Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الأنعام 6:109 – الأعراف 7:53

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. الأنعام 6:109
  2. الأنعام 6:110
  3. الأنعام 6:111
  4. الأنعام 6:112
  5. الأنعام 6:113
  6. الأنعام 6:114
  7. الأنعام 6:115
  8. الأنعام 6:116
  9. الأنعام 6:117
  10. الأنعام 6:118
  11. الأنعام 6:119
  12. الأنعام 6:120
  13. الأنعام 6:121
  14. الأنعام 6:122
  15. الأنعام 6:123
  16. الأنعام 6:124
  17. الأنعام 6:125
  18. الأنعام 6:126
  19. الأنعام 6:127
  20. الأنعام 6:128
  21. الأنعام 6:129
  22. الأنعام 6:130
  23. الأنعام 6:131
  24. الأنعام 6:132
  25. الأنعام 6:133
  26. الأنعام 6:134
  27. الأنعام 6:135
  28. الأنعام 6:136
  29. الأنعام 6:137
  30. الأنعام 6:138
  31. الأنعام 6:139
  32. الأنعام 6:140
  33. الأنعام 6:141
  34. الأنعام 6:142
  35. الأنعام 6:143
  36. الأنعام 6:144
  37. الأنعام 6:145
  38. الأنعام 6:146
  39. الأنعام 6:147
  40. الأنعام 6:148
  41. الأنعام 6:149
  42. الأنعام 6:150
  43. الأنعام 6:151
  44. الأنعام 6:152
  45. الأنعام 6:153
  46. الأنعام 6:154
  47. الأنعام 6:155
  48. الأنعام 6:156
  49. الأنعام 6:157
  50. الأنعام 6:158
  51. الأنعام 6:159
  52. الأنعام 6:160
  53. الأنعام 6:161
  54. الأنعام 6:162
  55. الأنعام 6:163
  56. الأنعام 6:164
  57. الأنعام 6:165
  58. الأعراف 7:1
  59. الأعراف 7:2
  60. الأعراف 7:3
  61. الأعراف 7:4
  62. الأعراف 7:5
  63. الأعراف 7:6
  64. الأعراف 7:7
  65. الأعراف 7:8
  66. الأعراف 7:9
  67. الأعراف 7:10
  68. الأعراف 7:11
  69. الأعراف 7:12
  70. الأعراف 7:13
  71. الأعراف 7:14
  72. الأعراف 7:15
  73. الأعراف 7:16
  74. الأعراف 7:17
  75. الأعراف 7:18
  76. الأعراف 7:19
  77. الأعراف 7:20
  78. الأعراف 7:21
  79. الأعراف 7:22
  80. الأعراف 7:23
  81. الأعراف 7:24
  82. الأعراف 7:25
  83. الأعراف 7:26
  84. الأعراف 7:27
  85. الأعراف 7:28
  86. الأعراف 7:29
  87. الأعراف 7:30
  88. الأعراف 7:31
  89. الأعراف 7:32
  90. الأعراف 7:33
  91. الأعراف 7:34
  92. الأعراف 7:35
  93. الأعراف 7:36
  94. الأعراف 7:37
  95. الأعراف 7:38
  96. الأعراف 7:39
  97. الأعراف 7:40
  98. الأعراف 7:41
  99. الأعراف 7:42
  100. الأعراف 7:43
  101. الأعراف 7:44
  102. الأعراف 7:45
  103. الأعراف 7:46
  104. الأعراف 7:47
  105. الأعراف 7:48
  106. الأعراف 7:49
  107. الأعراف 7:50
  108. الأعراف 7:51
  109. الأعراف 7:52
  110. الأعراف 7:53

الأنعام 6:109

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٩] ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. أيْ: أقْسَمُوا بِهِ تَعالى جاهِدِينَ في أيْمانِهِمْ، باذِلِينَ في تَوْثِيقِها طاقَتَهُمْ: ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ أيْ: خارِقٌ كَما اقْتَرَحُوا. ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: أمْرُها في حُكْمِهِ وقَضائِهِ خاصَّةً، يَتَصَرَّفُ بِها حَسَبَ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، لا تَتَعَلَّقُ بِها قُدْرَةُ أحَدٍ ولا مَشِيئَتُهُ، حَتّى يُمْكِنَنِي أنْ أتَصَدّى لِاسْتِنْزالِها بِالِاسْتِدْعاءِ. وهَذا سَدٌّ لِبابِ الِاقْتِراحِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ، بِبَيانِ صُعُوبَةِ مَنالِها، وعُلُوِّ شَأْنِها. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. (p-٢٤٦٦)﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قُرِئَ: "إنَّها" بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما يُدْرِيكم إيمانَهُمْ؟ ثُمَّ أخْبَرَهم بِما عَلِمَ مِنهم إخْبارًا ابْتِدائِيًّا. أوْ هو جَوابُ سُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ وُبِّخُوا؟ فَقِيلَ: لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ! أوْ هو مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِهِ: وما يُشْعِرُكم فَإنَّهُ أُبْرِزَ في مَعْرِضِ المُحْتَمَلِ، كَأنَّهُ سَألَ عَنْهُ سُؤالَ شاكٍّ، ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ لِ: أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ جَزْمًا بِالطَّرَفِ الخالِفِ، وبَيانًا لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ. وفِيهِ إنْكارٌ لِتَصْدِيقِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ صِدْقِ المُشْرِكِينَ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ. وهَذا نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ البَيانِيِّ، لَطِيفُ المَسْلَكِ، هَذا عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ إذْ كانُوا يَتَمَنَّوْنَ مَجِيءَ الآيَةِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ. وقِيلَ: هو لِلْمُشْرِكِينَ، لِقِراءَةِ: "لا تُؤْمِنُونَ"، فَيَكُونُ فِيهِ التِفاتٌ. وقُرِئَ: أنَّها بِالفَتْحِ، وعَلَيْهِ فَقِيلَ: مُقْتَضى حُسْنِ ظَنِّ المُؤْمِنِينَ بِهَؤُلاءِ المُعانِدِينَ، حَذْفُ (لا). وتَوْضِيحُ ذَلِكَ بِالمِثالِ أنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: أكْرِمْ زَيْدًا يُكافِئْكَ، قُلْتَ في إنْكارِهِ: ما أدْراكَ أنِّي إذا أكْرَمْتُهُ يُكافِئُنِي؟! فَإنْ قِيلَ: لا تُكْرِمْهُ فَإنَّهُ لا يُكافِئُكَ، قُلْتَ في إنْكارٍ: ما أدْراكَ أنَّهُ لا يُكافِئُنِي؟! تُرِيدُ: وأنا أعْلَمُ مِنهُ المُكافَأةَ. فَمُقْتَضى حُسْنِ ظَنِّ المُؤْمِنِينَ بِالمُشْرِكِينَ أنْ يُقالَ: وما يُدْرِيكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ، فَإثْباتُ (لا) يَعْكِسُ المَعْنى، إلى أنَّ المَعْلُومَ لَكَ الثُّبُوتُ، وأنْتَ تُنْكِرُ عَلى مَن نَفى. وقَدْ وُجِّهَ الفَتْحُ بِسِتَّةِ وُجُوهٍ: مِنها - جَعْلُ (لا) صِلَةً، كَقَوْلِهِ: ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] أيْ: يَرْجِعُونَ. وضَعَّفَ الزَّجّاجُ هَذا الوَجْهَ، بِأنَّ ما كانَ لَغْوًا يَكُونُ كَذَلِكَ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ هُنا، فَإنَّ (لا) (p-٢٤٦٧)عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ لَيْسَتْ بِصِلَةٍ. وأجابَ الفارِسِيُّ بِأنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَغْوًا عَلى أحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ، ومُفِيدًا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي؟ انْتَهى. ومِنها - جَعْلُ: "أنَّ" بِمَعْنى (لَعَلَّ). قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ العَرَبُ: ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَنا شَيْئًا، أيْ: لَعَلَّكَ. فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. قالَ الواحِدِيُّ: "أنَّ" بِمَعْنى (لَعَلَّ) كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لِأنَّنِي أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا وقالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: ؎أعاذِلَ ما يُدْرِيكِ أنَّ مَنِيَّتِي ∗∗∗ إلى ساعَةٍ في اليَوْمِ أوْ في ضُحى الغَدِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّ (يُشْعِرُكُمْ) و(يُدْرِيكُمْ) بِمَعْنًى. وكَثِيرًا ما تَأْتِي (لَعَلَّ) بَعْدَ فِعْلِ الدِّرايَةِ. نَحْوَ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "وما أدْراكَ لَعَلَّها إذا جاءَتْهم لا يُؤْمِنُونَ". ومِنها - جَعْلُ: "أنَّ" بِمَعْنى هَلْ. ومِنها - جَعْلُ الكَلامِ جَوابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ بِناءً عَلى أنَّ: "إنَّ" في جَوابِ القَسَمِ يَجُوزُ فَتْحُها. والَّذِي ارْتَضاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ المُحَقِّقُونَ حَمْلَ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وأنَّ الِاسْتِفْهامَ (p-٢٤٦٨)فِي مَعْنى النَّفْيِ، والإخْبارَ بِعَدَمِ العِلْمِ لا إنْكارَ عَلَيْهِمْ. والمَعْنى: وما يُدْرِيكم أنَّ الآيَةَ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، يَعْنِي: أنا أعْلَمُ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وأنْتُمْ لا تَدْرُونَ ذَلِكَ. قالَ فِي" الِانْتِصافِ ": لَمّا جاءَتِ الآيَةُ تُفْهِمُ، بِبادِئٍ، أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ الإيمانَ مِنهُمْ، وأنْكَرَ عَلى المُؤْمِنِينَ نَفْيَهم لَهُ، والواقِعُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. اخْتَلَفَ العُلَماءُ (وساقَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في الوُجُوهِ) ثُمَّ قالَ: وأمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَتَفَطَّنَ لِبَقاءِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها وقَرارِها في نِصابِها، مِن غَيْرِ حَذْفٍ ولا تَأْوِيلٍ. فَقالَ قَوْلَهُ السّالِفَ. ونَحْنُ نُوَضِّحُ اطِّرادَهُ في المِثالِ المُتَقَدِّمِ، لِيَتَّضِحَ بِوَجْهَيْهِ في الآيَةِ، فَنَقُولُ: إذا حَرَمْتَ زَيْدًا لِعِلْمِكَ بِعَدَمِ مُكافَأتِهِ، فَأُشِيرَ عَلَيْكَ بِالإكْرامِ بِناءً عَلى أنَّ المُشِيرَ يَظُنُّ المُكافَأةَ، فَلَكَ مَعَهُ حالَتانِ: حالَةٌ تُنْكِرُ عَلَيْهِ ادِّعاءَ العِلْمِ بِما يُعْلَمُ خِلافُهُ، وحالَةٌ تَعْذُرُهُ في عَدَمِ العِلْمِ بِما أحَطْتَ بِهِ عِلْمًا. فَإنْ أنْكَرْتَ عَلَيْهِ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنَّهُ يُكافِئُ؟ وإنْ عَذَرْتَهُ في عَدَمِ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يُكافِئُ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنَّهُ لا يُكافِئُ؟ يَعْنِي: ومِن أيْنَ تَعْلَمُ أنْتَ ما عَلِمْتُهُ أنا مِن عَدَمِ مُكافَأتِهِ، وأنْتَ لا تَخْبُرُ أمْرَهُ خُبْرِي. فَكَذَلِكَ الآيَةُ إنَّما ورَدَ فِيها الكَلامُ إقامَةَ عُذْرٍ لِلْمُؤْمِنِينَ في عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالمَغِيبِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وهو عَدَمُ إيمانِ هَؤُلاءِ. فاسْتَقامَ دُخُولُ (لا) وتَعَيَّنَ، وتَبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ الِاضْطِرابِ التِباسُ الإنْكارِ بِإقامَةِ الأعْذارِ. انْتَهى. وفِي نَفْيِ السَّبَبِ، وهو الإشْعارُ، مُبالَغَةٌ في نَفْيِ المُسَبِّبِ، وهو الشُّعُورُ. قالَ الخَفاجِيُّ: وفي نَفْيِ المُسَبِّبِ بِهَذا الطَّرِيقِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في نَفْيِها بِدُونِها؛ لِأنَّ في الكِنايَةِ إثْباتَ الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ، عَلى تَقْدِيرِ مَجِيءِ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ لَهُمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُنْزِلْها لِعِلْمِهِ بِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. فَعَدَمُ الإنْزالِ لِعَدَمِ الإيمانِ. و(يُشْعِرُكم ويَنْصُرُكُمْ) ونَحْوَهُ، قُرِئَ بِضَمٍّ خالِصٍ وسُكُونٍ واخْتِلاسٍ.

الأنعام 6:110

(p-٢٤٦٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٠] ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (لا يُؤْمِنُونَ)، داخِلٌ في حُكْمِ (ما يُشْعِرُكُمْ)، مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ. أيْ: وما يُشْعِرُكم أنّا نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم عَنْ إدْراكِ الحَقِّ فَلا يَفْقَهُونَهُ. وأبْصارَهم عَنِ اجْتِلائِهِ فَلا يُبْصِرُونَهُ، لَكِنْ لا مَعَ تَوَجُّهِها إلَيْهِ، واسْتِعْدادِها لِقَبُولِهِ، بَلْ لِكَمالِ نُبُوِّها عَنْهُ، وإعْراضِها بِالكُلِّيَّةِ. ولِذَلِكَ أُخِّرَ ذِكْرُهُ عَنْ ذِكْرِ عَدَمِ إيمانِهِمْ، إشْعارًا بِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ، وحَسْمًا لِتَوَهُّمِ أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ ناشِئٌ مِن تَقْلِيبِهِ تَعالى مَشاعِرَهم بِطَرِيقِ الإجْبارِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أيْ: بِما جاءَ مِنَ الآياتِ: ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: قَبْلَ سُؤالِهِمُ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ أيْ: نَدَعُهُمْ: ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ، لا نَهْدِيهِمْ هِدايَةَ المُؤْمِنِينَ. قالَ أبُو السُّعُودِ (ونَذَرُهُمْ) عَطْفٌ عَلى (يُؤْمِنُونَ)، داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، مُقَيَّدٌ بِهِ، مُبَيِّنٌ لِما هو المُرادُ بِتَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ، ومُعْرِبٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ، بِأنْ يُقَلِّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَشاعِرَهم عَنِ الحَقِّ، مَعَ تَوَجُّهِهِمْ إلَيْهِ، واسْتِعْدادِهِمْ لَهُ بِطَرِيقِ الإجْبارِ، بَلْ بِأنْ يُخَلِّيَهم وشَأْنَهُمْ، بَعْدَ ما عَلِمَ فَسادَ اسْتِعْدادِهِمْ، وفَرْطَ نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وعَدَمَ تَأْثِيرِ اللُّطْفِ فِيهِمْ أصْلًا، ويَطْبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُمْ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ. انْتَهى. وفِي "اللُّبابِ": في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ، ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، وأنَّ (p-٢٤٧٠)القُلُوبَ والأبْصارَ بِيَدِهِ وفي تَصْرِيفِهِ، فَيُقِيمُ ما شاءَ مِنها، ويُزِيغُ ما أرادَ مِنها. ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ««يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ! ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ»» . انْتَهى.

الأنعام 6:111

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كَذِبَهم في أيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ بِقَوْلِهِ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١١] ﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ أيْ: ولَوْ أنَّنا لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى إيتاءِ ما اقْتَرَحُوهُ هُنا مِن آيَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ، كَما قالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ. ﴿وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ كَما قالُوا: فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: ﴿وحَشَرْنا﴾ أيْ: جَمَعْنا: ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ والجَماداتِ ﴿قُبُلا﴾ أيْ: كُفَلاءَ بِصِحَّةِ ما بُشِّرُوا بِهِ وأُنْذِرُوا: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِغُلُوِّهِمْ في التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إيمانَهم فَيُؤْمِنُوا ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ أيْ: (p-٢٤٧١)إنَّهم لَوْ أُوتُوا كُلَّ آيَةٍ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما لا يَكادُ يَكُونُ. أوْ يَجْهَلُونَ أنَّ الإيمانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لا بِخَوارِقِ العاداتِ. قالَ القاشانِيُّ: وفي الحَقِيقَةِ لا اعْتِبارَ بِالإيمانِ المُرَتَّبِ عَلى مُشاهَدَةِ خَوارِقِ العاداتِ، فَإنَّهُ رُبَّما كانَ مُجَرَّدَ إذْعانٍ لِأمْرٍ مَحْسُوسٍ، وإقْرارٍ بِاللِّسانِ، ولَيْسَ في القَلْبِ مِن مَعْناهُ شَيْءٌ، كَإيمانِ أصْحابِ السّامِرِيِّ. والإيمانُ لا يَكُونُ إلّا بِالجَنانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] تَنْبِيهانِ: الأوَّلُ: يُقْرَأُ (قُبُلًا) بِضَمِّ القافِ والباءِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى الكَفِيلِ، مِثْلَ قَلِيبٍ وقَلْبٍ؛ والآخَرُ: أنَّهُ مُفْرَدٌ، كَقُبُلِ الإنْسانِ ودُبُرِهِ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ هو حالٌ مِن كُلٍّ. ويُقْرَأُ بِالضَّمِّ وسُكُونِ الباءِ عَلى تَخْفِيفِ الضَّمَّةِ يُقْرَأُ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، وانْتِصابِهِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. كَقَوْلِهِمْ: لِي قِبَلَ فُلانٍ حَقٌّ. أوْ عَلى الحالِيَّةِ، وهو مَصْدَرٌ، أيْ: ومُشاهَدَةً. الثّانِي: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ حُجَّةٌ واضِحَةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، حَتّى الإيمانُ والكُفْرُ. وقَدِ اتَّفَقَ سَلَفُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وحَمَلَةُ شَرِيعَتِها عَلى أنَّهُ ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. ولِلْمُعْتَزِلَةِ تَحَيُّلٌ في المُدافَعَةِ بِحَمْلِ المَشِيئَةِ المَنفِيَّةِ، عَلى مَشِيئَةِ القَسْرِ والِاضْطِرارِ. وإنَّما يَتِمُّ لَهم ذَلِكَ أنْ لَوْ كانَ القُرْآنُ يَتْبَعُ الآراءَ. وأمّا وهو القُدْوَةُ والمَتْبُوعُ، فَما خالَفَهُ حِينَئِذٍ وتَزَحْزَحَ عَنْهُ، فَإلى النّارِ، وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ.

الأنعام 6:112

ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَمّا كانَ يُقاسِيهِ مِن قَوْمِهِ، بِتَأسِّيهِ بِمَن سَبَقَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ سُبْحانَهُ: (p-٢٤٧٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٢] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ الَّذِي جَعَلْناهُ في حَقِّكَ، حَيْثُ جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا يُضادُّونَكَ ولا يُؤْمِنُونَ، جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ تَقَدَّمَكَ عَدُوًّا مِن مَرَدَةِ الإنْسِ والجِنِّ، فَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلَ بِكَ أعْداؤُكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] وقالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ ما جِئْتَ بِهِ إلّا عُودِيَ. ﴿يُوحِي﴾ أيْ: يُلْقِي ويُوَسْوِسُ: ﴿بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ أيِ: المُمَوَّهَ مِنهُ، المُزَيَّنَ ظاهِرُهُ، الباطِلَ باطِنُهُ ﴿غُرُورًا﴾ أيْ: لِلضُّعَفاءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهم أهْلَ الحِجابِ، وكَذا الغابِرِينَ، لِيَقْهَرَهم بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَداوَةَ الكَفَرَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وخَلْقِهِ. قالَ المَهايِمِيُّ: لِتَظْهَرَ الحُجَجُ بِمُجادَلَتِهِمْ، وتَرْتَفِعَ شُبُهاتُهُمْ، ولِئَلّا يُقالَ إنَّهُ شَخْصٌ ساعَدَهُ الكُلُّ لِيَأْكُلُوا أمْوالَ النّاسِ، أوْ يَتَواسَوْا عَلَيْهِمْ. ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ أيْ: ما فَعَلُوا ذَلِكَ، يَعْنِي: مُعاداةَ الأنْبِياءِ، وإيحاءَ الزَّخارِفِ. وهو أيْضًا دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ أيْ: مِنَ الكُفْرِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.

الأنعام 6:113

ثُمَّ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: غُرُورًا عِلَّةً ثانِيَةً لِلْإيحاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٤٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٣] ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ﴾ أيْ: يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ، لِيَغُرَّهم بِهِ، ولِتَمِيلَ إلَيْهِ: ﴿أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ لِمُساعِدَتِهِ لَهم عَلى أهْوائِهِمْ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ أيْ: لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ ما مالَتْ إلَيْهِ قُلُوبُهم ﴿ولِيَقْتَرِفُوا﴾ أيْ: ولِيَكْتَسِبُوا بِمُوجِبِ ارْتِضائِهِمْ لَهُ ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: مِنَ الآثامِ. قالَ القاشانِيُّ: فَتَقْوى غَوايَتُهُمْ، ويَتَظاهَرُونَ، ويَخْرُجُ ما فِيهِمْ مِنَ الشُّرُورِ إلى الفِعْلِ، ويَزْدادُوا طُغْيانًا وتَعَدِّيًا عَلى النَّبِيِّ، فَتَزْدادَ قُوَّةُ كَمالِهِ، وتَهِيجَ أيْضًا بِسَبَبِهِ دَواعِي المُؤْمِنِينَ، والَّذِينَ في اسْتِعْدادِهِمْ مُناسَبَةٌ لِلنَّبِيِّ، فَتَنْبَعِثَ حَمِيَّتُهُمْ، وتَزْدادَ مَحَبَّتُهم لِلنَّبِيِّ، ونَصْرُهم إيّاهُ، فَتَظْهَرَ عَلَيْهِمْ كَمالاتُهم. لَطِيفَةٌ: إنَّما خَصَّ بِالذِّكْرِ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ، دُونَ ما عَداها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الإيمانُ بِها، وهم بِها كافِرُونَ، إشْعارًا بِما هو المَدارُ في صَغْوِ أفْئِدَتِهِمْ إلى ما يُلْقى إلَيْهِمْ؛ فَإنَّ لَذّاتِ الآخِرَةِ مَحْفُوفَةٌ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِالمَكارِهِ، وآلامَها مُزَيَّنَةٌ بِالشَّهَواتِ، فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وبِأحْوالِ ما فِيها، لا يَدْرُونَ أنَّ وراءَ تِلْكَ المَكارِهِ لَذّاتٍ، ودُونَ هَذِهِ الشَّهَواتِ آلامًا، وإنَّما يَنْظُرُونَ إلى ما بَدا لَهم في الدُّنْيا بادِئَ الرَّأْيِ، فَهم مُضْطَرُّونَ إلى حُبِّ الشَّهَواتِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُزَخْرَفاتُ الأقاوِيلِ، ومُمَوَّهاتُ الأباطِيلِ. وأمّا المُؤْمِنُونَ بِها، فَحَيْثُ كانُوا واقِفِينَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، ناظِرِينَ إلى عَواقِبِ الأُمُورِ، لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُمُ المَيْلُ إلى تِلْكَ المُزَخْرَفاتِ، لِعِلْمِهِمْ بِبُطْلانِها، ووَخامَةِ عاقِبَتِها. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

الأنعام 6:114

(p-٢٤٧٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٤] ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْـزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، كَما في نَظائِرِهِ، أيْ: قُلْ لَهُمْ: أفَغَيْرَ اللَّهِ أطْلُبُ مَن يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، ويَفْصِلُ المُحِقَّ مِنّا مِنَ المُبْطِلِ. والمَعْنى: أطْلُبُ مَعْبُودًا؛ لِأنَّهُ كانُوا يَتَحاكَمُونَ إلى طَواغِيتِهِمْ - وهَذا عِنْدِي أظْهَرُ - ثُمَّ رَأيْتُ في "تَنْوِيرِ المِقْباسِ" الِاقْتِصارَ عَلَيْهِ، حَيْثُ قالَ: أبْتَغِي حَكَمًا أعْبُدُ رَبًّا. وأمّا كَوْنُ الآيَةِ وارِدَةً عَلى قَوْلِهِمْ: (اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا) فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الِانْصِياعِ لِذَلِكَ. ﴿وهُوَ الَّذِي أنْـزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ﴾ أيِ: القُرْآنَ المُعْجِزَ ﴿مُفَصَّلا﴾ أيْ: مُبَيَّنًا فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَلالِ والحَرامِ، وأنْتُمْ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا تَدْرُونَ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ. وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: الأُولى: قالَ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ الخَوارِجُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ عَلى إنْكارِهِمُ التَّحْكِيمَ. قالَ: وهو مَرْدُودٌ، فَإنَّ التَّحْكِيمَ المُنْكَرَ أنْ يُرِيدَ حَكَمًا يَحْكُمُ بِغَيْرِ ما حَكَمَ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى. قُلْتُ: هَذا مَبْنِيٌّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأظْهَرَ الوَجْهُ الثّانِي، فَلا اسْتِدْلالَ، ولا رَدَّ. الثّانِيَةُ: قالُوا: الحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ، وأدَلُّ عَلى الرُّسُوخِ، لِما أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلى إلّا عَلى العادِلِ، وعَلى مَن تَكَرَّرَ مِنهُ الحُكْمُ، بِخِلافِ الحاكِمِ. (p-٢٤٧٥)الثّالِثَةُ: في الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ كافٍ في أمْرِ الدِّينِ، مُغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ، بِبَيانِهِ وتَفْصِيلِهِ. ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ لِما عِنْدَهم مِنَ البِشاراتِ بِكَ مِنَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ولِتَصْدِيقِهِ ما عِنْدَهُمْ، مَعَ أنَّهُ ﷺ لَمْ يُمارِسْ كُتُبَهُمْ، ولَمْ يُخالِطْ عُلَماءَهم. وهَذا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِبَيانِ أنَّ الَّذِينَ وثِقَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ عالِمُونَ بِحَقِيقَتِهِ ونُزُولِهِ مِن عِنْدِهِ تَعالى. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ، بِسَبَبِ جُحُودِ أكْثَرِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ، فَيَكُونُ مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٥] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] قالَ: وهَذا شَرْطٌ، والشَّرْطُ لا يُقْتَضى وُقُوعُهُ. ولِهَذا جاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا أشُكُّ ولا أسْألُ»» . انْتَهى.

الأنعام 6:115

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٥] ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١١٩] وقُرِئَ: (كَلِماتُ رَبِّكَ) أيْ: بَلَغَتِ الغايَةَ أخْبارُهُ وأحْكامُهُ ومَواعِيدُهُ: ﴿صِدْقًا﴾ في الأخْبارِ والمَواعِيدِ: ﴿وعَدْلا﴾ في الأقْضِيَةِ والأحْكامِ. (p-٢٤٧٦)وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَمَّ قَضاؤُهُ تَعالى في الأزَلِ بِما قَضى وقَدَّرَ مِن إسْلامِ مَن أسْلَمَ، وكُفْرِ مَن كَفَرَ، ومَحَبَّةِ مَن أحَبَّ، وعَداوَةِ مَن عادى، قَضاءً مُبْرَمًا، وحُكْمًا صادِقًا، مُطابِقًا لِما يَقَعُ، عادِلًا بِمُناسَبَةِ كُلِّ قَوْلٍ وكُلِّ كَمالٍ وحالٍ، لِاسْتِعْدادِ مَن يَصْدُرُ عَنْهُ واقْتِضائِهِ لَهُ. انْتَهى. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ يُبَدِّلُ شَيْئًا مِنها بِما هو أصْدَقُ وأعْدَلُ. أوْ لا أحَدَ يَقْدِرُ أنْ يُحَرِّفَها شائِعًا ذائِعًا، كَما فُعِلَ بِالتَّوْراةِ. عَلى أنَّ المُرادَ بِها القُرْآنُ فَيَكُونُ ضَمانًا لَها مِنهُ تَعالى بِالحِفْظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: لا مُبَدِّلَ لِأحْكامِهِ الأزَلِيَّةِ. انْتَهى. قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": يَسْتَدِلُّ بِهِ مَن قالَ إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى لَمْ يُبَدِّلُوا لَفْظَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وإنَّما بَدَّلُوا المَعْنى؛ لِأنَّ كَلِماتِ اللَّهِ لا تُبَدَّلُ. انْتَهى - وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - أخْرَجَها البُخارِيُّ في آخِرِ صَحِيحِهِ. وبَسَطَ المَقامَ في ذَلِكَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "فَتْحِ البارِي". وتَقَدَّمَ لَنا في سُورَةِ البَقَرَةِ شَذْرَةٌ مِن هَذا البَحْثِ، فَجَدِّدْ بِهِ عَهْدًا. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِما يُظْهِرُونَ مِنَ الأقْوالِ: ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: بِما يُخْفُونَ.

الأنعام 6:116

ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى مِنَ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ والعَمَلِ بِآثارِهِمْ بِقَوْلِهِ: (p-٢٤٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٦] ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ النّاسِ، وهو الكُفّارُ: ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلَيْهِ، بِتَزْيِينِهِمْ زَخارِفَهم عَلَيْكَ، ودَعْوَتِهِمْ إيّاكَ إلى ما هم فِيهِ مِنَ اتِّباعِ الهَوى، كَما قالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ وهو ظَنُّهم أنَّ آباءَهم كانُوا عَلى الحَقِّ، فَهم يُقَلِّدُونَهُمْ: ﴿وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى فِيما يَنْسُبُونَ إلَيْهِ، كاتِّخاذِ الوَلَدِ، وجَعْلِ عِبادَةِ الأوْثانِ وصْلَةً إلَيْهِ، وتَحْلِيلِ المَيْتَةِ، وتَحْرِيمِ البَحائِرِ. و(إنْ) فِيهِ وفِيما قَبْلَهُ نافِيَةٌ. والخَرْصُ: الحَزْرُ والتَّخْمِينُ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ، وأصْلُهُ القَوْلُ بِالظَّنِّ، وقَوْلُ ما لا يُسْتَيْقَنُ ويُتَحَقَّقُ. قالَهُ الأزْهَرِيُّ.

الأنعام 6:117

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ، وما بَعْدَها. وتَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ مِنَ التَّحْذِيرِ. أيْ: هو أعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ، فاحْذَرْ أنْ تَكُونَ مِنَ الأوَّلِينَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. تَنْبِيهٌ: قالَ الرّازِيُّ: تَمَسَّكَ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: رَأيْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى بالَغَ في ذَمِّ الكُفّارِ في كَثِيرٍ مِن آياتِ القُرْآنِ، بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لِلظَّنِّ. والشَّيْءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى مُوجِبًا لِذَمِّ الكُفّارِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في المَعْنى في أقْصى مَراتِبِ الذَّمِّ. والعِلْمُ بِالقِياسِ يُوجِبُ اتِّباعَ الظَّنِّ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَذْمُومًا مُحَرَّمًا. لا يُقالُ: لَمّا ورَدَ الدَّلِيلُ القاطِعُ بِكَوْنِهِ حُجَّةً، كانَ العَمَلُ لَهُ عَمَلًا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ، لا بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ. لِأنّا نَقُولُ: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ: (p-٢٤٧٨)الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ القاطِعَ إمّا أنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا، وإمّا أنْ يَكُونَ سَمْعِيًّا، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَقْلَ لا مَجالَ لَهُ في أنَّ العَمَلَ بِالقِياسِ جائِزٌ أوْ غَيْرُ جائِزٍ، لا سِيَّما عِنْدَ مَن يُنْكِرُ تَحْسِينَ العَقْلِ وتَقْبِيحَهُ. والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ إنَّما يَكُونُ قاطِعًا لَوْ كانَ مُتَوَتِّرًا، أوْ كانَتْ ألْفاظُهُ غَيْرَ مُحْتَمِلَةٍ لِوَجْهٍ آخَرَ، سِوى هَذا المَعْنى الواحِدِ. ولَوْ حَصَلَ مِثْلُ هَذا الدَّلِيلِ لَعَلِمَ النّاسُ بِالضَّرُورَةِ كَوْنَ القِياسِ حُجَّةً، ولارْتَفَعَ الخِلافُ فِيهِ بَيْنَ الأُمَّةِ. فَحَيْثُ لَمْ يُوجَدُ ذَلِكَ. عَلِمْنا أنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى صِحَّةِ القِياسِ مَفْقُودٌ. الثّانِي: هَبْ أنَّهُ وُجِدَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ، إلّا أنَّ مَعَ ذَلِكَ لا يَتِمُّ العَمَلُ بِالقِياسِ إلّا مَعَ اتِّباعِ الظَّنِّ. وبَيانُهُ أنَّ التَّمَسُّكَ بِالقِياسِ مَبْنِيٌّ عَلى مَقامَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الحُكْمَ في مَحَلِّ الوِفاقِ مُعَلَّلٌ بِكَذا. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ المَعْنى حاصِلٌ في مَحَلِّ الخِلافِ. فَهَذانِ المَقامانِ، إنْ كانا مَعْلُومَيْنِ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ واليَقِينِ، فَهَذا مِمّا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُقَلاءِ في صِحَّتِهِ. وإنْ كانَ مَجْمُوعُهُما، أوْ كانَ أحَدُهُما ظَنِّيًّا، فَحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ العِلْمُ بِهَذا القِياسِ إلّا بِمُتابَعَةِ الظَّنِّ، وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ تَحْتَ النَّصِّ الدّالِّ عَلى أنَّ مُتابَعَةَ الظَّنِّ مَذْمُومَةٌ. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الظَّنُّ عِبارَةٌ عَنِ الِاعْتِقادِ الرّاجِحِ إذا لَمْ يَسْتَنِدْ إلى أمارَةٍ، وهو مِثْلُ اعْتِقادِ الكُفّارِ. أمّا إذا كانَ الِاعْتِقادُ الرّاجِحُ مُسْتَنِدًا إلى أمارَةٍ، فَهَذا الِاعْتِقادُ لا يُسَمّى ظَنًّا، وبِهَذا الطَّرِيقِ سَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ. انْتَهى.

الأنعام 6:118

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٨] ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أمْرٌ مُتَرَتَّبٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَةِ إضْلالِهِمْ تَحْلِيلُ الحَرامِ وتَحْرِيمُ الحَلالِ؛ وذَلِكَ أنَّهم خاصَمُوا المُسْلِمِينَ فَقالُوا: ما ذَبَحَ اللَّهُ لا تَأْكُلُونَهُ، وما ذَبَحْتُمْ أنْتُمْ أكَلْتُمُوهُ - أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - (p-٢٤٧٩)فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والمَعْنى: كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلى ذَبْحِهِ، لِرَفْعِهِ تَنْجِيسَ المَوْتِ إيّاهُ المانِعَ مِنَ الأكْلِ، لا مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ، أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِها يَقْتَضِي اسْتِباحَةَ ما أحَلَّهُ سُبْحانَهُ، واجْتِنابَ ما حَرَّمَهُ.

الأنعام 6:119

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٩] ﴿وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يَدْعُوهم إلى الِاجْتِنابِ عَنْ أكْلِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ تَعالى مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. أيْ: وأيُّ غَرَضٍ لَكم في أنْ تَتَحَرَّجُوا مِن أكْلِهِ، وما يَمْنَعُكم عَنْهُ؟: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بَيَّنَهُ ووَضَّحَهُ. قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي في آيَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآيَةَ.. ورُدَّ بِأنَّ المائِدَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، والأنْعامُ مَكِّيَّةٌ. فالصَّوابُ أنَّ التَّفْصِيلَ إمّا (p-٢٤٨٠)فِي قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ.. فَإنَّهُ ذُكِرَ بَعْدُ بِيَسِيرٍ، وهَذا القَدْرُ مِنَ التَّأخُّرِ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ، وإمّا عَلى لِسانِ الرَّسُولِ، ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ في القُرْآنِ. و(فَصَّلَ) و(حَرَّمَ) قُرِئَ كُلٌّ مِنهُما مَعْلُومًا ومَجْهُولًا. ومَعْنى الآيَةِ: لا مانِعَ لَكم مِن أكْلِ ما ذُكِرَ، وقَدْ بَيَّنَ لَكُمُ المُحَرَّمَ أكْلُهُ، وهَذا لَيْسَ مِنهُ. ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: مِمّا حُرِّمَ عَلَيْكم. أيْ: إلّا أنْ تَدْعُوَكُمُ الضَّرُورَةُ إلى أكْلِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ المَجاعَةِ، فَيُباحُ لَكم. ﴿وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّها: ﴿بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: يُضِلُّونَ فَيُحَرِّمُونَ ويُحَلِّلُونَ بِأهْوائِهِمْ وشَهَواتِهِمْ، مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِشَرِيعَةٍ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ أيِ: المُتَجاوِزِينَ لِحُدُودِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، والحَلالِ إلى الحَرامِ. تَنْبِيهٌ: قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ القَوْلَ في الدِّينِ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ حَرامٌ؛ لِأنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ قَوْلٌ بِمَحْضِ الهَوى والشَّهْوَةِ، والآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ. انْتَهى. وقالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ الفَتْوى والحُكْمِ بِغَيْرِ دَلالَةٍ، ولَكِنِ اتِّباعَ الهَوى.

الأنعام 6:120

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ فَصَّلَ المُحَرَّماتِ، أتْبَعَهُ بِما يُوجِبُ تَرْكَها بِالكُلِّيَّةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: (p-٢٤٨١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٠] ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ﴾ أيْ: سَيِّئاتِ الأعْمالِ والأقْوالِ الظّاهِرَةَ عَلى الجَوارِحِ: ﴿وباطِنَهُ﴾ أيْ: ما يُسَرُّ مِنهُ بِالقَلْبِ كالعَقائِدِ الفاسِدَةِ، والعَزائِمِ الباطِلَةِ. أوْ ما يُعْلَنُ مِنَ الذُّنُوبِ وما يُسَرُّ مِنها، ويَسْتَتِرُ فِيهِ. قالَ السُّدِّيُّ: ظاهِرُهُ الزِّنا مَعَ البَغايا ذَواتِ الرّاياتِ، وباطِنُهُ مَعَ الخَلِيلَةِ والصَّدائِقِ والأخْدانِ. ولا يَخْفى أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ في كُلِّ مُحَرَّمٍ، ولِذا قالَ قَتادَةُ: أيْ: سِرَّهُ وعَلانِيَتَهُ، قَلِيلَهُ وكَثِيرَهُ، وصَغِيرَهُ وكَبِيرَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: يَكْتَسِبُونَ. قالَ الشِّهابُ: الِاقْتِرافُ في اللُّغَةِ الِاكْتِسابُ، وأكْثَرُ ما يُقالُ في الشَّرِّ والذَّنْبِ. ولِذا قِيلَ: الِاعْتِرافُ يُزِيلُ الِاقْتِرافَ وقَدْ يَرِدُ في الخَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] انْتَهى. وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ نَوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٢٤٨٢)««البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ ما حاكَ في نَفْسِكَ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ»» . قالَ الحاكِمُ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يُؤاخَذُ بِأفْعالِ القَلْبِ، كَما يُؤاخَذُ بِأفْعالِ الجَوارِحِ. أيْ: عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ فِيها.

الأنعام 6:121

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢١] ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عِنْدَ ذَبْحِهِ. أيْ: بِأنْ ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ، يَعْنِي: ذُبِحَ لِغَيْرِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والفِسْقُ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، كَما في الآيَةِ الآتِيَةِ آخِرَ السُّورَةِ. قالَ المَهايِمِيُّ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أيْ: خُرُوجٌ عَنِ الحُسْنِ إلى القُبْحِ، بِتَناوُلِ ما تَنَجَّسَ بِالمَوْتِ بِلا مانِعٍ عَنْ تَأْثِيرِهِ ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ﴾ أيْ: يُوَسْوِسُونَ ﴿إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الكُفّارِ ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ أيْ: في تَحْلِيلِ المَيْتَةِ ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: في تَحْلِيلِ ما حَرَّمَ اللَّهُ، أوْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ أيْ: لَهم مَعَ اللَّهِ، فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «أتى ناسٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنّا نَأْكُلُ ما نَقْتُلُ، ولا نَأْكُلُ ما يَقْتُلُ اللَّهُ تَعالى، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾» . أخْرَجَهُ أصْحابُ السُّنَنِ. وفِي رِوايَةٍ لِأبِي داوُدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ (p-٢٤٨٣)قالَ: يَقُولُونَ: ما ذَبَحَ اللَّهُ - فَلا تَأْكُلُوا، وما ذَبَحْتُمْ أنْتُمْ فَكُلُوا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فَنُسِخَ، واسْتَثْنى مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] وعِنْدَ النَّسائِيِّ قالَ: خاصَمَهُمُ المُشْرِكُونَ، فَقالُوا: ما ذَبَحَ اللَّهُ لا تَأْكُلُونَهُ، وما ذَبَحْتُمْ أنْتُمْ أكَلْتُمُوهُ؟ - كَذا في تَيْسِيرِ الوُصُولِ. الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ فَقِيلَ: بِاسْمِ اللَّهِ، بِهَذا اللَّفْظِ الكَرِيمِ. وقِيلَ بِكُلِّ قَوْلٍ فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهُ كالرَّحْمَنِ، وسائِرِ أسْمائِهِ الحُسْنى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] الثّالِثُ: ما قَدَّمْناهُ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى هو الأظْهَرُ في تَأْوِيلِها، لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ومُراعاةُ النَّظائِرِ في القُرْآنِ أوْلى ما يُلْتَمَسُ بِهِ المُرادُ. وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: نَزَلَتْ في ذَبائِحَ كانَتْ تَذْبَحُها قُرَيْشٌ عَلى الأوْثانِ، (p-٢٤٨٤)وذَبائِحِ المَجُوسِ. وقَدْ حاوَلَ بَعْضُهم أنْ يُقَوِّيَهُ فَجَعَلَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالِيَّةً، لِقُبْحِ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ. قالَ: والمَعْنى: لا تَأْكُلُوهُ حالَ كَوْنِهِ فِسْقًا. والفِسْقُ مُجْمَلٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥] فَيَكُونُ النَّهْيُ مَخْصُوصًا بِما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَيَبْقى ما عَداهُ حَلالًا، إمّا بِالمَفْهُومِ، أوْ بِعُمُومِ دَلِيلِ الحِلِّ، أوْ بِحُكْمِ الأصْلِ. واعْتُرِضَ عَلى هَذا الحَمْلُ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَتَناوَلَ النَّهْيُ أكْلَ المَيْتَةِ، مَعَ أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ، وبِأنَّ التَّأْكِيدَ بِ (إنَّ) و(اللّامِ) يَنْفِي كَوْنَ الجُمْلَةِ حالِيَّةً؛ لِأنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ فِيما قُصِدَ الإعْلامُ بِتَحَقُّقِهِ البَتَّةَ، والرَّدُّ عَلى مُنْكَرٍ تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا (عَلى ما بُيِّنَ في المَعانِي)، والحالُ الواقِعُ في الأمْرِ والنَّهْيِ مَبْناهُ عَلى التَّقْدِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَأْكُلُوا مِنهُ إنْ كانَ فِسْقًا، فَلا يَحْسُنُ: (وإنَّهُ لَفِسْقٌ) بَلْ (وهُوَ فِسْقٌ) وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ دَخَلَ بِقَوْلِهِ: وإنَّهُ لَفِسْقٌ: ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وبِقَوْلِهِ: وإنَّ الشَّياطِينَ ... إلَخْ المَيْتَةُ، فَيَتَحَقَّقُ أنَّ هَذا النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ، أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِالفِسْقِ هَهُنا الإهْلالَ لِغَيْرِ اللَّهِ، كانَ التَّأْكِيدُ مُناسِبًا، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَأْكُلُوا مِنهُ إذا كانَ هَذا النَّوْعُ مِنَ الفِسْقِ الَّذِي الحَكَمُ بِهِ مُتَحَقِّقٌ، والمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَهُ. كَذا في "العِنايَةِ". ومِمّا يُقَوِّيهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الخُرُوجُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو وجْهٌ ثانٍ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ فَإنَّ مَن أكَلَ المَيْتَةَ، أوْ ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ فِسْقٌ، ومَعَ الِاسْتِحْلالِ يَكْفُرُ، بِخِلافِ ما ذَبَحَهُ المُسْلِمُ ولَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ، فَإنَّ آكِلَهُ لا يَفْسُقُ ولا يَكْفُرُ إجْماعًا - أشارَ لَهُ الرّازِيُّ - وحِينَئِذٍ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ ذَبِيحَةِ المُسْلِمِ الَّتِي تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ عَلَيْها عَمْدًا أوْ سَهْوًا. وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في "مَراسِيلِهِ" عَنِ الصَّلْتِ السُّدُوسِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ، ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ أوْ لَمْ يَذْكُرْهُ، إنَّهُ إنْ ذَكَرَ لَمْ يَذْكُرْ إلّا اسْمَ اللَّهِ»» . قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا مُرْسَلٌ يُعَضَّدُ بِما رَواهُ اَلدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «إذا ذَبَحَ المُسْلِمُ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَلْيَأْكُلْ، فَإنَّ المُسْلِمَ فِيهِ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى» . (p-٢٤٨٥)واحْتَجَّ البَيْهَقِيُّ أيْضًا بِحَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ قَوْمًا قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أمْ لا، فَقالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ أنْتُمْ وكُلُوهُ. قالَتْ: وكانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ -» رَواهُ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ - قالَ: فَلَوْ كانَ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ شَرْطًا لَمْ يُرَخِّصْ لَهم إلّا مَعَ تَحَقُّقِها. وكَذا قالَ الخَطابِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّسْمِيَةَ غَيْرُ شَرْطٍ عَلى الذَّبِيحَةِ، لِأنَّها لَوْ كانَتْ شَرْطًا لَمْ تُسْتَبَحِ الذَّبِيحَةُ بِالأمْرِ المَشْكُوكِ فِيهِ، كَما لَوْ عَرَضَ الشَّكُّ في نَفْسِ الذَّبِيحَةِ، فَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ وقَعَتِ الذَّكاةُ المُعْتَبَرَةُ أمْ لا؟ وهَذا هو المُتَبادِرُ مِن سِياقِ الحَدِيثِ، حَيْثُ وقَعَ الجَوابُ فِيهِ: (سَمُّوا أنْتُمْ)، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: لا تَهْتَمُّوا بِذَلِكَ، بَلِ الَّذِي يَهُمُّكم أنْتُمْ أنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وتَأْكُلُوا. وهَذا مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. ومِمّا يَدُلُّ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَأباحَ الأكْلَ مِن ذَبائِحِهِمْ، مَعَ وُجُودِ الشَّكِّ في أنَّهم سَمَّوْا أمْ لا. هَذا، وقَدْ تَمَسَّكَ بِظاهِرِ الآيَةِ قَوْمٌ فَذَهَبُوا إلى أنَّ الذَّبِيحَةَ لا تَحِلُّ إذا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْها، وإنْ كانَ الذّابِحُ مُسْلِمًا، عَمْدًا تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ أوْ نِسْيانًا. واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ الصَّيْدِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] وبِالأحادِيثِ الوارِدَةِ في الأمْرِ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبِيحَةِ والصَّيْدِ، (p-٢٤٨٦)كَحَدِيثَيْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ وأبِي ثَعْلَبَةَ: ««إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ»»، وهُما في الصَّحِيحَيْنِ. (p-٢٤٨٧)وحَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: ««ما أنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلُوهُ»» - في الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا -. وحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِلْجِنِّ: «لَكم كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»» . رَواهُ مُسْلِمٌ. (p-٢٤٨٨)وحَدِيثُ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيانَ البَجَلِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن ذَبَحَ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ، فَلْيَذْبَحْ مَكانَها أُخْرى، ومَن لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ حَتّى صَلَّيْنا، فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»» - أخْرَجاهُ. قالُوا: فَفي هَذِهِ الأحادِيثِ إيقافُ الإذْنِ في الأكْلِ عَلى التَّسْمِيَةِ، والمُعَلَّقُ بِالوَصْفِ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفائِهِ، عِنْدَ مَن يَقُولُ بِالمَفْهُومِ. والشَّرْطُ أقْوى مِنَ الوَصْفِ. واحْتَجُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ عائِشَةَ المُتَقَدِّمِ «سَمُّوا عَلَيْهِ أنْتُمْ وكُلُوا» . قالُوا: إنَّ القَوْمَ فَهِمُوا أنَّ التَّسْمِيَةَ لا بُدَّ مِنها، وخَشُوا أنْ لا تَكُونَ وُجِدَتْ مِن أُولَئِكَ، لِحَداثَةِ إسْلامِهِمْ، فَأمَرَهم بِالِاحْتِياطِ بِالتَّسْمِيَةِ عَنِ الأكْلِ، لِتَكُونَ كالعِوَضِ عَنِ المَتْرُوكَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ، إنْ لَمْ تَكُنْ وُجِدَتْ. أيْ: فَتَسْمِيَتُكُمُ الآنَ تَسْتَبِيحُونَ بِها كُلَّ ما لَمْ تَعْلَمُوا أذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ (p-٢٤٨٩)أمْ لا، إذا كانَ الذّابِحُ مِمَّنْ تَصِحُّ ذَبِيحَتُهُ إذا سَمّى. قالُوا: ويُسْتَفادُ مِنهُ أنَّ كُلَّ ما يُوجَدُ في أسْواقِ المُسْلِمِينَ مَحْمُولٌ عَلى الصِّحَّةِ، وكَذا ما ذَبَحَهُ أعْرابُ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّهم عَرَفُوا التَّسْمِيَةَ. انْتَهى. وأجابَ مَن حَمَلَ الآيَةَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ؛ بِأنَّ الأمْرَ في حَدِيثِ عَدِيِّ وأبِي ثَعْلَبَةَ مَحْمُولٌ عَلى التَّنْزِيهِ، مِن أجْلِ أنَّهُما كانا يَصِيدانِ عَلى مَذْهَبِ الجاهِلِيَّةِ، فَعَلَّمَهُما النَّبِيُّ ﷺ أمْرَ الصَّيْدِ والذَّبْحِ، فَرْضَهُ ومَندُوبَهُ؛ لِئَلّا يُوافِقا شُبْهَةً في ذَلِكَ، ولِيَأْخُذا بِأكْمَلِ الأُمُورِ. وأمّا الَّذِينَ سَألُوا عَنْ تِلْكَ الذَّبائِحِ، فَإنَّهم سَألُوا عَنْ أمْرٍ قَدْ وقَعَ لِغَيْرِهِمْ، فَعَرَّفَهم بِأصْلِ الحِلِّ فِيهِ. وقالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ التَّسْمِيَةُ هُنا عِنْدَ الأكْلِ، وبِذَلِكَ جَزَمَ النَّوَوِيُّ. وأمّا التَّسْمِيَةُ عَلى ذَبْحٍ تَوَلّاهُ غَيْرُهُمْ، فَلا تُكَلَّفُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وإنَّما يُحْمَلُ عَلى غَيْرِ الصِّحَّةِ إذا تَبَيَّنَ خِلافُها. وقالَ المُهَلَّبُ: هَذا الحَدِيثُ أصْلٌ في أنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ فَرْضًا. فَلَمّا نابَتْ تَسْمِيَتُهم عَنِ التَّسْمِيَةِ عَلى الذَّبْحِ، دَلَّ عَلى أنَّها سُنَّةٌ؛ لِأنَّ السُّنَّةَ لا تَنُوبُ عَنْ فَرْضٍ. انْتَهى. وذَهَبَ بَعْضُ مَنِ اشْتَرَطَ التَّسْمِيَةَ في الحِلِّ إلى جَوازِ أكْلِ ما تُرِكَتْ عَلَيْهِ سَهْوًا لا عَمْدًا. واحْتَجَّ بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««المُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، إنْ نَسِيَ أنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ، فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ولِيَأْكُلْهُ»» . قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: ورَفْعُهُ خَطَأٌ والصَّوابُ وقْفُهُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، مِن قَوْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ البَيْهَقِيُّ. واحْتَجَّ أيْضًا بِالحَدِيثِ المَرْوِيِّ مِن طُرُقٍ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي ذَرٍّ وعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (p-٢٤٩٠)عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ وضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ والنِّسْيانَ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»» . ورَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ ثَوْبانَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: ««رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ...»» . الحَدِيثَ. ورَوى ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أرَأيْتَ الرَّجُلَ مِنّا يَذْبَحُ ويَنْسى أنْ يُسَمِّيَ! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اسْمُ اللَّهِ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وقَدْ عَلِمْتَ الأظْهَرَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ أوَّلًا. واللَّهُ أعْلَمُ. الرّابِعُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ: هَلْ نُسِخَ مَن حَكَمَها شَيْءٌ أمْ لا؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُنْسَخْ مِنها شَيْءٌ، وهي مُحْكَمَةٌ فِيما عُنِيَتْ بِهِ. وعَلى هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وعِكْرِمَةَ أنَّهُ تَعالى نَسَخَ مِن هَذِهِ الآيَةِ واسْتَثْنى قَوْلَهُ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَكْحُولٍ أيْضًا أنَّهُ تَعالى نَسَخَها بِذَلِكَ وأحَلَّ طَعامَ أهْلِ الكِتابِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ أنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ حِلِّ طَعامِ أهْلِ الكِتابِ، وبَيْنَ تَحْرِيمِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي قالَهُ صَحِيحٌ. ومَن أطْلَقَ مِنَ السَّلَفِ النَّسْخَ هَهُنا، فَإنَّما أرادَ التَّخْصِيصَ. انْتَهى. وقَدْ قَدَّمْنا في المُقَدِّمَةِ أنَّهُ عُلِمَ مِنَ اسْتِقْراءِ كَلامِ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ أنَّهم كانُوا يَسْتَعْلِمُونَ النَّسْخَ بِإزاءِ المَعْنى اللُّغَوِيِّ، الَّذِي هو إزالَةُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، لا بِإزاءِ مُصْطَلَحِ الأُصُولِيِّينَ. فَمَعْنى النَّسْخِ عِنْدَهم إزالَةُ بَعْضِ الأوْصافِ مِنَ الآيَةِ بِآيَةٍ أُخْرى. إمّا بِانْتِهاءِ مُدَّةِ العَمَلِ، أوْ بِصَرْفِ الكَلامِ عَنِ المَعْنى المُتَبادِرِ إلى غَيْرِهِ، أوْ بَيانِ كَوْنِ قَيْدٍ مِنَ القُيُودِ اتِّفاقِيًّا، أوْ تَخْصِيصِ عامٍّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أسْلَفْنا، فَتَذَكَّرْ! (p-٢٤٩١)الخامِسُ: قالَ الزَّجّاجُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أحَلَّ شَيْئًا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى، أوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا أحَلَّ اللَّهُ تَعالى، فَهو مُشْرِكٌ. وإنَّما سُمِّيَ مُشْرِكًا لِأنَّهُ أثْبَتَ حاكِمًا سِوى اللَّهِ تَعالى. وهَذا هو الشِّرْكُ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ أيْ: حَيْثُ عَدَلْتُمْ عَنْ أمْرِ اللَّهِ لَكم وشَرْعِهِ إلى قَوْلِ غَيْرِهِ، فَقَدَّمْتُمْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَهَذا هو الشِّرْكُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] الآيَةَ. وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ في تَفْسِيرِها «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عَبَدُوهم. قالَ: إنَّهم أحَلُّوا لَهُمُ الحَرامَ، وحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الحَلالَ فاتَّبَعُوهم. فَذاكَ عِبادَتُهم إيّاهم». انْتَهى. السّادِسُ: قالَ الكَعْبِيُّ: الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى أنَّ (الإيمانَ) اسْمٌ لِجَمِيعِ الطّاعاتِ، وإنْ كانَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ التَّصْدِيقَ، كَما جَعَلَ تَعالى (الشِّرْكَ) اسْمًا لِكُلِّ ما كانَ مُخالِفًا لِلَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ في اللُّغَةِ مُخْتَصًّا بِمَن يَعْتَقِدُ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى سَمّى طاعَةَ المُؤْمِنِينَ لِلْمُشْرِكِينَ، في إباحَةِ المَيْتَةِ، شِرْكًا. (p-٢٤٩٢)وتَعَقَّبَهُ الرّازِيُّ؛ بِأنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشِّرْكِ هَهُنا اعْتِقادَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا في الحُكْمِ والتَّكْلِيفِ؟ وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَرْجِعُ مَعْنى هَذا الشِّرْكِ إلى الِاعْتِقادِ فَقَطْ. انْتَهى.

الأنعام 6:122

ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، لِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْ طاعَةِ المُشْرِكِينَ، إثْرَ تَحْذِيرِهِمْ عَنْها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٢] ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ مَثَّلَ بِهِ مَن هَداهُ اللَّهُ بَعْدَ الضَّلالَةِ، وبَصَّرَهُ بِنُورِ الحُجَجِ والآياتِ، يَتَأمَّلُ بِها في الأشْياءِ، فَيُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والمُهْتَدِي والضّالِّ، بِمَن كانَ مَيْتًا فَأُعْطاهُ الحَياةَ، وما يَتْبَعُها مِنَ القُوى المُدْرِكَةِ والمُحَرِّكَةِ. ومَن بَقِيَ عَلى الضَّلالَةِ، بِالخابِطِ في الظُّلُماتِ، لا يَنْفَكُّ مِنها، ولا يَتَخَلَّصُ، فَهو مُتَحَيِّرٌ عَلى الدَّوامِ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ: ﴿زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي، ولِذا جادَلُوا بِها الحَقَّ، وأصَرُّوا عَلَيْها.

الأنعام 6:123

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٣] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ. أيْ: كَما جَعَلْنا بِمَكَّةَ كُبَراءَ لِيَمْكُرُوا عَلى أتْباعِهِمْ في تَزْيِينِ الباطِلِ، وسَتْرِ الحَقِّ - جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ، أرْسَلَنا إلَيْها الرُّسُلَ، أكابِرَها المُجْرِمِينَ، مُتَّصِفِينَ بِصِفاتِ (p-٢٤٩٣)المَذْكُورِينَ، مُزَيَّنًا لَهم أعْمالُهُمْ، مُصِرِّينَ عَلى الباطِلِ، مُجادِلِينَ بِهِ الحَقَّ، لِيَفْعَلُوا المَكْرَ فِيها عَلى أتْباعِهِمْ بِالتَّلْبِيسِ، لِيَتْرُكُوا مُتابَعَةَ الرُّسُلِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: المُرادُ بِ (المَكْرِ) هَهُنا دُعاؤُهم إلى الضَّلالَةِ بِزُخْرُفِ المَقالِ والفِعالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى إخْبارًا عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ [نوح: ٢٢] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبإ: ٣٢] ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ [سبإ: ٣٣] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَصَّ الأكابِرَ لِأنَّهم هُمُ الحامِلُونَ عَلى الضَّلالِ، والماكِرُونَ بِالنّاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ [الإسراء: ١٦] ﴿وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: ما يَضُرُّونَ بِمَكْرِهِمْ إلّا أنْفُسَهُمْ؛ لِأنَّ وبالَهُ يَحِيقُ بِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقالَ: (p-٢٤٩٤)﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَقْدِيمُ مَوْعِدٍ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ.

الأنعام 6:124

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٤] ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ أيْ: بُرْهانٌ وحُجَّةٌ قاطِعَةٌ: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ أيْ: مِنَ الوَحْيِ والمُعْجِزاتِ المُصَدِّقَةِ لَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] الآيَةَ. وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وأنْ لا يَصْطَفِيَ لِلنُّبُوَّةِ إلّا مَن عَلِمَ أنَّهُ يَصْلُحُ لَها، فَيَلِيقُ لِلِاسْتِشْراقِ بِأنْوارِ عِلْمِهِ، والأمانَةِ عَلى مَكْنُونِ سِرِّهِ، مِمّا لَوِ انْكَشَفَ لِغَيْرِهِ انْكِشافَهُ لَهُ، لَفاضَتْ لَهُ نَفْسُهُ، أوْ ذَهَبَتْ بِعَقْلِهِ جَلالَتُهُ وعَظْمَتُهُ، فَهو أعْلَمُ بِالمَكانِ الَّذِي يَضَعُها فِيهِ مِنهم. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ اصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ. واصْطَفى مِن بَنِي إسْماعِيلَ، بَنِي (p-٢٤٩٥)كِنانَةَ.» واصْطَفى مِن بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشًا، واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ. واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ» . وانْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ أيْضًا. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ أبِي وداعَةَ عَنِ العَبّاسِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ فَجَعَلَنِي في خَيْرِ خَلْقِهِ، وجَعَلَهم فَرِيقَيْنِ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِ فِرْقَةٍ، وخَلَقَ القَبائِلَ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِ قَبِيلَةٍ، وجَعَلَهم بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ بَيْتًا، فَأنا خَيْرُكم بَيْتًا، وخَيْرُكم نَفْسًا»» . ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ﴾ أيْ: ذِلَّةٌ وهَوانٌ بَعْدَ كِبْرِهِمْ وعَظَمَتِهِمْ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، جَزاءً عَلى مُنازَعَتِهِمْ لَهُ تَعالى في كِبْرِهِ بِرَدِّ آياتِهِ ورِسالَتِهِ، واعْتِراضِهِمْ عَلَيْهِ في تَخْصِيصِهِ بِالرِّسالَةِ غَيْرَهم ﴿وعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ يَعْنِي: في الآخِرَةِ ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ في الدُّنْيا إضْرارًا بِالأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَمّا كانَ المَكْرُ غالِبًا، إنَّما يَكُونُ خَفِيًّا، وهو التَّلَطُّفُ في التَّحْلِيلِ والخَدِيعَةِ، قُوبِلُوا بِالعَذابِ الشَّدِيدِ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، جَزاءً وِفاقًا. ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا. وجاءَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««يُنْصَبُ لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ»» . (p-٢٤٩٦)والحِكْمَةُ في هَذا، أنَّهُ لَمّا كانَ الغَدْرُ خَفِيًّا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ النّاسُ، فَيَوْمَ القِيامَةِ يَصِيرُ عَلَمًا مَنشُورًا عَلى صاحِبِهِ بِما فَعَلَ. انْتَهى.

الأنعام 6:125

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٥] ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ﴾ أيْ: لِلتَّوْحِيدِ: ﴿يَشْرَحْ﴾ أيْ: يُوَسِّعْ: ﴿صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ بِتَصْقِيلِهِ بِنُورِ الهِدايَةِ، فَيَقْبَلُ نُورَ الحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] (p-٢٤٩٧)رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: كَيْفَ يَشْرَحُ صَدْرَهُ؟ قالَ: نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحُ. قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ. ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولِلْحَدِيثِ طُرُقٌ مُرْسَلَةٌ ومُتَّصِلَةٌ يَشُدُّ بَعْضُها بَعْضًا. ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ أيْ: شَدِيدَ الضِّيقِ، فَلا يَتَّسِعُ لِلِاعْتِقاداتِ الصّائِبَةِ في اللَّهِ، والأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ. قالَ أبُو البَقاءِ: حَرِجًا (بِكَسْرِ الرّاءِ) صِفَةٌ لِ (ضَيِّقًا)، أوْ مَفْعُولٌ ثالِثٌ، كَما جازَ في المُبْتَدَأِ أنْ تُخْبِرَ عَنْهُ بِعِدَّةِ أخْبارٍ. أوْ يَكُونُ الجَمِيعُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ واحِدٍ (حُلْوٌ حامِضٌ). وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، هو مُؤَكِّدٌ لِلْمَعْنى. يُقْرَأُ بِفَتْحِ الرّاءِ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. أيْ: ذا حَرَجٍ. وقِيلَ: هو جَمْعُ حَرَجَةٍ، مِثْلَ قَصَبَةٍ وقَصَبٍ، والهاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ أيْ: يَتَكَلَّفُ الصُّعُودَ في جِهَةِ السَّماءِ، وطَبْعُهُ يَهْبِطُ إلى الأرْضِ، فَشُبِّهَ، لِلْمُبالَغَةِ في ضِيقِ صَدْرِهِ، بِمَن يُزاوِلُ أمْرًا غَيْرَ مُمْكِنٍ لِأنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما يَمْتَنِعُ ويَبْعُدُ مِنَ الِاسْتِطاعَةِ، وتَضِيقُ عَنْهُ المَقْدِرَةُ. وقِيلَ: مَعْناهُ كَأنَّما يَتَصاعَدُ إلى السَّماءِ نُبُوًّا عَنِ الحَقِّ، وتَباعُدًا في الهَرَبِ مِنهُ. وأصْلُ (يَصَّعَّدُ) يَتَصَعَّدُ مِن (الصُّعُودِ). ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في الِاعْتِقاداتِ والأخْلاقِ. والرِّجْسُ ما اسْتُقْذِرَ مِنَ العَمَلِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ مُبالَغَةً في ذَمِّهِ.

