Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الأعراف 7:54 – الأعراف 7:188
المحتويات
- الأعراف 7:54
- الأعراف 7:55
- الأعراف 7:56
- الأعراف 7:57
- الأعراف 7:58
- الأعراف 7:59
- الأعراف 7:60
- الأعراف 7:61
- الأعراف 7:62
- الأعراف 7:63
- الأعراف 7:64
- الأعراف 7:65
- الأعراف 7:66
- الأعراف 7:67
- الأعراف 7:68
- الأعراف 7:69
- الأعراف 7:70
- الأعراف 7:71
- الأعراف 7:72
- الأعراف 7:73
- الأعراف 7:74
- الأعراف 7:75
- الأعراف 7:76
- الأعراف 7:77
- الأعراف 7:78
- الأعراف 7:79
- الأعراف 7:80
- الأعراف 7:81
- الأعراف 7:82
- الأعراف 7:83
- الأعراف 7:84
- الأعراف 7:85
- الأعراف 7:86
- الأعراف 7:87
- الأعراف 7:88
- الأعراف 7:89
- الأعراف 7:90
- الأعراف 7:91
- الأعراف 7:92
- الأعراف 7:93
- الأعراف 7:94
- الأعراف 7:95
- الأعراف 7:96
- الأعراف 7:97
- الأعراف 7:98
- الأعراف 7:99
- الأعراف 7:100
- الأعراف 7:101
- الأعراف 7:102
- الأعراف 7:103
- الأعراف 7:104
- الأعراف 7:105
- الأعراف 7:106
- الأعراف 7:107
- الأعراف 7:108
- الأعراف 7:109
- الأعراف 7:110
- الأعراف 7:111
- الأعراف 7:112
- الأعراف 7:113
- الأعراف 7:114
- الأعراف 7:115
- الأعراف 7:116
- الأعراف 7:117
- الأعراف 7:118
- الأعراف 7:119
- الأعراف 7:120
- الأعراف 7:121
- الأعراف 7:122
- الأعراف 7:123
- الأعراف 7:124
- الأعراف 7:125
- الأعراف 7:126
- الأعراف 7:127
- الأعراف 7:128
- الأعراف 7:129
- الأعراف 7:130
- الأعراف 7:131
- الأعراف 7:132
- الأعراف 7:133
- الأعراف 7:134
- الأعراف 7:135
- الأعراف 7:136
- الأعراف 7:137
- الأعراف 7:138
- الأعراف 7:139
- الأعراف 7:140
- الأعراف 7:141
- الأعراف 7:142
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:144
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:147
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:149
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:151
- الأعراف 7:152
- الأعراف 7:153
- الأعراف 7:154
- الأعراف 7:155
- الأعراف 7:156
- الأعراف 7:157
- الأعراف 7:158
- الأعراف 7:159
- الأعراف 7:160
- الأعراف 7:161
- الأعراف 7:162
- الأعراف 7:163
- الأعراف 7:164
- الأعراف 7:165
- الأعراف 7:166
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:170
- الأعراف 7:171
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:173
- الأعراف 7:174
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:177
- الأعراف 7:178
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:183
- الأعراف 7:184
- الأعراف 7:185
- الأعراف 7:186
- الأعراف 7:187
- الأعراف 7:188
الأعراف 7:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٤] ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾
" ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ: إنَّ سَيِّدَكم ومالِكَكم ومُدَبِّرَكُمُ الَّذِي يَجِبُ أنْ تَعْبُدُوهُ أيُّها النّاسُ، الَّذِي أنْشَأ أعْيانَ السَّماواتِ والأرْضِ في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ.
(p-٢٧٠٠)وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
الأُولى: قالَ الشِّهابُ: اليَوْمُ في اللُّغَةِ مُطْلَقُ الوَقْتِ، فَإنْ أُرِيدَ هَذا، فالمَعْنى في سِتَّةِ أوْقاتٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] وإنْ أُرِيدَ المُتَعارَفُ، وهو زَمانُ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، فالمَعْنى في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ، لِأنَّ اليَوْمَ إنَّما كانَ بَعْدَ خَلْقِ الشَّمْسِ والسَّماواتِ، فَيُقَدَّرُ فِيهِ مُضافٌ. انْتَهى.
وفِي شَرْحِ القامُوسِ: إنَّ اليَوْمَ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، أوْ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الصّادِقِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وإنَّ الثّانِيَ تَعْرِيفٌ شَرْعِيٌّ عِنْدَ الأكْثَرِ.
ونُقِلَ عَنِ الفاسِيِّ شارِحِهِ: أنَّ اليَوْمَ عِنْدَ المُنَجِّمِينَ مِنَ الطُّلُوعِ إلى الطُّلُوعِ، أوْ مِنَ الغُرُوبِ إلى الغُرُوبِ.
ثُمَّ قالَ الزَّبِيدِيُّ: ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى مُطْلَقِ الزَّمانِ، نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ هِشامٍ، وحَكاهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: (أنا، اليَوْمَ، أفْعَلُ كَذا)، فَإنَّهم لا يُرِيدُونَ يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ولَكِنَّهم يُرِيدُونَ الوَقْتَ الحاضِرَ. قالَ: وبِهِ فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]
(p-٢٧٠١)ثُمَّ قالَ: وقَدْ يُرادُ بِاليَوْمِ الوَقْتُ مُطْلَقًا، ومِنهُ والحَدِيثُ: «تِلْكَ أيّامُ الهَرْجِ»، أيْ: وقْتُهُ ولا يَخْتَصُّ بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ -انْتَهى.
وإرادَةُ الوَقْتِ مُطْلَقًا مِنهُ، عَيْنُ إرادَةِ مُطْلَقِ الزَّمانِ قَبْلَهُ، كَما يَتَبادَرُ. والظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَهُ عَلى المُتَعارَفِ والوَقْتِ مُطْلَقًا، لُغَوِيٌّ فِيهِما -كَما نَقَلَهُما شارِحُ القامُوسِ- خِلافًا لِظاهِرِ كَلامِ الشِّهابِ السّابِقِ، فَتَثَبَّتْ هَذا.
الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُخْبِرُ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ العالَمَ، سَماواتِهِ وأرْضَهُ وما بَيْنَ ذَلِكَ في سِتَّةِ أيّامٍ، كَما أخْبَرَ بِذَلِكَ في غَيْرِ ما آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ؛ والسِّتَّةُ الأيّامِ: الأحَدُ والِاثْنَيْنِ والثُّلاثاءُ والأرْبِعاءُ والخَمِيسُ والجُمُعَةُ، وفِيهِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ كُلُّهُ، وفِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الأيّامِ: هَلْ كُلُّ يَوْمٍ مِنها كَهَذِهِ الأيّامِ، كَما هو المُتَبادِرُ إلى الأذْهانِ، أوْ كُلُّ يَوْمٍ كَألْفِ سَنَةٍ، كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ مُجاهِدٌ والإمامُ أحْمَدَ بْنُ حَنْبَلٍ ؟ ويُرْوى مِن رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَأمّا يَوْمُ السَّبْتِ فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ خَلْقٌ، لِأنَّهُ اليَوْمُ السّابِعُ، ومِنهُ سُمِّيَ السَّبْتُ، وهو القَطْعُ، فَأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي فَقالَ: خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وخَلَقَ الجِبالَ فِيها يَوْمَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرِ فِيها يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وبَثَّ فِيها الدَّوابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ، وخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ العَصْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، آخِرُ الخَلْقِ في (p-٢٧٠٢)آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الجُمُعَةِ، فِيما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ»» فَقَدْ رَواهُ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ في (صَحِيحِهِ) والنَّسائِيُّ، مِن غَيْرِ وجْهٍ، وفِيهِ اسْتِيعابُ الأيّامِ السَّبْعَةِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ قالَ: في سِتَّةِ أيّامٍ، ولِهَذا تَكَلَّمَ البُخارِيُّ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الحُفّاظِ في هَذا الحَدِيثِ، وجَعَلُوهُ مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ، لَيْسَ مَرْفُوعًا -واللَّهُ أعْلَمُ- انْتَهى.
وقَدْ بَسَطْتُ الكَلامَ فِيهِ في شَرْحِي عَلى (الأرْبِعِينَ العِجْلُونِيَّةِ).
الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: في خَلْقِ الأشْياءِ مُدْرَجًا، مَعَ القُدْرَةِ عَلى إيجادِها دُفْعَةً دَلِيلٌ لِلِاخْتِيارِ، أيْ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِالإيجابِ، لَصَدَرَ دُفْعَةً واحِدَةً، وفِيهِ حَثٌّ عَلى التَّأنِّي في الأُمُورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ اعْلَمْ أنَّ الِاسْتِواءَ ورَدَ عَلى مَعانٍ اشْتَرَكَ لَفْظُهُ فِيها، فَجاءَ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ ومِنهُ: ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] وبِمَعْنى القَصْدِ ومِنهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [فصلت: ١١]؛ وكُلُّ مَن فَرَغَ مِن أمْرٍ وقَصَدَ لِغَيْرِهِ فَقَدِ اسْتَوى لَهُ، وإلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: اسْتَوى إلَيَّ يُخاصِمُنِي، أيْ أقْبَلَ عَلَيَّ، ويَأْتِي بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ
(p-٢٧٠٣)وقالَ آخَرُ:
؎فَلَمّا عَلَوْنا واسْتَوَيْنا عَلَيْهِمْ ∗∗∗ تَرَكْناهم صَرْعى لِنَسْرٍ وكاسِرِ
ويَأْتِي بِمَعْنى العُلُوِّ، ومِنهُ آيَةُ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ البُخارِيُّ في آخِرِ (صَحِيحِهِ)، في كِتابِ الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ، في بابِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ [هود: ٧] قالَ مُجاهِدٌ: اسْتَوى، عَلا عَلى العَرْشِ -انْتَهى.
وفِي كِتابِ (العُلُوِّ) لِلْحافِظِ الذَّهَبِيِّ: قالَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ: سَمِعْتُ غَيْرَ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] أيِ: ارْتَفَعَ.
ونَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ بِمَعْنى ارْتَفَعَ، وقالَ: إنَّهُ في كُلِّ مَواضِعِهِ بِمَعْنى عَلا وارْتَفَعَ، وأقُولُ: لا حُجَّةَ إلى الِاسْتِكْثارِ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ الِاسْتِواءَ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وإنْ كانَ الكَيْفُ مَجْهُولًا.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ في كِتابِهِ (الرَّدُّ عَلى الجَهْمِيَّةِ) عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمانِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نافِعٍ قالَ: قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: اللَّهُ في السَّماءِ، وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ، لا يَخْلُو مِنهُ شَيْءٌ.
(p-٢٧٠٤)ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ وهْبٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مالِكٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَقالَ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ ! ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوى؟ فَأطْرَقَ مالِكٌ، وأخَذَتْهُ الرُّحَضاءُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] كَما وصَفَ نَفْسَهُ، ولا يُقالُ: كَيْفَ. و(كَيْفَ) عَنْهُ مَرْفُوعٌ، وأنْتَ صاحِبُ بِدْعَةٍ.
وفِي رِوايَةٍ قالَ: الكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، والِاسْتِواءُ مِنهُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ، والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.
قالَ الحافِظُ الذَّهَبِيُّ في كِتابِ (العُلُوِّ) -بَعْدَما ساقَ هَذا- ما نَصُّهُ:
وهُوَ قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ قاطِبَةً، أنَّ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِواءِ لا نَعْقِلُها بَلْ نَجْهَلُها، وأنَّ اسْتِواءَهُ مَعْلُومٌ، كَما أخْبَرَ في كِتابِهِ، وأنَّهُ كَما يَلِيقُ بِهِ، لا نَتَعَمَّقُ ولا نَتَحَذْلَقُ، ولا نَخُوضُ في لَوازِمِ ذَلِكَ نَفْيًا ولا إثْباتًا، بَلْ نَسْكُتُ ونَقِفُ، كَما وقَفَ السَّلَفُ، ونَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ تَأْوِيلٌ، لَبادَرَ إلى بَيانِهِ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ، ولَما وسِعَهم إقْرارُهُ وإمْرارُهُ، والسُّكُوتُ عَنْهُ، ونَعْلَمُ يَقِينًا مَعَ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلالُهُ، لا مِثْلَ لَهُ في صِفاتِهِ، ولا في اسْتِوائِهِ، ولا في نُزُولِهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
ثُمَّ قالَ الذَّهَبِيُّ: قالَ الإمامُ العَلَمُ، أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدَّيْنَوَرِيُّ صاحِبُ التَّصانِيفِ الشَّهِيرَةِ، في كِتابِهِ(مُخْتَلَفُ الحَدِيثِ): نَحْنُ نَقُولُ في قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] أنَّهُ مَعَهُمْ، يَعْلَمُ ما هم عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ وجَّهْتَهُ إلى بَلَدٍ شاسِعٍ: احْذَرِ التَّقْصِيرَ فَإنِّي مَعَكَ، يُرِيدُ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيَّ تَقْصِيرُكَ. وكَيْفَ يَسُوغُ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِكُلِّ مَكانٍ، عَلى الحُلُولِ فِيهِ، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] (p-٢٧٠٥)ومَعَ قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] كَيْفَ يَصْعَدُ إلَيْهِ شَيْءٌ هو مَعَهُ؟ وكَيْفَ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ وهي مَعَهُ؟ قالَ: ولَوْ أنَّ هَؤُلاءِ رَجَعُوا إلى فِطْرَتِهِمْ، وما رُكِّبَتْ عَلَيْهِ ذَواتُهُمْ، مِن مَعْرِفَةِ الخالِقِ، لَعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو العَلِيُّ وهو الأعْلى، وأنَّ الأيْدِيَ تُرْفَعُ بِالدُّعاءِ إلَيْهِ، والأُمَمُ كُلُّها عَجَمِيُّها وعَرَبِيُّها يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ في السَّماءِ، ما تُرِكَتْ عَلى فِطَرِها. انْتَهى.
ثُمَّ قالَ الذَّهَبِيُّ أيْضًا: عَنْ يَزِيدَ بْنِ هارُونَ شَيْخِ الإسْلامِ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَنِ الجَهْمِيَّةُ ؟ قالَ: مَن زَعَمَ أنَّ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] عَلى خِلافِ ما يَقِرُّ في قُلُوبِ العامَّةِ، فَهو جَهْمِيٌّ.
قالَ الذَّهَبِيُّ والعامَّةُ، مُرادُهُ بِهِمْ، جُمْهُورُ الأُمَّةِ وأهْلُ العِلْمِ، والَّذِي وقَرَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الآيَةِ، هو ما دَلَّ عَلَيْهِ الخِطابُ، مَعَ يَقِينِهِمْ بِأنَّ المُسْتَوِيَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] هَذا هو الَّذِي وقَرَ في فِطَرِهِمُ السَّلِيمَةِ، وأذْهانِهِمُ الصَّحِيحَةِ، ولَوْ كانَ لَهُ مَعْنًى وراءَ ذَلِكَ، لَتَفَوَّهُوا بِهِ، ولَما أهْمَلُوهُ، ولَوْ تَأوَّلَ أحَدٌ مِنهم الِاسْتِواءَ، لَتَوَفَّرَتِ الهِمَمُ عَلى نَقْلِهِ، ولَوْ نُقِلَ لاشْتُهِرَ. فَإنْ كانَ في بَعْضِ جَهَلَةِ الأغْبِياءِ مَن يَفْهَمُ مِن (الِاسْتِواءِ) ما يُوجِبُ نَقْصًا أوْ قِياسًا لِلشّاهِدِ عَلى الغائِبِ، ولِلْمَخْلُوقِ عَلى الخالِقِ -فَهَذا نادِرٌ. فَمَن نَطَقَ بِذَلِكَ زُجِرَ وعُلِّمَ، وما أظُنُّ أحَدًا مِنَ العامَّةِ يَقِرُّ في نَفْسِهِ ذَلِكَ -واللَّهُ أعْلَمُ- انْتَهى.
(p-٢٧٠٦)وقالَ الشَّيْخُ الإمامُ العارِفُ قُدْوَةُ العارِفِينَ، الشَّيْخُ عَبْدُ القادِرِ الجِيلانِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ في كِتابِهِ (تُحْفَةُ المُتَّقِينَ وسَبِيلُ العارِفِينَ) في بابِ اخْتِلافِ المَذاهِبِ في صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي ذِكْرِ اخْتِلافِ النّاسِ في الوَقْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] قالَ إسْحاقُ: في العِلْمِ، إلى أنْ قالَ: واللَّهُ تَعالى بِذاتِهِ عَلى العَرْشِ، عِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ مَكانٍ والوَقْفُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ عَلى قَوْلِهِ " إلّا اللَّهُ " .
وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وهَذا الوَقْفُ حَسُنَ لِمَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ بِذاتِهِ عَلى العَرْشِ، ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، إلى أنْ قالَ: ووَقَفَ جَماعَةٌ مِن مُنْكِرِي اسْتِواءِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ﴾ [طه: ٥] " وابْتَدَؤُوا بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَوى﴾ [طه: ٥] ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [طه: ٦] " يُرِيدُونَ بِذَلِكَ نَفْيَ الِاسْتِواءِ الَّذِي وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وهَذا خَطَأٌ مِنهُمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَوى عَلى العَرْشِ بِذاتِهِ.
وقالَ في كِتابِهِ (الغِنْيَةِ: أمّا مَعْرِفَةُ الصّانِعِ بِالآياتِ والدَّلالاتِ عَلى وجْهِ الِاخْتِصارِ، فَهو أنْ تَعْرِفَ وتَتَيَقَّنَ أنَّ اللَّهَ واحِدٌ أحَدٌ. إلى أنْ قالَ: لا يَخْلُو مِن عِلْمِهِ مَكانٌ، ولا يَجُوزُ وصْفُهُ بِأنَّهُ في كُلِّ مَكانٍ، بَلْ يُقالُ إنَّهُ في السَّماءِ عَلى العَرْشِ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] وقالَ تَعالى: (p-٢٧٠٧)﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] «والنَّبِيُّ ﷺ حَكَمَ بِإسْلامِ الأمَةِ لَمّا قالَ لَها: أيْنَ اللَّهُ؟ فَأشارَتْ إلى السَّماءِ» . وقالَ النَّبِيُّ ﷺ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ كِتابًا عَلى نَفْسِهِ، وهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ، إنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي»» .
وفِي لَفْظٍ آخَرَ: ««لَمّا قَضى اللَّهُ سُبْحانَهُ الخَلْقَ، كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ في كِتابٍ، فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»» .
ويَنْبَغِي إطْلاقُ صِفَةِ الِاسْتِواءِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وأنَّهُ اسْتِواءُ الذّاتِ عَلى العَرْشِ، لا عَلى مَعْنى القُعُودِ والمُماسَّةِ، كَما قالَتِ المُجَسِّمَةُ والكَرامِيَّةُ، ولا عَلى مَعْنى العُلُوِّ والرِّفْعَةِ، كَما قالَتِ الأشْعَرِيَّةُ، ولا عَلى الِاسْتِيلاءِ والغَلَبَةِ، كَما قالَتِ المُعْتَزِلَةُ، لِأنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ، ولا نُقِلَ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ مِن أصْحابِ الحَدِيثِ، ذَلِكَ، بَلِ المَنقُولُ عَنْهم حَمْلُهُ (p-٢٧٠٨)عَلى الإطْلاقِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] «الكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، والِاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، والإقْرارُ بِهِ واجِبٌ، والجُحُودُ بِهِ كُفْرٌ»
وقَدْ أسْنَدَهُ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ عَنْها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في (صَحِيحِهِ)، وكَذَلِكَ في حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقَرِيبٍ: أخْبارُ الصِّفاتِ تُمَرُّ كَما جاءَتْ، بِلا تَشْبِيهٍ ولا تَعْطِيلٍ، وقالَ أيْضًا (فِي رِوايَةِ بَعْضِهِمْ): لَسْتُ بِصاحِبِ كَلامٍ، ولا أرى الكَلامَ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأماكِنِ، وفي كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ عَنْ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أوْ عَنِ التّابِعِينَ، فَأمّا غَيْرُ ذَلِكَ، فَإنَّ الكَلامَ فِيهِ غَيْرُ مَحْمُودٍ، فَلا يُقالُ في صِفاتِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ (كَيْفَ)؟ و(لِمَ)؟ لا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا شَكّاكٌ.
وقالَ أحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فِي رِوايَةٍ عَنْهُ، في مَوْضِعٍ آخَرَ): نَحْنُ نُؤْمِنُ بِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَلى العَرْشِ كَيْفَ شاءَ، وكَما شاءَ، بِلا حَدٍّ ولا صِفَةٍ يَبْلُغُها واصِفٌ ويَحُدُّها حادٌّ، لِما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ، قالَ، قالَ اللَّهُ تَعالى في (التَّوْراةِ): أنا اللَّهُ فَوْقَ عِبادِي، وعَرْشِي فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِي، وأنا عَلى عَرْشِي، عَلَيْهِ أُدَبِّرُ عِبادِي، ولا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ مِن عِبادِي.
وكَوْنُهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى العَرْشِ مَذْكُورٌ في كُلِّ كِتابٍ أُنْزِلَ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ، بِلا كَيْفٍ، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى -فِيما لَمْ يَزَلْ- مَوْصُوفٌ بِالعُلُوِّ والقُدْرَةِ والِاسْتِيلاءِ والغَلَبَةِ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ، مِنَ العَرْشِ وغَيْرِهِ. فَلا يُحْمَلُ الِاسْتِواءُ عَلى ذَلِكَ، فالِاسْتِواءُ مِن صِفاتِ الذّاتِ، بَعْدَ ما أخْبَرَنا بِهِ، ونَصَّ عَلَيْهِ وأكَّدَهُ في سَبْعِ آياتٍ مِن كِتابِهِ، والسُّنَّةِ المَأْثُورَةِ بِهِ، وهو صِفَةٌ لازِمَةٌ لَهُ، ولائِقَةٌ بِهِ، كاليَدِ والوَجْهِ والعَيْنِ والسَّمْعِ والبَصَرِ، والحَياةِ والقُدْرَةِ، وكَوْنُهُ خالِقًا ورازِقًا ومُحْيِيًا ومُمِيتًا، مَوْصُوفٌ بِها، ولا نَخْرُجُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، نَقْرَأُ الآيَةَ والخَبَرَ، ونُؤْمِنُ بِما فِيهِما، ونَكِلُ الكَيْفِيَّةَ في الصِّفاتِ إلى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، (p-٢٧٠٩)كَما قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ في كِتابِهِ، فَتَفْسِيرُهُ قِراءَتُهُ. لا تَفْسِيرَ لَهُ غَيْرُها، ولَمْ نَتَكَلَّفْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ غَيْبٌ لا مَجالَ لِلْعَقْلِ في إدْراكِهِ، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ، ونَعُوذُ بِهِ مِن أنْ نَقُولَ فِيهِ وفي صِفاتِهِ ما لَمْ يُخْبِرْنا بِهِ هو أوْ رَسُولُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ. انْتَهى كَلامُ الجِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ.
ورَوى أبُو إسْماعِيلَ الأنْصارِيُّ في (ذَمِّ الكَلامِ وأهْلِهِ) عَنْ أبِي زُرْعَةَ الرّازِيِّ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] فَغَضِبَ وقالَ: تَفْسِيرُهُ كَما تَقْرَأُ، هو عَلى عَرْشِهِ، وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ، مَن قالَ غَيْرَ هَذا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ.
وأُسْنِدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حاتِمٍ قالَ: سَألْتُ أبِي وأبا زُرْعَةَ عَنْ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ في أُصُولِ الدِّينِ، وما أدْرَكا عَلَيْهِ العُلَماءَ في جَمِيعِ الأمْصارِ، وما يَعْتَقِدانِ مِن ذَلِكَ؟ فَقالا: أدْرَكْنا العُلَماءَ في جَمِيعِ الأمْصارِ، حِجازًا وعِراقًا، ومِصْرًا وشامًا ويَمَنًا، فَكانَ مِن مَذْهَبِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى عَرْشِهِ، بائِنٌ مِن خَلْقِهِ، كَما وصَفَ نَفْسَهُ، بِلا كَيْفٍ، أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: في بُطْلانِ تَأْوِيلِ (اسْتَوى) بِ(اسْتَوْلى):
قالَ الإمامُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى الكِنانِيُّ، صاحِبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى، في كِتابِ (الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ): زَعَمَتِ الجَهْمِيَّةُ أنَّ مَعْنى اسْتَوى (اسْتَوْلى) مِن قَوْلِ العَرَبِ: اسْتَوى فُلانٌ عَلى مِصْرَ، يُرِيدُونَ اسْتَوْلى عَلَيْها. قالَ: فَيُقالُ لَهُ: هَلْ يَكُونُ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ أتَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَيْسَ بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ؟ فَإذا قالَ لا، قِيلَ لَهُ: فَمَن زَعَمَ ذَلِكَ فَهو كافِرٌ، فَيُقالُ لَهُ: يَلْزَمُكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ العَرْشَ أتَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَيْسَ اللَّهُ بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ العَرْشَ قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ اسْتَوْلى عَلَيْهِ بَعْدَ خَلْقِهِنَّ، فَيَلْزَمُكَ أنْ تَقُولَ: المُدَّةُ الَّتِي كانَ العَرْشُ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لَيْسَ اللَّهُ بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ فِيها، ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا طَوِيلًا في تَقْرِيرِ العُلُوِّ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِ.
(p-٢٧١٠)وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ في كِتابِ (الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ): حَدَّثَنا داوُدُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ الأعْرابِيِّ، فَأتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] ؟ قالَ: هو عَلى عَرْشِهِ كَما أخْبَرَ، فَقالَ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ ! إنَّما مَعْناهُ اسْتَوْلى. فَقالَ: اسْكُتْ، لا يُقالُ اسْتَوْلى عَلى الشَّيْءِ حَتّى يَكُونَ لَهُ فِيهِ مُضادٌّ، فَأيُّهُما غَلَبَ، قِيلَ: اسْتَوْلى، واللَّهُ تَعالى لا مُضادَّ لَهُ، وهو عَلى عَرْشِهِ كَما أخْبَرَ. ثُمَّ قالَ الِاسْتِيلاءُ بَعْدَ المُغالَبَةِ، كَما قالَ النّابِغَةُ:
؎إلّا لِمِثْلِكَ أوْ مَن أنْتَ سابِقُهُ ∗∗∗ سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَوْلى عَلى الأمَدِ
ورَوى الخَطِيبُ البَغْدادِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ النَّضِرِ قالَ: كانَ ابْنُ الأعْرابِيِّ جارَنا، وكانَ لَيْلُهُ أحْسَنَ لَيْلٍ، وذَكَرَ لَنا أنَّ ابْنَ أبِي دَؤُادَ سَألَهُ: أتَعْرِفُ في اللُّغَةِ اسْتَوى بِمَعْنى اسْتَوْلى؟ فَقالَ لا أعْرِفُهُ ! وفي رِوايَةٍ: أرادَنِي ابْنُ أبِي دَؤُادَ أنْ أطْلُبَ لَهُ في بَعْضِ لُغاتِ العَرَبِ ومَعانِيها (p-٢٧١١)﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] اسْتَوى بِمَعْنى اسْتَوْلى، فَقُلْتُ لَهُ: واللَّهِ ما يَكُونُ هَذا، ولا وجَدْتُهُ. وابْنُ الأعْرابِيِّ أبُو عَبْدِ اللَّهِ كانَ لُغَوِيَّ زَمانِهِ -كَما قالَ الذَّهَبِيُّ -.
وقالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ (الإبانَةُ في أُصُولِ الدِّيانَةِ)، وقَدْ ذَكَرَ أصْحابُهُ أنَّهُ آخِرُ كِتابٍ صَنَّفَهُ، وعَلَيْهِ يَعْتَمِدُونَ في الذَّبِّ عَنْهُ، عِنْدَ مَن يَطْعَنُ عَلَيْهِ، فَقالَ:
فَصْلٌ
فِي إبانَةِ قَوْلِ أهْلِ الحَقِّ والسُّنَّةِ
فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ أنْكَرْتُمْ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ والقَدَرِيَّةِ والجَهْمِيَّةِ والحَرُورِيَّةِ والرّافِضَةِ والمُرْجِئَةِ، فَعَرِّفُونا قَوْلَكُمُ الَّذِي بِهِ تَقُولُونَ.
قِيلَ لَهُ: قَوْلُنا الَّذِي نَقُولُ بِهِ التَّمَسُّكُ بِكِتابِ رَبِّنا، وسُنَّةِ نَبِيِّنا، وما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وأئِمَّةِ الحَدِيثِ، ونَحْنُ بِذَلِكَ مُعْتَصِمُونَ، وبِما كانَ يَقُولُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَضَّرَ اللَّهُ وجْهَهُ، ورَفَعَ دَرَجَتَهُ، وأجْزَلَ مَثُوبَتَهُ قائِلُونَ، ولَمّا خالَفَ قَوْلَهُ مُخالِفُونَ، لِأنَّهُ الإمامُ الفاضِلُ، والرَّئِيسُ الكامِلُ، الَّذِي أبانَ اللَّهُ بِهِ الحَقَّ، ودَفَعَ بِهِ الضَّلالَ، وقَمَعَ بِهِ بِدَعَ المُبْتَدِعِينَ، وزَيْغَ الزّائِغِينَ.
ثُمَّ قالَ في (بابِ الِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ): إنْ قالَ قائِلٌ: ما تَقُولُونَ في الِاسْتِواءِ؟ قِيلَ لَهُ: نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ كَما قالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقالَ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] (p-٢٧١٢)وقالَ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وقالَ حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ [غافر: ٣٦] ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧] كَذَّبَ مُوسى في قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّماواتِ، وقالَ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ [الملك: ١٦] فالسَّماواتُ فَوْقَها العَرْشُ، فَلَمّا كانَ العَرْشُ فَوْقَ السَّماواتِ قالَ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ [الملك: ١٦] لِأنَّهُ مُسْتَوٍ عَلى العَرْشِ الَّذِي هو فَوْقَ السَّماواتِ، وكُلُّ ما عَلا فَهو سَماءٌ، والعَرْشُ أعْلى السَّماواتِ، ولَيْسَ إذا قالَ: أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ، يَعْنِي جَمِيعَ السَّماءِ، وإنَّما أرادَ العَرْشَ الَّذِي هو أعْلى السَّماواتِ. ألا تَرى أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ السَّماواتِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] فَلَمْ يُرِدْ أنَّ القَمَرَ يَمْلَؤُهُنَّ، وأنَّهُ فِيهِنَّ جَمِيعًا. ورَأيْنا المُسْلِمِينَ جَمِيعًا يَرْفَعُونَ أيْدِيَهُمْ، إذا دَعَوْا، نَحْوَ السَّماءِ لِأنَّ اللَّهَ عَلى العَرْشِ الَّذِي هو فَوْقَ السَّماواتِ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ عَلى العَرْشِ لَمْ يَرْفَعُوا أيْدِيَهم نَحْوَ العَرْشِ، كَما لا يَحُطُّونَها، إذا دَعَوْا، إلى الأرْضِ.
ثُمَّ قالَ:
فَصْلٌ
وقَدْ قالَ قائِلُونَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ والحَرُورِيَّةِ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] أنَّهُ اسْتَوْلى ومَلَكَ وقَهَرَ، وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ في كُلِّ مَكانٍ، (p-٢٧١٣)وجَحَدُوا أنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلى عَرْشِهِ، كَما قالَ أهْلُ الحَقِّ، وذَهَبُوا في الِاسْتِواءِ إلى (القُدْرَةِ)، فَلَوْ كانَ هَذا كَما ذَكَرُوهُ، كانَ لا فَرْقَ بَيْنَ العَرْشِ والأرْضِ السّابِعَةِ، لِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فاللَّهُ قادِرٌ عَلى الأرْضِ، وعَلى الحُشُوشِ، وعَلى كُلِّ ما في العالَمِ. فَلَوْ كانَ اللَّهُ مُسْتَوِيًا عَلى العَرْشِ بِمَعْنى (الِاسْتِيلاءِ)، وهو عَزَّ وجَلَّ مُسْتَوْلٍ عَلى الأشْياءِ كُلِّها، لَكانَ مُسْتَوِيًا عَلى العَرْشِ، وعَلى الأرْضِ، وعَلى السَّماءِ، وعَلى الحُشُوشِ والأقْذارِ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الأشْياءِ، مُسْتَوْلٍ عَلَيْها، وإذا كانَ قادِرًا عَلى الأشْياءِ كُلِّها، ولَمْ يَجُزْ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَقُولَ إنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلى الحُشُوشِ والأخْلِيَةِ، لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ (الِاسْتِيلاءَ) الَّذِي هو عامٌّ في الأشْياءِ كُلِّها، ووَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الِاسْتِواءِ يَخْتَصُّ العَرْشَ دُونَ الأشْياءِ كُلِّها. وذَكَرَ دَلالاتٍ مِنَ القُرْآنِ والحَدِيثِ والإجْماعِ والعَقْلِ -انْتَهى.
قُلْتُ: وكَلامُ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ الأخِيرِ مَأْخُوذٌ مِن كِتابِ رَدِّ الإمامِ أحْمَدَ عَلى الجَهْمِيَّةِ، حَيْثُ قالَ في كِتابِهِ المَذْكُورِ:
ومِمّا أنْكَرَتِ الجَهْمِيَّةُ الضُّلّالُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى العَرْشِ، فَقُلْنا: لِمَ أنْكَرْتُمْ ذَلِكَ؟ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى العَرْشِ، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] قالُوا: هو تَحْتَ الأرَضِينَ السّابِعَةِ كَما هو عَلى العَرْشِ، فَهو عَلى العَرْشِ، وفي السَّماواتِ، وفي الأرْضِ، وفي كُلِّ مَكانٍ، لا يَخْلُو مِنهُ مَكانٌ، ولا يَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. وتَلُوا آياتٍ مِنَ القُرْآنِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] فَقُلْنا: قَدْ عَرَفَ المُسْلِمُونَ أماكِنَ كَثِيرَةً، ولَيْسَ فِيها مِن عَظَمَةِ (p-٢٧١٤)اللَّهِ شَيْءٌ فَقالُوا: أيُّ مَكانٍ؟ فَقُلْنا: أحْشاؤُكم وأجْوافُ الخَنازِيرِ والحُشُوشُ والأماكِنُ القَذِرَةُ لَيْسَ فِيها مِن عَظَمَةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ شَيْءٌ، وقَدْ أخْبَرَنا أنَّهُ في السَّماءِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ [الملك: ١٦] الآيَةَ. وقالَ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقالَ: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء: ١٩] وقالَ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقالَ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وقالَ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وقالَ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وقالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] - فَهَذا أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ في السَّماءِ، ووَجَدْنا كُلَّ شَيْءٍ أسْفَلَ مَذْمُومًا.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩] وقُلْنا لَهُمْ: ألَيْسَ تَعْلَمُونَ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مَكانَهُ، (p-٢٧١٥)والشَّياطِينَ مَكانَهُمْ؟ فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَجْتَمِعَ هو وإبْلِيسُ، ولَكِنْ إنَّما مَعْنى قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] يَقُولُ: هو إلَهُ مَن في السَّماواتِ، وإلَهُ مَن في الأرْضِ، وهو عَلى العَرْشِ ! وقَدْ أحاطَ بِعِلْمِهِ ما دُونَ العَرْشِ، لا يَخْلُو مِن عِلْمِ اللَّهِ مَكانٌ، ولا يَكُونُ عِلْمُ اللَّهِ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]
قالَ: ومِن الِاعْتِبارِ في ذَلِكَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا كانَ في يَدِهِ قَدَحٌ مِن قَوارِيرَ صافٍ، وفِيهِ شَيْءٌ، كانَ بَصَرُ ابْنِ آدَمَ قَدْ أحاطَ بِالقَدَحِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ابْنُ آدَمَ في القَدَحِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ -ولَهُ المَثَلُ الأعْلى- قَدْ أحاطَ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ في شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ. وخَصْلَةٌ أُخْرى: لَوْ أنَّ رَجُلًا بَنى دارًا بِجَمِيعِ مَرافِقِها، ثُمَّ أغْلَقَ بابَها وخَرَجَ مِنها، كانَ ابْنُ آدَمَ لا يَخْفى عَلَيْهِ كَمْ بَيْتًا في دارِهِ، وكَمْ سِعَةُ كُلِّ بَيْتٍ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ صاحِبُ الدّارِ في جَوْفِ الدّارِ. فاللَّهُ سُبْحانَهُ -ولَهُ المَثَلُ الأعْلى- قَدْ أحاطَ بِجَمِيعِ ما خَلَقَ، وقَدْ عَلِمَ كَيْفَ هُوَ، وما هُوَ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ في شَيْءٍ مِمّا خَلَقَ.
قالَ أحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ومِمّا تَأوَّلَ الجَهْمِيَّةُ مِن قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مَعَنا وفِينا. فَقُلْنا: لِمَ قَطَعْتُمُ الخَبَرَ مِن أوَّلِهِ؟ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] يَعْنِي أنَّ اللَّهَ بِعِلْمِهِ رابِعُهُمْ، ﴿ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] بِعِلْمِهِ فِيهِمْ، يَفْتَحُ الخَبَرَ بِعِلْمِهِ، ويَخْتِمُهُ بِعِلْمِهِ. انْتَهى.
(p-٢٧١٦)ثُمَّ قالَ الإمامُ أحْمَدُ في آخِرِ كِتابِهِ المَذْكُورِ: وقُلْنا لِلْجَهْمِيَّةِ: زَعَمْتُمْ أنَّ اللَّهَ في كُلِّ مَكانٍ، لا يَخْلُو مِنهُ مَكانٌ، فَقُلْنا لَهُمْ: أخْبِرُونا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] لِمَ تَجَلّى، إذا كانَ فِيهِ بِزَعْمِكُمْ؟ ولَوْ كانَ فِيهِ، كَما تَزْعُمُونَ، لَمْ يَكُنْ يَتَجَلّى لِشَيْءٍ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى العَرْشِ، وتَجَلّى لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، ورَأى الجَبَلُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَراهُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ.
وقُلْنا لِلْجَهْمِيَّةِ: اللَّهُ نُورٌ؟ فَقالُوا: نُورٌ كُلُّهُ. فَقُلْنا: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ [الزمر: ٦٩]
فَقَدْ أخْبَرَ جَلَّ ثَناؤُهُ أنَّ لَهُ نُورًا، قُلْنا: أخْبِرُونا، حِينَ زَعَمْتُمْ أنَّ اللَّهَ في كُلِّ مَكانٍ، وهو نُورٌ، فَلِمَ لا يُضِيءُ البَيْتُ المُظْلِمُ مِنَ النُّورِ الَّذِي هو فِيهِ إذا زَعَمْتُمْ أنَّ اللَّهَ في كُلِّ مَكانٍ؟ وما بالُ السِّراجِ إذا أُدْخِلَ البَيْتَ المُظْلِمَ يُضِيءُ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ كَذِبُهم عَلى اللَّهِ.
فَرَحِمَ اللَّهُ مَن عَقَلَ عَنِ اللَّهِ، ورَجَعَ عَنِ القَوْلِ الَّذِي يُخالِفُ الكِتابَ والسُّنَّةَ، وقالَ بِقَوْلِ العُلَماءِ، وهو قَوْلُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وتَرَكَ دِينَ الشَّيْطانِ، ودِينَ جَهْمٍ وشِيعَتِهِ. انْتَهى.
وقالَ الإمامُ الحافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في كِتابِ (التَّمْهِيدُ) في شَرْحِ حَدِيثِ: ««يَنْزِلُ رَبُّنا (p-٢٧١٧)كُلَّ لَيْلَةٍ»» الحَدِيثَ، ما نَصُّهُ: هَذا الحَدِيثُ ثابِتٌ مِن جِهَةِ النَّقْلِ، صَحِيحُ الإسْنادِ، لا يَخْتَلِفُ أهْلُ الحَدِيثِ في صِحَّتِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى في السَّماءِ، عَلى العَرْشِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، كَما قالَتِ الجَماعَةُ، وهو حُجَّتُهم عَلى المُعْتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: (إنَّ اللَّهَ في كُلِّ مَكانٍ، ولَيْسَ عَلى العَرْشِ). والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما قالَهُ أهْلُ الحَقِّ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] ثُمَّ ساقَ عِدَّةَ آياتٍ في ذَلِكَ، وقالَ: هَذِهِ الآياتُ كُلُّها واضِحاتٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. وأمّا ادِّعاؤُهُمُ المَجازَ في الِاسْتِواءِ، وقَوْلُهم في تَأْوِيلِ " اسْتَوى " اسْتَوْلى، فَلا مَعْنى لَهُ، لِأنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ في اللُّغَةِ. ومَعْنى الِاسْتِيلاءِ في اللُّغَةِ المُغالَبَةُ، واللَّهُ تَعالى لا يُغالِبُهُ أحَدٌ، وهو الواحِدُ الصَّمَدُ.
ومِن حَقِّ الكَلامِ أنْ يُحْمَلَ عَلى حَقِيقَتِهِ، حَتّى تَتَّفِقَ الأُمَّةُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ المَجازُ، إذْ لا سَبِيلَ إلى اتِّباعِ ما أُنْزِلَ إلَيْنا مِن رَبِّنا تَعالى إلّا عَلى ذَلِكَ، وإنَّما يُوَجَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الأشْهَرِ والأظْهَرِ مِن وُجُوهِهِ، ما لَمْ يَمْنَعْ مِن ذَلِكَ ما يَجِبُ لَهُ التَّسْلِيمُ.
ولَوْ ساغَ ادِّعاءُ المَجازِ لِكُلِّ مُدَّعٍ، ما ثَبَتَ شَيْءٌ مِنَ العِباداتِ. وجَلَّ اللَّهُ أنْ يُخاطِبَ إلّا بِما تَفْهَمُهُ العَرَبُ، مِن مَعْهُودِ مُخاطِباتِها مِمّا يَصِحُّ مَعْناهُ عِنْدَ السّامِعِينَ، والِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ في اللُّغَةِ مَفْهُومٌ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ عَلى الشَّيْءِ، والِاسْتِقْرارُ والتَّمَكُّنُ فِيهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] قالَ: عَلا، قالَ: تَقُولُ العَرَبُ: اسْتَوَيْتُ فَوْقَ الدّابَّةِ واسْتَوَيْتُ فَوْقَ البَيْتِ. وقالَ غَيْرُهُ: اسْتَوى أيِ اسْتَقَرَّ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى﴾ [القصص: ١٤] انْتَهى شَبابُهُ واسْتَقَرَّ، فَلَمْ يَكُنْ في شَبابِهِ مَزِيدٌ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: الِاسْتِواءُ: الِاسْتِقْرارُ في العُلُوِّ، وبِهَذا خاطَبَنا اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ فَقالَ: (p-٢٧١٨)﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] وقالَ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَأوْرِدَتُهم ماءً بِفَيْفاءَ قَفْرَةٍ ∗∗∗ وقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ اليَمانِيُّ فاسْتَوى
وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَتَأوَّلَ فِيهِ أحَدٌ (اسْتَوْلى)، لِأنَّ النَّجْمَ لا يَسْتَوْلِي. وقَدْ ذَكَرَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ -وكانَ ثِقَةً مَأْمُونًا جَلِيلًا في عِلْمِ الدِّيانَةِ واللُّغَةِ- قالَ: حَدَّثَنِي الخَلِيلُ - وحَسْبُكَ بِالخَلِيلِ - قالَ: أتَيْتُ أبا رَبِيعَةَ الأعْرابِيَّ، وكانَ مِن أعْلَمِ ما رَأيْتُ، فَإذا هو عَلى سَطْحٍ، فَسَلَّمْنا، فَرَدَّ عَلَيْنا السَّلامَ، وقالَ: (اسْتَوُوا)، فَبَقِينا مُتَحَيِّرِينَ ولَمْ نَدْرِ ما قالَ، فَقالَ لَنا أعْرابِيٌّ إلى جانِبِهِ: إنَّهُ أمَرَكم أنْ تَرَفَّعُوا، فَقالَ الخَلِيلُ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [فصلت: ١١] فَصَعِدْنا إلَيْهِ، قالَ: وأمّا مَن نَزَعَ مِنهم بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ داوُدَ الواسِطِيُّ، (p-٢٧١٩)عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ بْنِ مُجاهِدٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] قالَ: اسْتَوْلى عَلى جَمِيعِ بَرِيَّتِهِ، فَلا يَخْلُو مِنهُ مَكانٌ.
فالجَوابُ: أنَّ هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ونَقَلَتُهُ مَجْهُولَةٌ وضُعَفاءٌ، فَأمّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ داوُدَ الواسِطِيُّ وعَبْدُ الوَهّابِ بْنُ مُجاهِدٍ فَضَعِيفانِ.
وإبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ. وهم لا يَقْبَلُونَ أخْبارَ الآحادِ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهم الِاحْتِجاجُ بِمِثْلِ هَذا الحَدِيثِ، لَوْ عَقَلُوا وأنْصَفُوا؟ أما سَمِعُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ [غافر: ٣٦] ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧] ؟ فَدَلَّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ: إلَهِي في السَّماءِ وفِرْعَوْنُ يَظُنُّهُ كاذِبًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَسُبْحانَ مَن لا يُقَدِّرُ الخَلْقُ قَدْرَهُ ∗∗∗ ومَن هو فَوْقَ العَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ
؎مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ∗∗∗ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ
وهَذا الشِّعْرُ لِأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ. وفِيهِ يَقُولُ في وصْفِ المَلائِكَةِ:
؎وساجِدُهم لا يَرْفَعُ الدَّهْرَ رَأْسَهُ ∗∗∗ يُعَظِّمُ رَبًّا فَوْقَهُ ويُمَجِّدُ
قالَ: فَإنِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن (p-٢٧٢٠)نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ في كُلِّ مَكانٍ بِنَفْسِهِ وذاتِهِ -تَبارَكَ وتَعالى جَدُّهُ- قِيلَ: لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَكم وبَيْنَ سائِرِ الأُمَّةِ أنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ بِذاتِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآياتِ عَلى المَعْنى الصَّحِيحِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّهُ في السَّماءِ إلَهٌ مَعْبُودٌ مِن أهْلِ السَّماءِ، وفي الأرْضِ إلَهٌ مَعْبُودٌ مِن أهْلِ الأرْضِ، وكَذا قالَ أهْلُ العِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ.
وظاهِرُ هَذا التَّنْزِيلِ يَشْهَدُ أنَّهُ عَلى العَرْشِ، فالِاخْتِلافُ في ذَلِكَ ساقِطٌ، وأسْعَدُ النّاسِ بِهِ مَن ساعِدُهُ الظّاهِرُ، وأمّا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وفِي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فالإجْماعُ والِاتِّفاقُ قَدْ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ مَعْبُودٌ مِن أهْلِ الأرْضِ. فَتَدَبَّرْ هَذا فَإنَّهُ قاطِعٌ.
ومِنَ الحُجَّةِ أيْضًا في أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى العَرْشِ فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ، أنَّ المُوَحِّدِينَ أجْمَعِينَ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ، إذا كَرَبَهم أمْرٌ، أوْ نَزَلَتْ بِهِمْ شِدَّةٌ، رَفَعُوا وُجُوهَهم إلى السَّماءِ، ونَصَبُوا أيْدِيَهم رافِعِينَ مُشِيرِينَ بِها إلى السَّماءِ، يَسْتَغِيثُونَ اللَّهَ رَبَّهم تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا أشْهَرُ وأعْرَفُ عِنْدَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، مِن أنْ يَحْتاجَ فِيهِ إلى أكْثَرَ مِن حِكايَتِهِ.
لِأنَّهُ اضْطِرارِيٌّ لَمْ يُخالِفْهم عَلَيْهِ أحَدٌ، ولا أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ مُسْلِمٌ، وقَدْ «قالَ ﷺ لِلْأمَةِ الَّتِي أرادَ مَوْلاها عِتْقَها، (p-٢٧٢١)إنْ كانَتْ مُؤْمِنَةً، فاخْتَبَرَها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأنْ قالَ لَها: «أيْنَ اللَّهُ؟» فَأشارَتْ إلى السَّماءِ. ثُمَّ قالَ لَها: «مَن أنا؟» قالَتْ أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: «أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ»» . فاكْتَفى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنها بِرَفْعِ رَأْسِها إلى السَّماءِ، واسْتَغْنى بِذَلِكَ عَمّا سِواهُ.
قالَ: وأمّا احْتِجاجُهم بِقَوْلِهِ: تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] فَلا حُجَّةَ لَهم في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ عُلَماءَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ الَّذِينَ حُمِلَ عَنْهُمُ التَّأْوِيلُ في القُرْآنِ قالُوا تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ: هو عَلى العَرْشِ، وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ، وما خالَفَهم في ذَلِكَ أحَدٌ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ.
وذَكَرَ سُنَيْدٌ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قالَ: هو عَلى عَرْشِهِ، وعِلْمُهُ مَعَهم أيْنَما كانُوا.
قالَ: وبَلَغَنِي عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ مِثْلُهُ. قالَ سُنَيْدٌ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: اللَّهُ فَوْقَ العَرْشِ، وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم.
ثُمَّ ساقَ مِن طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هارُونَ، عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ إلى الأُخْرى خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ إلى الكُرْسِيِّ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ الكُرْسِيِّ إلى الماءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، (p-٢٧٢٢)والعَرْشُ عَلى الماءِ، واللَّهُ عَلى العَرْشِ، ويَعْلَمُ أعْمالَكم وذَكَرَ هَذا الكَلامَ أوْ قَرِيبًا مِنهُ في كِتابِ (الِاسْتِذْكارِ).
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في (الرِّسالَةِ المَدَنِيَّةِ): إذا وصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِصِفَةٍ أوْ وصَفَهُ بِها رَسُولُهُ ﷺ، أوْ وصَفَهُ بِها المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى هِدايَتِهِمْ ودِرايَتِهِمْ- فَصَرْفُها عَنْ ظاهِرِها اللّائِقِ بِجَلالِهِ سُبْحانَهُ، وحَقِيقَتِها المَفْهُومَةِ مِنها إلى باطِنٍ يُخالِفُ الظّاهِرَ، ومَجازٍ يُخالِفُ الحَقِيقَةَ، لا بُدَّ فِيهِ مِن أرْبَعَةِ أشْياءَ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ مُسْتَعْمَلٌ بِالمَعْنى المَجازِيِّ، لِأنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ وكَلامَ السَّلَفِ جاءُوا بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنهُ خِلافُ لِسانِ العَرَبِ، أوْ خِلافُ الألْسِنَةِ كُلِّها، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَعْنى المَجازِيُّ مِمّا يُرادُ بِهِ اللَّفْظُ، وإلّا فَيُمْكِنُ كُلُّ مُبْطِلٍ أنْ يُفَسِّرَ أيَّ لَفْظٍ بِأيِّ مَعْنى ناسِخٍ لَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلٌ في اللُّغَةِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعَهُ دَلِيلٌ يُوجِبُ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى مَجازِهِ، وإلّا فَإذا كانَ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنًى بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ، وفي مَعْنًى بِطَرِيقِ المَجازِ، لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلى المَجازِيِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يُوجِبُ الصَّرْفَ بِإجْماعِ العُقَلاءِ، ثُمَّ ادَّعى وُجُوبَ صَرْفِهِ عَنِ الحَقِيقَةِ، فَلا بُدَّ مِن دَلِيلٍ قاطِعٍ عَقْلِيٍّ أوْ سَمْعِيٍّ يُوجِبُ الصَّرْفَ. وإنِ ادَّعى ظُهُورَ صَرْفِهِ عَنِ الحَقِيقَةِ فَلا بُدَّ مِن دَلِيلٍ مُرَجِّحٍ لِلْحَمْلِ عَلى المَجازِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يَسْلَمَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ الصّارِفُ عَنْ مُعارِضٍ، وإلّا فَإذا قامَ دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ أوْ إيمانِيٌّ يُبَيِّنُ أنَّ الحَقِيقَةَ مُرادَةٌ، امْتَنَعَ تَرْكُها. ثُمَّ إنْ كانَ هَذا الدَّلِيلُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلى نَقِيضِهِ وإنْ كانَ ظاهِرًا فَلا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ.
الرّابِعُ: أنَّ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا تَكَلَّمَ بِكَلامٍ وأرادَ بِهِ خِلافَ ظاهِرِهِ، وضِدَّ حَقِيقَتِهِ فَلا بُدَّ أنْ يُبَيِّنَ لِلْأُمَّةِ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَتَهُ وإنَّما أرادَ مَجازَهُ، سَواءٌ عَيَّنَهُ أوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، لا سِيَّما في الخِطابِ العِلْمِيِّ الَّذِي أُرِيدَ مِنهم فِيهِ الِاعْتِقادُ والعِلْمُ، دُونَ عَمَلِ الجَوارِحِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ القُرْآنَ نُورًا وهُدًى وبَيانًا لِلنّاسِ وشِفاءً لِما في الصُّدُورِ، وأرْسَلَ الرَّسُولَ (p-٢٧٢٣)لِيُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ، ولِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، ولِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. ثُمَّ هَذا الرَّسُولُ الأُمِّيُّ العَرَبِيُّ بُعِثَ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ، وأبْيَنِ الألْسِنَةِ والعِباراتِ. ثُمَّ الأُمَّةُ الَّذِينَ أخَذُوا عَنْهُ كانُوا أعْمَقَ النّاسِ عِلْمًا، وأنْصَحَهم لِلْأُمَّةِ، وأبْيَنَهم لِلسُّنَّةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَتَكَلَّمَ هو وهَؤُلاءِ بِكَلامٍ يُرِيدُونَ بِهِ خِلافَ ظاهِرِهِ، إلّا وقَدْ نَصَبَ دَلِيلًا يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى ظاهِرِهِ، إمّا بِأنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا ظاهِرًا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِعَقْلِهِ أنَّ المُرادَ (أُوتِيَتْ مِن جِنْسِ ما يُؤْتاهُ مِثْلُها). وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] يَعْلَمُ المُسْتَمِعُ أنَّ المُرادَ أنَّ الخالِقَ لا يَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ، أوْ سَمْعِيًّا ظاهِرًا مِثْلَ الدَّلالاتِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ الَّتِي تَصْرِفُ بَعْضُها الظَّواهِرَ.
(p-٢٧٢٤)ولا يَجُوزُ أنْ يُحِيلَهم عَلى دَلِيلٍ خَفِيٍّ لا يَسْتَنْبِطُهُ إلّا أفْرادُ النّاسِ، سَواءٌ كانَ سَمْعِيًّا أوْ عَقْلِيًّا، لِأنَّهُ إذا تَكَلَّمَ بِالكَلامِ الَّذِي يَفْهَمُ مِنهُ مَعْنًى، وأعادَهُ مَرّاتٍ كَثِيرَةً، وخاطَبَ بِهِ الخَلْقَ كُلَّهُمْ، وفِيهِمُ الذَّكِيُّ والبَلِيدُ، والفَقِيهُ وغَيْرُ الفَقِيهِ، وقَدْ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَبَّرُوا ذَلِكَ الخِطابَ، ويَعْقِلُوهُ ويَتَفَكَّرُوا فِيهِ، ويَعْتَقِدُوا مُوجِبَهُ، ثُمَّ أوْجَبَ أنْ لا يَقْصِدُوا بِهَذا الخِطابِ شَيْئًا مِن ظاهِرِهِ، لِأنَّ هُناكَ دَلِيلًا خَفِيًّا يَسْتَنْبِطُهُ أفْرادُ النّاسِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ ظاهِرَهُ -كانَ تَدْلِيسًا أوْ تَلْبِيسًا، وكانَ نَقِيضَ البَيانِ، وضِدَّ الهُدى. وهو بِالألْغازِ والأحاجِيِّ أشْبَهُ مِنهُ بِالهُدى والبَيانِ. فَكَيْفَ إذا كانَتْ دَلالَةُ ذَلِكَ الخِطابِ عَلى ظاهِرِهِ، أقْوى بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ مِن دَلالَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الخَفِيِّ عَلى أنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ، كَيْفَ إذا كانَ ذَلِكَ الخَفِيُّ شُبْهَةً لَيْسَ لَها حَقِيقَةٌ؟ انْتَهى.
الثّانِي: يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ أنَّ القَوْلَ بِالعُلُوِّ والِاسْتِواءِ يَلْزَمُ مِنهُما القَوْلُ بِالتَّجْسِيمِ، وقَدْ رُمِيَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ، ومِمَّنْ رَماهم بِذَلِكَ الجَلالُ الدَّوانِيُّ في شَرْحِ العَقائِدِ العَضُدِيَّةِ حَيْثُ قالَ -عَفا اللَّهُ عَنْهُ-: وأكْثَرُ المُجَسِّمَةِ هُمُ الظّاهِرِيُّونَ المُتَّبِعُونَ لِظاهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وأكْثَرُهُمُ المُحَدِّثُونَ، ولِابْنِ تَيْمِيَةَ أبِي العَبّاسِ وأصْحابِهِ مَيْلٌ عَظِيمٌ إلى إثْباتِ الجِهَةِ، ومُبالَغَةٌ في القَدْحِ في نَفْيِها. ورَأيْتُ في بَعْضِ تَصانِيفِهِ أنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَ بَدِيهَةِ العَقْلِ بَيْنَ أنْ يُقالَ: هو مَعْدُومٌ، أوْ يُقالُ: طَلَبْتُهُ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ فَلَمْ أجِدْهُ، ونَسَبَ النّافِينَ إلى التَّعْطِيلِ. هَذا مَعَ عُلُوِّ كَعْبِهِ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ، كَما يَشْهَدُ بِهِ مَن تَتَبَّعَ تَصانِيفَهُ.
ومُحَصَّلُ كَلامِ بَعْضِهِمْ في بَعْضِ المَواضِعِ، أنَّ الشَّرْعَ ورَدَ بِتَخْصِيصِهِ تَعالى بِجِهَةِ (الفَوْقِ)، كَما خَصَّصَ الكَعْبَةَ بِكَوْنِها بَيْتَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ يَتَوَجَّهُ إلَيْها في الدُّعاءِ.
ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ في هَذا القَدْرِ غائِلَةٌ أصْلًا، لَكِنَّ بَعْضَ أصْحابِ الحَدِيثِ مِنَ المُتَأخِّرِينَ لَمْ يَرْضَ بِهَذا القَوْلِ، وأنْكَرَ كَوْنَ (الفَوْقِ) قِبْلَةَ الدُّعاءِ، بَلْ قالَ: قِبْلَةُ الدُّعاءِ هو نَفْسُهُ، كَما أنَّ نَفْسَ الكَعْبَةِ قِبْلَةُ الصَّلاةِ، وقَدْ صَرَّحَ بِكَوْنِهِ جِهَةَ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ. انْتَهى كَلامُ الدَّوانِيِّ.
(p-٢٧٢٥)وتَعَقَّبَهُ غَيْرُ واحِدٍ:
مِنهُمُ: الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في حاشِيَتِهِ عَلَيْهِ المُسَمّاةِ (بِمَجْلى المَعانِي) قالَ: إنَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ لَيْسَ قائِلًا بِالتَّجْسِيمِ، فَقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ جِسْمًا، في رِسالَةٍ تَكَلَّمَ فِيها عَلى حَدِيثِ النُّزُولِ.
وقالَ في رِسالَةٍ أُخْرى: مَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى مِثْلُ بَدَنِ الإنْسانِ، أوْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُماثِلُ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ فَهو مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. بَلْ هو عَلى مَذْهَبِ السَّلَفِ قائِلٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَوْقَ العَرْشِ حَقِيقَةً، مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ، ونَقَلَ عَلَيْهِ إجْماعَ السَّلَفِ، صَرَّحَ بِهِ في الرِّسالَةِ القَدَرِيَّةِ. انْتَهى.
ومِنهُمْ: ولِيُّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ، قالَ في كِتابِهِ (حُجَّةُ اللَّهِ البالِغَةُ): واسْتَطالَ هَؤُلاءِ الخائِضُونَ عَلى مَعْشَرِ أهْلِ الحَدِيثِ، وسَمَّوْهم مُجَسِّمَةً ومُشَبِّهَةً، وقالُوا: هُمُ المُتَسَتِّرُونَ بِالبَلْكَفَةِ، وقَدْ وضَحَ عَلَيَّ وُضُوحًا بَيِّنًا أنَّ اسْتِطالَتَهم هَذِهِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وأنَّهم مُخْطِئُونَ في مَقالَتِهِمْ رِوايَةً ودِرايَةً، وخاطِئُونَ في طَعْنِهِمْ أئِمَّةَ الهُدى -انْتَهى.
ومِنهُمُ: الشِّهابُ الألُوسِيُّ المُفَسِّرُ، فَإنَّهُ كَتَبَ عَلى كَلامِ الدَّوانِيِّ ما نَصُّهُ: حاشا لِلَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ -يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَةَ - مِنَ المُجَسِّمَةِ، بَلْ هو أبْرَأُ النّاسِ مِنهم. نَعَمْ يَقُولُ بِالفَوْقِيَّةِ، وذَلِكَ مَذْهَبُ السَّلَفِ، وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّجْسِيمِ. وجَلالُ الدِّينِ وأضْرابُهُ أجْهَلُ النّاسِ بِالأحادِيثِ، وكَلامُ السَّلَفِ الصّالِحِ، كَما لا يَخْفى عَلى العارِفِ المُنْصِفِ. نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُهُ في (مُحاكَمَةِ الأحْمَدَيْنِ).
وأقُولُ. إنَّ كُلَّ مَن رَمى مِثْلَ هَذا الإمامِ بِالتَّجْسِيمِ فَقَدِ افْتَرى وما دَرى، إلّا أنَّ عُذْرَهُ أنَّهُ لَمْ يُنَقِّبْ عَنْ غُرَرِ كَلامِهِ في فَتاوِيهِ الَّتِي أوْضَحَ فِيها الحَقَّ، وأنارَ بِها مَذْهَبَ السَّلَفِ قاطِبَةً. وهاكَ شَذْرَةٌ مِن دُرَرِهِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في بَعْضِ فَتاوِيهِ:
والأصْلُ في هَذا البابِ أنَّ كُلَّ ما ثَبَتَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وجَبَ التَّصْدِيقُ بِهِ، مِثْلَ عُلُوِّ الرَّبِّ، واسْتِوائِهِ عَلى عَرْشِهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وأمّا الألْفاظُ المُبْتَدَعَةُ (p-٢٧٢٦)فِي النَّفْيِ والإثْباتِ، مِثْلَ قَوْلِ القائِلِ: هو في جِهَةٍ أوْ لَيْسَ في جِهَةٍ، وهو مُتَحَيِّزٌ أوْ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تَنازَعَ فِيها النّاسُ، ولَيْسَ مَعَ أحَدِهِمْ نَصٌّ، لا عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، ولا عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ، ولا أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ -هَؤُلاءِ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهم إنَّ اللَّهَ تَعالى في جِهَةٍ، ولا قالَ لَيْسَ هو في جِهَةٍ، ولا قالَ هو مُتَحَيِّزٌ، ولا قالَ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ، بَلْ ولا قالَ هو جِسْمٌ أوْ جَوْهَرٌ، ولا قالَ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِجَوْهَرٍ. فَهَذِهِ الألْفاظُ لَيْسَتْ مَنصُوصَةً في الكِتابِ ولا السُّنَّةِ ولا الإجْماعِ، والنّاطِقُونَ بِها قَدْ يُرِيدُونَ مَعْنًى صَحِيحًا. فَإنْ يُرِيدُوا مَعْنًى صَحِيحًا يُوافِقُ الكِتابَ والسُّنَّةَ كانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا مِنهُمْ، وإنْ أرادُوا مَعْنًى فاسِدًا يُخالِفُ الكِتابَ والسُّنَّةَ كانَ ذَلِكَ المَعْنى مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ. فَإذا قالَ القائِلُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى في جِهَةٍ، قِيلَ: ما تُرِيدُ بِذَلِكَ؟ أتُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ في جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ تَحْصُرُهُ وتُحِيطُ بِهِ، مِثْلَ أنْ يَكُونَ في جَوْفِ السَّماواتِ، أمْ تُرِيدُ بِالجِهَةِ أمْرًا عَدَمِيًّا، وهو ما فَوْقَ العالَمِ شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
فَإنْ أرَدْتَ الجِهَةَ الوُجُودِيَّةَ، وجَعَلْتَ اللَّهَ تَعالى مَحْصُورًا في المَخْلُوقاتِ، فَهَذا باطِلٌ، وإنْ أرَدْتَ بِالجِهَةِ العَدَمِيَّةِ وأرَدْتَ اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ فَوْقَ المَخْلُوقاتِ، بائِنٌ عَنْها، فَهَذا حَقٌّ، ولَيْسَ في ذَلِكَ أنَّ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ حَصَرَهُ، ولا أحاطَ بِهِ، ولا عَلا عَلَيْهِ، بَلْ هو العالِي عَلَيْها، المُحِيطُ بِها، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] الآيَةَ -وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقْبِضُ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَطْوِي (p-٢٧٢٧)السَّماواتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أنا المَلِكُ، أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ»» ؟ وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما السَّماواتُ السَّبْعُ، والأرْضُونَ السَّبْعُ، وما فِيهِنَّ، وما بَيْنَهُنَّ، في يَدِ الرَّحْمَنِ إلّا كَخَرْدَلَةٍ في يَدِ أحَدِكم.
وفِي حَدِيثٍ آخَرَ أنَّهُ يَرْمِيها كَما يَرْمِي الصِّبْيانُ الكُرَةَ. فَمَن يَكُونُ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ بِالنِّسْبَةِ إلى قَبْضَتِهِ تَعالى، وإلى هَذا الحَقْرِ والصِّغارِ، كَيْفَ تُحِيطُ بِهِ وتَحْصُرُهُ؟ ومَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ في جِهَةٍ، قِيلَ لَهُ: ما تُرِيدُ بِذَلِكَ؟ فَإنْ أرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ السَّماواتِ رَبٌّ يُعْبَدُ، ولا عَلى عَرْشٍ إلَهٌ، ونَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يُعْرَجْ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، والأيْدِي لا تُرْفَعُ إلى اللَّهِ تَعالى في الدُّعاءِ، ولا تَتَوَجَّهُ القُلُوبُ إلَيْهِ فَهَذا فِرْعَوْنِيٌّ مُعَطِّلٌ، جاحِدٌ لِرَبِّ العالَمِينَ. وإنْ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مُقِرٌّ بِهِ فَهو جاهِلٌ مُتَناقِضٌ في كَلامِهِ. ومِن هُنا دَخَلَ أهْلُ الحُلُولِ والِاتِّحادِ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى بِذاتِهِ في كُلِّ مَكانٍ، وإنَّ وُجُودَ المَخْلُوقاتِ هو وُجُودُ الخالِقِ. وإنْ قالَ: مُرادِي بِقَوْلِي (لَيْسَ في جِهَةٍ)، أنَّهُ لا تُحِيطُ بِهِ المَخْلُوقاتُ فَقَدْ أصابَ في هَذا المَعْنى.
وكَذَلِكَ مَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَحَيِّزٌ أوْ قالَ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ: إنْ أرادَ بِقَوْلِهِ (مُتَحَيِّزٌ) أنَّ المَخْلُوقاتِ تَحُوزُهُ وتُحِيطُ بِهِ فَقَدْ أخْطَأ، وإنْ أرادَ بِهِ مُنْحازٌ عَنِ المَخْلُوقاتِ بائِنٌ عَنْها عالٍ عَلَيْها فَقَدْ أصابَ، ومَن قالَ: (لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ)، إنْ أرادَ المَخْلُوقاتُ لا تَحُوزُهُ فَقَدْ أصابَ، وإنْ أرادَ لَيْسَ بِبائِنٍ عَنْها، بَلْ هو لا داخِلَ فِيها، ولا خارِجَ عَنْها، فَقَدْ أخْطَأ. والنّاسُ في هَذا البابِ ثَلاثَةُ أصْنافٍ: أهْلُ الحُلُولِ والِاتِّحادِ، وأهْلُ النَّفْيِ والجُحُودِ، وأهْلُ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ والسُّنَّةِ.
فَأهْلُ الحُلُولِ يَقُولُونَ: إنَّهُ بِذاتِهِ في كُلِّ مَكانٍ، وقَدْ يَقُولُونَ بِالِاتِّحادِ والوَحْدَةِ، فَيَقُولُونَ: وُجُودُ المَخْلُوقاتِ وُجُودُ الخالِقِ.
وأمّا أهْلُ النَّفْيِ والجُحُودِ فَيَقُولُونَ: لا هو داخِلُ العالَمِ، ولا خارِجٌ، ولا مُبايِنٌ لَهُ، (p-٢٧٢٨)وهَذا قَوْلُ مُتَكَلِّمَةِ الجَهْمِيَّةِ المُعَطِّلَةِ، كَما أنَّ الأوَّلَ قَوْلُ عُبّادِ الجَهْمِيَّةِ. فَمُتَكَلِّمَةُ الجَهْمِيَّةِ لا يَبْعُدُونَ شَيْئًا، ومُتَعَبِّدَةُ الجَهْمِيَّةِ يَعْبُدُونَ كُلَّ شَيْءٍ، وكَلامُهم يَرْجِعُ إلى التَّعْطِيلِ والجُحُودِ، الَّذِي هو قَوْلُ فِرْعَوْنَ.
وقَدْ عُلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ثُمَّ خَلَقَهُما، فَإمّا أنْ يَكُونَ دَخَلَ فِيهِما، وهَذا حُلُولٌ باطِلٌ، وإمّا أنْ يَكُونا دَخَلا فِيهِ، وهو أبْطَلُ وأبْطَلُ، وإمّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بائِنًا عَنْهُما، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِما، ولَمْ يَدْخُلا فِيهِ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ الحَقِّ والتَّوْحِيدِ والسُّنَّةِ.
ولِأهْلِ الجُحُودِ والتَّعْطِيلِ في هَذا البابِ شُبُهاتٌ يُعارِضُونَ بِها كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وسُنَّةَ رَسُولِهِ ﷺ، وما أجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ وأئِمَّتُها، وما فَطَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ عِبادَهُ، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الصَّحِيحَةُ، فَإنَّ هَذِهِ الأدِلَّةَ كُلَّها مُتَّفِقَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوْقَ مَخْلُوقاتِهِ، عالٍ عَلَيْها، قَدْ فَطَرَ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ العَجائِزَ والأعْرابَ والصِّبْيانَ في الكِتابِ، كَما فَطَرَهم عَلى الإقْرارِ بِالخالِقِ تَعالى.
وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ، كَما تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِن جَدْعاءَ؟» ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي (p-٢٧٢٩)فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]» وهَذا مَعْنى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: عَلَيْكَ بِدِينِ الأعْرابِ والصِّبْيانِ في الكُتّابِ، عَلَيْكَ بِما فَطَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَطَرَ عِبادَهُ عَلى الحَقِّ، والرُّسُلُ بُعِثُوا بِتَكْمِيلِ الفِطْرَةِ وتَقْرِيرِها، لا بِتَحْوِيلِ الفِطْرَةِ وتَغْيِيرِها.
وأمّا أعْداءُ الرُّسُلِ كالجَهْمِيَّةِ الفِرْعَوْنِيَّةِ ونَحْوَهُمْ، فَيُرِيدُونَ أنْ يُغَيِّرُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَعالى، ودِينَهُ عَزَّ وجَلَّ، ويُورِدُونَ عَلى النّاسِ شُبُهاتٍ بِكَلِماتٍ مُشْتَبِهاتٍ، لا يَفْهَمُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ مَقْصُودَهم بِها، ولا يَحْسُنُ أنْ يُجِيبَهم. وقَدْ بَسَطَ الكَلامَ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وأصْلُ ضَلالِهِمْ تَكَلُّمُهم بِكَلِماتٍ مُجْمَلَةٍ لا أصْلَ لَها في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا قالَها أحَدٌ مِن أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ. كَلَفْظِ: المُتَحَيِّزِ والجِسْمِ والجِهَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَمَن كانَ عارِفًا بِحالِ شُبُهاتِهِمْ بَيَّنَها، ومَن لَمْ يَكُنْ عارِفًا بِذَلِكَ فَلْيُعْرِضْ عَنْ كَلامِهِمْ، ولا يَقْبَلْ إلّا ما جاءَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]
ومَن تَكَلَّمَ في اللَّهِ تَعالى وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ بِما يُخالِفُ الكِتابَ والسُّنَّةَ، فَهو مِنَ الخائِضِينَ في آياتِ اللَّهِ تَعالى بِالباطِلِ، وكَثِيرٌ مِن هَؤُلاءِ يَنْسِبُ إلى أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ ما لَمْ يَقُولُوهُ. وكَثِيرٌ مِنهم قَرَؤُوا كُتُبًا مِن كُتُبِ الكَلامِ، فِيها شُبُهاتٌ أضَلَّتْهُمْ، ولَمْ يَهْتَدُوا لِجَوابِهِمْ، فَإنَّهم يَجِدُونَ في تِلْكَ الكُتُبِ أنَّهُ لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى فَوْقَ الخَلْقِ لَلَزِمَ التَّجْسِيمُ والتَّحَيُّزُ والجِهَةُ، وهم لا يَعْرِفُونَ حَقائِقَ هَذِهِ الألْفاظِ، ولا ما أرادَ بِها (p-٢٧٣٠)أصْحابُها، فَإنَّ ذِكْرَ لَفْظِ (الجِسْمِ) في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، بِدْعَةٌ لَمْ يَنْطِقْ بِها كِتابٌ ولا سُنَّةٌ، ولا قالَها أحَدٌ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جِسْمٌ، ولا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ، ولا أنَّ اللَّهَ تَعالى جَوْهَرٌ، ولا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِجَوْهَرٍ.
ولَفْظُ الجِسْمِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ، فَمَعْناهُ في اللُّغَةِ هو البَدَنُ. ومَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى مِثْلُ بَدَنِ الإنْسانِ فَهو مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، بَلْ مَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُماثِلُ شَيْئًا مِن مَخْلُوقاتِهِ فَهو مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ ضالٌّ، ومَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ، وأرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا يُماثِلُ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ، فالمَعْنى صَحِيحٌ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ بِدْعَةً. وأمّا مَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ، وأرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا يُرى في الآخِرَةِ، وأنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالقُرْآنِ العَرَبِيِّ، بَلِ القُرْآنُ العَرَبِيُّ مَخْلُوقٌ أوْ هو تَصْنِيفُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَهو مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ تَعالى فِيما نَفاهُ عَنْهُ. وهَذا أصْلُ ضَلالِ الجَهْمِيَّةِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، ومَن وافَقَهم عَلى مَذْهَبِهِمْ، فَإنَّهم يُظْهِرُونَ لِلنّاسِ التَّنْزِيهَ، وحَقِيقَةُ كَلامِهِمُ التَّعْطِيلُ، فَيَقُولُونَ: نَحْنُ لا نُجَسِّمُ، بَلْ نَقُولُ: اللَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، ومُرادُهم بِذَلِكَ نَفْيُ حَقِيقَةِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ.
إلى أنْ قالَ: فَهو سُبْحانَهُ مَوْصُوفٌ بِصِفاتِ الكَمالِ، مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وعَيْبٍ، ولِهَذا كانَ مَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها أنَّهم يَصِفُونَ اللَّهَ تَعالى بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وبِما وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ، ومِن غَيْرِ تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ، فَيُثْبِتُونَ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الأسْماءِ والصِّفاتِ، ويُنَزِّهُونَهُ عَمّا نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ مِن مُماثَلَةِ المَخْلُوقاتِ، إثْباتٌ بِلا تَمْثِيلٍ، وتَنْزِيهٌ بِلا تَعْطِيلٍ. قالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] " رَدٌّ عَلى المُمَثِّلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " رَدٌّ عَلى المُعَطِّلَةِ -انْتَهى مُلَخَّصًا-.
وقالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فِي جَوابٍ عَلى سُؤالٍ رُفِعَ إلَيْهِ نَصُّهُ: الِاسْتِواءُ هَلْ هو حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ؟): ما نَصُّهُ مُلَخَّصًا:
(p-٢٧٣١)القَوْلُ في الِاسْتِواءِ والنُّزُولِ كالقَوْلِ في سائِرِ الصِّفاتِ الَّتِي وصَفَ بِها نَفْسَهُ في كِتابِهِ، وعَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ بِأسْماءٍ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِصِفاتٍ، فالقَوْلُ في بَعْضِ هَذِهِ الصِّفاتِ، كالقَوْلِ في بَعْضٍ، ومَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها أنْ نَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وبِما وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ ولا تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ، فَلا يَجُوزُ نَفْيُ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي وصَفَ بِها نَفْسَهُ، ولا يَجُوزُ تَمْثِيلُها بِصِفاتِ المَخْلُوقِينَ.
ومَعْلُومٌ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ أنَّهُ لا يَجُوزُ إطْلاقُ النَّفْيِ عَلى ما أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ، بَلْ هَذا جَحْدٌ لِلْخالِقِ، وتَمْثِيلٌ لَهُ بِالمَعْدُوماتِ. وقَدْ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلى الإقْرارِ بِالصِّفاتِ الوارِدَةِ كُلِّها في القُرْآنِ والسُّنَّةِ والإيمانِ بِها، وحَمْلِها عَلى الحَقِيقَةِ لا عَلى المَجازِ، لِأنَّهم لا يَنْفُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، ولا يَجِدُونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً.
وأمّا أهْلُ البِدَعِ مَنَ الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ، فَيُنْكِرُونَها ولا يَحْمِلُونَها عَلى الحَقِيقَةِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ مَن أقَرَّ بِها مُشَبِّهٌ، وهم عِنْدَ مَن أقَرَّ بِها، نافُونَ لِلْمَعْبُودِ، لا مُثْبِتُونَ، والحَقُّ فِيما قالَهُ القائِلُونَ، مِمّا نَطَقَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ، وهم أئِمَّةُ الجَماعَةِ. هَذا الَّذِي حَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
ومَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأسْماءِ والصِّفاتِ حَقِيقَةً، فَإنَّما أنْكَرَ لِجَهْلِهِ لِمُسَمّى الحَقِيقَةِ، أوْ لِكُفْرِهِ وتَعْطِيلِهِ لِما يَسْتَحِقُّهُ رَبُّ العالَمِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ يَظُنُّ أنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ مُماثِلًا لِلْخالِقِ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا باطِلٌ، فَإنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً، والعَبْدُ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً، ولَهُ تَعالى ذاتٌ حَقِيقَةً، والعَبْدُ لَهُ ذاتٌ حَقِيقَةً، ولَيْسَ ذاتُهُ تَعالى كَذاتِ المَخْلُوقاتِ، وكَذَلِكَ لَهُ عِلْمٌ وسَمْعٌ وبَصَرٌ حَقِيقَةً، ولِلْعَبْدِ سَمْعٌ وبَصَرٌ، وعِلْمٌ حَقِيقَةً، ولَيْسَ عِلْمُهُ وسَمْعُهُ وبَصَرُهُ مِثْلَ عِلْمِ العَبْدِ وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ. ولِلَّهِ كَلامٌ حَقِيقَةً، ولَيْسَ كَلامُ الخالِقِ مِثْلَ كَلامِ المَخْلُوقِينَ. واللَّهُ اسْتَوى عَلى عَرْشِهِ حَقِيقَةً، ولِلْعَبْدِ اسْتِواءٌ عَلى الفُلْكِ حَقِيقَةً، ولَيْسَ اسْتِواءُ الخالِقِ كاسْتِواءِ المَخْلُوقِ. فَإنَّ اللَّهَ لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ، ولا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ، بَلْ هو (p-٢٧٣٢)الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، واللَّهُ تَعالى يَحْمِلُ العَرْشَ وحَمَلَتُهُ، بِقُدْرَتِهِ و: ﴿يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] فَمَن ظَنَّ أنَّ مَعْنى قَوْلِ الأئِمَّةِ (اللَّهُ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ حَقِيقَةً) يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اسْتِواؤُهُ مِثْلَ اسْتِواءِ العَبْدِ عَلى الفُلْكِ والأنْعامِ، لَزِمَهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ لَهُ عِلْمٌ حَقِيقَةً، وسَمْعٌ وبَصَرٌ حَقِيقَةً، وكَلامٌ حَقِيقَةً، يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ وسَمْعُهُ وبَصَرُهُ وكَلامُهُ مِثْلَ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ وسَمْعِهِمْ وبَصَرِهِمْ وكَلامِهِمْ، فَمَن ظَنَّ أنَّ الحَقِيقَةَ إنَّما تَتَناوَلُ صِفَةَ العَبْدِ المَخْلُوقَةَ دُونَ صِفَةِ الخالِقِ، كانَ في غايَةِ الجَهْلِ، فَإنَّ صِفَةَ اللَّهِ أكْمَلُ وأتَمُّ وأحَقُّ بِهَذِهِ الأسْماءِ الحُسْنى، فَلا نِسْبَةَ بَيْنَ صِفَةِ العَبْدِ وصِفَةِ الرَّبِّ، كَما لا نِسْبَةَ بَيْنَ ذاتِهِ وذاتِهِ.
فَكَيْفَ يَكُونُ العَبْدُ مُسْتَحِقًّا لِلْأسْماءِ الحُسْنى حَقِيقَةً، والرَّبُّ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إلّا مَجازًا؟ ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ كَمالٍ حَصَلَ لِلْمَخْلُوقِ فَهو مِنَ الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلَهُ المَثَلُ الأعْلى. فَكُلُّ كَمالٍ حَصَلَ لِلْمَخْلُوقِ، فالخالِقُ أحَقُّ بِهِ، وكُلُّ نَقْصٍ يُنَزَّهُ عَنْهُ مَخْلُوقٌ، فالحَقُّ أحَقُّ أنْ يُنَزَّهَ عَنْهُ، ولِهَذا كانَ لِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى، فَإنَّهُ لا يُقاسِ بِخَلْقِهِ، ولا يُمَثَّلُ بِهِمْ، ولا تُضْرَبُ بِهِ الأمْثالُ، فَلا يَشْتَرِكُ هو والمَخْلُوقُ بِمَثَلٍ ولا في قِياسٍ. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ إثْباتُ الصِّفاتِ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، بَلْ صِفاتُ الكَمالِ لازِمَةٌ لِذاتِهِ، يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ ذاتِهِ بِدُونِ صِفاتِ الكَمالِ اللّازِمَةِ لَهُ، بَلْ يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ ذاتٍ مِنَ الذّاتِ عَرِيَّةً عَنْ جَمِيعِ الصِّفاتِ، وهَذا كُلُّهُ مَبْسُوطٌ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. فَإذا قالَ: وُجُودُ اللَّهِ، وذاتُ اللَّهِ، وعِلْمُ اللَّهِ، وقُدْرَةُ اللَّهِ، وسَمْعُ اللَّهِ، وبَصَرُ اللَّهِ، وكَلامُ اللَّهِ، ورَحْمَةُ اللَّهِ، وغَضَبُ اللَّهِ، واسْتِواءُ اللَّهِ، ونُزُولُ اللَّهِ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، كانَتْ هَذِهِ الأسْماءُ كُلُّها حَقِيقَةً لِلَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلَ فِيها شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ، ومِن غَيْرِ أنْ يُماثِلَهُ فِيها شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
وإذا قالَ: وُجُودُ العَبْدِ وذاتُهُ، وماهِيَّتُهُ وعِلْمُهُ، وقُدْرَتُهُ وسَمْعُهُ وبَصَرُهُ، وكَلامُهُ واسْتِواؤُهُ ونُزُولُهُ، كانَ هَذا حَقِيقَةً لِلْعَبْدِ مُخْتَصَّةً بِهِ، مِن غَيْرِ أنْ تُماثِلَ صِفاتُهُ صِفاتِ (p-٢٧٣٣)اللَّهِ تَعالى. بَلْ أبْلَغُ مِن ذَلِكَ، أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ أنَّ في الجَنَّةِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ والمَناكِحِ والمَساكِنِ ما ذَكَرَهُ في كِتابِهِ. كَما ذَكَرَ أنَّ فِيها لَبَنًا وعَسَلًا وخَمْرًا ولَحْمًا وحَرِيرًا وذَهَبًا وفِضَّةً وحُورًا وقُصُورًا وغَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ في الدُّنْيا مِمّا في الآخِرَةِ إلّا الأسْماءَ. فَتِلْكَ الحَقائِقُ الَّتِي في الجَنَّةِ لَيْسَتْ مُماثِلَةً لِهَذِهِ الحَقائِقِ الَّتِي في الدُّنْيا، وإنْ كانَتْ مُشابِهَةً لَها مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، والِاسْمُ يَتَناوَلُهُما حَقِيقَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ الخالِقَ أبْعَدُ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِ، والمَخْلُوقَ عَنْ مُشابَهَةِ الخالِقِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ أنَّ فِيما أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ مُماثِلًا لِمَخْلُوقاتِهِ، وأنْ يُقالَ لَيْسَ ذَلِكَ بِحَقِيقَةٍ ! وهَلْ يَكُونُ أحَقَّ بِهَذِهِ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلْيا مِن رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ، مَعَ أنَّ مُبايَنَتَهُما لِلْمَخْلُوقاتِ أعْظَمُ مِن مُبايَنَةِ كُلِّ مَخْلُوقٍ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ؟ والجاهِلُ يَضِلُّ بِأنْ يَقُولَ: العَرَبُ إنَّما وضَعُوا لَفْظَ الِاسْتِواءِ لِاسْتِواءِ الإنْسانِ عَلى السَّرِيرِ أوِ الفُلْكِ، أوِ اسْتِواءِ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ، ولِنَحْوِ ذَلِكَ مِنِ اسْتِواءِ بَعْضِ المَخْلُوقاتِ، فَهو كَما يَقُولُ القائِلُ: إنَّما وضَعُوا لَفْظَ السَّمْعِ والبَصَرِ والكَلامِ لِما يَكُونُ مَحَلُّهُ حَدَقَةً وأجْفانًا، وأصْمِخَةً وآذانًا، وشَفَتَيْنِ ولِسانًا، وإنَّما وضَعُوا لَفْظَ العِلْمِ والرَّحْمَةِ والإرادَةِ لِما يَكُونُ مَحَلُّهُ مُضْغَةَ لَحْمٍ وفُؤاءً، وهَذا كُلُّهُ جَهْلٌ مِنهُ. فَإنَّ العَرَبَ إنَّما وضَعَتْ لِلْإنْسانِ ما أضافَتْ إلَيْهِ، فَإذا قالَتْ سَمْعُ العَبْدِ وبَصَرُهُ وكَلامُهُ، وعِلْمُهُ وإرادَتُهُ ورَحْمَتُهُ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ، يَتَناوَلُ ذَلِكَ خَصائِصَ العَبْدِ.
وإذا قِيلَ سَمْعُ اللَّهِ وبَصَرُهُ وكَلامُهُ وعِلْمُهُ وإرادَتُهُ ورَحْمَتُهُ، كانَ هَذا مُتَناوِلًا لِما يَخْتَصُّ بِهِ الرَّبُّ، لا يَدْخُلُ في ذَلِكَ شَيْءٌ مِن خَصائِصِ المَخْلُوقِينَ. وكَذَلِكَ إذا قِيلَ اسْتِواءُ الرَّبِّ، فَهَذا الِاسْتِواءُ المُضافُ إلى اللَّهِ كالعِلْمِ والسَّمْعِ والبَصَرِ المُضافِ إلى اللَّهِ. لا يَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَ ذَلِكَ شَيْئًا مِن خَصائِصِ المَخْلُوقِينَ.
وهَؤُلاءِ الجُهّالُ يُمَثِّلُونَ في ابْتِداءِ فَهْمِهِمْ صِفاتِ الخالِقِ بِصِفاتِ المَخْلُوقِ، ثُمَّ يَنْفُونَ ذَلِكَ ويُعَطِّلُونَهُ، فَلا يَفْهَمُونَ مِن ذَلِكَ إلّا ما يَخْتَصُّ بِالمَخْلُوقِ، ويَنْفُونَ مَضْمُونَ ذَلِكَ، فَيَكُونُونَ قَدْ جَحَدُوا ما يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ مِن خَصائِصِهِ وصِفاتِهِ، وألْحَدُوا في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ، (p-٢٧٣٤)وخَرَجُوا عَنِ القِياسِ العَقْلِيِّ والنَّصِّ الشَّرْعِيِّ، فَلا يَبْقى بِأيْدِيهِمْ لا مَعْقُولَ صَرِيحٌ، ولا مَنقُولَ صَحِيحٌ.
ثُمَّ لا بُدَّ لَهم مِن إثْباتِ بَعْضِ ما يُثْبِتُهُ أهْلُ الإثْباتِ مِنَ الأسْماءِ والصِّفاتِ: فَإذا أثْبَتُوا البَعْضَ ونَفَوُا البَعْضَ، قِيلَ لَهُمْ: ما الفَرْقُ بَيْنَ ما أثْبَتُّمُوهُ وما نَفَيْتُمُوهُ؟ ولِمَ كانَ هَذا حَقِيقَةً، ولَمْ يَكُنْ هَذا حَقِيقَةً؟ لَمْ يَكُنْ لَهم جَوابٌ أصْلًا، وظَهَرَ بِذَلِكَ جَهْلُهم وضَلالُهم شَرْعًا وعَقْلًا.
ونَظائِرُ هَذا كَثِيرَةٌ، فَمَن ظَنَّ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى وأسْماءَ صِفاتِهِ، وإذا كانَتْ حَقِيقَةً لَزِمَ أنْ يَكُونَ مُماثِلًا لِلْمَخْلُوقِينَ، وأنْ تَكُونَ صِفاتُهُ مُماثِلَةً لِصِفاتِهِمْ، كانَ مِن أجْهَلِ النّاسِ، وكانَ أوَّلُ كَلامِهِ سَفْسَطَةً، وآخِرُهُ زَنْدَقَةً لِأنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ جَمِيعِ أسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وهَذا هو غايَةُ الزَّنْدَقَةِ والإلْحادِ.
وإنَّ فَرْقً بَيْنَ صِفَةٍ وصِفَةٍ، مَعَ تَساوِيهِما في أسْبابِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، كانَ مُتَناقِضًا في قَوْلِهِ، مُتَهافِتًا في مَذْهَبِهِ مُشابِهًا لِمَن آمَنَ بِبَعْضِ الكِتابِ، وكَفَرَ بِبَعْضٍ.
وإذا تَأمَّلَ اللَّبِيبُ الفاضِلُ هَذِهِ الأُمُورَ، تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ والأئِمَّةِ في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ والسَّدادِ والصِّحَّةِ والِاطِّرادِ، وأنَّهُ مُقْتَضى المَعْقُولِ الصَّرِيحِ، والمَنقُولِ الصَّحِيحِ، وأنَّ مَن خالَفَهُ، كانَ مَعَ تَناقُضِ قَوْلِهِ المُخْتَلِفِ الَّذِي يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ خارِجًا عَنْ مُوجَبِ العَقْلِ والسَّمْعِ، مُخالِفًا لِلْفِطْرَةِ والشَّرْعِ، واللَّهُ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْنا وعَلى سائِرِ إخْوانِنا المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ، ويَجْمَعُ لَنا ولَهم خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. انْتَهى.
فائِدَةٌ
فِي مَنشَأِ هَذا التَّعْطِيلِ
وبَيَّنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في فَتْوى أُخْرى لَهُ في الصِّفاتِ، مَوْرِدَ هَذا التَّعْطِيلِ. حَيْثُ قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
ثُمَّ أصْلُ هَذِهِ المَقالَةِ إنَّما هو مَأْخُوذٌ عَنْ تَلامِذَةِ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ، وضُلّالِ الصّابِئِينَ، فَإنَّ أوَّلَ مَن حَفِظَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ - أعْنِي أنَّ اللَّهَ لَيْسَ عَلى العَرْشِ حَقِيقَةً وإنَّما (اسْتَوى) (p-٢٧٣٥)اسْتَوْلى ونَحْوَ ذَلِكَ -أوَّلَ ما ظَهَرَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِن جَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ وأخَذَها عَنْهُ الجَهْمُ بْنُ صَفْوانَ وأظْهَرَها، فَتُنْسَبُ مَقالَةُ الجَهْمِيَّةِ إلَيْهِ، والجَعْدُ أخَذَ مَقالَتَهُ عَنْ أبانَ بْنِ سَمْعانَ، وأخَذَها أبانُ مِن طالُوتَ ابْنِ أُخْتِ لَبِيدِ بْنِ أعْصَمَ، وأخْذها طالُوتُ مِن لَبِيدِ بْنِ أعْصَمَ اليَهُودِيِّ السّاحِرِ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ.
وكانَ الجَعْدُ هَذا -فِيما قِيلَ- مِن أهْلِ حَرّانَ، وكانَ فِيهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصّابِئَةِ والفَلاسِفَةِ، بَقايا أهْلِ دِينِ النَّمْرُوذِ الكَنْعانِيِّينَ، الَّذِينَ صَنَّفَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ في سِحْرِهِمْ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ، ويَبْنُونَ لَها الهَياكِلَ، ومَذْهَبُهم في الرَّبِّ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلّا صِفاتٌ سَلْبِيَّةٌ أوْ إضافِيَّةٌ، أوْ مُرَكَّبَةٌ مِنهُما، وهُمُ الَّذِينَ بُعِثَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ ﷺ إلَيْهِمْ، فَيَكُونُ الجَعْدُ قَدْ أخَذَها عَنِ الصّابِئَةِ الفَلاسِفَةِ، وأخَذَها الجَهْمُ أيْضًا -فِيما ذَكَرَهُ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ- مِنَ السَّمْنِيَّةِ بَعْضِ فَلاسِفَةِ الهِنْدِ، وهُمُ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ مِنَ العُلُومِ ما سِوى الحِسِّيّاتِ، فَهَذِهِ أسانِيدُ الجَهْمِ تَرْجِعُ إلى اليَهُودِ والصّابِئِينَ والمُشْرِكِينَ.
والفَلاسِفَةُ الضّالُّونَ هم إمّا مِنَ الصّابِئِينَ، وإمّا مِنَ المُشْرِكِينَ. ثُمَّ لَمّا عُرِّبَتِ الكُتُبُ الرُّومِيَّةُ في حُدُودِ المِئَةِ الثّانِيَةِ، زادَ البَلاءُ مَعَ ما ألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِ الضُّلّالِ، ابْتِداءً مِن جِنْسِ ما ألْقاهُ في قُلُوبِ أشْباهِهِمْ.
ولَمّا كانَ في حُدُودِ المِئَةِ الثّانِيَةِ، انْتَشَرَتْ هَذِهِ المَقالَةُ الَّتِي كانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَها مَقالَةَ الجَهْمِيَّةِ، بِسَبَبِ بِشْرِ بْنِ غِياثٍ المَرِيسِيِّ وطَبَقَتِهِ، وكَلامُ الأئِمَّةِ - مِثْلَ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وأبِي يُوسُفَ والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ وإسْحاقَ والفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ وبِشْرٍ الحافِيِّ وغَيْرِهِمْ - في بِشْرٍ المَرِيسِيِّ هَذا كَثِيرٌ في ذَمِّهِ وتَضْلِيلِهِ. وهَذِهِ التَّأْوِيلاتِ المَوْجُودَةِ اليَوْمَ بِأيْدِي النّاسِ، مِثْلُ أكْثَرِ التَّأْوِيلاتِ الَّتِي ذَكَرَها أبُو بَكْرِ بْنُ فَوْركٍ في كِتابِ (التَّأْوِيلاتِ) وذَكَرَها أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ (تَأْسِيسُ التَّقْدِيسِ) ويُوجَدُ كَثِيرٌ مِنها في كَلامِ خَلْقٍ غَيْرِ هَؤُلاءِ، مِثْلَ أبِي عَلِيٍّ الجِبّائِيِّ وعَبْدِ الجَبّارِ بْنِ أحْمَدَ الهَمْدانِيِّ، وأبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ وابْنِ عَقِيلٍ وأبِي حامِدٍ الغَزالِيِّ وغَيْرِهِمْ، وهي بِعَيْنِها التَّأْوِيلاتُ الَّتِي ذَكَرَها بِشْرٌ المَرِيسِيُّ في كِتابِهِ. وإنْ كانَ قَدْ يُوجَدُ في كَلامِ بَعْضِ هَؤُلاءِ رَدُّ التَّأْوِيلِ وإبْطالُهُ أيْضًا، ولَهم كَلامٌ حَسَنٌ في أشْياءَ، فَإنَّما بَيَّنَتْ أنَّ عَيْنَ (p-٢٧٣٦)تَأْوِيلاتِهِمْ هي عَيْنُ تَأْوِيلاتِ المَرِيسِيِّ. وعَلِمْنا ذَلِكَ بِكِتابِ (الرَّدِّ) الَّذِي صَنَّفَهُ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ أحَدُ الأئِمَّةِ المَشاهِيرِ في زَمَنِ البُخارِيِّ، صَنَّفَ كِتابًا سَمّاهُ (نَقْضُ عُثْمانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَلى الكاذِبِ العَنِيدِ، فِيما افْتَرى عَلى اللَّهِ في التَّوْحِيدِ) حَكى فِيهِ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ بِأعْيانِها عَنْ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ، بِكَلامٍ يَقْتَضِي أنَّ المَرِيسِيِّ أقْعَدُ بِها، وأعْلَمُ بِالمَعْقُولِ والمَنقُولِ مِن هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ الَّذِينَ اتَّصَلَتْ إلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ، ثُمَّ رَدَّها عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ بِكَلامٍ، إذا طالَعَهُ العاقِلُ الذَّكِيُّ، عَلِمَ حَقِيقَةَ ما كانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ فَتَبَيَّنَ لَهُ ظُهُورُ الحُجَّةِ لِطَرِيقِهِمْ، وضَعْفُ حُجَّةِ مَن خالَفَهم.
ثُمَّ إذا رَأى الأئِمَّةَ - أئِمَّةَ الهُدى - قَدْ أجْمَعُوا عَلى ذَمِّ المَرِيسِيَّةِ، وأكْثَرُهم كَفَّرُوهُمْ، أوْ ضَلَّلُوهُمْ، وعَلِمَ أنَّ هَذا القَوْلَ السّارِيَ في هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ، هو مَذْهَبُ المَرِيسِيِّ تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى لِمَن يُرِيدُ اللَّهُ هِدايَتَهُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.
ثُمَّ قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
ومَذْهَبُ السَّلَفِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وبَيْنَ التَّمْثِيلِ فَلا يُمَثِّلُونَ صِفاتِ اللَّهِ بِصِفاتِ خَلْقِهِ، كَما لا يُمَثِّلُونَ ذاتَهُ بِذاتِ خَلْقِهِ، ولا يَنْفُونَ عَنْهُ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أوْ وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، فَيُعَطِّلُونَ أسْماءَهُ الحُسْنى، وصِفاتِهِ العُلْيا، ويُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ويُلْحِدُونَ في أسْماءِ اللَّهِ وآياتِهِ.
وكُلُّ واحِدٍ مِن فَرِيقَيِ التَّعْطِيلِ والتَّمْثِيلِ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ التَّعْطِيلِ والتَّمْثِيلِ. أمّا المُعَطِّلُونَ، فَإنَّهم لَمْ يَفْهَمُوا مِن أسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ إلّا ما هو اللّائِقُ بِالمَخْلُوقِ. ثُمَّ شَرَعُوا في نَفْيِ تِلْكَ المَفْهُوماتِ، فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّمْثِيلِ والتَّعْطِيلِ، مَثَّلُوا أوَّلًا، وعَطَّلُوا آخِرًا، وهَذا تَشْبِيهٌ وتَمْثِيلٌ مِنهم لِلْمَفْهُومِ مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، بِالمَفْهُومِ مِن أسْماءِ خَلْقِهِ وصِفاتِهِمْ، وتَعْطِيلٌ لِما يَسْتَحِقُّهُ هو سُبْحانَهُ مِنَ الأسْماءِ والصِّفاتِ اللّائِقَةِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
فَإنَّهُ إذا قالَ القائِلُ: لَوْ كانَ اللَّهُ فَوْقَ العَرْشِ لَلَزِمَ إمّا أنْ يَكُونَ أكْبَرَ مِنَ العَرْشِ أوْ أصْغَرَ أوْ مُساوِيًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ، فَإنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مِن كَوْنِ اللَّهِ عَلى العَرْشِ إلّا ما يَثْبُتُ لِأيِّ جِسْمٍ كانَ، عَلى أيِّ جِسْمٍ كانَ، وهَذا اللّازِمُ تابِعٌ لِهَذا المَفْهُومِ، أمّا اسْتِواءٌ يَلِيقُ بِجَلالِ اللَّهِ، ويَخْتَصُّ بِهِ، فَلا يَلْزَمُهُ (p-٢٧٣٧)شَيْءٌ مِنَ اللَّوازِمِ الثَّلاثَةِ، كَما يَلْزَمُ سائِرَ الأجْسامِ. وصارَ هَذا مِثْلَ قَوْلِ المُمَثِّلِ: إذا كانَ لِلْعالَمِ صانِعٌ، فَإمّا أنْ يَكُونَ جَوْهَرًا أوْ عَرَضًا، إذْ لا يَعْقِلُ مَوْجُودٌ إلّا هَذانِ، أوْ قَوْلُهُ: إذا كانَ مُسْتَوِيًا عَلى العَرْشِ، فَهو مُماثِلٌ لِاسْتِواءِ الإنْسانِ عَلى السَّرِيرِ أوِ الفُلْكِ، إذْ لا يُعْلَمُ الِاسْتِواءُ إلّا هَكَذا، فَإنَّ كِلَيْهِما مَثَّلَ، وكِلاهُما عَطَّلَ حَقِيقَةَ ما وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، وامْتازَ الأوَّلُ بِتَعْطِيلِ كُلِّ مُسَمًّى لِلِاسْتِواءِ الحَقِيقِيِّ، وامْتازَ الثّانِي بِإثْباتِ اسْتِواءٍ هو مِن خَصائِصِ المَخْلُوقِينَ، والقَوْلُ الفاصِلُ هو ما عَلَيْهِ الأُمَّةُ الوَسَطُ، مِن أنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ اسْتِواءً يَلِيقُ بِجَلالِهِ ويَخْتَصُّ بِهِ، فَكَما أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وعَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، ونَحْوَ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنْ نُثْبِتَ لِلْعِلْمِ والقُدْرَةِ خَصائِصَ الأعْراضِ الَّتِي لِعِلْمِ المَخْلُوقِينَ وقُدَرِهِمْ، فَكَذَلِكَ هو سُبْحانَهُ فَوْقَ العَرْشِ، ولا نُثْبِتُ لِفَوْقِيَّتِهِ خَصائِصَ فَوْقِيَّةِ المَخْلُوقِ عَلى المَخْلُوقِ ولَوازِمِها.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في العَقْلِ الصَّحِيحِ، ولا في النَّقْلِ الصَّرِيحِ، ما يُوجِبُ مُخالَفَةَ الطَّرِيقَةِ السَّلَفِيَّةِ أصْلًا، لَكِنْ هَذا المَوْضِعُ لا يَتَّسِعُ لِلْجَوابِ عَنِ الشُّبُهاتِ الوارِدَةِ عَنِ الحَقِّ، فَمَن كانَ في قَلْبِهِ شُبْهَةٌ وأحَبَّ حَلَّها، فَذَلِكَ سَهْلٌ يَسِيرٌ -انْتَهى كَلامُهُ-.
ومَن أحاطَ عَقْلُهُ بِهَذِهِ الغُرَرِ، عَلِمَ بَراءَةَ ساحَةِ السَّلَفِ مِمّا رَمَوْا بِهِ مِنَ التَّجْسِيمِ. وفي هَذِهِ النَّفائِسِ مِنَ الفَوائِدِ ما يَشْفَعُ لَدى الواقِفِ بِطُولِهِ.
الثّالِثُ: يُطْلَقُ العَرْشُ عَلى مَعانٍ: السَّرِيرُ، ومِنهُ آيَةُ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] والمُلْكُ، يُقالُ: ثَلَّ عَرْشُهم. وسَقْفُ البَيْتِ، ومِنهُ آيَةُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [الكهف: ٤٢] (p-٢٧٣٨)وحَدِيثُ ««كالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ بِالعَرْشِ»» أوِ البِناءُ، ومِنهُ: ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] أيْ: يَبْنُونَ ومِنهُ: العَرِيشُ، وهو ما يُسْتَظَلُّ بِهِ. والعَرْشُ المُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى لا يَحُدُّ.
قالَ في القامُوسِ: العَرْشُ، عَرْشُ اللَّهِ تَعالى، ولا يُحَدُّ -انْتَهى.
وقالَ الرّاغِبُ: عَرْشُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا لا يَعْلَمُهُ البَشَرُ إلّا بِالِاسْمِ عَلى الحَقِيقَةِ، ولِذا لَمْ يَصِحَّ في صِفَتِهِ حَدِيثٌ، وكُلُّ ما رُوِيَ في ذَلِكَ فَلَيْسَ مِن مَرْوِيّاتِ الصِّحاحِ.
قالَ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ (الأسْماءُ والصِّفاتُ): وأقاوِيلُ أهْلِ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ العَرْشَ هو السَّرِيرُ، وأنَّهُ جِسْمٌ مُجَسَّمٌ، خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى، وأمَرَ مَلائِكَتَهُ بِحَمْلِهِ، وتَعَبَّدَهم بِتَعْظِيمِهِ والطَّوافِ بِهِ، كَما خَلَقَ في الأرْضِ بَيْتًا، وأمَرَ بَنِي آدَمَ بِالطَّوافِ بِهِ واسْتِقْبالِهِ في الصَّلاةِ، وفي أكْثَرِ الآياتِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، وفي الأخْبارِ والآثارِ الوارِدَةِ في مَعْناهُ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ -انْتَهى.
وقالَ الحافِظُ الذَّهَبِيُّ في كِتابِ (العُلُوُّ): اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، قَدْ أخْبَرَنا، وهو (p-٢٧٣٩)أصْدَقُ القائِلِينَ، بِأنَّ عَرْشَ بِلْقِيسَ عَرْشٌ عَظِيمٌ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] فَكانَ عَرْشُها عَظِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وما نُحِيطُ الآنَ عِلْمًا بِتَفاصِيلِ عَرْشِها ولا بِمِقْدارِهِ ولا بِماهِيَّتِهِ. ثُمَّ قالَ: فَما الظَّنُّ بِما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى مِنَ السُّرُرِ والقُصُورِ في الجَنَّةِ لِعِبادِهِ، فَما الظَّنُّ بِالعَرْشِ العَظِيمِ الَّذِي اتَّخَذَهُ العَلِيُّ العَظِيمُ لِنَفْسِهِ في ارْتِفاعِهِ وسِعَتِهِ، وقَوائِمِهِ وماهِيَّتِهِ وحَمَلَتِهِ الحافِّينَ مِن حَوْلِهِ، وحُسْنِهِ ورَوْنَقِهِ وقِيمَتِهِ؟ اسْمَعْ وتَعَقَّلْ ما يُقالُ، والجَأْ إلى الإيمانِ بِالغَيْبِ، فَلَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ، فالقُرْآنُ مَشْحُونٌ بِذِكْرِ العَرْشِ، وكَذَلِكَ الآثارُ، بِما يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ (المُلْكَ). فَدَعِ المُكابَرَةَ والمِراءَ، فَإنَّ المِراءَ في القُرْآنِ كُفْرٌ.
آمَنّا بِاللَّهِ وأشْهَدُ بِأنّا مُسْلِمُونَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبُّ العالَمِينَ. انْتَهى كَلامُ الذَّهَبِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى-.
الرّابِعُ: سُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَةَ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والرِّضْوانُ، عَنِ العَرْشِ: هَلْ هو كَرِيٌّ أمْ لا، فَإذا كانَ كَرِيًّا واللَّهُ مِن ورائِهِ مُحِيطٌ بِهِ بائِنٌ عَنْهُ، فَما فائِدَةُ تَوَجُّهِ العَبْدِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ حِينَ الدُّعاءِ والعِبادَةِ، فَيَقْصِدُ العُلُوَّ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ لا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ قَصْدِ جِهَةِ العُلُوِّ وغَيْرِها مِنَ الجِهاتِ الَّتِي تُحِيطُ بِالدّاعِي، ومَعَ هَذا نَجِدُ في قُلُوبِنا قَصْدًا يَطْلُبُ العُلُوَّ، لا يَلْتَفِتُ يُمْنَةً ولا يُسْرَةً. فَأخْبَرَنا عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُها في قُلُوبِنا وقَدْ فُطِرْنا عَلَيْها.
فَأجابَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ:
إنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَمْ يَثْبُتْ بِدَلِيلٍ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أنَّ العَرْشَ فَلَكٌ مِنَ الأفْلاكِ المُسْتَدِيرَةِ الكُرِيَّةِ، وإنَّما ذَكَرَهُ طائِفَةٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ الَّذِينَ نَظَرُوا في عِلْمِ الهَيْئَةِ، فَرَأوْا أنَّ الأفْلاكَ تِسْعَةٌ، وأنَّ التّاسِعَ، وهو الأطْلَسُ، مُحِيطٌ بِها، وهو الَّذِي يُحَرِّكُها الحَرَكَةَ الشَّرْقِيَّةَ، وإنْ كانَ لِكُلِّ (p-٢٧٤٠)فَلَكٍ حَرَكَةٌ تَخُصُّهُ، ثُمَّ سَمِعُوا في أخْبارِ الأنْبِياءِ ذِكْرَ عَرْشِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وكُرْسِيِّهِ والسَّماواتِ السَّبْعِ، فَقالُوا (بِطَرِيقِ الظَّنِّ): إنَّ العَرْشَ هو الفَلَكُ التّاسِعُ، لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ وراءَ ذَلِكَ شَيْءٌ، إمّا مُطْلَقًا وإمّا أنَّهُ لَيْسَ وراءَهُ مَخْلُوقٌ. ثُمَّ إنَّ مِنهم مَن رَأى أنَّهُ هو الَّذِي يُحَرِّكُ الأفْلاكَ كُلَّها، فَجَعَلُوهُ مَبْدَأ الحَوادِثِ، ورُبَّما سَمّاهُ بَعْضُهُمُ الرُّوحَ أوِ النَّفْسَ. وجَعَلَهُ بَعْضُهم هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وبَعْضُ النّاسِ ادَّعى أنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الكَشْفِ، وذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ أخَذَهُ مِن هَؤُلاءِ المُتَفَلْسِفَةِ، كَما فَعَلَ أصْحابُ (رَسائِلِ إخْوانِ الصَّفاءِ).
والأخْبارُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَرْشَ مُبايِنٌ لِغَيْرِهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّهُ قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ. فَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنَّ لَهُ قَوائِمَ»» كَما في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ: ««فَإذا أنا بِمُوسى آخِذٌ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ»» .
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ إنَّهُ مُقَبَّبٌ، بِما رَواهُ أبُو داوُدَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««وإنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى عَرْشِهِ، وإنَّ عَرْشَهُ عَلى سَماواتِهِ، (p-٢٧٤١)وسَماواتِهِ فَوْقَ أرْضِهِ هَكَذا، وقالَ بِأصابِعِهِ مِثْلَ القُبَّةِ»» . وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَلَكٌ مِنَ الأفْلاكِ، ولا مُسْتَدِيرٌ مِثْلَ ذَلِكَ، لَكِنْ لَفْظُ (القُبَّةِ) يَسْتَلْزِمُ اسْتِدارَةً مِنَ العُلُوِّ، لا مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولَفْظُ (الفَلَكِ) يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى الِاسْتِدارَةِ مُطْلَقًا، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِي: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: ٣٣] في فَلَكَةٍ مِثْلَ فَلَكَةِ المِغْزَلِ، وأمّا لَفْظُ (القُبَّةِ) فَإنَّهُ لا يَتَعَرَّضُ لِهَذا المَعْنى، لا بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ، لَكِنْ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِدارَةِ مِنَ العُلُوِّ.
واعْلَمْ أنَّ العَرْشَ، سَواءٌ كانَ هَذا الفَلَكَ التّاسِعَ، أوْ جِسْمًا مُحِيطًا بِهِ، أوْ كانَ فَوْقَهُ مِن جِهَةِ وجْهِ الأرْضِ، مُحِيطٌ بِهِ، أوْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَيَجِبُ أنْ يَعْلَمَ أنَّ العالَمَ العُلْوِيَّ والسُّفْلِيَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الخالِقِ تَعالى في غايَةِ الصِّغَرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««يَقْبِضُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ (p-٢٧٤٢)ويَطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ. أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟»»، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: ««يَطْوِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ السَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنى، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أيْنَ الجَبّارُونَ، أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأرَضِينَ بِشَمالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أيْنَ الجَبّارُونَ، أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟»» . وفي لَفْظٍ: ««ويَتَمَيَّلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى يَمِينِهِ وعَلى شَمالِهِ، حَتّى نَظَرْتُ إلى المِنبَرِ يَتَحَرَّكُ مِن أسْفَلِهِ شَيْءٌ»» .
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى قالَ: «قَرَأ عَلى المِنبَرِ: ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] الآيَة، قالَ: مَطْوِيَّةٌ في كَفِّهِ، يَرْمِي بِها كَما يَرْمِي الغُلام بِالكَرَّةِ»، فَفي هَذِهِ الأحادِيثِ وغَيْرِها، المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِها، ما يُبَيِّنُ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، أصْغَرُ مِن أنْ تَكُونَ مَعَ قَبْضِهِ لَها، إلّا كالشَّيْءِ الصَّغِيرِ في يَدِ أحَدِنا، حَتّى يَدْحُوَها كَما تُدْحى الكُرَةُ.
ثُمَّ قالَ في الجَوابِ: فَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى مِن نَفْسِهِ وأسْمائِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ سَمَّيْناهُ كَما سَمّاهُ، ولَمْ نَتَكَلَّفْ عِلْمَ ما سِواهُ، فَلا نَجْحَدُ ما وصَفَ، ولا نَتَكَلَّفُ مَعْرِفَةَ ما لَمْ يَصِفْ، وإذْ كانَ كَذَلِكَ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَقْبِضَها ويَدْحُوَها كالكُرَةِ. وفي ذَلِكَ مِنَ الإحاطَةِ بِها ما لا يَخْفى، وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ. وبِكُلِّ حالٍ فَهو مُبايِنٌ لَها، لَيْسَ بِمُجانِبٍ لَها، ومِنَ (p-٢٧٤٣)المَعْلُومِ أنَّ الواحِدَ مِنّا - ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى - إذا كانَ عِنْدَهُ خَرْدَلَةٌ، إنْ شاءَ قَبَضَها، فَأحاطَتْ بِها قَبْضَتُهُ، وإنْ شاءَ لَمْ يَقْبِضْها، بَلْ جَعَلَها تَحْتَهُ، فَهو في الحالَيْنِ مُبايِنٌ لَها، وسَواءٌ قَدَّرَ أنَّ العَرْشَ هو مُحِيطٌ بِالمَخْلُوقاتِ، كَإحاطَةِ الكُرَةِ بِما فِيها، أمْ قِيلَ إنَّهُ فَوْقَها ولَيْسَ مُحِيطًا بِها كَوَجْهِ الأرْضِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْها بِالنِّسْبَةِ إلى جَوْفِها، وكالقُبَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما تَحْتَها، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَعَلى التَّقْدِيرِ يَكُونُ العَرْشُ فَوْقَ المَخْلُوقاتِ، والخالِقُ سُبْحانَهُ فَوْقَهُ، والعَبْدُ في تَوَجُّهِهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، يَقْصِدُ العُلُوَّ، دُونَ التَّحْتِ.
وتَمامُ هَذا البَحْثِ بِأنْ يُقالَ: لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ العَرْشُ كُرِيًّا كالأفْلاكِ، ويَكُونُ مُحِيطًا بِها، وإمّا أنْ يَكُونَ فَوْقَها، ولَيْسَ بِكُرِيٍّ.
فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فَمِنَ المَعْلُومِ -بِاتِّفاقِ مَن يَعْلَمُ هَذا - أنَّ الأفْلاكَ مُسْتَدِيرَةٌ كُرِيَّةٌ، وأنَّ الجِهَةَ العُلْيا هي جِهَةُ المُحِيطِ، وهو المَحْدُودُ، وأنَّ الجِهَةَ السُّفْلى هي المَرْكَزُ، ولَيْسَ لِلْأفْلاكِ إلّا جِهَتانِ: العُلُوُّ والسُّفْلُ فَقَطْ. وأمّا الجِهاتُ السِّتُّ فَهي لِلْحَيَوانِ، فَإنَّ لَهُ سِتَّ جَوانِبَ: يَؤُمُّ جِهَةً فَتَكُونُ أمامَهُ، ويَخْلُفُ أُخْرى فَتَكُونُ خَلْفَهُ، وجِهَةٌ تُحاذِي شَمالَهُ، وجِهَةٌ تُحاذِي يَمِينَهُ، وجِهَةٌ تُحاذِي رَأْسَهُ، وجِهَةٌ تُحاذِي رِجْلَيْهِ. ولَيْسَ لِهَذِهِ الجِهاتِ في نَفْسِها صِفَةٌ لازِمَةٌ، بَلْ هي بِحَسَبِ النِّسْبَةِ والإضافَةِ، فَيَكُونُ يَمِينُ هَذا ما يَكُونُ يَسارَ هَذا، ويَكُونُ فَوْقُ هَذا ما يَكُونُ تَحْتَ هَذا، لَكِنَّ جِهَةَ العُلُوِّ والسُّفْلِ لِلْأفْلاكِ لا تَتَغَيَّرُ، فالمُحِيطُ هو لِلْعُلُوِّ، والمَرْكَزُ هو السُّفْلُ، مَعَ أنَّ وجْهَ الأرْضِ الَّتِي وضَعَها اللَّهُ تَعالى لِلْأنامِ، وأرْساها بِالجِبالِ، هو الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ والبَهائِمُ وغَيْرُهُما.
فَأمّا النّاحِيَةُ الأُخْرى مِنها فالبَحْرُ مُحِيطٌ بِها، ولَيْسَ هُناكَ شَيْءٌ مِنَ الآدَمِيِّينَ وما يَتْبَعُهم. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ هُناكَ أحَدًا، لَكانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، ولَمْ يَكُنْ مَن في هَذِهِ الجِهَةِ تَحْتَ مَن في هَذِهِ الجِهَةِ، ولا مَن في هَذِهِ تَحْتَ مَن في هَذِهِ. كَما أنَّ الأفْلاكَ مُحِيطَةٌ بِالمَرْكَزِ، ولَيْسَ أحَدُ جانِبَيِ الفَلَكِ تَحْتَ الآخَرِ، ولا القُطْبُ الشَّمالِيُّ تَحْتَ الجَنُوبِيِّ، ولا بِالعَكْسِ، وإنْ كانَ الشَّمالِيُّ هو الظّاهِرَ لَنا بِحَسَبِ بُعْدِ النّاسِ عَنْ خَطِّ الِاسْتِواءِ، فَما كانَ بُعْدُهُ عَنْ خَطِّ الِاسْتِواءِ ثَلاثِينَ دَرَجَةً مَثَلًا، كانَ ارْتِفاعُ القُطْبِ عِنْدَهُ (p-٢٧٤٤)ثَلاثِينَ دَرَجَةً، وهو الَّذِي يُسَمّى عَرْضَ البَلَدَ، فَكَما أنَّ جَوانِبَ الأرْضِ المُحِيطَةَ بِها، وجَوانِبَ الفَلَكِ المُسْتَدِيرِ لَيْسَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ولا تَحْتَهُ، فَكَذَلِكَ مَن يَكُونُ عَلى الأرْضِ لا يُقالُ إنَّهُ تَحْتَ أُولَئِكَ، وإنَّما هَذا خَيالٌ يَتَخَيَّلُهُ الإنْسانُ، وهو (تَحْتٌ) إضافِيٌّ. كَما لَوْ كانَتْ نَمْلَةُ تَمْشِي تَحْتَ سَقْفٍ، فالسَّقْفُ فَوْقَها، وإنْ كانَتْ رِجْلاها تُحاذِيانِهِ، وكَذَلِكَ مَن عُلِّقَ مَنكُوسًا، فَإنَّهُ تَحْتَ السَّماءِ، وإنْ كانَتْ رِجْلاهُ تَلِي السَّماءَ، وكَذَلِكَ قَدْ يَتَوَهَّمُ الإنْسانُ إذا كانَ في أحَدِ جانِبَيِ الأرْضِ أوِ الفَلَكِ، أنَّ الجانِبَ الآخَرَ تَحْتَهُ. وهَذا أمْرٌ لا يَتَنازَعُ فِيهِ اثْنانِ مِمَّنْ يَقُولُ إنَّ الأفْلاكَ مُسْتَدِيرَةٌ، وهَذا كَما أنَّهُ قَوْلُ أهْلِ الهَيْئَةِ والحِسابِ، فَهو الَّذِي عَلَيْهِ عُلَماءُ المُسْلِمِينَ، كَما ذَكَرَهُ أبُو الحُسَيْنِ المِنّاوِيُّ وأبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ وأبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ وغَيْرُهم. وهو المَأْخُوذُ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. ومَن ظَنَّ أنَّ مَن يَكُونُ في الفَلَكِ مِن ناحِيَةٍ يَكُونُ تَحْتَهُ مَن في الفَلَكِ مِنَ النّاحِيَةِ الأُخْرى في نَفْسِ الأمْرِ، فَهو مُتَوَهِّمٌ عِنْدَهم.
فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإذا قُدِّرَ أنَّ العَرْشَ مُسْتَدِيرٌ مُحِيطٌ بِالمَخْلُوقاتِ كانَ هو أعْلاها وسَقْفَها وهو فَوْقُها مُطْلَقًا، فَلا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وإلى ما فَوْقَهُ الإنْسانُ إلّا مِنَ العُلُوِّ.
ومَن تَوَجَّهَ إلى الفَلَكِ الثّامِنِ أوِ التّاسِعِ مَثَلًا مِن غَيْرِ جِهَةِ العُلُوِّ، كانَ جاهِلًا بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ، فَكَيْفَ بِالتَّوَجُّهِ إلى العَرْشِ أوْ إلى ما فَوْقَهُ ! وغايَةُ ما يَقْدِرُ أنْ يَكُونَ كَرِيَّ الشَّكْلِ، واللَّهُ تَعالى مُحِيطٌ بِالمَخْلُوقاتِ كُلِّها إحاطَةً تَلِيقُ بِجَلالِهِ، فَإنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرْضَ في يَدِهِ أصْغَرُ مِنَ الحِمَّصَةِ في يَدِ أحَدِنا. وأمّا قَوْلُ القائِلِ: إذا كانَ كَرِيًّا، واللَّهُ مِن ورائِهِ مُحِيطٌ بائِنٌ عَنْهُ، فَما الفائِدَةُ في التَّوَجُّهِ إلى العُلُوِّ دُونَ التَّحْتِ، ومَعَ هَذا نَجِدُ في قُلُوبِنا قَصْدَ العُلُوِّ؟ فَيُقالُ: هَذا إنَّما ورَدَ لِتَوَهُّمِ أنَّ نِصْفَ الفَلَكِ يَكُونُ تَحْتَ الأرْضِ، وتَحْتَ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ، مِنَ الآدَمِيِّينَ والبَهائِمِ، وهَذا غَلَطٌ. فَلَوْ كانَ الفَلَكُ تَحْتَ الأرْضِ مِن جِهَةٍ، لَكانَ تَحْتَها مِن كُلِّ جِهَةٍ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الفَلَكُ تَحْتَ الأرْضِ مُطْلَقًا، وهَذا قَلْبٌ لِلْحَقائِقِ إذِ الفَلَكُ هو فَوْقَ الأرْضِ مُطْلَقًا، وأهْلُ الهَيْئَةِ يَقُولُونَ: لَوْ أنَّ الأرْضَ مَخْرُوقَةٌ إلى ناحِيَةِ (p-٢٧٤٥)أرْجُلِنا، وأُلْقِيَ في الخَرْقِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ كالحَجَرِ ونَحْوِهِ، لَكانَ يَنْتَهِي إلى المَرْكَزِ، حَتّى لَوْ أُلْقِيَ مِن تِلْكَ النّاحِيَةِ حَجَرٌ آخَرُ، لالتَقَيا جَمِيعًا في المَرْكَزِ، الَّذِي هو النُّقْطَةُ المُتَوَسِّطَةُ في كُرَةِ الأرْضِ، ولَوْ قُدِّرَ أنَّ إنْسانَيْنِ التَقَيا في المَرْكَزِ بَدَلَ الحَجَرِ، لالتَقَتْ رِجْلاهُما، ولَمْ يَكُنْ أحَدُهُما تَحْتَ الآخَرِ، بَلْ كِلاهُما فَوْقَ المَرْكَزِ، وكِلاهُما تَحْتَ الفَلَكِ.
وإذا كانَ مَطْلُوبُ أحَدٍ ما فَوْقَ الفَلَكِ لَمْ يَطْلُبْهُ إلّا مِنَ الجِهَةِ العُلْيا، لِأنَّ مَطْلُوبَهُ مِن تِلْكَ الجِهَةِ أقْرَبُ، لِأنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أنَّ رَجُلًا أوْ مَلَكًا يَصْعَدُ إلى السَّماءِ، كانَ صُعُودُهُ مِمّا يَلِي رَأْسَهُ، ولا يَقُولُ عاقِلٌ إنَّهُ يَخْرِقُ الأرْضَ ثُمَّ يَصْعَدُ مِن تِلْكَ النّاحِيَةِ، أوْ يَذْهَبُ يَمِينًا أوْ شِمالًا ثُمَّ يَصْعَدُ. ولَوْ أنَّ رَجُلًا أرادَ مُخاطَبَةَ القَمَرِ، فَإنَّهُ لا يُخاطِبُهُ إلّا مِنَ الجِهَةِ العُلْيا، مَعَ أنَّهُ قَدْ يُشْرِقُ ويَغْرُبُ، فَكَيْفَ بِما هو فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لا يَأْفُلُ ولا يَغِيبُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وكَما أنَّ حَرَكَةَ الحَجَرِ تَطْلُبُ مَرْكَزَها بِأقْصَرِ طَرِيقٍ، وهو الخَطُّ المُسْتَقِيمُ، فالطَّلَبُ الإرادِيُّ الَّذِي يَقُومُ بِقُلُوبِ العِبادِ، كَيْفَ يَعْدِلُ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؟
مَطْلَبٌ في حَدِيثِ الإدْلاءِ
إلى أنْ قالَ:
وحَدِيثُ الإدْلاءِ، الَّذِي رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ وأبُو ذَرٍّ، قَدْ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ (p-٢٧٤٦)الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَة، وهو مُنْقَطِعٌ، فَإنَّ الحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِن أبِي هُرَيْرَةَ، ولَكِنْ يُقَوِّيهِ حَدِيثُ أبِي ذَرٍّ المَرْفُوعُ. فَإنْ كانَ ثابِتًا، فَمَعْناهُ مُوافِقٌ لِهَذا، فَإنَّ قَوْلَهُ ﷺ: ««لَوْ أدْلى أحَدُكم بِحَبْلٍ لَهَبَطَ عَلى اللَّهِ»»، إنَّما هو تَقْدِيرٌ مَفْرُوضٌ، أيْ: لَوْ وقَعَ الإدْلاء لَوَقَعَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يُدْلِي أحَدٌ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ شَيْئًا، لِأنَّهُ عالٍ بِالذّاتِ، وإذا أُهْبِطَ شَيْءٌ إلى جِهَةِ الأرْضِ وقَفَ في المَرْكَزِ، والمَقْصُودُ بَيانُ إحاطَةِ الخالِقِ سُبْحانَهُ، كَما بَيَّنَ أنَّهُ يَقْبِضُ السَّماواتِ، ويَطْوِي الأرْضَ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ بَيانُ إحاطَتِهِ تَعالى، ولِهَذا قَرَأ في تَمامِ الحَدِيثِ:
﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] وهَذا كُلُّهُ عَلى (p-٢٧٤٧)تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ، فَإنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمّا رَواهُ قالَ: وفَسَّرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِأنَّهُ هَبَطَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ. وبَعْضُ الحُلُولِيَّةِ والِاتِّحادِيَّةِ يَظُنُّ أنَّ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى زَعْمِهِ الباطِلِ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ حالٌّ بِذاتِهِ في كُلِّ مَكانٍ، أوْ أنَّ وُجُودَهُ وُجُودُ الأمْكِنَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ. وكَذَلِكَ تَأْوِيلُهُ بِالعِلْمِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، بَلْ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ، فالمُرادُ بِهِ الإحاطَةُ، ونَحْنُ لا نَتَكَلَّمُ إلّا بِما نَعْلَمُ، وما لَمْ نَعْلَمْهُ أمْسَكْنا عَنْهُ، وقَدْ فَطَرَ اللَّهُ تَعالى النّاسَ عَلى التَّوَجُّهِ في الدُّعاءِ إلى جِهَةِ العُلُوِّ، وقالَ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] فَجاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِالعِبادَةِ والدُّعاءِ بِما يُوافِقُ الفِطْرَةَ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««إذا قامَ أحَدُكم إلى الصَّلاةِ فَلا يَبْصُقْ قِبَلَ وجْهِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قِبَلَ وجْهِهِ، ولا عَنْ يَمِينِهِ فَإنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، ولْيَبْصُقْ عَنْ يَسارِهِ أوْ تَحْتَ رِجْلِهِ» . وفي رِوايَةٍ: إنَّهُ أذِنَ أنْ يَبْصُقَ في ثَوْبِهِ»، وفي حَدِيثِ أبِي رَزِينٍ (p-٢٧٤٨)المَشْهُورِ: لِما «أخْبَرَ ﷺ أنَّهُ ما مِن أحَدٍ إلّا سَيَخْلُو بِهِ رَبُّهُ، فَقالَ لَهُ أبُو رَزِينٍ: كَيْفَ يَسَعُنا يا رَسُولَ اللَّهِ وهو واحِدٌ ونَحْنُ جَمْعٌ؟ فَقالَ: «سَأُنْبِئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ في آلاءِ اللَّهِ تَعالى: هَذا القَمَرُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، كُلُّكم يَراهُ مُخَلِّيًا بِهِ، فاللَّهُ أكْبَرُ»» .
وفِي الصَّحِيحَيْنِ: ««لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ عَنْ رَفْعِ أبْصارِهِمْ في الصَّلاةِ، أوْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم»» .
واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ رَفْعَ المُصَلِّي بَصَرَهُ إلى السَّماءِ مَنهِيٌّ عَنْهُ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ في الصَّلاةِ إلى السَّماءِ، حَتّى نَزَلَ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] فَكانَ بَصَرُهُ لا يُجاوِزُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ» .
فَهَذا مِمّا جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ تَكْمِيلًا لِلْفِطْرَةِ، لِأنَّ الدّاعِيَ المَأْمُورَ بِالذُّلِّ، لا يُناسِبُ حالَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى ناحِيَةِ مَن يَدْعُوهُ، خِلافًا لِلْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ العَرْشِ وقَعْرِ البَحْرِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيَةَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَأْوِيلَ: «(الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ فَمَن صافَحَهُ وقَبَّلَهُ فَكَأنَّما صافَحَ اللَّهَ تَعالى وقَبَّلَ يَمِينَهُ»، وقالَ: قَدْ ظَنُّوا أنَّ هَذا وأمْثالَهُ مُحْتاجٌ إلى التَّأْوِيلِ، وهَذا وهْمٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ هَذا اللَّفْظُ ثابِتًا عَنِ (p-٢٧٤٩)النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ الحَجَرَ لَيْسَ هو مِن صِفاتِهِ تَعالى، وتَقْيِيدُهُ بِالأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ هو يَدَهُ عَلى الإطْلاقِ، فَلا تَكُونُ اليَدُ حَقِيقَةً. وقَوْلُهُ: (فَكَأنَّما صافَحَ اللَّهَ تَعالى)... إلَخْ، صَرِيحٌ في أنَّ المُصافِحَ لَيْسَ مُصافِحًا لَهُ تَعالى، لِأنَّ المُشَبَّهَ لَيْسَ هو المُشَبَّهَ بِهِ.
إلى أنْ قالَ: فَهَذا كُلُّهُ بِتَقْدِيرِ كُرِيَّةِ العَرْشِ، وأمّا إذا قُدِّرَ أنَّهُ لَيْسَ بِكُرِيِّ الشَّكْلِ، بَلْ هو فَوْقَ العالَمِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي هي وجْهُ الأرْضِ، وأنَّهُ فَوْقَ الأفْلاكِ الكُرِيَّةُ، كَما أنَّ وجْهَ الأرْضِ المَوْضُوعُ لِلْأنامِ، فَوْقَ نِصْفِ الأرْضِ الكُرِيِّ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المَقادِيرِ الَّتِي يُقَدَّرُ فِيها أنَّ العَرْشَ فَوْقَ ما سِواهُ، فَعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يَتَوَجَّهُ إلى اللَّهِ تَعالى إلّا إلى العُلُوِّ، مَعَ كَوْنِهِ عَلى عَرْشِهِ مُبايِنًا لِخَلْقِهِ. وعَلى ما ذَكَرْناهُ لا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنَ المَحْذُورِ والتَّناقُضِ، وهَذا يُزِيلُ كُلَّ شُبْهَةٍ تَنْشَأُ مِنِ اعْتِقادٍ فاسِدٍ، وهو أنْ يَظُنَّ أنَّ العَرْشَ إذا كانَ كُرِيًّا، واللَّهُ تَعالى فَوْقَهُ كَما تَقْتَضِيهِ ذاتُهُ - سُبْحانَهُ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ- وجَبَ (فِيما عِنْدَ الزّاعِمِ) أنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ كَرِيًّا، ثُمَّ يَعْتَقِدُ أنَّهُ إذا كانَ كَرِيًّا فَيَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلى ما هو كَرِيٌّ كالفَلَكِ التّاسِعِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وهَذا خَطَأٌ، فَإنَّ القَوْلَ بِأنَّ العَرْشَ كَرِيٌّ لا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ أنَّهُ مُشابِهٌ لِلْأفْلاكِ في أشْكالِها وأقْدارِها أوْ في صِفاتِها، بَلْ قَدْ تَبَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أعْظَمُ وأكْبَرُ مِن أنْ تَكُونَ المَخْلُوقاتُ عِنْدَهُ أصْغَرَ مِنَ الحِمَّصَةِ في يَدِ أحَدِنا، فَإذا كانَتِ الحِمَّصَةُ مَثَلًا في يَدِ الإنْسانِ أوْ تَحْتَهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، هَلْ يَتَصَوَّرُ عاقِلٌ، إذا اسْتَشْعَرَ عُلُوَّ الإنْسانِ عَلى ذَلِكَ وإحاطَتَهُ، بِأنْ يَكُونَ الإنْسانُ كالفَلَكِ؟ فاللَّهُ تَعالى -ولَهُ المَثَلُ الأعْلى- أعْظَمُ مِن أنْ يُظَنَّ بِهِ ذَلِكَ. وإنَّما يَظُنُّهُ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِّرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ. وإذا لَمْ يَكُنْ كَرِيًّا، فالأمْرُ ظاهِرٌ مِمّا تَقَدَّمَ، وبِهَذا يَظْهَرُ الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
(p-٢٧٥٠)وإنَّما أشْبَعْنا الكَلامَ في هَذا المَقامِ، لِأنَّهُ مِن أُصُولِ العَقائِدِ الدِّينِيَّةِ، ومُهِمّاتِ المَسائِلِ التَّوْحِيدِيَّةِ، وقَدْ كَثُرَ فِيهِ تَعارُكُ الآراءِ، وتَصادُمُ الأهْواءِ، ولَمْ يَأْتِ جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ المُؤَوِّلِينَ بِشَيْءٍ يَعْلُقُ بِقَلْبِ الأذْكِياءِ، بَلِ اجْتَهَدُوا في إيرادِ التَّمَحُّلاتِ الَّتِي تَأْباها فِطْرَةُ اللَّهِ أشَدَّ الإباءِ، فَبَقِيَتْ نُفُوسُ أنْصارِ السُّنَّةِ المُحَقِّقِينَ، مائِلَةً إلى مَذْهَبِ السَّلَفِ الصّالِحِينَ، فَإنَّ الأئِمَّةَ مِنهُمْ، كانَ عَقْدُهم ما بَيَّنّاهُ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أيْ: يُغَطِّيهِ بِهِ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِاللَّيْلِ عَلى النَّهارِ، فَيُغَطِّيهِ ويَلْبَسُهُ، حَتّى يَذْهَبَ بِنُورِهِ، ويَصِيرَ الجَوُّ مُظْلِمًا، بَعْدَ ما كانَ مُضِيئًا.
قالَ الشِّهابُ: وجَوَّزَ جَعْلَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مُغَشًّى عَلى الِاسْتِعارَةِ، بِأنْ يَجْعَلَ غَشَيانَ مَكانِ النَّهارِ وإظْلامِهِ بِمَنزِلَةِ غَشَيانِهِ لِلنَّهارِ نَفْسِهِ، فَكَأنَّهُ لَفَّ عَلَيْهِ لَفَّ الغِشاءِ، أوْ شَبَّهَ تَغْيِيبَ كُلٍّ مِنهُما، بِطَرَيانِهِ عَلَيْهِ، بِسَتْرِ اللِّباسِ لِلابِسِهِ -انْتَهى.
ولَمْ يَذْكُرِ العَكْسَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ لِأنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُها، ولِذَلِكَ قُرِئَ: (يَغْشى اللَّيْلَ النَّهارُ) بِنَصْبِ اللَّيْلِ، ورَفْعِ النَّهارِ: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ أيْ: يَعْقُبُهُ سَرِيعًا، كالطّالِبِ لَهُ، لا يَفْصِلُ بَيْنَهُما شَيْءٌ.
قالَ الرّازِيُّ: وإنَّما وصَفَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الحَرَكَةَ بِالسُّرْعَةِ، لِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ إنَّما يَحْصُلُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ، وتِلْكَ الحَرَكَةُ أشَدُّ الحَرَكاتِ سُرْعَةً، وأكْمَلُها شِدَّةً، حَتّى إنَّ الباحِثِينَ عَنْ أحْوالِ المَوْجُوداتِ قالُوا: الإنْسانُ إذا كانَ في العَدْوِ الشَّدِيدِ الكامِلِ، فَإلى أنْ يَرْفَعَ رِجْلَهُ ويَضَعَها يَتَحَرَّكُ الفَلَكُ الأعْظَمُ ثَلاثَةَ آلافِ مِيلٍ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَتْ تِلْكَ الحَرَكَةُ في غايَةِ الشِّدَّةِ والسُّرْعَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ "؛ ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ أيْ مُذَلَّلاتٍ لِما يُرادُ مِنها مِن طُلُوعٍ وغُرُوبٍ وسَيْرٍ ورُجُوعٍ بِقَضائِهِ وتَصْرِيفِهِ.
قالَ الشِّهابُ: وسَمّاهُ (أمْرًا) عَلى التَّشْبِيهِ، إذْ جَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لِكَوْنِها تابِعَةً لِتَدْبِيرِهِ وتَصْرِيفِهِ كَما يَشاءُ كَأنَّهُنَّ مَأْمُوراتٍ مُنْقادَةً لِأمْرِهِ، ويَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ. انْتَهى.
(p-٢٧٥١)أيْ وهو الكَلامُ، فَيَكُونُ تَعالى أمَرَ هَذِهِ الأجْرامَ بِالسَّيْرِ الدّائِمِ، والحَرَكَةِ المُسْتَمِرَّةِ إلى انْقِضاءِ الدُّنْيا، وخَرابِ هَذا العالَمِ. وقَدْ قُرِئَ ((والشَّمْسَ)) وما بَعْدَهُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى " السَّماواتِ " ونُصِبَ " مُسَخَّراتٍ " عَلى الحالِ. وقَرَأها ابْنُ عامِرٍ كُلُّها بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ أيْ هو الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ كُلَّها، وهو الَّذِي صَرَفَها عَلى حُسْنِ إرادَتِهِ، وفَسَّرَ الأمْرَ بِالقَضاءِ والحُكْمِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: اسْتَخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ مِن هَذا المَعْنى، أنَّ كَلامَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ الخَلْقِ والأمْرِ، فَمَن جَمَعَ بَيْنَهُما فَقَدْ كَفَرَ. يَعْنِي أنَّ مَن جَعَلَ الأمْرَ الَّذِي هو كَلامُهُ تَعالى مِن جُمْلَةِ ما خَلَقَهُ فَقَدْ كَفَرَ، لِأنَّ المَخْلُوقَ لا يَقُومُ بِمَخْلُوقٍ مِثْلِهِ. كَذا في (اللُّبابِ). قالَ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَلى أنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ. لِأنَّ (الأمْرَ) هو الكَلامُ، وقَدْ عَطَفَهُ عَلى (الخَلْقِ) فاقْتَضى أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وسَبَقَهُ إلى هَذا الِاسْتِنْباطِ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.انْتَهى.
الثّانِي: قالَ في (اللُّبابِ): في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أيْ لِلْحَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ إنَّ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ تَأْثِيراتٍ في هَذا العالَمِ.
﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ تَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ وتَعالى وتَعاظَمَ. قالَ في (التّاجِ): سُئِلَ أبُو العَبّاسِ عَنْ تَفْسِيرِ ﴿تَبارَكَ اللَّهُ﴾ " فَقالَ: ارْتَفَعَ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، لِيُفْرِدُوهُ بِالأُلُوهِيَّةِ، أمَرَهم بِأنْ يَدْعُوهُ وحْدَهُ مُتَذَلِّلِينَ مُخْلِصِينَ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
(p-٢٧٥٢)
الأعراف 7:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٥] ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾
﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ " نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: ذَوِي تَضَرُّعٍ وخُفْيَةٍ، والتَّضَرُّعِ تَفَعُّلٌ مِنَ (الضَّراعَةِ) وهو الذُّلُّ. والخُفْيَةُ (بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِها)، مَصْدَرُ خَفِيَ كَرَضِيَ بِمَعْنى اخْتَفى، أيِ: اسْتَتَرَ وتَوارى، وإنَّما طَلَبَ الدُّعاءَ مَعَ تِينِكَ الحالَتَيْنِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الدُّعاءِ أنْ يُشاهِدَ العَبْدُ حاجَتَهُ وعَجْزَهُ وفَقْرَهُ لِرَبِّهِ ذِي القُدْرَةِ الباهِرَةِ، والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ. وإذا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِن صَوْنِهِ عَنِ الرِّياءِ، وذَلِكَ بِالِاخْتِفاءِ، وتَوَصُّلًا لِلْإخْلاصِ.
فَوائِدُ:
فِي هَذِهِ الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعاءِ، بِشَرْطَيْهِ المَذْكُورَيْنِ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): ومِنَ التَّضَرُّعِ رَفْعُ الأيْدِي في الدُّعاءِ، فَيُسْتَحَبُّ. وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ بِعَرَفَةَ يَدْعُو، فَقالَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ: هَذا الِابْتِهالُ. ثُمَّ خاضَتِ النّاقَةُ، فَفَتَحَ إحْدى يَدَيْهِ فَأخَذَها وهو رافِعٌ الأُخْرى»» . انْتَهى.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ «قالَ: رَفَعَ النّاسُ أصْواتَهم بِالدُّعاءِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أيُّها النّاسُ ! ارْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ، فَإنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا، إنَّ الَّذِي تَدْعُونَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ»» الحَدِيثَ.
(p-٢٧٥٣)وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ عَنْ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إنْ كانَ الرَّجُلُ، لَقَدْ جَمَعَ القُرْآنَ وما يَشْعُرُ بِهِ النّاسُ، وإنْ كانَ الرَّجُلُ، لَقَدْ فَقُهَ الفِقْهَ الكَثِيرَ وما يَشْعُرُ بِهِ النّاسُ؛ وإنْ كانَ الرَّجُلُ، لَيُصَلِّي الصَّلاةَ الطَّوِيلَةَ في بَيْتِهِ وعِنْدَهُ الزَّوْرُ وما يَشْعُرُونَ بِهِ. ولَقَدْ أدْرَكْنا أقْوامًا ما كانَ عَلى الأرْضِ مِن عَمَلٍ يَقْدِرُونَ أنْ يَعْمَلُوهُ في السِّرِّ، فَيَكُونُ عَلانِيَةً أبَدًا. ولَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ، وما يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ، إنْ كانَ إلّا هَمْسًا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقالَ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ والنِّداءُ والصِّياحُ في الدُّعاءِ، ويُؤْمَرُ بِالتَّضَرُّعِ والِاسْتِكانَةِ.
وقالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): وحَسْبُكَ في تَعَيُّنِ الإسْرارِ في الدُّعاءِ اقْتِرانُهُ بِالتَّضَرُّعِ في الآيَةِ، فالإخْلالُ بِهِ كالإخْلالِ بِالضَّراعَةِ إلى اللَّهِ في الدُّعاءِ، وإنَّ دُعاءً لا تَضَرُّعَ فِيهِ ولا خُشُوعَ، لِقَلِيلِ الجَدْوى، فَكَذَلِكَ دُعاءٌ لا خُفْيَةَ ولا وقارَ يَصْحَبُهُ. وتَرى كَثِيرًا مِن أهْلِ زَمانِكَ يَعْتَمِدُونَ الصُّراخَ والصِّياحَ في الدُّعاءِ، خُصُوصًا في الجَوامِعِ، حَتّى يَعْظُمَ اللَّغَطُ ويَشْتَدَّ، وتَسْتَكَّ المَسامِعُ وتَسْتَدَّ، ويَهْتَزَّ الدّاعِي بِالنّاسِ، ولا يَعْلَمُ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ بِدْعَتَيْنِ: رَفْعِ الصَّوْتِ في الدُّعاءِ، وفي المَسْجِدِ، ورُبَّما حَصَلَتْ لِلْعَوامِّ حِينَئِذٍ رِقَّةٌ لا تَحْصُلُ مَعَ خَفْضِ الصَّوْتِ، ورِعايَةُ سَمْتِ الوَقارِ، وسُلُوكُ السُّنَّةِ الثّابِتَةِ بِالآثارِ. وما هي إلّا رِقَّةٌ شَبِيهَةٌ بِالرِّقَّةِ العارِضَةِ لِلنِّساءِ والأطْفالِ، لَيْسَتْ خارِجَةً عَنْ صَمِيمِ الفُؤادِ، لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِن أصْلٍ، لَكانَتْ عِنْدَ اتِّباعِ السُّنَّةِ في الدُّعاءِ، وفي خَفْضِ الصَّوْتِ بِهِ، أوْفَرَ وأوْفى وأزْكى.
فَما أكْثَرَ التِباسَ الباطِلِ بِالحَقِّ، عَلى عُقُولٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الخَلْقِ، اللَّهُمَّ أرِنا الحَقَّ حَقًّا وارْزُقْنا اتِّباعَهُ، وأرِنا الباطِلَ باطِلًا وارْزُقْنا اجْتِنابَهُ. انْتَهى.
(p-٢٧٥٤)وقَدْ رَوى الحافِظُ أبُو الشَّيْخِ في (الثَّوابِ) عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««دَعْوَةٌ في السِّرِّ تَعْدِلُ سَبْعِينَ دَعْوَةً في العَلانِيَةِ»» .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ " أيْ: لا يُحِبُّ دُعاءَ المُجاوِزِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الِاعْتِداءُ بِتَرْكِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وهُما التَّضَرُّعُ والإخْفاءُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ كَراهِيَةُ الِاعْتِداءِ في الدُّعاءِ. وفَسَّرَهُ زَيْدُ ابْنُ أسْلَمَ بِالجَهْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ بِسُؤالِ مَنازِلِ الأنْبِياءِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالدُّعاءِ عَلى المُؤْمِنِ بِالسِّرِّ. أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا جَمِيعَهُ مِمّا يَشْمَلُهُ الِاعْتِداءُ.
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، «أنَّ سَعْدًا سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَدْعُو وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ ونَعِيمَها وإسْتَبْرَقَها، ونَحْوًا مِن هَذا، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ وسَلاسِلِها وأغْلالِها فَقالَ: لَقَدْ سَألْتَ اللَّهَ خَيْرًا كَثِيرًا، وتَعَوَّذْتَ بِاللَّهِ مِن شَرٍّ كَثِيرٍ وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعاءِ»» وفي لَفْظٍ: ««يَعْتَدُونَ في الطَّهُورِ والدُّعاءِ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ الآيَةَ»»، وإنَّ بِحَسْبِكَ أنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ القَصْرَ الأبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الجَنَّةِ إذا دَخَلْتُها. فَقالَ: يا بُنَيَّ سَلِ اللَّهَ الجَنَّةَ، وعُذْ بِهِ مِنَ النّارِ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعاءِ والطَّهُورِ»» .
الأعراف 7:56
(p-٢٧٥٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٦] ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾
﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ " قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ لا تُفْسِدُوها بَعْدَ إصْلاحِ اللَّهِ إيّاها، بِأنْ خَلَقَها عَلى أحْسَنِ نِظامٍ، وبَعَثَ الرُّسُلَ، وبَيَّنَ الطَّرِيقَ، وأبْطَلَ الكُفْرَ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: هَذا نَهْيٌ عَنْ إيقاعِ الفَسادِ في الأرْضِ، وإدْخالُ ماهِيَّتِهِ في الوُجُودِ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ، مِن إفْسادِ النُّفُوسِ والأمْوالِ والأنْسابِ والعُقُولِ والأدْيانِ.
ومَعْنى ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ ": بَعْدَ أنْ أصْلَحَ اللَّهُ خَلْقَها عَلى الوَجْهِ المُلائِمِ لِمَنافِعِ الخَلْقِ، ومَصالِحِ المُكَلَّفِينَ. انْتَهى.
﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ أيْ: ذَوِي خَوْفٍ مِن وبِيلِ العِقابِ، نَظَرًا إلى قُصُورِ أعْمالِكُمْ، وطَمَعٍ فِيما عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ، نَظَرًا إلى سِعَةِ رَحْمَتِهِ، ووُفُورِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: أنَّ رَحْمَتَهُ مُرْصَدَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أوامِرَهُ، ويَتْرُكُونَ زَواجِرَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآيَةَ.
لَطائِفُ:
الأُولى -قالَ في (اللُّبابِ): إنْ قُلْتَ: قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] " وقالَ هُنا ﴿وادْعُوهُ﴾ "، وهَذا هو عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، فَما فائِدَةُ ذَلِكَ؟
قُلْتُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ [الأعراف: ٥٥] " أيْ: لِيَكُنِ الدُّعاءُ مَقْرُونًا (p-٢٧٥٦)بِالتَّضَرُّعِ والإخْباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ " أنَّ فائِدَةَ الدُّعاءِ أحَدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَكانَتِ الآيَةُ الأوْلى في بَيانِ شَرْطِ صِحَّةِ الدُّعاءِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ في بَيانِ فائِدَةِ الدُّعاءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ كُونُوا جامِعِينَ في أنْفُسِكم بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ في أعْمالِكم كُلِّها، ولا تَطْمَعُوا أنَّكم وفَّيْتُمْ حَقَّ اللَّهِ في العِبادَةِ والدُّعاءِ، وإنِ اجْتَهَدْتُمْ فِيهِما.
الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ " الآيَةَ، تَرْجِيحٌ لِلطَّمَعِ عَلى الخَوْفِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، ولَكِنَّهُ إذا رَأى سِعَةَ رَحْمَتِهِ وسَبْقَها، غَلَبَ الرَّجاءُ عَلَيْهِ. وفِيهِ أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى ما يَتَوَسَّلُ بِهِ إلى الإجابَةِ، وهو الإحْسانُ في القَوْلِ والعَمَلِ.
قالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: اسْتَنْجِزُوا مَوْعُودَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ، فَإنَّهُ قَضى أنَّ رَحْمَتَهُ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.
الثّالِثَةُ: تَذْكِيرُ (قَرِيبٌ)، لِأنَّ (الرَّحْمَةَ) بِمَعْنى الرَّحِمِ، أوْ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: أمْرٌ قَرِيبٌ، أوْ عَلى تَشْبِيهٍ بِ (فَعِيلٍ)، الَّذِي هو بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، أوِ الَّذِي هو مَصْدَرٌ كالنَّقِيضِ والصَّهِيلِ، أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ القَرِيبِ مِنَ النَّسَبِ والقَرِيبِ مِن غَيْرِهِ، فَإنَّهُ يُقالُ: فُلانَةُ قَرِيبَةٌ مِنِّي لا غَيْرُ، وفي المَكانِ وغَيْرِهِ يَجُوزُ الوَجْهانِ، أوْ لِاكْتِسابِهِ التَّذْكِيرَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، كَما أنَّ المُضافَ يَكْتَسِبُ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وقَدْ أوْصَلُوا تَوْجِيهَ تَذْكِيرِهِ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ وجْهًا.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ المُتَصَرِّفُ الحاكِمُ المُدَبِّرُ المُسَخِّرُ، وأرْشَدَ إلى دُعائِهِ لِأنَّهُ عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ، نَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّهُ الرَّزّاقُ، وأنَّهُ يُعِيدُ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
(p-٢٧٥٧)
الأعراف 7:57
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْـزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾
" ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أيْ قُدّامَ رَحْمَتِهِ الَّتِي هي المَطَرُ، فَإنَّ الصَّبا تُثِيرُ السَّحابَ، والشَّمالَ تَجْمَعُهُ والجَنُوبَ تَدُرُّهُ، والدَّبُّورَ تُفَرِّقُهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] قالَ الثَّعالِبِيُّ: المُبَشِّراتُ الَّتِي تَأْتِي بِالسَّحابِ والغَيْثِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ ((نُشُرًا)) بِالنُّونِ والشِّينِ مَضْمُومَتَيْنِ، وهو جَمْعٌ، وفي واحِدِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما ((نَشُورٌ)) مِثْلَ صَبُورٍ وصُبُرٍ، فَعَلى هَذِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (فَعُولٌ) بِمَعْنى (فاعِلٍ)، أيْ: يَنْشُرُ الأرْضَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، كَرَكُوبٍ بِمَعْنى مَرْكُوبٍ، أيْ: مَنشُورَةً بَعْدَ الطَّيِّ، أوْ مُنْشَرَةً أيْ: مُحْياةً، مِن قَوْلِكَ أنْشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ فَهو مُنْشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ناشِرٍ، مِثْلَ بازِلٍ وبُزْلٍ. ويُقْرَأُ بِضَمِّ النُّونِ وإسْكانِ الشِّينِ عَلى تَخْفِيفِ المَضْمُومِ. ويُقْرَأُ نَشْرًا بِفَتْحِ النُّونِ وإسْكانِ الشِّينِ، وهو مَصْدَرُ نَشَرَ بَعْدَ الطَّيِّ، أوْ مِن قَوْلِكَ أنْشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ فَنُشِرَ أيْ عاشَ. ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، أيْ ناشِرَةً، أوْ ذاتَ نَشْرٍ، كَما تَقُولُ: جاءَ رَكْضًا أيْ راكِضًا.
(p-٢٧٥٨)ويُقْرَأُ: بُشْرًا بِالباءِ وضَمَّتَيْنِ، وهو جَمْعُ بَشِيرٍ، مِثْلَ قَلِيبٍ وقُلُبٍ، ويُقْرَأُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِسُكُونِ الشِّينِ عَلى التَّخْفِيفِ. ويُقْرَأُ بُشْرى مِثْلَ حُبْلى، أيْ: ذاتُ بِشارَةٍ ويُقْرَأُ بَشْرًا بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الشِّينِ، وهو مَصْدَرُ بَشَرْتُهُ - أيْ: بِالتَّخْفِيفِ- إذا بَشَّرْتَهُ. انْتَهى.
﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ﴾ " أيْ: حَمَلَتْ ﴿سَحابًا ثِقالا﴾ " أيْ مِن كَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الماءِ ﴿سُقْناهُ﴾ " أيِ السَّحابَ. قالَ الشِّهابُ: السَّحابُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدِهِ بِالتّاءِ، كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ويُفْرَدُ وصْفُهُ، ويُجْمَعُ، وأهْلُ اللُّغَةِ تُسَمِّيهِ جَمْعًا، فَلِذا رُوعِيَ فِيهِ الوَجْهانِ، في وصْفِهِ وضَمِيرِهِ. انْتَهى. أيْ: أرْسَلْناهُ مَعَ أنَّ طَبْعَهُ الهُبُوطُ: ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ " أيْ: لِأجْلِهِ ولِمَنفَعَتِهِ، أوْ لِإحْيائِهِ أوْ لِسَقْيِهِ. و(مَيِّتٍ)، قُرِئَ مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا ﴿فَأنْـزَلْنا بِهِ الماءَ﴾ " أيِ الضَّمِيرُ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) لِلْبَلَدِ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيِ المُخْتَلِفَةِ الأنْواعِ، مَعَ أنَّ ماءَها واحِدٌ. والمُرادُ (بِكُلِّ الثَّمَراتِ)، المُعْتادَةُ في كُلِّ بَلَدٍ تَخْرُجُ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أجْرى اللَّهُ العادَةَ بِها ودَبَّرَها.
والضَّمِيرُ في (بِهِ)، لِلْماءِ أوْ لِلْبَلَدِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ " أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ ﴿نُخْرِجُ المَوْتى﴾ " أيْ نُحْيِيها بَعْدَ صَيْرُورَتِها رَمِيمًا يَوْمَ القِيامَةِ، يُنَزِّلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ماءً مِنَ السَّماءِ، فَتُمْطِرُ الأرْضَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَتَنْبُتُ مِنهُ الأجْسادُ في قُبُورِها، كَما يَنْبُتُ الحَبُّ في الأرْضِ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ " أيْ إنَّما وصْفُنا ما وصَفْنا مِن هَذا التَّمْثِيلِ لِكَيْ تَتَذَكَّرُوا، مِن أحْوالِ الثَّمَراتِ الَّتِي أُعِيدَتْ إلى حالِها بَعْدَ تَلَفِها، أحْوالَ الآخِرَةِ، فَتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، قَدَرَ عَلى هَذا بِلا رَيْبٍ.
تَنْبِيهٌ:
مِن أحْكامِ الآيَةِ كَما قالَ الجَشْمِيُّ: أنَّها تَدُلُّ عَلى عِظَمِ نِعَمِهِ تَعالى عَلَيْنا بِالمَطَرِ، وتَدُلُّ عَلى الحِجاجِ في إحْياءِ المَوْتى بِإحْياءِ الأرْضِ بِالنَّباتِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ مِنَ الجَمِيعِ التَّذَكُّرَ. وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ أجْرى العادَةَ بِإخْراجِ النَّباتِ بِالماءِ. وإلّا فَهو قادِرٌ عَلى إخْراجِهِ مِن غَيْرِ ماءٍ، فَأجْرى العادَةَ عَلى وُجُوهٍ دَبَّرَها عَلَيْها عَلى ما نُشاهِدُهُ، لِضَرْبٍ مِنَ المَصْلَحَةِ دِينًا ودُنْيا.
(p-٢٧٥٩)ومِنها إذا رَأى الأرْضَ الطَّيِّبَةَ تُزْرَعُ دُونَ الأرْضِ السَّبْخَةِ، وأنَّها قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ، عَلِمَ فَسادَ التَّقْلِيدِ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَتَفَحَّصَ عَنِ الحَقِّ حَتّى يَعْتَقِدَهُ. ومِنها أنَّهُ إذا زَرَعَ وعَلِمَ وُجُوبَ حِفْظِهِ مِنَ المُبْطِلاتِ، عَلِمَ وُجُوبَ حِفْظِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ مِنَ المُحْبَطاتِ.
الأعراف 7:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٨] ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾
﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ أيِ: الأرْضُ الكَرِيمَةُ التُّرْبَةِ ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ أيْ يَخْرُجُ نَباتُهُ وافِيًا حَسَنًا غَزِيرَ النَّفْعِ بِمَشِيئَتِهِ وتَيْسِيرِهِ ﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ " أيْ كالحُرَّةِ، وهي الأرْضُ ذاتُ الحِجارَةِ السُّودِ. وكالسَّبِخَةِ (بِكَسْرِ الباءِ)، وهي الأرْضُ ذاتُ المِلْحِ ﴿لا يَخْرُجُ﴾ " أيْ: نَباتُهُ ﴿إلا نَكِدًا﴾ " أيْ: قَلِيلًا، عَدِيمَ النَّفْعِ. يُقالُ: عَطاءٌ نَكِدٌ، أيْ قَلِيلٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وكَذا رَجُلٌ نَكِدٌ. قالَ:
؎فَأعْطِ ما أعْطَيْتَهُ طَيِّبًا لا خَيْرَ في المَنكُودِ والنّاكِدِ
وقالَ:
؎لا تُنْجِزِ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ ∗∗∗ أعْطَيْتَ، أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدًا
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في الآيَةِ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُؤْمِنُ سَمِعَ كِتابَ اللَّهِ فَوَعاهُ بِعَقْلِهِ، وانْتَفَعَ بِهِ، كالأرْضِ الطَّيِّبَةِ أصابَها الغَيْثُ فَأنْبَتَتْ، والكافِرُ بِخِلافِ ذَلِكَ، وهَذا كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ، أصابَ (p-٢٧٦٠)أرْضًا، فَكانَتْ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصابَ مِنها طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»» .
لَطِيفَةٌ:
قالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ ((يَخْرُجُ نَباتُهُ)) بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ ورَفْعِ النَّباتِ. ويُقْرَأُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِضَمِّ الياءِ، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ويُقْرَأُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ ونَصْبِ النَّباتِ أيْ: فَيُخْرِجُ اللَّهُ أوِ الماءُ. ثُمَّ قالَ: ويُقْرَأُ ﴿نَكِدًا﴾ " بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الكافِ، وهو حالٌ، ويُقْرَأُ بِفَتْحِهِما عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أيْ: ذا نَكِدٍ. ويُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الكافِ وهو مَصْدَرٌ أيْضًا، وهو لُغَةٌ ويُقْرَأُ يُخْرِجُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ، ونَكِدًا مَفْعُولُهُ.
﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ " أيْ: نُبَيِّنُ وُجُوهَ الحُجَجِ ونُرَدِّدُها ونُكَرِّرُها ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ " يَعْنِي كَما ضَرَبْنا هَذا المَثَلَ، كَذَلِكَ نُبَيِّنُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، وحُجَّةً بَعْدَ حُجَّةٍ، لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ، وأنْ جَنَّبَهم سَبِيلَ الضَّلالَةِ، وإنَّما خَصَّ الشّاكِرِينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِسَماعِ القُرْآنِ.
الأعراف 7:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٩] ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ " اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ قِصَّةَ آدَمَ، وما اتَّصَلَ بِها مِن آثارِ قُدْرَتِهِ، وغَرائِبِ صَنْعَتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، وأقامَ الحُجَّةَ الدّامِغَةَ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ- أتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما جَرى لَهم مَعَ أُمَمِهِمْ.
قالَ الرّازِيُّ: وفِيهِ فَوائِدُ:
(p-٢٧٦١)أحَدُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ إعْراضَ النّاسِ عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، لَيْسَ مِن خَواصِّ قَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ، بَلْ هَذِهِ العادَةُ المَذْمُومَةُ كانَتْ حاصِلَةً في جَمِيعِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والمُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ، فَكانَ ذِكْرُ قِصَصِهِمْ، وحِكايَةُ إصْرارِهِمْ وعِنادِهِمْ، يُفِيدُ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وتَخْفِيفَ ذَلِكَ عَلى قَلْبِهِ.
ثانِيها: أنَّهُ تَعالى يَحْكِي في هَذِهِ القِصَصِ أنَّ عاقِبَةَ أمْرِ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ كانَ إلى اللَّعْنِ في الدُّنْيا، والخَسارَةِ في الآخِرَةِ، وعاقِبَةُ أمْرِ المُحِقِّينَ إلى الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا والسَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يُقَوِّي قُلُوبَ المُحِقِّينَ، ويَكْسِرُ قُلُوبَ المُبْطِلِينَ.
وثالِثُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى، وإنْ كانَ يُمْهِلُ هَؤُلاءِ المُبْطِلِينَ، ولَكِنَّهُ لا يُهْمِلُهُمْ، بَلْ يَنْتَقِمُ مِنها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.
ورابِعُها: بَيانُ أنَّ هَذِهِ القِصَصَ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا، وما طالَعَ كِتابًا، ولا تَلْمَذَ أُسْتاذًا.
فَإذا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَصَ عَلى الوَجْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا خَطَأٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما عَرَّفَها بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هو ابْنُ لامَكَ بْنِ مَتُوشالَحَ بْنِ أخْنَوْخَ بْنِ يارَدَ بْنِ مَهْلَئِيلَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. هَكَذا نَسَبَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ، وأصْلُهُ مِنَ التَّوْراةِ.
ومَعْنى (أرْسَلْنا): بَعَثْنا، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ إدْرِيسَ. كَذا في (اللُّبابِ). وإدْرِيسُ هو أخْنَوْخَ فِيما يَزْعُمُونَ.
قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ولَمْ يَلْقَ نَبِيٌّ مِن قَوْمِهِ مِنَ الأذى مِثْلَ نُوحٍ، إلّا نَبِيٌّ قُتِلَ، وقالَ يَزِيدُ الرَّقاشِيُّ: إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ ما ناحَ عَلى نَفْسِهِ. انْتَهى.
وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ ما ذَكَرَهُ، لَوْ كانَ نُوحٌ لَقَبًا مَعَ وُجُودِ اسْمٍ لَهُ غَيْرِهِ، واللَّفْظُ عَرَبِيٌّ، لِمُناسَبَةِ الِاشْتِقاقِ. أمّا وهو اسْمُهُ الوَضْعِيُّ، واللَّفْظُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، فَلا. وفي كِتابِ (تَأْوِيلُ الأسْماءِ الواقِعَةِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ) أنَّ نُوحًا مَعْناهُ راحَةُ أوْ سُلْوانُ، فَتَثَبَّتْ.
(p-٢٧٦٢)وكانَ، قَبْلَ بَعْثَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، قَوْمٌ عَرَفُوا اللَّهَ وعَبَدُوهُ خُصُوصًا في عائِلَةِ شِيثَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ فَسَدَ نَسْلُ شِيثَ أيْضًا، واخْتَلَطُوا مَعَ الأشْرارِ، وامْتَلَأتِ الأرْضُ مِن جَرائِمِهِمْ، وزاغُوا عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وصارُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ والأصْنامَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لِيَدُلَّهم عَلى طَرِيقِ الرَّشادِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَماءِ التَّفْسِيرِ: كانَ أوَّلَ ما عُبِدَتِ الأصْنامُ أنَّ قَوْمًا صالِحِينَ ماتُوا، فَبَنى قَوْمُهم عَلَيْهِمْ مَساجِدَ، وصَوَّرُوا صُوَرَ أُولَئِكَ فِيها، لِيَتَذَكَّرُوا حالَهم وعِبادَتَهم فَيَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. فَلَمّا طالَ الزَّمانُ جَعَلُوا أجْسادًا عَلى تِلْكَ الصُّوَرِ، فَلَمّا تَمادى الزَّمانُ عَبَدُوا تِلْكَ الأصْنامَ وسَمَّوْها بِأسْماءِ أُولَئِكَ الصّالِحِينَ: ودًّا وسِواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا، فَلَمّا تَفاقَمَ الأمْرُ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحانَهُ - ولَهُ الحَمْدُ والمِنَّةُ - رَسُولَهُ نُوحًا فَأمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿فَقالَ يا قَوْمِ﴾ " أيِ: الَّذِينَ حَقُّهم أنْ يُشارِكُونِي في كَمالاتِي ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ﴾ " أيْ: مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ في الوُجُودِ ﴿غَيْرُهُ﴾ "، قُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، فالرَّفْعُ صِفَةٌ لِإلَهِ، بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ الَّذِي هو الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الفاعِلِيَّةِ، وبِالجَرِّ عَلى اللَّفْظِ، وبِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وحُكْمُ (غَيْرِ)، حُكْمُ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ (إلّا)، أيْ: ما لَكم مِن إلَهٍ إلّا إيّاهُ.
﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ " أيْ: إنْ تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ أوْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ " هو يَوْمُ القِيامَةِ إذا لَقِيتُمُ اللَّهَ وأنْتُمْ مُشْرِكُونَ بِهِ، أوْ يَوْمُ نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، وهو الطُّوفانُ.
ووَصْفُ اليَوْمِ بِ(العِظَمِ) لِبَيانِ عِظَمِ ما يَقَعُ فِيهِ، وتَكْمِيلِ الإنْذارِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما مَوْقِعُ الجُمْلَتَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ: " اعْبُدُوا اللَّهَ " ؟ قُلْتُ: الأُولى: بَيانٌ لِوَجْهِ اخْتِصاصِهِ بِالعِبادَةِ، والثّانِيَةُ: بَيانٌ لِلدّاعِي إلى عِبادَتِهِ، لِأنَّهُ هو المَحْذُورُ عِقابُهُ، دُونَ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ.
(p-٢٧٦٣)
الأعراف 7:60
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٠] ﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ﴾ " أيِ: الأشْرافُ، أوِ الجَماعَةُ، أوْ ذَوُو الشّارَةِ والتَّجَمُّعِ. ﴿إنّا لَنَراكَ﴾ " أيْ: بِأمْرِكَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ وتَخْوِيفِ العَذابِ عَلى تَرْكِ عِبادَةِ اللَّهِ، وعَلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ " أيْ: في ذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والصَّوابِ، لِكَوْنِهِ خِلافَ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا حالُ الفُجّارِ، إنَّما يَرَوْنَ الأبْرارَ في ضَلالَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأعراف 7:61
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦١] ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ " .
الأعراف 7:62
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٢] ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ " أيْ: ما أُوحِيَ إلَيَّ في الأوْقاتِ المُتَطاوِلَةِ، أوْ في المَعانِي المُخْتَلِفَةِ، مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، والمَواعِظِ والزَّواجِرِ، والبَشائِرِ والنَّذائِرِ. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ رِسالاتِهِ إلَيْهِ وإلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ مِن صُحُفِ جَدِّهِ، إدْرِيسَ، فَهَذا نُكْتَةٌ جَمْعُ (الرِّسالاتِ)، وإلّا فَرِسالَةُ كُلِّ نَبِيٍّ واحِدَةٍ، وهي مَصْدَرُ، والأصْلُ فِيهِ أنْ لا يَجْمَعَ، فَجَمْعٌ لِما ذُكِرَ.
(p-٢٧٦٤)﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ " وأقْصِدُ صَلاحَكم بِإخْلاصٍ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي لا تُعْلَمُ إلّا مِن طَرِيقِ الوَحْيِ، أشْياءَ لا عِلْمَ لَكم بِها، أوْ أعْلَمُ مِن قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وشِدَّةِ بَطْشِهِ عَلى أعْدائِهِ، وأنَّ بَأْسَهُ لا يُرَدُّ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ما لا تَعْلَمُونَهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا شَأْنُ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ مُبَلِّغًا فَصِيحًا ناصِحًا عالِمًا بِاللَّهِ، لا يُدْرِكُهُ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ في هَذِهِ الصِّفاتِ، كَما جاءَ في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وهم أوْفَرُ ما كانُوا وأكْثَرُ جَمِيعًا: «أيُّها النّاسُ ! إنَّكم مَسْؤُولُونَ عَنِّي، فَما أنْتُمْ قائِلُونَ؟ قالُوا نَشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وأدَّيْتَ ونَصَحْتَ. فَجَعَلَ يَرْفَعُ إصْبَعَهُ إلى السَّماءِ، ويُنَكِّسُها عَلَيْهِمْ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدِ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ»» .
الأعراف 7:63
(p-٢٧٦٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣] ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ﴾ " أيْ: مَوْعِظَةٌ ﴿مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ " أيْ: مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا ﴿ولِتَتَّقُوا﴾ " أيْ: ولِيُوجَدَ مِنكُمُ التَّقْوى، وهي الخَشْيَةُ بِسَبَبِ الإنْذارِ، ﴿ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ " أيْ: ولِتُرْحَمُوا بِالتَّقْوى إنْ وُجِدَتْ مِنكم.
الأعراف 7:64
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٤] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ " أيْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ مَعَ طُولِ مُدَّةِ إقامَتِهِ فِيهِمْ ولَمْ يُؤْمِن مَعَهُ مِنهم إلّا قَلِيلٌ ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، فَلَمْ يَسْتَبْصِرُوا الحَقَّ ولَمْ يَسْتَنِيرُوا بِنُورِ الوَحْيِ الَّذِي هو كالشَّمْسِ، ولا بِظُهُورِ الآياتِ، ولا بِآيَةِ الطُّوفانِ المُغْرِقِ لَهُمْ، بَعْدَ إنْذارِهِ بِهِ، عَلى تَكْذِيبِهِمْ، والعَمى ذَهابُ بَصَرِ العَيْنَيْنِ، وبَصَرِ القَلْبِ. يُقالُ: عَمِيَ فَهو أعْمى وعَمٍ، كَما في القامُوسِ.
وكانَ مِن أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّ قَوْمَهُ، لَمّا أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ، وتَمادَوْا عَلى العِصْيانِ، وعِبادَةِ الأوْثانِ، وطالَ عَلَيْهِ أمْرُهُمْ، شَكاهم إلى اللَّهِ تَعالى، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّهُ: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وهم ناسٌ قَلِيلٌ، فَحِينَئِذٍ دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَ السَّفِينَةَ، وصارَ قَوْمُهُ يَسْخَرُونَ مِنهُ، ويَقُولُونَ: يا نُوحُ ! قَدْ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ النُّبُوَّةِ ! فَقالَ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ (p-٢٧٦٦)عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٩] فَلَمّا فَرَغَ مِن صُنْعِ السَّفِينَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَحْمِلَ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ مِن أنْواعِ الحَيَواناتِ، حَتّى لا يَنْقَطِعَ نَسْلُها. وحَشَرَها إلَيْهِ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ولَمّا رَأى فَوَرانَ التَّنُّورِ، وكانَ هو العَلامَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى في ابْتِداءِ الطُّوفانِ، رَكِبَ الفُلْكَ هو ومَن آمَنَ مَعَهُ، وحَمَلَ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وأمَرَ اللَّهُ تَعالى السَّماءَ أنْ تُمْطِرَ. والأرْضَ أنْ تَتَفَجَّرَ عُيُونًا، وارْتَفَعَ الماءُ في هَذا الطُّوفانِ فَوْقَ رُؤُوسِ الجِبالِ، فَهَلَكَ جَمِيعُ ما عَلى الأرْضِ مِن جِنْسِ الحَيَوانِ، ولَمْ يَبْقَ حَيًّا غَيْرُ أهْلِ السَّفِينَةِ.
وفِي التَّوْراةِ: أنَّ الأمْطارَ هَطَلَتْ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً دُونَ انْقِطاعٍ، حَتّى غَمَرَتِ المِياهُ وجْهَ الأرْضِ، وعَلَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا فَوْقَ الجِبالِ الشّامِخَةِ، وهَلَكَ بِالطُّوفانِ كُلُّ جِسْمٍ حَيٍّ. ثُمَّ أرْسَلَ اللَّهُ رِيحًا عاصِفَةً، فانْقَطَعَتِ الأمْطارُ ونَقَصَتِ المِياهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وقَضى نُوحٌ سَنَةً كامِلَةً داخِلَ الفُلْكِ، وحِينَ خُرُوجِهِ مِنهُ بَنى مَذْبَحًا لِلْقَرابِينِ، شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى، وتَناسَلَتِ النّاسُ مِن أوْلادِ نُوحٍ الثَّلاثَةِ: سامٍ وحامٍ ويافِثَ. وتَوَطَّنَ سامٌ بِلادَ آسِيَةَ، وأقامَ حامٌ بِنَواحِي إفْرِيقِيَّةَ، وسَكَنَ يافِثُ الدِّيارَ الأُورُوبِّيَّةِ -واللَّهُ أعْلَمُ-.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: في الآياتِ فَوائِدُ مِنها: أنَّ نُوحًا دَعاهم أوَّلًا إلى التَّوْحِيدِ، والرَّسُولُ وإنْ حَمَلَ الشَّرائِعَ، فَلا طَرِيقَ لَهُ إلى بَيانِ الشَّرائِعِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِالتَّوْحِيدِ. ولِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ إلّا بَعْدَ اعْتِقادِ التَّوْحِيدِ، فَلِذَلِكَ بَدَأ بِهِ. وجَمِيعُ الرُّسُلِ بَدَؤُوا بِالتَّوْحِيدِ ثُمَّ بِالشَّرائِعِ، ولِذَلِكَ كانَ أكْثَرُ حِجاجِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَكَّةَ، في التَّوْحِيدِ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ أنَّهُ انْتَقَمَ لِأوْلِيائِهِ مِن أعْدائِهِ، وأنْجى رَسُولَهُ (p-٢٧٦٧)والمُؤْمِنِينَ، وأهْلَكَ أعْداءَهُمُ الكافِرِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] الآيَةَ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ، في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، والظَّفَرَ والغَلَبَ لَهُمْ، كَما أهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ بِالغَرَقِ، ونَجّى نُوحًا وأصْحابَهُ المُؤْمِنِينَ.
قالَ مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: كانَ قَوْمُ نُوحٍ قَدْ ضاقَ بِهِمُ السَّهْلُ والجَبَلُ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: ما عَذَّبَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحِ إلّا والأرْضُ مَلْأى بِهِمْ، ولَيْسَ بُقْعَةٌ مِنَ الأرْضِ إلّا ولَها مالِكٌ وحائِزٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الأعراف 7:65
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٥] ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾
﴿وإلى عادٍ﴾ " مُتَعَلِّقٍ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أرْسَلْنا﴾ [الأعراف: ٥٩] " في قِصَّةِ نُوحٍ. أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ، وهي قَبِيلَةٌ كانَتْ تَعْبُدُ الأصْنامَ، وكانَتْ ذاتَ بَسْطَةٍ وقُوَّةٍ، قَهَرُوا النّاسَ بِفَضْلِ القُوَّةِ.
قالَ الشِّهابُ: (عادٌ) اسْمُ أبِيهِمْ سُمِّيَتْ بِهِ القَبِيلَةُ أوِ الحَيُّ فَيَجُوزُ صَرْفُهُ وعَدَمُهُ، كَثَمُودَ - كَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ -.
قالَ اللَّيْثُ: وعادٌ الأُولى، هم عادُ بْنُ عادِيا بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
قالَ زُهَيْرٌ:
؎وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
(p-٢٧٦٨)وأمّا عادٌ الأخِيرَةُ فَهو بَنُو تَمِيمٍ، يَنْزِلُونَ رِمالَ عالِجَ.
وفِي (كِتابِ الأنْسابِ): عادٌ هو ابْنُ عُوصَ بْنِ إرَمِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، كانَ يَعْبُدُ القَمَرَ، ويُقالُ إنَّهُ رَأى مِن صُلْبِهِ وأوْلادِ أوْلادِهِ أرْبَعَةَ آلافٍ، وأنَّهُ نَكَحَ ألْفَ جارِيَةٍ، وكانَتْ بِلادُهم إرَمَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ، وهي مِن عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ. ومِن أوْلادِهِ شَدّادُ بْنُ عادٍ صاحِبِ المَدِينَةِ المَذْكُورَةِ، كَذا في تاجِ العَرُوسِ.
وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْمُ عادٍ كانَتْ مَنازِلُهم في الرِّمالِ وهي الأحْقافُ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الأحْقافُ رَمْلٌ فِيما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخاهم هُودًا﴾ " أيْ أخاهم في النَّسَبِ، لِأنَّهُ مِنهُمْ، في قَوْلِ النَّسّابِينَ. وقِيلَ: النّاسُ كُلُّهم إخْوَةٌ في النَّسَبِ، لِأنَّهم ولَدُ آدَمَ وحَوّاءَ، فالمُرادُ صاحِبُهُمْ، وواحِدٌ في جُمْلَتِهِمْ، (p-٢٧٦٩)كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، لِلْواحِدِ مِنهُمْ، وإنَّما أُرْسِلَ مِنهُمْ، لِأنَّهم أفْهَمُ لِقَوْلِهِ مِن قَوْلِ غَيْرِهِ، وأعْرَفُ بِحالِهِ في صِدْقِهِ وأمانَتِهِ وشَرَفِ أصْلِهِ، وأرْغَبُ في اقْتِفائِهِ.
قالَ الشِّهابُ: اشْتُهِرَ أنَّ هُودًا عَرَبِيٌّ، وظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ويَشْهَدُ لَهُ ما قِيلَ: إنَّ أوَّلَ العَرَبِ يَعْرُبُ. انْتَهى.
وهُودٌ هو -عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ابْنُ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. ويُقالُ غَيْرُ ذَلِكَ -واللَّهُ أعْلَمُ-.
ورَوى ابْنُ إسْحاقَ بْنِ عامِرِ بْنِ واثِلَةَ، قالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ لِرَجُلٍ مِن حَضْرَمَوْتَ: هَلْ رَأيْتَ كَثِيبًا أحْمَرَ يُخالِطُهُ مَدَرَةٌ حَمْراءُ، ذا أراكٍ وسِدْرٍ كَثِيرٍ، بِناحِيَةِ كَذا وكَذا، مِن أرْضِ حَضْرَمَوْتَ، هَلْ رَأيْتَهُ؟ قالَ: نَعَمْ، يا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ! واللَّهُ إنَّكَ لَتَنْعَتُهُ نَعْتَ رَجُلٍ قَدْ رَآهُ ! قالَ: لا، ولَكِنِّي قَدْ حُدِّثْتُ عَنْهُ، فَقالَ الحَضْرَمِيُّ: وما شَأْنُهُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قالَ: فِيهِ قَبْرُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ -ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ -. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا فِيهِ فائِدَةُ أنَّ مَساكِنَهم كانَتْ بِاليَمَنِ، فَإذا هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ دُفِنَ هُناكَ. وقالَ: إنَّهم كانُوا يَأْوُونَ إلى العُمُدِ في البَرِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨] وذَلِكَ لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] ولِذا دَعاهم هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، وإلى طاعَتِهِ وتَقْواهُ، كَما قالَ تَعالى. ﴿قالَ﴾ " أيْ: هُودٌ ﴿يا قَوْمِ﴾ " أيِ الَّذِينَ حَقُّهم أنْ يَكُونُوا مِثْلِي ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ " أيْ: وحْدَهُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ " أيْ: تَخافُونَ عَذابَهُ.
(p-٢٧٧٠)
الأعراف 7:66
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٦] ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾
" ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ أيْ: في خِفَّةِ حِلْمٍ، وسَخافَةِ عَقْلٍ، حَيْثُ تَهْجُرُ دِينَ قَوْمِكَ إلى دِينٍ آخَرَ، وجَعَلْتَ السَّفاهَةَ ظُرْفًا عَلى طَرِيقِ المَجازِ، أرادُوا أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ فِيها، غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْها ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ " أيْ: في ادِّعائِكَ الرِّسالَةَ، إذِ اسْتَبْعَدُوا أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ أحَدًا مِن أهْلِ الأرْضِ إلَيْهِمْ.
الأعراف 7:67
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٧] ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: إلَيْكُمْ، لِإصْلاحِ أمْرِ نَشْأتَيْكم.
الأعراف 7:68
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨] ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾
" ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ أيْ: ناصِحٌ لَكم فِيما آمُرُكم بِهِ مِن عِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، وأمِينٌ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، لا أكْذِبُ فِيهِ.
الأعراف 7:69
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٩] ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
" ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ أيْ: (p-٢٧٧١)أيّامَ اللَّهِ ولِقاءَهُ، أيْ: لا تَعْجَبُوا واحْمَدُوا اللَّهَ عَلى ذَلِكم ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أيْ: خَلَفْتُمُوهم في مَساكِنِهِمْ، أوْ في الأرْضِ بِأنْ جَعَلَكم مُلُوكًا بَعْدَهُمْ، فَإنَّ شَدّادَ بْنَ عادٍ مِمَّنْ مَلَكَ مَعْمُورَةَ الأرْضِ، مِن رَمْلِ عالِجَ إلى شِحْرِ عُمانَ - كَذا قالُوا -: ﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ " أيْ: قامَةً وقُوَّةً. ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ " أيْ: في اسْتِخْلافِكُمْ، وبَسْطَةِ أجْرامِكُمْ، وما سِواهُما مِن عَطاياهُ، لِتُخَصِّصُوهُ بِالعِبادَةِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ " أيْ تَفُوزُونَ بِالفَلاحِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في إجابَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مَن نَسَبَهم إلى الضَّلالِ والسَّفاهَةِ، بِما أجابُوهم بِهِ مِنَ الكَلامِ الصّادِرِ عَنِ الحِلْمِ والإغْضاءِ، وتَرَكَ المُقابَلَةَ بِما قالُوا لَهُمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ خُصُومَهم أضَلُّ النّاسِ وأسْفَهُهُمْ- أدَبٌ حَسَنٌ، وخُلُقٌ عَظِيمٌ. وحِكايَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ، تَعْلِيمٌ لِعِبادِهِ كَيْفَ يُخاطِبُونَ السُّفَهاءَ، وكَيْفَ يَغُضُّونَ عَنْهم ويَسْبُلُونَ أذْيالَهُمْ، عَلى ما يَكُونُ مِنهُمُ. انْتَهى.
وزادَ القاضِي: إنَّ في ذَلِكَ كَمالَ النُّصْحِ والشَّفَقَةِ، وهَضْمَ النَّفْسِ وحُسْنَ المُجادَلَةِ قالَ: وهَكَذا يَنْبَغِي لِكُلِّ ناصِحٍ. انْتَهى.
الثّانِي: لا يَعْتَمِدُ عَلى ما يَذْكُرُهُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ المُولَعِينَ بِنَقْلِ الغَرائِبِ، بِدُونِ وضْعِها عَلى مِحَكِّ النَّظَرِ والنَّقْدِ، مِنَ المُبالَغَةِ في طُولِ قَوْمِ عادٍ، وضَخامَةِ أجْسامِهِمْ، وأنَّ أطْوَلَهم كانَ مِائَةَ ذِراعٍ، وأقْصَرَهم كانَ سِتِّينَ ذِراعًا، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ ولا نَقْلِيٌّ، وهو وهْمٌ.
وأمّا قَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُخاطِبًا لِقَوْمِ عادٍ: ﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى ما أرادُوا، وإنَّما يَدُلُّ عَلى عِظَمِ أجْسامِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وشِدَّتِها. وهَذا مِنَ الأُمُورِ المُعْتادَةِ، فَإنَّ الأُمَمَ لَيْسَتْ مُتَساوِيَةً في ضَخامَةِ الجِسْمِ وطُولِهِ وقُوَّتِهِ، بَلْ تَتَفاوَتُ لَكِنَّ تَفاوُتًا قَرِيبًا.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ أجْسامَ مَن سَلَفَ كَأجْسامِنا، لا تَتَفاوَتُ عَنْها تَفاوُتًا كَبِيرًا، مَساكِنُ ثَمُودَ (p-٢٧٧٢)قَوْمِ صالِحٍ الباقِيَةُ، وآثارُهُمُ البادِيَةُ، ومِثْلُهُ، بَلْ أعْرَقُ مِنهُ في الوَهْمِ، ما يَنْقُلُونَهُ في وصْفِ عِوَجِ بْنِ عُنُقِ الجَبّارِ مَلِكِ بِيسانَ، مِن أنَّهُ كانَ يَحْتَجِزُ بِالسَّحابِ ويَشْرَبُ مِنهُ مِن طُولِهِ، ويَتَناوَلُ الحُوتَ مِن قَرارِ البَحْرِ، فَيَشْوِيهِ بِعَيْنِ الشَّمْسِ، يَرْفَعُهُ إلَيْها. والحالُ أنَّ الشَّمْسَ كَوْكَبٌ لا مِزاجَ لَهُ مِن حَرٍّ أوْ بَرْدٍ، وإنَّما حَرارَتُها مِنِ انْعِكاسِ شُعاعِها، بِمُقابَلَةِ سَطْحِ الأرْضِ والهَواءِ، فَشِدَّةُ حَرارَتِها في الأرْضِ، وتَتَناقُصُ الحَرارَةِ فِيما عَلا عَنْها بِمِقْدارِ الِارْتِفاعِ.
وقَدْ أنْكَرَ العَلّامَةُ ابْنُ خَلْدُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ في (مُقَدِّمَةِ تارِيخِهِ)، وأبانَ أنَّ الَّذِي أدْخَلَ الوَهْمَ عَلى النّاسِ في طُولِ الأقْدَمِينَ هو ما يُشاهِدُونَهُ مِن بَعْضِ آثارِهِمُ الجِسْمِيَّةِ، ومَصانِعِهِمُ العَظِيمَةِ، كَأهْرامِ مِصْرَ وإيوانِ كِسْرى، فَيَتَخَيَّلُونَ لِأصْحابِها أجْسامًا تُناسِبُ ذَلِكَ.
والحالُ أنَّ عِظَمَ هَذِهِ المَصانِعِ والآثارِ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ ناشِئٌ عَنْ عِظَمِ ذَواتِها، واتِّساعِ مَمالِكِها، وقُوَّةِ شَوْكَتِها، ونَماءِ ثَرْوَتِها، واسْتِعانَتِها بِالماهِرِينَ في فَنِّ جَرِّ الأثْقالِ، فَإنَّهُ يَقُومُ بِحَمْلِ ما تَعْجِزُ القُوى البَشَرِيَّةُ عَنْ عُشْرِ مِعْشارِهِ. وأنْكَرَ أيْضًا ما يَنْقُلُونَ مِن قِصَّةِ جَنَّةِ عادٍ، وأنَّها مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ قُصُورُها مِنَ الذَّهَبِ، وأساطِينُها مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ، وفِيها أصْنافُ الشَّجَرِ والأنْهارِ المُطَّرِدَةِ، وأنَّها بُنِيَتْ في مُدَّةِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ في صَحارى عَدَنَ، بَناها شَدّادُ بْنُ عادٍ حَيْثُ سَمِعَ وصْفَ الجَنَّةِ. وأنَّها لَمّا تَمَّ بِناؤُها، أرْسَلَ اللَّهُ عَلى أهْلِها صَيْحَةً، فَهَلَكُوا كُلُّهُمْ، وأنَّ اسْمَها (إرَمُ ذاتُ العِمادِ)، وأنَّها المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨] ويَزْعُمُونَ أنَّها لَمْ تَزَلْ باقِيَةً في بِلادِ اليَمَنِ، وإنَّما حُجِبَتْ عَنِ الأبْصارِ. وحَيْثُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يُرْوَ عَنِ الصّادِقِ الأمِينِ فَلا نُعَوِّلُ عَلَيْهِ، ولا نَلْتَفِتُ إلَيْهِ، وأغْلَبُ المُولَعِينَ بِنَقْلِ مِثْلِ هَذِهِ الغَرائِبِ المُصَنَّعَةِ، هُمُ المُؤَرِّخُونَ الَّذِينَ يَعْتَمِدُونَ عَلى أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ ويُقَلِّدُونَهم مِن غَيْرِ بُرْهانٍ ودَلِيلٍ، واللَّهُ الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ -كَذا أفادَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ-.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ تَمَرُّدِ عادٍ وطُغْيانِهِمْ وإنْكارِهِمْ عَلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
(p-٢٧٧٣)
الأعراف 7:70
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٠] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ " أيْ: لِنَخُصَّهُ بِالعِبادَةِ ﴿ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ " أيْ مِنَ العَذابِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] " . ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ " أيْ: في الإخْبارِ بِنُزُولِ العَذابِ.
الأعراف 7:71
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧١] ﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَـزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾
" ﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ﴾ أيْ عَذابٌ، والرِّجْسُ والرِّجْزُ بِمَعْنًى، حَتّى قِيلَ إنَّ أحَدَهُما مُبْدَلٌ مِنَ الآخَرِ، كالأسْدِ والأزْدِ. وأصْلُ مَعْناهُ الِاضْطِرابُ، يُقالُ: رَجَسَتِ السَّماءُ: رَعَدَتْ شَدِيدًا وتَمَخَّضَتْ، وهم في مَرْجُوسَةٍ مِن أمْرِهِمْ، أيْ في اخْتِلاطٍ والتِباسٍ، ثُمَّ شاعَ في العَذابِ لِاضْطِرابِ مَن حَلَّ بِهِ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الرِّجْسَ بِمَعْنى العَذابِ مَجازٌ، قالَ: لِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في الشَّيْءِ القَذِرِ، فاسْتُعِيرَ لِجَزائِهِمْ. وظاهِرُ اللُّغَةِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ بِالماضِي عَمّا سَيَقَعُ، تَنْزِيلُ المُتَوَقَّعِ كالواقِعِ كَما فِي: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] ﴿وغَضَبٌ﴾ " أيْ سُخْطٌ لِإشْراكِكم مَعَهُ مَن هو في غايَةِ النَّقْصِ، في أعْلى كَمالاتِهِ الَّتِي هي الإلَهِيَّةُ. ﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ أيْ في أشْياءَ ما هي إلّا أسْماءٌ ولَيْسَ تَحْتَها مُسَمَّياتٌ، (p-٢٧٧٤)لِأنَّكم تُسَمُّونَها آلِهَةً، ومَعْنى الإلَهِيَّةِ فِيها مَعْدُومٌ ومُحالٌ وُجُودُهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢] -كَذا في الكَشّافِ-.
قالَ الشِّهابُ: جَعَلَ الأسْماءَ عِبارَةً عَنِ الأصْنامِ الباطِلَةِ، كَما يُقالُ لِما لا يَلِيقُ: ما هو إلّا مُجَرَّدُ اسْمٍ، فالمَعْنى: أتُجادِلُونَنِي في مُسَمَّياتٍ لَها أسْماءٌ لا تَلِيقُ بِها، فَتَوَجَّهَ الذَّمُّ لِلتَّسْمِيَةِ الخالِيَةِ عَنِ المَعْنى. والضَّمِيرُ حِينَئِذٍ راجِعٌ لِ(أسْماءٍ) وهي المَفْعُولُ الأوَّلُ لِلتَّسْمِيَةِ، والثّانِي آلِهَةٌ، ولَوْ عَكَسَ لَزِمَ الِاسْتِخْدامُ –انْتَهى-.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَـزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ ودَلِيلٍ عَلى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ، لِأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْمَعْبُودِيَّةِ بِالذّاتِ لَيْسَ إلّا مَن أوْجَدَ الكُلَّ، وإنَّها لَوِ اسْتَحَقَّتْ لَكانَ ذَلِكَ بِجَعْلِهِ تَعالى، إمّا بِإنْزالِ آيَةٍ أوْ نَصْبِ حُجَّةٍ وكِلاهُما مُسْتَحِيلٌ، فَتَحَقَّقَ بُطْلانُ ما هم عَلَيْهِ.
قالَ الجَشْمِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، حِينَ ذَمَّهم بِسُلُوكِ طَرِيقَةِ آبائِهِمْ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ المَعارِفَ مُكْتَسَبَةٌ، وتَدُلُّ عَلى بُطْلانِ كُلِّ مَذْهَبٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. ويَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿أتُجادِلُونَنِي﴾ " عَلى أنَّ المُبْطِلَ مَذْمُومٌ في جِدالِهِ، والواجِبُ عَلَيْهِ النَّظَرُ لِيَعْرِفَ الحَقَّ. انْتَهى.
وقالَ القاضِي: بَيَّنَ تَعالى أنَّ مُنْتَهى حُجَّتِهِمْ وسَنَدِهِمْ، أنَّ الأصْنامَ تُسَمّى آلِهَةً مِن غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ المُسَمّى، وإسْنادَ الإطْلاقِ إلى مَن لا يُؤْبَهُ بِقَوْلِهِ، إظْهارًا لِغايَةِ جَهالَتِهِمْ، وفَرْطِ غَباوَتِهِمْ.
﴿فانْتَظِرُوا﴾ " أيْ: نُزُولَ العَذابِ الَّذِي طَلَبْتُمُوهُ بِقَوْلِكم ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] "، لِأنَّهُ وضَّحَ الحَقَّ، وأنْتُمْ مُصِرُّونَ عَلى العِنادِ. ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ " أيْ: لِما يَحِلُّ بِكم.
قالَ المَهايِمِيُّ: جاءَ مُنْتَظَرُهم بِحَيْثُ لا يَنْجُو مِنهُ بِمَجْرى العادَةِ أحَدٌ، وجُعِلَ مِن قَبِيلِ الرِّيحِ الَّتِي تَتَقَدَّمُ الأمْطارَ، لِكُفْرِهِمْ بِرِياحِ الإرْسالِ.
(p-٢٧٧٥)
الأعراف 7:72
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢] ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾
﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ " أيْ: مَن آمَنَ بِهِ، عَلى خَرْقِ العادَةِ ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ " لِيَدُلَّ عَلى رَحْمَتِنا عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ﴿وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيِ اسْتَأْصَلْناهم. قالَ الشِّهابُ: قَطْعُ الدّابِرِ، كِنايَةٌ عَنْ الِاسْتِئْصالِ إلى إهْلاكِ الجَمِيعِ، لِأنَّ المُعْتادَ في الآفَةِ إذا أصابَتِ الآخَرَ أنْ تَمُرَّ عَلى غَيْرِهِ، والشَّيْءُ إذا امْتَدَّ أصْلُهُ أُخِذَ بِرُمَّتِهِ، والدّابِرُ بِمَعْنى الآخِرِ. ﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ " عَطْفٌ عَلى " كَذَّبُوا " داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ " مَعَ إثْباتِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: هو تَعْرِيضٌ بِمَن آمَنَ مِنهُمْ، كَمَرْثَدِ بْنِ سَعْدٍ، ومَن نَجا مَعَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قالَ: وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا مِنهُمْ، ولَمْ يَكُونُوا مِثْلَ مَن آمَنَ مِنهُمْ، لِيُؤْذِنَ أنَّ الهَلاكَ خَصَّ المُكَذِّبِينَ، ونَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ. انْتَهى.
قالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي إذا سَمِعَ المُؤْمِنُ أنَّ الهَلاكَ اخْتَصَّ بِالمُكَذِّبِينَ، وعَلِمَ أنَّ سَبَبَ النَّجاةِ هو الإيمانُ لا غَيْرُ، تَزِيدُ رَغْبَتُهُ فِيهِ، ويَعْظُمُ قَدْرُهُ عِنْدَهُ. انْتَهى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ صِفَةَ إهْلاكِهِمْ في أماكِنَ أُخَرَ مِنَ القُرْآنِ بِأنَّهُ أرْسَلَ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ: ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] لَمّا تَمَرَّدُوا وعَتَوْا، أهْلَكَمُ اللَّهُ بِرِيحٍ عاتِيَةٍ، فَكانَتْ تَحْمِلُ الرَّجُلَ (p-٢٧٧٦)مِنهُمْ، فَتَرْفَعُهُ في الهَواءِ ثُمَّ تُنَكِّسُهُ عَلى أُمِّ رَأْسِهِ فَتَثْلَعُ رَأْسَهُ حَتّى تُبِينَهُ مِن جُثَّتِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَتْ مَنازِلُ عادٍ وجَماعَتِهِمْ، حِينَ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ هُودًا، الأحْقافَ قالَ: و(الأحْقافُ) الرَّمْلُ، فِيما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، فاليَمَنُ كُلُّهُ.
وكانُوا مَعَ ذَلِكَ قَدْ فَشَوْا في الأرْضِ كُلِّها، وقَهَرُوا أهْلَها بِفَضْلِ قُوَّتِهِمُ الَّتِي آتاهُمُ اللَّهُ، وكانُوا أصْحابَ أوْثانٍ يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ: صَنَمٌ يُقالُ لَهُ (صُداءُ)، وصَنَمٌ يُقالُ لَهُ (صَمُودُ) وصَنَمٌ يُقالُ لَهُ (الهَباءُ): فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ هُودًا، وهو مِن أوْسَطِهِمْ نَسَبًا وأفْضَلِهِمْ مَوْضِعًا، فَأمَرَهم أنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ ولا يَجْعَلُوا مَعَهُ إلَهًا غَيْرَهُ، وأنْ يَكُفُّوا عَنْ ظُلْمِ النّاسِ. لَمْ يَأْمُرْهم فِيما يُذْكَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ، بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَأبَوْا عَلَيْهِ وكَذَّبُوهُ، وقالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] " .
واتَّبَعَهُ مِنهم ناسٌ، وهم يَسِيرٌ مُكْتَتِمُونَ بِإيمانِهِمْ. وكانَ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ رَجُلٌ مِن عادٍ يُقالُ لَهُ (مَرْثَدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُفَيْرٍ)، وكانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ. فَلَمّا عَتَوْا عَلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى وكَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ، وأكْثَرُوا في الأرْضِ الفَسادَ، وتَجَبَّرُوا وبَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً عَبَثًا بِغَيْرِ نَفْعٍ، كَلَّمَهم هُودٌ فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١]
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] أيْ: ما هَذا الَّذِي جِئْتَنا بِهِ إلّا جُنُونٌ (p-٢٧٧٧)أصابَكَ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِنا هَذِهِ الَّتِي تَعِيبُ ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٤] ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]
فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ، أمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ مِنَ السَّماءِ ثَلاثَ سِنِينَ، فِيما يَزْعُمُونَ- حَتّى جَهَدَهم ذَلِكَ.
وكانَ النّاسُ في ذَلِكَ الزَّمانِ إذا نَزَلَ بِهِمْ بَلاءٌ أوْ جُهْدٌ، فَطَلَبُوا إلى اللَّهِ الفَرَجَ مِنهُ، كانَتْ طُلْبَتُهم إلى اللَّهِ عِنْدَ بَيْتِهِ الحَرامِ بِمَكَّةَ، مُسْلِمُهم ومُشْرِكُهُمْ، فَيَجْتَمِعُ بِمَكَّةَ ناسٌ كَثِيرٌ شَتّى مُخْتَلِفَةٌ أدْيانُهُمْ، وكُلُّهم مُعَظِّمٌ لِمَكَّةَ، يَعْرِفُ حُرْمَتَها ومَكانَها مِنَ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ البَيْتُ في ذَلِكَ الزَّمانِ مَعْرُوفًا مَكانُهُ، والحَرَمُ قائِمٌ فِيما يَذْكُرُونَ، وأهْلُ مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ العَمالِيقُ، وإنَّما سُمُّوا العَمالِيقَ، لِأنَّ أباهم (عَمْلِيقُ بْنُ لاوَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ)، وكانَ سَيِّدُ العَمالِيقِ إذْ ذاكَ بِمَكَّةَ، فِيما يَزْعُمُونَ، رَجُلًا يُقالُ لَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ بَكْرٍ، وكانَ أبُوهُ حَيًّا في ذَلِكَ الزَّمانِ، ولَكِنَّهُ كانَ قَدْ كَبُرَ، وكانَ ابْنُهُ يَرْأسُ قَوْمَهُ، وكانَ السُّؤْدُدُ والشَّرَفُ مِنَ العَمالِيقِ فِيما يَزْعُمُونَ، في أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ.
وكانَتْ أُمُّ مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ، كَلَهْدَةَ ابْنَةَ الخَبِيرِيِّ، رَجُلٌ مِن عادٍ، فَلَمّا قَحَطَ المَطَرُ عَنْ عادٍ وجُهِدُوا قالُوا: جَهِّزُوا مِنكم وفْدًا إلى مَكَّةَ فَلْيَسْتَسْقُوا لَكُمْ، فَإنَّكم قَدْ هَلَكْتُمْ ! فَبَعَثُوا قَيْلَ بْنَ عَنْزٍ ولَقِيمَ بْنَ هَزّالِ بْنِ هَزِيلٍ، وعَتِيلَ بْنَ صُدَّ بْنِ عادٍ الأكْبَرِ، ومَرْثَدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُفَيْرٍ، وكانَ مُسْلِمًا يَكْتُمُ إسْلامَهُ، وجُلْهُمَةُ بْنُ الخَبِيرِيِّ، خالُ مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ أخُو أُمِّهِ.
(p-٢٧٧٨)ثُمَّ بَعَثُوا لُقْمانَ بْنَ عادِ بْنِ فُلانِ بْنِ فُلانِ بْنِ صُدَّ بْنِ عادٍ الأكْبَرِ. فانْطَلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَعَهُ رَهْطٌ مِن قَوْمِهِ، حَتّى بَلَغَ عِدَّةُ وفْدِهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا. فَلَمّا قَدِمُوا مَكَّةَ نَزَلُوا عَلى مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ وهو بِظاهِرِ مَكَّةَ خارِجًا مِنَ الحَرَمِ، فَأنْزَلَهم وأكْرَمَهم. وكانُوا أخْوالَهُ وصِهْرَهُ.
فَلَمّا نَزَلَ وفْدُ عادٍ عَلى مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ، أقامُوا عِنْدَهُ شَهْرًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، وتُغَنِّيهُمُ الجَرادَتانِ -قَيْنَتانِ لِمُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ - وكانَ مَسِيرُهم شَهْرًا ومَقامُهم شَهْرًا.
فَلَمّا رَأى مُعاوِيَةُ بْنُ بَكْرٍ طُولَ مَقامِهِمْ، وقَدْ بَعَثَهم قَوْمُهم يَتَعَوَّذُونَ بِهِمْ مِنَ البَلاءِ الَّذِي أصابَهُمْ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقالَ: هَلَكَ أخْوالِي وأصْهارِي ! وهَؤُلاءِ مُقِيمُونَ عِنْدِي، وهم ضَيْفِي نازِلُونَ عَلَيَّ ! واللَّهِ ما أدْرِي كَيْفَ أصْنَعُ بِهِمْ؟ أسْتَحِي أنْ آمُرَهم بِالخُرُوجِ إلى ما بُعِثُوا لَهُ فَيَظُنُّوا أنَّهُ ضِيقٌ مِنِّي بِمَقامِهِمْ عِنْدِي، وقَدْ هَلَكَ مَن وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ جَهْدًا وعَطَشًا ! أوْ كَما قالَ:
فَشَكا ذَلِكَ مِن أمْرِهِمْ إلى قَيْنَتَيْهِ الجَرادَتَيْنِ، فَقالَتا: قُلْ شِعْرًا نُغَنِّيهِمْ بِهِ، لا يَدْرُونَ مَن قالَهُ، لَعَلَّ ذَلِكَ أنْ يُحَرِّكَهم !.
فَقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ بَكْرٍ، حِينَ أشارَتا عَلَيْهِ بِذَلِكَ:
؎ألا يا قَيْلَ، ويْحَكَ ! قُمْ فَهَيْنِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يُصْبِحُنا غَمامًا
؎فَيَسْقِي أرْضَ عادٍ، إنَّ عادًا ∗∗∗ قَدْ أمْسَوْا لا يُبِينُونَ الكَلاما
؎مِنَ العَطَشِ الشَّدِيدِ، فَلَيْسَ نَرْجُو ∗∗∗ بِهِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ ولا الغُلامَ
؎وقَدْ كانَتْ نِساؤُهم بِخَيْرٍ ∗∗∗ فَقَدْ أمْسَتْ نِساؤُهم عَيامى
؎(p-٢٧٧٩)وإنَّ الوَحْشَ تَأْتِيهِمْ جِهارًا ∗∗∗ ولا تَخْشى لِعادِيِّ سِهاما
؎وأنْتُمْ ها هُنا فِيما اشْتَهَيْتُمْ ∗∗∗ نَهارَكم ولَيْلَكُمُ التَّماما
؎فَقُبِّحَ وفْدُكم مِن وفْدِ قَوْمٍ ∗∗∗ ولا لُقُّوا التَّحِيَّةَ والسَّلاما
فَلَمّا قالَ مُعاوِيَةُ ذَلِكَ الشِّعْرَ، غَنَّتْهم بِهِ الجَرادَتانِ، فَلَمّا سَمِعَ القَوْمُ ما غَنَّتا بِهِ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: يا قَوْمُ، إنَّما بَعَثَكم قَوْمُكم يَتَعَوَّذُونَ بِكم مِن هَذا البَلاءِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وقَدْ أبْطَأْتُمْ عَلَيْهِمْ ! فادْخُلُوا هَذا الحَرَمَ واسْتَسْقُوا لِقَوْمِكم !.
فَقالَ لَهم مَرْثَدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُفَيْرٍ: إنَّكم واللَّهِ لا تُسْقَوْنَ بِدُعائِكُمْ، ولَكِنْ إنْ أطَعْتُمْ نَبِيَّكم وأنَبْتُمْ إلَيْهِ سُقِيتُمْ ! فَأظْهَرَ إسْلامَهُ عِنْدَ ذَلِكَ. فَقالَ لَهم جُلْهُمَةُ بْنُ الخَبِيرِيِّ خالُ مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ، حِينَ سَمِعَ قَوْلَهُ، وعَرَفَ أنَّهُ قَدِ اتَّبَعَ دِينَ هُودٍ وآمَنَ بِهِ:
؎أبا سَعْدٍ فَإنَّكَ مِن قَبِيلِ ∗∗∗ ذَوِي كَرَمٍ وأُمُّكَ مِن ثَمُودَ
؎فَإنّا لَنْ نُطِيعَكَ ما بَقِينا ∗∗∗ ولَسْنا فاعِلِينَ لِما تُرِيدُ
؎أتَأْمُرُنا لِنَتْرُكَ دِينَ رِفْدٍ ∗∗∗ ورَمْلَ وآلَ صُدَّ والعُبُودِ
؎ونَتْرُكَ دِينَ آباءٍ كِرامٍ ∗∗∗ ذَوِي رَأْيٍ، ونَتْبَعَ دِينَ هُودِ
ثُمَّ قالَ لِمُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ وأبِيهِ بَكْرٍ: احْبِسا عَنّا مَرْثَدَ بْنَ سَعْدٍ، فَلا يَقْدُمَنَّ مَعَنا مَكَّةَ، فَإنَّهُ قَدِ اتَّبَعَ دِينَ هُودٍ، وتَرَكَ دِينَنا !
ثُمَّ خَرَجُوا إلى مَكَّةَ يَسْتَسْقُونَ بِها لِعادٍ، فَلَمّا ولَّوْا إلى مَكَّةَ خَرَجَ مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ مِن مَنزِلِ مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ حَتّى أدْرَكَهم بِها، قَبْلَ أنْ يَدْعُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِمّا خَرَجُوا لَهُ. فَلَمّا انْتَهى إلَيْهِمْ، قامَ يَدْعُو اللَّهَ بِمَكَّةَ، وبِها وفْدُ عادٍ قَدِ اجْتَمَعُوا يَدْعُونَ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي سُؤْلِي وحْدِي ولا تُدْخِلْنِي في شَيْءٍ مِمّا يَدْعُوكَ بِهِ وفْدُ عادٍ.
وكانَ قَيْلُ بْنُ عَنْزٍ رَأسَ وفْدِ عادٍ.
وقالَ وفْدُ عادٍ: اللَّهُمَّ أعْطِ قَيْلًا ما سَألَكَ، واجْعَلْ سُؤْلَنا مَعَ سُؤْلِهِ.
وكانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ وفْدِ عادٍ حِينَ دَعا، لُقْمانُ بْنُ عادٍ، وكانَ سَيِّدَ عادٍ.
(p-٢٧٨٠)حَتّى إذا فَرَغُوا مِن دَعْوَتِهِمْ قامَ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي جِئْتُكَ وحْدِي في حاجَتِي، فَأعْطِنِي سُؤْلِي. وقالَ قَيْلُ بْنُ عَنْزٍ حِينَ دَعا: يا إلَهَنا، إنْ كانَ هُودٌ صادِقًا فاسْقِنا، فَإنّا قَدْ هَلَكْنا. فَأنْشَأ اللَّهُ لَهم سَحائِبَ ثَلاثًا: بَيْضاءُ وحَمْراءُ وسَوْداءُ، ثُمَّ ناداهُ مُنادٍ مِنَ السَّحابِ: يا قَيْلُ ! اخْتَرْ لِنَفْسِكَ ولِقَوْمِكَ مِن هَذِهِ السَّحائِبِ. فَقالَ: اخْتَرْتُ السَّحابَةَ السَّوْداءَ، فَإنَّها أكْثَرُ السَّحابِ ماءً. فَناداهُ مُنادٍ: اخْتَرْتَ رَمادًا رِمْدِدًا، لا تُبْقِي مِن آلِ عادٍ أحَدًا، لا والِدًا تَتْرُكُ ولا ولَدًا، إلّا جَعَلَتْهُ هَمَدًا إلّا بَنِي اللُّوذِيَّةِ المُهَدّى - وبَنُو اللُّوذِيَّةِ، بَنُو لَقِيمَ بْنِ هَزّالِ بْنِ هَزِيلَةَ بْنِ بَكْرٍ، وكانُوا سُكّانًا بِمَكَّةَ مَعَ أخْوالِهِمْ، ولَمْ يَكُونُوا مَعَ عادٍ بِأرْضِهِمْ، فَهم عادٌ الآخِرَةُ، ومَن كانَ مِن نَسْلِهِمُ الَّذِينَ بَقُوا مِن عادٍ - وساقَ اللَّهُ السَّحابَةَ السَّوْداءَ، فِيما يَذْكُرُونَ، الَّتِي اخْتارَها قَيْلُ بْنُ عَنْزٍ بِما فِيها مِنَ النِّقْمَةِ إلى عادٍ، حَتّى خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ يُقالُ لَهُ (المُغِيثُ).
فَلَمّا رَأوْها اسْتَبْشَرُوا بِها وقالُوا: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤] يَقُولُ اللَّهُ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] أيْ كُلَّ شَيْءٍ أُمِرَتْ بِهِ.
وكانَ أوَّلُ مَن أبْصَرَ ما فِيها وعَرَفَ أنَّها رِيحٌ، فِيما يَذْكُرُونَ، امْرَأةٌ مِن عادٍ يُقالُ لَها (مَهْدَدُ)، فَلَمّا تَيَقَّنَتْ ما فِيها صاحَتْ ثُمَّ صَعِقَتْ. فَلَمّا أفاقَتْ قالُوا: ماذا رَأيْتِ يا مَهْدَدُ ؟ قالَتْ: رَأيْتُ رِيحًا فِيها، كَشُهُبِ النّارِ، أمامَها رِجالٌ يَقُودُونَها !
فَ " سَخَّرَها " اللَّهُ ﴿عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] "، كَما قالَ اللَّهُ -والحُسُومُ الدّائِمَةُ- (p-٢٧٨١)فَلَمْ تَدَعْ مِن عادٍ أحَدًا إلّا هَلَكَ. فاعْتَزَلَ هُودٌ، فِيما ذُكِرَ لِي، ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ في حَظِيرَةٍ، ما يُصِيبُهُ ومَن مَعَهُ مِنَ الرِّيحِ، إلّا ما تَلِينُ عَلَيْهِ الجُلُودُ وتَلَذُّ الأنْفُسُ.
وإنَّها لَتَمُرُّ عَلى عادٍ بِالظَّعْنِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وتَدْمَغُهم بِالحِجارَةِ. وخَرَجَ وفْدُ عادٍ مِن مَكَّةَ حَتّى مَرُّوا بِمُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ وأبِيهِ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ.
فَبَيْنَما هم عِنْدَهُ، إذْ أقْبَلَ رَجُلٌ عَلى ناقَةٍ لَهُ في لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، مُمْسى ثالِثَةٍ في مُصابِ عادٍ، فَأخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، فَقالُوا لَهُ: أيْنَ فارَقْتَ هُودًا وأصْحابَهُ؟ قالَ: فارَقْتُهم بِساحِلِ البَحْرِ.
فَكَأنَّهم شَكُّوا فِيما حَدَّثَهم بِهِ، فَقالَتْ هَزِيلَةُ بِنْتُ بَكْرٍ: صَدَقَ، ورَبِّ الكَعْبَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو سِياقٌ غَرِيبٌ، فِيهِ فَوائِدُ كَثِيرَةٌ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨]
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي وائِلٍ، عَنِ الحارِثِ البَكْرِيِّ «قالَ: خَرَجْتُ أشْكُو العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ، فَإذا بِعَجُوزٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ مُنْقَطَعٌ بِها، فَقالَتْ لِي: يا عَبْدَ اللَّهِ ! إنَّ لِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حاجَةً، فَهَلْ أنْتَ مُبَلِّغِي إلَيْهِ؟ قالَ: فَحَمَلْتُها، فَأتَيْتُ المَدِينَةَ. فَإذا المَسْجِدُ غاصٌّ بِأهْلِهِ، وإذا رايَةٌ سَوْداءُ تَخْفِقُ، وإذا بِلالٌ مُتَقَلِّدٌ السَّيْفَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: ما شَأْنُ النّاسِ؟ قالُوا: يُرِيدُ أنْ يَبْعَثَ عَمْرَو بْنَ العاصِ وجْهًا، فَجَلَسْتُ، فَدَخَلَ مَنزِلَهُ - أوْ قالَ رَحْلَهُ - فاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَأذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ، فَقالَ: هَلْ كانَ بَيْنَكم وبَيْنَ تَمِيمٍ شَيْءٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ وكانَتْ لَنا الدَّبْرَةُ عَلَيْهِمْ، ومَرَرْتُ بِعَجُوزٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ مُنْقَطَعٌ بِها، فَسَألَتْنِي أنْ أحْمِلَها إلَيْكَ، وها هي بِالبابِ، فَأذِنَ لَها، فَدَخَلَتْ. فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنْ رَأيْتَ أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَ تَمِيمٍ حاجِزًا، فاجْعَلِ الدَّهْنا. فَحَمِيَتِ العَجُوزُ واسْتَوْفَزَتْ، وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! فَإلى أيْنَ تَضْطَرُّ (p-٢٧٨٢)مُضِرَّكَ؟ قالَ قُلْتُ: إنَّ مَثَلِي مِثْلُ ما قالَ الأوَّلُ: (مَعْزاءُ حَمَلَتْ حَتْفَها)، حَمَلْتُ هَذِهِ ولا أشْعُرُ أنَّها كانَتْ لِي خَصْمًا. أعُوذُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ أنْ أكُونَ كَوافِدِ عادٍ ! قالَ هِيهِ، وما وافِدُ عادٍ ؟ وهو أعْلَمُ بِالحَدِيثِ مِنهُ، ولَكِنْ يَسْتَطْعِمُهُ، قُلْتُ: إنَّ عادًا قَحَطُوا فَبَعَثُوا وافِدًا لَهم يُقالُ لَهُ قَيْلُ، فَمَرَّ بِمُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ فَأقامَ عِنْدَهُ شَهْرًا يَسْقِيهِ الخَمْرَ، وتُغَنِّيهِ جارِيَتانِ يُقالُ لَهُما الجَرادَتانِ، فَلَمّا مَضى الشَّهْرُ، خَرَجَ جِبالَ تِهامَةَ فَنادى: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنِّي لَمْ أجِئْ إلى مَرِيضٍ فَأُداوِيهِ، ولا إلى أسِيرٍ فَأُفادِيهِ، اللَّهُمَّ اسْقِ عادًا ما كُنْتَ تَسْقِيهِ ! فَمَرَّتْ بِهِ سَحاباتٌ سُودٌ، فَنُودِيَ مِنها: اخْتَرْ، فَأوْمَأ إلى سَحابَةٍ مِنها سَوْداءَ، فَنُودِيَ مِنها: خُذْها رَمادًا رِمْدِدًا، لا تُبْقِي مِن عادٍ أحَدًا. قالَ: فَما بَلَغَنِي أنَّهُ بُعِثَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرُ ما يَجْرِي في خاتَمِي هَذا، حَتّى هَلَكُوا. قالَ أبُو وائِلٍ: وصَدَقَ. قالَ: فَكانَتِ المَرْأةُ والرَّجُلُ إذا بَعَثُوا وافِدًا لَهم قالُوا: لا تَكُنْ كَوافِدِ عادٍ» - هَكَذا رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ، ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ -.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الأعراف 7:73
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٣] ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
﴿وإلى ثَمُودَ﴾ " أيْ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ، وهي قَبِيلَةٌ أُخْرى مِنَ العَرَبِ سُمُّوا بِاسْمِ جَدِّهِمْ ثَمُودَ بْنِ عامِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وهو أخُو جَدِيسَ بْنِ عابِرٍ. وكَذَلِكَ قَبِيلَةُ طَسْمَ، كُلُّ هَؤُلاءِ كانُوا أحْياءً مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ، قَبْلَ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وكانَتْ ثَمُودُ بَعْدَ عادٍ، (p-٢٧٨٣)ومَساكِنُهم مَشْهُورَةٌ فِيما بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ إلى وادِي القُرى وما حَوْلَهُ. وقَدْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى دِيارِهِمْ وهو ذاهِبٌ إلى تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ -نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ -.
وثَمُودُ كَصَبُورٍ، وتُضَمُّ ثاؤُهُ، وقُرِئَ بِهِ أيْضًا، وقُرِئَ بِصَرْفِهِ ومَنعِهِ، أمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ اسْمُ القَبِيلَةِ، فَفِيهِ العَلَمِيَّةُ والتَّأْنِيثُ. وأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ اسْمٌ لِلْحَيِّ، أوْ لِأنَّهُ لَما كانَ اسْمَها الجَدَّ أوِ القَلِيلَ مِنَ الماءِ كانَ مَصْرُوفًا، لِأنَّهُ عَلَمٌ مُذَكَّرٌ، أوِ اسْمُ جِنْسٍ، فَبَعْدَ النَّقْلِ حُكِيَ أصْلُهُ. كَذا في (العِنايَةِ).
﴿أخاهم صالِحًا﴾ " هو -عَلى ما قالَهُ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ والنَّسَبِ-: ابْنُ عَبِيدِ بْنِ آسَفَ بْنِ ماسِحِ بْنِ عَبِيدِ بْنِ حاذِرَ بْنِ ثَمُودَ: ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ دَعاهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما يَدْعُو بِهِ الرُّسُلُ أجْمَعُونَ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقالَ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ حُجَّةٌ ظاهِرَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ أيْ خَلَقَها حُجَّةً وعَلامَةً عَلى رِسالَتِي، وأضافَها إلَيْهِ تَفْضِيلًا وتَخْصِيصًا كَ (بَيْتِ اللَّهِ)، أوْ لِأنَّهُ لا مالِكَ لَها غَيْرُهُ تَعالى، أوْ لِأنَّها حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ في أنَّهُمْ، إنْ حَفِظُوها وأطْلَقُوا لَها رَعْيَها وسَقْيَها حَفِظُوا، وإنْ غَدَرُوا بِها أُهْلِكُوا، ولِذا قالَ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّتِي لا يَمْلِكُها غَيْرُهُ، العُشْبَ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ: لا تَضْرِبُوها ولا تَطْرُودُها، ولا تُرِيبُوها بِشَيْءٍ مِنَ الأذى، ولَوْ تَأذَّتْ مِنها دَوابُّكُمْ، إكْرامًا لِآيَةِ اللَّهِ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ لِجُرْأتِكم عَلى آياتِ اللَّهِ.
(p-٢٧٨٤)
الأعراف 7:74
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٤] ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
" ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ قالَ الشِّهابُ: لَمْ يَقُلْ: خُلَفاءَ عادٍ، إشارَةً إلى أنَّ بَيْنَهُما زَمانًا طَوِيلًا. ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ " أيْ: أنْزَلَكم في أرْضِ الحِجْرِ. والمَباءَةُ المَنزِلُ. ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾ " أيْ: تَبْنُونَ في سُهُولِها قُصُورًا لِتَسْكُنُوها أيّامَ الصَّيْفِ. فَ(مَن) بِمَعْنى (فِي)، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أوْ هي ابْتِدائِيَّةٌ، أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: تَعْمَلُونَ القُصُورَ مِن مادَّةٍ مَأْخُوذَةٍ مِنَ السَّهْلِ وهي الطِّينُ. والسَّهْلُ خِلافُ الحَزْنِ، وهو مَوْضِعُ الحِجارَةِ والجِبالِ: ﴿وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا﴾ أيْ: لِتَسْكُنُوها أيّامَ الشِّتاءِ. والجِبالَ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ بِتَضْمِينِ (نَحَتَ) مَعْنى (اتَّخَذَ)، أوْ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، عَلى ما جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى: والنَّحْتُ مَعْرُوفٌ في كُلِّ صُلْبٍ، ومُضارِعُهُ مَكْسُورُ الحاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَتْحِ لِحَرْفِ الحَلْقِ: وقُرِئَ تَنْحاتُونَ بِالإشْباعِ، كَيَنْباعَ، أفادَهُ الشِّهابُ.
بَحْثُ الإشْباعِ في وسَطِ الكَلِمَةِ
أقُولُ: بِهَذِهِ القِراءَةِ يُسْتَدَلُّ عَلى ثُبُوتِ الإشْباعِ في وسَطِ الكَلِمَةِ لُغَةً. ومَثَلُهُ (يَنْباعُ) المَذْكُورَةُ، وهي مِن قَوْلِ عَنْتَرَةَ:
؎يَنْباعُ مِن ذِفْرى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ
(p-٢٧٨٥)أيْ: يَنْبُعُ العَرَقُ مِن خَلْفِ أُذُنِ ناقَةٍ غَضُوبٍ، فَأشْبَعَ الفَتْحَةَ لِإقامَةِ الوَزْنِ، فَتَوَلَّدَتْ مِن إشْباعِها ألِفٌ.
ومِثْلُهُ قَوْلُنا (آمِينَ)، والأصْلُ (أمِينَ) فَأُشْبِعَتِ الفَتْحَةُ، فَتَوَلَّدَتْ مِن إشْباعِها ألِفٌ -قالَهُ الزُّوزَنِيُّ -.
(p-٢٧٨٦)ومِثْلُهُ (اسْتَكانَ) عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ افْتَعَلَ مِنَ (السُّكُونِ)، فَزِيدَتِ الألِفُ لِإشْباعِ الفَتْحَةِ كَما في (شَرْحِ الشّافِيَةِ).
ومِنهُ عَقْرابُ -قالَ في (تاجِ العَرُوسِ): سَمِعَ العَقْرابَ في اسْمِ الجِنْسِ. قالَ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ ∗∗∗ الشّائِلاتِ عُقَدَ الأذْنابِ
قالَ: وعِنْدَ أهْلِ الصَّرْفِ ألِفُ (عَقْرابٍ) لِلْإشْباعِ، لِفِقْدانِ (فَعْلالٍ) بِالفَتْحِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ أيْ نِعَمَهُ عَلَيْكم لِتَصْرِفُوها إلى ما خَلَقَها لِأجْلِهِ.
﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بِالمَعاصِي وعِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى.
الأعراف 7:75
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٥] ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾
﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ " أيْ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ ظُهُورِ آيَةِ النّاقَةِ والكَلِماتِ النّاصِحَةِ. ﴿مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ " أيِ: اسْتَضْعَفَهم رُؤَساءُ الكُفّارِ واسْتَذَلُّوهُمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْتِكْبارٌ يَمْنَعُهم مِن الِانْقِيادِ. ﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ " بَدَلٌ مِنَ " الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا " بِإعادَةِ الجارِّ، بَدَلُ الكُلِّ، إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِقَوْمِهِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِضْعافَهم كانَ مَقْصُورًا عَلى المُؤْمِنِينَ. وبَدَلُ البَعْضِ، إنْ كانَ الضَّمِيرُ " لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا " فَيَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْتَضْعَفِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: والأوَّلُ هو الوَجْهُ، إذْ لا داعِيَ إلى تَوْجِيهِ الخِطابِ أوَّلًا إلى جَمِيعِ المُسْتَضْعَفِينَ، مَعَ أنَّ المُجاوَبَةَ مَعَ المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، عَلى أنَّ الِاسْتِضْعافَ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، أيْ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَضْعَفُوهم واسْتَرْذَلُوهم ﴿أتَعْلَمُونَ﴾ " أيْ مِن آيَةِ النّاقَةِ ومِنَ الكَلِماتِ النّاصِحَةِ ﴿أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ﴾ " إلَيْكم لِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
(p-٢٧٨٧)وهَذا قالُوهُ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ بِأنَّهم عالِمُونَ بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ لَمْ يُجِيبُوهم عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، بَلْ عَدَلُوا عَنْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ عَدَلُوا عَنِ الجَوابِ المُوافِقِ لِسُؤالِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا (نَعَمْ) أوْ (إنَّهُ مُرْسَلٌ مِنهُ تَعالى)، مُسارَعَةً إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ، وإظْهارِ ما لَهم مِنَ الإيمانِ الثّابِتِ المُسْتَمِرِّ الَّذِي تُنْبِئُ عَنْهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ أمْرَ إرْسالِهِ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُسْألَ عَنْهُ، وإنَّما الحَقِيقُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ هو الإيمانُ بِهِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
فَهَذا مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وهو تَلَقِّي السّائِلِ والمُخاطَبِ بِخِلافِ ما يَتَرَقَّبُ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُسْألَ عَنْهُ.
الأعراف 7:76
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٦] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾
" ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُولُوا: إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ كافِرُونَ، إظْهارًا لِمُخالَفَتِهِمْ إيّاهُمْ، ورَدًّا لِمَقالَتِهِمْ.
قالَ في (الِانْتِصافِ): ولَوْ طابَقُوا بَيْنَ الكَلامَيْنِ لَكانَ مُقْتَضى المُطابَقَةِ أنْ يَقُولُوا: إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ كافِرُونَ، ولَكِنْ أبَوْا ذَلِكَ حَذَرًا مِمّا في ظاهِرِهِ مِن إثْباتِهِمْ لِرِسالَتِهِ، وهم يَجْحَدُونَها، وقَدْ يَصْدُرُ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] فَأثْبَتَ إرْسالَهُ تَهَكُّمًا، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ التَّهَكُّمِ، فَإنَّ الغَرَضَ إخْبارُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، المُؤْمِنِينَ والمُكَذِّبِينَ، عَنْ حالِهِ، فَلِهَذا خَلَّصَ الكافِرُونَ قَوْلَهم عَنْ إشْعارِ الإيمانِ بِالرِّسالَةِ، احْتِياطًا لِلْكُفْرِ، وغُلُوًّا في الإصْرارِ –انْتَهى- ولِذَلِكَ أنْكَرُوا آيَةَ النّاقَةِ وكَذَّبُوهُ في إصابَةِ العَذابِ عَنْ مَسِّها بِالسُّوءِ. كَما قالَ تَعالى:
(p-٢٧٨٨)
الأعراف 7:77
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧] ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ " أيْ نَحَرُوها. والعُقْرُ: الجُرْحُ، وأثَرٌ كالحَزِّ في قَوائِمِ الفَرَسِ والإبِلِ. يُقالُ: عَقَرَهُ بِالسَّيْفِ يَعْقِرُهُ بِالكَسْرِ، وعَقَّرَهُ تَعْقِيرًا، قَطَعَ قَوائِمَهُ بِالسَّيْفِ وهو قائِمٌ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: العُقْرُ عِنْدَ العَرَبِ كَشْفُ عُرْقُوبِ البَعِيرِ، ثُمَّ يَجْعَلُ النَّحْرَ عُقْرًا، لِأنَّ ناحِرَ الإبِلِ يَعْقِرُها: ثُمَّ يَنْحَرُها.
وفِي اللِّسانِ: عَقَرَ النّاقَةَ وعَقَّرَها، إذا فَعَلَ بِها ذَلِكَ حَتّى تَسْقُطَ، فَيَنْحَرَها مُسْتَمْكِنًا مِنها، أيْ: لِئَلّا تَشْرُدَ عِنْدَ النَّحْرِ.
وفِي الحَدِيثِ: ««لا عُقْرَ في الإسْلامِ»» .
قالَ ابْنُ الأثِيرِ: كانُوا يَعْقِرُونَ الإبِلَ عَلى قُبُورِ المَوْتى، أيْ:يَنْحَرُونَها ويَقُولُونَ إنَّ صاحِبَ القَبْرِ كانَ يَعْقِرُ لِلْأضْيافِ أيّامَ حَياتِهِ، فَنُكافِئُهُ بِمِثْلِ صَنِيعِهِ بَعْدَ وفاتِهِ. كَذا في (تاجِ العَرُوسِ).
وأسْنَدَ العُقْرَ إلى جَمِيعِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ بِرِضاهُمْ، وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ إلّا بَعْضُهم. ويُقالُ لِلْقَبِيلَةِ الضَّخْمَةِ: أنْتُمْ فَعَلْتُمْ كَذا وما فَعَلَهُ إلّا واحِدٌ مِنهم. كَذا في (الكَشّافِ).
قالَ أبُو السُّعُودِ: وفِيهِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ وتَفْظِيعِهِ، بِحَيْثُ أصابَتْ غائِلَتُهُ الكُلَّ ما لا يَخْفى.
﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ " أيِ اسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِهِ، وهو عِبادَتُهُ وحْدَهُ، أوِ الحَذَرُ مِن مَسِّ النّاقَةِ بِسُوءٍ. وزادُوا في الِاسْتِهْزاءِ: ﴿وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ عَلى عَقْرِ النّاقَةِ. والأمْرُ لِلِاسْتِعْجالِ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ لا يَتَأتّى ذَلِكَ، ولِذا قالُوا: ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ " أيْ فَإنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ رُسُلَهُ عَلى أعْدائِهِ.
(p-٢٧٨٩)
الأعراف 7:78
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ " أيِ: الصَّيْحَةُ الَّتِي يَحْصُلُ مِنها الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ بَدَلَ صَوْتِ النّاقَةِ عِنْدَ عَقْرِها، وبَدَّلَ حَرَكَتَها عِنْدَ نَزْعِ الرُّوحِ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ " في بِلادِهِمْ أوْ مَساكِنِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ " أيْ: ساقِطِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، هامِدِينَ لا يَتَحَرَّكُونَ، مَيِّتِينَ بَدَلَ مَوْتِ النّاقَةِ وسُقُوطِها. والصَّيْحَةُ والزَّلْزَلَةُ مِن آثارِ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ الَّتِي كانَتْ رَحْمَةً فانْقَلَبَتْ عَذابًا.
الأعراف 7:79
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٩] ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾
﴿فَتَوَلّى﴾ " أيْ فَأعْرَضَ صالِحٌ ﴿عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي﴾ " المُتَضَمِّنَةَ لِتَخْوِيفِ العَذابِ عَنْهُ ﴿ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ " فَأمَرْتُكم بِكُلِّ خَيْرٍ، ونَهَيْتُكم عَنْ كُلِّ شَرٍّ ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ " أيْ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ والعُلَماءِ لِمُخالَفَتِهِمْ أهْوِيَتَكم.
والظّاهِرُ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُشاهِدًا لِما جَرى عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ تَوَلّى عَنْهُمْ، بَعْدَ ما أبْصَرَهم جاثِمِينَ، تَوَلّى مُغْتَمٍّ مُتَحَسِّرٍ عَلى ما فاتَهُ مِن إيمانِهِمْ، يَتَحَزَّنُ لَهم بِقَوْلِهِ ﴿يا قَوْمِ﴾ " إلَخْ، كَذا في (الكَشّافِ)، أوْ خاطَبَهم «خِطابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ حَيْثُ قالَ: (p-٢٧٩٠)«إنّا وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا»» - كَما رَواهُ البُخارِيُّ - لا تَحَزُّنًا، ولَكِنْ إعْلامًا بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُ، وتَحْقِيقِ رِسالَتِهِ، زِيادَةً في حُزْنِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ، فَإنَّ الأحْياءَ لَيْسُوا بِأسْمَعَ مِنهُمْ، ولَكِنْ لا يَتَكَلَّمُونَ. كَما في (الصَّحِيحِ). ويَجُوزُ عَطْفُ قَوْلِهِ ﴿فَتَوَلّى﴾ " عَلى قَوْلِهِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] "، فَيَكُونُ الخِطابُ لَهم حِينَ أشْرَفُوا عَلى الهَلاكِ، لا بَعْدَهُ. فَيَكُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَوَلّى عَنْهم تَوَلِّي ذاهِبٍ عَنْهُمْ، مُنْكِرٍ لِإصْرارِهِمْ حِينَ رَأى عَلاماتِ نُزُولِ العَذابِ. والمُتَبادِرُ الأوَّلُ لِظُهُورِ الفاءِ في التَّعْقِيبِ - واللَّهُ أعْلَمُ -.
تَنْبِيهاتٌ
الأوَّلُ: نَأْثُرُ هُنا ما رَواهُ عُلَماءُ التّارِيخِ والنَّسَبِ في بَسْطِ قِصَّةِ ثَمُودَ، لِمَكانِ العِظَةِ والِاعْتِبارِ مُفَصَّلًا، وإلّا، فَجَلِيٌّ أنَّ ما أجْمَلَهُ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ لا غايَةَ وراءَهُ في ذَلِكَ، وما سَكَتَ عَنْ بَيانِهِ مِن تِلْكَ القِصَصِ، فَلا حاجَةَ إلى السَّعْيِ وراءَهُ لِفَقْدِ القَطْعِ بِهِ، اللَّهُمَّ إلّا لِزِيادَةِ الِاتِّعاظِ، وتَقْوِيَةِ العِبْرَةِ، ولِذا صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ ولا حَرَجَ»» .
وخُلاصَةُ ما رَوَوْهُ عَنْ ثَمُودَ أنَّ عادًا لَمّا هَلَكَتْ، عَمَّرَتْ ثَمُودُ بِلادَها، وخَلَفُوهم في الأرْضِ، وكانُوا في سِعَةٍ ورَخاءٍ مِنَ العَيْشِ، فَعَتَوْا عَلى اللَّهِ، وأفْسَدُوا في الأرْضِ، وعَبَدُوا الأوْثانَ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا قَوْمًا عَرَبًا، وصالِحٌ مِن أوْسَطِهِمْ نَسَبًا، فَدَعاهم إلى عِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، فَلَمْ يَتْبَعْهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم مُسْتَضْعَفُونَ، فَحَذَّرَهم وأنْذَرَهُمْ، فَسَألُوهُ آيَةً، واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ بِأنْ يُخْرِجَ لَهم ناقَةً عُشَراءَ، تَمَخَّضَ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، عَيَّنُوها بِأنْفُسِهِمْ، وكانَتْ صَخْرَةً مُنْفَرِدَةً في ناحِيَةِ الجَبَلِ، يُقالُ لَها (الكائِبَةُ)، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ صالِحٌ العُهُودَ والمَواثِيقَ: لَئِنْ أجابَهُمُ اللَّهُ إلى طُلْبَتِهِمْ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَتْبَعْنَهُ. فَلَمّا أعْطَوْهُ عَلى ذَلِكَ عُهُودَهم ومَواثِيقَهُمْ، قامَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى صَلاتِهِ، ودَعا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، فَتَحَرَّكَتْ تِلْكَ الصَّخْرَةُ، (p-٢٧٩١)ثُمَّ انْصَدَعَتْ عَنْ ناقَةٍ جَوْفاءَ وبْراءَ، يَتَحَرَّكُ جَنِينُها بَيْنَ جَنْبَيْها، كَما سَألُوا. فَعِنْدَ ذَلِكَ آمَنَ رَئِيسُهم جَنْدَعُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لَبِيدٍ، والخَبّابُ صاحِبُ أوْثانِهِمْ، ورَبابُ بْنُ صَعْمَرَ بْنِ جَلْمَسَ. وكانَ لِجَنْدَعَ بْنِ عَمْرٍو ابْنُ عَمٍّ لَهُ، شِهابُ بْنُ خَلِيفَةَ بْنِ مُحَلّاةَ بْنِ لَبِيدِ بْنِ جَواسَّ، وكانَ مِن أشْرافِ ثَمُودَ وأفاضِلِها، فَأرادَ أنْ يُسْلِمَ أيْضًا فَنَهاهُ أُولَئِكَ الرَّهْطُ، فَأطاعَهُمْ، فَقالَ في ذَلِكَ رَجُلٌ مِن مُؤْمِنِي ثَمُودَ يُقالُ لَهُ مِهْوَشُ بْنُ عَنْمَةَ بْنِ الزَّمِيلِ رَحِمَهُ اللَّهُ:
؎وكانَتْ عُصْبَةٌ مِن آلِ عَمْرٍو إلى دِينِ النَّبِيِّ دَعَوْا شِهابا
؎عَزِيزَ ثَمُودَ كُلِّهِمُ جَمِيعًا ∗∗∗ فَهَمَّ بِأنْ يُجِيبَ ولَوْ أجابا
؎لَأصْبَحَ صالِحٌ فِينا عَزِيزًا ∗∗∗ وما عَدَلُوا بِصاحِبِهِمْ ذُؤابا
؎ولَكِنَّ الغُواةَ مِنَ آلِ حِجْرٍ ∗∗∗ تَوَلَّوْا بَعْدَ رُشْدِهِمُ ذُبابا
وأقامَتِ النّاقَةُ وفَصِيلُها، بَعْدَ ما وضَعَتْهُ، بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مُدَّةً، تَشْرَبُ مِن بِئْرِها يَوْمًا، وتَدَعُهُ لَهم يَوْمًا، وكانُوا يَشْرَبُونَ لَبَنَها يَوْمَ شُرْبِها، يَحْتَلِبُونَها فَيَمْلَؤُونَ ما شاؤُوا مِن أوْعِيَتِهِمْ وأوانِيهِمْ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] وقالَ تَعالى: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وكانَتْ تَسْرَحُ في بَعْضِ تِلْكَ الأوْدِيَةِ، تَرِدُ مِن فَجٍّ، وتَصْدُرُ مِن غَيْرِهِ، لِيَسَعَها. لِأنَّها كانَتْ تَتَضَلَّعُ مِنَ الماءِ، وكانَتْ -عَلى ما ذُكِرَ- خَلْقًا هائِلًا، ومَنظَرًا رائِعًا، إذا مَرَّتْ بِأنْعامِهِمْ نَفَرَتْ مِنها، فَلَمّا طالَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، واشْتَدَّ تَكْذِيبُهم لِصالِحِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَزَمُوا عَلى قَتْلِها لِيَسْتَأْثِرُوا بِالماءِ كُلَّ يَوْمٍ. فَيُقالُ إنَّهُمُ اتَّفَقُوا كُلُّهم عَلى قَتْلِها. قالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّ الَّذِي قَتَلَها طافَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ أنَّهم راضُونَ لِقَتْلِها، حَتّى عَلى النِّساءِ في خُدُورِهِنَّ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قُلْتُ وهَذا هو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] (p-٢٧٩٢)وقالَ: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ [الإسراء: ٥٩] وقالَ ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧] فَأسْنَدَ ذَلِكَ إلى مَجْمُوعِ القَبِيلَةِ، فَدَلَّ عَلى رِضى جَمِيعِهِمْ بِذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ -.
وذَكَرَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ مِن عُلَماءِ التَّفْسِيرِ، أنَّ سَبَبَ قَتْلِها، أنَّ امْرَأةً مِن ثَمُودَ يُقالُ لَها ( عُنَيْزَةُ بِنْتُ غُنْمِ بْنِ مِجْلَزٍ، تُكَنّى بِأُمِّ غُنْمٍ، وهي مِن بَنِي عُبَيْدِ بْنِ المَهْلِ، أخِي رُمَيْلِ بْنِ المَهْلِ، وكانَتِ امْرَأةَ ذُؤابِ بْنِ عَمْرٍو، وكانَتْ عَجُوزًا مُسِنَّةً، وكانَتْ ذاتَ بَناتٍ حِسانٍ، وكانَتْ ذاتَ مالٍ مِن إبِلٍ وبَقَرٍ وغَنَمٍ.
وامْرَأةٌ أُخْرى يُقالُ لَها (صَدُوفُ بِنْتُ المُحَيّا بْنِ دَهْرِ بْنِ المُحَيّا)، سَيِّدِ بَنِي عُبَيْدٍ وصاحِبِ أوْثانِهِمْ في الزَّمَنِ الأوَّلِ، وكانَ الوادِي يُقالُ لَهُ (وادِي المُحَيّا، وهو المُحَيّا الأكْبَرُ، جَدُّ المُحَيّا الأصْغَرِ أبِي صَدُوفَ.
وكانَتْ صَدُوفُ مِن أحْسَنِ النّاسِ، وكانَتْ غَنِيَّةً ذاتَ مالٍ مِن إبِلٍ وغَنَمٍ وبَقَرٍ، وكانَتا مِن أشَدِّ امْرَأتَيْنِ في ثَمُودَ عَداوَةً لِصالِحٍ، وأعْظَمِهِ بِهِ كُفْرًا.
وكانَتا تَحْتالانِ أنْ تُعْقَرَ النّاقَةُ مَعَ كُفْرِهِما بِهِ، لِما أضَرَّتْ بِهِ مِن مَواشِيهِما.
وكانَتْ صَدُوفُ عِنْدَ ابْنِ خالٍ لَها يُقالُ لَهُ (صُنْتُمُ بْنُ هَراوَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ الغِطْرِيفِ)، مِن بَنِي هَلْسٍ، فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
وكانَتْ صَدُوفُ قَدْ فَوَّضَتْ إلَيْهِ مالَها، فَأنْفَقَهُ عَلى مَن أسْلَمَ مَعَهُ مِن أصْحابِ صالِحٍ، حَتّى رَقَّ المالُ.
(p-٢٧٩٣)فاطَّلَعَتْ عَلى ذَلِكَ مِن إسْلامِهِ صَدُوفُ، فَعاتَبَتْهُ عَلى ذَلِكَ، فَأظْهَرَ لَها دِينَهُ، ودَعاها إلى اللَّهِ وإلى الإسْلامِ فَأبَتْ عَلَيْهِ وبَيَّتَتْ لَهُ، فَأخَذَتْ بَنِيهِ وبَناتَهُ مِنهُ فَغَيَّبَتْهم في بَنِي عَبِيدٍ، بَطْنِها الَّذِي هي مِنهُ.
وكانَ صُنْتُمُ زَوْجُها مِن بَنِي هُلَيْلٍ، وكانَ ابْنَ خالِها، فَقالَ لَها: رُدِّي عَلَيَّ ولَدِي. فَقالَتْ: حَتّى أُنافِرَكَ إلى بَنِي صَنْعانَ بْنِ عَبِيدٍ أوْ إلى بَنِي جَنْدَعَ بْنِ عَبِيدٍ، فَقالَ لَها صُنْتُمُ: بَلْ أُنافِرُكِ إلى بَنِي مِرْداسِ بْنِ عَبِيدٍ، وذَلِكَ أنَّ بَنِي مِرْداسِ بْنِ عَبِيدٍ كانُوا قَدْ سارَعُوا في الإسْلامِ وأبْطَأ عَنْهُ الآخَرُونَ.
فَقالَتْ: لا أُنافِرُكَ إلّا إلى مَن دَعَوْتُكَ إلَيْهِ.
فَقالَ بَنُو مِرْداسٍ: واللَّهِ لِتُعْطِنَّهُ ولَدَهُ طائِعَةً أوْ كارِهَةً.
فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أعْطَتْهُ إيّاهم.
ثُمَّ إنَّ صَدُوفَ وعُنَيْزَةَ مَحَلَتا في عَقْرِ النّاقَةِ لِلشَّقاءِ الَّذِي نَزَلَ، فَدَعَتْ صَدُوفُ رَجُلًا مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهُ (الحُبابُ) لِعَقْرِ النّاقَةِ، وعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَها بِذَلِكَ إنْ هو فَعَلَ فَأبى عَلَيْها، فَدَعَتِ ابْنَ عَمٍّ لَها يُقالُ لَهُ (مُصَدَّعُ بْنُ مُهَرِّجِ بْنِ المُحَيّا)، وجَعَلَتْ لَهُ نَفْسَها عَلى أنْ يَعْقِرَ النّاقَةَ. وكانَتْ مِن أحْسَنِ النّاسِ، وكانَتْ غَنِيَّةً كَثِيرَةَ المالِ، فَأجابَها إلى ذَلِكَ.
ودَعَتْ عُنَيْزَةُ بِنْتُ غُنْمٍ (قِدارَ بْنَ سالِفِ بْنِ جَنْدَعَ)، رَجُلًا مِن أهْلِ ِقُرْحٍ.
وكانَ قِدارُ رَجُلًا أحْمَرَ أزْرَقَ قَصِيرًا، يَزْعُمُونَ أنَّهُ كانَ لِزَنْيَةٍ، مِن رَجُلٍ يُقالُ لَهُ (صِهْيادُ)، ولَمْ يَكُنْ لِأبِيهِ (سالِفٍ) الَّذِي يُدْعى إلَيْهِ، ولَكِنَّهُ قَدْ وُلِدَ عَلى فِراشِ (سالِفٍ)، وكانَ يُدْعى لَهُ ويُنْسَبُ إلَيْهِ.
فَقالَتْ: أعْطَيْتُكَ أيَّ بَناتِي شِئْتَ، عَلى أنْ تَعْقِرَ النّاقَةَ.
(p-٢٧٩٤)وكانَتْ عُنَيْزَةُ شَرِيفَةً مِن نِساءِ ثَمُودَ، وكانَ زَوْجُها ذُؤابُ بْنُ عَمْرٍو، مِن أشْرافِ رِجالِ ثَمُودَ، وكانَ قِدارُ عَزِيزًا مَنِيعًا في قَوْمِهِ.
فانْطَلَقَ قِدارُ بْنُ سالِفٍ، ومُصَدَّعُ بْنُ مُهَرِّجٍ، فاسْتَنْفَرا غُواةً مِن ثَمُودَ، فاتَّبَعَهُما سَبْعَةُ نَفَرٍ، فَكانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ.
أحَدُ النَّفَرِ الَّذِي اتَّبَعُوهُما رَجُلٌ يُقالُ لَهُ، (هُوَيْلُ بْنُ مُبَلِّغٍ) خالُ قِدارِ بْنِ سالِفٍ، أخُو أُمِّهِ لِأبِيها وأُمِّها، وكانَ عَزِيزًا في أهْلِ حِجْرٍ، و(دَعِيرُ بْنُ غُنْمِ بْنِ داعِرٍ)، وهو مِن بَنِي خِلاوَةَ بْنِ المَهْلِ.
و(دَأْبُ بْنُ مُهَرِّجٍ)، أخُو مُصَدِّعُ بْنُ مُهَرِّجٍ.
وخَمْسَةٌ لَمْ تُحْفَظْ لَنا أسْماؤُهم.
فَرَصَدُوا النّاقَةَ حِينَ صَدَرَتْ عَنِ الماءِ، وقَدْ كَمَنَ لَها قُدارُ في أصْلِ شَجَرَةٍ عَلى طَرِيقِها، وكَمَنَ لَها مُصَدِّعٌ في أصْلِ أُخْرى، فَمَرَّتْ عَلى مُصَدِّعٍ فَرَماها بِسَهْمٍ، فانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةُ ساقِها، وخَرَجَتْ أُمُّ غُنْمٍ عُنَيْزَةُ وأمَرَتِ ابْنَتَها، وكانَتْ مِن أحْسَنِ النّاسِ وجْهًا، فَأسْفَرَتْ لِقُدارَ وأرَتْهُ إيّاهُ، ثُمَّ ذَمَّرَتْهُ فَشَدَّ عَلى النّاقَةِ بِالسَّيْفِ فَخَشَفَ عُرْقُوبَها، فَخَرَّتْ ورَغَتْ رَغاةً واحِدَةً تُحَذِّرُ سَقَبَها، ثُمَّ طَعَنَ في لِبَّتِها فَنَحَرَها.
انْطَلَقَ سَقَبُها حَتّى أتى جَبَلًا مُنِيفًا، ثُمَّ أتى صَخْرَةً في رَأْسِ الجَبَلِ فَزِعًا ولاذَ بِها، واسْمُ الجَبَلِ فِيما يَزْعُمُونَ (صِنْوٌ)، فَأتاهم صالِحٌ، فَلَمّا رَأى النّاقَةَ قَدْ عُقِرَتْ، قالَ انْتَهَكْتُمْ حُرْمَةَ اللَّهِ، فَأبْشِرُوا بِعَذابِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى ونِقْمَتِهِ، فاتَّبَعَ السَّقْبَ أرْبَعَةُ نَفَرٍ مِنَ التِّسْعَةِ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ، وفِيهِمْ (مُصَدِّعُ بْنُ مُهَرِّجٍ)، فَرَماهُ مُصَدِّعٌ بِسَهْمٍ، فانْتَظَمَ قَلْبَهُ، ثُمَّ جَرَّ بِرِجْلِهِ فَأنْزَلَهُ، ثُمَّ ألْقَوْا لَحْمَهُ مَعَ لَحْمِ أُمِّهِ.
فَلَمّا قالَ لَهم صالِحٌ: أبْشِرُوا بِعَذابِ اللَّهِ ونِقْمَتِهِ، قالُوا لَهُ وهم يَهْزَءُونَ بِهِ: ومَتى ذَلِكَ (p-٢٧٩٥)يا صالِحُ ؟ وما آيَةُ ذَلِكَ؟ - وكانُوا يُسَمُّونَ الأيّامَ فِيهِمُ: الأحَدُ (أوَّلُ)، والِاثْنَيْنِ (أهْوَنُ)، والثُّلاثاءُ (وبارُ)، والأرْبِعاءُ (جُبارُ)، والخَمِيسُ (مُؤْمِنٌ)، والجُمْعَةُ (العُرُوبَةُ)، والسَّبْتُ (شِيارُ)، وكانُوا عَقَرُوا النّاقَةَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ - فَقالَ لَهم صالِحٌ حِينَ قالُوا لَهُ ذَلِكَ: تُصْبِحُونَ غَداةَ يَوْمِ مُؤْمِنٍ، يَعْنِي يَوْمَ الخَمِيسِ، ووُجُوهُكم مُصْفَرَّةٌ، ثُمَّ تُصْبِحُونَ يَوْمَ العُرُوبَةِ، يَعْنِي يَوْمَ الجُمُعَةِ ووُجُوهُكم مُحَمَرَّةٌ، ثُمَّ تُصْبِحُونَ يَوْمَ شِيارَ، يَعْنِي يَوْمَ السَّبْتِ، وُجُوهُكم مُسَوَّدَةٌ، ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ يَوْمَ الأوَّلِ، يَعْنِي يَوْمَ الأحَدِ.
فَلَمّا قالَ لَهم صالِحٌ ذَلِكَ، قالَ التِّسْعَةُ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ: هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ صالِحًا، إنْ كانَ صادِقًا عَجَّلْناهُ، قَبْلَنا، وإنْ كانَ كاذِبًا يَكُونُ قَدْ ألْحَقْناهُ بِناقَتِهِ.
فَأتَوْهُ لَيْلًا لِيُبَيِّتُوهُ في أهْلِهِ، فَدَمَغَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ، فَلَمّا أبْطَأُوا عَلى أصْحابِهِمْ، أتَوْا مَنزِلَ صالِحٍ فَوَجَدُوهم مُشَدَّخِينَ قَدْ رُضِخُوا بِالحِجارَةِ، فَقالُوا لِصالِحٍ: أنْتَ قَتَلْتَهم ! ثُمَّ هَمُّوا بِهِ. فَقامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهُ ولَبِسُوا السِّلاحَ وقالُوا لَهُمْ: واللَّهِ لا تَقْتُلُونَهُ أبَدًا، فَقَدْ وعَدَكم أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِكم في ثَلاثٍ، فَإنْ كانَ صادِقًا لَمْ تَزِيدُوا رَبَّكم عَلَيْكم إلّا غَضَبًا، وإنْ كانَ كاذِبًا فَأنْتُمْ مِن وراءِ ما تُرِيدُونَ !
فانْصَرَفُوا عَنْهم لَيْلَتَهم تِلْكَ، والنَّفَرُ الَّذِينَ رَضَخَهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ، التِّسْعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]
فَأصْبَحُوا مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي انْصَرَفُوا فِيها عَنْ صالِحٍ، وُجُوهُهم مُصْفَرَّةٌ، فَأيْقَنُوا بِالعَذابِ، وعَرَفُوا أنَّ صالِحًا قَدْ صَدَقَهم فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، وخَرَجَ صالِحٌ هارِبًا مِنهم حَتّى لَجَأ إلى بَطْنٍ مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهم (بَنُو غُنْمٍ)، فَنَزَلَ عَلى سَيِّدِهِمْ رَجُلٍ مِنهم يُقالُ لَهُ نُفَيْلٌ يُكَنّى بِأبِي هُدْبٍ، وهو مُشْرِكٌ، فَغَيَّبَهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
(p-٢٧٩٦)فَغَدَوْا عَلى أصْحابِ صالِحٍ فَعَذَّبُوهم لِيَدُلُّوهم عَلَيْهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ صالِحٍ يُقالُ لَهُ (مَيْدَعُ بْنُ هَرَمٍ): يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّهم يُعَذِّبُونَنا لِنَدُلَّهم عَلَيْكَ، أفَنَدُلُّهم عَلَيْكَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَدَلَّهم عَلَيْهِ (مَيْدَعُ بْنُ هَرَمٍ) . فَلَمّا عَلِمُوا بِمَكانِ صالِحٍ، أتَوْا أبا هُدْبٍ فَكَلَّمُوهُ فَقالَ لَهُمْ: عِنْدِي صالِحٌ، ولَيْسَ لَكم إلَيْهِ سَبِيلٌ، فَأعْرَضُوا عَنْهُ وتَرَكُوهُ، وشَغَلَهم عَنْهُ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ. فَجَعَلَ بَعْضُهم يُخْبِرُ بَعْضًا بِما يَرَوْنَ في وُجُوهِهِمْ حِينَ أصْبَحُوا مِن يَوْمِ الخَمِيسِ، وذَلِكَ أنَّ وُجُوهَهم أصْبَحَتْ مُصْفَرَّةً، ثُمَّ أصْبَحُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ ووُجُوهُهم مُحْمَرَّةٌ، ثُمَّ أصْبَحُوا يَوْمَ السَّبْتِ ووُجُوهُهم مُسَوَّدَةٌ، حَتّى إذا كانَ لَيْلَةُ الأحَدِ خَرَجَ صالِحٌ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ إلى الشّامِ، فَنَزَلَ رَمَلَةَ فِلَسْطِينَ، وتَخَلَّفَ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ يُقالُ لَهُ (مَيْدَعُ بْنُ هَرَمٍ) فَنَزَلَ قُرْحَ -وهِيَ وادِي القُرى، وبَيْنَ القُرْحِ وبَيْنَ الحِجْرِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا- فَنَزَلَ عَلى سَيِّدِهِمْ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ (عَمْرُو بْنُ غُنْمٍ)، وقَدْ كانَ أكَلَ مِن لَحْمِ النّاقَةِ ولَمْ يَشْرَكْ في قَتْلِها. فَقالَ لَهُ مَيْدَعُ بْنُ هَرَمٍ: يا عَمْرُو بْنَ غُنْمٍ، اخْرُجْ مِن هَذا البَلَدِ، فَإنَّ صالِحًا قالَ: مَن أقامَ فِيهِ هَلَكَ، ومَن خَرَجَ مِنهُ نَجا.
فَقالَ عَمْرٌو: ما شَرَكْتُ في عَقْرِها، وما رَضِيتُ ما صُنِعَ بِها. فَلَمّا كانَتْ صَبِيحَةُ الأحَدِ، أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنهم صَغِيرٌ ولا كَبِيرٌ إلّا هَلَكَ، إلّا جارِيَةً مُقْعَدَةً يُقالُ لَها (الزُّرَيْعَةُ) وهي الكَلْبَةُ ابْنَةُ السِّلْقِ، كانَتْ كافِرَةً شَدِيدَةَ العَداوَةِ لِصالِحٍ، فَأطْلَقَ اللَّهُ لَها رِجْلَيْها بَعْدَما عايَنَتِ العَذابَ أجْمَعَ، فَخَرَجَتْ كَأسْرَعِ ما يُرى شَيْءٌ قَطُّ، حَتّى أتَتْ أهْلَ قُرْحٍ فَأخْبَرَتْهم بِما عايَنَتْ مِنَ العَذابِ وما أصابَ ثَمُودَ مِنهُ، ثُمَّ اسْتَسْقَتْ مِنَ الماءِ فَسُقِيَتْ، فَلَمّا شَرِبَتْ ماتَتْ.
الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ المُلْحِدِينَ أنَّ ألْفاظَ التَّنْزِيلِ في حِكايَةِ هَذِهِ الواقِعَةِ اخْتَلَفَتْ، وهي الرَّجْفَةُ والطّاغِيَةُ والصَّيْحَةُ. والجَوابُ ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّ الطّاغِيَةَ اسْمٌ لِكُلِّ ما تَجاوَزَ حَدَّهُ، سَواءٌ كانَ حَيَوانًا أوْ غَيْرَ حَيَوانٍ، وألْحَقَ الهاءَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، فالمُسْلِمُونَ (p-٢٧٩٧)يُسَمُّونَ المَلِكَ العاتِيَ بِالطّاغِيَةِ والطّاغُوتِ. وقالَ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] ويُقالُ طَغى طُغْيانًا، وهو طاغٍ وطاغِيَةٌ، وقالَ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] وقالَ في غَيْرِ الحَيَوانِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] أيْ: غَلَبَ وتَجاوَزَ عَنِ الحَدِّ.
وأمّا الرَّجْفَةُ فَهي الزَّلْزَلَةُ في الأرْضِ، وهي حَرَكَةٌ خارِجَةٌ عَنِ المُعْتادِ، فَلَمْ يَبْعُدْ إطْلاقُ اسْمِ الطّاغِيَةِ عَلَيْها، وأمّا الصَّيْحَةُ، فالغالِبُ أنَّ الزَّلْزَلَةَ لا تَنْفَكُّ عَنِ الصَّيْحَةِ العَظِيمَةِ الهائِلَةِ. وأمّا الصّاعِقَةُ، فالغالِبُ أنَّها الزَّلْزَلَةُ، وكَذَلِكَ الزَّجْرَةُ، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] فَبَطَلَ ما زَعَمَهُ ذَلِكَ البَعْضُ.
الثّالِثُ: قالَ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ: ولَمْ يَبْقَ مِن ذُرِّيَّةِ ثَمُودَ أحَدٌ، سِوى صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن تَبِعَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، إلّا أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ أبُو رِغالٍ، كانَ لَمّا وقَعَتِ النِّقْمَةُ بِقَوْمِهِ، مُقِيمًا إذْ ذاكَ في الحَرَمِ، فَلَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، فَلَمّا خَرَجَ في بَعْضِ الأيّامِ إلى الحَلِّ، جاءَهُ حَجَرٌ مِنَ السَّماءِ فَقَتَلَهُ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالحِجْرِ قالَ: «لا تَسْألُوا الآياتِ، فَقَدْ سَألَها قَوْمُ صالِحٍ، فَكانَتْ -يَعْنِي النّاقَةَ- تَرِدُ مِن هَذا الفَجِّ، وتَصْدُرُ مِن هَذا الفَجِّ، فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ، فَعَقَرُوها، وكانَتْ تَشْرَبُ ماءَهم يَوْمًا ويَشْرَبُونَ لَبَنَها يَوْمًا فَعَقَرُوها، فَأخَذَتْهم صَيْحَةٌ أخْمَدَ اللَّهُ مَن تَحْتِ أدِيمِ السَّماءِ مِنهُمْ، إلّا رَجُلًا واحِدًا كانَ في حَرَمِ اللَّهِ فَقالُوا: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: أبُو رِغالٍ. فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَ قَوْمَهُ»» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الحَدِيثُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ السِّتَّةِ، وهو عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: أخْبَرَنِي إسْماعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَبْرِ أبِي رِغالٍ فَقالَ: «أتَدْرُونَ مَن هَذا؟» قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: «هَذا قَبْرُ أبِي رِغالٍ، (p-٢٧٩٨)رَجُلٌ مِن ثَمُودَ، كانَ في حَرَمِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ عَذابَ اللَّهِ، فَلَمّا خَرَجَ أصابَهُ ما أصابَ قَوْمُهُ، فَدُفِنَ هَهُنا، ودُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ»، فَنَزَلَ القَوْمُ، فابْتَدَرُوهُ بِأسْيافِهِمْ، فَبَحَثُوا عَنْهُ، فاسْتَخْرَجُوا الغُصْنَ.» وأبُو رِغالٍ هو أبُو ثَقِيفٍ الَّذِينَ كانُوا يَسْكُنُونَ الطّائِفَ، كَما رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ -أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ-.
الرّابِعُ: ذَكَرْنا قَبْلُ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلى دِيارِ ثَمُودَ المَعْرُوفَةِ الآنَ بِمَدائِنِ صالِحٍ، وهو ذاهِبٌ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ، سَنَةَ تِسْعٍ، وأمَرَ أصْحابَهُ أنْ يَدْخُلُوا خاشِعِينَ وجِلِينَ أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ أهْلَها، ونَهاهم أنْ يَشْرَبُوا مِن مائِها» .
فَرَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنّاسِ عامَ تَبُوكَ، نَزَلَ بِهِمُ الحِجْرَ عِنْدَ بُيُوتِ ثَمُودَ، فاسْتَسْقى النّاسُ مِنَ الآبارِ الَّتِي كانَتْ تَشْرَبُ مِنها ثَمُودُ، فَعَجَنُوا مِنها، ونَصَبُوا القُدُورَ بِاللَّحْمِ. فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَأهَراقُوا القُدُورَ، وعَلَفُوا العَجِينَ الإبِلَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ بِهِمْ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ عَلى البِئْرِ الَّتِي كانَتْ تَشْرَبُ مِنها النّاقَةُ، ونَهاهم أنْ يَدْخُلُوا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ عُذِّبُوا، وقالَ: «إنِّي أخْشى أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهُمْ، فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ»» .
ورَوى أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالحِجْرِ قالَ: «لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ، إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا باكِينَ، فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم» . ثُمَّ قَنَعَ رَأْسَهُ وأسْرَعَ السَّيْرَ حَتّى جاوَزَ الوادِي» .
(p-٢٧٩٩)ولِلْبُخارِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ الحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أمَرَهم أنْ لا يَشْرَبُوا مِن آبارِها ولا يَسْتَقُوا مِنها. فَقالُوا: قَدْ عَجَنّا مِنها، واسْتَقَيْنا. فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ العَجِينَ، ويُهَرِيقُوا ذَلِكَ الماءَ» .
الخامِسُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ هَلَكَتْ أُمَّتُهُ، كانَ يَذْهَبُ فَيُقِيمُ في الحَرَمِ، حَرَمِ مَكَّةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا وكِيعٌ، حَدَّثَنا زَمْعَةُ بْنُ صالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وهْرامَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوادِي عُسْفانَ حِينَ حَجَّ قالَ: «يا أبا بَكْرٍ ! أيَّ وادٍ هَذا؟»، قالَ: هَذا وادِي عُسْفانَ. قالَ: «لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُودٌ وصالِحٌ عَلى بَكَراتٍ حُمْرٍ خُطُمُها اللِّيفُ، أُزُرُهُمُ العَباءُ، وأرْدِيَتُهُمُ النِّمارُ، يُلَبُّونَ، يَحُجُّونَ البَيْتَ العَتِيقَ»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن هَذا الوَجْهِ، لَمْ يُخْرِجْهُ أحَدٌ مِنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الأعراف 7:80
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٠] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾
﴿ولُوطًا﴾ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما سَبَقَ، أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا. ولَفْظُهُ أعْجَمِيٌّ مَعْناهُ في العَرَبِيَّةِ (مَلْفُوفٌ) أوْ (مُرٌّ)، كَما في تَأْوِيلِ أسْماءِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ -وهُوَ فِيما قالَهُ عُلَماءُ النَّسَبِ والتَّفْسِيرِ- ابْنُ هارانَ بْنِ تارِحَ، ويُقالُ آزَرُ، وهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَّلامُ. وكانَ قَدْ آمَنَ مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهاجَرَ مَعَهُ إلى الشّامِ، (p-٢٨٠٠)وتَوَطَّنا بَلَدَ الكَنْعانِيِّينَ مِن فِلَسْطِينَ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، ثُمَّ حَدَثَتْ مُشاجَرَةٌ بَيْنَ رُعاتِهِما فَنَزَحَ لُوطٌ إلى وادِي الأُرْدُنِّ، وسَكَنَ مَدِينَةَ سَدُومَ فَبَعَثَهُ اللَّهُ إلى أهْلِها، وإلى ما جاوَرَها مِنَ القُرى. فَصارَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى، ويَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهاهم عَمّا كانُوا يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ المَآثِمِ والفَواحِشِ الَّتِي اخْتَرَعُوها، ولَمْ يَسْبِقْهم بِها أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ، مِن بَنِي آدَمَ، لا غَيْرِهِمْ، وهو إتْيانُ الذُّكُورِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ بَنُو آدَمَ تَعَهَّدَهُ ولا تَألَّفَهُ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ، حَتّى صَنَعَهُ أهْلُ سَدُومَ، عَلَيْهِمْ لَعائِنُ اللَّهِ.
قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ما نَزا ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ، حَتّى كانَ قَوْمُ لُوطٍ.
وقالَ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ الخَلِيفَةُ الأُمَوِيُّ، بانِي جامِعِ دِمَشْقَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَصَّ عَلَيْنا خَبَرَ قَوْمِ لُوطٍ، ما ظَنَنْتُ أنَّ ذَكَرًا يَعْلُو ذَكَرًا.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى إنْكارَ لُوطٍ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ: ما عَلِمَها أحَدٌ قَبْلَكُمُ، الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، مِن قَوْلِكَ (سَبَقْتُهُ بِالكُرَةِ)، إذا ضَرَبْتَها قَبْلَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ««سَبَقَكَ بِها عُكّاشَةُ»» . كَذا في (الكَشّافِ).
قالَ أبُو السُّعُودِ: والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، فَإنَّ مُباشَرَةَ القُبْحِ قَبِيحٌ، واخْتِراعُهُ أقْبَحُ، فَأنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ أوَّلًا إتْيانَ الفاحِشَةِ، ثُمَّ وبَّخَهم بِأنَّهم أوَّلُ مَن عَمِلَها، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ تِلْكَ الفاحِشَةِ تَأْكِيدًا لِلْإنْكارِ السّابِقِ، وتَشْدِيدًا لِلتَّوْبِيخِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الأعراف 7:81
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨١] ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾
﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ " أيِ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِيَأْتُوا النِّساءَ، لا لِيَأْتِيَهُمُ الرِّجالُ. (p-٢٨٠١)وقُرِئَ بِهَمْزَتَيْنِ صَرِيحَتَيْنِ، وبِتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، بِغَيْرِ مَدٍّ وبِمَدٍّ أيْضًا. وفي زِيادَةِ (إنَّ) و(اللّامِ) مَزِيدُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يَتَحَقَّقُ صُدُورُهُ عَنْ أحَدٍ. وفي إيرادِ لَفْظِ (الرِّجالِ) دُونَ الغِلْمانِ والمُرْدانِ ونَحْوِهِما، مُبالَغَةً في التَّوْبِيخِ وتَأْتُونَ، مِن (أتى المَرْأةَ) إذا غَشِيَها. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وفِي (تاجِ العَرُوسِ): أتى الفاحِشَةَ: تَلَبُّسَ بِها، ويُكَنّى بِالإتْيانِ عَنِ الوَطْءِ، وهو مِن أحْسَنِ الكِناياتِ، ورَجُلٌ مَأْتِيٌّ أُتِيَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ المُوَلَّدِينَ:
؎يَأْتِي ويُؤْتى لَيْسَ يُنْكِرُ ذا ولا هَذا كَذَلِكَ إبْرَةُ الخَيّاطِ
انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿شَهْوَةً﴾ " مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ لِلِاشْتِهاءِ، أيْ لا حامِلَ لَكم عَلَيْهِ إلّا مُجَرَّدُ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ داعٍ آخَرَ، ولا ذَمَّ أعْظَمُ مِنهُ، لِأنَّهُ وصْفٌ لَهم بِالبَهِيمِيَّةِ، وأنَّهُ لا داعِيَ لَهم مِن جِهَةِ العَقْلِ البَتَّةَ، كَطَلَبِ النَّسْلِ ونَحْوِهِ، أوْ حالٌ، بِمَعْنى مُشْتَهِينَ تابِعِينَ لِلشَّهْوَةِ، غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى السَّماحَةِ. كَذا في (الكَشّافِ). ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ " أيْ: مُجاوِزِينَ عَنْ مَواتاةِ النِّساءِ اللّاتِي خُلِقْنَ لِذَلِكَ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿شَهْوَةً﴾ " الإنْكارَ عَلَيْهِمْ، وتَقْرِيعَهم عَلى اشْتِهائِهِمْ تِلْكَ الفِعْلَةَ الخَبِيثَةَ المَكْرُوهَةَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ " أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحالُّ الِاشْتِهاءِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ إضْرابٌ عَنِ الإنْكارِ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِالحالِ الَّتِي تُوجِبُ ارْتِكابَ القَبائِحِ، وتَدْعُو إلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ. وهو أنَّهم قَوْمٌ عادَتُهُمُ الإسْرافُ، وتَجاوَزَ الحُدُودَ في كُلِّ شَيْءٍ، فَمِن ثَمَّ أسْرَفُوا في بابِ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، حَتّى تَجاوَزُوا المُعْتادَ إلى غَيْرِ المُعْتادِ. ونَحْوِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] كَذا في (الكَشّافِ).
الأعراف 7:82
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢] ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾
﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ " أيِ: المُسْتَكْبِرِينَ في مُقابَلَةِ نُصْحِهِ، ﴿إلا أنْ قالُوا (p-٢٨٠٢)أخْرِجُوهُمْ﴾ " أيْ: لُوطًا والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ " أيْ: بَلَدِكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ما أجابُوهُ بِما يَكُونُ جَوابًا عَمّا كَلَّمَهم بِهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إنْكارِ الفاحِشَةِ، وتَعْظِيمِ أمْرِها، ووَسَمَهم بِسِمَةِ الإسْرافِ الَّذِي هو أصْلُ الشَّرِّ كُلِّهِ، ولَكِنَّهم جاءُوا بِشَيْءٍ آخَرَ لا يَتَعَلَّقُ بِكَلامِهِ ونَصِيحَتِهِ، مِنَ الأمْرِ بِإخْراجِهِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن قَرْيَتِهِمْ، ضَجَرًا بِهِمْ، وبِما يَسْمَعُونَهُ مِن وعْظِهِمْ ونُصْحِهِمْ. وقَوْلُهُمْ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ " سُخْرِيَةٌ بِهِمْ، وبِتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ، وافْتِخارٌ بِما كانُوا فِيهِ مِنَ القَذارَةِ، كَما يَقُولُ الشُّطّارُ مِنَ الفَسَقَةِ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ إذا وعَظَهم (أبْعِدُوا عَنّا هَذا المُتَقَشِّفَ وأرِيحُونا مِن هَذا المُتَزَهِّدِ).
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ مُجاهِدٌ: يَتَطَهَّرُونَ مِن أدْبارِ الرِّجالِ وأدْبارِ النِّساءِ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَحْرِيمِ أدْبارِ النِّساءِ، أيْ بِناءً عَلى أنَّ تَفْسِيرَ الصَّحابِيِّ لَهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ.
ورَجَّحَ ابْنُ القَيِّمِ أنَّهُ في حُكْمِ المَوْقُوفِ.
والمَسْألَةُ تَقَدَّمَتْ مُسْتَوْفاةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فَتَذَكَّرْ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الإمامُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ (إغاثَةُ اللَّهْفانِ): قَدْ وسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الشِّرْكَ والزِّنى واللُّواطَةَ بِالنَّجاسَةِ والخُبْثِ في كِتابِهِ، دُونَ سائِرِ الذُّنُوبِ، وإنْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ذَلِكَ. لَكِنَّ الَّذِي وقَعَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ اللُّوطِيَّةِ: ﴿ولُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤] وقالَتِ اللُّوطِيَّةُ: ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] فَأقَرُّوا مَعَ شِرْكِهِمْ وكُفْرِهِمْ، أنَّهم هُمُ الأخْباثُ الأنْجاسُ، وأنَّ لُوطًا وآلَهُ مُطَهَّرُونَ مِن ذَلِكَ، (p-٢٨٠٣)بِاجْتِنابِهِمْ لَهُ.
وقالَ تَعالى في حَقِّ الزُّناةِ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ﴾ [النور: ٢٦] وأمّا نَجاسَةُ الشِّرْكِ فَهي نَوْعانِ نَجاسَةٌ مُغَلَّظَةٌ، ونَجاسَةٌ مُخَفَّفَةٌ. فالمُغَلَّظَةُ: الشِّرْكُ الأكْبَرُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، والمُخَفَّفَةُ: الشِّرْكُ الأصْغَرُ، كَيَسِيرِ الرِّياءِ، والتَّصَنُّعِ لِلْمَخْلُوقاتِ والحَلِفِ بِهِ، وخَوْفِهِ ورَجائِهِ.
ثُمَّ قالَ: ونَجاسَةُ الزِّنى واللُّواطَةِ أغْلَظُ مِن غَيْرِها مِنَ النَّجاساتِ، مِن جِهَةِ أنَّها تُفْسِدُ القَلْبَ، وتُضْعِفُ تَوْحِيدَهُ جِدًّا. ولِهَذا أحْظى النّاسِ بِهَذِهِ النَّجاسَةِ أكْثَرُهم شِرْكًا، فَكُلَّما كانَ الشِّرْكُ في العَبْدِ أغْلَبَ، كانَتْ هَذِهِ النَّجاسَةُ والخَبائِثُ فِيهِ
أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ أعْظَمَ إخْلاصًا، كانَ مِنها أبْعَدَ، كَما قالَ تَعالى عَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فَإنَّ عِشْقَ الصُّوَرِ المُحَرَّمَةِ نَوْعُ تَعَبُّدٍ لَها بَلْ هو مِن أعْلى أنْواعِ التَّعَبُّدِ، ولا سِيَّما إذا اسْتَوْلى عَلى القَلْبِ، وتَمَكَّنَ مِنهُ، صارَ تَتَيُّمًا، والتَّتَيُّمُ: التَّعَبُّدُ، فَيَصِيرُ العاشِقُ عابِدًا لِمَعْشُوقِهِ، وكَثِيرًا ما يَغْلِبُ حُبُّهُ وذِكْرُهُ والشَّوْقُ إلَيْهِ والسَّعْيُ في مَرْضاتِهِ، وإيثارُ مَحابِّهِ عَلى حُبِّ اللَّهِ وذِكْرِهِ، والسَّعْيِ في مَرْضاتِهِ. بَلْ كَثِيرًا ما يَذْهَبُ ذَلِكَ مِن قَلْبِ العاشِقِ بِالكُلِّيَّةِ، ويَصِيرُ مُتَعَلِّقًا بِمَعْشُوقَةٍ مِنَ الصُّوَرِ -كَما هو مُشاهَدٌ- فَيَصِيرُ المَعْشُوقُ هو إلَهُهُ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يُقَدِّمُ رِضاهُ وحُبَّهُ عَلى رِضا اللَّهِ وحُبِّهِ، ويَتَقَرَّبُ إلَيْهِ ما لا يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ، ويُنْفِقُ في مَرْضاتِهِ ما لا يُنْفِقُهُ في مَرْضاةِ اللَّهِ، ويَتَجَنَّبُ سُخْطَهُ، ما لا يَتَجَنَّبُ مِن سُخْطِ اللَّهِ تَعالى، فَيَصِيرُ آثَرَ عِنْدَهُ مِن رَبِّهِ، حُبًّا وخُضُوعًا وذُلًّا وسَمْعًا وطاعَةً. ولِهَذا كانَ العِشْقُ والشِّرْكُ مُتَلازِمَيْنِ، وإنَّما حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ العِشْقَ عَنِ المُشْرِكِينَ مِن قَوْمِ لُوطٍ وعَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وكانَتْ إذْ ذاكَ مُشْرِكَةً، فَكُلَّما قَوِيَ شِرْكُ العَبْدِ، بُلِيَ بِعِشْقِ الصُّوَرِ، وكُلَّما قَوِيَ تَوْحِيدُهُ صُرِفَ ذَلِكَ عَنْهُ.
والزّانِي واللُّواطَةُ، كَمالُ لَذَّتِهِ إنَّما يَكُونُ مَعَ العِشْقِ، ولا يَخْلُو صاحِبُهُما مِنهُ، وإنَّما لِتَنْقُلَهُ مِن مَحَلٍّ إلى مَحَلٍّ، لا يَبْقى عِشْقُهُ مَقْصُورًا عَلى مَحَلٍّ واحِدٍ، يَنْقَسِمُ عَلى سِهامٍ كَثِيرَةٍ، لِكُلِّ مَحْبُوبٍ نَصِيبٌ مِن تَألُّهِهِ وتَعَبُّدِهِ فَلَيْسَ في الذُّنُوبِ أفْسَدُ لِلْقَلْبِ والدِّينِ مِن هاتَيْنِ الفاحِشَتَيْنِ، ولَهُما خاصِّيَّةٌ في تَبْعِيدِ القَلْبِ مِنَ (p-٢٨٠٤)اللَّهِ، فَإنَّهُما مِن أعْظَمِ الخَبائِثِ، فَإذا انْصَبَغَ القَلْبُ بِهِما بَعُدَ مِمَّنْ هو طَيِّبٌ، لا يَصْعَدُ إلَيْهِ إلّا طَيِّبٌ، وكُلَّما ازْدادَ خُبْثًا، ازْدادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا. ولِهَذا قالَ المَسِيحُ، فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، في كِتابِ (الزُّهْدِ): لا يَكُونُ البَطّالُونَ مِنَ الحُكَماءِ، ولا يَلِجُ الزُّناةُ مَلَكُوتَ السَّماءِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ حالَ الزِّنى، كانَ قَرِينًا لِلشِّرْكِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]
ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى الزَّوانِيَ والزُّناةَ خَبِيثِينَ وخَبِيثاتٍ، وجِنْسُ هَذا الفِعْلِ قَدْ شَرَعَتْ فِيهِ الطَّهارَةُ، وإنْ كانَ حَلالًا، وسَمّى فاعِلَهُ جُنُبًا، لِبُعْدِهِ عَنْ قِراءَةِ القُرْآنِ، وعَنِ الصَّلاةِ، وعَنِ المَساجِدِ، فَمَنَعَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ حَتّى يَتَطَهَّرَ بِالماءِ.
فَكَذَلِكَ إذا كانَ حَرامًا، يُبْعِدُ القَلْبَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الدّارِ الآخِرَةِ، بَلْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ، حَتّى يُحْدِثَ طُهْرًا كامِلًا بِالتَّوْبَةِ، وطُهْرًا لِبَدَنِهِ بِالماءِ.
وقَوْلُ اللُّوطِيَّةِ: ﴿أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ مِن جِنْسِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ: ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وهَكَذا المُشْرِكُ، إنَّما يَنْقِمُ عَلى المُوَحِّدِ تَجْرِيدَهُ لِلتَّوْحِيدِ، وأنَّهُ لا يَشُوبُهُ بِالإشْراكِ. وهَكَذا المُبْتَدِعُ إنَّما يَنْقِمُ عَلى السُّنِّيِّ تَجْرِيدَهُ مُتابَعَةَ الرَّسُولِ، وأنَّهُ لَمْ يَشُبْها بِآراءِ الرِّجالِ، ولا بِشَيْءٍ مِمّا خالَفَها.
فَصَبْرُ المُوَحِّدِ المُتَّبِعِ لِلرَّسُولِ عَلى ما يَنْقَمُهُ عَلَيْهِ أهْلُ الشِّرْكِ والبِدْعَةِ، خَيْرٌ لَهُ وأنْفَعُ، وأسْهَلُ عَلَيْهِ مِن صَبْرِهِ عَلى ما يَنْقَمُهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن مُوافَقَةِ أهْلِ الشِّرْكِ والبِدْعَةِ:
؎إذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الصَّبْرِ فاصْطَبِرْ عَلى الحَقِّ ذاكَ الصَّبْرُ تُحْمَدُ عُقْباهُ
انْتَهى.
(p-٢٨٠٥)ولَمّا هَمَّ قَوْمُ لُوطٍ بِإخْراجِهِ ونَفْيِهِ ومَن مَعَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، أخْرَجَهُ اللَّهُ تَعالى سالِمًا، وأهْلَكَهم في أرْضِهِمْ صاغِرِينَ مُهانِينَ، كَما أشارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الأعراف 7:83
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٣] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ " أيْ ومَن يَخْتَصُّ بِهِ مِن ذَوِيِهِ، أوْ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِطِيبِهِمْ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولَمْ يُؤْمِن بِهِ أحَدٌ مِنهم سِوى أهْلِ بَيْتِهِ فَقَطْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦]
﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ " أيْ: فَإنّا لَمْ نُنْجِها لِخُبْثِها. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّها لَمْ تُؤْمِن بِهِ، بَلْ كانَتْ عَلى دِينِ قَوْمِها، تُمالِئُهم عَلَيْهِ وتُعْلِمُهم بِمَن يَقْدُمُ عَلَيْهِ مِن ضِيفانِهِ بِإشاراتٍ بَيْنَها وبَيْنَهم. ولِهَذا لَمّا أُمِرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَسْرِيَ بِأهْلِهِ، أُمِرَ أنْ لا يُعْلِمَها ولا يُخْرِجَها مِنَ البَلَدِ. ومِنهم مَن يَقُولُ بَلِ اتَّبَعَتْهُمْ، فَلَمّا جاءَ العَذابُ التَفَتَتْ هِيَ، فَأصابَها ما أصابَهم.
الأظْهَرُ أنَّها لَمْ تَخْرُجْ مِنَ البَلَدِ، ولا أعْلَمَها لُوطٌ، بَلْ بَقِيَتْ مَعَهُمْ، ولِهَذا قالَ هَهُنا ﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ " . ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ " أيْ مِنَ الَّذِينَ غَبَرُوا في دِيارِهِمْ، أيْ بَقُوا فَهَلَكُوا. وقِيلَ: مِنَ الهالِكِينَ. وهو تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ، ولِبَيانِ اسْتِحْقاقِها لِما يَسْتَحِقُّهُ المُباشِرُونَ لِلْفاحِشَةِ.
الأعراف 7:84
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٤] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ " أيْ وأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ نَوْعًا مِنَ المَطَرِ عَجِيبًا غَيْرِ مُتَعارَفٍ، وهو مُبَيَّنٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ طِينٍ مُتَحَجِّرٍ.
قالَ المَهايِمِيُّ: ولِكُفْرِهِمْ بِمَطَرِ الشَّرائِعِ المُحْيِي بِإبْقاءِ النَّسْلِ وغَيْرِهِ، انْقَلَبَ عَلَيْهِمْ في صُورَةِ العِقابِ.
(p-٢٨٠٦)وقَرَأْتُ في التَّوْراةِ المُعَرَّبَةِ، أنَّ المَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ جاءا لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ، يُخْبِرانِهِ ويُبَشِّرانِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ، قالا لَهُ: أخْرِجْ مِن هَذا المَوْضِعِ، مَن لَكَ هَهُنا مِن أصْهارِكَ وبَنِيكَ وبَناتِكَ وجَمِيعَ مَن لَكَ، فَإنّا بَعَثَنا الرَّبُّ لِنُهْلِكَ هَذِهِ المَدِينَةَ.
ولَمّا كانَ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ألَحَّ المَلَكانِ عَلى لُوطٍ بِأخْذِ امْرَأتِهِ وابْنَتَيْهِ، ثُمَّ أمْسَكا بِأيْدِيهِمْ جَمِيعًا وصَيَّراهم خارِجَ المَدِينَةِ وقالا: لا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنكم إلى ورائِهِ، وتَخْلُصا إلى الجَبَلِ. ولَمّا أشْرَقَتْ أمْطَرَ الرَّبُّ مِنَ السَّماءِ عَلى سَدُومَ وعَمُّورَةَ كِبْرِيتًا ونارًا، وقَلَبَ تِلْكَ المُدُنَ، وكُلَّ البُقْعَةِ وجَمِيعَ سُكّانِ المُدُنِ ونَبْتَ الأرْضِ، والتَفَتَتِ امْرَأتُهُ إلى ورائِها فَصارَتْ نُصُبَ مِلْحٍ، وقَدَمَ إبْراهِيمُ غَدْوَةً مِن أرْضِهِ، فَتَطَلَّعَ إلى جِهَةِ سَدُومَ وعَمُّورَةَ، فَإذا دُخانُ الأرْضِ صاعِدٌ كَدُخانِ الأتُونِ. انْتَهى.
وقَرَأْتُ في نُبُوَّةِ حَزْقِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ، في الفَصْلِ السّادِسَ عَشَرَ: في بَيانِ إثْمِ سَدُومَ ما نَصُّهُ:
إنَّ الِاسْتِكْبارَ والشِّبَعَ مِنَ الخُبْزِ، وطُمَأْنِينَةِ الفَراغِ، كانَتْ في سَدُومَ وتَوابِعِها، ولَمْ تُعَضِّدْ يَدَ البائِسِ والمِسْكِينِ، وتَشامَخْنَ وصَنَعْنَ الرِّجْسَ أمامِي، فَنَزَعْتُهُنَّ كَما رَأيْتَ انْتَهى.
وقَدْ صارَ مَوْضِعُ تِلْكَ المُدُنِ بَحْرَ ماءٍ أُجاجٍ، لَمْ يَزَلْ إلى يَوْمِنا هَذا، ويُعْرَفُ بِالبَحْرِ المَيِّتِ، أوْ بُحَيْرَةِ لُوطٍ، والأرْضُ الَّتِي تَلِيها قاحِلَةٌ لا تَنْبُتُ شَيْئًا.
قالَ في (مُرْشِدِ الطّالِبِينَ): بَحْرُ لُوطٍ، هو بَحْرُ سَدُومَ، ويُدْعى أيْضًا البَحْرَ المَيِّتَ، وهو بِرْكَةٌ مالِحَةٌ في فِلَسْطِينَ، طُولُها خَمْسُونَ مِيلًا، وعَرْضُها عَشَرَةُ أمْيالٍ، وهي أوْطَأُ مِن بَحْرِ الرُّومِ بِنَحْوِ ١٢٥٠ قَدَمًا، ومَوْقِعُها في المَوْضِعِ الَّذِي كانَتْ عَلَيْهِ سَدُومُ وعَمُّورَةُ وأدْمَةُ وصَبَوِييِمُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ هَؤُلاءِ أجْرَمُوا بِالكُفْرِ وعَمَلِ الفَواحِشِ، كَيْفَ أهْلَكْناهم.
والنَّظَرُ تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ، وتَحْذِيرًا مِن أعْمالِهِمْ، فَإنَّ مَن تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ رَذِيلَةُ الدَّعارَةِ، تَكْبَحُهُ عَنِ التَّوْفِيقِ نَفْسًا وجَسَدًا، وتُورِدُهُ مَوارِدَ الهَلَكَةِ والبَوارِ، جَزاءَ ما جَنى لَهُمُ اتِّباعَ الأهْواءِ.
(p-٢٨٠٧)تَنْبِيهٌ في حَدِّ اللُّوطِيِّ:
اعْلَمْ أنَّهُ ورَدَتِ السُّنَّةُ بِقَتْلِ مَن لاطَ بِذَكَرٍ، ولَوْ كانَ بِكْرًا، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ بِهِ إذا كانَ مُخْتارًا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، عِنْدَ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ والتِّرْمِذِيِّ والحاكِمِ والبَيْهَقِيِّ، قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن وجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فاقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ»» . قالَ ابْنُ حَجَرٍ: رِجالُهُ مُوَثَّقُونَ، إلّا أنَّ فِيهِ اخْتِلافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««اقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ أُحْصِنا أوْ لَمْ يُحْصَنا»» - وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ-.
قالَ ابْنُ الطِّلاعِ في (أحْكامِهِ): لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ رَجَمَ في اللِّواطِ، ولا أنَّهُ حَكَمَ فِيهِ. وثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «اقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ» - رَواهُ عَنْهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ - انْتَهى.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ رَجَمَ لُوطِيًّا.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ أبِي بَكْرٍ، أنَّهُ جَمَعَ النّاسَ في حَقِّ رَجُلٍ يُنْكَحُ كَما تُنْكَحُ النِّساءُ، فَسَألَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَكانَ مِن أشَدِّهِمْ يَوْمَئِذٍ قَوْلًا، عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ قالَ: (p-٢٨٠٨)هَذا ذَنْبٌ لَمْ تَعْصِ بِهِ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ إلّا أُمَّةً واحِدَةً، صَنَعَ اللَّهُ بِها ما قَدْ عَلِمْتُمْ، نَرى أنْ نَحْرِقَهُ بِالنّارِ، فاجْتَمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ يَحْرِقَهُ بِالنّارِ، فَكَتَبَ أبُو بَكْرٍ إلى خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ أنْ يَحْرِقَهُ بِالنّارِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في البِكْرِ يُؤْخَذُ عَلى اللُّوطِيَّةِ، يُرْجَمُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِّ اللُّوطِيِّ فَقالَ: يُنْظَرُ أعْلى بِناءٍ في القَرْيَةِ فَيُرْمى بِهِ مُنَكَّسًا، ثُمَّ يُتْبَعُ بِالحِجارَةِ.
وقالَ المُنْذِرِيُّ: حَرَقَ اللُّوطِيَّةَ بِالنّارِ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وهِشامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ.
وبِالجُمْلَةِ: فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ حَدَّهُ القَتْلُ بَقِيَ الِاجْتِهادُ في هَيْئَتِهِ حَرْقًا أوْ تَرْدِيَةً أوْ غَيْرَهُما.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنْ كانَ اللِّوّاطُ مِمّا يَصِحُّ انْدِراجُهُ تَحْتَ عُمُومِ أدِلَّةِ الزِّنى فَهو مُخَصَّصٌ بِما ورَدَ فِيهِ مِنَ القَتْلِ لِكُلِّ فاعِلٍ، مُحْصَنًا أوْ غَيْرَهُ، وإنْ كانَ غَيْرَ داخِلٍ تَحْتَ أدِلَّةِ الزِّنى، فَفي أدِلَّتِهِ الخاصَّةِ لَهُ ما يَشْفِي ويَكْفِي. انْتَهى.
وقالَ الإمامُ الجَشْمِيُّ اليَمَنِيُّ: لَوْ كانَ في اللِّواطِ حَدٌّ مَعْلُومٌ لَما خَفِيَ عَلى الصَّحابَةِ، حَتّى شاوَرَهم في ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمّا كَتَبَ إلَيْهِ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَضى في اللِّواطِ بِشَيْءٍ، لِأنَّ هَذا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ العَرَبُ، ولَمْ يُرْفَعْ إلَيْهِ ﷺ، ولَكِنْ ثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «اقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ» - رَواهُ أهْلُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وإسْنادُهُ صَحِيحٌ - وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وحَكَمَ بِهِ أبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ، وكَتَبَ بِهِ إلى خالِدٍ، بَعْدَ مُشاوَرَةِ الصَّحابَةِ، وكانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أشَدَّهم في ذَلِكَ.
(p-٢٨٠٩)وقالَ ابْنُ القَصّارِ وشَيْخُنا: أجْمَعَتِ الصَّحابَةُ عَلى قَتْلِهِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ: يُرْمى مِن شاهِقٍ، وقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: يُهْدَمُ عَلَيْهِ حائِطٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُقْتَلانِ بِالحِجارَةِ. فَهَذا اتِّفاقٌ مِنهم عَلى قَتْلِهِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّتِهِ.
وهَذا مُوافِقٌ لِحُكْمِهِ ﷺ فِيمَن وطِئَ ذاتَ مَحْرَمٍ، لِأنَّ الوَطْءَ في المَوْضِعَيْنِ لا يُباحُ لِلْواطِئِ بِحالٍ. ولِهَذا جَمَعَ بَيْنَهُما في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مَن وجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فاقْتُلُوهُ»» .
ورُوِيَ أيْضًا عَنْهُ: «مَن وقَعَ عَلى ذاتِ رَحِمٍ فاقْتُلُوهُ» . وفي حَدِيثِهِ أيْضًا بِالإسْنادِ: ««مَن أتى بَهِيمَةً فاقْتُلُوهُ واقْتُلُوها مَعَهُ»» .
وهَذا الحُكْمُ عَلى وفْقِ حُكْمِ الشّارِعِ، فَإنَّ المُحَرَّماتِ كُلَّما تَغَلَّظَتْ، تَغَلَّظَتْ عُقُوبَتُها، ووَطْءُ مَن لا يُباحُ بِحالٍ أعْظَمُ جُرْمًا مِن وطْءِ مَن يُباحُ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَيَكُونُ حَدُّهُ أغْلَظَ.
وقَدْ نَصَّ أحْمَدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، أنَّ حُكْمَ مَن أتى بَهِيمَةً حُكْمُ اللِّواطِ سَواءً، فَيُقْتَلُ بِكُلِّ حالٍ، أوْ يَكُونُ حَدُّهُ حَدَّ الزّانِي.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ، فَقالَ الحَسَنُ: حَدُّهُ حَدُّ الزّانِي. وقالَ أبُو سَلَمَةَ: يُقْتَلُ بِكُلِّ حالٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ: يُعَزَّرُ، وبِهِ أخَذَ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أفْتى بِذَلِكَ، وهو راوِي الحَدِيثِ. انْتَهى.
وقَدْ طَعَنَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ (الهِدايَةِ) في دَعْوى إجْماعِ الصَّحابَةِ عَلى قَتْلِ اللُّوطِيِّ في رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ: أنَّ أبا بَكْرٍ جَمَعَ الصَّحابَةَ فَسَألَهُمْ، فَكانَ أشَدَّهم في ذَلِكَ قَوْلًا عَلِيٌّ، فَقالَ: نَرى أنْ نَحْرِقَهُ بِالنّارِ، فاجْتَمَعَ رَأْيُهم عَلى ذَلِكَ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ: قُلْتُ: وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، ولَوْ صَحَّ لَكانَ قاطِعًا لِلْحُجَّةِ. انْتَهى.
وجَلِيٌّ أنَّ عُقُوباتِ القَتْلِ أعْظَمُ الحُدُودِ، فَلا يُؤْخَذُ فِيها إلّا بِالقَواطِعِ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ مُتَواتِرَةٍ، أوْ إجْماعٍ أوْ حَدِيثٍ صَحِيحِ السَّنَدِ والمَتْنِ، قَطْعِيِّ الدَّلالَةِ.
ولِذا كانَ عَلى الحاكِمِ بَذْلُ جُهْدِهِ في ذَلِكَ اسْتِبْراءً لِدِينِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ-.
(p-٢٨١٠)
الأعراف 7:85
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥] ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ " أيْ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: هم مِن سُلالَةِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، وشُعَيْبٌ هو ابْنُ مِيكَيْلَ بْنِ يَشْجُرَ بْنِ مَدْيَنَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَدْيَنُ تُطْلَقُ عَلى القَبِيلَةِ وعَلى المَدِينَةِ الَّتِي بِقُرْبِ مَعانٍ مِن طَرِيقِ الحِجازِ وهم أصْحابُ الأيْكَةِ.
﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ " أيِ: الَّذِينَ أحَبَّ كَمالَهم دِينًا ودُنْيا: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وهَذِهِ دَعْوَةُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ كَما قَدَّمْنا ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ ما تَبَيَّنَ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. يَعْنِي دَعْوَتَهُ وإرْشادَهُ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِالبَيِّنَةِ مَجِيءُ شُعَيْبٍ، وأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ آيَةٌ إلّا النُّبُوَّةَ، ومَن فَسَّرَ البَيِّنَةَ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ والمُعْجِزَةِ المَحْسُوسَةِ ذَهابًا إلى أنَّ النَّبِيَّ لَمّا كانَ يَدْعُو إلى شَرْعٍ يُوجِبُ قَبُولَهُ، فَلا بُدَّ مِن دَلِيلٍ يُعْلَمُ صِدْقُهُ بِهِ، وما ذاكَ إلّا المُعْجِزَةُ. قالَ: إنَّ مُعْجِزَةَ شُعَيْبٍ لَمْ تُذْكَرْ في القُرْآنِ، ولَيْسَتْ كُلُّ آياتِ الأنْبِياءِ مَذْكُورَةً في القُرْآنِ. ولا يَخْفى أنَّ البَيِّنَةَ أعَمُّ مِنَ المُعْجِزَةِ بِعُرْفِهِمْ، فَكُلُّ مَن أبْطَلَتْ شُبْهَةٌ ضَلالَهُ، وأظْهَرَتْ لَهُ حُجَّةَ الحَقِّ الَّذِي يُدْعى إلَيْهِ فَقَدْ جاءَتْهُ البَيِّنَةُ. لِأنَّ حَقِيقَةَ البَيِّنَةِ كُلُّ ما يُبَيِّنُ الحَقَّ، فاحْفَظْهُ.
قالَ الجَشْمِيُّ: واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ إلّا ومَعَهُ شَرْعٌ - عَنْ أبِي هاشِمٍ -. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ إلى ما في العَقْلِ -عَنْ أبِي عَلِيٍّ - انْتَهى.
(p-٢٨١١)وقَدْ دَلَّتِ الآياتُ هَذِهِ عَلى أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ، دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ والشَّرائِعِ، عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ الرُّسُلِ، فَمِنها قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ أيْ: فَأتِمُّوهُما لِلنّاسِ بِإعْطائِهِمْ حُقُوقَهُمْ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ أيْ: لا تُنْقِصُوهم حُقُوقَهم فَلا تَخُونُوا النّاسَ في أمْوالِهِمْ، وتَأْخُذُوها عَلى وجْهِ البَخْسِ، وهو نَقْصُ المِكْيالِ والمِيزانِ خُفْيَةً وتَدْلِيسًا كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]
يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ أيْ: نَقَصَهُ إيّاهُ، وظَلَمَهُ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ كُلَّ شَيْءٍ في مُبايَعاتِهِمْ، أوْ كانُوا مَكّاسِينَ لا يَدَعُونَ شَيْئًا إلّا مَكَسُوهُ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ
قالَ القاضِي: وإنَّما قالَ ﴿أشْياءَهُمْ﴾ " لِلتَّعْمِيمِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ الجَلِيلَ والحَقِيرَ والقَلِيلَ والكَثِيرَ -انْتَهى.
والنَّهْيُ عَنِ النَّقْصِ يُوجِبُ الأمْرَ بِالإيفاءِ. فَقِيلَ: في فائِدَةِ التَّصْرِيحِ بِالمَنهِيِّ عَنْهُ بَيانٌ لِقُبْحِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ " الآيَةَ، قالَ: أيْ لا تُسَمُّوا لَهم شَيْئًا، وتُعْطُوا لَهم غَيْرَ ذَلِكَ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ إيفاءَ الكَيْلِ والمِيزانِ واجِبٌ عَلى حَسَبِ ما يُعْتادُ في صِفَةِ الكَيْلِ والوَزْنِ ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ " أيْ: بِالكُفْرِ والظُّلْمِ ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ " أيْ: بَعْدَ ما أصْلَحَ أمْرَها وأهْلَها الأنْبِياءُ، وأتْباعُهُمُ الصّالِحُونَ العامِلُونَ بِشَرائِعِهِمْ مِن وضْعِ الكَيْلِ والوَزْنِ والحُدُودِ والأحْكامِ، ﴿ذَلِكُمْ﴾ " إشارَةٌ إلى العَمَلِ بِما أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ " في الحالِ لِتَوَجُّهِ النّاسِ إلَيْكم بِسَبَبِ حُسْنِ الأُحْدُوثَةِ، وفي المَآلِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ " أيْ: مُصَدِّقِينَ قَوْلِي.
(p-٢٨١٢)
الأعراف 7:86
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٦] ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾
" ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ نَهْيٌ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ الحِسِّيِّ. أيْ: لا تَجْلِسُوا عَلى كُلِّ طَرِيقٍ فِيهِ مَمَرُّ النّاسِ الغُرَباءِ، تَضْرِبُونَهم وتُخَوِّفُونَهُمْ، وتَأْخُذُونَ ثِيابَهُمْ، وتَتَوَعَّدُونَهم بِالقَتْلِ، إنْ لَمْ يُعْطُوكم أمْوالَهم.
قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا عَشّارِينَ -أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ - وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلَهُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِ واحِدٍ أيْ تَتَوَعَّدُونَ المُؤْمِنِينَ الآتِينَ إلى شُعَيْبٍ لِيَتْبَعُوهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قالَ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ " وهو الطَّرِيقُ. وهَذا الثّانِي هو قَوْلُهُ: ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ: تَصْرِفُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ وطاعَتِهِ مَن آمَنَ بِشُعَيْبٍ، وتَطْلُبُونَ لَها عِوَجًا بِإلْقاءِ الشُّبَهِ، ووَصْفِها بِما يَنْقُصُها لِتَغْيِيرِها: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ﴾ بِالعَدَدِ والعُدَدِ، فاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم في ذَلِكَ: ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، والقُرُونِ الماضِيَةِ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ بِاجْتِرائِهِمْ عَلى مَعاصِي اللَّهِ وتَكْذِيبِ رُسُلِهِ.
الأعراف 7:87
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٧] ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾
" ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ يَعْنِي وإنِ اخْتَلَفْتُمْ في رِسالَتِي فَصِرْتُمْ فِرْقَتَيْنِ مُؤْمِنَةً وكافِرَةً ﴿فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ (p-٢٨١٣)أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.
قالَ الشِّهابُ: وخِطابُ (اصْبِرُوا) لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْفَرِيقَيْنِ، أيْ: لِيَصْبِرَ المُؤْمِنُونَ عَلى أذى الكُفّارِ، والكُفّارُ عَلى ما يَسُوؤُهم مِن إيمانِهِمْ. أوْ لِلْكافِرِينَ أيْ: تَرَبَّصُوا لِتَرَوْا حُكْمَ اللَّهِ بَيْنَنا وبَيْنَكم ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ " لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوْرِ في حُكْمِهِ، فَسَيَجْعَلُ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، والدَّمارَ عَلى الكافِرِينَ.
الأعراف 7:88
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٨] ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾
﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٧٥] " أيْ عَنِ الإيمانِ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ﴾ أيْ إلى تَرْكِ دَعْوى الرِّسالَةِ، والإقْرارِ بِها داخِلِينَ ﴿فِي مِلَّتِنا﴾ " أيْ مِلَّةِ المُشْرِكِينَ.
قالَ الجَشْمِيُّ: المِلَّةُ الدِّيانَةُ الَّتِي يُجْمِعُ عَلى العَمَلِ بِها فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ. والأصْلُ فِيهِ تَكَرُّرُ الأمْرِ، مِن قَوْلِهِمْ: طَرِيقٌ مُمِلٌّ ومَلِيلٌ، إذا تَكَرَّرَ سُلُوكُهُ حَتّى صارَ مُعَلَّمًا. ومِنهُ المَلَلُ: تَكْرارُ الشَّيْءِ عَلى النَّفْسِ حَتّى تَضْجَرَ مِنهُ. انْتَهى.
﴿قالَ﴾ " أيْ شُعَيْبٌ ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ " أيْ: أتُجْبِرُونَنا عَلى ذَلِكَ، وإنْ كُنّا كارِهِينَ لَهُ؟ مَعَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في الإكْراهِ، لِأنَّ دِينَكم إنْ كانَ حَقًّا، لَمْ نَكُنْ بِالإكْراهِ مُنْقادِينَ لَهُ، وإنْ كانَ باطِلًا، لَمْ نَكُنْ بِالإكْراهِ مُتَّصِفِينَ بِهِ، لِأنَّهُ بِالحَقِيقَةِ صِفَةُ القَلْبِ، ولا يَسْرِي إكْراهُكم إلَيْهِ. وكَيْفَ لا نَكْرَهُهُ وهو يَسْتَلْزِمُ غايَةَ القُبْحِ والظُّلْمِ.
(p-٢٨١٤)
الأعراف 7:89
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٩] ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ " أيِ اخْتَلَقْنا عَلَيْهِ باطِلًا بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا ﴿إنْ عُدْنا﴾ " إلى تَرْكِ دَعْوى الرِّسالَةِ والإقْرارِ بِها، لِنَدْخُلَ ﴿فِي مِلَّتِكُمْ﴾ " القائِلَةِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا. ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ " فَأرانا أنَّهُ كالإنْجاءِ مِنَ النّارِ.
﴿وما يَكُونُ﴾ " أيْ: يَنْبَغِي ﴿لَنا أنْ نَعُودَ﴾ " أيْ عَنْ دَعْوى الرِّسالَةِ والإقْرارِ بِها فَنَصِيرُ ﴿فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ " أيِ الَّذِي يُرَبِّينا بِما عَلِمَ مِنِ اسْتِعْدادِنا، لِأنَّهُ ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ فَعَلِمَ اسْتِعْدادَ كُلِّ واحِدٍ في كُلِّ وقْتٍ، لَكِنْ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ " أيْ: لِيَحْفَظَنا عَنِ المَصِيرِ إلَيْها ﴿رَبُّنا﴾ " إنْ قَصَدُوا إكْراهَنا عَلَيْها أوْ إخْراجَنا مِن قَرْيَتِهِمْ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ فَغَلَبَنا عَلَيْهِمْ ﴿وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ " أيْ خَيْرُ الحاكِمِينَ، فَلا تُغَلِّبِ الظّالِمِينَ وإنْ كَثُرُوا، عَلى المَظْلُومِينَ إذا اسْتَفْتَحُوكَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ [الأعراف: ٨٨] وقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى مِلَّتِهِمْ قَبْلَ بَعْثَتِهِ، ومَعْلُومٌ عِصْمَةُ الأنْبِياءِ عَنِ الكَبائِرِ، فَضْلًا عَنِ الشِّرْكِ.
وفِي (المَواقِفِ وشَرْحِها): أنَّ الأُمَّةَ أجْمَعَتْ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ مِنَ الكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها، غَيْرَ أنَّ الأزارِقَةِ مِنَ الخَوارِجِ جَوَّزُوا عَلَيْهِمُ الذَّنْبَ، وكُلُّ ذَنْبِ عِنْدَهم كُفْرٌ، فَلَزِمَهم تَجْوِيزُ الكُفْرِ، وجَوَّزَ الشِّيعَةُ إظْهارِ الكُفْرِ تَقِيَّةً عِنْدَ خَوْفِ الهَلاكِ، واحْتِرازًا عَنْ إلْقاءِ النَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ. ومِثْلُهُ في (شَرْحِ التَّجْرِيدِ).
(p-٢٨١٥)ولَمّا تَقَرَّرَ إجْماعُ الأُمَّةِ عَلى ما ذَكَرَ، كانَ لِلْعُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
مِنها: أنَّ العَوْدَ المُقابِلَ لِلْخُرُوجِ، هو العَوْدُ إلى تَرْكِ دَعْوى الرِّسالَةِ والإقْرارِ بِها.
والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ، أيْ لِيَكُنْ مِنكُمُ الخُرُوجُ مِن قَرْيَتِنا، أوِ العَوْدُ إلى تَرْكِ دَعْوى الرِّسالَةِ والإقْرارِ بِها، داخِلِينَ في مِلَّتِنا، وهَذا الوَجْهُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ المَهايِمِيُّ، وسايَرْناهُ فِيهِ مَعَ تَفْسِيرِ تَتِمَّةِ الآيَةِ.
ومِنها: أنَّ العَوْدَ المَذْكُورَ إلى ما خَرَجَ مِنهُ، وهو القَرْيَةُ. والمَجْرُورُ حالٌ كالسّابِقِ، أيْ: لِيَكُنْ مِنكُمُ الخُرُوجُ مِن قَرْيَتِنا أوِ العَوْدُ إلَيْها، كائِنِينَ في مِلَّتِنا. وعُدِّيَ (عادَ) بِ(فِي) كَأنَّ المِلَّةَ لَهم بِمَنزِلَةِ الوِعاءِ المُحِيطِ بِهِمْ.
ومِنها: أنَّ هَذا القَوْلَ جارٍ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهُ كانَ في مِلَّتِهِمْ، لِسُكُوتِهِ قَبْلَ البَعْثَةِ عَنِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ.
ومِنها: أنَّهُ صَدَرَ عَنْ رُؤَسائِهِمْ تَلْبِيسًا عَلى النّاسِ، وإيهامًا لِأنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمْ، وما صَدَرَ عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ.
ومِنها: أنَّ " لَتَعُودُنَّ " بِمَعْنى لَتَصِيرُنَّ، إذْ كَثِيرًا ما يَرِدُ (عادَ) بِمَعْنى (صارَ)، فَيَعْمَلُ عَمَلَ (كانَ)، ولا يَسْتَدْعِي الرُّجُوعَ إلى حالَةٍ سابِقَةٍ، بَلْ عَكْسُ ذَلِكَ، وهو الِانْتِقالُ مِن حالٍ سابِقَةٍ، إلى حالٍ مُؤْتَنِفَةٍ مِثْلَ (صارَ).
وكَأنَّهم قالُوا -واللَّهُ أعْلَمُ-: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا، أوْ لَتَصِيرُنَّ كُفّارًا مِثْلَنا.
قالَ الرّازِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ، يُرِيدُونَ: قَدْ صارَ إلَيَّ مِنَ المَكْرُوهِ ابْتِداءً. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَّ مُدَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ
أرادَ: فَقَدْ صارَتْ لَهُنَّ ذُنُوبٌ، ولَمْ يُرِدْ أنَّ ذُنُوبًا كانَتْ لَهُنَّ قَبْلَ الإحْسانِ. انْتَهى.
ومِنهُ حَدِيثُ مُعاذٍ. قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ««أعُدْتَ فَتّانًا يا مُعاذُ ؟»» أيْ: صِرْتَ.
(p-٢٨١٦)ومِنهُ حَدِيثُ خُزَيْمَةَ: ««عادَ لَها النِّقادُ مُجْرَنْثِمًا»» أيْ: صارَ.
وفِي حَدِيثِ كَعْبٍ: «ودِدْتُ أنَّ هَذا اللَّبَنَ يَعُودُ قَطِرانًا»، أيْ: يَصِيرُ. فَقِيلَ لَهُ: لِمَ ذَلِكَ؟ قالَ تَتَبَّعَتْ قُرَيْشٌ أذْنابَ الإبِلِ، وتَرَكُوا الجَماعاتِ.
قالَ الشِّهابُ: إلّا أنَّهُ قِيلَ إنَّهُ لا يُلائِمُ قَوْلَهُ ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ " إلّا أنْ يُقالَ بِالتَّغْلِيبِ فِيهِ، أوْ يُقالَ: التَّنْجِيَةُ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ بَعْدَ الوُقُوعِ في المَكْرُوهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ [الأعراف: ٨٣] وأمْثالَهُ؟
ومِنها: أنَّ العَوْدَ يُطْلَقُ، ويُرادُ بِهِ الِابْتِداءُ. حَقَّقَهُ الرّاغِبُ والجارَبَرْدِيُّ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأنْشَدُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وعادَ الرَّأْسُ مِنِّي كالثَّغامِ
ومَعْنى الآيَةِ: لَتَدْخُلُّنَّ في مِلَّتِنا، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ عُدْنا﴾ " أيْ دَخَلْنا -كَذا في (تاجِ العَرُوسِ)-.
ومِنها: إبْقاءُ صِيغَةِ العَوْدِ عَلى ظاهِرِها، مِنِ اسْتِدْعائِها رُجُوعَ العائِدِ، إلى حالٍ كانَ عَلَيْها قَبْلُ، كَما يُقالُ: عادَ لَهُ، بَعْدَ ما كانَ أعْرَضَ عَنْهُ، إلّا أنَّ الكَلامَ مِن بابِ التَّغْلِيبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا قالُوا ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ [الأعراف: ٨٨] فَعَطَفُوا عَلى ضَمِيرِهِ، الَّذِينَ (p-٢٨١٧)دَخَلُوا في الإيمانِ مِنهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ، قالُوا ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ [الأعراف: ٨٨] " فَغَلَّبُوا الجَماعَةَ عَلى الواحِدِ، فَجَعَلُوهم عائِدِينَ جَمِيعًا، إجْراءً لِلْكَلامِ عَلى حُكْمِ التَّغْلِيبِ.
وعَلى ذَلِكَ أجْرى شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ جَوابَهُ فَقالَ: ﴿إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ وهو يُرِيدُ عَوْدَ قَوْمِهِ، إلّا أنَّهُ نَظَمَ نَفْسَهُ في جُمْلَتِهِمْ، وإنْ كانَ بَرِيئًا مِن ذَلِكَ، إجْراءً لِكَلامِهِ عَلى حُكْمِ التَّغْلِيبِ. انْتَهى.
ومِنها: ما قالَهُ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): إنَّهُ يُسَلِّمُ اسْتِعْمال العُودِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى أمْرٍ سابِقٍ، ويُجابُ عَنْ ذَلِكَ بِمِثْلِ الجَوابِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]
والإخْراجُ يَسْتَدْعِي دُخُولًا سابِقًا فِيما وقَعَ الإخْراجُ مِنهُ، ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ المُؤْمِنَ النّاشِئَ في الإيمانِ لَمْ يَدْخُلْ قَطُّ في ظُلْمَةِ الكُفْرِ، ولا كانَ فِيها، وكَذَلِكَ الكافِرُ الأصْلِيُّ، لَمْ يَدْخُلْ قَطُّ في نُورِ الإيمانِ، ولا كانَ فِيهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ الإيمانُ والكُفْرُ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ العَبْدَ مُتَيَسِّرًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُتَمَكِّنًا مِنهُ لَوْ أرادَهُ، فَعَبَّرَ عَنْ تَمَكُّنِ المُؤْمِنِ مِنَ الكُفْرِ ثُمَّ عُدُولِهِ عَنْهُ إلى الإيمانِ، إخْبارًا بِالإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ لَهُ، ولُطْفًا بِهِ، بَلْ وبِالعَكْسِ في حَقِّ الكافِرِ.
وقَدْ مَضى نَظِيرُ هَذا النَّظَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] وهو مِنَ المَجازِ المُعَبَّرِ فِيهِ عَنِ السَّبَبِ بِالمُسَبَّبِ، وفائِدَةُ اخْتِيارِهِ في هَذِهِ المَواضِعِ تَحْقِيقُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ لِإقامَةِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ -واللَّهُ أعْلَمُ- انْتَهى.
الثّانِي: في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ رَدٌّ إلى اللَّهِ تَعالى مُسْتَقِيمٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: والَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ والسُّنَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ شُعَيْبًا وأصْحابَهُ قالُوا: ما كُنّا لِنَرْجِعَ إلى مِلَّتِكُمْ، بَعْدَ أنْ وقَفْنا عَلى أنَّها ضَلالَةٌ تُكْسِبُ دُخُولَ النّارِ، إلّا أنْ يُرِيدَ إهْلاكَنا، فَأُمُورُنا راجِعَةٌ إلى اللَّهِ، غَيْرُ خارِجَةٍ عَنْ قَبْضَتِهِ، يُسْعِدُ مَن يَشاءُ بِالطّاعَةِ، ويُشْقِي مَن يَشاءُ بِالمَعْصِيَةِ. وهَذا مِن شُعَيْبٍ وقَوْمِهِ اسْتِسْلامٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
ولَمْ تَزَلِ الأنْبِياءُ والأكابِرُ (p-٢٨١٨)يَخافُونَ العاقِبَةَ، وانْقِلابَ الأمْرِ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ؟ وكانَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ كَثِيرًا ما يَقُولُ: ««يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ! ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ»» .
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ أنْ نَعُودَ فِيها، وتَصْدِيقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يَكُونُ، مِن قَبْلِ أنْ يَكُونَ، وما سَيَكُونُ، وأنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا في الأزَلِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فالسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
وقالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ الِاعْتِرافُ بِالقُصُورِ عَنْ عِلْمِ العاقِبَةِ، والِاطِّلاعِ عَلى الأُمُورِ الغائِبَةِ، فَإنَّ العَوْدَ إلى الكُفْرِ جائِزٌ في قُدْرَةِ اللَّهِ أنْ يَقَعَ مِنَ العَبْدِ، ولَوْ وقَعَ فَبِقُدْرَةِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ المُغَيَّبَةِ عَنْ خَلْقِهِ، فالحَذَرُ قائِمٌ، والخَوْفُ لازِمٌ.
ونَظِيرُهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠] لَمّا رَدَّ الأمْرَ إلى المَشِيئَةِ، وهي مُغَيَّبَةٌ، مَجَّدَ اللَّهَ تَعالى بِالِانْفِرادِ بِعِلْمِ الغائِباتِ - واللَّهُ أعْلَمُ ـ.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: مَعْنى ﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ " الآيَةَ، أيْ: ما يَصِحُّ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، أيْ إلّا حالَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ وقْتَ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِعَوْدِنا فِيها، وذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَكُونُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى﴿رَبُّنا﴾ " فَإنَّ التَّعَرُّضَ لِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُمْ، مِمّا يُنْبِئُ عَنِ اسْتِحالَةِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِارْتِدادِهِمْ قَطْعًا، وكَذا قَوْلُهُ ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ " فَإنَّ تَنْجِيَتَهُ تَعالى لَهم مِنها، مِن دَلائِلِ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ لِعَوْدِهِمْ فِيها.
وقِيلَ مَعْناهُ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ خِذْلانَنا، فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، وأيًّا ما كانَ، فَلَيْسَ المُرادُ بِذَلِكَ بَيانَ أنَّ العَوْدَ فِيها في حَيِّزِ الإمْكانِ، وخَطِرُ الوُقُوعِ، بِناءً عَلى كَوْنِ مَشِيئَتِهِ تَعالى كَذَلِكَ، بَلْ بَيانُ اسْتِحالَةِ وُقُوعِها. كَأنَّهُ (p-٢٨١٩)قِيلَ: وما كانَ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا، وهَيْهاتَ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ ما ذُكِرَ مِن مُوجِباتِ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لَهُ. انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ إفْهامَ ذَلِكَ الِاسْتِحالَةَ، هو بِاعْتِبارِ الواقِعِ وما يَقْتَضِيهِ مَنصِبُ النُّبُوَّةِ، وأمّا إذا لُوحِظَ مَقامُ الخَوْفِ والخَشْيَةِ، الَّذِي هو مِن أعْلى مَقاماتِ الخَواصِّ، فَيَكُونُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا أدَقَّ، وبِالقَبُولِ أحَقَّ.
قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ): قَدْ أثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى أقْرَبِ عِبادِهِ إلَيْهِ بِالخَوْفِ مِنهُ، فَقالَ عَنْ أنْبِيائِهِ، بَعْدَ أنْ أثْنى عَلَيْهِمْ ومَدَحَهُمْ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] فالرَّغَبُ الرَّجاءُ، والرَّهَبُ الخَوْفُ والخَشْيَةُ.
وقالَ عَنْ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ قَدْ آمَنَهم مِن عَذابِهِ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وفي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إنِّي أعْلَمُكم بِاللَّهِ، وأشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً»» . وفي لَفْظٍ آخَرَ: ««إنِّي أخْوَفُكم لِلَّهِ وأعْلَمُكم بِما أتْقي»» . «وكانَ ﷺ يُصَلِّي ولِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكاءِ» . وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَكُلَّما كانَ العَبْدُ بِاللَّهِ أعْلَمَ، كانَ لَهُ أخْوَفَ.
الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: أهَّلَ عُمانَ يُسَمُّونَ (القاضِيَ) الفاتِحَ والفَتّاحَ. لِأنَّهُ يَفْتَحُ مَواضِعَ الحَقِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنٍ تَقُولُ لِزَوْجِها: تَعالَ أُفاتِحُكَ، أيْ: أُحاكِمُكَ.
(p-٢٨٢٠)وقالَ الشِّهابُ: الفَتْحُ، بِمَعْنى الحُكْمِ، وهي لُغَةٌ لِحِمْيَرَ أوْ لِمُرادٍ، والفُتاحَةُ بِالضَّمِّ عِنْدَهُمُ الحُكُومَةُ. أوْ هو مَجازٌ بِمَعْنى: أظْهِرْ وبَيِّنْ أمْرَنا، حَتّى يَنْكَشِفَ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، ويَتَمَيَّزَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ. ومِنهُ فَتْحُ المُشْكِلِ لِبَيانِهِ وحَلِّهِ، تَشْبِيهًا لَهُ بِفَتْحِ البابِ وإزالَةِ الأغْلاقِ، حَتّى يُوَصِّلَ إلى ما خَلْفَها.
الأعراف 7:90
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٠] ﴿وقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾
" ﴿وقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ أيْ: فِيما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ " أيْ لَجاهِلُونَ مَغْبُونُونَ، لِاسْتِبْدالِكم ضَلالَتَهُ بِهُداكُمْ، أوْ لِفَواتِ ما يَحْصُلُ لَكم مِن بَخْسِ الكَيْلِ والمِيزانِ.
الأعراف 7:91
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩١] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ " أيِ الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أخْبَرَ تَعالى هُنا أنَّهم أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، كَما أرَجَفُوا شُعَيْبًا وأصْحابَهُ وتَوَعَّدُوهم بِالجَلاءِ، كَما أخْبَرَ عَنْهم في سُورَةِ هُودٍ، فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤] والمُناسَبَةُ هُناكَ -واللَّهُ أعْلَمُ- أنَّهم لَمّا تَهَكَّمُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧] الآيَةَ، فَجاءَتِ الصَّيْحَةُ فَأسْكَتَتْهم.
وقالَ تَعالى في الشُّعَراءِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] وما ذاكَ إلّا لِأنَّهم قالُوا لَهُ في سِياقِ القِصَّةِ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الشعراء: ١٨٧] الآيَةَ (p-٢٨٢١)فَأخْبَرَ أنَّهُ أصابَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ. وقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ كُلُّهُ، أصابَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهي سَحابَةٌ أظَلَّتْهُمْ، فِيها شَرَرٌ مِن نارٍ ولَهَبٍ ووَهَجٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ جاءَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ، ورَجْفَةٌ مِنَ الأرْضِ شَدِيدَةٌ مِن أسْفَلَ مِنهُمْ، فَزَهِقَتِ الأرْواحُ، وفاضَتِ النُّفُوسُ، وخَمَدَتِ الأجْسامُ. ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ " أيْ: مَدِينَتِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ " أيْ ساقِطِينَ مَيِّتِينَ، لا يَنْتَفِعُونَ بِرُؤُوسِ أمْوالِهِمْ ولا بِزَوائِدِها.
الأعراف 7:92
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٢] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾
" ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ابْتِلائِهِمْ بِشُؤْمِ قَوْلِهِمْ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا﴾ [الأعراف: ٨٨] وعُقُوبَتِهِمْ بِمُقابَلَتِهِ.
والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ " أيِ اسْتُؤْصِلُوا بِالمَرَّةِ، وصارُوا كَأنَّهم لَمّا أصابَتْهُمُ النِّقْمَةُ، لَمْ يُقِيمُوا بِدِيارِهِمُ الَّتِي أرادُوا إجْلاءَ الرَّسُولِ وصَحْبِهِ مِنها.
ثُمَّ قالَ تَعالى مُقابِلًا لِقِيلِهِمُ السّابِقِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ دِينًا ودُنْيا، لا الَّذِينَ صَدَّقُوهُ واتَّبَعُوهُ كَما زَعَمُوا.
قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ آخَرُ لِبَيانِ ابْتِلائِهِمْ بِعُقُوبَةِ قَوْلِهِمُ الأخِيرِ، وإعادَةُ المَوْصُولِ والصِّلَةِ كَما هِيَ، لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإيذانُ بِأنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، هو الَّذِي اسْتَوْجَبَ العُقُوبَتَيْنِ، أيِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، عُوقِبُوا بِمَقالَتِهِمُ الأخِيرَةِ، فَصارُوا هُمُ الخاسِرِينَ، لا المُتَّبِعُونَ لَهُ، وبِهَذا القَصْرِ اكْتَفى عَنِ التَّصْرِيحِ بِإنْجائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَما وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [هود: ٥٨]
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في هَذا الِاسْتِئْنافِ والِابْتِداءِ، وهَذا التَّكْرِيرُ، مُبالَغَةً في رَدِّ مَقالَةِ المَلَأِ لِأشْياعِهِمْ، وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ، واسْتِهْزاءٌ بِنُصْحِهِمْ لِقَوْمِهِمْ، واسْتِعْظامٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ.
(p-٢٨٢٢)وفِي (العِنايَةِ): أنَّ مِن عادَةِ العَرَبِ الِاسْتِئْنافَ مِن غَيْرِ عَطْفٍ، في الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ، فَيَقُولُونَ: أخُوكَ الَّذِي نَهَبَ مالَنا، أخُوكَ الَّذِي هَتَكَ سِتْرَنا. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الأعراف 7:93
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٣] ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ " أيْ: أعْرَضَ عَنْ شَفاعَتِهِمْ والحُزْنِ عَلَيْهِمْ ﴿وقالَ﴾ " أيْ: في الِاعْتِذارِ ﴿يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ " أيْ: بِالأمْرِ والنَّهْيِ ﴿ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ " أيْ: حَذَّرْتُكم مِن عَذابِ اللَّهِ، ودَعَوْتُكم إلى التَّوْبَةِ والإيمانِ بِما يُفِيدُ رِبْحَ الدّارَيْنِ، ويَمْنَعُكم خُسْرانَهُما، لَكِنَّكم كَفَرْتُمْ ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ " أيْ: أحْزَنُ حُزْنًا شَدِيدًا ﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ " أيْ: بِاللَّهِ إنْ هَلَكُوا، فَضْلًا عَنْ أنْ أشْتَغِلَ بِشَفاعَتِهِمْ. يَعْنِي أنَّهُ لا يَأْسى عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم لَيْسُوا أحِقّاءَ بِالأسى.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: مِن أحْكامِ الآيَةِ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْمَ شُعَيْبٍ أُهْلِكُوا بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ لَمّا لَمْ يَقْبَلُوا نَصِيحَةَ نَبِيِّهِمْ، فَتَدُلُّ عَلى وُجُوبِ قَبُولِ النَّصِيحَةِ في الدِّينِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الحُزْنُ عَلى هَلاكِ الكَفَرَةِ والظَّلَمَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ اللَّهُ ويُشْكَرَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]
لَطِيفَةٌ:
ذَكَرُوا أنَّ شُعَيْبًا، عَلَيْهِ السَّلامُ، يُقالُ لَهُ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِفَصاحَةِ عِبارَتِهِ، وجَزالَةِ مَوْعِظَتِهِ، وأصْلُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا يَقُولُ: «ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ، لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ»» .
(p-٢٨٢٣)والمُراجَعَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الرُّجُوعِ، وهي مَجازٌ عَنِ المُحاوَرَةِ. يُقالُ: راجَعَهُ القَوْلُ، وإنَّما عَنى النَّبِيَّ ﷺ ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ، كَما يُعْلَمُ بِالتَّأمُّلِ فِيهِ. كَذا في (العِنايَةِ).
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أحْوالِ سائِرِ الأُمَمِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ إجْمالًا، إثْرَ بَيانِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ تَفْصِيلًا فَقالَ سُبْحانَهُ:
الأعراف 7:94
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٤] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾
" ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ أيْ كَذَّبَهُ أهْلُها ﴿إلا أخَذْنا أهْلَها﴾ " أيْ قَبْلَ الإهْلاكِ الكُلِّيِّ ﴿بِالبَأْساءِ﴾ " أيْ: شِدَّةِ الفَقْرِ ﴿والضَّرّاءِ﴾ " أيِ المَرَضِ، لِاسْتِكْبارِهِمْ عَنِ اتِّباعِ نَبِيِّهِمْ، وتُعَزِّزِهِمْ عَلَيْهِ ﴿لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ " لِيَتَضَرَّعُوا ويَتَذَلَّلُوا، ويَحُطُّوا أرْدِيَةَ الكِبْرِ والعِزَّةِ، فَيُؤْمِنُوا.
الأعراف 7:95
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٥] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾
﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ " أيْ أعْطَيْناهم -بَدَلَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ البَلاءِ، كالشَّدَّةِ والمَرَضِ- السِّعَةَ والصِّحَّةَ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ " أيْ كَثُرُوا ونَمَوْا في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ: عَفا النَّباتُ، وعَفا الشَّحْمُ والوَبَرُ، إذا كَثُرَتْ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ ««وأعْفُوا اللِّحى»» .
﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ يَعْنِي وأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ وأشِرُوا، (p-٢٨٢٤)فَقالُوا كُفْرانًا لَها: هَذِهِ عادَةُ الدَّهْرِ، يُعاقِبُ في النّاسِ بَيْنَ الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ، وقَدْ مَسَّ آباءَنا نَحْوُ ذَلِكَ فَصَبَرُوا عَلى دِينِهِمْ، فَنَحْنُ مِثْلُهُمْ، نَقْتَدِي بِهِمْ، وما هو بِابْتِلاءٍ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ، تَصْدِيقًا لِوَعْدِ الرُّسُلِ، فازْدادُوا كُفْرًا بَعْدَ الإعْلامِ القَوْلِيِّ والفِعْلِيِّ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَلاهم بِالسَّيِّئَةِ لِيُنِيبُوا إلَيْهِ، فَما فَعَلُوا. ثُمَّ بِالحَسَنَةِ لِيَشْكُرُوا، فَما فَعَلُوا، وإذا لَمْ يَنْجَعْ فِيهِمْ هَذا ولا ذاكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَأْخُذَهم بِالعَذابِ، وقَدْ فَعَلَ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: فَأخَذْناهم أشَدَّ الأخْذِ وأفْظَعَهُ، وهو أخْذُهم فَجْأةً، مِن غَيْرِ شُعُورٍ مِنهُمْ، ولا خُطُورِ شَيْءٍ مِنَ المَكارِهِ بِبالِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا﴾ [الأنعام: ٤٤] الآيَةَ، وفي الحَدِيثِ: ««مَوْتُ الفَجْأةِ راحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وأخْذَةُ أسَفٍ لِلْفاجِرِ»» . رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا.
تَنْبِيهٌ:
اعْتِقادُ أنَّ مُناوَبَةَ الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ عادَةُ الدَّهْرِ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ داعِيَةٌ تُؤَدِّي إلَيْهِما، ولا حِكْمَةٌ فِيهِما، هو مِنِ اعْتِقادِ الكافِرِينَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: المُؤْمِنُ مَن يَتَفَطَّنُ لِما ابْتَلاهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ، فَيَشْكُرُ اللَّهَ عَلى السَّرّاءِ، ويَصْبِرُ عَلى الضَّرّاءِ. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ: ««لا يَزالُ البَلاءُ بِالمُؤْمِنِ حَتّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِن ذُنُوبِهِ. والمُنافِقُ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الحِمارِ لا يَدْرِي فِيمَ رَبَطَهُ أهْلُهُ، ولا فِيمَ أرْسَلُوهُ»» أوْ كَما قالَ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ: ««عَجَبًا لِأمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، ولَيْسَ ذاكَ لِأحَدٍ إلّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ»» .
وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٢٨٢٥)
الأعراف 7:96
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٦] ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ " أيِ القُرى المُهْلَكَةُ ﴿آمَنُوا﴾ " أيْ بِاللَّهِ ورُسُلِهِمْ ﴿واتَّقَوْا﴾ " أيِ الكُفْرَ والمَعاصِيَ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ " أيْ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الخَيْرَ، ويَسَّرْناهُ لَهم مِن كُلِّ جانِبٍ، مَكانَ ما أصابَهم مِن فُنُونِ العُقُوباتِ، الَّتِي بَعْضُها مِنَ السَّماءِ، وبَعْضُها مِنَ الأرْضِ. فَ(فَتَحْنا): اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، لِأنَّهُ شَبَّهُ تَيْسِيرَ البَرَكاتِ عَلَيْهِمْ بِفَتْحِ الأبْوابِ في سُهُولَةِ التَّناوُلِ، أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ فَيُلازِمُهُ، وهو التَّيْسِيرُ، أوْ أُرِيدَ بِ(بَرَكاتِ السَّماءِ): المَطَرُ، و(بَرَكاتِ الأرْضِ): النَّباتُ والثِّمارُ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ " أيِ الرُّسُلَ ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ " أيْ عاقَبْناهم ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ " مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
تَنْبِيهٌ:
أفادَتِ الآيَةُ قِلَّةَ إيمانِ أهْلِ القُرى الَّذِينَ أُرْسِلَ فِيهِمُ الرُّسُلُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] أيْ: ما آمَنَتْ قَرْيَةٌ بِتَمامِها إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فَإنَّهم آمَنُوا، وذَلِكَ بَعْدَ ما عايَنُوا مِنَ العَذابِ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] " .
وقَوْلُهُ تَعالى:
الأعراف 7:97
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٧] ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾
﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ " أيِ: القُرى المَذْكُورَةِ ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا﴾ " أيْ: عَذابُنا ونَكالُنا ﴿بَياتًا﴾ " أيْ: لَيْلًا، أيْ وقْتَ بَياتٍ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ " أيْ حالَ كَمالِ الغَفْلَةِ.
الأعراف 7:98
(p-٢٨٢٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٨] ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾
" ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ أيْ: يَخُوضُونَ في الباطِلِ ويَلْهُونَ مِن فَرْطِ الغَفْلَةِ.
الأعراف 7:99
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٩] ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾
﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ " وهو أخْذُهُ العَبْدَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ " أيْ لا يَأْمَنُ أحَدٌ أخَذَهُ تَعالى العَبْدَ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ، مَعَ كَثْرَةِ ما رَأى مِن أخْذِهِ العِبادَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، إلّا القَوْمُ الَّذِي خَسِرُوا عُقُولَهُمْ، وأضاعُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، الِاسْتِعْدادَ القَرِيبَ المُسْتَفادَ مِنَ النَّظَرِ في الآياتِ، فَصارُوا خاسِرِينَ إنْسانِيَّتَهُمْ، بَلْ أخَسُّ مِنَ البَهائِمِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ " تَكْرِيرٌ لِلنَّكِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٧] " لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلى العاقِلِ أنْ يَكُونَ في خَوْفٍ مِن مَكْرِ اللَّهِ، كالمُحارِبِ الَّذِي يَخافُ مِن عَدُوِّهِ الكَمِينِ، والبَياتَ، والغِيلَةَ. وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ أنَّ ابْنَتَهُ قالَتْ: ما لِي أرى النّاسَ يَنامُونَ ولا أراكَ تَنامُ؟ فَقالَ: يا بِنْتاهُ إنَّ أباكِ يَخافُ البَياتَ. أرادَ قَوْلَهُ ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا﴾ [الأعراف: ٩٧] " . انْتَهى.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: المُؤْمِنُ يَعْمَلُ بِالطّاعاتِ وهو مُشْفِقٌ وجِلٌ خائِفٌ، والفاجِرُ يَعْمَلُ بِالمَعاصِي وهو آمِنٌ.
تَنْبِيهٌ:
الأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، وهو الِاسْتِرْسالُ في المَعاصِي، اتِّكالًا عَلى عَفْوِ اللَّهِ -كَما في جَمْعِ الجَوامِعِ-.
(p-٢٨٢٧)وقالَ الحَنَفِيَّةُ: إنَّهُ كُفْرٌ كاليَأْسِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾
واسْتَدَلَّ الشّافِعِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «( مِنَ الكَبائِرِ الأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ)» . وما ورَدَ أنَّهُ كُفْرٌ مَحْمُولٌ عَلى التَّغْلِيظِ كَذا في العِنايَةِ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ: «ما الكَبائِرُ؟ فَقالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ»» . قالَ بَعْضُهُمْ: والأشْبَهُ أنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ: وبِكَوْنِهِ أكْبَرَ الكَبائِرِ، صَرَّحَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَما رَواهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ والطَّبَرانِيُّ.
قالَ الكَمالُ بْنُ أبِي شَرِيفٍ: عَطْفُهُما -يَعْنِي الإياسَ والأمْنَ - في الحَدِيثِ عَلى (الإشْراكِ بِاللَّهِ)، المَحْمُولِ عَلى مُطْلَقِ الكُفْرِ، ظاهِرٌ في أنَّهُما غَيْرُ الكُفْرِ.
وقالَ أيْضًا: مُرادُ الشّافِعِيَّةِ بِكَوْنِهِ كَبِيرَةً، أنَّ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الرَّجاءُ غَلَبَةً دَخَلَ بِها في حَدِّ الآمِنِ مِنَ المَكْرِ، كَمَنِ اسْتَبْعَدَ العَفْوَ عَنْ ذُنُوبِهِ لِعِظَمِها اسْتِبْعادًا دَخَلَ بِهِ في حَدِّ اليائِسِ. وأمّا مَن كانَ أمْنُهُ لِاعْتِقادِ أنْ لا مَكْرَ، كَمَن كانَ يَأْسُهُ لِإنْكارِ سَعَةِ الرَّحْمَةِ ذُنُوبَهُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما كافِرًا عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أيْضًا، ويُحْمَلُ عَلَيْهِ نَصُّ القُرْآنِ -انْتَهى.
الأعراف 7:100
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٠] ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾
﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ " أيْ يَتَبَيَّنُ ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ أيِ المَأْخُوذِينَ.
(p-٢٨٢٨)﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم فَأهْلَكْنا الوارِثِينَ كَما أهْلَكْنا المَوْرُوثِينَ ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ نَخْتِمُ عَلَيْها فَلا يَقْبَلُونَ مَوْعِظَةً ولا إيمانًا.
قالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ (يَهْدِ) بِالياءِ، وفاعِلُهُ (أنْ لَوْ نَشاءُ). وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ: أوْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهم عِلْمُهم بِمَشِيئَتِنا. ويُقْرَأُ بِالنُّونِ. و(أنْ لَوْ نَشاءُ) مَفْعُولُهُ. وقِيلَ: فاعِلُ (يَهْدِي) ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.
ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ النُّونِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى ما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلَهُ، أيْ: أوَلَمْ يَهْدِ ما جَرى لِلْأُمَمِ السّابِقَةِ، وتَعْدِيَةُ (يَهْدِ) بِاللّامِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى (يُبَيِّنُ) إمّا بِطَرِيقِ المَجازِ، أوِ التَّضْمِينِ.
قالَ الشِّهابُ: وإنَّما جَعَلَ بِمَعْنى (يُبَيِّنُ)، وإنْ كانَ (هَدى) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وبِاللّامِ وبِإلى -لِأنَّ ذَلِكَ في المَفْعُولِ الثّانِي لا في الأوَّلِ، كَما هُنا، فَهَذا اسْتِعْمالٌ آخَرُ. وقِيلَ: لَكَ أنْ تَحْمِلَ اللّامَ عَلى الزِّيادَةِ، كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] والمُرادُ بِ(الَّذِينَ)، أهْلُ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها، كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الأعراف 7:101
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠١] ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾
﴿تِلْكَ القُرى﴾ " أيِ المَذْكُورَةُ وهي قُرى قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ " مِمّا يَدُلُّ عَلى مُؤاخَذَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ لِإصْرارِهِمْ عَلَيْها بَعْدَ التَّنْبِيهِ.
(p-٢٨٢٩)ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أعْذَرَ إلَيْهِمْ بِأنْ بَيَّنَ لَهُمُ الحَقَّ بِالحُجَجِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ والدَّلائِلِ القاطِعَةِ ﴿بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ " أيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالحَقِّ أوَّلَ ما ورَدَ عَلَيْهِمْ، إذْ تَمَرَّنُوا عَلى التَّكْذِيبِ، فَلَمْ تُفِدْهُمُ الآياتُ، واسْتَوَتْ عِنْدَهُمُ الحالَتانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] الآيَةَ ولِهَذا قالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ أيْ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، فَلا يَكادُ يُؤَثِّرُ فِيها الآياتُ والنُّذُرُ، لِما عَلِمَ أنَّهم يَخْتارُونَ الثَّباتَ عَلى الكُفْرِ.
الأعراف 7:102
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٢] ﴿وما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾
" ﴿وما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ أيْ مِن وفاءِ عَهْدٍ ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ " أيْ: خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ مارِقِينَ، فَلِذَلِكَ أخَذْناهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ (لِلنّاسِ) عَلى الإطْلاقِ، أيْ وما وجَدْنا لِأكْثَرِ النّاسِ مِن عَهْدٍ، يَعْنِي: أنَّ أكْثَرَ النّاسِ نَقَضَ عَهْدَ اللَّهِ ومِيثاقَهُ في الإيمانِ والتَّقْوى، والآيَةُ اعْتِراضٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلى الأُمَمِ المَذْكُورِينَ، وأنَّهم كانُوا، إذا عاهَدُوا اللَّهَ في ضُرٍّ ومَخافَةٍ، لَئِنْ أنْجَيْتَنا لَنُؤْمِنَنَّ، ثُمَّ نَجّاهُمْ، نَكَثُوا.
الأعراف 7:103
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٣] ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ " أيِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ، وهم نُوحٌ وهُودٌ وصالِحٌ ولُوطٌ (p-٢٨٣٠)وشُعَيْبٌ، أوِ الأُمَمُ المَحْكِيَّةُ مِن بَعْدِ هَلاكِهِمْ ﴿مُوسى بِآياتِنا﴾ " وهي العَصا، واليَدُ البَيْضاءُ، والسُّنُونَ، ونَقْصُ الثَّمَراتِ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، حَسْبَما يَأْتِي مُفَصَّلًا ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ " وهو مَلِكُ مِصْرَ في عَهْدِ مُوسى ﴿ومَلَئِهِ﴾ " أيْ قَوْمِهِ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ " أيْ كَفَرُوا بِها. أجْرى الظُّلْمَ مَجْرى الكُفْرِ في تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ، وإنْ كانَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لِأنَّهُما مِن وادٍ واحِدٍ. ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] "، أوْ هو بِمَعْنى الكُفْرِ مَجازًا أوْ تَضْمِينًا، أيْ: كَفَرُوا بِها واضِعِينَ الكُفْرَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وهو مَوْضِعُ الإيمانِ، لِأنَّهُ أُوتِيَ الآياتِ لِتَكُونَ مُوجِبَةً لِلْإيمانِ بِما جاءَ بِهِ، فَعَكَسُوا، حَيْثُ كَفَرُوا فَوَضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أوِ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها، بِأنْ عَرَّضُوها لِلْعَذابِ الخالِدِ، أوْ ظَلَمُوا النّاسَ لِصَدِّهِمْ عَنِ الإيمانِ بِها، والمُرادُ بِهِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الكُفْرِ بِها إلى أنْ لَقُوا مِنَ العَذابِ ما لَقُوا، كَما يُشِيرُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لِعَقائِدِ الخَلْقِ، أفْسَدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُلْكُهُمْ، وآتاهُ أعْداءَهُمْ، فَأغْرَقَهم عَنْ آخِرِهِمْ، بِمَرْأى مِن مُوسى وقَوْمِهِ.
الأعراف 7:104
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٤] ﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
" ﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: أرْسَلَنِي إلَيْكَ الَّذِي هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ورَبُّهُ.
الأعراف 7:105
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٥] ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾
﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ " أيْ جَدِيرٌ بِذَلِكَ وحَرِيٌّ بِهِ، لِما عَلِمْتَ (p-٢٨٣١)مِن حالِي. والباءُ و(عَلى) يَتَعاقَبانِ، يُقالُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَلى القَوْسِ. وجاءَ عَلى حالٍ حَسَنَةٍ وبِحالٍ حَسَنَةٍ. وقَرَأ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ((حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ)) ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ " أيْ آيَةٍ مِنهُ تَشْهَدُ عَلى صِدْقِي فِيما جِئْتُكم بِهِ بِالضَّرُورَةِ. ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ " رُوِيَ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَأْتِيَ فِرْعَوْنَ ويَقُولَ لَهُ: إنَّ إلَهَنا أمَرَنا أنْ نَسِيرَ ثَلاثَةَ أيّامٍ في البَرِّيَّةِ، ونُقَرِّبَ لَهُ قَرابِينَ ونَعْبُدَهُ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ فِرْعَوْنَ لا يَدَعُهم يَمْضُونَ، ولَكِنْ لِيُظْهِرَ آياتِهِ عَلى يَدِ مُوسى، ويُهْلِكَ عَدُوَّهُ. فَلَمّا أتى مُوسى فِرْعَوْنَ وكَلَّمَهُ في أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ قَوْمَهُ، أنْكَرَ أمْرَ الرَّبِّ لَهُ، وقالَ: لِماذا نُعَطِّلُ الشَّعْبَ عَنْ أعْمالِهِ؟ وكانُوا مُسَخَّرِينَ لِفِرْعَوْنَ في عَمَلِ اللَّبِنِ، وأمَرَ بِزِيادَةِ عَمَلِهِمْ، بِأنْ يَجْمَعُوا التِّبْنَ مِن أنْفُسِهِمْ، بَعْدَ أنْ كانُوا يُعْطَوْنَهُ مِن قِبَلِ فِرْعَوْنَ.
ثُمَّ طَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى آيَةً، كَما قالَ تَعالى:
الأعراف 7:106
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٦] ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾
" ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾
الأعراف 7:107
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٧] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾
﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ " الَّتِي هي جَمادٌ ﴿فَإذا هِيَ﴾ " أيْ مِن غَيْرِ سُتْرَةٍ ولا مُعالَجَةِ سَبَبٍ ﴿ثُعْبانٌ﴾ " أيْ حَيَّةٌ كَبِيرَةٌ هائِلَةٌ، فاضَتْ عَلَيْهِ الحَياةُ لِتَدُلَّ عَلى فَيَضانِ الحَياةِ العَظِيمَةِ عَلى يَدَيْهِ ﴿مُبِينٌ﴾ " أيْ ظاهِرٌ لا مُتَخَيَّلٌ.
الأعراف 7:108
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٨] ﴿ونَـزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾
﴿ونَـزَعَ يَدَهُ﴾ " أيْ أخْرَجَ يَدَهُ مِن دِرْعِهِ بَعْدَما أدْخَلَها فِيهِ ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ " (p-٢٨٣٢)أيْ بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النَّظّارَةُ تَعَجُّبًا مِن أمْرِها، فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُظْهِرُ عَلى يَدَيْهِ شَرائِعَ تَغْلِبُ أنْوارُها المَعْنَوِيَّةُ الأنْوارَ الحِسِّيَّةَ، ويَتَقَوّى بِها الحَياةُ بِاللَّهِ.
الأعراف 7:109
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٩] ﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ " أيِ الأشْرافِ الَّذِينَ يَكْرَهُونَ شَرَفَ الغَيْرِ عَلَيْهِمْ، في دَفْعِ هَذِهِ الآياتِ الظّاهِرَةِ عَنْ خَواطِرِ الخَلْقِ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ " أيْ ماهِرٌ فِيهِ.
الأعراف 7:110
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٠] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾
﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ " أيْ مِن أرْضِ مِصْرَ بِسِحْرِهِ لِيَتَمَلَّكَ عَلَيْها ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ " أيْ تُشِيرُونَ في أمْرِهِ. وهَذا مِن تَمامِ الحِكايَةِ عَنْ قَوْلِ المَلَأِ، أوْ مُسْتَأْنِفٌ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ، تَقْدِيرُهُ فَقالَ: ماذا تَأْمُرُونَ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
الأعراف 7:111
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١١] ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾
﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ " أيْ أخِّرْ أمْرَهُما وأصْدِرْهُما عَنْكَ، حَتّى تَرى رَأْيَكَ فِيهِما، وتَدَبَّرْ شَأْنَهُما، لِئَلّا تُنْسَبَ إلى الظُّلْمِ الصَّرِيحِ.
قالَ أبُو مَنصُورٍ: والأمْرُ بِالتَّأْخِيرِ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَقَدَّمَ مِنهُ أمْرٌ آخَرُ، وهو الهَمُّ بِقَتْلِهِ، فَقالُوا أخِّرْهُ لِيَتَبَيَّنَ حالُهُ لِلنّاسِ.
وأصْلُ " أرْجِهْ " أرْجِئْهُ، كَما قُرِئَ كَذَلِكَ. مِن (أرْجَأْتُ) ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ﴾ " أيْ مَدائِنِ الصَّعِيدِ مِن نَواحِي مِصْرَ ﴿حاشِرِينَ﴾ " أيْ مَن يَحْشُرُ لَكَ السَّحَرَةَ ويَجْمَعُهم.
(p-٢٨٣٣)
الأعراف 7:112
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٢] ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾
﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ " وقُرِئَ ((سَحّارٍ)) ﴿عَلِيمٍ﴾ " أيْ ماهِرٍ في بابِ السِّحْرِ، لِيُعارِضُوا مُوسى بِنَظِيرِ ما أراهم مِنَ البَيِّناتِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى عَظِيمِ مُعْجِزَةٍ لِمُوسى، وتَدُلُّ عَلى جَهْلِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ قَلْبَ العَصا حَيَّةً تَسْعى لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، حَتّى نَسَبُوهُ إلى السِّحْرِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ عادَةَ البَشَرِ، أنَّ مَن رَأى أمْرًا عَظِيمًا أنْ يُعارِضَهُ، فَلِذَلِكَ دَعا فِرْعَوْنُ بِالسَّحَرَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العَرَبَ لَوْ قَدَرُوا عَلى مِثْلِ القُرْآنِ، لَعارَضُوهُ.
وتَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّرِيقَ في المُعْجِزاتِ، المُعارَضَةُ بِإتْيانِ مِثْلِهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] ولِذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّفْ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ غَيْرَ المُعارَضَةِ وإيقاعِ الشُّبَهِ. وتَدُلُّ أنَّهم أنْكَرُوا أمْرَهُ مُحافَظَةً عَلى المُلْكِ والمالِ، لِذَلِكَ قالُوا ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠] " فَيَدُلُّ عَلى أنَّ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى تَرْكِ الدِّينِ المُحافَظَةَ عَلى الرِّياسَةِ والمالِ والجاهِ، كَما هو عادَةُ النّاسِ في هَذا الزَّمَنِ. انْتَهى.
ثُمَّ تَسابَقَتْ شُرَطُ فِرْعَوْنَ، فَحَشَرُوهم. كَما قالَ تَعالى:
الأعراف 7:113
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٣] ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾
" ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾
الأعراف 7:114
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٤] ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾
" ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ولَمّا تَوَثَّقُوا مِن فِرْعَوْنَ.
(p-٢٨٣٤)
الأعراف 7:115
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٥] ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾
﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ " أيْ أوَّلُ مَن ألْقى، كَما في الآيَةِ الأُخْرى، قِيلَ: خَيَّرُوا مُوسى إظْهارًا لِلْجَلادَةِ، فَلَمْ يُبالُوا بِتَقَدُّمِهِ أوْ تَأخُّرِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَخْيِيرُهم إيّاهُ أدَبٌ حَسَنٌ، راعَوْهُ مَعَهُ، كَما يَفْعَلُ أهْلُ الصِّناعاتِ إذا التَقَوْا، كالمُتَناظِرِينَ قَبْلَ أنْ يَتَخاوَضُوا في الجِدالِ، والمُتَصارِعِينَ قَبْلَ أنْ يَتَآخَذُوا لِلصِّراعِ.
الأعراف 7:116
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٦] ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
﴿قالَ﴾ " أيْ: مُوسى لَهم ﴿ألْقُوا﴾ " أيْ ما أنْتُمْ مُلْقُونَ، وإنَّما سَوَّغَ لَهُمُ التَّقَدُّمَ ازْدِراءً لِشَأْنِهِمْ، وقِلَّةَ مُبالاةٍ بِهِمْ، وثِقَةً بِما كانَ بِصَدَدِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ الإلَهِيِّ، وأنَّ المُعْجِزَةَ لَنْ يَغْلِبَها سِحْرٌ أبَدًا. ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ " أيْ خَيَّلُوا لَها ما لَيْسَ في الواقِعِ ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ " أيْ وخَوَّفُوهم وأفْزَعُوهم بِما فَعَلُوا مِنَ السِّحْرِ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧] ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ " أيْ: في بابِ السِّحْرِ، أوْ في عَيْنِ مَن رَآهُ، فَإنَّهُ ألْقى كُلُّ واحِدٍ عَصاهُ، فَصارَتِ العِصِيُّ ثَعابِينَ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآياتِ عَلى أنَّ القَوْمَ أتَوْا بِما في وُسْعِهِمْ مِنَ التَّمْوِيهِ، وكانَ الزَّمانُ زَمانَ سِحْرٍ، والغالِبُ عَلَيْهِمْ الِاشْتِغالُ بِهِ، فَأتى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جِنْسِ ما هم فِيهِ، (p-٢٨٣٥)ما لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ، لِيَعْلَمُوا أنَّهُ مُعْجِزٌ ولَيْسَ بِسِحْرٍ. وهَكَذا يَنْبَغِي في المُعْجِزاتِ أنْ تَكُونَ مِن جِنْسِ ما هو شائِعٌ في القَوْمِ، ويَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ مِثْلُهُ. وكانَ الطِّبُّ هو الغالِبَ في زَمَنِ عِيسى، فَجاءَ بِإحْياءِ المَيِّتِ، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في وُسْعِ طَبِيبٍ. وكانَ الغالِبُ في زَمَنِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ الفَصاحَةَ والخُطَبَ والشِّعْرَ، فَجاءَ القُرْآنُ وتَحَدّاهم بِهِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّهم بِالحِيَلِ جَعَلُوا الحِبالَ والعِصِيَّ مُتَحَرِّكَةً حَتّى أوْهَمُوا أنَّها أحْياءٌ، ولَكِنْ لَمّا وُقِفَ عَلى أصْلِ ما فَعَلُوهُ وعُلِمَ، وكانَ مِثْلُهُ مَقْدُورًا لِكُلِّ مَن يَتَعاطى صِناعَتَهُمْ، عُلِمَ أنَّهُ شَعْبَذَةٌ. ولِهَذا تَتَفارَقُ المُعْجِزَةُ والشَّعْبَذَةُ، أنَّهُ يُوقِفُ عَلى أصْلِها، ويُمْكِنُ إتْيانُ مِثْلِها، ويَخْفى أمْرُها، بِخِلافِ المُعْجِزَةِ.
ثُمَّ قالَ: وتَدُلُّ عَلى اعْتِرافِ فِرْعَوْنَ بِالذُّلِّ والضَّعْفِ، حَيْثُ اسْتَغاثَ بِهِمْ وبِمِهْنَتِهِمْ لِدَفْعِ مَكْرُوهٍ. انْتَهى.
الأعراف 7:117
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٧] ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ﴾ " أيْ تَبْتَلِعُ ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ " أيْ ما يُلْقُونَهُ ويُوهِمُونَ أنَّهُ حَقٌّ، وهو باطِلٌ.
الأعراف 7:118
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٨] ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ " أيْ: ثَبَتَ الإعْجازُ ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ " أيْ مِنَ السِّحْرِ لِإبْطالِ الإعْجازِ.
الأعراف 7:119
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٩] ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾
﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ﴾ " أيْ في مَكانِ الوَعْدِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ أهْلُ مِصْرَ بِدَعْوَتِهِ، لِظَنِّهِ غَلَبَةَ السَّحَرَةِ ﴿وانْقَلَبُوا﴾ " أيْ رَجَعُوا ﴿صاغِرِينَ﴾ " أيْ ذَلِيلِينَ.
(p-٢٨٣٦)
الأعراف 7:120
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٠] ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾
" ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ " .
الأعراف 7:121
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢١] ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾
" ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ "
الأعراف 7:122
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٢] ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾
" ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ قالَ الجَشْمِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ السَّحَرَةَ عَرَفُوا أنَّ أمْرَ العَصا لَيْسَ مِن جِنْسِ السِّحْرِ، فَآمَنُوا في الحالِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّهم بِتِلْكَ الآياتِ اسْتَدَلُّوا عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، لِذَلِكَ اعْتَرَفُوا بِهِما.
الأعراف 7:123
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٣] ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
" ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا﴾ أيِ: الصُّنْعُ، ﴿لَمَكْرٌ﴾ " أيْ: حِيلَةٌ ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾ " أيْ دَبَّرْتُمُوهُ أنْتُمْ ومُوسى، ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ " أيْ في مِصْرَ قَبْلَ الخُرُوجِ لِلْمِيعادِ ﴿لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ " وعِيدٌ أجْمَلَهُ ثُمَّ فَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ:
الأعراف 7:124
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٤] ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾
" ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جانِبٍ، عُضْوًا مُغايِرًا لِلْآخَرِ، (p-٢٨٣٧)كاليَدِ مِن أحَدِهِما، والرِّجْلِ مِن آخَرَ.
قالَ الشِّهابُ: ﴿مِن خِلافٍ﴾ " حالٌ، أيْ مُخْتَلِفَةً، وقِيلَ " مِن " تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، أيْ لِأجْلِ خِلافِكُمْ، وهو بَعِيدٌ.
﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ " أيْ تَفْضِيحًا لَكم. وتَنْكِيلًا لِأمْثالِكم.
الأعراف 7:125
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٥] ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾
" ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ فَلا نُبالِي بِما تُهَدِّدُنا بِهِ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يُقَرِّبُنا إلى مَن آمَنا بِهِ، فَيُحْيِينا بِحَياةٍ خَيْرٍ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
الأعراف 7:126
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٦] ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾
" ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ أيْ ما تَعِيبُ مِنّا إلّا الإيمانَ بِآياتِ اللَّهِ، أيْ وما عِبْتَهُ وأنْكَرْتَهُ هو أعْظَمُ مَحاسِنِنا، لِأنَّهُ خَيْرُ الأعْمالِ، وأعْظَمُ المَناقِبِ، فَلا نَعْدِلُ عَنْهُ طَلَبًا لِمَرْضاتِكَ. ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ " أيْ أفِضْ عَلَيْنا صَبْرًا واسِعًا لِنَثْبُتَ عَلى دِينِكَ ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ " أيْ ثابِتِينَ عَلى الإسْلامِ.
الأعراف 7:127
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٧] ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾
﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ " أيْ خَوْفًا مِنِ انْقِلابِ الخَلائِقِ عَلَيْهِمْ حِينَ رَأوُا (p-٢٨٣٨)السَّحَرَةَ جاهَرُوا بِالإسْلامِ، ولَمْ يُبالُوا بِالتَّوَعُّدِ ﴿أتَذَرُ﴾ " أيْ أتَتْرُكُ ﴿مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ " أيْ في أرْضِ مَمْلَكَتِكَ بِتَغْيِيرِ النّاسِ عَنْكَ ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ " الآلِهَةُ جَمْعُ (إلَهٍ)، بِمَعْنى المَعْبُودِ، وكانَ لِلْمِصْرِيِّينَ آلِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها المُسَمّى (أُوسِيرِسَ)، وكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ رُوحَهُ تُوجَدُ في الثَّوْرِ المُسَمّى (أبِيسَ)، فَيَعْبُدُونَهُ أيْضًا، ويَعْبُدُونَ كَثِيرًا مِنَ الحَيَواناتِ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الظَّلامَ أيْضًا، ويَعْبُدُونَ (بَعْلَزَ بُوبَ)، صَنَمَ (عَقْرُونَ) يَعْتَقِدُونَ أنَّ وظِيفَتَهُ طَرْدَ الذِّبّانِ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ فاقُوا كُلَّ مَن سِواهم في الضَّلالِ، فَكانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ والحَيَواناتِ، حَتّى الهَوامِّ وأدْنى حَشَراتِ الأرْضِ. هَكَذا حَكى عَنْهم بَعْضُ المُدَقِّقِينَ.
وقَدْ ذَكَرَ الشِّهْرِسْتانِيُّ في (المِلَلِ والنِّحَلِ) أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ أوَّلَ أمْرِهِ عَلى مَذْهَبِ الصّابِئَةِ، ثُمَّ انْحَرَفَ عَنْ ذَلِكَ، وادَّعى لِنَفْسِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، إذْ رَأى في نَفْسِهِ قُوَّةَ الِاسْتِعْمالِ والِاسْتِخْدامِ. انْتَهى.
وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانُ مَذْهَبِ الصّابِئَةِ. فَتَذَكَّرْ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ كَلِمَةَ الآلِهَةِ لَفْظَةٌ اصْطِلاحِيَّةٌ عِنْدَ العِبْرانِيِّينَ، يُرادُ بِها القُضاةُ والحُكّامُ الَّذِينَ يَقْضُونَ بِأمْرِ اللَّهِ، وأنَّها لَوْ حُمِلَتْ عَلى هَذا هَهُنا، لَمْ يَبْعُدْ، ويَكُونُ المَعْنى: ويَذَرُكَ وقُضاتَكَ وذَوِي أمْرِكَ، ويَكُونُ الغَرَضُ مِن ذِكْرِهِمْ مَعَهُ تَهْوِيلَ الأمْرِ، وإلْهابَ قَلْبِ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى، وإثارَةَ غَضَبِهِ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِوُقُوعِ ألْفاظٍ مِن غَيْرِ العَرَبِيَّةِ في القُرْآنِ، كَما نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ في النَّوْعِ الثّامِنِ والثَّلاثِينَ مِنَ (الإتْقانِ). انْتَهى. والأظْهَرُ ما قَدَّمْناهُ أوَّلًا.
﴿قالَ سَنُقَتِّلُ﴾ " قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ ﴿أبْناءَهُمْ﴾ " المَوْلُودِينَ ﴿ونَسْتَحْيِي﴾ " أيْ نَسْتَبْقِي ﴿نِساءَهُمْ﴾ " أيْ لِلِاسْتِخْدامِ ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ " أيْ بِالغَلَبَةِ والقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَفَعَلُوا بِهِمْ ذَلِكَ، فَشَكا بَنُو إسْرائِيلَ
(p-٢٨٣٩)
الأعراف 7:128
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٨] ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
" ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ أيْ عَلى أذاهم ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها﴾ " أيْ يُعْطِيها ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ " يَعْنِي أنَّ النَّصْرَ والظَّفَرَ لِلْمُتَّقِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ.
وكانَ تَعالى وعَدَ مُوسى بِأنَّهُ سَيَطْرُدُ المِصْرِيِّينَ مِن أرْضِهِمْ، ويُهْلِكُهم ويُنَجِّي قَوْمَهُ مِن عَذابِ آلِ فِرْعَوْنَ لَهم.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَمْشِيُّ: تَدُلُّ الآياتُ عَلى أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمّا عَجَزُوا عَنْ مُوسى في آياتِهِ، عَدَلُوا إلى إغْراءِ فِرْعَوْنَ بِمُوسى، وأوْهَمُوهُ أنَّ تَرْكَهُ فَسادٌ في الأرْضِ، وأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ أوْعَدَهُ. وذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلِيلِ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى، لِأنَّ قَتْلَ صاحِبِ المُعْجِزَةِ لا يَقْدَحُ في مُعْجِزَتِهِ، ولِهَذا قالَ مَشايِخُنا: إنَّ العَرَبَ لَمّا عَدَلُوا عَنْ مُعارَضَةِ القُرْآنِ، الَّتِي في إيرادِها إبْطالُ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، إلى القِتالِ، الَّذِي لا يُفِيدُ ذَلِكَ، دَلَّ عَلى عَجْزِهِمْ. وهَكَذا حالُ كُلِّ ضالٍّ مُبْتَدِعٍ، إذا أعْيَتْهُ الحُجَّةُ، عَدَلَ إلى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَ الخَوْفِ مِنَ الظَّلَمَةِ يَجِبُ الفَزَعُ إلى اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِعانَةُ بِهِ والصَّبْرُ. ولا مَفْزَعَ إلّا في هَذَيْنِ: وهو الِانْقِطاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِطَلَبِ المَعُونَةِ في الدَّفْعِ، واللُّطْفُ لَهُ في الصَّبْرِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ تُنالُ بِالتَّقْوى، وهي اتِّقاءُ الكَبائِرِ والمَعاصِي. انْتَهى.
الأعراف 7:129
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٩] ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
﴿قالُوا﴾ " أيْ قَوْمُ مُوسى ﴿أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ أيْ فَعَلُوا (p-٢٨٤٠)بِنا مِنَ الهَوانِ والإذْلالِ مِن قَبْلِ بَعْثَتِكَ وبَعْدِها.
ثُمَّ صَرَّحَ لَهم مُوسى بِما رَمَزَ إلَيْهِ مِنَ البِشارَةِ قَبْلُ. ﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ " أيْ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ " أيْ فَيَرى الكائِنَ مِنكم مِنَ العَمَلِ، حَسَنِهِ وقَبِيحِهِ، وشُكْرِ النِّعْمَةِ وكُفْرانِها، لِيُجازِيَكم عَلى حَسَبِ ما يُوجَدُ مِنكم.
الأعراف 7:130
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما أُحِلَّ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ الضَّرّاءِ، لَمّا تَأْبّى عَنْ إجابَةِ مُوسى وإرْسالِ قَوْمِهِ مَعَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٠] ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾
" ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ أيْ بِالجَدْبِ والقَحْطِ، ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ " أيْ يَتَّعِظُونَ فَيَرْجِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ إلى أمْرِ مُوسى، وذَلِكَ لِأنَّ الشِّدَّةَ تُرَقِّقُ القُلُوبَ، وتُرَغِّبُ في الضَّراعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى.
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الشِّدَّةَ والبُؤْسَ قَدْ يَكُونانِ لُطْفًا وصَلاحًا في الدِّينِ، لِذَلِكَ قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ " . اهـ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم مَعَ تِلْكَ المِحَنِ عَلَيْهِمْ، والشَّدائِدِ، لَمْ يَزْدادُوا إلّا تَمَرُّدًا وكُفْرًا، فَقالَ تَعالى:
الأعراف 7:131
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣١] ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ﴾ " أيِ الصِّحَّةُ والخِصْبُ ﴿قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ " أيْ لِأجْلِنا واسْتِحْقاقِنا، ولَمْ يَرَوْا ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَيَشْكُرُوهُ عَلى إنْعامِهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ " شِدَّةٌ ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ " أيْ يَتَشاءَمُوا. وأصْلُهُ (يَتَطَيَّرُوا)، يَعْنِي أنَّهم يَقُولُونَ: (p-٢٨٤١)هَذِهِ بِشُؤْمِهِمْ ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ " أيْ شِدَّتُهُمْ، وما طارَ إلَيْهِمْ مِنَ القَضاءِ والقَدَرِ عِنْدَ اللَّهِ، لا عِنْدَ غَيْرِهِ، أيْ مِن قِبَلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ " أيْ أنَّ ما أصابَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَقُولُونَ ما يَقُولُونَ، مِمّا حَكى عَنْهم. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ شِدَّةِ تَمَرُّدِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وعُتُوِّهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الأعراف 7:132
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٢] ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
" ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ بِالرِّسالَةِ.
الأعراف 7:133
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٣] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾
﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾ " أيْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، وأمّا قَوْمُ مُوسى فَلَطَفَ تَعالى بِهِمْ، فَلَمْ يَنَلْهم ولا مَحالَهم سُوءٌ مِنَ الطُّوفانِ ولا غَيْرِهِ.
والطُّوفانُ (لُغَةً) هو المَطَرُ الغالِبُ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ حادِثَةٍ تَطِيفُ بِالإنْسانِ وتُحِيطُ بِهِ، فَعَمَّ الطُّوفانُ الصَّحْراءَ، وأتْلَفَ عُشْبَها، وكَسَرَ شَجَرَها، تَواصَلَتِ الرُّعُودُ والبُرُوقُ، ونِيرانُ الصَّواعِقِ في جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ ﴿والجَرادَ﴾ " فَأكَلَ جَمِيعَ عُشْبِ أرْضِ مِصْرَ والثَّمَرَ، مِمّا تَرَكَهُ الطُّوفانُ، حَتّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِن ثَمَرَةٍ ولا خُضْرَةٍ في الشَّجَرَةِ، ولا عُشْبٍ في الصَّحْراءِ ﴿والقُمَّلَ﴾ " فَعَمَّ أرْضَ مِصْرَ، وكانَ عَلى النّاسِ والبَهائِمِ، وهو بِضَمٍّ وتَشْدِيدٍ كَ(سُكَّرٍ) صِغارُ الذَّرِّ، أوْ شَيْءٌ صَغِيرٌ بِجَناحٍ أحْمَرَ، أوْ دَوابُّ صِغارٌ مِن جِنْسِ القِرْدانِ، أوِ الدُّبّى الَّذِي لا أجْنِحَةَ لَهُ، وهو الجَرادُ الصِّغارُ.
قالَ أبُو البَقاءِ: (القُمَّلَ)، يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ مَعَ فَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ. قِيلَ: هُما لُغَتانِ. وقِيلَ: هُما القَمْلُ المَعْرُوفُ في الثِّيابِ ونَحْوِها، والمُشَدَّدُ يَكُونُ في الطَّعامِ. انْتَهى.
(p-٢٨٤٢)ورَدَّ ابْنُ سِيدَةَ، وتَبِعَهُ المُجِدُّ في (القامُوسِ) القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ قَمْلُ النّاسِ. ﴿والضَّفادِعَ﴾ " فَصَعِدَتْ مِنَ الأنْهارِ والخُلُجِ والمَناقِعِ، وغَطَّتْ أرْضَ مِصْرَ ﴿والدَّمَ﴾ " فَصارَتْ مِياهُ مِصْرَ جَمِيعُها دَمًا عَبِيطًا، وماتَ السَّمَكُ فِيها، وأنْتَنَتِ الأنْهارُ، ولَمْ يَسْتَطِعِ المِصْرِيُّونَ أنْ يَشْرَبُوا مِنها شَيْئًا ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ " أيْ مُبَيَّناتٍ لا يُشْكِلُ عَلى عاقِلٍ أنَّها آياتُ اللَّهِ تَعالى ونِقْمَتُهُ، أوْ مُفَرَّقاتٌ بَعْضُها إثْرُ بَعْضٍ. و(آياتٍ) حالٌ مِنَ المَنصُوباتِ قَبْلُ. ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ " أيْ عَنِ الإيمانِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا لِمُوسى، ويُرْسِلُوا مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ " أيْ عاصِينَ كافِرِينَ.
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى عِنادِ القَوْمِ، وإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وجَهْلِهِمْ، حَيْثُ عاهَدُوا في كُلِّ آيَةٍ يَأْتِي بِها عَلى صِدْقِهِ وإثْباتِ العَهْدِ، أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها. ولَيْسَ هَذا عادَةَ مَن غَرَضُهُ الحَقُّ. وتَدُلُّ عَلى ذَمِّ مَن يَرى الآياتِ ولا يَتَفَكَّرُ فِيها، وتَدُلُّ عَلى وُجُوبِ التَّدَبُّرِ في الآياتِ. انْتَهى.
الأعراف 7:134
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٤] ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾
﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ " أيْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ المُفَصَّلُ، ﴿قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أيْ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ، وهو النُّبُوَّةُ، فَ(ما) مَصْدَرِيَّةٌ.
قالَ الشِّهابُ: سُمِّيَتِ النُّبُوَّةُ عَهْدًا، لِأنَّ اللَّهَ عَهِدَ إكْرامَ الأنْبِياءِ بِها، وعَهِدُوا إلَيْهِ تَحَمُّلَ أعْبائِها، أوْ لِأنَّ لَها حُقُوقًا تُحْفَظُ، كَما تُحْفَظُ العُهُودُ، أوْ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ عَهْدٍ ومَنشُورٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.
﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيِ الَّذِينَ أُرْسِلْتَ لِطَلَبِهِمْ، لِيَعْبُدُوا رَبَّهم تَعالى.
(p-٢٨٤٣)
الأعراف 7:135
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٥] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾
" ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ يَعْنِي إلى الوَقْتِ الَّذِي أُجِّلَ لَهُمْ، وهو وقْتُ إهْلاكِهِمْ بِالغَرَقِ في اليَمِّ. ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ " أيْ يَنْقُضُونَ العَهْدَ الَّذِي التَزَمُوهُ، فَلَمْ يَفُوا بِهِ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ كُلَّما حَلَّ بِمِصْرَ نِقْمَةٌ مِمّا تَقَدَّمَ، يَدْعُو مُوسى ويَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَشْفَعَ إلى اللَّهِ تَعالى بِكَشْفِها، ويَعِدُهُ أنَّها إذا كُشِفَتْ أطْلَقَ شَعْبَهُ لِعِبادَتِهِ تَعالى، حَتّى إذا كُشِفَتْ أخْلَفَ ما وعَدَ، وقَسا قَلْبُهُ، ولَمّا لَمْ يَتَّعِظُوا بِما شاهَدُوهُ مِمّا تَقَدَّمَ، أتَتْهُمُ النِّقْمَةُ القاضِيَةُ، كَما قالَ تَعالى:
الأعراف 7:136
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٦] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾
" ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ أيِ البَحْرِ ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ أيْ كانَ إغْراقُهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وإعْراضِهِمْ، وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ ومُبالاتِهِمْ بِها. وقَدْ رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ، بَعْدَ أنْ أبْصَرَ ما أبْصَرَ مِنَ الضَّرَباتِ الرَّبّانِيَّةِ عَلى مِصْرَ، أذِنَ لِمُوسى وقَوْمِهِ أنْ يَخْرُجُوا مِن مِصْرَ، لِيُقِيمُوا عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ شاؤُوا، فارْتَحَلَ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى عَجَلٍ لَيْلًا، وسارُوا بِكُلِّ ما مَعَهم مِن غَنَمٍ وبَقَرٍ ومَواشٍ، مِن عَيْنِ شَمْسٍ إلى " سُكُّوتَ "، وسَلَكُوا طَرِيقَ بَرِّيَّةِ البَحْرِ الأحْمَرِ، ولَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ بِارْتِحالِهِمْ، نَدِمَ عَلى ما فَعَلَ، مِن إطْلاقِهِمْ مِن خِدْمَتِهِ، فَجَمَعَ جَيْشَهُ ومَراكِبَهُ الحَرْبِيَّةَ، ولَحِقَهم فَأدْرَكَهُمْ، وكانُوا قَدْ وصَلُوا إلى شاطِئِ البَحْرِ الأحْمَرِ. حِينَئِذٍ خافَ الإسْرائِيلِيُّونَ، وأخَذُوا يَتَذَمَّرُونَ عَلى مُوسى، فَقالَ لَهُمْ: لا تَخافُوا، إنَّ اللَّهَ مَعَنا، ثُمَّ أمَرَ تَعالى مُوسى، فَمَدَّ يَدَهُ إلى البَحْرِ الأحْمَرِ، فانْشَقَّ ماؤُهُ، وصارَ فِيهِ طَرِيقٌ واسِعَةٌ، وأرْسَلَ اللَّهُ رِيحًا شَرْقِيَّةً شَدِيدَةً، فَيَبِسَ قَعْرُهُ، فَعَبَرَ فِيهِ الإسْرائِيلِيُّونَ، (p-٢٨٤٤)والماءُ عَنْ يَمِينِهِمْ وشِمالِهِمْ، فَتَبِعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ وتَوَسَّطُوا البَحْرَ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ، بِإذْنِ اللَّهِ، عَلى البَحْرِ، فارْتَدَّ ماؤُهُ سَرِيعًا، وغَمَرَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ ومَراكِبَهُ، فَغَرِقُوا جَمِيعًا، ثُمَّ طَفَتْ جِيَفُهم عَلى وجْهِ الماءِ، وانْقَذَفَتْ إلى السّاحِلِ، فَشاهَدَها الإسْرائِيلِيُّونَ عَيانًا. هَذا مُلَخَّصُ ما رُوِيَ هُنا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ أنَّهُ تَعالى أهْلَكَهم بَعْدَ أنْ أزاحَ العِلَّةَ بِالآياتِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ ما أصابَهم كانَ عُقُوبَةً وجَزاءً عَلى فِعْلِهِمْ، وتَدُلُّ عَلى قُبْحِ الِاعْتِراضِ عَلى آياتِ اللَّهِ، وتَدُلُّ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ النَّكْثَ فِعْلُهُمْ، والإعْراضَ، فَلِذَلِكَ عاقَبَهم عَلَيْهِما. انْتَهى.
الأعراف 7:137
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٧] ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾
﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ " أيْ بِالِاسْتِعْبادِ وقَتْلِ الأبْناءِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهم بِهَذا، إظْهارٌ لِكَمالِ لُطْفِهِ تَعالى بِهِمْ، وعَظِيمِ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، في رَفْعِهِمْ مِن حَضِيضِ المَذَلَّةِ إلى أوْجِ العِزَّةِ. ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ " أيِ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، أيْ جَوانِبُها الشَّرْقِيَّةُ والغَرْبِيَّةُ، حَيْثُ مَلَكَها بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ الفَراعِنَةِ والعَمالِقَةِ، وتَصَرَّفُوا في أكْنافِها حَيْثُ شاءُوا. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ " أيْ بِالخِصْبِ وسِعَةِ الأرْزاقِ. ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ مَضَتْ واسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِمْ، وهي وعْدُهُ إيّاهم بِالنَّصْرِ والتَّمْكِينِ. ﴿بِما صَبَرُوا﴾ " أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى الشَّدائِدِ الَّتِي كابَدُوها مِن فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ.
(p-٢٨٤٥)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَسْبُكَ بِهِ حاثًّا عَلى الصَّبْرِ، ودالًّا عَلى أنَّ مَن قابَلَ البَلاءَ بِالجَزَعِ، وكُلَّهُ اللَّهُ إلَيْهِ، ومَن قابَلَهُ بِالصَّبْرِ وانْتِظارِ النَّصْرِ، ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ الفَرَجَ.
وعَنِ الحَسَنِ: عَجِبْتُ مِمَّنْ خَفَّ كَيْفَ خَفَّ، وقَدْ سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى - وتَلا الآيَةَ- ومَعْنى خَفَّ طاشَ جَزَعًا وقِلَّةَ صَبْرٍ، ولَمْ يَرْزُنْ أُولِي الصَّبْرِ.
﴿ودَمَّرْنا﴾ " أيْ خَرَّبْنا وأهْلَكْنا ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ " ﴿وقَوْمُهُ﴾ أيْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ويُسَوُّونَ مِنَ العِماراتِ وبِناءِ القُصُورِ: ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ " (بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّها)، أيْ مِنَ الجَنّاتِ. أوْ ما كانُوا يَرْفَعُونَ مِنَ الأبْنِيَةِ المُشَيَّدَةِ في السَّماءِ، كَصَرْحِ هامانَ، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨]
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا آخِرُ ما اقْتَصَّ اللَّهُ مِن نَبَأِ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، وتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وظُلْمِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، ثُمَّ أتْبَعَهُ اقْتِصاصَ نَبَأِ بَنِي إسْرائِيلَ، وما أحْدَثُوهُ بَعْدَ إنْقاذِهِمْ مِن مُلْكَةِ فِرْعَوْنَ واسْتِعْبادِهِ، ومُعايَنَتِهِمُ الآياتِ العِظامَ، ومُجاوَزَتِهِمُ البَحْرَ مِن عِبادَةِ البَقَرِ، وطَلَبِ رُؤْيَةِ اللَّهِ جَهْرَةً، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الكُفْرِ والمَعاصِي، لِيَعْلَمَ حالَ الإنْسانِ وأنَّهُ كَما وصَفَهُ ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] "، جَهُولٌ كَنُودٌ، إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ولِيُسَلِّيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِمّا أُرِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِالمَدِينَةِ، فَقالَ تَعالى:
(p-٢٨٤٦)
الأعراف 7:138
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٨] ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾
" ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ أيِ الَّذِي أغْرَقَ فِيهِ أعْداءَهُمْ، وهو بَحْرُ القُلْزُمِ كَقُنْفُذٍ، بَلَدٌ كانَ في شَرْقِيِّ مِصْرَ، قُرْبَ جَبَلِ الطُّورِ، أُضِيفَ إلَيْهِ، لِأنَّهُ عَلى طَرَفِهِ، ويُعْرَفُ البَلَدُ الآنَ بِالسُّوَيْسِ، ومَن زَعَمَ أنَّ البَحْرَ هو نِيلُ مِصْرَ، فَقَدْ أخْطَأ، كَما في (العِنايَةِ).
﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ﴾ " قُرِئَ بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِها، ﴿عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ " أيْ يُواظِبُونَ عَلى عِبادَتِها ويُلازِمُونَها ﴿قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ " أيْ صَنَمًا نَعْكُفُ عَلَيْهِ ﴿كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ " أيْ أصْنامٌ يَعْكُفُونَ عَلَيْها ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ " أيْ شَأْنَ الأُلُوهِيَّةِ وعَظْمَتَها، وأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّها إلّا اللَّهُ وحْدَهُ.
قالَ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَكًّا مِن بَنِي إسْرائِيلَ في وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما مَعْناهُ اجْعَلْ لَنا شَيْئًا نُعَظِّمُهُ، ونَتَقَرَّبُ بِتَعْظِيمِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ بِالدِّيانَةِ، وكانَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ جَهْلِهِمُ. انْتَهى.
الأعراف 7:139
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٩] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ " يَعْنِي عَبَدَةَ تِلْكَ التَّماثِيلِ ﴿مُتَبَّرٌ﴾ " أيْ مُهْلِكٌ ﴿ما هم فِيهِ﴾ " أيْ مِنَ الشِّرْكِ ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ " أيْ عِبادَةُ الأصْنامِ، وإنْ كانَ قَصْدُهم بِذَلِكَ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ كُفْرٌ مَحْضٌ.
قالَ الرّازِيُّ: أجْمَعَ كُلُّ الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، عَلى أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، سَواءٌ اعْتَقَدَ في ذَلِكَ الغَيْرِ كَوْنَهُ إلَهًا لِلْعالَمِ، أوِ اعْتَقَدَ أنَّ عِبادَتَهُ تَقَرُّبٌ إلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ، فَلا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ مِنهُ غايَةُ الإنْعامِ، وهي بِخَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ والشَّهْوَةِ (p-٢٨٤٧)والقُدْرَةِ والعَقْلِ وخَلْقِ الأشْياءِ المُنْتَفِعِ بِها.
والقادِرُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا تَلِيقَ العِبادَةُ إلّا بِهِ. انْتَهى.
وعَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا خَرَجَ إلى غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ كانُوا يُعَلِّقُونَ عَلَيْها أسْلِحَتَهم يُقالُ لَها (ذاتُ أنْواطٍ)، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ، كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سُبْحانَ اللَّهِ ! هَذا كَما قالَ قَوْمُ مُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبْلَكم»» - أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم -.
وقالَ الإمامُ أبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ المالِكِيُّ: انْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أيْنَما وجَدْتُمْ سِدْرَةً أوْ شَجَرَةً يَقْصِدُها النّاسُ، ويُعَظِّمُونَها ويَرْجُونَ البُرْءَ والشِّفاءَ مِن قِبَلِها، ويَضْرِبُونَ بِها المَسامِيرَ والخَرْقَ، فَهي ذاتُ أنْواطٍ، فاقْطَعُوها.
وقالَ الحافِظُ أبُو شامَةَ الشّافِعِيُّ الدِّمَشْقِيُّ في كِتابِ (البِدَعِ والحَوادِثِ): وقَدْ عَمَّ الِابْتِلاءُ بِتَزْيِينِ الشَّيْطانِ لِلْعامَّةِ تَخْلِيقَ الحِيطانِ والعُمُدِ، فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ ويُحافِظُونَ عَلَيْهِ، مَعَ تَضْيِيعِهِمْ فَرائِضَ اللَّهِ وسُنَنِهِ، ويَظُنُّونَ أنَّهم مُتَقَرِّبُونَ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَتَجاوَزُونَ هَذا إلى أنْ يَعْظُمَ وقْعُ تِلْكَ الأماكِنِ في قُلُوبِهِمْ، فَيُعَظِّمُونَها، ويَرْجُونَ الشِّفاءَ لِمَرْضاهُمْ، وقَضاءَ حَوائِجِهِمْ، وبِالنَّذْرِ لَها، وهي مِن بَيْنِ عُيُونٍ وشَجَرٍ وحائِطٍ وحَجَرٍ. ثُمَّ شَرَحَ شَجَرَةً مَخْصُوصَةً فَقالَ: ما أشْبَهَها بِذاتِ أنْواطٍ، الَّتِي في الحَدِيثِ.
ورَوى ابْنُ وضّاحٍ في كِتابِهِ قالَ: سَمِعْتُ عِيسى بْنَ يُونُسَ يَقُولُ: أمَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَطْعِ الشَّجَرَةِ الَّتِي بُويِعَ تَحْتَها النَّبِيُّ ﷺ فَقُطِعَتْ، لِأنَّ النّاسَ كانُوا يَذْهَبُونَ فَيُصَلُّونَ تَحْتَها، فَخافَ عَلَيْهِمُ الفِتْنَةَ. ولِهَذا البَحْثِ تَتِمَّةٌ مُهِمَّةٌ في (إغاثَةِ اللَّهْفانِ) لِابْنِ القَيِّمِ فَلْتُنْظَرْ.
(p-٢٨٤٨)
الأعراف 7:140
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤٠] ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾
﴿قالَ﴾ " أيْ مُوسى، مُذَكِّرًا لِقَوْمِهِ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِمُ، المُوجِبَةَ لِتَخْصِيصِهِ تَعالى بِالعِبادَةِ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ " أيْ أطْلُبُ لَكم مَعْبُودًا. يُقالُ: أبْغاهُ الشَّيْءَ طَلَبَهُ لَهُ، كَ(بَغاهُ) إيّاهُ، يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ولَيْسَ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ. وفي الحَدِيثِ: «ابْغِنِي أحْجارًا أسْتَطِيبُ بِها»، بِهَمْزَةِ القَطْعِ والوَصْلِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ آمُلُ مِن ذِي غِنًى وقَرابَةٍ لِتَبْغِيَهُ خَيْرًا ولَيْسَ بِفاعِلٍ
والِاسْتِفْهامُ في الآيَةِ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ والتَّوْبِيخِ: ﴿وهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ " أيْ والحالُ، أنَّهُ تَعالى خَصَّكم بِنِعَمٍ لَمْ يُعْطِها غَيْرَكم.
الأعراف 7:141
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤١] ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾
﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ " أيْ: مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ " أيْ يُكَلِّفُونَكم إيّاهُ، أوْ يُوَلُّونَكم إيّاهُ، يُقالُ: سامَهُ الأمْرَ يَسُومُهُ، كَلَّفَهُ إيّاهُ وجَشَمَهُ وألْزَمَهُ. أوْ أوْلاهُ إيّاهُ ﴿يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ " أيْ فَنَجّاكم مِنهُ وحْدَهُ، مِن غَيْرِ شَفاعَةِ أحَدٍ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ هَلاكَ الأعْداءِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ يَجِبُ مُقابَلَتُها بِالشُّكْرِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ المِحَنَ في الأوْلادِ والأهْلِ بِمَنزِلَةِ المِحَنِ في النَّفْسِ، ويَجْرِي مَجْراهُ. انْتَهى.
(p-٢٨٤٩)
الأعراف 7:142
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤٢] ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾
" ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾
رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا خَرَجُوا مِن مِصْرَ، نَزَلُوا في بَرِّيَّةِ طُورِ سَيْناءَ، وكانَتْ مُدَّةُ خُرُوجِهِمْ إلى أنْ نَزَلُوا شَهْرًا ونِصْفًا. ولَمّا نَزَلُوا تِلْقاءَ الجَبَلِ، صَعِدَ مُوسى إلَيْهِ، وسَمِعَ كَلامَهُ تَعالى وأوامِرَهُ ووَصاياهُ. ثُمَّ انْحَدَرَ مُوسى إلى قَوْمِهِ، وأعْلَمَهم بِما أُمِرُوا بِهِ، وصارُوا يُشاهِدُونَ عَلى الجَبَلِ ضَبابًا، وصَوْتَ رُعُودٍ، وبُرُوقًا، ثُمَّ أمَرَ تَعالى مُوسى أنْ يَصْعَدَ إلى الجَبَلِ لِيُؤْتِيَهُ الشَّرائِعَ الَّتِي كَتَبَها عَلى قَوْمِهِ، فَصَعِدَ مُوسى الجَبَلَ، وكانَ مُغَطًّى بِالغَمامِ، فَدَخَلَ مُوسى في وسَطِ الغَمامِ وأقامَ في الجَبَلِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، لَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ، لِما أُمِدَّ مِنَ القُوَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، والتَّجَلِّياتِ القُدْسِيَّةِ، وأُوتِيَ في بَرْهَتِها الألْواحَ الَّتِي كُتِبَتْ فِيها شَرائِعُهُمْ، ولَمّا رَجَعَ إلى قَوْمِهِ، كانَ عَلى وجْهِهِ أشِعَّةُ نُورٍ مُدْهِشَةٌ، فَخافُوا مِنَ الدُّنُوِّ مِنهُ، فَجَعَلَ عَلى وجْهِهِ بُرْقُعًا، فَكانَ إذا صَعِدَ الجَبَلَ لِلْمُناجاةِ، رَفَعَهُ، وإذا أتاهم وضَعَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿وقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ﴾ " أيْ حِينَ تَوَجَّهَ لِلْمُناجاةِ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ " أيْ: كُنْ خَلِيفَتِي فِيهِمْ ﴿وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ " أيْ لا تَتَّبِعْ مَن سَلَكَ الإفْسادَ، ولا تُطِعْ مَن دَعاكَ إلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ اسْتَخْلَفَ هارُونَ عِنْدَ خُرُوجِهِ، لِما رَأى أنَّهم أشَدُّ طاعَةً لَهُ، وأكْثَرُ قَبُولًا مِنهُ، ومُخاطَباتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِهارُونَ وجَوابُهُ لَهُ كَقَوْلِهِ: (p-٢٨٥٠)﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] "، وقَوْلُ هارُونَ ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ [طه: ٩٤] "، ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] " كُلُّ ذَلِكَ كالدّالِّ عَلى أنَّ مُوسى كانَ يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنَ الوِلايَةِ، وإنِ اشْتَرَكا في النُّبُوَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ إلى أنْ يَرْجِعَ، لِأنَّهُ المَعْقُولُ مِن الِاسْتِخْلافِ عِنْدَ الغَيْبَةِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْهاهُ عَنْ شَيْءٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ، ويَأْمُرُهُ بِما يَعْلَمُ أنَّهُ سَيَفْعَلُهُ، عِظَةً لَهُ، واعْتِبارًا لِغَيْرِهِ، وتَأْكِيدًا ومَصْلَحَةً لِلْجَمِيعِ. انْتَهى.
الأعراف 7:143
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤٣] ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾
" ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ أيْ حَضَرَ الجَبَلَ لِوَقْتِنا الَّذِي وقَّتْنا لَهُ وحَدَّدْنا. " ﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ أيْ خاطَبَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَلَكٍ ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ أيْ لَنْ تُطِيقَ رُؤْيَتِي، لِأنَّ هَذِهِ البِنْيَةَ الآدَمِيَّةَ في هَذِهِ النَّشْأةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لا طاقَةَ لَها بِذَلِكَ، لِعَدَمِ اسْتِعْدادِها لَهُ. بَلْ ما هو أكْبَرُ جُرْمًا، وأشَدُّ خَلْقًا وصَلابَةً -وهُوَ الجَبَلُ - لا يَثْبُتُ لِذَلِكَ، بَلْ يَنْدَكُّ، ولِذا قالَ تَعالى " ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ أيِ الَّذِي هو أقْوى مِنكَ. " ﴿فَإنِ اسْتَقَرَّ﴾ أيْ ثَبَتَ مَكانَهُ، حِينَ أتَجَلّى لَهُ، ولَمْ يَتَزَلْزَلْ " ﴿فَسَوْفَ تَرانِي﴾ أيْ تَثْبُتُ لِرُؤْيَتِي إذا تَجَلَّيْتُ عَلَيْكَ، وإلّا فَلا طاقَةَ. وفِيهِ مِنَ التَّلْطِيفِ بِمُوسى والتَّكْرِيمِ لَهُ، والتَّنَزُّلِ القُدْسِيِّ ما لا يَخْفى.
" ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهُ وبانَ -قالَهُ الزَّجّاجُ - " ﴿جَعَلَهُ﴾ أيِ التَّجَلِّي " ﴿دَكًّا﴾ (p-٢٨٥١)أيْ مُفَتَّتًا، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ مَكانَهُ. فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ الجَبَلَ، مَعَ شِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ، إذا لَمْ يَسْتَقِرَّ، فالآدَمِيُّ مَعَ ضَعْفِ بِنْيَتِهِ أوْلى بِأنْ لا يَسْتَقِرَّ، وفِيهِ تَسْكِينٌ لِفُؤادِ مُوسى، بِأنَّ المانِعَ مِن الِانْكِشافِ الإشْفاقُ عَلَيْهِ، وأمّا أنَّ المانِعَ مُحالِيَّةُ الرُّؤْيَةِ، فَلَيْسَ في القُرْآنِ إشارَةٌ إلَيْهِ.
" ﴿وخَرَّ﴾ أيْ وقَعَ " ﴿مُوسى صَعِقًا﴾ أيْ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مِن هَوْلِ ما رَأى. " ﴿فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ﴾ أيْ مِنَ الإقْدامِ عَلى سُؤالِي الرُّؤْيَةَ " ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِأنَّهُ لا يَسْتَقِرُّ لِرُؤْيَتِكَ أحَدٌ في هَذِهِ النَّشْأةِ.
قالَ في (الِانْتِصافِ): إنَّما سَبَّحَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِما تَبَيَّنَ لَهُ مِن أنَّ العِلْمَ قَدْ سَبَقَ بِعَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا، واللَّهُ تَعالى مُقَدَّسٌ عَنْ وُقُوعِ خِلافِ مَعْلُومِهِ، وعَنِ الخَلْفِ في خَبَرِهِ الحَقَّ وقَوْلِهِ الصِّدْقَ، فَلَمّا تَبَيَّنَ أنَّ مَطْلُوبَهُ كانَ خِلافَ المَعْلُومِ، سَبَّحَ اللَّهُ، وقَدَّسَ عِلْمَهُ وخَبَرَهُ عَنِ الخَلْفِ.
وأمّا التَّوْبَةُ في حَقِّ الأنْبِياءِ فَلا تَسْتَلْزِمُ كَوْنَها عَنْ ذَنْبٍ، لِأنَّ مَنصِبَهُمُ الجَلِيلَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا مُبَرَّأً مِن كُلِّ ما يَنْحَطُّ بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ التَّوَقُّفَ في سُؤالِ الرُّؤْيَةِ عَلى الإذْنِ كانَ أكْمَلَ. وقَدْ ورَدَ: (سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، حَسَناتُ الأبْرارِ).
تَنْبِيهٌ:
قالَ المُتَكَلِّمُونَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ رُؤْيَتِهِ تَعالى مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ سُؤالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الرُّؤْيَةَ يَدُلُّ عَلى إمْكانِها، لِأنَّ العاقِلَ، فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، لا يَطْلُبُ المُحالَ، ولا مَجالَ لِلْقَوْلِ بِجَهْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالِاسْتِحالَةِ، فَإنَّ الجاهِلَ بِما لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ، لا يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ، إذِ الغَرَضُ مِنَ النُّبُوَّةِ هِدايَةُ الخَلْقِ إلى العَقائِدِ الحَقَّةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ، ولا رَيْبَ في نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ مِن أُولِي العَزْمِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَلَّقَ الرُّؤْيَةَ عَلى اسْتِقْرارِ الجَبَلِ، وهو أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ والمُعَلَّقُ عَلى المُمْكِنِ مُمْكِنٌ، لِأنَّ مَعْنى التَّعْلِيقِ الإخْبارُ بِوُقُوعِ المُعَلَّقِ عِنْدَ وُقُوعِ المُعَلَّقِ بِهِ، والمُحالُ لا يَثْبُتُ عَلى شَيْءٍ مِنَ التَّقادِيرِ المُمْكِنَةِ.
(p-٢٨٥٢)وأمّا زَعْمُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ الرُّؤْيَةَ مَجازٌ عَنِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: " أرِنِي " أيِ: اجْعَلْنِي عالِمًا بِكَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا خِلافَ الظّاهِرِ. فَإنَّ النَّظَرَ المَوْصُولَ بِ(إلى) نَصٌّ في الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ فَلا يُتْرَكُ بِالِاحْتِمالِ، مَعَ أنَّ طَلَبَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ لِمَن يُخاطِبُهُ ويُناجِيهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ. وكَذا زَعْمُهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ سَألَها لِقَوْمِهِ، حَيْثُ قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فَسَألَ لِيَعْلَمُوا امْتِناعَها، فَإنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وتَكَلُّفٌ يُذْهِبُ رَوْنَقَ النَّظْمِ، فَتَرُدُّهُ ألْفاظُ الآيَةِ. وقَدْ ثَبَتَ وُقُوعُ رُؤْيَتِهِ تَعالى في الآخِرَةِ، بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، أمّا الكِتابُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] وأمّا السُّنَّةُ فَلا تُحْصى أحادِيثُها ولَكِنْ إذا أُصِيبَ أحَدٌ بِداءِ المُكابَرَةِ في الحَقِّ الصُّراحِ، عَسُرَ إقْناعُهُ مَهْما قَوِيَ الدَّلِيلُ وعَظُمَتِ الحُجَّةُ.
قالَ في (فَتْحِ البَيانِ): رُؤْيَتُهُ تَعالى في الآخِرَةِ، ثَبَتَتْ بِها الأحادِيثُ المُتَواتِرَةُ تَواتُرًا لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ، والجِدالُ في مِثْلِ هَذا والمُراوَغَةُ لا تَأْتِي بِفائِدَةٍ. ومَنهَجُ الحَقِّ واضِحٌ، ولَكِنَّ الِاعْتِقادَ لِمَذْهَبٍ نَشَأ الإنْسانُ عَلَيْهِ، وأدْرَكَ عَلَيْهِ أباهُ، وأهْلَ بَلَدِهِ، مَعَ عَدَمِ التَّنَبُّهِ لِما هو المَطْلُوبُ مِنَ العِبادِ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ يُوقِعُ في التَّعَصُّبِ. والمُتَعَصِّبُ، وإنْ كانَ بَصَرُهُ صَحِيحًا، فَبَصِيرَتُهُ عَمْياءُ، وأُذُنُهُ عَنْ سَماعِ الحَقِّ صَمّاءُ، يَدْفَعُ الحَقَّ وهو يَظُنُّ أنَّهُ ما دَفَعَ غَيْرَ الباطِلِ، ويَحْسَبُ أنَّ ما نَشَأ عَلَيْهِ هو الحَقُّ، غَفْلَةً مِنهُ، وجَهْلًا بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ، وتَلَقِّي ما جاءَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ بِالإذْعانِ والتَّسْلِيمِ، وما أقَلَّ المُنْصِفِينَ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ المَذاهِبِ في الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَإنَّهُ صارَ بِها بابُ الحَقِّ مُرْتَجًّا، وطَرِيقُ الإنْصافِ مُسْتَوْعِرَةً، والأمْرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ والهِدايَةُ:
؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحُ
انْتَهى.
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُعْتَزِلَةِ، وفي مُقَدِّمَتِهِمُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدِ انْتَقَلَ -عَفا اللَّهُ عَنْهُ- أخِيرًا إلى (p-٢٨٥٣)هِجاءِ أهْلِ السُّنَّةِ بِما أنْشَدَهُ:
؎لَجَماعَةٌ سَمَّوْا هَواهم سُنَّةً ∗∗∗ وجَماعَةً حُمُرٌ لَعَمْرِي مُوكَفَهْ
؎قَدْ شَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ وتَخَوَّفُوا ∗∗∗ شُنْعَ الوَرى فَتَسَتَّرُوا بِالبَلْكَفَهْ
والبَلْكَفَةُ نَحْتٌ، كالبَسْمَلَةِ، أيْ بِقَوْلِهِمْ (بِلا كَيْفٍ).
قالَ في (الِانْتِصافِ): ولَوْلا الِاسْتِنانُ بِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ الأنْصارِيِّ، صاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وشاعِرِهِ، والمُنافِحِ عَنْهُ، ورُوحُ القُدُسِ مَعَهُ، لَقُلْنا لِهَؤُلاءِ المُتَلَقِّبِينَ بِالعَدْلِيَّةِ وبِالنّاجِينَ سَلامًا، ولَكِنْ كَما نافَحَ حَسّانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْداءَهُ، فَنَحْنُ نُنافِحُ عَنْ أصْحابِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْداءَهُمْ، فَنَقُولُ:
؎وجَماعَةٌ كَفَرُوا بِرُؤْيَةِ رَبِّهِمْ ∗∗∗ حَقًّا ووَعْدُ اللَّهِ ما لَنْ يُخْلِفَهْ
؎وتَلَقَّبُوا عَدْلِيَّةً قُلْنا: أجَلْ ∗∗∗ عَدَلُوا بِرَبِّهِمْ فَحَسْبُهُمُو سَفَهْ
؎وتَلَقَّبُوا النّاجِينَ. كَلّا إنَّهم ∗∗∗ إنْ لَمْ يَكُونُوا في لَظًى فَعَلى شَفَهْ
وقالَ أبُو حَيّانَ في الرَّدِّ عَلَيْهِ:
؎شَبِهْتَ جَهْلًا صَدْرَ أُمَّةٍ أحْمَدٍ ∗∗∗ وذَوِي البَصائِرِ بِالحَمِيرِ المُوكَفَهْ
؎وجَبَ الخَسارُ عَلَيْكَ فانْظُرْ مُنْصِفًا ∗∗∗ في آيَةِ الأعْرافِ فَهي المُنْصِفَهْ
؎أتُرى الكَلِيمَ أتى بِجَهْلٍ ما أتى ∗∗∗ وأتى شُيُوخُكَ ما أتَوْا عَنْ مَعْرِفِهْ
؎إنَّ الوُجُوهَ إلَيْهِ ناظِرَةٌ بِذا ∗∗∗ جاءَ الكِتابُ فَقُلْتُمُ: هَذا سَفَهْ
؎نَطَقَ الكِتابُ وأنْتَ تَنْطِقُ بِالهَوى ∗∗∗ فَهَوى الهَوى بِكَ في المَهاوِي المُتْلِفَهْ
وقالَ العَلّامَةُ الجارَبَرْدِيُّ:
؎عَجَبًا لِقَوْمٍ ظالِمِينَ تَسَتَّرُوا ∗∗∗ بِالعَدْلِ. ما فِيهِمْ لَعَمْرِي مَعْرِفَهْ
؎قَدْ جاءَهم مِن حَيْثُ لا يَدْرُونَهُ ∗∗∗ تَعْطِيلُ ذاتِ اللَّهِ مَعْ نَفْيِ الصِّفَهْ
وقَدْ ساقَ السُّبْكِيُّ في (طَبَقاتِهِ) في تَرْجَمَةِ الجارَبَرْدِيِّ عِدَّةَ قَصائِدَ ومَقاطِيعَ في الرَّدِّ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ خاطَبَ مُوسى بِاصْطِفائِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الأعراف 7:144
(p-٢٨٥٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤٤] ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾
" ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ أيِ اخْتَرْتُكَ عَلى أهْلِ زَمانِكَ، وآثَرْتُكَ عَلَيْهِمْ " ﴿بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ أيْ: وبِتَكْلِيمِي إيّاكَ " ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ أيْ ما أعْطَيْتُكَ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والمُناجاةِ " ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيْ عَلى النِّعْمَةِ في ذَلِكَ.
الأعراف 7:145
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤٥] ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾
" ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ. " ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِعَزْمٍ عَلى العَمَلِ بِما فِيها " ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ أيْ بِما أُمِرُوا بِهِ دُونَ ما نُهُوا عَنْهُ " ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ وهي الأرْضُ الَّتِي وُعِدُوا بِها مِن فِلَسْطِينَ، فَإنَّهم لَمْ يُعْطُوها إلّا بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ، وبَقائِهِمْ في البَرِّيَّةِ. فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا ماتَ، خَلَفَهُ يَشُوعُ بْنُ نُونٍ، فَحارَبَ الأُمَمَ والمُلُوكَ الَّذِينَ كانُوا يَسْكُنُونَ أرْضَ كَنْعانَ، وفَتَحَ بِلادَهُمْ، وصارَتْ مِلْكًا لِلْإسْرائِيلِيِّينَ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى حُدُوثِ كَلامِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ " ﴿اصْطَفَيْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] أيِ اخْتَصَصْتُكَ بِهِ، ولَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ مُوسى وغَيْرُهُ سَواءً، ولَما صَحَّ الِاخْتِصاصُ، ويَدُلُّ (p-٢٨٥٥)قَوْلُهُ: " ﴿وكَتَبْنا﴾ أنَّهُ أعْطاهُ التَّوْراةَ مَكْتُوبَةً في الألْواحِ عِنْدَ المِيقاتِ، لِتَكُونَ مَحْرُوسَةً، ولِيُبَلِّغَهُ الحاضِرُونَ إلى الباقِينَ، لِيَقَعَ لَهُمُ العِلْمُ ضَرُورَةً. ويَدُلُّ عَلى أنَّ في التَّوْراةِ شَرائِعَ، وجَمِيعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ. ويَدُلُّ قَوْلُهُ " ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أنَّ العَبْدَ قادِرٌ عَلى الفِعْلِ قَبْلَ الفِعْلِ، وأنَّهُ يَفْعَلُ بِقُدْرَةٍ. انْتَهى.
الأعراف 7:146
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤٦] ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾
" ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ سَأمْنَعُ فَهْمَ الحُجَجِ والأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَتِي وشَرِيعَتِي وأحْكامِي، قُلُوبَ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ طاعَتِي، والمُتَكَبِّرِينَ عَلى النّاسِ، أيْ فَكَما اسْتَكْبَرُوا أذَلَّهُمُ اللَّهُ بِالجَهْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]
وقَوْلُهُ تَعالى " ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ إمّا صِلَةٌ لِلْفِعْلِ، أيْ يَتَكَبَّرُونَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ، وهو دِينُهُمُ الباطِلُ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ يَتَكَبَّرُونَ غَيْرَ مُحِقِّينَ. " ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ أيْ حُجَّةً مِنَ الآياتِ والحُجَجِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ. " ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ تَكَبُّرًا عَلَيْها " ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ يَعْنِي طَرِيقَ الحَقِّ والهُدى والِاسْتِقامَةِ واضِحًا ظاهِرًا " ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ لِمُنافاتِهِ أهْوِيَتَهم " ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ﴾ أيِ الضَّلالِ عَنِ الحَقِّ والهَلاكِ " ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ أيْ طَرِيقًا يَمِيلُونَ إلَيْهِ " ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الصَّرْفُ عَنِ الآياتِ، أوِ اتِّخاذُهُمُ الغَيَّ سَبِيلًا. " ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ أيْ: لاهِينَ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها، ولا يَتَّعِظُونَ بِها، أوْ غافِلِينَ عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ مِن مَخافَةِ الرُّسُلِ.
الأعراف 7:147
ثُمَّ بَيَّنَ وعِيدَ المُكَذِّبِينَ بِقَوْلِهِ:
(p-٢٨٥٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤٧] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
" ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيِ القِيامَةُ، وهي الكَرَّةُ الثّانِيَةُ، سُمِّيَتْ آخِرَةٌ لِتَأخُّرِها عَنِ الدُّنْيا، " ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ بَطَلَتْ، فَلَمْ تَعْقُبْ نَفْعًا، والمُرادُ جَزاءُ أعْمالِهِمْ، لِأنَّ الحابِطَ إنَّما يَصِحُّ في المُنْتَظَرِ، دُونَ ما تَقَضّى، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦]
" ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ إلّا جَزاءَ عَمَلِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
تَنْبِيهٌ:
ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى " ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] إلَخْ، كَلامٌ مَعَ قَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو مُتَّصِلٌ بِما سَبَقَ مِن قِصَصِهِمْ، وهو ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ [الأعراف: ١٠٠] إلَخْ.
وإيرادُ قِصَّةِ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِلِاعْتِبارِ.
وقالَ الكَعْبِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّ هَذا الكَلامَ تَمامٌ لِما وعَدَ اللَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ مِن إهْلاكِ أعْدائِهِ، ومَعْنى صَرْفِهِمْ إهْلاكُهُمْ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِ مُوسى مِن تَبْلِيغِها، ولا عَلى مَنعِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الإيمانِ بِها، وهو شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَأرادَ تَعالى أنْ يَمْنَعَ أعْداءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إيذائِهِ، ومَنعَهُ مِنَ القِيامِ بِما يَلْزَمُهُ في تَبْلِيغِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ. انْتَهى. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:148
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤٨] ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾
" ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ يُخْبِرُ تَعالى عَنْ (p-٢٨٥٧)ضَلالِ مَن ضَلَّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في عِبادَتِهِمُ العِجْلَ الَّذِي اتَّخَذَهُ لَهُمُ السّامِرِيُّ مِن حُلِيِّ القِبْطِ، الَّذِي كانُوا اسْتَعارُوهُ مِنهُمْ، فَشَكَّلَ لَهم مِنهُ عِجْلًا، جَسَدًا لا رُوحَ فِيهِ، وقَدِ احْتالَ بِإدْخالِ الرِّيحِ فِيهِ، حَتّى صارَ يُسْمَعُ لَهُ خُوارٌ، أيْ صَوْتٌ كَصَوْتِ البَقَرِ، وإنَّما أضافَ الصَّوْتَ إلَيْهِ، لِأنَّهُ كانَ مَحَلَّهُ عِنْدَ دُخُولِ الرِّيحِ جَوْفَهُ، وكانَ هَذا مِنهم بَعْدَ ذَهابِ مُوسى لِمِيقاتِ رَبِّهِ تَعالى وأعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ وهو عَلى الطُّورِ، حَيْثُ يَقُولُ إخْبارًا عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥]
لَطائِفُ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قِيلَ " واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى عِجْلًا " والمُتَّخِذُ هو السّامِرِيُّ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَنْسُبَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ، لِأنَّ رَجُلًا مِنهم باشَرَهُ، ووُجِدَ فِيما بَيْنُ ظَهْرانِيهِمْ، كَما يُقالُ: (بَنُو تَمِيمٍ قالُوا كَذا وفَعَلُوا كَذا) والقائِلُ والفاعِلُ واحِدٌ. ولِأنَّهم كانُوا مُرِيدِينَ لِاتِّخاذِهِ، راضِينَ لَهُ، فَكَأنَّهم أجْمَعُوا عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنْ يُرادَ: واتَّخَذُوهُ إلَهًا وعَبَدُوهُ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ " ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ ولَمْ يَكُنِ الحُلِيُّ لَهُمْ، إنَّما كانَتْ عَوارى في أيْدِيهِمْ؟ قُلْتُ: الإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ وكَوْنُها في أيْدِيهِمْ عَوارى، كَفى بِهِ مُلابَسَةً، عَلى أنَّهم قَدْ مَلَكُوها بَعْدَ المُهْلِكِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] انْتَهى.
قالَ النَّسَفِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ أنْ لا يَدْخُلَ دارَ فُلانٍ، فَدَخَلَ دارًا اسْتَعارَها يَحْنَثُ، وأنَّ الِاسْتِيلاءَ عَلى أمْوالِ الكُفّارِ يُوجِبُ زَوالَ مِلْكِهِمْ عَنْها. انْتَهى.
والحُلِيُّ بِضَمِّ الحاءِ والتَّشْدِيدِ، جَمَعَ (حَلْيٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، كَ(ثَدْيٍ وثُدِيٍّ)، وهو اسْمٌ لِما يَتَحَسَّنُ بِهِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
(p-٢٨٥٨)وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ تَقْرِيعٌ عَلى فَرْطِ ضَلالِهِمْ وإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا، حِينَ اتَّخَذُوهُ إلَهًا، أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كَلامٍ، ولا عَلى إرْشادِ سَبِيلٍ، كَآحادِ البَشَرِ؟ فَهو جَمادٌ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا؟
وقَوْلُهُ تَعالى " ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ الذَّمِّ، أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا وعَبَدُوهُ " ﴿وكانُوا ظالِمِينَ﴾ أيْ: واضِعِينَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها، والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافِيَّةٌ، أوِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ لِلْإخْبارِ بِأنَّ ذَلِكَ دَأْبُهم وعادَتُهم قَبْلَ ذَلِكَ، فَلا يُنْكِرُ هَذا مِنهم. أوْ حالِيَّةٌ، أيِ: اتَّخَذُوهُ في هَذِهِ الحالَةِ المُسْتَقِرَّةِ لَهم.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى صِحَّةِ الحِجاجِ في الدِّينِ، وأنَّهُ تَعالى دَلَّهُمْ، في بُطْلانِ اتِّخاذِ العِجْلِ إلَهًا، بِأنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ ولا يَهْدِي، وإنَّما ذَكَرَ الكَلامَ لِأنَّ الخُوارَ تَنْفَدُ فِيهِ الحِيلَةُ، ولا تَنْفَدُ في الكَلامِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ إزالَةَ الشُّبَهِ في الدِّينِ واجِبٌ، كَما أزالَها اللَّهُ تَعالى، وتَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا جُهّالًا غَيْرَ عارِفِينَ حَقِيقَةَ الأشْياءِ، لِذَلِكَ عَبَدُوا العِجْلَ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الحُلِيَّ كانَتْ مِلْكًا لِبَنِي إسْرائِيلَ لِذَلِكَ قالَ " ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ فَإنْ ثَبَتَ أنَّهُمُ اسْتَعارُوهُ، فَيَدُلُّ عَلى زَوالِ مُلْكِهِمْ، وانْتِقالِ المِلْكِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ كَما تُمْلَكُ أمْوالُ أهْلِ الحَرْبِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ فِعْلُهم.
الأعراف 7:149
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤٩] ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
" ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: نَدِمُوا عَلى عِبادَةِ العِجْلِ " ﴿ورَأوْا﴾ أيْ عَلِمُوا وأيْقَنُوا " ﴿أنَّهم قَدْ ضَلُّوا﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ والهُدى. " ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ أيْ بِقَبُولِ تَوْبَتِنا " ﴿ويَغْفِرْ لَنا﴾ أيْ: ما قَدَّمْنا مِن عِبادَةِ العِجْلِ " ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: بِالعُقُوبَةِ، أيْ: مِمَّنْ خَسِرُوا أعْمالَهم وأعْمارَهم.
(p-٢٨٥٩)لَطِيفَةٌ:
يُقالُ لِلنّادِمِ عَلى ما فَعَلَ، الحَسِرِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ (قَدْ سُقِطَ في يَدِهِ) و(أُسْقِطَ) مَضْمُومَتَيْنِ -قالَهُ الزَّجّاجُ -.
وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ سُقِطَ في يَدِهِ وأُسْقِطَ، مِنَ النَّدامَةِ، و(سُقِطَ) أكْثَرُ وأجْوَدُ.
وأنْكَرَ أبُو عَمْرٍو (أُسْقِطَ) بِالألِفِ، وجَوَّزَهُ الأخْفَشُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن شَأْنِ مَنِ اشْتَدَّ نَدَمُهُ وحَسْرَتُهُ، أنْ يَعَضَّ يَدَهُ غَمًّا، فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها، لِأنَّ فاهُ قَدْ وقَعَ فِيها.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: سَقَطَ النَّدَمُ في أيْدِيهِمْ، أيْ: في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، كَما يُقالُ: حَصَلَ في يَدِهِ مَكْرُوهٌ، وإنْ كانَ مُحالًا أنْ يَكُونَ في اليَدِ، تَشْبِيهًا لِما يَحْصُلُ في القَلْبِ وفي النَّفْسِ، بِما يَحْصُلُ في اليَدِ، ويُرى بِالعَيْنِ. انْتَهى.
وقالَ الفارِسِيُّ: أيْ: ضَرَبُوا أكُفَّهم عَلى أكُفِّهِمْ مِنَ النَّدَمِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهو إذَنْ مِنَ السُّقُوطِ.
وفِي (العُبابِ): هَذا نَظْمٌ لَمْ يُسْمَعْ بِهِ قَبْلَ القُرْآنِ، ولا عَرَفَتْهُ العَرَبُ، والأصْلُ فِيهِ نُزُولُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، ووُقُوعُهُ عَلى الأرْضِ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَقِيلَ لِلْخَطَأِ مِنَ الكَلامِ سَقَطَ، لِأنَّهم شَبَّهُوهُ بِما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، فَيَسْقُطُ، وذَكَرَ اليَدَ لِأنَّ النَّدَمَ يَحْدُثُ في القَلْبِ، وأثَرُهُ يَظْهَرُ في اليَدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ﴾ [الكهف: ٤٢] ولِأنَّ اليَدَ هي الجارِحَةُ العُظْمى، فَرُبَّما يُسْنَدُ إلَيْها ما لَمْ تُباشِرْهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] انْتَهى.
وعَلَيْهِ، فَيَكُونُ (سُقِطَ) مِنَ السِّقاطِ، وهو كَثْرَةُ الخَطَأِ كَما قالَ:
؎كَيْفَ يَرْجُونَ سِقاطِي بَعْدَ ما لَفَعَ الرَّأْسَ بَياضٌ وصَلَعْ
وقِيلَ: مِن عادَةِ النّادِمِ أنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ، ويَضَعُهُ عَلى يَدِهِ، مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ وتارَةً (p-٢٨٦٠)يَضَعُها تَحْتَ ذَقْنِهِ، وشَطْرٌ مِن وجْهِهِ عَلى هَيْئَةٍ لَوْ نُزِعَتْ يَدُهُ لَسَقَطَ عَلى وجْهِهِ، فَكانَتِ اليَدُ مَسْقُوطًا فِيها، لِتَمَكُّنِ السُّقُوطِ فِيها. ويَكُونُ قَوْلُهُ: " ﴿سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ بِمَعْنى سَقَطَ عَلى أيْدِيهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أيْ عَلَيْها، و(سُقِطَ) عَدَّهُ بَعْضُهم مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ، كَ(نِعْمَ وبِئْسَ). وقُرِئَ (سَقَطَ) مَعْلُومًا أيِ النَّدَمُ أوِ العَضُّ، أوِ الخُسْرانُ، وكُلُّهُ تَمْثِيلٌ. وقُرِئَ (أُسْقِطَ) رُباعِيٌّ مَجْهُولٌ، وهي لُغَةٌ نَقَلَها الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، كَما قَدَّمْنا.
الأعراف 7:150
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما جَرى مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ المِيقاتِ، وكانَ أعْلَمَهُ تَعالى بِفِتْنَةِ قَوْمِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٠] ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
" ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ أيْ: شَدِيدَ الغَضَبِ عَلى قَوْمِهِ لِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وحَزِينًا أيْ عَلى ما فاتَهُ مِن مُناجاةِ رَبِّهِ " ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾ أيْ بِئْسَما عَمِلْتُمْ خَلْفِي، أوْ قُمْتُمْ مَقامِي، وكُنْتُمْ خُلَفائِي مِن بَعْدِي. والخِطابُ إمّا لِعَبَدَةِ العِجْلِ، مِنَ السّامِرِيِّ وأشْياعِهِ، أوْ لِوُجُوهِ بَنِي إسْرائِيلَ وهم هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي حَيْثُ لَمْ تَمْنَعُوا مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
قالَهُ الرّازِيُّ " ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِيعادَهُ الَّذِي (p-٢٨٦١)وعَدَنِيهِ مِنَ الأرْبَعِينَ، فَلَمْ تَصْبِرُوا إلى تَمامِها، وكانُوا اسْتَبْطَأُوا نُزُولَهُ مِنَ الجَبَلِ، فَتَآمَرُوا في صُنْعِ وثَنٍ يَعْبُدُونَهُ، ويَنْضَمُّونَ إلَيْهِ، وفَعَلُوا ذَلِكَ وجَعَلُوا يُغَنُّونَ ويَرْقُصُونَ ويَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ ويَلْعَبُونَ حَوْلَهُ ويَقُولُونَ: هَذا الإلَهُ الَّذِي أخْرَجَنا مِن مِصْرَ -عِياذًا بِاللَّهِ-.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ سَبَقْتُمْ أمْرَ اللَّهِ، فَعَبَدْتُمْ ما لَمْ يَأْمُرْكم بِهِ " ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ أيْ طَرَحَها مِن شِدَّةِ الغَضَبِ، وفَرْطِ الضَّجْرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَكَسَّرَتْ، وهي ألْواحٌ مِن حِجارَةٍ كُتِبَ فِيها الشَّرائِعُ والوَصايا الرَّبّانِيَّةُ، وإنَّما ألْقاها، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما لَحِقَهُ مِن فَرْطِ الدَّهَشِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ عُكُوفَهم عَلى العِجْلِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَزَلَ مِنَ الجَبَلِ، ودَنا مِن مَحَلَّتِهِمْ رَأى العِجْلَ ورَقْصَهم حَوْلَهُ، اتَّقَدَ غَضَبُهُ فَألْقاها غَضَبًا لِلَّهِ، وحِمْيَةً لِدِينِهِ، وكانَ هو في نَفْسِهِ حَدِيدًا، شَدِيدَ الغَضَبِ، وكانَ هارُونُ ألْيَنَ مِنهُ جانِبًا، ولِذَلِكَ كانَ مُحَبَّبًا إلى قَوْمِهِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى " ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ عَلى أنَّ مَن ألْقى كِتابًا عَلى يَدِهِ، إلى الأرْضِ وهو غَضْبانُ، لا يُلامُ. انْتَهى. وهو ظاهِرٌ.
" ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ أيْ: بِشِعْرِهِ " ﴿يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ ظَنًّا أنْ يَكُونَ قَصَّرَ في نَهْيِهِمْ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤]
وقالَ هَهُنا: " ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾ قُرِئَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ. وأصْلُهُ يا ابْنَ أُمِّي، خُفِّفَ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ والياءِ، وذَكَرَ الأُمَّ لِيُرَقِّقَهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ إزاحَةً لِتَوَهُّمِ التَّقْصِيرِ في حَقِّهِ.
والمَعْنى: بَذَلْتُ وُسْعِي في كَفِّهِمْ حَتّى قَهَرُونِي واسْتَضْعَفُونِي، وقارَبُوا قَتْلِي، " ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ أيْ بِالإساءَةِ إلَيَّ. والشَّماتَةُ سُرُورُ الأعْداءِ بِما يُصِيبُ المَرْءَ " ﴿ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ في عُقُوبَتِكَ لِي، في عِدادِهِمْ، أوْ لا تَعْتَقِدْ أنِّي مِنهُمْ، مَعَ بَراءَتِي وعَدَمِ تَقْصِيرِي.
(p-٢٨٦٢)قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ قَدْ يَسْقُطُ في حالِ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ، وفي الحالِ الَّذِي يُعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْفَعُ، لِذَلِكَ قالَ هارُونُ " ﴿اسْتَضْعَفُونِي﴾ وتَدُلُّ عَلى أنَّ الغَضَبَ والأسَفَ عَلى المُبْتَدَعِ مَحْمُودٌ في الدِّينِ. انْتَهى.
الأعراف 7:151
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥١] ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾
" ﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، مُتَضَرِّعًا إلى رَبِّهِ اسْتِنْزالًا لِرَحْمَتِهِ، وتَعَوُّذًا بِمَغْفِرَتِهِ مِن سُخْطِهِ، ولا يَخْفى اقْتِضاءُ المَقامِ لِذَلِكَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا اعْتَذَرَ إلَيْهِ أخُوهُ، وذَكَرَ لَهُ شَماتَةَ الأعْداءِ قالَ " ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي﴾ لِيُرْضِيَ أخاهُ، ويُظْهِرَ لِأهْلِ الشَّماتَةِ رِضاهُ عَنْهُ، فَلا تَتِمُّ لَهم شَماتَتُهم. واسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ مِمّا فَرَطَ مِنهُ إلى أخِيهِ، ولِأخِيهِ أنْ عَسى فَرَّطَ في حُسْنِ الخِلافَةِ، وطَلَبَ أنْ لا يَتَفَرَّقا عَنْ رَحْمَتِهِ، ولا تَزالُ مُنْتَظِمَةً لَهُما في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
الأعراف 7:152
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾
" ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ أيْ مَنِ افْتَرى بِدْعَةً، فَإنَّ ذُلَّ البِدْعَةِ ومُخالَفَةَ الرِّسالَةِ عَلى كَتِفَيْهِ، كَما قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ ذُلَّ البِدْعَةِ عَلى أكْتافِهِمْ، وإنْ هَمْلَجَتْ بِهِمُ البِغالُ، وطَقْطَقَتْ بِهِمُ البَراذِينُ.
وهَكَذا رَوى أيُّوبُ عَنْ أبِي قِلابَةَ الجَرْمِيِّ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ قالَ: هي واللَّهِ لِكُلِّ مُفْتَرٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ ذَلِيلٌ. ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عِبادَهُ وأرْشَدَهم إلى أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِن أيِّ ذَنْبٍ كانَ، ولَوْ كُفْرًا بِقَوْلِهِ:
(p-٢٨٦٣)
الأعراف 7:153
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٣] ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
" ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها﴾ إلى اللَّهِ " ﴿وآمَنُوا﴾ أيْ أخْلَصُوا الإيمانَ " ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: مَحّاءٌ لِذُنُوبِهِمْ، مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ بِالجَنَّةِ.
الأعراف 7:154
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٤] ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾
" ﴿ولَمّا سَكَتَ﴾ أيْ سَكَنَ " ﴿عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ﴾ أيِ الَّتِي كانَ ألْقاها مِن شِدَّةِ الغَضَبِ فَتَكَسَّرَتْ " ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ أيْ فِيما نُسِخَ مِنها، أيْ كَتَبَ. والنُّسْخَةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالخُطْبَةِ " ﴿هُدًى ورَحْمَةٌ﴾ بِالشَّرائِعِ والوَصايا الرَّبّانِيَّةِ، المُرْشِدَةِ لِما فِيهِ الخَيْرُ والصَّلاحُ " ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أيْ: يَخْشَوْنَ.
لَطِيفَتانِ:
الأُولى: قالَ أبُو السُّعُودِ: في هَذا النَّظْمِ الكَرِيمِ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ مِنَ البَلاغَةِ والمُبالَغَةِ بِتَنْزِيلِ الغَضَبِ، الحامِلِ لَهُ عَلى ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الفِعْلِ والقَوْلِ، مَنزِلَةَ الآمِرِ بِذَلِكَ، المُغْرى عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّمِ والتَّشْدِيدِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ سُكُونِهِ بِالسُّكُوتِ -ما لا يَخْفى- انْتَهى.
وأصْلُهُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ قالَ: هَذا مَثَلٌ، كَأنَّ الغَضَبَ كانَ يُغْرِيهِ عَلى ما فَعَلَ، ويَقُولُ لَهُ: قُلْ لِقَوْمِكَ كَذا، وألْقِ الألْواحَ، وجُرَّ بِرَأْسِ أخِيكَ إلَيْكَ فَتَرَكَ النُّطْقَ بِذَلِكَ، وقَطَعَ الإغْراءَ. ولَمْ يَسْتَحْسِنْ هَذِهِ الكَلِمَةَ ولَمْ يَسْتَفْصِحْها كُلُّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ، وذَوْقٍ (p-٢٨٦٤)صَحِيحٍ إلّا لِذَلِكَ؛ ولِأنَّهُ مِن قَبِيلِ شُعَبِ البَلاغَةِ، وإلّا فَما لِقِراءَةِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ((ولَمّا سَكَنَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ)) لا تَجِدُ النَّفْسُ عِنْدَها شَيْئًا مِن تِلْكَ الهِزَّةِ، وطَرَفًا مِن تِلْكَ الرَّوْعَةِ؟ انْتَهى.
ومُرادُهُ بِالمَثَلِ كَوْنُهُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً، حَيْثُ شَبَّهَ الغَضَبَ بِشَخْصٍ آمِرٍ ناهٍ، وأثْبَتَ لَهُ السُّكُوتَ تَخْيِيلًا.
وعَدَّ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ الآيَةَ مِنَ المَقْلُوبِ، أيْ مِن نَمَطِ قَلْبِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ، وكَأنَّ الأصْلَ: (ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ) كَما في خَرَقَ الثَّوْبَ المِسْمارُ.
قالَ في (الِانْتِصافِ) والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ، وأنَّ هَذا القَلْبَ أشْرَفُ وأفْصَحُ، لِما فِيهِ مِنَ المَعْنى البَلِيغِ، وهو أنَّ الغَضَبَ كانَ مُتَمَكِّنًا مِن مُوسى، حَتّى كَأنَّهُ كانَ يَصْرِفُهُ في أوامِرِهِ. ومِثْلُ هَذِهِ النُّكْتَةِ الحَسْناءِ، لا تُلْفى في (خَرَقَ الثَّوْبَ المِسْمارُ). انْتَهى.
وقُرِئَ سَكَنَ وسَكَّتَ وأسْكَتَ، أيْ: أسْكَتَهُ اللَّهُ، أوْ أخُوهُ بِاعْتِذارِهِ إلَيْهِ.
الثّانِيَةُ -اللّامُ في (لِلَّذِينَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، صِفَةٌ (لِرَحْمَةٍ)، أيْ كائِنَةٌ لَهم. أوْ هي لامُ الأجَلِ، أيْ: هُدًى ورَحْمَةٌ لِأجْلِهِمْ: واللّامُ في (لِرَبِّهِمْ) لِتَقْوِيَةِ عَمَلِ الفِعْلِ المُؤَخَّرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] أوْ هي أيْضًا لامُ العِلَّةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَرْهَبُونَ المَعاصِيَ لِأجْلِ رَبِّهِمْ، لا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ -أفادَهُ أبُو السُّعُودِ -.
الأعراف 7:155
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٥] ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾
" ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ (p-٢٨٦٥)شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾
رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا رَجَعَ إلى قَوْمِهِ فَرَأى ما هم فِيهِ مِن عِبادَةِ العِجْلِ، وقالَ لِأخِيهِ ولِلسّامِرِيِّ ما قالَ، وحَرَقَ العِجْلَ، وذَرّاهُ في اليَمِّ، اخْتارَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ سَبْعِينَ رَجُلًا، الخَيْرَ فالخَيْرَ، وقالَ: انْطَلَقُوا إلى اللَّهِ، فَتُوبُوا إلَيْهِ مِمّا صَنَعْتُمْ واسْألُوهُ التَّوْبَةَ عَلى مَن تَرَكْتُمْ وراءَكم مِن قَوْمِكُمْ، صُومُوا وتَطَهَّرُوا، وطَهِّرُوا ثِيابَكم. فَخَرَجَ بِهِمْ إلى طُورِ سَيْناءَ لِمِيقاتِ وقَّتَهُ لَهُ رَبُّهُ، وكانَ لا يَأْتِيهِ إلّا بِإذْنٍ مِنهُ وعِلْمٍ، فَقالَ لَهُ السَّبْعُونَ -فِيما ذَكَرَ لِي-حِينَ صَنَعُوا ما أمَرَهم بِهِ، وخَرَجُوا مَعَهُ لِلِقاءِ رَبِّهِ، لِمُوسى: اطْلُبْ لَنا نَسْمَعُ كَلامَ رَبِّنا، فَقالَ: أفْعَلُ. فَلَمّا دَنا مُوسى مِنَ الجَبَلِ، وقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الغَمامِ حَتّى تَغَشّى الجَبَلَ كُلَّهُ، ودَنا مُوسى فَدَخَلَ فِيهِ، وقالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا. وكانَ مُوسى إذا كَلَّمَهُ اللَّهُ وقَعَ عَلى جَبْهَةِ مُوسى نُورٌ ساطِعٌ، لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ، فَضَرَبَ دُونَهُ بِالحِجابِ، ودَنا القَوْمُ حَتّى إذا دَخَلُوا في الغَمامِ وقَعُوا سُجُودًا، فَسَمِعُوهُ وهو يُكَلِّمُ مُوسى، يَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ، افْعَلْ ولا تَفْعَلْ، فَلَمّا فَرَغَ إلَيْهِ مِن أمْرِهِ، وانْكَشَفَ عَنْ مُوسى الغَمامُ، أقْبَلَ إلَيْهِمْ، فَقالُوا لِمُوسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥] وهي الصّاعِقَةُ الَّتِي يَحْصُلُ مِنها الِاضْطِرابُ الشَّدِيدُ، فَماتُوا جَمِيعًا فَقامَ مُوسى يُناشِدُ رَبَّهُ ويَدْعُوهُ ويَرْغَبُ إلَيْهِ ويَقُولُ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ قَدْ سَفِهُوا، أتُهْلِكُ مَن ورائِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ
وفِي رِوايَةِ السُّدِّيِّ: فَقامَ مُوسى يَبْكِي ويَقُولُ: يا رَبِّ! ماذا أقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ إذا لَقِيتُهُمْ، وقَدْ أهْلَكْتَ خِيارَهم ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: اخْتَرْتَ مِنهم سَبْعِينَ رَجُلًا، الخَيِّرَ فالخَيِّرَ، أرْجِعُ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ مَعِي رَجُلٌ مِنهم واحِدٌ، فَما الَّذِي يُصَدِّقُونَنِي أوْ يَأْمَنُونَنِي عَلَيْهِ بَعْدَ هَذا؟ وعَلى هَذا فالمَعْنى: لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلِ خُرُوجِنا، فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يُعايِنُونَ ذَلِكَ ولا يَتَّهِمُونَنِي.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَوْ شِئْتَ أمَتَّهم مِن قَبْلِ أنْ تَبْتَلِيَهُمْ، بِما أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الرَّجْفَةَ. انْتَهى.
(p-٢٨٦٦)قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (إغاثَةِ اللَّهْفانِ) بَعْدَ نَقْلِ كَلامِ مَن ذَكَرْنا: وهَؤُلاءِ كُلُّهم حامُوا حَوْلَ المَقْصُودِ، والَّذِي يَظْهَرُ -واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ ومُرادِ نَبِيِّهِ- أنَّ هَذا اسْتِعْطافٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِرَبِّهِ، وتَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِعَفْوِهِ عَنْهم مِن قَبْلُ، حَتّى عَبَدَ قَوْمُهُمُ العِجْلَ، ولَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ، يَقُولُمُوسى: إنَّهم قَدْ تَقَدَّمَ مِنهم ما يَقْتَضِي هَلاكَهُمْ، ومَعَ هَذا فَوَسِعَهم عَفْوُكَ ومَغْفِرَتُكَ، ولَمْ تُهْلِكْهُمْ، فَلْيَسَعْهُمُ اليَوْمَ ما وسِعَهم مِن قَبْلُ، وهَذا كَمَنَ واخَذَهُ سَيِّدُهُ بِجُرْمٍ يَقُولُ: لَوْ شِئْتَ واخَذْتَنِي قَبْلَ هَذا بِما هو أعْظَمُ مِن هَذا الجُرْمِ، ولَكِنْ وسِعَنِي عَفْوُكَ أوَّلًا، فَلْيَسَعْنِي اليَوْمَ.
ثُمَّ قالَ نَبِيُّ اللَّهِ: أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا؟ فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُ: هَذا اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الجَحْدِ، أيْ لَسْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ، والسُّفَهاءُ هُنا عَبَدَةُ العِجْلِ.
قالَ الفَرّاءُ: ظَنَّ مُوسى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاتِّخاذِ قَوْمِهِمُ العِجْلَ، فَقالَ: أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا؟ وإنَّما كانَ إهْلاكُهم بِقَوْلِهِمْ " ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] انْتَهى.
واسْتِظْهارُ أنَّ هَذا اسْتِفْهامُ اسْتِعْطافٍ، سَبَقَهُ إلَيْهِ المُبَرِّدُ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في (اللُّبابِ): مُعْظَمُ الرِّواياتِ أنَّهم ماتُوا بِسَبَبِ تِلْكَ الرَّجْفَةِ، أيْ: ثُمَّ أْحْيُوا.
وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الرَّجْفَةُ مَوْتًا، ولَكِنَّ القَوْمَ لَمّا رَأوْا تِلْكَ الهَيْئَةَ، وأخَذَتْهُمُ الرِّعْدَةُ وقَلِقُوا ورَجَفُوا، حَتّى كادَتْ أنْ تَبِينَ مَفاصِلُهم فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ، راحَمَهم وخافَ عَلَيْهِمُ المَوْتَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِ فَقْدُهُمْ، وكانُوا لَهُ وُزَراءَ عَلى الخَيْرِ، سامِعِينَ لَهُ مُطِيعِينَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا مُوسى وبَكى وناشَدَ رَبَّهُ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ الرَّجْفَةَ، فاطْمَأنُّوا وسَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ أيْ: ما الفِتْنَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها السُّفَهاءُ إلّا اخْتِبارُكَ وابْتِلاؤُكَ، وامْتِحانُكَ لِعِبادِكَ فَأنْتَ ابْتَلَيْتَهم وامْتَحَنْتَهُمْ، فالأمْرُ كُلُّهُ لَكَ وبِيَدِكَ، لا يَكْشِفُهُ إلّا أنْتَ، كَما لَمْ يَمْتَحِنْ بِهِ ويَخْتَبِرْ إلّا أنْتَ. فَنَحْنُ عائِذُونَ بِكَ (p-٢٨٦٧)مِنكَ، ولاجِئُونَ مِنكَ إلَيْكَ. يَعْنِي إنِ الأمْرُ إلّا أمْرَكَ، والحُكْمُ إلّا لَكَ فَما شِئْتَ كانَ، تُضِلُّ مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ.
قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الحُجَجِ الظّاهِرَةِ عَلى القَدَرِيَّةِ الَّتِي لا يَبْقى لَهم مَعَها عُذْرٌ. " ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ أيْ مُتَوَلِّي أُمُورِنا القائِمُ بِها " ﴿فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾
الأعراف 7:156
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٦] ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾
" ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ أثْبِتْ لَنا فِيها خَصْلَةً حَسَنَةً، كالعافِيَةِ والحَياةِ الطَّيِّبَةِ، والتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ " ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ أيْ حَسَنَةً أيْضًا، وهي المَثُوبَةُ الحُسْنى والجَنَّةُ. " ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ أيْ تُبْنا إلَيْكَ. يُقالُ: هادَ إلَيْهِ يَهُودُ، إذا رَجَعَ وتابَ، فَهو هائِدٌ. ولِبَعْضِهِمْ:
؎يا راكِبَ الذَّنْبِ هُدْ، هُدْ واسْجُدْ كَأنَّكَ هُدْهُدْ
وقالَ آخَرُ:
؎إنِّي امْرُؤٌ مِمّا جَنَيْتُ هائِدُ
قالَ أبُو البَقاءِ: المَشْهُورُ ضَمُّ الهاءِ، وهو مِن (هادَ يَهُودُ) إذا تابَ. وقُرِئَ بِكَسْرِها، مِن (هادَ يَهِيدُ) إذا تَحَرَّكَ أوْ حَرَّكَ، أيْ حَرَّكْنا إلَيْكَ نُفُوسَنا، وعَلى القِراءَتَيْنِ، يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، البِناءَ لِلْفاعِلِ ولِلْمَفْعُولِ، بِمَعْنى مِلْنا أوْ أمالَنا غَيْرُنا، أوْ حَرَّكْنا أنْفُسَنا، أوْ حَرَّكَنا غَيْرُنا، وذَلِكَ لِاتِّحادِ الصِّيغَةِ وصِحَّةِ المَعْنى، وإنِ اخْتَلَفَ التَّقْدِيرُ.
" ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ تَعالى في جَوابِ دُعاءِ مُوسى ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ أيْ تَعْذِيبُهُ مِنَ العُصاةِ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تُطْلَقُ الرَّحْمَةُ عَلى التَّعَطُّفِ والمَغْفِرَةِ والإحْسانِ والجَنَّةِ (p-٢٨٦٨)كَما قالَ تَعالى ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] ولَعَلَّها هي المُرادُ هُنا، بِدَلِيلِ مُقابَلَتِها بِالعَذابِ قَبْلُ، كَما قابَلَ الآيَةَ الَّتِي ذَكَرْناها بِقَوْلِهِ: ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] واللَّهُ أعْلَمُ.
" ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ أيْ هَذِهِ الرَّحْمَةَ " ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيِ الكُفْرَ والشِّرْكَ والفَواحِشَ " ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ يُعْطُونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ " ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا﴾ أيْ بِكِتابِنا ورَسُولِنا " ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى حُسْنِ سُؤالِ نَعِيمِ الدُّنْيا، كَما يَحْسُنُ سُؤالُ نَعِيمِ الآخِرَةِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى الدّاعِي أنْ يَقْرِنَ بِدُعائِهِ التَّوْبَةَ والإخْلاصَ، لِذَلِكَ قالُوا " ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنْعِمُ عَلى البَرِّ والفاجِرِ، ويَخُصُّ بِالثَّوابِ المُؤْمِنَ، فَلِذَلِكَ فَصَلَ، ومَن تَأمَّلَ هَذا السُّؤالَ والجَوابَ، عَرَفَ عَظِيمَ مَحَلِّ هَذا البَيانِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ نَعِيمَ الدُّنْيا والدِّينِ عَقِيبَ الرَّجْفَةِ، فَكانَ مِنَ الجَوابِ أنَّ العَذابَ خاصَّةً يُصابُ بِهِ مَن يَسْتَحِقُّهُ، فَأمّا النِّعَمُ فَما كانَ مِن بابِ الدُّنْيا يَسَعُ كُلَّ شَيْءٍ يَصِحُّ عَلَيْهِ التَّنَعُّمُ، وما كانَ مِن بابِ الآخِرَةِ يُكْتَبُ لِمَن لَهُ صِفاتُ ذِكْرِها.
وتَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّحْمَةَ لا تُنالُ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ الَّذِي هو التَّصْدِيقُ، حَتّى يَنْضَمَّ إلَيْهِ الطّاعاتُ، فَيُبْطِلُ قَوْلَ المُرْجِئَةِ.
الأعراف 7:157
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٧] ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْـزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
" ﴿الَّذِينَ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ بَدَلُ الكُلِّ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ مَرْفُوعٌ (p-٢٨٦٩)عَلَيْهِ، أيْ: أعْنِي الَّذِينَ أوْ هُمُ الَّذِينَ " ﴿يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ أيِ الَّذِي أُرْسِلَ إلى الخَلائِقِ لِتَكْمِيلِهِمُ " ﴿النَّبِيَّ﴾ أيِ الَّذِي نُبِّئَ بِأكْمَلِ الِاعْتِقاداتِ، والأعْمالِ والأخْلاقِ والأحْوالِ والمَقاماتِ مِن جِهَةِ الوَحْيِ " ﴿الأُمِّيَّ﴾ أيِ الَّذِي لَمْ يُحَصِّلْ عِلْمًا مِن بَشَرٍ " ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ أيْ بِاسْمِهِ (مُحَمَّدٍ وأحْمَدَ) ونُعُوتِهِ " ﴿عِنْدَهُمْ﴾ زِيدَ هَذا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وأنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاضِرٌ عِنْدَهم لا يَغِيبُ عَنْهم أصْلًا " ﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي الإيمانَ بِاللَّهِ، ووَحْدانِيَّتِهِ والشَّرائِعِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ تُعْرَفُ صِحَّتُهُ إمّا بِالعَقْلِ وإمّا بِالشَّرْعِ. " ﴿ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ يَعْنِي الكُفْرَ والشِّرْكَ والمَعاصِيَ ومَساوِئَ الأخْلاقِ، لِأنَّ العَقْلَ والشَّرْعَ يُنْكِرُهُ. " ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ لِمَعاصِيهِمْ. " ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ أيِ الَّتِي كانُوا يَتَناوَلُونَها كالخِنْزِيرِ والمَيْتَةِ والدَّمِ -هَذا في بابِ المَأْكُولاتِ-. " ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ﴾ أيِ الأمْرُ الَّذِي يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ " ﴿والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ جَمْعُ غُلٍّ بِالضَّمِّ، وهو ما يُوضَعُ في العُنُقِ أوِ اليَدِ مِنَ الحَدِيدِ، يُسْتَعارُ لِلشَّرائِطِ الحَرِجَةِ والمَواثِيقِ الشَّدِيدَةِ، أيْ يُخَفِّفُ عَنْهم ما كُلِّفُوهُ مِنها -وهَذا في بابِ العِباداتِ-.
" ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ أيْ بِالنَّبِيِّ الأُمِّيِّ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ " ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ أيْ عَظَّمُوهُ ووَقَّرُوهُ " ﴿ونَصَرُوهُ﴾ أيْ عَلى أعْدائِهِ في الدِّينِ فَمَنَعُوهم عَنْهُ " ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْـزِلَ مَعَهُ﴾ وهو القُرْآنُ، فَأحَلُّوا حَلالَهُ، وحَرَّمُوا حَرامَهُ.
ولا يُقالُ: القُرْآنُ أُنْزِلَ مَعَ جِبْرِيلَ، فَما مَعْنى " ﴿أُنْـزِلَ مَعَهُ﴾ ؟ لِأنَّ المُرادَ أُنْزِلَ مَعَ نُبُوَّتِهِ، لِأنَّ اسْتِنْباءَهُ كانَ مَصْحُوبًا بِالقُرْآنِ مَشْفُوعًا بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَلَّقَ بِ(اتَّبَعُوا) أيْ واتَّبَعُوا القُرْآنَ المُنَزَّلَ مَعَ اتِّباعِ النَّبِيِّ والعَمَلِ بِسُنَّتِهِ، وبِما أمَرَ ونَهى عَنْهُ، فَيَكُونُ أمْرًا بِالعَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، أوْ هو حالٌ، أيِ اتَّبَعُوا القُرْآنَ كَما اتَّبَعَهُ، مُصاحِبِينَ لَهُ في اتِّباعِهِ. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ القُرْآنِ بِ(النُّورِ)، المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِهِ ظاهِرًا بِنَفْسِهِ لِإعْجازِهِ، ومُظْهِرًا لِغَيْرِهِ مِنَ الأحْكامِ، لِمُناسَبَةِ الِاتِّباعِ.
" ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِالرَّحْمَةِ والنّاجُونَ مِنَ النِّقْمَةِ.
(p-٢٨٧٠)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: يَظْهَرُ مِن سِياقِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " ﴿قالَ عَذابِي﴾ [الأعراف: ١٥٦] إلَخْ، جَوابٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ أنَّهُ دَعا بِالمَغْفِرَةِ لِقَوْمِهِ أجْمَعِينَ، كِتابَهُ حَسَنَتِي الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُمْ، فَأُجِيبَ أوَّلًا بِأنَّ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ لِقَوْمِهِ كُلِّهِمْ، بَرًّ أوْ فاجِرًا، لِما سَبَقَ مِن تَقْدِيرِهِ سُبْحانَهُ العَذابَ لِمَن يَشاءُ مِنَ الفُجّارِ حِكْمَةً مِنهُ وعَدْلًا. ولِذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ هَنا (لِمَن أساءَ)، فِعْلٌ ماضٍ مِنَ (الإساءَةِ)، وفي طَيِّهِ أنَّ ما أصابَ قَوْمَهُ مِنَ الرَّجْفَةِ مِن عَذابِهِ تَعالى، الَّذِي شاءَ إصابَتَهم بِهِ لِأفاعِيلِهِمْ، وثانِيًا إنَّهُ لا يَسْتَأْهِلُ كِتابَةَ الحَسَنَتَيْنِ إلّا المُتَّقُونَ المُتَصَدِّقُونَ المُؤْمِنُونَ بِالآياتِ، المُتَّبِعُونَ لِلنَّبِيِّ الأُمِّيِّ، فَمَنِ اسْتَقامَ عَلى هَذا الشَّرائِطُ، كُتِبَ لَهُ ذَلِكَ، ولا يُقالُ -عَلى هَذا- كَيْفَ يَتْبَعُونَهُ ولَمْ يُدْرِكُوا زَمَنَهُ؟ لِأنّا نَقُولُ الِاتِّباعُ أعَمُّ مِنَ الإتْباعِ بِالقُوَّةِ، وذَلِكَ بِالإيمانِ بِهِ إجْمالًا، حَسْبَما أشارَ لَهُ الكِتابانِ لِمَن تَقَدَّمَ مَوْتُهُ عَلى زَمَنِ بِعْثَتِهِ، وإمّا (بِالفِعْلِ) لِمَن لَحِقَ زَمانَ بِعْثَتِهِ. وفِيهِ تَبْشِيرٌ لِمُوسى بِالنَّبِيِّ ﷺ، وتَعْرِيفٌ لَهُ بِشَأْنِهِ وإعْلامٌ بِشَأْنِهِ، بِأنَّ كِتابَةَ الرَّحْمَةِ مَوْقُوفَةٌ عَلى اتِّباعِهِ. وعَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى " ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ بَدَلًا مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، بَدَلَ الكُلِّ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ مَرْفُوعٌ عَلَيْهِ، أيْ: أعْنِي الَّذِينَ، أوْ هُمُ الَّذِينَ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جَوابَ مُوسى يَنْتَهِي إلى قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وما بَعْدَهُ مُسْتَأْنِفٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى أعْلَمَ مُوسى بِأنَّهُ ذُو عَذابٍ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ، كَما أصابَ أصْحابَ الرَّجْفَةِ، وذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ، تُكْتَبُ لِلْمُتَّقِينَ المُتَصَدِّقِينَ المُؤْمِنِينَ بِالآياتِ، أيْ: فَأْمُرْ قَوْمَكَ بِأنْ يَكُونُوا مِنَ الفَرِيقِ المَرْحُومَ بِالمَشْيِ عَلى هَذا الوَصْفِ المَرْقُومِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَعالى الإخْبارَ عَمَّنْ يَتَّبِعُ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ بِأنَّهُمُ المُفْلِحُونَ حَقًّا، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى " ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ " ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وتَكُونُ القِصَّةُ اسْتَتْبَعَتْ أعْقابَ بَنِي إسْرائِيلَ، بِأنَّهم إذا اتَّبَعُوا النَّبِيَّ الأُمِّيَّ، كانُوا هُمُ المُفْلِحِينَ.
(p-٢٨٧١)وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى " ﴿قالَ عَذابِي﴾ [الأعراف: ١٥٦] ارْتِجالُ خِطابٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، قَصَدَ بِهِ إعْلامَ أهْلِ الكِتابِ المُعاصِرِينَ لَهُ، ﷺ بِأنَّهم إذا اتَّبَعُوهُ وآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، حَقَّتْ لَهم رَحْمَتُهُ تَعالى الواسِعَةُ، وإلّا فَلا يَأْمَنُوا أنْ يُصابُوا بِانْتِقامِهِ تَعالى، كَما جَرى لِأسْلافِهِمْ. وفي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ وأتْباعِهِ المُتَّقِينَ، ما لا يَخْفى.
الثّانِي: تُطْلَقُ الرَّحْمَةُ عَلى التَّعَطُّفِ والمَغْفِرَةِ والإحْسانِ -هَذا ما ذُكِرَ في اللُّغَةِ. وعِنْدِي أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ قَدْ تُطْلَقُ فِيهِ عَلى الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] بِدَلِيلِ المُقابَلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] فَلَعَلَّ الرَّحْمَةَ في قَوْلِهِ تَعالى هُنا " ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] بِمَعْنى الجَنَّةِ، بِدَلِيلِ مُقابَلَتِها بِالعَذابِ قَبْلُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وقالَ أبُو مَنصُورٍ: ما مِن أحَدٍ مُسْلِمٍ وكافِرٍ، إلّا وعَلَيْهِ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ في هَذِهِ الدُّنْيا. بِها يَتَعَيَّشُونَ ويُؤاخُونَ ويُوادُّونَ، وفِيها يَنْقَلِبُونَ، لَكِنَّها لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً في الآخِرَةِ، لا حَظَّ لِلْكافِرِ فِيها، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أيْ: مَعْصِيَةَ اللَّهِ، والخِلافَ لَهُ " ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] جَعَلَ طَيِّباتِ الدُّنْيا ونَعِيمَها مُشْتَرِكَةً بَيْنَ المُسْلِمِ والكافِرِ، خالِصَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ، لا حَظَّ لِلْكافِرِ فِيها. فَعَلى ذَلِكَ رَحْمَتُهُ نالَتْ كُلَّ أحَدٍ في هَذِهِ الدُّنْيا، لَكِنَّها لِلَّذِينَ آمَنُوا واتَّقَوُا الشِّرْكَ خاصَّةً في الآخِرَةِ، ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ -واللَّهُ أعْلَمُ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أنَّهم سَألُوا الرَّحْمَةَ، فَقالَ: سَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ مَعاصِيَ اللَّهِ ومُخالَفَتَهُ. انْتَهى.
(p-٢٨٧٢)الثّالِثُ: إنَّما أفْرَدَ (الزَّكاةَ) بِالذِّكْرِ، مَعَ دُخُولِها في التَّقْوى قَبْلُ، لِعُلُوِّها وشَرَفِها، فَإنَّها عُنْوانُ الهِدايَةِ، ولِأنَّها كانَتْ أشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرَها لِئَلّا يُفَرِّطُوا فِيها.
الرّابِعُ: كَوْنُهُ ﷺ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَشْهُورٌ. وهَلْ صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ في كِتابَةِ صُلْحِالحُدَيْبِيَةِ كَما هو ظاهِرُ الحَدِيثِ المَشْهُورِ، أوْ أنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ، وإنَّما أُسْنِدَ إلَيْهِ مَجازًا، أوْ أنَّهُ أصْدَرَ مِنهُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً؟ - انْظُرْ في (فَتْحِ البارِي) تَفْصِيلُهُ-.
و(الأُمِّيَّ) نِسْبَةٌ إلى أُمَّةِ العَرَبِ، لِأنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمْ كانَ ذَلِكَ، كَما في الحَدِيثِ: ««إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»»، وأمّا نِسْبَتُهُ إلى (أُمِّ القُرى) فَلِأنَّ أهْلَها كانُوا كَذَلِكَ، أوْ إلى (أُمِّهِ) كَأنَّهُ عَلى الحالَةِ الَّتِي ولَدَتْهُ أُمُّهُ عَلَيْها. وقِيلَ: إنَّهُ مَنسُوبٌ (إلى الأمِّ) -بِفَتْحِ الهَمْزَةِ- بِمَعْنى القَصْدِ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ، وضَمُّ الهَمْزَةِ مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ ((الأمِّيَّ)) -بِفَتْحِ الهَمْزَةِ-، وإنِ احْتَمَلَتْ أنْ تَكُونَ مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ أيْضًا، وإنَّما وصَفَهُ تَعالى بِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَمالَ عِلْمِهِ مَعَ حالِهِ إحْدى مُعْجِزاتِهِ، فَهي لَهُ مَدْحٌ وعُلُوُّ كَعْبٍ، لِأنَّها مُعْجِزَةٌ لَهُ، كَما قالَ البُوصَيْرِيُّ.
؎كَفاكَ بِالعِلْمِ في الأُمِّيِّ مُعْجِزَةً
كَما أنَّ صِفَةَ التَّكَبُّرِ لِلَّهِ مادِحَةٌ، وفي غَيْرِهِ ذامَّةٌ، كَذا في (العِنايَةِ).
الخامِسُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ إشارَةٌ إلى بَشائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِنُبُوَّتِهِ ﷺ.
قالَ الماوَرْدِيُ في (أعْلامِ النُّبُوَّةِ) في البابِ الخامِسَ عَشَرَ في بَشائِرِ الأنْبِياءِ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:
(p-٢٨٧٣)إنَّ لِلَّهِ تَعالى عَوْنًا عَلى أوامِرِهِ، وإغْناءً عَنْ نَواهِيهِ، فَكَأنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى مُعانُونَ عَلى تَأْسِيسِ النُّبُوَّةِ، بِما تُقَدِّمُهُ مِن بَشائِرِها، وتُبْدِيهِ مِن أعْلامِها وشَعائِرِها، لِيَكُونَ السّابِقُ مُبَشِّرًا ونَذِيرًا، واللّاحِقُ مُصَدِّقًا وظَهِيرًا، فَتَدُومُ بِهِمْ طاعَةُ الخَلْقِ، ويَنْتَظِمُ بِهِمُ اسْتِمْرارُ الحَقِّ.
وقَدْ تَقَدَّمَتْ بَشائِرُ مَن سَلَفَ مِنَ الأنْبِياءِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مِمّا هو حُجَّةٌ عَلى أُمَمِهِمْ ومُعْجِزَةٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، بِما أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى غَيْبِهِ، لِيَكُونَ عَوْنًا لِلرَّسُولِ، وحَثًّا عَلى القَبُولِ. فَمِنهم مَن عَيَّنَهُ بِاسْمِهِ، ومِنهم مَن ذَكَرَهُ بِصِفَتِهِ، ومِنهم مَن عَزاهُ إلى قَوْمِهِ، ومِنهم مَن أضافَهُ إلى بَلَدِهِ، ومِنهم مَن خَصَّهُ بِأفْعالِهِ، ومِنهم مَن مَيَّزَهُ بِظُهُورِهِ وانْتِشارِهِ. وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَها فِيهِ، حَتّى صارَ جَلِيًّا بَعْدَ الِاحْتِمالِ ويَقِينًا بَعْدَ الِارْتِيابِ، ثُمَّ سَرَدَ الماوَرْدِيُّ البَشائِرَ مِن نُصُوصِ كُتُبِهِمْ.
وجاءَ في (إظْهارِ الحَقِّ) ما نَصُّهُ: إنَّ الإخْباراتِ الواقِعَةَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَثِيرَةٌ إلى الآنِ أيْضًا، مَعَ وُقُوعِ التَّحْرِيفاتِ في هَذِهِ الكُتُبِ، ومَن عَرَفَ أوَّلًا طَرِيقَ إخْبارِ النَّبِيِّ المُتَقَدِّمِ، عَنِ النَّبِيِّ المُتَأخِّرِ، عَلى ما عَرَفْتَ في الأمْرِ الثّانِي -يَعْنِي في كَلامِهِ- ثُمَّ نَظَرَ ثانِيًا بِنَظَرِ الإنْصافِ إلى هَذِهِ الإخْباراتِ، وقابَلَها بِالإخْباراتِ الَّتِي نَقَلَها الإنْجِيلِيُّونَ في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، جَزَمَ بِأنَّ الإخْباراتِ المُحَمَّدِيَّةَ في غايَةِ القُوَّةِ.
وجاءَ في (مِنيَةِ الأذْكِياءِ في قِصَصِ الأنْبِياءِ) ما نَصُّهُ: إنَّ نَبِيَّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ بَشَّرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ السّالِفُونَ، وشَهِدُوا بِصِدْقِ نُبُوَّتِهِ، ووَصَفُوهُ وصْفًا رَفَعَ كُلَّ احْتِمالٍ، حَيْثُ صَرَّحَتْ بِاسْمِهِ وبَلَدِهِ وجِنْسِهِ وحِلْيَتِهِ وأطْوارِهِ وسِمَتِهِ. غَيْرَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ حَذَفُوا اسْمَهُ -يَعْنِي مِن نُسَخِهِمُ الأخِيرَةِ- إلّا أنَّ ذَلِكَ لَمْ يُجْدِهِمْ نَفْعًا، لِبَقاءِ الصِّفاتِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْها المُؤَرِّخُونَ مِن كُلِّ جِنْسٍ ومِلَّةٍ وهي أظْهَرُ دَلالَةً مِن الِاسْمِ عَلى المُسَمّى، إذْ قَدْ يَشْتَرِكُ اثْنانِ في اسْمٍ، ويَمْتَنِعُ اشْتِراكُ اثْنَيْنِ في جَمِيعِ الأوْصافِ.
لَكِنْ مَن أمَدَّ غَيْرَ بَعِيدٍ، قَدْ شَرَعُوا في تَحْرِيفِ بَعْضِ الصِّفاتِ، لِيَبْعُدَ صِدْقُها عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَتَرى كُلَّ نُسْخَةٍ مُتَأخِّرَةٍ تَخْتَلِفُ عَمّا قَبْلَها في بَعْضِ المَواضِعِ، اخْتِلافًا لا يَخْفى عَلى اللَّبِيبِ أمْرُهُ، ولا ما قُصِدَ (p-٢٨٧٤)بِهِ، ولَمْ يُفِدْهم ذَلِكَ غَيْرَ تَقْوِيَةِ الشُّبْهَةِ عَلَيْهِمْ لِانْتِشارِ النَّسْخِ بِالطَّبْعِ، وتَيَسُّرِ المُقابَلَةِ بَيْنَها، وها نَحْنُ نُورِدُ شَذْرَةً مِنَ البَشائِرِ لَدَيْهِمْ:
فَمِنها: في البابِ السّادِسَ عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ في حَقِّ هاجَرَ هَكَذا:
١١- وقالَ لَها مَلاكُ الرَّبِّ أنْتِ حُبْلى فَتَلِدِينَ ابْنًا، وتَدْعِينَ اسْمَهُ إسْماعِيلَ لِأنَّ الرَّبَّ قَدْ سَمِعَ لِمَذَلَّتِكِ.
١٢- وإنَّهُ يَكُونُ إنْسانًا وحْشِيًّا، يَدُهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ ويَدُ كُلِّ واحِدٍ عَلَيْهِ، وأمامَ جَمِيعِ إخْوَتِهِ يَسْكُنُ.
هَذِهِ بِشارَةٌ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، لا بِجَدِّهِ إسْماعِيلَ، لِأنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ تَكُنْ يَدُهُ فَوْقَ يَدِ الجَمِيعِ، ولا كانَتْ يَدُ الجَمِيعِ مَبْسُوطَةً إلَيْهِ بِالخُصُوصِ. بَلْ في التَّوْراةِ أنَّ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ هاجَرَ أُخْرِجا مِن وطَنِهِما مُكْرَهَيْنِ، ولَمْ يَرِثْ إسْماعِيلُ مَعَ إسْحاقَ، وكانَ المُلْكُ والنُّبُوَّةُ في بَنِي إسْحاقَ، وكانَ بَنُو إسْماعِيلَ في البَرارِي العِطاشِ، ولَمْ يُسْمَعْ أنَّ الأُمَمَ دانَتْ لَهُمْ، حَتّى بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدانَتْ لَهُ المُلُوكُ، وخَضَعَتْ لَهُ الأُمَمُ، وعَلَتْ يَدُهُ وأيْدِي بَنِي إسْماعِيلَ عَلى كُلِّ يَدٍ، وصارَتْ يَدُ كُلٍّ بِهِمْ فَكانَ ذِكْرُ إسْماعِيلَ مَقْصُودًا بِهِ ولَدُهُ.
كَما أنَّ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّوْراةِ، ذُكِرَ يَعْقُوبُ، والمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ ولَدُ يَعْقُوبَ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ في السِّفْرِ الخامِسِ: يا إسْرائِيلُ ! ألا تَخْشى اللَّهَ رَبَّكَ، وتَسْلُكُ في سَبِيلِهِ وتَعْمَلُ لَهُ؟ فَهَذا خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِاسْمِ أبِيهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ لِقَوْمِ مُوسى: اسْمَعْ إسْرائِيلَ، ثُمَّ احْفَظْ، واعْمَلْ يُحْسِنْ إلَيْكَ رَبُّكَ، وتَكْثُرْ وتَنْعَمْ. ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
فَظَهَرَ أنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ اسْمُ الأبِ، ويُرادُ الِابْنُ مَجازًا، بِقَرِينَةِ الحالِ، وإلّا لَزِمَ الخَلَفُ في خَبَرِهِ تَعالى.
ومِنها: في البابِ الثّالِثِ والثَّلاثِينَ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ هَكَذا: ١- وهَذِهِ هي البَرَكَةُ الَّتِي بارَكَ بِها مُوسى رَجُلُ اللَّهِ بَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ مَوْتِهِ.
(p-٢٨٧٥)٢- فَقالَ: جاءَ الرَّبُّ مِن سَيْناءَ، وأشْرَقَ لَهم مِن سَعِيرَ، وتَلَأْلَأ مِن جَبَلِ فارانَ، وأتى مِن رِبْواتِ القُدْسِ، وعَنْ يَمِينِهِ نارُ شَرِيعَةٍ لَهم.
ولا غُمُوضَ بِأنَّ مَجِيءَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا مِن سَيْناءَ عِبارَةٌ عَنْ إنْزالِهِ التَّوْراةَ عَلى مُوسى بِطُورِ سِينا -هَكَذا يُفَسِّرُهُ أهْلُ الكِتابِ - والأمْرُ كَذَلِكَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ إشْراقُهُ مِن سَعِيرَ عِبارَةٌ عَنْ إنْزالِهِ الإنْجِيلَ عَلى المَسِيحِ، وكانَ المَسِيحُ يَسْكُنُ أرْضَ الجَلِيلِ مِن سَعِيرَ بِقَرْيَةٍ تُدْعى ناصِرَةَ، واسْمُ النَّصارى مَأْخُوذٌ مِنها.
واسْتِعْلاؤُهُ مِن جِبالِ فارانَ عِبارَةٌ عَنْ إنْزالِهِ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ في جَبَلِ فارانَ، وفارانُ هي مَكَّةُ، ولا يُخالِفُنا في ذَلِكَ أهْلُ الكِتابِ. فَفي البابِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ في حالِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَكَذا:
٢٠- وكانَ اللَّهُ مَعَ الغُلامِ فَكَبَرَ، وسَكَنَ في البَرِّيَّةِ، وكانَ يَنْمُو رامِيَ قَوْسٍ.
٢١- وسَكَنَ في بَرِّيَّةِ فارانَ، وأخَذَتْ لَهُ أُمُّهُ زَوْجَةً مِن أرْضِ مِصْرَ.
ولا شَكَّ أنَّ إسْماعِيلَ كانَ سَكَنُهُ في مَكَّةَ، وفِيها ماتَ، وبِها دُفِنَ، وهَذِهِ البِشارَةُ صَرِيحَةٌ في نَبِيِّنا ﷺ، ظاهِرَةٌ لا تَخْفى إلّا عَلى أكَمَةٍ لا يَعْرِفُ القَمَرَ. فَأيُّ نَبِيٍّ ظَهَرَ في مَكَّةَ بَعْدَ مُوسى غَيْرِ مُحَمَّدٍ، وانْتَشَرَ دِينُهُ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، كَما يَقْتَضِيهِ الِاسْتِعْلانِ المَذْكُورِ في البِشارَةِ.
ومِنها: في البابِ الثّامِنَ عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ هَكَذا:
١٧- قالَ لِي الرَّبُّ قَدْ أحْسَنُوا في ما تَكَلَّمُوا.
١٨- أُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن وسْطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ فَيُكَلِّمُهم بِكُلِّ ما أُوصِيهِ بِهِ.
١٩- ويَكُونُ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي لا يَسْمَعُ لِكَلامِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أنا أُطالِبُهُ.
هَذا البِشارَةُ في حَقِّ نَبِيِّنا ﷺ قَطْعًا، لِأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، وذُرِّيَّتِهِ يُسَمَّوْنَ إخْوَةً لِبَنِي إبْراهِيمَ، بِدَلِيلِ ما ذُكِرَ في التَّوْراةِ في حَقِّ إسْماعِيلَ وأنَّهُ قُبالَةَ إخْوَتِهِ، يَنْصِبُ المَضارِبَ. وقَدْ جَرَتْ عادَةُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ بِتَسْمِيَةِ أبْناءِ الأعْمامِ، عَنْ بُعْدٍ بَعِيدٍ، إخْوَةً (p-٢٨٧٦)كَما دَعا في القُرْآنِ هُودٌ وصالِحٌ، إخْوَةٌ لِعادٍ وثَمُودَ مَعَ أنَّهُما عَلى بُعْدٍ بَعِيدٍ مِن أوْلادِ الأعْمامِ.
وكَما قِيلَ في سِفْرِ العَدَدِ في البابِ العِشْرِينَ:
١٤- وأرْسَلَ مُوسى رُسُلًا مِن قادَشَ إلى مَلِكِ أدُومَ: هَكَذا يَقُولُ أخُوكَ إسْرائِيلُ قَدْ عَرَفْتَ كُلَّ المَشَقَّةِ الَّتِي أصابَتْنا (مَعَ أنَّهُما أعْمامٌ عَلى بُعْدٍ بَعِيدٍ).
ولَيْسَتْ هَذِهِ الشَّهادَةُ في حَقِّ أحَدٍ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وإلّا، لَقالَ: وسَوْفَ أُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِثْلَكَ مِنهم أوْ مِن أنْفُسِهِمْ كَما قالَ تَعالى إخْبارًا بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِوَلَدِ إسْماعِيلَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وكَما قالَ تَعالى في خِطابِ بَنِي إسْماعِيلَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وأمّا ما زَعَمَتْهُ اليَهُودُ مِن أنَّ المُرادَ يُوشِعُ فَتى مُوسى، فَهو باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:
١- أنَّ المُبَشَّرَ بِهِ مِن إخْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، لا مِن نَفْسِ بَنِي إسْرائِيلَ، ويُوشِعُ كانَ مِن نَفْسِ بَنِي إسْرائِيلَ
٢- أنَّ يُوشِعَ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِما في آخِرِ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ (الإصْحاحُ الرّابِعُ والعِشْرُونَ).
١٠- ولَمْ يَقُمْ بَعْدُ نَبِيٌّ في بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلُ مُوسى الَّذِي عَرَفَهُ الرَّبُّ وجْهًا لِوَجْهٍ. ولِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ صاحِبُ كِتابٍ وشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى أوامِرَ ونَواهٍ، ويُوشِعُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو مَأْمُورٌ بِاتِّباعِ شَرِيعَةِ مُوسى.
٣٠- أنَّ يُوشِعَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حاضِرًا هُناكَ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِعِبارَةٍ صَرِيحَةٍ قَبْلَ هَذِهِ فَفي البابِ الأوَّلِ مِن هَذا السِّفْرِ.
٣٨- يَشُوعُ بْنُ نُونٍ الواقِفُ أمامَكَ هو يَدْخُلُ إلى هُناكَ، شَدِّدْهُ لِأنَّهُ هو يُقَسِّمُها لِإسْرائِيلَ.
فَأيُّ مُقْتَضٍ لِلرَّمْزِ والتَّلْوِيحِ، بَعْدَ هَذا التَّصْرِيحِ؟ وأيُّ مُوجَبٍ لِإدْخالِ (سَوْفَ) الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِقْبالِ عَلى فِعْلٍ حاصِلٍ في الحالِ؟
(p-٢٨٧٧)وأمّا ما زَعَمَتْهُ النَّصارى مِن أنَّ المُرادَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهو أيْضًا باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
١- أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُبَشَّرُ بِهِ هُنا مِن غَيْرِهِمْ.
٢- أنَّ مُوسى بَشَّرَ بِنَبِيٍّ مِثْلِهِ، وهم يَدَّعُونَ أنَّ عِيسى إلَهٌ، ويُنْكِرُونَ كَوْنَهُ نَبِيًّا مُرْسَلًا، وإلّا لَزِمَ اتِّحادُ المُرْسِلِ والمُرْسَلِ، وهو غَيْرُ مَعْقُولٍ، عَلى أنَّ مُشابَهَةَ مُوسى لِنَبِيِّنا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أقْوى مِن مُشابَهَتِهِ لِعِيسى، لِاتِّحادِهِما في أُمُورٍ:
١- كَوْنُهُما ذَوَيْ والِدَيْنِ وأزْواجٍ، بِخِلافِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
٢- كَوْنُهُما مَأْمُورَيْنِ بِالجِهادِ، بِخِلافِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدْ أشارَ في هَذِهِ البِشارَةِ بِقَوْلِهِ:
١٩- ويَكُونُ أيِ الإنْسانُ الَّذِي لا يَسْمَعُ لِكَلامِي، الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي، أنا أُطالِبُهُ. إلى كَوْنِ هَذا النَّبِيِّ مَأْمُورًا بِجِهادِ مَن كَفَرَ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والِانْتِقامُ مِنهُ بِسَيْفِهِ البَتّارِ. وزَعَمَتِ النَّصارى أنَّ الِانْتِقامَ هُنا بِمَعْنى العَذابِ الأُخْرَوِيِّ لِمُنْكِرِيهِ، وهو خَطَأٌ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَخْتَصُّ بِهَذا النَّبِيِّ، بَلْ كُلُّ مَن أنْكَرَ ما جاءَ بِهِ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَنْتَقِمُ مِنهُ في الآخِرَةِ، فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِ هَذا النَّبِيِّ بِالذِّكْرِ حِينَئِذٍ.
٣- كَوْنُ شَرِيعَتِهِما مُشْتَمِلَةً عَلى الحُدُودِ والقِصاصِ والتَّعْزِيرِ وإيجابِ الغُسْلِ عَلى الجُنُبِ والحائِضِ والنُّفَساءِ، وإيجابُ الطَّهارَةِ وقْتَ العِبادَةِ، وهَذِهِ كُلُّها لَيْسَتْ مَوْجُودَةً في شَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ -عَلى ما تَقُولُ النَّصارى - ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وفي هَذِهِ البِشارَةِ إشارَةٌ إلى كَوْنِ هَذا النَّبِيِّ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ، حَيْثُ قالَ (يَسْمَعُ لِكَلامِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي). وبِذَلِكَ تَعْرِفُ سِرَّ وصْفِهِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ الآيَةَ الَّتِي نَحْنُ في صَدَدِها.
ومِنها: في البابِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن إنْجِيلِ يُوحَنّا هَكَذا: (إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فاحْفَظُوا وصايايَ، وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ فَيُعْطِيكم فارَقَلِيطَ آخَرَ لِيَثْبُتَ مَعَكم إلى الأبَدِ، رُوحُ الحَقِّ الَّذِي لَنْ يُطِيقَ العالَمُ أنْ يَقْبَلَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ يَراهُ، ولا يَعْرِفُهُ، وأنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ، لِأنَّهُ مُقِيمٌ عِنْدَكُمْ، وهو ثابِتٌ فِيكُمْ). وهَذِهِ بِشارَةٌ مِنَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَيَبْعَثُ لِلنّاسِ (p-٢٨٧٨)مَن يَقُومُ مَقامَهُ، ويَنُوبُ في تَبْلِيغِ رِسالَتِهِ، وسِياسَةِ خَلْقِهِ، ومَنابَهُ، وتَكُونُ شَرِيعَتُهُ باقِيَةً مُخَلَّدَةً أبَدًا، وهَلْ هَذا إلّا مُحَمَّدٌ ﷺ. و(الأبُ) هُنا بِمَعْنى الرَّبِّ والإلَهِ، لِأنَّهُ اصْطِلاحُ أهْلِ الكِتابَيْنِ.
وقَدْ أشارَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَوْنِهِ (رُوحَ الحَقِّ) إلى أنَّ الحَقَّ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، يَكُونُ كالمَيِّتِ لا حِراكَ لَهُ، ولا انْتِعاشَ، وأنَّهُ إذا بُعِثَ يَكُونُ كالرُّوحِ لَهُ، فَيَرْجِعُ حِينَئِذٍ قائِمًا في الأرْضِ.
ولا خَفاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، هو الَّذِي أحْيى اللَّهُ بِهِ الحَقَّ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما انْدَرَسَ، ولَمْ يَبْقَ فِيهِ نَفْسٌ. ثُمَّ قالَ: (والفارَقَلِيطُ رُوحُ القُدُسِ الَّذِي يُرْسِلُهُ الأبُ بِاسْمِي هو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ، وهو يُذَكِّرُكم كُلَّ ما قُلْتُهُ لَكُمْ). ولا شَكَّ بِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو الَّذِي عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الحَقائِقِ، وأوْضَحَ ما خَفِيَ مِنَ الدَّقائِقِ، وذَكَّرَ أُمَّةَ عِيسى ما نَسُوهُ مِن أقْوالِهِ المُتَضَمِّنَةِ أنَّهُ عَبْدٌ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى، قَرَّبَهُ إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ واصْطَفاهُ، وأنَّهُ لَمْ يَدْعُ لِسِوى عِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، وتَنْزِيهِهِ وتَمْجِيدِهِ. وقَوْلُهُ (بِاسْمِي) أيْ بِالنُّبُوَّةِ.
ثُمَّ أبانَ لَهم سَبَبَ إخْبارِهِمْ بِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ فَقالَ: (والآنَ قَدْ قُلْتُ لَكم قَبْلَ أنْ يَكُونَ، حَتّى إذا كانَ، تُؤْمِنُونَ).
وفِي البابِ الخامِسَ عَشَرَ مِنَ الإنْجِيلِ المَذْكُورِ: (فَأمّا إذا جاءَ الفارَقَلِيطَ الَّذِي أُرْسِلُهُ أنا إلَيْكم مِنَ الأبِ رُوحِ الحَقِّ الَّذِي مِنَ الأبِ يَنْشَقُّ، وهو يَشْهَدُ لِأجْلِي، وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ لِأنَّكم مَعِي مِن الِابْتِداءِ.
وفِي البابِ السّادِسَ عَشَرَ مِنهُ: (لَكِنِّي أقُولُ لَكُمُ الحَقَّ، إنَّهُ خَيْرٌ لَكم أنْ أنْطَلِقَ، لِأنِّي إنْ لَمْ أنْطَلِقْ، لَمْ يَأْتِكُمُ الفارَقَلِيطُ، فَأمّا إنِ انْطَلَقْتُ أرْسَلْتُهُ إلَيْكُمْ، فَإذا جاءَ ذاكَ، فَهو يُوَبِّخُ العالَمَ عَلى خَطِيئَةٍ، وعَلى بِرٍّ، وعَلى حُكْمٍ. أمّا عَلى الخَطِيئَةِ فَلِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِي. وأمّا عَلى البِرِّ فَلِأنِّي مُنْطَلِقٌ إلى الأبِ، ولَسْتُمْ تَرَوْنَنِي بَعْدُ، وأمّا عَلى الحُكْمِ، فَإنَّ رَئِيسَ هَذا العالَمِ قَدْ دِينَ، وإنَّ لِي كَلامًا كَثِيرًا أقُولُهُ لَكُمْ، ولَكِنَّكم لَسْتُمْ تُطِيقُونَ حَمْلَهُ، وإذا جاءَ رُوحُ الحَقِّ ذاكَ، فَهو يُعَلِّمُكم جَمِيعَ الحَقِّ، لِأنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِن عِنْدِهِ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ، ويُخْبِرُكم بِما سَيَأْتِي، وهو يُمَجِّدُنِي، لِأنَّهُ يَأْخُذُ مِمّا هو لِي، ويُخْبِرُكم جَمِيعَ ما هو لِلْأبِ، فَهو لِي. مِن أجْلِ هَذا قُلْتُ: (إنَّ مِمّا هو لِي يَأْخُذُ ويُخْبِرُكُمْ). ومَن أمْعَنَ النَّظَرَ في هَذِهِ (p-٢٨٧٩)العِباراتِ، ولاحَظَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الفَحْوى والإشاراتِ جَزَمَ بِأنَّ الفارَقَلِيطَ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّهُ هو الَّذِي ظَهَرَ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وشَهِدَ لِعِيسى بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ومَجَّدَهُ وبَرَّأهُ مِمّا افْتَراهُ عَلَيْهِ النَّصارى مِن دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ، ومِمّا افْتَراهُ عَلَيْهِ اليَهُودُ مِن كَوْنِهِ ساحِرًا كَذّابًا، وعَلى والِدَتِهِ مِن كَوْنِها غَيْرَ طاهِرَةِ الذَّيْلِ، بَرِيئَةِ السّاحَةِ، وهو الَّذِي وبَّخَ العالَمَ -سِيَّما اليَهُودُ عَلى الخَطايا، لا سِيَّما خَطِيئَةُ الكُفْرِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والطَّعْنُ في والِدَتِهِ الطّاهِرَةِ البَتُولِ، وهو الأمِينُ الصّادِقُ، الَّذِي عَلِمَ جَمِيعَ الحَقائِقِ، هو الَّذِي أبانَ مِنَ الأسْرارِ ما لَمْ تُطِقْ تَحَمُّلَهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ الأفْكارُ، وهو الَّذِي، لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى.
وفَسَّرَ العَلّامَةُ ابْنُ قُتَيْبَةَ (رُوحُ الحَقِّ الَّذِي مِنَ الأبِ يَنْبَثِقُ)، أيْ يَصْدُرُ بِكَلامِ اللَّهِ المُنَزَّلِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] والمُرادُ بِهِ هُنا القُرْآنُ الكَرِيمُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَشْهَدُ لِلْمَسِيحِ بِالنُّبُوَّةِ والنَّزاهَةِ، عَمّا افْتُرِيَ عَلَيْهِ، وبِأنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ وصَفِيُّهُ ورَسُولُهُ، كَما شَهِدَ الحَوارِيُّونَ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ، واهْتَدَوْا بِهَدْيِهِ، ولَمْ يَثْبُتْ شَهادَةُ كِتابٍ غَيْرِ القُرْآنِ بِذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ.
وفِي قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: (إنَّهُ خَيْرٌ لَكم أنْ أنْطَلِقَ لِأنِّي إنْ لَمْ أنْطَلِقْ لَمْ يَأْتِكُمُ الفارَقَلِيطُ إشارَةً إلى أنَّ نَبِيَّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أفْضَلُ.
ولَفْظُ (فارَقَلِيطَ) يُونانِيُّ الأصْلِ، قِيلَ: أصْلُهُ باراكَلِي طَوْسَ، بِمَعْنى المُعَزِّي والمُعِينِ والوَكِيلِ أوِ الشّافِعِ. وقِيلَ: بِيرَكَلُوطُوسَ، فَيَكُونُ قَرِيبًا مِن مَعْنى مُحَمَّدٍ وأحْمَدَ.مَعْلُومٌ أنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَكَلَّمُ بِاللِّسانِ العِبْرانِيِّ كانَ لِسانَ قَوْمِهِ، وما كانَ يَتَكَلَّمُ بِاليُونانِيِّ، لِأنَّهُ كانَ عِبْرانِيًّا ابْنَ عِبْرانِيَّةٍ، نَشَأ في قَوْمِهِ العِبْرانِيِّينَ فَنَقْلُ أقْوالِهِ في هَذِهِ الأناجِيلِ، نَقْلٌ بِالمَعْنى. فَتَرْجِيحُ مَن رَجَّحَ مِنَ النَّصارى أنَّ أصْلَ فارَقَلِيطَ هو الأوَّلُ تَرْجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ، والتَّفاوُتُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ يَسِيرٌ جِدًّا، والحُرُوفُ اليُونانِيَّةُ مُتَشابِهَةٌ.
(p-٢٨٨٠)وأيًّا كانَ أصْلُهُ، فالِاسْتِدْلالُ صَحِيحٌ، لِصِدْقِ اللَّفْظِ بِمَعانِيهِ كُلِّها عَلى النَّبِيِّ ﷺ صِدْقًا جَلِيًّا، لا يَخْفى إلّا عَلى مُشاغِبٍ.
وقَدْ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ سَبَبَ إسْلامِ الفاضِلِ عَبْدِ اللَّهِ التُّرْجُمانِ، كَما بَيَّنَهُ في كِتابِهِ (تُحْفَةُ الأدِيبِ في الرَّدِّ عَلى أهْلِ الصَّلِيبِ).
وقَدْ نَبَذَ النَّصارى بَعْدُ الأناجِيلِ المُصَرِّحَةِ بِاسْمِ مُحَمَّدٍ، لِكَوْنِها شِجًى في حُلُوقِ أهْوائِهِمْ، كَإنْجِيلِ (بِرْنابا) فَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ (إلى أنْ يَجِيءَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) كَما نَقَلَهُ في (إظْهارِ الحَقِّ).
وإذا كانَ حالُهم في تَراجِمِهِمْ، في لَقَبِ إلَهِهِمْ، ولَقَبِ خَلِيفَتِهِ ما عَلِمَ -فَكَيْفَ يُرْجى مِنهم صِحَّةُ بَقاءِ لَفْظِ (مُحَمَّدٍ أوْ أحْمَدَ)؟ إلّا أنَّ سَيْفَ الحَقِّ أمْضى، وسِهامَ الصَّوْبِ أنْفَذُ، فَثَمَّةَ مِنَ الأوْصافِ الصَّرِيحَةِ، والأشائِرِ الصَّحِيحَةِ، ما لا يَبْقى مَعَهُ وقْفَةٌ لِحائِرٍ.
هَذا، وفي كُتُبِهِمْ بَشائِرُ كَثِيرَةٌ، تَعَرَّضَ لِذِكْرِها جُلَّةٌ مِنَ العُلَماءِ، مِمّا أنافَ عَلى العِشْرِينَ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: لَعَلَّ ما لَمْ يَصِلْ إلَيْنا مِنها أكْثَرُ. وقَدِ اقْتَصَرْنا عَلى ما قَدَّمْنا، رَوْمًا لِلِاخْتِصارِ، ولِسُهُولَةِ الوُقُوفِ عَلى البَقِيَّةِ، مِن مِثْلِ (أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِلْماوَرْدِيِّ ) و(إظْهارِ الحَقِّ) وغَيْرِهِما.
وقَدْ قالَ صاحِبُ (إظْهارِ الحَقِّ) الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ، عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللَّهِ: إنَّ مَن أسْلَمَ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ والنَّصارى في القَرْنِ الأوَّلِ، شَهِدَ بِوُجُودِ البِشاراتِ المُحَمَّدِيَّةِ في كُتُبِ العَهْدَيْنِ، مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وابْنَيْ سَعْيَةَ، وبِنْيامِينَ، ومُخَيْرِيقٍ، وكَعْبِ الأحْبارِ، وغَيْرِهِمْ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ ومِثْلُ بَحِيرا ونَسْطُورا الحَبَشِيِّ، وضَغاطِرَ، وهو الأُسْقُفُ الرُّومِيُّ الَّذِي أسْلَمَ عَلى يَدِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ وقْتَ الرِّسالَةِ فَقَتَلُوهُ، والجارُودِ، والنَّجّاشِيِّ، والسُّوسِ، والرُّهْبانِ الَّذِينَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وغَيْرِهِمْ مِن عُلَماءِ النَّصارى
وقَدِ اعْتَرَفَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وعُمُومِ (p-٢٨٨١)رِسالَتِهِ، هِرَقْلُ قَيْصَرُ الرُّومِ، ومُقَوْقِسُ صاحِبُ مِصْرَ، وابْنُ صُورِيّا، وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وأبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ وغَيْرُهُمْ، مِمَّنْ حَمَلَهُمُ الحَسَدُ عَلى الشَّقاءِ ولَمْ يُسْلِمُوا.
ولَمّا ورَدَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نَصارى نَجْرانَ، وحاجَّهم في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحَجَّهُمْ، دَعاهم إلى المُباهَلَةِ بِأمْرِهِ تَعالى، فَنَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ، خَوْفًا مِن شُؤْمِ مَغَبَّتِها، فَكانُوا كَقَوْمِ فِرْعَوْنَ آمَنُوا بِها: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]
السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى " ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وأنْ يَكُونَ مُفَسِّرًا " ﴿مَكْتُوبًا﴾ أيْ لِما كُتِبَ.
السّابِعُ: الطَّيِّباتُ أعَمُّ مِنَ الطَّيِّباتِ في المَأْكَلِ كالشُّحُومِ، وكَذا البَحائِرُ والسَّوائِبُ والوَصائِلُ والحامُ.
ومِنَ الطَّيِّباتِ في حُكْمِ الشَّرِيعَةِ كالبَيْعِ، وما خَلا كَسْبُهُ عَنْ سُحْتٍ، وكَذا الخَبائِثُ ما يُسْتَخْبَثُ، مِن نَحْوِ الدَّمِ والمَيْتَةِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، أوْ ما خَبُثَ في الحُكْمِ كالرِّبا والرَّشْوَةِ وغَيْرِهِما مِنَ المَكاسِبِ الخَبِيثَةِ.
قِيلَ: يُسْتَبْعَدُ إرادَةُ ما طابَ أوْ خَبُثَ في الحُكْمِ، لِأنَّ مَعْناهُ حِينَئِذٍ ما حَكَمَ الشَّرْعُ بِحِلِّهِ، أوْ حَكَمَ بِحُرْمَتِهِ، فَيَرْجِعُ الكَلامُ إلى أنَّهُ يَحِلُّ ما يَحْكُمُ بِحِلِّهِ، ويُحَرِّمُ ما يَحْكُمُ بِحُرْمَتِهِ، ولا فائِدَةَ فِيهِ. ورَدُّوهُ بِأنَّهُ يُفِيدُ فائِدَةً وأيَّ فائِدَةٍ! لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ الحِلَّ والحُرْمَةَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، لا بِالعَقْلِ والرَّأْيِ.
الثّامِنُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ ﷺ جاءَ بِالتَّيْسِيرِ والسَّماحَةِ، كَما ورَدَ الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ»» . وقالَ ﷺ لِأمِيرَيْهِ مُعاذٍ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، لَمّا بَعَثَهُما إلى اليَمَنِ: ««بَشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وتَطاوَعا ولا تَخْتَلِفا»» .
(p-٢٨٨٢)وقَدَّمْنا أنَّ (الإصْرَ والأغْلالَ) اسْتِعارَةٌ لِما كانَ في شَرائِعِهِمْ مِنَ الأشْياءِ الشّاقَّةِ، فَمِنها تَحْرِيمُ طَبْخِ الجَدْيِ بِلَبَنِ أُمِّهِ، ومِنها نِظامُ الأعْيادِ الَّتِي يُعَيِّدُونَها لِلَّهِ في السَّنَةِ وهي عِيدُ الفَطِيرِ وعِيدُ الحَصادِ وعِيدُ المَظالِّ، وكَذَلِكَ عِيدُ كُلِّ سَبْتٍ، لا يُعْمَلُ فِيهِ أدْنى عَمَلٍ.
وكَذَلِكَ سَبْتُ المُزارِعِ، فَفي كُلِّ سَنَةٍ سابِعَةٍ سَبْتٌ لِلْأرْضِ، لا يُزْرَعُ فِيها، ولا يُقْطَفُ الكَرْمُ، بَلْ تُتْرَكُ الأراضِي عُطْلًا، وغَلّاتُ الكُرُومِ مَأْكَلًا لِفُقَراءِ شَعْبِهِمْ ووُحُوشِ البَرِّيَّةِ. ومِنها أنَّ مَن ضَرَبَ أباهُ أوْ أُمَّهُ أوْ شَتَمَهُما أوْ تَمَرَّدَ عَلَيْهِما وعَصاهُما يُقْتَلُ حَدًّا. وكَذا مَن يَعْمَلُ يَوْمَ السَّبْتِ يُقْتَلُ، ومَن كانَ بِهِ جِنٌّ أوْ تابِعَةٌ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ حَتّى يَمُوتَ، ومَن تَزَوَّجَ فَتاةً فادَّعى أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَها عُذْرَةً، ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ، جَمِيعًا يُقْتَلانِ، وإذا أمْسَكَتِ امْرَأةٌ عَوْرَةَ رَجُلٍ تُقْطَعُ يَدُها، وإذا نَطَحَ ثَوْرٌ رَجُلًا أوِ امْرَأةً فَماتَ المَنطُوحُ، يُرْجَمُ الثَّوْرُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، ومَنِ اضْطَجَعَ مَعَ امْرَأةٍ طامِثٍ يُقْطَعانِ مِن شُعَبِهِمْ، ومَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ آخَرَ، وطَلَّقَها أوْ ماتَ عَنْها، فَلا يَجُوزُ لِزَوْجِها الأوَّلِ أنْ يُرْجِعَها، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآصارِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَعْضُها في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ -فَراجِعْهُ-.
التّاسِعُ: قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ شَرِيعَتَهُ ﷺ أسْهَلُ الشَّرائِعِ، وأنَّهُ وضَعَ عَنْ أُمَّتِهِ كُلَّ ثِقَلٍ كانَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ، وذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ.
وتَدُلُّ عَلى وُجُوبِ تَعْظِيمِ الرَّسُولِ، ونَصْرِهِ بِالجِهادِ، ونُصْرَتِهِ بِنُصْرَةِ دِينِهِ، وكُلُّ أمْرٍ يُؤَدِّي إلى تَوْهِينِ ما يَتَّصِلُ بِذَلِكَ، لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِن بابِ النُّصْرَةِ. وهَذا لا يَخْتَصُّ بِعَصْرِهِ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ لازِمٌ إلى انْقِضاءِ التَّكْلِيفِ، ولَعَلَّ الجِهادَ بِالبَيانِ، وإيرادِ الحُجَّةِ، ووَضْعِ الكُتُبِ فِيهِ، وحِلِّ شِبْهِ المُخالِفِينَ، يَزِيدُ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ عَلى الجِهادِ بِالسَّيْفِ، ولِهَذا قُلْنا (مَنازِلُ العُلَماءِ في ذَلِكَ أعْظَمُ المَنازِلِ) اهـ.
العاشِرُ: قالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ: لَمّا تَراسَلَتِ الآيُ، وطالَ المَدى في أقاصِيصِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَيانِ مَناقِبِهِ العِظامِ، ومَآثِرِهِ الجِسامِ، وكانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْقَعَ في بَعْضِ النُّفُوسِ أنَّهُ أعْلى المُرْسَلِينَ مَنصِبًا، وأعْظَمُهم رُتْبَةً، ساقَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآياتِ هَذا السِّياقَ، عَلى هَذا (p-٢٨٨٣)الوَجْهِ، الَّذِي بَيَّنَ أعْلاهم مَراتِبَ، وأزْكاهم مَناقِبَ، الَّذِي خَصَّ بِرَحْمَتِهِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ مِن خَلْقِهِ قُوَّةً أوْ فِعْلًا.
وجَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ في أثْناءِ قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ، اهْتِمامًا بِهِ، وتَعْجِيلًا لَهُ، مَعَ ما سَيُذْكَرُ، مِمّا يُظْهِرُ أفْضَلِيَّتَهُ، ويُوَضِّحُ أكْمَلِيَّتَهُ، بِقِصَّتِهِ مَعَ قَوْمِهِ، في مَبْدَأِ أمْرِهِ وأوْسَطِهِ ومُنْتَهاهُ، في سُورَةِ الأنْفالِ وبَراءَةَ بِكَمالِها.
ثُمَّ قالَ البِقاعِيُّ: لَمّا تَمَّ ما نَظَّمَهُ تَعالى في أثْناءِ هَذِهِ القِصَصِ، مِن جَواهِرِ أوْصافِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، حَثَّ عَلى الإيمانِ بِهِ، إيجابًا عَلى وجْهٍ عُلِمَ مِنهُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى كُلِّ مُكَلَّفٍ، تَقَدَّمَ زَمانُهُ أوْ تَأخَّرَ، أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُصَرِّحَ بِما تَقَدَّمَ التَّلْوِيحُ إلَيْهِ، ويُصَرِّحُ بِما أخَذَ مِيثاقَ الرُّسُلِ عَلَيْهِ، تَحْقِيقًا لِعُمُومِ رِسالَتِهِ، وشُمُولِ دَعْوَتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
الأعراف 7:158
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٨] ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
" ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ أيْ: كافَّةً " ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ نُعُوتٌ لِلَفْظِ الجَلالَةِ، أيِ الَّذِي أرْسَلَنِي هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ورَبُّهُ ومَلِيكُهُ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ والإحْياءُ والإماتَةُ. والآيَةُ نَصٌّ في عُمُومِ بِعْثَتِهِ لِلْأحْمَرِ والأسْوَدِ، والعَرَبِيِّ والعَجَمِيِّ. وفي الحَدِيثِ: ««أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي -ولا أقَوْلُهُنَّ فَخْرًا- بُعِثْتُ إلى النّاسِ كافَّةً، الأحْمَرِ والأسْوَدِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ، فَأخَّرْتُها لِأُمَّتِي، فَهي لِمَن لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا»» . رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-٢٨٨٤)مَرْفُوعًا، ورَواهُ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العاصِ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ أُعْطِيتُ اللَّيْلَةَ خَمْسًا ما أُعْطِيهِنَّ أحَدٌ قَبْلِي، أمّا أنا فَأُرْسِلْتُ إلى النّاسِ كُلِّهِمْ عامَّةً، وكانَ مَن قَبْلِي إنَّما يُرْسَلُ إلى قَوْمِهِ، ونُصِرْتُ عَلى العَدُوِّ بِالرُّعْبِ، ولَوْ كانَ بَيْنِي وبَيْنَهم مَسِيرَةُ شَهْرٍ لَمُلِئَ مِنهُ رُعْبًا، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، آكُلُها، وكانَ مَن قَبْلِي يُعَظِّمُونَ أكْلَها، كانُوا يَحْرِقُونَها، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، أيْنَما أدْرَكَتْنِي الصَّلاةُ تَمَسَّحْتُ وصَلَّيْتُ وكانَ مَن قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ، إنَّما كانُوا يُصَلُّونَ في بِيَعِهِمْ وكَنائِسِهِمْ، والخامِسَةُ هي ما هي ! قِيلَ لِي: سَلْ، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَألَ، فَأخَّرْتُ مَسْألَتِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهي لَكُمْ، ولِمَن يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»» .
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُما جَيِّدٌ قَوِيٌّ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ بِمَعْناهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي مُوسى، وهو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جابِرٍ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لا يَسْمَعُ بِي رَجُلٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ لا يُؤْمِنُ بِي إلّا دَخَلَ النّارَ»» .
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ أيِ الَّذِي نُبِّئَ ما يُرْشِدُ الخَلائِقَ كُلَّهُمْ، مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا، وفي نَعْتِهِ بِذَلِكَ زِيادَةُ تَقْرِيرِ أمْرِهِ وتَحْقِيقِ أنَّهُ المَكْتُوبُ في الكِتابَيْنِ. " ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾ أيْ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ وعَلى مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِن كُتُبِهِ ووَحْيِهِ " ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
(p-٢٨٨٥)
الأعراف 7:159
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٩] ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾
" ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُوقِنِينَ ثابِتِينَ، يَهْدُونَ النّاسَ بِكَلِمَةِ الحَقِّ، ويَدُلُّونَهم عَلى الِاسْتِقامَةِ، ويُرْشِدُونَهم " ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ وبِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَهم في الحُكْمِ، ولا يَجُورُونَ. والآيَةُ سِيقَتْ لِدَفْعِ ما عَسى يُوهِمُهُ تَخْصِيصُ كَتْبِ الرَّحْمَةِ والتَّقْوى والإيمانِ بِمُتَّبِعِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن حِرْمانِ أسْلافِ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن كُلِّ خَيْرٍ، وبَيانِ أنَّ كُلَّهم لَيْسُوا كَما حُكِيَتْ أحْوالُهم. وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، ويَأْباهُ أنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهم فِيما سَلَفَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]
الأعراف 7:160
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٠] ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْـزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
" ﴿وقَطَّعْناهُمُ﴾ أيْ قَوْمَ مُوسى " ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ أيْ صَيَّرْناهم قِطَعًا، أيْ فِرَقًا، ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ. والأسْباطُ: أوْلادُ الوَلَدِ، وكانُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً، مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ (p-٢٨٨٦)ولَدًا، مِن ولَدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ " ﴿أُمَمًا﴾ أيْ عَظِيمَةً وجَماعَةً كَثِيفَةَ العَدَدِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ: في التِّيهِ " ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ فَضَرَبَهُ " ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ أيِ انْفَجَرَتْ " ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ بِعَدَدِ الأسْباطِ " ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ أيْ سِبْطٍ مِنهم " ﴿مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ في التِّيهِ مِن حَرِّ الشَّمْسِ ﴿وأنْـزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ أوْجَبُوا لَها العَذابَ الدّائِمَ.
الأعراف 7:161
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦١] ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾
" ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، والقائِلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، دَعاهم إلى دُخُولِ بَيْتِ المَقْدِسِ، أوْ يُوشِعُ، فَإنَّهُ دَعاهم بَعْدَ وفاةِ مُوسى، إلى غَزْوِ بَيْتِ المَقْدِسِ: " ﴿وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أيْ قُولُوا حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا، وقِيلَ: أُمِرُوا بِكَلِمَةٍ إذا قالُوها حَطَّ عَنْهم أوْزارَهم " ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ أيْ بابَ القَرْيَةِ " ﴿سُجَّدًا﴾ أيْ ساجِدِينَ أوْ خاضِعِينَ. أُمِرُوا بِأنْ يُدْخُلُوها بِالتَّواضُعِ، وكانَ ذَلِكَ شَرْطًا في قَبُولِ فِعْلِهِمْ " ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾
الأعراف 7:162
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٢] ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾
" ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا﴾ (p-٢٨٨٧)أيْ عَذابًا " ﴿مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا كُلِّهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِما يُغْنِي عَنْ إعادَتِهِ.
الأعراف 7:163
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٣] ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
" ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ هَذا السِّياقُ هو بَسْطٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]
فَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿واسْألْهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿اذْكُرْ﴾ [المائدة: ١١٠] المُقَدَّرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " ﴿وإذْ قِيلَ﴾ [الأعراف: ١٦١] أيْ وأسْألِ اليَهُودَ المُعاصِرِينَ لَكَ، سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَقْرِيرٍ، بِقَدِيمِ كُفْرِهِمْ وتَجاوُزِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ، وإعْلامًا بِأنَّ هَذا مِن عُلُومِهِمُ الَّتِي لا تُعْلَمُ إلّا بِكِتابٍ أوْ وحْيٍ، فَإذا أعْلَمَهم بِهِ مَن لَمْ يَقْرَأْ كِتابَهُمْ، عَلِمَ أنَّهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: واسْألْ هَؤُلاءِ اليَهُودَ بِحَضْرَتِكَ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِهِمُ الَّذِينَ خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، فَفَجَأتْهم نِقْمَتُهُ عَلى صَنِيعِهِمْ واعْتِدائِهِمْ واحْتِيالِهِمْ في المُخالَفَةِ، وحَذِّرَ هَؤُلاءِ مِن كِتْمانِ صِفَتِكَ الَّتِي يَجِدُونَها في كُتُبِهِمْ، لِئَلّا يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِإخْوانِهِمْ وسَلَفِهِمْ.
و(هَذِهِ القَرْيَةَ) هي أيْلَةُ، بَيْنَ مَدْيَنَ والطُّورِ، وقِيلَ هي مَتْنا، بَيْنَ مَدْيَنَ وعَيْنُونا.
ومَعْنى كَوْنِها " ﴿حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ أنَّها قَرِيبَةٌ مِنهُ، راكِبَةً لِشاطِئِهِ.
(p-٢٨٨٨)وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ أيْ يَتَجاوَزُونَ حَدَّ اللَّهِ فِيهِ، وهو اصْطِيادُهم في يَوْمِ السَّبْتِ، وقَدْ نُهُوا عَنْهُ، فَقَدْ أخَذْتُ عَلَيْهِمُ العُهُودَ والمَواثِيقَ أنْ يَحْفَظُوا السُّبُوتَ مِن عَمَلٍ ما.
و(الحِيتانُ) السَّمَكُ، وأكْثَرُ ما تَسْتَعْمِلُ العَرَبُ الحُوتَ، في مَعْنى السَّمَكَةِ.
و" ﴿شُرَّعًا﴾ جَمْعُ شارِعٍ، مِن (شَرَعَ) بِمَعْنى دَنا. يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ، إذا دَنا مِنّا، وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ، فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا، وهو حالٌ مِن " ﴿حِيتانُهُمْ﴾ أيْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ظاهِرَةً عَلى وجْهِ الماءِ، قَرِيبَةً مِنَ السّاحِلِ، ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ أصْلًا إلى السَّبْتِ المُقْبِلِ.
قُرِئَ " ﴿يَسْبِتُونَ﴾ ثُلاثِيًّا، ومَزِيدًا فِيهِ، مِن (أسْبَتَ) مَعْلُومًا ومَجْهُولًا أيْضًا، بِمَعْنى، لا يَدْخُلُونَ في السَّبْتِ ولا يُدارُ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى " ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ البَلاءِ العَجِيبِ الفَظِيعِ، نَخْتَبِرُهم بِإظْهارِ السَّمَكِ لَهم عَلى ظَهْرِ الماءِ، في اليَوْمِ المُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ صَيْدُهُ، وإخْفائِهِ عَنْهم في اليَوْمِ الحَلالِ لَهم صَيْدُهُ، أيْ نُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُهُمْ، بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، فَيَظْهَرُ عُدْوانُهُمْ، فَيَسْتَحِقُّونَ المُؤاخَذَةَ.
الأعراف 7:164
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى تَمادِيَهم في العُدْوانِ، وعَدَمَ انْزِجارِهِمْ عَنْهُ، بَعْدَ العِظاتِ والإنْذاراتِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٤] ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾
" ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ جَماعَةٌ مِن صُلَحائِهِمْ، يُحاوِرُونَ فَرِيقًا مِمَّنْ دَأبَ في عِظَتِهِمْ " ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ: مُخْتَرِمُهم ومُطَهِّرٌ الأرْضَ مِنهُمْ: " ﴿أوْ مُعَذِّبُهم (p-٢٨٨٩)عَذابًا شَدِيدًا﴾ أيْ بَلْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا، إذْ مُجَرَّدُ الإهْلاكِ قَدْ يُوجَدُ مَعَهُ لُطْفٌ، وأمّا شِدَّةُ العَذابِ فَتِلْكَ القاصِمَةُ. " ﴿قالُوا﴾ أيِ الوُعّاظُ " ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ نَعِظُهم مَعْذِرَةً إلَيْهِ تَعالى، لِئَلّا نُنْسَبَ إلى التَّفْرِيطِ في وصِيَّتِهِ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ " ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ ورَجاءً في أنْ يَتَّقُوا فَيَتُوبُوا فَيَنْجُوا مِنَ الإهْلاكِ.
الأعراف 7:165
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٥] ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
" ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ فَلَمّا تَرَكُوا ما ذَكَّرَهم بِهِ صُلَحاؤُهُمْ، تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ، وأعْرَضُوا عَنْهُ إعْراضًا كُلِّيًّا، بِحَيْثُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ شَيْءٌ مِن تِلْكَ المَواعِظِ أصْلًا. ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيِ المُرْتَكِبِينَ المُنْكَرَ. " ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ: شَدِيدٍ وزْنًا ومَعْنًى " ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بِفِعْلِ المُنْكَرِ.
الأعراف 7:166
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٦] ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾
" ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ تَكَبَّرُوا وأبَوْا أنْ يَتْرُكُوا ما نُهُوا عَنْهُ " ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ أيْ صاغِرِينَ أذِلّاءَ، بُعَداءَ مِنَ النّاسِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ بِقَوْلٍ سُمِعَ.
وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ بِالأمْرِ هو الأمْرُ التَّكْوِينِيُّ، لا القَوْلِيُّ، أيِ: التَّكْلِيفِيُّ، لِأنَّهُ لَيْسَ في وُسْعِهِمْ حَتّى يُؤْمَرُوا بِهِ.
وفِي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ تَأْثِيرَ قُدْرَتِهِ تَعالى في المُرادِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ، ومِن غَيْرِ مُزاوِلَةِ عَمَلٍ واسْتِعْمالِ آلَةٍ، بِأمْرِ المُطاعِ لِلْمُطِيعِ، في حُصُولِ المَأْمُورِ بِهِ، مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ. كَذا في (العِنايَةِ).
(p-٢٨٩٠)وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى عَذَّبَهم أوَّلًا بِعَذابٍ شَدِيدٍ، فَعَتَوْا بَعْدَ ذَلِكَ فَمَسَخَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ الثّانِيَةُ تَقْرِيرًا وتَفْصِيلًا لِما قَبْلَها.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم تَعَبَّدُوا بِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، وأنَّهُ شَدَّدَ التَّكْلِيفَ عَلَيْهِمْ بِظُهُورِها يَوْمَئِذٍ، وأنَّهم خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، وهَذا القَدْرُ يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ. ومَتى قِيلَ: أفَظُهُورُ الحِيتانِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، هَلْ كانَتْ مُعْجِزَةً؟ قُلْنا: اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: كانَ مُعْجِزَةً لِنَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِأنَّهُ لا يَتَّفِقُ لِلسَّمَكِ أنْ يَأْتِيَ الأنْهارَ كَثِيرًا في يَوْمٍ واحِدٍ، ولا يَظْهَرُ في سائِرِ الأيّامِ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ، فَلا بُدَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى قُوّى دَواعِيَ الحِيتانِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَظَهَرُوا، وصَرَفَهم في سائِرِ الأيّامِ، فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَكانَتْ مُعْجِزَةً. وقِيلَ: كانَتْ جَرَتْ عادَتُهم بِتَرْكِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَعَلِمُوا ذَلِكَ فَكَثُرُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى عادَتِهِمْ، كَما اعْتادَ الدَّوابُّ كَثِيرًا مِنَ الأشْياءِ. انْتَهى.
وقَدْ رُوِيَ في اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ رِواياتٌ:
مِنها: أنَّهم تَحَيَّلُوا لِاصْطِيادِ الحِيتانِ فِيهِ بِوَضْعِ الحَبائِلِ والبِرَكِ قَبْلَ يَوْمِ السَّبْتِ، حَتّى إذا جاءَتْ يَوْمَ السَّبْتِ عَلى عادَتِها في الكَثْرَةِ، نَشَبَتْ بِتِلْكَ الحَبائِلِ، فَلَمْ تَخْلُصْ مِنها يَوْمَها، فَإذا كانَ اللَّيْلُ، أخَذُوها بَعْدَ انْقِضاءِ السَّبْتِ.
ومِنها: أنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَها يَوْمَ السَّبْتِ بِالفِعْلِ، ولَكِنْ يَأْكُلُونَها في غَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، فَتَأوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الأكْلِ فِيهِ مِنها، لا عَنْ صَيْدِها، فَنَهَتْهم طائِفَةٌ مِنهم عَنْ ذَلِكَ وقالَتْ: ما نَراكم تُصْبِحُونَ حَتّى يُصَبِّحَكُمُ اللَّهُ بِخَسْفٍ، أوْ قَذْفٍ، أوْ بَعْضِ ما عِنْدَهُ مِنَ العَذابِ، فَلَمّا أصْبَحُوا وجَدُوهم أصابَهم مِنَ المَسْخِ ما أصابَهُمْ، وإذا هم قِرَدَةٌ -رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ - وثَمَّةَ رِواياتٌ أُخَرُ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم مُسِخَتْ قُلُوبُهُمْ، لا أبْدانُهم -واللَّهُ أعْلَمُ-.
الثّانِي: اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَلى تَحْرِيمِ الحِيَلِ.
(p-٢٨٩١)قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (إغاثَةِ اللَّهْفانِ): ومِن مَكايِدِ الشَّيْطانِ الَّتِي كادَ بِها الإسْلامَ وأهْلَهُ، الحِيَلُ والمَكْرُ والخِداعُ، الَّذِي يَتَضَمَّنُ تَحْلِيلَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، وإسْقاطُ ما فَرَضَهُ، ومُضادَّتُهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وهي مِنَ الرَّأْيِ الباطِلِ الَّذِي اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى ذَمِّهِ. فَإنَّ الرَّأْيَ رَأْيانِ: رَأْيٌ يُوافِقُ النُّصُوصَ، وتَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ والِاعْتِبارِ، وهو الَّذِي اعْتَبَرَهُ السَّلَفُ، وعَمِلُوا بِهِ، ورَأْيٌ يُخالِفُ النُّصُوصَ، وتَشْهَدُ لَهُ بِالإبْطالِ والإهْدارِ، فَهو الَّذِي ذَمُّوهُ وأنْكَرُوهُ.
وكَذَلِكَ الحِيَلُ نَوْعانِ: نَوْعٌ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى فِعْلِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وتَرْكِ ما نَهى عَنْهُ، والتَّخَلُّصِ مِنَ الحَرامِ، وتَخْلِيصِ المُحِقِّ مِنَ الظّالِمِ المانِعِ لَهُ، وتَخْلِيصِ المَظْلُومِ مِن يَدِ الظّالِمِ الباغِي، فَهَذا النَّوْعُ مَحْمُودٌ، يُثابُ فاعِلُهُ ومُعَلِّمُهُ. ونَوْعٌ يَتَضَمَّنُ إسْقاطَ الواجِباتِ، وتَحْلِيلَ المُحَرَّماتِ، وقَلْبَ المَظْلُومِ ظالِمًا، والظّالِمِ مَظْلُومًا، والحَقِّ باطِلًا، والباطِلِ حَقًّا، فَهَذا الَّذِي اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى ذَمِّهِ، وصاحُوا بِأهْلِهِ مِن أقْطارِ الأرْضِ.
ثُمَّ ساقَ الوُجُوهَ العَدِيدَةَ عَلى تَحْرِيمِهِ وإبْطالِهِ.
وقالَ في سادِسِها:
إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ أهْلِ السَّبْتِ مِنَ اليَهُودِ بِمَسْخِهِمْ قِرَدَةً لِما احْتالُوا عَلى إباحَةِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّيْدِ، بِأنْ نَصَبُوا الشِّباكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَلَمّا وقَعَ فِيها الصَّيْدُ، أخَذُوهُ يَوْمَ الأحَدِ. قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: فَفي هَذا زَجْرٌ عَظِيمٌ لِمَن يَتَعاطى الحِيَلَ عَلى المَناهِي الشَّرْعِيَّةِ، مِمَّنْ يَتَلَبَّسُ بِعِلْمِ الفِقْهِ، وهو غَيْرُ فَقِيهٍ، إذِ الفَقِيهُ مَن يَخْشى اللَّهَ تَعالى بِحِفْظِ حُدُودِهِ، وتَعْظِيمِ حُرُماتِهِ، والوُقُوفِ عِنْدَها، لَيْسَ المُتَحَيِّلَ عَلى إباحَةِ مَحارِمِهِ، وإسْقاطِ فَرائِضِهِ.
ومَعْلُومٌ أنَّهم لَمْ يَسْتَحِلُّوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكُفْرًا بِالتَّوْراةِ، وإنَّما هو اسْتِحْلالُ تَأْوِيلٍ، واحْتِيالٌ ظاهِرُهُ ظاهِرُ الإيفاءِ، وباطِنُهُ باطِنُ الِاعْتِداءِ، ولِهَذا -واللَّهُ أعْلَمُ- مُسِخُوا قِرَدَةً، لِأنَّ صُورَةَ القِرْدِ فِيها شِبْهٌ مِن صُورَةٍ الإنْسانِ، وفي أوْصافِهِ شِبْهٌ مِنهُمْ، وهو مُخالِفٌ لَهُ في الحَدِّ والحَقِيقَةِ. فَلَمّا نَسَخَ أُولَئِكَ المُعْتَدُونَ دِينَ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لَمْ يَتَمَسَّكُوا إلّا بِما يُشْبِهُ الدِّينَ في بَعْضِ ظاهِرِهِ، دُونَ حَقِيقَتِهِ، مَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً يُشْبِهُونَهم في بَعْضِ ظَواهِرِهِمْ، دُونَ الحَقِيقَةِ، جَزاءً وِفاقًا.
(p-٢٨٩٢)ثُمَّ رُوِيَ في عاشِرِها عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تَرْتَكِبُوا ما ارْتَكَبَتِ اليَهُودُ وتَسْتَحِلُّوا مَحارِمَ اللَّهِ بِأدْنى الحِيَلِ»» .
الثّالِثُ: دَلَّتِ الآياتُ عَلى أنَّ أهْلَ هَذِهِ القَرْيَةِ صارُوا إلى ثَلاثِ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ ارْتَكَبَتِ المَحْذُورَ، واحْتالُوا عَلى صَيْدِ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، كَما بَيَّنّا. وفِرْقَةٌ نَهَتْ عَنْ ذَلِكَ واعْتَزَلَتْهُمْ، وفِرْقَةٌ سَكَتَتْ فَلَمْ تَفْعَلْ ولَمْ تَنْهَ، ولَكِنَّها قالَتْ لِلْمُنْكِرَةِ: لِمَ تَنْهَوْنَ هَؤُلاءِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهم قَدْ هَلَكُوا واسْتَحَقُّوا العُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ فَلا فائِدَةَ في نَهْيِكم إيّاهُمْ؟ فَأجابَتْها المُنْكِرَةُ: بِأنّا نَفْعَلُ ذَلِكَ اعْتِذارًا إلى رَبِّنا فِيما أُخِذَ عَلَيْنا مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
ثُمَّ نَصَّ تَعالى عَلى نَجاةِ النّاهِينَ، وهَلاكِ الظّالِمِينَ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وسَكَتَ عَنِ السّاكِتِينَ، لِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ، فَهم لا يَسْتَحِقُّونَ مَدْحًا فَيُمْدَحُوا ولا ارْتَكَبُوا عَظِيمًا فَيُذَمُّوا، ومَعَ هَذا فَقَدِ اخْتَلَفَ الأئِمَّةُ فِيهِمْ: هَلْ كانُوا مِنَ الهالِكِينَ، أوْ مِنَ النّاجِينَ؟ عَلى قَوْلَيْنِ. ويُرْوى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ تَوَقَّفَ فِيهِمْ، ثُمَّ صارَ إلى نَجاتِهِمْ، لَمّا قالَ لَهُ غُلامُهُ عِكْرِمَةُ: ألا تَرى أنَّهم قَدْ كَرِهُوا ما هم عَلَيْهِ، وخالَفُوهُمْ، وقالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ؟ فَكَساهُ حُلَّةً.
الرّابِعُ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤] عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لا يُسْقِطُ، ولَوْ عَلِمَ المُنْكِرُ عَدَمَ الفائِدَةِ فِيهِ، إذْ لَيْسَ مِن شَرْطِهِ حُصُولُ الِامْتِثالِ عَنْهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا القِيامُ بِرُكْنٍ عَظِيمٍ مِن أرْكانِ الدِّينِ، والغَيْرَةُ عَلى حُدُودِ اللَّهِ، والِاعْتِذارُ إلَيْهِ تَعالى، إذْ شَدَّدَ في تَرْكِهِ لَكَفاهُ فائِدَةً.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى بَعْضَ مَساوِئِ اليَهُودِ تَأثُّرَهُ بِبَيانِ أنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والصِّغارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ:
(p-٢٨٩٣)
الأعراف 7:167
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٧] ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
" ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ أيْ آذَنَ، (كَتَوَعَّدَ بِمَعْنى أوْعَدَ)، مِنَ (الإيذانِ) بِمَعْنى (الإعْلامِ)، أُجْرِي مَجْرى فِعْلِ القَسَمِ، كَعَلِمَ اللَّهُ، وشَهِدَ اللَّهُ. ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهو قَوْلُهُ: " ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: وإذْ خَتَمَ رَبُّكَ وحَكَمَ لَيُسَلِّطَنَّ عَلى اليَهُودِ " ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ كالإذْلالِ وضَرْبِ الجِزْيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ أوامِرَ اللَّهِ وشَرْعَهُ، واحْتِيالِهِمْ عَلى المَحارِمِ، وقَدْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِخْتَنْصَرَ مالِكَ بابِلَ، فَخَرَّبَ دِيارَهُمْ، وقَتَلَ مُقاتَلَتَهُمْ، وسَبى نِساءَهم وذَرارِيَّهُمْ، وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى مَن بَقِيَ مِنهُمْ، وجَلا كَثِيرًا مِنهم إلى بابِلَ -قَصَبَةَ مَمْلَكَتِهِ- وأقامُوا فِيها سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِمْ مُلُوكٌ شَتّى، ولَبِثُوا زَمانًا طَوِيلًا يُكابِدُونَ بَلاءً عَنِيفًا، مِن تَواتُرِ الحُرُوبِ عَلى بِلادِهِمْ، إلى أنْ صارُوا جَمِيعًا تَحْتَ سُلْطَةِ الرُّومانِ بَعْدَ وِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإحْدى وسَبْعِينَ سَنَةً، واسْتُؤْصِلُوا مِن أرْضِهِمْ، تَفَرَّقُوا في البِلادِ شَذَرَ مَذَرَ، صاغِرِينَ مَقْهُورِينَ. ومِن ها هُنا، اسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّهم لا يَكُونُ لَهم دَوْلَةٌ ولا عِزٌّ، وبِاتِّصالِ ذُلِّهِمْ. " ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ لِمَن أقامَ عَلى كُفْرِهِ، ونَبَذَ وصاياهُ " ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ تَبَدُّدِهِمْ في الأقْطارِ بِقَوْلِهِ:
الأعراف 7:168
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٨] ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
" ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ أيْ فَرَّقْنا بَنِي إسْرائِيلَ في الأرْضِ، وجَعَلْنا كُلَّ فِرْقَةٍ (p-٢٨٩٤)مِنهم في قُطْرٍ مِن أقْطارِها، بِحَيْثُ لا تَخْلُو ناحِيَةٌ مِنها مِنهُمْ، تَكْمِلَةً لِإدْبارِهِمْ حَتّى لا تَكُونَ لَهم شَوْكَةٌ.
﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ مَن يَنْحَطُّ عَنْ دَرَجَةِ الصَّلاحِ، لِكُفْرٍ أوْ فِسْقٍ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ أيْ بِالنِّعَمِ والنِّقَمِ الَّتِي هي أمْثِلَةٌ جَزاءَ الصَّلاحِ والفِسْقِ " ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنْ أسْبابِ السَّيِّئاتِ إلى الحَسَناتِ.
الأعراف 7:169
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٩] ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
" ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ " ﴿خَلْفٌ﴾ أيْ بَدَلُ سُوءٍ، والمُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. و(الخَلْفُ) مَصْدَرٌ، ولِذا يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ وغَيْرُهُ، وقَدْ شاعَ في الطّالِحِ، ومَفْتُوحُ اللّامِ بِ(الصّالِحِ)، ورُبَّما جاءَ عَكْسَهُ. " ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ مِن أسْلافِهِمُ المُخْتَلِفِينَ، يَقْرَؤُونَها ويَقِفُونَ عَلى ما فِيها مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، والتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، ولا يَعْمَلُونَ بِها كَما قالَ ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أيْ حُطامَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى، يُرِيدُ الدُّنْيا، وما يَتَمَتَّعُ بِهِ مِنها.
وفِي قَوْلِهِ " ﴿هَذا الأدْنى﴾ تَخْسِيسٌ وتَحْقِيرٌ. و(العَرَضُ) بِفَتْحِ الرّاءِ، ما لا ثَباتَ لَهُ، ومِنهُ اسْتَعارَ المُتَكَلِّمُونَ (العَرَضَ) لِمُقابِلِ (الجَوْهَرِ).
و(الأدْنى) إمّا مِنَ الدُّنُوِّ، بِمَعْنى القُرْبِ، لِأنَّهُ عاجِلٌ قَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخِرَةِ، وإمّا مِن دُنُوِّ الحالِ وسُقُوطِها وقِلَّتِها " ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ أيْ يَعْتاضُونَ عَنْ بَذْلِ الحَقِّ ونَشْرِهِ، بِعَرَضِ الحَياةِ الدُّنْيا، ويَتَحَكَّمُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُؤاخِذُهم بِما أُخِذُوا. " ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ الواوُ لِلْحالِ، أيْ يَرْجُونَ المَغْفِرَةَ، وهم مُصِرُّونَ (p-٢٨٩٥)عائِدُونَ إلى مِثْلِ فِعْلِهِمْ، غَيْرَ تائِبِينَ، كُلَّما لاحَ لَهم مِثْلَ الأوَّلِ أخَذُوهُ. " ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ المِيثاقُ الوارِدُ فِيهِ، " ﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ أيْ: فَلَوْ صَحَّ ما تَحَكَّمُوا بِهِ عَلى اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ لِأخْذِ هَذا المِيثاقِ مَعْنًى.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ أخْذَهم لَيْسَ عَنْ جَهْلِهِمْ بِذَلِكَ المِيثاقِ بِقَوْلِهِ: " ﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ أيْ قَرَؤُوا ما في الكِتابِ مِنَ المِيثاقِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. " ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ العَرْضِ الخَسِيسِ " ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيْ أخْذُ هَذا الأدْنى بَدَلُ كَتْمِ الحَقِّ. " ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ فَتَعْلَمُوا ذَلِكَ، فَلا تَسْتَبْدِلُوا الأدْنى المُؤَدِّي إلى العِقابِ، بِالنَّعِيمِ المُخَلَّدِ، وقُرِئَ بِالياءِ، وفي الِالتِفاتِ تَشْدِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ.
ثُمَّ أثْنى تَعالى عَلى مَن تَمَسَّكَ بِكِتابِهِ الَّذِي يَقُودُهُ إلى اتِّباعِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَما هو مَكْتُوبٌ فِيهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الأعراف 7:170
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٠] ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾
" ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾ أيْ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ في أُمُورِ دِينِهِمْ. يُقالُ: مَسَّكَ بِالشَّيْءِ وتَمَسَّكَ بِهِ. وقُرِئَ ((يُمْسِكُونَ))، مِنَ (الإمْساكِ) وتَمَسَّكُوا واسْتَمْسَكُوا. ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعِ المُضْمَرِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإصْلاحَ كالمانِعِ مِنَ التَّضْيِيعِ، لِأنَّ التَّعْلِيقَ بِالمُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلَّةَ مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا نُضَيِّعُ أجْرَهم لِإصْلاحِهِمْ.
فَإنْ قُلْتَ: التَّمَسُّكُ بِالكِتابِ يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ عِبادَةٍ، ومِنها إقامَةُ الصَّلاةِ، فَكَيْفَ أُفْرِدَتْ؟ أُجِيبَ: بِأنَّ إفْرادَها، إظْهارًا لِمَزِيَّةِ الصَّلاةِ -لِكَوْنِها عِمادَ الدِّينِ، وفارِقَةً بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ.
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى وعِيدِ المُعْرِضِ عَنِ الكِتابِ، ووَعَدَ مَن تَمَسَّكَ بِهِ، تَنْبِيهًا (p-٢٨٩٦)لَنا وتَحْذِيرًا عَنْ سُلُوكِ طَرِيقَتِهِمْ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ بِاللِّسانِ، وتَمَنِّي المَغْفِرَةِ لا يَنْفَعُ حَتّى يَكُونَ مَعَهُما التَّوْبَةُ والعَمَلُ.
الأعراف 7:171
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧١] ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
" ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ أيْ رَفَعْناهُ " ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أيْ سَحابَةٌ " ﴿وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أيْ ساقِطٌ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الجَبَلَ لا يَثْبُتُ في الجَوِّ. " ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ أيْ: وقُلْنا، أوْ قائِلِينَ: خُذُوا ما آتَيْناكم مِن أحْكامِ التَّوْراةِ " ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أيْ عَزِيمَةٍ وجِدٍّ " ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ أيْ بِالعَمَلِ ولا تَتْرُكُوهُ كالمَنسِيِّ " ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ مَساوِئَ الأعْمالِ، أوْ راجِينَ أنْ تَنْظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى " ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ [النساء: ١٥٤]
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ: أنَّهم راجَعُوا مُوسى في فَرائِضِ التَّوْراةِ وشَرائِعِها، حَتّى رَفَعَ اللَّهُ الجَبَلَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، فَقالَ لَهم مُوسى: ألا تَرَوْنَ ما يَقُولُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ؟ لَئِنْ لَمْ تَقْبَلُوا التَّوْراةَ بِما فِيها، لَأرْمِيَنَّكم بِهَذا! فَخَرُّوا سُجَّدًا، فَرَقًا مِن أنْ يُسْقِطَ عَلَيْهِمْ رَواهُ النَّسائِيُّ وسُنَيْدٌ.
الأعراف 7:172
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٢] ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾
" ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ: أخْرَجَ مِن أصْلابِهِمْ (p-٢٨٩٧)نَسَلَهم عَلى ما يَتَوالَدُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، مِن أنَّهم كانُوا نُطْفَةً قُذِفَتْ إلى رَحِمِ الأُمَّهاتِ، ثُمَّ جُعِلَتْ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ أنْشَأهم بَشَرًا سَوِيًّا حَيًّا مُكَلَّفًا، فَجَعَلَ خَلْقَهُ إيّاهم كَذَلِكَ، إخْراجًا مِن أصْلابِهِمْ، لِأنَّ أصْلَهم خَرَجَ مِنها، و" ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن " ﴿بَنِي آدَمَ﴾ بَدَلَ البَعْضِ، وقُرِئَ ((ذُرِّيّاتِهِمْ)). " ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ أشْهَدَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن أُولَئِكَ الذُّرِّيّاتِ المَأْخُوذِينَ مِن ظُهُورِ آبائِهِمْ عَلى نَفْسِها، تَقْرِيرًا لَهم بِرُبُوبِيَّتِهِ التّامَّةِ.
قالَ الجَشْمِيُّ: أيْ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما رَكَّبَ فِيهِمْ مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ، وعَجائِبِ خِلْقَتِهِ، وغَرائِبِ صَنْعَتِهِ، مِن أعْضاءٍ سَوِيَّةٍ، وحَواسَّ مُدْرِكَةٍ، وجَوارِحَ ظاهِرَةٍ، وأعْصابٍ وعُرُوقٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا يُعَلِّمُهُ مِن تَفَكُّرٍ فِيهِ، وكُلُّها تَدُلُّ عَلَيْهِ وعَلى صِفاتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، فَبِالإشْهادِ بِالأدِلَّةِ، صارَ كَأنَّهُ أشْهَدَهم بِقَوْلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى " ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ، ومالِكِ أمْرِكم ومُرَبِّيكم عَلى الإطْلاقِ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ مُدْخَلٌ في شَأْنٍ مِن شُؤُونِكُمْ، فَيَنْتَظِمُ اسْتِحْقاقُ المَعْبُودِيَّةِ، ويَسْتَلْزِمُ اخْتِصاصَهُ بِهِ تَعالى: " ﴿قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ أيْ عَلى أنْفُسِنا بِأنَّكَ رَبُّنا وإلَهُنا لا رَبَّ غَيْرُكَ، لِأنَّهم بِما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِن آثارِ الصَّنْعَةِ، صارُوا كَأنَّهم قالُوا " ﴿بَلى﴾ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ بِاللِّسانِ.
فالآيَةُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ المَعْرُوفِ في كَلامِ العَرَبِ، مَثَّلَ تَعالى خَلْقَهم عَلى فِطْرَةِ التَّوْحِيدِ، وإخْراجَهم مِن ظُهُورِ آبائِهِمْ، شاهِدِينَ بِرُبُوبِيَّتِهِ شَهادَةً لا يُخالِجُها رَيْبٌ، بِحَمْلِهِ إيّاهم عَلى الِاعْتِرافِ بِها بِطَرِيقِ الأمْرِ، ومُسارَعَتِهِمْ إلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ أصْلًا. والقَصْدُ مِنَ الآيَةِ الِاحْتِجاجُ عَلى المُشْرِكِينَ بِمَعْرِفَتِهِمْ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى مَعْرِفَةً فِطْرِيَّةً، لازِمَةً لَهم لُزُومَ الإقْرارِ مِنهم والشَّهادَةِ. قالَ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] والفِطْرَةُ هي مَعْرِفَةُ رُبُوبِيَّتِهِ.
(p-٢٨٩٨)وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ كَما تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِن جَدْعاءَ؟»» .
والجَمْعاءُ سالِمَةُ الأُذُنِ، والجَدْعاءُ مَقْطُوعَتُها.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِياضِ بْنِ حِمارٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَقُولُ اللَّهُ إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ فَجاءَتْهُمُ الشَّياطِينُ، فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم»» .
ورَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كُلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى يُعْرِبَ عَنْها لِسانُها فَأبَواها يُهَوِّدانِها أوْ يُنَصِّرانِها» .
قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ لَقَدْ قالَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾» الآيَةَ -رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ - بِدُونِ اسْتِشْهادِ الحَسَنِ بِالآيَةِ.
وأمّا الأخْبارُ المَرْوِيَّةُ في إخْراجِ الذُّرِّيَّةِ مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَكْلِيمُهُ تَعالى إيّاهم ونُطْقُهُمْ، ثُمَّ إعادَتُهم إلى صُلْبِ أبِيهِمْ، فَغَيْرُ صَحِيحَةِ الإسْنادِ. وما حَسُنَ إسْنادُهُ مِنها فَغَيْرُ صَرِيحٍ في ذَلِكَ، بَلْ هو أقْرَبُ إلى ألْفاظِ الآيَةِ، كَما بَيَّنَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ومِن ثَمَّ قالَ قائِلُونَ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ: إنَّ المُرادَ بِهَذا الإشْهادِ فَطَرَهم عَلى التَّوْحِيدِ، كَما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وعِياضٍ والأسْوَدِ. وقَدْ فَسَّرَ الحَسَنُ الآيَةَ بِذَلِكَ.
قالُوا: ومَعْنى (أشْهَدَهُمْ) أيْ أوْجَدَهم شاهِدِينَ بِذَلِكَ، قائِلِينَ لَهُ حالًا وقالًا. والشَّهادَةُ (p-٢٨٩٩)تارَةً تَكُونُ بِالقَوْلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ [الأنعام: ١٣٠] الآيَةَ، وتارَةً تَكُونُ حالًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] أيْ حالُهم شاهِدًا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، لِأنَّهم قائِلُونَ ذَلِكَ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٧] كَما أنَّ السُّؤالَ تارَةً يَكُونُ بِالقالِ، وتارَةً يَكُونُ بِالحالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]
قالُوا: ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هَذا، أنْ جَعَلَ الإشْهادَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في الإشْراكِ، فَلَوْ كانَ قَدْ وقَعَ هَذا كَما قالَهُ مَن قالَهُ، لَكانَ كُلُّ أحَدٍ يَذْكُرُهُ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: إخْبارُ الرَّسُولِ ﷺ بِهِ كافٍ في وُجُودِهِ، فالجَوابُ: أنَّ المُكَذِّبِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَ بِجَمِيعِ ما جاءَتْهم بِهِ الرُّسُلُ مِن هَذا وغَيْرِهِ، وهَذا جُعِلَ حُجَّةً مُسْتَقِلَّةً عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ الفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْها مِنَ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.
" ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ أيْ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا " ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيِ الَّذِي يَسْألُ فِيهِ عَنِ الرُّبُوبِيَّةِ والتَّوْحِيدِ. " ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أيْ عَنْ رُبُوبِيَّتِهِ وتَوْحِيدِهِ " ﴿غافِلِينَ﴾ أيْ لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ.
فَإنَّهم حَيْثُ جُبِلُوا عَلى ما ذُكِرَ، صارُوا مَحْجُوبِينَ عاجِزِينَ عَنْ الِاعْتِذارِ بِذَلِكَ، إذْ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى إنْكارِ ما ذَكَرَ مِن خَلْقِهِمْ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.
الأعراف 7:173
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٣] ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾
" ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا﴾ أيْ سَنُّوا الإشْراكَ واخْتَرَعُوهُ " ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ زَمانِنا " ﴿وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ فَنَشَأْنا عَلى طَرِيقَتِهِمُ، احْتِجاجًا بِالتَّقْلِيدِ، (p-٢٩٠٠)وتَعْوِيلًا عَلَيْهِ، فَقَدْ قَطَعْنا العُذْرَ بِما بَيَّنّا مِنَ الآياتِ. " ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ أتُؤاخِذُنا بِما فَعَلَ آباؤُنا مِنَ الشِّرْكِ، وأسَّسُوا مِنَ الباطِلِ، أوْ بِفِعْلِ آبائِنا الَّذِينَ أبْطَلُوا تَأْثِيرَ العُقُولِ، وأقْوالَ الرُّسُلِ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ أنْتَ حَكِيمٌ لا تَأْخُذُ الأبْناءَ بِفِعْلِ الآباءِ، وقَدْ سَلَكْنا طَرِيقَهم والحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِما شَرَعُوا لَنا مِنَ الباطِلِ. والمَعْنى: أزَلْنا الشُّبْهَتَيْنِ بِأنَّ الإقْرارَ بِالرُّبُوبِيَّةِ والتَّوْحِيدِ، هو في أصْلِ فِطْرَتِكُمْ، فَلِمَ لَمْ تَرْجِعُوا إلَيْهِ عِنْدَ دَعْوَةِ العُقُولِ والرُّسُلِ؟ والفِطْرَةُ أكْبَرُ دَلِيلٍ، فَهي تَسُدُّ بابَ الِاعْتِذارِ بِوَجْهٍ ما، لا سِيَّما والتَّقْلِيدُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ، والقُدْرَةِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها، مِمّا لا مَساغَ لَهُ أصْلًا.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: وافَقَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ، في هَذا المَقامِ أيْضًا الجَشْمِيَّ في تَفْسِيرِهِ، قالَ: ويَرْوِي أصْحابُ الحَدِيثِ عَنْ أسْلافِهِمْ مِنَ الآثارِ مَوْقُوفَةً ومَرْفُوعَةً، ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَأْوِيلًا لِلْآيَةِ، وهو أنَّهُ تَعالى مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ، فَأخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّتَهُ، أمْثالَ الذَّرِّ، فَقالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ فَقالُوا: بَلى طائِعِينَ، ثُمَّ أعادَهم في صُلْبِ آدَمَ. وإنَّ تَأْوِيلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ.
قالَ: وقَدْ ذَكَرَ مَشايِخُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ فاسِدٌ، وأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يُخالِفُ ذَلِكَ، وذَكَرُوا في الرِّوايَةِ ما نَذْكُرُهُ. قالُوا: فَمِمّا يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وُجُوهٌ.
مِنها: أنَّهُ لَوْ كانَ حالٌ كَما ذَكَرُوا، لَذَكَرْناهُ، لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ لا يَنْساهُ العاقِلُ، خُصُوصًا إذا كانَ أشْهادًا عَلَيْهِ، لِيَعْمَلَ بِهِ.
ومِنها: ما ذَكَرَهُ شَيْخُنا أبُو عَلِيٍّ، أنَّ ظَهْرَ آدَمَ لا يَسَعُ هَذا الجَمْعَ العَظِيمَ، وهَذا شَنِيعٌ مِنَ الكَلامِ.
ومِنها: أنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَنا مِن نُطْفَةٍ، وكُلُّ ولَدٍ وُلِدَ مِن أبٍ ومِن نُطْفَةٍ، فَلَوْ خَلَقَهُمُ ابْتِداءً لا مِن شَيْءٍ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ.
ومِنها: أنَّ الجُزْءَ الواحِدَ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَيًّا عاقِلًا، لِأنَّ تِلْكَ البِنْيَةَ، لا تَحْمِلُ الحَياةَ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤَلَّفًا مِن أجْزاءٍ، وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ في ظَهْرِ آدَمَ.
(p-٢٩٠١)ومِنها: أنَّهُ يَفْتَحُ بابَ التَّناسُخِ، والقَوْلِ بِالرَّجْعَةِ، لِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا: إذا جازَ الإعادَةُ ثَمَّةَ، لَمْ يُنْكِرِ التَّناسُخَ.
ومِنها: أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيهِ فائِدَةٌ، وفائِدَتُهُ أنْ يَذْكُرَهُ لِيَجْرِيَ عَلى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ، وإذا لَمْ يَذْكُرْهُ بَطَلَتْ فائِدَتُهُ.
ومِنها: أنَّ الِاعْتِرافَ لا يَصِحُّ إلّا وقَدْ تَقَدَّمَ حالٌ لَهم عَرَفُوا ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ في ابْتِداءِ الخَلْقِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ.
ثُمَّ قالَ: قالَ مَشايِخُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: والآيَةُ ظاهِرُها بِخِلافِ قَوْلِهِمْ مِن وُجُوهٍ:
مِنها: أنَّهُ قالَ " ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولَمْ يَقُلْ (مِن آدَمَ ). وقالَ: (مِن ظُهُورِهِمْ) ولَمْ يَقُلْ (مِن ظَهْرِهِ)، وقالَ: " ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولَمْ يَقُلْ: ذُرِّيَّتَهُ.
ومِنها: أنَّهُ قالَ: " ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف: ١٧٢] يَعْنِي فِعْلَ ذَلِكَ، لِكَيْلا تَقُولُوا: إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ. وأيُّ غَفْلَةٍ أعْظَمُ مِن أنَّ جَمِيعَ العُقَلاءِ لا يَذْكُرُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
ومِنها: أنَّهُ قالَ: " ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا﴾ ولَمْ يَكُنْ لَهم يَوْمَئِذٍ أبٌ مُشْرِكٌ. وكُلُّ ذَلِكَ يُبَيِّنُ فَسادَ ما قالُوا، ولَمْ يُصَحِّحْ أحَدٌ مِن مَشايِخِنا هَذِهِ الرِّوايَةَ، ولا قَبِلَها، بَلْ رَدَّها، غَيْرُ أبِي بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، فَإنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ قَطْعٍ عَلى صِحَّتِهِ، غَيْرَ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ الآيَةِ، وذَكَرَ أنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ أنْ يَجْرُوا عَلى الأعْراقِ الكَرِيمَةِ في شُكْرِ النِّعْمَةِ، والإقْرارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ. كَما قالَ: إنَّهم وُلِدُوا عَلى الفِطْرَةِ، قالَ: وأخْرَجَهم كالذَّرِّ ثُمَّ ألْهَمَهم حَتّى قالُوا بَلى. انْتَهى ما قالَهُ الجَشْمِيُّ.
الثّانِي: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ في الدِّينِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أزالَ العُذْرَ، وأزاحَ العِلَّةَ، وبَعْدَها لا يُعْذَرُ أحَدٌ. ذَكَرَهُ الجَشْمِيُّ.
الثّالِثُ: اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ والأحادِيثِ المُتَقَدِّمَةِ في مَعْناها، أنَّ مَعْرِفَتَهُ تَعالى فِطْرِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ، قالَ تَعالى: ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم (p-٢٩٠٢)مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]
﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٧]
«وعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأبِي: «يا حُصَيْنُ: كَمْ تَعْبُدُ اليَوْمَ إلَهًا؟» قالَ أبِي: سَبْعَةً، سِتًّا في الأرْضِ، وواحِدًا في السَّماءِ؟ قالَ: «فَأيُّهم تُعِدُّ لِرَغْبَتِكَ ورَهْبَتِكَ؟» قالَ: الَّذِي في السَّماءِ» . - رَواهُ التِّرْمِذِيُّ - فاللَّهُ تَعالى فَطَرَ الخَلْقَ كُلَّهم عَلى مَعْرِفَتِهِ فِطْرَةَ تَوْحِيدٍ، حَتّى مَن خُلِقَ مَجْنُونًا مُطْبِقًا مُصْطَلِمًا لا يَفْهَمُ شَيْئًا، ما يَحْلِفُ إلّا بِهِ، ولا يَلْهَجُ لِسانُهُ بِأكْثَرَ مِنِ اسْمِهِ المُقَدَّسِ، فِطْرَةً بالِغَةً.
قالَ التَّقِيُّ ابْنُ تَيْمِيَةَ: إنَّ الإقْرارَ والِاعْتِرافَ بِالخالِقِ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ في نُفُوسِ النّاسِ، وإنْ كانَ بَعْضُ النّاسِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ ما يُفْسِدُ فِطْرَتَهُ، حَتّى يَحْتاجَ إلى نَظَرٍ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ المَعْرِفَةُ وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ النّاسِ، وعَلَيْهِ حُذّاقُ النُّظّارِ؛ أنَّ المَعْرِفَةَ تَحْصُلُ بِالضَّرُورَةِ، وقَدْ تَحْصُلُ بِالنَّظَرِ لِمَن فَسَدَتْ فِطْرَتُهُ، كَما اعْتَرَفَ بِذَلِكَ خَلائِقُ مِن أئِمَّةِ المُتَكَلِّمِينَ.
وقالَ أيْضًا: ذَهَبَ طَوائِفُ مِنَ النُّظّارِ إلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ، ولا طَرِيقَ لَها إلّا بِالنَّظَرِ فَأوْجَبُوا النَّظَرَ عَلى كُلِّ أحَدٍ. وهَذا القَوْلُ إنَّما اشْتُهِرَ في الأُمَّةِ عَنِ المُعْتَزِلَةِ ونَحْوِهِمْ. ولِهَذا قالَ أبُو جَعْفَرٍ السِّمْنانِيُّ وغَيْرُهُ: إيجابُ الأشْعَرِيِّ النَّظَرَ في المَعْرِفَةِ بَقِيَّةٌ بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِن الِاعْتِزالِ.
وذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ الأئِمَّةِ والسَّلَفِ -وهُوَ أعْدَلُ الأقْوالِ- أنَّ النَّظَرَ يَجِبُ في حالٍ دُونَ حالٍ، وعَلى شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، فَوُجُوبُهُ مِنَ العَوارِضِ الَّتِي تَجِبُ عَلى بَعْضِ النّاسِ في بَعْضِ الأحْوالِ، لا مِنَ اللَّوازِمِ العامَّةِ. والَّذِينَ أوْجَبُوا النَّظَرَ لَيْسَ مَعَهم ما يَدُلُّ عَلى عُمُومِ وُجُوبِهِ، إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ يَجِبُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] (p-٢٩٠٣)وقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] فَإنَّهُ خِطابٌ مَعَ المُتَكَبِّرِينَ الجاحِدِينَ، أُمِرُوا بِالنَّظَرِ، لِيَعْرِفُوا الحَقَّ، ويُقِرُّوا بِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ النَّظَرَ يَجِبُ عَلى هَؤُلاءِ.
قالَ أبُو حَيّانَ التَّوْحِيدِيُّ في (مُقابَساتِهِ)، في المُقابَسَةِ الثّانِيَةِ والأرْبَعِينَ: قِيلَ لِأبِي الخَيْرِ: حَدِّثْنا عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، تَقَدَّسَ وعَلا، ضَرُورَةٌ هي أمِ اسْتِدْلالٌ؟ فَإنَّ المُتَكَلِّمِينَ في هَذا اخْتَلَفُوا اخْتِلافًا شَدِيدًا، وتَنابَذُوا عَلَيْهِ تَنابُذًا بَعِيدًا، ونُحِبُّ أنْ يَحْصُلَ لَنا جَوابٌ، فَيُفَسِّرُ عَلى حَدِّ الِاخْتِصارِ مَعَ البَيانِ.
فَقالَ: هي ضَرُورَةٌ مِن ناحِيَةِ العَقْلِ، واسْتِدْلالٌ مِن ناحِيَةِ الحِسِّ، ولَمّا كانَ كُلُّ مَطْلُوبٍ مِنَ العِلْمِ إمّا أنْ يُطْلَبَ بِالعَقْلِ في المَعْقُولِ، أوْ بِالحِسِّ في المَحْسُوسِ، ساغَ أنْ يَظُنَّ مَرَّةً أنَّ مَعْرِفَتَهُ تَعالى اكْتِسابٌ واسْتِدْلالٌ، لِأنَّ الحَسَنَ يَتَصَفَّحُ ويَسْتَقْوِي بِمُؤازَرَةِ العَقْلِ ومُظاهَرَتِهِ وتَحْصِيلِهِ. وأنْ يَظُنَّ تارَةً أنَّها ضَرُورَةٌ، فَإنَّ العَقْلَ السَّلِيمَ مِنَ الآفَةِ، البَرِيءَ مِنَ العاهَةِ، يَحُثُّ عَلى الِاعْتِرافِ بِاللَّهِ تَقَدَّسَ اسْمُهُ، ويَحْظُرُ عَلى صاحِبِهِ جَحْدَهُ وإنْكارَهُ والتَّشَكُّكَ فِيهِ، لَكِنْ ضَرُورَةٌ لائِقَةٌ بِالعَقْلِ. لِأنَّ ضَرُورَةَ العَقْلِ لَيْسَتْ كَضَرُورَةِ الحِسِّ، لِأنَّ ضَرُورَةَ الحِسِّ فِيها جَذْبٌ واخْتِيارٌ، وحَمْلٌ وإكْراهٌ، وضَرُورَةُ العَقْلِ لَطِيفَةٌ جِدًّا. لِأنَّهُ يَعِظُ ويُلاطِفُ ويَنْصَحُ ويُخَفِّفُ.
ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لَطِيفًا، وقالَ بَعْدَهُ: فَعَلى هَذا، فَإنَّ اللَّهَ تَقَدَّسَ اسْمُهُ، مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَقْلِ بِالِاضْطِرارِ، لا رَيْبَ عِنْدَهُ في وُجُودِهِ، ومُسْتَدِلٌّ عَلَيْهِ عِنْدَ الحِسِّ، لِأنَّهُ يَسْتَحِيلُ كَثِيرًا، ولا يَثْبُتُ أصْلًا، فَمَنِ اسْتَدَلَّ تَرَقّى مِنَ الجُزْئِيّاتِ، ومَنِ ادَّعى الِاضْطِرارَ انْحَدَرَ مِنَ الكُلِّيّاتِ.
وكِلا الطَّرِيقَيْنِ قَدْ وضُحَ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وكُفِيَ مَؤُونَةَ الخَبْطِ والإكْثارِ. فَأمّا ما يُنْظَرُ مِنهُ في الجِدالِ، فَلا يَرِثُ مِنهُ إلّا الشَّكَّ والفُرْقَةَ والحَمِيَّةَ والعَصَبِيَّةَ، وهُناكَ لِلْهَوى وِلادَةٌ وحَضانَةٌ، ولِلْباطِلِ اسْتِيلاءٌ وجَوْلَةٌ، ولِلْحَيْرَةِ رُكُودٌ وإقامَةٌ. أخَذَ اللَّهُ بِأيْدِينا، وكَفانا الهَوى الَّذِي يُؤْذِينا. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الأعراف 7:174
(p-٢٩٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٤] ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
" ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ مِثْلَ ما ذَكَرْنا، نُبَيِّنُ الأدِلَّةَ والحُجَجَ، لِيَرْجِعُوا إلى الحَقِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الأعراف 7:175
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٥] ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾
" ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى قَوْمِكَ أوْ عَلى اليَهُودِ " ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ أيْ عِلْمَ الكِتابِ، فَلَطَفَ بِهِ حَتّى تَعَلَّمَ وفَهِمَ المَعانِيَ، وصارَ عالِمًا بِها " ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ بِأنْ نَزَعَ العِلْمَ عَنْهُ فَكَفَرَ بِها، وخَرَجَ مِنها خُرُوجَ الحَيَّةِ مِن جِلْدِها " ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ فَلَحِقَهُ وأدْرَكَهُ وصارَ قَرِينًا لَهُ حَتّى أضَلَّهُ " ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾
الأعراف 7:176
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٦] ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾
" ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ أيْ لَعَظَّمْناهُ بِالعَمَلِ بِها " ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ أيْ مالَ إلى الدُّنْيا ورَغِبَ فِيها " ﴿واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ اسْتَوى في حَقِّهِ إيتاءُ الآياتِ، والتَّكْلِيفُ بِها، والتَّعْظِيمُ مِن أجْلِها، وعَدَمُ ذَلِكَ. كالكَلْبِ يُدْلِعُ لِسانَهُ بِكُلِّ حالٍ، إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ، أيْ (p-٢٩٠٥)تَشُدَّ عَلَيْهِ وتُهَيِّجُهُ، أوْ تَتْرُكُهُ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لَهُ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ، فَلَهْثُهُ مَوْجُودٌ في الحالَتَيْنِ جَمِيعًا. ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ مِنَ التَّوْراةِ أوْ غَيْرِها " ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾
الأعراف 7:177
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٧] ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾
" ﴿ساءَ مَثَلا﴾ أيْ ما مَثَّلَ بِهِ " ﴿القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ حَيْثُ شُبِّهُوا بِالكِلابِ، إمّا في اسْتِواءِ الحالَتَيْنِ في النُّقْصانِ وأنَّهم ضالُّونَ، وُعِظُوا أمْ لَمْ يُوعَظُوا كَما قَدَّمْنا، وإمّا في الخِسَّةِ، فَإنَّ الكِلابَ لا هِمَّةَ لَها إلّا في تَحْصِيلِ أكْلَةٍ أوْ شَهْوَةٍ، فَمَن خَرَجَ عَنْ حَيِّزِ الهُدى والعِلْمِ، وأقْبَلَ عَلى هَواهُ، صارَ شَبِيهًا بِالكَلْبِ، وبِئْسَ المَثَلُ مِثْلُهُ. ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ قالَ: ««لَيْسَ لَنا مَثَلُ السَّوْءِ، العائِدُ في هِبَتِهِ كالكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ»» .
" ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مِنَ السَّلَفِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن عُرِضَ عَلَيْهِ الإيمانُ فَأبى أنْ يَقْبَلَهُ وتَرَكَهُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ، حَيْثُ قالَ: قَوْلُهُ " ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] أيْ بَيَّنّاها، فَلَمْ يَقْبَلْ، وعَرّى مِنها. وسَواءٌ قَوْلُكَ: انْسَلَخَ وعَرّى وتَباعَدَ، وهَذا يَقَعُ عَلى كُلِّ كافِرٍ لَمْ يُؤْمِن بِالأدِلَّةِ، وأقامَ عَلى الكُفْرِ. قالَ: ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] وقالَ في حَقِّ فِرْعَوْنَ ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَوْصُولَ فِيها أُرِيدَ بِهِ مُعَيَّنٌ، فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ (p-٢٩٠٦)وأبِي رَوْقٍ أنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ، فَإنَّهُ كانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ، وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَجا أنْ يَكُونَ هُوَ، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَسَدَهُ، ثُمَّ ماتَ كافِرًا، ولَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيِّ ﷺ، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ: ««إنَّهُ آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَرَ قَلْبُهُ»» يُرِيدُ أنَّ شِعْرَهُ كَشِعْرِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ يُوَحِّدُ اللَّهَ في شِعْرِهِ، ويَذْكُرُ دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي عامِرٍ الرّاهِبِ، الَّذِي سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ (الفاسِقَ)، كانَ يَتَرَهَّبُ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ خَرَجَ إلى الشّامِ، وأمَرَ المُنافِقِينَ بِاتِّخاذِ مَسْجِدَ الضِّرارِ والشِّقاقِ، وأتى قَيْصَرَ واسْتَنْجَدَهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَماتَ هُناكَ طَرِيدًا وحِيدًا. وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأنْكَرُوهُ. عَنِ الحَسَنِ والأصَمِّ.
وقِيلَ: إنَّهُ فِرْعَوْنُ، والآياتُ آياتُ مُوسى، كَأنَّهُ لَمّا اقْتَصَّ أنْباء بَنِي إسْرائِيلَ عادَ إلى قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وضُرِبَ لَهُ المَثَلُ.
ومِنَ الأقْوالِ الَّتِي تَناقَلَها المُفَسِّرُونَ أنَّها نَزَلَتْ في بِلْعامِ بْنِ بَعُورٍ، ويَحْكُونَ عَنْهُ قِصَّةً لَمْ تُرْوَ في جَوامِعِ الآثارِ الصَّحِيحَةِ عِنْدَنا، ولا هي مُطابَقَةٌ لِما عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ فَقَدْ ذُكِرَ نَبَؤُهُ في الفَصْلِ الثّانِي والعِشْرِينَ والثّالِثِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ العَدَدِ، مِن تارِيخِ التَّوْراةِ، بِغَيْرِ ما يَرْوِيهِ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ، ثُمَّ رَأيْتُ الجَشْمِيَّ لَمْ يُصَحِّحْ ذَلِكَ، فَحَمِدْتُ المَوْلى عَلى المُوافَقَةِ. وعِبارَتُهُ: (وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ بُلْعُمُ، رَشاهُ قَوْمُهُ فَكَفَرَ. وهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ، لِأنَّ ذَلِكَ يُنَفِّرُ الخَلْقَ عَنِ الأنْبِياءِ، والقَبُولِ مِنهُمْ، ويُحَقِّرُهم (p-٢٩٠٧)فِي النُّفُوسِ، ولِأنَّهم حُجَجُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ اصْطَفاهم. فالأقْرَبُ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَنْ مُجاهِدٍ. انْتَهى. وهو كَذَلِكَ لِأنَّ مَن قَرَأ نَبَأهُ السِّفْرِ المُتَقَدِّمِ، رَأى مِن ثَباتِهِ، وعَدَمِ مُوافَقَتِهِ لِبالاقَ، مَلِكٍ مَوّابٍ، عَلى ما أرادَهُ مِنهُ -ما يُبَرِّئُهُ عَنْ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ تَتَّصِلُ الآيَةُ بِما قَبْلَها؟ قُلْنا: عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ عَنى بِها فِرْعَوْنَ فَقَدِ اتَّصَلَتْ قِصَّتُهُ بِقِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ لَمّا نَهى عَنْ تَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ حالَ عُلَماءِ السُّوءِ، الَّذِينَ يَخْتارُونَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، نَهْيًا عَنْ تَقْلِيدِهِمْ واتِّباعِهِمْ، كَما نَهى عَنْ تَقْلِيدِ الآباءِ. وقِيلَ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ أخْذِ المِيثاقِ، بَيَّنَ حالَ مَن آتاهُ اللَّهُ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها ولَمْ يَتَّبِعْها. اهـ.
الأعراف 7:178
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٨] ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
" ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِأنْ يَقُصَّ قِصَصَ المُنْسَلِخِ عَلى هَؤُلاءِ الضّالِّينَ الَّذِينَ مَثَلُهم كَمَثَلِهِ، لِيَتَفَكَّرُوا فِيهِ، ويَتْرُكُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإخْلادِ إلى الضَّلالَةِ، ويَهْتَدُوا إلى الحَقِّ- عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَحْقِيقِ أنَّ الهِدايَةَ والضَّلالَةَ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما العِظَةُ والتَّذْكِيرُ مِن قَبِيلِ الوَسائِطِ العادِيَّةِ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ، مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ لَها فِيهِ، سِوى كَوْنِها دَواعِيَ إلى صَرْفِ العَبْدِ اخْتِيارَهُ نَحْوَ تَحْصِيلِهِ، حَسْبَما نِيطَ بِهِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، كَسائِرِ أفْعالِ العِبادِ.
الأعراف 7:179
(p-٢٩٠٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧٩] ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾
" ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ أيْ خَلَقْنا " ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ أيْ لِدُخُولِها والتَّعْذِيبِ بِها " ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهُمُ الكُفّارُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، المَوْصُوفُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى " ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ أيْ: آياتِ اللَّهِ الهادِيَةَ إلى الكَمالاتِ " ﴿ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ أيْ دَلائِلَ وحْدَتِهِ، بَصَرَ اعْتِبارٍ " ﴿ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيِ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ تَدَبُّرٍ واتِّعاظٍ، يَعْنِي أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الجَوارِحِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ سَبَبًا لِلْهِدايَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] " ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ أيِ السّارِحَةِ الَّتِي لا تَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الحَواسِّ مِنها، إلّا في الَّذِي يُقِيتُها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] أيْ: ومَثَلُهم في حالِ دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ، كَمَثَلِ الأنْعامِ إذا دَعاها راعِيها، لا تَسْمَعُ إلّا صَوْتَهُ، ولا تَفْقَهُ ما يَقُولُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ أيِ الأنْعامُ، إذْ لَيْسَ لِلْأنْعامِ قُوَّةُ تَحْصِيلِ تِلْكَ الكَمالاتِ ودَفْعُ تِلْكَ النَّقائِصِ، وهم مَعَ ما لَهم مِن تِلْكَ القُوَّةِ قَدْ خَلَوْا عَنِ الكَمالاتِ، وعَنْ دَفْعِ أضْدادِها، فَكانُوا أرْدَأ حالًا مِنها، لِنَقْصِهِمْ مَعَ وُجُودِ قُوَّةِ الكَمالِ فِيهِمْ. وأيْضًا: الأنْعامُ تُبْصِرُ مَنافِعَها ومَضارَّها، فَتَلْزَمُ بَعْضَ ما تُبْصِرُهُ، وهَؤُلاءِ أكْثَرُهم يَعْلَمُ أنَّهُ مُعانِدٌ، فَيَقْدُمُ عَلى النّارِ.
وأيْضًا: الأنْعامُ قَدْ تَسْتَجِيبُ لِراعِيها، وإنْ لَمْ تَفْقَهْ كَلامَهُ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ، وأيْضًا: إنَّها تَفْعَلُ ما خُلِقَتْ لَهُ، إمّا بِطَبْعِها، وإمّا بِتَسْخِيرِها، بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّهم خُلِقُوا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ، ويُوَحِّدُوهُ، (p-٢٩٠٩)فَكَفَرُوا بِهِ وأشْرَكُوا. " أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ " أيْ عَنْ تِلْكَ الكَمالاتِ والنَّقائِصِ، لِيَهْتَمُّوا لِتَحْصِيلِها ودَفْعِها، اهْتِمامَهم لِجَرِّ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ودَفْعِ مَضارِّها.
تَنْبِيهٌ:
قالَ أبُو السُّعُودِ: المُرادُ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ذُرِئُوا لِجَهَنَّمَ، الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ الأزَلِيَّةُ بِالشَّقاوَةِ، لَكِنْ لا بِطَرِيقِ الجَبْرِ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِمْ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، بَلْ لِعِلْمِهِ تَعالى بِأنَّهم لا يَصْرِفُونَ اخْتِيارَهم نَحْوَ الحَقِّ أبَدًا، بَلْ يُصِرُّونَ عَلى الباطِلِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ مِنَ الآياتِ والنُّذُرِ. فَبِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها، كَما أنَّ جَمِيعَ الفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ اسْتِعْدادِهِمُ الكامِلِ الفِطْرِيِّ لِلْعِبادَةِ، وتَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنها، جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها. كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقَوْلُهُ تَعالى.
الأعراف 7:180
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٠] ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
" ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ رَوى مُقاتِلٌ أنَّ رَجُلًا دَعا اللَّهَ في صَلاتِهِ، ودَعا الرَّحْمَنَ، فَقالَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ رَبًّا واحِدًا، فَما بالُ هَذا يَدْعُو اثْنَيْنِ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
و(الحُسْنى) تَأْنِيثُ (الأحْسَنِ)، والمَعْنى: لِلَّهِ الأسْماءُ الَّتِي هي أحْسَنُ الأسْماءِ وأجَلُّها، لِإنْبائِها عَنْ أحْسَنِ المَعانِي وأشْرَفِها: " ﴿فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ أيْ يَمِيلُونَ عَنِ الإقْرارِ بِها ويَجْحَدُونَها، ويَعْدِلُونَ عَنْها كُفْرًا بِها. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] أيْ زادَهم ذِكْرُ الرَّحْمَنِ نُفُورًا، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ﴾ [الإسراء: ١١٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، مِن جَحْدِهِمْ إيّاها ونُفُورِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِها.
(p-٢٩١٠)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ المُرْتَضِي اليَمانِيُّ في (إيثارِ الحَقِّ): مَقامُ مَعْرِفَةِ كَمالِ هَذا الرَّبِّ الكَرِيمِ، وما يَجِبُ لَهُ مِن نُعُوتِهِ وأسْمائِهِ الحُسْنى، مِن تَمامِ التَّوْحِيدِ، الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ، لِأنَّ كَمالَ الذّاتِ بِأسْمائِها الحُسْنى، ونُعُوتِها الشَّرِيفَةِ، ولا كَمالٌ لِذاتِ لا نَعْتَ لَها ولا اسْمٌ.
ولِذَلِكَ عُدَّ مَذْهَبُ المَلاحِدَةِ في مَدْحِ الرَّبِّ بِنَفْيِها، مِن أعْظَمِ مَكائِدِهِمْ لِلْإسْلامِ، فَإنَّهم عَكَسُوا المَعْلُومَ عَقْلًا وسَمْعًا، فَذَمُّوا الأمْرَ المَحْمُودَ ومَدَحُوا الأمْرَ المَذْمُومَ، القائِمَ مَقامَ النَّفْيِ والجَحْدِ المَحْضِ، وضادُّوا كِتابَ اللَّهِ ونُصُوصَهُ السّاطِعَةَ.
قالَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ الآيَةَ. وقالَ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] الآيَةَ، فَما كانَ مِنها مَنصُوصًا في كِتابِ اللَّهِ، وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى الجَمِيعِ، والإنْكارُ عَلى مَن جَحَدَهُ، أوْ زَعَمَ أنَّ ظاهِرَهُ اسْمُ ذَمٍّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما كانَ في الحَدِيثِ وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى مَن عَرَفَ صِحَّتَهُ، وما نَزَلَ عَنْ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، أوْ كانَ مُخْتَلِفًا في صِحَّتِهِ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمالُهُ، فَإنَّ اللَّهَ أجْلُّ مِن أنْ يُسَمّى بِاسْمٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ أنَّهُ تَسَمّى بِهِ. انْتَهى.
الثّانِي: رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مَن حَفِظَها دَخَلَ الجَنَّةَ، واللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ»»، وفي رِوايَةٍ: ««مَن أحْصاها»»، قالَ البُخارِيُّ: أحْصَيْناهُ: حَفِظْناهُ. وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وزادَ سَوْقَ الأسْماءِ مَعْدُودَةً: (p-٢٩١١)ثُمَّ قالَ: ولا نَعْلَمُ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ ذِكْرَ الأسْماءِ إلّا في هَذا الحَدِيثِ. ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ أيْضًا. فَسَرَدَ الأسْماءَ بِزِيادَةٍ ونُقْصانٍ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: والَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ الحُفّاظِ، أنَّ سَرْدَ الأسْماءِ في هَذا الحَدِيثِ مُدْرَجٌ فِيهِ، وإنَّما ذَلِكَ كَما رَواهُ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْعانِيُّ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، أيْ أنَّهم جَمَعُوها مِنَ القُرْآنِ، كَما رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وأبِي زَيْدٍ اللُّغَوِيِّ. انْتَهى.
وقالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ هَذا الحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ حَصْرٌ لِأسْمائِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ولَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أسْماءٌ غَيْرُ هَذِهِ التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ، وإنَّما المَقْصُودُ مِنَ الحَدِيثِ الإخْبارُ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ بِإحْصائِها، لا الإخْبارُ بِحَصْرِها. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ الآخَرِ: ««أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ»» . وقَدْ ذَكَرَ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ، أنَّ لِلَّهِ ألْفَ اسْمٍ. انْتَهى.
وقالَ السَّيِّدُ اليَمانِيُّ في (إيثارِ الحَقِّ): عادَةُ المُتَكَلِّمِينَ أنْ يَقْتَصِرُوا هُنا عَلى اليَسِيرِ مِنَ الأسْماءِ، ولا يَنْبَغِي تَرْكُ شَيْءٍ مِنها، ولا اخْتِصارُهُ ! فَإنَّ ذَلِكَ كالِاخْتِصارِ لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ، ولَوْ كانَ مِنها شَيْءٌ لا يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ ولا ذِكْرُهُ، ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ العَظِيمِ.
وعادَةُ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ أنْ يُورِدُوا جَمِيعَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ في تَعْدادِها، مَعَ الِاخْتِلافِ الشَّهِيرِ في صِحَّتِهِ. وحَسْبُكَ أنَّ البُخارِيَّ ومُسْلِمًا تَرَكا تَخْرِيجَهُ مَعَ رِوايَةِ أوَّلِهِ. واتِّفاقُهُما عَلى ذَلِكَ يُشْعِرُ بِقُوَّةِ العِلَّةِ فِيهِ، ولَكِنَّ الأكْثَرِينَ اعْتَمَدُوا ذَلِكَ تَعَرُّضًا لِفَضْلِ اللَّهِ العَظِيمِ في وعْدِهِ، مَن أحْصاها بِالجَنَّةِ كَما اتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ. ولَيْسَ يُسْتَيْقَنُ إحْصاؤُها بِذَلِكَ إلّا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ اسْمٌ غَيْرُ تِلْكَ الأسْماءِ. فَأمّا إذا كانَتْ أسْماؤُهُ سُبْحانَهُ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى، بَطَلَ اليَقِينُ بِذَلِكَ، وكانَ الأحْسَنُ الِاقْتِصارَ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ، وما اتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو النّادِرُ وقَدْ (p-٢٩١٢)ثَبَتَ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى أكْثَرُ مِن ذَلِكَ المَرْوِيِّ بِالضَّرُورَةِ والنَّصِّ. أمّا الضَّرُورَةُ، فَإنَّ في كِتابِ اللَّهِ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وأمّا النَّصُّ، فَحَدِيثُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««ما قالَ عَبْدٌ أصابَهُ هَمٌّ أوْ حُزْنٌ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وابْنُ أمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ، أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، ونُورَ صَدْرِي، وجَلاءَ حُزْنِي، وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي، إلّا أذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وغَمَّهُ، وأبْدَلَهُ مَكانَ حُزْنِهِ فَرَحًا»» - رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو عَوانَةَ في (صَحِيحِهِ) وأبُو يَعْلى والبَزّارُ -.
ثُمَّ أخَذَ اليَمانِيُّ يَذْكُرُ ما وجَدَهُ مِنَ الأسْماءِ مَنصُوصًا، غَيْرَ مُعَرِّجٍ عَلى التَّقْلِيدِ. فانْظُرْهُ في (إيثارِ الحَقِّ) فَإنَّهُ جَوَّدَ البَحْثَ بِمَنزِعٍ شَرِيفٍ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: (فادْعُوهُ بِها): المَعْنى سَمُّوهُ بِها، وفي ذَلِكَ أمْرٌ بِدُعائِهِ بِالأسْماءِ الحُسْنى، وهو أمْرُ نَدْبٍ إذا حُمِلَ عَلى التِّلاوَةِ بِالتِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ، وحَثَّ عَلى ذَلِكَ في الحَدِيثِ عَنْهُ ﷺ، وإنْ أُرِيدَ بِالتَّسْمِيَةِ بِما فِيهِ مَدْحٌ، دُونَ ما فِيهِ إلْحادٌ، فَذَلِكَ وُجُوبٌ.
الرّابِعُ: قالَ السَّيِّدُ اليَمانِيُّ في (إيثارِ الحَقِّ): هَلْ يَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَحامِدِ الرَّبِّ تَعالى وأسْمائِهِ الحُسْنى صِفاتٍ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى؟
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ أنَّهُ الوَصْفُ الأعْلى، وكَذَلِكَ جاءَ في كَلامِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: فَعَلَيْكَ أيُّها السّائِلُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِن صِفَتِهِ- ذَكَرَهُ السَّيِّدُ أبُو طالِبٍ في (الأمالِي) بِإسْنادِهِ، والسَّيِّدُ الرَّضِيُّ في (النَّهْجِ) كِلاهُما في جَوابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلى الَّذِي قالَ لَهُ: (p-٢٩١٣)صِفْ لَنا نارَ رَبِّنا -. وهَذا لا يُعارِضُ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] لِأنَّهُ لَمْ يُنَزِّهْ ذاتَهُ عَنِ الوَصْفِ مُطْلَقًا، حَتّى يَعُمَّ الوَصْفُ الحَسَنُ، وإنَّما يُنَزَّهُ عَنْ وصْفِهِمْ لَهُ بِالباطِلِ القَبِيحِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
الأعراف 7:181
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨١] ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾
" ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ أيْ لِلْجَنَّةِ، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] -قالَهُ النَّسَفِيُّ - " ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ يَدْعُونَ إلَيْهِ " ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ يَعْمَلُونَ ويَقْضُونَ، وقَدْ جاءَ في الآثارِ، أنَّ المُرادَ بِالأُمَّةِ، هَذِهِ الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ الآيَةَ يَقُولُ: هَذِهِ لَكُمْ، وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها.
وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ، حَتّى يَنْزِلَ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ مَتّى ما نَزَلَ»» . وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهُمْ، ولا مَن خالَفَهُمْ، حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ»» . وفي رِوايَةٍ: ««حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ وهم عَلى ذَلِكَ»» .
قالَ الشِّهابُ: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ في كُلِّ عَصْرٍ، وعَلى أنَّهُ لا يَخْلُو عَصْرٌ مِن مُجْتَهِدٍ إلى قِيامِ السّاعَةِ.
الأعراف 7:182
(p-٢٩١٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٢] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾
" ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ سَنَأْخُذُهم بِالعَذابِ مِن طَرِيقٍ لا يَعْلَمُونَها، أوْ نَفْتَحُ لَهم مِنَ الأحْوالِ ما يُلائِمُ أهْوِيَتَهُمْ، ثُمَّ نُهْلِكُهم. وأصْلُ الِاسْتِدْراجِ: أنْ يَتَدَرَّجَ إلى الشَّيْءِ قَلِيلًا قَلِيلًا، تَشْبِيهًا بِمَن يَرْقى دَرَجَةً دَرَجَةً، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى العُلُوِّ. وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ الدَّرَجِ الَّذِي يُطْوى فَكَأنَّهُ يَطْوِي مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ، كَما يُطْوى الدَّرَجُ. وقِيلَ: لِأنَّهُ مِنَ الدَّرَجَةِ فَيَكُونُ، لِأنَّهُ يَنْحَطُّ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى حالِ الهَلاكِ.
الأعراف 7:183
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٣] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
" ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ أُمْهِلُهم لِيَزْدادُوا إثْمًا " ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أيْ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ.
والمَعْنِيُّونَ بِهَذا الخِطابِ كُفّارُ مَكَّةَ.
قالَ في (التَّنْوِيرِ): هم أبُو جَهْلٍ وأصْحابُهُ المُسْتَهْزِئُونَ، أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ في يَوْمِ (أُحُدٍ)، وأهْلَكَ كُلَّ واحِدٍ بِهَلاكٍ غَيْرِ هَلاكِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
ويَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى:
الأعراف 7:184
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٤] ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
" ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ أيْ كَما يَخْتَلِقُونَ. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنَّهُ لَيْسَ بِصاحِبِهِمُ الَّذِي هو أعْظَمُ الأُمَّةِ الهادِيَةِ بِالحَقِّ، شَيْءٌ مِن جِنَّةٍ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ " ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ إنْكارًا لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في شَأْنِهِ، المُوقَفِ عَلى صِدْقِهِ، وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. ثُمَّ ابْتَدَأ نَفْيَ الجِنَّةِ عَنْهُ تَعْجِيبًا وتَبْكِيتًا.
(p-٢٩١٥)و(الجِنَّةُ) مَصْدَرٌ، كالجِلْسَةِ، بِمَعْنى الجُنُونِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الجِنَّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦] لِأنَّهُ يَحُوجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: مَسَّهُ جِنَّةٌ أوْ تَخَبُّطُها. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِ (صاحِبِهِمْ) لِلْإيذانِ بِأنَّ طُولَ مُصاحِبَتِهِمْ لَهُ، مِمّا يُطْلِعُهم عَلى نَزاهَتِهِ عَمّا ذُكِرَ، فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلنَّكِيرِ، وتَشْدِيدٌ لَهُ " ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ﴾ أيْ: رَسُولٌ مُخَوِّفٌ " ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ مُوَضِّحٌ إنْذارَهُ، مُبالَغَةً في الإعْذارِ. ولَمّا نَعى عَلَيْهِمْ تَفَكُّرَهم في شَأْنِهِ ﷺ، أنْكَرَ إخْلالَهم في التَّأمُّلِ بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ، الشّاهِدَةِ بِصِحَّةِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
الأعراف 7:185
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٥] ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
" ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ أيْ نَظَرَ اسْتِدْلالٍ " ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ﴾ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والسَّحابِ. والمَلَكُوتُ: المُلْكُ العَظِيمُ " ﴿والأرْضِ﴾ أيْ وفي مَلَكُوتِ الأرْضِ، مِنَ البِحارِ والجِبالِ والدَّوابِّ والشَّجَرِ. " ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ وفِيما خَلَقَ اللَّهُ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ (الشَّيْءِ)، مِن أجْناسٍ لا يَحْصُرُها العَدَدُ، ولا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ " ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (مَلَكُوتِ). أيْ: في احْتِمالِ أنْ يَهْلَكُوا عَمّا قَرِيبٍ، فَيُفارِقُوا الدُّنْيا، وهم عَلى أتْعَسِ الأحْوالِ. " ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أيِ القُرْآنِ " ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وهو المُعْجِزُ الجامِعُ لِكُلِّ ما يُفِيدُ الهِدايَةَ، وفي هَذا قَطْعٌ لِاحْتِمالِ إيمانِهِمْ رَأْسًا، ونَفْيٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ، وأنَّها طَرِيقُ المَعْرِفَةِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ يُنْظَرُ فِيهِ، إلّا ويُعْرَفُ اللَّهُ تَعالى بِهِ.
الأعراف 7:186
(p-٢٩١٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٦] ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
" ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ في كُفْرِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، يَعْنِي أنَّ مَن كُتِبَ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، فَلا يَهْدِيهِ أحَدٌ، ولا يُغْنِيهِ النَّظَرُ، ولا الإنْذارُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]
الأعراف 7:187
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٧] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
" ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أيْ عَنْ قِيامِها وحِينِها " ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أيْ مَتى إرْساؤُها أوْ وقْتُ إرْسائِها، أيْ إثْباتُها وإقْرارُها. والرُّسُوُّ يُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ، وإطْلاقُهُ عَلى المَعانِي، تَشْبِيهًا لَها بِالأجْسامِ.
" ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ أيْ: لا يُظْهِرُها في وقْتِها إلّا هو. " ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ عَظُمَتْ وكَبُرَتْ عَلى أهْلِهِما لِهَوْلِها وما فِيها مِنَ المُحاسَبَةِ والمُجازاةِ، أوْ ثَقُلَ عِلْمُ وقْتِها عَلى أهْلِهِما. أوْ عَظُمَ وصْفُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، مِنِ انْتِشارِ النُّجُومِ، وتَكْوِيرِ الشَّمْسِ، وتَسْيِيرِ الجِبالِ " ﴿لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنكم.
" ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ (p-٢٩١٧)أيْ: عالِمٌ بِها: " ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّ عِلْمَها عِنْدَ اللَّهِ، لَمْ يُؤْتِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ كَرَّرَ " يَسْألُونَكَ " و" إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ " ؟ قُلْتُ: لِلتَّأْكِيدِ، وما جاءَ بِهِ مِن زِيادَةِ قَوْلِهِ: " ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ وعَلى هَذا تَكْرِيرُ العُلَماءِ الحُذّاقِ في كُتُبِهِمْ، لا يُخْلُونَ المُكَرَّرَ مِن فائِدَةٍ زائِدَةٍ. انْتَهى.
وقالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): وفي هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّكْرِيرِ نُكْتَةٌ لا تُلْفى إلّا في الكِتابِ العَزِيزِ، وهو أجَلُّ مِن أنْ يُشارِكَ فِيها، وذاكَ أنَّ المَعْهُودَ في أمْثالِ هَذا التَّكْرِيرِ، أنَّ الكَلامَ إذا بُنِيَ عَلى مَقْصِدٍ، واعْتَرَضَ في أثْنائِهِ عارِضٌ، فَأُرِيدَ الرُّجُوعَ لِتَتْمِيمِ المَقْصِدِ الأوَّلِ، وقَدْ بَعُدَ عَهْدُهُ، طُرِّيَ بِذِكْرِ المَقْصِدِ الأوَّلِ، لِتَتَّصِلَ نِهايَتُهُ بِبِدايَتِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ في الكِتابِ العَزِيزِ أمْثالٌ، وسَيَأْتِي، وهَذا مِنها. فَإنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: " ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ ثُمَّ اعْتَرَضَ ذِكْرَ الجَوابِ المُضَمَّنِ في قَوْلِهِ: " ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ إلى قَوْلِهِ " ﴿بَغْتَةً﴾ أُرِيدَ تَتْمِيمَ سُؤالِهِمْ عَنْها بِوَجْهٍ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وهو المُضَمَّنُ في قَوْلِهِ " ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ وهو شَدِيدُ التَّعَلُّقِ بِالسُّؤالِ، وقَدْ بَعُدَ عَهْدُهُ، فَطُرِّيَ ذِكْرُهُ تَطْرِيَةً عامَّةً، ولا نَراهُ أبَدًا يَطْرى إلّا بِنَوْعٍ مِنَ الإجْمالِ، كالتَّذْكِرَةِ لِلْأوَّلِ، مُسْتَغْنًى عَنْ تَفْصِيلِهِ بِما تَقَدَّمَ. فَمِن ثَمَّ قِيلَ: " ﴿يَسْألُونَكَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ المَسْؤُولَ عَنْهُ، وهو (السّاعَةُ) اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ فَلَمّا كَرَّرَ السُّؤالَ لِهَذِهِ الفائِدَةِ كَرَّرَ الجَوابَ أيْضًا مُجْمَلًا، فَقالَ: " ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ ويُلاحَظُ هَذا في تَلْخِيصِ الكَلامِ بَعْدَ بَسْطِهِ. ومِن أدَقِّ ما وقَفَتْ عَلَيْهِ العَرَبُ في هَذا النَّمَطِ مِنَ التَّكْرِيرِ لِأجْلِ بُعْدِ العَهْدِ، تَطْرِيَةً لِلذِّكْرِ، قَوْلُهُ:
؎عَجِّلْ لَنا هَذا وألْحِقْنا بِذا الشَّ شَحْمِ إنّا قَدْ مَلِلْناهُ بَجَلْ
أيْ فَقَطْ، فَذَكَرَ الألِفَ واللّامَ، خاتِمَةً لِلْأوَّلِ مِنَ الرَّجَزَيْنِ، ثُمَّ لَمّا اسْتَفْتَحَ الرَّجَزَ الثّانِي، اسْتَبْعَدَ العَهْدَ بِالأُولى، فَطُرِّيَ ذِكْرُها، وأبْقى الأُولى في مَكانِها. ومِن ثَمَّ اسْتَدَلَّ ابْنُ جِنِّيٍّ (p-٢٩١٨)عَلى أنَّ ما كانَ مِنَ الرَّجَزِ عَلى ثَلاثَةِ أجْزاءٍ، فَهو بَيْتٌ كامِلٌ، ولَيْسَ بِنِصْفٍ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو الحَسَنِ.
قالَ: ولَوْ كانَ بَيْتًا واحِدًا، لَمْ يَكُنْ عَهْدُ الأُولى مُتَباعِدًا، فَلَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا إلى تَكْرِيرِها، ألا تَرى أنَّ عَبِيدًا لَمّا جاءَ بِقَصِيدَةٍ طَوِيلَةِ الأبْياتِ، وجَعَلَ آخِرَ المِصْراعِ الأوَّلِ (ألْ)، لَمْ يُعِدْها أوَّلَ المِصْراعِ الثّانِي، لِأنَّها بَيْتٌ واحِدٌ، فَلَمْ يَرْ عَهْدَها بَعِيدًا، وذَلِكَ قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ الأسَدِيِّ:
؎يا خَلِيلِيَّ ارْبَعا واسْتَخْبِرا ال ∗∗∗ مَنزِلَ الدّارِسَ عَنْ أهْلِ الحِلالِ
؎مِثْلَ سَحْقِ البُرْدِ عَفّى بَعْدَكَ ال ∗∗∗ قَطْرُ مَغْناهُ وتَأْوِيبُ الشَّمالِ
ارْبَعا: أقِيما، الحِلالَ: اسْمُ امْرَأةٍ، سَحْقُ البَرْدِ: يُرِيدُ مِثْلَ البُرْدِ المَسْحُوقِ أيِ البالِي، وعَفّى بِالتَّشْدِيدِ: مَحا، القَطْرُ: المَطَرُ، مَغْناهُ: هو المَوْضِعُ الَّذِي كانُوا يُسْكِنُونَهُ، والشَّمالُ - بِالفَتْحِ والكَسْرِ- مِنَ الرِّياحِ، ما مَهَبُّهُ مِن مَطْلَعِ الشَّمْسِ وبَناتُ نَعْشٍ، وهي لا تَكادُ تَهُبُّ لَيْلًا، وتَأْوِيبُها: هُبُوبُها النَّهارَ كُلَّهُ. ثُمَّ اسْتَرْسَلَ فِيها كَذَلِكَ بِضْعَةَ عَشَرَ بَيْتًا. فانْظُرْ هَذِهِ النُّكَتَةَ، كَيْفَ بالَغَتِ العَرَبُ في رِعايَتِها، حَتّى عَدَّتَ القَرِيبَ بَعِيدًا، والمُتَقاصِرَ مَدِيدًا، فَتَأمَّلْها فَإنَّها تُحْفَةٌ إنَّما تُنْفَقُ عِنْدَ الحُذّاقِ الأعْيانِ، في صِناعَتَيِ العَرَبِيَّةِ والبَيانِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. انْتَهى.
والقَصِيدَةُ بِتَمامِها في (مُخْتاراتِ ابْنِ الشَّجَرِيِّ ) بِالصَّفْحَةِ رَقْمِ ٣٧.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ بِعُبُودِيَّتِهِ الكامِلَةِ، بِما يُنْبِئُ عَنْ عَجْزِهِ عَنْ عِلْمِ السّاعَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الأعراف 7:188
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلا ما شاءَ اللَّهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
" ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أيْ لا أقْدِرُ لِأجْلِ نَفْسِي، عَلى جَلْبِ نَفْعٍ ما (p-٢٩١٩)ولا عَلى دَفْعِ ضُرٍّ ما " ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ تَمْلِيكُهُ لِي مِن ذَلِكَ بِأنْ يُلْهِمَنِيهِ، فَيُمَكِّنُنِي مِنهُ، ويُقَدِّرُنِي عَلَيْهِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ أيِ النَّفْعِ، بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ، فَكُنْتُ مَثَلًا أُعِدُّ لِلسَّنَةِ المُجْدِبَةِ مِنَ المُخْصِبَةِ، ولِوَقْتِ الغَلاءِ مِنَ الرُّخْصِ " ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أيِ الضُّرُّ، لِلتَّوَقِّي عَنْ أسْبابِهِ " ﴿إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ أيْ عَبْدٌ أُرْسِلْتُ نَذِيرًا وبَشِيرًا، وما مِن شَأْنِي أنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ. وقَوْلُهُ تَعالى " ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ " ﴿بَشِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] وحْدَهُ، ومُتَعَلِّقُ النَّذِيرِ مَحْذُوفٌ، أيْ لِلْكافِرِينَ، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. وقالَ الشِّهابُ: لِيُطَهِّرَ اللِّسانَ مِنهم.