Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — النحل 16:69 – الإسراء 17:63
المحتويات
- النحل 16:69
- النحل 16:70
- النحل 16:71
- النحل 16:72
- النحل 16:73
- النحل 16:74
- النحل 16:75
- النحل 16:76
- النحل 16:77
- النحل 16:78
- النحل 16:79
- النحل 16:80
- النحل 16:81
- النحل 16:82
- النحل 16:83
- النحل 16:84
- النحل 16:85
- النحل 16:86
- النحل 16:87
- النحل 16:88
- النحل 16:89
- النحل 16:90
- النحل 16:91
- النحل 16:92
- النحل 16:93
- النحل 16:94
- النحل 16:95
- النحل 16:96
- النحل 16:97
- النحل 16:98
- النحل 16:99
- النحل 16:100
- النحل 16:101
- النحل 16:102
- النحل 16:103
- النحل 16:104
- النحل 16:105
- النحل 16:106
- النحل 16:107
- النحل 16:108
- النحل 16:109
- النحل 16:110
- النحل 16:111
- النحل 16:112
- النحل 16:113
- النحل 16:114
- النحل 16:115
- النحل 16:116
- النحل 16:117
- النحل 16:118
- النحل 16:119
- النحل 16:120
- النحل 16:121
- النحل 16:122
- النحل 16:123
- النحل 16:124
- النحل 16:125
- النحل 16:126
- النحل 16:127
- النحل 16:128
- الإسراء 17:1
- الإسراء 17:2
- الإسراء 17:3
- الإسراء 17:4
- الإسراء 17:5
- الإسراء 17:6
- الإسراء 17:7
- الإسراء 17:8
- الإسراء 17:9
- الإسراء 17:10
- الإسراء 17:11
- الإسراء 17:12
- الإسراء 17:13
- الإسراء 17:14
- الإسراء 17:15
- الإسراء 17:16
- الإسراء 17:17
- الإسراء 17:18
- الإسراء 17:19
- الإسراء 17:20
- الإسراء 17:21
- الإسراء 17:22
- الإسراء 17:23
- الإسراء 17:24
- الإسراء 17:25
- الإسراء 17:26
- الإسراء 17:27
- الإسراء 17:28
- الإسراء 17:29
- الإسراء 17:30
- الإسراء 17:31
- الإسراء 17:32
- الإسراء 17:33
- الإسراء 17:34
- الإسراء 17:35
- الإسراء 17:36
- الإسراء 17:37
- الإسراء 17:38
- الإسراء 17:39
- الإسراء 17:40
- الإسراء 17:41
- الإسراء 17:42
- الإسراء 17:43
- الإسراء 17:44
- الإسراء 17:45
- الإسراء 17:46
- الإسراء 17:47
- الإسراء 17:48
- الإسراء 17:49
- الإسراء 17:50
- الإسراء 17:51
- الإسراء 17:52
- الإسراء 17:53
- الإسراء 17:54
- الإسراء 17:55
- الإسراء 17:56
- الإسراء 17:57
- الإسراء 17:58
- الإسراء 17:59
- الإسراء 17:60
- الإسراء 17:61
- الإسراء 17:62
- الإسراء 17:63
النحل 16:69
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨-٦٩] ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٩] .
﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ المُرادُ مِنَ الوَحْيِ: الإلْهامُ والهِدايَةُ إلى بِنائِها تِلْكَ البُيُوتَ العَجِيبَةَ المُسَدَّسَةَ، مِن أضْلاعٍ مُتَساوِيَةٍ لا يَزِيدُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، مِمّا لا يُمْكِنُ مِثْلُهُ لِلْبَشَرِ إلّا بِأدَواتٍ وآلاتٍ. وقَدْ أرْشَدَها تَعالى إلى بِنائِها بُيُوتًا تَأْوِي إلَيْها في ثَلاثَةِ أمْكِنَةٍ: الجِبالِ. والشَّجَرِ. وبُيُوتِ النّاسِ، حَيْثُ يَعْرِشُونَ، أيْ: يَبْنُونَ العُرُوشَ، جَمْعُ (عَرْشٍ) وهو البَيْتُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ كالعَرِيشِ. ولَيْسَ لِلنَّحْلِ بَيْتٌ في غَيْرِ هَذِهِ الأمْكِنَةِ: الجِبالِ والشَّجَرِ وبُيُوتِ النّاسِ. وأكْثَرُ بُيُوتِها ما كانَ في الجِبالِ، وهو المُتَقَدِّمُ في الآيَةِ، ثُمَّ في الشَّجَرِ دُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ في الثّالِثِ أقَلُّ.
فالنَّحْلُ إذًا نَوْعانِ: جَبَلِيَّةٌ تَسْكُنُ في الجِبالِ والفَيافِي لا يَتَعَهَّدُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ. وأهْلِيَّةٌ تَأْوِي إلى البُيُوتِ وتَتَعَهَّدُ في الخَلايا. ومِن بَدِيعِ الإلْهامِ فِيها اتِّخاذُها البُيُوتَ قَبْلَ المَرْعى. فَهي تَتَّخِذُها أوَّلًا. فَإذا اسْتَقَرَّ لَها بَيْتٌ خَرَجَتْ مِنهُ، فَرَعَتْ، وأكَلَتْ مِنَ الثَّمَراتِ، ثُمَّ أوَتْ إلى بُيُوتِها. وقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [النحل: ٦٩] أيْ: مِن كُلِّ ثَمَرَةٍ تَشْتَهِيها، حُلْوِها ومُرِّها. فالعُمُومُ عُرْفِيٌّ، أوْ لَفْظُ (كُلِّ) لِلتَّكْثِيرِ، أوْ هو عامٌّ مَخْصُوصٌ بِالعادَةِ. ولَوْ أُبْقِي الأمْرُ عَلى ظاهِرِهِ لَجازَ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ مِن جَمِيعِ الثَّمَراتِ الأكْلُ مِنها؛ لِأنَّ الأمْرَ لِلتَّخْلِيَةِ والإباحَةِ.
(p-٣٨٢٧)لَطِيفَةٌ:
إنَّما أُوثِرَ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الجِبالِ﴾ إلخ، عَلى (في) دَلالَةً عَلى مَعْنى التَّبْعِيضِ. وأنْ لا تُبْنى بُيُوتُها في كُلِّ جَبَلٍ وكُلِّ شَجَرٍ وكُلِّ ما يُعَرَّشُ، ولا في كُلِّ مَكانٍ مِنها. نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ النّاصِرُ: ويَتَزَيَّنُ هَذا المَعْنى الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ في تَبْعِيضِ (مِنِ) المُتَعَلِّقَةِ بِاتِّخاذِ البُيُوتِ، بِإطْلاقِ الأكْلِ. كَأنَّهُ تَعالى وكَلَ الأكْلَ إلى شَهْوَتِها واخْتِيارِها، فَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْها فِيهِ، وإنْ حَجَرَ عَلَيْها في البُيُوتِ وأُمِرَتْ بِاتِّخاذِها في بَعْضِ المَواضِعِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأنَّ مَصْلَحَةَ الآكِلِ حاصِلَةٌ عَلى الإطْلاقِ بِاسْتِمْرارِ مُشْتَهاها مِنهُ. وأمّا البُيُوتُ فَلا تَحْصُلُ مَصْلَحَتُها في كُلِّ مَوْضِعٍ. ولِهَذا المَعْنى دَخَلَتْ (ثُمَّ) لِتَفاوُتِ الأمْرِ بَيْنَ الحَجْرِ عَلَيْها في اتِّخاذِ البُيُوتِ، والإطْلاقِ لَها في تَناوُلِ الثَّمَراتِ. كَما تَقُولُ: راعِ الحَلالَ فِيما تَأْكُلُهُ، ثُمَّ كُلْ أيَّ شَيْءٍ شِئْتَ. فَتَوَسُّطٌ (ثُمَّ) لِتَفاوُتِ الحَجْرِ والإطْلاقِ. فَسُبْحانُ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ [النحل: ٦٩] أيِ: الطُّرُقَ الَّتِي ألْهَمَكِ وأفْهَمَكِ في عَمَلِ العَسَلِ. فالسُّبُلُ مَجازٌ عَنْ طُرُقِ العَمَلِ وأنْواعِها، أوْ عَلى حَقِيقَتِها. أيْ: إذا أكَلْتِ الثِّمارَ في المَواضِعِ النّائِيَةِ، فاسْلُكِي راجِعَةً إلى بُيُوتِكِ سُبُلَ رَبِّكِ، لا تَتَوَعَّرُ عَلَيْكِ ولا تَضِلِّينَ فِيها. و(ذُلُلًا) جَمْعُ ذَلُولٍ، حالٌ مِنَ (السُّبُلَ) أيْ: مُذَلَّلَةً ذَلَّلَها اللَّهُ لَكِ وسَهَّلَها. فَهي تَسْلُكُ مِن هَذا الجَوِّ العَظِيمِ، والبَرارِيِّ الشّاسِعَةِ والأوْدِيَةِ والجِبالِ الشّاهِقَةِ. ثُمَّ تَعُودُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها إلى بَيْتِها لا تَحِيدُ عَنْهُ يُمْنَةً ولا يُسْرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ﴾ [النحل: ٦٩] اسْتِئْنافٌ، عَدَلَ بِهِ عَنْ خِطابِ النَّحْلِ؛ لِبَيانِ ما يَظْهَرُ مِنها مِن عَجِيبِ صُنْعِهِ تَعالى؛ تَعْدِيدًا لِلنِّعَمِ، وتَنْبِيهًا عَلى العِبَرِ، وإرْشادًا إلى الآياتِ العَظِيمَةِ مِن هَذا الحَيَوانِ الضَّعِيفِ. وسُمِّيَ العَسَلُ شَرابًا؛ لِأنَّهُ يُشْرَبُ مَعَ الماءِ وغَيْرِهِ: ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ [فاطر: ٢٨] أيْ فَمِنهُ أبْيَضُ وأصْفَرُ وأحْمَرُ؛ لِاخْتِلافِ ما يُؤْكَلُ مِنَ النَّوْرِ أوْ مِزاجِها: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الأشْفِيَةِ والأدْوِيَةِ في بَعْضِ الأمْراضِ. ولَهُ دَخْلٌ في أكْثَرِ ما بِهِ الشِّفاءُ والمَعاجِينُ، وقَلَّ (p-٣٨٢٨)مَعْجُونٌ مِنَ المَعاجِينِ، لَمْ يَذْكُرِ الأطِبّاءُ فِيهِ العَسَلَ. وقَدْ قامَ الآنَ مَقامَهُ السُّكَّرُ، لِكَثْرَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنْ أخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ فَقالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا» فَذَهَبَ فَسَقاهُ عَسَلًا، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! سَقَيْتُهُ عَسَلًا ما زادَهُ إلّا اسْتِطْلاقًا. قالَ: «اذْهَبْ فاسْقِهِ عَسَلًا» فَذَهَبَ فَسَقاهُ عَسَلًا ثُمَّ جاءَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! ما زادَهُ إلّا اسْتِطْلاقًا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، اذْهَبْ فاسْقِهِ عَسَلًا. فَذَهَبَ فَسَقاهُ عَسَلًا فَبَرَأ»» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالطِّبِّ: كانَ هَذا الرَّجُلُ عِنْدَهُ فَضَلاتٌ. فَلَمّا سَقاهُ عَسَلًا وهو حارٌّ تَحَلَّلَتْ فَأسْرَعَتْ في الِانْدِفاعِ، فَزادَهُ إسْهالًا، فاعْتَقَدَ الأعْرابِيُّ أنَّ هَذا يَضُرُّهُ، وهو مَصْلَحَةٌ لِأخِيهِ، ثُمَّ سَقاهُ فازْدادَ التَّحْلِيلُ والدَّفْعُ، ثُمَّ سَقاهُ فَكَذَلِكَ، فَلَمّا انْدَفَعَتِ الفَضَلاتُ الفاسِدَةُ المُضِرَّةُ بِالبَدَنِ، اسْتَمْسَكَ بَطْنُهُ، وصَلَحَ مِزاجُهُ وانْدَفَعَتِ الأسْقامُ والآلامُ بِبَرَكَةِ إشارَتِهِ ﷺ . انْتَهى.
وفِي (العِنايَةُ) لِلشِّهابِ هُنا، قِصَّةٌ عَنْ طَبَقاتِ الأطِبّاءِ فِيها تَأْيِيدٌ لِقِصَّةِ الأعْرابِيِّ فانْظُرْها.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٩] أيْ: فَيَعْتَبِرُونَ ويَسْتَدِلُّونَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، وانْفِرادِهِ بِأُلُوهِيَّتِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي ألْهَمَ هَذِهِ الدَّوابَّ الضَّعِيفَةَ فَعَلِمَتْ مَساقِطَ الأنْداءِ، مِن وراءِ البَيْداءِ، فَتَقَعُ عَلى كُلِّ حَرارَةٍ عَبِقَةٍ، وزَهْرَةٍ أنِقَةٍ، ثُمَّ تَصْدُرُ عَنْها بِما تَحْفَظُهُ رِضابًا، وتَلْفِظُهُ شَرابًا.
(p-٣٨٢٩)قالَ الحُجَّةُ الغَزالِيُّ (في الإحْياءِ): انْظُرْ إلى النَّحْلِ كَيْفَ أوْحى اللَّهُ إلَيْها حَتّى اتَّخَذَتْ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا. وكَيْفَ اسْتَخْرَجَ مِن لُعابِها الشَّمْعَ والعَسَلَ. وجَعَلَ أحَدَهُما ضِياءً والآخَرَ شِفاءً. ثُمَّ لَوْ تَأمَّلْتَ عَجائِبَ أمْرِها في تَناوُلِها الأزْهارَ والأنْوارَ، واحْتِرازِها مِنَ النَّجاساتِ والأقْذارِ، وطاعَتِها لِواحِدٍ مِن جُمْلَتِها وهو أكْبَرُها شَخْصًا وهو أمِيرُها، ثُمَّ ما سَخَّرَ اللَّهُ لِأمِيرِها مِنَ العَدْلِ والإنْصافِ بَيْنَها، حَتّى أنَّهُ لَيُقْتَلُ مِنها عَلى بابِ المَنفَذِ كُلُّ ما وقَعَ مِنها عَلى نَجاسَةٍ؛ لَقَضَيْتَ مِن ذَلِكَ العَجَبِ إنْ كُنْتَ بَصِيرًا في نَفْسِكَ، وفارِغًا مِن هَمِّ بَطْنِكَ وفَرْجِكَ، وشَهَواتِ نَفْسِكَ في مُعاداةِ أقْرانِكَ، ومُوالاةِ إخْوانِكَ. ثُمَّ دَعْ عَنْكَ جَمِيعَ ذَلِكَ، وانْظُرْ إلى بُنْيانِها بَيْتًا مِنَ الشَّمْعِ، واخْتِيارِها مِن جَمِيعِ الأشْكالِ الشَّكْلَ المُسَدَّسَ، فَلا تَبْنِي بَيْتَها مُسْتَدِيرًا ولا مُرَبَّعًا ولا مُخَمَّسًا، بَلْ مُسَدَّسًا لِخاصِّيَّةٍ في الشَّكْلِ المُسَدَّسِ، يَقْصُرُ فَهُمُ المُهَنْدِسِ عَنْ دَرَكِ ذَلِكَ. وهو أنْ أوْسَعَ الأشْكالِ وأحْواها المُسْتَدِيرُ وما يَقْرُبُ مِنهُ. فَإنَّ المُرَبَّعَ تَخْرُجُ مِنهُ زَوايا ضائِعَةٌ. وشَكْلُ النِّحَلِ مُسْتَدِيرٌ مُسْتَطِيلٌ. فَتَرَكَ المُرَبَّعَ حَتّى لا تَبْقى الزَّوايا فارِغَةً. ثُمَّ لَوْ بَناها مُسْتَدِيرَةً لَبَقِيَ خارِجَ البُيُوتِ فُرَجٌ ضائِعَةٌ، فَإنَّ الأشْكالَ المُسْتَدِيرَةَ إذا اجْتَمَعَتْ لَمْ تَجْتَمِعْ مُتَراصَّةً، ولا شَكْلَ في الأشْكالِ ذَواتِ الزَّوايا يَقْرُبُ في الِاحْتِواءِ مِنَ المُسْتَدِيرِ. ثُمَّ تَتَراصُّ الجُمْلَةُ مِنهُ بِحَيْثُ لا تَبْقى بَعْدَ اجْتِماعِها فُرْجَةٌ إلّا المُسَدَّسَ. وهَذِهِ خاصِّيَّةُ هَذا الشَّكْلِ. فانْظُرْ كَيْفَ ألْهَمَ اللَّهُ تَعالى النَّحْلَ، عَلى صِغَرِ جِرْمِهِ، ذَلِكَ؛ لُطْفًا بِهِ وعِنايَةً بِوُجُودِهِ فِيما هو مُحْتاجٌ إلَيْهِ؛ لِيَهْنَأ عَيْشُهُ. فَسُبْحانَهُ ما أعْظَمَ شَأْنَهُ وأوْسَعَ لُطْفَهُ وامْتِنانَهُ. وفي طَبْعِهِ أنَّهُ يَهْرُبُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ ويُقاتِلُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الخَلايا ويَلْسَعُ مَن دَنا مِنَ الخَلِيَّةِ. ورُبَّما هَلَكَ المَلْسُوعُ. وإذا أُهْلِكَ شَيْءٌ مِنها داخِلَ الخَلايا أخْرَجَتْهُ الأحْياءُ إلى خارِجٍ. وفي طَبْعِهِ أيْضًا النَّظافَةُ. فَلِذَلِكَ يَخْرُجُ رَجِيعُهُ مِنَ الخَلِيَّةِ؛ لِأنَّهُ مُنْتِنُ الرِّيحِ. وهو يَعْلَمُ زَمانَيِ الرَّبِيعِ والخَرِيفِ. والَّذِي يَعْمَلُهُ في الرَّبِيعِ أجْوَدُ. والصَّغِيرُ أعْمَلُ مِنَ الكَبِيرِ، وهو يَشْرَبُ مِنَ الماءِ ما كانَ صافِيًا عَذْبًا، يَطْلُبُهُ حَيْثُ كانَ. ولا يَأْكُلُ مِنَ العَسَلِ إلّا قَدْرَ شِبْعَةٍ. وإذا قَلَّ العَسَلُ في الخَلِيَّةِ، قَذَفَهُ بِالماءِ لِيَكْثُرَ، خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ مِن نَفادِهِ؛ لِأنَّهُ إذا نَفِدَ أفْسَدَ النَّحْلُ بُيُوتَ المُلُوكِ وبُيُوتَ الذُّكُورِ. ورُبَّما قَتَلَتْ ما كانَ مِنها هُناكَ.
(p-٣٨٣٠)قالَ حَكِيمٌ مِنَ اليُونانَ لِتَلامِذَتِهِ: كُونُوا كالنَّحْلِ في الخَلايا. قالُوا: وكَيْفَ النَّحْلُ في الخَلايا ؟ قالَ: إنَّها لا تَتْرُكُ عِنْدَها بَطّالًا إلّا نَفَتْهُ وأبْعَدَتْهُ وأقْصَتْهُ عَنِ الخَلِيَّةِ، لِأنَّهُ يُضَيِّقُ المَكانَ، ويُفْنِي العَسَلَ، ويُعَلِّمُ النَّشِيطُ الكَسَلَ.
والنَّحْلُ يَسْلَخُ جِلْدَهُ كالحَيّاتِ. وتُوافِقُهُ الأصْواتُ اللَّذِيذَةُ المُطْرِبَةُ، ويَضُرُّهُ السُّوسُ. ودَواؤُهُ أنْ يُطْرَحَ لَهُ في كُلِّ خَلِيَّةٍ كَفُّ مِلْحٍ. وأنْ يُفْتَحَ في كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، ويُدَخَّنَ بِأخْثاءِ البَقَرِ. وفي طَبْعِهِ أنَّهُ مَتى طارَ مِنَ الخَلِيَّةِ، يَرْعى ثُمَّ يَعُودُ، فَتَعُودُ كُلُّ نَحْلَةٍ إلى مَكانِها لا تُخْطِئُهُ. كَذا في (حَياةُ الحَيَوانِ) .
وذَكَرَ الإمامُ الغَزالِيُّ أيْضًا في كِتابِ (الحِكْمَةُ في خَلْقِ المَخْلُوقاتِ): أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِلنَّحْلِ رَئِيسًا تَتْبَعُهُ وتَهْتَدِي بِهِ فِيما تَنالُهُ مِن أقْواتِها. فَإنْ ظَهَرَ مَعَ الرَّئِيسِ الَّذِي تَتْبَعُهُ رَئِيسٌ آخَرُ مِن جِنْسِهِ؛ قَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، وذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ ظاهِرَةٍ، وهو خَوْفُ الِافْتِراقِ؛ لِأنَّهُما إذا كانا أمِيرَيْنِ، وسَلَكَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما فَجًّا، افْتَرَقَ النَّحْلُ خَلْفَهُما. ثُمَّ إنَّها أُلْهِمَتْ أنْ تَرْعى رُطُوباتٍ مِن عَلى الأزْهارِ. فَيَسْتَحِيلُ في أجْوافِها عَسَلًا. فَعُلِمَ مِن هَذا التَّسْخِيرِ ما فِيهِ مِن مَصالِحِ العِبادِ، مِن شَرابٍ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ، كَما أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى. وفِيهِ غِذاءٌ ومَلاذٌ لِلْعِبادِ. وفِيهِ مِن أقْواتِ فَضَلاتٍ عَظِيمَةٍ جُعِلَتْ لِمَنافِعِ بَنِي آدَمَ. فَهي مِثْلُ ما يَفْضُلُ مِنَ اللَّبَنِ الَّذِي خُلِقَ لِمَصالِحِ أوْلادِ البَهائِمِ وأقْواتِها. وما فَضَلَ مِن ذَلِكَ فَفِيهِ مِنَ البَرَكَةِ والكَثْرَةِ ما يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ. ثُمَّ انْظُرْ ما تَحْمِلُهُ النَّحْلُ مِنَ الشَّمْعِ في أرْجُلِها، لِتُوعِيَ فِيهِ العَسَلَ وتَحْفَظَهُ. فَلا تَكادُ تَجِدُ وِعاءً أحْفَظَ لِلْعَسَلِ مِنَ الشَّمْعِ في الأجْناحِ. فانْظُرْ في هَذِهِ الذُّبابَةِ، هَلْ في عِلْمِها وقُدْرَتِها جَمْعُ الشَّمْعِ مَعَ العَسَلِ ؟ أوْ عِنْدَها مِنَ المَعْرِفَةِ بِحَيْثُ رَتَّبَتْ حِفْظَ العَسَلِ مُدَّةً طَوِيلَةً بِاسْتِقْرارِهِ في الشَّمْعِ وصِيانَتِهِ في الجِبالِ والشَّجَرِ في المَواضِعِ الَّتِي تَحْفَظُهُ ولا يَفْسَدُ فِيها ! ثُمَّ انْظُرْ لِخُرُوجِها نَهارًا لِرَعْيِها ورُجُوعِها عَشِيَّةً إلى أماكِنِها وقَدْ حَمَلَتْ ما يَقُومُ بِقُوَّتِها ويَفْضُلُ عَنْها، ولَها في تَرْتِيبِ بُيُوتِها مِنَ الحِكْمَةِ في بِنائِها حافِظٌ لِما تُلْقِيهِ مِن أجْوافِها مِنَ العَسَلِ، (p-٣٨٣١)ولَها جِهَةٌ أُخْرى تَجْعَلُ فِيها بِرازَها مُباعَدًا عَنْ مَواضِعِ العَسَلِ. وفِيها غَيْرُ هَذا مِمّا انْفَرَدَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن عَجائِبِ أحْوالِ ما ذَكَرَ مِنَ الماءِ والنَّباتِ والأنْعامِ والنَّحْلِ؛ أشارَ إلى بَعْضِ عَجائِبِ أحْوالِ البَشَرِ مِن أوَّلِ عُمْرِهِ إلى آخِرِهِ وتَطَوُّراتِهِ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ. وقَدْ ضَبَطُوا مَراتِبَ العُمْرِ في أرْبَعٍ: الأُولى: سِنُّ النُّشُوءِ والنَّماءِ. والثّانِيَةُ: سِنُّ الوُقُوفِ وهي سِنُّ الشَّبابِ. والثّالِثَةُ: سِنُّ الِانْحِطاطِ القَلِيلِ وهي سِنُّ الكُهُولَةِ. والرّابِعَةُ: سِنُّ الِانْحِطاطِ الكَبِيرِ وهي سِنُّ الشَّيْخُوخَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
النحل 16:70
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٠-٧١] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] .
﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ أيْ: أنْشَأكم مِنَ العَدَمِ: ﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ أيْ: أضْعَفِهِ وأرْدَئِهِ وهو الهَرَمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ اللّامُ لِلصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ. أيْ: فَيَصِيرُ، إنْ كانَ عالِمًا جاهِلًا، فَيُرِيكم مِن قُدْرَتِهِ أنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى نَقْلِهِ مِنَ العِلْمِ إلى الجَهْلِ، أنَّهُ قادِرٌ عَلى إحْيائِهِ بَعْدَ إماتَتِهِ.
قالَ في (العِنايَةُ): وكَوْنُهُ غَيْرَ عالِمٍ بَعْدَ عِلْمِهِ، كِنايَةٌ عَنِ النِّسْيانِ؛ لِأنَّ النّاسِيَ يَعْلَمُ الشَّيْءَ ثُمَّ يَنْساهُ، فَلا يَعْلَمُ بَعْدَ ما عَلِمَ. أوِ العالِمُ بِمَعْنى الإدْراكِ والتَّعَقُّلِ، والمَعْنى: لا يَتَرَقّى في إدْراكِ عَقْلِهِ وفَهْمِهِ؛ لِأنَّ الشّابَّ في التَّرَقِّي، والشَّيْخَ في التَّوَقُّفِ والنُّقْصانِ.
وفِي (الكَشّافُ): لِيَصِيرَ إلى حالَةٍ شَبِيهَةٍ بِحالِ الطُّفُولِيَّةِ في النِّسْيانِ. وأنْ يَعْلَمَ شَيْئًا ثُمَّ (p-٣٨٣٢)يُسْرِعَ في نِسْيانِهِ، فَلا يَعْلَمُهُ إنْ سُئِلَ عَنْهُ. وقِيلَ: لِئَلّا يَعْقِلَ بَعْدَ عَقْلِهِ الأوَّلِ شَيْئًا. وقِيلَ: لِئَلّا يَعْلَمَ زِيادَةَ عِلْمٍ عَلى عِلْمِهِ الأوَّلِ. و(شَيْئًا) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ المَفْعُولِيَّةِ. وجُوِّزَ فِيهِ التَّنازُعُ بَيْنَ (يَعْلَمَ) و(عِلْمٍ) وكَوْنُ مَفْعُولِ (عِلْمٍ) مَحْذُوفًا لِقَصْدِ العُمُومِ. أيْ: لا يَعْلَمُ شَيْئًا ما بَعْدَ عَلِمَ أشْياءَ كَثِيرَةً ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] أيْ: جَعَلَكم مُتَفاوِتِينَ فِيهِ، فَرَزَقَكم أفْضَلَ مِمّا رَزَقَ مَمالِيكَكم، وهم بَشَرٌ مِثْلُكم: ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ [النحل: ٧١] أيْ: في الرِّزْقِ، وهُمُ المُلّاكُ: ﴿بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١] أيْ: بِمُعْطِيهِمْ إيّاهُ: ﴿فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾ [النحل: ٧١] أيْ: فَيَسْتَوُوا مَعَ عَبِيدِهِمْ في الرِّزْقِ.
والآيَةُ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلَّذِينِ جَعَلُوا لَهُ تَعالى شُرَكاءَ. أيْ: أنْتُمْ لا تُسَوُّونَ بَيْنَكم وبَيْنَ عَبِيدِكم فِيما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكم، ولا تَجْعَلُونَهم فِيهِ شُرَكاءَ، ولا تَرْضَوْنَ ذَلِكَ لِأنْفُسِكم. فَكَيْفَ رَضِيتُمْ أنْ تَجْعَلُوا عَبِيدِي شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ والتَّعْظِيمِ ؟ كَما قالَ في الأُخْرى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]
﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] أيْ: فَيُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ وهو المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ. أوْ حَيْثُ أنْكَرُوا أمْثالَ هَذِهِ الحُجَجِ البالِغَةِ بَعْدَ ما أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ ؟ ! فَإنَّهُ لا نِعْمَةَ عَلى العالَمِ أجَلَّ مَن إقامَةِ الحُجَجِ وإيضاحِ السُّبُلِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ.
(p-٣٨٣٣)
النحل 16:71
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٠-٧١] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] .
﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ أيْ: أنْشَأكم مِنَ العَدَمِ: ﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ أيْ: أضْعَفِهِ وأرْدَئِهِ وهو الهَرَمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ اللّامُ لِلصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ. أيْ: فَيَصِيرُ، إنْ كانَ عالِمًا جاهِلًا، فَيُرِيكم مِن قُدْرَتِهِ أنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى نَقْلِهِ مِنَ العِلْمِ إلى الجَهْلِ، أنَّهُ قادِرٌ عَلى إحْيائِهِ بَعْدَ إماتَتِهِ.
قالَ في (العِنايَةُ): وكَوْنُهُ غَيْرَ عالِمٍ بَعْدَ عِلْمِهِ، كِنايَةٌ عَنِ النِّسْيانِ؛ لِأنَّ النّاسِيَ يَعْلَمُ الشَّيْءَ ثُمَّ يَنْساهُ، فَلا يَعْلَمُ بَعْدَ ما عَلِمَ. أوِ العالِمُ بِمَعْنى الإدْراكِ والتَّعَقُّلِ، والمَعْنى: لا يَتَرَقّى في إدْراكِ عَقْلِهِ وفَهْمِهِ؛ لِأنَّ الشّابَّ في التَّرَقِّي، والشَّيْخَ في التَّوَقُّفِ والنُّقْصانِ.
وفِي (الكَشّافُ): لِيَصِيرَ إلى حالَةٍ شَبِيهَةٍ بِحالِ الطُّفُولِيَّةِ في النِّسْيانِ. وأنْ يَعْلَمَ شَيْئًا ثُمَّ (p-٣٨٣٢)يُسْرِعَ في نِسْيانِهِ، فَلا يَعْلَمُهُ إنْ سُئِلَ عَنْهُ. وقِيلَ: لِئَلّا يَعْقِلَ بَعْدَ عَقْلِهِ الأوَّلِ شَيْئًا. وقِيلَ: لِئَلّا يَعْلَمَ زِيادَةَ عِلْمٍ عَلى عِلْمِهِ الأوَّلِ. و(شَيْئًا) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ المَفْعُولِيَّةِ. وجُوِّزَ فِيهِ التَّنازُعُ بَيْنَ (يَعْلَمَ) و(عِلْمٍ) وكَوْنُ مَفْعُولِ (عِلْمٍ) مَحْذُوفًا لِقَصْدِ العُمُومِ. أيْ: لا يَعْلَمُ شَيْئًا ما بَعْدَ عَلِمَ أشْياءَ كَثِيرَةً ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] أيْ: جَعَلَكم مُتَفاوِتِينَ فِيهِ، فَرَزَقَكم أفْضَلَ مِمّا رَزَقَ مَمالِيكَكم، وهم بَشَرٌ مِثْلُكم: ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ [النحل: ٧١] أيْ: في الرِّزْقِ، وهُمُ المُلّاكُ: ﴿بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١] أيْ: بِمُعْطِيهِمْ إيّاهُ: ﴿فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾ [النحل: ٧١] أيْ: فَيَسْتَوُوا مَعَ عَبِيدِهِمْ في الرِّزْقِ.
والآيَةُ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلَّذِينِ جَعَلُوا لَهُ تَعالى شُرَكاءَ. أيْ: أنْتُمْ لا تُسَوُّونَ بَيْنَكم وبَيْنَ عَبِيدِكم فِيما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكم، ولا تَجْعَلُونَهم فِيهِ شُرَكاءَ، ولا تَرْضَوْنَ ذَلِكَ لِأنْفُسِكم. فَكَيْفَ رَضِيتُمْ أنْ تَجْعَلُوا عَبِيدِي شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ والتَّعْظِيمِ ؟ كَما قالَ في الأُخْرى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]
﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] أيْ: فَيُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ وهو المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ. أوْ حَيْثُ أنْكَرُوا أمْثالَ هَذِهِ الحُجَجِ البالِغَةِ بَعْدَ ما أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ ؟ ! فَإنَّهُ لا نِعْمَةَ عَلى العالَمِ أجَلَّ مَن إقامَةِ الحُجَجِ وإيضاحِ السُّبُلِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ.
(p-٣٨٣٣)
النحل 16:72
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢-٧٤] ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَتِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] .
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: في جِنْسِكم وشَكْلِكم إناثًا أزْواجًا لِتَأْنَسُوا بِها وتَحْصُلَ المَوَدَّةُ والأُلْفَةُ والرَّحْمَةُ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ أيْ: بَناتٍ وأوْلادَ أوْلادٍ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو مَنفَعَةُ الأصْنامِ وشَفاعَتُها: ﴿وبِنِعْمَتِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: في إضافَةِ نِعَمِهِ إلى الأصْنامِ، أوْ في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ لَهم.
﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٣] أيْ: مِن مَطَرٍ أوْ نَباتٍ و(شَيْئًا) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ مِن (رِزْقٍ) إنْ كانَ مَصْدَرًا، وإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَرْزُوقِ فَـ (شَيْئًا) بَدَلٌ مِنهُ بِمَعْنى قَلِيلًا. و(مِنَ السَّماواتِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَمْلِكُ) عَلى كَوْنِ الرِّزْقِ مَصْدَرًا. أوْ هو صِفَةٌ لِـ (رِزْقًا): ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] أيْ: أنْ يَتَمَلَّكُوهُ. أوْ لا اسْتِطاعَةَ لَهم أصْلًا. أوِ الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ. أيْ: ولا يَسْتَطِيعُونَ مَعَ أنَّهم أحْياءٌ مُتَصَرِّفُونَ فَكَيْفَ بِالجَمادِ ؟ ! .
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] أيْ: فَلا تَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا وأمْثالًا. والضَّرْبُ لِلْمَثَلِ فِيهِ مَعْنى الجَعْلِ. والأمْثالُ جَمْعُ (مِثْلٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ عَلى هَذا، وقِيلَ: جَمْعُ (مَثَلٍ) بِفَتْحَتَيْنِ، والآيَةُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلْإشْراكِ بِهِ. حَيْثُ جَعَلَ المُشْرِكَ بِهِ الَّذِي يُشَبِّهُهُ بِخَلْقِهِ، بِمَنزِلَةِ ضارِبِ المَثَلِ. (p-٣٨٣٤)فَإنَّ المُشَبِّهَ المَخْذُولَ يُشَبِّهُ صِفَةً بِصِفَةٍ، وذاتًا بِذاتٍ. كَما أنَّ ضارِبَ المَثَلِ كَذَلِكَ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تُشْرِكُوا. وعَدَلَ عَنْهُ لِما ذُكِرَ؛ دَلالَةً عَلى التَّعْمِيمِ في النَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيهِ وصْفًا وذاتًا. وفي لَفْظَةِ (الأمْثالَ) لِمَن لا مِثالَ لَهُ، نَعْيٌ عَظِيمٌ عَلى سُوءِ فِعْلِهِمْ. كَذا في (شَرْحُ الكَشّافِ) .
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] أيْ: يَعْلَمُ قُبْحَ ما تُشْرِكُونَ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ. ولَوْ عَلِمْتُمُوهُ لَما جَرَأْتُمْ عَلَيْهِ، فَهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ. أوْ يَعْلَمُ كُنْهَ الأشْياءِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ، فَدَعُوا رَأْيَكم وقِياسَكم دُونَ نَصِّهِ. ولَمّا نَهاهم عَنْ ضَرْبِ المَثَلِ الفِعْلِيِّ وهو الإشْراكُ؛ عَقَّبَهُ بِالكَشْفِ لِذِي البَصِيرَةِ، عَنْ حالِهِمْ في تِلْكَ الغَفْلَةِ، وحالِ مَن تابَعَهم، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النحل 16:73
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢-٧٤] ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَتِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] .
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: في جِنْسِكم وشَكْلِكم إناثًا أزْواجًا لِتَأْنَسُوا بِها وتَحْصُلَ المَوَدَّةُ والأُلْفَةُ والرَّحْمَةُ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ أيْ: بَناتٍ وأوْلادَ أوْلادٍ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو مَنفَعَةُ الأصْنامِ وشَفاعَتُها: ﴿وبِنِعْمَتِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: في إضافَةِ نِعَمِهِ إلى الأصْنامِ، أوْ في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ لَهم.
﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٣] أيْ: مِن مَطَرٍ أوْ نَباتٍ و(شَيْئًا) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ مِن (رِزْقٍ) إنْ كانَ مَصْدَرًا، وإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَرْزُوقِ فَـ (شَيْئًا) بَدَلٌ مِنهُ بِمَعْنى قَلِيلًا. و(مِنَ السَّماواتِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَمْلِكُ) عَلى كَوْنِ الرِّزْقِ مَصْدَرًا. أوْ هو صِفَةٌ لِـ (رِزْقًا): ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] أيْ: أنْ يَتَمَلَّكُوهُ. أوْ لا اسْتِطاعَةَ لَهم أصْلًا. أوِ الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ. أيْ: ولا يَسْتَطِيعُونَ مَعَ أنَّهم أحْياءٌ مُتَصَرِّفُونَ فَكَيْفَ بِالجَمادِ ؟ ! .
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] أيْ: فَلا تَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا وأمْثالًا. والضَّرْبُ لِلْمَثَلِ فِيهِ مَعْنى الجَعْلِ. والأمْثالُ جَمْعُ (مِثْلٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ عَلى هَذا، وقِيلَ: جَمْعُ (مَثَلٍ) بِفَتْحَتَيْنِ، والآيَةُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلْإشْراكِ بِهِ. حَيْثُ جَعَلَ المُشْرِكَ بِهِ الَّذِي يُشَبِّهُهُ بِخَلْقِهِ، بِمَنزِلَةِ ضارِبِ المَثَلِ. (p-٣٨٣٤)فَإنَّ المُشَبِّهَ المَخْذُولَ يُشَبِّهُ صِفَةً بِصِفَةٍ، وذاتًا بِذاتٍ. كَما أنَّ ضارِبَ المَثَلِ كَذَلِكَ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تُشْرِكُوا. وعَدَلَ عَنْهُ لِما ذُكِرَ؛ دَلالَةً عَلى التَّعْمِيمِ في النَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيهِ وصْفًا وذاتًا. وفي لَفْظَةِ (الأمْثالَ) لِمَن لا مِثالَ لَهُ، نَعْيٌ عَظِيمٌ عَلى سُوءِ فِعْلِهِمْ. كَذا في (شَرْحُ الكَشّافِ) .
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] أيْ: يَعْلَمُ قُبْحَ ما تُشْرِكُونَ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ. ولَوْ عَلِمْتُمُوهُ لَما جَرَأْتُمْ عَلَيْهِ، فَهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ. أوْ يَعْلَمُ كُنْهَ الأشْياءِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ، فَدَعُوا رَأْيَكم وقِياسَكم دُونَ نَصِّهِ. ولَمّا نَهاهم عَنْ ضَرْبِ المَثَلِ الفِعْلِيِّ وهو الإشْراكُ؛ عَقَّبَهُ بِالكَشْفِ لِذِي البَصِيرَةِ، عَنْ حالِهِمْ في تِلْكَ الغَفْلَةِ، وحالِ مَن تابَعَهم، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النحل 16:74
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢-٧٤] ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَتِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] .
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: في جِنْسِكم وشَكْلِكم إناثًا أزْواجًا لِتَأْنَسُوا بِها وتَحْصُلَ المَوَدَّةُ والأُلْفَةُ والرَّحْمَةُ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ أيْ: بَناتٍ وأوْلادَ أوْلادٍ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو مَنفَعَةُ الأصْنامِ وشَفاعَتُها: ﴿وبِنِعْمَتِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: في إضافَةِ نِعَمِهِ إلى الأصْنامِ، أوْ في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ لَهم.
﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٣] أيْ: مِن مَطَرٍ أوْ نَباتٍ و(شَيْئًا) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ مِن (رِزْقٍ) إنْ كانَ مَصْدَرًا، وإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَرْزُوقِ فَـ (شَيْئًا) بَدَلٌ مِنهُ بِمَعْنى قَلِيلًا. و(مِنَ السَّماواتِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَمْلِكُ) عَلى كَوْنِ الرِّزْقِ مَصْدَرًا. أوْ هو صِفَةٌ لِـ (رِزْقًا): ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] أيْ: أنْ يَتَمَلَّكُوهُ. أوْ لا اسْتِطاعَةَ لَهم أصْلًا. أوِ الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ. أيْ: ولا يَسْتَطِيعُونَ مَعَ أنَّهم أحْياءٌ مُتَصَرِّفُونَ فَكَيْفَ بِالجَمادِ ؟ ! .
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] أيْ: فَلا تَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا وأمْثالًا. والضَّرْبُ لِلْمَثَلِ فِيهِ مَعْنى الجَعْلِ. والأمْثالُ جَمْعُ (مِثْلٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ عَلى هَذا، وقِيلَ: جَمْعُ (مَثَلٍ) بِفَتْحَتَيْنِ، والآيَةُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلْإشْراكِ بِهِ. حَيْثُ جَعَلَ المُشْرِكَ بِهِ الَّذِي يُشَبِّهُهُ بِخَلْقِهِ، بِمَنزِلَةِ ضارِبِ المَثَلِ. (p-٣٨٣٤)فَإنَّ المُشَبِّهَ المَخْذُولَ يُشَبِّهُ صِفَةً بِصِفَةٍ، وذاتًا بِذاتٍ. كَما أنَّ ضارِبَ المَثَلِ كَذَلِكَ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تُشْرِكُوا. وعَدَلَ عَنْهُ لِما ذُكِرَ؛ دَلالَةً عَلى التَّعْمِيمِ في النَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيهِ وصْفًا وذاتًا. وفي لَفْظَةِ (الأمْثالَ) لِمَن لا مِثالَ لَهُ، نَعْيٌ عَظِيمٌ عَلى سُوءِ فِعْلِهِمْ. كَذا في (شَرْحُ الكَشّافِ) .
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] أيْ: يَعْلَمُ قُبْحَ ما تُشْرِكُونَ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ. ولَوْ عَلِمْتُمُوهُ لَما جَرَأْتُمْ عَلَيْهِ، فَهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ. أوْ يَعْلَمُ كُنْهَ الأشْياءِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ، فَدَعُوا رَأْيَكم وقِياسَكم دُونَ نَصِّهِ. ولَمّا نَهاهم عَنْ ضَرْبِ المَثَلِ الفِعْلِيِّ وهو الإشْراكُ؛ عَقَّبَهُ بِالكَشْفِ لِذِي البَصِيرَةِ، عَنْ حالِهِمْ في تِلْكَ الغَفْلَةِ، وحالِ مَن تابَعَهم، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النحل 16:75
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٥] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ مَثَلَ هَؤُلاءِ في إشْراكِهِمْ، مَثَلُ مَن سَوّى بَيْنِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ عاجِزٍ عَنِ التَّصَرُّفِ، وبَيْنَ حُرٍّ مالِكٍ يَتَصَرَّفُ في مالِهِ كَيْفَ يَشاءُ، ولا مُساواةَ بَيْنَهُما، مَعَ أنَّهُما سِيّانِ في البَشَرِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. فَما الظَّنُّ بِرَبِّ العالَمِينَ حَيْثُ يُشْرِكُونَ بِهِ أعْجَزَ المَخْلُوقاتِ ؟ ! وإيثارُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن رَزَقْناهُ﴾ إلخ عَلى (مالِكًا) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما بِيَدِهِ، هو مِن فَضْلِ اللَّهِ ورِزْقِهِ، وعَلى تَذْكِيرِهِ الإنْفاقَ مِنهُ في السِّرِّ والجَهْرِ، لِيَكُونَ عامِلًا بِأمْرِ اللَّهِ فِيهِ.
(p-٣٨٣٥)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: عَلى ما هَدى أوْلِياءَهُ. وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ. أوِ الحَمْدُ كُلُّهُ لَهُ لا يَسْتَحِقُّهُ شَيْءٌ مِنَ الأصْنامِ. أوِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى قُوَّةِ هَذِهِ الحُجَّةِ وظُهُورِ المَحَبَّةِ وأكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَها، مَعَ أنَّها في غايَةِ ظُهُورِها ونِهايَةِ وُضُوحِها.
وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:76
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٦] ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ أيْ: مَثَلًا آخَرَ يَدُلُّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَثَلُ السّابِقُ عَلى وجْهٍ أوْضَحَ: ﴿رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ﴾ أيْ: أخْرَسُ: ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المِنطِيقُ المُفْصِحُ عَمّا في نَفْسِهِ: ﴿وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ أيْ: ثَقِيلٌ عَلى مَن يَلِي أمْرَهُ، لِعَدَمِ اهْتِمامِهِ بِإقامَةِ مَصالِحِ نَفْسِهِ: ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ أيْ: حَيْثُ يُرْسِلُهُ في أمْرٍ لا يَأْتِ بِنَجْحِهِ وكِفايَةِ مُهِمِّهِ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ أيْ: ومَن هو بَلِيغٌ مِنطِيقٌ ذُو كِفايَةٍ ورُشْدٍ لِيَنْفَعَ النّاسَ، بِحَثِّهِمْ عَلى العَدْلِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الفَضائِلِ.
{ وهو } أيْ: في نَفْسِهِ مَعَ ما ذَكَرَ مِن نَفْعِهِ العامِّ: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: عَلى سِيرَةٍ صالِحَةٍ ودِينٍ قَوِيمٍ، لا يَتَوَجَّهُ إلى مَطْلَبٍ إلّا ويَبْلُغُهُ بِأقْرَبِ سَعْيٍ وأسْهَلِهِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ضَرَبَ تَعالى مَثَلًا لِلصَّنَمِ الَّذِي عَبَدُوهُ وهو لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ؛ لِأنَّهُ يَحْمِلُهُ إذا ظَعَنَ فَيُحَوِّلُهُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: هَلْ يَسْتَوِي هَذا الصَّنَمُ الكَلُّ، ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ ؟ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ، كَأنَّهُ قالَ: لا تُسَوُّوا بَيْنَ الصَّنَمِ وبَيْنَ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ. انْتَهى.
(p-٣٨٣٦)وإلَيْهِ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، ولِما يُفِيضُ عَلى عِبادِهِ ويَشْمَلُهم مَعَ آثارِ رَحْمَتِهِ وألْطافِهِ ونِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ولِلْأصْنامِ الَّتِي هي أمْواتٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ. انْتَهى.
وناقَشَ الرّازِيُّ في حَمْلِهِ عَلى الصَّنَمِ بِأنَّ الوَصْفَ بِالرَّجُلِ وبِالبُكْمِ وبِالكَلِّ وبِالتَّوَجُّهِ في جِهاتِ المَنافِعِ، يَمْنَعُ مِن حَمْلِها عَلى الوَثَنِ. وكَذا الوَصْفُ في الثّانِي بِأنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.
وقَدْ يُقالُ في جَوابِهِ: بِأنَّ الأوْصافَ الأُوَلَ، وإنْ كانَتْ ظاهِرَةً في الإنْسانِ ) والأصْلُ في الإطْلاقِ ما يَتَبادَرُ وهو الحَقِيقَةُ ) إلّا أنَّ المُقامَ صَرَفَها إلى الوَثَنِ؛ لِأنَّ الآياتِ في بَيانِ حَقارَةِ ما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ تَعالى، وكَوْنِهِ لا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ بِوَجْهٍ ما؛ لِما فِيهِ مِن صِفاتِ النَّقْصِ. وأمّا الوَصْفُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] فَصَحَّ الحَمْلُ.
ثُمَّ رَأيْتُ لِلْإمامِ ابْنِ القَيِّمِ في (أعْلامُ المُوقِّعِينَ) ما يُؤَيِّدُ ما اعْتَمَدْناهُ حَيْثُ قالَ في بَحْثِ أمْثالِ القُرْآنِ، في هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ ما صُورَتُهُ:
فالمَثَلُ الأوَّلُ: يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥] الآيَةَ، ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ ولِلْأوْثانِ. فاللَّهُ سُبْحانَهُ هو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ. يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ عَلى عَبِيدِهِ سِرًّا وجَهْرًا ولَيْلًا ونَهارًا. يَمِينُهُ مَلْأى لا يُغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ. والأوْثانُ مَمْلُوكَةٌ عاجِزَةٌ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَكَيْفَ يَجْعَلُونَها شُرَكاءَ إلَيَّ ويَعْبُدُونَها مِن دُونِي، مَعَ هَذا التَّفاوُتِ العَظِيمِ والفَرْقِ المُبِينِ ؟ هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، ومَثَلُ المُؤْمِنِ في الخَيْرِ الَّذِي عِنْدَهُ ثُمَّ رَزَقَهُ مِنهُ حَسَنًا، فَهو يُنْفِقُ مِنهُ عَلى نَفْسِهِ وعَلى غَيْرِهِ سِرًّا وجَهْرًا. والكافِرُ بِمَنزِلَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ (p-٣٨٣٧)عاجِزٍ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لا خَيْرَ عِنْدَهُ. فَهَلْ يَسْتَوِي الرَّجُلانِ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ ؟ والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ بِالمُرادِ، فَإنَّهُ أظْهَرُ في بُطْلانِ الشِّرْكِ، وأوْضَحُ عِنْدَ المُخاطَبِ، وأعْظَمُ في إقامَةِ الحُجَّةِ، وأقْرَبُ نَسَبًا بِقَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] ثُمَّ قالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] ومِن لَوازِمِ هَذا المَثَلِ وأحْكامِهِ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ المُوَحِّدُ مِمَّنْ رَزَقَهُ مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا. والكافِرُ المُشْرِكُ كالعَبْدِ المَمْلُوكِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ. فَهَذا مِمّا يُنَبِّهُ عَلَيْهِ المَثَلُ وأرْشَدَ إلَيْهِ. فَذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مُنَبِّهًا عَلى إرادَتِهِ، لا أنَّ الآيَةَ اخْتُصَّتْ بِهِ. فَتَأمَّلْهُ فَإنَّكَ تَجِدُهُ كَثِيرًا في كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ في فَهْمِ القُرْآنِ. فَيَظُنُّ الظّانُّ أنَّ ذَلِكَ هو مَعْنى الآيَةِ الَّتِي لا مَعْنى لَها غَيْرُهُ، فَيَحْكِيهِ قَوْلُهُ.
وأمّا المَثَلُ الثّانِي، فَهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِنَفْسِهِ ولِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ أيْضًا. فالصَّنَمُ الَّذِي يُعْبَدُ مِن دُونِهِ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ أبْكَمَ لا يَعْقِلُ ولا يَنْطِقُ. بَلْ وهو أبْكَمُ القَلْبِ واللِّسانِ، قَدْ عُدِمَ النُّطْقَ القَلْبِيَّ واللِّسانِيَّ، مَعَ هَذا فَهو عاجِزٌ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ. وعَلى هَذا فَأيْنَما أرْسَلْتَهُ لا يَأْتِيكَ بِخَيْرٍ، ولا يَقْضِي لَكَ حاجَةً. واللَّهُ سُبْحانَهُ حَيٌّ قادِرٌ مُتَكَلِّمٌ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وهَذا وصْفٌ لَهُ بِغايَةِ الكَمالِ والحَمْدِ. فَإنَّ أمْرَهُ بِالعَدْلِ، وهو الحَقُّ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِهِ مُعْلِمٌ لَهُ، راضٍ بِهِ آمِرٌ لِعِبادِهِ بِهِ، مُحِبٌّ لِأهْلِهِ لا يَأْمُرُ بِسِواهُ، بَلْ تَنَزَّهَ عَنْ ضِدِّهِ الَّذِي هو الجَوْرُ والظُّلْمُ والسَّفَهُ والباطِلُ. بَلْ أمْرُهُ وشَرْعُهُ عَدْلٌ كُلُّهُ. وأهْلُ العَدْلِ هم أوْلِياؤُهُ وأحِبّاؤُهُ. وهُمُ المُجاوِرُونَ لَهُ عِنْدَ يَمِينِهِ، عَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ. وأمْرُهُ بِالعَدْلِ يَتَناوَلُ الأمْرَ الشَّرْعِيَّ الدِّينِيَّ والأمْرَ القَدَرِيَّ الكَوْنِيَّ. وكِلاهُما عَدْلٌ لا جَوْرَ فِيهِ بِوَجْهٍ. كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ»» . فَقَضاؤُهُ (p-٣٨٣٨)هُوَ أمْرُهُ الكَوْنِيُّ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فَلا يَأْمُرُ إلّا بِحَقٍّ وعَدْلٍ. وقَضاؤُهُ وقَدَرُهُ القائِمُ بِهِ حَقٌّ وعَدْلٌ. وإنْ كانَ في المَقْضِيِّ المُقَدَّرِ ما هو جَوْرٌ وظُلْمٌ، فالقَضاءُ غَيْرُ المَقْضِي، والقَدَرُ غَيْرُ المُقَدَّرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ رَسُولِهِ شُعَيْبٍ: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٦] نَظِيرُ قَوْلِهِ (ناصِيَتِي بِيَدِكَ) وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] نَظِيرُ قَوْلِهِ (عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ) فالأوَّلُ مِلْكُهُ، والثّانِي حَمْدُهُ. وهو سُبْحانُهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ. وكَوْنُهُ سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، ولا يَأْمُرُ إلّا بِالعَدْلِ، ولا يَفْعَلُ إلّا ما هو مَصْلَحَةٌ ورَحْمَةٌ وحِكْمَةٌ وعَدْلٌ. فَهو عَلى الحَقِّ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. فَلا يَقْضِي عَلى العَبْدِ بِما يَكُونُ ظالِمًا بِهِ ولا يُؤْخَذُ بِغَيْرِ ذَنْبِهِ. ولا يَنْقُصُهُ مِن حَسَناتِهِ شَيْئًا. ولا يَحْمِلُ عَلَيْهِ مِن سَيِّئاتِ غَيْرِهِ الَّتِي لَمْ يَعْمَلْها، ولَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْها شَيْئًا. ولا يُؤاخِذُ أحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا يَفْعَلُ قَطُّ ما لا يُحْمَدُ عَلَيْهِ ويُثْنى بِهِ عَلَيْهِ ويَكُونُ لَهُ فِيهِ العَواقِبُ الحَمِيدَةُ والغاياتُ المَطْلُوبَةُ. فَإنَّ كَوْنَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَأْبى ذَلِكَ كُلَّهُ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] يَقُولُ: إنَّ رَبِّي عَلى طَرِيقِ الحَقِّ يُجازِي المُحْسِنَ مِن خَلْقِهِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا يَظْلِمُ أحَدًا مِنهم ولا يَقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامَ لَهُ والإيمانَ بِهِ.
ثُمَّ حُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ مِن طَرِيقِ شِبْلِ بْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] قالَ: الحَقُّ. وكَذَلِكَ رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ.
(p-٣٨٣٩)وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] وهَذا اخْتِلافُ عِبارَةٍ. فَإنَّ كَوْنَهُ بِالمِرْصادِ هو مُجازاةُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: إنَّ رَبِّي يَحُثُّكم عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ويَحُضُّكم عَلَيْهِ. وهَؤُلاءِ إنْ أرادُوا أنَّ هَذا مَعْنى الآيَةِ الَّتِي أُرِيدَ بِها. فَلَيْسَ كَما زَعَمُوا ولا دَلِيلَ عَلى هَذا المُقَدَّرِ. وقَدْ فَرَّقَ سُبْحانَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ آمِرًا بِالعَدْلِ وبَيْنَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وإنْ أرادُوا أنَّ حَثَّهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مِن جُمْلَةِ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَقَدْ أصابُوا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: مَعْنى كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: أنَّ مَرَدَّ العِبادِ والأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنها. وهَؤُلاءِ إنْ أرادُوا أنَّ هَذا مَعْنى الآيَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ. وإنْ أرادُوا أنَّ هَذا مِن لَوازِمَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ومِن مُقْتَضاهُ ومُوجِبِهِ، فَهو حَقٌّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: مَعْناهُ كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ في مِلْكِهِ وقَبْضَتِهِ، وهَذا وإنْ كانَ حَقًّا فَلَيْسَ هو مَعْنى الآيَةِ. وقَدْ فَرَّقَ شُعَيْبٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٦] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] فَهُما مَعْنَيانِ مُسْتَقِلّانِ.
فالقَوْلُ قَوْلُ مُجاهِدٍ. وهو قَوْلُ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ. ولا تَحْتَمِلُ العَرَبِيَّةُ غَيْرَهُ إلّا عَلى اسْتِكْراهٍ.
وقالَ جَرِيرٌ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ:
؎أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمٍ
وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] (p-٣٨٤٠)وإذا كانَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي جَعَلَ رُسُلَهُ وأتْباعَهم عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَهو سُبْحانُهُ أحَقُّ بِأنْ يَكُونَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ. وإنْ كانَ صِراطُ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ هو مُوافَقَةَ أمْرِهِ، فَصِراطُهُ الَّذِي هو سُبْحانَهُ عَلَيْهِ، هو ما يَقْتَضِيهِ حَمْدُهُ وكَمالُهُ ومَجْدُهُ مِن قَوْلِهِ الحَقَّ وفِعْلِهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وفِي الآيَةِ قَوْلٌ ثانٍ مِثْلَ الآيَةِ الأُولى سَواءً: إنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما في هَذا القَوْلِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. انْتَهى بِحُرُوفِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:77
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧] ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
الآيَةُ إمّا جَوابٌ لِاسْتِعْجالِهِمْ ما يُوعَدُونَ، أوْ لِاسْتِبْطائِهِمُ السّاعَةَ، أوْ لِبَيانِ كَمالِهِ في العِلْمِ والقُدْرَةِ؛ تَعْرِيضًا بِأنَّ مَعْبُوداتِهِمْ عَرِيَّةٌ مِنهُما. فَأشارَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَخْتَصُّ بِهِ عِلْمُ ما غابَ فِيهِما عَنِ العِبادِ وخَفِيَ عَلَيْهِمْ عِلْمُهُ، أوْ غَيْبُهُما: هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّ عِلْمَهُ غائِبٌ عَنْ أهْلِهِما، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهم، وأشارَ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ و(السّاعَةُ): الوَقْتُ الَّذِي تَقُومُ فِيهِ القِيامَةُ. و(اللَّمْحُ): النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ. أيْ: كَرَجْعِ الطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها ) أوْ هو أقْرَبُ ) مِن ذَلِكَ، أيْ: أسْرَعُ زَمانًا، بِأنْ يَقَعَ في بَعْضِ زَمانِهِ. وفِيهِ مِن كَمالِ تَقْرِيرِ قُدْرَتِهِ تَعالى ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ، إشارَةً إلى أنَّ مَقْدُوراتِهِ تَعالى لا تَتَناهى، وأنَّ ما يُذْكَرُ بَعْضٌ مِنها. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٨٤١)
النحل 16:78
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨-٧٩] ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] .
﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢] مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [النحل: ٦٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ [النحل: ٧٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النحل: ٧١] أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. و(شَيْئًا) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ مَفْعُولُ (تَعْلَمُونَ) والنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَيْهِ. أيْ: لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا مِن حَقِّ المُنْعِمِ وغَيْرِهِ.
﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ أيْ: فَتُدْرِكُونَ بِهِ الأصْواتَ: ﴿والأبْصارَ﴾ فَتُحِسُّونَ المَرْئِيّاتِ: ﴿والأفْئِدَةَ﴾ أيِ: العُقُولَ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لِتَصْرِفُوها فِيما خُلِقَتْ لَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والِاعْتِبارِ بِها، والمَشْيِ عَلى السُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ. ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى آيَتِهِ في خَلْقِهِ الطَّيْرَ بِقَوْلِهِ:
﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ﴾ [النحل: ٧٩] أيْ: مُذَلَّلاتٍ: ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ﴾ [النحل: ٧٩] أيْ: ما يُمْسِكُهُنَّ في الجَوِّ مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِمادَّةٍ ولا اعْتِمادٍ عَلى جِسْمٍ ثَقِيلٍ إلّا هو سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] قالَ الحُجَّةُ الغَزالِيُّ في " الحِكْمَةِ في خَلْقِ المَخْلُوقاتِ "، في حِكْمَةِ الطَّيْرِ، في هَذِهِ الآيَةِ، ما مِثالُهُ:
اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الطَّيْرَ وأحْكَمَهُ حِكْمَةً تَقْتَضِي الخِفَّةَ لِلطَّيَرانِ. ولَمْ يَخْلُقْ فِيهِ ما يُثْقِلُهُ. وخَلَقَ فِيهِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ وما فِيهِ قِوامُهُ وصَرْفُ غِذائِهِ، فَقَسَّمَ لِكُلِّ عُضْوٍ مِنهُ ما يُناسِبُهُ. فَإنْ كانَ رَخْوًا أوْ يابِسًا أوْ بَيْنَ ذَلِكَ، انْصَرَفَ إلى كُلِّ عُضْوٍ مِن غِذائِهِ ما هو لائِقٌ بِهِ. (p-٣٨٤٢)فَخَلَقَ لِلطَّيْرِ الرِّجْلَيْنِ دُونَ اليَدَيْنِ لِضَرُورَةِ مَشْيِهِ وتَنَقُّلِهِ، وإعانَةً لَهُ في ارْتِفاعِهِ عَنِ الأرْضِ وقْتَ طَيَرانِهِ، واسِعَةَ الأسْفَلِ لِيَثْبُتَ في مَوْطِنٍ عَلى الأرْضِ وهي خُفٌّ فِيهِ. أوْ بَعْضُ أصابِعَ مَخْلُوقَةٍ مِن جِلْدٍ رَقِيقٍ صُلْبٍ مِن نِسْبَةِ جِلْدِ ساقَيْهِ. وجَعَلَ جِلْدَ ساقَيْهِ غَلِيظًا مُتْقَنًا جِدًّا لِيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنِ الرِّيشِ في الحَرِّ والبَرْدِ. وكانَ مِنَ الحِكْمَةِ، خَلْقُهُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ في رَعْيِهِ وطَلَبِ قُوتِهِ لا يَسْتَغْنِي عَنْ مَواضِعَ فِيها الطِّينُ والماءُ، فَلَوْ كُسِيَتْ ساقاهُ بِرِيشٍ لِتَضَرَّرَ بِبَلَلِهِ وتَلْوِيثِهِ. فَأغْناهُ سُبْحانَهُ عَنِ الرِّيشِ في مَوْضِعٍ لا يَلِيقُ بِهِ حَتّى يَكُونَ مُخَلَّصًا لِلطَّيَرانِ. وما خَلَقَ مِنَ الطَّيْرِ ذا أرْجُلٍ طِوالٍ جُعِلَتْ رَقَبَتُهُ طَوِيلَةً لِيَنالَ غِذاءَهُ مِن غَيْرِ حَرَجٍ بِها. إذْ لَوْ طالَتْ رِجْلُهُ وقَصُرَ عُنُقُهُ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّعْيُ في البَرارِيِّ ولا في البَحائِرِ حَتّى يَنْكَبَّ عَلى صَدْرِهِ. وكَثِيرًا ما يُعانُ بِطُولِ المِنقارِ أيْضًا مَعَ طُولِ العُنُقِ؛ لِيَزْدادَ مَطْلَبُهُ عَلَيْهِ سُهُولَةً. ولَوْ طالَ عُنُقُهُ وقَصُرَتْ رِجْلاهُ أثْقَلَهُ عُنُقُهُ واخْتَلَّ رَعْيُهُ. وخَلَقَ صَدْرَهُ ودائِرَهُ مَلْفُوفًا عَلى عَظْمٍ كَهَيْئَةِ نِصْفِ دائِرَةٍ، حَتّى يَخْرُقَ في الهَواءِ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ، وكَذَلِكَ رُؤُوسُ أجْنِحَتِهِ مُدَوَّرَةٌ إعانَةً لَهُ عَلى الطَّيَرانِ. وجَعَلَ لِكُلِّ جِنْسٍ مِنَ الطَّيْرِ مِنقارًا يُناسِبُ رَعْيَهُ ويَصْلُحُ لِما يَغْتَذِي بِهِ مِن تَقْطِيعٍ ولَقْطٍ وحَفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. فَمِنهُ مِخْلَبٌ لِتَقْطِيعٍ خَصَّ بِهِ الكَواسِرَ وما قُوتُهُ اللَّحْمُ. ومِنهُ عَرِيضٌ مُشَرْشَرٌ جَوانِبُهُ تَنْطَبِقُ عَلى ما يَلْتَقِطُهُ انْطِباقًا مُحْكَمًا. ومِنهُ مُعْتَدِلُ اللَّقْطِ وأكْلُ الخُضْرِ. ومِنهُ طَوِيلُ المِنقارِ جَعَلَهُ صُلْبًا شَدِيدًا شِبْهَ العَظْمِ وفِيهِ لُيُونَةٌ، وما هي في العَظْمِ؛ لِكَثْرَةِ الحاجَةِ إلى اسْتِعْمالِهِ. وهو مَقامُ الأسْنانِ في غَيْرِ الطَّيْرِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَوّى سُبْحانَهُ أصْلَ الرِّيشِ وجَعَلَهُ قَصَبًا مَنسُوبًا فِيما يُناسِبُهُ مِنَ الجِلْدِ الصُّلْبِ في الأجْنِحَةِ ولِأجْلِ كَثْرَةِ الطَّيَرانِ، ولِأنَّ حَرَكَةَ الطَّيَرانِ قَوِيَّةٌ فَهو مُحْتاجٌ إلى الإتْقانِ لِأجْلِ الرِّيشِ. وجَعَلَ رِيشَهُ وِقايَةً مِمّا يَضُرُّهُ مِن حَرٍّ أوْ بَرْدٍ. ومَعُونَةُ مُتَخَلِّلَةِ الهَواءِ لِلطَّيَرانِ. وخَصَّ الأجْنِحَةَ بِأقْوى الرِّيشِ وأثْبَتِهِ وأتْقَنِهِ؛ لِكَثْرَةِ دُعاءِ الحاجَةِ إلَيْهِ. وجَعَلَ في سائِرِ بَدَنِهِ رِيشًا غَيْرَهُ كُسْوَةً ووِقايَةً وجَمالًا لَهُ. وجَعَلَ في رِيشِهِ مِنَ الحِكْمَةِ، أنَّ البَلَلَ لا يُفْسِدُهُ والأدْرانُ لا تُوَسِّخُهُ. فَإنْ أصابَهُ ماءٌ كانَ أيْسَرُ انْتِفاضٍ (p-٣٨٤٣)يَطْرُدُ عَنْهُ بَلَلَهُ، فَيَعُودُ إلى خِفَّتِهِ. وجَعَلَ لَهُ مَنفَذًا واحِدًا لِلْوِلادَةِ وخُرُوجِ فَضَلاتِهِ لِأجْلِ خِفَّتِهِ. وخَلَقَ رِيشَ ذَنَبِهِ مَعُونَةً لَهُ عَلى اسْتِقامَتِهِ في طَيَرانِهِ، فَلَوْلاهُ لَما مالَتْ بِهِ الأجْنِحَةُ في حالِ الطَّيَرانِ يَمِينًا وشِمالًا، فَكانَ لَهُ بِمَنزِلِ رِجْلِ السَّفِينَةِ الَّذِي يَعْدِلُ بِها سَيْرَها. وخَلَقَ في طِباعِهِ الحَذَرَ وِقايَةً لِسَلامَتِهِ. ولَمّا كانَ طَعامُهُ يَبْتَلِعُهُ بَلْعًا بِلا مَضْغٍ، جَعَلَ لِبَعْضِهِ مِنقارًا صُلْبًا يَقْطَعُ بِهِ اللَّحْمَ ويَقُومُ لَهُ مَقامَ ما يُقْطَعُ بِالمُدْيَةِ. وصارَ يَزْدَرِدُ ما يَأْكُلُهُ صَحِيحًا. وأُعِينَ بِفَضْلِ حَرارَةٍ في جَوْفِهِ تَطْحَنُ الطَّعامَ طَحْنًا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ المَضْغِ وثِقَلِ الأسْنانِ. واعْتُبِرَ ذَلِكَ بِحَبِّ العِنَبِ وغَيْرِهِ. فَإنَّهُ يَخْرُجُ مِن بُطُونِ الحَيَوانِ صَحِيحًا، ويَنْسَحِقُ في أجْوافِ الطَّيْرِ. ثُمَّ إنَّهُ خَلَقَهُ يَبِيضُ ولا يَلِدُ، لِئَلّا يَثْقُلَ عَنِ الطَّيَرانِ. فَإنَّهُ لَوْ خُلِقَتْ فِراخُهُ في جَوْفِهِ حَتّى يَكْمُلَ خَلْقُها لَثَقُلَ بِها وتَعَوَّقَ عَنِ النُّهُوضِ لِلطَّيَرانِ. أفَلا تَرى كَيْفَ دَبَّرَ كُلَّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ ؟ ! انْتَهى مُلَخَّصًا.
النحل 16:79
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨-٧٩] ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] .
﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢] مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [النحل: ٦٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ [النحل: ٧٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النحل: ٧١] أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. و(شَيْئًا) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ مَفْعُولُ (تَعْلَمُونَ) والنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَيْهِ. أيْ: لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا مِن حَقِّ المُنْعِمِ وغَيْرِهِ.
﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ أيْ: فَتُدْرِكُونَ بِهِ الأصْواتَ: ﴿والأبْصارَ﴾ فَتُحِسُّونَ المَرْئِيّاتِ: ﴿والأفْئِدَةَ﴾ أيِ: العُقُولَ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لِتَصْرِفُوها فِيما خُلِقَتْ لَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والِاعْتِبارِ بِها، والمَشْيِ عَلى السُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ. ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى آيَتِهِ في خَلْقِهِ الطَّيْرَ بِقَوْلِهِ:
﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ﴾ [النحل: ٧٩] أيْ: مُذَلَّلاتٍ: ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ﴾ [النحل: ٧٩] أيْ: ما يُمْسِكُهُنَّ في الجَوِّ مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِمادَّةٍ ولا اعْتِمادٍ عَلى جِسْمٍ ثَقِيلٍ إلّا هو سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] قالَ الحُجَّةُ الغَزالِيُّ في " الحِكْمَةِ في خَلْقِ المَخْلُوقاتِ "، في حِكْمَةِ الطَّيْرِ، في هَذِهِ الآيَةِ، ما مِثالُهُ:
اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الطَّيْرَ وأحْكَمَهُ حِكْمَةً تَقْتَضِي الخِفَّةَ لِلطَّيَرانِ. ولَمْ يَخْلُقْ فِيهِ ما يُثْقِلُهُ. وخَلَقَ فِيهِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ وما فِيهِ قِوامُهُ وصَرْفُ غِذائِهِ، فَقَسَّمَ لِكُلِّ عُضْوٍ مِنهُ ما يُناسِبُهُ. فَإنْ كانَ رَخْوًا أوْ يابِسًا أوْ بَيْنَ ذَلِكَ، انْصَرَفَ إلى كُلِّ عُضْوٍ مِن غِذائِهِ ما هو لائِقٌ بِهِ. (p-٣٨٤٢)فَخَلَقَ لِلطَّيْرِ الرِّجْلَيْنِ دُونَ اليَدَيْنِ لِضَرُورَةِ مَشْيِهِ وتَنَقُّلِهِ، وإعانَةً لَهُ في ارْتِفاعِهِ عَنِ الأرْضِ وقْتَ طَيَرانِهِ، واسِعَةَ الأسْفَلِ لِيَثْبُتَ في مَوْطِنٍ عَلى الأرْضِ وهي خُفٌّ فِيهِ. أوْ بَعْضُ أصابِعَ مَخْلُوقَةٍ مِن جِلْدٍ رَقِيقٍ صُلْبٍ مِن نِسْبَةِ جِلْدِ ساقَيْهِ. وجَعَلَ جِلْدَ ساقَيْهِ غَلِيظًا مُتْقَنًا جِدًّا لِيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنِ الرِّيشِ في الحَرِّ والبَرْدِ. وكانَ مِنَ الحِكْمَةِ، خَلْقُهُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ في رَعْيِهِ وطَلَبِ قُوتِهِ لا يَسْتَغْنِي عَنْ مَواضِعَ فِيها الطِّينُ والماءُ، فَلَوْ كُسِيَتْ ساقاهُ بِرِيشٍ لِتَضَرَّرَ بِبَلَلِهِ وتَلْوِيثِهِ. فَأغْناهُ سُبْحانَهُ عَنِ الرِّيشِ في مَوْضِعٍ لا يَلِيقُ بِهِ حَتّى يَكُونَ مُخَلَّصًا لِلطَّيَرانِ. وما خَلَقَ مِنَ الطَّيْرِ ذا أرْجُلٍ طِوالٍ جُعِلَتْ رَقَبَتُهُ طَوِيلَةً لِيَنالَ غِذاءَهُ مِن غَيْرِ حَرَجٍ بِها. إذْ لَوْ طالَتْ رِجْلُهُ وقَصُرَ عُنُقُهُ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّعْيُ في البَرارِيِّ ولا في البَحائِرِ حَتّى يَنْكَبَّ عَلى صَدْرِهِ. وكَثِيرًا ما يُعانُ بِطُولِ المِنقارِ أيْضًا مَعَ طُولِ العُنُقِ؛ لِيَزْدادَ مَطْلَبُهُ عَلَيْهِ سُهُولَةً. ولَوْ طالَ عُنُقُهُ وقَصُرَتْ رِجْلاهُ أثْقَلَهُ عُنُقُهُ واخْتَلَّ رَعْيُهُ. وخَلَقَ صَدْرَهُ ودائِرَهُ مَلْفُوفًا عَلى عَظْمٍ كَهَيْئَةِ نِصْفِ دائِرَةٍ، حَتّى يَخْرُقَ في الهَواءِ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ، وكَذَلِكَ رُؤُوسُ أجْنِحَتِهِ مُدَوَّرَةٌ إعانَةً لَهُ عَلى الطَّيَرانِ. وجَعَلَ لِكُلِّ جِنْسٍ مِنَ الطَّيْرِ مِنقارًا يُناسِبُ رَعْيَهُ ويَصْلُحُ لِما يَغْتَذِي بِهِ مِن تَقْطِيعٍ ولَقْطٍ وحَفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. فَمِنهُ مِخْلَبٌ لِتَقْطِيعٍ خَصَّ بِهِ الكَواسِرَ وما قُوتُهُ اللَّحْمُ. ومِنهُ عَرِيضٌ مُشَرْشَرٌ جَوانِبُهُ تَنْطَبِقُ عَلى ما يَلْتَقِطُهُ انْطِباقًا مُحْكَمًا. ومِنهُ مُعْتَدِلُ اللَّقْطِ وأكْلُ الخُضْرِ. ومِنهُ طَوِيلُ المِنقارِ جَعَلَهُ صُلْبًا شَدِيدًا شِبْهَ العَظْمِ وفِيهِ لُيُونَةٌ، وما هي في العَظْمِ؛ لِكَثْرَةِ الحاجَةِ إلى اسْتِعْمالِهِ. وهو مَقامُ الأسْنانِ في غَيْرِ الطَّيْرِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَوّى سُبْحانَهُ أصْلَ الرِّيشِ وجَعَلَهُ قَصَبًا مَنسُوبًا فِيما يُناسِبُهُ مِنَ الجِلْدِ الصُّلْبِ في الأجْنِحَةِ ولِأجْلِ كَثْرَةِ الطَّيَرانِ، ولِأنَّ حَرَكَةَ الطَّيَرانِ قَوِيَّةٌ فَهو مُحْتاجٌ إلى الإتْقانِ لِأجْلِ الرِّيشِ. وجَعَلَ رِيشَهُ وِقايَةً مِمّا يَضُرُّهُ مِن حَرٍّ أوْ بَرْدٍ. ومَعُونَةُ مُتَخَلِّلَةِ الهَواءِ لِلطَّيَرانِ. وخَصَّ الأجْنِحَةَ بِأقْوى الرِّيشِ وأثْبَتِهِ وأتْقَنِهِ؛ لِكَثْرَةِ دُعاءِ الحاجَةِ إلَيْهِ. وجَعَلَ في سائِرِ بَدَنِهِ رِيشًا غَيْرَهُ كُسْوَةً ووِقايَةً وجَمالًا لَهُ. وجَعَلَ في رِيشِهِ مِنَ الحِكْمَةِ، أنَّ البَلَلَ لا يُفْسِدُهُ والأدْرانُ لا تُوَسِّخُهُ. فَإنْ أصابَهُ ماءٌ كانَ أيْسَرُ انْتِفاضٍ (p-٣٨٤٣)يَطْرُدُ عَنْهُ بَلَلَهُ، فَيَعُودُ إلى خِفَّتِهِ. وجَعَلَ لَهُ مَنفَذًا واحِدًا لِلْوِلادَةِ وخُرُوجِ فَضَلاتِهِ لِأجْلِ خِفَّتِهِ. وخَلَقَ رِيشَ ذَنَبِهِ مَعُونَةً لَهُ عَلى اسْتِقامَتِهِ في طَيَرانِهِ، فَلَوْلاهُ لَما مالَتْ بِهِ الأجْنِحَةُ في حالِ الطَّيَرانِ يَمِينًا وشِمالًا، فَكانَ لَهُ بِمَنزِلِ رِجْلِ السَّفِينَةِ الَّذِي يَعْدِلُ بِها سَيْرَها. وخَلَقَ في طِباعِهِ الحَذَرَ وِقايَةً لِسَلامَتِهِ. ولَمّا كانَ طَعامُهُ يَبْتَلِعُهُ بَلْعًا بِلا مَضْغٍ، جَعَلَ لِبَعْضِهِ مِنقارًا صُلْبًا يَقْطَعُ بِهِ اللَّحْمَ ويَقُومُ لَهُ مَقامَ ما يُقْطَعُ بِالمُدْيَةِ. وصارَ يَزْدَرِدُ ما يَأْكُلُهُ صَحِيحًا. وأُعِينَ بِفَضْلِ حَرارَةٍ في جَوْفِهِ تَطْحَنُ الطَّعامَ طَحْنًا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ المَضْغِ وثِقَلِ الأسْنانِ. واعْتُبِرَ ذَلِكَ بِحَبِّ العِنَبِ وغَيْرِهِ. فَإنَّهُ يَخْرُجُ مِن بُطُونِ الحَيَوانِ صَحِيحًا، ويَنْسَحِقُ في أجْوافِ الطَّيْرِ. ثُمَّ إنَّهُ خَلَقَهُ يَبِيضُ ولا يَلِدُ، لِئَلّا يَثْقُلَ عَنِ الطَّيَرانِ. فَإنَّهُ لَوْ خُلِقَتْ فِراخُهُ في جَوْفِهِ حَتّى يَكْمُلَ خَلْقُها لَثَقُلَ بِها وتَعَوَّقَ عَنِ النُّهُوضِ لِلطَّيَرانِ. أفَلا تَرى كَيْفَ دَبَّرَ كُلَّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ ؟ ! انْتَهى مُلَخَّصًا.
النحل 16:80
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى البَشَرِ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، بِقَوْلِهِ، عَطْفًا عَلى ما مَرَّ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٠] ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ .
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ أيْ: مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ وتَأْوُونَ إلَيْهِ لِما لا يُحْصى مِن وُجُوهِ مَنافِعِكم: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ أيْ: بُيُوتًا أُخْرى وهي الخِيامُ والفَساطِيطُ والقِبابُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الجُلُودِ نَفْسِها، أوْ مِنَ الوَبَرِ والصُّوفِ (p-٣٨٤٤)والشَّعْرِ أيْضًا. فَإنَّها مِن حَيْثُ كَوْنُها نابِتَةً عَلى جُلُودِها يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها مِن جُلُودِها أوِ الجُلُودِ مَجازٌ عَنِ المَجْمُوعِ: ﴿تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ أيْ: تَجِدُونَها خَفِيفَةَ المَحْمَلِ وقْتَ تَرْحالِكم ووَقْتَ نُزُولِكم في مَراحِلِكم. لا يَثْقُلُ عَلَيْكم ضَرْبُها. أوْ هي خَفِيفَةٌ عَلَيْكم في أوْقاتِ السَّفَرِ والحَضَرِ جَمِيعًا. قِيلَ: والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ ظُهُورَ المِنَّةِ في خِفَّتِها إنَّما يَتَحَقَّقُ في حالِ السَّفَرِ. وأمّا المُسْتَوْطِنُ فَغَيْرُ مُثْقَلٍ: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ أيْ: وجَعَلَ لَكم مِن أصْوافِ الضَّأْنِ وأوْبارِ الإبِلِ وأشْعارِ المَعْزِ: ﴿أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ الأثاثُ ما يُتَّخَذُ لِلِاسْتِعْمالِ بِلُبْسٍ أوْ فَرْشٍ. والمَتاعُ ما يَتَّخِذُهُ لِلتِّجارَةِ. وقِيلَ هُما بِمَعْنًى. ومَعْنى (إلى حِينٍ) أيْ: إلى أنْ تَقْضُوا مِنهُ أوْطارَكم. أوْ إلى أنْ يَبْلى ويَفْنى. أوْ إلى أنْ تَمُوتُوا.
تَنْبِيهٌ:
اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى طَهارَةِ جُلُودِ المَأْكُولاتِ وأصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها، إذا خَرَجَتْ في الحَياةِ أوْ بَعْدَ التَّذْكِيَةِ.
واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن أباحَها مُطْلَقًا ولَوْ مِن غَيْرِ مُذَكّاةٍ. كَذا في (الإكْلِيلُ) .
النحل 16:81
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨١] ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ .
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ﴾ أيْ: مِنَ الشَّجَرِ والجِبالِ والأبْنِيَةِ وغَيْرِها: ﴿ظِلالا﴾ أيْ: أفْياءٌ تَسْتَظِلُّونَ بِها مِن حَرِّ الشَّمْسِ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ أيْ: بُيُوتًا ومَعاقِلَ وحُصُونًا تَسْتَتِرُونَ بِها: ﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ جَمْعُ سِرْبالٍ، وهو كُلُّ (p-٣٨٤٥)ما يُلْبَسُ مِنَ القُطْنِ والصُّوفِ ونَحْوِها. وإنَّما خَصَّ الحَرَّ؛ اكْتِفاءً بِذِكْرِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ. أوْ لِأنَّ الوِقايَةَ مِنَ الحَرِّ أهَمُّ عِنْدَ العَرَبِ؛ لِشِدَّتِهِ بِأكْثَرِ بِلادِهِمْ وخُصُوصًا قُطّانُ الحِجازِ وهُمُ الأصْلُ في هَذا الخِطابِ. قِيلَ: يُبْعِدُهُ ذِكْرُ وِقايَةِ البَرْدِ سابِقًا في قَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] وهو وجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى الحَرِّ هُنا، لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ خِلافِهِ: ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ كالدُّرُوعِ مِنَ الحَدِيدِ والزَّرَدِ ونَحْوِها، الَّتِي يُتَّقى بِها سِلاحُ العَدُوِّ في الحَرْبِ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ أيْ: إرادَةَ أنْ تَنْظُرُوا فِيما أسْبَغَ عَلَيْكم مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ والأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، فَتُسْلِمُوا وُجُوهَكم إلَيْهِ تَعالى، وتُؤْمِنُوا بِهِ وحْدَهُ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإفْرادُ النِّعْمَةِ، إمّا لِأنَّ المُرادَ بِها المَصْدَرُ، أوْ لِإظْهارِ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى جانِبِ الكِبْرِياءِ شَيْءٌ قَلِيلٌ. وقُرِئَ (تَسْلَمُونَ) بِفَتْحِ اللّامِ أيْ: مِنَ العَذابِ أوِ الجِراحِ.
النحل 16:82
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢-٨٤] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] .
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا البَيانِ وهَذا الِامْتِنانِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٣] أيِ: الَّتِي عُدِّدَتْ، وأنَّها بِخَلْقِهِ: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣] أيْ: بِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ المُنْعِمِ بِها، وقَوْلِهِمْ: هي مِنَ اللَّهِ، ولَكِنَّها بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]
(p-٣٨٤٦)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ شَأْنِهِمْ في مَعادِهِمْ بِقَوْلِهِ:
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] وهو نَبِيُّها يَشْهَدُ عَلَيْها بِما أجابَتْهُ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ فِيما بَلَغَها: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤] أيْ: في الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ بُطْلانَهُ وكَذِبَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] أيْ: لا يُطْلَبُ مِنهُمُ العُتْبى. أيْ: إزالَةُ عَتَبِ رَبِّهِمْ وغَضَبِهِ. ) والعُتْبى ) بِالضَّمِّ: الرِّضا وهو الرُّجُوعُ عَنِ الإساءَةِ إلى ما يُرْضِي العاتِبَ. يُقالُ: اسْتَعْتَبَهُ: أعْطاهُ العُتْبى بِالرُّجُوعِ إلى مَسَرَّتِهِ. والعَتَبُ: لَوْمُكَ الرَّجُلَ عَلى إساءَةٍ كانَتْ لَهُ إلَيْكَ، والمَرْءُ إنَّما يَطْلُبُ العِتابَ مِن خَصْمِهِ؛ لِيُزِيلَ ما في نَفْسِهِ عَلَيْهِ مِنَ المَوْجِدَةِ والغَضَبِ ويَرْجِعُ إلى الرِّضا عَنْهُ، فَإذا لَمْ يَطْلُبِ العِتابَ مِنهُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ عَلى غَضَبِهِ عَلَيْهِ.
النحل 16:83
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢-٨٤] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] .
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا البَيانِ وهَذا الِامْتِنانِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٣] أيِ: الَّتِي عُدِّدَتْ، وأنَّها بِخَلْقِهِ: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣] أيْ: بِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ المُنْعِمِ بِها، وقَوْلِهِمْ: هي مِنَ اللَّهِ، ولَكِنَّها بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]
(p-٣٨٤٦)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ شَأْنِهِمْ في مَعادِهِمْ بِقَوْلِهِ:
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] وهو نَبِيُّها يَشْهَدُ عَلَيْها بِما أجابَتْهُ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ فِيما بَلَغَها: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤] أيْ: في الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ بُطْلانَهُ وكَذِبَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] أيْ: لا يُطْلَبُ مِنهُمُ العُتْبى. أيْ: إزالَةُ عَتَبِ رَبِّهِمْ وغَضَبِهِ. ) والعُتْبى ) بِالضَّمِّ: الرِّضا وهو الرُّجُوعُ عَنِ الإساءَةِ إلى ما يُرْضِي العاتِبَ. يُقالُ: اسْتَعْتَبَهُ: أعْطاهُ العُتْبى بِالرُّجُوعِ إلى مَسَرَّتِهِ. والعَتَبُ: لَوْمُكَ الرَّجُلَ عَلى إساءَةٍ كانَتْ لَهُ إلَيْكَ، والمَرْءُ إنَّما يَطْلُبُ العِتابَ مِن خَصْمِهِ؛ لِيُزِيلَ ما في نَفْسِهِ عَلَيْهِ مِنَ المَوْجِدَةِ والغَضَبِ ويَرْجِعُ إلى الرِّضا عَنْهُ، فَإذا لَمْ يَطْلُبِ العِتابَ مِنهُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ عَلى غَضَبِهِ عَلَيْهِ.
النحل 16:84
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢-٨٤] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] .
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا البَيانِ وهَذا الِامْتِنانِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٣] أيِ: الَّتِي عُدِّدَتْ، وأنَّها بِخَلْقِهِ: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣] أيْ: بِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ المُنْعِمِ بِها، وقَوْلِهِمْ: هي مِنَ اللَّهِ، ولَكِنَّها بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]
(p-٣٨٤٦)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ شَأْنِهِمْ في مَعادِهِمْ بِقَوْلِهِ:
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] وهو نَبِيُّها يَشْهَدُ عَلَيْها بِما أجابَتْهُ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ فِيما بَلَغَها: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤] أيْ: في الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ بُطْلانَهُ وكَذِبَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] أيْ: لا يُطْلَبُ مِنهُمُ العُتْبى. أيْ: إزالَةُ عَتَبِ رَبِّهِمْ وغَضَبِهِ. ) والعُتْبى ) بِالضَّمِّ: الرِّضا وهو الرُّجُوعُ عَنِ الإساءَةِ إلى ما يُرْضِي العاتِبَ. يُقالُ: اسْتَعْتَبَهُ: أعْطاهُ العُتْبى بِالرُّجُوعِ إلى مَسَرَّتِهِ. والعَتَبُ: لَوْمُكَ الرَّجُلَ عَلى إساءَةٍ كانَتْ لَهُ إلَيْكَ، والمَرْءُ إنَّما يَطْلُبُ العِتابَ مِن خَصْمِهِ؛ لِيُزِيلَ ما في نَفْسِهِ عَلَيْهِ مِنَ المَوْجِدَةِ والغَضَبِ ويَرْجِعُ إلى الرِّضا عَنْهُ، فَإذا لَمْ يَطْلُبِ العِتابَ مِنهُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ عَلى غَضَبِهِ عَلَيْهِ.
النحل 16:85
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥-٨٦] ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦] .
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: يُؤَخَّرُونَ.
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ [النحل: ٨٦] يَعْنِي أوْثانَهُمُ الَّتِي عَبَدُوها: ﴿قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦] أيْ: أرْبابًا أوْ نَعْبُدُها: ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦] أيْ: أجابُوهم بِالتَّكْذِيبِ في تَسْمِيَتِهِمْ شُرَكاءَ وآلِهَةً؛ تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَنِ الشِّرْكِ. أوْ بِالتَّكْذِيبِ في دَعْواهم أنَّهم حَمَلُوهم عَلى عِبادَتِهِمْ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: مَقْصُودُ المُشْرِكِينَ إحالَةُ هَذا الذَّنْبِ عَلى هَذِهِ الأصْنامِ. وظَنُّوا (p-٣٨٤٧)أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَنْقُصُ مِن عَذابِهِمْ. فَعِنْدَ هَذا تُكَذِّبُهم بِتِلْكَ الأصْنامُ. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:86
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥-٨٦] ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦] .
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: يُؤَخَّرُونَ.
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ [النحل: ٨٦] يَعْنِي أوْثانَهُمُ الَّتِي عَبَدُوها: ﴿قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦] أيْ: أرْبابًا أوْ نَعْبُدُها: ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦] أيْ: أجابُوهم بِالتَّكْذِيبِ في تَسْمِيَتِهِمْ شُرَكاءَ وآلِهَةً؛ تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَنِ الشِّرْكِ. أوْ بِالتَّكْذِيبِ في دَعْواهم أنَّهم حَمَلُوهم عَلى عِبادَتِهِمْ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: مَقْصُودُ المُشْرِكِينَ إحالَةُ هَذا الذَّنْبِ عَلى هَذِهِ الأصْنامِ. وظَنُّوا (p-٣٨٤٧)أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَنْقُصُ مِن عَذابِهِمْ. فَعِنْدَ هَذا تُكَذِّبُهم بِتِلْكَ الأصْنامُ. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:87
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٧] ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
﴿وألْقَوْا﴾ أيْ: وألْقى الَّذِينَ ظَلَمُوا: ﴿إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِحُكْمِهِ بَعْدَ إبائِهِمْ في الدُّنْيا: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
أيْ مِن أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ، وأنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: قَدْ جاءَ إنْكارُهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] والجَوابُ (كَما قالَ القاشانِيُّ): إنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ المَواقِفِ. فالإنْكارُ في المَوْقِفِ الأوَّلِ وقْتَ قُوَّةِ هَيْئاتِ الرَّذائِلِ وشَدَّةِ شَكِيمَةِ النَّفْسِ في الشَّيْطَنَةِ وغايَةِ البُعْدِ عَنِ النُّورِ الإلَهِيِّ، لِلِاحْتِجابِ بِالحُجُبِ الغَلِيظَةِ والغَواشِي المُظْلِمَةِ حَتّى لا يَعْلَمَ أنَّهُ كانَ يَراهُ ويَطَّلِعُ عَلَيْهِ. ونِهايَةُ تَكَدُّرِ نُورِ الفِطْرَةِ حَتّى يُمْكِنَهُ إظْهارُ خِلافِ مُقْتَضاهُ، والِاسْتِسْلامُ في المَوْقِفِ الثّانِي بَعْدَ مُرُورِ أحْقابٍ كَثِيرَةٍ مِن ساعاتِ اليَوْمِ، الَّذِي كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حِينَ زالَتِ الهَيْئاتُ ورَقَّتْ، وضَعُفَتْ شَراشِرُ النَّفْسِ في رَذائِلِها، وقَرُبَ مِن عالَمِ النُّورِ، لِرِقَّةِ الحُجُبِ ولَمَعانِ نُورِ فِطْرَتِهِ الأُولى، فَيَعْتَرِفُ ويَنْقادُ. هَذا إذا كانَ الِاسْتِسْلامُ والإنْكارُ لِنُفُوسٍ بِعَيْنِها. وقَدْ يَكُونُ الِاسْتِسْلامُ لِلْبَعْضِ الَّذِينَ لَمْ تَرْسَخْ هَيْئاتُ رَذائِلِهِمْ ولَمْ تَغْلُظْ حُجُبُهم ولَمْ يَنْطَفِئْ نُورُ اسْتِعْدادِهِمْ. (p-٣٨٤٨)والإنْكارُ لِمَن رَسَخَتْ فِيهِ الهَيْئاتُ وقَوِيَتْ وغَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّيْطَنَةَ واسْتَقَرَّتْ، وكَثُفَ الحِجابُ وبَطَلَ الِاسْتِعْدادُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النحل 16:88
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٨-٨٩] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَـزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] .
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ أيْ: يُضاعِفُ لَهُمُ العَذابَ كَما ضاعَفُوا كُفْرَهم بِصَدِّهِمْ غَيْرَهم عَنِ الإيمانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَفاوُتِ الكُفّارِ في عَذابِهِمْ، كَما يَتَفاوَتُ المُؤْمِنُونَ في مَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ ودَرَجاتِهِمْ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٨٩] وهو نَبِيُّهم: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] أيِ: اذْكُرْ ذَلِكَ اليَوْمَ، وما مَنَحَكَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ العَظِيمِ والمَقامِ الرَّفِيعِ. وما يَلْحَقُ الكافِرِينَ فِيهِ مِن تَمَنِّي كَوْنِهِمْ تُرابًا، لِهَوْلِ المَطْلَعِ.
وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في آيَةِ النِّساءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ (p-٣٨٤٩)لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَـزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] مُسْتَأْنَفٌ، أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ (قَدْ) .
قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، أنَّهُ تَعالى لِما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] بَيَّنَ أنَّهُ أزاحَ عِلَّتَهم فِيما كُلِّفُوا. فَلا حُجَّةَ لَهم ولا مَعْذِرَةَ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في وجْهِ ذَلِكَ: إنَّ المُرادَ، واللَّهُ أعْلَمُ، إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ تَبْلِيغَ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكَ، سائِلُكَ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أيْ: إنَّ الَّذِي أوْجَبَ عَلَيْكَ تَبْلِيغَ القُرْآنِ لَرادُّكَ إلَيْهِ ومُعِيدُكَ يَوْمَ القِيامَةِ وسائِلُكَ عَنْ أداءِ ما فَرَضَ عَلَيْكَ. هَذا أحَدُ الأقْوالِ، وهو مُتَّجَهٌ حَسَنٌ. انْتَهى.
و(التِّبْيانُ) مِنَ المَصادِرِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ؛ لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ والمُبالَغَةِ فِيهِ. أيْ: تَبْيِينًا لِكُلِّ عِلْمٍ نافِعٍ مِن خَبَرِ ما سَبَقَ وعِلْمِ ما سَيَأْتِي وكُلِّ حَلالٍ وحَرامٍ، وما النّاسُ مُحْتاجُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دُنْياهم ودِينِهِمْ ومَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ: ﴿وهُدًى﴾ [النحل: ٨٩] أيْ: هِدايَةً لِمَنِ اسْتَسْلَمَ وانْقادَ لِسَلامَةِ فِطْرَتِهِ إلى كَمالِهِ: ﴿ورَحْمَةً﴾ [النحل: ٨٩] أيْ: لَهُ بِتَبْلِيغِهِ إلى ذَلِكَ الكَمالِ بِالتَّرْبِيَةِ والإمْدادِ، ونَجاتِهِ مِنَ العَذابِ، وبِشارَةً لَهُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٨٥٠)
النحل 16:89
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٨-٨٩] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَـزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] .
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ أيْ: يُضاعِفُ لَهُمُ العَذابَ كَما ضاعَفُوا كُفْرَهم بِصَدِّهِمْ غَيْرَهم عَنِ الإيمانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَفاوُتِ الكُفّارِ في عَذابِهِمْ، كَما يَتَفاوَتُ المُؤْمِنُونَ في مَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ ودَرَجاتِهِمْ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٨٩] وهو نَبِيُّهم: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] أيِ: اذْكُرْ ذَلِكَ اليَوْمَ، وما مَنَحَكَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ العَظِيمِ والمَقامِ الرَّفِيعِ. وما يَلْحَقُ الكافِرِينَ فِيهِ مِن تَمَنِّي كَوْنِهِمْ تُرابًا، لِهَوْلِ المَطْلَعِ.
وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في آيَةِ النِّساءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ (p-٣٨٤٩)لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَـزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] مُسْتَأْنَفٌ، أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ (قَدْ) .
قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، أنَّهُ تَعالى لِما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] بَيَّنَ أنَّهُ أزاحَ عِلَّتَهم فِيما كُلِّفُوا. فَلا حُجَّةَ لَهم ولا مَعْذِرَةَ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في وجْهِ ذَلِكَ: إنَّ المُرادَ، واللَّهُ أعْلَمُ، إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ تَبْلِيغَ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكَ، سائِلُكَ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أيْ: إنَّ الَّذِي أوْجَبَ عَلَيْكَ تَبْلِيغَ القُرْآنِ لَرادُّكَ إلَيْهِ ومُعِيدُكَ يَوْمَ القِيامَةِ وسائِلُكَ عَنْ أداءِ ما فَرَضَ عَلَيْكَ. هَذا أحَدُ الأقْوالِ، وهو مُتَّجَهٌ حَسَنٌ. انْتَهى.
و(التِّبْيانُ) مِنَ المَصادِرِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ؛ لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ والمُبالَغَةِ فِيهِ. أيْ: تَبْيِينًا لِكُلِّ عِلْمٍ نافِعٍ مِن خَبَرِ ما سَبَقَ وعِلْمِ ما سَيَأْتِي وكُلِّ حَلالٍ وحَرامٍ، وما النّاسُ مُحْتاجُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دُنْياهم ودِينِهِمْ ومَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ: ﴿وهُدًى﴾ [النحل: ٨٩] أيْ: هِدايَةً لِمَنِ اسْتَسْلَمَ وانْقادَ لِسَلامَةِ فِطْرَتِهِ إلى كَمالِهِ: ﴿ورَحْمَةً﴾ [النحل: ٨٩] أيْ: لَهُ بِتَبْلِيغِهِ إلى ذَلِكَ الكَمالِ بِالتَّرْبِيَةِ والإمْدادِ، ونَجاتِهِ مِنَ العَذابِ، وبِشارَةً لَهُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٨٥٠)
النحل 16:90
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٠] ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ .
﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ﴾ أيْ: فِيما نَزَّلَهُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ: ﴿بِالعَدْلِ﴾ وهو القِسْطُ والتَّسْوِيَةُ في الحُقُوقِ فِيما بَيْنَكم. وتَرْكُ الظُّلْمِ وإيصالُ كُلِّ ذِي حَقِّ حَقِّهِ: ﴿والإحْسانِ﴾ أيِ: التَّفْضِيلِ بِأنْ يُقابَلَ الخَيْرُ بِأكْثَرَ مِنهُ، والشَّرُّ بِأنْ يَعْفُوَ عَنْهُ: ﴿وإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ أيْ: إعْطاءِ القَرابَةِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ أيْ: عَمّا فَحُشَ مِنَ الذُّنُوبِ وأفْرَطَ قُبْحُها، كالزِّنى: ﴿والمُنْكَرِ﴾ أيْ: كُلِّ ما أنْكَرَهُ الشَّرْعُ: ﴿والبَغْيِ﴾ أيِ: العُدْوانِ عَلى النّاسِ: ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أيْ: بِما يَأْمُرُكم ويَنْهاكم: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَّعِظُونَ بِمَواعِظِ اللَّهِ، فَتَعْمَلُونَ بِما فِيهِ رِضا اللَّهِ تَعالى.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّ أجْمَعَ آيَةٍ في القُرْآنِ، لِخَيْرٍ وشَرٍّ، هَذِهِ الآيَةُ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ: «أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ مَرَّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو جالِسٌ بِفِناءِ بَيْتِهِ. فَكَشَّرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقالَ لَهُ: «ألا تَجْلِسَ ؟» فَقالَ: بَلى. فَجَلَسَ. ثُمَّ أُوحِيَ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ فَقَرَأها عَلَيْهِ. قالَ عُثْمانُ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الإيمانُ في قَلْبِي وأحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ﷺ» .
ولَمّا تُلِيَتِ الآيَةُ عَلى أكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ قالَ لِقَوْمِهِ: إنِّي أراهُ يَأْمُرُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ ويَنْهى (p-٣٨٥١)عَنْ مَلائِمِها. فَكُونُوا في هَذا الأمْرِ رُؤَساءَ ولا تَكُونُوا فِيهِ أذْنابًا. وعَنْ عِكْرِمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ عَلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ لَهُ: يا ابْنَ أخِي ! أعِدْ عَلَيَّ، فَأعادَها. فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ: واللَّهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّ أعْلاهُ لَمُثْمِرٌ، وإنَّ أسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وما هو بِقَوْلِ البَشَرِ» .
وقَدْ نُقِلَ أنَّ بَنِي أُمَيَّةَ كانُوا يَسُبُّونَ عَلِيًّا، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، في خُطَبِهِمْ. فَلَمّا آلَتِ الخِلافَةُ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أسْقَطَ ذَلِكَ مِنها، وأقامَ هَذِهِ الآيَةَ مَقامَهُ. وهو مِن أعْظَمِ مَآثِرِهِ.
قالَ النّاصِرُ: ولَعَلَّ المُعَوَّضَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنْ تِلْكَ الهِناتِ، لاحَظَ التَّطْبِيقَ بَيْنَ ذِكْرِ النَّهْيِ عَنِ البَغْيِ فِيها، وبَيْنَ الحَدِيثِ الوارِدِ في أنَّ المُناصِبَ لِعَلِيٍّ باغٍ. حَيْثُ يَقُولُ ﷺ لِعَمّارٍ (وكانَ مِن حِزْبِ عَلِيٍّ): ««تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ»» . فَقُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ صِفِّينَ. انْتَهى.
ولِما فِيها أيْضًا مِنَ العَدْلِ والإحْسانِ إلى ذَوِي القُرْبى، وكَوْنُها أجْمَعَ آيَةٍ؛ لِانْدِراجِ ما ذُكِرَ فِيها. واللَّهُ أعْلَمُ.
النحل 16:91
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَهُ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ والمِيثاقِ، والمُحافَظَةِ عَلى الأيْمانِ المُؤَكَّدَةِ بِقَوْلِهِ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩١] ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ .
﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾
(p-٣٨٥٢)رَوى ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: نَزَلَتْ في بَيْعَةِ النَّبِيِّ ﷺ . كانَ مَن أسْلَمَ بايَعَ النَّبِيَّ عَلى الإسْلامِ، فَأُمِرُوا بِالوَفاءِ بِهَذِهِ البَيْعَةِ وأنْ لا يَنْقُصُوها بَعْدَ تَوْكِيدِها بِالأيْمانِ» . أيْ: لا يَحْمِلْنَكم قِلَّةُ المُؤْمِنِينَ وكَثْرَةُ المُشْرِكِينَ أنْ تَنْقُضُوا البَيْعَةَ الَّتِي بايَعْتُمْ عَلى الإسْلامِ. وظاهِرٌ أنَّ العَهْدَ يَتَناوَلُ كُلَّ أمْرٍ يَجِبُ الوَفاءُ بِمُقْتَضاهُ، مِمّا يَلْتَزِمُهُ المَرْءُ بِاخْتِيارِهِ، كالمُبايَعَةِ عَلى الإسْلامِ، وعَهْدِ الجِهادِ، وما التَزَمَهُ مِن نَذْرٍ وما أكَّدَهُ بِحَلِفٍ. وعَلى هَذا، فَتَخْصِيصُ اليَمِينِ بِالذِّكْرِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ أوْلى أنْواعِ العَهْدِ بِوُجُوبِ الرِّعايَةِ. و(التَّوْكِيدُ والتَّأْكِيدُ)، لُغَتانِ فَصِيحَتانِ. والأصْلُ الواوُ، والهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنها. والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا﴾ لِلْحالِ مِن فاعِلِ: ﴿تَنْقُضُوا﴾ أوْ مِن فاعِلِ المَصْدَرِ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا. ومَعْنى: ﴿كَفِيلا﴾ شَهِيدًا رَقِيبًا. و(الجَعْلُ) مَجازٌ، فَإنَّ مِن حَلِفَ بِهِ تَعالى وهو مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ جَعَلَهُ شاهِدًا. قالَ الشِّهابَ: ولَوْ أبْقى (الكَفِيلَ) عَلى ظاهِرِهِ، وجَعَلَ تَمْثِيلًا لِعَدَمِ تَخَلُّصِهِمْ مِن عُقُوبَتِهِ، وأنَّهُ يُسَلِّمُهم لَها كَما يَسْلَمُ الكَفِيلُ مَن كَفَلَهُ، كَما يُقالُ: (مَن ظَلَمَ فَقَدْ أقامَ كَفِيلًا بِظُلْمِهِ) تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنَ العُقُوبَةِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ؛ لَكانَ مَعْنًى بَلِيغًا جِدًّا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَهُ. وفِيهِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ.
تَنْبِيهٌ:
فِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى البِرِّ في الأيْمانِ. وجَلِيٌّ أنَّها فِيما فِيهِ طاعَةٌ وبِرٌّ وتَقْوى. وأمّا فِيما عَدا ذَلِكَ فالخَيْرُ في نَقْضِها. وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ ما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ قالَ: ««إنِّي، واللَّهِ، لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها، إلّا أتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ وتَحَلَّلْتُها»» . وفي رِوايَةٍ: ««وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي»» . فالحَدِيثُ في مَعْنًى، والآيَةُ في مَعْنًى آخَرَ. فَلا تَعارُضَ، كَما وُهِمَ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٨٥٣)
النحل 16:92
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٢] ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ .
﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِ الوَفاءِ وتَحْرِيمِ النَّقْصِ. أيْ: لا تَكُونُوا في نَقْصِ الأيْمانِ كالمَرْأةِ الَّتِي أنَحَتْ عَلى غَزْلِها، بَعْدَ أنْ أحْكَمَتْهُ وأبْرَمَتْهُ، فَجَعَلَتْهُ أنْكاثًا، أيْ: أنْقاضًا، جُنُونًا مِنها وحُمْقًا.
فَفِي التَّمْثِيلِ إشارَةٌ إلى أنَّ ناقِضَ يَمِينِهِ خارِجٌ مِنَ الرِّجالِ الكُمَّلِ، داخِلٌ في زُمْرَةِ النِّساءِ. بَلْ في أدْناهُنَّ، وهي الخَرْقاءُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في: { ولا تَكُونُوا } أيْ: لا تَكُونُوا مُشابِهِينَ لِامْرَأةٍ هَذا شَأْنُها، حالَ كَوْنِكم مُتَّخِذِينَ أيْمانَكم مَفْسَدَةً بَيْنَكم: ﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ﴾ أيْ: سَبَبَ أنْ تَكُونَ جَماعَةٌ، كَقُرَيْشٍ، هي أزْيَدَ عَدَدًا وأوْفَرَ مالًا مِن جَماعَةٍ كالمُؤْمِنِينَ: ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ أيْ: يُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم بِكَوْنِهِمْ أرْبى؛ لِيَنْظُرَ أتَتَمَسَّكُونَ بِحَبْلِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ وما عَقَدْتُمْ عَلى أنْفُسِكم ووَكَّدْتُمْ مِن أيْمانِ البَيْعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمْ تَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ قُرَيْشٍ وثَرْوَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ وفَقْرِهِمْ وضَعْفِهِمْ ؟: ﴿ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: فَيَتَمَيَّزُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ، بِما يَظْهَرُ مِن دَرَجاتِ الثَّوابِ والعِقابِ. وهو إنْذارٌ وتَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ مِلَّةِ الإسْلامِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ أبُو عَلِيٍّ الزَّجّاجِيُّ، مِن أئِمَّةِ الشّافِعِيَّةِ: في هَذِهِ الآيَةِ أصْلٌ لِما يَقُولُهُ أصْحابُنا، مِن إبْطالِ الدَّوْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّ مَن أعادَ عَلى الشَّيْءِ بِالإفْسادِ بَعْدَ إحْكامِهِ. نَقَلَهُ في (الإكْلِيلُ) .
(p-٣٨٥٤)
النحل 16:93
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٣] ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: حَنِيفَةً مُسْلِمَةً: ﴿ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا، سُؤالَ تَبْكِيتٍ ومُجازاةٍ، لا اسْتِفْسارٍ وتَفَهُّمٍ. وهو المَنفِيُّ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ. أوْ في مَوْقِفٍ دُونَ مَوْقِفٍ كَما مَرَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:94
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٤] ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .
﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، بَعْدَ أنْ نَهى عَنْهُ ضِمْنًا، لِأخْذِهِ فِيما تَقَدَّمَ قَيْدًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ ومُبالَغَةً في قُبْحِ المَنهِيِّ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ أيْ: فَتَزِلَّ أقْدامُكم عَنْ مَحَجَّةِ الحَقِّ، بَعْدَ رُسُوخِها فِيهِ: ﴿وتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ أيْ: ما يَسُوءُكم في الدُّنْيا: ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾ أيْ: بِصُدُودِكم عَنِ الوَفاءِ، أوْ بِصَدِّكم غَيْرَكم: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ.
لَطِيفَةٌ:
تَنْكِيرُ (قَدَمٌ) لِلْإيذانِ بِأنَّ زَلَلَ قَدَمٍ واحِدَةٍ عَظِيمٌ، فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ ؟ وأشارَ في (البَحْرُ) إلى نُكْتَةٍ أُخْرى: قالَ: الجَمْعُ تارَةً يُلْحَظُ فِيهِ المَجْمُوعُ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ فَيُؤْتى بِما هو لَهُ مَجْمُوعًا. وتارَةً يُلاحَظُ فِيهِ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٌ فَيُفْرَدُ مالُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدَتْ (p-٣٨٥٥)لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] أيْ: لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ مُتَّكَئًا. ولَمّا كانَ المَعْنى: لا يَفْعَلُ هَذا كُلُّ واحِدٍ مِنكم؛ أفْرَدَ: { قَدَمٌ } مُراعاةً لِهَذا المَعْنى. ثُمَّ قالَ: ﴿وتَذُوقُوا﴾ مُراعاةً لِلَفْظِ الجَمْعِ.
قالَ الشِّهابُ: هَذا تَوْجِيهٌ لِلْإفْرادِ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يُنافِي النُّكْتَةَ الأُولى.
النحل 16:95
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٥] ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: لا تَسْتَبْدِلُوا بِعَهْدِ اللَّهِ وبَيْعَةِ رَسُولِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا يَسِيرًا. وهو ما كانَتْ قُرَيْشٌ يَعِدُونَهم ويُمَنُّونَهم، إنِ ارْتَدُّوا: ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مِن إظْهارِكم في الدُّنْيا وإثابَتِكم في الآخِرَةِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِن ذَوِي العِلْمِ والتَّمْيِيزِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:96
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٦] ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْخَيْرِيَّةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ. أيْ: ما عِنْدَكم مِمّا تَتَمَتَّعُونَ بِهِ، يَفْرَغُ ويَنْقُصُ، فَإنَّهُ إلى أجَلٍ مَعْدُودٍ مَحْصُورٍ مُقَدَّرٍ مُتَناهٍ. وما عِنْدَهُ تَعالى مِن ثَوابِهِ لَكم في الجَنَّةِ باقٍ لا انْقِطاعَ لَهُ. فَإنَّهُ دائِمٌ لا يَحُولُ ولا يَزُولُ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهُمْ﴾ أيْ: عَلى أذى المُشْرِكِينَ ومَشاقِّ الإسْلامِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِجَزاءٍ أحْسَنَ مِن أعْمالِهِمْ.
(p-٣٨٥٦)
النحل 16:97
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٧] ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هَذا وعْدٌ مِنهُ تَعالى لِمَن عَمِلَ صالِحًا. وهو العَمَلُ التّابِعُ لِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مِن ذِكْرٍ أوْ أُنْثى، وهو ثابِتٌ عَلى إيمانِهِ إلى المَوْتِ، بِأنْ يُحْيِيَهُ اللَّهُ تَعالى حَياةً طَيِّبَةً.
قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: فَيَتَلَذَّذْ بِعَمَلِهِ في الدُّنْيا فَوْقَ تَلَذُّذِ صاحِبِ المالِ والجاهِ، ولا يُبْطِلْ تَلَذُّذَهُ إعْسارُهُ؛ إذْ يُرْضِيهِ اللَّهُ بِقِسْمَتِهِ فَيُقَنِّعُهُ ويَقِلُّ اهْتِمامُهُ بِحِفْظِ المالِ وتَنْمِيَتِهِ. والكافِرُ لا يَهْنَأُ عَيْشُهُ بِالمالِ والجاهِ؛ إذْ يَزْدادُ حِرْصًا وخَوْفَ فَواتٍ. ويُجْزَوْنَ بِالأحْسَنِ في الآخِرَةِ. فَلا يُقالُ لَهم: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] بَلْ يُكْمِلُ جَزاءَ أعْمالِهِمُ الأدْنى بِحَيْثُ يَلْحَقُ بِالأعْلى. انْتَهى.
وعِنْدِي أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ هي الحَياةُ الَّتِي فِيهِ ثَلْجُ الصُّدُورِ بِلَذَّةِ اليَقِينِ وحَلاوَةِ الإيمانِ والرَّغْبَةِ في المَوْعُودِ والرِّضا بِالقَضاءِ. وعِتْقُ الرُّوحِ مِمّا كانُوا يَسْتَعْبِدُونَ لَهُ. والِاسْتِكانَةُ إلى مَعْبُودٍ واحِدٍ، والتَّنَوُّرُ بِسِرِّ الوُجُودِ الَّذِي قامَ بِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَزاياهُ المُقَرَّرَةِ في مَواضِعِها. هَذا في الدُّنْيا. وأمّا في الآخِرَةِ، فَلَهُ الجَزاءُ الأحْسَنُ والثَّوابُ الأوْفى.
النحل 16:98
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٨-١٠٠] ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] .
﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ (p-٣٨٥٧)عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]
لَمّا كانَ القُرْآنُ هو الذِّكْرَ الحَكِيمَ والحَقَّ المُبِينَ، وكانَ لِكُلِّ حَقٍّ مُحارِبٌ وهو شَيْطانُ الجِنِّ أوِ الإنْسِ يُثِيرُ الشُّبَهاتِ بِوَساوِسِهِ، ويُفْسِدُ القُلُوبَ بِدَسائِسِهِ؛ أمَرَ ﷺ بِأنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ ويَلْتَجِئَ إلَيْهِ، عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، مِن وسْوَسَتِهِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ الإنْسانِ تَضْعُفُ عَنْ دَفْعِهِ بِسُهُولَةٍ، فَيَحْتاجُ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِ بِاللَّهِ واللِّياذِ بِجِوارِهِ مِنهُ. وقَدْ بَيَّنَتْ آيَةُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] أنَّ هَذِهِ عادَةُ الشَّيْطانِ إثْرَ ما يَتْلُوهُ كُلُّ نَبِيٍّ عَلى أُمَّتِهِ مِنَ الأحْكامِ المُتَجَدِّدَةِ الَّتِي يُوحى بِها لِسَعادَةِ البَشَرِ، أنَّهُ يُحَوِّلُ عَنْها الأنْظارَ، ويَسْعى لِهَدْمِ ما أُقِيمَتْ لِأجْلِهِ. وإنَّ اللَّهَ يُحْكِمُ آياتِهِ ويَنْسَخُ شُبَهَ الشَّيْطانِ؛ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ. فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ عادَتَهُ، ولَها مِنَ الأثَرِ ما لَها، احْتِيجَ إلى الِاسْتِعاذَةِ بِهِ تَعالى مِنها، عِنْدَ قِراءَةِ الوَحْيِ ونَشْرِ تَعالِيمِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أثَرَ وسْوَسَتِهِ إنَّما يَكُونُ فِيمَن لَهُ سُلْطانٌ عَلَيْهِمْ. أيْ: تَسَلُّطٌ ووِلايَةٌ مِن أوْلِيائِهِ المُتَّبَعِينَ خُطُواتِهِ. وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وتَوَكَّلُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَصَبَرُوا عَلى المَكارِهِ ولَمْ يُبالُوا بِما يُلْقُونَ في سَبِيلِ الجِهادِ بِالحَقِّ مِنَ العَثَراتِ؛ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ. فَهم يُضادُّونَ أمانِيَهُ ويَهْدِمُونَ كُلَّ ما يُلْقِيهِ؛ لِأنَّ إيمانَهم يُفِيدُهُمُ النُّورَ الكاشِفَ عَنْ مَكْرِهِ، والتَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ يُفِيدُهُمُ التَّقْوِيَةَ بِاللَّهِ، فَيَمْنَعُ مِن مُعانَدَةِ الشَّيْطانِ وقُوَّةِ تَأْثِيرِهِ. و(الرَّجِيمُ) مِن أوْصافِ الشَّيْطانِ الغالِبَةِ، أيِ: المَلْعُونُ المَرْجُومُ بِاللَّعْنَةِ أوِ المَطْرُودُ أوِ المَرْجُومُ بِالكَواكِبِ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) لِرَبِّهِمْ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أوْ لِلشَّيْطانِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: بِسَبَبِهِ وغُرُورِهِ ووَسْوَسَتِهِ. ورَجَحَ بِاتِّحادِ الضَّمائِرِ فِيهِ. وأشارَ بَعْضُهم إلى أنَّ المَعْنى: أشْرَكُوهُ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّهُ مِمّا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ الكَرِيمُ ويَصِحُّ إرادَتُهُ.
(p-٣٨٥٨)تَنْبِيهٌ:
فِي الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِعاذَةِ قَبْلَ القِراءَةِ، وهو شامِلٌ لِحالَةِ الصَّلاةِ وغَيْرِها. وقالَ قَوْمٌ بِوُجُوبِها لِظاهِرِ الأمْرِ. وسِرُّها في غَيْرِهِ ﷺ: التَّحَصُّنُ بِهِ تَعالى أنْ لا يُلَبِّسَ الشَّيْطانُ القِراءَةَ، وأنْ لا يَمْنَعَ مِنَ التَّدَبُّرِ والتَّذَكُّرِ.
النحل 16:99
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٨-١٠٠] ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] .
﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ (p-٣٨٥٧)عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]
لَمّا كانَ القُرْآنُ هو الذِّكْرَ الحَكِيمَ والحَقَّ المُبِينَ، وكانَ لِكُلِّ حَقٍّ مُحارِبٌ وهو شَيْطانُ الجِنِّ أوِ الإنْسِ يُثِيرُ الشُّبَهاتِ بِوَساوِسِهِ، ويُفْسِدُ القُلُوبَ بِدَسائِسِهِ؛ أمَرَ ﷺ بِأنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ ويَلْتَجِئَ إلَيْهِ، عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، مِن وسْوَسَتِهِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ الإنْسانِ تَضْعُفُ عَنْ دَفْعِهِ بِسُهُولَةٍ، فَيَحْتاجُ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِ بِاللَّهِ واللِّياذِ بِجِوارِهِ مِنهُ. وقَدْ بَيَّنَتْ آيَةُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] أنَّ هَذِهِ عادَةُ الشَّيْطانِ إثْرَ ما يَتْلُوهُ كُلُّ نَبِيٍّ عَلى أُمَّتِهِ مِنَ الأحْكامِ المُتَجَدِّدَةِ الَّتِي يُوحى بِها لِسَعادَةِ البَشَرِ، أنَّهُ يُحَوِّلُ عَنْها الأنْظارَ، ويَسْعى لِهَدْمِ ما أُقِيمَتْ لِأجْلِهِ. وإنَّ اللَّهَ يُحْكِمُ آياتِهِ ويَنْسَخُ شُبَهَ الشَّيْطانِ؛ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ. فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ عادَتَهُ، ولَها مِنَ الأثَرِ ما لَها، احْتِيجَ إلى الِاسْتِعاذَةِ بِهِ تَعالى مِنها، عِنْدَ قِراءَةِ الوَحْيِ ونَشْرِ تَعالِيمِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أثَرَ وسْوَسَتِهِ إنَّما يَكُونُ فِيمَن لَهُ سُلْطانٌ عَلَيْهِمْ. أيْ: تَسَلُّطٌ ووِلايَةٌ مِن أوْلِيائِهِ المُتَّبَعِينَ خُطُواتِهِ. وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وتَوَكَّلُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَصَبَرُوا عَلى المَكارِهِ ولَمْ يُبالُوا بِما يُلْقُونَ في سَبِيلِ الجِهادِ بِالحَقِّ مِنَ العَثَراتِ؛ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ. فَهم يُضادُّونَ أمانِيَهُ ويَهْدِمُونَ كُلَّ ما يُلْقِيهِ؛ لِأنَّ إيمانَهم يُفِيدُهُمُ النُّورَ الكاشِفَ عَنْ مَكْرِهِ، والتَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ يُفِيدُهُمُ التَّقْوِيَةَ بِاللَّهِ، فَيَمْنَعُ مِن مُعانَدَةِ الشَّيْطانِ وقُوَّةِ تَأْثِيرِهِ. و(الرَّجِيمُ) مِن أوْصافِ الشَّيْطانِ الغالِبَةِ، أيِ: المَلْعُونُ المَرْجُومُ بِاللَّعْنَةِ أوِ المَطْرُودُ أوِ المَرْجُومُ بِالكَواكِبِ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) لِرَبِّهِمْ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أوْ لِلشَّيْطانِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: بِسَبَبِهِ وغُرُورِهِ ووَسْوَسَتِهِ. ورَجَحَ بِاتِّحادِ الضَّمائِرِ فِيهِ. وأشارَ بَعْضُهم إلى أنَّ المَعْنى: أشْرَكُوهُ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّهُ مِمّا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ الكَرِيمُ ويَصِحُّ إرادَتُهُ.
(p-٣٨٥٨)تَنْبِيهٌ:
فِي الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِعاذَةِ قَبْلَ القِراءَةِ، وهو شامِلٌ لِحالَةِ الصَّلاةِ وغَيْرِها. وقالَ قَوْمٌ بِوُجُوبِها لِظاهِرِ الأمْرِ. وسِرُّها في غَيْرِهِ ﷺ: التَّحَصُّنُ بِهِ تَعالى أنْ لا يُلَبِّسَ الشَّيْطانُ القِراءَةَ، وأنْ لا يَمْنَعَ مِنَ التَّدَبُّرِ والتَّذَكُّرِ.
النحل 16:100
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٨-١٠٠] ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] .
﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ (p-٣٨٥٧)عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]
لَمّا كانَ القُرْآنُ هو الذِّكْرَ الحَكِيمَ والحَقَّ المُبِينَ، وكانَ لِكُلِّ حَقٍّ مُحارِبٌ وهو شَيْطانُ الجِنِّ أوِ الإنْسِ يُثِيرُ الشُّبَهاتِ بِوَساوِسِهِ، ويُفْسِدُ القُلُوبَ بِدَسائِسِهِ؛ أمَرَ ﷺ بِأنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ ويَلْتَجِئَ إلَيْهِ، عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، مِن وسْوَسَتِهِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ الإنْسانِ تَضْعُفُ عَنْ دَفْعِهِ بِسُهُولَةٍ، فَيَحْتاجُ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِ بِاللَّهِ واللِّياذِ بِجِوارِهِ مِنهُ. وقَدْ بَيَّنَتْ آيَةُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] أنَّ هَذِهِ عادَةُ الشَّيْطانِ إثْرَ ما يَتْلُوهُ كُلُّ نَبِيٍّ عَلى أُمَّتِهِ مِنَ الأحْكامِ المُتَجَدِّدَةِ الَّتِي يُوحى بِها لِسَعادَةِ البَشَرِ، أنَّهُ يُحَوِّلُ عَنْها الأنْظارَ، ويَسْعى لِهَدْمِ ما أُقِيمَتْ لِأجْلِهِ. وإنَّ اللَّهَ يُحْكِمُ آياتِهِ ويَنْسَخُ شُبَهَ الشَّيْطانِ؛ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ. فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ عادَتَهُ، ولَها مِنَ الأثَرِ ما لَها، احْتِيجَ إلى الِاسْتِعاذَةِ بِهِ تَعالى مِنها، عِنْدَ قِراءَةِ الوَحْيِ ونَشْرِ تَعالِيمِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أثَرَ وسْوَسَتِهِ إنَّما يَكُونُ فِيمَن لَهُ سُلْطانٌ عَلَيْهِمْ. أيْ: تَسَلُّطٌ ووِلايَةٌ مِن أوْلِيائِهِ المُتَّبَعِينَ خُطُواتِهِ. وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وتَوَكَّلُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَصَبَرُوا عَلى المَكارِهِ ولَمْ يُبالُوا بِما يُلْقُونَ في سَبِيلِ الجِهادِ بِالحَقِّ مِنَ العَثَراتِ؛ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ. فَهم يُضادُّونَ أمانِيَهُ ويَهْدِمُونَ كُلَّ ما يُلْقِيهِ؛ لِأنَّ إيمانَهم يُفِيدُهُمُ النُّورَ الكاشِفَ عَنْ مَكْرِهِ، والتَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ يُفِيدُهُمُ التَّقْوِيَةَ بِاللَّهِ، فَيَمْنَعُ مِن مُعانَدَةِ الشَّيْطانِ وقُوَّةِ تَأْثِيرِهِ. و(الرَّجِيمُ) مِن أوْصافِ الشَّيْطانِ الغالِبَةِ، أيِ: المَلْعُونُ المَرْجُومُ بِاللَّعْنَةِ أوِ المَطْرُودُ أوِ المَرْجُومُ بِالكَواكِبِ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) لِرَبِّهِمْ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أوْ لِلشَّيْطانِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: بِسَبَبِهِ وغُرُورِهِ ووَسْوَسَتِهِ. ورَجَحَ بِاتِّحادِ الضَّمائِرِ فِيهِ. وأشارَ بَعْضُهم إلى أنَّ المَعْنى: أشْرَكُوهُ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّهُ مِمّا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ الكَرِيمُ ويَصِحُّ إرادَتُهُ.
(p-٣٨٥٨)تَنْبِيهٌ:
فِي الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِعاذَةِ قَبْلَ القِراءَةِ، وهو شامِلٌ لِحالَةِ الصَّلاةِ وغَيْرِها. وقالَ قَوْمٌ بِوُجُوبِها لِظاهِرِ الأمْرِ. وسِرُّها في غَيْرِهِ ﷺ: التَّحَصُّنُ بِهِ تَعالى أنْ لا يُلَبِّسَ الشَّيْطانُ القِراءَةَ، وأنْ لا يَمْنَعَ مِنَ التَّدَبُّرِ والتَّذَكُّرِ.
النحل 16:101
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠١-١٠٢] ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] .
﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢]
التَّبْدِيلُ: رَفْعُ الشَّيْءِ مَعَ وضْعِ غَيْرِهِ مَكانِهِ، فَتَبْدِيلُ الآيَةِ: رَفْعُها بِآيَةٍ أُخْرى. والأكْثَرُونَ: عَلى أنَّ المَعْنى نَسْخُ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ لَفْظًا أوْ حُكْمًا بِآيَةٍ أُخْرى غَيْرِها؛ لِحِكْمَةٍ باهِرَةٍ أُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ﴾ مِن ناسِخٍ قَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ يَتَبَدَّلَ المَنسُوخُ الأوَّلُ بِهِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المَعْنى تَبْدِيلُ آيَةٍ مِن آياتِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، كَآيَةِ مُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما مِنَ الآياتِ الكَوْنِيَّةِ الآفاقِيَّةِ، بِآيَةٍ أُخْرى نَفْسِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ، وهي كَوْنُ المُنَزَّلِ هُدًى ورَحْمَةً وبِشارَةً يُدْرِكُها العَقْلُ إذا تَنَبَّهَ لَها وجَرى عَلى نِظامِهِ الفِطْرِيِّ. وذَلِكَ لِاسْتِعْدادِ الإنْسانِ وقْتَئِذٍ؛ لِأنَّ يُخاطِبُ عَقْلَهُ ويَسْتَصْرِخُ فَمَهُ ولُبَّهُ. فَلَمْ يُؤْتَ مِن قِبَلِ الخَوارِقِ الكَوْنِيَّةِ ويُدْهَشْ بِها كَما كانَ لِمَن سَلَفَ. فَبُدِّلَتْ تِلْكَ بِآيَةٍ هو كِتابُ العِلْمِ والهُدى مِن نَبِيٍ أُمِّيٍّ لَمْ يَقْرَأْ ولَمْ (p-٣٨٥٩)يَكْتُبْ. وكَوْنُ الكِتابِ بَيِّنَ الصِّدْقِ قاطِعَ البُرْهانِ ناصِعَ البَيانِ بِالنِّسْبَةِ لِمَن أُوتِيَ ورُزِقَ الفَهْمَ. وهَذا التَّأْوِيلُ الثّانِي يُرَجِّحُهُ عَلى الأوَّلِ؛ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَيْسَ في المَكِّيِّ مَنسُوخٌ بِالمَعْنى الَّذِي يُرِيدُونَهُ. ولِلْبَحْثِ تَفْصِيلٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ في آيَتَيْنِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَـزَّلْنا﴾ [البقرة: ٢٣] إلخ، وقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى، لَمّا رَحِمَ العالَمِينَ وجَعَلَ القُرْآنَ مَكانَ ما تَقَدَّمَ، نَسَبُوا المُوحى إلَيْهِ بِهِ إلى الِافْتِراءِ؛ رَدًّا لِلْحَقِّ، وعِنادًا لِلْهُدى، وتَوَلِّيًا لِلشَّيْطانِ، وتَعَبُّدًا لِوَسْوَسَتِهِ، وما ذاكَ إلّا لِجَهْلِهِمُ المُتَناهِي، كَما قالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واعْتِراضُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ﴾ لِتَوْبِيخِ الكَفَرَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى فَسادِ رَأْيِهِمْ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَصْدَعَ بِالحَقِّ في شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ﴾ [النحل: ١٠٢] أيِ: القُرْآنَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالآيَةِ: ﴿رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أُضِيفَ إلى القُدْسِ وهو الطُّهْرُ، كَما يُقالُ: (حاتِمُ الجُودِ، وزَيْدُ الخَيْرِ، وخَبَرُ السُّوءِ، ورَجُلُ صِدْقٍ) والمُرادُ: الرُّوحُ المُقَدَّسُ، وحاتِمٌ الجُودُ، وزَيْدٌ الخَيِّرُ، والخَبَرُ السَّيِّئُ، والرَّجُلُ الصّادِقُ. وإنَّما أضافُوا المَوْصُوفَ إلى مَصْدَرِ الصِّفَةِ لِلْمُبالَغَةِ في كَثْرَةِ مُلابَسَتِهِ لَهُ واخْتِصاصِهِ بِهِ. والمُقَدَّسُ: المُطَهَّرُ مِنَ الأدْناسِ البَشَرِيَّةِ. وإضافَةُ (الرَّبِّ) إلى ضَمِيرِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ إفاضَةِ آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ الثّابِتِ المُوافِقِ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضاها دَوْرُ عَصْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ١٠٢] أيْ: عَلى الحَقِّ ونَبْذِ وساوِسِ الشَّياطِينِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] تَعْرِيضٌ بِحُصُولِ أضْدادِ هَذِهِ الصِّفاتِ لِغَيْرِهِمْ.
(p-٣٨٦٠)
النحل 16:102
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠١-١٠٢] ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] .
﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢]
التَّبْدِيلُ: رَفْعُ الشَّيْءِ مَعَ وضْعِ غَيْرِهِ مَكانِهِ، فَتَبْدِيلُ الآيَةِ: رَفْعُها بِآيَةٍ أُخْرى. والأكْثَرُونَ: عَلى أنَّ المَعْنى نَسْخُ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ لَفْظًا أوْ حُكْمًا بِآيَةٍ أُخْرى غَيْرِها؛ لِحِكْمَةٍ باهِرَةٍ أُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ﴾ مِن ناسِخٍ قَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ يَتَبَدَّلَ المَنسُوخُ الأوَّلُ بِهِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المَعْنى تَبْدِيلُ آيَةٍ مِن آياتِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، كَآيَةِ مُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما مِنَ الآياتِ الكَوْنِيَّةِ الآفاقِيَّةِ، بِآيَةٍ أُخْرى نَفْسِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ، وهي كَوْنُ المُنَزَّلِ هُدًى ورَحْمَةً وبِشارَةً يُدْرِكُها العَقْلُ إذا تَنَبَّهَ لَها وجَرى عَلى نِظامِهِ الفِطْرِيِّ. وذَلِكَ لِاسْتِعْدادِ الإنْسانِ وقْتَئِذٍ؛ لِأنَّ يُخاطِبُ عَقْلَهُ ويَسْتَصْرِخُ فَمَهُ ولُبَّهُ. فَلَمْ يُؤْتَ مِن قِبَلِ الخَوارِقِ الكَوْنِيَّةِ ويُدْهَشْ بِها كَما كانَ لِمَن سَلَفَ. فَبُدِّلَتْ تِلْكَ بِآيَةٍ هو كِتابُ العِلْمِ والهُدى مِن نَبِيٍ أُمِّيٍّ لَمْ يَقْرَأْ ولَمْ (p-٣٨٥٩)يَكْتُبْ. وكَوْنُ الكِتابِ بَيِّنَ الصِّدْقِ قاطِعَ البُرْهانِ ناصِعَ البَيانِ بِالنِّسْبَةِ لِمَن أُوتِيَ ورُزِقَ الفَهْمَ. وهَذا التَّأْوِيلُ الثّانِي يُرَجِّحُهُ عَلى الأوَّلِ؛ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَيْسَ في المَكِّيِّ مَنسُوخٌ بِالمَعْنى الَّذِي يُرِيدُونَهُ. ولِلْبَحْثِ تَفْصِيلٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ في آيَتَيْنِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَـزَّلْنا﴾ [البقرة: ٢٣] إلخ، وقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى، لَمّا رَحِمَ العالَمِينَ وجَعَلَ القُرْآنَ مَكانَ ما تَقَدَّمَ، نَسَبُوا المُوحى إلَيْهِ بِهِ إلى الِافْتِراءِ؛ رَدًّا لِلْحَقِّ، وعِنادًا لِلْهُدى، وتَوَلِّيًا لِلشَّيْطانِ، وتَعَبُّدًا لِوَسْوَسَتِهِ، وما ذاكَ إلّا لِجَهْلِهِمُ المُتَناهِي، كَما قالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واعْتِراضُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ﴾ لِتَوْبِيخِ الكَفَرَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى فَسادِ رَأْيِهِمْ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَصْدَعَ بِالحَقِّ في شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ﴾ [النحل: ١٠٢] أيِ: القُرْآنَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالآيَةِ: ﴿رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أُضِيفَ إلى القُدْسِ وهو الطُّهْرُ، كَما يُقالُ: (حاتِمُ الجُودِ، وزَيْدُ الخَيْرِ، وخَبَرُ السُّوءِ، ورَجُلُ صِدْقٍ) والمُرادُ: الرُّوحُ المُقَدَّسُ، وحاتِمٌ الجُودُ، وزَيْدٌ الخَيِّرُ، والخَبَرُ السَّيِّئُ، والرَّجُلُ الصّادِقُ. وإنَّما أضافُوا المَوْصُوفَ إلى مَصْدَرِ الصِّفَةِ لِلْمُبالَغَةِ في كَثْرَةِ مُلابَسَتِهِ لَهُ واخْتِصاصِهِ بِهِ. والمُقَدَّسُ: المُطَهَّرُ مِنَ الأدْناسِ البَشَرِيَّةِ. وإضافَةُ (الرَّبِّ) إلى ضَمِيرِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ إفاضَةِ آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ الثّابِتِ المُوافِقِ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضاها دَوْرُ عَصْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ١٠٢] أيْ: عَلى الحَقِّ ونَبْذِ وساوِسِ الشَّياطِينِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] تَعْرِيضٌ بِحُصُولِ أضْدادِ هَذِهِ الصِّفاتِ لِغَيْرِهِمْ.
(p-٣٨٦٠)
النحل 16:103
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٣] ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ .
﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾
يُخْبِرُ تَعالى عَنِ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ غَيْرَ ما نُقِلَ عَنْهم قَبْلُ مِنَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ، وكَذِبِهِمْ وبُهْتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ إنَّما يُعَلِّمُهُ هَذا الَّذِي يَتْلُوهُ مِنَ القُرْآنِ، بَشَرٌ. يَعْنُونَ رَجُلًا أعْجَمِيًّا كانَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ يَقْرَأُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ. رُبَّما يَتَحَدَّثُ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ أحْيانًا. وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ؛ بِاسْمِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ خَطَئِهِمْ لَيْسَ بِنِسْبَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلى التَّعَلُّمِ مِن شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ مِنَ البَشَرِ، كائِنًا مَن كانَ. ثُمَّ أشارَ تَعالى وُضُوحَ بُطْلانِ بُهْتِهِمْ، بِأنَّ لِسانَ الرَّجُلِ الَّذِي يَنْسُبُونَ إلَيْهِ التَّعْلِيمَ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ مُبِينٍ. وهَذا القُرْآنُ الكَرِيمُ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ. ومِن أيْنَ لِلْأعْجَمِيِّ أنْ يَذُوقَ بَلاغَةَ هَذا التَّنْزِيلِ، وما حَواهُ مِنَ العُلُومِ، فَضْلًا أنْ يَنْطِقَ بِهِ، فَضْلًا أنْ يَكُونَ مُعَلِّمًا لَهُ ! . وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:104
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٤-١٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] .
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَهْدِيدٌ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ، بَعْدَ ما أماطَ شُبْهَتَهم ورَدَّ طَعْنَهم فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] وقَلْبٌ لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ، بِبَيانِ (p-٣٨٦١)أنَّهم هُمُ المُفْتَرُونَ لا هو. يَعْنِي: إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمَنُ، لِأنَّهُ لا يَخافُ عِقابًا يَرْدَعُهُ عَنْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] إشارَةٌ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، ويَدْخُلُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ دُخُولًا أوَّلِيًّا. أيِ: الكاذِبُونَ في الحَقِيقَةِ ونَفْسِ الأمْرِ. أوِ الكامِلُونَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا كَذِبَ أعْظَمُ مِن تَكْذِيبِ آياتِهِ تَعالى، والطَّعْنِ فِيها بِأمْثالِ هاتِيكَ الأباطِيلِ. ولا يَخْفى ما في الحَصْرِ، بَعْدَ القَصْرِ، مِنَ العِنايَةِ بِمَقامِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وقَدْ كانَ أصْدَقَ النّاسِ وأبَرَّهم وأكْمَلَهم عِلْمًا وعَمَلًا وإيمانًا وإيقانًا، مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ في قَوْمِهِ، لا يَشُكُّ في ذَلِكَ أحَدٌ مِنهم بِحَيْثُ لا يُدْعى بَيْنَهم إلّا بِـ (الأمِينِ مُحَمَّدٍ) . ولِهَذا لَمّا سَألَ هِرَقْلُ مِلْكَ الرُّومِ أبا سُفْيانَ عَنْ تِلْكَ المَسائِلِ الَّتِي سَألَها، مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانَ فِيما قالَ لَهُ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قالَ ؟ قالَ: لا. فَقالَ هِرَقْلُ: ما كانَ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ، ويَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى.
تَنْبِيهٌ:
فِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ وأفْحَشِ الفَواحِشِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ كَلِمَةَ: { إنَّما } لِلْحَصْرِ. والمَعْنى: أنَّ الكَذِبَ والفِرْيَةَ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِما إلّا مَن كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِآياتِ اللَّهِ، وإلّا مَن كانَ كافِرًا. وهَذا تَهْدِيدٌ في النِّهايَةِ.
ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: هَلْ يَكْذِبُ المُؤْمِنُ ؟ قالَ: لا. ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ» . أفادَهُ الرّازِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٨٦٢)
النحل 16:105
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٤-١٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] .
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَهْدِيدٌ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ، بَعْدَ ما أماطَ شُبْهَتَهم ورَدَّ طَعْنَهم فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] وقَلْبٌ لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ، بِبَيانِ (p-٣٨٦١)أنَّهم هُمُ المُفْتَرُونَ لا هو. يَعْنِي: إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمَنُ، لِأنَّهُ لا يَخافُ عِقابًا يَرْدَعُهُ عَنْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] إشارَةٌ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، ويَدْخُلُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ دُخُولًا أوَّلِيًّا. أيِ: الكاذِبُونَ في الحَقِيقَةِ ونَفْسِ الأمْرِ. أوِ الكامِلُونَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا كَذِبَ أعْظَمُ مِن تَكْذِيبِ آياتِهِ تَعالى، والطَّعْنِ فِيها بِأمْثالِ هاتِيكَ الأباطِيلِ. ولا يَخْفى ما في الحَصْرِ، بَعْدَ القَصْرِ، مِنَ العِنايَةِ بِمَقامِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وقَدْ كانَ أصْدَقَ النّاسِ وأبَرَّهم وأكْمَلَهم عِلْمًا وعَمَلًا وإيمانًا وإيقانًا، مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ في قَوْمِهِ، لا يَشُكُّ في ذَلِكَ أحَدٌ مِنهم بِحَيْثُ لا يُدْعى بَيْنَهم إلّا بِـ (الأمِينِ مُحَمَّدٍ) . ولِهَذا لَمّا سَألَ هِرَقْلُ مِلْكَ الرُّومِ أبا سُفْيانَ عَنْ تِلْكَ المَسائِلِ الَّتِي سَألَها، مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانَ فِيما قالَ لَهُ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قالَ ؟ قالَ: لا. فَقالَ هِرَقْلُ: ما كانَ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ، ويَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى.
تَنْبِيهٌ:
فِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ وأفْحَشِ الفَواحِشِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ كَلِمَةَ: { إنَّما } لِلْحَصْرِ. والمَعْنى: أنَّ الكَذِبَ والفِرْيَةَ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِما إلّا مَن كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِآياتِ اللَّهِ، وإلّا مَن كانَ كافِرًا. وهَذا تَهْدِيدٌ في النِّهايَةِ.
ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: هَلْ يَكْذِبُ المُؤْمِنُ ؟ قالَ: لا. ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ» . أفادَهُ الرّازِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٨٦٢)
النحل 16:106
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٦-١٠٩] ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] .
﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩]
لَمّا بَيَّنَ تَعالى فَضْلَ مَن آمَنَ وصَبَرَ عَلى أذى المُشْرِكِينَ، في المُحاماةِ عَنِ الدِّينِ، تَأثُّرَهُ بِبَيانِ ما لِلرِّدَّةِ وإيثارِ الضَّلالِ عَلى الهُدى، مِنَ الوَعْدِ الشَّدِيدِ، بِهَذِهِ الآياتِ. واسْتَثْنى المُكْرَهَ المُطَمْئِنَّ القَلْبِ بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ؛ فَإنَّهُ إذا وافَقَ المُشْرِكِينَ بِلَفْظٍ، لِإيلامٍ قَوِيٍّ وإيذاءٍ شَدِيدٍ وتَهْدِيدٍ بِقَتْلٍ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ. إنَّما الجُناحُ عَلى مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، أيْ: طابَ بِهِ نَفْسًا واعْتَقَدَهُ، اسْتِحْبابًا لِلْحَياةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ، أيْ: إيثارًا لَها عَلى الآخِرَةِ الباقِيَةِ، فَذاكَ الَّذِي لَهُ (p-٣٨٦٣)مِنَ الوَعِيدِ ما بَيَّنَتْهُ الآياتُ الكَرِيمَةُ، مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أوَّلًا، وعَذابِهِ العَظِيمِ لَهم، وهو عَذابُ النّارِ ثانِيًا. وعَدَمُ هِدايَتِهِمْ بِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ ثالِثًا. ورابِعًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِقَساوَتِها وكُدُورَتِها. فَلَمْ يَنْفَتِحْ لَهم طَرِيقُ الفَهْمِ، وعَلى سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ بِسَدِّ طَرِيقِ المَعْنى المُرادِ مِن مَسْمُوعاتِهِمْ وطَرِيقِ الِاعْتِبارِ مِن مُبْصَراتِهِمْ إلى القَلْبِ. فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن أسْبابِ الهِدايَةِ مِن طَرِيقِ الباطِنِ مِن فَيْضِ العِلْمِ وإشْراقِ النُّورِ. ولا مِن طَرِيقِ الظّاهِرِ بِطَرِيقِ التَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ والِاعْتِبارِ مِن آثارِ الصُّنْعِ. وخامِسًا بِكَوْنِهِمْ هُمُ الغافِلِينَ بِالحَقِيقَةِ، لِعَدَمِ انْتِباهِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وامْتِناعِ تَيَقُّظِهِمْ مِن نَوْمِ الجَهْلِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ. وجَلِيٌّ، أنَّ كُلَّ نِقْمَةٍ مِن هَذِهِ الخَمْسِ، عَلى انْفِرادِها، مِن أعْظَمِ الحَواجِزِ عَنِ الفَوْزِ بِالخَيْراتِ والسَّعاداتِ. فَكَيْفَ بِها كُلِّها ! .
قالَ الرّازِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّهُ إنَّما أُدْخِلَ الإنْسانُ الدُّنْيا لِيَكُونَ كالتّاجِرِ الَّذِي يَشْتَرِي بِطاعاتِهِ سَعاداتِ الآخِرَةِ. فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ المَوانِعُ عَظُمَ خُسْرانُهُ. فَلِهَذا قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] أيِ: الَّذِينَ ضاعَتْ دُنْياهُمُ الَّتِي اسْتَنْفَدُوا في تَحْصِيلِها وُسْعَهم، وأتْلَفُوا في طَلَبِها أعْمارَهم، ولَيْسُوا مِنَ الآخِرَةِ في شَيْءٍ إلّا في وبالِ التَّحَسُّراتِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: (مَن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ﴾ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُقَدَّمٌ مِن حُكْمِ الغَضَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ رُجُوعٌ إلى صَدْرِ الآيَةِ وحُكْمِها، بِأُسْلُوبٍ مُبَيِّنٍ لِمَن كَفَرَ، مُوَضِّحٍ لَهُ. بِمَثابَةِ عَطْفِ البَيانِ أوْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ. وهَذا الوَجْهُ مِنَ الإعْرابِ لَمْ أرَهُ لِأحَدٍ، ولا يَظْهَرُ غَيْرُهُ لِمَن ذاقَ حَلاوَةَ أُسْلُوبِ القُرْآنِ.
الثّانِي: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. وأنَّ الإكْراهَ يُبِيحُ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ (p-٣٨٦٤)الكُفْرِ، بِشَرْطِ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ عَلى الإيمانِ. واسْتَدَلَّ العُلَماءُ بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ طَلاقِ المُكْرَهِ وعَتاقِهِ، وكُلِّ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ صَدَرَ مِنهُ، إلّا ما اسْتَثْنى. أفادَهُ السُّيُوطِيُّ في " الإكْلِيلُ " .
الثّالِثُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ حِينَ عَذَّبَهُ المُشْرِكُونَ حَتّى يَكْفُرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَوافَقَهم مُكْرَهًا. ثُمَّ جاءَ مُعْتَذِرًا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: «أخَذَ المُشْرِكُونَ عَمّارًا فَعَذَّبُوهُ، حَتّى قارَبَهم في بَعْضِ ما أرادُوا. فَشَكا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟» قالَ: مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ. قالَ ﷺ: «إنْ عادُوا فَعُدْ»» .
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ المُشْرِكِينَ عَدَوْا عَلى مَن أسْلَمَ واتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن أصْحابِهِ. فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلى مَن فِيها مِنَ المُسْلِمِينَ. فَجَعَلُوا يَحْبِسُونَهم ويُعَذِّبُونَهم بِالضَّرْبِ والجُوعِ والعَطَشِ. وبِرَمْضاءِ مَكَّةَ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ. يَفْتِنُونَهم عَنْ دِينِهِمْ. فَمِنهم مَن يَفْتَتِنُ مِن شِدَّةِ البَلاءِ الَّذِي يُصِيبُهُ. ومِنهم مَن يَصْلُبُ لَهم ويَعْصِمُهُ اللَّهُ مِنهم. وكانَ بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَبْدًا لِبَعْضٍ بَنِي جُمَحَ، يُخْرِجُهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، إذا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ، فَيَطْرَحُهُ عَلى ظَهْرِهِ في بَطْحاءِ مَكَّةَ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلى صَدْرِهِ. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: لا تَزالُ هَكَذا حَتّى تَمُوتَ أوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وتَعْبُدَ اللّاتَ والعُزّى. فَيَقُولُ (وهو في ذَلِكَ البَلاءِ): أحَدٌ، أحَدٌ، حَتّى اشْتَراهُ أبُو بَكْرٍ وأعْتَقَهُ.
«وكانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ يَخْرُجُونَ بِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وبِأبِيهِ وأُمِّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، إذا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ يُعَذِّبُونَهم بِرَمْضاءِ مَكَّةَ، فَيَمُرُّ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ: «صَبْرًا آلَ ياسِرٍ، مَوْعِدُكُمُ الجَنَّةُ»» فَأمّا أُمُّهُ فَقَتَلُوها وهي تَأْبى إلّا الإسْلامَ.
(p-٣٨٦٥)قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أكانَ المُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَذابِ ما يُعْذَرُونَ بِهِ في تَرْكِ دِينِهِمْ ؟ قالَ: نَعَمْ. واللَّهِ ! إنْ كانُوا لَيَضْرِبُونَ أحَدَهم ويُجِيعُونَهُ ويُعَطِّشُونَهُ، حَتّى ما يَقْدِرُ عَلى أنْ يَسْتَوِيَ جالِسًا مِن شِدَّةِ الضَّرْبِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، حَتّى يُعْطِيَهم ما سَألُوهُ مِنَ الفِتْنَةِ. حَتّى يَقُولُوا لَهُ: اللّاتُ والعُزّى إلَهُكَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. حَتّى إنَّ الجُعَلَ لَيَمُرُّ بِهِمْ فَيَقُولُونَ لَهُ: هَذا الجُعَلُ إلَهُكَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمِ؛ افْتِداءً مِنهم، مِمّا يَبْلُغُونَ مِن جَهْدِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في (السِّيرَةُ) في بَحْثِ (عُدْوانُ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ مِمَّنْ أسْلَمَ بِالأذى والفِتْنَةِ) غَرائِبَ في هَذا البابِ، فانْظُرْهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولِهَذا اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُكْرَهَ عَلى الكُفْرِ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُوالِيَ؛ إبْقاءً لِمُهْجَتِهِ. ويَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْبى، كَما كانَ بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبى عَلَيْهِمْ، وهم يَفْعَلُونَ بِهِ الأفاعِيلَ، وهو يَقُولُ: أحَدٌ، أحَدٌ. ويَقُولُ: واللَّهِ ! لَوْ أعْلَمُ كَلِمَةً أغْيَظُ لَكم مِنها لَقُلْتُها. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ. وكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، لَمّا قالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ: أتَشَهَّدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: لا أسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا، وهو ثابِتٌ عَلى ذَلِكَ.
ورَوى الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ السَّهْمِيِّ، أحَدِ الصَّحابَةِ، أنَّهُ أسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجاءُوا بِهِ إلى مِلْكِهِمْ. فَقالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وأنا أُشْرِكُكَ في مُلْكِي وأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقالَ لَهُ: لَوْ أعْطَيْتَنِي جَمِيعَ ما تَمْلِكُ وجَمِيعَ ما تَمْلِكُهُ العَرَبُ، عَلى أنْ أرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ما فَعَلْتُ. فَقالَ: إذًا أقْتُلَكَ. فَقالَ: أنْتَ وذاكَ. فَأمَرَ بِهِ فَصُلِبَ. وأمَرَ الرُّماةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِن يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وهو يَعْرِضُ عَلَيْهِ دِينَ النَّصْرانِيَّةِ فَيَأْبى. ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ.
(p-٣٨٦٦)ثُمَّ أمَرَ بِقِدْرٍ فَأُحْمِيَتْ. وجاءَ بِأسِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَألْقاهُ وهو يَنْظُرُ، فَإذا هو عِظامٌ تَلُوحُ، وعَرَضَ عَلَيْهِ فَأبى. فَأمَرَ بِهِ أنْ يُلْقى فِيها. فَرَفَعَ بِالبَكَرَةِ لِيُلْقى فِيها فَبَكى. فَطَمِعَ فِيهِ ودَعاهُ، فَقالَ: إنِّي إنَّما بَكَيْتُ لِأنَّ نَفْسِي إنَّما هي نَفْسٌ واحِدَةٌ، تُلْقى في هَذا القَدَرِ السّاعَةَ. فَأحْبَبْتُ أنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ في جَسَدِي، نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذا العَذابَ في اللَّهِ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: أنَّهُ سَجَنَهُ ومَنَعَهُ الطَّعامَ والشَّرابَ أيّامًا. ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِ بِخَمْرٍ ولَحْمِ خِنْزِيرٍ فَلَمْ يَقْرَبْهُ. ثُمَّ اسْتَدْعاهُ فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْكُلَ ؟ فَقالَ: أمّا هو فَقَدْ حَلَّ لِي. ولَكِنْ لَمْ أكُنْ لِأُشْمِتَكَ فِيَّ. فَقالَ لَهُ المَلِكُ: فَقَبِّلْ رَأْسِي وأنا أُطَلِّقُكَ وأُطْلِقُ جَمِيعَ أسارى المُسْلِمِينَ. قالَ: فَقَبَّلَ رَأْسَهُ. وأطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أسارى المُسْلِمِينَ عِنْدَهُ. فَلَمّا رَجَعَ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: حَقٌّ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ، وأنا أبْدَأُ فَقامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:107
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٦-١٠٩] ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] .
﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩]
لَمّا بَيَّنَ تَعالى فَضْلَ مَن آمَنَ وصَبَرَ عَلى أذى المُشْرِكِينَ، في المُحاماةِ عَنِ الدِّينِ، تَأثُّرَهُ بِبَيانِ ما لِلرِّدَّةِ وإيثارِ الضَّلالِ عَلى الهُدى، مِنَ الوَعْدِ الشَّدِيدِ، بِهَذِهِ الآياتِ. واسْتَثْنى المُكْرَهَ المُطَمْئِنَّ القَلْبِ بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ؛ فَإنَّهُ إذا وافَقَ المُشْرِكِينَ بِلَفْظٍ، لِإيلامٍ قَوِيٍّ وإيذاءٍ شَدِيدٍ وتَهْدِيدٍ بِقَتْلٍ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ. إنَّما الجُناحُ عَلى مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، أيْ: طابَ بِهِ نَفْسًا واعْتَقَدَهُ، اسْتِحْبابًا لِلْحَياةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ، أيْ: إيثارًا لَها عَلى الآخِرَةِ الباقِيَةِ، فَذاكَ الَّذِي لَهُ (p-٣٨٦٣)مِنَ الوَعِيدِ ما بَيَّنَتْهُ الآياتُ الكَرِيمَةُ، مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أوَّلًا، وعَذابِهِ العَظِيمِ لَهم، وهو عَذابُ النّارِ ثانِيًا. وعَدَمُ هِدايَتِهِمْ بِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ ثالِثًا. ورابِعًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِقَساوَتِها وكُدُورَتِها. فَلَمْ يَنْفَتِحْ لَهم طَرِيقُ الفَهْمِ، وعَلى سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ بِسَدِّ طَرِيقِ المَعْنى المُرادِ مِن مَسْمُوعاتِهِمْ وطَرِيقِ الِاعْتِبارِ مِن مُبْصَراتِهِمْ إلى القَلْبِ. فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن أسْبابِ الهِدايَةِ مِن طَرِيقِ الباطِنِ مِن فَيْضِ العِلْمِ وإشْراقِ النُّورِ. ولا مِن طَرِيقِ الظّاهِرِ بِطَرِيقِ التَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ والِاعْتِبارِ مِن آثارِ الصُّنْعِ. وخامِسًا بِكَوْنِهِمْ هُمُ الغافِلِينَ بِالحَقِيقَةِ، لِعَدَمِ انْتِباهِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وامْتِناعِ تَيَقُّظِهِمْ مِن نَوْمِ الجَهْلِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ. وجَلِيٌّ، أنَّ كُلَّ نِقْمَةٍ مِن هَذِهِ الخَمْسِ، عَلى انْفِرادِها، مِن أعْظَمِ الحَواجِزِ عَنِ الفَوْزِ بِالخَيْراتِ والسَّعاداتِ. فَكَيْفَ بِها كُلِّها ! .
قالَ الرّازِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّهُ إنَّما أُدْخِلَ الإنْسانُ الدُّنْيا لِيَكُونَ كالتّاجِرِ الَّذِي يَشْتَرِي بِطاعاتِهِ سَعاداتِ الآخِرَةِ. فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ المَوانِعُ عَظُمَ خُسْرانُهُ. فَلِهَذا قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] أيِ: الَّذِينَ ضاعَتْ دُنْياهُمُ الَّتِي اسْتَنْفَدُوا في تَحْصِيلِها وُسْعَهم، وأتْلَفُوا في طَلَبِها أعْمارَهم، ولَيْسُوا مِنَ الآخِرَةِ في شَيْءٍ إلّا في وبالِ التَّحَسُّراتِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: (مَن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ﴾ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُقَدَّمٌ مِن حُكْمِ الغَضَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ رُجُوعٌ إلى صَدْرِ الآيَةِ وحُكْمِها، بِأُسْلُوبٍ مُبَيِّنٍ لِمَن كَفَرَ، مُوَضِّحٍ لَهُ. بِمَثابَةِ عَطْفِ البَيانِ أوْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ. وهَذا الوَجْهُ مِنَ الإعْرابِ لَمْ أرَهُ لِأحَدٍ، ولا يَظْهَرُ غَيْرُهُ لِمَن ذاقَ حَلاوَةَ أُسْلُوبِ القُرْآنِ.
الثّانِي: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. وأنَّ الإكْراهَ يُبِيحُ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ (p-٣٨٦٤)الكُفْرِ، بِشَرْطِ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ عَلى الإيمانِ. واسْتَدَلَّ العُلَماءُ بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ طَلاقِ المُكْرَهِ وعَتاقِهِ، وكُلِّ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ صَدَرَ مِنهُ، إلّا ما اسْتَثْنى. أفادَهُ السُّيُوطِيُّ في " الإكْلِيلُ " .
الثّالِثُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ حِينَ عَذَّبَهُ المُشْرِكُونَ حَتّى يَكْفُرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَوافَقَهم مُكْرَهًا. ثُمَّ جاءَ مُعْتَذِرًا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: «أخَذَ المُشْرِكُونَ عَمّارًا فَعَذَّبُوهُ، حَتّى قارَبَهم في بَعْضِ ما أرادُوا. فَشَكا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟» قالَ: مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ. قالَ ﷺ: «إنْ عادُوا فَعُدْ»» .
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ المُشْرِكِينَ عَدَوْا عَلى مَن أسْلَمَ واتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن أصْحابِهِ. فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلى مَن فِيها مِنَ المُسْلِمِينَ. فَجَعَلُوا يَحْبِسُونَهم ويُعَذِّبُونَهم بِالضَّرْبِ والجُوعِ والعَطَشِ. وبِرَمْضاءِ مَكَّةَ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ. يَفْتِنُونَهم عَنْ دِينِهِمْ. فَمِنهم مَن يَفْتَتِنُ مِن شِدَّةِ البَلاءِ الَّذِي يُصِيبُهُ. ومِنهم مَن يَصْلُبُ لَهم ويَعْصِمُهُ اللَّهُ مِنهم. وكانَ بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَبْدًا لِبَعْضٍ بَنِي جُمَحَ، يُخْرِجُهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، إذا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ، فَيَطْرَحُهُ عَلى ظَهْرِهِ في بَطْحاءِ مَكَّةَ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلى صَدْرِهِ. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: لا تَزالُ هَكَذا حَتّى تَمُوتَ أوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وتَعْبُدَ اللّاتَ والعُزّى. فَيَقُولُ (وهو في ذَلِكَ البَلاءِ): أحَدٌ، أحَدٌ، حَتّى اشْتَراهُ أبُو بَكْرٍ وأعْتَقَهُ.
«وكانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ يَخْرُجُونَ بِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وبِأبِيهِ وأُمِّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، إذا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ يُعَذِّبُونَهم بِرَمْضاءِ مَكَّةَ، فَيَمُرُّ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ: «صَبْرًا آلَ ياسِرٍ، مَوْعِدُكُمُ الجَنَّةُ»» فَأمّا أُمُّهُ فَقَتَلُوها وهي تَأْبى إلّا الإسْلامَ.
(p-٣٨٦٥)قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أكانَ المُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَذابِ ما يُعْذَرُونَ بِهِ في تَرْكِ دِينِهِمْ ؟ قالَ: نَعَمْ. واللَّهِ ! إنْ كانُوا لَيَضْرِبُونَ أحَدَهم ويُجِيعُونَهُ ويُعَطِّشُونَهُ، حَتّى ما يَقْدِرُ عَلى أنْ يَسْتَوِيَ جالِسًا مِن شِدَّةِ الضَّرْبِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، حَتّى يُعْطِيَهم ما سَألُوهُ مِنَ الفِتْنَةِ. حَتّى يَقُولُوا لَهُ: اللّاتُ والعُزّى إلَهُكَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. حَتّى إنَّ الجُعَلَ لَيَمُرُّ بِهِمْ فَيَقُولُونَ لَهُ: هَذا الجُعَلُ إلَهُكَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمِ؛ افْتِداءً مِنهم، مِمّا يَبْلُغُونَ مِن جَهْدِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في (السِّيرَةُ) في بَحْثِ (عُدْوانُ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ مِمَّنْ أسْلَمَ بِالأذى والفِتْنَةِ) غَرائِبَ في هَذا البابِ، فانْظُرْهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولِهَذا اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُكْرَهَ عَلى الكُفْرِ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُوالِيَ؛ إبْقاءً لِمُهْجَتِهِ. ويَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْبى، كَما كانَ بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبى عَلَيْهِمْ، وهم يَفْعَلُونَ بِهِ الأفاعِيلَ، وهو يَقُولُ: أحَدٌ، أحَدٌ. ويَقُولُ: واللَّهِ ! لَوْ أعْلَمُ كَلِمَةً أغْيَظُ لَكم مِنها لَقُلْتُها. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ. وكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، لَمّا قالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ: أتَشَهَّدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: لا أسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا، وهو ثابِتٌ عَلى ذَلِكَ.
ورَوى الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ السَّهْمِيِّ، أحَدِ الصَّحابَةِ، أنَّهُ أسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجاءُوا بِهِ إلى مِلْكِهِمْ. فَقالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وأنا أُشْرِكُكَ في مُلْكِي وأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقالَ لَهُ: لَوْ أعْطَيْتَنِي جَمِيعَ ما تَمْلِكُ وجَمِيعَ ما تَمْلِكُهُ العَرَبُ، عَلى أنْ أرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ما فَعَلْتُ. فَقالَ: إذًا أقْتُلَكَ. فَقالَ: أنْتَ وذاكَ. فَأمَرَ بِهِ فَصُلِبَ. وأمَرَ الرُّماةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِن يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وهو يَعْرِضُ عَلَيْهِ دِينَ النَّصْرانِيَّةِ فَيَأْبى. ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ.
(p-٣٨٦٦)ثُمَّ أمَرَ بِقِدْرٍ فَأُحْمِيَتْ. وجاءَ بِأسِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَألْقاهُ وهو يَنْظُرُ، فَإذا هو عِظامٌ تَلُوحُ، وعَرَضَ عَلَيْهِ فَأبى. فَأمَرَ بِهِ أنْ يُلْقى فِيها. فَرَفَعَ بِالبَكَرَةِ لِيُلْقى فِيها فَبَكى. فَطَمِعَ فِيهِ ودَعاهُ، فَقالَ: إنِّي إنَّما بَكَيْتُ لِأنَّ نَفْسِي إنَّما هي نَفْسٌ واحِدَةٌ، تُلْقى في هَذا القَدَرِ السّاعَةَ. فَأحْبَبْتُ أنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ في جَسَدِي، نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذا العَذابَ في اللَّهِ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: أنَّهُ سَجَنَهُ ومَنَعَهُ الطَّعامَ والشَّرابَ أيّامًا. ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِ بِخَمْرٍ ولَحْمِ خِنْزِيرٍ فَلَمْ يَقْرَبْهُ. ثُمَّ اسْتَدْعاهُ فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْكُلَ ؟ فَقالَ: أمّا هو فَقَدْ حَلَّ لِي. ولَكِنْ لَمْ أكُنْ لِأُشْمِتَكَ فِيَّ. فَقالَ لَهُ المَلِكُ: فَقَبِّلْ رَأْسِي وأنا أُطَلِّقُكَ وأُطْلِقُ جَمِيعَ أسارى المُسْلِمِينَ. قالَ: فَقَبَّلَ رَأْسَهُ. وأطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أسارى المُسْلِمِينَ عِنْدَهُ. فَلَمّا رَجَعَ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: حَقٌّ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ، وأنا أبْدَأُ فَقامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:108
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٦-١٠٩] ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] .
﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩]
لَمّا بَيَّنَ تَعالى فَضْلَ مَن آمَنَ وصَبَرَ عَلى أذى المُشْرِكِينَ، في المُحاماةِ عَنِ الدِّينِ، تَأثُّرَهُ بِبَيانِ ما لِلرِّدَّةِ وإيثارِ الضَّلالِ عَلى الهُدى، مِنَ الوَعْدِ الشَّدِيدِ، بِهَذِهِ الآياتِ. واسْتَثْنى المُكْرَهَ المُطَمْئِنَّ القَلْبِ بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ؛ فَإنَّهُ إذا وافَقَ المُشْرِكِينَ بِلَفْظٍ، لِإيلامٍ قَوِيٍّ وإيذاءٍ شَدِيدٍ وتَهْدِيدٍ بِقَتْلٍ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ. إنَّما الجُناحُ عَلى مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، أيْ: طابَ بِهِ نَفْسًا واعْتَقَدَهُ، اسْتِحْبابًا لِلْحَياةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ، أيْ: إيثارًا لَها عَلى الآخِرَةِ الباقِيَةِ، فَذاكَ الَّذِي لَهُ (p-٣٨٦٣)مِنَ الوَعِيدِ ما بَيَّنَتْهُ الآياتُ الكَرِيمَةُ، مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أوَّلًا، وعَذابِهِ العَظِيمِ لَهم، وهو عَذابُ النّارِ ثانِيًا. وعَدَمُ هِدايَتِهِمْ بِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ ثالِثًا. ورابِعًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِقَساوَتِها وكُدُورَتِها. فَلَمْ يَنْفَتِحْ لَهم طَرِيقُ الفَهْمِ، وعَلى سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ بِسَدِّ طَرِيقِ المَعْنى المُرادِ مِن مَسْمُوعاتِهِمْ وطَرِيقِ الِاعْتِبارِ مِن مُبْصَراتِهِمْ إلى القَلْبِ. فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن أسْبابِ الهِدايَةِ مِن طَرِيقِ الباطِنِ مِن فَيْضِ العِلْمِ وإشْراقِ النُّورِ. ولا مِن طَرِيقِ الظّاهِرِ بِطَرِيقِ التَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ والِاعْتِبارِ مِن آثارِ الصُّنْعِ. وخامِسًا بِكَوْنِهِمْ هُمُ الغافِلِينَ بِالحَقِيقَةِ، لِعَدَمِ انْتِباهِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وامْتِناعِ تَيَقُّظِهِمْ مِن نَوْمِ الجَهْلِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ. وجَلِيٌّ، أنَّ كُلَّ نِقْمَةٍ مِن هَذِهِ الخَمْسِ، عَلى انْفِرادِها، مِن أعْظَمِ الحَواجِزِ عَنِ الفَوْزِ بِالخَيْراتِ والسَّعاداتِ. فَكَيْفَ بِها كُلِّها ! .
قالَ الرّازِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّهُ إنَّما أُدْخِلَ الإنْسانُ الدُّنْيا لِيَكُونَ كالتّاجِرِ الَّذِي يَشْتَرِي بِطاعاتِهِ سَعاداتِ الآخِرَةِ. فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ المَوانِعُ عَظُمَ خُسْرانُهُ. فَلِهَذا قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] أيِ: الَّذِينَ ضاعَتْ دُنْياهُمُ الَّتِي اسْتَنْفَدُوا في تَحْصِيلِها وُسْعَهم، وأتْلَفُوا في طَلَبِها أعْمارَهم، ولَيْسُوا مِنَ الآخِرَةِ في شَيْءٍ إلّا في وبالِ التَّحَسُّراتِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: (مَن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ﴾ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُقَدَّمٌ مِن حُكْمِ الغَضَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ رُجُوعٌ إلى صَدْرِ الآيَةِ وحُكْمِها، بِأُسْلُوبٍ مُبَيِّنٍ لِمَن كَفَرَ، مُوَضِّحٍ لَهُ. بِمَثابَةِ عَطْفِ البَيانِ أوْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ. وهَذا الوَجْهُ مِنَ الإعْرابِ لَمْ أرَهُ لِأحَدٍ، ولا يَظْهَرُ غَيْرُهُ لِمَن ذاقَ حَلاوَةَ أُسْلُوبِ القُرْآنِ.
الثّانِي: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. وأنَّ الإكْراهَ يُبِيحُ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ (p-٣٨٦٤)الكُفْرِ، بِشَرْطِ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ عَلى الإيمانِ. واسْتَدَلَّ العُلَماءُ بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ طَلاقِ المُكْرَهِ وعَتاقِهِ، وكُلِّ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ صَدَرَ مِنهُ، إلّا ما اسْتَثْنى. أفادَهُ السُّيُوطِيُّ في " الإكْلِيلُ " .
الثّالِثُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ حِينَ عَذَّبَهُ المُشْرِكُونَ حَتّى يَكْفُرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَوافَقَهم مُكْرَهًا. ثُمَّ جاءَ مُعْتَذِرًا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: «أخَذَ المُشْرِكُونَ عَمّارًا فَعَذَّبُوهُ، حَتّى قارَبَهم في بَعْضِ ما أرادُوا. فَشَكا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟» قالَ: مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ. قالَ ﷺ: «إنْ عادُوا فَعُدْ»» .
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ المُشْرِكِينَ عَدَوْا عَلى مَن أسْلَمَ واتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن أصْحابِهِ. فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلى مَن فِيها مِنَ المُسْلِمِينَ. فَجَعَلُوا يَحْبِسُونَهم ويُعَذِّبُونَهم بِالضَّرْبِ والجُوعِ والعَطَشِ. وبِرَمْضاءِ مَكَّةَ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ. يَفْتِنُونَهم عَنْ دِينِهِمْ. فَمِنهم مَن يَفْتَتِنُ مِن شِدَّةِ البَلاءِ الَّذِي يُصِيبُهُ. ومِنهم مَن يَصْلُبُ لَهم ويَعْصِمُهُ اللَّهُ مِنهم. وكانَ بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَبْدًا لِبَعْضٍ بَنِي جُمَحَ، يُخْرِجُهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، إذا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ، فَيَطْرَحُهُ عَلى ظَهْرِهِ في بَطْحاءِ مَكَّةَ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلى صَدْرِهِ. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: لا تَزالُ هَكَذا حَتّى تَمُوتَ أوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وتَعْبُدَ اللّاتَ والعُزّى. فَيَقُولُ (وهو في ذَلِكَ البَلاءِ): أحَدٌ، أحَدٌ، حَتّى اشْتَراهُ أبُو بَكْرٍ وأعْتَقَهُ.
«وكانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ يَخْرُجُونَ بِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وبِأبِيهِ وأُمِّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، إذا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ يُعَذِّبُونَهم بِرَمْضاءِ مَكَّةَ، فَيَمُرُّ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ: «صَبْرًا آلَ ياسِرٍ، مَوْعِدُكُمُ الجَنَّةُ»» فَأمّا أُمُّهُ فَقَتَلُوها وهي تَأْبى إلّا الإسْلامَ.
(p-٣٨٦٥)قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أكانَ المُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَذابِ ما يُعْذَرُونَ بِهِ في تَرْكِ دِينِهِمْ ؟ قالَ: نَعَمْ. واللَّهِ ! إنْ كانُوا لَيَضْرِبُونَ أحَدَهم ويُجِيعُونَهُ ويُعَطِّشُونَهُ، حَتّى ما يَقْدِرُ عَلى أنْ يَسْتَوِيَ جالِسًا مِن شِدَّةِ الضَّرْبِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، حَتّى يُعْطِيَهم ما سَألُوهُ مِنَ الفِتْنَةِ. حَتّى يَقُولُوا لَهُ: اللّاتُ والعُزّى إلَهُكَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. حَتّى إنَّ الجُعَلَ لَيَمُرُّ بِهِمْ فَيَقُولُونَ لَهُ: هَذا الجُعَلُ إلَهُكَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمِ؛ افْتِداءً مِنهم، مِمّا يَبْلُغُونَ مِن جَهْدِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في (السِّيرَةُ) في بَحْثِ (عُدْوانُ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ مِمَّنْ أسْلَمَ بِالأذى والفِتْنَةِ) غَرائِبَ في هَذا البابِ، فانْظُرْهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولِهَذا اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُكْرَهَ عَلى الكُفْرِ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُوالِيَ؛ إبْقاءً لِمُهْجَتِهِ. ويَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْبى، كَما كانَ بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبى عَلَيْهِمْ، وهم يَفْعَلُونَ بِهِ الأفاعِيلَ، وهو يَقُولُ: أحَدٌ، أحَدٌ. ويَقُولُ: واللَّهِ ! لَوْ أعْلَمُ كَلِمَةً أغْيَظُ لَكم مِنها لَقُلْتُها. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ. وكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، لَمّا قالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ: أتَشَهَّدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: لا أسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا، وهو ثابِتٌ عَلى ذَلِكَ.
ورَوى الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ السَّهْمِيِّ، أحَدِ الصَّحابَةِ، أنَّهُ أسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجاءُوا بِهِ إلى مِلْكِهِمْ. فَقالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وأنا أُشْرِكُكَ في مُلْكِي وأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقالَ لَهُ: لَوْ أعْطَيْتَنِي جَمِيعَ ما تَمْلِكُ وجَمِيعَ ما تَمْلِكُهُ العَرَبُ، عَلى أنْ أرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ما فَعَلْتُ. فَقالَ: إذًا أقْتُلَكَ. فَقالَ: أنْتَ وذاكَ. فَأمَرَ بِهِ فَصُلِبَ. وأمَرَ الرُّماةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِن يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وهو يَعْرِضُ عَلَيْهِ دِينَ النَّصْرانِيَّةِ فَيَأْبى. ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ.
(p-٣٨٦٦)ثُمَّ أمَرَ بِقِدْرٍ فَأُحْمِيَتْ. وجاءَ بِأسِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَألْقاهُ وهو يَنْظُرُ، فَإذا هو عِظامٌ تَلُوحُ، وعَرَضَ عَلَيْهِ فَأبى. فَأمَرَ بِهِ أنْ يُلْقى فِيها. فَرَفَعَ بِالبَكَرَةِ لِيُلْقى فِيها فَبَكى. فَطَمِعَ فِيهِ ودَعاهُ، فَقالَ: إنِّي إنَّما بَكَيْتُ لِأنَّ نَفْسِي إنَّما هي نَفْسٌ واحِدَةٌ، تُلْقى في هَذا القَدَرِ السّاعَةَ. فَأحْبَبْتُ أنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ في جَسَدِي، نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذا العَذابَ في اللَّهِ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: أنَّهُ سَجَنَهُ ومَنَعَهُ الطَّعامَ والشَّرابَ أيّامًا. ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِ بِخَمْرٍ ولَحْمِ خِنْزِيرٍ فَلَمْ يَقْرَبْهُ. ثُمَّ اسْتَدْعاهُ فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْكُلَ ؟ فَقالَ: أمّا هو فَقَدْ حَلَّ لِي. ولَكِنْ لَمْ أكُنْ لِأُشْمِتَكَ فِيَّ. فَقالَ لَهُ المَلِكُ: فَقَبِّلْ رَأْسِي وأنا أُطَلِّقُكَ وأُطْلِقُ جَمِيعَ أسارى المُسْلِمِينَ. قالَ: فَقَبَّلَ رَأْسَهُ. وأطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أسارى المُسْلِمِينَ عِنْدَهُ. فَلَمّا رَجَعَ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: حَقٌّ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ، وأنا أبْدَأُ فَقامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:109
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٦-١٠٩] ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] .
﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩]
لَمّا بَيَّنَ تَعالى فَضْلَ مَن آمَنَ وصَبَرَ عَلى أذى المُشْرِكِينَ، في المُحاماةِ عَنِ الدِّينِ، تَأثُّرَهُ بِبَيانِ ما لِلرِّدَّةِ وإيثارِ الضَّلالِ عَلى الهُدى، مِنَ الوَعْدِ الشَّدِيدِ، بِهَذِهِ الآياتِ. واسْتَثْنى المُكْرَهَ المُطَمْئِنَّ القَلْبِ بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ؛ فَإنَّهُ إذا وافَقَ المُشْرِكِينَ بِلَفْظٍ، لِإيلامٍ قَوِيٍّ وإيذاءٍ شَدِيدٍ وتَهْدِيدٍ بِقَتْلٍ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ. إنَّما الجُناحُ عَلى مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، أيْ: طابَ بِهِ نَفْسًا واعْتَقَدَهُ، اسْتِحْبابًا لِلْحَياةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ، أيْ: إيثارًا لَها عَلى الآخِرَةِ الباقِيَةِ، فَذاكَ الَّذِي لَهُ (p-٣٨٦٣)مِنَ الوَعِيدِ ما بَيَّنَتْهُ الآياتُ الكَرِيمَةُ، مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أوَّلًا، وعَذابِهِ العَظِيمِ لَهم، وهو عَذابُ النّارِ ثانِيًا. وعَدَمُ هِدايَتِهِمْ بِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ ثالِثًا. ورابِعًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِقَساوَتِها وكُدُورَتِها. فَلَمْ يَنْفَتِحْ لَهم طَرِيقُ الفَهْمِ، وعَلى سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ بِسَدِّ طَرِيقِ المَعْنى المُرادِ مِن مَسْمُوعاتِهِمْ وطَرِيقِ الِاعْتِبارِ مِن مُبْصَراتِهِمْ إلى القَلْبِ. فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن أسْبابِ الهِدايَةِ مِن طَرِيقِ الباطِنِ مِن فَيْضِ العِلْمِ وإشْراقِ النُّورِ. ولا مِن طَرِيقِ الظّاهِرِ بِطَرِيقِ التَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ والِاعْتِبارِ مِن آثارِ الصُّنْعِ. وخامِسًا بِكَوْنِهِمْ هُمُ الغافِلِينَ بِالحَقِيقَةِ، لِعَدَمِ انْتِباهِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وامْتِناعِ تَيَقُّظِهِمْ مِن نَوْمِ الجَهْلِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ. وجَلِيٌّ، أنَّ كُلَّ نِقْمَةٍ مِن هَذِهِ الخَمْسِ، عَلى انْفِرادِها، مِن أعْظَمِ الحَواجِزِ عَنِ الفَوْزِ بِالخَيْراتِ والسَّعاداتِ. فَكَيْفَ بِها كُلِّها ! .
قالَ الرّازِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّهُ إنَّما أُدْخِلَ الإنْسانُ الدُّنْيا لِيَكُونَ كالتّاجِرِ الَّذِي يَشْتَرِي بِطاعاتِهِ سَعاداتِ الآخِرَةِ. فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ المَوانِعُ عَظُمَ خُسْرانُهُ. فَلِهَذا قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] أيِ: الَّذِينَ ضاعَتْ دُنْياهُمُ الَّتِي اسْتَنْفَدُوا في تَحْصِيلِها وُسْعَهم، وأتْلَفُوا في طَلَبِها أعْمارَهم، ولَيْسُوا مِنَ الآخِرَةِ في شَيْءٍ إلّا في وبالِ التَّحَسُّراتِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: (مَن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ﴾ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُقَدَّمٌ مِن حُكْمِ الغَضَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ رُجُوعٌ إلى صَدْرِ الآيَةِ وحُكْمِها، بِأُسْلُوبٍ مُبَيِّنٍ لِمَن كَفَرَ، مُوَضِّحٍ لَهُ. بِمَثابَةِ عَطْفِ البَيانِ أوْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ. وهَذا الوَجْهُ مِنَ الإعْرابِ لَمْ أرَهُ لِأحَدٍ، ولا يَظْهَرُ غَيْرُهُ لِمَن ذاقَ حَلاوَةَ أُسْلُوبِ القُرْآنِ.
الثّانِي: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. وأنَّ الإكْراهَ يُبِيحُ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ (p-٣٨٦٤)الكُفْرِ، بِشَرْطِ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ عَلى الإيمانِ. واسْتَدَلَّ العُلَماءُ بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ طَلاقِ المُكْرَهِ وعَتاقِهِ، وكُلِّ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ صَدَرَ مِنهُ، إلّا ما اسْتَثْنى. أفادَهُ السُّيُوطِيُّ في " الإكْلِيلُ " .
الثّالِثُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ حِينَ عَذَّبَهُ المُشْرِكُونَ حَتّى يَكْفُرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَوافَقَهم مُكْرَهًا. ثُمَّ جاءَ مُعْتَذِرًا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: «أخَذَ المُشْرِكُونَ عَمّارًا فَعَذَّبُوهُ، حَتّى قارَبَهم في بَعْضِ ما أرادُوا. فَشَكا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟» قالَ: مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ. قالَ ﷺ: «إنْ عادُوا فَعُدْ»» .
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ المُشْرِكِينَ عَدَوْا عَلى مَن أسْلَمَ واتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن أصْحابِهِ. فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلى مَن فِيها مِنَ المُسْلِمِينَ. فَجَعَلُوا يَحْبِسُونَهم ويُعَذِّبُونَهم بِالضَّرْبِ والجُوعِ والعَطَشِ. وبِرَمْضاءِ مَكَّةَ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ. يَفْتِنُونَهم عَنْ دِينِهِمْ. فَمِنهم مَن يَفْتَتِنُ مِن شِدَّةِ البَلاءِ الَّذِي يُصِيبُهُ. ومِنهم مَن يَصْلُبُ لَهم ويَعْصِمُهُ اللَّهُ مِنهم. وكانَ بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَبْدًا لِبَعْضٍ بَنِي جُمَحَ، يُخْرِجُهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، إذا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ، فَيَطْرَحُهُ عَلى ظَهْرِهِ في بَطْحاءِ مَكَّةَ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلى صَدْرِهِ. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: لا تَزالُ هَكَذا حَتّى تَمُوتَ أوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وتَعْبُدَ اللّاتَ والعُزّى. فَيَقُولُ (وهو في ذَلِكَ البَلاءِ): أحَدٌ، أحَدٌ، حَتّى اشْتَراهُ أبُو بَكْرٍ وأعْتَقَهُ.
«وكانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ يَخْرُجُونَ بِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وبِأبِيهِ وأُمِّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، إذا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ يُعَذِّبُونَهم بِرَمْضاءِ مَكَّةَ، فَيَمُرُّ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ: «صَبْرًا آلَ ياسِرٍ، مَوْعِدُكُمُ الجَنَّةُ»» فَأمّا أُمُّهُ فَقَتَلُوها وهي تَأْبى إلّا الإسْلامَ.
(p-٣٨٦٥)قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أكانَ المُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَذابِ ما يُعْذَرُونَ بِهِ في تَرْكِ دِينِهِمْ ؟ قالَ: نَعَمْ. واللَّهِ ! إنْ كانُوا لَيَضْرِبُونَ أحَدَهم ويُجِيعُونَهُ ويُعَطِّشُونَهُ، حَتّى ما يَقْدِرُ عَلى أنْ يَسْتَوِيَ جالِسًا مِن شِدَّةِ الضَّرْبِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، حَتّى يُعْطِيَهم ما سَألُوهُ مِنَ الفِتْنَةِ. حَتّى يَقُولُوا لَهُ: اللّاتُ والعُزّى إلَهُكَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. حَتّى إنَّ الجُعَلَ لَيَمُرُّ بِهِمْ فَيَقُولُونَ لَهُ: هَذا الجُعَلُ إلَهُكَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمِ؛ افْتِداءً مِنهم، مِمّا يَبْلُغُونَ مِن جَهْدِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في (السِّيرَةُ) في بَحْثِ (عُدْوانُ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ مِمَّنْ أسْلَمَ بِالأذى والفِتْنَةِ) غَرائِبَ في هَذا البابِ، فانْظُرْهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولِهَذا اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُكْرَهَ عَلى الكُفْرِ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُوالِيَ؛ إبْقاءً لِمُهْجَتِهِ. ويَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْبى، كَما كانَ بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبى عَلَيْهِمْ، وهم يَفْعَلُونَ بِهِ الأفاعِيلَ، وهو يَقُولُ: أحَدٌ، أحَدٌ. ويَقُولُ: واللَّهِ ! لَوْ أعْلَمُ كَلِمَةً أغْيَظُ لَكم مِنها لَقُلْتُها. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ. وكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، لَمّا قالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ: أتَشَهَّدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: لا أسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا، وهو ثابِتٌ عَلى ذَلِكَ.
ورَوى الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ السَّهْمِيِّ، أحَدِ الصَّحابَةِ، أنَّهُ أسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجاءُوا بِهِ إلى مِلْكِهِمْ. فَقالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وأنا أُشْرِكُكَ في مُلْكِي وأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقالَ لَهُ: لَوْ أعْطَيْتَنِي جَمِيعَ ما تَمْلِكُ وجَمِيعَ ما تَمْلِكُهُ العَرَبُ، عَلى أنْ أرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ما فَعَلْتُ. فَقالَ: إذًا أقْتُلَكَ. فَقالَ: أنْتَ وذاكَ. فَأمَرَ بِهِ فَصُلِبَ. وأمَرَ الرُّماةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِن يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وهو يَعْرِضُ عَلَيْهِ دِينَ النَّصْرانِيَّةِ فَيَأْبى. ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ.
(p-٣٨٦٦)ثُمَّ أمَرَ بِقِدْرٍ فَأُحْمِيَتْ. وجاءَ بِأسِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَألْقاهُ وهو يَنْظُرُ، فَإذا هو عِظامٌ تَلُوحُ، وعَرَضَ عَلَيْهِ فَأبى. فَأمَرَ بِهِ أنْ يُلْقى فِيها. فَرَفَعَ بِالبَكَرَةِ لِيُلْقى فِيها فَبَكى. فَطَمِعَ فِيهِ ودَعاهُ، فَقالَ: إنِّي إنَّما بَكَيْتُ لِأنَّ نَفْسِي إنَّما هي نَفْسٌ واحِدَةٌ، تُلْقى في هَذا القَدَرِ السّاعَةَ. فَأحْبَبْتُ أنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ في جَسَدِي، نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذا العَذابَ في اللَّهِ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: أنَّهُ سَجَنَهُ ومَنَعَهُ الطَّعامَ والشَّرابَ أيّامًا. ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِ بِخَمْرٍ ولَحْمِ خِنْزِيرٍ فَلَمْ يَقْرَبْهُ. ثُمَّ اسْتَدْعاهُ فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْكُلَ ؟ فَقالَ: أمّا هو فَقَدْ حَلَّ لِي. ولَكِنْ لَمْ أكُنْ لِأُشْمِتَكَ فِيَّ. فَقالَ لَهُ المَلِكُ: فَقَبِّلْ رَأْسِي وأنا أُطَلِّقُكَ وأُطْلِقُ جَمِيعَ أسارى المُسْلِمِينَ. قالَ: فَقَبَّلَ رَأْسَهُ. وأطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أسارى المُسْلِمِينَ عِنْدَهُ. فَلَمّا رَجَعَ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: حَقٌّ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ، وأنا أبْدَأُ فَقامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:110
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٠] ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بَيانٌ لِلَّذِينِ كانُوا مُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، مُهانِينَ في قَوْمِهِمْ، وافَقُوهم عَلى الفِتْنَةِ ظاهِرًا، ثُمَّ أمْكَنَهُمُ الخَلاصُ بِالهِجْرَةِ، فَتَرَكُوا بِلادَهم وأهالِيَهم وأمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ وغُفْرانِهِ، وجاهَدُوا الكافِرِينَ وصَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الجِهادِ. أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ مِن بَعْدِ الفِتْنَةِ المَذْكُورَةِ، أيْ: إجابَتِهِمْ إلَيْها: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَغْفِرُ لَهم ما فَرَطَ مِنهم ويَرْحَمُهم بِالجَزاءِ الحَسَنِ.
والجارُّ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والخَبَرُ لِـ (إنَّ) الأُولى. والثّانِيَةُ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. أوْ لِلثّانِيَةِ وخَبَرُ الأُولى مُقَدَّرٌ، وشَمِلَ قَوْلُهُ: ﴿هاجَرُوا﴾ (p-٣٨٦٧)مَن هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ مِن مَكَّةَ فِرارًا بِدِينِهِ مِنَ الفِتْنَةِ، ومَن هاجَرَ بَعْدُ إلى المَدِينَةِ كَذَلِكَ. كَما شَمِلَ قَوْلُهُ: ﴿جاهَدُوا﴾ في بَثِّ الحَقِّ ونَشْرِ كَلِمَةِ الإيمانِ والدِّفاعِ عَنْهُ. أوْ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، ولِأجْلِ هَذا الِاحْتِمالِ في الفِعْلَيْنِ قِيلَ: الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:111
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١١] ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ مَنصُوبٌ بِـ (رَحِيمٌ) أوْ بِـ (اذْكُرْ) واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ. ومَعْنى: ﴿تُجادِلُ﴾ أيْ: تُحاجُّ وتَسْعى في خَلاصِها. لا يُهِمُّها إلّا ذاتُها وشَأْنُها. ولا يُغْنِي عَنْها مالٌ ولا أبٌ ولا ابْنٌ ولا شَيْءٌ ما: ﴿وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ وشَرٍّ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:112
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٢-١١٣] ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٣] .
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٣]
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا هَدَّدَ الكَفّارَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، أنْذَرَهم بِنِقْمَتِهِ في الدُّنْيا أيْضًا بِالجُوعِ والخَوْفِ. ومَعْنى (p-٣٨٦٨)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً﴾ أيْ: جَعَلَ القَرْيَةَ الَّتِي هَذِهِ حالُها مَثَلًا لِكُلِّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ، فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا، فَأنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ نِقْمَتَهُ. فَيَدْخُلُ فِيهِمْ أهْلُ مَكَّةَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، وهم أهْلُ مَكَّةَ. والقَرْيَةُ إمّا مُقَدَّرَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ غَيْرُ مَعَيَّنَةٍ؛ إذْ لا يَلْزَمُ وُجُودُ المُشَبَّهِ بِهِ. أوْ مُعَيَّنَةٌ مِن قُرى الأوَّلِينَ. وقَدْ ضُمِّنَ (ضَرَبَ) مَعْنى (جَعَلَ) و(مَثَلًا) مَفْعُولٌ ثانٍ، و(قَرْيَةً) مَفْعُولٌ أوَّلُ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَأْخِيرُ (قَرْيَةً) مَعَ كَوْنِها مَفْعُولًا أوَّلَ؛ لِئَلّا يَحُولُ المَفْعُولُ الثّانِي بَيْنَها وبَيْنَ صِفَتِها وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها؛ إذِ التَّأْخِيرُ عَنِ الكُلِّ مُخِلٌّ بِتَجاذُبِ أطْرافِ النَّظْمِ وتَجاوُبِها. ولِأنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ مِمّا يُورِثُ النَّفْسَ تَرَقُّبًا لِوُرُودِهِ، وتَشَوُّقًا إلَيْهِ. لا سِيَّما إذا كانَ في المُقَدَّمِ ما يَدْعُو إلَيْهِ. فَإنَّ المَثَلَ مِمّا يَدْعُو إلى المُحافَظَةِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِ ما هو مَثَلٌ. فَيَتْمَكَنَّ المُؤَخَّرُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَدَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ. والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها مَجازًا، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. ومَعْنى كَوْنِها: ﴿آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ أنَّهُ لا يُزْعِجُها خَوْفٌ. و(الرَّغَدُ) الواسِعُ. و(الأنْعَمُ) جَمْعُ نِعْمَةٍ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ شَبَّهَ أثَرَ الجُوعِ والخَوْفِ وضَرَرَهُما المُحِيطَ بِهِمْ، بِاللِّباسِ الغاشِي لِلّابِسِ. فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ، وأوْقَعَ عَلَيْهِ الإذاقَةَ المُسْتَعارَةَ؛ لِمُطْلَقِ الإيصالِ المُنْبِئَةِ عَنْ شِدَّةِ الإصابَةِ، بِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ إدْراكَيِ اللّامِسَةِ والذّائِقَةِ، عَلى نَهْجِ التَّجْرِيدِ. فَإنَّها لِشُيُوعِ اسْتِعْمالِها في ذَلِكَ، وكَثْرَةِ جَرَيانِها عَلى الألْسِنَةِ جَرَتْ مَجْرى الحَقِيقَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ أهْلُ مَكَّةَ. فَإنَّها كانَتْ آمِنَةً مُطَمْئِنَةً مُسْتَقِرَّةً، يُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِها، ومَن دَخَلَها كانَ آمِنًا لا يَخافُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ (p-٣٨٦٩)شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ [القصص: ٥٧] وهَكَذا قالَ ها هُنا، و: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا﴾ أيْ: هَنِيئًا سَهْلًا: ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَحَدَتْ آلاءَ اللَّهِ عَلَيْها، وأعْظَمُها بِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ إلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٩] ولِهَذا بَدَّلَهُمُ اللَّهُ بِحالَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ خِلافَهُما، فَقالَ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ أيْ: ألْبَسَها وأذاقَها الجُوعَ بَعْدَ أنْ كانَ يُجْبى إلَيْهِمْ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ويَأْتِيها رِزْقُها مِن كُلِّ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتَعْصَوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبَوْا إلّا خِلافَهُ، فَدَعا عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأصابَتْهم سَنَةٌ أذْهَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ لَهم، فَأكَلُوا العِلْهِزَ: ) هو وبَرُ البَعِيرِ يُخْلَطُ بِدَمِهِ إذا نُحِرَ ) وقَوْلُهُ: ﴿والخَوْفِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم بَدَّلُوا بِأمْنِهِمْ خَوْفًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ حِينَ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ، مِن سَطْوَتِهِ وسَراياهُ وجُيُوشِهِ، وجَعَلَ كُلَّ ما لَهم في دَمارٍ وسَفالٍ. حَتّى فَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وذَلِكَ بِسَبَبِ صَنِيعِهِمْ وبَغْيِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ فِيهِمْ مِنهم. وامْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآيَةَ. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْـزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠] ﴿رَسُولا﴾ [الطلاق: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٥١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وكَمًّا أنَّهُ انْعَكَسَ عَلى الكافِرِينَ حالُهم فَخافُوا بَعْدَ الأمْنِ، وجاعُوا بَعْدَ الرَّغَدِ؛ بَدَّلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا، ورَزَقَهم بَعْدَ العَيْلَةِ، وجَعَلَهم أُمَراءَ النّاسِ وحُكّامَهم وسادَتَهم وقادَتَهم وأئِمَّتَهُمُ. انْتَهى.
النحل 16:113
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٢-١١٣] ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٣] .
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٣]
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا هَدَّدَ الكَفّارَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، أنْذَرَهم بِنِقْمَتِهِ في الدُّنْيا أيْضًا بِالجُوعِ والخَوْفِ. ومَعْنى (p-٣٨٦٨)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً﴾ أيْ: جَعَلَ القَرْيَةَ الَّتِي هَذِهِ حالُها مَثَلًا لِكُلِّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ، فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا، فَأنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ نِقْمَتَهُ. فَيَدْخُلُ فِيهِمْ أهْلُ مَكَّةَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، وهم أهْلُ مَكَّةَ. والقَرْيَةُ إمّا مُقَدَّرَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ غَيْرُ مَعَيَّنَةٍ؛ إذْ لا يَلْزَمُ وُجُودُ المُشَبَّهِ بِهِ. أوْ مُعَيَّنَةٌ مِن قُرى الأوَّلِينَ. وقَدْ ضُمِّنَ (ضَرَبَ) مَعْنى (جَعَلَ) و(مَثَلًا) مَفْعُولٌ ثانٍ، و(قَرْيَةً) مَفْعُولٌ أوَّلُ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَأْخِيرُ (قَرْيَةً) مَعَ كَوْنِها مَفْعُولًا أوَّلَ؛ لِئَلّا يَحُولُ المَفْعُولُ الثّانِي بَيْنَها وبَيْنَ صِفَتِها وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها؛ إذِ التَّأْخِيرُ عَنِ الكُلِّ مُخِلٌّ بِتَجاذُبِ أطْرافِ النَّظْمِ وتَجاوُبِها. ولِأنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ مِمّا يُورِثُ النَّفْسَ تَرَقُّبًا لِوُرُودِهِ، وتَشَوُّقًا إلَيْهِ. لا سِيَّما إذا كانَ في المُقَدَّمِ ما يَدْعُو إلَيْهِ. فَإنَّ المَثَلَ مِمّا يَدْعُو إلى المُحافَظَةِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِ ما هو مَثَلٌ. فَيَتْمَكَنَّ المُؤَخَّرُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَدَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ. والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها مَجازًا، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. ومَعْنى كَوْنِها: ﴿آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ أنَّهُ لا يُزْعِجُها خَوْفٌ. و(الرَّغَدُ) الواسِعُ. و(الأنْعَمُ) جَمْعُ نِعْمَةٍ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ شَبَّهَ أثَرَ الجُوعِ والخَوْفِ وضَرَرَهُما المُحِيطَ بِهِمْ، بِاللِّباسِ الغاشِي لِلّابِسِ. فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ، وأوْقَعَ عَلَيْهِ الإذاقَةَ المُسْتَعارَةَ؛ لِمُطْلَقِ الإيصالِ المُنْبِئَةِ عَنْ شِدَّةِ الإصابَةِ، بِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ إدْراكَيِ اللّامِسَةِ والذّائِقَةِ، عَلى نَهْجِ التَّجْرِيدِ. فَإنَّها لِشُيُوعِ اسْتِعْمالِها في ذَلِكَ، وكَثْرَةِ جَرَيانِها عَلى الألْسِنَةِ جَرَتْ مَجْرى الحَقِيقَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ أهْلُ مَكَّةَ. فَإنَّها كانَتْ آمِنَةً مُطَمْئِنَةً مُسْتَقِرَّةً، يُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِها، ومَن دَخَلَها كانَ آمِنًا لا يَخافُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ (p-٣٨٦٩)شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ [القصص: ٥٧] وهَكَذا قالَ ها هُنا، و: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا﴾ أيْ: هَنِيئًا سَهْلًا: ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَحَدَتْ آلاءَ اللَّهِ عَلَيْها، وأعْظَمُها بِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ إلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٩] ولِهَذا بَدَّلَهُمُ اللَّهُ بِحالَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ خِلافَهُما، فَقالَ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ أيْ: ألْبَسَها وأذاقَها الجُوعَ بَعْدَ أنْ كانَ يُجْبى إلَيْهِمْ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ويَأْتِيها رِزْقُها مِن كُلِّ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتَعْصَوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبَوْا إلّا خِلافَهُ، فَدَعا عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأصابَتْهم سَنَةٌ أذْهَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ لَهم، فَأكَلُوا العِلْهِزَ: ) هو وبَرُ البَعِيرِ يُخْلَطُ بِدَمِهِ إذا نُحِرَ ) وقَوْلُهُ: ﴿والخَوْفِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم بَدَّلُوا بِأمْنِهِمْ خَوْفًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ حِينَ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ، مِن سَطْوَتِهِ وسَراياهُ وجُيُوشِهِ، وجَعَلَ كُلَّ ما لَهم في دَمارٍ وسَفالٍ. حَتّى فَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وذَلِكَ بِسَبَبِ صَنِيعِهِمْ وبَغْيِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ فِيهِمْ مِنهم. وامْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآيَةَ. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْـزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠] ﴿رَسُولا﴾ [الطلاق: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٥١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وكَمًّا أنَّهُ انْعَكَسَ عَلى الكافِرِينَ حالُهم فَخافُوا بَعْدَ الأمْنِ، وجاعُوا بَعْدَ الرَّغَدِ؛ بَدَّلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا، ورَزَقَهم بَعْدَ العَيْلَةِ، وجَعَلَهم أُمَراءَ النّاسِ وحُكّامَهم وسادَتَهم وقادَتَهم وأئِمَّتَهُمُ. انْتَهى.
النحل 16:114
(p-٣٨٧٠)ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ضَلالَ المُشْرِكِينَ في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ وغَيْرِها، مُفَصِّلًا ما حَرَّمَهُ مِمّا لَيْسَ فِيهِ كانُوا يُحَرِّمُونَهُ بِأهْوائِهِمْ. وهو مَأْذُونٌ بِأكْلِهِ كَما قالَ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٤] ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ: ﴿حَلالا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: تُرِيدُونَ عِبادَتَهُ فاسْتَحَلُّوها، فَإنَّ عِبادَتَهُ في تَحْلِيلِها. واشْكُرُوهُ فَإنَّهُ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ بِذَلِكَ وحْدَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، مِمّا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم، بِقَوْلِهِ:
النحل 16:115
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٥] ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أيْ: ذُبِحَ عَلى اسْمِ غَيْرِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ: أُجْهِدَ إلى ما حَرَّمَ اللَّهُ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ أيْ: مُتَعَدٍّ قَدْرَ الضَّرُورَةِ وسَدِّ الرَّمَقِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
ثُمَّ نَهى تَعالى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَلَّلُوا وحَرَّمُوا بِمُجَرَّدِ ما وصَفُوهُ واصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الأسْماءِ بِآرائِهِمْ، في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي وغَيْرِها، مِمّا كانَ شَرْعًا لَهُمُ ابْتَدَعُوهُ في جاهِلِيَّتِهِمْ، فَقالَ:
(p-٣٨٧١)
النحل 16:116
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٦-١١٧] ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧] .
﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧]
أيْ: لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِنَ البَهائِمِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ في قَوْلِكم: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] مِن غَيْرِ اسْتِنادِ ذَلِكَ الوَصْفِ إلى وحْيٍ مِنَ اللَّهِ. فَـ (الكَذِبَ) مَفْعُولُ (تَقُولُوا) وقَوْلُهُ: ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلٌ مِنَ (الكَذِبَ) واللّامُ صِلَةٌ لِلْقَوْلِ، كَما يُقالُ: لا تَقُلْ لِلنَّبِيذِ إنَّهُ حَلالٌ، أيْ: في شَأْنِهِ وحَقِّهِ. فَهي لِلِاخْتِصاصِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِاللِّسانِ، لا حُكْمٍ مُصَمَّمٍ عَلَيْهِ. أوْ: ﴿هَذا حَلالٌ﴾ مَفْعُولُ (تَقُولُوا) و(الكَذِبَ) مَفْعُولُ (تَصِفُ) واللّامُ في: ﴿لِما تَصِفُ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى تَصِفُ: تَذْكُرُ. وقَوْلُهُ: ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ بَدَلٌ مِنَ التَّعْلِيلِ الأوَّلِ. أيْ: لا تَقُولُوا: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ، أيْ: لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ حُجَّةٍ. ولَيْسَ بِتَكْرارٍ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ لِأنَّ هَذا لِإثْباتِ الكَذِبِ مُطْلَقًا، وذَلِكَ لِإثْباتِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ. فَهو إشارَةٌ إلى أنَّهم، لِتَمَرُّنِهِمْ عَلى الكَذِبِ، اجْتَرَؤُوا عَلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ، فَنَسَبُوا ما حَلَّلُوهُ وحَرَّمُوهُ إلَيْهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ - كَوْنُ الكَذِبِ مَفْعُولَ (تَصِفُ) - فَفي وصْفِ ألْسِنَتِهِمُ الكَذِبَ مُبالَغَةٌ في وصْفِ كَلامِهِمْ بِالكَذِبِ؛ لِجَعْلِهِ عَيْنَ الكَذِبِ. تَرْقى عَنْها إلى أنْ خُيِّلَ أنَّ ماهِيَّةَ الكَذِبِ كانَتْ مَجْهُولَةً، (p-٣٨٧٢)حَتّى كَشَفَ كَلامُهم عَنْ ماهِيَّةِ الكَذِبِ وأوْضَحَها، فَـ (تَصِفُ) بِمَعْنى تُوَضِّحُ. فَهو بِمَنزِلَةِ الحَدِّ والتَّعْرِيفِ الكاشِفِ عَنْ ماهِيَّةِ الكَذِبِ. فالتَّعْرِيفُ في الكَذِبِ لِلْجِنْسِ. كَأنَّ ألْسِنَتَهم إذا نَطَقَتْ كَشَفَتْ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ المَعَرِّي:
؎سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهَنٍ فَباتَ بَرّامَةً يَصِفُ الكَلالا
ونَحْوَهُ: (نَهارُهُ صائِمٌ) إذا وُصِفَ اليَوْمُ بِما يُوصَفُ بِهِ الشَّخْصُ؛ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ الفِعْلِ فِيهِ. و(وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ) لِأنَّ وجْهَها لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِالجَمالِ الفائِقِ، صارَ كَأنَّهُ حَقِيقَةُ الجَمالِ ومَنبَعُهُ، الَّذِي يُعْرَفُ مِنهُ. حَتّى كَأنَّهُ يَصِفُهُ ويُعَرِّفُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎أضْحَتْ يَمِينُكَ مِن جُودٍ مُصَوَّرَةً ∗∗∗ لا بَلْ يَمِينُكَ مِنها صُوِّرَ الجُودُ
فَهُوَ مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ. أوْ نَقُولُ: إنَّ وجْهَها يَصِفُ الجَمالَ بِلِسانِ الحالِ. فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ. كَأنَّهُ يَقُولُ: ما بِي هو الجَمالُ بِعَيْنِهِ، ومِثْلُهُ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ والعَجَمِ. هَذا زُبْدَةُ ما في (شُرُوحُ الكَشّافِ) .
وما في الآيَةِ أبْلَغُ مِنَ المِثالِ المَذْكُورِ، لِما سَمِعْتَ. أفادَهُ في " العِنايَةُ " . واللّامُ في: ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ لامُ الصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ المُسْتَعارَةُ مِنَ التَّعْلِيلِيَّةِ؛ إذْ ما صَدَرَ مِنهم لَيْسَ لِأجْلِ هَذا، بَلْ لِأغْراضٍ آخَرَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها ما ذُكِرَ. وجَوَّزَ كَوْنَها تَعْلِيلِيَّةً، وقَصْدُهم لِذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدٍ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ الآيَةَ. وعِيدٌ شَدِيدٌ بِعَدَمِ ظَفَرِهِمْ وفَوْزِهِمْ بِمَطْلُوبٍ يُعْتَدُّ لَهُ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. أمّا في الدُّنْيا، فَلِأنَّ ما يَفْتَرُونَ لِأجْلِهِ مَتاعٌ قَلِيلٌ يَنْقَطِعُ عَنْ قَرِيبٍ. وأمّا في الآخِرَةِ فَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ، كَما قالَ: ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]
تَنْبِيهٌ:
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: يَدْخُلُ في الآيَةِ كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدَعَةٍ لَيْسَ لَهُ فِيها مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ (p-٣٨٧٣)أوْ حَلَّلَ شَيْئًا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ. أوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا أباحَ اللَّهُ، بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وتَشَهِّيهِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ النَّحْلِ، فَلَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا إلى يَوْمِي هَذا.
قالَ في (فَتْحُ البَيانِ): صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ. فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَناوَلُ بِعُمُومِ لَفْظِها فُتْيا مَن أفْتى بِخِلافِ ما في كِتابِ اللَّهِ، أوْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ المُؤْثِرِينَ لِلرَّأْيِ المُقَدِّمِينَ لَهُ عَلى الرِّوايَةِ، أوِ الجاهِلِينَ بِعِلْمِ الكِتابِ والسَّنَةِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: عَسى رَجُلٌ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ بِكَذا أوْ نَهى عَنْ كَذا. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: كَذَبْتَ، أوْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا وأحَلَّ كَذا: فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: كَرِهَ مالِكٌ وقَوْمٌ أنْ يَقُولَ المُفْتِي: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ في المَسائِلِ الِاجْتِهادِيَّةِ، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيما نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ، ويُقالُ في المَسائِلِ الِاجْتِهادِيَّةِ: إنِّي أكْرَهُ كَذا وكَذا، ونَحْوَ ذَلِكَ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَرَّمَهُ عَلَيْنا مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ إلخ، بَيَّنَ ما كانَ حَرَّمَهُ عَلى اليَهُودِ في شَرِيعَتِهِمْ مِمّا لَيْسَ فِيهِ أيْضًا شَيْءٌ مِمّا حَرَّمَهُ المُشْرِكُونَ؛ تَحْقِيقًا لِافْتِرائِهِمْ بِأنَّ ما حَظَرُوهُ لا سَنَدَ لَهُ في شَرِيعَةٍ سابِقَةٍ ولا لاحِقَةٍ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
النحل 16:117
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٦-١١٧] ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧] .
﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧]
أيْ: لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِنَ البَهائِمِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ في قَوْلِكم: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] مِن غَيْرِ اسْتِنادِ ذَلِكَ الوَصْفِ إلى وحْيٍ مِنَ اللَّهِ. فَـ (الكَذِبَ) مَفْعُولُ (تَقُولُوا) وقَوْلُهُ: ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلٌ مِنَ (الكَذِبَ) واللّامُ صِلَةٌ لِلْقَوْلِ، كَما يُقالُ: لا تَقُلْ لِلنَّبِيذِ إنَّهُ حَلالٌ، أيْ: في شَأْنِهِ وحَقِّهِ. فَهي لِلِاخْتِصاصِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِاللِّسانِ، لا حُكْمٍ مُصَمَّمٍ عَلَيْهِ. أوْ: ﴿هَذا حَلالٌ﴾ مَفْعُولُ (تَقُولُوا) و(الكَذِبَ) مَفْعُولُ (تَصِفُ) واللّامُ في: ﴿لِما تَصِفُ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى تَصِفُ: تَذْكُرُ. وقَوْلُهُ: ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ بَدَلٌ مِنَ التَّعْلِيلِ الأوَّلِ. أيْ: لا تَقُولُوا: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ، أيْ: لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ حُجَّةٍ. ولَيْسَ بِتَكْرارٍ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ لِأنَّ هَذا لِإثْباتِ الكَذِبِ مُطْلَقًا، وذَلِكَ لِإثْباتِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ. فَهو إشارَةٌ إلى أنَّهم، لِتَمَرُّنِهِمْ عَلى الكَذِبِ، اجْتَرَؤُوا عَلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ، فَنَسَبُوا ما حَلَّلُوهُ وحَرَّمُوهُ إلَيْهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ - كَوْنُ الكَذِبِ مَفْعُولَ (تَصِفُ) - فَفي وصْفِ ألْسِنَتِهِمُ الكَذِبَ مُبالَغَةٌ في وصْفِ كَلامِهِمْ بِالكَذِبِ؛ لِجَعْلِهِ عَيْنَ الكَذِبِ. تَرْقى عَنْها إلى أنْ خُيِّلَ أنَّ ماهِيَّةَ الكَذِبِ كانَتْ مَجْهُولَةً، (p-٣٨٧٢)حَتّى كَشَفَ كَلامُهم عَنْ ماهِيَّةِ الكَذِبِ وأوْضَحَها، فَـ (تَصِفُ) بِمَعْنى تُوَضِّحُ. فَهو بِمَنزِلَةِ الحَدِّ والتَّعْرِيفِ الكاشِفِ عَنْ ماهِيَّةِ الكَذِبِ. فالتَّعْرِيفُ في الكَذِبِ لِلْجِنْسِ. كَأنَّ ألْسِنَتَهم إذا نَطَقَتْ كَشَفَتْ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ المَعَرِّي:
؎سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهَنٍ فَباتَ بَرّامَةً يَصِفُ الكَلالا
ونَحْوَهُ: (نَهارُهُ صائِمٌ) إذا وُصِفَ اليَوْمُ بِما يُوصَفُ بِهِ الشَّخْصُ؛ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ الفِعْلِ فِيهِ. و(وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ) لِأنَّ وجْهَها لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِالجَمالِ الفائِقِ، صارَ كَأنَّهُ حَقِيقَةُ الجَمالِ ومَنبَعُهُ، الَّذِي يُعْرَفُ مِنهُ. حَتّى كَأنَّهُ يَصِفُهُ ويُعَرِّفُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎أضْحَتْ يَمِينُكَ مِن جُودٍ مُصَوَّرَةً ∗∗∗ لا بَلْ يَمِينُكَ مِنها صُوِّرَ الجُودُ
فَهُوَ مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ. أوْ نَقُولُ: إنَّ وجْهَها يَصِفُ الجَمالَ بِلِسانِ الحالِ. فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ. كَأنَّهُ يَقُولُ: ما بِي هو الجَمالُ بِعَيْنِهِ، ومِثْلُهُ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ والعَجَمِ. هَذا زُبْدَةُ ما في (شُرُوحُ الكَشّافِ) .
وما في الآيَةِ أبْلَغُ مِنَ المِثالِ المَذْكُورِ، لِما سَمِعْتَ. أفادَهُ في " العِنايَةُ " . واللّامُ في: ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ لامُ الصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ المُسْتَعارَةُ مِنَ التَّعْلِيلِيَّةِ؛ إذْ ما صَدَرَ مِنهم لَيْسَ لِأجْلِ هَذا، بَلْ لِأغْراضٍ آخَرَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها ما ذُكِرَ. وجَوَّزَ كَوْنَها تَعْلِيلِيَّةً، وقَصْدُهم لِذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدٍ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ الآيَةَ. وعِيدٌ شَدِيدٌ بِعَدَمِ ظَفَرِهِمْ وفَوْزِهِمْ بِمَطْلُوبٍ يُعْتَدُّ لَهُ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. أمّا في الدُّنْيا، فَلِأنَّ ما يَفْتَرُونَ لِأجْلِهِ مَتاعٌ قَلِيلٌ يَنْقَطِعُ عَنْ قَرِيبٍ. وأمّا في الآخِرَةِ فَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ، كَما قالَ: ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]
تَنْبِيهٌ:
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: يَدْخُلُ في الآيَةِ كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدَعَةٍ لَيْسَ لَهُ فِيها مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ (p-٣٨٧٣)أوْ حَلَّلَ شَيْئًا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ. أوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا أباحَ اللَّهُ، بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وتَشَهِّيهِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ النَّحْلِ، فَلَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا إلى يَوْمِي هَذا.
قالَ في (فَتْحُ البَيانِ): صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ. فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَناوَلُ بِعُمُومِ لَفْظِها فُتْيا مَن أفْتى بِخِلافِ ما في كِتابِ اللَّهِ، أوْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ المُؤْثِرِينَ لِلرَّأْيِ المُقَدِّمِينَ لَهُ عَلى الرِّوايَةِ، أوِ الجاهِلِينَ بِعِلْمِ الكِتابِ والسَّنَةِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: عَسى رَجُلٌ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ بِكَذا أوْ نَهى عَنْ كَذا. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: كَذَبْتَ، أوْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا وأحَلَّ كَذا: فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: كَرِهَ مالِكٌ وقَوْمٌ أنْ يَقُولَ المُفْتِي: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ في المَسائِلِ الِاجْتِهادِيَّةِ، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيما نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ، ويُقالُ في المَسائِلِ الِاجْتِهادِيَّةِ: إنِّي أكْرَهُ كَذا وكَذا، ونَحْوَ ذَلِكَ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَرَّمَهُ عَلَيْنا مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ إلخ، بَيَّنَ ما كانَ حَرَّمَهُ عَلى اليَهُودِ في شَرِيعَتِهِمْ مِمّا لَيْسَ فِيهِ أيْضًا شَيْءٌ مِمّا حَرَّمَهُ المُشْرِكُونَ؛ تَحْقِيقًا لِافْتِرائِهِمْ بِأنَّ ما حَظَرُوهُ لا سَنَدَ لَهُ في شَرِيعَةٍ سابِقَةٍ ولا لاحِقَةٍ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
النحل 16:118
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٨-١١٩] ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩] .
﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ يَعْنِي اليَهُودَ: ﴿حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: (p-٣٨٧٤)فِي سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآيَةَ ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ أيْ: فِيما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: فاسْتَحَقُّوا ذَلِكَ. كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] وقَدْ سَلَفَ لَنا ما ذَكَرُوهُ في تَفْسِيرِها مِمّا يَجِيءُ هُنا، فَتَذَكَّرْ. قالُوا: في الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ في التَّحْرِيمِ. فَإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْها إلّا ما فِيهِ مَضَرَّةٌ لَها. وغَيْرُهم قَدْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ ما لا ضَرَرَ فِيهِ، عُقُوبَةً لَهم بِالمَنعِ، كاليَهُودِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عَظِيمَ فَضْلِهِ في قَبُولِ تَوْبَةِ مَن تابَ مِنَ العُصاةِ بِقَوْلِهِ:
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [النحل: ١١٩] أيِ: العَمَلَ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ [النحل: ١١٩] أيِ: التَّوْبَةِ: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩]
ثُمَّ نَوَّهَ تَعالى بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، دُعاءً لَهم إلى سُلُوكِ طَرِيقَتِهِ في التَّوْحِيدِ، ورَفْضِ الوَثَنِيَّةِ، وتَبْرِئَةً لِمَقامِهِ، مِمّا كانُوا يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النحل 16:119
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٨-١١٩] ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩] .
﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ يَعْنِي اليَهُودَ: ﴿حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: (p-٣٨٧٤)فِي سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآيَةَ ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ أيْ: فِيما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: فاسْتَحَقُّوا ذَلِكَ. كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] وقَدْ سَلَفَ لَنا ما ذَكَرُوهُ في تَفْسِيرِها مِمّا يَجِيءُ هُنا، فَتَذَكَّرْ. قالُوا: في الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ في التَّحْرِيمِ. فَإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْها إلّا ما فِيهِ مَضَرَّةٌ لَها. وغَيْرُهم قَدْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ ما لا ضَرَرَ فِيهِ، عُقُوبَةً لَهم بِالمَنعِ، كاليَهُودِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عَظِيمَ فَضْلِهِ في قَبُولِ تَوْبَةِ مَن تابَ مِنَ العُصاةِ بِقَوْلِهِ:
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [النحل: ١١٩] أيِ: العَمَلَ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ [النحل: ١١٩] أيِ: التَّوْبَةِ: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩]
ثُمَّ نَوَّهَ تَعالى بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، دُعاءً لَهم إلى سُلُوكِ طَرِيقَتِهِ في التَّوْحِيدِ، ورَفْضِ الوَثَنِيَّةِ، وتَبْرِئَةً لِمَقامِهِ، مِمّا كانُوا يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النحل 16:120
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٠-١٢١] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] .
﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ أيْ: إمامًا يُقْتَدى بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] أوْ كانَ وحْدَهُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ؛ لِاسْتِجْماعِهِ كَمالاتٍ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ: ﴿قانِتًا لِلَّهِ﴾ أيْ: خاشِعًا مُطِيعًا لَهُ، قائِمًا بِما أمَرَهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ إلى الدِّينِ الحَقِّ: ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١] أيْ: قائِمًا بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلًا لَها عَلى (p-٣٨٧٥)الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] أيْ: قامَ بِجَمِيعِ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ: ﴿اجْتَباهُ﴾ [النحل: ١٢١] أيِ: اخْتارَهُ واصْطَفاهُ لِلنُّبُوَّةِ: ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، عَلى شَرْعٍ مَرْضِيٍّ.
النحل 16:121
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٠-١٢١] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] .
﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ أيْ: إمامًا يُقْتَدى بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] أوْ كانَ وحْدَهُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ؛ لِاسْتِجْماعِهِ كَمالاتٍ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ: ﴿قانِتًا لِلَّهِ﴾ أيْ: خاشِعًا مُطِيعًا لَهُ، قائِمًا بِما أمَرَهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ إلى الدِّينِ الحَقِّ: ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١] أيْ: قائِمًا بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلًا لَها عَلى (p-٣٨٧٥)الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] أيْ: قامَ بِجَمِيعِ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ: ﴿اجْتَباهُ﴾ [النحل: ١٢١] أيِ: اخْتارَهُ واصْطَفاهُ لِلنُّبُوَّةِ: ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، عَلى شَرْعٍ مَرْضِيٍّ.
النحل 16:122
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٢-١٢٣] ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] .
﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ: مِنَ الذِّكْرِ الجَمِيلِ، كَما قالَ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠] ومِنَ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ومِن تَمْتِيعِهِ بِالحُظُوظِ لِيَتَقَوّى عَلى القِيامِ بِحُقُوقِ العُبُودِيَّةِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ﴾ أيْ: في عالَمِ الأرْواحِ: ﴿لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ: المُتَمَكِّنِينَ في مَقامِ الِاسْتِقامَةِ، بِإيفاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، الَّذِينَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلْيا في الجَنَّةِ.
﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] أيْ: بَعْدَ هَذِهِ الكَراماتِ والحَسَناتِ الَّتِي أعْطَيْناهُ إيّاها في الدّارَيْنِ، شَرَّفْناهُ وكَرَّمْناهُ بِأمْرِنا، بِاتِّباعِكَ إيّاهُ في التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الدِّينِ الَّتِي لا تَتَغَيَّرُ في الشَّرائِعِ. كَأمْرِ المَبْدَأِ والمَعادِ والحَشْرِ والجَزاءِ وأمْثالِها، لا في فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وأوْضاعِها وأحْكامِها، فَإنَّها تَتَغَيَّرُ بِحَسَبِ المَصالِحِ واخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والطَّبائِعِ، وما عَلَيْهِ أحْوالُ النّاسِ مِنَ العاداتِ والخَلائِقِ. قالَهُ القاشانِيُّ.
وفِي (الإكْلِيلُ): اسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الخِتانِ، وما كانَ مِن شَرْعِهِ، ولَمْ يَرِدْ بِهِ ناسِخٌ.
(p-٣٨٧٦)لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في: { ثُمَّ } هَذِهِ ما فِيها مِن تَعْظِيمِ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإجْلالِ مَحَلِّهِ، والإيذانِ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ إبْراهِيمُ ﷺ مِنَ الكَرامَةِ، وأجَلَّ ما أُولِيَ مِنَ النِّعْمَةِ؛ اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ، مِن قَبْلِ أنَّها دَلَّتْ عَلى تَباعُدِ هَذا النَّعْتِ في المَرْتَبَةِ، مِن بَيْنِ سائِرِ النُّعُوتِ الَّتِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها.
قالَ النّاصِرُ: وإنَّما تُفِيدُ ذَلِكَ: { ثُمَّ } لِأنَّها في أصْلِ وضْعِها لِتَراخِي المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الزَّمانِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في تَراخِيهِ عَنْهُ في عُلُوِّ المَرْتَبَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ المَعْطُوفُ عَلى رُتْبَتِهِ أشْمَخَ مَحَلًّا مِمّا عُطِفَ عَلَيْهِ. فَكَأنَّهُ بَعْدَ أنْ عَدَّدَ مَناقِبَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى وها هُنا ما هو أعْلى مِن ذَلِكَ كُلِّهِ قَدْرًا، وأرْفَعُ رُتْبَةً، وأبْعَدُ رِفْعَةً، وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ الأُمِّيَّ، الَّذِي هو سَيِّدُ البَشَرِ، مُتَّبِعٌ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، مَأْمُورٌ بِاتِّباعِهِ بِالوَحْيِ، مَتْلُوًّا أمْرُهُ بِذَلِكَ في القُرْآنِ العَظِيمِ. فَفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهُما جَمِيعًا. لَكِنَّ نَصِيبَ النَّبِيِّ ﷺ مِن هَذا التَّعْظِيمِ أوْفَرُ وأكْبَرُ، عَلى ما مَهَّدْناهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:123
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٢-١٢٣] ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] .
﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ: مِنَ الذِّكْرِ الجَمِيلِ، كَما قالَ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠] ومِنَ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ومِن تَمْتِيعِهِ بِالحُظُوظِ لِيَتَقَوّى عَلى القِيامِ بِحُقُوقِ العُبُودِيَّةِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ﴾ أيْ: في عالَمِ الأرْواحِ: ﴿لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ: المُتَمَكِّنِينَ في مَقامِ الِاسْتِقامَةِ، بِإيفاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، الَّذِينَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلْيا في الجَنَّةِ.
﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] أيْ: بَعْدَ هَذِهِ الكَراماتِ والحَسَناتِ الَّتِي أعْطَيْناهُ إيّاها في الدّارَيْنِ، شَرَّفْناهُ وكَرَّمْناهُ بِأمْرِنا، بِاتِّباعِكَ إيّاهُ في التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الدِّينِ الَّتِي لا تَتَغَيَّرُ في الشَّرائِعِ. كَأمْرِ المَبْدَأِ والمَعادِ والحَشْرِ والجَزاءِ وأمْثالِها، لا في فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وأوْضاعِها وأحْكامِها، فَإنَّها تَتَغَيَّرُ بِحَسَبِ المَصالِحِ واخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والطَّبائِعِ، وما عَلَيْهِ أحْوالُ النّاسِ مِنَ العاداتِ والخَلائِقِ. قالَهُ القاشانِيُّ.
وفِي (الإكْلِيلُ): اسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الخِتانِ، وما كانَ مِن شَرْعِهِ، ولَمْ يَرِدْ بِهِ ناسِخٌ.
(p-٣٨٧٦)لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في: { ثُمَّ } هَذِهِ ما فِيها مِن تَعْظِيمِ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإجْلالِ مَحَلِّهِ، والإيذانِ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ إبْراهِيمُ ﷺ مِنَ الكَرامَةِ، وأجَلَّ ما أُولِيَ مِنَ النِّعْمَةِ؛ اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ، مِن قَبْلِ أنَّها دَلَّتْ عَلى تَباعُدِ هَذا النَّعْتِ في المَرْتَبَةِ، مِن بَيْنِ سائِرِ النُّعُوتِ الَّتِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها.
قالَ النّاصِرُ: وإنَّما تُفِيدُ ذَلِكَ: { ثُمَّ } لِأنَّها في أصْلِ وضْعِها لِتَراخِي المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الزَّمانِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في تَراخِيهِ عَنْهُ في عُلُوِّ المَرْتَبَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ المَعْطُوفُ عَلى رُتْبَتِهِ أشْمَخَ مَحَلًّا مِمّا عُطِفَ عَلَيْهِ. فَكَأنَّهُ بَعْدَ أنْ عَدَّدَ مَناقِبَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى وها هُنا ما هو أعْلى مِن ذَلِكَ كُلِّهِ قَدْرًا، وأرْفَعُ رُتْبَةً، وأبْعَدُ رِفْعَةً، وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ الأُمِّيَّ، الَّذِي هو سَيِّدُ البَشَرِ، مُتَّبِعٌ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، مَأْمُورٌ بِاتِّباعِهِ بِالوَحْيِ، مَتْلُوًّا أمْرُهُ بِذَلِكَ في القُرْآنِ العَظِيمِ. فَفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهُما جَمِيعًا. لَكِنَّ نَصِيبَ النَّبِيِّ ﷺ مِن هَذا التَّعْظِيمِ أوْفَرُ وأكْبَرُ، عَلى ما مَهَّدْناهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
النحل 16:124
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٤] ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .
﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ، فَرَضَ عَلَيْهِمْ تَقْدِيسَهُ وإراحَةَ أنْفُسِهِمْ ودَوابِّهِمْ فِيهِ مِنَ الأعْمالِ. فاعْتَدَوْا فِيهِ واحْتالُوا لِحِلِّهِ.
قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ما فَرَضَ عَلَيْكَ، إنَّما فَرَضَ عَلَيْهِمْ. فَلا يَلْزَمُكَ اتِّباعُ مُوسى في ذَلِكَ، بَلِ اتِّباعُ إبْراهِيمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: بِالمُجازاةِ عَلى اخْتِلافِهِمْ، يَعْنِي إفْسادَهم وزَيْغَهم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.
النحل 16:125
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أدَبَ الدَّعْوَةِ إلى دِينِهِ الحَقِّ، بِقَوْلِهِ:
(p-٣٨٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٥] ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ .
﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ أيْ: بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ. وهو الدَّلِيلُ المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ، المُزِيحُ لِلشُّبْهَةِ: ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ أيِ: العِبَرِ اللَّطِيفَةِ والوَقائِعِ المُخِيفَةِ، لِيَحْذَرُوا بَأْسَهُ تَعالى: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: جادِلْ مُعانَدِيهِمْ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ، مِنَ الرِّفْقِ واللِّينِ، وحُسْنِ الخِطابِ، مِن غَيْرِ عُنْفٍ، فَإنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في تَسْكِينِ لَهَبِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ: عَلَيْكَ البَلاغُ والدَّعْوَةُ بِالصِّفَةِ المُبَيَّنَةِ، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلى مَن ضَلَّ مِنهم حَسَراتٍ، فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم؛ لِأنَّهُ هو أعْلَمُ بِمَن يَبْقى عَلى الضَّلالِ وبِمَن يَهْتَدِي إلَيْهِ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِما يَسْتَحِقُّهُ. أوِ المَعْنى: اسْلُكْ في الدَّعْوَةِ والمُناظَرَةِ الطَّرِيقَةَ المَذْكُورَةَ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو أعْلَمُ بِحالِ مَن لا يَرْعَوِي عَنِ الضَّلالِ بِمُوجِبِ اسْتِعْدادِهِ المُكْتَسَبِ. وبِحالِ مَن يَصِيرُ أمْرُهُ إلى الِاهْتِداءِ لِما فِيهِ مِن خَيْرٍ جِبِلِّيٍّ. فَما شَرَعَهُ لَكَ في الدَّعْوَةِ، هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. فَإنَّهُ كافٍ في هِدايَةِ المُهْتَدِينَ وإزالَةِ عُذْرِ الضّالِّينَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
تَنْبِيهٌ:
دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ عَلى الحَثِّ عَلى الإنْصافِ في المُناظَرَةِ، واتِّباعِ الحَقِّ، والرِّفْقِ والمُداراةِ، عَلى وجْهٍ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّ القَصْدَ إثْباتُ الحَقِّ وإزْهاقُ الباطِلِ، وأنْ لا غَرَضَ سِواهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٨٧٨)
النحل 16:126
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٦] ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ .
﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ أيِ: الزَمُوا سَيْرَةَ العَدالَةِ، لا تُجاوِزُوها. فَإنَّها أقَلُّ دَرَجاتِ كَمالِكم. فَإنْ كانَ لَكم قَدَمٌ في الفُتُوَّةِ، وعِرْقٌ راسِخٌ في الفَضْلِ والكَرَمِ والمُرُوءَةِ؛ فاتْرُكُوا الِانْتِصارَ والِانْتِقامَ مِمَّنْ جَنى عَلَيْكم، وعارِضُوهُ بِالعَفْوِ مَعَ القُدْرَةِ، واصْبِرُوا عَلى الجِنايَةِ، فَإنَّهُ: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ألا تَراهُ كَيْفَ أكَّدَهُ بِالقَسَمِ واللّامِ في جَوابِهِ، وتَرَكَ المُضْمَرَ إلى المَظْهَرِ حَيْثُ ما قالَ: (لَهو خَيْرٌ لَكم) بَلْ قالَ: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالمَدْحِ والتَّعْظِيمِ بِصِفَةِ الصَّبْرِ. فَإنَّ الصّابِرَ تَرَقّى عَنْ مَقامِ النَّفْسِ وقابَلَ فِعْلَ نَفْسِ صاحِبِهِ بِصِفَةِ القَلْبِ. فَلَمْ يَتَكَدَّرْ بِظُهُورِ صِفَةِ النَّفْسِ. وعارَضَ ظُلَمَةَ نَفْسِ صاحِبِهِ بِنُورِ قَلْبِهِ. فَكَثِيرًا ما يَنْدَمُ ويَتَجاوَزُ عَنْ مَقامِ النَّفْسِ. وتَنْكَسِرُ سَوْرَةُ غَضَبِهِ فَيَصْلُحُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ لَكم هَذا المَقامُ الشَّرِيفُ، فَلا تُعاقِبُوا المُسِيءَ بِسَوْرَةِ الغَضَبِ بِأكْثَرَ مِمّا جَنى عَلَيْكم فَتَظْلِمُوا، أوْ تَتَوَرَّطُوا بِأقْبَحِ الرَّذائِلِ وأفْحَشِها، فَيَفْسَدَ حالُكم ويَزِيدَ وبالُكم عَلى وبالِ الجانِي. أفادَهُ القاشانِيُّ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: في (الإكْلِيلُ): قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: في الآيَةِ جَوازُ المُماثَلَةِ في القِصاصِ خِلافًا لِمَن قالَ: لا قَوْدَ إلّا بِالسَّيْفِ. ويَسْتَدِلُّ بِها لِمَسْألَةِ الظَّفَرِ، كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ والنَّخَعِيِّ؛ أنَّهُما اسْتَدَلّا بِها عَلَيْها. ولَفْظُ النَّخَعِيِّ: سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَخُونُ الرَّجُلَ ثُمَّ يَقَعُ لَهُ في يَدِهِ الدَّراهِمُ ؟ قالَ: إنْ شاءَ ذَهَبَ مِن دَراهِمِهِ بِمِثْلِ ما خانَهُ. ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. ولَفْظُ ابْنِ سِيرِينَ: إنْ أخَذَ مِنكم رَجُلٌ شَيْئًا، فَخُذُوا مِثْلَهُ.
(p-٣٨٧٩)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكَذا قالَ مُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وغَيْرُهم، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. فَعُمُومُها يَشْمَلُ العَدْلَ في القِصاصِ والمُماثَلَةِ في اسْتِيفاءِ الحَقِّ.
الثّانِي: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النَّحْلِ كُلُّها بِمَكَّةَ. وهي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ، «حِينَ قُتِلَ حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومُثِّلَ بِهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَئِنْ أظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِثَلاثِينَ رَجُلًا مِنهم» . فَلَمّا سَمِعَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ قالُوا: واللَّهِ ! لَئِنْ أظْهَرَنا اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْها أحَدٌ مِنَ العَرَبِ بِأحَدٍ قَطُّ. فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ هَذِهِ، إلى آخِرِ السُّورَةِ» .
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مُرْسَلٌ وفِيهِ مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ. ورَواهُ الحافِظُ البَزّارُ مِن وجْهٍ آخَرَ مَوْصُولًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَفَ عَلى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ أوْجَعَ لِلْقَلْبِ مِنهُ، وقَدْ مُثِّلَ بِهِ. فَقالَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. إنْ كُنْتَ لِما عَلِمْتُ، لَوَصُولًا لِلرَّحِمِ، فَعُولًا لِلْخَيْراتِ. واللَّهِ لَوْلا حُزْنُ مَن بَعْدَكَ عَلَيْكَ، لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِن بُطُونِ السِّباعِ. (أوْ كَلِمَةً نَحْوَها) . أما واللَّهِ ! عَلى ذَلِكَ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ كَمُثْلَتِكَ» . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَكَفَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي عَنْ يَمِينِهِ، وأمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا إسْنادٌ فِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّ صالِحًا (أحَدَ رُواتِهِ) هو ابْنُ بَشِيرٍ المُرِّيِّ، ضَعِيفٌ عِنْدَ الأئِمَّةِ. وقالَ البُخارِيُّ: هو مُنْكَرُ الحَدِيثِ. ورَوى عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإمامِ أحْمَدَ في مُسْنَدِ أبِيهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ مِنَ الأنْصارِ سِتُّونَ رَجُلًا ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَئِنْ كانَ لَنا يَوْمٌ مِثْلَ هَذا مِنَ المُشْرِكِينَ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ. فَلَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ قالَ رَجُلٌ: لا تُعْرَفُ قُرَيْشٌ بَعْدَ اليَوْمِ. فَنادى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أمَّنَ الأسْوَدَ والأبْيَضَ إلّا فُلانًا وفُلانًا - ناسًا سَمّاهم - فَنَزَلَتِ الآيَةُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَصْبِرُ ولا نُعاقِبُ»» .
(p-٣٨٨٠)أقُولُ: بِمَعْرِفَةِ ما قَدَّمْنا مِن مَعْنى سَبَبِ النُّزُولِ - في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ - يَعْلَمُ أنْ لا حاجَةَ إلى الذَّهابِ إلى أنَّها مَدَنِيَّةٌ أُلْحِقَتْ بِالسُّورَةِ؛ ولا إلى ما رُوِيَ مِن هَذِهِ الآثارِ؛ إذْ بِهِ يَتَّضِحُ عَدَمُ التَّنافِي، والتِقاءُ الآثارِ مَعَ الآيَةِ فَتَذَكَّرْهُ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لَها أمْثالٌ في القُرْآنِ، فَإنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ العَدْلِ والنَّدْبِ إلى الفَضْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] الآيَةَ. وقالَ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] انْتَهى.
ثُمَّ أكَّدَ تَعالى الأمْرَ بِالصَّبْرِ، لِيُقَوِّيَ الثَّباتَ والِاحْتِمالَ، لِكُلِّ ما يُلاقِيهِ في سَبِيلِ الحَقِّ، بِقَوْلِهِ:
النحل 16:127
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٧-١٢٨] ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] .
﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ أيْ: بِمَعُونَتِهِ وتَوْفِيقِهِ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى الكافِرِينَ، أيْ: عَلى كَفْرِهِمْ وعَدَمِ هِدايَتِهِمْ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أيْ: في ضِيقٍ صَدَرَ مِمّا يَمْكُرُونَ مِن فُنُونِ المَكايِدِ
﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَإنَّهُ تَعالى كافِيكَ وناصِرُكَ ومُؤَيِّدُكَ ومُظَفِّرُكَ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى مَعَ المُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ، فَيَحْفَظُهم ويَكْلَؤُهم ويُظْهِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (p-٣٨٨١)هَذِهِ مَعِيَّةٌ خاصَّةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وقَوْلِهِ لِمُوسى وهارُونَ: ﴿لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأمّا المَعِيَّةُ العامَّةُ فالسَّمْعُ والبَصَرُ والعِلْمُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧]
قالَ أبُو السُّعُودِ: تَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ كُلٍّ مِنَ الصِّلَتَيْنِ في وِلايَتِهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ إحْداهُما تَتِمَّةً لِلْأُخْرى. وإيرادُ الأُولى فِعْلِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ. كَما أنَّ إيرادَ الثّانِيَةِ اسْمِيَّةً لِإفادَةِ كَوْنِ مَضْمُونِها شِيمَةً راسِخَةً فِيهِمْ. وتَقْدِيمُ التَّقْوى عَلى الإحْسانِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ. والمُرادُ بِالمَوْصُولَيْنِ إمّا جِنْسُ المُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ، وهو ﷺ داخِلٌ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وإمّا هو ﷺ ومَن شايَعَهُ. عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ، مَدْحًا لَهم وثَناءً عَلَيْهِمْ بِالنَّعْتَيْنِ الجَمِيلَيْنِ. وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ صَنِيعَهُ ﷺ مُسْتَتْبِعٌ لِاقْتِداءِ الأُمَّةِ بِهِ، كَقَوْلِ مَن قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عِنْدَ التَّعْزِيَةِ بِأبِيهِ العَبّاسِ:
؎اصْبِرْ نَكُنْ بِكَ صابِرِينَ فَإنَّما صَبْرُ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ صَبْرِ الرَّأْسِ
وبَعْدَ هَذا البَيْتِ:
؎خَيْرٌ مِنَ العَبّاسِ أجْرُكَ بَعْدَهُ ∗∗∗ واللَّهُ خَيْرٌ مِنكَ لِلْعَبّاسِ
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما عَزّانِي أحَدٌ مِن تَعْزِيَتِهِ.
وعَنْ هَرِمِ بْنِ حَيّانَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ الِاحْتِضارِ: أوْصِ. قالَ: إنَّما الوَصِيَّةُ مِنَ المالِ، فَلا مالَ لِي. وأُوصِيكم بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ. . .
النحل 16:128
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٧-١٢٨] ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] .
﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ أيْ: بِمَعُونَتِهِ وتَوْفِيقِهِ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى الكافِرِينَ، أيْ: عَلى كَفْرِهِمْ وعَدَمِ هِدايَتِهِمْ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أيْ: في ضِيقٍ صَدَرَ مِمّا يَمْكُرُونَ مِن فُنُونِ المَكايِدِ
﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَإنَّهُ تَعالى كافِيكَ وناصِرُكَ ومُؤَيِّدُكَ ومُظَفِّرُكَ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى مَعَ المُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ، فَيَحْفَظُهم ويَكْلَؤُهم ويُظْهِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (p-٣٨٨١)هَذِهِ مَعِيَّةٌ خاصَّةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وقَوْلِهِ لِمُوسى وهارُونَ: ﴿لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأمّا المَعِيَّةُ العامَّةُ فالسَّمْعُ والبَصَرُ والعِلْمُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧]
قالَ أبُو السُّعُودِ: تَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ كُلٍّ مِنَ الصِّلَتَيْنِ في وِلايَتِهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ إحْداهُما تَتِمَّةً لِلْأُخْرى. وإيرادُ الأُولى فِعْلِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ. كَما أنَّ إيرادَ الثّانِيَةِ اسْمِيَّةً لِإفادَةِ كَوْنِ مَضْمُونِها شِيمَةً راسِخَةً فِيهِمْ. وتَقْدِيمُ التَّقْوى عَلى الإحْسانِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ. والمُرادُ بِالمَوْصُولَيْنِ إمّا جِنْسُ المُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ، وهو ﷺ داخِلٌ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وإمّا هو ﷺ ومَن شايَعَهُ. عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ، مَدْحًا لَهم وثَناءً عَلَيْهِمْ بِالنَّعْتَيْنِ الجَمِيلَيْنِ. وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ صَنِيعَهُ ﷺ مُسْتَتْبِعٌ لِاقْتِداءِ الأُمَّةِ بِهِ، كَقَوْلِ مَن قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عِنْدَ التَّعْزِيَةِ بِأبِيهِ العَبّاسِ:
؎اصْبِرْ نَكُنْ بِكَ صابِرِينَ فَإنَّما صَبْرُ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ صَبْرِ الرَّأْسِ
وبَعْدَ هَذا البَيْتِ:
؎خَيْرٌ مِنَ العَبّاسِ أجْرُكَ بَعْدَهُ ∗∗∗ واللَّهُ خَيْرٌ مِنكَ لِلْعَبّاسِ
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما عَزّانِي أحَدٌ مِن تَعْزِيَتِهِ.
وعَنْ هَرِمِ بْنِ حَيّانَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ الِاحْتِضارِ: أوْصِ. قالَ: إنَّما الوَصِيَّةُ مِنَ المالِ، فَلا مالَ لِي. وأُوصِيكم بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ. . .
الإسراء 17:1
(p-٣٨٨٢)سُورَةُ الإسْراءِ
وتُسَمّى سُورَةَ بَنِي إسْرائِيلَ وسُورَةَ سُبْحانَ، ولَمْ يُحْكَ خِلافٌ في كَوْنِها مَكِّيَّةً.
نَعَمِ اسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] وآيَةَ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] وآيَةَ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] الآيَةَ، وقَوْلَهُ ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا﴾ [الإسراء: ٦٠] الآيَةَ، وقَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] لِما ذَكَرُوهُ في أسْبابِ نُزُولِها. ويَأْتِي البَحْثُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وآياتُها مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ.
(p-٣٨٨٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾
يُمَجِّدُ تَعالى نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ﴾ ويُنَزِّهُ ذاتَهُ العَلِيَّةَ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، ويُعَظِّمُ شَأْنَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ سِواهُ فَلا إلَهَ غَيْرُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: سَيْرَهُ مِنهُ لَيْلًا. و(أسْرى) بِمَعْنى (سَرى) يُقالُ: أسْراهُ وأسْرى بِهِ وسَرى بِهِ. فَهَمْزَةُ (أسْرى) لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، ولِذا عُدِّيَ بِالباءِ. وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ أسْرى وسَرى بِالمُبالَغَةِ في (أسْرى) لِإفادَةِ السُّرْعَةِ في السَّيْرِ، ولِذا أُوثِرَ عَلى (سَرى) .
والإسْراءُ سَيْرُ اللَّيْلِ كُلِّهِ، كَأسْرى، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْلا﴾ لِلتَّأْكِيدِ أوْ لِلتَّجْرِيدِ عَنْ بَعْضِ القُيُودِ. مِثْلَ: أسْعَفْتُ مَرامَهُ. مَعَ أنَّ الإسْعافَ قَضاءُ الحاجَةِ. أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ. وقَدِ اسْتَظْهَرَهُ النّاصِرُ في " الِانْتِصافِ " قالَ: ونَظِيرُهُ في إفْرادِ أحَدِ ما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ المُتَقَدِّمُ مَضْمُونًا لِغَيْرِهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] فالِاسْمُ الحامِلُ لِلتَّثْنِيَةِ دالٌّ عَلَيْها وعَلى الجِنْسِيَّةِ، وكَذَلِكَ المُفْرَدُ. فَأُرِيدَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أحَدَ المَعْنَيَيْنِ، وهو التَّثْنِيَةُ، مُرادٌ مَقْصُودٌ، وكَذَلِكَ أُرِيدَ الإيقاظُ؛ لِأنَّ الوَحْدانِيَّةَ هي المَقْصُودَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] ولَوِ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: { إنَّما هو إلَهٌ } لَأوْهَمَ أنَّ المُهِمَّ إثْباتُ الإلَهِيَّةِ لَهُ. والغَرَضُ مِنَ الكَلامِ لَيْسَ إلّا إثْباتَ الوَحْدانِيَّةِ.
(p-٣٨٨٤)وقِيلَ: سِرُّ قَوْلِهِ: { لَيْلًا } إفادَةُ تَقْلِيلِ الوَقْتِ الَّذِي كانَ الإسْراءُ والرُّجُوعُ فِيهِ. أيْ: أنَّهُ كانَ في بَعْضِ اللَّيْلِ، أخْذًا مِن تَنْكِيرِهِ. فَقَدْ نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ إذا عُرِّفا كانا مِعْيارًا لِلتَّعْمِيمِ، فَلا تَقُولُ: أرِقْتُ اللَّيْلَ، وأنْتَ تُرِيدُ ساعَةً مِنهُ، إلّا أنْ تَقْصِدَ المُبالَغَةَ. بِخِلافِ المُنْكَرِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ ذَلِكَ. فَلَمّا عَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِهِ هُنا، عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ اسْتِغْراقَ السُّرى، وهَذا هو المُرادُ مِنَ البَعْضِيَّةِ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ (أسْرى) مِنَ (السَّراةِ) وهي الأرْضُ الواسِعَةُ. وأصْلُهُ مِنَ الواوِ، أسْرى مِثْلُ أجْبَلَ وأتْهَمَ، أيْ: ذَهَبَ بِهِ في سَراةٍ مِنَ الأرْضِ، وهو غَرِيبٌ. وفي تَخْصِيصِ اللَّيْلِ إعْلامٌ بِفَضْلِهِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ السِّرِّ والنَّجْوى والتَّجَلِّي الأسْمى، ولِذَلِكَ كانَ أكْثَرَ عِبادَتِهِ ﷺ بِاللَّيْلِ. والمُرادُ (بِعَبْدِهِ) خاتَمُ أنْبِيائِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ . وفي ذِكْرِهِ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ مِنَ التَّشْرِيفِ والتَّنْوِيهِ والتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ وانْقِيادِهِ لِأوامِرِهِ - ما لا يَخْفى.
والعَبْدُ لُغَةً: الإنْسانُ مُطْلَقًا والمَمْلُوكُ والعُبُودِيَّةُ الذُّلُّ والخُضُوعُ والرِّقُّ والطّاعَةُ، كالعِبادَةِ والعُبُودَةِ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ): أكْمَلُ الخَلْقِ أكْمَلُهم عُبُودِيَّةً. وأعْظَمُهم شُهُودًا. لِفَقْرِهِ وضَرُورَتِهِ وحاجَتِهِ إلى رَبِّهِ، وعَدَمِ اسْتِغْنائِهِ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ. ولِهَذا كانَ مِن دُعائِهِ ﷺ: ««أصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ ولا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ ولا إلى أحَدٍ مِن خَلْقِكَ»» .
ثُمَّ قالَ: ولِهَذا كانَ أقْرَبَ الخَلْقِ إلى اللَّهِ وسِيلَةً، وأعْظَمَهم عِنْدَهُ جاهًا، وأرْفَعَهم عِنْدَهُ مُنْزِلَةً؛ لِتَكْمِيلِهِ مَقامَ العُبُودِيَّةِ والفَقْرِ. وكانَ يَقُولُ: ««أيُّها النّاسُ ! ما أُحِبُّ أنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنزِلَتِي، إنَّما أنا عَبْدٌ»» . وكانَ يَقُولُ: ««لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، إنَّما أنا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ»» . وذَكَرَهُ سُبْحانَهُ بِسِمَةِ العُبُودِيَّةِ في أشْرَفِ مَقاماتِهِ: مَقامِ (p-٣٨٨٥)الإسْراءِ، ومَقامِ الدَّعْوَةِ، ومَقامِ التَّحَدِّي. فَقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ وقالَ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] وقالَ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَـزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣] وفي حَدِيثِ الشَّفاعَةِ: أنَّ المَسِيحَ يَقُولُ لَهُمُ: اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، عَبْدٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ. فَنالَ ذَلِكَ بِكَمالِ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ، وبِكَمالِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ يَعْنِي مَسْجِدَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ. سُمِّيَ حَرامًا، كَبَلَدِهِ، لِكَوْنِهِ لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ بِقِتالٍ فِيهِ، ولا بِصَيْدِ صَيْدِهِ، ولا بِقَطْعِ شَجَرِهِ ولا كَلَئِهِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ هو مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَ يُعْرَفُ بِهَيْكَلِ سُلَيْمانَ؛ لِأنَّهُ الَّذِي بَناهُ وشَيَّدَهُ و: ﴿الأقْصى﴾ بِمَعْنى الأبْعَدِ. سُمِّيَ بِذَلِكَ لِبُعْدِهِ عَنْ مَكَّةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ أيْ: جَوانِبَهُ بِبَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا؛ لِأنَّ تِلْكَ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ مَقَرُّ الأنْبِياءِ ومَهْبَطُ وحْيِهِمْ ومُنَمّى الزُّرُوعِ والثِّمارِ. فاكْتَنَفَتْهُ البَرَكَةُ الإلَهِيَّةُ مِن نَواحِيهِ كُلِّها. فَبَرَكَتُهُ إذَنْ مُضاعَفَةٌ؛ لِكَوْنِهِ في أرْضٍ مُبارَكَةٍ، ولِكَوْنِهِ مَن أعْظَمِ مَساجِدِ اللَّهِ تَعالى. والمَساجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ. ولِكَوْنِهِ مُتَعَبَّدَ الأنْبِياءِ ومُقامَهم ومَهْبِطَ وحْيِهِ عَلَيْهِمْ، فَبُورِكَ فِيهِ بَرَكَتَهم ويُمْنَهم أيْضًا.
وقِيلَ في خَصائِصِ (الأقْصى): إنَّهُ مُتَعَبَّدُ الأنْبِياءِ السّابِقِينَ، ومَسْرى خاتَمِ النَّبِيِّينَ، ومِعْراجُهُ إلى السَّماواتِ العُلى والمَشْهَدِ الأسْمى. بَيْتٌ نَوَّهَ اللَّهُ بِهِ في الآياتِ المُفَصَّلَةِ، وتُلِيَتْ فِيهِ الكُتُبُ الأرْبَعَةُ المُنَزَّلَةُ. لِأجْلِهِ أمْسَكَ اللَّهُ الشَّمْسَ عَلى يُوشَعَ أنْ تَغْرُبَ لِيَتَيَسَّرَ فَتْحُهُ عَلى مَن وُعِدُوا بِهِ ويَقْرَبُ. وهو قِبْلَةُ الصَّلاةِ في المِلَّتَيْنِ، وفي صَدْرِ الإسْلامِ بَعْدَ الهِجْرَتَيْنِ. وهو أوْلى القِبْلَتَيْنِ وثانِي المَسْجِدَيْنِ وثالِثُ الحَرَمَيْنِ. لا تُشَدُّ الرِّحالُ بَعْدَ المَسْجِدَيْنِ إلّا إلَيْهِ، (p-٣٨٨٦)ولا تُعْقَدُ الخَناصِرُ بَعْدَ المَوْطِنَيْنِ إلّا عَلَيْهِ. انْتَهى. ومِن فَضائِلِهِ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ صَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ سُلَيْمانَ لَمّا بَنى بَيْتَ المَقْدِسِ سَألَ رَبَّهُ ثَلاثًا، فَأعْطاهُ اثْنَتَيْنِ وأنا أرْجُو أنْ يَكُونَ أعْطاهُ الثّالِثَةَ»» .
سَألَهُ حُكْمًا يُصادِفُ حُكْمَهُ فَأعْطاهُ إيّاهُ.
وسَألَهُ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ فَأعْطاهُ إيّاهُ.
وسَألَهُ أيُّما رَجُلٍ خَرَجَ مِن بَيْتِهِ لا يُرِيدُ إلّا الصَّلاةَ في هَذا المَسْجِدِ - يَعْنِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ - خَرَجَ مِن خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ.
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««ونَحْنُ نَرْجُو أنْ يَكُونَ اللَّهُ أُعْطاهُ ذَلِكَ»» .
ورُوِيَ أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ إذا دَخَلَهُ لا يَشْرَبُ مِن مائِهِ؛ تَجْرِيدًا لِقَصْدِ الصَّلاةِ.
وقالَ الشِّيرازِيُّ في (عَرائِسُ البَيانِ): كانَ بِدايَةُ المِعْراجِ الذَّهابَ إلى الأقْصى؛ لِأنَّ هُناكَ الآياتِ الكُبْرى مِن أنْوارِ تَجَلِّيهِ تَعالى لِأرْواحِ الأنْبِياءِ وأشْباحِهِمْ. وهُناكَ بِقُرْبِهِ طُورَ سِينا، وطُورَ زَيْتا، ومَقامَ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى في تِلْكَ الجِبالِ، مَواضِعُ كُشُوفِ الحَقِّ، لِذَلِكَ قالَ: ﴿بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ انْتَهى.
والِالتِفاتُ في: { بارَكْنا } لِتَعْظِيمِ ما ذُكِرَ؛ لِأنَّ فِعْلَ العَظِيمِ يَكُونُ عَظِيمًا، لا سِيَّما إذا عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ التَّعْظِيمِ. والنُّكْتَةُ العامَّةُ تَنْشِيطُ السّامِعِينَ.
(p-٣٨٨٧)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ إشارَةٌ إلى حِكْمَةِ الإسْراءِ. أيْ: لِكَيْ نُرِيَ مُحَمَّدًا ﷺ مِن آياتِنا العَظِيمَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَهابُهُ في بُرْهَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، مَسِيرَةَ شَهْرٍ، ومُشاهَدَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وتَمَثُّلُ الأنْبِياءِ لَهُ، ووُقُوفُهُ عَلى مَقاماتِهِمُ العَلِيَّةِ.
قِيلَ: أرادَ تَعالى أنْ يُرِيَهُ ﷺ مِنَ الآياتِ الحِسِّيَّةِ بَعْدَ ما أراهُ الآياتِ العَقْلِيَّةَ؛ لِأنَّ الآياتِ الحِسِّيَّةَ أكْبَرُ في قَطْعِ الشُّبْهَةِ ودَفْعِ الوَساوِسِ مِنَ العَقْلِيَّةِ؛ إذْ لا يَشُكُّ أحَدٌ فِيما كانَ سَبِيلُ مَعْرِفَتِهِ الحِسَّ والعِيانَ. وقَدْ تَعْتَرِضُ الشُّبْهَةُ والوَساوِسُ في العَقْلِيّاتِ؛ لِأنَّهُ لا يَشُكُّ أحَدٌ في نَفْسِهِ أنَّهُ هو. فَشاءَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُرِيَ رَسُولَهُ آياتٍ حِسِّيَّةٌ فَتَدْفَعُ المُنْصِفِينَ إلى قَبُولِها والإيمانِ بِها والإقْرارِ لَهُ بِالرِّسالَةِ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ عَمَلُ سِحْرٍ ولا افْتِراءٌ ولا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، كَذا يُسْتَفادُ مِنَ " التَّأْوِيلاتِ " لِأبِي مَنصُورٍ.
وما أحْسَنَ ما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ في مَسْراهُ ﷺ وما ذُكِرَ مِنهُ بَلاءٌ وتَمْحِيصٌ، وأمْرٌ مِن أمْرِ اللَّهِ في قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ. فِيهِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ، وهُدًى ورَحْمَةٌ وثَباتٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وصَدَّقَ. وكانَ مِن أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى يَقِينٍ. فَأسْرى بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَيْفَ شاءَ لِيُرِيَهُ مِن آياتِهِ ما أرادَ. حَتّى عايَنَ ما عايَنَ مِن أمْرِهِ وسُلْطانِهِ العَظِيمِ، وقُدْرَتِهِ الَّتِي يَصْنَعُ بِها ما يُرِيدُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيِ: السَّمِيعُ لِأقْوالِ عِبادِهِ وأفْعالِهِمْ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثُبُوتِ الإسْراءِ، وهو سَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لَيْلًا. وأمّا العُرُوجُ إلى السَّماواتِ وإلى ما فَوْقَ العَرْشِ، فَهَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ. (p-٣٨٨٨)ومِنهم مَن يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِأوَّلِ سُورَةِ النَّجْمِ. والكَلامُ عَلَيْهِ ثَمَّةَ.
الثّانِيَةُ: ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ الإسْراءَ كانَ بَعْدَ المَبْعَثِ، وأنَّهُ قَبْلَ هِجْرَتِهِ بِسَنَةٍ. قالَهُ الزَّهْرِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وغَيْرُهُما. وبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ، وبالَغَ ابْنُ حَزْمٍ فَنَقَلَ الإجْماعَ فِيهِ. وقالَ: كانَ في رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ.
وفِي " إنْسانُ العُيُونِ ": أنْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كانَتْ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ. وقِيلَ: سَبْعٍ وعِشْرِينَ خَلَتْ مِن رَبِيعٍ الأوَّلِ، وقِيلَ: لَيْلَةَ تِسْعٍ وعِشْرِينَ خَلَتْ مِن رَمَضانَ، وقِيلَ: سَبْعٍ وعِشْرِينَ خَلَتْ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، وقِيلَ: مِن رَجَبٍ. واخْتارَ هَذا الأخِيرَ الحافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ المَقْدِسِيُّ، قالَ: وعَلَيْهِ عَمَلُ النّاسِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّالِثُ: في (زادُ المَعادِ) لِابْنِ القَيِّمِ: كانَ الإسْراءُ مَرَّةً واحِدَةً. وقِيلَ: مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً يَقِظَةً ومُرَّةً مَنامًا. وأرْبابُ هَذِهِ القَوْلِ كَأنَّهم أرادُوا أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ حَدِيثِ شَرِيكٍ وقَوْلِهِ «ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ» وبَيْنَ سائِرِ الرِّواياتِ. ومِنهم مَن قالَ: بَلْ كانَ هَذا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً قَبْلَ الوَحْيِ؛ لِقَوْلِهِ في حَدِيثِ شَرِيكٍ (وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ) ومَرَّةً بَعْدَ الوَحْيِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ سائِرُ الأحادِيثِ. ومِنهم مَن قالَ: بَلْ ثَلاثَ مَرّاتٍ: مَرَّةً قَبْلَ الوَحْيِ، ومَرَّتَيْنِ بَعْدَهُ. وكُلُّ هَذا خَبْطٌ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ ضُعَفاءِ الظّاهِرِيَّةِ مِن أرْبابِ النَّقْلِ، الَّذِينَ إذا رَأوْا في القِصَّةِ لَفْظَةً تُخالِفُ سِياقَ بَعْضِ الرِّواياتِ، جَعَلُوهُ مَرَّةً أُخْرى. فَكُلَّما اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الرِّواياتُ عَدَّدُوا الوَقائِعَ. والصَّوابُ الَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ النَّقْلِ؛ أنَّ الإسْراءَ كانَ مَرَّةً واحِدَةً بِمَكَّةَ بَعْدَ البَعْثَةِ. ويا عَجَبًا لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهُ كانَ مِرارًا ! كَيْفَ ساغَ لَهم أنْ يَظُنُّوا أنَّهُ في كُلِّ مَرَّةٍ تُفْرَضُ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ خَمْسِينَ، ثُمَّ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ رَبِّهِ وبَيْنَ مُوسى حَتّى تَصِيرَ خَمْسًا، ثُمَّ يَقُولُ: أمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وخَفَّفْتُ عَنْ عِبادِي، ثُمَّ يُعِيدُها في المَرَّةِ الثّانِيَةِ إلى الخَمْسِينَ ثُمَّ يَحُطُّها عَشْرًا عَشْرًا ؟ ! .
الرّابِعُ: قالَ القاضِي عِياضٌ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، في (الشَّفا): اخْتَلَفَ السَّلَفُ والعُلَماءُ هَلْ كانَ إسْراءً بِرُوحِهِ أوْ جَسَدِهِ ؟ عَلى ثَلاثِ مَقالاتٍ: فَذَهَبَتْ طائِفَةٌ عَلى أنَّهُ إسْراءٌ بِالرُّوحِ، وأنَّهُ رُؤْيا مَنامٍ، مَعَ اتِّفاقِهِمْ أنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ووَحْيٌ. وإلى هَذا ذَهَبَ مُعاوِيَةُ، وحُكِيَ عَنِ (p-٣٨٨٩)الحَسَنِ (والمَشْهُورُ عَنْهُ خِلافُهُ) وإلَيْهِ أشارَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ. وحُجَّتُهم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ﴾ [الإسراء: ٦٠] وما حَكَوْا عَنْ عائِشَةَ: ما فَقَدْتُ جَسَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَوْلُهُ ««بَيْنا أنا نائِمٌ»»، وقَوْلُ أنَسٍ: (وهو نائِمٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ) وذَكَرَ القِصَّةَ، ثُمَّ قالَ في آخِرِها: (فاسْتَيْقَظَ وأنا بِالمَسْجِدِ الحَرامِ) .
وذَهَبَ مُعْظَمُ السَّلَفِ والمُسْلِمِينَ إلى أنَّهُ إسْراءٌ بِالجَسَدِ وفي اليَقَظَةِ. وهَذا هو الحَقُّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرٍ وأنَسٍ وحُذَيْفَةَ وعُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ ومالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ وأبِي حَبَّةَ البَدْرِيِّ وابْنِ مَسْعُودٍ والضَّحّاكِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ وابْنِ المُسَيِّبِ وابْنِ شِهابٍ وابْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ ومَسْرُوقٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ. وهو دَلِيلُ قَوْلِ عائِشَةَ. وهو قَوْلُ الطَّبَرِيِّ وابْنِ حَنْبَلٍ وجَماعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ. وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُتَأخِّرِينَ مِنَ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ والمُتَكَلِّمِينَ والمُفَسِّرِينَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ الإسْراءُ بِالجَسَدِ يَقَظَةً إلى بَيْتِ المَقْدِسِ. وإلى السَّماءِ بِالرُّوحِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ فَجَعَلَ المَسْجِدَ الأقْصى غايَةَ الإسْراءِ الَّذِي وقَعَ التَّعَجُّبُ فِيهِ بِعَظِيمِ القُدْرَةِ والتَّمَدُّحِ بِتَشْرِيفِ النَّبِيِّ وإظْهارِ الكَرامَةِ لَهُ بِالإسْراءِ إلَيْهِ. قالَ هَؤُلاءِ: ولَوْ كانَ الإسْراءُ بِجَسَدِهِ إلى زائِدٍ عَلى المَسْجِدِ الأقْصى لِذِكْرِهِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في المَدْحِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هاتانِ الفِرْقَتانِ: هَلْ صَلّى بِبَيْتِ المَقْدِسِ أمْ لا ؟ فَفي حَدِيثِ أنَسٍ وغَيْرِهِ صَلاتُهُ فِيهِ. وأنْكَرَ ذَلِكَ حُذَيْفَةُ وقالَ: واللَّهِ ! ما زالا عَنْ ظَهْرِ البُراقِ حَتّى رَجَعا.
ثُمَّ قالَ القاضِي عِياضٌ: والحَقُّ في هَذا والصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، أنَّهُ إسْراءٌ بِالجَسَدِ والرُّوحِ في القِصَّةِ كُلِّها. وعَلَيْهِ تَدُلُّ الآيَةُ وصَحِيحُ الأخْبارِ والِاعْتِبارِ. ولا يُعْدَلُ عَنِ الظّاهِرِ والحَقِيقَةِ إلى التَّأْوِيلِ، إلّا عِنْدَ الِاسْتِحالَةِ، ولَيْسَ في الإسْراءِ بِجَسَدِهِ وحالِ يَقَظَتِهِ اسْتِحالَةٌ؛ إذْ لَوْ كانَ مَنامًا لَقالَ: (بِرُوحِ عَبْدِهِ) ولَمْ يَقُلْ (بِعَبْدِهِ) وقَوْلُهُ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ولَوْ كانَ (p-٣٨٩٠)مَنامًا لَما كانَتْ فِيهِ آيَةٌ ولا مُعْجِزَةٌ، ولَما اسْتَبْعَدَهُ الكُفّارُ ولا كَذَّبُوهُ، ولا ارْتَدَّ بِهِ ضُعَفاءُ مَن أسْلَمَ وافْتَتَنُوا بِهِ؛ إذْ مِثْلُ هَذا مِنَ المَناماتِ لا يُنْكَرُ. بَلْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم إلّا وقَدْ عَلِمُوا أنَّ خَبَرَهُ إنَّما كانَ عَنْ جِسْمِهِ وحالَ يَقَظَتِهِ، إلى ما ذَكَرَ في الحَدِيثِ، مِن ذِكْرِ صَلاتِهِ بِالأنْبِياءِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ في رِوايَةِ أنَسٍ (أوْ في السَّماءِ) عَلى ما رَوى غَيْرُهُ، وذِكْرِ مَجِيءِ جِبْرِيلَ لَهُ بِالبُراقِ وخَبَرِ المِعْراجِ واسْتِفْتاحِ السَّماءِ فَيُقالُ: ومَن مَعَكَ ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ. ولِقائِهِ الأنْبِياءَ فِيها وخَبَرِهِمْ مَعَهُ وتَرْحِيبِهِمْ بِهِ وشَأْنِهِ في فَرْضِ الصَّلاةِ ومُراجَعَتِهِ مَعَ مُوسى في ذَلِكَ.
وفِي بَعْضِ هَذِهِ الأخْبارِ: ««فَأخَذَ، يَعْنِي جِبْرِيلُ، بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إلى السَّماءِ»» إلى قَوْلِهِ: ««ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأقْلامِ»»، وأنَّهُ وصَلَ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، وأنَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ ورَأى فِيها ما ذَكَرَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي رُؤْيا عَيْنٍ رَآها النَّبِيُّ ﷺ، لا رُؤْيا مَنامٍ.
وعَنِ الحَسَنِ فِيهِ: ««بَيْنا أنا نائِمٌ في الحِجْرِ جاءَنِي جِبْرِيلُ فَهَمَزَنِي بِعَقِبِهِ فَقُمْتُ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَعُدْتُ لِمَضْجَعِي»» . ذَكَرَ ذَلِكَ ثَلاثًا، فَقالَ في الثّالِثَةِ: ««فَأخَذَ بِعَضُدَيَّ فَجَرَّنِي إلى بابِ المَسْجِدِ، فَإذا بِدابَّةٍ»»، وذَكَرَ خَبَرَ البُراقِ.
وعَنْ أُمِّ هانِئٍ: «ما أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا وهو في بَيْتِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ. صَلّى العِشاءَ الآخِرَةَ ونامَ بَيْنَنا. فَلَمّا كانَ قُبَيْلَ الفَجْرِ أهَبْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا صَلّى الصُّبْحَ وصَلَّيْنا قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ ! لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمُ العِشاءَ الآخِرَةَ، كَما رَأيْتِ بِهَذا الوادِي، ثُمَّ جِئْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيهِ، ثُمَّ صَلَّيْتُ الغَداةَ مَعَكُمُ الآنَ كَما تَرَوْنَ» . وهَذا بَيِّنٌ في أنَّهُ بِجِسْمِهِ.
وعَنْ أبِي بَكْرٍ (مِن رِوايَةِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ عَنْهُ) أنَّهُ «قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ أُسَرِي بِهِ: طَلَبْتُكَ يا رَسُولَ اللَّهِ البارِحَةَ في مَكانِكَ فَلَمْ أجِدْكَ. فَأجابَهُ: أنَّ جِبْرِيلَ حَمَلَهُ إلى المَسْجِدِ الأقْصى» .
وعَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««صَلَّيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي في مُقَدَّمِ المَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلْتُ الصَّخْرَةَ»»، وهَذِهِ التَّصْرِيحاتُ ظاهِرَةٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ، فَتُحْمَلُ عَلى ظاهِرِها.
(p-٣٨٩١)وعَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««فَرَجَ سَقْفُ بَيْتِي وأنا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي»» .
وعَنْ أنَسٍ: ««أتَيْتُ فانْطَلَقُوا بِي إلى زَمْزَمَ»» . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ««لَقَدْ رَأيْتُنِي في الحِجْرِ وقُرَيْشٌ تَسْألُنِي عَنْ مَسْرايَ، فَسَألَتْنِي عَنْ أشْياءَ لَمْ أُثْبِتْها، فَكُرِبْتُ كَرْبًا ما كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أنْظُرُ إلَيْهِ»» . ونَحْوَهُ عَنْ جابِرٍ.
وقَدْ رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في حَدِيثِ الإسْراءِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: ««ثُمَّ رَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ وما تَحَوَّلْتُ عَنْ جانِبِها»» .
ثُمَّ قالَ القاضِي عِياضٌ (في إبْطالِ حُجَجِ مَن قالَ: إنَّها نَوْمٌ): احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا﴾ [الإسراء: ٦٠] فَسَمّاها ) رُؤْيا ) . قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ يَرُدُّهُ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ في النَّوْمِ (أسْرى) .
وقَوْلُهُ: ﴿فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] يُؤَيِّدُ أنَّها رُؤْيا عَيْنٍ وإسْراءُ شَخْصٍ؛ إذْ لَيْسَ في الحُلْمِ فِتْنَةٌ، ولا يُكَذِّبُ بِهِ أحَدٌ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَرى مِثْلَ ذَلِكَ في مَنامِهِ مِنَ الكَوْنِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ في أقْطارٍ مُتَبايِنَةٍ. عَلى أنَّ المُفَسِّرِينَ قَدِ اخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ. فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ وما وقَعَ في نُفُوسِ النّاسِ مِن ذَلِكَ. وقِيلَ غَيْرُ هَذا.
وأمّا قَوْلُهم: إنَّهُ قَدْ سَمّاها في الحَدِيثِ مَنامًا، وقَوْلُهُ في حَدِيثٍ آخَرَ: ««بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ»» . وقَوْلُهُ أيْضًا: وهو نائِمٌ. وقَوْلُهُ: ««ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ»»، فَلا حُجَّةَ فِيهِ؛ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ أوَّلَ وُصُولِ المَلِكِ إلَيْهِ كانَ وهو نائِمٌ. أوْ أوَّلَ حُلْمِهِ والإسْراءِ بِهِ وهو نائِمٌ. ولَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ نائِمًا في القِصَّةِ كُلِّها إلّا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ««ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ وأنا في المَسْجِدِ الحَرامِ»» فَلَعَلَّ قَوْلَهُ «اسْتَيْقَظْتُ» بِمَعْنى أصْبَحْتُ. أوِ اسْتَيْقَظَ مِن نَوْمٍ آخَرَ بَعْدَ وُصُولِهِ بَيْتَهُ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ: أنَّ مَسْراهُ لَمْ يَكُنْ طُولَ لَيْلَةٍ، وإنَّما كانَ في بَعْضِهِ. وقَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ: ««اسْتَيْقَظْتُ وأنا في المَسْجِدِ الحَرامِ»» لِما كانَ غَمَرَهُ مِن عَجائِبِ ما طالَعَ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، وخامَرَ بَطْنَهُ مِن (p-٣٨٩٢)مُشاهَدَةِ المَلَأِ الأعْلى، وما رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى. فَلَمْ يَسْتَفِقْ ويَرْجِعْ إلى حالِ البَشَرِيَّةِ إلّا وهو بِالمَسْجِدِ الحَرامِ. ووَجْهٌ ثالِثٌ: أنْ يَكُونَ نَوْمُهُ واسْتِيقاظُهُ حَقِيقَةً عَلى مُقْتَضى لَفْظِهِ، ولَكِنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ وقَلْبُهُ حاضِرٌ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ. تَنامُ أعْيُنُهم ولا تَنامُ قُلُوبُهم.
وقَدْ مالَ بَعْضُ أصْحابِ الإشاراتِ إلى نَحْوٍ مَن هَذا. قالَ: تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ لِئَلّا يَشْغَلَهُ شَيْءٌ مِنَ المَحْسُوساتِ عَنِ اللَّهِ، ولا يَصِحُّ هَذا أنَّ يَكُونَ في وقْتِ صَلاتِهِ بِالأنْبِياءِ، ولَعَلَّهُ كانَتْ لَهُ في هَذا الإسْراءِ حالاتٌ.
ووَجْهٌ رابِعٌ: وهو أنْ يُعَبَّرَ بِالنَّوْمِ ها هُنا عَنْ هَيْئَةِ النّائِمِ مِنَ الاضْطِجاعِ. ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ في رِوايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ هَمّامٍ: «بَيْنا أنا نائِمٌ»، ورُبَّما قالَ «مُضْطَجِعٌ»، وفي رِوايَةِ هُدْبَةَ عَنْهُ ««بَيْنا أنا في الحَطِيمِ»»، ورُبَّما قالَ ««في الحِجْرِ مُضْطَجِعٌ»» . وقَوْلُهُ في الرِّوايَةِ الأُخْرى: ««بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ»» فَيَكُونُ سَمّى هَيْئَتَهُ بِالنَّوْمِ لَمّا كانَتْ هَيْئَةُ النّائِمِ غالِبًا. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذِهِ الزِّياداتِ مِنَ النَّوْمِ، وذِكْرِ شَقِّ البَطْنِ، ودُنُوِّ الرَّبِّ، الواقِعَةِ في هَذا الحَدِيثِ، إنَّما هي مِن رِوايَةِ شَرِيكٍ عَنْ أنَسٍ. فَهي مُنْكَرَةٌ مِن رِوايَتِهِ. انْتَهى كَلامُ عِياضٍ. وبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ مِن شاءَ فَلْيُراجِعْها.
الخامِسُ: جُمْلَةُ الأقْوالِ في الإسْراءِ والمِعْراجِ، عَلى ما حَكاهُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادُ المَعادِ) سِتَّةٌ: بِرُوحِهِ وجَسَدِهِ وهو الَّذِي صَحَّحُوهُ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مَنامًا، وقِيلَ: بَلْ يُقالُ أُسْرِيَ بِهِ ولا يُقالُ يَقَظَةً ولا مَنامًا، وقِيلَ: كانَ الإسْراءُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ يَقَظَةً وإلى السَّماءِ مَنامًا، وقِيلَ: كانَ الإسْراءُ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً يَقِظَةً ومُرَّةً مَنامًا. وقِيلَ: بَلْ أُسْرِيَ بِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ. وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ البَعْثِ بِالِاتِّفاقِ. وأمّا ما وقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ أنَّ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ، فَقِيلَ: هو غَلَطٌ، وقِيلَ: الوَحْيُ هُنا مُقَيَّدٌ ولَيْسَ بِالوَحْيِ المُطْلَقِ الَّذِي هو مَبْدَأُ النُّبُوَّةِ. والمُرادُ: قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ في شَأْنِ الإسْراءِ، فَأُسْرِيَ بِهِ فَجْأةً مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ إعْلامٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ عائِشَةَ ومُعاوِيَةَ والحَسَنَ، نَقَلَ الأكْثَرُونَ عَنْهم؛ أنَّها رُؤْيا مَنامٍ. وكَذا حَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، (p-٣٨٩٣)إلّا أنَّ ابْنَ القَيِّمِ نَبَّهَ عَلى دَقِيقَةٍ غَرِيبَةٍ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: نَقَلَ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ عائِشَةَ ومُعاوِيَةَ أنَّهُما قالا: إنَّما كانَ الإسْراءُ بِرُوحِهِ ولَمْ يَفْقِدْ جَسَدَهُ. ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ. ولَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ الفَرْقُ بَيْنَ أنْ يُقالَ: كانَ الإسْراءُ مَنامًا، وبَيْنَ أنْ يُقالَ: كانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ. وبَيْنَهُما فَرْقٌ عَظِيمٌ. وعائِشَةُ ومُعاوِيَةُ لَمْ يَقُولا كانَ مَنامًا، وإنَّما قالا: أُسْرِيَ بِرُوحِهِ ولَمْ يَفْقِدْ جَسَدَهُ. وفَرْقٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. فَإنَّ ما يَراهُ النّائِمُ قَدْ يَكُونُ أمْثالًا مَضْرُوبَةً لِلْمَعْلُومِ في الصُّوَرِ المَحْسُوسَةِ. فَيَرى كَأنَّهُ قَدْ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ، أوْ ذُهِبَ بِهِ إلى مَكَّةَ وأقْطارِ الأرْضِ، ورُوحُهُ لَمْ تَصْعَدْ ولَمْ تَذْهَبْ. وإنَّما مَلَكُ الرُّؤْيا ضَرَبَ لَهُ المِثالَ. والَّذِينَ قالُوا عُرِجَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طائِفَتانِ: طائِفَةٌ قالَتْ: عُرِجَ بِرُوحِهِ وبَدَنِهِ. وطائِفَةٌ قالَتْ: عُرِجَ بِرُوحِهِ ولَمْ يَفْقِدْ بَدَنَهُ. وهَؤُلاءِ لَمْ يُرِيدُوا أنَّ المِعْراجَ كانَ مَنامًا. وإنَّما أرادُوا أنَّ الرُّوحَ ذاتَها أُسْرِيَ بِها وعُرِجَ بِها حَقِيقَةً. وباشَرَتْ مِن جِنْسِ ما تُباشِرُ بَعْدَ المُفارَقَةِ في صُعُودِها إلى السَّماواتِ سَماءً سَماءً، حَتّى يَنْتَهِيَ بِها إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَتَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَيَأْمُرُ فِيها بِما يَشاءُ، ثُمَّ تَنْزِلُ إلى الأرْضِ. فالَّذِي كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الإسْراءِ أكْمَلَ مِمّا يَحْصُلُ لِلرُّوحِ عِنْدَ المُفارَقَةِ. ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا أمْرٌ فَوْقَ ما يَراهُ النّائِمُ. لَكِنْ لَمّا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَقامِ خَرْقِ العَوائِدِ حَتّى شُقَّ بَطَّنَهُ وهو حَيٌّ لا يَتَألَّمُ؛ كَذَلِكَ عُرِجَ بِذاتِ رُوحِهِ المُقَدَّسَةِ حَقِيقَةً مِن غَيْرِ إماتَةٍ. ومَن سِواهُ ﷺ، لا تَنالُ ذاتُ رُوحِهِ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ إلّا بَعْدَ المَوْتِ والمُفارَقَةِ. فالأنْبِياءُ إنَّما اسْتَقَرَّتْ أرْواحُهم هُناكَ بَعْدَ مُفارَقَةِ الأبْدانِ. ورَوْحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَعِدَتْ إلى هُناكَ في حالِ الحَياةِ ثُمَّ عادَتْ. وبَعْدَ وفاتِهِ اسْتَقَرَّتْ في الرَّفِيقِ الأعْلى مَعَ أرْواحِ الأنْبِياءِ. ومَعَ هَذا فَلَها إشْرافٌ عَلى البَدَنِ، وإشْراقٌ وتَعَلُّقٌ بِهِ. بِحَيْثُ يَرُدُّ السَّلامَ عَلى مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ. وبِهَذا التَّعَلُّقِ رَأى مُوسى قائِمًا يُصَلِّي في قَبْرِهِ، ورَآهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُعْرَجْ بِمُوسى مِن قَبْرِهِ ثُمَّ رُدَّ إلَيْهِ، وإنَّما ذَلِكَ مَقامُ رُوحِهِ واسْتِقْرارُها، وقَبْرُهُ مَقامُ بَدَنِهِ واسْتِقْرارُهُ إلى يَوْمِ مَعادِ الأرْواحِ إلى أجْسادِها. فَرَآهُ يُصَلِّي في قَبْرِهِ، ورَآهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ. كَما أنَّهُ ﷺ في أرْفَعِ مَكانٍ في الرَّفِيقِ الأعْلى مُسْتَقِرًّا هُناكَ، (p-٣٨٩٤)وبَدَنُهُ في ضَرِيحِهِ غَيْرُ مَفْقُودٍ. وإذا سَلَّمَ عَلَيْهِ المُسَلِّمُ، رَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يُفارِقِ المَلَأ الأعْلى. ومَن كَثَفَ إدْراكَهُ وغَلُظَتْ طِباعُهُ عَنْ إدْراكِ هَذا؛ فَلْيَنْظُرْ إلى الشَّمْسِ في عُلُوِّ مَحَلِّها وتَعَلُّقِها وتَأْثِيرِها في الأرْضِ، وحَياةِ النَّباتِ والحَيَوانِ بِها. هَذا، وشَأْنُ الرُّوحِ فَوْقَ هَذا. فَلَها شَأْنٌ ولِلْأبْدانِ شَأْنٌ. وهَذِهِ النّارُ تَكُونُ في مَحَلِّها، وحَرارَتُها تُؤَثِّرُ في الجِسْمِ البَعِيدِ عَنْها. مَعَ أنَّ الِارْتِباطَ والتَّعَلُّقَ الَّذِي بَيْنَ الرُّوحِ والبَدَنِ أقْوى وأكْمَلُ مِن ذَلِكَ وأتَمُّ. فَشَأْنُ الرُّوحِ أعْلى مِن ذَلِكَ وألْطَفُ.
؎فَقُلْ لِلْعُيُونِ الرُّمْدِ إيّاكِ أنْ تَرَيْ سَنا الشَّمْسِ فاسْتَغْشِي ظَلامَ اللَّيالِيا
انْتَهى كَلامُ ابْنِ القَيِّمِ.
وقالَ العَلّامَةُ سَعْدِيٌّ في (حَواشِي البَيْضاوِيِّ): والمِعْراجُ بِرُوحِهِ في اليَقَظَةِ - وهو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ ابْنُ القَيِّمِ - خارِقٌ أيْضًا لِلْعادَةِ. انْتَهى.
وتَعَقَّبَ العَلّامَةُ القِنَوِيُّ لَهُ: بِأنَّهُ نَوْعُ مُراقَبَةٍ وانْسِلاخٍ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الصُّوفِيَّةُ ساقِطٌ؛ لِأنَّهُ فَوْقَهُ بِكَثِيرٍ. بَلْ غَيْرُهُ كَما تَبَيَّنَ قَبْلُ. وبِالجُمْلَةِ، فالَّذِي فَهِمَهُ الأكْثَرُونَ مِن قَوْلِ عائِشَةَ ومُعاوِيَةَ وحُذَيْفَةَ والحَسَنِ؛ أنَّ ذَلِكَ رُؤْيا مَنامٍ. وما ذَكَرَهُ ابْنُ القَيِّمِ مِن أنَّهُ إسْراءٌ بِالرُّوحِ؛ فَيَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ المَأْثُورُ عَنْهم.
ونَظِيرُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ ذَلِكَ كانَ أمْرًا إعْجازِيًّا. والحَقِيقَةُ أنَّهُ كَشْفٌ رُوحانِيٌّ. وقَدْ قَرَّرُوا في عَدَمِ اسْتِحالَةِ كَوْنِهِ يَقَظَةً بِالرُّوحِ والجِسْمِ؛ أنَّ خالِقَ العالَمِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ. وحُصُولُ الحَرَكَةِ البالِغَةِ في السُّرْعَةِ إلى هَذا الحَدِّ في جَسَدِهِ ﷺ مُمْكِنٌ. فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلَيْهِ. وغايَةُ ما في البابِ أنَّهُ خِلافُ العادَةِ. والمُعْجِزاتُ كُلُّها كَذَلِكَ. وفي (العَقائِدِ النَّسَفِيَّةِ وحَواشِيها): الخَرْقُ والِالتِئامُ عَلى السَّماواتِ جائِزٌ؛ لِأنَّ الأجْسامَ كُلَّها مُتَماثِلَةٌ في تَرَكُّبِها مِنَ الجَواهِرِ الفَرْدَةِ، فَيَصِحُّ عَلى كُلِّ ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ. فالأجْسامُ العُنْصُرِيَّةُ قابِلَةٌ لِلْخَرْقِ والِالتِئامِ. وكَذا الأجْسامُ الفَلَكِيَّةُ. واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى المُمْكِناتِ كُلِّها. فَيَكُونُ قادِرًا عَلى الخَرْقِ في السَّماواتِ؛ لِأنَّهُ مُمْكِنٌ فِيها. وفي الرّازِيِّ بَراهِينُ أُخَرَ. فانْظُرْها.
(p-٣٨٩٥)جاءَ في كِتابِ (إظْهارُ الحَقِّ): أنَّ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ مارى في المِعْراجِ، فَبُكِّتَ بِأنَّ صُعُودَ الجِسْمِ العُنْصُرِيِّ إلى الأفْلاكِ صَرَّحَتْ بِهِ التَّوْراةُ المَوْجُودَةُ لَدَيْهِمْ في (أخْنُوخَ) . وأنَّهُ نُقِلَ حَيًّا إلى السَّماءِ لِئَلّا يَرى المَوْتَ. كَما في الفَصْلِ الخامِسِ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ. وصَرَّحَتْ في صُعُودِ (إيلِيا) في الفَصْلِ الثّانِي مِن سِفْرِ المُلُوكِ. وفي إنْجِيلِ مُرْقُسَ في الفَصْلِ السّادِسَ عَشَرَ التَّصْرِيحُ بِرَفْعِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ. انْتَهى.
أقُولُ: أخْنُوخُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، المُنَوَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] وإيلِيا: نَبِيٌّ أُرْسِلَ إلى آحابَ أحَدِ مُلُوكِ اليَهُودِ الكَفَرَةِ، الَّذِينَ شَهَّرُوا عِبادَةَ بَعْلٍ وغَيْرِهِ مِنَ الأصْنامِ بِالسّامِرَةِ. وتُسَمّى الآنَ: سِبِسْطِيَّةَ: مِن قِسْمِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، زَعَمُوا أنَّهُ ظَهَرَتْ عَلى يَدِ إيلِيا خَوارِقُ باهِرَةٌ. وأنَّهُ قَتَلَ سَدَنَةَ بَعْلٍ وهَدَمَ مَذْبَحَهُ، إلى أنِ ارْتَفَعَ في مَرْكَبَةٍ نارِيَّةٍ وخَيْلٍ نارِيَّةٍ نَحْوَ السَّماءِ، جانِبِ نَهْرِ الأُرْدُنِّ في بِطاحِ أرِيحا، شاهَدَهُ خَلِيفَتُهُ اليَشاعُ النَّبِيُّ بَعْدَهُ. كَذا في تارِيخِ الكِتابِ المُقَدَّسِ. و(إيلِيا): هو إلْياسُ، و(اليَشاعُ): هو اليَسَعُ المَذْكُورانِ في القُرْآنِ المَجِيدِ.
وقَدْ نَوَّهَ بِالأوَّلِ في سُورَةِ الصّافّاتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: { ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] } .
السّادِسُ: قِيلَ: إنَّ المَسْجِدَ الأقْصى في زَمَنِ الإسْراءِ كانَ خَرابًا بِشَهادَةِ التّارِيخِ. وذَلِكَ لِأنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَناهُ عَلى مَكانِ الصَّخْرَةِ. ثُمَّ خَرِبَ وأُلْقِيَتْ عَلى الصَّخْرَةِ زُبالَةُ البَلَدِ عِنادًا لِلْيَهُودِ. وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى فَتَحَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ القُدْسَ. انْظُرْ (تارِيخُ أبِي الفِداءِ) وغَيْرَهُ. فَكَيْفَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ المَسْجِدِ ؟ وأُجِيبُ: بِأنَّ المَسْجِدَ في حالِ هَدْمِهِ يُسَمّى مَسْجِدًا، بِاعْتِبارِ ما كانَ عَلَيْهِ وما وُضِعَ لَهُ، كَما أُطْلِقَ المَسْجِدُ عَلى حَرَمِ مَكَّةَ، وهو لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مَسْجِدًا. وإنَّما كانَ بَيْتًا لِلْأصْنامِ.
(p-٣٨٩٦)لَكِنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ، لَمّا بَنَيا الكَعْبَةَ لِلْعِبادَةِ الصَّحِيحَةِ، كَما بَنى سُلَيْمانُ هَيْكَلَهُ هَذا لَها، سُمِّيَ مَسْجِدًا بِهَذا الِاعْتِبارِ. أوْ يُقالُ: إنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِما اسْمُ المَسْجِدِ لِلْإشارَةِ إلى ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُما. وهو كَوْنُهُما مَسْجِدَيْنِ لِلْمُسْلِمِينَ.
السّابِعُ: في التَّفاضُلِ بَيْنَ لَيْلَةِ القَدْرِ ولَيْلَةِ الإسْراءِ. سُئِلَ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ أحْمَدُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَجُلٍ قالَ: لَيْلَةُ الإسْراءِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، وقالَ آخَرُ: بَلْ لَيْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ، فَأيُّهُما المُصِيبُ ؟ .
فَأجابَ: أمّا القائِلُ بِأنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ. إنْ أرادَ بِهِ أنْ تَكُونَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ فِيها بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ ونَظائِرُها مِن كُلِّ عامٍ أفْضَلَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، بِحَيْثُ يَكُونُ قِيامُها والدُّعاءُ فِيها أفْضَلَ مِنهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ. فَهَذا باطِلٌ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهو مَعْلُومُ الفَسادِ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ. هَذا إذا كانَتْ لَيْلَةُ الإسْراءَ يُعْرَفُ عَيْنُها. فَكَيْفَ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ مَعْلُومٌ لا عَلى شَهْرِها ولا عُشْرِها ولا عَلى عَيْنِها ؟ بَلِ النُّقُولُ في ذَلِكَ مُنْقَطِعَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، لَيْسَ فِيها ما يُقْطَعُ بِهِ، ولا شُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ تَخْصِيصُ اللَّيْلَةِ، الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لَيْلَةُ الإسْراءِ، بِقِيامٍ ولا غَيْرِهِ. بِخِلافِ لَيْلَةِ القَدْرِ فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»» وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ: (p-٣٨٩٧)««تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ»» . وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ فَإنَّهُ نَزَلَ فِيها القُرْآنُ.
وإنْ أرادَ أنَّ اللَّيْلَةَ المُعَيَّنَةَ الَّتِي أُسْرِيَ فِيها بِالنَّبِيِّ ﷺ، وحَصَلَ لَهُ فِيها ما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ في غَيْرِها، مِن غَيْرِ أنْ يُشْرَعَ تَخْصِيصُها بِقِيامٍ ولا عِبادَةٍ، فَهَذا صَحِيحٌ. ولَيْسَ إذا أعْطى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ فَضِيلَةً في مَكانٍ أوْ زَمانٍ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الزَّمانُ والمَكانُ أفْضَلَ مِن جَمِيعِ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ. هَذا إذا قُدِّرَ أنَّهُ قامَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إنْعامَ اللَّهِ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ لَيْلَةَ الإسْراءِ كانَ أعْظَمَ مِن إنْعامِهِ عَلَيْهِ بِإنْزالِ القُرْآنِ لَيْلَةَ القَدْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ عَلَيْهِ. والكَلامُ في مِثْلِ هَذا يَحْتاجُ إلى عِلْمٍ بِحَقائِقِ الأمْرِ ومَقادِيرِ النِّعَمِ الَّتِي لا تُعْرَفُ إلّا بِوَحْيٍ. ولا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَتَكَلَّمَ فِيها بِلا عِلْمٍ.
ولا يُعْرَفُ عَنْ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُ نَقَلَ لِلَيْلَةِ الإسْراءِ فَضِيلَةً عَلى غَيْرِها. لا سِيَّما عَلى لَيْلَةِ القَدْرِ. ولا كانَ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ يَقْصِدُونَ تَخْصِيصَ لَيْلَةِ الإسْراءِ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ولا يَذْكُرُونَها. ولِهَذا لا يَعْرِفُ أيَّ لَيْلَةٍ كانَتْ. وإنْ كانَ الإسْراءُ مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ ﷺ، ومَعَ هَذا لَمْ يُشْرَعْ تَخْصِيصُ ذَلِكَ الزَّمانِ ولا ذَلِكَ المَكانِ بِعِبادَةٍ شَرْعِيَّةٍ. بَلْ غارُ حِراءٍ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِنُزُولِ الوَحْيِ، وكانَ يَتَحَرّاهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، لَمْ يَقْصِدْهُ هو ولا أحَدٌ مِن أصْحابِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مُدَّةَ مُقامِهِ بِمَكَّةَ. ولا خُصَّ اليَوْمُ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الوَحْيُ بِعِبادَةٍ ولا غَيْرِها. ولا خُصَّ المَكانُ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ الوَحْيُ ولا الزَّمانُ بِشَيْءٍ. ومَن خَصَّ الأمْكِنَةَ والأزْمِنَةَ مِن عِنْدِهِ بِعِباداتٍ لِأجْلِ هَذا وأمْثالِهِ، كانَ مِن جِنْسِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ جَعَلُوا زَمانَ أحْوالِ المَسِيحِ مَراسِمَ وعِباداتٍ. كَيَوْمِ المِيلادِ، ويَوْمِ التَّعْمِيدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِهِ. وقَدْ رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ جَماعَةً يَتَبادَرُونَ مَكانًا يُصَلُّونَ فِيهِ. فَقالَ: ما هَذا ؟ قالُوا: مَكانٌ صَلّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ تَتَّخِذُوا آثارَ أنْبِيائِكم مَساجِدَ ؟ إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِهَذا، فَمَن أدْرَكَتْهُ فِيهِ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وإلّا فَلْيَمْضِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ. ولَيْلَةُ القَدْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَّةِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ الإسْراءِ. فَهَذِهِ (p-٣٨٩٨)اللَّيْلَةُ في حَقِّ الأُمَّةِ أفْضَلُ لَهم. ولَيْلَةُ الإسْراءِ في حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أفْضَلُ لَهُ. انْتَهى. نَقَلَهُ الشَّمْسُ ابْنُ القَيِّمِ (في زادُ المَعادِ) .
الثّامِنُ: قالَ الشَّمْسُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادُ المَعادِ): اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ: هَلْ رَأى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أمْ لا ؟ فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَأى رَبَّهُ. وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ. وصَحَّ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ إنْكارُ ذَلِكَ وقالا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] إنَّما هو جِبْرِيلُ. وصَحَّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سَألَهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ قالَ: «نُورٌ، أنّى أراهُ ؟ !»» . أيْ: حالَ بَيْنِي وبَيْنَ رُؤْيَةِ النُّورِ. كَما قالَ في لَفْظٍ آخَرَ: ««رَأيْتُ نُورًا»» . وقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ اتِّفاقَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَهُ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: ولَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَآهُ مُناقِضًا لِهَذا. ولا قَوْلُهُ رَآهُ بِفُؤادِهِ. وقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««رَأيْتُ رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى»» . ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذا في الإسْراءِ، ولَكِنْ كانَ في المَدِينَةِ لَمّا احْتَبَسَ عَنْهم في صَلاةِ الصُّبْحِ. ثُمَّ أخْبَرَهم عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى تِلْكَ اللَّيْلَةَ في مَنامِهِ. وعَلى هَذا بَنى الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وقالَ: نَعَمْ، رَآهُ حَقًّا. فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ولا بُدَّ. ولَكِنْ لَمْ يَقُلْ أحْمَدُ: إنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ. ومَن حَكى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ وهِمَ عَلَيْهِ. ولَكِنْ قالَ مَرَّةً: رَآهُ، ومَرَّةً قالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ. فَحُكِيَتْ عَنْهُ رِوايَتانِ وحُكِيَتْ عَنْهُ الثّالِثَةُ. مِن تَصَرُّفِ بَعْضِ أصْحابِهِ أنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ. وهَذِهِ نُصُوصُ أحْمَدَ مَوْجُودَةٌ لَيْسَ فِيها ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ. فَإنْ كانَ اسْتِنادُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَنَدُهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّ هَذا المَرْئِيَّ جِبْرِيلُ. رَآهُ مَرَّتَيْنِ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها. وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا. هو مُسْتَنَدُ الإمامِ أحْمَدَ في قَوْلِهِ: رَآهُ بِفُؤادِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٣٨٩٩)التّاسِعُ: قالَ الحافِظُ أبُو الخَطّابِ عُمَرُ بْنُ دِحْيَةَ في كِتابِهِ " التَّنْوِيرُ في مَوْلِدِ السِّراجِ المُنِيرِ " بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثَ الإسْراءِ مِن طَرِيقِ أنَسٍ: وقَدْ تَواتَرَتِ الرِّواياتُ في حَدِيثِ الإسْراءِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي ذَرٍّ ومالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي سَعِيدٍ وابْنِ عَبّاسٍ وشَدّادِ بْنِ أوْسٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ وأبِي حَبَّةَ وأبِي لَيْلى الأنْصارِيَّيْنِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وجابِرٍ وحُذَيْفَةَ وبُرَيْدَةَ وأبِي أيُّوبَ وأبِي أُمامَةَ وسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ وأبِي الحَمْراءِ وصُهَيْبٍ الرُّومِيِّ وأُمِّ هانِئٍ وعائِشَةَ وأسْماءَ ابْنَتِي أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، مِنهم مَن ساقَهُ بِطُولِهِ ومِنهم مَنِ اخْتَصَرَهُ، عَلى ما وقَعَ في المَسانِيدِ. وإنْ لَمْ تَكُنْ رِوايَةُ بَعْضِهِمْ عَلى شَرْطِ الصِّحَّةِ؛، فَحَدِيثُ الإسْراءِ أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ. وأعْرَضَ عَنْهُ الزَّنادِقَةُ والمُلْحِدُونَ. انْتَهى.
وقَدْ نَقَلَ الرّازِيُّ عَنْ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ رَدَّهُ لِجُمَلٍ فِيهِ - ساقَها - صَعُبَ عَلَيْهِمْ دَرْكُها. ولا إشْكالَ فِيها في الحَقِيقَةِ بِحَمْدِهِ تَعالى. ولَكِنْ هم وأمْثالُهم مِمَّنْ ضَعُفَتْ عِنايَتُهم بِفَنِّ الحَدِيثِ وغَلَبَ عَلَيْهِمْ فَنُّ المَعْقُولِ. ولَقَدْ فاتَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ. ولَيْسَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ ما يُناقِضُ المَفْعُولَ أوِ الواقِعَ، بِوَجْهٍ ما، يَعْلَمُ ذَلِكَ الرّاسِخُونَ. وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
وقَدْ بَقِيَ مِمَّنْ رَواهُ مِنَ الصَّحابَةِ. غَيْرُ مَن تَقَدَّمَ؛ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوالَةَ الأزْدِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ وأبُو الدَّرْداءِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. وأمّا مَن رَواهُ مِنَ التّابِعِينَ مُرْسَلًا فَكَثِيرٌ، مِنهُمُ: الحَسَنُ بْنُ الحُسَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ وكَعْبٌ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ وعُرْوَةُ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ والوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى وآخَرُونَ. كَما يُعْلَمُ مِن مُراجَعَةِ (الدُّرِّ المَنثُورِ) لِلْحافِظِ السُّيُوطِيِّ.
وأمّا طُرُقُهُ في الصَّحِيحَيْنِ. فَقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحُ): إنَّها تَدُورُ عَلى أنَسِ بْنِ مالِكٍ مَعَ اخْتِلافِ أصْحابِهِ عَنْهُ. فَرَواهُ قَتادَةُ عَنْهُ عَنْ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. ولَيْسَ في أحادِيثِ المِعْراجِ أصَحُّ مِنهُ. ورَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ عَنْ أبِي ذَرٍّ. ورَواهُ شَرِيكُ بْنُ أبِي نَمِرٍ وثابِتٌ البُنانِيُّ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِلا واسِطَةٍ. وفي سِياقِ كُلٍّ مِنهم عَنْهُ ما لَيْسَ عِنْدَ الآخَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٩٠٠)
الإسراء 17:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢-٣] ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] .
﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أسْرى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَطَفَ بِذِكْرِ مُوسى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ وكَلِيمِهِ. فَإنَّهُ تَعالى كَثِيرًا ما يَقْرِنُ بَيْنَ ذِكْرِ مُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وبَيْنَ ذِكْرِ التَّوْراةِ والقُرْآنِ. وقالَ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأوْلى إكْرامَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ أسْرى بِهِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أكْرَمَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَهُ بِالكِتابِ الَّذِي آتاهُ. وقالَ الشِّهابُ في (العِنايَةُ): عُقِّبَتْ آيَةُ الإسْراءِ بِهَذِهِ؛ اسْتِطْرادًا، بِجامِعِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُعْطِيَ التَّوْراةَ بِمَسِيرِهِ إلى الطُّورِ وهو بِمَنزِلَةِ مِعْراجِهِ؛ لِأنَّهُ صَحَّ ثَمَّةَ التَّكْلِيمُ، وشَرُفَ بِاسْمِ الكَلِيمِ مُدْمَجًا فِيهِ تَفاوُتُ ما بَيْنَ الكِتابَيْنِ ومَن أُنْزِلا عَلَيْهِ. وإنْ شِئْتَ فَوازِنْ بَيْنَ: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] و: ﴿وآتَيْنا مُوسى﴾ وبَيْنَ: ﴿هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ و: ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] و(الواوُ) اسْتِئْنافِيَّةٌ أوْ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ (سُبْحانَ الَّذِي أسْرى) إلخ لا عَلى (أسْرى) لِبُعْدِهِ، وتَكَلُّفِهِ. وضَمِيرُ (وجَعَلْناهُ) لِلْكِتابِ أوْ لِمُوسى و(لِبَنِي إسْرائِيلَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (هُدًى) أوْ بِـ (جَعَلْناهُ)، وهي تَعْلِيلِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ أيْ: ولِيًّا ومَعْبُودًا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم؛ لِأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ أرْسَلَهُ، أنْ يَعْبُدَهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وقَدْ قُرِئَ: { ألّا يَتَّخِذُوا } (p-٣٩٠١)بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ. والتَّقْدِيرُ: جَعَلْناهُ هُدًى لِئَلّا يَتَّخِذُوا. وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ (أنْ) بِمَعْنى أيْ. وهي مُفَسِّرَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ.
الثّانِي: أنَّ (أنْ) زائِدَةٌ، أيْ: قُلْنا: لا تَتَّخِذُوا.
الثّالِثُ: أنَّ (لا) زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: مَخافَةَ أنْ تَتَّخِذُوا. والوَكِيلُ والمَوْكُولُ إلَيْهِ. أيِ: المُفَوَّضُ إلَيْهِ الأُمُورُ. وهو الرَّبُّ. فَـ (فَعِيلٌ) بِمَعْنى مَفْعُولٍ. و(دُونَ) بِمَعْنى غَيْرَ. و(مِن) زائِدَةٌ. أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ أوِ النِّداءِ. وفِيهِ تَهْيِيجٌ وتَنْبِيهٌ عَلى المِنَّةِ. والإنْعامِ عَلَيْهِمْ في إنْجاءِ آبائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ بِحَمْلِهِمْ مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ. وإيماءٌ إلى عِلَّةِ النَّهْيِ. كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُشْرِكُوا بِهِ، فَإنَّهُ المُنْعِمُ عَلَيْكم والمُنْجِي لَكم مِنَ الشَّدائِدِ. وأنَّهم ضُعَفاءُ مُحْتاجُونَ إلى لُطْفِهِ. وفي التَّعْبِيرِ بِـ (الذُّرِّيَّةِ) الغالِبِ إطْلاقُها عَلى الأطْفالِ والنِّساءِ، مُناسَبَةٌ تامَّةٌ لِما ذُكِرَ. وذَكَرَ حَمْلَهم في السَّفِينَةِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم حِينَئِذٍ وكِيلٌ يَتَّكِلُونَ عَلَيْهِ سِواهُ. وقَوْلُهُ: ﴿عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] أيْ: لِمَعْرِفَتِهِ بِنِعَمِ اللَّهِ واسْتِعْمالِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي. وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّ إنْجاءَهُ ومِن مَعَهُ كانَ بِبَرَكَةِ شُكْرِهِ، وحَثٌّ لِلذَّرِّيَّةِ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِطْرادٌ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٩٠٢)
الإسراء 17:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢-٣] ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] .
﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أسْرى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَطَفَ بِذِكْرِ مُوسى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ وكَلِيمِهِ. فَإنَّهُ تَعالى كَثِيرًا ما يَقْرِنُ بَيْنَ ذِكْرِ مُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وبَيْنَ ذِكْرِ التَّوْراةِ والقُرْآنِ. وقالَ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأوْلى إكْرامَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ أسْرى بِهِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أكْرَمَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَهُ بِالكِتابِ الَّذِي آتاهُ. وقالَ الشِّهابُ في (العِنايَةُ): عُقِّبَتْ آيَةُ الإسْراءِ بِهَذِهِ؛ اسْتِطْرادًا، بِجامِعِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُعْطِيَ التَّوْراةَ بِمَسِيرِهِ إلى الطُّورِ وهو بِمَنزِلَةِ مِعْراجِهِ؛ لِأنَّهُ صَحَّ ثَمَّةَ التَّكْلِيمُ، وشَرُفَ بِاسْمِ الكَلِيمِ مُدْمَجًا فِيهِ تَفاوُتُ ما بَيْنَ الكِتابَيْنِ ومَن أُنْزِلا عَلَيْهِ. وإنْ شِئْتَ فَوازِنْ بَيْنَ: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] و: ﴿وآتَيْنا مُوسى﴾ وبَيْنَ: ﴿هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ و: ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] و(الواوُ) اسْتِئْنافِيَّةٌ أوْ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ (سُبْحانَ الَّذِي أسْرى) إلخ لا عَلى (أسْرى) لِبُعْدِهِ، وتَكَلُّفِهِ. وضَمِيرُ (وجَعَلْناهُ) لِلْكِتابِ أوْ لِمُوسى و(لِبَنِي إسْرائِيلَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (هُدًى) أوْ بِـ (جَعَلْناهُ)، وهي تَعْلِيلِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ أيْ: ولِيًّا ومَعْبُودًا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم؛ لِأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ أرْسَلَهُ، أنْ يَعْبُدَهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وقَدْ قُرِئَ: { ألّا يَتَّخِذُوا } (p-٣٩٠١)بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ. والتَّقْدِيرُ: جَعَلْناهُ هُدًى لِئَلّا يَتَّخِذُوا. وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ (أنْ) بِمَعْنى أيْ. وهي مُفَسِّرَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ.
الثّانِي: أنَّ (أنْ) زائِدَةٌ، أيْ: قُلْنا: لا تَتَّخِذُوا.
الثّالِثُ: أنَّ (لا) زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: مَخافَةَ أنْ تَتَّخِذُوا. والوَكِيلُ والمَوْكُولُ إلَيْهِ. أيِ: المُفَوَّضُ إلَيْهِ الأُمُورُ. وهو الرَّبُّ. فَـ (فَعِيلٌ) بِمَعْنى مَفْعُولٍ. و(دُونَ) بِمَعْنى غَيْرَ. و(مِن) زائِدَةٌ. أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ أوِ النِّداءِ. وفِيهِ تَهْيِيجٌ وتَنْبِيهٌ عَلى المِنَّةِ. والإنْعامِ عَلَيْهِمْ في إنْجاءِ آبائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ بِحَمْلِهِمْ مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ. وإيماءٌ إلى عِلَّةِ النَّهْيِ. كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُشْرِكُوا بِهِ، فَإنَّهُ المُنْعِمُ عَلَيْكم والمُنْجِي لَكم مِنَ الشَّدائِدِ. وأنَّهم ضُعَفاءُ مُحْتاجُونَ إلى لُطْفِهِ. وفي التَّعْبِيرِ بِـ (الذُّرِّيَّةِ) الغالِبِ إطْلاقُها عَلى الأطْفالِ والنِّساءِ، مُناسَبَةٌ تامَّةٌ لِما ذُكِرَ. وذَكَرَ حَمْلَهم في السَّفِينَةِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم حِينَئِذٍ وكِيلٌ يَتَّكِلُونَ عَلَيْهِ سِواهُ. وقَوْلُهُ: ﴿عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] أيْ: لِمَعْرِفَتِهِ بِنِعَمِ اللَّهِ واسْتِعْمالِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي. وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّ إنْجاءَهُ ومِن مَعَهُ كانَ بِبَرَكَةِ شُكْرِهِ، وحَثٌّ لِلذَّرِّيَّةِ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِطْرادٌ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٩٠٢)
الإسراء 17:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤-٥] ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ [الإسراء: ٥] .
﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ أيْ: كِتابِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أيْ: حَكَمْنا فِيهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ يَعْنِي أرْضَ فِلَسْطِينَ بَيْتِ المَقْدِسِ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ حَوْلَها. والإفْسادُ بِالكُفْرِ والمَعاصِي.
قالَ السَّمِينُ: في تَعْدِيَةِ (قَضَيْنا) بِـ (إلى) تَضْمِينُهُ مَعْنى أنْفَذْنا. أيْ: أنْفَذْنا إلَيْهِمْ بِالقَضاءِ المَحْتُومِ. ومُتَعَلِّقُ القَضاءِ مَحْذُوفٌ. أيْ: بِفَسادِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ مُؤَكِّدٍ لِمَعْنى القَضاءِ، أوْ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا﴾ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى القَسَمِ. ومِنهُ قَوْلُهم: (قَضاءِ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا) فَيُجْرُونَ القَضاءَ والقَدَرَ مَجْرى القَسَمِ، فَيُتَلَقَّيانِ بِما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ. و(مَرَّتَيْنِ) أيْ: إفْسادَتَيْنِ. مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ (لِتُفْسِدُنَّ) مِن غَيْرِ لَفْظِهِ. وعَدَلَ عَنْهُ؛ لِأنَّ تَثْنِيَةَ المَصْدَرِ وجَمْعَهُ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ ﴿ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ: ولَتَسْتَكْبِرُنَّ وتَتَعَظَّمُنَّ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ لَتَظْلِمُنَّ النّاسَ
﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: مَوْعُودُ أُولى المَرَّتَيْنِ، أيْ: وما وُعِدُوا بِهِ في المَرَّةِ الأُولى، يَعْنِي وعْدَ المُؤاخَذَةِ عَلى أُولى المَفْسَدَتَيْنِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: ذَوِي قُوَّةٍ وبَطْشٍ في الحَرْبِ، شَدِيدٍ: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ [الإسراء: ٥] تَرَدَّدُوا خِلالَ أماكِنِكم ومَحالِّكم لِلْقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ: ﴿وكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: مَقْضِيًّا لا صارِفَ لَهُ.
(p-٣٩٠٣)
الإسراء 17:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤-٥] ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ [الإسراء: ٥] .
﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ أيْ: كِتابِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أيْ: حَكَمْنا فِيهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ يَعْنِي أرْضَ فِلَسْطِينَ بَيْتِ المَقْدِسِ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ حَوْلَها. والإفْسادُ بِالكُفْرِ والمَعاصِي.
قالَ السَّمِينُ: في تَعْدِيَةِ (قَضَيْنا) بِـ (إلى) تَضْمِينُهُ مَعْنى أنْفَذْنا. أيْ: أنْفَذْنا إلَيْهِمْ بِالقَضاءِ المَحْتُومِ. ومُتَعَلِّقُ القَضاءِ مَحْذُوفٌ. أيْ: بِفَسادِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ مُؤَكِّدٍ لِمَعْنى القَضاءِ، أوْ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا﴾ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى القَسَمِ. ومِنهُ قَوْلُهم: (قَضاءِ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا) فَيُجْرُونَ القَضاءَ والقَدَرَ مَجْرى القَسَمِ، فَيُتَلَقَّيانِ بِما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ. و(مَرَّتَيْنِ) أيْ: إفْسادَتَيْنِ. مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ (لِتُفْسِدُنَّ) مِن غَيْرِ لَفْظِهِ. وعَدَلَ عَنْهُ؛ لِأنَّ تَثْنِيَةَ المَصْدَرِ وجَمْعَهُ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ ﴿ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ: ولَتَسْتَكْبِرُنَّ وتَتَعَظَّمُنَّ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ لَتَظْلِمُنَّ النّاسَ
﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: مَوْعُودُ أُولى المَرَّتَيْنِ، أيْ: وما وُعِدُوا بِهِ في المَرَّةِ الأُولى، يَعْنِي وعْدَ المُؤاخَذَةِ عَلى أُولى المَفْسَدَتَيْنِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: ذَوِي قُوَّةٍ وبَطْشٍ في الحَرْبِ، شَدِيدٍ: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ [الإسراء: ٥] تَرَدَّدُوا خِلالَ أماكِنِكم ومَحالِّكم لِلْقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ: ﴿وكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: مَقْضِيًّا لا صارِفَ لَهُ.
(p-٣٩٠٣)
الإسراء 17:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦-٨] ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] .
﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المُؤاخَذَةِ الشَّدِيدَةِ، رَدَدْنا، عِنْدَ تَوْبَتِكم، لَكُمُ الغَلَبَةَ الَّتِي كانَتْ لَكم في الأصْلِ، عَلَيْهِمْ: ﴿وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ أيْ: قَوْمًا ورَهْطًا. جَمْعُ (نَفَرٍ) أوِ اسْمُ جَمْعٍ لَهُ. وأصْلُهُ مِن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن قَوْمِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] بِمَثابَةِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّكم إنْ أحْسَنْتُمْ تَوْبَتَكم وأعْمالَكم، أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم، بِإبْقاءِ الغَلَبَةِ لَها والإمْدادِ بِالأمْوالِ والبَنِينَ وتَكْثِيرِ النَّفِيرِ: ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] أيْ: فَإساءَتُكم ضارَّةٌ لَها بِغَلَبَةِ الأعْداءِ وسَلْبِ الأمْوالِ والبَنِينَ والنَّفِيرِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧] أيْ: مُؤاخَذَةُ المَرَّةِ الآخِرَةِ وعُقُوبَتُها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] مُتَعَلِّقٌ بِجَوابِ (إذا) المَحْذُوفِ. أيْ: بَعَثْناهم لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم، أيْ: ذَواتَكم بِالإذْلالِ والقَهْرِ.
قالَ الشِّهابُ: عُدِّيَتِ المَساءَةُ إلى الوُجُوهِ، وإنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ آثارَ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ إنَّما تَظْهَرُ في الوَجْهِ، كَنَضارَةِ الوَجْهِ وإشْراقِهِ بِالفَرَحِ، وكُلُوحِهِ وسَوادِهِ بِالخَوْفِ والحُزْنِ. (p-٣٩٠٤)فالوَجْهُ، بِمَعْنى الذّاتِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. وقِيلَ: الوُجُوهُ بِمَعْنى الرُّؤَساءِ. وهو تَكَلُّفٌ. واخْتِيرَ هَذا عَلى (لِيَسُوؤُكم) مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ جَمَعَ عَلَيْهِمْ ألَمَ النَّفْسِ والبَدَنِ، المَدْلُولَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾ [الإسراء: ٧] انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ [الإسراء: ٧] أيِ: الأقْصى: ﴿كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا﴾ [الإسراء: ٧] أيْ: يُدَمِّرُوا: ﴿ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] أيْ: عَظِيمًا فَظِيعًا، والتَّتْبِيرُ: التَّدْمِيرُ. وكُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ فِعْلَهُ تَعالى لِيُخْلِصُوا تَوْبَتَهم وأعْمالَهم بِقَوْلِهِ:
﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: إذا أخْلَصْتُمُ الإنابَةَ، وأحْسَنْتُمُ الأعْمالَ، وأقَمْتُمُ الكِتابَ وما نَزَلَ إلَيْكم؛ لِأنَّكم عَلِمْتُمْ مِن سُنَّتِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُنْزِلُ بَلاءً إلّا بِذَنْبٍ ولا يَرْفَعُهُ إلّا بِتَوْبَةٍ، ولِذا قالَ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: بَعْدَ هَذِهِ التَّوْبَةِ والإنابَةِ إلى الِاسْتِكْبارِ: ﴿عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: إلى تَسْلِيطِ الأعْداءِ وسَلْبِ الأمْوالِ والأوْلادِ في الدُّنْيا.
﴿وجَعَلْنا﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: مَحْبَسًا وسِجْنًا يَحْصُرُهم في العَذابِ والحِرْمانِ عَنِ الثَّوابِ.
قالَ الشِّهابُ: إنْ كانَ - (حَصِيرًا) - اسْمًا لِلْمَكانِ فَهو جامِدٌ لا يَلْزَمُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وإنْ كانَ بِمَعْنى حاصِرًا أيْ: مُحِيطًا بِهِمْ، وفَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ؛ يَلْزَمُ مُطابَقَتُهُ، فَإمّا لِأنَّهُ عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ. أوْ لَحْمُهُ عَلى (فَعِيلٍ) بِمَعْنى (مَفْعُولٍ) . أوْ لِأنَّ تَأْنِيثَ جَهَنَّمَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، أوْ لِتَأْوِيلِها بِمُذَكَّرٍ. انْتَهى.
وقِيلَ: حَصِيرًا، أيْ: بِساطًا كَما يُبْسَطُ الحَصِيرُ. مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ [الأعراف: ٤١] فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. والحَصِيرُ بِهَذا المَعْنى بِمَعْنى مَحْصُورٍ لِحَصْرِ بَعْضِ طاقاتِهِ عَلى بَعْضٍ. كَما قالَهُ الرّاغِبُ.
(p-٣٩٠٥)تَنْبِيهٌ:
رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الأمْرُ مُسْتَتِبًّا لَهم في فِلَسْطِينَ إلى مَوْتِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا مَلَكَ ابْنُهُ بَعْدَهُ، وذَلِكَ قَبْلَ المَسِيحِ بِما يُنِيفُ عَلى تِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وقَعَ مِنَ الاخْتِلالِ في عَهْدِهِ ما أفْضى إلى تَقْرِيرِهِ عِبادَةَ الأوْثانِ. فَعُوجِلَ بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ مِن مُلْكِهِ بِأخْذِ مُلْكِ مِصْرِ بَيْتِ المَقْدِسِ وسَلْبِ كُنُوزِ هَيْكَلِها (المَسْجِدِ الأقْصى) ونَهْبِ ما فِيها. ولَمّا ساءَ تَصَرُّفُهُ تَمَرَّدَ عَلَيْهِ شَعْبُهُ وخَلَعُوا طاعَتَهُ. فانْقَسَمَتْ مَمْلَكَتُهُ إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: دُعِيَ مَمْلَكَةَ يَهُوذا، وهي المُؤَلَّفَةُ مِن سِبْطَيْ يَهُوذا وبِنْيامِينَ، بَقِيا خاضِعَيْنِ لِابْنِ سُلَيْمانَ.
وثانِيهُما: دُعِيَ مَمْلَكَةَ إسْرائِيلَ، وهي المُؤَلَّفَةُ مِن بَقِيَّةِ الأسْباطِ العَشَرَةِ. وكانَ أوَّلُ مَلِكٍ عَلى مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: يَرْبَعامُ، خافَ مِن رُجُوعِ رَعاياهُ إلى طاعَةِ ابْنِ سُلَيْمانَ إذا صَعِدُوا إلى أُورْشَلِيمَ في الأعْيادِ الِاحْتِفالِيَّةِ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ في الهَيْكَلِ ويُقَرِّبُوا ذَبائِحَهم هُناكَ. فَأقامَ في مَمْلَكَتِهِ عِجْلَيْنِ مِن ذَهَبٍ. وأمَرَ رَعِيَّتَهُ بِعِبادَتِهِما. ورَتَّبَ لَهم أعْيادًا احْتِفالِيَّةً وكَهَنَةً. وقامَتْ حُرُوبٌ هائِلَةٌ بَيْنَ مُلُوكِ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ. وكانَ يَتَخَلَّلُهُما مِنَ المُلُوكِ مَن يَنْزِعُ عِبادَةَ الأوْثانِ. إلّا أنَّهُ لا يَلْبَثُ الحالُ حِينَ يَأْتِي مَلِكٌ آخَرُ فَيُعِيدُ الوَثَنِيَّةَ. واسْتَمَرَّتْ مَمْلَكَةُ إسْرائِيلَ نَحْوًا مِن مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً. وفي نِهايَةِ أمْرِهِمْ عَظُمَتْ خَطِيئاتُهم فَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ مَلِكُ أشُورَ، فَفَتَحَ السّامِرَةَ - بَلَدَهم - وسَباهم إلى أشُورَ وانْقَرَضَتْ مَمْلَكَةُ العَشَرَةِ الأسْباطِ، ولَمْ يُسْمَعْ ذِكْرُهم بَعْدُ. ثُمَّ أرْسَلَ مَلِكُ أشُورَ قَوْمًا مِن بَلَدِهِ وأسْكَنَهم مُدُنَ السّامِرَةِ لِيُعَمِّرُوها مَعَ مَن بَقِيَ مِن أهْلِها. وأرْسَلَ مَعَهم كاهِنًا مِنَ اليَهُودِ لِيُقِيمَ لِمَن بَقِيَ طُقُوسَهم. فَعادُوا إلى شِرْكِهِمْ وعِبادَةِ الأوْثانِ مَعَ اللَّهِ تَعالى. وأمّا مَمْلَكَةُ يَهُوذا فَبَقِيَتْ بَعْدَ انْقِراضِ مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ ما يُنِيفُ عَلى عِشْرِينَ سَنَةً، وفي أواخِرِ أيّامِها قامَ فِيها مَلِكٌ شِرِّيرٌ. فَزَحَفَ إلَيْهِ مَلِكُ بابِلَ نِبُوخَذْ ناصِرْ (بَخْتُنَصَّرُ) فَسَبى قِسْمًا مِن شَعْبِهِ، وكانَ السَّبْيَ الأوَّلَ.
ثُمَّ قامَ، بَعْدَ ذَلِكَ المَلِكُ الشِّرِّيرُ، ابْنُهُ، فَسارَ عَلى طَرِيقَةِ أبِيهِ. فَعادَ إلَيْهِ مَلِكُ بابِلِ المَذْكُورُ (p-٣٩٠٦)واسْتَأْسَرَهُ هو وآلَهُ ورُؤَساءَهُ وقِسْمًا مِنَ الشَّعْبِ، وسَلَبَ الهَيْكَلَ. وكانَ هَذا السَّبْيَ الثّانِيَ بَعْدَ ثَمانِي سِنِينَ مِنَ الأوَّلِ.
ثُمَّ قامَ فِيهِمْ مَلِكٌ أشَرُّ مِمَّنْ تَقَدَّمَ - وهو آخِرُ مُلُوكِهِمْ - وفي أيّامِهِ حاصَرَ مَلِكُ بابِلَ المَذْكُورُ أيْضًا بَيْتَ المَقْدِسِ، وأسَرَهُ إلى بابِلَ، وأحْرَقَ المَدِينَةَ والهَيْكَلَ، وسَبى كُلَّ شَعْبِ يَهُوذا، ما عَدا مَساكِينَ الأرْضِ، إلى بابِلَ. وهَذا هو السَّبْيُ الثّالِثُ والأخِيرُ.
وهَكَذا انْقَرَضَتْ هَذِهِ المَمْلَكَةُ وكانَتْ إقامَتُهم في بابِلَ سَبْعِينَ سَنَةً. ثُمَّ أُطْلِقُوا مِنَ الأسْرِ فَعادُوا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وجَدَّدُوا عِمارَتَها وقِيامَ الهَيْكَلِ. وبَقِيَتِ اليَهُودُ تَحْتَ تَسَلُّطِ مُلُوكِ الفُرْسِ إلى أنْ ظَهَرَ الإسْكَنْدَرُ الكَبِيرُ، وغَلَبَتِ اليُونانُ الفُرْسَ وجاءَ الإسْكَنْدَرُ إلى سُورِيَّةَ فَدَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ تَحْتَ حُكْمِ اليُونانِ. وبَعْدَ وفاةِ الإسْكَنْدَرِ انْقَسَمَ مُلْكُهُ إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ:
مِنها مَمْلَكَةُ سُورِيَّةَ ومِصْرَ. وكانَتْ بَيْنَهُما حُرُوبٌ مُتَّصِلَةٌ. والإسْرائِيلِيُّونَ، لَمّا كانُوا بَيْنَهم، كانُوا تارَةً تَحْتَ تَمَلُّكِ مِصْرَ وأُخْرى تَحْتَ تَسَلُّطِ سُورِيَّةَ. واتُّفِقَ في خِلالِ ذَلِكَ أنْ رَفَضَ كَثِيرٌ مِنَ اليَهُودِ الدِّيانَةَ اليَهُودِيَّةَ، وتَمَسَّكُوا بِدِيانَةِ اليُونانِيِّينَ.
ثُمَّ اسْتَوْلى الرُّومانِيُّونَ عَلى فِلَسْطِينَ، وجَرَتْ حُرُوبٌ هائِلَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ، أفْضى الأمْرُ إلى تَسَلُّطِ الرُّومانِيِّينَ عَلَيْهِمْ. وتَمَلَّكُوا بَيْتَ المَقْدِسِ. وهَدَمَ تِيطَسُ، أحَدُ مُلُوكِهِمُ، الهَيْكَلَ إلى أساسِهِ. وأحْرَقَ كُتُبَ اليَهُودِ وتَشَتَّتَ أمْرُهم، ولَمْ يَبْقَ لَهم مُلْكٌ ولا رِئاسَةٌ بَعْدَهُ، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ بِنَحْوِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وزَعَمُوا أنَّ الهَيْكَلَ تَراجَعَ لِلْعِمارَةِ ورُمِّمَ، إلى أنْ سارَتْ هِيلانَةُ أُمُّ قُسْطَنْطِينَ إلى القُدْسِ وبَنَتْ كَنِيسَةً عَلى القَبْرِ، الَّذِي يَزْعُمُ النَّصارى أنَّهُ قَبْرُ المَسِيحِ. وخَرَّبَتِ الهَيْكَلَ، وأمَرَتْ أنْ تُلْقى فِيهِ قُماماتُ البَلَدِ وزُبالَتُهُ. فَصارَ مَوْضِعُ الصَّخْرَةِ مَزْبَلَةً. وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وفَتَحَ القُدْسَ. فَأمَرَ بِتَنْظِيفِهِ وبَنى في قِبْلَتِهِ مَسْجِدًا، إلى أنْ مَلَكَ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، فَجَدَّدَ بِناءَهُ عَلى أساسِهِ القَدِيمِ وبَنى قُبَّةَ الصَّخْرَةِ.
(p-٣٩٠٧)وتَفْصِيلُ هَذِهِ الماجِرِيّاتِ مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ التّارِيخِ. ونَحْنُ لَمْ نُورِدْ ما أوْرَدْناهُ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ. لِأنَّها بِإيجازِها غَنِيَّةٌ عَنْهُ. وفي تَفْسِيرِنا لِألْفاظِها كِفايَةٌ في فَهْمِها، إلّا أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ تَطَرَّقُوا لِبَعْضِ ماجِرِيّاتِ اليَهُودِ هُنا، فَنَقَّحْنا مِنها أحْسَنَ ما حَرَّرَهُ المُؤَرِّخُونَ المُتَأخِّرُونَ؛ إيضاحًا لِأفاعِيلِهِمُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآياتُ الكَرِيمَةُ.
وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ يُوسُفَ؛ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ شَيْءٌ مِنَ التّارِيخِ مِن حَيْثُ هو قَصَصٌ وأخْبارٌ. وإنَّما هي الآياتُ في العِبَرِ تَجَلَّتْ في سِياقِ الوَقائِعِ. ولِذَلِكَ لَمْ تُذْكَرْ قِصَّةٌ بِتَفاصِيلِها. وإنَّما يُذْكَرُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ فِيها. كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١]
الإسراء 17:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦-٨] ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] .
﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المُؤاخَذَةِ الشَّدِيدَةِ، رَدَدْنا، عِنْدَ تَوْبَتِكم، لَكُمُ الغَلَبَةَ الَّتِي كانَتْ لَكم في الأصْلِ، عَلَيْهِمْ: ﴿وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ أيْ: قَوْمًا ورَهْطًا. جَمْعُ (نَفَرٍ) أوِ اسْمُ جَمْعٍ لَهُ. وأصْلُهُ مِن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن قَوْمِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] بِمَثابَةِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّكم إنْ أحْسَنْتُمْ تَوْبَتَكم وأعْمالَكم، أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم، بِإبْقاءِ الغَلَبَةِ لَها والإمْدادِ بِالأمْوالِ والبَنِينَ وتَكْثِيرِ النَّفِيرِ: ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] أيْ: فَإساءَتُكم ضارَّةٌ لَها بِغَلَبَةِ الأعْداءِ وسَلْبِ الأمْوالِ والبَنِينَ والنَّفِيرِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧] أيْ: مُؤاخَذَةُ المَرَّةِ الآخِرَةِ وعُقُوبَتُها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] مُتَعَلِّقٌ بِجَوابِ (إذا) المَحْذُوفِ. أيْ: بَعَثْناهم لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم، أيْ: ذَواتَكم بِالإذْلالِ والقَهْرِ.
قالَ الشِّهابُ: عُدِّيَتِ المَساءَةُ إلى الوُجُوهِ، وإنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ آثارَ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ إنَّما تَظْهَرُ في الوَجْهِ، كَنَضارَةِ الوَجْهِ وإشْراقِهِ بِالفَرَحِ، وكُلُوحِهِ وسَوادِهِ بِالخَوْفِ والحُزْنِ. (p-٣٩٠٤)فالوَجْهُ، بِمَعْنى الذّاتِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. وقِيلَ: الوُجُوهُ بِمَعْنى الرُّؤَساءِ. وهو تَكَلُّفٌ. واخْتِيرَ هَذا عَلى (لِيَسُوؤُكم) مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ جَمَعَ عَلَيْهِمْ ألَمَ النَّفْسِ والبَدَنِ، المَدْلُولَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾ [الإسراء: ٧] انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ [الإسراء: ٧] أيِ: الأقْصى: ﴿كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا﴾ [الإسراء: ٧] أيْ: يُدَمِّرُوا: ﴿ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] أيْ: عَظِيمًا فَظِيعًا، والتَّتْبِيرُ: التَّدْمِيرُ. وكُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ فِعْلَهُ تَعالى لِيُخْلِصُوا تَوْبَتَهم وأعْمالَهم بِقَوْلِهِ:
﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: إذا أخْلَصْتُمُ الإنابَةَ، وأحْسَنْتُمُ الأعْمالَ، وأقَمْتُمُ الكِتابَ وما نَزَلَ إلَيْكم؛ لِأنَّكم عَلِمْتُمْ مِن سُنَّتِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُنْزِلُ بَلاءً إلّا بِذَنْبٍ ولا يَرْفَعُهُ إلّا بِتَوْبَةٍ، ولِذا قالَ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: بَعْدَ هَذِهِ التَّوْبَةِ والإنابَةِ إلى الِاسْتِكْبارِ: ﴿عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: إلى تَسْلِيطِ الأعْداءِ وسَلْبِ الأمْوالِ والأوْلادِ في الدُّنْيا.
﴿وجَعَلْنا﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: مَحْبَسًا وسِجْنًا يَحْصُرُهم في العَذابِ والحِرْمانِ عَنِ الثَّوابِ.
قالَ الشِّهابُ: إنْ كانَ - (حَصِيرًا) - اسْمًا لِلْمَكانِ فَهو جامِدٌ لا يَلْزَمُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وإنْ كانَ بِمَعْنى حاصِرًا أيْ: مُحِيطًا بِهِمْ، وفَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ؛ يَلْزَمُ مُطابَقَتُهُ، فَإمّا لِأنَّهُ عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ. أوْ لَحْمُهُ عَلى (فَعِيلٍ) بِمَعْنى (مَفْعُولٍ) . أوْ لِأنَّ تَأْنِيثَ جَهَنَّمَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، أوْ لِتَأْوِيلِها بِمُذَكَّرٍ. انْتَهى.
وقِيلَ: حَصِيرًا، أيْ: بِساطًا كَما يُبْسَطُ الحَصِيرُ. مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ [الأعراف: ٤١] فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. والحَصِيرُ بِهَذا المَعْنى بِمَعْنى مَحْصُورٍ لِحَصْرِ بَعْضِ طاقاتِهِ عَلى بَعْضٍ. كَما قالَهُ الرّاغِبُ.
(p-٣٩٠٥)تَنْبِيهٌ:
رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الأمْرُ مُسْتَتِبًّا لَهم في فِلَسْطِينَ إلى مَوْتِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا مَلَكَ ابْنُهُ بَعْدَهُ، وذَلِكَ قَبْلَ المَسِيحِ بِما يُنِيفُ عَلى تِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وقَعَ مِنَ الاخْتِلالِ في عَهْدِهِ ما أفْضى إلى تَقْرِيرِهِ عِبادَةَ الأوْثانِ. فَعُوجِلَ بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ مِن مُلْكِهِ بِأخْذِ مُلْكِ مِصْرِ بَيْتِ المَقْدِسِ وسَلْبِ كُنُوزِ هَيْكَلِها (المَسْجِدِ الأقْصى) ونَهْبِ ما فِيها. ولَمّا ساءَ تَصَرُّفُهُ تَمَرَّدَ عَلَيْهِ شَعْبُهُ وخَلَعُوا طاعَتَهُ. فانْقَسَمَتْ مَمْلَكَتُهُ إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: دُعِيَ مَمْلَكَةَ يَهُوذا، وهي المُؤَلَّفَةُ مِن سِبْطَيْ يَهُوذا وبِنْيامِينَ، بَقِيا خاضِعَيْنِ لِابْنِ سُلَيْمانَ.
وثانِيهُما: دُعِيَ مَمْلَكَةَ إسْرائِيلَ، وهي المُؤَلَّفَةُ مِن بَقِيَّةِ الأسْباطِ العَشَرَةِ. وكانَ أوَّلُ مَلِكٍ عَلى مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: يَرْبَعامُ، خافَ مِن رُجُوعِ رَعاياهُ إلى طاعَةِ ابْنِ سُلَيْمانَ إذا صَعِدُوا إلى أُورْشَلِيمَ في الأعْيادِ الِاحْتِفالِيَّةِ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ في الهَيْكَلِ ويُقَرِّبُوا ذَبائِحَهم هُناكَ. فَأقامَ في مَمْلَكَتِهِ عِجْلَيْنِ مِن ذَهَبٍ. وأمَرَ رَعِيَّتَهُ بِعِبادَتِهِما. ورَتَّبَ لَهم أعْيادًا احْتِفالِيَّةً وكَهَنَةً. وقامَتْ حُرُوبٌ هائِلَةٌ بَيْنَ مُلُوكِ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ. وكانَ يَتَخَلَّلُهُما مِنَ المُلُوكِ مَن يَنْزِعُ عِبادَةَ الأوْثانِ. إلّا أنَّهُ لا يَلْبَثُ الحالُ حِينَ يَأْتِي مَلِكٌ آخَرُ فَيُعِيدُ الوَثَنِيَّةَ. واسْتَمَرَّتْ مَمْلَكَةُ إسْرائِيلَ نَحْوًا مِن مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً. وفي نِهايَةِ أمْرِهِمْ عَظُمَتْ خَطِيئاتُهم فَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ مَلِكُ أشُورَ، فَفَتَحَ السّامِرَةَ - بَلَدَهم - وسَباهم إلى أشُورَ وانْقَرَضَتْ مَمْلَكَةُ العَشَرَةِ الأسْباطِ، ولَمْ يُسْمَعْ ذِكْرُهم بَعْدُ. ثُمَّ أرْسَلَ مَلِكُ أشُورَ قَوْمًا مِن بَلَدِهِ وأسْكَنَهم مُدُنَ السّامِرَةِ لِيُعَمِّرُوها مَعَ مَن بَقِيَ مِن أهْلِها. وأرْسَلَ مَعَهم كاهِنًا مِنَ اليَهُودِ لِيُقِيمَ لِمَن بَقِيَ طُقُوسَهم. فَعادُوا إلى شِرْكِهِمْ وعِبادَةِ الأوْثانِ مَعَ اللَّهِ تَعالى. وأمّا مَمْلَكَةُ يَهُوذا فَبَقِيَتْ بَعْدَ انْقِراضِ مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ ما يُنِيفُ عَلى عِشْرِينَ سَنَةً، وفي أواخِرِ أيّامِها قامَ فِيها مَلِكٌ شِرِّيرٌ. فَزَحَفَ إلَيْهِ مَلِكُ بابِلَ نِبُوخَذْ ناصِرْ (بَخْتُنَصَّرُ) فَسَبى قِسْمًا مِن شَعْبِهِ، وكانَ السَّبْيَ الأوَّلَ.
ثُمَّ قامَ، بَعْدَ ذَلِكَ المَلِكُ الشِّرِّيرُ، ابْنُهُ، فَسارَ عَلى طَرِيقَةِ أبِيهِ. فَعادَ إلَيْهِ مَلِكُ بابِلِ المَذْكُورُ (p-٣٩٠٦)واسْتَأْسَرَهُ هو وآلَهُ ورُؤَساءَهُ وقِسْمًا مِنَ الشَّعْبِ، وسَلَبَ الهَيْكَلَ. وكانَ هَذا السَّبْيَ الثّانِيَ بَعْدَ ثَمانِي سِنِينَ مِنَ الأوَّلِ.
ثُمَّ قامَ فِيهِمْ مَلِكٌ أشَرُّ مِمَّنْ تَقَدَّمَ - وهو آخِرُ مُلُوكِهِمْ - وفي أيّامِهِ حاصَرَ مَلِكُ بابِلَ المَذْكُورُ أيْضًا بَيْتَ المَقْدِسِ، وأسَرَهُ إلى بابِلَ، وأحْرَقَ المَدِينَةَ والهَيْكَلَ، وسَبى كُلَّ شَعْبِ يَهُوذا، ما عَدا مَساكِينَ الأرْضِ، إلى بابِلَ. وهَذا هو السَّبْيُ الثّالِثُ والأخِيرُ.
وهَكَذا انْقَرَضَتْ هَذِهِ المَمْلَكَةُ وكانَتْ إقامَتُهم في بابِلَ سَبْعِينَ سَنَةً. ثُمَّ أُطْلِقُوا مِنَ الأسْرِ فَعادُوا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وجَدَّدُوا عِمارَتَها وقِيامَ الهَيْكَلِ. وبَقِيَتِ اليَهُودُ تَحْتَ تَسَلُّطِ مُلُوكِ الفُرْسِ إلى أنْ ظَهَرَ الإسْكَنْدَرُ الكَبِيرُ، وغَلَبَتِ اليُونانُ الفُرْسَ وجاءَ الإسْكَنْدَرُ إلى سُورِيَّةَ فَدَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ تَحْتَ حُكْمِ اليُونانِ. وبَعْدَ وفاةِ الإسْكَنْدَرِ انْقَسَمَ مُلْكُهُ إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ:
مِنها مَمْلَكَةُ سُورِيَّةَ ومِصْرَ. وكانَتْ بَيْنَهُما حُرُوبٌ مُتَّصِلَةٌ. والإسْرائِيلِيُّونَ، لَمّا كانُوا بَيْنَهم، كانُوا تارَةً تَحْتَ تَمَلُّكِ مِصْرَ وأُخْرى تَحْتَ تَسَلُّطِ سُورِيَّةَ. واتُّفِقَ في خِلالِ ذَلِكَ أنْ رَفَضَ كَثِيرٌ مِنَ اليَهُودِ الدِّيانَةَ اليَهُودِيَّةَ، وتَمَسَّكُوا بِدِيانَةِ اليُونانِيِّينَ.
ثُمَّ اسْتَوْلى الرُّومانِيُّونَ عَلى فِلَسْطِينَ، وجَرَتْ حُرُوبٌ هائِلَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ، أفْضى الأمْرُ إلى تَسَلُّطِ الرُّومانِيِّينَ عَلَيْهِمْ. وتَمَلَّكُوا بَيْتَ المَقْدِسِ. وهَدَمَ تِيطَسُ، أحَدُ مُلُوكِهِمُ، الهَيْكَلَ إلى أساسِهِ. وأحْرَقَ كُتُبَ اليَهُودِ وتَشَتَّتَ أمْرُهم، ولَمْ يَبْقَ لَهم مُلْكٌ ولا رِئاسَةٌ بَعْدَهُ، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ بِنَحْوِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وزَعَمُوا أنَّ الهَيْكَلَ تَراجَعَ لِلْعِمارَةِ ورُمِّمَ، إلى أنْ سارَتْ هِيلانَةُ أُمُّ قُسْطَنْطِينَ إلى القُدْسِ وبَنَتْ كَنِيسَةً عَلى القَبْرِ، الَّذِي يَزْعُمُ النَّصارى أنَّهُ قَبْرُ المَسِيحِ. وخَرَّبَتِ الهَيْكَلَ، وأمَرَتْ أنْ تُلْقى فِيهِ قُماماتُ البَلَدِ وزُبالَتُهُ. فَصارَ مَوْضِعُ الصَّخْرَةِ مَزْبَلَةً. وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وفَتَحَ القُدْسَ. فَأمَرَ بِتَنْظِيفِهِ وبَنى في قِبْلَتِهِ مَسْجِدًا، إلى أنْ مَلَكَ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، فَجَدَّدَ بِناءَهُ عَلى أساسِهِ القَدِيمِ وبَنى قُبَّةَ الصَّخْرَةِ.
(p-٣٩٠٧)وتَفْصِيلُ هَذِهِ الماجِرِيّاتِ مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ التّارِيخِ. ونَحْنُ لَمْ نُورِدْ ما أوْرَدْناهُ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ. لِأنَّها بِإيجازِها غَنِيَّةٌ عَنْهُ. وفي تَفْسِيرِنا لِألْفاظِها كِفايَةٌ في فَهْمِها، إلّا أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ تَطَرَّقُوا لِبَعْضِ ماجِرِيّاتِ اليَهُودِ هُنا، فَنَقَّحْنا مِنها أحْسَنَ ما حَرَّرَهُ المُؤَرِّخُونَ المُتَأخِّرُونَ؛ إيضاحًا لِأفاعِيلِهِمُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآياتُ الكَرِيمَةُ.
وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ يُوسُفَ؛ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ شَيْءٌ مِنَ التّارِيخِ مِن حَيْثُ هو قَصَصٌ وأخْبارٌ. وإنَّما هي الآياتُ في العِبَرِ تَجَلَّتْ في سِياقِ الوَقائِعِ. ولِذَلِكَ لَمْ تُذْكَرْ قِصَّةٌ بِتَفاصِيلِها. وإنَّما يُذْكَرُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ فِيها. كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١]
الإسراء 17:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦-٨] ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] .
﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المُؤاخَذَةِ الشَّدِيدَةِ، رَدَدْنا، عِنْدَ تَوْبَتِكم، لَكُمُ الغَلَبَةَ الَّتِي كانَتْ لَكم في الأصْلِ، عَلَيْهِمْ: ﴿وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ أيْ: قَوْمًا ورَهْطًا. جَمْعُ (نَفَرٍ) أوِ اسْمُ جَمْعٍ لَهُ. وأصْلُهُ مِن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن قَوْمِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] بِمَثابَةِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّكم إنْ أحْسَنْتُمْ تَوْبَتَكم وأعْمالَكم، أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم، بِإبْقاءِ الغَلَبَةِ لَها والإمْدادِ بِالأمْوالِ والبَنِينَ وتَكْثِيرِ النَّفِيرِ: ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] أيْ: فَإساءَتُكم ضارَّةٌ لَها بِغَلَبَةِ الأعْداءِ وسَلْبِ الأمْوالِ والبَنِينَ والنَّفِيرِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧] أيْ: مُؤاخَذَةُ المَرَّةِ الآخِرَةِ وعُقُوبَتُها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] مُتَعَلِّقٌ بِجَوابِ (إذا) المَحْذُوفِ. أيْ: بَعَثْناهم لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم، أيْ: ذَواتَكم بِالإذْلالِ والقَهْرِ.
قالَ الشِّهابُ: عُدِّيَتِ المَساءَةُ إلى الوُجُوهِ، وإنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ آثارَ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ إنَّما تَظْهَرُ في الوَجْهِ، كَنَضارَةِ الوَجْهِ وإشْراقِهِ بِالفَرَحِ، وكُلُوحِهِ وسَوادِهِ بِالخَوْفِ والحُزْنِ. (p-٣٩٠٤)فالوَجْهُ، بِمَعْنى الذّاتِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. وقِيلَ: الوُجُوهُ بِمَعْنى الرُّؤَساءِ. وهو تَكَلُّفٌ. واخْتِيرَ هَذا عَلى (لِيَسُوؤُكم) مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ جَمَعَ عَلَيْهِمْ ألَمَ النَّفْسِ والبَدَنِ، المَدْلُولَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾ [الإسراء: ٧] انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ [الإسراء: ٧] أيِ: الأقْصى: ﴿كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا﴾ [الإسراء: ٧] أيْ: يُدَمِّرُوا: ﴿ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] أيْ: عَظِيمًا فَظِيعًا، والتَّتْبِيرُ: التَّدْمِيرُ. وكُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ فِعْلَهُ تَعالى لِيُخْلِصُوا تَوْبَتَهم وأعْمالَهم بِقَوْلِهِ:
﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: إذا أخْلَصْتُمُ الإنابَةَ، وأحْسَنْتُمُ الأعْمالَ، وأقَمْتُمُ الكِتابَ وما نَزَلَ إلَيْكم؛ لِأنَّكم عَلِمْتُمْ مِن سُنَّتِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُنْزِلُ بَلاءً إلّا بِذَنْبٍ ولا يَرْفَعُهُ إلّا بِتَوْبَةٍ، ولِذا قالَ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: بَعْدَ هَذِهِ التَّوْبَةِ والإنابَةِ إلى الِاسْتِكْبارِ: ﴿عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: إلى تَسْلِيطِ الأعْداءِ وسَلْبِ الأمْوالِ والأوْلادِ في الدُّنْيا.
﴿وجَعَلْنا﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أيْ: مَحْبَسًا وسِجْنًا يَحْصُرُهم في العَذابِ والحِرْمانِ عَنِ الثَّوابِ.
قالَ الشِّهابُ: إنْ كانَ - (حَصِيرًا) - اسْمًا لِلْمَكانِ فَهو جامِدٌ لا يَلْزَمُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وإنْ كانَ بِمَعْنى حاصِرًا أيْ: مُحِيطًا بِهِمْ، وفَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ؛ يَلْزَمُ مُطابَقَتُهُ، فَإمّا لِأنَّهُ عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ. أوْ لَحْمُهُ عَلى (فَعِيلٍ) بِمَعْنى (مَفْعُولٍ) . أوْ لِأنَّ تَأْنِيثَ جَهَنَّمَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، أوْ لِتَأْوِيلِها بِمُذَكَّرٍ. انْتَهى.
وقِيلَ: حَصِيرًا، أيْ: بِساطًا كَما يُبْسَطُ الحَصِيرُ. مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ [الأعراف: ٤١] فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. والحَصِيرُ بِهَذا المَعْنى بِمَعْنى مَحْصُورٍ لِحَصْرِ بَعْضِ طاقاتِهِ عَلى بَعْضٍ. كَما قالَهُ الرّاغِبُ.
(p-٣٩٠٥)تَنْبِيهٌ:
رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الأمْرُ مُسْتَتِبًّا لَهم في فِلَسْطِينَ إلى مَوْتِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا مَلَكَ ابْنُهُ بَعْدَهُ، وذَلِكَ قَبْلَ المَسِيحِ بِما يُنِيفُ عَلى تِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وقَعَ مِنَ الاخْتِلالِ في عَهْدِهِ ما أفْضى إلى تَقْرِيرِهِ عِبادَةَ الأوْثانِ. فَعُوجِلَ بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ مِن مُلْكِهِ بِأخْذِ مُلْكِ مِصْرِ بَيْتِ المَقْدِسِ وسَلْبِ كُنُوزِ هَيْكَلِها (المَسْجِدِ الأقْصى) ونَهْبِ ما فِيها. ولَمّا ساءَ تَصَرُّفُهُ تَمَرَّدَ عَلَيْهِ شَعْبُهُ وخَلَعُوا طاعَتَهُ. فانْقَسَمَتْ مَمْلَكَتُهُ إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: دُعِيَ مَمْلَكَةَ يَهُوذا، وهي المُؤَلَّفَةُ مِن سِبْطَيْ يَهُوذا وبِنْيامِينَ، بَقِيا خاضِعَيْنِ لِابْنِ سُلَيْمانَ.
وثانِيهُما: دُعِيَ مَمْلَكَةَ إسْرائِيلَ، وهي المُؤَلَّفَةُ مِن بَقِيَّةِ الأسْباطِ العَشَرَةِ. وكانَ أوَّلُ مَلِكٍ عَلى مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: يَرْبَعامُ، خافَ مِن رُجُوعِ رَعاياهُ إلى طاعَةِ ابْنِ سُلَيْمانَ إذا صَعِدُوا إلى أُورْشَلِيمَ في الأعْيادِ الِاحْتِفالِيَّةِ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ في الهَيْكَلِ ويُقَرِّبُوا ذَبائِحَهم هُناكَ. فَأقامَ في مَمْلَكَتِهِ عِجْلَيْنِ مِن ذَهَبٍ. وأمَرَ رَعِيَّتَهُ بِعِبادَتِهِما. ورَتَّبَ لَهم أعْيادًا احْتِفالِيَّةً وكَهَنَةً. وقامَتْ حُرُوبٌ هائِلَةٌ بَيْنَ مُلُوكِ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ. وكانَ يَتَخَلَّلُهُما مِنَ المُلُوكِ مَن يَنْزِعُ عِبادَةَ الأوْثانِ. إلّا أنَّهُ لا يَلْبَثُ الحالُ حِينَ يَأْتِي مَلِكٌ آخَرُ فَيُعِيدُ الوَثَنِيَّةَ. واسْتَمَرَّتْ مَمْلَكَةُ إسْرائِيلَ نَحْوًا مِن مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً. وفي نِهايَةِ أمْرِهِمْ عَظُمَتْ خَطِيئاتُهم فَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ مَلِكُ أشُورَ، فَفَتَحَ السّامِرَةَ - بَلَدَهم - وسَباهم إلى أشُورَ وانْقَرَضَتْ مَمْلَكَةُ العَشَرَةِ الأسْباطِ، ولَمْ يُسْمَعْ ذِكْرُهم بَعْدُ. ثُمَّ أرْسَلَ مَلِكُ أشُورَ قَوْمًا مِن بَلَدِهِ وأسْكَنَهم مُدُنَ السّامِرَةِ لِيُعَمِّرُوها مَعَ مَن بَقِيَ مِن أهْلِها. وأرْسَلَ مَعَهم كاهِنًا مِنَ اليَهُودِ لِيُقِيمَ لِمَن بَقِيَ طُقُوسَهم. فَعادُوا إلى شِرْكِهِمْ وعِبادَةِ الأوْثانِ مَعَ اللَّهِ تَعالى. وأمّا مَمْلَكَةُ يَهُوذا فَبَقِيَتْ بَعْدَ انْقِراضِ مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ ما يُنِيفُ عَلى عِشْرِينَ سَنَةً، وفي أواخِرِ أيّامِها قامَ فِيها مَلِكٌ شِرِّيرٌ. فَزَحَفَ إلَيْهِ مَلِكُ بابِلَ نِبُوخَذْ ناصِرْ (بَخْتُنَصَّرُ) فَسَبى قِسْمًا مِن شَعْبِهِ، وكانَ السَّبْيَ الأوَّلَ.
ثُمَّ قامَ، بَعْدَ ذَلِكَ المَلِكُ الشِّرِّيرُ، ابْنُهُ، فَسارَ عَلى طَرِيقَةِ أبِيهِ. فَعادَ إلَيْهِ مَلِكُ بابِلِ المَذْكُورُ (p-٣٩٠٦)واسْتَأْسَرَهُ هو وآلَهُ ورُؤَساءَهُ وقِسْمًا مِنَ الشَّعْبِ، وسَلَبَ الهَيْكَلَ. وكانَ هَذا السَّبْيَ الثّانِيَ بَعْدَ ثَمانِي سِنِينَ مِنَ الأوَّلِ.
ثُمَّ قامَ فِيهِمْ مَلِكٌ أشَرُّ مِمَّنْ تَقَدَّمَ - وهو آخِرُ مُلُوكِهِمْ - وفي أيّامِهِ حاصَرَ مَلِكُ بابِلَ المَذْكُورُ أيْضًا بَيْتَ المَقْدِسِ، وأسَرَهُ إلى بابِلَ، وأحْرَقَ المَدِينَةَ والهَيْكَلَ، وسَبى كُلَّ شَعْبِ يَهُوذا، ما عَدا مَساكِينَ الأرْضِ، إلى بابِلَ. وهَذا هو السَّبْيُ الثّالِثُ والأخِيرُ.
وهَكَذا انْقَرَضَتْ هَذِهِ المَمْلَكَةُ وكانَتْ إقامَتُهم في بابِلَ سَبْعِينَ سَنَةً. ثُمَّ أُطْلِقُوا مِنَ الأسْرِ فَعادُوا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وجَدَّدُوا عِمارَتَها وقِيامَ الهَيْكَلِ. وبَقِيَتِ اليَهُودُ تَحْتَ تَسَلُّطِ مُلُوكِ الفُرْسِ إلى أنْ ظَهَرَ الإسْكَنْدَرُ الكَبِيرُ، وغَلَبَتِ اليُونانُ الفُرْسَ وجاءَ الإسْكَنْدَرُ إلى سُورِيَّةَ فَدَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ تَحْتَ حُكْمِ اليُونانِ. وبَعْدَ وفاةِ الإسْكَنْدَرِ انْقَسَمَ مُلْكُهُ إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ:
مِنها مَمْلَكَةُ سُورِيَّةَ ومِصْرَ. وكانَتْ بَيْنَهُما حُرُوبٌ مُتَّصِلَةٌ. والإسْرائِيلِيُّونَ، لَمّا كانُوا بَيْنَهم، كانُوا تارَةً تَحْتَ تَمَلُّكِ مِصْرَ وأُخْرى تَحْتَ تَسَلُّطِ سُورِيَّةَ. واتُّفِقَ في خِلالِ ذَلِكَ أنْ رَفَضَ كَثِيرٌ مِنَ اليَهُودِ الدِّيانَةَ اليَهُودِيَّةَ، وتَمَسَّكُوا بِدِيانَةِ اليُونانِيِّينَ.
ثُمَّ اسْتَوْلى الرُّومانِيُّونَ عَلى فِلَسْطِينَ، وجَرَتْ حُرُوبٌ هائِلَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ، أفْضى الأمْرُ إلى تَسَلُّطِ الرُّومانِيِّينَ عَلَيْهِمْ. وتَمَلَّكُوا بَيْتَ المَقْدِسِ. وهَدَمَ تِيطَسُ، أحَدُ مُلُوكِهِمُ، الهَيْكَلَ إلى أساسِهِ. وأحْرَقَ كُتُبَ اليَهُودِ وتَشَتَّتَ أمْرُهم، ولَمْ يَبْقَ لَهم مُلْكٌ ولا رِئاسَةٌ بَعْدَهُ، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ بِنَحْوِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وزَعَمُوا أنَّ الهَيْكَلَ تَراجَعَ لِلْعِمارَةِ ورُمِّمَ، إلى أنْ سارَتْ هِيلانَةُ أُمُّ قُسْطَنْطِينَ إلى القُدْسِ وبَنَتْ كَنِيسَةً عَلى القَبْرِ، الَّذِي يَزْعُمُ النَّصارى أنَّهُ قَبْرُ المَسِيحِ. وخَرَّبَتِ الهَيْكَلَ، وأمَرَتْ أنْ تُلْقى فِيهِ قُماماتُ البَلَدِ وزُبالَتُهُ. فَصارَ مَوْضِعُ الصَّخْرَةِ مَزْبَلَةً. وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وفَتَحَ القُدْسَ. فَأمَرَ بِتَنْظِيفِهِ وبَنى في قِبْلَتِهِ مَسْجِدًا، إلى أنْ مَلَكَ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، فَجَدَّدَ بِناءَهُ عَلى أساسِهِ القَدِيمِ وبَنى قُبَّةَ الصَّخْرَةِ.
(p-٣٩٠٧)وتَفْصِيلُ هَذِهِ الماجِرِيّاتِ مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ التّارِيخِ. ونَحْنُ لَمْ نُورِدْ ما أوْرَدْناهُ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ. لِأنَّها بِإيجازِها غَنِيَّةٌ عَنْهُ. وفي تَفْسِيرِنا لِألْفاظِها كِفايَةٌ في فَهْمِها، إلّا أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ تَطَرَّقُوا لِبَعْضِ ماجِرِيّاتِ اليَهُودِ هُنا، فَنَقَّحْنا مِنها أحْسَنَ ما حَرَّرَهُ المُؤَرِّخُونَ المُتَأخِّرُونَ؛ إيضاحًا لِأفاعِيلِهِمُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآياتُ الكَرِيمَةُ.
وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ يُوسُفَ؛ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ شَيْءٌ مِنَ التّارِيخِ مِن حَيْثُ هو قَصَصٌ وأخْبارٌ. وإنَّما هي الآياتُ في العِبَرِ تَجَلَّتْ في سِياقِ الوَقائِعِ. ولِذَلِكَ لَمْ تُذْكَرْ قِصَّةٌ بِتَفاصِيلِها. وإنَّما يُذْكَرُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ فِيها. كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١]
الإسراء 17:9
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مَزِيَّةَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ الَّتِي فاقَ بِها سائِرَ ما أُنْزِلَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ .
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ أيْ: لِلْحالَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ وأسَدُّها، أوْ لِلْمِلَّةِ، أوْ لِلطَّرِيقَةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأيْنَما قَدَّرْتَ لَمْ تَجِدْ مَعَ الإثْباتِ ذَوْقَ البَلاغَةِ الَّذِي تَجِدُهُ مَعَ الحَذْفِ؛ لِما في إبْهامِ المَوْصُوفِ بِحَذْفِهِ، مِن فَخامَةٍ تُفْقَدُ مَعَ إيضاحِهِ.
﴿ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ أيْ: يُبَشِّرُ المُخْلِصِينَ في إيمانِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ كُلَّها، ويَجْتَنِبُونَ السَّيِّئاتِ؛ أنَّ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ ثَوابًا وافِرًا.
(p-٣٩٠٨)
الإسراء 17:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠-١١] ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] .
﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ: ﴿أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: في الآخِرَةِ، وهو عَذابُ النّارِ.
﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١] أيْ: مِثْلَ دُعائِهِ بِالخَيْرِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] قالَ أبُو السُّعُودِ: الآيَةُ بَيانٌ لِحالِ المَهْدِيِّ إثْرَ بَيانِ حالِ الهادِي. وإظْهارٌ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ. والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، أُسْنِدَ إلَيْهِ حالُ بَعْضِ أفْرادِهِ. أوْ حَكى عَنْهُ حالَهُ في بَعْضِ أحْيانِهِ. فالمَعْنى، عَلى الأوَّلِ: أنَّ القُرْآنَ يَدْعُو الإنْسانَ إلى الخَيْرِ الَّذِي لا خَيْرَ فَوْقَهُ مِنَ الأجْرِ الكَبِيرِ. ويُحَذِّرُهُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي لا شَرَّ وراءَهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، وهو، أيْ: بَعْضٌ مِنهُ وهو الكافِرُ، يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِما هو الشَّرُّ مِنَ العَذابِ المَذْكُورِ، إمّا بِلِسانِهِ حَقِيقَةً كَدَأْبِ مَن قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ومَن قالَ: { فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ }، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَكى عَنْهم. وإمّا بِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ، المُوجِبَةِ لَهُ مَجازًا، كَما هو دَيْدَنُ كُلِّهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] يَعْنِي بِالإنْسانِ: مَن أسْنَدَ إلَيْهِ الدُّعاءَ المَذْكُورَ مِن أفْرادِهِ. عَجُولًا يُسارِعُ إلى طَلَبِ ما يَخْطِرُ بِبالِهِ، مُتَعامِيًا عَنْ ضَرَرِهِ. أوْ مُبالِغًا في العَجَلَةِ، يَسْتَعْجِلُ العَذابَ وهو آتِيهِ لا مَحالَةَ. فَفِيهِ نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِ. وعَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ الدُّعاءِ عَلى أعْمالِهِمْ، تُحْمَلُ العُجُولِيَّةُ عَلى اللَّجِّ والتَّمادِي في اسْتِيجابِ العَذابِ بِتِلْكَ الأعْمالِ.
وعَلى الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ يَدْعُو الإنْسانَ إلى ما هو خَيْرٌ. وهو في بَعْضِ أحْيانِهِ، كَما عِنْدَ الغَضَبِ، يَدَعُهُ ويَدْعُو اللَّهَ تَعالى لِنَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ بِما هو شَرٌّ. وكانَ الإنْسانُ بِحَسَبِ جِبِلَّتِهِ عَجُولًا ضَجِرًا لا يَتَأنّى إلى أنْ يَزُولَ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ. أوْ يَدْعُو بِما هو شَرٌّ وهو يَحْسَبُهُ خَيْرًا. وكانَ (p-٣٩٠٩)الإنْسانُ عَجُولًا غَيْرَ مُتَبَصِّرٍ لا يَتَدَبَّرُ في أُمُورِهِ حَقَّ التَّدَبُّرِ لِيَتَحَقَّقَ ما هو خَيْرٌ حَقِيقٌ بِالدُّعاءِ بِهِ، وما هو شَرٌّ جَدِيرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ. انْتَهى.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى بَعْضِ وُجُوهِ الهِدايَةِ في القُرْآنِ، بِالإرْشادِ إلى مَسْلَكِ الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ والدَّلائِلِ الآفاقِيَّةِ، الَّتِي كُلٌّ مِنها بُرْهانٌ نَيِّرٌ لا رَيْبَ فِيهِ. ومِنهاجٌ بَيْنٌ لا يَضِلُّ مَن يَنْتَحِيهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الإسراء 17:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠-١١] ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] .
﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ: ﴿أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: في الآخِرَةِ، وهو عَذابُ النّارِ.
﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١] أيْ: مِثْلَ دُعائِهِ بِالخَيْرِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] قالَ أبُو السُّعُودِ: الآيَةُ بَيانٌ لِحالِ المَهْدِيِّ إثْرَ بَيانِ حالِ الهادِي. وإظْهارٌ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ. والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، أُسْنِدَ إلَيْهِ حالُ بَعْضِ أفْرادِهِ. أوْ حَكى عَنْهُ حالَهُ في بَعْضِ أحْيانِهِ. فالمَعْنى، عَلى الأوَّلِ: أنَّ القُرْآنَ يَدْعُو الإنْسانَ إلى الخَيْرِ الَّذِي لا خَيْرَ فَوْقَهُ مِنَ الأجْرِ الكَبِيرِ. ويُحَذِّرُهُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي لا شَرَّ وراءَهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، وهو، أيْ: بَعْضٌ مِنهُ وهو الكافِرُ، يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِما هو الشَّرُّ مِنَ العَذابِ المَذْكُورِ، إمّا بِلِسانِهِ حَقِيقَةً كَدَأْبِ مَن قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ومَن قالَ: { فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ }، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَكى عَنْهم. وإمّا بِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ، المُوجِبَةِ لَهُ مَجازًا، كَما هو دَيْدَنُ كُلِّهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] يَعْنِي بِالإنْسانِ: مَن أسْنَدَ إلَيْهِ الدُّعاءَ المَذْكُورَ مِن أفْرادِهِ. عَجُولًا يُسارِعُ إلى طَلَبِ ما يَخْطِرُ بِبالِهِ، مُتَعامِيًا عَنْ ضَرَرِهِ. أوْ مُبالِغًا في العَجَلَةِ، يَسْتَعْجِلُ العَذابَ وهو آتِيهِ لا مَحالَةَ. فَفِيهِ نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِ. وعَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ الدُّعاءِ عَلى أعْمالِهِمْ، تُحْمَلُ العُجُولِيَّةُ عَلى اللَّجِّ والتَّمادِي في اسْتِيجابِ العَذابِ بِتِلْكَ الأعْمالِ.
وعَلى الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ يَدْعُو الإنْسانَ إلى ما هو خَيْرٌ. وهو في بَعْضِ أحْيانِهِ، كَما عِنْدَ الغَضَبِ، يَدَعُهُ ويَدْعُو اللَّهَ تَعالى لِنَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ بِما هو شَرٌّ. وكانَ الإنْسانُ بِحَسَبِ جِبِلَّتِهِ عَجُولًا ضَجِرًا لا يَتَأنّى إلى أنْ يَزُولَ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ. أوْ يَدْعُو بِما هو شَرٌّ وهو يَحْسَبُهُ خَيْرًا. وكانَ (p-٣٩٠٩)الإنْسانُ عَجُولًا غَيْرَ مُتَبَصِّرٍ لا يَتَدَبَّرُ في أُمُورِهِ حَقَّ التَّدَبُّرِ لِيَتَحَقَّقَ ما هو خَيْرٌ حَقِيقٌ بِالدُّعاءِ بِهِ، وما هو شَرٌّ جَدِيرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ. انْتَهى.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى بَعْضِ وُجُوهِ الهِدايَةِ في القُرْآنِ، بِالإرْشادِ إلى مَسْلَكِ الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ والدَّلائِلِ الآفاقِيَّةِ، الَّتِي كُلٌّ مِنها بُرْهانٌ نَيِّرٌ لا رَيْبَ فِيهِ. ومِنهاجٌ بَيْنٌ لا يَضِلُّ مَن يَنْتَحِيهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الإسراء 17:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ .
﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ أيْ: جَعَلْناهُما، بِهَيْئاتِهِما وتَعاقُبِهِما واخْتِلافِهِما في الطُّولِ والقِصَرِ، عَلامَتَيْنِ تَدُلّانِ عَلى أنَّ لَهُما خالِقًا حَكِيمًا ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: بِجَعْلِها مُظْلِمَةً: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ أيْ: مُضِيئَةً لِتَمْيِيزِ الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ. والإضافَةُ فِيهِما إمّا بَيانِيَّةٌ، أيِ: الآيَةُ الَّتِي هي اللَّيْلُ، والآيَةُ الَّتِي هي النَّهارُ. وإمّا حَقِيقِيَّةٌ. وآيَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ نَيِّراهُما. والمُرادُ بِمَحْوِ القَمَرِ خَلْقُهُ مَطْمُوسَ النُّورِ في نَفْسِهِ. أوْ نَقْصُ ما اسْتَفادَهُ مِنَ الشَّمْسِ شَيْئًا فَشَيْئًا إلى المَحاقِ. وبِجَعْلِ الشَّمْسِ مُبْصِرَةً إبْداعُها مُضِيئَةً بِالذّاتِ، ذاتَ أشِعَّةٍ تُبْصَرُ بِها الأشْياءُ. فالإسْنادُ في (مُبْصِرَةً) مَجازِيٌّ إلى السَّبَبِ العادِيِّ، أوْ تَجَوُّزٌ بِعَلاقَةِ السَّبَبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعَلْنا) أيْ: لِتَطْلُبُوا في النَّهارِ رِزْقًا مِنهُ سُبْحانَهُ بِالِانْتِشارِ لِلْمَعاشِ والصِّناعاتِ والأعْمالِ والأسْفارِ ﴿ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ أيِ: الحِسابَ المُتَعَلِّقَ بِما في ضِمْنِ السِّنِينَ مِنَ الأشْهُرِ واللَّيالِي والأيّامِ، أوِ الحِسابِ الجارِي في المُعامَلاتِ، كالبُيُوعِ والإجاراتِ، وفي العِباداتِ، أيْ: لِتَعَرُّفِ مُضِيِّ الآجالِ المَضْرُوبَةِ لِذَلِكَ؛ إذْ لَوْلاهُ لَما عَلِمَ أحَدٌ حُسْبانَ الأوْقاتِ ولَتَعَطَّلَتِ الأُمُورُ.
(p-٣٩١٠)قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلُ): هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في عِلْمِ المَواقِيتِ والهَيْئَةِ والتّارِيخِ. وفي الآيَةِ لَفٌّ ونَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في دِينِكم ودُنْياكم: ﴿فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ أيْ: بَيَّنّاهُ في القُرْآنِ بَيانًا بَلِيغًا لا التِباسَ مَعَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَـزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فَظَهَرَ كَوْنُهُ هادِيًا لِلَّتِي هي أقْوَمُ ظُهُورًا بَيِّنًا.
الإسراء 17:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣-١٥] ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] .
﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ أيْ: ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ الصّادِرَ مِنهُ بِاخْتِيارِهِ خَيْرًا وشَرًّا، بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ أبَدًا. بَلْ يَلْزَمُهُ لُزُومَ الطَّوْقِ في العُنُقِ، لا يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحالٍ.
قالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى: وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ ما قُضِيَ أنَّهُ عامِلُهُ، وهو صائِرٌ إلَيْهِ مِن شَقاءٍ أوْ سَعادَةٍ بِعَمَلِهِ، في عُنُقِهِ لا يُفارِقُهُ. وإنَّما قَوْلُهُ: ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ مَثَلٌ لِما كانَتِ العَرَبُ تَتَفاءَلُ بِهِ أوْ تَتَشاءَمُ مِن سَوانِحِ الطَّيْرِ وبَوارِحِها.
(p-٣٩١١)وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا إذا أرادُوا الإقْدامَ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ؛ وأرادُوا أنْ يَعْرِفُوا أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ يَسُوقُهم إلى خَيْرٍ أوْ إلى شَرٍّ، اعْتَبَرُوا أحْوالَ الطَّيْرِ: وهو أنَّهُ يَطِيرُ بِنَفْسِهِ أوْ يَحْتاجُ إلى إزْعاجِهِ. وإذا طارَ فَهَلْ يَطِيرُ مُتَيامِنًا أوْ مُتَياسِرًا أوْ صاعِدًا إلى الجَوِّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي كانُوا يَعْتَبِرُونَها، ويَسْتَدِلُّونَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلى أحْوالِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ، فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهم، سُمِّيَ الخَيْرُ والشَّرُّ بِالطّائِرِ، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمٍ لازَمَهُ.
قالَ الطَّبَرِيُّ: فَأعْلَمَهم جَلَّ ثَناؤُهُ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ مِنهم قَدْ ألْزَمَهُ رَبُّهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ، نَحْسًا كانَ ذَلِكَ الَّذِي ألْزَمَهُ مِنَ الطّائِرِ وشَقاءً يُورِدُهُ سَعِيرًا، أوْ كانَ سَعْدًا يُورِدُهُ جِنانَ عَدْنٍ. وإنَّما أُضِيفَ إلى العُنُقِ ولَمْ يُضَفْ إلى اليَدِ أوْ غَيْرِها مِن أعْضاءِ الجَسَدِ، قِيلَ: لِأنَّ العُنُقَ هو مَوْضِعُ السِّماتِ ومَوْضِعُ القَلائِدِ والأطْوِقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَزِينُ أوْ يَشِينُ، فَجَرى كَلامُ العَرَبِ بِنِسْبَةِ الأشْياءِ اللّازِمَةِ بِبَنِي آدَمَ وغَيْرِهِمْ مِن ذَلِكَ، إلى أعْناقِهِمْ. وكَثُرَ اسْتِعْمالُهم ذَلِكَ حَتّى أضافُوا الأشْياءَ اللّازِمَةَ سائِرَ الأبْدانِ إلى الأعْناقِ. كَما أضافُوا جِناياتِ أعْضاءِ الأبْدانِ إلى اليَدِ، فَقالُوا: ذَلِكَ بِما كَسَبَتْ يَداهُ. وإنْ كانَ الَّذِي جَرَّ عَلَيْهِ لِسانُهُ أوْ فَرْجُهُ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ وحاصِلُهُ: - كَما قالَهُ الرّازِّيُّ - أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ كِنايَةٌ عَنِ اللُّزُومِ. كَما يُقالُ: (جَعَلْتُ هَذا في عُنُقِكَ) أيْ: قَلَّدْتُكَ هَذا العَمَلَ وألْزَمْتُكَ الِاحْتِفاظَ بِهِ. ويُقالُ: (قَلَّدْتُكَ كَذا وطَوَّقْتُكَ كَذا) أيْ: صَرَفْتُهُ إلَيْكَ وألْزَمْتُهُ إيّاكَ. ومِنهُ (قَلَّدَهُ السُّلْطانُ كَذا) أيْ: صارَتِ الوِلايَةُ، في لُزُومِها لَهُ، في مَوْضِعِ القِلادَةِ ومَكانِ الطَّوْقِ. ومِنهُ يُقالُ (فُلانٌ يُقَلِّدُ فُلانًا) أيْ: يَجْعَلُ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ كالقِلادَةِ المَرْبُوطَةِ عَلى عُنُقِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ﴾ أيْ: نُظْهِرُ لَهُ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيِ: البَعْثِ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ أيْ: يَجِدُهُ مَفْتُوحًا فِيهِ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ. ويُقالُ لَهُ:
﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] أيْ: شَهِيدًا بِما عَمِلْتَ.
(p-٣٩١٢)قالَ القاشانِيُّ: ﴿كِتابًا﴾ هَيْكَلًا مُصَوَّرًا يُصَوِّرُ أعْمالَهُ: ﴿يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ لِظُهُورِ تِلْكَ الهَيْئاتِ فِيهِ بِالفِعْلِ مُفَصَّلَةً، لا مَطْوِيًّا كَما كانَ عِنْدَ كَوْنِها فِيهِ بِالقُوَّةِ. يُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ [الإسراء: ١٤] أيِ: اقْرَأْهُ قِراءَةَ المَأْمُورِ المُمْتَثِلِ لِأمْرِ آمِرٍ مُطاعٍ يَأْمُرُهُ بِالقِراءَةِ. أوْ تَأْمُرُهُ القُوى المَلَكُوتِيَّةُ. سَواءٌ كانَ قارِئًا أوْ غَيْرَ قارِئٍ؛ لِأنَّ الأعْمالَ هُناكَ مُمَثَّلَةٌ بِهَيْئاتِها وصُوَرِها، يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ. لا عَلى سَبِيلِ الكِتابَةِ بِالحُرُوفِ فَلا يَعْرِفُها الأُمِّيُّ: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] لِأنَّ نَفْسَهُ تُشاهِدُ ما فَعَلَتْهُ لازِمًا إيّاها، نُصْبَ عَيْنِها، مُفَصَّلًا لا يُمْكِنُها الإنْكارُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: ١٥] قالَ أبُو السُّعُودِ: فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن بَيانِ كَوْنِ القُرْآنِ هادِيًا لِأقْوَمِ الطَّرائِقِ، ولُزُومِ الأعْمالِ لِأصْحابِها. أيْ: مَنِ اهْتَدى بِهِدايَتِهِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ تَضاعِيفُهُ مِنَ الأحْكامِ، وانْتَهى عَمّا نَهاهُ عَنْهُ، فَإنَّما تَعُودُ مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ إلى نَفْسِهِ، لا تَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لا يَهْتَدِي: ﴿ومَن ضَلَّ﴾ [الإسراء: ١٥] أيْ: عَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَهْدِيهِ إلَيْها: ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ [الإسراء: ١٥] أيْ: وبالُ ضَلالِهِ عَلَيْها، لا عَلى مَن عَداهُ مِمَّنْ لَمْ يُباشِرْهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الإسراء: ١٥] مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسُهُ حامِلَةً لِلْوِزْرِ، وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى، حَتّى يُمْكِنَ تَخَلُّصُ النَّفْسِ الثّانِيَةِ عَنْ وِزْرِها. ويَخْتَلُّ ما بَيْنَ العامِلِ وعَمَلِهِ مِنَ التَّلازُمِ. بَلْ إنَّما تَحْمِلُ كُلٌّ مِنهُما وِزْرَها. وهَذا تَحْقِيقٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ وأمّا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ [النساء: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] مِن حَمْلِ الغَيْرِ وِزْرَ الغَيْرِ، وانْتِفاعِهِ بِحَسَنَتِهِ، وتَضَرُّرِهِ بِسَيِّئَتِهِ، فَهو في الحَقِيقَةِ انْتِفاعٌ بِحَسَنَةِ نَفْسِهِ، وتَضَرُّرٌ بِسَيِّئَتِهِ. فَإنَّ جَزاءَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ اللَّتَيْنِ يَعْمَلُهُما العامِلُ لازِمٌ لَهُ. وإنَّما الَّذِي يَصِلُ إلى مَن يَشْفَعُ جَزاءُ شَفاعَتِهِ، لا جَزاءُ (p-٣٩١٣)أصْلِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، وكَذَلِكَ جَزاءُ الضَّلالِ مَقْصُورٌ عَلى الضّالِّينَ. وما يَحْمِلُهُ المُضِلُّونَ إنَّما هو جَزاءُ الإضْلالِ لا جَزاءُ الضَّلالِ.
وإنَّما خُصَّ التَّأْكِيدُ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ قَطْعًا لِلْأطْماعِ الفارِغَةِ. حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم إنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، فالتَّبِعَةُ عَلى أسْلافِهِمُ الَّذِينَ قَلَّدُوهُمُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] بَيانٌ لِلْعِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ، إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ آثارِ الهِدايَةِ والضَّلالِ بِأصْحابِها، وعَدَمِ حِرْمانِ المُهْتَدِي مِن ثَمَراتِ هِدايَتِهِ، وعَدَمِ مُؤاخَذَةِ النَّفْسِ بِجِنايَةِ غَيْرِها. أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ مِنّا، بَلِ اسْتَحالَ في سُنَّتِنا المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، أنْ نُعَذِّبَ قَوْمًا حَتّى نَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ، ويَرْدَعُهم عَنِ الضَّلالِ؛ لِإقامَةِ الحُجَّةِ وقَطْعًا لِلْعُذْرِ. والعَذابُ أعَمُّ مِنَ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وقالَ تَعالى: ﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ قَوْمًا عَذابَ اسْتِئْصالٍ، ولا يُدْخِلُ أحَدًا النّارَ إلّا بَعْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ. قالَ قَتادَةُ: (p-٣٩١٤)إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا حَتّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ بِخَبَرٍ أوْ بَيِّنَةٍ. ولا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بِذَنْبِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الإسراء 17:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣-١٥] ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] .
﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ أيْ: ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ الصّادِرَ مِنهُ بِاخْتِيارِهِ خَيْرًا وشَرًّا، بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ أبَدًا. بَلْ يَلْزَمُهُ لُزُومَ الطَّوْقِ في العُنُقِ، لا يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحالٍ.
قالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى: وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ ما قُضِيَ أنَّهُ عامِلُهُ، وهو صائِرٌ إلَيْهِ مِن شَقاءٍ أوْ سَعادَةٍ بِعَمَلِهِ، في عُنُقِهِ لا يُفارِقُهُ. وإنَّما قَوْلُهُ: ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ مَثَلٌ لِما كانَتِ العَرَبُ تَتَفاءَلُ بِهِ أوْ تَتَشاءَمُ مِن سَوانِحِ الطَّيْرِ وبَوارِحِها.
(p-٣٩١١)وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا إذا أرادُوا الإقْدامَ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ؛ وأرادُوا أنْ يَعْرِفُوا أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ يَسُوقُهم إلى خَيْرٍ أوْ إلى شَرٍّ، اعْتَبَرُوا أحْوالَ الطَّيْرِ: وهو أنَّهُ يَطِيرُ بِنَفْسِهِ أوْ يَحْتاجُ إلى إزْعاجِهِ. وإذا طارَ فَهَلْ يَطِيرُ مُتَيامِنًا أوْ مُتَياسِرًا أوْ صاعِدًا إلى الجَوِّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي كانُوا يَعْتَبِرُونَها، ويَسْتَدِلُّونَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلى أحْوالِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ، فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهم، سُمِّيَ الخَيْرُ والشَّرُّ بِالطّائِرِ، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمٍ لازَمَهُ.
قالَ الطَّبَرِيُّ: فَأعْلَمَهم جَلَّ ثَناؤُهُ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ مِنهم قَدْ ألْزَمَهُ رَبُّهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ، نَحْسًا كانَ ذَلِكَ الَّذِي ألْزَمَهُ مِنَ الطّائِرِ وشَقاءً يُورِدُهُ سَعِيرًا، أوْ كانَ سَعْدًا يُورِدُهُ جِنانَ عَدْنٍ. وإنَّما أُضِيفَ إلى العُنُقِ ولَمْ يُضَفْ إلى اليَدِ أوْ غَيْرِها مِن أعْضاءِ الجَسَدِ، قِيلَ: لِأنَّ العُنُقَ هو مَوْضِعُ السِّماتِ ومَوْضِعُ القَلائِدِ والأطْوِقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَزِينُ أوْ يَشِينُ، فَجَرى كَلامُ العَرَبِ بِنِسْبَةِ الأشْياءِ اللّازِمَةِ بِبَنِي آدَمَ وغَيْرِهِمْ مِن ذَلِكَ، إلى أعْناقِهِمْ. وكَثُرَ اسْتِعْمالُهم ذَلِكَ حَتّى أضافُوا الأشْياءَ اللّازِمَةَ سائِرَ الأبْدانِ إلى الأعْناقِ. كَما أضافُوا جِناياتِ أعْضاءِ الأبْدانِ إلى اليَدِ، فَقالُوا: ذَلِكَ بِما كَسَبَتْ يَداهُ. وإنْ كانَ الَّذِي جَرَّ عَلَيْهِ لِسانُهُ أوْ فَرْجُهُ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ وحاصِلُهُ: - كَما قالَهُ الرّازِّيُّ - أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ كِنايَةٌ عَنِ اللُّزُومِ. كَما يُقالُ: (جَعَلْتُ هَذا في عُنُقِكَ) أيْ: قَلَّدْتُكَ هَذا العَمَلَ وألْزَمْتُكَ الِاحْتِفاظَ بِهِ. ويُقالُ: (قَلَّدْتُكَ كَذا وطَوَّقْتُكَ كَذا) أيْ: صَرَفْتُهُ إلَيْكَ وألْزَمْتُهُ إيّاكَ. ومِنهُ (قَلَّدَهُ السُّلْطانُ كَذا) أيْ: صارَتِ الوِلايَةُ، في لُزُومِها لَهُ، في مَوْضِعِ القِلادَةِ ومَكانِ الطَّوْقِ. ومِنهُ يُقالُ (فُلانٌ يُقَلِّدُ فُلانًا) أيْ: يَجْعَلُ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ كالقِلادَةِ المَرْبُوطَةِ عَلى عُنُقِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ﴾ أيْ: نُظْهِرُ لَهُ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيِ: البَعْثِ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ أيْ: يَجِدُهُ مَفْتُوحًا فِيهِ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ. ويُقالُ لَهُ:
﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] أيْ: شَهِيدًا بِما عَمِلْتَ.
(p-٣٩١٢)قالَ القاشانِيُّ: ﴿كِتابًا﴾ هَيْكَلًا مُصَوَّرًا يُصَوِّرُ أعْمالَهُ: ﴿يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ لِظُهُورِ تِلْكَ الهَيْئاتِ فِيهِ بِالفِعْلِ مُفَصَّلَةً، لا مَطْوِيًّا كَما كانَ عِنْدَ كَوْنِها فِيهِ بِالقُوَّةِ. يُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ [الإسراء: ١٤] أيِ: اقْرَأْهُ قِراءَةَ المَأْمُورِ المُمْتَثِلِ لِأمْرِ آمِرٍ مُطاعٍ يَأْمُرُهُ بِالقِراءَةِ. أوْ تَأْمُرُهُ القُوى المَلَكُوتِيَّةُ. سَواءٌ كانَ قارِئًا أوْ غَيْرَ قارِئٍ؛ لِأنَّ الأعْمالَ هُناكَ مُمَثَّلَةٌ بِهَيْئاتِها وصُوَرِها، يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ. لا عَلى سَبِيلِ الكِتابَةِ بِالحُرُوفِ فَلا يَعْرِفُها الأُمِّيُّ: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] لِأنَّ نَفْسَهُ تُشاهِدُ ما فَعَلَتْهُ لازِمًا إيّاها، نُصْبَ عَيْنِها، مُفَصَّلًا لا يُمْكِنُها الإنْكارُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: ١٥] قالَ أبُو السُّعُودِ: فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن بَيانِ كَوْنِ القُرْآنِ هادِيًا لِأقْوَمِ الطَّرائِقِ، ولُزُومِ الأعْمالِ لِأصْحابِها. أيْ: مَنِ اهْتَدى بِهِدايَتِهِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ تَضاعِيفُهُ مِنَ الأحْكامِ، وانْتَهى عَمّا نَهاهُ عَنْهُ، فَإنَّما تَعُودُ مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ إلى نَفْسِهِ، لا تَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لا يَهْتَدِي: ﴿ومَن ضَلَّ﴾ [الإسراء: ١٥] أيْ: عَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَهْدِيهِ إلَيْها: ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ [الإسراء: ١٥] أيْ: وبالُ ضَلالِهِ عَلَيْها، لا عَلى مَن عَداهُ مِمَّنْ لَمْ يُباشِرْهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الإسراء: ١٥] مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسُهُ حامِلَةً لِلْوِزْرِ، وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى، حَتّى يُمْكِنَ تَخَلُّصُ النَّفْسِ الثّانِيَةِ عَنْ وِزْرِها. ويَخْتَلُّ ما بَيْنَ العامِلِ وعَمَلِهِ مِنَ التَّلازُمِ. بَلْ إنَّما تَحْمِلُ كُلٌّ مِنهُما وِزْرَها. وهَذا تَحْقِيقٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ وأمّا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ [النساء: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] مِن حَمْلِ الغَيْرِ وِزْرَ الغَيْرِ، وانْتِفاعِهِ بِحَسَنَتِهِ، وتَضَرُّرِهِ بِسَيِّئَتِهِ، فَهو في الحَقِيقَةِ انْتِفاعٌ بِحَسَنَةِ نَفْسِهِ، وتَضَرُّرٌ بِسَيِّئَتِهِ. فَإنَّ جَزاءَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ اللَّتَيْنِ يَعْمَلُهُما العامِلُ لازِمٌ لَهُ. وإنَّما الَّذِي يَصِلُ إلى مَن يَشْفَعُ جَزاءُ شَفاعَتِهِ، لا جَزاءُ (p-٣٩١٣)أصْلِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، وكَذَلِكَ جَزاءُ الضَّلالِ مَقْصُورٌ عَلى الضّالِّينَ. وما يَحْمِلُهُ المُضِلُّونَ إنَّما هو جَزاءُ الإضْلالِ لا جَزاءُ الضَّلالِ.
وإنَّما خُصَّ التَّأْكِيدُ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ قَطْعًا لِلْأطْماعِ الفارِغَةِ. حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم إنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، فالتَّبِعَةُ عَلى أسْلافِهِمُ الَّذِينَ قَلَّدُوهُمُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] بَيانٌ لِلْعِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ، إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ آثارِ الهِدايَةِ والضَّلالِ بِأصْحابِها، وعَدَمِ حِرْمانِ المُهْتَدِي مِن ثَمَراتِ هِدايَتِهِ، وعَدَمِ مُؤاخَذَةِ النَّفْسِ بِجِنايَةِ غَيْرِها. أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ مِنّا، بَلِ اسْتَحالَ في سُنَّتِنا المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، أنْ نُعَذِّبَ قَوْمًا حَتّى نَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ، ويَرْدَعُهم عَنِ الضَّلالِ؛ لِإقامَةِ الحُجَّةِ وقَطْعًا لِلْعُذْرِ. والعَذابُ أعَمُّ مِنَ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وقالَ تَعالى: ﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ قَوْمًا عَذابَ اسْتِئْصالٍ، ولا يُدْخِلُ أحَدًا النّارَ إلّا بَعْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ. قالَ قَتادَةُ: (p-٣٩١٤)إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا حَتّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ بِخَبَرٍ أوْ بَيِّنَةٍ. ولا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بِذَنْبِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الإسراء 17:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣-١٥] ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] .
﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ أيْ: ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ الصّادِرَ مِنهُ بِاخْتِيارِهِ خَيْرًا وشَرًّا، بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ أبَدًا. بَلْ يَلْزَمُهُ لُزُومَ الطَّوْقِ في العُنُقِ، لا يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحالٍ.
قالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى: وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ ما قُضِيَ أنَّهُ عامِلُهُ، وهو صائِرٌ إلَيْهِ مِن شَقاءٍ أوْ سَعادَةٍ بِعَمَلِهِ، في عُنُقِهِ لا يُفارِقُهُ. وإنَّما قَوْلُهُ: ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ مَثَلٌ لِما كانَتِ العَرَبُ تَتَفاءَلُ بِهِ أوْ تَتَشاءَمُ مِن سَوانِحِ الطَّيْرِ وبَوارِحِها.
(p-٣٩١١)وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا إذا أرادُوا الإقْدامَ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ؛ وأرادُوا أنْ يَعْرِفُوا أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ يَسُوقُهم إلى خَيْرٍ أوْ إلى شَرٍّ، اعْتَبَرُوا أحْوالَ الطَّيْرِ: وهو أنَّهُ يَطِيرُ بِنَفْسِهِ أوْ يَحْتاجُ إلى إزْعاجِهِ. وإذا طارَ فَهَلْ يَطِيرُ مُتَيامِنًا أوْ مُتَياسِرًا أوْ صاعِدًا إلى الجَوِّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي كانُوا يَعْتَبِرُونَها، ويَسْتَدِلُّونَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلى أحْوالِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ، فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهم، سُمِّيَ الخَيْرُ والشَّرُّ بِالطّائِرِ، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمٍ لازَمَهُ.
قالَ الطَّبَرِيُّ: فَأعْلَمَهم جَلَّ ثَناؤُهُ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ مِنهم قَدْ ألْزَمَهُ رَبُّهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ، نَحْسًا كانَ ذَلِكَ الَّذِي ألْزَمَهُ مِنَ الطّائِرِ وشَقاءً يُورِدُهُ سَعِيرًا، أوْ كانَ سَعْدًا يُورِدُهُ جِنانَ عَدْنٍ. وإنَّما أُضِيفَ إلى العُنُقِ ولَمْ يُضَفْ إلى اليَدِ أوْ غَيْرِها مِن أعْضاءِ الجَسَدِ، قِيلَ: لِأنَّ العُنُقَ هو مَوْضِعُ السِّماتِ ومَوْضِعُ القَلائِدِ والأطْوِقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَزِينُ أوْ يَشِينُ، فَجَرى كَلامُ العَرَبِ بِنِسْبَةِ الأشْياءِ اللّازِمَةِ بِبَنِي آدَمَ وغَيْرِهِمْ مِن ذَلِكَ، إلى أعْناقِهِمْ. وكَثُرَ اسْتِعْمالُهم ذَلِكَ حَتّى أضافُوا الأشْياءَ اللّازِمَةَ سائِرَ الأبْدانِ إلى الأعْناقِ. كَما أضافُوا جِناياتِ أعْضاءِ الأبْدانِ إلى اليَدِ، فَقالُوا: ذَلِكَ بِما كَسَبَتْ يَداهُ. وإنْ كانَ الَّذِي جَرَّ عَلَيْهِ لِسانُهُ أوْ فَرْجُهُ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ وحاصِلُهُ: - كَما قالَهُ الرّازِّيُّ - أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ كِنايَةٌ عَنِ اللُّزُومِ. كَما يُقالُ: (جَعَلْتُ هَذا في عُنُقِكَ) أيْ: قَلَّدْتُكَ هَذا العَمَلَ وألْزَمْتُكَ الِاحْتِفاظَ بِهِ. ويُقالُ: (قَلَّدْتُكَ كَذا وطَوَّقْتُكَ كَذا) أيْ: صَرَفْتُهُ إلَيْكَ وألْزَمْتُهُ إيّاكَ. ومِنهُ (قَلَّدَهُ السُّلْطانُ كَذا) أيْ: صارَتِ الوِلايَةُ، في لُزُومِها لَهُ، في مَوْضِعِ القِلادَةِ ومَكانِ الطَّوْقِ. ومِنهُ يُقالُ (فُلانٌ يُقَلِّدُ فُلانًا) أيْ: يَجْعَلُ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ كالقِلادَةِ المَرْبُوطَةِ عَلى عُنُقِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ﴾ أيْ: نُظْهِرُ لَهُ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيِ: البَعْثِ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ أيْ: يَجِدُهُ مَفْتُوحًا فِيهِ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ. ويُقالُ لَهُ:
﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] أيْ: شَهِيدًا بِما عَمِلْتَ.
(p-٣٩١٢)قالَ القاشانِيُّ: ﴿كِتابًا﴾ هَيْكَلًا مُصَوَّرًا يُصَوِّرُ أعْمالَهُ: ﴿يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ لِظُهُورِ تِلْكَ الهَيْئاتِ فِيهِ بِالفِعْلِ مُفَصَّلَةً، لا مَطْوِيًّا كَما كانَ عِنْدَ كَوْنِها فِيهِ بِالقُوَّةِ. يُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ [الإسراء: ١٤] أيِ: اقْرَأْهُ قِراءَةَ المَأْمُورِ المُمْتَثِلِ لِأمْرِ آمِرٍ مُطاعٍ يَأْمُرُهُ بِالقِراءَةِ. أوْ تَأْمُرُهُ القُوى المَلَكُوتِيَّةُ. سَواءٌ كانَ قارِئًا أوْ غَيْرَ قارِئٍ؛ لِأنَّ الأعْمالَ هُناكَ مُمَثَّلَةٌ بِهَيْئاتِها وصُوَرِها، يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ. لا عَلى سَبِيلِ الكِتابَةِ بِالحُرُوفِ فَلا يَعْرِفُها الأُمِّيُّ: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] لِأنَّ نَفْسَهُ تُشاهِدُ ما فَعَلَتْهُ لازِمًا إيّاها، نُصْبَ عَيْنِها، مُفَصَّلًا لا يُمْكِنُها الإنْكارُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: ١٥] قالَ أبُو السُّعُودِ: فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن بَيانِ كَوْنِ القُرْآنِ هادِيًا لِأقْوَمِ الطَّرائِقِ، ولُزُومِ الأعْمالِ لِأصْحابِها. أيْ: مَنِ اهْتَدى بِهِدايَتِهِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ تَضاعِيفُهُ مِنَ الأحْكامِ، وانْتَهى عَمّا نَهاهُ عَنْهُ، فَإنَّما تَعُودُ مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ إلى نَفْسِهِ، لا تَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لا يَهْتَدِي: ﴿ومَن ضَلَّ﴾ [الإسراء: ١٥] أيْ: عَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَهْدِيهِ إلَيْها: ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ [الإسراء: ١٥] أيْ: وبالُ ضَلالِهِ عَلَيْها، لا عَلى مَن عَداهُ مِمَّنْ لَمْ يُباشِرْهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الإسراء: ١٥] مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسُهُ حامِلَةً لِلْوِزْرِ، وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى، حَتّى يُمْكِنَ تَخَلُّصُ النَّفْسِ الثّانِيَةِ عَنْ وِزْرِها. ويَخْتَلُّ ما بَيْنَ العامِلِ وعَمَلِهِ مِنَ التَّلازُمِ. بَلْ إنَّما تَحْمِلُ كُلٌّ مِنهُما وِزْرَها. وهَذا تَحْقِيقٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ وأمّا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ [النساء: ٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] مِن حَمْلِ الغَيْرِ وِزْرَ الغَيْرِ، وانْتِفاعِهِ بِحَسَنَتِهِ، وتَضَرُّرِهِ بِسَيِّئَتِهِ، فَهو في الحَقِيقَةِ انْتِفاعٌ بِحَسَنَةِ نَفْسِهِ، وتَضَرُّرٌ بِسَيِّئَتِهِ. فَإنَّ جَزاءَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ اللَّتَيْنِ يَعْمَلُهُما العامِلُ لازِمٌ لَهُ. وإنَّما الَّذِي يَصِلُ إلى مَن يَشْفَعُ جَزاءُ شَفاعَتِهِ، لا جَزاءُ (p-٣٩١٣)أصْلِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، وكَذَلِكَ جَزاءُ الضَّلالِ مَقْصُورٌ عَلى الضّالِّينَ. وما يَحْمِلُهُ المُضِلُّونَ إنَّما هو جَزاءُ الإضْلالِ لا جَزاءُ الضَّلالِ.
وإنَّما خُصَّ التَّأْكِيدُ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ قَطْعًا لِلْأطْماعِ الفارِغَةِ. حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم إنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، فالتَّبِعَةُ عَلى أسْلافِهِمُ الَّذِينَ قَلَّدُوهُمُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] بَيانٌ لِلْعِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ، إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ آثارِ الهِدايَةِ والضَّلالِ بِأصْحابِها، وعَدَمِ حِرْمانِ المُهْتَدِي مِن ثَمَراتِ هِدايَتِهِ، وعَدَمِ مُؤاخَذَةِ النَّفْسِ بِجِنايَةِ غَيْرِها. أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ مِنّا، بَلِ اسْتَحالَ في سُنَّتِنا المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، أنْ نُعَذِّبَ قَوْمًا حَتّى نَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ، ويَرْدَعُهم عَنِ الضَّلالِ؛ لِإقامَةِ الحُجَّةِ وقَطْعًا لِلْعُذْرِ. والعَذابُ أعَمُّ مِنَ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وقالَ تَعالى: ﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ قَوْمًا عَذابَ اسْتِئْصالٍ، ولا يُدْخِلُ أحَدًا النّارَ إلّا بَعْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ. قالَ قَتادَةُ: (p-٣٩١٤)إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا حَتّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ بِخَبَرٍ أوْ بَيِّنَةٍ. ولا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بِذَنْبِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الإسراء 17:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦] ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ .
﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ بَيانٌ لِوُقُوعِ التَّعْذِيبِ بَعْدَ الرِّسالَةِ. وأنَّهُ إنَّما كانَ لِلتَّمَرُّدِ عَلى الرُّسُلِ والتَّنَكُّبِ عَنْ مَنهَجِهِمْ. وقَدْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّعْذِيبَ المُتَقَدِّمَ مُرادٌ بِهِ الهَلاكُ الدُّنْيَوِيُّ لِانْحِصارِها فِيهِ. والمَعْنى: إذا أرَدْنا أنْ نُعَذِّبَ قَوْمًا عَذابَ اسْتِئْصالٍ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ يَعْنِي مُتَنَعَّمِيها، بِالطّاعَةِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ: ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ تَعالى والخُرُوجِ عَنْ طاعَتِهِ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ فَوَجَبَ عَلَيْها، بِمَعْصِيَتِهِمْ وفِسْقِهِمْ وطُغْيانِهِمْ، وعِيدُ اللَّهِ الَّذِي أوْعَدَ مَن كَفَرَ بِهِ وخالَفَ رُسُلَهُ، مِنَ الهَلاكِ بَعْدَ الإعْذارِ والإنْذارِ بِالرُّسُلِ والحُجَجِ: ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ أيْ: فَخَرَّبْناها تَخْرِيبًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ ولا يُوصَفُ. وأهْلَكْنا مَن كانَ فِيها مِن أهْلِها إهْلاكًا هائِلًا، كَما جَرى لِبَيْتِ المَقْدِسِ، لَمّا انْحَرَفَ اليَهُودُ عَنْ شِرْعَتِهِمْ، عَلى ما قَدَّمْنا بَيانَهُ. وإنَّما خَصَّ المُتْرَفِينَ، وهُمُ الجَبّارُونَ والمُلُوكُ والرُّؤَساءُ بِالذِّكْرِ مَعَ تَوَجُّهِ الأمْرِ إلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُمُ الأصْلُ في الخِطابِ والباقِي تَبَعٌ لَهم. ولِأنَّ تَوَجُّهَ الأمْرِ إلَيْهِمْ آكَدُ. وإنَّما حَذَفَ مَفْعُولَ: ﴿أمَرْنا﴾ لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ بِهِ الحَقُّ والخَيْرُ. لا سِيَّما بَعْدَ ذِكْرِ هِدايَةِ القُرْآنِ لِما يَهْدِي إلَيْهِ. وفي إيثارِ (القَرْيَةِ) عَلى أهْلِها زِيادَةُ تَهْوِيلٍ وتَفْظِيعٍ، إشارَةً إلى التَّنْكِيلِ بِهِمْ بِهَدْمِ صُرُوحِهِمْ ودُورِهِمْ، وطَمْسِ أثَرِهِمْ، وهو أوْجَعُ لِلْقَلْبِ وأنْكى لِلْعَدُوِّ. ولِذَلِكَ أتى إثْرَهُ بِالمَصْدَرِ المُؤَكِّدِ فَقالَ: ﴿تَدْمِيرًا﴾ أيْ: كُلِّيًّا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم زَرْعٌ أوْ ضَرْعٌ.
(p-٣٩١٥)قالَ القاشانِيُّ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ في الدُّنْيا زَوالًا. وزَوالُهُ بِحُصُولِ اسْتِعْدادٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وكَما أنَّ زَوالَ البَدَنِ بِزَوالِ الِاعْتِدالِ، وحُصُولِ انْحِرافٍ يُبْعِدُهُ عَنْ بَقائِهِ وثَباتِهِ؛ فَكَذَلِكَ هَلاكُ المَدِينَةِ وزَوالُها بِحُدُوثِ انْحِرافٍ فِيها مِنَ الجادَّةِ المُسْتَقِيمَةِ الَّتِي هي صِراطُ اللَّهِ وهي الشَّرِيعَةُ الحافِظَةُ لِلنِّظامِ. فَإذا جاءَ وقْتُ إهْلاكِ قَرْيَةٍ، فَلا بُدَّ مِنِ اسْتِحْقاقِها لِلْإهْلاكِ. وذَلِكَ بِالفِسْقِ والخُرُوجِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ. فَلَمّا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِإهْلاكِها، تَقَدَّمَهُ أوَّلًا بِالضَّرُورَةِ فِسْقُ مُتْرَفِيها مِن أصْحابِ التَّرَفِ والتَّنَعُّمِ بَطَرًا وأشَرًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ، واسْتِعْمالًا لَها فِيما لا يَنْبَغِي. وذَلِكَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ وقَدَرٍ مِنهُ، لِشَقاوَةٍ كانَتْ تَلْزَمُ اسْتِعْداداتِهِمْ. وحِينَئِذٍ وجَبَ إهْلاكُهم. وقَوْلُهُ تَعالى:
الإسراء 17:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ .
﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ أيْ: وكَثِيرًا ما أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ مِن بَعْدِ زَمَنِ نُوحٍ، كَعادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ. مِمَّنْ قُصَّتْ أنْباؤُهم في القُرْآنِ العَظِيمِ ومَن لَمْ تُقَصَّ. و: { القُرُونِ } جَمْعُ قَرْنٍ يُطْلَقُ عَلى الزَّمَنِ المُعَيَّنِ وعَلى أهْلِهِ المُقْتَرِنِينَ فِيهِ، وعَلى كُلِّ أُمَّةٍ هَلَكَتْ فَلَمْ يَبْقَ مِنها أحَدٌ. وخَصَّ: ﴿نُوحٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: (مِن بَعْدِ آدَمَ) لِأنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ آذاهُ قَوْمُهُ فاسْتَأْصَلَهُمُ العَذابُ. فَفِيهِ تَهْدِيدٌ وإنْذارٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
﴿وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، فَيُدْرِكُ سِرَّها وعَلَنَها وسَيُجازِي عَلَيْها.
والآيَةُ تَدُلُّ - كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ -: عَلى أنَّ الذُّنُوبَ هي أسْبابُ الهَلَكَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا عَقَّبَ إهْلاكَهم بِعِلْمِهِ بِالذُّنُوبِ عِلْمًا أتَمَّ، دَلَّ عَلى أنَّهُ جازاهم بِها.
(p-٣٩١٦)
الإسراء 17:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨-١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] .
﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]
أيْ مَن كانَ طَلَبُهُ الدُّنْيا العاجِلَةَ، ولَها يَعْمَلُ ويَسْعى، وإيّاها يَبْتَغِي؛ لا يُوقِنُ بِمُعادٍ ولا يَرْجُو ثَوابًا ولا عِقابًا مِن رَبِّهِ عَلى عِلْمِهِ: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ أيْ: ما نَشاؤُهُ مِن بَسْطِ الدُّنْيا عَلَيْهِ أوْ تَقْتِيرِها لِمَن أرادَ اللَّهُ أنْ يَفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ. أوْ مِن إهْلاكِهِ بِما يَشاءُ تَعالى مِن عُقُوباتِهِ المُعَجَّلَةِ. ثُمَّ يَصْلى جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ: ﴿مَذْمُومًا﴾ عَلى قِلَّةِ شُكْرِهِ لِمَوْلاهُ، وسُوءِ صَنِيعِهِ فِيما سَلَفَ لَهُ: ﴿مَدْحُورًا﴾ مَطْرُودًا مِنَ الرَّحْمَةِ، مُبْعَدًا مَقْصِيًّا في النّارِ. ومَن أرادَ الآخِرَةَ وإيّاها طَلَبَ، ولَها عَمِلَ عَمَلَها الَّذِي هو طاعَةُ اللَّهِ وما يُرْضِيهِ عَنْهُ، فَأُولَئِكَ كانَ عَمَلُهم مَشْكُورًا بِحُسْنِ الجَزاءِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ الآيَةُ داخِلَةٌ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] فالآيَةُ الأُولى تُشِيرُ إلى مَن جَعَلَ طائِرَ نَفْسِهِ شُؤْمًا. والثّانِيَةُ لِمَن جَعَلَهُ يُمْنًا وخَيْرًا. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩] أيْ: ما يَحِقُّ ويَلِيقُ بِها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، تَبْيِينٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ﴾ [الإسراء: ١٩] بِأنَّ إرادَتَها هو بِالسَّعْيِ والنَّصَبِ في مُغالَبَةِ الباطِلِ وإعْلاءِ شَأْنِ الحَقِّ مَعَ التَّلَبُّسِ بِالإيمانِ الصَّحِيحِ، بِفِعْلِ المَأْمُورِ واجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٩١٧)
الإسراء 17:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨-١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] .
﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]
أيْ مَن كانَ طَلَبُهُ الدُّنْيا العاجِلَةَ، ولَها يَعْمَلُ ويَسْعى، وإيّاها يَبْتَغِي؛ لا يُوقِنُ بِمُعادٍ ولا يَرْجُو ثَوابًا ولا عِقابًا مِن رَبِّهِ عَلى عِلْمِهِ: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ أيْ: ما نَشاؤُهُ مِن بَسْطِ الدُّنْيا عَلَيْهِ أوْ تَقْتِيرِها لِمَن أرادَ اللَّهُ أنْ يَفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ. أوْ مِن إهْلاكِهِ بِما يَشاءُ تَعالى مِن عُقُوباتِهِ المُعَجَّلَةِ. ثُمَّ يَصْلى جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ: ﴿مَذْمُومًا﴾ عَلى قِلَّةِ شُكْرِهِ لِمَوْلاهُ، وسُوءِ صَنِيعِهِ فِيما سَلَفَ لَهُ: ﴿مَدْحُورًا﴾ مَطْرُودًا مِنَ الرَّحْمَةِ، مُبْعَدًا مَقْصِيًّا في النّارِ. ومَن أرادَ الآخِرَةَ وإيّاها طَلَبَ، ولَها عَمِلَ عَمَلَها الَّذِي هو طاعَةُ اللَّهِ وما يُرْضِيهِ عَنْهُ، فَأُولَئِكَ كانَ عَمَلُهم مَشْكُورًا بِحُسْنِ الجَزاءِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ الآيَةُ داخِلَةٌ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] فالآيَةُ الأُولى تُشِيرُ إلى مَن جَعَلَ طائِرَ نَفْسِهِ شُؤْمًا. والثّانِيَةُ لِمَن جَعَلَهُ يُمْنًا وخَيْرًا. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩] أيْ: ما يَحِقُّ ويَلِيقُ بِها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، تَبْيِينٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ﴾ [الإسراء: ١٩] بِأنَّ إرادَتَها هو بِالسَّعْيِ والنَّصَبِ في مُغالَبَةِ الباطِلِ وإعْلاءِ شَأْنِ الحَقِّ مَعَ التَّلَبُّسِ بِالإيمانِ الصَّحِيحِ، بِفِعْلِ المَأْمُورِ واجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٩١٧)
الإسراء 17:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠-٢٢] ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١] ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ [الإسراء: ٢٢] .
﴿كُلا نُمِدُّ﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ بَدَلٌ مِن (كُلًّا): ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ أيْ: فَضْلِهِ. فَيَرْزُقُهُما جَمِيعًا مِن رِزْقِهِ إلى بُلُوغِهِما الأمَدَ واسْتِيفائِهِما الأجَلَ، ما كُتِبَ لَهُما. ثُمَّ تَخْتَلِفُ بِهِما الأحْوالُ بَعْدَ المَماتِ، وتَفْتَرِقُ بِهِما بَعْدَ الوُرُودِ المَصادِرُ. فَفَرِيقُ مُرِيدِي العاجِلَةِ، إلى جَهَنَّمَ مَصْدَرُهم. وفَرِيقُ مُرِيدِي الآخِرَةِ، إلى الجَنَّةِ مَآبُهم: ﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ أيْ: مَمْنُوعًا لا يَمْنَعُهُ مِن عاصٍ لِعِصْيانِهِ. والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِشُمُولِ الإمْدادِ لِلْفَرِيقَيْنِ.
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] أيْ: في الرِّزْقِ في الدُّنْيا: ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١] لِأنَّ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما بِهِ تُنالُ دَرَجاتُ الآخِرَةِ مِنَ البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ، ومِنَ الِاعْتِصامِ بِالإيمانِ وشُعَبِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ [الإسراء: ٢٢] أيْ: لا تَجْعَلْ مَعَهُ شَرِيكًا في عِبادَتِهِ فَتَصِيرَ مَذْمُومًا مَلُومًا عَلى الشِّرْكِ، مَخْذُولًا مِنَ اللَّهِ، يَكِلُكَ إلى ذاكَ الشَّرِيكِ ولا يَنْصُرُكَ: ﴿وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]
(p-٣٩١٨)
الإسراء 17:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠-٢٢] ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١] ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ [الإسراء: ٢٢] .
﴿كُلا نُمِدُّ﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ بَدَلٌ مِن (كُلًّا): ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ أيْ: فَضْلِهِ. فَيَرْزُقُهُما جَمِيعًا مِن رِزْقِهِ إلى بُلُوغِهِما الأمَدَ واسْتِيفائِهِما الأجَلَ، ما كُتِبَ لَهُما. ثُمَّ تَخْتَلِفُ بِهِما الأحْوالُ بَعْدَ المَماتِ، وتَفْتَرِقُ بِهِما بَعْدَ الوُرُودِ المَصادِرُ. فَفَرِيقُ مُرِيدِي العاجِلَةِ، إلى جَهَنَّمَ مَصْدَرُهم. وفَرِيقُ مُرِيدِي الآخِرَةِ، إلى الجَنَّةِ مَآبُهم: ﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ أيْ: مَمْنُوعًا لا يَمْنَعُهُ مِن عاصٍ لِعِصْيانِهِ. والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِشُمُولِ الإمْدادِ لِلْفَرِيقَيْنِ.
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] أيْ: في الرِّزْقِ في الدُّنْيا: ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١] لِأنَّ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما بِهِ تُنالُ دَرَجاتُ الآخِرَةِ مِنَ البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ، ومِنَ الِاعْتِصامِ بِالإيمانِ وشُعَبِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ [الإسراء: ٢٢] أيْ: لا تَجْعَلْ مَعَهُ شَرِيكًا في عِبادَتِهِ فَتَصِيرَ مَذْمُومًا مَلُومًا عَلى الشِّرْكِ، مَخْذُولًا مِنَ اللَّهِ، يَكِلُكَ إلى ذاكَ الشَّرِيكِ ولا يَنْصُرُكَ: ﴿وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]
(p-٣٩١٨)
الإسراء 17:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠-٢٢] ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١] ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ [الإسراء: ٢٢] .
﴿كُلا نُمِدُّ﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ بَدَلٌ مِن (كُلًّا): ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ أيْ: فَضْلِهِ. فَيَرْزُقُهُما جَمِيعًا مِن رِزْقِهِ إلى بُلُوغِهِما الأمَدَ واسْتِيفائِهِما الأجَلَ، ما كُتِبَ لَهُما. ثُمَّ تَخْتَلِفُ بِهِما الأحْوالُ بَعْدَ المَماتِ، وتَفْتَرِقُ بِهِما بَعْدَ الوُرُودِ المَصادِرُ. فَفَرِيقُ مُرِيدِي العاجِلَةِ، إلى جَهَنَّمَ مَصْدَرُهم. وفَرِيقُ مُرِيدِي الآخِرَةِ، إلى الجَنَّةِ مَآبُهم: ﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ أيْ: مَمْنُوعًا لا يَمْنَعُهُ مِن عاصٍ لِعِصْيانِهِ. والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِشُمُولِ الإمْدادِ لِلْفَرِيقَيْنِ.
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] أيْ: في الرِّزْقِ في الدُّنْيا: ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١] لِأنَّ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما بِهِ تُنالُ دَرَجاتُ الآخِرَةِ مِنَ البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ، ومِنَ الِاعْتِصامِ بِالإيمانِ وشُعَبِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ [الإسراء: ٢٢] أيْ: لا تَجْعَلْ مَعَهُ شَرِيكًا في عِبادَتِهِ فَتَصِيرَ مَذْمُومًا مَلُومًا عَلى الشِّرْكِ، مَخْذُولًا مِنَ اللَّهِ، يَكِلُكَ إلى ذاكَ الشَّرِيكِ ولا يَنْصُرُكَ: ﴿وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]
(p-٣٩١٨)
الإسراء 17:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣-٢٤] ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] .
﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ أيْ: أمَرَ أمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ: وبِأنْ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا. قالَ القاشانِيُّ: قَرَنَ سُبْحانَهُ وتَعالى إحْسانَ الوالِدَيْنِ بِالتَّوْحِيدِ وتَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ؛ لِكَوْنِهِما مُناسِبَيْنِ لِلْحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِتَرْبِيَتِها إيّاكَ عاجِزًا صَغِيرًا ضَعِيفًا لا قُدْرَةَ لَكَ ولا حَراكَ بِكَ. وهُما أوَّلُ مَظْهَرٍ ظَهَرَ فِيهِ آثارُ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الإيجادِ والرُّبُوبِيَّةِ، والرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكَ. ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُما مُحْتاجانِ إلى قَضاءِ حُقُوقِهِما، واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ. فَأهَمُّ الواجِباتِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ إذًا؛ إكْرامُهُما والقِيامُ بِحُقُوقِهِما ما أمْكَنَ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] في هَذا مِنَ المُبالَغَةِ في إكْرامِ الوالِدَيْنِ وبِرِّهِما ما لا يَخْفى. و: ﴿إمّا﴾ هي (إنِ) الشَّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْها (ما) تَأْكِيدًا لَها. و: ﴿أحَدُهُما﴾ فاعِلُ (يَبْلُغَنَّ) و: ﴿كِلاهُما﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ. ومَعْنى: { عِنْدَكَ } هو أنْ يَكْبَرا ويَعْجِزا، وكانا كَلًّا عَلى ولَدِهِما، ولا كافِلَ لَهُما غَيْرُهُ، فَهُما عِنْدَهُ في بَيْتِهِ وكَنَفِهِ. وذَلِكَ أشَقُّ عَلَيْهِ وأشَدُّ احْتِمالًا وصَبْرًا. ورُبَّما تَوَلّى مِنهُما ما كانا يَتَوَلَّيانِ مِنهُ في حالِ الطُّفُولَةِ. فَهو مَأْمُورٌ بِأنْ يَسْتَعْمِلَ مَعَهُما وطْأةَ الخُلُقِ ولِينِ الجانِبِ والِاحْتِمالِ، حَتّى لا يَقُولَ لَهُما، إذا أضْجَرَهُ ما يَسْتَقْذِرُ مِنهُما، أوْ يَسْتَثْقِلُ مِن مُؤَنِهِما: ﴿أُفٍّ﴾ فَضْلًا عَمّا يَزِيدُ عَلَيْهِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
(p-٣٩١٩)﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ أيْ: تَزْجُرْهم عَمّا لا يُعْجِبُكَ، بِغِلْظَةٍ: ﴿وقُلْ لَهُما﴾ بَدَلَ التَّأْفِيفِ والنَّهْرِ: ﴿قَوْلا كَرِيمًا﴾ أيْ: حَسَنًا كَما يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الأدَبِ مَعَهُما. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤] تَذَلَّلْ لَهُما وتَواضَعْ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ. فَشَبَّهَ الذُّلَّ بِطائِرٍ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا، وأثْبَتَ لَهُ الجَناحَ تَخْيِيلًا، والخَفْضَ تَرْشِيحًا. و(خَفْضُهُ) ما يَفْعَلُهُ إذا ضَمَّ أفْراخَهُ لِلتَّرْبِيَةِ. أوِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ في المُفْرَدِ وهو الجَناحُ، والخَفْضُ تَرْشِيحٌ. و(الجَناحُ) الجانِبُ كَما يُقالُ (جَناحا العَسْكَرِ) وخَفْضُهُ مَجازٌ، كَما يُقالُ (لَيِّنُ الجانِبِ) و(مُنْخَفِضُ الجانِبِ) . وإضافَةُ الجَناحِ إلى الذُّلِّ لِلْبَيانِ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ. أيْ: جَناحُكَ الذَّلِيلُ. وفِيهِ مُبالَغَةٌ لِأنَّهُ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ. فَكَأنَّهُ جُعِلَ عَيْنَ الذُّلِّ. أوِ التَّرْكِيبُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. فَيَكُونُ مَثَلًا لِغايَةِ التَّواضُعِ. وسِرُّ ذِكْرِ الجَناحِ وخَفْضِهِ، تَصْوِيرُ الذُّلِّ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ. و: { مِنَ } في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] ابْتِدائِيَّةٌ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ. أيْ: مِن فَرْطِ رَحْمَتِكَ لَهُما، وعَطْفِكَ عَلَيْهِما، لِكِبَرِهِما وافْتِقارِهِما اليَوْمَ، إلى مَن كانَ أفْقَرَ خَلْقِ اللَّهِ إلَيْهِما بِالأمْسِ. وافْتِقارُ المَرْءِ إلى مَن كانَ مُفْتَقِرًا لَهُ، غايَةٌ في الضَّراعَةِ والمَسْكَنَةِ، فَيَرْحَمُهُ أشَدَّ رَحْمَةٍ. كَما قالَ الخَفاجِيُّ:
؎يا مَن أتى يَسْألُ عَنْ فاقَتِي ما حالُ مَن يَسْألُ مِن سائِلِهِ ؟
؎ما ذِلَّةُ السُّلْطانِ إلّا إذا ∗∗∗ أصْبَحَ مُحْتاجًا إلى عامِلِهِ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] أيْ: رَبِّ ! تَعَطَّفْ عَلَيْهِما بِرَحْمَتِكَ ومُغْفِرَتِكَ، كَما تَعَطَّفا عَلَيَّ في صِغَرِي، فَرَحِمانِي ورَبَّيانِي صَغِيرًا حَتّى اسْتَقْلَلْتُ بِنَفْسِي، واسْتَغْنَيْتُ عَنْهُما.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَكْتَفِ بِرَحْمَتِكَ عَلَيْهِما الَّتِي لا بَقاءَ لَها، وادْعُ اللَّهَ بِأنْ يَرْحَمَهُما رَحْمَتَهُ الباقِيَةَ. واجْعَلْ ذَلِكَ جَزاءً لِرَحْمَتِهِما عَلَيْكَ في صِغَرِكَ وتَرْبِيَتِهِما لَكَ. والكافُ لِلتَّعْلِيلِ. أيْ: لِأجْلِ تَرْبِيَتِهِما لِي.
قالَ الطِّيبِيُّ: الكافُ لِتَأْكِيدِ الوُجُودِ. كَأنَّهُ قِيلَ: رَبِّ ارْحَمْهُما رَحْمَةً مُحَقَّقَةً مَكْشُوفَةً لا رَيْبَ فِيها، كَقَوْلِهِ: ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] وهو وجْهٌ حَسَنٌ.
(p-٣٩٢٠)تَنْبِيهٌ:
اسْتَحَبَّ بَعْضُ السَّلَفِ أنْ يَدْعُوَ المَرْءَ لِوالِدَيْهِ في أواخِرِ التَّشَهُّدِ قُبَيْلَ السَّلامِ؛ لِأنَّهُ وقْتٌ فاضِلٌ. وقَدْ جَمَعْتُ مِنَ الأدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ لِلْوالِدَيْنِ المُتَوَفَّيَيْنِ أوْ أحَدِهِما، جُمْلَةً ضَمَمْتُها لِكِتابِي " الأوْرادُ المَأْثُورَةُ " . لا أزالُ أدْعُو لَهُما بِها في السَّحَرِ أوْ بَيْنَ أذانِ الفَجْرِ وإقامَةِ صَلاتِهِ؛ لِما أرى مِن مَزِيَّةِ هَذا الوَقْتِ عَلى غَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الإسراء 17:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣-٢٤] ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] .
﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ أيْ: أمَرَ أمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ: وبِأنْ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا. قالَ القاشانِيُّ: قَرَنَ سُبْحانَهُ وتَعالى إحْسانَ الوالِدَيْنِ بِالتَّوْحِيدِ وتَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ؛ لِكَوْنِهِما مُناسِبَيْنِ لِلْحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِتَرْبِيَتِها إيّاكَ عاجِزًا صَغِيرًا ضَعِيفًا لا قُدْرَةَ لَكَ ولا حَراكَ بِكَ. وهُما أوَّلُ مَظْهَرٍ ظَهَرَ فِيهِ آثارُ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الإيجادِ والرُّبُوبِيَّةِ، والرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكَ. ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُما مُحْتاجانِ إلى قَضاءِ حُقُوقِهِما، واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ. فَأهَمُّ الواجِباتِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ إذًا؛ إكْرامُهُما والقِيامُ بِحُقُوقِهِما ما أمْكَنَ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] في هَذا مِنَ المُبالَغَةِ في إكْرامِ الوالِدَيْنِ وبِرِّهِما ما لا يَخْفى. و: ﴿إمّا﴾ هي (إنِ) الشَّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْها (ما) تَأْكِيدًا لَها. و: ﴿أحَدُهُما﴾ فاعِلُ (يَبْلُغَنَّ) و: ﴿كِلاهُما﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ. ومَعْنى: { عِنْدَكَ } هو أنْ يَكْبَرا ويَعْجِزا، وكانا كَلًّا عَلى ولَدِهِما، ولا كافِلَ لَهُما غَيْرُهُ، فَهُما عِنْدَهُ في بَيْتِهِ وكَنَفِهِ. وذَلِكَ أشَقُّ عَلَيْهِ وأشَدُّ احْتِمالًا وصَبْرًا. ورُبَّما تَوَلّى مِنهُما ما كانا يَتَوَلَّيانِ مِنهُ في حالِ الطُّفُولَةِ. فَهو مَأْمُورٌ بِأنْ يَسْتَعْمِلَ مَعَهُما وطْأةَ الخُلُقِ ولِينِ الجانِبِ والِاحْتِمالِ، حَتّى لا يَقُولَ لَهُما، إذا أضْجَرَهُ ما يَسْتَقْذِرُ مِنهُما، أوْ يَسْتَثْقِلُ مِن مُؤَنِهِما: ﴿أُفٍّ﴾ فَضْلًا عَمّا يَزِيدُ عَلَيْهِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
(p-٣٩١٩)﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ أيْ: تَزْجُرْهم عَمّا لا يُعْجِبُكَ، بِغِلْظَةٍ: ﴿وقُلْ لَهُما﴾ بَدَلَ التَّأْفِيفِ والنَّهْرِ: ﴿قَوْلا كَرِيمًا﴾ أيْ: حَسَنًا كَما يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الأدَبِ مَعَهُما. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤] تَذَلَّلْ لَهُما وتَواضَعْ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ. فَشَبَّهَ الذُّلَّ بِطائِرٍ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا، وأثْبَتَ لَهُ الجَناحَ تَخْيِيلًا، والخَفْضَ تَرْشِيحًا. و(خَفْضُهُ) ما يَفْعَلُهُ إذا ضَمَّ أفْراخَهُ لِلتَّرْبِيَةِ. أوِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ في المُفْرَدِ وهو الجَناحُ، والخَفْضُ تَرْشِيحٌ. و(الجَناحُ) الجانِبُ كَما يُقالُ (جَناحا العَسْكَرِ) وخَفْضُهُ مَجازٌ، كَما يُقالُ (لَيِّنُ الجانِبِ) و(مُنْخَفِضُ الجانِبِ) . وإضافَةُ الجَناحِ إلى الذُّلِّ لِلْبَيانِ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ. أيْ: جَناحُكَ الذَّلِيلُ. وفِيهِ مُبالَغَةٌ لِأنَّهُ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ. فَكَأنَّهُ جُعِلَ عَيْنَ الذُّلِّ. أوِ التَّرْكِيبُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. فَيَكُونُ مَثَلًا لِغايَةِ التَّواضُعِ. وسِرُّ ذِكْرِ الجَناحِ وخَفْضِهِ، تَصْوِيرُ الذُّلِّ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ. و: { مِنَ } في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] ابْتِدائِيَّةٌ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ. أيْ: مِن فَرْطِ رَحْمَتِكَ لَهُما، وعَطْفِكَ عَلَيْهِما، لِكِبَرِهِما وافْتِقارِهِما اليَوْمَ، إلى مَن كانَ أفْقَرَ خَلْقِ اللَّهِ إلَيْهِما بِالأمْسِ. وافْتِقارُ المَرْءِ إلى مَن كانَ مُفْتَقِرًا لَهُ، غايَةٌ في الضَّراعَةِ والمَسْكَنَةِ، فَيَرْحَمُهُ أشَدَّ رَحْمَةٍ. كَما قالَ الخَفاجِيُّ:
؎يا مَن أتى يَسْألُ عَنْ فاقَتِي ما حالُ مَن يَسْألُ مِن سائِلِهِ ؟
؎ما ذِلَّةُ السُّلْطانِ إلّا إذا ∗∗∗ أصْبَحَ مُحْتاجًا إلى عامِلِهِ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] أيْ: رَبِّ ! تَعَطَّفْ عَلَيْهِما بِرَحْمَتِكَ ومُغْفِرَتِكَ، كَما تَعَطَّفا عَلَيَّ في صِغَرِي، فَرَحِمانِي ورَبَّيانِي صَغِيرًا حَتّى اسْتَقْلَلْتُ بِنَفْسِي، واسْتَغْنَيْتُ عَنْهُما.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَكْتَفِ بِرَحْمَتِكَ عَلَيْهِما الَّتِي لا بَقاءَ لَها، وادْعُ اللَّهَ بِأنْ يَرْحَمَهُما رَحْمَتَهُ الباقِيَةَ. واجْعَلْ ذَلِكَ جَزاءً لِرَحْمَتِهِما عَلَيْكَ في صِغَرِكَ وتَرْبِيَتِهِما لَكَ. والكافُ لِلتَّعْلِيلِ. أيْ: لِأجْلِ تَرْبِيَتِهِما لِي.
قالَ الطِّيبِيُّ: الكافُ لِتَأْكِيدِ الوُجُودِ. كَأنَّهُ قِيلَ: رَبِّ ارْحَمْهُما رَحْمَةً مُحَقَّقَةً مَكْشُوفَةً لا رَيْبَ فِيها، كَقَوْلِهِ: ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] وهو وجْهٌ حَسَنٌ.
(p-٣٩٢٠)تَنْبِيهٌ:
اسْتَحَبَّ بَعْضُ السَّلَفِ أنْ يَدْعُوَ المَرْءَ لِوالِدَيْهِ في أواخِرِ التَّشَهُّدِ قُبَيْلَ السَّلامِ؛ لِأنَّهُ وقْتٌ فاضِلٌ. وقَدْ جَمَعْتُ مِنَ الأدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ لِلْوالِدَيْنِ المُتَوَفَّيَيْنِ أوْ أحَدِهِما، جُمْلَةً ضَمَمْتُها لِكِتابِي " الأوْرادُ المَأْثُورَةُ " . لا أزالُ أدْعُو لَهُما بِها في السَّحَرِ أوْ بَيْنَ أذانِ الفَجْرِ وإقامَةِ صَلاتِهِ؛ لِما أرى مِن مَزِيَّةِ هَذا الوَقْتِ عَلى غَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الإسراء 17:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥-٢٧] ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] .
﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ أيْ: ضَمائِرِكِمْ مِن قَصْدِ البِرِّ إلى الوالِدَيْنِ والعُقُوقِ: ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ أيْ: قاصِدِينَ لِلصَّلاحِ والبِرِّ دُونَ العُقُوقِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ﴾ أيِ: التَّوّابِينَ الرَّجّاعِينَ إلَيْهِ تَعالى بِالنَّدَمِ عَمّا فَرَطَ مِنهم، والِاسْتِقامَةِ عَلى المَأْمُورِ: ﴿غَفُورًا﴾ أيْ: لَهم ما اكْتَسَبُوا. ولا يَخْفى ما في صَدْرِ الآيَةِ مِنَ الوَعْدِ لِمَن أضْمَرَ البَرَّ. والوَعِيدِ لِمَن أضْمَرَ الكَراهَةَ والِاسْتِثْقالَ والعُقُوقَ.
قِيلَ: الآيَةُ اسْتِئْنافٌ يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ. كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَقُومُ بِحَقِّهِما وقَدْ تَبْدُرُ بَوادِرُ ؟ فَقِيلَ: إذا بَنَيْتُمُ الأمْرَ عَلى الأساسِ، وكانَ المُسْتَمِرُّ ذَلِكَ، ثُمَّ اتَّفَقَتْ بادِرَةٌ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى المَساءَةِ، فَلُطْفُ اللَّهِ يَحْجِزُ دُونَ عَذابِهِ. ويَجُوزُ - كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - أنَّ يَكُونَ هَذا عامًّا لِكُلِّ مَن فَرَطَتْ مِنهُ جِنايَةٌ ثُمَّ تابَ مِنها. ويَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الجانِي عَلى أبَوَيْهِ، التّائِبُ مِن جِنايَتِهِ؛ لِوُرُودِهِ عَلى أثَرِهِ.
ثُمَّ وصّى تَعالى بِغَيْرِ الوالِدَيْنِ مِنَ الأقارِبِ، بَعْدَ الوَصِيَّةِ بِهِما، (p-٣٩٢١)بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] أيْ: مِن صِلَتِهِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ والبِرِّ لَهُ بِالإنْفاقِ عَلَيْهِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: لَمْ يَقُلِ (القَرِيبَ) لِأنَّ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى الكامِلِ. والإضافَةُ لَمّا كانَتْ لِأدْنى المُلابَسَةِ، صَدَّقَ (ذُو القُرْبى) عَلى كُلِّ مَن لَهُ قُرابَةٌ ما: ﴿والمِسْكِينَ﴾ [الإسراء: ٢٦] أيِ: الفَقِيرَ مِنَ الأباعِدِ. وفي الأقارِبِ مَعَ الصَّدَقَةِ صِلَةُ الرَّحِمِ ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] أيِ: المُسافِرَ المُنْقَطَعَ بِهِ. أيْ: أعِنْهُ وقَوِّهِ عَلى قَطْعِ سَفَرِهِ. ويَدْخُلُ فِيهِ ما يُعْطاهُ مِن حُمُولَةٍ أوْ مَعُونَةٍ أوْ ضِيافَةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن حَقِّهِ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، بِالإنْفاقِ في مُحَرَّمٍ أوْ مَكْرُوهٍ، أوْ عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ، فَتَحْسَبُهُ إحْسانًا إلى نَفْسِكَ أوْ غَيْرِكَ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
وفِي (الكَشّافُ): كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَنْحَرُ إبِلَها وتَتَياسَرُ عَلَيْها، وتُبَذِّرُ أمْوالَها في الفَخْرِ والسُّمْعَةِ، وتَذْكُرُ ذَلِكَ في أشْعارِها. فَأمَرَ اللَّهُ بِالنَّفَقَةِ في وُجُوهِها، مِمّا يَقْرُبُ مِنهُ ويَزْلُفُ.
﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] أيْ: أمْثالُهم في كُفْرانِ نِعْمَةِ المالِ بِصَرْفِهِ فِيما لا يَنْبَغِي. وهَذا غايَةُ المَذَمَّةِ؛ لِأنَّ لا شَرَّ مِنَ الشَّيْطانِ. أوْ هم إخْوانُهم أتْباعُهم في المُصادَقَةِ والإطاعَةِ. كَما يُطِيعُ الصَّدِيقُ صَدِيقَهُ والتّابِعُ مَتْبُوعَهُ، أوْ هم قُرَناؤُهم في النّارِ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلُ المَنهِيِّ عَنْهُ عَنِ التَّبْذِيرِ، بِبَيانِ أنَّهُ يَجْعَلُ صاحِبَهُ مَقْرُونًا مَعَهم. وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] مِن تَتِمَّةِ التَّعْلِيلِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: مُبالِغًا في كُفْرانِ نِعْمَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُوى، أيْ: مُبالِغًا في كُفْرانِ نِعْمَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُوى إلى غَيْرِ ما خُلِقَتْ لَهُ مِن أنْواعِ المَعاصِي، والإفْسادِ في الأرْضِ، وإضْلالِ النّاسِ، وحَمْلِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وكُفْرانِ نِعَمِهِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ، وصَرْفِها إلى غَيْرِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ. وتَخْصِيصُ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ، مِن بَيْنِ سائِرِ أوْصافِهِ القَبِيحَةِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّبْذِيرَ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ مَصْرِفِها، مِن بابِ الكُفْرانِ، المُقابِلِ لِلشُّكْرِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِها إلى ما خُلِقَتْ هي لَهُ. والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ عُتُوِّهِ. فَإنَّ (p-٣٩٢٢)كُفْرانَ نِعْمَةِ الرَّبِّ، مَعَ كَوْنِ الرُّبُوبِيَّةِ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى شُكْرِها، غايَةَ الكُفْرانِ ونِهايَةَ الضَّلالِ والطُّغْيانِ. انْتَهى.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن مَنَعَ إعْطاءَ المالِ كُلِّهِ في سَبِيلِ الخَيْرِ، ومَن مَنَعَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مالِهِ.
الإسراء 17:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥-٢٧] ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] .
﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ أيْ: ضَمائِرِكِمْ مِن قَصْدِ البِرِّ إلى الوالِدَيْنِ والعُقُوقِ: ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ أيْ: قاصِدِينَ لِلصَّلاحِ والبِرِّ دُونَ العُقُوقِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ﴾ أيِ: التَّوّابِينَ الرَّجّاعِينَ إلَيْهِ تَعالى بِالنَّدَمِ عَمّا فَرَطَ مِنهم، والِاسْتِقامَةِ عَلى المَأْمُورِ: ﴿غَفُورًا﴾ أيْ: لَهم ما اكْتَسَبُوا. ولا يَخْفى ما في صَدْرِ الآيَةِ مِنَ الوَعْدِ لِمَن أضْمَرَ البَرَّ. والوَعِيدِ لِمَن أضْمَرَ الكَراهَةَ والِاسْتِثْقالَ والعُقُوقَ.
قِيلَ: الآيَةُ اسْتِئْنافٌ يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ. كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَقُومُ بِحَقِّهِما وقَدْ تَبْدُرُ بَوادِرُ ؟ فَقِيلَ: إذا بَنَيْتُمُ الأمْرَ عَلى الأساسِ، وكانَ المُسْتَمِرُّ ذَلِكَ، ثُمَّ اتَّفَقَتْ بادِرَةٌ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى المَساءَةِ، فَلُطْفُ اللَّهِ يَحْجِزُ دُونَ عَذابِهِ. ويَجُوزُ - كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - أنَّ يَكُونَ هَذا عامًّا لِكُلِّ مَن فَرَطَتْ مِنهُ جِنايَةٌ ثُمَّ تابَ مِنها. ويَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الجانِي عَلى أبَوَيْهِ، التّائِبُ مِن جِنايَتِهِ؛ لِوُرُودِهِ عَلى أثَرِهِ.
ثُمَّ وصّى تَعالى بِغَيْرِ الوالِدَيْنِ مِنَ الأقارِبِ، بَعْدَ الوَصِيَّةِ بِهِما، (p-٣٩٢١)بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] أيْ: مِن صِلَتِهِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ والبِرِّ لَهُ بِالإنْفاقِ عَلَيْهِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: لَمْ يَقُلِ (القَرِيبَ) لِأنَّ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى الكامِلِ. والإضافَةُ لَمّا كانَتْ لِأدْنى المُلابَسَةِ، صَدَّقَ (ذُو القُرْبى) عَلى كُلِّ مَن لَهُ قُرابَةٌ ما: ﴿والمِسْكِينَ﴾ [الإسراء: ٢٦] أيِ: الفَقِيرَ مِنَ الأباعِدِ. وفي الأقارِبِ مَعَ الصَّدَقَةِ صِلَةُ الرَّحِمِ ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] أيِ: المُسافِرَ المُنْقَطَعَ بِهِ. أيْ: أعِنْهُ وقَوِّهِ عَلى قَطْعِ سَفَرِهِ. ويَدْخُلُ فِيهِ ما يُعْطاهُ مِن حُمُولَةٍ أوْ مَعُونَةٍ أوْ ضِيافَةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن حَقِّهِ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، بِالإنْفاقِ في مُحَرَّمٍ أوْ مَكْرُوهٍ، أوْ عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ، فَتَحْسَبُهُ إحْسانًا إلى نَفْسِكَ أوْ غَيْرِكَ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
وفِي (الكَشّافُ): كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَنْحَرُ إبِلَها وتَتَياسَرُ عَلَيْها، وتُبَذِّرُ أمْوالَها في الفَخْرِ والسُّمْعَةِ، وتَذْكُرُ ذَلِكَ في أشْعارِها. فَأمَرَ اللَّهُ بِالنَّفَقَةِ في وُجُوهِها، مِمّا يَقْرُبُ مِنهُ ويَزْلُفُ.
﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] أيْ: أمْثالُهم في كُفْرانِ نِعْمَةِ المالِ بِصَرْفِهِ فِيما لا يَنْبَغِي. وهَذا غايَةُ المَذَمَّةِ؛ لِأنَّ لا شَرَّ مِنَ الشَّيْطانِ. أوْ هم إخْوانُهم أتْباعُهم في المُصادَقَةِ والإطاعَةِ. كَما يُطِيعُ الصَّدِيقُ صَدِيقَهُ والتّابِعُ مَتْبُوعَهُ، أوْ هم قُرَناؤُهم في النّارِ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلُ المَنهِيِّ عَنْهُ عَنِ التَّبْذِيرِ، بِبَيانِ أنَّهُ يَجْعَلُ صاحِبَهُ مَقْرُونًا مَعَهم. وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] مِن تَتِمَّةِ التَّعْلِيلِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: مُبالِغًا في كُفْرانِ نِعْمَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُوى، أيْ: مُبالِغًا في كُفْرانِ نِعْمَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُوى إلى غَيْرِ ما خُلِقَتْ لَهُ مِن أنْواعِ المَعاصِي، والإفْسادِ في الأرْضِ، وإضْلالِ النّاسِ، وحَمْلِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وكُفْرانِ نِعَمِهِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ، وصَرْفِها إلى غَيْرِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ. وتَخْصِيصُ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ، مِن بَيْنِ سائِرِ أوْصافِهِ القَبِيحَةِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّبْذِيرَ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ مَصْرِفِها، مِن بابِ الكُفْرانِ، المُقابِلِ لِلشُّكْرِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِها إلى ما خُلِقَتْ هي لَهُ. والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ عُتُوِّهِ. فَإنَّ (p-٣٩٢٢)كُفْرانَ نِعْمَةِ الرَّبِّ، مَعَ كَوْنِ الرُّبُوبِيَّةِ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى شُكْرِها، غايَةَ الكُفْرانِ ونِهايَةَ الضَّلالِ والطُّغْيانِ. انْتَهى.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن مَنَعَ إعْطاءَ المالِ كُلِّهِ في سَبِيلِ الخَيْرِ، ومَن مَنَعَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مالِهِ.
الإسراء 17:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥-٢٧] ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] .
﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ أيْ: ضَمائِرِكِمْ مِن قَصْدِ البِرِّ إلى الوالِدَيْنِ والعُقُوقِ: ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ أيْ: قاصِدِينَ لِلصَّلاحِ والبِرِّ دُونَ العُقُوقِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ﴾ أيِ: التَّوّابِينَ الرَّجّاعِينَ إلَيْهِ تَعالى بِالنَّدَمِ عَمّا فَرَطَ مِنهم، والِاسْتِقامَةِ عَلى المَأْمُورِ: ﴿غَفُورًا﴾ أيْ: لَهم ما اكْتَسَبُوا. ولا يَخْفى ما في صَدْرِ الآيَةِ مِنَ الوَعْدِ لِمَن أضْمَرَ البَرَّ. والوَعِيدِ لِمَن أضْمَرَ الكَراهَةَ والِاسْتِثْقالَ والعُقُوقَ.
قِيلَ: الآيَةُ اسْتِئْنافٌ يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ. كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَقُومُ بِحَقِّهِما وقَدْ تَبْدُرُ بَوادِرُ ؟ فَقِيلَ: إذا بَنَيْتُمُ الأمْرَ عَلى الأساسِ، وكانَ المُسْتَمِرُّ ذَلِكَ، ثُمَّ اتَّفَقَتْ بادِرَةٌ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى المَساءَةِ، فَلُطْفُ اللَّهِ يَحْجِزُ دُونَ عَذابِهِ. ويَجُوزُ - كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - أنَّ يَكُونَ هَذا عامًّا لِكُلِّ مَن فَرَطَتْ مِنهُ جِنايَةٌ ثُمَّ تابَ مِنها. ويَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الجانِي عَلى أبَوَيْهِ، التّائِبُ مِن جِنايَتِهِ؛ لِوُرُودِهِ عَلى أثَرِهِ.
ثُمَّ وصّى تَعالى بِغَيْرِ الوالِدَيْنِ مِنَ الأقارِبِ، بَعْدَ الوَصِيَّةِ بِهِما، (p-٣٩٢١)بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] أيْ: مِن صِلَتِهِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ والبِرِّ لَهُ بِالإنْفاقِ عَلَيْهِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: لَمْ يَقُلِ (القَرِيبَ) لِأنَّ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى الكامِلِ. والإضافَةُ لَمّا كانَتْ لِأدْنى المُلابَسَةِ، صَدَّقَ (ذُو القُرْبى) عَلى كُلِّ مَن لَهُ قُرابَةٌ ما: ﴿والمِسْكِينَ﴾ [الإسراء: ٢٦] أيِ: الفَقِيرَ مِنَ الأباعِدِ. وفي الأقارِبِ مَعَ الصَّدَقَةِ صِلَةُ الرَّحِمِ ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] أيِ: المُسافِرَ المُنْقَطَعَ بِهِ. أيْ: أعِنْهُ وقَوِّهِ عَلى قَطْعِ سَفَرِهِ. ويَدْخُلُ فِيهِ ما يُعْطاهُ مِن حُمُولَةٍ أوْ مَعُونَةٍ أوْ ضِيافَةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن حَقِّهِ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، بِالإنْفاقِ في مُحَرَّمٍ أوْ مَكْرُوهٍ، أوْ عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ، فَتَحْسَبُهُ إحْسانًا إلى نَفْسِكَ أوْ غَيْرِكَ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
وفِي (الكَشّافُ): كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَنْحَرُ إبِلَها وتَتَياسَرُ عَلَيْها، وتُبَذِّرُ أمْوالَها في الفَخْرِ والسُّمْعَةِ، وتَذْكُرُ ذَلِكَ في أشْعارِها. فَأمَرَ اللَّهُ بِالنَّفَقَةِ في وُجُوهِها، مِمّا يَقْرُبُ مِنهُ ويَزْلُفُ.
﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] أيْ: أمْثالُهم في كُفْرانِ نِعْمَةِ المالِ بِصَرْفِهِ فِيما لا يَنْبَغِي. وهَذا غايَةُ المَذَمَّةِ؛ لِأنَّ لا شَرَّ مِنَ الشَّيْطانِ. أوْ هم إخْوانُهم أتْباعُهم في المُصادَقَةِ والإطاعَةِ. كَما يُطِيعُ الصَّدِيقُ صَدِيقَهُ والتّابِعُ مَتْبُوعَهُ، أوْ هم قُرَناؤُهم في النّارِ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلُ المَنهِيِّ عَنْهُ عَنِ التَّبْذِيرِ، بِبَيانِ أنَّهُ يَجْعَلُ صاحِبَهُ مَقْرُونًا مَعَهم. وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] مِن تَتِمَّةِ التَّعْلِيلِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: مُبالِغًا في كُفْرانِ نِعْمَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُوى، أيْ: مُبالِغًا في كُفْرانِ نِعْمَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُوى إلى غَيْرِ ما خُلِقَتْ لَهُ مِن أنْواعِ المَعاصِي، والإفْسادِ في الأرْضِ، وإضْلالِ النّاسِ، وحَمْلِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وكُفْرانِ نِعَمِهِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ، وصَرْفِها إلى غَيْرِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ. وتَخْصِيصُ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ، مِن بَيْنِ سائِرِ أوْصافِهِ القَبِيحَةِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّبْذِيرَ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ مَصْرِفِها، مِن بابِ الكُفْرانِ، المُقابِلِ لِلشُّكْرِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِها إلى ما خُلِقَتْ هي لَهُ. والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ عُتُوِّهِ. فَإنَّ (p-٣٩٢٢)كُفْرانَ نِعْمَةِ الرَّبِّ، مَعَ كَوْنِ الرُّبُوبِيَّةِ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى شُكْرِها، غايَةَ الكُفْرانِ ونِهايَةَ الضَّلالِ والطُّغْيانِ. انْتَهى.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن مَنَعَ إعْطاءَ المالِ كُلِّهِ في سَبِيلِ الخَيْرِ، ومَن مَنَعَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مالِهِ.
الإسراء 17:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨] ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ .
﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ أيْ: وإنْ أنْتَ أعْرَضْتَ عَنْ ذَوِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، حَياءً مِنَ الرَّدِّ، لِانْتِظارِ رِزْقٍ مِنَ اللَّهِ تَرْجُوهُ أنْ يَأْتِيَكَ فَتُعْطِيَهُ، فَلا تُؤَيِّسْهم وقُلْ لَهم قَوْلًا لَيِّنًا سَهْلًا، وعِدْهم وعْدًا جَمِيلًا. قالَ في " الكَشْفِ ": (ابْتِغاءَ) أُقِيمَ مَقامَ فِقْدانِهِ، وفِيهِ لُطْفٌ. فَكَأنَّ ذَلِكَ الإعْراضَ لِأجْلِ السَّعْيِ لَهم. وهو مِن وضْعِ المُسَبَّبِ مَوْضِعَ السَّبَبِ. فَإنَّ الفَقْدَ سَبَبٌ لِلِابْتِغاءِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ في " الإكْلِيلُ ": في هَذِهِ الآيَةِ الأمْرُ بِالقَوْلِ اللَّيِّنِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ ما يُعْطى مِنهُ، وفَسَّرَهُ ابْنُ زَيْدٍ: بِالدُّعاءِ. والحَسَنُ وابْنُ عَبّاسٍ: بِالعِدَةِ. انْتَهى.
وظاهِرٌ، أنَّ القَوْلَ المَيْسُورَ يَشْمَلُ الكُلَّ. وذَهَبَ المَهايِمِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ في مَنعِهِمْ خَوْفًا مِن أنْ يَصْرِفُوهُ فِيما لا يَنْبَغِي. قالَ: أيْ: وإنْ تَحَقَّقَ إعْراضُكَ عَمَّنْ تُرِيدُ الإحْسانَ إلَيْهِمْ، طَلَبَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ في المَنعِ عَنْهم؛ لِئَلّا يَقَعُوا في التَّبْذِيرِ، بِصَرْفِ المُعْطِي إلى شُرْبِ الخَمْرِ أوِ الزِّنى، لِما عَرَفْتَ مِن عاداتِهِمْ، فَقُلْ لَهم في الدَّفْعِ قَوْلًا سَهْلًا عَلَيْهِمْ، إحْسانًا إلَيْهِمْ بَدَلَ العَطاءِ. انْتَهى.
ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، والنَّظْمُ الكَرِيمُ يَحْتَمِلُهُ.
(p-٣٩٢٣)
الإسراء 17:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩] ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ .
﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ أيْ: لا تُمْسِكْ يَدَكَ عَنِ النَّفَقَةِ والعَطِيَّةِ لِمَن لَهُ حَقٌّ مِمَّنْ تَقَدَّمَ، بِمَنزِلَةِ المَشْدُودَةِ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ، الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى الأخْذِ بِها والإعْطاءِ: ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ أيْ: بِالتَّبْذِيرِ والسَّرَفِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: لا تُسْرِفْ في الإنْفاقِ، فَتُعْطِيَ غَيْرَ طاقَتِكَ وتُخْرِجَ أكْثَرَ مِن دَخْلِكَ: ﴿فَتَقْعُدَ﴾ أيْ: فَتَبْقى: ﴿مَلُومًا﴾ يَلُومُكَ الفُقَراءُ والقَرابَةُ: ﴿مَحْسُورًا﴾ أيْ: نادِمًا، مِنَ (الحَسْرَةِ) أوْ مُنْقَطِعًا بِكَ لا شَيْءَ عِنْدَكَ، مِن (حَسَرَهُ السَّفَرُ) إذا بَلَغَ مِنهُ الجَهْدَ وأثَّرَ فِيهِ.
وفِي النَّهْيَيْنِ اسْتِعارَتانِ تَمْثِيلِيَّتانِ شَبَّهَ في الأوْلى فِعْلَ الشَّحِيحِ في مَنعِهِ، بِمَن يَدُهُ مَغْلُولَةٌ لِعُنُقِهِ، بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى مَدِّها.
وفِي الثّانِيَةِ شَبَّهَ السَّرَفَ بِبَسْطِ الكَفِّ بِحَيْثُ لا تَحْفَظُ شَيْئًا. وهو ظاهِرٌ. وجَعَلَ ابْنُ كَثِيرٍ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُرَتَّبِ. قالَ: أيْ: فَتَقْعُدَ، إنْ بَخِلْتَ، مَلُومًا يَلُومُكَ النّاسُ ويَذُمُّونَكَ، ويَسْتَغْنُونَ عَنْكَ، كَما قالَ زُهَيْرٌ في المُعَلَّقَةِ:
؎ومَن كانَ ذا مالٍ فَيَبْخَلُ بِمالِهِ عَلى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ ويُذْمَمِ
(p-٣٩٢٤)ومَتى بَسَطْتَ يَدَكَ فَوْقَ طاقَتِكَ، قَعَدْتَ بِلا شَيْءٍ تُنْفِقُهُ، فَتَكُونُ كالحَسِيرِ، وهي الدّابَّةُ الَّتِي عَجَزَتْ عَنِ السَّيْرِ، فَوَقَفَتْ ضَعْفًا وعَجْزًا.
الإسراء 17:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ .
﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُهُ ويُضَيِّقُهُ، حَسَبَ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أيْ: خَبِيرًا بِبَواطِنِهِمْ، بَصِيرًا بِظَواهِرِهِمْ.
قالَ المَهايِمِيُّ: ولَمّا وجَبَ إيتاءُ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، لِحِفْظِ أرْواحِهِمْ، فالأوْلادُ بِحِفْظِ الأرْواحِ أوْلى، لِذَلِكَ قالَ تَعالى:
الإسراء 17:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١] ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ .
﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ نَهْيٌ لَهم عَمّا كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ مِن قَتْلِهِمْ أوْلادَهم. وهو وأْدُهم بَناتِهِمْ. أيْ: دَفْنُهُنَّ في الحَياةِ. كانُوا يَئِدُونَهُنَّ خَشْيَةَ الفاقَةِ وهي الإمْلاقُ والفَقْرُ، بِالإنْفاقِ عَلَيْهِمْ إذا كَبِرُوا. فَنَهاهُمُ اللَّهُ وضَمِنَ لَهم أرْزاقَهم بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ﴾ أيْ: نَحْنُ المُخْتَصُّونَ بِإعْطاءِ رِزْقِهِمْ في الصِّغَرِ والكِبَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإيّاكُمْ﴾ أيِ: الآنَ بِإغْنائِكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ﴾ أيْ: لِلْإمْلاقِ الحاضِرِ والخَشْيَةِ في المُسْتَقْبَلِ: ﴿كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ أيْ: لِإفْضائِهِ إلى تَخْرِيبِ العالَمِ. وأيُّ خَطَأٍ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ.
(p-٣٩٢٥)تَنْبِيهٌ:
دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو الحامِلُ لَهم عَلى الوَأْدِ، لا خَوْفُ العارِ كَما زَعَمُوا. قالَ المُبَرِّدُ في (الكامِلُ): كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَئِدُ البَناتِ، ولَمْ يَكُنْ هَذا في جَمِيعِها. إنَّما كانَ في تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ، وقَيْسٍ، وأسَدٍ، وهُذْيَلٍ، وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ.
ثُمَّ قالَ: ودَلَّ عَلى ما مِن أجْلِهِ قَتَلُوا البَناتِ فَقالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ وقالَ: ﴿ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] فَهَذا خَبَرٌ بَيِّنٌ أنَّ ذَلِكَ لِلْحاجَةِ. وقَدْ رَوى بَعْضُهم: أنَّهم إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ أنَفَةً. وذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى؛ أنَّ تَمِيمًا مَنَعَتِ النُّعْمانَ الإتاوَةَ. فَوَجَّهَ إلَيْهِمْ أخاهُ الرَّيّانَ بْنَ المُنْذِرِ، فاسْتاقَ النَّعَمَ وسَبى الذَّرارِيَّ. فَوَفَدَتْ إلَيْهِ بَنُو تَمِيمٍ. فَلَمّا رَآها أحَبَّ البُقْيا. فَأنابَ القَوْمَ وسَألُوهُ النِّساءَ. فَقالَ النُّعْمانُ: كُلُّ امْرَأةٍ اخْتارَتْ أباها رُدَّتْ إلَيْهِ، وإنِ اخْتارَتْ صاحِبَها تُرِكَتْ عَلَيْهِ. فَكُلُّهُنَّ اخْتارَ أباها، إلّا ابْنَةَ القَيْسِ بْنِ عاصِمٍ فَإنَّها اخْتارَتْ صاحِبَها عَمْرَو بْنَ المُشَمْرَجِ. فَنَذَرَ قَيْسٌ إلّا تُولَدَ لَهُ ابْنَةٌ إلّا قَتْلَها. فَهَذا شَيْءٌ يَعْتَلُّ بِهِ مِن وأدَ، ويَقُولُ: فَعَلْناهُ أنَفَةً، وقَدْ أُكْذِبَ ذَلِكَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ (في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ): وكانُوا لا يُوَرَّثُونَ ولا يُتَّخَذُونَ إلّا مِن طاعِنٍ بِالرُّمْحِ ومَنعِ الحَرِيمِ. يُرِيدُ: الذُّكْرانَ. والخَطَأُ كالإثْمِ، لَفْظًا ومَعْنًى.
ولَمّا نَهى عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ، نَهى عَنْ قَطْعِ النَّسْلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الإسراء 17:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢] ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا﴾ .
﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ أيْ: فِعْلَةٌ قَبِيحَةٌ مُتَناهِيَةٌ في القُبْحِ. تُوجِبُ (p-٣٩٢٦)النَّفْرَةَ عَنْ صاحِبِهِ، والتَّفْرِقَةَ بَيْنَ النّاسِ: ﴿وساءَ سَبِيلا﴾ أيْ: بِئْسَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ. فَإنَّهُ غَصْبُ الأبْضاعِ المُؤَدِّي إلى اخْتِلافِ أمْرِ الأنْسابِ، وهَيَجانِ الفِتَنِ غَصْبًا مِن غَيْرِ سَبَبٍ، والسَّبَبُ مُمْكِنٌ، وهو الصِّهْرُ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ. وقالَ المَهايِمِيُّ: { ساءَ سَبِيلًا } لِقَضاءِ الشَّهْوَةِ الَّتِي خُلِقَتْ لِطَلَبِ النَّسْلِ، بِتَضْيِيعِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أعْظَمُ في التَّنْفِيرِ والتَّفْرِقَةِ فَقالَ تَعالى مَجْدُهُ:
الإسراء 17:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣] ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ .
﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: قَتْلَها، وهي نَفْسُ الإنْسانِ: ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، فَيَتَعَلَّقُ بِـ: { لا تَقْتُلُوا } أوْ حالٌ مِن فاعِلِ (لا تَقْتُلُوا) أوْ مِن مَفْعُولِهِ. وجَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِـ (حَرَّمَ) أيْ: حَرَّمَ قَتْلَها إلّا بِالحَقِّ، وحَقُّها أنْ لا تُقْتَلَ إلّا بِكُفْرٍ بَعْدَ إسْلامٍ، أوْ زِنًى بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ قَوَدًا بِنَفْسٍ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ أيْ: ومَن قُتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ، مِمّا تَقَدَّمَ، فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ، الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ تُوجِبُ المُطالَبَةَ بِدَمِهِ: ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: تَسَلُّطًا عَلى القاتِلِ في الِاقْتِصاصِ مِنهُ. أوْ حُجَّةً يَثِبُ بِها عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ فَلا يُسْرِفُ في القَتْلِ. أيْ: فَلا يَقْتُلُ غَيْرَ القاتِلِ ولا اثْنَيْنِ، والقاتِلُ واحِدٌ، كَعادَةِ الجاهِلِيَّةِ. كانَ إذا قُتِلَ مِنهم واحِدٌ قَتَلُوا بِهِ جَماعَةً. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ. والضَّمِيرُ لِلْوَلِيِّ. يَعْنِي: حَسْبُهُ أنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَرَهُ بِأنْ أوْجَبَ لَهُ القِصاصَ، فَلا يَسْتَزِدْ عَلى ذَلِكَ.
(p-٣٩٢٧)
الإسراء 17:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤] ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ .
﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: لا تَتَصَرَّفُوا في مالِهِ إلّا بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ، وهي حِفْظُهُ عَلَيْهِ وتَثْمِيرُهُ وإصْلاحُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ غايَةُ جَوازِ التَّصَرُّفِ عَلى الوَجْهِ الحَسَنِ، أيْ: حَتّى يَبْلُغَ وقْتَ اشْتِدادِهِ في العَقْلِ وتَدْبِيرِ مالِهِ وصَلاحِ حالِهِ في دِينِهِ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ أيِ: العَقْدِ الَّذِي تُعاقِدُونَ بِهِ النّاسَ في الصُّلْحِ بَيْنَ أهْلِ الحَرْبِ والإسْلامِ، وفِيما بَيْنَكم أيْضًا. والبُيُوعُ والأشْرِبَةُ والإجاراتُ ونَحْوُها: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ أيْ: مَطْلُوبًا، يُطْلَبُ مِنَ المُعاهِدِ الثَّباتُ عَلَيْهِ، وعَدَمُ إضاعَتِهِ. أوْ: صاحِبُهُ مَسْؤُولٌ عَنْ نَقْضِهِ إيّاهُ. والمَعْنى: لا تَنْقُضُوا العُهُودَ الجائِزَةَ بَيْنَكم وبَيْنَ مَن عاهَدْتُمُوهم، فَتُخْفِرُوها وتَغْدِرُوا بِمَن أعْطَيْتُمُوهُ إيّاها.
الإسراء 17:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥] ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ .
﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ أيْ: أتِمُّوهُ إذا كِلْتُمْ لِغَيْرِكم ولا تَبْخَسُوهُ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ أيْ: بِالمِيزانِ السَّوِيِّ؛ بِلا اعْوِجاجٍ ولا خَدِيعَةٍ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أيْ: لَكم في مَعاشِكم لِانْتِظامِ أُمُورِكم بِالعَدْلِ، وإيفاءِ الحُقُوقِ أرْبابَها: ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ أيْ: عاقِبَةً ومَآلًا؛ إذْ لَيْسَ مَعَهُ مَظْلِمَةٌ يُطالَبُ بِها يَوْمَ القِيامَةِ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِرِعايَةِ القِسْطاسِ المَعْنَوِيِّ.
(p-٣٩٢٨)
الإسراء 17:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦-] ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧] .
﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا تَتْبَعْهُ في قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، تُسْنِدُهُ إلى سَمْعٍ أوْ بَصَرٍ أوْ عَقْلٍ. مِن: (قَفا أثَرَهُ) إذا تَبِعَهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُرادُ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ ما لا يَعْلَمُ، وأنْ يَعْمَلَ بِما لا يَعْلَمُ. ويَدْخُلُ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ التَّقْلِيدِ دُخُولًا ظاهِرًا؛ لِأنَّهُ اتِّباعٌ لِما لا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ مِن فَسادِهِ. انْتَهى.
ولا يَخْفى ما يَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ مِن أنْواعٍ كَثِيرَةٍ. كَمَذاهِبِ الجاهِلِيَّةِ في الإلَهِيّاتِ والتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، وكَشَهادَةِ الزُّورِ، والقَذْفِ، ورَمْيِ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ، والكَذِبِ، وما شاكَلَها: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ أيْ: كانَ صاحِبُها مْسَئُولًا عَمّا نُسِبَ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ تُسْألُ نَفْسُ الأعْضاءِ لِتَشْهَدَ عَلى صاحِبِها.
قالَ المَهايِمِيُّ: قَدَّمَ السَّمْعَ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما يَنْسُبُ النّاسُ أقْوالَهم إلَيْهِ. وأخَّرَ الفُؤادَ؛ لِأنَّهُ مُنْتَهى الحَواسِّ. ولَمْ يَذْكُرْ بَقِيَّتَها؛ لِأنَّهُ لا يُخالِفُها قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ.
﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] أيْ: مُخْتالًا، أيْ: مِشْيَةَ المُعْجَبِ المُتَكَبِّرِ؛ إذْ لا يُفِيدُكَ قُوَّةً ولا عُلُوًّا. كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ [الإسراء: ٣٧] أيْ: لَنْ تَجْعَلَ فِيها خَرْقًا بِدَوْسِكَ لَها، وشِدَّةِ وطَأتِكَ: ﴿ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧] أيْ: لَنْ تُحاذِيَها بِتَطاوُلِكَ ومَدِّ قامَتِكَ، كَما يَفْعَلُهُ المُخْتالُ تَكَلُّفًا. وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مُفاخَرَةٌ مَعَ الأرْضِ وبَعْضِ أجْزائِها.
(p-٣٩٢٩)قالَ النّاصِرُ: وفي هَذا التَّهَكُّمِ والتَّقْرِيعِ لِمَن يَعْتادُ هَذِهِ المِشْيَةَ، كِفايَةً في الِانْزِجارِ عَنْها. ولَقَدْ حَفِظَ اللَّهُ عَوامَّ زَمانِنا عَنْ هَذِهِ المِشْيَةِ، وتَوَرَّطَ فِيها قُرّاؤُنا وفُقَهاؤُنا. بَيْنا أحَدُهم قَدْ عَرَفَ مَسْألَتَيْنِ أوْ أجْلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ طالِبَيْنِ، أوْ شَدَّ طَرَفًا مِن رِياسَةِ الدُّنْيا، إذا هو يَتَبَخْتَرُ في مَشْيِهِ، ويَتَرَجَّعُ ولا يَرى أنَّهُ يُطاوِلُ الجِبالَ، ولَكِنْ يَحُكُّ بِيافُوخِهِ عَنانَ السَّماءِ، كَأنَّهم يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ. وماذا يُفِيدُهُ أنْ يَقْرَأ القُرْآنَ أوْ يُقْرَأ عَلَيْهِ، وقَلْبُهُ عَنْ تَدَبُّرِهِ عَلى مَراحِلَ. واللَّهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ.
الإسراء 17:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦-] ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧] .
﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا تَتْبَعْهُ في قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، تُسْنِدُهُ إلى سَمْعٍ أوْ بَصَرٍ أوْ عَقْلٍ. مِن: (قَفا أثَرَهُ) إذا تَبِعَهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُرادُ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ ما لا يَعْلَمُ، وأنْ يَعْمَلَ بِما لا يَعْلَمُ. ويَدْخُلُ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ التَّقْلِيدِ دُخُولًا ظاهِرًا؛ لِأنَّهُ اتِّباعٌ لِما لا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ مِن فَسادِهِ. انْتَهى.
ولا يَخْفى ما يَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ مِن أنْواعٍ كَثِيرَةٍ. كَمَذاهِبِ الجاهِلِيَّةِ في الإلَهِيّاتِ والتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، وكَشَهادَةِ الزُّورِ، والقَذْفِ، ورَمْيِ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ، والكَذِبِ، وما شاكَلَها: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ أيْ: كانَ صاحِبُها مْسَئُولًا عَمّا نُسِبَ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ تُسْألُ نَفْسُ الأعْضاءِ لِتَشْهَدَ عَلى صاحِبِها.
قالَ المَهايِمِيُّ: قَدَّمَ السَّمْعَ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما يَنْسُبُ النّاسُ أقْوالَهم إلَيْهِ. وأخَّرَ الفُؤادَ؛ لِأنَّهُ مُنْتَهى الحَواسِّ. ولَمْ يَذْكُرْ بَقِيَّتَها؛ لِأنَّهُ لا يُخالِفُها قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ.
﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] أيْ: مُخْتالًا، أيْ: مِشْيَةَ المُعْجَبِ المُتَكَبِّرِ؛ إذْ لا يُفِيدُكَ قُوَّةً ولا عُلُوًّا. كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ [الإسراء: ٣٧] أيْ: لَنْ تَجْعَلَ فِيها خَرْقًا بِدَوْسِكَ لَها، وشِدَّةِ وطَأتِكَ: ﴿ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧] أيْ: لَنْ تُحاذِيَها بِتَطاوُلِكَ ومَدِّ قامَتِكَ، كَما يَفْعَلُهُ المُخْتالُ تَكَلُّفًا. وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مُفاخَرَةٌ مَعَ الأرْضِ وبَعْضِ أجْزائِها.
(p-٣٩٢٩)قالَ النّاصِرُ: وفي هَذا التَّهَكُّمِ والتَّقْرِيعِ لِمَن يَعْتادُ هَذِهِ المِشْيَةَ، كِفايَةً في الِانْزِجارِ عَنْها. ولَقَدْ حَفِظَ اللَّهُ عَوامَّ زَمانِنا عَنْ هَذِهِ المِشْيَةِ، وتَوَرَّطَ فِيها قُرّاؤُنا وفُقَهاؤُنا. بَيْنا أحَدُهم قَدْ عَرَفَ مَسْألَتَيْنِ أوْ أجْلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ طالِبَيْنِ، أوْ شَدَّ طَرَفًا مِن رِياسَةِ الدُّنْيا، إذا هو يَتَبَخْتَرُ في مَشْيِهِ، ويَتَرَجَّعُ ولا يَرى أنَّهُ يُطاوِلُ الجِبالَ، ولَكِنْ يَحُكُّ بِيافُوخِهِ عَنانَ السَّماءِ، كَأنَّهم يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ. وماذا يُفِيدُهُ أنْ يَقْرَأ القُرْآنَ أوْ يُقْرَأ عَلَيْهِ، وقَلْبُهُ عَنْ تَدَبُّرِهِ عَلى مَراحِلَ. واللَّهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ.
الإسراء 17:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١-٢] ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] .
﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ أيِ: المَنهِيُّ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩] إلى هَذِهِ الغايَةِ: ﴿كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: أمّا الشِّرْكُ فَلِإخْلالِهِ بِالكَمالِ المُطْلَقِ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ مَعَ الشِّرْكِ. وأمّا عِبادَةُ الغَيْرِ فَلِما فِيها مِن تَعْظِيمِهِ المَخْصُوصِ بِذِي الكَمالِ المُطْلَقِ، فَهو في مَعْنى الشِّرْكِ. وأمّا العُقُوقُ فَلِأنَّهُ كُفْرانُ نِعْمَةِ الأبَوَيْنِ في التَّرْبِيَةِ، أحْوَجُ ما يَكُونُ المَرْءُ إلَيْها. ومَنَعُ الحُقُوقِ بِالبُخْلِ تَفْرِيطٌ، والتَّبْذِيرٌ والبَسْطُ إفْراطٌ. وهُما مَذْمُومانِ. والذَّمِيمُ مَكْرُوهٌ. والقَتْلُ يَمْنَعُ الحِكْمَةَ مِن بُلُوغِها إلى كَمالِها. . . والزِّنى وإتْلافُ مالِ اليَتِيمِ في مَعْناهُ. ونَقْضُ العَهْدِ مُخِلٌّ بِنِظامِ العالَمِ. وكَذا اقْتِفاءُ ما لا يَعْلَمُ. والتَّكَبُّرُ مِن خَواصَّ الحَقِّ. وعادَةُ المُلُوكِ كَراهَةَ أنْ يَأْخُذَ أحَدٌ مِن خَواصِّهِ شَيْئًا.
﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩] أيْ: مِمّا يَحْكُمُ العَقْلُ بِصِحَّتِهِ، وتَصْلُحُ النَّفْسُ بِأُسْوَتِهِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: مِنَ العِلْمِ المُحْكَمِ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ بِشُبْهَةٍ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا (p-٣٩٣٠)آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩] كَرَّرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّوْحِيدَ مَبْدَأُ الأمْرِ ومُنْتَهاهُ. وأنَّهُ رَأسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ومَلاكُها. ومِن عَدِمَهِ لَمْ يَنْفَعْهُ عُلُومُهُ وحُكْمُهُ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وقَدْ رَتَّبَ عَلَيْهِ ما هو عائِدَةُ الإشْراكِ أوَّلًا حَيْثُ قِيلَ: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ [الإسراء: ٢٢] ورَتَّبَ عَلَيْهِ ها هُنا نَتِيجَةً في العُقْبى فَقِيلَ: ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٩] أيْ: بِالجَهْلِ العَظِيمِ: ﴿مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] أيْ: مُبْعَدًا مَطْرُودًا مِنَ الرَّحْمَةِ. وفي إيرادِ الإلْقاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، جَرْيٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، وازْدِراءٌ بِالمُشْرِكِ وجَعْلٌ لَهُ، مِن قَبِيلِ خَشَبَةٍ يَأْخُذُها آخِذٌ بِكَفِّهِ، فَيَطْرَحُها في التَّنُّورِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
الإسراء 17:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١-٢] ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] .
﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ أيِ: المَنهِيُّ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩] إلى هَذِهِ الغايَةِ: ﴿كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: أمّا الشِّرْكُ فَلِإخْلالِهِ بِالكَمالِ المُطْلَقِ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ مَعَ الشِّرْكِ. وأمّا عِبادَةُ الغَيْرِ فَلِما فِيها مِن تَعْظِيمِهِ المَخْصُوصِ بِذِي الكَمالِ المُطْلَقِ، فَهو في مَعْنى الشِّرْكِ. وأمّا العُقُوقُ فَلِأنَّهُ كُفْرانُ نِعْمَةِ الأبَوَيْنِ في التَّرْبِيَةِ، أحْوَجُ ما يَكُونُ المَرْءُ إلَيْها. ومَنَعُ الحُقُوقِ بِالبُخْلِ تَفْرِيطٌ، والتَّبْذِيرٌ والبَسْطُ إفْراطٌ. وهُما مَذْمُومانِ. والذَّمِيمُ مَكْرُوهٌ. والقَتْلُ يَمْنَعُ الحِكْمَةَ مِن بُلُوغِها إلى كَمالِها. . . والزِّنى وإتْلافُ مالِ اليَتِيمِ في مَعْناهُ. ونَقْضُ العَهْدِ مُخِلٌّ بِنِظامِ العالَمِ. وكَذا اقْتِفاءُ ما لا يَعْلَمُ. والتَّكَبُّرُ مِن خَواصَّ الحَقِّ. وعادَةُ المُلُوكِ كَراهَةَ أنْ يَأْخُذَ أحَدٌ مِن خَواصِّهِ شَيْئًا.
﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩] أيْ: مِمّا يَحْكُمُ العَقْلُ بِصِحَّتِهِ، وتَصْلُحُ النَّفْسُ بِأُسْوَتِهِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: مِنَ العِلْمِ المُحْكَمِ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ بِشُبْهَةٍ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا (p-٣٩٣٠)آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩] كَرَّرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّوْحِيدَ مَبْدَأُ الأمْرِ ومُنْتَهاهُ. وأنَّهُ رَأسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ومَلاكُها. ومِن عَدِمَهِ لَمْ يَنْفَعْهُ عُلُومُهُ وحُكْمُهُ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وقَدْ رَتَّبَ عَلَيْهِ ما هو عائِدَةُ الإشْراكِ أوَّلًا حَيْثُ قِيلَ: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ [الإسراء: ٢٢] ورَتَّبَ عَلَيْهِ ها هُنا نَتِيجَةً في العُقْبى فَقِيلَ: ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٩] أيْ: بِالجَهْلِ العَظِيمِ: ﴿مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] أيْ: مُبْعَدًا مَطْرُودًا مِنَ الرَّحْمَةِ. وفي إيرادِ الإلْقاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، جَرْيٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، وازْدِراءٌ بِالمُشْرِكِ وجَعْلٌ لَهُ، مِن قَبِيلِ خَشَبَةٍ يَأْخُذُها آخِذٌ بِكَفِّهِ، فَيَطْرَحُها في التَّنُّورِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
الإسراء 17:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٠] ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ .
﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾
خِطابٌ لِلَّذِينِ قالُوا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ: (المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ) والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى: أفَخَصَّكم رَبُّكم، عَلى وجْهِ الخُلُوصِ والصَّفاءِ، بِأفْضَلِ الأوْلادِ وهُمُ الذُّكُورُ، ولَمْ يَجْعَلْ فِيهِمْ نَصِيبًا لِنَفْسِهِ، واتَّخَذَ أدْوَنَهم، وهُنَّ البَناتُ، وأنْتُمْ لا تَرْضَوْنَهُنَّ لِأنْفُسِكم، بَلْ تَئِدُونَهُنَّ وتَقْتُلُونَهُنَّ. فَهَذا خِلافُ الحِكْمَةِ وما عَلَيْهِ مَعْقُولُكم وعادَتُكم. فَإنَّ العَبِيدَ لا يُؤْثَرُونَ بِأجْوَدِ الأشْياءِ، وأصْفاها مِنَ الشَّوْبِ، ويَكُونُ أرْدَؤُها وأدْوَنَها لِلسّاداتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ أيْ: بِإضافَةِ الأوْلادِ إلَيْهِ، وهي خاصَّةُ المُحْدَثاتِ. ثُمَّ بِإيثارِكم أنْفُسَكم عَلَيْهِ، حَيْثُ تَجْعَلُونَ لَهُ ما تَكْرَهُونَ.
(p-٣٩٣١)
الإسراء 17:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١-٤٢] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] .
﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ﴾ أيْ: كَرَّرْنا لِلنّاسِ البَيانَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وبَيَّنّا فِيهِ مِن كُلِّ مَثَلٍ: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أيْ: لِيَتَّعِظُوا ويَطْمَئِنُّوا إلى ما يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ: ﴿وما يَزِيدُهُمْ﴾ أيِ: التَّصْرِيفُ المَذْكُورُ: ﴿إلا نُفُورًا﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ وبُعْدًا عَنْهُ، الَّذِي يُقَرِّبُهُ وُجُوهُ البَيانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] أيْ: قُلْ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ) الزّاعِمِينَ أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ مِن خَلْقِهِ، العابِدِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ، لِيُقَرِّبَهم إلَيْهِ زُلْفى ): لَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ، وأنَّ مَعَهُ آلِهَةً تُعْبَدُ لِتُقَرِّبَ إلَيْهِ وتَشْفَعَ لَدَيْهِ؛ لَكانَ أُولَئِكَ المَعْبُودُونَ يَعْبُدُونَهُ ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ، ويَبْتَغُونَ الزُّلْفى والطّاعَةَ لَدَيْهِ، فاعْبُدُوهُ أنْتُمْ وحْدَهُ كَما يَعْبُدُهُ مَن تَدْعُونَهُ مِن دُونِهِ. ولا حاجَةَ لَكم إلى مَعْبُودٍ يَكُونُ واسِطَةً بَيْنَكم وبَيْنَهُ. فَإنَّهُ لا يُحِبُّ ذَلِكَ ولا يَرْضاهُ. بَلْ يَكْرَهُهُ ويَأْباهُ. وقَدْ نَهى عَنْ ذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ جَمِيعِ رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ. هَذا ما اخْتارَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وسَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ.
وحاصِلُهُ: أنَّ السَّبِيلَ بِمَعْنى الوَسِيلَةِ المُوصِلَةِ إلَيْهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى قِياسٌ اقْتِرانِيٌّ تَقْرِيرُهُ هَكَذا: ولَوْ كانَ كَما زَعَمْتُمْ مَعَهُ آلِهَةٌ لَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ. وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَيْسَ إلَهًا، فَهم لَيْسُوا بِآلِهَةٍ. وقِيلَ: مَعْنى: ﴿لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] أيْ: لَطَلَبُوا إلَيْهِ سَبِيلًا بِالمُغالَبَةِ والمُمانَعَةِ، كَما هو دَيْدَنُ المُلُوكِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وهَذا الوَجْهُ قَدَّمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو السُّعُودِ: إنَّهُ الأظْهَرُ الأنْسَبُ لِقَوْلِهِ:
(p-٣٩٣٢)
الإسراء 17:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١-٤٢] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] .
﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ﴾ أيْ: كَرَّرْنا لِلنّاسِ البَيانَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وبَيَّنّا فِيهِ مِن كُلِّ مَثَلٍ: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أيْ: لِيَتَّعِظُوا ويَطْمَئِنُّوا إلى ما يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ: ﴿وما يَزِيدُهُمْ﴾ أيِ: التَّصْرِيفُ المَذْكُورُ: ﴿إلا نُفُورًا﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ وبُعْدًا عَنْهُ، الَّذِي يُقَرِّبُهُ وُجُوهُ البَيانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] أيْ: قُلْ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ) الزّاعِمِينَ أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ مِن خَلْقِهِ، العابِدِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ، لِيُقَرِّبَهم إلَيْهِ زُلْفى ): لَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ، وأنَّ مَعَهُ آلِهَةً تُعْبَدُ لِتُقَرِّبَ إلَيْهِ وتَشْفَعَ لَدَيْهِ؛ لَكانَ أُولَئِكَ المَعْبُودُونَ يَعْبُدُونَهُ ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ، ويَبْتَغُونَ الزُّلْفى والطّاعَةَ لَدَيْهِ، فاعْبُدُوهُ أنْتُمْ وحْدَهُ كَما يَعْبُدُهُ مَن تَدْعُونَهُ مِن دُونِهِ. ولا حاجَةَ لَكم إلى مَعْبُودٍ يَكُونُ واسِطَةً بَيْنَكم وبَيْنَهُ. فَإنَّهُ لا يُحِبُّ ذَلِكَ ولا يَرْضاهُ. بَلْ يَكْرَهُهُ ويَأْباهُ. وقَدْ نَهى عَنْ ذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ جَمِيعِ رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ. هَذا ما اخْتارَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وسَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ.
وحاصِلُهُ: أنَّ السَّبِيلَ بِمَعْنى الوَسِيلَةِ المُوصِلَةِ إلَيْهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى قِياسٌ اقْتِرانِيٌّ تَقْرِيرُهُ هَكَذا: ولَوْ كانَ كَما زَعَمْتُمْ مَعَهُ آلِهَةٌ لَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ. وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَيْسَ إلَهًا، فَهم لَيْسُوا بِآلِهَةٍ. وقِيلَ: مَعْنى: ﴿لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] أيْ: لَطَلَبُوا إلَيْهِ سَبِيلًا بِالمُغالَبَةِ والمُمانَعَةِ، كَما هو دَيْدَنُ المُلُوكِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وهَذا الوَجْهُ قَدَّمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو السُّعُودِ: إنَّهُ الأظْهَرُ الأنْسَبُ لِقَوْلِهِ:
(p-٣٩٣٢)
الإسراء 17:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٣-٤٤] ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] .
﴿سُبْحانَهُ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بَيانُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِمّا يَقُولُونَهُ مَحْذُورٌ عَظِيمٌ، مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ. وأمّا ابْتِغاءُ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى بِالتَّقَرُّبِ، فَلَيْسَ مِمّا يَخْتَصُّ بِهَذا التَّقْرِيرِ، ولا هو مِمّا يَلْزَمُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. بَلْ هو أمْرٌ يَعْتَقِدُونَهُ رَأْسًا. انْتَهى. ومَعْنى: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ تَنَزُّهًا حَقِيقًا بِهِ: ﴿وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ: تَعاظَمَ عَنْ ذَلِكَ تَعاظُمًا كَبِيرًا. فَإنَّ مِثْلَ هَذِهِ الفِرْيَةِ والبُهْتانِ، مِمّا يَتَنَزَّهُ عَنْهُ مَقامُهُ الأسْمى.
قالَ الشِّهابُ: وذَكَرَ العُلُوَّ، بَعْدَ عُنْوانِهِ بِـ (ذِي العَرْشِ) . في أعْلى مَراتِبِ البَلاغَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] أيْ: تَنَزَّهَ اللَّهُ، وتُقَدِّسُهُ وتُجِلُّهُ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ مِنَ المَخْلُوقاتِ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ. وتَشْهَدُ جَمِيعُها لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ في إلَهِيَّتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، كَما قالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] أيْ: لِأنَّها بِخِلافِ لُغاتِكم.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا عامٌّ في الحَيَواناتِ والجَماداتِ والنَّباتاتِ، عَلى أشْهَرِ القَوْلَيْنِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِما صَحَّ مِن تَسْبِيحِ الطَّعامِ، والحَصا، مِمّا خَرَجَ في الصَّحِيحَيْنِ والمَسانِيدِ، مِمّا هو مَشْهُورٌ. (p-٣٩٣٣)واخْتارَهُ الرّاغِبُ في (مُفْرَداتِهِ) وقالَ: إنَّهُ تَسْبِيحٌ عَلى الحَقِيقَةِ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ودَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ومَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] بَعْدَ ذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ (يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ويَسْجُدُ لَهُ مَن في الأرْضِ) لِأنَّ هَذا مَن نَفْقَهُهُ، ولِأنَّهُ مُحالٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَقْدِيرَهُ. ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] والأشْياءُ كُلُّها تُسَبِّحُ لَهُ وتَسْجُدُ بَعْضُها بِالتَّسْخِيرِ وبَعْضُها بِالِاخْتِيارِ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَذْكُوراتِ تُسَبِّحُ بِاخْتِيارٍ، لِما ذَكَرَ مِنَ الدَّلالَةِ. انْتَهى.
وذَهَبَ كَثِيرُونَ إلى أنَّ التَّسْبِيحَ المَذْكُورَ مَجازِيٌّ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ أوِ التَّبَعِيَّةِ، كَـ: (نَطَقَتِ الحالُ) فَإنَّهُ اسْتُعِيرَ فِيهِ لِلتَّسْبِيحِ لِلدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ فاعِلٍ قادِرٍ حَكِيمٍ واجِبِ الوُجُودِ، مُنَزَّهٍ عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ، كَما يَدُلُّ الأثَرُ عَلى مُؤَثِّرِهِ. فَجُعِلَتْ تِلْكَ الدَّلالَةُ الحالِيَّةُ كَأنَّهُ تَنْزِيهٌ لَهُ عَمّا يُخالِفُهُ.
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
قالُوا: والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] لِلْمُشْرِكِينَ. أيْ: لِإخْلالِكم بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي بِهِ يُفْهَمُ تَسْبِيحُهم. وقَدْ بالَغَ في رَدِّ القَوْلِ الأوَّلِ واخْتِيارِ الثّانِي، الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في كِتابِهِ " المِلَلُ والنِّحَلُ " ولا بَأْسَ بِإيرادِهِ، لِما فِيهِ مِنَ الغَرائِبِ.
قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في الرَّدِّ عَلى مَن قالَ: (إنَّ في البَهائِمِ رَسْلًا): إنَّما يُخاطِبُ اللَّهُ تَعالى بِالحُجَّةِ مَن يَعْقِلُها. قالَ اللَّهُ تَعالى: { يا أُولِي الألْبابِ }، وقَدْ عَلِمْنا بِضَرُورَةِ الحُسْنِ؛ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَصَّ بِالنُّطْقِ - الَّذِي هو التَّصَرُّفُ في العُلُومِ ومَعْرِفَةُ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، والتَّصَرُّفُ في الصِّناعاتِ عَلى اخْتِلافِها - الإنْسانَ خاصَّةً. وأضَفْنا إلَيْهِمْ، بِالخَبَرِ الصّادِقِ، الجِنَّ والمَلائِكَةَ. ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ قادَ السُّخْفُ بَعْضَهم إلى أنْ جَعَلَ لِلْجَماداتِ تَمْيِيزًا لِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ونَحْوِهِ مِنَ الآياتِ. ولا حُجَّةَ لَهم فِيهِ؛ (p-٣٩٣٤)لِأنَّ القُرْآنَ واجِبٌ أنْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِهِ، كَذَلِكَ كَلامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ومَن خالَفَ ذَلِكَ كانَ عاصِيًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مُبَدِّلًا لِكَلِماتِهِ، ما لَمْ يَأْتِ نَصٌّ في أحَدِهِما، أوْ إجْماعٌ مُتَيَقَّنٌ، أوْ ضَرُورَةُ حِسٍّ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ، فَيُوقَفُ عِنْدَ ذَلِكَ. ويَكُونُ مَن حَمَلَهُ عَلى ظاهِرِهِ حِينَئِذٍ ناسِبًا الكَذِبَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ كاذِبًا عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن كِلا الوَجْهَيْنِ.
وإذْ قَدْ بَيَّنّا قَبْلُ بِالبَراهِينِ الضَّرُورِيَّةِ؛ أنَّ الحَيَوانَ (غَيْرَ الإنْسانِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ) لا نُطْقَ لَهُ. نَعْنِي أنَّهُ لا تَصَرُّفَ لَهُ في العُلُومِ والصِّناعاتِ. وكانَ هَذا القَوْلُ مُشاهَدًا بِالحِسِّ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ، لا يُنْكِرُهُ إلّا وقِحٌ مُكابِرٌ لِحِسِّهِ، وبَيَّنّا أنَّ كُلَّ ما كانَ بِخِلافِ التَّمْيِيزِ المَعْهُودِ عِنْدَنا، فَإنَّهُ لَيْسَ تَمْيِيزًا. وكانَ هَذا أيْضًا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ والعِيانِ والمُشاهَدَةِ؛ فَوَجَبَ أنَّهُ بِخِلافِ ما يُسَمّى في الشَّرِيعَةِ واللُّغَةِ نُطْقًا وقَوْلًا وتَسْبِيحًا وسُجُودًا. فَقَدْ وجَبَ أنَّها أسْماءٌ مُشْتَرَكَةٌ اتَّفَقَتْ ألْفاظُها. وأمّا مَعانِيها فَمُخْتَلِفَةٌ، لا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَحْمِلَها عَلى غَيْرِ هَذا؛ لِأنَّهُ إنْ فَعَلَ كانَ مُخْبِرًا أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ما يُبْطِلُهُ العِيانُ والعَقْلُ الَّذِي بِهِ عَرَفْنا اللَّهَ تَعالى، ولَوْلاهُ ما عَرَفْناهُ.
فاللَّفْظُ مُشْتَرَكٌ والمَعْنى هو ما قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، بَيانُ ذَلِكَ: أنَّ التَّسْبِيحَ عِنْدَنا إنَّما هو قَوْلُ (سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ) وبِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ أنَّ الحِجارَةَ والخَشَبَ والهَوامَّ والحَشَراتِ والألْوانَ لا تَقُولُ ) سُبْحانَ اللَّهِ، بِالسِّينِ والباءِ والحاءِ والألِفِ والنُّونِ واللّامِ والهاءِ ) هَذا ما لا يَشُكُّ فِيهِ مِن لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ. فَإذْ لا شَكَّ في هَذا، فَبِاليَقِينِ عَلِمْنا أنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى هو حَقٌّ وهو مَعْنًى غَيْرُ تَسْبِيحِنا نَحْنُ بِلا شَكٍّ. فَإذْ لا شَكَّ في هَذا فَإنَّ التَّسْبِيحَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنِ السُّوءِ. فَإذا قَدْ صَحَّ هَذا؛ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ في العالَمِ بِلا شَكٍّ مُنَزِّهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنِ السُّوءِ الَّذِي هو صِفَةُ الحُدُوثِ. ولَيْسَ في العالَمِ شَيْءٌ إلّا وهو دالٌّ (بِما فِيهِ مِن دَلائِلِ الصَّنْعَةِ واقْتِضائِهِ صانِعًا لا يُشْبِهُهُ) عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ (p-٣٩٣٥)سُوءٍ ونَقْصٍ، وهَذا هو الَّذِي لا يَفْهَمُهُ ولا يَفْقَهُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] فَهَذا هو تَسْبِيحُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى بِلا شَكٍّ. وهَذا المَعْنى حَقٌّ لا يُنْكِرُهُ مُوَحِّدٌ. فَإنْ كانَ قَوْلُنا هَذا مُتَّفَقًا عَلى صِحَّتِهِ، وكانَتِ الضَّرُورَةُ تُوجِبُ أنَّهُ لَيْسَ هو التَّسْبِيحَ المَعْهُودَ عِنْدَنا، فَقَدْ ثَبَتَ قَوْلُنا وانْتَفى قَوْلُ مَن خالَفْنا بِظَنِّهِ.
وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] والكافِرُ الدَّهْرِيُّ شَيْءٌ لا يَشُكُّ في أنَّهُ شَيْءٌ، وهو لا يُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى البَتَّةَ، فَصَحَّ ضَرُورَةُ أنَّ الكافِرَ يُسَبِّحُ؛ إذْ هو مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي تُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى. وإنَّ تَسْبِيحَهُ لَيْسَ هو قَوْلَهُ (سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ) بِلا شَكٍّ. ولَكِنْ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعالى بِدَلائِلِ خَلْقِهِ وتَرْكِيبِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ الخالِقُ مُشْبِهًا لِشَيْءٍ مِمّا خَلَقَ. وهَذا يَقِينِيٌّ لا شَكَّ فِيهِ.
فَصَحَّ بِما ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَةَ (التَّسْبِيحِ) هي مِنَ الأسْماءِ المُشْتَرَكَةِ، وهي الَّتِي تَقَعُ عَلى نَوْعَيْنِ فَصاعِدًا. انْتَهى كَلامُهُ.
ومُحَصِّلُهُ: نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِلْجَماداتِ تَسْبِيحٌ وتَمْيِيزٌ بِالمَعْنى المَوْجُودِ في الإنْسانِ. وهو حَقٌّ لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا يَسُوغُ لِأحَدٍ إنْكارُهُ. إلّا أنَّهُ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ لَهُ تَسْبِيحٌ وفِيهِ تَمْيِيزٌ يُناسِبُهُ، فَيَرْجِعُ الخِلافُ لَفْظِيًّا. وقَدْ وافَقَ العِلْمُ الحَدِيثُ الآنَ - كَما قالَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ - عَلى أنْ في الجَمادِ أثَرًا مِنَ الحَياةِ. وأنَّ فِيهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ الجَوْهَرِيَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُ الأحْياءَ. وأنَّ ما فِيهِ في الجَواهِرِ الفَرْدَةِ ودَقائِقِ المادَّةِ لَيْسَتْ مَيِّتَةً، بَلْ هي عَناصِرُ حَيَّةٌ مُتَحَرِّكَةٌ لَها صُورَةٌ مِن صُوَرِ الحَياةِ الدُّنْيا المُشاهَدَةِ في جَمِيعِ أنْواعِ المادَّةِ مِثْلَ الجَذْبِ، والدَّفْعِ، والتَّأثُّرِ بِالمُؤَثِّراتِ الخارِجِيَّةِ، وتَغَيُّرِ قُوَّةِ التَّوازُنِ، وتَجَمُّعِ الدَّقائِقِ عَلى أشْكالٍ مُنْتَظِمَةٍ، طِبْقًا لِتَراكِيبَ مَحْدُودَةٍ، وإفْرازِ مُرَكَّباتٍ كِيماوِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ. وبِالجُمْلَةِ؛ فَما يَقُولُهُ العِلْمُ الجَدِيدُ عَنْ مُشابَهَةِ الأجْسامِ غَيْرِ الحَيَّةِ لِلْأجْسامِ الحَيَّةِ يُطابِقُ تَصَوُّراتِ الأقْدَمِينَ والشُّعَراءِ في ذَلِكَ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] أيْ: حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، مَعَ كُفْرِهِمْ وقُصُورِهِمْ في النَّظَرِ. ولَوْ تابُوا لَغَفَرَ لَهم ما كانَ مِنهم.
(p-٣٩٣٦)ثُمَّ مَثَّلَ تَعالى حالَةَ المُشْرِكِينَ مَعَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ، حِينَما يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، يَدْعُوهم إلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، ورَفْضِ الشِّرْكَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن ضَلالِهِمْ، بِمَن طَمَسَ عَلى بَصِيرَتِهِ وبَصَرِهِ وسَمْعِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
الإسراء 17:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٣-٤٤] ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] .
﴿سُبْحانَهُ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بَيانُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِمّا يَقُولُونَهُ مَحْذُورٌ عَظِيمٌ، مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ. وأمّا ابْتِغاءُ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى بِالتَّقَرُّبِ، فَلَيْسَ مِمّا يَخْتَصُّ بِهَذا التَّقْرِيرِ، ولا هو مِمّا يَلْزَمُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. بَلْ هو أمْرٌ يَعْتَقِدُونَهُ رَأْسًا. انْتَهى. ومَعْنى: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ تَنَزُّهًا حَقِيقًا بِهِ: ﴿وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ: تَعاظَمَ عَنْ ذَلِكَ تَعاظُمًا كَبِيرًا. فَإنَّ مِثْلَ هَذِهِ الفِرْيَةِ والبُهْتانِ، مِمّا يَتَنَزَّهُ عَنْهُ مَقامُهُ الأسْمى.
قالَ الشِّهابُ: وذَكَرَ العُلُوَّ، بَعْدَ عُنْوانِهِ بِـ (ذِي العَرْشِ) . في أعْلى مَراتِبِ البَلاغَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] أيْ: تَنَزَّهَ اللَّهُ، وتُقَدِّسُهُ وتُجِلُّهُ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ مِنَ المَخْلُوقاتِ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ. وتَشْهَدُ جَمِيعُها لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ في إلَهِيَّتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، كَما قالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] أيْ: لِأنَّها بِخِلافِ لُغاتِكم.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا عامٌّ في الحَيَواناتِ والجَماداتِ والنَّباتاتِ، عَلى أشْهَرِ القَوْلَيْنِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِما صَحَّ مِن تَسْبِيحِ الطَّعامِ، والحَصا، مِمّا خَرَجَ في الصَّحِيحَيْنِ والمَسانِيدِ، مِمّا هو مَشْهُورٌ. (p-٣٩٣٣)واخْتارَهُ الرّاغِبُ في (مُفْرَداتِهِ) وقالَ: إنَّهُ تَسْبِيحٌ عَلى الحَقِيقَةِ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ودَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ومَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] بَعْدَ ذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ (يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ويَسْجُدُ لَهُ مَن في الأرْضِ) لِأنَّ هَذا مَن نَفْقَهُهُ، ولِأنَّهُ مُحالٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَقْدِيرَهُ. ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] والأشْياءُ كُلُّها تُسَبِّحُ لَهُ وتَسْجُدُ بَعْضُها بِالتَّسْخِيرِ وبَعْضُها بِالِاخْتِيارِ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَذْكُوراتِ تُسَبِّحُ بِاخْتِيارٍ، لِما ذَكَرَ مِنَ الدَّلالَةِ. انْتَهى.
وذَهَبَ كَثِيرُونَ إلى أنَّ التَّسْبِيحَ المَذْكُورَ مَجازِيٌّ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ أوِ التَّبَعِيَّةِ، كَـ: (نَطَقَتِ الحالُ) فَإنَّهُ اسْتُعِيرَ فِيهِ لِلتَّسْبِيحِ لِلدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ فاعِلٍ قادِرٍ حَكِيمٍ واجِبِ الوُجُودِ، مُنَزَّهٍ عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ، كَما يَدُلُّ الأثَرُ عَلى مُؤَثِّرِهِ. فَجُعِلَتْ تِلْكَ الدَّلالَةُ الحالِيَّةُ كَأنَّهُ تَنْزِيهٌ لَهُ عَمّا يُخالِفُهُ.
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
قالُوا: والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] لِلْمُشْرِكِينَ. أيْ: لِإخْلالِكم بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي بِهِ يُفْهَمُ تَسْبِيحُهم. وقَدْ بالَغَ في رَدِّ القَوْلِ الأوَّلِ واخْتِيارِ الثّانِي، الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في كِتابِهِ " المِلَلُ والنِّحَلُ " ولا بَأْسَ بِإيرادِهِ، لِما فِيهِ مِنَ الغَرائِبِ.
قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في الرَّدِّ عَلى مَن قالَ: (إنَّ في البَهائِمِ رَسْلًا): إنَّما يُخاطِبُ اللَّهُ تَعالى بِالحُجَّةِ مَن يَعْقِلُها. قالَ اللَّهُ تَعالى: { يا أُولِي الألْبابِ }، وقَدْ عَلِمْنا بِضَرُورَةِ الحُسْنِ؛ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَصَّ بِالنُّطْقِ - الَّذِي هو التَّصَرُّفُ في العُلُومِ ومَعْرِفَةُ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، والتَّصَرُّفُ في الصِّناعاتِ عَلى اخْتِلافِها - الإنْسانَ خاصَّةً. وأضَفْنا إلَيْهِمْ، بِالخَبَرِ الصّادِقِ، الجِنَّ والمَلائِكَةَ. ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ قادَ السُّخْفُ بَعْضَهم إلى أنْ جَعَلَ لِلْجَماداتِ تَمْيِيزًا لِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ونَحْوِهِ مِنَ الآياتِ. ولا حُجَّةَ لَهم فِيهِ؛ (p-٣٩٣٤)لِأنَّ القُرْآنَ واجِبٌ أنْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِهِ، كَذَلِكَ كَلامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ومَن خالَفَ ذَلِكَ كانَ عاصِيًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مُبَدِّلًا لِكَلِماتِهِ، ما لَمْ يَأْتِ نَصٌّ في أحَدِهِما، أوْ إجْماعٌ مُتَيَقَّنٌ، أوْ ضَرُورَةُ حِسٍّ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ، فَيُوقَفُ عِنْدَ ذَلِكَ. ويَكُونُ مَن حَمَلَهُ عَلى ظاهِرِهِ حِينَئِذٍ ناسِبًا الكَذِبَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ كاذِبًا عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن كِلا الوَجْهَيْنِ.
وإذْ قَدْ بَيَّنّا قَبْلُ بِالبَراهِينِ الضَّرُورِيَّةِ؛ أنَّ الحَيَوانَ (غَيْرَ الإنْسانِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ) لا نُطْقَ لَهُ. نَعْنِي أنَّهُ لا تَصَرُّفَ لَهُ في العُلُومِ والصِّناعاتِ. وكانَ هَذا القَوْلُ مُشاهَدًا بِالحِسِّ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ، لا يُنْكِرُهُ إلّا وقِحٌ مُكابِرٌ لِحِسِّهِ، وبَيَّنّا أنَّ كُلَّ ما كانَ بِخِلافِ التَّمْيِيزِ المَعْهُودِ عِنْدَنا، فَإنَّهُ لَيْسَ تَمْيِيزًا. وكانَ هَذا أيْضًا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ والعِيانِ والمُشاهَدَةِ؛ فَوَجَبَ أنَّهُ بِخِلافِ ما يُسَمّى في الشَّرِيعَةِ واللُّغَةِ نُطْقًا وقَوْلًا وتَسْبِيحًا وسُجُودًا. فَقَدْ وجَبَ أنَّها أسْماءٌ مُشْتَرَكَةٌ اتَّفَقَتْ ألْفاظُها. وأمّا مَعانِيها فَمُخْتَلِفَةٌ، لا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَحْمِلَها عَلى غَيْرِ هَذا؛ لِأنَّهُ إنْ فَعَلَ كانَ مُخْبِرًا أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ما يُبْطِلُهُ العِيانُ والعَقْلُ الَّذِي بِهِ عَرَفْنا اللَّهَ تَعالى، ولَوْلاهُ ما عَرَفْناهُ.
فاللَّفْظُ مُشْتَرَكٌ والمَعْنى هو ما قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، بَيانُ ذَلِكَ: أنَّ التَّسْبِيحَ عِنْدَنا إنَّما هو قَوْلُ (سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ) وبِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ أنَّ الحِجارَةَ والخَشَبَ والهَوامَّ والحَشَراتِ والألْوانَ لا تَقُولُ ) سُبْحانَ اللَّهِ، بِالسِّينِ والباءِ والحاءِ والألِفِ والنُّونِ واللّامِ والهاءِ ) هَذا ما لا يَشُكُّ فِيهِ مِن لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ. فَإذْ لا شَكَّ في هَذا، فَبِاليَقِينِ عَلِمْنا أنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى هو حَقٌّ وهو مَعْنًى غَيْرُ تَسْبِيحِنا نَحْنُ بِلا شَكٍّ. فَإذْ لا شَكَّ في هَذا فَإنَّ التَّسْبِيحَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنِ السُّوءِ. فَإذا قَدْ صَحَّ هَذا؛ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ في العالَمِ بِلا شَكٍّ مُنَزِّهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنِ السُّوءِ الَّذِي هو صِفَةُ الحُدُوثِ. ولَيْسَ في العالَمِ شَيْءٌ إلّا وهو دالٌّ (بِما فِيهِ مِن دَلائِلِ الصَّنْعَةِ واقْتِضائِهِ صانِعًا لا يُشْبِهُهُ) عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ (p-٣٩٣٥)سُوءٍ ونَقْصٍ، وهَذا هو الَّذِي لا يَفْهَمُهُ ولا يَفْقَهُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] فَهَذا هو تَسْبِيحُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى بِلا شَكٍّ. وهَذا المَعْنى حَقٌّ لا يُنْكِرُهُ مُوَحِّدٌ. فَإنْ كانَ قَوْلُنا هَذا مُتَّفَقًا عَلى صِحَّتِهِ، وكانَتِ الضَّرُورَةُ تُوجِبُ أنَّهُ لَيْسَ هو التَّسْبِيحَ المَعْهُودَ عِنْدَنا، فَقَدْ ثَبَتَ قَوْلُنا وانْتَفى قَوْلُ مَن خالَفْنا بِظَنِّهِ.
وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] والكافِرُ الدَّهْرِيُّ شَيْءٌ لا يَشُكُّ في أنَّهُ شَيْءٌ، وهو لا يُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى البَتَّةَ، فَصَحَّ ضَرُورَةُ أنَّ الكافِرَ يُسَبِّحُ؛ إذْ هو مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي تُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى. وإنَّ تَسْبِيحَهُ لَيْسَ هو قَوْلَهُ (سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ) بِلا شَكٍّ. ولَكِنْ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعالى بِدَلائِلِ خَلْقِهِ وتَرْكِيبِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ الخالِقُ مُشْبِهًا لِشَيْءٍ مِمّا خَلَقَ. وهَذا يَقِينِيٌّ لا شَكَّ فِيهِ.
فَصَحَّ بِما ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَةَ (التَّسْبِيحِ) هي مِنَ الأسْماءِ المُشْتَرَكَةِ، وهي الَّتِي تَقَعُ عَلى نَوْعَيْنِ فَصاعِدًا. انْتَهى كَلامُهُ.
ومُحَصِّلُهُ: نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِلْجَماداتِ تَسْبِيحٌ وتَمْيِيزٌ بِالمَعْنى المَوْجُودِ في الإنْسانِ. وهو حَقٌّ لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا يَسُوغُ لِأحَدٍ إنْكارُهُ. إلّا أنَّهُ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ لَهُ تَسْبِيحٌ وفِيهِ تَمْيِيزٌ يُناسِبُهُ، فَيَرْجِعُ الخِلافُ لَفْظِيًّا. وقَدْ وافَقَ العِلْمُ الحَدِيثُ الآنَ - كَما قالَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ - عَلى أنْ في الجَمادِ أثَرًا مِنَ الحَياةِ. وأنَّ فِيهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ الجَوْهَرِيَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُ الأحْياءَ. وأنَّ ما فِيهِ في الجَواهِرِ الفَرْدَةِ ودَقائِقِ المادَّةِ لَيْسَتْ مَيِّتَةً، بَلْ هي عَناصِرُ حَيَّةٌ مُتَحَرِّكَةٌ لَها صُورَةٌ مِن صُوَرِ الحَياةِ الدُّنْيا المُشاهَدَةِ في جَمِيعِ أنْواعِ المادَّةِ مِثْلَ الجَذْبِ، والدَّفْعِ، والتَّأثُّرِ بِالمُؤَثِّراتِ الخارِجِيَّةِ، وتَغَيُّرِ قُوَّةِ التَّوازُنِ، وتَجَمُّعِ الدَّقائِقِ عَلى أشْكالٍ مُنْتَظِمَةٍ، طِبْقًا لِتَراكِيبَ مَحْدُودَةٍ، وإفْرازِ مُرَكَّباتٍ كِيماوِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ. وبِالجُمْلَةِ؛ فَما يَقُولُهُ العِلْمُ الجَدِيدُ عَنْ مُشابَهَةِ الأجْسامِ غَيْرِ الحَيَّةِ لِلْأجْسامِ الحَيَّةِ يُطابِقُ تَصَوُّراتِ الأقْدَمِينَ والشُّعَراءِ في ذَلِكَ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] أيْ: حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، مَعَ كُفْرِهِمْ وقُصُورِهِمْ في النَّظَرِ. ولَوْ تابُوا لَغَفَرَ لَهم ما كانَ مِنهم.
(p-٣٩٣٦)ثُمَّ مَثَّلَ تَعالى حالَةَ المُشْرِكِينَ مَعَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ، حِينَما يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، يَدْعُوهم إلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، ورَفْضِ الشِّرْكَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن ضَلالِهِمْ، بِمَن طَمَسَ عَلى بَصِيرَتِهِ وبَصَرِهِ وسَمْعِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
الإسراء 17:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥] ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ .
﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ: ﴿جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُونَ بِالبَعْثِ ولا يُقِرُّونَ بِالثَّوابِ والعِقابِ، جَزاءً عَلى الأعْمالِ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ أيْ: مِنَ الجَهْلِ وعَمى القَلْبِ. فَيَحْجُبُ قُلُوبَهم عَنْ أنْ يَفْهَمُوا ما تَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمْ فَيَنْتَفِعُوا بِهِ؛ عُقُوبَةً مِنّا لَهم عَلى كُفْرِهِمْ.
ومَعْنى كَوْنِ الحِجابِ مَسْتُورًا، أيْ: عَنِ العُيُونِ، فَلا تُدْرِكُهُ أبْصارُهم. وعَنِ الأخْفَشِ: إنَّ (مَفْعُولًا) يَرِدُ بِمَعْنى (فاعِلٍ) كَمَيْمُونٍ ومَشْئُومٍ بِمَعْنى يامِنٍ وشائِمٍ. كَما أنَّ (فاعِلًا) يَرِدُ بِمَعْنى (مَفْعُولٍ) كَماءٍ دافِقٍ.
الإسراء 17:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦] ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ .
﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ: أغْطِيَةً كَثِيرَةً، جَمْعُ (كِنانٍ): ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ: ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: صَمَمًا يَمْنَعُهم مِنِ اسْتِماعِهِ. وذَلِكَ ما يَتَغَشّاها مِن خِذْلانِ اللَّهِ تَعالى إيّاها، عَنْ فَهْمِ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ والإنْصاتِ لَهُ.
(p-٣٩٣٧)قالَ أبُو السُّعُودِ: هَذِهِ تَمْثِيلاتٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ كَمالِ جَهْلِهِمْ بِشُئُونِ النَّبِيِّ ﷺ، وفَرْطِ نُبُوُّ قُلُوبِهِمْ عَنِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ. جِيءَ بِها بَيانًا لِعَدَمِ فِقْهِهِمْ لِتَسْبِيحِ لِسانِ المَقالِ، إثْرَ بَيانِ عَدَمِ فِقْهِهِمْ لِتَسْبِيحِ لِسانِ الحالِ، وإيذانًا بِأنَّ هَذا التَّسْبِيحَ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يُصَوِّرُ عَدَمَ فَهْمِهِ، إلّا لِمانِعٍ قَوِيٍّ يَعْتَرِي المَشاعِرَ فَيُبْطِلُها؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حالَهم هَذا أقْبَحُ مِن حالِهِمُ السّابِقِ.
﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ﴾ أيْ: غَيْرُ مَشْفُوعٍ بِذِكْرِهِ ذِكْرَ شَيْءٍ مِن آلِهَتِهِمْ: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ أيْ: هَرَبًا مِنِ اسْتِماعِ التَّوْحِيدِ. قالَ القاشانِيُّ: لِتَشَتُّتِ أهْوائِهِمْ، وتَفَرُّقِ هَمِّهِمْ في عِبادَةِ مُتَعَبَّداتِهِمْ، مِن أصْنافِ الجُسْمانِيّاتِ والشَّهَواتِ. فَلا يُناسِبُ بَواطِنَهم مَعْنى الوَحْدَةِ؛ لِتَأْلَفَها بِالكَثْرَةِ واحْتِجابِها بِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمّا يَتَناجى بِهِ المُشْرِكُونَ، رُؤَساءُ قُرَيْشٍ، بِقَوْلِهِ مُتَوَعِّدًا لَهم:
الإسراء 17:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧-٤٨] ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٨] .
﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِهِ أوْ لِأجْلِهِ مِنَ الهَزْءِ والِاسْتِخْفافِ واللَّغْوِ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ أيْ: سُحِرَ، فَجُنَّ فاخْتَلَطَ كَلامُهُ.
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ [الإسراء: ٤٨] أيْ: مَثَّلُوكَ بِالشّاعِرِ والسّاحِرِ المَجْنُونِ: ﴿فَضَلُّوا﴾ [الإسراء: ٤٨] أيْ: عَنِ الحَقِّ والهِدايَةِ بِكَ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٨] أيْ: فَلا يَهْتَدُونَ لِطَرِيقِ الحَقِّ لِضَلالِهِمْ عَنْهُ وبُعْدِهِمْ مِنهُ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ خَذَلَهم عَنْ إصابَتِهِ. أوِ المَعْنى فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى طَعْنٍ يُمْكِنُ أنْ يَقْبَلَهُ أحَدٌ، بَلْ يَخْبِطُونَ بِما لا يَرْتابُ في بُطْلانِهِ أحَدٌ. كالمُتَحَيِّرِ في أمْرِهِ لا يَدْرِي ماذا يَصْنَعُ.
(p-٣٩٣٨)
الإسراء 17:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧-٤٨] ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٨] .
﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِهِ أوْ لِأجْلِهِ مِنَ الهَزْءِ والِاسْتِخْفافِ واللَّغْوِ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ أيْ: سُحِرَ، فَجُنَّ فاخْتَلَطَ كَلامُهُ.
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ [الإسراء: ٤٨] أيْ: مَثَّلُوكَ بِالشّاعِرِ والسّاحِرِ المَجْنُونِ: ﴿فَضَلُّوا﴾ [الإسراء: ٤٨] أيْ: عَنِ الحَقِّ والهِدايَةِ بِكَ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٨] أيْ: فَلا يَهْتَدُونَ لِطَرِيقِ الحَقِّ لِضَلالِهِمْ عَنْهُ وبُعْدِهِمْ مِنهُ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ خَذَلَهم عَنْ إصابَتِهِ. أوِ المَعْنى فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى طَعْنٍ يُمْكِنُ أنْ يَقْبَلَهُ أحَدٌ، بَلْ يَخْبِطُونَ بِما لا يَرْتابُ في بُطْلانِهِ أحَدٌ. كالمُتَحَيِّرِ في أمْرِهِ لا يَدْرِي ماذا يَصْنَعُ.
(p-٣٩٣٨)
الإسراء 17:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩-٥٢] ﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢] .
﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ وهو ما بَلِيَ وتَفَتَّتَ: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: يَعْظُمُ في نُفُوسِكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ ويَعْظُمُ في زَعْمِكم عَلى الخالِقِ إحْياؤُهُ. فَإنَّهُ يُحْيِيكم ولا يُعْجِزُهُ بَعْثُكم. فَكَيْفَ إذا كُنْتُمْ عِظامًا مَرْفُوتَةً وقَدْ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ قَبْلُ ! والشَّيْءُ أقْبَلُ لِما عُهِدَ فِيهِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: بَعْدَ لُزُومِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ: ﴿مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: يُحَرِّكُونَها بِرَفْعٍ وخَفْضٍ، تَعَجُّبًا واسْتِهْزاءً: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: ما ذَكَرَتْهُ مِنَ الإعادَةِ: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]
﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ. قالَ القاضِي: اسْتَعارَ لَهُما الدُّعاءَ والِاسْتِجابَةَ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سُرْعَتِهِما وتَيَسَّرَ أمْرُهُما، وإنَّ المَقْصُودَ مِنهُما الإحْضارُ لِلْمُحاسَبَةِ والجَزاءِ. انْتَهى.
وقِيلَ: إنَّهُما حَقِيقَةٌ كَما في آيَةِ: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] وفي قَوْلِهِ: (p-٣٩٣٩)﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٢] وُجُوهٌ لِلْمُعْرِبِينَ. كَكَوْنِهِ بَدَلًا مِن (قَرِيبًا) عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ. أوْ مَنصُوبٌ بِـ (يَكُونُ) أوْ بِمُقَدَّرٍ كَـ (اذْكُرْ) أوْ (تُبْعَثُونَ) وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: ولَهُ الحَمْدُ عَلى ما أحْضَرَكم لِلْجَزاءِ وتَحَقَّقَ وعْدُهُ الصِّدْقُ: ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: تَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِكم في القُبُورِ والمَضاجِعِ لِذُهُولِكم عَنْ ذَلِكَ الزَّمانِ. أوْ في الحَياةِ الأُولى، لِاسْتِقْصارِكم إيّاها، بِالنِّسْبَةِ إلى الحَياةِ الآخِرَةِ.
الإسراء 17:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩-٥٢] ﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢] .
﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ وهو ما بَلِيَ وتَفَتَّتَ: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: يَعْظُمُ في نُفُوسِكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ ويَعْظُمُ في زَعْمِكم عَلى الخالِقِ إحْياؤُهُ. فَإنَّهُ يُحْيِيكم ولا يُعْجِزُهُ بَعْثُكم. فَكَيْفَ إذا كُنْتُمْ عِظامًا مَرْفُوتَةً وقَدْ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ قَبْلُ ! والشَّيْءُ أقْبَلُ لِما عُهِدَ فِيهِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: بَعْدَ لُزُومِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ: ﴿مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: يُحَرِّكُونَها بِرَفْعٍ وخَفْضٍ، تَعَجُّبًا واسْتِهْزاءً: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: ما ذَكَرَتْهُ مِنَ الإعادَةِ: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]
﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ. قالَ القاضِي: اسْتَعارَ لَهُما الدُّعاءَ والِاسْتِجابَةَ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سُرْعَتِهِما وتَيَسَّرَ أمْرُهُما، وإنَّ المَقْصُودَ مِنهُما الإحْضارُ لِلْمُحاسَبَةِ والجَزاءِ. انْتَهى.
وقِيلَ: إنَّهُما حَقِيقَةٌ كَما في آيَةِ: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] وفي قَوْلِهِ: (p-٣٩٣٩)﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٢] وُجُوهٌ لِلْمُعْرِبِينَ. كَكَوْنِهِ بَدَلًا مِن (قَرِيبًا) عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ. أوْ مَنصُوبٌ بِـ (يَكُونُ) أوْ بِمُقَدَّرٍ كَـ (اذْكُرْ) أوْ (تُبْعَثُونَ) وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: ولَهُ الحَمْدُ عَلى ما أحْضَرَكم لِلْجَزاءِ وتَحَقَّقَ وعْدُهُ الصِّدْقُ: ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: تَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِكم في القُبُورِ والمَضاجِعِ لِذُهُولِكم عَنْ ذَلِكَ الزَّمانِ. أوْ في الحَياةِ الأُولى، لِاسْتِقْصارِكم إيّاها، بِالنِّسْبَةِ إلى الحَياةِ الآخِرَةِ.
الإسراء 17:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩-٥٢] ﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢] .
﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ وهو ما بَلِيَ وتَفَتَّتَ: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: يَعْظُمُ في نُفُوسِكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ ويَعْظُمُ في زَعْمِكم عَلى الخالِقِ إحْياؤُهُ. فَإنَّهُ يُحْيِيكم ولا يُعْجِزُهُ بَعْثُكم. فَكَيْفَ إذا كُنْتُمْ عِظامًا مَرْفُوتَةً وقَدْ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ قَبْلُ ! والشَّيْءُ أقْبَلُ لِما عُهِدَ فِيهِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: بَعْدَ لُزُومِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ: ﴿مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: يُحَرِّكُونَها بِرَفْعٍ وخَفْضٍ، تَعَجُّبًا واسْتِهْزاءً: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: ما ذَكَرَتْهُ مِنَ الإعادَةِ: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]
﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ. قالَ القاضِي: اسْتَعارَ لَهُما الدُّعاءَ والِاسْتِجابَةَ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سُرْعَتِهِما وتَيَسَّرَ أمْرُهُما، وإنَّ المَقْصُودَ مِنهُما الإحْضارُ لِلْمُحاسَبَةِ والجَزاءِ. انْتَهى.
وقِيلَ: إنَّهُما حَقِيقَةٌ كَما في آيَةِ: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] وفي قَوْلِهِ: (p-٣٩٣٩)﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٢] وُجُوهٌ لِلْمُعْرِبِينَ. كَكَوْنِهِ بَدَلًا مِن (قَرِيبًا) عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ. أوْ مَنصُوبٌ بِـ (يَكُونُ) أوْ بِمُقَدَّرٍ كَـ (اذْكُرْ) أوْ (تُبْعَثُونَ) وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: ولَهُ الحَمْدُ عَلى ما أحْضَرَكم لِلْجَزاءِ وتَحَقَّقَ وعْدُهُ الصِّدْقُ: ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: تَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِكم في القُبُورِ والمَضاجِعِ لِذُهُولِكم عَنْ ذَلِكَ الزَّمانِ. أوْ في الحَياةِ الأُولى، لِاسْتِقْصارِكم إيّاها، بِالنِّسْبَةِ إلى الحَياةِ الآخِرَةِ.
الإسراء 17:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩-٥٢] ﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢] .
﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ وهو ما بَلِيَ وتَفَتَّتَ: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: يَعْظُمُ في نُفُوسِكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ ويَعْظُمُ في زَعْمِكم عَلى الخالِقِ إحْياؤُهُ. فَإنَّهُ يُحْيِيكم ولا يُعْجِزُهُ بَعْثُكم. فَكَيْفَ إذا كُنْتُمْ عِظامًا مَرْفُوتَةً وقَدْ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ قَبْلُ ! والشَّيْءُ أقْبَلُ لِما عُهِدَ فِيهِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: بَعْدَ لُزُومِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ: ﴿مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: يُحَرِّكُونَها بِرَفْعٍ وخَفْضٍ، تَعَجُّبًا واسْتِهْزاءً: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: ما ذَكَرَتْهُ مِنَ الإعادَةِ: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]
﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ. قالَ القاضِي: اسْتَعارَ لَهُما الدُّعاءَ والِاسْتِجابَةَ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سُرْعَتِهِما وتَيَسَّرَ أمْرُهُما، وإنَّ المَقْصُودَ مِنهُما الإحْضارُ لِلْمُحاسَبَةِ والجَزاءِ. انْتَهى.
وقِيلَ: إنَّهُما حَقِيقَةٌ كَما في آيَةِ: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] وفي قَوْلِهِ: (p-٣٩٣٩)﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٢] وُجُوهٌ لِلْمُعْرِبِينَ. كَكَوْنِهِ بَدَلًا مِن (قَرِيبًا) عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ. أوْ مَنصُوبٌ بِـ (يَكُونُ) أوْ بِمُقَدَّرٍ كَـ (اذْكُرْ) أوْ (تُبْعَثُونَ) وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: ولَهُ الحَمْدُ عَلى ما أحْضَرَكم لِلْجَزاءِ وتَحَقَّقَ وعْدُهُ الصِّدْقُ: ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: تَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِكم في القُبُورِ والمَضاجِعِ لِذُهُولِكم عَنْ ذَلِكَ الزَّمانِ. أوْ في الحَياةِ الأُولى، لِاسْتِقْصارِكم إيّاها، بِالنِّسْبَةِ إلى الحَياةِ الآخِرَةِ.
الإسراء 17:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣-٥٤] ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْـزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٥٤] .
﴿وقُلْ لِعِبادِي﴾ أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ. إرادَةَ تَقْرِيبِ أصْحابِهِمْ إلى الصَّوابِ، كَأمْرِ البَعْثِ: ﴿يَقُولُوا﴾ في النَّصِيحَةِ، الكَلِمَةَ: ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: فَلا يُخاشِنُوا أحَدًا، ولا يَغْلَطُوا بِالقَوْلِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْـزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: يُفْسِدُ ويُهَيِّجُ الشَّرَّ والمِراءَ، لِتَقَعَ بَيْنَهُمُ المُضارَّةُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] خِطابٌ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ. أيْ: إنْ يَشَأْ يَرْحَمُكم فَيَتُوبُ عَلَيْكم بِرَحْمَتِهِ وتُنِيبُوا إلَيْهِ. وإنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِأنْ يَخْذُلَكم عَنِ الإيمانِ، فَتَمُوتُوا عَلى الشِّرْكِ فَيُعَذِّبْكم عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٥٤] أيْ: مَوْكُولًا إلَيْكَ أمْرُهم، تَقْسِرُهم عَلى الإيمانِ. وإنَّما أرْسَلْناكَ مُبَشِّرًا ونَذِيرًا، تُبَلِّغُهم رِسالاتُنا.
(p-٣٩٤٠)
الإسراء 17:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣-٥٤] ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْـزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٥٤] .
﴿وقُلْ لِعِبادِي﴾ أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ. إرادَةَ تَقْرِيبِ أصْحابِهِمْ إلى الصَّوابِ، كَأمْرِ البَعْثِ: ﴿يَقُولُوا﴾ في النَّصِيحَةِ، الكَلِمَةَ: ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: فَلا يُخاشِنُوا أحَدًا، ولا يَغْلَطُوا بِالقَوْلِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْـزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: يُفْسِدُ ويُهَيِّجُ الشَّرَّ والمِراءَ، لِتَقَعَ بَيْنَهُمُ المُضارَّةُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] خِطابٌ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ. أيْ: إنْ يَشَأْ يَرْحَمُكم فَيَتُوبُ عَلَيْكم بِرَحْمَتِهِ وتُنِيبُوا إلَيْهِ. وإنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِأنْ يَخْذُلَكم عَنِ الإيمانِ، فَتَمُوتُوا عَلى الشِّرْكِ فَيُعَذِّبْكم عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٥٤] أيْ: مَوْكُولًا إلَيْكَ أمْرُهم، تَقْسِرُهم عَلى الإيمانِ. وإنَّما أرْسَلْناكَ مُبَشِّرًا ونَذِيرًا، تُبَلِّغُهم رِسالاتُنا.
(p-٣٩٤٠)
الإسراء 17:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٥] ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ .
﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِما. فَهو أعْلَمُ بِهَؤُلاءِ ضَرُورَةً. وفِيهِ إشارَةٌ إلى رَحْمَتِهِ تَعالى بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ؛ لِحاجَةِ الخَلْقِ إلَيْها، وإلى مَشِيئَتِهِ فِيمَن يَصْطَفِي لِرِسالَتِهِ، ويَخْتارُ لِنُبُوَّتِهِ. ويَعْلَمُهُ أهْلًا لَها. وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: لِاقْتِضاءِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ذَلِكَ. فَإنَّهُ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ وأحْوالِهِمْ. فَآتى مُوسى التَّوْراةَ وكَلَّمَهُ. وعِيسى الإنْجِيلَ، وداوُدَ الزَّبُورَ. فَضَّلَهم بِما آتاهم عَلى غَيْرِهِمْ. وقَدْ آتى مُحَمَّدًا القُرْآنَ فَفَضَّلَهُ بِهِ عَلى الأنْبِياءِ كافَّةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ أيْ: يَشْتَمِلُ عَلى الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ، فَفَضَّلْناهُ بِهِ. قِيلَ: الآيَةُ رَدٌّ عَلَيْهِمْ إذِ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ ﷺ نَبِيًّا، دُونَ مَن يَعُدُّونَهُ عَظِيمًا بَيْنَهم في الغِنى والجاهِ. وذَكَرَ مَن في السَّماواتِ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١] وذَكَرَ مَن في الأرْضِ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وتَخْصِيصُ داوُدَ بِالذِّكْرِ؛ إشارَةٌ لِتَفْضِيلِ النَّبِيِّ ﷺ كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما كُتِبَ فِيهِ مِن: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] فَفِيهِ تَلْمِيحٌ إلى ما وقَعَ فِيهِ مِن وصْفِهِ بِما ذُكِرَ فِيهِ. وإيثارُ الزَّبُورِ عَلى المَلِكِ؛ بَيانٌ لِحَيْثِيَّةِ شَرَفِهِ، وأنَّهُ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الكِتابِ والعِلْمِ، لا بِالمُلْكِ والمالِ، كَذا قالُوا. والظّاهِرُ أنَّهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ في نَشْأتِهِ الأُولى مِمَّنْ يَظُنُّ أنَّهُ يَبْلُغُ ما بَلَغَ في الحِكْمَةِ والمُلْكِ، وقَدِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِما ومَيَّزَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ عَصْرِهِ. وإذْ كانَ ذَلِكَ اخْتِصاصًا رَبّانِيًّا، فَلا غَرابَةَ أنْ يَخْتَصَّ سُبْحانَهُ مِنَ العَرَبِ، مَن عَلِمَ أنَّهُ أرْجَحُهم عَقْلًا، وأكْمَلُهم فَضْلًا، لِخَتْمِ نُبُوَّتِهِ، وهِدايَةِ بَرِيَّتِهِ، بِمِنهاجِهِ وشِرَعْتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٩٤١)
الإسراء 17:56
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٦-٥٧] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] .
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلا﴾
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]
أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ مَن خَلَقَهُ: ادْعُوا مِن زَعَمْتُمُوهم أرْبابًا وآلِهَةً مِن دُونِهِ، عِنْدَ ضُرٍّ يَنْزِلُ بِكم، وانْظُرُوا هَلْ يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْكم أوْ تَحْوِيلِهِ عَنْكم إلى غَيْرِكم، فَتَدْعُونَهم آلِهَةً، أيْ: فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ولا يَمْلِكُونَهُ، وإنَّما يَمْلِكُهُ ويَقْدِرُ عَلَيْهِ خالِقُكم وخالِقُهم.
رَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ أنَّ الآيَةَ عُنِيَ بِها قَوْمٌ مُشْرِكُونَ، كانُوا يَعْبُدُونَ المَسِيحَ وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ. فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ عَبِيدُهُ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ، ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ بِالأعْمالِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في النَّهْيِ عَنْ أنْ يُشْرَكَ بِهِ تَعالى المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا (p-٣٩٤٢)أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] إشارَةٌ إلى أنَّ العِبادَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالرَّجاءِ والخَوْفِ. فَبِالرَّجاءِ تَكْثُرُ الطّاعاتُ، وبِالخَوْفِ تَقِلُّ السَّيِّئاتُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] أيْ: يَنْبَغِي أنْ يُحْذَرَ مِنهُ ويُخافَ مِن حُلُولِهِ. عِياذًا بِاللَّهِ مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الإسراء 17:57
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٦-٥٧] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] .
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلا﴾
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]
أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ مَن خَلَقَهُ: ادْعُوا مِن زَعَمْتُمُوهم أرْبابًا وآلِهَةً مِن دُونِهِ، عِنْدَ ضُرٍّ يَنْزِلُ بِكم، وانْظُرُوا هَلْ يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْكم أوْ تَحْوِيلِهِ عَنْكم إلى غَيْرِكم، فَتَدْعُونَهم آلِهَةً، أيْ: فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ولا يَمْلِكُونَهُ، وإنَّما يَمْلِكُهُ ويَقْدِرُ عَلَيْهِ خالِقُكم وخالِقُهم.
رَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ أنَّ الآيَةَ عُنِيَ بِها قَوْمٌ مُشْرِكُونَ، كانُوا يَعْبُدُونَ المَسِيحَ وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ. فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ عَبِيدُهُ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ، ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ بِالأعْمالِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في النَّهْيِ عَنْ أنْ يُشْرَكَ بِهِ تَعالى المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا (p-٣٩٤٢)أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] إشارَةٌ إلى أنَّ العِبادَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالرَّجاءِ والخَوْفِ. فَبِالرَّجاءِ تَكْثُرُ الطّاعاتُ، وبِالخَوْفِ تَقِلُّ السَّيِّئاتُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] أيْ: يَنْبَغِي أنْ يُحْذَرَ مِنهُ ويُخافَ مِن حُلُولِهِ. عِياذًا بِاللَّهِ مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الإسراء 17:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٨] ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ .
﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾
إخْبارٌ بِأنَّهُ حَتَّمَ وقَضى؛ أنَّهُ ما مِن قَرْيَةٍ يَتَمَرَّدُ أهْلُها عَلى نَبِيِّهِمْ، إلّا ويُبِيدُهم، أوْ يُنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ شَدِيدُهُ. وذَلِكَ لِذُنُوبِهِمْ وخَطِيئاتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] وقالَ تَعالى: ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩] وقالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ﴾ [الطلاق: ٨] الآياتِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الإسراء 17:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٩] ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ .
﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ أيِ: الَّتِي تَقْتَرِحُها قُرَيْشٌ: ﴿إلا أنْ كَذَّبَ بِها (p-٣٩٤٣)الأوَّلُونَ﴾ أيْ: إلّا تَكْذِيبَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ هم أمْثالُهم، كَعادٍ وثَمُودَ. وأنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ. فاسْتَوْجَبُوا الِاسْتِئْصالَ، عَلى ما مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ. وقَدْ قَضَيْنا أنْ لا نَسْتَأْصِلَهم، لِأنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ أوْ يَلِدُ مَن يُؤْمِنُ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ بِتَكْذِيبِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فَقالَ: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ﴾ أيْ: أعْطَيْنا قَوْمَ صالِحٍ النّاقَةَ بِسُؤالِهِمْ: ﴿مُبْصِرَةً﴾ أيْ: بَيِّنَةً، تُبْصِرُ الغَيْرَ بِرِهانِها: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ: فَكَفَرُوا بِها وظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ عَقْرِها، فَأبادَهُمُ اللَّهُ عَنْ آخِرِهِمْ وانْتَقَمَ مِنهم: ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ أيْ: وما نُرْسِلُ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا تَخْوِيفًا لِلنّاسِ، لِيَعْلَمُوا السُّنَّةَ الإلَهِيَّةَ مَعَ العاتِينَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَتُوبُوا.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ الجِبالَ عَنْهم فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وإنْ شِئْتَ أنْ يَأْتِيَهُمُ الَّذِي سَألُوا، فَإنْ كَفَرُوا، هَلَكُوا كَما أهْلَكْتُ مَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ. قالَ: «لا بَلْ أسَتَأْنِي بِهِمْ»، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ﴾ الآيَةَ» . ورَواهُ النَّسائِيُّ.
الإسراء 17:60
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٠] ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ .
﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ أيْ: عِلْمًا، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن كُفْرِهِمْ (p-٣٩٤٤)وتَكْذِيبِهِمْ. ومِنهُ ما جَرى مِنهم، إثْرَ اَلرُّؤْيا والإخْبارِ بِالشَّجَرَةِ، مِنَ اَلْجُحُودِ والهَزْءِ واللَّغْوِ. كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ قالَ اَلْأكْثَرُونَ: يَعْنِي ما رَآهُ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ اَلْإسْراءِ مِنَ اَلْآياتِ. فَلَمّا ذَكَرَها اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلنّاسِ، أنْكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ وكَذَّبُوا. وجَعَلَ اَللَّهُ ذَلِكَ ثَباتًا ويَقِينًا لِلْمُخْلِصِينَ. فَكانَتْ فِتْنَةً، أيِ: اخْتِبارًا وامْتِحانًا. وتَمَسَّكَ بِهَذا مَن جَعَلَ اَلْإسْراءَ مَنامًا؛ لِكَوْنِ اَلرُّؤْيا مَخْصُوصَةً بِالمَنامِ. وأُجِيبُ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ يَرُدُّهُ؛ لِأنَّ رُؤْيا اَلْمَنامِ لا يَفْتَتِنُ بِها أحَدٌ ولا يَكْذِبُ. وجاءَ في اَللُّغَةِ (اَلرُّؤْيا بِمَعْنى اَلرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا) وهو مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لَها. وقِيلَ: إنَّها حَقِيقَةٌ في رُؤْيا اَلْمَنامِ ورُؤْيا اَلْيَقَظَةِ لَيْلًا. وقَدْ ذَكَرَ اَلسُّهَيْلِيُّ أنَّهُ ورَدَ في كَلامِ اَلْعَرَبِ بِهَذا اَلْمَعْنى، وأنَّهُ كالقُرْبى والقُرْبَةِ. وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ، إمّا مُشاكَلَةٌ لِتَسْمِيَتِهِمْ لَهُ رُؤْيا، أوْ جارٍ عَلى زَعْمِهِمْ. أوْ عَلى اَلتَّشْبِيهِ بِها لِما فِيها مِن خَرْقِ اَلْعادَةِ أوْ لِوُقُوعِها لَيْلًا، أوْ لِسُرْعَتِها. أفادَهُ اَلشِّهابُ.
ورَوى اَلطَّبَرِيُّ عَنِ اَلْحَسَنِ في اَلْآيَةِ هَذِهِ؛ قالَ: «أُسْرِيَ بِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِشاءً إلى بَيْتِ اَلْمَقْدِسِ، فَصَلّى فِيهِ وأراهُ اَللَّهُ ما أراهُ مِنَ اَلْآياتِ، ثُمَّ أصْبَحَ بِمَكَّةَ، فَأخْبَرَهم أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إلى بَيْتِ اَلْمَقْدِسِ. فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ ! ما شَأْنُكَ؟ أمْسَيْتَ فِيهِ ثُمَّ أصْبَحْتَ فِينا، تُخْبِرُنا أنَّكَ أتَيْتَ بَيْتَ اَلْمَقْدِسِ ؟ فَعَجِبُوا مِن ذَلِكَ حَتّى اِرْتَدَّ بَعْضُهم عَنِ اَلْإسْلامِ» .
وقالَ قَوْمٌ: اَلْآيَةُ في رُؤْياهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلَّتِي رَأى أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ. فَرَوى اَلْبَرِّيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يُقالُ: إنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُرِيَ أنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ هو وأصْحابُهُ، وهو يَوْمَئِذٌ بِالمَدِينَةِ، فَعَجَّلَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلسَّيْرَ إلى مَكَّةَ قَبْلَ اَلْأجَلِ، فَرَدَّهُ اَلْمُشْرِكُونَ، فَقالَتْ أُناسٌ: قَدْ رُدَّ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ كانَ حَدَّثَنا أنَّهُ سَيَدْخُلُها. فَكانَتْ رَجْعَتُهُ فِتْنَتَهم. وذَلِكَ عامَ اَلْحُدَيْبِيَةِ. ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ في اَلْعامِ اَلْمُقْبِلِ. وأنْزَلَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] ولا يُقالُ: إنَّ اَلسُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وقِصَّةَ اَلْحُدَيْبِيَةِ بَعْدَ اَلْهِجْرَةِ، لِاحْتِمالِ أنَّهُ رَأى تِلْكَ اَلرُّؤْيا بِمَكَّةَ، (p-٣٩٤٥)ونَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ اَلْآيَةُ. ولَكِنَّهُ ذَكَرَها عامَ اَلْحُدَيْبِيَةَ؛ لِأنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ بِمَكَّةَ. فَعَلِمَ أنَّ دُخُولَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنها. كَذا قِيلَ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ كَثِيرًا مِنَ اَلسُّوَرِ اَلْمَكِّيَّةِ ضُمَّ إلَيْها آياتٌ مَدَنِيَّةٌ، كَما في " اَلْإتْقانِ " . والطَّبَرِيُّ رَجَّحَ اَلْأوَّلَ وِفاقًا لِلْأكْثَرِ. وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا؛ أنَّ اَلسَّلَفَ قَدْ يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ: (نَزَلَتِ اَلْآيَةُ في كَذا) أنَّ لَفْظَ اَلْآيَةِ مِمّا يَشْمَلُ ذَلِكَ. لا أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِنُزُولِهِ حَقِيقَةً. وعَلَيْهِ، فَلا إشْكالَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ عَطْفٌ عَلى اَلرُّؤْيا، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها شَجَرَةُ اَلزَّقُّومِ، اَلْمَذْكُورَةُ في سُورَةِ اَلصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُـزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] اَلْآياتِ. وفِتْنَتُهم فِيها ما رَواهُ اَلطَّبَرِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ؛ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: زَعَمَ صاحِبُكم هَذا - يَعْنِي اَلنَّبِيَّ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ - أنَّ في اَلنّارِ شَجَرَةً، والنّارَ تَأْكُلُ اَلشَّجَرَ ! فَكَذَّبُوا بِذَلِكَ. وفي رِوايَةٍ: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: أيُخَوِّفُنِي بِشَجَرِ اَلزَّقُّومِ ؟ ثُمَّ دَعا بِتَمْرٍ وزُبْدٍ وجَعَلَ يَأْكُلُ ويَقُولُ: تَزَقَّمُوا، فَما نَعْلَمُ اَلزَّقُّومَ غَيْرَ هَذا. والمُرادُ بِلَعْنِها في اَلْقُرْآنِ: لَعْنُ طاعِمِها فِيهِ، عَلى أنَّهُ مَجازٌ في اَلْإسْنادِ. أوِ اَلْمَلْعُونُ بِمَعْنى اَلْمُؤْذِي لِأنَّها تَغْلِي في اَلْبُطُونِ كَغَلْيِ اَلْحَمِيمِ. فَهو إمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ أوِ اِسْتِعارَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُخَوِّفُهُمْ﴾ أيْ: بِذَلِكَ وبِنَظائِرِهِ مِنَ اَلْآياتِ: ﴿فَما يَزِيدُهُمْ﴾ أيِ: اَلتَّخْوِيفُ: ﴿إلا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ أيْ: تَمادِيًا فِيما هم فِيهِ مِنَ اَلضَّلالِ والكُفْرِ.
(p-٣٩٤٦)قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: فَلَوْ أرْسَلَنا إلَيْهِمُ اَلْآياتِ اَلْمُقْتَرَحَةَ لَقالُوا: إنَّهُ أجَلُّ مَن أحاطَ بِأبْوابِ اَلسِّحْرِ. فَلا فائِدَةَ في إرْسالِها سِوى تَعْجِيلِ اَلْعَذابِ اَلدُّنْيَوِيِّ. لَكِنَّهُ يُنافِي إظْهارَ دِينِهِ عَلى اَلدِّينِ كُلِّهِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ هَذا اَلطُّغْيانَ مِنِ اتِّباعِ اَلشَّيْطانِ. وأنَّهُ وحِزْبُهُ، لِعُتُوِّهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ عَنِ اَلْحَقِّ، في اَلنّارِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الإسراء 17:61
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦١-٦٢] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢] .
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ أيْ: تَحِيَّةً وتَكْرِيمًا: ﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ كَما قالَ في اَلْآيَةِ اَلْأُخْرى: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]
﴿قالَ﴾ [الإسراء: ٦٢] أيْ: جَراءَةً عَلى اَلرَّبِّ وكُفْرًا بِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا اَلَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ بِأنْ أمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ لَهُ، لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ ؟ . أوِ اَلْمَعْنى: أخْبِرْنِي أهَذا اَلَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ: ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢] أيْ: لَأُعْمِنَّهم وأُهْلِكَنَّهم بِالإغْواءِ، إلّا اَلْمُخْلَصِينَ.
(p-٣٩٤٧)
الإسراء 17:62
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦١-٦٢] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢] .
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ أيْ: تَحِيَّةً وتَكْرِيمًا: ﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ كَما قالَ في اَلْآيَةِ اَلْأُخْرى: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]
﴿قالَ﴾ [الإسراء: ٦٢] أيْ: جَراءَةً عَلى اَلرَّبِّ وكُفْرًا بِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا اَلَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ بِأنْ أمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ لَهُ، لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ ؟ . أوِ اَلْمَعْنى: أخْبِرْنِي أهَذا اَلَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ: ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢] أيْ: لَأُعْمِنَّهم وأُهْلِكَنَّهم بِالإغْواءِ، إلّا اَلْمُخْلَصِينَ.
(p-٣٩٤٧)
الإسراء 17:63
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣-٦٥] ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٦٥] .
﴿قالَ اذْهَبْ﴾ أيِ: اِمْضِ لِشَأْنِكَ اَلَّذِي اِخْتَرْتَهُ: ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ أيْ: جَزاءً مُكَمَّلًا.
﴿واسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيِ: اِسْتَخِفَّ وأزْعِجْ: ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: أنْ تَسْتَفِزَّهُ فَتَخْدَعَهُ: ﴿بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: بِدُعائِكَ إلى اَلْفَسادِ. وعَبَّرَ عَنِ اَلدُّعاءِ بِالصَّوْتِ تَحْقِيرًا لَهُ حَتّى كَأنَّهُ لا مَعْنى لَهُ: ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: صِحْ عَلَيْهِمْ، مِنَ اَلْجَلَبَةِ (بِفَتَحاتٍ) وهي اَلصِّياحُ. و(اَلْخَيْلُ) اَلْخَيّالَةُ، أيْ: رُكْبانُ اَلْخَيْلِ مَجازًا. وأصْلُ مَعْنى اَلْخَيْلِ اَلْأفْراسُ. (والرَّجِلُ) اِسْمُ جَمْعٍ لِلرّاجِلِ وهو خِلافُ اَلْفارِسِ، والمُرادُ اَلْأعْوانُ والأتْباعُ مُطْلَقًا.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اِسْتِفْزازِ إبْلِيسَ بِصَوْتِهِ وإجْلابِهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ ؟ . قُلْتُ: هو كَلامٌ ورَدَ مَوْرِدَ اَلتَّمْثِيلِ، مُثِّلَتْ حالُهُ في تَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ، بِمِغْوارٍ - بِكَسْرِ اَلْمِيمِ، اَلْكَثِيرِ اَلْغارَةِ وهي اَلْحَرْبُ والنَّهْبُ - أُوقِعَ عَلى قَوْمٍ فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يَسْتَفِزُّهم مِن أماكِنِهِمْ، ويُقْلِقُهم عَنْ مَراكِزِهِمْ. وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ حَتّى اِسْتَأْصَلَهم - أيْ: فالكَلامُ اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ، اُسْتُعِيرَ فِيهِ اَلْمَجْمُوعُ والهَيْئَةُ لِلْمَجْمُوعِ والهَيْئَةِ. ووَجْهُهُ ما ذَكَرَهُ مِنِ اِسْتِئْصالِهِمْ وإهْلاكِهِمْ، أوْ غَلَبَتِهِ وتَسْخِيرِهِ لَهم. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلتَّجَوُّزُ في اَلْمُفْرَداتِ تَجَوُّزًا بِصَوْتِهِ عَنْ دُعائِهِ إلى اَلشَّرِّ بِالوَسْوَسَةِ، وبِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ عَنْ كُلِّ راكِبٍ وماشٍ مِن أهْلِ اَلْعَبَثِ (p-٣٩٤٨)والفَسادِ بِإغْوائِهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: بِحَمْلِهِ إيّاهم عَلى إنْفاقِها في اَلْمَعاصِي وجَمْعِها مِن حَرامٍ والتَّصَرُّفِ فِيها تَحْرِيمًا وتَحْلِيلًا بِما لا يَرْضى: ﴿والأوْلادِ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: بِالتَّفاخُرِ فِيهِمْ وتَضْلِيلِهِمْ بِصَبْغِهِمْ غَيْرَ صِبْغَةِ اَلدِّينِ ووَأْدِهِمْ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُعْصى اَللَّهُ بِسَبَبِهِ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيِ: اَلْمَواعِيدَ اَلْباطِلَةَ والأمانِيَ اَلْكاذِبَةَ مِن سَلامَةِ اَلْعاقِبَةِ ودَوامِ اَلْغَلَبَةِ: ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] وهو تَزْيِينُ اَلْباطِلِ بِزِينَةِ اَلْحَقِّ.
﴿إنَّ عِبادِي﴾ [الإسراء: ٦٥] أيِ: اَلْمُخْلَصِينَ: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] أيْ: تَسَلُّطٌ بِالإغْواءِ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٦٥] أيْ: كَفِيلًا لَهم يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ ولا يَلْجَؤُونَ في أُمُورِهِمْ إلّا إلَيْهِ. وهو كافِيهِمْ.
وقَدْ أشارَ القاشانِيُّ إلى أنَّ اَلْآيَةَ تُشِيرُ إلى اِنْقِسامِ اَلنّاسِ مَعَ اَلشَّيْطانِ عَلى أصْنافٍ. وعِبارَتُهُ: تَمَكُّنُ اَلشَّيْطانِ مِن إغْواءِ اَلْعِبادِ عَلى أقْسامٍ؛ لِأنَّ اَلِاسْتِعْداداتِ مُتَفاوِتَةً. فَمَن كانَ ضَعِيفَ اَلِاسْتِعْدادِ اِسْتَفَزَّهُ. أيِ: اِسْتَخَفَّهُ بِصَوْتِهِ، يَكْفِيهِ وسُوسَةٌ وهَمْسٌ بَلْ هاجِسٌ ولَمَّةٌ. ومَن كانَ قَوِيَّ اَلِاسْتِعْدادِ، فَإنْ أخْلَصَ اِسْتِعْدادَهُ عَنْ شَوائِبِ اَلصِّفاتِ اَلنَّفْسانِيَّةِ، أوْ أخْلَصَهُ اَللَّهُ تَعالى عَنْ شَوائِبِ اَلْغَيْرِيَّةِ، فَلَيْسَ لَهُ إلى إغْوائِهِ سَبِيلٌ، كَما قالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] وإلّا فَإنْ كانَ مُنْغَمِسًا في اَلشَّواغِلِ اَلْحِسِّيَّةِ، غارِزًا رَأْسَهُ في اَلْأُمُورِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ، شارَكَهُ في أمْوالِهِ وأوْلادِهِ، بِأنْ يُحَرِّضَهُ عَلى إشْراكِهِمْ بِاَللَّهِ في اَلْمَحَبَّةِ، بِحُبِّهِمْ كَحُبِّ اَللَّهِ. ويُسَوِّلُ لَهُ اَلتَّمَتُّعَ بِهِمْ، والتَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ بِوُجُودِهِمْ. ويُمَنِّيهِ اَلْأمانِيَ اَلْكاذِبَةَ ويُزَيِّنُ عَلَيْهِ اَلْآمالَ اَلْفارِغَةَ. وإنْ لَمْ يَنْغَمِسْ، فَإنْ كانَ عالِمًا بَصِيرًا بِتَسْوِيلاتِهِ، أجْلَبَ عَلَيْهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ. أيْ: مَكَرَ بِهِ بِأنْواعِ اَلْحِيَلِ. وكادَهُ بِصُنُوفِ اَلْفِتَنِ. وأفْتى لَهُ في تَحْصِيلِ أنْواعِ اَلْحُطامِ والمَلاذِ بِأنَّها مِن جُمْلَةِ مَصالِحِ اَلْمَعاشِ. وغَرَّهُ بِالعِلْمِ وحَمَلَهُ عَلى اَلْإعْجابِ، وأمْثالِ ذَلِكَ حَتّى يَصِيرَ مِمَّنْ أضَلَّهُ اَللَّهُ عَلى عِلْمٍ. وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بَلْ عابِدًا مُتَنَسِّكًا، أغْواهُ بِالوَعْدِ والتَّمْنِيَةِ. وغَرُّهُ بِالطّاعَةِ والتَّزْكِيَةِ أيْسَرُ ما يَكُونُ. اِنْتَهى.