الأنعام 6:126

(p-٢٤٩٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٦] ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿وهَذا﴾ أيِ: البَيانُ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، أوْ طَرِيقُ التَّوْحِيدِ، وإسْلامُ الوَجْهِ إلى اللَّهِ. ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ أيْ: طَرِيقُهُ الَّذِي ارْتَضاهُ: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا مَيْلَ فِيهِ إلى إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ في الِاعْتِقاداتِ والأخْلاقِ والأعْمالِ. أوْ لا اعْوِجاجَ فِيهِ إلى النَّظَرِ إلى الغَيْرِ والشِّرْكِ بِهِ. ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أيِ: المَعارِفَ والحَقائِقَ الَّتِي هي مُرَكَّزَةٌ في اسْتَعْداهُمْ، فَيَهْتَدُوا بِها.

الأنعام 6:127

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٧] ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ أيِ: السَّلامَةُ مِنَ المَكارِهِ، وهو الجَنَّةُ، لِكَوْنِهِمْ في مَقامِ القُرْبِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهُمْ﴾ يَتَوَلّاهم بِمَحَبَّتِهِ، ويَجْعَلُهم في أمانَةٍ. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في سُلُوكِهِمْ صِراطَهُ.

الأنعام 6:128

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٨] ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ فِيما تَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ، وتُنْذِرُهم بِهِ، يَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا، يَعْنِي الجِنَّ وأوْلِياءَهم مِنَ الإنْسِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَهم في الدُّنْيا، ويَعُوذُونَ بِهِمْ، ويُطِيعُونَهُمْ، ويُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا. (p-٢٤٩٩)﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ أيْ: نَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ! يَعْنِي: الشَّياطِينَ. قالَ المَهايِمِيُّ: خَصَّهم بِالنِّداءِ لِأنَّهُمُ الأصْلُ في المَكْرِ ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ. أوْ مِنهُمْ، بِأنْ جَعَلْتُمُوهم أتْباعَكُمْ، وتَسْوِيلِكم وتَزْيِينِكُمُ الحُطامَ الدُّنْيَوِيَّةَ، واللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ عَلَيْهِمْ، ووَسْوَسَتِكم لَهم بِالمَعاصِي، فَحُشِرُوا مَعَكم. وهَذا بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. ﴿وقالَ أوْلِياؤُهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ أطاعُوهم وتَوَلَّوْهُمْ: ﴿مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ قالَ الحَسَنُ: ما كانَ اسْتِمْتاعُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ إلّا أنَّ الجِنَّ أُمِرَتْ، وعَلِمَتِ الإنْسُ. أيْ: فالجِنُّ نالَتِ التَّعْظِيمَ مِنهم فَعَبَدَتْ، والإنْسُ بِوَسْوَسَتِهِمْ تَمَتَّعُوا بِإيثارِ الشَّهَواتِ الحاضِرَةِ، عَلى اللَّذّاتِ الغائِبَةِ: ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ أيْ: بِالمَوْتِ، أوْ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ عَلى أقْبَحِ صُورَةٍ، وأسْوَأِ عَيْشٍ. قالَ أبُو السُّعُودِ: قالُوا اعْتِرافًا بِما فَعَلُوا مِن طاعَةِ الشَّياطِينِ، واتِّباعِ الهَوى، وتَكْذِيبِ البَعْثِ، وإظْهارًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْها، وتَحَسُّرًا عَلى حالِهِمْ، واسْتِسْلامًا لِرَبِّهِمْ. ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ الضّالِّينَ، لِلْإيذانِ بِأنَّ المُضِلِّينَ قَدْ أُفْحِمُوا بِالمَرَّةِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا. ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أيْ: مَنزِلُكُمْ، كَما أنَّ دارَ السَّلامِ مَثْوى المُؤْمِنِينَ. ﴿خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ أنْ تُخَفَّفَ، أوْ يُنْجى مِنكم مَن لا يَكُونُ سَبَبَ تَعْذِيبِهِ شِرْكًا راسِخًا في اعْتِقادِهِ. وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ أنْ يَنْقُلَكم مِنها إلى الزَّمْهَرِيرِ، انْتِقالَكم مِن شَهْوَةٍ إلى أُخْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: يُخَلَّدُونَ في عَذابِ النّارِ، الأبَدَ كُلَّهُ، إلّا الأوْقاتِ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِن عَذابِ النّارِ إلى عَذابِ الزَّمْهَرِيرِ. فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يُدْخَلُونَ وادِيًا فِيهِ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ما يَمِيزُ بَعْضَ أوْصالِهِمْ مِن بَعْضٍ، فَيَتَعاوَوْنَ ويَطْلُبُونَ الرَّدَّ إلى الجَحِيمِ. أوْ يَكُونُ مِن قَوْلِ (p-٢٥٠٠)المَوْتُورِ الَّذِي ظَفِرَ بِواتِرِهِ، ولَمْ يَزَلْ يُحَرِّقُ عَلَيْهِ أنْيابَهُ، وقَدْ طَلَبَ إلَيْهِ أنْ يُنَفِّسَ عَنْ خِناقِهِ: أهْلَكَنِي اللَّهُ إنْ نَفَّسْتُ عَنْكَ إلّا إذا شِئْتُ. وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَشاءُ إلّا التَّشَفِّيَ مِنهُ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّعْنِيفِ والتَّشْدِيدِ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (إلّا إذا شِئْتُ) مِن أشَدِّ الوَعِيدِ، مَعَ تَهَكُّمٍ بِالمُوعَدِ، لِخُرُوجِهِ في صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي فِيهِ إطْماعٌ. انْتَهى. قالَ الخَفاجِيُّ: لَمّا كانَ الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ، وهم لا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ بَيانُ حالِهِمْ، فَيَبْعُدُ جَعْلُهُ شامِلًا لِلْعُصاةِ، لِيَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ بِاعْتِبارِهِ، مَعَ أنَّ اسْتِعْمالَ (ما) لِلْعُقَلاءِ قَلِيلٌ - وجَّهُوهُ بِأنَّ المُرادَ النَّقْلُ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، أوِ المُبالَغَةُ في الخُلُودِ، بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْتَفِي إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وهو مِمّا لا يَكُونُ مَعَ إبْرازِهِ في صُورَةِ الخُرُوجِ وإطْماعِهِمْ في ذَلِكَ تَهَكُّمًا وتَشْدِيدًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ وقْتِيَّةٌ. أوْ إنَّ المُسْتَثْنى زَمانُ إمْهالِهِمْ قَبْلَ الدُّخُولِ. ورُدَّ الأوَّلُ بِأنَّ فِيهِ صَرْفَ النّارِ مِن مَعْناها العِلْمِيِّ، وهو دارُ العَذابِ، إلى اللُّغَوِيِّ. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِالصَّرْفِ إذا دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ. وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ المُعْتَرِضَ لا يُسَلِّمُ الضَّرُورَةَ، لِإمْكانِ غَيْرِ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ. مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: مَثْواكم يَقْتَضِي ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَرِضُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ. ورَدَّ الأخِيرَ أبُو حَيّانَ بِأنْ في الِاسْتِثْناءِ يُشْتَرَطُ اتِّحادُ زَمانِ المُخْرَجِ، والمُخْرَجِ مِنهُ، فَإذا قُلْتَ: قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، فَمَعْناهُ: إلّا زَيْدًا ما قامَ. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إلّا زَيْدًا ما يَقُومُ في المُسْتَقْبَلِ. وكَذَلِكَ سَأضْرِبُ القَوْمَ إلّا زَيْدًا، مَعْناهُ: إلّا زَيْدًا فَإنِّي لا أضْرِبُهُ في المُسْتَقْبَلِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إلّا زَيْدًا فَإنِّي ما ضَرَبْتُهُ قَبْلُ، إلّا إذا كانَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، فَإنَّهُ يَسُوغُ، كَقَوْلِهِ: لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى. فَإنَّهم ذاقُوها. ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ القائِلَ بَلْ يَلْتَزِمُ انْقِطاعَهُ، كَما في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرَها، ولا مَحْذُورَ فِيهِ، مَعَ وُرُودِ مِثْلِهِ في القُرْآنِ، وفِيهِ نَظَرٌ. وقِيلَ: إنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ تَأْوِيلِ الخُلُودِ بِالأبَدِ، والأبَدُ لا يَقْتَضِي الدُّخُولَ. انْتَهى. وقالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": قَدْ ثَبَتَ خُلُودُ الكُفّارِ في العَذابِ ثُبُوتًا قَطْعِيًّا، فَمِن ثَمَّ (p-٢٥٠١)اعْتَنى العُلَماءُ بِالكَلامِ عَلى الِاسْتِثْناءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي أُخْتِها في سُورَةِ هُودٍ. فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها شامِلَةٌ لِعُصاةِ المُوَحِّدِينَ ولِلْكُفّارِ، والمُسْتَثْنى العُصاةُ؛ لِأنَّهم لا يُخَلَّدُونَ. وقَدْ عَلِمْتَ بُعْدَهُ. ثُمَّ قالَ: وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مَحْدُودٌ بِمَشِيئَةِ رَفْعِ العَذابِ، أيْ: مُخَلَّدُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَوْ شاءَ. وفائِدَتُهُ إظْهارُ القُدْرَةِ، والإعْلانُ بِأنَّ خُلُودَهم إنَّما كانَ لِأنَّ اللَّهُ تَعالى قَدْ شاءَهُ، وكانَ الجائِزُ العَقْلِيُّ في مَشِيئَتِهِ أنْ لا يُعَذِّبَهُمْ، ولَوْ عَذَّبَهم لا يُخَلِّدُهُمْ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأمْرٍ واجِبٍ عَلَيْهِ، وإنَّما هو مُقْتَضى مَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ. وفِيها عَلى هَذا الوَجْهِ دَفْعٌ في صَدْرِ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ تَخْلِيدَ الكُفّارِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يَشاءَ خِلافَ ذَلِكَ. وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى وجْهٍ لَطِيفٍ، إنَّما يَظْهَرُ بِالبَسْطِ فَقالَ: المُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - إلّا ما يَشاءُ مِن زِيادَةِ العَذابِ. ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ الِاسْتِثْناءِ. والمُسْتَثْنى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ لَمْ يُغايِرِ المُسْتَثْنى مِنهُ في الحُكْمِ، ونَحْنُ نُبَيِّنُهُ فَنَقُولُ: العَذابُ - والعِياذُ بِاللَّهِ - عَلى دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ، كَأنَّ المُرادَ أنَّهم مُخَلَّدُونَ في جِنْسِ العَذابِ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن زِيادَةٍ تَبْلُغُ الغايَةَ، وتَنْتَهِي إلى أقْصى النِّهايَةِ، حَتّى تَكادَ لِبُلُوغِها الغايَةَ، ومُبايَنَتِها لِأنْواعِ العَذابِ في الشِّدَّةِ، تُعَدُّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العَذابِ، وخارِجَةً عَنْهُ. والشَّيْءُ إذا بَلَغَ الغايَةَ عِنْدَهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِالضِّدِّ، كَما تَقَدَّمَ في التَّعْبِيرِ عَنْ كَثْرَةِ الفِعْلِ بِ (رُبَّ) و(قَدْ)، وهُما مَوْضُوعانِ لِضِدِّ الكَثْرَةِ مِنَ القِلَّةِ، وذَلِكَ أمْرٌ يُعْتادُ في لُغَةِ العَرَبِ. وقَدْ حامَ أبُو الطَّيِّبِ حَوْلَهُ فَقالَ: ؎لَقَدْ جُدْتَ حَتّى كادَ يَبْخَلُ حاتِمٌ لِلْمُنْتَهى ومِنَ السُّرُورِ بُكاءُ (p-٢٥٠٢)فَكَأنَّ هَؤُلاءِ إذا نُقِلُوا إلى غايَةِ العَذابِ، ونِهايَةِ الشِّدَّةِ، فَقَدْ وصَلُوا إلى الحَدِّ الَّذِي يَكادُ أنْ يَخْرُجَ مِنَ اسْمِ العَذابِ المُطْلَقِ، حَتّى يَسُوغَ مُعامَلَتُهُ في التَّعْبِيرِ بِمُعامَلَةِ المُغايِرِ. وهو وجْهٌ حَسَنٌ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ إلّا بَعْدَ هَذا البَسْطِ. وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما يُؤَيِّدُهُ. انْتَهى. وفِي الآيَةِ تَأْوِيلاتٌ أُخَرُ: مِنها: ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى قَوْمًا قَدْ سَبَقَ عِلْمُهُ أنَّهم يُسْلِمُونَ ويُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ ﷺ. وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَيْسَ مِنَ المَحْكِيِّ، وأنَّ (ما) بِمَعْنى (مَن). (p-٢٥٠٣)ومِنها: أنَّهم يُفْتَحُ لَهم أبْوابُ الجَنَّةِ، ويَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ، فَإذا تَوَجَّهُوا لِلدُّخُولِ أُغْلِقَتْ في وُجُوهِهِمُ اسْتِهْزاءً بِهِمْ. وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ. قالَ الشَّرِيفُ المُرْتَضى في "الدُّرَرِ": فَإنْ قِيلَ: أيُّ فائِدَةٍ في هَذا الفِعْلِ، وما وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ؟ قُلْنا: وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أغْلَظُ عَلى نُفُوسِهِمْ، وأعْظَمُ في مَكْرُوهِهِمْ، وهو ضَرْبٌ مِنَ العِقابِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِأفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ؛ لِأنَّ مَن طَمِعَ في النَّجاةِ والخَلاصِ مِنَ المَكْرُوهِ، واشْتَدَّ حِرْصُهُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَرَجِ، ورُدَّ إلى المَكْرُوهِ، يَكُونُ عَذابُهُ أصْعَبَ وأغْلَظَ مِن عَذابِ مَن لا طَرِيقَ لِلطَّمَعِ عَلَيْهِ. كَذا في "العِنايَةِ". ومِنها: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ إشارَةٌ إلى فَناءِ النّارِ. أيْ: إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ فَناءَها، وزَوالَ عَذابِها. قالَ السُّيُوطِيُّ في "الدُّرِّ المَنثُورِ": أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ لَبِثَ أهْلُ النّارِ في النّارِ، كَقَدْرَ رَمْلِ عالِجٍ، لَكانَ لَهم يَوْمٌ عَلى ذَلِكَ يَخْرُجُونَ فِيهِ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ونُقِلَ هَذا عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي سَعِيدٍ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. وقَدِ انْتَصَرَ لِهَذا القَوْلِ جَماعَةٌ. قالُوا: وما ورَدَ مِنَ الخُلُودِ فِيها والتَّأْبِيدِ وعَدَمِ الخُرُوجِ، وأنَّ عَذابَها مُقِيمٌ، كُلُّهُ حَقٌّ مُسَلَّمٌ لا نِزاعَ فِيهِ. وذَلِكَ يَقْتَضِي الخُلُودَ في دارِ العَذابِ ما دامَتْ باقِيَةً، وإنَّما يَخْرُجُ مِنها في حالِ بَقائِها أهْلُ التَّوْحِيدِ، فَفَرْقٌ بَيْنَ مَن يَخْرُجُ مِنَ الحَبْسِ، وهو حَبْسٌ عَلى حالِهِ، وبَيْنَ مَن يَبْطُلُ حَبْسُهُ بِخَرابِ الحَبْسِ وانْتِقاضِهِ. وقَدْ بَسَطَ البَحْثَ في ذَلِكَ وجَوَّدَهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِهِ "حادِي الأرْواحِ"، ومَعَ كَوْنِهِ انْتَصَرَ لِهَذا القَوْلِ انْتِصارًا عَظِيمًا، وذَكَرَ لَهُ خَمْسَةً وعِشْرِينَ دَلِيلًا، لَمْ يُصَحِّحْهُ، حَيْثُ قالَ: أمّا أبَدِيَّةُ الجَنَّةِ، وأنَّها لا تَفْنى ولا (p-٢٥٠٤)تَبِيدُ، فَمِمّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرارِ، ولَمْ يَقُلْ بِفَنائِها أحَدٌ. ومَن قالَ بِهِ - كالجَهْمِيَّةِ - فَهو ضالٌّ مُبْتَدِعٌ مُنْحَرِفٌ عَنِ الصَّوابِ ولَيْسَ لَهُ في ذَلِكَ سَلَفٌ. وأمّا أبَدِيَّةُ النّارِ فَفِيها قَوْلانِ مَعْرُوفانِ عَنِ السَّلَفِ والخَلَفِ، والأصَحُّ عَدَمُ فَنائِها أيْضًا. انْتَهى. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَسْطُ هَذا المَقامِ في آيَةِ هُودٍ. وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللَّهِ في خَلْقِهِ. لا يُنْزِلُهم جَنَّةً ولا نارًا. ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ فَلا يُعَذِّبُ إلّا عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِمَن يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ، فَيَدُومُ عَذابُهُ. أوْ بِسَيِّئاتِ أعْمالِهِ، فَيُعَذَّبُ عَلى حَسَبِها، ثُمَّ يَنْجُو مِنهُ.

الأنعام 6:129

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٩] ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: مِنَ الإنْسِ: ﴿بَعْضًا﴾ أيْ: نَجْعَلُهم بِحَيْثُ يَتَوَلَّوْنَهم بِالإغْواءِ والإضْلالِ، كَما فَعَلَ الشَّياطِينُ وغُواةُ الإنْسِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى كَسْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. قالَ الرّازِيُّ: لِأنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ. فالأرْواحُ الخَبِيثَةُ تَنْضَمُّ إلى ما يُشاكِلُها في الخُبْثِ. وكَذا القَوْلُ في الأرْواحِ الطّاهِرَةِ، فَكُلُّ أحَدٍ يَهْتَمُّ بِشَأْنِ مَن يُشاكِلُهُ في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والتَّقْوِيَةِ. (p-٢٥٠٥)تَنْبِيهٌ: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": الآيَةُ مَعْنى حَدِيثِ: ««كَما تَكُونُونَ يُوَلّى عَلَيْكُمْ»»، أخْرَجَهُ ابْنُ قانِعٍ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ. انْتَهى. وأسْنَدَ في "الجامِعِ الصَّغِيرِ" تَخْرِيجَهُ إلى الدَّيْلَمِيِّ في "الفِرْدَوْسِ (عَنْ أبِي بَكْرَةَ وإلى البَيْهَقِيِّ، عَنْ أبِي إسْحاقَ السَّبِيعِيِّ مُرْسَلًا - ورُمِزَ لَهُ بِالضَّعْفِ -. وأُسْنِدَ في "الدُّرِّ المَنثُورِ" عَنْ مَنصُورِ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: سَألْتُ الأعْمَشَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ ما سَمِعْتَهم يَقُولُونَ فِيهِ؟ قالَ: سَمِعْتُهم يَقُولُونَ: إذا فَسَدَ النّاسُ أُمِّرَ عَلَيْهِمْ شِرارُهم. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ وكَعْبٍ والحَسَنِ. قالَ أبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ في "تَفْسِيرِهِ": ويُقالُ في مَعْنى الآيَةِ: نُسَلِّطُ عَلى بَعْضِ الظّالِمِينَ بَعْضًا فَيُهْلِكُهُ أوْ يُذِلُّهُ. قالَ: وهَذا كَلامٌ لِتَهْدِيدِ الظّالِمِ، لِكَيْ يَمْتَنِعَ عَنْ ظُلْمِهِ. ويَدْخُلُ في الآيَةِ جَمِيعُ مَن يَظْلِمُ: مِن راعٍ في رَعِيَّتِهِ، وتاجِرٍ في تِجارَتِهِ، وسارِقٍ، وغَيْرِهِمْ. قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: إذا رَأيْتُ ظالِمًا يَنْتَقِمُ مِن ظالِمٍ، فَقِفْ وانْظُرْ فِيهِ مُتَعَجِّبًا. انْتَهى. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: كَما ولَّيْنا هَؤُلاءِ الخاسِرِينَ مِنَ الإنْسِ تِلْكَ الطّائِفَةَ الَّتِي أغْوَتْهم مِنَ الجِنِّ، كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالظّالِمِينَ، نُسَلِّطُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، ونُهْلِكُ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، ونَنْتَقِمُ مِن بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، جَزاءً عَلى ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ.

الأنعام 6:130

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما سَيَكُونُ مِن تَوْبِيخِ الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ، إثْرَ بَيانِ تَوْبِيخِ الجِنِّ بِإغْواءِ الإنْسِ وإضْلالِهِمْ، واعْلَمْ أنَّهُ لا يَكُونُ لَهم إلى الجُحُودِ سَبِيلٌ، فَيَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، وأنَّهم لَمْ يُعَذَّبُوا إلّا بِالحُجَّةِ، فَقالَ تَعالى: (p-٢٥٠٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٠] ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا: ﴿رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ بِالأمْرِ والنَّهْيِ: ﴿ويُنْذِرُونَكُمْ﴾ يُخَوِّفُونَكُمْ: ﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ وهو يَوْمُ الحَشْرِ الَّذِي قَدْ عايَنُوا فِيهِ أفانِينَ الأهْوالِ ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي الجِنَّ والإنْسَ ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ أيْ: أقْرَرْنا بِإتْيانِ الرُّسُلِ وإنْذارِهِمْ، وبِتَكْذِيبِ دَعْوَتِهِمْ، كَما فُصِّلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: ما فِيها مِنَ الزَّهْرَةِ والنَّعِيمِ، وهو بَيانٌ لِما أدّاهم في الدُّنْيا إلى الكُفْرِ: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ. قالَ المَهايِمِيُّ: بَعْدَ شَهادَةِ جَوارِحِهِمْ: ﴿أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا بِما جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ مَن قالَ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم. وحَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الجِنِّ رَسُولٌ، وإنَّما كانَتِ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ فَقَطْ. نَصَّ عَلى ذَلِكَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ، مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرُّسُلُ مِن بَنِي آدَمَ، ومِنَ الجِنِّ نُذُرٌ. وأجابُوا عَنْ ظاهِرِ الآيَةِ بِأنَّ فِيها (p-٢٥٠٧)مُضافًا. أيْ: مِن أحَدِكُمْ، وهُمُ الإنْسُ. أوْ مِن إضافَةِ ما لِلْبَعْضِ لِلْكُلِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجانِ مِن أحَدِهِما، وهو المِلْحُ دُونَ العَذْبِ. وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَهُما قَدْ جُمِعَ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩] وهو جائِزٌ في كُلِّ ما اتَّفَقَ في أصْلِهِ. فَلِذَلِكَ لَمّا اتَّفَقَ ذِكْرُ الجِنِّ مَعَ الإنْسِ جازَ مُخاطَبَتُهُما بِما يَنْصَرِفُ إلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، وهُمُ الإنْسُ. وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ. وقالَ أبُو السُّعُودِ: المَعْنى: ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِن جُمْلَتِكُمْ، لَكِنْ لا عَلى أنَّهم مِن جِنْسِ الفَرِيقَيْنِ مَعًا، بَلْ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً. وإنَّما جُعِلُوا مِنهُما، إمّا لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ اتِّباعِهِمْ، والإيذانِ بِتَقارُبِهِما ذاتًا، واتِّحادِهِما تَكْلِيفًا وخِطابًا، كَأنَّهُما مِن جِنْسٍ واحِدٍ. ولِذَلِكَ تَمَكَّنَ أحَدُهُما مِن إضْلالِ الآخَرِ. وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ ما يَعُمُّ رُسُلَ الرُّسُلِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجِنَّ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ، وأنْذَرُوا بِهِ قَوْمَهُمْ، حَيْثُ نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] انْتَهى. وهَكَذا في عَهْدِ كُلِّ رَسُولٍ لا يَبْعُدُ أنَّهُ تَعالى كانَ يُلْقِي الدّاعِيَةَ في قُلُوبِ قَوْمٍ مِن جِنِّ عَصْرِهِ فَيَسْمَعُونَ كَلامَهُمْ، ويَأْتُونَ قَوْمَهم مِنَ الجِنِّ، ويُخْبِرُونَهم بِما سَمِعُوهُ مِنَ الرُّسُلِ، ويُنْذِرُونَهم بِهِ. وقَدْ سَمّى تَعالى رُسُلَ عِيسى رُسُلَ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّهُ تَعالى إنَّما بَكَّتَ الكُفّارَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أزالَ العُذْرَ، وأزاحَ العِلَّةَ، بِسَبَبِ أنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى الكُلِّ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ. فَإذا وصَلَتِ البِشارَةُ والنِّذارَةُ إلى الكُلِّ بِهَذا (p-٢٥٠٨)الطَّرِيقِ، فَقَدْ حَصَلَ ما هو المَقْصُودُ مِن إزاحَةِ العُذْرِ، وإزالَةِ العِلَّةِ، فَكانَ المَقْصُودُ حاصِلًا. كَذا قَرَّرَهُ الرّازِيُّ. قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فَحَصَرَ النُّبُوَّةَ والكِتابَ بَعْدَ إبْراهِيمَ في ذُرِّيَّتِهِ. ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ النُّبُوَّةَ كانَتْ في الجِنِّ قَبْلَ إبْراهِيمَ، ثُمَّ انْقَطَعَتْ عَنْهم بِبَعْثَتِهِ. وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] ومَعْلُومٌ أنَّ الجِنَّ تَتْبَعُ الإنْسَ في هَذا البابِ. انْتَهى. الثّانِي: إنْ قِيلَ: ما السَّبَبُ في أنَّهم أقَرُّوا في هَذِهِ الآيَةِ بِالكُفْرِ، وجَحَدُوهُ في قَوْلِهِ: (p-٢٥٠٩)﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ؟ قُلْنا: يَوْمُ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ، والأحْوالُ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يُقِرُّونَ، وأُخْرى يَجْحَدُونَ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِمْ، واضْطِرابِ أحْوالِهِمْ، فَإنَّ مَن عَظُمَ خَوْفُهُ، كَثُرَ الِاضْطِرابُ في كَلامِهِ - أفادَهُ الرّازِيُّ. زادَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أُرِيدَ شَهادَةُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ وجُلُودِهِمْ حِينَ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ. الثّالِثُ: إنْ قِيلَ: لِمَ كَرَّرَ ذِكْرَ شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ؟ أُجِيبَ: بِأنَّ الأُولى حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ كَيْفَ يَقُولُونَ ويَعْتَرِفُونَ؛ والثّانِيَةُ ذَمٌّ لَهُمْ، وتَخْطِئَةٌ لِرَأْيِهِمْ، ووَصْفٌ لِقِلَّةِ نَظَرِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، وأنَّهم قَوْمٌ غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا، واللَّذّاتُ الحاضِرَةُ، وكانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ أنِ اضْطُرُّوا إلى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والِاسْتِسْلامِ لِرَبِّهِمْ واسْتِيجابِ عَذابِهِ. وإنَّما قالَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِلسّامِعِينَ مِن مِثْلِ حالِهِمْ - كَذا في "الكَشّافِ" -.

الأنعام 6:131

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣١] ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ إعْلامٌ بِأنَّهُ تَعالى أعْذَرَ إلى الثَّقَلَيْنِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، وتَبْيِينِ الآياتِ، وإلْزامِ الحُجَّةِ بِالإنْذارِ والتَّهْدِيدِ. وأنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ القُرى بِظُلْمِ أهْلِها بِالشِّرْكِ ونَحْوِهِ، وهم لا تُبْلِغُهم دَعْوَةُ رَسُولٍ يَنْهاهم عَنْهُ، ويُنَبِّهُهم عَلى بُطْلانِهِ؛ لِأنَّهُ يُنافِي الحِكْمَةَ. وجُوِّزَ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ. أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: كَما ذُكِرَ. أوْ خَبَرُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ ... إلَخْ. والمُشارُ إلَيْهِ إتْيانُ الرُّسُلِ، أوْ ما قُصَّ مِن أمْرِهِمْ، أوِ السُّؤالُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ألَمْ يَأْتِكم. واسْتَظْهَرَ أبُو السُّعُودِ أنَّ الإشارَةَ إلى شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، واسْتِيجابَ العَذابِ، وأنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، وأنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، و(اللّامُ) (p-٢٥١٠)مَقْدَّرَةٌ قَبْلَها. أوْ مُخَفَّفَةٌ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و: بِظُلْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِ: مُهْلِكَ. أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالًا مِن (القُرى)، أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِظُلْمٍ. والمَعْنى: ذَلِكَ ثابِتٌ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ، أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمٍ فَعَلُوهُ قَبْلَ أنْ يُنَبَّهُوا عَلى بُطْلانِهِ بِرَسُولٍ. تَنْبِيهٌ: فِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ البَعْثَةِ، ولا حُكْمَ لِلْعَقْلِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]

الأنعام 6:132

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٢] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ولِكُلٍّ﴾ أيْ: مِنَ المُكَلَّفِينَ: ﴿دَرَجاتٌ﴾ أيْ: مَراتِبُ. ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ: مِن أعْمالِهِمْ، يُبَلَّغُونَها ويُثابُونَ بِها، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. واسْتُدِلَّ بِها، عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، بِأنَّ الجِنَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ويُثابُونَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ قَوْلُهُ: ولِكُلٍّ لِكافِرِي الجِنِّ والإنْسِ. أيْ: ولِكُلٍّ دَرَجَةٌ في النّارِ بِحَسَبِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾

الأنعام 6:133

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٣] ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وهُمُ الفُقَراءُ إلَيْهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ: (p-٢٥١١)﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيْ: يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْلِيفِ، تَكْمِيلًا لَهُمْ، ويُمْهِلُهم عَلى المَعاصِي. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ الإرْسالِ لَيْسَ لِنَفْعِهِ سُبْحانَهُ، بَلْ لِتَرَحُّمِهِ عَلى العِبادِ، وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ الخَلْقِ يَعْمَلُونَ بِطاعَتِهِ: ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ذَهَبَ بِهِمْ ثُمَّ بِذُرِّيَّتِهِمْ، لَكِنَّهُ أبْقاكم تَرَحُّمًا عَلَيْكم. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]

الأنعام 6:134

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٤] ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ: مِنَ البَعْثِ وأحْوالِهِ: ﴿لآتٍ﴾ أيْ: لَكائِنٌ لا مَحالَةَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ يُعْجَزُ عَنْكم. وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: مَن ماتَ فَقَدْ ماتَ. أيْ: هو قادِرٌ عَلى إعادَتِكُمْ، وإنْ صِرْتُمْ رُفاتًا.

الأنعام 6:135

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٥] ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم. يُقالُ: مَكَنَ مَكانَةً، إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَّمَكُّنِ. أوْ عَلى جِهَتِكم وحالَتِكُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: مَكانٌ ومَكانَةٌ، كَمَقامٍ ومَقامَةٍ. والمَعْنى: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: ما أُمِرْتُ بِهِ مِنَ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيِ: الَّتِي بُنِيَتْ لِعِبادَتِهِ (p-٢٥١٢)تَعالى وحْدَهُ، دُونَ غَيْرِهِمْ، - هَلْ تَكُونُ لِلْعَدْلِ الَّذِي يَضَعُ العِبادَةَ في مَوْضِعِها، أوْ لِلظّالِمِ بِوَضْعِها في غَيْرِ مَوْضِعِها. والمُرادُ بِالدّارِ، الدُّنْيا. وبِالعاقِبَةِ، العاقِبَةُ الحُسْنى. أيْ: عاقِبَةُ الخَيْرِ؛ لِأنَّها الأصْلُ، فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدُّنْيا مَزْرَعَةَ الآخِرَةِ، وقَنْطَرَةَ المَجازِ إلَيْها. ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيِ: الكافِرُونَ. ووَضَعَ الظُّلْمَ مَوْضِعَ الكُفْرِ، إيذانًا بِأنَّ امْتِناعَ الفَلاحِ يَتَرَتَّبُ عَلى أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِ الظُّلْمِ، فَما ظَنُّكَ بِالكُفْرِ الَّذِي هو أعْظَمُ أفْرادِهِ؟ لَطائِفُ: فِي إيرادِ التَّهْدِيدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ مُبالَغَةٌ في الوَعِيدِ، كَأنَّ المُهَدِّدَ يُرِيدُ تَعْذِيبَهُ، مُجْمِعًا عَلَيْهِ، فَيَحْمِلُهُ بِالأمْرِ عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ. وتَسْجِيلٌ بِأنَّ المُهَدَّدَ لا يَتَأتّى مِنهُ إلّا الشَّرُّ، كالمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أنْ يَتَقَصّى عَنْهُ. وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مَعَ الإنْذارِ، إنْصافٌ في المَقالِ، وحُسْنُ الأدَبِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: (العاقِبَةُ لَنا) وفَوَّضَ الأمْرَ إلى اللَّهِ. وهَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى وُثُوقِ المُنْذِرِ بِأنَّهُ مُحِقٌّ. وفِيهِ تَبْشِيرٌ بِأنَّ العاقِبَةَ لَهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ مَوْعُودَهُ لِرَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَمَكَّنَ لَهُ في البِلادِ، وحَكَّمَهُ في نَواصِي مُخالِفِيهِ مِنَ العِبادِ، وفَتَحَ لَهُ مَكَّةَ، وأظْهَرَهُ عَلى مَن كَذَّبَهُ مِن قَوْمِهِ وعاداهُ وناوَأهُ، واسْتَقَرَّ أمْرُهُ عَلى سائِرِ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وكَذَلِكَ اليَمَنِ والبَحْرِينِ، وكُلُّ ذَلِكَ في حَياتِهِ. ثُمَّ فُتِحَتِ الأمْصارُ والأقالِيمُ والرَّساتِيقُ بَعْدَ وفاتِهِ، في أيّامِ خُلَفائِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ. كَما (p-٢٥١٣)قالَ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقالَ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢] وقالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣] ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] وقالَ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] وقَدْ فَعَلَ تَعالى ذَلِكَ بِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولَهُ الحَمْدُ والمِنَّةُ.

الأنعام 6:136

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَوْعًا مِن جَهالاتِ مُشْرِكِي مَكَّةَ وضَلالاتِهِمْ، وهو تَرْجِيحُهم جانِبَ الأصْنامِ عَلى جانِبِهِ سُبْحانَهُ، بَعْدَ تَشْرِيكِهِمْ إيّاهُ فِيما اخْتُصَّ بِخَلْقِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٦] ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ﴾ أيْ: خَلَقَ: ﴿مِنَ الحَرْثِ﴾ أيِ: الزَّرْعِ: ﴿والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ (p-٢٥١٤)يَصْرِفُونَهُ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينِ. أيْ: ولِأصْنامِهِمْ نَصِيبًا يَصْرِفُونَهُ إلى التَّنَسُّكِ والسَّدَنَةِ. وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ اكْتِفاءً بِما بَعْدَهُ. ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ بِالفَتْحِ والضَّمِّ (وقالَ الشِّهابُ: الزَّعْمُ مُثَلَّثٌ كالوُدِّ). أيْ: هَذا مُسْتَقِرٌّ لَهُ الآنَ، مِن غَيْرِ اسْتِقْرارٍ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ العارِضِ ﴿وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ وهو مُسْتَقِرٌّ لَهُمْ، بَلْ يَسْتَقِرُّ لَهم ما لَيْسَ لَهم أيْضًا، فَكانُوا إذا سَقَطَ في نَصِيبِ اللَّهِ شَيْءٌ مِن نَصِيبِها التَقَطُوهُ، أوْ في نَصِيبِها شَيْءٌ مِن نَصِيبِهِ تَرَكُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: عِنْدَ نَمائِهِ أوْ سُقُوطِهِ فِيما هو لِلَّهِ. أوْ هَلاكُ ما هو لِلَّهِ لا يَصِلُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي كانُوا يَصْرِفُونَهُ إلَيْها مِن قِرى الضِّيفانِ والتَّصَدُّقِ عَلى المَساكِينِ ﴿وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ نَمائِهِ أوْ سُقُوطِهِ فِيما هو لِلْأصْنامِ، أوْ هَلاكِ مالِها، فَيُنْفِقُونَ عَلَيْها، بِذَبْحِ نِسائِكَ عِنْدَها، والإجْراءِ عَلى سَدَنَتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ. وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ، وهي مُحْتاجَةٌ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: ما يُقَسِّمُونَ؛ لِأنَّهم أوَّلًا عَمِلُوا ما لَمْ يُشْرَعْ لَهُمْ، وضَلُّوا في القَسْمِ؛ لِأنَّهُ تَعالى رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ وخالِقُهُ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ. ثُمَّ لَمّا قَسَّمُوا فِيما زَعَمُوا القِسْمَةَ الفاسِدَةَ، لَمْ يَحْفَظُوها، بَلْ جارُوا فِيها؛ إذْ رَجَّحُوا جانِبَ الأصْنامِ في الحِفْظِ والرِّعايَةِ سَفَهًا. وقالَ المَهايِمِيُّ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: مِن تَرْجِيحِ جانِبِ الأصْنامِ عَلى جانِبِ اللَّهِ، بِعِلَّةٍ تَقْتَضِي تَرْجِيحَ جانِبِ اللَّهِ لِإلَهِيَّتِهِ، وعَدَمِ صَلاحِيَتِها لِلْإلَهِيَّةِ مَعَ الحاجَةِ. وما ذَكَرْناهُ في الآيَةِ هو الَّذِي قالَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ. فَقَدْ رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ كانُوا إذا حَرَثُوا حَرْثًا، أوْ كانَتْ لَهم ثَمَرَةٌ، جَعَلُوا لِلَّهِ مِنهُ جُزْءًا، ولِلْوَثَنِ جُزْءًا، فَما كانَ مِن حَرْثٍ أوْ ثَمَرَةٍ أوْ شَيْءٍ مِن نَصِيبِ الأوْثانِ حَفِظُوهُ وأحْصَوْهُ. وإنْ سَقَطَ مِنهُ شَيْءٌ فِيما سُمِّيَ لِلصَّمَدِ، رَدُّوهُ إلى ما جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ، وإنْ سَبَقَهُمُ الماءُ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ، فَسَقى شَيْئًا (p-٢٥١٥)جَعَلُوهُ لِلَّهِ، جَعَلُوا ذَلِكَ لِلْوَثَنِ. وإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنَ الحَرْثِ والثَّمَرَةِ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ، فاخْتَلَطَ بِالَّذِي جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ قالُوا: هَذا فَقِيرٌ، ولَمْ يَرُدُّوهُ إلى ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ، وإنْ سَبَقَهُمُ الماءُ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ فَسَقى ما سُمِّيَ لِلْوَثَنِ تَرَكُوهُ لِلْوَثَنِ، وكانُوا يُحَرِّمُونَ مِن أمْوالِهِمُ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والِحامَ. فَيَجْعَلُونَهُ لِلْأوْثانِ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُحَرِّمُونَهُ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُ واحِدٍ.

الأنعام 6:137

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٧] ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ، وهو تَزْيِينُ الشِّرْكِ في القِسْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ، زَيَّنَ لَهم أوْلِياؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ ما هو أشَدُّ مِنهُ قُبْحًا في بابِ القُرْبانِ، وهو قَتْلُ أوْلادِهِمْ خَشْيَةَ الإمْلاقِ، ووَأْدُ البَناتِ خَشْيَةَ العارِ، وإنَّما سُمِّيَتِ الشَّياطِينُ شُرَكاءَ؛ لِأنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ مِن قَتْلِ أوْلادِهِمْ، فَأشْرَكُوهم مَعَ اللَّهِ في وُجُوبِ طاعَتِهِمْ،: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أيْ: يُهْلِكُوهم بِالشِّرْكِ وقَتْلِ الوَلَدِ. مِنَ (الإرْداءِ. وهُوَ، لُغَةً، الإهْلاكُ). ﴿ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أيْ: لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ ما هم عَلَيْهِ، بِدِينِ إبْراهِيمَ في ذَبْحِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ. أوْ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى دِينِ إسْماعِيلَ. فَهَذا الَّذِي أتاهم بِهَذِهِ الأوْضاعِ الفاسِدَةِ أرادَ أنْ يُزِيلَهم عَنْ ذَلِكَ الدِّينِ الحَقِّ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ: فَلا تَحْزَنْ عَلى هَلاكِهِمْ بِما يَفْعَلُونَهُ؛ لِأنَّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: لِأنَّ لَهُ فِيما شاءَهُ حِكَمًا بالِغَةً: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى. تَنْبِيهٌ: شُرَكاؤُهم فاعِلُ زَيَّنَ أُخِّرَ عَنِ الظَّرْفِ والمَفْعُولِ اعْتِناءً بِالمُقَدَّمِ، واهْتِمامًا بِهِ؛ (p-٢٥١٦)لِأنَّهُ مَوْضِعُ التَّعَجُّبِ؛ لِأنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ، والَّذِينَ هم بِشَأْنِهِ أعْنى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "زُيِّنَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هو القَتْلُ، ونَصَبَ الأوْلادِ، وجَرَّ الشُّرَكاءَ بِإضافَةِ القَتْلِ إلَيْهِ، مَفْصُولًا بَيْنَهُما بِمَفْعُولِهِ. وقَدْ زَيَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ، هَذِهِ القِراءَةَ، وعَدَّ ذَلِكَ مِن كَبائِرِ كَشّافِهِ: حَيْثُ قالَ: وأمّا قِراءَةُ ابْنُ عامِرٍ، فَشَيْءٌ لَوْ كانَ في مَكانِ الضَّرُوراتِ، وهو الشِّعْرُ، لَكانَ سَمِجًا مَرْدُودًا، كَما سَمُجَ ورُدَّ: ؎زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَهْ (p-٢٥١٧)فَكَيْفَ بِهِ في الكَلامِ المَنثُورِ؟ فَكَيْفَ بِهِ في القُرْآنِ المُعْجِزِ بِحُسْنِ نَظْمِهِ وجَزالَتِهِ؟ قالَ: والَّذِي حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ المَصاحِفِ: "شُرَكائِهِمْ" مَكْتُوبًا بِالياءِ، ولَوْ قَرَأ بِجَرِّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ - لِأنَّ الأوْلادَ شُرَكاؤُهم في أمْوالِهِمْ - لَوَجَدَ في ذَلِكَ مَندُوحَةً عَنْ هَذا الِارْتِكابِ. انْتَهى. قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": لَقَدْ رَكِبَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَتْنَ عَمْياءَ، وتاهَ في تَيْهاءَ، وأنا أبْرَأُ إلى اللَّهِ، وأُبَرِّئُ حَمَلَةَ كِتابِهِ، وحَفَظَةَ كَلامِهِ، مِمّا رَماهم بِهِ، فَإنَّهُ تَخَيَّلَ أنَّ القُرّاءَ أئِمَّةَ الوُجُوهِ السَّبْعَةِ، اخْتارَ كُلٌّ مِنهم حَرْفًا قَرَأ بِهِ اجْتِهادًا، لا نَقْلًا وسَماعًا، فَلِذَلِكَ غَلِطَ ابْنُ عامِرٍ في قِراءَتِهِ هَذِهِ، وأخَذَ يُبَيِّنُ أنَّ وجْهَ غَلَطِهِ رُؤْيَتُهُ الياءَ ثابِتَةً في (شُرَكائِهِمْ)، فاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَجْرُورٌ، وتَعَيَّنَ عِنْدَهُ نَصْبُ (أوْلادِهِمْ) بِالقِياسِ؛ إذْ لا يُضافُ المَصْدَرُ إلى أمْرَيْنِ مَعًا فَقَرَأهُ مَنصُوبًا. قالَ: وكانَتْ لَهُ مَندُوحَةٌ مِن نَصْبِهِ إلى جَرِّهِ بِالإضافَةِ، وإبْدالِ الشُّرَكاءِ مِنهُ، وكانَ ذَلِكَ أوْلى مِمّا ارْتَكَبَهُ. فَهَذا كُلُّهُ كَما تَرى ظَنٌّ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ابْنَ عامِرٍ قَرَأ قِراءَتَهُ هَذِهِ رَأْيًا مِنهُ، وكانَ الصَّوابُ خِلافَهُ، والفَصِيحُ سِواهُ. ولَمْ يَعْلَمِ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ بِنَصْبِ الأوْلادِ، والفَصْلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِها. يُعْلَمُ ضَرُورَةً أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأها عَلى جِبْرِيلَ، كَما أنْزَلَها عَلَيْهِ، ثُمَّ تَلاها النَّبِيُّ ﷺ عَلى عَدَدِ التَّواتُرِ مِنَ الأئِمَّةِ، ولَمْ يَزَلْ عَدَدُ التَّواتُرِ (p-٢٥١٨)يَتَناقَلُونَها، ويَقْرَؤُونَ بِها، خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، إلى أنِ انْتَهَتْ إلى ابْنِ عامِرٍ، فَقَرَأها أيْضًا كَما سَمِعَها. فَهَذا مُعْتَقَدُ أهْلِ الحَقِّ في جَمِيعِ الوُجُوهِ السَّبْعَةِ أنَّها مُتَواتِرَةٌ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا عَنْ أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ ﷺ. فَإذا عَلِمْتَ العَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ، فَلا مُبالاةَ بَعْدَها بِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ، ولا بِقَوْلِ أمْثالِهِ مِمَّنْ لَحَّنَ ابْنَ عامِرٍ، فَإنَّ المُنْكِرَ عَلَيْهِ إنَّما أنْكَرَ ما ثَبَتَ أنَّهُ بَراءٌ مِنهُ قَطْعًا وضَرُورَةً. ولَوْلا عُذْرُ أنَّ المُنْكَرَ لَيْسَ مِن أهْلِ الشَّأْنَيْنِ: أعْنِي عِلْمَ القِراءَةِ وعِلْمَ الأُصُولِ، ولا يُعَدُّ مِن ذَوِي الفَنَّيْنِ المَذْكُورَيْنِ، لَخِيفَ عَلَيْهِ الخُرُوجُ مِن رِبْقَةِ الدِّينِ. وإنَّهُ عَلى هَذا العُذْرِ لَفي عُهْدَةٍ خَطِرَةٍ، وزَلَّةٍ مُنْكَرَةٍ، تَزِيدُ عَلى زَلَّةِ مَن ظَنَّ أنَّ تَفاصِيلَ الوُجُوهِ السَّبْعَةِ، فِيها ما لَيْسَ مُتَواتِرًا، فَإنَّ هَذا القائِلَ لَمْ يُثْبِتْها بِغَيْرِ النَّقْلِ. وغايَتُهُ أنَّهُ ادَّعى أنَّ نَقْلَها لا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّواتُرُ. وأمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَظَنَّ أنَّها تَثْبُتُ بِالرَّأْيِ، غَيْرَ مَوْقُوفَةٍ عَلى النَّقْلِ، وهَذا لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ. وما حَمَلَهُ عَلى هَذا الخَيالِ إلّا التَّغالِي في اعْتِقادِ اطِّرادِ الأقْيِسَةِ النَّحْوِيَّةِ، فَظَنَّها قَطْعِيَّةً، حَتّى يَرِدَ ما خالَفَها. ثُمَّ إذا تَنَزَّلَ مَعَهُ اطِّرادُ القِياسِ الَّذِي ادَّعاهُ مُطَّرِدًا، فَقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ هَذِهِ لا تُخالِفُهُ. وذَلِكَ أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عَسِرًا، إلّا أنَّ المَصْدَرَ إذا أُضِيفَ إلى مَعْمُولِهِ، فَهو مُقَدَّرٌ بِالفِعْلِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ عَمِلَ. وهو وإنْ لَمْ تَكُنْ إضافَتُهُ غَيْرَ مَحْضَةٍ، إلّا أنَّهُ شُبِّهَ بِما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ. حَتّى قالَ بَعْضُ النُّحاةِ: إنَّ إضافَتَهُ لَيْسَتْ مَحْضَةً؛ لِذَلِكَ فالحاصِلُ أنَّ اتِّصالَهُ بِالمُضافِ إلَيْهِ لَيْسَ كاتِّصالِ غَيْرِهِ، وقَدْ جاءَ الفَصْلُ بَيْنَ المُضافِ غَيْرِ المَصْدَرِ، وبَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَتَمَيَّزَ المَصْدَرُ عَلى غَيْرِهِ، لِما بَيَّنّاهُ مِنَ انْفِكاكِهِ في التَّقْدِيرِ، وعَدَمِ تَوَغُّلِهِ في الِاتِّصالِ، بِأنْ يُفْضَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ، بِما لَيْسَ أجْنَبِيًّا عَنْهُ، وكَأنَّهُ بِالتَّقْدِيرِ: فَكَّهُ بِالفِعْلِ، ثُمَّ قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفاعِلِ، أضافَهُ إلى الفاعِلِ، وبَقِيَ المَفْعُولُ مَكانَهُ حِينَ الفَكِّ. ويُسَهِّلُ ذَلِكَ أيْضًا تَغايُرُ حالِ المَصْدَرِ؛ إذْ تارَةً يُضافُ إلى الفاعِلِ، وتارَةً يُضافُ إلى المَفْعُولِ. وقَدِ التَزَمَ بَعْضُهُمُ اخْتِصاصَ الجَوازِ بِالفَصْلِ بِالمَفْعُولِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفاعِلِ، لِوُقُوعِهِ في غَيْرِ مَرْتَبَتِهِ، إذْ يَنْوِي بِهِ التَّأْخِيرَ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ. كَما جازَ تَقَدُّمُ المُضْمَرِ عَلى الظّاهِرِ إذا حَلَّ في غَيْرِ رُتْبَتِهِ؛ لِأنَّ النِّيَّةَ بِهِ التَّأْخِيرُ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:(p-٢٥١٩) ؎فَداسَهم دَوْسَ الحَصادِ الدّائِسِ وأنْشَدَ أيْضًا: ؎يَفْرُكْنَ حَبَّ السُّنْبُلِ الكَنافِجِ ∗∗∗ بِالقاعِ فَرْكَ القُطُنِ المَحالِجِ فَفَصَلَ كَما تَرى بَيْنَ المَصْدَرِ وبَيْنَ الفاعِلِ بِالمَفْعُولِ. ومِمّا يُقَوِّي عَدَمَ تَوَغُّلِهِ في الإضافَةِ جَوازُ العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ مَخْفُوضِهِ رَفْعًا ونَصْبًا. فَهَذِهِ كُلُّها نُكَتٌ مُؤَيَّدَةٌ بِقَواعِدَ، مُنَظَّرَةٌ بِشَواهِدَ مِن أقْيِسَةِ العَرَبِيَّةِ، تَجْمَعُ شَمْلَ القَوانِينِ النَّحْوِيَّةِ، لِهَذِهِ القِراءَةِ. ولَيْسَ غَرَضُنا تَصْحِيحَ القِراءَةِ بِقَواعِدِ العَرَبِيَّةِ، بَلْ تَصْحِيحَ قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ بِالقِراءَةِ. وهَذا قَدْرٌ كافٍ إنْ شاءَ اللَّهُ في الجَمْعِ بَيْنَهُما - واللَّهُ المُوَفِّقُ - وما أجْرَيْناهُ في أدْراجِ الكَلامِ مِن تَقْرِيبِ إضافَةِ المَصْدَرِ مِن غَيْرِ المَحْضَةِ، إنَّما أرَدْنا انْضِمامَهُ إلى غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي يُدَلُّ بِاجْتِماعِها عَلى أنَّ الفَصْلَ غَيْرُ مُنْكَرٍ في إضافَتِهِ، ولا مُسْتَبْعَدٍ مِنَ القِياسِ، ولَمْ نُفْرِدْهُ في الدَّلالَةِ المَذْكُورَةِ. إذِ المُتَّفَقُ عَلى عَدَمِ تَمَحُّضِها لا يُسَوِّغُ فِيها الفَصْلَ، فَلا يُمْكِنُ اسْتِقْلالُ الوَجْهِ المَذْكُورِ بِالدَّلالَةِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ - انْتَهى كَلامُ النّاصِرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

الأنعام 6:138

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن مُفْتَرِياتِهِمْ بِقَوْلِهِ: (p-٢٥٢٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٨] ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وقالُوا هَذِهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ، والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ: ﴿أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أيْ: حَرامٌ (والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ) فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالذَّبْحِ والطَّحْنِ، يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والجَمْعُ؛ لِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ. أيْ: مُحَرَّمَةٌ عَلَيْنا، أوْ مُحْجَرَةٌ عَلَيْنا في أمْوالِنا لِلْأوْثانِ. ويُقْرَأُ بِضَمِّ الحاءِ. (p-٢٥٢١)﴿لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ﴾ قالَ في "المَدارِكِ": كانُوا إذا عَيَّنُوا أشْياءَ مِن حَرْثِهِمْ وأنْعامِهِمْ لَآتَيْناهم قالُوا: ﴿لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ﴾ يَعْنُونَ: خَدَمَ الأوْثانِ، والرِّجالَ دُونَ النِّساءِ. ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (قالُوا) أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِزَعْمِهِمُ الباطِلِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْـزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] ﴿وأنْعامٌ﴾ أيْ: وقالُوا مُشِيرِينَ إلى طائِفَةٍ أُخْرى مِن أنْعامِهِمْ: هَذِهِ أنْعامٌ: ﴿حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ يَعْنُونَ بِها البَحائِرَ والسَّوائِبَ والحَوامِيَ: ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ أيْ: حالَةُ الذَّبْحِ، وإنَّما يَذْكُرُونَ عَلَيْها أسْماءَ الأصْنامِ: ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى اللَّهِ وكَذِبًا مِنهم في إسْنادِهِمْ ذَلِكَ إلى دِينِ اللَّهِ وشَرْعِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهم في ذَلِكَ، ولا رَضِيَهُ مِنهم ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: عَلَيْهِ، ويُسْنِدُونَ إلَيْهِ. وفِيهِ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ.

الأنعام 6:139

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى فَنًّا آخَرَ مِن ضَلالِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣٩] ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ يَعْنُونَ أجِنَّةَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ يَعْنُونَ أنَّهُ حَلالٌ لِلذُّكُورِ دُونَ الإناثِ، إنْ وُلِدَ حَيًّا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ يَكُنْ﴾ أيْ: ما في بُطُونِها: ﴿مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ فالذُّكُورُ والإناثُ فِيهِ سَواءٌ. وفِي رِوايَةِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنِيَّ بِ (ما في بُطُونِها) هو اللَّبَنُ. كانُوا يُحَرِّمُونَهُ (p-٢٥٢٢)عَلى إناثِهِمْ، ويَشْرَبُهُ ذُكْرانُهم. وكانَتِ الشّاةُ إذا ولَدَتْ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ. وكانَ لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ. وإنْ كانَتْ أُنْثى تُرِكَتْ فَلَمْ تُذْبَحْ، وإنْ كانَتْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: البَحِيرَةُ، لا يَأْكُلُ مِن لَبَنِها إلّا الرِّجالُ، وإنْ ماتَ مِنها شَيْءٌ أكَلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ. وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وابْنُ أسْلَمَ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ أيْ: بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ عَلى سَبِيلِ التَّحَكُّمِ ونِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: حَكِيمٌ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وشَرْعِهِ، عَلِيمٌ بِأعْمالِ عِبادِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وسَيَجْزِيهِمْ عَلَيْها. تَنْبِيهٌ: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ مالِكٌ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى أوْلادِهِ الذُّكُورِ دُونَ البَناتِ، وأنَّ ذَلِكَ الوَقْفَ يُفْسَخُ، ولَوْ بَعْدَ مَوْتِ الواقِفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ. واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ المالِكِيَّةِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الهِبَةِ. انْتَهى. لَطائِفُ: (التّاءُ) فِي: خالِصَةً إمّا لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِأنَّ (الخالِصَةَ) مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ، وقَعَ مَوْقِعَ (الخالِصِ) مُبالَغَةً، أوْ بِحَذْفِ المُضافِ. أيْ: ذُو خالِصَةٍ، أوْ لِلتَّأْنِيثِ بِناءً عَلى أنَّ (ما) عِبارَةٌ عَنِ الأجِنَّةِ. والتَّذْكِيرُ في (مُحَرَّمٌ) بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ. وقُرِئَ (خالِصَةً) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، والخَبَرُ: لِذُكُورِنا. ووَصْفُهم واقِعٌ مَوْقِعَ مَصْدَرِ: سَيَجْزِيهِمْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ: جَزاءَ وصْفِهِمْ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ تَعالى في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] (p-٢٥٢٣)قالَ الشِّهابُ: وهَذا مِن بَلِيغِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: وصْفُ كَلامِهِ الكَذِبُ، إذا كَذَبَ، وعَيْنُهُ تَصِفُ السِّحْرَ، أيْ: ساحِرَةً، وقَدْ يَصِفُ الرَّشاقَةَ، بِمَعْنى رَشِيقٍ، مُبالَغَةً. حَتّى كَأنَّ مَن سَمِعَهُ أوْ رَآهُ وصَفَ لَهُ ذَلِكَ بِما يَشْرَحُهُ لَهُ. قالَ المَعَرِّيُّ: ؎سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهْنٍ فَباتَ بِرامَةٍ يَصِفُ الكَلالا

الأنعام 6:140

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٠] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ يَعْنِي: وأْدَ بَناتِهِمْ خَشْيَةَ السَّبْيِ أوِ الفَقْرِ: ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِخِفَّةِ أحْلامِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو رازِقُ أوْلادِهِمْ، لا هم. ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِهِما: ﴿افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا﴾ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ والصَّوابِ. قالَ الشِّهابُ: وفي قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ مُبالَغَةً في نَفْيِ الهِدايَةِ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَقْتَضِي حُدُوثَ الضَّلالِ، بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ. فَلِذا أرْدَفَ بِهَذِهِ الحالِ، لِبَيانِ عَراقَتِهِمْ في الضَّلالِ، وإنَّما ضَلالُهُمُ الحادِثُ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. (p-٢٥٢٤)تَنْبِيهٌ: حَمَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ (الخُسْرانَ) عَلى ما يَشْمَلُ الدّارَيْنِ. أمّا الدُّنْيا فَخَسِرُوا مَنافِعَ أوْلادِهِمْ، وثَمَرَةَ ما خُلِقُوا لَهُ. وكَذا مَنافِعَ أنْعامِهِمْ بِما ضَيَّقُوا وحَجَّرُوا فِيها ابْتِداعًا. وأمّا الآخِرَةُ فَيَصِيرُونَ إلى أسْوَأِ المَنازِلِ. وهَذا التَّعْمِيمُ -وإنْ كانَ حَقًّا- إلّا أنَّ الأظْهَرَ حَمْلُهُ عَلى الآخِرَةِ، تَوْفِيقًا بَيْنَ النَّظائِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٩] ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠] رَوى الحافِظُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: إذا سَرَّكَ أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ، فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَّلاثِينَ والمِائَةِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ الآيَةَ. - وهَكَذا رَواهُ البُخارِيُّ في "مَناقِبِ قُرَيْشٍ" مِن "صَحِيحِهِ".

