Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الحجر 15:1 – النحل 16:68
المحتويات
- الحجر 15:1
- الحجر 15:2
- الحجر 15:3
- الحجر 15:4
- الحجر 15:5
- الحجر 15:6
- الحجر 15:7
- الحجر 15:8
- الحجر 15:9
- الحجر 15:10
- الحجر 15:11
- الحجر 15:12
- الحجر 15:13
- الحجر 15:14
- الحجر 15:15
- الحجر 15:16
- الحجر 15:17
- الحجر 15:18
- الحجر 15:19
- الحجر 15:20
- الحجر 15:21
- الحجر 15:22
- الحجر 15:23
- الحجر 15:24
- الحجر 15:25
- الحجر 15:26
- الحجر 15:27
- الحجر 15:28
- الحجر 15:29
- الحجر 15:30
- الحجر 15:31
- الحجر 15:32
- الحجر 15:33
- الحجر 15:34
- الحجر 15:35
- الحجر 15:36
- الحجر 15:37
- الحجر 15:38
- الحجر 15:39
- الحجر 15:40
- الحجر 15:41
- الحجر 15:42
- الحجر 15:43
- الحجر 15:44
- الحجر 15:45
- الحجر 15:46
- الحجر 15:47
- الحجر 15:48
- الحجر 15:49
- الحجر 15:50
- الحجر 15:51
- الحجر 15:52
- الحجر 15:53
- الحجر 15:54
- الحجر 15:55
- الحجر 15:56
- الحجر 15:57
- الحجر 15:58
- الحجر 15:59
- الحجر 15:60
- الحجر 15:61
- الحجر 15:62
- الحجر 15:63
- الحجر 15:64
- الحجر 15:65
- الحجر 15:66
- الحجر 15:67
- الحجر 15:68
- الحجر 15:69
- الحجر 15:70
- الحجر 15:71
- الحجر 15:72
- الحجر 15:73
- الحجر 15:74
- الحجر 15:75
- الحجر 15:76
- الحجر 15:77
- الحجر 15:78
- الحجر 15:79
- الحجر 15:80
- الحجر 15:81
- الحجر 15:82
- الحجر 15:83
- الحجر 15:84
- الحجر 15:85
- الحجر 15:86
- الحجر 15:87
- الحجر 15:88
- الحجر 15:89
- الحجر 15:90
- الحجر 15:91
- الحجر 15:92
- الحجر 15:93
- الحجر 15:94
- الحجر 15:95
- الحجر 15:96
- الحجر 15:97
- الحجر 15:98
- الحجر 15:99
- النحل 16:1
- النحل 16:2
- النحل 16:3
- النحل 16:4
- النحل 16:5
- النحل 16:6
- النحل 16:7
- النحل 16:8
- النحل 16:9
- النحل 16:10
- النحل 16:11
- النحل 16:12
- النحل 16:13
- النحل 16:14
- النحل 16:15
- النحل 16:16
- النحل 16:17
- النحل 16:18
- النحل 16:19
- النحل 16:20
- النحل 16:21
- النحل 16:22
- النحل 16:23
- النحل 16:24
- النحل 16:25
- النحل 16:26
- النحل 16:27
- النحل 16:28
- النحل 16:29
- النحل 16:30
- النحل 16:31
- النحل 16:32
- النحل 16:33
- النحل 16:34
- النحل 16:35
- النحل 16:36
- النحل 16:37
- النحل 16:38
- النحل 16:39
- النحل 16:40
- النحل 16:41
- النحل 16:42
- النحل 16:43
- النحل 16:44
- النحل 16:45
- النحل 16:46
- النحل 16:47
- النحل 16:48
- النحل 16:49
- النحل 16:50
- النحل 16:51
- النحل 16:52
- النحل 16:53
- النحل 16:54
- النحل 16:55
- النحل 16:56
- النحل 16:57
- النحل 16:58
- النحل 16:59
- النحل 16:60
- النحل 16:61
- النحل 16:62
- النحل 16:63
- النحل 16:64
- النحل 16:65
- النحل 16:66
- النحل 16:67
- النحل 16:68
الحجر 15:1
(p-٣٧٤٥)سُورَةُ اَلْحِجْرِ
سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ اَلْحِجْرِ اَلْمُرْسَلِينَ، إلى قَوْلِهِ: ما كانُوا يَكْسِبُونَ اَلدّالِّ عَلى مُؤاخَذَتِهِمْ لِمُجَرَّدِ تَكْذِيبِ اَلرُّسُلِ والإعْراضِ عَنْ آياتِ اَللَّهِ، بِأدْنى وُجُوهِ اَلْمُؤاخَذَةِ، مَعَ غايَةِ تَحَصُّنِهِمْ. فَفِيهِ غايَةُ تَعْظِيمِ اَلرُّسُلِ والآياتِ. وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ اَلْقُرْآنِ: أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ وآياتُها تِسْعٌ وتِسْعُونَ.
(p-٣٧٤٦)بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ .
﴿الر﴾ تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ في مِثْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ اَلْإشارَةُ إلى: ﴿الر﴾ لِأنَّهُ اِسْمٌ لِلسُّورَةِ، أيْ: تِلْكَ اَلسُّورَةُ اَلْعَظِيمَةُ آياتُ اَلْكِتابِ اَلْكامِلِ وآياتُ قُرْآنٍ عَظِيمِ اَلشَّأْنِ، مُبَيِّنٍ لِلْحُكْمِ والأحْكامِ ولِسَبِيلِ اَلرُّشْدِ والغَيِّ. مِن (أبانَ) اَلْمُتَعَدِّي. أوِ اَلظّاهِرُ مَعانِيهِ أوْ أمْرُ إعْجازِهِ، وكَوْنُهُ آيَةً قاهِرَةً مِن (أبانَ) اَللّازِمِ. أوِ اَلْإشارَةُ إلى آياتِ اَلسُّورَةِ، أوْ إلى جَمِيعِ آياتِ اَلْقُرْآنِ. وتَعْرِيفُ اَلْكِتابِ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، كَتَنْكِيرِ ( قُرْآنٍ) . وقَوْلُهُ:
الحجر 15:2
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ .
﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ تَبْشِيرٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِظُهُورِ دِينِهِ. وأنَّهُ سَوْفَ يَأْتِي أيّامٌ يَتَمَنّى اَلْكافِرُونَ بِها أنْ لَوْ سَبَقَ لَهُمُ اَلْإسْلامُ فَكانُوا مِنَ اَلسّابِقِينَ؛ لِما يَرَوْنَ مِن إعْلاءِ كَلِمَةِ اَلدِّينِ وظُهُورِهِ عَلى رَغْمِ اَلْمُلْحِدِينَ؛ لِأنَّ مَن تَأخَّرَ إسْلامُهُ مِنهم، وإنْ نالَهُ مِنَ اَلْفَضْلِ ما وُعِدَ بِهِ اَلْحُسْنى، ولَكِنْ لا يَلْحَقُ اَلسّابِقِينَ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ [الحديد: ١٠] وفِيهِ تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى اَلصَّدْعِ بِالدَّعْوَةِ والصَّبْرِ عَلَيْها؛ لِما أنَّ اَلْعاقِبَةَ لَهُ. وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ اَلتَّقْلِيلِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِ اَلْعَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى فِعْلِكَ، تَرَفُّعًا واسْتِغْناءً عَنِ اَلتَّصْرِيحِ بِالغَرَضِ بِناءً عَلى اِدِّعاءِ ظُهُورِهِ.
(p-٣٧٤٧)
الحجر 15:3
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣] ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾ أيْ: بِدُنْياهم وتَنْفِيذِ شَهَواتِهِمْ: ﴿ويُلْهِهِمُ الأمَلُ﴾ أيْ: يَشْغَلُهم عَنِ اَلتَّوْبَةِ والتَّذْكِيرِ، أمَلُ اِسْتِقامَةِ اَلْحالِ. وأنْ لا يَلْقَوْا إلّا خَيْرًا في اَلْمَآلِ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِمَن تَكُونُ لَهُ اَلْعُقْبى.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ تَنْبِيهٌ.
الحجر 15:4
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى سِرَّ تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ بِقَوْلِهِ:
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ .
﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ: أجَلٌ مُقَدَّرٌ لُيَتَأمَّلَ في أسْبابِ اَلْهَلاكِ لُيَتَخَلَّصَ عَنْها، وذَلِكَ بِما قامَ مِنَ اَلْحُجَّةِ عَلَيْها، بِتَقَدُّمِ اَلْإنْذارِ وتَكَرُّرِهِ عَلى سَمْعِهِمُ.
الحجر 15:5
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ .
﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ أيْ: لا تَهْلَكُ قَبْلَهُ: ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أيْ: عَنْهُ؛ لِلُزُومِ اَلْحُجَّةِ وارْتِفاعِ اَلْأعْذارِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ عُتُوِّهِمْ في كُفْرِهِمْ بِقَوْلِهِ:
الحجر 15:6
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ .
﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ أيْ: يا أيُّها اَلْمُدَّعِي ذَلِكَ ! إنَّكَ لَمَجْنُونٌ في دُعائِكَ إيّانا إلى اِتِّباعِكَ، وتَرْكِ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا. أوْ في دَعْواكَ تَنْزِيلَ اَلذِّكْرِ. أوْ نادَوْهُ بِذَلِكَ اِسْتِهْزاءً وتَهَكُّمًا. أوْ هو مِن كَلامِهِ تَعالى تَبْرِئَةً لَهُ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن أوَّلِ اَلْأمْرِ.
(p-٣٧٤٨)
الحجر 15:7
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧-٨] ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] .
﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: هَلّا تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ بِصِدْقِكَ ويُعَضِّدُونَكَ عَلى إنْذارِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] وقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣]
ثُمَّ أشارَ إلى جَوابِ مَقالِهِمْ، ورَدِّ مُقْتَرَحِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ﴾ [الحجر: ٨] أيْ: عَلَيْهِمْ فَيَأْتُونَهم ويُشاهِدُونَهم: ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨] أيِ: اَلْحِكْمَةِ اَلَّتِي جَرَتْ بِها اَلسُّنَّةُ اَلْإلَهِيَّةُ، وهو اَلْعَذابُ: ﴿وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] أيْ: مُؤَخَّرِينَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]
ثُمَّ أشارَ إلى رَدِّ إنْكارِهِمُ اَلتَّنْزِيلَ مَعَ تَسْلِيَةٍ وبِشارَةٍ عَظِيمَةٍ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
الحجر 15:8
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧-٨] ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] .
﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: هَلّا تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ بِصِدْقِكَ ويُعَضِّدُونَكَ عَلى إنْذارِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] وقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣]
ثُمَّ أشارَ إلى جَوابِ مَقالِهِمْ، ورَدِّ مُقْتَرَحِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ﴾ [الحجر: ٨] أيْ: عَلَيْهِمْ فَيَأْتُونَهم ويُشاهِدُونَهم: ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨] أيِ: اَلْحِكْمَةِ اَلَّتِي جَرَتْ بِها اَلسُّنَّةُ اَلْإلَهِيَّةُ، وهو اَلْعَذابُ: ﴿وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] أيْ: مُؤَخَّرِينَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]
ثُمَّ أشارَ إلى رَدِّ إنْكارِهِمُ اَلتَّنْزِيلَ مَعَ تَسْلِيَةٍ وبِشارَةٍ عَظِيمَةٍ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
الحجر 15:9
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩] ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .
﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَن بَغى لَهُ كَيْدًا. فَلا يَزالُ نُورُ ذِكْرِهِ يَسْرِي، وبَحْرُ هُداهُ يَجْرِي، وظِلالُ حِقِّيَّتِهِ في عُلُومِهِ تَمْتَدُّ عَلى اَلْآفاقِ، (p-٣٧٤٩)ودَعائِمُ أُصُولِهِ اَلثّابِتَةِ تَطاوُلُ اَلسَّبْعَ اَلطِّباقَ، رَغْمًا عَنْ كَيْدِ اَلْكائِدِينَ، وإفْسادِ اَلْمُفْسِدِينَ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] وفي إيرادِ اَلْجُمْلَةِ اَلثّانِيَةِ اِسْمِيَّةً؛ دَلالَةٌ عَلى دَوامِ اَلْحِفْظِ.
الحجر 15:10
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠-١١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر: ١١] .
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: رُسُلًا: ﴿مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: فِرَقِهِمْ وطَوائِفِهِمْ. جَمْعُ ( شِيعَةٍ) وهي اَلْفِرْقَةُ اَلْمُتَّفِقَةُ عَلى مَذْهَبٍ وطَرِيقَةٍ. و﴿الأوَّلِينَ﴾ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ. أيِ: اَلْأُمَمُ. أوِ اَلْكَلامُ مِن إضافَةِ اَلصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر: ١١] أيْ: كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ اَلْمُشْرِكُونَ.
الحجر 15:11
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠-١١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر: ١١] .
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: رُسُلًا: ﴿مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: فِرَقِهِمْ وطَوائِفِهِمْ. جَمْعُ ( شِيعَةٍ) وهي اَلْفِرْقَةُ اَلْمُتَّفِقَةُ عَلى مَذْهَبٍ وطَرِيقَةٍ. و﴿الأوَّلِينَ﴾ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ. أيِ: اَلْأُمَمُ. أوِ اَلْكَلامُ مِن إضافَةِ اَلصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر: ١١] أيْ: كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ اَلْمُشْرِكُونَ.
الحجر 15:12
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢-١٣] ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٣] .
﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ أيِ: اَلذِّكْرَ اَلْمُنَزَّلَ: ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيِ: اَلْكافِرِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الحجر: ١٣] أيْ: بِالذِّكْرِ حالٌ مِن ضَمِيرِ (نَسْلُكُهُ) أيْ: مُكَذَّبًا مُسْتَهْزَأً بِهِ غَيْرَ مَقْبُولٍ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: كَما لَوْ أُنْزِلَتْ بِلَئِيمٍ حاجَةٌ فَلَمْ يُجِبْكَ إلَيْها فَقُلْتُ: كَذَلِكَ أنْزَلَها بِاللِّئامِ. تَعْنِي مِثْلَ هَذا اَلْإنْزالِ أنْزَلَها بِهِمْ، مَرْدُودَةً غَيْرَ مَقْضِيَّةٍ. وقِيلَ: اَلْجُمْلَةُ بَيانٌ لِما قَبْلَها. وجُوِّزَ في ضَمِيرِ (نَسْلُكُهُ ) أنْ يَعُودَ إلى اَلِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ اَلْمَعْلُومِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٧٥٠)﴿وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٣] اِسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَكْمِلَةً لِلتَّسْلِيَةِ، وتَصْرِيحًا بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ. أيْ: قَدْ مَضَتِ اَلسُّنَّةُ فِيهِمْ مِن هَلاكِهِمْ، وزَهُوقِ باطِلِهِمْ، ونَصْرِ اَلرُّسُلِ وغَلَبَةِ جُنُودِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ واسْتِعْمارِهِمْ دِيارَهم،
الحجر 15:13
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢-١٣] ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٣] .
﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ أيِ: اَلذِّكْرَ اَلْمُنَزَّلَ: ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيِ: اَلْكافِرِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الحجر: ١٣] أيْ: بِالذِّكْرِ حالٌ مِن ضَمِيرِ (نَسْلُكُهُ) أيْ: مُكَذَّبًا مُسْتَهْزَأً بِهِ غَيْرَ مَقْبُولٍ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: كَما لَوْ أُنْزِلَتْ بِلَئِيمٍ حاجَةٌ فَلَمْ يُجِبْكَ إلَيْها فَقُلْتُ: كَذَلِكَ أنْزَلَها بِاللِّئامِ. تَعْنِي مِثْلَ هَذا اَلْإنْزالِ أنْزَلَها بِهِمْ، مَرْدُودَةً غَيْرَ مَقْضِيَّةٍ. وقِيلَ: اَلْجُمْلَةُ بَيانٌ لِما قَبْلَها. وجُوِّزَ في ضَمِيرِ (نَسْلُكُهُ ) أنْ يَعُودَ إلى اَلِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ اَلْمَعْلُومِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٧٥٠)﴿وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٣] اِسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَكْمِلَةً لِلتَّسْلِيَةِ، وتَصْرِيحًا بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ. أيْ: قَدْ مَضَتِ اَلسُّنَّةُ فِيهِمْ مِن هَلاكِهِمْ، وزَهُوقِ باطِلِهِمْ، ونَصْرِ اَلرُّسُلِ وغَلَبَةِ جُنُودِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ واسْتِعْمارِهِمْ دِيارَهم،
الحجر 15:14
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم لا يَتْرُكُونَ اَلِاسْتِهْزاءَ بِالرُّسُلِ وإنْ أتَتْهُمُ اَلْآياتُ اَلَّتِي تُشَبِّهُ اَلْمُلْجِئَةَ لِقُوَّةِ عِنادِهِمْ وبَغْيِهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤-١٥] ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥] .
﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ: ﴿بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا﴾ أيْ: فَصارُوا طُولَ نَهارِهِمْ: ﴿فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ أيْ: يَصْعَدُونَ مُسْتَوْضِحِينَ لِما يَرَوْنَهُ فِيها مِنَ اَلْعَجائِبِ.
﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ [الحجر: ١٥] أيْ: حُيِّرَتْ أوْ حُبِسَتْ مِنَ اَلْإبْصارِ، وما نَراهُ شَيْءٌ نَتَخايَلُهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥]
قالَ اَلنّاصِرُ في (اَلِانْتِصافِ): اَلْمُرادُ، واَللَّهُ أعْلَمُ، يَعْنِي مِنَ اَلْآيَتَيْنِ: إقامَةُ اَلْحُجَّةِ عَلى اَلْمُكَذِّبِينَ بِأنَّ اَللَّهَ تَعالى سَلَكَ اَلْقُرْآنَ في قُلُوبِهِمْ وأدْخَلَهُ في سُوَيْدائِها، كَما سَلَكَ ذَلِكَ في قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْمُصَدِّقِينَ. فَكَذَّبَ بِهِ هَؤُلاءِ وصَدَّقَ بِهِ هَؤُلاءِ، كُلٌّ عَلى عِلْمٍ وفَهْمٍ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] ولِئَلّا يَكُونَ لِلْكَفّارِ عَلى اَللَّهِ حُجَّةٌ بِأنَّهم ما فَهِمُوا وُجُوهَ اَلْإعْجازِ كَما فَهِمَها مَن آمَنَ. فَأعْلَمَهُمُ اَللَّهُ تَعالى مِنَ اَلْآنِ، وهم في مُهْلَةٍ وإمْكانٍ؛ أنَّهم ما كَفَرُوا إلّا عَلى عِلْمٍ، مُعانِدِينَ باغِينَ غَيْرَ مَعْذُورِينَ، واَللَّهُ أعْلَمُ. ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ اَلْآيَةَ، أيْ: هَؤُلاءِ فَهِمُوا اَلْقُرْآنَ وعَلِمُوا وُجُوهَ إعْجازِهِ، ووَلَجَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ ووَقَرَ، ولَكِنَّهم قَوْمٌ سَجِيَّتُهُمُ اَلْعِنادُ وسِيمَتُهُمُ اَللَّدَدُ، حَتّى لَوْ سَلَكَ بِهِمْ (p-٣٧٥١)أوْضَحَ اَلسَّبِيلِ وأدْعاها إلى اَلْإيمانِ بِضَرُورَةِ اَلْمُشاهَدَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُفْتَحَ لَهم بابٌ في اَلسَّماءِ، ويُعَرَّجُ بِهِمْ إلَيْهِ حَتّى يَدْخُلُوا مِنها نَهارًا.
وإلى ذَلِكَ اَلْإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَظَلُّوا﴾ لِأنَّ اَلظُّلُولَ إنَّما يَكُونُ نَهارًا؛ لَقالُوا بَعْدَ هَذا اَلْإيضاحِ اَلْعَظِيمِ اَلْمَكْشُوفِ: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ [الحجر: ١٥] وسَحَرَنا مُحَمَّدٌ. وما هَذِهِ إلّا خَيالاتٌ لا حَقائِقَ تَحْتَها. فَأُسَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّهم لا عُذْرَ لَهم في اَلتَّكْذِيبِ، مِن عَدَمِ سَماعٍ ووَعْيٍ ووُصُولٍ إلى اَلْقُلُوبِ وفَهْمٍ، كَما فَهِمَ غَيْرُهم مِنَ اَلْمُصَدِّقِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حاصِلٌ لَهم. وإنَّما بِهِمُ اَلْعِنادُ واللَّدَدُ والإصْرارُ لا غَيْرُهُ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
الحجر 15:15
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم لا يَتْرُكُونَ اَلِاسْتِهْزاءَ بِالرُّسُلِ وإنْ أتَتْهُمُ اَلْآياتُ اَلَّتِي تُشَبِّهُ اَلْمُلْجِئَةَ لِقُوَّةِ عِنادِهِمْ وبَغْيِهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤-١٥] ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥] .
﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ: ﴿بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا﴾ أيْ: فَصارُوا طُولَ نَهارِهِمْ: ﴿فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ أيْ: يَصْعَدُونَ مُسْتَوْضِحِينَ لِما يَرَوْنَهُ فِيها مِنَ اَلْعَجائِبِ.
﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ [الحجر: ١٥] أيْ: حُيِّرَتْ أوْ حُبِسَتْ مِنَ اَلْإبْصارِ، وما نَراهُ شَيْءٌ نَتَخايَلُهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥]
قالَ اَلنّاصِرُ في (اَلِانْتِصافِ): اَلْمُرادُ، واَللَّهُ أعْلَمُ، يَعْنِي مِنَ اَلْآيَتَيْنِ: إقامَةُ اَلْحُجَّةِ عَلى اَلْمُكَذِّبِينَ بِأنَّ اَللَّهَ تَعالى سَلَكَ اَلْقُرْآنَ في قُلُوبِهِمْ وأدْخَلَهُ في سُوَيْدائِها، كَما سَلَكَ ذَلِكَ في قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْمُصَدِّقِينَ. فَكَذَّبَ بِهِ هَؤُلاءِ وصَدَّقَ بِهِ هَؤُلاءِ، كُلٌّ عَلى عِلْمٍ وفَهْمٍ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] ولِئَلّا يَكُونَ لِلْكَفّارِ عَلى اَللَّهِ حُجَّةٌ بِأنَّهم ما فَهِمُوا وُجُوهَ اَلْإعْجازِ كَما فَهِمَها مَن آمَنَ. فَأعْلَمَهُمُ اَللَّهُ تَعالى مِنَ اَلْآنِ، وهم في مُهْلَةٍ وإمْكانٍ؛ أنَّهم ما كَفَرُوا إلّا عَلى عِلْمٍ، مُعانِدِينَ باغِينَ غَيْرَ مَعْذُورِينَ، واَللَّهُ أعْلَمُ. ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ اَلْآيَةَ، أيْ: هَؤُلاءِ فَهِمُوا اَلْقُرْآنَ وعَلِمُوا وُجُوهَ إعْجازِهِ، ووَلَجَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ ووَقَرَ، ولَكِنَّهم قَوْمٌ سَجِيَّتُهُمُ اَلْعِنادُ وسِيمَتُهُمُ اَللَّدَدُ، حَتّى لَوْ سَلَكَ بِهِمْ (p-٣٧٥١)أوْضَحَ اَلسَّبِيلِ وأدْعاها إلى اَلْإيمانِ بِضَرُورَةِ اَلْمُشاهَدَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُفْتَحَ لَهم بابٌ في اَلسَّماءِ، ويُعَرَّجُ بِهِمْ إلَيْهِ حَتّى يَدْخُلُوا مِنها نَهارًا.
وإلى ذَلِكَ اَلْإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَظَلُّوا﴾ لِأنَّ اَلظُّلُولَ إنَّما يَكُونُ نَهارًا؛ لَقالُوا بَعْدَ هَذا اَلْإيضاحِ اَلْعَظِيمِ اَلْمَكْشُوفِ: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ [الحجر: ١٥] وسَحَرَنا مُحَمَّدٌ. وما هَذِهِ إلّا خَيالاتٌ لا حَقائِقَ تَحْتَها. فَأُسَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّهم لا عُذْرَ لَهم في اَلتَّكْذِيبِ، مِن عَدَمِ سَماعٍ ووَعْيٍ ووُصُولٍ إلى اَلْقُلُوبِ وفَهْمٍ، كَما فَهِمَ غَيْرُهم مِنَ اَلْمُصَدِّقِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حاصِلٌ لَهم. وإنَّما بِهِمُ اَلْعِنادُ واللَّدَدُ والإصْرارُ لا غَيْرُهُ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
الحجر 15:16
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى دَلائِلَ وحْدَتِهِ وعَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ اَلْباهِرَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦-١٨] ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] ﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ جَمْعُ (بُرْجٍ) يُطْلَقُ عَلى اَلْقَصْرِ والحِصْنِ وعَلى اَلْمَنازِلِ اَلِاثْنَيْ عَشْرَ اَلَّتِي تَنْتَقِلُ فِيها اَلشَّمْسُ في ظاهِرِ اَلرُّؤْيَةِ.
وقَدْ فُسِّرَتِ اَلْبُرُوجُ في اَلْآيَةِ بِالنُّجُومِ وبِالمَنازِلِ اَلْمَذْكُورَةِ وبِالقُصُورِ، عَلى اَلتَّشْبِيهِ بِحُصُونِ اَلْأرْضِ وقُصُورِها. فَإنَّ اَلنُّجُومَ هَياكِلُ فَخَيْمَةٌ عَظِيمَةٌ: ﴿وزَيَّنّاها﴾ أيِ: اَلسَّماءَ بِتِلْكَ اَلْبُرُوجِ اَلْمُخْتَلِفَةِ اَلْأشْكالِ والأضْواءِ اَلْمَرْئِيَّةِ: ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ: إلى حَرَكاتِها وأضْوائِها. أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ اَلْمُعْتَبِرِينَ اَلْمُسْتَدِلِّينَ بِها عَلى قُدْرَةِ مُوجِدِها ووَحْدانِيَّتِهِ.
﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧]
﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ﴾ [الحجر: ١٨] أيِ: اِخْتَلَسَ: ﴿السَّمْعَ﴾ [الحجر: ١٨] أيْ: مِنَ اَلْمَلائِكَةِ اَلسَّماوِيَّةِ: ﴿فَأتْبَعَهُ﴾ [الحجر: ١٨] أيْ: تَبِعَهُ ولَحِقَهُ: ﴿شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] أيْ: لَهَبٌ مُحْرِقٌ ظاهِرٌ، فَيَرْجِعُ أوْ فَيَحْتَرِقُ.
(p-٣٧٥٢)
الحجر 15:17
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى دَلائِلَ وحْدَتِهِ وعَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ اَلْباهِرَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦-١٨] ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] ﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ جَمْعُ (بُرْجٍ) يُطْلَقُ عَلى اَلْقَصْرِ والحِصْنِ وعَلى اَلْمَنازِلِ اَلِاثْنَيْ عَشْرَ اَلَّتِي تَنْتَقِلُ فِيها اَلشَّمْسُ في ظاهِرِ اَلرُّؤْيَةِ.
وقَدْ فُسِّرَتِ اَلْبُرُوجُ في اَلْآيَةِ بِالنُّجُومِ وبِالمَنازِلِ اَلْمَذْكُورَةِ وبِالقُصُورِ، عَلى اَلتَّشْبِيهِ بِحُصُونِ اَلْأرْضِ وقُصُورِها. فَإنَّ اَلنُّجُومَ هَياكِلُ فَخَيْمَةٌ عَظِيمَةٌ: ﴿وزَيَّنّاها﴾ أيِ: اَلسَّماءَ بِتِلْكَ اَلْبُرُوجِ اَلْمُخْتَلِفَةِ اَلْأشْكالِ والأضْواءِ اَلْمَرْئِيَّةِ: ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ: إلى حَرَكاتِها وأضْوائِها. أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ اَلْمُعْتَبِرِينَ اَلْمُسْتَدِلِّينَ بِها عَلى قُدْرَةِ مُوجِدِها ووَحْدانِيَّتِهِ.
﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧]
﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ﴾ [الحجر: ١٨] أيِ: اِخْتَلَسَ: ﴿السَّمْعَ﴾ [الحجر: ١٨] أيْ: مِنَ اَلْمَلائِكَةِ اَلسَّماوِيَّةِ: ﴿فَأتْبَعَهُ﴾ [الحجر: ١٨] أيْ: تَبِعَهُ ولَحِقَهُ: ﴿شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] أيْ: لَهَبٌ مُحْرِقٌ ظاهِرٌ، فَيَرْجِعُ أوْ فَيَحْتَرِقُ.
(p-٣٧٥٢)
الحجر 15:18
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى دَلائِلَ وحْدَتِهِ وعَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ اَلْباهِرَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦-١٨] ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] ﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ جَمْعُ (بُرْجٍ) يُطْلَقُ عَلى اَلْقَصْرِ والحِصْنِ وعَلى اَلْمَنازِلِ اَلِاثْنَيْ عَشْرَ اَلَّتِي تَنْتَقِلُ فِيها اَلشَّمْسُ في ظاهِرِ اَلرُّؤْيَةِ.
وقَدْ فُسِّرَتِ اَلْبُرُوجُ في اَلْآيَةِ بِالنُّجُومِ وبِالمَنازِلِ اَلْمَذْكُورَةِ وبِالقُصُورِ، عَلى اَلتَّشْبِيهِ بِحُصُونِ اَلْأرْضِ وقُصُورِها. فَإنَّ اَلنُّجُومَ هَياكِلُ فَخَيْمَةٌ عَظِيمَةٌ: ﴿وزَيَّنّاها﴾ أيِ: اَلسَّماءَ بِتِلْكَ اَلْبُرُوجِ اَلْمُخْتَلِفَةِ اَلْأشْكالِ والأضْواءِ اَلْمَرْئِيَّةِ: ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ: إلى حَرَكاتِها وأضْوائِها. أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ اَلْمُعْتَبِرِينَ اَلْمُسْتَدِلِّينَ بِها عَلى قُدْرَةِ مُوجِدِها ووَحْدانِيَّتِهِ.
﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧]
﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ﴾ [الحجر: ١٨] أيِ: اِخْتَلَسَ: ﴿السَّمْعَ﴾ [الحجر: ١٨] أيْ: مِنَ اَلْمَلائِكَةِ اَلسَّماوِيَّةِ: ﴿فَأتْبَعَهُ﴾ [الحجر: ١٨] أيْ: تَبِعَهُ ولَحِقَهُ: ﴿شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] أيْ: لَهَبٌ مُحْرِقٌ ظاهِرٌ، فَيَرْجِعُ أوْ فَيَحْتَرِقُ.
(p-٣٧٥٢)
الحجر 15:19
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩] ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ .
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ: بَسَطْناها: ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ: وُزِنَ بِمِيزانِ اَلْحِكْمَةِ، وقُدِّرَ بِمِقْدارٍ تَقْتَضِيهِ، لا يَصْلُحُ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانُ، أوْ بِمَعْنى مُسْتَحْسَنٌ مُتَناسِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ: كَلامٌ مَوْزُونٌ.
وقَدْ ذَكَرَ اَلشَّرِيفُ اَلْمُرْتَضى في (اَلدُّرَرِ) أنَّ اَلْعَرَبَ اِسْتَعْمَلَتْهُ بِهَذا اَلْمَعْنى، كَقَوْلِ عُمَرَ اِبْنِ أبِي رَبِيعَةَ.
؎وحَدِيثٍ ألذُّهُ هو مِمّا تَشْتَهِيهِ اَلنُّفُوسُ يُوزَنُ وزْنا
الحجر 15:20
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠-٢١] ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَـزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ أيْ: ما تَعِيشُونَ بِهِ مِنَ اَلْمَطاعِمِ والمَلابِسِ وغَيْرِهِما، مِمّا تَقْتَضِيهِ ضَرُورَةُ اَلْحَياةِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ أيْ: مِنَ اَلْأنْعامِ والدَّوابِّ وما أشْبَهَها. قالَ اَلْقاضِي: وفَذْلَكَةُ اَلْآيَةِ اَلِاسْتِدْلالُ بِجَعْلِ اَلْأرْضِ مَمْدُودَةً بِمِقْدارٍ وشَكْلٍ مُعَيَّنَيْنِ، مُخْتَلِفَةَ اَلْأجْزاءِ في اَلْوَضْعِ، مُحْدِثَةً فِيها أنْواعَ اَلنَّباتِ والحَيَوانِ اَلْمُخْتَلِفَةَ خِلْقَةً وطَبِيعَةً، مَعَ جَوازِ أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ، عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَناهِي حِكْمَتِهِ. والتَّفَرُّدُ في اَلْأُلُوهِيَّةِ والِامْتِنانُ عَلى اَلْعِبادِ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ؛ لِيُوَحِّدُوهُ ويَعْبُدُوهُ. ثُمَّ بالَغَ في ذَلِكَ وقالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَـزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]
(p-٣٧٥٣)أيْ: وما مِن شَيْءٍ إلّا ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى إيجادِهِ وتَكْوِينِهِ أضْعافَ ما وُجِدَ مِنهُ. شَبَّهَ اِقْتِدارَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وإيجادَهُ بِالخَزائِنِ اَلْمُودَعَةِ فِيها اَلْأشْياءُ، اَلْمُعَدَّةُ لِإخْراجِ ما يَشاءُ مِنها وما يُخْرِجُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. أوْ شَبَّهَ مَقْدُوراتِهِ بِالأشْياءِ اَلْمَخْزُونَةِ اَلَّتِي لا يَحُوجُ إخْراجُها إلى كُلْفَةٍ واجْتِهادٍ، اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، ومَعْنى: ﴿نُنَـزِّلُهُ﴾ [الحجر: ٢١] أيْ: نُوجِدُهُ ونُخْرِجُهُ في عالَمِ اَلشَّهادَةِ. والقَدْرُ اَلْمَعْلُومُ: اَلْأجَلُ اَلْمُعَيَّنُ لَهُ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:21
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠-٢١] ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَـزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ أيْ: ما تَعِيشُونَ بِهِ مِنَ اَلْمَطاعِمِ والمَلابِسِ وغَيْرِهِما، مِمّا تَقْتَضِيهِ ضَرُورَةُ اَلْحَياةِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ أيْ: مِنَ اَلْأنْعامِ والدَّوابِّ وما أشْبَهَها. قالَ اَلْقاضِي: وفَذْلَكَةُ اَلْآيَةِ اَلِاسْتِدْلالُ بِجَعْلِ اَلْأرْضِ مَمْدُودَةً بِمِقْدارٍ وشَكْلٍ مُعَيَّنَيْنِ، مُخْتَلِفَةَ اَلْأجْزاءِ في اَلْوَضْعِ، مُحْدِثَةً فِيها أنْواعَ اَلنَّباتِ والحَيَوانِ اَلْمُخْتَلِفَةَ خِلْقَةً وطَبِيعَةً، مَعَ جَوازِ أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ، عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَناهِي حِكْمَتِهِ. والتَّفَرُّدُ في اَلْأُلُوهِيَّةِ والِامْتِنانُ عَلى اَلْعِبادِ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ؛ لِيُوَحِّدُوهُ ويَعْبُدُوهُ. ثُمَّ بالَغَ في ذَلِكَ وقالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَـزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]
(p-٣٧٥٣)أيْ: وما مِن شَيْءٍ إلّا ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى إيجادِهِ وتَكْوِينِهِ أضْعافَ ما وُجِدَ مِنهُ. شَبَّهَ اِقْتِدارَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وإيجادَهُ بِالخَزائِنِ اَلْمُودَعَةِ فِيها اَلْأشْياءُ، اَلْمُعَدَّةُ لِإخْراجِ ما يَشاءُ مِنها وما يُخْرِجُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. أوْ شَبَّهَ مَقْدُوراتِهِ بِالأشْياءِ اَلْمَخْزُونَةِ اَلَّتِي لا يَحُوجُ إخْراجُها إلى كُلْفَةٍ واجْتِهادٍ، اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، ومَعْنى: ﴿نُنَـزِّلُهُ﴾ [الحجر: ٢١] أيْ: نُوجِدُهُ ونُخْرِجُهُ في عالَمِ اَلشَّهادَةِ. والقَدْرُ اَلْمَعْلُومُ: اَلْأجَلُ اَلْمُعَيَّنُ لَهُ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:22
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢-٢٣] ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] .
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ أيْ: تُلَقِّحُ اَلسَّحابَ، أيْ: تَجْعَلُها حَوامِلَ بِالماءِ، وذَلِكَ أنَّ اَلسَّحابَ بُخارٌ يَصِيرُ، بِإصابَتِهِ اَلْهَواءَ اَلْبارِدَ حَوامِلَ لِلْماءِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. فاللَّواقِحُ عَلَيْهِ جَمْعُ (مُلَقِّحٍ) بِحَذْفِ اَلزَّوائِدِ. أوْ تُلَقِّحُ اَلشَّجَرَ بِجَرْيِ مائِها فِيهِ، أوْ تَنْمِيَتُهُ لِيُثْمِرَ ويَزْهُوَ. وجُوِّزَ كَوْنُ اَللَّواقِحِ جَمْعَ (لاقِحٍ) وهي اَلنّاقَةُ اَلْحامِلُ. فَشُبِّهَتِ اَلرِّيحُ اَلَّتِي تَجِيءُ بِالمُزْنِ اَلْمُمْطِرَةِ بِها، كَما يُشَبَّهُ ما لا تَكُونُ كَذَلِكَ بِـ ( اَلْعَقِيمِ) فَقِيلَ: رِيحٌ عَقِيمٌ ﴿فَأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ: بِقادِرِينَ عَلى إيجادِهِ وإنْزالِهِ. و(اَلْخَزْنُ) اِتِّخاذُ اَلْخَزائِنِ يُسْتَعارُ لِلْقُدْرَةِ، كَما مَرَّ، أوْ بِحافِظِينَ لَهُ في أمْكِنَةِ يَنابِيعِهِ، مِن سُهُولٍ وجِبالٍ وعُيُونٍ وآبارٍ، بَلْ هو تَعالى وحْدَهُ اَلَّذِي حَفِظَهُ وسَلَكَهُ يَنابِيعَ في اَلْأرْضِ وجَعَلَهُ عَذْبًا ورَحِمَ بِسُقْياهُ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] أيِ: اَلْباقُونَ بَعْدَ هَلاكِ اَلْخَلْقِ كُلِّهِ. وقِيلَ لِلْباقِي: وارِثٌ، اِسْتِعارَةً مِن (وارِثِ اَلْمَيِّتِ ) لِأنَّهُ يَبْقى بَعْدَ فَنائِهِ. ومِنهُ قَوْلُهُ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ في دُعائِهِ: ««واجْعَلْهُ اَلْوارِثَ مِنّا»» . كَذا في (اَلْكَشّافِ) .
(p-٣٧٥٤)
الحجر 15:23
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢-٢٣] ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] .
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ أيْ: تُلَقِّحُ اَلسَّحابَ، أيْ: تَجْعَلُها حَوامِلَ بِالماءِ، وذَلِكَ أنَّ اَلسَّحابَ بُخارٌ يَصِيرُ، بِإصابَتِهِ اَلْهَواءَ اَلْبارِدَ حَوامِلَ لِلْماءِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. فاللَّواقِحُ عَلَيْهِ جَمْعُ (مُلَقِّحٍ) بِحَذْفِ اَلزَّوائِدِ. أوْ تُلَقِّحُ اَلشَّجَرَ بِجَرْيِ مائِها فِيهِ، أوْ تَنْمِيَتُهُ لِيُثْمِرَ ويَزْهُوَ. وجُوِّزَ كَوْنُ اَللَّواقِحِ جَمْعَ (لاقِحٍ) وهي اَلنّاقَةُ اَلْحامِلُ. فَشُبِّهَتِ اَلرِّيحُ اَلَّتِي تَجِيءُ بِالمُزْنِ اَلْمُمْطِرَةِ بِها، كَما يُشَبَّهُ ما لا تَكُونُ كَذَلِكَ بِـ ( اَلْعَقِيمِ) فَقِيلَ: رِيحٌ عَقِيمٌ ﴿فَأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ: بِقادِرِينَ عَلى إيجادِهِ وإنْزالِهِ. و(اَلْخَزْنُ) اِتِّخاذُ اَلْخَزائِنِ يُسْتَعارُ لِلْقُدْرَةِ، كَما مَرَّ، أوْ بِحافِظِينَ لَهُ في أمْكِنَةِ يَنابِيعِهِ، مِن سُهُولٍ وجِبالٍ وعُيُونٍ وآبارٍ، بَلْ هو تَعالى وحْدَهُ اَلَّذِي حَفِظَهُ وسَلَكَهُ يَنابِيعَ في اَلْأرْضِ وجَعَلَهُ عَذْبًا ورَحِمَ بِسُقْياهُ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] أيِ: اَلْباقُونَ بَعْدَ هَلاكِ اَلْخَلْقِ كُلِّهِ. وقِيلَ لِلْباقِي: وارِثٌ، اِسْتِعارَةً مِن (وارِثِ اَلْمَيِّتِ ) لِأنَّهُ يَبْقى بَعْدَ فَنائِهِ. ومِنهُ قَوْلُهُ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ في دُعائِهِ: ««واجْعَلْهُ اَلْوارِثَ مِنّا»» . كَذا في (اَلْكَشّافِ) .
(p-٣٧٥٤)
الحجر 15:24
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤-٢٥] ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجر: ٢٥] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ أيْ: مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ مِنَ اَلْأوَّلِينَ والآخَرِينَ. أوْ مَن خَرَجَ مِن أصْلابِ اَلرِّجالِ ومَن لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ. أوْ مَن تَقَدَّمَ في اَلْإسْلامِ وسَبَقَ إلى اَلطّاعَةِ ومَن تَأخَّرَ. لا يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِن أحْوالِكم. وهو بَيانٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بَعْدَ اَلِاحْتِجاجِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ ما يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ دَلِيلٌ عَلى عِلْمِهِ، وفي تَكْرِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا﴾ مِن كَمالِ اَلتَّأْكِيدِ ما لا يَخْفى.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ [الحجر: ٢٥] أيِ: اَلْأوَّلِينَ والآخَرِينَ عَلى كَثْرَتِهِمْ: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾ [الحجر: ٢٥] أيْ: يُدَبِّرُ أمْرَهم في اَلْحَشْرِ عَلى وفْقِ اَلْحِكْمَةِ: ﴿عَلِيمٌ﴾ [الحجر: ٢٥] أيْ: بِكُلِّ ما فِيهِمْ مِن خَفايا اَلصِّفاتِ اَلذَّمِيمَةِ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩]
الحجر 15:25
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤-٢٥] ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجر: ٢٥] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ أيْ: مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ مِنَ اَلْأوَّلِينَ والآخَرِينَ. أوْ مَن خَرَجَ مِن أصْلابِ اَلرِّجالِ ومَن لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ. أوْ مَن تَقَدَّمَ في اَلْإسْلامِ وسَبَقَ إلى اَلطّاعَةِ ومَن تَأخَّرَ. لا يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِن أحْوالِكم. وهو بَيانٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بَعْدَ اَلِاحْتِجاجِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ ما يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ دَلِيلٌ عَلى عِلْمِهِ، وفي تَكْرِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا﴾ مِن كَمالِ اَلتَّأْكِيدِ ما لا يَخْفى.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ [الحجر: ٢٥] أيِ: اَلْأوَّلِينَ والآخَرِينَ عَلى كَثْرَتِهِمْ: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾ [الحجر: ٢٥] أيْ: يُدَبِّرُ أمْرَهم في اَلْحَشْرِ عَلى وفْقِ اَلْحِكْمَةِ: ﴿عَلِيمٌ﴾ [الحجر: ٢٥] أيْ: بِكُلِّ ما فِيهِمْ مِن خَفايا اَلصِّفاتِ اَلذَّمِيمَةِ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩]
الحجر 15:26
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦-٢٧] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] .
﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي آدَمَ: ﴿مِن صَلْصالٍ﴾ أيْ: طِينٍ يابِسٍ مُصَوَّتٍ: ﴿مِن حَمَإٍ﴾ صِفَةٌ لِصَلْصالٍ، أيْ: كائِنٌ مِن طِينٍ مُتَغَيِّرٍ مُسْوَدٍّ: ﴿مَسْنُونٍ﴾ أيْ: مُصَوَّرٍ، مِن (سَنَةِ اَلْوَجْهِ) وهي صُورَتُهُ. أوْ مَصْبُوبٍ، مِن (سَنَّ اَلْماءَ ) صَبَّهُ. أيْ: مُفَرَّغٌ عَلى هَيْئَةِ اَلْإنْسانِ. كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أفْرَغَ اَلْحَمَأ فَصَوَّرَ مِنها تِمْثالَ إنْسانٍ أجْوَفَ، فَيَبِسَ حَتّى إذا نُقِرَ صَلْصَلَ، ثُمَّ صَيَّرَهُ جَسَدًا ولَحْمًا ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ.
﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ [الحجر: ٢٧] أيْ: مِن قَبْلِ اَلْإنْسانِ.
﴿مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] أيْ: مِن نارِ اَلرِّيحِ اَلشَّدِيدِ اَلْحَرِّ.
(p-٣٧٥٥)قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: ومَساقُ اَلْآيَةِ، كَما هو، لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وبَيانِ بَدْءِ خَلْقِ اَلثَّقَلَيْنِ؛ فَهو اَلتَّنْبِيهُ عَلى اَلْمُقَدِّمَةِ اَلثّانِيَةِ اَلَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها إمْكانُ اَلْحَشْرِ، وهو قَبُولُ اَلْمَوادِّ لِلْجَمْعِ والإحْياءِ.
الحجر 15:27
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦-٢٧] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] .
﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي آدَمَ: ﴿مِن صَلْصالٍ﴾ أيْ: طِينٍ يابِسٍ مُصَوَّتٍ: ﴿مِن حَمَإٍ﴾ صِفَةٌ لِصَلْصالٍ، أيْ: كائِنٌ مِن طِينٍ مُتَغَيِّرٍ مُسْوَدٍّ: ﴿مَسْنُونٍ﴾ أيْ: مُصَوَّرٍ، مِن (سَنَةِ اَلْوَجْهِ) وهي صُورَتُهُ. أوْ مَصْبُوبٍ، مِن (سَنَّ اَلْماءَ ) صَبَّهُ. أيْ: مُفَرَّغٌ عَلى هَيْئَةِ اَلْإنْسانِ. كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أفْرَغَ اَلْحَمَأ فَصَوَّرَ مِنها تِمْثالَ إنْسانٍ أجْوَفَ، فَيَبِسَ حَتّى إذا نُقِرَ صَلْصَلَ، ثُمَّ صَيَّرَهُ جَسَدًا ولَحْمًا ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ.
﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ [الحجر: ٢٧] أيْ: مِن قَبْلِ اَلْإنْسانِ.
﴿مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] أيْ: مِن نارِ اَلرِّيحِ اَلشَّدِيدِ اَلْحَرِّ.
(p-٣٧٥٥)قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: ومَساقُ اَلْآيَةِ، كَما هو، لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وبَيانِ بَدْءِ خَلْقِ اَلثَّقَلَيْنِ؛ فَهو اَلتَّنْبِيهُ عَلى اَلْمُقَدِّمَةِ اَلثّانِيَةِ اَلَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها إمْكانُ اَلْحَشْرِ، وهو قَبُولُ اَلْمَوادِّ لِلْجَمْعِ والإحْياءِ.
الحجر 15:28
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨-٢٩] ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] .
﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ [الحجر: ٢٩] أيْ: عَدَّلْتُ خِلْقَتَهُ وأكْمَلْتُها: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] أيْ: تَحِيَّةً لَهُ وتَعْظِيمًا.
الحجر 15:29
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨-٢٩] ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] .
﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ [الحجر: ٢٩] أيْ: عَدَّلْتُ خِلْقَتَهُ وأكْمَلْتُها: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] أيْ: تَحِيَّةً لَهُ وتَعْظِيمًا.
الحجر 15:30
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠-٣٣] ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١] ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] .
﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١] ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣]
يَعْنِي: وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ، فَأنا خَيْرٌ مِنهُ، كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةٍ غَيْرِها. وفي تَكْرِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مِن صَلْصالٍ﴾ [الحجر: ٣٣] إلخ تَذْكِيرٌ لِلْإنْسانِ بِأصْلِهِ هَذا اَلْمَفْضُولِ؛ لِيَكُونَ كابِحًا مِن جِماحِ غَوايَتِهِ، وشِدَّةِ تَمَرُّدِهِ.
(p-٣٧٥٦)
الحجر 15:31
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠-٣٣] ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١] ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] .
﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١] ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣]
يَعْنِي: وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ، فَأنا خَيْرٌ مِنهُ، كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةٍ غَيْرِها. وفي تَكْرِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مِن صَلْصالٍ﴾ [الحجر: ٣٣] إلخ تَذْكِيرٌ لِلْإنْسانِ بِأصْلِهِ هَذا اَلْمَفْضُولِ؛ لِيَكُونَ كابِحًا مِن جِماحِ غَوايَتِهِ، وشِدَّةِ تَمَرُّدِهِ.
(p-٣٧٥٦)
الحجر 15:32
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠-٣٣] ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١] ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] .
﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١] ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣]
يَعْنِي: وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ، فَأنا خَيْرٌ مِنهُ، كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةٍ غَيْرِها. وفي تَكْرِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مِن صَلْصالٍ﴾ [الحجر: ٣٣] إلخ تَذْكِيرٌ لِلْإنْسانِ بِأصْلِهِ هَذا اَلْمَفْضُولِ؛ لِيَكُونَ كابِحًا مِن جِماحِ غَوايَتِهِ، وشِدَّةِ تَمَرُّدِهِ.
(p-٣٧٥٦)
الحجر 15:33
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠-٣٣] ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١] ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] .
﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١] ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣]
يَعْنِي: وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ، فَأنا خَيْرٌ مِنهُ، كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةٍ غَيْرِها. وفي تَكْرِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مِن صَلْصالٍ﴾ [الحجر: ٣٣] إلخ تَذْكِيرٌ لِلْإنْسانِ بِأصْلِهِ هَذا اَلْمَفْضُولِ؛ لِيَكُونَ كابِحًا مِن جِماحِ غَوايَتِهِ، وشِدَّةِ تَمَرُّدِهِ.
(p-٣٧٥٦)
الحجر 15:34
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤-٣٨] ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٧] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] .
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ أيْ: مِن زُمْرَةِ اَلْمَلائِكَةِ اَلْمُعَزَّزِينَ: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَطْرُودٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ. فَإنَّ مَن يُطْرَدُ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ. أوْ شَيْطانٌ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ، وهو وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ اَلْجَوابَ عَنْ شُبْهَتِهِ. فَإنَّ مَن عارَضَ اَلنَّصَّ بِالقِياسِ فَهو رَجِيمٌ مَلْعُونٌ. أفادَهُ أبُو اَلسُّعُودِ.
﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] أيِ: اَلْجَزاءَ. وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ.
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٧] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] وهو يَوْمُ اَلْبَعْثِ.
الحجر 15:35
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤-٣٨] ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٧] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] .
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ أيْ: مِن زُمْرَةِ اَلْمَلائِكَةِ اَلْمُعَزَّزِينَ: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَطْرُودٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ. فَإنَّ مَن يُطْرَدُ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ. أوْ شَيْطانٌ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ، وهو وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ اَلْجَوابَ عَنْ شُبْهَتِهِ. فَإنَّ مَن عارَضَ اَلنَّصَّ بِالقِياسِ فَهو رَجِيمٌ مَلْعُونٌ. أفادَهُ أبُو اَلسُّعُودِ.
﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] أيِ: اَلْجَزاءَ. وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ.
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٧] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] وهو يَوْمُ اَلْبَعْثِ.
الحجر 15:36
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤-٣٨] ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٧] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] .
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ أيْ: مِن زُمْرَةِ اَلْمَلائِكَةِ اَلْمُعَزَّزِينَ: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَطْرُودٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ. فَإنَّ مَن يُطْرَدُ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ. أوْ شَيْطانٌ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ، وهو وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ اَلْجَوابَ عَنْ شُبْهَتِهِ. فَإنَّ مَن عارَضَ اَلنَّصَّ بِالقِياسِ فَهو رَجِيمٌ مَلْعُونٌ. أفادَهُ أبُو اَلسُّعُودِ.
﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] أيِ: اَلْجَزاءَ. وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ.
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٧] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] وهو يَوْمُ اَلْبَعْثِ.
الحجر 15:37
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤-٣٨] ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٧] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] .
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ أيْ: مِن زُمْرَةِ اَلْمَلائِكَةِ اَلْمُعَزَّزِينَ: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَطْرُودٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ. فَإنَّ مَن يُطْرَدُ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ. أوْ شَيْطانٌ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ، وهو وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ اَلْجَوابَ عَنْ شُبْهَتِهِ. فَإنَّ مَن عارَضَ اَلنَّصَّ بِالقِياسِ فَهو رَجِيمٌ مَلْعُونٌ. أفادَهُ أبُو اَلسُّعُودِ.
﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] أيِ: اَلْجَزاءَ. وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ.
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٧] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] وهو يَوْمُ اَلْبَعْثِ.
الحجر 15:38
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤-٣٨] ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٧] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] .
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ أيْ: مِن زُمْرَةِ اَلْمَلائِكَةِ اَلْمُعَزَّزِينَ: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَطْرُودٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ. فَإنَّ مَن يُطْرَدُ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ. أوْ شَيْطانٌ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ، وهو وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ اَلْجَوابَ عَنْ شُبْهَتِهِ. فَإنَّ مَن عارَضَ اَلنَّصَّ بِالقِياسِ فَهو رَجِيمٌ مَلْعُونٌ. أفادَهُ أبُو اَلسُّعُودِ.
﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] أيِ: اَلْجَزاءَ. وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ.
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٧] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] وهو يَوْمُ اَلْبَعْثِ.
الحجر 15:39
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩-٤١] ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] .
﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أيِ: اَلْمَعاصِي: ﴿فِي الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] أيِ: اَلَّذِينَ أخْلَصْتَهم لِطاعَتِكَ وجَرَّدْتَهم بِالتَّوَجُّهِ إلَيْكَ. وقُرِئَ بِكَسْرِ اَللّامِ، أيِ: اَلَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لَكَ وأعْمالَهم مِن غَيْرِ حَظٍّ لِغَيْرِكَ فِيها.
(p-٣٧٥٧)﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] أيْ: حَقُّ نَهْجِهِ ومُراعاتِهِ لا اِعْوِجاجَ فِيهِ. وهو أنْ لا سُلْطانَ لَكَ عَلى عِبادِي اَلْمُخْلَصِينَ، إلّا اَلَّذِينَ يُناسِبُونَكَ في اَلْغَوايَةِ والبُعْدِ عَنْ صِراطِي فَيَتْبَعُونَكَ، كَما قالَ سُبْحانَهُ:
الحجر 15:40
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩-٤١] ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] .
﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أيِ: اَلْمَعاصِي: ﴿فِي الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] أيِ: اَلَّذِينَ أخْلَصْتَهم لِطاعَتِكَ وجَرَّدْتَهم بِالتَّوَجُّهِ إلَيْكَ. وقُرِئَ بِكَسْرِ اَللّامِ، أيِ: اَلَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لَكَ وأعْمالَهم مِن غَيْرِ حَظٍّ لِغَيْرِكَ فِيها.
(p-٣٧٥٧)﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] أيْ: حَقُّ نَهْجِهِ ومُراعاتِهِ لا اِعْوِجاجَ فِيهِ. وهو أنْ لا سُلْطانَ لَكَ عَلى عِبادِي اَلْمُخْلَصِينَ، إلّا اَلَّذِينَ يُناسِبُونَكَ في اَلْغَوايَةِ والبُعْدِ عَنْ صِراطِي فَيَتْبَعُونَكَ، كَما قالَ سُبْحانَهُ:
الحجر 15:41
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩-٤١] ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] .
﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أيِ: اَلْمَعاصِي: ﴿فِي الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] أيِ: اَلَّذِينَ أخْلَصْتَهم لِطاعَتِكَ وجَرَّدْتَهم بِالتَّوَجُّهِ إلَيْكَ. وقُرِئَ بِكَسْرِ اَللّامِ، أيِ: اَلَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لَكَ وأعْمالَهم مِن غَيْرِ حَظٍّ لِغَيْرِكَ فِيها.
(p-٣٧٥٧)﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] أيْ: حَقُّ نَهْجِهِ ومُراعاتِهِ لا اِعْوِجاجَ فِيهِ. وهو أنْ لا سُلْطانَ لَكَ عَلى عِبادِي اَلْمُخْلَصِينَ، إلّا اَلَّذِينَ يُناسِبُونَكَ في اَلْغَوايَةِ والبُعْدِ عَنْ صِراطِي فَيَتْبَعُونَكَ، كَما قالَ سُبْحانَهُ:
الحجر 15:42
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢-٤٤] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] .
﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ أيْ: قَهْرٌ عَلى اَلْإغْراءِ.
﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ أيِ: اَلْمَطْبُوعِينَ عَلى اَلْغَوايَةِ.
﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ غَوايَتَهم إنَّما كانَتْ بِتَرْكِ مُتابَعَةِ اَلدَّلِيلِ مَعَ مُتابَعَةِ اَلْأهْوِيَةِ اَلْباطِلَةِ؛ لِغَلَبَتِها عَلَيْهِمْ.
﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهُمْ﴾ [الحجر: ٤٤] أيِ: اَلْغُواةُ: ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] أيْ: حِزْبٌ مُعَيَّنٌ مُفْرَزٌ مِن غَيْرِهِ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اِسْتِعْدادُهُ.
الحجر 15:43
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢-٤٤] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] .
﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ أيْ: قَهْرٌ عَلى اَلْإغْراءِ.
﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ أيِ: اَلْمَطْبُوعِينَ عَلى اَلْغَوايَةِ.
﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ غَوايَتَهم إنَّما كانَتْ بِتَرْكِ مُتابَعَةِ اَلدَّلِيلِ مَعَ مُتابَعَةِ اَلْأهْوِيَةِ اَلْباطِلَةِ؛ لِغَلَبَتِها عَلَيْهِمْ.
﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهُمْ﴾ [الحجر: ٤٤] أيِ: اَلْغُواةُ: ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] أيْ: حِزْبٌ مُعَيَّنٌ مُفْرَزٌ مِن غَيْرِهِ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اِسْتِعْدادُهُ.
الحجر 15:44
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢-٤٤] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] .
﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ أيْ: قَهْرٌ عَلى اَلْإغْراءِ.
﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ أيِ: اَلْمَطْبُوعِينَ عَلى اَلْغَوايَةِ.
﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ غَوايَتَهم إنَّما كانَتْ بِتَرْكِ مُتابَعَةِ اَلدَّلِيلِ مَعَ مُتابَعَةِ اَلْأهْوِيَةِ اَلْباطِلَةِ؛ لِغَلَبَتِها عَلَيْهِمْ.
﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهُمْ﴾ [الحجر: ٤٤] أيِ: اَلْغُواةُ: ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] أيْ: حِزْبٌ مُعَيَّنٌ مُفْرَزٌ مِن غَيْرِهِ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اِسْتِعْدادُهُ.
الحجر 15:45
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥-٤٨] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] .
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها﴾ [الحجر: ٤٦] أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها: ﴿بِسَلامٍ﴾ [الحجر: ٤٦] أيْ: سالِمِينَ أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْكم: ﴿آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] أيْ: مِنَ اَلْآفاتِ والزَّوالِ.
﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧] (p-٣٧٥٨)أيْ: حِقْدٍ كانَ في اَلدُّنْيا، لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ: ﴿إخْوانًا﴾ [الحجر: ٤٧] حالٌ مِن فاعِلِ: { ادْخُلُوها } أوِ اَلضَّمِيرِ في (آمِنِينَ): ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ [الحجر: ٤٧] أيْ: مَراتِبَ عالِيَةٍ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] لِتَساوِي دَرَجاتِهِمْ وتَقارُبِ مَراتِبِهِمْ. فَيَتَلَذَّذُ بَعْضُهم بِرُؤْيَةِ وجْهِ بَعْضٍ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨] أيْ: تَعَبٌ: ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] لِسَرْمَدِيَّةِ مَقامِهِمُ.
الحجر 15:46
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥-٤٨] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] .
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها﴾ [الحجر: ٤٦] أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها: ﴿بِسَلامٍ﴾ [الحجر: ٤٦] أيْ: سالِمِينَ أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْكم: ﴿آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] أيْ: مِنَ اَلْآفاتِ والزَّوالِ.
﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧] (p-٣٧٥٨)أيْ: حِقْدٍ كانَ في اَلدُّنْيا، لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ: ﴿إخْوانًا﴾ [الحجر: ٤٧] حالٌ مِن فاعِلِ: { ادْخُلُوها } أوِ اَلضَّمِيرِ في (آمِنِينَ): ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ [الحجر: ٤٧] أيْ: مَراتِبَ عالِيَةٍ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] لِتَساوِي دَرَجاتِهِمْ وتَقارُبِ مَراتِبِهِمْ. فَيَتَلَذَّذُ بَعْضُهم بِرُؤْيَةِ وجْهِ بَعْضٍ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨] أيْ: تَعَبٌ: ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] لِسَرْمَدِيَّةِ مَقامِهِمُ.
الحجر 15:47
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥-٤٨] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] .
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها﴾ [الحجر: ٤٦] أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها: ﴿بِسَلامٍ﴾ [الحجر: ٤٦] أيْ: سالِمِينَ أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْكم: ﴿آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] أيْ: مِنَ اَلْآفاتِ والزَّوالِ.
﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧] (p-٣٧٥٨)أيْ: حِقْدٍ كانَ في اَلدُّنْيا، لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ: ﴿إخْوانًا﴾ [الحجر: ٤٧] حالٌ مِن فاعِلِ: { ادْخُلُوها } أوِ اَلضَّمِيرِ في (آمِنِينَ): ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ [الحجر: ٤٧] أيْ: مَراتِبَ عالِيَةٍ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] لِتَساوِي دَرَجاتِهِمْ وتَقارُبِ مَراتِبِهِمْ. فَيَتَلَذَّذُ بَعْضُهم بِرُؤْيَةِ وجْهِ بَعْضٍ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨] أيْ: تَعَبٌ: ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] لِسَرْمَدِيَّةِ مَقامِهِمُ.
الحجر 15:48
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥-٤٨] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] .
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها﴾ [الحجر: ٤٦] أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها: ﴿بِسَلامٍ﴾ [الحجر: ٤٦] أيْ: سالِمِينَ أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْكم: ﴿آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] أيْ: مِنَ اَلْآفاتِ والزَّوالِ.
﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧] (p-٣٧٥٨)أيْ: حِقْدٍ كانَ في اَلدُّنْيا، لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ: ﴿إخْوانًا﴾ [الحجر: ٤٧] حالٌ مِن فاعِلِ: { ادْخُلُوها } أوِ اَلضَّمِيرِ في (آمِنِينَ): ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ [الحجر: ٤٧] أيْ: مَراتِبَ عالِيَةٍ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] لِتَساوِي دَرَجاتِهِمْ وتَقارُبِ مَراتِبِهِمْ. فَيَتَلَذَّذُ بَعْضُهم بِرُؤْيَةِ وجْهِ بَعْضٍ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨] أيْ: تَعَبٌ: ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] لِسَرْمَدِيَّةِ مَقامِهِمُ.
الحجر 15:49
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩-٥٢] ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٥٠] ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] .
﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.
﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٥٠] أيْ: لِمَن لَمْ يَتُبْ مِن كُفْرِهِ. والجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِما سَلَفَ مِنَ اَلْوَعْدِ والوَعِيدِ وتَقْرِيرٌ لَهُ.
﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] أيْ: عَنْ نَبَئِهِ. والضَّيْفُ كالزُّورِ، يَقَعُ عَلى اَلْواحِدِ والجَمْعِ.
قالَ في " اَلْكَشّافِ ": عَطَفَ: ﴿ونَبِّئْهُمْ﴾ [الحجر: ٥١] عَلى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ لِيَتَّخِذُوا ما أحَلَّ مِنَ اَلْعَذابِ بِقَوْمِ لُوطٍ، عِبْرَةً يَعْتَبِرُونَ بِها سَخَطَ اَللَّهِ وانْتِقامَهُ مِنَ اَلْمُجْرِمِينَ، ويَتَحَقَّقُوا عِنْدَهُ أنَّ عَذابَهُ هو اَلْعَذابُ اَلْألِيمُ.
﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] أيْ: خائِفُونَ، وذَلِكَ لَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلى طَعامِهِ.
(p-٣٧٥٩)
الحجر 15:50
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩-٥٢] ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٥٠] ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] .
﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.
﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٥٠] أيْ: لِمَن لَمْ يَتُبْ مِن كُفْرِهِ. والجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِما سَلَفَ مِنَ اَلْوَعْدِ والوَعِيدِ وتَقْرِيرٌ لَهُ.
﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] أيْ: عَنْ نَبَئِهِ. والضَّيْفُ كالزُّورِ، يَقَعُ عَلى اَلْواحِدِ والجَمْعِ.
