 4:10
(p-١١٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [١٠]
﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ أيْ: عَلى وجْهِ الظُّلْمِ مِنَ الوَرَثَةِ، أوْ أوْلِياءُ السُّوءِ وقُضاتُهُ، بِخِلافِ أكْلِ الفَقِيرِ النّاظِرِ في أمْوالِهِمْ بِقَدْرِ أُجْرَتِهِ، كَما تَقَدَّمَ.
﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ أيْ: ما يَجُرُّ إلى النّارِ ويُؤَدِّي إلَيْها ﴿وسَيَصْلَوْنَ﴾ أيْ: في القِيامَةِ ﴿سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا مُسْتَعِرَةً.
رَوى ابْنُ حِبّانَ فِي: "صَحِيحِهِ " وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ قَوْمٌ مِن قُبُورِهِمْ تَأجَّجُ أفْواهُهم نارًا قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! مَن هُمْ؟ قالَ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ الآيَةَ».
لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في بُطُونِهِمْ، أيْ: مَلْءَ بُطُونِهِمْ، يُقالُ: أكَلَ فُلانٌ في بَطْنِهِ وفي بَعْضِ بَطْنِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كُلُوا في بَعْضٍ بَطْنِكُمُو تَعُفُّوا فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ
قالَ النّاصِرُ: ومِثْلُهُ: قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ أيْ: شَرَقُوا بِها وقالُوها بِمَلْءِ أفْواهِهِمْ، ويَكُونُ المُرادُ بِذِكْرِ البُطُونِ تَصْوِيرَ الأكْلِ لِلسّامِعِ حَتّى يَتَأكَّدَ عِنْدَهُ بَشاعَةُ هَذا الجُرْمُ بِمَزِيدِ تَصْوِيرٍ، ولِأجْلِ تَأْكِيدِ التَّشْنِيعِ عَلى الظّالِمِ لِلْيَتِيمِ في مالِهِ خُصَّ الأكْلُ؛ لِأنَّهُ أبْشَعُ الأحْوالِ الَّتِي يُتَناوَلُ مالُ اليَتِيمِ فِيها، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
(p-١١٣٧)تَنْبِيهٌ:
رَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وغَيْرُهم أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ انْطَلَقَ مَن كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعامَهُ مِن طَعامِهِ، وشَرابَهُ مِن شَرابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ لَهُ الشَّيْءُ مِن طَعامِهِ فَيَحْبِسُ لَهُ حَتّى يَأْكُلَهُ أوْ يَفْسَدَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٢٠] الآيَةَ، فَخَلَطُوا طَعامَهم بِطَعامِهِ وشَرابَهم بِشَرابِهِ، وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
قالَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ومِنَ الجُهّالِ مَن قالَ: صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِتِلْكَ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ في المَنعِ مِنَ الظُّلْمِ، وهَذا لا يَصِيرُ مَنسُوخًا بِتِلْكَ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّ مُخالَطَةَ أمْوالِ اليَتامى - إنَّ كانَ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ - فَهو مِن أعْظَمِ أبْوابِ الإثْمِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ كانَ عَلى سَبِيلِ التَّرْبِيَةِ والإحْسانِ فَهو مِن أعْظَمِ أبْوابِ البِرِّ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]
وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ: ما أشَدَّ دَلالَةَ هَذا الوَعِيدِ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى وكَثْرَةِ عَفْوِهِ وفَضْلِهِ؛ لِأنَّ اليَتامى لَمّا بَلَغُوا في الضَّعْفِ إلى الغايَةِ القُصْوى بَلَغَتْ عِنايَةُ اللَّهِ بِهِمْ إلى الغايَةِ القُصْوى.
النساء 4:11
(p-١١٣٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [١١]
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْكامِ المَوارِيثِ المُجْمَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] إلَخْ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ والَّتِي بَعْدَها والآيَةُ الَّتِي هي خاتِمَةُ هَذِهِ السُّوَرَةِ - هُنَّ آياتُ عِلْمِ الفَرائِضِ، وهو مُسْتَنْبَطٌ مِن هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ، ومِنَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ مِمّا هو كالتَّفْسِيرِ لِذَلِكَ، انْتَهى.
والمَعْنى: يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ ويَعْهَدُ إلَيْكم في شَأْنِ مِيراثِ أوْلادِكم بَعْدَ مَوْتِكم ﴿لِلذَّكَرِ﴾ أيْ: مِنهم ﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: نَصِيبِهِما اجْتِماعًا وانْفِرادًا.
أمّا الأوَّلُ: فَإنَّهُ يُعَدُّ كُلُّ ذَكَرٍ بِأُنْثَيَيْنِ، في مِثْلِ ابْنٍ مَعَ بِنْتَيْنِ، وابْنِ ابْنٍ مَعَ بِنْتَيِ ابْنٍ، وهَكَذا في السّافِلِينَ، فَيَضْعَفُ نَصِيبُهُ ويَأْخُذُ سَهْمَيْنِ، كَما أنَّ لَهُما سَهْمَيْنِ.
وأمّا الثّانِي فَإنَّ لَهُ الكُلَّ وهو ضِعْفُ نَصِيبِ البِنْتِ الواحِدَةِ، لِأنَّهُ جُعِلَ لَها في حالِ انْفِرادِها النِّصْفُ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّ لِلذَّكَرِ - عِنْدَ انْفِرادِهِ - مِثْلَيْ نَصِيبِها عِنْدَ انْفِرادِها، وذَلِكَ الكامِلُ، فالمَذْكُورُ هُنا مِيراثُ الذَّكَرِ مُطْلَقًا، مُجْتَمِعًا مَعَ الإناثِ ومُنْفَرِدًا، كَما حَقَّقَهُ صاحِبُ "الِانْتِصافِ".
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ: اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ بِدُخُولِ أوْلادِ الِابْنِ في لَفْظِ (الأوْلادِ) لِلْإجْماعِ عَلى إرْثِهِمْ، دُونَ أوْلادِ البِنْتِ.
(p-١١٣٩)لَطائِفُ:
الأُولى: وجْهُ الحِكْمَةِ في تَضْعِيفِ نَصِيبِ الذَّكَرِ هو احْتِياجُهُ إلى مُؤْنَةِ النَّفَقَةِ ومُعاناةِ التِّجارَةِ والتَّكَسُّبِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ، فَهو إلى المالِ أحْوَجُ، ولِأنَّهُ لَوْ كَمُلَ نَصِيبُها - مَعَ أنَّها قَلِيلَةُ العَقْلِ، كَثِيرَةُ الشَّهْوَةِ - لَأتْلَفَتْهُ في الشَّهَواتِ إسْرافًا، ولِأنَّها قَدْ تُنْفِقُ عَلى نَفْسِها فَقَطْ، وهو عَلى نَفْسِهِ وزَوْجَتِهِ.
الثّانِيَةُ: لَمْ يَقُلْ: لِلذَّكَرِ ضِعْفُ نَصِيبِ الأُنْثى؛ لِأنَّ الضِّعْفَ يَصْدُقُ عَلى المِثْلَيْنِ فَصاعِدًا، فَلا يَكُونُ نَصًّا، ولَمْ يَقُلْ: لِلْأُنْثَيَيْنِ مِثْلُ حَظِّ الذَّكَرِ، ولا لِلْأُنْثى نِصْفُ حَظِّ الذَّكَرِ؛ تَقْدِيمًا لِلذَّكَرِ بِإظْهارِ مَزِيَّتِهِ عَلى الأُنْثى، ولَمْ يَقُلْ: لِلذَّكَرِ مِثْلا نَصِيبِ الأُنْثى؛ لِأنَّ المِثْلَ في المِقْدارِ لا يَتَعَدَّدُ إلّا بِتَعَدُّدِ الأشْخاصِ، ولَمْ يُعْتَبَرْ هَهُنا.
الثّالِثَةُ: إيثارُ اسْمَيِ (الذَّكَرِ والأُنْثى) عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِواءِ الكِبارِ والصِّغارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاسْتِحْقاقِ، مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِلْبُلُوغِ والكِبَرِ في ذَلِكَ أصْلًا، كَما هو زَعْمُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الأطْفالَ، كالنِّساءِ.
الرّابِعَةُ: اسْتَنْبَطَ بَعْضُهم مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنَ الوالِدَةِ بِوَلَدِها، حَيْثُ أوْصى الوالِدَيْنِ بِأوْلادِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّهُ أرْحَمُ بِهِمْ مِنهم.
كَما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وقَدْ «رَأى امْرَأةً (p-١١٤٠)مِنَ السَّبْيِ، فُرِّقَ بَيْنَها وبَيْنَ ولَدِها فَجَعَلَتْ تَدُورُ عَلى ولَدِها، فَلَمّا وجَدَتْهُ مِنَ السَّبْيِ أخَذَتْهُ فَألْصَقَتْهُ بِصَدْرِها وأرْضَعَتْهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ: أتَرَوْنَ هَذِهِ طارِحَةً ولَدَها في النّارِ وهي تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَواللَّهِ! لَلَّهُ أرْحَمُ بِعِبادِهِ مِن هَذِهِ بِوَلَدِها» .
﴿فَإنْ كُنَّ﴾ أيِ: الأوْلادُ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِساءً﴾ يَعْنِي بَناتٍ خُلَّصًا لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ أوْ صِفَةٌ لِـ(نِساءً) أيْ: نِساءً زائِداتٍ عَلى اثْنَتَيْنِ ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ أيِ: المُتَوَفّى المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ.
* *
تَنْبِيهٌ:
ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّ الثُّلُثَيْنِ فَرِيضَةُ الثَّلاثِ مِنَ البَناتِ فَصاعِدًا حَيْثُ لا ذِكْرَ مَعَهُنَّ، ولَمْ يُسَمَّ لِلْبِنْتَيْنِ فَرِيضَةٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في فَرِيضَتِهِما، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ لَهُما - إذا انْفَرَدَتا عَنِ البَنِينَ – الثُّلُثَيْنِ.
وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى أنَّ فَرِيضَتَهُما النِّصْفُ، احْتَجَّ الجُمْهُورُ بِالقِياسِ عَلى الأُخْتَيْنِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ في شَأْنِهِما: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ﴾ [النساء: ١٧٦] فَألْحَقُوا البِنْتَيْنِ بِالأُخْتَيْنِ في اسْتِحْقاقِهِما الثُّلُثَيْنِ، كَما ألْحَقُوا الأخَواتِ - إذا زِدْنَ عَلى اثْنَتَيْنِ - بِالبَناتِ، في الِاشْتِراكِ في الثُّلُثَيْنِ.
وقِيلَ: في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ لِلْواحِدَةِ مَعَ أخِيها الثُّلُثُ، كانَ لِلِابْنَتَيْنِ - إذا انْفَرَدَتا - الثُّلُثانِ، هَكَذا احْتَجَّ بِهَذِهِ الحُجَّةِ إسْماعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ والمُبَرِّدُ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الِاحْتِجاجُ عِنْدَ أهْلِ النَّظَرِ غَلَطٌ؛ لِأنَّ الِاخْتِلافَ في البِنْتَيْنِ إذا انْفَرَدَتا عَنِ البَنِينَ، وأيْضًا لِلْمُخالِفِ أنْ يَقُولَ: إذا تَرَكَ بِنْتَيْنِ وابْنًا فَلِلْبِنْتَيْنِ النِّصْفُ، فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا فَرْضُهُما.
ويُمْكِنُ تَأْيِيدُ ما احْتَجَّ بِهِ الجُمْهُورُ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا فَرَضَ لِلْبِنْتِ الواحِدَةِ النِّصْفَ إذا انْفَرَدَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾ كانَ فَرْضُ البِنْتَيْنِ - إذا انْفَرَدَتا - فَوْقَ فَرْضِ الواحِدَةِ، وأوْجَبَ القِياسُ عَلى الأُخْتَيْنِ (p-١١٤١)الِاقْتِصارَ لِلْبِنْتَيْنِ عَلى الثُّلُثَيْنِ.
وقِيلَ إنَّ (فَوْقَ) زائِدَةٌ، والمَعْنى: إنْ كُنَّ نِساءً اثْنَتَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢] [الأنْفالِ: مِنَ الآيَةِ ١٢] أيِ: الأعْناقَ.
ورَدَّ هَذا النَّحّاسُ وابْنُ عَطِيَّةَ فَقالا: هو خَطَأٌ؛ لِأنَّ الظُّرُوفَ وجَمِيعَ الأسْماءِ لا يَجُوزُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تُزادَ لِغَيْرِ مَعْنًى.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولِأنَّ قَوْلَهُ (فَوْقَ الأعْناقِ) هو الفَصِيحُ ولَيْسَتْ (فَوْقَ) زائِدَةً بَلْ هي مُحْكَمَةُ المَعْنى؛ لِأنَّ ضَرْبَةَ العُنُقِ إنَّما يَجِبُ أنْ تَكُونَ فَوْقَ العِظامِ في المَفْصِلِ دُونَ الدِّماغِ، كَما قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: اخْفِضْ عَنِ الدِّماغِ وارْفَعْ عَنِ العَظْمِ، فَهَكَذا كُنْتُ أضْرِبُ أعْناقَ الأبْطالِ، انْتَهى.
وأيْضًا لَوْ كانَ لَفْظُ (فَوْقَ) زائِدًا كَما قالُوا، لَقالَ: فَلَهُما ثُلُثا ما تَرَكَ، ولَمْ يَقُلْ: فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ.
وأوْضَحُ ما يُحْتَجُّ بِهِ لِلْجُمْهُورِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ (p-١١٤٢)والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ فِي: "سُنَنِهِ" عَنْ جابِرٍ قالَ: «جاءَتِ امْرَأةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْها مِن سَعْدٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ هاتانِ ابْنَتا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتِلَ أبُوهُما مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وإنَّ عَمَّهُما أخَذَ مالَهُما فَلَمْ يَدَعْ لَهُما مالًا، ولا تُنْكَحانِ إلّا ولَهُما مالٌ، فَقالَ: يَقْضِي اللَّهُ في ذَلِكَ فَنَزَلَتْ آيَةُ المِيراثِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى عَمِّهِما فَقالَ: أعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وأُمَّهُما الثُّمُنَ، وما بَقِيَ فَهو لَكَ» أخْرَجُوهُ مِن طُرُقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جابِرٍ.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، وقَدْ رَواهُ شَرِيكٌ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ مِن حَدِيثِهِ، كَذا فِي: "فَتْحِ البَيانِ".
﴿وإنْ كانَتْ﴾ أيِ: المَوْلُودَةُ ﴿واحِدَةً﴾ أيِ: امْرَأةً واحِدَةً لَيْسَ مَعَها أخٌ ولا أُخْتٌ ﴿فَلَها النِّصْفُ﴾ أيْ: نِصْفُ ما تَرَكَ، ولَمْ يُكَمَّلْ لَها لِأنَّها ناقِصَةٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ لَها الثُّلُثانِ اللَّذانِ هُما نَصِيبُ الِابْنِ مَعَها. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ مِيراثِ الأوْلادِ مِيراثَ الوالِدَيْنِ فَقالَ: ﴿ولأبَوَيْهِ﴾ أيِ: المَيِّتِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وجازَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالأبَوَيْنِ الأبُ والأُمُّ، والتَّثْنِيَةُ عَلى لَفْظِ الأبِ لِلتَّغْلِيبِ ﴿لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ﴾ مِنَ المالِ ﴿إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ﴾ ذَكَرٌ أوْ أُنْثى ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ﴾ لِلْمَيِّتِ ﴿ولَدٌ﴾ ذَكَرٌ أوْ أُنْثى: ﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أيْ ثُلُثُ المالِ مِمّا تَرَكَ، والباقِي لِلْأبِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، لَكِنْ قُرِّرَ لَها الثُّلُثُ تَنْزِيلًا لَها مَنزِلَةَ البِنْتِ مَعَ الِابْنِ لا مُنْفَرِدَةً؛ حَطًّا لَها عَنْ دَرَجَتِها؛ لِقِيامِ البِنْتِ مَقامَ المَيِّتِ في الجُمْلَةِ، قالَهُ المَهايِمِيُّ.
﴿فَإنْ كانَ لَهُ﴾ أيْ: لِلْمَيِّتِ ﴿إخْوَةٌ﴾ مِنَ الأبِ والأُمِّ، أوْ مِنَ الأبِ أوْ مِنَ الأُمِّ، ذُكُورًا أوْ إناثًا ﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ يَعْنِي لِأُمِّ المَيِّتِ سُدُسُ التَّرِكَةِ ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ الفُرُوضُ المَذْكُورَةُ إنَّما تُقَسَّمُ لِلْوَرَثَةِ مِن بَعْدِ إنْفاذِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها المَيِّتُ إلى الثُّلُثِ، ومِن بَعْدِ قَضاءِ دَيْنٍ عَلى المَيِّتِ.
وقُرِئَ في (السَّبْعِ): يُوصِي مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ولِلْفاعِلِ.
(p-١١٤٣)قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: أجْمَعَ العُلَماءُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ عَلى أنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلى الوَصِيَّةِ.
ورَوى أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وأصْحابُ التَّفاسِيرِ مِن حَدِيثِ ابْنِ إسْحاقَ، عَنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأعْوَرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ﴾ وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ، وإنَّ أعْيانَ بَنِي الأُمِّ يَتَوارَثُونَ دُونَ بَنِي العَلّاتِ، الرَّجُلُ يَرِثُ أخاهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ دُونَ أخِيهِ لِأبِيهِ» .
ثُمَّ قالَ التِّرْمِذِيُّ: لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ الحارِثِ، وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، لَكِنْ كانَ حافِظًا لِلْفَرائِضِ، مُعْتَنِيًا بِها وبِالحِسابِ، فاللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ السُّيُوطِيُّ فِي: "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ أنَّ المِيراثَ إنَّما يُقَسَّمُ بَعْدَ قَضاءِ الدَّيْنِ وتَنْفِيذِ الوَصايا، وفِيها مَشْرُوعِيَّةُ الوَصِيَّةِ، واسْتَدَلَّ بِتَقْدِيمِها في الذِّكْرِ مَن قالَ بِتَقْدِيمِها عَلى الدَّيْنِ في التَّرِكَةِ، وأجابَ مَن أخَّرَها بِأنَّها قُدِّمَتْ؛ لِئَلّا يُتَهاوَنَ بِها، واسْتَدَلَّ بِعُمُومِها مَن أجازَ الوَصِيَّةَ بِما قَلَّ أوْ كَثُرَ، ولَوِ اسْتَغْرَقَ المالَ، ومَن أجازَها لِلْوارِثِ والكافِرِ، حَرْبِيًّا أوْ ذِمِّيًّا، واسْتَدَلَّ بِها مَن قالَ: إنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ انْتِقالَ التَّرِكَةِ إلى مِلْكِ الوارِثِ، ومَن قالَ: إنَّ دَيْنَ الحَجِّ والزَّكاةِ مُقَدَّمٌ عَلى المِيراثِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿أوْ دَيْنٍ﴾ انْتَهى.
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ الأطْوَلِ «أنَّ أخاهُ ماتَ وتَرَكَ ثَلاثَ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وتَرَكَ عِيالًا فَأرَدْتُ أنْ أُنْفِقَها عَلى عِيالِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ أخاكَ مُحْتَبَسٌ بِدَيْنِهِ فاقْضِ عَنْهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أدَّيْتُ عَنْهُ، إلّا دِينارَيْنِ ادَّعَتْهُما امْرَأةٌ ولَيْسَ لَها بَيِّنَةٌ، قالَ: فَأعْطِها فَإنَّها مُحِقَّةٌ» .
(p-١١٤٤)لَطِيفَةٌ:
(فائِدَةٌ) وصْفُ الوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوصِي بِها﴾ هو التَّرْغِيبُ في الوَصِيَّةِ والنَّدْبُ إلَيْها.
وإيثارُ (أوِ) المُفِيدَةِ لِلْإباحَةِ في قَوْلِهِ: (أوْ دَيْنٍ) عَلى (الواوِ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَساوِيهِما في الوُجُوبِ، وتَقَدُّمِهِما عَلى القِسْمَةِ مَجْمُوعَيْنِ أوْ مُنْفَرِدَيْنِ، وتَقْدِيمُ الوَصِيَّةِ عَلى الدَّيْنِ - ذِكْرًا مَعَ تَأخُّرِها عَنْهُ حُكْمًا - ما قَدَّمْنا مِن إظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِتَنْفِيذِها؛ لِكَوْنِها مَظِنَّةَ التَّفْرِيطِ في أدائِها ولِاطِّرادِها، بِخِلافِ الدَّيْنِ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾ أيْ: لا تَعْلَمُونَ مَن أنْفَعُ لَكم مِمَّنْ يَرِثُكم مِن أُصُولِكم وفُرُوعِكم في عاجِلِكم وآجِلِكُمْ، والمَعْنى: فَرَضَ اللَّهُ الفَرائِضَ - عَلى ما هو - عَلى حِكْمَةٍ، ولَوْ وكَلَ ذَلِكَ إلَيْكم لَمْ تَعْلَمُوا أيُّهم أنْفَعُ لَكُمْ، فَوَضَعْتُمْ أنْتُمُ الأمْوالَ عَلى غَيْرِ حِكْمَةٍ، والتَّفاوُتُ في السِّهامِ بِتَفاوُتِ المَنافِعِ، وأنْتُمْ لا تَدْرُونَ تَفاوُتَها، فَتَوَلّى اللَّهُ ذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ، ولَمْ يَكِلْها إلى اجْتِهادِكم لِعَجْزِكم عَنْ مَعْرِفَةِ المَقادِيرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأمْرِ القِسْمَةِ، ورَدٌّ لِما كانَ في الجاهِلِيَّةِ.
قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلَّمَكم قِسْمَةَ المَوارِيثِ، وأنَّكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ مَوْتًا فَيَرِثُ مِنهُ الآخَرُ، انْتَهى.
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ نُصِبَتْ نَصْبَ مَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَضَ اللَّهُ ذَلِكَ فَرْضًا، أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ فَإنَّهُ في مَعْنى: يَأْمُرُكم ويَفْرِضُ عَلَيْكم.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ أيْ: بِالمَصالِحِ والرُّتَبِ ﴿حَكِيمًا﴾ أيْ: في كُلِّ ما قَضى وقَدَّرَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ بَيانُ أنْصِباءِ الذَّكَرِ والأُنْثى دُخُولًا أوَّلِيًّا.
النساء 4:12
(p-١١٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكم إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضارٍّ وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [١٢]
﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ مِنَ المالِ ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ ذَكَرٌ أوْ أُنْثى مِنكم أوْ مِن غَيْرِكم ﴿فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ عَلى نَحْوِ ما فُصِّلَ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾ مِنَ المالِ، والباقِي لِباقِي الوَرَثَةِ ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ اسْتِخْراجِ وصِيَّتِهِنَّ وقَضاءِ دَيْنِهِنَّ ﴿ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ مِنَ المالِ ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ﴾ ذَكَرٌ أوْ أُنْثى، مِنهُنَّ أوْ مِن غَيْرِهِنَّ ﴿فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ﴾ عَلى النَّحْوِ الَّذِي فُصِّلَ ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ، وفي تَكْرِيرِ ذِكْرِ الوَصِيَّةِ والدَّيْنِ مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِما ما لا يَخْفى.
لَطِيفَةٌ:
فِي الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى فَضْلِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الرِّجالَ في هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَهم عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ، وحَيْثُ ذَكَرَ النِّساءَ ذَكَرَهُنَّ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ، وأيْضًا خاطَبَ اللَّهُ الرِّجالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبْعَ مَرّاتٍ، وذَكَرَ النِّساءَ فِيها عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ أقَلَّ مِن ذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَفْضِيلِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ، كَما فُضِّلُوا عَلَيْهِنَّ في النَّصِيبِ، كَذا يُسْتَفادُ مِنَ (p-١١٤٦)الرّازِيِّ.
﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ﴾ أيْ: تُورَثُ كَذَلِكَ ﴿ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا﴾ أيِ: الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنَ الأُمِّ ﴿أكْثَرَ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن واحِدٍ ﴿فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ يَسْتَوِي فِيهِ ذَكَرُهم وأُنْثاهم.
قالَ المَجْدُ فِي: "القامُوسِ": والكَلالَةُ: مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، أوْ ما لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّسَبِ لَحًّا، أوْ مَن تَكَلَّلَ نَسَبُهُ بِنَسَبِكَ، كابْنِ العَمِّ وشِبْهِهِ، أوْ هي الإخْوَةُ لِلْأُمِّ، أوْ بَنُو العَمِّ الأباعِدُ، أوْ ما خَلا الوالِدَ والوَلَدَ، أوْ هي مِنَ العَصَبَةِ مَن ورِثَ مِنهُ الإخْوَةُ لِلْأُمِّ، فَهَذِهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ مَحْكِيَّةٍ عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ.
وقالَ ابْنُ بِرِّيٍّ: اعْلَمْ أنَّ الكَلالَةَ في الأصْلِ هي مَصْدَرُ (كَلَّ المَيِّتُ يَكِلُّ كَلًّا وكَلالَةً) فَهو كَلٌّ إذا لَمْ يُخَلِّفْ ولَدًا ولا والِدًا يَرِثانِهِ، هَذا أصْلُها.
قالَ: ثُمَّ قَدْ تَقَعُ الكَلالَةُ عَلى العَيْنِ دُونَ الحَدَثِ، فَتَكُونُ اسْمًا لِلْمَيِّتِ المَوْرُوثِ، وإنْ كانَتْ في الأصْلِ اسْمًا لِلْحَدَثِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: هَذا خَلْقُ اللَّهِ أيْ: مَخْلُوقُ اللَّهِ.
قالَ: وجازَ أنْ تَكُونَ اسْمًا لِلْوارِثِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ عَدْلٌ أيْ: عادِلٌ، وماءٌ غَوْرٌ أيْ: غائِرٌ.
قالَ: والأوَّلُ هو اخْتِيارُ البَصْرِيِّينَ مِن أنَّ الكَلالَةَ اسْمٌ لِلْمَوْرُوثِ، قالَ: وعَلَيْهِ جاءَ التَّفْسِيرُ في الآيَةِ: إنَّ الكَلالَةَ الَّذِي لَمْ يُخَلِّفْ ولَدًا ولا والِدًا، فَإذا جَعَلْتَها لِلْمَيِّتِ كانَ انْتِصابُها في الآيَةِ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ خَبَرَ (كانَ) تَقْدِيرُهُ: وإنْ كانَ المَوْرُوثُ كَلالَةً، أيْ: كَلّا لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولا والِدٌ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ انْتِصابُها عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (يُورَثُ) أيْ: يُورَثُ وهو كَلالَةٌ، وتَكُونُ (كانَ) هي التّامَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ مُفْتَقِرَةً إلى خَبَرٍ.
قالَ: ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ النّاقِصَةَ كَما ذَكَرَهُ الحَوْفِيُّ؛ لِأنَّ خَبَرَها لا يَكُونُ إلّا الكَلالَةَ، ولا فائِدَةَ في قَوْلِهِ (يُورَثُ) والتَّقْدِيرُ إنْ وقَعَ أوْ حُضِرَ رَجُلٌ يَمُوتُ كَلالَةً، أيْ: يُورَثُ وهو كَلالَةٌ أيْ: كَلٌّ.
وإنْ جَعَلْتَها لِلْحَدَثِ دُونَ العَيْنِ جازَ انْتِصابُها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ انْتِصابُها عَلى المَصْدَرِ، عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: يُورَثُ وِراثَةً كَلالَةً، كَما قالَ الفَرَزْدَقُ:
؎ورِثْتُمْ قَناةَ المُلْكِ لا عَنْ كَلالَةٍ
أيْ ورِثْتُمُوها (p-١١٤٧)وِراثَةَ قُرْبٍ لا وِراثَةَ بُعْدٍ.
وقالَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ:
؎وما سَوَّدَتْنِي عامِرٌ عَنْ كَلالَةٍ ∗∗∗ أبى اللَّهُ أنْ أسْمُوَ بِأُمٍّ ولا أبِ
ومِنهُ قَوْلُهُمْ: هو ابْنُ عَمٍّ كَلالَةً أيْ: بَعِيدُ النَّسَبِ، فَإذا أرادُوا القُرْبَ قالُوا: هو ابْنُ عَمٍّ دِنْيَةً.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الكَلالَةُ مَصْدَرًا واقِعًا مَوْقِعَ الحالِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: جاءَ زَيْدٌ رَكْضًا، أيْ: راكِضًا، وهو ابْنُ عَمِّي دِنْيَةً أيْ: دانِيًا، وابْنُ عَمِّي كَلالَةً أيْ: بَعِيدًا في النَّسَبِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ خَبَرَ (كانَ) عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: وإنْ كانَ المَوْرُوثُ ذا كَلالَةٍ.
قالَ: فَهَذِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ في نَصْبِ الكَلالَةِ:
أحَدُها: أنْ تَكُونَ خَبَرَ (كانَ).
والثّانِي: أنْ تَكُونَ حالًا.
الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا، عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ.
الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ.
الخامِسُ: أنْ تَكُونَ خَبَرَ (كانَ) عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ، فَهَذا هو الوَجْهُ الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ البَصْرَةِ والعُلَماءُ بِاللُّغَةِ، أعْنِي أنَّ الكَلالَةَ اسْمٌ لِلْمَوْرُوثِ دُونَ الوارِثِ.
قالَ: وقَدْ أجازَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ - وهم أهْلُ الكُوفَةِ - أنْ تَكُونَ الكَلالَةُ اسْمًا لِلْوارِثِ، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ بِأشْياءَ مِنها:
قِراءَةُ الحَسَنِ: (وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورِثُ كَلالَةً) بِكَسْرِ الرّاءِ، فالكَلالَةُ عَلى ظاهِرِ هَذِهِ القِراءَةِ هي ورَثَةُ المَيِّتِ، وهُمُ الإخْوَةُ لِلْأُمِّ.
واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِ جابِرٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما يَرِثُنِي كَلالَةٌ.
فَإذا ثَبَتَ حُجَّةُ هَذا الوَجْهِ كانَ انْتِصابُ (كَلالَةً) أيْضًا عَلى مِثْلِ ما انْتَصَبَتْ في الوَجْهِ الخامِسِ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو أنْ تَكُونَ خَبَرَ (كانَ) ويُقَدَّرُ حَذْفُ مُضافٍ؛ لِيَكُونَ الثّانِي هو الأوَّلَ، تَقْدِيرُهُ: وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورِثُ ذا كَلالَةٍ، كَما تَقُولُ: ذا قَرابَةٍ لَيْسَ فِيهِمْ ولَدٌ ولا والِدٌ، قالَ: وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يُورِثُ) تَقْدِيرُهُ: ذا كَلالَةٍ.
قالَ: وذَهَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: (p-١١٤٨)(يُورِثُ كَلالَةً) و: (يُوَرِّثُ كَلالَةً) أنَّ مَفْعُولَيْ (يُورِثُ ويُوَرِّثُ) مَحْذُوفانِ أيْ: يُورِثُ وارِثُهُ مالَهُ، قالَ: فَعَلى هَذا يَبْقى (كَلالَةً) عَلى حالِهِ الأُولى الَّتِي ذَكَرْتُها، فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى خَبَرِ (كانَ) أوْ عَلى المَصْدَرِ، وتَكُونُ (الكَلالَةُ) لِلْمَوْرُوثِ لا لِلْوارِثِ.
قالَ: والظّاهِرُ أنَّ الكَلالَةَ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الوارِثِ وعَلى المَوْرُوثِ، والمَصْدَرُ قَدْ يَقَعُ لِلْفاعِلِ تارَةً ولِلْمَفْعُولِ أُخْرى، واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ ابْنُ الأثِيرِ: الأبُ والِابْنُ طَرَفانِ لِلرَّجُلِ، فَإذا ماتَ ولَمْ يُخَلِّفْهُما فَقَدْ ماتَ عَنْ ذَهابِ طَرَفَيْهِ، فَسُمِّيَ ذَهابُ الطَّرَفَيْنِ كَلالَةً.
وفِي الأساسِ: ومِنَ المَجازِ: كَلَّ فُلانٌ كَلالَةً، إذا لَمْ يَكُنْ ولَدًا ولا والِدًا، أيْ: كَلَّ عَنْ بُلُوغِ القَرابَةِ المُماسَّةِ.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: ذَكَرَ اللَّهُ الكَلالَةَ في سُورَةِ النِّساءِ في مَوْضِعَيْنِ:
أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ﴾
والمَوْضِعُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] [النِّساءِ: ١٧٦] الآيَةَ.
فَجَعَلَ الكَلالَةَ هُنا الأُخْتَ لِلْأبِ والأُمِّ، والإخْوَةَ لِلْأبِ والأُمِّ، فَجَعَلَ لِلْأُخْتِ الواحِدَةِ نِصْفَ ما تَرَكَ المَيِّتُ، ولِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، ولِلْإخْوَةِ والأخَواتِ جَمِيعَ المالِ بَيْنَهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ.
وجَعَلَ لِلْأخِ والأُخْتِ مِنَ الأُمِّ في الآيَةِ الأُولى الثُّلُثَ، لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ، فَبُيِّنَ بِسِياقِ الآيَتَيْنِ أنَّ الكَلالَةَ تَشْتَمِلُ عَلى الإخْوَةِ لِلْأُمِّ مَرَّةً، ومَرَّةً عَلى الإخْوَةِ والأخَواتِ لِلْأبِ والأُمِّ.
ودَلَّ قَوْلُ الشّاعِرِ أنَّ الأبَ لَيْسَ بِكَلالَةٍ، وأنَّ سائِرَ الأوْلِياءِ مِنَ العَصَبَةِ بَعْدَ الوَلَدِ كَلالَةٌ؛ وهو قَوْلُهُ:
؎فَإنَّ أبا المَرْءِ أحْمى لَهُ ∗∗∗ ومَوْلى الكَلالَةِ لا يَغْضَبُ
(p-١١٤٩)أرادَ: أنَّ أبا المَرْءِ أغْضَبُ لَهُ إذا ظُلِمَ، ومَوالِيَ الكَلالَةِ - وهُمُ الإخْوَةُ والأعْمامُ وبَنُو الأعْمامِ وسائِرُ القِراباتِ - لا يَغْضَبُونَ لِلْمَرْءِ غَضَبَ الأبِ، انْتَهى.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنِّي قَدْ رَأيْتُ في الكَلالَةِ رَأْيًا - فَإنْ كانَ صَوابًا فَمِنَ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وإنْ يَكُ خَطَأً فَمِنِّي ومِنَ الشَّيْطانِ، واللَّهُ بَرِيءٌ مِنهُ - أنَّ الكَلالَةَ ما خَلا الوَلَدَ والوالِدَ.
* *
تَنْبِيهٌ:
اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ﴾: الأخُ والأُخْتُ مِنَ الأُمِّ.
وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ: ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ مِن أُمٍّ، وكَذا فَسَّرَها أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيما رَواهُ قَتادَةُ عَنْهُ.
قالَ الكَرْخِيُّ: القِراءَةُ الشّاذَّةُ كَخَبَرِ الآحادِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ.
وأطْلَقَ الشّافِعِيُّ الِاحْتِجاجَ بِها، فِيما حَكاهُ البُوَيْطِيُّ عَنْهُ، في بابِ (الرَّضاعِ) وبابِ (تَحْرِيمِ الجَمْعِ) وعَلَيْهِ جُمْهُورُ أصْحابِهِ؛ لِأنَّها مَنقُولَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفاءِ خُصُوصِ قُرْآنِيَّتِها انْتِفاءُ خُصُوصِ خَبَرِيَّتِها.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الإخْوَةَ هَهُنا هُمُ الإخْوَةُ لِأُمٍّ.
قالَ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الإخْوَةَ لِلْأبِ والأُمِّ، أوْ لِلْأبِ، لَيْسَ مِيراثُهم هَكَذا، فَدَلَّ إجْماعُهم عَلى أنَّ الإخْوَةَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] هُمُ الإخْوَةُ لِأبَوَيْنِ، أوْ لِأبٍ.
لَطِيفَةٌ:
إفْرادُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ أخٌ﴾ إمّا لعَوْدِهِ عَلى المَيِّتِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى واحِدٍ مِنهُما، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ، أوْ عَلى الرَّجُلِ، واكْتُفِيَ بِحُكْمِهِ عَنْ حُكْمِ المَرْأةِ لِدَلالَةِ العَطْفِ عَلى تَشارُكِهِما فِيهِ.
﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضارٍّ﴾ حالٌ مِن (p-١١٥٠)ضَمِيرِ: ﴿يُوصِي﴾ [النساء: ١١] (عَلى قِراءَتِهِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ) أيْ: غَيْرَ مُدْخِلٍ الضَّرَرَ عَلى الوَرَثَةِ، كَأنْ يُوصِيَ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، ومِن فاعِلِ فِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ (عَلى قِراءَتِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ) وتَخْصِيصُ هَذا القَيْدِ بِهَذا المَقامِ؛ لِما أنَّ الوَرَثَةَ مَظِنَّةٌ لِتَفْرِيطِ المَيِّتِ في حَقِّهِمْ.
وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «الضِّرارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ»، ورَواهُ النَّسائِيُّ فِي: "سُنَنِهِ" عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا، وهو الصَّحِيحُ كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١] أوْ مَنصُوبٌ بِـ(غَيْرَ مَضارٍّ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، فَإنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مُعْتَمِدٌ عَلى ذِي الحالِ، أوْ مَنفِيٌّ مَعْنًى، فَيَعْمَلُ في المَفْعُولِ الصَّرِيحِ، ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِالإضافَةِ، أيْ: غَيْرَ مَضارٍّ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ وعَهْدِهِ في شَأْنِ الوَرَثَةِ.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِالمُضارِّ وغَيْرِهِ ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ، فَلا يَغْتَرُّ بِالإمْهالِ.
النساء 4:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [١٣]
﴿تِلْكَ﴾ الأحْكامُ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أحْكامُهُ وفَرائِضُهُ المَحْدُودَةُ الَّتِي لا تَجُوزُ مُجاوَزَتُها ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في قِسْمَةِ المَوارِيثِ وغَيْرِها ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ شَجَرِها ومَساكِنِها ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ لا يَمُوتُونَ ولا يُخْرَجُونَ ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ النَّجاةُ الوافِرَةُ بِالجَنَّةِ.
النساء 4:14
(p-١١٥١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [١٤]
﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في قِسْمَةِ المَوارِيثِ وغَيْرِها ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ بِتَجاوُزِ أحْكامِهِ وفَرائِضِهِ بِالمَيْلِ والجَوْرِ ﴿يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ: لِكَوْنِهِ غَيَّرَ ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ، وضادَّ اللَّهَ في حُكْمِهِ، وهَذا إنَّما يَصْدُرُ عَنْ عَدَمِ الرِّضا بِما قَسَمَ اللَّهُ وحَكَمَ بِهِ، ولِهَذا يُجازِيهِ بِالإهانَةِ في العَذابِ الألِيمِ المُقِيمِ.
وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في بابِ (الإضْرارِ في الوَصِيَّةِ) مِن (سُنَنِهِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ أوِ المَرْأةَ بِطاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُما المَوْتُ فَيُضارّانِ في الوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُما النّارُ» .
وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ﴾ [النساء: ١٢] حَتّى بَلَغَ: ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ.
ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ بِسِياقٍ أتَمَّ، ولَفْظُهُ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الخَيْرِ سَبْعِينَ سَنَةً، فَإذا أوْصى حافَ في وصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ، فَيَدْخُلُ النّارَ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً، فَيَعْدِلُ في وصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ، فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ» قالَ: ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بَعْضًا مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنِّساءِ إثْرَ بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ بِقَوْلِهِ:
النساء 4:15
(p-١١٥٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [١٥]
﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الخَصْلَةَ البَلِيغَةَ في القُبْحِ - وهي الزِّنى - حالَ كَوْنِهِنَّ ﴿مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ﴾ أيْ: فاطْلُبُوا مِنَ القاذِفِينَ لَهُنَّ ﴿أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُسْلِمِينَ ﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ عَلَيْهِنَّ بِها ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ أيِ: احْبِسُوهُنَّ فِيها، ولا تُمَكِّنُوهُنَّ مِنَ الخُرُوجِ؛ صَوْنًا لَهُنَّ عَنِ التَّعَرُّضِ بِسَبَبِهِ لِلْفاحِشَةِ ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ﴾ أيْ: يَسْتَوْفِي أرْواحَهُنَّ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْمَوْتِ وإبْرازٌ لَهُ في صُورَةِ مَن يَتَوَلّى قَبَضَ الأرْواحِ وتَوَفِّيَها، أوْ يَتَوَفّاهُنَّ مَلائِكَةُ المَوْتِ ﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ أيْ: يَشْرَعُ لَهُنَّ حُكْمًا خاصًّا بِهِنَّ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِـ(السَّبِيلِ) لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ طَرِيقًا مَشْكُوكًا، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
وقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْجَزَ وعْدَهُ، وجَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا، وذَلِكَ فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأصْحابُ السُّنَنِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا أُنْزِلَ الوَحْيُ كَرَبَ لَهُ وتَرَبَّدَ وجْهُهُ، وإذا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ: خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي - ثَلاثَ مِرارٍ - قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ والبِكْرُ بِالبِكْرِ، الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ، والبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ» هَذا لَفْظُ الإمامِ أحْمَدَ.
وكَذا رَواهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ ولَفْظُهُ عَنْ عُبادَةَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ عُرِفَ ذَلِكَ فِيهِ، فَلَمّا أُنْزِلَتْ: ﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النِّساءِ: ١٥] وارْتَفَعَ الوَحْيُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُذُوا حِذْرَكم قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ» .
النساء 4:16
(p-١١٥٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ [١٦]
﴿واللَّذانِ﴾ بِتَخْفِيفِ النُّونِ وتَشْدِيدِها ﴿يَأْتِيانِها﴾ أيِ: الفاحِشَةَ ﴿مِنكُمْ﴾ أيِ: الرِّجالِ ﴿فَآذُوهُما﴾ بِالسَّبِّ والتَّعْيِيرِ؛ لِيَنْدَما عَلى ما فَعَلا ﴿فَإنْ تابا وأصْلَحا﴾ أيْ: أعْمالَهُما ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ بِقِطَعِ الأذِيَّةِ والتَّوْبِيخِ، وبِالإغْماضِ والسَّتْرِ، فَإنَّ التَّوْبَةَ والصَّلاحَ مِمّا يَمْنَعُ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ والعِقابِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا﴾ أيْ: عَلى مَن تابَ ﴿رَحِيمًا﴾ واسِعَ الرَّحْمَةِ، وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ.
* *
تَنْبِيهٌ:
هَذا الحُكْمُ المَذْكُورُ في الآيَتَيْنِ مَنسُوخٌ، بَعْضُهُ بِالكِتابِ وبَعْضُهُ بِالسُّنَّةِ.
قالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ في "الرِّسالَةِ" في (أبْوابِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ) بَعْدَ ذِكْرِهِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ [٣٧٦]: ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ الحَبْسَ والأذى في كِتابِهِ فَقالَ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] [النُّورِ: مِنَ الآيَةِ ٢].
[٣٧٧] فَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلى أنَّ جَلْدَ المِائَةِ لِلزّانِيَيْنِ البِكْرَيْنِ (لِحَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ المُتَقَدِّمِ).
ثُمَّ قالَ: [٣٨٠] فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ جَلْدَ المِائَةِ ثابِتٌ عَلى البِكْرَيْنِ الحُرَّيْنِ، ومَنسُوخٌ عَنِ الثَّيِّبَيْنِ، وأنَّ الرَّجْمَ ثابِتٌ عَلى الثَّيِّبَيْنِ الحُرَّيْنِ، ثُمَّ قالَ: [٣٨١] لِأنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ» - أوَّلُ ما نَزَلَ، فَنُسِخَ بِهِ الحَبْسُ والأذى عَنِ الزّانِيَيْنِ.
[٣٨٢] فَلَمّا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ماعِزًا ولَمْ يَجْلِدْهُ، وأمَرَ أُنَيْسًا أنْ يَغْدُوَ عَلى امْرَأةِ الأسْلَمِيِّ، فَإنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَها - دَلَّ عَلى نَسْخِ الجَلْدِ عَنِ الزّانِيَيْنِ الحُرَّيْنِ الثَّيِّبَيْنِ، وثَبَتَ الرَّجْمُ عَلَيْهِما؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ - أبَدًا - بَعْدَ أوَّلَ فَهو آخِرُ، انْتَهى.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآذُوهُما﴾ أمْرٌ بِالأذى مُطْلَقًا، ولَمْ يَذْكُرْ صِفَتَهُ ولا قَدْرَهُ. ولَفْظُ الأذى يُسْتَعْمَلُ في الأقْوالِ كَثِيرًا. كَقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] والإعْراضُ هو الإمْساكُ عَنِ الإيذاءِ. فالمُذْنِبُ لا يَزالُ يُؤْذِي ويُنْهى ويُوَبَّخُ إلّا أنْ يَتُوبَ. وأدْنى ذَلِكَ هَجْرُهُ. فَلا يُكَلَّمُ بِالكَلامِ الطَّيِّبِ. وهَذِهِ مَحْكَمَةٌ فَمَن أتى الفاحِشَةَ وجَبَ إيذاؤُهُ بِالكَلامِ الزّاجِرِ إلى أنْ يَتُوبَ. ولَيْسَ ذَلِكَ مَحْدُودًا بِقَدْرٍ ولا صِفَةٍ. إلّا ما يَكُونُ زاجِرًا لَهُ داعِيًا إلى حُصُولِ المَقْصُودِ، وهو تَوْبَتُهُ وصَلاحُهُ. وعَلَّقَهُ تَعالى عَلى التَّوْبَةِ والإصْلاحِ، فَإذا لَمْ يُوجَدا، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالإعْراضِ مَوْجُودًا. فَأمّا مَن تابَ بِتَرْكِ الفاحِشَةِ ولَمْ يُصْلِحْ، فَتَنازَعُوا: هَلْ مِن شَرْطِ التَّوْبَةِ صَلاحُ العَمَلِ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ. وهَذِهِ تُشْبِهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فَعَلَّقَ تَخْلِيَةَ سَبِيلِهِمْ عَلى التَّوْبَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ. مَعَ أنَّهم إذا تَكَلَّمُوا بِالشَّهادَتَيْنِ وجَبَ الكَفُّ عَنْهم. ثُمَّ إنْ صَلُّوا وزَكُّوا، وإلّا عُوقِبُوا عَلى تَرْكِ الفِعْلِ. لِأنَّ الشّارِعَ في التَّوْبَةِ شَرَعَ الكَفَّ عَنْ أذاهُ. ويَكُونُ الأمْرُ فِيهِ مَوْقُوفًا عَلى التَّمامِ. وكَذَلِكَ التّائِبُ مِنَ الفاحِشَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى التَّعْزِيرِ بِالأذى. والأذى، وإنْ كانَ كَثِيرًا يُسْتَعْمَلُ في الكَلامِ، فَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ. كَقَوْلِهِ لِمَن بَصَقَ في القِبْلَةِ: ««إنَّكَ قَدْ آذَيْتَ اللَّهَ (p-٤٤٣٥)ورَسُولَهُ»»، وكَذا قَوْلُهُ في حَقِّ فاطِمَةَ: ««ويُؤْذِينِي ما آذاها»» وقَوْلُهُ لِمَن أكَلَ البَصَلَ: ««إنَّ المَلائِكَةَ تَتَأذّى مِمّا يَتَأذّى مِنهُ بَنُو آدَمَ»» وهَلْ يَكُونُ مِن تَوْبَتِهِ اعْتِرافُهُ بِالذَّنْبِ ؟ فَإذا ثَبَتَ الذَّنْبُ بِإقْرارِهِ فَجَحَدَ وكَذَّبَ الشُّهُودَ أوْ ثَبَتَ بِشَهادَةِ شُهُودٍ. فِيهِ نِزاعٌ. فَذَكَرَ أحْمَدُ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لِمَن جَحَدَ. واسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: أنَّهُ أُتِيَ بِجَماعَةٍ مِمَّنْ شُهِدَ عَلَيْهِمْ بِالزَّنْدَقَةِ، فاعْتَرَفَ مِنهم ناسٌ فَتابُوا. فَقَبِلَ تَوْبَتَهم. وجَحَدَ جَماعَةٌ فَقَتَلَهم. وقالَ ﷺ لِعائِشَةَ: ««فَإنَّ العَبْدَ إذا اعْتَرَفَ ثُمَّ تابَ، تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ»» . فَمَن أذْنَبَ سِرًّا فَلْيَتُبْ سِرًّا، كَما في الحَدِيثِ: ««ومَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القاذُوراتِ فَلْيَسْتَتِرْ»» إلَخْ، وفي الصَّحِيحِ ««كُلُّ أُمَّتِي مُعافى إلّا المُجاهِرُونَ»» الحَدِيثَ. فَإذا ظَهَرَ مِنَ العَبْدِ الذَّنْبُ فَلا بُدَّ مِن ظُهُورِ التَّوْبَةِ. ومَعَ الجُحُودِ لا تَظْهَرُ التَّوْبَةُ. فَإنَّ الجاحِدَ يَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ مُذْنِبٍ. ولِهَذا كانَ السَّلَفُ يَسْتَعْمِلُونَ ذَلِكَ فِيمَن أظْهَرَ بِدْعَةً أوْ فُجُورًا، فَإنَّ هَذا أظْهَرُ حالِ الضّالِّينَ، وهَذا أظْهَرُ حالِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ. ومِن أذاهُ مَنعُهُ، مَعَ القُدْرَةِ، مِنَ الإمامَةِ والحُكْمِ والفُتْيا والرِّوايَةِ والشَّهادَةِ. وأمّا بِدُونِ القُدْرَةِ، فَلْيَفْعَلْ المَقْدُورُ عَلَيْهِ. ولَمْ يُعَلِّقِ الأذِيَّةَ عَلى اسْتِشْهادِ أرْبَعَةٍ، ولَيْسَ هَذا مِن حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ. (p-٤٤٣٦)لِأنَّ ذَلِكَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيهِ الحُكْمُ واحِدًا، مِثْلَ الإعْتاقِ. فَإذا كانَ مُتَّفِقًا في الجِنْسِ دُونَ النَّوْعِ كَإطْلاقِ الأيْدِي في التَّيَمُّمِ، وتَقْيِيدِها إلى المَرافِقِ في الوُضُوءِ، فَلا يُحْمَلُ. ولَمْ يَحْمِلِ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ المُطْلَقَ عَلى المُقَيَّدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] قالُوا: الشَّرْطُ في الرَّبائِبِ خاصَّةً. قالُوا: أبْهِمُوا ما أبْهَمَ اللَّهُ. والمُبْهَمُ هو المُطْلَقُ. والمَشْرُوطُ فِيهِ هو المُقَيَّدُ. لَكِنْ تَنازَعُوا: هَلِ المَوْتُ كالدُّخُولِ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ. وذَلِكَ لِأنَّ الحُكْمَ مُخْتَلِفٌ، والقَيْدَ لَيْسَ مُتَساوِيًا في الأعْيانِ. فَإنَّ تَحْرِيمَ جِنْسٍ، لَيْسَ مِثْلَ تَحْرِيمِ جِنْسٍ يُخالِفُهُ. كَما أنَّ تَحْرِيمَ الدَّمِ والمَيْتَةِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، لَمّا كانَ أجْناسًا، فَلَيْسَ تَقْيِيدُ الدَّمِ بِالمَسْفُوحِ مُوجِبًا تَقْيِيدَ المَيْتَةِ والخِنْزِيرِ أنْ يَكُونَ مَسْفُوحًا. وهُنا القَيْدُ قَيْدُ الرَّبِيبَةِ بِدُخُولِ أُمِّها.
والدُّخُولُ بِالأُمِّ لا يُوجَدُ مِثْلُهُ في حَلِيلَةِ الأبِ وأُمِّ المَرْأةِ. إذْ بِالدُّخُولِ في الحَلِيلَةِ، بِها نَفْسِها. وفي أُمِّ المَرْأةِ بِبِنْتِها. وكَذَلِكَ المُسْلِمُونَ لَمْ يَحْمِلُوا المُطْلَقَ عَلى المُقَيَّدِ في نِصابِ الشَّهادَةِ. بَلْ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ في آيَةِ الدَّيْنِ: ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفي الرَّجْعَةِ: ﴿رَجُلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أقَرُّوا كُلًّا مِنهُما عَلى حالِهِ. لِأنَّ سَبَبَ الحُكْمِ مُخْتَلِفٌ وهو المالُ والبُضْعُ. كَما أنَّ إقامَةَ الحَدِّ في الفاحِشَةِ والقَذْفِ بِها اعْتَبَرَ فِيهِ أرْبَعَةً، فَلا يُقاسُ بِذَلِكَ عُقُودُ الأثْمانِ والأبْضاعِ، وذُكِرَ في حَدِّ القَذْفِ ثَلاثَةُ أحْكامٍ: جَلْدُ ثَمانِينَ، وتَرْكُ قَبُولِ شَهادَتِهِمْ أبَدًا ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨] ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] الآيَةَ، والتَّوْبَةُ لا تَرْفَعُ الجَلْدَ إذا طَلَبَهُ المَقْذُوفُ، وتَرْفَعُ الفِسْقَ بِلا تَرَدُّدٍ. والأكْثَرُ قالُوا: تَرْفَعُ المَنعَ مِن قَبُولِ الشَّهادَةِ. وإذا اشْتُهِرَ عَنْ شَخْصٍ الفاحِشَةُ لَمْ يُرْجَمْ، كَما في الصَّحِيحِ: (p-٤٤٣٧)««إنْ جاءَتْ بِهِ يُشْبِهُ الزَّوْجَ فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْها وإنْ جاءَتْ بِهِ يُشْبِهُ الرَّجُلَ الَّذِي رَماها بِهِ، فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْها» فَجاءَتْ بِهِ عَلى النَّعْتِ المَكْرُوهِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْلا الأيْمانُ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ» فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: هَذِهِ الَّتِي قالَ فِيها: «لَوْ كُنْتُ راجِمًا أحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُها» فَقالَ: لا. تِلْكَ امْرَأةٌ كانَتْ تَلْعَنُ السُّوءَ في الإسْلامِ»، فَقَدْ أخْبَرَ أنَّهُ لا يَرْجُمُ أحَدًا إلّا بِبَيِّنَةٍ، ولَوْ ظَهَرَ عَلى الشَّخْصِ السُّوءُ. ودَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ الشَّبَهَ لَهُ تَأْثِيرٌ في ذَلِكَ، ولَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً. وكَذَلِكَ ثَبَتَ عَنْهُ في الجِنازَةِ لَمّا أثْنَوْا عَلَيْها شَرًّا، والأُخْرى خَيْرًا. فَقالَ: ««أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في أرْضِهِ»» وفي المُسْنَدِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««يُوشِكُ أنْ تَعْلَمُوا أهْلَ الجَنَّةِ مِن أهْلِ النّارِ» قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ ! وبِمَ ذاكَ ؟ قالَ بِالثَّناءِ الحَسَنِ وبِالثَّناءِ السَّيِّئِ» فَقَدْ جَعَلَ الِاسْتِفاضَةَ حُجَّةً وبَيِّنَةً في هَذِهِ الأحْكامِ. ولَمْ يَجْعَلْها حُجَّةً في الرَّجْمِ. وكَذَلِكَ تُقْبَلُ شَهادَةُ أهْلِ الكِتابِ عَلى المُسْلِمِينَ في الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ. وكَذَلِكَ تُقْبَلُ شَهادَةُ الصِّبْيانِ في الجِراحِ إذا أدَّوْها قَبْلَ التَّفَرُّقِ، في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ. وإذا شَهِدَ شاهِدٌ أنَّهُ رَأى الرَّجُلَ والمَرْأةَ أوِ الصَّبِيَّ في لِحافٍ، أوْ بَيْتِ مِرْحاضٍ، أوْ مَحْلُولَيِ السَّراوِيلِ، ويُوجَدُ مَعَ ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، مِن وُجُودِ اللِّحافِ فَقَدْ خَرَجَ عَنِ العادَةِ إلى مَكانِهِما أوْ يَكُونُ مَعَ أحَدِهِما أوْ مَعَهُما ضَوْءٌ قَدْ أظْهَرَهُ، فَرَآهُ فَأطْفَأهُ فَإنَّ إطْفاءَهُ دَلِيلٌ عَلى اسْتِخْفائِهِ بِما يَفْعَلُ. فَإنْ لَمْ يَكُنْ ما يَسْتَخْفِي بِهِ إلّا ما شَهِدَ بِهِ الشّاهِدُ، كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ البَيانِ عَلى ما شَهِدَ بِهِ فَهَذا بابٌ عَظِيمُ النَّفْعِ في الدِّينِ. وهو مِمّا جاءَتِ الشَّرِيعَةُ الَّتِي أهْمَلَها كَثِيرٌ مِنَ القُضاةِ والمُتَفَقِّهَةِ، زاعِمِينَ أنَّهُ لا يُعاقَبُ أحَدٌ إلّا بِشُهُودٍ عايَنُوا، أوْ إقْرارٍ مَسْمُوعٍ. وهَذا خِلافُ ما تَواتَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ وسُنَّةُ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ. وما فُطِرَتْ عَلَيْهِ القُلُوبُ الَّتِي تَعْرِفُ المَعْرُوفَ وتُنْكِرُ المُنْكَرَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] الآيَةَ. فَفِيها دَلالاتٌ: إحْداها أنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالتَّبَيُّنِ عِنْدَ مَجِيءِ كُلِّ فاسِقٍ بِكُلِّ نَبَأٍ؛ إذْ مِنَ الأنْباءِ ما يُنْهى فِيهِ عَنِ التَّبَيُّنِ. ومِنهُ ما يُباحُ فِيهِ تَرْكُ التَّبَيُّنِ. ومِنَ الأنْباءِ ما يَتَضَمَّنُ العُقُوبَةَ لِبَعْضِ النّاسِ، لِأنَّهُ عَلَّلَ بِخَشْيَةِ الإصابَةِ، (p-٤٤٣٨)بِجَهالَةٍ. فَلَوْ كانَ كُلُّ ما أُصِيبَ بِنَبَأٍ كَذَلِكَ، لَمْ تَحْصُلِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ العَدْلِ والفاسِقِ. بَلْ هَذِهِ دَلالَةٌ واحِدَةٌ عَلى أنَّ الإصابَةَ بِنَبَأٍ كَذَلِكَ لَمْ تَحْصُلِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ العَدْلِ والفاسِقِ، بَلْ هَذِهِ دَلالَةٌ واحِدَةٌ عَلى أنَّ الإصابَةَ بِنَبَأِ العَدْلِ الواحِدِ لا يُنْهى عَنْهُ مُطْلَقًا. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَبُولِ شَهادَةِ العَدْلِ الواحِدِ في جِنْسِ العُقُوباتِ. فَإنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. فَإنَّها نَزَلَتْ بِإخْبارٍ واحِدٍ. أنَّ قَوْمًا قَدْ حارَبُوا بِالرِّدَّةِ أوْ نَقْضِ العَهْدِ. وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ مَتى اقْتَرَنَ بِخَبَرِ الفاسِقِ دَلِيلٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فَقَدِ اسْتَبانَ الأمْرُ وزالَ الأمْرُ بِالتَّثَبُّتِ. فَيَجُوزُ إصابَةُ القَوْمِ إذًا. فَكَيْفَ خَبَرُ العَدْلِ مَعَ دَلالَةٍ أُخْرى ؟ ولِهَذا كانَ أصَحُّ القَوْلَيْنِ، أنَّ مِثْلَ هَذا لَوْثٌ في القَسامَةِ فَإذا انْضافَ أيْمانُ المُقْسِمِينَ صارَ ذَلِكَ بَيِّنَةً تُبِيحُ دَمَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِجَهالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] جَعَلَ المَحْذُورَ هو الإصابَةُ لِقَوْمٍ بِلا عِلْمٍ. فَمَتى أُصِيبُوا بِعِلْمٍ زالَ المَحْذُورُ. وهَذا هو المَناطُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ كَما قالَ: ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وقالَ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وأيْضًا عُلِّلَ بِخَوْفِ النَّدَمِ وهو إنَّما يَحْصُلُ عَلى عُقُوبَةِ البَرِيءِ مِنَ الذَّنْبِ كَما في السُّنَنِ: ««ادْرَأُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهاتِ. فَإنَّ الإمامَ، أنْ يُخْطِئَ في العَفْوِ خَيْرٌ مِن أنْ يُخْطِئَ في العُقُوبَةِ»» فَإذا حَصَلَ عِنْدَهُ عِلْمٌ أنَّهُ لَمْ يُعاقِبْ إلّا مُذْنِبًا، فَإنَّهُ لا يَنْدَمُ ولا يَكُونُ فِيهِ خَطَأٌ. وقَدْ ذَكَرَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ أنَّ التَّغْرِيبَ جاءَ في السُّنَّةِ في مَوْضِعَيْنِ: أحَدُهُما الزِّنى، والثّانِي المُخَنَّثُ، فِيما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها وعِنْدَها مُخَنَّثٌ وهو يَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ أخِيها: إنْ فَتَحَ اللَّهُ لَكُمُ الطّائِفَ غَدًا، أدُلُّكَ عَلى ابْنَةِ غَيْلانَ. فَإنَّها تُقْبِلُ بِأرْبَعٍ وتُدْبِرُ بِثَمانٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أخْرِجُوهم مِن بُيُوتِكم»» . أخْرَجاهُ، وفي لَفْظٍ ««لا يَدْخُلُ هَؤُلاءِ عَلَيْكم»» وفي رِوايَةٍ: ««أرى هَذا يَعْرِفُ مِثْلَ هَذا. لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكم بَعْدَ اليَوْمِ»» وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو هِيتٌ. وقالَ غَيْرُهُ: هِنْبٌ. وقِيلَ: ماتِعٌ. وذَكَرَ (p-٤٤٣٩)بَعْضُهم أنَّهم ثَلاثَةٌ: نَهِمٌ وهَيْتٌ وماتِعٌ. ولَمْ يَكُونُوا يُرْمَوْنَ بِالفاحِشَةِ الكُبْرى. إنَّما كانَ تَخْنِيثُهم لِينًا في القَوْلِ، وخِضابًا في الأيْدِي والأرْجُلِ، ولَعِبًا كَلَعِبِ النِّساءِ. وفي السُّنَنِ: أنَّهُ أمَرَ بِمُخَنَّثٍ فَنُفِيَ إلى النَّقِيعِ. فَإذْ كانَ اللَّهُ أمَرَ بِإخْراجِ هَؤُلاءِ مِنَ البُيُوتِ، فَمَعْلُومٌ أنَّ الَّذِي يُمَكِّنُ الرِّجالَ مِن نَفْسِهِ، شَرٌّ مِن هَؤُلاءِ: وهو أحَقُّ بِالنَّفْيِ. فَإنَّ المُخَنَّثَ فِيهِ فَسادٌ لِلرِّجالِ والنِّساءِ. لِأنَّهُ إذا تَشَبَّهَ بِالنِّساءِ، فَقَدْ يُعاشِرْنَهُ وهو رَجُلٌ، فَيُفْسِدُهُنَّ. ولِأنَّها إذا رَأتِ الرَّجُلَ يَتَخَنَّثُ فَقَدْ تَتَرَجَّلُ وتُعاشِرُ الصِّنْفَيْنِ. وقَدْ تَخْتارُ مُجامَعَةَ النِّساءِ كَما يَخْتارُ هو مُجامَعَةَ الرِّجالِ. وأمّا إفْسادُهُ لِلرِّجالِ فَهو أنْ يُمَكِّنَهم مِنَ الفِعْلِ بِهِ، بِمُشاهَدَتِهِ وعِشْقِهِ فَإذا خَرَجَ إلى بَلَدٍ ووُجِدَ هُناكَ مَن يَفْعَلُ بِهِ، فَهُنا يَكُونُ نَفْيُهُ بِحَسَبِهِ في مَكانٍ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ فِيهِ. وإنَّ خِيفَ خُرُوجُهُ، قُيِّدَ؛ إذْ هَذا هو مَعْنى نَفْيِهِ. ولِهَذا تَنازَعَ العُلَماءُ في نَفْيِ المُحارِبِ: هَلْ هو طَرْدُهُ بِحَيْثُ لا يَأْوِي إلى بَلَدٍ، أوْ حَبْسُهُ، أوْ بِحَسَبِ ما يَراهُ الإمامُ مِن هَذا وهَذا ؟ فَعَنْ أحْمَدَ ثَلاثُ رِواياتٍ: الثّالِثَةُ أعْدَلُ وأحْسَنُ. فَإنَّ نَفْيَهُ بِحَيْثُ لا يَأْوِي إلى بَلَدٍ لا يُمَكَّنُ، لِتَفَرُّقِ الرَّعِيَّةِ واخْتِلافِهِمْ واخْتِلافِ هِمَمِهِمْ. وحَسْبُهُ قَدْ لا يُمَكَّنُ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى مَؤُونَةٍ. ورُوِيَ «أنَّ هِنْبًا لَمّا اشْتَكى الجُوعَ أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ مِنَ الجُمُعَةِ إلى الجُمُعَةِ يَسْألُ ما يُقِيتُهُ»، والَّذِي جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنَ النَّفْيِ هو نَوْعٌ مِنَ الهِجْرَةِ ولَيْسَ كَنَفْيِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، ولا هَجْرِهِمْ. فَإنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهم مِن مَشاهِدِ النّاسِ وحُضُورِ مَجامِعِهِمْ في الصَّلاةِ وغَيْرِها. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الآدَمِيِّينَ مُحْتاجِينَ إلى مُعاوَنَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. فَمَن كانَتْ مُخالَطَتُهُ تَضُرُّ، اسْتَحَقَّ الإخْراجَ مِن بَيْنِهِمْ، لِأنَّهُ مَضَرَّةٌ بِلا مَصْلَحَةٍ. فَإنَّ الصَّبِيَّ إذا رَأى صَبِيًّا يَفْعَلُ شَيْئًا تَشَبَّهَ بِهِ. والِاجْتِماعُ بِالزُّناةِ واللُّوطِيَّةِ: فِيهِ أعْظَمُ الفَسادِ والضَّرَرِ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ والصِّبْيانِ. فَيَجِبُ أنْ يُعاقَبَ اللُّوطِيُّ والزّانِي بِما فِيهِ تَقْرِيعُهُ وإبْعادُهُ. وجِماعُ الهِجْرَةِ هي هِجْرَةُ السَّيِّئاتِ وأهْلِها. وكَذَلِكَ هِجْرانُ الدُّعاءِ إلى البِدَعِ وهِجْرانِ الفُسّاقِ وهِجْرانُ مَن (p-٤٤٤٠)يُخالِطُ هَؤُلاءِ كُلَّهم ويُعاوِنُهم. وكَذَلِكَ مَن يَتْرُكُ الجِهادَ الَّذِي لا مَصْلَحَةَ لَهم بِدُونِهِ فَإنَّهُ يُعاقَبُ بِهَجْرِهِمْ لَهُ، لِما لَمْ يُخاطِبْهم في البِرِّ. فَمَن لَمْ يَهْجُرْ هَؤُلاءِ كانَ تارِكًا لِلْمَأْمُورِ فاعِلًا لِلْمَحْذُورِ. فَهَذا تَرْكُ المَأْمُورِ مِنَ الِاجْتِماعِ. وهَذا فِعْلُ المَحْذُورِ مِنهُ. فَعُوقِبَ كُلٌّ مِنهُما بِما يُناسِبُ جُرْمَهُ. وما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنَ المَأْمُوراتِ والعُقُوباتِ والكَفّاراتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، يَفْعَلُ بِحَسَبِ الِاسْتِطاعَةِ. فَإنْ لَمْ يَقْدِرِ المُسْلِمُ عَلى جِهادِ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، جاهَدَ مَن يَقْدِرُ عَلى جِهادِهِ. وإذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى عُقُوبَةِ جَمِيعِ المُعْتَدِينَ، عاقَبَ مَن يَقْدِرُ عَلى عُقُوبَتِهِ. فَإذا لَمْ يَكُنِ النَّفْيُ والحَبْسُ عَنْ جَمِيعِ النّاسِ، كانَ النَّفْيُ والحَبْسُ عَلى حَسَبِ القُدْرَةِ. ويَكُونُ هو المَأْمُورَ بِهِ، فالقَلِيلُ مِنَ الخَيْرِ، خَيْرٌ مِن تَرْكِهِ. ودَفْعُ بَعْضُ الشَّرِّ خَيْرٌ مِن تَرْكِهِ كُلِّهِ. وكَذَلِكَ المُتَشَبِّهَةُ بِالرِّجالِ تُحْبَسُ. كَحالِها إذا زَنَتْ فَإنَّ جِنْسَ الحَبْسِ مِمّا شُرِعَ في جِنْسِ الفاحِشَةِ. ومِمّا يَدْخُلُ في هَذا: أنَّ عُمَرَ نَفى نَصْرَ بْنَ حَجّاجٍ مِنَ المَدِينَةِ إلى البَصْرَةِ، لَمّا شَبَّبَ بِهِ النِّساءُ. وكانَ أوَّلًا قَدْ أمَرَ بِأخْذِ شَعْرِهِ لِيُزِيلَ جَمالَهُ الفاتِنَ، فَلَمّا رَآهُ مِن أحْسَنِ النّاسِ وجْنَتَيْنِ، غَمَّهُ ذَلِكَ فَنَفاهُ إلى البَصْرَةِ. فَهَذا لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ذَنْبٌ يُعاقَبُ عَلَيْهِ، لَكِنْ كانَ في النِّساءِ مَن يَفْتَتِنُ بِهِ، فَأمَرَ بِإزالَةِ جَمالِهِ الفاتِنِ. فَإنَّ انْتِقالَهُ مِن وطَنِهِ مِمّا يُضْعِفُ هِمَّتَهُ وبَدَنَهُ ويَعْلَمُ أنَّهُ مُعاقَبٌ. وهَذا مِن بابِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الَّذِينَ يُخافُ عَلَيْهِمُ الفاحِشَةُ والعِشْقُ قَبْلَ وُقُوعِهِ. ولَيْسَ مِن بابِ المُعاقَبَةِ. وقَدْ كانَ عُمَرُ يَنْفِي في الخَمْرِ إلى خَيْبَرَ، زِيادَةً في عُقُوبَةِ شارِبِها. ومِن أقْوى ما يُهَيِّجُ الفاحِشَةَ إنْشادُ أشْعارِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مِنَ العِشْقِ ومَحَبَّةُ الفَواحِشِ، وإنْ كانَ القَلْبُ في عاقِبَةٍ، جَعَلَ فِيهِ مَرَضًا، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الغِناءُ رُقْيَةُ الزِّنى. ورُقْيَةُ الحَيَّةِ هي الَّتِي تُسْتَخْرَجُ بِها الحَيَّةُ مِن جُحْرِها. ورُقْيَةُ العَيْنِ والحُمَّةِ ورُقْيَةُ الزِّنى. أيْ: تَدْعُو إلَيْهِ وتُخْرِجُ مِنَ الرَّجُلِ الأمْرَ الخَبِيثَ. كَما أنَّ الخَمْرَ أُمُّ الخَبائِثِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ، كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ. وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] واسْتِفْزازُهُ إيّاهم بِصَوْتِهِ يَكُونُ بِالغِناءِ، كَما قالَهُ مَن قالَهُ مِنَ السَّلَفِ، وبِغَيْرِهِ مِنَ الأصْواتِ كالنِّياحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. فَإنَّ هَذِهِ الأصْواتَ تُوجِبُ (p-٤٤٤١)انْزِعاجَ القُلُوبِ والنُّفُوسِ الخَبِيثَةِ إلى ذَلِكَ، وتُوجِبُ حَرَكَتَها السَّرِيعَةَ واضْطِرابَها. حَتّى يَبْقى الشَّيْطانُ يَلْعَبُ بِهَؤُلاءِ أعْظَمَ مِن لَعِبِ الصِّبْيانِ بِالكُرَةِ. والنَّفْسُ مُتَحَرِّكَةٌ. فَإنْ سَكَنَتْ فَبِإذْنِ اللَّهِ، وإلّا فَهي لا تَزالُ مُتَحَرِّكَةً. وشَبَّهَها بَعْضُهم بِكُرَةٍ عَلى مُسْتَوًى أمْلَسَ، لا تَزالُ تَتَحَرَّكُ عَلَيْهِ. وفي الحَدِيثِ المَرْفُوعِ: ««القَلْبُ أشَدُّ تَقَلُّبًا مِنَ القِدْرِ إذا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيانًا»» وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: ««مَثَلُ القَلْبِ مَثَلُ رِيشَةٍ بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، تُحَرِّكُها الرِّيحُ»» وفي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «كانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لا ومُقَلِّبَ القُلُوبِ»» ولِمُسْلِمٍ عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنا إلى طاعَتِكَ»» وفي التِّرْمِذِيِّ: كانَ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: ««يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ» قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! آمَنّا بِكَ وبِما جِئْتَ بِهِ. فَهَلْ تَخافُ عَلَيْنا ؟ فَقالَ: «نَعَمْ. القُلُوبُ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يُقَلِّبُها كَيْفَ يَشاءُ»» انْتَهى كَلامُ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] الآيَةَ، وُجُوبُ الحَدِّ عَلى الزّانِي والزّانِيَةِ، وأنَّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ. أيْ: في البِكْرِ كَما بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ. واسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ مَن أوْجَبَ المِائَةَ عَلى العَبْدِ والذِّمِّيِّ وعَلى المُحْصَنِ، ثُمَّ يُرْجَمُ. فَأخْرَجَ أحْمَدُ «عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ (p-٤٤٤٢)أُتِيَ بِمُحْصَنَةٍ فَجَلَدَها يَوْمَ الخَمِيسِ ورَجَمَها يَوْمَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ قالَ: جَلَدْتُها بِكِتابِ اللَّهِ ورَجَمْتُها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» . واسْتَدَلَّ الخَوارِجُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ حَدَّ المُحْصَنِ الجَلْدُ دُونَ الرَّجْمِ. قالُوا: لِأنَّهُ لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ. واسْتَدَلَّ أبُو حَنِيفَةَ بِها عَلى أنَّهُ لا تَغْرِيبَ، إذْ لَمْ يَذْكُرْهُ. وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّ العَبْدَ إذا زَنى بِحُرَّةٍ يُرْجَمُ. وبِأمَةٍ يُجْلَدُ. وعَلى مَن قالَ: لا تُحَدُّ العاقِلَةُ إذا زَنى بِها مَجْنُونٌ، والكَبِيرَةُ إذا زَنى بِها صَبِيٌّ، أوْ عَكْسُهُ، لا يُحَدُّ. وعَلى مَن قالَ: لا حَدَّ عَلى الزّانِي بِحَرْبِيَّةٍ أوْ بِمُسْلِمَةٍ في بِلادِ الحَرْبِ أوْ في عَسْكَرِ أهْلِ البَغْيِ. أوْ بِنَصْرانِيَّةٍ مُطْلَقًا. أوْ بِأمَةِ امْرَأتِهِ. أوْ مَحْرَمٍ. أوْ مَنِ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ نائِمٍ. واسْتَدَلَّ بِعُمُومِها مَن أوْجَبَهُ عَلى المُكْرَهِ والزّانِي بِأمَةِ ولَدِهِ والمَيِّتَةِ.
قالَ ابْنُ الفَرَسِ: ويُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] عَلى أنَّهُ يُجَرَّدُ عَنْ ثِيابِهِ. لِأنَّ الجَلْدَ يَقْتَضِي مُباشَرَةَ البَدَنِ. وبِقَوْلِهِ: ﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] عَلى أنَّهُ لا يَكْتَفِي بِالضَّرْبِ بِها مَجْمُوعَةً ضَرْبَةً واحِدَةً، صَحِيحًا كانَ أوْ مَرِيضًا. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ﴾ [النور: ٢] الحَثُّ عَلى إقامَةِ الحُدُودِ والنَّهْيُ عَنْ تَعْطِيلِها. وأنَّهُ لا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْها لِلْإمامِ ولا لِغَيْرِهِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن أجازَ لِلسَّيِّدِ العَفْوَ. فاسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ ضَرْبَ الزِّنى أشَدُّ مِن ضَرْبِ القَذْفِ والشُّرْبِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما﴾ [النور: ٢] إلَخْ، اسْتِحْبابُ حُضُورِ جَمْعٍ، عِنْدَ جَلْدِها. وأقَلُّهُ أرْبَعَةٌ **عَدَدُ شُهُودِ الزِّنى** . وقِيلَ عَشَرَةٌ، وقِيلَ ثَلاثَةٌ وقِيلَ: اثْنانِ. انْتَهى.
وتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّ العاطِفَةَ تَصْدُقُ بِالواحِدِ، لُغَةً. فَتُذَكَّرُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النساء 4:17
(p-١١٥٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [١٧]
﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وصْفُهُ تَعالى بِكَوْنِهِ تَوّابًا رَحِيمًا، بَلْ هو مُقَيَّدٌ بِما سَيَنْطِقُ بِهِ النَّصُّ الكَرِيمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿التَّوْبَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾ خَبَرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، ومَعْنى كَوْنِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ صُدُورُ القَبُولِ عَنْهُ تَعالى، وكَلِمَةُ " عَلى " لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ البَتَّةَ بِحُكْمِ سَبْقِ الوَعْدِ حَتّى كَأنَّهُ مِنَ الواجِباتِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِالسُّوءِ المَعْصِيَةُ، صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً، كَذا في أبِي السُّعُودِ.
﴿بِجَهالَةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ " يَعْمَلُونَ " أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِها، أيْ: جاهِلِينَ سُفَهاءَ، أوْ بِـ: " يَعْمَلُونَ " عَلى أنَّ الباءَ سَبَبِيَّةٌ، أيْ: يَعْمَلُونَهُ بِسَبَبِ الجَهالَةِ، والمُرادُ بِالجَهْلِ السَّفَهُ بِارْتِكابِ ما لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ لا عَدَمُ العِلْمِ، فَإنَّ مَن لا يَعْلَمُ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْبَةِ، والجَهْلُ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةٌ وارِدَةٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَقَوْلِهِ:
؎فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ أيْ: مِن زَمانٍ قَرِيبٍ، وظاهِرُ الآيَةِ اشْتِراطُ وُقُوعِ التَّوْبَةِ عَقِبَ المَعْصِيَةِ بِلا تَراخٍ، وإنَّها بِذَلِكَ تَنالُ دَرَجَةَ قَبُولِها المُحَتَّمِ تَفَضُّلًا، إذْ بِتَأْخِيرِها وتَسْوِيفِها (p-١١٥٥)يَدْخُلُ في زُمْرَةِ المُصِرِّينَ، فَيَكُونُ في الآيَةِ إرْشادٌ إلى المُبادَرَةِ بِالتَّوْبَةِ عَقِبَ الذَّنْبِ، والإنابَةِ إلى المَوْلى بَعْدَهُ فَوْرًا، ووُجُوبِ التَّوْبَةِ عَلى الفَوْرِ مِمّا لا يُسْتَرابُ فِيهِ، إذْ مَعْرِفَةُ كَوْنِ المَعاصِي مُهْلِكاتٍ مِن نَفْسِ الإيمانِ وهو واجِبٌ عَلى الفَوْرِ، وتَتِمَتُّهُ في "الإحْياءِ".
إذا عَرَفَتْ هَذا، فَما ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَرِيبٍ﴾ ما قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ بَعِيدٌ مِن لَفْظِ الآيَةِ وسِرِّها الَّتِي أرْشَدَتْ إلَيْهِ، أعْنِي البِدارَ إلى التَّوْبَةِ قَبْلَ أنْ تَعْمَلَ سُمُومُ الذُّنُوبِ بِرُوحِ الإيمانِ، عِياذًا بِاللَّهِ تَعالى.
(فَإنْ قِيلَ): مِن أيْنَ يُسْتَفادُ قَبُولُ التَّوْبَةِ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ؟
(قُلْنا) يُسْتَفادُ مِنَ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها، ومِنَ الأحادِيثِ الوافِرَةِ في ذَلِكَ لا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَرِيبٍ﴾ بِما أوَّلُوهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ الثّانِيَةَ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: ١٨] صَرِيحَةٌ في أنَّ وقْتَ الِاحْتِضارِ هو الوَقْتُ الَّذِي لا تُقْبَلُ فِيهِ التَّوْبَةُ، فَبَقِيَ ما وراءَهُ في حَيِّزِ القَبُولِ.
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ» .
ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ورَوى أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «مَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعامٍ تِيبَ عَلَيْهِ، ومَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ تِيبَ عَلَيْهِ، ومَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِساعَةٍ تِيبَ عَلَيْهِ.
(قالَ أيُّوبُ ): فَقُلْتُ لَهُ: إنَّما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ فَقالَ: إنَّما أُحَدِّثُكَ ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
ورَوى نَحْوَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ.
ورَوى مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قاْلَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن تابَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» .
ورَوى (p-١١٥٦)الحاكِمُ مَرْفُوعًا: «مَن تابَ إلى اللَّهِ قَبْلَ أنْ يُغَرْغِرَ قَبِلَ اللَّهُ مِنهُ» .
ورَوى ابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإسْنادٍ حَسَنٍ: «التّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ» .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: يَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
النساء 4:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [١٨]
﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ عِنْدَ النِّزاعِ ﴿قالَ﴾ عِنْدَ مُشاهَدَةِ ما هو فِيهِ ﴿إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ فَلا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ ولا يُقْبَلُ مِنهُ ﴿ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ فَلا يَنْفَعُهم نَدَمُهم ولا تَوْبَتُهُمْ؛ لِأنَّهم بِمُجَرَّدِ المَوْتِ يُعايِنُونَ العَذابَ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ وْيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ ما لَمْ يَقَعِ الحِجابُ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! وما الحِجابِ؟ قالَ: أنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وهي مُشْرِكَةٌ» ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ أعْتَدْنا﴾ أيْ: أعْدَدْنا ﴿لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾
النساء 4:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [١٩]
(p-١١٥٧)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ نَهْيٌ عَمّا كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ بِالنِّساءِ مِنَ الإيذاءِ والظُّلْمِ.
رَوى البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: كانُوا إذا ماتَ الرَّجُلُ كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ، إنْ شاءَ بَعْضُهم تَزَوَّجَها، وإنْ شاءُوا زَوَّجُوها، وإنْ شاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوها، فَهم أحَقُّ بِها مِن أهْلِها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ الآيَةَ.
ورَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُمْ، ولَفْظُ أبِي داوُدَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَرِثُ امْرَأةَ ذِي قَرابَتِهِ فَيَعْضُلُها حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَرُدَّ إلَيْهِ صَداقَها، فَأحْكَمَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، أيْ: نَهى عَنْهُ.
قالَ السُّيُوطِيُّ: فَفِيهِ أنَّ الحُرَّ لا يُتَصَوَّرُ مِلْكُهُ ولا دُخُولُهُ تَحْتَ اليَدِ، ولا يَجْرِي مَجْرى الأمْوالِ بِوَجْهٍ.
و: ﴿كَرْهًا﴾ بِفَتْحِ الكافِ وضَمِّها قِراءَتانِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِنَّ كارِهاتٍ لِذَلِكَ! أوْ مُكْرَهاتٍ عَلَيْهِ، والتَّقْيِيدُ (بِالكُرْهِ) لا يَدُلُّ عَلى الجَوازِ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] [الإسْراءِ: مِنَ الآيَةِ ٣١].
﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الخِطابُ لِلْأزْواجِ، كَما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الآيَةَ في الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ المَرْأةُ، وهو كارِهٌ لِصُحْبَتِها، ولَها عَلَيْهِ مَهْرٌ، فَيَضُرُّها لِتَفْتَدِيَ بِهِ.
والعَضْلُ الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ.
(p-١١٥٨)أيْ: ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ، أيْ: مِنَ الصَّداقِ، بِأنْ يَدْفَعْنَ إلَيْكم بَعْضَهُ اضْطِرارًا فَتَأْخُذُوهُ مِنهُنَّ.
﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: زِنًى، كَما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، يَعْنِي إذا زَنَتْ فَلَكَ أنْ تَسْتَرْجِعَ مِنها الصَّداقَ الَّذِي أعْطَيْتَها وتُضاجِرَها حَتّى تَتْرُكَهُ لَكَ، وتُخالِعَها، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٢٩] الآيَةَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: الفاحِشَةُ المُبَيِّنَةُ النُّشُوزُ والعِصْيانُ، واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ يَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ: الزِّنى والعِصْيانُ والنُّشُوزُ وبَذاءُ اللِّسانِ وغَيْرُ ذَلِكَ، يَعْنِي أنَّ هَذا كُلَّهُ يُبِيحُ مُضاجَرَتَها حَتّى تُبَرِّئَهُ مِن حَقِّها أوْ بَعْضِهِ، ويُفارِقَها.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا جَيِّدٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ أبُو السُّعُودٍ: (مُبَيِّنَةٍ) عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن (بَيَّنَ) بِمَعْنى تُبَيِّنُ، وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ، وعَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن (أبانَ) بِمَعْنى تَبِينُ أيْ: بَيِّنَةُ القُبْحِ مِنَ النُّشُوزِ وشَكاسَةِ الخُلُقِ وإيذاءِ الزَّوْجِ وأهْلِهِ بِالبَذاءِ والسَّلاطَةِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: (إلّا أنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكُمْ) انْتَهى.
وفِي "الإكْلِيلِ" اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِقَوْلِهِ: ﴿بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ عَلى مَنعِ الخُلْعِ بِأكْثَرِ مِمّا أعْطاها، انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حَقَّ الصُّحْبَةِ مَعَ الزَّوْجاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعاشِرُوهُنَّ﴾ أيْ: صاحِبُوهُنَّ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: بِالإنْصافِ في الفِعْلِ والإجْمالِ في القَوْلِ حَتّى لا تَكُونُوا سَبَبَ الزِّنى بِتَرْكِهِنَّ، أوْ سَبَبَ النُّشُوزِ أوْ سُوءِ الخُلُقِ، فَلا يَحِلُّ لَكم حِينَئِذٍ.
قالَ السُّيُوطِيُّ فِي: "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ وُجُوبُ المَعْرُوفِ مِن تَوْفِيَةِ المَهْرِ والنَّفَقَةِ والقَسْمِ (p-١١٥٩)واللِّينِ في القَوْلِ وتَرْكِ الضَّرْبِ والإغْلاظِ بِلا ذَنْبٍ.
واسْتَدَلَّ بِعُمُومِها مَن أوْجَبَ لَها الخِدْمَةَ إذا كانَتْ مِمَّنْ لا تَخْدِمُ نَفْسَها.
﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ يَعْنِي كَرِهْتُمُ الصُّحْبَةَ مَعَهُنَّ ﴿فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أيْ: ولَعَلَّهُ يَجْعَلُ فِيهِنَّ ذَلِكَ بِأنْ يَرْزُقَكم مِنهُنَّ ولَدًا صالِحًا يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وبِأنْ يُنِيلَكُمُ الثَّوابَ الجَزِيلَ في العُقْبى بِالإنْفاقِ عَلَيْهِنَّ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ، عَلى خِلافِ الطَّبْعِ.
وفِي "الإكْلِيلِ" قالَ إلْكِيا الهَرّاسِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِحْبابُ الإمْساكِ بِالمَعْرُوفِ وإنْ كانَ عَلى خِلافِ هَوى النَّفْسَ، وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ الطَّلاقَ مَكْرُوهٌ.
وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إنْ كَرِهَ مِنها خُلُقًا رَضِيَ مِنها آخَرَ» .
و(يَفْرَكُ) بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ، مَعْناهُ يَبْغُضُ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ أبُو السُّعُودِ: ذِكْرُ الفِعْلِ الأوَّلِ - مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ - وانْحِصارُ العِلِّيَّةِ في الثّانِي لِلتَّوَسُّلِ إلى تَعْمِيمِ مَفْعُولِهِ؛ لِيُفِيدَ أنَّ تَرْتِيبَ الخَيْرِ الكَثِيرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ مَخْصُوصًا بِمَكْرُوهٍ دُونَ مَكْرُوهٍ، بَلْ هو سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ جارِيَةٌ عَلى الإطْلاقِ، حَسَبَ اقْتِضاءِ الحِكْمَةِ، وإنَّ ما نَحْنُ فِيهِ مادَّةٌ مِن مَوادِّها، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في الحَمْلِ عَلى تَرْكِ المُفارَقَةِ وتَعْمِيمِ الإرْشادِ ما لا يَخْفى.
تَنْبِيهٌ جَلِيلٌ في الوَصِيَّةِ بِالنِّساءِ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ:
كَفى في هَذا البابِ هَذِهِ الآيَةُ الجَلِيلَةُ الجامِعَةُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: طَيِّبُوا أقْوالَكم لَهُنَّ، وحَسِّنُوا أفْعالَكم وهَيْئاتِكم بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَما تُحِبُّ ذَلِكَ مِنها، فافْعَلْ أنْتَ بِها مِثْلَهُ، كَما قالَ تَعالى: (p-١١٦٠)﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] [البَقَرَةِ: ٢٢٨].
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُكم خَيْرُكم لِأهْلِهِ، وأنا خَيْرُكم لِأهْلِي» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ، وابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُعاوِيَةَ.
وقالَ ﷺ: «خَيْرُكم خَيْرُكم لِلنِّساءِ» رَواهُ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ ﷺ: «خَيْرُكم خَيْرُكم لِأهْلِهِ، وأنا خَيْرُكم لِأهْلِي، ما أكْرَمَ النِّساءَ إلّا كِرِيمٌ، ولا أهانَهُنَّ إلّا لَئِيمٌ» رَواهُ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وعَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ يَقُولُ: بَعْدَ أنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ، وذَكَّرَ ووَعَظَ ثُمَّ قالَ: ألا واسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا، فَإنَّما هُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإنْ فَعَلْنَ فاهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، ألا إنَّ لَكم عَلى نِسائِكم حَقًّا، ولِنِسائِكم عَلَيْكم حَقًّا، فَحَقُّكم عَلَيْهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم مَن تَكْرَهُونَ، ولا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكم لِمَن تَكْرَهُونَ، ألا وحَقُّهُنَّ عَلَيْكم أنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِنَّ في كِسْوَتِهِنَّ وطَعامِهِنَّ» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقَوْلُهُ: (عَوانٌ) أيْ: أسِيراتٌ، جَمْعُ عانِيَةٍ.
وعَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما حَقُّ زَوْجَةِ أحَدِنا عَلَيْهِ؟ (p-١١٦١)قالَ: أنْ تُطْعِمَها إذا طَعِمْتَ، وتَكْسُوَها إذا اكْتَسَيْتَ، ولا تَضْرِبِ الوَجْهَ ولا تُقَبِّحْ ولا تَهْجُرْ إلّا في البَيْتِ» رَواهُ أبُو داوُدَ.
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إلّا ثَلاثٌ: تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، ورَمْيُهُ بِقَوْسِهِ ونَبْلِهِ، ومُداعَبَةُ أهْلِهِ» رَواهُ أبُو داوُدَ.
وفِي رِوايَةٍ لَهُ: «كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ باطِلٌ، إلّا تَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، ورَمْيَهُ عَنْ قَوْسِهِ، ومُداعَبَتَهُ أهْلُهُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكانَ مِن أخْلاقِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ جَمِيلُ العِشْرَةِ، دائِمُ البِشْرِ، يُداعِبُ أهْلَهُ، ويَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِعُهم نَفَقَةً، ويُضاحِكُ نِساءَهُ، حَتّى إنَّهُ كانَ يُسابِقُ عائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - يَتَوَدَّدُ إلَيْها بِذَلِكَ، قالَتْ: «سابَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَبَقْتُهُ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ أحْمِلَ اللَّحْمَ، ثُمَّ سابَقْتُهُ بَعْدَما حَمَلْتُ اللَّحْمَ فَسَبَقَنِي، فَقالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ» .
وكانَ ﷺ يَجْمَعُ نِساءَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ في بَيْتِ الَّتِي يَبِيتُ عِنْدَها، فَيَأْكُلُ مَعَهُنَّ العَشاءَ في بَعْضِ الأحْيانِ ثُمَّ تَنْصَرِفُ كُلُّ واحِدَةٍ إلى مَنزِلِها، وكانَ يَنامُ مَعَ المَرْأةِ مِن نِسائِهِ في شِعارٍ واحِدٍ، يَضَعُ عَنْ كَتِفَيْهِ الرِّداءَ ويَنامُ بِالإزارِ.
وكانَ إذا صَلّى العِشاءَ يَدْخُلُ مَنزِلَهُ يَسْمُرُ مَعَ أهْلِهِ قَلِيلًا قَبْلَ أنْ يَنامَ، يُؤانِسُهم بِذَلِكَ ﷺ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] انْتَهى.
(p-١١٦٢)وقالَ الغَزالِيُّ فِي: "الإحْياءِ" في (آدابِ المُعاشَرَةِ وما يَجْرِي في دَوامِ النِّكاحِ): الأدَبُ الثّانِي: حُسْنُ الخُلُقِ مَعَهُنَّ واحْتِمالُ الأذى مِنهُنَّ؛ تَرَحُّمًا عَلَيْهِنَّ، لِقُصُورِ عَقْلِهِنَّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ وقالَ في تَعْظِيمِ حَقِّهِنَّ: ﴿وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٢١] وقالَ تَعالى: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٣٦] قِيلَ: هي المَرْأةُ.
ثُمَّ قالَ: واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ حُسْنُ الخُلُقِ مَعَها كَفَّ الأذى عَنْها بَلِ احْتِمالَ الأذى مِنها، والحِلْمَ عِنْدَ طَيْشِها وغَضَبِها؛ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ كانَتْ أزْواجُهُ تُراجِعْنَهُ الكَلامَ، وتَهْجُرُهُ الواحِدَةُ مِنهُنَّ يَوْمًا إلى اللَّيْلِ، «وراجَعَتِ امْرَأةُ عُمَرَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ: أتُراجِعِينِي؟ فَقالَتْ: إنَّ أزْواجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُراجِعْنَهُ، وهو خَيْرٌ مِنكَ».
«وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِعائِشَةَ: إنِّي لَأعْلَمُ إذا كُنْتِ عَنِّي راضِيَةً وإذا كَنْتِ عَلَيَّ غَضْبى قالَتْ: فَقُلْتُ: مِن أيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقالَ: أمّا إذا كُنْتِ عَنِّي راضِيَةً فَإنَّكِ تَقُولِينَ: لا، ورَبِّ مُحَمَّدٍ! وإذا كُنْتِ غَضْبى قُلْتِ: لا، ورَبِّ إبْراهِيمَ! قالَتْ: قُلْتُ: أجَلْ، واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ! ما أهْجُرُ إلّا اسْمَكَ» .
(p-١١٦٣)ثُمَّ قالَ الغَزالِيُّ:
الثّالِثُ: أنْ يَزِيدَ عَلى احْتِمالِ الأذى بِالمُداعَبَةِ والمَزْحِ والمُلاعَبَةِ، فَهي الَّتِي تُطَيِّبُ قُلُوبَ النِّساءِ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْزَحُ مَعَهُنَّ ويَنْزِلُ إلى دَرَجاتِ عُقُولِهِنَّ في الأعْمالِ، حَتّى رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كانَ يُسابِقُ عائِشَةَ في العَدْوِ فَسَبَقَتْهُ يَوْمًا وسَبَقَها في بَعْضِ الأيّامِ، فَقالَ ﷺ: هَذِهِ بِتِلْكَ» .
قالَ العِراقِيُّ: رَواهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ فِي: "الكُبْرى" وابْنُ ماجَهْ في حَدِيثِ عائِشَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
وقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «سَمِعْتُ أصْواتَ أُناسٍ مِنَ الحَبَشَةِ وغَيْرِهِمْ وهم يَلْعَبُونَ في يَوْمِ عِيدٍ، فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أتُحِبِّينَ أنْ تَرَيْ لَعِبَهُمْ؟ قالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَجاؤُوا، وقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ البابَيْنِ، فَوَضَعَ كَفَّهُ عَلى البابِ ووَضَعْتُ رَأْسِي عَلى مَنكِبِهِ، وجَعَلُوا يَلْعَبُونَ وأنْظُرُ، وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: حَسْبُكِ! وأقُولُ: لا تَعْجَلْ (مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا) ثُمَّ قالَ: يا عائِشَةُ ! حَسْبُكِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ» .
وفِي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ قالَتْ: «رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدائِهِ، وأنا أنْظُرُ إلى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ في المَسْجِدِ، حَتّى أكُونَ أنا الَّذِي أسْأمُ، فاقْدُرُوا قَدْرَ الجارِيَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ، الحَرِيصَةِ عَلى اللَّهْوِ».
وقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أنْ يَكُونَ في أهْلِهِ مِثْلَ الصَّبِيِّ، فَإذا التَمَسُوا ما عِنْدَهُ وُجِدَ رَجُلًا.
وقالَ لُقْمانُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَكُونَ في أهْلِهِ كالصَّبِيِّ، وإذا كانَ في القَوْمِ وُجِدَ رَجُلًا.
(p-١١٦٤)وقالَ ﷺ لِجابِرٍ: «هَلّا بِكْرًا تَلاعِبُها وتَلاعِبُكَ؟» رَواهُ الشَّيْخانِ.
ووَصَفَتْ أعْرابِيَّةٌ زَوْجَها وقَدْ ماتَ فَقالَتْ: واللَّهِ! لَقَدْ كانَ ضَحُوكًا إذا ولَجَ، سَكُوتًا إذا خَرَجَ، آكِلًا ما وجَدَ، غَيْرَ سائِلٍ عَمّا فَقَدَ. انْتَهى بِتَصَرُّفٍ.
ثُمَّ نَهى تَعالى عَنْ أخْذِ شَيْءٍ مِن صَداقِ النِّساءِ مَن أرادَ فِراقَهُنَّ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
النساء 4:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [٢٠]
﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾ أيْ: تَزَوُّجَ امْرَأةٍ تَرْغَبُونَ فِيها ﴿مَكانَ زَوْجٍ﴾ تَرْغَبُونَ عَنْها بِأنْ تُطَلِّقُوها ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ﴾ أيْ: إحْدى الزَّوْجاتِ، فَإنَّ المُرادَ بِالزَّوْجِ الجِنْسُ ﴿قِنْطارًا﴾ أيْ: مالًا كَثِيرًا مَهْرًا ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: يَسِيرًا، فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ ﴿أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا﴾ أيْ: باطِلًا ﴿وإثْمًا مُبِينًا﴾ بَيِّنًا، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أتَأْخُذُونَهُ باهِتِينَ وآثِمِينَ.
النساء 4:21
(p-١١٦٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [٢١]
﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إنْكارٌ لِأخْذِهِ إثْرَ إنْكارٍ، وتَنْفِيرٌ عَنْهُ غِبَّ تَنْفِيرٍ، عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ، أيْ: بِأيِّ وجْهٍ تَسْتَحِلُّونَ المَهْرَ.
﴿وقَدْ أفْضى﴾ أيْ: وصَلَ ﴿بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ فَأخَذَ عِوَضَهُ ﴿وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا وثِيقًا مُؤَكَّدًا مَزِيدَ تَأْكِيدٍ، يَعْسُرُ مَعَهُ نَقْضُهُ، كالثَّوْبِ الغَلِيظِ يَعْسُرُ شَقُّهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المِيثاقُ الغَلِيظُ حَقُّ الصُّحْبَةِ والمُضاجَعَةِ، ووَصْفُهُ بِالغِلَظِ لِقُوَّتِهِ وعِظَمِهِ، فَقَدْ قالُوا: صُحْبَةُ عِشْرِينَ يَوْمًا قَرابَةٌ، فَكَيْفَ بِما جَرى بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الِاتِّحادِ والِامْتِزاجِ؟ انْتَهى.
قالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ: قُلْتُ بَلْ قالُوا:
؎صُحْبَةُ يَوْمٍ نَسَبٌ قَرِيبٌ وذِمَّةٌ يَعْرِفُها اللَّبِيبُ
أوِ المِيثاقُ الغَلِيظُ ما أوْثَقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في شَأْنِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أوْ قَوْلُ الوَلِيِّ عِنْدَ العَقْدِ: أنْكَحْتُكَ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ: مِن إمْساكٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٍ بِإحْسانٍ.
تَنْبِيهٌ في فَوائِدَ:
الأُولى: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ [النساء: ٢٠] دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الإصْداقِ بِالمالِ الجَزِيلِ.
وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَهى عَنْ كَثْرَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ.
كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي العَجْفاءِ السُّلَمِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَقُولُ: ألا لا تُغْلُوا (p-١١٦٦)صُدُقَ النِّساءِ، ألا لا تُغْلُوا صُدُقَ النِّساءِ، فَإنَّها لَوْ كانَتْ مَكْرُمَةً في الدُّنْيا أوْ تَقْوى عِنْدَ اللَّهِ كانَ أوْلاكم بِها النَّبِيُّ ﷺ ما أصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأةً مِن نِسائِهِ، ولا أُصْدِقَ امْرَأةٌ مِن بَناتِهِ أكْثَرَ مِنِ اثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، وإنَّ الرَّجُلَ لَيُبْتَلى بِصَدَقَةِ امْرَأتِهِ».
وقالَ مَرَّةً: وإنَّ الرَّجُلَ لَيُغْلِي بِصَدَقَةِ امْرَأتِهِ حَتّى تَكُونَ لَها عَداوَةٌ في نَفْسِهِ، وحَتّى يَقُولَ: كَلِفْتُ إلَيْكِ عَرَقَ القِرْبَةِ، ورَواهُ أهْلُ السُّنَنِ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ورَوى أبُو يَعْلى عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: «رَكِبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مِنبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ! ما إكْثارُكم في صُدُقِ النِّساءِ! وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ والصَّدُقاتُ فِيما بَيْنَهم أرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَما دُونَ ذَلِكَ، ولَوْ كانَ الإكْثارُ في ذَلِكَ تَقْوى عِنْدَ اللَّهِ أوْ كَرامَةٌ لَمْ تَسْبِقُوهم إلَيْها، فَلْأعْرِفَنَّ ما زادَ رَجُلٌ في صَداقِ امْرَأةٍ عَلى أرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
قالَ: ثُمَّ نَزَلَ، فاعْتَرَضَتْهُ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَتْ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! نَهَيْتَ النّاسَ أنْ يَزِيدُوا في مَهْرِ النِّساءِ عَلى أرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، قالَ: نَعَمْ، فَقالَتْ: أما سَمِعْتَ ما أنْزَلَ اللَّهُ في القُرْآنِ؟ قالَ: وأيُّ ذَلِكَ؟ قالَتْ: أما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ [النساء: ٢٠] الآيَةَ، قالَ: فَقالَ: اللَّهُمَّ! غَفْرًا، كُلُّ النّاسِ أفْقَهُ مِن عُمَرَ، ثُمَّ رَجَعَ فَرَكِبَ المِنبَرَ فَقالَ: أيُّها النّاسُ! إنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكم أنْ تَزِيدُوا النِّساءَ في صَدُقاتِهِنَّ عَلى أرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَمَن شاءَ أنْ يُعْطِيَ مِن مالِهِ ما أحَبَّ».
قالَ أبُو يَعْلى: وأظُنُّهُ قالَ: فَمَن طابَتْ نَفْسُهُ فَلْيَفْعَلْ، إسْنادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وفِي "الحُجَّةِ البالِغَةِ" ما نَصَّهُ: لَمْ يَضْبُطِ النَّبِيُّ ﷺ المَهْرَ بِحَدٍّ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، إذِ العاداتُ في إظْهارِ الِاهْتِمامِ مُخْتَلِفَةٌ، والرَّغَباتُ لَها مَراتِبُ شَتّى، ولَهم في المُشاحَّةِ طَبَقاتٌ، فَلا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ عَلَيْهِمْ، كَما لا يُمْكِنُ أنْ يُضْبَطَ ثَمَنُ الأشْياءِ المَرْغُوبَةِ بِحَدٍّ مَخْصُوصٍ، ولِذَلِكَ قالَ: «التَمِسْ ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ» غَيْرَ أنَّهُ سَنَّ في صَداقِ أزْواجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً ونَشًّا، أيْ: نِصْفًا. انْتَهى.
(p-١١٦٧)وقَدْ ورَدَ ما يُفِيدُ النَّدْبَ إلى تَخْفِيفِهِ وكَراهَةَ المُغالاةِ فِيهِ.
أخْرَجَ أبُو داوُدَ والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ الصَّداقِ أيْسَرُهُ» .
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: إنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: هَلْ نَظَرْتَ إلَيْها؟ فَإنَّ في عُيُونِ الأنْصارِ شَيْئًا قالَ: قَدْ نَظَرْتُ إلَيْها، قالَ: عَلى كَمْ تَزَوَّجْتَها؟ قالَ: عَلى أرْبَعِ أواقٍ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: عَلى أرْبَعِ أواقٍ؟ كَأنَّما تَنْحِتُونَ الفِضَّةَ مِن عُرْضٍ هَذا الجَبَلِ، ما عِنْدَنا ما نُعْطِيكَ، ولَكِنْ عَسى أنْ نَبْعَثَكَ في بَعْثٍ تُصِيبُ مِنهُ قالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إلى بَنِي عَبْسٍ، بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ».
الثّانِيَةُ: خَصَّ تَعالى ذِكْرَ مَن آتى القِنْطارَ مِنَ المالِ بِالنَّهْيِ؛ تَنْبِيهًا بِالأعْلى عَلى الأدْنى؛ لِأنَّهُ إذا كانَ هَذا عَلى كَثْرَةِ ما بَذَلَ لِامْرَأتِهِ مِنَ الأمْوالِ مَنهِيًّا عَنِ اسْتِعادَةِ شَيْءٍ يَسِيرٍ حَقِيرٍ (p-١١٦٨)مِنها، عَلى هَذا الوَجْهِ، كانَ مَن لَمْ يَبْذُلْ إلّا الحَقِيرَ مَنهِيًّا عَنِ اسْتِعادَتِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْتُمْ﴾ [النساء: ٢٠] واللَّهُ أعْلَمُ: وكُنْتُمْ آتَيْتُمْ، إذْ إرادَةُ الِاسْتِبْدالِ - في ظاهِرِ الأمْرِ - واقِعَةٌ بَعْدَ إيتاءِ المالِ واسْتِقْرارِ الزَّوْجِيَّةِ، كَذا فِي: "الِانْتِصافِ".
الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَهْرَ يَسْتَقِرُّ بِالوَطْءِ، واخْتَلَفُوا في اسْتِقْرارِهِ بِالخَلْوَةِ المُجَرَّدَةِ، ومَنشَأُ ذَلِكَ: أنَّ (أفْضى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ يَجُوزُ حَمْلُها عَلى الجِماعِ كِنايَةً؛ جَرْيًا عَلى قانُونِ التَّنْزِيلِ مِنِ اسْتِعْمالِ الكِنايَةِ فِيما يُسْتَحْيى مِن ذِكْرِهِ، والخَلْوَةُ لا يُسْتَحْيى مِن ذِكْرِها فَلا تَحْتاجُ إلى كِنايَةٍ، ويَجُوزُ إبْقاؤُها عَلى ظاهِرِها.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الإفْضاءُ في الحَقِيقَةِ الِانْتِهاءُ، ومِنهُ: ﴿وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ أيِ: انْتَهى وآوى، هَذا، والكِنايَةُ أبْلَغُ وأقْرَبُ في هَذا المَقامِ، ومِمّا يُرَجِّحُها أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ التَّعَجُّبِ فَقالَ: وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ، والتَّعَجُّبُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ هَذا الإفْضاءُ سَبَبًا قَوِيًّا في حُصُولِ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، وهو الجِماعُ، لا مُجَرَّدَ الخَلْوَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الإفْضاءِ إلَيْهِ، ذَكَرَهُ الرّازِيُّ مِن وُجُوهٍ.
ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، أيْ: لِأيِّ وجْهٍ ولِأيِّ مَعْنًى تَفْعَلُونَ هَذا؟ فَإنَّها بَذَلَتْ نَفْسَها لَكَ وجَعَلَتْ ذاتَها لَذَّتَكَ وتَمَتُّعَكَ، وحَصَلَتِ الأُلْفَةُ التّامَّةُ والمَوَدَّةُ الكامِلَةُ بَيْنَكُما، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَسْتَرِدَّ مِنها شَيْئًا بَذَلَهُ لَها بِطِيبَةِ نَفْسِهِ؟ إنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِمَن لَهُ طَبْعٌ سُلَيْمٌ وذَوْقٌ مُسْتَقِيمٌ.
الرّابِعَةُ: فِي: "الإكْلِيلِ" اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن مَنَعَ الخُلْعَ مُطْلَقًا، وقالَ: إنَّها ناسِخَةٌ لِآيَةِ البَقَرَةِ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِها.
وقالَ آخَرُونَ: لا ناسِخَ ولا مَنسُوخَ بَلْ هي في الأخْذِ بِغَيْرِ طِيِبِ نَفْسِها. انْتَهى.
(p-١١٦٩)أقُولُ: إنَّ القَوْلَ الثّالِثَ مُتَعَيَّنٌ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن آيَتَيِ البَقَرَةِ وهَذِهِ في مَوْرِدٍ خاصٍّ يُعْلَمُ مِن مَساقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ في البَقَرَةِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٢٩] صَرِيحٌ في أنَّ الزَّوْجَةَ إذا كَرِهَتْ خَلْقَ زَوْجِها أوْ خُلُقَهُ أوْ نَقْصَ دِينِهِ أوْ خافَتْ إثْمًا بِتَرْكِ حَقِّهِ، أُبِيحَ لَها أنْ تَفْتَدِيَ مِنهُ وحَلَّ لَهُ أخْذُ الفِداءِ مِمّا آتاها، لِقَوْلِهِ تَعالى ثَمَّ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩] [البَقَرَةِ: ٢٢٩] إلَخْ.
والحِكْمَةُ في حِلِّ الأخْذِ ظاهِرَةٌ، وهي جَبْرُ الزَّوْجِ مِمّا لَحِقَهُ مِن ضَعَةِ اخْتِلاعِها لَهُ وهَيْمَنَتِها حِينَئِذٍ عَلَيْهِ، واسْتِرْدادُ ما لَوْ أُخِذَ مِنهُ لَكانَ في صُورَةِ المَظْلُومِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْنَحْ لِلْفِراقِ ولا رَغِبَ فِيهِ، فَكانَ مِنَ العَدْلِ الإلَهِيِّ أنْ لا يُجْمَعَ عَلَيْهِ بَيْنَ خَسارَتَيِ التَّمَتُّعِ والمالِ.
وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَهي في حُكْمٍ آخَرَ، وهو ما إذا أرادَ اسْتِبْدالَ زَوْجَتِهِ لِطُمُوحِ بَصَرِهِ إلى غَيْرِها مِن غَيْرِ أنْ تَفْتَدِيَ مِنهُ، أوْ تَرْغَبَ في خَلْعِ نَفْسِها مِنهُ، فَيَضَنُّ بِما آتاها ويَأْسَفُ لِأنْ تَحُوزَهُ، وهو لا يُرِيدُها ولَيْسَ لَها في نَفْسِهِ وقْعٌ، فَعُزِمَ عَلَيْهِ أنْ لا يَأْخُذَ مِمّا أصْدَقَها شَيْئًا قَطُّ بَعْدَ الإفْضاءِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أُبِيحَ لَهُ الأخْذُ حِينَئِذٍ لَكانَ ظُلْمًا واضِحًا؛ لِأنَّهُ أخْذٌ بِلا جَرِيرَةٍ مِنها، فَكانَ في إبْقاءِ ما في يَدِها مِمّا آتاها جَبْرٌ لِما نابَها مِن ألَمِ الإعْراضِ عَنْها واطِّراحِها؛ رَحْمَةً مِنهُ تَعالى وعَدْلًا في القَضِيَّتَيْنِ.
فالقائِلُ بِالنَّسْخِ فاتَهُ سِرُّ الحِكْمَيْنِ، ولَيْتَ شِعْرِي ماذا يَقُولُ في الحَدِيثِ المَرْوِيِّ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، وهو «قَوْلُهُ ﷺ لِامْرَأةِ (p-١١٧٠)ثابِتٍ: أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ! فَقالَتْ: نَعَمْ، فَقالَ ﷺ لِزَوْجِها: اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وطَلِّقْها» .
ولا يُقالُ: لَعَلَّ القائِلَ بِنَسْخِ الخُلْعِ اعْتَمَدَ فِيهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إلَخْ، وفِيهِ ما فِيهِ مِن تَهْوِيلِ الأخْذِ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ كَما أسْلَفْنا، لِأنّا نَقُولُ إنَّ دَلائِلَ الأحْكامِ النّاسِخَةِ أوِ المَنسُوخَةِ إنَّما تُؤْخَذُ مِنَ الجُمَلِ التّامَّةِ في الأصْلَيْنِ، فَلا تُؤْخَذُ مِن شَرْطٍ بِلا جَوابِهِ مَثَلًا، وبِالعَكْسِ، ولا مِن مُبْتَدَأٍ بِدُونِ خَبَرِهِ وبِالعَكْسِ، ولا مِن مُؤَكِّدٍ بِدُونِ مُؤَكَّدِهِ، وهَكَذا.
وما نَحْنُ فِيهِ لَوْ أُخِذَ عُمُومُ تَحْرِيمِ الأخْذِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ لَكانَ الِاسْتِدْلالُ مِنَ المُؤَكِّدِ بِدُونِ مُلاحَظَةِ مُؤَكَّدِهِ، وهَذا ساقِطٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَيْفَ﴾ - تَنْفِيرٌ عَمّا تَقَدَّمَ، مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وما قَبْلَهُ خاصٌّ، ولَوْ زَعَمَ القائِلُ بِالنَّسْخِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] عامٌّ في المَخْلُوعَةِ ومَن أُرِيدَ طَلاقُها - نَقُولُ: هَذا باطِلٌ وفاسِدٌ؛ لِأنَّ مَوْرِدَ الآيَةِ في إرادَتِهِ هو فِراقُها مُبْتَدِئًا، فَلا يَصْدُقُ عَلى المُخْتَلِعَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ الِاسْتِبْدالُ بِغَيْرِها ابْتِداءً مِن جانِبِ الزَّوْجِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ مَن قَرَأ صَدْرَ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ كُلًّا في حُكْمٍ عَلى حِدَةٍ، لا تَعَلُّقَ فِيها لَهُ بِالآخَرِ، والنَّسْخُ لا يُصارُ إلَيْهِ بِالرَّأْيِ، وقَدْ كَثُرَ في المُتَأخِّرِينَ دَعْوى النَّسْخِ في الآياتِ هَكَذا بِلا اسْتِنادٍ قَوِيٍّ، بَلْ لِما يَتَراءى ظاهِرًا بِلا إمْعانٍ، فَتَثَبَّتْ هَذا.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِلْمُتَلاعِنَيْنِ، بَعْدَ فَراغِهِما مِن تَلاعُنِهِما: اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ؟ - قالَها ثَلاثًا - فَقالَ الرَّجُلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ: مالِي؟ (p-١١٧١)يَعْنِي ما أصْدَقَها، قالَ: لا مالَ لَكَ، إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ فَهو بِما اسْتَحْلَلْتَ مِن فَرْجِها، وإنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْها فَهو أبْعَدُ لَكَ مِنها» .
وفِي سُنَنِ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ، عَنْ بُصْرَةَ بْنِ أكْثَمَ: «أنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأةً بِكْرًا في خِدْرِها، فَإذا هي حامِلٌ مِنَ الزِّنى، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ: فَقَضى لَها بِالصَّداقِ وفَرَّقَ بَيْنَهُما، وأمَرَ بِجَلْدِها، وقالَ: الوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ، والصَّداقُ في مُقابَلَةِ البُضْعِ» .
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مَن يَحْرُمُ نِكاحُهُنَّ مِنَ النِّساءِ ومَن لا يَحْرُمُ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
النساء 4:22
(p-١١٧٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلا﴾ [٢٢]
﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ بِنِكاحٍ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وإنْ لَمْ يَكُنَّ أُمَّهاتِكم ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ أيْ: سِوى ما قَدْ مَضى في الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ لَكم ولا تُؤاخَذُونَ بِهِ ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ أيْ: خَصْلَةً قَبِيحَةً جِدًّا؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ نِكاحَ الأُمَّهاتِ ﴿ومَقْتًا﴾ أيْ: بُغْضًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ ذَوِي المُرُوَآتِ، ولِذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي هَذا النِّكاحَ: نِكاحَ المَقْتِ، وتُسَمِّي ذَلِكَ المُتَزَوِّجَ، مَقِيتًا، قالَهُ ابْنُ سِيدَهْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ، ولَمّا عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ كانَ يُقالُ لَهُ المَقْتُ أُعْلِمُوا أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُنْكَرًا مَمْقُوتًا ﴿وساءَ سَبِيلا﴾ أيْ: بِئْسَ مَسْلَكًا، إذْ فِيهِ هَتْكُ حُرْمَةِ الأبِ.
وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ: «أنَّهُ لَمّا تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ، وكانَ مِن صالِحِي الأنْصارِ، فَخَطَبَ ابْنُهُ قَيْسٌ امْرَأتَهُ، فَقالَتْ: إنَّما أعُدُّكَ ولَدًا، وأنْتَ مِن صالِحِي قَوْمِكَ، ولَكِنِّي آتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: إنَّ أبا قَيْسٍ تُوُفِّيَ، فَقالَ: خَيْرًا ثُمَّ قالَتْ: إنَّ ابْنَهُ قَيْسًا خَطَبَنِي وهو مِن صالِحِي قَوْمِهِ، وإنَّما كُنْتُ أعُدُّهُ ولَدًا، فَما تَرى؟ فَقالَ لَها: ارْجِعِي إلى بَيْتِكِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ الآيَةَ.» ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما يَحْرُمُ إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٢٣].
لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّازِيُّ: مَراتِبُ القُبْحِ ثَلاثَةٌ: القُبْحُ في العُقُولِ وفي الشَّرائِعِ وفي العاداتِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ إشارَةٌ إلى القُبْحِ العَقْلِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَقْتًا﴾ إشارَةٌ إلى القُبْحِ الشَّرْعِيِّ (p-١١٧٣)وقَوْلُهُ: ﴿وساءَ سَبِيلا﴾ إشارَةٌ إلى القُبْحِ في العُرْفِ والعادَةِ، ومَتى اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الوُجُوهُ فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ في القُبْحِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَمَن تَعاطاهُ بَعْدَ هَذا فَقَدَ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ فَيُقْتَلُ ويَصِيرُ مالُهُ فَيْئًا لِبَيْتِ المالِ.
كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ، مِن طُرُقٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ - وفي رِوايَةٍ عَنْ عَمِّهِ - «أنَّهُ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ مِن بَعْدِهِ أنْ يَقْتُلَهُ ويَأْخُذَ مالَهُ».
النساء 4:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكم وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [٢٣]
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ مِنَ النَّسَبِ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ، وشَمَلَتِ الجَدّاتِ مِن قِبَلِ (p-١١٧٤)الأبِ أوِ الأُمِّ ﴿وبَناتُكُمْ﴾ مِنَ النَّسَبِ، وشَمَلَتْ بَناتِ الأوْلادِ وإنْ سَفُلْنَ ﴿وأخَواتُكُمْ﴾ مِن أُمٍّ أوْ أبٍ أوْ مِنهُما ﴿وعَمّاتُكُمْ﴾ أيْ: أخَواتُ آبائِكم وأجْدادِكم ﴿وخالاتُكُمْ﴾ أيْ: أخَواتُ أُمَّهاتِكم وجَدّاتِكم ﴿وبَناتُ الأخِ﴾ مِنَ النِّسَبِ، مِن أيِّ وجْهٍ يَكُنَّ ﴿وبَناتُ الأُخْتِ﴾ مِنَ النَّسَبِ مِن أيِّ وجْهٍ يَكُنَّ، ويَدْخُلُ في البَناتِ أوْلادُهُنَّ ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ الرَّضاعَ جُزْءٌ مِنها وقَدْ صارَ جُزْءًا مِنَ الرَّضِيعِ، فَصارَ كَأنَّهُ جُزْؤُها فَأشْبَهَتْ أصْلَهُ، انْتَهى.
ويُعْتَبَرُ في الإرْضاعِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: القَدْرُ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ هَذا المَعْنى، وقَدْ ورَدَ تَقْيِيدُ مُطْلَقِهِ وبَيانُ مُجْمَلِهِ في السُّنَّةِ بِخَمْسِ رَضَعاتٍ، لِحَدِيثِ عائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: «كانَ فِيما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُوماتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهُنَّ فِيما يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ».
والثّانِي: أنْ يَكُونَ الرَّضاعُ في أوَّلِ قِيامِ الهَيْكَلِ وتَشَبُّحِ صُورَةِ الوَلَدِ، وذَلِكَ قَبْلَ الفِطامِ، وإلّا فَهو غِذاءٌ بِمَنزِلَةِ سائِرِ الأغْذِيَةِ الكائِنَةِ بَعْدَ التَّشَبُّحِ وقِيامِ الهَيْكَلِ، كالشّابِّ يَأْكُلُ الخُبْزَ.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ إلّا ما فَتَقَ الأمْعاءَ وكانَ قَبْلَ الفِطامِ» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والحاكِمُ أيْضًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «لا رَضاعَ إلّا ما كانَ في الحَوْلَيْنِ» وصَحَّحَ البَيْهَقِيُّ وقَفَهُ.
قالَ السُّيُوطِيُّ فِي: "الإكْلِيلِ": واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مِن حَرَّمَ بِرَضاعِ الكَبِيرِ، انْتَهى.
وقَدْ ورَدَ الرُّخْصَةُ فِيهِ (p-١١٧٥)لِحاجَةٍ تَعْرِضُ، رَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِعائِشَةَ: إنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الغُلامُ الأيْفَعُ الَّذِي ما أُحِبُّ أنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ، فَقالَتْ عائِشَةُ: أما لَكِ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ؟! وقالَتْ: إنَّ امْرَأةَ أبِي حُذَيْفَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ سالِمًا يَدْخُلُ عَلَيَّ وهو رَجُلٌ، وفي نَفْسِ أبِي حُذَيْفَةَ مِنهُ شَيْءٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أرْضِعِيهِ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ» وأخْرَجَ نَحْوَهُ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ أيْضًا.
وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ مِنَ الصَّحابَةِ: أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ، وسَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ، وزَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ، ورَواهُ مِنَ التّابِعِينَ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ رَواهُ عَنْهُمُ الجَمْعُ الجَمُّ.
وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ عَلِيٌّ، وعائِشَةُ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عُلَيَّةَ، وداوُدُ الظّاهِرِيُّ، وابْنُ حَزْمٍ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى خِلافِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: أخَذَ طائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ بِهَذِهِ الفَتْوى مِنهم عائِشَةُ، ولَمْ يَأْخُذْ بِها أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ، وقَدَّمُوا عَلَيْها أحادِيثَ تَوْقِيتِ الرَّضاعِ المُحَرِّمِ بِما قَبْلَ الفِطامِ، وبِالصِّغَرِ، وبِالحَوْلَيْنِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: كَثْرَتُها وانْفِرادُ حَدِيثِ سالِمٍ.
الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ سِوى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ - في شِقِّ المَنعِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أحْوَطُ.
الرّابِعُ: أنَّ رَضاعَ الكَبِيرِ لا يُنْبِتُ لَحْمًا ولا يَنْشُرُ عَظْمًا، فَلا تَحْصُلُ بِهِ البَعْضِيَّةُ الَّتِي هي سَبَبُ التَّحْرِيمِ.
الخامِسُ: أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ هَذا كانَ مُخْتَصًّا بِسالِمٍ وحْدَهُ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ ذَلِكَ إلّا في قِصَّتِهِ.
السّادِسُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلى عائِشَةَ وعِنْدَها رَجُلٌ قاعِدٌ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وغَضِبَ، فَقالَتْ: إنَّهُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ، فَقالَ: انْظُرْنَ إخْوَتَكُنَّ مِنَ الرَّضاعَةِ، فَإنَّما الرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
(p-١١٧٦)وفِي قِصَّةِ سالِمٍ مَسْلَكٌ، وهو أنَّ هَذا كانَ مَوْضِعَ حاجَةٍ؛ فَإنَّ سالِمًا كانَ قَدْ تَبَنّاهُ أبُو حُذَيْفَةَ ورَبّاهُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِنهُ ومِنَ الدُّخُولِ عَلى أهْلِهِ بُدٌّ، فَإذا دَعَتِ الحاجَةُ إلى مِثْلِ ذَلِكَ فالقَوْلُ بِهِ مِمّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهادُ، ولَعَلَّ هَذا المَسْلَكَ أقْوى المَسالِكِ، وإلَيْهِ كانَ شَيْخُنا يَجْنَحُ، انْتَهى.
يَعْنِي تَقِيَّ الدِّينَ بْنَ تَيْمِيَّةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
﴿وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ قالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى نَصَّ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى حُرْمَةِ الأُمَّهاتِ والأخَواتِ مِن جِهَةِ الرَّضاعَةِ، إلّا أنَّ الحُرْمَةَ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلَيْهِنَّ؛ لِأنَّهُ ﷺ قالَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» .
وإنَّما عَرَفْنا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآياتِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا سَمّى المُرْضِعَةَ أُمًّا، والمُرْضِعَةَ أُخْتًا، فَقَدْ نُبِّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى أجْرى الرَّضاعَ مَجْرى النَّسَبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَرَّمَ بِسَبَبِ النَّسَبِ سَبْعًا:
اثْنَتانِ مِنها هُما المُنْتَسِبَتانِ بِطَرِيقِ الوِلادَةِ، وهُما الأُمَّهاتُ والبَناتُ.
وخُمْسٌ مِنها بِطَرِيقِ الأُخُوَّةِ، وهُنَّ الأخَواتُ والعَمّاتُ والخالاتُ وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في أحْوالِ الرَّضاعِ ذَكَرَ مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ صُورَةً واحِدَةً تَنْبِيهًا بِها عَلى الباقِي، فَذَكَرَ مِن قِسْمِ قَرابَةِ الوِلادَةِ الأُمَّهاتِ، ومِن قِسْمِ قَرابَةِ الأُخُوَّةِ الأخَواتِ، ونَبَّهَ بِذِكْرِ هَذَيْنِ المِثالَيْنِ - مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ - عَلى أنَّ الحالَ في بابِ الرَّضاعِ كالحالِ في النَّسَبِ، ثُمَّ إنَّهُ ﷺ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» فَصارَ صَرِيحُ الحَدِيثِ مُطابِقًا لِمَفْهُومِ الآيَةِ، وهَذا بَيانٌ لَطِيفٌ. انْتَهى.
لَطِيفَةٌ:
تَعَرَّضَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ لِفُرُوعِ فِقْهِيَّةٍ مَسْنَدُها مُجَرَّدُ الأقْيِسَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: مَن تَكَلَّمَ في أحْكامِ القُرْآنِ وجَبَ أنْ لا يَذْكُرَ إلّا ما يَسْتَنْبِطُهُ مِنَ الآيَةِ (p-١١٧٧)فَأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَإنَّما يَلِيقُ بِكُتُبِ الفِقْهِ.
﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ أيْ: أُصُولُ أزْواجِكم ﴿ورَبائِبُكُمُ﴾ جَمْعُ رَبِيبَةٍ، بِمَعْنى مَرْبُوبَةٍ، قالَ الأزْهَرِيُّ: رَبِيبَةُ الرَّجُلِ بِنْتُ امْرَأتِهِ مِن غَيْرِهِ. انْتَهى.
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُرَبِّها غالِبًا، كَما يُرَبِّي ولَدَهُ.
﴿اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ جَمْعُ حَجْرٍ (بِفَتْحِ أوَّلِهِ وكَسْرِهِ) أيْ: في تَرْبِيَتِكُمْ، يُقالُ: فُلانٌ في حَجْرِ فُلانٍ إذا كانَ في تَرْبِيَتِهِ، والسَّبَبُ في هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ أنَّ كُلَّ مَن رَبّى طِفْلًا أجْلَسَهُ في حَجْرِهِ، فَصارَ الحَجْرُ عِبارَةً عَنِ التَّرْبِيَةِ، وسِرُّ تَحْرِيمِهِنَّ كَوْنُهُنَّ حِينَئِذٍ يُشْبِهْنَ البَناتِ إلّا أنَّهُ إنَّما يَتَحَقَّقُ الشَّبَهُ إذا كُنَّ ﴿مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ لِأنَّهُنَّ حِينَئِذٍ بَناتُ مَوْطُوءاتِكُمْ، كَبَناتِ الصُّلْبِ، والدُّخُولُ بِهِنَّ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، كَقَوْلِهِمْ: بَنى عَلَيْها، وضَرَبَ عَلَيْها الحِجابَ، أيْ: أدْخَلْتُمُوهُنَّ السِّتْرَ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: فَلا حَرَجَ عَلَيْكم في أنْ تَتَزَوَّجُوا بَناتِهِنَّ إذا فارَقْتُمُوهُنَّ أوْ مُتْنَ.
* *
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إلى أنَّ قَيْدَ الدُّخُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَّهاتِ والرَّبائِبِ، فَقالَ: لا تَحْرُمُ واحِدَةٌ مِنَ الأُمِّ ولا البِنْتِ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ عَلى الأُخْرى حَتّى يَدْخُلَ بِها، لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها: أيَتَزَوَّجُ بِأُمِّها ؟ قالَ: هي بِمَنزِلَةِ الرَّبِيبَةِ.
ورُوِيَ أيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وذَهَبَ إلَيْهِ مِنَ الشّافِعِيَّةِ أبُو الحَسَنِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصّابُونِيِّ، فِيما نَقَلَهُ الرّافِعِيُّ عَنِ العَبّادِيِّ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، وتَوَقَّفَ فِيهِ مُعاوِيَةُ، وذَلِكَ فِيما رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ أنَّ أباهُ أنْكَحَهُ امْرَأةً بِالطّائِفِ، قالَ: فَلَمْ أُجامِعْها حَتّى تُوُفِّيَ عَمِّي عَنْ أُمِّها، وأُمُّها ذاتُ مالٍ كَثِيرٍ، فَقالَ أبِي: هَلْ لَكَ في أُمِّها؟ (p-١١٧٨)قالَ فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ وأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: انْكِحْ أُمَّها، قالَ: وسَألْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقالَ: لا تَنْكِحْها، فَأخْبَرْتُ أبِي بِما قالا، فَكَتَبَ إلى مُعاوِيَةَ، فَأخْبَرَهُ بِما قالا، فَكَتَبَ مُعاوِيَةُ: إنِّي لا أُحِلُّ ما حَرَّمَ اللَّهُ، ولا أُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ، وأنْتَ وذاكَ، والنِّساءُ سِواها كَثِيرٌ، فَلَمْ يَنْهَ ولَمْ يَأْذَنْ لِي، فانْصَرَفَ أبِي عَنْ أُمِّها فَلَمْ يُنْكِحْنِيها.
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الأُمَّ تَحْرُمُ بِالعَقْدِ عَلى البِنْتِ ولا تَحْرُمُ البِنْتُ إلّا بِالدُّخُولِ بِالأُمِّ، قالُوا: الِاشْتِراطُ إنَّما هو في أُمَّهاتِ الرَّبائِبِ.
ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أيُّما رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأةً فَلا يَحِلُّ لَهُ نِكاحُ ابْنَتِها، وإنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِها فَلْيَنْكِحِ ابْنَتَها، وأيُّما رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأةً فَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَنْكِحَ أُمَّها، دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ بِها» أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الخَبَرُ غَرِيبٌ، وفي إسْنادِهِ نَظَرٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: قَدْ جَعَلَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وصْفًا لِلنِّساءِ المُتَقَدِّمَةِ والمُتَأخِّرَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الوَصْفَ الواحِدَ لا يَقَعُ عَلى مَوْصُوفَيْنِ مُخْتَلِفِي العامِلِ، وهَذا؛ لِأنَّ النِّساءَ الأُولى مَجْرُورَةٌ بِالإضافَةِ، والثّانِيَةَ بِـ(مِن) ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: مَرَرْتُ بِنِسائِكَ وهَرَبْتُ مِن نِساءِ زَيْدٍ الظَّرِيفاتِ، عَلى أنْ تَكُونَ (الظَّرِيفاتِ) نَعْتًا لِهَؤُلاءِ النِّساءِ ولِهَؤُلاءِ النِّساءِ.
(p-١١٧٩)قالَ النّاصِرُ فِي: "الِانْتِصافِ": والقَوْلُ المَشْهُورُ عَنِ الجُمْهُورِ إبْهامُ تَحْرِيمِ أُمِّ المَرْأةِ، وتَقْيِيدُ تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ بِدُخُولِ الأُمِّ، كَما هو ظاهِرُ الآيَةِ، ولِهَذا الفَرْقُ سِرٌّ وحِكْمَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُتَزَوِّجَ بِابْنَةِ المَرْأةِ لا يَخْلُو بَعْدَ العَقْدِ وقَبْلَ الدُّخُولِ مِن مُحاوَرَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُمِّها، ومُخاطِباتٍ ومُسارّاتٍ فَكانَتِ الحاجَةُ داعِيَةً إلى تَنْجِيزِ التَّحْرِيمِ لِيَقْطَعَ شَوْقَهُ مِنَ الأُمِّ فَيُعامِلُها مُعامَلَةَ ذَواتِ المَحارِمِ، ولا كَذَلِكَ العاقِدُ عَلى الأُمِّ فَإنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ مُخاطَبَةِ بِنْتِها قَبْلَ الدُّخُولِ بِالأُمِّ، فَلَمْ تَدْعُ الحاجَةُ إلى تَعْجِيلِ نَشْرِ الحُرْمَةِ، وأمّا إذا وقَعَ الدُّخُولُ بِالأُمِّ فَقَدْ وُجِدَتْ مَظِنَّةُ خَلْطَةِ الرَّبِيبَةِ، فَحِينَئِذٍ تَدْعُو الحاجَةُ إلى نَشْرِ الحُرْمَةِ بَيْنَهُما، واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ مَن لَمْ يُحَرِّمْ نِكاحَ الرَّبِيبَةِ الكَبِيرَةِ والَّتِي لَمْ يُرَبِّها، رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ قالَ: كانَتْ عِنْدِي امْرَأةٌ فَتُوُفِّيَتْ وقَدْ ولَدَتْ لِي، فَوَجَدْتُ عَلَيْها، فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ: ما لَكَ؟ فَقُلْتُ: تُوُفِّيَتِ المَرْأةُ، فَقالَ: لَها ابْنَةٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وهي بِالطّائِفِ، قالَ: كانَتْ في حِجْرِكَ؟ قُلْتُ: لا، هي بِالطّائِفِ، قالَ: فانْكِحْها، قُلْتُ: فَأيْنَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ قالَ: إنَّها لَمْ تَكُنْ في حِجْرِكَ، إنَّما ذَلِكَ إذا كانَتْ في حِجْرِكَ؟
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ قَوِيٌّ ثابِتٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامُ داوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظّاهِرِيُّ وأصْحابُهُ، وحَكاهُ أبُو القاسِمِ الرّافِعِيُّ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، واخْتارَهُ ابْنُ حَزْمٍ.
والجُمْهُورُ عَلى تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَتْ في حَجْرِ الرَّجُلِ أمْ لَمْ تَكُنْ، قالُوا: والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ، فَإنَّ شَأْنَهُنَّ الغالِبَ المُعْتادَ أنْ يَكُنَّ في حَضانَةِ أُمَّهاتِهِنَّ تَحْتَ حِمايَةِ أزْواجِهِنَّ، ولَمْ يُرِدْ كَوْنَهُنَّ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ.
وفائِدَةُ وصْفِهِنَّ بِذَلِكَ تَقْوِيَةُ عِلَّةِ الحُرْمَةِ وتَكْمِيلُها، كَما أنَّها النُّكْتَةُ في إيرادِهِنَّ بِاسْمِ الرَّبائِبِ دُونَ بَناتِ النِّساءِ، فَإنَّ كَوْنَهُنَّ بِصَدَدِ احْتِضانِهِمْ لَهُنَّ، وفي شَرَفِ التَّقَلُّبِ في حُجُورِهِمْ، وتَحْتَ حِمايَتِهِمْ وتَرْبِيَتِهِمْ، مِمّا يُقَوِّي المُلابَسَةَ والشَّبَهَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أوْلادِهِمْ، (p-١١٨٠)ويَسْتَدْعِي إجْراءَهُنَّ مَجْرى بَناتِهِمْ، لا تَقْيِيدَ الحُرْمَةِ بِكَوْنِهِنَّ في حُجُورِهِمْ بِالفِعْلِ، كَذا قَرَّرَهُ أبُو السُّعُودِ.
وفِي "الِانْتِصافِ": إنَّ فائِدَةَ وصْفِهِنَّ بِذَلِكَ، هو تَخْصِيصُ أعْلى صُوَرِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالنَّهْيِ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ نِكاحِ الرَّبِيبَةِ المَدْخُولِ بِأُمِّها عامٌّ، في جَمِيعِ الصُّوَرِ، سَواءٌ كانَتْ في حَجْرِ الزَّوْجِ أوْ بائِنَةٌ عَنْهُ في البِلادِ القاصِيَةِ، ولَكِنَّ نِكاحَهُ لَها وهي في حِجْرِهِ أقْبَحُ الصُّوَرِ، والطَّبْعُ عَنْها أنْفَرُ، فَخُصَّتْ بِالنَّهْيِ لِتُساعِدَ الجِبِلَّةَ عَلى الِانْقِيادِ لِأحْكامِ المِلَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ تَدْرِيبًا وتَدْرِيجًا إلى اسْتِقْباحِ المُحَرَّمِ في جَمِيعِ صُوَرِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أبِي سُفْيانَ (وفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: عَزَّةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ ) فَقالَ: أوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ قالَتْ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وأحَبُّ مَن شارَكَنِي في خَيْرٍ أُخْتِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ ذَلِكَ لا يَحِلُّ لِي قُلْتُ: فَإنّا نُحَدَّثُ أنَّكَ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أبِي سَلَمَةَ، قالَ: بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقالَ: لَوْ أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي في حَجْرِي ما حَلَّتْ لِي، إنَّها لابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ، أرْضَعَتْنِي وأبا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَناتِكُنَّ ولا أخَواتِكُنَّ (وفِي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ: لَوْ لَمْ أتَزَوَّجْ أُمَّ سَلَمَةَ ما حَلَّتْ لِي)» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَجَعَلَ المَناطَ في التَّحْرِيمِ مُجَرَّدَ تَزَوُّجِهِ أُمَّ سَلَمَةَ، وحَكَمَ بِالتَّحْرِيمِ بِذَلِكَ.
الثّالِثُ: اشْتُهِرَ أنَّ المُرادَ مِنَ الدُّخُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ مَعْناهُ الكِنائِيُّ وهو الجِماعُ؛ لِأنَّهُ أُسْلُوبُ الكِتابِ العَزِيزِ في نَظائِرِهِ؛ بَلاغَةً وأدَبًا.
ولِذا فَسَّرَهُ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُ (p-١١٨١)واحِدٍ، فَمَدْلُولُ الآيَةِ صَرِيحٌ حِينَئِذٍ في كَوْنِ الحُرْمَةِ مَشْرُوطَةً بِالجِماعِ، فَلا تَتَناوَلُ غَيْرَهُ مِنَ اللَّمْسِ والتَّقْبِيلِ والنَّظَرِ لِمَتاعِها، ومَن أثْبَتَ تَحْرِيمَ الرَّبِيبَةِ بِذَلِكَ لَحِظَ أنَّ مَعْنى الدُّخُولِ أوْسَعُ مِنَ الجِماعِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: دَخَلَ بِها إذا أمْسَكَها وأدْخَلَها البَيْتَ.
وفِي "فَتْحِ البَيانِ": الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ في مِثْلِ هَذا الخِلافِ هو النَّظَرُ في مَعْنى الدُّخُولِ شَرْعًا أوْ لُغَةً، فَإنْ كانَ خاصًّا بِالجِماعِ فَلا وجْهَ لِإلْحاقِ غَيْرِهِ بِهِ، مِن لَمْسٍ أوْ نَظَرٍ أوْ غَيْرِهِما، وإنْ كانَ مَعْناهُ أوْسَعَ مِنَ الجِماعِ بِحَيْثُ يَصْدُقُ عَلى ما حَصَلَ فِيهِ نَوْعُ اسْتِمْتاعٍ كانَ مَناطُ التَّحْرِيمِ هو ذَلِكَ. انْتَهى.
وفِي "شَرْحِ القامُوسِ لِلزَّبِيدِيِّ ": ودَخَلَ بِامْرَأتِهِ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في الوَطْءِ الحَلالِ، والمَرْأةُ مَدْخُولٌ بِها، قُلْتُ: ومِنهُ الدُّخْلَةُ، لِلَيْلَةِ الزِّفافِ. انْتَهى.
﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ أيْ: مَوْطُوآتُ فُرُوعِكم بِنِكاحٍ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ، جَمْعُ حَلِيلَةٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِحِلِّها لِلزَّوْجِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ لِإخْراجِ الأدْعِياءِ الَّذِينَ كانُوا يَتَبَنَّوْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] [الأحْزابِ: مِنَ الآيَةِ ٣٧] وقالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] [الأحْزابِ: مِنَ الآيَةِ ٤].
فالسِّرُّ في التَّقَيُّدِ هو إحْلالُ حَلِيلَةِ المُتَبَنّى؛ رَدًّا لِمَزاعِمِ الجاهِلِيَّةِ، لا إحْلالُ حَلِيلَةِ الِابْنِ مِنَ الرَّضاعِ وأبْناءِ الأبْناءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بِخِلافِ مَن تَبَنَّيْتُمُوهم فَلَكم نِكاحُ حَلائِلِهِمْ.
(p-١١٨٢)﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، أيْ: وحُرِّمَ عَلَيْكُمُ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في الوَطْءِ بِنِكاحٍ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ مِن نَسَبٍ أوْ رَضاعٍ، لِما فِيهِ مِن قَطِيعَةِ الرَّحِمِ ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ في الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما أفادَهُ الِاسْتِثْناءُ.
النساء 4:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [٢٤]
﴿والمُحْصَناتُ﴾ أيْ: وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُزَوَّجاتُ ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ حَرائِرَ وإماءً، مُسْلِماتٍ أوْ لا؛ لِئَلّا تَخْتَلِطَ المِياهُ فَيَضِيِعُ النِّسَبُ ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: مِنَ اللّائِي سُبِينَ ولَهُنَّ أزْواجٌ في دارِ الكُفْرِ، فَهُنَّ حَلالٌ لِغُزاةِ المُسْلِمِينَ، وإنْ كُنَّ مُحْصَناتٍ؛ لِأنَّ السَّبْيَ لَهُنَّ يَرْفَعُ نِكاحَهُنَّ ويُفِيدُ الحِلَّ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ (p-١١٨٣)والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «أصَبْنا سَبايا مِن سَبْيِ أوْطاسٍ، ولَهُنَّ أزْواجٌ، فَكَرِهْنا أنْ نَقْعَ عَلَيْهِنَّ ولَهُنَّ أزْواجٌ، فَسَألْنا النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ فاسْتَحْلَلْنا فُرُوجَهُنَّ».
* *
تَنْبِيهٌ:
اسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن قالَ: إنَّ انْتِقالَ المِلْكِ بِبَيْعٍ أوْ إرْثٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ يَقْطَعُ النِّكاحَ.
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إذا بِيعَتِ الأمَةُ ولَها زَوْجٌ فَسَيِّدُها أحَقُّ بِبُضْعِها، وعَنْهُ: بَيْعُ الأمَةِ طَلاقُها.
ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وجابِرٍ، وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - قالُوا: بَيْعُها طَلاقُها.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: طَلاقُ الأمَةِ سِتٌّ: بَيْعُها طَلاقُها، وعِتْقُها طَلاقُها، وهِبَتُها طَلاقُها، وبَراءَتُها طَلاقُها، وطَلاقُ زَوْجِها طَلاقُها.
كَذا قَرَأْتُهُ في تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْدُودَ خَمْسَةٌ، ولَعَلَّ السّادِسَ بَيْعُ زَوْجِها، حَيْثُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ورَوى عَوْفٌ عَنِ الحَسَنِ: بَيْعُ الأمَةِ طَلاقُها وبَيْعُهُ طَلاقُها، فَهَذا قَوْلُ هَؤُلاءِ مِنَ السَّلَفِ، وحُجَّتُهم عُمُومُ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ بَيْعَ الأمَةِ لَيْسَ طَلاقًا لَها، واحْتَجُّوا بِحَدِيثِ بِرَيْرَةَ المُخَرَّجِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، فَإنَّ عائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ اشْتَرَتْها وأعْتَقَتْها ولَمْ يَنْفَسِخْ نِكاحُها مِن زَوْجِها مُغِيثٍ، بَلْ خَيَّرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الفَسْخِ والبَقاءِ، فاخْتارَتِ الفَسْخَ، وقِصَّتُها مَشْهُورَةٌ، فَلَوْ كانَ (p-١١٨٤)بَيْعُ الأمَةِ طَلاقَها لَما خُيِّرَتْ، وتَخْيِيرُها دالٌّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ المَسْبِيّاتُ فَقَطْ، وبِالجُمْلَةِ فالجُمْهُورُ قَصَرُوا الآيَةَ عَلى السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ.
قالَ الرّازِيُّ: وهو يَرْجِعُ إلى تَخْصِيصِ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، أيْ: وهو مَقْبُولٌ ومَعْمُولٌ بِهِ في غَيْرِما مَوْضِعٍ، كَنِصابِ السَّرِقَةِ، وفي التَّنْبِيهِ الآتِي زِيادَةٌ لِهَذا فَتَأثَّرْهُ.
فائِدَةٌ:
اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ الصّادِ فِي: " المُحْصَناتُ: هُنا، ويُقْرَأُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وكِلاهُما مَشْهُورٌ، فالفَتْحُ عَلى أنَّهُنَّ أُحْصِنَّ بِالأزْواجِ أوْ بِالإسْلامِ، والكَسْرُ عَلى أنَّهُنَّ أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ أوْ أزْواجَهُنَّ، واشْتِقاقُ الكَلِمَةِ مِنَ الإحْصانِ وهو المَنعُ.
﴿كِتابَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أيْ: كَتَبَ اللَّهُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ تَحْرِيمَ هَؤُلاءِ كِتابًا وفَرَضَهُ فَرْضًا، فالزَمُوا كِتابَهُ ولا تَخْرُجُوا عَنْ حُدُودِهِ وشَرْعِهِ ﴿وأُحِلَّ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ المُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ، أيْ: أُحِلَّ لَكم نِكاحُ ما سِواهُنَّ.
﴿أنْ تَبْتَغُوا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: أُحِلَّ لَكم إرادَةَ أنْ تَبْتَغُوا، أوْ بَدَلٌ مِن (ما) أيِ: ابْتِغاءُ النِّساءِ ﴿بِأمْوالِكُمْ﴾ أيْ: بِصَرْفِها إلى مُهُورِهِنَّ ﴿مُحْصِنِينَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (تَبْتَغُوا) والإحْصانُ: العِفَّةُ، وتَحْصِينُ النَّفْسِ عَنِ الوُقُوعِ فِيما يُوجِبُ اللَّوْمَ ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غَيْرَ زانِينَ، والسِّفاحُ الزِّنى والفُجُورُ، مِنَ السَّفْحِ وهو الصَّبُّ؛ لِأنَّهُ لا غَرَضَ لِلزّانِي إلّا سَفْحُ النُّطْفَةِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا خَطَبَ الرَّجُلُ المَرْأةَ، قالَ: انْكِحِينِي، فَإذا أرادَ الزِّنى قالَ: سافِحِينِي.
قالَ الزَّجّاجُ: المُسافَحَةُ أنْ تُقِيمَ امْرَأةٌ مَعَ رَجُلٍ عَلى الفُجُورِ مِن غَيْرِ تَزْوِيجٍ صَحِيحٍ.
* *
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِمُحَرَّماتٍ أُخَرَ دَلَّتْ عَلَيْها دَلائِلُ أُخَرُ، فَمِن ذَلِكَ، ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها، وقَدْ حَكى التِّرْمِذِيُّ المَنعَ مِن ذَلِكَ عَنْ كافَّةِ أهْلِ العِلْمِ، وقالَ: لا نَعْلَمُ بَيْنَهُمُ اخْتِلافًا (p-١١٨٥)فِي ذَلِكَ.
ومِن ذَلِكَ نِكاحُ المُعْتَدَّةِ، ومِن ذَلِكَ أنَّ مَن كانَ في نِكاحِهِ حُرَّةٌ لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ، ومِن ذَلِكَ القادِرُ عَلى الحُرَّةِ لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ، ومِن ذَلِكَ مَن عِنْدَهُ أرْبَعُ زَوْجاتٍ لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُ خامِسَةٍ، ومِن ذَلِكَ المُلاعِنَةُ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلى المُلاعِنِ أبَدًا، فالآيَةُ مِمّا نَزَلَ عامًّا ودَلَّتِ السُّنَّةُ ومَواضِعُ مِنَ التَّنْزِيلِ عَلى أنَّها مُخَصَّصَةٌ بِغَيْرِها.
قالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ في "الرِّسالَةِ":
[٢٤٤] فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى النّاسِ اتِّباعَ وحْيِهِ وسُنَنِ رَسُولِهِ، ﷺ.
[٢٤٥] فَقالَ في كِتابِهِ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]
[٢٥٠] وقالَ: ﴿وأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]
فِي آياتٍ نَظائِرِها.
قالَ الشّافِعِيُّ:
[٢٥٢] فَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الكِتابَ وهو القُرْآنُ: وذَكَرَ الحِكْمَةَ، فَسَمِعْتُ مَن أرْضى مِن أهْلِ العِلْمِ بِالقُرْآنِ يَقُولُ: الحِكْمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
[٢٥٣] وهَذا يُشْبِهُ ما قالَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
[٢٥٤] لِأنَّ القُرْآنَ ذُكِرَ وأُتْبِعَتْهُ الحِكْمَةُ، وذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَناؤُهُ مَنَّهُ عَلى خَلْقِهِ بِتَعْلِيمِهِمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ، فَلَمْ يَجُزْ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يُقالَ: الحِكْمَةُ هَهُنا إلّا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ.
[٢٥٥] وذَلِكَ أنَّها مَقْرُونَةٌ مَعَ كِتابِ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ طاعَةَ رَسُولِهِ ﷺ وحَتَّمَ عَلى النّاسِ اتِّباعَ أمْرِهِ - فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِقَوْلٍ: فَرْضٌ، إلّا لِكِتابِ اللَّهِ ثُمَّ سُنَّةِ رَسُولِهِ، ﷺ.
[٢٥٦] لِما وصَفْنا مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى جَلَّ ثَناؤُهُ جَعَلَ الإيمانَ بِرَسُولِهِ ﷺ مَقْرُونًا بِالإيمانِ بِهِ.
(p-١١٨٦)[٢٥٧] وسُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُبَيِّنَةً عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعْنى ما أرادَ دَلِيلًا عَلى خاصِّهِ وعامِّهِ، ثُمَّ قَرَنَ الحِكْمَةَ بِها بِكِتابِهِ، فَأتْبَعَها إيّاهُ، ولَمْ يَجْعَلْ هَذا لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ غَيْرِ رَسُولِهِ ﷺ انْتَهى.
وإنَّما أوْرَدْنا هَذا؛ تَزِيِيفًا لِزَعْمِ الخَوارِجِ أنَّ حَدِيثَ: «لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها» المَرْوِيَّ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما خَبَرٌ واحِدٌ، وتَخْصِيصَ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ الرّازِيُّ، وأوْرَدَ مِن حُجَجِهِمْ أنَّ عُمُومَ الكِتابِ مَقْطُوعُ المَتْنِ ظاهِرُ الدَّلالَةِ، وخَبَرَ الواحِدِ مَظْنُونُ المَتْنِ ظاهِرُ الدَّلالَةِ، فَكانَ خَبَرُ الواحِدِ أضْعَفَ مِن عُمُومِ القُرْآنِ، فَتَرْجِيحُهُ عَلَيْهِ بِمُقْتَضى تَقْدِيمِ الأضْعَفِ عَلى الأقْوى، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، انْتَهى.
وقَدْ تَوَسَّعَ الرّازِيُّ هُنا في الجَوابِ عَنْ شُبْهَتِهِمْ، ومِمّا قِيلَ فِيهِ: إنَّ تَحْرِيمَ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]
قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: ويَشْتَرِكُ في هَذا الحُكْمِ الجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها ونَظائِرِها، فَإنَّ مَدارَ حُرْمَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إفْضاؤُهُ إلى قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهِ، وذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ في الجَمْعِ بَيْنَ هَؤُلاءِ، بَلْ أوْلى؛ فَإنَّ العَمَّةَ والخالَةَ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ، فَقَوْلُهُ ﷺ: «لا تُنْكَحُ المَرْأةُ ...» إلَخْ مِن قَبِيلِ بَيانِ التَّفْسِيرِ لا بَيانِ التَّغْيِيرِ، وقِيلَ: هو مَشْهُورٌ يَجُوزُ بِهِ الزِّيادَةُ عَلى الكِتابِ.
وقالَ أيْضًا: ولَعَلَّ إيثارَ اسْمِ الإشارَةِ (يَعْنِي في قَوْلِهِ: ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ ) المُتَعَرِّضِ لِوَصْفِ المُشارِ إلَيْهِ وعُنْوانِهِ عَلى الضَّمِيرِ المُتَعَرِّضِ لِلذّاتِ فَقَطْ - لِتَذْكِيرِ ما في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ مِنَ العُنْوانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ حُكْمُ الحُرْمَةِ، فَيُفْهَمُ مُشارَكَةُ مَن في مَعْناهُنَّ لَهُنَّ فِيها بِطَرِيقَةِ الدَّلالَةِ، فَإنَّ حُرْمَةَ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها، وبَيْنَها وبَيْنَ خالَتِها لَيْسَتْ بِطَرِيقِ العِبارَةِ، بَلْ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ، كَما سَلَفَ، انْتَهى.
(p-١١٨٧)وفِي "تَنْوِيرِ الِاقْتِباسِ": ويُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ أنْ تَطْلُبُوا بِأمْوالِكم تَزَوُّجَهُنَّ وهي المُتْعَةُ، وقَدْ نُسِخَتِ الآنَ، انْتَهى، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ.
﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ أيْ: مَن تَمَتَّعْتُمْ بِهِ مِنَ المَنكُوحاتِ بِالجِماعِ ﴿فَآتُوهُنَّ﴾ فَأعْطُوهُنَّ ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مُهُورَهُنَّ كامِلَةً ﴿فَرِيضَةً﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ عَلَيْكم أنْ تُعْطُوا المَهْرَ تامًّا، و: ﴿فَرِيضَةً﴾ حالٌ مِنَ الأُجُورِ، بِمَعْنى مَفْرُوضَةٍ، أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إيتاءً مَفْرُوضًا، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: فُرِضَ ذَلِكَ فَرِيضَةً.
﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا حَرَجَ عَلَيْكم ﴿فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ﴾ أنْتُمْ وهُنَّ ﴿مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ أيْ: مِن حَطِّها أوْ بَعْضِها أوْ زِيادَةٍ عَلَيْها بِالتَّراضِي ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فِيما شَرَعَ مِنَ الأحْكامِ.
* *
تَنْبِيهٌ:
حَمَلَ قَوْمٌ الآيَةَ عَلى نِكاحِ المُتْعَةِ، قالُوا: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ أيْ: فَمَن جامَعْتُمُوهُنَّ مِمَّنْ نَكَحْتُمُوهُنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدِ اسْتُدِلَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى نِكاحِ المُتْعَةِ، ولا شَكَّ أنَّهُ كانَ مَشْرُوعًا في ابْتِداءِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وطائِفَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ القَوْلُ بِإباحَتِها لِلضَّرُورَةِ، وهو رِوايَةٌ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ يَقْرَءُونَ: (فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في نِكاحِ المُتْعَةِ.
ولَكِنَّ الجُمْهُورَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، والعُمْدَةُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِكاحِ المُتْعَةِ وعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» .
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (p-١١٨٨)عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الجُهَنِيِّ، عَنْ أبِيهِ «أنَّهُ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ! إنِّي كُنْتُ أذِنْتُ لَكم في الِاسْتِمْتاعِ مِنَ النِّساءِ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ، ولا تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا» انْتَهى.
وفِي "الكَشّافِ": قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُتْعَةِ، كانَ الرَّجُلُ يَنْكِحُ المَرْأةَ وقْتًا مَعْلُومًا، لَيْلَةً أوْ لَيْلَتَيْنِ أوْ أُسْبُوعًا، بِثُبُوتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ويَقْضِي مِنها وطَرَهُ ثُمَّ يُسَرِّحُها، وسُمِّيَتْ مُتْعَةً لِاسْتِمْتاعِهِ بِها، أوْ لِتَمْتِيعِهِ لَها بِما يُعْطِيها.
وقالَ الخَفاجِيُّ: رُوِيَ أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أتَدْرِي ما صَنَعْتَ بِفَتْواكَ؟ قالَ: سارَتْ بِها الرُّكْبانُ وقِيلَ فِيها الشِّعْرُ، كَقَوْلِهِ:
؎قَدْ قُلْتُ لِلشَّيْخِ لَمّا طالَ مَجْلِسُهُ يا صاحِ هَلْ لَكَ في فُتْيا ابْنِ عَبّاسِ؟
؎هَلْ لَكَ في رُخْصَةِ الأطْرافِ آنِسَةٍ ∗∗∗ تَكُونُ مَثْواكَ حَتّى مَصْدَرِ النّاسِ؟
فَقالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، واللَّهِ! ما بِهَذا أفْتَيْتُ ولا أحْلَلْتُ إلّا مِثْلَ ما أحَلَّ اللَّهُ المَيْتَةَ والدَّمَ.
وقالَ الإمامُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ القَيِّمِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي: "زادِ المَعادِ" في الكَلامِ عَلى ما في غَزْوَةِ الفَتْحِ مِنَ الفِقْهِ، ما نَصُّهُ: ومِمّا وقَعَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ إباحَةُ مُتْعَةِ النِّساءِ، ثُمَّ حَرَّمَها ﷺ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ، واخْتُلِفَ في الوَقْتِ الَّذِي حُرِّمَتْ فِيهِ المُتْعَةُ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يَوْمَ خَيْبَرَ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ العُلَماءِ، مِنهُمُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ عامَ فَتْحِ مَكَّةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وطائِفَةٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامَ حُنَيْنٍ، وهَذا في الحَقِيقَةِ هو القَوْلُ الثّانِي، لِاتِّصالِ غَزاةِ حُنَيْنٍ بِالفَتْحِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، وهو وهْمٌ مِن بَعْضِ الرُّواةِ، سافَرَ فِيهِ وهْمُهُ مَن فَتْحِ مَكَّةَ إلى حَجَّةِ الوَداعِ، وسَفَرُ الوَهْمِ مِن زَمانٍ إلى زَمانٍ، ومِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ومِن واقِعَةٍ إلى واقِعَةٍ - كَثِيرًا ما يَعْرِضُ لِلْحُفّاظِ فَمَن (p-١١٨٩)دُونَهم.
والصَّحِيحُ: أنَّ المُتْعَةَ إنَّما حُرِّمَتْ عامَ الفَتْحِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في "صَحِيحِ مُسْلِمٍ " «أنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا عامَ الفَتْحِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ – بِإذْنِهِ»، ولَوْ كانَ التَّحْرِيمُ زَمَنَ خَيْبَرَ لَزِمَ النَّسْخُ مَرَّتَيْنِ، وهَذا لا عَهْدَ بِمِثْلِهِ في الشَّرِيعَةِ البَتَّةَ، ولا يَقَعُ مِثْلُهُ فِيها.
وأيْضًا: فَإنَّ خَيْبَرَ لَمْ يَكُنْ فِيها مُسْلِماتٌ، وإنَّما كُنَّ يَهُودِيّاتٍ، وإباحَةُ نِساءِ أهْلِ الكِتابِ لَمْ تَكُنْ ثَبَتَتْ بَعْدُ، إنَّما أُبِحْنَ بَعْدَ ذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهم والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] [المائِدَةِ: ٥] وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] [المائِدَةِ: ٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] [المائِدَةِ: ٣] وهَذا كانَ في آخِرِ الأمْرِ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ، أوْ فِيها، فَلَمْ تَكُنْ إباحَةُ نِساءِ أهْلِ الكِتابِ ثابِتَةً مِن خَيْبَرَ، ولا كانَ لِلْمُسْلِمِينَ رَغْبَةٌ في الِاسْتِمْتاعِ بِنِساءِ عَدُوِّهِمْ قَبْلَ الفَتْحِ، وبَعْدَ الفَتْحِ اسْتُرِقَّ مَنِ اسْتُرِقَّ مِنهُنَّ (p-١١٩٠)وصِرْنَ إماءً لِلْمُسْلِمِينَ.
فَإنْ قِيلَ: فَما تَصْنَعُونَ بِما ثَبَتَ فِي"الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ مُتْعَةِ النِّساءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وعَنْ أكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ» وهَذا صَحِيحٌ صَرِيحٌ؟
قِيلَ: هَذا الحَدِيثُ قَدْ صَحَّتْ رِوايَتُهُ بِلَفْظَيْنِ: هَذا أحَدُهُما.
والثّانِي: الِاقْتِصارُ عَلى نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ نِكاحِ المُتْعَةِ، وعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، هَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
قالَ قاسِمُ بْنُ أصْبُغَ: قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: يَعْنِي أنَّهُ نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ، لا عَنْ نِكاحِ المُتْعَةِ، ذَكَرَهُ أبُو عُمَرَ فِي: "التَّمْهِيدِ": ثُمَّ قالَ: عَلى هَذا أكْثَرُ النّاسِ، انْتَهى.
فَتَوَهَّمَ بَعْضُ الرُّواةِ أنَّ (يَوْمَ خَيْبَرَ) ظَرْفٌ لِتَحْرِيمِهِنَّ، فَرَواهُ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُتْعَةَ زَمَنَ خَيْبَرَ، والحُمُرَ الأهْلِيَّةَ» واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى رِوايَةِ بَعْضِ الحَدِيثِ، فَقالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُتْعَةَ زَمَنَ خَيْبَرَ» فَجاءَ بِالغَلَطِ البَيِّنِ.
فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في الجَمْعِ بَيْنَ التَّحْرِيمَيْنِ، إذا لَمْ يَكُونا قَدْ وقَعا في وقْتٍ واحِدٍ، وأيْنَ المُتْعَةُ مِن تَحْرِيمِ الحُمُرِ؟ قِيلَ: هَذا الحَدِيثُ رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُحْتَجًّا بِهِ عَلى ابْنِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ في المَسْألَتَيْنِ، فَإنَّهُ كانَ يُبِيحُ المُتْعَةَ ولُحُومَ الحُمُرِ، فَناظَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المَسْألَتَيْنِ، ورَوى لَهُ التَّحْرِيمَيْنِ، وقَيَّدَ تَحْرِيمَ الحُمُرِ بِزَمَنِ خَيْبَرَ، وأطْلَقَ تَحْرِيمَ المُتْعَةِ وقالَ: إنَّكَ امْرُؤٌ تائِهٌ، «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ المُتْعَةَ، وحَرَّمَ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ»، كَما قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ، فَرَوى الأمْرَيْنِ مُحْتَجًّا عَلَيْهِ بِهِما، لا مُقَيِّدًا لَهُما بِيَوْمِ خَيْبَرَ.... واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ولَكِنْ هَهُنا نَظَرٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ: هَلْ حَرَّمَها تَحْرِيمَ الفَواحِشِ الَّتِي لا تُباحُ بِحالٍ، أوْ حَرَّمَها عِنْدَ الِاسْتِغْناءِ عَنْها، وأباحَها لِلْمُضْطَرِّ؟ هَذا هو الَّذِي نَظَرَ فِيهِ ابْنُ عَبّاسٍ وقالَ: أنا أبَحْتُها لِلْمُضْطَرِّ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، فَلَمّا تَوَسَّعَ فِيها مَن تَوَسَّعَ، ولَمْ يَقِفْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أمْسَكَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الإفْتاءِ بِحِلِّها، ورَجَعَ عَنْهُ، وقَدْ كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرى إباحَتَها ويَقْرَأُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] [المائِدَةِ: ٨٧].
(p-١١٩١)فَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْهُ قالَ: «كُنّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ولَيْسَ لَنا نِساءٌ، فَقُلْنا: ألا نَخْتَصِي؟ فَنَهانا عَنْ ذَلِكَ، فَرَخَّصَ لَنا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ نَتَزَوَّجَ المَرْأةَ بِالثَّوْبِ»، ثُمَّ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] [المائِدَةِ: ٨٧].
وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ الآيَةَ عَقِيبَ هَذا الحَدِيثِ تَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: الرَّدُّ عَلى مَن يُحَرِّمُها، وأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَما أباحَها رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ أرادَ آخِرَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو الرَّدُّ عَلى مَن أباحَها مُطْلَقًا، وأنَّهُ مُعْتَدٍ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّما رَخَّصَ فِيها لِلضَّرُورَةِ عِنْدَ الحاجَةِ في الغَزْوِ، وعِنْدَ عَدَمِ النِّساءِ، وشَدَّةِ الحاجَةِ إلى المَرْأةِ، فَمَن رَخَّصَ فِيها في الحَضَرِ مَعَ كَثْرَةِ النِّساءِ، وإمْكانِ النِّكاحِ المُعْتادِ، فَقَدِ اعْتَدى، واللَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِما رَوى مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ جابِرٍ، وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، قالا: «خَرَجَ عَلَيْنا مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أذِنَ لَكم أنْ تَسْتَمْتِعُوا (يَعْنِي: مُتْعَةَ النِّساءِ)».
قِيلَ: هَذا كانَ زَمَنَ الفَتْحِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، ثُمَّ حَرَّمَها بَعْدَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ ما رَواهُ مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: «رَخَّصَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامَ أوْطاسٍ في المُتْعَةِ ثَلاثًا، ثُمَّ نَهى عَنْها» .
(وعامُ أوْطاسٍ ) هو (وعامُ الفَتْحِ) واحِدٌ؛ لِأنَّ غَزاةَ أوْطاسٍ مُتَّصِلَةٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ.
فَإنْ قِيلَ: فَما تَصْنَعُونَ بِما رَواهُ (p-١١٩٢)مُسْلِمٌ فِي: "صَحِيحِهِ" عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «كُنّا نَسْتَمْتِعُ بِالقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ والدَّقِيقِ الأيّامَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ حَتّى نَهى عَنْها عُمَرُ في شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ،» وفِيما ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: «مُتْعَتانِ كانَتا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنا أنْهى عَنْهُما: مُتْعَةُ النِّساءِ ومُتْعَةُ الحَجِّ؟»
قِيلَ: النّاسُ في هَذا طائِفَتانِ: طائِفَةٌ تَقُولُ: إنَّ عُمَرَ هو الَّذِي حَرَّمَها ونَهى عَنْها، وقَدْ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاتِّباعِ ما سَنَّهُ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ، ولَمْ تَرَ هَذِهِ الطّائِفَةُ تَصْحِيحَ حَدِيثِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ في تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عامَ الفَتْحِ، فَإنَّهُ مِن رِوايَةِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جِدِّهِ، وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ، ولَمْ يَرَ البُخارِيُّ إخْراجَ حَدِيثِهِ فِي: "صَحِيحِهِ" مَعَ شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وكَوْنِهِ أصْلًا مِن أُصُولِ الإسْلامِ، ولَوْ صَحَّ عِنْدَهُ لَمْ يَصْبِرْ عَنْ إخْراجِهِ أوِ الِاحْتِجاجِ بِهِ، قالُوا: ولَوْ صَحَّ حَدِيثُ سَبْرَةَ لَمْ يَخْفَ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ حَتّى يَرْوِيَ أنَّهم فَعَلُوها ويَحْتَجَّ بِالآيَةِ.
وقالُوا أيْضًا: ولَوْ صَحَّ لَمْ يَقُلْ عُمَرُ: إنَّها كانَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنا أنْهى عَنْها، وأُعاقِبُ عَلَيْها، بَلْ كانَ يَقُولُ: إنَّهُ ﷺ حَرَّمَها ونَهى عَنْها.
قالُوا: ولَوْ صَحَّ لَمْ تُفْعَلْ عَلى عَهْدِ الصِّدِّيقِ وهو عَهْدُ خِلافَةِ النُّبُوَّةِ حَقًّا.
والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: رَأتْ صِحَّةَ حَدِيثِ سَبْرَةَ، ولَوْ لَمْ يَصِحَّ فَقَدْ صَحَّ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ مُتْعَةَ (p-١١٩٣)النِّساءِ» .
فَوَجَبَ حَمْلُ حَدِيثِ جابِرٍ عَلى أنَّ الَّذِي أخْبَرَ عَنْها بِفِعْلِها لَمْ يَبْلُغْهُ التَّحْرِيمُ، ولَمْ يَكُنْ قَدِ اشْتَهَرَ حَتّى كانَ زَمَنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلَمّا وقَعَ فِيها ظَهَرَ واشْتَهَرَ، وبِهَذا تَأْتَلِفُ الأحادِيثُ الوارِدَةُ فِيها، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. انْتَهى.
هَذا، والَّذِينَ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى بَيانِ حُكْمِ النِّكاحِ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ﴾ إلَخْ ... أنَّهُ إذا كانَ المَهْرُ مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ فَلا حَرَجَ في أنْ تَحُطَّ عَنْهُ شَيْئًا مِنَ المَهْرِ، أوْ تُبَرِّئَهُ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، بِالتَّراضِي، كَما تَقَدَّمَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] [النِّساءِ: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٣٧].
وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَضْرَمِيٍّ: أنَّ رِجالًا كانُوا يُقْرِضُونَ المَهْرَ، ثُمَّ عَسى أنْ تُدْرِكَ أحَدَهُمُ العَسِرَةُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ إلَخْ.
يَعْنِي إنْ وضَعَتْ لَكَ مِنهُ شَيْئًا فَهو لَكَ سائِغٌ.
وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى بَيانِ المُتْعَةِ، قالُوا: المُرادُ مِن نَفْيِ الجُناحِ أنَّهُ إذا انْقَضى أجَلُ المُتْعَةِ لَمْ يَبْقَ لِلرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ سَبِيلٌ البَتَّةَ، فَإنْ قالَ لَها: زِيدِينِي في الأيّامِ وأزِيدُكِ في الأُجْرَةِ - كانَتِ المَرْأةُ بِالخِيارِ، إنْ شاءَتْ فَعَلَتْ وإنْ شاءَتْ لَمْ تَفْعَلْ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ المِقْدارِ المَذْكُورِ أوَّلًا مِنَ الأجْرِ والأجْلِ، أفادَهُ الرّازِيُّ.
قالَ السُّدِّيُّ: إنْ شاءَ أرْضاها مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ الأُولى، يَعْنِي الأجْرَ الَّذِي أعْطاها عَلى تَمَتُّعِهِ بِها قَبْلَ انْقِضاءِ الأجَلِ بَيْنَهُما، فَقالَ: أتَمَتَّعُ مِنكِ أيْضًا بِكَذا وكَذا، فَإنْ شاءَ زادَ قَبْلَ أنْ يَسْتَبْرِئَ رَحِمَها يَوْمَ تَنْقَضِي المُدَّةُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾
قالَ السُّدِّيُّ: إذا انْقَضَتِ المُدَّةُ فَلَيْسَ عَلَيْها سَبِيلٌ، وهي مِنهُ بَرِيئَةٌ، وعَلَيْها أنْ تَسْتَبْرِئَ ما في رَحِمِها، ولَيْسَ بَيْنَهُما مِيراثٌ، فَلا يَرِثُ واحِدٌ مِنهُما صاحِبَهُ.
(p-١١٩٤)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: أوْلى التَّأْوِيلَيْنِ في ذَلِكَ بِالصَّوابِ التَّأْوِيلُ الأوَّلُ؛ لِقِيامِ الحُجَّةِ بِتَحْرِيمِ اللَّهِ تَعالى مُتْعَةِ النِّساءِ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى.
قالَ المَهايِمِيُّ: ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى نِكاحِ ما يُسْتَباحُ لِلضَّرُورَةِ كَنِكاحِ المُتْعَةِ، لَكِنَّها ضَرُورَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لا تَنْقَطِعُ بِكَثْرَةِ الإسْلامِ فَقالَ:
النساء 4:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [٢٥]
﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ أيْ: لَمْ يَقْدِرْ ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها الأحْرارُ، بِخِلافِ العَبِيدِ، أنْ يُحَصِّلَ ﴿طَوْلا﴾ أيْ: غِنًى يُمْكِنُهُ بِهِ ﴿أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ أيِ: الحَرائِرَ المُتَعَفِّفاتِ، بِخِلافِ الزَّوانِي؛ إذْ لا عِبْرَةَ بِهِنَّ ﴿المُؤْمِناتِ﴾ إذْ لا عِبْرَةَ بِالكَوافِرِ ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: فَلَهُ أنْ يَنْكِحَ بَعْضَ ما يَمْلِكُهُ أيْمانُ إخْوانِكم ﴿مِن فَتَياتِكُمُ﴾ أيْ: إمائِكم حالَ الرِّقِّ ﴿المُؤْمِناتِ﴾ لا الكِتابِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ مَعَ عارِ الرِّقِّ عارَ الكُفْرِ، وقَدِ اسْتُفِيدَ مِن سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَطَ في نِكاحِ الإماءِ شَرائِطَ ثَلاثَةً: اثْنانِ مِنها في النّاكِحِ، والثّالِثُ في المَنكُوحَةِ.
أمّا اللَّذانِ في النّاكِحِ فَأحَدُهُما أنْ يَكُونَ غَيْرَ واجِدٍ لِما يَتَزَوَّجُ بِهِ الحُرَّةَ المُؤْمِنَةَ مِنَ الصَّداقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ (p-١١٩٥)فَعَدَمُ اسْتِطاعَةِ الطَّوْلِ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ ما يَنْكِحُ بِهِ الحُرَّةَ، فَإنْ قِيلَ: الرَّجُلُ إذا كانَ يَسْتَطِيعُ التَّزَوُّجَ بِالأمَةِ يَقْدِرُ عَلى التَّزَوُّجِ بِالحُرَّةِ الفَقِيرَةِ، فَمِن أيْنَ هَذا التَّفاوُتُ؟ قُلْنا: كانَتِ العادَةُ في الإماءِ تَخْفِيفَ مُهُورِهِنَّ ونَفَقَتِهِنَّ لِاشْتِغالِهِنَّ بِخِدْمَةِ السّاداتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَظْهَرُ التَّفاوُتُ.
وأمّا الشَّرْطُ الثّانِي: فَهو المَذْكُورُ في آخِرِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ أيِ: الزِّنى بِأنْ بَلَغَ الشِّدَّةَ في العُزُوبَةِ.
وأمّا الشَّرْطُ الثّالِثُ المُعْتَبَرُ في المَنكُوحَةِ، فَأنْ تَكُونَ الأمَةُ مُؤْمِنَةً لا كافِرَةً، فَإنَّ الأمَةَ إذا كانَتْ كافِرَةً كانَتْ ناقِصَةً مِن وجْهَيْنِ: الرِّقِّ والكُفْرِ، ولا شَكَّ أنَّ الوَلَدَ تابِعٌ لِلْأُمِّ في الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، وحِينَئِذٍ يُعَلَّقُ الوَلَدُ رَقِيقًا عَلى مِلْكِ الكافِرِ، فَيَحْصُلُ فِيهِ نُقْصانُ الرِّقِّ ونُقْصانُ كَوْنِهِ مِلْكًا لِلْكافِرِ، وما ذَكَرْناهُ هو المُطابِقُ لِمَعْنى الآيَةِ، ولا يَخْلُو ما عَداهُ عَنْ تَكَلُّفٍ لا يُساعِدُهُ نَظْمُ الآيَةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ كانَ نِكاحُ الأمَةِ مُنْحَطًّا عَنْ نِكاحِ الحُرَّةِ؟ قُلْتُ: لِما فِيهِ مِنِ اتِّباعِ الوَلَدِ الأُمَّ في الرِّقِّ، ولِثُبُوتِ حَقِّ المَوْلى فِيها وفي اسْتِخْدامِها، ولِأنَّها مُمْتَهَنَةٌ مُبْتَذَلَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، وذَلِكَ كُلُّهُ نُقْصانٌ راجِعٌ إلى النّاكِحِ، ومَهانَةٌ، والعِزَّةُ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ، وسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ الِاطِّلاعُ عَلى بَواطِنِهِنَّ، بَلْ يَكْتَفِي بِظاهِرِ إيمانِهِنَّ، أيْ: فاكْتَفُوا بِظاهِرِ الإيمانِ، فَإنَّهُ تَعالى العالِمُ بِالسَّرائِرِ وبِتَفاضُلِ ما بَيْنَكم في الإيمانِ، فَرُبَّ أمَةٍ تَفْضُلُ الحُرَّةَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ اعْتِراضٌ آخَرُ جِيءَ بِهِ لِتَأْنِيسِهِمْ بِنِكاحِ الإماءِ حالَتَئِذٍ، أيْ: أنْتُمْ وأرِقّاؤُكم مُتَناسِبُونَ، نَسَبُكم مِن آدَمَ ودِينُكُمُ الإسْلامُ.
﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ أيْ: مَوالِيهِنَّ لا اسْتِقْلالًا، وذَلِكَ؛ لِأنَّ مَنافِعَهُنَّ لَهم لا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ أنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنها إلّا بِإذْنِ مَن هي لَهُ.
﴿وآتُوهُنَّ﴾ أعْطُوهُنَّ: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: بِلا مَطْلٍ وضِرارٍ وإلْجاءٍ إلى الِاقْتِضاءِ.
واسْتَدَلَّ الإمامُ مالِكٌ بِهَذا عَلى أنَّهُنَّ أحَقُّ بِمُهُورِهِنَّ، وأنَّهُ لا حَقَّ فِيهِ لِلسَّيِّدِ.
(p-١١٩٦)وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ المَهْرَ لِلسَّيِّدِ، وإنَّما أضافَها إلَيْهِنَّ؛ لِأنَّ التَّأْدِيَةَ إلَيْهِنَّ تَأْدِيَةٌ إلى سَيِّدِهِنَّ لِكَوْنِهِنَّ مالَهُ.
﴿مُحْصَناتٍ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ﴿فانْكِحُوهُنَّ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِنَّ عَفائِفَ عَنِ الزِّنى ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ: أيْ: غَيْرَ زانِياتٍ بِكُلِّ مَن دَعاهُنَّ ﴿ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ أيْ: أخِلَّةٍ يَتَخَصَّصْنَ بِهِمْ في الزِّنى.
قالَ أبُو زَيْدٍ: الأخْدانُ الأصْدِقاءُ عَلى الفاحِشَةِ، والواحِدُ خِدْنٌ وخُدَيْنٌ.
وقالَ الرّاغِبُ: أكْثَرُ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن يُصاحِبُ بِشَهْوَةٍ نَفْسانِيَّةٍ.
ومِن لَطائِفِ وُقُوعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحْصَناتٍ﴾ إلَخْ إثْرَ قَوْلِهِ: ﴿وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الإشْعارُ بِأنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ إحْدى هاتَيْنِ، فَلَكُمُ المُناقَشَةُ في أداءِ مُهُورِهِنَّ لِيَفْتَدِينَ نُفُوسَهُنَّ.
﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ أيْ: بِالتَّزْوِيجِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ: أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ أوْ أزْواجَهُنَّ ﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ أيْ: فَعَلْنَ فاحِشَةً وهي الزِّنا ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾ أيْ: فَثابِتٌ عَلَيْهِنَّ شَرْعًا ﴿نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾ أيِ: الحَرائِرِ ﴿مِنَ العَذابِ﴾ أيْ: مِنَ الحَدِّ الَّذِي هو جَلْدُ مِائَةٍ فَنِصْفُهُ خَمْسُونَ جَلْدَةً، لا الرَّجْمُ.
قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّهُنَّ مِن أهْلِ المَهانَةِ، فَلا يُفِيدُ فِيهِنَّ المُبالِغَةُ في الزَّجْرِ.
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَذْهَبُ الجُمْهُورِ أنَّ الأمَةَ إذا زَنَتْ فَعَلَيْها خَمْسُونَ جَلْدَةً، سَواءٌ كانَتْ مَسْلَمَةً أوْ كافِرَةً، مُزَوَّجَةً أوْ بِكْرًا، مَعَ أنَّ مَفْهُومَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا حَدَّ عَلى غَيْرِ المُحْصَنَةِ مِمَّنْ زَنى مِنَ الإماءِ، وقَدِ اخْتَلَفَتْ أجْوِبَتُهم عَنْ ذَلِكَ.
فَأمّا الجُمْهُورُ فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّ المَنطُوقَ مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ عامَّةٌ في إقامَةِ الحَدِّ عَلى الإماءِ، فَقَدَّمْناها عَلى مَفْهُومِ الآيَةِ.
فَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ خَطَبَ فَقالَ يا أيُّها النّاسُ! أقِيمُوا عَلى أرِقّائِكُمُ الحَدَّ، مَن أحْصَنَ مِنهُنَّ ومَن لَمْ يُحْصَنْ فَإنَّ أمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ فَأمَرَنِي أنْ أجْلِدَها، فَإذا هي حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفاسٍ، فَخَشِيتُ إنْ أنا جَلَدْتُها أنْ أقْتُلَها (p-١١٩٧)فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: أحْسَنْتَ، اتْرُكْها حَتّى تَماثَلَ» .
وعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ عَنْ غَيْرِ أبِيهِ: «فَإذا تَعافَتْ مِن نِفاسِها فاجْلِدْها خَمْسِينَ» .
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَتَبَيَّنَ زِناها فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ ولا يُثَرِّبْ عَلَيْها، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثّانِيَةَ فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ ولا يُثَرِّبْ عَلَيْها، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِناها فَلْيَبِعْها ولَوْ بِحَبْلٍ مِن شَعَرٍ» .
ولِمُسْلِمٍ: «إذا زَنَتْ ثَلاثًا، ثُمَّ لْيَبِعْها في الرّابِعَةِ» .
ورَوى مالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيّاشٍ المَخْزُومِيِّ قالَ: أمَرَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في فِتْيَةٍ مِن قُرَيْشٍ فَجَلَدْنا ولائِدَ مِن ولائِدِ الإمارَةِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ، في الزِّنا.
الجَوابُ الثّانِي: جَوابُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الأمَةَ إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ فَلا حَدَّ عَلَيْها وإنَّما تُضْرَبُ تَأْدِيبًا، وهو المَحْكِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وإلَيْهِ ذَهَبَ طاوُسٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ، وداوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظّاهِرِيُّ (فِي رِوايَةٍ عَنْهُ) وعُمْدَتُهم مَفْهُومُ الآيَةِ، وهو مِن مَفاهِيمِ الشَّرْطِ، وهو حُجَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِهِمْ، فَقُدِّمَ عَلى العُمُومِ عِنْدَهم.
وحَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بْنِ خالِدٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأمَةِ إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ؟ قالَ: إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَبِيعُوها ولَوْ بِضَفِيرٍ» .
قالَ ابْنُ شِهابٍ: لا أدْرِي بَعْدَ الثّالِثَةِ أوِ الرّابِعَةِ، أخْرَجاهُ في الصَّحِيحَيْنِ.
وعِنْدَ مُسْلِمٍ قالَ ابْنُ شِهابٍ: الضَّفِيرُ الحَبْلُ. قالُوا: فَلَمْ يُؤَقَّتْ فِيهِ عَدَدٌ كَما أُقِّتَ في المُحْصَنَةِ، (p-١١٩٨)وكَما وُقِّتَ في القُرْآنِ بِنِصْفِ ما عَلى المُحْصَناتِ، فَوَجَبَ الجَمْعُ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ بِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وأصْرَحُ مِن ذَلِكَ ما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ عَلى أمَةٍ حَدٌّ حَتّى تُحْصَنَ - يَعْنِي تُزَوَّجَ - فَإذا أُحْصِنَتْ بِزَوْجٍ فَعَلَيْها نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ» .
ورَواهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مَرْفُوعًا أيْضًا وقالَ: رَفْعُهُ خَطَأٌ، إنَّما هو مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وكَذا رَواهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ خُزَيْمَةَ.
قالُوا: وحَدِيثُ عَلِيٍّ وعُمَرَ قَضايا أعْيانٍ، وحَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ أجْوِبَةٌ:
أحَدُها: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى الأمَةِ المُزَوَّجَةِ، جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذا الحَدِيثِ.
الثّانِي: إنَّ لَفْظَةَ الحَدِّ في قَوْلِهِ: «فَلْيُقِمْ عَلَيْها الحَدَّ» مُقْحَمَةٌ مِن بَعْضِ الرُّواةِ بِدَلِيلِ:
الجَوابِ الثّالِثِ: وهو أنَّ هَذا مِن حَدِيثِ صَحابِيَّيْنِ وذَلِكَ مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ فَقَطْ، وما كانَ عَنِ اثْنَيْنِ فَهو أوْلى بِالتَّقْدِيمِ مِن رِوايَةِ واحِدٍ.
وأيْضًا فَقَدْ رَواهُ النَّسائِيُّ بِإسْنادٍ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَبّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ، وكانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إذا زَنَتِ الأمَةُ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَبِيعُوها ولَوْ بِضَفِيرٍ» .
الرّابِعُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّ بَعْضَ الرُّواةِ أطْلَقَ لَفْظَ (الحَدِّ) في الحَدِيثِ عَلى (الجَلْدِ) لِأنَّهُ لَمّا كانَ الجَلْدَ اعْتَقَدَ أنَّهُ حَدٌّ، أوْ أنَّهُ أطْلَقَ لَفْظَةَ (الحَدِّ) عَلى التَّأْدِيبِ، كَما أُطْلِقَ (الحَدُّ) عَلى ضَرْبِ مَن زَنى مِنَ المَرْضى بِعِثْكالِ نَخْلٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ، وعَلى جَلْدِ مَن زَنى بِأمَةِ امْرَأتِهِ إذا أذِنَتْ لَهُ فِيها مِائَةً، وإنَّما ذَلِكَ تَعْزِيرٌ وتَأْدِيبٌ عِنْدَ مَن يَراهُ، كَأحْمَدَ وغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ، وإنَّما الحَدُّ الحَقِيقِيُّ هو جَلْدُ البِكْرِ مِائَةً، ورَجْمُ الثَّيِّبِ. انْتَهى.
ولَهُ تَتِمَّةٌ سابِغَةٌ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "زادِ المَعادِ": وحُكِمَ في الأمَةِ إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ بِالحَدِّ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في الإماءِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ فَهو نَصٌّ في أنَّ حَدَّها بَعْدَ التَّزْوِيجِ نِصْفُ حَدِّ الحُرَّةِ مِنَ الجَلْدِ، وأمّا قَبْلَ التَّزْوِيجِ فَأُمِرَ بِجَلْدِها، وفي هَذا الحَدِّ قَوْلانِ:
(p-١١٩٩)أحَدُهُما: أنَّهُ الحَدُّ، ولَكِنْ يَخْتَلِفُ الحالُ قَبْلَ التَّزْوِيجِ وبَعْدَهُ، فَإنَّ لِلسَّيِّدِ إقامَتَهُ قَبْلَهُ، وأمّا بَعْدَهُ فَلا يُقِيمُهُ إلّا الإمامُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ جَلْدَها قَبْلَ الإحْصانِ تَعْزِيرٌ لا حَدٌّ، ولا يُبْطِلُ هَذا ما رَواهُ مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ": مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَرْفَعُهُ: «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها ولا يُعَيِّرْها ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَإنْ عادَتْ في الرّابِعَةِ فَلْيَجْلِدْها ولْيَبِعْها ولَوْ بِضَفِيرٍ» وفي لَفْظٍ: «فَلْيَضْرِبْها بِكِتابِ اللَّهِ» .
وفِي "صَحِيحِهِ" أيْضًا مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: «أيُّها النّاسُ! أقِيمُوا عَلى أرِقّائِكُمُ الحَدَّ، مَن أحْصَنَ مِنهُنَّ، ومَن لَمْ يُحْصَنْ، فَإنَّ أمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ، فَأمَرَنِي أنْ أجْلِدَها، الحَدِيثَ» .
فَإنَّ التَّعْزِيرَ يَدْخُلُ فِيهِ لَفْظُ (الحَدِّ) في لِسانِ الشّارِعِ، كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «لا يُضْرَبُ فَوْقَ عَشَرَةِ أسْواطٍ إلّا في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى» .
وقَدْ ثَبَتَ التَّعْزِيرُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشَرَةِ جِنْسًا وقَدْرًا في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُها، ولَمْ تَجْتَمِعِ الأُمَّةُ عَلى خِلافِها.
وعَلى كُلِّ حالٍ فَلا بُدَّ أنْ يُخالِفَ حالُها بَعْدَ الإحْصانِ حالَها قَبْلَهُ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ فائِدَةٌ.
فَإمّا أنْ يُقالَ قَبْلَ الإحْصانِ: لا حَدَّ عَلَيْها، والسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ تُبْطِلُ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يُقالَ: حَدُّها قَبْلَ الإحْصانِ حَدُّ الحُرَّةِ، وبَعْدَهُ نِصْفُهُ، وهَذا باطِلٌ قَطْعًا مُخالِفٌ لِقَواعِدِ الشَّرْعِ وأُصُولِهِ، وإمّا أنْ يُقالَ: حَدُّها قَبْلَ الإحْصانِ تَعْزِيرٌ، وبَعْدَهُ حَدٌّ، وهَذا أقْوى، وإمّا أنْ يُقالَ: الِافْتِراقُ بَيْنَ الحالَتَيْنِ (p-١٢٠٠)فِي إقامَةِ الحَدِّ لا في قَدْرِهِ، وأنَّهُ في إحْدى الحالَتَيْنِ لِلسَّيِّدِ، وفي الأُخْرى لِلْإمامِ، وهَذا أقْرَبُ ما يُقالُ.
وقَدْ يُقالُ: إنَّ تَنْصِيصَهُ عَلى التَّنْصِيفِ بَعْدَ الإحْصانِ؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ بِالإحْصانِ يَزُولُ التَّنْصِيفُ، ويَصِيرُ حَدُّها حَدَّ الحُرَّةِ، كَما أنَّ الجَلْدَ عَنِ البِكْرِ يُزالُ بِالإحْصانِ، وانْتَقَلَ إلى الرَّجْمِ، فَبَقِيَ عَلى التَّنْصِيفِ في أكْمَلِ حالَتَيْها - وهى الإحْصانُ - تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا اكْتُفِيَ بِهِ فِيها فَفي ما قَبْلَ الإحْصانِ أوْلى وأحْرى، واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: إباحَةُ نِكاحِ الإماءِ ﴿لِمَن خَشِيَ العَنَتَ﴾ أيِ: المَشَقَّةَ في التَّحَفُّظِ مِنَ الزِّنى ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها الأحْرارُ ﴿وأنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى تَحَمُّلِ تِلْكَ المَشَقَّةِ، مُتَعَفِّفِينَ عَنْ نِكاحِهِنَّ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن نِكاحِهِنَّ، وإنْ سَبَقَتْ كَلِمَةُ الرُّخْصَةِ؛ لِما فِيهِ مِن تَعْرِيضِ الوَلَدِ لِلرِّقِّ - قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أيُّما حُرٍّ تَزَوَّجَ بِأمَةٍ فَقَدْ أرَقَّ نِصْفَهُ - ولِأنَّ حَقَّ المَوْلى فِيها أقْوى فَلا تَخْلُصُ لِلزَّوْجِ خُلُوصَ الحَرائِرِ، ولِأنَّ المَوْلى يَقْدِرُ عَلى اسْتِخْدامِها كَيْفَما يُرِيدُ في السَّفَرِ والحَضَرِ، وعَلى بَيْعِها لِلْحاضِرِ والبادِي، وفِيهِ مِنِ اخْتِلالِ حالِ الزَّوْجِ وأوْلادِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، ولِأنَّها مُمْتَهَنَةٌ مُبْتَذَلَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، وذَلِكَ كُلُّهُ ذُلٌّ ومَهانَةٌ سارِيَةٌ إلى النّاكِحِ، والعِزَّةُ هي اللّائِقَةُ بِالمُؤْمِنِينَ، ولِأنَّ مَهْرَها لِمَوْلاها، فَلا تَقْدِرُ عَلى التَّمَتُّعِ بِهِ ولا عَلى هِبَتِهِ لِلزَّوْجِ، فَلا يَنْتَظِمُ أمْرُ المَنزِلِ، كَذا حَرَّرَهُ أبُو السُّعُودِ، وقَدْ قِيلَ:
؎إذا لَمْ يَكُنْ في مَنزِلِ المَرْءِ حُرَّةٌ تُدَبِّرُهُ ضاعَتْ مَصالِحُ دارِهِ
قالَ في "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ كَراهَةُ نِكاحِ الأمَةِ عِنْدَ اجْتِماعِ الشُّرُوطِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
النساء 4:26
(p-١٢٠١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [٢٦]
﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أيْ: في تَحْرِيمِ ما حَرَّمَ مِنَ النِّساءِ، وتَحْلِيلِ ما أحَلَّ بِالشَّرائِطِ ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: شَرائِعَهُ ﴿ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: يُرْشِدَكم إلى طَرائِقِ مَن تَقَدَّمَ مِن أهْلِ الكِتابِ في تَحْرِيمِ ما حَرَّمَهُ؛ لِتَتَأسَّوْا بِهِمْ في اتِّباعِ شَرائِعِهِ الَّتِي يُحِبُّها ويَرْضاها.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ لَنا مِنَ النِّساءِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ فَقَدْ كانَ الحُكْمُ كَذَلِكَ في المِلَّةِ السّابِقَةِ.
وقَدْ قَرَأْتُ في سِفْرِ الأحْبارِ اللّاوِيِّينَ مِنَ التَّوْراةِ في (الفَصْلِ الثّامِنَ عَشَرَ) ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، عَدا ما رَفَعَهُ تَعالى عَنّا مِن ذَلِكَ مِمّا فِيهِ حَرَجٌ.
﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَتَجاوَزَ عَنْكم ما كانَ مِنكم في الجاهِلِيَّةِ، أوْ يَرْجِعَ بِكم عَنْ مَعْصِيَتِهِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها إلى طاعَتِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فِيما شَرَعَ لَكم مِنَ الأحْكامِ ﴿حَكِيمٌ﴾ مَراعٍ في جَمِيعِ قَضائِهِ الحِكْمَةَ.
النساء 4:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [٢٧]
﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِنَ المَآثِمِ والمَحارِمِ، أيْ: يُخْرِجُكم مِن كُلِّ ما يَكْرَهُ إلى ما يُحِبُّ ويَرْضى، وفِيهِ بَيانُ كَمالِ مَنفَعَةِ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى، وكَمالِ مَضَرَّةِ ما يُرِيدُهُ الفَجَرَةُ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ أيْ: ما حَرَّمَهُ الشَّرْعُ، وهُمُ الزُّناةُ ﴿أنْ تَمِيلُوا﴾ عَنِ الحَقِّ بِالمَعْصِيَةِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي بِإتْيانِكم ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكم.
النساء 4:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [٢٨]
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أيْ: في شَرائِعِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ وما يُقَدِّرُهُ لَكُمْ، ولِهَذا أباحَ نِكاحَ الإماءِ بِشُرُوطِهِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى:﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١٨٥] (p-١٢٠٢)وقَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] [الحَجِّ: ٧٨].
﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ أيْ: عاجِزًا عَنْ دَفْعِ دَواعِي شَهَواتِهِ، فَناسَبَهُ التَّخْفِيفُ لِضَعْفِ عَزْمِهِ وهِمَّتِهِ وضَعْفِهِ في نَفْسِهِ، فالجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّخْفِيفِ في أحْكامِ الشَّرْعِ.
وفِي "الإكْلِيلِ" قالَ طاوُسٌ: ضَعِيفًا أيْ: في أمْرِ النِّساءِ لا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ، وقالَ وكِيعٌ: يَذْهَبُ عَقْلُهُ عِنْدَهُنَّ، أخْرَجَهُما ابْنُ أبِي حاتِمٍ، فَفِيهِ أصْلٌ لِما يَذْكُرُهُ الأطِبّاءُ مِن مَنافِعِ الجِماعِ ومِن مَضارِّ تَرْكِهِ.
النساء 4:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [٢٩]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: لا يَأْكُلْ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ ﴿بِالباطِلِ﴾ أيْ: ما لَمْ تُبِحْهُ الشَّرِيعَةُ كالرِّبا والقِمارِ والرِّشْوَةِ والغَصْبِ والسَّرِقَةِ والخِيانَةِ، (p-١٢٠٣)وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِن صُنُوفِ الحِيَلِ.
﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ أيْ: مُعاوَضَةً مَحْضَةً كالبَيْعِ ﴿عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ في المُحاباةِ مِن جانِبِ الآخِذِ والمَأْخُوذِ مِنهُ، وقُرِئَ: (تِجارَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ، وبِالنَّصْبِ عَلى أنَّها ناقِصَةٌ، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ المُعامَلَةُ أوِ التِّجارَةُ أوِ الأمْوالُ تِجارَةً.
قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ تَحْرِيمُ أكْلِ المالِ الباطِلِ بِغَيْرِ وجْهٍ شَرْعِيٍّ، وإباحَةُ التِّجارَةِ والرِّبْحِ فِيها، وأنَّ شَرْطَها التَّراضِي، ومِن هَهُنا أخَذَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ اعْتِبارَ الإيجابِ والقَبُولِ لَفْظًا؛ لِأنَّ التَّراضِيَ أمْرٌ قَلْبِيٌّ فَلا بُدَّ مِن دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وقَدْ يَسْتَدِلُّ بِها مَن لَمْ يَشْتَرِطْهُما إذا حَصَلَ الرِّضا، انْتَهى.
أيْ لِأنَّ الأقْوالَ كَما تَدُلُّ عَلى التَّراضِي فَكَذَلِكَ الأفْعالُ تَدُلُّ في بَعْضِ المَحالِّ قَطْعًا، فَصَحَّ بَيْعُ المُعاطاةِ مُطْلَقًا.
وفِي "الرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ": حَقِيقَةُ التَّراضِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ ها هُنا أمارَتُهُ، كالإيجابِ والقَبُولِ، وكالتَّعاطِي عِنْدَ القائِلِ بِهِ، وعَلى هَذا أهْلُ العِلْمِ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرِدْ ما يَدُلُّ عَلى ما اعْتَبَرَهُ بَعْضُهم مِن ألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ البَيْعُ بِغَيْرِها، ولا يُفِيدُهم ما ورَدَ في الرِّواياتِ مِن نَحْوِ: (بِعْتُ مِنكَ وبِعْتُكَ) فَإنّا لا نُنْكِرُ أنَّ البَيْعَ يَصِحُّ بِذَلِكَ، وإنَّما النِّزاعُ في كَوْنِهِ لا يَصِحُّ إلّا بِها، ولَمْ يَرِدْ في ذَلِكَ شَيْءٌ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى:﴿تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ التَّراضِي هو المَناطُ، ولا بُدَّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ، بِأيِّ لَفْظٍ وقَعَ، وعَلى أيِّ صِفَةٍ كانَ، وبِأيِّ إشارَةٍ مُفِيدَةٍ حَصَلَ، انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى لا تَقْتُلُوا مَن كانَ مِن جِنْسِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّ كُلَّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأنْفُسِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْ قَتْلِهِمْ، بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَفْعَلُهُ عاقِلٌ.
والثّانِي: النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الإنْسانِ نَفْسَهُ، وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَمْرُو بْنُ العاصِ عَلى مَسْألَةِ التَّيَمُّمِ لِلْبَرْدِ، وأقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ (p-١٢٠٤)عَلى احْتِجاجِهِ، كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، ولَفْظُ أحْمَدَ:
عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ قالَ: «لَمّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامَ ذاتِ السَّلاسِلِ، قالَ: احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنْ أهْلَكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأصْحابِي صَلاةَ الصُّبْحِ، قالَ: فَلَمّا قَدِمْنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: يا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ ؟! قالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنَ أهْلَكَ، وذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَقُلْ شَيْئًا» وهَكَذا أوْرَدَهُ أبُو داوُدَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا، أيِ: المَعْنى الثّانِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أشْبَهُ بِالصَّوابِ، وقَدْ تَوافَرَتِ الأخْبارُ في النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الإنْسانِ نَفْسَهُ والوَعِيدِ عَلَيْهِ.
رَوى الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رِضى اللَّهِ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن تَرَدّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهْوَ في نارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدّى فِيهِ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا، ومَن تَحَسّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسّاهُ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا، ومَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا» .
(p-١٢٠٥)وأخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْهُ - رِضى اللَّهِ عَنْهُ - قالَ: «شَهِدْنا خَيْبَرَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإسْلامَ: هَذا مِن أهْلِ النّارِ فَلَمّا حَضَرَ القِتالُ قاتَلَ الرَّجُلُ أشَدَّ القِتالِ، حَتّى كَثُرَتْ بِهِ الجِراحَةُ، فَكادَ بَعْضُ النّاسِ يَرْتابُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ ألَمَ الجِراحَةِ، فَأهْوى بِيَدِهِ إلى كِنانَتِهِ، فاسْتَخْرَجَ مِنها أسْهُمًا، فَنَحَرَ بِها نَفْسَهُ، فاشْتَدَّ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، انْتَحَرَ فُلانٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ، فَأذِّنْ أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ، إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفاجِرِ» وهَذا لَفْظُ البُخارِيِّ.
ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «أُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ فَقالَ: لا أُصَلِّي عَلَيْهِ» .
وفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كانَ فِيمَن كانَ قَبْلَكم رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ فَأخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِها يَدَهُ، فَما رَقَأ الدَّمُ حَتّى ماتَ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: بادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» .
ولِهَذا قالَ تَعالى:
النساء 4:30
(p-١٢٠٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [٣٠]
﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ: القَتْلَ ﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ أيْ: مُتَعَدِّيًا فِيهِ، ظالِمًا في تَعاطِيهِ، أيْ: عالِمًا بِتَحْرِيمِهِ مُتَجاسِرًا عَلى انْتِهاكِهِ ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ أيْ: نُدْخِلُهُ ﴿نارًا﴾ أيْ: هائِلَةً شَدِيدَةَ العَذابٍ ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: إصْلاؤُهُ النّارَ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هَيِّنًا عَلَيْهِ، لا عُسْرَ فِيهِ ولا صارِفَ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
قالَ النَّسَفِيُّ: وهَذا الوَعِيدُ في حَقِّ المُسْتَحِلِّ لِلتَّخْلِيدِ، وفي حَقِّ غَيْرِهِ، لِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِ دُخُولَ النّارِ مَعَ وعْدِ اللَّهِ بِمَغْفِرَتِهِ، انْتَهى.
النساء 4:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [٣١]
﴿إنْ تَجْتَنِبُوا﴾ أيْ: تَتْرُكُوا ﴿كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ: كَبائِرَ الذُّنُوبِ الَّتِي نَهاكُمُ الشَّرْعُ عَنْها، مِمّا ذُكِرَ هَهُنا ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ ﴿نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ: صَغائِرَ ذُنُوبِكُمْ، ونَمْحُها عَنْكُمْ، ونُدْخِلْكُمُ الجَنَّةَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ونُدْخِلْكُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ أيْ: حَسَنًا وهي الجَنَّةِ، و(مُدْخَلًا) قُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ، اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أيْ: إدْخالًا مَعَ كَرامَةٍ، وبِفَتْحِ المِيمِ، وهو أيْضًا يَحْتَمِلُ المَكانَ والمَصْدَرَ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّغائِرَ تُكَفَّرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، ورَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّ المَعاصِيَ كُلَّها كَبائِرُ، وإنَّهُ لا صَغِيرَةَ.
قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "الجَوابِ الكافِي": قَدْ دَلَّ القُرْآنُ والسُّنَّةُ وإجْماعُ الصَّحابَةِ (p-١٢٠٧)والتّابِعِينَ بَعْدَهُمْ، والأئِمَّةُ عَلى أنَّ مِنَ الذُّنُوبِ كَبائِرَ وصَغائِرَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٣١]، وقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] [النَّجْمِ: مِنَ الآيَةِ ٣٢].
وفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ: مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» .
وهَذِهِ الأعْمالُ المُكَفِّرَةُ لَها ثَلاثُ دَرَجاتٍ:
إحْداها: أنْ تُقَصِّرَ عَنْ تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ لِضَعْفِها وضَعْفِ الإخْلاصِ فِيها، والقِيامِ بِحُقُوقِها، بِمَنزِلَةِ الدَّواءِ الضَّعِيفِ الَّذِي يَنْقُصُ عَنْ مُقاوَمَةِ الدّاءِ كَمِّيَّةً وكَيْفِيَّةً.
الثّانِيَةُ: أنْ تُقاوِمَ الصَّغائِرَ، ولا تَرْتَقِيَ إلى تَكْفِيرِ شَيْءٍ مِنَ الكَبائِرِ.
الثّالِثَةُ: أنْ تَقْوى عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ، وتَبْقى فِيها قُوَّةٌ تُكَفَّرُ بِها بَعْضُ الكَبائِرِ، فَتَأمَّلْ هَذا، فَإنَّهُ يُزِيلُ عَنْكَ إشْكالاتٍ كَثِيرَةً.
وفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قُالوا بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ وجَلَسَ وكانَ مُتَّكِئًا فَقالَ: ألا وقَوْلُ الزُّورِ (ثَلاثًا)» .
(p-١٢٠٨)وفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ.
قالُوا: وما هُنَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ» .
وفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رِضى اللَّهِ عَنْهُ - قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – أيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أكْبَرُ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهْوَ خَلَقَكَ قُلْتُ ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: ثُمَّ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ: ثُمَّ أىُّ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ» .
قالَ: ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] [الفُرْقانِ: ٦٨] الآيَةَ، ثُمَّ ساقَ الخِلافَ في تَعْدادِها، اهـ.
وعِنْدِي أنَّ الصَّوابَ هو الوُقُوفُ في تَعْدادِها عَلى ما صَحَّتْ بِهِ الأحادِيثُ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُبَيِّنٌ لِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أمِينٌ عَلى تَأْوِيلِهِ، والمَرْجِعُ في بَيانِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلى السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، كَما أنَّ المَرْجِعَ في تَعْرِيفِ الكَبِيرَةِ إلى العَدِّ دُونَ ضَبْطِها بِحَدٍّ، كَما تَكَلَّفَهُ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ، وطالَتِ المُناقَشَةُ بَيْنَهم في تِلْكَ الحُدُودِ، وإنَّ مِنها ما لَيْسَ جامِعًا، ومِنها ما لَيْسَ مانِعًا، فَكُلُّهُ مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ وُرُودِ صِحاحِ الأخْبارِ في بَيانِ ذَلِكَ.
وقَدْ ساقَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ هَهُنا جُمْلَةً وافِرَةً مِنها وُجُودُ النَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ والسَّلَفِ والتّابِعِينَ، فانْظُرْهُ فَإنَّهُ نَفِيسٌ.
ثُمَّ نَهى تَعالى عَنِ التَّحاسُدِ، وعَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ مِنَ المالِ ونَحْوِهِ، مِمّا يَجْرِي فِيهِ التَّنافُسُ بِقَوْلِهِ:
النساء 4:32
(p-١٢٠٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [٣٢]
﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا﴾ أيْ: أصابُوا وأحْرَزُوا ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ أيْ: أصَبْنَ وأحْرَزْنَ، أيْ: لِكُلِّ فَرِيقٍ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبَ في نَعِيمِ الدُّنْيا قَبْضًا أوْ بَسْطًا، فَيَنْبَغِي أنْ يَرْضى بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ.
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ مُجاهِدٍ «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ يَغْزُو الرِّجالُ ولا يَغْزُو النِّساءُ، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا﴾ الآيَةَ،» ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: غَرِيبٌ.
ورَواهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ وزادَ: ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ١٩٥] الآيَةَ، فَإنْ صَحَّ هَذا فالمَعْنى: لِكُلِّ أحَدٍ قَدْرٌ مِنَ الثَّوابِ يَسْتَحِقُّهُ بِكَرَمِ اللَّهِ ولُطْفِهِ، فَلا تَتَمَنَّوْا خِلافَ ذَلِكَ، ولا مانِعَ مِن شُمُولِ الآيَةِ لِما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ ولا مُنافاةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِن خَزائِنِ نِعَمِهِ الَّتِي لا نَفادَ لَها، وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-١٢١٠)«سَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُحِبُّ [أنْ] يُسْألَ، وأفْضَلُ العِبادَةِ انْتِظارُ الفَرَجِ» .
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ولِذَلِكَ جَعَلَ النّاسَ عَلى طَبَقاتٍ رَفَعَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ دَرَجاتٍ حَسَبَ مَراتِبِ اسْتِعْداداتِهِمُ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بِمُوجِبِ المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الأبِيَّةِ، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
النساء 4:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [٣٣]
﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ أيْ: ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِنَ المالِ جَعَلْنا ورَثَةً وعَصَبَةً يَلُونَهُ ويُحْرِزُونَهُ، وهم يَرِثُونَهُ دُونَ سائِرِ النّاسِ.
كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها، فَما بَقِيَ فَهْوَ لِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ» أيِ: اقْسِمُوا المِيراثَ عَلى أصْحابِ الفَرائِضِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في آيَتَيِ الفَرائِضِ، فَما بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأعْطُوهُ لِلْعَصَبَةِ، فَـ (مِمّا) تَبْيِينٌ لـ(كُلٍّ).
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعَرَبُ تُسَمِّي ابْنَ العَمِّ مَوْلًى، كَما قالَ الفَضْلُ بْنُ العَبّاسِ:
؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا لا يَظْهَرَنَّ بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا
(p-١٢١١)وفِي "القامُوسِ" و" شَرْحِهِ تاجِ العَرُوسِ": والمَوْلى: القَرِيبُ كابْنِ العَمِّ ونَحْوِهِ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ابْنُ العَمِّ مَوْلًى، وابْنُ الأُخْتِ مَوْلًى، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎هَمُ المَوْلى وإنْ جَنَفُوا عَلَيْنا ∗∗∗ وإنّا مِن لِقائِهِمُ لَزُورُ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي المَوالِيَ، أيْ: بَنِي العَمِّ، وقالَ اللَّهْبِيُّ يُخاطِبُ بَنِي أُمَيَّةَ:
؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِيَنًا ∗∗∗ امْشُوا رُوَيْدًا كَما كُنْتُمْ تَكُونُونا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ ضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ فَوَقَعَ خَبَرُهُ مَعَ الفاءِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ ويُقْرَأُ (عاقَدَتْ) بِالألِفِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ: عاقَدَتْهُمْ، ويُقْرَأُ بِغَيْرِ ألِفٍ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْضًا هو والعائِدُ، تَقْدِيرُهُ عَقَدَتْ حَلِفَهم أيْمانُكُمْ، والعَقْدُ الشَّدُّ والرَّبْطُ والتَّوْكِيدُ والتَّغْلِيظُ، ومِنهُ: عَقَدَ العَهْدَ يَعْقِدُهُ: شَدَّهُ.
والأيْمانُ: جَمْعُ يَمِينٍ، إمّا بِمَعْنى اليَدِ اليُمْنى لِوَضْعِهِمُ الأيْدِي في العُهُودِ، أوْ بِمَعْنى القَسَمِ وهو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ العَقْدَ خِلافُ النَّقْضِ، وقَدْ جاءَ مَقْرُونًا بِالحَلِفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] [النَّحْلِ: مِنَ الآيَةِ ٩١] (p-١٢١٢)وفِي قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ٨٩].
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَحامِلُ كَثِيرَةٌ ووُجُوهٌ لِلسَّلَفِ والخَلَفِ، أظْهَرُها لِسَلَفِ المُفَسِّرِينَ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وهو أنَّ المَعْنِيَّ بِالمَوْصُولِ الحُلَفاءُ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في البُخارِيِّ كَما سَيَأْتِي.
قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وأبِي صالِحٍ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، والشَّعْبِيِّ، وعِكْرِمَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ - أنَّهم قالُوا: هُمُ الحُلَفاءُ، انْتَهى.
ويُزادُ أيْضًا: عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ.
وكانَ الحُلَفاءُ يَرِثُونَ السُّدُسَ مِن مُحالِفِيهِمْ.
ورَوى الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ: كانَ الرَّجُلُ يُعاقِدُ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ، وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، وتَطْلُبُ بِي وأطْلُبُ بِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ بَقِيَ مِنهم ناسٌ، فَأُمِرُوا بِأنْ يُؤْتُوهم نَصِيبَهم مِنَ المِيراثِ وهو السُّدُسُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالمِيراثِ، فَقالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦]
ولِذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَآتُوهم نَصِيبَهم مِنَ المِيراثِ، قالَ: وعاقَدَ أبُو بَكْرٍ مَوْلًى فَوَرِثَهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُرادُ بِـ(الَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ) مَوالِي المُوالاةِ، كانَ الرَّجُلُ يُعاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ، وهَدْمِي هَدْمُكَ، وثَأْرِي ثَأْرُكَ، وحَرْبِي حَرْبُكَ، وسِلْمِي سِلْمُكَ، وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، وتَطْلُبُ بِي وأطْلُبُ بِكَ، وتَعْقِلُ عَنِّي وأعْقِلُ عَنْكَ، فَيَكُونُ لِلْحَلِيفِ السُّدُسُ مِن مِيراثِ الحَلِيفِ، انْتَهى.
(p-١٢١٣)وعَلى هَذا فَمَعْنى الآيَةِ: والَّذِينَ عاقَدْتُمُوهم عَلى المُؤاخاةِ والمُوالاةِ وتَحالَفْتُمْ بِالأيْمانِ المُؤَكَّدَةِ أنْتُمْ وهم عَلى النَّصْرِ والإرْثِ - قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ - فَآتُوهم نَصِيبَهم مِنَ المِيراثِ وفاءً بِالعُقُودِ والعُهُودِ؛ إذْ وعَدْتُمُوهم ذَلِكَ في الأيْمانِ المُغَلَّظَةِ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ: كانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الإسْلامِ يُعاقِدُ الرَّجُلَ ويَقُولُ، وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، وكانَ الأحْياءُ يَتَحالَفُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ حِلْفٍ في الجاهِلِيَّةِ أوْ عَقْدٍ أدْرَكَهُ الإسْلامُ فَلا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً، ولا عَقْدَ ولا حِلْفَ في الإسْلامِ» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا حِلْفَ في الإسْلامِ، وأيُّما حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ «أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الحِلْفِ؟ فَقالَ: ما كانَ مِن حِلْفٍ في الجاهِلِيَّةِ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، ولا حِلْفَ في الإسْلامِ» .
ورَواهُ أيْضًا عَنْ عَمْرِو (p-١٢١٤)بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «لَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عامَ الفَتْحِ قامَ خَطِيبًا في النّاسِ، فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ، ما كانَ مِن حِلْفٍ في الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً، ولا حِلْفَ في الإسْلامِ» .
قالَ ابْنُ الأثِيرِ: الحِلْفُ في الأصْلِ المُعاقَدَةُ والمُعاهَدَةُ عَلى التَّعاضُدِ والتَّساعُدِ والِاتِّفاقِ، فَما كانَ مِنهُ في الجاهِلِيَّةِ عَلى الفِتَنِ والقِتالِ والغاراتِ فَذَلِكَ الَّذِي ورَدَ النَّهْيُ عَنْهُ في الإسْلامِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «لا حِلْفَ في الإسْلامِ» وما كانَ مِنهُ في الجاهِلِيَّةِ عَلى نَصْرِ المَظْلُومِ وصِلَةِ الأرْحامِ كَحِلْفِ المُطَيِّبِينَ - وما جَرى مَجْراهُ - فَذَلِكَ الَّذِي قالَ فِيهِ ﷺ: «وأيُّما حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً» .
يُرِيدُ مِنَ المُعاقَدَةِ عَلى الخَيْرِ ونُصْرَةِ الحَقِّ، وبِذَلِكَ يَجْتَمِعُ الحَدِيثانِ، وهَذا هو الحِلْفُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الإسْلامُ، والمَمْنُوعُ مِنهُ ما خالَفَ حُكْمَ الإسْلامِ، انْتَهى.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ هَذا - أيِ: التَّوارُثُ بِالحِلْفِ - في ابْتِداءِ الإسْلامِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ وأُمِرُوا أنْ يُوَفُّوا لِمَن عاقَدُوا ولا يُنْشِئُوا بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ مُعاقَدَةً.
رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ فَكانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الإسْلامِ يُعاقِدُ الرَّجُلَ ويَقُولُ: وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، كانَ الأحْياءُ يَتَحالَفُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُّ حِلْفٍ في الجاهِلِيَّةِ أوْ عَقْدٍ أدْرَكَهُ الإسْلامُ فَلا يَزِيدُهُ إلّا شِدَّةً، ولا عَقْدَ ولا حِلْفَ في الإسْلامِ فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] [الأنْفالِ: ٧٥]».
ورَوى أبُو داوُدَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ: كانَ الرَّجُلُ يُحالِفُ الرَّجُلَ ولَيْسَ بَيْنَهُما (p-١٢١٥)نَسَبٌ، فَيَرِثُ أحَدُهُما الآخَرَ، فَنَسَخَ ذَلِكَ في الأنْفالِ فَقالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] الآيَةَ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُعاقِدُ الرَّجُلَ أيَّهُما ماتَ ورِثَهُ الآخَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] يَقُولُ: إلّا أنْ تُوصُوا لِأوْلِيائِهِمُ الَّذِينَ عاقَدُوا وصِيَّةً، فَهو لَهم جائِزٌ مِن ثُلُثِ مالِ المَيِّتِ، ذَلِكَ هو المَعْرُوفُ.
وهَكَذا نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ [الأنفال: ٧٥] الآيَةَ.
أقُولُ: عَلى ما ذُكِرَ تَكُونُ الآيَةُ مُحْكَمَةً في صَدْرِ الإسْلامِ مَنسُوخَةً بَعْدَهُ.
وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ فِيها، وهو أنَّها ناسِخَةٌ لِمِيراثِ الحَلِيفِ بِتَأْوِيلٍ آخَرَ، وهو ما رَواهُ البُخارِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رِضى اللَّهِ عَنْهُما - قالَ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ ورَثَةً ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ كانَ المُهاجِرُونَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهاجِرِيُّ الأنْصارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ نُسِخَتْ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مِنَ النَّصْرِ والرِّفادَةِ والنَّصِيحَةِ، وقَدْ ذَهَبَ المِيراثُ ويُوصى لَهُ.
وقَدْ فَهَمَ بَعْضُهم مِن هَذا الأثَرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتِ الحِلْفَ في المُسْتَقْبَلِ، وحُكْمَ الحِلْفِ الماضِي أيْضًا، وأنَّهُ لا تَوارُثَ بِهِ، والصَّحِيحُ ما أسْلَفْناهُ مِن ثُبُوتِ التَّوارُثِ بِالحِلْفِ السّابِقِ عَلى نُزُولِ الآيَةِ في ابْتِداءِ الإسْلامِ، كَما حَكاهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وكَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ المُهاجِرِيُّ يَرِثُ الأنْصارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ حَتّى نُسِخَ ذَلِكَ.
وقَدْ حاوَلَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "فَتْحِ البارِي" الجَمْعَ بَيْنَ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ ورِوايَةَ (p-١٢١٦)البُخارِيِّ بِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ النَّسْخُ وقَعَ مَرَّتَيْنِ:
الأُولى: حَيْثُ كانَ المُعاقِدُ يَرِثُ وحْدَهُ دُونَ العَصَبَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا﴾ فَصارُوا جَمِيعًا يَرِثُونَ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ آيَةُ الأحْزابِ وخُصَّ المِيراثُ بِالعَصَبَةِ، وبَقِيَ لِلْمُعاقِدِ النَّصْرُ والإرْفادُ ونَحْوُهُما، واللَّهُ أعْلَمُ.
هَذا وثَمَّةَ رِواياتٌ أُخَرُ في سَبَبِ نُزُولِها:
مِنها: ما رَوى أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ عَلى أُمِّ سَعْدٍ بِنْتِ الرَّبِيعِ - وكانَتْ يَتِيمَةً في حِجْرِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَرَأْتُ: (والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ) فَقالَتْ: لا تَقْرَأْ هَكَذا ولَكِنْ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ إنَّما نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - حِينَ أبى الإسْلامَ، فَحَلَفَ أبُو بَكْرٍ لا يُوَرِّثُهُ، فَلَمّا أسْلَمَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يُوَرِّثَهُ نَصِيبَهُ.
ومِنها ما رَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الَّذِينَ كانُوا يَتَبَنَّوْنَ رِجالًا غَيْرَ أبْنائِهِمْ ويُوَرِّثُونَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ، فَجَعَلَ لَهم نَصِيبًا في الوَصِيَّةِ، ورَدَّ المِيراثَ إلى المَوالِي في ذَوِي الرَّحِمِ والعَصَبَةِ، وأبى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِلْمُدَّعَيْنَ مِيراثًا مِمَّنِ ادَّعاهم وتَبَنّاهُمْ، ولَكِنْ جَعَلَ لَهم نَصِيبًا في الوَصِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ السَّلَفِيَّةَ المَرْوِيَّةَ في نُزُولِ الآيَةِ كُلَّها مِمّا تَصْدُقُ عَلَيْها الآيَةُ وتَشْمَلُها ويَنْطَبِقُ حُكْمُها عَلَيْها، ولا تَنافِيَ بَيْنَها؛ لِما أسْلَفْناهُ في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ، فَراجِعْها ولا تَغْفُلْ عَنْها.
هَذا، ولِأبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ تَأْوِيلٌ آخَرُ في الآيَةِ، قالَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم مَوالِي، ورَثَةٌ ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ أيْ: فَآتُوا المَوالِيَ والوَرَثَةَ نَصِيبَهُمْ، فَقَوْلُهُ: (والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ والمَعْنى: إنَّ ما تَرَكَ الَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم فَلَهُ وارِثٌ هو أوْلى بِهِ، وسَمّى اللَّهُ تَعالى الوارِثَ مَوْلًى، والمَعْنى: لا تَدْفَعُوا المالَ إلى الحَلِيفِ بَلْ إلى المَوْلى والوارِثِ.
(p-١٢١٧)وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: المُرادُ بِـ: (والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ) الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ، والنِّكاحُ يُسَمّى عَقْدًا، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] [البَقَرَةِ: ٢٣٥] فَذَكَرَ تَعالى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ وذَكَرَ مَعَهُمُ الزَّوْجَ والزَّوْجَةَ، ونَظِيرُهُ آيَةُ المَوارِيثِ في أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ مِيراثَ الوَلَدِ والوالِدَيْنِ ذَكَرَ مَعَهم مِيراثَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ.
أقُولُ: هَذا التَّأْوِيلُ المَذْكُورُ وما قَبْلَهُ طَرِيقَةُ مَن لا يَقِفُ مَعَ الآثارِ السَّلَفِيَّةِ في التَّفْسِيرِ، ويَرى مُزاحَمَتَهم في الِاجْتِهادِ في ذَلِكَ؛ ذَهابًا إلى أنَّ ما لَمْ يَتَواتَرْ في مَعْنى الآيَةِ مِن خَبَرٍ أوْ إجْماعٍ فَلا حُجَّةَ في المَرْوِيِّ مِنهُ آحادًا، مَرْفُوعًا أوْ مَوْقُوفًا، وإنْ صَحَّ، وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ سَبِيلُ طائِفَةٍ قَصَّرَتْ في عِلْمِ السَّمْعِ وأقَلَّتِ البَحْثَ عَنْهُ، فَنَشَأ مِن ذَلِكَ النَّقْصُ مِنَ الدِّينِ والزِّيادَةُ فِيهِ بِالرَّأْيِ المَحْضِ.
ومَذْهَبُنا: أنْ لا غِنى عَنِ الرُّجُوعِ إلى تَفْسِيرِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لِما ثَبَتَ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولِأنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى لُغَتِهِمْ، فالغَلَطُ أبْعَدُ عَنْهم مِن غَيْرِهِمْ، لا سِيَّما تَفْسِيرُ حَبْرِ الأُمَّةِ وبَحْرِها عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فَمَتى صَحَّ الإسْنادُ إلَيْهِ كانَ تَفْسِيرُهُ مِن أصَحِّ التَّفاسِيرِ، مُقَدَّمًا عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأئِمَّةِ الجَماهِيرِ؛ لِوُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
مِنها: أنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ لا يَسْتَحِلُّ التَّأْوِيلَ بِالرَّأْيِ، رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مَن قالَ في القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ، وفي رِوايَةٍ (بِغَيْرِ عِلْمٍ) رَواهُ أبُو داوُدَ في العِلْمِ، والنَّسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ.
فَإذا جَزَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأمْرٍ كانَ دَلِيلًا عَلى رَفْعِهِ، كَما أسْلَفْنا في المُقَدِّمَةِ.
(p-١٢١٨)﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإيتاءُ والمَنعُ ﴿شَهِيدًا﴾ أيْ: عالِمًا، فَفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
النساء 4:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [٣٤]
﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ جَمْعُ قَوّامٍ، وهو القائِمُ بِالمَصالِحِ والتَّدْبِيرِ والتَّأْدِيبِ، أيْ: مُسَلَّطُونَ عَلى أدَبِ النِّساءِ يَقُومُونَ عَلَيْهِنَّ، آمِرِينَ ناهِينَ، قِيامَ الوُلاةِ عَلى الرَّعِيَّةِ، وذَلِكَ لِأمْرَيْنِ: وهْبِيٍّ وكَسْبِيٍّ.
أشارَ لِلْأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ والضَّمِيرُ لِلرِّجالِ والنِّساءِ جَمِيعًا، يَعْنِي إنَّما كانُوا مُسَيْطِرِينَ عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ تَفْضِيلِ اللَّهِ بَعْضَهم - وهُمُ الرِّجالُ - عَلى بَعْضٍ، وهُمُ النِّساءُ.
وقَدْ ذَكَرُوا في فَضْلِ الرِّجالِ: العَقْلَ والحَزْمَ والعَزْمَ والقُوَّةَ والفُرُوسِيَّةَ والرَّمْيَ، وإنَّ مِنهُمُ الأنْبِياءَ، وفِيهِمُ الإمامَةُ الكُبْرى والصُّغْرى، والجِهادُ، والأذانُ، والخُطْبَةُ، والشَّهادَةُ في مَجامِعِ القَضايا، والوِلايَةُ في النِّكاحِ والطَّلاقِ والرَّجْعَةِ، وعَدَدُ الأزْواجِ وزِيادَةُ السَّهْمِ، والتَّعْصِيبُ، وهم أصْحابُ اللِّحى والعَمائِمِ، والكامِلُ بِنَفْسِهِ لَهُ حَقُّ الوِلايَةِ عَلى النّاقِصِ.
وأشارَ لِلثّانِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ في مُهُورِهِنَّ ونَفَقاتِهِنَّ فَصِرْنَ كالأرِقّاءِ، ولِكَوْنِ القَوّامِينَ في مَعْنى السّاداتِ وجَبَتْ عَلَيْهِنَّ طاعَتُهُمْ، كَما يَجِبُ عَلى العَبِيدِ طاعَةُ السّاداتِ.
ورَوى ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِامْرَأةٍ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ زَوَّجَها فُلانُ بْنُ فُلانٍ الأنْصارِيُّ، وإنَّهُ ضَرَبَها فَأثَّرَ في وجْهِها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ (p-١٢١٩)فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ في الأدَبِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أرَدْتُ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ غَيْرَهُ» ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مُرْسَلًا مِن طُرُقٍ.
قالَ السُّيُوطِيُّ: وشَواهِدُهُ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَعْنِي أُمَراءَ عَلَيْهِنَّ، أيْ: تُطِيعُهُ فِيما أمَرَها اللَّهُ بِهِ مِن طاعَةٍ، وطاعَتُهُ أنْ تَكُونَ مُحْسِنَةً لِأهْلِهِ حافِظَةً لِمالِهِ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها» .
﴿فالصّالِحاتُ﴾ أيْ: مِنَ النِّساءِ ﴿قانِتاتٌ﴾ أيْ: مُطِيعاتٌ لِلَّهِ في أزْواجِهِنَّ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَيْبُ خِلافُ الشَّهادَةِ، أيْ: حافِظاتٌ لِمُواجِبِ الغَيْبِ، إذا كانَ الأزْواجُ غَيْرَ شاهِدِينَ لَهُنَّ حَفِظْنَ ما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ حِفْظُهُ في حالِ الغَيْبَةِ، مِنَ الفُرُوجِ والأمْوالِ والبُيُوتِ ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاهُنَّ وعِصْمَتِهِنَّ بِالتَّوْفِيقِ لِحِفْظِ الغَيْبِ، فالمَحْفُوظُ مَن حَفِظَهُ اللَّهُ، أيْ: لا يَتَيَسَّرُ لَهُنَّ حِفْظٌ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، أوِ المَعْنى: بِما حَفِظَ اللَّهُ لَهُنَّ مِن إيجابِ حُقُوقِهِنَّ عَلى الرِّجالِ، أيْ: عَلَيْهِنَّ أنْ يَحْفَظْنَ حُقُوقَ الزَّوْجِ في مُقابَلَةِ ما حَفِظَ اللَّهُ حُقُوقَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، حَيْثُ أمَرَهم بِالعَدْلِ عَلَيْهِنَّ وإمْساكِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ وإعْطائِهِنَّ أُجُورَهُنَّ، فَقَوْلُهُ: بِما حَفِظَ اللَّهُ يَجْرِي مَجْرى ما يُقالُ: هَذا بِذاكَ، أيْ: في مُقابَلَتِهِ.
وجَعَلَ المَهايِمِيُّ الباءَ لِلِاسْتِعانَةِ حَيْثُ قالَ: مُسْتَعِيناتٌ بِحِفْظِهِ؛ مَخافَةَ أنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِنَّ نُفُوسُهُنَّ، وإنْ بَلَغْنَ مِنَ الصَّلاحِ ما بَلَغْنَ، انْتَهى.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «خَيْرُ النِّساءِ امْرَأةٌ إذا نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ، وإذا أمَرْتَها أطاعَتْكَ، وإذا غِبْتَ حَفِظَتْكَ في نَفْسِها ومالِكَ، قالَ: ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ إلى آخِرِها» .
(p-١٢٢٠)ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا صَلَّتِ المَرْأةُ خَمْسَها وصامَتْ شَهْرَها وحَفِظَتْ فَرْجَها وأطاعَتْ زَوْجَها قِيلَ لَها: ادْخُلِي الجَنَّةَ مِن أيِّ الأبْوابِ شِئْتِ» .
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ إنَّ الزَّوْجَ يَقُومُ بِتَرْبِيَةِ زَوْجَتِهِ وتَأْدِيبِها ومَنعِها مِنَ الخُرُوجِ، وإنَّ عَلَيْها طاعَتَهُ إلّا في مَعْصِيَةٍ، وإنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ ما يَجِبُ لَها عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ، فَفَهَمَ العُلَماءُ مِن هَذا أنَّهُ مَتى عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِها لَمْ يَكُنْ قَوّامًا عَلَيْها، وسَقَطَ ما لَهُ مِن مَنعِها مِنَ الخُرُوجِ.
واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَن أجازَ لَها الفَسْخَ حِينَئِذٍ، ولِأنَّهُ إذا خَرَجَ مِن كَوْنِهِ قَوّامًا عَلَيْها فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الغَرَضِ المَقْصُودِ بِالنِّكاحِ.
واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن جَعَلَ لِلزَّوْجِ الحَجْرَ عَلى زَوْجَتِهِ في نَفْسِها ومالِها، فَلا تَتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ، لِأنَّهُ جَعَلَهُ (قَوّامًا) بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ، وهو النّاظِرُ في الشَّيْءِ الحافِظُ لَهُ.
واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ المَرْأةَ لا تَجُوزُ أنْ تَلِيَ القَضاءَ كالإمامَةِ العُظْمى؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الرِّجالَ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ يُجِزْ أنْ يَقُمْنَ عَلى الرِّجالِ، انْتَهى.
﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أيْ: عِصْيانَهُنَّ وسُوءَ عِشْرَتِهِنَّ وتَرَفُّعَهُنَّ عَنْ مُطاوَعَتِكُمْ، مِنَ (النَّشْزِ) وهو ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ يُقالُ: نَشَزَتِ المَرْأةُ بِزَوْجِها وعَلى زَوْجِها: اسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ، وارْتَفَعَتْ عَلَيْهِ وأبْغَضَتْهُ، وخَرَجَتْ عَنْ طاعَتِهِ.
﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ أيْ: خَوِّفُوهُنَّ بِالقَوْلِ، كاتَّقِي اللَّهَ، واعْلَمِي أنَّ طاعَتَكِ لِي فَرْضٌ عَلَيْكِ، واحْذَرِي عِقابَ اللَّهِ في عِصْيانِي، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أوْجَبَ حَقَّ الزَّوْجِ عَلَيْها وطاعَتَهُ، وحَرَّمَ عَلَيْها مَعْصِيَتَهُ؛ لِما لَهُ عَلَيْها مِنَ الفَضْلِ والإفْضالِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، والإمامُ أحْمَدَ (p-١٢٢١)عَنْ مُعاذٍ، والحاكِمُ عَنْ بُرَيْدَةَ.
ورَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إلى فِراشِهِ فَأبَتْ، فَباتَ غَضْبانَ عَلَيْها، لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ» .
ورَواهُ مُسْلِمٌ، ولَفْظُهُ: «إذا باتَتِ المَرْأةُ هاجِرَةً فِراشَ زَوْجِها لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ» .
﴿واهْجُرُوهُنَّ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَنْفَعِ الوَعْظُ والنَّصِيحَةُ ﴿فِي المَضاجِعِ﴾ أيِ: المَراقِدِ فَلا تُدْخِلُوهُنَّ تَحْتَ اللُّحُفِ ولا تُباشِرُوهُنَّ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ الجِماعِ.
قالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ البَصْرِيُّ: يَعْنِي النِّكاحَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الهَجْرُ هو أنْ لا يُجامِعَها، ويُضاجِعَها عَلى فِراشِها، ويُوَلِّيَها ظَهْرَهُ، وكَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ.
وزادَ آخَرُونَ مِنهُمُ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ عَبّاسٍ (فِي رِوايَةٍ): ولا يُكَلِّمُها مَعَ ذَلِكَ ولا يُحَدِّثُها، وقِيلَ: المَضاجِعُ المَبايِتُ، أيْ: لا تُبايِتُوهُنَّ.
وفِي السُّنَنِ والمُسْنَدِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ القُشَيْرِيِّ «أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: ما حَقُّ زَوْجَةِ أحَدِنا عَلَيْهِ؟ قالَ: أنْ تُطْعِمَها إذا طَعِمْتَ، وتَكْسُوَها إذا اكْتَسَيْتَ، ولا تَضْرِبِ الوَجْهَ، ولا تُقَبِّحْ، ولا تَهْجُرْ إلّا في البَيْتِ».
﴿واضْرِبُوهُنَّ﴾ - إنْ لَمْ يَنْجَعْ ما فَعَلْتُمْ مِنَ العِظَةِ والهِجْرانِ - ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ أيْ: شَدِيدٍ ولا شاقٍّ، كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قالَ في حَجَّةِ الوَداعِ: واتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ، (p-١٢٢٢)فَإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ، ولَكم عَلَيْهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإنْ فَعَلْنَ فاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» .
قالَ الفُقَهاءُ: هو أنْ لا يَجْرَحَها، ولا يَكْسِرَ لَها عَظْمًا، ولا يُؤَثِّرَ شَيْنًا، ويَجْتَنِبَ الوَجْهَ؛ لِأنَّهُ مَجْمَعُ المَحاسِنِ، ويَكُونَ مُفَرَّقًا عَلى بَدَنِها، ولا يُوالِيَ بِهِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ لِئَلّا يَعْظُمَ ضَرَرُهُ.
ومِنهم مَن قالَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الضَّرْبُ بِمِندِيلٍ مَلْفُوفٍ، أوْ بِيَدِهِ! لا بِسَوْطٍ ولا عَصًا، قالَ عَطاءٌ: ضَرْبٌ بِالسِّواكِ.
قالَ الرّازِيُّ: وبِالجُمْلَةِ، فالتَّخْفِيفُ مُراعًى في هَذا البابِ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ بِالوَعْظِ، ثُمَّ تَرَقّى مِنهُ إلى الهِجْرانِ في المَضاجِعِ، ثُمَّ تَرَقّى مِنهُ إلى الضَّرْبِ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ - يَجْرِي مَجْرى التَّصْرِيحِ - في أنَّهُ مَهْما حَصَلَ الغَرَضُ بِالطَّرِيقِ الأخَفِّ وجَبَ الِاكْتِفاءُ بِهِ، ولَمْ يَجُزِ الإقْدامُ عَلى الطَّرِيقِ الأشَقِّ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ مَن قالَ: حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ مَشْرُوعٌ عَلى التَّرْتِيبِ، فَإنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ - وإنْ دَلَّ عَلى الجَمْعِ - إلّا أنَّ فَحْوى الآيَةِ يَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ.
قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَهْجُرُها في المَضْجَعِ، فَإنْ أقْبَلَتْ وإلّا فَقَدَ أذِنَ اللَّهُ لَكَ أنْ تَضْرِبَها ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، ولا تَكْسِرَ لَها عَظْمًا، فَإنْ أقْبَلْتَ وإلّا فَقَدَ أحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِنها الفِدْيَةَ.
وقالَ آخَرُونَ: هَذا التَّرْتِيبُ مُراعًى عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ، أمّا عِنْدَ تَحَقُّقِهِ فَلا بَأْسَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الكُلِّ.
وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «عَلِّقُوا السَّوْطَ حَيْثُ يَراهُ أهْلُ البَيْتِ، فَإنَّهُ آدَبُ لَهم» رَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ أيْ: إذا رَجَعْنَ عَنِ النُّشُوزِ عِنْدَ هَذا التَّأْدِيبِ إلى الطّاعَةِ في جَمِيعِ ما يُرادُ مِنهُنَّ مِمّا أباحَهُ اللَّهُ مِنهُنَّ، فَلا سَبِيلَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّوْبِيخِ والأذِيَّةِ بِالضَّرْبِ والهِجْرانِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ فاحْذَرُوهُ، تَهْدِيدٌ لِلْأزْواجِ عَلى ظُلْمِ النِّسْوانِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ، فَإنَّهُنَّ - وإنْ ضَعُفْنَ عَنْ دَفْعِ ظُلْمِكُمْ، وعَجَزْنَ عَنِ الِانْتِصافِ مِنكم - فاللَّهُ سُبْحانَهُ عَلِيٌّ قاهِرٌ كَبِيرٌ قادِرٌ، يَنْتَقِمُ مِمَّنْ ظَلَمَهُنَّ وبَغى عَلَيْهِنَّ، فَلا تَغْتَرُّوا بِكَوْنِكم أعْلى يَدًا مِنهُنَّ وأكْبَرَ دَرَجَةً (p-١٢٢٣)مِنهُنَّ، فَإنَّ اللَّهَ أعْلى مِنكم وأقْدَرُ مِنكم عَلَيْهِنَّ، فَخَتْمُ الآيَةِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ فِيهِ تَمامُ المُناسَبَةِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حُكْمَ النُّفُورِ والنُّشُوزِ مِنَ الزَّوْجَةِ ذَكَرَ ما إذا كانَ النُّفُورُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِقَوْلِهِ:
النساء 4:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [٣٥]
﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ أصْلُهُ شِقاقًا بَيْنَهُما فَأُضِيفَ الشِّقاقُ إلى الظَّرْفِ، إمّا عَلى إجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ اتِّساعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] [سَبَأٍ: ٣٣] أصْلُهُ بَلْ مَكْرٌ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، أوْ مَجْرى الفاعِلِ بِجَعْلِ البَيْنِ مُشاقًّا واللَّيْلِ والنَّهارِ ماكِرَيْنِ، كَما في قَوْلِكَ: نَهارُكَ صائِمٌ، والضَّمِيرُ لِلزَّوْجَيْنِ، ولَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما لِجَرْيِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِما، وهو الرِّجالُ والنِّساءُ، أيْ: إنْ عَلِمْتُمْ مُخالَفَةً مُفَرِّقَةً بَيْنَهُما، واشْتَبَهَ عَلَيْكم أنَّهُ مِن جِهَتِهِ أوْ مِن جِهَتِها، ولا يَفْعَلُ الزَّوْجُ الصُّلْحَ ولا الصَّفْحَ ولا الفُرْقَةَ، ولا تُؤَدِّي المَرْأةُ الحَقَّ ولا الفِدْيَةَ ﴿فابْعَثُوا﴾ أيْ: إلى الزَّوْجَيْنِ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ وتَبَيُّنِ الأمْرِ ﴿حَكَمًا﴾ رَجُلًا صالِحًا لِلْحُكُومَةِ والإصْلاحِ ومَنعِ الظّالِمِ مِنَ الظُّلْمِ ﴿مِن أهْلِهِ﴾ أيْ: أقارِبِ الزَّوْجِ: ﴿وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ عَلى صِفَةِ الأوَّلِ، فَإنَّ الأقارِبَ أعْرَفُ بِبَواطِنِ الأحْوالِ، وأطْلَبُ لِلْإصْلاحِ، فَيَلْزَمُهُما أنْ يَخْلُوا ويَسْتَكْشِفا حَقِيقَةَ الحالِ فَيَعْرِفا أنَّ رَغْبَتَهُما في الإقامَةِ أوِ الفُرْقَةِ ﴿إنْ يُرِيدا﴾ أيِ: الحَكَمانِ ﴿إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ أيْ: يُوقِعْ بَيْنَهُما المُوافَقَةَ فَيَتَّفِقانِ عَلى الكَلِمَةِ الواحِدَةِ ويَتَسانَدانِ في طَلَبِ الوِفاقِ حَتّى يَحْصُلَ الغَرَضُ ويَتِمَّ المُرادُ، أوِ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْحَكَمَيْنِ، والثّانِي لِلزَّوْجَيْنِ، أيْ: إنْ قَصْدا (p-١٢٢٤)إصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ وكانَتْ نِيَّتُهُما صَحِيحَةً وقُلُوبُهُما ناصِحَةً لِوَجْهِ اللَّهِ، بُورِكَ في وساطَتِهِما، وأوْقَعَ اللَّهُ بِحُسْنِ سَعْيِهِما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الوِفاقَ والأُلْفَةَ، وألْقى في نُفُوسِهِما المَوَدَّةَ والرَّحْمَةَ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ بِظَواهِرِ الحَكَمَيْنِ وبَواطِنِهِما، إنْ قَصَدا إفْسادًا يُجازِيهِما عَلَيْهِ، وإلّا يُجازِيهِما عَلى الإصْلاحِ.
رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَبْعَثُوا رَجُلًا صالِحًا مِن أهْلِ الرَّجُلِ، ومِثْلَهُ مِن أهْلِ المَرْأةِ، فَيَنْظُرانِ أيُّهُما المُسِيءُ، فَإنْ كانَ الرَّجُلُ هو المُسِيءَ حَجَبُوا عَنْهُ امْرَأتَهُ وقَصَرُوهُ عَلى النَّفَقَةِ، وإنْ كانَتِ المَرْأةُ هي المُسِيئَةَ قَصَرُوها عَلى زَوْجِها، ومَنَعُوها النَّفَقَةَ، فَإنِ اجْتَمَعَ رَأْيُهُما عَلى أنْ يُفَرِّقا أوْ يَجْمَعا فَأمْرُهُما جائِزٌ، فَإنْ رَأيا أنْ يَجْمَعا فَرَضِيَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ وكَرِهَ الآخَرُ ثُمَّ ماتَ أحَدُهُما فَإنَّ الَّذِي رَضِيَ يَرِثُ الَّذِي لَمْ يَرْضَ، ولا يَرِثِ الكارِهُ الرّاضِيَ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ في (مُصَنَّفِهِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بُعِثْتُ أنا ومُعاوِيَةُ حَكَمَيْنِ، قالَ مَعْمَرٌ: بَلَغَنِي أنَّ عُثْمانَ بَعَثَهُما، وقالَ لَهُما: إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا جَمَعْتُما، وإنْ رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا فَفَرِّقا.
(وأُسْنِدَ) عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ عَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ تَزَوَّجَ فاطِمَةَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقالَتْ: تَصِيرُ إلَيَّ وأُنْفِقُ عَلَيْكَ، فَكانَ إذا دَخَلَ عَلَيْها، قالَتْ: أيْنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ؟ فَقالَ: عَلى يَسارِكِ في النّارِ إذا دَخَلْتِ، فَشَدَّتْ عَلَيْها ثِيابَها، فَجاءَتْ عُثْمانَ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ فَضَحِكَ، فَأرْسَلَ ابْنَ عَبّاسٍ ومُعاوِيَةَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَأُفَرِّقَنَّ بَيْنَهُما، فَقالَ مُعاوِيَةُ: ما كُنْتُ لِأُفَرِّقَ بَيْنَ شَخْصَيْنِ مِن بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَأتَياهُما فَوَجَداهُما قَدْ أغْلَقا عَلَيْهِما أبْوابَهُما، فَرَجَعا.
(p-١٢٢٥)(وأُسْنِدَ) عَنْ عُبَيْدَةَ قالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا وجاءَتْهُ امْرَأةٌ وزَوْجُها مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فِئامٌ مِنَ النّاسِ، فَأخْرَجَ هَؤُلاءِ حَكَمًا وهَؤُلاءِ حَكَمًا، فَقالَ عَلِيٌّ لِلْحَكَمَيْنِ: أتَدْرِيانِ ما عَلَيْكُما؟ إنَّ عَلَيْكُما إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا جَمَعْتُما، فَقالَتِ المَرْأةُ: رَضِيتُ بِكِتابِ اللَّهِ لِيَّ وعَلَيَّ، وقالَ الزَّوْجُ: أمّا الفُرْقَةُ فَلا، فَقالَ عَلِيٌّ: كَذَبْتَ واللَّهِ! لا تَبْرَحُ حَتّى تَرْضى بِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَكَ وعَلَيْكَ. ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ جَرِيرٍ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الحَكَمَيْنِ لَهُما الجَمْعُ والتَّفْرِقَةُ، حَتّى قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: إنْ شاءَ الحَكَمانِ أنْ يُفَرِّقا بَيْنَهُما بِطَلْقَةٍ أوْ بِطَلْقَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَعَلا، وهو رِوايَةٌ عَنْ مالِكٍ.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: الحَكَمانِ يَحْكُمانِ في الجَمْعِ لا في التَّفْرِقَةِ، وكَذا قالَ قَتادَةُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وداوُدُ، ومَأْخَذُهم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ ولَمْ يَذْكُرِ التَّفْرِيقَ، وأمّا إذا كانا وكِيلَيْنِ مِن جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ فَإنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُما في الجَمْعِ والتَّفْرِقَةِ بِلا خِلافٍ، انْتَهى.
وفِي "الإكْلِيلِ": أخْرَجَ ابْنُ مَنصُورٍ أنَّ المَأْمُورَ بِالبَعْثِ الحُكّامُ.
وعَنِ السُّدِّيِّ: إنَّهُ الزَّوْجانِ، فَعَلى الأوَّلِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ: إنَّهُما مُوَلَّيانِ مِنَ الحاكِمِ، فَلا يُشْتَرَطُ رِضا الزَّوْجَيْنِ عَمّا يَفْعَلانِهِ مِن طَلاقٍ وغَيْرِهِ، وعَلى الثّانِي اسْتَدَلَّ مَن قالَ: إنَّهُما وكِيلانِ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، فَيُشْتَرَطُ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ - أعْنِي أنَّهُما مَنصُوبانِ مِن جِهَةِ الحاكِمِ - لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا حَكَمًا﴾ إلَخْ، فَسَمّاهُما حَكَمَيْنِ، ومِن شَأْنِ الحَكَمِ أنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ رِضا المَحْكُومِ عَلَيْهِ وهَذا ظاهِرُ الآيَةِ.
وذَهَبَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ إلى الثّانِي؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلزَّوْجِ (حِينَ قالَ: أمّا الفُرْقَةُ فَلا) فَقالَ: كَذَبْتَ، حَتّى تُقِرَّ بِما أقَرَّتْ بِهِ.
قالُوا: فَلَوْ كانا حَكَمَيْنِ لَما افْتَقَرَ إلى إقْرارِ الزَّوْجِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وفِي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن أصْلَحَ نِيَّتَهُ فِيما يَتَوَخّاهُ، وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُبْتَغاهُ.
* *
(p-١٢٢٦)تَنْبِيهٌ:
قالَ الحاكِمُ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن خافَ فُرْقَةً وفِتْنَةً جازَ لَهُ بَعْثُ الحَكَمَيْنِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِها أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى الخَوارِجِ فِيما فَعَلَ مِنَ التَّحْكِيمِ، قالَ مَشايِخُ المُعْتَزِلَةِ: لِأنَّ المَصاحِفَ لَمّا رُفِعَتْ، فَظَهَرَتِ الفُرْقَةُ في عَسْكَرِهِ، وخافَ عَلى نَفْسِهِ جازَتِ المُحاكَمَةُ، بَلْ وجَبَتْ، ولِهَذا صالَحَ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ صُلْحُ الحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
النساء 4:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا فَخُورًا﴾ [٣٦]
﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ يَأْمُرُ تَعالى بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ وبِالإخْلاصِ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] [البَيِّنَةِ: ٥] لِأنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ الرّازِقُ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ عَلى خَلْقِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ والحالاتِ، فَهو المُسْتَحِقُّ مِنهم أنْ يُوَحِّدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الشِّرْكِ الجَلِيِّ والخَفِيِّ لِلنَّفْسِ وشَهَواتِها، وما يُتَوَصَّلُ بِها إلَيْها مِنَ المالِ والجاهِ، وهَذِهِ العِبادَةُ حَقُّ اللَّهِ عَلَيْنا.
كَما في الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: يا مُعاذُ، هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلى (p-١٢٢٧)العِبادِ، وما حَقُّ العِبادِ عَلى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وحَقُّ العِبادِ عَلى اللَّهِ أنْ لا يُعَذِّبَ مَن لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» .
ثُمَّ أوْصى سُبْحانَهُ بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ إثْرَ تَصْدِيرِ ما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ - الَّتِي هي آكَدُ الحُقُوقِ وأعْظَمُها - تَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ شَأْنِ الوالِدَيْنِ بِنَظْمِها في سِلْكِها بِقَوْلِهِ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وقَدْ كَثُرَتْ مَواقِعُ هَذا النَّظْمِ في التَّنْزِيلِ العَزِيزِ كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] [لُقْمانَ: ١٤] ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسْراءِ: ٢٣] أيْ: أحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا يَفِي بِحَقِّ تَرْبِيَتِهِما، فَإنَّ شُكْرَهُما يَدْعُو إلى شُكْرِ اللَّهِ المُقَرِّبِ إلَيْهِ، مَعَ ما فِيهِ مِن صِلَةِ أقْرَبِ الأقارِبِ المُوجِبِ لِوَصْلَةِ اللَّهِ، وقَطْعِها لِقَطْعِهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى الإحْسانِ إلَيْهِما الإحْسانَ إلى القِراباتِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وبِذِي القُرْبى﴾ أيِ: الأقارِبِ، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، عَنْ سَلْمانَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وهي عَلى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتانِ: صِلَةٌ وصَدَقَةٌ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ (p-١٢٢٨)والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وابْنُ ماجَهْ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واليَتامى﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم فَقَدُوا مَن يَقُومُ بِمَصالِحِهِمْ ومَن يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، فَأمَرَ اللَّهُ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ والحُنُوِّ عَلَيْهِمْ؛ تَنَزُّلًا لِرَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿والمَساكِينِ﴾ وهُمُ المَحاوِيجُ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يَقُومُ بِكِفايَتِهِمْ، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِمُساعَدَتِهِمْ بِما تَتِمُّ بِهِ كِفايَتُهُمْ، وتَزُولُ بِهِ ضَرُورَتُهم ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ أيِ: الَّذِي قَرُبَ جِوارُهُ، أوِ الَّذِي لَهُ مَعَ الجِوارِ قُرْبٌ واتِّصالٌ بِنَسَبٍ أوْ دِينٍ ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ أيِ: الَّذِي جِوارُهُ بَعِيدٌ، أوِ الأجْنَبِيُّ، وقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: (الجارِ ذِي القُرْبى) يَعْنِي الجارَ المُسْلِمَ (والجارِ الجُنُبِ): يَعْنِي اليَهُودِيَّ والنَّصْرانِيَّ.
وقَدْ ورَدَ في الوَصِيَّةِ بِالجارِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها قَوْلُهُ ﷺ: «ما زالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجارِ حَتّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» أخْرَجاهُ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
ومِنها ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «خَيْرُ الأصْحابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهم لِصاحِبِهِ، وخَيْرُ الجِيرانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهم لِجارِهِ» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَشْبَعُ الرَّجُلُ دُونَ جارِهِ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ.
وعَنِ المِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ: ما تَقُولُونَ في الزِّنا؟ قالُوا: حَرَّمَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَهو حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ: لَأنْ يَزْنِيَ (p-١٢٢٩)الرَّجُلُ بِعَشَرَةِ نِسْوَةٍ أيْسَرُ عَلَيْهِ مِن أنْ يَزْنِيَ بِامْرَأةِ جارِهِ.
قالَ: فَقالَ: ما تَقُولُونَ في السَّرِقَةِ؟ قالُوا حَرَّمَها اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَهي حَرامٌ، قالَ: لَأنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِن عَشَرَةِ أبْياتٍ أيْسَرُ عَلَيْهِ مِن أنْ يَسْرِقَ مِن جارِهِ».
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ، ولَهُ شاهِدٌ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قالَ: «سَألْتُ - أوْ سُئِلَ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أكْبَرُ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: ثُمَّ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ أبِي العالِيَةِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ: «خَرَجْتُ مِن أهْلِي أُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ، فَإذا أنا بِهِ قائِمٌ، ورَجُلٌ مَعَهُ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ، فَظَنَنْتُ أنَّ لَهُما حاجَةً، قالَ: فَقالَ الأنْصارِيُّ: واللَّهِ لَقَدْ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى جَعَلْتُ أرْثِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طُولِ القِيامِ، فَلَمّا انْصَرَفَ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدْ قامَ بِكَ الرَّجُلُ حَتّى جَعَلْتُ أرْثِي لَكَ مِن طُولِ القِيامِ، قالَ: ولَقَدْ رَأيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أتَدْرِي مَن هُوَ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ذاكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ما زالَ يُوصِينِي بِالجارِ حَتّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ثُمَّ قالَ: أما إنَّكَ لَوْ سَلَّمْتَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْكَ السَّلامَ» .
ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ العَوالِي ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ وجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُصَلِّيانِ حَيْثُ يُصَلّى عَلى الجَنائِزِ، فَلَمّا انْصَرَفَ، قالَ الرَّجُلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هَذا الرَّجُلُ الَّذِي رَأيْتُ يُصَلِّي مَعَكَ؟ قالَ: وقَدْ رَأيْتَهُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: لَقَدْ رَأيْتَ خَيْرًا كَثِيرًا، هَذا جِبْرِيلُ ما زالَ يُوصِينِي بِالجارِ حَتّى رَأيْتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ مِن هَذا الوَجْهِ وهو شاهِدٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ.
(p-١٢٣٠)ورَوى البَزّارُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الجِيرانُ ثَلاثَةٌ: جارٌ لَهُ حَقٌّ واحِدٌ، وهو أدْنى الجِيرانِ حَقًّا، وجارٌ لَهُ حَقّانِ، وجارٌ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ وهو أفْضَلُ الجِيرانِ حَقًّا.
فَأمّا الجارُ الَّذِي لَهُ حَقٌّ واحِدٌ: فَجارٌ مُشْرِكٌ لا رَحِمَ لَهُ، لَهُ حَقٌّ.
وأمّا الجارُ الَّذِي لَهُ حَقّانِ فَجارٌ مُسْلِمٌ لَهُ حَقُّ الإسْلامِ وحَقُّ الجِوارِ.
وأمّا الَّذِي لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ: فَجارٌ مُسْلِمٌ ذُو رَحِمٍ لَهُ حَقُّ الجِوارِ، وحَقُّ الإسْلامِ، وحَقُّ الرَّحِمِ» .
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ لِي جارَيْنِ فَإلى أيِّهِما أُهْدِي؟ قالَ: إلى أقْرَبِهِما مِنكِ بابًا» .
ورَوى الإمامُ مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا أبا ذَرٍّ! إذا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأكْثِرْ ماءَها، وتَعاهَدْ جِيرانَكَ» .
وفِي رِوايَةٍ قالَ: «إذا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأكْثِرْ ماءَها، ثُمَّ انْظُرْ إلى أهْلَ بَيْتٍ مِن جِيرانِكَ، فَأصِبْهم مِنها بِمَعْرُوفٍ» .
ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ قِيلَ: ومَن يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: الَّذِي لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ» .
ولِمُسْلِمٍ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ» .
والبَوائِقُ: الغَوائِلُ والشُّرُورُ.
(p-١٢٣١)ورَوِيا عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا نِساءَ المُسْلِماتِ، لا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها ولَوْ فِرْسِنَ شاةٍ» .
مَعْناهُ: ولَوْ أنْ تُهْدِيَ لَها فِرْسِنَ شاةٍ، وهو الظِّلْفُ المُحَرَّقُ، وأرادَ بِهِ الشَّيْءَ الحَقِيرَ.
ورَوِيا عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جارَهُ» .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الرَّفِيقُ الصّالِحُ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هو جَلِيسُكَ في الحَضَرِ ورَفِيقُكَ في السَّفَرِ، أيْ: فَإنَّهُ كالجارِ.
وأوْضَحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: هو الَّذِي صَحِبَكَ بِأنْ حَصَلَ بِجَنْبِكَ، إمّا رَفِيقًا في سَفَرٍ وإمّا جارًا مُلاصِقًا، وإمّا شَرِيكًا في تَعَلُّمِ عِلْمٍ أوْ حِرْفَةٍ، وإمّا قاعِدًا إلى جَنْبِكَ في مَجْلِسٍ أوْ مَسْجِدٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِن أدْنى صُحْبَةٍ التَأمَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، فَعَلَيْكَ أنْ تُراعِيَ ذَلِكَ الحَقَّ ولا تَنْساهُ وتَجْعَلَهُ ذَرِيعَةً إلى الإحْسانِ.
ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ قالا: هي المَرْأةُ، أيْ: لِأنَّها تَكُونُ مَعَكَ وتَضْجَعُ إلى جَنْبِكَ.
﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ أيِ: ابْنِ الطَّرِيقِ، أيِ: المُسافِرِ الغَرِيبِ الَّذِي انْقَطَعَ عَنْ بَلَدِهِ وأهْلِهِ، وهو يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلى بَلَدِهِ ولا يَجِدُ ما يَتَبَلَّغُ بِهِ، نُسِبَ إلى السَّبِيلِ الَّذِي هو (p-١٢٣٢)الطَّرِيقُ لِمُرُورِهِ عَلَيْهِ ومُلابَسَتِهِ لَهُ، أوِ الَّذِي يُرِيدُ البَلَدَ غَيْرَ بَلَدِهِ، لِأمْرٍ يَلْزَمُهُ.
وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هو الضَّيْفُ المُنْقَطَعُ بِهِ، يُعْطى قَدْرَ ما يَتَبَلَّغُ بِهِ إلى وطَنِهِ.
وقالَ ابْنُ بِرِّيٍّ: هو الَّذِي أتى بِهِ الطَّرِيقُ، كَذا في "تاجِ العَرُوسِ" ولَمْ يَذْكُرِ السَّلَفُ مِنَ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ اللُّغَةِ (السّائِلَ) في مَعْنى ابْنِ السَّبِيلِ؛ لِأنَّهُ جاءَ تابِعًا لِابْنِ السَّبِيلِ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] - إلى قَوْلِهِ: ﴿وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]
قالَ بَعْضُهم في (ابْنِ السَّبِيلِ):
؎ومَنسُوبٌ إلى ما لَمْ يَلِدْهُ كَذاكَ اللَّهُ نَزَّلَ في الكِتابِ
﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَعْنِي المَمالِيكَ، فَإنَّهم ضُعَفاءُ الحِيلَةِ، أسْرى في أيْدِي النّاسِ كالمَساكِينِ، لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، وقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ يُوصِي أُمَّتَهُ في مَرَضِ المَوْتِ يَقُولُ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، اتَّقُوا اللَّهَ فِيما مَلَكَتْ أيْمانُكم» رَواهُ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وهَذا لَفْظُ أبِي داوُدَ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أطْعَمْتَ نَفْسَكَ فَهو لَكَ صَدَقَةٌ، وما أطْعَمْتَ ولَدَكَ فَهو لَكَ صَدَقَةٌ، وما أطْعَمْتَ زَوْجَكَ فَهو لَكَ صَدَقَةٌ، وما أطْعَمْتَ خادِمَكَ فَهو لَكَ صَدَقَةٌ» ورَواهُ النَّسائِيُّ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ صَحِيحٌ، ولِلَّهِ الحَمْدُ.
«وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أنَّهُ قالَ لِقَهْرَمانٍ لَهُ: هَلْ أعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قالَ: لا، قالَ: فانْطَلِقْ فَأعْطِهِمْ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ» رَواهُ مُسْلِمٌ.
(p-١٢٣٣)وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعامُهُ وكِسْوَتُهُ، ولا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إلّا ما يُطِيقُ» رَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا.
وعَنْهُ أيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إذا أتى أحَدَكم خادِمُهُ بِطَعامِهِ، فَإنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُناوِلْهُ أُكْلَةً أوْ أُكْلَتَيْنِ، أوْ لُقْمَةً أوْ لُقْمَتَيْنِ، فَإنَّهُ ولِيَ حَرَّهُ وعِلاجَهُ» . أخْرَجاهُ، ولَفْظُهُ لِلْبُخارِيِّ.
وعَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «هم إخْوانُكم خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ، فَمَن كانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمّا يَأْكُلُ، ولْيُلْبِسْهُ مِمّا يَلْبَسُ، ولا تُكَلِّفُوهم ما يَغْلِبُهُمْ، فَإنْ كَلَّفْتُمُوهم فَأعِينُوهم» أخْرَجاهُ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا﴾ أيْ: مُتَكَبِّرًا عَنِ الإحْسانِ إلى مَن أُمِرَ بِبِرِّهِ ﴿فَخُورًا﴾ يُعَدِّدُ مَناقِبَهُ كِبْرًا، وإنَّما خَصَّ تَعالى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ بِالذَّمِّ - في هَذا المَوْضِعِ - لِأنَّ المُخْتالَ هو المُتَكَبِّرُ، وكُلُّ مَن كانَ مُتَكَبِّرًا فَإنَّهُ قَلَّما يَقُومُ بِرِعايَةِ الحُقُوقِ، ثُمَّ أضافَ إلَيْهِ ذَمَّ الفَخُورِ؛ لِئَلّا يَقْدَمَ عَلى رِعايَةِ هَذِهِ الحُقُوقِ لِأجْلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، بَلْ لِمَحْضِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
(p-١٢٣٤)رَوى أبُو داوُدَ والحاكِمُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الكِبْرُ مَن بَطَرَ الحَقَّ وغَمَطَ النّاسَ» .
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي رَجاءٍ الهَرَوِيِّ قالَ: لا تَجِدُ سَيِّئَ المَلَكَةِ (المِلْكَةِ) إلّا وجَدْتَهُ مُخْتالًا فَخُورًا، وتَلا: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ الآيَةَ، ولا عاقًّا إلّا وجَدْتَهُ جَبّارًا شَقِيًّا وتَلا: ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢] [مَرْيَمَ: ٣٢] وقَدْ ورَدَ في ذَمِّ الخُيَلاءِ والفَخْرِ ما هو مَعْرُوفٌ.
النساء 4:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [٣٧]
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ أيْ: بِأمْوالِهِمْ أنْ يُنْفِقُوها فِيما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِيما تَقَدَّمَ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ أيْ: ولا يَكُونُونَ سَبَبَ الإحْسانِ، بَلْ يَبْخَلُونَ بِذاتِ أيْدِيهِمْ وبِما في أيْدِي غَيْرِهِمْ (p-١٢٣٥)فَيَأْمُرُونَهم بِأنْ يَبْخَلُوا بِهِ مَقْتًا لِلسَّخاءِ مِمَّنْ وُجِدَ، وفي أمْثالِ العَرَبِ: أبْخَلُ مِنَ الضَّنِينِ بِنائِلِ غَيْرِهِ، قالَ:
؎وإنَّ امْرَءًا ضَنَّتْ يَداهُ عَلى امْرِئٍ بِنَيْلِ يَدٍ مِن غَيْرِهِ لَبَخِيلُ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ حِكايَةِ ما تَقَدَّمَ: ولَقَدْ رَأيْنا مِمَّنْ بُلِيَ بِداءِ البُخْلِ مَن إذا طَرَقَ سَمْعَهُ أنَّ أحَدًا جادَ عَلى أحَدٍ، شَخَصَ بِهِ، وحَلَّ حَبَوْتَهُ واضْطَرَبَ، ودارَتْ عَيْناهُ في رَأْسِهِ، كَأنَّما نُهِبَ رَحْلُهُ، وكُسِرَتْ خِزانَتُهُ؛ ضَجَرًا مِن ذَلِكَ وحَسْرَةً عَلى وُجُودِهِ. انْتَهى.
﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِنَ المالِ والغِنى، فَيُوهِمُونَ الفَقْرَ مَعَ الغِنى، والإعْسارَ مَعَ اليَسارِ، والعَجْزَ مَعَ الإمْكانِ ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ إشْعارًا بِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ فَهو كافِرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَن كانَ كافِرًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ عَذابٌ يُهِينُهُ، كَما أهانَ النِّعْمَةَ بِالبُخْلِ والإخْفاءِ.
فائِدَةٌ:
قالَ أبُو البَقاءِ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هو مَنصُوبٌ بَدَلٌ مِن: " من " في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] وجُمِعَ عَلى مَعْنى: " من " ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿مُخْتالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] وهو خَبَرُ ﴿كانَ﴾ [النساء: ٣٦] وجُمِعَ عَلى المَعْنى أيْضًا، أوْ عَلى إضْمارِ: أذُمُّ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مُبْغِضُونَ، ودَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: " لا يُحِبُّ " ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (مُعَذِّبُونَ) لِقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾
(p-١٢٣٦)ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ [النساء: ٣٨] مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ﴾ [النساء: ٤٠] أيْ: يَظْلِمُهم.
ثُمَّ قالَ: والبُخْلُ والبَخَلُ لُغَتانِ: وقَدْ قُرِئَ بِهِما، وفِيهِ لُغَتانِ أُخْرَيانِ البُخُلُ - بِضَمِّ الخاءِ والباءِ - والبَخْلُ - بِفَتْحٍ وسُكُونِ الخاءِ - انْتَهى.
النساء 4:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ [٣٨]
﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ أيْ: قَصْدَ رُؤْيَةِ الخَلْقِ إيّاهُ، غَفْلَةً عَنِ الخالِقِ – تَقَدَّسَ - وعِمايَةً عَنْهُ؛ لِيُقالَ: ما أسْخاهم وما أجْوَدَهم ﴿ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ وحْدَهُ ويُتَحَرّى بِالِاتِّفاقِ رِضاهُ ﴿ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ الَّذِي هو يَوْمُ الجَزاءِ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ مُعِينًا في الدُّنْيا ﴿فَساءَ قَرِينًا﴾ فَبِئْسَ القَرِينُ والصّاحِبُ الشَّيْطانُ؛ لِأنَّهُ يُضِلُّهُ عَنِ الهُدى ويَحْجُبُهُ عَنِ الحَقِّ، وإنَّما اتَّصَلَ الكَلامُ هُنا بِذِكْرِ الشَّيْطانِ؛ تَقْرِيعًا لَهم عَلى طاعَتِهِ.
والمَعْنى: مَن يَكُنْ عَمَلُهُ بِما سَوَّلَ لَهُ الشَّيْطانُ فَبِئْسَ العَمَلُ عَمَلُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لَهم بِأنَّ الشَّيْطانَ يُقْرَنُ بِهِمْ في النّارِ.
لَطِيفَةٌ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى " الَّذِينَ يَبْخَلُونَ " أوْ عَلى " لِلْكافِرِينَ " وإنَّما شارَكُوهم في الذَّمِّ والوَعِيدِ؛ لِأنَّ البُخْلَ كالإنْفاقِ رِياءً، سَواءٌ في القُبْحِ واسْتِتْباعِ اللّائِمَةِ والذَّمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ بِناءً عَلى إجْراءِ التَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَجْرى التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، كَما في قَوْلِهِ:
؎إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمِ
(p-١٢٣٧)أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكُنِ﴾ إلَخْ أيْ: فَقَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ، وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِظُهُورِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، أوِ التَّقْدِيرُ: فَلا يُقْبَلُ إحْسانُهُمْ؛ لِأنَّ رِياءَهم يَدُلُّ عَلى تَفْضِيلِهِمُ الخَلْقَ عَلى اللَّهِ، ورُؤْيَتَهم عَلى ثَوابِهِ.
وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ مَعِيَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ».
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ يَبْخَلُونَ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [النساء: ٣٧] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ رِجالًا مِنَ اليَهُودِ (p-١٢٣٨)كانُوا يَأْتُونَ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ يَنْتَصِحُونَ لَهُمْ، فَيَقُولُونَ: لا تُنْفِقُوا أمْوالَكُمْ، فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ في ذَهابِها، ولا تُسارِعُوا في النَّفَقَةِ، فَإنَّكم لا تَدْرُونَ ما يَكُونُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [النساء: ٣٧] الآيَةَ.
النساء 4:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [٣٩]
﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: فَلَمْ يُرَجِّحُوا الخَلْقَ عَلَيْهِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ بِالبَعْثِ والجَزاءِ فَلَمْ يُرَجِّحُوا تَعْظِيمَهم وحُطامَهم عَلى ثَوابِهِ ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ المالِ، أيْ: طَلَبًا لِرِضاهُ وأجْرَ آخِرَتِهِ.
قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ؛ تَعْوِيلًا عَلى التَّفْصِيلِ السّابِقِ، واكْتِفاءً بِذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْفاقُ لِابْتِغاءِ وجْهِهِ تَعالى وطَلَبِ ثَوابِهِ البَتَّةَ، أيْ: وما الَّذِي عَلَيْهِمْ، أوْ: وأيُّ تَبِعَةٍ ووَبالٍ عَلَيْهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ والإنْفاقِ في سَبِيلِهِ؟! وهو تَوْبِيخٌ لَهم عَلى الجَهْلِ بِمَكانِ المَنفَعَةِ، والِاعْتِقادِ في الشَّيْءِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وتَحْرِيضٌ عَلى التَّكْفِيرِ (p-١٢٣٩)لِطَلَبِ الجَوابِ؛ لَعَلَّهُ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى العِلْمِ بِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ والعَوائِدِ الجَمِيلَةِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَدْعُوَّ إلى أمْرٍ لا ضَرَرَ فِيهِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيبَ إلَيْهِ احْتِياطًا، فَكَيْفَ إذا كانَ فِيهِ مَنافِعُ لا تُحْصى، وتَقْدِيمُ الإيمانِ بِهِما؛ لِأهَمِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ، ولِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالإنْفاقِ بِدُونِهِ.
وأمّا تَقْدِيمُ (إنْفاقِهِمْ رِئاءَ النّاسِ) عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِما - مَعَ كَوْنِ المُؤَخَّرِ أقْبَحَ مِنَ المُقَدَّمِ - فَلِرِعايَةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ إنْفاقِهِمْ ذَلِكَ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ مِن بُخْلِهِمْ وأمْرِهِمْ لِلنّاسِ بِهِ، انْتَهى.
﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ وعِيدٌ لَهم بِالعِقابِ.
النساء 4:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [٤٠]
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ أيْ: لا يَبْخَسُ أحَدًا مِن ثَوابِ عَمَلِهِ ولا يَزِيدُ في عِقابِهِ شَيْئًا مِقْدارَ ذَرَّةٍ، وهِيَ: (النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ) في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ.
قالَ ثَعْلَبٌ: مِائَةٌ مِنَ الذَّرِّ زِنَةُ حَبَّةِ شَعِيرٍ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِأقَلِّ الأشْياءِ، والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَظْلِمُ أحَدًا شَيْئًا، قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، فَخَرَجَ الكَلامُ عَلى أصْغَرِ شَيْءٍ يَعْرِفُهُ النّاسُ ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ أيْ: وإنْ تَكُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ حَسَنَةً يُضاعِفْ ثَوابَها، وإنَّما أُنِّثَ ضَمِيرُ المِثْقالِ لِتَأْنِيثِ الخَيْرِ، أوْ لِإضافَتِهِ إلى الذَّرَّةِ ﴿ويُؤْتِ﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى الإضْعافِ ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ مِمّا يُناسِبُ عَظَمَتَهُ عَلى نَهْجِ التَّفَضُّلِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: عَطاءً جَزِيلًا، وقَدْ ورَدَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها ما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَدِيثِ (p-١٢٤٠)الشَّفاعَةِ الطَّوِيلِ: وفِيهِ: «فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ارْجِعُوا، فَمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ فَأخْرِجُوهُ مِنَ النّارِ، وفي لَفْظٍ: أدْنى أدْنى أدْنى مِثْقالِ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ فَأخْرِجُوهُ مِنَ النّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ أبُو سَعِيدٍ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾»
وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: فَأمّا المُشْرِكُ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ - أيْ: بِحَسَنَتِهِ - ولا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إنَّ العَبّاسَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَفَعْتَ أبا طالِبٍ بِشَيْءٍ فَإنَّهُ كانَ يَحُوطُكَ ويَغْضَبُ لَكَ؟ قالَ: نَعَمْ، هو في ضِحْضاحٍ مِن نارٍ، ولَوْلا أنا لَكانَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ» .
وقَدْ يَكُونُ هَذا خاصًّا بِأبِي طالِبٍ مِن دُونِ الكُفّارِ؛ بِدَلِيلِ ما رَواهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثابُ عَلَيْها الرِّزْقَ في الدُّنْيا، ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ، وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِها في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ» انْتَهى.
ورَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا عَنْ أنَسٍ أيْضًا مَرْفُوعًا، ولَفْظُهُ: «إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطى بِها في الدُّنْيا ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ، وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَناتٍ ما عَمِلَ بِها لِلَّهِ في الدُّنْيا، حَتّى إذا أفْضى إلى الآخِرَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزى بِها» .
النساء 4:41
(p-١٢٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [٤١]
﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ النَّظْمِ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ في الآخِرَةِ لا يَجْرِي عَلى أحَدٍ ظُلْمٌ، وأنَّهُ تَعالى يُجازِي المُحْسِنَ عَلى إحْسانِهِ ويَزِيدُهُ عَلى قَدْرِ حَقِّهِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ يَجْرِي بِشَهادَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ الحُجَّةَ عَلى الخَلْقِ لِتَكُونَ الحُجَّةُ عَلى المُسِيءِ أبْلَغَ، والتَّبْكِيتُ لَهُ أعْظَمَ، وحَسْرَتُهُ أشَدَّ، ويَكُونَ سُرُورُ مَن قَبِلَ ذَلِكَ مِنَ الرَّسُولِ وأظْهَرَ الطّاعَةَ أعْظَمَ، ويَكُونَ هَذا وعِيدًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٤٠] ووَعْدًا لِلْمُطِيعِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٤٠].
ثُمَّ قالَ: مِن عادَةِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ في الشَّيْءِ الَّذِي يَتَوَقَّعُونَهُ: كَيْفَ بِكَ إذا كانَ كَذا وكَذا، وإذا فَعَلَ فُلانٌ كَذا، أوْ إذا جاءَ وقْتُ كَذا؟ فَمَعْنى هَذا الكَلامِ: كَيْفَ تَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا اسْتَشْهَدَ اللَّهُ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ بِرَسُولِها، واسْتَشْهَدَكَ عَلى هَؤُلاءِ، يَعْنِي قَوْمَهُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ الَّذِينَ شاهَدَهم وعَرَفَ أحْوالَهُمْ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ كُلِّ عَصْرٍ يَشْهَدُونَ عَلى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ شاهَدُوا أحْوالَهُمْ، وعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ١١٧] ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٨٩] [النَّحْلِ: مِنَ الآيَةِ ٨٩] إلَخْ.
(p-١٢٤٢)ورَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اقْرَأْ عَلَيَّ. فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قالَ: نَعَمْ، إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّساءِ، حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فَقالَ: حَسْبُكَ الآنَ فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ».
زادَ مُسْلِمٌ: «شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ، أوْ قالَ: ما كُنْتُ فِيهِمْ» شَكَّ أحَدُ رُواتِهِ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ ما دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» .
النساء 4:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [٤٢]
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿يَوَدُّ﴾ أيْ: يَتَمَنّى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِاللَّهِ ﴿وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ بِالإجابَةِ ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ أيْ: يُهْلَكُونَ فِيها، أيْ: يُدْفَنُونَ، فَتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ كَما تُسَوّى بِالمَوْتى، إذْ هو أعْزُّ لَهم مِنَ الهَوانِ الَّذِي يَلْحَقُهم مِن فَضائِحِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ [النبإ: ٤٠] الآيَةَ، فَـ(تُسَوّى) بِمَعْنى: تُجْعَلُ مُسْتَوِيَةً، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: تُسَوّى الأرْضُ مُتَلَبِّسَةً بِهِمْ.
وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى (عَلى) وفي "الدُّرِّ المَصُونِ": وتَسْوِيَةُ الأرْضِ بِهِمْ أوْ عَلَيْهِمْ: دَفْنُهُمْ، أوْ أنْ تَنْشَقَّ وتَبْلَعَهُمْ، أوْ أنَّهم يَبْقَوْنَ تُرابًا عَلى أصْلِهِمْ مِن غَيْرِ خَلْقٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عَطْفٌ عَلى (يَوَدُّ) أيْ: ويَعْتَرِفُونَ (p-١٢٤٣)بِجَمِيعِ ما فَعَلُوهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ؛ لِأنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، أوِ (الواوُ) لِلْحالِ، أيْ: يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا في الأرْضِ وحالُهم أنَّهم لا يَكْتُمُونَ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا، ولا يُكَذِّبُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] كَما رَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ أتى ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ ! قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: إنِّي أحْسَبُكَ قُمْتَ مِن عِنْدِ أصْحابِكَ فَقُلْتَ: أُلْقِيَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ مُتَشابَهُ القُرْآنِ، فَإذا رَجَعْتَ إلَيْهِمْ فَأخْبِرْهم أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ في بَقِيعٍ واحِدٍ، فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِن أحَدٍ شَيْئًا إلّا مِمَّنْ وحَّدَهُ، فَيَقُولُونَ: تَعالَوْا نَقُلْ، فَيَسْألُهم فَيَقُولُونَ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] قالَ: فَيَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ويَسْتَنْطِقُ جَوارِحَهم فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم أنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَنَّوْا لَوْ أنَّ الأرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا.
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ، واعْتَمَدَهُ الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ "الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ " في بابِ (بَيانُ ما ضَلَّتْ فِيهِ الزَّنادِقَةُ مِن مُتَشابَهِ القُرْآنِ) وساقَ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ قالَ: فَهَذا تَفْسِيرُ ما شَكَّتْ فِيهِ الزَّنادِقَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النساء 4:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [٤٣]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ (p-١٢٤٤)نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ في جَماعَةٍ كانُوا يَشْرَبُونَها ثُمَّ يُصَلُّونَ، أيْ: مِن مُقْتَضى إيمانِكُمُ الحَياءُ مِنَ اللَّهِ، ومِنَ الحَياءِ مِنهُ أنْ لا تَقُومُوا إلى الصَّلاةِ وأنْتُمْ سُكارى لا تَعْلَمُونَ ما تُخاطِبُونَهُ، فالحَياءُ مِنَ اللَّهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في حَمْلِهِمْ عَلى العَمَلِ بِمُوجَبِ النَّهْيِ، وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى قُرْبانِ الصَّلاةِ - مَعَ أنَّ المُرادَ هو النَّهْيُ عَنْ إقامَتِها - لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ هَذا النَّهْيُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ «قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢١٩] الآيَةَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلاها عَلى عُمَرَ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَلاها عَلَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَكانُوا لا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] [المائِدَةِ: ٩٠ - ٩١] فَقالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا انْتَهَيْنا».
ولَفْظُ أبِي داوُدَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قِصَّةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفِيهِ: «نَزَلَتْ الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ (p-١٢٤٥)فَكانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا قامَتِ الصَّلاةُ يُنادِي: لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرانُ».
ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ [أبِي] حاتِمٍ، عَنْ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ: صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ طَعامًا فَدَعا أُناسًا مِنَ المُهاجِرِينَ وأُناسًا مِنَ الأنْصارِ، فَأكَلْنا وشَرِبْنا حَتّى سَكِرْنا، ثُمَّ افْتَخَرْنا، فَرَفَعَ رَجُلٌ لِحى بَعِيرٍ فَغَرَزَ بِها أنْفَ سَعْدٍ، فَكانَ سَعْدٌ مَغْرُوزَ الأنْفِ، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ الآيَةَ.
والحَدِيثُ بِطُولِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، ورَواهُ أهْلُ السُّنَنِ إلّا ابْنَ ماجَهْ.
ورَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ هو وعَبْدُ الرَّحْمَنِ ورَجُلٌ آخَرُ شَرِبُوا الخَمْرَ فَصَلّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فَخَلَّطَ فِيها، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَقْرَبُوا﴾ الآيَةَ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: صَنَعَ لَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا فَدَعانا وسَقانا مِنَ الخَمْرِ، فَأخَذَتِ الخَمْرُ مِنّا، وحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَدَّمُوا فُلانًا، قالَ فَقَرَأ: (قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ * ما أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ * ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ، وكَذا رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
﴿ولا جُنُبًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ إذِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والجُنُبُ الَّذِي أصابَتْهُ الجَنابَةُ، يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والواحِدُ والجَمْعُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ جَرى مَجْرى المَصْدَرِ الَّذِي هو الإجْنابُ.
﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ أيْ: مارِّينَ بِلا لُبْثٍ ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ مِنَ الجَنابَةِ: أيْ: لا تَقْرَبُوا مَوْضِعَ الصَّلاةِ - وهو المَسْجِدُ - وأنْتُمْ جُنُبٌ إلّا مُجْتازِينَ فِيهِ، إمّا لِلْخُرُوجِ مِنهُ أوْ لِلدُّخُولِ فِيهِ.
(p-١٢٤٦)رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَعْنى الآيَةِ قالَ: لا تَدْخُلُوا المَسْجِدَ وأنْتُمْ جُنُبٌ إلّا عابِرِي سَبِيلٍ، قالَ: تَمُرُّ بِهِ مَرًّا، ولا تَجْلِسُ، ثُمَّ رَواهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ، مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وثُلَّةٌ مِنَ التّابِعِينَ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ اللَّيْثِ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ إنَّ رِجالًا مِنَ المَسْجِدِ تُصِيبُهُمُ الجَنابَةُ، ولا ماءَ عِنْدَهم فَيُرِيدُونَ الماءَ ولا يَجِدُونَ مَمَرًّا إلّا في المَسْجِدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: ويَشْهَدُ لِصِحَّةِ ما قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ في المَسْجِدِ إلّا خَوْخَةَ أبِي بَكْرٍ» .
وهَذا قالَهُ ﷺ في آخِرِ حَياتِهِ؛ عِلْمًا مِنهُ أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَيَلِي الأمْرَ بَعْدَهُ ويَحْتاجُ إلى الدُّخُولِ في المَسْجِدِ كَثِيرًا لِلْأُمُورِ المُهِمَّةِ فِيما يَصْلُحُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَأمَرَ بِسَدِّ الأبْوابِ الشّارِعَةِ (p-١٢٤٧)إلى المَسْجِدِ إلّا بابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومَن رَوى (إلّا بابَ عَلِيٍّ ) كَما وقَعَ في بَعْضِ السُّنَنِ فَهو خَطَأٌ، والصَّوابُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ.
ومِن هَذا التَّأْوِيلِ احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ الأئِمَّةِ عَلى أنَّهُ يَحْرُمُ عَلى الجُنُبِ المُكْثُ في المَسْجِدِ، ويَجُوزُ لَهُ المُرُورُ.
وثَمَّةُ تَأْوِيلٌ آخَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ المُسافِرُونَ، أيْ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ جُنُبًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكم مُسافِرِينَ، فَيَكُونُ هَذا الِاسْتِثْناءُ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ الإقْدامُ عَلى الصَّلاةِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ الماءِ.
وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَلِيٍّ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: لا يَقْرَبُ الصَّلاةَ إلّا أنْ يَكُونَ مُسافِرًا تُصِيبُهُ الجَنابَةُ فَلا يَجِدُ الماءَ، فَيُصَلِّي حَتّى يَجِدَ الماءَ، ثُمَّ رَواهُ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ: ورَواهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أيْضًا: أنَّهُ في السَّفَرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُسْتَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ بِالحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ (p-١٢٤٨)عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ المُسْلِمِ، وإنْ لَمْ تَجِدِ الماءَ عَشْرَ حِجَجٍ، فَإذا وجَدْتَ الماءَ فَأمِسَّهُ بَشَرَتَكَ فَإنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكَ» وفي هَذا التَّأْوِيلِ بَقاءُ لَفْظِ الصَّلاةِ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ في الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، وفي التَّأْوِيلِ السّابِقِ تَكُونُ الصَّلاةُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مَحْمُولَةً عَلى مَواضِعِها.
قالَ في "فَتْحِ البَيانِ": وبِالجُمْلَةِ، فالحالُ الأُولى أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ تُقَوِّي بَقاءَ الصَّلاةِ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِن دُونِ تَقْدِيرِ مُضافٍ، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ السّابِقُ يُقَوِّي ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ يُقَوِّي تَقْدِيرَ المُضافِ، أيْ: لا تَقْرَبُوا مَواضِعَ الصَّلاةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ قُيُودِ النَّهْيِ (أعْنِي: (لا تَقْرَبُوا) وهو قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ ) يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ مَعْناها الحَقِيقِيُّ، وبَعْضُ قُيُودِ النَّهْيِ (وهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ ) يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مَواضِعُ الصَّلاةِ، ولا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعَ قَيْدِهِ الدّالِّ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ نَهْيَيْنِ مُقَيَّدٍ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِقَيْدٍ، وهُما: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ الَّتِي هي ذاتُ الأذْكارِ والأرْكانِ وأنْتُمْ سُكارى، ولا تَقْرَبُوا مَواضِعَ الصَّلاةِ حالَ كَوْنِكم جُنُبًا إلّا حالَ عُبُورِكُمُ المَسْجِدَ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، وغايَةُ ما يُقالُ في هَذا: إنَّهُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وهو جائِزٌ بِتَأْوِيلِ مَشْهُورٍ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ (بَعْدَ حِكايَتِهِ لِلتَّأْوِيلَيْنِ): وأوْلى القَوْلَيْنِ بِالتَّأْوِيلِ لِذَلِكَ تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَهُ: (p-١٢٤٩)﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ إلّا مُجْتازِي طَرِيقٍ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حُكْمَ المُسافِرِ إذا عَدَمَ الماءَ - وهو جُنُبٌ - في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ إلى آخِرِهِ، فَكانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ لَوْ كانَ مَعْنِيًّا بِهِ المُسافِرُ لَمْ يَكُنْ لِإعادَةِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ مَعْنى مَفْهُومٌ، وقَدْ مَضى ذِكْرُ حُكْمِهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وإذْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَتَأْوِيلُ الآيَةِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا المَساجِدَ لِلصَّلاةِ مُصَلِّينَ فِيها وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ، ولا تَقْرَبُوها أيْضًا جُنُبًا حَتّى تَغْتَسِلُوا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ.
قالَ: و(العابِرُ السَّبِيلِ) المُجْتازُهُ مَرًّا وقَطْعًا، يُقالُ مِنهُ: عَبَرْتُ هَذا الطَّرِيقَ فَأنا أعْبُرُهُ عَبْرًا وعُبُورًا، ومِنهُ قِيلَ: عَبَرَ فُلانٌ النَّهَرَ إذا قَطَعَهُ وجازَهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلنّاقَةِ القَوِيَّةِ عَلى الأسْفارِ: هي عُبْرُ أسْفارٍ، وعَبْرُ أسْفارٍ؛ لِقُوَّتِها عَلى الأسْفارِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي نَصَرَهُ (يَعْنِي ابْنَ جَرِيرٍ ) هو قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ، وكَأنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ تَعاطِي الصَّلاةِ عَلى هَيْئَةٍ ناقِصَةٍ تُناقِضُ مَقْصُودَها، وعَنِ الدُّخُولِ إلى مَحَلِّها عَلى هَيْئَةٍ ناقِصَةٍ وهي الجَنابَةُ المُباعِدَةُ لِلصَّلاةِ ولِمَحَلِّها أيْضًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ غايَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ ومَواضِعِها حالَ الجَنابَةِ، والمَعْنى: لا تَقْرَبُوها حالَ الجَنابَةِ حَتّى تَغْتَسِلُوا إلّا حالَ عُبُورِكُمُ السَّبِيلَ.
* *
تَنْبِيهاتٌ:
الأُولى: في الآيَةِ تَحْرِيمُ الصَّلاةِ عَلى السَّكْرانِ حالَ سُكْرِهِ حَتّى يَصْحُوَ، وبُطْلانُها وبُطْلانُ الِاقْتِداءِ بِهِ، وعَلى الجُنُبِ حَتّى يَغْتَسِلَ إلّا أنْ يَكُونَ مُسافِرًا، فَيُباحُ لَهُ التَّيَمُّمُ.
الثّانِي: تَمَسَّكَ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ طَلاقَ السَّكْرانِ لا يَقَعُ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَعْلَمْ ما يَقُولُهُ انْتَفى القَصْدُ، وبِهِ قالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ، وعَطاءٌ، والقاسِمُ، ورَبِيعَةُ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، (p-١٢٥٠)وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، والمُزَنِيُّ، واخْتارَهُ الطَّحاوِيُّ، والمَسْألَةُ مَبْسُوطَةٌ في "زادِ المَعادِ" لِلْإمامِ ابْنِ القَيِّمِ.
الثّالِثُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ رِدَّةَ السَّكْرانِ لَيْسَتْ بِرِدَّةٍ؛ لِأنَّ قِراءَةَ سُورَةِ الكافِرِينَ بِطَرْحِ اللّاءاتِ كُفْرٌ، ولَمْ يَحْكم بِكُفْرِهِ حَتّى خاطَبَهم بِاسْمِ الإيمانِ، وما أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ، ولا بِتَجْدِيدِ الإيمانِ، ولِأنَّ الأُمَّةَ اجْتَمَعَتْ عَلى أنَّ مَن أجْرى كَلِمَةَ الكُفْرِ عَلى لِسانِهِ مُخْطِئًا لا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، قالَهُ النَّسَفِيُّ.
الرّابِعُ: اسْتُدِلَّ بِأحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ السّابِقَيْنِ عَلى تَحْرِيمِ دُخُولِ المَسْجِدِ عَلى السَّكْرانِ؛ لِما يُتَوَقَّعُ مِنهُ مِنَ التَّلْوِيثِ وفُحْشِ القَوْلِ، فَيُقاسُ بِهِ كُلُّ ذِي نَجاسَةٍ يُخْشى مِنها التَّلْوِيثُ والسِّبابُ ونَحْوُهُ، كَذا في "الإكْلِيلِ".
الخامِسُ: اسْتَدَلَّ ابْنُ الفُرْسِ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ لَهم في الآيَةِ عَلى تَكْلِيفِ السَّكْرانِ ودُخُولِهِ تَحْتَ الخِطابِ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الخِطابَ عامٌّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ قُصِدَ بِهِ الَّذِينَ صَلَّوْا في حالِ السُّكْرِ، فَإنَّما نَزَلَ بَعْدَ صَحْوِهِمْ، كَذا في "الإكْلِيلِ".
السّادِسُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ رَدٌّ عَلى مَن أباحَ جُلُوسَ الجُنُبِ مُطْلَقًا إذا تَوَضَّأ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ غايَةَ التَّحْرِيمِ الغُسْلَ، فَلا يَقُومُ مَقامَهُ الوُضُوءُ، كَذا في "الإكْلِيلِ".
أقُولُ: إنَّما يَكُونُ هَذا حُجَّةً لَوْ كانَتِ الآيَةُ نَصًّا في تَأْوِيلٍ واحِدٍ، وحَيْثُ تَطَرَّقَ الِاحْتِمالُ لَها - عَلى ما رَأيْتَ - فَلا.
وقَدْ تَمَسَّكَ المُبِيحُ - وهو الإمامُ أحْمَدُ - بِما رَوى هو وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في "سُنَنِهِ" بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أنَّ الصَّحابَةَ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في "سُنَنِهِ": حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ - هو الدَّراوَرْدِيُّ - عَنْ هِشامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: رَأيْتُ رِجالًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُونَ في المَسْجِدِ وهم مُجْنِبُونَ إذا تَوَضَّؤُوا وُضُوءَ الصَّلاةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
(p-١٢٥١)السّابِعُ: قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: لَعَلَّ تَقْدِيمَ الِاسْتِثْناءِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ حُكْمَ النَّهْيِ في هَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ عَلى الإطْلاقِ، كَما في صُورَةِ السُّكْرِ؛ تَشْوِيقًا إلى البَيانِ، ورَوْمًا لِزِيادَةِ تَقَرُّرِهِ في الأذْهانِ.
الثّامِنُ: قالَ أيْضًا: في الآيَةِ الكَرِيمَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُصَلِّيَ حَقُّهُ أنْ يَتَحَرَّزَ عَمّا يَلِيهِ ويَشْغَلُ قَلْبَهُ، وأنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ عَمّا يُدَنِّسُها، ولا يَكْتَفِي بِأدْنى مَراتِبِ التَّزْكِيَةِ عِنْدَ إمْكانِ أعالِيها.
التّاسِعُ: أشْعَرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ حالَ النُّعاسِ، كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا نَعَسَ أحَدُكم وهو يُصَلِّي فَلْيَنْصَرِفْ ولْيَنَمْ حَتّى يَعْلَمَ ما يَقُولُ» وفي رِوايَةٍ: «فَلَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ» .
وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَعْنِ بِها سُكْرَ الخَمْرِ، وإنَّما عَنى بِها سُكْرَ النُّوَّمِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ أنَّ المُرادَ سُكْرُ الشَّرابِ.
(p-١٢٥٢)قالَ الرّازِيُّ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ السُّكْرِ حَقِيقَةٌ في السُّكْرِ مِن شُرْبِ الخَمْرِ، والأصْلُ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ.
والثّانِي: أنَّ جَمِيعَ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الآيَةَ إذا نَزَلَتْ في واقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ ولِأجْلِ سَبَبٍ مُعَيَّنٍ امْتَنَعَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّبَبُ مُرادًا بِتِلْكَ الآيَةِ.
العاشِرُ: قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ التَّعْرِيضُ بِالنَّهْيِ عَنِ السُّكْرِ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِكَوْنِهِمْ مَأْمُورِينَ بِالصَّلاةِ في الخَمْسَةِ الأوْقاتِ، مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَلا يَتَمَكَّنُ شارِبُ الخَمْرِ مِن أداءِ الصَّلاةِ في أوْقاتِها دائِمًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
وعَلى هَذا فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] [آلِ عِمْرانَ: ١٠٢] وهو الأمْرُ لَهم بِالتَّأهُّبِ لِلْمَوْتِ عَلى الإسْلامِ، والمُداوَمَةِ عَلى الطّاعَةِ لِأجْلِ ذَلِكَ، انْتَهى.
الحادِي عَشَرَ: قالَ الرّازِيُّ: قالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: ﴿لا تَقْرَبُوا﴾ إلَخْ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المائِدَةِ، وأقُولُ: الَّذِي يُمْكِنُ ادِّعاءُ النَّسْخِ فِيهِ أنْ يُقالَ: نَهى عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ حالَ السُّكْرِ مَمْدُودًا إلى غايَةِ أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَعْلَمُ ما يَقُولُ، والحُكْمُ المَمْدُودُ إلى غايَةٍ يَقْتَضِي انْتِهاءَ ذَلِكَ الحُكْمِ عِنْدَ تِلْكَ الغايَةِ، فَهَذا يَقْتَضِي جَوازَ قُرْبانِ الصَّلاةِ مَعَ السُّكْرِ إذا صارَ بِحَيْثُ يَعْلَمُ ما يَقُولُ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَرَّمَ الخَمْرَ بِآيَةِ المائِدَةِ فَقَدْ رَفَعَ هَذا الجَوازَ، فَثَبَتَ أنَّ آيَةَ المائِدَةِ ناسِخَةٌ لِبَعْضِ مَدْلُولاتِ هَذِهِ الآيَةِ، هَذا ما حَضَرَ بِبالِي في تَقْرِيرِ هَذا النَّسْخِ.
والجَوابُ عَنْهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ حاصِلَ هَذا النَّهْيِ راجِعٌ إلى النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ المُوجِبِ لِلسُّكْرِ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ الصَّلاةِ، وتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ إلّا عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ الضَّعِيفِ، ومِثْلُ هَذا لا يَكُونُ نَسْخًا. انْتَهى.
﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ أيْ: ولَمْ تَجِدُوا (p-١٢٥٣)بِقُرْبِكم ماءً تَسْتَعْمِلُونَهُ، ومِنهُ فَقْدُ مَن يُناوِلُهُ إيّاهُ، أوْ خَشْيَتُهُ الضَّرَرَ بِهِ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ لا تَجِدُونَهُ فِيهِ ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ أيْ: أوْ كُنْتُمْ مُحْدِثِينَ، والغائِطُ هو المَكانُ المُنْخَفِضُ، فالمَجِيءُ مِنهُ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ؛ لِأنَّ المُعْتادَ أنَّ مَن يُرِيدُهُ يَذْهَبُ إلَيْهِ لِيُوارِيَ شَخْصَهُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ.
قالَ الخازِنُ: كانَتْ عادَةُ العَرَبِ إتْيانَ الغائِطِ لِلْحَدَثِ، فَكَنَّوْا بِهِ عَنِ الحَدَثِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم كانَ إذا أرادَ قَضاءَ الحاجَةِ طَلَبَ غائِطًا مِنَ الأرْضِ، يَعْنِي مَكانًا مُنْخَفِضًا مِنها يَحْجُبُهُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، فَسُمِّيَ الحَدَثُ بِهَذا الِاسْمِ، فَهو مِن بابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَكانِهِ. انْتَهى.
وإسْنادُ المَجِيءِ إلى واحِدٍ مُبْهَمٍ مِنَ المُخاطَبِينَ دُونَهم لِلتَّفادِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَتِهِمْ إلى ما يُسْتَحْيا مِنهُ أوْ يُسْتَهْجَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ، كَذا قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
ثُمَّ قالَ: وكَذَلِكَ إيثارُ الكِنايَةِ فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ عَلى التَّصْرِيحِ بِالجِماعِ، قالَ الشِّهابُ: وفي ذِكْرِ (أحَدٌ) دُونَ غَيْرِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْسانَ يَنْفَرِدُ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ كَما هو دَأْبُهُ وأدَبُهُ.
﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: فَلا تَسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ، بَلِ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أيِ: اقْصِدُوا: ﴿صَعِيدًا﴾ أيْ: تُرابًا، أوْ وجْهَ الأرْضِ ﴿طَيِّبًا﴾ أيْ: طاهِرًا ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ، وتَقْرِيرٌ لَهُما، فَإنَّ مِن عادَتِهِ المُسْتَمِرَّةِ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الخاطِئِينَ ويَغْفِرَ لِلْمُذْنِبِينَ، لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُيَسِّرًا لا مُعَسِّرًا، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
الأوَّلُ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ راجِعٌ إلى جَمِيعِ ما قَبْلَها، وحِينَئِذٍ لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ في الكُلِّ إلّا عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، وأمّا ما قِيلَ أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ لِأنَّهُ قَدْ وُجِدَ المانِعُ هَهُنا مِن تَقْيِيدِ السَّفَرِ والمَرَضِ بِعَدَمِ الوُجُودِ لِلْماءِ، وهو أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عُذْرٌ مُسْتَقِلٌّ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كالصَّوْمِ - فَلا يُفِيدُ؛ لِأنَّ عَدَمَ الوُجُودِ مُعْتَبَرٌ فِيهِما لِإباحَةِ التَّيَمُّمِ قَطْعًا، إذْ لَيْسَ السَّفَرُ بِمُجَرَّدِهِ مُبِيحًا، وكَذَلِكَ المَرَضُ.
(p-١٢٥٤)وأمّا ما يُقالُ مِن أنَّهُ قَدْ يُباحُ لِلْمَرِيضِ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الماءِ إذا خَشِيَ الضَّرَرَ بِهِ - فَعَدَمُ الوُجُودِ في حَقِّهِ إذْنٌ غَيْرُ قَيْدٍ، فالجَوابُ: أنَّ هَذا داخِلٌ تَحْتَ عَدَمِ الماءِ؛ لِأنَّ مَن تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِعْمالُهُ هو عادِمٌ لَهُ، إذْ لَيْسَ المُرادُ الوُجُودَ الَّذِي لا يَنْفَعُ، فَمَن كانَ يُشاهِدُ ماءً في قَعْرِ بِئْرٍ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الوُصُولُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَهو عادِمٌ لَهُ، وهَكَذا خَوْفُ السَّبِيلِ الَّذِي يُسْلَكُ إلى الماءِ، وهَكَذا مَن كانَ يَحْتاجُهُ لِلشُّرْبِ فَهو عادِمٌ لَهُ.
ولَئِنْ سَلَّمْنا – تَنَزُّلًا - أنَّ المُرادَ مُطْلَقُ الوُجُودِ فَنَقُولُ: المُدَّعى أنَّهُ تَعالى جَوَّزَ التَّيَمُّمَ لِلْمَرِيضِ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى مَنعِهِ مِنَ التَّيَمُّمِ عِنْدَ وُجُودِهِ لِعارِضٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الماءِ.
فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ تَسْتَدِلُّونَ حِينَئِذٍ عَلى إباحَةِ تَيَمُّمِهِ؟ قُلْنا: مِنَ التَّحْقِيقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهو أنَّ المُتَعَذَّرَ اسْتِعْمالُهُ مَعْدُومٌ شَرْعًا، وكَذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١٩٥] وقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] [الحَجِّ: مِنَ الآيَةِ ٧٨].
ومِمّا أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «خَرَجْنا في سَفَرٍ، فَأصابَ رَجُلًا مِنّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ في رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَألَ أصْحابَهُ، فَقالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً في التَّيَمُّمِ؟ فَقالُوا: ما نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وأنْتَ تَقْدِرُ عَلى الماءِ، فاغْتَسَلَ فَماتَ، فَلَمّا قَدِمْنا عَلى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقالَ: قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللَّهُ، ألا سَألُوا إذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ، إنَّما كانَ يَكْفِيهِ أنْ (p-١٢٥٥)يَتَيَمَّمَ ويَعْصِرَ (ويَعْصِبَ) عَلى جُرْحِهِ [خِرْقَةً] ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهِ، ويَغْسِلَ سائِرَ جَسَدِهِ» .
ومِمّا رَواهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ والدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: «احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذاتِ السَّلاسِلِ فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنْ أهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأصْحابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا عَمْرُو! صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ فَأخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسالِ، وقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَقُلْ شَيْئًا»، فَهَذا وما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلى جَوازِ العُدُولِ إلى التَّيَمُّمِ لِخَشْيَةِ الضَّرَرِ.
قالَ مَجْدُ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: في حَدِيثِ عَمْرٍو مِنَ العِلْمِ أنَّ التَّمَسُّكَ بِالعُمُوماتِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ. انْتَهى.
وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في «قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ كانَ مَرِيضًا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَقُومَ فَيَتَوَضَّأ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ خادِمٌ فَيُناوِلُهُ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ».
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مُرْسَلٌ.
الثّانِيَةُ: ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَفْهُومُ عَدَمِ الوُجُودِ المُقَيَّدِ بِالقِيامِ إلى الصَّلاةِ هو المُعْتَبَرُ في تَسْوِيغِ التَّيَمُّمِ، كَما هو الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ، لا عَدَمُ الوُجُودِ مَعَ طَلَبٍ مَخْصُوصٍ، كَما قِيلَ: إنَّهُ يُطْلَبُ في كُلِّ جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ في مَيْلٍ، أوْ يُنْتَظَرُ إلى آخِرِ الوَقْتِ حَتّى لا يَبْقى إلّا ما يَسَعُ الصَّلاةَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ - إذْ لا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ، فَإذا دَخَلَ الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِلصَّلاةِ، وأرادَ المُصَلِّي القِيامَ إلَيْها فَلَمْ يَجِدْ حِينَئِذٍ ما يَتَوَضَّأُ بِهِ، أوْ يَغْتَسِلُ في مَنزِلِهِ أوْ مَسْجِدِهِ، أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُما، كانَ ذَلِكَ عُذْرًا مُسَوِّغًا لِلتَّيَمُّمِ، فَلَيْسَ المُرادُ بِعَدَمِ الوُجُودِ في ذَلِكَ أنْ لا يَجِدَهُ بَعْدَ (p-١٢٥٦)الكَشْفِ والبَحْثِ وإخْفاءِ السُّؤالِ، بَلِ المُرادُ أنْ لا يَكُونَ مَعَهُ عِلْمٌ أوْ ظَنٌّ بِوُجُودِ شَيْءٍ مِنهُ هُنالِكَ، ولَمْ يَتَمَكَّنْ في تِلْكَ الحالَةِ مِن تَحْصِيلِهِ بِشِراءٍ أوْ نَحْوِهِ. فَهَذا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَجِدِ الماءَ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، والواجِبُ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ، مَعَ عَدَمِ وُجُودِ عُرْفٍ شَرْعِيٍّ.
وقَدْ وقَعَ مِنهُ ﷺ ما يُشْعِرُ بِما ذَكَرْناهُ، فَإنَّهُ تَيَمَّمَ في المَدِينَةِ مِن جِدارٍ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن دُونِ أنْ يَسْألَ ويُطْلُبَ، ولَمْ يَصِحَّ عَنْهُ في الطَّلَبِ شَيْءٌ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، فَهَذا كَما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الطَّلَبِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ انْتِظارِ آخِرِ الوَقْتِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ «الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَيَمَّما في سَفَرٍ ثُمَّ وجَدا الماءَ، فَأعادَ أحَدُهُما ولَمْ يُعِدِ الآخَرُ، فَقالَ ﷺ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: أصَبْتَ السُّنَّةَ» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والحاكِمُ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ، فَإنَّهُ يَرُدُّ (p-١٢٥٧)قَوْلَ مَن قالَ بِوُجُوبِ الِانْتِظارِ إلى آخِرِ الوَقْتِ عَلى المُتَيَمِّمِ، سَواءٌ كانَ مُسافِرًا أوْ مُقِيمًا، كَذا في (الرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ).
الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُسافِرَ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ تَيَمَّمَ، طالَ سَفَرُهُ أوْ قَصُرَ.
الرّابِعَةُ: قُرِئَ في السَّبْعِ (لامَسْتُمْ ولَمَسْتُمْ) والمُلامَسَةُ واللَّمْسُ يَرِدانِ - لُغَةً - بِمَعْنى الجَسِّ بِاليَدِ، وبِمَعْنى الجِماعِ، قالَ المَجْدُ في "القامُوسِ" لَمَسَهُ يَلْمِسُهُ ويَلْمُسُهُ: مَسَّهُ بِيَدِهِ، والجارِيَةَ جامَعَها، ثُمَّ قالَ: والمُلامَسَةُ المُماسَّةُ والمُجامَعَةُ.
ومِن ثَمَّةَ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ والأئِمَّةُ في المَعْنِيِّ بِذَلِكَ هُنا، فَمِن قائِلٍ بِأنَّ اللَّمْسَ حَقِيقَةٌ في الجَسِّ بِاليَدِ، مَجازٌ في غَيْرِهِ، والأصْلُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّهُ الرّاجِحُ، لا سِيَّما عَلى قِراءَةِ (لَمَسْتُمْ) إذْ لَمْ يَشْتَهِرْ في الوِقاعِ كالمُلامَسَةِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ أنَّهُ قالَ: المُلامَسَةُ ما دُونَ الجِماعِ، وعَنْهُ: القُبْلَةُ مِنَ المَسِّ وفِيها الوُضُوءُ، رَواهُما ابْنُ جَرِيرٍ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ مِنَ المُباشَرَةِ، ومِنَ اللَّمْسِ بِيَدِهِ، ومِنَ القُبْلَةِ، وكانَ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ هو الغَمْزُ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ نافِعٍ أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يَتَوَضَّأُ مِن قُبْلَةِ المَرْأةِ، ويَرى فِيها الوُضُوءَ، ويَقُولُ: هي مِنَ اللِّماسِ.
وذَكَرَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ التّابِعِينَ نَحْوُ ذَلِكَ، قالُوا: ومِمّا يُؤَيِّدُ بَقاءَ اللَّمْسِ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] [الأنْعامِ: مِنَ الآيَةِ ٧] أيْ: جَسُّوهُ.
«وقالَ ﷺ لِماعِزٍ حِينَ أقَرَّ بِالزِّنى - يُعَرِّضُ لَهُ بِالرُّجُوعِ (p-١٢٥٨)عَنِ الإقْرارِ -: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أوْ لَمَسْتَ؟» .
وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «واليَدُ زِناها اللَّمْسُ» .
وقالَتْ عائِشَةُ: «قَلَّ يَوْمٌ إلّا ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ عَلَيْنا، فَيُقَبِّلُ ويَلْمِسُ».
ومِنهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ بَيْعِ المُلامَسَةِ،» وهو يَرْجِعُ إلى الجَسِّ بِاليَدِ.
واسْتَأْنَسُوا أيْضًا بِالحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أحْمَدُ عَنْ مُعاذٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما تَقُولُ في رَجُلٍ لَقِيَ امْرَأةً لا يَعْرِفُها، فَلَيْسَ يَأْتِي الرَّجُلُ مِنِ امْرَأتِهِ شَيْئًا إلّا أتاهُ مِنها غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يُجامِعْها، قالَ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ: (p-١٢٥٩)﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] [هُودَ: مِنَ الآيَةِ ١١٤] الآيَةَ، قالَ: فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: تَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ قالَ مُعاذٌ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ألَهُ خاصَّةً أمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً؟ فَقالَ: بَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً» .
ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ، والنَّسائِيُّ مُرْسَلًا، قالُوا: فَأمَرَهُ بِالوُضُوءِ؛ لِأنَّهُ لَمَسَ المَرْأةَ ولَمْ يُجامِعْها.
* *
فَصْلٌ
ومِن قائِلٍ: إنَّ المَعْنِيَّ بِاللَّمْسِ هُنا الجِماعُ، وذَلِكَ لِوُرُودِهِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْناهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مِن كِناياتِ التَّنْزِيلِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٣٧] وقالَ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] [الأحْزابِ: مِنَ الآيَةِ ٤٩] وقالَ في آيَةِ الظِّهارِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] [القَصَصِ: مِنَ الآيَةِ ٣].
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٢٦٠)فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ قالَ: الجِماعُ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ، قالَ: إنَّ اللَّمْسَ والمَسَّ والمُباشَرَةَ: الجِماعُ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُكَنِّي ما يَشاءُ بِما شاءَ، وقَدْ صَحَّ مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ تَفْسِيرَهُ أرْجَحُ مِن تَفْسِيرِ غَيْرِهِ؛ لِاسْتِجابَةِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ فِيهِ بِتَعْلِيمِهِ تَأْوِيلِ الكِتابِ، كَما أسْلَفْنا بَيانَ ذَلِكَ في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ.
ويُؤَيِّدُ عَدَمَ النَّقْضِ بِالمَسِّ ما رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ الفِراشِ فالتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وهو في المَسْجِدِ، وهُما مَنصُوبَتانِ، وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِرِضاكَ مِن سُخْطِكَ، وبِمُعافاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنكَ، لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ» .
ورَوى النَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «إنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي وإنِّي لَمُعْتَرِضَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ اعْتِراضَ الجِنازَةِ، حَتّى إذا أرادَ أنْ يُوتِرَ مَسَّنِي بِرِجْلِهِ».
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "التَّلْخِيصِ": إسْنادُهُ صَحِيحٌ، وقَوْلُهُ في "الفَتْحِ": يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ بِحائِلٍ أوْ أنَّهُ خاصٌّ بِهِ ﷺ تَكَلُّفٌ، ومُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ.
وعَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ أزْواجِهِ ثُمَّ يُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأُ» رَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ. قالَ أبُو داوُدَ: هو مُرْسَلٌ، إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ (p-١٢٦١)لَمْ يَسْمَعْ مِن عائِشَةَ، وقالَ النَّسائِيُّ: لَيْسَ في هَذا البابِ أحْسَنُ مِن هَذا الحَدِيثِ، وإنْ كانَ مُرْسَلًا، وصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ وجَماعَةٌ.
وشَهِدَ لَهُ ما تَقَدَّمَ وما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في المُعْجَمِ الصَّغِيرِ مِن حَدِيثِ عَمْرَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْتُ: إنَّهُ قامَ إلى جارِيَتِهِ مارِيَةَ، فَقُمْتُ ألْتَمِسُ الجِدارَ فَوَجَدْتُهُ قائِمًا يُصَلِّي، فَأدْخَلْتُ يَدِي في شَعَرِهِ لِأنْظُرَ أغْتَسَلَ أمْ لا؟ فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: أخَذَكِ شَيْطانُكِ يا عائِشَةُ،» وفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ عائِشَةَ، قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ولَمْ يَسْمَعْ مِنها.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأوْلى القَوْلَيْنِ في ذَلِكَ بِالصَّوابِ قَوْلُ مَن قالَ: عَنى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ الجِماعَ دُونَ غَيْرِهِ مِن مَعانِي اللَّمْسِ؛ لِصِحَّةِ الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ قَبَّلَ بَعْضَ نِسائِهِ ثُمَّ صَلّى ولَمْ يَتَوَضَّأْ،» ثُمَّ أسْنَدَهُ مِن طُرُقٍ، وبِهِ يُعْلَمُ أنَّ حَدِيثَ عائِشَةَ قَرِينَةٌ صَرَفَتْ إرادَةَ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مِنَ اللَّمْسِ، وأوْجَبَتِ المَصِيرَ إلى مَعْناهُ المَجازِيِّ.
وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ، فَنَحْنُ لا نُنْكِرُ صِحَّةَ إطْلاقِ اللَّمْسِ عَلى الجَسِّ بِاليَدِ، بَلْ هو المَعْنى الحَقِيقِيُّ، ولَكِنّا نَدَّعِي أنَّ المَقامَ مَحْفُوفٌ بِقَرائِنَ تُوجِبُ المَصِيرَ إلى المَجازِ.
وأمّا قَوْلُهم بِأنَّ القُبْلَةَ فِيها الوُضُوءُ فَلا حُجَّةَ في قَوْلِ الصَّحابِيِّ لا سِيَّما إذا وقَعَ مُعارِضًا لِما ورَدَ عَنِ الشّارِعِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِ بَعْضِ الأعْرابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ امْرَأتَهُ لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ الكِنايَةُ عَنْ كَوْنِها زانِيَةً، ولِهَذا قالَ لَهُ ﷺ: طَلِّقْها» .
وأمّا حَدِيثُ مُعاذٍ الَّذِي اسْتَأْنَسُوا بِهِ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى النَّقْضِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ كانَ مُتَوَضِّئًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالوُضُوءِ، ولا ثَبَتَ أنَّهُ كانَ مُتَوَضِّئًا عِنْدَ اللَّمْسِ، فَأخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ قَدِ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ، كَذا في "نَيْلِ الأوْطارِ".
(p-١٢٦٢)وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو مُنْقَطِعٌ بَيْنَ ابْنِ أبِي لَيْلى ومُعاذٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهُ إنَّما أمَرَهُ بِالوُضُوءِ والصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، كَما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ الصِّدِّيقِ: «ما مِن عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» وهو مَذْكُورٌ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ١٣٥] الآيَةَ.
الخامِسَةُ: التَّيَمُّمُ لُغَةً: القَصْدُ، يُقالُ: تَيَمَّمْتُهُ وتَأمَّمْتُهُ ويَمَّمْتُهُ، وآمَمْتُهُ أيْ: قَصَدْتُهُ، وأمّا الصَّعِيدُ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى الصّاعِدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ تُرابًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، لا أعْلَمُ اخْتِلافًا بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ في ذَلِكَ.
وفِي "المِصْباحِ": الصَّعِيدُ في كَلامِ العَرَبِ يُطْلَقُ عَلى وُجُوهٍ: عَلى التُّرابِ الَّذِي عَلى وجْهِ الأرْضِ، وعَلى وجْهِ الأرْضِ، وعَلى الطَّرِيقِ.
وفِي "القامُوسِ": الصَّعِيدُ التُّرابُ أوْ وجْهُ الأرْضِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَذْهَبُ أكْثَرِ العُلَماءِ أنَّ الصَّعِيدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ هو التُّرابُ. انْتَهى.
واحْتَجُّوا بِما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فُضِّلْنا عَلى النّاسِ بِثَلاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ، وجُعِلَتْ لَنا الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدًا، وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لَنا طَهُورًا إذا لَمْ نَجِدِ الماءَ» وفي لَفْظٍ: «وجُعِلَ تُرابُها لَنا طَهُورًا إذا لَمْ نَجِدِ الماءَ» .
قالُوا: فَخَصَّصَ الطَّهُورِيَّةَ بِالتُّرابِ في مَقامِ الِامْتِنانِ، فَلَوْ كانَ غَيْرُهُ يَقُومُ مَقامَهُ لَذَكَرَهُ (p-١٢٦٣)مَعَهُ.
قالُوا: وحَدِيثُ جابِرٍ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ: «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» خَصَّصَهُ ما قَبْلَهُ لِأنَّ الخاصَّ يُحْمَلُ عَلَيْهِ العامُّ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ الطَّيِّبَ لا يَكُونُ إلّا تُرابًا.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَ الصَّعِيدِ طَيِّبًا، والأرْضُ الطَّيِّبَةُ هي الَّتِي تُنْبِتُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] [الأعْرافِ مِنَ الآيَةِ: ٥٨] فَوَجَبَ في الَّتِي لا تُنْبِتُ أنْ لا تَكُونَ طَيِّبَةً، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أمْرًا بِالتَّيَمُّمِ بِالتُّرابِ فَقَطْ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِآيَةِ المائِدَةِ، قالُوا: الآيَةُ هَهُنا مُطْلَقَةٌ ولَكِنَّها في سُورَةِ المائِدَةِ مُقَيَّدَةٌ، وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ [المائدة: ٦] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ٦] وكَلِمَةُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، وهَذا لا يَتَأتّى في الصَّخْرِ الَّذِي لا تُرابَ عَلَيْهِ.
(p-١٢٦٤)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهم إنَّ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ، ولا يَفْهَمُ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ مِن قَوْلِ القائِلِ: (مَسَحْتُ بِرَأْسِهِ مِنَ الدُّهْنِ ومِنَ الماءِ ومِنَ التُّرابِ) إلّا مَعْنى التَّبْعِيضِ، ثُمَّ قالَ: والإذْعانُ لِلْحَقِّ أحَقُّ مِنَ المِراءِ. انْتَهى.
وأجابَ القائِلُونَ بِجَوازِ التَّيَمُّمِ بِالأرْضِ وما عَلَيْها عَنْ هَذِهِ الحُجَجِ بِأنَّ الظّاهِرَ مِن لَفْظِ الصَّعِيدِ وجْهُ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ ما صَعِدَ، أيْ: عَلا وارْتَفَعَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وهَذِهِ الصِّفَةُ لا تَخْتَصُّ بِالتُّرابِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ: «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ وغَيْرِهِ، وما ثَبَتَ في رِوايَةٍ بِلَفْظِ: «وتُرْبَتُها طَهُورًا» كَما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ - فَهو غَيْرُ مُسْتَلْزَمٍ لِاخْتِصاصِ التُّرابِ بِذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ؛ لِأنَّ غايَةَ ذَلِكَ أنَّ لَفْظَ التُّرابِ دَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ غَيْرَهُ مِن أجْزاءِ الأرْضِ لا يُشارِكُهُ في الطَّهُورِيَّةِ، وهَذا مَفْهُومُ لَقَبٍ لا يَنْتَهِضُ لِتَخْصِيصِ عُمُومِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولِهَذا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن أئِمَّةِ الأُصُولِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ التُّرابِ في تِلْكَ الرِّوايَةِ مِن بابِ التَّنْصِيصِ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ، وهَكَذا يَكُونُ الجَوابُ عَنْ ذِكْرِ التُّرابِ في غَيْرِ هَذا الحَدِيثِ، ووَجْهُ ذِكْرِهِ أنَّهُ الَّذِي يَغْلِبُ اسْتِعْمالُهُ في هَذِهِ الطَّهارَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ مِن تَيَمُّمِهِ ﷺ مِن جِدارٍ.
وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِوَصْفِ الصَّعِيدِ بِالطَّيِّبِ، ودَعْوى أنَّ الطَّيِّبَ لا يَكُونُ إلّا تُرابًا طاهِرًا مُنْبِتًا لِقَوْلِهِ تَعالى:: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] [الأعْرافِ: ٥٨] - فَغَيْرُ مُفِيدٍ لِلْمَطْلُوبِ إلّا بَعْدَ بَيانِ اخْتِصاصِ الطَّيِّبِ بِما ذُكِرَ، والضَّرُورَةُ تَدْفَعُهُ، فَإنَّ التُّرابَ المُخْتَلِطَ بِالأزْبالِ أجْوَدُ إخْراجًا لِلنَّباتِ، كَذا في "الرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ".
(p-١٢٦٥)وأمّا الِاسْتِدْلال بِآيَةِ المائِدَةِ وظُهُورِ التَّبْعِيضِ في (مِن) فَذاكَ إذا كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الصَّعِيدِ.
قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ وهو عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الحَدَثِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ إلى آخِرِها، فَإنَّ المَفْهُومَ مِنهُ: وإنْ كُنْتُمْ عَلى حَدَثٍ في حالٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ: سَفَرٍ أوْ مَرَضٍ، أوْ مَجِيءٍ مِنَ الغائِطِ، أوْ مُلامَسَةِ النِّساءِ - فَلَمْ تَجِدُوا ماءً تَتَطَهَّرُونَ بِهِ مِنَ الحَدَثِ فَتَيَمَّمُوا مِنهُ، يُقالُ: تَيَمَّمْتُ مِنَ الجَنابَةِ، قالَ: ومَوْقِعُ (مِن) عَلى هَذا مُسْتَعْمَلٌ مُتَداوَلٌ، وهي عَلى هَذا الإعْرابِ إمّا لِلتَّعْلِيلِ أوْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وكِلاهُما فِيها مُتَمَكِّنٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
السّادِسَةُ: أفادَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ أنَّ الواجِبَ في التَّيَمُّمِ عَنْ وُضُوءٍ أوْ غُسْلٍ هو مَسْحُ الوَجْهِ واليَدَيْنِ فَقَطْ، وهَذا إجْماعٌ، إلّا أنَّ في اليَدَيْنِ مَذاهِبَ لِلْأئِمَّةِ، فَمِن قائِلٍ بِأنَّهُما يُمْسَحانِ إلى المِرْفَقَيْنِ؛ لِأنَّ لَفْظَ اليَدَيْنِ يَصْدُقُ في إطْلاقِهِما عَلى ما يَبْلُغُ المَنكِبَيْنِ وعَلى ما يَبْلُغُ المِرْفَقَيْنِ، كَما في آيَةِ الوُضُوءِ، وعَلى ما يَبْلُغُ الكَفَّيْنِ كَما في آيَةِ السَّرِقَةِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ٣٨] وقالُوا: وحَمْلُ ما أُطْلِقَ هَهُنا عَلى ما قُيِّدَ في آيَةِ الوُضُوءِ أوْلى لِجامِعِ الطَّهُورِيَّةِ.
ورَوى الشّافِعِيُّ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِي الحُوَيْرِثِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنِ ابْنِ الصِّمَّةِ قالَ: «مَرَرْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو يَبُولُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، حَتّى قامَ إلى الجِدارِ فَحَتَّهُ بِعَصًا كانَتْ مَعَهُ، ثُمَّ وضَعَ يَدَهُ عَلى الجِدارِ فَمَسَحَ وجْهَهُ وذِراعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ» .
وهَذا الحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ الأعْرَجَ - وهو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ - لَمْ يَسْمَعْ هَذا مِنِ ابْنِ الصِّمَّةِ، وإنَّما سَمِعَهُ مِن عُمَيْرٍ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ ابْنِ الصِّمَّةِ، وكَذا هو مُخَرَّجٌ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلْنا عَلى أبِي جُهَيْمِ بْنِ الحارِثِ، فَقالَ أبُو جُهَيْمٍ: أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى أقْبَلَ عَلى الجِدارِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى الحائِطِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ ويَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ» .
(p-١٢٦٦)ولِأبِي داوُدَ عَنْ نافِعٍ قالَ: «انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ في حاجَةٍ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَضى ابْنُ عُمَرَ حاجَتَهُ، فَكانَ مِن حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أنْ قالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ، وقَدْ خَرَجَ مِن غائِطٍ أوْ بَوْلٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، حَتّى إذا كادَ الرَّجُلُ أنْ يَتَوارى في السِّكَّةِ، ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلى الحائِطِ ومَسَحَ بِهِما وجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرى فَمَسَحَ ذِراعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلى الرَّجُلِ السَّلامَ، وقالَ: إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أنْ أرُدَّ عَلَيْكَ السَّلامَ إلّا أنِّي لَمْ أكُنْ عَلى طُهْرٍ» .
وفِي رِوايَةٍ: فَمَسَحَ ذِراعَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ، فَهَذا أجْوَدُ ما في البابِ، فَإنَّ البَيْهَقِيَّ أشارَ إلى صِحَّتِهِ، كَذا في "لُبابِ التَّأْوِيلِ".
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في حَدِيثِ أبِي داوُدَ ما نَصُّهُ: ولَكِنْ في إسْنادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ ثابِتٍ العَبْدَيُّ، وقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الحُفّاظِ، ورَواهُ غَيْرُهُ مِنَ الثِّقاتِ فَوَقَفُوهُ عَلى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ البُخارِيُّ وأبُو زُرْعَةَ وابْنُ عَدِيٍّ: هو الصَّحِيحُ.
وقالَ البَيْهَقِيُّ: رَفْعُ هَذا الحَدِيثِ مُنْكَرٌ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وذَكَرَ بَعْضُهم ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ» ولَكِنْ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ في إسْنادِهِ ضَعْفًا لا يَثْبُتُ الحَدِيثُ بِهِ. انْتَهى. وذَلِكَ لِأنَّ فِيهِ عَلِيَّ بْنَ ظَبْيانَ، قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: هو ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ القَطّانُ وابْنُ مَعِينٍ وغَيْرُ واحِدٍ، وبِهِ يُعْلَمُ أنَّ ما اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى إيجابِ الضَّرْبَتَيْنِ - مِمّا ذَكَرَ - فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ طُرُقَها جَمِيعَها لا تَخْلُو مِن مَقالٍ، ولَوْ صَحَّتْ لَكانَ الأخْذُ بِها مُتَعَيَّنًا لِما فِيها مِنَ الزِّيادَةِ.
* *
(p-١٢٦٧)فَصْلٌ
ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إلى أنَّهُ يَمْسَحُ اليَدَيْنِ إلى المَنكِبَيْنِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: «تَمَسَّحُوا وهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّعِيدِ لِصَلاةِ الفَجْرِ، فَضَرَبُوا بِأكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ ثُمَّ مَسَحُوا وُجُوهَهم مَسْحَةً واحِدَةً، ثُمَّ عادُوا فَضَرَبُوا بِأكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرى، فَمَسَحُوا بِأيْدِيهِمْ كُلِّها إلى المَناكِبِ والآباطِ مِن بُطُونِ أيْدِيهِمْ» . أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ.
قالَ الحافِظُ في "الفَتْحِ": وأمّا رِوايَةُ الآباطِ فَقالَ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ: إنْ كانَ ذَلِكَ وقَعَ بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَكُلُّ تَيَمُّمٍ صَحَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ فَهو ناسِخٌ لَهُ، وإنْ كانَ وقَعَ بِغَيْرِ أمْرِهِ فالحُجَّةُ فِيما أمَرَ بِهِ.
* *
فَصْلٌ
والحُقُّ الوُقُوفُ في صِفَةِ التَّيَمُّمِ عَلى ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَمّارٍ، مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى ضَرْبَةٍ واحِدَةٍ لِلْوَجْهِ والكَفَّيْنِ.
(p-١٢٦٨)«قالَ عَمّارٌ: أجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الماءَ، فَتَمَعَّكْتُ في الصَّعِيدِ، وصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنَّما كانَ يَكْفِيكَ هَكَذا، وضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأرْضَ ونَفَخَ فِيهِما، ثُمَّ مَسَحَ بِهِما وجْهَهُ وكَفَّيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفِي لَفْظٍ: «إنَّما كانَ يَكْفِيكَ أنْ تَضْرِبَ بِكَفَّيْكَ في التُّرابِ ثُمَّ تَنْفُخُ فِيهِما ثُمَّ تَمْسَحُ بِهِما وجْهَكَ وكَفَّيْكَ إلى الرُّسْغَيْنِ» رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في التَّيَمُّمِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ واليَدَيْنِ» .
وفِي لَفْظٍ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ والكَفَّيْنِ» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أكْثَرُ الآثارِ المَرْفُوعَةِ عَنْ عَمّارٍ ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ، وما رُوِيَ عَنْهُ مِن ضَرْبَتَيْنِ فَكُلُّها مُضْطَرِبَةٌ، وأمّا الجَوابُ عَنِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ عَمّارٍ بِأنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ صُورَةِ الضَّرْبِ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ جَمِيعَ ما يَحْصُلُ بِهِ التَّيَمُّمُ - فَتَكَلُّفٌ واضِحٌ، ومُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ.
وقَدْ سَرى هَذا إلى العَلّامَةِ السِّنْدِيِّ في "حَواشِي البُخارِيِّ " حَيْثُ كَتَبَ عَلى حَدِيثِ عَمّارٍ ما نَصُّهُ: قَدِ اسْتَدَلَّ المُصَنِّفُ (يَعْنِي البُخارِيَّ ) بِهَذا الحَدِيثِ عَلى عَدَمِ لُزُومِ الذِّراعَيْنِ في التَّيَمُّمِ في مَوْضِعٍ، وعَلى عَدَمِ وُجُوبِ الضَّرْبَةِ الثّانِيَةِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وكَذا سَيَجِيءُ في رِواياتِ هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قَدَّمَ في هَذِهِ الواقِعَةِ الكَفَّيْنِ عَلى الوَجْهِ، فاسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُ لِعَدَمِ لُزُومِ التَّرْتِيبِ، فَلَعَلَّ القائِلَ بِخِلافِ ذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ هَذا الحَدِيثَ لَيْسَ مَسُوقًا لِبَيانِ عَدَدِ الضَّرَباتِ ولا لِبَيانِ تَحْدِيدِ اليَدِ في التَّيَمُّمِ ولا لِبَيانِ عَدَمِ لُزُومِ التَّرْتِيبِ، بَلْ ذَلِكَ أمْرٌ مُفَوَّضٌ إلى أدِلَّةٍ خارِجَةٍ، وإنَّما هو مَسُوقٌ لِرَدِّ ما زَعَمَهُ عَمّارٌ مِن أنَّ الجُنُبَ يَسْتَوْعِبُ البَدَنَ كُلَّهُ، والقَصْرُ في قَوْلِهِ: (إنَّما كانَ يَكْفِيكَ) مُعْتَبَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، كَما هو القاعِدَةُ أنَّ القَصْرَ (p-١٢٦٩)يُعْتَبَرُ بِالنَّظَرِ إلى زَعْمِ المُخاطَبِ، فالمَعْنى: إنَّما يَكْفِيكَ اسْتِعْمالُ الصَّعِيدِ في عُضْوَيْنِ: وهُما الوَجْهُ واليَدُ.
وأشارَ إلى اليَدِ بِـ(الكَفِّ) ولا حاجَةَ إلى اسْتِعْمالِهِ في تَمامِ البَدَنِ، وعَلى هَذا يُسْتَدَلُّ عَلى عَدَدِ الضَّرَباتِ وتَحْدِيدِ اليَدِ ولُزُومِ التَّرْتِيبِ أوْ عَدَمِهِ بِأدِلَّةٍ أُخَرَ، كَحَدِيثِ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وضَرْبَةٌ لِلذِّراعَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ» وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ صَحِيحٌ كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الحُفّاظِ، وهو مَسُوقٌ لِمَعْرِفَةِ عَدَدِ الضَّرَباتِ وتَحْدِيدِ اليَدِ، فَيُقَدَّمُ عَلى غَيْرِ المَسُوقِ لِذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُهُ.
وقَوْلُهُ: (فَإنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ) فِيهِ ما تَقَدَّمَ.
وقَدْ قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "زادِ المَعادِ" في (فَصْلٌ: هَدْيُهُ ﷺ بِالتَّيَمُّمِ) ما نَصُّهُ: كانَ ﷺ يَتَيَمَّمُ بِضَرْبَةٍ واحِدَةٍ لِلْوَجْهِ والكَفَّيْنِ، ولَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أنَّهُ تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ، ولا إلى المِرْفَقَيْنِ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: مَن قالَ: إنَّ التَّيَمُّمَ إلى المِرْفَقَيْنِ فَإنَّما هو شَيْءٌ زادَهُ مِن عِنْدِهِ، وكَذَلِكَ كانَ يَتَيَمَّمُ بِالأرْضِ الَّتِي يُصَلِّي عَلَيْها تُرابًا كانَتْ أوْ سَبِخَةً أوْ رَمْلًا.
وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «حَيْثُما أدْرَكَتْ رَجُلًا مِن أُمَّتِي الصَّلاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وطَهُورُهُ» وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ مَن أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ في الرَّمْلِ فالرَّمْلُ لَهُ طَهُورٌ.
ولَمّا سافَرَ ﷺ هو وأصْحابُهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قَطَعُوا تِلْكَ الرِّمالَ في طَرِيقِهِمْ، وماؤُهم في غايَةِ القِلَّةِ، ولَمْ يُرْوَ عَنْهُ أنَّهُ حَمَلَ مَعَهُ التُّرابَ، ولا أمَرَ بِهِ، ولا فَعَلَهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ، مَعَ القَطْعِ بِأنَّ في المَفاوِزِ الرِّمالَ أكْثَرَ مِنَ التُّرابِ، وكَذَلِكَ أرْضُ الحِجازِ وغَيْرِهِ، ومَن تَدَبَّرَ هَذا قَطَعَ بِأنَّهُ كانَ يَتَيَمَّمُ بِالرَّمْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وأمّا ما ذُكِرَ في صِفَةِ التَّيَمُّمِ مِن وضْعِ بُطُونِ أصابِعِ يَدِهِ اليُسْرى عَلى ظُهُورِ اليُمْنى، ثُمَّ إمْرارِها إلى المِرْفَقِ، ثُمَّ إدارَةِ بَطْنِ كَفِّهِ عَلى بَطْنِ الذِّراعِ، وإقامَةِ إبْهامِهِ اليُسْرى كالمُؤَذِّنِ، إلى أنْ يَصِلَ إلى إبْهامِهِ اليُمْنى، فَيُطْبِقُها عَلَيْها، فَهَذا مِمّا يُعْلَمُ قَطْعًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ، ولا عَلَّمَهُ أحَدًا مِن أصْحابِهِ، ولا أمَرَ بِهِ، ولا اسْتَحْسَنَهُ، وهَذا هَدْيُهُ، إلَيْهِ التَّحاكُمُ، وكَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلاةٍ، ولا أمَرَ بِهِ، بَلْ أُطْلِقَ، وجَعَلَهُ قائِمًا مَقامَ الوُضُوءِ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، إلّا فِيما اقْتَضى الدَّلِيلُ خِلافَهُ. انْتَهى.
(p-١٢٧٠)السّابِعَةُ: ذَكَرَ هُنا الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ سَبَبَ مَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ قالَ: وإنَّما ذَكَرْنا ذَلِكَ هَهُنا لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في النِّساءِ مُتَقَدِّمَةُ النُّزُولِ عَلى آيَةِ المائِدَةِ، وبَيانُهُ: أنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، والخَمْرُ إنَّما حُرِّمَ بَعْدَ أُحُدٍ بِيَسِيرٍ، في مُحاصَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِبَنِي النَّضِيرِ، وأمّا المائِدَةُ فَإنَّها مِن آخِرِ ما نَزَلَ، ولا سِيَّما صَدْرُها، فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ السَّبَبُ هُنا، وبِاللَّهِ الثِّقَةُ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا هِشامٌ، عَنْ أبِيهِ، «عَنْ عائِشَةَ أنَّها اسْتَعارَتْ مِن أسْماءَ قِلادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رِجالًا في طَلَبِها، فَوَجَدُوها فَأدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ، فَصَلَّوْها بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ التَّيَمُّمَ، فَقالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ لِعائِشَةَ: جَزاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَواللَّهِ ما نَزَلَ بِكِ أمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ ولِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا».
(طَرِيقٌ أُخْرى) قالَ البُخارِيُّ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أنْبَأنا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قالَتْ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ أسْفارِهِ حَتّى إذا كُنّا بِالبَيْداءِ، أوْ بِذاتِ الجَيْشِ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى التِماسِهِ، وأقامَ النّاسُ مَعَهُ، ولَيْسُوا عَلى ماءٍ، ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ، فَأتى النّاسُ إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقالُوا: ألا تَرى ما صَنَعَتْ عائِشَةُ ؟ أقامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِالنّاسِ ولَيْسُوا عَلى ماءٍ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ، فَجاءَ أبُو بَكْرٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ واضِعٌ رَأْسَهُ عَلى فَخِذِي قَدْ نامَ فَقالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والنّاسَ ولَيْسُوا عَلى ماءٍ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ، قالَتْ عائِشَةُ: فَعاتَبَنِي أبُو بَكْرٍ، وقالَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولَ، فَجَعَلَ يَطْعَنُنِي بِيَدِهِ في خاصِرَتِي، فَلا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلّا مَكانُ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى فَخِذِي، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-١٢٧١)حَتّى أصْبَحَ عَلى غَيْرِ ماءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا. فَقالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ: ما هي بِأوَّلِ بَرَكَتِكم يا آلَ أبِي بَكْرٍ.
قالَتْ: فَبَعَثْنا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنا العِقْدَ تَحْتَهُ».
وقَدْ رَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مالِكٍ.
ورَواهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيى بْنِ يَحْيى، عَنْ مالِكٍ.
انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ.
وأوْرَدَ الواحِدِيُّ في "أسْبابِ النُّزُولِ" هَذا الحَدِيثَ عِنْدَ ذِكْرِ آيَةِ النِّساءِ أيْضًا.
وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا نَعْلَمُ أيَّ الآيَتَيْنِ عَنَتْ عائِشَةُ.
قالَ ابْنُ بَطّالٍ: هي آيَةُ النِّساءِ أوْ آيَةُ المائِدَةِ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: هي آيَةُ النِّساءِ، ووَجَّهَهُ بِأنَّ آيَةَ المائِدَةِ تُسَمّى آيَةَ الوُضُوءِ، وآيَةَ النِّساءِ لا ذِكْرَ فِيها لِلْوُضُوءِ، فَيَتَّجِهُ تَخْصِيصُها بِآيَةِ التَّيَمُّمِ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "الفَتْحِ": وخَفِيَ عَلى الجَمِيعِ ما ظَهَرَ لِلْبُخارِيِّ مِن أنَّ (p-١٢٧٢)المُرادَ بِها آيَةُ المائِدَةِ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ لِرِوايَةِ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ؛ إذْ صَرَّحَ فِيها بِقَوْلِهِ: فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ.
وقالَ الحافِظُ قَبْلُ: اسْتُدِلَّ بِهِ (أيْ: بِحَدِيثِ عائِشَةَ ) عَلى أنَّ الوُضُوءَ كانَ واجِبًا عَلَيْهِمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الوُضُوءِ، ولِهَذا اسْتَعْظَمُوا نُزُولَهم عَلى غَيْرِ ماءٍ، ووَقَعَ مِن أبِي بَكْرٍ في حَقِّ عائِشَةَ ما وقَعَ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ المَغازِي أنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّ مُنْذُ افْتُرِضَتِ الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلّا بِوُضُوءٍ، ولا يَدْفَعُ ذَلِكَ إلّا جاهِلٌ أوْ مُعانِدٌ.
قالَ: وفي قَوْلِهِ في هَذا الحَدِيثِ: (آيَةُ التَّيَمُّمِ) إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي طَرَأ عَلَيْهِمْ مِنَ العِلْمِ حِينَئِذٍ حُكْمُ التَّيَمُّمِ لا حُكْمُ الوُضُوءِ، قالَ: والحِكْمَةُ في نُزُولِ آيَةِ الوُضُوءِ مَعَ تَقَدُّمِ العَمَلِ بِهِ لِيَكُونَ فَرْضُهُ مَتْلُوًّا بِالتَّنْزِيلِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ في "لُبابِ النُّقُولِ" بَعْدَ تَصْوِيبِ هَذا الكَلامِ: فَإنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ كانَ مَعَ فَرْضِ الصَّلاةِ بِمَكَّةَ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. انْتَهى.
وقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أيْضًا في قَوْلٍ أُسَيْدٍ (ما هي بِأوَّلِ بَرَكَتِكُمْ): يُشْعِرُ بِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كانَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الإفْكِ، فَيُقَوِّي قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى تَعَدُّدِ ضَياعِ العِقْدِ، ومِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ الأخْبارِيُّ فَقالَ: سَقَطَ عِقْدُ عائِشَةَ في غَزْوَةِ ذاتِ الرِّقاعِ وفي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلَقِ.
وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ لَمْ أدْرِ كَيْفَ أصْنَعُ .. الحَدِيثَ.
فَهَذا يَدُلُّ عَلى تَأخُّرِها عَنْ غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلَقِ؛ لِأنَّ إسْلامَ أبِي هُرَيْرَةَ كانَ في السَّنَةِ السّابِعَةِ، وهي بَعْدَها بِلا خِلافٍ.
قالَ: وسَيَأْتِي في المَغازِي أنَّ البُخارِيَّ يَرى أنَّ غَزْوَةَ ذاتَ الرِّقاعِ كانَتْ بَعْدَ قُدُومِ أبِي مُوسى، وقُدُومُهُ كانَ في وقْتِ إسْلامِ أبِي هُرَيْرَةَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى تَأخُّرِ القِصَّةِ أيْضًا عَنْ قِصَّةِ الإفْكِ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمّا كانَ مِن أمْرِ عِقْدِي ما كانَ، وقالَ أهْلُ الإفْكِ ما قالُوا، خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةٍ أُخْرى فَسَقَطَ أيْضًا عِقْدِي حَتّى حُبِسَ النّاسُ عَلى التِماسِهِ، فَقالَ لِي أبُو بَكْرٍ: يا بُنَيَّةُ! في كُلِّ سَفْرَةٍ تَكُونِينَ عَناءً وبَلاءً عَلى النّاسِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الرُّخْصَةَ (p-١٢٧٣)فِي التَّيَمُّمِ».
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّكِ لَمُبارَكَةٌ (ثَلاثًا) وفي إسْنادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرّازِيُّ، وفِيهِ مَقالٌ.
وفِي سِياقِهِ مِنَ الفَوائِدِ بَيانُ عِتابِ أبِي بَكْرٍ الَّذِي أُبْهِمَ في حَدِيثِ البابِ، والتَّصْرِيحُ بِأنَّ ضَياعَ العِقْدِ كانَ مَرَّتَيْنِ في غَزْوَتَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ الحافِظِ.
وقالَ الإمامُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ في "زادَ المَعادِ" في (غَزْوَةُ المُرَيْسِيعِ وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلَقِ): إنَّها كانَتْ في شَعْبانَ سَنَةَ خَمْسٍ، وبَعْدَ ذِكْرِها قالَ: قالَ ابْنُ سَعْدٍ: وفي هَذِهِ الغَزْوَةِ سَقَطَ عِقْدٌ لِعائِشَةَ فاحْتُبِسُوا عَلى طَلَبِهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ الطَّبَرانِيِّ المُتَقَدِّمَ، وقالَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِصَّةَ العِقْدِ الَّتِي نَزَلَ التَّيَمُّمُ لِأجْلِها بَعْدَ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وهو الظّاهِرُ، ولَكِنْ فِيها كانَتْ قِصَّةُ الإفْكِ بِسَبَبِ فَقْدِ العِقْدِ والتِماسِهِ، فالتُبِسَ عَلى بَعْضِهِمْ إحْدى القِصَّتَيْنِ بِالأُخْرى. انْتَهى.
وقَدْ رُوِيَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ أيْضًا عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَّسَ بِأُولاتِ الجَيْشِ ومَعَهُ عائِشَةُ، فانْقَطَعَ عِقْدٌ لَها مِن جَزْعِ ظَفارِ، فَحُبِسَ النّاسُ ابْتِغاءَ عِقْدِها ذَلِكَ حَتّى أضاءَ الفَجْرُ ولَيْسَ مَعَ النّاسِ ماءٌ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْها أبُو بَكْرٍ، وقالَ: حَبَسْتِ النّاسَ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ ﷺ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقامَ المُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبُوا بِأيْدِيهِمْ إلى الأرْضِ ثُمَّ رَفَعُوا أيْدِيَهم ولَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرابِ شَيْئًا، فَمَسَحُوا بِها وُجُوهَهم وأيْدِيَهم إلى المَناكِبِ ومِن بُطُونِ أيْدِيهِمْ إلى الآباطِ».
ورَواهُ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي اليَقْظانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: (p-١٢٧٤)«كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَلَكَ عِقْدٌ لِعائِشَةَ فَأقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أضاءَ الصُّبْحُ، فَتَغَيَّظَ أبُو بَكْرٍ عَلى عائِشَةَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ الرُّخْصَةُ، المَسْحُ بِالصَّعِيدِ، فَدَخَلَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ لَها: إنَّكِ لَمُبارَكَةٌ، نَزَلَ فِيكِ رُخْصَةٌ، فَضَرَبْنا بِأيْدِينا ضَرْبَةً لِوُجُوهِنا وضَرْبَةً لِأيْدِينا إلى المَناكِبِ والآباطِ».
ورَوى الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَهْ في سَبَبِ نُزُولِها وجْهًا آخَرَ، عَنِ الأسْلَعِ بْنِ شَرِيكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كُنْتُ أرْحَلُ ناقَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأصابَتْنِي جَنابَةٌ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ، وأرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – الرِّحْلَةَ، فَكَرِهْتُ أنْ أرْحَلَ ناقَةَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنا جُنُبٌ، وخَشِيتُ أنْ أغْتَسِلَ بِالماءِ البارِدِ فَأمُوتَ أوْ أمْرَضَ، فَأمَرْتُ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَرَحَلَها ثُمَّ رَضَفْتُ أحْجارًا فَأسْخَنْتُ بِها ماءً واغْتَسَلْتُ، ثُمَّ لَحِقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ فَقالَ: يا أسْلَعُ ! ما لِي أرى رَحْلَتَكَ قَدْ تَغَيَّرَتْ؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! لَمْ أرْحَلْها، رَحَلَها رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، قالَ: ولِمَ؟ قُلْتُ: إنِّي أصابَتْنِي جَنابَةٌ فَخَشِيتُ القُرَّ عَلى نَفْسِي، فَأمَرْتُهُ أنْ يَرْحَلَها ورَضَفْتُ أحْجارًا فَأسْخَنْتُ بِها ماءً فاغْتَسَلْتُ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾»
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ.
النساء 4:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [٤٤]
﴿ألَمْ تَرَ﴾ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وضُمِّنَ مَعْنى الِانْتِهاءِ، أيْ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، أوْ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ ﴿إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: حَظًّا مِن عِلْمِ التَّوْراةِ، وهم أحْبارُ اليَهُودِ، قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: المُرادُ بِالَّذِي أُوتُوهُ ما بُيِّنَ لَهم فِيها مِنَ الأحْكامِ والعُلُومِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عَلِمُوهُ مِن نُعُوتِ النَّبِيِّ ﷺ وحَقِيَةِ الإسْلامِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنَّصِيبِ (p-١٢٧٥)المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِهِ حَقًّا مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والمُحافَظَةُ عَلَيْها لِلْإيذانِ بِكَمالِ رَكاكَةِ آرائِهِمْ حَيْثُ ضَيَّعُوهُ تَضْيِيعًا.
وتَنْوِينُهُ تَفْخِيمِيٌّ مُؤَيِّدٌ لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ، والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، فالتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى كَمالِ شَناعَتِهِمْ، والإشْعارِ بِمَكانِ ما طُوِيَ ذِكْرُهُ في المُعامَلَةِ المَحْكِيَّةِ عَنْهم مِنَ الهُدى الَّذِي هو أحَدُ العِوَضَيْنِ: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ وهو البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ، بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ لَهم عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وأنَّهُ هو النَّبِيُّ المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أيْ: يَأْخُذُونَ الضَّلالَةَ ويَتْرُكُونَ ما أُوتُوهُ مِنَ الهُدى لِيَشْتَرُوا ثَمَنًا قَلِيلًا مِن حُطامِ الدُّنْيا.
وإنَّما طُوِيَ ذِكْرُ المَتْرُوكِ لِغايَةِ ظُهُورِ الأمْرِ، لا سِيَّما بَعْدَ الإشْعارِ المَذْكُورِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالِاشْتِراءِ - الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ اسْتِبْدالِ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ، أيْ: أخْذِها بَدَلًا مِنهُ أخْذًا ناشِئًا عَنِ الرَّغْبَةِ فِيها والإعْراضِ عَنْهُ - لِلْإيذانِ بِكَمالِ رَغْبَتِهِمْ في الضَّلالَةِ، الَّتِي حَقُّها أنْ يُعْرَضَ عَنْها كُلَّ الإعْراضِ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الهِدايَةِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ، وفِيهِ مِنَ التَّسْجِيلِ عَلى نِهايَةِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، وغايَةِ رَكاكَةِ آرائِهِمْ ما لا يَخْفى، حَيْثُ صُوِّرَتْ حالُهم بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَتَعاطاهُ أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ: لا يَكْتَفُونَ بِضَلالِ أنْفُسِهِمْ بَلْ يُرِيدُونَ بِما فَعَلُوا مِن كِتْمانِ نُعُوتِهِ ﷺ أنْ تَضِلُّوا أيُّها المُؤْمِنُونَ سَبِيلَ الحَقِّ كَما ضَلُّوا، ويَوَدُّونَ لَوْ تَكْفُرُونَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم مِنَ الهُدى والعِلْمِ النّافِعِ.
النساء 4:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [٤٥]
﴿واللَّهُ أعْلَمُ﴾ أيْ: مِنكم ﴿بِأعْدائِكُمْ﴾ أيْ: وقَدْ أخْبَرَكم بِعَداوَتِهِمْ لَكُمْ، وما يُرِيدُونَ بِكُمْ، فاحْذَرُوهُمْ، ولا تَسْتَنْصِحُوهم في أُمُورِكم ولا تَسْتَشِيرُوهم ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ يَلِي أُمُورَكم ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكُمْ، أيْ: فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ دُونَهُمْ، (p-١٢٧٦)ولا تَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ، أوْ: ولا تُبالُوا بِهِمْ وبِما يَسُومُونَكم مِنَ السُّوءِ، فَإنَّهُ تَعالى يَكْفِيكم مَكْرَهم وشَرَّهُمْ، فَفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
النساء 4:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ [٤٦]
﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ وهُوَ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤] فَإنَّهُ مُتَناوِلٌ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ، وقَدْ وُسِّطَ بَيْنَهُما ما وُسِّطَ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ مَحَلِّ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ والمُسارَعَةِ إلى تَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، وتَحْذِيرِهِمْ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ، والِاهْتِمامِ بِحَمْلِهِمْ عَلى الثِّقَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والِاكْتِفاءِ بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ هو وما عُطِفَ عَلَيْهِ بَيانٌ لاشَتْرائِهِمُ المَذْكُورِ، وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ ضَلالِهِمْ، فَقَدْ رُوعِيَتْ في النَّظْمِ الكَرِيمِ طَرِيقَةُ التَّفْسِيرِ بَعْدَ الإبْهامِ، والتَّفْصِيلِ إثْرَ الإجْمالِ رَوْمًا لِزِيادَةِ تَقْرِيرٍ يَقْتَضِيهِ الحالُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ أيْ: يَتَناوَلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، ويُفَسِّرُونَهُ بِغَيْرِ مُرادِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَصْدًا مِنهم وافْتِراءً.
وقالَ العَلّامَةُ الرّازِيُّ: في كَيْفِيَّةِ التَّحْرِيفِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إنَّهم كانُوا يُبَدِّلُونَ اللَّفْظَ بِلَفْظٍ آخَرَ.
ثُمَّ قالَ:
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالتَّحْرِيفِ إلْقاءُ الشُّبَهِ الباطِلَةِ والتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ وصَرْفُ اللَّفْظِ مِن مَعْناهُ الحَقِّ إلى مَعْنًى باطِلٍ بِوُجُوهِ الحِيَلِ اللَّفْظِيَّةِ، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ البِدْعَةِ في زَمانِنا هَذا، بِالآياتِ المُخالِفَةِ لِمَذاهِبِهِمْ، وهَذا هو الأصَحُّ.
والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ويَسْألُونَهُ عَنْ أمْرٍ فَيُخْبِرُهم لِيَأْخُذُوا بِهِ، فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ حَرَّفُوا كَلامَهُ. انْتَهى.
(p-١٢٧٧)وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في "إغاثَةِ اللَّهْفانِ": قَدِ اخْتُلِفَ في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيهِمْ، هَلْ هي مُبَدَّلَةٌ أمِ التَّبْدِيلُ وقَعَ في التَّأْوِيلِ دُونَ التَّنْزِيلِ؟ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
قالَتْ طائِفَةٌ: كُلُّها أوْ أكْثَرُها مُبَدَّلٌ، وغَلا بَعْضُهم حَتّى قالَ: يَجُوزُ الِاسْتِجْمارُ بِها.
وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أئِمَّةِ الحَدِيثِ والفِقْهِ والكَلامِ: إنَّما وقَعَ التَّبْدِيلُ في التَّأْوِيلِ.
قالَ البُخارِيُّ في "صَحِيحِهِ": يُحَرِّفُونَ يُزِيلُونَ، ولَيْسَ أحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتابٍ مِن كُتُبِ اللَّهِ ولَكِنَّهم يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وهو اخْتِيارُ الرّازِيِّ أيْضًا.
وسَمِعْتُ شَيْخَنا يَقُولُ: وقَعَ النِّزاعُ بَيْنَ الفُضَلاءِ، فَأجازَ هَذا المَذْهَبَ ووَهّى غَيْرَهُ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ، فَأظْهَرَ خَمْسَةَ عَشَرَ نَقْلًا بِهِ، ومِن حُجَّةٍ هَؤُلاءِ أنَّ التَّوْراةَ قَدْ طَبَّقَتْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، وانْتَشَرَتْ جَنُوبًا وشِمالًا، ولا يَعْلَمُ عَدَدَ نُسَخِها إلّا اللَّهُ، فَيُمْتَنَعُ التَّواطُؤُ عَلى التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ في جَمِيعِ تِلْكَ النُّسَخِ، حَتّى لا تَبْقى في الأرْضِ نُسْخَةٌ إلّا مُبْدَلَةً، وهَذا مِمّا يُحِيلُهُ العَقْلُ، قالُوا: وقَدْ قالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ٩٣] قالُوا: وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى تَرْكِ فَرِيضَةِ الرَّجْمِ، ولَمْ يُمْكِنْهم تَغْيِيرَها مِنَ التَّوْراةِ، ولِذا لَمّا قَرَؤُوها عَلى النَّبِيِّ ﷺ وضَعَ القارِئُ يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَها فَإذا هي تَلُوحُ تَحْتَها.
وتَوَسَّطَتْ طائِفَةٌ فَقالُوا: قَدْ زِيدَ فِيها وغُيِّرَ أشْياءٌ يَسِيرَةٌ جِدًّا، واخْتارَهُ شَيْخُنا في "الجَوابِ الصَّحِيحِ لِمَن بَدَّلَ دِينَ المَسِيحِ" قالَ: وهَذا كَما في التَّوْراةِ عِنْدَهُمْ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ لِإبْراهِيمَ: اذْبَحِ ابْنَكَ بِكْرَكَ أوْ وحِيدَكَ إسْحاقَ، ثُمَّ قالَ: قُلْتُ: والزِّيادَةُ باطِلَةٌ مِن وُجُوهٍ عَشَرَةٍ، ثُمَّ ساقَها فارْجِعْ إلَيْهِ، وقَدْ نَقَلَها عَنْهُ هُنا الإمامُ صِدِّيقُ خانَ، فانْظُرْهُ في تَفْسِيرِهِ "فَتْحُ الرَّحْمَنِ".
(p-١٢٧٨)لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قِيلَ هَهُنا: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ وفي المائِدَةِ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] ؟ قُلْتُ: أمّا: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ فَعَلى ما فَسَّرْنا مِن إزالَتِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّتِي أوْجَبَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ وضْعَهُ فِيها، بِما اقْتَضَتْ شَهَواتُهم مِن إبْدالِ غَيْرِهِ مَكانَهُ، وأمّا: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] فالمَعْنى أنَّهُ كانَتْ لَهُ مَواضِعُ، هو قَمِنٌ بِأنْ يَكُونَ فِيها، فَحِينَ حَرَّفُوهُ تَرَكُوهُ كالغَرِيبِ الَّذِي لا مَوْضِعَ لَهُ بَعْدَ مَواضِعِهِ ومَقارِّهِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ.
وقالَ الرّازِيُّ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَهُنا: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ وفي المائِدَةِ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] والفَرْقُ: أنّا إذا فَسَّرْنا التَّحْرِيفَ بِالتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ فَهَهُنا قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] مَعْناهُ أنَّهم يَذْكُرُونَ التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةَ لِتِلْكَ النُّصُوصِ، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّهم يُخْرِجُونَ تِلْكَ اللَّفْظَةَ مِنَ الكِتابِ، وأمّا الآيَةُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ المائِدَةِ فَهي دالَّةٌ عَلى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَكانُوا يَذْكُرُونَ التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةَ وكانُوا يُخْرِجُونَ اللَّفْظَ أيْضًا مِنَ الكِتابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّأْوِيلِ الباطِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] إشارَةٌ إلى إخْراجِهِ عَنِ الكِتابِ.
وقالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": الظّاهِرُ أنَّ الكَلِمَ المُحَرَّفَ إنَّما أُرِيدَ بِهِ - في هَذِهِ الصُّورَةِ - مِثْلَ: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ و: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] ولَمْ يُقْصَدْ هَهُنا تَبْدِيلُ الأحْكامِ، وتَوَسُّطُها بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ والمُرادُ أيْضًا تَحْرِيفٌ مُشاهَدٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ المُحَرَّفَ هُما وأمْثالُهُما، وأمّا في سُورَةِ المائِدَةِ فالظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ المُرادَ فِيها بِـ: " الكَلِم " الأحْكامُ، وتَحْرِيفُها وتَبْدِيلُها كَتَبْدِيلِهِمُ الرَّجْمَ بِالجَلْدِ، ألا تَراهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١] [المائِدَةِ: مَنِ الآيَةُ ٤١]؟ ولِاخْتِلافِ المُرادِ بِالكَلِمِ في السُّورَتَيْنِ قِيلَ في سُورَةِ المائِدَةِ: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ) أيْ: يَنْقُلُونَهُ عَنِ المَوْضِعِ الَّذِي وضَعَهُ اللَّهُ فِيهِ، فَصارَ وطَنَهُ ومُسْتَقَرَّهُ، إلى غَيْرِ المَوْضِعِ، فَبَقِيَ كالغَرِيبِ المُتَأسَّفِ عَلَيْهِ الَّذِي يُقالُ فِيهِ: هَذا غَرِيبٌ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ ومَقارِّهِ، ولا يُوجَدُ هَذا المَعْنى في مِثْلِ: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] و: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ وإنْ وُجِدَ (p-١٢٧٩)عَلى بُعْدٍ فَلَيْسَ الوَضْعُ اللُّغَوِيُّ مِمّا يُعْبَأُ بِانْتِقالِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ كالوَضْعِ الشَّرْعِيِّ، ولَوْلا اشْتِمالُ هَذا النَّقْلِ عَلى الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ لَما عَظُمَ أمْرُهُ، فَلِذَلِكَ جاءَ هُنا: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِما قُرِنَ بِهِ الأوَّلُ مِن صُورَةِ التَّأسُّفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: والمُرادُ بِالتَّحْرِيفِ هَهُنا إمّا ما في التَّوْراةِ خاصَّةً وإمّا ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِمّا سَيُحْكى عَنْهم مِنَ الكَلِماتِ المَعْهُودَةِ الصّادِرَةِ عَنْهم في أثْناءِ المُحاوَرَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا مَساغَ لِإرادَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ خاصَّةً بِأنْ يُجْعَلَ عَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ وما بَعْدَهُ عَلى ما قَبْلَهُ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا، لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي اخْتِصاصَ حُكْمِ الشَّرْطِيَّةِ الآتِيَةِ وما بَعْدَها بِهِنَّ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَحْرِيفِهِمُ التَّوْراةَ، مَعَ أنَّهُ مُعْظَمُ جِناياتِهِمُ المَعْدُودَةِ فَقَوْلُهُمْ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ يَنْبَغِي أنْ يَجْرِيَ عَلى إطْلاقِهِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمانٍ أوْ مَكانٍ ولا تَخْصِيصٍ بِمادَّةٍ دُونَ مادَّةٍ، بَلْ وأنْ يُحْمَلَ عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ القَوْلِ الحَقِيقِيِّ ومِمّا يُتَرْجَمُ عَنْهُ عِنادُهم ومُكابَرَتُهُمْ، أيْ: يَقُولُونَ في كُلِّ أمْرٍ مُخالِفٍ لِأهْوائِهِمُ الفاسِدَةِ سَواءٌ كانَ بِمَحْضَرِ النَّبِيِّ ﷺ أوْ لا بِلِسانِ المَقالِ أوِ الحالِ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ عِنادًا أوْ تَحْقِيقًا لِلْمُخالَفَةِ. انْتَهى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويَقُولُونَ: ﴿سَمِعْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا ما قُلْتَهُ يا مُحَمَّدُ ولا نُطِيعُكَ فِيهِ، هَكَذا فَسَّرَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ وهو المُرادُ، وهَذا أبْلَغُ في كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ وأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ عَنْ كِتابِ اللَّهِ بَعْدَما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ ما عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ مِنَ الإثْمِ والعُقُوبَةِ.
﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ عَطْفٌ عَلى: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ أيْ: ويَقُولُونَ ذَلِكَ في أثْناءِ مُخاطَبَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - خاصَّةً، وهو كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ مُحْتَمِلٌ لِلشَّرِّ، بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى: " اسْمَعُ " حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًا أصْلًا، بِصَمَمٍ أوْ مَوْتٍ، أيْ: مَدْعُوًّا عَلَيْكَ بِـ(لا سَمِعْتَ) أوْ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًا تَرْضاهُ، ولِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى: اسْمَعْ مِنّا غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، كانُوا يُخاطِبُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ اسْتِهْزاءً بِهِ (عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ) مُظْهِرِينَ لَهُ إرادَةَ المَعْنى الأخِيرِ وهم مُضْمِرُونَ المَعْنى الأوَّلَ مُطْمَئِنُّونَ بِهِ.
﴿وراعِنا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: ويَقُولُونَ في أثْناءِ خِطابِهِمْ لَهُ ﷺ هَذا أيْضًا، وهي كَلِمَةٌ ذاتُ وجْهَيْنِ أيْضًا مُحْتَمِلَةٌ لِلْخَيْرِ (p-١٢٨٠)بِحَمْلِها عَلى مَعْنى ارْقُبْنا وانْظُرْنا نُكَلِّمْكَ، ولِلشَّرِّ بِحَمْلِها عَلى شِبْهِ كَلِمَةٍ عِبْرانِيَّةٍ كانُوا يَتَسابُّونَ بِها، أوْ عَلى السَّبِّ بِالرُّعُونَةِ أيِ: الحُمْقِ، وبِالجُمْلَةِ فَكانُوا - سُخْرِيَةً بِالدِّينِ وهُزُؤًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ - يُكَلِّمُونَهُ بِكَلامٍ مُحْتَمِلٍ يَنْوُونَ بِهِ الشَّتِيمَةَ والإهانَةَ ويُظْهِرُونَ بِهِ التَّوْقِيرَ والإكْرامَ.
﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أيْ: فَتْلًا بِها وصَرْفًا لِلْكَلامِ مِن وجْهٍ إلى وجْهٍ وتَحْرِيفًا، أيْ: يَفْتِلُونَ بِألْسِنَتِهِمُ الحَقَّ إلى الباطِلِ حَيْثُ يَضَعُونَ: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] مَوْضِعَ: ﴿انْظُرْنا﴾ [البقرة: ١٠٤] و: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ مَوْضِعَ (لا أُسْمِعْتَ مَكْرُوهًا) أوْ يَفْتِلُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما يُضْمِرُونَهُ مِنَ الشَّتْمِ إلى ما يُظْهِرُونَ مِنَ التَّوْقِيرِ نِفاقًا.
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جاؤُوا بِالقَوْلِ المُحْتَمَلِ ذِي الوَجْهَيْنِ بَعْدَما صَرَّحُوا وقالُوا: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ ؟ قُلْتُ: جَمِيعُ الكَفَرَةِ كانُوا يُواجِهُونَهُ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ ولا يُواجِهُونَهُ بِالسَّبِّ ودُعاءِ السُّوءِ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ فِيما بَيْنَهُمْ، ويَجُوزَ أنْ لا يَنْطِقُوا بِذَلِكَ ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا جُعِلُوا كَأنَّهم نَطَقُوا بِهِ، كَذا في الكَشّافِ.
وأصْلُ: ﴿لَيًّا﴾ لَوْيًا لِأنَّهُ مَن لَوَيْتُ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ لِسَبْقِها بِالسُّكُونِ، ومِثْلُهُ (الطَّيُّ).
﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ أيْ: قَدْحًا فِيهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ وانْتِصابُهُما عَلى العِلِّيَّةِ لِـ: " يَقُولُونَ " بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِالقَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ، أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ لِصَرْفِ الكَلامِ عَنْ وجْهِهِ إلى السَّبِّ والطَّعْنِ في الدِّينِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: لاوِينَ وطاعِنِينَ في الدِّينِ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا﴾ أيْ: عِنْدَما سَمِعُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِن أوامِرِهِ تَعالى: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: بَدَلَ قَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ والقَوْلُ هُنا كَسابِقِهِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ ﴿واسْمَعْ﴾ أيْ: لَوْ قالُوا عِنْدَ مُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَدَلَ قَوْلِهِمْ: " اسْمَعُ "فَقَطْ بِلا زِيادَةِ ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ المُحْتَمِلِ لِلشَّرِّ: ﴿وانْظُرْنا﴾ يَعْنِي بَدَلَ قَوْلِهِمْ: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] المُحْتَمِلِ لِلْمَعْنى الفاسِدِ كَما سَلَفَ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ﴾ في الدُّنْيا بِحَقْنِ دِمائِهِمْ وعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ بِإحاطَةِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وفي الآخِرَةِ بِضِعْفِ الثَّوابِ، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إمّا عَلى بابِها واعْتِبارِ أصْلِ الفَضْلِ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ، أوْ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ، وإمّا بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ ﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ (p-١٢٨١)أيْ: ولَكِنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ فَطَرَدَهُمُ اللَّهُ عَنْ رَحْمَتِهِ وأبْعَدَهم عَنِ الهُدى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن " لّعَنَهُمُ " أيْ: ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ إلّا فَرِيقًا قَلِيلًا مِنهُمْ، آمَنُوا فَلَمْ يُلْعَنُوا، أوْ عَلى الوَصْفِيَّةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا أيْ: ضَعِيفًا رَكِيكًا لا يُعْبَأُ بِهِ، فَإنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والتَّوْراةِ ومُوسى، ويَكْفُرُونَ بِبَقِيَّةِ المُرْسَلِينَ وكُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ.
ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا، قالَ: لِأنَّ: " قَلِيلًا " لَفْظٌ مُفْرَدٌ، ولَوْ أُرِيدَ بِهِ (ناسٌ) لَجُمِعَ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] [الشُّعَراءِ: ٥٤] ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ فَعِيلٌ مُفْرَدًا، والمُرادُ بِهِ الجَمْعُ قالَ تَعالى: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٦٩] وقالَ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] [المَعارِجِ: ١٠] (يُبَصَّرُونَهُمْ) أفادَهُ الرّازِيُّ، وقَدْ جُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمُ بِالكُلِّيَّةِ، كَقَوْلِهِ:
؎قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ
(p-١٢٨٢)أيْ هو كَثِيرُ الهَمِّ مُخْتَلِفُ الوُجُوهِ والطُّرُقِ لا يَقِفُ أمَلُهُ عَلى فَنٍّ واحِدٍ بَلْ يَتَجاوَزُهُ إلى فُنُونٍ مُخْتَلِفَةٍ، صَبُورٌ عَلى النَّوائِبِ لا يَكادُ يَتَشَكّى مِنها، فاسْتَعْمَلَ لَفْظَ (قَليِلُ) وأرادَ بِهِ نَفْيَ الكُلِّ.
أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن فاعِلِ (لا يُؤْمِنُونَ) أيْ: فَلا يُؤْمِنُ مِنهم إلّا نَفَرٌ قَلِيلٌ، وأمّا قَوْلُ الخَفاجِيِّ: كانَ الوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامٍ غَيْرِ مُوجِبٍ، وأبِي السُّعُودِ: بِأنَّ فِيهِ نِسْبَةَ القُرّاءِ إلى الِاتِّفاقِ عَلى غَيْرِ المُخْتارِ - فَمَرْدُودٌ بِأنَّ النَّصْبَ عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ في السَّبْعِ في (قَلِيلٌ) مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٦٦]وفِي (امْرَأتُكَ) مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ [هود: ٨١] [هُودَ: مِنَ الآيَةِ ٨١] كَما قالَهُ ابْنُ هِشامٍ في التَّوْضِيحِ.
النساء 4:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ [٤٧]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ (p-١٢٨٣)أيْ: مُوافِقًا لِلتَّوْراةِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ أيْ: نَمْحُوَ تَخْطِيطَ صُوَرِها مِن عَيْنٍ وحاجِبٍ وأنْفٍ وفَمٍ، وقالَ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: طَمْسُها أنْ تَعْمى.
﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ أيْ: فَنَجْعَلُها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها وهي الأقْفاءُ مَطْمُوسَةً مِثْلَها جَزاءً عَلى الكُفْرِ، فالفاءُ لِلتَّسْبِيبِ، أوْ نُنَكِّسُها بَعْدَ الطَّمْسِ فَنَرُدُّها إلى مَوْضِعِ الأقْفاءِ والأقْفاءَ إلى مَوْضِعِها، وقَدِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ أشَدِّهِما، فالفاءُ لِلتَّعْقِيبِ.
قالَ الرّازِيُّ: وهَذا المَعْنى إنَّما جَعَلَهُ اللَّهُ عُقُوبَةً لِما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيهِ في الخِلْقَةِ والمُثْلَةِ والفَضِيحَةِ؛ لِأنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَعْظُمُ الغَمُّ والحَسْرَةُ.
﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ أيْ: أوْ نَفْعَلَ بِهِمْ أبْلَغَ مِن ذَلِكَ، وهو أنْ نَطْرُدَهم عَنِ الإنْسانِيَّةِ بِالمَسْخِ الكُلِّيِّ جَزاءً عَلى اعْتِدائِهِمْ بِتَرْكِ الإيمانِ، كَما أخْزَيْنا بِهِ أوائِلَهم أصْحابَ السَّبْتِ جَزاءً عَلى اعْتِدائِهِمْ عَلى السَّبْتِ بِالحِيلَةِ عَلى الِاصْطِيادِ، فَمَسَخْناهم قِرْدَةً.
﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: ما أمَرَ بِهِ ﴿مَفْعُولا﴾ أيْ: نافِذًا كائِنًا لا مَحالَةَ، هَذا وفي الآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ وهو أنَّ المُرادَ مِن طَمْسِ الوُجُوهِ مَجازُهُ، وهو صَرْفُهم عَنِ الحَقِّ ورَدُّهم إلى الباطِلِ ورُجُوعُهم عَنِ المَحَجَّةِ البَيْضاءِ إلى سَبِيلِ الضَّلالَةِ، يُهْرَعُونَ ويَمْشُونَ القَهْقَرى عَلى أدْبارِهِمْ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا كَما قالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا فَهي إلى الأذْقانِ فَهم مُقْمَحُونَ﴾ [يس: ٨] ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] [يس: ٨ - ٩]: أيْ: هَذا مَثَلُ سُوءٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهم في ضَلالِهِمْ ومَنعِهِمْ عَنِ الهُدى.
قالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يَقُولُ: عَنْ صِراطِ الحَقِّ ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ أيْ: في الضَّلالِ.
قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ نَحْوُ هَذا.
قالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ فَنَمْنَعُها عَنِ الحَقِّ، نُرْجِعُها كُفّارًا.
قالَ الرّازِيُّ: المَقْصُودُ عَلى هَذا بَيانُ إلْقائِها في أنْواعِ الخِذْلانِ وظُلُماتِ الضَّلالاتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] [الأنْفالِ: ٢٤] (p-١٢٨٤)تَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ في مَبْدَأِ خِلْقَتِهِ ألِفَ هَذا العالَمَ المَحْسُوسَ، ثُمَّ إنَّهُ عِنْدَ الفِكْرِ والعُبُودِيَّةِ كَأنَّهُ يُسافِرُ مِن عالَمِ المَحْسُوساتِ إلى عالَمِ المَعْقُولاتِ، فَقُدّامَهُ عالَمُ المَعْقُولاتِ، ووَراءَهُ عالَمُ المَحْسُوساتِ، فالمَخْذُولُ هو الَّذِي يَرُدُّ عَنْ قُدّامِهِ إلى خَلْفِهِ، كَما قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] [السَّجْدَةِ: ١٢].
ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: هَذا الوَعِيدُ قَدْ لَحِقَ اليَهُودَ ومَضى، وتَأوَّلَ ذَلِكَ في إجْلاءِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ إلى الشّامِ، فَرَدَّ اللَّهُ وُجُوهَهم عَلى أدْبارِهِمْ حِينَ عادُوا إلى أذْرِعاتٍ وأرِيحاءَ مِن أرْضِ الشّامِ، كَما جاءُوا مِنها و(طَمْسُ الوُجُوهِ) عَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: تَقْبِيحُ صُورَتِهِمْ، يُقالُ: طَمَسَ اللَّهُ صُورَتَهُ، كَقَوْلِهِ: قَبَّحَ اللَّهُ وجْهَهُ.
والثّانِي: إزالَةُ آثارِهِمْ عَنْ بِلادِ العَرَبِ ومَحْوُ أحْوالِهِمْ عَنْها، وثَمَّةَ تَأْوِيلٌ آخَرُ، وهُوَ: أنَّ المُرادَ بِالوُجُوهِ الوُجَهاءُ، عَلى أنَّ الطَّمْسَ بِمَعْنى مُطْلَقِ التَّغْيِيرِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نُغَيِّرَ أحْوالَ وُجَهائِهِمْ، فَنَسْلُبَ إقْبالَهم ووَجاهَتَهُمْ، ونَكْسُوَهم صَغارًا وإدْبارًا.
وقالَ بَعْضُهُمُ: الأظْهَرُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ إلَخْ عَلى اللَّعْنِ المُتَعارَفِ، قالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠] [المائِدَةِ: ٦٠]، فَفَصَلَ تَعالى بَيْنَ اللَّعْنِ وبَيْنَ مَسْخِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ.
وأقُولُ: لا يَخْفى أنَّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْوِيلاتِ - غَيْرَ الأوَّلِ - لا يُساعِدُهُ مَقامُ تَشْدِيدِ (p-١٢٨٥)الوَعِيدِ، وتَعْمِيمِ التَّهْدِيدِ، فَإنَّ المُتَبادَرَ مِنَ اللَّفْظِ الحَقِيقَةُ، ولا يُصارُ إلى المَجازِ إلّا إذا تَعَذَّرَ إرادَتُها، ولا تَعَذُّرَ هُنا، كَما أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ اللَّعْنِ - المُشَبَّهِ بِلَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ - هو المَسْخُ، وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ بَلاغَةُ التَّنْزِيلِ، إذْ فِيهِ التَّرَقِّي إلى الوَعِيدِ الأفْظَعِ، ولا نُنْكِرُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّأْوِيلاتُ مِمّا يَشْمَلُهُ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما البَحْثُ في دَعْوى إرادَتِها دُونَ سابِقِها، فالحَقُّ أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ أدْخَلَ في الزَّجْرِ.
ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ كَعْبَ الأحْبارِ أسْلَمَ حِينَ سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ولَفْظُهُ بَعْدَ إسْنادِهِ: عَنْ أبِي إدْرِيسَ عائِذِ اللَّهِ الخَوْلانِيِّ قالَ: كانَ أبُو مُسْلِمٍ الجَلِيلِيُّ مُعَلِّمَ كَعْبٍ، وكانَ يَلُومُهُ في إبْطائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ فَبَعَثَهُ إلَيْهِ يَنْظُرُ أهُوَ هُوَ؟ قالَ كَعْبٌ: فَرَكِبْتُ حَتّى أتَيْتُ المَدِينَةَ، فَإذا تالٍ يَقْرَأُ القُرْآنَ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ فاغْتَسَلْتُ، وإنِّي لَأمَسُّ وجْهِي مَخافَةَ أنْ أُطْمَسَ، ثُمَّ أسْلَمْتُ.
ورُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ نَحْوُهُ أيْضًا.
فَإنْ قِيلَ: قَرِينَةُ المَجازِ عَدَمُ وُقُوعِ المُتَوَعَّدِ بِهِ، فالجَوابُ: أنَّ عَدَمَ وُقُوعِهِ لا يُعَيِّنُ إرادَةَ المَجازِ، إذْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى تَحَتُّمِ وُقُوعِهِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، ولَوْ فُهِمَ مِنها هَذا فَهْمًا أوَّلِيًّا لَكانَ إيمانُهم بَعْدَها إيمانَ إلْجاءٍ واضْطِرارٍ، وهو يُنافِي التَّكْلِيفَ الشَّرْعِيَّ، إذْ لَمْ تَجْرِ سُنَّتُهُ تَعالى بِهَذا، بَلِ النَّظْمُ الكَرِيمُ في هَذا المَقامِ مُحْتَمِلٌ ابْتِداءً لِلْقَطْعِ بِوُقُوعِهِ المُتَوَعَّدِ بِهِ، ولِوُقُوعِهِ مُعَلَقًّا بِأمْرِهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ بِذَلِكَ، وهو المُرادُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ [الأحْزابِ: مِنَ الآيَةِ ٣٧] أيْ: ما يَأْمُرُ بِهِ، ويُرِيدُ وُقُوعَهُ، وإذا كانَ الوَعِيدُ مَنُوطًا بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ فَلَهُ أنْ (p-١٢٨٦)يُمْضِيَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولَهُ أنْ يَصْرِفَهُ لِما هو أعْلَمُ بِهِ، إلّا أنَّ وُرُودَ نَظْمِ الآيَةِ بِهَذا الخِطابِ المُتَبادَرِ في الوُقُوعِ غَيْرِ المُعَلَّقِ؛ لِيَكُونَ أدْخَلَ في التَّرْهِيبِ، ومَزْجَرَةً عَنْ مُخالَفَةِ الأمْرِ، هَكَذا ظَهَرَ لَنا الآنَ، وهو أقْرَبُ مِمّا نَحاهُ المُفَسِّرُونَ هُنا مِن أنَّ العِقابَ مُنْتَظَرٌ، أوْ أنَّهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الإيمانِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ زَيَّفَها جَمِيعَها العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ، ثُمَّ اخْتارَ أنَّ المُرادَ مِنَ الوَعِيدِ الأُخْرَوِيِّ، قالَ: لِأنَّهُ لَمْ يَتَّضِحْ وُقُوعُهُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ أيْضًا لِنُبُوِّ مِثْلِ هَذا الخِطابِ عَنْ إرادَةِ الوَعِيدِ الأُخْرَوِيِّ، لا سِيَّما والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي هُدِّدُوا بِها - أعْنِي لَعْنَهم كَأصْحابِ السَّبْتِ - كانَ عِقابُها دُنْيَوِيًّا، فالوَجْهُ ما قَرَّرْناهُ، وما أشْبَهَ هَذِهِ الآيَةَ في وعِيدِها بِآيَةِ يس، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٦٦] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٧] [يس: ٦٦ - ٦٧] بَلْ هَذِهِ عِنْدِي تَفْسِيرٌ لِتِلْكَ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَبَرِحَ الخَفاءُ، والحَمْدُ لِلَّهِ.
لَطِيفَةٌ:
الضَّمِيرُ في (نَلْعَنَهُمْ) لِأصْحابِ الوُجُوهِ، أوْ (لِلَّذِينَ) عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ أوْ (لِلْوُجُوهِ) إنْ أُرِيدَ بِها الوُجَهاءُ.