الأنعام 6:141

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤١] ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ تَمْهِيدٌ لِما سَيَأْتِي مِن تَفْصِيلِ أحْوالِ الأنْعامِ. أيْ: هو الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم بِأنْواعِ النِّعَمِ، لِتَعْبُدُوهُ وحْدَهُ، فَخَلَقَ لَكم بَساتِينَ مِنَ الكُرُومِ وغَيْرِها مَعْرُوشاتٍ، أيْ: مَسْمُوكاتٍ بِما عَمِلْتُمْ لَها مِنَ الأعْمِدَةِ. يُقالُ: عَرَّشْتُ الكَرَمَ إذا جَعَلْتَ لَهُ دَعائِمَ وسُمُكًا تَعْطِفُ عَلَيْهِ القُضْبانَ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ مَتْرُوكاتٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ لَمْ تُعَرَّشْ "و" أنْشَأ: النَّخْلَ المُثْمِرَ لِما هو فاكِهَةٌ وقُوتٌ (p-٢٥٢٥)﴿والزَّرْعَ﴾ المُحَصِّلَ لِأنْواعِ القُوتِ: ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أيْ: ثَمَرُهُ وحَبُّهُ في اللَّوْنِ والطَّعْمِ والحَجْمِ والرّائِحَةِ ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا﴾ في اللَّوْنِ والشَّكْلِ، ورَقُهُما: ﴿وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ في الطَّعْمِ: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ أيْ: كُلُوا مِن ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ، إذا أدْرَكَ. قالَ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِهَذِهِ الأشْياءِ، ذَكَرَ ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن خَلْقِها، وهو انْتِفاعُ المُكَلَّفِينَ بِها، فَقالَ: كُلُوا مِن ثَمَرِهِ واخْتَلَفُوا ما الفائِدَةُ مِنهُ؟ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الإباحَةُ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ إباحَةُ الأكْلِ قَبْلَ إخْراجِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ الحَقَّ فِيهِ كانَ يَجُوزُ أنْ يَحْرُمَ عَلى المالِكِ تَناوُلُهُ، لِمَكانِ شَرِكَةِ المَساكِينِ فِيهِ، بَلْ هَذا هو الظّاهِرُ. فَأباحَ تَعالى هَذا الأكْلَ، وأخْرَجَ وُجُوبَ الحَقِّ فِيهِ مِن أنْ يَكُونَ مانِعًا مِن هَذا التَّصَرُّفِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أباحَ تَعالى ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ أنَّ المَقْصِدَ بِخَلْقِ هَذِهِ النِّعَمِ إمّا الأكْلُ، وإمّا التَّصَدُّقُ، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الأكْلِ عَلى التَّصَدُّقِ؛ لِأنَّ رِعايَةَ النَّفْسِ مُقَدَّمَةٌ عَلى رِعايَةِ الغَيْرِ. قالَ تَعالى: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] انْتَهى. ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِها. وهَذا أمْرٌ بِإيتاءِ مَن حَضَرَ يَوْمَئِذٍ ما تَيَسَّرَ، ولَيْسَ بِالزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ - وهَكَذا قالَ عَطاءٌ - أيْ: لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ. وكَذا قالَ مُجاهِدٌ: إذا حَضَرَكَ المَساكِينُ طَرَحْتَ لَهم مِنهُ. وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: عِنْدَ الحَصادِ يُعْطِي القَبْضَةَ، وعِنْدَ الصِّرامِ يُعْطِي القَبْضَةَ ويَتْرُكُهم يَتْبَعُونَ آثارَ الصِّرامِ. وهَكَذا رُوِيَ عَنْ نافِعٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وغَيْرِهِمْ. وعِنْدَ هَؤُلاءِ أنَّ هَذا الحَقَّ. (p-٢٥٢٦)باقٍ لَمْ يُنْسَخْ بِالزَّكاةِ، فَيُوجِبُونَ إطْعامَ مَن يَحْضُرُ الحَصادَ لِهَذِهِ الآيَةِ. ومِمّا يُؤَيِّدُهُ أنَّهُ تَعالى ذَمَّ الَّذِي يَصْرُمُونَ ولا يَتَصَدَّقُونَ، حَيْثُ قَصَّ عَلَيْنا سُوءَ فِعْلِهِمْ وانْتِقامَهُ مِنهم. قالَ تَعالى في سُورَةِ (ن): ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨] ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ [القلم: ١٩] ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠] أيْ: كاللَّيْلِ المُدْلَهِمِّ، سَوْداءَ مُحْتَرِقَةً ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ٢١] ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] الآياتِ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذا الحَقَّ نُسِخَ بِآيَةِ الزَّكاةِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وثُلَّةٍ مِنَ التّابِعِينَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في تَسْمِيَةِ هَذا نَسْخًا نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ شَيْئًا واجِبًا. ثُمَّ إنَّهُ فَسَّرَ بَيانَهُ وبَيَّنَ مِقْدارَ المُخْرَجِ وكَمِّيَّتَهُ. انْتَهى. ولا نَظَرَ، لِما عَرَفْتَ في المُقَدِّمَةِ مِن تَسْمِيَةِ مِثْلِ ذَلِكَ نَسْخًا عِنْدَ السَّلَفِ، ومَرَّ قَرِيبًا أيْضًا، فَتَذَكَّرْ! وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، ضُمَّتْ إلى هَذِهِ السُّورَةِ في نَظائِرَ لَها، بَيَّنّاها أوَّلَ السُّورَةِ، وأنَّ الحَقَّ هو الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ. رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ المُسَيِّبِ. والأمْرُ بِإيتائِها يَوْمَ الحَصادِ، لِلْمُبالَغَةِ في العَزْمِ عَلى المُبادَرَةِ إلَيْهِ. والمَعْنى: اعْزِمُوا عَلى إيتاءِ الحَقِّ واقْصِدُوهُ، واهْتَمُّوا بِهِ يَوْمَ الحَصادِ، حَتّى لا تُؤَخِّرُوهُ عَنْ أوَّلِ وقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ الإيتاءُ. قالَ الحاكِمُ: وقِيلَ: إنَّما ذَكَرَ وقْتَ الحَصادِ تَخْفِيفًا عَلى الأرْبابِ، فَلا يُحْسَبُ عَلَيْهِمْ ما أُكِلَ قَبْلَهُ. (p-٢٥٢٧)وقَدْ رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا زَرَعَ فَكانَ يَوْمَ حَصادِهِ، لَمْ يُخْرِجْ مِمّا حَصَدَ شَيْئًا، فَقالَ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ وذَلِكَ أنْ يَعْلَمَ ما كَيْلُهُ وحَقُّهُ مِن كُلِّ عَشَرَةٍ واحِدٌ، وما يَلْقُطُ النّاسُ مِن سُنْبُلِهِ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ««أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن كُلِّ جادٍّ عَشَرَةَ أوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ، بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ في المَسْجِدِ لِلْمَساكِينِ»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ. تَنْبِيهٌ: قالَ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن أوْجَبَ الزَّكاةَ في كُلِّ زَرْعٍ وثَمَرٍ، خُصُوصًا الزَّيْتُونَ والرُّمّانَ المَنصُوصَ عَلَيْهِما. ومَن خَصَّها بِالحُبُوبِ، قالَ: إنَّ الحَصادَ لا يُطْلَقُ حَقِيقَةً إلّا عَلَيْهِما. وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ الزَّكاةَ لا يَجِبُ أداؤُها قَبْلَ الحَصادِ. واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا عَلى أنَّ الِاقْتِرانَ لا يُفِيدُ التَّسْوِيَةَ في الأحْكامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَرَنَ الأكْلَ، وهو لَيْسَ بِواجِبٍ اتِّفاقًا، بِالإيتاءِ، وهو واجِبٌ اتِّفاقًا. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ النَّهْيُ عَنِ الإسْرافِ، إمّا في التَّصَدُّقِ، أيْ: لا تُعْطُوا فَوْقَ المَعْرُوفِ. قالَ أبُو العالِيَةِ: كانُوا يُعْطُونَ يَوْمَ الحَصادِ شَيْئًا ثُمَّ تَبادَرُوا فِيهِ وأسْرَفُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ. جَدَّ نَخْلًا لَهُ فَقالَ: لا يَأْتِينِي اليَوْمَ أحَدٌ إلّا أطْعَمْتُهُ، فَأطْعَمَ حَتّى أمْسى ولَيْسَ لَهُ ثَمَرَةٌ، فَنَزَلَتْ. ولِذا قالَ السُّدِّيُّ: أيْ: لا تُعْطُوا أمْوالَكم فَتَقْعُدُوا فُقَراءَ. وإمّا في الأكْلِ قَبْلَ الحَصادِ، وهَذا عَنْ أبِي مُسْلِمٍ قالَ: ولا تُسْرِفُوا في الأكْلِ قَبْلَ الحَصادِ كَيْلا يُؤَدِّيَ إلى بَخْسِ حَقِّ الفُقَراءِ. وإمّا في كُلِّ شَيْءٍ، قالَ عَطاءٌ: نُهُوا عَنِ السَّرَفِ في كُلِّ شَيْءٍ. (p-٢٥٢٨)وقالَ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ: ما جاوَزْتَ بِهِ أمْرَ اللَّهِ، فَهو سَرَفٌ. اخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ عَطاءٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا شَكَّ أنَّهُ صَحِيحٌ، لَكِنَّ الظّاهِرَ - واللَّهُ أعْلَمُ - مِن سِياقِ الآيَةِ، حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الأكْلِ. أيْ: لا تُسْرِفُوا في الأكْلِ، لِما فِيهِ مِن مَضَرَّةِ العَقْلِ والبَدَنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] الآيَةَ.. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ تَعْلِيقًا: كُلُوا واشْرَبُوا والبَسُوا وتَصَدَّقُوا مِن غَيْرِ إسْرافٍ ولا مَخِيلَةٍ. وهَذا مِن هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى. وقَدْ جَنَحَ إلى هَذا المَهايِمِيُّ في تَفْسِيرِهِ حَيْثُ قالَ: ولا تُسْرِفُوا في أكْلِها لِئَلّا يَبْطُلَ، بِاسْتِيفاءِ الشَّهَواتِ، مَعْنى المَزْرَعَةِ.

الأنعام 6:142

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ الأنْعامِ، وأبْطَلَ ما تَقَوَّلُوا عَلَيْهِ في شَأْنِها بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، بِقَوْلِهِ: (p-٢٥٢٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٢] ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ أيْ: وأنْشَأ لَكم مِنَ الأنْعامِ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ، وما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ (أيْ: يُضْجَعُ) أوْ يُنْسَجُ مِن وبَرِهِ وصُوفِهِ وشَعْرِهِ الفَرْشَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الحَمُولَةُ الكِبارُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، والفَرْشُ الصَّغِيرُ كالفِصْلانِ والعَجاجِيلِ والغَنَمِ؛ لِأنَّها دانِيَةٌ مِنَ الأرْضِ، لِلَطافَةِ أجْرامِها، مِثْلَ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها. فَعَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ: الفَرْشُ بِمَعْنى المَفْرُوشِ، وعَلى الثّالِثِ: الكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ. ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ الثِّمارِ والزُّرُوعِ والأنْعامِ، لِحِفْظِ الرُّوحِ، واسْتِزادَةِ القُوَّةِ. ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: أوامِرَهُ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، كَما اتَّبَعَها أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، فَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَيْهِ - كَما مَرَّ -. ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ، يَمْنَعُكم مِمّا يَحْفَظُ رُوحَكُمْ، ويَزِيدُ قُوَّتَكُمْ، ويَدْعُوكم إلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ إنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى أمْرِهِ، أوْ إلى دَعْوى الإلَهِيَّةِ لَكم إنِ اسْتَقْلَلْتُمْ بِهِ.

الأنعام 6:143

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٣] ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ بَدَلٌ مِن: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] أوْ مَفْعُولِ (كُلُوا). (p-٢٥٣٠)(ولا تَتَّبِعُوا) مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما، أوْ فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ حالٌ مِن (ما) بِمَعْنى مُخْتَلِفَةٍ أوْ مُتَعَدِّدَةٍ. والزَّوْجُ ما مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ يُزاوِجُهُ. قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] وقَدْ يُقالُ لِمَجْمُوعِهِما، والمُرادُ الأوَّلُ. ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ زَوْجَيْنِ: ﴿اثْنَيْنِ﴾ الكَبْشِ والنَّعْجَةِ: ﴿ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ التَّيْسِ والعَنْزِ ﴿قُلْ﴾ أيْ: تَبْكِيتًا لَهُمْ، وإظْهارًا لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الجَوابِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ مِنَ الضَّأْنِ والمَعْزِ: ﴿حَرَّمَ﴾ اللَّهُ عَلَيْكم أيُّها المُشْرِكُونَ: أمِ ﴿الأُنْثَيَيْنِ﴾ مِنهُما: ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: أمْ ما حَمَلَتْ إناثُ الجِنْسَيْنِ ذَكْرًا كانَ أوْ أُنْثى، كَما قالُوا: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] الآيَةَ. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ أيْ: بِدَلِيلٍ نَقْلِيٍّ مِن كُتُبِ أوائِلِ الرُّسُلِ، أوْ عَقْلِيٍّ في الفَرْقِ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، والنَّوْعَيْنِ الآتِيَيْنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في دَعْوى التَّحْرِيمِ. وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْإلْزامِ وتَثْنِيَةٌ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ.

الأنعام 6:144

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٤] ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] أيْ: وأنْشَأ مِنَ (p-٢٥٣١)الإبِلِ اثْنَيْنِ هُما الجَمَلُ والنّاقَةُ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى ﴿قُلْ﴾ أيْ: إفْحامًا لَهم أيْضًا في هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ مِنهُما: ﴿حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: مِن ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ. والمَعْنى إنْكارُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ، وإظْهارُ كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ. وتَفْصِيلُ ما ذُكِرَ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ وما في بُطُونِها - لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإيرادِ الإنْكارِ عَلى كُلِّ مادَّةٍ مِن مَوادِّ افْتِرائِهِمْ. فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ ذُكُورَ الأنْعامِ تارَةً وإناثَها تارَةً وأوْلادَها كَيْفَما كانَتْ تارَةً أُخْرى. مُسْنِدِينَ ذَلِكَ كُلَّهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وإنَّما عَقَّبَ تَفْصِيلَ كُلِّ واحِدٍ مِن نَوْعَيِ الصِّغارِ ونَوْعَيِ الكِبارِ بِما ذُكِرَ مِنَ الأمْرِ بِالِاسْتِفْهامِ والإنْكارِ مَعَ حُصُولِ التَّبْكِيتِ بِإيرادِ الأمْرِ عَقِيبَ تَفْصِيلِ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ بِأنْ يُقالَ: قُلْ آلذُّكُورُ حَرَّمَ أمِ الإناثُ أمْ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الإناثِ - لِما في التَّثْنِيَةِ والتَّكْرِيرِ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّبْكِيتِ والإلْزامِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ثُمَّ كَرَّرَ الإفْحامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ حاضِرِينَ: ﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ أيْ: حِينَ وصّاكم بِتَحْرِيمِ بَعْضٍ وتَحْلِيلِهِ. وهَذا مِن بابِ التَّهَكُّمِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: فَنَسَبَ إلَيْهِ تَحْرِيمَ ما لَمْ يُحَرِّمْ: ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: دَلِيلٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أوَّلُ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ الأنْبِياءِ وأوَّلُ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ ووَصَلَ الوَصِيلَةَ وحَمى الحامِيَ. كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحِ. (p-٢٥٣٢)وقالَ أبُو السُّعُودِ: المُرادُ كُبَراؤُهُمُ المُقِرُّونَ لِذَلِكَ. أوْ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ وهو المُؤَسِّسُ لِهَذا الشَّرِّ. أوِ الكُلُّ لِاشْتِراكِهِمْ في الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى. لَطِيفَةٌ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ فَصَلَ بَيْنَ بَعْضِ المَعْدُودِ وبَعْضِهِ ولَمْ يُوالِ بَيْنَهُ؟ قُلْتُ: قَدْ وقَعَ الفاصِلُ بَيْنَهُما اعْتِراضًا غَيْرَ أجْنَبِيٍّ مِنَ المَعْدُودِ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مَنَّ عَلى عِبادِهِ بِإنْشاءِ الأنْعامِ لِمَنافِعِهِمْ وبِإباحَتِها لَهم. فاعْتُرِضَ بِالِاحْتِجاجِ عَلى مَن حَرَّمَها. والِاحْتِجاجُ عَلى مَن حَرَّمَها تَأْكِيدٌ وتَسْدِيدٌ لِلتَّحْلِيلِ. والِاعْتِراضاتُ في الكَلامِ لا تُساقُ إلّا لِلتَّوْكِيدِ. انْتَهى. تَنْبِيهٌ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى إباحَةِ أكْلِ لُحُومِ الأنْعامِ. وذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً. وكَذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِالرُّكُوبِ فِيما يُرْكَبُ، والِافْتِراشُ لِلْأصْوافِ والأوْبارِ والجُلُودِ. وعَلى رَدِّ ما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَحَرِّمُهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ. قالَ المُؤَيَّدُ بِاللَّهِ: ويَدْخُلُ الإنْسِيُّ والوَحْشِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ورُدَّ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] بَيانٌ لِلْأنْعامِ. والأنْعامُ لا تُطْلَقُ عَلى الوَحْشِيِّ. أفادَهُ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ.

الأنعام 6:145

ثُمَّ أمَرَ تَعالى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - بَعْدَ إلْزامِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وبَيانِ أنَّ ما يَتَقَوَّلُونَهُ في أمْرِ التَّحْرِيمِ افْتِراءٌ بَحْتٌ - بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ سُبْحانَهُ: (p-٢٥٣٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٥] ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ أيْ: طَعامًا مُحَرَّمًا مِنَ المَطاعِمِ: ﴿عَلى طاعِمٍ﴾ أيْ: أيْ: طاعِمٍ كانَ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى. رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ: مُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وقَوْلِهِ: ﴿يَطْعَمُهُ﴾ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ: ﴿إلا أنْ يَكُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الطَّعامُ: ﴿مَيْتَةً﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: والمَوْتُ سَبَبُ الفَسادِ. فَهو مُنَجِّسٌ، إلّا أنْ يَمْنَعَ مِن تَأْثِيرِهِ مانِعٌ مِن ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، أوْ كَوْنِهِ مِنَ الماءِ، أوْ غَيْرِهِما: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ أيْ: سائِلًا لا كَبِدًا أوْ طِحالًا: ﴿أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ لِتَعَوُّدِهِ أكْلَ النَّجاساتِ: ﴿أوْ فِسْقًا﴾ أيْ: خُرُوجًا عَنِ الدِّينِ الَّذِي هو كالحَياةِ المُطَهِّرَةِ: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أيْ: ذُبِحَ عَلى اسْمِ الأصْنامِ ورُفِعَ الصَّوْتُ عَلى ذَبْحِهِ بِاسْمِ غَيْرِ اللَّهِ. وإنَّما سُمِّيَ (ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) فِسْقًا، لِتَوَغُّلِهِ في بابِ الفِسْقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ: أصابَتْهُ الضَّرُورَةُ الدّاعِيَةُ إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أيْ: عَلى مُضْطَرٍّ مِثْلِهِ، تارِكٍ لِمُواساتِهِ: ﴿ولا عادٍ﴾ مُتَجاوِزٍ قَدْرَ حاجَتِهِ مِن تَناوُلِهِ: ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يُؤاخِذُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ والمائِدَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الغَرَضُ مِن سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا ما ابْتَدَعُوا مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والِحامِ ونَحْوِ ذَلِكَ. فَأمَرَ تَعالى رَسُولَهُ أنْ يُخْبِرَهم أنَّهُ لا يَجِدُ فِيما أوْحاهُ إلَيْهِ أنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ. وأنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ هو المَيْتَةُ وما ذُكِرَ مَعَها. (p-٢٥٣٤)وما عَدا ذَلِكَ فَلَمْ يُحَرَّمْ. وإنَّما هو عَفْوٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ. فَكَيْفَ تَزْعُمُونَ أنَّهُ حَرامٌ؟ ومِن أيْنَ حَرَّمْتُمُوهُ ولَمْ يُحَرِّمْهُ تَعالى؟ وعَلى هَذا، فَلا يَنْفِي تَحْرِيمَ أشْياءَ أُخَرَ فِيما بَعْدَ هَذا. كَما جاءَ النَّهْيُ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ ولُحُومِ السِّباعِ وكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ - انْتَهى - وبِالجُمْلَةِ فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمْ يَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ إلى تِلْكَ الغايَةِ غَيْرَهُ. ولا يُنافِيهِ وُرُودُ التَّحْرِيمِ بَعْدَ ذَلِكَ في شَيْءٍ آخَرَ، كالمَوْقُوذَةِ والمُنْخَنِقَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ وغَيْرِها. وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ. فَما عَدا ما ذُكِرَ تَحْرِيمُهُ فِيها مِمّا حُرِّمَ أيْضًا، طارِئٌ. قِيلَ: إذا حُرِّمَ غَيْرُ ما ذُكِرَ كانَ نَسْخًا لِما اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن تَحْلِيلِهِ. وجَوابُهُ أنَّ ذَلِكَ زِيادَةُ تَحْرِيمٍ ولَيْسَ بِنَسْخٍ لِما في الآيَةِ. فَصَحَّ تَحْرِيمُ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السَّبُعِ ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. ومِنَ النّاسِ مَن يُسَمِّي هَذا نَسْخًا بِالمَعْنى السَّلَفِيِّ. وقَدْ بَيَّنّاهُ مِرارًا. قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: وقَدْ تَعَلَّقَ ابْنُ عَبّاسٍ بِالآيَةِ في تَحْلِيلِ لَحْمِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ. وعائِشَةُ في لُحُومِ السِّباعِ. وعِكْرِمَةُ في إباحَةِ كُلِّ شَيْءٍ سِوى ما في الآيَةِ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ؛ أنَّهُ كانَ يُبِيحُ لَحْمَ الفِيلِ ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ. ولا تَعَلُّقَ لِجَمِيعِهِمْ بِالآيَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ما يَحْرُمُ في تِلْكَ الأحْوالِ. انْتَهى. وقالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": احْتَجَّ بِها كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ في إباحَةِ ما عَدا المَذْكُورَ فِيها. فَمِن ذَلِكَ الحُمُرُ الأهْلِيَّةُ، أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ يَزِيدَ: يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ حُمُرِ الأهْلِيَّةِ. فَقالَ: قَدْ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الغِفارِيُّ عِنْدَنا بِالبَصْرَةِ. ولَكِنْ أبى ذَلِكَ البَحْرُ (ابْنُ عَبّاسٍ) وقَرَأ: (p-٢٥٣٥)﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ أكْلِ القُنْفُذِ؟ فَقَرَأ: ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ الآيَةَ.. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ. بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ إذا سُئِلَتْ عَنْ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ؟ تَلَتْ: ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ مِنَ الدَّوابِّ شَيْءٌ حَرامٌ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ في كِتابِهِ ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ الآيَةَ.. انْتَهى. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أشْياءَ ويَتْرُكُونَ أشْياءَ تَقَذُّرًا. فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ وأنْزَلَ كِتابَهُ وأحَلَّ حَلالَهُ وحَرَّمَ حَرامَهُ. فَما أحَلَّ فَهو حَلالٌ وما حَرَّمَ فَهو حَرامٌ. وما سَكَتَ عَنْهُ فَهو مَعْفُوٌّ. وتَلا: ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ الآيَةَ.. وذَكَرْنا ضَعْفَ التَّعَلُّقِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ. قالَ في "فَتْحِ البَيانِ": مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّهُ لا يَجِدُ في شَيْءٍ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ مُحَرَّمًا غَيْرَ هَذِهِ المَذْكُوراتِ. فَدَلَّ عَلى انْحِصارِ المُحَرَّماتِ فِيها، لَوْلا أنَّها مَكِّيَّةٌ. وقَدْ نَزَلَ بَعْدَها بِالمَدِينَةِ سُورَةُ المائِدَةِ وزِيدَ فِيها عَلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ: المُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ. وصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْرِيمُ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ (p-٢٥٣٦)وكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وتَحْرِيمُ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ والكِلابِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. بِالجُمْلَةِ، فَهَذا العُمُومُ إنْ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُؤْكَلُ مِنَ الحَيَواناتِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ ويُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ، فَيُضَمُّ إلَيْهِ كُلُّ ما ورَدَ بَعْدَهُ في الكِتابِ أوِ السُّنَّةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ شَيْءٍ مِنَ الحَيَواناتِ. وإنْ كانَ هَذا العُمُومُ هو بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، فَإنَّهُ يُضَمُّ إلَيْهِ كُلُّ ما ورَدَ بَعْدَهُ مِمّا فِيهِ تَحْرِيمُ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وعائِشَةَ؛ أنَّهُ لا حَرامَ إلّا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ. وهو قَوْلٌ ساقِطٌ ومَذْهَبٌ في غايَةِ الضَّعْفِ لِاسْتِلْزامِهِ لِإهْمالِ غَيْرِها، مِمّا نَزَلَ بَعْدَها مِنَ القُرْآنِ، وإهْمالِ ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. بِلا سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ولا مُوجِبٍ يُوجِبُهُ. وقَوْلُ جابِرٍ: (لَكِنْ أبى ذَلِكَ البَحْرُ ابْنُ عَبّاسٍ) في رِوايَةِ البُخارِيِّ المُتَقَدِّمَةِ، أقُولُ: وإنْ أبى ذَلِكَ البَحْرُ؛ فَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والتَّمَسُّكُ بِقَوْلِ صَحابِيٍّ في مُقابَلَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِن سُوءِ الِاخْتِيارِ وعَدَمِ الإنْصافِ. انْتَهى كَلامُ الفَتْحِ. وفِي "نَيْلِ الأوْطارِ": الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما يَتِمُّ في الأشْياءِ الَّتِي لَمْ يَرِدِ النَّصُّ بِتَحْرِيمِها. وأمّا الحُمُرُ الإنْسِيَّةُ فَقَدْ تَواتَرَتِ النُّصُوصُ عَلى ذَلِكَ. والتَّنْصِيصُ عَلى التَّحْرِيمِ مُقَدَّمٌ عَلى عُمُومِ التَّحْلِيلِ، وعَلى القِياسِ. وأيْضًا الآيَةُ مَكِّيَّةٌ. انْتَهى. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رُجُوعُهُ عَنِ التَّعَلُّقِ بِعُمُومِها. رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ عَنْ نُمَيْلَةَ الفَزازِيِّ قالَ: «كُنْتُ (p-٢٥٣٧)عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، وإنَّهُ سُئِلَ عَنْ أكْلِ القُنْفُذِ فَقَرَأ عَلَيْهِ: قُلْ لا أجِدُ .. الآيَةَ. فَقالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: خَبِيثٌ مِنَ الخَبائِثِ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ قالَهُ فَهو كَما قالَ». أيْ: والخَبائِثُ مُحَرَّمَةٌ بِنَصِّ القُرْآنِ، فَهو مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ. وعَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا هَلْ عَسى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الحَدِيثُ عَنِّي وهو مُتَّكِئٌ عَلى أرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: بَيْنَنا وبَيْنَكم كِتابُ اللَّهِ. فَما وجَدْنا فِيهِ حَلالًا اسْتَحْلَلْناهُ. وما وجَدْنا فِيهِ حَرامًا حَرَّمْناهُ. وإنَّ ما حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى». أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ولِأبِي داوُدَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا إنِّي أُوتِيتُ الكِتابَ ومِثْلَهُ مَعَهُ. لا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعانُ عَلى أرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكم بِهَذا القُرْآنِ، فَما وجَدْتُمْ فِيهِ مِن حَلالٍ فَأحِلُّوهُ. وما وجَدْتُمْ فِيهِ مِن حَرامٍ فَحَرِّمُوهُ. ألا لا يَحِلُّ لَكم (لَحْمُ) الحِمارِ الأهْلِيِّ ولا كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السُّبُعِ ولا لُقَطَةُ مُعاهَدٍ إلّا أنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْها صاحِبُها. ومَن نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أنْ يُقْرُوهُ. فَإنْ لَمْ يُقْرُوهُ فَلَهُ أنْ يَعْقُبَهم بِمِثْلِ قِراهُ». (أيْ: يَأْخُذُ مِنهم عِوَضًا عَمّا حَرَمُوهُ مِنَ القِرى). هَذا والزَّمَخْشَرِيُّ فَسَّرَ مُحَرَّمًا بِ (طَعامًا مُحَرَّمًا مِنَ المَطاعِمِ الَّتِي حَرَّمْتُمُوها) وجَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا. أيْ: لا أجِدُ ما حَرَّمْتُمُوهُ لَكِنْ أجِدُ الأرْبَعَةَ مُحَرَّمَةً. وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحَصْرِ حَتّى تَرِدَ المُحَرَّماتُ الأُخَرُ؛ إذِ الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ لَيْسَ كالمُتَّصِلِ في الحَصْرِ. وغَيْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الأصْلَ الِاتِّصالُ وعَدَمُ التَّقْيِيدِ وأوَّلُوها بِما قَدَّمْنا قَبْلُ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ أوْ أعَمِّ الأحْوالِ مُفَرَّغًا. بِمَعْنى: لا أجِدُ (p-٢٥٣٨)شَيْئًا مِنَ المَطاعِمِ المُحَرَّماتِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، أوْ حالٍ مِنَ الأحْوالِ، إلّا في وقْتِ أوْ حالِ كَوْنِ الطَّعامِ أحَدَ الأرْبَعَةِ؛ فَإنِّي أجِدُ حِينَئِذٍ مُحَرَّمًا. فالمَصْدَرُ لِلزَّمانِ أوِ الهَيْئَةِ. وفِيهِ أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ مِن (أنْ والفِعْلِ) لا يُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. ولا يَقَعُ حالًا؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ. واللَّهُ أعْلَمُ. الثّانِي: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إيذانُ التَّحْرِيمِ إنَّما بِالوَحْيِ لا بِالهَوى. قالَ الشِّهابُ: كَنّى بِعَدَمِ الوِجْدانِ عَنْ عَدَمِ الوُجُودِ. ومَبْنى هَذِهِ الكِنايَةِ عَلى أنَّ طَرِيقَ التَّحْرِيمِ التَّنْصِيصُ مِنهُ تَعالى. وتَفْسِيرُهُ بِمُطْلَقِ الوَحْيِ اسْتَظْهَرُوهُ. ولِذا قالَ: أُوحِيَ ولَمْ يَقُلْ: أُنْزِلَ. الثّالِثُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ عَلى أنَّهُ إنَّما حُرِّمَ مِنَ المَيْتَةِ أكْلُها. وأنَّ جِلْدَها يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ. فَأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «ماتَتْ شاةٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ماتَتْ فُلانَةُ (يَعْنِي الشّاةَ) فَقالَ: فَلَوْلا أخَذْتُمْ مَسْكَها؟ فَقالَتْ: نَأْخُذُ مَسْكَ شاةٍ قَدْ ماتَتْ؟ فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ﴾ فَإنَّكم لا تَطْعَمُونَهُ. إنْ تَدْبُغُوهُ تَنْتَفِعُوا بِهِ. فَأرْسَلَتْ إلَيْها فَسَلَخَتْ مَسْكَها فَدَبَغَتْهُ، فاتَّخَذَتْ مِنهُ قِرْبَةً، حَتّى تَخَرَّقَتْ عِنْدَها». الرّابِعُ: اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: مَسْفُوحًا عَلى إباحَةِ غَيْرِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الدَّمَ المَسْفُوحَ هو ما سالَ مِنَ الحَيَوانِ في حالِ الحَياةِ، أوْ عِنْدَ الذَّبْحِ - لا كالكَبِدِ والطِّحالِ - وكَذا ما اخْتَلَطَ بِاللَّحْمِ مِنَ الدَّمِ لِأنَّهُ غَيْرُ سائِلٍ. قالَ عِمْرانُ بْنُ جَدِيرٍ: سَألْتُ أبا مِجْلَزٍ عَمّا يَخْتَلِطُ بِاللَّحْمِ مِنَ الدَّمِ، وعَنِ القِدْرِ يُرى فِيها حُمْرَةُ الدَّمِ فَقالَ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ! إنَّما نُهِيَ عَنِ الدَّمِ المَسْفُوحِ. (p-٢٥٣٩)وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: لا بَأْسَ بِالدَّمِ في عِرْقٍ أوْ مُخٍّ، إلّا المَسْفُوحَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لَوْلا هَذِهِ الآيَةُ لِتَتَبَّعَ المُسْلِمُونَ الدَّمَ مِنَ العُرُوقِ ما تَتَبَّعَ اليَهُودُ.

الأنعام 6:146

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ أشْياءَ أُخْرى غَيْرَ هَذِهِ الأرْبَعَةِ، تَحْقِيقًا لِافْتِراءِ المُشْرِكِينَ فِيما حَرَّمُوهُ، إذْ لَمْ يُوافِقْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَهُ تَعالى، فَقالَ سُبْحانَهُ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٦] ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ أيِ: اليَهُودِ خاصَّةً: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الَّذِي لَيْسَ مُنْفَرِجَ الأصابِعِ - كالجَمَلِ والوَبْرِ والأرْنَبِ - فَإنَّها مِن ذَواتِ الأظْفارِ الغَيْرِ المَشْقُوقَةِ - أيِ: المُنْفَرِجَةِ - وأمّا ذُو الظُّفْرِ المَشْقُوقِ وهو يَجْتَرُّ مِنَ البَهائِمِ، فَلَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ. ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لا لُحُومَهُما: ﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ يَعْنِي: ما عَلِقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشُّحُومِ: ﴿أوِ الحَوايا﴾ أيِ: الأمْعاءُ والمَصارِينُ - أيْ: ما حَمَلَتْهُ مِنَ الشُّحُومِ -: ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ كالمُخِّ والعُصْعُصِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: تَحْرِيمٌ تِلْكَ الأطايِبِ عَلَيْهِمْ: ﴿جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وأكْلُهُمُ الرِّبا - وقَدْ نُهُوا عَنْهُ - وأكَلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ ذَلِكَ البَغْيُ، فَلا وجْهَ لِتَحْرِيمِها عَلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِها أطايِبَ في أنْفُسِها. ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ أيْ: في جَمِيعِ أخْبارِنا الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الخَبَرُ؛ وهو تَخْصِيصُ التَّحْرِيمِ بِهِمْ، لِبَغْيِهِمْ. (p-٢٥٤٠)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا كَما زَعَمُوا مِن أنَّ إسْرائِيلَ هو الَّذِي حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ولَقَدْ ألْقَمَهُمُ الحَجَرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ﴾ [آل عمران: ٩٣] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]

الأنعام 6:147

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٧] ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْيَهُودِ لِأنَّهم أقْرَبُ ذِكْرًا، ولِذِكْرِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعُنْوانِ الإشْراكِ؛ وإمّا لِلْمُشْرِكِينَ، وإمّا لِلْفَرِيقَيْنِ. أيْ: فَإنْ كَذَّبَتْكَ اليَهُودُ في التَّخْصِيصِ وزَعَمُوا أنَّ تَحْرِيمَ اللَّهِ لا يُنْسَخُ، وأصَرُّوا عَلى ادِّعاءِ قِدَمِ التَّحْرِيمِ؛ في أوِ المُشْرِكُونَ فِيما فُصِّلَ مِن أحْكامِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، أوْ هُما فِيما ادَّعَيا: ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ يُمْهِلُكم عَلى التَّكْذِيبِ فَلا تَغْتَرُّوا بِإمْهالِهِ فَإنَّهُ لا يُهْمِلُ: ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: ومَعَ رَحْمَتِهِ فَهو ذُو بَأْسٍ شَدِيدٍ. وفِيهِ تَرْغِيبٌ لَهم في ابْتِغاءِ رَحْمَةِ اللَّهِ الواسِعَةِ، وذَلِكَ في اتِّباعِ رِضْوانِهِ، وتَرْهِيبٍ مِنَ المُخالَفَةِ. ولْيُعْلَمْ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ - بِبُطْلانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وتَحْرِيمِ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ - أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِما سَيَقُولُونَهُ مِن شُبْهَةٍ يَتَشَبَّثُونَ بِها لِشِرْكِهِمْ وتَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا. وفائِدَةُ الإخْبارِ بِما سَوْفَ يَقُولُونَهُ، تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الجَوابِ، ومُكافَحَتُهم بِالرَّدِّ، وإعْدادُ الحُجَّةِ قَبْلَ أوانِها، فَقالَ تَعالى:

الأنعام 6:148

(p-٢٥٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٨] ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ والعَرَبِ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ يَعْنِي ما حَرَّمُوهُ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ وغَيْرِهِما: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أيْ: حَتّى أنْزَلْنا عَلَيْهِمُ العَذابَ: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ أيْ: أمْرٌ مَعْلُومٌ يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ فِيما قُلْتُمْ فَتُظْهِرُوهُ لَنا: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ أيْ: فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وتَحْرِيمِ ما حَرَّمْتُمْ: ﴿وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ تَكْذِبُونَ.

الأنعام 6:149

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤٩] ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ عَلى الإثْباتِ. ومِنهُ: (أيْمانٌ بالِغَةٌ) أيْ: مُؤَكَّدَةٌ. أوْ (البالِغَةُ) الَّتِي بَلَغَ بِها صاحِبُها صِحَّةَ دَعْواهُ فَهي (كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ) ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ. بَلْ شاءَ هِدايَةَ بَعْضٍ صَرَفُوا اخْتِيارَهم إلى سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ. وضَلالٍ آخَرِينَ صَرَفُوا كَسْبَهم إلى خِلافِ ذَلِكَ، مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ، فَوَقَعَ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي شاءَهُ. قالَ الإمامُ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ في "تَأْوِيلاتِهِ": قِيلَ: الآيَةُ في مُشْرِكِي العَرَبِ. قالُوا ذَلِكَ حِينَ لَزِمَتْهُمُ المُناقَضَةُ وانْقَطَعَ حِجاجُهم في تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا مِنَ الأشْياءِ. وأضافُوا (p-٢٥٤٢)ذَلِكَ إلى اللَّهِ، وهو صِلَةُ قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٤] فَلَمّا لَزِمَتْهُمُ المُناقَضَةُ وانْقَطَعَ حِجاجُهم فَزِعُوا إلى هَذا القَوْلِ: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا. انْتَهى. والقَصْدُ: الِاعْتِذارُ عَنْ كُلِّ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ وتَحْرِيمِ الحَلالِ. أيْ: ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأِ التَّرْكَ وشاءَ الفِعْلَ، فَفِعْلُنا طَوْعُ مَشِيئَتِهِ، وهو لا يَشاءُ إلّا الحَقَّ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا يَرْضاهُ لَمَنَعَنا مِنهُ. وهو لَمْ يَمْنَعْنا مِنهُ فَهو حَقٌّ. وفي حِكايَةِ هَذِهِ المُناظَرَةِ والمُجادَلَةِ بَيانٌ لِنَوْعٍ مِن كُفْرِهِمْ شَنِيعٍ جِدًّا..! تَنْبِيهٌ: هَذِهِ الآيَةُ تَكَرَّرَ نَظِيرُها في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ في عِدَّةِ سُوَرٍ، وهي مِنَ الآياتِ الجَدِيرَةِ بِالتَّدَبُّرِ لِتَمْحِيصِ الحَقِّ في المُرادِ مِنها. فَقَدْ زَعَمَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ فِيها دَلالَةً واضِحَةً لِمَذْهَبِهِمْ مِن أنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ المَعاصِي والكُفْرَ، كَما تَبَجَّحَ بِذَلِكَ مِنهُمُ الطَّبَرْسِيُّ الشِّيعِيُّ في "تَفْسِيرِهِ" وقالَ: إنَّ فِيها تَكْذِيبًا ظاهِرًا لِمَن أضافَ مَشِيئَةَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ وكَذا الزَّمَخْشَرِيُّ في "تَفْسِيرِهِ". (p-٢٥٤٣)ومَعْلُومٌ أنَّ عَقِيدَةَ الفِرْقَةِ النّاجِيَةِ، الإيمانُ بِأنَّ: ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وأنَّهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِن حَرَكَةٍ ولا سُكُونٍ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، لا يَكُونُ في مُلْكِهِ إلّا ما يُرِيدُ، وهو خالِقٌ لِأفْعالِ العِبادِ.! وقَدْ خالَفَ في ذَلِكَ عامَّةُ القَدَرِيَّةِ - الَّذِينَ سَمّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةَ - فَقالُوا: لا إرادَةَ إلّا بِمَعْنى المَشِيئَةِ، وهو لَمْ يُرِدْ إلّا ما أمَرَ بِهِ، ولَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مِن أفْعالِ العِبادِ. فَعِنْدَهم أكْثَرُ ما يَقَعُ مِن أفْعالِ العِبادِ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ تَعالى. ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا في غايَةِ الشَّناعَةِ. تَبَرَّأ مِنهُمُ الصَّحابَةُ. وأصْلُ بِدْعَتِهِمْ - كَما قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ - كانَتْ مِن عَجْزِ عُقُولِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِقَدَرِ اللَّهِ والإيمانِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وسَنُبَيِّنُ تَحْقِيقَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ نُورِدَ شُبْهَتَهم في هَذِهِ الآيَةِ ونَدْمَغَها - بِعَوْنِهِ تَعالى - بِعِدَّةِ وُجُوهٍ فَنَقُولُ: قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم قالُوا: أشْرَكْنا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى. ولَوْ أرادَ عَدَمَ إشْراكِنا لَما أشْرَكْنا، ولَما صَدَرَ عَنّا تَحْرِيمُ المُحَلَّلاتِ فَقَدْ أسْنَدُوا كُفْرَهم وعِصْيانَهم إلى إرادَتِهِ تَعالى كَما تَزْعُمُونَ أنْتُمْ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ مَقالَتَهم وبَيَّنَ بُطْلانَها وذَمَّهم عَلَيْها وأوْعَدَهم عَلَيْها وعِيدًا شَدِيدًا. فَلَوْ كانَ يَجُوزُ إضافَةُ المَشِيئَةِ إلى اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ، عَلى ما تُضِيفُونَ أنْتُمْ، لَمْ يَكُنْ يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ويَتَوَعَّدُهُمْ؟ قُلْنا: إنَّ المَشِيئَةَ في الآيَةِ تَتَخَرَّجُ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: ما قالَ الحَسَنُ والأصَمُّ - إنَّ المَشِيئَةَ هَهُنا الرِّضا - فَمُرادُهُمْ: أنَّ اللَّهَ رَضِيَ بِفِعْلِنا وصَنِيعِنا - حَيْثُ فَعَلَ آباؤُنا ما فَعَلْنا - فَلَمْ يَحُلِ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ، ولا أخَذَ عَلى أيْدِيهِمْ، ولا مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ؛ فَلَوْ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ عَنْهم لَكانَ يَمْنَعُهم عَنْهُ! قالَ أبُو مَنصُورٍ: وإنَّما اسْتَدَلُّوا بِالرِّضا مِنَ اللَّهِ والإذْنِ فِيما كانُوا فِيهِ، أنَّهم كانُوا يُخَوَّفُونَ بِالهَلاكِ والعَذابِ عَلى صَنِيعِهِمْ، ثُمَّ رَأوْا آباءَهم ماتُوا عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَأْتِهِمُ العَذابُ، فاسْتَدَلُّوا بِتَأْخِيرِ نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ عَلى أنَّ اللَّهَ رَضِيَ بِذَلِكَ. (p-٢٥٤٤)وبِالجُمْلَةِ، أرادُوا بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ. أنَّهم عَلى الحَقِّ المَشْرُوعِ المَرْضِيِّ عِنْدَ اللَّهِ. ولَمّا كانَتْ حُجَّتُهم داحِضَةً باطِلَةً - لِأنَّها لَوْ كانَتْ صَحِيحَةً لَما أذاقَهُمُ اللَّهُ بَأْسَهُ ودَمَّرَ عَلَيْهِمْ وأدالَ عَلَيْهِمْ رُسُلَهُ الكِرامَ - قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أيْ: بِأنَّ اللَّهَ راضٍ عَلَيْكم فِيما أنْتُمْ فِيهِ! وهَذا مِنَ التَّهَكُّمِ والشَّهادَةِ بِأنَّ مِثْلَ قَوْلِهِمْ مُحالٌ أنْ يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ. وفِي "الوَجِيزِ": الحاصِلُ أنَّ المُشْرِكِينَ اعْتَقَدُوا عَدَمَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المَأْمُورِ المَرْضِيِّ والمَشِيئَةِ، كَما اعْتَقَدَتِ المُعْتَزِلَةُ، فاحْتَجُّوا عَلى حَقِّيَّةِ الإشْراكِ. ويُنادِي عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: كَذَلِكَ كَذَّبَ فَإنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لَقالَ (كَذَلِكَ كَذَبَ) بِالتَّخْفِيفِ لا التَّشْدِيدِ. وهَذِهِ الآيَةُ - عِنْدَ مَن لَهُ أُذُنٌ واعِيَةٌ - تَصِيحُ عَلى المُعْتَزِلَةِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، لَكِنْ في آذانِهِمْ وقْرٌ، ومَن لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ. انْتَهى. الوَجْهُ الثّانِي: إنَّ المَشِيئَةَ في الآيَةِ بِمَعْنى الأمْرِ والدُّعاءِ إلى ذَلِكَ. أيْ: يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِذَلِكَ ودَعاهم إلَيْهِ، كَما أخْبَرَ عَنْهم في سُورَةِ الأعْرافِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] فَرَدَّ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] الوَجْهُ الثّالِثُ: إنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ كانَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ دافِعًا لِدَعْوَتِهِ ﷺ، وتَعَلُّلًا لِعَدَمِ إجابَتِهِ وانْقِيادِهِ، لا تَفْوِيضًا لِلْكائِناتِ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. فَما صَدَرَ عَنْهم كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ. ولِذَلِكَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهم قَصَدُوا بِهِ تَكْذِيبَ النَّبِيِّ ﷺ في وُجُوبِ اتِّباعِهِ والمُتابَعَةِ، فَقالَ: كَذَلِكَ كَذَّبَ بِالتَّشْدِيدِ، ولَمْ يَذُمَّهم بِالكَذِبِ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وإلّا لَقالَ (كَذَلِكَ كَذَبَ) بِالتَّخْفِيفِ، إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ في نَفْسِهِ حَقٌّ وصِدْقٌ. وقالَ آخَرُ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ فَأشارَ إلى صِدْقِ مَقالَتِهِمْ وفَسادِ غَرَضِهِمْ. فالعِتابُ الَّذِي لَحِقَهم والوَعِيدُ الَّذِي أوْعَدَهُمْ، إنَّما كانَ لِاسْتِهْزائِهِمْ. (p-٢٥٤٥)كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] وهي كَلِمَةُ حَقٍّ. لَكِنْ قالَها اسْتِهْزاءً فَلَحِقَهُ الذَّمُّ. وهَذا الوَجْهُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ العَضُدُ في "المَواقِفِ" وقَرَّرَهُ أيْضًا أبُو مَنصُورٍ في "تَأْوِيلاتِهِ". قالَ الحَسَنُ بْنُ الفُضَيْلٍ: لَوْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ وإجْلالًا لَهُ ومَعْرِفَةً بِحَقِّهِ وبِما يَقُولُونَ، لَما عابَهم بِذَلِكَ. ولَكِنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ تَكْذِيبًا وجَدَلًا. مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِاللَّهِ وبِما يَقُولُونَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: ما يُسْتَفادُ مِن قَوْلِ الإمامِ: إنَّ في كَلامِ المُشْرِكِينَ مُقَدِّمَتَيْنِ: إحْداهُما: أنَّ الكُفْرَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. والثّانِيَةُ: أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ انْدِفاعُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ. وما ورَدَ مِنَ الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ إنَّما هو عَلى الثّانِيَةِ، إذِ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، فَلَهُ أنْ يَشاءَ مِنَ الكافِرِ الكُفْرَ ويَأْمُرَهُ بِالإيمانِ ويُعَذِّبَهُ عَلى خِلافِهِ ويَبْعَثَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُعاةً إلى دارِ السَّلامِ، وإنْ كانَ لا يَهْدِي إلّا مَن يَشاءُ. الوَجْهُ الخامِسُ: إنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ كانَ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والعُتُوِّ. قالَ البِقاعِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] أيْ: بِما أوْقَعُوا مِن نَحْوِ هَذِهِ المُجادَلَةِ في قَوْلِهِمْ: إذا كانَ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ كانَ التَّكْلِيفُ عَبَثًا، فَكانَتْ دَعْوى الأنْبِياءِ باطِلَةً. وهَذا القَوْلُ مِنَ المُشْرِكِينَ عِنادٌ بَعْدَ ثُبُوتِ الرِّسالاتِ بِالمُعْجِزاتِ وإخْبارِ الرُّسُلِ بِأنَّهُ يَشاءُ الشَّيْءَ ويُعاقِبُ عَلَيْهِ لِأنَّ مُلْكَهُ تامٌّ، لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وقالَ الإمامُ القاشانِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] أيْ: كَذَّبَ المُنْكِرُونَ الرُّسُلَ مِن قَبْلِهِمْ بِتَعْلِيقِ كُفْرِهِمْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، عِنادًا وعُتُوًّا، فَعُذِّبُوا بِكُفْرِهِمْ. ثُمَّ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أيْ: إنْ كانَ لَكم (p-٢٥٤٦)عِلْمٌ بِذَلِكَ وحُجَّةٌ، فَبَيِّنُوا. وإنَّما قالَ ذَلِكَ، إشارَةً إلى قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] لِأنَّهم لَوْ قالُوا ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ لَعَلِمُوا أنَّ إيمانَ المُوَحِّدِينَ وكُلَّ شَيْءٍ لا يَقَعُ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ. فَلَمْ يُعادُوهم ولَمْ يُنْكِرُوهم بَلْ والَوْهُمْ، ولَمْ يَبْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ خِلافٌ. ولَعَمْرِي إنَّهم لَوْ قالُوا ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ، لَمّا كانُوا مُشْرِكِينَ بَلْ كانُوا مُوَحِّدِينَ، ولَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا الظَّنَّ في ذَلِكَ، وبَنَوْا عَلى التَّقْدِيرِ والتَّخْمِينِ لِغَرَضِ التَّكْذِيبِ والعِنادِ، وعَلى ما سَمِعُوا مِنَ الرُّسُلِ إلْزامًا لَهم وإثْباتًا لِعَدَمِ امْتِناعِهِمْ عَنِ الرُّسُلِ؛ لِأنَّهم مَحْجُوبُونَ في مَقامِ النَّفْسِ. وأنّى لَهُمُ اليَقِينُ؟ ومِن أيْنَ لَهُمُ الِاطِّلاعُ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ أيْ: إنْ كانَ ظَنُّكم صِدْقًا في تَعْلِيقِ شِرْكِكم بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَلَيْسَ لَكم حُجَّةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ وعَلى غَيْرِكم مِن أهْلِ دِينٍ، لِكَوْنِ كُلِّ دِينٍ حِينَئِذٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَيَجِبُ أنْ تُوافِقُوهم وتُصَدِّقُوهُمْ، بَلْ لِلَّهِ الحُجَّةُ عَلَيْكم في وُجُوبِ تَصْدِيقِهِمْ وإقْرارِكم بِأنَّكم أشْرَكْتُمْ، بِمَن لا يَقَعُ أمْرٌ إلّا بِإرادَتِهِ، ما لا أثَرَ لِإرادَتِهِ أصْلًا. فَأنْتُمْ أشْقِياءُ في الأزَلِ مُسْتَحِقُّونَ لِلْبُعْدِ والعِقابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: بَلى، صَدَقْتُمْ. ولَكِنْ كَما شاءَ كُفْرَكم لَوْ شاءَ لِهُداكم كُلَّكُمْ، فَبِأيِّ شَيْءٍ عَلِمْتُمْ أنَّهُ لَمْ يَشَأْ هِدايَتَكم حَتّى أصْرَرْتُمْ؟ وهَذا تَهْيِيجٌ لِمَن عَسى أنْ يَكُونَ لَهُ اسْتِعْدادٌ مِنهم فَيَقْمَعَ ويَهْتَدِيَ فَيَرْجِعَ عَنِ الشِّرْكِ ويُؤْمِنَ. انْتَهى. الوَجْهُ السّادِسُ: ما في "لُبابِ التَّأْوِيلِ" مِن أنَّهُ قِيلَ في مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ الحَقَّ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ - وهو قَوْلُهُمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] - إلّا أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَهُ عُذْرًا لِأنْفُسِهِمْ، ويَجْعَلُونَهُ حُجَّةً لَهم في تَرْكِ الإيمانِ، والرَّدُّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ: أنَّ أمْرَ اللَّهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الكائِناتِ غَيْرُ آمِرٍ بِجَمِيعِ ما يُرِيدُ، فَعَلى العَبْدِ أنْ يَتْبِعَ أمْرَهُ ولَيْسَ لَهُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَشِيئَتِهِ، فَإنَّ مَشِيئَتَهُ لا تَكُونُ عُذْرًا لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ، فَهو تَعالى يَشاءُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ ولا يَرْضى بِهِ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ومَعَ هَذا فَيَبْعَثُ الرُّسُلَ إلى العَبْدِ ويَأْمُرُهُ بِالإيمانِ. ووُرُودُ الأمْرِ عَلى خِلافِ الإرادَةِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. فالحاصِلُ: أنَّهُ (p-٢٥٤٧)تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يَتَمَسَّكُونَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى في شِرْكِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا التَّمَسُّكَ فاسِدٌ باطِلٌ؛ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ المَشِيئَةِ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ الأُمُورِ دَفْعُ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. انْتَهى. الوَجْهُ السّابِعُ: ما قَرَّرَهُ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": إنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ إنَّما كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم مَسْلُوبُونَ اخْتِيارَهم وقُدْرَتَهُمْ، وإنَّ إشْراكَهم إنَّما صَدَرَ مِنهم عَلى وجْهِ الِاضْطِرارِ، وزَعَمُوا أنَّهم يُقِيمُونَ الحُجَّةَ عَلى اللَّهِ ورُسُلِهِ بِذَلِكَ. فَرَدَّ اللَّهُ قَوْلَهم وكَذِبَهم في دَعْواهم - عَدَمَ الِاخْتِيارِ لِأنْفُسِهِمْ - وشَبَّهَهم بِمَنِ اغْتَرَّ قَبْلَهم بِهَذا الخَيالِ فَكَذَّبَ الرُّسُلَ. وأشْرَكَ بِاللَّهِ، واعْتَمَدَ عَلى أنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، ورامَ إفْحامَ الرُّسُلِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لا حُجَّةَ لَهم في ذَلِكَ وأنَّ الحُجَّةَ البالِغَةَ لَهُ لا لَهُمْ، بِقَوْلِهِ: فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ. ثُمَّ أوْضَحَ تَعالى أنَّ كُلَّ واقِعٍ بِمَشِيئَتِهِ، وإنَّهُ لَمْ يَشَأْ مِنهم إلّا ما صَدَرَ عَنْهم. وأنَّهُ لَوْ شاءَ مِنهُمُ الهِدايَةَ لاهْتَدَوْا أجْمَعُونَ بِقَوْلِهِ: فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ: والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ: أنْ يَتَمَحَّضَ وجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ويَتَخَلَّصَ عَقِيدَةُ نُفُوذِ المَشِيئَةِ، وعُمُومُ تَعَلُّقِها بِكُلِّ كائِنٍ عَنِ الرَّدِّ؛ ويَنْصَرِفَ الرَّدُّ إلى دَعْواهم بِسَلْبِ الِاخْتِيارِ لِأنْفُسِهِمْ، وإلى إقامَتِهِمُ الحُجَّةَ بِذَلِكَ خاصَّةً. وإذا تَدَبَّرْتَ هَذِهِ وجَدْتَها كافِيَةً في الرَّدِّ عَلى مَن زَعَمَ مِن أهْلِ القِبْلَةِ أنَّ العَبْدَ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا قُدْرَةَ البَتَّةَ. بَلْ هو مَجْبُورٌ عَلى أفْعالِهِ مَقْهُورٌ عَلَيْها. وهُمُ الفِرْقَةُ المَعْرُوفُونَ بِ (المُجْبِرَةِ). والزَّمَخْشَرِيُّ يُغالِطُ في الحَقائِقِ فَيُسَمِّي أهْلَ السُّنَّةِ مُجْبِرَةً وإنْ أثْبَتُوا لِلْعَبْدِ اخْتِيارًا وقُدْرَةً؛ لِأنَّهم يَسْلُبُونَ تَأْثِيرَ قُدْرَةِ العَبْدِ ويَجْعَلُونَها مُقارِنَةً لِأفْعالِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ مُمَيِّزَةً بَيْنَها وبَيْنَ أفْعالِهِ القَسْرِيَّةِ. فَمِن هَذِهِ الجِهَةِ سَوّى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْبِرَةِ، ويَجْعَلُهُ لَقَبًا عامًّا لِأهْلِ السُّنَّةِ. وبِإجْماعِ الرَّدِّ عَلى المُجْبِرَةِ - الَّذِينَ مَيَّزْناهم عَنْ أهْلِ السُّنَّةِ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٤٨] - إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ وتَتِمَّةُ الآيَةِ رَدٌّ صُراحٌ عَلى (طائِفَةِ الِاعْتِزالِ) القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ الهِدايَةَ مِنهم أجْمَعِينَ. فَلَمْ تَقَعْ مِن أكْثَرِهِمْ! ووَجْهُ الرَّدِّ: أنَّ (لَوْ) إذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلٍ (p-٢٥٤٨)مُثْبَتٍ نَفَتْهُ؛ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: فَلَوْ شاءَ لَمْ يَكُنِ الواقِعُ أنَّهُ شاءَ هِدايَتَهم. ولَوْ شاءَها لَوَقَعَتْ. فَهَذا تَصْرِيحٌ بِبُطْلانِ زَعْمِهِمْ ومَحَلِّ عَقْدِهِمْ. فَإذا ثَبَتَ اشْتِمالُ الآيَةِ عَلى رَدِّ عَقِيدَةِ الطّائِفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ - المُجْبِرَةِ في أوَّلِها والمُعْتَزِلَةِ في آخِرِها - فاعْلَمْ أنَّها جامِعَةٌ لِعَقِيدَةِ السُّنَّةِ مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْها؛ فَإنَّ أوَّلَها - كَما بَيَّنّا - يُثْبِتُ لِلْعَبْدِ اخْتِيارًا وقُدْرَةً عَلى وجْهٍ يَقْطَعُ حَجَّتَهُ وعُذْرَهُ في المُخالَفَةِ والعِصْيانِ، وآخِرُها يُثْبِتُ نُفُوذَ اللَّهِ في العَبْدِ، وأنَّ جَمِيعَ أفْعالِهِ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ، خَيْرًا أوْ غَيْرَهُ. وذَلِكَ عَيْنُ عَقِيدَتَهُمْ؛ فَإنَّهم - كَما يُثْبِتُونَ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً وقُدْرَةً - يَسْلُبُونَ تَأْثِيرَها، ويَعْتَقِدُونَ أنَّ ثُبُوتَهُما قاطِعٌ لِحُجَّتِهِ، مُلْزِمٌ لَهُ بِالطّاعَةِ عَلى وفْقِ اخْتِيارِهِ. ويُثْبِتُونَ نُفُوذَ مَشِيئَةِ اللَّهِ أيْضًا وقُدْرَتِهِ في أفْعالِ عِبادِهِ. فَهم - كَما رَأيْتَ- تَبَعٌ لِلْكِتابِ العَزِيزِ: يُثْبِتُونَ ما أثْبَتَ، ويَنْفُونَ ما نَفى، مُؤَيَّدُونَ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ. انْتَهى. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ ناسًا يَقُولُونَ: لَيْسَ الشَّرُّ بِقَدَرٍ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ القَدَرِ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٤٨] - إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ . وبِتَحْقِيقِ هَذِهِ الوُجُوهِ يَسْقُطُ قَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ المُعْتَزِلِيِّ: لَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالَهُ أهْلُ الجَبْرِ - مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ مِنهُمُ الكُفْرَ - لَكانَتِ الحُجَّةُ لِلْكُفّارِ عَلى اللَّهِ، مِن حَيْثُ فَعَلُوا ما شاءَ اللَّهُ، ولَكانُوا بِذَلِكَ مُطِيعِينَ لَهُ؛ لِأنَّ الطّاعَةَ هي امْتِثالُ الأمْرِ المُرادُ، ولا تَكُونُ الحُجَّةُ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ عَلى قَوْلِهِمْ، مِن حَيْثُ إنَّهُ خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ وأرادَ مِنهُمُ الكُفْرَ. فَأيُّ حُجَّةٍ لَهُ عَلَيْهِمْ مَعَ ذَلِكَ؟ انْتَهى. وكَذا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ما حُكِيَ عَنِ المُشْرِكِينَ كَمَذْهَبِ المُجْبِرَةِ بِعَيْنِهِ. ولِذا قالَ النِّحْرِيرُ: نَعَمْ! هو كَمَذْهَبِهِمْ في كَوْنِ كُلِّ كائِنٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ. لَكِنَّ الكَفَرَةَ يَحْتَجُّونَ بِذَلِكَ عَلى حَقِّيَّةِ (p-٢٥٤٩)الإشْراكِ وتَحْرِيمِ الحَلالِ وسائِرِ ما يَرْتَكِبُونَ مِنَ القَبائِحِ. وكَوْنُها لَيْسَتْ بِمَعْصِيَةٍ لِكَوْنِها مُوافِقَةً لِلْمَشِيئَةِ الَّتِي تُساوِي مَعْنى الأمْرِ، عَلى ما هو مَذْهَبُ القَدَرِيَّةِ: مِن عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المَأْمُورِ والمُرادِ، وأنَّ كُلَّ ما هو مُرادٌ لِلَّهِ فَهو لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ مَنهِيٍّ عَنْها. والمُجْبِرَةُ - اعْتَقَدُوا أنَّ الكُلَّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - لَكِنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ الشِّرْكَ وجَمِيعَ القَبائِحِ مَعْصِيَةٌ ومُخالَفَةٌ لِلْأمْرِ يُلْحِقُها العَذابَ بِحُكْمِ الوَعِيدِ، ويَعْفُو عَنْ بَعْضِها بِحُكْمِ الوَعْدِ. فَهم - في ذَلِكَ - يُصَدِّقُونَ اللَّهَ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ والشَّرْعُ مِنَ امْتِناعِ أنْ يَكُونَ أكْثَرُ ما يَجْرِي في مُلْكِهِ عَلى خِلافِ ما يَشاءُ. والكَفَرَةُ يُكَذِّبُونَهُ في لُحُوقِ الوَعِيدِ عَلى ما هو بِمَشِيئَتِهِ تَعالى. انْتَهى. فَصْلٌ قالَ الإمامُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ الدِّمَشْقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ: "طَرِيقُ الهِجْرَتَيْنِ" بَعْدَ أنْ أطالَ في سَرْدِ أحادِيثِ القَدَرِ وآثارِهِ، ما نَصُّهُ: فالجَوابُ أنَّ هَهُنا مَقامَيْنِ: مَقامُ إيمانٍ وهُدًى ونَجاةٍ، ومَقامُ ضَلالٍ ورَدًى وهَلاكٍ، زَلَّتْ فِيهِ أقْدامٌ فَهَوَتْ بِأصْحابِها إلى دارِ الشَّقاءِ. فَأمّا مَقامُ الإيمانِ والهُدى والنَّجاةِ، فَمَقامُ إثْباتِ القَدَرِ والإيمانِ بِهِ، وإسْنادِ جَمِيعِ الكائِناتِ إلى مَشِيئَةِ رَبِّها وبارِئِها وفاطِرِها، وأنَّ ما شاءَ كانَ وإنْ لَمْ يَشَأِ النّاسُ. وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وإنْ شاءَ النّاسُ. وهَذِهِ الآثارُ - الَّتِي كُلُّها تُحَقِّقُ هَذا المَقامَ - تُبَيِّنَ أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِالقَدَرِ فَقَدِ انْسَلَخَ مِنَ التَّوْحِيدِ، ولَبِسَ جِلْبابَ الشِّرْكِ، بَلْ لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ولَمْ يَعْرِفْهُ. وهَذا في كُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ. وأمّا المَقامُ الثّانِي وهو مَقامُ الضَّلالِ والرَّدى والهَلاكِ فَهو الِاحْتِجاجُ بِهِ عَلى اللَّهِ، وحَمْلُ العَبْدِ ذَنْبَهُ عَلى رَبِّهِ، وتَنْزِيهُ نَفْسِهِ الجاهِلَةِ الظّالِمَةِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ، حَتّى يَقُولَ قائِلُ هَؤُلاءِ: ؎ألْقاهُ في اليَمِّ مَكْتُوفًا وقالَ لَهُ: إيّاكَ! إيّاكَ! أنْ تَبْتَلَّ بِالماءِ (p-٢٥٥٠)ويَقُولُ قائِلُهُمْ: ؎دَعانِي وسَدَّ البابَ دُونِي. فَهَلْ إلى ∗∗∗ دُخُولِي سَبِيلٌ؟ بَيِّنُوا لِي قِصَّتِي ثُمَّ ساقَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قِصَصًا غَرِيبَةً في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: وسَمِعْتُهُ - يَعْنِي شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ - يَقُولُ: القَدَرِيَّةُ المَذْمُومُونَ في السُّنَّةِ وعَلى لِسانِ السَّلَفِ هم هَؤُلاءِ الفِرَقُ الثَّلاثَةُ: نُفاةُ القَدَرِ وهم (القَدَرِيَّةُ المَجُوسِيَّةُ). والمُعارِضُونَ بِهِ لِلشَّرِيعَةِ الَّذِينَ قالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا وهُمُ (القَدَرِيَّةُ المُشْرِكِيَّةُ). والمُخاصِمُونَ بِهِ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى وهم أعْداءُ اللَّهِ وخُصُومُهُ وهم (القَدَرِيَّةُ الإبْلِيسِيَّةُ) وشَيْخُهم إبْلِيسُ. وهو أوَّلُ مَنِ احْتَجَّ عَلى اللَّهِ بِالقَدَرِ فَقالَ: فَبِما أغْوَيْتَنِي. ولَمْ يَعْتَرِفْ بِالذَّنْبِ ويَبُؤْ بِهِ كَما اعْتَرَفَ بِهِ آدَمُ. فَمَن أقَرَّ بِالذَّنْبِ وباءَ بِهِ ونَزَّهَ رَبَّهُ فَقَدْ أشْبَهَ أباهُ آدَمَ، ومَن أشْبَهَ أباهُ فَما ظَلَمَ. ومَن بَرَّأ نَفْسَهُ واحْتَجَّ عَلى رَبِّهِ بِالقَدَرِ فَقَدْ أشْبَهَ إبْلِيسَ. ولا رَيْبَ أنَّ هَؤُلاءِ القَدَرِيَّةَ الإبْلِيسِيَّةَ والمُشْرِكِيَّةَ شَرٌّ مِنَ القَدَرِيَّةِ النُّفاةِ؛ لِأنَّ النُّفاةَ إنَّما نَفَوْهُ تَنْزِيهًا لِلرَّبِّ وتَعْظِيمًا لَهُ أنْ يُقَدِّرَ الذَّنْبَ ثُمَّ يَلُومُ عَلَيْهِ ويُعاقِبُ. ونَزَّهُوهُ أنْ يُعاقِبَ العَبْدَ عَلى ما لا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهِ البَتَّةَ. بَلْ هو بِمَنزِلَةِ طُولِهِ وقِصَرِهِ وسَوادِهِ وبَياضِهِ. ونَحْوِ ذَلِكَ. كَما يُحْكى عَنْ بَعْضِ الجَبْرِيَّةِ إنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَ بَعْضِ الوُلاةِ. فَأتى بِطَرّارٍ (وهُوَ الَّذِي يَقْطَعُ الهَمايِينَ أوِ الأكْمامَ ويَسْتَلُّ ما فِيها). أحْوَلَ. فَقالَ لَهُ الوالِي: ما تَرى فِيهِ؟ فَقالَ: اضْرِبْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ - يَعْنِي سَوْطًا - فَقالَ لَهُ بَعْضُ الحاضِرِينَ - مِمَّنْ يَنْفِي الجَبْرَ - بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُضْرَبَ ثَلاثِينَ سَوْطًا: خَمْسَةَ عَشَرَ لِطُرِّهِ ومِثْلَها لِحَوَلِهِ. فَقالَ الجَبْرِيُّ: كَيْفَ يُضْرَبُ عَلى الحَوَلِ ولا صُنْعَ لَهُ فِيهِ؟ فَقالَ: كَما يُضْرَبُ عَلى الطُّرِّ ولا صُنْعَ لَهُ فِيهِ عِنْدَكَ.. فَبُهِتَ الجَبْرِيُّ. (p-٢٥٥١)وأمّا (القَدَرِيَّةُ الإبْلِيسِيَّةُ والمُشْرِكِيَّةُ) فَكَثِيرٌ مِنهم مُنْسَلِخٌ عَنِ الشَّرْعِ، عَدُوٌّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، لا يُقِرُّ بِأمْرٍ ولا نَهْيٍ، وتِلْكَ وِراثَةٌ عَنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ، وقالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] وقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] وقالَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧] فَهَذِهِ أرْبَعَةُ مَواضِعَ في القُرْآنِ بَيَّنَ سُبْحانَهُ فِيها أنَّ الِاحْتِجاجَ بِالقَدَرِ مِن فِعْلِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ. وقَدْ افْتَرَقَ النّاسُ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآياتِ أرْبَعَ فِرَقٍ: الفِرْقَةُ الأُولى: جَعَلَتْ هَذِهِ الحُجَّةَ حُجَّةً صَحِيحَةً، وأنَّ لِلْمُحْتَجِّ بِها الحُجَّةُ عَلى اللَّهِ. ثُمَّ افْتَرَقَ هَؤُلاءِ فِرْقَتَيْنِ: (فِرْقَةٌ) كَذَّبَتْ بِالأمْرِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، وزَعَمَتْ أنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ والوَعْدَ والوَعِيدَ، بَعْدَ هَذا، يَكُونُ ظُلْمًا، واللَّهُ لا يَظْلِمُ مِن خَلْقِهِ أحَدًا! و(فِرْقَةٌ) صَدَّقَتْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ والوَعْدِ والوَعِيدِ وقالَتْ: لَيْسَ ذَلِكَ بِظُلْمٍ. واللَّهُ يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ كَيْفَ يَشاءُ ويُعَذِّبُ العَبْدَ عَلى ما لا صُنْعَ لَهُ فِيهِ، بَلْ يُعَذِّبُهُ عَلى فِعْلِهِ هو سُبْحانَهُ لا عَلى فِعْلِ عَبْدِهِ. إذِ العَبْدُ فِعْلٌ لَهُ، والمُلْكُ مُلْكُهُ ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ. فَإنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ إنَّما قالُوا (p-٢٥٥٢)هَذِهِ المَقالَةَ - الَّتِي حَكاها اللَّهُ عَنْهم - اسْتِهْزاءً مِنهُمْ، ولَوْ قالُوا - اعْتِقادًا لِلْقَضاءِ والقَدَرِ، وإسْنادًا لِجَمِيعِ الكائِناتِ إلى مَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ - لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمْ. ومَضْمُونُ قَوْلِ هَذِهِ الفِرْقَةِ إنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ إذا قالُوها عَلى وجْهِ الِاعْتِقادِ - لا عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ - فَيَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى اللَّهِ الحُجَّةُ، وكَفى بِهَذا القَوْلِ فَسادًا وبُطْلانًا. الفِرْقَةُ الثّانِيَةُ: جَعَلَتْ هَذِهِ الآياتِ حُجَّةً لَها في إبْطالِ القَضاءِ والقَدَرِ والمَشِيئَةِ العامَّةِ؛ إذْ لَوْ صَحَّتِ المَشِيئَةُ العامَّةُ - وكانَ اللَّهُ قَدْ شاءَ مِنهُمُ الشِّرْكَ والكُفْرَ وعِبادَةَ الأوْثانِ - لَكانُوا قَدْ قالُوا الحَقَّ، وكانَ اللَّهُ يُصَدِّقُهم عَلَيْهِ ولَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمْ. فَحَيْثُ وصَفَهُ بِالخَرْصِ - الَّذِي هو الكَذِبُ - ونَفى عَنْهُمُ العِلْمَ، دَلَّ عَلى أنَّ هَذا الَّذِي قالُوهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وأنَّهم كاذِبُونَ فِيهِ؛ إذْ لَوْ كانَ عِلْمًا لَكانُوا صادِقِينَ في الإخْبارِ بِهِ، ولَمْ يَقُلْ لَهُمْ: هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ. وجَعَلَتْ هَذِهِ الفُرْقَةُ هَذِهِ الآياتِ حُجَّةً لَها عَلى التَّكْذِيبِ بِالقَضاءِ والقَدَرِ، وزَعَمَتْ بِها أنْ يَكُونَ في مُلْكِهِ ما لا يَشاءُ، ويَشاءُ ما لا يَكُونُ، وإنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى أفْعالِ عِبادِهِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ، ولا عَلى أفْعالِ الحَيَواناتِ. وإنَّهُ لا يَقْدِرُ أنْ يُضِلَّ أحَدًا، ولا يَهْدِيَهُ، ولا يُوافِقَهُ أكْثَرَ مِمّا فَعَلَ بِهِ، ولا يَعْصِمُهُ مِنَ الذُّنُوبِ والكُفْرِ، ولا يُلْهِمُهُ رُشْدَهُ، ولا يَجْعَلُ في قَلْبِهِ الإيمانَ، ولا هو الَّذِي جَعَلَ المُصَلِّيَ مُصَلِّيًا والبَرَّ بَرًّا والفاجِرَ فاجِرًا والمُؤْمِنَ مُؤْمِنًا والكافِرَ كافِرًا. بَلْ هم جَعَلُوا أنْفُسَهم كَذَلِكَ. فَهَذِهِ الفِرْقَةُ شارَكَتِ الفِرْقَةَ الَّتِي قَبْلَها في إلْقاءِ الحَرْبِ والعَداوَةِ بَيْنَ الشَّرْعِ والقَدَرِ. فالأُولى تَحَيَّزَتْ إلى القَدَرِ وحارَبَتِ الشَّرْعَ. والثّانِيَةُ تَحَيَّزَتْ إلى الشَّرْعِ، وكَذَّبَتِ القَدَرَ. والطّائِفَتانِ ضالَّتانِ، وإحْداهُما أضَلُّ مِنَ الأُخْرى. و(الفِرْقَةُ الثّالِثَةُ): آمَنَتْ بِالقَضاءِ والقَدَرِ وأقَرَّتْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ. ونَزَّلُوا كُلَّ واحِدٍ مَنزِلَهُ: فالقَضاءُ والقَدَرُ يُؤْمَنُ بِهِ ولا يُحْتَجُّ بِهِ، والأمْرُ والنَّهْيُ يُمْتَثَلُ ويُطاعُ. فالإيمانُ بِالقَضاءِ والقَدَرِ - عِنْدَهم - مِن تَمامِ التَّوْحِيدِ وشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. والقِيامُ بِالأمْرِ (p-٢٥٥٣)والنَّهْيِ مُوجَبُ شَهادَةِ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وقالُوا: مَن لَمْ يُقِرَّ بِالقَضاءِ والقَدَرِ، ويَقُمْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالشَّهادَتَيْنِ وإنْ نَطَقَ بِهِما بِلِسانِهِ. ثُمَّ افْتَرَقُوا في وجْهِ هَذِهِ الآياتِ فِرْقَتَيْنِ: (فِرْقَةٌ) قالَتْ: إنَّما أُنْكِرَ عَلَيْهِمُ اسْتِدْلالُهم بِالمَشِيئَةِ العامَّةِ والقَضاءِ والقَدَرِ عَلى رِضاهُ ومَحَبَّتِهِ لِذَلِكَ. فَجَعَلُوا مَشِيئَتَهُ لَهُ وتَقْدِيرَهُ لَهُ، دَلِيلًا عَلى رِضاهُ بِهِ ومَحَبَّتِهِ لَهُ؛ إذْ لَوْ كَرِهَهُ وأبْغَضَهُ لَحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم. فَإنَّ الحَكِيمَ إذا كانَ قادِرًا عَلى دَفْعِ ما يَكْرَهُهُ ويَبْغَضُهُ. دَفَعَهُ ومَنَعَ مِن وُقُوعِهِ. وإذا لَمْ يَمْنَعْ مِن وُقُوعِهِ، لَزِمَ إمّا عَدَمُ قُدْرَتِهِ وإمّا عَدَمُ حِكْمَتِهِ. وكِلاهُما مُمْتَنِعٌ في حَقِّ اللَّهِ. فَعُلِمَ مَحَبَّتُهُ لِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ ومِنَ الشِّرْكِ بِهِ. وقَدْ وافَقَ هَؤُلاءِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ ويَرْضى بِها. ولَكِنْ خالَفَهم في أنَّهُ نَهى عَنْها وأمَرَ بِأضْدادِها ويُعاقِبُ عَلَيْها، فَوافَقَهم في نِصْفِ قَوْلِهِمْ وخالَفَهم في الشَّطْرِ الآخَرِ. وهَذِهِ الآياتُ مِن أكْبَرِ الحُجَجِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الطّائِفَتَيْنِ، وإنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى وقَضاءَهُ وقَدَرَهُ لا تَسْتَلْزِمُ مَحَبَّتَهُ ورِضاهُ لِكُلِّ ما شاءَهُ وقَدَّرَهُ. وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ - لَمّا اسْتَدَلُّوا بِمَشِيئَتِهِ عَلى مَحَبَّتِهِ ورِضاهُ - كَذَّبَهم وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وأخْبَرَ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ، وأنَّهم خارِصُونَ مُفْتَرُونَ. فَإنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِلشَّيْءِ ورِضاهُ بِهِ، إنَّما يُعْلَمُ بِأمْرِهِ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ، لا بِمُجَرَّدِ خَلْقِهِ. فَإنَّهُ خَلَقَ إبْلِيسَ وجُنُودَهُ - وهم أعْداؤُهُ - وهو سُبْحانُهُ يُبْغِضُهم ويَلْعَنُهم وهم خَلْقُهُ. فَهَكَذا في الأفْعالِ. خَلْقَ خَيْرَها وشَرَّها وهو يُحِبُّ خَيْرَها ويَأْمُرُ بِهِ ويُثِيبُ عَلَيْهِ. ويَبْغَضُ شَرَّها ويَنْهى عَنْهُ ويُعاقِبُ عَلَيْهِ. وكِلاهُما خَلْقُهُ. ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ التّامَّةُ في خَلْقِهِ ما يَبْغَضُهُ ويَكْرَهُهُ، مِنَ الذَّواتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ، كُلٌّ صادِرٌ عَنْ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ، كَما هو صادِرٌ عَنْ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ. وقالَتِ الفِرْقَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ مُعارَضَةَ الشَّرْعِ بِالقَدَرِ، ودَفْعَ الأمْرِ بِالمَشِيئَةِ. فَلَمّا قامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّةُ اللَّهِ ولَزِمَهم أمْرُهُ ونَهْيُهُ دَفَعُوهُ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ. فَجَعَلُوا القَضاءَ والقَدَرَ (p-٢٥٥٤)إبْطالًا لِدَعْوَةِ الرُّسُلِ، ودَفْعًا لِما جاءُوا بِهِ. وشارَكَهم في ذَلِكَ إخْوانُهم وذُرِّيَّتُهُمُ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ بِالقَضاءِ والقَدَرِ عَلى المَعاصِي والذُّنُوبِ في نِصْفِ أقَوْلِهِمْ، وخالَفُوهم في النِّصْفِ الآخَرِ وهو إقْرارُهم بِالأمْرِ والنَّهْيِ. فانْظُرْ كَيْفَ انْقَسَمَتْ هَذِهِ المَوارِيثُ عَلى هَذِهِ السِّهامِ، ووَرِثَ كُلُّ قَوْمٍ أئِمَّتَهم وأسْلافَهُمْ، إمّا في جَمِيعِ تَرِكَتِهِمْ، وإمّا في كَثِيرٍ مِنها، وإمّا في جُزْءٍ مِنها. وهَدى اللَّهُ بِفَضْلِهِ ورَثَةَ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ لِمِيراثِ نَبِيِّهِمْ وأصْحابِهِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضِ الكِتابِ ويَكْفُرُوا بِبَعْضٍ، بَلْ آمَنُوا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ ومَشِيئَتِهِ العامَّةِ النّافِذَةِ، وأنَّهُ ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وأنَّهُ مُقَلِّبُ القُلُوبِ ومُصَرِّفُها كَيْفَ أرادَ، وأنَّهُ هو الَّذِي جَعَلَ المُؤْمِنَ مُؤْمِنًا والمُصَلِّيَ مُصَلِّيًا والمُتَّقِيَ مُتَّقِيًا، وجَعَلَ أئِمَّةَ الهُدى يَهْدُونَ بِأمْرِهِ، وأئِمَّةَ الضَّلالَةِ يَدْعُونَ إلى النّارِ، وأنَّهُ ألْهَمَ كُلَّ نَفْسٍ فُجُورَها وتَقْواها، وأنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ بِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي وفَّقَ أهْلَ الطّاعَةِ لِطاعَتِهِ فَأطاعُوهُ ولَوْ شاءَ لَخَذَلَهم فَعَصَوْهُ، وأنَّهُ حالَ بَيْنَ الكُفّارِ وقُلُوبِهِمْ - فَإنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ - فَكَفَرُوا بِهِ. ولَوْ شاءَ لَوَفَّقَهم فَآمَنُوا بِهِ وأطاعُوهُ، وأنَّهُ مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأنَّهُ لَوْ شاءَ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ. و(القَضاءُ والقَدَرُ) عِنْدَهم أرْبَعُ مَراتِبَ جاءَ بِها نَبِيُّهم وأخْبَرَ بِها عَنْ رَبِّهِ تَعالى: الأُولى: عِلْمُهُ السّابِقُ بِما هم عامِلُوهُ قَبْلَ إيجادِهِمْ. الثّانِيَةُ: كِتابَةُ ذَلِكَ في الذِّكْرِ عِنْدَهُ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ. الثّالِثَةُ: مَشِيئَتُهُ المُتَناوِلَةُ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، فَلا خُرُوجَ لِكائِنٍ عَنْ مَشِيئَتِهِ، كَما لا خُرُوجَ لَهُ عَنْ عِلْمِهِ. الرّابِعَةُ: خَلْقُهُ لَهُ وإيجادُهُ وتَكْوِينُهُ، فَإنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. (p-٢٥٥٥)فالخالِقُ - عِنْدَهم - واحِدٌ وما سِواهُ فَمَخْلُوقٌ. ولا واسِطَةَ - عِنْدَهم - بَيْنَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ. ويُؤْمِنُونَ - مَعَ ذَلِكَ - بِحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ حَكِيمٌ في كُلِّ ما فَعَلَهُ وخَلَقَهُ. وأنَّ مَصْدَرَ ذَلِكَ جَمِيعِهِ عَنْ حِكْمَةٍ تامَّةٍ هي الَّتِي اقْتَضَتْ صُدُورَ ذَلِكَ وخَلْقَهُ. وأنَّ حِكْمَتَهُ حِكْمَةُ حَقٍّ عائِدَةٌ إلَيْهِ قائِمَةٌ بِهِ كَسائِرِ صِفاتِهِ، ولَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ مُطابَقَةِ عِلْمِهِ لِمَعْلُومِهِ وقُدْرَتِهِ لِمَقْدُورِهِ - كَما تَقُولُهُ نُفاةُ الحِكْمَةِ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِلَفْظِها دُونَ حَقِيقَتِها - بَلْ هي أمْرٌ وراءَ ذَلِكَ، هي الغايَةُ المَحْبُوبَةُ لَهُ المَطْلُوبَةُ الَّتِي هي مُتَعَلِّقُ مَحَبَّتِهِ وحَمْدِهِ ولِأجْلِها خَلَقَ فَسَوّى وقَدَّرَ فَهَدى، وأماتَ وأحْيا، وأشْقى وأضَلَّ وهَدى، ومَنَعَ وأعْطى. وهَذِهِ الحِكْمَةُ هي الغايَةُ والفِعْلُ وسِيلَةٌ إلَيْها، فَإثْباتُ الفِعْلِ مَعَ نَفْيِها إثْباتٌ لِلْوَسائِلِ ونَفْيٌ لِلْغاياتِ، وهو مُحالٌ، إذْ نَفْيُ الغايَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ الوَسِيلَةِ. فَنَفْيُ الوَسِيلَةِ - وهي الفِعْلُ - لازِمٌ لِنَفْيِ الغايَةِ وهي الحِكْمَةُ. ونَفْيُ قِيامِ الفِعْلِ والحِكْمَةِ بِهِ نَفْيٌ لَهُما في الحَقِيقَةِ؛ إذْ فِعْلٌ لا يَقُومُ بِفاعِلِهِ، وحِكْمَةٌ لا تَقُومُ بِالحَكِيمِ - شَيْءٌ لا يُعْقَلُ. وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إنْكارَ رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتَهُ. وهَذا لازِمٌ لِمَن نَفى ذَلِكَ ولا مَحِيدَ لَهُ عَنْهُ، وإنْ أبى التِزامَهُ. وأمّا مَن أثْبَتَ حِكْمَتَهُ وأفْعالَهُ عَلى الوَجْهِ المُطابِقِ لِلْعَقْلِ والفِطْرَةِ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، لَمْ يَلْزَمْ مِن قَوْلِهِ مَحْذُورٌ البَتَّةَ، بَلْ قَوْلُهُ حَقٌّ، ولازِمُ الحَقِّ حَقٌّ، كائِنًا ما كانَ. والمَقْصُودُ: أنَّ ورَثَةَ الرُّسُلِ وخُلَفاءَهم - لِكَمالِ مِيراثِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ - آمَنُوا بِالقَضاءِ والقَدَرِ والحِكَمِ والغاياتِ المَحْدُودَةِ في أفْعالِ الرَّبِّ وأوامِرِهِ، وقامُوا - مَعَ ذَلِكَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وصَدَّقُوا بِالوَعْدِ: فَآمَنُوا بِالخَلْقِ الَّذِي مِن تَمامِ الإيمانِ بِهِ إثْباتُ القَدَرِ والحِكْمَةِ. وبِالأمْرِ الَّذِي مِن تَمامِ الإيمانِ بِهِ الإيمانُ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ وحَشْرِ الأجْسادِ والثَّوابِ والعِقابِ؛ فَصَدَّقُوا بِالخَلْقِ والأمْرِ ولَمْ يَنْفُوهُما بِنَفْيِ لَوازِمِهِما - كَما فَعَلَتِ القَدَرِيَّةُ المَجُوسِيَّةُ والقَدَرِيَّةُ المُعارِضَةُ لِلْأمْرِ بِالقَدَرِ - وكانُوا أسْعَدَ النّاسِ بِالخَلْقِ وأقْرَبَهم عُصْبَةً في هَذا المِيراثِ النَّبَوِيِّ، و: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. واعْلَمْ أنَّ الإيمانَ بِحَقِيقَةِ القَدَرِ والشَّرْعِ والحِكْمَةِ، لا يَجْتَمِعُ إلّا في قُلُوبِ خَواصِّ الخَلْقِ (p-٢٥٥٦)ولُبِّ العالِمِ، ولَيْسَ الشَّأْنُ في الإيمانِ بِألْفاظِ هَذِهِ المُسَمَّياتِ وجَحْدِ حَقائِقَها كَما يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِن طَوائِفِ الضُّلّالِ؛ فَإنَّ القَدَرِيَّةَ تُؤْمِنُ بِلَفْظِ (القَدَرِ)، ومِنهم مَن يَرُدُّهُ إلى العِلْمِ، ومِنهم مَن يَرُدُّهُ إلى الأمْرِ الدِّينِيِّ ويَجْعَلُ قَضاءَهُ وقَدَرَهُ هو نَفْسُ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ونَفْسُ مَشِيئَةِ اللَّهِ لِأفْعالِ عِبادِهِ بِأمْرِهِ لَهم بِها، وهَذا حَقِيقَةُ إنْكارِ القَضاءِ والقَدَرِ. وكَذَلِكَ (الحِكْمَةُ) فَإنَّ الجَبْرِيَّةَ تُؤْمِنُ بِلَفْظِها ويَجْحَدُونَ حَقِيقَتَها، فَإنَّهم يَجْعَلُونَها مُطابَقَةَ عِلْمِهِ تَعالى لِمَعْلُومِهِ تَعالى وإرادَتِهِ لِمُرادِهِ تَعالى، فَهي - عِنْدَهم - وُقُوعُ الكائِناتِ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ وإرادَتِهِ. والقَدَرِيَّةُ النُّفاةُ لا يَرْضَوْنَ بِهَذا، بَلْ يَرْتَفِعُونَ عَنْهُ طَبَقَةً، ويُثْبِتُونَ حِكْمَةً زائِدَةً عَلى ذَلِكَ، لَكِنَّهم يَنْفُونَ قِيامَها بِالفاعِلِ الحَكِيمِ، ويَجْعَلُونَها مَخْلُوقًا مِن مَخْلُوقاتِهِ، كَما قالُوا في كَلامِهِ وإرادَتِهِ. فَهَؤُلاءِ كُلُّهم أقَرُّوا بِلَفْظِ (الحِكْمَةِ) وجَحَدُوا مَعْناها وحَقِيقَتَها. وكَذَلِكَ (الأمْرُ) و(الشَّرْعُ) فَإنَّ مَن أنْكَرَ كَلامَ اللَّهِ وقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ ولا يَتَكَلَّمُ، ولا قالَ ولا يَقُولُ، ولا يُحِبُّ شَيْئًا ولا يُبْغِضُ شَيْئًا، وجَمِيعُ الكائِناتِ مَحْبُوبَةٌ لَهُ، وما لَمْ يَكُنْ فَهو مَكْرُوهٌ لَهُ، ولا يُحِبُّ ولا يَرْضى ولا يَغْضَبُ ولا فَرْقَ في نَفْسِ الأمْرِ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ والفُجُورِ والسُّجُودِ لِلْأصْنامِ والشَّمْسِ والقَمَرِ. ولا رَيْبَ أنَّ هَذا يَرْفَعُ الشَّرائِعَ والأمْرَ والنَّهْيَ بِالكُلِّيَّةِ. ولَوْلا تَناقُضُ القائِلِينَ بِهِ لَكانُوا مُنْسَلِخِينَ مِن دِينِ الرُّسُلِ، ولَكِنْ مَشى الحالُ بَعْضَ الشَّيْءِ بِتَناقُضِهِمْ، وهو خَيْرٌ لَهم مِن طَرْدِ أُصُولِهِمْ والقَوْلِ بِمُوجِبِها. والمَقْصُودُ: أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بِالقَضاءِ والقَدَرِ والحِكْمَةِ والأمْرِ والنَّهْيِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، حَقِيقَةَ الإيمانِ، إلّا أتْباعُ الرُّسُلِ ووَرَثَتُهم. والقَضاءُ والقَدَرُ مَنشَؤُهُ عَنْ عِلْمِ الرَّبِّ وقُدْرَتِهِ. ولِهَذا قالَ الإمامُ أحْمَدُ: القَدَرُ قُدْرَةُ اللَّهِ. واسْتَحْسَنَ ابْنُ عَقِيلٍ هَذا الكَلامَ مِن أحْمَدَ غايَةَ الِاسْتِحْسانِ وقالَ: إنَّهُ شَفى بِهَذِهِ الكَلِمَةِ وأفْصَحَ بِها عَنْ حَقِيقَةِ القَدَرِ. ولِهَذا، كانَ المُنْكِرُونَ لِلْقَدَرِ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ كَذَّبَتْ بِالعِلْمِ السّابِقِ ونَفَتْهُ، وهم غَلّاتُهُمُ (p-٢٥٥٧)الَّذِينَ كَفَّرَهُمُ السَّلَفُ والأئِمَّةُ وتَبَرَّأ مِنهُمُ الصَّحابَةُ. وفِرْقَةٌ جَحَدَتْ كَمالَ القُدْرَةِ، وأنْكَرَتْ أنْ تَكُونَ أفْعالُ العِبادِ مَقْدُورَةً لِلَّهِ تَعالى، وصَرَّحَتْ بِأنَّ اللَّهَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها. فَأنْكَرَ هَؤُلاءِ قُدْرَةَ الرَّبِّ، وأنْكَرَتِ الأُخْرى كَمالَ عِلْمِهِ. وقابَلَهُمُ الجَبْرِيَّةُ: فَجاءَتْ عَلى إثْباتِ القُدْرَةِ والعِلْمِ، وأنْكَرَتِ الحِكْمَةَ والرَّحْمَةَ. ولِهَذا، كانَ مَصْدَرُ الخَلْقِ والأمْرِ والقَضاءِ والشَّرْعِ عَنْ عِلْمِ الرَّبِّ وعِزَّتِهِ وحَكَمْتِهِ. ولِهَذا يَقْرِنُ تَعالى بَيْنَ الِاسْمَيْنِ والصِّفَتَيْنِ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] وقالَ: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [غافر: ٢] وقالَ: ﴿حم﴾ [الجاثية: ١] ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الجاثية: ٢] وقالَ في (حم فُصِّلَتْ، بَعْدَ ذِكْرِ تَخْلِيقِ العالَمِ): ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ، وذَكَرَ نَظِيرَ هَذا في (الأنْعامِ) فَقالَ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] فارْتِباطُ الخَلْقِ بِقُدْرَتِهِ التّامَّةِ يَقْتَضِي أنْ لا يَخْرُجَ مَوْجُودٌ عَنْ قُدْرَتِهِ. وارْتِباطُهُ بِعِلْمِهِ التّامِّ يَقْتَضِي إحاطَتَهُ بِهِ وتَقَدُّمَهُ عَلَيْهِ. وارْتِباطُهُ بِحِكْمَتِهِ يَقْتَضِي وُقُوعَهُ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأحْسَنِها، واشْتِمالَهُ عَلى الغايَةِ المَحْمُودَةِ المَطْلُوبَةِ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ. وكَذَلِكَ أمْرُهُ بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ وعِزَّتِهِ، فَهو عَلِيمٌ بِخَلْقِهِ وأمْرِهِ، حَكِيمٌ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ. ولِهَذا كانَ (الحَكِيمُ) مِن أسْمائِهِ الحُسْنى. فالحِكْمَةُ مِن صِفاتِهِ العُلى، والشَّرِيعَةُ الصّادِرَةُ عَنْ أمْرِهِ مَبْناها عَلى الحِكْمَةِ، والرَّسُولُ (p-٢٥٥٨)المَبْعُوثُ بِها مَبْعُوثٌ بِها مَبْعُوثٌ بِالكِتابِ والحِكْمَةِ. والحِكْمَةُ هي سُنَّةُ الرَّسُولِ، وهي تَتَضَمَّنُ العِلْمَ بِالحَقِّ والعَمَلَ بِهِ والخَبَرِ عَنْهُ والأمْرَ بِهِ. فَكُلُّ هَذا يُسَمّى حِكْمَةً. وفي الأثَرِ: الحِكْمَةُ ضالَّةُ المُؤْمِنِ. وفي الحَدِيثِ: ««إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»» . فَكَما لا يَخْرُجُ مَقْدُورٌ عَنْ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَهَكَذا لا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وحَمْدِهِ. وهو مَحْمُودٌ عَلى جَمِيعِ ما في الكَوْنِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ حَمْدًا اسْتَحَقَّهُ لِذاتِهِ، وصَدَرَ عَنْهُ خَلْقُهُ وأمْرُهُ. فَمَصْدَرُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنِ الحِكْمَةِ فَإنْكارُ الحِكْمَةِ إنْكارٌ لِحَمْدِهِ في الحَقِيقَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، في خِلالِ بَعْضِ فَتاوِيهِ، في حَقِيقَةِ الِاحْتِجاجِ بِالقَضاءِ والقَدَرِ، ما نَصُّهُ: وإنَّ هَؤُلاءِ القَدَرِيَّةَ الجَبْرِيَّةَ الجَهْمِيَّةَ أهْلَ الفَناءِ في تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ. حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ مِن جِنْسِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] الآيَةَ. فَإنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ لَمّا أنْكَرُوا ما بُعِثَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وأنْكَرُوا التَّوْحِيدَ - الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ - وهم يُقِرُّونَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ اللَّهَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ما بَقِيَ عِنْدَهم مِن فَرْقٍ، مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، بَيْنَ مَأْمُورٍ ومَحْظُورٍ فَقالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وهَذا حَقٌّ؛ فَإنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ أنْ لا يَكُونَ هَذا لَمْ يَكُنْ. ولَكِنْ أيُّ فائِدَةٍ لَهم في هَذا؟ غايَتُهُ أنَّ هَذا الشِّرْكَ والتَّحْرِيمَ بِقَدَرٍ، ولا يَلْزَمُ إذا كانَ مُقَدَّرًا أنْ يَكُونَ (p-٢٥٥٩)مَحْبُوبًا مَرْضِيًّا لِلَّهِ. ولا عِلْمَ عِنْدِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِهِ ولا أحَبَّهُ ولا رَضِيَهُ، بَلْ لَيْسُوا في ذَلِكَ إلّا عَلى ظَنٍّ وخَرْصٍ. انْتَهى. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في حَقِيقَةِ العَقِيدَةِ: ثَبَتَ بِالبُرْهانِ أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى مُتَصَرِّفَةٌ في المُمْكِناتِ عَنْ إرادَةٍ واخْتِيارٍ. وأنَّ الإرادَةَ لا تَخْرُجُ عَمّا يَنْكَشِفُ بِالعِلْمِ مِن مَواقِعِ الحِكْمَةِ، ووُجُوهِ النِّظامِ. وأنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ. ومِنَ المُمْكِناتِ الَّتِي اقْتَضَتْها الحِكْمَةُ والنِّظامُ وُجُودُ مَخْلُوقٍ ذِي قُدْرَةٍ وإرادَةٍ وعِلْمٍ، يَعْمَلُ بِقُدْرَتِهِ ما تَنْبَعِثُ إلَيْهِ إرادَتُهُ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ بِوُجُوهِ المَصْلَحَةِ والمَنفَعَةِ لِنَفْسِهِ، وهو الإنْسانُ. وهَذا - عِنْدَ البَعْضِ - هو مَعْنى كَوْنِهِ خَلِيفَةَ اللَّهِ في الأرْضِ يُعَمِّرُها ويُظْهِرُ حِكْمَةَ اللَّهِ وبَدائِعَ أسْرارِهِ فِيها، ويُقِيمُ سُنَنَهُ الحَكِيمَةَ حَتّى يُعْرَفَ كَمالُهُ بِمَعْرِفَةِ كَمالِ صُنْعِهِ. ولا يَزالُ الإنْسانُ يُظْهِرُ الآياتِ مِن هَذِهِ المُكَوِّناتِ آنًا بَعْدَ آنٍ، ولا يَعْلَمُ مَبْلَغَهُ مِن ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى. والمَشْهُورُ أنَّ الخِلافَةَ خاصَّةٌ بِأفْرادٍ مِنَ الإنْسانِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ولا يَسْتَلْزِمُ واحِدٌ مِنَ القَوْلَيْنِ أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَخْلَفَهم لِحاجَةٍ بِهِ إلى ذَلِكَ. حاشاهُ. قالَ البَيْضاوِيُّ في "بَيانِ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ خَلِيفَةٌ": اسْتَخْلَفَهم في عِمارَةِ الأرْضِ، وسِياسَةِ النّاسِ، وتَكْمِيلِ نُفُوسِهِمْ، وتَنْفِيذِ أمْرِهِ فِيهِمْ - لا لِحاجَةٍ بِهِ تَعالى إلى مَن يَنُوبُهُ - بَلْ لِقُصُورِ المُسْتَخْلَفِ عَلَيْهِ مِن قَبُولِ فَيْضِهِ وتَلَقِّي أمْرِهِ بِغَيْرِ وسَطٍ. ولِذَلِكَ لَمْ يَسْتَنْبِئْ مَلَكًا كَما قالَ: ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا. انْتَهى. وكَذَلِكَ إذا قُلْنا: إنَّ كُلَّ النَّوْعِ خَلِيفَةٌ في العَوالِمِ الأرْضِيَّةِ. فَعُلِمَ مِن كُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ؛ أنَّ في الإنْسانِ مَعْنًى لَيْسَ في غَيْرِهِ. فَإذا كانَتْ خِلْقَةُ المَلَكِ لا تُساعِدُ عَلى إرْشادِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسِهِمْ ولا يُمْكِنُ لِكُلِّ واحِدٍ التَّلَقِّي مِنهُ، فَكَذَلِكَ لا تُساعِدُ خِلْقَتُهُ. ولَيْسَ مِن وظِيفَتِها، إظْهارُ خَواصِّ الأجْسامِ وقُواها ووُجُوهِ الِانْتِفاعِ (p-٢٥٦٠)بِها. ولَوْ كانَ إيجادُ مَخْلُوقٍ - عَلى ما ذَكَرْنا في خَلْقِ الإنْسانِ - غَيْرَ مُمْكِنٍ لَما وُجِدَ. ولا يُنْكِرُ كَوْنَهُ عَلى ما ذَكَرْنا إلّا مَن يُنْكِرُ الحِسَّ والوِجْدانَ، وهُما أصْلُ كُلِّ بُرْهانٍ. ومِثْلُ هَذا لا يُخاطَبُ ولا يُطْلَبُ مِنهُ التَّصْدِيقُ بِشَيْءٍ ما. إذَنْ، مَعَنا قَضِيَّتانِ قَطْعِيَّتا الثُّبُوتِ: إحْداهُما: كَوْنُ الإنْسانِ يَعْمَلُ بِقُدْرَةٍ وإرادَةٍ يَبْعَثُها عِلْمُهُ عَلى الفِعْلِ أوِ التَّرْكِ والكَفِّ، وهي بَدِيهِيَّةٌ. و(الثّانِيَةُ): هي أنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وهي نَظَرِيَّةٌ ويَتَوَلَّدُ مِن هاتَيْنِ القَضِيَّتَيْنِ القَطْعِيَّتَيْنِ مَسْألَتانِ نَظَرِيَّتانِ: الأُولى: ما الفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وبَيْنَ عِلْمِ الإنْسانِ وإرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: إحْداها: أنَّ صِفاتِ اللَّهِ قَدِيمَةٌ بِقِدَمِهِ فَهي ثابِتَةٌ لَهُ لِذاتِهِ. وصِفاتُ الإنْسانِ حادِثَةٌ بِحُدُوثِهِ وهي مَوْهُوبَةٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَذاتِهِ. ثانِيها: إنَّ عِلْمَ اللَّهِ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا بِما شاءَ. وأمّا الإنْسانُ فَما أُوتِيَ: مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا ! وإرادَةُ اللَّهِ تَعالى لا تَتَغَيَّرُ ولا تَقْبَلُ الفَسْخَ لِأنَّها عَنْ عِلْمٍ تامٍّ. بِخِلافِ إرادَةِ الإنْسانِ فَإنَّها تَتَرَدَّدُ لِتَرَدُّدِهِ في العِلْمِ بِالشَّيْءِ. وتَفْسَخُ لِظُهُورِ الخَطَأِ في العِلْمِ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ. وتَتَجَدَّدُ لِتَجَدُّدِ عِلْمٍ لِمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن قَبْلُ. وقُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى مُتَصَرِّفَةٌ في كُلِّ مُمْكِنٍ. فَيَفْعَلُ كُلَّ ما يَعْلَمُ أنَّ فِيهِ الحِكْمَةَ. وقُدْرَةُ الإنْسانِ لا تَصَرُّفَ لَها ولا كَسْبَ إلّا في أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ المُمْكِناتِ. (p-٢٥٦١)فَكَمْ مِن أمْرٍ يَعْلَمُ أنَّ فِيهِ مَصْلَحَتَهُ ومَنفَعَةً لَهُ وهو لا يَقْدِرُ عَلى القِيامِ بِهِ. ثالِثُها: أنَّ صِفاتِ الإنْسانِ عُرْضَةٌ لِلضَّعْفِ والزَّوالِ، وصِفاتِ اللَّهِ تَعالى أبَدِيَّةٌ كَما أنَّها أزَلِيَّةٌ. وبِالجُمْلَةِ: إنَّ المُشارَكَةَ بَيْنَ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِ عِبادِهِ إنَّما هي في الِاسْمِ، لا في الجِنْسِ كَما زَعَمَ بَعْضُهُمْ، فَبَطَلَ زَعْمُ مَن قالَ: إنَّ إثْباتَ كَوْنِ الأفْعالِ الَّتِي تَصْدُرُ مِنَ الإنْسانِ هي بِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ - يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي عَضَلَةُ العَقْدِ ومِحَكُّ المُنْتَقِدِ - أنَّ القَضاءَ عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ إرادَتِهِ في الأزَلِ؛ بِأنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ، والقَدَرَ وُقُوعُ الأشْياءِ فِيما لا يَزالُ عَلى وفْقِ ما سَبَقَ في الأزَلِ. ومِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها القَضاءُ والقَدَرُ أفْعالُ العِبادِ الِاخْتِيارِيَّةُ. فَإذا كانَ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ المُبْرَمُ - بِأنَّ زَيْدًا يَعِيشُ كافِرًا ويَمُوتُ كافِرًا - فَما مَعْنى مُطالَبَتِهِ بِالإيمانِ وهو لَيْسَ في طاقَتِهِ؟ ولا يُمْكِنُ في الواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ أنْ يَصْدُرَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ مَجْبُورٌ عَلى الكُفْرِ في صُورَةِ مُخْتارٍ لَهُ؟ كَما قالَ بَعْضُهم. والجَوابُ عَنْ هَذا: أنَّ تَعَلُّقَ العِلْمِ والإرادَةِ بِأنَّ فُلانًا يَفْعَلُ كَذا، لا يُنافِي أنْ يَفْعَلَهُ بِاخْتِيارٍ، إلّا إذا تَعَلَّقَ العِلْمُ بِأنْ يَفْعَلَهُ مُضْطَرًّا كَحَرَكَةِ المُرْتَعِشِ مَثَلًا. ولَكِنَّ أفْعالَ العِبادِ الِاخْتِيارِيَّةَ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ بِأنَّها تَقَعُ اخْتِيارِيَّةً، أيْ: بِإرادَةِ فاعِلِيها لا رَغْمًا عَنْهم. وبِهَذا صَحَّ التَّكْلِيفُ ولَمْ يَكُنِ التَّشْرِيعُ عَبَثًا ولا لَغْوًا. وثُمَّ وجْهٌ آخَرُ في الجَوابِ، وهُوَ: لَوْ كانَ سَبْقُ العِلْمِ أوِ الإرادَةِ بِأنَّ فاعِلًا يَفْعَلُ كَذا، يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفاعِلُ مَجْبُورًا عَلى فِعْلِهِ، لَكانَ الواجِبُ، تَعالى وتَقَدَّسَ، مَجْبُورًا عَلى (p-٢٥٦٢)أفْعالِهِ كُلِّها؛ لِأنَّ العِلْمَ الأزَلِيَّ قَدْ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ، وكُلُّ ما تَعَلَّقَ بِهِ العِلْمُ الصَّحِيحُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ. فَتَبَيَّنَ - بِهَذا - أنَّ الجَبْرِيَّةَ ومَن تَلا تَلُوهم قَدْ غَفَلُوا عَنْ مَعْنى الِاخْتِيارِ، واشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمُ الأنْظارُ، فَكابَرُوا الحِسَّ والوِجْدانَ، ودابَرُوا الدَّلِيلَ والبُرْهانَ، وعَطَّلُوا الشَّرائِعَ والأدْيانَ، وتَوَهَّمُوا أنَّهم يُعَظِّمُونَ اللَّهَ ولَكِنَّهم ما قَدَرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ، ولا فَقِهُوا سِرَّ نَهْيِهِ وأمْرِهِ، حَيْثُ جَرَّؤُا الجُهّالَ عَلى التَّنَصُّلِ مِن تَبِعَةِ الذُّنُوبِ والأوْزارِ، وادِّعاءِ البَراءَةِ لِأنْفُسِهِمْ والإحالَةِ بِاللَّوْمِ عَلى القَضاءِ والقَدَرِ، وذَلِكَ تَنْزِيهٌ لِأنْفُسِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. بَلْ ذَلِكَ إغْراءٌ لِلْإنْسانِ بِالِانْغِماسِ في الفُسُوقِ والعِصْيانِ. فَيا عَجَبًا لَهم كَيْفَ جَعَلُوا أعْظَمَ الزَّواجِرِ مِنَ الإغْراءِ، وهو الِاعْتِقادُ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِالأشْياءِ! ألَيْسَ مِن شَأْنِ مَن لَمْ يُفْسِدِ الجَبْرُ فِطْرَتَهُ، ويُظْلِمِ الجَهْلُ بَصِيرَتَهُ، أنْ يَكُونَ أعْظَمُ مُهَذِّبٍ لِنَفْسِهِ، ومُؤَدِّبٍ لِعَقْلِهِ وحِسِّهِ، اعْتِقادَهُ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يُسِرُّ ويُعْلِنُ، ويُظْهِرُ ويُبْطِنُ، وأنَّهُ ناظِرٌ إلَيْهِ ومُطَّلِعٌ عَلَيْهِ؟ بَلى! إنَّ الإحْسانَ هو أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ، وأمّا الَّذِينَ ضَلُّوا السَّبِيلَ، (p-٢٥٦٣)واتَّبَعُوا فاسِدَ التَّأْوِيلِ، فَيَقُولُونَ كَما قالَ مَن قَبْلَهم وقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] الآيَةَ. فانْظُرْ كَيْفَ رَماهُمُ العَلِيمُ الحَكِيمُ بِالجَهْلِ، وجَعَلَ احْتِجاجَهم بِالقَدَرِ مِن أسْبابِ وُقُوعِ البَأْسِ والبَلاءِ بِهِمْ. وفِي هَذا القَدْرِ كِفايَةٌ لِمَن لَمْ يَنْطَمِسْ نُورُ الفِطْرَةِ مِن قَبْلِهِ، واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.

الأنعام 6:150

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٠] ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ أيْ: أحْضِرُوهُمْ: ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ يَعْنِي ما تَقُولُونَ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ. والمُرادُ بِ (شُهَدائِهِمْ) قُدْوَتُهُمُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ قَوْلَهم. وإنَّما أُمِرُوا بِاسْتِحْضارِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، ويَظْهَرَ بِانْقِطاعِهِمْ ضَلالَتُهُمْ، وأنَّهُ لا مُتَمَسَّكَ لَهُمْ، (p-٢٥٦٤)كَمَن يُقَلِّدُهم فَيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ. ﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ أيْ: بَعْدَ حُضُورِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا: ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أيْ: فَلا تُسَلِّمْ لَهم ما شَهِدُوا بِهِ ولا تُصَدِّقْهُمْ، لِما عَلِمْتَ مِنَ افْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ ومَشْيِهِمْ مَعَ أهَوِيَتِهِمْ. وفِي "العِنايَةِ": فَلا تَشْهَدْ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. وقِيلَ: مَجازٌ مُرْسَلٌ، مِن ذِكْرِ اللّازِمِ وإرادَةِ المَلْزُومِ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ مِن لَوازِمِ التَّسْلِيمِ. وقِيلَ: كِنايَةٌ. وقِيلَ: مُشاكَلَةٌ. ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمِرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وعَدَلَ بِهِ غَيْرَهُ، أيْ: سَوّى بِهِ الأصْنامَ، فَهو مُتَّبِعٌ لِلْهَوى لا غَيْرَ؛ لِأنَّهُ لَوِ اتَّبَعَ الدَّلِيلَ لَمْ يَكُنْ إلّا مُصَدِّقًا بِالآياتِ، مُوَحِّدًا لِلَّهِ تَعالى. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى فَسادَ ما ادَّعَوْا مِن أنَّ إشْراكَهم وإشْراكَ آبائِهِمْ وتَحْرِيمَ ما حَرَّمُوهُ، بِأمْرِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، بِظُهُورِ عَجْزِهِمْ عَنْ إبْرازِ ما يُتَمَسَّكُ بِهِ في ذَلِكَ، وإحْضارِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ، بَعْدَ ما كُلِّفُوهُ مِرارًا - أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم مِنَ المُحَرَّماتِ ما يَقْتَضِي الحالُ بَيانَهُ.

الأنعام 6:151

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥١] ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهم ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ مِنَ الأوْثانِ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا. قالَ الحاكِمُ: (p-٢٥٦٥)والإحْسانُ ما يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ العُقُوقِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] ولَمّا كانَ إيجابُ الإحْسانِ تَحْرِيمًا لِتَرْكِ الإحْسانِ، ذُكِرَ في المُحَرَّماتِ. وكَذا حُكْمُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأوامِرِ. فَإنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ. بَلْ هو عَيْنُهُ عِنْدَ البَعْضِ. كَأنَّ الأوامِرَ ذُكِرَتْ وقُصِدَ لَوازِمُها، ومِن سِرِّ ذَلِكَ هُنا - أعْنِي وضْعَ: وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا مَوْضِعَ (النَّهْيِ عَنِ الإساءَةِ إلَيْهِما) - المُبالَغَةُ والدَّلالَةُ عَلى أنَّ تَرْكَ الإساءَةِ في شَأْنِهِما غَيْرُ كافٍ في قَضاءِ حُقُوقِهِما، بِخِلافِ غَيْرِهِما ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ أيْ: مِن أجْلِ فَقْرٍ، ومِن خَشْيَتِهِ. والمُرادُ بِالقَتْلِ: وأْدُ البَناتِ وهُنَّ أحْياءٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ. فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ لِأنَّ رِزْقَ العَبِيدِ عَلى مَوْلاهُمْ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ يَعْنِي: الزِّنى لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢] وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ الجَمِيعِ قَصْدًا إلى النَّهْيِ عَنْ أنْواعِهِ أوْ مُبالَغَةً بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مَن يَصْدُرُ مِنهُ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ يَعْنِي: عَلانِيَتَهُ وسِرَّهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: قَتْلَها لِإيمانِها أوْ أمانِها: ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، يَعْنِي بِالقَوَدِ والرَّجْمِ والِارْتِدادِ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ تَلَطُّفًا ورَأْفَةً. ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي: لِتَعْقِلُوا عِظَمَها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَتَكُفُّوا عَنْ مُباشَرَتِها. قالَ المَهايِمِيُّ: فالشِّرْكُ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ وقَتْلُ الأوْلادِ لِلْفَقْرِ، مَنشَؤُهُ الجَهْلُ بِما في الشِّرْكِ مِنَ اسْتِهانَةِ المُنْعِمِ بِالإيجادِ، وبِما في الإساءَةِ إلى الأبَوَيْنِ مِن مُقابَلَةِ الإحْسانِ بِالإساءَةِ، وقُرْبانِ الفَواحِشِ مِن مُتابَعَةِ الهَوى، والقَتْلِ مِن مُتابَعَةِ الغَضَبِ؛ وكُلُّها أضْدادُ العَقْلِ. (p-٢٥٦٦)تَنْبِيهٌ: قالَ بَعْضُ (الزَّيْدِيَّةِ): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن إمْلاقٍ﴾ خَرَجَ عَلى العادَةِ. وإلّا فَهو مُحَرَّمٌ، خَشِيَ الفَقْرَ أمْ لا. وقَدْ دَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِ قَتْلِ الأوْلادِ. قالَ الحاكِمُ: فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ شُرْبُ الدَّواءِ لِقَتْلِ الجَنِينِ. قالَ الإمامُ يَحْيى: إذا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ دُونَ إفْسادِ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيها الرُّوحُ. وفي "الأحْكامِ" يَجِبُ عَلى مَنِ انْقَطَعَ حَيْضُها أنْ تُوقّى مِنَ الأدْوِيَةِ ما يُخافُ عَلى الجَنِينِ مِنها، إذا كانَتْ مِن ذَواتِ البُعُولِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلُزُومِ ما تَقَدَّمَ. انْتَهى. لَطِيفَةٌ: قالَ القاشانِيُّ: لَمّا كانَ الكَلامُ مَعَ المُشْرِكِينَ في تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ، عَدَّدَ المُحَرَّماتِ لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى المُحَلَّلاتِ. فَحَصَرَ جَمِيعَ أنْواعِ الفَضائِلِ بِالنَّهْيِ عَنْ أجْناسِ الرَّذائِلِ. وابْتَدَأ بِالنَّهْيِ عَنْ رَذِيلَةِ القُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ الَّتِي هي أشْرَفُها. فَإنَّ رَذِيلَتَها أكْبَرُ الكَبائِرِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِجَمِيعِ الرَّذائِلِ. بِخِلافِ رَذِيلَةِ أخَوَيْها مِنَ القُوَّتَيْنِ البَهِيمِيَّةِ السَّبُعِيَّةِ. فَقالَ: ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إذِ الشِّرْكُ مِن خَطَئِها في النَّظَرِ، وقُصُورِها عَنِ اسْتِعْمالِ العَقْلِ ودَرْكِ البُرْهانِ. وعَقَّبَهُ بِإحْسانِ الوالِدَيْنِ. إذْ مَعْرِفَةُ حُقُوقِهِما تَتْلُو مَعْرِفَةَ اللَّهِ في الإيجادِ والرُّبُوبِيَّةِ؛ لِأنَّهُ ما سَبَبانِ قَرِيبانِ في الوُجُودِ والتَّرْبِيَةِ. وواسِطَتانِ جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى مَظْهَرَيْنِ لِصِفَتَيْ إيجادِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ ولِهَذا قالَ: (مَن أطاعَ الوالِدَيْنِ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ورَسُولَهُ) فَعُقُوقُهُما يَلِي الشِّرْكَ ولا يَقَعُ الجَهْلُ بِحُقُوقِهِما إلّا عَنِ الجَهْلِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ صِفاتِهِ. ثُمَّ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ خَشْيَةَ الفَقْرِ. فَإنَّ ارْتِكابَ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَنِ الجَهْلِ والعَمى عَنْ تَسْبِيبِهِ تَعالى الرِّزْقَ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ. وأنَّ أرْزاقَ العِبادِ بِيَدِهِ، يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ. والِاحْتِجابُ عَنْ سِرِّ القَدَرِ، فَلا يُعْلَمُ أنَّ الأرْزاقَ مُقَدَّرَةٌ بِإزاءِ الأعْمارِ كَتَقْدِيرِ الآجالِ. فَأُولاها لا تَقَعُ إلّا مِن خَطَئِها في مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى. والثّانِيَةُ مِن خَطَئِها في مَعْرِفَةِ صِفاتِهِ. والثّالِثَةُ مِن مَعْرِفَةِ أفْعالِهِ. فَلا (p-٢٥٦٧)يَرْتَكِبُ هَذِهِ الرَّذائِلَ الثَّلاثَ إلّا مَنكُوسٌ مَحْجُوبٌ عَنْ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ؛ وهَذِهِ الحُجُبُ أُمُّ الرَّذائِلِ وأساسُها. ثُمَّ بَيَّنَ رَذِيلَةَ القُوَّةِ البَهِيمِيَّةِ؛ لِأنَّ رَذِيلَتَها أظْهَرُ وأقْدَمُ فَقالَ: ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ، ثُمَّ أشارَ إلى رَذِيلَةِ القُوَّةِ السَّبُعِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ الآيَةَ.

الأنعام 6:152

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٢] ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ: ﴿إلا بِالَّتِي﴾ أيْ: بِالخَصْلَةِ الَّتِي: ﴿هِيَ أحْسَنُ﴾ يَعْنِي أنْفَعُ لَهُ. كَتَثْمِيرِهِ أوْ حِفْظِهِ أوْ أخْذِهِ قَرْضًا. لا بِأكْلِهِ، وإنْفاقِهِ في مَآرِبِكم وإتْلافِهِ، فَإنَّهُ أفْحَشُ. وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا فِيما رُخِّصَ فِيهِ لِوَلِيِّ اليَتِيمِ أوْ وصِيِّهِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ الآيَةَ. و: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى﴾ [النساء: ١٠] (p-٢٥٦٨)الآيَةَ. انْطَلَقَ مَن كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعامَهُ مِن طَعامِهِ وشَرابَهُ مِن شَرابِهِ. فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِن طَعامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتّى يَأْكُلَهُ، أوْ يَفْسَدَ. فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فَخَلَطُوا طَعامَهم بِطَعامِهِ وشَرابَهم بِشَرابِهِ». قِيلَ: إنَّما خَصَّ تَعالى مالَ اليَتِيمِ بِالذِّكْرِ، لِكَوْنِهِ لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ ولا عَنْ مالِهِ هو ولا غَيْرُهُ. فَكانَتِ الأطْماعُ في مالِهِ أشَدَّ. فَعَزَمَ في النَّهْيِ عَنْهُ لِأنَّهُ حِماهُ ومُقَدَّمَتُهُ، وأمَرَ بِتَنْمِيَتِهِ ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ: قُوَّتَهُ الَّتِي يُقَرُّ بِها عَلى حِفْظِهِ واسْتِنْمائِهِ، وهَذا غايَةٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ لا لِلنَّهْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: احْفَظُوهُ حَتّى يَصِيرَ بالِغًا رَشِيدًا. فَحِينَئِذٍ سَلِّمُوهُ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] والأشُدُّ جَمْعُ (شِدَّةٍ) كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ، أوْ شَدٍّ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ، أوْ شِدٍّ كَصِرٍّ وآصُرٌ. وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ كَآنُكٍ. ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقَدْ تَوَعَّدَ تَعالى عَلى تَرْكِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ أهْلَكَ اللَّهُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ كانُوا يَبْخَسُونَ المِكْيالَ. رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِ الكَيْلِ والمِيزانِ: «إنَّكم (p-٢٥٦٩)وُلِّيتُمْ أمْرَيْنِ هَلَكَتْ فِيهِ الأُمَمُ السّالِفَةُ قَبْلَكُمْ»» . ثُمَّ ضَعَّفَهُ وصَحَّحَ وقْفَهُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا، ولَفْظُهُ: ««إنَّكم مَعْشَرَ المَوالِي قَدْ بَشَّرَكُمُ اللَّهُ بِخَصْلَتَيْنِ، بِهِما هَلَكَتِ القُرُونُ المُتَقَدِّمَةُ: بِالمِكْيالِ والمِيزانِ»» . ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكَيْلِ والوَزْنِ: ﴿إلا وُسْعَها﴾ أيْ: جُهْدَها بِالعَدْلِ. وهَذا الِاعْتِراضُ جِيءَ بِهِ عَقِيبَ الأمْرِ بِالعَدْلِ، لِبَيانِ أنَّ مُراعاةَ الحَدِّ مِنَ القِسْطِ، الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ، مِمّا يَجْرِي فِيهِ الحَرَجُ، لِصُعُوبَةِ رِعايَتِهِ. فَأمَرَ بِبُلُوغِ الوُسْعِ، وأنَّ الَّذِي ما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وقَدْ رَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««: أوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها: مَن أوْفى عَلى يَدِهِ في الكَيْلِ والمِيزانِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ نِيَّتِهِ بِالوَفاءِ فِيهِما، لَمْ يُؤاخَذْ»» . قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: وذَلِكَ تَأْوِيلُ (وُسْعَها). قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مُرْسَلٌ غَرِيبٌ. وفِي "العِنايَةِ": يُحْتَمَلُ رُجُوعُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ إلى ما تَقَدَّمَ. أيْ: جَمِيعُ ما كَلَّفْناكم مُمْكِنٌ، ونَحْنُ لا نُكَلِّفُ ما لا يُطاقُ. انْتَهى. والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإذا قُلْتُمْ﴾ أيْ: في حُكُومَةٍ أوْ شَهادَةٍ ونَحْوِهِما: ﴿فاعْدِلُوا﴾ أيْ: فِيها أيْ: لا تَقُولُوا إلّا الحَقَّ: ﴿ولَوْ كانَ﴾ أيِ: المَقُولُ لَهُ أوْ عَلَيْهِ: ﴿ذا قُرْبى﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ مِنكم. فَلا تَمِيلُوا في القَوْلِ لَهُ أوْ عَلَيْهِ، إلى زِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ. قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ أيِ: اصْدُقُوا في مَقالَتِكم. قالَ: وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ في عُذُوبَةِ لَفْظِها وقِلَّةِ حُرُوفِها وجَمْعِها لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإقْرارِ والشَّهادَةِ والوَصايا والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والفَتاوى والأحْكامِ والمَذاهِبِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّهُ يَلْزَمُ العَدْلُ في القَوْلِ، ولَوْ كانَ المَقُولُ لَهُ ذا قُرْبى. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] (p-٢٥٧٠)﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ أيْ: ما عُهِدَ إلَيْكم مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ، أوْ أيَّ عَهْدٍ كانَ. فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. أوْ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الأيْمانِ والنُّذُورِ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةً إلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآياتِ: ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أيْ: أمَرَكم بِالعَمَلِ بِهِ في الكِتابِ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَّعِظُونَ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ تَأْكِيدٌ آخَرُ.

الأنعام 6:153

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٣] ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ يُقْرَأُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) والتَّشْدِيدِ. ومَحَلُّها مَعَ ما في حَيِّزِها بِحَذْفِ لامِ العِلَّةِ. أيْ: ولِأنَّ هَذا الَّذِي وصَّيْتُكم بِهِ. مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ طَرِيقِي ودِينَيِ الَّذِي ارْتَضَيْتُهُ لِعِبادِي قَوِيمًا لا اعْوِجاجَ فِيهِ، فاعْلَمُوا بِهِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَحَلُّها مَعَ ما في حَيِّزِها النَّصْبَ عَلى (ما حَرَّمَ) أيْ: وأتْلُو عَلَيْكم أنَّ هَذا صِراطِي. وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ يَعْنِي الأدْيانَ المُخْتَلِفَةَ أوْ طُرُقَ البِدَعِ والضَّلالاتِ: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: فَتُفَرِّقُكم عَنْ صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ وهو دِينُ الإسْلامِ الَّذِي ارْتَضاهُ لِعِبادِهِ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «خَطَّ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ثُمَّ قالَ: هَذِهِ (p-٢٥٧١)سُبُلٌ، عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الآيَةَ..» ورَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ. لَطائِفُ: قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَنعِ النَّظَرِ والرَّأْيِ، مَعَ وُجُودِ النَّصِّ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّما وحَّدَ (سَبِيلَهُ) لِأنَّ الحَقَّ واحِدٌ؛ ولِهَذا جَمَعَ (السُّبُلَ) لِتَفَرُّقِها وتَشَعُّبِها. كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ السُّبُلُ تَعُمُّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ والمَجُوسِيَّةَ، وسائِرَ أهْلِ المِلَلِ وأهْلِ البِدَعِ والضَّلالاتِ، مِن أهْلِ الأهْواءِ والشُّذُوذِ في الفُرُوعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أهْلِ التَّعَمُّقِ في الجَدَلِ والخَوْضِ في الكَلامِ. وهَذِهِ كُلُّها عُرْضَةٌ لِلزَّلَلِ ومُظِنَّةٌ لِسُوءِ المُعْتَقَدِ. قالَ قَتادَةُ: اعْلَمُوا أنَّ السَّبِيلَ سَبِيلٌ واحِدٌ. جَماعَةُ الهُدى، ومَصِيرُهُ الجَنَّةُ. وأنَّ إبْلِيسَ اسْتَبْدَعَ سُبُلًا مُتَفَرِّقَةً. جَماعَةَ الضَّلالَةِ، ومَصِيرُها إلى النّارِ. ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وأخْبِرْهم أنَّهُ إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم بِالمِراءِ والخُصُوماتِ في دِينِ اللَّهِ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِنَ اتِّباعِ سَبِيلِهِ تَعالى وتَرْكِ اتِّباعِ سائِرَ السُّبُلِ: ﴿وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيِ: اتِّباعُ الكُفْرِ والضَّلالَةِ. وفِيهِ تَأْكِيدٌ أيْضًا. رَوى التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى وصِيَّةِ رَسُولِ (p-٢٥٧٢)اللَّهِ ﷺ الَّتِي عَلَيْها خاتَمُهُ، فَلْيَقْرَأْ هَؤُلاءِ الآياتِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ورَوى الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في الأنْعامِ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ ثُمَّ قَرَأ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] الآياتِ. ورَوى الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أيُّكم يُبايِعُنِي عَلى هَؤُلاءِ الآياتِ الثَّلاثِ؟ ثُمَّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] حَتّى فَرَغَ مِن ثَلاثِ آياتٍ. ثُمَّ قالَ: ومَن وفى بِهِنَّ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ. ومَنِ انْتَقَصَ مِنهُنَّ شَيْئًا، فَأدْرَكَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا، كانَتْ عُقُوبَتَهُ. ومَن أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ. كانَ أمْرُهُ إلى اللَّهِ. إنْ شاءَ أخَذَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ»» . لَطِيفَةٌ: قالَ النَّسَفِيُّ: ذَكَرَ أوَّلًا (تَعْقِلُونَ) ثُمَّ (تَذَكَّرُونَ) ثُمَّ (تَتَّقُونَ) لِأنَّهم إذا عَقَلُوا تَفَكَّرُوا، ثُمَّ تَذَكَّرُوا، أيِ: اتَّعَظُوا، فاتَّقُوا المَحارِمَ. انْتَهى.

الأنعام 6:154

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٤] ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ آتَيْنا﴾ أيْ: أعْطَيْنا: ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ يُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ وفاعِلُهُ إمّا ضَمِيرُ (الَّذِي) أيْ: تَمامًا لِلْكَرامَةِ والنِّعْمَةِ عَلى الَّذِي أحْسَنَ. أيْ: عَلى مَن كانَ مُحْسِنًا صالِحًا. يُرِيدُ جِنْسَ المُحْسِنِينَ. وتَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: (عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا) وإمّا ضَمِيرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: تَتِمَّةٌ لِلْكَرامَةِ عَلى العَبْدِ الَّذِي أحْسَنَ الطّاعَةَ في التَّبْلِيغِ وفي كُلِّ ما أُمِرَ بِهِ. أوْ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ مُوسى مِنَ العِلْمِ والشَّرائِعِ. مِن (أحْسَنَ الشَّيْءَ) إذا أجادَ مَعْرِفَتَهُ، أيْ: زِيادَةً عَلى عِلْمِهِ عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ (p-٢٥٧٣)وعَلى الأوَّلِ فَ (تَمامًا) في مَوْقِعِ المَفْعُولِ لَهُ. وجازَ حَذْفُ اللّامِ لِكَوْنِهِ في مَعْنى (إتْمامًا) أوْ مَصْدَرٌ لِقَوْلِهِ (آتَيْنا) مِن مَعْناهُ؛ لِأنَّ إيتاءَ الكِتابِ إتْمامٌ لِلنِّعْمَةِ. كَأنَّهُ قِيلَ: أتْمَمْنا النِّعْمَةَ إتْمامًا. فَ (تَمامٌ) بِمَعْنى (إتْمامٍ) كَنَباتٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] أوْ (أصْلُهُ إيتاءُ تَمامٍ). وعَلى الوَجْهِ الثّانِي هو حالٌ مِنَ الكِتابِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ (عَلى الَّذِي أحْسَنُ) بِالرَّفْعِ أيْ: عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ، أوْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو أحْسَنُ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الكَتْبُ. فَ (تَمامًا) حالٌ مِنَ الكِتابِ بِمَعْنى (تامًّا) أيْ: حالَ كَوْنِ الكِتابِ تامًّا كائِنًا عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذِهِ قِراءَةٌ لا أسْتَجِيزُ القِراءَةَ بِها. وإنْ كانَ في العَرَبِيَّةِ لَهُ وجْهٌ صَحِيحٌ. ﴿وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: وبَيانًا مُفَصِّلًا لِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ بَنُو إسْرائِيلَ في الدِّينِ: ﴿وهُدًى﴾ لَهم إلى رَبِّهِمْ في سُلُوكِ سَبِيلِهِ: ﴿ورَحْمَةً﴾ عَلَيْهِمْ بِإفاضَةِ الفَوائِدِ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ الكِتابِ: ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقُونَ بِلِقائِهِ لِلْجَزاءِ. لَطِيفَةٌ: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ثُمَّ آتَيْنا مَن قالَ إنَّ: ثُمَّ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ. انْتَهى قالَ ابْنُ كَثِيرٍ و: ثُمَّ هَهُنا لِعَطْفِ الخَبَرِ بَعْدَ الخَبَرِ، لا لِلتَّرْتِيبِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎قُلْ لِمَن سادَ ثُمَّ سادَ أبُوهُ ثُمَّ سادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ وقالَ أبُو السُّعُودِ: و: ثُمَّ لِلتَّراخِي في الأخْبارِ كَما في قَوْلِكَ: بَلَغَنِي ما صَنَعْتَ اليَوْمَ، ثُمَّ ما صَنَعْتَ أمْسِ أعْجَبُ. أوْ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ وصّاكم بِهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا. ثُمَّ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنّا آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ. فَإنَّ إيتاءَها مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَصِيَّةِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها، أعْظَمُ مِنَ التَّوْصِيَةِ بِها فَقَطْ. انْتَهى.

الأنعام 6:155

ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ التَّوْراةَ. وإنْ كانَتْ تَمامًا عَلى النَّهْجِ الأحْسَنِ، فالقُرْآنُ أتَمُّ مِنهُ وأزْيَدُ حُسْنًا. فَهو أوْلى بِالمُتابَعَةِ، فَقالَ: (p-٢٥٧٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٥] ﴿وهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿وهَذا﴾ أيِ: القُرْآنُ: ﴿كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ أكْثَرُ نَفْعًا مِنَ التَّوْراةِ دِينًا ودُنْيا: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ أيِ: اعْمَلُوا بِما فِيهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والأحْكامِ: ﴿واتَّقُوا﴾ يَعْنِي مُخالَفَتَهُ واتِّباعَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مَنسُوخًا بِهِ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: لِتُرْحَمُوا بِواسِطَةِ اتِّباعِهِ، وهو العَمَلُ بِما فِيهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا رَحْمَةَ بِمُتابَعَةِ المَنسُوخِ وإنْ آمَنَ صاحِبُها بِلِقاءِ رَبِّهِ. قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ تَعَلُّمِ القُرْآنِ لِيُمْكِنَ الِاتِّباعُ لَهُ. لَكِنْ هو كَسائِرِ العُلُومِ فَرْضُ كِفايَةٍ إلّا ما يَتَعَيَّنُ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ، كَتَعَلُّمِ ما لا تَصِحُّ الصَّلاةُ إلّا بِهِ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ. انْتَهى. لَطِيفَةٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّهُ كَثِيرًا ما يَقْرِنُ بَيْنَ الكِتابَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢] وقَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ: ﴿قُلْ مَن أنْـزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام: ٩١] ثُمَّ قالَ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ الآيَةَ. (p-٢٥٧٥)وقَوْلِهِ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] وقَوْلِهِ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الجِنِّ أنَّهم قالُوا: ﴿يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْـزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠] الآيَةَ.

الأنعام 6:156

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٦] ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ عِلَّةٌ لِ (أنْزَلْناهُ). أيْ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ لِئَلّا تَقُولُوا: ﴿إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ اليَهُودِ والنَّصارى: ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ عَنْ تِلاوَةِ كِتابِهِمْ: ﴿لَغافِلِينَ﴾ لا عِلْمَ لَنا بِشَيْءٍ مِنها لِأنَّها لَيْسَتْ بِلُغَتِنا. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومُرادُهم بِذَلِكَ دَفْعُ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن أنَّ نُزُولَهُ عَلَيْهِما لا يُنافِي عُمُومَ أحْكامِهِ. فَلِمَ لَمْ تَعْمَلُوا بِأحْكامِهِ العامَّةِ؟ والمَعْنى: وإنْ كُنّا لا نَدْرِي ما في كِتابِهِمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى لُغَتِنا حَتّى نَتَلَقّى مِنهُ تِلْكَ الأحْكامَ العامَّةَ ونُحافِظَ عَلَيْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُنْزَلًا عَلَيْنا. وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ مَعْذِرَتَهم هَذِهِ، مَعَ أنَّهم غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِما في الكِتابَيْنِ لِاشْتِمالِهِما عَلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ المُتَناوِلَةِ لِكافَّةِ الأُمَمِ، أنَّ قَطْعَ تِلْكَ المَعْذِرَةِ بِإنْزالِ القُرْآنِ لِاشْتِمالِهِ أيْضًا عَلَيْها، لا عَلى سائِرِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ فَقَطْ. انْتَهى.

الأنعام 6:157

(p-٢٥٧٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٧] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْـزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْـزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ﴾ أيْ: كَما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ: ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ وأسْرَعَ مِنهم إجابَةً لِلرَّسُولِ لِمَزِيدِ ذَكائِنا وجِدِّنا في العَمَلِ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ، إمّا مُعَلَّلٌ بِهِ، أيْ: لا تَعْتَذِرُوا بِذَلِكَ فَقَدْ جاءَكم. وإمّا شَرْطٌ لَهُ. أيْ: إنْ صَدَقْتُمْ فِيما كُنْتُمْ تَعِدُونَ مِن أنْفُسِكم مِن كَوْنِكم أهْدى مِنَ الطّائِفَتَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ نُزُولِ الكِتابِ عَلَيْكُمْ، فَقَدْ حَصَلَ ما فَرَضْتُمْ وجاءَكُمْ: ﴿بَيِّنَةٌ﴾ أيْ: كِتابُ حُجَّةٍ واضِحَةٍ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (جاءَكُمْ) أوْ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِ (بَيِّنَةٌ) أيْ: بَيِّنَةٌ كائِنَةٌ مِنهُ تَعالى لا يُتَوَهَّمُ فِيهِ السِّحْرُ: ﴿وهُدًى﴾ بِإقامَةِ الدَّلائِلِ ورَفْعِ الشُّبَهِ: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ بِإفاضَةِ الفَوائِدِ وتَسْهِيلِ طَرِيقِكم وتَيْسِيرِها إلى أشْرَفِ الكَمالاتِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها. فَإنَّ مَجِيءَ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى الهُدى والرَّحْمَةِ مُوجِبٌ لِغايَةِ أظْلَمِيَّةِ مَن يُكَذِّبُهُ. أيْ: وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ أيْ: صَرَفَ النّاسَ وصَدَّهم عَنْها. فَجَمَعَ بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ. والمَعْنى إنْكارُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهُ أوْ مُساوِيًا لَهُ: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ النّاسَ: ﴿عَنْ آياتِنا﴾ أيِ: الَّتِي لَوْ لَمْ يَصْدِفُوا عَنْها لَعَرَفُوا إعْجازَها: ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أيِ: العَذابِ السَّيِّئِ. ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]

الأنعام 6:158

(p-٢٥٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٨] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ يَعْنِي قَدْ أقَمْنا حُجَجَ الوَحْدانِيَّةِ وثُبُوتَ الرِّسالَةِ وأبْطَلْنا ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ مِنَ الضَّلالَةِ. فَما يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ بَعْدَ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ وإنْكارِهِمُ القُرْآنَ وصَدِّهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ؟ قالَ البَيْضاوِيُّ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ. وهم ما كانُوا مُنْتَظِرِينَ لِذَلِكَ. ولَكِنْ لَمّا كانَ يَلْحَقُهم لُحُوقَ المُنْتَظِرِ، شُبِّهُوا بِالمُنْتَظِرِينَ ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ يَعْنِي لِلْحُكْمِ وفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ الخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وذَلِكَ كائِنٌ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] بِما فِيهِ كِفايَةٌ. ومَذْهَبُ السَّلَفِ: إمْرارُ ذَلِكَ بِلا كَيْفٍ، كَما مَرَّ مِرارًا. قِيلَ: إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أيْ: مَلائِكَةُ المَوْتِ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ: ﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ وذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، كائِنٌ مِن أماراتِ السّاعَةِ وأشْراطِها حِينَ يَرَوْنَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. كَما رَوى البُخارِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها. فَإذا رَآها النّاسُ آمَنَ (p-٢٥٧٨)مَن عَلَيْها. فَذاكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ». ورَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا، ولِمُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ»» ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ صِفَةُ (نَفْسًا): ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى (آمَنَتْ) والمَعْنى أنَّ بَعْضَ أشْراطِ السّاعَةِ إذا جاءَ، وهي آيَةٌ مُلْجِئَةٌ مُضْطَرَّةٌ، ذَهَبَ أوانُ التَّكْلِيفِ عِنْدَها، فَلَمْ يَنْفَعِ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا غَيْرَ مُقَدِّمَةٍ إيمانَها مِن قَبْلِ ظُهُورِ الآياتِ. أوْ مُقَدِّمَةٍ الإيمانَ غَيْرَ كاسِبَةٍ في إيمانِها خَيْرًا لِفِسْقِها. فَتَوْبَتُها حِينَئِذٍ لا تُجْدِي. قالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: لا يَنْفَعُ كافِرًا لَمْ يَكُنْ آمَنَ قَبْلَ الطُّلُوعِ، إيمانٌ بَعْدَ الطُّلُوعِ. ولا يَنْفَعُ مُؤْمِنًا -لَمْ يَكُنْ عَمِلَ صالِحًا قَبْلَ الطُّلُوعِ- عَمَلٌ صالِحٌ بَعْدَ الطُّلُوعِ؛ لِأنَّ حُكْمَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ حِينَئِذٍ، حُكْمُ مَن آمَنَ أوْ عَمِلَ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ. وذَلِكَ لا يُفِيدُ شَيْئًا. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] وكَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ»» . انْتَهى. وبِالجُمْلَةِ: فالمَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَعُ مَن كانَ مُشْرِكًا إيمانُهُ. ولا تُقْبَلُ تَوْبَةُ فاسِقٍ عِنْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ. وذَلِكَ لِذَهابِ زَمَنِ التَّكْلِيفِ. (p-٢٥٧٩)قالَ الضَّحّاكُ: مَن أدْرَكَهُ بَعْضُ الآياتِ، وهو عَلى عَمَلٍ صالِحٍ مَعَ إيمانِهِ، قَبِلَ اللَّهُ مِنهُ العَمَلَ الصّالِحَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، كَما قَبِلَ مِنهُ قَبْلَ ذَلِكَ. فَأمّا مَن آمَنَ مِن شِرْكٍ أوْ تابَ مِن مَعْصِيَةٍ عِنْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الآيَةِ، فَلا يُقْبَلُ مِنهُ؛ لِأنَّها حالَةُ اضْطِرارٍ. كَما لَوْ أرْسَلَ اللَّهُ عَذابًا عَلى أُمَّةٍ فَآمَنُوا وصَدَّقُوا. فَإنَّهم لا يَنْفَعُهم إيمانُهم ذَلِكَ، لِمُعايَنَتِهِمُ الأهْوالَ والشَّدائِدَ، الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إذا أنْشَأ الكافِرُ إيمانًا يَوْمَئِذٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ. فَأمّا مَن كانَ مُؤْمِنًا قُبِلَ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ مُصْلِحًا في عَمَلِهِ، فَهو بِخَيْرٍ عَظِيمٍ. وإنْ لَمْ يَكُنْ مُصْلِحًا، فَأحْدَثَ تَوْبَةً حِينَئِذٍ، لَمْ تُقْبَلْ مِنهُ تَوْبَتُهُ. كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ. وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ أيْ: لا يُقْبَلُ مِنها كَسْبُ عَمَلٍ صالِحٍ، إذا لَمْ يَكُنْ عامِلًا بِهِ قَبْلُ. انْتَهى. والأحادِيثُ المُشارُ إلَيْها، مِنها ما رَواهُ (مُسْلِمٌ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن تابَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.»» ورَوى التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ (p-٢٥٨٠)عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ المُرادِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««بابٌ مِن قِبَلِ المَغْرِبِ مَسِيرَةُ عَرْضِهِ - أوْ قالَ: يَسِيرُ الرّاكِبُ في عَرْضِهِ - أرْبَعِينَ أوْ سَبْعِينَ سَنَةً خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ. مَفْتُوحًا لِلتَّوْبَةِ لا يُغْلَقُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنهُ»» . ولِأبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ رَفَعَهُ: ««لا تَزالُ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها»» . قالَ ابْنُ حَجَرٍ: سَنَدُهُ جَيِّدٌ. وأخْرَجَهُ أحْمَدُ والدّارِمِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا (p-٢٥٨١)بِلَفْظِ: لا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ ما دامَ العَدُوُّ يُقاتَلُ»» . فَقالَ مُعاوِيَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إنَّ الهِجْرَةَ خَصْلَتانِ: إحْداهُما أنْ تَهْجُرَ السَّيِّئاتِ، والأُخْرى أنْ تُهاجِرَ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا تَنْقَطِعُ ما تُقُبِّلَتِ التَّوْبَةُ، ولا تَزالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ المَغْرِبِ، فَإذا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلى كُلِّ قَلْبٍ بِما فِيهِ، وكُفِيَ النّاسُ العَمَلَ»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الحَدِيثُ حَسَنُ الإسْنادِ ولَمْ يُخَرِّجْهُ أحَدٌ مِن أصْحابِ الكُتُبِ السِّتَّةِ. وهاهُنا مَسائِلُ: الأُولى: ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ المُرادَ بِ (البَعْضِ) في الآيَةِ هو طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها. كَما في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ السّابِقِ. ولا يُقالُ يُخالِفُ ذَلِكَ حَدِيثَ مُسْلِمٍ: «ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها..» الحَدِيثَ. وفي ثُبُوتِ ذَلِكَ بِخُرُوجِ الدَّجّالِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ نُزُولَ عِيسى ﷺ بَعْدَهُ. وفي زَمَنِهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ دُنْيَوِيٌّ وأُخْرَوِيٌّ. فالإيمانُ مَقْبُولٌ وقْتَئِذٍ. لِأنّا نَقُولُ: لا مُنافاةَ. وذَلِكَ لِأنَّ (البَعْضَ) في الآيَةِ، إنْ كانَ عِدَّةَ آياتٍ، فَطُلُوعُ الشَّمْسِ هو آخِرُها المُتَحَقَّقُ بِهِ عَدَمُ القَبُولِ، وإنْ كانَ إحْدى آياتٍ، فَهو مَحْمُولٌ عَلى المُعَيَّنِ في الحَدِيثِ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُها. كَذا في "العِنايَةِ". قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذا أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَخْصِيصِ مانِعِ القَبُولِ بِالطُّلُوعِ، في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، لَمْ يُجْزِ العُدُولُ عَنْهُ، وتَعَيَّنَ أنَّهُ مَعْنى الآيَةِ. انْتَهى. وقالَ القاضِي عِياضٌ: المَعْنى: لا تَنْفَعُ تَوْبَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ. بَلْ يُخْتَمُ عَلى عَمَلِ كُلِّ أحَدٍ بِالحالَةِ الَّتِي هو عَلَيْها. والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ هَذا أوَّلُ ابْتِداءِ قِيامِ السّاعَةِ بِتَغَيُّرِ العالَمِ العُلْوِيِّ. فَإذا (p-٢٥٨٢)شُوهِدَ ذَلِكَ حَصَلَ الإيمانُ الضَّرُورِيُّ بِالمُعايَنَةِ. وارْتَفَعَ الإيمانُ بِالغَيْبِ. فَهو كالإيمانِ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ وهو لا يَنْفَعُ. فالمُشاهَدَةُ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِثْلُهُ. الثّانِيَةُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَنْفَعُ مَعَ عَدَمِ كَسْبِ الخَيْرِ فِيهِ. وهو مَرْدُودٌ. فَفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ. والمَعْنى: لا يَنْفَعُ نَفْسًا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلِ إيمانِها حِينَئِذٍ، ولا يَنْفَعُ نَفْسًا لَمْ تَكْسِبْ خَيْرًا قَبْلَ تَوْبَتِها حِينَئِذٍ. وقالَ الشِّهابُ السَّمِينُ: قَدْ أجابَ النّاسُ بِأنَّ المَعْنى في الآيَةِ إنَّهُ إذا أتى بَعْضُ الآياتِ لا يَنْفَعُ نَفْسًا كافِرَةً، إيمانُها الَّذِي أوْقَعَتْهُ إذْ ذاكَ. ولا يَنْفَعُ نَفَسًا سَبَقَ إيمانُها ولَمْ تَكْسِبْ فِيهِ خَيْرًا. فَقَدْ عَلَّقَ نَفْيَ الإيمانِ بِأحَدِ وصْفَيْنِ: إمّا نَفْيُ سَبْقِ الإيمانِ فَقَطْ، وإمّا سَبْقُهُ مَعَ نَفْيِ كَسْبِ الخَيْرِ. ومَفْهُومُ الصِّفَةِ قَوِيٌّ فَيُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ. ويَكُونُ فِيهِ قَلْبُ دَلِيلِ المُعْتَزِلَةِ، دَلِيلًا عَلَيْهِمْ. وأجابَ ابْنُ المُنَيِّرِ في "الِانْتِصافِ" فَقالَ: هَذا الكَلامُ مِنَ البَلاغَةِ يُلَقَّبُ (اللَّفَّ) وأصْلُهُ: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا، لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً قَبْلُ، إيمانُها بَعْدُ. ولا نَفْسًا لَمْ تَكْسِبْ خَيْرًا قَبْلُ، ما تَكْتَسِبُهُ مِنَ الخَيْرِ بَعْدُ، فَلَفَّ الكَلامَيْنِ فَجَعَلَهُما كَلامًا واحِدًا إيجازًا. وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ أنَّها لا تُخالِفُ مَذْهَبَ أهْلِ الحَقِّ. فَلا يَنْفَعُ بَعْدَ ظُهُورِ الآياتِ اكْتِسابُ الخَيْرِ ولَوْ نَفَعَ الإيمانُ المُتَقَدِّمُ مِنَ الخُلُودِ. فَهي بِالرَّدِّ عَلى المُعْتَزِلَةِ أوْلى مِن أنْ تَدُلَّ لَهم. وقالَ ابْنُ الحاجِبِ في "أمالِيهِ": الإيمانُ قَبْلَ مَجِيءِ الآيَةِ نافِعٌ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ صالِحٌ غَيْرُهُ، ومَعْنى الآيَةِ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ولا كَسْبُها العَمَلَ الصّالِحَ، لَمْ يَكُنِ الإيمانُ قَبْلَ الآيَةِ، أوْ لَمْ يَكُنِ العَمَلُ مَعَ الإيمانِ قَبْلَها. فاخْتُصِرَ لِلْعِلْمِ. ونَقَلَ الطَّيِّبِيُّ كَلامَ الأئِمَّةِ في ذَلِكَ. ثُمَّ قالَ: المُعْتَمَدُ ما قالَ ابْنُ المُنَيِّرِ وابْنُ الحاجِبِ. وبَسْطُهُ: (p-٢٥٨٣)أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خاطَبَ المُعانِدِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] الآيَةَ. عَلَّلَ الإنْزالَ بِقَوْلِهِ: أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ إلَخْ. إزالَةً لِلْعُذْرِ وإلْزامًا لِلْحُجَّةِ. وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ إلَخْ، تَبْكِيتًا لَهم وتَقْرِيرًا لِما سَبَقَ مِمَّنْ طَلَبَ الِاتِّباعَ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ﴾ [الأنعام: ١٥٧] الآيَةَ. أيْ: أنَّهُ أنْزَلَ هَذا الكِتابَ المُنِيرَ كاشِفًا لِكُلِّ رَيْبٍ وهادِيًا إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ ورَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لِلْخَلْقِ، لِيَجْعَلُوهُ زادًا لِمَعادِهِمْ فِيما يُقَدِّمُونَهُ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. فَجَعَلُوا شُكْرَ النِّعْمَةِ أنْ كَذَّبُوا بِها ومَنَعُوا مِنَ الِانْتِفاعِ بِها. ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ الآيَةَ.. أيْ: ما يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهم عَذابُ الدُّنْيا بِنُزُولِ المَلائِكَةِ بِالعِقابِ الَّذِي يَسْتَأْصِلُ شَأْفَتَهم. كَما جَرى لِمَن مَضى مِنَ الأُمَمِ قَبْلَهم. أوْ يَأْتِيهِمْ عَذابُ الآخِرَةِ بِوُجُودِ بَعْضِ قَوارِعِها، فَحِينَئِذٍ تَفُوتُ تِلْكَ الفُرْصَةُ السّابِقَةُ فَلا يَنْفَعُهم شَيْءٌ مِمّا كانَ يَنْفَعُهم مِن قَبْلُ، مِنَ الإيمانِ، وكَذا العَمَلُ الصّالِحُ مَعَ الإيمانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ولا كَسْبُها العَمَلَ الصّالِحَ في إيمانِها حِينَئِذٍ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا مِن قَبْلُ. فَفي الآيَةِ لَفٌّ. لَكِنْ حُذِفَتْ إحْدى القَرِينَتَيْنِ بِإعانَةِ النَّشْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] قالَ: فَهَذا الَّذِي عَناهُ ابْنُ المُنَيِّرِ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذا الكَلامَ في البَلاغَةِ يُقالُ لَهُ (اللَّفُّ) والمَعْنى يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا، لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً مِن قَبْلِ ذَلِكَ، إيمانُها مِن بَعْدِ ذَلِكَ، (p-٢٥٨٤)ولا يَنْفَعُ نَفْسًا كانَتْ مُؤْمِنَةً، لَكِنْ لَمْ تَعْمَلْ في إيمانِها عَمَلًا صالِحًا قَبْلَ ذَلِكَ، ما تَعْمَلُهُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ: وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ. فَلا يَنْفَعُ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ اكْتِسابُ الخَيْرِ، أيْ: لِإغْلاقِ بابِ التَّوْبَةِ ورَفْعِ الصُّحُفِ والحَفَظَةِ، وإنْ كانَ ما سَبَقَ قَبْلَ ظُهُورِ الآيَةِ مِنَ الإيمانِ يَنْفَعُ صاحِبَهُ في الجُمْلَةِ. ثُمَّ قالَ الطِّيبِيُّ: وقَدْ ظَفِرْتُ، بِفَضْلِ اللَّهِ بَعْدَ هَذا التَّقْرِيرِ، عَلى آيَةٍ أُخْرى تُشْبِهُ هَذِهِ الآيَةَ وتُناسِبُ هَذا التَّقْرِيرَ مَعْنًى ولَفْظًا، مِن غَيْرِ إفْراطٍ ولا تَفْرِيطٍ. وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٥٣] فَإنَّهُ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّ الإيمانَ المُجَرَّدَ قَبْلَ كَشْفِ قَوارِعِ السّاعَةِ نافِعٌ، وأنَّ الإيمانَ المُقارَنَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ أنْفَعُ. وأمّا بَعْدَ حُصُولِها أنْفَعُ. وأمّا بَعْدُ حُصُولِها فَلا يَنْفَعُ شَيْءٌ أصْلًا. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى مُلَخَّصًا. الثّالِثَةُ: قالَ في "الوَجِيزِ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ أيْ: لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ. وإتْيانُهُ نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْرِفُ كَيْفَهُ. انْتَهى. وفِي حَواشِي "جامِعِ البَيانِ": كَيْفَ لا يُؤْمَنُ بِإتْيانِهِ ومَجِيئِهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ في عِدَّةِ مَواضِعَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] وأيُّ أمْرٍ أصْرَحُ مِنهُ في القُرْآنِ؟ (p-٢٥٨٥)ورَوى الطَّبَرِيُّ في "تَفْسِيرِهِ" عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «إنَّ في الغَمامِ طاقاتٍ يَأْتِي اللَّهُ فِيها، مَحْفُوفًا». وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠] قالَ عِكْرِمَةُ: والمَلائِكَةُ حَوْلَهُ، فَهَذا مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى. يَجِبُ عَلَيْنا الإيمانُ بِظاهِرِها ونُؤْمِنُ بِها كَما جاءَتْ وإنْ لَمْ نَعْرِفْ كَيْفِيَّتَها. وعَدَمُ عِلْمِنا بِكَيْفِيَّتِها، بِمَنزِلَةِ عَدَمِ عِلْمِنا بِكَيْفِيَّةِ ذاتِهِ. فَلا نُكَذِّبُ بِما عَلِمْناهُ لِعَدَمِ عِلْمِنا بِما لَمْ نَعْلَمْهُ. وهَذا هو مَذْهَبُ سَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ وأعْلامِ أهْلِ السُّنَّةِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾ أيْ: قُلْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ، بَعْدَ بَيانِ حَقِيقَةِ الحالِ عَلى وجْهِ التَّحْدِيدِ: انْتَظِرُوا ما تَنْتَظِرُونَهُ مِن إتْيانِ أحَدِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ لِتَرَوْا أيَّ شَيْءٍ تَنْتَظِرُونَ. ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أيْ: لِذَلِكَ، لِنُشاهِدَ ما يَحِلُّ بِكم مِن سُوءِ العاقِبَةِ.

الأنعام 6:159

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أحْوالَ أهْلِ الكِتابِ، إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ. القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ أيِ: اخْتَلَفُوا فِيهِ، مَعَ وحْدَتِهِ في نَفْسِهِ، فَجَعَلُوهُ أهْواءً مُتَفَرِّقَةً: ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ أيْ: فِرَقًا تُشَيِّعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامًا لَها بِحَسَبِ غَلَبَةِ تِلْكَ الأهْواءِ. فَلَمْ يَتَعَبَّدُوا إلّا بِعاداتٍ وبِدَعٍ، ولَمْ يَنْقادُوا إلّا لِأهْواءٍ وخُدَعٍ: ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن عِقابِهِمْ. أوْ أنْتَ بَرِيءٌ مِنهم مَحْمِيُّ الجَنابِ عَنْ مَذاهِبِهِمْ. أوِ المَعْنى: اتْرُكْهُمْ؛ فَإنَّ لَهم ما لَهم. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: لَسْتَ مِن هِدايَتِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ في شَيْءٍ؛ إذْ هم أهْلُ التَّفْرِقَةِ (p-٢٥٨٦)لا يَجْتَمِعُ هِمَمُهُمْ، ولا يَتَّحِدُ قَصْدُهُمْ: ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ أيْ: في جَزاءِ تَفَرُّقِهِمْ ومُكافَأتِهِمْ، لا إلَيْكَ. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ يَعْنِي إذا ورَدُوا يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ السَّيِّئاتِ والتَّفْرِقَةِ، لِمُتابَعَةِ الأهْواءِ. ويُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ بِما يُماثِلُ أفْعالَهم. تَنْبِيهٌ: قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ والنَّصارى. ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ؛ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى اخْتَلَفُوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَفَرَّقُوا، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الآيَةَ عَلى أهْلِ البِدَعِ وأهْلِ الشُّبُهاتِ وأهْلِ الضَّلالَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وآخَرُ عَلى الخَوارِجِ، وأسْنَدُوا في ذَلِكَ حَدِيثًا رَفَعُوهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُ ذَلِكَ لا يَصِحُّ. ثُمَّ قالَ: والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ مَن فارَقَ دِينَ اللَّهِ وكانَ مُخالِفًا لَهُ، فَإنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وشَرْعُهُ واحِدٌ لا اخْتِلافَ فِيهِ ولا افْتِراقَ. فَمَنِ اخْتَلَفَ فِيهِ (وكانُوا شِيَعًا) أيْ: فِرَقًا كَأهْلِ المِلَلِ والنِّحَلِ والأهْواءِ والضَّلالاتِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَرَّأ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِمّا هم فِيهِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ. وفي الحَدِيثِ: ««نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ أوْلادُ عَلّاتٍ. دِينُنا واحِدٌ»» . فَهَذا هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، (p-٢٥٨٧)وهُوَ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والتَّمَسُّكِ بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ المُتَأخِّرِ، وما خالَفَ ذَلِكَ فَضَلالاتٌ وجَهالاتٌ وآراءٌ وأهْواءٌ. والرُّسُلُ بُرَآءُ مِنها كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الحج: ١٧] انْتَهى. وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «ألا إنَّ مَن قَبْلَكم مِن أهْلِ الكِتابِ افْتَرَقُوا عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً. وإنَّ هَذِهِ المِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ. اثْنَتانِ وسَبْعُونَ في النّارِ، وواحِدَةٌ في الجَنَّةِ، وهي الجَماعَةُ»» . ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وفِيهِ: «قالُوا مَن هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: مَن كانَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ وأصْحابِي».

الأنعام 6:160

ثُمَّ بَيَّنَ لُطْفَهُ سُبْحانَهُ في حُكْمِهِ وعَدْلِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. فَقالَ تَعالى: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦٠] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ . ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ أيْ: جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ يَعْنِي: عَشْرَ حَسَناتِ أمْثالِها في الحُسْنِ. قالَ المَهايِمِيُّ: كَمَن أهْدى إلى سُلْطانٍ عُنْقُودَ عِنَبٍ يُعْطِيهِ بِما يَلِيقُ بِسَلْطَنَتِهِ، لا قِيمَةَ (p-٢٥٨٨)العُنْقُودِ. انْتَهى. والعَشَرُ أقَلُّ ما وعَدَ مِنَ الأضْعافِ. وقَدْ جاءَ الوَعْدُ بِسَبْعِينَ، وبِسَبْعِمِائَةٍ وبِغَيْرِ حِسابٍ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِ العَشْرِ بَيانُ الكَثْرَةِ لا الحَصْرُ في العَدَدِ الخاصِّ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ: بِالأعْمالِ السَّيِّئَةِ: ﴿فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ في القُبْحِ. قالَ المَهايِمِيُّ: فَمَن كَفَرَ خُلِّدَ في النّارِ، فَإنَّهُ لَيْسَ أقْبَحُ مِن كُفْرِهِ. كَمَن أساءَ إلى سُلْطانٍ يَقْصِدُ قَتْلَهُ. ومَن فَعَلَ مَعْصِيَةً عُذِّبَ بِقَدْرِها كَمَن أساءَ إلى آحادِ الرَّعِيَّةِ. انْتَهى. ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ. لَطِيفَةٌ: قالَ القاشانِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ هَذا أقَلُّ دَرَجاتِ الثَّوابِ. وذَلِكَ أنَّ الحَسَنَةَ تَصْدُرُ بِظُهُورِ القَلْبِ والسَّيِّئَةِ بِظُهُورِ النَّفْسِ. فَأقَلُّ دَرَجاتِ ثَوابِها أنَّهُ يَصِلُ إلى مَقامِ القَلْبِ الَّذِي يَتْلُو مَقامَ النَّفْسِ في الِارْتِقاءِ، تِلْوَ مَرْتَبَةِ العَشَراتِ لِلْآحادِ في الأعْدادِ. وأمّا في السَّيِّئَةِ فَلِأنَّهُ لا مَقامَ أدْوَنُ مِن مَقامِ النَّفْسِ. فَيَنْحَطُّ إلَيْهِ بِالضَّرُورَةِ. فَيَرى جَزاءَهُ في مَقامِ النَّفْسِ بِالمِثْلِ. ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ الثَّوابَ مِن بابِ الفَضْلِ. فَإنَّهُ يَزِيدُ بِهِ صاحِبُهُ ويَتَنَوَّرُ اسْتِعْدادُهُ ويَزْدادُ قَبُولُهُ لِفَيْضِ الحَقِّ. فَيَتَقَوّى عَلى أضْعافِ ما فَعَلَ ويَكْتَسِبُ بِهِ أُجُورًا مُتَضاعَفَةً إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، بِازْدِيادِ القَبُولِ عَلى فِعْلِ كُلِّ حَسَنَةٍ وزِيادَةِ القُدْرَةِ والشَّغَفِ عَلى الحَسَنَةِ عِنْدَ زِيادَةِ الفَيْضِ إلى ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. كَما قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أضْعافِها إلى سَبْعِمِائَةٍ: واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ، وأنَّ العِقابَ مِن بابِ العَدْلِ؛ إذِ العَدْلُ يَقْتَضِي المُساواةَ. ومَن فَعَلَ بِالنَّفْسِ، إذا لَمْ يَعْفُ عَنْهُ، يُجازِي بِالنَّفْسِ سَواءً. انْتَهى. (p-٢٥٨٩)تَنْبِيهٌ: ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في مَعْنى الآيَةِ. فَرَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَعالى: ««إنَّ رَبَّكم تَبارَكَ وتَعالى رَحِيمٌ. مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً. فَإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ عَشَرَةً إلى سَبْعِمِائَةٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ. ومَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً. فَإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ واحِدَةً أوْ يَمْحُوها اللَّهُ ولا يَهْلِكُ عَلى اللَّهِ إلّا هالَكٌ»» . ورَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَقُولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها أوْ أزِيدُ. ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها أوْ أغْفِرُ. ومَن تَقَرَّبَ مِنِّي (p-٢٥٩٠)شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِراعًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ باعًا. ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، ومَن لَقِيَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطِيئَةً بَعْدَ أنْ لا يُشْرِكَ بِي شَيْئًا، لَقِيتُهُ بِمِثْلِها مَغْفِرَةً»» . ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إذا أرادَ عَبْدِي أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلا تَكْتُبُوها عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَها؛ فَإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها بِمِثْلِها. وإنْ تَرَكَها مِن أجْلِي فاكْتُبُوها لَهُ حَسَنَةً، وإذا أرادَ أنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْها فاكْتُبُوها لَهُ حَسَنَةً، فَإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها لَهُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةٍ»» لَفْظُ البُخارِيِّ. ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««الجُمْعَةُ كَفّارَةٌ لِما بَيْنَها وبَيْنَ الجُمْعَةِ الَّتِي تَلِيها وزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ. وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن صامَ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ فَقَدْ صامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ»» . ورَواهُ النَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وزادَ: «فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ في كِتابِهِ: مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها، اليَوْمُ بِعَشَرَةِ أيّامٍ». وبَقِيَتْ أخْبارٌ أُخْرى. وفِيما ذُكِرَ كِفايَةٌ.

الأنعام 6:161

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَ أُولَئِكَ المُفَرَّقِينَ دِينَهم بِما أنْعَمَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ مِن إرْشادِهِ إلى دِينِهِ القَوِيمِ بِقَوْلِهِ: (p-٢٥٩١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦١] ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو دِينُ الإسْلامِ الَّذِي ارْتَضاهُ لِعِبادِهِ المُخْلِصِينَ: ﴿دِينًا﴾ نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ (إلى صِراطٍ) لِأنَّ مَعْناهُ: هَدانِي صِراطًا. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا، أوْ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ. أيْ: عَرَّفَنِي دِينًا. أوْ مَفْعُولُ (هَدانِي). و(هَدى) يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ: قِيَمًا صِفَةُ (دِينًا) يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ أيْ: ثابِتًا أبَدًا لا تُغَيِّرُهُ المِلَلُ والنِّحَلُ، ولا تَنْسَخُهُ الشَّرائِعُ والكُتُبُ، مُقَوِّمًا لِأمْرِ المَعاشِ والمَعادِ. ويُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ. عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ. وأصْلُهُ قِوَمٌ كَعِوَضٍ. فَأُعِلَّ لِإعْلالِ فِعْلِهِ كالقِيامِ. ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ المُتَّفَقُ عَلى صِحَّتِها وهي الَّتِي أعْرِضُ بِها عَنْ كُلِّ ما سِواهُ تَعالى. عَطْفُ بَيانٍ لِ (دِينًا): ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِن: إبْراهِيمَ أيْ: مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ وطَرِيقٍ باطِلٍ، فِيهِ شِرْكٌ ما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا عَلَيْهِ المُفَرِّقُونَ لِدِينِهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ. أيْ: ما كانَ مِنهم في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أصْلًا وفَرْعًا. صَرَّحَ بِذَلِكَ رَدًّا عَلى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ واليَهُودِ والنَّصارى. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ أُمِرَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ الحَنِيفِيَّةِ، (p-٢٥٩٢)أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ أكْمَلَ مِنهُ فِيها؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قامَ بِها قِيامًا عَظِيمًا، وأُكْمِلَتْ لَهُ إكْمالًا تامًّا لَمْ يَسْبِقْهُ أحَدٌ إلى هَذا الكَمالِ. ولِهَذا قالَ: «أنا خاتَمُ الأنْبِياءِ وسَيِّدُ ولَدِ آدَمَ عَلى الإطْلاقِ وصاحِبُ المَقامِ المَحْمُودِ الَّذِي يَرْغَبُ إلَيْهِ الخَلْقُ، حَتّى الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ،» ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ أبْزى عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أصْبَحَ قالَ: «أصْبَحْنا عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ وكَلِمَةِ الإخْلاصِ ودِينِ نَبِيِّنا ومِلَّةِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أيُّ الأدْيانِ أحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى؟ قالَ: «الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ»»، ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَقَنِي عَلى مَنكِبَيْهِ لِأنْظُرَ إلى زَفْنِ الحَبَشَةِ. حَتّى كُنْتُ الَّتِي مَلِلْتُ، فانْصَرَفْتُ عَنْهم. وقالَتْ عائِشَةُ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ: «لِيَعْلَمَ يَهُودٌ أنَّ في دِينِنا فُسْحَةً. إنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ»» .

الأنعام 6:162

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦٢] ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، وما سَبَقَ بِأُصُولِها. أيْ: إنَّ صَلاتِي إلى الكَعْبَةِ: ﴿ونُسُكِي﴾ أيْ: طَوافِي وذَبْحِي لِلْهَدايا في الحَجِّ والعُمْرَةِ، أوْ عِبادَتِي كُلُّها: ﴿ومَحْيايَ ومَماتِي﴾ أيْ: وما آتِيهِ في حَياتِي وما أمُوتُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. أوْ طاعاتُ الحَياةِ والخَيْراتُ المُضافَةُ إلى المَماتِ، كالوَصِيَّةِ والتَّدْبِيرِ. أوِ الحَياةُ والمَماتُ أنْفُسُهُما: ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾

الأنعام 6:163

(p-٢٥٩٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦٣] ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ أيْ: خالِصَةٌ لِلَّهِ لا أُشْرِكُ فِيها غَيْرَهُ: ﴿وبِذَلِكَ﴾ أيِ: القَوْلِ أوِ الإخْلاصِ: ﴿أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ إسْلامَ كُلِّ نَبِيٍّ مُتَقَدِّمٌ عَلى إسْلامِ أُمَّتِهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَأْمُرُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى ويَذْبَحُونَ لِغَيْرِ اسْمِهِ؛ أنَّهُ مُخالِفٌ لَهم في ذَلِكَ. فَإنَّ صَلاتَهُ لِلَّهِ ونُسُكَهُ عَلى اسْمِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.

الأنعام 6:164

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦٤] ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ فَأُشْرِكُهُ في عِبادَتِهِ، وهو جَوابٌ عَنْ دُعائِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ، وفي إيثارِ نَفْيِ البُغْيَةِ والطَّلَبِ، عَلى نَفْيِ العِبادَةِ، أبْلَغِيَّةٌ لا تَخْفى: ﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ حالٌ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْإنْكارِ والدَّلِيلِ لَهُ. أيْ: وكُلُّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ مِثْلِي لا يَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ، فَلا أكُونُ عَبْدًا لِعَبْدِهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: فَلا أتَوَكَّلُ إلّا عَلَيْهِ ولا أُنِيبُ إلّا إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ ولَهُ الخَلْقُ والأمْرُ. فَفي هَذِهِ الآيَةِ الأمْرُ بِإخْلاصِ العِبادَةِ والتَّوَكُّلِ. كَما تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها إخْلاصَ العِبادَةِ لَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وهَذا المَعْنى يُقْرَنُ بِالآخَرِ كَثِيرًا. كَقَوْلِهِ تَعالى مُرْشِدًا لِعِبادِهِ أنْ يَقُولُوا: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] (p-٢٥٩٤)وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩] وأشْباهِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إخْبارٌ عَنِ الواقِعِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن جَزاءِ اللَّهِ تَعالى وحُكْمِهِ وعَدْلِهِ أنَّ النُّفُوسَ إنَّما تُجازى بِأعْمالِها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وأنَّهُ لا يُحْمَلُ مِن خَطِيئَةِ أحَدٍ عَلى أحَدٍ. وهَذا مِن عَدْلِهِ تَعالى. وقالَ أبُو السُّعُودِ: كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم إمّا بِمَعْنى لِيُكْتُبْ عَلَيْنا ما عَمِلْتُمْ مِنَ الخَطايا لا عَلَيْكُمْ، وإمّا بِمَعْنى لِنَحْمِلْ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُتِبَ عَلَيْكم مِنَ الخَطايا - فَهَذا رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ. أيْ: لا تَكُونُ جِنايَةُ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ إلّا عَلَيْها. ومُحالٌ أنْ يَكُونَ صُدُورُها عَنْ شَخْصٍ وقَرارُها عَلى شَخْصٍ آخَرَ، حَتّى يَتَأتّى ما ذَكَرْتُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الثّانِي. أيْ: لا تَحْمِلُ يَوْمَئِذَ نَفْسٌ حامِلَةٌ، حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرى، حَتّى يَصِحَّ قَوْلُكم. تَنْبِيهٌ: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في أنَّهُ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِفِعْلِ أحَدٍ، وقَدْ رَدَّتْ عائِشَةُ بِهِ عَلى مَن قالَ: إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ. أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وأخْرَجَ (p-٢٥٩٥)ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْها؛ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ ولَدِ الزِّنى؟ فَقالَتْ: لَيْسَ عَلَيْهِ مِن خَطِيئَةِ أبَوَيْهِ شَيْءٌ. وتَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ. قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: ويُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ في عَدَمِ (p-٢٥٩٦)نُفُوذِ تَصَرُّفِ زَيْدٍ عَلى عَمْرٍو إلّا ما قامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. قالَ ابْنُ الفَرَسِ: واحْتَجَّ بِهِ مَن أنْكَرَ ارْتِباطَ صَلاةِ المَأْمُومِ بِصَلاةِ الإمامِ. وقالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ يَعْنِي في أمْرِ الآخِرَةِ. فَيَبْطُلُ قَوْلُ: إنَّ أطْفالَ المُشْرِكِينَ يُعَذَّبُونَ بِكُفْرِ آبائِهِمْ. ويَلْزَمُ أنْ لا يُعَذَّبَ المَيِّتُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ. حَيْثُ لا سَبَبَ لَهُ. وأمّا في أمْرِ الدُّنْيا، فَقَدْ خُصَّ هَذا بِحَدِيثِ العاقِلَةِ، وكَذَلِكَ أسْرُ أوْلادِ الكُفّارِ ونَحْوِ ذَلِكَ. انْتَهى. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: رُجُوعُكم بَعْدَ المَوْتِ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ يَتَمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبإ: ٢٥] ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ [سبإ: ٢٦]

الأنعام 6:165

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦٥] ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ جَمْعُ خَلِيفَةٍ. أيْ: يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا فِيها، فَتُعَمِّرُونَها خَلَفًا بَعْدَ سَلَفٍ، لِلتَّصَرُّفِ بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ. ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أيْ: فاوَتَ بَيْنَكم في الأرْزاقِ والأخْلاقِ والمَحاسِنِ والمَساوِئِ والمَناظِرِ والأشْكالِ والألْوانِ، ولَهُ الحِكْمَةُ في ذَلِكَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] وقَوْلِهِ (p-٢٥٩٧)سُبْحانَهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ أيْ: لِيَخْتَبِرَكم في الَّذِي أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، أيِ: امْتَحَنَكُمْ، لِيَخْتَبِرَ الغَنِيَّ في غِناهُ ويَسْألَهُ عَنْ شُكْرِهِ، والفَقِيرَ في فَقْرِهِ ويَسْألَهُ عَنْ صَبْرِهِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ. وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكم فِيها فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. فاتَّقُوا الدُّنْيا واتَّقُوا النِّساءَ، فَإنَّ أوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ في النِّساءِ». أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. ثُمَّ رَهَّبَ تَعالى مِن مَعْصِيَتِهِ ورَغَّبَ في طاعَتِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ أيْ: لِمَن عَصاهُ وخالَفَ رُسُلَهُ: ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لِمَن والاهُ واتَّبَعَ رُسُلَهُ. لَطائِفُ: الأُولى: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ". اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ مَن أجازَ أنْ يُقالَ لِلْإمامِ: خَلِيفَةُ اللَّهِ. انْتَهى. أيْ: بِناءً عَلى وجْهٍ في الآيَةِ. وهو أنَّ المَعْنى: جَعَلَكم خَلائِفَ اللَّهِ في الأرْضِ تَتَصَرَّفُونَ فِيها. ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. وآثَرْتُ، قَبْلُ، غَيْرَ هَذا الوَجْهِ لِأنَّهُ أدَقُّ وأظْهَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ. الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: وصَفَ العِقابَ ولَمْ يُضِفْهُ إلى نَفْسِهِ، ووَصَفَ ذاتَهُ بِالمَغْفِرَةِ وضَمَّ إلَيْهِ الوَصْفَ بِالرَّحْمَةِ، وأتى بِبِناءِ المُبالَغَةِ واللّامِ المُؤَكِّدَةِ - تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى غَفُورٌ بِالذّاتِ، مُعاقِبٌ بِالعَرَضِ، كَثِيرُ الرَّحْمَةِ مُبالِغٌ فِيها، قَلِيلُ العُقُوبَةِ مُسامِحٌ فِيها. انْتَهى. (p-٢٥٩٨)الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ الحَقَّ تَعالى، كَثِيرًا ما يَقْرِنُ في القُرْآنِ بَيْنَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ [الرعد: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩] ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٥٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. فَتارَةً يَدْعُو عِبادُهُ إلَيْهِ بِالرَّغْبَةِ وصِفَةِ الجَنَّةِ والتَّرْغِيبِ فِيما لَدَيْهِ، وتارَةً يَدْعُوهم إلَيْهِ بِالرَّهْبَةِ وذِكْرِ النّارِ وأنْكالِها وعَذابِها والقِيامَةِ وأهْوالِها. وتارَةً بِهِما لِيَنْجَعَ في كُلٍّ بِحَسَبِهِ. جَعَلَنا اللَّهُ مِمَّنْ أطاعَهُ فِيما أمَرَ، وتَرَكَ ما نَهى عَنْهُ وزَجَرَ، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. قَدْ تَمَّ بِحَمْدِهِ تَعالى الكَلامُ عَلى "مَحاسِنَ تَأْوِيلِ" سُورَةِ الأنْعامِ. وذَلِكَ ضَحْوَةَ الأرْبِعاءَ في ٢٨ رَبِيعٍ الأوَّلِ. في شُبّاكِ السُّدَّةِ اليُمْنى العُلْيا مِن جامِعِ السَّنانِيَّةِ عامَ ١٣٢١. وكانَ تَخَلَّلَ مُدَّةَ شَهْرٍ ونِصْفٍ، وقَفْتُ عَنْ كِتابَةِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ فِيها، وذَلِكَ مِن آخِرِ البَحْثِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٤٨] الآيَةَ. لِعارِضِ رِحْلَتِي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ في ٢٨ مَحْرَمٍ مِنَ العامِ المَذْكُورِ. وبَعْدَ العَوْدِ إلى الوَطَنِ في ٨ رَبِيعٍ الأوَّلِ بَدَأْتُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] الآيَةَ. في ٢٠ رَبِيعٍ الأوَّلِ، وتَمَّتِ السُّورَةُ في التّارِيخِ المُتَقَدِّمِ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ. بِقَلَمِ جامِعِهِ جَمالِ الدِّينِ القاسِمِيِّ. ويَلِيهِ الجُزْءُ السّابِعُ: ويَحْتَوِي عَلى تَفْسِيرِ سُوَرِ: ٧ - الأعْرافِ. ٨ - الأنْفالِ. ٩ - التَّوْبَةِ.

الأعراف 7:1

(p-٢٦٠٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأعْرافِ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيّانَ عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الأعْرافُ مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَةَ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] وقالَ: مِن هُنا إلى ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] مَدَنِيٌّ. وآياتُها مِائَتانِ وسِتُّ آياتٍ. (p-٢٦٠٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿المص﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، عَلى حُرُوفِ فَواتِحِ السُّوَرِ، والمَذاهِبِ فِيها.

الأعراف 7:2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢] ﴿كِتابٌ أُنْـزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿كِتابٌ﴾ " أيْ: هَذا كِتابٌ ﴿أُنْـزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ أيْ لا يَكُنْ فِيكَ ضِيقُ صَدْرٍ مِن تَبْلِيغِهِ، مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ، أوْ أنْ تُقَصِّرَ في القِيامِ بِحَقِّهِ. فَإنَّهُ ﷺ كانَ يَخافُ قَوْمَهُ، وتَكْذِيبَهم لَهُ، وإعْراضَهم عَنْهُ، وأذاهم. فَكانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ مِنَ الأداءِ، ولا يَنْبَسِطُ لَهُ، فَأمَّنَهُ اللَّهُ ونَهاهُ عَنِ المُبالاةِ بِهِمْ. قالَ النّاصِرُ: ويَشْهَدُ لِهَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] الآيَةَ ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ " أيْ: بِالكِتابِ المُنَزَّلِ، المُشْرِكِينَ لِيُؤْمِنُوا ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ " أيْ: عِظَةٌ لَهم. وتَخْصِيصُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ لِلْإيذانِ بِاخْتِصاصِ الإنْذارِ بِالمُشْرِكِينَ. وتَقْدِيمُ الإنْذارِ لِأنَّهُ أهَمُّ بِحَسَبِ المَقامِ. (p-٢٦١٠)

الأعراف 7:3

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣] ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ خِطابٌ مِنهُ تَعالى لِكافَّةِ المُكَلَّفِينَ بِالأمْرِ بِاتِّباعِ ما أُنْزِلَ، وهو القُرْآنُ، والمُرادُ بِـ " ما أُنْزِلَ ": القُرْآنُ والسُّنَّةُ، وُقُوفًا مَعَ عُمُومِهِ، لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] تَنْبِيهٌ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى أنَّ المُباحَ مَأْمُورٌ بِهِ، لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وقَدْ أُمِرْنا بِاتِّباعِهِ -انْتَهى-. وأقُولُ: هَذا غُلُوٌّ في الِاسْتِنْباطِ، وتَعَمُّقٌ بارِدٌ. ويَرْحَمُ اللَّهُ القائِلَ: إذا اشْتَدَّ البَياضُ صارَ بَرَصًا. ﴿ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ أيْ لا تَتَّبِعُوا أوْلِياءَ غَيْرَهُ تَعالى، مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، فَيَحْمِلُوكم عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ والأهْواءِ والبِدَعِ. ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ " أيْ ما تَتَّعِظُونَ إلّا قَلِيلًا، حَيْثُ لا تَتَأثَّرُونَ ولا تَعْمَلُونَ بِمُوجِبِهِ، وتَتْرُكُونَ دِينَهُ تَعالى، وتَتْبَعُونَ غَيْرَهُ. ثُمَّ حَذَّرَهم تَعالى بَأْسَهُ، إنْ لَمْ يَتَّبِعُوا المُنْزَلَ إلَيْهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الأعراف 7:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤] ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [٥] ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٥] ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ " أيْ أرَدْنا إهْلاكَها بِسَبَبِ مُخالَفَةِ المُنْزَلِ إلَيْهِمْ. ﴿فَجاءَها (p-٢٦١١)بَأْسُنا﴾ " أيْ: فَجاءَ أهْلَها عَذابُنا ﴿بَياتًا﴾ " أيْ: بائِتِينَ، كَقَوْمِ لُوطٍ. والبَيْتُوتَةُ: الدُّخُولُ في اللَّيْلِ، أيْ لَيْلًا قَبْلَ أنْ يُصْبِحُوا ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ " أيْ قائِلِينَ نِصْفَ النَّهارِ، كَقَوْمِ شُعَيْبٍ. والمَعْنى: فَجاءَها بَأْسُنا غَفْلَةً، وهم غَيْرُ مُتَوَقِّعِينَ لَهُ. لَيْلًا وهم نائِمُونَ، أوْ نَهارًا وهم قائِلُونَ وقْتَ الظَّهِيرَةِ. وكُلُّ ذَلِكَ وقْتَ الغَفْلَةِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ جاءَهُمُ العَذابُ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنهُمْ، مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ أمارَةٍ تَدُلُّهم عَلى وقْتِ نُزُولِ العَذابِ، وفِيهِ وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ لِلْكُفّارِ. كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: لا تَغْتَرُّوا بِأسْبابِ الأمْنِ والرّاحَةِ، فَإنَّ عَذابَ اللَّهِ إذا نَزَلَ، نَزَلَ دُفْعَةً واحِدَةً. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] ؟ ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى عَذابَهُمُ الدُّنْيَوِيَّ بِبَيانِ عَذابِهِمُ الأُخْرَوِيِّ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الأعراف 7:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤] ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [٥] ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٥] ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ " أيْ أرَدْنا إهْلاكَها بِسَبَبِ مُخالَفَةِ المُنْزَلِ إلَيْهِمْ. ﴿فَجاءَها (p-٢٦١١)بَأْسُنا﴾ " أيْ: فَجاءَ أهْلَها عَذابُنا ﴿بَياتًا﴾ " أيْ: بائِتِينَ، كَقَوْمِ لُوطٍ. والبَيْتُوتَةُ: الدُّخُولُ في اللَّيْلِ، أيْ لَيْلًا قَبْلَ أنْ يُصْبِحُوا ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ " أيْ قائِلِينَ نِصْفَ النَّهارِ، كَقَوْمِ شُعَيْبٍ. والمَعْنى: فَجاءَها بَأْسُنا غَفْلَةً، وهم غَيْرُ مُتَوَقِّعِينَ لَهُ. لَيْلًا وهم نائِمُونَ، أوْ نَهارًا وهم قائِلُونَ وقْتَ الظَّهِيرَةِ. وكُلُّ ذَلِكَ وقْتَ الغَفْلَةِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ جاءَهُمُ العَذابُ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنهُمْ، مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ أمارَةٍ تَدُلُّهم عَلى وقْتِ نُزُولِ العَذابِ، وفِيهِ وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ لِلْكُفّارِ. كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: لا تَغْتَرُّوا بِأسْبابِ الأمْنِ والرّاحَةِ، فَإنَّ عَذابَ اللَّهِ إذا نَزَلَ، نَزَلَ دُفْعَةً واحِدَةً. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] ؟ ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى عَذابَهُمُ الدُّنْيَوِيَّ بِبَيانِ عَذابِهِمُ الأُخْرَوِيِّ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الأعراف 7:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦] ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ " أيِ: المُرْسَلُ إلَيْهِمْ وهُمُ الأُمَمُ، يَسْألُهم عَمّا أجابُوا عَنْهُ رُسُلَهم كَما قالَ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: عَمّا أُجِيبُوا بِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] والمُرادُ بِالسُّؤالِ تَوْبِيخُ الكَفَرَةِ وتَقْرِيعُهم.

الأعراف 7:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧] ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ﴾ " أيْ: عَلى الرُّسُلِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ما كانَ مِنهم ﴿بِعِلْمٍ﴾ " أيْ: عالِمِينَ بِأحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ ﴿وما كُنّا غائِبِينَ﴾ " أيْ: عَنْهم وعَمّا وُجِدَ مِنهم. (p-٢٦١٢)

الأعراف 7:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨] ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ " أيْ وزْنُ الأعْمالِ والتَّمْيِيزُ بَيْنَ راجِحِها وخَفِيفِها، يَوْمَ يَسْألُ اللَّهُ الأُمَمَ ورُسُلَهُمُ، العَدْلُ. ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ " أيْ: حَسَناتُهُ في المِيزانِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ " أيِ: النّاجُونَ مِنَ السُّخْطِ والعَذابِ.

الأعراف 7:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩] ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ " أيْ: حَسَناتُهُ في المِيزانِ ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالعُقُوبَةِ ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَكْفُرُونَ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ المِيزانِ، ويَجِبُ الإيمانُ بِهِ. انْتَهى. وقالَ الإمامُ الغَزالِيُّ في (المُضْنُونَ): تُعَلَّقُ النَّفْسُ بِالبَدَنِ كالحِجابِ لَها عَنْ حَقائِقِ الأُمُورِ. وبِالمَوْتِ يَنْكَشِفُ الغِطاءُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] ومِمّا يُكْشَفُ لَهُ تَأْثِيرُ أعْمالِهِ مِمّا يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ تَعالى ويُبْعِدُهُ، وهي مَقادِيرُ تِلْكَ الآثارِ، وإنَّ بَعْضَها أشَدُّ تَأْثِيرًا مِنَ البَعْضِ، ولا يَمْتَنِعُ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُجْرِيَ سَبَبًا يَعْرِفُ الخَلْقُ في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ مَقادِيرَ الأعْمالِ، بِالإضافَةِ إلى تَأْثِيراتِها في التَّقْرِيبِ والإبْعادِ. فَحَدُّ المِيزانِ ما يَتَمَيَّزُ بِهِ الزِّيادَةُ مِنَ النُّقْصانِ، ومِثالُهُ في العالَمِ المَحْسُوسِ مُخْتَلِفٌ، فَمِنهُ المِيزانُ المَعْرُوفُ، ومِنهُ القِبّانُ لِلْأثْقالِ، والإصْطُرْلابُ لِحَرَكاتِ الفَلَكِ والأوْقاتِ، والمِسْطَرَةُ لِلْمَقادِيرِ والخُطُوطِ، والعَرُوضُ لِمَقادِيرِ (p-٢٦١٣)حَرَكاتِ الأصْواتِ. فالمِيزانُ الحَقِيقِيُّ، إذا مَثَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْحَواسِّ، مَثَّلَهُ بِما شاءَ مِن هَذِهِ الأمْثِلَةِ أوْ غَيْرِها. فَحَقِيقَةُ المِيزانِ وحْدَهُ مَوْجُودٌ في جَمِيعِ ذَلِكَ، وهو ما يُعْرَفُ بِهِ الزِّيادَةُ مِنَ النُّقْصانِ، وصُورَتُهُ تَكُونُ مُقَدِّرَةً لِلْحِسِّ عِنْدَ التَّشْكِيلِ، ولِلْخَيالِ عِنْدَ التَّمْثِيلِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يُقَدِّرُهُ مِن صُنُوفِ التَّشْكِيلاتِ. والتَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ واجِبٌ. انْتَهى. الثّانِي: الَّذِي يُوضَعُ في المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ. قِيلَ: الأعْمالُ وإنْ كانَتْ أعْراضًا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا. قالَ البَغَوِيُّ: يُرْوى هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، كَما جاءَ في (الصَّحِيحِ): ««أنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ، أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافَّ»» . ومِن ذَلِكَ في (الصَّحِيحِ) قِصَّةُ القُرْآنِ، وأنَّهُ «يَأْتِي صاحِبَهُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ، فَيَقُولُ: مَن أنْتَ؟ فَيَقُولُ: أنا القُرْآنُ الَّذِي أسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وأظْمَأْتُ نَهارَكَ»»، وفي حَدِيثِ البَراءِ (p-٢٦١٤)«فِي قِصَّةِ سُؤالِ القَبْرِ: فَيَأْتِي المُؤْمِنَ شابٌّ حَسَنُ اللَّوْنِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: مَن أنْتَ؟ فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ»» . وذَكَرَ عَكْسَهُ في شَأْنِ الكافِرِ والمُنافِقِ. فالأعْمالُ الظّاهِرَةُ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُوَرٍ عَرْضِيَّةٍ، تَبْرُزُ عَلى هَذا القَوْلِ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِصُوَرٍ جَوْهَرِيَّةٍ، مُناسِبَةٍ لَها في الحُسْنِ والقُبْحِ. فالذُّنُوبُ والمَعاصِي تَتَجَسَّمُ هُناكَ، وتَتَصَوَّرُ بِصُورَةِ النّارِ، وعَلى ذَلِكَ حُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] الآيَةَ وكَذا «قَوْلُهُ ﷺ في حَقِّ مَن يَشْرَبُ مِن إناءِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ: «إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ»»، ولا بُعْدَ في ذَلِكَ، ألا يَرى أنَّ العِلْمَ يَظْهَرُ في عالَمِ المِثالِ عَلى صُورَةِ اللَّبَنِ. وقِيلَ: صَحائِفُ الأعْمالِ هي الَّتِي تُوزَنُ، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ البِطاقَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ (p-٢٦١٥)والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ. فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ، فَيَقُولُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لا، يا رَبِّ ! فَيَقُولُ: أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ؟ فَيَهابُ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ: لا. يا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلى، إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً، فَإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ. فَيُخْرَجُ لَهُ بِطاقَةٌ فِيها (أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ)، فَيَقُولُ: يا رَبِّ ! ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ؟ فَيُقالُ: إنَّكَ لا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ، والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ، فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ، وثَقُلَتِ البِطاقَةُ»» . وقِيلَ: يُوزَنُ صاحِبُ العَمَلِ، كَما في الحَدِيثِ: ««يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِالرَّجُلِ السَّمِينِ، (p-٢٦١٦)فَلا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، ثُمَّ قَرَأ ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]»» . وفِي مَناقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««أتَعْجَبُونَ مِن دِقَّةِ ساقَيْهِ؟ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَهُما في المِيزانِ أثْقَلُ مِن أُحُدٍ»» . قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآثارِ، بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ صَحِيحًا، فَتارَةً تُوزَنُ الأعْمالُ، وتارَةً يُوزَنُ مَحَلُّها، وتارَةً يُوزَنُ فاعِلُها. واللَّهُ أعْلَمُ -انْتَهى. قالَ أبُو السُّعُودِ: وقِيلَ: الوَزْنُ عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ السَّوِيِّ، والحُكْمِ العادِلِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والأعْمَشُ والضَّحّاكُ، واخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، بِناءً عَلى أنَّ اسْتِعْمالَ لَفْظِ الوَزْنِ في هَذا المَعْنى شائِعٌ في اللُّغَةِ والعُرْفِ بِطَرِيقَةِ الكِنايَةِ. قالُوا: إنَّ المِيزانَ إنَّما يُرادُ بِهِ التَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَةِ مَقادِيرِ الشَّيْءِ، ومَقادِيرُ أعْمالِ العِبادِ لا يُمْكِنُ إظْهارُها بِذَلِكَ، لِأنَّها أعْراضٌ قَدْ فَنِيَتْ، وعَلى تَقْدِيرِ بَقائِها، لا تَقْبَلُ الوَزْنَ –انْتَهى- وأصْلُهُ لِلرّازِيِّ. قالَ في (العِنايَةِ): فَمِنهم مَن أوَّلَ الوَزْنَ بِأنَّهُ بِمَعْنى القَضاءِ والحُكْمِ العَدْلِ، أوْ مُقابَلَتِها بِجَزائِها. (p-٢٦١٧)مِن قَوْلِهِمْ: وازَنَهُ، إذا عادَلَهُ. وهو إمّا كِنايَةٌ أوِ اسْتِعارَةٌ، بِتَشْبِيهِ ذَلِكَ بِالوَزْنِ المُتَّصِفِ بِالخِفَّةِ والثِّقَلِ، بِمَعْنى الكَثْرَةِ والقِلَّةِ، والمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ. انْتَهى. فَإنَّ جُمْهُورَ الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ. قالَ في (فَتْحِ البَيانِ): وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَلَمْ يَأْتُوا في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يَرْجِعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدَ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ لِأحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهُمْ، فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ: مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ، حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ. ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها. بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو ومَن تابَعَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم. يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ. ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ، فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمِيزانِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] وقَوْلِهِ: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ [القارعة: ٨] ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩] (p-٢٦١٨)والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، وما في الكِتابِ والسُّنَّةِ يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِما، فَلا يُلْتَفَتُ إلى تَأْوِيلِ أحَدٍ أوْ تَحْرِيفِهِ، مَعَ قَوْلِهِ تَعالى وقَوْلِ رَسُولِهِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ، والصَّباحُ يُغْنِي عَنِ المِصْباحِ –انْتَهى-. وخُلاصَتُهُ؛ أنَّ الأصْلَ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ، ولا يَعْدِلُ عَنْها إلى المَجازِ إلّا إذا تَعَذَّرَتْ، ولا تَعَذُّرَ هاهُنا. الثّالِثُ: إنْ قُلْتَ: ألَيْسَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَعْلَمُ مَقادِيرَ أعْمالِ العِبادِ؟ فَما الحِكْمَةُ في وزْنِها؟ قُلْتُ: فِيهِ حِكَمٌ: مِنها- إظْهارُ العَدْلِ، وإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يَظْلِمُ عِبادَهُ. ومِنها- امْتِحانُ الخَلْقِ بِالإيمانِ بِذَلِكَ في الدُّنْيا وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في العُقْبى. ومِنها- تَعْرِيفُ العِبادِ ما لَهم مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وحَسَنَةٍ وسَيِّئَةٍ. ومِنها- إظْهارُ عَلامَةِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ. ونَظِيرُهُ، أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ أعْمالَ العِبادِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ في صَحائِفِ الحَفَظَةِ المُوَكِّلِينَ بِبَنِي آدَمَ، مِن غَيْرِ جَوازِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، كَذا في (اللُّبابِ). وقالَ أبُو السُّعُودِ: إنْ قِيلَ: إنَّ المُكَلَّفَ يَوْمَ القِيامَةِ إمّا مُؤْمِنٌ بِأنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوْرِ، فَيَكْفِيهِ حِكَمُهُ تَعالى بِكَيْفِيّاتِ الأعْمالِ وكَمِّيّاتِها، وإمّا مُنْكِرٌ لَهُ فَلا يُسَلِّمُ حِينَئِذٍ أنَّ رُجْحانَ بَعْضِ الأعْمالِ عَلى بَعْضٍ لِخُصُوصِيّاتٍ راجِعَةٍ إلى ذَواتِ تِلْكَ الأعْمالِ، بَلْ يُسْنِدُهُ إلى إظْهارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ، فَما الفائِدَةُ في الوَزْنِ؟ أُجِيبَ بِأنَّهُ يَنْكَشِفُ الحالُ يَوْمَئِذٍ، وتَظْهَرُ جَمِيعُ الأشْياءِ بِحَقائِقِها عَلى ما هي عَلَيْهِ، وبِأوْصافِها وأحْوالِها في أنْفُسِها مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وتَنْخَلِعُ عَنِ الصُّوَرِ المُسْتَعارَةِ الَّتِي بِها ظَهَرَتْ في الدُّنْيا، فَلا يَبْقى لِأحَدٍ مِمَّنْ يُشاهِدُها شُبْهَةٌ في أنَّها هي الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا بِعَيْنِها، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها قَدْ ظَهَرَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِصِفاتِهِ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ خِلافُ ذَلِكَ – انْتَهى-. (p-٢٦١٩)وقَدْ سَبَقَهُ إلى نَحْوِهِ الرّازِيُّ. ولَمّا أمَرَ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ بِاتِّباعِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، ونَهاهم عَنِ اتِّباعِ غَيْرِهِ، وبَيَّنَ لَهم وخامَةَ عاقِبَتِهِ بِالإهْلاكِ في الدُّنْيا، والعَذابِ في الآخِرَةِ- ذَكَّرَهم فُنُونَ نِعَمِهِ تَرْغِيبًا في اتِّباعِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

الأعراف 7:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ " أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وقَرارًا، أوْ مَلَّكْناكم فِيها وأقْدَرْناكم عَلى التَّصَرُّفِ فِيها. ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وهي ما يُعاشُ بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ وغَيْرِها. أوْ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى ذَلِكَ مِنَ المَتاجِرِ والمَزارِعِ والصَّنائِعِ. ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ " الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ مَرَّ قَرِيبًا، والتَّذْيِيلُ مَسُوقٌ لِبَيانِ سُوءِ حالِ المُخاطَبِينَ وتَحْذِيرِهِمْ، أيْ ما مَنَنّا عَلَيْكم بِذَلِكَ إلّا لِتَشْكُرُوا بِمُتابَعَةِ ما أنْزَلْنا إلَيْكُمْ، وتَرْكِ مُتابَعَةِ مَن دُونِنا، فَتَحْصُلُوا مَعايِشَ السِّعاداتِ الأبَدِيَّةِ.

الأعراف 7:11

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى آدَمَ الَّتِي سَرَتْ إلى بَنِيهِ، وبَيَّنَ لَهم عَداوَةَ إبْلِيسَ وما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الحَسَدِ لِأبِيهِمْ، لِيَحْذَرُوهُ ولا يَتَّبِعُوا طَرائِقَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١] ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ " ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ (p-٢٦٢٠)إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨] ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] وفي تَصْدِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ، كالَّتِي قَبْلَها، إعْلامٌ بِكَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها. قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما نَسَبَ الخَلْقَ والتَّصْوِيرَ إلى المُخاطَبِينَ، مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِما خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَصْوِيرُهُ حَتْمًا، تَوْفِيَةً لِمَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، وتَأْكِيدًا لِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْهِمْ، بِالرَّمْزِ إلى أنَّ لَهم حَظًّا مِن خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَصْوِيرِهِ، لِما أنَّهُما لَيْسا مِنَ الخَصائِصِ المَقْصُورَةِ عَلَيْهِ، بَلْ مِنَ الأُمُورِ السّارِيَةِ إلى ذُرِّيَّتِهِ جَمِيعًا، إذِ الكُلُّ مَخْلُوقٌ في ضِمْنِ خَلْقِهِ عَلى نَمَطِهِ، ومَصْنُوعٌ عَلى شاكِلَتِهِ، فَكَأنَّهُمُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ خَلْقُهُ وتَصْوِيرُهُ. أيْ: خَلَقْنا أباكم آدَمَ طِينًا غَيْرَ مُصَوَّرٍ، ثُمَّ صَوَّرْناهُ أبْدَعَ تَصْوِيرٍ، وأحْسَنَ تَقْوِيمٍ، سارَ إلَيْكم جَمِيعًا – انْتَهى-.

الأعراف 7:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢] ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ﴾ " سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ " أيْ أنْ تَسْجُدَ كَما وقَعَ في سُورَةِ (ص). و" لا " مَزِيدَةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُوَبَّخَ عَلَيْهِ تَرْكُ السُّجُودِ، ولِتَوْكِيدٍ لِمَعْنى الفِعْلِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ وتَحْقِيقِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَتَحَقَّقَ عِلْمُ أهْلِ الكِتابِ، وما مَنَعَكَ أنْ تُحَقِّقَ السُّجُودَ وتُلْزِمَهُ نَفْسَكَ. وتَوَقَّفَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في وجْهِ إفادَةِ " لا " النّافِيَةِ تَأْكِيدَ ثُبُوتِ الفِعْلِ مَعَ إيهامِ نَفْيِهِ، واسْتَظْهَرَ الشِّهابُ أنَّها لا تُؤَكِّدُهُ مُطْلَقًا، بَلْ إذا صَحِبَتْ نَفْيًا مُقَدَّمًا أوْ مُؤَخَّرًا صَرِيحًا أوْ غَيْرَ صَرِيحٍ، (p-٢٦٢١)كَما فِي: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] وكَما هُنا، فَإنَّها تُؤَكِّدُ تَعَلُّقَ المَنعِ بِهِ –انْتَهى-. وقِيلَ: (ما مَنَعَكَ)، مَحْمُولٌ عَلى (ما حَمَلَكَ وما دَعاكَ)، مَجازًا أوْ تَضْمِينًا. وقالَ الرّاغِبُ: المَنعُ ضِدُّ العَطِيَّةِ، وقَدْ يُقالُ في الحِمايَةِ. والمَعْنى ما حَماكَ عَنْ عَدَمِ السُّجُودِ. ولا يَخْفى أنَّ السُّؤالَ عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، مَعَ عِلْمِهِ بِهِ، لِلتَّوْبِيخِ ولِإظْهارِ مُعانَدَتِهِ وكُفْرِهِ وكِبَرِهِ، وافْتِخارِهِ بِأصْلِهِ وتَحْقِيرِهِ أصْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. كَما أوْضَحَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مِنَ العُذْرِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِنَ الذَّنْبِ -انْتَهى. وإنَّما قالَ هَذا، ولَمْ يَقُلْ (مَنَعَنِي كَذا) مُطابَقَةً لِلسُّؤالِ. لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةً، ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ، وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ، والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ، مَعَ ما في طَيِّها مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. فالجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْجَوابِ بِقِياسٍ اسْتِدْلالِيٍّ، وهي مِنَ الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ كَما في قِصَّةِ نَمْرُوذَ. وقَدْ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ والفَضْلِ بِزَعْمِهِ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ، لِأنَّها جَوْهَرٌ نُورانِيٌّ، وهو ظَلْمانِيٌّ، ولَقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ حَيْثُ خَصَّ الفَضْلَ بِما مِن جِهَةِ المادَّةِ والعُنْصُرِ، وغَفَلَ عَمّا يَكُونُ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ، كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] أيْ: بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وبِاعْتِبارِ الصُّورَةِ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [ص: ٧٢] وبِاعْتِبارِ الغايَةِ وهو مَلاكُ الأمْرِ، ولِذَلِكَ أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ لِما بَيَّنَ لَهم أنَّهُ أعْلَمُ مِنهم بِما يَدُورُ عَلَيْهِ (p-٢٦٢٢)أمْرُ الخِلافَةِ في الأرْضِ، وأنَّ لَهُ خَواصَّ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ. وبِالجُمْلَةِ فالشَّيْءُ كَما يَشْرُفُ بِمادَّتِهِ، يَشْرُفُ بِفاعِلِهِ وغايَتِهِ وصُورَتِهِ، والثَّلاثَةُ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَهُ، فاسْتَبانَ غَلَطُهُ. وفِي (اللُّبابِ) أنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إبْلِيسَ جَهِلَ وجْهَ الحَقِّ، وأخْطَأ طَرِيقَ الصَّوابِ، لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مِن جَوْهَرِ النّارِ الخِفَّةُ والطَّيْشُ والِارْتِفاعُ والِاضْطِرابُ، وهَذا الَّذِي حَمَلَهُ، مَعَ سابِقَةِ شَقائِهِ، عَلى الِاسْتِكْبارِ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِخْفافِ بِأمْرِ رَبِّهِ، فَأوْرَدَهُ ذَلِكَ العَطَبَ والهَلاكَ. ومِن جَوْهَرِ الطِّينِ الرَّزانَةُ والأناةُ والصَّبْرُ والحِلْمُ والحَياءُ والتَّثَبُّتُ، وهَذا كانَ الدّاعِيَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ سابِقَةِ سَعادَتِهِ، إلى التَّوْبَةِ مِن خَطِيئَتِهِ، ومَسْألَتِهِ رَبَّهُ العَفْوَ عَنْهُ والمَغْفِرَةَ. وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ الجانُّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وُصِفَ لَكم»» . رَواهُ مُسْلِمٌ. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ قالَ: قاسَ إبْلِيسُ وهو أوَّلُ مَن قاسَ. وأخْرَجَ أيْضًا بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ، وما عُبِدَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالمَقايِيسِ. ولِذا احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى عَدَمِ جَوازِ تَخْصِيصِ النَّصِّ بِالقِياسِ، وإلّا لَما اسْتَوْجَبَ إبْلِيسُ هَذا الذَّمَّ الشَّدِيدَ. قالَ الرّازِيُّ: بَيانُ المُلازَمَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] " خِطابٌ عامٌّ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ إنَّ إبْلِيسَ أخْرَجَ نَفْسَهُ مِن هَذا العُمُومِ بِالقِياسِ، وهو أنَّهُ مَخْلُوقٌ (p-٢٦٢٣)مِنَ النّارِ، والنّارُ أشْرَفُ مِنَ الطِّينِ، ومَن كانَ أصْلُهُ أشْرَفَ فَهو أشْرَفُ، والأشْرَفُ لا يَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ بِخِدْمَةِ الأدْنى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذا الحُكْمَ ثابِتٌ في جَمِيعِ النَّظائِرِ، ولا مَعْنى لِلْقِياسِ إلّا ذَلِكَ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا خَصَّصَ العُمُومَ بِهَذا القِياسِ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، وما ذاكَ إلّا لِعَدَمِ جَوازِهِ. وأيْضًا فَفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ مِن وجْهٍ آخَرَ: وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا القِياسَ قالَ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ [الأعراف: ١٣] فَوَصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِ مُتَكَبِّرًا، بَعْدَ أنْ حَكى عَنْهُ ذَلِكَ القِياسَ الَّذِي يُوجِبُ تَخْصِيصَ النَّصِّ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن حاوَلَ تَخْصِيصَ عُمُومَ النَّصِّ بِالقِياسِ تَكَبَّرَ عَلى اللَّهِ. ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّكَبُّرَ عَلَيْهِ تَعالى يُوجِبُ العِقابَ الشَّدِيدَ، والإخْراجَ مِن زُمْرَةِ الأوْلِياءِ. ثَبَتَ أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ لا يَجُوزُ، وهَذا هو المُرادُ مِمّا نَقَلَهُ الواحِدِيُّ في (البَسِيطِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَتِ الطّاعَةُ أوْلى بِإبْلِيسَ مِنَ القِياسِ، فَعَصى رَبَّهُ وقاسَ، وأوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ فَكَفَرَ بِقِياسِهِ، فَمَن قاسَ الدِّينَ بِشَيْءٍ مِن رَأْيِهِ، قَرَنَهُ اللَّهُ مَعَ إبْلِيسَ - هَذا ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ في (البَسِيطِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأفادَهُ الرّازِيُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ آثارٌ كَثِيرَةٌ في ذَمِّ القِياسِ، مِنها ما تَقَدَّمَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: لا أقِيسُ شَيْئًا بِشَيْءٍ، فَتَزِلُّ قَدَمِي بَعْدَ ثُبُوتِها. وعَنِ الشَّعْبِيِّ: إيّاكم والقِياسَ، وإنَّكم إنْ أخَذْتُمْ بِهِ أحْلَلْتُمُ الحَرامَ، وحَرَّمْتُمُ الحَلالَ، ولَأنْ أتَغَنّى غُنْيَةً، أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أقُولَ في شَيْءٍ بِرَأْيِي. وقَدْ ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن هَذا المَعْنى آثارًا وافِرَةً في (جامِعِ بَيانِ العِلْمِ وفَضْلِهِ) وقالَ: احْتَجَّ مَن نَفى القِياسَ بِهَذِهِ الآثارِ ومَثَّلَها. وقالُوا في حَدِيثِ مُعاذٍ: إنَّ مَعْناهُ أنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ عَلى الكِتابِ والسُّنَّةِ. وتَكَلَّمَ داوُدُ في إسْنادِ حَدِيثِ مُعاذٍ، ورَدَّهُ ودَفَعَهُ مِن أجْلِ أنَّهُ عَنْ أصْحابِ مُعاذٍ، ولَمْ يُسَمَّوْا، قالَ الحافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وحَدِيثُ مُعاذٍ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ، رَواهُ الأئِمَّةُ العُدُولُ، وهو أصْلٌ في الِاجْتِهادِ والقِياسِ عَلى الأُصُولِ. ثُمَّ قالَ: وسائِرُ الفُقَهاءِ وقالُوا في هَذِهِ الآثارِ وما كانَ مِثْلَها (p-٢٦٢٤)فِي ذَمِّ القِياسِ: إنَّهُ القِياسُ عَلى غَيْرِ أصْلٍ، أوِ القِياسُ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ أصْلٌ، والقَوْلُ في دِينِ اللَّهِ بِالظَّنِّ. ألا تَرى إلى قَوْلِ مَن قالَ مِنهُمْ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ؟ لِأنَّ إبْلِيسَ رَدَّ أصْلَ العِلْمِ بِالرَّأْيِ الفاسِدِ، والقِياسُ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ مِمَّنْ قالَ بِهِ إلّا في رَدِّ الفُرُوعِ إلى أُصُولِها، لا في رَدِّ الأُصُولِ بِالرَّأْيِ والظَّنِّ. وإذا صَحَّ النَّصُّ مِنَ الكِتابِ والأثَرِ، بَطَلَ القِياسُ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآيَةَ، وأيُّ أصْلٍ أقْوى مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى لِإبْلِيسَ بِالسُّجُودِ، وهو العالِمُ بِما خُلِقَ مِنهُ آدَمُ، وما خُلِقَ مِنهُ إبْلِيسُ؟ ثُمَّ أمَرَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ فَأبى واسْتَكْبَرَ لِعِلَّةٍ لَيْسَتْ بِمانِعَةٍ مِن أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ بِما يَشاءُ، فَهَذا ومِثْلُهُ لا يَحِلُّ ولا يَجُوزُ. وأمّا القِياسُ عَلى الأُصُولِ، والحُكْمُ لِلشَّيْءِ بِحُكْمِ نَظِيرِهِ، فَهَذا ما لا يَخْتَلِفُ فِيهِ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ، بَلْ كُلُّ مَن رُوِيَ عَنْهُ ذَمُّ القِياسِ قَدْ وُجِدَ لَهُ القِياسُ الصَّحِيحُ مَنصُوصًا. لا يَدْفَعُ هَذا إلّا جاهِلٌ أوْ مُتَجاهِلٌ، مُخالِفٌ لِلسَّلَفِ في الأحْكامِ. وقالَ مَسْرُوقٌ الوَرّاقُ: ؎كُنّا مِنَ الدِّينِ قَبْلَ اليَوْمِ في سِعَةٍ حَتّى ابْتُلِينا بِأصْحابِ المَقايِيسِ ؎قامُوا مِنَ السُّوقِ إذْ قَلَّتْ مَكاسِبُهم ∗∗∗ فاسْتَعْمَلُوا الرَّأْيَ عِنْدَ الفَقْرِ والبُوسِ ؎أمّا العُرَيْبُ فَقَوْمٌ لا عَطاءَ لَهم ∗∗∗ وفي المَوالِي عَلاماتُ المَفالِيسِ فَلَقِيَهُ أبُو حَنِيفَةَ فَقالَ: هَجَوْتَنا، نَحْنُ نُرْضِيكَ، فَبَعَثَ إلَيْهِ بِدَراهِمَ فَقالَ: ؎إذا ما أهْلُ مِصْرٍ بادَهُونا ∗∗∗ بِآبِدَةٍ مِنَ الفُتْيا لَطِيفَهْ ؎أتَيْناهم بِمِقْياسٍ صَحِيحٍ ∗∗∗ صَلِيبٍ مِن طِرازِ أبِي حَنِيفَهْ ؎إذا سَمِعَ الفَقِيهُ بِهِ وعاهُ ∗∗∗ وأثْبَتَهُ بِحِبْرٍ في صَحِيفَهْ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: اتَّصَلَتْ هَذِهِ الأبْياتُ بِبَعْضِ أهْلِ الحَدِيثِ والنَّظَرِ مِن أهْلِ ذَلِكَ (p-٢٦٢٥)الزَّمَنِ، فَقالَ: ؎إذا ذُو الرَّأْيِ خاصَمَ عَنْ قِياسٍ ∗∗∗ وجاءَ بِبِدْعَةٍ مِنهُ سَخِيفَهْ ؎أتَيْناهم بِقَوْلِ اللَّهِ فِيها ∗∗∗ وآثارٍ مُبَرَّزَةٍ شَرِيفَهْ هَكَذا حَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في (جامِعِ فَضْلِ العِلْمِ). ولَهُ فِيهِ في (بابِ ما جاءَ في ذَمِّ القَوْلِ في دِينِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ والقِياسِ عَلى غَيْرِ أصْلٍ)، مَقالاتٌ سابِغَةٌ جَدِيرَةٌ بِالمُراجَعَةِ. ومِمّا ذَكَرَ فِيهِ: أنَّ أهْلَ الحَدِيثِ أفْرَطُوا في أبِي حَنِيفَةَ، وتَجاوَزُوا الحَدَّ. قالَ: والسَّبَبُ المُوجِبُ لِذَلِكَ، عِنْدَهُمْ، إدْخالُهُ الرَّأْيَ والقِياسَ عَلى الآثارِ، واعْتِبارُهُما، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: إذا صَحَّ الأثَرُ بَطَلَ النَّظَرُ. وكانَ رَدُّهُ لِما رَدَّ مِن أخْبارِ الآحادِ بِتَأْوِيلٍ مُحْتَمَلٍ، وكَثِيرٌ مِنهُ قَدْ تَقَدَّمَهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، وتابَعَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ مِمَّنْ قالَ بِالرَّأْيِ: وجُلُّ ما يُوجَدُ لَهُ مِن ذَلِكَ ما كانَ مِنهُ اتِّباعًا لِأهْلِ بَلَدِهِ، كَإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وأصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ. إلّا أنَّهُ أُغْرِقَ هو وأصْحابُهُ في تَنْزِيلِ النَّوازِلِ، والجَوابُ فِيها بِرَأْيِهِمْ واسْتِحْسانِهِمْ. فَأتى مِنهم في ذَلِكَ خِلافٌ كَبِيرٌ لِلسَّلَفِ. ثُمَّ قالَ: وما أعْلَمُ أحَدًا مِن أهْلِ العِلْمِ إلّا ولَهُ تَأْوِيلٌ في آيَةٍ، أوْ مَذْهَبٌ في سُنَّةٍ، رَدَّ مِن أجْلِ ذَلِكَ المَذْهَبِ سُنَّةً أُخْرى بِتَأْوِيلٍ سائِغٍ، أوِ ادِّعاءِ نَسْخٍ. إلّا أنَّ لِأبِي حَنِيفَةَ مِن ذَلِكَ كَثِيرًا، وهو يُوجَدُ لِغَيْرِهِ قَلِيلٌ. وعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ قالَ: أحْصَيْتُ عَلى مالِكِ بْنِ أنَسٍ سَبْعِينَ مَسْألَةً كُلُّها مُخالِفَةٍ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، مِمّا قالَ مالِكٌ فِيها بِرَأْيِهِ. قالَ: وقَدْ كَتَبْتُ إلَيْهِ أعِظُهُ في ذَلِكَ. هَذا كَلامُ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ مُلَخَّصًا. وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في بَعْضِ فَتاوِيهِ: أنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وزَيْدٍ أنَّهُما احْتَجّا بِقِياسٍ، فَمَنِ ادَّعى إجْماعَهم -أيِ: الصَّحابَةُ- عَلى تَرْكِ العَمَلِ بِالرَّأْيِ والقِياسِ، مُطْلَقًا فَقَدْ غَلِطَ، ومَنِ ادَّعى أنَّهُ مِنَ المَسائِلِ ما لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيها أحَدٌ مِنهم إلّا بِالرَّأْيِ والقِياسِ، فَقَدْ غَلِطَ، بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم يَتَكَلَّمُ بِحَسَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ، فَمَن رَأى دَلالَةَ الكِتابِ ذَكَرَها، ومَن رَأى دَلالَةَ المِيزانِ ذَكَرَها -انْتَهى. (p-٢٦٢٦)وقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في فَتْوى أُخْرى: والصَّحابَةُ كانُوا يَحْتَجُّونَ في عامَّةِ مَسائِلِهِمْ بِالنُّصُوصِ كَما هو مَشْهُورٌ عَنْهُمْ، وكانُوا يَجْتَهِدُونَ رَأْيَهم ويَتَكَلَّمُونَ بِالرَّأْيِ، ويَحْتَجُّونَ بِالقِياسِ الصَّحِيحِ أيْضًا. والقِياسُ الصَّحِيحُ نَوْعانِ: أحَدُهُما: أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَ الفَرْعِ والأصْلِ إلّا فَرْقًا غَيْرَ مُؤَثِّرٍ في الشَّرْعِ، كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ، فَقالَ: «ألْقُوها وما حَوْلَها، وكُلُوا سَمْنَكم»»، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِتِلْكَ الفَأْرَةِ وذَلِكَ السَّمْنِ، فَلِهَذا قالَ جَماهِيرُ العُلَماءِ: إنَّهُ أيُّ نَجاسَةٍ وقَعَتْ في دُهْنٍ مِنَ الأدْهانِ كالفَأْرَةِ الَّتِي تَقَعُ في الزَّيْتِ، وكالهِرِّ الَّذِي يَقَعُ في السَّمْنِ، فَحُكْمُها حُكْمُ تِلْكَ الفَأْرَةِ الَّتِي وقَعَتْ في السَّمْنِ. ومَن قالَ مِن أهْلِ الظّاهِرِ: إنَّ هَذا الحُكْمَ لا يَكُونُ إلّا في فَأْرَةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ، فَقَدْ أخْطَأ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخُصَّ الحُكْمَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ، لَكِنْ لَمّا اسْتُفْتِيَ عَنْها أفْتى فِيها، والِاسْتِفْتاءُ إذا وقَعَ عَنْ قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أوْ عَنْ نَوْعٍ، فَأجابَ المُفْتِي عَنْ ذَلِكَ، خَصَّهُ لِكَوْنِهِ سُئِلَ عَنْهُ، لا لِاخْتِصاصِهِ بِالحُكْمِ، ومِثْلُ هَذا أنَّهُ «سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ وعَلَيْهِ جُبَّةٌ مُضَمَّخَةٌ (p-٢٦٢٧)بِخَلُوقٍ فَقالَ: انْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ الخَلُوقَ، واصْنَعْ في عُمْرَتِكَ ما كُنْتَ تَصْنَعُ في حَجِّكَ» . فَأجابَهُ عَنِ الجُبَّةِ، ولَوْ كانَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أوْ نَحْوَهُ، كانَ الحُكْمُ كَذَلِكَ بِالإجْماعِ. والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ القِياسِ: أنْ يَنُصَّ عَلى حُكْمٍ لِمَعْنًى مِنَ المَعانِي، ويَكُونُ ذَلِكَ المَعْنى مَوْجُودًا في غَيْرِهِ، فَإذا قامَ دَلِيلٌ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ الحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْنى المُشْتَرِكِ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ سَوّى بَيْنَهُما، وكانَ هَذا قِياسًا صَحِيحًا. فَهَذانِ النَّوْعانِ كانَ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ يَسْتَعْمِلُونَهُما، وهُما مِن بابِ فَهْمِ مُرادِ الشّارِعِ. فَإنَّ الِاسْتِدْلالَ بِكَلامِ الشّارِعِ يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ يُعْرَفَ ثُبُوتُ اللَّفْظِ عَنْهُ، وعَلى أنْ يُعْرَفَ مُرادُهُ بِاللَّفْظِ، وإذا عَرَفْنا مُرادَهُ، فَإنْ عَلِمْنا أنَّهُ حُكْمٌ لِلْمَعْنى المُشْتَرِكِ، لا لِمَعْنًى يَخُصُّ الأصْلَ، أثْبَتْنا الحُكْمَ حَيْثُ وُجِدَ المَعْنى المُشْتَرِكُ. وإنْ عَلِمْنا أنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ الحُكْمِ بِمَوْرِدِ النَّصِّ، مَنَعْنا القِياسَ، كَما أنّا عَلِمْنا أنَّ الحَجَّ خُصَّ بِهِ الكَعْبَةُ، وأنَّ الصِّيامَ الفَرْضَ خُصَّ بِهِ شَهْرُ رَمَضانَ، وأنَّ الِاسْتِقْبالَ خُصَّ بِهِ جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّ المَفْرُوضَ مِنَ الصَّلَواتِ خُصَّ بِهِ الخَمْسُ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ هُنا أنْ نَقِيسَ عَلى المَنصُوصِ غَيْرَهُ. وإذا عَيَّنَ الشّارِعُ مَكانًا أوْ زَمانًا لِلْعِبادَةِ، كَتَعْيِينِ الكَعْبَةِ وشَهْرِ رَمَضانَ، أوْ عَيَّنَ بَعْضَ الأقْوالِ والأفْعالِ، كَتَعْيِينِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ، والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، بَلْ وتَعْيِينِ التَّكْبِيرِ وأُمِّ القُرْآنِ، فَإلْحاقُ غَيْرِ المَنصُوصِ بِهِ يُشْبِهُ حالَ أهْلِ اليَمَنِ الَّذِينَ أسْقَطُوا تَعْيِينَ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وقالُوا: المَقْصُودُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ (p-٢٦٢٨)الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وقِياسُ الحَلالِ بِالنَّصِّ عَلى الحَرامِ بِالنَّصِّ، مِن جِنْسِ قِياسِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكَذَلِكَ قِياسُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قاسُوا المَيْتَةَ بِالمُذَكّى وقالُوا أتَأْكَلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ؟ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَهَذِهِ الأقْيِسَةُ الفاسِدَةُ، وكُلُّ قِياسٍ دَلَّ النَّصُّ عَلى فَسادِهِ فَهو فاسِدٌ، وكُلُّ مَن ألْحَقَ مَنصُوصًا بِمَنصُوصٍ يُخالِفُ حُكْمَهُ، فَقِياسُهُ فاسِدٌ. وكُلُّ مَن سَوّى بَيْنِ شَيْئَيْنِ بِغَيْرِ الأوْصافِ المُعْتَبَرَةِ في حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَقِياسُهُ فاسِدٌ. لَكِنْ مِنَ القِياسِ ما يُعْلَمُ صِحَّتُهُ، ومِنهُ ما يُعْلَمُ فَسادُهُ، ومِنهُ ما لَمْ يَتَبَيَّنْ أمْرُهُ. فَمَن أبْطَلَ القِياسَ مُطْلَقًا فَقَوْلُهُ باطِلٌ. ومَنِ اسْتَدَلَّ بِالقِياسِ المُخالِفِ لِلشَّرْعِ فَقَوْلُهُ باطِلٌ. (p-٢٦٢٩)ومَنِ اسْتَدَلَّ بِقِياسٍ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ، بِمَنزِلَةِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِرِوايَةِ رَجُلٍ مَجْهُولٍ لا يُعْلَمُ عَدالَتُهُ، فالحُجَجُ الأثَرِيَّةُ والنَّظَرِيَّةُ تَنْقَسِمُ إلى ما يُعْلَمُ صِحَّتُهُ، وإلى ما يُعْلَمُ فَسادُهُ، وإلى ما هو مَوْقُوفٌ حَتّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى أحَدِها. ولَفْظُ النَّصِّ يُرادُ بِهِ تارَةً ألْفاظَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، سَواءٌ كانَ اللَّفْظُ دَلالَتُهُ قَطْعِيَّةٌ أوْ ظاهِرَةٌ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِ مَن قالَ: النُّصُوصُ تَتَناوَلُ أفْعالَ المُكَلَّفِينَ. ويُرادُ بِالنَّصِّ ما دَلالَتُهُ قَطْعِيَّةٌ لا تَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، كَقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] و: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْـزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ [الشورى: ١٧] فالكِتابُ هو النَّصُّ، والمِيزانُ هو العَدْلُ. والقِياسُ الصَّحِيحُ مِن بابِ العَدْلِ، فَإنَّهُ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ المُتَماثِلِينَ، وتَفْرِيقٌ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ، ودَلالَةُ القِياسِ الصَّحِيحِ تُوافِقُ دَلالَةَ النَّصِّ، فَكُلُّ قِياسٍ خالَفَ دَلالَةَ النَّصِّ فَهو قِياسٌ فاسِدٌ، ولا يُوجَدُ نَصٌّ يُخالِفُ قِياسًا صَحِيحًا، كَما لا يُوجَدُ مَعْقُولٌ صَرِيحٌ يُخالِفُ المَنقُولَ الصَّحِيحَ، ومَن كانَ مُتَبَحِّرًا في الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، أمْكَنَهُ أنْ يَسْتَدِلَّ عَلى غالِبِ الأحْكامِ (p-٢٦٣٠)بِالنُّصُوصِ وبِالأقْيِسَةِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ النَّصِّ والقِياسِ دَلَّ عَلى هَذا الحُكْمِ كَما ذَكَرْناهُ مِنَ الأمْثِلَةِ، فَإنَّ القِياسَ يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ، كَما يَدُلُّ النَّصُّ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ لِأنَّها تُوقِعُ بَيْنَنا العَداوَةَ والبَغْضاءَ، وتَصُدُّنا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، كَما دَلَّ القُرْآنُ عَلى هَذا المَعْنى، وهَذا المَعْنى مَوْجُودٌ في جَمِيعِ الأشْرِبَةِ المُسْكِرَةِ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ شَرابٍ وشَرابٍ، فالفَرْقُ بَيْنَ الأنْواعِ المُشْتَرَكَةِ مِن هَذا الجِنْسِ تَفْرِيقٌ بَيْنَ المُتَماثِلِينَ، وخُرُوجٌ عَنْ مُوجَبِ القِياسِ الصَّحِيحِ، كَما هو خُرُوجٌ عَنْ مُوجَبِ النُّصُوصِ. وهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ قَوْلَهم خِلافُ القِياسِ، لَكِنْ يَقُولُونَ: مَعَنا آثارٌ تُوافِقُ، اتَّبَعْناها، ويَقُولُونَ: إنَّ اسْمَ الخَمْرِ لَمْ يَتَناوَلْ كُلَّ مُسْكِرٍ، وغَلِطُوا في فَهْمِ النَّصِّ، وإنْ كانُوا مُجْتَهِدِينَ مُثابِينَ عَلى اجْتِهادِهِمْ. ومَعْرِفَةُ عُمُومِ الأسْماءِ المَوْجُودَةِ في النَّصِّ وخُصُوصِها، مِن مَعْرِفَةِ حُدُودِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] والكَلامُ في تَرْجِيحِ نُفاةِ القِياسِ ومُثْبِتِيهِ يَطُولُ اسْتِقْصاؤُهُ ولا يَحْتَمِلُ المَقامُ بَسْطَهُ أكْثَرَ مِن هَذا -واللَّهُ أعْلَمُ- انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.

الأعراف 7:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣] ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ﴾ " تَعالى لِإبْلِيسَ ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ " أيْ: بِسَبَبِ عِصْيانِكَ لِأمْرِي وخُرُوجِكَ عَنْ طاعَتِي، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الجَنَّةِ، والإضْمارُ قَبْلَ ذِكْرِها لِشُهْرَةِ كَوْنِهِ مِن سُكّانِها. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَنزِلَةِ الَّتِي هو فِيها مِنَ المَلَكُوتِ الأعْلى –انْتَهى- . وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ المَهايِمِيُّ حَيْثُ قالَ: فاهْبِطْ مِنها أيْ: مِن رُتْبَةِ المَلَكِيَّةِ إلى رُتْبَةِ العَناصِرِ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ أيْ: فَما يَصِحُّ ولا يَسْتَقِيمُ، فَإنَّها (p-٢٦٣١)مَكانُ المُطِيعِينَ الخاشِعِينَ ﴿فاخْرُجْ﴾ " تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ، مُتَفَرِّعٌ عَلى عِلَّتِهِ ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ " أيْ: مِنَ الأذِلّاءِ وأهْلِ الهَوانِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى أوْلِيائِهِ.

الأعراف 7:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ أنْظِرْنِي﴾ " أيْ: أمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ " أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ مِنَ القُبُورِ.

الأعراف 7:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ﴾ " أيِ: اللَّهُ لَهُ ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ " أيْ مِنَ المُؤَجَّلِينَ إلى نَفْخَةِ الصُّورِ الثّانِيَةِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أجابَهُ تَعالى إلى ما سَألَ، لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ والإرادَةِ والمَشِيئَةِ الَّتِي لا تُخالَفُ ولا تُمانَعُ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. وقالَ الإمامُ أبُو سَعْدٍ المُحْسِنُ بْنُ كَرامَةَ الجَشْمِيُّ اليَمانِيُّ في تَفْسِيرِهِ (التَّهْذِيبِ): (p-٢٦٣٢)ومَتى قِيلَ: ما وجْهُ سُؤالِهِ مَعَ أنَّهُ مَطْرُودٌ ومَلْعُونٌ؟ فَجَوابُنا عِلْمُهُ بِإحْسانِهِ تَعالى إلى خَلْقِهِ مَن أطاعَ ومَن عَصى، فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ السُّؤالِ ما ارْتَكَبَ مِنَ المَعْصِيَةِ. ومَتى قِيلَ: هَلْ خاطَبَهُ بِهَذا؟ قُلْنا: يَحْتَمِلُ ذاكَ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أمَرَ مَلَكًا فَخاطَبَهُ بِهِ. ومَتى قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ إجابَةُ دُعاءِ الكافِرِ؟ قُلْنا: فِيهِ خِلافٌ. الأوَّلُ: قِيلَ لا، لِأنَّهُ إكْرامٌ وتَعْظِيمٌ -عَنْ أبِي عَلِيٍّ - ولِذَلِكَ يُقالُ: فُلانٌ مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ، وإنْظارُهُ لا عَلى سَبِيلِ إجابَةِ دُعائِهِ، لِأنَّهُ مَلْعُونٌ ولِأنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى وجْهِ الخُضُوعِ. (p-٢٦٣٣)الثّانِي: يَجُوزُ إجابَةُ دُعائِهِ اسْتِصْلاحًا لَهُ، لِأنَّهُ تَفَضُّلٌ -عَنْ أبِي بَكْرٍ أحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ - ولَيْسَ بِالوَجْهِ. ومَتى قِيلَ: إذا أُنْظِرَ هَلْ يَكُونُ إغْراءً بِالمَعْصِيَةِ؟ قُلْنا: لا، لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ما الوَقْتُ (p-٢٦٣٤)المَعْلُومُ، فَلا يَكُونُ إغْراءً مَعَ تَجْوِيزِهِ هُجُومَ المَوْتِ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ تَعالى لَمّا أعْلَمَهُ أنَّهُ يُدْخِلُهُ النّارَ، ولَعَنَهُ -عَلِمَ أنَّهُ لا يَخْتارُ الإيمانَ أبَدًا. ومَتى قِيلَ: ما فائِدَةُ إنْظارِهِ؟ قُلْنا: لُطْفٌ لَهُ، لِأنَّهُ يُمْكِنُهُ مِنِ اسْتِدْراكِ أمْرِهِ. وهَلْ يَضِلُّ بِهِ أحَدٌ؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] (p-٢٦٣٥)﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ولِأنَّهُ لَوْ ضَلَّ بِهِ أحَدٌ، لَكانَ بَقاؤُهُ مَفْسَدَةً، فَكانَ اللَّهُ تَعالى لا يُنْظِرُهُ. فَأمّا أبُو هاشِمٍ فَيُجَوِّزُ أنْ يَضِلَّ بِهِ أحَدٌ، ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ زِيادَةِ الشَّهْوَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لُطْفًا مِن وُجُوهٍ: أحَدُها أنَّ المُكَلَّفَ مَعَ وسْوَسَتِهِ إذا امْتَنَعَ مِنَ القَبِيحِ، كانَ ثَوابُهُ أكْثَرَ، ولِأنَّهُ تَعالى عَرَّفَنا عَداوَتَهُ، والعاقِلُ يَجْتَهِدُ في أنْ يَغِيظَ عَدُوَّهُ ويَغُمَّهُ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِطاعَةِ رَبِّهِ، ومَن أطاعَهُ فَمِن قِبَلِ نَفْسِهِ أُتِيَ، لا مِن قِبَلِ رَبِّهِ. انْتَهى كَلامُ الجَشْمِيِّ، وهو جارٍ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ.

الأعراف 7:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ " أيْ أضْلَلْتَنِي عَنِ الهُدى، أوْ حَكَمْتَ بِغِوايَتِي، والباءُ لِلْقَسَمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص: ٨٢] أيْ: فَأُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأجْلِ إغْوائِكَ إيّايَ ﴿لأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ " أيْ: لِآدَمَ وبَنِيهِ تَرَصُّدًا كَما يَقْعُدُ القُطّاعُ لِلطَّرِيقِ عَلى السّابِلَةِ ﴿صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ " أيْ طَرِيقَكَ السَّوِيَّ، وهو طَرِيقُ الحَقِّ، ومَعْناهُ لا أفْتَرِ عَنْ إفْسادِهِمْ. وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ عَلى نَزْعِ الجارِّ. (p-٢٦٣٦)

الأعراف 7:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧] ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ " ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الأرْبَعِ. مَثَّلَ قَصْدِهِ إيّاهم بِالتَّسْوِيلِ والإضْلالِ مِن أيِّ وجْهٍ يُمْكِنُهُ، بِإتْيانِ العَدُوِّ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي يَعْتادُ هُجُومَهُ مِنها. ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الفَوْقَ والتَّحْتَ. ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ مُسْتَعْمِلِينَ لِقُواهم وجَوارِحَهم وما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ في طَرِيقِ الطّاعَةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِما رَآهُ مِنَ الأماراتِ عَلى طَرِيقِ الظَّنِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠] رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ سَبْرَةَ بْنِ الفاكِهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ الشَّيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإسْلامِ، فَقالَ: أتُسْلِمُ وتَذَرُ دِينَكَ ودِينَ آبائِكَ وآباءِ أبِيكَ؟ قالَ: فَعَصاهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهِجْرَةِ فَقالَ: أتُهاجِرُ وتَدَعُ أرْضَكَ وسَماءَكَ، وإنَّما مَثَلُ المُهاجِرِ كالفَرَسِ في الطِّوَلِ، قالَ: فَعَصاهُ فَهاجَرَ. قالَ: ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهادِ فَقالَ لَهُ: هو جِهادُ النَّفْسِ والمالِ، فَتُقاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ المَرْأةُ ويُقَسَّمُ المالُ؟ قالَ: فَعَصاهُ فَجاهَدَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ مِنهم فَماتَ، كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ قُتِلَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وإنْ غَرِقَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ وقَصَتْهُ دابَّتُهُ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ»» . وقالَ الحافِظُ: ورَدَ في الحَدِيثِ اسْتِعاذَةٌ مِن تَسَلُّطِ الشَّيْطانِ عَلى الإنْسانِ مِن جِهاتِهِ (p-٢٦٣٧)كُلِّها، فَرَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلاءِ الدَّعَواتِ حِينَ يُصْبِحُ وحِينَ يُمْسِي: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ العَفْوَ والعافِيَةَ في دِينِي ودُنْيايَ، وأهْلِي ومالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِن بَيْنِ يَدَيَّ ومِن خَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي، ومِن فَوْقِي وأعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتالَ مِن تَحْتِي» . ورَواهُ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فائِدَةٌ: قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ أنَّهُ سَألَ الإنْظارَ، وأنَّهُ تَعالى أنْظَرَهُ، وقَدْ بَيَّنّا ما قِيلَ فِيهِ، وتَدُلُّ عَلى شِدَّةِ عَداوَتِهِ لِبَنِي آدَمَ وحِرْصِهِ عَلى إضْلالِهِمْ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ أكْثَرَ بَنِي آدَمَ غَيْرُ شاكِرِينَ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ الإضْلالَ فِعْلُ إبْلِيسَ، والقَبُولُ عَنْهُ فِعْلُهُمْ، لِذَلِكَ أضافَهُ إلَيْهِمْ، وذَمَّهم عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ خَلْقًا لَهُ لَما صَحَّ ذَلِكَ. انْتَهى- والكَلامُ في أمْثالِها مَعْرُوفٌ. ثُمَّ أكَّدَ تَعالى عَلى إبْلِيسَ اللَّعْنَةَ والطَّرْدَ والإبْعادَ عَنْ مَحَلِّ المَلَأِ الأعْلى، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (p-٢٦٣٨)

الأعراف 7:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨] ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا﴾ " بِالهَمْزَةِ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، مِن (ذَأمَهُ)، إذا حَقَّرَهُ وذَمَّهُ، وقُرِئَ " مَذُومًا " بِذالٍ مَضْمُومَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ، وهي تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ المَهْمُوزِ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى السّاكِنِ ثُمَّ حَذْفِها، وأنْ تَكُونَ مِنَ المُعْتَلِّ، وكانَ قِياسُهُ (مَذِيمٌ) كَمَبِيعٍ، إلّا أنَّهُ أُبْدِلَتِ الواوُ مِنَ الياءِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ (مَكُولٌ) في مَكِيلٍ، و(مَشُوبٌ) في مَشِيبٍ. ﴿مَدْحُورًا﴾ " مَقْصِيًّا مَطْرُودًا ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ " اللّامُ فِيهِ، لِتَوْطِئَةِ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ "، أيْ: لَمَن أطاعَكَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِن كُفّارِكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] قالَ الجَشْمِيُّ: وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَكُونُ في جَهَنَّمَ إلّا إبْلِيسُ وحِزْبَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، وكُفّارُ الإنْسِ وفُسّاقُهُمُ، الَّذِينَ انْقادُوا لَهُ وتَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ لِأمْرِهِ، فَجَمَعَهم في الخِطابِ، ومَتى قِيلَ: لِمَ ضَيَّقَ جَهَنَّمَ ووَسَّعَ الجَنَّةَ؟ قُلْنا: لِأنَّ جَهَنَّمَ حَبْسٌ، والجَنَّةَ دارُ مُلْكٍ. ومَتى قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ﴾ قُلْنا: لُطْفًا لِيَكُونَ المُكَلَّفُ تَبَعًا لِلْأنْبِياءِ دُونَ الشَّياطِينِ، ولُطْفًا لِإبْلِيسَ وحِزْبِهِ، لِأنَّهُ غايَةٌ في الزَّجْرِ والنَّهْيِ. تَنْبِيهٌ: قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى الوَعِيدِ لِمَن تَبِعَ إبْلِيسَ، وأنَّهُ يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنهم. ولا بُدَّ فِيهِ مِن شَرْطٍ، وهو أنْ لا يَتُوبَ، أوْ لا يَكُونَ مَعَهُ طاعَةٌ أعْظَمُ. وتَدُلُّ عَلى إذْلالِ إبْلِيسَ وطَرْدِهِ ولَعْنِهِ بِسَبَبِ عِصْيانِهِ، تَحْذِيرًا عَنْ مِثْلِ حالِهِ. (p-٢٦٣٩)

الأعراف 7:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩] ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا آدَمُ﴾ " أيْ: وقُلْنا يا آدَمُ ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ " أيْ جَنَّةَ الخُلْدِ، أوْ جَنَّةً في الأرْضِ. قالَ الجَشْمِيُّ: وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ، والفائِدَةُ في إعادَتِها أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، والعَوارِضُ تَعَرِضُ، والوُفُودُ تَقْدَمُ، فَكانَتِ القِصَّةُ تُعادُ، لِيَسْمَعَ مَن لَمْ يَسْمَعِ، اسْتِصْلاحًا ولُطْفًا. لِأنَّ في إعادَةِ قِصَّةٍ واحِدَةٍ، في مَواضِعَ بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، كُلُّ واحِدٍ مِنها في نِهايَةِ الحُسْنِ، مِن إعْجازِ القُرْآنِ. ﴿فَكُلا مِن حَيْثُ﴾ " أيْ: مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ " أيْ فَتَصِيرا مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم.

الأعراف 7:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠] ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ " أيْ: إبْلِيسُ بِأكْلِ الشَّجَرَةِ مُخَيِّلًا لَهُما النَّفْعَ ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾ " أيْ: يُظْهِرُ لَهُما ﴿ما وُورِيَ﴾ " أيْ: سُتِرَ ﴿عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ " أيْ: عَوْراتِهِما واللّامُ في ﴿لِيُبْدِيَ﴾ " إمّا لِلْعاقِبَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ صُدُورَهُ مِنهُما، أيْ: فَكانَ عاقِبَةُ وسْوَسَتِهِ أنْ أظْهَرَ سَوْآتِهِما، أوْ لِلتَّعْلِيلِ والغَرَضِ، وهو الأصْلُ فِيها، بِناءً عَلى حَدْسِهِ أوْ عِلْمِهِ بِطَرِيقٍ ما. تَنْبِيهٌ: فِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ، وأنَّهُ مُسْتَهْجَنٌ في الطِّباعِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ سَوْأةً، لِأنَّهُ يَسُوءُ صاحِبَها.. (p-٢٦٤٠)قالَ الحاكِمُ: وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ، وأنَّهُ كانَ في شَرِيعَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ القاضِي: لا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى الوُجُوبِ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها إلّا أنَّهُما فَعَلا ذَلِكَ. قالَ الأصَمُّ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما كَرِها التَّعَرِّيَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُما ثالِثٌ، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قُبْحِ التَّعَرِّي، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ المُتَعَرِّي أحَدٌ، إلّا لِحاجَةٍ. ﴿وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا﴾ أيْ: إلّا كَراهَةَ أنْ تَكُونا ﴿مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ ويَبْقُونَ في الجَنَّةِ ساكِنِينَ. وقَدَ اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن رَأى تَفْضِيلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، لِارْتِكابِهِما ذَلِكَ طَمَعًا في نَيْلِ ما ذُكِرَ، وأجابَ، مَن لَمْ يَرَ هَذا، بِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الواقِعَةُ قَبْلَ نُبُوَّةِ آدَمَ. ولَئِنْ كانَتْ بَعْدَها، فَلَعَلَّ آدَمَ رَغِبَ في المِلْكِيَّةِ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ والقُدْرَةِ، أوْ لِخِلْقَةِ الذّاتِ، بِأنْ يَصِيرَ جَوْهَرًا نُورانِيًّا -أشارَ لَهُ الرّازِيُّ -. وقالَ النّاصِرُ: لا يَلْزَمُ مِنِ اعْتِقادِ إبْلِيسَ لِذَلِكَ ووَسْوَسَتِهِ بِأنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ، أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في عِلْمِهِ تَعالى، ألا تَرى إبْلِيسَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهُما مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى لا يَخْلُدا أوْ لا يَكُونا مَلَكَيْنِ، وهو في ذَلِكَ كاذِبٌ مُبْطِلٌ فَلا دَلِيلَ فِيهِ إذًا، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُوجِبُ تَقْرِيرَ اللَّهِ تَعالى لِإبْلِيسَ عَلى ذَلِكَ، ولا تَصْدِيقَهُ فِيهِ، بَلْ خُتِمَتِ الآيَةُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَذَبَ لَهُما وغَرَّهُما، إذْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] " فَلَعَلَّ تَفْضِيلَهُ المَلائِكَةَ عَلى النُّبُوَّةِ مِن جُمْلَةِ غُرُورِهِ -انْتَهى. قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): وأنا أقُولُ: لا أزالُ أتَعَجَّبُ مِمَّنْ أخَذَ يَسْتَدِلُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ. والكَلامُ الَّذِي فِيها، حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِ إبْلِيسَ في مَعْرِضِ المُناداةِ عَلَيْهِ بِالكَذِبِ والغُرُورِ والزُّورِ والتَّدْلِيسِ، وإنَّما يُسْتَدَلُّ مِن كَلامِهِ تَعالى، أوْ مِن كَلامٍ حَكاهُ عَنْ بَعْضِ أنْبِيائِهِ. وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، فَكَلامٌ حَكاهُ راضِيًا بِهِ مُقِرًّا لَهُ -انْتَهى. عَلى أنَّهُ قُرِئَ (مَلِكَيْنِ) بِكَسْرِ اللّامِ، كانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ أبِي (p-٢٦٤١)كَثِيرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّما أتاهُما إبْلِيسُ مِن جِهَةِ المُلْكِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] انْتَهى. والقِراءَةُ الشّاذَّةُ قَدْ تَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْمُتَواتِرَةِ، كَما لا يَخْفى، وبِهِ يَنْدَفِعُ ما لِلرّازِيِّ هُنا.

الأعراف 7:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢١] ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿وقاسَمَهُما﴾ " أيْ: أقْسَمَ لَهُما ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ " أيْ: في هَذا الأمْرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ حَلَفَ لَهُما بِاللَّهِ عَلى ذَلِكَ حَتّى خَدَعَهُما. وقَدْ يُخْدَعُ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ. انْتَهى. وعَنْ قَتادَةَ: إنَّما يُخْدَعُ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ إذا رَأى مِن عَبْدِهِ طاعَةً وحُسْنَ صَلاةٍ، أعْتَقَهُ، فَكانَ عَبِيدُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْعِتْقِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم يَخْدَعُونَكَ، فَقالَ: مَن خَدَعَنا بِاللَّهِ انْخَدَعْنا لَهُ.

الأعراف 7:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٢] ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ " أيْ: أطْمَعَهُما، وأصْلُهُ: الرَّجُلُ العَطْشانُ يُدَلِّي في البِئْرِ لِيَرْوِيَ مِن مائِها، فَلا يَجِدُ فِيها ماءً، فَيَكُونُ مُدَلِّيًا فِيها بِغُرُورٍ، فَوُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الإطْماعِ فِيما لا يُجْدِي نَفْعًا، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِن دَرَجَةٍ عالِيَةٍ، إلى رُتْبَةٍ سافِلَةٍ. فَإنَّ (p-٢٦٤٢)التَّدْلِيَةَ والإدْلاءَ إرْسالُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ. وقِيلَ: مَعْنى دَلّاهُما جَرَّأهُما بِغُرُورِهِ، والأصْلُ فِيهِ (دَلَّلَهُما)، والدَّلُّ والدّالَّةُ الجُرْأةُ كَما قالَ: ؎أظُنُّ الحُلْمَ دَلَّ عَلَيَّ قَوْمِي وقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الحَلِيمُ فَأبْدَلَ أحَدَ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ ياءً: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ: أخَذَتْهُما العُقُوبَةُ وشُؤْمُ المَعْصِيَةِ فَتَهافَتَ عَنْهُما اللِّباسُ، فَظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما. قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى أنَّ مَن ذاقَ الخَمْرَ عَصى –انْتَهى- وهَذا وُقُوفٌ مَعَ ظاهِرِ ما هَهُنا، فَإنَّ الذَّوْقَ وُجُودُ الطَّعْمِ بِالفَمِ، وظاهِرٌ أنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الأكْلِ اليَسِيرِ، وهو المُرادُ هُنا، لِأنَّهُ وقَعَ في آيَةٍ أُخْرى مُصَرَّحًا بِالأكْلِ فِيها ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ﴾ أيْ: أخَذا يُرَقِّعانِ ويَلْزِقانِ ورَقَةً فَوْقَ ورَقَةٍ ﴿عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ " أيْ: لِيَسْتَتِرا بِهِ. قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ عَلى أنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ كانَ مِن شَرِيعَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ السَّتْرِ. قالَ القاضِي: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُوجِبُ الوُجُوبَ، إذْ لَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِن أنَّهُما فَعَلا ذَلِكَ. قالَ الأصَمُّ: وتَدُلُّ عَلى أنَّ السَّتْرَ مِن خُلُقِ آدَمَ وحَوّاءَ، وأنَّهُما كَرِها العُرْيَ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُما ثالِثٌ، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قُبْحِ التَّعَرِّي إلّا عِنْدَ الحاجَةِ. ﴿وناداهُما رَبُّهُما﴾ " أيْ يُذَكِّرُهُما النَّهْيَ السّابِقَ والأمْرَ والتَّجَنُّبَ عَنِ الشَّيْطانِ ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ " أيْ: عَنِ الأكْلِ مِنها: ﴿وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (p-٢٦٤٣)

الأعراف 7:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣] ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ " ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ أيْ أضْرَرْناها بِالمَعْصِيَةِ ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ " أيْ ما سَلَفَ ﴿وتَرْحَمْنا﴾ " أيْ بِالتَّوْبَةِ وقَبُولِها ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ " أيْ لَنَصِيرَنَّ مِمَّنْ خَسِرَ جَمِيعَ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الكَمالاتِ. قالَ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ في قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا﴾ " الآيَةَ: هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّاها آدَمُ مِن رَبِّهِ. لَطِيفَةٌ: قالَ الجَشْمِيُّ: يُقالُ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَعِدَ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: اعْتَرَفَ بِالذَّنْبِ، ونَدِمَ عَلَيْهِ، ولامَ نَفْسَهُ، وسارَعَ إلى التَّوْبَةِ، ولَمْ يَقْنَطْ مِنَ الرَّحْمَةِ. وشَقِيَ إبْلِيسُ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: لَمْ يُقِرَّ بِالذَّنْبِ، ولَمْ يَنْدَمْ، ولَمْ يَلُمْ نَفْسَهُ بَلْ أضافَ إلى رَبِّهِ فَلَمْ يَتُبْ، وقَنَطَ مِنَ الرَّحْمَةِ.

الأعراف 7:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤] ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ " أيْ: مِنَ الجَنَّةِ إلى ما عَداها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ اذْهَبُوا. وهو خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والعُمْدَةُ في العَداوَةِ آدَمُ وإبْلِيسُ، ولِهَذا قالَ في سُورَةِ طَهَ: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] الآيَةَ، وحَوّاءُ تَبَعٌ لِآدَمَ، والحَيَّةُ إنْ كانَ ذِكْرُها صَحِيحًا فَهي تَبَعٌ لِإبْلِيسَ. وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ الأماكِنَ الَّتِي هَبَطَ فِيها كُلٌّ مِنهم. ويَرْجِعُ حاصِلُ تِلْكَ الأخْبارِ إلى الإسْرائِيلِيّاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، ولَوْ كانَ في تَعْيِينِ تِلْكَ (p-٢٦٤٤)البِقاعِ فائِدَةٌ، تَعُودُ عَلى المُكَلَّفِينَ، في أمْرِ دِينِهِمْ أوْ دُنْياهُمْ، لَذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، أوْ رَسُولُهُ ﷺ. انْتَهى. ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ أيِ: اسْتِقْرارٌ أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ ﴿ومَتاعٌ﴾ " أيْ: تَمَتُّعٌ ومَعِيشَةٌ ﴿إلى حِينٍ﴾ " أيْ: إلى تَقَضِّي آجالِكم.

الأعراف 7:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٥] ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ ﴿قالَ فِيها﴾ " أيِ الأرْضِ ﴿تَحْيَوْنَ﴾ " تَعِيشُونَ ﴿وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ " أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] ثُمَّ ذَكَّرَهم سُبْحانَهُ بِنِعْمَتِهِ في تَبْوِئَةِ الدّارِ والمُسْتَقَرِّ في الأرْضِ وكُسُوَتِهِمْ لِباسًا يَسْتُرُونَ بِهِ سَوْءاتِهِمْ، بَعْدَما نَزَعَ عَنْهُما لِباسَ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِما هُمْ، بَعْدَ الإهْباطِ، مِنَ الحاجَةِ إلى اللِّباسِ والمَعاشِ. فَقالَ سُبْحانَهُ:

الأعراف 7:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦] ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْـزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ " ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْـزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ يَعْنِي ما يُلْبَسُ مِنَ الثِّيابِ وغَيْرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ ما في الأرْضِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ، لِأنَّهُ قَضى ثَمَّةَ وكَتَبَ، أيْ: قَضى وقَسَمَ لَكُمْ، وقَضاياهُ وقِسْمُهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ، حَيْثُ كُتِبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: لَمّا كانَ الرِّيشُ واللِّباسُ يَنْبُتانِ بِالمَطَرِ، والمَطَرُ يَنْزِلُ، جَعَلَ ما هو المُسَبِّبُ بِمَنزِلَةِ السَّبَبِ. انْتَهى. (p-٢٦٤٥)وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في فَتْوًى لَهُ في مَعْنى النُّزُولِ: لا حاجَةَ إلى إخْراجِ اللَّفْظِ عَنْ مَعْناهُ المَعْرُوفِ لُغَةً، فَإنَّ اللِّباسَ يَنْزِلُ مِن ظُهُورِ الأنْعامِ فامْتَنَّ سُبْحانَهُ بِما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الأنْعامِ في اللِّباسِ والأثاثِ، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - مَعْنى إنْزالِهِ، فَإنَّهُ يُنْزِلُهُ مِن ظُهُورِ الأنْعامِ، وهو كِسْوَةُ الأنْعامِ مِنَ الأصْوافِ والأوْبارِ والأشْعارِ، ويَنْتَفِعُ بِهِ بَنُو آدَمَ في اللِّباسِ والرِّياشِ، فَقَدْ أنْزَلَها عَلَيْهِمْ، وأكْثَرُ أهْلِ الأرْضِ كُسْوَتُهم مِن جُلُودِ الدَّوابِّ، فَهي لِدَفْعِ الحَرِّ والبَرْدِ، وأعْظَمُ مِمّا يُصْنَعُ مِنَ القُطْنِ والكِتّانِ. ﴿يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ " أيْ يَسْتُرُ عَوْراتِكُمُ الَّتِي قَصَدَ إبْلِيسُ إبْداءَها مِن أبَوَيْكم حَتّى اضْطَرّا إلى خَصْفِ الأوْراقِ، وأنْتُمْ مُسْتَغْنُونَ عَنْ ذَلِكَ ﴿ورِيشًا﴾ " عَطْفُهُ إمّا مِن عَطْفِ الصِّفاتِ، فَوَصَفَ اللِّباسَ بِشَيْئَيْنِ: مُواراةِ السَّوْأةِ والزِّينَةِ. فالرِّيشُ بِمَعْنى الزِّينَةِ، لِأنَّهُ زِينَةُ الطَّيْرِ فاسْتُعِيرَ مِنهُ. وإمّا مِن عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ، أيْ: أنْزَلْنا لِباسَيْنِ: لِباسَ مُواراةٍ، ولِباسَ زِينَةٍ، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المَوْصُوفُ، أيْ: لِباسًا رِيشًا، أيْ ذا رِيشٍ، والرِّيشُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِاسْمِ والمَصْدَرِ. ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وحَكاهُ البُخارِيُّ عَنْهُ: الرِّيشُ المالُ. وحَكاهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ أطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ المالِ، والمُرادُ بِهِ مالٌ مَخْصُوصٌ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَمالًا. وقُرِئَ رِيشًا. قالَ (p-٢٦٤٦)ابْنُ السِّكِّيتِ: الرِّياشُ هو الأثاثُ مِنَ المَتاعِ، ما كانَ مِن لِباسٍ أوْ حَشْوٍ مِن فِراشٍ أوْ دِثارٍ، والرِّيشُ: المَتاعُ والأمْوالُ، وقَدْ يَكُونُ في الثِّيابِ دُونَ الأمْوالِ. وإنَّهُ لَحَسَنُ الرِّيشِ، أيِ: الثِّيابِ. انْتَهى. ويُقالُ: راشَ فُلانٌ، أيْ: جَمَعَ الرِّيشَ، وهو المالُ والأثاثُ. وراشَ الصَّدِيقَ أطْعَمَهُ وسَقاهُ وكَساهُ، وأصْلُهُ مِنَ الرِّيشِ، كَأنَّ الفَقِيرَ المُمْلِقَ لا نُهُوضَ لَهُ، كالمَقْصُوصِ مِنهُ الجَناحُ وكُلُّ مَن أوْلَيْتَهُ خَيْرًا، فَقَدْ رِشْتَهُ -كَذا في تاجِ العَرُوسِ-. فائِدَةٌ: رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَنِ اسْتَجَدَّ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ، فَقالَ حِينَ يَبْلُغُ تَرْقُوَتَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسانِي ما أُوارِي بِهِ عَوْرَتِي، وأتَجَمَّلُ بِهِ في حَياتِي. ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْبِ الَّذِي أخْلَقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ، كانَ في ذَمِّهِ اللَّهِ تَعالى وفي جِوارِ اللَّهِ، وفي كَنَفِ اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتًا»» . ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ، ورَوى (p-٢٦٤٧)الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ أبِي مَطَرٍ أنَّهُ رَأى عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أتى غُلامًا حَدَثًا، فاشْتَرى مِنهُ قَمِيصًا بِثَلاثَةِ دَراهِمَ، ولَبَسَهُ إلى ما بَيْنَ الرُّسْغَيْنِ إلى الكَعْبَيْنِ، يَقُولُ ولَبَسَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي مِنَ الرِّياشِ ما أتَجَمَّلُ بِهِ في النّاسِ، وأُوارِي بِهِ عَوْرَتِي. فَقِيلَ: هَذا شَيْءٌ تَرْوِيهِ عَنْ نَفْسِكَ أوْ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ؟ قالَ: هَذا شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الكُسْوَةِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي مِنَ الرِّياشِ ما أتَجَمَّلُ بِهِ في النّاسِ وأُوارِي بِهِ عَوْرَتِي» . ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ساتِرَ الظّاهِرِ وزِينَتَهُ، أشارَ إلى ساتِرِ عُيُوبِ الباطِنِ وزِينَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ " أيْ: خَشْيَةُ اللَّهِ، أوِ الإيمانُ، أوِ السَّمْتُ الحَسَنُ، والكُلُّ مُتَقارِبٌ، ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ " أوْ خَيْرٌ، وذَلِكَ صِفَتُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولِباسُ التَّقْوى المُشارُ إلَيْهِ خَيْرٌ. قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ الظّاهِرَ مَحَلُّ نَظَرِ الخَلْقِ، والباطِنَ مَحَلُّ نَظَرِ الحَقِّ، والعُيُوبُ الباطِنَةُ أفْحَشُ مِنَ العَوْراتِ الظّاهِرَةِ. وقالَ القاشانِيُّ: لِباسُ التَّقْوى صِفَةُ الوَرَعِ والحَذَرِ مِن صِفَةِ النَّفْسِ، ذَلِكَ خَيْرٌ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ أرْكانِ الشَّرائِعِ، لِأنَّهُ أصْلُ الدِّينِ وأساسُهُ، كالحَمِيَّةِ في العِلاجِ. انْتَهى. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ لِصاحِبِهِ إذا أخَذَ بِهِ، وأقْرَبُ لَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، مِمّا خَلَقَ مِنَ اللِّباسِ والرِّياشِ الَّذِي يَتَجَمَّلُ بِهِ، قالَ: وأُضِيفَ اللِّباسُ إلى التَّقْوى، كَما أُضِيفَ إلى الجُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] –انْتَهى- (p-٢٦٤٨)أيْ: فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ بِأنْ يَتَوَهَّمَ لِلتَّقْوى حالَةً شَبِيهَةً بِاللِّباسِ، تَشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ بَدَنِهِ، بِحَسَبِ الوَرَعِ والخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، اشْتِمالُ اللِّباسِ عَلى اللّابِسِ، أوْ مِن قَبِيلِ (لُجَيْنِ الماءِ). وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ " بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى ﴿لِباسًا﴾ " . ﴿ذَلِكَ﴾ " أيْ:إنْزالُ اللِّباسِ ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ " الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ " أيْ: نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ فَيَعْرِفُونَ عَظَمَتَها فَيَشْكُرُونَها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ وارِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ عَقِيبَ ذِكْرِ بُدُوِّ السَّوْآتِ، وخَصْفِ الأوْراقِ عَلَيْها، إظْهارًا لِلْمِنَّةِ فِيما خَلَقَ مِنَ اللِّباسِ، ولِما في العُرْيِ، وكَشْفِ العَوْرَةِ مِنَ المَهانَةِ والفَضِيحَةِ، وإشْعارًا بِأنَّ التَّسَتُّرَ بابٌ عَظِيمٌ مِن أبْوابِ التَّقْوى. تَنْبِيهٌ: قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى عَظِيمِ نِعَمِهِ تَعالى بِهَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّها. وذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ مُوسى القَمْيُّ إلى أنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ. وقالَ آخَرُونَ: لا تَدُلُّ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ إلّا الإنْعامُ بِهِ مِن حَيْثُ نَفْيُ الحَرِّ والبَرْدِ وسَتْرِ العَوْرَةِ والتَّجَمُّلِ بِهِ، فَأمّا أنَّهُ واجِبٌ، فَبَعِيدٌ. ولَوْ ثَبَتَ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، احْتَجْنا إلى وُجُوبِهِ في شَرِيعَتِنا إلى دَلِيلٍ مُسْتَأْنِفٍ. وقَدْ ثَبَتَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وُجُوبُهُ بِالخَبَرِ المُسْتَفِيضِ والإجْماعِ، فَلا حاجَةَ إلى الرُّجُوعِ إلى شَرِيعَةٍ أُخْرى. وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى، كَما أنْعَمَ بِنِعَمِ الدُّنْيا، أنْعَمَ بِنِعَمِ الدِّينِ، فَإنَّ الأقْرَبَ أنَّ لِباسَ التَّقْوى العِلْمُ والعَمَلُ الصّالِحُ، فَكَأنَّهُ ضَمَّ إلى نِعَمِ الدُّنْيا نِعَمِ الدِّينِ الَّتِي بِها يَحْصُلُ الفَوْزُ بِالثَّوابِ، فَتَحْصُلُ نِعْمَةُ الدّارَيْنِ.

الأعراف 7:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧] ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْـزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ " أيْ لا يَخْدَعَنَّكم عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ، بِنَزْعِ لِباسِ (p-٢٦٤٩)الشَّرِيعَةِ والتَّقْوى عَنْكُمْ، فَيُخْرِجُكم مِن نَظَرِ اللَّهِ بِالرَّحْمَةِ إلَيْكُمْ: ﴿كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ لا يَفْتِنَنَّكم فِتْنَةً مِثْلَ إخْراجِ أبَوَيْكم. ﴿يَنْـزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ " أيِ الظّاهِرُ بِسَبَبِ نَزْعِ لِباسِ التَّقْوى ﴿لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ " أيِ الظّاهِرَةُ الدّالَّةُ عَلى السَّوْأةِ الباطِنَةِ. وجُمْلَةُ ﴿يَنْـزِعُ﴾ " حالٌ مِن ﴿أبَوَيْكُمْ﴾ " أوْ مِن فاعِلِ " أخْرَجَ "، أيْ: أخْرَجَهُما نازِعًا لِباسَهُما، بِأنْ كانَ سَبَبًا في أنْ نَزَعَ عَنْهُما، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ. تَنْبِيهانِ: الأوَّلُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اَسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَتَيْنِ مَن قالَ: إنَّ العَوْرَةَ هي السَّوْأتانِ خاصَّةً -انْتَهى. الثّانِي: قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حُصُولُ العِبْرَةِ لِمَن يَسْمَعُها، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ، وبَيَّنَ فِيها شِدَّةَ عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِآدَمَ وأوْلادِهِ، أتْبَعَها بِأنْ حَذَّرَ أوْلادَهُ مِن قَبُولِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، فَقالَ: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] " الآيَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لَمّا بَلَغَ أثَرُ كَيْدِهِ، ولُطْفُ وسْوَسَتِهِ، وشِدَّةُ اهْتِمامِهِ، إلى أنْ قَدَرَ عَلى إلْقاءِ آدَمَ في الزَّلَّةِ المُوجِبَةِ لِإخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ - فَبِأنْ يَقْدِرَ عَلى أمْثالِ هَذِهِ المَضارِّ في حَقِّ بَنِي آدَمَ أوْلى. فَبِهَذا الطَّرِيقِ حَذَّرَ تَعالى بَنِي آدَمَ بِالِاحْتِرازِ عَنْ وسْوَسَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ﴾ أيْ: جُنُودُهُ مِنَ الشَّياطِينِ: ﴿مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ أيْ مِن مَكانٍ لا تَرَوْنَهم فِيهِ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ، وتَأْكِيدِ التَّحْذِيرِ مِن فِتْنَتِهِ بِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ العَدُوِّ المُداجِي، يَكِيدُكم ويَغْتالُكم مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُونَ. عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: إنَّ عَدُوًّا يَراكَ ولا تَراهُ، لَشَدِيدُ المُؤْنَةِ، إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ. تَنْبِيهٌ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): قالَ ابْنُ الفَرَسِ: اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ وأنَّ مَن قالَ إنَّهم يُرَوْنَ فَهو كافِرٌ –انْتَهى- ومُرادُهُ بِالبَعْضِ، المُعْتَزِلَةُ، ولِذا (p-٢٦٥٠)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ ولا يَظْهَرُونَ لِلْإنْسِ، وأنَّ إظْهارَهم أنْفُسَهم لَيْسَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، وأنَّ زَعْمَ مَن يَدَّعِي رُؤْيَتَهم زُورٌ ومَخْرَقَةٌ. انْتَهى. وقالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ العامَّةِ إنَّ الشَّيْطانَ يُتَصَوَّرُ لَنا ونَراهُ. ثُمَّ قالَ: ومَتى قِيلَ: ألَيْسَ يُرَوْنَ زَمَنَ الأنْبِياءِ، ويَرى المُعايِنُ المَلَكَ؟ فَجَوابُنا: أنَّهُ يَزْدادُ قُوَّةُ الشُّعاعِ أوْ تَتَكاثَفُ أبْدانُهُمْ، فَيَكُونُ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ -انْتَهى. وأجابَ أهْلُ السُّنَّةِ كَما في (العِنايَةِ): بِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُمْ، بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المَشْهُورَةِ، وهي لا تُعارِضُ ما في الآيَةِ لِأنَّ المَنفِيَّ فِيها رُؤْيَتُهم إذا لَمْ يَتَمَثَّلُوا لَنا. وقالَ في فَتْحِ البَيانِ: وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ رُؤْيَةَ الشَّيْطانِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. وغايَةُ ما فِيها أنَّهُ يَرانا مِن حَيْثُ لا نَراهُ ولَيْسَ فِيها أنّا لا نَراهُ أبَدًا، فَإنَّ انْتِفاءَ الرُّؤْيَةِ مِنّا لَهُ، في وقْتِ رُؤْيَتِهِ لَنا، لا يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَها مُطْلَقًا. والحَقُّ جَوازُ رُؤْيَتِهِمْ كَما هو ظاهِرُ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وتَكُونُ الآيَةُ مَخْصُوصَةً بِها، فَيَكُونُونَ مَرْئِيِّينَ في بَعْضِ الأحْيانِ لِبَعْضِ النّاسِ دُونَ بَعْضٍ –انْتَهى-. وقَدْ أوْضَحَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ رُؤْيا الجِنِّ والشَّياطِينِ بِرُؤْيا المَلائِكَةِ حَيْثُ قالَ في (الرُّكْنِ الثّانِي): المَلائِكَةُ والجِنُّ والشَّياطِينُ جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها مُخْتَلِفَةٌ بِالحَقائِقِ اخْتِلافًا يَكُونُ بَيْنَ الأنْواعِ. ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ تُشاهَدَ هَذِهِ الجَواهِرُ - أعْنِي جَواهِرَ المَلائِكَةِ- وإنْ كانَتْ غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ. وهَذِهِ المُشاهَدَةُ عَلى ضَرْبَيْنِ: إمّا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وكَما كانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، يَرى جِبْرِيلَ في صُورَةِ دَحْيَةَ الكَلْبِيِّ. (p-٢٦٥١)والقِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ لِبَعْضِ المَلائِكَةِ بَدَنٌ مَخْصُوصٌ، كَما أنَّ نُفُوسَنا غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ ولَها بَدَنٌ مَحْسُوسٌ هو مَحَلُّ تَصَرُّفِها وعالَمُها الخاصُّ بِها، فَكَذَلِكَ بَعْضُ المَلائِكَةِ، ورُبَّما كانَ هَذا البَدَنُ المَحْسُوسُ مَوْقُوفًا عَلى إشْراقِ نُورِ النُّبُوَّةِ، كَما أنَّ مَحْسُوساتِ عالَمِنا هَذا مَوْقُوفَةٌ عِنْدَ الإدْراكِ عَلى إشْراقِ نُورِ الشَّمْسِ، وكَذا في الجِنِّ والشَّياطِينِ -انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ، يَزِيدُونَ في غَيِّهِمُ –انْتَهى- والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلنَّهْيِ، وفِيهِ تَحْذِيرٌ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ.

الأعراف 7:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٨] ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ " أيْ: ما تَناهى قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، كالشِّرْكِ وكَشْفِ العَوْرَةِ في الطَّوافِ (p-٢٦٥٢)﴿قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ أيْ: إذا فَعَلُوها اعْتَذَرُوا بِأنَّ آباءَهم كانُوا يَفْعَلُونَها، فاقْتَدَوْا بِهِمْ، وبِأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِأنْ يَفْعَلُوها، حَيْثُ أقَرَّنا عَلَيْها، إذْ لَوْ كَرِهَها لَنَقَلَنا عَنْها، وهُما باطِلانِ، لِأنَّ أحَدَهُما تَقْلِيدٌ لِلْجُهّالِ، والتَّقْلِيدُ لَيْسَ بِطَرِيقٍ لِلْعِلْمِ، والثّانِي افْتِراءٌ عَلى ذِي الجَلالِ. قالَ الشِّهابُ: في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أمَرَنا﴾ ": مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ أمَرَ آباءَنا، فَلا يُقالُ الظّاهِرُ أمْرُهم بِها، والعُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إشارَةٌ إلى ادِّعاءِ أنَّ أمْرَ آبائِهِمْ أمْرٌ لَهم. ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ " أيْ: هَذا الَّذِي تَصْنَعُونَهُ فاحِشَةٌ مُنْكَرَةٌ، واللَّهُ لا يَأْمُرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، لِأنَّ عادَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَرَتْ عَلى الأمْرِ بِمَحاسِنِ الأفْعالِ والحَثِّ عَلى مَكارِمِ الخِصالِ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إنْكارٌ لِإضافَتِهِمُ الأمْرَ بِالفَحْشاءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ تَعالى، وفِيهِ شَهادَةٌ عَلى أنَّ مَبْنى قَوْلِهِمْ عَلى الجَهْلِ المُفْرِطِ. قالَ الشِّهابُ: ولا دَلِيلَ في الآيَةِ لِمَن نَفى القِياسَ، بِناءً عَلى أنَّ ما يَثْبُتُ بِهِ مَظْنُونٌ لا مَعْلُومٌ، لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ في عُمُومِها بِإجْماعِ الصَّحابَةِ ومَن يَعْتَدُّ بِهِ، أوْ بِدَلِيلٍ آخَرَ. تَنْبِيهٌ: قالَ مُجاهِدٌ: كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، يَقُولُونَ: نَطُوفُ كَما ولَدَتْنا أُمَّهاتُنا، فَتَضَعُ المَرْأةُ عَلى قُبُلِها النِّسْعَةَ أوِ الشَّيْءَ وتَقُولُ: ؎اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَتِ العَرَبُ، ما عَدا قُرَيْشًا، لا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ في ثِيابِهِمُ الَّتِي لَبِسُوها، يَتَأوَّلُونَ في ذَلِكَ أنَّهم لا يَطُوفُونَ في ثِيابٍ عَصَوُا اللَّهَ فِيها. وكانَتْ قُرَيْشٌ - وهُمُ الحُمْسُ - يَطُوفُونَ في ثِيابِهِمْ، ومَن أعارَهُ أحْمَسِيٌّ ثَوْبًا طافَ فِيهِ، ومَن مَعَهُ ثَوْبٌ جَدِيدٌ طافَ فِيهِ ثُمَّ يُلْقِيهِ، فَلا يَتَمَلَّكُهُ أحَدٌ، ومَن لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا جَدِيدًا، ولا أعارَهُ أحْمَسِيٌّ ثَوْبًا، (p-٢٦٥٣)طافَ عُرْيانًا، ورُبَّما كانَتِ امْرَأةً، فَتَطُوفُ عُرْيانَةً، فَتَجْعَلُ عَلى فَرْجِها شَيْئًا لِيَسْتُرَهُ بَعْضَ السَّتْرِ، فَتَقُولُ: اليَوْمَ يَبْدُو... - البَيْتَ- وأكْثَرُ ما كانَ النِّساءُ يَطُفْنَ بِاللَّيْلِ، وكانَ هَذا شَيْئًا قَدِ ابْتَدَعُوهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، واتَّبَعُوا فِيهِ آباءَهُمْ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّ فِعْلَ آبائِهِمْ مُسْتَنِدٌ إلى أمْرٍ مِنَ اللَّهِ وشَرْعٌ، فَأنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وذَكَرَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا؛ أنَّها نَزَلَتْ في طَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، رَواهُ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ، قالَ: فَفِيها وُجُوبُ سَتْرِ العَوْرَةِ في الطَّوافِ. تَنْبِيهانِ: الأوَّلُ: ذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ الإرادَةَ مَدْلُولُ الأمْرِ، ولازِمَةٌ لَهُ، والفَحْشاءُ -أعْنِي الشُّرُورَ والمَعاصِيَ- غَيْرُ مَأْمُورٍ بِها بِنَصِّ الآيَةِ، فَلا تَكُونُ مُرادَةً لَهُ تَعالى. وأجابَ أهْلُ السُّنَّةِ بِأنَّ الأمْرَ قَدْ يَنْفَكُّ عَنِ الإرادَةِ، بِمَعْنى أنَّهُ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، فَلا تَكُونُ الإرادَةُ تابِعَةً لَهُ وُجُودًا. ومِمّا يُوَضِّحُ أنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُؤْمَرُ بِهِ ولا يَكُونُ مُرادًا، أنَّ السَّيِّدَ إذا أرادَ أنْ يُظْهِرَ عَلى الحاضِرِينَ عِصْيانَ عَبْدِهِ، يَأْمُرُهُ بِالشَّيْءِ ولا يُرِيدُهُ مِنهُ. ومِنها أنَّ الأمْرَ أمْرانِ: أمْرٌ تَكْوِينِيٌّ: يَحْصُلُ بِهِ وُجُودُ الأشْياءِ، وهو خِطابُ (كُنْ) وهو تابِعٌ لِلْإرادَةِ، ويَعُمُّ جَمِيعَ الكائِناتِ. فالطّاعاتُ والمَعاصِي كُلُّها مَأْمُورَةٌ ومُرادَةٌ بِهَذا الأمْرِ، ولا يَتَعَلَّقُ بِهَذا الأمْرِ الطّاعَةُ والعِصْيانُ والثَّوابُ والعِقابُ. لِأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالأشْياءِ حالَ العَدَمِ. وأمْرٌ تَشْرِيعِيٌّ تَدْوِينِيٌّ: أيْ شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ، وكَلَّفَهم بِهِ، مِمّا دُوِّنَ في كُتُبِ الشَّرِيعَةِ وبُيِّنَ. وهَذا الأمْرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الطّاعَةُ والعِصْيانُ والثَّوابُ والعِقابُ والرِّضا والسُّخْطُ، والكُفْرُ والمَعاصِي لَيْسَتْ مَأْمُورَةً بِهَذا الأمْرِ. والمُعْتَزِلَةُ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وقالُوا: إنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ لَوْ كانَتْ مُرادَهُ تَعالى، لَكانَتْ مَأْمُورًا بِها، وإتْيانُ المَأْمُورِ بِهِ طاعَةٌ، فَيَكُونُ الكافِرُ والفاسِقُ مُطِيعَيْنِ، فَإنَّهُما مَأْمُورٌ بِهِما بِالأمْرِ الأوَّلِ، ولَيْسَ مَأْمُورًا بِهِما بِالأمْرِ الثّانِي، حَتّى يَكُونَ إتْيانُهُما طاعَةً. (p-٢٦٥٤)قالَ السَّيْلَكُوتِيُّ: ولا يَخْفى عَلَيْكَ تَقْسِيمُ الأمْرِ إلى أمْرَيْنِ، إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] عَلى ظاهِرِهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ. وأمّا إذا كانَ عِبارَةً عَنِ الإيجادِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِها خِطابٌ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأشْعَرِيُّ ومَن تَبِعَهُ، فَلا. انْتَهى. والمَسْألَةُ مَبْسُوطَةٌ في مِحالِها المَعْرُوفَةِ. الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ جَوابٌ عَنْ شُبْهَتِهِمُ الثّانِيَةِ. ولَمْ يَذْكُرْ جَوابًا عَنِ الأُولى، قالَ الإمامُ: لِأنَّها إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّقْلِيدِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في المَعْقُولِ أنَّهُ طَرِيقَةٌ فاسِدَةٌ، لِأنَّ التَّقْلِيدَ حاصِلٌ في الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ. فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ حَقًّا، لَزِمَ القَوْلُ بِحَقِّيَّةِ الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ، فَلَمّا كانَ فَسادُهُ ظاهِرًا، لَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى. الثّالِثُ: قالَ في (فَتْحِ البَيانِ): في هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ أعْظَمُ زاجِرٍ، وأبْلَغُ واعِظٍ، لِلْمُقَلِّدَةِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ آباءَهم في المَذاهِبِ المُخالِفَةِ لِلْحَقِّ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن الِاقْتِداءِ بِأهْلِ الكُفْرِ، لا بِأهْلِ الحَقِّ، فَإنَّهُمُ القائِلُونَ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] والقائِلُونَ: ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ والمُقَلِّدُ، لَوْلا اغْتِرارُهُ بِكَوْنِهِ وجَدَ آباءَهُ عَلى ذَلِكَ المَذْهَبِ، مَعَ اعْتِقادِهِ بِأنَّهُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وأنَّهُ الحَقُّ -لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ-. وهَذِهِ الخَصْلَةُ هي الَّتِي بَقِيَ بِها اليَهُودِيُّ عَلى يَهُودِيَّتِهِ، والنَّصْرانِيُّ عَلى نَصْرانِيَّتِهِ، والمُبْتَدِعُ عَلى بِدْعَتِهِ، فَما أبْقاهم عَلى هَذِهِ الضَّلالاتِ إلّا كَوْنُهم وجَدُوا آباءَهم في اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ والبِدْعَةِ، وأحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِمْ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ هو الحَقُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولَمْ يَنْظُرُوا لِأنْفُسِهِمْ ولا طَلَبُوا الحَقَّ كَما يَجِبُ، ولا بَحَثُوا عَنِ اللَّهِ كَما يَنْبَغِي. وهَذا هو التَّقْلِيدُ البَحْتُ، والقُصُورُ الخالِصُ. ثُمَّ قالَ: وإنَّ مِن أعْجَبِ الغَفْلَةِ وأعْظَمِ الذُّهُولِ عَنِ الحَقِّ، اخْتِيارُ المُقَلِّدَةِ لِآراءِ (p-٢٦٥٥)الرِّجالِ، مَعَ وُجُودِ كِتابِ اللَّهِ ووُجُودِ سُنَّةِ رَسُولِهِ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ، ووُجُودِ مَن يَأْخُذُونَهُما عَنْهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ووُجُودِ آلَةِ الفَهْمِ لَدَيْهِمْ، ومَلَكَةِ العَقْلِ عِنْدَهُمُ. انْتَهى. ولَمّا نَفى ما تَقَوَّلُوهُ عَلَيْهِ، وأخْبَرَ أنَّهُ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ، بَيَّنَ ما أمَرَ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى

الأعراف 7:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩] ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ " أيْ: بِالعَدْلِ، ولِلسَّلَفِ فِيهِ هُنا وُجُوهٌ: ما ظَهَرَ في العُقُولِ كَوْنُهُ حَسَنًا، أوِ التَّوْحِيدُ، أوْ كَلِمَةُ الإخْلاصِ. وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ: جَمِيعُ الطّاعاتِ. قالَ الحاكِمُ: وهو الوَجْهُ: ولا يَخْفى أنَّ الجَمِيعَ مِمّا يَشْمَلُهُ (القِسْطُ) فَلا مُنافاةَ. ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الأمْرِ الَّذِي يَنْحَلُّ إلَيْهِ المَصْدَرُ مَعَ (أنْ). أيْ: بِأنْ أقْسِطُوا وأقِيمُوا، والمَصْدَرُ يَنْحَلُّ إلى الماضِي والمُضارِعِ والأمْرِ، كَما نَقَلَهُ المُعْرِبُ. أوْ مَعْطُوفٌ عَلى " أمَرَ رَبِّي " أيْ: قُلْ أقِيمُوا. قالَ الجُرْجانِيُّ: الأمْرُ مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ، لِأنَّ المَقْصُودَ لَفْظُهُ، أوْ لِأنَّهُ إنْشاءٌ مَعْنًى. انْتَهى. والوُجُوهُ مَجازٌ عَنِ الذَّواتِ. ومَسْجِدٌ إمّا مَصْدَرٌ، والوَقْتُ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، و" عِنْدَ " بِمَعْنى (فِي)، أيْ: أقِيمُوا ذَواتِكم في كُلِّ وقْتِ سُجُودٍ، وذَلِكَ بِمَنعِها عَنْ الِالتِفاتِ إلى الغَيْرِ فِيهِ، وبِمُراعاةِ مُوافَقَةِ الأمْرِ مَعَ صِدْقِ النِّيَّةِ، أوْ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ فِيهِ، وإمّا اسْمُ زَمانٍ أوْ مَكانٍ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، أيْ في كُلِّ وقْتِ سُجُودٍ أوْ مَكانِهِ. والسُّجُودُ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ مَجازٌ عَنِ الصَّلاةِ، أوِ المَسْجِدُ هو المُصْطَلَحُ عَلَيْهِ، والمَعْنى: في أيِّ مَسْجِدٍ حَضَرَتْكُمُ الصَّلاةُ ولا تُؤَخِّرُوها حَتّى تَعُودُوا إلى مَساجِدِكُمْ، والأمْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلنَّدْبِ، قِيلَ: وهو لا يُناسِبُ المَقامَ، وإمّا عَلى ما قَبْلَهُ، فَهو لِلْوُجُوبِ. وهَذِهِ الوُجُوهُ مُسْتَفادَةٌ مِمّا رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ. قالَ في (اللُّبابِ): مَعْنى الآيَةِ في قَوْلِ (p-٢٦٥٦)مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: وجِّهُوا وُجُوهَكم حَيْثُما كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَعْنى إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وأنْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ فَصَلُّوا فِيها، ولا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: أُصَلِّي في مَسْجِدِي، أوْ مَسْجِدِ قَوْمِي، وقِيلَ مَعْناهُ اجْعَلُوا سُجُودَكم لِلَّهِ خالِصًا. ﴿وادْعُوهُ﴾ " أيِ: اعْبُدُوهُ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ " أيِ: الطّاعَةَ بِتَخْصِيصِها لَهُ، لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ عِبادَتَكم بِإبْدائِهِ إيّاكُمْ، ولا يَسَعُكم تَرْكُها، إذْ إلَيْهِ عَوْدُكم بِالآخِرَةِ، فَإنَّهُ ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ " أيْ: كَما أنْشَأكُمُ ابْتِداءً، يُعِيدُكم إلَيْهِ أحْياءً، فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكُمْ، فَأخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ. وإنَّما شَبَّهَ الإعادَةَ بِالِابْتِداءِ، تَقْرِيرًا لِإمْكانِها والقُدْرَةِ عَلَيْها.

الأعراف 7:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٠] ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى﴾ " بِأنْ وفَّقَهم لِلْإيمانِ ﴿وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ " وهُمُ الكافِرُونَ ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ﴾ " أيْ: أنْصارًا وأرْبابًا ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ " حَيْثُ أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ " أيْ: أنَّهم عَلى هِدايَةٍ وحَقٍّ فِيما اعْتَقَدُوا. تَنْبِيهانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ مِن أبْيَنِ الدَّلالَةِ عَلى خَطَأِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ رَكِبَها، أوْ ضَلالَةٍ اعْتَقَدَها، إلّا أنْ يَأْتِيَها بَعْدَ عِلْمٍ مِنهُ بِصَوابِ وجْهِها، فَيَرْكَبُها عِنادًا مِنهُ لِرَبِّهِ فِيها، لِأنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ فَرِيقِ الضَّلالَةِ الَّذِي ضَلَّ، وهو يَحْسَبُ أنَّهُ مُهْتَدٍ، وفَرِيقِ الهُدى فَرْقٌ، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ أسْمائِهِما وأحْكامِهِما في هَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى. (p-٢٦٥٧)وحاصِلُهُ، كَما قالَ القاضِي: إنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الكافِرَ المُخْطِئَ والمُعانِدَ سَواءٌ في اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ. قالَ القاضِي: ولِلْفارِقِ أنْ يَحْمِلَهُ عَلى المُقَصِّرِ في النَّظَرِ، أيْ: يَحْمِلُ الضَّمِيرَ في " اتَّخَذُوا " عَلى الكافِرِ المُقَصِّرِ في النَّظَرِ. وأمّا الَّذِينَ اجْتَهَدُوا وبَذَلُوا الوُسْعَ فَمَعْذُورُونَ، كَما هو مَذْهَبُ البَعْضِ- كَذا في (العِنايَةِ). الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ والحُسْبانِ لا يَكْفِي في صِحَّةِ الدِّينِ، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الجَزْمِ والقَطْعِ واليَقِينِ، لِأنَّهُ تَعالى عابَ الكُفّارَ بِأنَّهم يَحْسَبُونَ كَوْنَهم مُهْتَدِينَ. ولَوْلا أنَّ هَذا الحُسْبانَ مَذْمُومٌ، لَما ذَمَّهم بِذَلِكَ. انْتَهى. قالَ المَهايِمِيُّ: ومِمّا حَسِبُوا فِيهِ أنَّهم مُهْتَدُونَ بِمُتابَعَةِ الشَّيْطانِ، تَرْكُهُمُ التَّزَيُّنَ والتَّلَذُّذَ مَعَ العِبادَةِ، فَطافُوا عُراةً، وتَرْكُهُمُ اللَّحْمَ والسُّمَّ مَعَ الإحْرامِ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ:

الأعراف 7:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣١] ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ " أيْ: مِنَ اللِّباسِ ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ " أيْ: بَيْتٍ بُنِيَ لِلْعِبادَةِ، عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى السُّجُودِ، مُرادًا بِهِ الصَّلاةُ والعِبادَةُ، فَإنَّ العِبادَةَ أوْلى أوْقاتِ التَّزَيُّنِ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ " أيّامَ الحَجِّ تَقَوِّيًا عَلى العِبادَةِ ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ " أيْ: إسْرافًا يُوجِبُ الِانْهِماكَ في الشَّهَواتِ ويَشْغَلُ عَنِ العِبادَةِ، أوْ لا تُحَرِّمُوا الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ واللَّحْمِ والدَّسَمِ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ " المُعْتَدِينَ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: كَما أسْلَفْنا في مُقَدِّمَةِ هَذا التَّفْسِيرِ، أنَّ مِن فَوائِدِ مَعْرِفَةِ سَبَبَ النُّزُولِ الوُقُوفَ عَلى المَعْنى، وإزالَةَ الإشْكالِ، وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما أجْمَلْنا تَفْسِيرَها بِما ذَكَرْنا، لِأنَّها نَزَلَتْ في ذَلِكَ. (p-٢٦٥٨)فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ تَطُوفُ بِالبَيْتِ وهي عُرْيانَةٌ، فَتَقُولُ: مَن يُعِيرُنِي تِطْوافًا؟ تَجْعَلُهُ عَلى فَرْجِها وتَقُولُ: ؎اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ " الآيَةَ. ونَزَلَتْ ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] " الآيَةَ. وعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَطُوفُونَ عُراةً، الرِّجالُ بِالنَّهارِ، والنِّساءُ بِاللَّيْلِ، وكانَتِ المَرْأةُ تَقُولُ: ؎اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ ∗∗∗ فَما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ فَنَزَلَتْ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ " . قالَ في (اللُّبابِ): وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ: فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَلْبَسُوا ثِيابَهم ولا يَتَعَرَّوْا ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كانَ رِجالٌ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالزِّينَةِ، والزِّينَةُ اللِّباسُ، وهو ما يُوارِي السَّوْأةَ، وما سِوى ذَلِكَ مِن جَيِّدِ البَزِّ والمَتاعِ، فَأُمِرُوا أنْ يَأْخُذُوا زِينَتَهم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: أُمِرُوا بِلَبْسِ الثِّيابِ، وأخْرَجَ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قالَ: الشَّمْلَةُ (p-٢٦٥٩)مِنَ الزِّينَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ حَيٌّ مِن أهْلِ اليَمَنِ إذا قَدِمَ أحَدُهم حاجًّا أوْ مُعْتَمِرًا يَقُولُ: لا يَنْبَغِي لِي أنْ أطُوفَ في ثَوْبٍ قَدْ عَصَيْتُ فِيهِ، فَيَقُولُ: مَن يُعِيرُنِي مِئْزَرًا؟ فَإنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وإلّا طافَ عُرْيانًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ما تَسْمَعُونَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ " الآيَةَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ تَطُوفُ بِالبَيْتِ عُراةً إلّا الحُمْسَ -وهم قُرَيْشٌ وأحْلافُهُمْ- فَمَن جاءَ مِن غَيْرِ الحُمْسِ، وضَعَ ثِيابَهُ، وطافَ في ثَوْبٍ أحْمَسِيٍّ، ويَرى أنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَلْبَسَ ثِيابَهُ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُعِيرُهُ مِنَ الحُمْسِ فَإنَّهُ يُلْقِي ثِيابَهُ، ويَطُوفُ عُرْيانًا. وإنْ طافَ في ثِيابِ نَفْسِهِ ألْقاها، إذا قَضى طَوافَهُ وحَرَّمَها، أيْ جَعَلَها حَرامًا عَلَيْهِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ " . والمُرادُ مِنَ الزِّينَةِ الثِّيابُ الَّتِي تَسْتُرُ العَوْرَةَ. قالَ مُجاهِدٌ: ما يُوارِي عَوْراتِكُمْ، ولَوْ عَباءَةً - انْتَهى - قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَكَذا قالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ ومالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وغَيْرُ واحِدٍ مِن أئِمَّةِ السَّلَفِ في تَفْسِيرِها: أنَّها نَزَلَتْ في طَوافِ المُشْرِكِينَ بِالبَيْتِ عُراةً –انْتَهى-. فَظَهَرَ أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ لِأنَّهُ اللّازِمُ المَأْمُورُ بِهِ الَّذِي بَيَّنَهُ سَبَبُ النُّزُولِ، دُونَ لِباسِ التَّجَمُّلِ المُتَبادِرِ مِنهُ، لِأنَّ المُسْتَفادَ مِن " خُذُوا " هو وُجُوبُ الأخْذِ، ولِباسُ التَّجَمُّلِ مَسْنُونٌ -قالَهُ الشِّهابُ - وأقُولُ دَلَّتِ الآيَةُ بِما أفادَهُ سَبَبُ نُزُولِها عَلى أنَّ الزِّينَةَ لا تَخْتَصُّ لُغَةً بِالجَيِّدِ مِنَ اللِّباسِ كَما تُوُهِّمَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما نَقَلْناهُ. وفِي (التَّهْذِيبِ): الزِّينَةُ اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ شَيْءٍ يَتَزَيَّنُ بِهِ. ومِثْلُهُ في (الصِّحاحِ) و(القامُوسِ) وعِبارَتُهُ: الزِّينَةُ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ. وقالَ الحَرّانِيُّ: الزِّينَةُ تَحْسِينُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ مِن لُبْسَةٍ أوْ حِلْيَةٍ أوْ هَيْئَةٍ. وقالَ الرّاغِبُ: الزِّينَةُ الحَقِيقِيَّةُ ما لا يَشِينُ الإنْسانَ في شَيْءٍ مِن أحْوالِهِ، ولا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ -انْتَهى. وقَدْ نَقَلَ الرّازِيُّ إجْماعَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِ(الزِّينَةِ) لُبْسُ الثِّيابِ الَّتِي تَسْتُرُ العَوْرَةَ. (p-٢٦٦٠)قالَ: والزِّينَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِالسَّتْرِ التّامِّ لِلْعَوْراتِ. قالَ: وأيْضًا إنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿قَدْ أنْـزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦] فَبَيَّنَ أنَّ اللِّباسَ الَّذِي يُوارِي السَّوْأةَ مِن قَبِيلِ الرِّياشِ والزِّينَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأخْذِ الزِّينَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الزِّينَةِ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في تِلْكَ الآيَةِ. وأيْضًا فَقَوْلُهُ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ " أمْرٌ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ. فَثَبَتَ أنَّ أخْذَ الزِّينَةِ واجِبٌ، وكُلُّ ما سِوى اللُّبْسِ فَغَيْرُ واجِبٍ، فَوَجَبَ حَمْلُ الزِّينَةِ عَلى اللُّبْسِ عَمَلًا بِالنَّصِّ بِقَدْرِ الإمْكانِ. ولا يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ " أمْرُ إباحَةٍ، فَيَكُونُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ الظّاهِرِ في المَعْطُوفِ، تَرْكُهُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. هَذا، وقَدْ رَوى الحافِظُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ والأوْزاعِيِّ عَنْ قَتادَةَ «عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: أنَّها نَزَلَتْ في الصَّلاةِ في النِّعالِ» . وكَذا أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفي صِحَّتِهِ نَظَرٌ -واللَّهُ أعْلَمُ- قُلْتُ: لا نَظَرَ، لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا تَشْمَلُهُ الزِّينَةُ، وقَدْ أسْلَفْنا في المُقَدِّمَةِ أنَّ قَوْلَهُمْ: (نَزَلَتْ في كَذا)، لا يُقْصَدُ بِهِ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ مَخْصُوصٌ بِهِ، بَلْ مَخْصُوصَةٌ بِنَوْعِهِ، فَتَعُمُّ ما أشْبَهَهُ، فَتَذَكَّرْ. والأحادِيثُ في مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ في النَّعْلِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، مِنها: عَنْ أبِي مَسْلَمَةَ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، قالَ: «سَألْتُ أنَسًا: أكانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي في نَعْلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). قالَ العِراقِيُّ في (شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ): ومِمَّنْ كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ -يَعْنِي لُبْسَ النَّعْلِ في الصَّلاةِ- عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعُوَيْمِرُ بْنُ ساعِدَةَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ وأوْسٌ الثَّقَفِيُّ، ومِنَ التّابِعِينَ: سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ والقاسِمُ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ومُجاهِدٌ وطاوُسٌ وشُرَيْحٌ القاضِي، وأبُو مِجْلَزٍ وأبُو عُمَرَ الشَّيْبانِيُّ والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْنُهُ أبُو جَعْفَرٍ. انْتَهى. (p-٢٦٦١)وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ أنَّهُ قالَ: قالَ ﷺ: ««إذا جاءَ أحَدُكم إلى المَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإنْ رَأى في نَعْلَيْهِ قَذَرًا أوْ أذًى فَلْيَمْسَحْهُ ولْيُصَلِّ فِيهِما»» . «وحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي حافِيًا ومُنْتَعِلًا» . أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ. الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ السَّتْرِ عِنْدَ الطَّوافِ، لِأنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ، قالُوا: واللَّفْظُ شامِلٌ لِلصَّلاةِ لِأنَّها مَفْعُولَةٌ في المَسْجِدِ. الثّالِثُ: حاوَلَ بَعْضُهُمُ اسْتِنْباطَ التَّجَمُّلِ عِنْدَ الصَّلاةِ مِنها حَيْثُ قالَ: لَمّا دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ أخْذِ الزِّينَةِ بِسَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ، فُهِمَ مِنها، في الجُمْلَةِ، حُسْنُ التَّزَيُّنِ بِلُبْسِ ما فِيهِ حُسْنٌ (p-٢٦٦٢)وجَمالٌ فِيها. قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: ظاهِرُ الآيَةِ الأمْرُ بِأخْذِ الزِّينَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، لِلْفَضْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ تَعْظِيمًا لِلْمَسْجِدِ والفِعْلِ الواقِعِ فِيهِ، مِثْلَ الِاعْتِكافِ والصَّلاةِ والطَّوافِ. وقالَ ابْنُ الفُرْسِ: اسْتَدَلَّ مالِكٌ بِالآيَةِ عَلى كَراهِيَةِ الصَّلاةِ في مَساجِدِ القَبائِلِ بِغَيْرِ أرْدِيَةٍ، واسْتَدَلَّ بِها قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمَرْأةِ أنْ تُصَلِّيَ بِغَيْرِ قِلادَةٍ أوْ قُرْطَيْنِ، كَذا في (الإكْلِيلِ)، والأخِيرُ مِنَ الغُلُوِّ في النَّزْعِ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولِهَذِهِ الآيَةِ وما ورَدَ في مَعْناها مِنَ السُّنَّةِ، يُسْتَحَبُّ التَّجَمُّلُ عِنْدَ الصَّلاةِ، ولا سِيَّما يَوْمُ الجُمُعَةِ ويَوْمُ العِيدِ. والطِّيبُ لِأنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ، والسِّواكُ لِأنَّهُ مِن تَمامِ ذَلِكَ. ومِن أفْضَلِ اللِّباسِ البَياضُ لِما رَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««البَسُوا مِن ثِيابِكُمُ البَياضَ، فَإنَّها مِن خَيْرِ ثِيابِكم وكَفِّنُوا فِيها مَوْتاكم. وإنَّ مِن خَيْرِ أكْحالِكُمُ الإثْمَدَ، يَجْلُو البَصَرَ ويُنْبِتُ الشَّعَرَ»» ولِأحْمَدَ وأهْلِ السُّنَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««عَلَيْكم بِالثِّيابِ البِيضِ فالبَسُوها فَإنَّها أطْهَرُ وأطْيَبُ، وكَفِّنُوا فِيها مَوْتاكُمْ»» . ورَوى الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ قَتادَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ اشْتَرى رِداءً بِألْفٍ، وكانَ يُصَلِّي فِيهِ. الرّابِعُ: وجْهُ تَأثُّرِ الأمْرِ بِأخْذِ الزِّينَةِ، بِالأمْرِ بِالأكْلِ والشُّرْبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ " ما رَواهُ الكَلْبِيُّ «أنَّ بَنِي عامِرٍ كانُوا لا يَأْكُلُونَ في أيّامِ حَجِّهِمْ إلّا قُوتًا، ولا يَأْكُلُونَ دَسِمًا، يُعَظِّمُونَ بِذَلِكَ حَجَّهم. فَقالَ المُسْلِمُونَ: نَحْنُ أحَقُّ أنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. (p-٢٦٦٣)فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ "» . وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً يُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمُ الوَدِكَ ما أقامُوا في المَوْسِمِ. فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُمْ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ " الآيَةَ. الخامِسُ: فَسَّرَ الإسْرافَ بِمُجاوَزَةِ الحَدِّ فِيما أحَلَّ، وذَلِكَ بِتَحْرِيمِهِ، وقالَ الجَشْمِيُّ اليَمَنِيُّ في تَفْسِيرِهِ (التَّهْذِيبِ): تَدُلُّ الآيَةُ عَلى المَنعِ مِنَ الإسْرافِ. وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: أوَّلُهُما: إنْفاقٌ في مَعْصِيَةٍ كالفَخارِ واللَّعِبِ والزِّنى والخَمْرِ ونَحْوَها. وثانِيهُما: أنْ يَتَعَدّى الحُدُودَ وذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِحالِ اليَسارِ والإعْسارِ. لِأنَّ مَن لَهُ قَدْرٌ يَسِيرٌ، لَوْ أنْفَقَهُ في ضِيافَةٍ أوْ طِيبٍ أوْ ثِيابِ خَزٍّ، وهو وعِيالُهُ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، فَهو سَرَفٌ مُحَرَّمٌ. ومِثْلُهُ في المُوسِرِينَ لا يُقَبَّحُ ولا يَكُونُ سَرَفًا. وتَدُلُّ عَلى أنَّ الأشْياءَ عَلى الإباحَةِ. والعَقْلُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ لِمَنافِعِهِمْ، والسَّمْعُ ورَدَ مُؤَكِّدًا، ولِذَلِكَ قالَ ﴿مَن حَرَّمَ﴾ [الأعراف: ٣٢] " مُطالِبًا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ اهـ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««كُلُوا واشْرَبُوا والبَسُوا وتَصَدَّقُوا مِن غَيْرِ مَخْيَلَةٍ ولا سَرَفٍ، فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أنْ يَرى نِعْمَتَهُ عَلى عَبْدِهِ»» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ نَحْوَهُ. وقالَ البُخارِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلْ ما شِئْتَ والبَسْ ما شِئْتَ ما أخْطَأتْكَ اثْنَتانِ: (p-٢٦٦٤)سَرَفٌ أوْ مَخْيَلَةٌ. ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِلَفْظِ: أحَلَّ اللَّهُ الأكْلَ والشُّرْبَ ما لَمْ يَكُنْ سَرَفًا أوْ مَخْيَلَةً. قالَ الشِّهابُ: هَذا (أيْ ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ) لا يُنافِي ما ذَكَرَهُ الثَّعالِبِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأُدَباءِ؛ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَأْكُلَ ما يَشْتَهِي، ويَلْبَسُ ما يَشْتَهِيهِ النّاسُ، كَما قِيلَ: ؎نَصِيحَةٌ نَصِيحَةٌ ∗∗∗ قالَتْ بِها الأكْياسُ ؎كُلْ ما اشْتَهَيْتَ والبَسَ ∗∗∗ نَّ ما اشْتَهَتْهُ النّاسُ فَإنَّهُ لِتَرْكِ ما لَمْ يُعْتَدْ بَيْنَ النّاسِ، وهَذا لِإباحَةِ كُلِّ ما اعْتادُوهُ. و(المَخْيَلَةُ: الكِبْرُ). و(ما) دَوّامِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ. و(أخْطَأتْكَ)، مِن قَوْلِهِمْ: أخْطَأ فُلانٌ كَذا، إذا عَدِمَهُ. وفِي الأساسِ: مِنَ المَجازِ لَنْ يُخْطِئَكَ ما كُتِبَ لَكَ وأخْطَأ المَطَرُ الأرْضَ: لَمْ يُصِبْها، وتَخاطَأتْهُ النَّبْلُ: تَجاوَزَتْهُ وتَخَطَّأتْهُ. انْتَهى. وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ " وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ لِمَن أسْرَفَ في هَذِهِ الأشْياءِ. لِأنَّ مَن لَمْ يُحِبُّهُ اللَّهُ لَمْ يَرْضَ عَنْهُ. السّادِسُ: تَناقَلَ المُفَسِّرُونَ وغَيْرُهم ما قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ " الآيَةَ، جَمَعَ الطِّبَّ كُلَّهُ. وأصْلُهُ ما حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ والكِرْمانِيُّ في عَجائِبِهِ؛ أنَّ الرَّشِيدَ كانَ لَهُ طَبِيبٌ نَصْرانِيٌّ حاذِقٌ، فَقالَ لِعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ: لَيْسَ في كِتابِكم مِن عِلْمِ الطِّبِّ شَيْءٌ، والعِلْمُ عِلْمانِ: عِلْمُ الأبْدانِ، وعِلْمُ الأدْيانِ. فَقالَ لَهُ: قَدْ جَمَعَ اللَّهُ الطِّبَّ كُلَّهُ في نِصْفِ آيَةٍ مِن كِتابِهِ. قالَ: وما هِيَ؟ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ فَقالَ النَّصْرانِيُّ: ولا يُؤْثَرُ مِن رَسُولِكم شَيْءٌ في الطِّبِّ ! فَقالَ: قَدْ جَمَعَ رَسُولُنا ﷺ الطِّبَّ في ألْفاظٍ يَسِيرَةٍ. قالَ: وما هِيَ؟ قالَ قَوْلُهُ: ««المَعِدَةُ بَيْتُ الدّاءِ، والحَمِيَّةُ (p-٢٦٦٥)رَأْسُ الدَّواءِ، وأعْطِ كُلَّ بَدَنٍ ما عَوَّدْتَهُ»» فَقالَ النَّصْرانِيُّ: ما تَرَكَ كِتابُكم ولا نَبِيُّكم لِجالِينُوسَ طِبًّا. قالَ في (العِنايَةِ): وتَرَكَ بَعْضُهم تَمامَ القِصَّةِ، لِأنَّ في ثُبُوتِ هَذا الحَدِيثِ كَلامًا لِلْمُحَدِّثِينَ. وفِي شُعَبِ الإيمانِ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««المَعِدَةُ حَوْضُ البَدَنِ، والعُرُوقُ إلَيْها وارِدَةٌ، فَإذا صَحَّتِ المَعِدَةُ صَدَرَتِ العُرُوقُ بِالصِّحَّةِ، وإذا فَسَدَتِ المَعِدَةُ صَدَرَتِ العُرُوقُ بِالسَّقَمِ»» . انْتَهى. أقُولُ: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الحِكايَةُ، فَصَوابُ جَوابِ النَّصْرانِيِّ في سُؤالِهِ الثّانِي بِالتَّفْنِيدِ والفِرْيَةِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُثِرَ عَنْهُ مِن بَدائِعِ الطِّبِّ وأصْنافِ العِلاجِ ما لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ نَبِيٍّ قَطُّ، ولِلْمُحَدِّثِينَ في عَهْدِ السَّلَفِ مِنهُ قِسْمٌ كَبِيرٌ في جَوامِعِهِمْ ومَسانِيدِهِمْ. وأمّا أعْلامُ المُتَأخِّرِينَ فَقَدِ اضْطَرَّهم وفْرَةُ ما رُوِيَ في ذَلِكَ إلى تَدْوِينِهِ في أسْفارٍ مُطَوَّلَةٍ ومُخْتَصَرَةٍ بِعُنْوانِ (الطِّبِّ النَّبَوِيِّ). وقَدْ بَيَّنَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ: عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، اشْتِمالَ التَّنْزِيلِ العَزِيزِ عَلى أُصُولِ الطِّبِّ، والسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ عَلى بَدائِعِهِ، في كِتابِهِ (زادُ المَعادِ)، بَيانًا يُدْهِشُ الألْبابَ، وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، قالَ عَلَيْهِ الرِّضْوانُ في كِتابِهِ (زادُ المَعادِ في هَدْيِ خَيْرِ العِبادِ): فَصْلٌ قَدْ أتَيْنا عَلى جُمَلٍ مِن هَدْيِهِ ﷺ في المَغازِي والسِّيَرِ والبُعُوثِ والسَّرايا والرَّسائِلِ والكُتُبِ الَّتِي كَتَبَ بِها إلى المُلُوكِ ونُوّابِهِمْ، ونَحْنُ نَتَّبِعُ ذَلِكَ بِذِكْرِ فُصُولٍ نافِعَةٍ في هَدْيِهِ في الطِّبِّ الَّذِي تَطَبَّبَ بِهِ، ووَصَفَهُ لِغَيْرِهِ، ونُبَيِّنُ ما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي يَعْجِزُ أكْثَرُ عُقُولِ أكْثَرِ الأطِبّاءِ عَنِ الوُصُولِ إلَيْها، وأنَّ نِسْبَةَ طِبِّهِمْ إلَيْها كَنِسْبَةِ طِبِّ العَجائِزِ إلى طِبِّهِمْ، فَنَحْنُ نَقُولُ وبِاللَّهِ المُسْتَعانُ: المَرَضُ نَوْعانِ: مَرَضُ القُلُوبِ، ومَرَضُ الأبْدانِ، وهُما مَذْكُورانِ في القُرْآنِ. ومَرَضُ (p-٢٦٦٦)القَلْبِ نَوْعانِ: مَرَضُ شُبْهَةٍ وشَكٍّ، ومَرَضُ شَهْوَةٍ وغَيٍّ، وكِلاهُما في القُرْآنِ. قالَ تَعالى في مَرَضِ الشُّبْهَةِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا﴾ [المدثر: ٣١] وقالَ تَعالى في حَقِّ مَن دُعِيَ إلى تَحْكِيمِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ فَأبى وأعْرَضَ: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] فَهَذا مَرَضُ الشُّبُهاتِ والشُّكُوكِ. وأمّا مَرَضُ الشَّهَواتِ فَقالَ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] فَهَذا مَرَضُ شَهْوَةِ الزِّنى - واللَّهُ أعْلَمُ ـ. وأمّا مَرَضُ الأبْدانِ فَقالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] وذَكَرَ مَرَضَ البَدَنِ في الحَجِّ والصَّوْمِ والوُضُوءِ لِسِرٍّ بَدِيعٍ، يُبَيِّنُ (p-٢٦٦٧)ذَلِكَ عَظَمَةَ القُرْآنِ والِاسْتِغْناءَ بِهِ، لِمَن فَهِمَهُ وعَقِلَهُ، عَنْ سِواهُ، وذَلِكَ أنَّ قَواعِدَ طِبِّ الأبْدانِ ثَلاثَةٌ: حِفْظُ الصِّحَّةِ، والحِمْيَةُ عَنِ المُؤْذِي، واسْتِفْراغُ المَوادِّ الفاسِدَةِ. فَذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ في هَذِهِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ. فَقالَ في آيَةِ الصَّوْمِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأباحَ الفِطْرَ لِلْمَرِيضِ لِعُذْرِ المَرَضِ، والمُسافِرِ، طَلَبًا لِحِفْظِ صِحَّتِهِ وقُوَّتِهِ، لِئَلّا يُذْهِبَها الصَّوْمُ في السَّفَرِ، لِاجْتِماعِ شِدَّةِ الحَرَكَةِ وما يُوجِبُهُ مِنَ التَّحْلِيلِ وعَدَمِ الغِذاءِ الَّذِي يُخْلِفُ ما تَحَلَّلَ، فَتَخُورُ القُوَّةُ وتَضْعُفُ، فَأباحَ لِلْمُسافِرِ الفِطْرَ حِفْظًا لِصِحَّتِهِ وقُوَّتِهِ عَمّا يُضْعِفُها. وقالَ في آيَةِ الحَجِّ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَأباحَ لِلْمَرِيضِ، ومَن بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ، مِن قَمْلٍ أوْ (p-٢٦٦٨)حَكَّةً أوْ غَيْرِهِما، أنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ في الإحْرامِ اسْتِفْراغًا لِمادَّةِ الأبْخِرَةِ الرَّدِيئَةِ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُ الأذى في رَأْسِهِ بِاحْتِقانِها تَحْتَ الشَّعَرِ، وإذا حَلَقَ رَأْسَهُ تَفَتَّحَتِ المَسامّاتُ فَخَرَجَتْ تِلْكَ الأبْخِرَةُ مِنها. فَهَذا الِاسْتِفْراغُ يُقاسُ عَلَيْهِ كُلُّ اسْتِفْراغٍ يُؤْذِي انْحِباسُهُ. والأشْياءُ الَّتِي يُؤْذِي انْحِباسُها ومُدافَعَتُها عَشَرَةٌ: الدَّمُ إذا هاجَ، والمَنِيُّ إذا سَبَغَ، والبَوْلُ والغائِطُ والرِّيحُ والقَيْءُ والعُطاسُ والنَّوْمُ والجُوعُ والعَطَشُ. وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ العَشَرَةِ يُوجِبُ حَبْسُهُ داءً مِنَ الأدْواءِ بِحَبْسِهِ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِاسْتِفْراغِ أدْناها وهو البُخارُ المُحْتَقِنُ في الرَّأْسِ، عَلى اسْتِفْراغِ ما هو أصْعَبُ مِنهُ، كَما هي طَرِيقَةُ القُرْآنِ، التَّنْبِيهُ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. وأمّا الحِمْيَةُ، فَقالَ في آيَةِ الوُضُوءِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فَأباحَ لِلْمَرِيضِ العُدُولَ عَنِ الماءِ إلى التُّرابِ حِمْيَةً لَهُ أنْ يُصِيبَ جَسَدَهُ ما يُؤْذِيهِ. وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى الحِمْيَةِ عَنْ كُلِّ مُؤْذٍ لَهُ، مِن داخِلٍ أوْ خارِجٍ. فَقَدْ أرْشَدَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ إلى أُصُولِ الطِّبِّ، ومَجامِعِ قَواعِدِهِ. ونَحْنُ نَذْكُرُ هَدْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ ونُبَيِّنُ أنَّ هَدْيَهُ فِيهِ أكْمَلُ هَدْيٍ. فَأمّا طِبُّ القُلُوبِ، فَمُسَلَّمٌ إلى الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، ولا سَبِيلَ إلى حُصُولِهِ إلّا مِن جِهَتِهِمْ، وعَلى أيْدِيهِمْ، فَإنَّ صَلاحَ القُلُوبِ أنْ تَكُونَ عارِفَةً بِرَبِّها وفاطِرِها، وبِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ، وأنْ تَكُونَ مُؤْثِرَةً لِمَرْضاتِهِ ولِمَحابِّهِ، مُتَجَنِّبَةً لِمَناهِيهِ ومَساخِطِهِ. ولا صِحَّةَ لَها ولا حَياةَ لَها البَتَّةَ إلّا بِذَلِكَ، ولا سَبِيلَ إلى تَلَقِّيهِ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ. وما يُظَنُّ مِن حُصُولِ صِحَّةِ القَلْبِ بِدُونِ اتِّباعِهِمْ، فَغَلَطٌ مِمَّنْ يَظُنُّ ذَلِكَ، وإنَّما ذَلِكَ حَياةُ نَفْسِهِ (p-٢٦٦٩)البَهِيمِيَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ وصِحَّتُها وقُوَّتُها، وحَياةُ قَلْبِهِ وصِحَّتُهُ وقُوَّتُهُ عَنْ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ. ومَن لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ هَذا، فَلْيَبْكِ عَلى حَياةِ قَلْبِهِ، فَإنَّهُ مِنَ الأمْواتِ، وعَلى نُورِهِ، فَإنَّهُ مُنْغَمِسٌ في بِحارِ الظُّلُماتِ -انْتَهى. وقَدْ قَرَّرَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذا المَقامَ بِأُسْلُوبٍ آخَرَ في كِتابِهِ (طَرِيقُ الهِجْرَتَيْنِ) نُورِدُهُ أيْضًا لِبَداعَةِ أُسْلُوبِهِ قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: ولَمّا كانَ مَرَضُ البَدَنِ خِلافَ صِحَّتِهِ وصَلاحِهِ، وهو خُرُوجُهُ عَنِ اعْتِدالِهِ الطَّبِيعِيِّ بِفَسادٍ يَعْرِضُ لَهُ، يَفْسُدُ بِهِ إدْراكُهُ وحَرَكَتُهُ الطَّبِيعِيَّةُ، فَإمّا أنْ يَذْهَبَ إدْراكُهُ بِالكُلِّيَّةِ كالعَمى والصَّمَمِ والشَّلَلِ، وإمّا أنْ يَنْقُصَ إدْراكُهُ لِضَعْفٍ في آلاتِ الإدْراكِ مَعَ اسْتِقامَةِ إدْراكِهِ، وإمّا أنْ يُدْرِكَ الأشْياءَ عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ، كَما يُدْرِكُ الحُلْوَ مُرًّا، والخَبِيثَ طَيِّبًا، والطَّيِّبَ خَبِيثًا. وأمّا فَسادُ حَرَكَتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ، فَمِثْلُ أنْ تَضْعُفَ قُوَّتُهُ الهاضِمَةُ أوِ الماسِكَةُ أوِ الدّافِعَةُ أوِ الجاذِبَةُ. فَيَحْصُلُ لَهُ مِنَ الألَمِ بِحَسَبِ خُرُوجِهِ عَنْ الِاعْتِدالِ، ولَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ المَوْتِ والهَلاكِ، بَلْ فِيهِ نَوْعُ قُوَّةٍ عَلى الإدْراكِ والحَرَكَةِ؛ وسَبَبُ هَذا الخُرُوجِ عَنْ الِاعْتِدالِ، إمّا فَسادٌ في الكَمِّيَّةِ أوْ في الكَيْفِيَّةِ، فالأوَّلُ إمّا نَقْصٌ في المادَّةِ فَيَحْتاجُ إلى زِيادَتِها، وإمّا زِيادَةٌ فِيها فَيَحْتاجُ إلى نُقْصانِها. والثّانِي إمّا بِزِيادَةِ الحَرارَةِ أوِ البُرُودَةِ، أوِ الرُّطُوبَةِ أوِ اليُبُوسَةِ أوْ نُقْصانِها عَنِ القَدْرِ الطَّبِيعِيِّ، فَيُداوى بِمُقْتَضى ذَلِكَ، ومَدارُ الصِّحَّةِ عَلى حِفْظِ القُوَّةِ والحِمْيَةِ عَنِ المُؤْذِي، واسْتِفْراغِ المَوادِّ الفاسِدَةِ، ونَظَرُ الطَّبِيبِ دائِرٌ عَلى هَذِهِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ. وقَدْ تَضَمَّنَها الكِتابُ العَزِيزُ، وأرْشَدَ إلَيْها مَن أنْزَلَهُ شِفاءً ورَحْمَةً. فَأمّا حِفْظُ القُوَّةِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ المُسافِرَ والمَرِيضَ أنْ يُفْطِرا في رَمَضانَ، ويَقْضِيَ المُسافِرُ إذا قَدِمَ، والمَرِيضُ إذا بَرَأ، حِفْظًا لِقُوَّتِهِما عَلَيْهِما. فَإنَّ الصَّوْمَ يَزِيدُ المَرِيضَ ضَعْفًا، والمُسافِرُ مُحْتاجٌ إلى تَوْفِيرِ قُوَّتِهِ عَلَيْهِ لِمَشَقَّةِ السَّفَرِ، فالصَّوْمُ يُضْعِفُها. فَأمّا الحِمْيَةُ عَنِ المُؤْذِي، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ حَمى المَرِيضَ عَنِ اسْتِعْمالِ الماءِ البارِدِ في الوُضُوءِ والغُسْلِ إذا كانَ يَضُرُّهُ، وأمَرَهُ بِالعُدُولِ إلى التَّيَمُّمِ، حِمْيَةً لَهُ (p-٢٦٧٠)عَنْ وُرُودِ المُؤْذِي عَلَيْهِ مِن ظاهِرِ بَدَنِهِ، فَكَيْفَ بِالمُؤْذِي لَهُ في باطِنِهِ؟ وأمّا اسْتِفْراغُ المادَّةِ الفاسِدَةِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أباحَ لِلْمُحْرِمِ الَّذِي بِهِ أذًى مِن رَأسِهِ أنْ يَحْلِقَهُ، فَيَسْتَفْرِغُ الحَلْقُ الأبْخِرَةَ المُؤْذِيَةَ لَهُ، وهَذا مِن أسْهَلِ أنْواعِ الِاسْتِفْراغِ وأخَفِّها، فَنَبَّهَ بِهِ عَلى ما هو أحْوَجُ إلَيْهِ مِنهُ. وذاكَرْتُ مَرَّةً بَعْضَ رُؤَساءِ الطِّبِّ بِمِصْرَ بِهَذا فَقالَ: واللَّهِ، لَوْ سافَرْتُ إلى الغَرْبِ في مَعْرِفَةِ هَذِهِ الفائِدَةِ، لَكانَ سَفَرًا قَلِيلًا -أوْ كَما قالَ-. انْتَهى. ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى مَن حَرَّمَ شَيْئًا مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ، مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ شَرْعٍ مِنَ اللَّهِ، تَأْكِيدًا لِما سَبَقَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ.

الأعراف 7:32

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ﴾ " أيْ: لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِي يُحَرِّمُونَ ما يُحَرِّمُونَ بِآرائِهِمُ الفاسِدَةِ وابْتِداعِهِمْ ﴿مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ " أيْ مِنَ الثِّيابِ وسائِرِ ما يَتَجَمَّلُ بِهِ ﴿الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ " مِنَ النَّباتِ كالقُطْنِ والكَتّانِ، والحَيَوانِ كالحَرِيرِ والصُّوفِ، والمَعادِنِ كالدُّرُوعِ، هَكَذا عَمَّمَ المُفَسِّرُونَ هُنا، ووَجْهُهُ أنَّ تَخْصِيصَهُ يُغْنِي عَنْهُ ما مَرَّ ﴿والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ " أيِ المُسْتَلَذّاتِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ. قالَ المَهايِمِيُّ: يَعْنِي إنْ زَعَمُوا أنَّ التَّزَيُّنَ والتَّلَذُّذَ يُنافِيانِ التَّذَلُّلَ الَّذِي هو العِبادَةُ، فَيَحْرِمانِ مَعَها، فَأعْلَمَهم أنَّهُ قَدْ أخْرَجَها لِعِبادِهِ الَّذِينَ خَلَقَهم لِعِبادَتِهِ لِيَتَزَيَّنُوا بِها حالَ العِبادَةِ، فِعْلَ عَبِيدِ المُلُوكِ إذا حَضَرُوا خِدْمَتَهُمْ، ولا يُنافِي ذَلِكَ تَذَلُّلَهم لَهُمْ، وكَذَلِكَ الطَّيِّباتُ الَّتِي خَلَقَها لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ عِبادِهِ لِيَشْكُرُوهُ، والشُّكْرُ عِبادَةٌ، فَلا يُنافِي التَّلَذُّذُ العِبادَةَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ داعِيَةً إلَيْها. انْتَهى. (p-٢٦٧١)تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: فُسِّرَتِ (الطَّيِّباتُ) بِ(الحَلالِ)، وفُسِّرَتْ بِ(اللَّحْمِ والدَّسَمِ) الَّذِي كانُوا يُحَرِّمُونَهُ أيّامَ الحَجِّ كَما تَقَدَّمَ، وفُسِّرَتْ بِ(البَحائِرِ والسَّوائِبِ) كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْـزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا﴾ [يونس: ٥٩] وظاهِرٌ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وإنْ كانَ يَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، لِأنَّها إنَّما ورَدَتْ نَعْيًا عَلَيْهِمْ فِيهِ، والعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ. قالَ الرّازِيُّ: لَفْظُ (الزِّينَةِ) يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ التَّزَيُّنِ، ومِنهُ تَنْظِيفُ البَدَنِ، ومِنهُ المَرْكُوبُ، ومِنهُ أنْواعُ الحُلِيِّ (يَعْنِي لِلنِّساءِ). ثُمَّ قالَ: ويَدْخُلُ تَحْتَ (الطَّيِّباتِ)، كُلُّ ما يُسْتَلَذُّ ويُشْتَهى مِن أنْواعِ المَأْكُولاتِ والمَشْرُوباتِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ التَّمَتُّعُ بِالنِّساءِ والطِّيبِ. وقَدْ «رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، ما هم بِهِ مِن الِاخْتِصاءِ والتَّبَتُّلِ» . الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَطاعِمِ والمَلابِسِ وأنْواعِ التَّجَمُّلاتِ الإباحَةُ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ في " مَن " لِإنْكارِ تَحْرِيمِها عَلى وجْهٍ بَلِيغٍ، لِأنَّ إنْكارَ الفاعِلِ يُوجِبُ إنْكارَ الفِعْلِ لِعَدَمِهِ بِدُونِهِ. الثّالِثُ: في الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن تَوَرَّعَ مِن أكْلِ المُسْتَلَذّاتِ ولُبْسِ المَلابِسِ الرَّقِيقَةِ، لِأنَّهُ لا زُهْدَ في تَرْكِ الطَّيِّبِ مِنها، ولِهَذا جاءَتِ الآيَةُ مُعَنْوَنَةً بِالِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ عَلى مَن حَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، أوْ حَرَّمَهُ عَلى غَيْرِهِ. وما أحْسَنَ ما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: لَقَدْ أخْطَأ (p-٢٦٧٢)مَن آثَرَ لِباسَ الشَّعَرِ والصُّوفِ، عَلى لِباسِ القُطْنِ والكِتّانِ، مَعَ وُجُودِ السَّبِيلِ إلَيْهِ مِن حِلِّهِ، ومَن أكَلَ البُقُولَ والعَدَسَ، واخْتارَهُ عَلى خَبَرِ البُرِّ، ومَن تَرَكَ أكْلَ اللَّحْمِ خَوْفًا مِن عارِضِ الشَّهْوَةِ. انْتَهى. الرّابِعُ: قالَ ابْنُ الفُرْسِ: واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن أجازَ لُبْسَ الحَرِيرِ والخَزِّ لِلرِّجالِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سِنانِ بْنِ سَلَمَةَ أنَّهُ كانَ يَلْبَسُ الخَزَّ، فَقالَ لَهُ النّاسُ: مِثْلُكَ يَلْبَسُ هَذا؟ فَقالَ لَهُمْ: مَن ذا الَّذِي يُحَرِّمُ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ؟ ولَكِنْ أخْرَجَ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: لَمْ يَأْمُرْهم بِالحَرِيرِ ولا الدِّيباجِ، ولَكِنَّهُ كانُوا إذا طافَ أحَدُهم وعَلَيْهِ ثِيابُهُ ضُرِبَ وانْتُزِعَتْ عَنْهُ. كَذا في (الإكْلِيلِ). أقُولُ: عَدَمُ شُمُولِ الآيَةِ لِلْحَرِيرِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، لِأنَّ ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ لا يَتَناوَلُهُ العامُّ، والأحادِيثُ في تَحْرِيمِ الحَرِيرِ لا تُحْصى كَثْرَةً، فاسْتِنْباطُ حِلِّهِ مِنها مَرْدُودٌ عَلى زاعِمِهِ. ﴿قُلْ هِيَ﴾ " أيْ زِينَةُ اللَّهِ والطَّيِّباتُ، مَخْلُوقَةٌ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ " بِالأصالَةِ، والكَفَرَةُ وإنْ شارَكُوهم فِيها فَتَبَعٌ ﴿خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ " أيْ: لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهُمْ، لِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ. وانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، أيْ: عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. لَطِيفَةٌ: قالَ المَهايِمِيُّ: إنَّما خُلِقَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَعْلَمُوا بِها لَذّاتِ الآخِرَةِ، فَيَرْغَبُوا فِيها مَزِيدَ رَغْبَةٍ، لَكِنْ شارَكَهُمُ الكَفَرَةُ فِيها لِئَلّا يَكُونَ هَذا الفَرْقُ مُلْجِئًا لَهم إلى الإيمانِ. فَإذا ذَهَبَ هَذا المَعْنى، تَصِيرُ خالِصَةً لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَوْ حَرُمَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ لَكانَتْ مَخْلُوقَةً لِلْكافِرِينَ، وهو خِلافُ مُقْتَضى الحِكْمَةِ. وإنْ خُلِقَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَأوْلى أوْقاتِ الِانْتِفاعِ بِها وقْتُ جَرَيانِها عَلى مُقْتَضى الإيمانِ، وهو العِبادَةُ والتَّقْوى، ولَكِنْ مِن غَيْرِ انْهِماكٍ في الشَّهَواتِ. ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيِ الحِكْمَةَ في خَلْقِ الأشْياءِ، واسْتِعْمالَ (p-٢٦٧٣)الأشْياءِ عَلى نَهْجٍ يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ. فَإنْ زَعَمُوا أنَّهُ يُخافُ مِنَ التَّزَيُّنِ والتَّلَذُّذِ الوُقُوعُ في الكِبْرِ، والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ، فَيَحْرُمانِ عَلى أهْلِ العِبادَةِ.

الأعراف 7:33

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣] ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ﴾ " إنَّهُما مِنَ المَنافِعِ الخالِصَةِ في أنْفُسِهِما. والإفْضاءُ احْتِمالٌ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، فَإذا أفْضى، فالحَرامُ هو المُفْضى إلَيْهِ بِالذّاتِ لِأنَّهُ ﴿إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾ " أيْ: ما تَفاحَشَ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، أيْ: تَزايَدَ (وهِيَ الكَبائِرُ)، وهي ما يَتَعَلَّقُ بِالفُرُوجِ ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ " أيْ: ما جاهَرَ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، وما سَتَرَهُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، وما ظَهَرَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ، وما بَطَنَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ ﴿والإثْمَ﴾ " أيْ: ما يُوجِبُ الإثْمَ، وهو عامٌّ لِكُلِّ ذَنْبٍ، وذَكَرَهُ لِلتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، ويُقالُ: إنَّ الإثْمَ هو الخَمْرُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎نَهانا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَقْرُبَ الزِّنى وأنْ نَشْرَبَ الإثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرا وأنْشَدَ الأخْفَشُ: ؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي ∗∗∗ كَذاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بِالعُقُولِ وهُوَ مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ. وذَكَرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ كالأصْمَعِيِّ وغَيْرِهِ، قالَ الحَسَنُ: ويُصَدِّقُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ تُسَمِّ العَرَبُ الخَمْرَ (p-٢٦٧٤)إثْمًا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ، والشِّعْرُ المَذْكُورُ مَوْضُوعٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ مَجازٌ، لِأنَّهُ سَبَّبَهُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: هَذا التَّفْسِيرُ غَيْرُ صَحِيحٍ هُنا، لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُحَرَّمُ الخَمْرُ إلّا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا غَيْرُهُ. وأيْضًا، الحَصْرُ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، كَذا في (العِنايَةِ). ﴿والبَغْيَ﴾ " أيْ: الِاسْتِطالَةَ عَلى النّاسِ وظُلْمَهُمْ، إنَّما أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ، مَعَ دُخُولِهِ فِيما قَبْلَهُ، لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْهُ. وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ يَقْتَضِي أنَّهُ تَمَيَّزَ مِن بَيْنِها حَتّى عُدَّ نَوْعًا مُسْتَقِلًّا. ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ " مُتَعَلِّقٌ بِ(البَغْيِ)، مُؤَكِّدٌ لَهُ مَعْنًى، وقِيلَ: البَغْيُ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًا إذا كانَ بِسَبَبٍ جائِزٍ في الشَّرْعِ كالقِصاصِ، إلّا أنَّ مِثْلَهُ لا يُسَمّى بَغْيًا حَقِيقَةً، بَلْ مُشاكَلَةً " و" قَدْ حَرَّمَ " أنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا " أيْ: بُرْهانًا أيْ: ما لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ تَهَكُّمٌ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ بُرْهانًا بِأنْ يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ. وفِي (العِنايَةِ): إنَّما جاءَ التَّهَكُّمُ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُوهِمُ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلَيْهِ سُلْطانٌ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، دَلالَةً عَلى تَقْلِيدِهِمْ في الغَيِّ، والمَعْنى عَلى نَفْيِ الإنْزالِ والسُّلْطانِ مَعًا عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ. انْتَهى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ. وتَبِعَهُ القاضِي فَقالَ: في الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى تَحْرِيمِ اتِّباعِ ما لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بُرْهانٌ " و" قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكم " أنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ " أيْ: تَتَقَوَّلُوا عَلَيْهِ، وتَفْتَرُوا الكَذِبَ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، أوْ في الشِّرْكِ. تَنْبِيهٌ: قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ، لِأنَّ قَوْلَهُ " الفَواحِشَ والإثْمَ "، يَشْتَمِلُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والأفْعالِ القَبِيحَةِ، والعُقُودِ المُخالِفَةِ لِلشَّرْعِ، والأقاوِيلِ الفاسِدَةِ، والِاعْتِقاداتِ الباطِلَةِ. ودَخَلَ في قَوْلِهِ ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ أفْعالُ الجَوارِحِ، وأفْعالُ القُلُوبِ (p-٢٦٧٥)والخِياناتُ، والمَكْرُ، والخَدِيعَةُ، ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿والبَغْيَ﴾ " كُلُّ ظُلْمٍ يَتَعَدّى عَلى الغَيْرِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَفْعَلُهُ البُغاةُ والخَوارِجُ، والأُمَراءُ إذا انْتَصَرُوا بِغَيْرِ حَقٍّ. ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿وأنْ تُشْرِكُوا﴾ " تَحْرِيمُ كُلِّ شِرْكٍ وعِبادَةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ. ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿وأنْ تَقُولُوا﴾ " كُلُّ بِدْعَةٍ وضَلالَةٍ وفَتْوى بِغَيْرِ حَقٍّ، وشَهادَةِ زُورٍ ونَحْوَهُ. فالآيَةُ جامِعَةٌ في المُحَرَّماتِ، كَما أنَّ ما قَبْلَها جامِعَةٌ في المُباحاتِ، وفِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْآدابِ، دِينًا ودُنْيا، وتَدُلُّ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ، لِأنَّهُ أوْجَبَ اتِّباعَ الحُجَّةِ، لِقَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ والسُّلْطانُ الحُجَّةُ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ وقْتَ حَياةٍ، ووَقْتَ مَوْتٍ، لا يَجُوزُ فِيهِ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ، فَيَبْطُلُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: المَقْتُولُ ماتَ قَبْلَ أجَلِهِ. انْتَهى. ثُمَّ أوْعَدَ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ بِالعَذابِ النّازِلِ في أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ، فَقالَ تَعالى:

الأعراف 7:34

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٤] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ " أيْ: مُدَّةٌ أوْ وقْتٌ لِنُزُولِ العَذابِ بِهِمْ ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ " أيْ: مِيقاتُهُمُ المُقَدَّرُ لَهم ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ " أيْ: لا يُتْرَكُونَ بَعْدَ الأجَلِ شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ، ولا يُهْلَكُونَ قَبْلَهُ كَذَلِكَ، والسّاعَةُ مَثَلٌ في غايَةِ القِلَّةِ مِنَ الزَّمانِ. لَطائِفُ: ١- وقَعَ هَذا التَّرْكِيبُ في مَوْضِعٍ مِنَ التَّنْزِيلِ، وفِيهِ بَحْثٌ مَشْهُورٌ: وهو أنَّهُ لَمّا كانَ الظّاهِرُ عَطْفَ (لا يَسْتَقْدِمُونَ) عَلى (لا يَسْتَأْخِرُونَ)، كَما أعْرَبَهُ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ فاسِدٌ، لِأنَّ (إذا)، إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الأُمُورُ المُسْتَقْبَلَةُ لا الماضِيَةُ، والِاسْتِقْدامُ حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ إلى مَحِلِّ الأجَلِ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَهُ؟ ويَصِيرُ بابُ الإخْبارِ (p-٢٦٧٦)بِالضَّرُورِيِّ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ، كَقَوْلِكَ: إذا قُمْتُ فِيما يَأْتِي، لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُكَ فِيما مَضى. وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالمَجِيءِ الدُّنُوُّ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ في الجُمْلَةِ، كَمَجِيءِ اليَوْمِ الَّذِي ضُرِبَ لِهَلاكِهِمْ ساعَةٌ فِيهِ. وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسْتَقْدِمُونَ " مُسْتَأْنَفَةٌ. وقِيلَ: إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى الشَّرْطِ وجَوابِهِ، أوْ عَلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ، أوْ أنَّ مَجْمُوعَ " لا يَسْتَأْخِرُونَ ولا يَسْتَقْدِمُونَ "، كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ تَغْيِيرَهُ. والتَّحْقِيقُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ " لَكِنْ لا لِبَيانِ انْتِفاءِ التَّقَدُّمِ، مَعَ إمْكانِهِ في نَفْسِهِ كالتَّأخُّرِ، كَما يُتَوَهَّمُ، بَلْ لِلْمُبالَغَةِ في انْتِفاءِ التَّأخُّرِ، يَعْنِي أنَّ التَّأخُّرَ مُساوٍ لِلتَّقَدُّمِ في الِاسْتِحالَةِ، ولِذا نَظَّمَهُ مَعَهُ في سِلْكٍ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨] فَإنَّ مَن ماتَ كافِرًا مَعَ ظُهُورِ أنْ لا تَوْبَةَ لَهُ رَأْسًا، قَدْ نَظَّمَ في عَدَمِ القَبُولِ، في سِلْكِ مَن سَوَّفَها إلى حُضُورِ المَوْتِ. إيذانًا بِتَساوِي وُجُودِ التَّوْبَةِ حِينَئِذٍ وعَدَمِها بِالمَرَّةِ. ٢- تَقْدِيمُ بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ، لِما أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ بَيانُ عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنَ العَذابِ. وأمّا (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥] مِن سَبْقِ (السَّبْقِ) في الذِّكْرِ؛ فَلَمّا أنَّ المُرادَ هُناكَ بَيانُ سِرِّ تَأْخِيرِ إهْلاكِهِمْ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] فالأهَمُّ هُناكَ بَيانُ انْتِفاءِ السَّبْقِ. ٣- صِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ وحِرْمانِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ثُمَّ أنْذَرَ تَعالى بَنِي آدَمَ بِأنَّهُ سَيَبْعَثُ إلَيْهِمْ رُسُلًا يَهْدُونَهم وبَشَّرَ وأنْذَرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (p-٢٦٧٧)

الأعراف 7:35

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٥] ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ " ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ شَرَطَ ذِكْرَهُ بِحَرْفِ الشَّكِّ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إتْيانَ الرُّسُلِ أمْرٌ جائِرٌ غَيْرُ واجِبٍ. وضُمَّتْ إلَيْها (ما) لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ أكَّدَ فِعْلَها بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ أوِ الخَفِيفَةِ. والمُرادُ بِبَنِي آدَمَ جَمِيعُ الأُمَمِ، وهو حِكايَةٌ لِما وقَعَ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ. ولَيْسَ المُرادُ بِالرُّسُلِ نَبِيَّنا ﷺ، وبِبَنِي آدَمَ أُمَّتَهُ كَما قِيلَ، فَإنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، كَذا في (القاضِي وحَواشِيهِ)، وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ " أيِ التَّكْذِيبَ ﴿وأصْلَحَ﴾ " أيْ عَمَلَهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ " مِنَ العَذابِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ " في الآخِرَةِ.

الأعراف 7:36

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٦] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ " ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ تَكَبَّرُوا ﴿عَنْها﴾ " فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِها ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ تَنْبِيهٌ: قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ الرُّسُلِ وقَبُولِ ما يُؤَدُّونَ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاحَ في الرُّسُلِ أنْ تَكُونَ مِن جُمْلَةِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم يَكُونُونَ بِطَرِيقَتِهِ أعْرَفَ، ومِنَ النِّفارِ عَنْهُ أبْعَدَ، وإلى السُّكُونِ إلَيْهِ أقْرَبَ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ الغَرَضَ بِالرَّسُولِ ما يُؤَدِّي مِنَ الأدِلَّةِ، فَلِذَلِكَ قُلْنا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلّا ومَعَهُ ما يُؤَدِّيهِ: وتَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ تُنالُ بِشَيْئَيْنِ: (p-٢٦٧٨)بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، واتِّقاءِ المَعاصِي، فَبَطَلَ قَوْلُ المُرْجِئَةِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ في الآخِرَةِ لا يَخافُ ولا يَحْزَنُ، خِلافَ ما يَقُولُهُ الأحْسَدِيَّةُ (كَذا)، والحَشْوِيَّةُ -هَكَذا، قالَهُ أكْثَرُ أصْحابِنا. وقالَ أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ: قَوْلُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٣٥] " كَقَوْلِ الطَّبِيبِ لِلْمَرِيضِ (لا بَأْسَ عَلَيْكَ)، يَعْنِي أنَّ أمْرَهُ يَؤُولُ إلى العافِيَةِ. ولَيْسَ هَذا بِالوَجْهِ لِأنَّهُ نَفى الخَوْفَ والحُزْنَ مُطْلَقًا. وتَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ لِلْمُكَذِّبِينَ، كَما تَدُلُّ عَلى الوَعْدِ لِلْمُطِيعِينَ، تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا. وتَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْوى والصَّلاحَ والتَّكْذِيبَ فِعْلُ العَبْدِ، فَبَطَلَ قَوْلُهم في المَخْلُوقِ والِاسْتِطاعَةِ. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وعِيدَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الأعراف 7:37

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٧] ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ " ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أيْ مِمَّنْ تَقَوَّلَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، أوْ بِنِسْبَةِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ، أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ. ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ يُصِيبُهم حَظُّهم مِمّا كُتِبَ لَهم مِنَ الرِّزْقِ والعُمْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ. أيْ مَعَ ظُلْمِهِمْ وافْتِرائِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، لا يُحْرَمُونَ ما قُدِّرَ لَهم مِنَ العُمْرِ والرِّزْقِ إلى انْقِضاءِ آجالِهِمْ. وفِي الآيَةِ وُجُوهٌ أُخَرُ، هَذا أظْهَرُها وأقْواها في المَعْنى، وتَتِمَّةُ الآيَةِ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ تَتَلاقى مَعَ نَظائِرِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٩] ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠] (p-٢٦٧٩)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا﴾ [لقمان: ٢٤] الآيَةَ. ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ أيْ: مَلائِكَةُ المَوْتِ تَقْبِضُ أرْواحَهم ﴿قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَها لِيَكُونُوا لَكم شُفَعاءَ، فَلا نَراهم يُخَلِّصُونَكم مِمّا تَحَقَّقَ عَلَيْكم مِن هَذِهِ الشَّدائِدِ. وفائِدَةُ السُّؤالِ وجْهانِ: تَوْبِيخٌ وتَبْكِيتٌ لَهم يَزِيدُهم غَمًّا إلى غَمٍّ، ولُطْفٌ بِالمُكَلَّفِ لِأنَّهُ إذا تَصَوَّرَ ذَلِكَ صَرَفَهُ عَنِ التَّكْذِيبِ، و(ما)، وقَعَتْ مَوْصُولَةً بِ(أيْنَ) في خَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ، ومُقْتَضى الِاصْطِلاحِ الفَصْلُ، لِأنَّها مَوْصُولَةٌ ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ " أيْ: غابُوا عَنّا فَلَمْ يُخَلِّصُونا مِن شَيْءٍ ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ أيْ: عابِدِينَ لِما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ. اعْتَرَفُوا بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى شَيْءٍ فِيما كانُوا عَلَيْهِ، وأنَّهم لَمْ يَحْمَدُوهُ في العاقِبَةِ.

الأعراف 7:38

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٨] ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ﴾ " أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم في الآخِرَةِ ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ﴾ " أيْ: في جُمْلَةِ أُمَمٍ قَدْ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ " يَعْنِي كُفّارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِنَ النَّوْعَيْنِ ﴿فِي النّارِ﴾ " مُتَعَلِّقٌ بِـ " ادْخُلُوا " ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ أيْ: في النّارِ ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ " أيِ الَّتِي (p-٢٦٨٠)قَبْلَها لِضَلالِها بِها، كَما قالَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥] الآيَةَ. ﴿إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ أيْ تَدارَكُوا، بِمَعْنى تَلاحَقُوا واجْتَمَعُوا في النّارِ ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ﴾ " وهُمُ الأتْباعُ، ﴿لأُولاهُمْ﴾ " أيْ: لِأجْلِ أُولاهُمْ، إذِ الخِطابُ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، لا مَعَهم. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ قالَتْ أُخْراهم دُخُولًا وهُمُ الأتْباعُ، لِأوْلادِهِمْ وهُمُ المُتَّبَعُونَ، لِأنَّهم أشَدُّ جُرْمًا مِن أتْباعِهِمْ، فَدَخَلُوا قَبْلَهُمْ، فَيَشْكُوهُمُ الأتْباعُ إلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ " أيْ سَنُّوا لَنا الضَّلالَ، ودَعَوْا إلَيْهِ، فاقْتَدَيْنا بِهِمْ ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ أيْ مُضاعَفًا لِأنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا ﴿قالَ﴾ " أيْ تَعالى ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ " أيْ: عَذابٌ مُضاعَفٌ. أمّا القادَةُ والرُّؤَساءُ فَبِالضَّلالِ والإضْلالِ، وأمّا الأتْباعُ والسَّفَلَةُ، فَبِالضَّلالِ وتَقْلِيدِ أهْلِ الضَّلالِ، مَعَ وُجُودِ الهادِينَ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ ﴿ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ " أيْ ما لَكُمْ، أوْ ما لِكُلِّ فِرْقَةٍ، وقُرِئَ بِالياءِ، وعَلَيْها، فَهو تَذْيِيلٌ لَمْ يُقْصَدْ إدْراجُهُ في الجَوابِ.

الأعراف 7:39

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٩] ﴿وقالَتْ أُولاهم لأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ " ﴿وقالَتْ أُولاهم لأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ أيْ: لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا في تَرْكِ الكُفْرِ والضَّلالِ حَتّى يَكُونَ عَذابُنا مُضاعَفًا دُونَكُمْ، فَقَدْ ضَلَلْتُمْ كَما ضَلَلْنا، فَنَحْنُ وإيّاكم مُتَساوُونَ في الضَّلالِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ مِن قَوْلِ القادَةِ، أوْ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِلْفَرِيقَيْنِ، وهو أظْهَرُ. (p-٢٦٨١)تَنْبِيهٌ: قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ والضُّلّالَ والمُبْتَدِعَةَ وإنْ تَناصَرُوا وتَعاوَنُوا عَلى ضَلالَتِهِمْ، وتَوادُّوا في الدُّنْيا، فَإنَّهم في الآخِرَةِ يَتَلاعَنُونَ ويَتَقاطَعُونَ ويَسْألُونَ العَذابَ لِمَن أضَلَّهُمْ، وتَدُلُّ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، والِاغْتِرارِ بِقَوْلِ عُلَماءِ السُّوءِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ الدّاعِيَ إلى الضَّلالِ مُضِلٌّ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ إضْلالَ غَيْرِهِ إيّاهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ لَهُ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ اشْتِراكَهم في العَذابِ لا يُوجِبُ لَهم راحَةً، بِخِلافِ الِاشْتِراكِ في مِحَنِ الدُّنْيا. وتَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ فِعْلُهُمْ، فَيَبْطُلُ قَوْلُ المُجْبِرَةِ في المَخْلُوقِ، والهُدى والضَّلالِ.

الأعراف 7:40

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ " ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ أيْ لا تُفْتَحُ لِأعْمالِهِمْ، ولا لِدُعائِهِمْ، ولا لِشَيْءٍ مِمّا يُرِيدُونَ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ. أيْ: لا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنهم لِأنَّهُ لَيْسَ صالِحًا ولا طَيِّبًا، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لا يُرْفَعُ لَهم مِنها عَمَلٌ صالِحٌ، ولا دُعاءٌ رَواهُ جَماعَةٌ عَنْهُ. وقالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ. أوِ المَعْنى: لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ والرَّحْمَةُ، ولا يُغاثُونَ، لِأنَّهُ أجْرى العادَةَ بِإنْزالِ الرَّحْمَةِ مِنَ السَّماءِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١] (p-٢٦٨٢)أوِ المَعْنى: لا يُؤْذَنُ لَهم في صُعُودِ السَّماءِ ولا يُطْرَقُ لَهم إلَيْها لِيَدْخُلُوا الجَنَّةَ، عَلى ما رُوِيَ أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ. أوِ المَعْنى لا تُفْتَحُ لِأرْواحِهِمْ إذا ماتُوا، أبْوابُ السَّماءِ، كَما تُفْتَحُ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ. رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ البَراءِ: ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ الفاجِرِ، وأنَّهُ يُصْعَدُ بِها إلى السَّماءِ، فَيَصْعَدُونَ بِها، فَلا يَمُرُّونَ عَلى مَلَأٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا قالُوا: ما هَذا الرُّوحُ الخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ فُلانٌ ! (بِأقْبَحِ أسْمائِهِ الَّتِي كانَ يُدْعى بِها في الدُّنْيا)، حَتّى يَنْتَهُوا بِها إلى السَّماءِ، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَلا يُفْتَحُ لَهُ. ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ الآيَةَ»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَكَذا رَواهُ. وهو قِطْعَةٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ مُطَوَّلًا وأبُو داوُدَ والنِّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ مِن طُرُقٍ. (p-٢٦٨٣)تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قالَ الشِّهابُ كَوْنُ السَّماءِ لَها أبْوابٌ، وأنَّها تُفْتَحُ لِلدُّعاءِ الصّالِحِ، ولِلْأعْمالِ الصّاعِدَةِ أوَ لِلْأرْواحِ- وارِدٌ في النُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ، والأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلٍ. انْتَهى. (p-٢٦٨٤)وهَذا عَلى قاعِدَةِ أهْلِ الظّاهِرِ في مِثْلِ ذَلِكَ، إلّا أنَّ الإطْلاقَ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. والتَّنْزِيلُ الكَرِيمُ إنَّما ورَدَ عَلى مَناحٍ لِلْعَرَبِ مَعْرُوفَةٍ في لِسانِهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ. (p-٢٦٨٥)الثّانِي: التَّضْعِيفُ في (تُفَتَّحُ)، لِتَكْثِيرِ المَفْعُولِ، لا الفِعْلِ لِعَدَمِ مُناسَبَةِ المَقامِ. الثّالِثُ: قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ في (تُفْتَحُ)، وبِالتَّخْفِيفِ، والياءِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ الأبْوابِ، عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْآياتِ مَجازًا، وبِالياءِ عَلى أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى. ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ﴾ أيْ: يَدْخُلَ ﴿الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ " أيْ ثُقْبِ الإبْرَةِ، وهو غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَكَذا دُخُولُهم. لَطائِفُ: الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ (الجَمَلُ)، بِفَتْحِ الجِيمِ والمِيمِ، وفَسَّرُوهُ: بِأنَّهُ الجَمَلُ المَعْرُوفُ وهو البَعِيرُ. قالَ الفَرّاءُ: الجَمَلُ زَوْجُ النّاقَةِ، وقالَ شَمِرٌ: البِكْرُ والبِكْرَةُ بِمَنزِلَةِ الغُلامِ والجارِيَةِ، والجَمَلُ والنّاقَةُ بِمَنزِلَةِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ. وقُرِئَ في الشَّواذِّ (الجُمَّلُ)، كَسُكَّرٍ وصُرَدٍ وقُفْلٍ، وعُنُقٍ وجَبْلٍ بِمَعْنى حَبْلِ السَّفِينَةِ الغَلِيظِ الَّذِي يُقالُ لَهُ (القَلْسُ). وقالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ في الشّاذِّ بِسُكُونِ المِيمِ، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ لُغَةً، لِأنَّ تَخْفِيفَ المَفْتُوحِ ضَعِيفٌ؛ ويُقْرَأُ بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِها، وهو الحَبْلُ الغَلِيظُ، وهو جَمْعٌ مِثْلَ صُوَّمٍ وقُوَّمٍ، ويُقْرَأُ بِضَمِّ الجِيمِ والمِيمِ مَعَ التَّخْفِيفِ وهو جَمْعٌ مِثْلُ أسَدٍ وأُسُدٍ؛ ويُقْرَأُ كَذَلِكَ إلّا أنَّ المِيمَ ساكِنَةٌ، وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ المَضْمُومِ. انْتَهى. وذَكَرَ الكَواشِيُّ أنَّ القِراءاتِ المَذْكُورَةَ كُلَّها لُغاتٌ في البَعِيرِ، ما عَدا (جُمَّلًا) كَسُكَّرٍ وقُفْلٍ، ونُوقِشَ في ذَلِكَ. انْتَهى. وقِراءَتُهُ (كَسُكَّرٍ) عَلى مَعْنى الحَبْلِ المَذْكُورِ، رَواها مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ اللَّهَ أحْسَنُ تَشْبِيهًا مِن أنْ يُشَبِّهَ بِالجَمَلِ، أنَّ الحَبْلَ مُناسِبٌ لِلْخَيْطِ الَّذِي يَسْلُكُ في سَمِّ الإبْرَةِ، والبَعِيرُ لا يُناسِبُهُ. إلّا أنَّ قِراءَةَ العامَّةِ أوْقَعُ، لِأنَّ سَمَّ الإبْرَةِ مَثَلٌ في ضِيقِ المَسْلَكِ، يُقالُ: أضْيَقُ مِن خَرْتِ الإبْرَةِ. (p-٢٦٨٦)وقالُوا لِلدَّلِيلِ الماهِرِ (خِرِّيتٌ) لِلِابْتِداءِ بِهِ في المَضايِقِ المُشَبَّهَةِ بِأخْراتِ الإبَرِ، والجَمَلُ مَثَلٌ في عِظَمِ الجُرْمِ، قالَ: ؎جِسْمُ الجِمالِ وأحْلامُ العَصافِيرِ إنَّ الرِّجالَ لَيْسُوا بِجَزَرٍ تُرادُ مِنهُمُ الأجْسامُ، فَقِيلَ: لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَكُونَ ما لا يَكُونُ أبَدًا مِن وُلُوجِ هَذا الحَيَوانِ، الَّذِي لا يَلِجُ إلّا في بابٍ واسِعٍ، وفي ثُقْبِ الإبْرَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الجَمَلِ؟ فَقالَ: زَوْجُ النّاقَةِ، اسْتِجْهالًا لِلسّائِلِ، وإشارَةً إلى أنَّ طَلَبَ مَعْنًى آخَرَ تَكَلُّفٌ. انْتَهى. وحاصِلُهُ أنَّ الجَمَلَ لَمّا كانَ مَثَلًا في عِظَمِ الجِسْمِ، لِأنَّهُ أكْبَرُ الحَيَواناتِ جِسْمًا عِنْدَ العَرَبِ، وخَرْقُ الإبْرَةِ مَثَلًا في الضِّيقِ، ظَهَرَ التَّناسُبُ. عَلى أنَّ في إيثارِ الجَمَلِ، وهو مِمّا لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الوُلُوجُ في سَمِّ الإبْرَةِ مُبالَغَةً في اسْتِبْعادِ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ. الثّانِيَةُ: السَّمُّ: الثُّقْبُ الضَّيِّقُ. قالَ أبُو البَقاءِ: بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّها، لُغَتانِ -انْتَهى. وصَرَّحَ بِالتَّثْلِيثِ فِيهِ، وفي القاتِلِ المَعْرُوفِ، صاحِبُ القامُوسِ وغَيْرُهُ، إلّا أنَّهم قالُوا: المَشْهُورُ في الثُّقْبِ الفَتْحُ كَما في التَّنْزِيلِ، والأفْصَحُ في القاتِلِ الضَّمُّ. (p-٢٦٨٧)قالَ العَلّامَةُ الفاسِيُّ: قالَ الزَّبِيدِيُّ: لَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِكَسْرِهِما، وكَأنَّها عامِّيَّةٌ. قُلْتُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ ﴿فِي سَمِّ الخِياطِ﴾ " بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، وكَفى بِهِ مَرْجِعًا. الثّالِثَةُ: (الخِياطُ) كَكِتابٍ ومِنبَرٍ، ما خِيطَ بِهِ الثَّوْبُ، والإبْرَةُ، كَذا في القامُوسِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (فِي سَمِّ المَخِيطِ). قالَ الشِّهابُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها، كَما ذَكَرَهُ المُعْرِبُ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ. الرّابِعَةُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ﴾ " إلَخْ، جَوازُ فَرْضِ المُحالِ، والتَّعْلِيقُ عَلَيْهِ كَما يَقَعُ كَثِيرًا لِلْفُقَهاءِ. انْتَهى. والتَّعْلِيقُ عَلى المُحالِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَقَوْلِهِ: ؎إذا شابَ الغُرابُ أتَيْتُ أهْلِي ∗∗∗ وصارَ القارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ﴾ " أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ ﴿نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ " .

الأعراف 7:41

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١] ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ " أيْ: فَرْشٌ مِن تَحْتِهِمْ ﴿ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ " أيْ أغْطِيَةٌ، إذا أحاطَتْ بِهِمُ الخَطِيئَةُ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ " أيْ: بِالكُفْرِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهم بِالمُجْرِمِينَ تارَةً، وبِالظّالِمِينَ أُخْرى، إشْعارًا بِأنَّهم بِتَكْذِيبِهِمُ الآياتِ، اتَّصَفُوا بِكُلِّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ القَبِيحَيْنِ. وذَكَرَ الجُرْمَ مَعَ الحِرْمانِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، والظُّلْمَ مَعَ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ الحِرْمانِ المَذْكُورِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ الجَرائِمِ، ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى وعِيدُهُ بِوَعْدِهِ، عَلى سُنَّتِهِ في تَنْزِيلِهِ الكَرِيمِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: (p-٢٦٨٨)

الأعراف 7:42

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٢] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ " ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ قالَ أبُو البَقاءِ: والَّذِينَ آمَنُوا مُبْتَدَأٌ، وفي الخَبَرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ والتَّقْدِيرُ (مِنهُمْ)، فَحُذِفَ العائِدُ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] والثّانِي: أنَّ الخَبَرَ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ " و﴿لا نُكَلِّفُ﴾ " مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما. انْتَهى. وعَلى الثّانِي اقْتَصَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ. قالُوا: وسِرُّ الِاعْتِراضِ، التَّرْغِيبُ في اكْتِسابِ ما يُؤَدِّي إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ بِبَيانِ سُهُولَةِ مَنالِهِ، وتَيْسِيرِ تَحْصِيلِهِ، والَّذِي حَسَّنَهُ سَبْقُ العَمَلِ الصّالِحِ قَبْلَهُ، أيْ: وإذا عُلِمَ أنَّ مَبْنى التَّكْلِيفِ عَلى الوُسْعِ زادَتِ الرَّغْبَةُ في ذَلِكَ الِاكْتِسابِ، لِحُصُولِهِ بِما فِيهِ يُسْرٌ لا عُسْرٌ. لَطِيفَةٌ: الوُسْعُ: ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الإنْسانُ بِسُهُولَةٍ ويَسْتَمِرُّ. قالَهُ الرّازِيُّ، أخْذًا مِن قَوْلِ مُعاذٍ في الآيَةِ (يُسْرُها لا عُسْرُها)، قالَ: وأمّا أقْصى الطّاقَةِ فَيُسَمّى جَهْدًا لا وُسْعًا، وغَلَطَ مَن ظَنَّ أنَّ الوُسْعَ بَذْلُ المَجْهُودِ. قُلْتُ: في القامُوسِ: الوُسْعُ (مُثَلَّثَةٌ) الجُدَّةُ والطّاقَةُ كالسِّعَةِ. وفِيهِ: الجُهْدُ الطّاقَةُ (ويُضَمُّ) والمَشَقَّةُ. انْتَهى. قالَ ابْنُ الأثِيرِ: الجَهْدُ (بِالفَتْحِ) المَشَقَّةُ، وقِيلَ: المُبالَغَةُ والغايَةُ، وبِالضَّمِّ الوُسْعُ والطّاقَةُ، (p-٢٦٨٩)وقِيلَ: هُما لُغَتانِ في الوُسْعِ والطّاقَةِ، فَأمّا في المَشَقَّةِ والغايَةِ، فالفَتْحُ لا غَيْرُ. انْتَهى. وبِهِ يُعْلَمُ أنَّ ما جَرى عَلَيْهِ الرّازِيُّ قَوْلٌ لِلُّغَوِيِّينَ، لَيْسَ وِفاقًا.

الأعراف 7:43

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٣] ﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ " ﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ أيْ: نُخْرِجُ مِن قُلُوبِهِمْ أسْبابَ الحِقْدِ والحَسَدِ والعَدَواةِ، أوْ نُطَهِّرُها مِنها، حَتّى لا يَكُونَ بَيْنَهم إلّا التَّوادُّ والتَّعاطُفُ، وصِيغَةُ الماضِي لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِهِ وتَقَرُّرِهِ. وتَقَرُّرُهُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ أيْ لِما جَزاؤُهُ هَذا، أيْ: لِأسْبابِ هَذا العُلُوِّ، بِإرْسالِ الرُّسُلِ والتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ. ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ ما كُنّا لَنُرْشَدُ لِذَلِكَ العَمَلِ الَّذِي هَذا ثَوابُهُ، لَوْلا أنْ وفَّقَنا اللَّهُ بِدَلائِلِهِ وألْطافِهِ وعِنايَتِهِ. ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ أيْ: فاهْتَدَيْنا بِإرْشادِهِمْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَقُولُونَ ذَلِكَ، أيِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ " إلَخْ سُرُورًا واغْتِباطًا بِما نالُوا، وتَلَذُّذًا بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، لا تَقَرُّبًا ولا تَعَبُّدًا، كَما تَرى مَن رُزِقَ خَيْرًا في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، ولا يَتَمالَكُ أنْ لا يَقُولَهُ، لِلْفَرَحِ والتَّوْبَةِ. ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أعْطَيْتُمُوها بِسَبَبِ أعْمالِكم في الدُّنْيا. فالمِيراثُ مَجازٌ عَنِ الإعْطاءِ، تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ إشارَةً إلى أنَّ السَّبَبَ فِيهِ لَيْسَ مُوجَبًا، وإنْ كانَ سَبَبًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ، كَما أنَّ الإرْثَ مِلْكٌ بِدُونِ كَسْبٍ، وإنْ كانَ النَّسَبُ مَثَلًا سَبَبًا لَهُ. وعَلى ما تَقَرَّرَ، فَلا يُقالُ إنَّهُ مُعارِضٌ لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««واعْلَمُوا أنَّ أحَدَكم لَنْ يُدْخِلَهُ عَمَلُهُ الجَنَّةَ ! قالُوا (p-٢٦٩٠)ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ»» . ولا يَحْتاجُ إلى الجَوابِ عَنْهُ، ولا أنْ يُقالَ الباءُ لِلْعِوَضِ لا لِلسَّبَبِ، وهَذا تَنْجِيزٌ لِلْوَعْدِ بِإثابَةِ المُطِيعِ، لا بِالِاسْتِحْقاقِ والِاسْتِيجابِ، بَلْ هو بِمَحْضِ فَضْلِهِ تَعالى، كالإرْثِ -كَذا في العِنايَةِ-. رَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، نادى مُنادٍ إنَّ لَكم أنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَنْعَمُوا فَلا تَبْأسُوا أبَدًا»»، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ الآيَةَ.

الأعراف 7:44

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٤] ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ " أيْ إذا اسْتَقَرُّوا في مَنازِلِهِمْ ﴿أصْحابَ النّارِ﴾ " تَوْبِيخًا (p-٢٦٩١)وتَحْسِيرًا لَهم ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ " حَيْثُ نِلْنا هَذِهِ المَراتِبَ العالِيَةَ ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ " مِن تَنْزِيلِكم إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، لِاسْتِكْبارِكم عَلى الآياتِ والرُّسُلِ ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ " أيْ وجَدْناهُ حَقًّا ﴿فَأذَّنَ﴾ " أيْ نادى ﴿مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ " أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لِيُسْمِعَهُمْ، زِيادَةً في شَماتَةِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ ونَدامَةِ الآخَرِ ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ " .

الأعراف 7:45

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٥] ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ " أيْ: يَمْنَعُونَ أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ دِينِهِ القَوِيمِ، الَّذِي بَيَّنَهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ، لِمَعْرِفَتِهِ وعِمارَةِ الدّارَيْنِ. ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ " أيْ: يَبْغُونَ لَها زَيْغًا ومَيْلًا عَمّا هي عَلَيْهِ، حَتّى لا يَتْبَعَها أحَدٌ. ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ " أيْ: وهم بِلِقاءِ اللَّهِ في الدّارِ الآخِرَةِ جاحِدُونَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَلِهَذا لا يُبالُونَ، فَيَأْتُونَ المُنْكَرَ مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ، لِأنَّهم لا يَرْجُونَ حِسابًا عَلَيْهِ ولا عِقابًا، فَهم شَرُّ النّاسِ.

الأعراف 7:46

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦] ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ " أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ سُورٌ وسِتْرٌ، أوْ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، لِيَمْنَعَ وُصُولَ أثَرِ إحْداهُما إلى الأُخْرى. وقَدْ سُمِّيَ هَذا الحِجابُ سُورًا في آيَةِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ [الحديد: ١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ (p-٢٦٩٢)أيْ: عَلى أعْرافِ الحِجابِ وشُرُفاتِهِ وأعالِيهِ، وهو السُّورُ المَضْرُوبُ بَيْنَهُما، جَمْعُ عُرْفٍ، مُسْتَعارٌ مِن عُرْفِ الفَرَسِ، وعُرْفِ الدِّيكِ، وكُلُّ ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ عُرْفٌ، فَإنَّهُ بِظُهُورِهِ أعْرَفُ مِمّا انْخَفَضَ. وقَدْ حَكى المُفَسِّرُونَ أقْوالًا كَثِيرَةً في رِجالِ الأعْرافِ، عَنِ التّابِعِينَ وغَيْرِهِمْ، أنَّهم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ، أوْ هُمُ الشُّهَداءُ، أوِ الأنْبِياءُ، أوْ قَوْمٌ أُوذُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، فاطَّلَعُوا عَلى أعْدائِهِمْ لِيَشْمَتُوا بِهِمْ، فَعَرَفُوهم بِسِيماهُمْ، وسَلَّمُوا عَلى أهْلِ الجَنَّةِ. واللَّفْظُ، لِإبْهامِهِ، يَحْتَمِلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ السِّياقَ يَدُلُّ عَلى سُمُوِّ قَدْرِهِمْ، لا سِيَّما بِجَعْلِ مَنازِلِهِمُ الأعْرافَ، وهي الأعالِي، والشُّرَفُ، كَما تَقَدَّمَ ومَن ذُكِرَ كُلُّهم جَدِيرُونَ بِذَلِكَ -واللَّهُ أعْلَمُ-. ﴿يَعْرِفُونَ كُلا﴾ " أيْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ ﴿بِسِيماهُمْ﴾ " أيْ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي أعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِها، كَبَياضِ الوَجْهِ وسَوادِهِ. فائِدَةٌ السِّيما مَقْصُورَةٌ ومَمْدُودَةٌ، والسِّيمَةُ والسِّيمْياءُ بِكَسْرِهِنَّ العَلامَةُ. قالَ القاضِي: السِّيمى فِعْلى مِن (سامَ إبِلَهُ)، إذا أرْسَلَها في المَرْعى مُعَلَّمَةً، أوْ مِن (وسَمَ) عَلى القَلْبِ كالجاهِ مِنَ (الوَجْهِ). انْتَهى. وعَلى الثّانِي اقْتَصَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ ﴿ونادَوْا﴾ " أيْ رِجالُ الأعْرافِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ " أيْ حِينَ رَأوْهم مِن أعْرافِهِمْ، وقَدْ عَرَفُوهم مِن سِيماهم أنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ ﴿أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ " بِطَرِيقِ الدُّعاءِ والتَّحِيَّةِ، أوْ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِنَجاتِهِمْ مِنَ المَكارِهِ. والوَجْهُ الأوَّلُ هو المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيما رَواهُ عَنْهُ العَوْفِيُّ. قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنْزَلَهُمُ اللَّهُ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ لِيَعْرِفُوا مَن في الجَنَّةِ والنّارِ، ولِيَعْرِفُوا أهْلَ النّارِ بِسَوادِ الوُجُوهِ، ويَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ أنْ يَجْعَلَهم مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، وهم في ذَلِكَ يُحَيُّونَ أهْلَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ " الضَّمِيرانِ في الجُمْلَتَيْنِ لِأصْحابِ الأعْرافِ، والأُولى حالٌ مِنَ الواوِ، والثّانِيَةُ حالٌ مِن فاعِلِ " يَدْخُلُوها "، أيْ نادَوْهم وهم لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ بَعْدُ، حالَ كَوْنِهِمْ طامِعِينَ في دُخُولِها، مُتَرَقِّبِينَ. (p-٢٦٩٣)قالَ الجَشْمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قِيلَ: إذا كانَ أصْحابُ الأعْرافِ أفاضِلَ المُؤْمِنِينَ، فَلِمَ تَأخَّرَ دُخُولُهُمْ؟ قُلْنا: هم تَعَجَّلُوا اللَّذَّةَ بِالشَّماتَةِ مِنَ الأعْداءِ، وإنْ تَأخَّرَ دُخُولُهُمْ، لِظُهُورِ فَضْلِهِمْ، وجَلالَةِ طَرِيقِهِمْ إلى مَنازِلِهِمْ اهـ. ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ " حالًا مِن " أصْحابِ الجَنَّةِ " أيْ نادَوْهم بِالسَّلامِ وهم في المَوْقِفِ عَلى طَمَعِ دُخُولِ الجَنَّةِ يُبَشِّرُونَهم بِالأمانِ والفَوْزِ مِنَ العَذابِ، إشارَةً إلى سَبْقِ أهْلِ الأعْرافِ عَلى غَيْرِهِمْ في دُخُولِ الجَنَّةِ، وعُلُوِّ مَنازِلِهِمْ عَلى سِواهم - واللَّهُ أعْلَمُ -. وذَهَبَ أبُو مِجْلَزٍ إلى أنَّ الضَّمِيرَيْنِ لِأصْحابِ الجَنَّةِ، أيْ: نادى أهْلُ الأعْرافِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ، حالَ كَوْنِ أصْحابِ الجَنَّةِ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ في دُخُولِها، وهو وجْهٌ جَيِّدٌ. فالجُمْلَةُ الأُولى حالٌ مِنَ المَفْعُولِ وهو (أصْحابُ الجَنَّةِ)، والثّانِيَةُ حالٌ مِن فاعِلِ (يَدْخُلُوها).

الأعراف 7:47

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧] ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهُمْ﴾ " أيْ: أبْصارُ أهْلِ الأعْرافِ أوْ أهْلِ الجَنَّةِ. قالَ الجَشْمِيُّ: وإنَّما قالَ ﴿صُرِفَتْ﴾ " لِأنَّ نَظَرَهم إلى أهْلِ النّارِ نَظَرُ عَداوَةٍ، فَلا يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تُصْرَفَ وُجُوهُهم إلَيْهِمْ. فَأمّا أهْلُ الجَنَّةِ فَوُجُوهُهم إلَيْهِمْ سُرُورًا بِهِمْ، فَلا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ، وقِيلَ: لِأنَّهم مَعَ أهْلِ الجَنَّةِ بُعَداءُ مِن أهْلِ النّارِ، فَيَحْتاجُونَ إلى صَرْفِ أبْصارِهِمْ تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ. ثُمَّ قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ الِاجْتِنابِ مِنَ الظُّلْمَةِ في الدُّنْيا، كَيْلا يَكُونَ مَعَهم في الآخِرَةِ -انْتَهى. ﴿تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ﴾ " أيْ: إلى جَهَنَّمَ ﴿قالُوا﴾ " مِن شِدَّةِ خَوْفِهِمْ تَعَوُّذًا بِاللَّهِ ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: في النّارِ. وقالَ أبُو السُّعُودِ: في وصْفِهِمْ (p-٢٦٩٤)بِالظُّلْمِ -دُونَ ما هم عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مِنَ العَذابِ وسُوءِ الحالِ الَّذِي هو المُوجِبُ لِلدُّعاءِ- إشْعارٌ بِأنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهم لَيْسَ نَفْسَ العَذابِ فَقَطْ، بَلْ ما يُوجِبُهُ ويُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ.

الأعراف 7:48

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٨] ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ " ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا﴾ يَعْنِي مِن عُظَماءِ أهْلِ الضَّلالَةِ ﴿يَعْرِفُونَهم بِسِيماهُمْ﴾ " أيِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أعْيانِهِمْ وإنْ تَغَيَّرَتْ صُوَرُهم ﴿قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكُمْ﴾ أيْ: كَثْرَتُكم أوْ جَمْعُكم لِلْأمْوالِ الَّتِي تُدْفَعُ بِها الآفاتُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ " عَنِ الحَقِّ، أوْ عَلى الخَلْقِ. وقُرِئَ ( تَسْتَكْثِرُونَ) مِنَ الكَثْرَةِ، أيْ: مِنَ الأتْباعِ الَّذِينَ يُسْتَعانُ بِهِمْ في دَفْعِ المُلِمّاتِ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ: يَعْنِي ما نَفَعَكم جَمْعُكم وعَشِيرَتُكم وتَجَرُّؤُكم عَلى الحَقِّ ولا اسْتِكْبارُكم وهَذا إمّا نَفْيٌ وإمّا اسْتِفْهامٌ وتَوْبِيخٌ، وهو أبْلَغُ وأفْحَمُ. ثُمَّ نَظَرُوا إلى الجَنَّةِ فَرَأوْا مِنَ الضُّعَفاءِ الَّذِينَ كانَ الكُفّارُ يَسْتَرْذِلُونَهم في الدُّنْيا، ويَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْتَصُّهم دُونَهم في الدُّنْيا، فَيَقُولُ لَهم أهْلُ الأعْرافِ.

الأعراف 7:49

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩] ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ﴾ " الضُّعَفاءُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ بِرَفْعِ دَرَجاتِهِمْ في الآخِرَةِ، فَها هم في الجَنَّةِ يَتَمَتَّعُونَ ويَتَنَعَّمُونَ، وفي رِياضِها يُحْبَرُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ أيْ: لا خَوْفٌ عَلَيْكم مِنَ (p-٢٦٩٥)العَذابِ النّازِلِ بِالكَفّارِ، ولا تَحْزَنُونَ كَحُزْنِ الكُفّارِ عَلى فَواتِ النَّعِيمِ، وهَذا إمّا مِن قَوْلِ أصْحابِ الأعْرافِ، يَتَآمَرُونَ بَيْنَهم بِدُخُولِ الجَنَّةِ بَعْدَ تَبْكِيتِ أهْلِ النّارِ، فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ؛ وإمّا مِن كَلامِ أهْلِ الأعْرافِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ يَقُولُونَ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، أوْ مِن تَتِمَّةِ مُخاطَبَةِ أهْلِ الأعْرافِ لِلرِّجالِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، كَيْفَ نالُوها، حَيْثُ قِيلَ لَهم مِن قِبَلِهِ تَعالى: ادْخُلُوا الجَنَّةَ. وعَلى: كُلٍّ فالجُمْلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى قَوْلٍ مَحْذُوفٍ إيجازًا، لِلْعِلْمِ بِهِ. لَطِيفَةٌ: بَيَّنَ الزَّمَخْشَرِيُّ سِرَّ حَبْسِهِمْ عَلى الأعْرافِ، ثُمَّ إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ أبْدَعَ بَيانٍ، فَقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقالُ لِأصْحابِ الأعْرافِ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ يُحْبَسُوا عَلى الأعْرافِ، ويَنْظُرُوا إلى الفَرِيقَيْنِ، ويَعْرِفُوهم بِسِيماهُمْ، ويَقُولُوا ما يَقُولُونَ. وفائِدَةُ ذَلِكَ بَيانُ أنَّ الجَزاءَ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، وأنَّ التَّقَدُّمَ والتَّأخُّرَ عَلى حَسَبِها، وأنَّ أحَدًا لا يَسْبِقُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا بِسَبْقِهِ في العَمَلِ، ولا يَتَخَلَّفُ عِنْدَهُ إلّا بِتَخَلُّفِهِ فِيهِ، ولِيَرْغَبِ السّامِعُونَ في حالِ السّابِقِينَ ويَحْرِصُوا عَلى إحْرازِ قَصَبَتِهِمْ، ولِيَتَصَوَّرُوا أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُعْرَفُ ذَلِكَ اليَوْمَ بِسِيماهُ الَّتِي اسْتَوْجَبَ أنْ يُوسَمَ بِها مِن أهْلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَيَرْتَدِعُ المُسِيءُ عَنْ إساءَتِهِ، ويَزِيدُ المُحْسِنُ في إحْسانِهِ ولِيَعْلَمَ أنَّ العُصاةَ يُوَبِّخُهم كُلُّ أحَدٍ، حَتّى أقْصَرُ النّاسِ عَمَلًا -انْتَهى.

الأعراف 7:50

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ذِلَّةَ أهْلِ النّارِ وسُؤالَهم أهْلَ الجَنَّةِ مِن شَرابِهِمْ وطَعامِهِمْ، بَعْدَ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ، وبَعْدَ ما أقْسَمُوا لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، وأنَّهم لا يُجابُونَ إلى ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٠] ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ " ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ أيِ: الَّذِي (p-٢٦٩٦)رَحِمَكُمُ اللَّهُ بِهِ لِيُسْكِنَ حَرارَةَ النّارِ والعَطَشِ. قالَ الجَشْمِيُّ: وذَكَرُوا لَفْظَ (الإفاضَةِ)، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ أعْلى مَكانًا. ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ " أيْ: مِنَ الأطْعِمَةِ والفَواكِهِ ﴿قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: مَنَعَهُما عَنْهُمْ، لِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، فَلَمْ يَشْكُرُوهُ، فَمَنَعَهم نِعَمَهُ في الآخِرَةِ. فالتَّحْرِيمُ تَحْرِيمُ مَنعٍ، لا تَحْرِيمُ تَعَبُّدٍ. ثُمَّ وصَفَ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ:

الأعراف 7:51

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥١] ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ " ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ أيْ: مِمّا زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ. واللَّهْوُ: كُلُّ ما صَدَّ عَنِ الحَقِّ، واللَّعِبُ: كُلُّ أمْرٍ باطِلٍ، أيْ: لَيْسَ دِينُهم في الحَقِيقَةِ إلّا ذَلِكَ، إذْ هو دَأْبُهم ودَيْدَنُهم ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ " بِزَخارِفِها العاجِلَةِ، فَلَمْ يَعْمَلُوا ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ " أيْ: نَتْرُكُهم تَرْكَ المَنسِيِّ، فَلا نَرْحَمُهم بِما نَرْحَمُ بِهِ مَن عَمِلَ لِلْآخِرَةِ. ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ " أيْ: كَما فَعَلُوا بِلِقائِهِ، فِعْلَ النّاسِينَ، فَلَمْ يُخْطِرُوهُ بِبالِهِمْ، ولَمْ يَهْتَمُّوا بِهِ. لَطِيفَةٌ: قالَ الشِّهابُ: ﴿نَنْساهُمْ﴾ " تَمْثِيلٌ، شَبَّهَ مُعامَلَتَهُ تَعالى مَعَ هَؤُلاءِ بِالمُعامَلَةِ مَعَ مَن لا يُعْتَدُّ بِهِ، ويَلْتَفِتُ إلَيْهِ، فَيَنْسى، لِأنَّ النِّسْيانَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِأنَّهُ تَعالى لا يَشِذُّ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، كَما قالَ: ﴿فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] والنِّسْيانُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التَّرْكِ كَثِيرًا في لِسانِ العَرَبِ. ويَصِحُّ هُنا أيْضًا، فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَحْقِيقِيَّةً، أوْ مَجازًا مُرْسَلًا؛ وكَذا نِسْيانُهم لِقاءَ اللَّهِ أيْضًا، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ذاكِرِي اللَّهِ حَتّى يُنْسُوهُ، فَشَبَّهَ عَدَمَ إخْطارِهِمْ لِقاءَ اللَّهِ والقِيامَةَ بِبالِهِمْ، وقِلَّةَ مُبالاتِهِمْ بِحالِ مَن عَرَفَ شَيْئًا، ثُمَّ نَسِيَهُ، ولَيْسَتِ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، بَلْ لِلتَّعْلِيلِ، ولا مانِعَ مِنَ التَّشْبِيهِ أيْضًا. انْتَهى. (p-٢٦٩٧)وقالَ تَعالى: ﴿وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: وكَما كانُوا مُنْكِرِينَ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى بِالعَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ألَمْ أجْعَلْ لَكَ سَمْعًا وبَصَرًا ومالًا ووَلَدًا، وسَخَّرْتُ لَكَ الأنْعامَ والحَرْثَ، وتَرَكْتُكَ تَرْأسُ وتَرْبَعُ، فَكُنْتَ تَظُنُّ أنَّكَ مُلاقِي يَوْمِكَ هَذا؟ قالَ فَيَقُولُ: لا ! فَيَقُولُ لَهُ: اليَوْمَ أنْساكَ كَما نَسِيتَنِي»» . وفِي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: ««فَيَلْقى العَبْدُ رَبَّهُ، فَيَقُولُ: أيْ فُلْ ! ألَمْ أُكْرِمْكَ (p-٢٦٩٨)وأُسَوِّدْكَ وأُزَوِّجْكَ وأُسَخِّرْ لَكَ الخَيْلَ والإبِلَ وأتْرُكْكَ تَرْأسُ وتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلى يا رَبِّ ! فَيَقُولُ: أظْنَنْتَ أنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: إنِّي أنْساكَ كَما نَسِيتَنِي !»» . ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَسارَتِهِمْ في الآخِرَةِ ذَكَرَ أنَّهُ أزاحَ عِلَلَهم في الدُّنْيا بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

الأعراف 7:52

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٢] ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ " ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ الِاعْتِقاداتِ والأحْكامَ والأُمُورَ الأُخْرَوِيَّةَ تَفْصِيلًا مُبَيَّنًا ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ " أيْ: عالِمِينَ كَيْفَ نُفَصِّلُ أحْكامَهُ ومَواعِظَهُ وقِصَصَهُ وسائِرَ مَعانِيهِ، حَتّى جاءَ مُحْكَمًا قَيِّمًا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْـزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] ﴿هُدًى﴾ " أيْ: دَلالَةً تُرْشِدُهم إلى الحَقِّ، وتُنْجِيهِمْ مِنَ الضَّلالَةِ. ﴿ورَحْمَةً﴾ " أيْ يُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ ورَفْعِ الشُّبَهِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ " لِأنَّهُمُ المُغْتَنِمُونَ لِفَوائِدِهِ.

الأعراف 7:53

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٣] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾ " أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، مِن تَبَيُّنِ صِدْقِهِ، بِظُهُورِ ما نَطَقَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ. قالَ الشِّهابُ: (فالنَّظَرُ) هُنا بِمَعْنى (الِانْتِظارِ) (p-٢٦٩٩)لا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ. والتَّأْوِيلُ بِمَعْنى العاقِبَةُ، وما يَقَعُ في الخارِجِ، وهو أصْلُ مَعْناهُ، ويُطْلَقُ عَلى التَّفْسِيرِ أيْضًا، والمَعْنى: أنَّهم قَبْلَ وُقُوعِ ما هو مُحَقَّقٌ، كالمُنْتَظِرِينَ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، فَهم عَلى شَرَفِ مُلاقاةِ ما وُعِدُوا بِهِ، فَلا يُقالُ: كَيْفَ يَنْتَظِرُونَهُ مَعَ جَحْدِهِمْ؟ فَإنَّهم وإنْ جَحَدُوهُ، إلّا أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُنْتَظِرِينَ وفي حُكْمِهِمْ، مِن حَيْثُ إنَّ تِلْكَ الأحْوالَ تَأْتِيهِمْ لا مَحالَةَ ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ " يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ، وما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ " أيْ تَرَكُوهُ تَرْكَ المَنسِيِّ، حِينَ كانَ يَنْفَعُهُمُ الذِّكْرُ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ " أيْ: بِما هو واقِعٌ مِن الِاعْتِقاداتِ والوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ " في إزالَةِ العَذابِ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ " إلى مَكانِ العَمَلِ ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ " مِنَ الجُحُودِ واللَّهْوِ، واللَّعِبِ وأعْمالِ الدُّنْيا. قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِصَرْفِ أعْمالِهِمْ في الكُفْرِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ " أيْ ذَهَبَ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ مَعْبُودِيهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وعَلِمُوا أنَّهم كانُوا في دَعْواهم كاذِبِينَ. ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ الكُفّارِ وعِبادَتِهِمْ غَيْرَهُ، سُبْحانَهُ، احْتَجَّ عَلَيْهِمْ، مُبَيِّنًا بِأفْعالِهِ أنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ بِقَوْلِهِ: