Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — آل عمران 3:112 – آل عمران 3:200

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. آل عمران 3:112
  2. آل عمران 3:113
  3. آل عمران 3:114
  4. آل عمران 3:115
  5. آل عمران 3:116
  6. آل عمران 3:117
  7. آل عمران 3:118
  8. آل عمران 3:119
  9. آل عمران 3:120
  10. آل عمران 3:121
  11. آل عمران 3:122
  12. آل عمران 3:123
  13. آل عمران 3:124
  14. آل عمران 3:125
  15. آل عمران 3:126
  16. آل عمران 3:127
  17. آل عمران 3:128
  18. آل عمران 3:129
  19. آل عمران 3:130
  20. آل عمران 3:131
  21. آل عمران 3:132
  22. آل عمران 3:133
  23. آل عمران 3:134
  24. آل عمران 3:135
  25. آل عمران 3:136
  26. آل عمران 3:137
  27. آل عمران 3:138
  28. آل عمران 3:139
  29. آل عمران 3:140
  30. آل عمران 3:141
  31. آل عمران 3:142
  32. آل عمران 3:143
  33. آل عمران 3:144
  34. آل عمران 3:145
  35. آل عمران 3:146
  36. آل عمران 3:147
  37. آل عمران 3:148
  38. آل عمران 3:149
  39. آل عمران 3:150
  40. آل عمران 3:151
  41. آل عمران 3:152
  42. آل عمران 3:153
  43. آل عمران 3:154
  44. آل عمران 3:155
  45. آل عمران 3:156
  46. آل عمران 3:157
  47. آل عمران 3:158
  48. آل عمران 3:159
  49. آل عمران 3:160
  50. آل عمران 3:161
  51. آل عمران 3:162
  52. آل عمران 3:163
  53. آل عمران 3:164
  54. آل عمران 3:165
  55. آل عمران 3:166
  56. آل عمران 3:167
  57. آل عمران 3:168
  58. آل عمران 3:169
  59. آل عمران 3:170
  60. آل عمران 3:171
  61. آل عمران 3:172
  62. آل عمران 3:173
  63. آل عمران 3:174
  64. آل عمران 3:175
  65. آل عمران 3:176
  66. آل عمران 3:177
  67. آل عمران 3:178
  68. آل عمران 3:179
  69. آل عمران 3:180
  70. آل عمران 3:181
  71. آل عمران 3:182
  72. آل عمران 3:183
  73. آل عمران 3:184
  74. آل عمران 3:185
  75. آل عمران 3:186
  76. آل عمران 3:187
  77. آل عمران 3:188
  78. آل عمران 3:189
  79. آل عمران 3:190
  80. آل عمران 3:191
  81. آل عمران 3:192
  82. آل عمران 3:193
  83. آل عمران 3:194
  84. آل عمران 3:195
  85. آل عمران 3:196
  86. آل عمران 3:197
  87. آل عمران 3:198
  88. آل عمران 3:199
  89. آل عمران 3:200

آل عمران 3:112

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١١٢ ] ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: أُحِيطَ بِهِمْ الهَوانُ والصَّغارُ كَما يُحِيطُ البَيْتُ المَضْرُوبُ بِساكِنِيهِ أيْنَما وُجِدُوا، وقَوْلُهُ: ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ: إلّا مُعْتَصِمِينَ أوْ مُتَمَسِّكِينَ أوْ مُلْتَبِسِـينَ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ، وهو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ عامِّ الأحْوالِ، والمَعْنى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةَ في عامَّةِ الأحْوالِ، إلّا في حالِ اعْتِصامِهِمْ بِحَبْلِ اللَّهِ وحَبْلِ النّاسِ، يَعْنِي: ذِمَّةَ اللَّهِ وذِمَّةَ المُسْلِمِينَ، أيْ: لا عِزَّ لَهم قَطُّ إلّا هَذِهِ الواحِدَةُ وهي التِجاؤُهم إلى الذِّمَّةِ لِما قَبِلُوهُ مِنَ الجِزْيَةِ. كَذا في (الكَشّافِ) ﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: اسْتَوْجَبُوهُ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ﴾ أيْ: الفَقْرُ، لِيَكُونُوا بِهَذِهِ الأوْصافِ أعْرَقَ شَيْءٍ في الذُّلِّ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ضُرِبَتْ المَسْكَنَةُ والذِّلَّةُ والغَضَبُ: ﴿بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: اسْتِكْبارًا وعُتُوًّا: ﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ﴾ (p-٩٤٠)أيْ: الآتِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقًّا. ولَمّا كانُوا مَعْصُومِينَ دِينًا ودُنْيا قالَ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ: يُبِيحُ القَتْلَ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أيْ: ضَرْبُ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ في الدُّنْيا واسْتِيجابُ الغَضَبِ في الآخِرَةِ، كَما هو مُعَلَّلٌ بِكُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ الأنْبِياءَ، فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عِلَّةِ العِلَّةِ، وهو الكُفْرُ والقَتْلُ، أيْ: حَصَلا مِنهم بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ، فَإنَّ الإقْدامَ عَلى المَعاصِي، والِاسْتِهانَةَ بِمُجاوَزَةِ الحُدُودِ يُهَوِّنُ الكُفْرَ. قالَ الأصْفَهانِيُّ: قالَ أرْبابُ المُعامَلاتِ: مَن ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الآدابِ وقَعَ في تَرْكِ السُّنَنِ. ومَن ابْتُلِيَ بِتَرْكِ السُّنَنِ وقَعَ في تَرْكِ الفَرائِضِ، ومَن ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الفَرائِضِ وقَعَ في اسْتِحْقارِ الشَّرْعِيَّةِ، ومَن ابْتُلِيَ بِذَلِكَ وقَعَ في الكُفْرِ. قالَ بُرْهانُ الدِّينِ البِقاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى مُؤاخَذَةِ الِابْنِ الرّاضِي بِذَنْبِ الأبِ وإنْ عَلا. وذَلِكَ طِبْقَ ما رَأيْتُهُ في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ الَّتِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ، لِأنَّهُ قالَ في السِّفْرِ الثّانِي: وقالَ اللَّهُ جَمِيعُ هَذِهِ الآياتِ كُلِّها أنا الرَّبُّ إلَهُكَ الَّذِي أصْعَدْتُكَ مِن أرْضِ مِصْرَ مِنَ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ ولا يَكُونُ لَكَ آلِهَةٌ، لا تَعْمَلَنَّ شَيْئًا مِنَ الأصْنامِ والتَّماثِيلِ الَّتِي مِمّا في السَّماءِ فَوْقُ، وفي الأرْضِ مِن تَحْتٍ، ومِمّا في الماءِ أسْفَلَ الأرْضِ، لا تَسْجُدَنَّ لَها ولا تَعْبُدَنَّها؛ لِأنِّي أنا الرَّبُّ إلَهُكَ غَيُورٌ آخُذُ الأبْناءَ بِذُنُوبِ الآباءِ إلى ثَلاثَةِ أحْقابٍ وأرْبَعَةِ خُلُوفٍ وأُثْبِتُ النِّعْمَةَ إلى ألْفِ حُقْبٍ لِأحْبارِي وحافِظِي وصايايَ - انْتَهى - .

آل عمران 3:113

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١١٣ ] ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ تَمْهِيدًا لِلثَّناءِ عَلى مَن أقْبَلَ عَلى الحَقِّ مِن أهْلِ الكِتابِ، وخَلَعَ الباطِلَ ولَمْ يُراعِ سَلَفًا ولا خَلَفًا، وتَذْكِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] أيْ: لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُتَساوِينَ ومُتَشارِكِينَ في المَساوِئِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ بَيانًا لِعَدَمِ اسْتِوائِهِمْ: (p-٩٤١)﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قائِمَةٌ﴾ وُجُوهٌ: اَلْأوَّلُ: أنَّها قائِمَةٌ في الصَّلاةِ، وعَبَّرَ عَنْ تَهَجُّدِهِمْ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ في ساعاتِ اللَّيْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ عَلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ الحَقِّ، مُلازِمَةٌ لَهُ، غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ في التَّمَسُّكِ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] أيْ: مُلازِمًا لِلِاقْتِضاءِ، ثابِتًا عَلى المُطالَبَةِ. ومِنهُ (p-٩٤٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] اَلثّالِثُ: أنَّها مُسْتَقِيمَةٌ عادِلَةٌ مِن قَوْلِكَ: أقَمْتُ العُودَ فَقامَ، بِمَعْنى اسْتَقامَ، والآناءُ: الأوْقاتُ، واحِدُها (إنًا) مِثْلُ (مِعًى) و(أمْعاءٌ) و(إنّى) مِثْلُ (نِحّى) و(أنْحاءٌ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، ولَيْسَتْ حالًا مِن فاعِلِ: ﴿يَتْلُونَ﴾ لِما صَحَّ في السُّـنَّةِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ التِّلاوَةِ في السُّجُودِ، وذَلِكَ فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إلّا إنِّي نُهِيتُ أنْ أقْرَأ القُرْآنَ راكِعًا أوْ ساجِدًا، فَأمّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وأمّا السُّجُودُ فاجْتَهِدُوا في الدُّعاءِ فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجابَ لَكم»» . فَمَعْنى الآيَةِ أنَّهم يَقُومُونَ تارَةً ويَسْجُدُونَ أُخْرى، يَبْتَغُونَ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] وقَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وهم يُصَلُّونَ، والصَّلاةُ تُسَمّى سُجُودًا وسَجْدَةً كَما تُسَمّى رُكُوعًا ورَكْعَةً وتَسْبِيحًا وتَسْبِيحَةً. وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ يَجُوزُ فِيها الوَجْهانِ، وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ. ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِصِفاتٍ أُخَرَ، مُبَيِّنَةٍ لِمُبايَنَتِهِمْ اليَهُودَ مِن جِهَةٍ أُخْرى، بِقَوْلِهِ:

آل عمران 3:114

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١١٤ ] ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ. وظاهِرٌ أنَّ الإيمانَ بِاَللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِجَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ. والإيمانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ يَسْتَلْزِمُ الحَذَرَ مِن (p-٩٤٣)اَلْمَعاصِي، وهَؤُلاءِ اليَهُودِ يُنْكِرُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ، ولا يَحْتَرِزُونَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهم الإيمانُ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ تَعْرِيضٌ بِمُداهَنَةِ اليَهُودِ في الِاحْتِسابِ، بَلْ بِتَعْكِيسِهِمْ في الأمْرِ بِإضْلالِ النّاسِ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ أمْرٌ بِالمُنْكَرِ ونَهْيٌ عَنْ المَعْرُوفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى جامِعَةٌ لِفُنُونِ المَحاسِنِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنَّفْسِ وبِالغَيْرِ. والمُسارَعَةُ في الخَيْرِ فَرْطُ الرَّغْبَةِ فِيهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَباطُؤِ اليَهُودِ فِيها، بَلْ بِمُبادَرَتِهِمْ إلى الشُّرُورِ: ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيْ: المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: مِن عِدادِ مَن صَلُحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى واسْتَحَقُّوا رِضاهُ، والوَصْفُ بِالصَّلاحِ دالٌّ عَلى أكْمَلِ الدَّرَجاتِ. فَهو غايَةُ المَدْحِ، ولِذا وُصِفَتْ بِهِ الأنْبِياءُ في التَّنْزِيلِ:

آل عمران 3:115

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١١٥ ] ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أيْ: لَنْ يَعْدَمُوا ثَوابَهُ. وإيثارُ صِيغَةِ المَجْهُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ. وقُرِئَ الفِعْلانِ بِالخِطابِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم وهَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ هم المَذْكُورُونَ في آخِرِ السُّورَةِ ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآيَةُ. تَنْبِيهٌ: قالَ البِقاعِيُّ: أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: وأكْثَرُهم لَيْسُوا بِهَذِهِ الصِّفاتِ. وقالَ الرّازِيُّ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] كانَ تَمامُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ومِنهم (p-٩٤٤)أُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ. إلّا أنَّهُ أضْمَرَ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ مِن أنَّ ذِكْرَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الضِّدِّ الآخَرِ. وتَحْقِيقُهُ: أنَّ الضِّدَّيْنِ يُعْلَمانِ مَعًا. فَذِكْرُ أحَدِهِما يَسْتَقِلُّ بِإفادَةِ العِلْمِ بِهِما، فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ إهْمالُ الضِّدِّ الآخَرِ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِهِ مُطِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلاَبُها أرادَ: أمْ غَيٌّ، فاكْتَفى بِذِكْرِ الرُّشْدِ عَنْ الغَيِّ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وابْنِ الأنْبارِيِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ لِأنَّ ذِكْرَها قَدْ جَرى قَبْلُ، ولِأنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ العِلْمَ بِالضِّدَّيْنِ مَعًا، فَذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ. كَما يُقالُ زَيْدٌ وعَمْرٌو لا يَسْتَوِيانِ، زَيْدٌ عاقِلٌ دَيِّنٌ ذَكِيٌّ، فَيُغْنِي هَذا عَنْ أنْ يُقالَ: وعَمْرٌو لَيْسَ كَذَلِكَ. فَكَذا هَهُنا. لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: لَيْسُوا سَواءً. أغْنى عَنْ ذَلِكَ الإضْمارِ - انْتَهى مُلَخَّصًا - أقُولُ: لا مانِعَ مِن كَوْنِ الآيَةِ الآتِيَةِ هي الشِّقُّ الثّانِي المُقابِلُ لِلْأوَّلِ. فَإنَّ عُنْوانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُقابِلٌ بِمَفْهُومِهِ لِما قَبِلَهُ كَما لا يَخْفى. واَللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:116

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١١٦ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لَنْ تَدْفَعَ عَنْهم: ﴿(أمْوالُهم ولا أوْلادُهم (p-٩٤٥)مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ، وإنْ كانَ التَّصَدُّقُ بِالأمْوالِ يُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، ويَغْفِرُ لَهم بِمَوْتِ أوْلادِهِمْ، أوْ اسْتِغْفارِهِمْ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ أمْوالَ الكُفّارِ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ثُمَّ إنَّهم رُبَّما أنْفَقُوها في وُجُوهِ الخَيْراتِ، فَيَخْطُرُ في البالِ أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِها، فَأزالَ تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وضَرَبَ لَها مَثَلًا بِذَهابِها هَباءً مَنثُورًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

آل عمران 3:117

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١١٧ ] ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مِنَ المَكارِمِ ويُواسُونَ فِيهِ مِنَ المَغارِمِ: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ أيْ: بَرْدٌ شَدِيدٌ كالصَّرْصَرِ: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي فَباؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ: ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾ فَكَذا رِيحُ الكُفْرِ إذا أصابَتْ حَرْثَ إنْفاقِ قَوْمِهِ تُهْلِكُهُ. فَصارَ الظُّلْمُ رِيحًا لِحُصُولِهِ مِن هَوى النَّفْسِ ذاتَ بُرُودَةٍ شَدِيدَةٍ لِكَوْنِهِ ظُلْمَ الكُفْرِ الَّذِي هو المَوْتُ المَعْنَوِيُّ فَأهْلَكَتْهُ - قالَهُ المَهايِمِيُّ - . ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ بِإرْسالِ رِيحٍ مِن عِنْدِهِ: ﴿ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِإرْسالِ رِيحِ الظُّلْمِ الكُفْرِيِّ عَلى حَرْثِهِمْ الأُخْرَوِيِّ. لَطائِفُ: إنْ قِيلَ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما أنْفَقُوا في ضَياعِهِ، بِالحَرْثِ الَّذِي ضَرَبَتْهُ الصِّرُّ، وقَدْ جُعِلَ ما يُنْفِقُونَ مُمَثَّلًا بِالرِّيحِ، فَما وجْهُ المُطابَقَةِ لِلْغَرَضِ ؟ أُجِيبُ: بِأنَّ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ وهو ما حَصَلَتْ فِيهِ المُشابَهَةُ بَيْنَ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ، وإنْ لَمْ تَحْصُلْ المُشابَهَةُ بَيْنَ أجْزائَيْهِما، والمَقْصُودُ: تَشْبِيهُ الحالِ بِالحالِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: مَثَلُ إهْلاكِ ما يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ إهْلاكِ رِيحٍ، أوْ: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ مُهْلِكِ رِيحٍ فَتَحْصُلُ المُشابَهَةُ. (p-٩٤٦)قالَ ناصِرُ الدِّينِ في (الِانْتِصافِ): والأقْرَبُ أنَّ يُقالَ أصْلُ الكَلامِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ حَرْثِ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأصابَتْهُ رِيحٌ فِيها صِرٌّ فَأهْلَكَتْهُ، ولَكِنْ خُولِفَ هَذا النَّظْمُ في المَثَلِ المَذْكُورِ لِفائِدَةٍ جَلِيلَةٍ، وهو تَقْدِيمُ ما هو أهَمُّ، لِأنَّ الرِّيحَ الَّتِي هي مَثَلُ العَذابِ، ذِكْرُها في سِياقِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ أهَمُّ مِن ذِكْرِ الحَرْثِ. فَقُدِّمَتْ عِنايَةً بِذِكْرِها، واعْتِمادًا عَلى أنَّ الأفْهامَ الصَّحِيحَةَ تَسْتَخْرِجُ المُطابَقَةَ بِرَدِّ الكَلامِ إلى أصْلِهِ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ. ومِثْلُ هَذا، في تَحْوِيلِ النَّظْمِ لِمِثْلِ هَذِهِ الفائِدَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيَةُ. ومِثْلُهُ أيْضًا: أعْدَدْتُ هَذِهِ الخَشَبَةَ أنْ يَمِيلَ الحائِطُ فَأُدَعِّمُهُ، والأصْلُ: أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى إنْ ضَلَّتْ. وأنْ أُدَعِّمَ بِها الحائِطَ إذا مالَ، وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، واَللَّهُ المُوَفِّقُ. (p-٩٤٧)

آل عمران 3:118

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١١٨ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ أيْ: أصْحابًا يَسْتَبْطِنُونَ أمْرَكم مِن دُونِ أبْناءِ جِنْسِكم وهم المُسْلِمُونَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِطانَةُ الرَّجُلِ ووَلِيجَتُهُ: خَصِيصُهُ وصَفِيُّهُ الَّذِي يُفْضِي إلَيْهِ بِشُقُورِهِ ثِقَةً بِهِ. شُبِّهَ بِبِطانَةِ الثَّوْبِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ شِعارِي - انْتَهى - ومِن أمْثالِ العَرَبِ في سِرارِ الرَّجُلِ إلى أخِيهِ ما يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ: أفْضَيْتُ إلَيْهِ بِشُقُورِي - بِضَمِّ الشِّينِ وقَدْ تُفْتَحُ - أيْ: أخْبَرْتُهُ بِأمْرِي، وأطْلَعْتُهُ عَلى ما أُسِرُّهُ مِن غَيْرِهِ. وفي القامُوسِ وشَرْحِهِ: البِطانَةُ: الصّاحِبُ لِلسِّرِّ الَّذِي يُشاوَرُ في الأحْوالِ، والوَلِيجَةُ: هو الَّذِي يَخْتَصُّ بِالوُلُوجِ والِاطِّلاعِ عَلى باطِنِ الأمْرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: البِطانَةُ الدُّخَلاءُ الَّذِينَ يَنْبَسِطُ إلَيْهِمْ ويُسْتَبْطَنُونَ، يُقالُ: فُلانٌ بِطانَةٌ لِفُلانٍ، أيْ: مُداخِلٌ لَهُ مُؤانِسٌ، وهَؤُلاءِ المَنهِيُّ عَنْهم، إمّا أهْلُ الكِتابِ، كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ إسْحاقَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم اليَهُودُ. وذَلِكَ لِأنَّ السِّياقَ في السُّورَةِ، والسِّباقَ مَعَهم. وقَدْ كانَ بَيْنَ الأنْصارِ وبَيْنَ مُجاوِرِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ ما هو مَعْرُوفٌ مِن سابَقَ الرِّضاعِ والحِلْفِ. وإمّا المُنافِقُونَ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا﴾ [آل عمران: ١١٩] إلَخْ، وهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤] إلَخْ. ورُبَّما كانَ يَغْتَرُّ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ بِظاهِرِ أقْوالِ المُنافِقِينَ (p-٩٤٨)ويَظُنُّونَ أنَّهم صادِقُونَ فَيُفْشُونَ إلَيْهِمْ الأسْرارَ. وإمّا جَمِيعُ أصْنافِ الكُفّارِ وُقُوفًا مَعَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنْ هَهُنا غُلامًا مِن أهْلِ الحِيرَةِ نَصْرانِيًّا، حافِظٌ كاتِبٌ، فَلَوْ اتَّخَذْتَهُ كاتِبًا ؟ فَقالَ: قَدْ اتَّخَذْتُ إذَنْ بِطانَةً مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ. قالَ الرّازِيُّ: فَقَدْ جَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى النَّهْيِ مِن اتِّخاذِ النَّصْرانِيِّ بِطانَةً. وقالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: فَفي هَذا الأثَرِ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهم في الكِتابَةِ الَّتِي فِيها اسْتِطالَةٌ عَلى المُسْلِمِينَ، واطِّلاعٌ عَلى دَواخِلِ أُمُورِهِمْ الَّتِي يُخْشى أنْ يُفْشُوها إلى الأعْداءِ مِن أهْلِ الحَرْبِ. وقالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): قالَ الكِيا الهَرّاسِيُّ: في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاسْتِعانَةُ بِأهْلِ الذِّمَّةِ في شَيْءٍ مِن أُمُورِ المُسْلِمِينَ - انْتَهى - . ووَجْهُ ذَلِكَ - كَما قالَ القاشانِيُّ -: أنَّ بِطانَةَ الرَّجُلِ صَفِيُّهُ وخَلِيصُهُ الَّذِي يُبْطِنُهُ ويَطَّلِعُ عَلى أسْرارِهِ، ولا يُمْكِنُ وُجُودُ مِثْلِ هَذا الصَّدِيقِ إلّا إذا اتَّحَدا في المَقْصِدِ واتَّفَقا في الدِّينِ والصِّفَةِ، مُتَحابِّينَ في اللَّهِ لا لِغَرَضٍ. كَما قِيلَ في الأصْدِقاءِ: نَفْسٌ واحِدَةٌ في أبْدانٍ مُتَفَرِّقَةٍ. فَإذا كانَ مِن غَيْرِ أهْلِ الإيمانِ، فَبِأنْ يَكُونَ كاشِحًا أحْرى. ثُمَّ بَيَّنَ نِفاقَهم واسْتِبْطانَهم العَداوَةَ (p-٩٤٩)بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ أيْ: لا يُقَصِّرُونَ بِكم في الفَسادِ. قالَ القاشانِيُّ: لِأنَّ المَحَبَّةَ الحَقِيقِيَّةَ الخالِصَةَ لا تَكُونُ إلّا بَيْنَ المُوَحِّدِينَ لِكَوْنِها ظِلُّ الوَحْدَةِ. فَلا تَكُونُ في غَيْرِها لِكَوْنِهِمْ في عالَمِ التَّضادِّ. بَلْ رُبَّما تَتَألَّفُهم الجِنْسِيَّةُ العامَّةُ الإنْسانِيَّةُ لِاشْتِراكِهِمْ في النَّوْعِ والمَنافِعِ، والمَلاذِّ واحْتِياجِهِمْ إلى التَّعاوُنِ فِيها. والمَنافِعُ الدُّنْيَوِيَّةُ واللَّذّاتُ النَّفْسانِيَّةُ سَرِيعَةُ الِانْقِضاءِ فَلا تَدُومُ المَحَبَّةُ عَلَيْها، بِخِلافِ المَحَبَّةِ الأُولى فَإنَّها مُسْتَنِدَةٌ إلى أمْرٍ لا تَغَيُّرَ فِيهِ أصْلًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: ألا في الأمْرِ، يَأْلُوا: إذا قَصَّرَ فِيهِ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ. في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا، ولا آلُوكَ جَهْدًا، عَلى التَّضْمِينِ. والمَعْنى: لا أمْنَعُكَ نُصْحًا ولا أُنْقِصُكَهُ. والخَبالُ: الفَسادُ: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ أيْ: عَنَتُكم، عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والعَنَتُ: شِدَّةُ الضَّرَرِ والمَشَقَّةِ، أيْ: تَمَنَّوْا ما يُهْلِكُكم: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ أيْ: ظَهَرَ البُغْضُ الباطِنُ حَتّى خَرَجَ مِن أفْواهِهِمْ، لِأنَّهم لا يَتَمالَكُونَ، مَعَ ضَبْطِهِمْ أنْفُسَهم وتَحامُلِهِمْ عَلَيْها، أنْ يَنْفَلِتَ مِن ألْسِنَتِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ بُغْضُهم لِلْمُسْلِمِينَ. وقَدْ قِيلَ: كَوامِنُ النُّفُوسِ تَظْهَرُ عَلى صَفَحاتِ الوُجُوهِ وفَلَتاتِ اللِّسانِ: ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ مِمّا ظَهَرَ؛ لِأنَّ ظُهُورَهُ لَيْسَ عَنْ رَوِيَّةٍ واخْتِيارٍ بَلْ فَلْتَةٍ. ومِثْلُهُ يَكُونُ قَلِيلًا: ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ الدّالَّةَ عَلى سُوءِ اتِّخاذِكم إيّاهم بِطانَةً لِتَمْتَنِعُوا مِنها، فَتُخْلِصُوا في الدِّينِ، وتُوالُوا المُؤْمِنِينَ، وتُعادُوا الكافِرِينَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: مِن أهْلِ العَقْلِ. أوْ تَعْقِلُونَ ما بُيِّنَ لَكم فَعَمِلْتُمْ بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمَلِ ؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لا يَأْلُونَكم) صِفَةً لِلْبِطانَةِ. وكَذَلِكَ (قَدْ بَدَتْ البَغْضاءُ) . كَأنَّهُ قِيلَ: بِطانَةٌ غَيْرُ آلِيكم خَبالًا، بادِيَةٌ بَغْضاؤُهم. وأمّا قَدْ بَيَّنّا فَكَلامٌ مُبْتَدَأٌ. وأحْسَنُ مِنهُ وأبْلَغُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفاتٌ كُلُّها عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنْ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً.

آل عمران 3:119

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى خَطَأهم في مُوالاتِهِمْ حَيْثُ يَبْذُلُونَها لِأهْلِ البَغْضاءِ بِقَوْلِهِ: (p-٩٥٠)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١١٩ ] ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أيْ: تُخالِطُونَهم وتُفْشُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَكم ولا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ بِكم، وقَوْلُهُ: ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ الواوُ لِلْحالِ وهي مُنْتَصِبَةٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في (لا يُحِبُّونَكم) والمَعْنى: لا يُحِبُّونَكم والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ فَلا تُنْكِرُونَ مِنهُ شَيْئًا، فَلَيْسَ فِيكم ما يُوجِبُ بُغْضَهم لَكم. فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم يَكْفُرُونَ بِكِتابِكم كُلِّهِ ؟ . ولَمْ تُجْعَلْ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى (ولا يُحِبُّونَكم) أوْ (تُحِبُّونَهم) كَما ارْتَضاهُ أبُو حَيّانَ لِأنَّهُ في مَعْرِضِ التَّخْطِئَةِ. ولا كَذَلِكَ الإيمانُ بِالكِتابِ فَإنَّهُ مَحْضُ الصَّوابِ. وإنْ اعْتُذِرَ لَهُ بِأنَّ المَعْنى: يَجْمَعُونَ بَيْنَ مَحَبَّةِ الكُفّارِ والإيمانِ وهُما لا يَجْتَمِعانِ، لِبُعْدِهِ، والحالِيَّةُ مُقَرِّرَةٌ لِلْخَطَأِ فَتَأمَّلْ، نَقَلَهُ الخَفاجِيُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ بِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكم. ونَحْوُهُ: ﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نِفاقًا وتَغْرِيرًا: ﴿وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ أيْ: مِن أجْلِهِ، تَأسُّفًا وتَحَسُّرًا. حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا إلى التَّشَفِّي سَبِيلًا. وعَضُّ الأنامِلِ عادَةُ النّادِمِ العاجِزِ، والمُغْتاظُ إذا عَظُمَ حُزْنُهُ عَلى فَواتِ مَطْلُوبِهِ. ولَمّا كَثُرَ هَذا الفِعْلُ مِنَ الغَضْبانِ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ (p-٩٥١)اَلْغَضَبِ. حَتّى يُقالَ في الغَضْبانِ: إنَّهُ يَعَضُّ يَدَهُ غَيْظًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ عَضٌّ: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزْدادَ غَيْظُهم حَتّى يَهْلِكُوا بِهِ. والمُرادُ بِزِيادَةِ الغَيْظِ: زِيادَةُ ما يَغِيظُهم مِن قُوَّةِ الإسْلامِ وعِزِّ أهْلِهِ. وما لَهم في ذَلِكَ مِنَ الذُّلِّ والخِزْيِ والتَّبارِ. كَذا في (الكَشّافِ): ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَيَعْلَمُ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ البَغْضاءِ والحَنَقِ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن (المَقُولِ) أيْ: وقُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُخْفُونَهُ مِن عَضِّ الأنامِلِ غَيْظًا. وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ بِمَعْنى: قُلْ لَهم ذَلِكَ لا تَتَعَجَّبْ مِن إطْلاعِي إيّاكَ عَلى أسْرارِهِمْ، فَإنِّي عَلِيمٌ بِالأخْفى مِن ضَمائِرِهِمْ. وقِيلَ: هو أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطِيبِ النَّفْسِ، وقُوَّةِ الرَّجاءِ، والِاسْتِبْشارِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَهْلَكُوا غَيْظًا بِإعْزازِ الإسْلامِ وإذْلالِهِمْ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ثَمَّتَ قَوْلٌ. كَأنَّهُ قِيلَ: حَدِّثْ نَفْسَكَ بِذَلِكَ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ -

آل عمران 3:120

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى تَناهِيَ عَداوَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢٠ ] ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ﴾ بِظُهُورِكم عَلى العَدُوِّ، ونَيْلِكم الغَنِيمَةَ، وخِصْبِ مَعاشِكم، وتَتابُعِ النّاسُ في دِينِكم: ﴿تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ﴾ بِإصابَةِ العَدُوِّ مِنكم، أوْ اخْتِلافِ بَيْنِكم، أوْ جَدْبٍ أوْ بَلِيَّةٍ: ﴿يَفْرَحُوا بِها﴾ ولا يَعْلَمُونَ ما لِلَّهِ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ. لَطِيفَةٌ: اَلْمَسُّ أصْلُهُ بِاليَدِ، ثُمَّ يُسَمّى كُلُّ ما يَصِلُ إلى الشَّيْءِ مَسًّا. والتَّعْبِيرُ بِهِ في جانِبِ الحَسَنَةِ، وبِالإصابَةِ في جانِبِ السَّيِّئَةِ لِلتَّفَنُّنِ. وقَدْ سَوّى بَيْنَهُما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿(إنْ تُصِبْكَ (p-٩٥٢)حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ)﴾ [التوبة: ٥٠] وقَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] وقالَ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] قالَ ناصِرُ الدِّينِ في (الِانْتِصافِ): يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المَسُّ أقَلُّ تَمَكُّنًا مِنَ الإصابَةِ، وكَأنَّهُ أقَلُّ دَرَجاتِها، فَكَأنَّ الكَلامَ - واَللَّهُ أعْلَمُ - إنْ تُصِبْكم الحَسَنَةُ أدْنى إصابَةٍ تَسُؤْهم ويَحْسُدُوكم عَلَيْها. وإنْ تَمَكَّنَتْ الإصابَةُ مِنكم وانْتَهى الأمْرُ فِيها إلى الحَدِّ الَّذِي يَرْثِي الشّامِتُ عِنْدَهُ مِنها، فَهم لا يَرْثُونَ لَكم ولا يَنْفَكُّونَ عَنْ حَسَدِهِمْ، ولا في هَذِهِ الحالِ، بَلْ يَفْرَحُونَ ويُسَرُّونَ. واَللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى - . وهَذا مِن أسْرارِ بَلاغَةِ التَّنْزِيلِ. فَدَلَّ التَّعْبِيرُ عَلى إفْراطِهِمْ في السُّرُورِ والحُزْنِ. فَإذا ساءَهم أقَلُّ خَيْرِنا، فَغَيْرُهُ أوْلى، وإذا فَرِحُوا بِأعْظَمِ المَصائِبِ مِمّا يَرْثِي لَهُ الشّامِتُ فَهم لا يُرْجى مُوالاتُهم أصْلًا. فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهم بِطانَةً ؟ . قالَ البِقاعِيُّ: ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ مُنْكِيًا غائِظًا مُؤْلِمًا - داواهم بِالإشارَةِ إلى النَّصْرِ بِشَرْطِ التَّقْوى والصَّبْرِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ أيْ: تَصْبِرُوا عَلى ما يَبْتَلِيكم اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ والمَصائِبِ، وتَثْبُتُوا عَلى الطّاعَةِ وتَنْفُوا الِاسْتِعانَةَ بِهِمْ في أُمُورِكم، والِالتِجاءَ إلى وِلايَتِهِمْ: ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ لِأنَّ المُتَوَكِّلَ عَلى اللَّهِ الصّابِرَ عَلى بَلائِهِ، المُسْتَعِينَ بِهِ لا بِغَيْرِهِ: ظافِرٌ في طِلْبَتِهِ، غالِبٌ عَلى خَصْمِهِ، مَحْفُوظٌ بِحُسْنِ كَلاءَةِ رَبِّهِ. والمُسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ: مَخْذُولٌ مَوْكُولٌ إلى نَفْسِهِ، مَحْرُومٌ عَنْ نُصْرَةِ رَبِّهِ، أفادَهُ القاشانِيُّ. (p-٩٥٣)وقِيلَ: المُرادُ بِنَفْيِ الضَّرَرِ عَدَمُ المُبالاةِ بِهِ، لِأنَّ المُتَدَرِّبَ بِالِاتِّقاءِ والصَّبْرِ يَكُونُ قَلِيلَ الِانْفِعالِ، جَرِيئًا عَلى الخَصْمِ. و (الكَيْدُ): الِاحْتِيالُ عَلى إيقاعِ الغَيْرِ في مَكْرُوهٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ قُرِئَ بِياءِ الغَيْبَةِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِما يَعْمَلُونَ في مُعاداتِكم مِنَ الكَيْدِ فَيُعاقِبُهم عَلَيْهِ. وبِتاءِ الخِطابِ، أيْ: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى فَيُجازِيكم بِما أنْتُمْ أهْلُهُ. تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ: قالَ الرّازِيُّ: إطْلاقُ لَفْظِ (المُحِيطِ) عَلى اللَّهِ مَجازٌ، لِأنَّ المُحِيطَ بِالشَّيْءِ هو الَّذِي يُحِيطُ بِهِ مِن كُلِّ جَوانِبِهِ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ عالِمًا بِكُلِّ الأشْياءِ، قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، جازَ في مَجازِ اللُّغَةِ أنَّهُ مُحِيطٌ بِها، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] انْتَهى. أقُولُ: ما ذَكَرَهُ شُبْهَةٌ جَهْمِيَّةٌ مَبْناها قِياسُ صِفَةِ القَدِيمِ عَلى الحَوادِثِ، وأخْذُ خاصَّتِها بِهِ، وهو قِياسٌ مَعَ الفارِقِ. والسَّمْعِيّاتُ تُتَلَقّى مِن عُرْفِ المُتَكَلِّمِ بِالخِطابِ، لا مِنَ الوَضْعِ المُحْدَثِ. فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَجْعَلَ الألْفاظَ الَّتِي جاءَتْ في القُرْآنِ مَوْضُوعَةً لِمَعانٍ، ثُمَّ يُرِيدُ أنَّ يُفَسِّرَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بِتِلْكَ المَعانِي، وتَتِمَّةُ هَذا البَحْثِ تَقَدَّمَتْ في تَفْسِيرِ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مِنَ البَسْمَلَةِ أوَّلَ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ. فارْجِعْ إلَيْها.

آل عمران 3:121

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢١ ] ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ أيْ: خَرَجْتَ: ﴿مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ﴾ أيْ: تُنَزِّلُ: ﴿المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ﴾ أيْ: أماكِنَ ومَراكِزَ يَقِفُونَ فِيها: ﴿لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ذَهَبَ الجُمْهُورُ وعُلَماءُ المَغازِي إلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في وقْعَةِ أُحُدٍ، والسِّرُّ في سَوْقِ هَذِهِ الوَقْعَةِ الأُحُدِيَّةِ وإيلائِها البَدْرِيَّةِ، (p-٩٥٤)هُوَ تَقْرِيرُ ما سَبَقَ. فَإنَّ المُدَّعى فِيما قَبْلَها المَساءَةُ بِالحَسَنَةِ والمَسَرَّةُ بِالمُصِيبَةِ، وسُنَّةُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ في بابِ النَّصْرِ والمَعُونَةِ ودَفْعِ مَضارِّ العَدُوِّ، إذا هم صَبَرُوا واتَّقَوْا، والتَّغْيِيرُ إذا غَيَّرُوا. أيْ: اذْكُرْ لَهم ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ مِن أحْوالِكم الماضِيَةِ حِينَ لَمْ يَصْبِرُوا في أُحُدٍ، فَأُصِيبُوا، وسَرَّتْ الأعْداءَ مُصِيبَتُكم، وحِينَ صَبَرُوا واتَّبَعُوا فَنُصِرُوا وساءَ العَدُوَّ نَصْرُهم. وفي تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ ﷺ تَهْيِيجٌ لِغَيْرِهِ إلى تَدْقِيقِ النَّظَرِ واتِّباعِ الدَّلِيلِ، مِن غَيْرِ أدْنى وُقُوفٍ مَعَ المَأْلُوفِ كَذا يُسْتَفادُ مِن تَفْسِيرِ البِقاعِيِّ. وهَذِهِ الآيَةُ هي افْتِتاحُ القِصَّةِ، وقَدْ أُنْزِلَ فِيها سِتُّونَ آيَةً، وأُشِيرَ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى بَعْضِ الحِكَمِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ الَّتِي في هَذِهِ الوَقْعَةِ، كَما سَيُذْكَرُ، وكانَتْ في شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ بِاتِّفاقِ الجُمْهُورِ، وكانَ سَبَبُها أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قُتِلَ أشْرافُ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ، وأُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ لِمَ يُصابُوا بِمِثْلِها، ورَأسَ فِيهِمْ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ؛ لِذَهابِ أكابِرِهِمْ، وجاءُوا إلى أطْرافِ المَدِينَةِ في غَزْوَةِ السَّوِيقِ، ولَمْ يَنَلْ ما في نَفْسِهِ، أخَذَ يُؤَلِّبُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى المُسْلِمِينَ، ويَجْمَعُ الجُمُوعَ قَرِيبًا مِن ثَلاثَةِ آلافٍ مِن قُرَيْشٍ والحُلَفاءِ والأحابِيشِ. وجاءُوا بِنِسائِهِمْ لِئَلّا يَفِرُّوا لِيُحامُوا عَنْهُنَّ، ثُمَّ أقْبَلَ بِهِمْ نَحْوَ المَدِينَةِ، فَنَزَلَ قَرِيبًا مِن جَبَلِ أُحُدٍ، واسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ: أيَخْرُجُ إلَيْهِمْ أمْ يَمْكُثُ في المَدِينَةِ ؟ وكانَ رَأْيُهُ أنْ لا يَخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ. وأنْ يَتَحَصَّنُوا بِها، فَإنْ دَخَلُوها قاتَلَهم المُسْلِمُونَ عَلى أفْواهِ الأزِقَّةِ، والنِّساءُ مِن فَوْقِ البُيُوتِ، ووافَقَهُ عَلى هَذا الرَّأْيِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وكانَ هو الرَّأْيَ، فَبادَرَ جَماعَةٌ مِن فُضَلاءِ الصَّحابَةِ مِمَّنْ فاتَهُ الخُرُوجُ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارُوا عَلَيْهِ بِالخُرُوجِ، وألَحُّوا عَلَيْهِ في ذَلِكَ، فَنَهَضَ ودَخَلَ بَيْتَهُ، ولَبِسَ لَأْمَتَهُ، وخَرَجَ عَلَيْهِمْ وقَدْ انْثَنى عَزْمُ أُولَئِكَ المُلِحِّينَ، وقالُوا: أكْرَهْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى الخُرُوجِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أحْبَبْتَ أنْ تَمْكُثَ في المَدِينَةِ فافْعَلْ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ، إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ، أنْ يَضَعَها حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ»» . وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في (p-٩٥٥)ألْفٍ مِن أصْحابِهِ، واسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلى الصَّلاةِ بِبَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأى رُؤْيا وهو بِالمَدِينَةِ: رَأى أنَّ في سَيْفِهِ ثُلْمَةً، ورَأى أنَّ بَقَرًا تُذْبَحُ، وأنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في دِرْعٍ حَصِينَةٍ. فَتَأوَّلَ الثُّلْمَةَ في سَيْفِهِ: بِرَجُلٍ يُصابُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وتَأوَّلَ البَقَرَ: بِنَفَرٍ مِن أصْحابِهِ يُقْتَلُونَ، وتَأوَّلَ الدِّرْعَ: بِالمَدِينَةِ. فَخَرَجَ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَلَمّا صارَ بِالشَّوْطِ، بَيْنَ المَدِينَةِ وأُحُدٍ، انْخَزَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في ثُلْثِ النّاسِ، مُغاضِبًا لِمُخالَفَةِ رَأْيِهِ في المُقامِ. فَتَبِعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، والِدُ جابِرٍ، يُوَبِّخُهم ويَحُضُّهم عَلى الرُّجُوعِ ويَقُولُ: تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ ادْفَعُوا. قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ لَمْ نَرْجِعْ. فَرَجَعَ عَنْهم وسَبَّهم، وسَألَ النَّبِيَّ ﷺ قَوْمٌ مِنَ الأنْصارِ أنْ يَسْتَعِينُوا بِحُلَفائِهِمْ مَن يَهُودَ فَأبى، وسَلَكَ حَرَّةَ بَنِي حارِثَةَ، ومَرَّ بَيْنَ الحَوائِطِ، وأبُو خَيْثَمَةَ مِن بَنِي حارِثَةَ يَدُلُّ بِهِ، حَتّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِن أُحُدٍ مُسْتَنِدًا إلى الجَبَلِ، ونَهى النّاسَ عَنْ القِتالِ حَتّى يَأْمُرَهم، فَلَمّا أصْبَحَ يَوْمُ السَّبْتِ تَعَبّى لِلْقِتالِ وهو في سَبْعِمِائَةٍ. فِيهِمْ خَمْسُونَ فارِسًا وخَمْسُونَ رامِيًا وأمَّرَ عَلى الرُّماةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ. وأمَرَهُ وأصْحابَهُ أنْ يَلْزَمُوا مَراكِزَهم، وألّا يُفارِقُوهُ ولَوْ رَأوْا الطَّيْرَ تَخَطَّفُ العَسْكَرَ. وكانُوا خَلْفَ الجَيْشِ. وأمَرَهم أنْ يَنْضَحُوا المُشْرِكِينَ بِالنَّبْلِ لِئَلّا يَأْتُوا المُسْلِمِينَ مِن ورائِهِمْ. وظاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَئِذٍ، وأعْطى اللِّواءَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وجَعَلَ عَلى إحْدى المُجَنِّبَتَيْنِ الزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ، وعَلى الأُخْرى المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو. واسْتَعْرَضَ الشَّبابَ يَوْمَئِذٍ. فَرَدَّ مَن اسْتَصْغَرَهُ عَنْ القِتالِ. مِنهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ وأُسَيْدُ بْنُ ظَهِيرٍ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ وزَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وعَرابَةُ بْنُ أوْسٍ وعَمْرُو بْنُ حِزامٍ. وأجازَ مَن رَآهُ مُطِيقًا. مِنهم: سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ورافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، ولَهُما خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. فَقِيلَ: أجازَ مَن أجازَهُ، لِبُلُوغِهِ بِالسِّنِّ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، ورَدَّ مَن رَدَّ لِصِغَرِهِ عَنْ سِنِّ البُلُوغِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما أجازَ مَن أجازَ لِإطاقَتِهِ، ورَدَّ مَن رَدَّ لِعَدَمِ إطاقَتِهِ، ولا تَأْثِيرَ لِلْبُلُوغِ وعَدَمِهِ في ذَلِكَ. قالُوا: وفي بَعْضِ ألْفاظٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَلَمّا رَآنِي مُطِيقًا أجازَنِي. (p-٩٥٦)وتَعَبَّتْ قُرَيْشٌ لِلْقِتالِ، وهم في ثَلاثَةِ آلافٍ، وفِيهِمْ مِائَتا فارِسٍ، فَجَعَلُوا عَلى مَيْمَنَتِهِمْ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وعَلى المَيْسَرَةِ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، ودَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْفَهُ إلى أبِي دُجانَةَ (سِماكِ بْنِ خَرَشَةَ)، وكانَ شُجاعًا بَطَلًا يَخْتالُ عِنْدَ الحَرْبِ، وكانَ أوَّلُ مَن بَدَرَ مِنَ المُشْرِكِينَ أبُو عامِرٍ الفاسِقُ، واسْمُهُ: عَبْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ صَيْفِيٍّ، وكانَ يُسَمّى: (الرّاهِبَ) لِتَرَهُّبِهِ وتَنَسُّكِهِ في الجاهِلِيَّةِ، فَسَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (الفاسِقَ) . وكانَ رَأْسَ الأوْسِ في الجاهِلِيَّةِ. فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ شَرِقَ بِهِ، وجاهَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالعَداوَةِ، فَخَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ، وذَهَبَ إلى قُرَيْشٍ يُؤَلِّبُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَحُضُّهم عَلى قِتالِهِ، ووَعَدَهم بِأنَّ قَوْمَهُ إذا رَأوْهُ أطاعُوهُ ومالُوا مَعَهُ. فَكانَ أوَّلَ مَن لَقِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَنادى قَوْمَهُ وتَعَرَّفَ إلَيْهِمْ. قالُوا: لا أنْعَمَ اللَّهُ لَكَ عَيْنًا يا فاسِقُ ! فَقاتَلَ المُسْلِمِينَ قِتالًا شَدِيدًا، وأبْلى يَوْمَئِذٍ حَمْزَةُ وطَلْحَةُ وشَيْبَةُ وأبُو دُجانَةَ والنَّضْرُ بْنُ أنَسٍ بَلاءً شَدِيدًا، وأُصِيبَ جَماعَةٌ مِنَ الأنْصارِ مُقْبِلِينَ غَيْرَ مُدْبِرِينَ واشْتَدَّ القِتالُ، وكانَتْ الدَّوْلَةُ أوَّلَ النَّهارِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى الكُفّارِ، فانْهَزَمَتْ أعْداءُ اللَّهِ ووَلَّوْا مُدْبِرِينَ حَتّى انْتَهَوْا إلى نِسائِهِمْ. فَلَمّا رَأى الرُّماةُ هَزِيمَتَهم تَرَكُوا مَرْكَزَهم الَّذِي أمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِهِ، وقالُوا: يا قَوْمُ ! الغَنِيمَةُ ! الغَنِيمَةُ ! فَذَكَّرَهم أمِيرُهم عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَسْمَعُوا، وظَنُّوا أنْ لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ رَجْعَةٌ، فَذَهَبُوا في طَلَبِ الغَنِيمَةِ، وأخْلَوْا الثَّغْرَ، ولَمْ يُطِعْ أمِيرَهم مِنهم إلّا نَحْوُ العَشْرَةِ، فَكَرَّ المُشْرِكُونَ وقَتَلُوا مَن بَقِيَ مِنَ الرُّماةِ، ثُمَّ أتَوْا الصَّحابَةَ مِن ورائِهِمْ وهم يَنْتَهِبُونَ، فَأحاطُوا بِهِمْ، واسْتُشْهِدَ مِنهم مَن أكْرَمَهُ اللَّهُ، ووَصَلَ العَدُوُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقاتَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ صاحِبُ اللِّواءِ دُونَهُ حَتّى قُتِلَ، وجُرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وجْهِهِ، وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ اليُمْنى السُّفْلى بِحَجَرٍ، وهُشِمَتْ البَيْضَةُ في رَأْسِهِ، يُقالُ: إنَّ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وعَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ اللَّيْثِيُّ. وشَدَّ حَنْظَلَةُ الغَسِيلُ عَلى أبِي سُفْيانَ لِيَقْتُلَهُ، فاعْتَرَضَهُ شَدّادُ بْنُ الأسْوَدِ اللَّيْثِيُّ، مِن شُعُوبٍ، فَقَتَلَهُ. وكانَ جُنُبًا. فَأخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ المَلائِكَةَ غَسَّلَتْهُ. (p-٩٥٧)وأكَبَّتْ الحِجارَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى سَقَطَ مِن بَعْضِ حُفَرٍ هُناكَ، فَأخَذَ عَلِيٌّ بِيَدِهِ، واحْتَضَنَهُ طَلْحَةُ حَتّى قامَ، ومَصَّ الدَّمَ مَن جُرْحِهِ مالِكُ بْنُ سِنانٍ الخُدْرِيُّ، والِدُ أبِي سَعِيدٍ، ونَشِبَتْ حَلْقَتانِ مَن حِلَقِ المِغْفَرِ في وجْهِهِ ﷺ فانْتَزَعَهُما أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ. فَنَدَرَتْ ثَنِيَّتاهُ فَصارَ أهْتَمَ. ولَحِقَ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وكَرَّ دُونَهُ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقُتِلُوا كُلُّهم وكانَ آخِرُهم عَمّارُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، ثُمَّ قاتَلَ طَلْحَةُ حَتّى أُجْهِضَ المُشْرِكُونَ. وأبُو دُجانَةَ يَلِي النَّبِيَّ ﷺ بِظَهْرِهِ وتَقَعُ فِيهِ النَّبْلُ فَلا يَتَحَرَّكُ، وأُصِيبَتْ عَيْنُ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ. فَرَجَعَ وهي عَلى وجْنَتِهِ، فَرَدَّها عَلَيْهِ السَّلامُ بِيَدِهِ فَصَحَّتْ. وكانَتْ أحْسَنَ عَيْنَيْهِ. وانْتَهى النَّضْرُ بْنُ أنَسٍ إلى جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ وقَدْ دَهِشُوا، وقالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: فَما تَصْنَعُونَ في الحَياةِ بَعْدَهُ ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ النّاسَ وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، ووُجِدَ بِهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةٌ، وجُرِحَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عِشْرِينَ جِراحَةً بَعْضُها في رِجْلِهِ فَعَرِجَ مِنها. وقُتِلَ حَمْزَةُ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ . ونادى الشَّيْطانُ: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، لِأنَّ عَمْرَو بْنَ قَمِيئَةَ كانَ قَدْ قَتَلَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، يَظُنُّ أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ . ووَهَنَ المُسْلِمُونَ لِصَرِيخِ الشَّيْطانِ. ثُمَّ إنَّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ الشّاعِرَ، مِن بَنِي سَلَمَةَ، عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَنادى بِأعْلى صَوْتِهِ يُبَشِّرُ النّاسَ. ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ: أنْصِتْ. فاجْتَمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ ونَهَضُوا مَعَهُ نَحْوَ الشِّعْبِ، وأدْرَكَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ في الشِّعْبِ، فَتَناوَلَ ﷺ الحَرْبَةَ مِنَ الحارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ وطَعَنَهُ بِها في عُنُقِهِ، فَكَرَّ أُبَيٌّ مُنْهَزِمًا. وقالَ لَهُ المُشْرِكُونَ: ما بِكَ مِن بَأْسٍ. فَقالَ: واَللَّهِ ! لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي، وكانَ ﷺ قَدْ تَوَعَّدَهُ بِالقَتْلِ. فَماتَ عَدُوُّ اللَّهِ بِسَرِفَ، مَرْجِعَهم إلى مَكَّةَ. ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالماءِ فَغَسَلَ وجْهَهُ ونَهَضَ. فاسْتَوى عَلى صَخْرَةٍ مِنَ الجَبَلِ. وحانَتْ الصَّلاةُ فَصَلّى بِهِمْ قُعُودًا. وغَفَرَ اللَّهُ لِلْمُنْهَزِمِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ. ونَزَلَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥] الآيَةُ. (p-٩٥٨)واسْتُشْهِدَ نَحْوٌ مِن سَبْعِينَ. مُعْظَمُهم مِنَ الأنْصارِ. وقُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ اثْنانِ وعِشْرُونَ. ورَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ إلى المَدِينَةِ. ويُقالُ: إنَّهُ قالَ لَعَلِيٍّ: لا يُصِيبُ المُشْرِكُونَ مِنّا مِثْلَها حَتّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْنا. هَذا مُلَخَّصُ هَذِهِ القِصَّةِ. وقَدْ ساقَها بِأطْوَلَ مِن هَذا أهْلُ السِّيَرِ. وفِيما ذُكِرَ كِفايَةٌ. وأمّا ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ والفِقْهِ والحِكَمِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ، فَقَدْ تَكَفَّلَ بَيانَها الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ) فارْجِعْ إلَيْهِ. تَنْبِيهٌ: فَسَّرَ أكْثَرُ العُلَماءِ (غَدَوْتَ) بِأصْلِها، وهو الخُرُوجُ غَدْوَةً، أيْ: بُكْرَةً. ثُمَّ اسْتَشْكَلُوا أنَّهُ ﷺ خَرَجَ إلى أُحُدٍ بَعْدَ صَلاةِ الجُمْعَةِ كَما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ أهْلِ السِّيَرِ، فَكَيْفَ المُطابَقَةُ ؟ فَمِنهم مَن أجابَ بِأنَّ المُرادَ غَدْوَةُ السَّبْتِ، وأنَّهُ كانَ في صَباحِهِ التَّبَوُّؤُ لِلْمَقاعِدِ، إلّا أنَّهُ لا يُساعِدُهُ: (مِن أهْلِكَ) لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ وقْتَئِذٍ أهْلُهُ مَعَهُ. ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ: غَدْوَةُ الجُمْعَةِ أيْ: اذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ صَبِيحَةَ الجُمْعَةِ إلى أصْحابِكَ في مَسْجِدِكَ تَسْتَشِيرُهم في أمْرِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ قالَ: وبَنى مِن (غَدَوْتَ) حالًا إعْلامًا بِأنَّ الشُّرُوعَ في السَّبَبِ شُرُوعٌ في مُسَبَّبِهِ، فَقالَ: (تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ) أيْ: صَبِيحَةَ يَوْمِ السَّبْتِ. وكانَ يَخْطُرُ لِي أنَّ الأقْرَبَ جَعْلُ الغُدُوِّ بِمَعْنى الخُرُوجِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالبُكْرَةِ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ. ثُمَّ رَأيْتُ في فَتْحِ البَيانِ ما اسْتَظْهَرْتُهُ فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلى المُوافَقَةِ، ونَصُّهُ: وعَبَّرَ عَنْ الخُرُوجِ بِالغُدُوِّ الَّذِي هو الخُرُوجُ غَدْوَةً مَعَ كَوْنِهِ ﷺ خَرَجَ بَعْدَ صَلاةِ الجُمْعَةِ، لِأنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ بِالغَدْوَةِ والرَّواحِ عَنْ الخُرُوجِ والدُّخُولِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أصْلِ مَعْناهُما، كَما يُقالُ: (أضْحى) وإنْ لَمْ يَكُنْ في وقْتِ الضُّحى - انْتَهى - . (p-٩٥٩)قالَ البِقاعِيُّ: ولَمّا كانَ رُجُوعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ، كَما يَأْتِي في صَرِيحِ الذِّكْرِ آخِرَ القِصَّةِ، مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ المُنافِقِينَ، فَضْلًا عَنْ المُصارِحِينَ بِالمُصارَمَةِ، مُتَّصِفُونَ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهم مِنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، مَعَ أنَّهُ كانَ سَبَبًا في هَمِّ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ بِالفَشَلِ. كانَ إيلاءُ هَذِهِ القِصَّةِ لِلنَّهْيِ عَنْ اتِّخاذِ بِطانَةِ السُّوءِ الَّذِينَ لا يُقَصِّرُونَ عَنْ فَسادٍ، في غايَةِ المُناسَبَةِ. ولِذَلِكَ افْتَتَحَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ مُبْدِلًا مِن (إذْ غَدَوْتَ) دَلِيلًا عَلى ما قَبْلُهُ مِن أنَّ بِطانَةَ السُّوءِ لا يَأْلُونَهم خَبالًا.

آل عمران 3:122

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢٢ ] ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكُمْ﴾ أيْ: بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ: ﴿أنْ تَفْشَلا﴾ أيْ: تَكْسَلا وتَجْبُنا وتَضْعُفا لِرُجُوعِ المُنافِقِينَ عَنْ نَصْرِهِمْ ووِلايَتِهِمْ، فَعَصَمَهُما اللَّهُ، فَمَضَيا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ ناصِرُهُما، ومُتَوَلِّي أمْرِهِما، فَأمَدَّهُما بِالتَّوْفِيقِ والعِصْمَةِ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ وحْدَهُ دُونَ ما عَداهُ اسْتِقْلالًا أوْ اشْتِراكًا: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، فَإنَّهُ حَسْـبُهم، والتَّوَكُّلُ: تَفَعُّلٌ مِن وكَلَ أمْرَهُ إلى فُلانٍ إذا اعْتَمَدَ في كِفايَتِهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَتَوَلَّهُ بِنَفْسِهِ. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَدْفَعَ الإنْسانُ ما يَعْرِضُ لَهُ مِن مَكْرُوهٍ وآفَةٍ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، وأنْ يَصْرِفَ الجَزَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ التَّوَكُّلِ. رَوى الشَّيْخانِ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: فِينا نَزَلَتْ: ﴿(إذْ هَمَّتْ (p-٩٦٠)طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما)﴾ - قالَ: نَحْنُ الطّائِفَتانِ: بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ، وما نُحِبُّ أنَّها لَمْ تَنْزِلْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ أيْ لِفَرْطِ الِاسْتِبْشارِ بِما حَصَلَ لَهم مِنَ الشَّرَفِ بِثَناءِ اللَّهِ تَعالى، وإنْزالِهِ فِيهِمْ آيَةً ناطِقَةً بِصِحَّةِ الوِلايَةِ. وإنَّ تِلْكَ الهِمَّةَ ما أخْرَجَتْهم عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:123

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢٣ ] ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ أُحُدٍ أتْبَعَها بِذِكْرِ قِصَّةِ بَدْرٍ. وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانُوا في غايَةِ الضَّعْفِ عَدَدًا وعُدَدًا، والكُفّارُ كانُوا في غايَةِ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَصَرَ المُسْلِمِينَ عَلى الكافِرِينَ، فَصارَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى والصَّبْرِ والتَّقْوى هو النَّصْرُ والمَعُونَةُ والتَّأْيِيدُ. و(بَدْرٌ) مَوْضِعٌ بَيْنَ الحَرَمَيْنِ، إلى المَدِينَةِ أقْرَبُ، يُقالُ هو مِنها عَلى ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ فَرْسَخًا. أوْ اسْمُ بِئْرٍ هُناكَ، حَفَرَها رَجُلٌ اسْمُهُ بَدْرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: راجِينَ أنْ تَشْكُرُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم بِتَقْواكم مِن نُصْرَتِهِ. وقَدْ أُشِيرَ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ، وكانَتْ في شَهْرِ رَمَضانَ، السَّنَةَ الثّانِيَةَ مِنَ الهِجْرَةِ. وكانَ سَـبَبُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَلَغَهُ أنَّ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيها أمْوالٌ عَظِيمَةٌ مُقْبِلَةٌ مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ. مَعَها ثَلاثُونَ أوْ أرْبَعُونَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ، عَمِيدُهم أبُو سُفْيانَ، ومَعَهُ عَمْرُو بْنُ العاصِ، ومَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ. فَنَدَبَ ﷺ إلى هَذِهِ العِيرِ. وأمَرَ مَن كانَ ظَهْرُهُ حاضِرًا بِالخُرُوجِ. ولَمْ يَحْتَفِلْ في الحَشْدِ، لِأنَّهُ لَمْ يَظُنَّ قِتالًا. وخَرَجَ مُسْرِعًا في ثَلاثِمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، لَمْ يَكُنْ مَعَهم مِنَ الخَيْلِ إلّا فَرَسانِ، وكانَ مَعَهم سَبْعُونَ بَعِيرًا يَتَعَقَّبُونَها. واتَّصَلَ خُرُوجُهُ بِأبِي سُفْيانَ، فاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الغِفارِيَّ، وبَعَثَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ يَسْتَنْفِرُهم لِعِيرِهِمْ. فَنَفَرُوا وأوْعَبُوا. وخَرَجَ ﷺ لِثَمانٍ خَلَوْنَ مِن رَمَضانَ، واسْتَخْلَفَ عَلى الصَّلاةِ عَمْرَو بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، ورَدَّ أبا لُبابَةَ مِنَ الرَّوْحاءِ واسْتَعْمَلَهُ عَلى المَدِينَةِ، ودَفَعَ اللِّواءَ إلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، ودَفَعَ إلى (p-٩٦١)عَلِيٍّ رايَةً، وإلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ رايَةً أُخْرى، يُقالُ: كانَتا سَوْداوَيْنِ. وجَعَلَ عَلى السّاقَةِ قَيْسَ بْنَ أبِي صَعْصَعَةَ. ورايَةُ الأنْصارِ يَوْمَئِذٍ مَعَ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَسَلَكُوا نَقْبَ المَدِينَةِ إلى ذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ انْتَهَوْا إلى صُخَيْراتِ يَمامٍ، ثُمَّ إلى بِئْرِ الرَّوْحاءِ، ثُمَّ رَجَعُوا ذاتَ اليَمِينِ عَنْ الطَّرِيقِ إلى الصَّفْراءِ. وبَعَثَ ﷺ قَبْلَها بَسْبَسَ بْنَ عَمْرٍو وعَدِيَّ بْنَ أبِي الزَّغْباءِ إلى بَدْرٍ، يَتَجَسَّسانِ أخْبارَ أبِي سُفْيانَ وعِيرِهِ، ثُمَّ تَنَكَّبَ عَنْ الصَّفْراءِ يَمِينًا، وخَرَجَ عَلى وادِي دَقْرانَ، فَبَلَغَهُ خُرُوجُ قُرَيْشٍ ونَفِيرُهم، فاسْتَشارَ أصْحابَهُ، فَتَكَلَّمَ المُهاجِرُونَ، وأحْسَنُوا، وهو يُرِيدُ ما يَقُولُ الأنْصارُ، وفَهِمُوا ذَلِكَ، فَتَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وكانَ فِيما قالَ: لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ لَخُضْناهُ مَعَكَ، فَسِرْ بِنا يا رَسُولَ اللَّهِ عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ. فَسُرَّ بِذَلِكَ، وقالَ: «سِيرُوا وأبْشِرُوا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ» . ثُمَّ ارْتَحَلُوا مِن دَقْرانَ إلى قَرِيبٍ مِن بَدْرٍ، وبَعَثَ عَلِيًّا والزُّبَيْرَ وسَعْدًا في نَفَرٍ يَلْتَمِسُونَ الخَبَرَ. فَأصابُوا غُلامَيْنِ لِقُرَيْشٍ، فَأتَوْا بِهِما، وهو ﷺ قائِمٌ يُصَلِّي، وقالُوا: نَحْنُ سُقاةُ قُرَيْشٍ، فَكَذَّبُوهُما، كَراهِيَةً في الخَبَرِ، ورَجاءَ أنْ يَكُونا مِنَ العِيرِ لِلْغَنِيمَةِ وقِلَّةِ المُؤْنَةِ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُما فَيَقُولانِ: نَحْنُ مِنَ العِيرِ. فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وقالَ لِلْغُلامَيْنِ: أخْبِرانِي أيْنَقُرَيْشٌ ؟ فَأخْبَراهُ أنَّهم وراءَ الكَثِيبِ وأنَّهم يَنْحَرُونَ يَوْمًا عَشْرًا مِنَ الإبِلِ ويَوْمًا تِسْعًا، فَقالَ ﷺ: «القَوْمُ ما بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ والألِفِ» . وقَدْ كانَ بَسْبَسٌ وعَدِيٌّ مَضَيا يَتَجَسَّسانِ ولا خَبَرَ، حَتّى نَزَلا وأناخا قُرْبَ الماءِ، واسْتَقَيا في شَنٍّ لَهُما، ومَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو مِن جُهَيْنَةَ يَقْرَبُهُما. فَسَمِعَ عَدِيٌّ جارِيَةً مِن جَوارِي الحَيِّ تَقُولُ لِصاحِبَتِها: العِيرُ تَأْتِي غَدًا أوْ بَعْدَ غَدٍ، وأعْمَلُ لَهم وأقْضِيكَ الَّذِي لَكَ، وجاءَتْ إلى مَجْدِيِّ بْنِ عَمْرٍو، فَصَدَّقَها. فَرَجَعَ بَسْبَسٌ وعَدِيٌّ بِالخَبَرِ. وجاءَ أبُو سُفْيانَ بَعْدَهُما يَتَجَسَّسُ الخَبَرَ. فَقالَ لِمَجْدِيٍّ: هَلْ أحْسَسْتَ أحَدًا ؟ فَقالَ: راكِبَيْنِ أناخا يَمِيلانِ لِهَذا التَّلِّ، فاسْتَقَيا الماءَ ونَهَضا. فَأتى أبُو سُفْيانَ مُناخَهُما. وفَتَّتَ مِن أبْعارِ رَواحِلِهِما. فَقالَ: هَذِهِ - واَللَّهِ - عَلائِفُ يَثْرِبَ. فَرَجَعَ سَرِيعًا وقَدْ حَذِرَ، وتَنَكَّبَ بِالعِيرِ إلى طَرِيقِ السّاحِلِ فَنَجا. وأوْصى إلى قُرَيْشٍ بِأنّا قَدْ نَجَوْنا بِالعِيرِ فارْجِعُوا. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واَللَّهِ لا نَرْجِعُ حَتّى نَرِدَ ماءَ بِدْرٍ، ونُقِيمَ بِهِ ثَلاثًا، وتَهابُنا العَرَبُ أبَدًا، (p-٩٦٢)ورَجَعَ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ بِجَمِيعِ بَنِي زُهْرَةَ، وكانَ حَلِيفَهم ومُطاعًا فِيهِمْ، وقالَ: إنَّما خَرَجْتُمْ تَمْنَعُونَ أمْوالَكم وقَدْ نَجَتْ، فارْجِعُوا. وكانَ بَنُو عَدِيٍّ لَمْ يَنْفِرُوا مَعَ القَوْمِ، فَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مِن قُرَيْشٍ عَدَوِيٌّ ولا زُهْرِيٌّ. وسَبَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا إلى ماءِ بَدْرٍ، وثَبَّطَهم عَنْهُ مَطَرٌ نَزَلَ وبْلُهُ مِمّا يَلِيهِمْ، وأصابَ مِمّا يَلِي المُسْلِمِينَ دَهْسَ الوادِي، وأعانَهم عَلى السَّيْرِ. فَنَزَلَ ﷺ عَلى أدْنى ماءٍ مِن مِياهِ بَدْرٍ إلى المَدِينَةِ، فَقالَ لَهُ الحُبابُ بْنُ المُنْذِرِ: آللَّهُ أنْزَلَكَ بِهَذا المَنزِلِ فَلا نَتَحَوَّلُ عَنْهُ، أمْ قَصَدْتَ الحَرْبَ والمَكِيدَةَ ؟ فَقالَ ﷺ: «لا بَلْ هو الرَّأْيُ والحَرْبُ» . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! لَيْسَ هَذا بِمَنزِلٍ، وإنَّما نَأْتِي أدْنى ماءٍ مِنَ القَوْمِ فَنَنْزِلُهُ ونَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا، ونَمْلَؤُهُ ونُغَوِّرُ القُلُبَ كُلَّها، فَنَكُونُ قَدْ مَنَعْناهم الماءَ، فاسْتَحْسَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ بَنَوْا عَرِيشًا عَلى تَلٍّ مُشْرِفٍ عَلى المَعْرَكَةِ يَكُونُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى يَأْتِيَهُ النَّصْرُ مِن رَبِّهِ، ومَشى يُرِيهِمْ مَصارِعَ القَوْمِ واحِدًا واحِدًا. ولَمّا نَزَلَ قُرَيْشٌ مِمّا يَلِيهِمْ بَعَثُوا عُمَيْرَ بْنَ وهْبٍ الجُمَحِيَّ يَحْزِرُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَزَرَهم وانْصَرَفَ وخَبَّرَهم الخَبَرَ. ورامَ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ أنْ يَرْجِعا بِقُرَيْشٍ، ولا يَكُونُ الحَرْبُ، فَأبى أبُو جَهْلٍ، وساعَدَهُ المُشْرِكُونَ، وتَواقَفَتْ الفِئَتانِ، وعَدَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّفُوفَ بِيَدِهِ، ورَجَعَ إلى العَرِيشِ، ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وحْدَهُ، وطَفِقَ يَدْعُو ويُلِحُّ، وأبُو بَكْرٍ يُقاوِلُهُ. ويَقُولُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ ! إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدُ في الأرْضِ، اللَّهُمَّ ! أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي. وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ وقَوْمٌ مَعَهُ مِنَ الأنْصارِ عَلى بابِ العَرِيشِ يَحْمُونَهُ، وأخْفَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْتَبَهَ، فَقالَ: أبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ ! فَقَدْ أتى نَصْرُ اللَّهِ. ثُمَّ خَرَجَ يُحَرِّضُ النّاسَ. ورَمى في وُجُوهِ القَوْمِ بِحَفْنَةٍ مِن حَصًى وهو يَقُولُ: شاهَتْ الوُجُوهُ. ثُمَّ تَزاحَفُوا، فَخَرَجَ عُتْبَةُ وأخُوهُ شَيْبَةُ وابْنُهُ الوَلِيدُ يَطْلُبُونَ البِرازَ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ عُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ وحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَقَتَلَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ شَيْبَةَ والوَلِيدَ، وضَرَبَ عُتْبَةُ عُبَيْدَةَ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ فَماتَ، وجاءَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ إلى عُتْبَةَ فَقَتْلاهُ، (p-٩٦٣)وقَدْ كانَ بَرَزَ إلَيْهِمْ عَوْفٌ ومُعاذٌ ابْنا عَفْراءَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ مِنَ الأنْصارِ فَأبَوْا إلّا قَوْمَهم. وجالَ القَوْمُ جَوْلَةً، فَهُزِمَ المُشْرِكُونَ. وقُتِلَ مِنهم يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ رَجُلًا. وأُسِرَ سَبْعُونَ. واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. ثُمَّ انْجَلَتْ الحَرْبُ، وانْصَرَفَ إلى المَدِينَةِ، وقَسَّمَ الغَنائِمَ في الصَّفْراءِ، ودَخَلَ المَدِينَةَ لِثَمانٍ بَقِينَ مِن رَمَضانَ»، وبَسْطُ القِصَّةِ في السِّـيَرِ. ومِن أبْدَعِها سِياقًا وفِقْهًا (زادُ المَعادِ) فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ.

آل عمران 3:124

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢٤ ] ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ﴾ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكُمْ﴾ لِتَقْوِيَتِكم ونَصْرِكم ودَفْعِ أعْدائِكم: ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ﴾ مِن سَمائِهِ لِقِتالِ أعْدائِهِ. وقَوْلُهُ:

آل عمران 3:125

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢٥ ] ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ﴿بَلى﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ مَقُولِهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ ابْتِداءُ خِطابٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَأْيِيدًا لِقَوْلِ نَبِيِّهِ وزِيادَةً عَلى ما وعَدَهم تَكَرُّمًا وفَضْلًا. أيْ: نَعَمْ يَكْفِيكم الإمْدادُ بِثَلاثَةِ آلافٍ، ولَكِنَّهُ يَزِيدُكم: ﴿إنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى قِتالِهِمْ: ﴿وتَتَّقُوا﴾ الفِرارَ عَنْهم: ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ: ساعَتِهِمْ هَذِهِ فَلا تَنْزَعِجُوا بِمُفاجَأتِهِمْ: ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ في حال إتْيانِهِمْ لا يَتَأخَّرُ نُزُولُهم عَنْ إتْيانِهِمْ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بِكَسْرِ الواوِ أيْ: مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم بِأداةِ الحَرْبِ عَلى عادَةِ الفُرْسانِ يَوْمَ اللِّقاءِ لِيُعْرَفُوا بِها. وقُرِئَ (p-٩٦٤)بِفَتْحِ الواوِ، أيْ: مُعَلَّمِينَ مِن قِبَلِهِ تَعالى. رَوى البُخارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: ««هَذا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أداةٌ لِلْحَرْبِ»» . تَنْبِيهٌ: وفِي وعْدِهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالإمْدادِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تَقُولُ﴾ [آل عمران: ١٢٤] وجْهانِ: اَلْأوَّلُ: أنَّهُ كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنَّ سِياقَ ما قَبْلُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] فَـ (إذْ) ظَرْفٌ لِـ (نَصَرَكم)، أيْ: نَصَرَكم وقْتَ قَوْلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَدْ أظْهَرُوا العَجْزَ واسْتَغاثُوا رَبَّهم. فَإنْ قِيلَ: فَما الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، عَلى هَذا الوَجْهِ، وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْفالِ في قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] فالجَوابُ: أنَّ التَّنْصِيصَ عَلى الألِفِ هَهُنا لا يُنافِي الثَّلاثَةَ آلافٍ فَما فَوْقَها، لِقَوْلِهِ (مُرْدِفِينَ) بِمَعْنى يُرْدِفُهم غَيْرُهم، ويَتْبَعُهم أُلُوفٌ أُخَرُ مِثْلُهم، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا اسْتَغاثُوا أمَدَّهم بِألْفٍ ثُمَّ أمَدَّهم بِتَمامِ ثَلاثَةِ آلافٍ، ثُمَّ أمَدَّهم بِتَمامِ خَمْسَةِ آلافٍ لَمّا صَبَرُوا واتَّقَوْا، وكانَ هَذا التَّدْرِيجُ ومُتابَعَةُ الإمْدادِ أحْسَنَ مَوْقِعًا وأقْوى لِتَقْوِيَتِهِمْ، وأسْرِها مِن أنْ يَأْتِيَ مَرَّةً واحِدَةً، وهو بِمَنزِلَةِ مُتابَعَةِ الوَحْيِ، ونُزُولِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: أمَدَّ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِألْفٍ، ثُمَّ صارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ صارُوا خَمْسَةَ آلافٍ. ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ أنَّ سِياقَ بَدْرٍ في الأنْفالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧] الآياتُ شَبِيهَةٌ بِهَذا السِّياقِ هُنا، كَما يَذُوقُهُ مَن تَدَبَّرَهُ. (p-٩٦٥)اَلْوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا الوَعْدَ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَإنَّ القِصَّةَ في سِياقِ أُحُدٍ، وإنَّما أُدْخِلَ ذِكْرُ بَدْرٍ اعْتِراضًا في أثْنائِها؛ لِيُذَكِّرَهم بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، لَمّا نَصَرَهم بِبَدْرٍ وهم أذِلَّةٌ، وإنَّهُ كَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى نَصْرِهِمْ في سائِرِ المَواطِنِ. ثُمَّ عادَ إلى قِصَّةِ أُحُدٍ، وأخْبَرَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِهِ لَهم: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٤] الآيَةُ. ثُمَّ وعَدَهم أنَّهم إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا أمَدَّهم بِخَمْسَةِ آلافٍ. فَهَذا مِن قَوْلِ رَسُولِهِ، والإمْدادُ الَّذِي بِبَدْرٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى، وهَذا بِخَمْسَةِ آلافٍ. وإمْدادُ بَدْرٍ بِألْفٍ، وهَذا مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ، وذاكَ مُطْلَقٌ، والقِصَّةُ في هَذِهِ السُّورَةِ هي قِصَّةُ أُحُدٍ مُسْتَوْفاةً مُطَوَّلَةً، وبَدْرٌ ذُكِرَتْ فِيها اعْتِراضًا، والقِصَّةُ في الأنْفالِ قِصَّةُ بَدْرٍ مُسْتَوْفاةً مُطَوَّلَةً، فالسِّياقُ هُنا غَيْرَ السِّياقِ في الأنْفالِ - أشارَ لِذَلِكَ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ) . وقَدْ انْتَصَرَ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ، وبَيَّنَ ضَعْفَ الثّانِي بِأوْجُهٍ وجِيهَةٍ. فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. ونَقَلَ الخازِنُ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: وأوْلى الأقْوالِ في ذَلِكَ بِالصَّوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٤] فَوَعَدَهم اللَّهُ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَدَدًا لَهم، ثُمَّ وعَدَهم بَعْدَ الثَّلاثَةِ الآلافِ، خَمْسَةَ آلافٍ إنْ صَبَرُوا لِأعْدائِهِمْ واتَّقَوْا اللَّهَ. ولا دِلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّهم أُمِدُّوا بِالثَّلاثَةِ آلافٍ ولا بِالخَمْسَةِ آلافٍ، ولا عَلى أنَّهم لَمْ يُمَدُّوا بِهِمْ. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أمَدَّهم عَلى نَحْوِ ما رَواهُ الَّذِينَ أثْبَتُوا أنَّهُ أمَدَّهم. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَمْ يُمِدَّهم عَلى نَحْوِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ. ولا خَبَرَ عِنْدَنا صَحَّ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يُثْبِتُ أنَّهم أُمِدُّوا بِالثَّلاثَةِ الآلافِ. ولا بِالخَمْسَةِ الآلافِ. (p-٩٦٦)وغَيْرُ جائِزٍ، أنْ يُقالَ في ذَلِكَ قَوْلٌ إلّا بِخَبَرٍ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، ولا خَبَرَ بِهِ كَذَلِكَ، فَنُسَلِّمُ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ قَوْلَهُ. غَيْرَ أنَّ في القُرْآنِ دِلالَةً عَلى أنَّهم قَدْ أُمِدُّوا يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] فَأمّا في يَوْمِ أُحُدٍ فالدِّلالَةُ عَلى أنَّهم لَمْ يُمَدُّوا أبْيَنُ مِنها في أنَّهم أُمِدُّوا. وذَلِكَ أنَّهم لَوْ أُمِدُّوا، لَمْ يُهْزَمُوا، ويُنالُ مِنهم ما نِيلَ مِنهم. فالصَّوابُ فِيهِ مِنَ القَوْلِ أنْ يُقالَ كَما قالَ تَعالى ذِكْرُهُ. هَذا هو نَصُّ ابْنِ جَرِيرٍ. صَفْحَةُ ١٨٠ - ١٨١ مِنَ الجُزْءِ السّابِعِ طَبْعَةُ المَعارِفِ. فَإنْ قُلْتَ: فَما تَصْنَعٌ بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ المَرْوِيِّ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ومَعَهُ رَجُلانِ يُقاتِلانِ عَنْهُ، عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ، كَأشَدِّ القِتالِ، ما رَأيْتُهُما قَبِلُ ولا بَعْدُ، يَعْنِي: جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ ؟» قُلْتُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، لِأنَّهُ صَبَرَ ولَمْ يَنْهَزِمْ كَما انْهَزَمَ أصْحابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ. انْتَهى. فائِدَةٌ: اَلْإمْدادُ لُغَةً: الإعانَةُ. والمُرادُ هُنا إعانَةُ الجَيْشِ. وهَلْ إعانَةُ المَلائِكَةِ لِلْجَيْشِ بِالقِتالِ مَعَهم لِلْحَدِيثِ السّابِقِ. ولِحَدِيثِ عائِشَةَ في الصَّحِيحَيْنِ قالَتْ: «لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٩٦٧)مِنَ الخَنْدَقِ ووَضَعَ السِّلاحَ واغْتَسَلَ، أتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: قَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ ؟ واَللَّهِ ما وضَعْناهُ، اخْرُجْ إلَيْهِمْ ! قالَ: فَإلى أيْنَ ؟ قالَ: هَهُنا - وأشارَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِمْ -» أوْ هي بِتَكْثِيرِ سَوادِ المُسْلِمِينَ وتَثْبِيتِ قُلُوبِهِمْ، كَما قالَ تَعالى في الأنْفالِ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢] أوْ بِهِما مَعًا وهو الظّاهِرُ. وقَدْ سُئِلَ السُّبْكِيُّ عَنْ الحِكْمَةِ في قِتالِ المَلائِكَةِ، مَعَ أنَّ جِبْرِيلَ قادِرٌ عَلى أنْ يَدْفَعَ الكُفّارَ بِرِيشَةٍ مِن جَناحِهِ، فَأجابَ بِأنَّ ذَلِكَ لِإرادَةِ أنْ يَكُونَ الفَضْلُ لِلنَّبِيِّ وأصْحابِهِ، وتَكُونَ المَلائِكَةُ مَدَدًا عَلى عادَةِ مَدَدِ الجُيُوشِ، رِعايَةً لِصُورَةِ الأسْبابِ الَّتِي أجْراها اللَّهُ تَعالى في عِبادِهِ. واَللَّهُ فاعِلُ الجَمِيعِ - انْتَهى - .

آل عمران 3:126

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢٦ ] ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى لَكُمْ﴾ أيْ: ما جُعِلَ الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ إلّا لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ، فَتَزْدادَ قُوَّةُ قُلُوبِكم وشَجاعَتِكم ونَجْدَتِكم ونَشاطِكم: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ أيْ: تَسْكُنَ: ﴿قُلُوبُكم بِهِ﴾ أيْ: فَلا تَجْزَعُ مِن كَثْرَةِ عَدُوِّكم وقِلَّةِ عَدَدِكم: ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وحْدَهُ، لا مِنَ المَلائِكَةِ ولا مِن غَيْرِهِمْ، فالأسْبابُ الظّاهِرَةُ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ، وفِيهِ تَوْثِيقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَدَمُ إقْناطٍ مِنَ النَّصْرِ عِنْدَ فِقْدانِ أسْبابِهِ وأماراتِهِ: ﴿العَزِيزِ﴾ أيْ: الَّذِي لا يُغالَبُ في حُكْمِهِ: ﴿الحَكِيمِ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ.

آل عمران 3:127

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢٧ ] ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: لِيُهْلِكَ ويُنْقِصَ طائِفَةً مِنهم بِالقَتْلِ والأسْرِ، (p-٩٦٨)كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، مِن قَتْلِ سَبْعِينَ وأسْرِ سَبْعِينَ مِنهم، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ، إمّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٢٣] وما بَيْنَهُما تَحْقِيقٌ لِحَقِيقَتِهِ، وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ - وإمّا بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] مِنَ الثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ: ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أيْ: يُخْزِيَهم ويَغِيظَهم بِالهَزِيمَةِ تَقْوِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ أيْ: فَيَرْجِعُوا مُنْقَطِعِي الآمالِ، وإنَّما أُوقِعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في أثْناءِ الكَلامِ قَوْلُهُ:

آل عمران 3:128

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢٨ ] ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اعْتِراضًا لِئَلّا يَغْفُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَرى لِنَفْسِهِ تَأْثِيرًا في بَعْضِ هَذِهِ الأُمُورِ، فَيَحْتَجِبَ عَنْ التَّوْحِيدِ، أيْ: لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ، كَيْفَما كانَ، ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مَأْمُورٌ بِالإنْذارِ. إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ - أفادَهُ القاشانِيُّ - وفي الِاعْتِراضِ تَخْفِيفٌ مِن حُزْنِهِ لِكُفْرِهِمْ، وحِرْصِهِ عَلى هُداهم، كَما قالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِمّا هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ فَيَهْدِيهِمْ لِلْإسْلامِ بَعْدَ الضَّلالَةِ: ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى كُفْرِهِمْ وذُنُوبِهِمْ: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ أيْ: يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى العِنادِ. رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى أحَدٍ أوْ يَدْعُوَ لِأحَدٍ، قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَرُبَّما قالَ، إذا قالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ: «اللَّهُمَّ ! رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ، اللَّهُمَّ ! أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ ! اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» يَجْهَرُ بِذَلِكَ،» (p-٩٦٩)وكانَ يَقُولُ في بَعْضِ صَلاتِهِ في صَلاةِ الفَجْرِ: ««اللَّهُمَّ العَنْ فُلانًا وفُلانًا» لِأحْياءٍ مِنَ العَرَبِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الآيَةُ». وقَدْ أسْنَدَ ما عَلَّقَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ في الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الفَجْرِ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ العَنْ فُلانًا وفُلانًا وفُلانًا» . بَعْدَ ما يَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الآيَةُ،» ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا ولَفْظُهُ: ««اللَّهُمَّ العَنْ فُلانًا وفُلانًا، اللَّهُمَّ العَنْ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ» . فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ». وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنا حُمَيْدٌ، عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وشُجَّ في جَبْهَتِهِ حَتّى سالَ الدَّمُ عَلى وجْهِهِ، فَقالَ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ وهو يَدْعُوهم إلى رَبِّهِمْ - عَزَّ وجَلَّ -»، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ -» انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ. ورَواهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ تَحْقِيقُ مَعْنى سَبَبِ النُّزُولِ، وأنَّ الآيَةَ قَدْ تُذْكَرُ اسْتِشْهادًا في مَقامٍ، لِكَوْنِها مِمّا تَشْمَلُهُ. فَيُطْلِقُ الرّاوِي عَلَيْها النُّزُولَ فِيهِ، ولا يَكُونُ قَصْدُهُ أنَّ هَذا كانَ سَبَبًا لِنُزُولِها، والحِكْمَةُ في مَنعِهِ ﷺ مِنَ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ ظَهَرَتْ مِن تَوْبَتِهِمْ أخِيرًا، والإلْحاحُ في الدُّعاءِ مَظِنَّةُ الإجابَةِ، ولا سِيَّما مِن أشْرَفِ خَلْقِهِ. فاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعالى إمْهالَهم إلى أنْ يَتُوبُوا لِسابِقِ عِلْمِهِ فِيهِمْ. وفِيهِ طَلَبُ التَّفْوِيضِ في الأُمُورِ المُلِمَّةِ، لِما في طَيِّها مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ. (p-٩٧٠)لَطِيفَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ (أنْ) في حُكْمِ اسْمٍ مَعْطُوفٍ بـ (أوْ) عَلى (الأمْرِ) أوْ عَلى (شَيْءٌ)، أيْ: لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ، أوْ مِنَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ مِن تَعْذِيبِهِمْ، أوْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ أوْ التَّوْبَةُ عَلَيْهِمْ أوْ تَعْذِيبُهم. أقُولُ: جَعْلُ: ﴿أوْ يَتُوبَ﴾ مَنصُوبًا بِالعَطْفِ عَلى (يَكْبِتُهم) بَعِيدٌ جِدًّا. وإنْ قَدَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَلى الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ. وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلى ما صَرَّحَتْ بِهِ الرِّواياتُ في سَبَبِ النُّزُولِ. وهي المَرْجِعُ في التَّأْوِيلِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - .

آل عمران 3:129

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢٩ ] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أيْ: لَهُ ما فِيهِما مُلْكًا وأمْرًا: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ فَيَحْكُمُ في خَلْقِهِ بِما يَشاءُ، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: (يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ)، مَعَ زِيادَةٍ. وفي تَخْصِيصِ التَّذْيِيلِ بِهِ دُونَ قَرِينَةٍ، مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ما لا يَخْفى - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - . (p-٩٧١)

آل عمران 3:130

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣٠ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ هَذا نَهْيٌ عَنْ الرِّبا مَعَ التَّوْبِيخِ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِن تَضْعِيفِهِ، كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا بَلَغَ الدَّيْنُ مَحِلَّهُ يَقُولُ: إمّا أنْ تَقْضِيَ حَقِّي أوْ تُرْبِيَ وأزِيدُ في الأجَلِ. وفي نِدائِهِمْ بِاسْمِ (الإيمانِ)؛ إشْعارٌ بِأنَّ مِن مُقْتَضى الإيمانِ وتَصْدِيقِهِ تَرْكَ الرِّبا. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْهُ ما يُرَوِّعُ مَن لَهُ أدْنى تَقْوى. ويُوجِبُ لِمَن لَمْ يَتْرُكْهُ وما يُقارِبُهُ الضَّمانُ بِالخِذْلانِ في كُلِّ زَمانٍ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] وقَوْلُهُ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ أيْ: زِياداتٌ مُتَكَرِّرَةٌ، ولَيْسَتْ لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ بِهِ، لِما هو مَعْلُومٌ مِن تَحْرِيمِهِ عَلى كُلِّ حالٍ، بَلْ لِمُراعاةِ عادَتِهِمْ كَما بَيَّنّا. ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الرِّبا. وقُرِئَ (مُضَعَّفَةً): ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما تُنْهَوْنَ عَنْهُ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ بِإيفاءِ حُقُوقِكم وصَوْنِكم عَنْ أعْدائِكم، كَما صُنْتُمْ حُقُوقَ الأشْياءِ. ومِمّا يُعْلَمُ بِهِ حِكْمَةُ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ في سِلْكِ قِصَّةِ أُحُدٍ، ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ عَمْرَو بْنَ أُقَيْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ لَهُ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ، فَكَرِهَ أنْ يُسْلِمَ حَتّى يَأْخُذَهُ، فَجاءَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقالَ: أيْنَ بَنُو عَمِّي ؟ قالُوا: بِأُحُدٍ. قالَ: أيْنَ فُلانٌ ؟ قالُوا: بِأُحُدٍ، قالَ: فَأيْنَ فُلانٌ؟ قالُوا: (p-٩٧٢)بِأُحُدٍ. فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، ورَكِبَ فَرَسَهُ ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَهم. فَلَمّا رَآهُ المُسْلِمُونَ قالُوا: إلَيْكَ عَنّا يا عَمْرُو ! قالَ: إنِّي قَدْ آمَنتُ، فَقاتَلَ حَتّى جُرِحَ، فَحُمِلَ إلى أهْلِهِ جَرِيحًا، فَجاءَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ لِأُخْتِهِ: سَلِيهِ: حَمِيَّةً لِقَوْمِكَ وغَضَبًا لَهم أمْ غَضَبًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ؟ فَقالَ: بَلْ غَضَبًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ورَسُولِهِ ﷺ . فَماتَ، فَدَخَلَ الجَنَّةَ، وما صَلّى لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - صَلاةً. قالَ الدِّينَوَرِيُّ: وكانَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: حَدِّثُونِي عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الجَنَّةَ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ ! فَيَسْكُتُ النّاسُ، فَيَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: هو أخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ. وعِنْدَ ابْنِ إسْحاقَ: فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ««إنَّهُ لَمِن أهْلِ الجَنَّةِ»»، فَهَذا مُلَخَّصُ ما أوْرَدَهُ البِقاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - .

آل عمران 3:131

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣١ ] ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ بِالتَّحَرُّزِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ في الرِّبا ونَحْوِهِ. رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ يَقُولُ: هي أخْوَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ حَيْثُ أوْعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ.

آل عمران 3:132

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣٢ ] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ أيْ: في تَرْكِ الرِّبا ونَحْوِهِ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾

آل عمران 3:133

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣٣ ] ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ أيْ: إلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِما مِنَ الِاسْتِغْفارِ (p-٩٧٣)والتَّوْبَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ أيْ: كَعَرْضِهِما، كَما قالَ في سُورَةِ الحَدِيدِ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] وفي العَرْضِ وجْهانِ: اَلْأوَّلُ: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ. وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى اتِّساعِ طُولِها، فَإنَّ العَرْضَ في العادَةِ أدْنى مِنَ الطُّولِ، كَما قالَ تَعالى في صِفَةِ فُرُشِ الجَنَّةِ: ﴿بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: فَما ظَنُّكَ بِظاهِرِها ؟ فَكَذا هُنا. والثّانِي: أنَّهُ مَجازٌ عَنْ السِّعَةِ والبَسْطَةِ. قالَ القَفّالُ: لَيْسَ المُرادُ بِالعَرْضِ هَهُنا ما هو خِلافُ الطُّولِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ السِّعَةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: بِلادٌ عَرِيضَةٌ، ويُقالُ: هَذِهِ دَعْوى عَرِيضَةٌ أيْ: واسِعَةٌ عَظِيمَةٌ. والأصْلُ فِيهِ: أنَّ ما اتَّسَعَ عَرْضُهُ لَمْ يَضِقْ وما ضاقَ عَرْضُهُ دَقَّ، فَجُعِلَ العَرْضُ كِنايَةً عَنْ السِّعَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ وصْفُها بِالسِّعَةِ والبَسْطَةِ. فَشُبِّهَتْ بِأوْسَعِ ما عَلِمَهُ النّاسُ مِن خَلْقِهِ تَعالى وأبْسَطِهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾

آل عمران 3:134

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣٤ ] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ﴾ أيْ: في حالِ الرَّخاءِ واليُسْرِ: ﴿والضَّرّاءِ﴾ أيْ: في حالِ الضِّيقَةِ والعُسْرِ. وإنَّما افْتُتِحَ بِذِكْرِ الإنْفاقِ لِأنَّهُ أشَقُّ شَيْءٍ عَلى النَّفْسِ، فَمُخالَفَتُها فِيهِ مَنقَبَةٌ (p-٩٧٤)شامِخَةٌ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ أيْ: المُمْسِكِينَ عَلَيْهِ في نُفُوسِهِمْ، الكافِّينَ عَنْ إمْضائِهِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، اتِّقاءَ التَّعَدِّي فِيهِ إلى ما وراءَ حَقِّهِ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جارِيَةَ بْنِ قُدامَةَ السَّعْدِيِّ «أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي وأقْلِلْ عَلَيَّ لَعَلِّي أعِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَغْضَبْ» . فَأعادَ عَلَيْهِ. حَتّى أعادَ عَلَيْهِ مِرارًا. كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لا تَغْضَبْ»» - انْفَرَدَ بِهِ أحْمَدُ - ورُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أوْصِنِي، قالَ: «لا تَغْضَبْ» قالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ ما قالَ، فَإذا الغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ»: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ أيْ: ظُلْمَهم لَهم، ولَوْ كانُوا قَدْ قَتَلُوا مِنهم، فَلا يُؤاخِذُونَ أحَدًا بِما يَجْنِي عَلَيْهِمْ، ولا يَبْقى في أنْفُسِهِمْ مَوْجِدَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا راجِعًا إلى ما ذُمَّ مِن فِعْلِ المُشْرِكِينَ في أكْلِ الرِّبا. فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنْ ذَلِكَ، ونُدِبُوا إلى العَفْوِ عَنْ المُعْسِرِينَ، قالَ تَعالى عُقَيْبَ قِصَّةِ الرِّبا والتَّدايُنِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَما قالَ تَعالى في الدِّيَةِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ويُحْتَمَلُ (p-٩٧٥)أنْ يَكُونَ هَذا بِسَبَبِ غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ وقالَ: ««لَأُمَثِّلَنَّ بِهِمْ»» . فَنُدِبَ إلى كَظْمِ هَذا الغَيْظِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ، والكَفِّ عَنْ فِعْلِ ما ذَكَرَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ مِنَ المُثْلَةِ، فَكانَ تَرْكُهُ فِعْلَ ذَلِكَ عَفْوًا. قالَ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] - انْتَهى - . وظاهِرٌ أنَّ عُمُومَ الآيَةِ مِمّا يَشْمَلُ كُلَّ ما ذُكِرَ؛ إذْ لا تَعْيِينَ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ اللّامُ إمّا لِلْجِنْسِ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وإمّا لِلْعَهْدِ، عَبَّرَ عَنْهم بِالمُحْسِنِينَ إيذانًا بِأنَّ النُّعُوتَ المَعْدُودَةَ مِن بابِ الإحْسانِ الَّذِي هو الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ««أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ، فَإنَّهُ يَراكَ»» . والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - . (p-٩٧٦)

آل عمران 3:135

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣٥ ] ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ الكِبارِ: ﴿أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: بِأيِّ نَوْعٍ مِنَ الذُّنُوبِ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَذَكَّرُوا حَقَّهُ وعَهْدَهُ فاسْتَحْيَوْهُ وخافُوهُ: ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: لِأجْلِها بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ إلَيْهِ تَعالى. قالَ البِقاعِيُّ: ولَمّا كانَ هَذا مُفْهِمًا أنَّهُ يَغْفِرُ لَهم لِأنَّهُ غَفّارٌ لِمَن تابَ، أتْبَعَهُ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ، ونَفى القُدْرَةَ عَلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ، مُرَغِّبًا في الإقْبالِ عَلَيْهِ بِالِاعْتِراضِ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ أيْ: يَمْحُو آثارَها حَتّى لا تُذْكَرَ. ولا يُجازى عَلَيْها: ﴿إلا اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْلى. وقالَ أبُو السُّعُودِ: (مَن) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. أيْ: لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، خَلا أنَّ دِلالَةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِانْتِفاءِ أقْوى وأبْلَغُ لِإيذانِهِ بِأنَّهُ كُلُّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ يَعْرِفُ ذَلِكَ الِانْتِفاءَ، فَيُسارِعُ إلى الجَوابِ بِهِ، والمُرادُ بِهِ وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِغايَةِ سِعَةِ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ المَغْفِرَةِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ، أوْ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها لِتَقْرِيرِ الِاسْتِغْفارِ والحَثِّ عَلَيْهِ، والإشْعارِ بِالوَعْدِ بِالقَبُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في هَذِهِ الجُمْلَةِ وصْفٌ لِذاتِهِ تَعالى بِسِعَةِ الرَّحْمَةِ، وقُرْبِ المَغْفِرَةِ، وأنَّ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ عِنْدَهُ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ، وأنَّهُ لا مَفْزَعَ لِلْمُذْنِبِينَ إلّا فَضْلُهُ وكَرَمُهُ، وأنَّ عَدْلَهُ يُوجِبُ المَغْفِرَةَ لِلتّائِبِ، لِأنَّ العَبْدَ إذا جاءَ في الِاعْتِذارِ والتَّنَصُّلِ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وجَبَ العَفْوُ والتَّجاوُزُ، وفِيهِ تَطْيِيبٌ لِنُفُوسِ العِبادِ، وتَنْشِيطٌ لِلتَّوْبَةِ، وبَعْثٌ عَلَيْها، ورَدْعٌ عَنْ اليَأْسِ والقُنُوطِ، وأنَّ الذُّنُوبَ وإنْ جَلَّتْ فَإنَّ عَفْوَهُ أجَلُّ، وكَرَمَهُ أعْظَمُ، والمَعْنى: أنَّهُ وحْدَهُ مَعَهُ مُصَحِّحاتُ المَغْفِرَةِ - انْتَهى - . (p-٩٧٧)وفِي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ الأسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِأسِيرٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أتُوبُ إلَيْكَ ولا أتُوبُ إلى مُحَمَّدٍ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَرَفَ الحَقَّ لِأهْلِهِ»» . وفِيهِ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ إبْلِيسَ قالَ لِرَبِّهِ: بِعِزَّتِكَ وجَلالِكَ لا أبْرَحُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ ما دامَتْ الأرْواحُ فِيهِمْ، فَقالَ اللَّهُ: فَبِعِزَّتِي وجَلالِي لا أبْرَحُ أغْفِرُ لَهم ما اسْتَغْفَرُونِي». وفِيهِ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كُنْتُ إذا سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِما شاءَ مِنهُ، وإذا حَدَّثَنِي عَنْهُ غَيْرِي اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإذا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وإنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدَّثَنِي، وصَدَقَ أبُو بَكْرٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِن رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - إلّا غَفَرَ لَهُ»»، ورَواهُ أهْلُ السُّنَنِ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وغَيْرُهم. قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ: ﴿ولَمْ يُصِرُّوا﴾ أيْ: لَمْ يُقِيمُوا: ﴿عَلى ما فَعَلُوا﴾ أيْ: ما فَعَلُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ مِن غَيْرِ اسْتِغْفارٍ. ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يُصِرُّوا أيْ: لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم عالِمُونَ بِقُبْحِهِ، والنَّهْيِ عَنْهُ، والوَعِيدِ عَلَيْهِ. والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ؛ لِما أنَّهُ قَدْ يُعْذَرُ مَن لا يَعْلَمُ قُبْحَ القَبِيحِ. وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ واَلتِّرْمِذِيُّ والبَزّارُ وأبُو يَعْلى عَنْ مَوْلًى لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ أبِي بَكْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما أصَرَّ مَن اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً»»، (p-٩٧٨)وإسْنادُهُ لا بَأْسَ بِهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ واَلتِّرْمِذِيِّ: لَيْسَ إسْنادُ هَذا الحَدِيثِ بِذاكَ - فالظّاهِرُ أنَّهُ لِأجْلِ جَهالَةِ مَوْلى أبِي بَكْرٍ، ولَكِنَّ جَهالَةَ مِثْلِهِ لا تَضُرُّ لِأنَّهُ تابِعِيٌّ كَبِيرٌ، ويَكْفِيهِ نِسْبَتُهُ إلى أبِي بَكْرٍ، فَهو حَدِيثٌ حَسَنٌ. واَللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:136

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣٦ ] ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةً إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما مَرَّ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ: ﴿جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ: سَتْرٌ لِذُنُوبِهِمْ: ﴿وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: مِن أنْواعِ المَشْرُوباتِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ذَلِكَ. يَعْنِي: ما ذُكِرَ مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنّاتِ، ثُمَّ عادَ التَّنْزِيلُ إلى تَفْصِيلِ بَقِيَّةِ قِصَّةِ أُحُدٍ، بَعْدَ تَمْهِيدِهِ مَبادِئَ الرُّشْدِ والصَّلاحِ بِقَوْلِهِ:

آل عمران 3:137

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣٧ ] ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ: مَضَتْ: ﴿مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ أيْ: وقائِعُ مِن أنْواعِ المُؤاخَذاتِ والبَلايا لِلْأُمَمِ المُكَذِّبِينَ: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ الَّتِي فِيها دِيارُهم الخَرِبَةُ وآثارُ إهْلاكِهِمْ: ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: وقِيسُوا بِها عاقِبَةَ اللّاحِقِينَ بِهِمْ في الهَلاكِ والِاسْتِئْصالِ، والأمْرُ بِالسَّيْرِ والنَّظَرِ؛ لِما أنَّ لِمُشاهَدَةِ آثارِ المُتَقَدِّمِينَ أثَرًا في الِاعْتِبارِ، والرَّوْعَةِ أقْوى مِن أثَرِ السَّماعِ.(p-٩٧٩)

آل عمران 3:138

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣٨ ] ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿هَذا﴾ أيْ: القُرْآنُ أوْ ما تَقَدَّمَ مِن مُؤاخَذَةِ المَذْكُورِينَ: ﴿بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ﴾ أيْ: تَخْوِيفٌ نافِعٌ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ثُمَّ شَجَّعَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ وسَلّاهم عَمّا أصابَهم بِقَوْلِهِ:

آل عمران 3:139

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣٩ ] ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لا تَضْعُفُوا عَنْ الجِهادِ بِما نالَكم مِنَ الجِراحِ، ولا تَحْزَنُوا عَلى مَن قُتِلَ مِنكم، والحالُ أنَّكم الأعْلَوْنَ الغالِبُونَ دُونَ عَدُوِّكم، فَإنَّ مَصِيرَ أمْرِهِمْ إلى الدَّمارِ حَسْبَما شاهَدْتُمْ مِن عاقِبَةِ أسْلافِهِمْ، فَهو تَصْرِيحٌ بِالوَعْدِ بِالنَّصْرِ بَعْدَ الإشْعارِ بِهِ فِيما سَبَقَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ أوْ بِـ (الأعْلَوْنَ) . وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما تَعَلَّقَ بِهِ عَلَيْهِ. أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا، فَإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ قُوَّةَ القَلْبِ، والثِّقَةَ بِصُنْعِ اللَّهِ تَعالى، وعَدَمَ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ. أوْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَأنْتُمْ الأعْلَوْنَ. فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي العُلُوَّ لا مَحالَةَ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - .

آل عمران 3:140

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٤٠ ] ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ بِالفَتْحِ والضَّمِّ قِراءَتانِ، وهُما لُغَتانِ، كالضَّعْفِ والضُّعْفِ، أيْ: (p-٩٨٠)إنْ أصابَكم يَوْمَ أُحُدٍ جِراحٌ: ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ: يَوْمَ بَدْرٍ، ولَمْ يَضْعُفُوا ولَمْ يَجْبُنُوا فَأنْتُمْ أوْلى، لِأنَّكم مَوْعُودُونَ بِالنَّصْرِ دُونَهم، أيْ: فَقَدْ اسْتَوَيْتُمْ في الألَمِ، وتَبايَنْتُمْ في الرَّجاءِ والثَّوابِ، كَما قالَ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] فَما بالُكم تَهِنُونَ وتَضْعُفُونَ عِنْدَ القَرْحِ والألَمِ، فَقَدْ أصابَهم ذَلِكَ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، وأنْتُمْ أُصِبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ. وقِيلَ: كِلا المَسَّـيْنِ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ نالُوا مِنهم قَبْلَ أنْ يُخالِفُوا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ﴾ أيْ: أيّامُ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا: ﴿نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ أيْ: نُصَرِّفُها بَيْنَهم، نُدِيلُ تارَةً لِهَؤُلاءِ، وتارَةً لِهَؤُلاءِ فَهي عَرَضٌ حاضِرٌ، يُقَسِّمُها بَيْنَ أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ. بِخِلافِ الآخِرَةِ، فَإنَّ عَرَضَها ونَصْرَها ورَجاءَها خالِصٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا. قالَ ابْنُ القَـيِّمِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في ذِكْرِ بَعْضِ الحِكَمِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ الَّتِي كانَتْ في وقْعَةِ أُحُدٍ: ومِنها: أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ وسُـنَّتَهُ في رُسُلِهِ وأتْباعِهِمْ جَرَتْ بِأنْ يُدالُوا مَرَّةً ويُدالُ عَلَيْهِمْ أُخْرى، لَكِنْ تَكُونُ لَهم العاقِبَةُ. فَإنَّهم لَوْ انْتَصَرُوا دائِمًا دَخَلَ مَعَهم المُسْلِمُونَ وغَيْرُهم، ولَمْ يُمَيَّزْ الصّادِقُ مِن غَيْرِهِ. ولَوْ انْتُصِرَ عَلَيْهِمْ دائِمًا لَمْ يَحْصُلْ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ. فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ أنْ جَمَعَ لَهم بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِيَتَمَيَّزَ مَن يَتْبَعُهم ويُطِيعُهم لِلْحَقِّ وما جاءُوا بِهِ، مِمَّنْ يَتْبَعُهم عَلى الظُّهُورِ والغَلَبَةِ خاصَّةً - انْتَهى - . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: حِكْمَةٌ أُخْرى وهي أنْ يَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُنافِقِينَ فَيَعْلَمُهم، عِلْمَ رُؤْيَةٍ ومُشاهَدَةٍ بَعْدَ أنْ كانُوا مَعْلُومِينَ في غَيْبِهِ، وذَلِكَ العِلْمُ (p-٩٨١)اَلْغَيْبِيُّ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، وإنَّما يَتَرَتَّبانِ عَلى المَعْلُومِ إذا صارَ مُشاهَدًا واقِعًا في الحِسِّ. لَطِيفَةٌ: فِي الآيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُعَلَّلُ مَحْذُوفًا مَعْناهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ﴾ إلَخْ. فِعْلَنا ذَلِكَ. اَلثّانِي: أنْ تَكُونَ العِلَّةُ مَحْذُوفَةً، وهَذا عَطْفٌ عَلَيْهِ، مَعْناهُ: وفَعَلْنا ذَلِكَ لِيَكُونَ كَيْتٌ وكَيْتٌ، ولِيَعْلَمَ اللَّهُ. وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِأنَّ المَصْلَحَةَ فِيما فَعَلَ لَيْسَتْ بِواحِدَةٍ لِيُسَلِّيَهم عَمّا جَرى عَلَيْهِمْ ولِيُبَصِّرَهم أنَّ العَبْدَ يَسُوؤُهُ ما يَجْرِي عَلَيْهِ مِنَ المَصائِبِ، ولا يَشْعُرُ أنَّ لِلَّهِ في ذَلِكَ مِنَ المَصالِحِ ما هو غافِلٌ عَنْهُ - أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - . تَنْبِيهٌ: فِي هَذِهِ الآيَةِ بَحْثٌ مَشْهُورٌ، وذَلِكَ بِأنَّ ظاهِرَها مُشْعِرٌ بِأنَّهُ تَعالى إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكْتَسِبَ هَذا العِلْمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُها في الإشْكالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٤٢] إلَخْ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى﴾ [الكهف: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] (p-٩٨٢)وقَوْلُهُ: ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣] قالَ الرّازِيُّ: وقَدْ احْتَجَّ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ بِظَواهِرِ هَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ حُدُوثَ الحَوادِثِ إلّا عِنْدَ وُقُوعِها، فَقالَ: كُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما صارَ عالِمًا بِحُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ عِنْدَ حُدُوثِها. ولَمّا كانَتْ الدَّلائِلُ القَطْعِيَّةُ دالَّةً عَلى أزَلِيَّةِ عِلْمِهِ جَلَّ اسْمُهُ، أجابَ عَنْ ذَلِكَ العُلَماءُ بِأجْوِبَةٍ: مِنها: أنَّها مِن بابِ التَّمْثِيلِ. فالتَّقْدِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ المُخْلِصِينَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ مَن غَيْرِهِمْ. ومِنها: أنَّ العِلْمَ فِيهِ مَجازٌ عَنْ التَّمْيِيزِ بِطَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، أيْ: لِيَمِيزَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ. ومِنها: أنَّ العِلْمَ عَلى حَقِيقَتِهِ، إلّا أنَّهُ مُعْتَبَرٌ مِن حَيْثُ تَعَلُّقِهِ بِالمَعْلُومِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ واقِعٌ مَوْجُودٌ بِالفِعْلِ، أيْ: لِيَعْلَمَ الثّابِتَ واقِعًا مِنهم كَما كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ سَيَقَعُ لِأنَّ المُجازاةَ تَقَعُ عَلى الواقِعِ دُونَ المَعْلُومِ الَّذِي لَمْ يُوجَدُ، وهَذا ما اعْتَمَدَهُ ابْنُ القَيِّمِ كَما نَقَلْناهُ أوَّلًا. ومِنها: أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ. أيْ: لِيَعْلَمَ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَأضافَ إلى نَفْسِهِ تَفْخِيمًا. واَللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرى، وهي اتِّخاذُهُ سُبْحانَهُ مِنهم شُهَداءَ، بِقَوْلِهِ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ أيْ: ولِيُكْرِمَ ناسًا مِنكم بِالشَّهادَةِ لِيَكُونُوا مِثالًا لِغَيْرِهِمْ في تَضْحِيَةِ النَّفْسِ شَهادَةً لِلْحَقِّ، واسْتِماتَةً دُونَهُ، وإعْلاءً لِكَلِمَتِهِ، وهو تَعالى يُحِبُّ الشُّهَداءَ مِن عِبادِهِ، وقَدْ أعَدَّ لَهم أعْلى (p-٩٨٣)المَنازِلِ وأفْضَلَها، وقَدْ اتَّخَذَهم لِنَفْسِهِ، فَلا بُدَّ أنْ يُنِيلَهم دَرَجَةَ الشَّهادَةِ. وفي لَفْظِ الِاتِّخاذِ المُنْبِئِ عَنْ الِاصْطِفاءِ والتَّقْرِيبِ، مِن تَشْرِيفِهِمْ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِمْ ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: تَنْبِيهٌ لِطَيْفُ المَوْقِعِ جِدًّا عَلى أنَّ كَراهَتَهُ وبُغْضَهُ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ انْخَزَلُوا عَنْ نَبِيِّهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يَشْهَدُوهُ، ولَمْ يَتَّخِذْ مِنهم شُهَداءَ، لِأنَّهُ لَمْ يُحِبَّهم، فَأرْكَسَهم ورَدَّهم لِيَحْرِمَهم ما خُصَّ بِهِ المُؤْمِنُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وما أعْطاهُ مَن اسْتُشْهِدَ مِنهم، فَثَبَّطَ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ عَنْ الأسْبابِ الَّتِي وفَّقَ لَها أوْلِياءَهُ وحِزْبَهُ. انْتَهى. فالتَّعْرِيضُ بِالمُنافِقِينَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالكَفَرَةِ الَّذِينَ أُدِيلَ لَهم، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ النُّصْرَةِ لَهم، بَلْ لِما ذُكِرَ مِنَ الفَوائِدِ العائِدَةِ إلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَّرَ حِكْمَةً أُخْرى فِيما أصابَهم ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ:

آل عمران 3:141

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٤١ ] ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: لِيُنَقِّيَهم ويُخَلِّصَهم مِنَ الذُّنُوبِ ومِن آفاتِ النُّفُوسِ. وأيْضًا فَإنَّهُ خَلَّصَهم ومَحَّصَهم مِنَ المُنافِقِينَ، فَتَمَيَّزُوا مِنهم. فَحَصَلَ لَهم تَمْحِيصانِ: تَمْحِيصٌ مِن نُفُوسِهِمْ، وتَمْحِيصٌ مِمَّنْ كانَ يُظْهِرُ أنَّهُ مِنهم وهو عَدُوٌّ. ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرى وهي مَحْقُ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: يُهْلِكَهم، فَإنَّهم إذا ظَفِرُوا بَغَوْا وبَطَرُوا. فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمارِهِمْ وهَلاكِهِمْ، إذْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى، إذا أرادَ أنْ يُهْلِكَ أعْداءَهُ ويَمْحَقَهم، قَيَّضَ لَهم الأسْبابَ الَّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِها هَلاكَهم ومَحْقَهم. ومِن أعْظَمِها - بَعْدَ كُفْرِهِمْ - بَغْيُهم وطُغْيانُهم في أذى أوْلِيائِهِ ومُحارَبَتِهِمْ وقِتالِهِمْ والتَّسْلِيطِ عَلَيْهِمْ. والمَحْقُ: ذَهابُ الشَّيْءِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يُرى مِنهُ شَيْءٌ، وقَدْ مَحَقَ اللَّهُ الَّذِينَ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ جَمِيعًا، ثُمَّ أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ حُسْبانَهم وظَنَّهم أنَّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِدُونِ الجِهادِ في سَبِيلِهِ والصَّبْرِ عَلى أذى أعْدائِهِ، وأنَّ هَذا مُمْتَنِعٌ بِحَيْثُ يُنْكَرُ عَلى مَن ظَنَّهُ وحَسِبَهُ: فَقالَ: (p-٩٨٤)

آل عمران 3:142

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٤٢ ] ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ: ولَمّا يَقَعُ ذَلِكَ مِنكم فَيَعْلَمُهُ، فَإنَّهُ لَوْ وقَعَ لَعَلِمَهُ فَجازاكم عَلَيْهِ بِالجَنَّةِ. فَيَكُونُ الجَزاءُ عَلى الواقِعِ المَعْلُومِ، لا عَلى مُجَرَّدِ العِلْمِ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَجْزِي العَبْدَ عَلى مُجَرَّدِ عِلْمِهِ فِيهِ دُونَ أنْ يَقَعَ مَعْلُومُهُ - أفادَهُ ابْنُ القَيِّمِ - . وفِي (الكَشّافِ): ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ بِمَعْنى: ولَمّا تُجاهِدُوا لِأنَّ العِلْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْلُومِ، فَنَزَلَ نَفْيُ العِلْمِ مَنزِلَةَ نَفْيِ مُتَعَلِّقِهِ، لِأنَّهُ مُنْتَفٍ بِانْتِفائِهِ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ما عَلِمَ اللَّهُ في فُلانٍ خَيْرًا، يُرِيدُ ما فِيهِ خَيْرٌ حَتّى يَعْلَمَهُ، و(لَمّا) بِمَعْنى (لَمْ)، إلّا أنَّ فِيها ضَرْبًا مِنَ التَّوَقُّعِ، فَدَلَّ عَلى نَفْيِ الجِهادِ فِيما مَضى، وعَلى تَوَقُّعِهِ فِيما يُسْتَقْبَلُ، وتَقُولُ: وعَدَنِي أنْ يَفْعَلَ كَذا ولَمّا. تُرِيدُ: ولَمّا يَفْعَلُ، وأنا أتَوَقَّعُ فِعْلَهُ. لَطِيفَةٌ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ في: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ إنَّهُ نَهْيٌ وقَعَ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّبْكِيتِ، وتَلْخِيصُهُ: لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمْ يَقَعْ مِنكم الجِهادُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] وافْتَتَحَ الكَلامَ بِذِكْرِ (أمْ) الَّتِي هي أكْثَرُ ما تَأْتِي في كَلامِهِمْ واقِعَةً بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، يُشَكُّ في أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ. يَقُولُونَ: أزَيْدًا ضَرَبْتَ أمْ عَمْرًا ؟ مَعَ تَيَقُّنِ وُقُوعِ الضَّرْبِ بِأحَدِهِما. قالَ: وعادَةُ العَرَبِ يَأْتُونَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ تَوْكِيدًا، فَلَمّا قالَ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] كَأنَّهُ قالَ: أفَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ كَما تُؤْمَرُونَ بِهِ، أمْ تَحْسَبُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ مُجاهَدَةٍ وصَبْرٍ ! . وإنَّما اسْتُبْعِدَ هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الجِهادَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأوْجَبَ الصَّبْرَ عَلى تَحَمُّلِ مَتاعِبِها، وبَيَّنَ وُجُوهَ المَصالِحِ فِيها في الدِّينِ (p-٩٨٥)وفِي الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ، فَمِنَ البَعِيدِ أنَّ يَصِلَ الإنْسانُ إلى السَّعادَةِ والجَنَّةِ مَعَ إهْمالِ هَذِهِ الطّاعَةِ - انْتَهى - . ثُمَّ وبَّخَهم عَلى هَزِيمَتِهِمْ مِن أمْرٍ كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَوَدُّونَ لِقاءَهُ فَقالَ:

آل عمران 3:143

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٤٣ ] ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ أيْ: الحَرْبَ، فَإنَّها مِن مَبادِئِهِ، أوْ المَوْتَ عَلى الشَّهادَةِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ أيْ: تُشاهِدُوهُ وتَعْرِفُوا هَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾ أيْ: ما تَتَمَنَّوْنَهُ مِن أسْبابِ المَوْتِ، أوْ المَوْتَ بِمُشاهَدَةِ أسْبابِهِ العادِيَّةِ، أوْ قَتْلَ إخْوانِكم بَيْنَ أيْدِيكم: ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وفي إيثارِ الرُّؤْيَةِ عَلى المُلاقاةِ، وتَقْيِيدِها بِالنَّظَرِ، مُبالَغَةٌ في مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أخْبَرَهم اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ بِما فَعَلَ بِشُهَداءِ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ، رَغِبُوا في الشَّهادَةِ، فَتَمَنَّوْا قِتالًا يَسْتَشْهِدُونَ فِيهِ فَيَلْحَقُونَ إخْوانَهم، فَأراهم اللَّهُ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وسَبَّبَهُ لَهم، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ انْهَزَمُوا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ﴾ الآيَةُ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فَإذا لَقِيتُمُوهم فاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ»» . (p-٩٨٦)قالَ أهْلُ المَغازِي: لَمّا انْهَزَمَ مَن انْهَزَمَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، أقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِيئَةَ يُرِيدُ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَذَبَّ عَنْهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو يَوْمَئِذٍ صاحِبُ رايَتِهِ، فَقَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ، وهو يَرى أنَّهُ قَتَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ فَقالَ: قَدْ قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وصَرَخَ الشَّيْطانُ: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَوَقَعَ ذَلِكَ في قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، فَحَصَلَ ضَعْفٌ ووَهْنٌ وتَأخُّرٌ عَنْ القِتالِ. فَفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:

آل عمران 3:144

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٤٤ ] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ والرُّسُلُ مِنهم مَن ماتَ، ومِنهم مَن قُتِلَ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الرِّسالَةِ والقَتْلَ والمَوْتِ، إذْ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فَسَيَخْلُو كَما خَلَوْا: ﴿أفَإنْ ماتَ﴾ أيْ: أتُؤْمِنُونَ بِهِ في حالِ حَياتِهِ، فَإنْ ماتَ: ﴿أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ أيْ: ارْتَدَدْتُمْ: ﴿عَلى أعْقابِكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ عِلْمِكم بِخُلُوِّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ، وبَقاءِ دِينِهِمْ، مُتَمَسَّكًا بِهِ: ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ وإنَّما يَضُرُّ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِها لِلسُّخْطِ والعَذابِ: ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ في الدُّنْيا، والثَّوابِ والرِّضْوانِ في الآخِرَةِ، وهم الَّذِينَ لَمْ يَنْقَلِبُوا، بَلْ قامُوا بِطاعَتِهِ، وقاتَلُوا عَلى دِينِهِ، واتَّبَعُوا رَسُولَهُ حَيًّا ومَيِّتًا. وسَمّاهم شاكِرِينَ لِأنَّهم شَكَرُوا (p-٩٨٧)نِعْمَةَ الإسْلامِ الَّذِي هو أجَلُّ نِعْمَةٍ وأعَزُّ مَعْرُوفٍ. والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دِينِهِ، وبَصِيرَةٍ مِن رَبِّهِ، لا يَرْتَدُّ بِمَوْتِ الرَّسُولِ وقَتْلِهِ، ولا يَفْتُرُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ يُجاهِدُ لِرَبِّهِ لا لِلرَّسُولِ، كَأصْحابِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ، كَما قالَ أنَسٌ (عَمُّ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ أُرْجِفَ بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وشاعَ الخَبَرُ، وانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ، وبَلَغَ إلَيْهِ تَقاوُلُ بَعْضِهِمْ: لَيْتَ فُلانًا يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، وقَوْلُ المُنافِقِينَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قُتِلَ): يا قَوْمُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ، ومُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا يَقُولُ هَؤُلاءِ، وأبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ هَؤُلاءِ، ثُمَّ شَدَّ بِسَيْفِهِ وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ - أفادَهُ القاشانِيُّ - . (p-٩٨٨)رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ مَرَّ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، فَقالَ لَهُ: يا فُلانُ ! أشَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِلَ ؟ فَقالَ الأنْصارِيُّ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَقَدْ بَلَّغَ، فَقاتِلُوا عَنْ دِينِكم، فَنَزَلَ: ﴿وما مُحَمَّدٌ﴾ الآيَةُ. ورَواهُ أبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ في (دَلائِلَ النُّبُوَّةِ) . قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): ومِنها: - أيْ: مِنَ الغاياتِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ - أنَّ وقْعَةَ أُحُدٍ كانَتْ مُقَدِّمَةً وإرْهاصًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَنَبَّأهم ووَبَّخَهم عَلى انْقِلابِهِمْ عَلى أعْقابِهِمْ إنْ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ قُتِلَ. بَلْ الواجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَثْبُتُوا عَلى دِينِهِ وتَوْحِيدِهِ، يَمُوتُوا عَلَيْهِ ويُقْتَلُوا، فَإنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ رَبَّ مُحَمَّدٍ وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ. فَلَوْ ماتَ مُحَمَّدٌ أوْ قُتِلَ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَصْرِفَهم ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وما جاءَ بِهِ، فَكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ، وما بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلَيْهِمْ لِيُخَلَّدَ، لا هو ولا هم، بَلْ لِيَمُوتُوا عَلى الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، فَإنَّ المَوْتَ لا بُدَّ مِنهُ، فَسَواءٌ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ بَقِيَ، ولِهَذا وبَّخَهم عَلى رُجُوعِ مَن رَجَعَ مِنهم عَنْ دِينِهِ لَمّا صَرَخَ الشَّيْطانُ بِأنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةُ - والشّاكِرُونَ هم الَّذِينَ عَرَفُوا قَدْرَ النِّعْمَةِ، فَثَبَتُوا عَلَيْها حَتّى ماتُوا وقُتِلُوا، فَظَهَرَ أثَرُ هَذا العِتابِ، وحُكْمُ هَذا الخِطابِ يَوْمَ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وارْتَدَّ مَن ارْتَدَّ عَلى عَقِبَيْهِ، وثَبَتَ الشّاكِرُونَ عَلى دِينِهِمْ، فَنَصَرَهم اللَّهُ وأعَزَّهم، وأظْفَرَهم بِأعْدائِهِمْ وجَعَلَ العاقِبَةَ لَهم - انْتَهى - . وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَوْمَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ . وتَلاها مِنهُ النّاسُ كُلُّهم، والحَدِيثُ مَشْهُورٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَفْسٍ أجَلًا، لا بُدَّ أنْ تَسْتَوْفِيَهُ وتَلْحَقَ بِهِ، فَيَرِدُ النّاسُ كُلُّهم حَوْضَ المَنايا مَوْرِدًا واحِدًا، وإنْ تَنَوَّعَتْ أسْبابُهُ، ويَصْدُرُونَ عَنْ مَوْقِفِ القِيامَةِ مَصادِرَ شَتّى، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، بِقَوْلِهِ: (p-٩٨٩)

آل عمران 3:145

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٤٥ ] ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلا ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ وإرادَتِهِ: ﴿كِتابًا مُؤَجَّلا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلُهُ، أيْ: كَتَبَ لِكُلِّ نَفْسٍ عُمْرَها كِتابًا مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ. وفي الآيَةِ تَشْجِيعٌ لِلْجُبَناءِ وتَرْغِيبٌ لَهم في القِتالِ، فَإنَّ الإقْدامَ والإحْجامَ لا يُنْقِصُ مِنَ العُمْرِ ولا يَزِيدُ فِيهِ: ﴿ومَن يُرِدْ﴾ أيْ: بِعَمَلِهِ: ﴿ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: ما نَشاءُ أنْ نُؤْتِيَهُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ، وهو تَعْرِيضٌ بِمَن حَضَرَ لِطَلَبِ الغَنائِمِ: ﴿ومَن يُرِدْ﴾ أيْ: بِعَمَلِهِ: ﴿ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ، وإنْ كانَ سِياقُها في الجِهادِ ولَكِنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الأعْمالِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤَثِّرَ في جَلْبِ الثَّوابِ أوْ العِقابِ هو النِّيّاتُ والدَّواعِي، لا ظَواهِرُ الأعْمالِ. ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ تَقْصِيرَهم وسُوءَ صَنِيعِهِمْ في صُدُودِهِمْ عَنْ سُنَنِ الرَّبّانِيِّينَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ الرُّسُلِ الخالِيَةِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: (p-٩٩٠)

آل عمران 3:146

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٤٦ ] ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أيْ: كَمْ مِنَ الأنْبِياءِ قاتَلَ مَعَهم، لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وإعْزازِ دِينِهِ جَماعَتُهم الأتْقِياءُ العُبّادُ: ﴿فَما وهَنُوا﴾ أيْ: ضَعُفُوا: ﴿لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مِنَ الجِراحِ وشَهادَةِ بَعْضِهِمْ، لِأنَّ الَّذِي أصابَهم إنَّما هو في سَبِيلِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وإقامَةِ دِينِهِ، ونُصْرَةِ رَسُولِهِ: ﴿وما ضَعُفُوا﴾ أيْ: عَنْ الجِهادِ أوْ العَدُوِّ أوْ الدِّينِ: ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ لِلْأعْداءِ بَلْ صَبَرُوا عَلى قِتالِهِمْ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ عَلى قِتالِ أعْدائِهِ. تَنْبِيهاتٌ: اَلْأوَّلُ: (كَأيِّنْ) بِمَعْنى: (كَمْ) الخَبَرِيَّةِ، وفِيها لُغاتٌ، قُرِئَ مِنها في السَّبْعِ كائِنٌ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا لِابْنِ كَثِيرٍ. والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ. وفِيها كَلامٌ كَثِيرٌ في مَعْناها ولُغاتِها وقِراءاتِها المُتَواتِرَةِ والشّاذَّةِ وصْلًا ووَقْفًا، وفي رَسْمِها، فانْظُرْ مَوادَّ ذَلِكَ. اَلثّانِي: قُرِئَ في السَّبْعِ: (قُتِلَ) بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ ونائِبُ الفاعِلِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قَطْعًا. وأمّا احْتِمالُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا لِنَبِيٍّ ومَعَهُ رِبِّيُّونَ حالٌ، أوْ يَكُونَ عَلى مَعْنى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: وكائِنٌ مِن نَبِيٍّ مَعَهُ رِبِّيُّونَ قُتِلَ؛ فَتَكَلُّفٌ يَنْبُوَ عَنْ سَلِيمِ الأفْهامِ. وتَعَسُّفٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ. وإنْ نَقَلَهُ القَفّالُ، ونَصَرَهُ السُّهَيْلِيُّ وبالَغَ فِيهِ. فَما كُلُّ سَوْداءَ تَمْرَةٌ. اَلثّالِثُ: (الرِّبِّيُّونَ) بِكَسْرِ الرّاءِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقُرِئَ بِضَمِّها وفَتْحِها، فالفَتْحُ عَلى القِياسِ، والكَسْرُ والضَّمُّ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ، وهم الرَّبّانِيُّونَ، أيْ: الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ تَعالى. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ، بَعْدَ بَيانِ مَحاسِنِهِمْ الفِعْلِيَّةِ، بِمَحاسِنِهِمْ القَوْلِيَّةِ، وهو ما اسْتُنْصِرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وأُمَمُهم عَلى قَوْمِهِمْ مِن اعْتِرافِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ وسُؤالِهِمْ رَبَّهم أنْ يُثَبِّتَ أقْدامُهم، وأنْ يَنْصُرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ، فَقالَ: (p-٩٩١)

آل عمران 3:147

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٤٧ ] ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ﴿وما كانَ قَوْلَهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الرَّبّانِيِّينَ، مِثْلَ قَوْلِ المُنافِقِينَ ولا المُعْجَبِينَ. و: (قَوْلَهم) بِالنَّصْبِ خَبَرٌ لِكانَ، واسْمُها أنْ وما بَعْدَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: لَمّا عَلِمَ القَوْمُ أنَّ العَدُوَّ إنَّما يُدالُ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ وأنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَسْتَزِلُّهم ويَهْزِمُهم بِها، وأنَّها نَوْعانِ: تَقْصِيرٌ في حَقٍّ، أوْ تَجاوُزٌ لِحَدٍّ. وأنَّ النَّصْرَ مَنُوطٌ بِالطّاعَةِ، قالُوا: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ ثُمَّ عَلِمُوا أنَّ رَبَّهم تَبارَكَ وتَعالى، وإنْ لَمْ يُثَبِّتْ أقْدامَهم ويَنْصُرْهم، لَمْ يَقْدِرُوا عَلى تَثْبِيتِ أقْدامِ أنْفُسِهِمْ ونَصْرِها عَلى أعْدائِهِمْ، فَسَألُوهُ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ بِيَدِهِ دُونَهم، وأنَّهُ إنْ لَمْ يُثَبِّتْ أقْدامَهم ويَنْصُرْهم، لَمْ يَثْبُتُوا ولَمْ يَنْتَصِرُوا. فَوَفَّوْا المَقامَيْنِ حَقَّهُما: مَقامَ المُقْتَضى، وهو التَّوْحِيدُ، والِالتِجاءُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ. ومَقامَ إزالَةِ المانِعِ مِنَ النُّصْرَةِ، وهو الذُّنُوبُ والإسْرافُ - انْتَهى - . قالَ القاضِي: وهَذا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في كَيْفِيَّةِ الطَّلَبِ بِالأدْعِيَةِ عِنْدَ النَّوائِبِ والمِحَنِ، سَواءٌ كانَ في الجِهادِ أوْ غَيْرِهِ.

آل عمران 3:148

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٤٨ ] ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ مِنَ النَّصْرِ والغَنِيمَةِ، وقَهْرِ العَدُوِّ، والثَّناءِ الجَمِيلِ، وانْشِراحِ الصَّدْرِ بِنُورِ الإيمانِ، وكَفّارَةِ السَّيِّئاتِ: ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ وهو الجَنَّةُ وما فِيها مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ. وتَخْصِيصُ وصْفِ الحُسْنِ بِثَوابِ الآخِرَةِ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ، وأنَّهُ المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ تَعالى، بِخِلافِ الدُّنْيا؛ لِقِلَّتِها وامْتِزاجِها بِالمَضارِّ، وكَوْنِها مُنْقَطِعَةً زائِلَةً: (p-٩٩٢)﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ما حَكى عَنْهم مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ مِن بابِ الإحْسانِ. قالَ الرّازِيُّ: فِيهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا اعْتَرَفُوا بِكَوْنِهِمْ مُسِيئِينَ حَيْثُ قالُوا: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ [آل عمران: ١٤٧] الآيَةُ - سَمّاهم اللَّهُ مُحْسِنِينَ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَهم: إذا اعْتَرَفْتَ بِإساءَتِكَ وعَجْزِكَ فَأنا أصِفُكَ بِالإحْسانِ وأجْعَلُكَ حَبِيبًا لِنَفْسِي حَتّى تَعْلَمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْعَبْدِ إلى الوُصُولِ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ إلّا بِإظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والعَجْزِ. ثُمَّ حَذَّرَهم سُبْحانَهُ، إثْرَ تَرْغِيبِهِمْ في الِاقْتِداءِ بِأنْصارِ الأنْبِياءِ المُفْضِي لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، مِن طاعَةِ عَدُوِّهِمْ. وأخْبَرَ أنَّهُ إنْ أطاعُوهم خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ. وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ أطاعُوا المُشْرِكِينَ لَمّا انْتَصَرُوا وظَفِرُوا يَوْمَ أُحُدٍ، بِقَوْلِهِ:

آل عمران 3:149

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٤٩ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ أيْ: إلى الشِّرْكِ. والِارْتِدادُ عَلى العَقِبِ عَلَمٌ في انْتِكاسِ الأمْرِ، ومَثَلٌ في الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ لِدِينِ الإسْلامِ ولِمَحَبَّةِ اللَّهِ ورِضْوانِهِ وثَوابِهِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ. فَلا تَعْتَقِدُوا أنَّهم يُوالُونَكم كَما تُوالُونَهم. قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ الدِّلالَةُ عَلى أنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ الكُفّارِ، ولا يُطِيعُوهم، ولا يَقْبَلُوا مَشُورَتَهم؛ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَنْزِلُوهم عَنْ دِينِهِمْ. (p-٩٩٣)

آل عمران 3:150

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٥٠ ] ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ فَأطِيعُوهُ: ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ يَنْصُرُكم خَيْرًا مِن نَصْرِهِمْ لَوْ نَصَرُوكم، وكَيْفَ لا يَكُونُ خَيْرَ النّاصِرِينَ وهو يَنْصُرُكم بِغَيْرِ قِتالٍ، كَما وعَدَ بِقَوْلِهِ:

آل عمران 3:151

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٥١ ] ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أيْ: الَّذِي يَمْنَعُهم مِنَ الهُجُومِ عَلَيْكم والإقْدامِ عَلى حَرَمِكم: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ﴾ أيْ: بِكَوْنِهِ إلَهًا أوْ مُتَّصِفًا بِصِفاتِهِ أوْ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ: ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً قاطِعَةً يَنْبَنِي عَلَيْها الِاعْتِقاداتُ: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ هي. والمَثْوى: المَقَرُّ والمَأْوى والمُقامُ. مَن ثَوى يَثْوِي. لَطائِفُ: اَلْأُولى: أفادَتْ الآيَةُ أنَّ ذَلِكَ الرُّعْبَ بِسَبَبِ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ، وعَلى قَدْرِ الشِّرْكِ يَكُونُ الرُّعْبُ. قالَ القاشانِيُّ: جُعِلَ إلْقاءُ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ مُسَبَّبًا عَنْ شِرْكِهِمْ لِأنَّ الشَّجاعَةَ وسائِرَ الفَضائِلِ اعْتِدالاتٌ في قُوى النَّفْسِ لِتُنَوِّرَها بِنُورِ التَّوْحِيدِ، فَلا تَكُونُ تامَّةً إلّا لِلْمُوَحِّدِ المُوقِنِ في تَوْحِيدِهِ. وأمّا المُشْرِكُ فَلِأنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْ مَنِيعِ القُدْرَةِ بِما أشْرَكَ بِاَللَّهِ مِنَ المَوْجُودِ المَشُوبِ بِالعَدَمِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ بِحَسَبِ نَفْسِهِ قُوَّةٌ، ولَمْ يُنْزِلْ اللَّهُ بِوُجُودِهِ حُجَّةً، فَلَيْسَ لَهُ إلّا العَجْزُ والجُبْنُ وجَمِيعُ الرَّذائِلِ. وقالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ وإنْ وقَعَتْ لَكم هَذِهِ الواقِعَةُ في يَوْمِ أُحُدٍ (p-٩٩٤)إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُلْقِي الرُّعْبَ مِنكم بَعْدَ ذَلِكَ، في قُلُوبِ الكافِرِينَ، حَتّى يَقْهَرَ الكُفّارَ، ويُظْهِرَ دِينَكم عَلى سائِرِ الأدْيانِ. وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ، حَتّى صارَ دِينُ الإسْلامِ قاهِرًا لِجَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ - انْتَهى - . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا وأيُّما رَجُلٌ مِن أُمَّتِي أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، وكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النّاسِ كافَّةً، وأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ»» . الثّانِيَةُ: في ذِكْرِ عَدَمِ تَنْزِيلِ الحُجَّةِ مَعَ اسْتِحالَةِ تَحَقُّقِها في نَفْسِها - إشْعارٌ بِنَفْيِها ونَفْيِ نُزُولِها جَمِيعًا، لِأنَّ ما لَمْ يُنْزِلْ بِهِ سُلْطانًا، لا سُلْطانَ لَهُ. الثّالِثَةُ: قالَ أبُو السُّعُودِ: في الآيَةِ إيذانٌ بِأنَّ المُتَّبَعَ في البابِ هو البُرْهانُ السَّماوِيُّ، دُونَ الآراءِ والأهْواءِ الباطِلَةِ. وقَدْ سَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الرّازِيُّ حَيْثُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ. وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الشِّرْكَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا، وهَذا إنَّما صَحَّ إذا كانَ القَوْلُ بِإثْباتِ ما لا دَلِيلَ عَلى ثُبُوتِهِ، يَكُونُ باطِلًا، فَيَلْزَمُ فَسادُ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ - انْتَهى - ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ صَدَقَهم وعْدَهُ في النَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِ، وهو الصّادِقُ الوَعْدِ، وأنَّهم لَوْ اسْتَمَرُّوا عَلى الطّاعَةِ ولَزِمُوا أمْرَ الرَّسُولِ لاسْتَمَرَّتْ نُصْرَتُهم، ولَكِنْ انْخَلَعُوا عَنْ الطّاعَةِ، وفارَقُوا مَرْكَزَهم فَفارَقَهم النَّصْرُ، فَصَرَفَهم عَنْ عَدُوِّهِمْ عُقُوبَةً وابْتِلاءً وتَعْرِيفًا لَهم سُوءَ عَواقِبِ المَعْصِيَةِ وحُسْنَ عاقِبَةِ الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: (p-٩٩٥)

آل عمران 3:152

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٥٢ ] ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أيْ: تَقْتُلُونَهم قَتْلًا كَثِيرًا. مِن (حَسَّهُ) إذا أبْطَلَ حَسَّهُ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ أيْ: ضَعُفْتُمْ وتَراخَيْتُمْ بِالمَيْلِ إلى الغَنِيمَةِ: ﴿وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ أيْ: في الإقامَةِ بِالمَرْكَزِ، فَقالَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ: الغَنِيمَةُ. أيْ قَوْمُ ! الغَنِيمَةُ. ظَهْرَ أصْحابِكم فَما تَنْظُرُونَ ؟ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أنَسِيتُمْ ما قالَ لَكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنّا واَللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ، فَلَمّا أتَوْهم صُرِفَتْ وُجُوهُهم، فَأقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ - رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ - . و(الأمْرُ) إمّا بِمَعْنى: الشَأْنُ والقِصَّةُ، وإمّا الَّذِي يُضادُّهُ (النَّهْيُ) أيْ: فِيهِمْ أُمِرْتُمْ بِهِ مِن عَدَمِ البَراحِ: ﴿وعَصَيْتُمْ﴾ أيْ: أمْرَ الرَّسُولِ أنْ لا تَبْرَحُوا إنْ رَأيْتُمُونا ظَهَرْنا عَلَيْهِمْ، وإنْ رَأيْتُمُوهم ظَهَرُوا عَلَيْنا، فَلا تُعِينُونا - رَواهُ البُخارِيُّ -: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ أيْ: مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، وانْهِزامِ العَدُوِّ. رَوى البُخارِيُّ عَنْ البَراءِ قالَ: لَقِيَنا المُشْرِكِينَ (p-٩٩٦)يَوْمَئِذٍ، وأجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا مِنَ الرُّماةِ، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وقالَ: لا تَبْرَحُوا إنْ رَأيْتُمُونا ظَهَرْنا عَلَيْهِمْ - بِلَفْظِ ما تَقَدَّمَ - ثُمَّ قالَ البَراءُ: فَلَمّا لَقِيناهم هَرَبُوا حَتّى رَأيْتُ النِّساءَ يَشْتَدِدْنَ في الجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ، قَدْ بَدَتْ خَلاخِلُهُنَّ، فَأخَذُوا يَقُولُونَ: الغَنِيمَةُ الغَنِيمَةُ ... الحَدِيثُ ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ أيْ: الغَنِيمَةَ فَتَرَكَ المَرْكَزَ ﴿ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ فَثَبَتَ فِيهِ، وهم الَّذِينَ نالُوا شَرَفَ الشَّهادَةِ، ومِنهم أنَسُ بْنُ النَّضْرُ الأسَدُ المِقْدامُ، القائِلُ وقْتَئِذٍ: اللَّهُمَّ ! إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ، يَعْنِي: المُسْلِمِينَ، وأبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ (p-٩٩٧)المُشْرِكُونَ، فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ، فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ فَقالَ: أيْنَ يا سَعْدُ ؟ إنِّي أجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ ! فَمَضى فَقُتِلَ، فَما عُرِفَ حَتّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِشامَةٍ أوْ بِبَنانِهِ، وبِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ مِن طَعْنَةٍ وضَرْبَةٍ ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ - هَذا لَفَظَ البُخارِيِّ - وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ وقَدَّسَ رُوحَهُ الزَّكِيَّةَ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ أيْ: كَفَّكم عَنْهم حَتّى حالَتْ الحالُ، ودالَتْ الدَّوْلَةُ. وفِيهِ مِنَ اللُّطْفِ بِالمُسْلِمِينَ ما لا يَخْفى: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أيْ: لِيَجْعَلَ ذَلِكَ الصَّرْفَ مِحْنَةً عَلَيْكم لِتَتُوبُوا إلى اللَّهِ، وتَرْجِعُوا إلَيْهِ، وتَسْتَغْفِرُوهُ فِيما خالَفْتُمْ فِيهِ أمْرَهُ، ومِلْتُمْ إلى الغَنِيمَةِ. ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّهُ تَعالى قَدْ عَفا عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ أيْ: تَفَضُّلًا عَلَيْكم لِإيمانِكم: ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في الأحْوالِ كُلِّها، إمّا بِالنُّصْرَةِ إمّا بِالِابْتِلاءِ، فَإنَّ الِابْتِلاءَ فَضْلٌ ولُطْفٌ خَفِيٌّ، لِيَتَمَرَّنُوا بِالصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ، والثَّباتِ في المَواطِنِ، ويَتَمَكَّنُوا في اليَقِينِ، ويَجْعَلُوهُ مَلَكَةً لَهم، ويَتَحَقَّقُوا أنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ، ولا يَمِيلُوا إلى الدُّنْيا وزُخْرُفِها، ولا يَذْهَلُوا عَلى الحَقِّ، ولِيَكُونَ عُقُوبَةً عاجِلَةً لِلْبَعْضِ، فَيَتَمَحَّصُوا عَنْ ذُنُوبِهِمْ، ويَنالُوا دَرَجَةَ الشَّهادَةِ، فَيَلْقَوْا اللَّهَ ظاهِرِينَ - أفادَهُ القاشانِيُّ - . لَطائِفُ: اَلْأُولى: (إذا) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ إمّا شَرْطٌ، أوْ لا. وعَلى الأوَّلِ فَجَوابُها إمّا مَحْذُوفٌ أوْ مَذْكُورٌ. فَتَقْدِيرُهُ عَلى كَوْنِهِ مَحْذُوفًا: حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ، مَنَعَكم اللَّهُ نَصْرَهُ - لِدِلالَةِ صَدْرِ الآيَةِ عَلَيْهِ - أوْ صِرْتُمْ فَرِيقَيْنِ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ﴾ إلَخْ يُفِيدُ فائِدَتَهُ ويُؤَدِّي مَعْناهُ، وعَلى كَوْنِهِ مَذْكُورًا فَهو إمّا: ﴿وعَصَيْتُمْ﴾ والواوُ صِلَةٌ، وحُكِيَ هَذا عَنْ الكُوفِيِّينَ والفَرّاءِ. قالُوا: ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] والمَعْنى: نادَيْناهُ. (p-٩٩٨)وبَعْضُ مَن نَصَرَ هَذا الوَجْهَ زَعَمَ أنَّ مِن مَذْهَبِ العَرَبِ إدْخالُ الواوِ في جَوابِ (حَتّى إذا) بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: فُتِحَتْ. وأجابُوا عَمّا أُورِدَ عَلَيْهِمْ مِن لُزُومِ تَعْلِيلِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ - إذْ الفَشَلُ والتَّنازُعُ مَعْصِيَةٌ فَكَيْفَ يَكُونانِ عِلَّةً لَها - بِأنَّ المُرادَ مِنَ العِصْيانِ خُرُوجُهم عَنْ ذَلِكَ المَكانِ. ولا شَكَّ أنَّ الفَشَلَ والتَّنازُعَ هو الَّذِي أوْجَبَ خُرُوجَهم عَنْهُ، فَلا لُزُومَ. وإمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ وكَلِمَةُ ثُمَّ صِلَةٌ - قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ - . وعَلى الثّانِي: أعْنِي: كَوْنَها لَيْسَتْ شَرْطًا فَهي اسْمٌ و (حَتّى) حَرْفُ جَرٍّ بِمَعْنى إلى، مُتَعَلِّقَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿صَدَقَكُمُ﴾ بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ لِمَعْنى النَّصْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَقَدْ نَصَرَكم اللَّهُ إلى وقْتِ فَشَلِكم وتَنازُعِكم. الثّانِيَةُ: فائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ المَعْصِيَةِ، لِأنَّهم لَمّا شاهَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أكْرَمُهم بِإنْجازِ الوَعْدِ، كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ المَعْصِيَةِ، فَلَمّا أقْدَمُوا عَلَيْها سُلِبُوا ذَلِكَ الإكْرامَ. الثّالِثَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ أنَّهُ تَعالى عَفا عَنْهم مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِأنَّها لَمْ تُذْكَرْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ. الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، فَإنَّ الذَّنْبَ في الآيَةِ كانَ كَبِيرَةً - واَللَّهُ أعْلَمُ - . ثُمَّ ذَكَّرَهم تَعالى بِحالِهِمْ وقْتَ الفِرارِ بِقَوْلِهِ: (p-٩٩٩)

آل عمران 3:153

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٥٣ ] ﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ إذْ تُصْعِدُونَ مُتَعَلِّقٌ بِصَرَفَكم أوْ بِقَوْلِهِ لِيَبْتَلِيَكم، أوْ بِمُقَدَّرٍ. والإصْعادُ: الإبْعادُ في الأرْضِ. أيْ: تَبْعُدُونَ في الفِرارِ، وقُرِئَ: تُصْعِدُونَ، مِنَ الثُّلاثِيِّ، أيْ: في الجَبَلِ: ﴿ولا تَلْوُونَ﴾ أيْ: لا تَعْطِفُونَ بِالوُقُوفِ: ﴿عَلى أحَدٍ﴾ أيْ: مِن قَرِيبٍ ولا بَعِيدٍ، مِنَ الدَّهَشِ والرَّوْعَةِ: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ أيْ: ساقَتِكم وجَماعَتِكم الأُخْرى، إلى تَرْكِ الفِرارِ مِنَ الأعْداءِ وإلى العَوْدِ والكَرَّةِ عَلَيْهِمْ. وأنْتُمْ مُدْبِرُونَ وهو ثابِتٌ في مَكانِهِ في نَحْرِ العَدُوِّ في نَفَرٍ يَسِيرٍ وُثُوقًا بِوَعْدِ اللَّهِ ومُراقَبَةً لَهُ. قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا اشْتَدَّ المُشْرِكُونَ عَلى المُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ، فَهَزَمُوهُمْ، دَخَلَ بَعْضُهم المَدِينَةَ، وانْطَلَقَ بَعْضُهم إلى الجَبَلِ فَوْقَ الصَّخْرَةِ فَقامُوا عَلَيْها. فَجَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ يَدْعُو النّاسَ: ««إلَيَّ عَبّادَ اللَّهِ ! إلَيَّ عَبّادَ اللَّهِ !»» فَذَكَرَ اللَّهُ صُعُودَهم إلى الجَبَلِ - ثُمَّ ذَكَرَ دُعاءَ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم فَقالَ: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ إلَخْ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ وابْنُ زَيْدٍ. وفِي حَدِيثِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهم لَمّا انْهَزَمُوا لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلّا اثْنا عَشَرَ رَجُلًا. ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ في سَبْعَةٍ مِن (p-١٠٠٠)اَلْأنْصارِ ورَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ: ﴿فَأثابَكُمْ﴾ أيْ: جازاكم بِهَذا الهَرَبِ والفِرارِ: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أيْ: غَمًّا مُتَصِلًا بِغَمٍّ، يَعْنِي: غَمَّ الهَزِيمَةِ والكَسْرَةِ، وغَمَّ صَرْخَةِ الشَّيْطانِ فِيهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا قُتِلَ. وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: بِمَعْنى عَلى، وهُما قَرِيبانِ مِنَ الأوَّلِ. وقِيلَ: الباءُ لِلْمُقابَلَةِ والعِوَضِ، أيْ: أذاقَكم غَمًّا بِمُقابَلَةِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو عِصْيانُكم أمْرَهُ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الحَسَنُ: يُرِيدُ غَمَّ يَوْمِ أُحُدٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِغَمِّ يَوْمِ بَدْرٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: المَعْنى غَمًّا بَعْدَ غَمٍّ أيْ: غَمًّا مُضاعَفًا. ثُمَّ أشارَ إلى سِرٍّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ أيْ: لِتَتَمَرَّنُوا بِالصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ، والثَّباتِ فِيها، وتَتَعَوَّدُوا رُؤْيَةَ الغَلَبَةِ والظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، وجَمِيعِ الأشْياءِ مِنَ اللَّهِ لا مِن أنْفُسِكُمْ، فَلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ الحُظُوظِ والمَنافِعِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا ما أصابَكُمْ﴾ مِنَ الغُمُومِ والمَضارِّ. قالَ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): وقِيلَ: جازاكم غَمًّا بِما غَمَمْتُمْ بِهِ رَسُولَهُ بِفِرارِكم عَنْهُ، وأسْلَمْتُمُوهُ إلى عَدُوِّهِ. فالغَمُّ الَّذِي حَصَلَ لَكم جَزاءً عَلى الغَمِّ الَّذِي أوْقَعْتُمُوهُ بِنَبِيِّهِ. والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى حِكْمَةِ هَذا الغَمِّ بَعْدَ الغَمِّ، وهو أنْ يُنْسِيَهم الحُزْنَ عَلى ما فاتَهم مِنَ الظَّفَرِ، وعَلى ما أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ والجِراحِ، فَنَسُوا بِذَلِكَ السَّلَبَ، وهَذا إنَّما يَحْصُلُ بِالغَمِّ الَّذِي يَعْقُبُهُ غَمٌّ آخَرُ. (p-١٠٠١)اَلثّانِي: أنَّهُ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ، فَإنَّهُ حَصَلَ لَهم غَمُّ فَواتِ الغَنِيمَةِ، ثُمَّ أعْقَبَهُ غَمُّ الهَزِيمَةِ، ثُمَّ غَمُّ الجِراحِ الَّذِي أصابَهُمْ، ثُمَّ غَمُّ القَتْلِ، ثُمَّ غَمُّ سَماعِهِمْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قُتِلَ، ثُمَّ غَمُّ ظُهُورِ أعْدائِهِمْ عَلى الجَبَلِ فَوْقَهم. ولَيْسَ المُرادُ غَمَّيْنِ اثْنَيْنِ خاصَّةً، بَلْ غَمًّا مُتَتابِعًا لِتَمامِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ. اَلثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ (بِغَمٍّ) مِن تَمامِ الثَّوابِ، لا أنَّهُ سَبَبُ جَزاءِ الثَّوابِ. والمَعْنى: أثابَكم غَمًّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ، جَزاءً عَلى ما وقَعَ مِنكم مِنَ الهَرَبِ، وإسْلامِكم نَبِيَّهُ ﷺ وأصْحابَهُ، وتَرْكِ اسْتِجابَتِكم لَهُ وهو يَدْعُوكُمْ، ومُخالَفَتِكم لَهُ في لُزُومِ مَرْكَزِكُمْ، وتَنازُعِكم في الأمْرِ وفَشَلِكم. وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ يُوجِبُ غَمًّا يَخُصُّهُ، فَتَرادَفَتْ عَلَيْهِمْ الغُمُومُ، كَما تَرادَفَتْ مِنهم أسْبابُها ومُوجِباتُها. ولَوْلا أنْ تَدارَكَهم بِعَفْوِهِ لَكانَ أمْرًا آخَرَ. ومِن لُطْفِهِ بِهِمْ، ورَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ، أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الَّتِي صَدَرَتْ مِنهم كانَتْ مِن أُمُورِ الطِّباعِ، وهي مِن بَقايا النُّفُوسِ الَّتِي تَمْنَعُ مِنَ النُّصْرَةِ المُسْتَقِرَّةِ، فَقَيَّضَ لَهم بِلُطْفِهِ أسْبابًا أخْرَجَها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْها آثارُها المَكْرُوهَةُ، فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أنَّ التَّوْبَةَ مِنها، والِاحْتِرازَ مِن أمْثالِها، ودَفْعَها بِأضْدادِها، أمْرٌ مُتَعَيِّنٌ لا يَتِمُّ لَهم الفَلاحُ والنُّصْرَةُ الدّائِمَةُ المُسْتَقِرَّةُ إلّا بِهِ، فَكانُوا أشَدَّ حَذَرًا بَعْدَها ومَعْرِفَةً بِالأبْوابِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنها. ورُبَّما صَحَّتْ الأجْسامُ بِالعِلَلِ. لَطِيفَةٌ: لَفْظُ الثَّوابِ لا يُسْتَعْمَلُ في الأغْلَبِ إلّا في الخَيْرِ، ويَجُوزُ أيْضًا اسْتِعْمالُهُ في الشَّرِّ، لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ثابَ إلَيْهِ عَقْلُهُ، أيْ: رَجَعَ إلَيْهِ. قالَ تَعالى: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥] والمَرْأةُ تُسَمّى ثَـيِّبًا لِأنَّ الواطِئَ عائِدٌ إلَيْها. وأصْلُ الثَّوابِ كُلُّ ما يَعُودُ إلى (p-١٠٠٢)اَلْفاعِلِ مِن جَزاءِ فِعْلِهِ، سَواءٌ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا، إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ العُرْفُ اخْتَصَّ لَفْظُ الثَّوابِ بِالخَيْرِ. فَإنْ حَمَلْنا لَفْظَ الثَّوابِ هَهُنا عَلى أصْلِ اللُّغَةِ اسْتَقامَ الكَلامُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى مُقْتَضى العُرْفِ كانَ ذَلِكَ وارِدًا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَما يُقالُ: تَحِيَّتُهُ الضَّرْبُ وعِتابُهُ السَّيْفُ، أيْ: جَعَلَ الغَمَّ مَكانَ ما يَرْجُونَ مِنَ الثَّوابِ عَلى حَدِّ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] - قالَهُ الرّازِيُّ - . تَنْبِيهٌ: قالَ المُفَضَّلُ: لا ( زائِدَةٌ)، والمَعْنى: لِتَتَأسَّفُوا عَلى ما فاتَكم وعَلى ما أصابَكم عُقُوبَةً لَكُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ألا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] و: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] أيْ: أنْ تَسْجُدَ ولِيَعْلَمَ. وعِنْدِي أنَّهُ بَعِيدٌ، لا سِيَّما مَعَ تِكْرارِ لا في المَعْطُوفِ، واسْتِقامَةِ المَعْنى الجَيِّدِ عَلى اعْتِبارِها، فالوَجْهُ ما سَلَفَ. ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ خَيْرًا وشَرًّا، قادِرٌ عَلى مُجازاتِكُمْ، وفِيهِ أعْظَمُ زاجِرٍ عَنْ (p-١٠٠٣)اَلْإقْدامِ عَلى المَعْصِيَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَدارَكَهم سُبْحانَهُ بِرَحْمَتِهِ، وخَفَّفَ عَنْهم ذَلِكَ الغَمَّ، وغَيَّبَهُ عَنْهم بِالنُّعاسِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ أمْنًا مِنهُ، كَما قالَ:

آل عمران 3:154

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٥٤ ] ﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً﴾ أيْ: أمْنًا. والأمَنَةُ (بِتَحْرِيكِ المِيمِ) مَصْدَرٌ، يُقالُ: أمِنَ أمْنًا وأمانًا وأمَنًا وأمَنَةً (مُحَرَّكَتَيْنِ) وفي حَدِيثِ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، (p-١٠٠٤)وتَقَعُ الأمَنَةُ في الأرْضِ، أيْ: الأمْنُ. ومِثْلُهُ مِنَ المَصادِرِ العَظَمَةُ والغَلَبَةُ، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُعاسًا﴾ بَدَلٌ مِن: (أمَنَةً) وقِيلَ: هو المَفْعُولُ، و: ﴿أمَنَةً﴾ حالٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ وهم المُخْلِصُونَ، أهْلُ اليَقِينِ والثَّباتِ والتَّوَكُّلِ الصّادِقِ، والجازِمُونَ بِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - سَيَنْصُرُ رَسُولَهُ ويُنْجِزُ لَهُ مَأْمُولَهُ. والنُّعاسُ في حالِ الحَرْبِ دَلِيلٌ عَلى الأمانِ، كَما قالَ في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ [الأنفال: ١١] الآيَةُ. ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ أنَسٍ عَنْ أبِي طَلْحَةَ قالَ: غَشِيَنا النُّعاسُ ونَحْنُ في مَصافِّنًا يَوْمَ أُحُدٍ، قالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِن يَدِي وآخُذُهُ، ويَسْقُطُ وآخُذُهُ. ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ. ولَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: قالَ أبُو طَلْحَةَ: رَفَعْتُ رَأْسَيْ يَوْمِ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ، وما مِنهم يَوْمَئِذٍ أحَدٌ إلّا يَمِيدُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النُّعاسِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ وقَدْ ساقَ الرّازِيُّ لِذَلِكَ النُّعاسِ فَوائِدَ: مِنها: أنَّ الأعْداءَ كانُوا في غايَةِ الحِرْصِ عَلى قَتْلِهِمْ، فَبَقاؤُهم في النَّوْمِ مَعَ السَّلامَةِ في مِثْلِ تِلْكَ المَعْرَكَةِ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ حِفْظَ اللَّهِ وعِصْمَتَهُ مَعَهم. وذَلِكَ مِمّا يُزِيلُ الخَوْفَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ويُورِثُهم مَزِيدَ الوُثُوقِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى - انْتَهى - . ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ مَن لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ النُّعاسُ فَهو مِمَّنْ أهَمَّتْهُ نَفْسُهُ، لا دِينُهُ ولا نَبِيُّهُ ولا أصْحابُهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: ما بِهِمْ إلّا هَمُّ أنْفُسِهِمْ وقَدْ (p-١٠٠٥)قَصَدَ خَلاصَها، فَلَمْ يَغْشَهم النُّعاسُ مِنَ القَلَقِ والجَزَعِ والخَوْفِ: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ أيْ: غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُظَنَّ بِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ كَما قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا﴾ [الفتح: ١٢] الآيَةُ. وهَكَذا هَؤُلاءِ اعْتَقَدُوا أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا ظَهَرُوا تِلْكَ السّاعَةَ أنَّها الفَيْصَلَةُ، وأنَّ الإسْلامَ قَدْ بادَ وأهْلُهُ، وهَذا شَأْنُ أهْلِ الرَّيْبِ والشَّكِّ، إذا حَصَلَ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ الفَظِيعَةِ، تَحْصُلُ لَهم هَذِهِ الظُّنُونُ الشَّنِيعَةُ. قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): وقَدْ فُسِّرَ هَذا الظَّنُّ الَّذِي لا يَلِيقُ بِاَللَّهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وأنَّ أمْرَهُ سَيَضْمَحِلُّ، وأنَّهُ يُسْلِمُهُ لِلْقَتْلِ. وفُسِّرَ بِأنَّ ما أصابَهم لَمْ يَكُنْ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، ولا حِكْمَةَ لَهُ فِيهِ. فَفُسِّرَ بِإنْكارِ الحِكْمَةِ، وإنْكارِ القَدَرِ، وإنْكارِ أنْ يُتِمَّ أمْرَ رَسُولِهِ، ويُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ. وهَذا هو ظَنُّ السَّوْءِ الَّذِي ظَنَّهُ المُنافِقُونَ والمُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في سُورَةِ الفَتْحِ، حَيْثُ يَقُولُ: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦] وإنَّما كانَ هَذا ظَنَّ السَّوْءِ، وظَنَّ الجاهِلِيَّةِ المَنسُوبَ إلى أهْلِ الجَهْلِ، وظَنَّ غَيْرِ الحَقِّ، لِأنَّهُ ظَنُّ غَيْرَ ما يَلِيقُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، وصِفاتِهِ العُلْيا، وذاتِهِ المُبَرَّأةِ مِن كُلِّ سُوءٍ. بِخِلافِ ما يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وحَمْدِهِ، وتَفَرُّدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ، وما يَلِيقُ بِوَعْدِهِ الصّادِقِ الَّذِي لا يُخْلِفُهُ، وكَلِمَتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ لِرُسُلِهِ أنَّهُ يَنْصُرُهم ولا يَخْذُلُهم، ولِجُنْدِهِ بِأنَّهم هم الغالِبُونَ. فَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ لا يَنْصُرُ رُسُلَهُ، ولا يُتِمُّ أمْرَهُ، ولا يُؤَيِّدُهُ ويُؤَيِّدُ جُنْدَهُ، ويُعْلِيهِمْ ويُظْفِرُهم بِأعْدائِهِ، ويُظْهِرُهم عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ لا يَنْصُرُ دِينَهُ وكِتابَهُ، وأنَّهُ يُدِيلُ (p-١٠٠٦)الشِّرْكَ عَلى التَّوْحِيدِ، والباطِلَ عَلى الحَقِّ، إدالَةً مُسْتَقِرَّةً يَضْمَحِلُّ مَعَها التَّوْحِيدُ والحَقُّ اضْمِحْلالًا لا يَقُومُ بَعْدَهُ أبَدًا - فَقَدْ ظَنَّ بِاَللَّهِ السُّوءَ ونَسَبَهُ إلى خِلافِ ما يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ وصِفاتِهِ ونُعُوتِهِ. فَإنَّ عِزَّتَهُ وحِكْمَةَ إلَهِيَّتِهِ تَأْبى ذَلِكَ، ويَأْبى أنْ يُذِلَّ حِزْبَهُ وجُنْدَهُ، وأنْ تَكُونَ النُّصْرَةُ المُسْتَقِرَّةُ والظَّفَرُ الدّائِمُ لِأعْدائِهِ المُشْرِكِينَ بِهِ، العادِلِينَ بِهِ - فَمَن ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ فَما عَرَفَهُ ولا عَرَفَ أسْماءَهُ، ولا عَرَفَ صِفاتِهِ وكَمالَهُ، وكَذَلِكَ مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ فَما عَرَفَهُ ولا عَرَفَ رُبُوبِيَّتَهُ ومُلْكَهُ وعَظَمَتَهُ، وكَذَلِكَ مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ قَدَّرَ ما قَدَّرَهُ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وغايَةٍ مَحْمُودَةٍ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلَيْها، وأنَّ ذَلِكَ إنَّما صَدَرَ عَنْ مَشِيئَةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ حِكْمَةٍ وغايَةٍ مَطْلُوبَةٍ هي أحَبُّ إلَيْهِ مِن فَوْتِها، وأنَّ تِلْكَ الأسْبابَ المَكْرُوهَةَ المُفْضِيَةَ إلَيْها لا يَخْرُجُ تَقْدِيرُها عَنْ الحِكْمَةِ لِإفْضائِها إلى ما يُحِبُّ، وإنْ كانَتْ مَكْرُوهَةً لَهُ، فَما قَدَّرَها سُدًى، ولا أنْشَأها عَبَثًا، ولا خَلَقَها باطِلًا: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] وأكْثَرُ النّاسِ يَظُنُّونَ بِاَللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ، ظَنَّ السَّوْءِ، فِيما يَخْتَصُّ بِهِمْ وفِيما يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ. ولا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ إلّا مَن عَرَفَ اللَّهَ وعَرَفَ أسْماءَهُ وصِفاتِهِ، وعَرَفَ مُوجِبَ حَمْدِهِ وحِكْمَتِهِ. فَمَن قَنَطَ مِن رَحْمَتِهِ، وأيَسَ مِن رُوحِهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. ومَن جَوَّزَ عَلَيْهِ أنْ يُعَذِّبَ أوْلِياءَهُ مَعَ إحْسانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، ويُسَوِّيَ بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. ومَن ظَنَّ بِهِ أنْ يَتْرُكَ خَلْقَهُ سُدًى مُعَطَّلِينَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ ولا يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، ولا يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ، بَلْ يَتْرُكُهم هَمَلًا كالأنْعامِ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. ومَن ظَنَّ أنَّهُ لَنْ يَجْمَعَ عَبِيدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِلثَّوابِ والعِقابِ في دارٍ يُجازِي فِيها المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، ويُبَيِّنَ لِخَلْقِهِ حَقِيقَةَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، ويُظْهِرَ لِلْعالَمِينَ كُلِّهِمْ صِدْقَهُ وصِدْقَ رُسُلِهِ، وأنَّ أعْداءَهُ كانُوا هم الكاذِبِينَ - فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. ومَن ظَنَّ أنَّهُ يُضِيعُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ الصّالِحَ الَّذِي عَمِلَهُ خالِصًا لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ ويُبْطِلَهُ عَلَيْهِ بِلا سَبَبٍ مِنَ العَبْدِ، وأنَّهُ يُعاقِبُهُ بِما لا صَنِيعَ لَهُ فِيهِ، ولا اخْتِيارَ لَهُ، ولا قُدْرَةَ ولا إرادَةَ في حُصُولِهِ، بَلْ يُعاقِبُهُ عَلى فِعْلِهِ هو سُبْحانَهُ بِهِ، أوْ ظَنَّ (p-١٠٠٧)أنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يُؤَيِّدَ أعْداءَهُ الكاذِبِينَ عَلَيْهِ بِالمُعْجِزاتِ الَّتِي يُؤَيِّدُ بِها أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ ويُجْرِيَها عَلى أيْدِيهِمْ، يُضِلُّونَ بِها عِبادَهُ، وأنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى تَعْذِيبُ مَن أفْنى عُمْرَهُ في طاعَتِهِ، فَيُخَلِّدُهُ في الجَحِيمِ أسْفَلَ السّافِلِينَ، ويُنَعِّمَ مَن اسْتَنْفَدَ عُمْرَهُ في عَداوَتِهِ وعَداوَةِ رُسُلِهِ ودِينِهِ فَيَرْفَعُهُ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، وكِلا الأمْرَيْنِ في الحُسْنِ سَواءٌ عِنْدَهُ، ولا يُعْرَفُ امْتِناعُ أحَدِهِما ووُقُوعُ الآخَرِ إلّا بِخَبَرٍ صادِقٍ، وإلّا فالعَقْلُ لا يَقْضِي بِقُبْحِ أحَدِهِما وحُسْنِ الآخَرِ - فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. ومَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ بِما ظاهِرُهُ باطِلٌ وتَشْبِيهٌ وتَمْثِيلٌ، وتَرَكَ الحَقَّ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ، وإنَّما رَمَزَ إلَيْهِ رُمُوزًا بَعِيدَةً، وأشارَ إلَيْهِ إشاراتٍ مُلْغِزَةً، لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، وصَرَّحَ دائِمًا بِالتَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ والباطِلِ،، وأرادَ مِن خَلْقِهِ أنْ يُتْعِبُوا أذْهانَهم وقُواهم وأفْكارَهم في تَحْرِيفِ كَلامِهِ عَنْ مَواضِعِهِ، وتَأْوِيلِهِ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، ويَتَطَلَّبُوا لَهُ وُجُوهَ الِاحْتِمالاتِ المُسْتَكْرَهَةِ، والتَّأْوِيلاتِ الَّتِي هي بِالألْغازِ والأحاجِي أشْبَهُ مِنها بِالكَشْفِ والبَيانِ، وأحالَهم في مَعْرِفَةِ أسْمائِهِ، وصِفاتِهِ عَلى عُقُولِهِمْ وآرائِهِمْ، لا عَلى كِتابِهِ، بَلْ أرادَ مِنهم أنْ لا يَحْمِلُوا كَلامَهُ عَلى ما يَعْرِفُونَ مِن خِطابِهِمْ ولُغَتِهِمْ، مَعَ قُدْرَتِهِ أنْ يُصَرِّحَ لَهم بِالحَقِّ الَّذِي يَنْبَغِي التَّصْرِيحُ بِهِ، ويُرِيحَهم مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تُوقِعُهم في اعْتِقادِ الباطِلِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، بَلْ سَلَكَ بِهِمْ خِلافَ طَرِيقِ الهُدى والبَيانِ - فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. فَإنَّهُ إنْ قالَ إنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى التَّعْبِيرِ عَنْ الحَقِّ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ هو وسَلَفُهُ - فَقَدْ ظَنَّ بِقُدْرَتِهِ العَجْزَ. وإنْ قالَ: إنَّهُ قادِرٌ ولَمْ يُبَيِّنْ، وعَدَلَ عَنْ البَيانِ، وعَنْ التَّصْرِيحِ بِالحَقِّ، إلى ما يُوهِمُ، بَلْ يُوقِعُ في الباطِلِ المُحالِ، والِاعْتِقادِ الفاسِدِ - فَقَدْ ظَنَّ بِحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وظَنَّ أنَّهُ هو وسَلَفُهُ عَبَّرُوا عَنْ الحَقِّ بِصَرِيحِهِ دُونَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وأنَّ الهُدى والحَقَّ في كَلامِهِمْ وعِباراتِهِمْ. وأمّا كَلامُ اللَّهِ فَإنَّما يُؤْخَذُ مِن ظاهِرِهِ التَّشْبِيهُ والتَّمْثِيلُ والضَّلالُ، وظاهِرُ كَلامِ المُتَهَوِّكِينَ الحَيارى هو الهُدى والحَقُّ، وهَذا مِن أسْوَأِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ. فَكُلُّ هَؤُلاءِ مِنَ الظّانِّينَ بِاَللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ. ومِنَ الظّانِّينَ بِهِ غَيْرَ الحَقِّ، ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ. ومَن ظَنَّ بِهِ يَكُونُ في (p-١٠٠٨)مُلْكِهِ ما لا يَشاءُ ولا يَقْدِرُ عَلى إيجادِهِ وتَكْوِينِهِ - فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. ومَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ كانَ مُعَطَّلًا مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ، عَنْ أنْ يَفْعَلَ ولا يُوصَفُ حِينَئِذٍ بِالقُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ، ثُمَّ صارَ قادِرًا عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا - فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. ومَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ، بائِنًا مِن خَلْقِهِ، وأنَّ نِسْبَةَ ذاتِهِ تَعالى إلى عَرْشِهِ كَنِسْبَتِها إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ، وإلى الأمْكِنَةِ الَّتِي يُرْغَبُ عَنْ ذِكْرِها، وأنَّهُ أسْفَلُ كَما أنَّهُ أعْلى، ومَن قالَ سُبْحانَ رَبِّي الأسْفَلُ، كَمَن قالَ سُبْحانَ رَبِّي الأعْلى - فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أقْبَحَ الظَّنِّ. ثُمَّ قالَ: وبِالجُمْلَةِ فِيمَن ظَنَّ بِهِ خِلافَ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ووَصَفَهُ بِهِ ورُسُلُهُ، أوْ عَطَّلَ حَقائِقَ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ووَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ - فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. ومَن ظَنَّ أنَّ أحَدًا يَشْفَعُ عِنْدَهُ بِدُونِ إذْنِهِ، أوْ أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ وسائِطَ يَرْفَعُونَ حَوائِجَهم إلَيْهِ، أوْ أنَّهُ نَصَبَ لِعِبادِهِ أوْلِياءَ مِن دُونِهِ يَتَقَرَّبُونَ بِهِمْ إلَيْهِ، ويَتَوَسَّلُونَ بِهِمْ إلَيْهِ، ويَجْعَلُونَهم وسائِطَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، فَيَدْعُونَهم، ويَخافُونَهم، ويَرْجُونَهم - فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أقْبَحَ الظَّنِّ وأسْوَأهُ. ثُمَّ قالَ: ومَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ إذا صَدَّقَهُ في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ وتَضَرَّعَ إلَيْهِ وسَألَهُ واسْتَعانَ بِهِ وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، أنَّهُ يُخَيِّبُهُ ولا يُعْطِيهِ ما سَألَهُ - فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وظَنَّ بِهِ خِلافَ ما هو أهْلُهُ. ثُمَّ قالَ: ومَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ إنْ عَصاهُ أوْ أسْخَطَهُ وأوْضَعَ في مَعاصِيهِ، ثُمَّ اتَّخَذَ مِن دُونِهِ ولِيًّا، ودَعا مِن دُونِهِ مَلَكًا أوْ بَشَرًا حَيًّا أوْ مَيِّتًا، يَرْجُو بِذَلِكَ أنْ يَنْفَعَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، ويُخَلِّصَهُ مِن عَذابِهِ - فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وذَلِكَ زِيادَةٌ في بَعْدِهِ مِنَ اللَّهِ، وفي عَذابِهِ. ومَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أعْداءَهُ تَسْلِيطًا مُسْتَقِرًّا دائِمًا في حَياتِهِ وفي مَماتِهِ، وابْتَلاهُ بِهِمْ لا يُفارِقُونَهُ. فَلَمّا ماتَ اسْتَبَدُّوا بِالأمْرِ دُونَ وصِيَّتِهِ، وظَلَمُوا أهْلَ بَيْتِهِ، وسَلَبُوهم حَقَّهم، وأذَلُّوهم، وكانَتْ العِزَّةُ والغَلَبَةُ والقَهْرُ لِأعْدائِهِ وأعْدائِهِمْ دائِمًا مِن غَيْرِ جُرْمٍ ولا ذَنْبٍ لِأوْلِيائِهِ وأهْلِ الحَقِّ، وهو يَرى قَهْرَهم لَهم، وغَصْبَهم إيّاهم حَقَّهم، وتَبْدِيلَهم دِينَ نَبِيِّهِمْ، وهو يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ أوْلِيائِهِ، وحِزْبِهِ وجُنْدِهِ، ولا يَنْصُرُهم ولا يُدِيلُهم، بَلْ يُدِيلُ أعْداءَهم (p-١٠٠٩)عَلَيْهِمْ أبَدًا، أوْ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، بَلْ حَصَلَ هَذا بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ ولا مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ أعْداءَهُ الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينَهُ مُضاجِعِيهِ في حَضْرَتِهِ، تُسَلِّمُ أُمَّتُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ كُلَّ وقْتٍ (كَما تَظُنُّهُ الرّافِضَةُ) - فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أقْبَحَ الظَّنِّ وأسْوَأهُ، وسَواءٌ قالُوا: إنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَنْصُرَهم ويَجْعَلَ لَهم الدَّوْلَةَ والظَّفَرَ، أوْ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى ذَلِكَ - فَهم قادِحُونَ في قُدْرَتِهِ أوْ في حِكْمَتِهِ وحَمْدِهِ، وذَلِكَ مِن ظَنِّ السَّوْءِ بِهِ. ولا رَيْبَ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي فَعَلَ هَذا بَغِيضٌ إلى مَن ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ، غَيْرُ مَحْمُودٍ عِنْدَهم، وكانَ الواجِبُ أنْ يَفْعَلَ خِلافَ ذَلِكَ، لَكِنْ رَفَوْا هَذا الظَّنَّ الفاسِدَ بِخَرْقٍ أعْظَمَ مِنهُ، واسْتَجارُوا مِنَ الرَّمْضاءِ بِالنّارِ، فَقالُوا: لَمْ يَكُنْ هَذا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، ولا لَهُ قُدْرَةٌ عَلى دَفْعِهِ ونَصْرِ أوْلِيائِهِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أفْعالِ عِبادِهِ، ولا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، فَظَنُّوا بِهِ ظَنَّ إخْوانِهِمْ المَجُوسِ والثَّنَوِيَّةِ بِرَبِّهِمْ. وكُلُّ مُبْطِلٍ وكافِرٍ ومُبْتَدِعٍ ومَقْهُورٍ مُسْتَذَلٍّ - فَهو يَظُنُّ بِرَبِّهِ هَذا الظَّنَّ، وإنَّهُ أوْلى بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ والعُلُوِّ مِن خُصُومِهِ، فَأكْثَرُ الخَلْقِ، بَلْ كُلُّهم، إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، يَظُنُّونَ بِاَللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وظَنَّ السَّوْءِ. فَإنَّ غالِبَ بَنِي آدَمَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مَبْخُوسُ الحَقِّ، ناقِصُ الحَظِّ، وأنَّهُ يَسْتَحِقُّ فَوْقَ ما أعْطاهُ اللَّهُ، ولِسانُ حالِهِ يَقُولُ: ظَلَمَنِي رَبِّي ومَنَعَنِي ما أسْتَحِقُّهُ، ونَفْسُهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وهو بِلِسانِهِ يُنْكِرُهُ، ولا يَتَجاسَرُ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ. ومَن فَتَّشَ نَفْسَهُ، وتَغَلْغَلَ في مَعْرِفَةِ دَفائِنِها وطَواياها - رَأى ذَلِكَ فِيها كامِنًا كُمُونَ النّارِ في الزِّنادِ، فاقْدَحْ زِنادَ مَن شِئْتَ يُنْبِئْكَ شَرارُهُ عَمّا في زِنادِهِ، ولَوْ فَتَّشْتَ مَن فَتَّشْـتَهُ، لَرَأيْتَ عِنْدَهُ تَعَتُّبًا عَلى القَدَرِ، ومَلامَةً لَهُ، واقْتِراحًا عَلَيْهِ خِلافَ ما جَرى بِهِ، وأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذا وكَذا، فَمُسْتَقِلٌّ ومُسْتَكْثِرٌ، وفَتِّشْ نَفْسَكَ هَلْ أنْتَ سالِمٌ مِن ذَلِكَ: ؎فَإنْ تَنْجُ مِنها تَنْجُ مِن ذِي عَظِيمَةٍ وإلّا فَإنِّي لا إخالُكَ ناجِيًا فَلْيَعْتَنِ اللَّبِيبُ النّاصِحُ نَفْسَهُ بِهَذا المَوْضِعِ، ولْيَتُبْ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرْهُ كُلَّ وقْتٍ، مِن ظَنِّهِ بِرَبِّهِ ظَنَّ السَّوْءِ. ولْيَظُنَّ السَّوْءَ بِنَفْسِهِ الَّتِي هي مادَّةُ كُلِّ سَوْءٍ، ومَنبَعُ كُلِّ شَرٍّ، المُرَكَّبَةِ عَلى الجَهْلِ والظُّلْمِ، فَهي أوْلى بِظَنِّ السَّوْءِ مِن أحْكَمِ الحاكِمِينَ وأعْدَلِ العادِلِينَ وأرْحَمِ الرّاحِمِينَ، (p-١٠١٠)اَلْغَنِيِّ الحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ الغِنى التّامُّ، والحَمْدُ التّامُّ، والحِكْمَةُ التّامَّةُ، المُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأسْمائِهِ. فَذاتُهُ لَها الكَمالُ المُطْلَقُ مِن كُلِّ وجْهِ، وصِفاتُهُ كَذَلِكَ، وأفْعالُهُ كَذَلِكَ، كُلُّها حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ ورَحْمَةٌ وعَدْلٌ. وأسْماؤُهُ كُلُّها حُسْنى. والمَقْصُودُ ما ساقَنا إلى هَذا الكَلامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ الكَلامِ الَّذِي صَدَرَ عَنْ ظَنِّهِمْ الباطِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: هَلْ لَنا مَن أمْرِ التَّدْبِيرِ والرَّأْيِ مِن شَيْءٍ، اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. أيْ: ما لَنا أمْرٌ يُطاعُ. ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] وذَلِكَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمّا شاوَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ في هَذِهِ الواقِعَةِ، أشارَ عَلَيْهِ بِأنْ لا يَخْرُجَ مِنَ المَدِينَةِ، ثُمَّ إنَّ الصَّحابَةَ ألَحُّوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ في أنْ يَخْرُجَ إلَيْهِمْ - كَما تَقَدَّمَ - . ولَمّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِمَن مَعَهُ، وأُخْبِرَ بِكَثْرَةِ القَتْلى مِن بَنِي الخَزْرَجِ، قالَ: هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ؟ يَعْنِي: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَقْبَلْ قَوْلِي حِينَ أمَرْتُهُ بِأنْ يَبْقى في المَدِينَةِ ولا يَخْرُجَ مِنها: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ أيْ: التَّدْبِيرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ دَبَّرَ الأمْرَ كَما جَرى في سابِقِ قَضائِهِ فَلا مَرَدَّ لَهُ. قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: لَيْسَ مَقْصُودُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ وقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ إثْباتَ القَدَرِ، ورَدَّ الأمْرِ كُلِّهِ إلى اللَّهِ. ولَوْ كانَ ذَلِكَ مَقْصُودَهم بِالكَلِمَةِ الأوْلى لَما ذُمُّوا عَلَيْهِ، ولَما حَسُنَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ولا كانَ مَصْدَرُ هَذا الكَلامِ ظَنُّ الجاهِلِيَّةَ. ولِهَذا، قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ظَنَّهم الباطِلَ هَهُنا هو التَّكْذِيبُ بِالقَدَرِ، وظَنَّهم أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ إلَيْهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ تَبَعًا لَهم، ويَسْمَعُونَ مِنهم؛ لَما أصابَهم القَتْلُ، ويَكُونُ النَّصْرُ والظَّفَرُ (p-١٠١١)لَهم. فَأكْذَبَهم اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في هَذا الظَّنِّ الباطِلِ، الَّذِي هو ظَنُّ الجاهِلِيَّةِ، وهو الظَّنُّ المَنسُوبُ إلى أهْلِ الجَهْلِ، الَّذِينَ يَزْعُمُونَ، بَعْدَ نَفاذِ القَضاءِ والقَدَرِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن نَفاذِهِ، أنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى دَفْعِهِ، وأنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ إلَيْهِمْ لَما نَفَذَ القَضاءُ، فَأكْذَبَهم اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ فَلا يَكُونُ إلّا ما سَبَقَ قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، وجَرى بِهِ عِلْمُهُ وكِتابُهُ السّابِقُ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ ولا بُدَّ، شاءَ النّاسُ أمْ أبَوْا. وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، شاءَ النّاسُ أوْ لَمْ يَشاؤُوهُ. وما جَرى عَلَيْكم مِنَ الهَزِيمَةِ والقَتْلِ، فَبِأمْرِهِ الكَوْنِيِّ الَّذِي لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، سَواءٌ كانَ لَكم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، وأنَّكم لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم وقَدْ كُتِبَ القَتْلُ عَلى بَعْضِكم، لَخَرَجَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ القَتْلُ مِن بُيُوتِهِمْ إلى مَضاجِعِهِمْ ولا بُدَّ. سَواءٌ أنْ يَكُونَ لَهم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ لَمْ يَكُنْ. وهَذا مِن أظْهَرِ الأشْياءِ إبْطالًا لِقَوْلِ القَدَرِيَّةِ النُّفاةِ، الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ أنْ يَقَعَ ما لا يَشاؤُهُ اللَّهُ، وأنْ يَشاءَ ما لا يَقَعُ - انْتَهى - . ﴿يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: يُضْمِرُونَ فِيها، أوْ يَقُولُونَ فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ الخُفْيَةِ: ﴿ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ لِكَوْنِهِ لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بَعْدَ إجْمالِهِ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ: المَسْمُوعِ. ﴿شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ أيْ: ما غُلِبْنا، أوْ ما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنّا، لِأنّا كُنّا نَمْكُثُ في المَدِينَةِ ولا نَخْرُجُ إلى العَدُوِّ. ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِما أخْفَوْهُ جَهْلًا مِنهم، ظَنًّا أنَّ الحَذَرَ يُغْنِي مِنَ القَدَرِ، أمَرَهُ تَعالى بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: أجْمَعَ رَأْيُكم عَلى أنْ لا تَبْرَحُوا مِن مَنازِلِكم أنْتُمْ والمَقْتُولُونَ: ﴿لَبَرَزَ﴾ أيْ: خَرَجَ: ﴿الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: ﴿إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ أيْ: الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ قَتْلَهم فِيها، ولَمْ يَثْبُتُوا في دِيارِهِمْ، لِأنَّهُ يُوقِعُ في قُلُوبِهِمْ الخُرُوجَ إمْضاءً لِقَدَرِهِ وحُكْمِهِ المَحْتُومِ الَّذِي لا يَقَعُ خِلافُهُ ولا يُرَدُّ، لِقَوْلِهِ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] وفِيهِ مُبالَغَةٌ في رَدِّ مَقالَتِهِمْ الباطِلَةِ، حَيْثُ لَمَّ يَقْتَصِرْ عَلى تَحْقِيقِ (p-١٠١٢)نَفْسِ القَتْلِ، بَلْ عَيَّنَ مَكانَهُ أيْضًا. وفي التَّعْبِيرِ بِـ (مَضاجِعِهِمْ ) مِن إجْلالِهِمْ وتَكْرِيمِهِمْ ما لا يَخْفى عَلى صاحِبِ الذَّوْقِ السَّلِيمِ ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُمْتَحَنِ، لِيَسْتَخْرِجَ ما في صُدُورِكم مِنَ الإخْلاصِ والنِّفاقِ، لِيَجْعَلَهُ حُجَّةً عَلَيْكم، فالمُؤْمِنُ لا يَزْدادُ بِذَلِكَ إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا، والمُنافِقُ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ لا بُدَّ أنْ يَظْهَرَ ما في قَلْبِهِ عَلى جَوارِحِهِ ولِسانِهِ؛ وهو عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَها مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَلٍ لَها أُخْرى مَطْوِيَّةٌ، لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِها. كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلَ ما فَعَلَ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ ولِيَبْتَلِيَ ... إلَخْ، أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها، أيْ: ولِلِابْتِلاءِ المَذْكُورِ فَعَلَ ما فَعَلَ، لا لِعَدَمِ العِنايَةِ بِأمْرِ المُؤْمِنِينَ. وجَعْلُها عِلَلًا لِـ ( بَرَزَ ( يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ. فَإنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ حِكْمَةِ ما وقَعَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ، لا بَيانُ حِكْمَةِ البُرُوزِ المَفْرُوضِ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حِكْمَةً أُخْرى بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: يُخَلِّصَهُ ويُنَقِّيَهُ ويُهَذِّبَهُ، فَإنَّ القُلُوبَ يُخالِطُها بِغَلَبَةِ الطَّبائِعِ، ومَيْلِ النُّفُوسِ، وحُكْمِ العادَةِ، وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ، واسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ - ما يُضادُّ ما أُودِعَ فِيها مِنَ الإيمانِ والإسْلامِ والبِرِّ والتَّقْوى. فَلَوْ تُرِكَتْ في عافِيَةٍ دائِمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لَمْ تَتَخَلَّصْ مِن هَذِهِ المُخالَطَةِ، ولَمْ تَتَمَحَّصْ مِنهُ، فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ العَزِيزِ الرَّحِيمِ أنْ يَقْضِيَ لَها مِنَ المِحَنِ والبَلاءِ، ما يَكُونُ كالدَّواءِ الكَرِيهِ لِمَن عَرَضَ لَهُ داءٌ، إنْ لَمْ يَتَدارَكْهُ طَبِيبُهُ بِإزالَتِهِ وتَنْقِيَتِهِ مَن جَسَدِهِ، وإلّا خِيفَ عَلَيْهِ مِنهُ الفَسادُ والهَلاكُ. فَكانَتْ نِعْمَتُهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الكَسْرَةِ والهَزِيمَةِ، وقَتْلِ مَن قُتِلَ مِنهم، تُعادِلُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ وتَأْيِيدِهِمْ وظَفَرِهِمْ بِعَدُوِّهِمْ. فَلَهُ عَلَيْهِمْ النِّعْمَةُ التّامَّةُ في هَذا وهَذا. أفادَهُ ابْنُ القَيِّمِ. وقالَ القاشانِيُّ: البَلاءُ سَوْطٌ مِن سِياطِ اللَّهِ، يَسُوقُ بِهِ عِبادَهُ إلَيْهِمْ بِتَصْفِيَتِهِمْ عَنْ صِفاتِ نُفُوسِهِمْ، وإظْهارِ ما فِيهِمْ مِنَ الكَمالاتِ، وانْقِطاعِهِمْ مِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ. ولِهَذا كانَ مُتَوَكَّلًا بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيانًا لِفَضْلِهِ: ««ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتُ»» . كَأنَّهُ قالَ: ما صُفِّيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما صُفِّيتُ. ولَقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ:(p-١٠١٣) ؎لِلَّهِ دَرُّ النّائِباتِ فَإنَّها ∗∗∗ صَدَأُ اللِّئامِ وصَيْقَلُ الأحْرارِ إذْ لا يَظْهَرُ عَلى كُلٍّ مِنهم إلّا ما في مَكْمَنِ اسْتِعْدادِهِ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: الضَّمائِرِ المُلازِمَةِ لَها، وعْدٌ ووَعِيدٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ تَوَلِّي مَن تَوَلّى مِنَ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأنَّهُ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ بِقَوْلِهِ:

آل عمران 3:155

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٥٥ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ﴾ أيْ: عَنْ القِتالِ ومُقارَعَةِ الأبْطالِ: ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ أيْ: جَمْعُ المُسْلِمِينَ وجَمْعُ المُشْرِكِينَ: ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: حَمَلَهم عَلى الزَّلَلِ بِمَكْرٍ مِنهُ. مَعَ وعْدِ اللَّهِ بِالنَّصْرِ: ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: بِشُؤْمِ بَعْضِ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ، كَتَرْكِ المَرْكَزِ، والمَيْلِ إلى الغَنِيمَةِ، مَعَ النَّهْيِ عَنْهُ، فَمُنِعُوا التَّأْيِيدَ وقُوَّةَ القَلْبِ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ: كانَتْ أعْمالُهم جُنْدًا عَلَيْهِمْ ازْدادَ بِها عَدُوُّهم قُوَّةً. فَإنَّ الأعْمالَ جُنْدٌ لِلْعَبْدِ، وجُنْدٌ عَلَيْهِ، ولا بُدَّ لِلْعَبْدِ في كُلِّ وقْتٍ مِن سَرِيَّةٍ مِن نَفْسِهِ تَهْزِمُهُ أوْ تَنْصُرُهُ. فَهو يُمِدُّ عَدُوَّهُ بِأعْمالِهِ مِن حَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يُقاتِلُ بِها، ويَبْعَثُ إلَيْهِ سَرِيَّةً تَغْزُوهُ مَعَ عَدُوِّهِ مِن حَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يَغْزُو عَدُوَّهُ. فَأعْمالُ العَبْدِ تَسُوقُهُ قَسْرًا إلى مُقْتَضاهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. والعَبْدُ لا يَشْعُرُ، أوْ يَشْعُرُ ويَتَعامى. فَفِرارُ الإنْسانِ مِن عَدُوِّهِ، وهو يُطِيقُهُ، إنَّما هو بِجُنْدٍ مِن عَمَلِهِ، بَعَثَهُ لَهُ الشَّيْطانُ واسْتَزَلَّهُ بِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَفا عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أيْ: بِالِاعْتِذارِ والنَّدَمِ لِأنَّ هَذا الفِرارَ لَمْ يَكُنْ عَنْ نِفاقٍ، ولا شَكَّ أنَّهُ كانَ عارِضًا عَفا اللَّهُ عَنْهُ، فَعادَتْ شَجاعَةُ الإيمانِ وثَباتُهُ إلى مَرْكَزِها ونِصابِها: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أيْ: يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَحْلُمُ عَنْ خَلْقِهِ، ويَتَجاوَزُ عَنْهم.(p-١٠١٤)

آل عمران 3:156

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٥٦ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم المُنافِقُونَ القائِلُونَ: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ [آل عمران: ١٥٤] ﴿وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: سافَرُوا فِيها لِلتِّجارَةِ فَأُصِيبُوا بِغَرَقٍ أوْ قَتْلٍ: ﴿أوْ كانُوا﴾ أيْ: إخْوانُهم: ﴿غُزًّى﴾ جَمْعُ غازٍ فَأُصِيبُوا بِاصْطِدامٍ أوْ قَتْلٍ: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا﴾ أيْ: مُقِيمِينَ: ﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: لَيْسَ المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ عَدَمُ مُماثَلَتِهِمْ في النُّطْقِ بِهَذا القَوْلِ، بَلْ في الِاعْتِقادِ بِمَضْمُونِهِ والحُكْمِ بِمُوجَبِهِ. أقُولُ: بَلْ الآيَةُ تُفِيدُ الأمْرَيْنِ. أعْنِي: حِفْظَ الِاعْتِقادِ المَقْصُودِ أوَّلًا وبِالذّاتِ، وحِفْظُ المَنطِقِ مِمّا يُوقِعُ في إضْلالِ النّاسِ، ويُخِلُّ بِالمَقامِ الإلَهِيِّ، كَما بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، وسَنَذْكُرُهُ في التَّنْبِيهِ الآتِي. وقَوْلُهُ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: القَوْلَ: ﴿حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (قالُوا) عَلى أنَّ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ، مِثْلُها في: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أيْ: قالُوا ذَلِكَ واعْتَقَدُوهُ، لِيَكُونَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ. والمُرادُ بِالتَّعْلِيلِ المَذْكُورِ: بَيانُ عَدَمِ تَرَتُّبِ فائِدَةٍ ما، عَلى ذَلِكَ أصْلًا: ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ الباطِلِ، إثْرَ بَيانِ غائِلَتِهِ. أيْ: هو المُؤَثِّرُ في الحَياةِ والمَماتِ وحْدَهُ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلْإقامَةِ أوْ لِلسَّفَرِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والغازِيَ مَعَ اقْتِحامِهِما لِمَوارِدِ الحُتُوفِ، ويُمِيتُ المُقِيمَ مَعَ حِيازَتِهِ لِأسْبابِ السَّلامَةِ. وعَنْ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: ما فِيَّ مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ ضَرْبَةٌ أوْ طَعْنَةٌ، وها أنا ذا أمُوتُ كَما يَمُوتُ البَعِيرُ، فَلا نامَتْ أعْيُنُ الجُبَناءِ !: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في مُماثَلَةٍ مَن ذُكِرَ. (p-١٠١٥)قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّشَبُّهُ بِالكُفّارِ. قالَ الحاكِمُ: وقَدْ يَكُونُ مِنهُ ما يَكُونُ كُفْرًا. وفِيها أيْضًا دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَسْقُطُ وُجُوبُ الجِهادِ بِخَشْيَةِ القَتْلِ. تَنْبِيهٌ: أشْعَرَتْ الآيَةُ بِوُجُوبِ حِفْظِ المَنطِقِ مِمّا يُشاكِلُ ألْفاظَ المُشْرِكِينَ مِنَ الكَلِماتِ المُنافِيَةِ لِلْعَقِيدَةِ الإسْلامِيَّةِ كَما ذَكَرْنا. وقَدْ عَقَدَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ) فَصْلًا في هَدْيِهِ ﷺ في حِفْظِ النُّطْقِ واخْتِيارِ الألْفاظِ قالَ: كانَ ﷺ يَتَخَيَّرُ في خِطابِهِ، ويَخْتارُ لِأُمَّتِهِ أحْسَنَ ألْفاظٍ وأجْمَلَها وألْطَفَها، وأبْعَدَها مِن ألْفاظِ أهْلِ الجَفاءِ والغِلْظَةِ والفُحْشِ. إلى أنْ قالَ: ومِن ذَلِكَ «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ قَوْلِ القائِلِ بَعْدَ فَواتِ الأمْرِ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا. وقالَ: «إنَّها تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ»» . وأرْشَدَهُ إلى ما هو أنْفَعُ لَهُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ، وهو أنْ يَقُولَ: قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: لَوْ كُنْتُ فَعَلْتُ كَذا وكَذا لَمْ يَفُتْنِي ما فاتَنِي أوْ لَمْ أقَعْ فِيما وقَعْتُ فِيهِ - كَلامٌ لا يُجْدِي عَلَيْهِ فائِدَةً البَتَّةَ. فَإنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِما اسْتَدْبَرَ مِن أمْرِهِ، وغَيْرُ مُسْتَقِيلٍ عَثْرَتَهُ بِـ (لَوْ) . وفي ضِمْنٍ (لَوْ) ادِّعاءُ أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما قَدَّرَهُ في نَفْسِهِ لَكانَ غَيْرَ ما قَضاهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ وشاءَهُ؛ فَإنَّ ما وقَعَ مِمّا يَتَمَنّى خِلافَهُ إنَّما وقَعَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ ومَشِيئَتِهِ. فَإذا قالَ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا لَكانَ خِلافُ ما وقَعَ، فَهو مُحالٌ، إذْ خِلافُ المُقَدَّرِ المَقْضِيِّ مُحالٌ. فَقَدْ تَضَمَّنَ كَلامُهُ كِذِبًا وجَهْلًا ومُحالًا. وإنَّ سَلِمَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالقَدَرِ لَمْ يَسْلَمْ مِن مُعارَضَتِهِ بِقَوْلِهِ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ لَدَفَعْتُ (p-١٠١٦)ما قُدِّرَ عَلَيَّ. فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ في هَذا رَدٌّ لِلْقَدَرِ ولا جَحْدٌ لَهُ؛ إذْ تِلْكَ الأسْبابُ الَّتِي تَمَنّاها أيْضًا مِنَ القَدَرِ، فَهو يَقُولُ: لَوْ وُفِّقْتُ لِهَذا القَدَرِ لانْدَفَعَ بِهِ عَنِّي ذَلِكَ القَدَرُ، فَإنَّ القَدَرَ يُدْفَعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، كَما يُدْفَعُ قَدَرُ المَرَضِ بِالدَّواءِ، وقَدَرُ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ، وقَدَرُ العَدُوِّ بِالجِهادِ، فَكِلاهُما مِنَ القَدَرِ. قِيلَ: هَذا حَقٌّ، ولَكِنَّ هَذا يَنْفَعُ قَبْلَ وُقُوعِ القَدَرِ المَكْرُوهِ. وأمّا إذا وقَعَ فَلا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، وإنْ كانَ لَهُ سَبِيلٌ إلى دَفْعِهِ أوْ تَخْفِيفِهِ بِقَدَرٍ آخَرَ فَهو أوْلى بِهِ مِن قَوْلِهِ: لَوْ كُنْتُ فَعَلْتُهُ. بَلْ وظِيفَتُهُ في هَذِهِ الحالَةِ أنْ يَسْتَقْبِلَ فِعْلَهُ الَّذِي يُدْفَعُ بِهِ أوْ يُخَفَّفُ، ولا يَتَمَنّى ما لا مَطْمَعَ في وُقُوعِهِ، فَإنَّهُ عَجْزٌ مَحْضٌ، واَللَّهُ يَلُومُ عَلى العَجْزِ، ويُحِبُّ الكَيْسَ ويَأْمُرُ بِهِ. والكَيْسُ: هو مُباشَرَةُ الأسْبابِ الَّتِي رَبَطَ اللَّهُ بِها مُسَبَّباتِها النّافِعَةَ لِلْعَبْدِ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ، فَهَذِهِ تَفْتَحُ عَمَلَ الخَيْرِ والأمْرِ، وأمّا العَجْزُ فَإنَّهُ يَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ. فَإنَّهُ إذا عَجَزَ عَمّا يَنْفَعُهُ وصارَ إلى الأمانِيِّ الباطِلَةِ بِقَوْلِهِ: لَوْ كانَ كَذا وكَذا، ولَوْ فَعَلْتُ كَذا، يَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ، فَإنَّ بابَهُ العَجْزُ والكَسَلُ. ولِهَذا اسْتَعاذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنهُما. وهو مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ، ويَصْدُرُ عَنْهُما الهَمُّ والحَزَنُ والبُخْلُ وضِلَعُ الدَّيْنِ وغَلَبَةُ الرِّجالِ. فَمَصْدَرُها كُلُّها عَنْ العَجْزِ والكَسَلِ، وعُنْوانُها (لَوْ)، فَلِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««فَإنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ»»، فالمُتَمَنِّي مِن أعْجَزِ النّاسِ وأفْلَسِهِمْ، فَإنَّ المُنى رَأْسُ أمْوالِ المَفالِيسِ، والعَجْزَ مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ، وأصْلُ المَعاصِي كُلِّها العَجْزُ، فَإنَّ العَبْدَ يَعْجِزُ عَنْ أسْبابِ أعْمالِ الطّاعاتِ، وعَنْ الأسْبابِ الَّتِي تُعْرِضُهُ عَنْ المَعاصِي، وتَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَهُ، فَيَقَعُ في المَعاصِي. فَجُمِعَ في هَذا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، في اسْتِعاذَتِهِ ﷺ أُصُولُ الشَّرِّ وفُرُوعُهُ ومُبادِيهِ وغاياتُهُ ومَوارِدُهُ ومَصادِرُهُ. وهو مُشْتَمِلٌ عَلى ثَمانِ خِصالٍ، كُلُّ خَصْلَتَيْنِ مِنهُما قَرِينَتانِ فَقالَ: ««أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ»»، وهُما قَرِينانِ. فَإنَّ المَكْرُوهَ الوارِدَ عَلى القَلْبِ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبارِ سَبَبِهِ إلى قِسْمَيْنِ: فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ سَبَبُهُ أمْرًا ماضِيًا، فَهو يُحْدِثُ الحُزْنَ، وإمّا أنْ يَكُونَ تَوَقُّعُ أمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَهو يُحْدِثُ الهَمَّ، وكِلاهُما مِنَ العَجْزِ. فَإنَّ ما مَضى لا يُدْفَعُ بِالحُزْنِ، بَلْ بِالرِّضاءِ والحَمْدِ والصَّبْرِ والإيمانِ بِالقَدَرِ، وقَوْلِ العَبْدِ: (p-١٠١٧)قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ. وما يُسْتَقْبَلُ لا يُدْفَعُ أيْضًا بِالهَمِّ. بَلْ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ حِيلَةٌ في دَفْعِهِ فَلا يَعْجِزُ عَنْهُ، وإمّا أنْ لا تَكُونَ لَهُ حِيلَةٌ في دَفْعِهِ، فَلا يَجْزَعُ مِنهُ، ويَلْبَسُ لَهُ لِباسَهُ، ويَأْخُذُ لَهُ عُدَّتَهُ، ويَتَأهَّبُ لَهُ أُهْبَتَهُ اللّائِقَةَ، ويَسْتَجِنُّ بِجُنَّةٍ حَصِينَةٍ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّوَكُّلِ والِانْطِراحِ بَيْنَ يَدَيْ الرَّبِّ تَعالى، والِاسْتِسْلامِ لَهُ، والرِّضا بِهِ رَبًّا في كُلِّ شَيْءٍ، ولا يَرْضى بِهِ رَبًّا فِيما يُحِبُّ دُونَ ما يَكْرَهُ. فَإذا كانَ هَكَذا لَمْ يَرْضَ بِهِ رَبًّا عَلى الإطْلاقِ، فَلا يَرْضاهُ الرَّبُّ لَهُ عَبْدًا عَلى الإطْلاقِ. . فالهَمُّ والحُزْنُ لا يَنْفَعانِ العَبْدَ ألْبَتَّةَ، بِلْ مَضَرَّتُهُما أكْثَرُ مِن مَنفَعَتِهِما، فَإنَّهُما يُضْعِفانِ العَزْمَ، ويُوهِنانِ القَلْبَ، ويَحُولانِ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الِاجْتِهادِ فِيما يَنْفَعُهُ، ويَقْطَعانِ عَلَيْهِ طَرِيقَ السَّيْرِ، أوْ يُنَكِّسانِهِ إلى وراءٍ، أوْ يَعُوقانِهِ ويَقِفانِهِ، أوْ يَحْجُبانِهِ عَنْ العِلْمِ الَّذِي كُلَّما رَآهُ شَمَّرَ إلَيْهِ وجَدَّ في سَيْرِهِ، فَهُما حِمْلٌ ثَقِيلٌ عَلى ظَهْرِ السّائِرِ، بَلْ إنْ عاقَةُ الهَمُّ والحُزْنُ عَنْ شَهَواتِهِ وإرادَتِهِ الَّتِي تَضُرُّهُ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ - انْتَفَعَ بِهِ مِن هَذا الوَجْهِ، وهَذا مِن حِكْمَةِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، أنْ سَلَّطَ هَذَيْنِ الجُنْدَيْنِ عَلى القُلُوبِ المُعْرِضَةِ عَنْهُ، الفارِغَةِ مِن مَحَبَّتِهِ وخَوْفِهِ ورَجائِهِ والإنابَةِ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، والأُنْسِ بِهِ، والفِرارِ إلَيْهِ، والِانْقِطاعِ إلَيْهِ، لِيَرُدَّها بِما يَبْتَلِيها بِهِ مِنَ الهُمُومِ والغُمُومِ والأحْزانِ، والآلامِ القَلْبِيَّةِ، عَنْ كَثِيرٍ مِن مَعاصِيها وشَهَواتِها المُرْدِيَةِ. وهَذِهِ القُلُوبُ في سِجْنٍ مِنَ الجَحِيمِ في هَذِهِ الدّارِ. وإنْ أُرِيدَ بِها الخَيْرُ كانَ حَظُّها مِن سِجْنِ الجَحِيمِ في مَعادِها، ولا تَزالُ في هَذا السِّجْنِ، حَتّى تَتَخَلَّصَ إلى فَضاءِ التَّوْحِيدِ والإقْبالِ عَلى اللَّهِ، والأُنْسِ بِهِ، وجَعْلِ مَحَبَّتِهِ في مَحَلِّ دَبِيبِ خَواطِرِ القَلْبِ ووَساوِسِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ ذِكْرُهُ تَعالى وحُبُّهُ وخَوْفُهُ ورَجاؤُهُ والفَرَحُ بِهِ والِابْتِهاجُ بِذِكْرِهِ، هو المُسْتَوْلِي عَلى القَلْبِ الغالِبُ عَلَيْهِ، الَّذِي مَتى فَقَدَهُ، فَقَدَ قُوَّتَهُ، الَّذِي لا قِوامَ لَهُ إلّا بِهِ، ولا بَقاءَ لَهُ بِدُونِهِ، ولا سَبِيلَ إلى خَلاصِ القَلْبِ مِن هَذِهِ الآلامِ الَّتِي هي أعْظَمُ أمْراضَهُ وأفْسَدُها لَهُ، إلّا بِذَلِكَ، ولا بَلاغَ إلّا بِاَللَّهِ وحْدَهُ، فَإنَّهُ لا يُوَصِّلُ إلَيْهِ إلّا هو، ولا يَأْتِي بِالحَسَناتِ إلّا هو، ولا يَصْرِفُ السَّيِّئاتِ إلّا هو، ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلّا هو، وإذا أرادَ عَبْدَهُ لِأمْرٍ هَيَّأهُ لَهُ، (p-١٠١٨)فَمِنهُ الإيجادُ، ومِنهُ الإعْدادُ، ومِنهُ الإمْدادُ. وإذا أقامَهُ في مَقامٍ، أيِّ مَقامٍ كانَ فَبِحَمْدِهِ أقامَهُ فِيهِ، وحِكْمَتُهُ أقامَتْهُ فِيهِ، ولا يَلِيقُ بِهِ غَيْرُهُ، ولا يَصْلُحُ لَهُ سِواهُ، ولا مانِعَ لِما أعْطى اللَّهُ، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ، ولا يَمْنَعُ عَبْدَهُ حَقًّا هو لِلْعَبْدِ، فَيَكُونُ بِمَنعِهِ ظالِمًا، بَلْ مَنَعَهُ لِيَتَوَسَّلَ إلَيْهِ بِمَحابِّهِ لِيُعْطِيَهُ، ولِيَتَضَرَّعَ إلَيْهِ ويَتَذَلَّلَ بَيْنَ يَدَيْهِ ويَتَمَلَّقَهُ ويُعْطِيَ فَقْرَهُ إلَيْهِ حَقَّهُ، بِحَيْثُ يَشْهَدُ في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ الباطِنَةِ والظّاهِرَةِ فاقَةً تامَّةً إلَيْهِ، عَلى تَعاقُبِ الأنْفاسِ. وهَذا هو الواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ لَمْ يَشْهَدْهُ، فَلَمْ يَمْنَعْ عَبْدَهُ ما العَبْدُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ بُخْلًا مِنهُ ولا نُقْصانٌ مِن خَزائِنِهِ ولا اسْـتِئْثارًا عَلَيْهِ بِما هو حَقٌّ لِلْعَبْدِ. بَلْ مَنَعَهُ لِيَرُدَّهُ إلَيْهِ ولِيُعِزَّهُ بِالتَّذَلُّلِ لَهُ، ولِيُغْنِيَهُ بِالِافْتِقارِ إلَيْهِ، ولِيُجْبِرَهُ بِالِانْكِسارِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولِيُذِيقَهُ بِمَرارَةِ المَنعِ، حَلاوَةَ الخُضُوعِ ولَذَّةَ الفَقْرِ. ولِيُلْبِسَهُ خِلْعَةَ العُبُودِيَّةِ، ولِيُوَلِّيَهُ بِعَزْلِهِ أشْرَفَ الوِلاياتِ، ولِيُشْهِدَهُ حِكْمَتَهُ في قُدْرَتِهِ، ورَحْمَتَهُ في عِزَّتِهِ، وبِرَّهُ ولُطْفَهُ في قَهْرِهِ. وأنَّ مَنعَهُ عَطاءٌ وعَزْلَهُ تَوْلِيَةٌ، وعُقُوبَتَهُ تَأْدِيبٌ وامْتِحانَهُ مَحَبَّةٌ وعَطِيَّةٌ، وتَسْلِيطَ أعْدائِهِ عَلَيْهِ سائِقٌ يَسُوقُهُ إلَيْهِ. وبِالجُمْلَةِ فَلا يَلِيقُ بِالعَبْدِ غَيْرُ ما أُقِيمَ فِيهِ. وحِكْمَتُهُ وحَمْدُهُ أقاماهُ في مَقامِهِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِهِ سِواهُ ولا يَحْسُنُ أنْ يَتَخَطّاهُ. انْتَهى. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ لَيْسَ مِمّا يُوجِبُ الحَسْرَةَ حَتّى يُحْذَرَ مِنهُ. بَلْ هو مِمّا يُوجِبُ الفَرَحَ والسُّرُورَ، فَقالَ:

آل عمران 3:157

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٥٧ ] ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ﴾ أيْ: فِيهِ مِن غَيْرِ قِتالٍ: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لِذُنُوبِكم تَنالُكم: ﴿ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أيْ: الكَفَرَةُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها الفانِيَةِ. (p-١٠١٩)

آل عمران 3:158

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٥٨ ] ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ﴾ عَلى أيِّ: وجْهٍ كانَ حَسْبَ القَضاءِ الأسْبَقِ: ﴿لإلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي هو مُتَوَفِّيكم لا غَيْرُهُ: ﴿تُحْشَرُونَ﴾ فَيَجْزِيكم بِأعْمالِكم. لَطائِفُ: اَلْأُولى: أطالَ نُحاةُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] إلَخْ. مِنَ الوُجُوهِ النَّحْوِيَّةِ في (إذا) هُنا، وإنَّهُ رُبَّما يَتَبادَرُ أنَّ المَوْقِعَ لـ: (إذْ) لا لَها، حَيْثُ إنَّ مُتَعَلِّقَها وهو (قالُوا) ماضٍ. و (إذا) ظَرْفٌ لِما يُسْتَقْبَلُ. فَمِن قائِلٍ بِأنَّ (إذا) لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، ومِن قائِلٍ بِأنَّها لِلِاسْتِمْرارِ. وقِيلَ: إنَّ (كَفَرُوا) و (قالُوا) مُرادٌ بِهِما المُسْتَقْبَلُ، وفي كُلٍّ مُناقَشاتٌ وتَعَسُّفاتٌ. والحَقُّ أنَّها تَكُونُ لِلْمُضِيِّ أيْضًا. قالَ المَجْدُ الفَيْرُوزْآبادِيُّ: وتَجِيءُ (إذا) لِلْماضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] فَلا إشْكالَ. ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنْ قُطْرُبٍ: أنَّ كَلِمَةَ (إذْ) و(إذا) يَجُوزُ إقامَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مَقامَ الأُخْرى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا الَّذِي قالَ قُطْرُبٌ كَلامٌ حَسَنٌ، وذَلِكَ لِأنّا إذا جَوَّزْنا إثْباتَ اللُّغَةِ بِشِعْرٍ مَجْهُولٍ مَنقُولٍ عَنْ قائِلٍ مَجْهُولٍ، فَلَأنْ يَجُوزَ إثْباتُها بِالقُرْآنِ العَظِيمِ أوْلى. ثُمَّ قالَ: وكَثِيرًا أرى النَّحْوِيِّينَ يَتَحَيَّرُونَ في تَقْرِيرِ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ، فَإذا اسْتَشْهَدُوا في تَقْرِيرِهِ بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ فَرِحُوا بِهِ، وأنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهم. فَإنَّهم إذا جَعَلُوا وُرُودَ ذَلِكَ البَيْتِ المَجْهُولِ عَلى وفْقِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ، فَلَأنْ يَجْعَلُوا وُرُودَ القُرْآنِ بِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ كانَ أوْلى. انْتَهى. الثّانِيَةُ: المَجْهُولُ عَلى ضَمِّ المِيمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ مُتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٧] وهو الأصْلُ لِأنَّ الفِعْلَ مِنهُ يَمُوتُ. ويُقْرَأُ بِالكَسْرِ وهو لُغَةٌ طائِيَّةٌ. يُقالُ ماتَ يَماتُ مِثْلَ خافَ يَخافُ فَكَما تَقُولُ: خِفْتُ تَقُولُ: مُتُّ. الثّالِثَةُ: قَدَّمَ القَتْلَ عَلى المَوْتِ في الأُولى لِأنَّهُ أكْثَرُ ثَوابًا وأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ. فَتَرْتِيبُ المَغْفِرَةِ والحُرْمَةِ عَلَيْهِ أقْوى. وقَدَّمَ المَوْتَ في الثّانِيَةِ لِأنَّهُ أكْثَرُ. وهُما مُسْتَوِيانِ في الحَشْرِ. (p-١٠٢٠)

آل عمران 3:159

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٥٩ ] ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِلَّذِينِ تَوَلَّوْا عَنْكَ حِينَ عادُوا إلَيْكَ بَعْدَ الِانْهِزامِ، ولِلْمُؤْمِنِينَ عُمُومًا كَما قالَ تَعالى: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وما مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أوْ نَكِرَةٌ. ورَحْمَةٌ بَدَلٌ مِنها مُبَيِّنٌ لِإبْهامِها. والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: ما لِنْتَ هَذا اللِّينَ الخارِقَ لِلْعادَةِ، مَعَ ما سَبَّبَ فِعْلُهم مِنَ الغَضَبِ المُوجِبِ لِلْعُنْفِ والسَّطْوَةِ، لا سِيَّما مَعَ اعْتِراضِ مَن اعْتَرَضَ عَلى ما أشارَ بِهِ - إلّا بِسَبَبِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ أيْ: سَيِّئَ الخُلُقِ خَشِنَ الكَلامِ: ﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾ أيْ: قاسِيَهُ وشَدِيدَهُ. تُعامِلُهم بِالعُنْفِ والجَفا: ﴿لانْفَضُّوا﴾ أيْ: تَفَرَّقُوا: ﴿مِن حَوْلِكَ﴾ فَلَمْ يَسْكُنُوا إلَيْكَ فَلا تَتِمُّ دَعْوَتُكَ. ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَكَ سَهْلًا سَمْحًا طَلْقًا لَيِّنًا لَطِيفًا بارًّا رَؤُوفًا رَحِيمًا ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ أيْ: فِيما فَرَّطُوا في حَقِّكَ كَما عَفا اللَّهُ عَنْهم: ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إتْمامًا لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ أيْ: أمْرِ الحَرْبِ وغَيْرِهِ تَوَدُّدًا إلَيْهِمْ وتَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ واسْتِظْهارًا بِآرائِهِمْ وتَمْهِيدًا لِسُـنَّةِ المُشاوَرَةِ في الأُمَّةِ. وقَدْ ساقَ العَلّامَةُ الرّازِيُّ وُجُوهًا أُخْرى في فائِدَةِ أمْرِهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُشاوَرَتِهِمْ، مِنها: أنَّهُ ﷺ وإنْ كانَ أكْمَلَ النّاسِ عَقْلًا، إلّا أنَّ عُلُومَ الخَلْقِ مُتَناهِيَةٌ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ إنْسانٍ مِن وُجُوهِ المَصالِحِ ما لا يَخْطُرُ بِبالِهِ. لا سِيَّما فِيما يَفْعَلُ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ ﷺ قالَ: أنْتُمْ أعْرَفُ (p-١٠٢١)بِأُمُورِ دُنْياكم. ومِنها: أنَّ الأمْرَ بِمُشاوَرَتِهِمْ لا لِأجْلِ أنَّهُ ﷺ مُحْتاجٌ إلَيْهِمْ، ولَكِنْ لِأجْلٍ أنَّهُ إذا شاوَرَهم في الأمْرِ اجْتَهَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في اسْتِخْراجِ الوَجْهِ الأصْلَحِ في تِلْكَ الواقِعَةِ، فَتَصِيرُ الأرْواحُ مُتَطابِقَةً مُتَوافِقَةً عَلى تَحْصِيلِ أصْلَحِ الوُجُوهِ فِيها، وتَطابُقُ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ مِمّا يُعِينُ عَلى حُصُولِهِ. وهَذا هو السِّرُّ عِنْدَ الِاجْتِماعِ في الصَّلَواتِ، وهو السِّرُّ في أنَّ صَلاةَ الجَماعَةِ أفْضَلُ مِن صَلاةِ المُنْفَرِدِ. انْتَهى. وقَدْ ثَبَتَ مُشاوَرَتُهُ ﷺ لِأصْحابِهِ في عِدَّةِ أُمُورٍ مِنها: أنَّهُ شاوَرَهم في يَوْمِ بَدْرٍ في الذَّهابِ (p-١٠٢٢)إلى العِيرِ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنا عَرْضَ البَحْرِ لَقَطَعْناهُ مَعَكَ، ولَوْ سِرْتَ بِنا إلى بَرْكِ الغِمادِ لَسِرْنا مَعَكَ، ولا نَقُولُ لَكَ كَما قالَ قَوْمُ مُوسى لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولَكِنْ نَقُولُ: اذْهَبْ فَنَحْنُ مَعَكَ وبَيْنَ يَدَيْكَ، وعَنْ يَمِينِكَ وشِمالِكَ مُقاتِلُونَ. وشاوِرْهم أيْضًا أيْنَ يَكُونُ المَنزِلُ حَتّى أشارَ المُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو بِالتَّقَدُّمِ أمامَ القَوْمِ، وشاوَرَهم في أُحُدٍ في أنْ يَقْعُدَ في المَدِينَةِ أوْ يَخْرُجَ إلى العَدُوِّ. فَأشارَ جُمْهُورُهم بِالخُرُوجِ إلَيْهِمْ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ. وشاوَرَهم يَوْمَ الخَنْدَقِ في مُصالَحَةِ الأحْزابِ بِثُلْثِ ثِمارِ المَدِينَةِ عامَئِذٍ. فَأبى ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّعْدانِ: سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ وسَعْدُ بْنُ عُبادَةَ، فَتَرَكَ ذَلِكَ. وشاوَرَهم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ في أنْ يَمِيلَ عَلى ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ، فَقالَ لَهُ الصِّدِّيقُ: إنّا لِمَ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ، وإنَّما جِئْنا مُعْتَمِرِينَ فَأجابَهُ إلى ما قالَهُ. وقالَ ﷺ في قِصَّةِ الإفْكِ: ««أشِيرُوا عَلَيَّ، مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، في قَوْمٍ أبَنُوا أهْلِي (p-١٠٢٣)ورَمَوْهم، وايْمُ اللَّهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي مِن سُوءٍ. وأبَنُوهم بِمَن – واَللَّهِ - ما عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ إلّا خَيْرًا»» . واسْتَشارَ عَلِيًّا وأُسامَةَ في فِراقِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - . فَكانَ ﷺ يُشاوِرُهم في الحُرُوبِ ونَحْوِها. أفادَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - . قالَ الخَفاجِيُّ: في الآيَةِ إرْشادٌ إلى الِاجْتِهادِ وجَوازِهِ بِحَضْرَتِهِ ﷺ . وقالَ الرّازِيُّ: دَلَّتْ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ مَأْمُورًا بِالِاجْتِهادِ إذا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ. والِاجْتِهادُ يَتَقَوّى بِالمُناظَرَةِ والمُباحَثَةِ، فَلِهَذا كانَ مَأْمُورًا بِالمُشاوَرَةِ، انْتَهى. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ وُجُوبُ التَّمَسُّكِ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ وخُصُوصًا لِمَن يَدْعُو إلى اللَّهِ تَعالى ويَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ: ﴿فَإذا عَزَمْتَ﴾ أيْ: بَعْدَ المُشاوَرَةِ عَلى أمْرٍ واطْمَأنَّتْ بِهِ نَفْسُكَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في الإعانَةِ عَلى إمْضاءِ ما عَزَمْتَ، لا عَلى المَشُورَةِ وأصْحابِها. قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتْ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ التَّوَكُّلُ أنْ يُهْمِلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ، كَما يَقُولُ بَعْضُ الجُهّالِ، وإلّا لَكانَ الأمْرُ بِالمُشاوَرَةِ مُنافِيًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، بَلْ التَّوَكُّلُ هو أنْ يُراعِيَ الإنْسانُ الأسْبابَ الظّاهِرَةَ، ولَكِنْ لا يُعَوِّلُ بِقَلْبِهِ عَلَيْها بَلْ يُعَوِّلُ عَلى عِصْمَةِ الحَقِّ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾

آل عمران 3:160

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦٠ ] ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ كَما نَصَرَكم يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ كَما فُعِلَ يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ لِانْتِفاءِ النّاصِرِ ذاتًا وصِفَةً وبِطَرِيقِ المُبالَغَةِ. وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وتَرْغِيبٌ في الطّاعَةِ، وفِيما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى والتَّأْيِيدَ. وتَحْذِيرٌ مِنَ المَعْصِيَةِ، ومِمّا يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ العُقُوبَةَ بِالخِذْلانِ. كَذا في (الكَشّافِ) ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: ولْيَخُصَّ (p-١٠٢٤)اَلْمُؤْمِنُونَ رَبَّهم بِالتَّوَكُّلِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا ناصِرَ سِواهُ، ولِأنَّ إيمانَهم يُوجِبُ ذَلِكَ ويَقْتَضِيهِ - كَذا في (الكَشّافِ) - .

آل عمران 3:161

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦١ ] ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قُرِئَ بِالبِناءِ لِلْمَعْلُومِ، أيْ: ما صَحَّ وما تَأتّى لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَخُونَ في المَغْنَمِ، بَعْدَ مَقامِ النُّبُوَّةِ وعِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَنْ جَمِيعِ الرَّذائِلِ، وعَنْ تَأْثِيرِ دَواعِي النَّفْسِ والشَّيْطانِ فِيهِمْ؛ وبِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، أيْ: ما صَحَّ أنْ يُنْسَـبَ إلى الغُلُولِ ويُخَوَّنَ. رَوى أبُو داوُدَ واَلتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ افْتُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ أخَذَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ الآيَةُ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورَواهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ولَفْظُهُ: اتَّهَمَ المُنافِقُونَ رَسُولَ اللَّهِ بِشَيْءٍ فُقِدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ الآيَةُ. وهَذا تَنْزِيهٌ لِمَقامِهِ ﷺ الرَّفِيعِ، وتَنْبِيهٌ عَلى عِصْمَتِهِ. ثُمَّ أشارَ إلى وعِيدِ الغُلُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: بِعَيْنِهِ، حامِلًا لَهُ عَلى ظَهْرِهِ، لِيَفْتَضِحَ في المَحْشَرِ، كَما رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: «لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، (p-١٠٢٥)لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ - لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ شاةٌ لَها ثُغاءٌ يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ - لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَها صِياحٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رِقاعٍ تَخْفُقُ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ صامِتٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ»» . لَفْظُ مُسْلِمٍ. ورَوى البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: «كانَ عَلى ثَقَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: (كَرْكَرَةُ) فَماتَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، هو في النّارِ، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَوَجَدُوا عَباءَةً قَدْ غَلَّها». وعَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ «أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «صَلُّوا عَلى صاحِبِكم»، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النّاسِ لِذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ صاحِبَكم غَلَّ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَفَتَّشْـنا مَتاعَهُ، فَوَجَدْنا خَرَزًا مِن خَرَزِ اليَهُودِ لا يُساوِي دِرْهَمَيْنِ -» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ - ورَوى عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَأْخُذُ الوَبَرَةَ مِن جَنْبِ البَعِيرِ مِنَ المَغْنَمِ فَيَقُولُ: «ما لِي فِيهِ إلّا مِثْلُ ما لِأحَدِكم مِنهُ. إيّاكم والغُلُولَ، فَإنَّ الغُلُولَ خِزْيٌ عَلى صاحِبِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، أدُّوا الخَيْطَ والمَخِيطَ وما فَوْقَ ذَلِكَ وجاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ القَرِيبَ والبَعِيدَ في الحَضَرِ والسَّفَرِ. فَإنَّ الجِهادَ بابٌ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ. إنَّهُ لِيُنْجِيَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ مِنَ الهَمِّ والغَمِّ، وأقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ في (p-١٠٢٦)اَلْقَرِيبِ والبَعِيدِ، ولا تَأْخُذْكم في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ»» . ورَوى ابْنُ ماجَةَ بَعْضَهُ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أقْبَلَ نَفَرٌ مِن صَحابَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ. فُلانٌ شَهِيدٌ. حَتّى أتَوْا عَلى رَجُلٍ فَقالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَلّا إنِّي رَأيْتُهُ في النَّهارِ في بُرْدَةٍ غَلَّها أوْ عَباءَةٍ» . ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا ابْنَ الخَطّابِ ! اذْهَبْ فَنادِ في النّاسِ إنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا المُؤْمِنُونَ»، قالَ: فَخَرَجْتُ فَنادَيْتُ: ألا إنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا المُؤْمِنُونَ». وكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ واَلتِّرْمِذِيُّ. ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا غَنِمَ غَنِيمَةً أمَرَ بِلالًا فَيُنادِي في النّاسِ، فَيَجُوزُوا بِغَنائِمِهِمْ فَيُخَمِّسُهُ ويُقَسِّمُهُ، فَجاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمامٍ مِن شَعْرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا فِيما كُنّا أصَبْناهُ مِنَ الغَنِيمَةِ. فَقالَ: «أسَمِعْتَ بِلالًا يُنادِي ثَلاثًا ؟» قالَ: نَعَمْ. قالَ: «فَما مَنَعَكَ أنْ تَجِيءَ ؟» فاعْتَذَرَ. فَقالَ: «كُنْ أنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَنْ أقْبَلَهُ مِنكَ»» . تَنْبِيهٌ: مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ الإتْيانَ بِالغُلُولِ يَوْمَ القِيامَةِ مَجازًا عَنْ الإتْيانِ بِإثْمِهِ تَعْبِيرًا بِما غَلَّ عَمّا لَزِمَهُ مِنَ الإثْمِ مَجازًا. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظُ عَلَيْهِ هَذا الغُلُولَ ويُعَزِّرُهُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ ويُجازِيهِ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ. وقالَ أبُو القاسِمِ الكَعْبِيُّ: المُرادُ أنَّهُ يَشْتَهِرُ بِذَلِكَ، مِثْلَ اشْتِهارِ مَن يَحْمِلُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. وناقَشَهُما الرّازِيُّ بِأنَّ هَذا التَّأْوِيلَ يُحْتَمَلُ، إلّا أنَّ الأصْلَ المُعْتَبَرَ في عِلْمِ القُرْآنِ أنَّهُ يَجِبُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ، إلّا إذا قامَ دَلِيلٌ يَمْنَعُهُ مِنهُ، وهَهُنا لا مانِعَ مِنَ الظّاهِرِ، فَوَجَبَ إثْباتُهُ - انْتَهى. ومِمّا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ: ««لَهُ رُغاءٌ، لَهُ حَمْحَمَةٌ ...»» ... إلَخْ الظّاهِرُ في الحَقِيقَةِ زِيادَةً في النَّكالِ. (p-١٠٢٧)﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ تُعْطى جَزاءَ ما كَسَبَتْ وافِيًا، وإنَّما عَمَّمَ الحُكْمَ ولَمْ يَقُلْ: ثُمَّ يُوَفّى ما كَسَبَ، لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ، والمُبالَغَةِ فِيهِ، فَإنَّهُ إذا كانَ كُلُّ كاسِبٍ مَجْزِيًّا بِعَمَلِهِ، فالغالُّ، مَعَ عِظَمِ جُرْمِهِ بِذَلِكَ أوْلى: ﴿وهُمْ﴾ أيْ: النّاسُ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ: ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ فَلا يُنْقَصُ ثَوابُ مُطِيعِهِمْ، ولا يُزادُ في عِقابِ عاصِيهِمْ.

آل عمران 3:162

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦٢ ] ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ . ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ بِالطّاعَةِ: ﴿كَمَن باءَ﴾ رَجَعَ: ﴿بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ بِسَبَبِ المَعاصِي كالغالِّ ومَن شاكَلَهُ: ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

آل عمران 3:163

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦٣ ] ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: طَبَقاتٌ مُتَفاوِتَةٌ، تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، ووَجْهُ ما بَيْنَهم مِن تَبايُنِ الأحْوالِ في الثَّوابِ والعِقابِ، كالدَّرَجاتِ في تَفاوُتِها عُلُوًّا وسُفْلًا. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: كُلٌّ مِن أهْلِ الرِّضا وأهْلِ السُّخْطِ ذَوُو دَرَجاتٍ مُتَفاوِتاتٍ، أوْ هم مُخْتَلِفُونَ اخْتِلافَ الدَّرَجاتِ. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِأعْمالِهِمْ، فَيُجازِيهِمْ عَلى حَسَبِها. (p-١٠٢٨)

آل عمران 3:164

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦٤ ] ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: أنْعَمَ: ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِهِمْ، عَرَبِيًّا مِثْلَهم، لِيَتَمَكَّنُوا مِن مُخاطَبَتِهِ وسُؤالِهِ ومُجالَسَتِهِ، والِانْتِفاعِ بِهِ، ولَمّا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذا الإنْعامِ إلّا أهْلُ الإسْلامِ خُصُّوا بِالذِّكْرِ، وإلّا فَبَعْثَتُهُ ﷺ إحْسانٌ إلى العالَمِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ بَعْدَ ما كانُوا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ، لَمْ يَطْرُقْ أسْماعَهم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: يُطَهِّرُهم مِنَ الذُّنُوبِ والشِّرْكِ بِدَعْوَتِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: القُرْآنَ: ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيْ: السُّـنَّةَ: ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ بِعْثَتِهِ ﷺ وتَزْكِيَتِهِ: ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، وأكْلِ الخَبائِثِ، وعُدْوانِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وسِواها، فَنُقِلُوا بِبِعْثَتِهِ ﷺ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وصارُوا أفْضَلَ الأُمَمِ في العِلْمِ والزُّهْدِ والعِبادَةِ، فَعَظُمَتْ المِنَّةُ لِلَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ وجْهٌ آخَرُ مِنَ المِنَّةِ، وذَلِكَ أنَّهُ صارَ شَرَفًا لِلْعَرَبِ، وفَخْرًا لَهم، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وذَلِكَ لِأنَّ الِافْتِخارَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُشْتَرَكًا فِيهِ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى والعَرَبِ، ثُمَّ إنَّ الأوَّلِينَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِمُوسى وعِيسى والتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فَما كانَ لِلْعَرَبِ ما يُقابِلُ ذَلِكَ. فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، وأنْزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ، صارَ شَرَفُ العَرَبِ ذَلِكَ زائِدًا عَلى شَرَفِ جَمِيعِ الأُمَمِ. ا هـ. (p-١٠٢٩)ثُمَّ كَرَّرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا الَّذِي أصابَهم إنَّما أُتُوا فِيهِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ وبِسَبَبِ أعْمالِهِمْ فَقالَ:

آل عمران 3:165

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦٥ ] ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّقْرِيرِ، والواوُ عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ عَلى ما سَبَقَ مِن قِصَّةِ أُحُدٍ، أوْ عَلى مَحْذُوفٍ مِثْلَ: أفَعَلْتُمْ: كَذا وقُلْتُمْ. و ( َلَمّا ( ظَرْفُهُ المُضافُ إلى أصابَتْكم، أيْ: حِينَ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ، وهي قَتْلُ سَبْعِينَ مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ، والحالُ أنَّكم نِلْتُمْ ضِعْفَيْها يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم وأسْرِ سَبْعِينَ -: مِن أيْنَ هَذا أصابَنا وقَدْ وعَدَنا اللَّهُ النَّصْرَ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِمّا اقْتَرَفَتْهُ أنْفُسُكم مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ بِتَرْكِ المَرْكَزِ، فَإنَّ الوَعْدَ كانَ مَشْرُوطًا بِالثَّباتِ والمُطاوَعَةِ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذا بِعَيْنِهِ فِيما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ في السُّورَةِ المَكِّيَّةِ فَقالَ: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وقالَ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] فالحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ هَهُنا النِّعْمَةُ والمُصِيبَةُ، فالنِّعْمَةُ مِنَ اللَّهِ مَنَّ بِها عَلَيْكَ، والمُصِيبَةُ إنَّما نَشَأتْ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ وعَمَلِكَ، فالأوَّلُ فَضْلُهُ، والثّانِي عَدْلُهُ، والعَبْدُ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ فَضْلِهِ وعَدْلِهِ، جارٍ عَلَيْهِ فَضْلُهُ، ماضٍ فِيهِ حُكْمُهُ، عَدْلٌ فِيهِ قَضاؤُهُ. وخَتَمَ الآيَةَ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ إعْلامًا لَهم بِعُمُومِ قُدْرَتِهِ مَعَ عَدْلِهِ، وأنَّهُ عادِلٌ قادِرٌ، وفي ذَلِكَ إثْباتُ القَدَرِ والسَّبَبِ. فَذَكَرَ السَّبَبَ وأضافَهُ إلى نُفُوسِهِمْ، وذَكَرَ عُمُومَ القُدْرَةِ وأضافَها إلى نَفْسِهِ، فالأوَّلُ (p-١٠٣٠)يَنْفِي الجَبْرَ، والثّانِي يَنْفِي القَوْلَ بِإبْطالِ القَدَرِ، فَهو شاكَلَ قَوْلَهُ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] ﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] وفي ذِكْرِ قُدْرَتِهِ هَهُنا نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ هَذا الأمْرَ بِيَدِهِ وتَحْتَ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي لَوْ شاءَ لَصَرَفَهُ عَنْكم، فَلا تَطْلُبُوا كَشْفَ أمْثالِهِ مِن غَيْرِهِ، ولا تَتَّكِلُوا عَلى سِواهُ، وكَشَفَ هَذا المَعْنى وأوْضَحَهُ كُلَّ الإيضاحِ بِقَوْلِهِ:

آل عمران 3:166

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦٦ ] ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ جَمْعُ المُسْلِمِينَ وجَمْعُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: فَهو كائِنٌ بِقَضائِهِ وتَخْلِيَتِهِ الكُفّارَ، فالإذْنُ هُنا هو الإذْنُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ، لا الشَّرْعِيُّ الدِّينِيُّ، كَقَوْلِهِ في السِّحْرِ: ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حِكْمَةِ هَذا التَّقْدِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ (p-١٠٣١)

آل عمران 3:167

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦٧ ] ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ أيْ: لِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُنافِقِينَ عِلْمَ عِيانٍ ورُؤْيَةٍ يَتَمَيَّزُ فِيهِ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الآخَرِ تَمَيُّزًا ظاهِرًا: ﴿وقِيلَ لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى: (نافَقُوا) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ. أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ: ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ يَعْنِي: إنْ لَمْ تُقاتِلُوا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَقاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أنْفُسِكم وأمْوالِكم: ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ أيْ: لَكِنَّهُ لَيْسَ إلّا إلْقاءَ النَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ: ﴿هُمْ﴾ أيْ: بِهَذا القَوْلِ: ﴿لِلْكُفْرِ﴾ في الظّاهِرِ: ﴿يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ في الظّاهِرِ مَعَ أنَّهُ لا إيمانَ لَهم في الباطِنِ أصْلًا. فائِدَتانِ: اَلْأُولى: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى أنَّ الشَّخْصَ قَدْ تَتَقَلَّبُ بِهِ الأحْوالُ فَيَكُونُ في حالٍ أقْرَبَ إلى الكُفْرِ، وفي حالٍ أقْرَبَ إلى الإيمانِ. الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن أتى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ لَمْ يَكْفُرْ، ولَمْ يُطْلَقْ القَوْلُ بِتَكْفِيرِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُطْلِقْ القَوْلَ بِكُفْرِهِمْ، مَعَ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ، لِإظْهارِهِمْ القَوْلَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. انْتَهى. ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: يُظْهِرُونَ خِلافَ ما يُضْمِرُونَ لا تُواطِئُ قُلُوبُهم ألْسِنَتَهم بِالإيمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ تَأْكِيدٌ عَلى حَدِّ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾(p-١٠٣٢)

آل عمران 3:168

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦٨ ] ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ: مِن أجْلِ أقارِبِهِمْ مِن قَتْلى أُحُدٍ: ﴿وقَعَدُوا﴾ أيْ: والحالُ قَدْ قَعَدُوا عَنْهم خِذْلانًا لَهم: ﴿لَوْ أطاعُونا﴾ أيْ: في الرُّجُوعِ: ﴿ما قُتِلُوا﴾ كَما لَمْ نُقْتَلْ: ﴿قُلْ﴾ كَأنَّكم تَزْعُمُونَ ادِّعاءَ القُدْرَةِ عَلى دَفْعِ المَوْتِ: ﴿فادْرَءُوا﴾ أيْ: ادْفَعُوا: ﴿عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ: فَإنَّها أقْرَبُ إلَيْكم مِن أنْفُسِهِمْ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ المَوْتَ يُغْنِي مِنهُ حَذَرٌ، والمَعْنى: أنَّ عَدَمَ قَتْلِكم كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا عَلَيْكم، لا بِسَبَبِ أنَّكم دَفَعْتُمُوهُ بِالقُعُودِ، مَعَ كِتابَتِهِ عَلَيْكم، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وكانَ مِنَ الحِكْمَةِ تَقْدِيرُهُ تَعالى في هَذِهِ الواقِعَةِ تَكَلُّمَ المُنافِقِينَ بِما في نُفُوسِهِمْ، فَسَمِعَهُ المُؤْمِنُونَ، وسَمِعُوا رَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وجَوابَهُ لَهم، وعَرَفُوا مَوادَّ النِّفاقِ، وما يَؤُولُ إلَيْهِ، وكَيْفَ يُحْرَمُ صاحِبُهُ سَعادَةَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فَيَعُودُ عَلَيْهِ بِفَسادِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فَلِلَّهِ كَمْ مِن حِكْمَةٍ في ضِمْنِ هَذِهِ القِصَّةِ بالِغَةٍ، ونِعْمَةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ سابِغَةٍ، وكَمْ فِيها مِن تَحْذِيرٍ وتَخْوِيفٍ، وإرْشادٍ وتَنْبِيهٍ، وتَعْرِيفٍ بِأسْبابِ الخَيْرِ والشَّرِّ ومَآلِهِما وعاقِبَتِهِما.

آل عمران 3:169

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦٩ ] ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ القَتْلَ الَّذِي يَحْذَرُونَهُ ويُحَذِّرُونَ النّاسَ مِنهُ، لَيْسَ مِمّا يُحْذَرُ، بَلْ هو مِن أجَلِّ المَطالِبِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ، إثْرَ بَيانِ أنَّ الحَذَرَ لا يُجْدِي ولا يُغْنِي، أيْ: لا تَحْسَبَنَّهم أمْواتًا تَعَطَّلَتْ أرْواحُهم: ﴿بَلْ﴾ هم: ﴿أحْياءٌ﴾ فَوْقَ أحْياءِ الدُّنْيا لِأنَّهم مُقَرَّبُونَ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (p-١٠٣٣)إذْ بَذَلُوا لَهُ أرْواحَهم، لا بِمَعْنى بَقاءِ أرْواحِهِمْ ورُجُوعِها إلَيْهِ، لِمُشارَكَةِ أرْواحِ غَيْرِهِمْ في ذَلِكَ، بَلْ بِمَعْنى أنَّهم: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ رِزْقَ الأحْياءِ، لا رِزْقًا مَعْنَوِيًّا، بَلْ حَقِيقِيًّا. كَما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ في ظِلِّ العَرْشِ. فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ ومَأْكَلِهِمْ، وحُسْنَ مُنْقَلَبِهِمْ قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ، ولا يَنْكُلُوا عَنْ الحَرْبِ. فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الآياتِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾»» ... إلَخْ. هَكَذا رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ؛ ورَواهُ أبُو داوُدَ والحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: «سَألْنا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ إلَخْ. فَقالَ: أما إنّا قَدْ سَألْنا عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: أرْواحُهم في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَها قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنادِيلِ، فاطَّلَعَ إلَيْهِمْ رَبُّهم اطِّلاعَةً، فَقالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا ؟ قالُوا: أيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي ونَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنا ؟ ! فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَلَمّا رَأوْا أنَّهم لَنْ يُتْرَكُوا مِن أنْ يُسْألُوا قالُوا: يا رَبِّ ! نُرِيدُ أنْ تُرَدَّ أرْواحُنا في أجْسادِنا حَتّى نُقْتَلَ في سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرى. فَلَمّا رَأى أنْ لَيْسَ لَهم حاجَةٌ تُرِكُوا». ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««الشُّهَداءُ عَلى بارِقٍ - نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ - فِيهِ قُبَّةٌ خَضْراءُ، يَخْرُجُ إلَيْهِمْ رِزْقُهم مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً»» - تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ - ورَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكَأنَّ الشُّهَداءَ أقْسامٌ: مِنهم مَن تَسْرَحُ أرْواحُهم في الجَنَّةِ، ومِنهم (p-١٠٣٤)مَن يَكُونُ عَلى هَذا النَّهْرِ بِبابِ الجَنَّةِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُنْتَهى سَيْرِهِمْ إلى هَذا النَّهْرِ، فَيَجْتَمِعُونَ هُنالِكَ، ويُغْدى عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِمْ هُناكَ ويُراحُ - واَللَّهُ أعْلَمُ - ثُمَّ قالَ: وقَدْ رَوَيْنا في مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ حَدِيثًا فِيهِ البِشارَةُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، بِأنَّ رُوحَهُ تَكُونُ في الجَنَّةِ تَسْرَحُ أيْضًا فِيها، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَرى ما فِيها مِنَ النُّضْرَةِ والسُّرُورِ، وتُشاهِدُ ما أعَدَّ اللَّهُ لَها مِنَ الكَرامَةِ، وهو بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَزِيزٍ عَظِيمٍ، اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلاثَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ أصْحابِ المَذاهِبِ المُتَّبَعَةِ، فَإنَّ الإمامَ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ رَواهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ الأصْبَحِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّما نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طائِرٌ يَعْلَقُ في شَجَرَةِ الجَنَّةِ حَتّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - إلى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ»» . قَوْلُهُ: يَعْلَقُ أيْ: يَأْكُلُ. وفي هَذا الحَدِيثِ أنَّ رُوحَ المُؤْمِنِ تَكُونُ عَلى شَكْلٍ طائِرٍ في الجَنَّةِ، وأمّا أرْواحُ الشُّهَداءِ، فَكَما تَقَدَّمَ، في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ، فَهي كالكَواكِبِ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ عُمُومِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّها تَطِيرُ بِأنْفُسِها. فَنَسْألُ اللَّهَ الكَرِيمَ المَنّانَ، أنْ يُمِيتَنا عَلى الإيمانِ - انْتَهى - . تَنْبِيهٌ: قالَ الواحِدِيُّ: الأصَحُّ في حَياةِ الشُّهَداءِ، ما رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، وأنَّهم يُرْزَقُونَ ويَأْكُلُونَ ويَتَنَعَّمُونَ». وقالَ البَيْضاوِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ الإنْسانَ غَيْرُ الهَيْكَلِ المَحْسُوسِ، بَلْ هو جَوْهَرٌ مُدْرَكٌ بِذاتِهِ، لا يَفْنى بِخَرابِ البَدَنِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إدْراكُهُ وتَأمُّلُهُ والتِذاذُهُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافر: ٤٦] الآيَةُ. وحَدِيثُ: ««أرْواحُ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ»» ... إلَخْ. (p-١٠٣٥)قالَ الشِّهابُ: يَعْنِي: لَيْسَ الإنْسانُ مُجَرَّدَ البَدَنِ بِدُونِ النَّفْسِ المُجَرَّدَةِ، بَلْ هو في الحَقِيقَةِ النَّفْسُ المُجَرَّدَةُ، وإطْلاقُهُ عَلى البَدَنِ لِشِدَّةِ التَّعَلُّقِ بِها، وهو جَوْهَرٌ مُدْرَكٌ لِذاتِهِ، أيْ: مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى هَذا البَدَنِ، لِوَصْفِهِ بَعْدَ مُفارَقَتِهِ بِالتَّنَعُّمِ ونَحْوِهِ - انْتَهى. وقالَ أبُو السُّعُودِ: في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ رُوحَ الإنْسانِ جِسْمٌ لَطِيفٌ، لا يَفْنى بِخَرابِ البَدَنِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إدْراكُهُ وتَألُّمُهُ والتِذاذُهُ. ومَن قالَ بِتَجْرِيدِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ يَقُولُ: المُرادُ أنَّ نُفُوسَ الشُّهَداءِ تَتَمَثَّلُ طُيُورًا خُضْرًا أوْ تَتَعَلَّقُ بِها فَتَلْتَذُّ بِما ذُكِرَ - انْتَهى. وقَدْ أسْلَفْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ، في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، زِيادَةً عَلى ذَلِكَ. فَتَذَكَّرْ.

آل عمران 3:170

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧٠ ] ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي: بِما أعْطاهم مِنَ الثَّوابِ والكَرامَةِ والإحْسانِ الَّذِينَ لا يَغْتَمُّ فِيهِ بِسَلْبِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ﴾ أيْ: بِإخْوانِهِمْ المُجاهِدِينَ الَّذِينَ: ﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ لَمْ يُقْتَلُوا فَيَلْحَقُوا بِهِمْ: ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَلْحَقُوا والمَعْنى: أنَّهم بَقَوْا مِن بَعْدِهِمْ وهم قَدْ تَقَدَّمُوهم. أوْ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ: لَمْ يُدْرِكُوا فَضْلَهم ومَنزِلَتَهم: ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ، بَدَلَ اشْتِمالٍ مُبَيِّنٌ أنَّ اسْتِبْشارَهم بِحالِ إخْوانِهِمْ لا بِذَواتِهِمْ، والمَعْنى: ويَسْتَبْشِرُونَ بِما تَبَيَّنَ لَهم مَن حالِ مَن تَرَكُوا خَلْفَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وهو أنَّهم يُبْعَثُونَ آمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَشَّرَهم اللَّهُ بِذَلِكَ، فَهم مُسْتَبْشِرُونَ بِهِ. وفي ذَلِكَ حالُ الشُّهَداءِ واسْتِبْشارُهم بِمَن خَلْفَهم بَعْثٌ لِلْباقِينَ بَعْدَهم عَلى الجِدِّ في الجُهْدِ، والرَّغْبَةِ في نَيْلِ مَنازِلِ الشُّهَداءِ. (p-١٠٣٦)

آل عمران 3:171

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧١ ] ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: يُسَرُّونَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ مِن زِيادَةِ الكَرامَةِ، وتَوْفِيرِ أجْرِهِمْ عَلَيْهِمْ. قالَ أبُو السُّعُودِ: كُرِّرَ لِبَيانِ أنَّ الِاسْتِبْشارَ المَذْكُورَ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الخَوْفِ والحُزْنِ، بَلْ بِهِ وبِما يُقارِنُهُ، مِن نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ، لا يُقادَرُ قَدْرُها، وهي ثَوابُ أعْمالِهِمْ. ثُمَّ قالَ: والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: إمّا الشُّهَداءُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمُؤْمِنِينَ لِلْإيذانِ بِسُمُوِّ رُتْبَةِ الإيمانِ، وكَوْنِهِ مَناطًا لِما نالُوهُ مِنَ السَّعادَةِ. وإمّا كافَّةُ أهْلِ الإيمانِ مِنَ الشُّهَداءِ وغَيْرِهِمْ، ذُكِرَتْ تَوْفِيَةُ أُجُورِهِمْ عَلى إيمانِهِمْ، وعُدَّتْ مِن جُمْلَةِ ما يَسْتَبْشِرُ بِهِ الشُّهَداءُ بِحُكْمِ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ - انْتَهى - . وقالَ ابْنُ القَيِّمِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَزّى نَبِيَّهُ وأوْلِياءَهُ عَمَّنْ قُتِلَ مِنهم في سَبِيلِهِ أحْسَنَ تَعْزِيَةٍ وألْطَفَها وأدْعاها إلى الرِّضا بِما قَضاهُ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآياتُ - فَجَمَعَ لَهم إلى الحَياةِ الدّائِمَةِ، مَنزِلَةَ القُرْبِ مِنهُ، وأنَّهم عِنْدَهُ، وجَرَيانَ الرِّزْقِ المُسْتَمِرِّ عَلَيْهِمْ، وفَرَحَهم بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ، وهو فَوْقُ الرِّضا، بَلْ هو كَمالُ الرِّضا، واسْتِبْشارُهم بِإخْوانِهِمْ الَّذِينَ بِاجْتِماعِهِمْ بِهِمْ يَتِمُّ سُرُورُهم ونَعِيمُهم، واسْتِبْشارُهم بِما يُجَدَّدُ لَهم كُلَّ وقْتٍ مَن نِعْمَتِهِ وكَرامَتِهِ، وذَكَّرَهم سُبْحانَهُ في أثْناءِ هَذِهِ المِحْنَةِ بِما هو أعْظَمُ مِنَّةً ونِعْمَةً عَلَيْهِمْ، الَّتِي قابَلُوا بِها كُلَّ مِحْنَةٍ تَنالُهم وبَلِيَّةٍ تَلاشَتْ في جَنْبِ هَذِهِ المِنَّةِ والنِّعْمَةِ، ولَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ ألْبَتَّةَ، وهي مِنَّتُهُ، عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ رَسُولٍ مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويَعْلِّمُهم الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُنْقِذُهم مِنَ الضَّلالِ، الَّذِي كانُوا فِيهِ قَبْلَ إرْسالِهِ، إلى الهُدى، ومِنَ الشَّقاءِ إلى الفَلاحِ، ومِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، ومِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ. فَكُلُّ بَلِيَّةٍ ومِحْنَةٍ تَنالُ العَبْدَ بَعْدَ حُصُولِ هَذا الخَبَرِ العَظِيمِ لَهُ - أمْرٌ يَسِيرٌ جِدًّا في جَنْبِ الخَيْرِ الكَثِيرِ. كَما يَنالُ النّاسَ بِأذى المَطَرِ، في جَنْبِ ما يَحْصُلُ لَهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ. وأعْلَمَهم أنَّ سَبَبَ المُصِيبَةِ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، لِيَحْذَرُوا، وأنَّها بِقَضائِهِ (p-١٠٣٧)وقَدَرِهِ، لِيُوَحِّدُوهُ ويَتَّكِلُوا عَلَيْهِ، ولا يَخافُوا غَيْرَهُ، وأخْبَرَهم بِما لَهُ فِيها مِنَ الحِكَمِ لِئَلّا يَتَّهِمُوا في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، ولِيَتَعَرَّفَ إلَيْهِمْ بِأنْواعِ صِفاتِهِ وأسْمائِهِ. وسَلّاهم بِما أعْطاهم مِمّا هو أجَلُّ قَدْرًا وأعْظَمُ خَطَرًا مِمّا فاتَهم مِنَ النَّصْرِ والغَنِيمَةِ، وعَزّاهم عَنْ قَتْلاهم بِما نالُوهُ مِن ثَوابِهِ وكَرامَتِهِ، لِيُنافِسُوا فِيهِ، ولا يَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ، فَلَهُ الحَمْدُ كَما هو أهْلُهُ، وكَما يَنْبَغِي لِكَرَمِ وجْهِهِ، وعَزَّ جَلالُهُ. ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: ولَمّا انْقَضَتْ الحَرْبُ، انْكَفَأ المُشْرِكُونَ، فَظَنَّ المُسْلِمُونَ أنَّهم قَصَدُوا المَدِينَةَ لِإحْرازِ الذَّرارِيِّ والأمْوالِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: ««اخْرُجْ في آثارِ القَوْمِ فانْظُرْ ماذا يَصْنَعُونَ، وماذا يُرِيدُونَ، فَإنْ هم جَنَّبُوا الخَيْلَ، وامْتَطَوْا الإبِلَ، فَإنَّهم يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وإنْ كانُوا رَكِبُوا الخَيْلَ، وساقُوا الإبِلَ، فَإنَّهم يُرِيدُونَ المَدِينَةَ، فَواَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَئِنْ أرادُوها لَأسِيرَنَّ إلَيْهِمْ، ثُمَّ لَأُناجِزَهم فِيها» . قالَ عَلِيٌّ: فَخَرَجْتُ في آثارِهِمْ أنْظُرُ ماذا يَصْنَعُونَ، فَجَنَّبُوا الخَيْلَ، وامْتَطَوْا الإبِلَ، ووَجَّهُوا مَكَّةَ. ولَمّا عَزَمُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى مَكَّةَ، أشْرَفَ عَلى المُسْلِمِينَ أبُو سُفْيانَ، ثُمَّ ناداهم: مَوْعِدُكم المَوْسِمُ بِبَدْرٍ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قُولُوا: نَعَمْ قَدْ فَعَلْنا» . قالَ أبُو سُفْيانَ: فَذَلِكم المَوْعِدُ. ثُمَّ انْصَرَفَ هو وأصْحابُهُ، فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الطَّرِيقِ، تَلاوَمُوا فِيما بَيْنَهم، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لَمْ تَصْنَعُوا شَيْئًا ! أصَبْتُمْ شَوْكَتَهم وحْدَهم ثُمَّ تَرَكْتُمُوهم، وقَدْ بَقِيَ مِنهم رُؤُوسٌ يَجْمَعُونَ لَكم، فارْجِعُوا حَتّى نَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَهم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنادى في النّاسِ، ونَدَبَهم إلى المَسِيرِ إلى لِقاءِ عَدُوِّهِمْ، وقالَ: «لا يَخْرُجْ مَعَنا إلّا مَن شَهِدَ القِتالَ»، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أرْكَبُ مَعَكَ، قالَ: لا. فاسْتَجابَ لَهُ المُسْلِمُونَ عَلى ما بِهِمْ مِنَ القَرْحِ الشَّدِيدِ والخَوْفِ، وقالُوا: سَمْعًا وطاعَةً، واسْتَأْذَنَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنِّي أُحِبُّ أنْ لا تَشْهَدَ مَشْهَدًا إلّا كُنْتُ مَعَكَ، وإنَّما خَلَّفَنِي أبِي عَلى بَناتِهِ، فَأْذَنْ لِي أسِيرُ مَعَكَ، فَأذِنَ لَهُ، فَسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ مَعَهُ حَتّى بَلَغُوا حَمْراءَ الأسَدِ، وأقْبَلَ (p-١٠٣٨)مَعْبَدُ بْنُ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْلَمَ. فَأمَرَهُ أنْ يَلْحَقَ بِأبِي سُفْيانَ فَيُخَذِّلُهُ، فَلَحِقَهُ بِالرَّوْحاءِ - ولَمْ يَعْلَمْ بِإسْلامِهِ - فَقالَ: ما وراءَكَ يا مَعْبَدُ ؟ فَقالَ: مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ قَدْ تَحَرَّقُوا عَلَيْكم، وخَرَجُوا في جَمْعٍ لَمْ يَخْرُجُوا مِثْلَهُ، وقَدْ نَدِمَ مَن كانَ تَخَلَّفَ عَنْهم مِن أصْحابِهِمْ. فَقالَ: ما تَقُولُ ؟ فَقالَ: ما أرى أنَّ تَرْتَحِلَ حَتّى يَطْلُعَ أوَّلُ الجَيْشِ مِن وراءِ هَذِهِ الأكَمَةِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: واَللَّهِ لَقَدْ أجْمَعْنا الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَهم، قالَ: فَلا تَفْعَلْ، فَإنِّي لَكَ ناصِحٌ، فَرَجَعُوا عَلى أعْقابِهِمْ إلى مَكَّةَ» - انْتَهى - وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى:

آل عمران 3:172

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧٢ ] ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ أيْ: دَعْوَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الخُرُوجِ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ إرْهابًا لَهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ بِأُحُدٍ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ﴾ بِطاعَتِهِ: ﴿واتَّقَوْا﴾ مُخالَفَتَهُ: ﴿أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - في هَذِهِ الآيَةِ، قالَتْ لِعُرْوَةَ: يا ابْنَ أُخْتِي ! كانَ أبَواكَ مِنهم: الزُّبَيْرُ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. لَمّا أصابَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وانْصَرَفَ عَنْهُ المُشْرِكُونَ، خافَ أنْ يَرْجِعُوا فَقالَ: مَن يَذْهَبُ في أثَرِهِمْ ؟ فانْتَدَبَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا فِيهِمْ أبُو بَكْرٍ والزُّبَيْرُ، قالَ أبُو هِشامٍ: ولَمّا ثَنى مَعْبَدٌ أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ - كَما تَقَدَّمَ - مَرَّ بِأبِي سُفْيانَ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ، فَقالَ: أيْنَ تُرِيدُونَ ؟ (p-١٠٣٩)قالُوا: نُرِيدُ المَدِينَةَ، قالَ: ولِمَ ؟ قالُوا: نُرِيدُ المِيرَةَ، قالَ: فَهَلْ أنْتُمْ مُبَلِّغُونَ عَنِّي مُحَمَّدًا رِسالَةً أُرْسِلُكم بِها إلَيْهِ، وأحْمِلُ لَكم هَذِهِ غَدًا زَبِيبًا بِعُكاظٍ إذا وافَيْتُمُونا ؟ قالا: نَعَمْ، قالَ: فَإذا وافَيْتُمُوهُ فَأخْبِرُوهُ أنّا قَدْ جَمَعْنا المَسِيرَ إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهم، فَمَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِحَمْراءِ الأسَدِ، فَأخْبَرُوهُ بِاَلَّذِي قالَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فَقالُوا: حَسْـبُنا اَللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ:

آل عمران 3:173

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧٣ ] ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ أيْ: الرَّكْبُ المُسْتَقْبِلُ لَهم: ﴿إنَّ النّاسَ﴾ أيْ: أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أيْ: الجُمُوعَ لِيَسْتَأْصِلُوكم: ﴿فاخْشَوْهُمْ﴾ ولا تَأْتُوهم: ﴿فَزادَهُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ القَوْلُ: ﴿إيمانًا﴾ أيْ: تَصْدِيقًا بِاَللَّهِ ويَقِينًا. والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ولَمْ يَضْعُفُوا، بَلْ ثَبَتَ بِهِ عَزْمُهم عَلى طاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ ويَنْهى عَنْهُ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ يَتَفاوَتُ زِيادَةً ونُقْصانًا، فَإنَّ ازْدِيادَ اليَقِينِ بِتَناصُرِ الحُجَجِ، وكَثْرَةِ التَّأمُّلِ، مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ: كافِينا أمْرَهم مِن غَيْرِ عُدَّةٍ لَنا ولا عَدَدٍ: ﴿ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ أيْ: المَوْكُولُ إلَيْهِ والمُفَوَّضُ إلَيْهِ الأمْرُ.

آل عمران 3:174

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧٤ ] ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا﴾ أيْ: رَجَعُوا مِن حَمْراءِ الأسَدِ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ يَعْنِي: العافِيَةَ وكَمالَ الشَّجاعَةِ وزِيادَةَ الإيمانِ والتَّصَلُّبِ في الدِّينِ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ أيْ: لَمْ يُصِبْهم قَتْلٌ (p-١٠٤٠)ولا جِراحٌ: ﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ أيْ: في طاعَةِ رَسُولِهِ بِخُرُوجِهِمْ وجَراءَتِهِمْ: ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ حَيْثُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعافِيَةِ وما ذُكِرَ مَعَها، وبِالحِفْظِ عَنْ كُلِّ ما يَسُوؤُهم. وفِيهِ تَحْسِيرٌ لِلْمُتَخَلِّفِ وتَخْطِئَةُ رَأْيِهِ حَيْثُ حَرَمَ نَفْسَهُ ما فازُوا بِهِ. فائِدَةٌ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] اسْتِحْبابُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عِنْدَ الغَمِّ والأُمُورِ العَظِيمَةِ. تَنْبِيهٌ: حَمْلُ الآيَةِ عَلى غَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ، هو ما قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُ واحِدٍ. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى. قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآيَةُ، «أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ - لَمّا انْصَرَفَ مِن أُحُدٍ -: مَوْعِدُكم بَدْرٌ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أصْحابَنا ! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَسى !» فانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَوْعِدِهِ حَتّى نَزَلَ بَدْرًا، فَوافَقُوا السُّوقَ فِيها، فابْتاعُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةُ - قالَ: وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ الصُّغْرى» - رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ - وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «لَمّا عَمَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ، فَجَعَلُوا يَلْقَوْنَ المُشْرِكِينَ فَيَسْألُونَهم عَنْ قُرَيْشٍ، فَيَقُولُونَ: قَدْ جَمَعُوا لَكم؛ يَكِيدُونَهم بِذَلِكَ، يُرِيدُونَ أنْ يُرْعِبُوهم، فَيَقُولُ المُؤْمِنُونَ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] حَتّى قَدِمُوا بَدْرًا، فَوَجَدُوا أسْواقَها عافِيَةً، لَمْ يُنازِعْهم فِيها أحَدٌ» . ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ: النِّعْمَةُ أنَّهم سَلَّمُوا، والفَضْلُ أنَّ عِيرًا مَرَّتْ في أيّامِ المَوْسِمِ، فاشْتَراها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَبِحَ فِيها مالًا، فَقَسَّمَهُ بَيْنَ أصْحابِهِ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (الهَدْيِ): إنَّ أبا سُفْيانَ قالَ عِنْدَ انْصِرافِهِ مِن أُحُدٍ: مَوْعِدُكم وإيّانا العامُ القابِلُ بِبَدْرٍ، فَلَمّا كانَ شَعْبانُ، وقِيلَ: ذُو القِعْدَةِ مِنَ العامِ القابِلِ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١٠٤١)ﷺ لِمَوْعِدِهِ في ألْفٍ وخَمْسِمِائَةٍ، وكانَتْ الخَيْلُ عَشَرَةَ أفْراسٍ، وحَمَلَ لِواءَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، واسْتَخْلَفَ عَلى المَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ، فانْتَهى إلى بَدْرٍ، فَأقامَ بِهِ ثَمانِيَةَ أيّامٍ يَنْتَظِرُ المُشْرِكِينَ، وخَرَجَ أبُو سُفْيانَ بِالمُشْرِكِينَ مِن مَكَّةَ، وهم ألْفانِ، ومَعَهم خَمْسُونَ فَرَسًا، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى مَرِّ الظَّهْرانِ - مَرْحَلَةٌ مِن مَكَّةَ - قالَ لَهم أبُو سُفْيانَ: إنَّ العامَ عامُ جَدْبٍ، وقَدْ رَأيْتُ أنْ أرْجِعَ بِكم، فانْصَرَفُوا راجِعِينَ، وأخْلَفُوا المَوْعِدَ، فَسُمِّيَتْ هَذِهِ: بَدْرُ المَوْعِدِ، وتُسَمّى: بَدْرٌ الثّانِيَةُ - انْتَهى - . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والصَّحِيحُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ غَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ.

آل عمران 3:175

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧٥ ] ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: قَوْلُ الشَّيْطانِ: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ أيْ: يُخَوِّفُكم بِقَوْلِهِ، أوْلِياءَهُ: الكُفّارَ، وحِينَئِذٍ فَأوْلِياءَهُ ثانِي مَفْعُولَيْ يُخَوِّفُ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، كَما قُرِئَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: لا حَذْفَ فِيهِ، والمَعْنى يُخَوِّفُ مَن يَتَّبِعُهُ، فَأمّا مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ فَلا يَخافُهُ: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ أيْ: أوْلِياءَهُ: ﴿وخافُونِ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِي ورَسُولِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي إيثارَ خَوْفِ اللَّهِ تَعالى عَلى خَوْفِ غَيْرِهِ.

آل عمران 3:176

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧٦ ] ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ أيْ: لا تَهْتَمَّ ولا تُبالِ بِما يَلُوحُ مِنهم مَن آثارِ الكَيْدِ لِلْإسْلامِ ومَضَرَّةِ أهْلِهِ. وقُرِئَ في السَّبْعِ: (يُحْزِنُكَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: (p-١٠٤٢)﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أوْلِياءَ اللَّهِ. نَقَلَهُ الرّازِيُّ. قالَ أبُو السُّعُودِ: تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وتَكْمِيلٌ لِلتَّسْلِيَةِ بِتَحْقِيقِ نَفْيِ ضَرَرِهِمْ أبَدًا، أيْ: لَنْ يَضُرُّوا بِذَلِكَ أوْلِياءَ اللَّهِ البَتَّةَ. وتَعْلِيقُ نَفْيِ الضَّرَرِ بِهِ تَعالى لِتَشْرِيفِهِمْ والإيذانِ بِأنَّ مُضارَّتَهم بِمَنزِلَةِ مُضارَّتِهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ مَزِيدُ مُبالَغَةٍ في التَّسْلِيَةِ. وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: لَنْ يَضُرُّوا أوْلِياءَ اللَّهِ، لِأنَّهم يَحْمِيهِمْ اللَّهُ، فَلَوْ أضَرُّوهم لَأضَرُّوا اللَّهَ بِتَعْجِيزِهِمْ إيّاهُ عَنْ حِمايَتِهِمْ، ولا يُمْكِنُهم أنْ يُعْجِزُوهُ شَيْئًا بَلْ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أنْ يَضُرَّهم الضَّرَرَ الكُلِّيَّ وهو: ﴿ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ﴾ أيْ: نَصِيبًا مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَجِبُ الِاغْتِمامُ مِن مَعْصِيَةِ العاصِينَ.

آل عمران 3:177

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧٧ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ أيْ: اسْتَبْدَلُوا: ﴿الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ فِيهِ تَعْرِيضٌ ظاهِرٌ بِاقْتِصارِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم. فَإنَّ جَعْلَ المَوْصُولِ عِبارَةً عَنْ المُسارِعِينَ المَعْهُودِينَ بِأنْ يُرادَ بِاشْتِراءِ الكُفْرِ بِالإيمانِ إيثارُهُ عَلَيْهِ، إمّا بِأخْذِهِ بَدَلًا مِنَ الإيمانِ الحاصِلِ بِالفِعْلِ، كَما هو حالُ المُرْتَدِّينَ أوْ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ الحاصِلَةِ بِمُشاهَدَةِ دَلائِلِهِ في التَّوْراةِ، كَما هو شَأْنُ اليَهُودِ ومُنافِقِيهِمْ. فالتَّكْرِيرُ لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ، بِبَيانِ عِلَّتِهِ، بِتَغْيِيرِ عُنْوانِ المَوْضُوعِ، فَإنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الِاشْتِراءِ المَذْكُورِ صَرِيحٌ في لُحُوقِ ضَرَرِهِ بِأنْفُسِهِمْ، وعَدَمِ تَعَدِّيهِ إلى غَيْرِهِمْ أصْلًا، كَيْفَ وهو عَلَمٌ في الخُسْرانِ الكُلِّيِّ، والحِرْمانِ الأبَدِيِّ، دالٌّ عَلى كَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ آرائِهِمْ، فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنهم ما يَتَوَقَّفُ عَلى قُوَّةِ الحَزْمِ، ورَزانَةِ الرَّأْيِ، ورَصانَةِ (p-١٠٤٣)اَلتَّدْبِيرِ، مِن مُضارَّةِ حِزْبِ اللَّهِ تَعالى، وهي أعَزُّ مِنَ الأبْلَقِ الفَرْدِ، وأمْنَعُ مِن عُقابِ الجَوِّ، وإنْ أُجْرِيَ المَوْصُولُ عَلى عُمُومِهِ بِأنْ يُرادَ بِالِاشْتِراءِ المَذْكُورِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ الشّامِلُ لِلْمَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، ولِأخْذِ الكُفْرِ بَدَلًا مِمّا نَزَلَ مَنزِلَةَ نَفْسِ الإيمانِ مِنَ الِاسْتِعْدادِ القَرِيبِ لَهُ، الحاصِلِ بِمُشاهَدَةِ الوَحْيِ النّاطِقِ، ومُلاحَظَةِ الدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ، كَما هو دَأْبُ جَمِيعِ الكَفَرَةِ، فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها تَقْرِيرًا لِلْقَواعِدِ الكُلِّيَّةِ، لِما انْدَرَجَ تَحْتَها مِن جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - . ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ فَظاعَةِ عَذابِهِمْ، بِذِكْرِ غايَةِ إيلامِهِ، بَعْدَ ذِكْرِ نِهايَةِ عِظَمِهِ، قِيلَ: لَمّا جَرَتْ العادَةُ بِاغْتِباطِ المُشْتَرِي بِما اشْتَراهُ، وسُرُورِهِ بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ كَوْنِ الصَّفْقَةِ رابِحَةً، وبِتَألُّمِهِ عِنْدَ كَوْنِها خاسِرَةً، وصَفَ عَذابَهم بِالإيلامِ مُراعاةً لِذَلِكَ. انْتَهى.

آل عمران 3:178

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧٨ ] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ: بِتَطْوِيلِ أعْمارِهِمْ وإمْهالِهِمْ وتَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنِهِمْ دَهْرًا طَوِيلًا: ﴿خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ بَلْ هو سَبَبُ مَزِيدِ عَذابِهِمْ، لِأنَّهُ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ بِكَثْرَةِ المَعاصِي فَيَزْدادُوا عَذابًا: ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ: ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ذُو إهانَةٍ في أسْفَلِ دَرَكاتِ النّارِ. لَطائِفُ: اَلْأُولى: في (ما) - مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ الأُولى - وجْهانِ: أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً، حُذِفَ عائِدُها. أيْ: إمْلاؤُنا لَهم أوْ الَّذِي نُمْلِيهِ لَهم. (p-١٠٤٤)اَلثّانِيَةُ: كانَ حَقٌّ (ما) في قِياسِ عِلْمِ الخَطِّ أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً، ولَكِنَّها وقَعَتْ في مُصْحَفِ الإمامِ مُتَّصِلَةً، فَلا يُخالَفُ، وتُتَّبَعُ سُنَّةُ الإمامِ في خَطِّ المَصاحِفِ. الثّالِثَةُ: (ما) الثّانِيَةُ في: ﴿إنَّما نُمْلِي﴾ إلَخْ مُتَّصِلَةٌ، لِأنَّها كافَّةٌ. الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُهِينٌ﴾ سِرٌّ لَطِيفٌ، وهو أنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ الإمْلاءُ التَّمْتِيعَ بِطَيِّباتِ الدُّنْيا وزِينَتِها، وذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي التَّعَزُّزَ والتَّجَبُّرَ، وُصِفَ عَذابُهم بِالإهانَةِ، لِيَكُونَ جَزاؤُهم جَزاءً وِفاقًا. ثُمَّ أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى بَعْضِ الحِكَمِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ الَّتِي كانَتْ في وقْعَةِ أُحُدٍ، وهو أنْ يَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ الصّادِقُ مِنَ المُنافِقِ الكاذِبِ. فَإنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا أظْهَرَهم اللَّهُ عَلى أعْدائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وطارَ لَهم الصِّيتُ، دَخَلَ مَعَهم في الإسْلامِ ظاهِرًا مَن لَيْسَ مَعَهم فِيهِ بِاطِنًا، فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ سَبَّبَ لِعِبادِهِ مِحْنَةً مَيَّزَتْ بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ، فَأطْلَعَ المُنافِقُونَ رُؤُوسَهم في هَذِهِ الغَزْوَةِ، وتَكَلَّمُوا بِما كانُوا يَكْتُمُونَهُ، وظَهَرَ مُخَبَّآتُهم، وعادَ تَلْوِيحُهم صَرِيحًا، وانْقَسَمَ النّاسُ إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ ومُنافِقٍ انْقِسامًا ظاهِرًا، وعَرَفَ المُؤْمِنُونَ أنَّ لَهم عَدُوًّا في نَفْسِ دُورِهِمْ، وهم مَعَهم لا يُفارِقُونَهم، فاسْتَعَدُّوا لَهم، وتَحَرَّزُوا مِنهم فَقالَ تَعالى:

آل عمران 3:179

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧٩ ] ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ أيْ: يَتْرُكَ: ﴿المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ مِنَ الِالتِباسِ (p-١٠٤٥)بِالمُنافِقِينَ، بَلْ لا يَزالُ يَبْتَلِيكم: ﴿حَتّى يَمِيزَ﴾ المُنافِقَ: ﴿الخَبِيثَ مِنَ﴾ المُؤْمِنِ: (الطَّيِّبِ و) لا يَمِيزُ إلّا بِهَذا الِابْتِلاءِ لِأنَّهُ: (وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ) أيْ: الَّذِي يَمِيزُ بِهِ ما في قُلُوبِ الخَلْقِ مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ بِإطْلاعِهِ عَلى الغَيْبِ، كَما أوْحى إلى النَّبِيِّ ﷺ بِما ظَهَرَ مِنهم مَن الأقْوالِ والأفْعالِ، حَسْبَما حَكى عَنْهم بَعْضَهُ فِيما سَلَفَ، فَيَفْضَحُهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، ويُخَلِّصُكم مِن سُوءِ جِوارِهِمْ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ: هَذا اسْتِدْراكٌ لِما نَفاهُ مِن اطِّلاعِ خَلْقِهِ عَلى الغَيْبِ، كَما قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] فَحَظُّكم أنْتُمْ وسَعادَتُكم في الإيمانِ بِالغَيْبِ الَّذِي يُطْلِعُ عَلَيْهِ رُسُلَهُ، فَإنْ آمَنتُمْ بِهِ واتَّقَيْتُمْ كانَ لَكم أعْظَمُ الأجْرِ والكَرامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ الَّذِينَ اجْتَباهم لِلِاقْتِداءِ بِهِمْ في الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا﴾ فَتُصَحِّحُوا الِاعْتِقاداتِ: ﴿وتَتَّقُوا﴾ فَتُصْلِحُوا الأعْمالَ: ﴿فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهَهُنا: لَطائِفُ: اَلْأُولى: في التَّعْبِيرِ عَنْ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ بِالطَّيِّبِ والخَبِيثِ تَسْجِيلٌ عَلى كُلٍّ مِنهُما، بِما يَلِيقُ بِهِ، وإشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. الثّانِيَةُ: إفْرادُ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ مَعَ تَعَدُّدِ ما أُرِيدَ بِكُلٍّ مِنهُما وتَكَثُّرِهِ لا سِيَّما بَعْدَ ذِكْرِ ما أُرِيدَ بِأحَدِهِما، أعْنِي: المُؤْمِنِينَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ إفْرازِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الآخَرِ هو اتِّصافُهُما بِوَصْفِهِما لا خُصُوصِيَّةُ ذاتِهِما وتَعَدُّدُ آحادِهِما، كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿(ذَلِكَ أدْنى (p-١٠٤٦)ألا تَعُولُوا)﴾ [النساء: ٣] ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] حَيْثُ قَصَدَ الدِّلالَةَ عَلى الِاتِّصافِ بِالوَصْفِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِ المَوْصُوفِ مِنَ العُقَلاءِ أوْ غَيْرِهِمْ. الثّالِثَةُ: تَعْلِيقُ المَيْزِ بِالخَبِيثِ المُعَبَّرِ بِهِ عَنْ المُنافِقِ، مَعَ أنَّ المُتَبادِرَ مِمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ تَرْكِ المُؤْمِنِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ تَعْلِيقُهُ بِهِمْ وإفْرازُهم عَنْ المُنافِقِينَ، لِما أنَّ المَيْزَ الواقِعَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ إنَّما هو بِالتَّصَرُّفِ في المُنافِقِينَ وتَغْيِيرِهِمْ مَن حالٍ إلى حالٍ مُغايِرَةٍ لِلْأُولى، مَعَ بَقاءِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مَن أصْلِ الإيمانِ، وإنْ ظَهَرَ مَزِيدُ إخْلاصِهِمْ، لا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِمْ، وتَغْيِيرِهِمْ، مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى، مَعَ بَقاءِ المُنافِقِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِتارِ، ولِأنَّ فِيهِ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ لِلْوَعِيدِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] الرّابِعَةُ: إنَّما لَمْ يُنْسَبْ عَدَمُ التَّرْكِ إلَيْهِمْ، لِما أنَّهُ مُشْعِرٌ بِالِاعْتِناءِ بِشَأْنِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ، فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ عَدَمُ التَّرْكِ عَلى حالَةٍ غَيْرِ مُلائِمَةٍ، كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ. (p-١٠٤٧)الخامِسَةُ: اَلتَّعَرُّضُ لِلِاجْتِباءِ في قَوْلِهِ: ﴿يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ﴾ إلَخْ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُقُوفَ عَلى أمْثالِ تِلْكَ الأسْرارِ الغَيْبِيَّةِ، لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ رَشَّحَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَنصِبٍ جَلِيلٍ، تَقاصَرَتْ عَنْهُ هِمَمُ الأُمَمِ، واصْطَفاهُ عَلى الجَماهِيرِ لِإرْشادِهِمْ، وتَعْمِيمُ الِاجْتِباءِ لِسائِرِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ شَأْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذا البابِ أمْرٌ مَتِينٌ، لَهُ أصْلٌ أصِيلٌ، جارٍ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى المَسْلُوكَةِ فِيما بَيْنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ. اَلسّادِسَةُ: تَعْمِيمُ الأمْرِ في قُولِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ مَعَ أنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِإيجابِ الإيمانِ بِهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، والإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ بِالكُلِّ، لِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ، وهم شُهَداءُ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ والمَأْمُورُ بِهِ الإيمانُ بِكُلِّ ما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ تَصْدِيقُهُ فِيما أخْبَرَ بِهِ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. هَذا ما اقْتَبَسْناهُ مِن تَفْسِيرِ العَلّامَةِ أبِي السُّعُودِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقَدْ اسْتَقْرَبَ حَمْلَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنْ تَكُونَ مَسُوقَةً لِبَيانِ الحِكْمَةِ في إمْلائِهِ تَعالى لِلْكَفَرَةِ إثْرَ بَيانِ شَرِّيَتِهِ لَهم. فالمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُخْلِصِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ أبَدًا كَما تَرَكَهم كَذَلِكَ إلى الآنَ، لِسِرٍّ يَقْتَضِيهِ، بَلْ يُفْرِزُ عَنْهم المُنافِقِينَ، ولِذَلِكَ فَعَلَهُ يَوْمَئِذٍ، حَيْثُ خَلّى الكَفَرَةَ وشَأْنَهم، فَأبْرَزَ لَهم صُورَةَ الغَلَبَةِ، فَأظْهَرَ مَن في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، ما فِيها مِنَ الخَبائِثِ وافْتَضَحُوا عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ. (p-١٠٤٨)

آل عمران 3:180

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨٠ ] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ النَّفْسِ في الجِهادِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ - شَرَعَ هَهُنا في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ المالِ في سَـبِيلِ اللَّهِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ بِبَذْلِهِ فِيهِ وإيرادِ ما بَخِلُوا بِهِ بِعُنْوانِ: (إيتاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن فَضْلِهِ) لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ بَذْلِهِ في سَبِيلِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ لِاسْتِجْلابِ العِقابِ عَلَيْهِمْ، والتَّنْصِيصِ عَلى شَرِّيَتِهِ لَهم، مَعَ انْفِهامِها مِن نَفْيِ خَيْرِيَّتِهِ، لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ شَـرِّيَّةِ مَآلِ ما بَخِلُوا بِهِ. وقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا الوَعِيدَ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ أيْ: سَيُلْزَمُونَ وبالَ ما بَخِلُوا بِهِ لُزُومَ الطَّوْقِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، وأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ المَحْسُوسِ، وأيَّدُوهُ بِما رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن آتاهُ اللَّهُ مالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعًا أقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلَهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي: شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أنا مالُكَ، أنا كَنْزُكَ»، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ إلى آخِرِها». (p-١٠٤٩)ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ الَّذِي لا يُؤَدِّي زَكاةَ مالِهِ يُمَثِّلُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ مالَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعًا أقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتانِ، ثُمَّ يَلْزَمُهُ يُطَوِّقُهُ، يَقُولُ: أنا كَنْزُكَ، أنا كَنْزُكَ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِزِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يَمْنَعُ عَبْدٌ زَكاةَ مالِهِ إلّا جُعِلَ لَهُ شُجاعٌ أقْرَعُ يَتْبَعُهُ، يَفِرُّ مِنهُ وهو يَتْبَعُهُ، فَيَقُولُ: أنا كَنْزُكَ» . ثُمَّ قَرَأعَبْدُ اللَّهِ مِصْداقَهُ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَوى الحافِظُ أبُو يَعْلى عَنْ ثَوْبانَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن تَرَكَ بَعْدَهُ كَنْزًا مُثِّلَ لَهُ شُجاعًا أقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتانِ، يَتْبَعُهُ. فَيَقُولُ: مَن أنْتَ ويْلُكَ ؟ فَيَقُولُ: أنا كَنْزُكَ الَّذِي خَلَّفْتَ بَعْدَكَ، فَلا يَزالُ يَتْبَعُهُ حَتّى يُلْقِمَهُ يَدَهُ فَيَقْضِمُها، ثُمَّ يَتْبَعُ سائِرَ جَسَدِهِ»»، قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، ولَمْ يُخَرِّجُوهُ، وقَدْ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ. ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ والحافِظُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يَأْتِي رَجُلٌ مَوْلاهُ فَيَسْألُهُ مِن فَضْلِ مالٍ عِنْدَهُ، فَيَمْنَعُهُ إيّاهُ، إلّا دُعِيَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ يَتَلَمَّظُ فَضْلَهُ الَّذِي مَنَعَ»» . ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمَهُ فَيَسْألُهُ مِن فَضْلٍ جَعَلَهُ اللَّهُ عِنْدَهُ، فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ، إلّا أُخْرِجَ لَهُ مِن جَهَنَّمَ شُجاعٌ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ»» . ورَواهُ أيْضًا مَوْقُوفًا ومُرْسَلًا. (p-١٠٥٠)والشُّجاعُ (كَغُرابٍ وكِتابٍ): الحَيَّةُ مُطْلَقًا، أوْ الذَّكَرُ مِنها، أوْ ضَرْبٌ مِنها دَقِيقٌ، وهو أجْرَؤُها - كَذا في القامُوسِ وشَرْحِهِ - . ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهم، وإنْ لَمْ يُنْفِقُوا أمْوالَهم في سَبِيلِهِ، فَهي راجِعَةٌ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما يَتَوارَثُهُ أهْلُهُما مِن مالٍ وغَيْرِهِ، فَما لَهم يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ بِمُلْكِهِ، ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِهِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] فالمِيراثُ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِهِ، أوْ المَعْنى: أنَّهُ يُفْنِي أهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ، ويَصِيرُ أمْلاكُ أهْلِهِما بَعْدَ فَنائِهِمْ إلى خالِصِ مُلْكِهِ، كَما يَصِيرُ مالُ المُوَرِّثِ مِلْكَ الوارِثِ، فَجَرى ما هُنا مَجْرى الوِراثَةِ، إذْ كانَ الخَلْقُ يَدَّعُونَ الأمْلاكَ ظاهِرًا، وإلّا فالكُلُّ لَهُ، وعَلى هَذا فَهو مَجازٌ. قالَ الزَّجّاجُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أيْ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُفْنِي أهْلَهُما، فَيَفْنَيانِ بِما فِيهِما، فَلَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِما مَلْكٌ، فَخُوطِبُوا بِما يَعْلَمُونَ، لِأنَّهم يَجْعَلُونَ ما يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ - مِيراثًا - مِلْكًا لَهُ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أيْ: فَيُجازِيكم عَلى المَنعِ والبُخْلِ.

آل عمران 3:181

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨١ ] ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ رَوى الحافِظانِ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالَتْ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ ! افْتَقَرَ رَبُّكَ، فَسَألَ عِبادَهُ القَرْضَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. (p-١٠٥١)ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بَيْتَ المِدْراسِ، فَوَجَدَ مِن يَهُودَ ناسًا كَثِيرَةً، قَدْ اجْتَمَعُوا عَلى رَجُلٍ مِنهم يُقالُ لَهُ: (فِنْحاصُ)، وكانَ مِن عُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ، ومَعَهُ حَبْرٌ يُقالُ لَهُ: (أشْيَعُ)، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ: ويْحَكَ يا فِنْحاصُ ! اتَّقِ اللَّهَ وأسْلِمْ، فَواَللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، قَدْ جاءَكم بِالحَقِّ مِن عِنْدِهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فَقالَ فِنْحاصُ: واَللَّهِ يا أبا بَكْرٍ، ما بِنا إلى اللَّهِ مِن حاجَةٍ مِن فَقْرٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ، ما نَتَضَرَّعُ إلَيْهِ كَما يَتَضَرَّعُ إلَيْنا، وإنّا عَنْهُ لَأغْنِياءُ، ولَوْ كانَ عَنّا غَنِيًّا ما اسْتَقْرَضَ مِنّا كَما يَزْعُمُ صاحِبُكم. يَنْهاكم عَنْ الرِّبا، ويُعْطِينا، ولَوْ كانَ غَنِيًّا ما أعْطانا الرِّبا. فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَضَرَبَ وجْهَ فِنْحاصَ ضَرْبًا شَدِيدًا، وقالَ: واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَوْلا الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكَ مِنَ العَهْدِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يا عَدُوَّ اللَّهِ. فَأكْذِبُونا ما اسْتَطَعْتُمْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَذَهَبَ فِنْحاصُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ! أبْصِرْ ما صَنَعَ بِي صاحِبُكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ يا أبا بَكْرٍ ؟» فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قالَ قَوْلًا عَظِيمًا. يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وأنَّهم عَنْهُ أغْنِياءُ، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ لِلَّهِ مِمّا قالَ، فَضَرَبْتُ وجْهَهُ، فَجَحَدَ فِنْحاصُ ذَلِكَ وقالَ: ما قُلْتُ ذَلِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيما قالَ فِنْحاصُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآيَةُ». ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذا القَوْلِ، سَواءٌ كانَ مِن اعْتِقادٍ، أوْ اسْتِهْزاءٍ بِالقُرْآنِ والرَّسُولِ - وهو الظّاهِرُ - لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ تَمَرُّدٍ (p-١٠٥٢)عَظِيمٍ لِكَوْنِهِ في غايَةِ العِظَمِ والهَوْلِ - أشارَ إلى وعِيدِهِ الشَّدِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ أيْ: ما قالُوهُ مِن هَذِهِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ في صَحائِفِ الحَفَظَةِ: ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إنَّما نُظِمَ مَعَ ما قَبْلَهُ إيذانًا بِسَوابِقِهِمْ القَبِيحَةِ، وأنَّهُ لَيْسَ أوَّلَ جَرِيمَةٍ ارْتَكَبُوها، وأنَّ مَن اجْتَرَأ عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ لَمْ يُسْـتَبْعَدْ مِنهُ هَذا الكَلامُ: ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾

آل عمران 3:182

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨٢ ] ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا وتَحْقِيرًا وتَصْغِيرًا، بِسَبَبِ هَتْكِهِمْ حُرْمَةَ اللَّهِ، وحُرْمَةَ كَلامِهِ وأنْبِيائِهِ المُبَلِّغِينَ لَهُ. لَطائِفُ: اَلْأُولى: إيرادُ صِيغَةِ الجَمْعِ في الآيَةِ مَعَ كَوْنِ القائِلِ واحِدًا، كَما رُوِيَ، لِرِضا الباقِينَ بِذَلِكَ، ونَظائِرُهُ في التَّنْزِيلِ كَثِيرَةٌ. الثّانِيَةُ: إضافَةُ عَذابِ الحَرِيقِ بَيانِيَّةٌ، أيْ: العَذابُ الَّذِي هو الحَرِيقُ. الثّالِثَةُ: الذَّوْقُ إدْراكُ الطُّعُومِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ لِإدْراكِ سائِرِ المَحْسُوساتِ والحالاتِ، وذِكْرُهُ هَهُنا؛ لِأنَّ العَذابَ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِمْ النّاشِئِ عَنْ البُخْلِ، والتَّهالُكِ عَلى المالِ، وغالِبُ حاجَةِ الإنْسانِ إلَيْها لِتَحْصِيلِ المَطاعِمِ، ومُعْظَمُ بُخْلِهِ بِهِ لِلْخَوْفِ مِن فِقْدانِهِ؛ ولِذَلِكَ كَثُرَ ذِكْرُ الأكْلِ مَعَ المالِ - أفادَهُ البَيْضاوِيُّ - . الرّابِعَةُ: تَقْدِيمُ الأيْدِي عَمَلَها، لِأنَّ مَن يَعْمَلُ شَيْئًا يُقَدِّمُهُ، والتَّعْبِيرُ بِالأيْدِي عَنْ الأنْفُسِ مِن حَيْثُ (p-١٠٥٣)إنَّ عامَّةَ أفاعِيلِها إنَّما تُزاوَلُ بِهِنَّ، فَهو مِن قَبِيلِ التَّعْبِيرِ عَنْ الكُلِّ بِالجُزْءِ الَّذِي مَدارُ جُلِّ العَمَلِ عَلَيْهِ. اَلْخامِسَةُ: إنْ قِيلَ: ( ظَلاَّمٍ ( صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الظُّلْمِ، تُفِيدُ الكَثِيرَ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الظُّلْمِ الكَثِيرِ نَفْيُ الظُّلْمِ القَلِيلِ، فَلَوْ قِيلَ: بِظالِمٍ، لَكانَ أدَلَّ عَلى نَفْيِ الظُّلْمِ قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ ! . فالجَوابُ عَنْهُ مِن أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الصِّيغَةَ لِلنَّسَبِ مِن قَبِيلِ (بَزّازٍ) و(عَطّارٍ) لا لِلْمُبالَغَةِ، والمَعْنى: لا يُنْسَبُ إلى الظُّلْمِ. اَلثّانِي: أنْ (فَعّالًا) قَدْ جاءَ. لا يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ، كَقَوْلِ طَرَفَةَ: ؎ولَسْتُ بِحَلّالِ التِّلاعِ مَخافَةً ولَكِنْ مَتى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أرْفِدِ لا يُرِيدُ هَهُنا أنَّهُ قَدْ يَحُلُّ التِّلاعَ قَلِيلًا، لِأنَّ ذَلِكَ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ: مَتى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أرْفِدِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ البُخْلِ في كُلِّ حالٍ، ولِأنَّ تَمامَ المَدْحِ لا يَحْصُلُ بِإرادَةِ الكَثْرَةِ. والثّالِثُ: أنَّ المُبالَغَةَ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةٍ العَبِيدِ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ، وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، فالصِّيغَةُ لِلْمُبالَغَةِ كَمًّا لا كَيْفًا. (p-١٠٥٤)اَلرّابِعُ: أنَّهُ إذا نُفِيَ الظُّلْمُ الكَثِيرُ انْتَفى الظُّلْمُ القَلِيلُ ضَرُورَةً، لِأنَّ الَّذِي يَظْلِمُ إنَّما يَظْلِمُ لِانْتِفاعِهِ بِالظُّلْمِ، فَإذا تَرَكَ الظُّلْمَ الكَثِيرَ مَعَ زِيادَةِ نَفْعِهِ في حَقِّ مَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّفْعُ والضُّرُّ، كانَ لِلظُّلْمِ القَلِيلِ المَنفَعَةِ أتْرَكَ. اَلْخامِسُ: إنَّ المُبالَغَةَ لِتَأْكِيدِ مَعْنًى بَدِيعٍ، وذَلِكَ لِأنَّ جُمْلَةَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ - اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، أيْ: والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مِن قِبَلِهِمْ. والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِنَ الظُّلْمِ، كَما يُعَبِّرُ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ عَلى الأعْمالِ بِإضاعَتِها. وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في صُورَةِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ.

آل عمران 3:183

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨٣ ] ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ نُصِبَ بِتَقْدِيرِ (أعْنِي) أوْ رُفِعَ عَلى الذَّمِّ بِتَقْدِيرِ (هم الَّذِينَ قالُوا): ﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ أيْ: أمَرَنا: ﴿ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ﴾ أيْ: تَبْكِيتًا لَهم، وإظْهارًا لِكَذِبِهِمْ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: المُعْجِزاتِ الواضِحَةِ: ﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ بِعَيْنِهِ مِن تَشْرِيعِ القُرْبانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: فَلِمَ قابَلْتُمُوهم بِالتَّكْذِيبِ والمُخالَفَةِ والمُعانَدَةِ وقَتَلْتُمُوهم: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّكم تَتَّبِعُونَ الحَقَّ وتَنْقادُونَ لِلرُّسُلِ. (p-١٠٥٥)

آل عمران 3:184

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨٤ ] ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ أيْ: بَعْدَ بُطْلانِ عُذْرِهِمْ المَذْكُورِ: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ﴾ أيْ: فَلا تَحْزَنْ، وتَسَلَّ؛ فَقَدْ كُذِّبَ: ﴿رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ جَمْعُ زَبُورٍ أيْ: الكُتُبِ المُوحاةِ مِنهُ تَعالى: ﴿والكِتابِ المُنِيرِ﴾ أيْ: الواضِحِ الجَلِيِّ. والزَّبُورُ والكِتابُ: واحِدٌ في الأصْلِ، وإنَّما ذُكِرا لِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ. فالزَّبُورُ فِيهِ حِكَمٌ زاجِرَةٌ، والكِتابُ المُنِيرُ هو المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ. فائِدَةٌ: فِي قُرْبانِ أهْلِ الكِتابِ وتَشْرِيعِهِ عِنْدَهُمْ اِعْلَمْ أنَّ القُرْبانَ (بِضَمِّ القافِ) مَعْناهُ لُغَةً: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى وسِيلَةً لِمَرْضاتِهِ. قالَ في "(مُرْشِدِ الطّالِبِينَ): ذَبائِحُ العِبْرانِيِّينَ عَدِيدَةٌ جِدًّا، وكانَ المُسْتَعْمَلُ لِهَذِهِ الذَّبِيحَةِ، بِتَعْيِينِ اللَّهِ، الثِّيرانُ والنِّعاجُ والمَعْزُ والحَمامُ واليَمامُ. وكانَتْ الذَّبائِحُ نَوْعَيْنِ عامَّيْنِ: إحْداهُما كانَتْ تُقَرَّبُ لِتَكْفِيرِ الخَطايا، والأُخْرى شُكْرًا لِلَّهِ عَلى مَراحِمِهِ وبَرَكاتِهِ. ثُمَّ قالَ: فالذَّبِيحَةُ اليَوْمِيَّةُ كانَتْ مَشْهُورَةً جِدًّا، وهي خَرُوفٌ بِلا عَيْبٍ، يُقَدِّمُ وقُودًا لِلَّهِ كَفّارَةً لِلْخَطايا، وذَلِكَ مَرَّتانِ صَباحًا ومَساءً، طُولَ مُدَّةِ السَّنَةِ، فاَلَّتِي في الصَّباحِ تُقَدِّمُ عَنْ خَطايا الشَّعْبِ لَيْلًا، واَلَّتِي في المَساءِ عَنْ خَطاياهم نَهارًا. وقَبْلَ فِعْلِ الذَّبِيحَةِ تَعْتَرِفُ كُلُّ الشُّعُوبِ بِخَطاياها فَوْقَ الحَيَوانِ المُرادِ ذَبْحُهُ عَلى يَدِ الكاهِنِ الخادِمِ، وبِهَذا كانَ يُنْقَلُ الإثْمُ إلَيْهِ بِواسِطَةِ وضْعِ وُكَلاءِ الشَّعْبِ أيْدِيهِمْ عَلى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُذْبَحُ ويُقَرَّبُ وقُودًا. وفي غُضُونِ ذَلِكَ تَسْجُدُ الجَماعَةُ في الدّارِ، وتُبَخَّرُ الكَهَنَةُ عَلى المَذابِحِ الذَّهَبِيَّةِ، ويُقَدِّمُونَ الطَّلَباتِ لِلَّهِ عَنْ الشَّعْبِ، وأمّا في يَوْمِ السَّبْتِ، فَكانَتْ تَتَضاعَفُ الذَّبِيحَةُ، ويُقَرَّبُ في كُلِّ دُفْعَةٍ خَرُوفانِ. (p-١٠٥٦)ثُمَّ قالَ: يَوْمُ الكَفّارَةِ كانَ مُمْتازًا بِالذَّبِيحَةِ السَّنَوِيَّةِ، وهي أنَّهُ بَعْدَ أنْ يُقَرِّبَ الكاهِنُ ثَوْرًا كَفّارَةً لِخَطايا عائِلَتِهِ يُقَرِّبُ ماعِزانِ كَفّارَةً لِخَطايا الشَّعْبِ - انْتَهى - . وقَدْ أُشِيرَ لِكَيْفِيَّةِ ذَبْحِ القُرْبانِ وحَرْقِهِ في مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ. مِنها: سِفْرُ الخُرُوجِ في الفَصْلِ التّاسِعِ والعِشْرِينَ. ومِنها: في الفَصْلِ الأوَّلِ مِن سِفْرِ الأحْبارِ المُسَمِّينَ بِاللاوِيِّينَ ونَصُّهُ: ودَعا الرَّبُّ مُوسى وخاطَبَهُ مِن خِباءِ المَحْضَرِ قائِلًا: خاطِبْ بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْ لَهم: أيُّ إنْسانٍ مِنكم قَرَّبَ قُرْبانًا لِلرَّبِّ مِنَ البَهائِمِ فَمِنَ البَقَرِ والغَنَمِ يُقَرِّبُونَ قَرابِينَهم إنْ كانَ قُرْبانُهُ مَحْرَقَةً مِنَ البَقَرِ، فَذَكَرًا صَحِيحًا يُقَرِّبُهُ عِنْدَ بابِ خِباءِ المَحْضَرِ يُقَرِّبُهُ لِلرِّضْوانِ عَنْهُ، ويَضَعُ يَدَهُ عَلى رَأْسِ المَحْرَقَةِ ويَتَرَضّى بِهِ لِيَغْفِرَ لَهُ، ثُمَّ يَذْبَحُ الثَّوْرَ ويُقَرِّبُ الكَهَنَةُ بَنُو هارُونَ الدَّمَ ويَنْضَحُونَ الدَّمَ عَلى المَذْبَحِ، وما أحاطَ بِهِ في بابِ قُبَّةِ الشَّهادَةِ - يَعْنِي: التّابُوتَ الَّذِي كانَ فِيهِ لَوْحا التَّوْراةِ المُسَمّاةِ شَهادَةً - ثُمَّ يَسْلَخُونَ المَحْرَقَةَ، ويُقَطِّعُونَها قِطَعًا، ثُمَّ يُوقِدُونَ نارًا عَلى المَذْبَحِ، ويُنْضِدُونَ الحَطَبَ عَلى النّارِ، ثُمَّ يَجْعَلُونَ الأعْضاءَ المُقَطَّعَةَ الرَّأْسِ والشَّحْمِ عَلى الحَطَبِ الَّذِي عَلى النّارِ عَلى المَذْبَحِ، ويَغْسِلُونَ أكارِعَهُ وجَوْفَهُ بِالماءِ، ثُمَّ يُصْعِدُهُ الكاهِنُ ويَجْعَلُهُ عَلى المَذْبَحِ وقُودًا وقُرْبانًا لِرِضا الرَّبِّ ... إلَخْ. وفِي الفَصْلِ السّادِسِ مِن سِفْرِ الأحْبارِ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى قائِلًا: مُرْ هارُونَ وبَنِيهِ، وقُلْ لَهم: هَذِهِ شَرِيعَةُ المَحْرَقَةِ، تَكُونُ المَحْرَقَةُ عَلى وقِيدَةِ المَذْبَحِ طُولَ اللَّيْلِ إلى الغَداةِ، ونارُ المَذْبَحِ مُتَّقِدَةٌ عَلَيْهِ، ويَلْبَسُ الكاهِنُ قَمِيصَهُ مِنَ الكَتّانِ، وسَراوِيلاتٍ مِنَ الكَتّانِ عَلى بَدَنِهِ، ويَرْفَعُ الرَّمادَ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ نارُ المَحْرَقَةِ عَلى المَذْبَحِ، ويَجْعَلُهُ إلى جانِبِ المَذْبَحِ، ثُمَّ يَخْلَعُ ثِيابَهُ ويَلْبَسُ ثِيابًا أُخَرَ، ويُخْرِجُ الرَّمادَ إلى خارِجِ المَحَلَّةِ إلى مَوْضِعٍ طاهِرٍ، وتَبْقى النّارُ عَلى المَذْبَحِ مُتَّقِدَةً لا تُطْفَأُ، ويَضَعُ عَلَيْها الكاهِنُ حَطَبًا في كُلِّ غَداةٍ ... إلَخْ. قالَ بَعْضُهم: زَعَمَ الرَّبّانِيُّونَ أنَّ النّارَ الَّتِي كانَتْ في هَيْكَلِ سُلَيْمانَ، واَلَّتِي أُمِرَ اليَهُودُ بِحِفْظِها دُونَ أنْ تُطْفَأ البَتَّةَ، كانَ أصْلُها مِنَ النّارِ الَّتِي نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ بَعْدَ تَقْدِمَةِ هارُونَ وأبْنائِهِ المَحْرَقاتِ، وأنَّها بَقِيَتْ إلى أيّامِ خَرابِ الهَيْكَلِ عَلى يَدِ بُخْتُنَصَّرَ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ في التَّوْراةِ ما يُصَرِّحُ بِذَلِكَ - انْتَهى - . (p-١٠٥٧)وهَذِهِ النّارُ الَّتِي نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ جاءَ ذِكْرُها في الفَصْلِ التّاسِعِ مِن سِفْرِ الأحْبارِ ومُلَخَّصُهُ: أنَّ مُوسى أمَرَ هارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ أنْ يَذْبَحَ قُرْبانًا، فَذَبَحَ عِجْلًا وأحْرَقَ لَحْمَهُ وجِلْدَهُ خارِجَ المَحَلَّةِ، وأمّا شَحْمُهُ وكُلْيَتاهُ وزِيادَةُ كَبِدِهِ فَقَتَّرَها عَلى المَذْبَحِ، ثُمَّ قَرَّبَ تَيْسًا وثَوْرًا وكَبْشًا بِكَيْفِيَّةٍ خاصَّةٍ، ثُمَّ دَخَلَ مُوسى وهارُونُ خِباءَ المَحْضَرِ، فَخَرَجَتْ نارٌ مِن عِنْدِ الرَّبِّ، فَأكَلَتْ المَحْرَقَةَ والشُّحُومَ الَّتِي عَلى المَذْبَحِ، فَنَظَرَ جَمِيعُ الشَّعْبِ وهَتَفُوا مُسَبِّحِينَ وسَجَدُوا - انْتَهى - . إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣] بِمَعْنى: أنْ يُذْبَحَ عَلى الكَيْفِيَّةِ المَعْرُوفَةِ، ثُمَّ تَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُهُ، وتَكُونُ مُعْجِزَةً وآيَةً كَما حَصَلَ في عَهْدِ مُوسى وهارُونَ مِن نُزُولِ النّارِ وأكْلِها المَحْرَقَةَ، كَما ذَكَرْنا. وفي عَهْدِ سُلَيْمانَ أيْضًا، فَقَدْ جاءَ في الفَصْلِ التّاسِعِ مِن سِفْرِ أخْبارِ الأيّامِ الثّانِي: أنَّ سُلَيْمانَ لَمّا أتَمَّ الدُّعاءَ هَبَطَتْ النّارُ مِنَ السَّماءِ وأكَلَتْ المَحْرَقَةَ والذَّبائِحَ، وكانَ جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ يُعايِنُونَ هُبُوطَ النّارِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:

آل عمران 3:185

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨٥ ] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وفي هَذِهِ الآيَةِ تَعْزِيَةٌ لِجَمِيعِ النّاسِ، ووَعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْمُصَدِّقِ والمُكَذِّبِ: ﴿وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: تُعْطَوْنَ جَزاءَ أعْمالِكم وافِيًا يَوْمَ القِيامَةِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَذا يُوهِمُ نَفْيَ ما يُرْوى أنَّ القَبْرَ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ، أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ ! قُلْتُ: كَلِمَةُ التَّوْفِيَةِ تُزِيلُ هَذا (p-١٠٥٨)اَلْوَهْمَ، لِأنَّ المَعْنى أنَّ تَوْفِيَةَ الأُجُورِ وتَكْمِيلَها يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمُ، وما يَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ فَبَعْضُ الأُجُورِ. وقالَ الرّازِيُّ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَمامَ الأجْرِ والثَّوابِ لا يَصِلُ إلى المُكَلَّفِ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ كُلَّ مَنفَعَةٍ تَصِلُ إلى المُكَلَّفِ في الدُّنْيا فَهي مُكَدَّرَةٌ بِالغُمُومِ والهُمُومِ، وبِخَوْفِ الِانْقِطاعِ والزَّوالِ، والأجْرُ التّامُّ والثَّوابُ الكامِلُ إنَّما يَصِلُ إلى المُكَلَّفِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ هُناكَ يَحْصُلُ السُّرُورُ بِلا غَمٍّ، والأمْنُ بِلا خَوْفٍ، واللَّذَّةُ بِلا ألَمٍ، والسَّعادَةُ بِلا خَوْفِ الِانْقِطاعِ. (p-١٠٥٩)وكَذا القَوْلُ في العِقابِ، فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ في الدُّنْيا ألَمٌ خالِصٌ عَنْ شَوائِبِ اللَّذَّةِ، بَلْ يَمْتَزِجُ بِهِ راحاتٌ وتَخْفِيفاتٌ، وإنَّما الألَمُ التّامُّ الخالِصُ الباقِي هو الَّذِي يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنهُ ﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾ أيْ: أُبْعِدَ: ﴿عَنِ النّارِ﴾ الَّتِي هي مَجْمَعُ الآفاتِ والشُّرُورِ: ﴿وأُدْخِلَ الجَنَّةَ﴾ الجامِعَةَ لِلَّذّاتِ والسُّرُورِ: ﴿فَقَدْ فازَ﴾ أيْ: حَصَّلَ الفَوْزَ العَظِيمَ، وهو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، أعْنِي: النَّجاةَ مِن سُخْطِ اللَّهِ والعَذابِ السَّرْمَدِ، ونَيْلِ رِضْوانِ اللَّهِ والنَّعِيمِ المُخَلَّدِ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النّارِ ويُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ولْيَأْتِ إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ»» . وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: لَذّاتُها: ﴿إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ المَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ ويُنْتَفَعُ بِهِ، والغُرُورُ: (بِضَمِّ الغَيْنِ) مَصْدَرُ غَرَّهُ، أيْ: خَدَعَهُ وأطْمَعَهُ بِالباطِلِ، (p-١٠٦٠)وإنَّما وُصِفَ عَيْشُ الدُّنْيا بِذَلِكَ لِما تُمَنِّيهِ لَذّاتُها مِن طُولِ البَقاءِ، وأمَلِ الدَّوامِ، فَتَخْدَعُهُ ثُمَّ تَصْرَعُهُ. قالَ بَعْضَ السَّلَفِ: الدُّنْيا مَتاعٌ مَتْرُوكٌ يُوشِكُ أنْ يَضْمَحِلَّ ويَزُولَ. فَخُذُوا مِن هَذا المَتاعِ واعْمَلُوا فِيهِ بِطاعَةِ اللَّهِ ما اسْتَطَعْتُمْ.

آل عمران 3:186

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨٦ ] ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ أيْ: لَتُخْتَبَرُنَّ: ﴿فِي أمْوالِكُمْ﴾ بِما يُصِيبُها مِنَ الآفاتِ: ﴿وأنْفُسِكُمْ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والجِراحِ وما يَرِدُ عَلَيْها مِن أصْنافِ المَتاعِبِ والمَخاوِفِ والشَّدائِدِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾ [البقرة: ١٥٥] إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ - أيْ: لا بُدَّ أنْ يُبْتَلى المُؤْمِنُ في شَيْءٍ مِن مالِهِ أوْ نَفْسِهِ أوْ ولَدِهِ أوْ أهْلِهِ. وفي الحَدِيثِ: ««يُبْتَلى المَرْءُ عَلى قَدْرِ دِينِهِ، فَإنْ كانَ في دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ في البَلاءِ»» ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى (p-١٠٦١)كَثِيرًا﴾ بِالقَوْلِ والفِعْلِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى ذَلِكَ: ﴿وتَتَّقُوا﴾ أيْ: مُخالَفَةَ أمْرِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: الصَّبْرُ والتَّقْوى: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ. أيْ: مِمّا يَجِبُ أنْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ، لِما فِيهِ مِن كَمالِ المَزِيَّةِ والشَّرَفِ. أوْ مِمّا عَزَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأمَرَ بِهِ وبالَغَ فِيهِ. يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ مِن عَزَماتِ اللَّهِ تَعالى، لا بُدَّ أنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا. وفي إبْرازِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى في صُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ مِن إظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ بِالعِبادِ ما لا يَخْفى. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ وُجُوبُ الصَّبْرِ. وأنَّ الجِهادَ لا يَسْقُطُ مَعَ سَماعِ ما يُؤْذِي.

آل عمران 3:187

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨٧ ] ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ وهم عُلَماءَ اليَهُودِ والنَّصارى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لَتُظْهِرُنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُ نُبُوَّتِهِ ﷺ . وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ مِنَ النَّهْيِ عَنْ الكِتْمانِ، بَعْدَ الأمْرِ بِالبَيانِ، مُبالَغَةً في إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ: ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ أيْ: المِيثاقَ: ﴿وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أيْ: طَرَحُوهُ ولَمْ يُراعُوهُ، ونَبْذُ الشَّيْءِ وراءَ الظَّهْرِ مَثَلٌ في الِاسْتِهانَةِ بِهِ، والإعْراضِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ. كَما أنَّ جَعْلَهُ نُصْبَ العَيْنِ عَلَمٌ في كَمالِ العِنايَةِ بِهِ: ﴿واشْتَرَوْا بِهِ﴾ أيْ: اسْتَبْدَلُوا بِهِ: ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: شَيْئًا حَقِيرًا مِن حُطامِ الدُّنْيا: ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ بِتَغْيِيرِ كَلامِ اللَّهِ ونَبْذِ مِيثاقِهِ. قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ وُجُوبُ إظْهارِ الحَقِّ، وتَحْرِيمُ كِتْمانِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ بَيانُ الدِّينِ والأحْكامِ والفَتاوى والشَّهاداتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ إظْهارُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وإنَّ المُرادَ بِذَلِكَ إذا لَمْ يُؤَدِّ إلى مَفْسَدَةٍ، ويَدْخُلْ في الكَتْمِ؛ مَنعُ الكُتُبِ المُنْطَوِيَةِ عَلى عِلْمِ الدِّينِ حَيْثُ تَعَذَّرَ الأخْذُ إلّا مِنها. (p-١٠٦٢)وقالَ العَلّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ -: كَفى بِهَذِهِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مَأْخُوذٌ عَلى العُلَماءِ أنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ لِلنّاسِ وما عَلِمُوهُ، وأنْ لا يَكْتُمُوا مِنهُ شَيْئًا لِغَرَضٍ فاسِدٍ مِن تَسْهِيلٍ عَلى الظَّلَمَةِ، وتَطْيِيبٍ لِنُفُوسِهِمْ، واسْتِجْلابٍ لِمَسارِهِمْ، أوْ لِجَرِّ مَنفَعَةِ وحُطامِ الدُّنْيا، أوْ لِتَقِيَّةٍ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ ولا أمارَةَ، أوْ لِبُخْلٍ بِالعِلْمِ، وغَيْرَةٍ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ غَيْرُهم - انْتَهى - . عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ»» - أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ - ولِأبِي داوُدَ: ««مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ ألْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجامٍ مِن نارٍ يَوْمَ القِيامَةِ»» . وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لَوْلا ما أخَذَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى أهْلِ الكِتابِ ما حَدَّثْتُكم بِشَيْءٍ. ثُمَّ تَلا: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ الآيَةُ. لَطِيفَةٌ: قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: في تَصْوِيرِ هَذِهِ المُعامَلَةِ بِعَقْدِ المُعاوَضَةِ، لا سِيَّما بِالِاشْتِراءِ المُؤْذِنِ بِالرَّغْبَةِ في المَأْخُوذِ، والإعْراضِ عَنْ المُعْطِي، والتَّعْبِيرِ عَنْ المُشْتَرى الَّذِي هو العُمْدَةُ في العَقْدِ والمَقْصُودُ بِالمُعامَلَةِ - بِالثَّمَنِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ وسِيلَةً إلَيْهِ، وجَعْلُ الكِتابِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَتَنافَسَ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، مَصْحُوبًا بِـ (الباءِ) الدّاخِلَةِ عَلى الآلاتِ والوَسائِلِ - مِن نِهايَةِ الجَزالَةِ والدِّلالَةِ عَلى كَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ وغايَةِ قُبْحِها بِإيثارِهِمْ الدَّنِيءَ الحَقِيرَ، عَلى الشَّرِيفِ الخَطِيرِ، وتَعْكِيسِهِمْ بِجَعْلِهِمْ المَقْصِدَ وسِيلَةً، والوَسِيلَةَ مَقْصِدًا - ما لا يَخْفى جَلالَةُ شَأْنِهِ ورِفْعَةُ مَكانِهِ - انْتَهى - . ثُمَّ أشارَ تَعالى أنَّهم لا يَرَوْنَ قُبْحَ ذَلِكَ بَلْ يَفْرَحُونَ بِهِ فَقالَ:(p-١٠٦٣)

آل عمران 3:188

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨٨ ] ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ أيْ: بِما فَعَلُوا مِن اشْتِراءِ الثَّمَنِ القَلِيلِ بِتَغْيِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ مِن وفاءِ المِيثاقِ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ ولا كِتْمانٍ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ﴾ أيْ: بِمَنجاةٍ: ﴿مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِكُفْرِهِمْ وتَدْلِيسِهِمْ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أنَّ مَرْوانَ قالَ: اذْهَبْ يا رافِعُ (لِبَوّابِهِ) إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقُلْ: لَئِنْ كانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنّا فَرِحَ بِما أُوتِيَ، وأحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ، لَنُعَذَّبَنَّ أجْمَعُونَ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما لَكَمَ وهَذِهِ، إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ في أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ تَلا ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] - إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَألَهم النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إيّاهُ وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَجُوا قَدْ أرَوْهُ أنْ قَدْ أخْبَرُوهُ بِما سَألَهم عَنْهُ واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ، وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِهِمْ إيّاهُ ما سَألَهم عَنْهُ. وهَكَذا رَواهُ البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ، ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ في تَفْسِيرَيْهِما، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ والحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِنَحْوِهِ. ورَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وقّاصٍ أنَّ مَرْوانَ قالَ لِبَوّابِهِ: اذْهَبْ يا رافِعُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - فَذَكَرَهُ - ورَوى البُخارِيُّ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-١٠٦٤)إلى الغَزْوِ وتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإذا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَزْوِ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وحَلَفُوا وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ: (ولا تَحْسَبَنَّ) الآيَةُ» - وكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ، لِأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في جَمِيعِ ما ذُكِرَ، ومَعْنى نُزُولِ الآيَةِ في ذَلِكَ وُقُوعُها بَعْدَ ذَلِكَ، لا أنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ كانَ سَـبَبًا لِنُزُولِها. كَما حَقَّقْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. تَنْبِيهٌ: هَذِهِ الآيَةُ، وإنْ كانَتْ مَحْمُولَةً عَلى الكُفّارِ لِما تَقَدَّمَ، فَفِيها تَرْهِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَمّا ذَمَّ عَلَيْهِ أهْلَها مِنَ الإصْرارِ عَلى القَبائِحِ والفَرَحِ بِها ومَحَبَّةِ المَدْحِ بِما عَرا عَنْهُ مِنَ الفَضائِلِ. ويَدْخُلُ في ذَلِكَ المُراؤُونَ المُتَكَثِّرُونَ بِما لَمْ يُعْطُوا، كَما جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ:««مَن ادَّعى دَعْوى كاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِها لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلّا قِلَّةً»» . وفِي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا: ««المُتَشَبِّعُ بِما لَمْ يُعْطِ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»» . فَلْيَحْذَرْ مَن يَأْتِي بِما لا يَنْبَغِي ويَفْرَحُ بِهِ، ثُمَّ يَتَوَقَّعُ مِنَ النّاسِ أنْ يَصِفُوهُ بِسَدادِ السِّيرَةِ واسْتِقامَةِ الطَّرِيقَةِ والزُّهْدِ والإقْبالِ عَلى اللَّهِ تَعالى. فائِدَةٌ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالياءِ وفَتْحِ الباءِ في الأوَّلِ وضَمِّها في الثّانِي، وفاعِلُ الأوَّلِ (الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) . وأمّا مَفْعُولاهُ فَمَحْذُوفانِ اكْتِفاءً بِمَفْعُولَيْ: ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ لِأنَّ الفاعِلَ (p-١٠٦٥)فِيهِما واحِدٌ. فالفاعِلُ الثّانِي تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ، وحَسُنَ لَمّا طالَ الكَلامُ المُتَّصِلُ بِالأوَّلِ. والفاءُ زائِدَةٌ؛ إذْ لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ ولا لِلْجَوابِ، وثَمَّةَ وُجُوهٌ أُخْرى. لَطِيفَةٌ: تَصْدِيرُ الوَعِيدِ بِنَهْيِهِمْ عَنْ الحُسْبانِ المَذْكُورِ - لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُطْلانِ آرائِهِمْ الرَّكِيكَةِ، وقَطْعِ أطْماعِهِمْ الفارِغَةِ، حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَنْجُونَ بِما صَنَعُوا مِن عَذابِ الآخِرَةِ، كَما نَجَوْا بِهِ مِنَ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وعَلَيْهِ كانَ مَبْنى فَرَحِهِمْ. وأمّا نَهْيُهُ ﷺ فَلِلتَّعْرِيضِ بِحُسْبانِهِمْ المَذْكُورِ، لا لِاحْتِمالِ وُقُوعِ الحُسْبانِ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - .

آل عمران 3:189

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨٩ ] ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو قادِرٌ عَلى عِقابِهِمْ.

آل عمران 3:190

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٩٠ ] ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: في إيجادِهِما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ المُدْهِشَةِ، تِلْكَ في ارْتِفاعِها واتِّساعِها، وهَذِهِ في انْخِفاضِها وكَثافَتِها واتِّضاعِها، وما فِيهِما مِنَ الآياتِ المُشاهَدَةِ العَظِيمَةِ مِن كَواكِبَ سَيّاراتٍ، وثَوابِتَ وبِحارٍ، وجِبالٍ وقِفارٍ وأشْجارٍ، ونَباتٍ وزُرُوعٍ، وثِمارٍ وحَيَوانٍ، ومَعادِنَ ومَنافِعَ مُخْتَلِفَةِ الألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ والخَواصِّ: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: في تَعاقُبِهِما، وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خِلْفَةً لِلْآخَرِ، بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، أوْ في تَفاوُتِهِما بِازْدِيادِ كُلٍّ مِنهُما بِانْتِقاصِ الآخَرِ، وانْتِقاصِهِ (p-١٠٦٦)بِازْدِيادِهِ: ﴿لآياتٍ﴾ أيْ: لَأدِلَّةً واضِحَةً عَلى الصّانِعِ وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وباهِرِ حِكْمَتِهِ. والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا، أيْ: كَثْرَةً عَظِيمَةً: ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: لِذَوِي العُقُولِ المَجْلُوَّةِ بِالتَّزْكِيَةِ والتَّصْفِيَةِ بِمُلازَمَةِ الذِّكْرِ دائِمًا كَما قالَ:

آل عمران 3:191

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٩١ ] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ . ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَلا يَخْلُو حالٌ مِن أحْوالِهِمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ المُفِيدِ صَفاءَ الظّاهِرِ المُؤَثِّرِ في تَصْفِيَةِ الباطِنِ. فالمُرادُ: تَعْمِيمُ الذِّكْرِ لِلْأوْقاتِ، وعَدَمُ الغَفْلَةِ عَنْهُ تَعالى. وتَخْصِيصُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ بِالذِّكْرِ، لَيْسَ لِتَخْصِيصِ الذِّكْرِ بِها، بَلْ لِأنَّها الأحْوالُ المَعْهُودَةُ الَّتِي لا يَخْلُو عَنْها الإنْسانُ غالِبًا: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: في إنْشائِهِما بِهَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ، وما فِيهِما مِن عَجائِبِ المَصْنُوعاتِ، وغَرائِبِ المُبْتَدَعاتِ، لِيَدُلَّهم ذَلِكَ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَيَعْلَمُوا أنَّ لَهُما خالِقًا قادِرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، لِأنَّ عِظَمَ آثارِهِ وأفْعالِهِ تَدُلُّ عَلى عِظَمِ خالِقِها تَعالى. كَما قِيلَ: ؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ رَوى ابْنُ أبِي الدُّنْيا في (كِتابِ التَّوَكُّلِ والِاعْتِبارِ) عَنْ الصُّوفِيِّ الجَلِيلِ الشَّيْخِ أبِي سُلَيْمانَ الدّارانِيِّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأخْرُجُ مِن مَنزِلِي، فَما يَقَعُ بَصَرِي عَلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ فِيهِ نِعْمَةً، ولِي فِيهِ عِبْرَةٌ. وإنَّما خُصِّصَ التَّفَكُّرُ بِالخَلْقِ لِلنَّهْيِ عَنْ التَّفَكُّرِ في الخالِقِ لِعَدَمِ الوُصُولِ إلى كُنْهِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ. خَرَّجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: «(لا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ، ولَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيما خَلَقَ)» . ولَهُ شَواهِدُ كَثِيرَةٌ. (p-١٠٦٧)قالَ الرّازِيُّ: دَلائِلُ التَّوْحِيدِ مَحْصُورَةٌ في قِسْمَيْنِ: دَلائِلُ الآفاقِ، ودَلائِلُ الأنْفُسِ، ولا شَكَّ أنَّ دَلائِلَ الآفاقِ أجَلُّ وأعْظَمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لا جَرَمَ أُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالفِكْرِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ دِلالَتَها أعْجَبُ، وشَواهِدَها أعْظَمُ، وكَيْفَ لا نَقُولُ ذَلِكَ، ولَوْ أنَّ الإنْسانَ نَظَرَ إلى ورَقَةٍ صَغِيرَةٍ مِن أوْراقِ شَجَرَةٍ، رَأى في تِلْكَ الوَرَقَةِ عِرْقًا واحِدًا ًمُمْتَدًّا في وسَطِها، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ مِن ذَلِكَ العِرْقِ عُرُوقٌ كَثِيرَةٌ إلى الجانِبَيْنِ، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ مِنها عُرُوقٌ دَقِيقَةٌ، ولا يَزالُ يَتَشَعَّبُ مِن كُلِّ عِرْقٍ عُرُوقٌ أُخَرُ، حَتّى تَصِيرَ في الدِّقَّةِ بِحَيْثُ لا يَراها البَصَرُ، وعِنْدَ هَذا يَعْلَمُ أنَّ لِلْخالِقِ في تَدْبِيرِ تِلْكَ الوَرَقَةِ عَلى هَذِهِ الخِلْقَةِ حِكَمًا بالِغَةً، وأسْرارًا عَجِيبَةً، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ فِيها قُوًى جاذِبَةً لِغِذائِها مِن قَعْرِ الأرْضِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الغِذاءَ يَجْرِي في تِلْكَ العُرُوقِ، حَتّى يَتَوَزَّعَ عَلى كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ تِلْكَ الوَرَقَةِ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ الغِذاءِ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ، ولَوْ أرادَ الإنْسانُ أنْ يَعْرِفَ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ تِلْكَ الوَرَقَةِ، وكَيْفِيَّةَ التَّدْبِيرِ في إيجادِها، وإيداعِ القُوى الغاذِيَةِ والنّامِيَةِ فِيها، لَعَجَزَ عَنْهُ. فَإذا عَرَفَ أنَّ عَقْلَهُ قاصِرٌ عَنْ الوُقُوفِ عَلى كَيْفِيَّةِ خِلْقَةِ تِلْكَ الوَرَقَةِ الصَّغِيرَةِ، فَحِينَئِذٍ يَقِيسُ تِلْكَ الوَرَقَةَ إلى السَّماواتِ، مَعَ ما فِيها مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ. وإلى الأرْضِ مَعَ ما فِيها مِنَ البِحارِ والجِبالِ والمَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ - عَرَفَ أنَّ تِلْكَ الوَرَقَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ الأشْياءِ كالعَدَمِ. فَإذا عَرَفَ قُصُورَ عَقْلِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الحَقِيرِ - عَرَفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ البَتَّةَ إلى الِاطِّلاعِ عَلى عَجائِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وإذا عَرَفَ بِهَذا البُرْهانِ النَّيِّرِ قُصُورَ عَقْلِهِ وفَهْمِهِ عَنْ الإحاطَةِ بِهَذا المَقامِ، لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا الِاعْتِرافُ بِأنَّ الخالِقَ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ وصْفُ الواصِفِينَ ومَعارِفُ العارِفِينَ. بَلْ يُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ ما خَلَقَهُ فَفِيهِ حِكَمٌ بالِغَةٌ، وأسْرارٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِها. وإلى هَذا الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ عَلى إرادَةِ (p-١٠٦٨)اَلْقَوْلِ بِمَعْنى يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ ذَلِكَ. وكَلِمَةُ: (هَذا) مُتَضَمِّنَةٌ لِضَرْبٍ مِنَ التَّعْظِيمِ، أيْ: ما خَلَقْتُ هَذا المَخْلُوقَ البَدِيعَ العَظِيمَ الشَّأْنِ عَبَثًا، عارِيًا عَنْ الحِكْمَةِ، خالِيًا عَنْ المَصْلَحَةِ، بَلْ مُنْتَظِمًا لِحِكَمٍ جَلِيلَةٍ، ومَصالِحَ عَظِيمَةٍ. مَن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ دِلالَةً عَلى مَعْرِفَتِكَ، ووُجُوبِ طاعَتِكَ، واجْتِنابِ مَعْصِيَتِكَ، وأنْ يَكُونَ مَدارًا لِمَعايِشِ العِبادِ، ومَنارًا يُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ. لَطِيفَةٌ: قالَ أبُو البَقاءِ: (باطِلًا) مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. والباطِلُ، هُنا، فاعِلٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ، مِثْلَ العاقِبَةِ والعافِيَةِ. والمَعْنى: ما خَلَقْتُهُما عَبَثًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا. تَقْدِيرُهُ ما خَلَقْتُ هَذا خالِيًا عَنْ حِكْمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: خَلْقًا باطِلًا - انْتَهى - . وقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ مِنَ العَبَثِ، وأنْ تَخْلُقَ شَيْئًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ قالَ السُّيُوطِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبابُ هَذا الذِّكْرِ عِنْدَ النَّظَرِ إلى السَّماءِ. ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في (الأذْكارِ) ا هـ. وفِيهِ تَعْلِيمُ العِبادِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ، وهو تَقْدِيمُ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى أوَّلًا، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ ثُمَّ بَعْدَ الثَّناءِ يَأْتِي الدُّعاءُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ وعَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو في صَلاتِهِ، لَمْ يُمَجِّدْ اللَّهَ تَعالى، ولَمْ يُصَلِّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَجِلَ هَذا»»، ثُمَّ دَعاهُ فَقالَ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ: ««إذا صَلّى أحَدُكم فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، والثَّناءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِما شاءَ»» . رَواهُ أبُو داوُدَ واَلتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا حَكى تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ العِبادِ المُخْلِصِينَ أنَّ ألْسِنَتَهم مُسْتَغْرِقَةٌ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وأبْدانَهم في طاعَةِ اللَّهِ، وقُلُوبَهم في التَّفَكُّرِ في دَلائِلِ عَظَمَةِ اللَّهِ - ذَكَرَ أنَّهم مَعَ هَذِهِ الطّاعاتِ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ أنْ يَقِيَهم عَذابَ النّارِ، ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى عِظَمِ ذَلِكَ العِقابِ وشِدَّتِهِ وهو الخِزْيُ، بِقَوْلِهِمْ: (p-١٠٦٩)

آل عمران 3:192

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٩٢ ] ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ . ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ أيْ: أهَنْتَهُ وأظْهَرْتَ فَضِيحَتَهُ لِأهْلِ المَوْقِفِ. وسِرُّ هَذا الإتْباعِ عِظَمُ مَوْقِعِ السُّؤالِ، لِأنَّ مَن سَألَ رَبَّهُ حاجَةً، إذا شَرَحَ عِظَمَها وقُوَّتَها كانَتْ داعِيَتُهُ في ذَلِكَ الدُّعاءِ أكْمَلَ، وإخْلاصُهُ في طَلَبِهِ أشَدَّ، والدُّعاءُ لا يَتَّصِلُ بِالإجابَةِ، إلّا إذا كانَ مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ، وهَذا أيْضًا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَنًّا آخَرَ مَن آدابِ الدُّعاءِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِإظْهارِ نِهايَةِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، بِبَيانِ خُلُودِ عَذابِهِمْ، بِفِقْدانِ مَن يَنْصُرُهم، ويَقُومُ بِتَخْلِيصِهِمْ. وغَرَضُهم تَأْكِيدُ الِاسْتِدْعاءِ. ووَضْعُ (الظّالِمِينَ) مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُدْخَلِينَ، لِذَمِّهِمْ، والإشْعارِ بِتَعْلِيلِ دُخُولِهِمْ النّارَ بِظُلْمِهِمْ، ووَضْعِهِمْ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها. وجَمْعُ (الأنْصارِ) بِالنَّظَرِ إلى جَمْعِ الظّالِمِينَ، أيْ: ما لِظالِمٍ مِنَ الظّالِمِينَ نَصِيرٌ مِنَ الأنْصارِ. والمُرادُ بِهِ مَن يَنْصُرُ بِالمُدافَعَةِ والقَهْرِ. فَلَيْسَ في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالظّالِمِينَ هم الكُفّارُ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - . وقَوْلُهُ تَعالى:

آل عمران 3:193

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٩٣ ] ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ . ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ لَهم، وتَصْدِيرُ مُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ بِالنِّداءِ لِإظْهارِ كَمالِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ. والتَّأْكِيدُ لِلْإيذانِ بِصُدُورِ المَقالِ عَنْهم بِوُفُورِ الرَّغْبَةِ، وكَمالِ النَّشاطِ. والمُرادُ بِالمُنادِي: الرَّسُولُ ﷺ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] وفي وصْفِهِ ﷺ بِـ (المُنادِي) دِلالَةٌ عَلى كَمالِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِ الدَّعْوى وتَبْلِيغِها إلى (p-١٠٧٠)اَلدّانِي والقاصِي؛ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ: ﴿يُنادِي لِلإيمانِ﴾ أيْ: لِأجْلِ الإيمانِ بِاَللَّهِ. فَإنْ قُلْتَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في الجَمْعِ بَيْنَ (المُنادِي) و(يُنادِي) ؟ قُلْتُ: ذُكِرَ النِّداءُ مُطْلَقًا ثُمَّ مُقَيَّدًا بِالإيمانِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ المُنادِي؛ لِأنَّهُ لا مُنادِيَ أعْظَمُ مِن مُنادٍ يُنادِي لِلْإيمانِ. ونَحْوُهُ قَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِهادٍ يَهْدِي لِلْإسْلامِ، وذَلِكَ أنَّ المُنادِيَ إذا أُطْلِقَ، ذَهَبَ الوَهْمُ إلى مُنادٍ لِلْحَرْبِ، أوْ لِإطْفاءِ النّائِرَةِ، أوْ لِإغاثَةِ المَكْرُوبِ، أوْ لِكِفايَةِ بَعْضِ النَّوازِلِ، أوْ لِبَعْضِ المَنافِعِ. وكَذَلِكَ الهادِي قَدْ يُطْلَقُ عَلى مَن يَهْدِي لِلطَّرِيقِ، ويَهْدِي لِسَدادِ الرَّأْيِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. فَإذا قُلْتَ: يُنادِي لِلْإيمانِ، ويَهْدِي لِلْإسْلامِ، فَقَدْ رَفَعْتَ مِن شَأْنِ المُنادِي والهادِي، وفَخَّمْتَهُ. ويُقالُ: دَعاهُ لِكَذا وإلى كَذا، ونَدَبَهُ لَهُ وإلَيْهِ، وناداهُ لَهُ وإلَيْهِ، ونَحْوُهُ: هَداهُ لِلطَّرِيقِ وإلَيْهِ. وذَلِكَ أنَّ مَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ، ومَعْنى الِاخْتِصاصِ واقِعانِ جَمِيعًا - أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - . ﴿أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ أيْ: فامْتَثَلْنا أمْرَهُ، وأجَبْنا نِداءَهُ، و: (أنْ) إمّا تَفْسِيرِيَّةٌ، أيْ: آمِنُوا، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِأنْ آمِنُوا: ﴿رَبَّنا﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّضَرُّعِ، وإظْهارٌ لِكَمالِ الخُضُوعِ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ أيْ: اسْتُرْ لَنا ذُنُوبَنا ولا تَفْضَحْنا بِها، وأذْهِبْ عَنّا سَيِّئاتِنا بِتَبْدِيلِها حَسَناتٍ: ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ أيْ: مَعْدُودِينَ في جُمْلَتِهِمْ حَتّى نَكُونَ في دَرَجَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. والأبْرارُ جَمْعُ بارٍّ أوْ بَرٍّ، وهو كَثِيرُ البِرِّ (بِالكَسْرِ) أيْ: الطّاعَةِ.

آل عمران 3:194

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٩٤ ] ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ . ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ أيْ: عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ والإيمانِ بِهِمْ. أوْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. وهو الثَّوابُ، وهَذا حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ لَهم، مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ. وتَكْرِيرُ (p-١٠٧١)اَلنِّداءِ لِما مَرَّ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ قَصَدُوا بِذَلِكَ تَذْكِيرَ وعْدِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] بِإظْهارِ أنَّهم مِمَّنْ آمَنَ مَعَهُ.

آل عمران 3:195

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٩٥ ] ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ . ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي﴾ أيْ: بِأنِّي: ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ لِـ (عامِلٍ ) وتَأْكِيدٌ لِعُمُومِهِ: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ: الذَّكَرُ مِنَ الأُنْثى والأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ، كُلُّكم بَنُو آدَمَ. وهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ سَبَبَ شَرِكَةِ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ، فِيما وعَدَ اللَّهُ عِبادَهُ العامِلِينَ. ورَوى الحافِظُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا أسْمَعُ اللَّهَ ذَكَرَ النِّساءَ في الهِجْرَةِ بِشَيْءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ الآيَةُ -» وقالَتْ الأنْصارُ: هي أوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتْ عَلَيْنا - ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ، (p-١٠٧٢)والحاكِمُ في (مُسْتَدْرَكِهِ) وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، ولَمْ يُخَرِّجاهُ. ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ إلى آخِرِها. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَن حَزَبَهُ أمْرٌ، فَقالَ: خَمْسَ مَرّاتٍ (رَبَّنا) - أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ، وأعْطاهُ ما أرادَ. وقَرَأ الآياتِ. ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وهو تَفْصِيلٌ لِعَمَلِ العامِلِ مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ، كَأنَّهُ قالَ: فاَلَّذِينَ عَمِلُوا هَذِهِ الأعْمالَ السُّنِّيَّةَ وهي المُهاجِرَةُ عَنْ أوْطانِهِمْ فارِّينَ إلى اللَّهِ بِدِينِهِمْ مِن دارِ الفِتْنَةِ: ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ أيْ: الَّتِي وُلِدُوا فِيها ونَشَأُوا: ﴿وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ أيْ: مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، يُرِيدُ سَبِيلَ الإيمانِ بِاَللَّهِ وحْدَهُ، وهو مُتَناوِلٌ لِكُلِّ أذًى نالَهم مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿وقاتَلُوا وقُتِلُوا﴾ أيْ: غَزَوْا المُشْرِكِينَ واسْـتُشْهِدُوا: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ، خَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِوَعْدِ ما سَألَهُ الدّاعُونَ بِخُصُوصِهِ، بَعْدَ ما وعَدَ ذَلِكَ عُمُومًا: ﴿ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ قُصُورِها الأنْهارُ، مِن أنْواعِ المَشارِبِ مِن لَبَنٍ وعَسَلٍ وخَمْرٍ وماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ: ﴿ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ وإدْخالَ الجَنَّةِ، في مَعْنى الإثابَةِ. وأضافَهُ إلَيْهِ تَعالى لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ عَظِيمٌ، لِأنَّ العَظِيمَ الكَرِيمَ لا يُعْطِي إلّا جَزِيلًا كَثِيرًا. كَما قِيلَ: ؎إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْـ طِـ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ أيْ: حُسْنُ الجَزاءِ لِمَن عَمِلَ صالِحًا.

آل عمران 3:196

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قُبْحَ ما أُوتِيَ الكَفَرَةُ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وكَشَفَ عَنْ حَقارَةِ شَأْنِها وسُوءِ مَغَبَّتِها، إثْرَ بَيانِ حُسْنِ ما أُوتِيَ المُؤْمِنُونَ مِنَ الثَّوابِ، بِقَوْلِهِ: (p-١٠٧٣)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٩٦ ] ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ أيْ: تَصَرُّفُهم فِيها بِالمَتاجِرِ والمَكاسِبِ، أيْ: لا تَنْظُرْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِن سِعَةِ الرِّزْقِ ودَرْكِ العاجِلِ.

آل عمران 3:197

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٩٧ ] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أيْ: هو مَتاعٌ قَلِيلٌ، لِقِصَرِ مُدَّتِهِ، وكَوْنِهِ بُلْغَةً فانِيَةً، ونِعْمَةً زائِلَةً، فَلا قَدْرَ لَهُ في جَنْبِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: ««واَللَّهِ ! ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ»» . ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ أيْ: مَصِيرُهم الَّذِي إلَيْهِ يَأْوُونَ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: الفَراشُ هي.

آل عمران 3:198

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٩٨ ] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُـزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُـزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِكَمالِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ، غِبُّ بَيانٍ وتَكْرِيرٍ لَهُ، إثْرَ تَقْرِيرٍ، مَعَ زِيادَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنّاتِ لِيَتِمَّ بِذَلِكَ سُرُورُهُمْ، ويَزْدادَ تَبَجُّحُهُمْ، ويَتَكامَلَ بِهِ سُوءُ حالِ الكَفَرَةِ. والنُّزُلُ (بِضَمَّتَيْنِ، وضَمٍّ فَسُكُونٍ): المَنزِلُ، وما هُيِّئَ لِلنَّزِيلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وما (p-١٠٧٤)عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ أيْ: مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ الزّائِلِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأبْرارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الصِّفاتِ المَعْدُودَةَ مِن أعْمالِ البِرِّ، كَما أنَّها مِن قَبِيلِ التَّقْوى. رَوى الشَّيْخانِ - واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ - «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو في مَشْرُبَةٍ، وإنَّهُ لَعَلى حَصِيرٍ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ شَيْءٌ، وتَحْتَ رَأْسِهِ وِسادَةٌ مَن أدَمٍ حَشْوُها لِيفٌ، وعِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظٌ مَصْبُورٌ، وعِنْدَ رَأْسِهِ أُهُبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأيْتُ أثَرَ الحَصِيرِ في جَنْبِهِ (p-١٠٧٥)فَبَكَيْتُ، فَقالَ: «ما يُبْكِيكَ» ؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كِسْرى وقَيْصَرَ فِيما هم فِيهِ، وأنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ! فَقالَ: «أما تَرْضى أنْ تَكُونَ لَهم الدُّنْيا، ولَنا الآخِرَةُ»» ؟ ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ما مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ، إلّا المَوْتُ خَيْرٌ لَها، لَئِنْ كانَ بَرًّا، لَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ (p-١٠٧٦)وقَرَأ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ، وما مِن كافِرٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ ويَقُولُ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨] الآيَةُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ رَزِينٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ.

آل عمران 3:199

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٩٩ ] ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسَ كُلُّهم كَمَن حُكِيَتْ هَناتُهم مِن نَبْذِ المِيثاقِ، وتَحْرِيفِ الكِتابِ وغَيْرِ ذَلِكَ. بَلْ مِنهم طائِفَةٌ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ حَقَّ الإيمانِ، ويُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ ما هم مُؤْمِنُونَ بِهِ مِنَ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، وأنَّهم خاشِعُونَ لِلَّهِ، أيْ: مُطِيعُونَ لَهُ، خاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أيْ: لا يَكْتُمُونَ ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ البِشارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وهَؤُلاءِ هم خِيرَةُ أهْلِ الكِتابِ وصَفْوَتُهُمْ، سَواءٌ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى، وقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا (p-١٠٧٧)مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] الآيَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وقالَ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وهَذِهِ الصِّفاتُ تُوجَدُ في اليَهُودِ، ولَكِنْ قَلِيلًا، كَما وُجِدَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ مِمَّنْ آمَنَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ، ولَمْ يَبْلُغُوا عَشْرَةَ أنْفُسٍ. وأمّا النَّصارى فَكَثِيرٌ مِنهم يَهْتَدُونَ ويَنْقادُونَ لِلْحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْـزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٤] ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥] وهَكَذا قالَ هُنا: ﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ «أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا قَرَأ سُورَةَ (كهيعص) (p-١٠٧٨)بِحَضْرَةِ النَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ، وعِنْدَهُ البَطارِكَةُ والقَساوِسَةُ، بَكى وبَكَوْا مَعَهُ حَتّى أخْضَبُوا لِحاهم». وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ النَّجاشِيَّ لَمّا ماتَ نَعاهُ النَّبِيُّ ﷺ إلى أصْحابِهِ وقالَ: «إنَّ أخًا لَكم بِالحَبَشَةِ قَدْ ماتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ»، فَخَرَجَ إلى الصَّحْراءِ فَصَفَّهم وصَلّى عَلَيْهِ». ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ النَّجاشِيُّ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْتَغْفِرُوا لِأخِيكم» . فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: يَأْمُرُنا أنْ نَسْتَغْفِرَ لِعِلْجٍ ماتَ بِأرْضِ الحَبَشَةِ ؟ ! فَنَزَلَتْ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ الآيَةُ» - ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أيْضًا مُرْسَلًا. ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جابِرٍ، وفِيهِ: «فَقالَ المُنافِقُونَ: يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ ماتَ بِأرْضِ الحَبَشَةِ ؟ ! فَنَزَلَتْ». ورَوى الحاكِمُ في (مُسْتَدْرِكِهِ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَ بِالنَّجاشِيِّ عَدُوٌّ مِن أرْضِهِمْ، فَجاءَهُ المُهاجِرُونَ فَقالُوا: إنّا نُحِبُّ أنْ نَخْرُجَ إلَيْهِمْ حَتّى نُقاتِلَ مَعَكَ وتَرى جُرْأتَنا ونَجْزِيكَ ما صَنَعْتَ بِنا، فَقالَ: لَداءٌ بِنَصْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - خَيْرٌ مِن دَواءٍ بِنُصْرَةِ النّاسِ. قالَ: وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ الآيَةُ - ثُمَّ قالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، ولَمْ يُخَرِّجاهُ. وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ، يَعْنِي: مُسْلِمَةَ أهْلِ الكِتابِ. وقالَ عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ: سَألْتُ الحَسَنَ البَصْرِيَّ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ (p-١٠٧٩)اَلْآيَةُ - قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ فاتَّبَعُوهُ وعَرَفُوا الإسْلامَ، فَأعْطاهُ اللَّهُ أجْرَ اثْنَيْنِ: لِلَّذِي كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ واتِّباعِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ - . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أُجُورَهم مَرَّتَيْنِ»، فَذَكَرَ مِنهم رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِي» - أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ - . ثُمَّ إنَّ الإخْبارَ، في آخِرِ الآيَةِ، بِكَوْنِهِ تَعالى: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ عِلْمِهِ بِمَقادِيرِ الأُجُورِ ومَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ، وأنَّهُ يُوَفِّيها كُلَّ عامِلٍ عَلى ما يَنْبَغِي، وقَدْرِ ما يَنْبَغِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ قُرْبِ إنْجازِ ما وعَدَ مِنَ الأجْرِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِها. ولِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِها أشْبَهَ التَّأْكِيدَ، فَلِذا لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - .(p-١٠٨٠)

آل عمران 3:200

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٠٠ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ وما يَمَسُّكم مِنَ المَكارِهِ والشَّدائِدِ: ﴿وصابِرُوا﴾ أيْ: غالِبُوا أعْداءَ اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الجِهادِ. لا تَكُونُوا أقَلَّ صَبْرًا مِنهم وثَباتًا. والمُصابَرَةُ: بابٌ مِنَ الصَّبْرِ. ذُكِرَ بَعْدَ الصَّبْرِ عَلى ما يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ، تَخْصِيصًا، لِشِدَّتِهِ وصُعُوبَتِهِ - كَذا في (الكَشّافِ) -: ﴿ورابِطُوا﴾ أيْ: أقِيمُوا عَلى مُرابَطَةِ الغَزْوِ في نَحْرِ العَدُوِّ بِالتَّرَصُّدِ والِاسْتِعْدادِ لِحَرْبِهِمْ، وارْتِباطِ الخَيْلِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] والرِّباطُ في الأصْلِ أنْ يَرْبِطَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ خُيُولَهم في ثَغْرِهِ، وكُلٌّ مُعِدٌّ لِصاحِبِهِ، ثُمَّ صارَ لُزُومُ الثَّغْرِ رِباطًا. ورُبَّما سُمِّيَتْ الخَيْلُ أنْفُسُها رِباطًا، وقَدْ يُتَجَوَّزُ بِالرِّباطِ عَنْ المُلازَمَةِ والمُواظَبَةِ عَلى الأمْرِ، فَتُسَمّى: رِباطًا ومُرابَطَةً. قالَ الفارِسِيُّ: هو ثانٍ مِن لُزُومِ الثَّغْرِ، ولُزُومُ الثَّغْرِ ثانٍ مِن رِباطِ الخَيْلِ. وقَدْ ورَدَتْ الأخْبارُ بِالتَّرْغِيبِ في الرِّباطِ، وكَثْرَةِ أجْرِهِ. فَمِنها ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ سَهْلِ (p-١٠٨١)بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيْها»» . ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««رِباطُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ»، وإنْ ماتَ جَرى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأمِنَ الفَتّانَ». ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلى عَمَلِهِ، إلّا الَّذِي ماتَ مُرابِطًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويَأْمَنُ فِتْنَةَ القَبْرِ»»، وهَكَذا رَواهُ أبُو داوُدَ واَلتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ أيْضًا. وبَقِيَتْ أحادِيثُ أُخَرُ ساقَها الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ. هَذا ومِنَ الوُجُوهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (رابِطُوا) أنْ يَكُونَ مَعْناهُ انْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ألا أُخْبِرُكم بِما يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطايا، ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ: إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكم الرِّباطُ، فَذَلِكم الرِّباطُ، فَذَلِكم الرِّباطُ»»، فَشَبَّهَ ﷺ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ الصّالِحَةِ بِالرِّباطِ. ورَوى الحاكِمُ في (مُسْتَدْرِكِهِ) والحافِظُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: (p-١٠٨٢)أقْبَلَ عَلَيَّ أبُو هُرَيْرَةَ يَوْمًا فَقالَ: أتَدْرِي، يا ابْنَ أخِي ! فِيمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ ؟ قُلْتُ: لا ؟ قالَ: أما إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوٌ يُرابِطُونَ فِيهِ، ولَكِنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ يَعْمُرُونَ المَساجِدَ، ويُصَلُّونَ الصَّلاةَ في مَواقِيتِها، ثُمَّ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيها، فَعَلَيْهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿اصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ: ﴿وصابِرُوا﴾ أنْفُسَكم وهَواكم ورابِطُوا في مَساجِدِكم. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما عَلَيْكم: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: تَفُوزُونَ بِما يُغْتَبَطُ بِهِ، و (لَعَلَّ) لِتَغْيِيبِ المَآلِ. لِئَلّا يَتَّكِلُوا عَلى الآمالِ. (p-١٠٨٣)خاتِمَةٌ فِيما ورَدَ في الآياتِ الأواخِرِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وفي فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِتَمامِها. قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآياتِ العَشْرَ مِن آخَرِ آلِ عِمْرانَ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ لِتَهَجُّدِهِ». رَوى البُخارِيُّ «عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أهْلِهِ ساعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمّا كانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، قَعَدَ فَنَظَرَ إلى السَّماءِ، فَقالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ثُمَّ قامَ فَتَوَضَّأ، واسْتَنَّ، ثُمَّ صَلّى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أذَّنَ بِلالٌ، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلّى بِالنّاسِ الصُّبْحَ -» وهَكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ، ورَواهُ البُخارِيُّ مِن طَرِيقٍ أُخْرى بِلَفْظِ: «حَتّى إذا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن مَنامِهِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ الآياتِ الخَواتِيمَ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.». الحَدِيثُ - وهَكَذا أخْرَجَهُ الجَماعَةُ مِن طُرُقٍ. ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «أمَرَنِي العَبّاسُ أنْ أبِيتَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأحْفَظَ صَلاتَهُ، قالَ: فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنّاسِ صَلاةَ العِشاءِ الأخِيرَةَ، حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ في المَسْجِدِ أحَدٌ غَيْرِي، قامَ فَمَرَّ بِي فَقالَ: مَن هَذا ؟ عَبْدُ اللَّهِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ ! قالَ: فَمَهْ ؟ قُلْتُ: أمَرَنِي العَبّاسُ أنْ أبِيتَ بِكم اللَّيْلَةَ، قالَ: فالحَقُّ، الحَقُّ. (p-١٠٨٤)فَلَمّا دَخَلَ قالَ: افْرِشْ، عَبْدَ اللَّهِ ! فَأتى بِوِسادَةٍ مِن مُسُوحٍ، قالَ: فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْها حَتّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، ثُمَّ اسْتَوى عَلى فِراشِهِ قاعِدًا، قالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ فَقالَ: «سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ» ثَلاثَ مَرّاتٍ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآياتِ مِن آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ حَتّى خَتَمَها» . وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِيهِ حَدِيثًا في ذَلِكَ أيْضًا. ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ذاتَ لَيْلَةٍ بَعْدَ ما مَضى لَيْلٌ، فَنَظَرَ إلى السَّماءِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قَلْبِي نُورًا، وفي سَمْعِي نُورًا، وفي بَصَرِي نُورًا، وعَنْ يَمِينِي نُورًا، وعَنْ شِمالِي نُورًا، ومِن بَيْنِ يَدَيَّ نُورًا، ومِن خَلْفِي نُورًا، ومِن فَوْقِي نُورًا، ومِن تَحْتِي نُورًا، وأعْظِمْ لِي نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ»» . وهَذا الدُّعاءُ ثابِتٌ في بَعْضِ طُرُقِ الصَّحِيحِ مِن رِوايَةِ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدِيثًا عَنْ عائِشَةَ، وفِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««وما يَمْنَعُنِي أنَّ أبْكِيَ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ثُمَّ قالَ: ويْلٌ لِمَن قَرَأ هَذِهِ الآياتِ ثُمَّ لَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها»» . ومِمّا ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ واَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ: ««يُؤْتى بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ وأهْلِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ وآلُ عِمْرانَ» . وضَرَبَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَةَ أمْثالٍ، ما نَسِيتُهُنَّ بَعْدَ، قالَ: كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ ظُلَّتانِ سَوْداوانِ، بَيْنَهُما شَرْقٌ (أيْ: ضِياءٌ ونُورٌ)، أوْ كَأنَّهُما حِزْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافَّ تُحاجّانِ عَنْ صاحِبِهِما» . واَللَّهُ سُبْحانَهُ المُوَفِّقُ. (p-١٠٨٥)تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ صَباحَ الجُمْعَةِ في ١١ ذِي القِعْدَةِ الحَرامِ سَنَةَ ١٣١٨ وذَلِكَ في حَرَمِ جامِعِ السَّنانِيَّةِ في الشُّبّاكِ القِبْلِيِّ مِنَ السُّدَّةِ اليُمْنى العُلْيا بِيَدِ جامِعِهِ الفَقِيرِ مُحَمَّدْ جَمالِ الدِّينِ القاسِمِيِّ الدِّمَشْقِيِّ غُفِرَ لَهُ ولِوالِدَيْهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ. آمِينَ. ويَلِيهِ الجُزْءُ الخامِسُ وفِيهِ: تَفْسِيرُ سُورَةِ النِّساءِ.