قالَ في " اَلْكَشّافِ ": عَطَفَ: ﴿ونَبِّئْهُمْ﴾ [الحجر: ٥١] عَلى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ لِيَتَّخِذُوا ما أحَلَّ مِنَ اَلْعَذابِ بِقَوْمِ لُوطٍ، عِبْرَةً يَعْتَبِرُونَ بِها سَخَطَ اَللَّهِ وانْتِقامَهُ مِنَ اَلْمُجْرِمِينَ، ويَتَحَقَّقُوا عِنْدَهُ أنَّ عَذابَهُ هو اَلْعَذابُ اَلْألِيمُ.
﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] أيْ: خائِفُونَ، وذَلِكَ لَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلى طَعامِهِ.
(p-٣٧٥٩)
الحجر 15:51
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩-٥٢] ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٥٠] ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] .
﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.
﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٥٠] أيْ: لِمَن لَمْ يَتُبْ مِن كُفْرِهِ. والجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِما سَلَفَ مِنَ اَلْوَعْدِ والوَعِيدِ وتَقْرِيرٌ لَهُ.
﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] أيْ: عَنْ نَبَئِهِ. والضَّيْفُ كالزُّورِ، يَقَعُ عَلى اَلْواحِدِ والجَمْعِ.
قالَ في " اَلْكَشّافِ ": عَطَفَ: ﴿ونَبِّئْهُمْ﴾ [الحجر: ٥١] عَلى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ لِيَتَّخِذُوا ما أحَلَّ مِنَ اَلْعَذابِ بِقَوْمِ لُوطٍ، عِبْرَةً يَعْتَبِرُونَ بِها سَخَطَ اَللَّهِ وانْتِقامَهُ مِنَ اَلْمُجْرِمِينَ، ويَتَحَقَّقُوا عِنْدَهُ أنَّ عَذابَهُ هو اَلْعَذابُ اَلْألِيمُ.
﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] أيْ: خائِفُونَ، وذَلِكَ لَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلى طَعامِهِ.
(p-٣٧٥٩)
الحجر 15:52
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩-٥٢] ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٥٠] ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] .
﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.
﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٥٠] أيْ: لِمَن لَمْ يَتُبْ مِن كُفْرِهِ. والجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِما سَلَفَ مِنَ اَلْوَعْدِ والوَعِيدِ وتَقْرِيرٌ لَهُ.
﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] أيْ: عَنْ نَبَئِهِ. والضَّيْفُ كالزُّورِ، يَقَعُ عَلى اَلْواحِدِ والجَمْعِ.
قالَ في " اَلْكَشّافِ ": عَطَفَ: ﴿ونَبِّئْهُمْ﴾ [الحجر: ٥١] عَلى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ لِيَتَّخِذُوا ما أحَلَّ مِنَ اَلْعَذابِ بِقَوْمِ لُوطٍ، عِبْرَةً يَعْتَبِرُونَ بِها سَخَطَ اَللَّهِ وانْتِقامَهُ مِنَ اَلْمُجْرِمِينَ، ويَتَحَقَّقُوا عِنْدَهُ أنَّ عَذابَهُ هو اَلْعَذابُ اَلْألِيمُ.
﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] أيْ: خائِفُونَ، وذَلِكَ لَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلى طَعامِهِ.
(p-٣٧٥٩)
الحجر 15:53
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣-٥٦] ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] .
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ [الحجر: ٥٤] أيْ: مَعَ مَسِّ اَلْكِبَرِ بِأنْ يُولَدَ لِي، والكِبَرُ مانِعٌ مِنهُ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: هي (ما) اَلِاسْتِفْهامِيَّةُ دَخَلَها مَعْنى اَلتَّعَجُّبِ. كَأنَّهُ قالَ: فَبِأيِّ أُعْجُوبَةٍ تُبَشِّرُونِي. أوْ أرادَ إنَّكم تُبَشِّرُونَنِي بِما هو غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ في اَلْعادَةِ، فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ ؟ يَعْنِي لا تُبَشِّرُونِي في اَلْحَقِيقَةِ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ اَلْبِشارَةَ بِمِثْلِ هَذا، بِشارَةٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] أيِ: اَلْآيِسِينَ مِن ذَلِكَ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] يَعْنِي لَمْ أسْتَنْكِرْ ذَلِكَ قُنُوطًا مِن رَحْمَتِهِ، ولَكِنِ اسْتِبْعادًا لَهُ في اَلْعادَةِ اَلَّتِي أجْراها اَللَّهُ تَعالى، والتَّصْرِيحُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ في أحْسَنِ مَواقِعِهِ.
الحجر 15:54
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣-٥٦] ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] .
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ [الحجر: ٥٤] أيْ: مَعَ مَسِّ اَلْكِبَرِ بِأنْ يُولَدَ لِي، والكِبَرُ مانِعٌ مِنهُ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: هي (ما) اَلِاسْتِفْهامِيَّةُ دَخَلَها مَعْنى اَلتَّعَجُّبِ. كَأنَّهُ قالَ: فَبِأيِّ أُعْجُوبَةٍ تُبَشِّرُونِي. أوْ أرادَ إنَّكم تُبَشِّرُونَنِي بِما هو غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ في اَلْعادَةِ، فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ ؟ يَعْنِي لا تُبَشِّرُونِي في اَلْحَقِيقَةِ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ اَلْبِشارَةَ بِمِثْلِ هَذا، بِشارَةٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] أيِ: اَلْآيِسِينَ مِن ذَلِكَ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] يَعْنِي لَمْ أسْتَنْكِرْ ذَلِكَ قُنُوطًا مِن رَحْمَتِهِ، ولَكِنِ اسْتِبْعادًا لَهُ في اَلْعادَةِ اَلَّتِي أجْراها اَللَّهُ تَعالى، والتَّصْرِيحُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ في أحْسَنِ مَواقِعِهِ.
الحجر 15:55
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣-٥٦] ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] .
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ [الحجر: ٥٤] أيْ: مَعَ مَسِّ اَلْكِبَرِ بِأنْ يُولَدَ لِي، والكِبَرُ مانِعٌ مِنهُ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: هي (ما) اَلِاسْتِفْهامِيَّةُ دَخَلَها مَعْنى اَلتَّعَجُّبِ. كَأنَّهُ قالَ: فَبِأيِّ أُعْجُوبَةٍ تُبَشِّرُونِي. أوْ أرادَ إنَّكم تُبَشِّرُونَنِي بِما هو غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ في اَلْعادَةِ، فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ ؟ يَعْنِي لا تُبَشِّرُونِي في اَلْحَقِيقَةِ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ اَلْبِشارَةَ بِمِثْلِ هَذا، بِشارَةٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] أيِ: اَلْآيِسِينَ مِن ذَلِكَ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] يَعْنِي لَمْ أسْتَنْكِرْ ذَلِكَ قُنُوطًا مِن رَحْمَتِهِ، ولَكِنِ اسْتِبْعادًا لَهُ في اَلْعادَةِ اَلَّتِي أجْراها اَللَّهُ تَعالى، والتَّصْرِيحُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ في أحْسَنِ مَواقِعِهِ.
الحجر 15:56
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣-٥٦] ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] .
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ [الحجر: ٥٤] أيْ: مَعَ مَسِّ اَلْكِبَرِ بِأنْ يُولَدَ لِي، والكِبَرُ مانِعٌ مِنهُ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: هي (ما) اَلِاسْتِفْهامِيَّةُ دَخَلَها مَعْنى اَلتَّعَجُّبِ. كَأنَّهُ قالَ: فَبِأيِّ أُعْجُوبَةٍ تُبَشِّرُونِي. أوْ أرادَ إنَّكم تُبَشِّرُونَنِي بِما هو غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ في اَلْعادَةِ، فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ ؟ يَعْنِي لا تُبَشِّرُونِي في اَلْحَقِيقَةِ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ اَلْبِشارَةَ بِمِثْلِ هَذا، بِشارَةٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] أيِ: اَلْآيِسِينَ مِن ذَلِكَ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] يَعْنِي لَمْ أسْتَنْكِرْ ذَلِكَ قُنُوطًا مِن رَحْمَتِهِ، ولَكِنِ اسْتِبْعادًا لَهُ في اَلْعادَةِ اَلَّتِي أجْراها اَللَّهُ تَعالى، والتَّصْرِيحُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ في أحْسَنِ مَواقِعِهِ.
الحجر 15:57
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧-٦٠] ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] ﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] .
﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ، بَعْدَ أنْ ذَهَبَ عَنْهُ اَلرَّوْعُ: ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: أمْرُكُمُ اَلْخَطِيرُ (p-٣٧٦٠)اَلَّذِي لِأجْلِهِ أُرْسِلْتُمْ سِوى اَلْبِشارَةِ: ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] أيْ: إلى إهْلاكِهِمْ. يَعْنُونَ قَوْمَ لُوطٍ.
﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] أيِ: اَلْباقِينَ مَعَ اَلْكَفَرَةِ، لِتَهْلَكَ مَعَهم. وإسْنادُ اَلتَّقْدِيرِ لَهُ مَجازِيٌّ مِن بابِ قَوْلِ خَواصِّ اَلْمَلِكِ (دَبَّرْنا كَذا وأمَرْنا بِكَذا ) وإنَّما يَعْنُونَ دَبَّرَ المَلِكُ وأمَرَ. هَذا إذا كانَ (قَدَّرْنا) بِمَعْنى أرَدْنا وقَضَيْنا. وإنْ كانَ بِمَعْنى عِلْمِنا، فَلا غُرُوَّ في عِلْمِ اَلْمَلائِكَةِ ذَلِكَ، بِإخْبارِهِ تَعالى إيّاهم بِهِ.
ومِنَ اَلنّاسِ مَن يَجْعَلُ (قَدَّرْنا) مِن كَلامِهِ تَعالى، غَيْرَ مَحْكِيٍّ عَنِ اَلْمَلائِكَةِ. قالَ في ("اَلِانْتِصافِ "): وهو اَلظّاهِرُ لِاسْتِغْنائِهِ عَنِ اَلتَّأْوِيلِ.
الحجر 15:58
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧-٦٠] ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] ﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] .
﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ، بَعْدَ أنْ ذَهَبَ عَنْهُ اَلرَّوْعُ: ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: أمْرُكُمُ اَلْخَطِيرُ (p-٣٧٦٠)اَلَّذِي لِأجْلِهِ أُرْسِلْتُمْ سِوى اَلْبِشارَةِ: ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] أيْ: إلى إهْلاكِهِمْ. يَعْنُونَ قَوْمَ لُوطٍ.
﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] أيِ: اَلْباقِينَ مَعَ اَلْكَفَرَةِ، لِتَهْلَكَ مَعَهم. وإسْنادُ اَلتَّقْدِيرِ لَهُ مَجازِيٌّ مِن بابِ قَوْلِ خَواصِّ اَلْمَلِكِ (دَبَّرْنا كَذا وأمَرْنا بِكَذا ) وإنَّما يَعْنُونَ دَبَّرَ المَلِكُ وأمَرَ. هَذا إذا كانَ (قَدَّرْنا) بِمَعْنى أرَدْنا وقَضَيْنا. وإنْ كانَ بِمَعْنى عِلْمِنا، فَلا غُرُوَّ في عِلْمِ اَلْمَلائِكَةِ ذَلِكَ، بِإخْبارِهِ تَعالى إيّاهم بِهِ.
ومِنَ اَلنّاسِ مَن يَجْعَلُ (قَدَّرْنا) مِن كَلامِهِ تَعالى، غَيْرَ مَحْكِيٍّ عَنِ اَلْمَلائِكَةِ. قالَ في ("اَلِانْتِصافِ "): وهو اَلظّاهِرُ لِاسْتِغْنائِهِ عَنِ اَلتَّأْوِيلِ.
الحجر 15:59
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧-٦٠] ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] ﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] .
﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ، بَعْدَ أنْ ذَهَبَ عَنْهُ اَلرَّوْعُ: ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: أمْرُكُمُ اَلْخَطِيرُ (p-٣٧٦٠)اَلَّذِي لِأجْلِهِ أُرْسِلْتُمْ سِوى اَلْبِشارَةِ: ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] أيْ: إلى إهْلاكِهِمْ. يَعْنُونَ قَوْمَ لُوطٍ.
﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] أيِ: اَلْباقِينَ مَعَ اَلْكَفَرَةِ، لِتَهْلَكَ مَعَهم. وإسْنادُ اَلتَّقْدِيرِ لَهُ مَجازِيٌّ مِن بابِ قَوْلِ خَواصِّ اَلْمَلِكِ (دَبَّرْنا كَذا وأمَرْنا بِكَذا ) وإنَّما يَعْنُونَ دَبَّرَ المَلِكُ وأمَرَ. هَذا إذا كانَ (قَدَّرْنا) بِمَعْنى أرَدْنا وقَضَيْنا. وإنْ كانَ بِمَعْنى عِلْمِنا، فَلا غُرُوَّ في عِلْمِ اَلْمَلائِكَةِ ذَلِكَ، بِإخْبارِهِ تَعالى إيّاهم بِهِ.
ومِنَ اَلنّاسِ مَن يَجْعَلُ (قَدَّرْنا) مِن كَلامِهِ تَعالى، غَيْرَ مَحْكِيٍّ عَنِ اَلْمَلائِكَةِ. قالَ في ("اَلِانْتِصافِ "): وهو اَلظّاهِرُ لِاسْتِغْنائِهِ عَنِ اَلتَّأْوِيلِ.
الحجر 15:60
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧-٦٠] ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] ﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] .
﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ، بَعْدَ أنْ ذَهَبَ عَنْهُ اَلرَّوْعُ: ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: أمْرُكُمُ اَلْخَطِيرُ (p-٣٧٦٠)اَلَّذِي لِأجْلِهِ أُرْسِلْتُمْ سِوى اَلْبِشارَةِ: ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] أيْ: إلى إهْلاكِهِمْ. يَعْنُونَ قَوْمَ لُوطٍ.
﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] أيِ: اَلْباقِينَ مَعَ اَلْكَفَرَةِ، لِتَهْلَكَ مَعَهم. وإسْنادُ اَلتَّقْدِيرِ لَهُ مَجازِيٌّ مِن بابِ قَوْلِ خَواصِّ اَلْمَلِكِ (دَبَّرْنا كَذا وأمَرْنا بِكَذا ) وإنَّما يَعْنُونَ دَبَّرَ المَلِكُ وأمَرَ. هَذا إذا كانَ (قَدَّرْنا) بِمَعْنى أرَدْنا وقَضَيْنا. وإنْ كانَ بِمَعْنى عِلْمِنا، فَلا غُرُوَّ في عِلْمِ اَلْمَلائِكَةِ ذَلِكَ، بِإخْبارِهِ تَعالى إيّاهم بِهِ.
ومِنَ اَلنّاسِ مَن يَجْعَلُ (قَدَّرْنا) مِن كَلامِهِ تَعالى، غَيْرَ مَحْكِيٍّ عَنِ اَلْمَلائِكَةِ. قالَ في ("اَلِانْتِصافِ "): وهو اَلظّاهِرُ لِاسْتِغْنائِهِ عَنِ اَلتَّأْوِيلِ.
الحجر 15:61
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦١-٦٤] ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢] ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤] .
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢] أيْ: لا أعْرِفُكم ولا أدْرِي مِن أيِّ اَلْأقْوامِ أنْتُمْ وما أقْدَمَكم.
وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: يَخافُ مِنكم تارَةً وعَلَيْكم أُخْرى. والظّاهِرُ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهم بَعْدَ مُعاناتِهِ اَلشَّدائِدَ مِن قَوْمِهِ لِأجْلِهِمْ، كَما فَصَّلَ في سُورَةِ هُودٍ.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] أيِ: اَلْعَذابُ اَلَّذِي كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ، فَيَمُرُّونَ بِهِ ويُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤] أيِ: اَلْيَقِينِ مَعَ هَلاكِهِمْ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤]
(p-٣٧٦١)
الحجر 15:62
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦١-٦٤] ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢] ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤] .
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢] أيْ: لا أعْرِفُكم ولا أدْرِي مِن أيِّ اَلْأقْوامِ أنْتُمْ وما أقْدَمَكم.
وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: يَخافُ مِنكم تارَةً وعَلَيْكم أُخْرى. والظّاهِرُ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهم بَعْدَ مُعاناتِهِ اَلشَّدائِدَ مِن قَوْمِهِ لِأجْلِهِمْ، كَما فَصَّلَ في سُورَةِ هُودٍ.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] أيِ: اَلْعَذابُ اَلَّذِي كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ، فَيَمُرُّونَ بِهِ ويُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤] أيِ: اَلْيَقِينِ مَعَ هَلاكِهِمْ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤]
(p-٣٧٦١)
الحجر 15:63
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦١-٦٤] ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢] ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤] .
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢] أيْ: لا أعْرِفُكم ولا أدْرِي مِن أيِّ اَلْأقْوامِ أنْتُمْ وما أقْدَمَكم.
وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: يَخافُ مِنكم تارَةً وعَلَيْكم أُخْرى. والظّاهِرُ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهم بَعْدَ مُعاناتِهِ اَلشَّدائِدَ مِن قَوْمِهِ لِأجْلِهِمْ، كَما فَصَّلَ في سُورَةِ هُودٍ.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] أيِ: اَلْعَذابُ اَلَّذِي كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ، فَيَمُرُّونَ بِهِ ويُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤] أيِ: اَلْيَقِينِ مَعَ هَلاكِهِمْ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤]
(p-٣٧٦١)
الحجر 15:64
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦١-٦٤] ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢] ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤] .
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢] أيْ: لا أعْرِفُكم ولا أدْرِي مِن أيِّ اَلْأقْوامِ أنْتُمْ وما أقْدَمَكم.
وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: يَخافُ مِنكم تارَةً وعَلَيْكم أُخْرى. والظّاهِرُ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهم بَعْدَ مُعاناتِهِ اَلشَّدائِدَ مِن قَوْمِهِ لِأجْلِهِمْ، كَما فَصَّلَ في سُورَةِ هُودٍ.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] أيِ: اَلْعَذابُ اَلَّذِي كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ، فَيَمُرُّونَ بِهِ ويُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤] أيِ: اَلْيَقِينِ مَعَ هَلاكِهِمْ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤]
(p-٣٧٦١)
الحجر 15:65
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٥-٦٧] ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الحجر: ٦٧] .
﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ أيْ: فاذْهَبْ بِهِمْ في اَللَّيْلِ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: في طائِفَةٍ مِنهُ، وهي آخِرُهُ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ: كُنْ عَلى أثَرِهِمْ تُذَوِّدُهم وتُسْرِعُ بِهِمْ وتَطَّلِعُ عَلى حالِهِمْ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ: لِيَنْظُرَ ما وراءَهُ، فَيَرى مِنَ اَلْهَوْلِ ما لا يُطِيقُهُ: ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] أيْ: يَسْتَأْصِلُونَ عَنْ آخِرِهِمْ، حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في اَلصُّبْحِ.
﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ [الحجر: ٦٧] أيْ: مَدِينَةُ لُوطٍ، وهي سَدُومُ: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الحجر: ٦٧] أيْ: بِأضْيافِهِ، طَمَعًا فِيهِمْ.
الحجر 15:66
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٥-٦٧] ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الحجر: ٦٧] .
﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ أيْ: فاذْهَبْ بِهِمْ في اَللَّيْلِ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: في طائِفَةٍ مِنهُ، وهي آخِرُهُ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ: كُنْ عَلى أثَرِهِمْ تُذَوِّدُهم وتُسْرِعُ بِهِمْ وتَطَّلِعُ عَلى حالِهِمْ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ: لِيَنْظُرَ ما وراءَهُ، فَيَرى مِنَ اَلْهَوْلِ ما لا يُطِيقُهُ: ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] أيْ: يَسْتَأْصِلُونَ عَنْ آخِرِهِمْ، حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في اَلصُّبْحِ.
﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ [الحجر: ٦٧] أيْ: مَدِينَةُ لُوطٍ، وهي سَدُومُ: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الحجر: ٦٧] أيْ: بِأضْيافِهِ، طَمَعًا فِيهِمْ.
الحجر 15:67
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٥-٦٧] ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الحجر: ٦٧] .
﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ أيْ: فاذْهَبْ بِهِمْ في اَللَّيْلِ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: في طائِفَةٍ مِنهُ، وهي آخِرُهُ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ: كُنْ عَلى أثَرِهِمْ تُذَوِّدُهم وتُسْرِعُ بِهِمْ وتَطَّلِعُ عَلى حالِهِمْ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ: لِيَنْظُرَ ما وراءَهُ، فَيَرى مِنَ اَلْهَوْلِ ما لا يُطِيقُهُ: ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] أيْ: يَسْتَأْصِلُونَ عَنْ آخِرِهِمْ، حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في اَلصُّبْحِ.
﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ [الحجر: ٦٧] أيْ: مَدِينَةُ لُوطٍ، وهي سَدُومُ: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الحجر: ٦٧] أيْ: بِأضْيافِهِ، طَمَعًا فِيهِمْ.
الحجر 15:68
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨-٧٧] ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] .
(p-٣٧٦٢)﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ: بِالإساءَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ اَلْإساءَةَ إلَيْهِمْ فَضِيحَةٌ لِلْمُضِيفِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩]
﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أيْ: عَنْ أنْ تُجِيرَ أحَدًا مِنهم، أوْ تَدْفَعَ عَنْهم، أوْ تَمْنَعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ يَقُومُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنِ اَلْمُنْكَرِ والحَجْرِ بَيْنَهم وبَيْنَ اَلْمُتَعَرِّضِ لَهُ. فَأوْعَدُوهُ وقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] أفادَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ هُودٍ مُفَصَّلًا.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ بِحَياةِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، اِعْتَرَضَ بِهِ تَعَبًا مِن شِدَّةِ غَفْلَتِهِمْ وتَكْرِيمًا لِلْمُخاطَبِ: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: غَفْلَتِهِمُ اَلَّتِي ذَهَبَتْ مَعَها أحْلامَهم: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: يَتَرَدَّدُونَ فَلا يَفْهَمُونَ ما يُقالُ لَهم. ولَمّا لَمْ يَسْمَعُوا مِنهُ اَلنَّصِيحَةَ اَلْمُبْقِيَةَ لَهم؛ أسْمَعَهُمُ اَللَّهُ اَلصَّيْحَةَ اَلْمُهْلِكَةَ لَهم.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: صَيْحَةُ اَلْعَذابِ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ اَلشَّمْسِ.
﴿فَجَعَلْنا﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: مِن تِلْكَ اَلصَّيْحَةِ اَلْمُحَرِّكَةِ لِلْأرْضِ: ﴿عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] قالَ المَهايِمِيُّ: لِجَعْلِهِمُ اَلرِّجالَ اَلْعالِينَ كالنِّساءِ اَلسّافِلاتِ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: طِينٍ مُتَحَجِّرٍ؛ لِرَجْمِهِمْ عَلى لُوُاطِهِمْ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أيِ: اَلنّاظِرِينَ بِطَرِيقٍ في اَلْآياتِ.
﴿وإنَّها﴾ [الحجر: ٧٦] يَعْنِي (p-٣٧٦٣)مَدِينَةَ قَوْمِ لُوطٍ اَلْمُدَمَّرَةَ: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] أيْ: ثابِتٍ يَسْلُكُهُ اَلنّاسُ، لَمْ يَنْدَرِسْ بَعْدُ، وهم يُبْصِرُونَ تِلْكَ اَلْآثارَ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨]
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] أيْ: في هَلاكِهِمْ لَعِبْرَةً لَهم.
تَنْبِيهانِ:
اَلْأوَّلُ: قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في " أقْسامِ اَلْقُرْآنِ ": أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ مِنَ اَلسَّلَفِ والخَلَفِ، بَلْ لا يَعْرِفُ اَلسَّلَفُ فِيهِ نِزاعًا - أنَّ هَذا - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ مِنَ اَللَّهِ بِحَياةِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وهَذا مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ أنْ يُقْسِمَ اَلرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ بِحَياتِهِ. وهَذِهِ مَزِيَّةٌ لا تُعْرَفُ لِغَيْرِهِ.
ولَمْ يُوَفَّقِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ لِذَلِكَ، فَصَرَفَ اَلْقَسَمَ إلى أنَّهُ بِحَياةِ لُوطٍ وإنَّهُ مِن قَوْلِ اَلْمَلائِكَةِ.
فَقالَ: هو عَلى إرادَةِ اَلْقَوْلِ أيْ: قالَتِ اَلْمَلائِكَةُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] اَلْآيَةَ، ولَيْسَ في اَللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى واحِدٍ مِنَ اَلْأمْرَيْنِ، بَلْ ظاهِرُ اَللَّفْظِ وسِياقُهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما فَهِمَهُ اَلسَّلَفُ أطْيَبُ، لا أهْلُ اَلتَّعْطِيلِ والِاعْتِزالِ.
قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: حَياتُكَ، قالَ: وما أقْسَمَ اَللَّهُ تَعالى بِحَياةِ نَبِيٍّ غَيْرِهِ. والَعَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ، إلّا أنَّهم خَصُّوا اَلْقَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإثْباتِ اَلْأخَفِّ؛ لِكَثْرَةِ دَوْرِ اَلْخَلَفِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ اَلْعُمْرَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَهو عُمْرٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ؛ لِمَزِيَّتِهِ عَلى كُلِّ عُمْرٍ مِن أعْمارِ بَنِي آدَمَ. ولا رَيْبَ أنَّ عُمْرَهُ وحَيّاتَهُ مِن أعْظَمِ اَلنِّعَمِ والآياتِ، فَهو أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ. والقَسَمُ بِهِ أوْلى مِنَ اَلْقَسَمِ بِغَيْرِهِ مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ (p-٣٧٦٤)قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ: وإنَّما وصَفَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ اَللُّوطِيَّةَ بِالسَّكْرَةِ؛ لِأنَّ لِلْعِشْقِ سَكْرَةً مِثْلَ سَكْرَةِ اَلْخَمْرِ كَما قالَ اَلْقائِلُ:
؎سُكْرانِ" سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدامَةٍ ومَتى إفاقَةُ مَن بِهِ سُكْرانِ
اَلثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في " اَلْإكْلِيلِ ": هَذِهِ اَلْآيَةُ أصْلٌ في اَلْفِراسَةِ. أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ««اِتَّقُوا فِراسَةَ اَلْمُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»»، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ. وقَدْ كانَ بَعْضُ قُضاةِ اَلْمالِكِيَّةِ يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ في اَلْأحْكامِ، جَرْيًا عَلى طَرِيقِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ. اِنْتَهى.
وقَدْ أجادَ اَلْكَلامَ في اَلْفِراسَةِ اَلرّاغِبُ اَلْأصْفَهانِيُّ في كِتابِ (اَلذَّرِيعَةِ) حَيْثُ قالَ في اَلْبابِ اَلسّابِعِ: وأمّا اَلْفِراسَةُ، فالِاسْتِدْلالُ بِهَيْئَةِ اَلْإنْسانِ وأشْكالِهِ وألْوانِهِ وأقْوالِهِ، عَلى أخْلاقِهِ وفَضائِلِهِ ورَذائِلِهِ.
ورُبَّما يُقالُ: هي صِناعَةٌ صَيّادَةٌ لِمَعْرِفَةِ أخْلاقِ اَلْإنْسانِ وأحْوالِهِ. وقَدْ نَبَّهَ اَللَّهُ تَعالى عَلى صِدْقِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] ولَفْظُها مِن قَوْلِهِمْ (فَرَسَ اَلسَّبْعُ اَلشّاةَ) فَكَأنَّ اَلْفِراسَةَ اِخْتِلاسُ اَلْمَعارِفِ، وذَلِكَ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عَنْ خاطِرٍ لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ اَلْإلْهامِ، بَلْ ضَرْبٌ مِنَ اَلْوَحْيِ، وإيّاهُ عَنى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ««اَلْمُؤْمِنُ (p-٣٧٦٥)يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»» وهو اَلَّذِي يُسَمّى صاحِبُهُ: اَلْمُرَوِّعُ والمُحَدِّثُ. وقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنْ يَكُنْ في هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مُحَدِّثٌ فَهو عُمَرُ»» .
وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] اَلْآيَةَ، إنَّما كانَ وحْيًا بِإلْقائِهِ في اَلرَّوْعِ، وذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وقَدْ يَكُونُ بِإلْهامٍ في حالِ اَلْيَقَظَةِ، وقَدْ يَكُونُ في حالِ اَلْمَنامِ. ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ واَلسَّلامُ: ««اَلرُّؤْيا اَلصّادِقَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ اَلنُّبُوَّةِ»» .
والضَّرْبُ اَلثّانِي مِنَ اَلْفِراسَةِ يَكُونُ بِضاعَةً مُتَعَلَّمَةً وهي مَعْرِفَةُ ما بَيْنَ اَلْألْوانِ والأشْكالِ، وما بَيْنَ اَلْأمْزِجَةِ والأخْلاقِ والأفْعالِ اَلطَّبِيعِيَّةِ. ومَن عَرَفَ ذَلِكَ كانَ ذا فَهْمٍ ثاقِبٍ بِالفِراسَةِ. وقَدْ عُمِلَ في ذَلِكَ كُتُبٌ، مَن تَتَبَّعَ اَلصَّحِيحَ مِنها اِطَّلَعَ عَلى صِدْقِ ما ضَمَّنُوهُ. والفِراسَةُ ضَرْبٌ مِنَ اَلظَّنِّ. وسُئِلَ بَعْضُ مُحَصِّلَةِ اَلصُّوفِيَّةِ عَنِ اَلْفَرْقِ بَيْنَهُما فَقالَ: اَلظَّنُّ بِتَقَلُّبِ اَلْقَلْبِ، والفِراسَةُ بِنُورِ اَلرَّبِّ. ومَن قَوِيَ فِيهِ نُورُ اَلرُّوحِ اَلْمَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وكانَ مِمَّنْ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] وكانَ ذَلِكَ اَلنُّورُ شاهِدًا؛ أصابَ فِيما حَكَمَ بِهِ. ومِنَ اَلْفِراسَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْمُتَلاعِنَيْنِ: ««إنَّ أمْرَهُما بَيِّنٌ، لَوْلا حُكْمُ اَللَّهِ»» .
(p-٣٧٦٦)
الحجر 15:69
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨-٧٧] ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] .
(p-٣٧٦٢)﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ: بِالإساءَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ اَلْإساءَةَ إلَيْهِمْ فَضِيحَةٌ لِلْمُضِيفِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩]
﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أيْ: عَنْ أنْ تُجِيرَ أحَدًا مِنهم، أوْ تَدْفَعَ عَنْهم، أوْ تَمْنَعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ يَقُومُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنِ اَلْمُنْكَرِ والحَجْرِ بَيْنَهم وبَيْنَ اَلْمُتَعَرِّضِ لَهُ. فَأوْعَدُوهُ وقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] أفادَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ هُودٍ مُفَصَّلًا.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ بِحَياةِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، اِعْتَرَضَ بِهِ تَعَبًا مِن شِدَّةِ غَفْلَتِهِمْ وتَكْرِيمًا لِلْمُخاطَبِ: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: غَفْلَتِهِمُ اَلَّتِي ذَهَبَتْ مَعَها أحْلامَهم: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: يَتَرَدَّدُونَ فَلا يَفْهَمُونَ ما يُقالُ لَهم. ولَمّا لَمْ يَسْمَعُوا مِنهُ اَلنَّصِيحَةَ اَلْمُبْقِيَةَ لَهم؛ أسْمَعَهُمُ اَللَّهُ اَلصَّيْحَةَ اَلْمُهْلِكَةَ لَهم.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: صَيْحَةُ اَلْعَذابِ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ اَلشَّمْسِ.
﴿فَجَعَلْنا﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: مِن تِلْكَ اَلصَّيْحَةِ اَلْمُحَرِّكَةِ لِلْأرْضِ: ﴿عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] قالَ المَهايِمِيُّ: لِجَعْلِهِمُ اَلرِّجالَ اَلْعالِينَ كالنِّساءِ اَلسّافِلاتِ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: طِينٍ مُتَحَجِّرٍ؛ لِرَجْمِهِمْ عَلى لُوُاطِهِمْ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أيِ: اَلنّاظِرِينَ بِطَرِيقٍ في اَلْآياتِ.
﴿وإنَّها﴾ [الحجر: ٧٦] يَعْنِي (p-٣٧٦٣)مَدِينَةَ قَوْمِ لُوطٍ اَلْمُدَمَّرَةَ: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] أيْ: ثابِتٍ يَسْلُكُهُ اَلنّاسُ، لَمْ يَنْدَرِسْ بَعْدُ، وهم يُبْصِرُونَ تِلْكَ اَلْآثارَ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨]
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] أيْ: في هَلاكِهِمْ لَعِبْرَةً لَهم.
تَنْبِيهانِ:
اَلْأوَّلُ: قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في " أقْسامِ اَلْقُرْآنِ ": أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ مِنَ اَلسَّلَفِ والخَلَفِ، بَلْ لا يَعْرِفُ اَلسَّلَفُ فِيهِ نِزاعًا - أنَّ هَذا - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ مِنَ اَللَّهِ بِحَياةِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وهَذا مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ أنْ يُقْسِمَ اَلرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ بِحَياتِهِ. وهَذِهِ مَزِيَّةٌ لا تُعْرَفُ لِغَيْرِهِ.
ولَمْ يُوَفَّقِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ لِذَلِكَ، فَصَرَفَ اَلْقَسَمَ إلى أنَّهُ بِحَياةِ لُوطٍ وإنَّهُ مِن قَوْلِ اَلْمَلائِكَةِ.
فَقالَ: هو عَلى إرادَةِ اَلْقَوْلِ أيْ: قالَتِ اَلْمَلائِكَةُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] اَلْآيَةَ، ولَيْسَ في اَللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى واحِدٍ مِنَ اَلْأمْرَيْنِ، بَلْ ظاهِرُ اَللَّفْظِ وسِياقُهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما فَهِمَهُ اَلسَّلَفُ أطْيَبُ، لا أهْلُ اَلتَّعْطِيلِ والِاعْتِزالِ.
قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: حَياتُكَ، قالَ: وما أقْسَمَ اَللَّهُ تَعالى بِحَياةِ نَبِيٍّ غَيْرِهِ. والَعَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ، إلّا أنَّهم خَصُّوا اَلْقَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإثْباتِ اَلْأخَفِّ؛ لِكَثْرَةِ دَوْرِ اَلْخَلَفِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ اَلْعُمْرَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَهو عُمْرٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ؛ لِمَزِيَّتِهِ عَلى كُلِّ عُمْرٍ مِن أعْمارِ بَنِي آدَمَ. ولا رَيْبَ أنَّ عُمْرَهُ وحَيّاتَهُ مِن أعْظَمِ اَلنِّعَمِ والآياتِ، فَهو أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ. والقَسَمُ بِهِ أوْلى مِنَ اَلْقَسَمِ بِغَيْرِهِ مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ (p-٣٧٦٤)قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ: وإنَّما وصَفَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ اَللُّوطِيَّةَ بِالسَّكْرَةِ؛ لِأنَّ لِلْعِشْقِ سَكْرَةً مِثْلَ سَكْرَةِ اَلْخَمْرِ كَما قالَ اَلْقائِلُ:
؎سُكْرانِ" سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدامَةٍ ومَتى إفاقَةُ مَن بِهِ سُكْرانِ
اَلثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في " اَلْإكْلِيلِ ": هَذِهِ اَلْآيَةُ أصْلٌ في اَلْفِراسَةِ. أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ««اِتَّقُوا فِراسَةَ اَلْمُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»»، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ. وقَدْ كانَ بَعْضُ قُضاةِ اَلْمالِكِيَّةِ يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ في اَلْأحْكامِ، جَرْيًا عَلى طَرِيقِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ. اِنْتَهى.
وقَدْ أجادَ اَلْكَلامَ في اَلْفِراسَةِ اَلرّاغِبُ اَلْأصْفَهانِيُّ في كِتابِ (اَلذَّرِيعَةِ) حَيْثُ قالَ في اَلْبابِ اَلسّابِعِ: وأمّا اَلْفِراسَةُ، فالِاسْتِدْلالُ بِهَيْئَةِ اَلْإنْسانِ وأشْكالِهِ وألْوانِهِ وأقْوالِهِ، عَلى أخْلاقِهِ وفَضائِلِهِ ورَذائِلِهِ.
ورُبَّما يُقالُ: هي صِناعَةٌ صَيّادَةٌ لِمَعْرِفَةِ أخْلاقِ اَلْإنْسانِ وأحْوالِهِ. وقَدْ نَبَّهَ اَللَّهُ تَعالى عَلى صِدْقِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] ولَفْظُها مِن قَوْلِهِمْ (فَرَسَ اَلسَّبْعُ اَلشّاةَ) فَكَأنَّ اَلْفِراسَةَ اِخْتِلاسُ اَلْمَعارِفِ، وذَلِكَ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عَنْ خاطِرٍ لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ اَلْإلْهامِ، بَلْ ضَرْبٌ مِنَ اَلْوَحْيِ، وإيّاهُ عَنى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ««اَلْمُؤْمِنُ (p-٣٧٦٥)يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»» وهو اَلَّذِي يُسَمّى صاحِبُهُ: اَلْمُرَوِّعُ والمُحَدِّثُ. وقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنْ يَكُنْ في هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مُحَدِّثٌ فَهو عُمَرُ»» .
وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] اَلْآيَةَ، إنَّما كانَ وحْيًا بِإلْقائِهِ في اَلرَّوْعِ، وذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وقَدْ يَكُونُ بِإلْهامٍ في حالِ اَلْيَقَظَةِ، وقَدْ يَكُونُ في حالِ اَلْمَنامِ. ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ واَلسَّلامُ: ««اَلرُّؤْيا اَلصّادِقَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ اَلنُّبُوَّةِ»» .
والضَّرْبُ اَلثّانِي مِنَ اَلْفِراسَةِ يَكُونُ بِضاعَةً مُتَعَلَّمَةً وهي مَعْرِفَةُ ما بَيْنَ اَلْألْوانِ والأشْكالِ، وما بَيْنَ اَلْأمْزِجَةِ والأخْلاقِ والأفْعالِ اَلطَّبِيعِيَّةِ. ومَن عَرَفَ ذَلِكَ كانَ ذا فَهْمٍ ثاقِبٍ بِالفِراسَةِ. وقَدْ عُمِلَ في ذَلِكَ كُتُبٌ، مَن تَتَبَّعَ اَلصَّحِيحَ مِنها اِطَّلَعَ عَلى صِدْقِ ما ضَمَّنُوهُ. والفِراسَةُ ضَرْبٌ مِنَ اَلظَّنِّ. وسُئِلَ بَعْضُ مُحَصِّلَةِ اَلصُّوفِيَّةِ عَنِ اَلْفَرْقِ بَيْنَهُما فَقالَ: اَلظَّنُّ بِتَقَلُّبِ اَلْقَلْبِ، والفِراسَةُ بِنُورِ اَلرَّبِّ. ومَن قَوِيَ فِيهِ نُورُ اَلرُّوحِ اَلْمَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وكانَ مِمَّنْ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] وكانَ ذَلِكَ اَلنُّورُ شاهِدًا؛ أصابَ فِيما حَكَمَ بِهِ. ومِنَ اَلْفِراسَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْمُتَلاعِنَيْنِ: ««إنَّ أمْرَهُما بَيِّنٌ، لَوْلا حُكْمُ اَللَّهِ»» .
(p-٣٧٦٦)
الحجر 15:70
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨-٧٧] ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] .
(p-٣٧٦٢)﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ: بِالإساءَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ اَلْإساءَةَ إلَيْهِمْ فَضِيحَةٌ لِلْمُضِيفِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩]
﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أيْ: عَنْ أنْ تُجِيرَ أحَدًا مِنهم، أوْ تَدْفَعَ عَنْهم، أوْ تَمْنَعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ يَقُومُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنِ اَلْمُنْكَرِ والحَجْرِ بَيْنَهم وبَيْنَ اَلْمُتَعَرِّضِ لَهُ. فَأوْعَدُوهُ وقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] أفادَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ هُودٍ مُفَصَّلًا.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ بِحَياةِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، اِعْتَرَضَ بِهِ تَعَبًا مِن شِدَّةِ غَفْلَتِهِمْ وتَكْرِيمًا لِلْمُخاطَبِ: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: غَفْلَتِهِمُ اَلَّتِي ذَهَبَتْ مَعَها أحْلامَهم: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: يَتَرَدَّدُونَ فَلا يَفْهَمُونَ ما يُقالُ لَهم. ولَمّا لَمْ يَسْمَعُوا مِنهُ اَلنَّصِيحَةَ اَلْمُبْقِيَةَ لَهم؛ أسْمَعَهُمُ اَللَّهُ اَلصَّيْحَةَ اَلْمُهْلِكَةَ لَهم.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: صَيْحَةُ اَلْعَذابِ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ اَلشَّمْسِ.
﴿فَجَعَلْنا﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: مِن تِلْكَ اَلصَّيْحَةِ اَلْمُحَرِّكَةِ لِلْأرْضِ: ﴿عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] قالَ المَهايِمِيُّ: لِجَعْلِهِمُ اَلرِّجالَ اَلْعالِينَ كالنِّساءِ اَلسّافِلاتِ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: طِينٍ مُتَحَجِّرٍ؛ لِرَجْمِهِمْ عَلى لُوُاطِهِمْ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أيِ: اَلنّاظِرِينَ بِطَرِيقٍ في اَلْآياتِ.
﴿وإنَّها﴾ [الحجر: ٧٦] يَعْنِي (p-٣٧٦٣)مَدِينَةَ قَوْمِ لُوطٍ اَلْمُدَمَّرَةَ: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] أيْ: ثابِتٍ يَسْلُكُهُ اَلنّاسُ، لَمْ يَنْدَرِسْ بَعْدُ، وهم يُبْصِرُونَ تِلْكَ اَلْآثارَ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨]
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] أيْ: في هَلاكِهِمْ لَعِبْرَةً لَهم.
تَنْبِيهانِ:
اَلْأوَّلُ: قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في " أقْسامِ اَلْقُرْآنِ ": أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ مِنَ اَلسَّلَفِ والخَلَفِ، بَلْ لا يَعْرِفُ اَلسَّلَفُ فِيهِ نِزاعًا - أنَّ هَذا - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ مِنَ اَللَّهِ بِحَياةِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وهَذا مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ أنْ يُقْسِمَ اَلرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ بِحَياتِهِ. وهَذِهِ مَزِيَّةٌ لا تُعْرَفُ لِغَيْرِهِ.
ولَمْ يُوَفَّقِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ لِذَلِكَ، فَصَرَفَ اَلْقَسَمَ إلى أنَّهُ بِحَياةِ لُوطٍ وإنَّهُ مِن قَوْلِ اَلْمَلائِكَةِ.
فَقالَ: هو عَلى إرادَةِ اَلْقَوْلِ أيْ: قالَتِ اَلْمَلائِكَةُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] اَلْآيَةَ، ولَيْسَ في اَللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى واحِدٍ مِنَ اَلْأمْرَيْنِ، بَلْ ظاهِرُ اَللَّفْظِ وسِياقُهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما فَهِمَهُ اَلسَّلَفُ أطْيَبُ، لا أهْلُ اَلتَّعْطِيلِ والِاعْتِزالِ.
قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: حَياتُكَ، قالَ: وما أقْسَمَ اَللَّهُ تَعالى بِحَياةِ نَبِيٍّ غَيْرِهِ. والَعَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ، إلّا أنَّهم خَصُّوا اَلْقَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإثْباتِ اَلْأخَفِّ؛ لِكَثْرَةِ دَوْرِ اَلْخَلَفِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ اَلْعُمْرَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَهو عُمْرٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ؛ لِمَزِيَّتِهِ عَلى كُلِّ عُمْرٍ مِن أعْمارِ بَنِي آدَمَ. ولا رَيْبَ أنَّ عُمْرَهُ وحَيّاتَهُ مِن أعْظَمِ اَلنِّعَمِ والآياتِ، فَهو أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ. والقَسَمُ بِهِ أوْلى مِنَ اَلْقَسَمِ بِغَيْرِهِ مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ (p-٣٧٦٤)قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ: وإنَّما وصَفَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ اَللُّوطِيَّةَ بِالسَّكْرَةِ؛ لِأنَّ لِلْعِشْقِ سَكْرَةً مِثْلَ سَكْرَةِ اَلْخَمْرِ كَما قالَ اَلْقائِلُ:
؎سُكْرانِ" سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدامَةٍ ومَتى إفاقَةُ مَن بِهِ سُكْرانِ
اَلثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في " اَلْإكْلِيلِ ": هَذِهِ اَلْآيَةُ أصْلٌ في اَلْفِراسَةِ. أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ««اِتَّقُوا فِراسَةَ اَلْمُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»»، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ. وقَدْ كانَ بَعْضُ قُضاةِ اَلْمالِكِيَّةِ يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ في اَلْأحْكامِ، جَرْيًا عَلى طَرِيقِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ. اِنْتَهى.
وقَدْ أجادَ اَلْكَلامَ في اَلْفِراسَةِ اَلرّاغِبُ اَلْأصْفَهانِيُّ في كِتابِ (اَلذَّرِيعَةِ) حَيْثُ قالَ في اَلْبابِ اَلسّابِعِ: وأمّا اَلْفِراسَةُ، فالِاسْتِدْلالُ بِهَيْئَةِ اَلْإنْسانِ وأشْكالِهِ وألْوانِهِ وأقْوالِهِ، عَلى أخْلاقِهِ وفَضائِلِهِ ورَذائِلِهِ.
ورُبَّما يُقالُ: هي صِناعَةٌ صَيّادَةٌ لِمَعْرِفَةِ أخْلاقِ اَلْإنْسانِ وأحْوالِهِ. وقَدْ نَبَّهَ اَللَّهُ تَعالى عَلى صِدْقِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] ولَفْظُها مِن قَوْلِهِمْ (فَرَسَ اَلسَّبْعُ اَلشّاةَ) فَكَأنَّ اَلْفِراسَةَ اِخْتِلاسُ اَلْمَعارِفِ، وذَلِكَ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عَنْ خاطِرٍ لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ اَلْإلْهامِ، بَلْ ضَرْبٌ مِنَ اَلْوَحْيِ، وإيّاهُ عَنى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ««اَلْمُؤْمِنُ (p-٣٧٦٥)يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»» وهو اَلَّذِي يُسَمّى صاحِبُهُ: اَلْمُرَوِّعُ والمُحَدِّثُ. وقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنْ يَكُنْ في هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مُحَدِّثٌ فَهو عُمَرُ»» .
وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] اَلْآيَةَ، إنَّما كانَ وحْيًا بِإلْقائِهِ في اَلرَّوْعِ، وذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وقَدْ يَكُونُ بِإلْهامٍ في حالِ اَلْيَقَظَةِ، وقَدْ يَكُونُ في حالِ اَلْمَنامِ. ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ واَلسَّلامُ: ««اَلرُّؤْيا اَلصّادِقَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ اَلنُّبُوَّةِ»» .
والضَّرْبُ اَلثّانِي مِنَ اَلْفِراسَةِ يَكُونُ بِضاعَةً مُتَعَلَّمَةً وهي مَعْرِفَةُ ما بَيْنَ اَلْألْوانِ والأشْكالِ، وما بَيْنَ اَلْأمْزِجَةِ والأخْلاقِ والأفْعالِ اَلطَّبِيعِيَّةِ. ومَن عَرَفَ ذَلِكَ كانَ ذا فَهْمٍ ثاقِبٍ بِالفِراسَةِ. وقَدْ عُمِلَ في ذَلِكَ كُتُبٌ، مَن تَتَبَّعَ اَلصَّحِيحَ مِنها اِطَّلَعَ عَلى صِدْقِ ما ضَمَّنُوهُ. والفِراسَةُ ضَرْبٌ مِنَ اَلظَّنِّ. وسُئِلَ بَعْضُ مُحَصِّلَةِ اَلصُّوفِيَّةِ عَنِ اَلْفَرْقِ بَيْنَهُما فَقالَ: اَلظَّنُّ بِتَقَلُّبِ اَلْقَلْبِ، والفِراسَةُ بِنُورِ اَلرَّبِّ. ومَن قَوِيَ فِيهِ نُورُ اَلرُّوحِ اَلْمَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وكانَ مِمَّنْ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] وكانَ ذَلِكَ اَلنُّورُ شاهِدًا؛ أصابَ فِيما حَكَمَ بِهِ. ومِنَ اَلْفِراسَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْمُتَلاعِنَيْنِ: ««إنَّ أمْرَهُما بَيِّنٌ، لَوْلا حُكْمُ اَللَّهِ»» .
(p-٣٧٦٦)
الحجر 15:71
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨-٧٧] ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] .
(p-٣٧٦٢)﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ: بِالإساءَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ اَلْإساءَةَ إلَيْهِمْ فَضِيحَةٌ لِلْمُضِيفِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩]
﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أيْ: عَنْ أنْ تُجِيرَ أحَدًا مِنهم، أوْ تَدْفَعَ عَنْهم، أوْ تَمْنَعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ يَقُومُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنِ اَلْمُنْكَرِ والحَجْرِ بَيْنَهم وبَيْنَ اَلْمُتَعَرِّضِ لَهُ. فَأوْعَدُوهُ وقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] أفادَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ هُودٍ مُفَصَّلًا.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ بِحَياةِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، اِعْتَرَضَ بِهِ تَعَبًا مِن شِدَّةِ غَفْلَتِهِمْ وتَكْرِيمًا لِلْمُخاطَبِ: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: غَفْلَتِهِمُ اَلَّتِي ذَهَبَتْ مَعَها أحْلامَهم: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: يَتَرَدَّدُونَ فَلا يَفْهَمُونَ ما يُقالُ لَهم. ولَمّا لَمْ يَسْمَعُوا مِنهُ اَلنَّصِيحَةَ اَلْمُبْقِيَةَ لَهم؛ أسْمَعَهُمُ اَللَّهُ اَلصَّيْحَةَ اَلْمُهْلِكَةَ لَهم.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: صَيْحَةُ اَلْعَذابِ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ اَلشَّمْسِ.
﴿فَجَعَلْنا﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: مِن تِلْكَ اَلصَّيْحَةِ اَلْمُحَرِّكَةِ لِلْأرْضِ: ﴿عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] قالَ المَهايِمِيُّ: لِجَعْلِهِمُ اَلرِّجالَ اَلْعالِينَ كالنِّساءِ اَلسّافِلاتِ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: طِينٍ مُتَحَجِّرٍ؛ لِرَجْمِهِمْ عَلى لُوُاطِهِمْ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أيِ: اَلنّاظِرِينَ بِطَرِيقٍ في اَلْآياتِ.
﴿وإنَّها﴾ [الحجر: ٧٦] يَعْنِي (p-٣٧٦٣)مَدِينَةَ قَوْمِ لُوطٍ اَلْمُدَمَّرَةَ: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] أيْ: ثابِتٍ يَسْلُكُهُ اَلنّاسُ، لَمْ يَنْدَرِسْ بَعْدُ، وهم يُبْصِرُونَ تِلْكَ اَلْآثارَ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨]
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] أيْ: في هَلاكِهِمْ لَعِبْرَةً لَهم.
تَنْبِيهانِ:
اَلْأوَّلُ: قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في " أقْسامِ اَلْقُرْآنِ ": أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ مِنَ اَلسَّلَفِ والخَلَفِ، بَلْ لا يَعْرِفُ اَلسَّلَفُ فِيهِ نِزاعًا - أنَّ هَذا - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ مِنَ اَللَّهِ بِحَياةِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وهَذا مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ أنْ يُقْسِمَ اَلرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ بِحَياتِهِ. وهَذِهِ مَزِيَّةٌ لا تُعْرَفُ لِغَيْرِهِ.
ولَمْ يُوَفَّقِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ لِذَلِكَ، فَصَرَفَ اَلْقَسَمَ إلى أنَّهُ بِحَياةِ لُوطٍ وإنَّهُ مِن قَوْلِ اَلْمَلائِكَةِ.
فَقالَ: هو عَلى إرادَةِ اَلْقَوْلِ أيْ: قالَتِ اَلْمَلائِكَةُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] اَلْآيَةَ، ولَيْسَ في اَللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى واحِدٍ مِنَ اَلْأمْرَيْنِ، بَلْ ظاهِرُ اَللَّفْظِ وسِياقُهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما فَهِمَهُ اَلسَّلَفُ أطْيَبُ، لا أهْلُ اَلتَّعْطِيلِ والِاعْتِزالِ.
قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: حَياتُكَ، قالَ: وما أقْسَمَ اَللَّهُ تَعالى بِحَياةِ نَبِيٍّ غَيْرِهِ. والَعَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ، إلّا أنَّهم خَصُّوا اَلْقَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإثْباتِ اَلْأخَفِّ؛ لِكَثْرَةِ دَوْرِ اَلْخَلَفِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ اَلْعُمْرَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَهو عُمْرٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ؛ لِمَزِيَّتِهِ عَلى كُلِّ عُمْرٍ مِن أعْمارِ بَنِي آدَمَ. ولا رَيْبَ أنَّ عُمْرَهُ وحَيّاتَهُ مِن أعْظَمِ اَلنِّعَمِ والآياتِ، فَهو أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ. والقَسَمُ بِهِ أوْلى مِنَ اَلْقَسَمِ بِغَيْرِهِ مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ (p-٣٧٦٤)قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ: وإنَّما وصَفَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ اَللُّوطِيَّةَ بِالسَّكْرَةِ؛ لِأنَّ لِلْعِشْقِ سَكْرَةً مِثْلَ سَكْرَةِ اَلْخَمْرِ كَما قالَ اَلْقائِلُ:
؎سُكْرانِ" سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدامَةٍ ومَتى إفاقَةُ مَن بِهِ سُكْرانِ
اَلثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في " اَلْإكْلِيلِ ": هَذِهِ اَلْآيَةُ أصْلٌ في اَلْفِراسَةِ. أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ««اِتَّقُوا فِراسَةَ اَلْمُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»»، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ. وقَدْ كانَ بَعْضُ قُضاةِ اَلْمالِكِيَّةِ يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ في اَلْأحْكامِ، جَرْيًا عَلى طَرِيقِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ. اِنْتَهى.
وقَدْ أجادَ اَلْكَلامَ في اَلْفِراسَةِ اَلرّاغِبُ اَلْأصْفَهانِيُّ في كِتابِ (اَلذَّرِيعَةِ) حَيْثُ قالَ في اَلْبابِ اَلسّابِعِ: وأمّا اَلْفِراسَةُ، فالِاسْتِدْلالُ بِهَيْئَةِ اَلْإنْسانِ وأشْكالِهِ وألْوانِهِ وأقْوالِهِ، عَلى أخْلاقِهِ وفَضائِلِهِ ورَذائِلِهِ.
ورُبَّما يُقالُ: هي صِناعَةٌ صَيّادَةٌ لِمَعْرِفَةِ أخْلاقِ اَلْإنْسانِ وأحْوالِهِ. وقَدْ نَبَّهَ اَللَّهُ تَعالى عَلى صِدْقِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] ولَفْظُها مِن قَوْلِهِمْ (فَرَسَ اَلسَّبْعُ اَلشّاةَ) فَكَأنَّ اَلْفِراسَةَ اِخْتِلاسُ اَلْمَعارِفِ، وذَلِكَ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عَنْ خاطِرٍ لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ اَلْإلْهامِ، بَلْ ضَرْبٌ مِنَ اَلْوَحْيِ، وإيّاهُ عَنى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ««اَلْمُؤْمِنُ (p-٣٧٦٥)يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»» وهو اَلَّذِي يُسَمّى صاحِبُهُ: اَلْمُرَوِّعُ والمُحَدِّثُ. وقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنْ يَكُنْ في هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مُحَدِّثٌ فَهو عُمَرُ»» .
وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] اَلْآيَةَ، إنَّما كانَ وحْيًا بِإلْقائِهِ في اَلرَّوْعِ، وذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وقَدْ يَكُونُ بِإلْهامٍ في حالِ اَلْيَقَظَةِ، وقَدْ يَكُونُ في حالِ اَلْمَنامِ. ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ واَلسَّلامُ: ««اَلرُّؤْيا اَلصّادِقَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ اَلنُّبُوَّةِ»» .
والضَّرْبُ اَلثّانِي مِنَ اَلْفِراسَةِ يَكُونُ بِضاعَةً مُتَعَلَّمَةً وهي مَعْرِفَةُ ما بَيْنَ اَلْألْوانِ والأشْكالِ، وما بَيْنَ اَلْأمْزِجَةِ والأخْلاقِ والأفْعالِ اَلطَّبِيعِيَّةِ. ومَن عَرَفَ ذَلِكَ كانَ ذا فَهْمٍ ثاقِبٍ بِالفِراسَةِ. وقَدْ عُمِلَ في ذَلِكَ كُتُبٌ، مَن تَتَبَّعَ اَلصَّحِيحَ مِنها اِطَّلَعَ عَلى صِدْقِ ما ضَمَّنُوهُ. والفِراسَةُ ضَرْبٌ مِنَ اَلظَّنِّ. وسُئِلَ بَعْضُ مُحَصِّلَةِ اَلصُّوفِيَّةِ عَنِ اَلْفَرْقِ بَيْنَهُما فَقالَ: اَلظَّنُّ بِتَقَلُّبِ اَلْقَلْبِ، والفِراسَةُ بِنُورِ اَلرَّبِّ. ومَن قَوِيَ فِيهِ نُورُ اَلرُّوحِ اَلْمَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وكانَ مِمَّنْ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] وكانَ ذَلِكَ اَلنُّورُ شاهِدًا؛ أصابَ فِيما حَكَمَ بِهِ. ومِنَ اَلْفِراسَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْمُتَلاعِنَيْنِ: ««إنَّ أمْرَهُما بَيِّنٌ، لَوْلا حُكْمُ اَللَّهِ»» .
(p-٣٧٦٦)
الحجر 15:72
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨-٧٧] ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] .
(p-٣٧٦٢)﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ: بِالإساءَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ اَلْإساءَةَ إلَيْهِمْ فَضِيحَةٌ لِلْمُضِيفِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩]
﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أيْ: عَنْ أنْ تُجِيرَ أحَدًا مِنهم، أوْ تَدْفَعَ عَنْهم، أوْ تَمْنَعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ يَقُومُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنِ اَلْمُنْكَرِ والحَجْرِ بَيْنَهم وبَيْنَ اَلْمُتَعَرِّضِ لَهُ. فَأوْعَدُوهُ وقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] أفادَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ هُودٍ مُفَصَّلًا.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ بِحَياةِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، اِعْتَرَضَ بِهِ تَعَبًا مِن شِدَّةِ غَفْلَتِهِمْ وتَكْرِيمًا لِلْمُخاطَبِ: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: غَفْلَتِهِمُ اَلَّتِي ذَهَبَتْ مَعَها أحْلامَهم: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: يَتَرَدَّدُونَ فَلا يَفْهَمُونَ ما يُقالُ لَهم. ولَمّا لَمْ يَسْمَعُوا مِنهُ اَلنَّصِيحَةَ اَلْمُبْقِيَةَ لَهم؛ أسْمَعَهُمُ اَللَّهُ اَلصَّيْحَةَ اَلْمُهْلِكَةَ لَهم.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: صَيْحَةُ اَلْعَذابِ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ اَلشَّمْسِ.
﴿فَجَعَلْنا﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: مِن تِلْكَ اَلصَّيْحَةِ اَلْمُحَرِّكَةِ لِلْأرْضِ: ﴿عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] قالَ المَهايِمِيُّ: لِجَعْلِهِمُ اَلرِّجالَ اَلْعالِينَ كالنِّساءِ اَلسّافِلاتِ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: طِينٍ مُتَحَجِّرٍ؛ لِرَجْمِهِمْ عَلى لُوُاطِهِمْ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أيِ: اَلنّاظِرِينَ بِطَرِيقٍ في اَلْآياتِ.
﴿وإنَّها﴾ [الحجر: ٧٦] يَعْنِي (p-٣٧٦٣)مَدِينَةَ قَوْمِ لُوطٍ اَلْمُدَمَّرَةَ: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] أيْ: ثابِتٍ يَسْلُكُهُ اَلنّاسُ، لَمْ يَنْدَرِسْ بَعْدُ، وهم يُبْصِرُونَ تِلْكَ اَلْآثارَ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨]
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] أيْ: في هَلاكِهِمْ لَعِبْرَةً لَهم.
تَنْبِيهانِ:
اَلْأوَّلُ: قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في " أقْسامِ اَلْقُرْآنِ ": أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ مِنَ اَلسَّلَفِ والخَلَفِ، بَلْ لا يَعْرِفُ اَلسَّلَفُ فِيهِ نِزاعًا - أنَّ هَذا - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ مِنَ اَللَّهِ بِحَياةِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وهَذا مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ أنْ يُقْسِمَ اَلرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ بِحَياتِهِ. وهَذِهِ مَزِيَّةٌ لا تُعْرَفُ لِغَيْرِهِ.
ولَمْ يُوَفَّقِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ لِذَلِكَ، فَصَرَفَ اَلْقَسَمَ إلى أنَّهُ بِحَياةِ لُوطٍ وإنَّهُ مِن قَوْلِ اَلْمَلائِكَةِ.
فَقالَ: هو عَلى إرادَةِ اَلْقَوْلِ أيْ: قالَتِ اَلْمَلائِكَةُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] اَلْآيَةَ، ولَيْسَ في اَللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى واحِدٍ مِنَ اَلْأمْرَيْنِ، بَلْ ظاهِرُ اَللَّفْظِ وسِياقُهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما فَهِمَهُ اَلسَّلَفُ أطْيَبُ، لا أهْلُ اَلتَّعْطِيلِ والِاعْتِزالِ.
قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: حَياتُكَ، قالَ: وما أقْسَمَ اَللَّهُ تَعالى بِحَياةِ نَبِيٍّ غَيْرِهِ. والَعَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ، إلّا أنَّهم خَصُّوا اَلْقَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإثْباتِ اَلْأخَفِّ؛ لِكَثْرَةِ دَوْرِ اَلْخَلَفِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ اَلْعُمْرَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَهو عُمْرٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ؛ لِمَزِيَّتِهِ عَلى كُلِّ عُمْرٍ مِن أعْمارِ بَنِي آدَمَ. ولا رَيْبَ أنَّ عُمْرَهُ وحَيّاتَهُ مِن أعْظَمِ اَلنِّعَمِ والآياتِ، فَهو أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ. والقَسَمُ بِهِ أوْلى مِنَ اَلْقَسَمِ بِغَيْرِهِ مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ (p-٣٧٦٤)قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ: وإنَّما وصَفَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ اَللُّوطِيَّةَ بِالسَّكْرَةِ؛ لِأنَّ لِلْعِشْقِ سَكْرَةً مِثْلَ سَكْرَةِ اَلْخَمْرِ كَما قالَ اَلْقائِلُ:
؎سُكْرانِ" سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدامَةٍ ومَتى إفاقَةُ مَن بِهِ سُكْرانِ
اَلثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في " اَلْإكْلِيلِ ": هَذِهِ اَلْآيَةُ أصْلٌ في اَلْفِراسَةِ. أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ««اِتَّقُوا فِراسَةَ اَلْمُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»»، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ. وقَدْ كانَ بَعْضُ قُضاةِ اَلْمالِكِيَّةِ يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ في اَلْأحْكامِ، جَرْيًا عَلى طَرِيقِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ. اِنْتَهى.
وقَدْ أجادَ اَلْكَلامَ في اَلْفِراسَةِ اَلرّاغِبُ اَلْأصْفَهانِيُّ في كِتابِ (اَلذَّرِيعَةِ) حَيْثُ قالَ في اَلْبابِ اَلسّابِعِ: وأمّا اَلْفِراسَةُ، فالِاسْتِدْلالُ بِهَيْئَةِ اَلْإنْسانِ وأشْكالِهِ وألْوانِهِ وأقْوالِهِ، عَلى أخْلاقِهِ وفَضائِلِهِ ورَذائِلِهِ.
ورُبَّما يُقالُ: هي صِناعَةٌ صَيّادَةٌ لِمَعْرِفَةِ أخْلاقِ اَلْإنْسانِ وأحْوالِهِ. وقَدْ نَبَّهَ اَللَّهُ تَعالى عَلى صِدْقِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] ولَفْظُها مِن قَوْلِهِمْ (فَرَسَ اَلسَّبْعُ اَلشّاةَ) فَكَأنَّ اَلْفِراسَةَ اِخْتِلاسُ اَلْمَعارِفِ، وذَلِكَ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عَنْ خاطِرٍ لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ اَلْإلْهامِ، بَلْ ضَرْبٌ مِنَ اَلْوَحْيِ، وإيّاهُ عَنى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ««اَلْمُؤْمِنُ (p-٣٧٦٥)يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»» وهو اَلَّذِي يُسَمّى صاحِبُهُ: اَلْمُرَوِّعُ والمُحَدِّثُ. وقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنْ يَكُنْ في هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مُحَدِّثٌ فَهو عُمَرُ»» .
وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] اَلْآيَةَ، إنَّما كانَ وحْيًا بِإلْقائِهِ في اَلرَّوْعِ، وذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وقَدْ يَكُونُ بِإلْهامٍ في حالِ اَلْيَقَظَةِ، وقَدْ يَكُونُ في حالِ اَلْمَنامِ. ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ واَلسَّلامُ: ««اَلرُّؤْيا اَلصّادِقَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ اَلنُّبُوَّةِ»» .
والضَّرْبُ اَلثّانِي مِنَ اَلْفِراسَةِ يَكُونُ بِضاعَةً مُتَعَلَّمَةً وهي مَعْرِفَةُ ما بَيْنَ اَلْألْوانِ والأشْكالِ، وما بَيْنَ اَلْأمْزِجَةِ والأخْلاقِ والأفْعالِ اَلطَّبِيعِيَّةِ. ومَن عَرَفَ ذَلِكَ كانَ ذا فَهْمٍ ثاقِبٍ بِالفِراسَةِ. وقَدْ عُمِلَ في ذَلِكَ كُتُبٌ، مَن تَتَبَّعَ اَلصَّحِيحَ مِنها اِطَّلَعَ عَلى صِدْقِ ما ضَمَّنُوهُ. والفِراسَةُ ضَرْبٌ مِنَ اَلظَّنِّ. وسُئِلَ بَعْضُ مُحَصِّلَةِ اَلصُّوفِيَّةِ عَنِ اَلْفَرْقِ بَيْنَهُما فَقالَ: اَلظَّنُّ بِتَقَلُّبِ اَلْقَلْبِ، والفِراسَةُ بِنُورِ اَلرَّبِّ. ومَن قَوِيَ فِيهِ نُورُ اَلرُّوحِ اَلْمَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وكانَ مِمَّنْ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] وكانَ ذَلِكَ اَلنُّورُ شاهِدًا؛ أصابَ فِيما حَكَمَ بِهِ. ومِنَ اَلْفِراسَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْمُتَلاعِنَيْنِ: ««إنَّ أمْرَهُما بَيِّنٌ، لَوْلا حُكْمُ اَللَّهِ»» .
(p-٣٧٦٦)
الحجر 15:73
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨-٧٧] ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] .
(p-٣٧٦٢)﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ: بِالإساءَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ اَلْإساءَةَ إلَيْهِمْ فَضِيحَةٌ لِلْمُضِيفِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩]
﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أيْ: عَنْ أنْ تُجِيرَ أحَدًا مِنهم، أوْ تَدْفَعَ عَنْهم، أوْ تَمْنَعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ يَقُومُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنِ اَلْمُنْكَرِ والحَجْرِ بَيْنَهم وبَيْنَ اَلْمُتَعَرِّضِ لَهُ. فَأوْعَدُوهُ وقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] أفادَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ هُودٍ مُفَصَّلًا.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ بِحَياةِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، اِعْتَرَضَ بِهِ تَعَبًا مِن شِدَّةِ غَفْلَتِهِمْ وتَكْرِيمًا لِلْمُخاطَبِ: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: غَفْلَتِهِمُ اَلَّتِي ذَهَبَتْ مَعَها أحْلامَهم: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: يَتَرَدَّدُونَ فَلا يَفْهَمُونَ ما يُقالُ لَهم. ولَمّا لَمْ يَسْمَعُوا مِنهُ اَلنَّصِيحَةَ اَلْمُبْقِيَةَ لَهم؛ أسْمَعَهُمُ اَللَّهُ اَلصَّيْحَةَ اَلْمُهْلِكَةَ لَهم.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: صَيْحَةُ اَلْعَذابِ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ اَلشَّمْسِ.
﴿فَجَعَلْنا﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: مِن تِلْكَ اَلصَّيْحَةِ اَلْمُحَرِّكَةِ لِلْأرْضِ: ﴿عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] قالَ المَهايِمِيُّ: لِجَعْلِهِمُ اَلرِّجالَ اَلْعالِينَ كالنِّساءِ اَلسّافِلاتِ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: طِينٍ مُتَحَجِّرٍ؛ لِرَجْمِهِمْ عَلى لُوُاطِهِمْ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أيِ: اَلنّاظِرِينَ بِطَرِيقٍ في اَلْآياتِ.
﴿وإنَّها﴾ [الحجر: ٧٦] يَعْنِي (p-٣٧٦٣)مَدِينَةَ قَوْمِ لُوطٍ اَلْمُدَمَّرَةَ: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] أيْ: ثابِتٍ يَسْلُكُهُ اَلنّاسُ، لَمْ يَنْدَرِسْ بَعْدُ، وهم يُبْصِرُونَ تِلْكَ اَلْآثارَ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨]
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] أيْ: في هَلاكِهِمْ لَعِبْرَةً لَهم.
تَنْبِيهانِ:
اَلْأوَّلُ: قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في " أقْسامِ اَلْقُرْآنِ ": أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ مِنَ اَلسَّلَفِ والخَلَفِ، بَلْ لا يَعْرِفُ اَلسَّلَفُ فِيهِ نِزاعًا - أنَّ هَذا - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ مِنَ اَللَّهِ بِحَياةِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وهَذا مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ أنْ يُقْسِمَ اَلرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ بِحَياتِهِ. وهَذِهِ مَزِيَّةٌ لا تُعْرَفُ لِغَيْرِهِ.
ولَمْ يُوَفَّقِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ لِذَلِكَ، فَصَرَفَ اَلْقَسَمَ إلى أنَّهُ بِحَياةِ لُوطٍ وإنَّهُ مِن قَوْلِ اَلْمَلائِكَةِ.
فَقالَ: هو عَلى إرادَةِ اَلْقَوْلِ أيْ: قالَتِ اَلْمَلائِكَةُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] اَلْآيَةَ، ولَيْسَ في اَللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى واحِدٍ مِنَ اَلْأمْرَيْنِ، بَلْ ظاهِرُ اَللَّفْظِ وسِياقُهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما فَهِمَهُ اَلسَّلَفُ أطْيَبُ، لا أهْلُ اَلتَّعْطِيلِ والِاعْتِزالِ.
قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: حَياتُكَ، قالَ: وما أقْسَمَ اَللَّهُ تَعالى بِحَياةِ نَبِيٍّ غَيْرِهِ. والَعَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ، إلّا أنَّهم خَصُّوا اَلْقَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإثْباتِ اَلْأخَفِّ؛ لِكَثْرَةِ دَوْرِ اَلْخَلَفِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ اَلْعُمْرَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَهو عُمْرٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ؛ لِمَزِيَّتِهِ عَلى كُلِّ عُمْرٍ مِن أعْمارِ بَنِي آدَمَ. ولا رَيْبَ أنَّ عُمْرَهُ وحَيّاتَهُ مِن أعْظَمِ اَلنِّعَمِ والآياتِ، فَهو أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ. والقَسَمُ بِهِ أوْلى مِنَ اَلْقَسَمِ بِغَيْرِهِ مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ (p-٣٧٦٤)قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ: وإنَّما وصَفَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ اَللُّوطِيَّةَ بِالسَّكْرَةِ؛ لِأنَّ لِلْعِشْقِ سَكْرَةً مِثْلَ سَكْرَةِ اَلْخَمْرِ كَما قالَ اَلْقائِلُ:
؎سُكْرانِ" سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدامَةٍ ومَتى إفاقَةُ مَن بِهِ سُكْرانِ
اَلثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في " اَلْإكْلِيلِ ": هَذِهِ اَلْآيَةُ أصْلٌ في اَلْفِراسَةِ. أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ««اِتَّقُوا فِراسَةَ اَلْمُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»»، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ. وقَدْ كانَ بَعْضُ قُضاةِ اَلْمالِكِيَّةِ يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ في اَلْأحْكامِ، جَرْيًا عَلى طَرِيقِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ. اِنْتَهى.
وقَدْ أجادَ اَلْكَلامَ في اَلْفِراسَةِ اَلرّاغِبُ اَلْأصْفَهانِيُّ في كِتابِ (اَلذَّرِيعَةِ) حَيْثُ قالَ في اَلْبابِ اَلسّابِعِ: وأمّا اَلْفِراسَةُ، فالِاسْتِدْلالُ بِهَيْئَةِ اَلْإنْسانِ وأشْكالِهِ وألْوانِهِ وأقْوالِهِ، عَلى أخْلاقِهِ وفَضائِلِهِ ورَذائِلِهِ.
ورُبَّما يُقالُ: هي صِناعَةٌ صَيّادَةٌ لِمَعْرِفَةِ أخْلاقِ اَلْإنْسانِ وأحْوالِهِ. وقَدْ نَبَّهَ اَللَّهُ تَعالى عَلى صِدْقِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] ولَفْظُها مِن قَوْلِهِمْ (فَرَسَ اَلسَّبْعُ اَلشّاةَ) فَكَأنَّ اَلْفِراسَةَ اِخْتِلاسُ اَلْمَعارِفِ، وذَلِكَ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عَنْ خاطِرٍ لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ اَلْإلْهامِ، بَلْ ضَرْبٌ مِنَ اَلْوَحْيِ، وإيّاهُ عَنى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ««اَلْمُؤْمِنُ (p-٣٧٦٥)يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»» وهو اَلَّذِي يُسَمّى صاحِبُهُ: اَلْمُرَوِّعُ والمُحَدِّثُ. وقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنْ يَكُنْ في هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مُحَدِّثٌ فَهو عُمَرُ»» .
وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] اَلْآيَةَ، إنَّما كانَ وحْيًا بِإلْقائِهِ في اَلرَّوْعِ، وذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وقَدْ يَكُونُ بِإلْهامٍ في حالِ اَلْيَقَظَةِ، وقَدْ يَكُونُ في حالِ اَلْمَنامِ. ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ واَلسَّلامُ: ««اَلرُّؤْيا اَلصّادِقَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ اَلنُّبُوَّةِ»» .
والضَّرْبُ اَلثّانِي مِنَ اَلْفِراسَةِ يَكُونُ بِضاعَةً مُتَعَلَّمَةً وهي مَعْرِفَةُ ما بَيْنَ اَلْألْوانِ والأشْكالِ، وما بَيْنَ اَلْأمْزِجَةِ والأخْلاقِ والأفْعالِ اَلطَّبِيعِيَّةِ. ومَن عَرَفَ ذَلِكَ كانَ ذا فَهْمٍ ثاقِبٍ بِالفِراسَةِ. وقَدْ عُمِلَ في ذَلِكَ كُتُبٌ، مَن تَتَبَّعَ اَلصَّحِيحَ مِنها اِطَّلَعَ عَلى صِدْقِ ما ضَمَّنُوهُ. والفِراسَةُ ضَرْبٌ مِنَ اَلظَّنِّ. وسُئِلَ بَعْضُ مُحَصِّلَةِ اَلصُّوفِيَّةِ عَنِ اَلْفَرْقِ بَيْنَهُما فَقالَ: اَلظَّنُّ بِتَقَلُّبِ اَلْقَلْبِ، والفِراسَةُ بِنُورِ اَلرَّبِّ. ومَن قَوِيَ فِيهِ نُورُ اَلرُّوحِ اَلْمَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وكانَ مِمَّنْ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] وكانَ ذَلِكَ اَلنُّورُ شاهِدًا؛ أصابَ فِيما حَكَمَ بِهِ. ومِنَ اَلْفِراسَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْمُتَلاعِنَيْنِ: ««إنَّ أمْرَهُما بَيِّنٌ، لَوْلا حُكْمُ اَللَّهِ»» .
(p-٣٧٦٦)
الحجر 15:74
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨-٧٧] ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] .
(p-٣٧٦٢)﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ: بِالإساءَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ اَلْإساءَةَ إلَيْهِمْ فَضِيحَةٌ لِلْمُضِيفِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩]
﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أيْ: عَنْ أنْ تُجِيرَ أحَدًا مِنهم، أوْ تَدْفَعَ عَنْهم، أوْ تَمْنَعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ يَقُومُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنِ اَلْمُنْكَرِ والحَجْرِ بَيْنَهم وبَيْنَ اَلْمُتَعَرِّضِ لَهُ. فَأوْعَدُوهُ وقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] أفادَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ هُودٍ مُفَصَّلًا.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ بِحَياةِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، اِعْتَرَضَ بِهِ تَعَبًا مِن شِدَّةِ غَفْلَتِهِمْ وتَكْرِيمًا لِلْمُخاطَبِ: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: غَفْلَتِهِمُ اَلَّتِي ذَهَبَتْ مَعَها أحْلامَهم: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: يَتَرَدَّدُونَ فَلا يَفْهَمُونَ ما يُقالُ لَهم. ولَمّا لَمْ يَسْمَعُوا مِنهُ اَلنَّصِيحَةَ اَلْمُبْقِيَةَ لَهم؛ أسْمَعَهُمُ اَللَّهُ اَلصَّيْحَةَ اَلْمُهْلِكَةَ لَهم.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: صَيْحَةُ اَلْعَذابِ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ اَلشَّمْسِ.
﴿فَجَعَلْنا﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: مِن تِلْكَ اَلصَّيْحَةِ اَلْمُحَرِّكَةِ لِلْأرْضِ: ﴿عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] قالَ المَهايِمِيُّ: لِجَعْلِهِمُ اَلرِّجالَ اَلْعالِينَ كالنِّساءِ اَلسّافِلاتِ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: طِينٍ مُتَحَجِّرٍ؛ لِرَجْمِهِمْ عَلى لُوُاطِهِمْ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أيِ: اَلنّاظِرِينَ بِطَرِيقٍ في اَلْآياتِ.
﴿وإنَّها﴾ [الحجر: ٧٦] يَعْنِي (p-٣٧٦٣)مَدِينَةَ قَوْمِ لُوطٍ اَلْمُدَمَّرَةَ: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] أيْ: ثابِتٍ يَسْلُكُهُ اَلنّاسُ، لَمْ يَنْدَرِسْ بَعْدُ، وهم يُبْصِرُونَ تِلْكَ اَلْآثارَ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨]
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] أيْ: في هَلاكِهِمْ لَعِبْرَةً لَهم.
تَنْبِيهانِ:
اَلْأوَّلُ: قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في " أقْسامِ اَلْقُرْآنِ ": أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ مِنَ اَلسَّلَفِ والخَلَفِ، بَلْ لا يَعْرِفُ اَلسَّلَفُ فِيهِ نِزاعًا - أنَّ هَذا - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ مِنَ اَللَّهِ بِحَياةِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وهَذا مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ أنْ يُقْسِمَ اَلرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ بِحَياتِهِ. وهَذِهِ مَزِيَّةٌ لا تُعْرَفُ لِغَيْرِهِ.
ولَمْ يُوَفَّقِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ لِذَلِكَ، فَصَرَفَ اَلْقَسَمَ إلى أنَّهُ بِحَياةِ لُوطٍ وإنَّهُ مِن قَوْلِ اَلْمَلائِكَةِ.
فَقالَ: هو عَلى إرادَةِ اَلْقَوْلِ أيْ: قالَتِ اَلْمَلائِكَةُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] اَلْآيَةَ، ولَيْسَ في اَللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى واحِدٍ مِنَ اَلْأمْرَيْنِ، بَلْ ظاهِرُ اَللَّفْظِ وسِياقُهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما فَهِمَهُ اَلسَّلَفُ أطْيَبُ، لا أهْلُ اَلتَّعْطِيلِ والِاعْتِزالِ.
قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: حَياتُكَ، قالَ: وما أقْسَمَ اَللَّهُ تَعالى بِحَياةِ نَبِيٍّ غَيْرِهِ. والَعَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ، إلّا أنَّهم خَصُّوا اَلْقَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإثْباتِ اَلْأخَفِّ؛ لِكَثْرَةِ دَوْرِ اَلْخَلَفِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ اَلْعُمْرَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَهو عُمْرٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ؛ لِمَزِيَّتِهِ عَلى كُلِّ عُمْرٍ مِن أعْمارِ بَنِي آدَمَ. ولا رَيْبَ أنَّ عُمْرَهُ وحَيّاتَهُ مِن أعْظَمِ اَلنِّعَمِ والآياتِ، فَهو أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ. والقَسَمُ بِهِ أوْلى مِنَ اَلْقَسَمِ بِغَيْرِهِ مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ (p-٣٧٦٤)قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ: وإنَّما وصَفَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ اَللُّوطِيَّةَ بِالسَّكْرَةِ؛ لِأنَّ لِلْعِشْقِ سَكْرَةً مِثْلَ سَكْرَةِ اَلْخَمْرِ كَما قالَ اَلْقائِلُ:
؎سُكْرانِ" سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدامَةٍ ومَتى إفاقَةُ مَن بِهِ سُكْرانِ
اَلثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في " اَلْإكْلِيلِ ": هَذِهِ اَلْآيَةُ أصْلٌ في اَلْفِراسَةِ. أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ««اِتَّقُوا فِراسَةَ اَلْمُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»»، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ. وقَدْ كانَ بَعْضُ قُضاةِ اَلْمالِكِيَّةِ يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ في اَلْأحْكامِ، جَرْيًا عَلى طَرِيقِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ. اِنْتَهى.
وقَدْ أجادَ اَلْكَلامَ في اَلْفِراسَةِ اَلرّاغِبُ اَلْأصْفَهانِيُّ في كِتابِ (اَلذَّرِيعَةِ) حَيْثُ قالَ في اَلْبابِ اَلسّابِعِ: وأمّا اَلْفِراسَةُ، فالِاسْتِدْلالُ بِهَيْئَةِ اَلْإنْسانِ وأشْكالِهِ وألْوانِهِ وأقْوالِهِ، عَلى أخْلاقِهِ وفَضائِلِهِ ورَذائِلِهِ.
ورُبَّما يُقالُ: هي صِناعَةٌ صَيّادَةٌ لِمَعْرِفَةِ أخْلاقِ اَلْإنْسانِ وأحْوالِهِ. وقَدْ نَبَّهَ اَللَّهُ تَعالى عَلى صِدْقِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] ولَفْظُها مِن قَوْلِهِمْ (فَرَسَ اَلسَّبْعُ اَلشّاةَ) فَكَأنَّ اَلْفِراسَةَ اِخْتِلاسُ اَلْمَعارِفِ، وذَلِكَ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عَنْ خاطِرٍ لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ اَلْإلْهامِ، بَلْ ضَرْبٌ مِنَ اَلْوَحْيِ، وإيّاهُ عَنى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ««اَلْمُؤْمِنُ (p-٣٧٦٥)يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»» وهو اَلَّذِي يُسَمّى صاحِبُهُ: اَلْمُرَوِّعُ والمُحَدِّثُ. وقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنْ يَكُنْ في هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مُحَدِّثٌ فَهو عُمَرُ»» .
وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] اَلْآيَةَ، إنَّما كانَ وحْيًا بِإلْقائِهِ في اَلرَّوْعِ، وذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وقَدْ يَكُونُ بِإلْهامٍ في حالِ اَلْيَقَظَةِ، وقَدْ يَكُونُ في حالِ اَلْمَنامِ. ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ واَلسَّلامُ: ««اَلرُّؤْيا اَلصّادِقَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ اَلنُّبُوَّةِ»» .
والضَّرْبُ اَلثّانِي مِنَ اَلْفِراسَةِ يَكُونُ بِضاعَةً مُتَعَلَّمَةً وهي مَعْرِفَةُ ما بَيْنَ اَلْألْوانِ والأشْكالِ، وما بَيْنَ اَلْأمْزِجَةِ والأخْلاقِ والأفْعالِ اَلطَّبِيعِيَّةِ. ومَن عَرَفَ ذَلِكَ كانَ ذا فَهْمٍ ثاقِبٍ بِالفِراسَةِ. وقَدْ عُمِلَ في ذَلِكَ كُتُبٌ، مَن تَتَبَّعَ اَلصَّحِيحَ مِنها اِطَّلَعَ عَلى صِدْقِ ما ضَمَّنُوهُ. والفِراسَةُ ضَرْبٌ مِنَ اَلظَّنِّ. وسُئِلَ بَعْضُ مُحَصِّلَةِ اَلصُّوفِيَّةِ عَنِ اَلْفَرْقِ بَيْنَهُما فَقالَ: اَلظَّنُّ بِتَقَلُّبِ اَلْقَلْبِ، والفِراسَةُ بِنُورِ اَلرَّبِّ. ومَن قَوِيَ فِيهِ نُورُ اَلرُّوحِ اَلْمَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وكانَ مِمَّنْ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] وكانَ ذَلِكَ اَلنُّورُ شاهِدًا؛ أصابَ فِيما حَكَمَ بِهِ. ومِنَ اَلْفِراسَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْمُتَلاعِنَيْنِ: ««إنَّ أمْرَهُما بَيِّنٌ، لَوْلا حُكْمُ اَللَّهِ»» .
(p-٣٧٦٦)
الحجر 15:75
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨-٧٧] ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] .
(p-٣٧٦٢)﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ: بِالإساءَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ اَلْإساءَةَ إلَيْهِمْ فَضِيحَةٌ لِلْمُضِيفِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩]
﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أيْ: عَنْ أنْ تُجِيرَ أحَدًا مِنهم، أوْ تَدْفَعَ عَنْهم، أوْ تَمْنَعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ يَقُومُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنِ اَلْمُنْكَرِ والحَجْرِ بَيْنَهم وبَيْنَ اَلْمُتَعَرِّضِ لَهُ. فَأوْعَدُوهُ وقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] أفادَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ هُودٍ مُفَصَّلًا.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ بِحَياةِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، اِعْتَرَضَ بِهِ تَعَبًا مِن شِدَّةِ غَفْلَتِهِمْ وتَكْرِيمًا لِلْمُخاطَبِ: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: غَفْلَتِهِمُ اَلَّتِي ذَهَبَتْ مَعَها أحْلامَهم: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: يَتَرَدَّدُونَ فَلا يَفْهَمُونَ ما يُقالُ لَهم. ولَمّا لَمْ يَسْمَعُوا مِنهُ اَلنَّصِيحَةَ اَلْمُبْقِيَةَ لَهم؛ أسْمَعَهُمُ اَللَّهُ اَلصَّيْحَةَ اَلْمُهْلِكَةَ لَهم.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: صَيْحَةُ اَلْعَذابِ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ اَلشَّمْسِ.
﴿فَجَعَلْنا﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: مِن تِلْكَ اَلصَّيْحَةِ اَلْمُحَرِّكَةِ لِلْأرْضِ: ﴿عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] قالَ المَهايِمِيُّ: لِجَعْلِهِمُ اَلرِّجالَ اَلْعالِينَ كالنِّساءِ اَلسّافِلاتِ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: طِينٍ مُتَحَجِّرٍ؛ لِرَجْمِهِمْ عَلى لُوُاطِهِمْ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أيِ: اَلنّاظِرِينَ بِطَرِيقٍ في اَلْآياتِ.
﴿وإنَّها﴾ [الحجر: ٧٦] يَعْنِي (p-٣٧٦٣)مَدِينَةَ قَوْمِ لُوطٍ اَلْمُدَمَّرَةَ: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] أيْ: ثابِتٍ يَسْلُكُهُ اَلنّاسُ، لَمْ يَنْدَرِسْ بَعْدُ، وهم يُبْصِرُونَ تِلْكَ اَلْآثارَ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨]
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] أيْ: في هَلاكِهِمْ لَعِبْرَةً لَهم.
تَنْبِيهانِ:
اَلْأوَّلُ: قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في " أقْسامِ اَلْقُرْآنِ ": أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ مِنَ اَلسَّلَفِ والخَلَفِ، بَلْ لا يَعْرِفُ اَلسَّلَفُ فِيهِ نِزاعًا - أنَّ هَذا - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ مِنَ اَللَّهِ بِحَياةِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وهَذا مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ أنْ يُقْسِمَ اَلرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ بِحَياتِهِ. وهَذِهِ مَزِيَّةٌ لا تُعْرَفُ لِغَيْرِهِ.
ولَمْ يُوَفَّقِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ لِذَلِكَ، فَصَرَفَ اَلْقَسَمَ إلى أنَّهُ بِحَياةِ لُوطٍ وإنَّهُ مِن قَوْلِ اَلْمَلائِكَةِ.
فَقالَ: هو عَلى إرادَةِ اَلْقَوْلِ أيْ: قالَتِ اَلْمَلائِكَةُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] اَلْآيَةَ، ولَيْسَ في اَللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى واحِدٍ مِنَ اَلْأمْرَيْنِ، بَلْ ظاهِرُ اَللَّفْظِ وسِياقُهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما فَهِمَهُ اَلسَّلَفُ أطْيَبُ، لا أهْلُ اَلتَّعْطِيلِ والِاعْتِزالِ.
قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: حَياتُكَ، قالَ: وما أقْسَمَ اَللَّهُ تَعالى بِحَياةِ نَبِيٍّ غَيْرِهِ. والَعَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ، إلّا أنَّهم خَصُّوا اَلْقَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإثْباتِ اَلْأخَفِّ؛ لِكَثْرَةِ دَوْرِ اَلْخَلَفِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ اَلْعُمْرَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَهو عُمْرٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ؛ لِمَزِيَّتِهِ عَلى كُلِّ عُمْرٍ مِن أعْمارِ بَنِي آدَمَ. ولا رَيْبَ أنَّ عُمْرَهُ وحَيّاتَهُ مِن أعْظَمِ اَلنِّعَمِ والآياتِ، فَهو أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ. والقَسَمُ بِهِ أوْلى مِنَ اَلْقَسَمِ بِغَيْرِهِ مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ (p-٣٧٦٤)قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ: وإنَّما وصَفَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ اَللُّوطِيَّةَ بِالسَّكْرَةِ؛ لِأنَّ لِلْعِشْقِ سَكْرَةً مِثْلَ سَكْرَةِ اَلْخَمْرِ كَما قالَ اَلْقائِلُ:
؎سُكْرانِ" سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدامَةٍ ومَتى إفاقَةُ مَن بِهِ سُكْرانِ
اَلثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في " اَلْإكْلِيلِ ": هَذِهِ اَلْآيَةُ أصْلٌ في اَلْفِراسَةِ. أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ««اِتَّقُوا فِراسَةَ اَلْمُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»»، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ. وقَدْ كانَ بَعْضُ قُضاةِ اَلْمالِكِيَّةِ يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ في اَلْأحْكامِ، جَرْيًا عَلى طَرِيقِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ. اِنْتَهى.
وقَدْ أجادَ اَلْكَلامَ في اَلْفِراسَةِ اَلرّاغِبُ اَلْأصْفَهانِيُّ في كِتابِ (اَلذَّرِيعَةِ) حَيْثُ قالَ في اَلْبابِ اَلسّابِعِ: وأمّا اَلْفِراسَةُ، فالِاسْتِدْلالُ بِهَيْئَةِ اَلْإنْسانِ وأشْكالِهِ وألْوانِهِ وأقْوالِهِ، عَلى أخْلاقِهِ وفَضائِلِهِ ورَذائِلِهِ.
ورُبَّما يُقالُ: هي صِناعَةٌ صَيّادَةٌ لِمَعْرِفَةِ أخْلاقِ اَلْإنْسانِ وأحْوالِهِ. وقَدْ نَبَّهَ اَللَّهُ تَعالى عَلى صِدْقِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] ولَفْظُها مِن قَوْلِهِمْ (فَرَسَ اَلسَّبْعُ اَلشّاةَ) فَكَأنَّ اَلْفِراسَةَ اِخْتِلاسُ اَلْمَعارِفِ، وذَلِكَ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عَنْ خاطِرٍ لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ اَلْإلْهامِ، بَلْ ضَرْبٌ مِنَ اَلْوَحْيِ، وإيّاهُ عَنى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ««اَلْمُؤْمِنُ (p-٣٧٦٥)يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»» وهو اَلَّذِي يُسَمّى صاحِبُهُ: اَلْمُرَوِّعُ والمُحَدِّثُ. وقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنْ يَكُنْ في هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مُحَدِّثٌ فَهو عُمَرُ»» .
وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] اَلْآيَةَ، إنَّما كانَ وحْيًا بِإلْقائِهِ في اَلرَّوْعِ، وذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وقَدْ يَكُونُ بِإلْهامٍ في حالِ اَلْيَقَظَةِ، وقَدْ يَكُونُ في حالِ اَلْمَنامِ. ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ واَلسَّلامُ: ««اَلرُّؤْيا اَلصّادِقَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ اَلنُّبُوَّةِ»» .
والضَّرْبُ اَلثّانِي مِنَ اَلْفِراسَةِ يَكُونُ بِضاعَةً مُتَعَلَّمَةً وهي مَعْرِفَةُ ما بَيْنَ اَلْألْوانِ والأشْكالِ، وما بَيْنَ اَلْأمْزِجَةِ والأخْلاقِ والأفْعالِ اَلطَّبِيعِيَّةِ. ومَن عَرَفَ ذَلِكَ كانَ ذا فَهْمٍ ثاقِبٍ بِالفِراسَةِ. وقَدْ عُمِلَ في ذَلِكَ كُتُبٌ، مَن تَتَبَّعَ اَلصَّحِيحَ مِنها اِطَّلَعَ عَلى صِدْقِ ما ضَمَّنُوهُ. والفِراسَةُ ضَرْبٌ مِنَ اَلظَّنِّ. وسُئِلَ بَعْضُ مُحَصِّلَةِ اَلصُّوفِيَّةِ عَنِ اَلْفَرْقِ بَيْنَهُما فَقالَ: اَلظَّنُّ بِتَقَلُّبِ اَلْقَلْبِ، والفِراسَةُ بِنُورِ اَلرَّبِّ. ومَن قَوِيَ فِيهِ نُورُ اَلرُّوحِ اَلْمَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وكانَ مِمَّنْ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] وكانَ ذَلِكَ اَلنُّورُ شاهِدًا؛ أصابَ فِيما حَكَمَ بِهِ. ومِنَ اَلْفِراسَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْمُتَلاعِنَيْنِ: ««إنَّ أمْرَهُما بَيِّنٌ، لَوْلا حُكْمُ اَللَّهِ»» .
(p-٣٧٦٦)
الحجر 15:76
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨-٧٧] ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] .
(p-٣٧٦٢)﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ: بِالإساءَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ اَلْإساءَةَ إلَيْهِمْ فَضِيحَةٌ لِلْمُضِيفِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩]
﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أيْ: عَنْ أنْ تُجِيرَ أحَدًا مِنهم، أوْ تَدْفَعَ عَنْهم، أوْ تَمْنَعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ يَقُومُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنِ اَلْمُنْكَرِ والحَجْرِ بَيْنَهم وبَيْنَ اَلْمُتَعَرِّضِ لَهُ. فَأوْعَدُوهُ وقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] أفادَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ هُودٍ مُفَصَّلًا.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ بِحَياةِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، اِعْتَرَضَ بِهِ تَعَبًا مِن شِدَّةِ غَفْلَتِهِمْ وتَكْرِيمًا لِلْمُخاطَبِ: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: غَفْلَتِهِمُ اَلَّتِي ذَهَبَتْ مَعَها أحْلامَهم: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: يَتَرَدَّدُونَ فَلا يَفْهَمُونَ ما يُقالُ لَهم. ولَمّا لَمْ يَسْمَعُوا مِنهُ اَلنَّصِيحَةَ اَلْمُبْقِيَةَ لَهم؛ أسْمَعَهُمُ اَللَّهُ اَلصَّيْحَةَ اَلْمُهْلِكَةَ لَهم.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: صَيْحَةُ اَلْعَذابِ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ اَلشَّمْسِ.
﴿فَجَعَلْنا﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: مِن تِلْكَ اَلصَّيْحَةِ اَلْمُحَرِّكَةِ لِلْأرْضِ: ﴿عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] قالَ المَهايِمِيُّ: لِجَعْلِهِمُ اَلرِّجالَ اَلْعالِينَ كالنِّساءِ اَلسّافِلاتِ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: طِينٍ مُتَحَجِّرٍ؛ لِرَجْمِهِمْ عَلى لُوُاطِهِمْ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أيِ: اَلنّاظِرِينَ بِطَرِيقٍ في اَلْآياتِ.
﴿وإنَّها﴾ [الحجر: ٧٦] يَعْنِي (p-٣٧٦٣)مَدِينَةَ قَوْمِ لُوطٍ اَلْمُدَمَّرَةَ: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] أيْ: ثابِتٍ يَسْلُكُهُ اَلنّاسُ، لَمْ يَنْدَرِسْ بَعْدُ، وهم يُبْصِرُونَ تِلْكَ اَلْآثارَ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨]
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] أيْ: في هَلاكِهِمْ لَعِبْرَةً لَهم.
تَنْبِيهانِ:
اَلْأوَّلُ: قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في " أقْسامِ اَلْقُرْآنِ ": أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ مِنَ اَلسَّلَفِ والخَلَفِ، بَلْ لا يَعْرِفُ اَلسَّلَفُ فِيهِ نِزاعًا - أنَّ هَذا - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ مِنَ اَللَّهِ بِحَياةِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وهَذا مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ أنْ يُقْسِمَ اَلرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ بِحَياتِهِ. وهَذِهِ مَزِيَّةٌ لا تُعْرَفُ لِغَيْرِهِ.
ولَمْ يُوَفَّقِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ لِذَلِكَ، فَصَرَفَ اَلْقَسَمَ إلى أنَّهُ بِحَياةِ لُوطٍ وإنَّهُ مِن قَوْلِ اَلْمَلائِكَةِ.
فَقالَ: هو عَلى إرادَةِ اَلْقَوْلِ أيْ: قالَتِ اَلْمَلائِكَةُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] اَلْآيَةَ، ولَيْسَ في اَللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى واحِدٍ مِنَ اَلْأمْرَيْنِ، بَلْ ظاهِرُ اَللَّفْظِ وسِياقُهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما فَهِمَهُ اَلسَّلَفُ أطْيَبُ، لا أهْلُ اَلتَّعْطِيلِ والِاعْتِزالِ.
قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: حَياتُكَ، قالَ: وما أقْسَمَ اَللَّهُ تَعالى بِحَياةِ نَبِيٍّ غَيْرِهِ. والَعَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ، إلّا أنَّهم خَصُّوا اَلْقَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإثْباتِ اَلْأخَفِّ؛ لِكَثْرَةِ دَوْرِ اَلْخَلَفِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ اَلْعُمْرَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَهو عُمْرٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ؛ لِمَزِيَّتِهِ عَلى كُلِّ عُمْرٍ مِن أعْمارِ بَنِي آدَمَ. ولا رَيْبَ أنَّ عُمْرَهُ وحَيّاتَهُ مِن أعْظَمِ اَلنِّعَمِ والآياتِ، فَهو أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ. والقَسَمُ بِهِ أوْلى مِنَ اَلْقَسَمِ بِغَيْرِهِ مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ (p-٣٧٦٤)قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ: وإنَّما وصَفَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ اَللُّوطِيَّةَ بِالسَّكْرَةِ؛ لِأنَّ لِلْعِشْقِ سَكْرَةً مِثْلَ سَكْرَةِ اَلْخَمْرِ كَما قالَ اَلْقائِلُ:
؎سُكْرانِ" سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدامَةٍ ومَتى إفاقَةُ مَن بِهِ سُكْرانِ
اَلثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في " اَلْإكْلِيلِ ": هَذِهِ اَلْآيَةُ أصْلٌ في اَلْفِراسَةِ. أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ««اِتَّقُوا فِراسَةَ اَلْمُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»»، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ. وقَدْ كانَ بَعْضُ قُضاةِ اَلْمالِكِيَّةِ يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ في اَلْأحْكامِ، جَرْيًا عَلى طَرِيقِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ. اِنْتَهى.
وقَدْ أجادَ اَلْكَلامَ في اَلْفِراسَةِ اَلرّاغِبُ اَلْأصْفَهانِيُّ في كِتابِ (اَلذَّرِيعَةِ) حَيْثُ قالَ في اَلْبابِ اَلسّابِعِ: وأمّا اَلْفِراسَةُ، فالِاسْتِدْلالُ بِهَيْئَةِ اَلْإنْسانِ وأشْكالِهِ وألْوانِهِ وأقْوالِهِ، عَلى أخْلاقِهِ وفَضائِلِهِ ورَذائِلِهِ.
ورُبَّما يُقالُ: هي صِناعَةٌ صَيّادَةٌ لِمَعْرِفَةِ أخْلاقِ اَلْإنْسانِ وأحْوالِهِ. وقَدْ نَبَّهَ اَللَّهُ تَعالى عَلى صِدْقِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] ولَفْظُها مِن قَوْلِهِمْ (فَرَسَ اَلسَّبْعُ اَلشّاةَ) فَكَأنَّ اَلْفِراسَةَ اِخْتِلاسُ اَلْمَعارِفِ، وذَلِكَ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عَنْ خاطِرٍ لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ اَلْإلْهامِ، بَلْ ضَرْبٌ مِنَ اَلْوَحْيِ، وإيّاهُ عَنى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ««اَلْمُؤْمِنُ (p-٣٧٦٥)يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»» وهو اَلَّذِي يُسَمّى صاحِبُهُ: اَلْمُرَوِّعُ والمُحَدِّثُ. وقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنْ يَكُنْ في هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مُحَدِّثٌ فَهو عُمَرُ»» .
وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] اَلْآيَةَ، إنَّما كانَ وحْيًا بِإلْقائِهِ في اَلرَّوْعِ، وذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وقَدْ يَكُونُ بِإلْهامٍ في حالِ اَلْيَقَظَةِ، وقَدْ يَكُونُ في حالِ اَلْمَنامِ. ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ واَلسَّلامُ: ««اَلرُّؤْيا اَلصّادِقَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ اَلنُّبُوَّةِ»» .
والضَّرْبُ اَلثّانِي مِنَ اَلْفِراسَةِ يَكُونُ بِضاعَةً مُتَعَلَّمَةً وهي مَعْرِفَةُ ما بَيْنَ اَلْألْوانِ والأشْكالِ، وما بَيْنَ اَلْأمْزِجَةِ والأخْلاقِ والأفْعالِ اَلطَّبِيعِيَّةِ. ومَن عَرَفَ ذَلِكَ كانَ ذا فَهْمٍ ثاقِبٍ بِالفِراسَةِ. وقَدْ عُمِلَ في ذَلِكَ كُتُبٌ، مَن تَتَبَّعَ اَلصَّحِيحَ مِنها اِطَّلَعَ عَلى صِدْقِ ما ضَمَّنُوهُ. والفِراسَةُ ضَرْبٌ مِنَ اَلظَّنِّ. وسُئِلَ بَعْضُ مُحَصِّلَةِ اَلصُّوفِيَّةِ عَنِ اَلْفَرْقِ بَيْنَهُما فَقالَ: اَلظَّنُّ بِتَقَلُّبِ اَلْقَلْبِ، والفِراسَةُ بِنُورِ اَلرَّبِّ. ومَن قَوِيَ فِيهِ نُورُ اَلرُّوحِ اَلْمَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وكانَ مِمَّنْ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] وكانَ ذَلِكَ اَلنُّورُ شاهِدًا؛ أصابَ فِيما حَكَمَ بِهِ. ومِنَ اَلْفِراسَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْمُتَلاعِنَيْنِ: ««إنَّ أمْرَهُما بَيِّنٌ، لَوْلا حُكْمُ اَللَّهِ»» .
(p-٣٧٦٦)
الحجر 15:77
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨-٧٧] ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] .
(p-٣٧٦٢)﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ: بِالإساءَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ اَلْإساءَةَ إلَيْهِمْ فَضِيحَةٌ لِلْمُضِيفِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩]
﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أيْ: عَنْ أنْ تُجِيرَ أحَدًا مِنهم، أوْ تَدْفَعَ عَنْهم، أوْ تَمْنَعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ يَقُومُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنِ اَلْمُنْكَرِ والحَجْرِ بَيْنَهم وبَيْنَ اَلْمُتَعَرِّضِ لَهُ. فَأوْعَدُوهُ وقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] أفادَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ هُودٍ مُفَصَّلًا.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ بِحَياةِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، اِعْتَرَضَ بِهِ تَعَبًا مِن شِدَّةِ غَفْلَتِهِمْ وتَكْرِيمًا لِلْمُخاطَبِ: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: غَفْلَتِهِمُ اَلَّتِي ذَهَبَتْ مَعَها أحْلامَهم: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: يَتَرَدَّدُونَ فَلا يَفْهَمُونَ ما يُقالُ لَهم. ولَمّا لَمْ يَسْمَعُوا مِنهُ اَلنَّصِيحَةَ اَلْمُبْقِيَةَ لَهم؛ أسْمَعَهُمُ اَللَّهُ اَلصَّيْحَةَ اَلْمُهْلِكَةَ لَهم.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: صَيْحَةُ اَلْعَذابِ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ اَلشَّمْسِ.
﴿فَجَعَلْنا﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: مِن تِلْكَ اَلصَّيْحَةِ اَلْمُحَرِّكَةِ لِلْأرْضِ: ﴿عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤] قالَ المَهايِمِيُّ: لِجَعْلِهِمُ اَلرِّجالَ اَلْعالِينَ كالنِّساءِ اَلسّافِلاتِ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ: طِينٍ مُتَحَجِّرٍ؛ لِرَجْمِهِمْ عَلى لُوُاطِهِمْ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أيِ: اَلنّاظِرِينَ بِطَرِيقٍ في اَلْآياتِ.
﴿وإنَّها﴾ [الحجر: ٧٦] يَعْنِي (p-٣٧٦٣)مَدِينَةَ قَوْمِ لُوطٍ اَلْمُدَمَّرَةَ: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] أيْ: ثابِتٍ يَسْلُكُهُ اَلنّاسُ، لَمْ يَنْدَرِسْ بَعْدُ، وهم يُبْصِرُونَ تِلْكَ اَلْآثارَ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨]
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] أيْ: في هَلاكِهِمْ لَعِبْرَةً لَهم.
تَنْبِيهانِ:
اَلْأوَّلُ: قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في " أقْسامِ اَلْقُرْآنِ ": أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ مِنَ اَلسَّلَفِ والخَلَفِ، بَلْ لا يَعْرِفُ اَلسَّلَفُ فِيهِ نِزاعًا - أنَّ هَذا - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَسَمٌ مِنَ اَللَّهِ بِحَياةِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وهَذا مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ أنْ يُقْسِمَ اَلرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ بِحَياتِهِ. وهَذِهِ مَزِيَّةٌ لا تُعْرَفُ لِغَيْرِهِ.
ولَمْ يُوَفَّقِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ لِذَلِكَ، فَصَرَفَ اَلْقَسَمَ إلى أنَّهُ بِحَياةِ لُوطٍ وإنَّهُ مِن قَوْلِ اَلْمَلائِكَةِ.
فَقالَ: هو عَلى إرادَةِ اَلْقَوْلِ أيْ: قالَتِ اَلْمَلائِكَةُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] اَلْآيَةَ، ولَيْسَ في اَللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى واحِدٍ مِنَ اَلْأمْرَيْنِ، بَلْ ظاهِرُ اَللَّفْظِ وسِياقُهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما فَهِمَهُ اَلسَّلَفُ أطْيَبُ، لا أهْلُ اَلتَّعْطِيلِ والِاعْتِزالِ.
قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] أيْ: حَياتُكَ، قالَ: وما أقْسَمَ اَللَّهُ تَعالى بِحَياةِ نَبِيٍّ غَيْرِهِ. والَعَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ، إلّا أنَّهم خَصُّوا اَلْقَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإثْباتِ اَلْأخَفِّ؛ لِكَثْرَةِ دَوْرِ اَلْخَلَفِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ اَلْعُمْرَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَهو عُمْرٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ؛ لِمَزِيَّتِهِ عَلى كُلِّ عُمْرٍ مِن أعْمارِ بَنِي آدَمَ. ولا رَيْبَ أنَّ عُمْرَهُ وحَيّاتَهُ مِن أعْظَمِ اَلنِّعَمِ والآياتِ، فَهو أهْلٌ أنْ يُقْسَمَ بِهِ. والقَسَمُ بِهِ أوْلى مِنَ اَلْقَسَمِ بِغَيْرِهِ مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ (p-٣٧٦٤)قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ: وإنَّما وصَفَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ اَللُّوطِيَّةَ بِالسَّكْرَةِ؛ لِأنَّ لِلْعِشْقِ سَكْرَةً مِثْلَ سَكْرَةِ اَلْخَمْرِ كَما قالَ اَلْقائِلُ:
؎سُكْرانِ" سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدامَةٍ ومَتى إفاقَةُ مَن بِهِ سُكْرانِ
اَلثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في " اَلْإكْلِيلِ ": هَذِهِ اَلْآيَةُ أصْلٌ في اَلْفِراسَةِ. أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ««اِتَّقُوا فِراسَةَ اَلْمُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»»، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ. وقَدْ كانَ بَعْضُ قُضاةِ اَلْمالِكِيَّةِ يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ في اَلْأحْكامِ، جَرْيًا عَلى طَرِيقِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ. اِنْتَهى.
وقَدْ أجادَ اَلْكَلامَ في اَلْفِراسَةِ اَلرّاغِبُ اَلْأصْفَهانِيُّ في كِتابِ (اَلذَّرِيعَةِ) حَيْثُ قالَ في اَلْبابِ اَلسّابِعِ: وأمّا اَلْفِراسَةُ، فالِاسْتِدْلالُ بِهَيْئَةِ اَلْإنْسانِ وأشْكالِهِ وألْوانِهِ وأقْوالِهِ، عَلى أخْلاقِهِ وفَضائِلِهِ ورَذائِلِهِ.
ورُبَّما يُقالُ: هي صِناعَةٌ صَيّادَةٌ لِمَعْرِفَةِ أخْلاقِ اَلْإنْسانِ وأحْوالِهِ. وقَدْ نَبَّهَ اَللَّهُ تَعالى عَلى صِدْقِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] ولَفْظُها مِن قَوْلِهِمْ (فَرَسَ اَلسَّبْعُ اَلشّاةَ) فَكَأنَّ اَلْفِراسَةَ اِخْتِلاسُ اَلْمَعارِفِ، وذَلِكَ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عَنْ خاطِرٍ لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ اَلْإلْهامِ، بَلْ ضَرْبٌ مِنَ اَلْوَحْيِ، وإيّاهُ عَنى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ««اَلْمُؤْمِنُ (p-٣٧٦٥)يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ»» وهو اَلَّذِي يُسَمّى صاحِبُهُ: اَلْمُرَوِّعُ والمُحَدِّثُ. وقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنْ يَكُنْ في هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مُحَدِّثٌ فَهو عُمَرُ»» .
وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] اَلْآيَةَ، إنَّما كانَ وحْيًا بِإلْقائِهِ في اَلرَّوْعِ، وذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وقَدْ يَكُونُ بِإلْهامٍ في حالِ اَلْيَقَظَةِ، وقَدْ يَكُونُ في حالِ اَلْمَنامِ. ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ واَلسَّلامُ: ««اَلرُّؤْيا اَلصّادِقَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ اَلنُّبُوَّةِ»» .
والضَّرْبُ اَلثّانِي مِنَ اَلْفِراسَةِ يَكُونُ بِضاعَةً مُتَعَلَّمَةً وهي مَعْرِفَةُ ما بَيْنَ اَلْألْوانِ والأشْكالِ، وما بَيْنَ اَلْأمْزِجَةِ والأخْلاقِ والأفْعالِ اَلطَّبِيعِيَّةِ. ومَن عَرَفَ ذَلِكَ كانَ ذا فَهْمٍ ثاقِبٍ بِالفِراسَةِ. وقَدْ عُمِلَ في ذَلِكَ كُتُبٌ، مَن تَتَبَّعَ اَلصَّحِيحَ مِنها اِطَّلَعَ عَلى صِدْقِ ما ضَمَّنُوهُ. والفِراسَةُ ضَرْبٌ مِنَ اَلظَّنِّ. وسُئِلَ بَعْضُ مُحَصِّلَةِ اَلصُّوفِيَّةِ عَنِ اَلْفَرْقِ بَيْنَهُما فَقالَ: اَلظَّنُّ بِتَقَلُّبِ اَلْقَلْبِ، والفِراسَةُ بِنُورِ اَلرَّبِّ. ومَن قَوِيَ فِيهِ نُورُ اَلرُّوحِ اَلْمَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وكانَ مِمَّنْ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] وكانَ ذَلِكَ اَلنُّورُ شاهِدًا؛ أصابَ فِيما حَكَمَ بِهِ. ومِنَ اَلْفِراسَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْمُتَلاعِنَيْنِ: ««إنَّ أمْرَهُما بَيِّنٌ، لَوْلا حُكْمُ اَللَّهِ»» .
(p-٣٧٦٦)
الحجر 15:78
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨-٨١] ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الحجر: ٨١] .
﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ اَلشَّأْنِ مَحْذُوفٌ. أيْ: وإنَّ اَلشَّأْنَ كانَ أصْحابَ اَلْأيْكَةِ، وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. كانُوا يَسْكُنُونَ أيْكَةً، وهي بُقْعَةٌ كَثِيرَةُ اَلْأشْجارِ، فَظَلَمُوا بِأنْواعٍ مِنَ اَلظُّلْمِ، مِن شِرْكِهِمْ بِاَللَّهِ وقَطْعِهِمُ اَلطَّرِيقَ ونَقْصِهُمُ اَلْمِكْيالَ والمِيزانَ. فَبَعَثَ اَللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَكَذَّبُوهُ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الحجر: ٧٩] أيْ: بِعَذابِ اَلظُّلَّةِ، وهي: سَحابَةٌ أظَلَّتْهم بِنارٍ تَقاذَفَتْ مِنها، فَأحْرَقَتْهم: ﴿وإنَّهُما﴾ [الحجر: ٧٩] يَعْنِي قُرى قَوْمِ لُوطٍ والأيْكَةِ: ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] أيْ: طَرِيقٍ واضِحٍ. وقَدْ كانُوا قَرِيبًا مِن قَوْمِ لُوطٍ، بَعْدَهم في اَلزَّمانِ ومُسامَتَيْنِ لَهم في اَلْمَكانِ. ولِهَذا لَمّا أنْذَرَهم شُعَيْبٌ قالَ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩]
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] يَعْنِي ثَمُودَ، كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. ومَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، فَقَدْ كَذَّبَ اَلْجَمِيعَ؛ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى اَلتَّوْحِيدِ والأُصُولِ اَلَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ اَلْأُمَمِ والأعْصارِ. و(اَلْحِجْرُ): وادٍ بَيْنَ اَلْمَدِينَةِ والشّامِ كانُوا يَسْكُنُونَهُ مَعْرُوفٌ، يَجْتازُهُ رَكْبُ اَلْحَجِّ اَلشّامِيِّ.
﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الحجر: ٨١] يَعْنِي بِالآياتِ ما دَلَّهم عَلى صِدْقِ دَعْوى نَبِيِّهِمْ، كالنّاقَةِ اَلَّتِي أخْرَجَها اَللَّهُ لَهم بِدُعاءِ صالِحٍ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، وكانَتْ تَسْرَحُ في بِلادِهِمْ: (p-٣٧٦٧)﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] فَلَمّا عَتَوْا وعَقَرُوها، قالَ: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]
الحجر 15:79
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨-٨١] ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الحجر: ٨١] .
﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ اَلشَّأْنِ مَحْذُوفٌ. أيْ: وإنَّ اَلشَّأْنَ كانَ أصْحابَ اَلْأيْكَةِ، وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. كانُوا يَسْكُنُونَ أيْكَةً، وهي بُقْعَةٌ كَثِيرَةُ اَلْأشْجارِ، فَظَلَمُوا بِأنْواعٍ مِنَ اَلظُّلْمِ، مِن شِرْكِهِمْ بِاَللَّهِ وقَطْعِهِمُ اَلطَّرِيقَ ونَقْصِهُمُ اَلْمِكْيالَ والمِيزانَ. فَبَعَثَ اَللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَكَذَّبُوهُ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الحجر: ٧٩] أيْ: بِعَذابِ اَلظُّلَّةِ، وهي: سَحابَةٌ أظَلَّتْهم بِنارٍ تَقاذَفَتْ مِنها، فَأحْرَقَتْهم: ﴿وإنَّهُما﴾ [الحجر: ٧٩] يَعْنِي قُرى قَوْمِ لُوطٍ والأيْكَةِ: ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] أيْ: طَرِيقٍ واضِحٍ. وقَدْ كانُوا قَرِيبًا مِن قَوْمِ لُوطٍ، بَعْدَهم في اَلزَّمانِ ومُسامَتَيْنِ لَهم في اَلْمَكانِ. ولِهَذا لَمّا أنْذَرَهم شُعَيْبٌ قالَ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩]
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] يَعْنِي ثَمُودَ، كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. ومَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، فَقَدْ كَذَّبَ اَلْجَمِيعَ؛ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى اَلتَّوْحِيدِ والأُصُولِ اَلَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ اَلْأُمَمِ والأعْصارِ. و(اَلْحِجْرُ): وادٍ بَيْنَ اَلْمَدِينَةِ والشّامِ كانُوا يَسْكُنُونَهُ مَعْرُوفٌ، يَجْتازُهُ رَكْبُ اَلْحَجِّ اَلشّامِيِّ.
﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الحجر: ٨١] يَعْنِي بِالآياتِ ما دَلَّهم عَلى صِدْقِ دَعْوى نَبِيِّهِمْ، كالنّاقَةِ اَلَّتِي أخْرَجَها اَللَّهُ لَهم بِدُعاءِ صالِحٍ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، وكانَتْ تَسْرَحُ في بِلادِهِمْ: (p-٣٧٦٧)﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] فَلَمّا عَتَوْا وعَقَرُوها، قالَ: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]
الحجر 15:80
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨-٨١] ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الحجر: ٨١] .
﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ اَلشَّأْنِ مَحْذُوفٌ. أيْ: وإنَّ اَلشَّأْنَ كانَ أصْحابَ اَلْأيْكَةِ، وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. كانُوا يَسْكُنُونَ أيْكَةً، وهي بُقْعَةٌ كَثِيرَةُ اَلْأشْجارِ، فَظَلَمُوا بِأنْواعٍ مِنَ اَلظُّلْمِ، مِن شِرْكِهِمْ بِاَللَّهِ وقَطْعِهِمُ اَلطَّرِيقَ ونَقْصِهُمُ اَلْمِكْيالَ والمِيزانَ. فَبَعَثَ اَللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَكَذَّبُوهُ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الحجر: ٧٩] أيْ: بِعَذابِ اَلظُّلَّةِ، وهي: سَحابَةٌ أظَلَّتْهم بِنارٍ تَقاذَفَتْ مِنها، فَأحْرَقَتْهم: ﴿وإنَّهُما﴾ [الحجر: ٧٩] يَعْنِي قُرى قَوْمِ لُوطٍ والأيْكَةِ: ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] أيْ: طَرِيقٍ واضِحٍ. وقَدْ كانُوا قَرِيبًا مِن قَوْمِ لُوطٍ، بَعْدَهم في اَلزَّمانِ ومُسامَتَيْنِ لَهم في اَلْمَكانِ. ولِهَذا لَمّا أنْذَرَهم شُعَيْبٌ قالَ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩]
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] يَعْنِي ثَمُودَ، كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. ومَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، فَقَدْ كَذَّبَ اَلْجَمِيعَ؛ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى اَلتَّوْحِيدِ والأُصُولِ اَلَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ اَلْأُمَمِ والأعْصارِ. و(اَلْحِجْرُ): وادٍ بَيْنَ اَلْمَدِينَةِ والشّامِ كانُوا يَسْكُنُونَهُ مَعْرُوفٌ، يَجْتازُهُ رَكْبُ اَلْحَجِّ اَلشّامِيِّ.
﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الحجر: ٨١] يَعْنِي بِالآياتِ ما دَلَّهم عَلى صِدْقِ دَعْوى نَبِيِّهِمْ، كالنّاقَةِ اَلَّتِي أخْرَجَها اَللَّهُ لَهم بِدُعاءِ صالِحٍ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، وكانَتْ تَسْرَحُ في بِلادِهِمْ: (p-٣٧٦٧)﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] فَلَمّا عَتَوْا وعَقَرُوها، قالَ: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]
الحجر 15:81
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨-٨١] ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الحجر: ٨١] .
﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ اَلشَّأْنِ مَحْذُوفٌ. أيْ: وإنَّ اَلشَّأْنَ كانَ أصْحابَ اَلْأيْكَةِ، وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. كانُوا يَسْكُنُونَ أيْكَةً، وهي بُقْعَةٌ كَثِيرَةُ اَلْأشْجارِ، فَظَلَمُوا بِأنْواعٍ مِنَ اَلظُّلْمِ، مِن شِرْكِهِمْ بِاَللَّهِ وقَطْعِهِمُ اَلطَّرِيقَ ونَقْصِهُمُ اَلْمِكْيالَ والمِيزانَ. فَبَعَثَ اَللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَكَذَّبُوهُ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الحجر: ٧٩] أيْ: بِعَذابِ اَلظُّلَّةِ، وهي: سَحابَةٌ أظَلَّتْهم بِنارٍ تَقاذَفَتْ مِنها، فَأحْرَقَتْهم: ﴿وإنَّهُما﴾ [الحجر: ٧٩] يَعْنِي قُرى قَوْمِ لُوطٍ والأيْكَةِ: ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] أيْ: طَرِيقٍ واضِحٍ. وقَدْ كانُوا قَرِيبًا مِن قَوْمِ لُوطٍ، بَعْدَهم في اَلزَّمانِ ومُسامَتَيْنِ لَهم في اَلْمَكانِ. ولِهَذا لَمّا أنْذَرَهم شُعَيْبٌ قالَ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩]
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] يَعْنِي ثَمُودَ، كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. ومَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، فَقَدْ كَذَّبَ اَلْجَمِيعَ؛ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى اَلتَّوْحِيدِ والأُصُولِ اَلَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ اَلْأُمَمِ والأعْصارِ. و(اَلْحِجْرُ): وادٍ بَيْنَ اَلْمَدِينَةِ والشّامِ كانُوا يَسْكُنُونَهُ مَعْرُوفٌ، يَجْتازُهُ رَكْبُ اَلْحَجِّ اَلشّامِيِّ.
﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الحجر: ٨١] يَعْنِي بِالآياتِ ما دَلَّهم عَلى صِدْقِ دَعْوى نَبِيِّهِمْ، كالنّاقَةِ اَلَّتِي أخْرَجَها اَللَّهُ لَهم بِدُعاءِ صالِحٍ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، وكانَتْ تَسْرَحُ في بِلادِهِمْ: (p-٣٧٦٧)﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] فَلَمّا عَتَوْا وعَقَرُوها، قالَ: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]
الحجر 15:82
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢-٨٧] ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٤] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] .
﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ أيْ: مِن حَوادِثِ اَلدَّهْرِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] أيْ: وقْتَ اَلصَّباحِ مِنَ اَلْيَوْمِ اَلرّابِعِ. وفي سُورَةِ اَلْأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] أيِ: اَلزَّلْزَلَةُ، وهي مِن تَوابِعِ اَلصَّيْحَةِ. أوْ هي مَجازٌ عَنْها.
﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٤] أيْ: ما كانُوا يَسْتَغِلُّونَهُ مِن زُرُوعِهِمْ وثِمارِهِمُ اَلَّتِي ضَنُّوا بِمائِها عَنِ اَلنّاقَةِ، حَتّى عَقَرُوها؛ لِئَلّا تَضِيقَ في اَلْمِياهِ، فَما دَفَعَتْ عَنْهم تِلْكَ اَلْأمْوالُ لَمّا جاءَ أمْرُهُ تَعالى.
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: إلّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ والحِكْمَةِ اَلثّابِتَةِ، اَلَّتِي لا تَقْبَلُ اَلتَّغَيُّرَ. وهي اَلِاسْتِدْلالُ بِها عَلى اَلصّانِعِ وصِفاتِهِ (p-٣٧٦٨)وأسْمائِهِ وأفْعالِهِ لِيَعْرِفُوهُ فَيَعْبُدُوهُ، بِحَيْثُ لا يُلائِمُ اِسْتِمْرارَ اَلْفَسادِ. ولِذَلِكَ اِقْتَضَتِ اَلْحِكْمَةُ إرْسالَ اَلرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ: ﴿وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: فَيَجْزِي كُلًّا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: عامِلْهم مُعامَلَةَ اَلصَّفُوحِ اَلْحَكِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] تَقْرِيرٌ لِلْمَعادِ، وأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ اَلسّاعَةِ. فَإنَّهُ اَلْخَلّاقُ اَلَّذِي لا يُعْجِزُهُ خَلْقُ شَيْءٍ، اَلْعَلِيمُ بِما تَمَزَّقَ مِنَ اَلْأجْسادِ وتَفَرَّقَ في سائِرِ أقْطارِ اَلْأرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]
﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] قالَ اَلرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَهُ عَلى أذى قَوْمِهِ وأمَرَهُ بِأنْ يَصْفَحَ اَلصَّفْحَ اَلْجَمِيلَ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اَلنِّعَمِ اَلْعَظِيمَةِ اَلَّتِي خَصَّهُ بِها؛ لِأنَّ اَلْإنْسانَ إذا تَذَكَّرَ نِعَمَ اَللَّهِ عَلَيْهِ، سَهُلَ عَلَيْهِ اَلصَّفْحُ والتَّجاوُزُ.
و(السَّبْعُ اَلْمَثانِي ) هو اَلْقُرْآنُ كُلُّهُ كَما قالَهُ اِبْنُ اَلْعَبّاسِ في رِوايَةِ طاوُسٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] لِعَطْفِ اَلصِّفَةِ، كَقَوْلِ اَلشّاعِرِ:
؎إلى اَلْمَلِكِ اَلْقَرِمِ وابْنِ اَلْهُمامِ ولَيْثِ اَلْكَتِيبَةِ في اَلْمُزْدَحَمْ
و(اَلسَّبْعُ ): يُرادُ بِها اَلْكَثْرَةُ في اَلْآحادِ، كالسَّبْعِينَ في اَلْعَشَراتِ. و( اَلْمَثانِي) جَمْعُ مَثْنى بِمَعْنى اَلتَّثْنِيَةِ أوِ اَلثَّناءِ، فَإنَّهُ تَكَرَّرَ قِراءَتُهُ أوْ ألْفاظُهُ أوْ قِصَصُهُ ومَواعِظُهُ. أوْ مُثَنّى عَلَيْهِ بِالبَلاغَةِ والإعْجازِ. أوْ مُثَنّى عَلى اَللَّهِ تَعالى بِأفْعالِهِ اَلْعُظْمى وصِفاتِهِ اَلْحُسْنى.
(p-٣٧٦٩)وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ اَلسَّلَفِ تَفْسِيرُ اَلسَّبْعِ بِالسُّوَرِ اَلطِّوالِ اَلْأُوَلِ، وهَذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ، إلّا أنَّ اَللَّفْظَ اَلْكَرِيمَ يَتَناوَلُها، لا أنَّها هي اَلْمَعْنِيَّةُ. كَيْفَ لا وهَذِهِ اَلسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وتِلْكَ مَدَنِيّاتٌ ؟ كالقَوْلِ بِأنَّها اَلْفاتِحَةُ سَواءٌ. وأمّا حَدِيثُ: ««اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ هي اَلسَّبْعُ اَلْمَثانِي والقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ اَلَّذِي أُوتِيتُهُ»» عِنْدَ اَلشَّيْخَيْنِ؛ فَمَعْناهُ أنَّها مِنَ اَلسَّبْعِ، لِعَطْفِ قَوْلِهِ: ««والقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ اَلَّذِي أُوتِيتُهُ»» ولَوْ كانَ اَلْقَصْرُ عَلى بابِهِ، لَناقَضَهُ لِمَعْطُوفٍ؛ لِاقْتِضائِهِ أنَّها هو لا غَيْرُهُ. وبَداهَةُ بُطْلانِهِ لا تَخْفى.
وسِرُّ اَلْإخْبارِ بِأنَّها اَلسَّبْعُ، كَوْنُ اَلْفاتِحَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى مُجْمَلِ ما في اَلْقُرْآنِ. وكُلُّ ما فِيهِ تَفْصِيلٌ لِلْأُصُولِ اَلَّتِي وُضِعَتْ فِيها، كَما بَيَّنَهُ اَلْإمامُ مُفْتِي مِصْرَ في (تَفْسِيرِ اَلْفاتِحَةِ) فَراجِعْهُ. هَذا ما ظَهَرَ لِي اَلْآنَ في تَحْقِيقِ اَلْآيَةِ.
ولِلْأثَرِيِّ اَلْواقِفِ مَعَ ظاهِرِ ما صَحَّ مِنَ اَلْأخْبارِ، اَلْجازِمِ بِأنَّ اَلسَّبْعَ في اَلْآيَةِ هي اَلْفاتِحَةُ لِظاهِرِ اَلْحَدِيثِ، أنْ يُجِيبَ عَنِ اَلْقَصْرِ بِأنَّ اَلْمُرادَ بِالمَعْطُوفِ اَلْقُرْآنُ بِمَعْنى اَلْمَقْرُوءِ، لا بِمَعْنى اَلْكِتابِ كُلِّهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:83
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢-٨٧] ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٤] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] .
﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ أيْ: مِن حَوادِثِ اَلدَّهْرِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] أيْ: وقْتَ اَلصَّباحِ مِنَ اَلْيَوْمِ اَلرّابِعِ. وفي سُورَةِ اَلْأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] أيِ: اَلزَّلْزَلَةُ، وهي مِن تَوابِعِ اَلصَّيْحَةِ. أوْ هي مَجازٌ عَنْها.
﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٤] أيْ: ما كانُوا يَسْتَغِلُّونَهُ مِن زُرُوعِهِمْ وثِمارِهِمُ اَلَّتِي ضَنُّوا بِمائِها عَنِ اَلنّاقَةِ، حَتّى عَقَرُوها؛ لِئَلّا تَضِيقَ في اَلْمِياهِ، فَما دَفَعَتْ عَنْهم تِلْكَ اَلْأمْوالُ لَمّا جاءَ أمْرُهُ تَعالى.
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: إلّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ والحِكْمَةِ اَلثّابِتَةِ، اَلَّتِي لا تَقْبَلُ اَلتَّغَيُّرَ. وهي اَلِاسْتِدْلالُ بِها عَلى اَلصّانِعِ وصِفاتِهِ (p-٣٧٦٨)وأسْمائِهِ وأفْعالِهِ لِيَعْرِفُوهُ فَيَعْبُدُوهُ، بِحَيْثُ لا يُلائِمُ اِسْتِمْرارَ اَلْفَسادِ. ولِذَلِكَ اِقْتَضَتِ اَلْحِكْمَةُ إرْسالَ اَلرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ: ﴿وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: فَيَجْزِي كُلًّا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: عامِلْهم مُعامَلَةَ اَلصَّفُوحِ اَلْحَكِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] تَقْرِيرٌ لِلْمَعادِ، وأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ اَلسّاعَةِ. فَإنَّهُ اَلْخَلّاقُ اَلَّذِي لا يُعْجِزُهُ خَلْقُ شَيْءٍ، اَلْعَلِيمُ بِما تَمَزَّقَ مِنَ اَلْأجْسادِ وتَفَرَّقَ في سائِرِ أقْطارِ اَلْأرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]
﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] قالَ اَلرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَهُ عَلى أذى قَوْمِهِ وأمَرَهُ بِأنْ يَصْفَحَ اَلصَّفْحَ اَلْجَمِيلَ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اَلنِّعَمِ اَلْعَظِيمَةِ اَلَّتِي خَصَّهُ بِها؛ لِأنَّ اَلْإنْسانَ إذا تَذَكَّرَ نِعَمَ اَللَّهِ عَلَيْهِ، سَهُلَ عَلَيْهِ اَلصَّفْحُ والتَّجاوُزُ.
و(السَّبْعُ اَلْمَثانِي ) هو اَلْقُرْآنُ كُلُّهُ كَما قالَهُ اِبْنُ اَلْعَبّاسِ في رِوايَةِ طاوُسٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] لِعَطْفِ اَلصِّفَةِ، كَقَوْلِ اَلشّاعِرِ:
؎إلى اَلْمَلِكِ اَلْقَرِمِ وابْنِ اَلْهُمامِ ولَيْثِ اَلْكَتِيبَةِ في اَلْمُزْدَحَمْ
و(اَلسَّبْعُ ): يُرادُ بِها اَلْكَثْرَةُ في اَلْآحادِ، كالسَّبْعِينَ في اَلْعَشَراتِ. و( اَلْمَثانِي) جَمْعُ مَثْنى بِمَعْنى اَلتَّثْنِيَةِ أوِ اَلثَّناءِ، فَإنَّهُ تَكَرَّرَ قِراءَتُهُ أوْ ألْفاظُهُ أوْ قِصَصُهُ ومَواعِظُهُ. أوْ مُثَنّى عَلَيْهِ بِالبَلاغَةِ والإعْجازِ. أوْ مُثَنّى عَلى اَللَّهِ تَعالى بِأفْعالِهِ اَلْعُظْمى وصِفاتِهِ اَلْحُسْنى.
(p-٣٧٦٩)وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ اَلسَّلَفِ تَفْسِيرُ اَلسَّبْعِ بِالسُّوَرِ اَلطِّوالِ اَلْأُوَلِ، وهَذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ، إلّا أنَّ اَللَّفْظَ اَلْكَرِيمَ يَتَناوَلُها، لا أنَّها هي اَلْمَعْنِيَّةُ. كَيْفَ لا وهَذِهِ اَلسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وتِلْكَ مَدَنِيّاتٌ ؟ كالقَوْلِ بِأنَّها اَلْفاتِحَةُ سَواءٌ. وأمّا حَدِيثُ: ««اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ هي اَلسَّبْعُ اَلْمَثانِي والقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ اَلَّذِي أُوتِيتُهُ»» عِنْدَ اَلشَّيْخَيْنِ؛ فَمَعْناهُ أنَّها مِنَ اَلسَّبْعِ، لِعَطْفِ قَوْلِهِ: ««والقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ اَلَّذِي أُوتِيتُهُ»» ولَوْ كانَ اَلْقَصْرُ عَلى بابِهِ، لَناقَضَهُ لِمَعْطُوفٍ؛ لِاقْتِضائِهِ أنَّها هو لا غَيْرُهُ. وبَداهَةُ بُطْلانِهِ لا تَخْفى.
وسِرُّ اَلْإخْبارِ بِأنَّها اَلسَّبْعُ، كَوْنُ اَلْفاتِحَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى مُجْمَلِ ما في اَلْقُرْآنِ. وكُلُّ ما فِيهِ تَفْصِيلٌ لِلْأُصُولِ اَلَّتِي وُضِعَتْ فِيها، كَما بَيَّنَهُ اَلْإمامُ مُفْتِي مِصْرَ في (تَفْسِيرِ اَلْفاتِحَةِ) فَراجِعْهُ. هَذا ما ظَهَرَ لِي اَلْآنَ في تَحْقِيقِ اَلْآيَةِ.
ولِلْأثَرِيِّ اَلْواقِفِ مَعَ ظاهِرِ ما صَحَّ مِنَ اَلْأخْبارِ، اَلْجازِمِ بِأنَّ اَلسَّبْعَ في اَلْآيَةِ هي اَلْفاتِحَةُ لِظاهِرِ اَلْحَدِيثِ، أنْ يُجِيبَ عَنِ اَلْقَصْرِ بِأنَّ اَلْمُرادَ بِالمَعْطُوفِ اَلْقُرْآنُ بِمَعْنى اَلْمَقْرُوءِ، لا بِمَعْنى اَلْكِتابِ كُلِّهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:84
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢-٨٧] ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٤] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] .
﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ أيْ: مِن حَوادِثِ اَلدَّهْرِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] أيْ: وقْتَ اَلصَّباحِ مِنَ اَلْيَوْمِ اَلرّابِعِ. وفي سُورَةِ اَلْأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] أيِ: اَلزَّلْزَلَةُ، وهي مِن تَوابِعِ اَلصَّيْحَةِ. أوْ هي مَجازٌ عَنْها.
﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٤] أيْ: ما كانُوا يَسْتَغِلُّونَهُ مِن زُرُوعِهِمْ وثِمارِهِمُ اَلَّتِي ضَنُّوا بِمائِها عَنِ اَلنّاقَةِ، حَتّى عَقَرُوها؛ لِئَلّا تَضِيقَ في اَلْمِياهِ، فَما دَفَعَتْ عَنْهم تِلْكَ اَلْأمْوالُ لَمّا جاءَ أمْرُهُ تَعالى.
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: إلّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ والحِكْمَةِ اَلثّابِتَةِ، اَلَّتِي لا تَقْبَلُ اَلتَّغَيُّرَ. وهي اَلِاسْتِدْلالُ بِها عَلى اَلصّانِعِ وصِفاتِهِ (p-٣٧٦٨)وأسْمائِهِ وأفْعالِهِ لِيَعْرِفُوهُ فَيَعْبُدُوهُ، بِحَيْثُ لا يُلائِمُ اِسْتِمْرارَ اَلْفَسادِ. ولِذَلِكَ اِقْتَضَتِ اَلْحِكْمَةُ إرْسالَ اَلرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ: ﴿وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: فَيَجْزِي كُلًّا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: عامِلْهم مُعامَلَةَ اَلصَّفُوحِ اَلْحَكِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] تَقْرِيرٌ لِلْمَعادِ، وأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ اَلسّاعَةِ. فَإنَّهُ اَلْخَلّاقُ اَلَّذِي لا يُعْجِزُهُ خَلْقُ شَيْءٍ، اَلْعَلِيمُ بِما تَمَزَّقَ مِنَ اَلْأجْسادِ وتَفَرَّقَ في سائِرِ أقْطارِ اَلْأرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]
﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] قالَ اَلرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَهُ عَلى أذى قَوْمِهِ وأمَرَهُ بِأنْ يَصْفَحَ اَلصَّفْحَ اَلْجَمِيلَ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اَلنِّعَمِ اَلْعَظِيمَةِ اَلَّتِي خَصَّهُ بِها؛ لِأنَّ اَلْإنْسانَ إذا تَذَكَّرَ نِعَمَ اَللَّهِ عَلَيْهِ، سَهُلَ عَلَيْهِ اَلصَّفْحُ والتَّجاوُزُ.
و(السَّبْعُ اَلْمَثانِي ) هو اَلْقُرْآنُ كُلُّهُ كَما قالَهُ اِبْنُ اَلْعَبّاسِ في رِوايَةِ طاوُسٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] لِعَطْفِ اَلصِّفَةِ، كَقَوْلِ اَلشّاعِرِ:
؎إلى اَلْمَلِكِ اَلْقَرِمِ وابْنِ اَلْهُمامِ ولَيْثِ اَلْكَتِيبَةِ في اَلْمُزْدَحَمْ
و(اَلسَّبْعُ ): يُرادُ بِها اَلْكَثْرَةُ في اَلْآحادِ، كالسَّبْعِينَ في اَلْعَشَراتِ. و( اَلْمَثانِي) جَمْعُ مَثْنى بِمَعْنى اَلتَّثْنِيَةِ أوِ اَلثَّناءِ، فَإنَّهُ تَكَرَّرَ قِراءَتُهُ أوْ ألْفاظُهُ أوْ قِصَصُهُ ومَواعِظُهُ. أوْ مُثَنّى عَلَيْهِ بِالبَلاغَةِ والإعْجازِ. أوْ مُثَنّى عَلى اَللَّهِ تَعالى بِأفْعالِهِ اَلْعُظْمى وصِفاتِهِ اَلْحُسْنى.
(p-٣٧٦٩)وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ اَلسَّلَفِ تَفْسِيرُ اَلسَّبْعِ بِالسُّوَرِ اَلطِّوالِ اَلْأُوَلِ، وهَذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ، إلّا أنَّ اَللَّفْظَ اَلْكَرِيمَ يَتَناوَلُها، لا أنَّها هي اَلْمَعْنِيَّةُ. كَيْفَ لا وهَذِهِ اَلسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وتِلْكَ مَدَنِيّاتٌ ؟ كالقَوْلِ بِأنَّها اَلْفاتِحَةُ سَواءٌ. وأمّا حَدِيثُ: ««اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ هي اَلسَّبْعُ اَلْمَثانِي والقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ اَلَّذِي أُوتِيتُهُ»» عِنْدَ اَلشَّيْخَيْنِ؛ فَمَعْناهُ أنَّها مِنَ اَلسَّبْعِ، لِعَطْفِ قَوْلِهِ: ««والقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ اَلَّذِي أُوتِيتُهُ»» ولَوْ كانَ اَلْقَصْرُ عَلى بابِهِ، لَناقَضَهُ لِمَعْطُوفٍ؛ لِاقْتِضائِهِ أنَّها هو لا غَيْرُهُ. وبَداهَةُ بُطْلانِهِ لا تَخْفى.
وسِرُّ اَلْإخْبارِ بِأنَّها اَلسَّبْعُ، كَوْنُ اَلْفاتِحَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى مُجْمَلِ ما في اَلْقُرْآنِ. وكُلُّ ما فِيهِ تَفْصِيلٌ لِلْأُصُولِ اَلَّتِي وُضِعَتْ فِيها، كَما بَيَّنَهُ اَلْإمامُ مُفْتِي مِصْرَ في (تَفْسِيرِ اَلْفاتِحَةِ) فَراجِعْهُ. هَذا ما ظَهَرَ لِي اَلْآنَ في تَحْقِيقِ اَلْآيَةِ.
ولِلْأثَرِيِّ اَلْواقِفِ مَعَ ظاهِرِ ما صَحَّ مِنَ اَلْأخْبارِ، اَلْجازِمِ بِأنَّ اَلسَّبْعَ في اَلْآيَةِ هي اَلْفاتِحَةُ لِظاهِرِ اَلْحَدِيثِ، أنْ يُجِيبَ عَنِ اَلْقَصْرِ بِأنَّ اَلْمُرادَ بِالمَعْطُوفِ اَلْقُرْآنُ بِمَعْنى اَلْمَقْرُوءِ، لا بِمَعْنى اَلْكِتابِ كُلِّهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:85
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢-٨٧] ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٤] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] .
﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ أيْ: مِن حَوادِثِ اَلدَّهْرِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] أيْ: وقْتَ اَلصَّباحِ مِنَ اَلْيَوْمِ اَلرّابِعِ. وفي سُورَةِ اَلْأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] أيِ: اَلزَّلْزَلَةُ، وهي مِن تَوابِعِ اَلصَّيْحَةِ. أوْ هي مَجازٌ عَنْها.
﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٤] أيْ: ما كانُوا يَسْتَغِلُّونَهُ مِن زُرُوعِهِمْ وثِمارِهِمُ اَلَّتِي ضَنُّوا بِمائِها عَنِ اَلنّاقَةِ، حَتّى عَقَرُوها؛ لِئَلّا تَضِيقَ في اَلْمِياهِ، فَما دَفَعَتْ عَنْهم تِلْكَ اَلْأمْوالُ لَمّا جاءَ أمْرُهُ تَعالى.
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: إلّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ والحِكْمَةِ اَلثّابِتَةِ، اَلَّتِي لا تَقْبَلُ اَلتَّغَيُّرَ. وهي اَلِاسْتِدْلالُ بِها عَلى اَلصّانِعِ وصِفاتِهِ (p-٣٧٦٨)وأسْمائِهِ وأفْعالِهِ لِيَعْرِفُوهُ فَيَعْبُدُوهُ، بِحَيْثُ لا يُلائِمُ اِسْتِمْرارَ اَلْفَسادِ. ولِذَلِكَ اِقْتَضَتِ اَلْحِكْمَةُ إرْسالَ اَلرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ: ﴿وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: فَيَجْزِي كُلًّا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: عامِلْهم مُعامَلَةَ اَلصَّفُوحِ اَلْحَكِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] تَقْرِيرٌ لِلْمَعادِ، وأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ اَلسّاعَةِ. فَإنَّهُ اَلْخَلّاقُ اَلَّذِي لا يُعْجِزُهُ خَلْقُ شَيْءٍ، اَلْعَلِيمُ بِما تَمَزَّقَ مِنَ اَلْأجْسادِ وتَفَرَّقَ في سائِرِ أقْطارِ اَلْأرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]
﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] قالَ اَلرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَهُ عَلى أذى قَوْمِهِ وأمَرَهُ بِأنْ يَصْفَحَ اَلصَّفْحَ اَلْجَمِيلَ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اَلنِّعَمِ اَلْعَظِيمَةِ اَلَّتِي خَصَّهُ بِها؛ لِأنَّ اَلْإنْسانَ إذا تَذَكَّرَ نِعَمَ اَللَّهِ عَلَيْهِ، سَهُلَ عَلَيْهِ اَلصَّفْحُ والتَّجاوُزُ.
و(السَّبْعُ اَلْمَثانِي ) هو اَلْقُرْآنُ كُلُّهُ كَما قالَهُ اِبْنُ اَلْعَبّاسِ في رِوايَةِ طاوُسٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] لِعَطْفِ اَلصِّفَةِ، كَقَوْلِ اَلشّاعِرِ:
؎إلى اَلْمَلِكِ اَلْقَرِمِ وابْنِ اَلْهُمامِ ولَيْثِ اَلْكَتِيبَةِ في اَلْمُزْدَحَمْ
و(اَلسَّبْعُ ): يُرادُ بِها اَلْكَثْرَةُ في اَلْآحادِ، كالسَّبْعِينَ في اَلْعَشَراتِ. و( اَلْمَثانِي) جَمْعُ مَثْنى بِمَعْنى اَلتَّثْنِيَةِ أوِ اَلثَّناءِ، فَإنَّهُ تَكَرَّرَ قِراءَتُهُ أوْ ألْفاظُهُ أوْ قِصَصُهُ ومَواعِظُهُ. أوْ مُثَنّى عَلَيْهِ بِالبَلاغَةِ والإعْجازِ. أوْ مُثَنّى عَلى اَللَّهِ تَعالى بِأفْعالِهِ اَلْعُظْمى وصِفاتِهِ اَلْحُسْنى.
(p-٣٧٦٩)وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ اَلسَّلَفِ تَفْسِيرُ اَلسَّبْعِ بِالسُّوَرِ اَلطِّوالِ اَلْأُوَلِ، وهَذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ، إلّا أنَّ اَللَّفْظَ اَلْكَرِيمَ يَتَناوَلُها، لا أنَّها هي اَلْمَعْنِيَّةُ. كَيْفَ لا وهَذِهِ اَلسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وتِلْكَ مَدَنِيّاتٌ ؟ كالقَوْلِ بِأنَّها اَلْفاتِحَةُ سَواءٌ. وأمّا حَدِيثُ: ««اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ هي اَلسَّبْعُ اَلْمَثانِي والقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ اَلَّذِي أُوتِيتُهُ»» عِنْدَ اَلشَّيْخَيْنِ؛ فَمَعْناهُ أنَّها مِنَ اَلسَّبْعِ، لِعَطْفِ قَوْلِهِ: ««والقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ اَلَّذِي أُوتِيتُهُ»» ولَوْ كانَ اَلْقَصْرُ عَلى بابِهِ، لَناقَضَهُ لِمَعْطُوفٍ؛ لِاقْتِضائِهِ أنَّها هو لا غَيْرُهُ. وبَداهَةُ بُطْلانِهِ لا تَخْفى.
وسِرُّ اَلْإخْبارِ بِأنَّها اَلسَّبْعُ، كَوْنُ اَلْفاتِحَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى مُجْمَلِ ما في اَلْقُرْآنِ. وكُلُّ ما فِيهِ تَفْصِيلٌ لِلْأُصُولِ اَلَّتِي وُضِعَتْ فِيها، كَما بَيَّنَهُ اَلْإمامُ مُفْتِي مِصْرَ في (تَفْسِيرِ اَلْفاتِحَةِ) فَراجِعْهُ. هَذا ما ظَهَرَ لِي اَلْآنَ في تَحْقِيقِ اَلْآيَةِ.
ولِلْأثَرِيِّ اَلْواقِفِ مَعَ ظاهِرِ ما صَحَّ مِنَ اَلْأخْبارِ، اَلْجازِمِ بِأنَّ اَلسَّبْعَ في اَلْآيَةِ هي اَلْفاتِحَةُ لِظاهِرِ اَلْحَدِيثِ، أنْ يُجِيبَ عَنِ اَلْقَصْرِ بِأنَّ اَلْمُرادَ بِالمَعْطُوفِ اَلْقُرْآنُ بِمَعْنى اَلْمَقْرُوءِ، لا بِمَعْنى اَلْكِتابِ كُلِّهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:86
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢-٨٧] ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٤] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] .
﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ أيْ: مِن حَوادِثِ اَلدَّهْرِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] أيْ: وقْتَ اَلصَّباحِ مِنَ اَلْيَوْمِ اَلرّابِعِ. وفي سُورَةِ اَلْأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] أيِ: اَلزَّلْزَلَةُ، وهي مِن تَوابِعِ اَلصَّيْحَةِ. أوْ هي مَجازٌ عَنْها.
﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٤] أيْ: ما كانُوا يَسْتَغِلُّونَهُ مِن زُرُوعِهِمْ وثِمارِهِمُ اَلَّتِي ضَنُّوا بِمائِها عَنِ اَلنّاقَةِ، حَتّى عَقَرُوها؛ لِئَلّا تَضِيقَ في اَلْمِياهِ، فَما دَفَعَتْ عَنْهم تِلْكَ اَلْأمْوالُ لَمّا جاءَ أمْرُهُ تَعالى.
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: إلّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ والحِكْمَةِ اَلثّابِتَةِ، اَلَّتِي لا تَقْبَلُ اَلتَّغَيُّرَ. وهي اَلِاسْتِدْلالُ بِها عَلى اَلصّانِعِ وصِفاتِهِ (p-٣٧٦٨)وأسْمائِهِ وأفْعالِهِ لِيَعْرِفُوهُ فَيَعْبُدُوهُ، بِحَيْثُ لا يُلائِمُ اِسْتِمْرارَ اَلْفَسادِ. ولِذَلِكَ اِقْتَضَتِ اَلْحِكْمَةُ إرْسالَ اَلرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ: ﴿وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: فَيَجْزِي كُلًّا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: عامِلْهم مُعامَلَةَ اَلصَّفُوحِ اَلْحَكِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] تَقْرِيرٌ لِلْمَعادِ، وأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ اَلسّاعَةِ. فَإنَّهُ اَلْخَلّاقُ اَلَّذِي لا يُعْجِزُهُ خَلْقُ شَيْءٍ، اَلْعَلِيمُ بِما تَمَزَّقَ مِنَ اَلْأجْسادِ وتَفَرَّقَ في سائِرِ أقْطارِ اَلْأرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]
﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] قالَ اَلرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَهُ عَلى أذى قَوْمِهِ وأمَرَهُ بِأنْ يَصْفَحَ اَلصَّفْحَ اَلْجَمِيلَ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اَلنِّعَمِ اَلْعَظِيمَةِ اَلَّتِي خَصَّهُ بِها؛ لِأنَّ اَلْإنْسانَ إذا تَذَكَّرَ نِعَمَ اَللَّهِ عَلَيْهِ، سَهُلَ عَلَيْهِ اَلصَّفْحُ والتَّجاوُزُ.
و(السَّبْعُ اَلْمَثانِي ) هو اَلْقُرْآنُ كُلُّهُ كَما قالَهُ اِبْنُ اَلْعَبّاسِ في رِوايَةِ طاوُسٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] لِعَطْفِ اَلصِّفَةِ، كَقَوْلِ اَلشّاعِرِ:
؎إلى اَلْمَلِكِ اَلْقَرِمِ وابْنِ اَلْهُمامِ ولَيْثِ اَلْكَتِيبَةِ في اَلْمُزْدَحَمْ
و(اَلسَّبْعُ ): يُرادُ بِها اَلْكَثْرَةُ في اَلْآحادِ، كالسَّبْعِينَ في اَلْعَشَراتِ. و( اَلْمَثانِي) جَمْعُ مَثْنى بِمَعْنى اَلتَّثْنِيَةِ أوِ اَلثَّناءِ، فَإنَّهُ تَكَرَّرَ قِراءَتُهُ أوْ ألْفاظُهُ أوْ قِصَصُهُ ومَواعِظُهُ. أوْ مُثَنّى عَلَيْهِ بِالبَلاغَةِ والإعْجازِ. أوْ مُثَنّى عَلى اَللَّهِ تَعالى بِأفْعالِهِ اَلْعُظْمى وصِفاتِهِ اَلْحُسْنى.
(p-٣٧٦٩)وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ اَلسَّلَفِ تَفْسِيرُ اَلسَّبْعِ بِالسُّوَرِ اَلطِّوالِ اَلْأُوَلِ، وهَذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ، إلّا أنَّ اَللَّفْظَ اَلْكَرِيمَ يَتَناوَلُها، لا أنَّها هي اَلْمَعْنِيَّةُ. كَيْفَ لا وهَذِهِ اَلسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وتِلْكَ مَدَنِيّاتٌ ؟ كالقَوْلِ بِأنَّها اَلْفاتِحَةُ سَواءٌ. وأمّا حَدِيثُ: ««اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ هي اَلسَّبْعُ اَلْمَثانِي والقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ اَلَّذِي أُوتِيتُهُ»» عِنْدَ اَلشَّيْخَيْنِ؛ فَمَعْناهُ أنَّها مِنَ اَلسَّبْعِ، لِعَطْفِ قَوْلِهِ: ««والقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ اَلَّذِي أُوتِيتُهُ»» ولَوْ كانَ اَلْقَصْرُ عَلى بابِهِ، لَناقَضَهُ لِمَعْطُوفٍ؛ لِاقْتِضائِهِ أنَّها هو لا غَيْرُهُ. وبَداهَةُ بُطْلانِهِ لا تَخْفى.
وسِرُّ اَلْإخْبارِ بِأنَّها اَلسَّبْعُ، كَوْنُ اَلْفاتِحَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى مُجْمَلِ ما في اَلْقُرْآنِ. وكُلُّ ما فِيهِ تَفْصِيلٌ لِلْأُصُولِ اَلَّتِي وُضِعَتْ فِيها، كَما بَيَّنَهُ اَلْإمامُ مُفْتِي مِصْرَ في (تَفْسِيرِ اَلْفاتِحَةِ) فَراجِعْهُ. هَذا ما ظَهَرَ لِي اَلْآنَ في تَحْقِيقِ اَلْآيَةِ.
ولِلْأثَرِيِّ اَلْواقِفِ مَعَ ظاهِرِ ما صَحَّ مِنَ اَلْأخْبارِ، اَلْجازِمِ بِأنَّ اَلسَّبْعَ في اَلْآيَةِ هي اَلْفاتِحَةُ لِظاهِرِ اَلْحَدِيثِ، أنْ يُجِيبَ عَنِ اَلْقَصْرِ بِأنَّ اَلْمُرادَ بِالمَعْطُوفِ اَلْقُرْآنُ بِمَعْنى اَلْمَقْرُوءِ، لا بِمَعْنى اَلْكِتابِ كُلِّهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:87
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢-٨٧] ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٤] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] .
﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ أيْ: مِن حَوادِثِ اَلدَّهْرِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] أيْ: وقْتَ اَلصَّباحِ مِنَ اَلْيَوْمِ اَلرّابِعِ. وفي سُورَةِ اَلْأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] أيِ: اَلزَّلْزَلَةُ، وهي مِن تَوابِعِ اَلصَّيْحَةِ. أوْ هي مَجازٌ عَنْها.
﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٤] أيْ: ما كانُوا يَسْتَغِلُّونَهُ مِن زُرُوعِهِمْ وثِمارِهِمُ اَلَّتِي ضَنُّوا بِمائِها عَنِ اَلنّاقَةِ، حَتّى عَقَرُوها؛ لِئَلّا تَضِيقَ في اَلْمِياهِ، فَما دَفَعَتْ عَنْهم تِلْكَ اَلْأمْوالُ لَمّا جاءَ أمْرُهُ تَعالى.
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: إلّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ والحِكْمَةِ اَلثّابِتَةِ، اَلَّتِي لا تَقْبَلُ اَلتَّغَيُّرَ. وهي اَلِاسْتِدْلالُ بِها عَلى اَلصّانِعِ وصِفاتِهِ (p-٣٧٦٨)وأسْمائِهِ وأفْعالِهِ لِيَعْرِفُوهُ فَيَعْبُدُوهُ، بِحَيْثُ لا يُلائِمُ اِسْتِمْرارَ اَلْفَسادِ. ولِذَلِكَ اِقْتَضَتِ اَلْحِكْمَةُ إرْسالَ اَلرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ: ﴿وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: فَيَجْزِي كُلًّا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: عامِلْهم مُعامَلَةَ اَلصَّفُوحِ اَلْحَكِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] تَقْرِيرٌ لِلْمَعادِ، وأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ اَلسّاعَةِ. فَإنَّهُ اَلْخَلّاقُ اَلَّذِي لا يُعْجِزُهُ خَلْقُ شَيْءٍ، اَلْعَلِيمُ بِما تَمَزَّقَ مِنَ اَلْأجْسادِ وتَفَرَّقَ في سائِرِ أقْطارِ اَلْأرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]
﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] قالَ اَلرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَهُ عَلى أذى قَوْمِهِ وأمَرَهُ بِأنْ يَصْفَحَ اَلصَّفْحَ اَلْجَمِيلَ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اَلنِّعَمِ اَلْعَظِيمَةِ اَلَّتِي خَصَّهُ بِها؛ لِأنَّ اَلْإنْسانَ إذا تَذَكَّرَ نِعَمَ اَللَّهِ عَلَيْهِ، سَهُلَ عَلَيْهِ اَلصَّفْحُ والتَّجاوُزُ.
و(السَّبْعُ اَلْمَثانِي ) هو اَلْقُرْآنُ كُلُّهُ كَما قالَهُ اِبْنُ اَلْعَبّاسِ في رِوايَةِ طاوُسٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] لِعَطْفِ اَلصِّفَةِ، كَقَوْلِ اَلشّاعِرِ:
؎إلى اَلْمَلِكِ اَلْقَرِمِ وابْنِ اَلْهُمامِ ولَيْثِ اَلْكَتِيبَةِ في اَلْمُزْدَحَمْ
و(اَلسَّبْعُ ): يُرادُ بِها اَلْكَثْرَةُ في اَلْآحادِ، كالسَّبْعِينَ في اَلْعَشَراتِ. و( اَلْمَثانِي) جَمْعُ مَثْنى بِمَعْنى اَلتَّثْنِيَةِ أوِ اَلثَّناءِ، فَإنَّهُ تَكَرَّرَ قِراءَتُهُ أوْ ألْفاظُهُ أوْ قِصَصُهُ ومَواعِظُهُ. أوْ مُثَنّى عَلَيْهِ بِالبَلاغَةِ والإعْجازِ. أوْ مُثَنّى عَلى اَللَّهِ تَعالى بِأفْعالِهِ اَلْعُظْمى وصِفاتِهِ اَلْحُسْنى.
(p-٣٧٦٩)وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ اَلسَّلَفِ تَفْسِيرُ اَلسَّبْعِ بِالسُّوَرِ اَلطِّوالِ اَلْأُوَلِ، وهَذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ، إلّا أنَّ اَللَّفْظَ اَلْكَرِيمَ يَتَناوَلُها، لا أنَّها هي اَلْمَعْنِيَّةُ. كَيْفَ لا وهَذِهِ اَلسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وتِلْكَ مَدَنِيّاتٌ ؟ كالقَوْلِ بِأنَّها اَلْفاتِحَةُ سَواءٌ. وأمّا حَدِيثُ: ««اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ هي اَلسَّبْعُ اَلْمَثانِي والقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ اَلَّذِي أُوتِيتُهُ»» عِنْدَ اَلشَّيْخَيْنِ؛ فَمَعْناهُ أنَّها مِنَ اَلسَّبْعِ، لِعَطْفِ قَوْلِهِ: ««والقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ اَلَّذِي أُوتِيتُهُ»» ولَوْ كانَ اَلْقَصْرُ عَلى بابِهِ، لَناقَضَهُ لِمَعْطُوفٍ؛ لِاقْتِضائِهِ أنَّها هو لا غَيْرُهُ. وبَداهَةُ بُطْلانِهِ لا تَخْفى.
وسِرُّ اَلْإخْبارِ بِأنَّها اَلسَّبْعُ، كَوْنُ اَلْفاتِحَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى مُجْمَلِ ما في اَلْقُرْآنِ. وكُلُّ ما فِيهِ تَفْصِيلٌ لِلْأُصُولِ اَلَّتِي وُضِعَتْ فِيها، كَما بَيَّنَهُ اَلْإمامُ مُفْتِي مِصْرَ في (تَفْسِيرِ اَلْفاتِحَةِ) فَراجِعْهُ. هَذا ما ظَهَرَ لِي اَلْآنَ في تَحْقِيقِ اَلْآيَةِ.
ولِلْأثَرِيِّ اَلْواقِفِ مَعَ ظاهِرِ ما صَحَّ مِنَ اَلْأخْبارِ، اَلْجازِمِ بِأنَّ اَلسَّبْعَ في اَلْآيَةِ هي اَلْفاتِحَةُ لِظاهِرِ اَلْحَدِيثِ، أنْ يُجِيبَ عَنِ اَلْقَصْرِ بِأنَّ اَلْمُرادَ بِالمَعْطُوفِ اَلْقُرْآنُ بِمَعْنى اَلْمَقْرُوءِ، لا بِمَعْنى اَلْكِتابِ كُلِّهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:88
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٨-٩٠] ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩] ﴿كَما أنْـزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] .
﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي: قَدْ أُوتِيتَ اَلنِّعْمَةَ اَلْعُظْمى، (p-٣٧٧٠)اَلَّتِي كُلُّ نِعْمَةٍ وإنْ عَظُمَتْ فَهي إلَيْها حَقِيرَةٌ، وهي اَلْقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ. فَعَلَيْكَ أنْ تَسْتَغْنِيَ ولا تَمَدُّنَ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ مِن زَخارِفِ اَلدُّنْيا وزِينَتِها أصْنافًا مِنَ اَلْكُفّارِ مُتَمَنِّيًا لَها. فَإنَّهُ مُسْتَحْقَرٌ بِالإضافَةِ إلى ما أُوتِيتَهُ. وفي اَلتَّعْبِيرِ عَمّا أُوتُوهُ (بِالمَتاعِ) إنْباءٌ عَنْ وشْكِ زَوالِها عَنْهم.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمُ، اَلْمَرْجُوِّ بِسَبَبِهِ تَقَوِّي ضُعَفاءِ اَلْمُسْلِمِينَ بِهِمْ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: تَواضَعْ لِمَن مَعَكَ مِن فُقَراءِ اَلْمُؤْمِنِينَ وضُعَفائِهِمْ، وطِبْ نَفْسًا عَنْ إيمانِ اَلْأغْنِياءِ والأقْوِياءِ.
﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩] أيِ: اَلْمُنْذِرُ اَلْمُظْهِرُ لِلْعَذابِ لِمَن لَمْ يُؤْمِن.
﴿كَما أنْـزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] أيْ: مِثْلَ ما أنْزَلْنا مِنَ اَلْعَذابِ عَلى اَلْمُقْتَسِمِينَ. أوْ إنْذارًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا. قالَ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: اَلْمُقْتَسِمُونَ أصْحابُ صالِحٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، اَلَّذِينَ تَقاسَمُوا بِاَللَّهِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] فَأخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ، كَما مَرَّ. فالِاقْتِسامُ مِنَ (اَلْقَسْمِ) لا مِنَ اَلْقِسْمَةِ.
وهَذا اَلتَّأْوِيلُ اِخْتارَهُ اِبْنُ قُتَيْبَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:89
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٨-٩٠] ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩] ﴿كَما أنْـزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] .
﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي: قَدْ أُوتِيتَ اَلنِّعْمَةَ اَلْعُظْمى، (p-٣٧٧٠)اَلَّتِي كُلُّ نِعْمَةٍ وإنْ عَظُمَتْ فَهي إلَيْها حَقِيرَةٌ، وهي اَلْقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ. فَعَلَيْكَ أنْ تَسْتَغْنِيَ ولا تَمَدُّنَ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ مِن زَخارِفِ اَلدُّنْيا وزِينَتِها أصْنافًا مِنَ اَلْكُفّارِ مُتَمَنِّيًا لَها. فَإنَّهُ مُسْتَحْقَرٌ بِالإضافَةِ إلى ما أُوتِيتَهُ. وفي اَلتَّعْبِيرِ عَمّا أُوتُوهُ (بِالمَتاعِ) إنْباءٌ عَنْ وشْكِ زَوالِها عَنْهم.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمُ، اَلْمَرْجُوِّ بِسَبَبِهِ تَقَوِّي ضُعَفاءِ اَلْمُسْلِمِينَ بِهِمْ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: تَواضَعْ لِمَن مَعَكَ مِن فُقَراءِ اَلْمُؤْمِنِينَ وضُعَفائِهِمْ، وطِبْ نَفْسًا عَنْ إيمانِ اَلْأغْنِياءِ والأقْوِياءِ.
﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩] أيِ: اَلْمُنْذِرُ اَلْمُظْهِرُ لِلْعَذابِ لِمَن لَمْ يُؤْمِن.
﴿كَما أنْـزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] أيْ: مِثْلَ ما أنْزَلْنا مِنَ اَلْعَذابِ عَلى اَلْمُقْتَسِمِينَ. أوْ إنْذارًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا. قالَ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: اَلْمُقْتَسِمُونَ أصْحابُ صالِحٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، اَلَّذِينَ تَقاسَمُوا بِاَللَّهِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] فَأخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ، كَما مَرَّ. فالِاقْتِسامُ مِنَ (اَلْقَسْمِ) لا مِنَ اَلْقِسْمَةِ.
وهَذا اَلتَّأْوِيلُ اِخْتارَهُ اِبْنُ قُتَيْبَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:90
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٨-٩٠] ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩] ﴿كَما أنْـزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] .
﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي: قَدْ أُوتِيتَ اَلنِّعْمَةَ اَلْعُظْمى، (p-٣٧٧٠)اَلَّتِي كُلُّ نِعْمَةٍ وإنْ عَظُمَتْ فَهي إلَيْها حَقِيرَةٌ، وهي اَلْقُرْآنُ اَلْعَظِيمُ. فَعَلَيْكَ أنْ تَسْتَغْنِيَ ولا تَمَدُّنَ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ مِن زَخارِفِ اَلدُّنْيا وزِينَتِها أصْنافًا مِنَ اَلْكُفّارِ مُتَمَنِّيًا لَها. فَإنَّهُ مُسْتَحْقَرٌ بِالإضافَةِ إلى ما أُوتِيتَهُ. وفي اَلتَّعْبِيرِ عَمّا أُوتُوهُ (بِالمَتاعِ) إنْباءٌ عَنْ وشْكِ زَوالِها عَنْهم.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمُ، اَلْمَرْجُوِّ بِسَبَبِهِ تَقَوِّي ضُعَفاءِ اَلْمُسْلِمِينَ بِهِمْ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: تَواضَعْ لِمَن مَعَكَ مِن فُقَراءِ اَلْمُؤْمِنِينَ وضُعَفائِهِمْ، وطِبْ نَفْسًا عَنْ إيمانِ اَلْأغْنِياءِ والأقْوِياءِ.
﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩] أيِ: اَلْمُنْذِرُ اَلْمُظْهِرُ لِلْعَذابِ لِمَن لَمْ يُؤْمِن.
﴿كَما أنْـزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] أيْ: مِثْلَ ما أنْزَلْنا مِنَ اَلْعَذابِ عَلى اَلْمُقْتَسِمِينَ. أوْ إنْذارًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا. قالَ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: اَلْمُقْتَسِمُونَ أصْحابُ صالِحٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، اَلَّذِينَ تَقاسَمُوا بِاَللَّهِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] فَأخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ، كَما مَرَّ. فالِاقْتِسامُ مِنَ (اَلْقَسْمِ) لا مِنَ اَلْقِسْمَةِ.
وهَذا اَلتَّأْوِيلُ اِخْتارَهُ اِبْنُ قُتَيْبَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:91
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩١-٩٣] ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] .
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ أيْ: أجْزاءً، جَمْعُ (عِضَةٍ) يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ. قالُوا: سِحْرٌ. وقالُوا: كِهانَةٌ. وقالُوا: أساطِيرُ اَلْأوَّلِينَ. وهو مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] أيْ: مِنَ اَلتَّقْسِيمِ فَنُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وجُوِّزَ تَعَلُّقُ (كَما) بِقَوْلِهِ: (p-٣٧٧١)﴿لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٩٢] أيْ: لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا. فَيَكُونُ (كَما) رَأْسَ آيَةٍ و(اَلْمُقْتَسِمُونَ) حِينَئِذٍ: إمّا مَن تَقَدَّمَ، أوِ اَلْمُشْرِكُونَ. ويَعْنِي بِالإنْزالِ عَلَيْهِمْ إنْزالُ اَلْهِدايَةِ اَلَّتِي أبَوْها. وجُوِّزَ جَعْلُ اَلْمَوْصُولِ مَفْعُولًا أوَّلَ لِلنَّذِيرِ، أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مَن أنْذَرَ، أيِ: اَلنَّذِيرُ. أوْ أنْذَرَ اَلْمُعِضِّينَ اَلَّذِينَ يُجَزِّئُونَ اَلْقُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ، مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى اَلْمُقْتَسِمِينَ. وجُوِّزَ جَعْلُ (كَما) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ [الحجر: ٨٧] أيْ: أنْزَلَنا عَلَيْكَ كَما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ اَلْكِتابِ اَلَّذِينَ جَزَّؤُوا اَلْقُرْآنَ إلى حَقٍّ وباطِلٍ. حَيْثُ قالُوا: قِسْمٌ مِنهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِما عِنْدَنا. وقِسْمٌ باطِلٌ لا يُوافِقُهُ. أوِ اَلْقُرْآنُ هو مَقْرُوؤُهم. أيْ: قَسَمُوا ما قَرَؤُوا مِن كُتُبِهِمْ وحَرَّفُوهُ، فَأقَرُّوا بِبَعْضِهِ وكَذَّبُوا بِبَعْضِهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
الحجر 15:92
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩١-٩٣] ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] .
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ أيْ: أجْزاءً، جَمْعُ (عِضَةٍ) يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ. قالُوا: سِحْرٌ. وقالُوا: كِهانَةٌ. وقالُوا: أساطِيرُ اَلْأوَّلِينَ. وهو مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] أيْ: مِنَ اَلتَّقْسِيمِ فَنُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وجُوِّزَ تَعَلُّقُ (كَما) بِقَوْلِهِ: (p-٣٧٧١)﴿لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٩٢] أيْ: لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا. فَيَكُونُ (كَما) رَأْسَ آيَةٍ و(اَلْمُقْتَسِمُونَ) حِينَئِذٍ: إمّا مَن تَقَدَّمَ، أوِ اَلْمُشْرِكُونَ. ويَعْنِي بِالإنْزالِ عَلَيْهِمْ إنْزالُ اَلْهِدايَةِ اَلَّتِي أبَوْها. وجُوِّزَ جَعْلُ اَلْمَوْصُولِ مَفْعُولًا أوَّلَ لِلنَّذِيرِ، أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مَن أنْذَرَ، أيِ: اَلنَّذِيرُ. أوْ أنْذَرَ اَلْمُعِضِّينَ اَلَّذِينَ يُجَزِّئُونَ اَلْقُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ، مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى اَلْمُقْتَسِمِينَ. وجُوِّزَ جَعْلُ (كَما) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ [الحجر: ٨٧] أيْ: أنْزَلَنا عَلَيْكَ كَما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ اَلْكِتابِ اَلَّذِينَ جَزَّؤُوا اَلْقُرْآنَ إلى حَقٍّ وباطِلٍ. حَيْثُ قالُوا: قِسْمٌ مِنهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِما عِنْدَنا. وقِسْمٌ باطِلٌ لا يُوافِقُهُ. أوِ اَلْقُرْآنُ هو مَقْرُوؤُهم. أيْ: قَسَمُوا ما قَرَؤُوا مِن كُتُبِهِمْ وحَرَّفُوهُ، فَأقَرُّوا بِبَعْضِهِ وكَذَّبُوا بِبَعْضِهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
الحجر 15:93
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩١-٩٣] ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] .
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ أيْ: أجْزاءً، جَمْعُ (عِضَةٍ) يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ. قالُوا: سِحْرٌ. وقالُوا: كِهانَةٌ. وقالُوا: أساطِيرُ اَلْأوَّلِينَ. وهو مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] أيْ: مِنَ اَلتَّقْسِيمِ فَنُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وجُوِّزَ تَعَلُّقُ (كَما) بِقَوْلِهِ: (p-٣٧٧١)﴿لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٩٢] أيْ: لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا. فَيَكُونُ (كَما) رَأْسَ آيَةٍ و(اَلْمُقْتَسِمُونَ) حِينَئِذٍ: إمّا مَن تَقَدَّمَ، أوِ اَلْمُشْرِكُونَ. ويَعْنِي بِالإنْزالِ عَلَيْهِمْ إنْزالُ اَلْهِدايَةِ اَلَّتِي أبَوْها. وجُوِّزَ جَعْلُ اَلْمَوْصُولِ مَفْعُولًا أوَّلَ لِلنَّذِيرِ، أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مَن أنْذَرَ، أيِ: اَلنَّذِيرُ. أوْ أنْذَرَ اَلْمُعِضِّينَ اَلَّذِينَ يُجَزِّئُونَ اَلْقُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ، مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى اَلْمُقْتَسِمِينَ. وجُوِّزَ جَعْلُ (كَما) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ [الحجر: ٨٧] أيْ: أنْزَلَنا عَلَيْكَ كَما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ اَلْكِتابِ اَلَّذِينَ جَزَّؤُوا اَلْقُرْآنَ إلى حَقٍّ وباطِلٍ. حَيْثُ قالُوا: قِسْمٌ مِنهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِما عِنْدَنا. وقِسْمٌ باطِلٌ لا يُوافِقُهُ. أوِ اَلْقُرْآنُ هو مَقْرُوؤُهم. أيْ: قَسَمُوا ما قَرَؤُوا مِن كُتُبِهِمْ وحَرَّفُوهُ، فَأقَرُّوا بِبَعْضِهِ وكَذَّبُوا بِبَعْضِهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.
الحجر 15:94
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٤-٩٦] ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] .
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ أمْرٌ مِنَ (اَلصَّدْعِ) بِمَعْنى اَلْإظْهارِ والجَهْرِ، مِنِ (اِنْصِداعِ اَلْفَجْرِ) . أوْ مِن (صَدْعِ اَلزُّجاجَةِ) ونَحْوِها وهو تَفْرِيقُ أجْزائِها. أيِ: اُفْرُقْ بَيْنَ اَلْحَقِّ والباطِلِ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ أيِ: اَلَّذِينَ يَرُومُونَ صَدَّكَ عَنِ اَلتَّبْلِيغِ، فَلا تُبالِ بِهِمْ.
﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] أيْ: حَفِظْناكَ مِن شَرِّهِمْ، فَلا يَنالُكَ مِنهم ما يُحْذَرُ. وهَذا ضَمانٌ مِنهُ تَعالى، لَهُ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ؛ لِيَنْهَضَ بِالصَّدْعِ نَهْضَةَ مَن لا يَهابُ ولا يَخْشى. كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]
(p-٣٧٧٢)﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الحجر: ٩٦] وصَفَهم بِذَلِكَ؛ تَسْلِيَةً لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَهْوِينًا لِلْخَطْبِ عَلَيْهِ، بِأنَّهم أصْحابُ تِلْكَ اَلْجَرِيمَةِ اَلْعُظْمى، اَلَّتِي هي أكْبَرُ اَلْكَبائِرِ، اَلَّتِي سَيُخْذَلُونَ بِسَبَبِها. كَما قالَ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] أيْ: عاقِبَةَ أمْرِهِمْ. وقَدْ جُوِّزَ في اَلْمَوْصُولِ أنْ يَكُونَ صِفَةً ( لِلْمُسْتَهْزِئِينَ) ومَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ. ومَرْفُوعًا بِتَقْدِيرِ (هُمْ) . وفي اَلْآيَةِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن جَعَلَ مَعَهُ تَعالى مَعْبُودًا آخَرَ. وقَدْ أشارَ كَثِيرٌ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] عَنى بِهِ ما عَجَّلَهُ مِن إهْلاكِهِمْ. كَما رَوى اِبْنُ إسْحاقَ عَنْ عُرْوَةَ: أنَّ عُظَماءَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ كانُوا خَمْسَةَ نَفَرٍ، وكانُوا ذَوِي أسْنانٍ وشَرَفٍ في قَوْمِهِمْ: مِن بَنِي أسَدٍ أبُو زَمْعَةَ، كانَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ دَعا عَلَيْهِ لِما كانَ يَبْلُغُهُ مِن أذاهُ واسْتِهْزائِهِ، فَقالَ: ««اَللَّهُمَّ أعْمِ بَصَرَهُ، وأثْكِلْهُ ولَدَهُ»» ومِن بَنِي زَهْرَةَ اَلْأسْوَدُ، ومِن بَنِي مَخْزُومٍ اَلْوَلِيدُ بْنُ اَلْمُغِيرَةِ، ومِن بَنِي سَهْمٍ العاصِ بْنُ وائِلٍ، ومِن خُزاعَةَ اَلْحارِثُ. فَلَمّا تَمادَوْا في اَلشَّرِّ وأكْثَرُوا بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلِاسْتِهْزاءَ؛ أنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] قالَ اِبْنُ إسْحاقَ عَنْ عُرْوَةَ: «إنَّ جِبْرِيلَ أتى رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو يَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَقامَ وقامَ رَسُولُ اَللَّهِ إلى جَنْبِهِ، فَمَرَّ بِهِ اَلْأسْوَدُ، فَأشارَ إلى بَطْنِهِ فاسْتَسْقى بَطْنَهُ فَماتَ مِنهُ. ومَرَّ بِهِ اَلْوَلِيدُ فَأشارَ إلى أثَرِ جِراحٍ بِأسْفَلِ كَعْبِ رِجْلِهِ كانَ أصابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ فانْتَقَضَ بِهِ فَقَتَلَهُ. ومَرَّ بِهِ العاصِ بْنُ وائِلٍ فَأشارَ إلى أُخْمُصِ قَدَمِهِ، فَخَرَجَ عَلى حِمارٍ يُرِيدُ اَلطّائِفَ، فَرَبَضَ عَلى شَبْرَقَةٍ فَدَخَلَتْ في أُخْمُصِ قَدَمِهِ. ومَرَّ بِهِ اَلْحارِثُ فَأشارَ إلى رَأْسِهِ فامْتَخَطَ قَيْحًا فَقَتَلَهُ» . اِنْتَهى.
ومِثْلُهُ ما رَواهُ اِبْنُ مَسْعُودٍ: قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نُصْلِي في ظِلِّ اَلْكَعْبَةِ، (p-٣٧٧٣)وناسٌ مِن قُرَيْشٍ وأبُو جَهْلٍ قَدْ نَحَرُوا جَزُورًا في ناحِيَةِ مَكَّةَ، فَبَعَثُوا فَجاؤُوا بِسَلاها وطَرَحُوهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وهو ساجِدٌ. فَجاءَتْ فاطِمَةُ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، فَلَمّا اِنْصَرَفَ قالَ: «اَللَّهُمَّ ! عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ وبِأبِي جَهْلٍ وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ» .
قالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ: فَلَقَدْ رَأيْتُهم قَتْلى في قَلِيبِ بَدْرٍ» .
الحجر 15:95
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٤-٩٦] ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] .
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ أمْرٌ مِنَ (اَلصَّدْعِ) بِمَعْنى اَلْإظْهارِ والجَهْرِ، مِنِ (اِنْصِداعِ اَلْفَجْرِ) . أوْ مِن (صَدْعِ اَلزُّجاجَةِ) ونَحْوِها وهو تَفْرِيقُ أجْزائِها. أيِ: اُفْرُقْ بَيْنَ اَلْحَقِّ والباطِلِ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ أيِ: اَلَّذِينَ يَرُومُونَ صَدَّكَ عَنِ اَلتَّبْلِيغِ، فَلا تُبالِ بِهِمْ.
﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] أيْ: حَفِظْناكَ مِن شَرِّهِمْ، فَلا يَنالُكَ مِنهم ما يُحْذَرُ. وهَذا ضَمانٌ مِنهُ تَعالى، لَهُ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ؛ لِيَنْهَضَ بِالصَّدْعِ نَهْضَةَ مَن لا يَهابُ ولا يَخْشى. كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]
(p-٣٧٧٢)﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الحجر: ٩٦] وصَفَهم بِذَلِكَ؛ تَسْلِيَةً لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَهْوِينًا لِلْخَطْبِ عَلَيْهِ، بِأنَّهم أصْحابُ تِلْكَ اَلْجَرِيمَةِ اَلْعُظْمى، اَلَّتِي هي أكْبَرُ اَلْكَبائِرِ، اَلَّتِي سَيُخْذَلُونَ بِسَبَبِها. كَما قالَ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] أيْ: عاقِبَةَ أمْرِهِمْ. وقَدْ جُوِّزَ في اَلْمَوْصُولِ أنْ يَكُونَ صِفَةً ( لِلْمُسْتَهْزِئِينَ) ومَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ. ومَرْفُوعًا بِتَقْدِيرِ (هُمْ) . وفي اَلْآيَةِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن جَعَلَ مَعَهُ تَعالى مَعْبُودًا آخَرَ. وقَدْ أشارَ كَثِيرٌ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] عَنى بِهِ ما عَجَّلَهُ مِن إهْلاكِهِمْ. كَما رَوى اِبْنُ إسْحاقَ عَنْ عُرْوَةَ: أنَّ عُظَماءَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ كانُوا خَمْسَةَ نَفَرٍ، وكانُوا ذَوِي أسْنانٍ وشَرَفٍ في قَوْمِهِمْ: مِن بَنِي أسَدٍ أبُو زَمْعَةَ، كانَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ دَعا عَلَيْهِ لِما كانَ يَبْلُغُهُ مِن أذاهُ واسْتِهْزائِهِ، فَقالَ: ««اَللَّهُمَّ أعْمِ بَصَرَهُ، وأثْكِلْهُ ولَدَهُ»» ومِن بَنِي زَهْرَةَ اَلْأسْوَدُ، ومِن بَنِي مَخْزُومٍ اَلْوَلِيدُ بْنُ اَلْمُغِيرَةِ، ومِن بَنِي سَهْمٍ العاصِ بْنُ وائِلٍ، ومِن خُزاعَةَ اَلْحارِثُ. فَلَمّا تَمادَوْا في اَلشَّرِّ وأكْثَرُوا بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلِاسْتِهْزاءَ؛ أنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] قالَ اِبْنُ إسْحاقَ عَنْ عُرْوَةَ: «إنَّ جِبْرِيلَ أتى رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو يَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَقامَ وقامَ رَسُولُ اَللَّهِ إلى جَنْبِهِ، فَمَرَّ بِهِ اَلْأسْوَدُ، فَأشارَ إلى بَطْنِهِ فاسْتَسْقى بَطْنَهُ فَماتَ مِنهُ. ومَرَّ بِهِ اَلْوَلِيدُ فَأشارَ إلى أثَرِ جِراحٍ بِأسْفَلِ كَعْبِ رِجْلِهِ كانَ أصابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ فانْتَقَضَ بِهِ فَقَتَلَهُ. ومَرَّ بِهِ العاصِ بْنُ وائِلٍ فَأشارَ إلى أُخْمُصِ قَدَمِهِ، فَخَرَجَ عَلى حِمارٍ يُرِيدُ اَلطّائِفَ، فَرَبَضَ عَلى شَبْرَقَةٍ فَدَخَلَتْ في أُخْمُصِ قَدَمِهِ. ومَرَّ بِهِ اَلْحارِثُ فَأشارَ إلى رَأْسِهِ فامْتَخَطَ قَيْحًا فَقَتَلَهُ» . اِنْتَهى.
ومِثْلُهُ ما رَواهُ اِبْنُ مَسْعُودٍ: قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نُصْلِي في ظِلِّ اَلْكَعْبَةِ، (p-٣٧٧٣)وناسٌ مِن قُرَيْشٍ وأبُو جَهْلٍ قَدْ نَحَرُوا جَزُورًا في ناحِيَةِ مَكَّةَ، فَبَعَثُوا فَجاؤُوا بِسَلاها وطَرَحُوهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وهو ساجِدٌ. فَجاءَتْ فاطِمَةُ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، فَلَمّا اِنْصَرَفَ قالَ: «اَللَّهُمَّ ! عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ وبِأبِي جَهْلٍ وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ» .
قالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ: فَلَقَدْ رَأيْتُهم قَتْلى في قَلِيبِ بَدْرٍ» .
الحجر 15:96
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٤-٩٦] ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] .
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ أمْرٌ مِنَ (اَلصَّدْعِ) بِمَعْنى اَلْإظْهارِ والجَهْرِ، مِنِ (اِنْصِداعِ اَلْفَجْرِ) . أوْ مِن (صَدْعِ اَلزُّجاجَةِ) ونَحْوِها وهو تَفْرِيقُ أجْزائِها. أيِ: اُفْرُقْ بَيْنَ اَلْحَقِّ والباطِلِ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ أيِ: اَلَّذِينَ يَرُومُونَ صَدَّكَ عَنِ اَلتَّبْلِيغِ، فَلا تُبالِ بِهِمْ.
﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] أيْ: حَفِظْناكَ مِن شَرِّهِمْ، فَلا يَنالُكَ مِنهم ما يُحْذَرُ. وهَذا ضَمانٌ مِنهُ تَعالى، لَهُ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ؛ لِيَنْهَضَ بِالصَّدْعِ نَهْضَةَ مَن لا يَهابُ ولا يَخْشى. كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]
(p-٣٧٧٢)﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الحجر: ٩٦] وصَفَهم بِذَلِكَ؛ تَسْلِيَةً لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَهْوِينًا لِلْخَطْبِ عَلَيْهِ، بِأنَّهم أصْحابُ تِلْكَ اَلْجَرِيمَةِ اَلْعُظْمى، اَلَّتِي هي أكْبَرُ اَلْكَبائِرِ، اَلَّتِي سَيُخْذَلُونَ بِسَبَبِها. كَما قالَ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] أيْ: عاقِبَةَ أمْرِهِمْ. وقَدْ جُوِّزَ في اَلْمَوْصُولِ أنْ يَكُونَ صِفَةً ( لِلْمُسْتَهْزِئِينَ) ومَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ. ومَرْفُوعًا بِتَقْدِيرِ (هُمْ) . وفي اَلْآيَةِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن جَعَلَ مَعَهُ تَعالى مَعْبُودًا آخَرَ. وقَدْ أشارَ كَثِيرٌ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] عَنى بِهِ ما عَجَّلَهُ مِن إهْلاكِهِمْ. كَما رَوى اِبْنُ إسْحاقَ عَنْ عُرْوَةَ: أنَّ عُظَماءَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ كانُوا خَمْسَةَ نَفَرٍ، وكانُوا ذَوِي أسْنانٍ وشَرَفٍ في قَوْمِهِمْ: مِن بَنِي أسَدٍ أبُو زَمْعَةَ، كانَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ دَعا عَلَيْهِ لِما كانَ يَبْلُغُهُ مِن أذاهُ واسْتِهْزائِهِ، فَقالَ: ««اَللَّهُمَّ أعْمِ بَصَرَهُ، وأثْكِلْهُ ولَدَهُ»» ومِن بَنِي زَهْرَةَ اَلْأسْوَدُ، ومِن بَنِي مَخْزُومٍ اَلْوَلِيدُ بْنُ اَلْمُغِيرَةِ، ومِن بَنِي سَهْمٍ العاصِ بْنُ وائِلٍ، ومِن خُزاعَةَ اَلْحارِثُ. فَلَمّا تَمادَوْا في اَلشَّرِّ وأكْثَرُوا بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلِاسْتِهْزاءَ؛ أنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] قالَ اِبْنُ إسْحاقَ عَنْ عُرْوَةَ: «إنَّ جِبْرِيلَ أتى رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو يَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَقامَ وقامَ رَسُولُ اَللَّهِ إلى جَنْبِهِ، فَمَرَّ بِهِ اَلْأسْوَدُ، فَأشارَ إلى بَطْنِهِ فاسْتَسْقى بَطْنَهُ فَماتَ مِنهُ. ومَرَّ بِهِ اَلْوَلِيدُ فَأشارَ إلى أثَرِ جِراحٍ بِأسْفَلِ كَعْبِ رِجْلِهِ كانَ أصابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ فانْتَقَضَ بِهِ فَقَتَلَهُ. ومَرَّ بِهِ العاصِ بْنُ وائِلٍ فَأشارَ إلى أُخْمُصِ قَدَمِهِ، فَخَرَجَ عَلى حِمارٍ يُرِيدُ اَلطّائِفَ، فَرَبَضَ عَلى شَبْرَقَةٍ فَدَخَلَتْ في أُخْمُصِ قَدَمِهِ. ومَرَّ بِهِ اَلْحارِثُ فَأشارَ إلى رَأْسِهِ فامْتَخَطَ قَيْحًا فَقَتَلَهُ» . اِنْتَهى.
ومِثْلُهُ ما رَواهُ اِبْنُ مَسْعُودٍ: قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نُصْلِي في ظِلِّ اَلْكَعْبَةِ، (p-٣٧٧٣)وناسٌ مِن قُرَيْشٍ وأبُو جَهْلٍ قَدْ نَحَرُوا جَزُورًا في ناحِيَةِ مَكَّةَ، فَبَعَثُوا فَجاؤُوا بِسَلاها وطَرَحُوهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وهو ساجِدٌ. فَجاءَتْ فاطِمَةُ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، فَلَمّا اِنْصَرَفَ قالَ: «اَللَّهُمَّ ! عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ وبِأبِي جَهْلٍ وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ» .
قالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ: فَلَقَدْ رَأيْتُهم قَتْلى في قَلِيبِ بَدْرٍ» .
الحجر 15:97
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٧-٩٩] ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ قَوْمَهُ يَهْزَأُونَ ويُسَفِّهُونَ؛ أعْلَمَهُ بِما يَعْلُمُهُ سُبْحانَهُ مِنهُ، مِن ضِيقِ صَدْرِهِ وانْقِباضِهِ بِما يَقُولُونَ؛ لِأنَّ اَلْجِبِلَّةَ اَلْبَشَرِيَّةَ والمِزاجَ اَلْإنْسانِيَّ يَقْتَضِي ذَلِكَ. ثُمَّ أعْلَمَهُ بِما يُزِيلُ ضِيقَ اَلصَّدْرِ والحُزْنِ، وذَلِكَ أمْرُهُ مِنَ اَلتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والصَّلاةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وقالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ومَعْلُومٌ أنَّ في اَلْإقْبالِ عَلى ما ذُكِرَ، اِسْتِنْزالُ اَلْإمْدادِ اَلرَّبّانِيِّ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]
(p-٣٧٧٤)وقَدْ رُوِيَ في شَمائِلِهِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ؛ أنَّهُ كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزَعَ إلى اَلصَّلاةِ، تَأْوِيلًا لِما ذُكِرَ.
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: وتَحْلِيَةُ اَلْجُمْلَةِ بِالتَّأْكِيدِ؛ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ اَلتَّسْلِيَةِ. وفي اَلتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ اَلرُّبُوبِيَّةِ، مَعَ اَلْإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ اَللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ اَلْحُكْمِ، أعْنِي اَلْأمْرَ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ. والمُرادُ مِنَ (اَلسّاجِدِينَ) اَلْمُصَلِّينَ، مِن إطْلاقِ اَلْجُزْءِ عَلى اَلْكُلِّ. و(اَلْيَقِينُ): اَلْمَوْتُ فَإنَّهُ مُتَيَقَّنُ اَللُّحُوقِ بِكُلِّ حَيٍّ مَخْلُوقٍ. وإسْنادُ اَلْإتْيانِ إلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى اَلْحَيِّ طالِبٌ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ. والمَعْنى: دُمْ عَلى اَلْعِبادَةِ ما دُمْتَ حَيًّا. كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]
وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِـ (اَلْيَقِينُ): تَعْذِيبُ هَؤُلاءِ وأنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما وعَدَهُ. ولا رَيْبَ أنَّهُ مِنَ اَلْمُتَيَقَّنِ، إلّا أنَّ إرادَةَ اَلْمَوْتِ مِنهُ أوْلى، يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى إخْبارًا عَنْ أهْلِ اَلنّارِ: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] وما في اَلصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ اَلْعَلاءِ اِمْرَأةٍ مِنَ اَلْأنْصارِ «أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا دَخَلَ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وقَدْ ماتَ، قالَتْ أُمُّ اَلْعَلاءِ: رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْكَ أبا اَلسّائِبِ ! فَشَهادَتِي عَلَيْكَ: لَقَدْ أكْرَمَكَ اَللَّهُ ! فَقالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وما يُدْرِيكِ أنَّ اَللَّهَ أكْرَمَهُ ؟» فَقُلْتُ: بِأبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اَللَّهِ ! فَمَن ؟ فَقالَ: «أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اَلْيَقِينُ، وإنِّي لَأرْجُوَ لَهُ اَلْخَيْرَ»» .
(p-٣٧٧٥)تَنْبِيهٌ:
قالَ اَلْحافِظُ اِبْنُ كَثِيرٍ: يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ اَلْآيَةِ اَلْكَرِيمَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] عَلى أنَّ اَلْعِبادَةَ، كالصَّلاةِ ونَحْوِها، واجِبَةٌ عَلى اَلْإنْسانِ ما دامَ عَقْلُهُ ثابِتًا، كَما في صَحِيحِ اَلْبُخارِيِّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما؛ أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قالَ: «صَلِّ قائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ» . ويُسْتَدَلُّ بِها عَلى تَخْطِئَةِ مَن ذَهَبَ مِنَ اَلْمَلاحِدَةِ إلى أنَّ اَلْمُرادَ بِاليَقِينِ: اَلْمَعْرِفَةُ. فَمَتى وصَلَ أحَدُهم إلى اَلْمَعْرِفَةِ سَقَطَ عَنْهُ اَلتَّكْلِيفُ عِنْدَهم. وهَذا كُفْرٌ وضَلالٌ وجَهْلٌ. فَإنَّ اَلْأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ كانُوا هم وأصْحابُهم، أعْلَمَ اَلنّاسِ بِاَللَّهِ، وأعْرَفَهم بِحُقُوقِهِ وصِفاتِهِ، وما يَسْتَحِقُّ مِنَ اَلتَّعْظِيمِ، وكانُوا مَعَ هَذا أعْبَدَ اَلنّاسِ وأكْثَرَهم مُواظَبَةً عَلى فِعْلِ اَلْخَيْراتِ إلى حِينِ اَلْوَفاةِ. اِنْتَهى.
الحجر 15:98
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٧-٩٩] ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ قَوْمَهُ يَهْزَأُونَ ويُسَفِّهُونَ؛ أعْلَمَهُ بِما يَعْلُمُهُ سُبْحانَهُ مِنهُ، مِن ضِيقِ صَدْرِهِ وانْقِباضِهِ بِما يَقُولُونَ؛ لِأنَّ اَلْجِبِلَّةَ اَلْبَشَرِيَّةَ والمِزاجَ اَلْإنْسانِيَّ يَقْتَضِي ذَلِكَ. ثُمَّ أعْلَمَهُ بِما يُزِيلُ ضِيقَ اَلصَّدْرِ والحُزْنِ، وذَلِكَ أمْرُهُ مِنَ اَلتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والصَّلاةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وقالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ومَعْلُومٌ أنَّ في اَلْإقْبالِ عَلى ما ذُكِرَ، اِسْتِنْزالُ اَلْإمْدادِ اَلرَّبّانِيِّ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]
(p-٣٧٧٤)وقَدْ رُوِيَ في شَمائِلِهِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ؛ أنَّهُ كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزَعَ إلى اَلصَّلاةِ، تَأْوِيلًا لِما ذُكِرَ.
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: وتَحْلِيَةُ اَلْجُمْلَةِ بِالتَّأْكِيدِ؛ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ اَلتَّسْلِيَةِ. وفي اَلتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ اَلرُّبُوبِيَّةِ، مَعَ اَلْإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ اَللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ اَلْحُكْمِ، أعْنِي اَلْأمْرَ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ. والمُرادُ مِنَ (اَلسّاجِدِينَ) اَلْمُصَلِّينَ، مِن إطْلاقِ اَلْجُزْءِ عَلى اَلْكُلِّ. و(اَلْيَقِينُ): اَلْمَوْتُ فَإنَّهُ مُتَيَقَّنُ اَللُّحُوقِ بِكُلِّ حَيٍّ مَخْلُوقٍ. وإسْنادُ اَلْإتْيانِ إلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى اَلْحَيِّ طالِبٌ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ. والمَعْنى: دُمْ عَلى اَلْعِبادَةِ ما دُمْتَ حَيًّا. كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]
وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِـ (اَلْيَقِينُ): تَعْذِيبُ هَؤُلاءِ وأنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما وعَدَهُ. ولا رَيْبَ أنَّهُ مِنَ اَلْمُتَيَقَّنِ، إلّا أنَّ إرادَةَ اَلْمَوْتِ مِنهُ أوْلى، يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى إخْبارًا عَنْ أهْلِ اَلنّارِ: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] وما في اَلصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ اَلْعَلاءِ اِمْرَأةٍ مِنَ اَلْأنْصارِ «أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا دَخَلَ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وقَدْ ماتَ، قالَتْ أُمُّ اَلْعَلاءِ: رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْكَ أبا اَلسّائِبِ ! فَشَهادَتِي عَلَيْكَ: لَقَدْ أكْرَمَكَ اَللَّهُ ! فَقالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وما يُدْرِيكِ أنَّ اَللَّهَ أكْرَمَهُ ؟» فَقُلْتُ: بِأبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اَللَّهِ ! فَمَن ؟ فَقالَ: «أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اَلْيَقِينُ، وإنِّي لَأرْجُوَ لَهُ اَلْخَيْرَ»» .
(p-٣٧٧٥)تَنْبِيهٌ:
قالَ اَلْحافِظُ اِبْنُ كَثِيرٍ: يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ اَلْآيَةِ اَلْكَرِيمَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] عَلى أنَّ اَلْعِبادَةَ، كالصَّلاةِ ونَحْوِها، واجِبَةٌ عَلى اَلْإنْسانِ ما دامَ عَقْلُهُ ثابِتًا، كَما في صَحِيحِ اَلْبُخارِيِّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما؛ أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قالَ: «صَلِّ قائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ» . ويُسْتَدَلُّ بِها عَلى تَخْطِئَةِ مَن ذَهَبَ مِنَ اَلْمَلاحِدَةِ إلى أنَّ اَلْمُرادَ بِاليَقِينِ: اَلْمَعْرِفَةُ. فَمَتى وصَلَ أحَدُهم إلى اَلْمَعْرِفَةِ سَقَطَ عَنْهُ اَلتَّكْلِيفُ عِنْدَهم. وهَذا كُفْرٌ وضَلالٌ وجَهْلٌ. فَإنَّ اَلْأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ كانُوا هم وأصْحابُهم، أعْلَمَ اَلنّاسِ بِاَللَّهِ، وأعْرَفَهم بِحُقُوقِهِ وصِفاتِهِ، وما يَسْتَحِقُّ مِنَ اَلتَّعْظِيمِ، وكانُوا مَعَ هَذا أعْبَدَ اَلنّاسِ وأكْثَرَهم مُواظَبَةً عَلى فِعْلِ اَلْخَيْراتِ إلى حِينِ اَلْوَفاةِ. اِنْتَهى.
الحجر 15:99
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٧-٩٩] ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ قَوْمَهُ يَهْزَأُونَ ويُسَفِّهُونَ؛ أعْلَمَهُ بِما يَعْلُمُهُ سُبْحانَهُ مِنهُ، مِن ضِيقِ صَدْرِهِ وانْقِباضِهِ بِما يَقُولُونَ؛ لِأنَّ اَلْجِبِلَّةَ اَلْبَشَرِيَّةَ والمِزاجَ اَلْإنْسانِيَّ يَقْتَضِي ذَلِكَ. ثُمَّ أعْلَمَهُ بِما يُزِيلُ ضِيقَ اَلصَّدْرِ والحُزْنِ، وذَلِكَ أمْرُهُ مِنَ اَلتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والصَّلاةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وقالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ومَعْلُومٌ أنَّ في اَلْإقْبالِ عَلى ما ذُكِرَ، اِسْتِنْزالُ اَلْإمْدادِ اَلرَّبّانِيِّ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]
(p-٣٧٧٤)وقَدْ رُوِيَ في شَمائِلِهِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ؛ أنَّهُ كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزَعَ إلى اَلصَّلاةِ، تَأْوِيلًا لِما ذُكِرَ.
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: وتَحْلِيَةُ اَلْجُمْلَةِ بِالتَّأْكِيدِ؛ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ اَلتَّسْلِيَةِ. وفي اَلتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ اَلرُّبُوبِيَّةِ، مَعَ اَلْإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ اَللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ اَلْحُكْمِ، أعْنِي اَلْأمْرَ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ. والمُرادُ مِنَ (اَلسّاجِدِينَ) اَلْمُصَلِّينَ، مِن إطْلاقِ اَلْجُزْءِ عَلى اَلْكُلِّ. و(اَلْيَقِينُ): اَلْمَوْتُ فَإنَّهُ مُتَيَقَّنُ اَللُّحُوقِ بِكُلِّ حَيٍّ مَخْلُوقٍ. وإسْنادُ اَلْإتْيانِ إلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى اَلْحَيِّ طالِبٌ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ. والمَعْنى: دُمْ عَلى اَلْعِبادَةِ ما دُمْتَ حَيًّا. كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]
وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِـ (اَلْيَقِينُ): تَعْذِيبُ هَؤُلاءِ وأنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما وعَدَهُ. ولا رَيْبَ أنَّهُ مِنَ اَلْمُتَيَقَّنِ، إلّا أنَّ إرادَةَ اَلْمَوْتِ مِنهُ أوْلى، يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى إخْبارًا عَنْ أهْلِ اَلنّارِ: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] وما في اَلصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ اَلْعَلاءِ اِمْرَأةٍ مِنَ اَلْأنْصارِ «أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا دَخَلَ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وقَدْ ماتَ، قالَتْ أُمُّ اَلْعَلاءِ: رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْكَ أبا اَلسّائِبِ ! فَشَهادَتِي عَلَيْكَ: لَقَدْ أكْرَمَكَ اَللَّهُ ! فَقالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وما يُدْرِيكِ أنَّ اَللَّهَ أكْرَمَهُ ؟» فَقُلْتُ: بِأبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اَللَّهِ ! فَمَن ؟ فَقالَ: «أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اَلْيَقِينُ، وإنِّي لَأرْجُوَ لَهُ اَلْخَيْرَ»» .
(p-٣٧٧٥)تَنْبِيهٌ:
قالَ اَلْحافِظُ اِبْنُ كَثِيرٍ: يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ اَلْآيَةِ اَلْكَرِيمَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] عَلى أنَّ اَلْعِبادَةَ، كالصَّلاةِ ونَحْوِها، واجِبَةٌ عَلى اَلْإنْسانِ ما دامَ عَقْلُهُ ثابِتًا، كَما في صَحِيحِ اَلْبُخارِيِّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما؛ أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قالَ: «صَلِّ قائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ» . ويُسْتَدَلُّ بِها عَلى تَخْطِئَةِ مَن ذَهَبَ مِنَ اَلْمَلاحِدَةِ إلى أنَّ اَلْمُرادَ بِاليَقِينِ: اَلْمَعْرِفَةُ. فَمَتى وصَلَ أحَدُهم إلى اَلْمَعْرِفَةِ سَقَطَ عَنْهُ اَلتَّكْلِيفُ عِنْدَهم. وهَذا كُفْرٌ وضَلالٌ وجَهْلٌ. فَإنَّ اَلْأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ كانُوا هم وأصْحابُهم، أعْلَمَ اَلنّاسِ بِاَللَّهِ، وأعْرَفَهم بِحُقُوقِهِ وصِفاتِهِ، وما يَسْتَحِقُّ مِنَ اَلتَّعْظِيمِ، وكانُوا مَعَ هَذا أعْبَدَ اَلنّاسِ وأكْثَرَهم مُواظَبَةً عَلى فِعْلِ اَلْخَيْراتِ إلى حِينِ اَلْوَفاةِ. اِنْتَهى.
النحل 16:1
(p-٣٧٧٦)سُورَةُ اَلنَّحْلِ
سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى قَوْلِهِ تَعالى: وأوْحى رَبُّكَ إلى اَلنَّحْلِ، اَلْمُشِيرِ إلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُلْهِمَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْضَ خَواصِّ عِبادِهِ، أنْ يَسْتَخْرِجُوا اَلْفَوائِدَ اَلْحُلْوَةَ اَلشّافِيَةَ مِن هَذا اَلْكِتابِ. بِحَمْلِ كَلِماتِهِ عَلى مَواضِعِ اَلشَّرَفِ. وعَلى اَلْمَعانِي اَلْمُثْمِرَةِ، وعَلى اَلتَّصَرُّفاتِ اَلْعالِيَةِ. مَعَ تَحْصِيلِ اَلْأخْلاقِ اَلْفاضِلَةِ وسُلُوكِ سَبِيلِ اَلتَّصْفِيَةِ والتَّزْكِيَةِ. وهَذا أكْمَلُ ما يُعْرَفُ بِهِ فَضائِلُ اَلْقُرْآنِ ويُدْرَكُ بِهِ مَقاصِدُهُ. قالَهُ المَهايِمِيُّ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: تَسْمِيَةُ اَلسُّورَةِ بِذَلِكَ تَسْمِيَةً بِالأمْرِ اَلْمُهِمِّ. لِيَتُفَطَّنَ اَلْغَرَضُ اَلَّذِي يُرْمى إلَيْهِ. كَـ (الجُمُعَةِ) لِأهَمِيَّةِ اَلِاجْتِماعِ اَلْأُسْبُوعِيِّ وما يَنْجُمُ عَنْهُ مِن مَصالِحِ اَلْأُمُورِ اَلْعامَّةِ، والحَدِيدِ لِمَنافِعِهِ اَلْعَظِيمَةِ. و(النَّحْلِ) . و(العَنْكَبُوتِ) . و(النَّمْلِ) . لِلتَّفَطُّنِ لِصِغارِ اَلْحَيَواناتِ اَلْحَكِيمَةِ اَلصَّنائِعِ. وهَكَذا. وسَيَأْتِي طَرَفٌ مِن حِكْمَةِ اَلنَّحْلِ وأسْرارِهِ عِنْدَ آيَتِهِ في هَذِهِ اَلسُّورَةِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى اِبْنُ عَبّاسٍ آخِرَها. وعَنِ اَلشَّعْبِيِّ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: وإنْ عاقَبْتُمُ، اَلْآياتِ وعَنِ اَلشَّعْبِيِّ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: واَلَّذِينَ هاجَرُوا في اَللَّهِ، اَلْآياتِ. وآياتُها مِائَةٌ وثَمانٌ وعِشْرُونَ.
وعَنْ قَتادَةَ: تُسَمّى سُورَةَ اَلنِّعَمِ. وذَلِكَ لِما عَدَّدَ اَللَّهُ فِيها مِنَ اَلنِّعَمِ عَلى عِبادِهِ.
(p-٣٧٧٧)بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَقَرَّرَ في غَيْرِ ما آيَةٍ، أنَّ اَلْمُشْرِكِينَ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ ما وُعِدُوا مِن قِيامِ اَلسّاعَةِ أوْ إهْلاكِهِمْ، كَما فُعِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، اِسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا بِالوَعْدِ. فَقِيلَ لَهم: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: ما تُوعَدُونَهُ مِمّا ذُكِرَ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِـ: { أمْرُ اَللَّهِ }؛ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. ولِلْإيذانِ بِأنَّ تَحَقُّقَهُ في نَفْسِهِ وإتْيانَهُ مَنُوطٌ بِحُكْمِهِ اَلنّافِذِ وقَضائِهِ اَلْغالِبِ. وإتْيانُهُ عِبارَةٌ عَنْ دُنُوِّهِ واقْتِرابِهِ، عَلى طَرِيقَةِ نَظْمِ اَلْمُتَوَقَّعِ في سَلْكِ اَلْواقِعِ. أوْ عَنْ إتْيانِ مَبادِيهِ اَلْقَرِيبَةِ، عَلى نَهْجِ إسْنادِ حالِ اَلْأسْبابِ إلى اَلْمُسَبِّباتِ. والآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] وقَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ غَيْرَهُ، وعِبادَتِهِمْ مَعَهُ ما سِواهُ، مِنَ اَلْأوْثانِ والأنْدادِ، اَلَّذِي أفْضى بِهِمْ إلى اَلِاسْتِهْزاءِ والعِنادِ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها شُفَعاؤُهم إذا جاءَ اَلْمِيعادُ.
النحل 16:2
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿يُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ﴾ .
﴿يُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ﴾ (p-٣٧٧٨)رَدٌّ لِاسْتِبْعادِهِمُ اَلنُّبُوَّةَ، بِأنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ لَهُ تَعالى. ولِذا ذَكَرَ صِيغَةَ اَلِاسْتِقْبالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] والرُّوحُ هو اَلْوَحْيُ، اَلَّذِي مِن جُمْلَتِهِ اَلْقُرْآنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالرُّوحِ عَلى نَهْجِ اَلِاسْتِعارَةِ. فَإنَّهُ يُحْيِي اَلْقُلُوبَ اَلْمَيِّتَةَ بِالجَهْلِ. و: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ بَيانٌ لِلرُّوحِ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ صِفَةٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُنَزِّلُ) و( مِن) لِلسَّبَبِيَّةِ. و: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ بَدَلٌ مِنَ اَلرُّوحِ. أيْ: أخْبِرُوهم بِالتَّوْحِيدِ والتَّقْوى. فَقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُونِ﴾ مِن جُمْلَةِ اَلْمُنْذَرِ بِهِ. أوْ هو خِطابٌ لِلْمُسْتَعْجِلِينَ، عَلى طَرِيقَةِ اَلِالتِفاتِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا كانَتْ سُنَّتُهُ تَعالى ذَلِكَ، فاتَّقَوْنِ، بِما يُنافِيهِ مِنَ اَلْإشْراكِ وفُرُوعَهُ مِنَ اَلِاسْتِعْجالِ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، بِما ذُكِرَ، مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، مِن خَلْقِ اَلسَّماواتِ والأرْضِ، وخَلْقِ اَلْإنْسانِ وما يُصْلِحُهُ، وما لا بُدَّ لَهُ مِنهُ مِن خَلْقِ اَلْبَهائِمِ لِأكْلِهِ ورُكُوبِهِ، وجَرِّ أثْقالِهِ وسائِرِ حاجاتِهِ، وخَلْقِ ما لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلائِقِهِ. ومِثْلُهُ مُتَعالٍ عَنْ أنْ يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
(p-٣٧٧٩)
النحل 16:3
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣-٦] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] .
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحِكْمَةِ، كَما تَقَدَّمَ: ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤] أيْ: مُهِينَةٍ ضَعِيفَةٍ: ﴿فَإذا هُوَ﴾ [النحل: ٤] بَعْدَ تَكامُلِهِ بَشَرًا: ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] أيْ: مُخاصِمٌ لِخالِقِهِ مُجادِلٌ، يَجْحَدُ وحْدانِيَّتَهُ ويُحارِبُ رُسُلَهُ. وهو إنَّما خُلِقَ لِيَكُونَ عَبْدًا لا ضِدًّا.
﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] أيْ: لِمَصالِحِكم، وهي اَلْأزْواجُ اَلثَّمانِيَةُ اَلْمُفَصَّلَةُ في سُورَةِ اَلْأنْعامِ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وأكْثَرُ ما تَقَعُ عَلى اَلْإبِلِ.
﴿فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] أيْ: ما يُدْفِئُ، أيْ: يُسَخَّنُ بِهِ مِن صُوفٍ أوْ وبَرٍ أوْ شَعْرٍ، فَيَقِي اَلْبَرْدَ ﴿ومَنافِعُ﴾ [النحل: ٥] أيْ: مِن نَسْلِها ودَرِّها ورُكُوبِ ظَهْرِها: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦] أيْ: زِينَةٌ: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ [النحل: ٦] أيْ: تَرُدُّونَها مِن مَراعِيها إلى مُراحِها (بِضَمِّ اَلْمِيمِ) وهو مَقَرُّها في دُورِ أهْلِها بِالعَشِيِّ: ﴿وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] أيْ: تُخْرِجُونَها بِالغَداةِ إلى اَلْمَراعِي.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: مَنَّ اَللَّهُ بِالتَّجَمُّلِ بِها كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ بِها؛ لِأنَّهُ مِن أغْراضِ أصْحابِ اَلْمَواشِي، بَلْ هو مِن مَعاظِمِها؛ لِأنَّ اَلرُّعْيانَ، إذا رَوَّحُوها بِالعَشِيِّ، وسَرَّحُوها بِالغَداةِ، فَزَيَّنَتْ بِإراحَتِها وتَسْرِيحِها اَلْأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها اَلثُّغاءُ والرُّغاءُ؛ أنْسَتْ أهْلُها وفَرِحَتْ أرْبابُها، وأجْلَتْهم في عُيُونِ اَلنّاظِرِينَ إلَيْها، وكَسَبَتْهُمُ اَلْجاهَ والحُرْمَةَ عِنْدَ اَلنّاسِ. ونَحْوُهُ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ﴿يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]
(p-٣٧٨٠)فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قُدِّمَتِ اَلْإراحَةُ عَلى اَلتَّسْرِيحِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ اَلْجَمالَ في اَلْإراحَةِ أظْهَرُ، إذا أقْبَلَتْ، مَلْأى اَلْبُطُونِ، حافِلَةَ اَلضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى اَلْحَظائِرِ لِأهْلِها. اِنْتَهى.
ثُمَّ أشارَ إلى فائِدَةٍ جامِعَةٍ لِلْحاجَةِ والزِّينَةِ فَقالَ:
النحل 16:4
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣-٦] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] .
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحِكْمَةِ، كَما تَقَدَّمَ: ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤] أيْ: مُهِينَةٍ ضَعِيفَةٍ: ﴿فَإذا هُوَ﴾ [النحل: ٤] بَعْدَ تَكامُلِهِ بَشَرًا: ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] أيْ: مُخاصِمٌ لِخالِقِهِ مُجادِلٌ، يَجْحَدُ وحْدانِيَّتَهُ ويُحارِبُ رُسُلَهُ. وهو إنَّما خُلِقَ لِيَكُونَ عَبْدًا لا ضِدًّا.
﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] أيْ: لِمَصالِحِكم، وهي اَلْأزْواجُ اَلثَّمانِيَةُ اَلْمُفَصَّلَةُ في سُورَةِ اَلْأنْعامِ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وأكْثَرُ ما تَقَعُ عَلى اَلْإبِلِ.
﴿فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] أيْ: ما يُدْفِئُ، أيْ: يُسَخَّنُ بِهِ مِن صُوفٍ أوْ وبَرٍ أوْ شَعْرٍ، فَيَقِي اَلْبَرْدَ ﴿ومَنافِعُ﴾ [النحل: ٥] أيْ: مِن نَسْلِها ودَرِّها ورُكُوبِ ظَهْرِها: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦] أيْ: زِينَةٌ: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ [النحل: ٦] أيْ: تَرُدُّونَها مِن مَراعِيها إلى مُراحِها (بِضَمِّ اَلْمِيمِ) وهو مَقَرُّها في دُورِ أهْلِها بِالعَشِيِّ: ﴿وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] أيْ: تُخْرِجُونَها بِالغَداةِ إلى اَلْمَراعِي.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: مَنَّ اَللَّهُ بِالتَّجَمُّلِ بِها كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ بِها؛ لِأنَّهُ مِن أغْراضِ أصْحابِ اَلْمَواشِي، بَلْ هو مِن مَعاظِمِها؛ لِأنَّ اَلرُّعْيانَ، إذا رَوَّحُوها بِالعَشِيِّ، وسَرَّحُوها بِالغَداةِ، فَزَيَّنَتْ بِإراحَتِها وتَسْرِيحِها اَلْأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها اَلثُّغاءُ والرُّغاءُ؛ أنْسَتْ أهْلُها وفَرِحَتْ أرْبابُها، وأجْلَتْهم في عُيُونِ اَلنّاظِرِينَ إلَيْها، وكَسَبَتْهُمُ اَلْجاهَ والحُرْمَةَ عِنْدَ اَلنّاسِ. ونَحْوُهُ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ﴿يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]
(p-٣٧٨٠)فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قُدِّمَتِ اَلْإراحَةُ عَلى اَلتَّسْرِيحِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ اَلْجَمالَ في اَلْإراحَةِ أظْهَرُ، إذا أقْبَلَتْ، مَلْأى اَلْبُطُونِ، حافِلَةَ اَلضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى اَلْحَظائِرِ لِأهْلِها. اِنْتَهى.
ثُمَّ أشارَ إلى فائِدَةٍ جامِعَةٍ لِلْحاجَةِ والزِّينَةِ فَقالَ:
النحل 16:5
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣-٦] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] .
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحِكْمَةِ، كَما تَقَدَّمَ: ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤] أيْ: مُهِينَةٍ ضَعِيفَةٍ: ﴿فَإذا هُوَ﴾ [النحل: ٤] بَعْدَ تَكامُلِهِ بَشَرًا: ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] أيْ: مُخاصِمٌ لِخالِقِهِ مُجادِلٌ، يَجْحَدُ وحْدانِيَّتَهُ ويُحارِبُ رُسُلَهُ. وهو إنَّما خُلِقَ لِيَكُونَ عَبْدًا لا ضِدًّا.
﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] أيْ: لِمَصالِحِكم، وهي اَلْأزْواجُ اَلثَّمانِيَةُ اَلْمُفَصَّلَةُ في سُورَةِ اَلْأنْعامِ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وأكْثَرُ ما تَقَعُ عَلى اَلْإبِلِ.
﴿فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] أيْ: ما يُدْفِئُ، أيْ: يُسَخَّنُ بِهِ مِن صُوفٍ أوْ وبَرٍ أوْ شَعْرٍ، فَيَقِي اَلْبَرْدَ ﴿ومَنافِعُ﴾ [النحل: ٥] أيْ: مِن نَسْلِها ودَرِّها ورُكُوبِ ظَهْرِها: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦] أيْ: زِينَةٌ: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ [النحل: ٦] أيْ: تَرُدُّونَها مِن مَراعِيها إلى مُراحِها (بِضَمِّ اَلْمِيمِ) وهو مَقَرُّها في دُورِ أهْلِها بِالعَشِيِّ: ﴿وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] أيْ: تُخْرِجُونَها بِالغَداةِ إلى اَلْمَراعِي.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: مَنَّ اَللَّهُ بِالتَّجَمُّلِ بِها كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ بِها؛ لِأنَّهُ مِن أغْراضِ أصْحابِ اَلْمَواشِي، بَلْ هو مِن مَعاظِمِها؛ لِأنَّ اَلرُّعْيانَ، إذا رَوَّحُوها بِالعَشِيِّ، وسَرَّحُوها بِالغَداةِ، فَزَيَّنَتْ بِإراحَتِها وتَسْرِيحِها اَلْأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها اَلثُّغاءُ والرُّغاءُ؛ أنْسَتْ أهْلُها وفَرِحَتْ أرْبابُها، وأجْلَتْهم في عُيُونِ اَلنّاظِرِينَ إلَيْها، وكَسَبَتْهُمُ اَلْجاهَ والحُرْمَةَ عِنْدَ اَلنّاسِ. ونَحْوُهُ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ﴿يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]
(p-٣٧٨٠)فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قُدِّمَتِ اَلْإراحَةُ عَلى اَلتَّسْرِيحِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ اَلْجَمالَ في اَلْإراحَةِ أظْهَرُ، إذا أقْبَلَتْ، مَلْأى اَلْبُطُونِ، حافِلَةَ اَلضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى اَلْحَظائِرِ لِأهْلِها. اِنْتَهى.
ثُمَّ أشارَ إلى فائِدَةٍ جامِعَةٍ لِلْحاجَةِ والزِّينَةِ فَقالَ:
النحل 16:6
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣-٦] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] .
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحِكْمَةِ، كَما تَقَدَّمَ: ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤] أيْ: مُهِينَةٍ ضَعِيفَةٍ: ﴿فَإذا هُوَ﴾ [النحل: ٤] بَعْدَ تَكامُلِهِ بَشَرًا: ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] أيْ: مُخاصِمٌ لِخالِقِهِ مُجادِلٌ، يَجْحَدُ وحْدانِيَّتَهُ ويُحارِبُ رُسُلَهُ. وهو إنَّما خُلِقَ لِيَكُونَ عَبْدًا لا ضِدًّا.
﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] أيْ: لِمَصالِحِكم، وهي اَلْأزْواجُ اَلثَّمانِيَةُ اَلْمُفَصَّلَةُ في سُورَةِ اَلْأنْعامِ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وأكْثَرُ ما تَقَعُ عَلى اَلْإبِلِ.
﴿فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] أيْ: ما يُدْفِئُ، أيْ: يُسَخَّنُ بِهِ مِن صُوفٍ أوْ وبَرٍ أوْ شَعْرٍ، فَيَقِي اَلْبَرْدَ ﴿ومَنافِعُ﴾ [النحل: ٥] أيْ: مِن نَسْلِها ودَرِّها ورُكُوبِ ظَهْرِها: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦] أيْ: زِينَةٌ: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ [النحل: ٦] أيْ: تَرُدُّونَها مِن مَراعِيها إلى مُراحِها (بِضَمِّ اَلْمِيمِ) وهو مَقَرُّها في دُورِ أهْلِها بِالعَشِيِّ: ﴿وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] أيْ: تُخْرِجُونَها بِالغَداةِ إلى اَلْمَراعِي.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: مَنَّ اَللَّهُ بِالتَّجَمُّلِ بِها كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ بِها؛ لِأنَّهُ مِن أغْراضِ أصْحابِ اَلْمَواشِي، بَلْ هو مِن مَعاظِمِها؛ لِأنَّ اَلرُّعْيانَ، إذا رَوَّحُوها بِالعَشِيِّ، وسَرَّحُوها بِالغَداةِ، فَزَيَّنَتْ بِإراحَتِها وتَسْرِيحِها اَلْأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها اَلثُّغاءُ والرُّغاءُ؛ أنْسَتْ أهْلُها وفَرِحَتْ أرْبابُها، وأجْلَتْهم في عُيُونِ اَلنّاظِرِينَ إلَيْها، وكَسَبَتْهُمُ اَلْجاهَ والحُرْمَةَ عِنْدَ اَلنّاسِ. ونَحْوُهُ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ﴿يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]
(p-٣٧٨٠)فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قُدِّمَتِ اَلْإراحَةُ عَلى اَلتَّسْرِيحِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ اَلْجَمالَ في اَلْإراحَةِ أظْهَرُ، إذا أقْبَلَتْ، مَلْأى اَلْبُطُونِ، حافِلَةَ اَلضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى اَلْحَظائِرِ لِأهْلِها. اِنْتَهى.
ثُمَّ أشارَ إلى فائِدَةٍ جامِعَةٍ لِلْحاجَةِ والزِّينَةِ فَقالَ:
النحل 16:7
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧-٨] ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] .
﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ أيْ: أحْمالَكم: ﴿إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ بِكَسْرِ اَلشِّينِ اَلْمُعْجَمَةِ وفَتْحِها، قِراءَتانِ، وهُما لُغَتانِ في مَعْنى (اَلْمَشَقَّةِ) أيْ: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِأنْفُسِكم إلّا بِجُهْدٍ ومَشَقَّةٍ، فَضْلًا عَنْ أنْ تَحْمِلُوا عَلى ظُهُورِكم أثْقالَكم: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: حَيْثُ سَخَّرَها لِمَنافِعِكم.
ثُمَّ أشارَ إلى ما هو أتَمُّ في دَفْعِ اَلْمَشَقَّةِ وإفادَةِ اَلزِّينَةِ، فَقالَ:
﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] عَطَفَ عَلى (اَلْأنْعامَ): ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] عَطْفَ مَحَلٍّ (لِتَرْكَبُوها) فَهي مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَصْدَرٌ لِمَحْذُوفٍ. أيْ: وتَتَزَيَّنُوا بِها زِينَةً، أوْ مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ اَلْحالِ مِن فاعِلِ (تَرْكَبُوها) أوْ مَفْعُولِهِ. أيْ: مُتَزَيِّنِينَ بِها، أوْ مُتَزَيِّنًا بِها. وسِرُّ اَلتَّصْرِيحِ بِاللّامِ في اَلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، دُونَ اَلْمَعْطُوفِ؛ هو اَلْإشارَةُ إلى أنَّ اَلْمَقْصُودَ اَلْمُعْتَبَرُ اَلْأصْلِيُّ في اَلْأصْنافِ؛ هو اَلرُّكُوبُ. وأمّا اَلتَّزَيُّنُ بِها فَأمْرٌ تابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ قَصْدَ اَلرُّكُوبِ. فاقْتَرَنَ اَلْمَقْصُودُ اَلْمُهِمُّ بِاللّامِ اَلْمُفِيدَةِ لِلتَّعْلِيلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أهَمُّ اَلْغَرَضَيْنِ وأقْوى اَلسَّبَبَيْنِ. وتَجَرَّدَ اَلتَّزَيُّنُ مِنها تَنْبِيهًا عَلى تَبَعِيَّتِهِ أوْ قُصُورِهِ عَنِ اَلرُّكُوبِ. واَللَّهُ أعْلَمُ. كَذا في (اَلِانْتِصافِ) .
تَنْبِيهٌ:
اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ اَلْآيَةِ اَلْقائِلُونَ بِتَحْرِيمِ لُحُومِ اَلْخَيْلِ، قائِلِينَ بِأنَّ اَلتَّعْلِيلَ بِالرُّكُوبِ يَدُلُّ عَلى (p-٣٧٨١)أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِهَذِهِ اَلْمَصْلَحَةِ دُونَ غَيْرِها. قالُوا: ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ إفْرادُ هَذِهِ اَلْأنْواعِ اَلثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ وإخْراجُها عَنِ اَلْأنْعامِ. فَيُفِيدُ ذَلِكَ اِتِّحادَ حُكْمِها في تَحْرِيمِ اَلْأكْلِ. قالُوا: ولَوْ كانَ أكْلُ اَلْخَيْلِ جائِزًا؛ لَكانَ ذِكْرُهُ والِامْتِنانُ بِهِ أوْلى مِن ذِكْرِ اَلرُّكُوبِ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ فائِدَةً مِنهُ. وأجابَ اَلْمُجَوِّزُونَ لِأكْلِها، بِأنَّهُ لا حُجَّةَ في اَلتَّعْلِيلِ بِالرُّكُوبِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ ما هو اَلْأغْلَبُ مِن مَنافِعِها لا يُنافِي غُيْرَهُ.
ولا نُسَلِّمُ أنَّ اَلْأكْلَ أكْثَرُ فائِدَةٍ مِنَ اَلرُّكُوبِ حَتّى يُذْكَرَ ويَكُونَ ذِكْرُهُ أقْدَمَ مِن ذِكْرِ اَلرُّكُوبِ. وأيْضًا لَوْ كانَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ اَلْخَيْلِ؛ لَدَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِ اَلْحُمُرِ اَلْأهْلِيَّةِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ ثَمَّ حاجَةٌ لِتَجْدِيدِ اَلتَّحْرِيمِ لَها عامَ خَيْبَرَ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذِهِ اَلسُّورَةَ مَكِّيَّةٌ.
والحاصِلُ: أنَّ اَلْأدِلَّةَ اَلصَّحِيحَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلى حِلِّ أكْلِ لُحُومِ اَلْخَيْلِ. فَلَوْ سَلَّمْنا أنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ مُتَمَسَّكًا لِلْقائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ؛ لَكانَتِ اَلسُّنَّةُ اَلْمُطَهَّرَةُ اَلثّابِتَةُ رافِعَةً لِهَذا اَلِاحْتِمالِ، ودافِعَةً لِهَذا اَلِاسْتِدْلالِ. وقَدْ ورَدَ في حِلِّ أكْلِ لُحُومِ اَلْخَيْلِ، أحادِيثُ مِنها ما في اَلصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أسْماءَ قالَتْ: «نَحَرْنا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَرَسًا، فَأكَلْناهُ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ واَلتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ جابِرٍ قالَ: «أطْعَمْنا رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لُحُومَ اَلْخَيْلِ، ونَهانا عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُرِ اَلْأهْلِيَّةِ» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ (p-٣٧٨٢)نَحْوَهُ. وثَبَتَ أيْضًا في اَلصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: «نَهى رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُرِ اَلْأهْلِيَّةِ، وأذِنَ في اَلْخَيْلِ» .
وأمّا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ خالِدِ بْنِ اَلْوَلِيدِ قالَ: «نَهى رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ اَلسِّباعِ، وعَنْ لُحُومِ اَلْخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ». فَفي إسْنادِهِ صالِحُ بْنُ يَحْيى، فِيهِ مَقالٌ. ولَوْ فُرِضَ صِحَّتُهُ لَمْ يَقْوَ عَلى مُعارَضَةِ أحادِيثِ اَلْحَلِّ. عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى يَوْمِ خَيْبَرَ، فَيَكُونُ مَنسُوخًا. كَذا في " فَتْحِ اَلْبَيانِ " .
وفِي (اَلْإكْلِيلِ): أخَذَ اَلْمالِكِيَّةُ، مِنَ اَلِاقْتِرانِ اَلْمَذْكُورِ، رَدًّا عَلى اَلْحَنَفِيَّةِ في قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ اَلزَّكاةِ فِيها. أيِ: اَلْخَيْلِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] أيْ: مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ في اَلْقِفارِ والبِحارِ، وصِيغَةُ اَلِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى اَلتَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ. أوْ لِاسْتِحْضارِ اَلصُّورَةِ.
النحل 16:8
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧-٨] ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] .
﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ أيْ: أحْمالَكم: ﴿إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ بِكَسْرِ اَلشِّينِ اَلْمُعْجَمَةِ وفَتْحِها، قِراءَتانِ، وهُما لُغَتانِ في مَعْنى (اَلْمَشَقَّةِ) أيْ: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِأنْفُسِكم إلّا بِجُهْدٍ ومَشَقَّةٍ، فَضْلًا عَنْ أنْ تَحْمِلُوا عَلى ظُهُورِكم أثْقالَكم: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: حَيْثُ سَخَّرَها لِمَنافِعِكم.
ثُمَّ أشارَ إلى ما هو أتَمُّ في دَفْعِ اَلْمَشَقَّةِ وإفادَةِ اَلزِّينَةِ، فَقالَ:
﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] عَطَفَ عَلى (اَلْأنْعامَ): ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] عَطْفَ مَحَلٍّ (لِتَرْكَبُوها) فَهي مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَصْدَرٌ لِمَحْذُوفٍ. أيْ: وتَتَزَيَّنُوا بِها زِينَةً، أوْ مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ اَلْحالِ مِن فاعِلِ (تَرْكَبُوها) أوْ مَفْعُولِهِ. أيْ: مُتَزَيِّنِينَ بِها، أوْ مُتَزَيِّنًا بِها. وسِرُّ اَلتَّصْرِيحِ بِاللّامِ في اَلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، دُونَ اَلْمَعْطُوفِ؛ هو اَلْإشارَةُ إلى أنَّ اَلْمَقْصُودَ اَلْمُعْتَبَرُ اَلْأصْلِيُّ في اَلْأصْنافِ؛ هو اَلرُّكُوبُ. وأمّا اَلتَّزَيُّنُ بِها فَأمْرٌ تابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ قَصْدَ اَلرُّكُوبِ. فاقْتَرَنَ اَلْمَقْصُودُ اَلْمُهِمُّ بِاللّامِ اَلْمُفِيدَةِ لِلتَّعْلِيلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أهَمُّ اَلْغَرَضَيْنِ وأقْوى اَلسَّبَبَيْنِ. وتَجَرَّدَ اَلتَّزَيُّنُ مِنها تَنْبِيهًا عَلى تَبَعِيَّتِهِ أوْ قُصُورِهِ عَنِ اَلرُّكُوبِ. واَللَّهُ أعْلَمُ. كَذا في (اَلِانْتِصافِ) .
تَنْبِيهٌ:
اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ اَلْآيَةِ اَلْقائِلُونَ بِتَحْرِيمِ لُحُومِ اَلْخَيْلِ، قائِلِينَ بِأنَّ اَلتَّعْلِيلَ بِالرُّكُوبِ يَدُلُّ عَلى (p-٣٧٨١)أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِهَذِهِ اَلْمَصْلَحَةِ دُونَ غَيْرِها. قالُوا: ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ إفْرادُ هَذِهِ اَلْأنْواعِ اَلثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ وإخْراجُها عَنِ اَلْأنْعامِ. فَيُفِيدُ ذَلِكَ اِتِّحادَ حُكْمِها في تَحْرِيمِ اَلْأكْلِ. قالُوا: ولَوْ كانَ أكْلُ اَلْخَيْلِ جائِزًا؛ لَكانَ ذِكْرُهُ والِامْتِنانُ بِهِ أوْلى مِن ذِكْرِ اَلرُّكُوبِ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ فائِدَةً مِنهُ. وأجابَ اَلْمُجَوِّزُونَ لِأكْلِها، بِأنَّهُ لا حُجَّةَ في اَلتَّعْلِيلِ بِالرُّكُوبِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ ما هو اَلْأغْلَبُ مِن مَنافِعِها لا يُنافِي غُيْرَهُ.
ولا نُسَلِّمُ أنَّ اَلْأكْلَ أكْثَرُ فائِدَةٍ مِنَ اَلرُّكُوبِ حَتّى يُذْكَرَ ويَكُونَ ذِكْرُهُ أقْدَمَ مِن ذِكْرِ اَلرُّكُوبِ. وأيْضًا لَوْ كانَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ اَلْخَيْلِ؛ لَدَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِ اَلْحُمُرِ اَلْأهْلِيَّةِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ ثَمَّ حاجَةٌ لِتَجْدِيدِ اَلتَّحْرِيمِ لَها عامَ خَيْبَرَ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذِهِ اَلسُّورَةَ مَكِّيَّةٌ.
والحاصِلُ: أنَّ اَلْأدِلَّةَ اَلصَّحِيحَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلى حِلِّ أكْلِ لُحُومِ اَلْخَيْلِ. فَلَوْ سَلَّمْنا أنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ مُتَمَسَّكًا لِلْقائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ؛ لَكانَتِ اَلسُّنَّةُ اَلْمُطَهَّرَةُ اَلثّابِتَةُ رافِعَةً لِهَذا اَلِاحْتِمالِ، ودافِعَةً لِهَذا اَلِاسْتِدْلالِ. وقَدْ ورَدَ في حِلِّ أكْلِ لُحُومِ اَلْخَيْلِ، أحادِيثُ مِنها ما في اَلصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أسْماءَ قالَتْ: «نَحَرْنا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَرَسًا، فَأكَلْناهُ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ واَلتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ جابِرٍ قالَ: «أطْعَمْنا رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لُحُومَ اَلْخَيْلِ، ونَهانا عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُرِ اَلْأهْلِيَّةِ» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ (p-٣٧٨٢)نَحْوَهُ. وثَبَتَ أيْضًا في اَلصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: «نَهى رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُرِ اَلْأهْلِيَّةِ، وأذِنَ في اَلْخَيْلِ» .
وأمّا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ خالِدِ بْنِ اَلْوَلِيدِ قالَ: «نَهى رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ اَلسِّباعِ، وعَنْ لُحُومِ اَلْخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ». فَفي إسْنادِهِ صالِحُ بْنُ يَحْيى، فِيهِ مَقالٌ. ولَوْ فُرِضَ صِحَّتُهُ لَمْ يَقْوَ عَلى مُعارَضَةِ أحادِيثِ اَلْحَلِّ. عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى يَوْمِ خَيْبَرَ، فَيَكُونُ مَنسُوخًا. كَذا في " فَتْحِ اَلْبَيانِ " .
وفِي (اَلْإكْلِيلِ): أخَذَ اَلْمالِكِيَّةُ، مِنَ اَلِاقْتِرانِ اَلْمَذْكُورِ، رَدًّا عَلى اَلْحَنَفِيَّةِ في قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ اَلزَّكاةِ فِيها. أيِ: اَلْخَيْلِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] أيْ: مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ في اَلْقِفارِ والبِحارِ، وصِيغَةُ اَلِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى اَلتَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ. أوْ لِاسْتِحْضارِ اَلصُّورَةِ.
النحل 16:9
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩] ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ .
﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ في اَلْآيَةِ فَوائِدُ:
اَلْأُولى: قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِنَ اَلْحَيَواناتِ ما يُسارُ عَلَيْهِ في اَلسُّبُلِ اَلْحِسِّيَّةِ، (p-٣٧٨٣)نَبَّهَ عَلى اَلطُّرُقِ اَلْمَعْنَوِيَّةِ اَلدِّينِيَّةِ، وكَثِيرًا ما يَقَعُ في اَلْقُرْآنِ اَلْعُبُورُ مِنَ اَلْأُمُورِ اَلْحِسِّيَّةِ إلى اَلْأُمُورِ اَلْمَعْنَوِيَّةِ اَلدِّينِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧] وقالَ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْـزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ اَلسُّورَةِ اَلْحَيَواناتِ مِنَ اَلْأنْعامِ وغَيْرِها، اَلَّتِي يَرْكَبُونَها ويَبْلُغُونَ عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِهِمْ، وتَحْمِلُ أثْقالَهم إلى اَلْبِلادِ والأماكِنِ اَلْبَعِيدَةِ والأسْفارِ اَلشّاقَّةِ؛ شَرَعَ في ذِكْرِ اَلطُّرُقِ اَلَّتِي يَسْلُكُها اَلنّاسُ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ أنَّ اَلْحَقَّ مِنها مُوَصِّلَةٌ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقالَ: ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] اِنْتَهى. وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢]
اَلثّانِيَةُ: قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: (اَلْقَصْدُ): مَصْدَرٌ بِمَعْنى اَلْفاعِلِ. يُقالُ: سَبِيلُ قَصْدٍ وقاصِدٍ: أيْ: مُسْتَقِيمٍ. عَلى طَرِيقَةِ اَلِاسْتِعارَةِ أوْ عَلى نَهْجِ إسْنادِ حالِ سالِكِهِ إلَيْهِ، كَأنَّهُ يَقْصِدُ اَلْوَجْهَ اَلَّذِي يَؤُمُّهُ اَلسّالِكُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ. أيْ: حَقٌّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، بِمُوجِبِ رَحْمَتِهِ ووَعْدِهِ اَلْمَحْتُومِ، بَيانُ اَلطَّرِيقِ اَلْمُسْتَقِيمِ اَلْمُوَصِّلِ لِمَن يَسْلُكُهُ إلى اَلْحَقِّ، اَلَّذِي هو اَلتَّوْحِيدُ: بِنَصْبِ اَلْأدِلَّةِ وإرْسالِ اَلرُّسُلِ وإنْزالِ اَلْكُتُبِ لِدَعْوَةِ اَلنّاسِ إلَيْهِ. أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اَلْإقامَةِ والتَّعْدِيلِ. قالَهُ أبُو اَلْبَقاءِ. أيْ: عَلَيْهِ، عَزَّ وجَلَّ، تَقْوِيمُها وتَعْدِيلُها. أيْ: جَعْلُها بِحَيْثُ يَصِلُ سالِكُها إلى اَلْحَقِّ. لَكِنْ لا بَعْدَ ما كانَتْ في نَفْسِها مُنْحَرِفَةً عَنْهُ، بَلْ إبْداعُها اِبْتِداءً كَذَلِكَ عَلى نَهْجِ ( سُبْحانَ مَن صَغَّرَ اَلْبَعُوضَ، وكَبَّرَ اَلْفِيلَ) . وحَقِيقَتُهُ راجِعَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نَصْبِ اَلْأدِلَّةِ. وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ أبْدَعَ هَذِهِ اَلْبَدائِعَ اَلَّتِي كُلُّ واحِدٍ مِنها لاحِبٌ يُهْتَدى بِمَنارِهِ، وعَلَمٌ يُسْتَضاءُ بِنارِهِ، وأرْسَلَ (p-٣٧٨٤)رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبًا مِن جُمْلَتِها هَذا اَلْوَحْيُ اَلنّاطِقُ بِحَقِيقَةِ اَلْحَقِّ، اَلْفاحِصُ عَنْ كُلِّ ما جَلَّ مِنَ اَلْأسْرارِ ودَقَّ، اَلْهادِي إلى سَبِيلِ اَلِاسْتِدْلالِ بِتِلْكَ اَلْأدِلَّةِ اَلْمُفْضِيَةِ إلى مَعالِمِ اَلْهُدى، اَلْمُنَجِّيَةِ عَنْ فَيافِي اَلضَّلالَةِ ومَهاوِي اَلرَّدى.
اَلثّالِثَةُ: اَلضَّمِيرُ في: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ لِلسَّبِيلِ. فَإنَّها تُؤَنَّثُ. أيْ: وبَعْضُ اَلسَّبِيلِ مائِلٌ عَنِ اَلْحَقِّ، مُنْحَرِفٌ عَنْهُ، لا يُوَصِّلُ سالِكَهُ إلَيْهِ. وهو طُرُقُ اَلضَّلالَةِ اَلَّتِي لا يَكادُ يُحْصى عَدَدُها، اَلْمُنْدَرِجُ كُلُّها تَحْتَ اَلْجائِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ، بَعْدَ ما تَقَدَّمَ، أيْ: وعَلى اَللَّهِ تَعالى بَيانُ اَلطَّرِيقِ اَلْمُسْتَقِيمِ اَلْمُوَصِّلِ إلى اَلْحَقِّ وتَعْدِيلُهُ، بِما ذُكِرَ مِن نَصْبِ اَلْأدِلَّةِ لِيَسْلُكَهُ اَلنّاسُ بِاخْتِيارِهِمْ ويَصِلُوا إلى اَلْمَقْصِدِ. وهَذا هو اَلْهِدايَةُ اَلْمُفَسِّرَةُ بِالدَّلالَةِ عَلى ما يُوصِّلُ إلى اَلْمَطْلُوبِ، لا اَلْهِدايَةُ اَلْمُسْتَلْزَمَةُ لِلِاهْتِداءِ اَلْبَتَّةَ. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ بِحَقٍّ عَلى اَللَّهِ تَعالى. لا بِحَسْبِ ذاتِهِ ولا بِحَسْبِ رَحْمَتِهِ، بَلْ هو مُخِلٌّ بِحِكْمَتِهِ، حَيْثُ يَسْتَدْعِي تَسْوِيَةَ اَلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ، والمُطِيعِ والعاصِي، بِحَسْبِ اَلِاسْتِعْدادِ. وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: لَوْ شاءَ أنْ يَهْدِيَكم إلى ما ذُكِرَ مِنَ اَلتَّوْحِيدِ، هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلَيْهِ اَلْبَتَّةَ، مُسْتَلْزَمَةً لِاهْتِدائِكم أجْمَعِينَ؛ لَفَعَلَ ذَلِكَ، ولَكِنْ لَمْ يَشَأْهُ؛ لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ اَلدّاعِيَةِ إلَيْها. ولا حِكْمَةَ في تِلْكَ اَلْمَشِيئَةِ؛ لِما أنَّ اَلَّذِي عَلَيْهِ يُدَوِّرُ فَلَكَ اَلتَّكْلِيفِ، وإلَيْهِ يَنْسَحِبُ اَلثَّوابُ والعِقابُ، إنَّما هو اَلِاخْتِيارُ اَلَّذِي عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ اَلْأعْمالُ، اَلَّتِي بِها نِيطَ اَلْجَزاءُ.
ولَمّا كانَ أشْرَفُ أجْسامِ اَلْعِلْمِ اَلسُّفْلِيِّ، بَعْدَ اَلْحَيَوانِ، اَلنَّباتَ، تَأثَّرَ ما مَرَّ مِنَ اَلْإنْعامِ بِالأنْعامِ والدَّوابِّ، اَلَّتِي يُسْتَدِلُّ بِها عَلى وحْدَتِهِ تَعالى، بِذِكْرِ عَجائِبِ أحْوالِ اَلنَّباتِ، لِلْحِكْمَةِ نَفْسِها، فَقالَ سُبْحانَهُ:
(p-٣٧٨٥)
النحل 16:10
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠-١١] ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] .
﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: اَلْمُزْنَ: ﴿ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾ يُسَكِّنُ حَرارَةَ اَلْعَطَشِ: ﴿ومِنهُ شَجَرٌ﴾ أيْ: ومِنهُ يَحْصُلُ شَجَرٌ. والمُرادُ بِهِ: ما يَنْبُتُ مِنَ اَلْأرْضِ، سَواءٌ كانَ لَهُ ساقٌ أوْ لا ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أيْ: تَرْعَوْنَ أنْعامَكم.
﴿يُنْبِتُ﴾ [النحل: ١١] أيِ: اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَكم بِهِ الزَّرْعَ﴾ [النحل: ١١] أيِ: اَلَّذِي فِيهِ قُوتُ اَلْإنْسانِ: ﴿والزَّيْتُونَ﴾ [النحل: ١١] أيِ: اَلَّذِي فِيهِ إدامُهُ.: ﴿والنَّخِيلَ والأعْنابَ﴾ [النحل: ١١] أيِ: اَللَّذَيْنِ فِيهِما، مَعَ ذَلِكَ، مَزِيدُ اَلتَّلَذُّذِ: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [النحل: ١١] أيْ: يُخْرِجُها بِهَذا اَلْماءِ اَلْواحِدِ، عَلى اِخْتِلافِ صُنُوفِها وطَعُومِها وألْوانِها ورَوائِحِها. ولِهَذا قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [النحل: ١١] أيْ: في إنْزالِ وإنْباتِ ما فَصَّلَ: ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] أيْ: دَلالَةً وحَجَّةً عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى. كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: وأصْلُهُ لِلرّازِيِّ في شَرْحِ كَوْنِ ما ذَكَرَهُ حُجَّةً؛ فَإنَّ مَن تَفَكَّرَ في أنَّ اَلْحَبَّةَ أوِ اَلنَّواةَ تَقَعُ في اَلْأرْضِ وتَصِلُ إلَيْها نَداوَةٌ تَنْفُذُ فِيها فَيَنْشَقُّ أسْفَلَها فَيَخْرُجُ مِنهُ عُرُوقٌ تَنْبَسِطُ في أعْماقِ اَلْأرْضِ، ويَنْشَقُّ أعْلاها وإنْ كانَتْ مُنْتَكِسَةً في اَلْوُقُوعِ، ويَخْرُجُ مِنهُ ساقٌ فَيَنْمُو ويَخْرُجُ مِنهُ اَلْأوْراقُ والأزْهارُ والحُبُوبُ والثِّمارُ اَلْمُشْتَمِلَةُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ اَلْأشْكالِ والألْوانِ والخَواصِّ والطَّبائِعِ، وعَلى نَواةٍ قابِلَةٍ لِتَوْلِيدِ اَلْأمْثالِ عَلى اَلنَّمَطِ اَلْمُحَرَّرِ، لا إلى نِهايَةٍ، (p-٣٧٨٦)مَعَ اِتِّحادِ اَلْمَوادِّ واسْتِواءِ نِسْبَةِ اَلطَّبائِعِ اَلسُّفْلِيَّةِ والتَّأْثِيراتِ اَلْعُلْوِيَّةِ، بِالنِّسْبَةِ إلى اَلْكُلِّ؛ عَلِمَ أنَّ مَن هَذِهِ أفْعالُهُ وآثارُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ مِن صِفاتِ اَلْكَمالِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُشارِكَهُ أخَسُّ اَلْأشْياءِ في أخَصِّ صِفاتِهِ، اَلَّتِي هي اَلْأُلُوهِيَّةُ واسْتِحْقاقُ اَلْعِبادَةِ. تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وحَيْثُ اِفْتَقَرَ سُلُوكُ هَذِهِ اَلطَّرِيقَةِ إلى تَرْتِيبِ اَلْمُقَدِّماتِ اَلْفِكْرِيَّةِ، قَطَعَ اَلْآيَةَ اَلْكَرِيمَةَ بِالتَّفَكُّرِ. اِنْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:11
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠-١١] ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] .
﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: اَلْمُزْنَ: ﴿ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾ يُسَكِّنُ حَرارَةَ اَلْعَطَشِ: ﴿ومِنهُ شَجَرٌ﴾ أيْ: ومِنهُ يَحْصُلُ شَجَرٌ. والمُرادُ بِهِ: ما يَنْبُتُ مِنَ اَلْأرْضِ، سَواءٌ كانَ لَهُ ساقٌ أوْ لا ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أيْ: تَرْعَوْنَ أنْعامَكم.
﴿يُنْبِتُ﴾ [النحل: ١١] أيِ: اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَكم بِهِ الزَّرْعَ﴾ [النحل: ١١] أيِ: اَلَّذِي فِيهِ قُوتُ اَلْإنْسانِ: ﴿والزَّيْتُونَ﴾ [النحل: ١١] أيِ: اَلَّذِي فِيهِ إدامُهُ.: ﴿والنَّخِيلَ والأعْنابَ﴾ [النحل: ١١] أيِ: اَللَّذَيْنِ فِيهِما، مَعَ ذَلِكَ، مَزِيدُ اَلتَّلَذُّذِ: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [النحل: ١١] أيْ: يُخْرِجُها بِهَذا اَلْماءِ اَلْواحِدِ، عَلى اِخْتِلافِ صُنُوفِها وطَعُومِها وألْوانِها ورَوائِحِها. ولِهَذا قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [النحل: ١١] أيْ: في إنْزالِ وإنْباتِ ما فَصَّلَ: ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] أيْ: دَلالَةً وحَجَّةً عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى. كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: وأصْلُهُ لِلرّازِيِّ في شَرْحِ كَوْنِ ما ذَكَرَهُ حُجَّةً؛ فَإنَّ مَن تَفَكَّرَ في أنَّ اَلْحَبَّةَ أوِ اَلنَّواةَ تَقَعُ في اَلْأرْضِ وتَصِلُ إلَيْها نَداوَةٌ تَنْفُذُ فِيها فَيَنْشَقُّ أسْفَلَها فَيَخْرُجُ مِنهُ عُرُوقٌ تَنْبَسِطُ في أعْماقِ اَلْأرْضِ، ويَنْشَقُّ أعْلاها وإنْ كانَتْ مُنْتَكِسَةً في اَلْوُقُوعِ، ويَخْرُجُ مِنهُ ساقٌ فَيَنْمُو ويَخْرُجُ مِنهُ اَلْأوْراقُ والأزْهارُ والحُبُوبُ والثِّمارُ اَلْمُشْتَمِلَةُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ اَلْأشْكالِ والألْوانِ والخَواصِّ والطَّبائِعِ، وعَلى نَواةٍ قابِلَةٍ لِتَوْلِيدِ اَلْأمْثالِ عَلى اَلنَّمَطِ اَلْمُحَرَّرِ، لا إلى نِهايَةٍ، (p-٣٧٨٦)مَعَ اِتِّحادِ اَلْمَوادِّ واسْتِواءِ نِسْبَةِ اَلطَّبائِعِ اَلسُّفْلِيَّةِ والتَّأْثِيراتِ اَلْعُلْوِيَّةِ، بِالنِّسْبَةِ إلى اَلْكُلِّ؛ عَلِمَ أنَّ مَن هَذِهِ أفْعالُهُ وآثارُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ مِن صِفاتِ اَلْكَمالِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُشارِكَهُ أخَسُّ اَلْأشْياءِ في أخَصِّ صِفاتِهِ، اَلَّتِي هي اَلْأُلُوهِيَّةُ واسْتِحْقاقُ اَلْعِبادَةِ. تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وحَيْثُ اِفْتَقَرَ سُلُوكُ هَذِهِ اَلطَّرِيقَةِ إلى تَرْتِيبِ اَلْمُقَدِّماتِ اَلْفِكْرِيَّةِ، قَطَعَ اَلْآيَةَ اَلْكَرِيمَةَ بِالتَّفَكُّرِ. اِنْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:12
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ: لِمَنامِكم ومَعاشِكم ولِعَقْدِ اَلثِّمارِ وإنْضاجِها: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ لِإصْلاحِ ما نِيطَ بِهِما صَلاحُهُ مِنَ اَلْمُكَوِّناتِ: ﴿والنُّجُومُ﴾ لِيُهْتَدى بِها في ظُلُماتِ اَلْبَرِّ والبَحْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ﴾ حالٌ مِنَ اَلْجَمِيعِ، عَلى مَعْنى جَعَلَها مُسَخَّراتٍ؛ لِأنَّ في اَلتَّسْخِيرِ مَعْنى (اَلْجَعْلِ) فَصَحَّتْ عَلى أنَّهُ تَجْرِيدٌ. أوْ عَلى أنَّ اَلتَّسْخِيرَ لَهم نَفْعٌ خاصٌّ.
فَمَعْناهُ: نَفْعُكم حالَ كَوْنِها مُسَخَّراتٍ لِما خُلِقَتْ لَهُ، مِمّا هو طَرِيقٌ لِنَفْعِكم. فَـ (سَخَّرَ) بِمَعْنى (نَفَعَ ) عَلى اَلِاسْتِعارَةِ أوِ اَلْمَجازِ اَلْمُرْسَلِ؛ لِأنَّ اَلنَّفْعَ مِن لَوازِمِ اَلتَّسْخِيرِ. أوْ عَلى أنَّ (مُسَخَّراتٌ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ. وسَخَّرَها مُسَخَّراتٍ، عَلى مِنوالِ ضَرْبْتُهُ ضَرَباتٍ، أوْ يُجْعَلُ قَوْلُهُ: ﴿مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ﴾ بِمَعْنى مُسْتَمِرَّةٌ عَلى اَلتَّسْخِيرِ بِأمْرِهِ اَلْإيجادِيِّ؛ لِأنَّ اَلْإحْداثَ لا يَدُلُّ عَلى اَلِاسْتِمْرارِ. وقُرِئَ بِنَصْبِ اَللَّيْلِ والنَّهارِ وحْدَهُما، ورَفْعِ ما بَعْدَهُما عَلى اَلِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقُرِئَ: ﴿والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ﴾ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وما قَبْلَهُ بِالنَّصْبِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: تَسْخِيرُ ما ذُكِرَ: ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
ولَمّا نَبَّهَ تَعالى عَلى مَعالِمِ اَلسَّماواتِ، نَبَّهَ عَلى ما خَلَقَ في اَلْأرْضِ مِنَ اَلْأُمُورِ اَلْعَجِيبَةِ، (p-٣٧٨٧)والأشْياءِ اَلْمُخْتَلِفَةِ، مِنَ اَلْحَيَواناتِ والمَعادِنِ والنَّباتاتِ والجَماداتِ، عَلى اِخْتِلافِ ألْوانِها وأشْكالِها، وما فِيها مِنَ اَلْمَنافِعِ والخَواصِّ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النحل 16:13
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣] ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ .
﴿وما ذَرَأ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنُّجُومُ﴾ [النحل: ١٢] رَفْعًا ونَصْبًا، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ (لِجَعَلَ ) أيْ: وما خَلَقَ: ﴿لَكم في الأرْضِ﴾ أيْ: مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ: ﴿مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾
ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى مُمْتَنًّا عَلى تَسْخِيرِهِ اَلْبَحْرَ، وتَعْدادِ اَلنِّعَمِ بِهِ إثْرَ اِمْتِنانِهِ بِنِعَمِ اَلْبَرِّ، بِقَوْلِهِ:
النحل 16:14
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤] ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .
﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هو اَلسُّمْكُ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: ووَصَفَهُ بِالطَّراوَةِ؛ لِأنَّ اَلْفَسادَ يُسْرِعُ إلَيْهِ، فَيُسارِعُ إلى أكْلِهِ، خِيفَةَ اَلْفَسادِ عَلَيْهِ.
قالَ اَلنّاصِرُ: فَكَأنَّ ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِأكْلِهِ، وإرْشادٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَناوَلَ إلّا طَرِيًّا. والأطِبّاءُ يَقُولُونَ: إنَّ تَناوُلَهُ بَعْدَ ذَهابِ طَراوَتِهِ أضَرُّ شَيْءٍ يَكُونُ. واَللَّهُ أعْلَمُ. اِنْتَهى.
(p-٣٧٨٨)قالَ اَلشِّهابُ: فَفِيهِ إدْماجٌ لِحُكْمٍ طِبِّيٍّ. وهَذا لا يُنافِي تَقْدِيدَهُ وأكْلَهُ مُخَلَّلًا، كَما تُوُهِّمَ. اِنْتَهى.
أقُولُ: اَلْأظْهَرُ في سِرِّ وصْفِهِ بِالطَّراوَةِ: هو اَلتَّنْبِيهُ عَلى حُسْنِهِ ولُطْفِهِ، وعَلى اَلتَّفْكِيرِ في باهِرِ قُدْرَتِهِ وعَجِيبِ صُنْعِهِ سُبْحانَهُ، في خَلْقِهِ إيّاهُ، عَلى كَيْفِيَّةِ تَبايُنِ لُحُومِ حَيَواناتِ اَلْبَرِّ، مَعَ اِشْتِراكِهِما في اَلْحَيَوانِيَّةِ.
﴿وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً﴾ كاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ: ﴿تَلْبَسُونَها﴾ أيْ: تَلْبَسُها نِساؤُكم، والإسْنادُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُنَّ مِن جُمْلَتِهِمْ في اَلْخُلْطَةِ والتّابِعِيَّةِ، ولِأنَّهُنَّ إنَّما يَتَزَيَّنَّ بِها مِن أجْلِهِمْ، فَكَأنَّها زِينَتُهم ولِباسُهم. أوْ مَعْنى (تَلْبَسُونَ) تَتَمَتَّعُونَ وتَلْتَذُّونَ، عَلى طَرِيقِ اَلِاسْتِعارَةِ والمَجازِ. ولَوْ جُعِلَ مِن مَجازِ اَلْبَعْضِ لَصَحَّ. أيْ: تَلْبَسُها نِساؤُكم.
قالَ اَلنّاصِرُ: ولِلَّهِ دَرُّ مالِكٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ، حَيْثُ جَعَلَ لِلزَّوْجِ اَلْحَجْرَ عَلى زَوْجَتِهِ فِيما لَهُ بالٌ مِن مالِها. وذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِالزّائِدِ عَلى اَلثُّلُثِ؛ لِحَقِّهِ فِيهِ بِالتَّجَمُّلِ. فانْظُرْ إلى مَكانَةِ حَظِّ اَلرِّجالِ مِن مالِ اَلنِّساءِ ومِن زِينَتِهِنَّ، حَتّى جَعَلَ حَظَّ اَلْمَرْأةِ مِن مالِها وزِينَتِها حِلْيَةً لَهُ. فَعَبَّرَ عَنْ حَظِّهِ في لَبْسِها بِلَبْسِهِ، كَما يُعَبِّرُ عَنْ حَظِّها سَواءٌ.
قالَ اَلشِّهابُ: فَإنْ قُلْتَ: اَلظّاهِرُ أنْ يُقالَ تَحُلُّونَهُنَّ، أوْ تُقَلِّدُونَهُنَّ كَما قالَ:
؎تَرُوعُ حَصاهُ حالِيَةَ اَلْعَذارى فَتَلْمَسُ جانِبَ اَلْعِقْدِ اَلنَّظِيمِ
وهِيَ لِلنِّساءِ دُونَ اَلرِّجالِ. قُلْتُ: أمّا اَلْأوَّلُ فَسَهُلَ؛ لِأنَّ اَلْمُرادَ لازَمَهُ. أيْ: تَحُلُّونَهُنَّ. والثّانِي عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِهِ: هم يَتَمَتَّعُونَ بِزِينَةِ اَلنِّساءِ، فَكَأنَّهم لابِسُونَ. وإذا لَمْ يَكُنْ تَغْلِيبًا، فَهو مَجازٌ، بِمَعْنى: تَجْعَلُونَها لِباسًا لِبَناتِكم ونِسائِكم.
ونُكْتَةُ اَلْعُدُولِ: أنَّ اَلنِّساءَ (p-٣٧٨٩)مَأْمُوراتٌ بِالحِجابِ وإخْفاءِ اَلزِّينَةِ عَنْ غَيْرِ اَلْمَحارِمِ. فَأُخْفِيَ اَلتَّصْرِيحُ بِهِ لِيَكُونَ اَللَّفْظُ كالمَعْنى. اِنْتَهى.
وناقَشَ صاحِبُ (فَتْحِ اَلْبَيانِ) ما قَدَّرُوهُ في اَلْآيَةِ حَيْثُ قالَ: وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَلْبَسُونَها﴾ أنَّهُ يَجُوزُ لِلرِّجالِ أنْ يَلْبَسُوا اَللُّؤْلُؤَ والمَرْجانَ، أيْ: يَجْعَلُونَهُما حِلْيَةً لَهم كَما يَجُوزُ لِلنِّساءِ. ولا حاجَةَ لِما تَكَلَّفَهُ جَماعَةٌ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿تَلْبَسُونَها﴾ بِقَوْلِهِمْ: تَلْبَسُها نِساؤُهم. لِأنَّهُنَّ مِن جُمْلَتِهِمْ، أوْ لِكَوْنِهِنَّ يَلْبَسْنَها لِأجْلِهِمْ. ولَيْسَ في اَلشَّرِيعَةِ اَلْمُطَهَّرَةِ ما يَقْتَضِي مَنعَ اَلرِّجالِ مِنَ اَلتَّحَلِّي بِاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، ما لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ عَلى صِفَةٍ لا يَسْتَعْمِلُهُ عَلَيْها إلّا اَلنِّساءُ خاصَّةً. فَإنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ، ورَدَّ اَلشَّرْعُ بِمَنعِهِ، مِن جِهَةِ كَوْنِهِ تَشَبُّهًا بِهِنَّ، لا مِن جِهَةِ كَوْنِهِ حِلْيَةَ لُؤْلُؤٍ أوْ مَرْجانٍ. اِنْتَهى.
قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في (اَلْإكْلِيلِ): في اَلْآيَةِ دَلِيلٌ عَلى إباحَةِ لَبْسِ اَلرِّجالِ اَلْجَواهِرَ ونَحْوَها. واسْتَدَلَّ بِها مَن قالَ بِحِنْثِ اَلْحالِفِ لا يَلْبَسُ حُلِيًّا بِلَبْسِ اَللُّؤْلُؤِ؛ لِأنَّهُ تَعالى سَمّاهُ (حُلِيًّا) واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى أنَّهُ لا زَكاةَ في حُلِيِّ اَلنِّساءِ. فَأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، أنَّهُ سُئِلَ: هَلْ في حُلِيِّ اَلنِّساءِ صَدَقَةٌ ؟ قالَ: لا، هي كَما قالَ: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ اِنْتَهى.
قالَ في (فَتْحِ اَلْبَيانِ): وفي هَذا اَلِاسْتِدْلالِ نَظَرٌ. واَلَّذِي يَنْبَغِي اَلتَّعْوِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ اَلْأصْلَ اَلْبَراءَةُ مِنَ اَلزَّكاةِ حَتّى يَرِدَ اَلدَّلِيلُ بِوُجُوبِها في شَيْءٍ مِن أنْواعِ اَلْمالِ فَتُلْزَمُ. وقَدْ ورَدَ في اَلذَّهَبِ والفِضَّةِ ما هو مَعْرُوفٌ. ولَمْ يَرِدْ في اَلْجَواهِرِ، عَلى اِخْتِلافِ أصْنافِها ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ اَلزَّكاةِ فِيها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الفُلْكَ﴾ أيِ: اَلسُّفُنَ: ﴿مَواخِرَ فِيهِ﴾ أيْ: جَوارِيَ جَمْعُ (ماخِرَةٍ) بِمَعْنى جارِيَةٍ. وأصْلُ مَعْنى (اَلْمَخْرِ): اَلشَّقُّ؛ لِأنَّها تَشُقُّ اَلْماءَ بِمَقْدِمِها: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ: لِتَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِن سَعَةِ رِزْقِهِ، بِرُكُوبِها لِلتِّجارَةِ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: فَتَصْرِفُونَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم إلى ما خَلَقَ لِأجْلِهِ.
(p-٣٧٩٠)قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: ولَعَلَّ تَخْصِيصَ هَذِهِ اَلنِّعْمَةِ بِالتَّعْقِيبِ بِالشُّكْرِ، مِن حَيْثُ إنَّ فِيها قَطْعًا لِمَسافَةٍ طَوِيلَةٍ، مَعَ أحْمالٍ ثَقِيلَةٍ، في مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، مِن غَيْرِ مُزاوَلَةِ أسْبابِ اَلسَّفَرِ. بَلْ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ أصْلًا. مَعَ أنَّها في تَضاعِيفِ اَلْمَهالِكِ. وعَدَمُ تَوْسِيطِ اَلْفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ بَيْنَ اَلِابْتِغاءِ والشُّكْرِ؛ لِلْإيذانِ بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ اَلتَّصْرِيحِ بِهِ وبِحُصُولِهِما مَعًا.
وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:15
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥-١٦] ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] .
﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ: ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أيْ: تَضْطَرِبَ: ﴿وأنْهارًا﴾ أيْ: جَعَلَ فِيها أنْهارًا تَجْرِي مِن مَكانٍ إلى آخَرَ، رِزْقًا لِلْعِبادِ: ﴿وسُبُلا﴾ أيْ: طُرُقًا يَسْلُكُ فِيها مِن بِلادٍ إلى غَيْرِها، حَتّى في اَلْجِبالِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلا﴾ [الأنبياء: ٣١] ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ أيْ: بِها إلى مَآرِبِكم.
﴿وعَلاماتٍ﴾ [النحل: ١٦] أيْ: دَلائِلَ يَسْتَدِلُّ بِها اَلْمُسافِرُونَ مِن جَبَلٍ ومَنهَلٍ ورِيحٍ، بَرًّا وبَحْرًا، إذا ضَلُّوا اَلطَّرِيقَ: ﴿وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] أيْ: في اَلظَّلامِ بَرًّا وبَحْرًا. والعُدُولُ عَنْ سُنَنِ اَلْخِطابِ إلى اَلْغَيْبَةِ؛ لِلِالتِفاتِ. وتَقْدِيمُ (بِالنَّجْمِ) لِلْفاصِلَةِ، وتَقْدِيمُ اَلضَّمِيرِ لِلتَّقَوِّي. وهَذا أوْلى مِن دَعْوى اَلزَّمَخْشَرِيِّ؛ أنَّ اَلتَّقْدِيمَ لِلتَّخْصِيصِ بِقَوْمٍ هم قُرَيْشٌ لِكَوْنِهِمْ أصْحابَ رِحْلَةٍ وسَفَرٍ، وذَلِكَ لِأنَّ اَلْخِطابَ في اَلْآياتِ اَلسّابِقَةِ عامًّا فَكَذا يَكُونُ في لاحِقِها.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في (اَلْإكْلِيلِ): هَذِهِ اَلْآيَةُ أصْلٌ لِمُراعاةِ اَلنُّجُومِ لِمَعْرِفَةِ اَلْأوْقاتِ والقِبْلَةِ والطُّرُقِ.
(p-٣٧٩١)
النحل 16:16
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥-١٦] ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] .
﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ: ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أيْ: تَضْطَرِبَ: ﴿وأنْهارًا﴾ أيْ: جَعَلَ فِيها أنْهارًا تَجْرِي مِن مَكانٍ إلى آخَرَ، رِزْقًا لِلْعِبادِ: ﴿وسُبُلا﴾ أيْ: طُرُقًا يَسْلُكُ فِيها مِن بِلادٍ إلى غَيْرِها، حَتّى في اَلْجِبالِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلا﴾ [الأنبياء: ٣١] ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ أيْ: بِها إلى مَآرِبِكم.
﴿وعَلاماتٍ﴾ [النحل: ١٦] أيْ: دَلائِلَ يَسْتَدِلُّ بِها اَلْمُسافِرُونَ مِن جَبَلٍ ومَنهَلٍ ورِيحٍ، بَرًّا وبَحْرًا، إذا ضَلُّوا اَلطَّرِيقَ: ﴿وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] أيْ: في اَلظَّلامِ بَرًّا وبَحْرًا. والعُدُولُ عَنْ سُنَنِ اَلْخِطابِ إلى اَلْغَيْبَةِ؛ لِلِالتِفاتِ. وتَقْدِيمُ (بِالنَّجْمِ) لِلْفاصِلَةِ، وتَقْدِيمُ اَلضَّمِيرِ لِلتَّقَوِّي. وهَذا أوْلى مِن دَعْوى اَلزَّمَخْشَرِيِّ؛ أنَّ اَلتَّقْدِيمَ لِلتَّخْصِيصِ بِقَوْمٍ هم قُرَيْشٌ لِكَوْنِهِمْ أصْحابَ رِحْلَةٍ وسَفَرٍ، وذَلِكَ لِأنَّ اَلْخِطابَ في اَلْآياتِ اَلسّابِقَةِ عامًّا فَكَذا يَكُونُ في لاحِقِها.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في (اَلْإكْلِيلِ): هَذِهِ اَلْآيَةُ أصْلٌ لِمُراعاةِ اَلنُّجُومِ لِمَعْرِفَةِ اَلْأوْقاتِ والقِبْلَةِ والطُّرُقِ.
(p-٣٧٩١)
النحل 16:17
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧-١٨] ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] .
﴿أفَمَن يَخْلُقُ﴾ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ، لا سِيَّما تِلْكَ اَلْمَصْنُوعاتُ اَلْعَظِيمَةُ اَلْمَذْكُورَةُ، وهو اَللَّهُ اَلْواحِدُ اَلْأحَدُ: ﴿كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ أيْ: شَيْئًا ما، وهو ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، وهَذا تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وإبْطالٌ لِإشْراكِهِمْ بِإنْكارِ أنْ يُساوِيَهُ ويَسْتَحِقَّ مُشارَكَتَهُ ما لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، بَلْ عَلى إيجادِ شَيْءٍ ما.
وزَعَمَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ؛ أنَّ قَضِيَّةَ اَلْإلْزامِ أنْ يُقالَ: (أفَمَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ) ثُمَّ تَكَلَّمُوا في سِرِّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦] فَجَدَّدَ بِهِ عَهْدًا: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: فَتَعْرِفُوا فَسادَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لِوُضُوحِهِ لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ سِوى اَلتَّذَكُّرِ.
ثُمَّ نَبَّهَ، سُبْحانَهُ وتَعالى، عَلى كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ بِما لا يُحْصى؛ إشارَةً إلى أنَّ حَقَّ عِبادَتِهِ غَيْرُ مَقْدُورٍ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] أيْ: لا تَضْبُطُوا عَدَدَها ولا تَبْلُغُهُ طاقَتُكم، فَضْلًا أنْ تُطِيقُوا اَلْقِيامَ بِحَقِّها مِن أداءِ اَلشُّكْرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] أيْ: حَيْثُ يَتَجاوَزُ عَنِ اَلتَّقْصِيرِ في أداءِ شُكْرِها، ولا يَقْطَعُها عَنْكم لِتَفْرِيطِكم، ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرانِها. قالَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
ولاحَظَ اِبْنُ جَرِيرٍ؛ أنَّ مَغْفِرَتَهُ تَعالى ورَحْمَتَهُ لَهم، إذا تابُوا وأنابُوا. أيْ: فَيَتَجاوَزُ عَنْ تَقْصِيرِهِمْ بِشُكْرِها اَلْحَقِيقِيِّ، ولا يُعَذِّبُهم بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ وإنابَتِهِمْ إلى طاعَتِهِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: كانَ اَلظّاهِرُ إيرادَ هَذِهِ اَلْآيَةِ عُقَيْبَ ما تَقَدَّمَ مِنَ اَلنِّعَمِ اَلْمُعَدَّدَةِ، تَكْمِلَةً (p-٣٧٩٢)لَها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] ولَعَلَّ فَصْلَ ما بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ﴾ لِلْمُبادَرَةِ إلى إلْزامِ اَلْحُجَّةِ، وإلْقاءِ اَلْحَجَرِ، إثْرَ تَفْصِيلِ ما فَصَّلَ مِنَ اَلْأفاعِيلِ، اَلَّتِي هي أدِلَّةُ اَلْوَحْدانِيَّةِ.
النحل 16:18
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧-١٨] ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] .
﴿أفَمَن يَخْلُقُ﴾ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ، لا سِيَّما تِلْكَ اَلْمَصْنُوعاتُ اَلْعَظِيمَةُ اَلْمَذْكُورَةُ، وهو اَللَّهُ اَلْواحِدُ اَلْأحَدُ: ﴿كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ أيْ: شَيْئًا ما، وهو ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، وهَذا تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وإبْطالٌ لِإشْراكِهِمْ بِإنْكارِ أنْ يُساوِيَهُ ويَسْتَحِقَّ مُشارَكَتَهُ ما لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، بَلْ عَلى إيجادِ شَيْءٍ ما.
وزَعَمَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ؛ أنَّ قَضِيَّةَ اَلْإلْزامِ أنْ يُقالَ: (أفَمَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ) ثُمَّ تَكَلَّمُوا في سِرِّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦] فَجَدَّدَ بِهِ عَهْدًا: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: فَتَعْرِفُوا فَسادَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لِوُضُوحِهِ لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ سِوى اَلتَّذَكُّرِ.
ثُمَّ نَبَّهَ، سُبْحانَهُ وتَعالى، عَلى كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ بِما لا يُحْصى؛ إشارَةً إلى أنَّ حَقَّ عِبادَتِهِ غَيْرُ مَقْدُورٍ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] أيْ: لا تَضْبُطُوا عَدَدَها ولا تَبْلُغُهُ طاقَتُكم، فَضْلًا أنْ تُطِيقُوا اَلْقِيامَ بِحَقِّها مِن أداءِ اَلشُّكْرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] أيْ: حَيْثُ يَتَجاوَزُ عَنِ اَلتَّقْصِيرِ في أداءِ شُكْرِها، ولا يَقْطَعُها عَنْكم لِتَفْرِيطِكم، ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرانِها. قالَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
ولاحَظَ اِبْنُ جَرِيرٍ؛ أنَّ مَغْفِرَتَهُ تَعالى ورَحْمَتَهُ لَهم، إذا تابُوا وأنابُوا. أيْ: فَيَتَجاوَزُ عَنْ تَقْصِيرِهِمْ بِشُكْرِها اَلْحَقِيقِيِّ، ولا يُعَذِّبُهم بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ وإنابَتِهِمْ إلى طاعَتِهِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: كانَ اَلظّاهِرُ إيرادَ هَذِهِ اَلْآيَةِ عُقَيْبَ ما تَقَدَّمَ مِنَ اَلنِّعَمِ اَلْمُعَدَّدَةِ، تَكْمِلَةً (p-٣٧٩٢)لَها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] ولَعَلَّ فَصْلَ ما بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ﴾ لِلْمُبادَرَةِ إلى إلْزامِ اَلْحُجَّةِ، وإلْقاءِ اَلْحَجَرِ، إثْرَ تَفْصِيلِ ما فَصَّلَ مِنَ اَلْأفاعِيلِ، اَلَّتِي هي أدِلَّةُ اَلْوَحْدانِيَّةِ.
النحل 16:19
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩-٢١] ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] .
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ أيْ: مِن أعْمالِكم وسَيَجْزِيكم عَلَيْهِ.
﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] أيْ: فَأنّى تَسْتَحِقُّ اَلْأُلُوهِيَّةَ، وقَدْ نُفِيَ عَنْها أخَصُّ صِفاتِها ؟ فَإنَّها ذَواتٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى اَلْإيجادِ. أوِ اَلْمَعْنى: أنَّ اَلنّاسَ يَخْلُقُونَها بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ. وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ. كَما قالَ اَلْخَلِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ أثْبَتَ لَهم ما يُنافِي اَلْأُلُوهِيَّةَ بِقَوْلِهِ:
﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: هي جَماداتٌ لا أرْواحَ فِيها، فَلا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَعْقِلُ. وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] تَأْكِيدٌ أوْ تَأْسِيسٌ، لِأنَّ بَعْضَ اَلْأمْواتِ مِمّا يَعْتَرِيهِ اَلْحَياةُ، سابِقًا أوْ لاحِقًا، كَأجْسادِ اَلْحَيَوانِ، والنُّطَفِ اَلَّتِي يُنْشِئُها اَللَّهُ تَعالى حَيَوانًا. فَلِذا اِحْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: لا يَعْتَرِيها اَلْحَياةُ أصْلًا. فَهي أمْواتٌ عَلى اَلْإطْلاقِ، حالًا ومَآلًا: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: تِلْكَ اَلْأصْنامُ اَلْمَعْبُودَةُ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: مَتى يَكُونُ (p-٣٧٩٣)بَعْثُها. وقَدْ رُوِيَ أنَّها تُبْعَثُ، ويُجْعَلُ فِيها حَياةٌ، فَتَبْرَأُ مِن عابِدِيها، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِها وبِهِمْ جَمِيعًا إلى اَلنّارِ.
وجُوِّزَ عَوْدُ اَلضَّمِيرِ إلى عابِدِيها. أيْ: وما تَشْعُرُ اَلْأصْنامُ مَتى يُبْعَثُ عَبَدَتُهم تَهَكُّمًا بِحالِها؛ لِأنَّ شُعُورَ اَلْجَمادِ مُحالٌ. فَكَيْفَ بِشُعُورِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اَللَّهُ ؟ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَعْرِفَتَهُ وقْتَ اَلْبَعْثِ مِن لَوازِمِ اَلْأُلُوهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:20
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩-٢١] ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] .
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ أيْ: مِن أعْمالِكم وسَيَجْزِيكم عَلَيْهِ.
﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] أيْ: فَأنّى تَسْتَحِقُّ اَلْأُلُوهِيَّةَ، وقَدْ نُفِيَ عَنْها أخَصُّ صِفاتِها ؟ فَإنَّها ذَواتٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى اَلْإيجادِ. أوِ اَلْمَعْنى: أنَّ اَلنّاسَ يَخْلُقُونَها بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ. وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ. كَما قالَ اَلْخَلِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ أثْبَتَ لَهم ما يُنافِي اَلْأُلُوهِيَّةَ بِقَوْلِهِ:
﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: هي جَماداتٌ لا أرْواحَ فِيها، فَلا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَعْقِلُ. وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] تَأْكِيدٌ أوْ تَأْسِيسٌ، لِأنَّ بَعْضَ اَلْأمْواتِ مِمّا يَعْتَرِيهِ اَلْحَياةُ، سابِقًا أوْ لاحِقًا، كَأجْسادِ اَلْحَيَوانِ، والنُّطَفِ اَلَّتِي يُنْشِئُها اَللَّهُ تَعالى حَيَوانًا. فَلِذا اِحْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: لا يَعْتَرِيها اَلْحَياةُ أصْلًا. فَهي أمْواتٌ عَلى اَلْإطْلاقِ، حالًا ومَآلًا: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: تِلْكَ اَلْأصْنامُ اَلْمَعْبُودَةُ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: مَتى يَكُونُ (p-٣٧٩٣)بَعْثُها. وقَدْ رُوِيَ أنَّها تُبْعَثُ، ويُجْعَلُ فِيها حَياةٌ، فَتَبْرَأُ مِن عابِدِيها، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِها وبِهِمْ جَمِيعًا إلى اَلنّارِ.
وجُوِّزَ عَوْدُ اَلضَّمِيرِ إلى عابِدِيها. أيْ: وما تَشْعُرُ اَلْأصْنامُ مَتى يُبْعَثُ عَبَدَتُهم تَهَكُّمًا بِحالِها؛ لِأنَّ شُعُورَ اَلْجَمادِ مُحالٌ. فَكَيْفَ بِشُعُورِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اَللَّهُ ؟ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَعْرِفَتَهُ وقْتَ اَلْبَعْثِ مِن لَوازِمِ اَلْأُلُوهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:21
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩-٢١] ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] .
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ أيْ: مِن أعْمالِكم وسَيَجْزِيكم عَلَيْهِ.
﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] أيْ: فَأنّى تَسْتَحِقُّ اَلْأُلُوهِيَّةَ، وقَدْ نُفِيَ عَنْها أخَصُّ صِفاتِها ؟ فَإنَّها ذَواتٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى اَلْإيجادِ. أوِ اَلْمَعْنى: أنَّ اَلنّاسَ يَخْلُقُونَها بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ. وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ. كَما قالَ اَلْخَلِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ أثْبَتَ لَهم ما يُنافِي اَلْأُلُوهِيَّةَ بِقَوْلِهِ:
﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: هي جَماداتٌ لا أرْواحَ فِيها، فَلا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَعْقِلُ. وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] تَأْكِيدٌ أوْ تَأْسِيسٌ، لِأنَّ بَعْضَ اَلْأمْواتِ مِمّا يَعْتَرِيهِ اَلْحَياةُ، سابِقًا أوْ لاحِقًا، كَأجْسادِ اَلْحَيَوانِ، والنُّطَفِ اَلَّتِي يُنْشِئُها اَللَّهُ تَعالى حَيَوانًا. فَلِذا اِحْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: لا يَعْتَرِيها اَلْحَياةُ أصْلًا. فَهي أمْواتٌ عَلى اَلْإطْلاقِ، حالًا ومَآلًا: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: تِلْكَ اَلْأصْنامُ اَلْمَعْبُودَةُ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] أيْ: مَتى يَكُونُ (p-٣٧٩٣)بَعْثُها. وقَدْ رُوِيَ أنَّها تُبْعَثُ، ويُجْعَلُ فِيها حَياةٌ، فَتَبْرَأُ مِن عابِدِيها، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِها وبِهِمْ جَمِيعًا إلى اَلنّارِ.
وجُوِّزَ عَوْدُ اَلضَّمِيرِ إلى عابِدِيها. أيْ: وما تَشْعُرُ اَلْأصْنامُ مَتى يُبْعَثُ عَبَدَتُهم تَهَكُّمًا بِحالِها؛ لِأنَّ شُعُورَ اَلْجَمادِ مُحالٌ. فَكَيْفَ بِشُعُورِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اَللَّهُ ؟ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَعْرِفَتَهُ وقْتَ اَلْبَعْثِ مِن لَوازِمِ اَلْأُلُوهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:22
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢-٢٣] ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] .
﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمُدَّعى، وتَمْحِيضٌ لِلنَّتِيجَةِ، غَبَّ إقامَةَ اَلدَّلِيلِ. كَما أفادَهُ أبُو اَلسُّعُودِ: ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ أيْ: لِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى، جاحِدَةٌ لَها، كَما أُخْبِرَ عَنْهم، مُتَعَجِّبِينَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] وقالَ تَعالى: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى.
﴿لا جَرَمَ﴾ [النحل: ٢٣] أيْ: حَقًّا: ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] أيْ: عَنِ اَلتَّوْحِيدِ، وهُمُ اَلْمُشْرِكُونَ، أوْ عَنِ اَلْحَقِّ مُطْلَقًا فَيَتَناوَلُ هَؤُلاءِ. وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]
(p-٣٧٩٤)
النحل 16:23
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢-٢٣] ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] .
﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمُدَّعى، وتَمْحِيضٌ لِلنَّتِيجَةِ، غَبَّ إقامَةَ اَلدَّلِيلِ. كَما أفادَهُ أبُو اَلسُّعُودِ: ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ أيْ: لِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى، جاحِدَةٌ لَها، كَما أُخْبِرَ عَنْهم، مُتَعَجِّبِينَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] وقالَ تَعالى: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى.
﴿لا جَرَمَ﴾ [النحل: ٢٣] أيْ: حَقًّا: ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] أيْ: عَنِ اَلتَّوْحِيدِ، وهُمُ اَلْمُشْرِكُونَ، أوْ عَنِ اَلْحَقِّ مُطْلَقًا فَيَتَناوَلُ هَؤُلاءِ. وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]
(p-٣٧٩٤)
النحل 16:24
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤-٢٥] ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْـزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] .
﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْـزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ شَيْئًا. إنَّما هَذا اَلَّذِي يُتْلى عَلَيْنا أحادِيثُ اَلْأوَّلِينَ، اِسْتَمَدَّها مِنها. كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الفرقان: ٥]
﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] أيْ: قالُوا ذَلِكَ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمُ اَلْخاصَّةُ بِهِمْ، وهي أوْزارُ ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وبَعْضُ أوْزارِ مَن أضَلُّوهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣] فاللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ [النحل: ٢٥] لامُ اَلْعاقِبَةِ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ مُتَرَتِّبٌ عَلى فِعْلِهِمْ. ولا باعِثًا إمّا مَجازًا، وإمّا حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى أنَّهُ قُدِّرَ صُدُورُهُ مِنهم لِيَحْمِلُوا. وقَدْ قِيلَ: إنَّها لِلتَّعْلِيلِ وإنَّها لامُ أمْرٍ جازِمَةٌ. والمَعْنى: إنَّ ذَلِكَ مُتَحَتِّمٌ عَلَيْهِمْ. فَيَتِمُّ اَلْكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ كَذا في (اَلْعِنايَةِ) . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: حالٌ مِنَ اَلْمَفْعُولِ: أيْ: مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ. وإنَّما وصَفَ بِالضَّلالِ واحْتِمالِ اَلْوِزْرِ مَن أضَلُّوهُ، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَبْحَثَ ويَنْظُرَ بِعَقْلِهِ حَتّى يُمَيِّزَ بَيْنَ اَلْمُحِقِّ والمُبْطِلِ. فَجَهْلُهُ لا يَعْذُرُهُ: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] أيْ: ألا بِئْسَ ما يَحْمِلُونَ. فَفِيهِ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ.
(p-٣٧٩٥)
النحل 16:25
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤-٢٥] ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْـزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] .
﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْـزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ شَيْئًا. إنَّما هَذا اَلَّذِي يُتْلى عَلَيْنا أحادِيثُ اَلْأوَّلِينَ، اِسْتَمَدَّها مِنها. كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الفرقان: ٥]
﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] أيْ: قالُوا ذَلِكَ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمُ اَلْخاصَّةُ بِهِمْ، وهي أوْزارُ ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وبَعْضُ أوْزارِ مَن أضَلُّوهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣] فاللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ [النحل: ٢٥] لامُ اَلْعاقِبَةِ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ مُتَرَتِّبٌ عَلى فِعْلِهِمْ. ولا باعِثًا إمّا مَجازًا، وإمّا حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى أنَّهُ قُدِّرَ صُدُورُهُ مِنهم لِيَحْمِلُوا. وقَدْ قِيلَ: إنَّها لِلتَّعْلِيلِ وإنَّها لامُ أمْرٍ جازِمَةٌ. والمَعْنى: إنَّ ذَلِكَ مُتَحَتِّمٌ عَلَيْهِمْ. فَيَتِمُّ اَلْكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ كَذا في (اَلْعِنايَةِ) . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: حالٌ مِنَ اَلْمَفْعُولِ: أيْ: مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ. وإنَّما وصَفَ بِالضَّلالِ واحْتِمالِ اَلْوِزْرِ مَن أضَلُّوهُ، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَبْحَثَ ويَنْظُرَ بِعَقْلِهِ حَتّى يُمَيِّزَ بَيْنَ اَلْمُحِقِّ والمُبْطِلِ. فَجَهْلُهُ لا يَعْذُرُهُ: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] أيْ: ألا بِئْسَ ما يَحْمِلُونَ. فَفِيهِ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ.
(p-٣٧٩٥)
النحل 16:26
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦] ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ .
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: بِأنْبِيائِهِمْ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ أيْ: قَلَعَ بُنْيانَهم مِن قَواعِدِهِ وأُسُسِهِ فَهَدَمَهُ عَلَيْهِمْ حَتّى أهْلَكَهم و(اَلْإتْيانُ) يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ (اَلْإهْلاكِ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] ويُقالُ: أُتِيَ فُلانٌ مِن مَأْمَنِهِ، أيْ: جاءَهُ اَلْهَلاكُ مِن جِهَةِ أمْنِهِ. وأتى عَلَيْهِ اَلدَّهْرُ: أهْلَكَهُ وأفْناهُ. ومِنهُ الأُتُوُّ وهو اَلْمَوْتُ والبَلاءُ. يُقالُ أتى عَلى فُلانٍ أُتُوٌّ، أيْ: مَوْتٌ أوْ بَلاءٌ يُصِيبُهُ. وقَدْ جُوِّزَ في اَلْآيَةِ إرادَةُ حَقِيقَةِ هَلاكِهِمْ. كالمَحْكِيِّ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ وصالِحٍ عَلَيْهِما اَلسَّلامُ، فِيما تَقَدَّمَ. أوْ مَجازُهُ عَلى طَرِيقِ اَلتَّمْثِيلِ؛ لِإفْسادِ ما أبْرَمُوهُ مِن هَدْمِ دِينِهِ تَعالى. شُبِّهَتْ حالُ أُولَئِكَ اَلْماكِرِينَ في تَسْوِيَتِهِمُ اَلْمَكايِدَ، لِلْإيقاعِ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ. وفي إبْطالِهِ تَعالى تِلْكَ اَلْحِيَلَ، وجَعْلُهُ إيّاها أسْبابًا لِهَلاكِهِمْ، بِحالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَدُوهُ بِالأساطِينِ. فَأتى ذَلِكَ مِن قِبَلِ أساطِينِهِ بِأنْ ضُعْضِعَتْ، فَسَقَطَ عَلَيْهِمُ اَلسَّقْفُ فَهَلَكُوا. ووَجْهُ اَلشَّبَهِ: أنَّ ما عَدُّوهُ سَبَبَ بَقائِهِمْ، عادَ سَبَبَ اِسْتِئْصالِهِمْ وفَنائِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا. وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَرَّ) . و(مِن) لِابْتِداءِ اَلْغايَةِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ (اَلسَّقْفُ) مُؤَكِّدَةٌ. وقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِتَأْكِيدٍ؛ لِأنَّ اَلْعَرَبَ تَقُولُ: خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ، إذا اِنْهَدَمَ في مِلْكِهِ وإنْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ: ﴿وأتاهُمُ العَذابُ﴾ أيِ: اَلْهَلاكُ والدَّمارُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لا يَحْتَسِبُونَ.
(p-٣٧٩٦)
النحل 16:27
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧] ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ .
﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ أيْ: يُذِلُّهم ويُهِينُهم بِعَذابِ اَلْخِزْيِ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] ﴿ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أيْ: تُعادُونَ وتُخاصِمُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِمْ. وفِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ بِالقَوْلِ، واسْتِهْزاءٌ بِهِمْ؛ إذْ أضافَ اَلشُّرَكاءَ إلى نَفْسِهِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ، مَعَ اَلْإهانَةِ بِالفِعْلِ اَلْمَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْزِيهِمْ﴾ أيْ: ما لَهم لا يَحْضُرُونَكم لِيَدْفَعُوا عَنْكم ! لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنْ صَحَّ ما تَقُولُ فالأصْنامُ تَشْفَعُ لَنا. فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] وقِيلَ: حُكِيَ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ زِيادَةً في تَوْبِيخِهِمْ ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهُمُ اَلْأنْبِياءُ أوِ اَلْعُلَماءُ، اَلَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى اَلْحَقِّ فَيُشاقُّونَهم: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ﴾ أيِ: اَلْفَضِيحَةَ والعَذابَ: ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ أيِ: اَلْمُشْرِكِينَ بِهِ تَعالى. ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم. وإنَّما قالَ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هَذا شَماتَةً بِهِمْ، وزِيادَةَ إهانَةٍ بِالتَّوْبِيخِ بِالقَوْلِ، وتَقْرِيرًا لِما كانُوا يَعِظُونَهم، وتَحْقِيقًا لِما أوْعَدُوهم بِهِ.
النحل 16:28
(p-٣٧٩٧)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨-٢٩] ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩] .
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩] هَذا إخْبارٌ عَنْ حالِ اَلْمُشْرِكِينَ اَلظّالِمِي أنْفُسَهم بِتَبْدِيلِ فِطْرَةِ اَللَّهِ، عِنْدَ اِحْتِضارِهِمْ ومَجِيءِ اَلْمَلائِكَةِ إلَيْهِمْ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، بِأنَّهم يُلْقُونَ اَلسَّلَمَ، أيْ: يَنْقادُونَ ويُسالِمُونَ ويَتْرُكُونَ اَلْمُشاقَّةَ. والعُدُولُ إلى صِيغَةِ اَلْماضِي؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ اَلْوُقُوعِ. وأصْلُ اَلْإلْقاءِ في اَلْأجْسامِ فاسْتُعْمِلَ في إظْهارِ اَلِانْقِيادِ؛ إشْعارًا بِغايَةِ خُضُوعِهِمْ واسْتِكانَتِهِمْ. وجُعِلَ ذَلِكَ كالشَّيْءِ اَلْمُلْقى بَيْنَ يَدَيِ اَلْقاهِرِ اَلْغالِبِ عَلى اَلِاسْتِعارَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلٍ مُضْمَرٍ، حالٌ. أيْ: قائِلِينَ ذَلِكَ. أوْ هو تَفْسِيرٌ (لِلسَّلَمِ) اَلَّذِي ألْقَوْهُ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى اَلْقَوْلِ؛ بِدَلِيلِ اَلْآيَةِ اَلْأُخْرى: ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ﴾ [النحل: ٨٦] كَما يَقُولُونَ يَوْمَ اَلْمَعادِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ اَلْمَلائِكَةَ تُجِيبُهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَلا يُفِيدُ اَلْإنْكارُ والكَذِبُ عَلى اَلْأنْفُسِ: ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ [النحل: ٢٩] أيْ: مُقَدًّرًا خُلُودُكم.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: وهم يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ مِن يَوْمِ مَماتِهِمْ بِأرْواحِهِمْ، ويَنالُ أجْسادَهم في قُبُورِها، (p-٣٧٩٨)مِن حَرِّها وسُمُومِها. فَإذا كانَ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ سَلَكَتْ أرْواحُهم في أجْسادِهِمْ، وخَلَدَتْ في نارِ جَهَنَّمَ ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ [فاطر: ٣٦] كَما قالَ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] وقَوْلُهُ: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩] أيْ: بِئْسَ اَلْمَقِيلُ والمَقامُ لِمَن كانَ مُتَكَبِّرًا عَنْ آياتِ اَللَّهِ واتِّباعِ رُسُلِهِ. فَذَكَّرَهم بِعُنْوانِ اَلتَّكَبُّرِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلْيَتِهِ لِثَوائِهِمْ فِيها. ولِما أخْبَرَ عَنِ اَلْأشْقِياءِ بِأنَّهم قالُوا في جَوابِ: ﴿ماذا أنْـزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤] هو: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] فَجَحَدُوا رَحْمَتَهُ وكَفَرُوا نِعْمَتَهُ؛ تَأثَّرَهُ بِالإخْبارِ عَنِ اَلسُّعَداءِ اَلَّذِينَ اِعْتَرَفُوا بِخَيْرِهِ ورَحْمَتِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
النحل 16:29
(p-٣٧٩٧)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨-٢٩] ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩] .
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩] هَذا إخْبارٌ عَنْ حالِ اَلْمُشْرِكِينَ اَلظّالِمِي أنْفُسَهم بِتَبْدِيلِ فِطْرَةِ اَللَّهِ، عِنْدَ اِحْتِضارِهِمْ ومَجِيءِ اَلْمَلائِكَةِ إلَيْهِمْ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، بِأنَّهم يُلْقُونَ اَلسَّلَمَ، أيْ: يَنْقادُونَ ويُسالِمُونَ ويَتْرُكُونَ اَلْمُشاقَّةَ. والعُدُولُ إلى صِيغَةِ اَلْماضِي؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ اَلْوُقُوعِ. وأصْلُ اَلْإلْقاءِ في اَلْأجْسامِ فاسْتُعْمِلَ في إظْهارِ اَلِانْقِيادِ؛ إشْعارًا بِغايَةِ خُضُوعِهِمْ واسْتِكانَتِهِمْ. وجُعِلَ ذَلِكَ كالشَّيْءِ اَلْمُلْقى بَيْنَ يَدَيِ اَلْقاهِرِ اَلْغالِبِ عَلى اَلِاسْتِعارَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلٍ مُضْمَرٍ، حالٌ. أيْ: قائِلِينَ ذَلِكَ. أوْ هو تَفْسِيرٌ (لِلسَّلَمِ) اَلَّذِي ألْقَوْهُ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى اَلْقَوْلِ؛ بِدَلِيلِ اَلْآيَةِ اَلْأُخْرى: ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ﴾ [النحل: ٨٦] كَما يَقُولُونَ يَوْمَ اَلْمَعادِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ اَلْمَلائِكَةَ تُجِيبُهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَلا يُفِيدُ اَلْإنْكارُ والكَذِبُ عَلى اَلْأنْفُسِ: ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ [النحل: ٢٩] أيْ: مُقَدًّرًا خُلُودُكم.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: وهم يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ مِن يَوْمِ مَماتِهِمْ بِأرْواحِهِمْ، ويَنالُ أجْسادَهم في قُبُورِها، (p-٣٧٩٨)مِن حَرِّها وسُمُومِها. فَإذا كانَ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ سَلَكَتْ أرْواحُهم في أجْسادِهِمْ، وخَلَدَتْ في نارِ جَهَنَّمَ ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ [فاطر: ٣٦] كَما قالَ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] وقَوْلُهُ: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩] أيْ: بِئْسَ اَلْمَقِيلُ والمَقامُ لِمَن كانَ مُتَكَبِّرًا عَنْ آياتِ اَللَّهِ واتِّباعِ رُسُلِهِ. فَذَكَّرَهم بِعُنْوانِ اَلتَّكَبُّرِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلْيَتِهِ لِثَوائِهِمْ فِيها. ولِما أخْبَرَ عَنِ اَلْأشْقِياءِ بِأنَّهم قالُوا في جَوابِ: ﴿ماذا أنْـزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤] هو: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] فَجَحَدُوا رَحْمَتَهُ وكَفَرُوا نِعْمَتَهُ؛ تَأثَّرَهُ بِالإخْبارِ عَنِ اَلسُّعَداءِ اَلَّذِينَ اِعْتَرَفُوا بِخَيْرِهِ ورَحْمَتِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
النحل 16:30
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠] ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْـزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ .
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وهُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ: ﴿ماذا أنْـزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا، أيْ: رَحْمَةً وبَرَكَةً لِمَنِ اِتَّبَعَهُ وآمَنَ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمّا وعَدَ بِهِ عِبادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ أيْ: لِمَن أحْسَنَ عَمَلَهُ، مُكافَأةً في اَلدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في اَلْآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. فَقَوْلُهُ: { في هَذِهِ اَلدُّنْيا } مُتَعَلِّقٌ بِـ: { حَسَنَةٌ } كَتَعَلُّقِهِ بِـ: { أحْسَنُوا } . قالَ اَلشِّهابُ: والحَسَنَةُ اَلَّتِي في اَلدُّنْيا: اَلظَّفَرُ وحُسْنُ اَلسِّيرَةِ وغَيْرُ ذَلِكَ. وهَذِهِ اَلْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقالَ تَعالى: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] (p-٣٧٩٩)وقالَ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ثُمَّ وصَفَ تَعالى اَلدّارَ اَلْآخِرَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾
النحل 16:31
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١-٣٢] ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] .
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِهِمْ عِنْدَ اَلِاحْتِضارِ، في مُقابَلَةِ أُولَئِكَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] أيْ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي وكُلِّ سُوءٍ: ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] أيْ: لَتَدْخُلْ أرْواحُكُمُ اَلْجَنَّةَ، فَإنَّها في نَعِيمٍ بَرْزَخِيٍّ إلى اَلْبَعْثِ. أوِ اَلْمُرادُ بِشارَتُهم بِأنَّهم يَدْخُلُونَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] اَلْآياتِ.
ثُمَّ أشارَ إلى تَقْرِيعِ اَلْمُشْرِكِينَ، وتَهْدِيدِهِمْ عَلى تَمادِيهِمْ في اَلْباطِلِ واغْتِرارِهِمْ بِالدُّنْيا بِقَوْلِهِ تَعالى:
(p-٣٨٠٠)
النحل 16:32
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١-٣٢] ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] .
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِهِمْ عِنْدَ اَلِاحْتِضارِ، في مُقابَلَةِ أُولَئِكَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] أيْ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي وكُلِّ سُوءٍ: ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] أيْ: لَتَدْخُلْ أرْواحُكُمُ اَلْجَنَّةَ، فَإنَّها في نَعِيمٍ بَرْزَخِيٍّ إلى اَلْبَعْثِ. أوِ اَلْمُرادُ بِشارَتُهم بِأنَّهم يَدْخُلُونَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] اَلْآياتِ.
ثُمَّ أشارَ إلى تَقْرِيعِ اَلْمُشْرِكِينَ، وتَهْدِيدِهِمْ عَلى تَمادِيهِمْ في اَلْباطِلِ واغْتِرارِهِمْ بِالدُّنْيا بِقَوْلِهِ تَعالى:
(p-٣٨٠٠)
النحل 16:33
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣-٣٤] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [النحل: ٣٤] .
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ بِالعَذابِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيِ: اَلْعَذابُ اَلْمُسْتَأْصِلُ. أوْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ وما يُعايِنُونَهُ مِنَ اَلْأهْوالِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ فِعْلِ هَؤُلاءِ مِنَ اَلشِّرْكِ والِاسْتِهْزاءِ: ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: فَتَمادَوْا في ضَلالِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَ اَللَّهِ: ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ فِيما أحَلَّ بِهِمْ في عَذابِهِ اَلْآتِي بَيانُهُ. وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أعْذَرَ إلَيْهِمْ وأقامَ حُجَجَهُ عَلَيْهِمْ: بِإرْسالِ رُسُلِهِ وإنْزالِ كُتُبِهِ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ [النحل: ٣٤] جَزاءَ سَيِّئاتِ أعْمالِهِمْ مِنَ اَلشِّرْكِ وإنْكارِ اَلْوَحْدانِيَّةِ وتَكْذِيبِ اَلرُّسُلِ ونَحْوِها: ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ [النحل: ٣٤] أيْ: أحاطَ بِهِمْ: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [النحل: ٣٤] مِنَ اَلْعَذابِ اَلَّذِي تَوَعَّدَتْهم بِهِ اَلرُّسُلُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:34
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣-٣٤] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [النحل: ٣٤] .
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ بِالعَذابِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيِ: اَلْعَذابُ اَلْمُسْتَأْصِلُ. أوْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ وما يُعايِنُونَهُ مِنَ اَلْأهْوالِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ فِعْلِ هَؤُلاءِ مِنَ اَلشِّرْكِ والِاسْتِهْزاءِ: ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: فَتَمادَوْا في ضَلالِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَ اَللَّهِ: ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ فِيما أحَلَّ بِهِمْ في عَذابِهِ اَلْآتِي بَيانُهُ. وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أعْذَرَ إلَيْهِمْ وأقامَ حُجَجَهُ عَلَيْهِمْ: بِإرْسالِ رُسُلِهِ وإنْزالِ كُتُبِهِ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ [النحل: ٣٤] جَزاءَ سَيِّئاتِ أعْمالِهِمْ مِنَ اَلشِّرْكِ وإنْكارِ اَلْوَحْدانِيَّةِ وتَكْذِيبِ اَلرُّسُلِ ونَحْوِها: ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ [النحل: ٣٤] أيْ: أحاطَ بِهِمْ: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [النحل: ٣٤] مِنَ اَلْعَذابِ اَلَّذِي تَوَعَّدَتْهم بِهِ اَلرُّسُلُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:35
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥-٣٦] ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] .
﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا (p-٣٨٠١)حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]
يُخْبِرُ تَعالى عَنِ اِغْتِرارِ اَلْمُشْرِكِينَ بِما هم فِيهِ واعْتِذارِهِمْ عَنْهُ بِالِاحْتِجاجِ بِالقَدَرِ؛ تَكْذِيبًا لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ، وطَعْنًا في اَلرِّسالَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهم: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ اَلْبَحائِرِ والسَّوائِبِ والوَصائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كانُوا اِبْتَدَعُوهُ واخْتَرَعُوهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، مِمّا لَمْ يُنْزِلُ اَللَّهُ بِهِ سُلْطانًا. ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى مُشاكَلَتَهم لِمَن تَقَدَّمَهم، بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ اَلشِّرْكِ والتَّحْرِيمِ، مُتَمَسِّكِينَ بِمِثْلِ هَذِهِ اَلشُّبْهَةِ.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: مَضْمُونُ كَلامِهِمْ أنَّهُ لَوْ كانَ تَعالى كارِهًا لِما فَعَلْنا، لَأنْكَرَهُ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ، ولَما مَكَّنَنا مِنهُ. قالَ اَللَّهُ تَعالى رادًّا عَلَيْهِمْ شُبَهَهم: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: لَيْسَ اَلْأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ أنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْكم. بَلْ قَدْ أنْكَرَهُ عَلَيْكم أشَدَّ اَلْإنْكارِ، ونَهاكم عَنْهُ آكَدَ اَلنَّهْيِ، وبَعَثَ في كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ: في كُلِّ قَرْنٍ وطائِفَةٍ مِنَ اَلنّاسِ، رَسُولًا. وكُلُّهم يَدْعُو إلى عِبادَةِ اَللَّهِ، ويَنْهى عَنْ عِبادَةِ ما سِواهُ: ﴿أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وهو ما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ. فَلَمْ يَزَلْ تَعالى يُرْسِلُ إلى اَلنّاسِ اَلرُّسُلَ بِذَلِكَ مُنْذُ حَدَثَ اَلشِّرْكُ في بَنِي آدَمَ، مِن عَهْدِ نُوحٍ أوَّلِ رَسُولٍ إلى أهْلِ اَلْأرْضِ، إلى زَمَنِ خاتَمِ اَلنَّبِيِّينَ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ. ودَعْوَةُ اَلْكُلِّ واحِدَةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وكَما أخْبَرَ هُنا في هَذِهِ اَلْآيَةِ. فَكَيْفَ يَسُوغُ لِأحَدٍ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ هَذا أنْ يَقُولَ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ؟ (p-٣٨٠٢)فَمَشِيئَتُهُ تَعالى اَلشَّرْعِيَّةُ عَنْهم مُنْتَفِيَةٌ؛ لِأنَّهُ نَهاهم عَنْ ذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ. وأمّا مَشِيئَتُهُ اَلْكَوْنِيَّةُ، وهي تَمْكِينُهم مِن ذَلِكَ قَدَرًا، فَلا حُجَّةَ لَهم فِيها. أيْ: لِأنَّها مِن سِرِّ اَلْقَدَرِ اَلَّذِي حُظِرَ اَلْخَوْضُ فِيهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ في اَلدُّنْيا، بَعْدَ إنْذارِ اَلرُّسُلِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ [النحل: ٣٦] اَلْآيَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في سُورَةِ اَلْأنْعامِ نَقْلُ ما لِلْأئِمَّةِ في مِثْلِ هَذِهِ اَلْآيَةِ. ونَسُوقُ هُنا أيْضًا ما قَرَأْتُهُ لِلْإمامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ، في أوَّلِ اَلْجُزْءِ اَلثّانِي مِن (مِنهاجِ اَلسُّنَّةِ) مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالآيَةِ، وإنْ يَكُنْ سَبَقَ لَنا نَقْلٌ عَنْهُ أيْضًا، فَإنَّ اَلْآيَةَ مِن مَعارِكِ اَلْأفْهامِ، فَلا عَلَيْنا أنْ نَجْلُوَ عَنِ اَلشُّبَهِ فِيها صَدَأ اَلْأوْهامِ. قالَ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ: هَذا مَقامٌ يَكْثُرُ خَوْضُ اَلنُّفُوسِ فِيهِ. فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ اَلنّاسِ، إذا أُمِرَ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلَّلَ بِالقَدَرِ وقالَ: حَتّى يُقَدِّرَ اَللَّهُ ذَلِكَ أوْ يُقَدِّرَنِي اَللَّهُ عَلى ذَلِكَ، أوْ حَتّى يَقْضِيَ اَللَّهُ ذَلِكَ. وكَذَلِكَ إذا نُهِيَ عَنْ فِعْلِ ما حَرَّمَ اَللَّهُ قالَ: اَللَّهُ قَضاهُ عَلَيَّ بِذَلِكَ، ونَحْوَ هَذا اَلْكَلامِ. والِاحْتِجاجُ بِالقَدَرِ حُجَّةٌ باطِلَةٌ داحِضَةٌ، بِاتِّفاقِ كُلِّ ذِي عَقْلٍ ودِينٍ مِن جَمِيعِ اَلْعالَمِينَ. والمُحْتَجُّ بِهِ لا يَقْبَلُ مِن غَيْرِهِ مِثْلَ هَذِهِ اَلْحُجَّةِ، إذا اِحْتَجَّ بِها في ظُلْمٍ ظَلَمَهُ إيّاهُ وتَرَكَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن حُقُوقِهِ. بَلْ يَطْلُبُ مِنهُ ما لَهُ عَلَيْهِ، ويُعاقِبُهُ عَلى عُدْوانِهِ عَلَيْهِ. وإنَّما هو مِن جِنْسِ شُبَهِ اَلسُّوفِسْطائِيَّةِ اَلَّتِي تَعْرِضُ في اَلْعُلُومِ. فَكَأنَّكَ تَعْلَمُ فَسادَها بِالضَّرُورَةِ. وإنْ كانَتْ تَعْرِضُ كَثِيرًا لِلْكَثِيرِ مِنَ اَلنّاسِ، حَتّى قَدْ يَشُكُّ في وُجُودِ نَفْسِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اَلْمَعارِضِ اَلضَّرُورِيَّةِ. فَكَذَلِكَ هَذا يُعْرَضُ في اَلْأعْمالِ حَتّى يَظُنَّ أنَّها شُبْهَةٌ في إسْقاطِ اَلصِّدْقِ والعَدْلِ اَلْواجِبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وإباحَةِ اَلْكَذِبِ والظُّلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ولَكِنْ تَعْلَمُ اَلْقُلُوبُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ هَذِهِ شُبْهَةٌ باطِلَةٌ. ولِهَذا لا يَقْبَلُهُ أحَدٌ عِنْدَ اَلتَّحْقِيقِ ولا يَحْتَجُّ بِها أحَدٌ إلّا مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِالحُجَّةِ بِما فَعَلَهُ، فَإذا كانَ مَعَهُ عِلْمٌ بِأنَّ ما فَعَلَهُ هو اَلْمَصْلَحَةُ، وهو اَلْمَأْمُورُ، وهو اَلَّذِي يَنْبَغِي فِعْلُهُ ولَمْ يَحْتَجَّ بِالقَدَرِ. وكَذَلِكَ إذا كانَ مَعَهُ عِلْمٌ بِأنَّ اَلَّذِي لَمْ يَفْعَلْهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَهُ، أوْ لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ، أوْ لَيْسَ هو مَأْمُورًا بِهِ؛ لَمْ يَحْتَجَّ بِالقَدَرِ. بَلْ إذا كانَ مُتَّبِعًا لِهَواهُ (p-٣٨٠٣)بِغَيْرِ عِلْمٍ، اِحْتَجَّ بِالقَدَرِ. ولِهَذا لَمّا قالَ اَلْمُشْرِكُونَ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] قالَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فَإنَّ هَؤُلاءِ اَلْمُشْرِكِينَ يَعْلَمُونَ بِفِطْرَتِهِمْ وعُقُولِهِمْ أنَّ هَذِهِ اَلْحُجَّةَ داحِضَةٌ وباطِلَةٌ. فَإنَّ أحَدَهم لَوْ ظَلَمَ اَلْآخَرَ أوْ حَرَّجَ في مالِهِ أوْ فَرَجَّ اِمْرَأتَهُ أوْ قَتَلَ ولَدَهُ أوْ كانَ مُصِرًّا عَلى اَلظُّلْمِ فَنَهاهُ اَلنّاسُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: لَوْ شاءَ اَللَّهُ لَمْ أفْعَلْ هَذا؛ لَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ هَذِهِ اَلْحُجَّةَ، ولا هو يَقْبَلُها مِن غَيْرِهِ. وإنَّما يَحْتَجُّ بِها اَلْمُحْتَجُّ دَفْعًا لِلَّوْمِ بِلا وجْهٍ. فَقالَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] بِأنَّ هَذا اَلشِّرْكَ والتَّحْرِيمَ مِن أمْرِ اَللَّهِ، وأنَّهُ مَصْلَحَةٌ يَنْبَغِي فِعْلُهُ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَإنَّهُ لا عِلْمَ عِنْدِكم بِذَلِكَ، إنْ تَظُنُّونَ ذَلِكَ إلّا ظَنًّا: ﴿وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وتَفْتَرُونَ. فَعُمْدَتُكم في نَفْسِ اَلْأمْرِ ظَنُّكم وخَرْصُكم، لَيْسَ عُمْدَتُكم في نَفْسِ اَلْأمْرِ كَوْنَ اَللَّهِ شاءَ ذَلِكَ وقَدَّرَهُ. فَإنَّ مُجَرَّدَ اَلْمَشِيئَةِ والقَدَرِ لا تَكُونُ عُمْدَةً لِأحَدٍ في اَلْفِعْلِ، ولا حُجَّةً لِأحَدٍ عَلى أحَدٍ ولا عُذْرًا لِأحَدٍ؛ إذِ اَلنّاسُ كُلُّهم مُشْتَرِكُونَ في اَلْقَدَرِ. فَلَوْ كانَ هَذا حُجَّةً وعُمْدَةً لَمْ يَحْصُلْ فَرْقٌ بَيْنَ اَلْعادِلِ والظّالِمِ والصّادِقِ والكاذِبِ والعالِمِ والجاهِلِ والبَرِّ والفاجِرِ. ولَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ ما يُصْلِحُ اَلنّاسَ مِنَ اَلْأعْمالِ ما يُفْسِدُهم وما يَنْفَعُهم وما يَضُرُّهم. وهَؤُلاءِ اَلْمُشْرِكُونَ اَلْمُحْتَجُّونَ بِالقَدَرِ عَلى تَرْكِ ما أرْسَلَ اَللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ مِن تَوْحِيدِهِ، والإيمانِ بِهِ؛ لَوِ اِحْتَجَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في سُقُوطِ حُقُوقِهِ ومُخالَفَةِ أمْرِهِ، لَمْ يَقْبَلْهُ مِنهُ. بَلْ كانَ هَؤُلاءِ اَلْمُشْرِكُونَ يَذُمُّ بَعْضُهم بَعْضًا ويُعادِي بَعْضُهم بَعْضًا ويُقاتِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى فِعْلِ مَن يُرِيدُ تَرْكًا لَحِقِّهِمْ، أوْ ظُلْمًا. فَلَمّا جاءَهم رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَدْعُوهم إلى حَقِّ اَللَّهِ عَلى عِبادِهِ وطاعَةِ أمْرِهِ، واحْتَجُّوا بِالقَدَرِ؛ فَصارُوا يَحْتَجُّونَ بِالقَدَرِ عَلى تَرْكِ حَقِّ رَبِّهِمْ ومُخالَفَةِ (p-٣٨٠٤)أمْرِهِ، بِما لا يَقْبَلُونَهُ مِمَّنْ تَرَكَ حَقَّهم وخالَفَ أمْرَهم. وفي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ: أنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««يا مُعاذُ بْنَ جَبَلٍ ! أتَدْرِي ما حَقُّ اَللَّهِ عَلى عِبادِهِ ؟ ! حَقُّهُ عَلى عِبادِهِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أتَدْرِي ما حَقُّ اَلْعِبادِ عَلى اَللَّهِ إذا فَعَلُوا ذَلِكَ ؟ حَقُّهم عَلَيْهِ أنْ لا يُعَذِّبَهم»» .
فالِاحْتِجاجُ بِالقَدَرِ حالُ اَلْجاهِلِيَّةِ اَلَّذِينَ لا عِلْمَ عِنْدِهِمْ بِما يَفْعَلُونَ ويَتْرُكُونَ: { إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا اَلظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ } وهم إنَّما يَحْتَجُّونَ بِهِ في تَرْكِ حَقِّ رَبِّهِمْ ومُخالَفَةِ أمْرِهِ، لا في تَرْكِ ما يَرَوْنَهُ حَقًّا لَهم ولا في مُخالَفَةِ أمْرِهِمْ. ولِهَذا تَجِدُ اَلْمُحْتَجِّينَ والمُسْتَنِدِينَ إلَيْهِ مِنَ اَلنُّسّاكِ والصُّوفِيَّةِ والفُقَراءِ والعامَّةِ والجُنْدِ والفُقَهاءِ وغَيْرِهِمْ؛ يَفِرُّونَ إلَيْهِ عِنْدَ اتِّباعِ اَلظَّنِّ وما تَهْوى اَلْأنْفُسُ. فَلَوْ كانَ مَعَهم عِلْمٌ وهُدًى لَمْ يَحْتَجُّوا بِالقَدَرِ أصْلًا. بَلْ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ اَلْهُدى والعِلْمِ، وهَذا أصْلٌ شَرِيفٌ، مَنِ اِعْتَنى بِهِ عَلِمَ مَنشَأ اَلضَّلالِ والغَيِّ لِكَثِيرٍ مِنَ اَلنّاسِ. ولِهَذا تَجِدُ اَلْمَشايِخَ والصّالِحِينَ اَلْمُتَّبِعِينَ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، كَثِيرًا ما يُوصُونَ أتْباعَهم بِالعِلْمِ بِالشَّرْعِ. فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يَعْرِضُ لَهم إراداتٌ في أشْياءَ ومَحَبَّةٌ لَها فَيَتَّبِعُونَ فِيها أهْواءَهم ظانِّينَ أنَّهُ دِينُ اَللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ مَعَهم إلى اَلظَّنِّ والذَّوْقِ والوِجْدانِ اَلَّذِي يَرْجِعُ إلى مَحَبَّةِ اَلنَّفْسِ وإرادَتِها. فَيَحْتَجُّونَ تارَةً بِالقَدَرِ وتارَةً بِالظَّنِّ والخَرْصِ، وهم مُتَّبِعُونَ أهْواءَهم في اَلْحَقِيقَةِ. فَإذا اِتَّبَعُوا اَلْعِلْمَ، وهو ما جاءَ بِهِ اَلشّارِعُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجُوا عَنِ اَلظَّنِّ وما تَهْوى اَلْأنْفُسُ، واتَّبَعُوا ما جاءَهم مِن رَبِّهِمْ وهو اَلْهُدى، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] وقَدْ ذَكَرَ اَللَّهُ تَعالى هَذا اَلْمَعْنى عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ في سُورَةِ اَلْأنْعامِ والنَّحْلِ والزُّخْرُفِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] فَتَبَيَّنَ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ، إنْ هم إلّا (p-٣٨٠٥)يَخْرُصُونَ. وقالَ في سُورَةِ اَلْأنْعامِ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] إرْسالُ اَلرُّسُلِ وإنْزالُ اَلْكُتُبِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ثُمَّ أثْبَتَ اَلْقَدَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فَأثْبَتَ اَلْحُجَّةَ اَلشَّرْعِيَّةَ وبَيَّنَ اَلْمَشِيئَةَ اَلْقَدَرِيَّةَ وكِلاهُما حَقٌّ. وقالَ في اَلنَّحْلِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ هَذا اَلْكَلامَ تَكْذِيبٌ لِلرُّسُلِ فِيما جاءُوهم بِهِ، لَيْسَ حُجَّةً لَهم. فَلَوْ كانَ حُجَّةً لاحْتُجَّ بِهِ عَلى تَكْذِيبِ كُلِّ صِدْقٍ وفِعْلِ كُلِّ ظُلْمٍ. فَفي فِطْرَةِ بَنِي آدَمَ أنَّهُ لَيْسَ حُجَّةً صَحِيحَةً. بَلْ مَنِ اِحْتَجَّ بِهِ اِحْتَجَّ لِعَدَمِ اَلْعِلْمِ واتِّباعِ اَلظَّنِّ. كَفِعْلِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا اَلرُّسُلَ بِهَذِهِ اَلْمُدافَعَةِ. بَلِ اَلْحُجَّةُ اَلْبالِغَةُ لِلَّهِ بِإرْسالِ اَلرُّسُلِ وإنْزالِ اَلْكُتُبِ، كَما ثَبَتَ في اَلْحَدِيثِ اَلصَّحِيحِ عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««لا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ اَلْعُذْرُ مِنَ اَللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ أرْسَلَ اَلرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ولا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ اَلْمَدْحُ مِنَ اَللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ. ولا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اَللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ اَلْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ»» . فَبَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ اَلْمَدْحَ وأنْ يَعْذُرَ ويُبْغِضَ اَلْفَواحِشَ، فَيُحِبُّ أنْ يُمْدَحَ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وألّا يُوصَفَ بِالظُّلْمِ. ومِنَ اَلْمَعْلُومِ أنَّهُ مَن قَدَّمَ إلى أتْباعِهِ بِأنِ اِفْعَلُوا كَذا ولا تَفْعَلُوا. وبَيَّنَ لَهم وأزاحَ عِلَّتَهم، ثُمَّ تَعَدَّوْا حُدُودَهُ وأفْسَدُوا أُمُورَهم؛ كانَ لَهُ أنْ يُعَذِّبَهم ويَنْتَقِمَ مِنهم. فَإذا قالُوا: ألَيْسَ اَللَّهُ قَدَّرَ عَلَيْنا هَذا ؟ لَوْ شاءَ اَللَّهُ ما فَعَلْنا هَذا. قِيلَ لَهم: أنْتُمْ لا حُجَّةَ لَكم ولا عِنْدَكم ما تَعْتَذِرُونَ بِهِ، وتَبَيَّنَ أنَّ ما فَعَلْتُمُوهُ كانَ حَسَنًا، أوْ كُنْتُمْ مَعْذُورِينَ فِيهِ. فَهَذا اَلْكَلامُ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنكم.
(p-٣٨٠٦)وقَدْ قامَتِ اَلْحُجَّةُ عَلَيْكم بِما تَقَدَّمَ مِنَ اَلْبَيانِ والإعْذارِ. ولَوْ أنَّ ولِيَّ أمْرٍ أعْطى قَوْمًا مالًا لِيُوَصِّلُوهُ إلى بَلَدٍ، فَسافَرُوا بِهِ وتَرَكُوهُ في اَلْبَرِّيَّةِ لَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ وباتُوا في مَكانٍ بَعِيدٍ مِنهُ، وكانَ ولِيُّ اَلْأمْرِ قَدْ أرْسَلَ جُنْدًا يَغْزُونَ بَعْضَ اَلْأعْداءِ، فاجْتازُوا تِلْكَ اَلطَّرِيقَ، فَرَأوْا ذَلِكَ اَلْمالَ فَظَنُّوهُ لُقَطَةً لَيْسَ لَهُ أحَدٌ فَأخَذُوهُ وذَهَبُوا؛ لَكانَ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يُعاقِبَ اَلْأوَّلِينَ لِتَفْرِيطِهِمْ وتَضْيِيعِهِمْ حِفْظَ ما أمَرَهم بِهِ. ولَوْ قالُوا لَهُ: أنْتَ لَمْ تُعْلِمْنا أنَّكَ تَبْعَثُ بَعْدَنا جُنْدًا حَتّى يُحْتَرَزَ اَلْمالُ مِنهم ! قالَ: هَذا لا يَجِبُ عَلَيَّ، ولَوْ فَعَلْتُهُ لَكانَ زِيادَةَ إعانَةٍ لَكم. لَكِنْ كانَ عَلَيْكم أنْ تَحْفَظُوا ذَلِكَ كَما تَحْفَظُونَ اَلْوَدائِعَ والأماناتِ. وكانَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ قائِمَةً ولَمْ يَكُنْ يُدْعى فِيهِمْ ظالِمًا، وإنْ كانَ لَمْ يُعِنْهم بِالإعْلامِ بِذَلِكَ اَلْجُنْدِ، لَكِنْ عَمِلَ اَلْمَصْلَحَةَ في إرْسالِ اَلْأوَّلِينَ والآخَرِينَ. واَللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولَهُ اَلْمَثَلُ اَلْأعْلى، حَكَمٌ عَدْلٌ في كُلِّ ما جَعَلَهُ، ولا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ. فَإذا أمَرَ اَلنّاسَ بِحِفْظِ اَلْحُدُودِ وإقامَةِ اَلْفَرائِضِ لِمَصْلَحَتِهِمْ؛ كانَ ذَلِكَ مِن إحْسانِهِ إلَيْهِمْ وتَعْرِيفِهِمْ ما يَنْفَعُهم. وإذا خَلَقَ أُمُورًا أُخْرى، فَإذا فَرَّطُوا واعْتَدَوْا بِسَبَبِ خَلْقِهِ اَلْأُمُورَ اَلْأُخْرى، كانَ عادِلًا حَكَمًا في خَلْقِ هَذا وخَلْقِ هَذا، والأمْرِ بِهَذا والأمْرِ بِهَذا. وإنْ كانَ لَمْ يُمِدَّ اَلْأوَّلِينَ بِزِيادَةٍ يَحْتَرِسُونَ بِها مِنَ اَلتَّفْرِيطِ والعُدْوانِ، لا سِيَّما مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ تِلْكَ اَلزِّيادَةَ، لَوْ خَلَقَها لَلَزِمَ مِنها تَفْوِيتُ مَصْلَحَةٍ أرْجَحَ، فَإنَّ اَلضِّدَّيْنِ لا يَجْتَمِعانِ. والمَقْصُودُ هُنا أنَّهُ لا يَحْتَجُّ أحَدٌ بِالقَدَرِ إلّا حُجَّةَ تَعْلِيلٍ؛ لِدَعْمِ اتِّباعِ اَلْحَقِّ اَلَّذِي بَيَّنَهُ اَلْعِلْمُ. فَإنَّ اَلْإنْسانَ حَيٌّ حَسّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالإرادَةِ. ولِهَذا قالَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أصْدَقُ اَلْأسْماءِ اَلْحارِثُ وهَمّامٌ»» فالحارِثُ: اَلْكاسِبُ اَلْعامِلُ. والهَمّامُ: اَلْمُتَحَرِّكُ اَلْهَمُّ. والهَمُّ مَبْدَأُ اَلْإرادَةِ والقَصْدِ. فَكُلُّ إنْسانٍ حارِثٌ هَمّامٌ، وهو اَلْمُتَحَرِّكُ بِالإرادَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ اَلْحِسِّ والشُّعُورِ. فَإنَّ اَلْإرادَةَ مَسْبُوقَةٌ بِالشُّعُورِ بِالمُرادِ، فَلا يُتَصَوَّرُ إرادَةٌ ولا حُبٌّ ولا شَوْقٌ ولا (p-٣٨٠٧)اِخْتِيارٌ ولا طَلَبٌ إلّا بَعْدَ اَلشُّعُورِ وما هو مِن جِنْسِهِ. كالحِسِّ والعِلْمِ والسَّمْعِ والبَصَرِ والشَّمِّ والذَّوْقِ واللَّمْسِ ونَحْوِ هَذِهِ اَلْأُمُورِ. فَهَذا اَلْإدْراكُ والشُّعُورُ هو مُقَدِّمَةُ اَلْإرادَةِ والحُبِّ والطَّلَبِ. والحَيُّ مَفْطُورٌ عَلى حُبِّ ما يَنْفَعُهُ ويُلائِمُهُ، وبُغْضِ ما يَكْرَهُهُ ويَضُرُّهُ. فَإذا تَصَوَّرَ اَلشَّيْءَ اَلْمُلائِمَ اَلنّافِعَ، أرادَهُ وأحَبَّهُ. وإنْ تَصَوُّرَ اَلشَّيْءَ اَلضّارَّ أبْغَضَهُ ونَفَرَ عَنْهُ. لَكِنَّ ذَلِكَ اَلتَّصَوُّرَ قَدْ يَكُونُ عِلْمًا وقَدْ يَكُونُ ظَنًّا وخَرْصًا. فَإذا كانَ عالِمًا بِأنَّ مُرادَهُ هو اَلنّافِعُ، وهو اَلْمَصْلَحَةُ وهو اَلَّذِي يُلائِمُهُ؛ كانَ عَلى اَلْهُدى والحَقِّ. وإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، كانَ مُتَبِّعًا لِلظَّنِّ وما تَهْوى نَفْسُهُ. فَإذا جاءَهُ اَلْعِلْمُ والبَيانُ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مَصْلَحَةً، أخَذَ يَحْتَجُّ بِالقَدَرِ، حُجَّةَ لَدَدٍ وتَفْرِيجٍ، لا حُجَّةَ اِعْتِمادٍ عَلى اَلْحَقِّ والعِلْمِ. فَلا يَحْتَجُّ أحَدٌ في باطِنِهِ أوْ ظاهِرِهِ بِالقَدَرِ، إلّا لِعَدَمِ اَلْعِلْمِ بِما هو عَلَيْهِ اَلْحَقُّ. وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ مَنِ اِحْتَجَّ بِالقَدَرِ عَلى اَلرُّسُلِ مُقِرًّا بِأنَّ ما هو عَلَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ بِهِ عِلْمٌ، وإنَّما تَكَلَّمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. ومَن تَكَلَّمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ مُبْطِلًا في كَلامِهِ، ومَنِ اِحْتَجَّ بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَتْ حُجَّتُهُ داحِضَةً. فَإمّا أنْ يَكُونَ جاهِلًا، فَعَلَيْهِ أنْ يَتَّبِعَ اَلْعِلْمَ. وإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَ اَلْحَقَّ واتَّبَعَ هَواهُ، فَعَلَيْهِ أنْ يَتَّبِعَ اَلْحَقَّ ويَدَعَ هَواهُ. فَتَبَيَّنَ أنَّ اَلْمُحْتَجَّ بِالقَدَرِ مُتَّبِعٌ لِهَواهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] اِنْتَهى. ولَهُ تَتِمَّةٌ سابِغَةُ اَلذَّيْلِ لا بَأْسَ بِالوُقُوفِ عَلَيْها.
وقالَ القاشانِيُّ في هَذِهِ اَلْآيَةِ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عِنادًا وتَعَنُّتًا عَنْ فَرْطٍ بِالجَهْلِ وإلْزامًا لِلْمُوَحِّدِينَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِمْ. إذْ لَوْ قالُوا ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ لَكانُوا مُوَحِّدِينَ لا مُشْرِكِينَ بِنِسْبَةِ اَلْإرادَةِ والتَّأْثِيرِ إلى اَلْغَيْرِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ وُقُوعُ شَيْءٍ بِغَيْرِ مَشِيئَةٍ مِنَ اَللَّهِ، عَلِمَ أنَّهُ لَوْ شاءَ كُلُّ مَن في اَلْعالِمِ شَيْئًا، لَمْ يَشَأِ اَللَّهُ ذَلِكَ؛ لَمْ يُمْكِنْ وُقُوعُهُ. فاعْتَرَفَ بِنَفْيِ اَلْقُدْرَةِ والإرادَةِ عَمّا عَدا اَللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكًا، قالَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ (p-٣٨٠٨)ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: في تَكْذِيبِ اَلرُّسُلِ بِالعِنادِ. اِنْتَهى.
وقالَ اَلْإمامُ مُفْتِي مِصْرَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ اَلْعَصْرِ، مِن هَذا اَلْبَحْثِ ما مِثالُهُ: فالعَقْلُ والشَّرْعُ والحِسُّ والوِجْدانُ مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّ فِعْلَ اَلْعَبْدِ فِعْلُهُ. وكَوْنُ جَمِيعِ اَلْأشْياءِ راجِعَةً إلى اَللَّهِ تَعالى ووُجُودُ اَلْمُمْكِناتِ، إنَّما هو نِسْبَتُها إلَيْهِ. ولا يُتَصَوَّرُ اِعْتِبارُها مَوْجُودَةً إلّا إذا اِعْتُبِرَتْ مُسْتَنِدَةً إلَيْهِ، مِمّا قامَ عَلَيْهِ اَلدَّلِيلُ بَلْ كادَ يَصِلُ إلى اَلْبَداهَةِ كَذَلِكَ. ومِثْلُ هَذا يُقالُ في عِظَمِ قُدْرَةِ اَللَّهِ تَعالى. وإنَّهُ إنْ شاءَ سَلَبَنا مِنَ اَلْقُدْرَةِ والِاخْتِيارِ ما وهَبَنا. فَهو أمْرٌ نُشاهِدُهُ كُلَّ يَوْمٍ، نُدَبِّرُ شَيْئًا، ثُمَّ يَأْتِي مِنَ اَلْمَوانِعِ مِن تَحْقِيقِهِ ما لَمْ يَكُنْ في اَلْحُسْبانِ، ونَتَناوَلُ عَمَلًا ثُمَّ تَنْقَطِعُ قُدْرَتُنا عَنْ تَتْمِيمِهِ. كُلُّ ذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ. شُمُولُ عِلْمِ اَللَّهِ لِما كانَ ولِما يَكُونُ قامَ عَلَيْهِ اَلدَّلِيلُ. ولا شُبْهَةَ فِيهِ عِنْدَ المِلِّيِّينَ، فَوَجَبَ عَلى اَلْمُسْلِمِ أنْ يَعْتَقِدَ بِأنَّ اَللَّهَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ عَلى اَلنَّحْوِ اَلَّذِي يَعْلُمُهُ، وأنْ يُقَرِّرَ بِنِسْبَةِ عَمَلِهِ إلَيْهِ كَما هو بَدِيهِيٌّ عِنْدَهُ. ويَعْلَمُ بِما أمَرَهُ بِهِ ويَجْتَنِبُ ما نَهاهُ عَنْهُ بِاسْتِعْمالِ ذَلِكَ اَلِاخْتِيارِ اَلَّذِي يَجِدُهُ مِن نَفْسِهِ. ولَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلى ما وراءَهُ. فَقَدْ نَعى اَللَّهُ عَلى اَلْمُشْرِكِينَ قَوْلَهم: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ووَرَدَتِ اَلْأحادِيثُ مُتَواتِرَةَ اَلْمَعْنى في اَلنَّهْيِ عَنِ اَلْخَوْضِ في اَلْقَدَرِ وسِرِّهِ. فَلَوْ صَبَرَ اَلْعَبْدُ حَقَّ اَلصَّبْرِ؛ لَوَقَفَ عِنْدَ ما حَدَّ اَللَّهُ لَهُ، ولَمْ يَنْزِعْ بِنَفْسِهِ إلى تَعَدِّي حُدُودِ اَللَّهِ اَلَّتِي ضَرَبَها لِعِبادِهِ. ولَسْتُ أُحِبُّ اَلتَّكَلُّمَ في هَذِهِ اَلْمَسْألَةِ بِأكْثَرَ مِن هَذا. وإلّا خَرَجْتُ مِنَ اَلصّابِرِينَ، وخُضْتُ في اَلْقَدَرِ مَعَ اَلْخائِضِينَ. ومَن ثارَ بِهِ اَلْهَوَسُ فَتَوَهَّمَ أنَّ عَلَيْنا أنْ نَعْتَقِدَ أنَّ اَلْعَبْدَ لا فِعْلَ لَهُ، فَقَدْ خالَفَ كِتابَ اَللَّهِ وعَصى رَسُولَ اَللَّهِ. وقَدْ أقُولُ - واعْتِمادِي عَلى اَللَّهِ فِيما أقُولُ -: إنَّ مَن يَقُولُ ذَلِكَ، يَخْرُجُ عَنْ دِينِ اَللَّهِ، ويُعَطِّلُ شَرْعَ اَللَّهِ، فَلْيَحْذَرْ مُؤْمِنٌ بِاَللَّهِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ. اِنْتَهى.
(p-٣٨٠٩)وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: اَلِاحْتِجاجُ عَلى تَرْكِ اَلْعَمَلِ بِالقَدَرِ مِن عَقائِدِ اَلْمُلْحِدِينَ. وقَدْ جاءَ اَلْكِتابُ اَلْكَرِيمُ بِتَشْنِيعِ اِعْتِقادِهِمْ والنَّعْيِ عَلَيْهِمْ فِيهِ. وقَدْ حَكى لَنا ما كانُوا يَقُولُونَ مِن نَحْوِ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَلا يَسُوغُ لِأحَدٍ مِنّا، وهو يَدَّعِي أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِالقُرْآنِ؛ أنْ يَحْتَجَّ بِما كانَ يَحْتَجُّ بِهِ اَلْمُشْرِكُونَ. اِنْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:36
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥-٣٦] ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] .
﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا (p-٣٨٠١)حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]
يُخْبِرُ تَعالى عَنِ اِغْتِرارِ اَلْمُشْرِكِينَ بِما هم فِيهِ واعْتِذارِهِمْ عَنْهُ بِالِاحْتِجاجِ بِالقَدَرِ؛ تَكْذِيبًا لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ، وطَعْنًا في اَلرِّسالَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهم: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ اَلْبَحائِرِ والسَّوائِبِ والوَصائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كانُوا اِبْتَدَعُوهُ واخْتَرَعُوهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، مِمّا لَمْ يُنْزِلُ اَللَّهُ بِهِ سُلْطانًا. ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى مُشاكَلَتَهم لِمَن تَقَدَّمَهم، بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ اَلشِّرْكِ والتَّحْرِيمِ، مُتَمَسِّكِينَ بِمِثْلِ هَذِهِ اَلشُّبْهَةِ.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: مَضْمُونُ كَلامِهِمْ أنَّهُ لَوْ كانَ تَعالى كارِهًا لِما فَعَلْنا، لَأنْكَرَهُ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ، ولَما مَكَّنَنا مِنهُ. قالَ اَللَّهُ تَعالى رادًّا عَلَيْهِمْ شُبَهَهم: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: لَيْسَ اَلْأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ أنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْكم. بَلْ قَدْ أنْكَرَهُ عَلَيْكم أشَدَّ اَلْإنْكارِ، ونَهاكم عَنْهُ آكَدَ اَلنَّهْيِ، وبَعَثَ في كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ: في كُلِّ قَرْنٍ وطائِفَةٍ مِنَ اَلنّاسِ، رَسُولًا. وكُلُّهم يَدْعُو إلى عِبادَةِ اَللَّهِ، ويَنْهى عَنْ عِبادَةِ ما سِواهُ: ﴿أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وهو ما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ. فَلَمْ يَزَلْ تَعالى يُرْسِلُ إلى اَلنّاسِ اَلرُّسُلَ بِذَلِكَ مُنْذُ حَدَثَ اَلشِّرْكُ في بَنِي آدَمَ، مِن عَهْدِ نُوحٍ أوَّلِ رَسُولٍ إلى أهْلِ اَلْأرْضِ، إلى زَمَنِ خاتَمِ اَلنَّبِيِّينَ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ. ودَعْوَةُ اَلْكُلِّ واحِدَةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وكَما أخْبَرَ هُنا في هَذِهِ اَلْآيَةِ. فَكَيْفَ يَسُوغُ لِأحَدٍ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ هَذا أنْ يَقُولَ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ؟ (p-٣٨٠٢)فَمَشِيئَتُهُ تَعالى اَلشَّرْعِيَّةُ عَنْهم مُنْتَفِيَةٌ؛ لِأنَّهُ نَهاهم عَنْ ذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ. وأمّا مَشِيئَتُهُ اَلْكَوْنِيَّةُ، وهي تَمْكِينُهم مِن ذَلِكَ قَدَرًا، فَلا حُجَّةَ لَهم فِيها. أيْ: لِأنَّها مِن سِرِّ اَلْقَدَرِ اَلَّذِي حُظِرَ اَلْخَوْضُ فِيهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ في اَلدُّنْيا، بَعْدَ إنْذارِ اَلرُّسُلِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ [النحل: ٣٦] اَلْآيَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في سُورَةِ اَلْأنْعامِ نَقْلُ ما لِلْأئِمَّةِ في مِثْلِ هَذِهِ اَلْآيَةِ. ونَسُوقُ هُنا أيْضًا ما قَرَأْتُهُ لِلْإمامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ، في أوَّلِ اَلْجُزْءِ اَلثّانِي مِن (مِنهاجِ اَلسُّنَّةِ) مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالآيَةِ، وإنْ يَكُنْ سَبَقَ لَنا نَقْلٌ عَنْهُ أيْضًا، فَإنَّ اَلْآيَةَ مِن مَعارِكِ اَلْأفْهامِ، فَلا عَلَيْنا أنْ نَجْلُوَ عَنِ اَلشُّبَهِ فِيها صَدَأ اَلْأوْهامِ. قالَ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ: هَذا مَقامٌ يَكْثُرُ خَوْضُ اَلنُّفُوسِ فِيهِ. فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ اَلنّاسِ، إذا أُمِرَ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلَّلَ بِالقَدَرِ وقالَ: حَتّى يُقَدِّرَ اَللَّهُ ذَلِكَ أوْ يُقَدِّرَنِي اَللَّهُ عَلى ذَلِكَ، أوْ حَتّى يَقْضِيَ اَللَّهُ ذَلِكَ. وكَذَلِكَ إذا نُهِيَ عَنْ فِعْلِ ما حَرَّمَ اَللَّهُ قالَ: اَللَّهُ قَضاهُ عَلَيَّ بِذَلِكَ، ونَحْوَ هَذا اَلْكَلامِ. والِاحْتِجاجُ بِالقَدَرِ حُجَّةٌ باطِلَةٌ داحِضَةٌ، بِاتِّفاقِ كُلِّ ذِي عَقْلٍ ودِينٍ مِن جَمِيعِ اَلْعالَمِينَ. والمُحْتَجُّ بِهِ لا يَقْبَلُ مِن غَيْرِهِ مِثْلَ هَذِهِ اَلْحُجَّةِ، إذا اِحْتَجَّ بِها في ظُلْمٍ ظَلَمَهُ إيّاهُ وتَرَكَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن حُقُوقِهِ. بَلْ يَطْلُبُ مِنهُ ما لَهُ عَلَيْهِ، ويُعاقِبُهُ عَلى عُدْوانِهِ عَلَيْهِ. وإنَّما هو مِن جِنْسِ شُبَهِ اَلسُّوفِسْطائِيَّةِ اَلَّتِي تَعْرِضُ في اَلْعُلُومِ. فَكَأنَّكَ تَعْلَمُ فَسادَها بِالضَّرُورَةِ. وإنْ كانَتْ تَعْرِضُ كَثِيرًا لِلْكَثِيرِ مِنَ اَلنّاسِ، حَتّى قَدْ يَشُكُّ في وُجُودِ نَفْسِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اَلْمَعارِضِ اَلضَّرُورِيَّةِ. فَكَذَلِكَ هَذا يُعْرَضُ في اَلْأعْمالِ حَتّى يَظُنَّ أنَّها شُبْهَةٌ في إسْقاطِ اَلصِّدْقِ والعَدْلِ اَلْواجِبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وإباحَةِ اَلْكَذِبِ والظُّلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ولَكِنْ تَعْلَمُ اَلْقُلُوبُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ هَذِهِ شُبْهَةٌ باطِلَةٌ. ولِهَذا لا يَقْبَلُهُ أحَدٌ عِنْدَ اَلتَّحْقِيقِ ولا يَحْتَجُّ بِها أحَدٌ إلّا مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِالحُجَّةِ بِما فَعَلَهُ، فَإذا كانَ مَعَهُ عِلْمٌ بِأنَّ ما فَعَلَهُ هو اَلْمَصْلَحَةُ، وهو اَلْمَأْمُورُ، وهو اَلَّذِي يَنْبَغِي فِعْلُهُ ولَمْ يَحْتَجَّ بِالقَدَرِ. وكَذَلِكَ إذا كانَ مَعَهُ عِلْمٌ بِأنَّ اَلَّذِي لَمْ يَفْعَلْهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَهُ، أوْ لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ، أوْ لَيْسَ هو مَأْمُورًا بِهِ؛ لَمْ يَحْتَجَّ بِالقَدَرِ. بَلْ إذا كانَ مُتَّبِعًا لِهَواهُ (p-٣٨٠٣)بِغَيْرِ عِلْمٍ، اِحْتَجَّ بِالقَدَرِ. ولِهَذا لَمّا قالَ اَلْمُشْرِكُونَ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] قالَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فَإنَّ هَؤُلاءِ اَلْمُشْرِكِينَ يَعْلَمُونَ بِفِطْرَتِهِمْ وعُقُولِهِمْ أنَّ هَذِهِ اَلْحُجَّةَ داحِضَةٌ وباطِلَةٌ. فَإنَّ أحَدَهم لَوْ ظَلَمَ اَلْآخَرَ أوْ حَرَّجَ في مالِهِ أوْ فَرَجَّ اِمْرَأتَهُ أوْ قَتَلَ ولَدَهُ أوْ كانَ مُصِرًّا عَلى اَلظُّلْمِ فَنَهاهُ اَلنّاسُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: لَوْ شاءَ اَللَّهُ لَمْ أفْعَلْ هَذا؛ لَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ هَذِهِ اَلْحُجَّةَ، ولا هو يَقْبَلُها مِن غَيْرِهِ. وإنَّما يَحْتَجُّ بِها اَلْمُحْتَجُّ دَفْعًا لِلَّوْمِ بِلا وجْهٍ. فَقالَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] بِأنَّ هَذا اَلشِّرْكَ والتَّحْرِيمَ مِن أمْرِ اَللَّهِ، وأنَّهُ مَصْلَحَةٌ يَنْبَغِي فِعْلُهُ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَإنَّهُ لا عِلْمَ عِنْدِكم بِذَلِكَ، إنْ تَظُنُّونَ ذَلِكَ إلّا ظَنًّا: ﴿وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وتَفْتَرُونَ. فَعُمْدَتُكم في نَفْسِ اَلْأمْرِ ظَنُّكم وخَرْصُكم، لَيْسَ عُمْدَتُكم في نَفْسِ اَلْأمْرِ كَوْنَ اَللَّهِ شاءَ ذَلِكَ وقَدَّرَهُ. فَإنَّ مُجَرَّدَ اَلْمَشِيئَةِ والقَدَرِ لا تَكُونُ عُمْدَةً لِأحَدٍ في اَلْفِعْلِ، ولا حُجَّةً لِأحَدٍ عَلى أحَدٍ ولا عُذْرًا لِأحَدٍ؛ إذِ اَلنّاسُ كُلُّهم مُشْتَرِكُونَ في اَلْقَدَرِ. فَلَوْ كانَ هَذا حُجَّةً وعُمْدَةً لَمْ يَحْصُلْ فَرْقٌ بَيْنَ اَلْعادِلِ والظّالِمِ والصّادِقِ والكاذِبِ والعالِمِ والجاهِلِ والبَرِّ والفاجِرِ. ولَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ ما يُصْلِحُ اَلنّاسَ مِنَ اَلْأعْمالِ ما يُفْسِدُهم وما يَنْفَعُهم وما يَضُرُّهم. وهَؤُلاءِ اَلْمُشْرِكُونَ اَلْمُحْتَجُّونَ بِالقَدَرِ عَلى تَرْكِ ما أرْسَلَ اَللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ مِن تَوْحِيدِهِ، والإيمانِ بِهِ؛ لَوِ اِحْتَجَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في سُقُوطِ حُقُوقِهِ ومُخالَفَةِ أمْرِهِ، لَمْ يَقْبَلْهُ مِنهُ. بَلْ كانَ هَؤُلاءِ اَلْمُشْرِكُونَ يَذُمُّ بَعْضُهم بَعْضًا ويُعادِي بَعْضُهم بَعْضًا ويُقاتِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى فِعْلِ مَن يُرِيدُ تَرْكًا لَحِقِّهِمْ، أوْ ظُلْمًا. فَلَمّا جاءَهم رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَدْعُوهم إلى حَقِّ اَللَّهِ عَلى عِبادِهِ وطاعَةِ أمْرِهِ، واحْتَجُّوا بِالقَدَرِ؛ فَصارُوا يَحْتَجُّونَ بِالقَدَرِ عَلى تَرْكِ حَقِّ رَبِّهِمْ ومُخالَفَةِ (p-٣٨٠٤)أمْرِهِ، بِما لا يَقْبَلُونَهُ مِمَّنْ تَرَكَ حَقَّهم وخالَفَ أمْرَهم. وفي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ: أنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««يا مُعاذُ بْنَ جَبَلٍ ! أتَدْرِي ما حَقُّ اَللَّهِ عَلى عِبادِهِ ؟ ! حَقُّهُ عَلى عِبادِهِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أتَدْرِي ما حَقُّ اَلْعِبادِ عَلى اَللَّهِ إذا فَعَلُوا ذَلِكَ ؟ حَقُّهم عَلَيْهِ أنْ لا يُعَذِّبَهم»» .
فالِاحْتِجاجُ بِالقَدَرِ حالُ اَلْجاهِلِيَّةِ اَلَّذِينَ لا عِلْمَ عِنْدِهِمْ بِما يَفْعَلُونَ ويَتْرُكُونَ: { إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا اَلظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ } وهم إنَّما يَحْتَجُّونَ بِهِ في تَرْكِ حَقِّ رَبِّهِمْ ومُخالَفَةِ أمْرِهِ، لا في تَرْكِ ما يَرَوْنَهُ حَقًّا لَهم ولا في مُخالَفَةِ أمْرِهِمْ. ولِهَذا تَجِدُ اَلْمُحْتَجِّينَ والمُسْتَنِدِينَ إلَيْهِ مِنَ اَلنُّسّاكِ والصُّوفِيَّةِ والفُقَراءِ والعامَّةِ والجُنْدِ والفُقَهاءِ وغَيْرِهِمْ؛ يَفِرُّونَ إلَيْهِ عِنْدَ اتِّباعِ اَلظَّنِّ وما تَهْوى اَلْأنْفُسُ. فَلَوْ كانَ مَعَهم عِلْمٌ وهُدًى لَمْ يَحْتَجُّوا بِالقَدَرِ أصْلًا. بَلْ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ اَلْهُدى والعِلْمِ، وهَذا أصْلٌ شَرِيفٌ، مَنِ اِعْتَنى بِهِ عَلِمَ مَنشَأ اَلضَّلالِ والغَيِّ لِكَثِيرٍ مِنَ اَلنّاسِ. ولِهَذا تَجِدُ اَلْمَشايِخَ والصّالِحِينَ اَلْمُتَّبِعِينَ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، كَثِيرًا ما يُوصُونَ أتْباعَهم بِالعِلْمِ بِالشَّرْعِ. فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يَعْرِضُ لَهم إراداتٌ في أشْياءَ ومَحَبَّةٌ لَها فَيَتَّبِعُونَ فِيها أهْواءَهم ظانِّينَ أنَّهُ دِينُ اَللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ مَعَهم إلى اَلظَّنِّ والذَّوْقِ والوِجْدانِ اَلَّذِي يَرْجِعُ إلى مَحَبَّةِ اَلنَّفْسِ وإرادَتِها. فَيَحْتَجُّونَ تارَةً بِالقَدَرِ وتارَةً بِالظَّنِّ والخَرْصِ، وهم مُتَّبِعُونَ أهْواءَهم في اَلْحَقِيقَةِ. فَإذا اِتَّبَعُوا اَلْعِلْمَ، وهو ما جاءَ بِهِ اَلشّارِعُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجُوا عَنِ اَلظَّنِّ وما تَهْوى اَلْأنْفُسُ، واتَّبَعُوا ما جاءَهم مِن رَبِّهِمْ وهو اَلْهُدى، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] وقَدْ ذَكَرَ اَللَّهُ تَعالى هَذا اَلْمَعْنى عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ في سُورَةِ اَلْأنْعامِ والنَّحْلِ والزُّخْرُفِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] فَتَبَيَّنَ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ، إنْ هم إلّا (p-٣٨٠٥)يَخْرُصُونَ. وقالَ في سُورَةِ اَلْأنْعامِ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] إرْسالُ اَلرُّسُلِ وإنْزالُ اَلْكُتُبِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ثُمَّ أثْبَتَ اَلْقَدَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فَأثْبَتَ اَلْحُجَّةَ اَلشَّرْعِيَّةَ وبَيَّنَ اَلْمَشِيئَةَ اَلْقَدَرِيَّةَ وكِلاهُما حَقٌّ. وقالَ في اَلنَّحْلِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ هَذا اَلْكَلامَ تَكْذِيبٌ لِلرُّسُلِ فِيما جاءُوهم بِهِ، لَيْسَ حُجَّةً لَهم. فَلَوْ كانَ حُجَّةً لاحْتُجَّ بِهِ عَلى تَكْذِيبِ كُلِّ صِدْقٍ وفِعْلِ كُلِّ ظُلْمٍ. فَفي فِطْرَةِ بَنِي آدَمَ أنَّهُ لَيْسَ حُجَّةً صَحِيحَةً. بَلْ مَنِ اِحْتَجَّ بِهِ اِحْتَجَّ لِعَدَمِ اَلْعِلْمِ واتِّباعِ اَلظَّنِّ. كَفِعْلِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا اَلرُّسُلَ بِهَذِهِ اَلْمُدافَعَةِ. بَلِ اَلْحُجَّةُ اَلْبالِغَةُ لِلَّهِ بِإرْسالِ اَلرُّسُلِ وإنْزالِ اَلْكُتُبِ، كَما ثَبَتَ في اَلْحَدِيثِ اَلصَّحِيحِ عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««لا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ اَلْعُذْرُ مِنَ اَللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ أرْسَلَ اَلرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ولا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ اَلْمَدْحُ مِنَ اَللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ. ولا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اَللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ اَلْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ»» . فَبَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ اَلْمَدْحَ وأنْ يَعْذُرَ ويُبْغِضَ اَلْفَواحِشَ، فَيُحِبُّ أنْ يُمْدَحَ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وألّا يُوصَفَ بِالظُّلْمِ. ومِنَ اَلْمَعْلُومِ أنَّهُ مَن قَدَّمَ إلى أتْباعِهِ بِأنِ اِفْعَلُوا كَذا ولا تَفْعَلُوا. وبَيَّنَ لَهم وأزاحَ عِلَّتَهم، ثُمَّ تَعَدَّوْا حُدُودَهُ وأفْسَدُوا أُمُورَهم؛ كانَ لَهُ أنْ يُعَذِّبَهم ويَنْتَقِمَ مِنهم. فَإذا قالُوا: ألَيْسَ اَللَّهُ قَدَّرَ عَلَيْنا هَذا ؟ لَوْ شاءَ اَللَّهُ ما فَعَلْنا هَذا. قِيلَ لَهم: أنْتُمْ لا حُجَّةَ لَكم ولا عِنْدَكم ما تَعْتَذِرُونَ بِهِ، وتَبَيَّنَ أنَّ ما فَعَلْتُمُوهُ كانَ حَسَنًا، أوْ كُنْتُمْ مَعْذُورِينَ فِيهِ. فَهَذا اَلْكَلامُ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنكم.
(p-٣٨٠٦)وقَدْ قامَتِ اَلْحُجَّةُ عَلَيْكم بِما تَقَدَّمَ مِنَ اَلْبَيانِ والإعْذارِ. ولَوْ أنَّ ولِيَّ أمْرٍ أعْطى قَوْمًا مالًا لِيُوَصِّلُوهُ إلى بَلَدٍ، فَسافَرُوا بِهِ وتَرَكُوهُ في اَلْبَرِّيَّةِ لَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ وباتُوا في مَكانٍ بَعِيدٍ مِنهُ، وكانَ ولِيُّ اَلْأمْرِ قَدْ أرْسَلَ جُنْدًا يَغْزُونَ بَعْضَ اَلْأعْداءِ، فاجْتازُوا تِلْكَ اَلطَّرِيقَ، فَرَأوْا ذَلِكَ اَلْمالَ فَظَنُّوهُ لُقَطَةً لَيْسَ لَهُ أحَدٌ فَأخَذُوهُ وذَهَبُوا؛ لَكانَ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يُعاقِبَ اَلْأوَّلِينَ لِتَفْرِيطِهِمْ وتَضْيِيعِهِمْ حِفْظَ ما أمَرَهم بِهِ. ولَوْ قالُوا لَهُ: أنْتَ لَمْ تُعْلِمْنا أنَّكَ تَبْعَثُ بَعْدَنا جُنْدًا حَتّى يُحْتَرَزَ اَلْمالُ مِنهم ! قالَ: هَذا لا يَجِبُ عَلَيَّ، ولَوْ فَعَلْتُهُ لَكانَ زِيادَةَ إعانَةٍ لَكم. لَكِنْ كانَ عَلَيْكم أنْ تَحْفَظُوا ذَلِكَ كَما تَحْفَظُونَ اَلْوَدائِعَ والأماناتِ. وكانَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ قائِمَةً ولَمْ يَكُنْ يُدْعى فِيهِمْ ظالِمًا، وإنْ كانَ لَمْ يُعِنْهم بِالإعْلامِ بِذَلِكَ اَلْجُنْدِ، لَكِنْ عَمِلَ اَلْمَصْلَحَةَ في إرْسالِ اَلْأوَّلِينَ والآخَرِينَ. واَللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولَهُ اَلْمَثَلُ اَلْأعْلى، حَكَمٌ عَدْلٌ في كُلِّ ما جَعَلَهُ، ولا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ. فَإذا أمَرَ اَلنّاسَ بِحِفْظِ اَلْحُدُودِ وإقامَةِ اَلْفَرائِضِ لِمَصْلَحَتِهِمْ؛ كانَ ذَلِكَ مِن إحْسانِهِ إلَيْهِمْ وتَعْرِيفِهِمْ ما يَنْفَعُهم. وإذا خَلَقَ أُمُورًا أُخْرى، فَإذا فَرَّطُوا واعْتَدَوْا بِسَبَبِ خَلْقِهِ اَلْأُمُورَ اَلْأُخْرى، كانَ عادِلًا حَكَمًا في خَلْقِ هَذا وخَلْقِ هَذا، والأمْرِ بِهَذا والأمْرِ بِهَذا. وإنْ كانَ لَمْ يُمِدَّ اَلْأوَّلِينَ بِزِيادَةٍ يَحْتَرِسُونَ بِها مِنَ اَلتَّفْرِيطِ والعُدْوانِ، لا سِيَّما مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ تِلْكَ اَلزِّيادَةَ، لَوْ خَلَقَها لَلَزِمَ مِنها تَفْوِيتُ مَصْلَحَةٍ أرْجَحَ، فَإنَّ اَلضِّدَّيْنِ لا يَجْتَمِعانِ. والمَقْصُودُ هُنا أنَّهُ لا يَحْتَجُّ أحَدٌ بِالقَدَرِ إلّا حُجَّةَ تَعْلِيلٍ؛ لِدَعْمِ اتِّباعِ اَلْحَقِّ اَلَّذِي بَيَّنَهُ اَلْعِلْمُ. فَإنَّ اَلْإنْسانَ حَيٌّ حَسّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالإرادَةِ. ولِهَذا قالَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أصْدَقُ اَلْأسْماءِ اَلْحارِثُ وهَمّامٌ»» فالحارِثُ: اَلْكاسِبُ اَلْعامِلُ. والهَمّامُ: اَلْمُتَحَرِّكُ اَلْهَمُّ. والهَمُّ مَبْدَأُ اَلْإرادَةِ والقَصْدِ. فَكُلُّ إنْسانٍ حارِثٌ هَمّامٌ، وهو اَلْمُتَحَرِّكُ بِالإرادَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ اَلْحِسِّ والشُّعُورِ. فَإنَّ اَلْإرادَةَ مَسْبُوقَةٌ بِالشُّعُورِ بِالمُرادِ، فَلا يُتَصَوَّرُ إرادَةٌ ولا حُبٌّ ولا شَوْقٌ ولا (p-٣٨٠٧)اِخْتِيارٌ ولا طَلَبٌ إلّا بَعْدَ اَلشُّعُورِ وما هو مِن جِنْسِهِ. كالحِسِّ والعِلْمِ والسَّمْعِ والبَصَرِ والشَّمِّ والذَّوْقِ واللَّمْسِ ونَحْوِ هَذِهِ اَلْأُمُورِ. فَهَذا اَلْإدْراكُ والشُّعُورُ هو مُقَدِّمَةُ اَلْإرادَةِ والحُبِّ والطَّلَبِ. والحَيُّ مَفْطُورٌ عَلى حُبِّ ما يَنْفَعُهُ ويُلائِمُهُ، وبُغْضِ ما يَكْرَهُهُ ويَضُرُّهُ. فَإذا تَصَوَّرَ اَلشَّيْءَ اَلْمُلائِمَ اَلنّافِعَ، أرادَهُ وأحَبَّهُ. وإنْ تَصَوُّرَ اَلشَّيْءَ اَلضّارَّ أبْغَضَهُ ونَفَرَ عَنْهُ. لَكِنَّ ذَلِكَ اَلتَّصَوُّرَ قَدْ يَكُونُ عِلْمًا وقَدْ يَكُونُ ظَنًّا وخَرْصًا. فَإذا كانَ عالِمًا بِأنَّ مُرادَهُ هو اَلنّافِعُ، وهو اَلْمَصْلَحَةُ وهو اَلَّذِي يُلائِمُهُ؛ كانَ عَلى اَلْهُدى والحَقِّ. وإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، كانَ مُتَبِّعًا لِلظَّنِّ وما تَهْوى نَفْسُهُ. فَإذا جاءَهُ اَلْعِلْمُ والبَيانُ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مَصْلَحَةً، أخَذَ يَحْتَجُّ بِالقَدَرِ، حُجَّةَ لَدَدٍ وتَفْرِيجٍ، لا حُجَّةَ اِعْتِمادٍ عَلى اَلْحَقِّ والعِلْمِ. فَلا يَحْتَجُّ أحَدٌ في باطِنِهِ أوْ ظاهِرِهِ بِالقَدَرِ، إلّا لِعَدَمِ اَلْعِلْمِ بِما هو عَلَيْهِ اَلْحَقُّ. وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ مَنِ اِحْتَجَّ بِالقَدَرِ عَلى اَلرُّسُلِ مُقِرًّا بِأنَّ ما هو عَلَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ بِهِ عِلْمٌ، وإنَّما تَكَلَّمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. ومَن تَكَلَّمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ مُبْطِلًا في كَلامِهِ، ومَنِ اِحْتَجَّ بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَتْ حُجَّتُهُ داحِضَةً. فَإمّا أنْ يَكُونَ جاهِلًا، فَعَلَيْهِ أنْ يَتَّبِعَ اَلْعِلْمَ. وإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَ اَلْحَقَّ واتَّبَعَ هَواهُ، فَعَلَيْهِ أنْ يَتَّبِعَ اَلْحَقَّ ويَدَعَ هَواهُ. فَتَبَيَّنَ أنَّ اَلْمُحْتَجَّ بِالقَدَرِ مُتَّبِعٌ لِهَواهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] اِنْتَهى. ولَهُ تَتِمَّةٌ سابِغَةُ اَلذَّيْلِ لا بَأْسَ بِالوُقُوفِ عَلَيْها.
وقالَ القاشانِيُّ في هَذِهِ اَلْآيَةِ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عِنادًا وتَعَنُّتًا عَنْ فَرْطٍ بِالجَهْلِ وإلْزامًا لِلْمُوَحِّدِينَ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِمْ. إذْ لَوْ قالُوا ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ لَكانُوا مُوَحِّدِينَ لا مُشْرِكِينَ بِنِسْبَةِ اَلْإرادَةِ والتَّأْثِيرِ إلى اَلْغَيْرِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ وُقُوعُ شَيْءٍ بِغَيْرِ مَشِيئَةٍ مِنَ اَللَّهِ، عَلِمَ أنَّهُ لَوْ شاءَ كُلُّ مَن في اَلْعالِمِ شَيْئًا، لَمْ يَشَأِ اَللَّهُ ذَلِكَ؛ لَمْ يُمْكِنْ وُقُوعُهُ. فاعْتَرَفَ بِنَفْيِ اَلْقُدْرَةِ والإرادَةِ عَمّا عَدا اَللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكًا، قالَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ (p-٣٨٠٨)ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: في تَكْذِيبِ اَلرُّسُلِ بِالعِنادِ. اِنْتَهى.
وقالَ اَلْإمامُ مُفْتِي مِصْرَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ اَلْعَصْرِ، مِن هَذا اَلْبَحْثِ ما مِثالُهُ: فالعَقْلُ والشَّرْعُ والحِسُّ والوِجْدانُ مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّ فِعْلَ اَلْعَبْدِ فِعْلُهُ. وكَوْنُ جَمِيعِ اَلْأشْياءِ راجِعَةً إلى اَللَّهِ تَعالى ووُجُودُ اَلْمُمْكِناتِ، إنَّما هو نِسْبَتُها إلَيْهِ. ولا يُتَصَوَّرُ اِعْتِبارُها مَوْجُودَةً إلّا إذا اِعْتُبِرَتْ مُسْتَنِدَةً إلَيْهِ، مِمّا قامَ عَلَيْهِ اَلدَّلِيلُ بَلْ كادَ يَصِلُ إلى اَلْبَداهَةِ كَذَلِكَ. ومِثْلُ هَذا يُقالُ في عِظَمِ قُدْرَةِ اَللَّهِ تَعالى. وإنَّهُ إنْ شاءَ سَلَبَنا مِنَ اَلْقُدْرَةِ والِاخْتِيارِ ما وهَبَنا. فَهو أمْرٌ نُشاهِدُهُ كُلَّ يَوْمٍ، نُدَبِّرُ شَيْئًا، ثُمَّ يَأْتِي مِنَ اَلْمَوانِعِ مِن تَحْقِيقِهِ ما لَمْ يَكُنْ في اَلْحُسْبانِ، ونَتَناوَلُ عَمَلًا ثُمَّ تَنْقَطِعُ قُدْرَتُنا عَنْ تَتْمِيمِهِ. كُلُّ ذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ. شُمُولُ عِلْمِ اَللَّهِ لِما كانَ ولِما يَكُونُ قامَ عَلَيْهِ اَلدَّلِيلُ. ولا شُبْهَةَ فِيهِ عِنْدَ المِلِّيِّينَ، فَوَجَبَ عَلى اَلْمُسْلِمِ أنْ يَعْتَقِدَ بِأنَّ اَللَّهَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ عَلى اَلنَّحْوِ اَلَّذِي يَعْلُمُهُ، وأنْ يُقَرِّرَ بِنِسْبَةِ عَمَلِهِ إلَيْهِ كَما هو بَدِيهِيٌّ عِنْدَهُ. ويَعْلَمُ بِما أمَرَهُ بِهِ ويَجْتَنِبُ ما نَهاهُ عَنْهُ بِاسْتِعْمالِ ذَلِكَ اَلِاخْتِيارِ اَلَّذِي يَجِدُهُ مِن نَفْسِهِ. ولَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلى ما وراءَهُ. فَقَدْ نَعى اَللَّهُ عَلى اَلْمُشْرِكِينَ قَوْلَهم: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ووَرَدَتِ اَلْأحادِيثُ مُتَواتِرَةَ اَلْمَعْنى في اَلنَّهْيِ عَنِ اَلْخَوْضِ في اَلْقَدَرِ وسِرِّهِ. فَلَوْ صَبَرَ اَلْعَبْدُ حَقَّ اَلصَّبْرِ؛ لَوَقَفَ عِنْدَ ما حَدَّ اَللَّهُ لَهُ، ولَمْ يَنْزِعْ بِنَفْسِهِ إلى تَعَدِّي حُدُودِ اَللَّهِ اَلَّتِي ضَرَبَها لِعِبادِهِ. ولَسْتُ أُحِبُّ اَلتَّكَلُّمَ في هَذِهِ اَلْمَسْألَةِ بِأكْثَرَ مِن هَذا. وإلّا خَرَجْتُ مِنَ اَلصّابِرِينَ، وخُضْتُ في اَلْقَدَرِ مَعَ اَلْخائِضِينَ. ومَن ثارَ بِهِ اَلْهَوَسُ فَتَوَهَّمَ أنَّ عَلَيْنا أنْ نَعْتَقِدَ أنَّ اَلْعَبْدَ لا فِعْلَ لَهُ، فَقَدْ خالَفَ كِتابَ اَللَّهِ وعَصى رَسُولَ اَللَّهِ. وقَدْ أقُولُ - واعْتِمادِي عَلى اَللَّهِ فِيما أقُولُ -: إنَّ مَن يَقُولُ ذَلِكَ، يَخْرُجُ عَنْ دِينِ اَللَّهِ، ويُعَطِّلُ شَرْعَ اَللَّهِ، فَلْيَحْذَرْ مُؤْمِنٌ بِاَللَّهِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ. اِنْتَهى.
(p-٣٨٠٩)وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: اَلِاحْتِجاجُ عَلى تَرْكِ اَلْعَمَلِ بِالقَدَرِ مِن عَقائِدِ اَلْمُلْحِدِينَ. وقَدْ جاءَ اَلْكِتابُ اَلْكَرِيمُ بِتَشْنِيعِ اِعْتِقادِهِمْ والنَّعْيِ عَلَيْهِمْ فِيهِ. وقَدْ حَكى لَنا ما كانُوا يَقُولُونَ مِن نَحْوِ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَلا يَسُوغُ لِأحَدٍ مِنّا، وهو يَدَّعِي أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِالقُرْآنِ؛ أنْ يَحْتَجَّ بِما كانَ يَحْتَجُّ بِهِ اَلْمُشْرِكُونَ. اِنْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:37
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[-١] ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨] .
﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ أيْ: مَن يَخْلُقُ فِيهِ اَلضَّلالَةَ بِسُوءِ اِخْتِيارِهِ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: يَنْصُرُونَهم في اَلْهِدايَةِ، أوْ يَدْفَعُونَ اَلْعَذابَ عَنْهم. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ. وهو إنْكارُهُمُ اَلْبَعْثَ بِقَوْلِهِ:
﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] أيْ: جاهِدِينَ فِيها فَـ: { جَهْدَ } مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ اَلْحالِ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨] أيْ: أنَّهُ يَبْعَثُهم، فَيَبُتُّونَ اَلْقَوْلَ بِعَدَمِهِ ! وإنَّهُ (وعْدًا) عَلَيْهِ حَقٌّ، فَيُكَذِّبُونَهُ؛ وذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ بِشُؤُونِ اَللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ مِنَ اَلْعِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ وغَيْرِها مِن صِفاتِ اَلْكَمالِ. وبِما يَجُوزُ عَلَيْهِ وما لا يَجُوزُ، وعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى سِرِّ اَلتَّكْوِينِ والغايَةِ اَلْقُصْوى مِنهُ. وعَلى أنَّ اَلْبَعْثَ مِمّا تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ. أفادَهُ أبُو اَلسُّعُودِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَتَهُ تَعالى في اَلْمَعادِ، وحَشْرِ اَلْأجْسادِ يَوْمَ اَلتَّنادِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
(p-٣٨١٠)
النحل 16:38
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[-١] ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨] .
﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ أيْ: مَن يَخْلُقُ فِيهِ اَلضَّلالَةَ بِسُوءِ اِخْتِيارِهِ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: يَنْصُرُونَهم في اَلْهِدايَةِ، أوْ يَدْفَعُونَ اَلْعَذابَ عَنْهم. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ. وهو إنْكارُهُمُ اَلْبَعْثَ بِقَوْلِهِ:
﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] أيْ: جاهِدِينَ فِيها فَـ: { جَهْدَ } مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ اَلْحالِ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨] أيْ: أنَّهُ يَبْعَثُهم، فَيَبُتُّونَ اَلْقَوْلَ بِعَدَمِهِ ! وإنَّهُ (وعْدًا) عَلَيْهِ حَقٌّ، فَيُكَذِّبُونَهُ؛ وذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ بِشُؤُونِ اَللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ مِنَ اَلْعِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ وغَيْرِها مِن صِفاتِ اَلْكَمالِ. وبِما يَجُوزُ عَلَيْهِ وما لا يَجُوزُ، وعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى سِرِّ اَلتَّكْوِينِ والغايَةِ اَلْقُصْوى مِنهُ. وعَلى أنَّ اَلْبَعْثَ مِمّا تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ. أفادَهُ أبُو اَلسُّعُودِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَتَهُ تَعالى في اَلْمَعادِ، وحَشْرِ اَلْأجْسادِ يَوْمَ اَلتَّنادِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
(p-٣٨١٠)
النحل 16:39
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩-٤٠] ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] .
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وهو اَلْحَقُّ، وأنَّهم كانُوا عَلى اَلضَّلالَةِ قَبْلَهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ أيْ: في أباطِيلِهِمْ. لا سِيَّما في إيمانِهِمْ بِعَدَمِ اَلْبَعْثِ. ولِذا تَقُولُ لَهُمُ اَلزَّبانِيَةُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ثُمَّ بَيَّنَ عَظِيمَ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ما، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] أيْ: فَيُوجَدُ عَلى ما شاءَ تَكْوِينُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: (قَوْلُنا ) مُبْتَدَأٌ، و( أنْ نَقُولَ) خَبَرُهُ، و(كُنْ فَيَكُونُ) مِن (كانَ) اَلتّامَّةِ اَلَّتِي بِمَعْنى اَلْحُدُوثِ والوُجُودِ. أيْ: إذا أرَدْنا وُجُودَ شَيْءٍ فَلَيْسَ إلّا أنْ نَقُولَ لَهُ: احْدُثْ، فَهو يَحْدُثُ عُقَيْبَ ذَلِكَ، لا يَتَوَقَّفُ. وهَذا مَثَلٌ؛ لِأنَّ مُرادًا لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، وأنَّ وُجُودَهُ عِنْدَ إرادَتِهِ تَعالى غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ، كَوُجُودِ اَلْمَأْمُورِ بِهِ عِنْدَ أمْرِ اَلْآمِرِ اَلْمُطاعِ إذا ورَدَ عَلى اَلْمَأْمُورِ اَلْمُطِيعِ اَلْمُمْتَثِلِ. ولا قَوْلَ ثَمَّ. والمَعْنى: إنَّ إيجادَ كُلِّ مَقْدُورٍ عَلى اَللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ اَلسُّهُولَةِ. فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ اَلْبَعْثُ اَلَّذِي هو في شِقِّ المَقْدُوراتِ ؟ . اِنْتَهى.
قالَ اَلشِّهابُ: فَسَقَطَ ما قِيلَ: إنَّ (كُنْ) إنْ كانَ خِطابًا مَعَ اَلْمَعْدُومِ فَهو مُحالٌ. وإنْ كانَ مَعَ اَلْمَوْجُودِ كانَ إيجادًا لِلْمَوْجُودِ. وفي اَلْآيَةِ كَلامٌ لَطِيفٌ مَضى في سُورَةِ اَلْبَقَرَةِ. فارْجِعْ إلَيْهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ جَزائِهِ لِلْمُهاجِرِينَ اَلَّذِينَ فارَقُوا اَلدّارَ والأهْلَ والخِلّانَ؛ رَجاءَ ثَوابِهِ وابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ، بِقَوْلِهِ:
(p-٣٨١١)
النحل 16:40
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩-٤٠] ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] .
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وهو اَلْحَقُّ، وأنَّهم كانُوا عَلى اَلضَّلالَةِ قَبْلَهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ أيْ: في أباطِيلِهِمْ. لا سِيَّما في إيمانِهِمْ بِعَدَمِ اَلْبَعْثِ. ولِذا تَقُولُ لَهُمُ اَلزَّبانِيَةُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ثُمَّ بَيَّنَ عَظِيمَ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ما، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] أيْ: فَيُوجَدُ عَلى ما شاءَ تَكْوِينُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: (قَوْلُنا ) مُبْتَدَأٌ، و( أنْ نَقُولَ) خَبَرُهُ، و(كُنْ فَيَكُونُ) مِن (كانَ) اَلتّامَّةِ اَلَّتِي بِمَعْنى اَلْحُدُوثِ والوُجُودِ. أيْ: إذا أرَدْنا وُجُودَ شَيْءٍ فَلَيْسَ إلّا أنْ نَقُولَ لَهُ: احْدُثْ، فَهو يَحْدُثُ عُقَيْبَ ذَلِكَ، لا يَتَوَقَّفُ. وهَذا مَثَلٌ؛ لِأنَّ مُرادًا لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، وأنَّ وُجُودَهُ عِنْدَ إرادَتِهِ تَعالى غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ، كَوُجُودِ اَلْمَأْمُورِ بِهِ عِنْدَ أمْرِ اَلْآمِرِ اَلْمُطاعِ إذا ورَدَ عَلى اَلْمَأْمُورِ اَلْمُطِيعِ اَلْمُمْتَثِلِ. ولا قَوْلَ ثَمَّ. والمَعْنى: إنَّ إيجادَ كُلِّ مَقْدُورٍ عَلى اَللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ اَلسُّهُولَةِ. فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ اَلْبَعْثُ اَلَّذِي هو في شِقِّ المَقْدُوراتِ ؟ . اِنْتَهى.
قالَ اَلشِّهابُ: فَسَقَطَ ما قِيلَ: إنَّ (كُنْ) إنْ كانَ خِطابًا مَعَ اَلْمَعْدُومِ فَهو مُحالٌ. وإنْ كانَ مَعَ اَلْمَوْجُودِ كانَ إيجادًا لِلْمَوْجُودِ. وفي اَلْآيَةِ كَلامٌ لَطِيفٌ مَضى في سُورَةِ اَلْبَقَرَةِ. فارْجِعْ إلَيْهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ جَزائِهِ لِلْمُهاجِرِينَ اَلَّذِينَ فارَقُوا اَلدّارَ والأهْلَ والخِلّانَ؛ رَجاءَ ثَوابِهِ وابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ، بِقَوْلِهِ:
(p-٣٨١١)
النحل 16:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١] ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ﴾ أيْ: مُخْلِصِينَ لِوَجْهِهِ، أوْ في حَقِّهِ، وهم إمّا مُهاجِرَةُ الحَبَشَةِ الَّذِينَ اشْتَدَّ أذى قَوْمِهِمْ بِمَكَّةَ، حَتّى خَرَجُوا مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إلى بِلادِ الحَبَشِ بِأمْرِهِ ﷺ، وذَلِكَ مَخافَةَ الفِتْنَةِ وفِرارًا إلَيْهِ تَعالى بِدِينِهِمْ، وكانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ رَجُلًا سِوى صِغارِ أبْنائِهِمْ، وهي أوَّلُ هِجْرَةٍ في الإسْلامِ. ويُؤَيِّدُهُ كَوْنُ السُّورَةِ مَكِّيَّةً.
أوْ هم مُهاجِرَةُ المَدِينَةِ، أخْبَرَ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ أوْ بَعْدَهُ، إلّا أنَّها أُلْحِقَتْ بِالمَكِّيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ أيْ: أُوذُوا، وأُرِيدَ فِتْنَتُهم عَنِ الدِّينِ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ يَعْنِي بِالغَلَبَةِ عَلى مَن ظَلَمَهم، وإيراثِهِمْ أرْضَهم ودِيارَهم: ﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي مُضْطَهِدِيهِمْ وظالِمِيهِمْ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كانَ إذا أعْطى الرَّجُلَ مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ، يَقُولُ: " خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أفْضَلُ " . ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِقَوْلِهِ:
النحل 16:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢-٤٤] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْـزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُـزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] .
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ: عَلى ما أُوذُوا في سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: فَلا (p-٣٨١٢)يَخْشَوْنَ أحَدًا غَيْرَهُ. والوَصْفانِ المَذْكُورانِ: الصَّبْرُ والتَّوَكُّلُ، مِن أُمَّهاتِ الصِّفاتِ الَّتِي يَجِبُ عَلى الدّاعِي إلى الحَقِّ، والمُدافِعِ عَنْهُ، أنْ يَكُونا خُلُقًا لَهُ؛ إذْ لا ظَفَرَ بِغايَةٍ إلّا بِهِما. ولِما عَجِبُوا مِن إيحاءِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، واصْطِفائِهِ بِرِسالَتِهِ؛ قِيلَ في دَرْءِ شُبْهَتِهِمْ.
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ أوْ عُلَماءَ الأحْبارِ؛ لِيُعَلِّمُوكم أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ مَلَكٌ مِن أهْلِ السَّماءِ. فالذِّكْرُ: إمّا بِمَعْنى الكِتابِ لِما فِيهِ مِنَ الذِّكْرِ والعِظَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٨٧] أوْ بِمَعْنى الحِفْظِ لِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الرُّجُوعِ إلى العُلَماءِ فِيما لا يُعْلَمُ. واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى جَوازِ التَّقْلِيدِ في الفُرُوعِ لِلْعامِّيِّ. وفي ذَلِكَ بَحْثٌ طَوِيلٌ في " إيقاظِ الهِمَمِ " لِلْفُلانِيِّ، فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ شِئْتَ. وأشارَ إلى طَرَفٍ مِنهُ في " فَتْحِ البَيانِ " .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤] أيْ: بِالآياتِ المُبَرْهِنَةِ عَلى صِدْقِهِمْ والكُتُبِ المُرْشِدَةِ إلى مَصالِحِ الخَلْقِ. والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: أرْسَلْناهم. أوْ بِـ (ما أرْسَلْنا) . أوْ بِـ (نُوحِي) أوْ بِـ (لا تَعْلَمُونَ)، عَلى أنَّ الشَّرْطَ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ: ﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] أيِ: القُرْآنَ المُذَكِّرَ والمُوقِظَ مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُـزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] أيْ: مِمّا أُمِرُوا ونُهُوا ووُعِدُوا وأُوعِدُوا: ﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] أيْ: يَنْظُرُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَيَهْتَدُونَ فَيَفُوزُونَ بِالنَّجاةِ في الدّارَيْنِ. أوْ يَتَأمَّلُونَ ما فِيهِ مِنَ العِبَرِ فَيَحْتَرِزُونَ عَمّا أصابَ الأوَّلِينَ. ولِذا تَأثَّرَهُ بِقَوْلِهِ:
النحل 16:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢-٤٤] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْـزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُـزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] .
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ: عَلى ما أُوذُوا في سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: فَلا (p-٣٨١٢)يَخْشَوْنَ أحَدًا غَيْرَهُ. والوَصْفانِ المَذْكُورانِ: الصَّبْرُ والتَّوَكُّلُ، مِن أُمَّهاتِ الصِّفاتِ الَّتِي يَجِبُ عَلى الدّاعِي إلى الحَقِّ، والمُدافِعِ عَنْهُ، أنْ يَكُونا خُلُقًا لَهُ؛ إذْ لا ظَفَرَ بِغايَةٍ إلّا بِهِما. ولِما عَجِبُوا مِن إيحاءِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، واصْطِفائِهِ بِرِسالَتِهِ؛ قِيلَ في دَرْءِ شُبْهَتِهِمْ.
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ أوْ عُلَماءَ الأحْبارِ؛ لِيُعَلِّمُوكم أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ مَلَكٌ مِن أهْلِ السَّماءِ. فالذِّكْرُ: إمّا بِمَعْنى الكِتابِ لِما فِيهِ مِنَ الذِّكْرِ والعِظَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٨٧] أوْ بِمَعْنى الحِفْظِ لِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الرُّجُوعِ إلى العُلَماءِ فِيما لا يُعْلَمُ. واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى جَوازِ التَّقْلِيدِ في الفُرُوعِ لِلْعامِّيِّ. وفي ذَلِكَ بَحْثٌ طَوِيلٌ في " إيقاظِ الهِمَمِ " لِلْفُلانِيِّ، فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ شِئْتَ. وأشارَ إلى طَرَفٍ مِنهُ في " فَتْحِ البَيانِ " .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤] أيْ: بِالآياتِ المُبَرْهِنَةِ عَلى صِدْقِهِمْ والكُتُبِ المُرْشِدَةِ إلى مَصالِحِ الخَلْقِ. والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: أرْسَلْناهم. أوْ بِـ (ما أرْسَلْنا) . أوْ بِـ (نُوحِي) أوْ بِـ (لا تَعْلَمُونَ)، عَلى أنَّ الشَّرْطَ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ: ﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] أيِ: القُرْآنَ المُذَكِّرَ والمُوقِظَ مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُـزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] أيْ: مِمّا أُمِرُوا ونُهُوا ووُعِدُوا وأُوعِدُوا: ﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] أيْ: يَنْظُرُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَيَهْتَدُونَ فَيَفُوزُونَ بِالنَّجاةِ في الدّارَيْنِ. أوْ يَتَأمَّلُونَ ما فِيهِ مِنَ العِبَرِ فَيَحْتَرِزُونَ عَمّا أصابَ الأوَّلِينَ. ولِذا تَأثَّرَهُ بِقَوْلِهِ:
النحل 16:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢-٤٤] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْـزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُـزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] .
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ: عَلى ما أُوذُوا في سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: فَلا (p-٣٨١٢)يَخْشَوْنَ أحَدًا غَيْرَهُ. والوَصْفانِ المَذْكُورانِ: الصَّبْرُ والتَّوَكُّلُ، مِن أُمَّهاتِ الصِّفاتِ الَّتِي يَجِبُ عَلى الدّاعِي إلى الحَقِّ، والمُدافِعِ عَنْهُ، أنْ يَكُونا خُلُقًا لَهُ؛ إذْ لا ظَفَرَ بِغايَةٍ إلّا بِهِما. ولِما عَجِبُوا مِن إيحاءِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، واصْطِفائِهِ بِرِسالَتِهِ؛ قِيلَ في دَرْءِ شُبْهَتِهِمْ.
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ أوْ عُلَماءَ الأحْبارِ؛ لِيُعَلِّمُوكم أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ مَلَكٌ مِن أهْلِ السَّماءِ. فالذِّكْرُ: إمّا بِمَعْنى الكِتابِ لِما فِيهِ مِنَ الذِّكْرِ والعِظَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٨٧] أوْ بِمَعْنى الحِفْظِ لِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الرُّجُوعِ إلى العُلَماءِ فِيما لا يُعْلَمُ. واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى جَوازِ التَّقْلِيدِ في الفُرُوعِ لِلْعامِّيِّ. وفي ذَلِكَ بَحْثٌ طَوِيلٌ في " إيقاظِ الهِمَمِ " لِلْفُلانِيِّ، فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ شِئْتَ. وأشارَ إلى طَرَفٍ مِنهُ في " فَتْحِ البَيانِ " .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤] أيْ: بِالآياتِ المُبَرْهِنَةِ عَلى صِدْقِهِمْ والكُتُبِ المُرْشِدَةِ إلى مَصالِحِ الخَلْقِ. والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: أرْسَلْناهم. أوْ بِـ (ما أرْسَلْنا) . أوْ بِـ (نُوحِي) أوْ بِـ (لا تَعْلَمُونَ)، عَلى أنَّ الشَّرْطَ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ: ﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] أيِ: القُرْآنَ المُذَكِّرَ والمُوقِظَ مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُـزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] أيْ: مِمّا أُمِرُوا ونُهُوا ووُعِدُوا وأُوعِدُوا: ﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] أيْ: يَنْظُرُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَيَهْتَدُونَ فَيَفُوزُونَ بِالنَّجاةِ في الدّارَيْنِ. أوْ يَتَأمَّلُونَ ما فِيهِ مِنَ العِبَرِ فَيَحْتَرِزُونَ عَمّا أصابَ الأوَّلِينَ. ولِذا تَأثَّرَهُ بِقَوْلِهِ:
النحل 16:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ .
﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: المُسْكِراتِ السَّيِّئاتِ الَّتِي قُصَّتْ عَنْهم. فَهي (p-٣٨١٣)صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَفْعُولٍ لـ (مَكَرُوا) بِتَضْمِينِهِ مَعْنى ) عَمِلُوا ): ﴿أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾
أيْ: مِن جِهَةٍ لا يَعْلَمُونَ بِها، كَما لا يَشْعُرُ المَمْكُورُ بِقَصْدِ الماكِرِ.
النحل 16:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦-٤٨] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] .
﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ﴾ أيْ: سَعْيِهِمْ في المَعايِشِ واشْتِغالِهِمْ بِها: ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: لا يُعْجِزُونَ رَبَّهم عَلى أيِّ حالٍ كانُوا.
﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] أيْ: تَوَقُّعٍ لِلْهَلاكِ ومَخافَةٍ لَهُ، فَإنَّهُ يَكُونُ أبْلَغَ وأشَدَّ. أوْ نَنْقُصُ في أبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ وثِمارِهِمْ حَتّى يَهْلَكُوا. يُقالُ: تَخَوَّفَهُ: تَنَقَّصَهُ وأخَذَ مِن أطْرافِهِ: ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] أيْ: حَيْثُ يَحْلُمُ عَنْكم ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ بِانْقِيادِ سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ: جَماداتٍ وحَيَواناتٍ ومُكَلَّفِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ لَهُ سُبْحانَهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: جِسْمٌ قائِمٌ لَهُ ظِلٌّ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: يَرْجِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها، بُكْرَةً وعَشِيًّا: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: مُنْقادَةً لَهُ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ في الِامْتِدادِ والتَّقَلُّصِ وغَيْرِهِما، غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيما سَخَّرَها لَهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: صاغِرُونَ. وغَلَّبَ في جَمْعِها مَن يَعْقِلُ، فَأتى بِالواوِ. أوْ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ. فَهو إمّا تَغْلِيبٌ أوِ اسْتِعارَةٌ، وكَذا ضَمِيرُ (هم) أيْضًا؛ لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالعُقَلاءِ، فَيَجُوزُ أنْ يَعْتَبِرَ ما ذَكَرَ فِيهِ، ويَجْعَلَ ما بَعْدَهُ جارِيًا عَلى المُشاكَلَةِ.
(p-٣٨١٤)لَطِيفَةٌ:
لِابْنِ الصّائِغِ في سِرِّ تَوْحِيدِ اليَمِينِ وجَمْعِ الشَّمائِلِ تَوْجِيهٌ لَطِيفٌ، ومُلَخَّصُهُ: أنَّهُ نَظَرَ إلى الغايَةِ فِيهِما؛ لِأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ إلّا اليَسِيرُ، فَكَأنَّهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ. وهو في العَشِيِّ عَلى العَكْسِ، لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ الجِهاتِ. فَلُحِظَتِ الغايَتانِ. هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى.
وأمّا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ فَجُمِعَ لِيُطابِقَ (سُجَّدًا) المُجاوِرَ لَهُ، كَما أفْرَدَ الأوَّلَ لِمُجاوَرَةِ ضَمِيرِ (ظِلالَهُ) وقَدَّمَ الإفْرادَ لِأنَّهُ أصْلٌ أخَفُّ. و(عَنِ اليَمِينِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَتَفَيَّأُ) أوْ حالٌ. كَذا في (العِنايَةِ) .
النحل 16:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦-٤٨] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] .
﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ﴾ أيْ: سَعْيِهِمْ في المَعايِشِ واشْتِغالِهِمْ بِها: ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: لا يُعْجِزُونَ رَبَّهم عَلى أيِّ حالٍ كانُوا.
﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] أيْ: تَوَقُّعٍ لِلْهَلاكِ ومَخافَةٍ لَهُ، فَإنَّهُ يَكُونُ أبْلَغَ وأشَدَّ. أوْ نَنْقُصُ في أبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ وثِمارِهِمْ حَتّى يَهْلَكُوا. يُقالُ: تَخَوَّفَهُ: تَنَقَّصَهُ وأخَذَ مِن أطْرافِهِ: ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] أيْ: حَيْثُ يَحْلُمُ عَنْكم ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ بِانْقِيادِ سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ: جَماداتٍ وحَيَواناتٍ ومُكَلَّفِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ لَهُ سُبْحانَهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: جِسْمٌ قائِمٌ لَهُ ظِلٌّ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: يَرْجِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها، بُكْرَةً وعَشِيًّا: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: مُنْقادَةً لَهُ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ في الِامْتِدادِ والتَّقَلُّصِ وغَيْرِهِما، غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيما سَخَّرَها لَهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: صاغِرُونَ. وغَلَّبَ في جَمْعِها مَن يَعْقِلُ، فَأتى بِالواوِ. أوْ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ. فَهو إمّا تَغْلِيبٌ أوِ اسْتِعارَةٌ، وكَذا ضَمِيرُ (هم) أيْضًا؛ لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالعُقَلاءِ، فَيَجُوزُ أنْ يَعْتَبِرَ ما ذَكَرَ فِيهِ، ويَجْعَلَ ما بَعْدَهُ جارِيًا عَلى المُشاكَلَةِ.
(p-٣٨١٤)لَطِيفَةٌ:
لِابْنِ الصّائِغِ في سِرِّ تَوْحِيدِ اليَمِينِ وجَمْعِ الشَّمائِلِ تَوْجِيهٌ لَطِيفٌ، ومُلَخَّصُهُ: أنَّهُ نَظَرَ إلى الغايَةِ فِيهِما؛ لِأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ إلّا اليَسِيرُ، فَكَأنَّهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ. وهو في العَشِيِّ عَلى العَكْسِ، لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ الجِهاتِ. فَلُحِظَتِ الغايَتانِ. هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى.
وأمّا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ فَجُمِعَ لِيُطابِقَ (سُجَّدًا) المُجاوِرَ لَهُ، كَما أفْرَدَ الأوَّلَ لِمُجاوَرَةِ ضَمِيرِ (ظِلالَهُ) وقَدَّمَ الإفْرادَ لِأنَّهُ أصْلٌ أخَفُّ. و(عَنِ اليَمِينِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَتَفَيَّأُ) أوْ حالٌ. كَذا في (العِنايَةِ) .
النحل 16:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦-٤٨] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] .
﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ﴾ أيْ: سَعْيِهِمْ في المَعايِشِ واشْتِغالِهِمْ بِها: ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: لا يُعْجِزُونَ رَبَّهم عَلى أيِّ حالٍ كانُوا.
﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] أيْ: تَوَقُّعٍ لِلْهَلاكِ ومَخافَةٍ لَهُ، فَإنَّهُ يَكُونُ أبْلَغَ وأشَدَّ. أوْ نَنْقُصُ في أبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ وثِمارِهِمْ حَتّى يَهْلَكُوا. يُقالُ: تَخَوَّفَهُ: تَنَقَّصَهُ وأخَذَ مِن أطْرافِهِ: ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] أيْ: حَيْثُ يَحْلُمُ عَنْكم ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ بِانْقِيادِ سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ: جَماداتٍ وحَيَواناتٍ ومُكَلَّفِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ لَهُ سُبْحانَهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: جِسْمٌ قائِمٌ لَهُ ظِلٌّ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: يَرْجِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها، بُكْرَةً وعَشِيًّا: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: مُنْقادَةً لَهُ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ في الِامْتِدادِ والتَّقَلُّصِ وغَيْرِهِما، غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيما سَخَّرَها لَهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: صاغِرُونَ. وغَلَّبَ في جَمْعِها مَن يَعْقِلُ، فَأتى بِالواوِ. أوْ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ. فَهو إمّا تَغْلِيبٌ أوِ اسْتِعارَةٌ، وكَذا ضَمِيرُ (هم) أيْضًا؛ لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالعُقَلاءِ، فَيَجُوزُ أنْ يَعْتَبِرَ ما ذَكَرَ فِيهِ، ويَجْعَلَ ما بَعْدَهُ جارِيًا عَلى المُشاكَلَةِ.
(p-٣٨١٤)لَطِيفَةٌ:
لِابْنِ الصّائِغِ في سِرِّ تَوْحِيدِ اليَمِينِ وجَمْعِ الشَّمائِلِ تَوْجِيهٌ لَطِيفٌ، ومُلَخَّصُهُ: أنَّهُ نَظَرَ إلى الغايَةِ فِيهِما؛ لِأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ إلّا اليَسِيرُ، فَكَأنَّهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ. وهو في العَشِيِّ عَلى العَكْسِ، لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ الجِهاتِ. فَلُحِظَتِ الغايَتانِ. هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى.
وأمّا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ فَجُمِعَ لِيُطابِقَ (سُجَّدًا) المُجاوِرَ لَهُ، كَما أفْرَدَ الأوَّلَ لِمُجاوَرَةِ ضَمِيرِ (ظِلالَهُ) وقَدَّمَ الإفْرادَ لِأنَّهُ أصْلٌ أخَفُّ. و(عَنِ اليَمِينِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَتَفَيَّأُ) أوْ حالٌ. كَذا في (العِنايَةِ) .
النحل 16:49
ثُمَّ بَيَّنَ سُجُودَ سائِرِ المَخْلُوقاتِ سَواءٌ كانَتْ لَها ظِلالٌ أمْ لا، بِقَوْلِهِ تَعالى:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩] ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ .
﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهُمْ﴾ أيِ: المَلائِكَةُ، مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِمْ: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: عَنْ عِبادَتِهِ والسُّجُودِ لَهُ.
النحل 16:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٠] ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ .
﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أيْ: مِنَ الطّاعاتِ والتَّدْبِيرِ. واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ عَلى ثُبُوتِ الفَوْقِيَّةِ والعُلُوِّ لَهُ تَعالى. وقَدْ صَنَّفَ في ذَلِكَ الحافِظُ الذَّهَبِيُّ كِتابَ (العُلُوُّ) وابْنُ القَيِّمِ كِتابَ (الجُيُوشُ الإسْلامِيَّةُ) وغَيْرُهُما. وأطْنَبَ فِيها الحَكِيمُ ابْنُ رُشْدٍ في (مَناهِجُ الدَّوْلَةِ) فَلْيُرْجِعْ إلَيْها. وكُلُّهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ عُلُوٌّ بِلا تَشْبِيهٍ ولا تَمْثِيلٍ. وانْفَرَدَ السَّلَفُ بِخَطَرِ التَّأْوِيلِ والتَّعْطِيلِ. وقَوْلُهُ:
النحل 16:51
(p-٣٨١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١] ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ .
﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ إعْلامٌ بِنَهْيِهِ الصَّرِيحِ عَنِ الإشْراكِ. وبِأمْرِهِ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ، وإنَّما خَصَّصَ هَذا العَدَدَ؛ لِأنَّهُ الأقَلُّ، فَيُعْلَمُ انْتِفاءُ ما فَوْقَهُ بِالدَّلالَةِ. فَإنْ قِيلَ: الواحِدُ والمُثَنّى نَصٌّ في مَعْناهُما، لا يُحْتاجُ مَعَهُما إلى ذِكْرِ العَدَدِ، كَما يُذْكَرُ مَعَ الجَمِيعِ. أيْ: في نَحْوِ رِجالٍ ثَلاثَةٍ، وأفْراسٍ أرْبَعَةٍ؛ لِأنَّ المَعْدُودَ عارٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى العَدَدِ الخاصِّ، فَلِمَ ذَكَرَ العَدَدَ فِيهِما ؟ أُجِيبُ بِأنَّ العَدَدَ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: الجِنْسِيَّةِ والعَدَدِ المَخْصُوصِ. فَلَمّا أُرِيدَ الثّانِي صَرَّحَ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ وتَوَجَّهَ لَهُ النَّهْيُ دُونَ غَيْرِهِ. فَإنَّهُ قَدْ يُرادُ بِالمُفْرَدِ الجِنْسُ، نَحْوَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ. وكَذا المُثَنّى كَقَوْلِهِ:
؎فَإنَّ النّارَ بِالعُودَيْنِ تُذْكى وإنَّ الحَرْبَ أوَّلُها الكَلامُ
وقِيلَ: ذَكَرَ العَدَدَ لِلْإيماءِ بِأنَّ الِاثْنَيْنِيَّةَ تُنافِي الأُلُوهِيَّةَ. فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ (p-٣٨١٦)فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَلِذا صَرَّحَ بِها، وعُقِّبَتْ بِذِكْرِ الوَحْدَةِ الَّتِي هي مِن لَوازِمِ الأُلُوهِيَّةِ.
قالَ الشِّهابُ: ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ الضَّمِيرِ لِلْمَعْبُودِ بِحَقٍّ المُرادَ مِنَ الجَلالَةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ﴾ [النحل: ٤٩] أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ﴾ [النحل: ٤٨] عَلى أُسْلُوبِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
(p-٣٨١٧)أيْ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ﴾ [النحل: ٤٨] ولَمْ يَسْمَعُوا ما قالَ اللَّهُ ؟ ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ التِفاتٌ عَنِ الغَيْبَةِ، مُبالَغَةً في التَّرْهِيبِ. فَإنَّ تَخْوِيفَ الحاضِرِ مُواجَهَةً، أبْلَغُ مِن تَرْهِيبِ الغائِبِ، لا سِيَّما بَعْدَ وصْفِهِ بِالوَحْدَةِ والأُلُوهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَظَمَةِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى الِانْتِقامِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٢-٥٥] ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] .
﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] أوْ عَلى الخَبَرِ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أيِ: العِبادَةُ لازِمَةً لَهُ وحْدَهُ. ولُزُومُها لَهُ يُنافِي خَوْفَ الغَيْرِ؛ إذْ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ تَعالى بِالرَّهْبَةِ والخَشْيَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]
﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ أيْ: وهو مالِكُ النَّفْعِ والضُّرِّ. ٥٠ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] أيْ فَمِن فَضْلِهِ وإحْسانِهِ: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] أيْ: لا تَتَضَرَّعُونَ إلّا إلَيْهِ؛ لِعِلْمِكم أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كَشْفِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ. والجُؤارُ: رَفْعُ الصَّوْتِ. يُقالُ: جَأرَ إذا أفْرَطَ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وأصْلُهُ صِياحُ الوَحْشِ.
﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] أيْ: بِنِسْبَةِ النِّعْمَةِ إلى غَيْرِهِ ورُؤْيَتِها مِنهُ. وكَذا بِنِسْبَةِ الضُّرِّ إلى الغَيْرِ، وإحالَةِ الذَّنْبِ في ذَلِكَ عَلَيْهِ، (p-٣٨١٨)والِاسْتِعانَةِ في رَفْعِهِ بِهِ. وذَلِكَ هو كُفْرانُ النِّعْمَةِ، والغَفْلَةُ عَنِ المُنْعِمِ المُشارِ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ:
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [النحل: ٥٥] أيْ: مِن نِعْمَةِ الكَشْفِ عَنْهم. واللّامُ لِلْعاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] أيْ: وبالَ ذَلِكَ الكُفْرِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِشِدَّةِ الوَعِيدِ، وأنَّهُ إنَّما يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ، ولا يُمْكِنُ وصْفُهُ، فَلِذا أُبْهِمَ.
ولِلْقاشانِيِّ وجْهٌ آخَرُ، قالَ: أوْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، بِظُهُورِ التَّوْحِيدِ، أنْ لا تَأْثِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ في شَيْءٍ.
النحل 16:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٢-٥٥] ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] .
﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] أوْ عَلى الخَبَرِ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أيِ: العِبادَةُ لازِمَةً لَهُ وحْدَهُ. ولُزُومُها لَهُ يُنافِي خَوْفَ الغَيْرِ؛ إذْ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ تَعالى بِالرَّهْبَةِ والخَشْيَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]
﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ أيْ: وهو مالِكُ النَّفْعِ والضُّرِّ. ٥٠ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] أيْ فَمِن فَضْلِهِ وإحْسانِهِ: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] أيْ: لا تَتَضَرَّعُونَ إلّا إلَيْهِ؛ لِعِلْمِكم أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كَشْفِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ. والجُؤارُ: رَفْعُ الصَّوْتِ. يُقالُ: جَأرَ إذا أفْرَطَ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وأصْلُهُ صِياحُ الوَحْشِ.
﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] أيْ: بِنِسْبَةِ النِّعْمَةِ إلى غَيْرِهِ ورُؤْيَتِها مِنهُ. وكَذا بِنِسْبَةِ الضُّرِّ إلى الغَيْرِ، وإحالَةِ الذَّنْبِ في ذَلِكَ عَلَيْهِ، (p-٣٨١٨)والِاسْتِعانَةِ في رَفْعِهِ بِهِ. وذَلِكَ هو كُفْرانُ النِّعْمَةِ، والغَفْلَةُ عَنِ المُنْعِمِ المُشارِ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ:
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [النحل: ٥٥] أيْ: مِن نِعْمَةِ الكَشْفِ عَنْهم. واللّامُ لِلْعاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] أيْ: وبالَ ذَلِكَ الكُفْرِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِشِدَّةِ الوَعِيدِ، وأنَّهُ إنَّما يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ، ولا يُمْكِنُ وصْفُهُ، فَلِذا أُبْهِمَ.
ولِلْقاشانِيِّ وجْهٌ آخَرُ، قالَ: أوْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، بِظُهُورِ التَّوْحِيدِ، أنْ لا تَأْثِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ في شَيْءٍ.
النحل 16:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٢-٥٥] ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] .
﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] أوْ عَلى الخَبَرِ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أيِ: العِبادَةُ لازِمَةً لَهُ وحْدَهُ. ولُزُومُها لَهُ يُنافِي خَوْفَ الغَيْرِ؛ إذْ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ تَعالى بِالرَّهْبَةِ والخَشْيَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]
﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ أيْ: وهو مالِكُ النَّفْعِ والضُّرِّ. ٥٠ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] أيْ فَمِن فَضْلِهِ وإحْسانِهِ: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] أيْ: لا تَتَضَرَّعُونَ إلّا إلَيْهِ؛ لِعِلْمِكم أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كَشْفِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ. والجُؤارُ: رَفْعُ الصَّوْتِ. يُقالُ: جَأرَ إذا أفْرَطَ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وأصْلُهُ صِياحُ الوَحْشِ.
﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] أيْ: بِنِسْبَةِ النِّعْمَةِ إلى غَيْرِهِ ورُؤْيَتِها مِنهُ. وكَذا بِنِسْبَةِ الضُّرِّ إلى الغَيْرِ، وإحالَةِ الذَّنْبِ في ذَلِكَ عَلَيْهِ، (p-٣٨١٨)والِاسْتِعانَةِ في رَفْعِهِ بِهِ. وذَلِكَ هو كُفْرانُ النِّعْمَةِ، والغَفْلَةُ عَنِ المُنْعِمِ المُشارِ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ:
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [النحل: ٥٥] أيْ: مِن نِعْمَةِ الكَشْفِ عَنْهم. واللّامُ لِلْعاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] أيْ: وبالَ ذَلِكَ الكُفْرِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِشِدَّةِ الوَعِيدِ، وأنَّهُ إنَّما يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ، ولا يُمْكِنُ وصْفُهُ، فَلِذا أُبْهِمَ.
ولِلْقاشانِيِّ وجْهٌ آخَرُ، قالَ: أوْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، بِظُهُورِ التَّوْحِيدِ، أنْ لا تَأْثِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ في شَيْءٍ.
النحل 16:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٢-٥٥] ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] .
﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] أوْ عَلى الخَبَرِ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أيِ: العِبادَةُ لازِمَةً لَهُ وحْدَهُ. ولُزُومُها لَهُ يُنافِي خَوْفَ الغَيْرِ؛ إذْ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ تَعالى بِالرَّهْبَةِ والخَشْيَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]
﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ أيْ: وهو مالِكُ النَّفْعِ والضُّرِّ. ٥٠ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] أيْ فَمِن فَضْلِهِ وإحْسانِهِ: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] أيْ: لا تَتَضَرَّعُونَ إلّا إلَيْهِ؛ لِعِلْمِكم أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كَشْفِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ. والجُؤارُ: رَفْعُ الصَّوْتِ. يُقالُ: جَأرَ إذا أفْرَطَ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وأصْلُهُ صِياحُ الوَحْشِ.
﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] أيْ: بِنِسْبَةِ النِّعْمَةِ إلى غَيْرِهِ ورُؤْيَتِها مِنهُ. وكَذا بِنِسْبَةِ الضُّرِّ إلى الغَيْرِ، وإحالَةِ الذَّنْبِ في ذَلِكَ عَلَيْهِ، (p-٣٨١٨)والِاسْتِعانَةِ في رَفْعِهِ بِهِ. وذَلِكَ هو كُفْرانُ النِّعْمَةِ، والغَفْلَةُ عَنِ المُنْعِمِ المُشارِ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ:
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [النحل: ٥٥] أيْ: مِن نِعْمَةِ الكَشْفِ عَنْهم. واللّامُ لِلْعاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] أيْ: وبالَ ذَلِكَ الكُفْرِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِشِدَّةِ الوَعِيدِ، وأنَّهُ إنَّما يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ، ولا يُمْكِنُ وصْفُهُ، فَلِذا أُبْهِمَ.
ولِلْقاشانِيِّ وجْهٌ آخَرُ، قالَ: أوْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، بِظُهُورِ التَّوْحِيدِ، أنْ لا تَأْثِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ في شَيْءٍ.
النحل 16:56
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن مَثالِبِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٦-٥٧] ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] .
﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي لا عِلْمَ لَها؛ لِأنَّها جَمادٌ: ﴿نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الزَّرْعِ والأنْعامِ وغَيْرِهِما تَقَرُّبًا إلَيْها: ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ أيْ: مِن أنَّها آلِهَةٌ يُتَقَرَّبُ إلَيْها. ومَرَّ نَظِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] الآيَةَ، فانْظُرْ تَفْصِيلَها ثَمَّةَ.
﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] هَذا بَيانٌ لِعَظِيمَةٍ مِن عَظائِمِهِمْ، وهو جَعْلُهُمُ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عَبّادُ الرَّحْمَنِ بَناتٍ لِلَّهِ، فَنَسَبُوا لَهُ تَعالى ولَدًا ولا ولَدَ لَهُ. واجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وعَلى نِسْبَةِ أدْنى القِسْمَيْنِ لَهُ مِنَ الأوْلادِ، وهو البَناتُ، وهم لا يَرْضَوْنَها لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهم يَشْتَهُونَ الذُّكُورَ، أيْ: يَخْتارُونَهم لِأنْفُسِهِمْ ويَأْنَفُونَ مِنَ البَناتِ. وقَدْ نَزَّهَ مَقامَهُ الأقْدَسَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] أيْ: عَنْ إفْكِهِمْ وقَوْلِهِمْ. وفِيهِ تَعَجُّبٌ مِن جَراءَتِهِمْ عَلى التَّفَوُّهِ بِهَذا المُنْكَرِ مِنَ القَوْلِ، ومِن مُقاسَمَتِهِمْ لِجَلالِهِ بِالِاسْتِئْثارِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] ﴿تِلْكَ إذًا (p-٣٨١٩)قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ثُمَّ أشارَ إلى شِدَّةِ كَراهَتِهِمْ لِلْإناثِ، بِما يُمَثِّلُ عِظَمَ تِلْكَ النِّسْبَةِ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ وفَظاعَتِها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:
النحل 16:57
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن مَثالِبِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٦-٥٧] ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] .
﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي لا عِلْمَ لَها؛ لِأنَّها جَمادٌ: ﴿نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الزَّرْعِ والأنْعامِ وغَيْرِهِما تَقَرُّبًا إلَيْها: ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ أيْ: مِن أنَّها آلِهَةٌ يُتَقَرَّبُ إلَيْها. ومَرَّ نَظِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] الآيَةَ، فانْظُرْ تَفْصِيلَها ثَمَّةَ.
﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] هَذا بَيانٌ لِعَظِيمَةٍ مِن عَظائِمِهِمْ، وهو جَعْلُهُمُ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عَبّادُ الرَّحْمَنِ بَناتٍ لِلَّهِ، فَنَسَبُوا لَهُ تَعالى ولَدًا ولا ولَدَ لَهُ. واجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وعَلى نِسْبَةِ أدْنى القِسْمَيْنِ لَهُ مِنَ الأوْلادِ، وهو البَناتُ، وهم لا يَرْضَوْنَها لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهم يَشْتَهُونَ الذُّكُورَ، أيْ: يَخْتارُونَهم لِأنْفُسِهِمْ ويَأْنَفُونَ مِنَ البَناتِ. وقَدْ نَزَّهَ مَقامَهُ الأقْدَسَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] أيْ: عَنْ إفْكِهِمْ وقَوْلِهِمْ. وفِيهِ تَعَجُّبٌ مِن جَراءَتِهِمْ عَلى التَّفَوُّهِ بِهَذا المُنْكَرِ مِنَ القَوْلِ، ومِن مُقاسَمَتِهِمْ لِجَلالِهِ بِالِاسْتِئْثارِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] ﴿تِلْكَ إذًا (p-٣٨١٩)قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ثُمَّ أشارَ إلى شِدَّةِ كَراهَتِهِمْ لِلْإناثِ، بِما يُمَثِّلُ عِظَمَ تِلْكَ النِّسْبَةِ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ وفَظاعَتِها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:
النحل 16:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٨-٥٩] ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩] .
﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ﴾ أيْ: صارَ أوْ دامَ النَّهارَ كُلَّهُ: ﴿مُسْوَدًّا﴾ أيْ: مُتَغَيِّرًا مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ والغَيْظِ والكَراهِيَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ عِنْدَ هَذِهِ البِشارَةِ. وسَوادُ الوَجْهِ وبَياضُهُ يُعَبِّرُ عَنِ المَساءَةِ والمَسَرَّةِ، كِنايَةً أوْ مَجازًا ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: مُشْتَدُّ الغَيْظِ عَلى امْرَأتِهِ؛ لِأنَّهُ بِزَعْمِهِ، حَصَلَ لَهُ مِنها ما يُوجِبُ أشَدَّ الحَياءِ، حَتّى أنَّهُ: ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: يَسْتَخْفِي مِنهم: ﴿مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: مِن أجْلِهِ وخَوْفِ التَّعْيِيرِ بِهِ. ثُمَّ يُفَكِّرُ فِيما يَصْنَعُ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: مُحَدِّثًا نَفْسَهُ مُتَفَكِّرًا في أنْ يَتْرُكَهُ عَلى هَوانٍ وذُلٍّ، لا يُوَرِّثُهُ ولا يَعْتَنِي بِهِ، ويُفَضِّلُ ذُكُورَ ولَدِهِ عَلَيْهِ:﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: يُخْفِيهِ ويَدْفِنُهُ فِيهِ حِيًّا: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: حَيْثُ يَجْعَلُونَ الوَلَدَ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ مِنَ الحَقارَةِ والهَوْنِ عِنْدَهم، لِلَّهِ تَعالى وتَقَدَّسَ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ مَن هو عَلى عَكْسِ هَذا الوَصْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٨-٥٩] ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩] .
﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ﴾ أيْ: صارَ أوْ دامَ النَّهارَ كُلَّهُ: ﴿مُسْوَدًّا﴾ أيْ: مُتَغَيِّرًا مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ والغَيْظِ والكَراهِيَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ عِنْدَ هَذِهِ البِشارَةِ. وسَوادُ الوَجْهِ وبَياضُهُ يُعَبِّرُ عَنِ المَساءَةِ والمَسَرَّةِ، كِنايَةً أوْ مَجازًا ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: مُشْتَدُّ الغَيْظِ عَلى امْرَأتِهِ؛ لِأنَّهُ بِزَعْمِهِ، حَصَلَ لَهُ مِنها ما يُوجِبُ أشَدَّ الحَياءِ، حَتّى أنَّهُ: ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: يَسْتَخْفِي مِنهم: ﴿مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: مِن أجْلِهِ وخَوْفِ التَّعْيِيرِ بِهِ. ثُمَّ يُفَكِّرُ فِيما يَصْنَعُ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: مُحَدِّثًا نَفْسَهُ مُتَفَكِّرًا في أنْ يَتْرُكَهُ عَلى هَوانٍ وذُلٍّ، لا يُوَرِّثُهُ ولا يَعْتَنِي بِهِ، ويُفَضِّلُ ذُكُورَ ولَدِهِ عَلَيْهِ:﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: يُخْفِيهِ ويَدْفِنُهُ فِيهِ حِيًّا: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩] أيْ: حَيْثُ يَجْعَلُونَ الوَلَدَ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ مِنَ الحَقارَةِ والهَوْنِ عِنْدَهم، لِلَّهِ تَعالى وتَقَدَّسَ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ مَن هو عَلى عَكْسِ هَذا الوَصْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:60
(p-٣٨٢٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٠] ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: مِثْلَ مَن ذُكِرَتْ مَساوِئُهم: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أيْ: صِفاتُ الذُّلِّ مِنَ الحاجَةِ إلى الأوْلادِ وكَراهِيَةِ الإناثِ ووَأْدِهِنَّ، خَشْيَةَ الإمْلاقِ، المُنادى كُلَّ ذَلِكَ بِالعَجْزِ والقُصُورِ والشُّحِّ البالِغِ. ووَضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ القَبائِحِ هو الكُفْرُ بِالآخِرَةِ: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ: الوَصْفُ العالِي الشَّأْنِ، وهو الغَنِيُّ عَنِ العالَمِينَ، والكَمالُ المُطْلَقُ والتَّقَدُّسُ عَنْ سِماتِ المَخْلُوقِينَ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حِلْمِهِ بِخُلُقِهِ، مَعَ ظُلْمِهِمْ، بِقَوْلِهِ:
النحل 16:61
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦١-٦٢] ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] .
﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ: بِكُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمُ الَّتِي مِنها ما عَدَّدَ مِنَ المَساوِئِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى الأرْضِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالنّاسِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ أيْ: لَأهْلَكَها بِالمَرَّةِ بِشُؤْمِ ظُلْمِ الظّالِمِينَ: ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ (p-٣٨٢١)أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. يَسْتَغْفِرُ مِنهم مَن يَسْتَغْفِرُ فَيَغْفِرُ لَهُ، ويُصِرُّ مَن يُصِرُّ فَيَزْدادُ عَذابًا: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ أيِ: المُسَمّى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾ [النحل: ٦٢] أيْ: يَنْسَوْنَ إلَيْهِ: ﴿ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] أيْ: مِنَ البَناتِ ومِنَ الشُّرَكاءِ. وهم يَأْنَفُونَ مِنَ الأُولى كَما يَكْرَهُونَ مُشارَكَةَ أحَدٍ لَهم في مالِهِمْ. وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ، تَثْنِيَةً لِلتَّقْرِيعِ وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢] أيْ: يَجْعَلُونَ لِلَّهِ ذَلِكَ، مَعَ دَعْواهم أنَّ لَهُمُ العاقِبَةَ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، إنْ كانَ ثَمَّ مَعادٌ، كَما قَصَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] يَعْنِي جَمَعَ هَؤُلاءِ بَيْنَ عَمَلِ السُّوءِ وتَمَنِّي المُحالِ، بِأنْ يُجازُوا عَلى ذَلِكَ حُسْنًا.
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ وُجِدَ في أحَدِ أحْجارِ الكَعْبَةِ لَمّا جُدِّدَتْ مَكْتُوبًا ) تَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ وتُجْزَوْنَ الحَسَناتِ. أجَلْ. كَما يُجْتَبى مِنَ الشَّوْكِ العِنَبُ ) و: ﴿أنَّ لَهُمُ﴾ [النحل: ٦٢] إلخ بَدَلٌ مِنَ (الكَذِبَ ) أوْ بِتَقْدِيرِ بِأنَّ لَهم.
قالَ الشِّهابُ: قَوْلُهُ تَعالى: قَوْلُهُ: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] مِن بَلِيغِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ كَقَوْلِهِمْ: (عَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ ) أيْ: ساحِرَةٌ. وقَدُّها يَصِفُ الهَيْفَ، أيْ: هَيْفاءُ.
قالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّي:
؎سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهَنٍ فَباتَ بَرّامَةً يَصِفُ الكَلالا
(p-٣٨٢٢)ثُمَّ رَدَّ كَلامَهم وأثْبَتَ ضِدَّهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] أيْ: مُعَجَّلُونَ إلَيْها ومُقَدَّمُونَ. مِنَ (الفَرَطِ) وهو السّابِقُ إلى الوِرْدِ. يُقالُ: أفَرَطْتُهُ في طَلَبِ الماءِ إذا قَدَّمْتَهُ. أوْ مَتْرُوكُونَ مَنسِيُّونَ في النّارِ. مِن (أفَرَطْتُهُ) بِمَعْنى تَرَكْتُهُ ونَسِيتُهُ، عَلى ما حَكاهُ الفَرّاءُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥١] وقَرَأ نافِعٌ (مُفْرِطُونَ ) بِكَسْرِ الرّاءِ. اسْمُ فاعِلٍ مِن (أفْرَطَ) إذا تَجاوَزَ، أيْ: مُتَجاوَزُو الحَدِّ في مَعاصِي اللَّهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ مِن (فَرَّطَ في كَذا) إذا قَصَّرَ. ويَقْرُبُ مِنَ الآيَةِ ما قَصَّ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠] وقالَ تَعالى: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥] ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعْمَتَهُ في إرْسالِ الرُّسُلِ وتَكْذِيبِ أُمَمِهِمْ؛ لِيَتَأسّى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
(p-٣٨٢٣)
النحل 16:62
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦١-٦٢] ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] .
﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ: بِكُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمُ الَّتِي مِنها ما عَدَّدَ مِنَ المَساوِئِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى الأرْضِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالنّاسِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ أيْ: لَأهْلَكَها بِالمَرَّةِ بِشُؤْمِ ظُلْمِ الظّالِمِينَ: ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ (p-٣٨٢١)أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. يَسْتَغْفِرُ مِنهم مَن يَسْتَغْفِرُ فَيَغْفِرُ لَهُ، ويُصِرُّ مَن يُصِرُّ فَيَزْدادُ عَذابًا: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ أيِ: المُسَمّى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾ [النحل: ٦٢] أيْ: يَنْسَوْنَ إلَيْهِ: ﴿ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] أيْ: مِنَ البَناتِ ومِنَ الشُّرَكاءِ. وهم يَأْنَفُونَ مِنَ الأُولى كَما يَكْرَهُونَ مُشارَكَةَ أحَدٍ لَهم في مالِهِمْ. وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ، تَثْنِيَةً لِلتَّقْرِيعِ وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢] أيْ: يَجْعَلُونَ لِلَّهِ ذَلِكَ، مَعَ دَعْواهم أنَّ لَهُمُ العاقِبَةَ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، إنْ كانَ ثَمَّ مَعادٌ، كَما قَصَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] يَعْنِي جَمَعَ هَؤُلاءِ بَيْنَ عَمَلِ السُّوءِ وتَمَنِّي المُحالِ، بِأنْ يُجازُوا عَلى ذَلِكَ حُسْنًا.
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ وُجِدَ في أحَدِ أحْجارِ الكَعْبَةِ لَمّا جُدِّدَتْ مَكْتُوبًا ) تَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ وتُجْزَوْنَ الحَسَناتِ. أجَلْ. كَما يُجْتَبى مِنَ الشَّوْكِ العِنَبُ ) و: ﴿أنَّ لَهُمُ﴾ [النحل: ٦٢] إلخ بَدَلٌ مِنَ (الكَذِبَ ) أوْ بِتَقْدِيرِ بِأنَّ لَهم.
قالَ الشِّهابُ: قَوْلُهُ تَعالى: قَوْلُهُ: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] مِن بَلِيغِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ كَقَوْلِهِمْ: (عَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ ) أيْ: ساحِرَةٌ. وقَدُّها يَصِفُ الهَيْفَ، أيْ: هَيْفاءُ.
قالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّي:
؎سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهَنٍ فَباتَ بَرّامَةً يَصِفُ الكَلالا
(p-٣٨٢٢)ثُمَّ رَدَّ كَلامَهم وأثْبَتَ ضِدَّهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] أيْ: مُعَجَّلُونَ إلَيْها ومُقَدَّمُونَ. مِنَ (الفَرَطِ) وهو السّابِقُ إلى الوِرْدِ. يُقالُ: أفَرَطْتُهُ في طَلَبِ الماءِ إذا قَدَّمْتَهُ. أوْ مَتْرُوكُونَ مَنسِيُّونَ في النّارِ. مِن (أفَرَطْتُهُ) بِمَعْنى تَرَكْتُهُ ونَسِيتُهُ، عَلى ما حَكاهُ الفَرّاءُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥١] وقَرَأ نافِعٌ (مُفْرِطُونَ ) بِكَسْرِ الرّاءِ. اسْمُ فاعِلٍ مِن (أفْرَطَ) إذا تَجاوَزَ، أيْ: مُتَجاوَزُو الحَدِّ في مَعاصِي اللَّهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ مِن (فَرَّطَ في كَذا) إذا قَصَّرَ. ويَقْرُبُ مِنَ الآيَةِ ما قَصَّ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠] وقالَ تَعالى: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥] ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعْمَتَهُ في إرْسالِ الرُّسُلِ وتَكْذِيبِ أُمَمِهِمْ؛ لِيَتَأسّى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
(p-٣٨٢٣)
النحل 16:63
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣-٦٤] ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] .
﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ والعِنادِ: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ أيْ: قَرِينُهم، يُغْوِيهِمْ. أوِ المُرادُ بِاليَوْمِ: يَوْمُ القِيامَةِ. والوَلِيُّ بِمَعْنى النّاصِرِ. وجَعَلَهُ ناصِرًا فِيهِ، مَعَ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ؛ مُبالَغَةً في نَفْيِهِ وتَهَكُّمٌ، عَلى حَدِّ (عِتابُهُ السَّيْفُ): ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] أيْ: فالقُرْآنُ هو الفُرْقانُ الفاصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وكُلِّ ما يُتَنازَعُ فِيهِ: ﴿وهُدًى﴾ [النحل: ٦٤] أيْ: لِلْقُلُوبِ: ﴿ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] ثُمَّ أشارَ إلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ في آياتِهِ الكَوْنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، إثْرَ قُدْرَتِهِ في إحْياءِ القُلُوبِ المَيِّتَةِ بِالكُفْرِ، بِما أنْزَلَهُ مِن وحْيِهِ وهُداهُ ورَحْمَتِهِ، بِقَوْلِهِ:
النحل 16:64
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣-٦٤] ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] .
﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ والعِنادِ: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ أيْ: قَرِينُهم، يُغْوِيهِمْ. أوِ المُرادُ بِاليَوْمِ: يَوْمُ القِيامَةِ. والوَلِيُّ بِمَعْنى النّاصِرِ. وجَعَلَهُ ناصِرًا فِيهِ، مَعَ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ؛ مُبالَغَةً في نَفْيِهِ وتَهَكُّمٌ، عَلى حَدِّ (عِتابُهُ السَّيْفُ): ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] أيْ: فالقُرْآنُ هو الفُرْقانُ الفاصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وكُلِّ ما يُتَنازَعُ فِيهِ: ﴿وهُدًى﴾ [النحل: ٦٤] أيْ: لِلْقُلُوبِ: ﴿ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] ثُمَّ أشارَ إلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ في آياتِهِ الكَوْنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، إثْرَ قُدْرَتِهِ في إحْياءِ القُلُوبِ المَيِّتَةِ بِالكُفْرِ، بِما أنْزَلَهُ مِن وحْيِهِ وهُداهُ ورَحْمَتِهِ، بِقَوْلِهِ:
النحل 16:65
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٥-٦٦] ﴿واللَّهُ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] .
﴿واللَّهُ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: المُزْنِ: ﴿ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: (p-٣٨٢٤)بِالنَّباتِ والزَّرْعِ، بَعْدَ جَدْبِها ويُبْسِها: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: هَذا التَّذْكِيرَ، ويَعْقِلُونَ وجْهَ دَلالَتِهِ.
﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ﴾ [النحل: ٦٦] وهو ما في الكِرْشِ مِنَ الثِّفَلِ: ﴿ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] أيْ: سَهْلَ المُرُورِ في حَلْقِهِمْ.
بَيَّنَ تَعالى آيَتَهُ في الأنْعامِ بِما ذَكَرَ؛ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وانْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، ولِيَسْتَدِلَّ بِهِ أيْضًا عَلى الحَشْرِ. فَإنَّ العُشْبَ الَّذِي يَأْكُلُهُ الحَيَوانُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الماءِ والتُّرابِ. فَقَلْبُ الطِّينِ نَباتًا وعُشْبًا، ثُمَّ تَبْدِيلُهُ دَمًا في جَوْفِ الحَيَوانِ، ثُمَّ تَحْوِيلُهُ إلى لَبَنٍ؛ أعْظَمُ عِبْرَةً عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى قَلْبِ هَذِهِ الأجْسامِ المَيِّتَةِ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ. وإنَّما ذَكَرَ الضَّمِيرَ في بُطُونِهِ هُنا، وأنَّثَهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِكَوْنِ الأنْعامِ اسْمَ جَمْعٍ، فَيُذَكَّرُ ويُفْرَدُ ضَمِيرُهُ، بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ. ويُؤَنَّثُ ويُجْمَعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ.
وقَوْلُهُ:
النحل 16:66
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٥-٦٦] ﴿واللَّهُ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] .
﴿واللَّهُ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: المُزْنِ: ﴿ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: (p-٣٨٢٤)بِالنَّباتِ والزَّرْعِ، بَعْدَ جَدْبِها ويُبْسِها: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: هَذا التَّذْكِيرَ، ويَعْقِلُونَ وجْهَ دَلالَتِهِ.
﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ﴾ [النحل: ٦٦] وهو ما في الكِرْشِ مِنَ الثِّفَلِ: ﴿ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] أيْ: سَهْلَ المُرُورِ في حَلْقِهِمْ.
بَيَّنَ تَعالى آيَتَهُ في الأنْعامِ بِما ذَكَرَ؛ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وانْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، ولِيَسْتَدِلَّ بِهِ أيْضًا عَلى الحَشْرِ. فَإنَّ العُشْبَ الَّذِي يَأْكُلُهُ الحَيَوانُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الماءِ والتُّرابِ. فَقَلْبُ الطِّينِ نَباتًا وعُشْبًا، ثُمَّ تَبْدِيلُهُ دَمًا في جَوْفِ الحَيَوانِ، ثُمَّ تَحْوِيلُهُ إلى لَبَنٍ؛ أعْظَمُ عِبْرَةً عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى قَلْبِ هَذِهِ الأجْسامِ المَيِّتَةِ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ. وإنَّما ذَكَرَ الضَّمِيرَ في بُطُونِهِ هُنا، وأنَّثَهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِكَوْنِ الأنْعامِ اسْمَ جَمْعٍ، فَيُذَكَّرُ ويُفْرَدُ ضَمِيرُهُ، بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ. ويُؤَنَّثُ ويُجْمَعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ.
وقَوْلُهُ:
النحل 16:67
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٧] ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بَيانٌ لِآيَتِهِ تَعالى في الثَّمَراتِ المَذْكُورَةِ، ومِنَّتِهِ في المَشْرُوبِ مِنها والمَطْعُومِ. و(السَّكَرُ): مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الخَمْرُ. فَهو بِمَعْنى السُّكْرِ كالرُّشْدِ والرَّشَدِ.
قالَ الفَرّاءُ: السَّكَرُ: الخَمْرُ نَفْسُها. والرِّزْقُ الحَسَنُ: الزَّبِيبُ والتَّمْرُ وما أشْبَهَهُما، ولا يُقالُ: الخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ، فَكَيْفَ ذَكَرَها اللَّهُ في مَعْرِضِ الإنْعامِ ؟ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وتَحْرِيمُ الخَمْرِ نَزَلَ في سُورَةِ المائِدَةِ. وكانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ في الوَقْتِ الَّذِي كانَتِ الخَمْرُ فِيهِ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ. وأجابَ الرّازِيُّ بِجَوابٍ ثانٍ.
(p-٣٨٢٥)وهُوَ: أنَّهُ لا حاجَةَ إلى التِزامِ هَذا النَّسْخِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما في هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ المَنافِعِ، وخاطَبَ المُشْرِكِينَ بِها، والخَمْرُ مَن أشْرِبَتِهِمْ، فَهي مَنفَعَةٌ في حَقِّهِمْ.
قالَ: ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى تَحْرِيمِها. وذَلِكَ لِأنَّهُ مَيَّزَ بَيْنَها وبَيْنَ الرِّزْقِ الحَسَنِ في الذِّكْرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونُ السَّكَرُ رِزْقًا حَسَنًا. ولا شَكَّ أنَّهُ حَسَنٌ بِحَسَبِ الشَّهْوَةِ فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: الرُّجُوعُ عَنْ كَوْنِهِ حَسَنًا بِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ. وهَذا إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانَتْ مُحَرَّمَةً. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ المُسْكِرِ المُتَّخَذِ مِنَ النَّخْلِ والمُتَّخَذِ مِنَ العِنَبِ كَما هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ.
وفِي (فَتْحُ البَيانِ) قَدْ حَمَلَ السَّكَرَ جَماعَةٌ مِنَ الحَنَفِيَّةِ عَلى ما لا يُسْكِرُ مِنَ الأنْبِذَةِ وعَلى ما ذَهَبَ ثُلْثاهُ بِالطَّبْخِ حَتّى يَشْتَدَّ إلى حَدِّ السُّكْرِ. كَما في (الكَشّافُ) .
قالُوا: إنَّما يَمْتَنُّ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ بِما أحَلَّهُ لا بِما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ. وهَذا مَرْدُودٌ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المُتَواتِرَةِ عَلى فَرْضِ تَأخُّرِهِ عَنْ آيَةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ. انْتَهى.
ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ناسَبَ ذِكْرُ العَقْلِ ها هُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فَإنَّهُ أشْرَفُ ما في الإنْسانِ. ولِهَذا حَرَّمَ اللَّهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ الأشْرِبَةَ المُسْكِرَةَ؛ صِيانَةً لِعُقُولِها. انْتَهى.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ إخْراجَ الألْبانِ مِنَ النِّعَمِ، وإخْراجَ السَّكَرِ والرِّزْقِ الحَسَنِ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ، دَلائِلُ قاهِرَةٌ وبَيِّناتٌ باهِرَةٌ، عَلى أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا واحِدًا قادِرًا مُخْتارًا حَكَمًا؛ أرْشَدَ إلى آيَتِهِ السّاطِعَةِ في النَّحْلِ أيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
(p-٣٨٢٦)
النحل 16:68
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨-٦٩] ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٩] .
﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ المُرادُ مِنَ الوَحْيِ: الإلْهامُ والهِدايَةُ إلى بِنائِها تِلْكَ البُيُوتَ العَجِيبَةَ المُسَدَّسَةَ، مِن أضْلاعٍ مُتَساوِيَةٍ لا يَزِيدُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، مِمّا لا يُمْكِنُ مِثْلُهُ لِلْبَشَرِ إلّا بِأدَواتٍ وآلاتٍ. وقَدْ أرْشَدَها تَعالى إلى بِنائِها بُيُوتًا تَأْوِي إلَيْها في ثَلاثَةِ أمْكِنَةٍ: الجِبالِ. والشَّجَرِ. وبُيُوتِ النّاسِ، حَيْثُ يَعْرِشُونَ، أيْ: يَبْنُونَ العُرُوشَ، جَمْعُ (عَرْشٍ) وهو البَيْتُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ كالعَرِيشِ. ولَيْسَ لِلنَّحْلِ بَيْتٌ في غَيْرِ هَذِهِ الأمْكِنَةِ: الجِبالِ والشَّجَرِ وبُيُوتِ النّاسِ. وأكْثَرُ بُيُوتِها ما كانَ في الجِبالِ، وهو المُتَقَدِّمُ في الآيَةِ، ثُمَّ في الشَّجَرِ دُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ في الثّالِثِ أقَلُّ.
فالنَّحْلُ إذًا نَوْعانِ: جَبَلِيَّةٌ تَسْكُنُ في الجِبالِ والفَيافِي لا يَتَعَهَّدُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ. وأهْلِيَّةٌ تَأْوِي إلى البُيُوتِ وتَتَعَهَّدُ في الخَلايا. ومِن بَدِيعِ الإلْهامِ فِيها اتِّخاذُها البُيُوتَ قَبْلَ المَرْعى. فَهي تَتَّخِذُها أوَّلًا. فَإذا اسْتَقَرَّ لَها بَيْتٌ خَرَجَتْ مِنهُ، فَرَعَتْ، وأكَلَتْ مِنَ الثَّمَراتِ، ثُمَّ أوَتْ إلى بُيُوتِها. وقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [النحل: ٦٩] أيْ: مِن كُلِّ ثَمَرَةٍ تَشْتَهِيها، حُلْوِها ومُرِّها. فالعُمُومُ عُرْفِيٌّ، أوْ لَفْظُ (كُلِّ) لِلتَّكْثِيرِ، أوْ هو عامٌّ مَخْصُوصٌ بِالعادَةِ. ولَوْ أُبْقِي الأمْرُ عَلى ظاهِرِهِ لَجازَ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ مِن جَمِيعِ الثَّمَراتِ الأكْلُ مِنها؛ لِأنَّ الأمْرَ لِلتَّخْلِيَةِ والإباحَةِ.
(p-٣٨٢٧)لَطِيفَةٌ:
إنَّما أُوثِرَ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الجِبالِ﴾ إلخ، عَلى (في) دَلالَةً عَلى مَعْنى التَّبْعِيضِ. وأنْ لا تُبْنى بُيُوتُها في كُلِّ جَبَلٍ وكُلِّ شَجَرٍ وكُلِّ ما يُعَرَّشُ، ولا في كُلِّ مَكانٍ مِنها. نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ النّاصِرُ: ويَتَزَيَّنُ هَذا المَعْنى الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ في تَبْعِيضِ (مِنِ) المُتَعَلِّقَةِ بِاتِّخاذِ البُيُوتِ، بِإطْلاقِ الأكْلِ. كَأنَّهُ تَعالى وكَلَ الأكْلَ إلى شَهْوَتِها واخْتِيارِها، فَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْها فِيهِ، وإنْ حَجَرَ عَلَيْها في البُيُوتِ وأُمِرَتْ بِاتِّخاذِها في بَعْضِ المَواضِعِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأنَّ مَصْلَحَةَ الآكِلِ حاصِلَةٌ عَلى الإطْلاقِ بِاسْتِمْرارِ مُشْتَهاها مِنهُ. وأمّا البُيُوتُ فَلا تَحْصُلُ مَصْلَحَتُها في كُلِّ مَوْضِعٍ. ولِهَذا المَعْنى دَخَلَتْ (ثُمَّ) لِتَفاوُتِ الأمْرِ بَيْنَ الحَجْرِ عَلَيْها في اتِّخاذِ البُيُوتِ، والإطْلاقِ لَها في تَناوُلِ الثَّمَراتِ. كَما تَقُولُ: راعِ الحَلالَ فِيما تَأْكُلُهُ، ثُمَّ كُلْ أيَّ شَيْءٍ شِئْتَ. فَتَوَسُّطٌ (ثُمَّ) لِتَفاوُتِ الحَجْرِ والإطْلاقِ. فَسُبْحانُ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ [النحل: ٦٩] أيِ: الطُّرُقَ الَّتِي ألْهَمَكِ وأفْهَمَكِ في عَمَلِ العَسَلِ. فالسُّبُلُ مَجازٌ عَنْ طُرُقِ العَمَلِ وأنْواعِها، أوْ عَلى حَقِيقَتِها. أيْ: إذا أكَلْتِ الثِّمارَ في المَواضِعِ النّائِيَةِ، فاسْلُكِي راجِعَةً إلى بُيُوتِكِ سُبُلَ رَبِّكِ، لا تَتَوَعَّرُ عَلَيْكِ ولا تَضِلِّينَ فِيها. و(ذُلُلًا) جَمْعُ ذَلُولٍ، حالٌ مِنَ (السُّبُلَ) أيْ: مُذَلَّلَةً ذَلَّلَها اللَّهُ لَكِ وسَهَّلَها. فَهي تَسْلُكُ مِن هَذا الجَوِّ العَظِيمِ، والبَرارِيِّ الشّاسِعَةِ والأوْدِيَةِ والجِبالِ الشّاهِقَةِ. ثُمَّ تَعُودُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها إلى بَيْتِها لا تَحِيدُ عَنْهُ يُمْنَةً ولا يُسْرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ﴾ [النحل: ٦٩] اسْتِئْنافٌ، عَدَلَ بِهِ عَنْ خِطابِ النَّحْلِ؛ لِبَيانِ ما يَظْهَرُ مِنها مِن عَجِيبِ صُنْعِهِ تَعالى؛ تَعْدِيدًا لِلنِّعَمِ، وتَنْبِيهًا عَلى العِبَرِ، وإرْشادًا إلى الآياتِ العَظِيمَةِ مِن هَذا الحَيَوانِ الضَّعِيفِ. وسُمِّيَ العَسَلُ شَرابًا؛ لِأنَّهُ يُشْرَبُ مَعَ الماءِ وغَيْرِهِ: ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ [فاطر: ٢٨] أيْ فَمِنهُ أبْيَضُ وأصْفَرُ وأحْمَرُ؛ لِاخْتِلافِ ما يُؤْكَلُ مِنَ النَّوْرِ أوْ مِزاجِها: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الأشْفِيَةِ والأدْوِيَةِ في بَعْضِ الأمْراضِ. ولَهُ دَخْلٌ في أكْثَرِ ما بِهِ الشِّفاءُ والمَعاجِينُ، وقَلَّ (p-٣٨٢٨)مَعْجُونٌ مِنَ المَعاجِينِ، لَمْ يَذْكُرِ الأطِبّاءُ فِيهِ العَسَلَ. وقَدْ قامَ الآنَ مَقامَهُ السُّكَّرُ، لِكَثْرَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنْ أخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ فَقالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا» فَذَهَبَ فَسَقاهُ عَسَلًا، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! سَقَيْتُهُ عَسَلًا ما زادَهُ إلّا اسْتِطْلاقًا. قالَ: «اذْهَبْ فاسْقِهِ عَسَلًا» فَذَهَبَ فَسَقاهُ عَسَلًا ثُمَّ جاءَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! ما زادَهُ إلّا اسْتِطْلاقًا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، اذْهَبْ فاسْقِهِ عَسَلًا. فَذَهَبَ فَسَقاهُ عَسَلًا فَبَرَأ»» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالطِّبِّ: كانَ هَذا الرَّجُلُ عِنْدَهُ فَضَلاتٌ. فَلَمّا سَقاهُ عَسَلًا وهو حارٌّ تَحَلَّلَتْ فَأسْرَعَتْ في الِانْدِفاعِ، فَزادَهُ إسْهالًا، فاعْتَقَدَ الأعْرابِيُّ أنَّ هَذا يَضُرُّهُ، وهو مَصْلَحَةٌ لِأخِيهِ، ثُمَّ سَقاهُ فازْدادَ التَّحْلِيلُ والدَّفْعُ، ثُمَّ سَقاهُ فَكَذَلِكَ، فَلَمّا انْدَفَعَتِ الفَضَلاتُ الفاسِدَةُ المُضِرَّةُ بِالبَدَنِ، اسْتَمْسَكَ بَطْنُهُ، وصَلَحَ مِزاجُهُ وانْدَفَعَتِ الأسْقامُ والآلامُ بِبَرَكَةِ إشارَتِهِ ﷺ . انْتَهى.
وفِي (العِنايَةُ) لِلشِّهابِ هُنا، قِصَّةٌ عَنْ طَبَقاتِ الأطِبّاءِ فِيها تَأْيِيدٌ لِقِصَّةِ الأعْرابِيِّ فانْظُرْها.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٩] أيْ: فَيَعْتَبِرُونَ ويَسْتَدِلُّونَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، وانْفِرادِهِ بِأُلُوهِيَّتِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي ألْهَمَ هَذِهِ الدَّوابَّ الضَّعِيفَةَ فَعَلِمَتْ مَساقِطَ الأنْداءِ، مِن وراءِ البَيْداءِ، فَتَقَعُ عَلى كُلِّ حَرارَةٍ عَبِقَةٍ، وزَهْرَةٍ أنِقَةٍ، ثُمَّ تَصْدُرُ عَنْها بِما تَحْفَظُهُ رِضابًا، وتَلْفِظُهُ شَرابًا.
(p-٣٨٢٩)قالَ الحُجَّةُ الغَزالِيُّ (في الإحْياءِ): انْظُرْ إلى النَّحْلِ كَيْفَ أوْحى اللَّهُ إلَيْها حَتّى اتَّخَذَتْ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا. وكَيْفَ اسْتَخْرَجَ مِن لُعابِها الشَّمْعَ والعَسَلَ. وجَعَلَ أحَدَهُما ضِياءً والآخَرَ شِفاءً. ثُمَّ لَوْ تَأمَّلْتَ عَجائِبَ أمْرِها في تَناوُلِها الأزْهارَ والأنْوارَ، واحْتِرازِها مِنَ النَّجاساتِ والأقْذارِ، وطاعَتِها لِواحِدٍ مِن جُمْلَتِها وهو أكْبَرُها شَخْصًا وهو أمِيرُها، ثُمَّ ما سَخَّرَ اللَّهُ لِأمِيرِها مِنَ العَدْلِ والإنْصافِ بَيْنَها، حَتّى أنَّهُ لَيُقْتَلُ مِنها عَلى بابِ المَنفَذِ كُلُّ ما وقَعَ مِنها عَلى نَجاسَةٍ؛ لَقَضَيْتَ مِن ذَلِكَ العَجَبِ إنْ كُنْتَ بَصِيرًا في نَفْسِكَ، وفارِغًا مِن هَمِّ بَطْنِكَ وفَرْجِكَ، وشَهَواتِ نَفْسِكَ في مُعاداةِ أقْرانِكَ، ومُوالاةِ إخْوانِكَ. ثُمَّ دَعْ عَنْكَ جَمِيعَ ذَلِكَ، وانْظُرْ إلى بُنْيانِها بَيْتًا مِنَ الشَّمْعِ، واخْتِيارِها مِن جَمِيعِ الأشْكالِ الشَّكْلَ المُسَدَّسَ، فَلا تَبْنِي بَيْتَها مُسْتَدِيرًا ولا مُرَبَّعًا ولا مُخَمَّسًا، بَلْ مُسَدَّسًا لِخاصِّيَّةٍ في الشَّكْلِ المُسَدَّسِ، يَقْصُرُ فَهُمُ المُهَنْدِسِ عَنْ دَرَكِ ذَلِكَ. وهو أنْ أوْسَعَ الأشْكالِ وأحْواها المُسْتَدِيرُ وما يَقْرُبُ مِنهُ. فَإنَّ المُرَبَّعَ تَخْرُجُ مِنهُ زَوايا ضائِعَةٌ. وشَكْلُ النِّحَلِ مُسْتَدِيرٌ مُسْتَطِيلٌ. فَتَرَكَ المُرَبَّعَ حَتّى لا تَبْقى الزَّوايا فارِغَةً. ثُمَّ لَوْ بَناها مُسْتَدِيرَةً لَبَقِيَ خارِجَ البُيُوتِ فُرَجٌ ضائِعَةٌ، فَإنَّ الأشْكالَ المُسْتَدِيرَةَ إذا اجْتَمَعَتْ لَمْ تَجْتَمِعْ مُتَراصَّةً، ولا شَكْلَ في الأشْكالِ ذَواتِ الزَّوايا يَقْرُبُ في الِاحْتِواءِ مِنَ المُسْتَدِيرِ. ثُمَّ تَتَراصُّ الجُمْلَةُ مِنهُ بِحَيْثُ لا تَبْقى بَعْدَ اجْتِماعِها فُرْجَةٌ إلّا المُسَدَّسَ. وهَذِهِ خاصِّيَّةُ هَذا الشَّكْلِ. فانْظُرْ كَيْفَ ألْهَمَ اللَّهُ تَعالى النَّحْلَ، عَلى صِغَرِ جِرْمِهِ، ذَلِكَ؛ لُطْفًا بِهِ وعِنايَةً بِوُجُودِهِ فِيما هو مُحْتاجٌ إلَيْهِ؛ لِيَهْنَأ عَيْشُهُ. فَسُبْحانَهُ ما أعْظَمَ شَأْنَهُ وأوْسَعَ لُطْفَهُ وامْتِنانَهُ. وفي طَبْعِهِ أنَّهُ يَهْرُبُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ ويُقاتِلُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الخَلايا ويَلْسَعُ مَن دَنا مِنَ الخَلِيَّةِ. ورُبَّما هَلَكَ المَلْسُوعُ. وإذا أُهْلِكَ شَيْءٌ مِنها داخِلَ الخَلايا أخْرَجَتْهُ الأحْياءُ إلى خارِجٍ. وفي طَبْعِهِ أيْضًا النَّظافَةُ. فَلِذَلِكَ يَخْرُجُ رَجِيعُهُ مِنَ الخَلِيَّةِ؛ لِأنَّهُ مُنْتِنُ الرِّيحِ. وهو يَعْلَمُ زَمانَيِ الرَّبِيعِ والخَرِيفِ. والَّذِي يَعْمَلُهُ في الرَّبِيعِ أجْوَدُ. والصَّغِيرُ أعْمَلُ مِنَ الكَبِيرِ، وهو يَشْرَبُ مِنَ الماءِ ما كانَ صافِيًا عَذْبًا، يَطْلُبُهُ حَيْثُ كانَ. ولا يَأْكُلُ مِنَ العَسَلِ إلّا قَدْرَ شِبْعَةٍ. وإذا قَلَّ العَسَلُ في الخَلِيَّةِ، قَذَفَهُ بِالماءِ لِيَكْثُرَ، خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ مِن نَفادِهِ؛ لِأنَّهُ إذا نَفِدَ أفْسَدَ النَّحْلُ بُيُوتَ المُلُوكِ وبُيُوتَ الذُّكُورِ. ورُبَّما قَتَلَتْ ما كانَ مِنها هُناكَ.
(p-٣٨٣٠)قالَ حَكِيمٌ مِنَ اليُونانَ لِتَلامِذَتِهِ: كُونُوا كالنَّحْلِ في الخَلايا. قالُوا: وكَيْفَ النَّحْلُ في الخَلايا ؟ قالَ: إنَّها لا تَتْرُكُ عِنْدَها بَطّالًا إلّا نَفَتْهُ وأبْعَدَتْهُ وأقْصَتْهُ عَنِ الخَلِيَّةِ، لِأنَّهُ يُضَيِّقُ المَكانَ، ويُفْنِي العَسَلَ، ويُعَلِّمُ النَّشِيطُ الكَسَلَ.
والنَّحْلُ يَسْلَخُ جِلْدَهُ كالحَيّاتِ. وتُوافِقُهُ الأصْواتُ اللَّذِيذَةُ المُطْرِبَةُ، ويَضُرُّهُ السُّوسُ. ودَواؤُهُ أنْ يُطْرَحَ لَهُ في كُلِّ خَلِيَّةٍ كَفُّ مِلْحٍ. وأنْ يُفْتَحَ في كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، ويُدَخَّنَ بِأخْثاءِ البَقَرِ. وفي طَبْعِهِ أنَّهُ مَتى طارَ مِنَ الخَلِيَّةِ، يَرْعى ثُمَّ يَعُودُ، فَتَعُودُ كُلُّ نَحْلَةٍ إلى مَكانِها لا تُخْطِئُهُ. كَذا في (حَياةُ الحَيَوانِ) .
وذَكَرَ الإمامُ الغَزالِيُّ أيْضًا في كِتابِ (الحِكْمَةُ في خَلْقِ المَخْلُوقاتِ): أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِلنَّحْلِ رَئِيسًا تَتْبَعُهُ وتَهْتَدِي بِهِ فِيما تَنالُهُ مِن أقْواتِها. فَإنْ ظَهَرَ مَعَ الرَّئِيسِ الَّذِي تَتْبَعُهُ رَئِيسٌ آخَرُ مِن جِنْسِهِ؛ قَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، وذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ ظاهِرَةٍ، وهو خَوْفُ الِافْتِراقِ؛ لِأنَّهُما إذا كانا أمِيرَيْنِ، وسَلَكَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما فَجًّا، افْتَرَقَ النَّحْلُ خَلْفَهُما. ثُمَّ إنَّها أُلْهِمَتْ أنْ تَرْعى رُطُوباتٍ مِن عَلى الأزْهارِ. فَيَسْتَحِيلُ في أجْوافِها عَسَلًا. فَعُلِمَ مِن هَذا التَّسْخِيرِ ما فِيهِ مِن مَصالِحِ العِبادِ، مِن شَرابٍ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ، كَما أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى. وفِيهِ غِذاءٌ ومَلاذٌ لِلْعِبادِ. وفِيهِ مِن أقْواتِ فَضَلاتٍ عَظِيمَةٍ جُعِلَتْ لِمَنافِعِ بَنِي آدَمَ. فَهي مِثْلُ ما يَفْضُلُ مِنَ اللَّبَنِ الَّذِي خُلِقَ لِمَصالِحِ أوْلادِ البَهائِمِ وأقْواتِها. وما فَضَلَ مِن ذَلِكَ فَفِيهِ مِنَ البَرَكَةِ والكَثْرَةِ ما يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ. ثُمَّ انْظُرْ ما تَحْمِلُهُ النَّحْلُ مِنَ الشَّمْعِ في أرْجُلِها، لِتُوعِيَ فِيهِ العَسَلَ وتَحْفَظَهُ. فَلا تَكادُ تَجِدُ وِعاءً أحْفَظَ لِلْعَسَلِ مِنَ الشَّمْعِ في الأجْناحِ. فانْظُرْ في هَذِهِ الذُّبابَةِ، هَلْ في عِلْمِها وقُدْرَتِها جَمْعُ الشَّمْعِ مَعَ العَسَلِ ؟ أوْ عِنْدَها مِنَ المَعْرِفَةِ بِحَيْثُ رَتَّبَتْ حِفْظَ العَسَلِ مُدَّةً طَوِيلَةً بِاسْتِقْرارِهِ في الشَّمْعِ وصِيانَتِهِ في الجِبالِ والشَّجَرِ في المَواضِعِ الَّتِي تَحْفَظُهُ ولا يَفْسَدُ فِيها ! ثُمَّ انْظُرْ لِخُرُوجِها نَهارًا لِرَعْيِها ورُجُوعِها عَشِيَّةً إلى أماكِنِها وقَدْ حَمَلَتْ ما يَقُومُ بِقُوَّتِها ويَفْضُلُ عَنْها، ولَها في تَرْتِيبِ بُيُوتِها مِنَ الحِكْمَةِ في بِنائِها حافِظٌ لِما تُلْقِيهِ مِن أجْوافِها مِنَ العَسَلِ، (p-٣٨٣١)ولَها جِهَةٌ أُخْرى تَجْعَلُ فِيها بِرازَها مُباعَدًا عَنْ مَواضِعِ العَسَلِ. وفِيها غَيْرُ هَذا مِمّا انْفَرَدَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن عَجائِبِ أحْوالِ ما ذَكَرَ مِنَ الماءِ والنَّباتِ والأنْعامِ والنَّحْلِ؛ أشارَ إلى بَعْضِ عَجائِبِ أحْوالِ البَشَرِ مِن أوَّلِ عُمْرِهِ إلى آخِرِهِ وتَطَوُّراتِهِ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ. وقَدْ ضَبَطُوا مَراتِبَ العُمْرِ في أرْبَعٍ: الأُولى: سِنُّ النُّشُوءِ والنَّماءِ. والثّانِيَةُ: سِنُّ الوُقُوفِ وهي سِنُّ الشَّبابِ. والثّالِثَةُ: سِنُّ الِانْحِطاطِ القَلِيلِ وهي سِنُّ الكُهُولَةِ. والرّابِعَةُ: سِنُّ الِانْحِطاطِ الكَبِيرِ وهي سِنُّ الشَّيْخُوخَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: