Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الكهف 18:97 – طه 20:123

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. الكهف 18:97
  2. الكهف 18:98
  3. الكهف 18:99
  4. الكهف 18:100
  5. الكهف 18:101
  6. الكهف 18:102
  7. الكهف 18:103
  8. الكهف 18:104
  9. الكهف 18:105
  10. الكهف 18:106
  11. الكهف 18:107
  12. الكهف 18:108
  13. الكهف 18:109
  14. الكهف 18:110
  15. مريم 19:1
  16. مريم 19:2
  17. مريم 19:3
  18. مريم 19:4
  19. مريم 19:5
  20. مريم 19:6
  21. مريم 19:7
  22. مريم 19:8
  23. مريم 19:9
  24. مريم 19:10
  25. مريم 19:11
  26. مريم 19:12
  27. مريم 19:13
  28. مريم 19:14
  29. مريم 19:15
  30. مريم 19:16
  31. مريم 19:17
  32. مريم 19:18
  33. مريم 19:19
  34. مريم 19:20
  35. مريم 19:21
  36. مريم 19:22
  37. مريم 19:23
  38. مريم 19:24
  39. مريم 19:25
  40. مريم 19:26
  41. مريم 19:27
  42. مريم 19:28
  43. مريم 19:29
  44. مريم 19:30
  45. مريم 19:31
  46. مريم 19:32
  47. مريم 19:33
  48. مريم 19:34
  49. مريم 19:35
  50. مريم 19:36
  51. مريم 19:37
  52. مريم 19:38
  53. مريم 19:39
  54. مريم 19:40
  55. مريم 19:41
  56. مريم 19:42
  57. مريم 19:43
  58. مريم 19:44
  59. مريم 19:45
  60. مريم 19:46
  61. مريم 19:47
  62. مريم 19:48
  63. مريم 19:49
  64. مريم 19:50
  65. مريم 19:51
  66. مريم 19:52
  67. مريم 19:53
  68. مريم 19:54
  69. مريم 19:55
  70. مريم 19:56
  71. مريم 19:57
  72. مريم 19:58
  73. مريم 19:59
  74. مريم 19:60
  75. مريم 19:61
  76. مريم 19:62
  77. مريم 19:63
  78. مريم 19:64
  79. مريم 19:65
  80. مريم 19:66
  81. مريم 19:67
  82. مريم 19:68
  83. مريم 19:69
  84. مريم 19:70
  85. مريم 19:71
  86. مريم 19:72
  87. مريم 19:73
  88. مريم 19:74
  89. مريم 19:75
  90. مريم 19:76
  91. مريم 19:77
  92. مريم 19:78
  93. مريم 19:79
  94. مريم 19:80
  95. مريم 19:81
  96. مريم 19:82
  97. مريم 19:83
  98. مريم 19:84
  99. مريم 19:85
  100. مريم 19:86
  101. مريم 19:87
  102. مريم 19:88
  103. مريم 19:89
  104. مريم 19:90
  105. مريم 19:91
  106. مريم 19:92
  107. مريم 19:93
  108. مريم 19:94
  109. مريم 19:95
  110. مريم 19:96
  111. مريم 19:97
  112. مريم 19:98
  113. طه 20:1
  114. طه 20:2
  115. طه 20:3
  116. طه 20:4
  117. طه 20:5
  118. طه 20:6
  119. طه 20:7
  120. طه 20:8
  121. طه 20:9
  122. طه 20:10
  123. طه 20:11
  124. طه 20:12
  125. طه 20:13
  126. طه 20:14
  127. طه 20:15
  128. طه 20:16
  129. طه 20:17
  130. طه 20:18
  131. طه 20:19
  132. طه 20:20
  133. طه 20:21
  134. طه 20:22
  135. طه 20:23
  136. طه 20:24
  137. طه 20:25
  138. طه 20:26
  139. طه 20:27
  140. طه 20:28
  141. طه 20:29
  142. طه 20:30
  143. طه 20:31
  144. طه 20:32
  145. طه 20:33
  146. طه 20:34
  147. طه 20:35
  148. طه 20:36
  149. طه 20:37
  150. طه 20:38
  151. طه 20:39
  152. طه 20:40
  153. طه 20:41
  154. طه 20:42
  155. طه 20:43
  156. طه 20:44
  157. طه 20:45
  158. طه 20:46
  159. طه 20:47
  160. طه 20:48
  161. طه 20:49
  162. طه 20:50
  163. طه 20:51
  164. طه 20:52
  165. طه 20:53
  166. طه 20:54
  167. طه 20:55
  168. طه 20:56
  169. طه 20:57
  170. طه 20:58
  171. طه 20:59
  172. طه 20:60
  173. طه 20:61
  174. طه 20:62
  175. طه 20:63
  176. طه 20:64
  177. طه 20:65
  178. طه 20:66
  179. طه 20:67
  180. طه 20:68
  181. طه 20:69
  182. طه 20:70
  183. طه 20:71
  184. طه 20:72
  185. طه 20:73
  186. طه 20:74
  187. طه 20:75
  188. طه 20:76
  189. طه 20:77
  190. طه 20:78
  191. طه 20:79
  192. طه 20:80
  193. طه 20:81
  194. طه 20:82
  195. طه 20:83
  196. طه 20:84
  197. طه 20:85
  198. طه 20:86
  199. طه 20:87
  200. طه 20:88
  201. طه 20:89
  202. طه 20:90
  203. طه 20:91
  204. طه 20:92
  205. طه 20:93
  206. طه 20:94
  207. طه 20:95
  208. طه 20:96
  209. طه 20:97
  210. طه 20:98
  211. طه 20:99
  212. طه 20:100
  213. طه 20:101
  214. طه 20:102
  215. طه 20:103
  216. طه 20:104
  217. طه 20:105
  218. طه 20:106
  219. طه 20:107
  220. طه 20:108
  221. طه 20:109
  222. طه 20:110
  223. طه 20:111
  224. طه 20:112
  225. طه 20:113
  226. طه 20:114
  227. طه 20:115
  228. طه 20:116
  229. طه 20:117
  230. طه 20:118
  231. طه 20:119
  232. طه 20:120
  233. طه 20:121
  234. طه 20:122
  235. طه 20:123

الكهف 18:97

(p-٤١٠٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٦] ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [٩٧] ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] [٩٨] ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨] . ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ أيْ: ناوِلُونِي قِطَعَهُ: ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أيْ: بَيْنَ جانِبَيِ الجَبَلَيْنِ: ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ أيْ: في الأكْوارِ والحَدِيدِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ أيِ: المَنفُوخَ فِيهِ: ﴿نارًا﴾ أيْ: كالنّارِ بِالإحْماءِ: ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أيْ: نُحاسًا مُذابًا لِيَلْصَقَ بِالحَدِيدِ، ويَتَدَعَّمَ البِناءُ بِهِ ويَشْتَدُّ. ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أيْ: يَعْلُوهُ بِالصُّعُودِ لِارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ: ﴿وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] لِثَخْنِهِ وصَلابَتِهِ. ﴿قالَ هَذا﴾ [الكهف: ٩٨] أيِ: السَّدُّ: ﴿رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] عَلى القاطِنِينَ عِنْدَهُ. لِأمْنِهِمْ مِن شَرِّ مَن سَدِّ عَلَيْهِمْ بِهِ، ورَحْمَةٌ عَلى غَيْرِهِمْ، لِسَدِّ الطَّرِيقِ عَلَيْهِمْ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] بِدَحْرِهِ وخَرابِهِ: ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] بِالمَدِّ أيْ: أرْضًا مُسْتَوِيَةً، وقُرِئَ ((دَكًّا)) أيْ: مَدْكُوكًا مُسَوًّا بِالأرْضِ ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨] أيْ: كائِنًا لا مَحالَةَ. وهَذا آخِرُ حِكايَةِ قَوْلِ ذِي القَرْنَيْنِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ شَيْءٌ مِنَ التّارِيخِ مِن حَيْثُ هو قَصَصٌ وأخْبارٌ. وإنَّما هي الآياتُ والعِبَرُ والأحْكامُ والآدابُ تَجَلَّتْ في سِياقِ الوَقائِعِ. ولِذا يَجِبُ صَرْفُ العِنايَةِ إلى وُجُوهِ تِلْكَ الفَوائِدِ والثَّمَراتِ، وما يُسْتَنْبَطُ مِن تِلْكَ الآياتِ. وقَدْ أشارَ نَبَأُ ذِي القَرْنَيْنِ الإسْكَنْدَرِ إلى فَوائِدَ شَتّى. نَذْكُرُ ما فُتِحَ عَلَيْنا مِنها، ونَكِلُ ما لَمْ نُحِطْ بِهِ عِلْمًا إلى العَلِيمِ الخَبِيرِ. (p-٤١٠٤)فَمِن فَوائِدِها: الِاعْتِبارُ بِرَفْعِ اللَّهِ بَعْضَ النّاسِ دَرَجاتٍ عَلى بَعْضٍ. ورِزْقِهِ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ مُلْكًا ومالًا. لِما لَهُ مِن خَفِيِّ الحُكْمِ وباهِرِ القُدْرَةِ. فَلا إلَهَ سِواهُ. ومِنها: الإشارَةُ إلى القِيامِ بِالأسْبابِ، والجَرْيِ وراءَ سُنَّةِ اللَّهِ في الكَوْنِ مِنَ الجِدِّ والعَمَلِ. وأنَّ عَلى قَدْرِ بَذْلِ الجُهْدِ يَكُونُ الفَوْزُ والظَّفَرُ، فَإنَّ ما قَصَّ عَنِ الإسْكَنْدَرِ مِن ضَرْبِهِ في الأرْضِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، ومَطْلَعِها وشَمالِها وعَدَمِ فُتُورِهِ ووِجْدانِهِ اللَّذَّةَ في مُواصَلَةِ الأسْفارِ وتَجَشُّمِ الأخْطارِ، ورُكُوبِ الأوْعارِ والبِحارِ، ثُمَّ إحْرازِهِ ذَلِكَ الفِخارَ، الَّذِي لا يُشَقُّ لَهُ غُبارٌ، أكْبَرُ عِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ. ومِنها: تَنْشِيطُ الهِمَمِ لِرَفْعِ العَوائِقِ. وأنَّهُ ما تَيَسَّرَتِ الأسْبابُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ رُكُوبُ البَحْرِ ولا اجْتِيازُ القَفْرِ، عُذْرًا في الخُمُولِ والرِّضاءِ بِالدُّونِ. بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَنْشَطَ ويُمَثِّلَ في مَرارَتِهِ، حَلاوَةَ عُقْباهُ مِنَ الرّاحَةِ والهَناءِ. كَما قَضى الإسْكَنْدَرُ عُمْرَهُ ولَمْ يَذُقْ إلّا حَلاوَةَ الظَّفْرِ ولَذَّةَ الِانْتِصارِ: إذْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ تُقْعِدُهُمُ المَصاعِبُ عَنْ نَيْلِ ما يَبْتَغُونَ. ومِنها: وُجُوبُ المُبادَرَةِ لِمَعالِي الأُمُورِ مِنَ الحَداثَةِ. إذْ مِنَ الخَطَأِ التَّسْوِيفُ فِيهِ إلى الِاكْتِهالِ. فَإنَّ الإسْكَنْدَرَ لَمّا تَبَوَّأ مُلْكَ أبِيهِ كانَ في حُدُودِ العِشْرِينَ مِن عُمُرِهِ. وأتى ما أتى وهو في رَيَعانِ الشَّبابِ وقُوَّةِ الفَناءِ. فَهاجَمَ أعْظَمَ مُلُوكِ عَصْرِهِ وأكْبَرَ جُيُوشِهِمْ. كَأنَّهُ القَضاءُ المُبْرَمُ. ولَمْ يَقِفْ في وجْهِهِ عَدَدٌ ولا عُدَدٌ. وخاضَ غَمَراتِ الرَّدى غَيْرَ هَيّابٍ ولا وجِلٍ. وأضافَ كُلَّ العالَمِ الشَّرْقِيِّ إلى المَمْلَكَةِ اليُونانِيَّةِ وهو شابٌّ. وقَضى وهو في الثّالِثَةِ والثَّلاثِينَ مِن عُمُرِهِ، كَما دَوَّنَهُ مُحَقِّقُو المُؤَرِّخِينَ. ومِنها: أنَّ مَن قَدَرَ عَلى أعْدائِهِ وتَمَكَّنَ مِنهُمْ، فَلا يَنْبَغِي لَهُ أنْ تُسْكِرَهُ لَذَّةُ السُّلْطَةِ بِسُوقِهِمْ بِعَصا الإذْلالِ، وتَجْرِيعِهِمْ غُصَصِ الِاسْتِعْبادِ والنَّكالِ. بَلْ يُعامِلُ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِقَدْرِ إساءَتِهِ. فَإنَّ ما حُكِيَ عَنِ الإسْكَنْدَرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾ [الكهف: ٨٧] إلى آخِرِهِ، نِهايَةٌ في العَدْلِ وغايَةُ الإنْصافِ. (p-٤١٠٥)ومِنها: أنَّ عَلى المَلِكِ، إذا اشْتُكِيَ إلَيْهِ جَوْرُ مُجاوِرِينَ، أنْ يَبْذُلَ وُسْعَهُ في الرّاحَةِ والأمْنِ، دِفاعًا عَنِ الوَطَنِ العَزِيزِ، وصِيانَةً لِلْحُرِّيَّةِ والتَّمَدُّنِ، مِن مَخالِبِ التَّوَحُّشِ والخَرابِ، قِيامًا بِفَرِيضَةِ دَفْعِ المُعْتَدِينَ وإمْضاءِ العَدْلِ بَيْنَ العالَمِينَ. كَما لَبّى الإسْكَنْدَرُ دَعْوَةَ الشّاكِينَ في بِناءِ السَّدِّ. وقَدْ أطْبَقَ المُؤَرِّخُونَ عَلى أنَّهُ بَنى عِدَّةَ حُصُونٍ وأسْوارٍ، لِرَدِّ غاراتِ البَرابِرَةِ، وصَدِّ هَجَماتِهِمْ. ومِنها: أنَّ عَلى المَلِكِ التَّعَفُّفَ عَنْ أمْوالِ رَعِيَّتِهِ، والزُّهْدَ في أخْذِ أُجْرَةٍ، في مُقابَلَةِ عَمَلٍ يَأْتِيهِ، ما أغْناهُ اللَّهُ عَنْهُ، فَفي ذَلِكَ حِفْظُ كَرامَتِهِ وزِيادَةُ الشَّغَفِ بِمَحَبَّتِهِ. كَما تَأبّى الإسْكَنْدَرُ تَفَضُّلًا وتَكَرُّمًا. ومِنها: التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى إذا اقْتَضاهُ المَقامُ. كَقَوْلِ الإسْكَنْدَرِ في مَقامِ تَعَفُّفِهِ عَنْ أمْوالِهِمْ، والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٥] كَقَوْلِ سُلَيْمانَ: ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦] وقَدْ قِيلَ: إنَّ دَخْلَ الإسْكَنْدَرِ مِنَ البِلادِ الَّتِي فَتَحَها كانَ نَحْوَ سِتِّينَ مِلْيُونَ لِيرَةٍ إنْكِلِيزِيَّةٍ. ومِنها: تَدْعِيمُ الأسْوارِ والحُصُونِ في الثُّغُورِ، وتَقْوِيَتُها بِذَوْبِ الرَّصاصِ وبِوَضْعِ صَفائِحِ النُّحاسِ، خِلالَ الصُّخُورِ الصُّمِّ، صِدْقًا في العَمَلِ ونُصْحًا فِيهِ. لِيَنْتَفِعَ بِهِ عَلى تَطاوُلِ الأجْيالِ. فَإنَّ البِناءَ غَيْرَ الرَّصِينِ لا ثَمَرَةَ فِيهِ. ومِنها: مُشاطَرَةُ المَلِكِ العُمّالَ في الأعْمالِ ومُشارَفَتُهم بِنَفْسِهِ إذا اقْتَضى الحالُ، تَنْشِيطًا لِمُهِمَّتِهِمْ وتَجْرِئَةً لَهم وتَرْوِيحًا لِقُلُوبِهِمْ. وقَدْ كانَ الإسْكَنْدَرُ يُقاسِمُ العُمّالَ الأتْعابَ. ويُدِيرُ العَمَلَ بِنَفْسِهِ، كَما بَيَّنَهُ الذِّكْرُ الحَكِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ومِنها: تَعْرِيفُ الغَيْرِ ثَمَرَةَ العَمَلِ المُهِمِّ، لِيَعْرِفُوا قَدْرَهُ فَيُظْهِرُوا شُكْرَهُ. ولِذا قالَ: ﴿هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] (p-٤١٠٦)ومِنها الإعْلامُ بِالدَّوْرِ الأُخْرَوِيِّ، وانْقِضاءُ هَذا الدَّوْرِ الأوَّلِيِّ، لِتَبْقى النُّفُوسُ طامِحَةً إلى ذَلِكَ العالَمِ الباقِي والنَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ. ولِذا قالَ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] ومِنها: الِاعْتِبارُ بِتَخْلِيدِ جَمِيلِ الثَّناءِ، وجَلِيلِ الآثارِ. فَإنَّ مَن أنْعَمَ النَّظَرَ فِيما قَصَّ عَنْهُ في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ، يَتَّضِحُ لَهُ جَلِيًّا حُسْنُ سَجاياهُ وسُمُوُّ مَزاياهُ. مِنَ الشَّجاعَةِ وعُلُوِّ الهِمَّةِ والعِفَّةِ والعَدْلِ. ودَأْبُهُ عَلى تَوْطِيدِ الأمْنِ وإثابَتِهِ المُحْسِنِينَ وتَأْدِيبِهِ لِلظّالِمِينَ. والإحْسانُ إلى النَّوْعِ البَشَرِيِّ، ولا سِيَّما في زَمانٍ كانَ فِيهِ أكْثَرُ عَوائِدِ وأخْلاقِ الأُمَمِ المُتَمَدِّنَةِ وغَيْرِ المُتَمَدِّنَةِ، وحْشِيَّةً فاسِدَةً. ومِنها: الِاهْتِمامُ بِتَوْحِيدِ الكَلِمَةِ لِمَن يَمْلِكُ أُمَمًا مُتَبايِنَةً. كَما كانَ يَرْمِي إلَيْهِ سَعْيُ الإسْكَنْدَرِ. فَإنَّهُ دَأبَ عَلى تَوْحِيدِ الكَلِمَةِ بَيْنَ الشُّعُوبِ ومَزْجِ تِلْكَ الأُمَمِ المُخْتَلِفَةِ لِيَرْبُطَها بِصِلاتِ الحُبِّ والعَوائِدِ. وقَدْ حُكِيَ أنَّهُ كانَ يُجَيِّشُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ اسْتَوْلى عَلَيْها، جَيْشًا عَرَمْرَمًا، يُضِيفُهُ إلى جَيْشِهِ المَكْدُونِيِّ اليُونانِيِّ. ويَأْمُرُ رِجالَهُ أنْ يَتَزَوَّجُوا مِن بَناتِهِمْ، لِتَوْثِيقِ عُرى المَحَبَّةِ والِارْتِباطِ، وإزالَةِ البُغْضِ والشَّحْناءِ. ومِنها: الِاعْتِبارُ بِما يَبْلُغُهُ الإنْسانُ، وما فِيهِ مِن بَلِيغِ الِاسْتِعْدادِ. يَقْضِي عَلى المَرْءِ أنْ يَعِيشَ أوَّلًا طِفْلًا مُرْضَعًا. لا يَعْلَمُ ما حَوْلَهُ ولا يَطْلُبُ غَيْرَ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ طَبِيعَتُهُ الضَّعِيفَةُ، قِيامًا بِما تَقْتَضِيهِ أسْبابُ الحَياةِ، وهو مُلْقًى إذْ ذاكَ لا إرادَةَ لَهُ. وعُرْضَةٌ لِأسْقامٍ تُذِيقُهُ الآلامَ، وقَدْ تَجَرَّعَهُ كَأْسُ الحِمامِ قَبْلَ أنْ يَرى ويُدْرِكَ شَيْئًا مِن هَذا النِّظامِ. فَإذا اسْتَظْهَرَتْ فِيهِ عَوامِلُ الحَياةِ عَلى دَواعِي المَماتِ، وسَرَتْ بِجِسْمِهِ قُوى الشَّبِيبَةِ، وصَرَفَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ، تَرَعْرَعَ إنْسانًا عَظِيمًا ظافِرًا بِمُنْتَهى أمَلِهِ. التَّنْبِيهُ الثّانِي: في ذِي القَرْنَيْنِ. اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ اسْمَهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِبْسَ، وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (إغاثَةِ اللَّهْفانِ) في الكَلامِ عَلى الفَلاسِفَةِ: ومِن مُلُوكِهِمُ الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ وهو ابْنُ فِيلِبْسَ ولَيْسَ بِالإسْكَنْدَرِ ذِي القَرْنَيْنِ الَّذِي قَصَّ اللَّهُ تَعالى نَبَأهُ في القُرْآنِ بَلْ بَيْنَهُما (p-٤١٠٧)قُرُونٌ كَثِيرَةٌ وبَيْنَهُما في الدِّينِ أعْظَمُ تَبايُنٍ. فَذُو القَرْنَيْنِ كانَ رَجُلًا صالِحًا مُوَحِّدًا لِلَّهِ تَعالى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ. وكانَ يَغْزُو عُبّادَ الأصْنامِ وبَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها. وبَنى السَّدَّ بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. وأمّا هَذا المَقْدُونِيُّ، فَكانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الأصْنامَ هو وأهْلُ مَمْلَكَتِهِ. وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسِيحِ نَحْوَ ألْفٍ وسِتِّمِائَةِ سَنَةٍ. والنَّصارى تُؤَرِّخُ لَهُ. وكانَ أرِسْطاطالِيسُ وزِيرَهُ. وكانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الأصْنامَ. انْتَهى. كَلامُهُ. وفِيهِ نَظَرٌ. فَإنَّ المَرْجِعَ في ذَلِكَ هم أئِمَّةُ التّارِيخِ وقَدْ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ الإسْكَنْدَرُ الأكْبَرُ ابْنُ فِيلِبْسَ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ بِتِسْعِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وخَمْسِينَ سَنَةً قَبْلَ الهِجْرَةِ، وثَلاثِمِائَةٍ واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ سَنَةً قَبْلَ مِيلادِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدْ أصْبَحَ ذَلِكَ مِنَ الأوَّلِيّاتِ عِنْدَ عُلَماءِ الجُغْرافِيا. وأمّا دَعْوى أنَّهُ كانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الأصْنامَ، فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وإنْ كانَ قَوْمُهُ وثَنِيِّينَ، لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرَسْطاطالِيسَ. وقَدْ جاءَ في تَرْجَمَتِهِ -كَما في طَبَقاتِ الأطِبّاءِ وغَيْرِها- أنَّهُ كانَ لا يُعَظِّمُ الأصْنامَ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في ذَلِكَ الوَقْتِ وأنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ نُسِبَ إلى الكُفْرِ وأُرِيدَ السِّعايَةُ بِهِ إلى المُلْكِ. فَلَمّا أحَسَّ بِذَلِكَ شَخَصَ عَنْ أثِينا. لِأنَّهُ كَرِهَ أنْ يُبْتَلى أهْلُها بِمِثْلِ ما ابْتَلَوْا بِهِ سَقْراطِيسَ مُعَلِّمَ أفْلاطُونَ. فَإنَّهُ كانَ مِن عُبّادِهِمْ ومُتَألِّهِيهِمْ. وجاهَرَهم بِمُخالَفَتِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ. وقابَلَ رُؤَساءَهم بِالأدِلَّةِ والحُجَجِ عَلى بُطْلانِ عِبادَتِها. فَثَوَّرُوا عَلَيْهِ العامَّةُ واضْطَرُّوا المَلِكَ إلى قَتْلِهِ. فَأوْدَعَهُ السِّجْنَ لِيَكُفَّهم عَنْهُ. ثُمَّ لَمْ يَرْضَ المُشْرِكُونَ إلّا بِقَتْلِهِ. فَسَقاهُ السُّمَّ خَوْفًا مِن شَرِّهِمْ، بَعْدَ مُناظَراتٍ طَوِيلَةٍ جَرَتْ لَهُ مَعَهم. كَما في (طَبَقاتِ الأطِبّاءِ وتَراجِمِ الفَلاسِفَةِ) فالوَثَنِيَّةُ، وإنْ كانَتْ دِينَ اليُونانِيِّينَ واعْتِقادَ شَعْبِهِمْ، إلّا أنَّهُ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المَلِكُ وخاصَّتُهُ عَلى اعْتِقادٍ آخَرَ يُجاهِرُونَ بِهِ أوْ يَكْتُمُونَهُ. كالنَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ. فَإنَّهُ جاهَرَ بِالإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ. وشَعْبُهُ وأهْلُ مَمْلَكَتِهِ كُلُّهم نَصارى. وهَكَذا كانَ الإسْكَنْدَرُ وأُسْتاذُهُ والحُكَماءُ قَبْلَهُ. فَإنَّ المُمْعِنَ في تَراجِمِهِمْ يَرى أنَّهم عَلى تَوْحِيدٍ وإيمانٍ بِالمَعادِ. قالَ القاضِي صاعِدٌ: كانَ فِيثاغُورِسُ -أُسْتاذُ (p-٤١٠٨)سُقْراطَ - يَقُولُ بِبَقاءِ النَّفْسِ وكَوْنِها، فِيما بَعْدُ، في ثَوابٍ أوْ عِقابٍ. عَلى رَأْيِ الحُكَماءِ الإلَهِيَّيْنِ. فَتَأمَّلْ قَوْلَهُ (عَلى رَأْيِ الحُكَماءِ الإلَهِيِّينَ) يَتَحَقَّقُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا قَوْلُ الفَخْرِ الرّازِيِّ: إنَّ في كَوْنِ الإسْكَنْدَرِ ذا القَرْنَيْنِ إشْكالًا قَوِيًّا. وهو أنَّهُ كانَ تِلْمِيذَ أرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ. وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ فَلا يَخْفى دَفْعُ هَذا اللُّزُومِ. فَإنَّ مَن كانَ تابِعًا لِمَذْهَبٍ فَمُدِحَ لِأمْرٍ ما يُوجِبُ مَدْحَهُ لِأجْلِهِ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَدْحُ لِأجْلِ مَذْهَبِهِ ومَتْبُوعِهِ. إذْ قَدْ يَقُومُ فِيهِ مِنَ الخِلالِ والمَزايا ما لا يُوجَدُ في مَتْبُوعِهِ. وقَدْ يَبْدُو لَهُ مِنَ الأنْظارِ الصَّحِيحَةِ ما لا يَكُونُ في مَذْهَبِهِ الَّذِي نَشَأ عَلَيْهِ مُقَلِّدًا. أفَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حُرًّا في فِكْرِهِ يَنْبِذُ التَّقْلِيدَ الأعْمى ويَعْتَنِقُ الحَقَّ. ومَن آتاهُ اللَّهُ مِنَ المُلْكِ ما آتاهُ، أفَيَمْتَنِعُ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن تَنُّورِ الفِكْرِ وحُرِّيَّةِ الضَّمِيرِ ونُفُوذِ البَصِيرَةِ ما يُخالِفُ بِهِ مَتْبُوعَهُ. هَذا عَلى فَرْضِ أنَّ مَتْبُوعَهُ مَذْمُومٌ. وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ مَتْبُوعَهُ أعْنِي: أرِسْطاطالِيسَ، كانَ مُوَحِّدًا. وهو مَعْرُوفٌ في التّارِيخِ لا سُتْرَةَ فِيهِ. عَلى أنَّهُ لَوِ اسْتَلْزَمَتِ الآيَةُ مَدْحَ مَذْهَبِ أُسْتاذِهِ لَكانَ ذَلِكَ في الأُصُولِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ، وكَفى بِهِما كَمالًا. ولِلرّازِيِّ فَرْضٌ يَغْتَنِمُ بِها التَّنْوِيهَ بِالحُكَماءِ والتَّعْرِيفَ لِمَذْهَبِهِمْ، وهَذِهِ مِنها. وإنْ صَبَغَها -سامَحَهُ اللَّهُ- في هَذا الأُسْلُوبِ. عَرَفَ ذَلِكَ مَن عَرَفَ. التَّنْبِيهُ الثّالِثُ: اخْتُلِفَ في سَبَبِ تَلْقِيبِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ. فَقِيلَ لِأنَّهُ طافَ قَرْنَيِ الدُّنْيا. يَعْنِي جانِبَيْها شَرْقَها وغَرْبَها. أوْ لِأنَّهُ كانَ لَهُ قَرْنانِ أيْ: ضَفِيرَتانِ. أوْ لِأنَّهُ مِلْكُ الرُّومِ وفارِسَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُلَقَّبَ بِذَلِكَ لِشَجاعَتِهِ، كَما يُسَمّى الشُّجاعُ كَبْشًا لِأنَّهُ يَنْطَحُ أقْرانَهُ. أقُولُ: هَذا اللَّقَبُ مِنَ الكِنايَةِ عَنْ كُلِّ ذِي قُوَّةٍ وبَأْسٍ وسُلْطانٍ. لِأنَّ ذا القُرُونِ مِنَ المَواشِي أقْواها وأشَدُّها. والكِنايَةُ بِالقَرْنِ عَنِ القُوَّةِ والسُّلْطانِ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ اليَهُودِ، (p-٤١٠٩)الَّذِينَ هُمُ السّائِلُونَ. وقَدْ وقَعَ في تَوْراتِهِمْ في نُبُوَّةِ دانِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ عَنِ المَلِكِ: (فَإذا أنا بِكَبْشٍ واقِفٍ عِنْدَ النَّهْرِ. ولَهُ قَرْنانِ)، ثُمَّ قَوْلُهُ: (وبَيْنَما كُنْتُ مُتَأمِّلًا إذا بِتَيْسِ مَعِزٍ قَدْ أقْبَلَ مِنَ المَغْرِبِ عَلى وجْهِ الأرْضِ كُلِّها. ولِلتَّيْسِ قَرْنٌ عَجِيبُ المَنظَرِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ)، قالُوا: القَرْنُ هُنا رَمْزٌ إلى القُوَّةِ والسُّلْطانِ. والتَّيْسُ رَمْزٌ إلى مَمْلَكَةِ اليُونانِ. وقَرْنُهُ رَمْزٌ إلى أوَّلِ مَلِكٍ عَلى هَذِهِ المَمْلَكَةِ وهو الإسْكَنْدَرُ الكَبِيرُ. وما أشارَ إلَيْهِ مِن سُرْعَةِ مَسِيرِ هَذا التَّيْسِ إيماءٌ إلى كَثْرَةِ ما دَهَمَ البِلادَ مِنَ الغاراتِ المُتَواصِلَةِ. قَوْلُهُ: (خَرَجَ مِنَ المَغْرِبِ) إشارَةٌ إلى خُرُوجِهِ مِن مَكْدُونِيَّةَ الَّتِي هي إلى غَرْبِ فارِسَ، وذَلِكَ حِينَ تَقَدَّمَ عَلى جُيُوشِ دارَيُوسَ وكَسَرَهُ. وتَعَقَّبَهُ إلى داخِلِ مَمْلَكَتِهِ. والقَصْدُ أنَّ هَذا اللَّقَبَ (ذُو القَرْنَيْنِ) شَهِيرٌ ولَيْسَ مِن أوْضاعِ العَرَبِ خاصَّةً. كَما زَعَمَهُ بَعْضُهم. بَلْ هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العِبْرانِيِينَ أيْضًا. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّهُ مِن رُمُوزِهِمُ الخاصَّةِ الَّتِي سَرَتْ إلى العَرَبِ. وأقَرَّتْهم عَلَيْها. التَّنْبِيهُ الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: اخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ. هَلْ كانَ مِنَ الأنْبِياءِ أمْ لا ؟ مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى التَّمْكِينِ في الدِّينِ. والتَّمْكِينُ الكامِلُ في الدِّينِ هو النُّبُوَّةُ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] ومِن جُمْلَةِ الأشْياءِ النُّبُوَّةُ. فَمُقْتَضى العُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] هو أنَّهُ تَعالى آتاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ سَبَبًا. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] والَّذِي يَتَكَلَّمُ اللَّهُ مَعَهُ لابُدَّ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا. ومِنهم مَن قالَ إنَّهُ عَبْدٌ صالِحٌ وما كانَ نَبِيًّا. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ بَعْدُ: يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٦] عَلى أنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ مَعَهُ (p-٤١١٠)مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وحُمِلَ هَذا اللَّفْظُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ خاطَبَهُ عَلى ألْسِنَةِ بَعْضِ الأنْبِياءِ- فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. انْتَهى. ولا يَخْفى ضَعْفُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ. لِأنَّ مَقامَ إثْباتِها يَحْتاجُ إلى تَنْصِيصٍ وتَخْصِيصٍ. وأمّا تَعَمُّقُ الجَرْيِ وراءَ العُمُوماتِ، لِاسْتِفادَةِ مِثْلِ ذَلِكَ، فَغَيْرُ مُقْنِعٍ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٦] فَقَدَّمْنا أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ تَمْكِينِهِ تَعالى لَهُ مِنهم. لا أنَّهُ قَوْلُ مُشافَهَةٍ. وإلّا لَوْ كانَ ذَلِكَ لَكانَ مُخَيَّرًا مِنهُ تَعالى ومُلَقَّنًا ما يَفْعَلُ بِهِمْ. فَأنّى يَسُوغُ لَهُ نَقْضُهُ بِاجْتِهادٍ آخَرَ. ولا يُقالُ إنَّ الأصْلَ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ. لِأنّا نَقُولُ بِهِ، ما لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ مانِعٌ، مِن نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ. ولِلتَّنْزِيلِ الكَرِيمِ أُسْلُوبٌ خاصٌّ، عَرَفَهُ مَن أنْعَمَ النَّظَرَ في بَدِيعِ بَيانِهِ. نَعَمْ. لَوْ كانَ مُرادُ القائِلِ بِنُبُوَّتِهِ أنَّهُ مِنَ المُلْهَمِينَ ذَهابًا في النُّبُوَّةِ إلى المَعْنى الأعَمِّ مِنَ الإيحاءِ بِشَرْعٍ، ومِنَ الإلْهامِ، لَكانَ قَرِيبًا. فَتَكُونُ نُبُوَّتُهُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي وهو الإلْهامُ. ويُطْلِقُ الصُّوفِيَّةُ عَلى مِثْلِهِ الوارِدَ. وجاءَ في الحَدِيثِ تَسْمِيَةُ صاحِبِهِ مُحَدَّثًا. وإطْلاقُ النُّبُوَّةِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مَحْظُورًا في الإسْلامِ، إلّا أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا قَبْلَهُ في العِبادِ الأخْيارِ. التَّنْبِيهُ الخامِسُ: حُكِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] قَوْلانِ في أنَّ السّائِلِينَ هُمُ اليَهُودُ أوْ غَيْرُهم. ورُجِّحَ الأوَّلُ مِن وُجْهَتَيْنِ: أوَّلُهُما: أنَّ لِلْإسْكَنْدَرِ عِنْدَ اليَهُودِ شَأْنًا وقَدْرًا. وذَلِكَ لِما حُكِيَ أنَّهُ لَمّا فَتَحَ غَزَّةَ ودَنا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، خَرَجَ إلَيْهِ رَئِيسُ أحْبارِها وقَدَّمَ إلَيْهِ الطّاعَةَ. فَدَخَلَها إسْكَنْدَرُ وسَمِعَ نُبُوَّةَ التَّوْراةِ فَسُرَّ وأحْسَنَ إلى اليَهُودِ. وتَعَقَّبَ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ هَذِهِ الرِّوايَةَ بِأنَّها غَيْرُ مَأْثُورَةٍ في كُتُبِ اليُونانِ، ولَمْ يَرْوِها أحَدٌ مِن مُؤَرِّخِيهِمْ. (p-٤١١١)ثانِيهُما: أنَّ عُنْوانَ (ذُو القَرْنَيْنِ) مِن رُمُوزِ الإسْرائِيلِيِّينَ كَما قَدَّمْناهُ عَنْهم. التَّنْبِيهُ السّادِسُ: قالُوا المُرادُ بِـ (العَيْنِ الحَمِئَةِ) البَحْرُ المُحِيطُ. وتَسْمِيَتُهُ عَيْنًا لِكَوْنِهِ بِالنِّسْبَةِ لِعِظَمِ قُدْرَتِهِ تَعالى، كَقَطِرَةٍ. وإنْ عَظُمَ عِنْدَنا. قالُوا: رَأى الشَّمْسَ في مَنظَرِهِ تَغْرُبُ في البَحْرِ. وهَذا شَأْنُ كُلِّ مَنِ انْتَهى إلى ساحِلِهِ، يَراها كَأنَّها تَغْرُبُ فِيهِ. وهي لا تُفارِقُ فَلَكَها. ولِلْإمامِ ابْنِ حَزْمٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ رَأْيٌ آخَرُ في الآيَةِ. ذَكَرَهُ في كِتابِ (المِلَلِ) في بَحْثِ كُرَوِيَّةِ الأرْضِ قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ هو كانَ في العَيْنِ الحَمِئَةِ الحامِيَةِ كَما تَقُولُ: (رَأيْتُكَ في البَحْرِ)، تُرِيدُ أنَّكَ إذا رَأيْتَهُ كُنْتَ أنْتَ في البَحْرِ. وبُرْهانُ هَذا أنَّ مَغْرِبَ الشَّمْسِ لا يَجْهَلُ مِقْدارَ عَظِيمِ مِساحَتِهِ إلّا جاهِلٌ. ومِقْدارُ ما بَيْنَ أوَّلِ مَغْرِبِها الشِّتْوِيِّ إذا كانَتْ مِن آخِرِ رَأْسِ الجَدْيِ إلى آخِرِ مَغْرِبِها الصَّيْفِيِّ إذا كانَتْ مِن رَأْسِ السَّرَطانِ- مَرْئِيٌّ مُشاهَدٌ. ومِقْدارُهُ ثَمانٍ وأرْبَعُونَ دَرَجَةً مِنَ الفَلَكِ. وهو يُوازِي مِنَ الأرْضِ كُلِّها بِالبُرْهانِ الهَنْدَسِيِّ أقَلَّ مِن مِقْدارِ السُّدُسِ. يَكُونُ مِنَ الأمْيالِ نَحْوَ ثَلاثَةِ آلافِ مِيلٍ ونَيِّفٍ. وهَذِهِ المِساحَةُ لا يَقَعُ عَلَيْها في اللُّغَةِ اسْمُ (عَيْنٍ) البَتَّةَ. لا سِيَّما أنْ تَكُونَ (عَيْنًا حَمِئَةً) حامِيَةً. وبِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ خُوطِبْنا. فَلَمّا تَيَقَّنّا أنَّها (عَيْنٌ) بِإخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، الصّادِقِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ، عَلِمْنا يَقِينًا أنَّ ذا القَرْنَيْنِ انْتَهى بِهِ السَّيْرُ في الجِهَةِ الَّتِي مَشى فِيها مِنَ المَغارِبِ إلى العَيْنِ المَذْكُورَةِ. وانْقَطَعَ لَهُ إمْكانُ المَشْيِ بَعْدَها لِاعْتِراضِ البِحارِ لَهُ هُنالِكَ. وقَدْ عَلِمْنا بِالضَّرُورَةِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ وغَيْرَهُ مِنَ النّاسِ، لَيْسَ يَشْغَلُ مِنَ الأرْضِ إلّا مِساحَةَ جِسْمِهِ فَقَطْ. قائِمًا، أوْ قاعِدًا أوْ مُضْطَجِعًا. ومِن هَذِهِ صِفَتُهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُحِيطَ بَصَرُهُ مِنَ الأرْضِ، بِمِقْدارِ مَكانِ المَغارِبِ كُلِّها، لَوْ كانَ مَغِيبُها في عَيْنٍ مِنَ الأرْضِ. كَما يَظُنُّ أهْلُ الجَهْلِ. ولا بُدَّ مِن أنْ يَلْقى خَطُّ بَصَرِهِ مِن حَدَبَةِ الأرْضِ، ومِن نَشْرٍ مِن أنْشازِها، ما يَمْنَعُ الخَطَّ مِنَ التَّمادِي، إلّا أنْ يَقُولَ قائِلٌ: إنَّ تِلْكَ العَيْنَ هي البَحْرُ فَلا يَجُوزُ أنْ يُسَمّى البَحْرُ في اللُّغَةِ (عَيْنًا حَمِئَةً) ولا حامِيَةً. وقَدْ أخْبَرَ (p-٤١١٢)اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الشَّمْسَ تَسْبَحُ في الفَلَكِ. وأنَّها إنَّما هي مِنَ الفَلَكِ سِراجٌ. وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى هو الصِّدْقُ الَّذِي لا يَتَناقَضُ فَلَوْ غابَتْ في عَيْنٍ مِنَ الأرْضِ، كَما يَظُنُّ أهْلُ الجَهْلِ، أوْ في البَحْرِ، لَكانَتِ الشَّمْسُ قَدْ زالَتْ عَنِ السَّماءِ وخَرَجَتْ عَنِ الفَلَكِ، وهَذا هو الباطِلُ. فَصَحَّ يَقِينًا، بِلا شَكٍّ، أنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ هو في العَيْنِ الحَمِئَةِ والحامِيَةِ، حِينَ انْتَهى إلى آخِرِ البَرِّ في المَغارِبِ. لا سِيَّما مَعَ ما قامَ البُرْهانُ عَلَيْهِ، مِن أنَّ جِرْمَ الشَّمْسِ أكْبَرُ مِن جِرْمِ الأرْضِ. وبُرْهانٌ آخَرُ قاطِعٌ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ [الكهف: ٨٦] فَصَحَّ ضَرُورَةُ أنَّهُ وجَدَ القَوْمَ عِنْدَ العَيْنِ لا عِنْدَ الشَّمْسِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَزْمٍ. التَّنْبِيهُ السّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: الأظْهَرُ أنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ في ناحِيَةِ الشَّمالِ. وقِيلَ: جَبَلانِ بَيْنَ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبَيْجانَ. وقِيلَ: هَذا المَكانُ في مُنْقَطَعِ أرْضِ التُّرْكِ. وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في (تارِيخِهِ) أنَّ صاحِبَ أذْرَبَيْجانَ، أيّامَ فَتْحِها، وجَّهَ إنْسانًا إلَيْهِ مِن ناحِيَةِ الخَزَرِ. فَشاهَدَهُ ووَصَفَ أنَّهُ بُنْيانٌ رَفِيعٌ وراءَ خَنْدَقٍ عَمِيقٍ وثِيقٍ مَنِيعٍ. وذَكَرَ ابْنُ خَرْدادَ في كِتابِ (المَسالِكِ والمَمالِكِ) أنَّ الواثِقَ بِاللَّهِ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ فَتَحَ هَذا الرَّدْمَ، فَبَعَثَ بَعْضَ الخَدَمِ إلَيْهِ لِيُعايِنُوهُ. فَخَرَجُوا مِن بابِ الأبْوابِ حَتّى وصَلُوا إلَيْهِ وشاهَدُوهُ. فَوَصَفُوا أنَّهُ بِناءٌ مِن لَبِنٍ مِن حَدِيدٍ، مَشْدُودٌ بِالنُّحاسِ المُذابِ، وعَلَيْهِ بابٌ مُقْفَلٌ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ، لَمّا حاوَلَ الرُّجُوعَ، أخْرَجَهُمُ الدَّلِيلُ عَلى البِقاعِ المُحاذِيَةِ لِسَمَرْقَنْدَ. قالَ أبُو الرَّيْحانِ: مُقْتَضى هَذا أنَّ مَوْضِعَهُ في الرُّبْعِ الشَّمالِيِّ الغَرْبِيِّ مِنَ المَعْمُورَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. انْتَهى كَلامُ الرّازِيِّ. وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (المِلَلِ والنِّحَلِ) جُزْءِ أوَّلَ صَحِيفَةِ (١٢٠) في تَفْنِيدِ دَعْوى اليَهُودِ أنَّ الجَنَّةَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنها آدَمُ في الأرْضِ، ما مِثالُهُ. فَإنْ قِيلَ: ذُكِرَ في القُرْآنِ سَدُّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. ولا يُدْرى مَكانُهُ ولا مَكانُهم. قُلْنا: مَكانُهُ مَعْرُوفٌ في أقْصى الشَّمالِ (p-٤١١٣)فِي آخِرِ المَعْمُورَةِ مِنهُ. وقَدْ ذُكِرَ أمْرُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ في كُتُبِ اليَهُودِ الَّتِي يُؤْمِنُونَ بِها ويُؤْمِنُ بِها النَّصارى. وقَدْ ذَكَرَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والسَّدَّ أرِسْطاطالِيسُ في كِتابِهِ في (الحَيَوانِ) عِنْدَ كَلامِهِ عَلى الغَرانِيقِ. وقَدْ ذَكَرَ سَدَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ بَطْلَيْمُوسُ في كِتابِهِ المُسَمّى (جُغْرافِيا) وذَكَرَ طُولَ بِلادِهِمْ وعَرَضَها. وقَدْ بَعَثَ إلَيْهِ الواثِقُ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ سَلامَ التُّرْجُمانِ في جَماعَةٍ مَعَهُ حَتّى وقَفُوا عَلَيْهِ. ذَكَرَ ذَلِكَ أحْمَدُ بْنُ الطَّيِّبِ السَّرَخْسِيُّ وغَيْرُهُ. وقَدْ ذَكَرَهُ قُدامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ والنّاسُ. فَهَيْهاتَ خَبَرٌ مِن خَبَرٍ. وحَتّى لَوْ خَفِيَ مَكانُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والسَّدِّ. فَلَمْ يُعْرَفْ في شَيْءٍ مِنَ المَعْمُورِ مَكانُهُ، لَما ضَرَّ ذَلِكَ خَبَرَنا شَيْئًا. لِأنَّهُ كانَ يَكُونُ مَكانُهُ حِينَئِذٍ خَلْفَ خَطِّ الِاسْتِواءِ حَيْثُ يَكُونُ مَيْلُ الشَّمْسِ ورُجُوعُها، وبُعْدُها كَما هو في الجِهَةِ الشَّمالِيَّةِ. بِحَيْثُ تَكُونُ الآفاقُ كَبَعْضِ آفاقِنا المَسْكُونَةِ، والهَواءُ كَهَواءِ بَعْضِ البِلادِ الَّتِي يُوجَدُ فِيها النَّباتُ والتَّناسُلُ. واعْلَمُوا أنَّ كُلَّ ما كانَ في عُنْصُرِ الإمْكانِ، فَأدْخَلَهُ مُدْخِلٌ في عُنْصُرِ الِامْتِناعِ بِلا بُرْهانٍ فَهو كاذِبٌ مُبْطِلٌ جاهِلٌ، أوْ مُجاهِلٌ. لا سِيَّما إذا أخْبَرَ بِهِ مَن قَدْ قامَ البُرْهانُ عَلى صِدْقِ خَبَرِهِ. وإنَّما الشَّأْنُ في المُحالِ المُمْتَنِعِ الَّذِي تُكَذِّبُهُ الحَواسُّ والعِيانُ أوْ بَدِيهَةُ العَقْلِ. فَمَن جاءَ بِهَذا فَإنَّما جاءَ بِبُرْهانٍ قاطِعٍ عَلى أنَّهُ كَذّابٌ مُفْتَرٍ. ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ البَلاءِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَزْمٍ. قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: اعْلَمْ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَحْدُثُ في الثَّوَراتِ البُرْكانِيَّةِ أنْ تَنْخَسِفَ بَعْضُ البِلادِ أوْ تَرْتَفِعَ بَعْضُ الأراضِي حَتّى تَصِيرَ كالجِبالِ. وهَذا أمْرٌ مُشاهَدٌ حَتّى في زَمَنِنا هَذا. فَإذا سَلَّمَ أنَّ سَدَّ ذِي القَرْنَيْنِ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ الآنَ، فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ ناشِئًا مِن ثَوْرَةٍ بُرْكانِيَّةٍ خَسَفَتْ بِهِ وأزالَتْ آثارَهُ. ولا يُوجَدُ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى بَقائِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] فَمَعْناهُ أنَّ هَذا السَّدَّ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِالأُمَمِ القَرِيبَةِ مِنهُ. لِمَنعِ غاراتِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ عَنْهُمْ، ولَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَفْهَمُوا أنَّ مَعَ مَتانَتِهِ وصَلابَتِهِ لا يُمْكِنُ أنْ يُقاوِمَ مَشِيئَةَ اللَّهِ القَوِيِّ القَدِيرِ، فَإنَّ بَقاءَهُ إنَّما هو بِفَضْلِ اللَّهِ. ولَكِنْ إذا قامَتِ القِيامَةُ وأرادَ اللَّهُ فَناءَ هَذا العالَمِ، فَلا هَذا (p-٤١١٤)السَّدُّ ولا غَيْرُهُ مِنَ الجِبالِ الرّاسِياتِ يُمْكِنُها أنْ تَقِفَ عَثْرَةً، لَحْظَةً واحِدَةٍ أمامَ قُدْرَةِ اللَّهِ. بَلْ يَدُكُّها جَمْعاءَ دَكًّا في لَمْحِ البَصَرِ. فَمُرادُ ذِي القَرْنَيْنِ بِهَذا القَوْلِ تَنْبِيهُ تِلْكَ الأُمَمِ عَلى عَدَمِ الِاغْتِرارِ بِمَناعَةِ هَذا السَّدِّ، أوِ الإعْجابِ والغُرُورِ بِقُوَّتِهِمْ. فَإنَّها لا شَيْءَ يُذْكَرُ بِجانِبِ قُوَّةِ اللَّهِ. فَلا يَصِحُّ أنْ يُسْتَنْتَجَ مِن ذَلِكَ أنَّ هَذا السَّدَّ يَبْقى إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بَلْ صَرِيحُهُ أنَّهُ إذا قامَتِ القِيامَةُ في أيِّ وقْتٍ كانَ، وكانَ هَذا السَّدُّ مَوْجُودًا، دَكَّهُ اللَّهُ دَكًّا، وأمّا إذا تَأخَّرَتْ فَيَجُوزُ أنْ يُدَكَّ قَبْلَها بِأسْبابٍ أُخْرى. كالزَّلازِلِ إذا قَدِمَ عَهْدُهُ. وكالثَّوْراتِ البُرْكانِيَّةِ كَما قُلْنا. ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِي ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فالمُرادُ مِنهُ خُرُوجُهم بِكَثْرَةٍ وانْتِشارُهم في الأرْضِ، كَما يَخْرُجُ الشَّيْءُ المَحْبُوسُ أوِ المَضْغُوطُ إذا انْفَجَرَ. واسْتِعْمالُ لَفْظِ (الفَتْحِ) مَجازًا شائِعٌ في اللُّغَةِ. ومِنهُ قَوْلُكَ (فَتَحُوا البِلادَ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] فَلَيْسَ لِلْأشْياءِ أبْوابٌ. وكَذَلِكَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ لا بابَ لَهم. بَلْ هم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، والغالِبُ أنَّ المُرادَ بِخُرُوجِهِمْ هَذا، خُرُوجُ المَغُولِ التَّتارِ، وهم مِن نَسْلِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وهو الغَزْوُ الَّذِي حَصَلَ مِنهم لِلْأُمَمِ في القَرْنِ السّابِعِ الهِجْرِيِّ. وناهِيكَ بِما فَعَلُوهُ إذْ ذاكَ في الأرْضِ، بَعْدَ أنِ انْتَشَرُوا فِيها، مِنَ الإفْسادِ والنَّهْبِ والقَتْلِ والسَّبْيِ. والرّاجِحُ أنَّ السَّدَّ كانَ مَوْجُودًا بِإقْلِيمِ داغِسْتانَ التّابِعِ الآنَ لِرُوسِيا، بَيْنَ مَدِينَتِي دَرَبَنْدَ وخَوَزارَ. فَإنَّهُ يُوجَدُ بَيْنَهُما مَضِيقٌ شَهِيرٌ مُنْذُ القِدَمِ، يُسَمّى عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ القَدِيمَةِ والحَدِيثَةِ بِــ(السَّدِّ) وبِهِ مَوْضِعٌ يُسَمّى (بابُ الحَدِيدِ) وهو أثَرُ سَدٍّ حَدِيدِيٍّ قَدِيمٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِن جِبالِ القُوقازِ الشَّهِيرَةِ عِنْدَ العَرَبِ (بِجَبَلِ قافٍ) وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ فِيهِ السَّدَّ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. ويَظُنُّونَ أنَّهُ في نِهايَةِ الأرْضِ. وذَلِكَ بِحَسَبِ ما عَرَفُوهُ مِنها. ومِن ورائِهِ قَبِيلَتا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. انْتَهى. وجاءَ في (صَفْوَةِ الِاعْتِبارِ) أنَّ السُّورَ الَّذِي وصَلُوا إلَيْهِ أيّامَ الواثِقِ مِن بَنِي العَبّاسِ، هو (p-٤١١٥)سُورُ الصِّينِ الَّذِي هو إحْدى عَجائِبِ مَمْلَكَةِ الصِّينِ. فَإنَّ طُولَهُ نَحْوَ ألْفٍ ومِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ مِيلًا، وسُمْكُهُ مِنَ الأسْفَلِ نَحْوَ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ قَدَمًا، ومِن أعْلاهُ نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ قَدَمًا. وارْتِفاعُهُ ما بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ إلى عِشْرِينَ قَدَمًا. وفي أماكِنَ مِنهُ حُصُونٌ يَبْلُغُ ارْتِفاعُ بَعْضِها إلَيْهِ أرْبَعِينَ قَدَمًا. بُنِيَ لِرَدِّ الهَجَماتِ عَلى المَمْلَكَةِ الصِّينِيَّةِ الأصْلِيَّةِ، مِنَ المَغُولِ والقَبائِلِ الشَّمالِيَّةِ. والسُّورُ الآنَ خَرابٌ في جِهاتٍ كَثِيرَةٍ. فَإنْ كانَ هو المُرادَ بِالسَّدِّ في الآيَةِ. لَزِمَ حَمْلُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ فِيهِ، مِن كَوْنِهِ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ، ومُفَرَّغًا عَلَيْهِ النُّحاسُ، عَلى بِقاعٍ مِن ذَلِكَ السُّورِ. والصَّدَفانِ حِينَئِذٍ طَرَفانِ مِن ذَلِكَ السُّورِ. كَما تَؤُولُ صِفاتُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، إلى ما يَصِحُّ إطْلاقُها بِهِ عَلى التَّتَرِ والمَنشُورِيَّةِ. ويَكُونُ وعْدُ اللَّهِ الَّذِي يُدَكُّ فِيهِ السَّدُّ هو قُرْبُ السّاعَةِ. ولا شَكَّ أنَّها قَرُبَتْ بِإعْلامِ الشّارِعِ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ الفَسادُ المَوْعُودُ بِهِ في النُّصُوصِ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ، هو ما وقَعَ مِنَ التَّتَرِ مِنَ الفَسادِ في المَمالِكِ. كَما في عَهْدِ جِنْكِزْخانَ، وما عَثاهُ هو وأصْحابُهُ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى. وجاءَ في الجُغْرافِيَّةِ العُمُومِيَّةِ، في المَقالَةِ السّابِعَةِ والأرْبَعِينَ في تَخْطِيطِ آسِيا، بِلادِ القُوقاسِيِينَ أيْ: أهالِي كَوَهِ قافٍ، أيْ: جَبَلِ قافٍ: إنَّ في تِلْكَ الأقْطارِ يَمْتَدُّ هَذا الجَبَلُ كالسُّورِ العَظِيمِ، وفِيهِ مَجازانِ يُسَمَّيانِ عِنْدَ القُدَماءِ الأبْوابَ القُوقازِيَّةَ والأبْوابَ الألْبانِيَّةَ. فالمَجازُ الأوَّلُ وهو الأبْوابُ القُوقازِيَّةُ هو الَّذِي كانَ يُخْشى مِنهُ هُجُومُ المُتَبَرْبِرِينَ عَلى كُلٍّ مِن دَوْلَةِ الرُّومانِيِّينَ والعَجَمِ. ثُمَّ إنَّ الحِصْنَ الَّذِي كانَ يَسُدُّ هَذا المَجازَ يُسَمّى بِأسْماءٍ مُخْتَلِفَةٍ عِنْدَ القُدَماءِ. وأمّا الأبْوابُ الألْبانِيَّةُ فَأشْهَرُ الآراءِ فِيها أنَّهم مَجازُ دَرَبَنْدَ. عَلى امْتِدادِ بَحْرِ الخَزَرِ. ثُمَّ قالَ: وهُناكَ حِكايَةٌ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ أهالِي (كَوَهِ قافٍ) تَقْتَضِي أنَّ هَذا الجَبَلَ كانَ مَسْدُودًا بِسَدٍّ عَظِيمٍ يَمْنَعُ غارَةَ المُتَبَرْبِرِينَ وهَذا السَّدُّ العَظِيمُ تارَةً يُعْزى لِإسْكَنْدَرَ، وتارَةً لِأنْوَ شِرْوانَ ويَسْتَدِلُّونَ عَلى ذَلِكَ بِآثارٍ مَوْجُودَةٍ إلى الآنِ، تُرى لِمَن يَرُومُ ذَلِكَ. التَّنْبِيهُ الثّامِنُ: قالَ أبُو البَقاءِ: يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، لَمْ يَنْصَرِفا لِلْعُجْمَةِ (p-٤١١٦)والتَّعْرِيفِ. ويَجُوزُ هَمْزُهُما وتَرْكُ هَمْزِهِما. وقِيلَ: هُما عَرَبِيّانِ فَـ(يَأْجُوجُ ) يَفَعُولُ مِثْلَ يَرْبُوعٍ. و(مَأْجُوجُ ) مَفْعُولٌ مِثْلُ مَعْقُولٍ. وكِلاهُما مِن (أجَّ الظَّلِيمِ) إذا أسْرَعَ. أوْ مِن (أجَّتِ النّارُ) إذا التَهَبَتْ. ولَمْ يَنْصَرِفا لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ أيْ: لِلْقَبِيلَةِ كَمَجُوسِ. فالكَلِمَتانِ مِن أصْلٍ واحِدٍ في الِاشْتِقاقِ. وعَلى العُجْمَةِ، لا يَتَأتّى تَصْرِيفُهُ. ولا يُعْتَبَرُ وزْنُهُ إلّا بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا، كَما في (تَذْكِرَةِ أبِي عَلِيٍّ). قالَ الرّازِيُّ: واخْتَلَفُوا في أنَّهُما مِن أيِّ: الأقْوامِ؟ فَقِيلَ: إنَّهُما مِنَ التُّرْكِ. وقِيلَ يَأْجُوجُ مِنَ التُّرْكِ ومَأْجُوجُ مِنَ الجِيلِ والدَّيْلَمِ. ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن وصَفَهم بِقِصَرِ القامَةِ وصِغَرِ الجُثَّةِ، انْتَهى. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: كانَ يُوجَدُ مِن وراءِ جَبَلٍ مِن جِبالِ القُوقازِ، المَعْرُوفِ عِنْدَ العَرَبِ بِجَبَلِ قافٍ، في إقْلِيمِ داغِسْتانَ، قَبِيلَتانِ. تُسَمّى إحْداهُما (آقُوقَ)، والثّانِيَةُ (ماقُوقَ) فَعَرَّبَهُما العَرَبُ بِـ(يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ) وهُما مَعْرُوفانِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ ووَرَدَ ذِكْرُهُما في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ. ومِنهُما تَناسُلُ كَثِيرٍ مِن أُمَمِ الشَّمالِ والشَّرْقِ في رُوسِيا وآسِيا. التَّنْبِيهُ التّاسِعُ: تَوَسَّعَ مَن لَمْ يَشْتَرِطِ الصِّحَّةَ ولا الحُسْنَ في مُصَنَّفاتِهِ مِنَ الرُّواةِ، في تَخْرِيجِ ما رُوِيَ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. وكُلُّهُ إمّا مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ أوِ المُنْكَراتِ أوِ المَوْضُوعاتِ. ومِن ذَلِكَ حَدِيثُ ««إنَّ يَأْجُوجَ أُمَّةٌ ومَأْجُوجَ أُمَّةٌ. كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعُمِائَةِ ألْفِ أُمَّةٍ. لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنهم حَتّى يَنْظُرَ إلى ألْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِهِ. كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ إلَخْ»» رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ في (الضُّعَفاءِ) عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا. وقالَ: مَوْضُوعٌ مُنْكَرٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ العُكاشِيُّ كَذّابٌ يَضَعُ، وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ. وقالَ الحافِظُ ابْنُ جَرِيرٍ هَهُنا، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أثَرًا طَوِيلًا عَجِيبًا، في سَيْرِ ذِي القَرْنَيْنِ وبِنائِهِ السَّدَّ وكَيْفِيَّةِ ما جَرى لَهُ. وفِيهِ طُولٌ وغَرابَةٌ ونَكارَةٌ في أشْكالِهِمْ. وصِفاتِهِمْ وطُولِهِمْ وقِصَرِ بَعْضِهِمْ وآذانِهِمْ. (p-٤١١٧)ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِيهِ في ذَلِكَ، أحادِيثَ غَرِيبَةً لا تَصِحُّ أسانِيدُها. انْتَهى. فَجَزى اللَّهُ البُخارِيَّ أحْسَنَ الجَزاءِ، عَلى نَبْذِهِ تِلْكَ الرِّواياتِ، واشْتِراطِهِ الصِّحَّةَ في المَرْوِيّاتِ، فَقَدْ جَنَتِ الآثارُ المُنْكَرَةُ عَلى الأُمَّةِ أنْكَرَ الآثارِ. ومِن طالِعِ مُقَدِّمَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ صِدْقُ قَوْلِهِ: (أنَّ راوِيَ الضِّعافِ غاشٌّ آثِمٌ مُضِلٌّ ) وبِاللَّهِ المُسْتَعانُ.

الكهف 18:98

(p-٤١٠٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٦] ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [٩٧] ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] [٩٨] ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨] . ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ أيْ: ناوِلُونِي قِطَعَهُ: ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أيْ: بَيْنَ جانِبَيِ الجَبَلَيْنِ: ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ أيْ: في الأكْوارِ والحَدِيدِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ أيِ: المَنفُوخَ فِيهِ: ﴿نارًا﴾ أيْ: كالنّارِ بِالإحْماءِ: ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أيْ: نُحاسًا مُذابًا لِيَلْصَقَ بِالحَدِيدِ، ويَتَدَعَّمَ البِناءُ بِهِ ويَشْتَدُّ. ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أيْ: يَعْلُوهُ بِالصُّعُودِ لِارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ: ﴿وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] لِثَخْنِهِ وصَلابَتِهِ. ﴿قالَ هَذا﴾ [الكهف: ٩٨] أيِ: السَّدُّ: ﴿رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] عَلى القاطِنِينَ عِنْدَهُ. لِأمْنِهِمْ مِن شَرِّ مَن سَدِّ عَلَيْهِمْ بِهِ، ورَحْمَةٌ عَلى غَيْرِهِمْ، لِسَدِّ الطَّرِيقِ عَلَيْهِمْ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] بِدَحْرِهِ وخَرابِهِ: ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] بِالمَدِّ أيْ: أرْضًا مُسْتَوِيَةً، وقُرِئَ ((دَكًّا)) أيْ: مَدْكُوكًا مُسَوًّا بِالأرْضِ ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨] أيْ: كائِنًا لا مَحالَةَ. وهَذا آخِرُ حِكايَةِ قَوْلِ ذِي القَرْنَيْنِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ شَيْءٌ مِنَ التّارِيخِ مِن حَيْثُ هو قَصَصٌ وأخْبارٌ. وإنَّما هي الآياتُ والعِبَرُ والأحْكامُ والآدابُ تَجَلَّتْ في سِياقِ الوَقائِعِ. ولِذا يَجِبُ صَرْفُ العِنايَةِ إلى وُجُوهِ تِلْكَ الفَوائِدِ والثَّمَراتِ، وما يُسْتَنْبَطُ مِن تِلْكَ الآياتِ. وقَدْ أشارَ نَبَأُ ذِي القَرْنَيْنِ الإسْكَنْدَرِ إلى فَوائِدَ شَتّى. نَذْكُرُ ما فُتِحَ عَلَيْنا مِنها، ونَكِلُ ما لَمْ نُحِطْ بِهِ عِلْمًا إلى العَلِيمِ الخَبِيرِ. (p-٤١٠٤)فَمِن فَوائِدِها: الِاعْتِبارُ بِرَفْعِ اللَّهِ بَعْضَ النّاسِ دَرَجاتٍ عَلى بَعْضٍ. ورِزْقِهِ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ مُلْكًا ومالًا. لِما لَهُ مِن خَفِيِّ الحُكْمِ وباهِرِ القُدْرَةِ. فَلا إلَهَ سِواهُ. ومِنها: الإشارَةُ إلى القِيامِ بِالأسْبابِ، والجَرْيِ وراءَ سُنَّةِ اللَّهِ في الكَوْنِ مِنَ الجِدِّ والعَمَلِ. وأنَّ عَلى قَدْرِ بَذْلِ الجُهْدِ يَكُونُ الفَوْزُ والظَّفَرُ، فَإنَّ ما قَصَّ عَنِ الإسْكَنْدَرِ مِن ضَرْبِهِ في الأرْضِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، ومَطْلَعِها وشَمالِها وعَدَمِ فُتُورِهِ ووِجْدانِهِ اللَّذَّةَ في مُواصَلَةِ الأسْفارِ وتَجَشُّمِ الأخْطارِ، ورُكُوبِ الأوْعارِ والبِحارِ، ثُمَّ إحْرازِهِ ذَلِكَ الفِخارَ، الَّذِي لا يُشَقُّ لَهُ غُبارٌ، أكْبَرُ عِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ. ومِنها: تَنْشِيطُ الهِمَمِ لِرَفْعِ العَوائِقِ. وأنَّهُ ما تَيَسَّرَتِ الأسْبابُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ رُكُوبُ البَحْرِ ولا اجْتِيازُ القَفْرِ، عُذْرًا في الخُمُولِ والرِّضاءِ بِالدُّونِ. بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَنْشَطَ ويُمَثِّلَ في مَرارَتِهِ، حَلاوَةَ عُقْباهُ مِنَ الرّاحَةِ والهَناءِ. كَما قَضى الإسْكَنْدَرُ عُمْرَهُ ولَمْ يَذُقْ إلّا حَلاوَةَ الظَّفْرِ ولَذَّةَ الِانْتِصارِ: إذْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ تُقْعِدُهُمُ المَصاعِبُ عَنْ نَيْلِ ما يَبْتَغُونَ. ومِنها: وُجُوبُ المُبادَرَةِ لِمَعالِي الأُمُورِ مِنَ الحَداثَةِ. إذْ مِنَ الخَطَأِ التَّسْوِيفُ فِيهِ إلى الِاكْتِهالِ. فَإنَّ الإسْكَنْدَرَ لَمّا تَبَوَّأ مُلْكَ أبِيهِ كانَ في حُدُودِ العِشْرِينَ مِن عُمُرِهِ. وأتى ما أتى وهو في رَيَعانِ الشَّبابِ وقُوَّةِ الفَناءِ. فَهاجَمَ أعْظَمَ مُلُوكِ عَصْرِهِ وأكْبَرَ جُيُوشِهِمْ. كَأنَّهُ القَضاءُ المُبْرَمُ. ولَمْ يَقِفْ في وجْهِهِ عَدَدٌ ولا عُدَدٌ. وخاضَ غَمَراتِ الرَّدى غَيْرَ هَيّابٍ ولا وجِلٍ. وأضافَ كُلَّ العالَمِ الشَّرْقِيِّ إلى المَمْلَكَةِ اليُونانِيَّةِ وهو شابٌّ. وقَضى وهو في الثّالِثَةِ والثَّلاثِينَ مِن عُمُرِهِ، كَما دَوَّنَهُ مُحَقِّقُو المُؤَرِّخِينَ. ومِنها: أنَّ مَن قَدَرَ عَلى أعْدائِهِ وتَمَكَّنَ مِنهُمْ، فَلا يَنْبَغِي لَهُ أنْ تُسْكِرَهُ لَذَّةُ السُّلْطَةِ بِسُوقِهِمْ بِعَصا الإذْلالِ، وتَجْرِيعِهِمْ غُصَصِ الِاسْتِعْبادِ والنَّكالِ. بَلْ يُعامِلُ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِقَدْرِ إساءَتِهِ. فَإنَّ ما حُكِيَ عَنِ الإسْكَنْدَرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾ [الكهف: ٨٧] إلى آخِرِهِ، نِهايَةٌ في العَدْلِ وغايَةُ الإنْصافِ. (p-٤١٠٥)ومِنها: أنَّ عَلى المَلِكِ، إذا اشْتُكِيَ إلَيْهِ جَوْرُ مُجاوِرِينَ، أنْ يَبْذُلَ وُسْعَهُ في الرّاحَةِ والأمْنِ، دِفاعًا عَنِ الوَطَنِ العَزِيزِ، وصِيانَةً لِلْحُرِّيَّةِ والتَّمَدُّنِ، مِن مَخالِبِ التَّوَحُّشِ والخَرابِ، قِيامًا بِفَرِيضَةِ دَفْعِ المُعْتَدِينَ وإمْضاءِ العَدْلِ بَيْنَ العالَمِينَ. كَما لَبّى الإسْكَنْدَرُ دَعْوَةَ الشّاكِينَ في بِناءِ السَّدِّ. وقَدْ أطْبَقَ المُؤَرِّخُونَ عَلى أنَّهُ بَنى عِدَّةَ حُصُونٍ وأسْوارٍ، لِرَدِّ غاراتِ البَرابِرَةِ، وصَدِّ هَجَماتِهِمْ. ومِنها: أنَّ عَلى المَلِكِ التَّعَفُّفَ عَنْ أمْوالِ رَعِيَّتِهِ، والزُّهْدَ في أخْذِ أُجْرَةٍ، في مُقابَلَةِ عَمَلٍ يَأْتِيهِ، ما أغْناهُ اللَّهُ عَنْهُ، فَفي ذَلِكَ حِفْظُ كَرامَتِهِ وزِيادَةُ الشَّغَفِ بِمَحَبَّتِهِ. كَما تَأبّى الإسْكَنْدَرُ تَفَضُّلًا وتَكَرُّمًا. ومِنها: التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى إذا اقْتَضاهُ المَقامُ. كَقَوْلِ الإسْكَنْدَرِ في مَقامِ تَعَفُّفِهِ عَنْ أمْوالِهِمْ، والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٥] كَقَوْلِ سُلَيْمانَ: ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦] وقَدْ قِيلَ: إنَّ دَخْلَ الإسْكَنْدَرِ مِنَ البِلادِ الَّتِي فَتَحَها كانَ نَحْوَ سِتِّينَ مِلْيُونَ لِيرَةٍ إنْكِلِيزِيَّةٍ. ومِنها: تَدْعِيمُ الأسْوارِ والحُصُونِ في الثُّغُورِ، وتَقْوِيَتُها بِذَوْبِ الرَّصاصِ وبِوَضْعِ صَفائِحِ النُّحاسِ، خِلالَ الصُّخُورِ الصُّمِّ، صِدْقًا في العَمَلِ ونُصْحًا فِيهِ. لِيَنْتَفِعَ بِهِ عَلى تَطاوُلِ الأجْيالِ. فَإنَّ البِناءَ غَيْرَ الرَّصِينِ لا ثَمَرَةَ فِيهِ. ومِنها: مُشاطَرَةُ المَلِكِ العُمّالَ في الأعْمالِ ومُشارَفَتُهم بِنَفْسِهِ إذا اقْتَضى الحالُ، تَنْشِيطًا لِمُهِمَّتِهِمْ وتَجْرِئَةً لَهم وتَرْوِيحًا لِقُلُوبِهِمْ. وقَدْ كانَ الإسْكَنْدَرُ يُقاسِمُ العُمّالَ الأتْعابَ. ويُدِيرُ العَمَلَ بِنَفْسِهِ، كَما بَيَّنَهُ الذِّكْرُ الحَكِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ومِنها: تَعْرِيفُ الغَيْرِ ثَمَرَةَ العَمَلِ المُهِمِّ، لِيَعْرِفُوا قَدْرَهُ فَيُظْهِرُوا شُكْرَهُ. ولِذا قالَ: ﴿هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] (p-٤١٠٦)ومِنها الإعْلامُ بِالدَّوْرِ الأُخْرَوِيِّ، وانْقِضاءُ هَذا الدَّوْرِ الأوَّلِيِّ، لِتَبْقى النُّفُوسُ طامِحَةً إلى ذَلِكَ العالَمِ الباقِي والنَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ. ولِذا قالَ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] ومِنها: الِاعْتِبارُ بِتَخْلِيدِ جَمِيلِ الثَّناءِ، وجَلِيلِ الآثارِ. فَإنَّ مَن أنْعَمَ النَّظَرَ فِيما قَصَّ عَنْهُ في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ، يَتَّضِحُ لَهُ جَلِيًّا حُسْنُ سَجاياهُ وسُمُوُّ مَزاياهُ. مِنَ الشَّجاعَةِ وعُلُوِّ الهِمَّةِ والعِفَّةِ والعَدْلِ. ودَأْبُهُ عَلى تَوْطِيدِ الأمْنِ وإثابَتِهِ المُحْسِنِينَ وتَأْدِيبِهِ لِلظّالِمِينَ. والإحْسانُ إلى النَّوْعِ البَشَرِيِّ، ولا سِيَّما في زَمانٍ كانَ فِيهِ أكْثَرُ عَوائِدِ وأخْلاقِ الأُمَمِ المُتَمَدِّنَةِ وغَيْرِ المُتَمَدِّنَةِ، وحْشِيَّةً فاسِدَةً. ومِنها: الِاهْتِمامُ بِتَوْحِيدِ الكَلِمَةِ لِمَن يَمْلِكُ أُمَمًا مُتَبايِنَةً. كَما كانَ يَرْمِي إلَيْهِ سَعْيُ الإسْكَنْدَرِ. فَإنَّهُ دَأبَ عَلى تَوْحِيدِ الكَلِمَةِ بَيْنَ الشُّعُوبِ ومَزْجِ تِلْكَ الأُمَمِ المُخْتَلِفَةِ لِيَرْبُطَها بِصِلاتِ الحُبِّ والعَوائِدِ. وقَدْ حُكِيَ أنَّهُ كانَ يُجَيِّشُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ اسْتَوْلى عَلَيْها، جَيْشًا عَرَمْرَمًا، يُضِيفُهُ إلى جَيْشِهِ المَكْدُونِيِّ اليُونانِيِّ. ويَأْمُرُ رِجالَهُ أنْ يَتَزَوَّجُوا مِن بَناتِهِمْ، لِتَوْثِيقِ عُرى المَحَبَّةِ والِارْتِباطِ، وإزالَةِ البُغْضِ والشَّحْناءِ. ومِنها: الِاعْتِبارُ بِما يَبْلُغُهُ الإنْسانُ، وما فِيهِ مِن بَلِيغِ الِاسْتِعْدادِ. يَقْضِي عَلى المَرْءِ أنْ يَعِيشَ أوَّلًا طِفْلًا مُرْضَعًا. لا يَعْلَمُ ما حَوْلَهُ ولا يَطْلُبُ غَيْرَ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ طَبِيعَتُهُ الضَّعِيفَةُ، قِيامًا بِما تَقْتَضِيهِ أسْبابُ الحَياةِ، وهو مُلْقًى إذْ ذاكَ لا إرادَةَ لَهُ. وعُرْضَةٌ لِأسْقامٍ تُذِيقُهُ الآلامَ، وقَدْ تَجَرَّعَهُ كَأْسُ الحِمامِ قَبْلَ أنْ يَرى ويُدْرِكَ شَيْئًا مِن هَذا النِّظامِ. فَإذا اسْتَظْهَرَتْ فِيهِ عَوامِلُ الحَياةِ عَلى دَواعِي المَماتِ، وسَرَتْ بِجِسْمِهِ قُوى الشَّبِيبَةِ، وصَرَفَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ، تَرَعْرَعَ إنْسانًا عَظِيمًا ظافِرًا بِمُنْتَهى أمَلِهِ. التَّنْبِيهُ الثّانِي: في ذِي القَرْنَيْنِ. اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ اسْمَهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِبْسَ، وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (إغاثَةِ اللَّهْفانِ) في الكَلامِ عَلى الفَلاسِفَةِ: ومِن مُلُوكِهِمُ الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ وهو ابْنُ فِيلِبْسَ ولَيْسَ بِالإسْكَنْدَرِ ذِي القَرْنَيْنِ الَّذِي قَصَّ اللَّهُ تَعالى نَبَأهُ في القُرْآنِ بَلْ بَيْنَهُما (p-٤١٠٧)قُرُونٌ كَثِيرَةٌ وبَيْنَهُما في الدِّينِ أعْظَمُ تَبايُنٍ. فَذُو القَرْنَيْنِ كانَ رَجُلًا صالِحًا مُوَحِّدًا لِلَّهِ تَعالى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ. وكانَ يَغْزُو عُبّادَ الأصْنامِ وبَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها. وبَنى السَّدَّ بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. وأمّا هَذا المَقْدُونِيُّ، فَكانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الأصْنامَ هو وأهْلُ مَمْلَكَتِهِ. وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسِيحِ نَحْوَ ألْفٍ وسِتِّمِائَةِ سَنَةٍ. والنَّصارى تُؤَرِّخُ لَهُ. وكانَ أرِسْطاطالِيسُ وزِيرَهُ. وكانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الأصْنامَ. انْتَهى. كَلامُهُ. وفِيهِ نَظَرٌ. فَإنَّ المَرْجِعَ في ذَلِكَ هم أئِمَّةُ التّارِيخِ وقَدْ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ الإسْكَنْدَرُ الأكْبَرُ ابْنُ فِيلِبْسَ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ بِتِسْعِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وخَمْسِينَ سَنَةً قَبْلَ الهِجْرَةِ، وثَلاثِمِائَةٍ واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ سَنَةً قَبْلَ مِيلادِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدْ أصْبَحَ ذَلِكَ مِنَ الأوَّلِيّاتِ عِنْدَ عُلَماءِ الجُغْرافِيا. وأمّا دَعْوى أنَّهُ كانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الأصْنامَ، فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وإنْ كانَ قَوْمُهُ وثَنِيِّينَ، لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرَسْطاطالِيسَ. وقَدْ جاءَ في تَرْجَمَتِهِ -كَما في طَبَقاتِ الأطِبّاءِ وغَيْرِها- أنَّهُ كانَ لا يُعَظِّمُ الأصْنامَ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في ذَلِكَ الوَقْتِ وأنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ نُسِبَ إلى الكُفْرِ وأُرِيدَ السِّعايَةُ بِهِ إلى المُلْكِ. فَلَمّا أحَسَّ بِذَلِكَ شَخَصَ عَنْ أثِينا. لِأنَّهُ كَرِهَ أنْ يُبْتَلى أهْلُها بِمِثْلِ ما ابْتَلَوْا بِهِ سَقْراطِيسَ مُعَلِّمَ أفْلاطُونَ. فَإنَّهُ كانَ مِن عُبّادِهِمْ ومُتَألِّهِيهِمْ. وجاهَرَهم بِمُخالَفَتِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ. وقابَلَ رُؤَساءَهم بِالأدِلَّةِ والحُجَجِ عَلى بُطْلانِ عِبادَتِها. فَثَوَّرُوا عَلَيْهِ العامَّةُ واضْطَرُّوا المَلِكَ إلى قَتْلِهِ. فَأوْدَعَهُ السِّجْنَ لِيَكُفَّهم عَنْهُ. ثُمَّ لَمْ يَرْضَ المُشْرِكُونَ إلّا بِقَتْلِهِ. فَسَقاهُ السُّمَّ خَوْفًا مِن شَرِّهِمْ، بَعْدَ مُناظَراتٍ طَوِيلَةٍ جَرَتْ لَهُ مَعَهم. كَما في (طَبَقاتِ الأطِبّاءِ وتَراجِمِ الفَلاسِفَةِ) فالوَثَنِيَّةُ، وإنْ كانَتْ دِينَ اليُونانِيِّينَ واعْتِقادَ شَعْبِهِمْ، إلّا أنَّهُ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المَلِكُ وخاصَّتُهُ عَلى اعْتِقادٍ آخَرَ يُجاهِرُونَ بِهِ أوْ يَكْتُمُونَهُ. كالنَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ. فَإنَّهُ جاهَرَ بِالإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ. وشَعْبُهُ وأهْلُ مَمْلَكَتِهِ كُلُّهم نَصارى. وهَكَذا كانَ الإسْكَنْدَرُ وأُسْتاذُهُ والحُكَماءُ قَبْلَهُ. فَإنَّ المُمْعِنَ في تَراجِمِهِمْ يَرى أنَّهم عَلى تَوْحِيدٍ وإيمانٍ بِالمَعادِ. قالَ القاضِي صاعِدٌ: كانَ فِيثاغُورِسُ -أُسْتاذُ (p-٤١٠٨)سُقْراطَ - يَقُولُ بِبَقاءِ النَّفْسِ وكَوْنِها، فِيما بَعْدُ، في ثَوابٍ أوْ عِقابٍ. عَلى رَأْيِ الحُكَماءِ الإلَهِيَّيْنِ. فَتَأمَّلْ قَوْلَهُ (عَلى رَأْيِ الحُكَماءِ الإلَهِيِّينَ) يَتَحَقَّقُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا قَوْلُ الفَخْرِ الرّازِيِّ: إنَّ في كَوْنِ الإسْكَنْدَرِ ذا القَرْنَيْنِ إشْكالًا قَوِيًّا. وهو أنَّهُ كانَ تِلْمِيذَ أرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ. وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ فَلا يَخْفى دَفْعُ هَذا اللُّزُومِ. فَإنَّ مَن كانَ تابِعًا لِمَذْهَبٍ فَمُدِحَ لِأمْرٍ ما يُوجِبُ مَدْحَهُ لِأجْلِهِ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَدْحُ لِأجْلِ مَذْهَبِهِ ومَتْبُوعِهِ. إذْ قَدْ يَقُومُ فِيهِ مِنَ الخِلالِ والمَزايا ما لا يُوجَدُ في مَتْبُوعِهِ. وقَدْ يَبْدُو لَهُ مِنَ الأنْظارِ الصَّحِيحَةِ ما لا يَكُونُ في مَذْهَبِهِ الَّذِي نَشَأ عَلَيْهِ مُقَلِّدًا. أفَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حُرًّا في فِكْرِهِ يَنْبِذُ التَّقْلِيدَ الأعْمى ويَعْتَنِقُ الحَقَّ. ومَن آتاهُ اللَّهُ مِنَ المُلْكِ ما آتاهُ، أفَيَمْتَنِعُ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن تَنُّورِ الفِكْرِ وحُرِّيَّةِ الضَّمِيرِ ونُفُوذِ البَصِيرَةِ ما يُخالِفُ بِهِ مَتْبُوعَهُ. هَذا عَلى فَرْضِ أنَّ مَتْبُوعَهُ مَذْمُومٌ. وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ مَتْبُوعَهُ أعْنِي: أرِسْطاطالِيسَ، كانَ مُوَحِّدًا. وهو مَعْرُوفٌ في التّارِيخِ لا سُتْرَةَ فِيهِ. عَلى أنَّهُ لَوِ اسْتَلْزَمَتِ الآيَةُ مَدْحَ مَذْهَبِ أُسْتاذِهِ لَكانَ ذَلِكَ في الأُصُولِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ، وكَفى بِهِما كَمالًا. ولِلرّازِيِّ فَرْضٌ يَغْتَنِمُ بِها التَّنْوِيهَ بِالحُكَماءِ والتَّعْرِيفَ لِمَذْهَبِهِمْ، وهَذِهِ مِنها. وإنْ صَبَغَها -سامَحَهُ اللَّهُ- في هَذا الأُسْلُوبِ. عَرَفَ ذَلِكَ مَن عَرَفَ. التَّنْبِيهُ الثّالِثُ: اخْتُلِفَ في سَبَبِ تَلْقِيبِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ. فَقِيلَ لِأنَّهُ طافَ قَرْنَيِ الدُّنْيا. يَعْنِي جانِبَيْها شَرْقَها وغَرْبَها. أوْ لِأنَّهُ كانَ لَهُ قَرْنانِ أيْ: ضَفِيرَتانِ. أوْ لِأنَّهُ مِلْكُ الرُّومِ وفارِسَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُلَقَّبَ بِذَلِكَ لِشَجاعَتِهِ، كَما يُسَمّى الشُّجاعُ كَبْشًا لِأنَّهُ يَنْطَحُ أقْرانَهُ. أقُولُ: هَذا اللَّقَبُ مِنَ الكِنايَةِ عَنْ كُلِّ ذِي قُوَّةٍ وبَأْسٍ وسُلْطانٍ. لِأنَّ ذا القُرُونِ مِنَ المَواشِي أقْواها وأشَدُّها. والكِنايَةُ بِالقَرْنِ عَنِ القُوَّةِ والسُّلْطانِ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ اليَهُودِ، (p-٤١٠٩)الَّذِينَ هُمُ السّائِلُونَ. وقَدْ وقَعَ في تَوْراتِهِمْ في نُبُوَّةِ دانِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ عَنِ المَلِكِ: (فَإذا أنا بِكَبْشٍ واقِفٍ عِنْدَ النَّهْرِ. ولَهُ قَرْنانِ)، ثُمَّ قَوْلُهُ: (وبَيْنَما كُنْتُ مُتَأمِّلًا إذا بِتَيْسِ مَعِزٍ قَدْ أقْبَلَ مِنَ المَغْرِبِ عَلى وجْهِ الأرْضِ كُلِّها. ولِلتَّيْسِ قَرْنٌ عَجِيبُ المَنظَرِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ)، قالُوا: القَرْنُ هُنا رَمْزٌ إلى القُوَّةِ والسُّلْطانِ. والتَّيْسُ رَمْزٌ إلى مَمْلَكَةِ اليُونانِ. وقَرْنُهُ رَمْزٌ إلى أوَّلِ مَلِكٍ عَلى هَذِهِ المَمْلَكَةِ وهو الإسْكَنْدَرُ الكَبِيرُ. وما أشارَ إلَيْهِ مِن سُرْعَةِ مَسِيرِ هَذا التَّيْسِ إيماءٌ إلى كَثْرَةِ ما دَهَمَ البِلادَ مِنَ الغاراتِ المُتَواصِلَةِ. قَوْلُهُ: (خَرَجَ مِنَ المَغْرِبِ) إشارَةٌ إلى خُرُوجِهِ مِن مَكْدُونِيَّةَ الَّتِي هي إلى غَرْبِ فارِسَ، وذَلِكَ حِينَ تَقَدَّمَ عَلى جُيُوشِ دارَيُوسَ وكَسَرَهُ. وتَعَقَّبَهُ إلى داخِلِ مَمْلَكَتِهِ. والقَصْدُ أنَّ هَذا اللَّقَبَ (ذُو القَرْنَيْنِ) شَهِيرٌ ولَيْسَ مِن أوْضاعِ العَرَبِ خاصَّةً. كَما زَعَمَهُ بَعْضُهم. بَلْ هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العِبْرانِيِينَ أيْضًا. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّهُ مِن رُمُوزِهِمُ الخاصَّةِ الَّتِي سَرَتْ إلى العَرَبِ. وأقَرَّتْهم عَلَيْها. التَّنْبِيهُ الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: اخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ. هَلْ كانَ مِنَ الأنْبِياءِ أمْ لا ؟ مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى التَّمْكِينِ في الدِّينِ. والتَّمْكِينُ الكامِلُ في الدِّينِ هو النُّبُوَّةُ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] ومِن جُمْلَةِ الأشْياءِ النُّبُوَّةُ. فَمُقْتَضى العُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] هو أنَّهُ تَعالى آتاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ سَبَبًا. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] والَّذِي يَتَكَلَّمُ اللَّهُ مَعَهُ لابُدَّ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا. ومِنهم مَن قالَ إنَّهُ عَبْدٌ صالِحٌ وما كانَ نَبِيًّا. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ بَعْدُ: يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٦] عَلى أنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ مَعَهُ (p-٤١١٠)مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وحُمِلَ هَذا اللَّفْظُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ خاطَبَهُ عَلى ألْسِنَةِ بَعْضِ الأنْبِياءِ- فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. انْتَهى. ولا يَخْفى ضَعْفُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ. لِأنَّ مَقامَ إثْباتِها يَحْتاجُ إلى تَنْصِيصٍ وتَخْصِيصٍ. وأمّا تَعَمُّقُ الجَرْيِ وراءَ العُمُوماتِ، لِاسْتِفادَةِ مِثْلِ ذَلِكَ، فَغَيْرُ مُقْنِعٍ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٦] فَقَدَّمْنا أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ تَمْكِينِهِ تَعالى لَهُ مِنهم. لا أنَّهُ قَوْلُ مُشافَهَةٍ. وإلّا لَوْ كانَ ذَلِكَ لَكانَ مُخَيَّرًا مِنهُ تَعالى ومُلَقَّنًا ما يَفْعَلُ بِهِمْ. فَأنّى يَسُوغُ لَهُ نَقْضُهُ بِاجْتِهادٍ آخَرَ. ولا يُقالُ إنَّ الأصْلَ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ. لِأنّا نَقُولُ بِهِ، ما لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ مانِعٌ، مِن نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ. ولِلتَّنْزِيلِ الكَرِيمِ أُسْلُوبٌ خاصٌّ، عَرَفَهُ مَن أنْعَمَ النَّظَرَ في بَدِيعِ بَيانِهِ. نَعَمْ. لَوْ كانَ مُرادُ القائِلِ بِنُبُوَّتِهِ أنَّهُ مِنَ المُلْهَمِينَ ذَهابًا في النُّبُوَّةِ إلى المَعْنى الأعَمِّ مِنَ الإيحاءِ بِشَرْعٍ، ومِنَ الإلْهامِ، لَكانَ قَرِيبًا. فَتَكُونُ نُبُوَّتُهُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي وهو الإلْهامُ. ويُطْلِقُ الصُّوفِيَّةُ عَلى مِثْلِهِ الوارِدَ. وجاءَ في الحَدِيثِ تَسْمِيَةُ صاحِبِهِ مُحَدَّثًا. وإطْلاقُ النُّبُوَّةِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مَحْظُورًا في الإسْلامِ، إلّا أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا قَبْلَهُ في العِبادِ الأخْيارِ. التَّنْبِيهُ الخامِسُ: حُكِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] قَوْلانِ في أنَّ السّائِلِينَ هُمُ اليَهُودُ أوْ غَيْرُهم. ورُجِّحَ الأوَّلُ مِن وُجْهَتَيْنِ: أوَّلُهُما: أنَّ لِلْإسْكَنْدَرِ عِنْدَ اليَهُودِ شَأْنًا وقَدْرًا. وذَلِكَ لِما حُكِيَ أنَّهُ لَمّا فَتَحَ غَزَّةَ ودَنا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، خَرَجَ إلَيْهِ رَئِيسُ أحْبارِها وقَدَّمَ إلَيْهِ الطّاعَةَ. فَدَخَلَها إسْكَنْدَرُ وسَمِعَ نُبُوَّةَ التَّوْراةِ فَسُرَّ وأحْسَنَ إلى اليَهُودِ. وتَعَقَّبَ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ هَذِهِ الرِّوايَةَ بِأنَّها غَيْرُ مَأْثُورَةٍ في كُتُبِ اليُونانِ، ولَمْ يَرْوِها أحَدٌ مِن مُؤَرِّخِيهِمْ. (p-٤١١١)ثانِيهُما: أنَّ عُنْوانَ (ذُو القَرْنَيْنِ) مِن رُمُوزِ الإسْرائِيلِيِّينَ كَما قَدَّمْناهُ عَنْهم. التَّنْبِيهُ السّادِسُ: قالُوا المُرادُ بِـ (العَيْنِ الحَمِئَةِ) البَحْرُ المُحِيطُ. وتَسْمِيَتُهُ عَيْنًا لِكَوْنِهِ بِالنِّسْبَةِ لِعِظَمِ قُدْرَتِهِ تَعالى، كَقَطِرَةٍ. وإنْ عَظُمَ عِنْدَنا. قالُوا: رَأى الشَّمْسَ في مَنظَرِهِ تَغْرُبُ في البَحْرِ. وهَذا شَأْنُ كُلِّ مَنِ انْتَهى إلى ساحِلِهِ، يَراها كَأنَّها تَغْرُبُ فِيهِ. وهي لا تُفارِقُ فَلَكَها. ولِلْإمامِ ابْنِ حَزْمٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ رَأْيٌ آخَرُ في الآيَةِ. ذَكَرَهُ في كِتابِ (المِلَلِ) في بَحْثِ كُرَوِيَّةِ الأرْضِ قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ هو كانَ في العَيْنِ الحَمِئَةِ الحامِيَةِ كَما تَقُولُ: (رَأيْتُكَ في البَحْرِ)، تُرِيدُ أنَّكَ إذا رَأيْتَهُ كُنْتَ أنْتَ في البَحْرِ. وبُرْهانُ هَذا أنَّ مَغْرِبَ الشَّمْسِ لا يَجْهَلُ مِقْدارَ عَظِيمِ مِساحَتِهِ إلّا جاهِلٌ. ومِقْدارُ ما بَيْنَ أوَّلِ مَغْرِبِها الشِّتْوِيِّ إذا كانَتْ مِن آخِرِ رَأْسِ الجَدْيِ إلى آخِرِ مَغْرِبِها الصَّيْفِيِّ إذا كانَتْ مِن رَأْسِ السَّرَطانِ- مَرْئِيٌّ مُشاهَدٌ. ومِقْدارُهُ ثَمانٍ وأرْبَعُونَ دَرَجَةً مِنَ الفَلَكِ. وهو يُوازِي مِنَ الأرْضِ كُلِّها بِالبُرْهانِ الهَنْدَسِيِّ أقَلَّ مِن مِقْدارِ السُّدُسِ. يَكُونُ مِنَ الأمْيالِ نَحْوَ ثَلاثَةِ آلافِ مِيلٍ ونَيِّفٍ. وهَذِهِ المِساحَةُ لا يَقَعُ عَلَيْها في اللُّغَةِ اسْمُ (عَيْنٍ) البَتَّةَ. لا سِيَّما أنْ تَكُونَ (عَيْنًا حَمِئَةً) حامِيَةً. وبِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ خُوطِبْنا. فَلَمّا تَيَقَّنّا أنَّها (عَيْنٌ) بِإخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، الصّادِقِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ، عَلِمْنا يَقِينًا أنَّ ذا القَرْنَيْنِ انْتَهى بِهِ السَّيْرُ في الجِهَةِ الَّتِي مَشى فِيها مِنَ المَغارِبِ إلى العَيْنِ المَذْكُورَةِ. وانْقَطَعَ لَهُ إمْكانُ المَشْيِ بَعْدَها لِاعْتِراضِ البِحارِ لَهُ هُنالِكَ. وقَدْ عَلِمْنا بِالضَّرُورَةِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ وغَيْرَهُ مِنَ النّاسِ، لَيْسَ يَشْغَلُ مِنَ الأرْضِ إلّا مِساحَةَ جِسْمِهِ فَقَطْ. قائِمًا، أوْ قاعِدًا أوْ مُضْطَجِعًا. ومِن هَذِهِ صِفَتُهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُحِيطَ بَصَرُهُ مِنَ الأرْضِ، بِمِقْدارِ مَكانِ المَغارِبِ كُلِّها، لَوْ كانَ مَغِيبُها في عَيْنٍ مِنَ الأرْضِ. كَما يَظُنُّ أهْلُ الجَهْلِ. ولا بُدَّ مِن أنْ يَلْقى خَطُّ بَصَرِهِ مِن حَدَبَةِ الأرْضِ، ومِن نَشْرٍ مِن أنْشازِها، ما يَمْنَعُ الخَطَّ مِنَ التَّمادِي، إلّا أنْ يَقُولَ قائِلٌ: إنَّ تِلْكَ العَيْنَ هي البَحْرُ فَلا يَجُوزُ أنْ يُسَمّى البَحْرُ في اللُّغَةِ (عَيْنًا حَمِئَةً) ولا حامِيَةً. وقَدْ أخْبَرَ (p-٤١١٢)اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الشَّمْسَ تَسْبَحُ في الفَلَكِ. وأنَّها إنَّما هي مِنَ الفَلَكِ سِراجٌ. وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى هو الصِّدْقُ الَّذِي لا يَتَناقَضُ فَلَوْ غابَتْ في عَيْنٍ مِنَ الأرْضِ، كَما يَظُنُّ أهْلُ الجَهْلِ، أوْ في البَحْرِ، لَكانَتِ الشَّمْسُ قَدْ زالَتْ عَنِ السَّماءِ وخَرَجَتْ عَنِ الفَلَكِ، وهَذا هو الباطِلُ. فَصَحَّ يَقِينًا، بِلا شَكٍّ، أنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ هو في العَيْنِ الحَمِئَةِ والحامِيَةِ، حِينَ انْتَهى إلى آخِرِ البَرِّ في المَغارِبِ. لا سِيَّما مَعَ ما قامَ البُرْهانُ عَلَيْهِ، مِن أنَّ جِرْمَ الشَّمْسِ أكْبَرُ مِن جِرْمِ الأرْضِ. وبُرْهانٌ آخَرُ قاطِعٌ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ [الكهف: ٨٦] فَصَحَّ ضَرُورَةُ أنَّهُ وجَدَ القَوْمَ عِنْدَ العَيْنِ لا عِنْدَ الشَّمْسِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَزْمٍ. التَّنْبِيهُ السّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: الأظْهَرُ أنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ في ناحِيَةِ الشَّمالِ. وقِيلَ: جَبَلانِ بَيْنَ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبَيْجانَ. وقِيلَ: هَذا المَكانُ في مُنْقَطَعِ أرْضِ التُّرْكِ. وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في (تارِيخِهِ) أنَّ صاحِبَ أذْرَبَيْجانَ، أيّامَ فَتْحِها، وجَّهَ إنْسانًا إلَيْهِ مِن ناحِيَةِ الخَزَرِ. فَشاهَدَهُ ووَصَفَ أنَّهُ بُنْيانٌ رَفِيعٌ وراءَ خَنْدَقٍ عَمِيقٍ وثِيقٍ مَنِيعٍ. وذَكَرَ ابْنُ خَرْدادَ في كِتابِ (المَسالِكِ والمَمالِكِ) أنَّ الواثِقَ بِاللَّهِ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ فَتَحَ هَذا الرَّدْمَ، فَبَعَثَ بَعْضَ الخَدَمِ إلَيْهِ لِيُعايِنُوهُ. فَخَرَجُوا مِن بابِ الأبْوابِ حَتّى وصَلُوا إلَيْهِ وشاهَدُوهُ. فَوَصَفُوا أنَّهُ بِناءٌ مِن لَبِنٍ مِن حَدِيدٍ، مَشْدُودٌ بِالنُّحاسِ المُذابِ، وعَلَيْهِ بابٌ مُقْفَلٌ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ، لَمّا حاوَلَ الرُّجُوعَ، أخْرَجَهُمُ الدَّلِيلُ عَلى البِقاعِ المُحاذِيَةِ لِسَمَرْقَنْدَ. قالَ أبُو الرَّيْحانِ: مُقْتَضى هَذا أنَّ مَوْضِعَهُ في الرُّبْعِ الشَّمالِيِّ الغَرْبِيِّ مِنَ المَعْمُورَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. انْتَهى كَلامُ الرّازِيِّ. وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (المِلَلِ والنِّحَلِ) جُزْءِ أوَّلَ صَحِيفَةِ (١٢٠) في تَفْنِيدِ دَعْوى اليَهُودِ أنَّ الجَنَّةَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنها آدَمُ في الأرْضِ، ما مِثالُهُ. فَإنْ قِيلَ: ذُكِرَ في القُرْآنِ سَدُّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. ولا يُدْرى مَكانُهُ ولا مَكانُهم. قُلْنا: مَكانُهُ مَعْرُوفٌ في أقْصى الشَّمالِ (p-٤١١٣)فِي آخِرِ المَعْمُورَةِ مِنهُ. وقَدْ ذُكِرَ أمْرُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ في كُتُبِ اليَهُودِ الَّتِي يُؤْمِنُونَ بِها ويُؤْمِنُ بِها النَّصارى. وقَدْ ذَكَرَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والسَّدَّ أرِسْطاطالِيسُ في كِتابِهِ في (الحَيَوانِ) عِنْدَ كَلامِهِ عَلى الغَرانِيقِ. وقَدْ ذَكَرَ سَدَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ بَطْلَيْمُوسُ في كِتابِهِ المُسَمّى (جُغْرافِيا) وذَكَرَ طُولَ بِلادِهِمْ وعَرَضَها. وقَدْ بَعَثَ إلَيْهِ الواثِقُ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ سَلامَ التُّرْجُمانِ في جَماعَةٍ مَعَهُ حَتّى وقَفُوا عَلَيْهِ. ذَكَرَ ذَلِكَ أحْمَدُ بْنُ الطَّيِّبِ السَّرَخْسِيُّ وغَيْرُهُ. وقَدْ ذَكَرَهُ قُدامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ والنّاسُ. فَهَيْهاتَ خَبَرٌ مِن خَبَرٍ. وحَتّى لَوْ خَفِيَ مَكانُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والسَّدِّ. فَلَمْ يُعْرَفْ في شَيْءٍ مِنَ المَعْمُورِ مَكانُهُ، لَما ضَرَّ ذَلِكَ خَبَرَنا شَيْئًا. لِأنَّهُ كانَ يَكُونُ مَكانُهُ حِينَئِذٍ خَلْفَ خَطِّ الِاسْتِواءِ حَيْثُ يَكُونُ مَيْلُ الشَّمْسِ ورُجُوعُها، وبُعْدُها كَما هو في الجِهَةِ الشَّمالِيَّةِ. بِحَيْثُ تَكُونُ الآفاقُ كَبَعْضِ آفاقِنا المَسْكُونَةِ، والهَواءُ كَهَواءِ بَعْضِ البِلادِ الَّتِي يُوجَدُ فِيها النَّباتُ والتَّناسُلُ. واعْلَمُوا أنَّ كُلَّ ما كانَ في عُنْصُرِ الإمْكانِ، فَأدْخَلَهُ مُدْخِلٌ في عُنْصُرِ الِامْتِناعِ بِلا بُرْهانٍ فَهو كاذِبٌ مُبْطِلٌ جاهِلٌ، أوْ مُجاهِلٌ. لا سِيَّما إذا أخْبَرَ بِهِ مَن قَدْ قامَ البُرْهانُ عَلى صِدْقِ خَبَرِهِ. وإنَّما الشَّأْنُ في المُحالِ المُمْتَنِعِ الَّذِي تُكَذِّبُهُ الحَواسُّ والعِيانُ أوْ بَدِيهَةُ العَقْلِ. فَمَن جاءَ بِهَذا فَإنَّما جاءَ بِبُرْهانٍ قاطِعٍ عَلى أنَّهُ كَذّابٌ مُفْتَرٍ. ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ البَلاءِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَزْمٍ. قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: اعْلَمْ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَحْدُثُ في الثَّوَراتِ البُرْكانِيَّةِ أنْ تَنْخَسِفَ بَعْضُ البِلادِ أوْ تَرْتَفِعَ بَعْضُ الأراضِي حَتّى تَصِيرَ كالجِبالِ. وهَذا أمْرٌ مُشاهَدٌ حَتّى في زَمَنِنا هَذا. فَإذا سَلَّمَ أنَّ سَدَّ ذِي القَرْنَيْنِ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ الآنَ، فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ ناشِئًا مِن ثَوْرَةٍ بُرْكانِيَّةٍ خَسَفَتْ بِهِ وأزالَتْ آثارَهُ. ولا يُوجَدُ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى بَقائِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] فَمَعْناهُ أنَّ هَذا السَّدَّ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِالأُمَمِ القَرِيبَةِ مِنهُ. لِمَنعِ غاراتِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ عَنْهُمْ، ولَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَفْهَمُوا أنَّ مَعَ مَتانَتِهِ وصَلابَتِهِ لا يُمْكِنُ أنْ يُقاوِمَ مَشِيئَةَ اللَّهِ القَوِيِّ القَدِيرِ، فَإنَّ بَقاءَهُ إنَّما هو بِفَضْلِ اللَّهِ. ولَكِنْ إذا قامَتِ القِيامَةُ وأرادَ اللَّهُ فَناءَ هَذا العالَمِ، فَلا هَذا (p-٤١١٤)السَّدُّ ولا غَيْرُهُ مِنَ الجِبالِ الرّاسِياتِ يُمْكِنُها أنْ تَقِفَ عَثْرَةً، لَحْظَةً واحِدَةٍ أمامَ قُدْرَةِ اللَّهِ. بَلْ يَدُكُّها جَمْعاءَ دَكًّا في لَمْحِ البَصَرِ. فَمُرادُ ذِي القَرْنَيْنِ بِهَذا القَوْلِ تَنْبِيهُ تِلْكَ الأُمَمِ عَلى عَدَمِ الِاغْتِرارِ بِمَناعَةِ هَذا السَّدِّ، أوِ الإعْجابِ والغُرُورِ بِقُوَّتِهِمْ. فَإنَّها لا شَيْءَ يُذْكَرُ بِجانِبِ قُوَّةِ اللَّهِ. فَلا يَصِحُّ أنْ يُسْتَنْتَجَ مِن ذَلِكَ أنَّ هَذا السَّدَّ يَبْقى إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بَلْ صَرِيحُهُ أنَّهُ إذا قامَتِ القِيامَةُ في أيِّ وقْتٍ كانَ، وكانَ هَذا السَّدُّ مَوْجُودًا، دَكَّهُ اللَّهُ دَكًّا، وأمّا إذا تَأخَّرَتْ فَيَجُوزُ أنْ يُدَكَّ قَبْلَها بِأسْبابٍ أُخْرى. كالزَّلازِلِ إذا قَدِمَ عَهْدُهُ. وكالثَّوْراتِ البُرْكانِيَّةِ كَما قُلْنا. ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِي ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فالمُرادُ مِنهُ خُرُوجُهم بِكَثْرَةٍ وانْتِشارُهم في الأرْضِ، كَما يَخْرُجُ الشَّيْءُ المَحْبُوسُ أوِ المَضْغُوطُ إذا انْفَجَرَ. واسْتِعْمالُ لَفْظِ (الفَتْحِ) مَجازًا شائِعٌ في اللُّغَةِ. ومِنهُ قَوْلُكَ (فَتَحُوا البِلادَ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] فَلَيْسَ لِلْأشْياءِ أبْوابٌ. وكَذَلِكَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ لا بابَ لَهم. بَلْ هم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، والغالِبُ أنَّ المُرادَ بِخُرُوجِهِمْ هَذا، خُرُوجُ المَغُولِ التَّتارِ، وهم مِن نَسْلِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وهو الغَزْوُ الَّذِي حَصَلَ مِنهم لِلْأُمَمِ في القَرْنِ السّابِعِ الهِجْرِيِّ. وناهِيكَ بِما فَعَلُوهُ إذْ ذاكَ في الأرْضِ، بَعْدَ أنِ انْتَشَرُوا فِيها، مِنَ الإفْسادِ والنَّهْبِ والقَتْلِ والسَّبْيِ. والرّاجِحُ أنَّ السَّدَّ كانَ مَوْجُودًا بِإقْلِيمِ داغِسْتانَ التّابِعِ الآنَ لِرُوسِيا، بَيْنَ مَدِينَتِي دَرَبَنْدَ وخَوَزارَ. فَإنَّهُ يُوجَدُ بَيْنَهُما مَضِيقٌ شَهِيرٌ مُنْذُ القِدَمِ، يُسَمّى عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ القَدِيمَةِ والحَدِيثَةِ بِــ(السَّدِّ) وبِهِ مَوْضِعٌ يُسَمّى (بابُ الحَدِيدِ) وهو أثَرُ سَدٍّ حَدِيدِيٍّ قَدِيمٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِن جِبالِ القُوقازِ الشَّهِيرَةِ عِنْدَ العَرَبِ (بِجَبَلِ قافٍ) وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ فِيهِ السَّدَّ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. ويَظُنُّونَ أنَّهُ في نِهايَةِ الأرْضِ. وذَلِكَ بِحَسَبِ ما عَرَفُوهُ مِنها. ومِن ورائِهِ قَبِيلَتا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. انْتَهى. وجاءَ في (صَفْوَةِ الِاعْتِبارِ) أنَّ السُّورَ الَّذِي وصَلُوا إلَيْهِ أيّامَ الواثِقِ مِن بَنِي العَبّاسِ، هو (p-٤١١٥)سُورُ الصِّينِ الَّذِي هو إحْدى عَجائِبِ مَمْلَكَةِ الصِّينِ. فَإنَّ طُولَهُ نَحْوَ ألْفٍ ومِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ مِيلًا، وسُمْكُهُ مِنَ الأسْفَلِ نَحْوَ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ قَدَمًا، ومِن أعْلاهُ نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ قَدَمًا. وارْتِفاعُهُ ما بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ إلى عِشْرِينَ قَدَمًا. وفي أماكِنَ مِنهُ حُصُونٌ يَبْلُغُ ارْتِفاعُ بَعْضِها إلَيْهِ أرْبَعِينَ قَدَمًا. بُنِيَ لِرَدِّ الهَجَماتِ عَلى المَمْلَكَةِ الصِّينِيَّةِ الأصْلِيَّةِ، مِنَ المَغُولِ والقَبائِلِ الشَّمالِيَّةِ. والسُّورُ الآنَ خَرابٌ في جِهاتٍ كَثِيرَةٍ. فَإنْ كانَ هو المُرادَ بِالسَّدِّ في الآيَةِ. لَزِمَ حَمْلُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ فِيهِ، مِن كَوْنِهِ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ، ومُفَرَّغًا عَلَيْهِ النُّحاسُ، عَلى بِقاعٍ مِن ذَلِكَ السُّورِ. والصَّدَفانِ حِينَئِذٍ طَرَفانِ مِن ذَلِكَ السُّورِ. كَما تَؤُولُ صِفاتُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، إلى ما يَصِحُّ إطْلاقُها بِهِ عَلى التَّتَرِ والمَنشُورِيَّةِ. ويَكُونُ وعْدُ اللَّهِ الَّذِي يُدَكُّ فِيهِ السَّدُّ هو قُرْبُ السّاعَةِ. ولا شَكَّ أنَّها قَرُبَتْ بِإعْلامِ الشّارِعِ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ الفَسادُ المَوْعُودُ بِهِ في النُّصُوصِ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ، هو ما وقَعَ مِنَ التَّتَرِ مِنَ الفَسادِ في المَمالِكِ. كَما في عَهْدِ جِنْكِزْخانَ، وما عَثاهُ هو وأصْحابُهُ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى. وجاءَ في الجُغْرافِيَّةِ العُمُومِيَّةِ، في المَقالَةِ السّابِعَةِ والأرْبَعِينَ في تَخْطِيطِ آسِيا، بِلادِ القُوقاسِيِينَ أيْ: أهالِي كَوَهِ قافٍ، أيْ: جَبَلِ قافٍ: إنَّ في تِلْكَ الأقْطارِ يَمْتَدُّ هَذا الجَبَلُ كالسُّورِ العَظِيمِ، وفِيهِ مَجازانِ يُسَمَّيانِ عِنْدَ القُدَماءِ الأبْوابَ القُوقازِيَّةَ والأبْوابَ الألْبانِيَّةَ. فالمَجازُ الأوَّلُ وهو الأبْوابُ القُوقازِيَّةُ هو الَّذِي كانَ يُخْشى مِنهُ هُجُومُ المُتَبَرْبِرِينَ عَلى كُلٍّ مِن دَوْلَةِ الرُّومانِيِّينَ والعَجَمِ. ثُمَّ إنَّ الحِصْنَ الَّذِي كانَ يَسُدُّ هَذا المَجازَ يُسَمّى بِأسْماءٍ مُخْتَلِفَةٍ عِنْدَ القُدَماءِ. وأمّا الأبْوابُ الألْبانِيَّةُ فَأشْهَرُ الآراءِ فِيها أنَّهم مَجازُ دَرَبَنْدَ. عَلى امْتِدادِ بَحْرِ الخَزَرِ. ثُمَّ قالَ: وهُناكَ حِكايَةٌ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ أهالِي (كَوَهِ قافٍ) تَقْتَضِي أنَّ هَذا الجَبَلَ كانَ مَسْدُودًا بِسَدٍّ عَظِيمٍ يَمْنَعُ غارَةَ المُتَبَرْبِرِينَ وهَذا السَّدُّ العَظِيمُ تارَةً يُعْزى لِإسْكَنْدَرَ، وتارَةً لِأنْوَ شِرْوانَ ويَسْتَدِلُّونَ عَلى ذَلِكَ بِآثارٍ مَوْجُودَةٍ إلى الآنِ، تُرى لِمَن يَرُومُ ذَلِكَ. التَّنْبِيهُ الثّامِنُ: قالَ أبُو البَقاءِ: يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، لَمْ يَنْصَرِفا لِلْعُجْمَةِ (p-٤١١٦)والتَّعْرِيفِ. ويَجُوزُ هَمْزُهُما وتَرْكُ هَمْزِهِما. وقِيلَ: هُما عَرَبِيّانِ فَـ(يَأْجُوجُ ) يَفَعُولُ مِثْلَ يَرْبُوعٍ. و(مَأْجُوجُ ) مَفْعُولٌ مِثْلُ مَعْقُولٍ. وكِلاهُما مِن (أجَّ الظَّلِيمِ) إذا أسْرَعَ. أوْ مِن (أجَّتِ النّارُ) إذا التَهَبَتْ. ولَمْ يَنْصَرِفا لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ أيْ: لِلْقَبِيلَةِ كَمَجُوسِ. فالكَلِمَتانِ مِن أصْلٍ واحِدٍ في الِاشْتِقاقِ. وعَلى العُجْمَةِ، لا يَتَأتّى تَصْرِيفُهُ. ولا يُعْتَبَرُ وزْنُهُ إلّا بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا، كَما في (تَذْكِرَةِ أبِي عَلِيٍّ). قالَ الرّازِيُّ: واخْتَلَفُوا في أنَّهُما مِن أيِّ: الأقْوامِ؟ فَقِيلَ: إنَّهُما مِنَ التُّرْكِ. وقِيلَ يَأْجُوجُ مِنَ التُّرْكِ ومَأْجُوجُ مِنَ الجِيلِ والدَّيْلَمِ. ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن وصَفَهم بِقِصَرِ القامَةِ وصِغَرِ الجُثَّةِ، انْتَهى. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: كانَ يُوجَدُ مِن وراءِ جَبَلٍ مِن جِبالِ القُوقازِ، المَعْرُوفِ عِنْدَ العَرَبِ بِجَبَلِ قافٍ، في إقْلِيمِ داغِسْتانَ، قَبِيلَتانِ. تُسَمّى إحْداهُما (آقُوقَ)، والثّانِيَةُ (ماقُوقَ) فَعَرَّبَهُما العَرَبُ بِـ(يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ) وهُما مَعْرُوفانِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ ووَرَدَ ذِكْرُهُما في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ. ومِنهُما تَناسُلُ كَثِيرٍ مِن أُمَمِ الشَّمالِ والشَّرْقِ في رُوسِيا وآسِيا. التَّنْبِيهُ التّاسِعُ: تَوَسَّعَ مَن لَمْ يَشْتَرِطِ الصِّحَّةَ ولا الحُسْنَ في مُصَنَّفاتِهِ مِنَ الرُّواةِ، في تَخْرِيجِ ما رُوِيَ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. وكُلُّهُ إمّا مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ أوِ المُنْكَراتِ أوِ المَوْضُوعاتِ. ومِن ذَلِكَ حَدِيثُ ««إنَّ يَأْجُوجَ أُمَّةٌ ومَأْجُوجَ أُمَّةٌ. كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعُمِائَةِ ألْفِ أُمَّةٍ. لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنهم حَتّى يَنْظُرَ إلى ألْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِهِ. كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ إلَخْ»» رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ في (الضُّعَفاءِ) عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا. وقالَ: مَوْضُوعٌ مُنْكَرٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ العُكاشِيُّ كَذّابٌ يَضَعُ، وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ. وقالَ الحافِظُ ابْنُ جَرِيرٍ هَهُنا، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أثَرًا طَوِيلًا عَجِيبًا، في سَيْرِ ذِي القَرْنَيْنِ وبِنائِهِ السَّدَّ وكَيْفِيَّةِ ما جَرى لَهُ. وفِيهِ طُولٌ وغَرابَةٌ ونَكارَةٌ في أشْكالِهِمْ. وصِفاتِهِمْ وطُولِهِمْ وقِصَرِ بَعْضِهِمْ وآذانِهِمْ. (p-٤١١٧)ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِيهِ في ذَلِكَ، أحادِيثَ غَرِيبَةً لا تَصِحُّ أسانِيدُها. انْتَهى. فَجَزى اللَّهُ البُخارِيَّ أحْسَنَ الجَزاءِ، عَلى نَبْذِهِ تِلْكَ الرِّواياتِ، واشْتِراطِهِ الصِّحَّةَ في المَرْوِيّاتِ، فَقَدْ جَنَتِ الآثارُ المُنْكَرَةُ عَلى الأُمَّةِ أنْكَرَ الآثارِ. ومِن طالِعِ مُقَدِّمَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ صِدْقُ قَوْلِهِ: (أنَّ راوِيَ الضِّعافِ غاشٌّ آثِمٌ مُضِلٌّ ) وبِاللَّهِ المُسْتَعانُ.

الكهف 18:99

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٩] ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ . ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ أيْ: نُفِخَ فِيهِ لِلْبَعْثِ في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ. فَجَمَعْناهم لِلْجَزاءِ والحِسابِ جَمْعًا عَجِيبًا لا يَكْتَنِهُ كُنْهُهُ. قالَ إمامٌ: النَّفْخُ في الصُّورِ تَمْثِيلٌ لِبَعْثِ اللَّهِ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ بِسُرْعَةٍ لا يُمَثِّلُها إلّا نَفْخَةٌ في بُوقٍ، فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ. وعَلَيْنا أنْ نُؤْمِنَ بِما ورَدَ مِنَ النَّفْخِ في الصُّورِ، ولَيْسَ عَلَيْنا أنْ نَعْلَمَ ما هي حَقِيقَةُ ذَلِكَ الصُّورِ. والبَحْثُ وراءَ هَذا عَبَثٌ لا يَسُوغُ لِلْمُسْلِمِ. أيْ: لِأنَّهُ مِن عالَمِ الغَيْبِ، أيِ: الأُمُورِ المُغَيَّبَةِ عَنّا، الَّتِي لَمْ نُكَلَّفْ بِالبَحْثِ عَنْ حَقائِقِها.

الكهف 18:100

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٠] ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ . ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾ أيْ: أظْهَرْناها وأبْرَزْناها: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ جَمَعْنا الخَلائِقَ كافَّةً: ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنهم. حَيْثُ جَعَلْناهم بِحَيْثُ يَرَوْنَها ويَسْمَعُونَ لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا: عَرْضًا أيْ: فَظِيعًا هائِلًا لا يُقادِرُ قَدْرَهُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَخْصِيصُ العَرْضِ بِهِمْ، مَعَ أنَّها بِمَرْأى مِن أهْلِ الجَمْعِ قاطِبَةً، لِأنَّ ذَلِكَ لِأجْلِهِمْ خاصَّةً. وفي عَرْضِها وإراءَتِهِمْ ما فِيها (p-٤١١٨)مِنَ العَذابِ والنَّكالِ، قَبْلَ دُخُولِها، مَزِيدُ غَضَبٍ عَلَيْهِمْ ونِكايَةٌ. لِكَوْنِهِ أبْلَغَ في تَعْجِيلِ الهَمِّ والحُزْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:101

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠١] ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ . ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ تَمْثِيلٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ وتَأْمُّلِ مَعانِيهِ وتَبَصُّرِها. ولِتَصامِّهِمْ عَنِ الحَقِّ واتِّباعِ الهُدى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أبْلَغُ مِن وكانُوا صُمًّا لِأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ. وهَؤُلاءِ كَأنَّهم أُصْمِيَتْ أسْماعُهم فَلا اسْتِطاعَةَ بِهِمْ لِلسَّمْعِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وفي تَوْصِيفِهِمْ بِالجُمْلَتَيْنِ نُكْتَةٌ أُخْرى، بِها تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُسْتَغْنى بِالثّانِيَةِ عَنِ الأُولى، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ -كَما حَقَّقَهُ الشِّهابُ- إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لِما أفادَ أنَّهم كَفاقِدِي حاسَّةِ السَّمْعِ، ومَن هو كَذَلِكَ إنَّما يَعْرِفُ الذِّكْرَ بِإشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ أوْ نَحْوِهِما، مِمّا يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ، وذَكَرَ أنَّ أعْيُنَهم مَحْجُوبَةٌ عَنِ النَّظَرِ فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا. فَهم لا سَبِيلَ لَهم إلى مَعْرِفَةِ ذِكْرِهِ أصْلًا. وهَذا مِنَ البَلاغَةِ بِمَكانٍ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والمَوْصُولُ يَعْنِي: (الَّذِينَ) نَعْتٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ جِيءَ بِهِ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم مِن عَرْضِ جَهَنَّمَ لَهم. فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِعَدَمِ اسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ فِيما عَرَضَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ الآياتِ، وإعْراضُهم عَنْها، مَعَ كَوْنِها أسْبابًا مُنْجِيَةً عَمّا ابْتُلُوا بِهِ في الآخِرَةِ.

الكهف 18:102

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٢] ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُـزُلا﴾ . ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى (p-٤١١٩)طَلِيعَةِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤] فَهو مِن بابِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ المُقَرَّرِ في البَدِيعِ، جِيءَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، إنْكارًا لِما وقَعَ مِنهم وتَوْبِيخًا لَهم. ومَفْعُولُ (حَسِبَ) الثّانِي مَحْذُوفٌ. أيْ: أفَحَسِبُوا اتِّخاذَهم نافِعًا لَهُمْ؟: ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] كَما قالُوا: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ [سبإ: ٤١] ﴿إنّا أعْتَدْنا﴾ أيْ: هَيَّأْنا: ﴿جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُـزُلا﴾ أيْ: شَيْئًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ. و(النُّزُلُ) ما يُقامُ لِلنَّزِيلِ أيِ: الضَّعِيفِ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ. إذْ جَعَلَ ما يُعَذَّبُونَ بِهِ في جَهَنَّمَ كالزَّقُّومِ والغِسْلِينِ، ضِيافَةً لَهم. وقالَ أبُو السُّعُودِ: وفِيهِ تَخْطِئَةٌ لَهم في حُسْبانِهِمْ، وتَهَكُّمٌ بِهِمْ. حَيْثُ كانَ اتِّخاذُهم إيّاهم أوْلِياءَ، مِن قَبِيلِ إعْتادِ العَتادِ، وإعْدادِ الزّادِ، لِيَوْمِ المَعادِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أعْتَدْنا لَهُمْ، مَكانَ ما أعَدُّوا لِأنْفُسِهِمْ، مِنَ العُدَّةِ والذُّخْرِ، جَهَنَّمَ عُدَّةً. وفي إيرادِ النُّزُلِ إيماءٌ إلى أنَّ لَهم وراءَ جَهَنَّمَ مِنَ العَذابِ ما هو أُنْمُوذَجٌ لَهُ. أيْ: لِأنَّ الضَّيْفَ لا يَسْتَقِرُّ في مَنزِلِ الضِّيافَةِ. ويَنْتَقِلُ إلى ما هو إهْناءٌ لَهُ في دارِ إقامَتِهِ. فَكانَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم سَيَذُوقُونَ ما هو أشَدُّ.

الكهف 18:103

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٣] ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ [١٠٤] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] [١٠٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] [١٠٦] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦] . ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ١٠٤] (p-٤١٢٠)أيْ: ضاعَ وبَطَلَ: ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] أيِ: الَّتِي جاءَتْ بِالعَمَلِ بِها رُسُلُهُمْ: ﴿ولِقائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] أيْ: بِالبَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] لِكُفْرِهِمُ المَذْكُورِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أيْ: فَنَزْدَرِيهِمْ ولا نَجْعَلُ لَهم مِقْدارًا واعْتِبارًا، لِأنَّ مَدارَهُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، وقَدْ حَبِطَتْ بِالمَرَّةِ. ﴿ذَلِكَ﴾ [الكهف: ١٠٦] أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ [الكهف: ١٠٦] جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لَهُ، أوْ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. أيْ: جَزاؤُهم بِهِ. أوْ جَزاؤُهم خَبَرٌ وجَهَنَّمُ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ: ﴿بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦] أيْ: مَهْزُوءًا بِهِما. وذَلِكَ مُوجِبٌ لِشِدَّةِ المَقْتِ والغَضَبِ والنَّكالِ.

الكهف 18:104

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٣] ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ [١٠٤] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] [١٠٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] [١٠٦] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦] . ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ١٠٤] (p-٤١٢٠)أيْ: ضاعَ وبَطَلَ: ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] أيِ: الَّتِي جاءَتْ بِالعَمَلِ بِها رُسُلُهُمْ: ﴿ولِقائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] أيْ: بِالبَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] لِكُفْرِهِمُ المَذْكُورِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أيْ: فَنَزْدَرِيهِمْ ولا نَجْعَلُ لَهم مِقْدارًا واعْتِبارًا، لِأنَّ مَدارَهُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، وقَدْ حَبِطَتْ بِالمَرَّةِ. ﴿ذَلِكَ﴾ [الكهف: ١٠٦] أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ [الكهف: ١٠٦] جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لَهُ، أوْ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. أيْ: جَزاؤُهم بِهِ. أوْ جَزاؤُهم خَبَرٌ وجَهَنَّمُ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ: ﴿بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦] أيْ: مَهْزُوءًا بِهِما. وذَلِكَ مُوجِبٌ لِشِدَّةِ المَقْتِ والغَضَبِ والنَّكالِ.

الكهف 18:105

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٣] ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ [١٠٤] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] [١٠٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] [١٠٦] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦] . ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ١٠٤] (p-٤١٢٠)أيْ: ضاعَ وبَطَلَ: ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] أيِ: الَّتِي جاءَتْ بِالعَمَلِ بِها رُسُلُهُمْ: ﴿ولِقائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] أيْ: بِالبَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] لِكُفْرِهِمُ المَذْكُورِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أيْ: فَنَزْدَرِيهِمْ ولا نَجْعَلُ لَهم مِقْدارًا واعْتِبارًا، لِأنَّ مَدارَهُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، وقَدْ حَبِطَتْ بِالمَرَّةِ. ﴿ذَلِكَ﴾ [الكهف: ١٠٦] أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ [الكهف: ١٠٦] جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لَهُ، أوْ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. أيْ: جَزاؤُهم بِهِ. أوْ جَزاؤُهم خَبَرٌ وجَهَنَّمُ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ: ﴿بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦] أيْ: مَهْزُوءًا بِهِما. وذَلِكَ مُوجِبٌ لِشِدَّةِ المَقْتِ والغَضَبِ والنَّكالِ.

الكهف 18:106

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٣] ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ [١٠٤] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] [١٠٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] [١٠٦] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦] . ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ١٠٤] (p-٤١٢٠)أيْ: ضاعَ وبَطَلَ: ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] أيِ: الَّتِي جاءَتْ بِالعَمَلِ بِها رُسُلُهُمْ: ﴿ولِقائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] أيْ: بِالبَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] لِكُفْرِهِمُ المَذْكُورِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أيْ: فَنَزْدَرِيهِمْ ولا نَجْعَلُ لَهم مِقْدارًا واعْتِبارًا، لِأنَّ مَدارَهُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، وقَدْ حَبِطَتْ بِالمَرَّةِ. ﴿ذَلِكَ﴾ [الكهف: ١٠٦] أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ [الكهف: ١٠٦] جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لَهُ، أوْ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. أيْ: جَزاؤُهم بِهِ. أوْ جَزاؤُهم خَبَرٌ وجَهَنَّمُ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ: ﴿بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦] أيْ: مَهْزُوءًا بِهِما. وذَلِكَ مُوجِبٌ لِشِدَّةِ المَقْتِ والغَضَبِ والنَّكالِ.

الكهف 18:107

ثُمَّ بَيَّنَ ما لِمُقابِلِهِمْ مِنَ الحُسْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُـزُلا﴾ [١٠٨] ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ [الكهف: ١٠٨] . ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُـزُلا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ [الكهف: ١٠٨] أيْ: تَحَوُّلًا، لِبُلُوغِهِمُ الكَمالَ في نَعِيمِها. فَلا شَوْقَ لَهم فِيما وراءَها. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيها، وحُبِّهِمْ لَها. مَعَ أنَّهُ قَدْ يَتَوَهَّمُ، فِيمَن هو مُقِيمٌ في مَكانٍ دائِمًا، أنَّهُ يَسْأمُهُ أوْ يَمَلُّهُ. فَأخْبَرَ أنَّهُمْ، مَعَ هَذا الدَّوامِ والخُلُودِ السَّرْمَدِيِّ لا يَخْتارُونَ عَنْ مَقامِهِمْ مُتَحَوَّلًا.

الكهف 18:108

ثُمَّ بَيَّنَ ما لِمُقابِلِهِمْ مِنَ الحُسْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُـزُلا﴾ [١٠٨] ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ [الكهف: ١٠٨] . ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُـزُلا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ [الكهف: ١٠٨] أيْ: تَحَوُّلًا، لِبُلُوغِهِمُ الكَمالَ في نَعِيمِها. فَلا شَوْقَ لَهم فِيما وراءَها. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيها، وحُبِّهِمْ لَها. مَعَ أنَّهُ قَدْ يَتَوَهَّمُ، فِيمَن هو مُقِيمٌ في مَكانٍ دائِمًا، أنَّهُ يَسْأمُهُ أوْ يَمَلُّهُ. فَأخْبَرَ أنَّهُمْ، مَعَ هَذا الدَّوامِ والخُلُودِ السَّرْمَدِيِّ لا يَخْتارُونَ عَنْ مَقامِهِمْ مُتَحَوَّلًا.

الكهف 18:109

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٩] ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ . ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ أيْ: لِكِتابَتِها: ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ﴾ أيْ: مَعَ (p-٤١٢١)كَثْرَتِهِ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ: ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ أيْ: لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، فَلا تَنْفَدُ نَفادَ المُتَناهِي. قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي إضافَةِ (الكَلِماتِ) إلى اسْمِ الرَّبِّ، المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ في المَوْضِعَيْنِ، مِن تَفْخِيمِ المُضافِ وتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ ما لا يَخْفى. وإظْهارُ (البَحْرِ) و(الكَلِماتِ) في مَوْضِعِ الإضْمارِ، لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ أيْ: بِمِثْلِ البَحْرِ عَوْنًا وزِيادَةً، لَنَفِدَ أيْضًا. قالَ أبُو السُّعُودِ: كَلامٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ، جِيءَ بِهِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ، وتَصْدِيقِ مَدْلُولِهِ، مَعَ زِيادَةِ مُبالَغَةٍ وتَأْكِيدٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] تَنْبِيهٌ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ وكَما شاءَ. وأنَّ كَلِماتِهِ لا نِهايَةَ لَها. وقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ وهو يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ. وهو مَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ، وأئِمَّةِ السُّنَّةِ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ الكَلامِ، كالهاشِمِيَّةِ والكَرّامِيَّةِ وأصْحابِ أبِي مُعاذٍ. وطَوائِفَ غَيْرِ هَؤُلاءِ يَقُولُونَ: إنَّ الكَلامَ صِفَةُ ذاتٍ وفِعْلٍ، وهو يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ كَلامًا قائِمًا بِذاتِهِ. وهَذا هو المَعْقُولُ مِن صِفَةِ الكَلامِ لِكُلِّ مُتَكَلِّمٍ. فَكُلُّ حَيٍّ وُصِفَ بِالكَلامِ كالمَلائِكَةِ والبَشَرِ والجِنِّ وغَيْرِهِمْ، فَكَلامُهم لا بُدَّ أنْ يَقُومَ بِأنْفُسِهِمْ، وهم يَتَكَلَّمُونَ بِمَشِيئَتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ، والكَلامُ صِفَةُ كَمالٍ لا صِفَةُ نَقْصٍ. ومَن تَكَلَّمَ بِمَشِيئَةٍ أكْمَلَ مِمَّنْ لا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَةٍ. فَكَيْفَ يَتَّصِفُ المَخْلُوقُ بِصِفاتِ الكَمالِ دُونَ الخالِقِ؟ وأمّا الجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ فَيَقُولُونَ: لَيْسَ لَهُ كَلامٌ قائِمٌ بِذاتِهِ. بَلْ كَلامُهُ مَخْلُوقٌ (p-٤١٢٢)مُنْفَصِلٌ عَنْهُ. والكِلابِيَّةُ يَقُولُونَ: هو مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ، ولا يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ. والأشْعَرِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّ الكَلامَ مَعْنًى واحِدٌ لا يَتَبَعَّضُ ولا يَتَعَدَّدُ. وكُلُّ هَذِهِ أقْوالٌ باطِلَةٌ مُخالِفَةٌ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ، وإجْماعِ سَلَفِ الأُمَّةِ. مُبْتَدَعَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى أصْلٍ واحِدٍ. وهو قَوْلُهم إنَّ الرَّبَّ لا تَقُومُ بِهِ الأُمُورُ الِاخْتِيارِيَّةُ. فَلا يَقُومُ بِهِ كَلامٌ ولا فِعْلٌ بِاخْتِيارِهِ ومَشِيئَتِهِ. وهو أصْلٌ باطِلٌ مُخالِفٌ لِلنَّقْلِ والعَقْلِ. والقُرْآنُ الكَرِيمُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ في أكْثَرَ مِن مِائَةِ مَوْضِعٍ. وأمّا الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ فَلا يُمْكِنُ ضَبْطُها في هَذا البابِ. والصَّوابُ في هَذا البابِ وغَيْرِهِ، هو مَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها؟ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ وأنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ. وأنَّ كَلِماتِهِ لا نِهايَةَ لَها. وأنَّهُ نادى مُوسى بِصَوْتٍ سَمِعَهُ مُوسى. وإنَّما ناداهُ حِينَ أتى، لَمْ يُنادِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. وأنَّ صَوْتَ الرَّبِّ لا يُماثِلُ أصْواتَ العِبادِ، كَما أنَّ عِلْمَهُ لا يُماثِلُ عِلْمَهم وقُدْرَتَهُ لا تُماثِلُ قُدْرَتَهم. وأنَّهُ سُبْحانَهُ بائِنٌ عَنْ مَخْلُوقاتِهِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ. لَيْسَ في مَخْلُوقاتِهِ شَيْءٌ مِن ذاتِهِ وصِفاتِهِ القائِمَةِ بِذاتِهِ. ولا في ذاتِهِ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ. وأنَّ أقْوالَ أهْلِ التَّعْطِيلِ والِاتِّحادِ، الَّذِينَ عَطَّلُوا الذّاتَ والصِّفاتِ أوِ الكَلامَ أوِ الأفْعالَ، باطِلَةٌ. وأقْوالُ أهْلِ الحُلُولِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالحُلُولِ في الذّاتِ والصِّفاتِ، باطِلَةٌ. هَذا ما أفادَهُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والرِّضْوانُ. وقالَ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ الآيَةَ: كَلِماتُ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها. وهَذا تَسَلْسُلٌ جائِزٌ كالتَّسَلْسُلِ في المُسْتَقْبَلِ. فَإنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ دائِمٌ لا نَفادَ لَهُ. فَما مِن شَيْءٍ إلّا وبَعْدَهُ شَيْءٌ بِلا نِهايَةٍ.

الكهف 18:110

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٠] ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ . ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ والكافِرِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: خُصِّصْتُ بِالوَحْيِ وتَمَيَّزْتُ عَنْكم بِهِ ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو (p-٤١٢٣)لِقاءَ رَبِّهِ﴾ أيْ: يَخافُ المَصِيرَ إلَيْهِ، أوْ يَأْمُلُ لِقاءَهُ ورُؤْيَتَهُ، أوْ جَزاءَهُ الصّالِحَ وثَوابَهُ: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا﴾ أيْ: في نَفْسِهِ، لائِقًا بِذَلِكَ المَرْجُوِّ، وهو ما كانَ مُوافِقًا لِشَرْعِ اللَّهِ: ﴿ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ أيْ: مِن خَلْقِهِ إشْراكًا جَلِيًّا. كَما فَعَلَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ. ولا إشْراكًا خَفِيًّا. كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرِّياءِ، ومَن يَطْلُبُ بِهِ أجْرًا مِنَ المَدْحِ وتَحْصِيلِ المالِ والجاهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وإيثارُ وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في المَوْضِعَيْنِ، مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ العُنْوانِ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، ووُجُوبِ الِامْتِثالِ فِعْلًا وتَرْكًا. ودَلَّتِ الآيَةُ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - عَلى أنَّ لِلْعَمَلِ المُتَقَبَّلِ رُكْنَيْنِ: كَوْنُهُ مُوافِقًا شَرْعَ اللَّهِ المُنْزَلَ، ومُخْلَصًا أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ تَعالى، لا يُخْلَطُ بِهِ غَيْرُهُ. وتَسْمِيَةُ الرِّياءِ شِرْكًا أصْغَرَ، ثَبَتَ في السُّنَّةِ، وصَحَّ فِيها حُبُوطُ العَمَلِ بِالرِّياءِ. ودُخُولُ الرِّياءِ في الآيَةِ، بِاعْتِبارِ عُمُومِ مَعْناها، وإنْ كانَ السِّياقُ في الشِّرْكِ الجَلِيِّ، لِلْخِطابِ مَعَ الجاحِدِينَ. واللَّهُ تَعالى هو المُوَفِّقُ والمُعِينُ.

مريم 19:1

(p-٤١٢٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ مَرْيَمَ سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى نَبَئِها الخارِقِ. وقالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ قِصَّتَها تُشِيرُ إلى أنَّ مَنِ اعْتَزَلَ مِن أهْلِهِ لِعِبادَةِ اللَّهِ، وطَلَبَ بِها إشْراقَ نُورِهِ، يُرْجى أنْ يَكْشِفَ لَهُ عَنْ صِفاتِ الحَقِّ وعَنْ عالَمِ المَلَكُوتِ، وتَظْهَرُ لَهُ الكَراماتُ العَجِيبَةُ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. وهي مَكِّيَّةُ النُّزُولِ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها آيَةَ السَّجْدَةِ، وآيَةَ ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، في السِّيرَةِ، مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قِصَّةِ الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مِن مَكَّةَ، أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ. وآياتُها ثَمانٍ وتِسْعُونَ. (p-٤١٢٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿كهيعص﴾ [٢] ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ [مريم: ٢] [٣] ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] . ﴿كهيعص﴾ سَلَفَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الأحْرُفِ، المُبْتَدَأِ بِها. وأوْلى الأقْوالِ بِالصَّوابِ أنَّها أسْماءٌ لِلسُّورَةِ المُبْتَدَأِ بِها. وكَوْنُها خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أيْ: هَذا: ﴿كهيعص﴾ أيْ: مُسَمًّى بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ [مريم: ٢] مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ. أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ. أيْ: هَذا المَتْلُوُّ ذِكْرُها و(زَكَرِيّا) والِدُ يَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ. بَدَلٌ مِن (عَبْدِهِ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ. قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: ذِكْرُ اللَّهِ لَنا ما رَحِمَ بِهِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُقْتَضى كَمالِ رُبُوبِيَّتِهِ. فَأعْطاهُ ولَدًا كامِلًا في بابِ النُّبُوَّةِ. فَبَشَّرَهُ بِنَفْسِهِ تارَةً وبِمَلائِكَتِهِ أُخْرى. وتَوَلّى تَسْمِيَتَهُ ولَمْ يُشْرِكْ فِيها مَن تَقَدَّمَهُ. وذِكْرُها لَنا كَبِيرُ هِبَةٍ لَنا، في تَعْرِيفِ مَقامِ النُّبُوَّةِ، وقُدْرَةِ اللَّهِ وعِنايَتِهِ بِصَفْوَتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ظَرْفٌ لِـ (رَحْمَةِ) أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (زَكَرِيّا) والنِّداءُ في الأصْلِ رَفْعُ الصَّوْتِ وظُهُورُهُ. والمُرادُ بِهِ الدُّعاءُ. وقَدْ راعى أدَبَ الدُّعاءِ، وهو إخْفاؤُهُ، لِكَوْنِهِ أبْعَدَ عَنِ الرِّياءِ، وأدْخَلَ في الإخْلاصِ. ثُمَّ فَسَّرَ الدُّعاءَ بِقَوْلِهِ:

مريم 19:2

(p-٤١٢٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ مَرْيَمَ سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى نَبَئِها الخارِقِ. وقالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ قِصَّتَها تُشِيرُ إلى أنَّ مَنِ اعْتَزَلَ مِن أهْلِهِ لِعِبادَةِ اللَّهِ، وطَلَبَ بِها إشْراقَ نُورِهِ، يُرْجى أنْ يَكْشِفَ لَهُ عَنْ صِفاتِ الحَقِّ وعَنْ عالَمِ المَلَكُوتِ، وتَظْهَرُ لَهُ الكَراماتُ العَجِيبَةُ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. وهي مَكِّيَّةُ النُّزُولِ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها آيَةَ السَّجْدَةِ، وآيَةَ ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، في السِّيرَةِ، مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قِصَّةِ الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مِن مَكَّةَ، أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ. وآياتُها ثَمانٍ وتِسْعُونَ. (p-٤١٢٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿كهيعص﴾ [٢] ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ [مريم: ٢] [٣] ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] . ﴿كهيعص﴾ سَلَفَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الأحْرُفِ، المُبْتَدَأِ بِها. وأوْلى الأقْوالِ بِالصَّوابِ أنَّها أسْماءٌ لِلسُّورَةِ المُبْتَدَأِ بِها. وكَوْنُها خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أيْ: هَذا: ﴿كهيعص﴾ أيْ: مُسَمًّى بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ [مريم: ٢] مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ. أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ. أيْ: هَذا المَتْلُوُّ ذِكْرُها و(زَكَرِيّا) والِدُ يَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ. بَدَلٌ مِن (عَبْدِهِ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ. قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: ذِكْرُ اللَّهِ لَنا ما رَحِمَ بِهِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُقْتَضى كَمالِ رُبُوبِيَّتِهِ. فَأعْطاهُ ولَدًا كامِلًا في بابِ النُّبُوَّةِ. فَبَشَّرَهُ بِنَفْسِهِ تارَةً وبِمَلائِكَتِهِ أُخْرى. وتَوَلّى تَسْمِيَتَهُ ولَمْ يُشْرِكْ فِيها مَن تَقَدَّمَهُ. وذِكْرُها لَنا كَبِيرُ هِبَةٍ لَنا، في تَعْرِيفِ مَقامِ النُّبُوَّةِ، وقُدْرَةِ اللَّهِ وعِنايَتِهِ بِصَفْوَتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ظَرْفٌ لِـ (رَحْمَةِ) أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (زَكَرِيّا) والنِّداءُ في الأصْلِ رَفْعُ الصَّوْتِ وظُهُورُهُ. والمُرادُ بِهِ الدُّعاءُ. وقَدْ راعى أدَبَ الدُّعاءِ، وهو إخْفاؤُهُ، لِكَوْنِهِ أبْعَدَ عَنِ الرِّياءِ، وأدْخَلَ في الإخْلاصِ. ثُمَّ فَسَّرَ الدُّعاءَ بِقَوْلِهِ:

مريم 19:3

(p-٤١٢٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ مَرْيَمَ سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى نَبَئِها الخارِقِ. وقالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ قِصَّتَها تُشِيرُ إلى أنَّ مَنِ اعْتَزَلَ مِن أهْلِهِ لِعِبادَةِ اللَّهِ، وطَلَبَ بِها إشْراقَ نُورِهِ، يُرْجى أنْ يَكْشِفَ لَهُ عَنْ صِفاتِ الحَقِّ وعَنْ عالَمِ المَلَكُوتِ، وتَظْهَرُ لَهُ الكَراماتُ العَجِيبَةُ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. وهي مَكِّيَّةُ النُّزُولِ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها آيَةَ السَّجْدَةِ، وآيَةَ ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، في السِّيرَةِ، مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قِصَّةِ الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مِن مَكَّةَ، أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ. وآياتُها ثَمانٍ وتِسْعُونَ. (p-٤١٢٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿كهيعص﴾ [٢] ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ [مريم: ٢] [٣] ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] . ﴿كهيعص﴾ سَلَفَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الأحْرُفِ، المُبْتَدَأِ بِها. وأوْلى الأقْوالِ بِالصَّوابِ أنَّها أسْماءٌ لِلسُّورَةِ المُبْتَدَأِ بِها. وكَوْنُها خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أيْ: هَذا: ﴿كهيعص﴾ أيْ: مُسَمًّى بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ [مريم: ٢] مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ. أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ. أيْ: هَذا المَتْلُوُّ ذِكْرُها و(زَكَرِيّا) والِدُ يَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ. بَدَلٌ مِن (عَبْدِهِ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ. قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: ذِكْرُ اللَّهِ لَنا ما رَحِمَ بِهِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُقْتَضى كَمالِ رُبُوبِيَّتِهِ. فَأعْطاهُ ولَدًا كامِلًا في بابِ النُّبُوَّةِ. فَبَشَّرَهُ بِنَفْسِهِ تارَةً وبِمَلائِكَتِهِ أُخْرى. وتَوَلّى تَسْمِيَتَهُ ولَمْ يُشْرِكْ فِيها مَن تَقَدَّمَهُ. وذِكْرُها لَنا كَبِيرُ هِبَةٍ لَنا، في تَعْرِيفِ مَقامِ النُّبُوَّةِ، وقُدْرَةِ اللَّهِ وعِنايَتِهِ بِصَفْوَتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ظَرْفٌ لِـ (رَحْمَةِ) أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (زَكَرِيّا) والنِّداءُ في الأصْلِ رَفْعُ الصَّوْتِ وظُهُورُهُ. والمُرادُ بِهِ الدُّعاءُ. وقَدْ راعى أدَبَ الدُّعاءِ، وهو إخْفاؤُهُ، لِكَوْنِهِ أبْعَدَ عَنِ الرِّياءِ، وأدْخَلَ في الإخْلاصِ. ثُمَّ فَسَّرَ الدُّعاءَ بِقَوْلِهِ:

مريم 19:4

(p-٤١٢٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ . ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ أيْ: ضَعُفَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَ العَظْمَ لِأنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ. وبِهِ قِوامُهُ، وهو أصْلُ بِنائِهِ. فَإذا وهَنَ تَداعى وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ. ولِأنَّهُ أشَدُّ ما فِيهِ وأصْلَبُهُ. فَإذا وهِنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ. ووَحَّدَهُ، لِأنَّ الواحِدَ هو الدّالُّ عَلى مَعْنى الجِنْسِيَّةِ، المُنْبِئَةِ عَنْ شُمُولِ الوَهْنِ بِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ. وقُرِئَ: وهِنَ بِكَسْرِ الهاءِ وضَمِّها: ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شَبَّهَ الشَّيْبَ بِشُواظِ النّارِ في بَياضِهِ وإنارَتِهِ، وانْتِشارِهِ في الشَّعَرِ وفُشُوِّهِ فِيهِ، وأخْذِهِ مِنهُ كُلَّ مَأْخَذٍ -بِاشْتِعالِ النّارِ. ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ. ثُمَّ أسْنَدَ الِاشْتِعالَ إلى مَكانِ الشَّعَرِ ومَنبَتِهِ وهو الرَّأْسُ. وأخْرَجَ الشَّيْبَ مُمَيَّزًا ولَمْ يُضِفِ الرَّأْسَ اكْتِفاءً بِعِلْمِ المُخاطَبِ أنَّهُ رَأْسُ زَكَرِيّا. فَمِن ثَمَّ فَصِحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ وشُهِدَ لَها بِالبَلاغَةِ. وظاهِرُهُ أنَّ فِيهِ اسْتِعارَتَيْنِ مَبْنِيَّتَيْنِ عَلى تَشْبِيهَيْنِ: أُولاهُما تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ في (اشْتَعَلَ) بِتَشْبِيهِ انْتِشارِ المُبْيَضِّ في المُسْوَدِّ بِاشْتِعالِ النّارِ، كَما قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ في (مَقْصُورَتِهِ): ؎إمّا تَرىْ رَأْسِيَ حاكى لَوْنُهُ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيالِ الدُّجا ؎واشْتَعَلَ المُبْيَضُّ في مُسْوَدِّهِ ∗∗∗ مِثْلَ اشْتِعالِ النّارِ في جَزْلِ الغَضا والثّانِيَةُ مَكْنِيَّةٌ. بِتَشْبِيهِ الشَّيْبِ، في بَياضِهِ وإنارَتِهِ، بِاللَّهَبِ. وهَذا بِناءً عَلى أنَّ المَكْنِيَّةَ قَدْ تَنْفَكُّ عَنِ التَّخْيِيلِيَّةِ، وعَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ المَعانِي. وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِعارَةَ هُنا تَمْثِيلِيَّةٌ. فَشَبَّهَ حالَ الشَّيْبِ بِحالِ النّارِ، في بَياضِهِ وانْتِشارِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: ولَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ لَمْ أُعَوَّدْ مِنكَ إلّا الإجابَةَ في الدُّعاءِ، ولَمْ تَرُدَّنِي قَطُّ. وهَذا تَوَسُّلٌ مِنهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِما سَلَفَ لَهُ مَعَهُ مِن الِاسْتِجابَةِ، إثْرَ تَمْهِيدِ ما يَسْتَدْعِي (p-٤١٢٧)الرَّحْمَةَ ويَسْتَجْلِبُ الرَّأْفَةَ، مِن كِبَرِ السِّنِّ وضَعْفِ الحالِ. فَإنَّهُ تَعالى بَعْدَما عَوَّدَ عَبْدَهُ بِالإجابَةِ دَهْرًا طَوِيلًا. لا يَكادُ يُخَيِّبُهُ أبَدًا. لا سِيَّما عِنْدَ اضْطِرارِهِ وشَدَّةِ افْتِقارِهِ. تَنْبِيهٌ: اسْتُفِيدَ مِن هَذِهِ الآياتِ آدابُ الدُّعاءِ وما يُسْتَحَبُّ فِيهِ. فَمِنها الإسْرارُ بِالدُّعاءِ، لِقَوْلِهِ خَفِيًّا ومِنها اسْتِحْبابُ الخُضُوعِ في الدُّعاءِ وإظْهارُ الذُّلِّ والمَسْكَنَةِ والضَّعْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ومِنها التَّوَسُّلُ إلى اللَّهِ تَعالى بِنِعَمِهِ وعَوائِدِهِ الجَمِيلَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ﴾ إلَخْ كَما قَدَّمْنا.

مريم 19:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥] ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ [٦] ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦] . ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ أيِ: الَّذِينَ يَلُونَ أمْرَ رَهْطِي مِن بَعْدِ مَوْتِي، لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ أحَدٍ مِنهم لِأنْ يَخْلُفَنِي في القِيامِ بِما كُنْتُ أقُومُ بِهِ، مِنَ الإرْشادِ ووَعْظِ العِبادِ، وحِفْظِ آدابِ الدِّينِ. والتَّمَسُّكِ بِهَدْيِهِ المَتِينِ: ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ أيْ: لا تَلِدُ مِن حِينَ شَبابِها: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] أيْ: هَبْ لِي ولَدًا، يَلِي مِنَ الأمْرِ ما كُنْتُ إلَيْهِ وارِثًا، لِي ولِآلِ يَعْقُوبَ، في العِلْمِ والنُّبُوَّةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ إعْلامٌ بِأنَّهُ مِن مَحْضِ الفَضْلِ وخَرْقِ العادَةِ. لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ زَوْجِهِ لِلْحَمْلِ. وتَنْوِيهٌ بِهِ لِكَوْنِهِ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، وصادِرًا مِن عِنْدِهِ. و(آلُ يَعْقُوبَ) أوْلادُهُ الأنْبِياءُ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦] أيْ: مَرْضِيًّا عِنْدَكَ قَوْلًا وفِعْلًا.

مريم 19:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥] ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ [٦] ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦] . ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ أيِ: الَّذِينَ يَلُونَ أمْرَ رَهْطِي مِن بَعْدِ مَوْتِي، لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ أحَدٍ مِنهم لِأنْ يَخْلُفَنِي في القِيامِ بِما كُنْتُ أقُومُ بِهِ، مِنَ الإرْشادِ ووَعْظِ العِبادِ، وحِفْظِ آدابِ الدِّينِ. والتَّمَسُّكِ بِهَدْيِهِ المَتِينِ: ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ أيْ: لا تَلِدُ مِن حِينَ شَبابِها: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] أيْ: هَبْ لِي ولَدًا، يَلِي مِنَ الأمْرِ ما كُنْتُ إلَيْهِ وارِثًا، لِي ولِآلِ يَعْقُوبَ، في العِلْمِ والنُّبُوَّةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ إعْلامٌ بِأنَّهُ مِن مَحْضِ الفَضْلِ وخَرْقِ العادَةِ. لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ زَوْجِهِ لِلْحَمْلِ. وتَنْوِيهٌ بِهِ لِكَوْنِهِ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، وصادِرًا مِن عِنْدِهِ. و(آلُ يَعْقُوبَ) أوْلادُهُ الأنْبِياءُ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦] أيْ: مَرْضِيًّا عِنْدَكَ قَوْلًا وفِعْلًا.

مريم 19:7

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى اسْتِجابَةَ دُعاءِ زَكَرِيّا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (p-٤١٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧] ﴿يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ . ﴿يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أيْ: مِثْلًا وشَبِيهًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَلِدِ العَواقِرُ قَبْلَهُ مِثْلَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَعْصِ، ولَمْ يَهِمَّ بِمَعْصِيَةٍ قَطُّ.

مريم 19:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨] ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ . ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أيْ: حالَةً لا سَبِيلَ إلى إصْلاحِها ومُداواتِها. وقِيلَ: إلى رِياضَتِهِ. وهي الحالُ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ومِنَ العَناءِ رِياضَةُ الهَرَمِ قالَ الرّاغِبُ.

مريم 19:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩] ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أيْ: مِن إنْسانٍ ونُطْفَةٍ وعَلَقَةٍ وعَناصِرَ، ثُمَّ وُجِدْتَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ طَلَبَ أوَّلًا، وهو وامْرَأتُهُ عَلى صِفَةِ العِتِيِّ والعُقْرِ، فَلَمّا أُسْعِفَ بِطُلْبَتِهِ اسْتَبْعَدَ واسْتَعْجَبَ؟ قُلْتُ: لِيُجابَ بِما أُجِيبَ بِهِ، فَيَزْدادَ المُؤْمِنُونَ إيقانًا، ويَرْتَدِعَ المُبْطِلُونَ. وإلّا فَمُعْتَقَدُ زَكَرِيّا أوَّلًا وآخِرًا، كانَ في مِنهاجٍ واحِدٍ، هو أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الأسْبابِ. انْتَهى. (p-٤١٢٩)وقالَ أبُو السُّعُودِ: إنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ سَبْقِ دُعائِهِ بِذَلِكَ وقُوَّةِ يَقِينِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ لا سِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ لِلشَّواهِدِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، اسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَعْجِيبًا مِنها، واعْتِدادًا بِنِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ في ذَلِكَ، بِإظْهارِ أنَّهُ مِن مَحْضِ لُطْفِ اللَّهِ عَزَّ وعَلا وفَضْلِهِ. مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَحِيلَةِ عادَةً، لا اسْتِبْعادًا لَهُ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ اسْتِفْهامًا عَنْ كَيْفِيَّةِ حُدُوثِهِ. أيْ: أيَكُونُ الوَلَدُ ونَحْنُ كَذَلِكَ؟ فَقِيلَ: كَذَلِكَ. أيْ: يَكُونُ الوَلَدُ وأنْتُما كَذَلِكَ.

مريم 19:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠] ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ . ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى تَحَقُّقِ المَسْؤُولِ ووُقُوعِ الحَمْلِ، لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي: ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ أيْ: لا تَقْدِرُ عَلى تَكْلِيمِهِمْ، حالَ كَوْنِكَ سَوِيًّا، بِلا مَرَضٍ في بَدَنِكَ، ولا في لِسانِكَ. لَطِيفَةٌ: إنَّما ذَكَرَ اللَّيالِيَ هُنا، و(الأيّامَ) في آلِ عِمْرانَ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ المَنعُ مِن كَلامِ النّاسِ، والتَّجَرُّدُ لِلذِّكْرِ والشُّكْرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيها. والعَرَبُ تَتَجَوَّزُ أوْ تَكْتَفِي بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ. والنُّكْتَةُ في الِاكْتِفاءِ بِـ(اللَّيالِي) هُنا وبِـ(الأيّامِ) ثُمَّ، أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ سابِقَةُ النُّزُولِ. وتِلْكَ مَدَنِيَّةٌ. واللَّيالِي عِنْدَهم سابِقَةٌ عَلى الأيّامِ. لِأنَّ شُهُورَهم وسِنِيِّهِمْ قَمَرِيَّةٌ، إنَّما تَعْرِفُ بِالأهِلَّةِ. ولِذَلِكَ اعْتَبَرُوها، في التّارِيخِ، كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، فَأُعْطِيَ السّابِقُ لِلسّابِقِ.

مريم 19:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١] ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ . ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ أيْ: مُصَلّاهُ أوْ غُرْفَتُهُ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ أيْ: أشارَ إلَيْهِمْ رَمْزًا: ﴿أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أيْ: صَلُّوا لِلَّهِ طَرَفَيِ النَّهارِ،

مريم 19:12

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤١٣٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢] ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ . ﴿يا يَحْيى﴾ اسْتِئْنافٌ، طَوى قَلْبَهُ جُمَلٌ كَثِيرَةٌ، مُسارَعَةً إلى الإنْباءِ بِإنْجازِ الوَعْدِ الكَرِيمِ. وهو وُجُودُ هَذا الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، وتَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي كانُوا يَتَدارَسُونَها بَيْنَهُمْ، ويَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينِ هادُوا والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ، وقَدْ كانَ سِنُّهُ إذْ ذاكَ صَغِيرًا. فَلِهَذا نَوَّهَ بِذِكْرِهِ، وبِما أنْعَمَ عَلَيْهِ وعَلى والِدَيْهِ. أيْ: قُلْنا يا يَحْيى: ﴿خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ أيْ: تَعَلَّمِ التَّوْراةَ والعِلْمَ بِجِدٍّ وحِرْصٍ واجْتِهادٍ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أيِ: الحِكْمَةَ وفَهْمَ التَّوْراةِ والعِلْمَ والِاجْتِهادَ في الخَيْرِ، وهو صَبِيٌّ،

مريم 19:13

وقَوْلُهُ تَعالى: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣] ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾ [١٤] ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] . ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ أيْ: وآتَيْناهُ حَنانًا: وهو التَّحَنُّنُ والتَّعَطُّفُ والشَّفَقَةُ. وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ. أيْ: رَحْمَةً عَظِيمَةً يُشْفِقُ بِها عَلى الخَلْقِ. أوْ حَنانًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿وزَكاةً﴾ أيْ: طَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ، وعِصْمَةً بَلِيغَةً مِنها: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] أيْ: مُتَكَبِّرًا عاقًّا لَهُما، أوْ عاصِيًا لِرَبِّهِ.

مريم 19:14

وقَوْلُهُ تَعالى: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣] ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾ [١٤] ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] . ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ أيْ: وآتَيْناهُ حَنانًا: وهو التَّحَنُّنُ والتَّعَطُّفُ والشَّفَقَةُ. وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ. أيْ: رَحْمَةً عَظِيمَةً يُشْفِقُ بِها عَلى الخَلْقِ. أوْ حَنانًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿وزَكاةً﴾ أيْ: طَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ، وعِصْمَةً بَلِيغَةً مِنها: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] أيْ: مُتَكَبِّرًا عاقًّا لَهُما، أوْ عاصِيًا لِرَبِّهِ.

مريم 19:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥] ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ . ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أيْ: لِيَسْتَقْبِلَ النَّعِيمَ الأبَدِيَّ. و(السَّلامُ) بِمَعْنى السَّلامَةِ والأمانِ مِنَ الآفاتِ. وفِيهِ مَعْنى التَّحِيَّةِ والتَّشْرِيفِ. (p-٤١٣١)وفِي ذِكْرِ الأحْوالِ الثَّلاثِ، زِيادَةٌ في العِنايَةِ بِهِ، صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

مريم 19:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦] ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ . ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾ أيِ: القُرْآنِ: ﴿مَرْيَمَ﴾ أيْ: نَبَأها: ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ أيِ: اعْتَزَلَتْ وانْفَرَدَتْ: ﴿مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ أيْ: شَرْقِيَّ بَيْتِ المَقْدِسِ. لِئَلّا يَشْغَلُوها عَنِ العِبادَةِ.

مريم 19:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧] ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ . ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أيْ: لِئَلّا تَحْجُبَها رُؤْيَةُ الخَلْقِ عَنْ أنْوارِ الحَقِّ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ أيْ: جِبْرِيلُ المَنسُوبُ إلى مَقامِ عَظَمَتِنا، لِغايَةِ كَمالِهِ، لِيَنْفُخَ فِيها: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها﴾ أيْ: فَتَصَوَّرَ لِرُؤْيَتِها: ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أيْ: سَوِيَّ الخَلْقِ، كامِلَ الصُّورَةِ.

مريم 19:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨] ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ . ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ﴾ أيْ: أعْتَصِمُ بِهِ مِنكَ. إنَّما خافَتْهُ لِانْفِرادِها في خَلْوَتِها، وظَنِّها أنَّهُ يُرِيدُها عَلى نَفْسِها. وفي ذَلِكَ مِنَ الوَرَعِ والعَفافِ ما لا غايَةَ وراءَهُ: ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أيْ: تَتَّقِي اللَّهَ تَعالى، وتُبالِي بِالِاسْتِعاذَةِ بِهِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ. أيْ: فَإنِّي عائِذَةٌ بِهِ. أوْ فَلا تَتَعَرَّضْ لِي. وإنَّما ذَكَّرَتْهُ بِاللَّهِ تَعالى، لِأنَّ المَشْرُوعَ في الدَّفْعِ أنْ يَكُونَ بِالأسْهَلِ فالأسْهَلِ. فَخَوَّفَتْهُ أوَّلًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

مريم 19:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩] ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ . ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ﴾ أيْ: لا تَخافِي ولا تَتَوَقَّعِي ما تَوَهَّمْتِ. فَإنِّي رَسُولُ رَبِّكِ (p-٤١٣٢)الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ، بَعَثَنِي إلَيْكِ: ﴿لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ أيْ: لِأكُونَ سَبَبًا في هِبَتِهِ. و(الزَّكِيُّ): الطّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ أوِ النّامِي عَلى الخَيْرِ.

مريم 19:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠] ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ . ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ أيْ: تَعَجَّبَتْ مِن هَذا وقالَتْ: كَيْفَ يَكُونُ لِي غُلامٌ، أيْ: عَلى أيِّ صِفَةٍ يُوجَدُ مِنِّي، ولَسْتُ بِذاتِ زَوْجٍ ولا يُتَصَوَّرُ مِنِّي الفُجُورُ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ المَسَّ عِبارَةٌ عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ، لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنْهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [المائدة: ٦] والزِّنى لَيْسَ كَذَلِكَ. إنَّما يُقالُ فِيهِ فَجَرَ بِها، وخَبُثَ بِها وما أشْبَهَ ذَلِكَ. ولَيْسَ بِقَمِنٍ أنْ تُراعى فِيهِ الكِناياتُ والآدابُ. وإنَّما اقْتَصَرَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عَلى قَوْلِهِ: ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، لِكَوْنِ هَذِهِ السُّورَةِ مُتَقَدِّمَةَ النُّزُولِ عَلَيْها. فَهي مَحَلُّ التَّفْصِيلِ. بِخِلافِ تِلْكَ. فَلِذا حَسُنَ الِاكْتِفاءُ فِيها. وقِيلَ: جَعَلَ المَسَّ ثَمَّ، كِنايَةً عَنْهُما، عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ. و(البَغِيُّ) الفاجِرَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ. ووَزْنُهُ (فُعُولٌ) ولِذا لَمْ تَلْحَقْهُ التّاءُ، لِأنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى فاعِلٍ كَصَبُورٍ. أوْ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، ولَمْ تَلْحَقْهُ التّاءُ لِأنَّهُ لِلْمُبالَغَةِ.

مريم 19:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢١] ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ . قالَ أيِ: المَلَكُ: ﴿كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: (p-٤١٣٣)بُرْهانًا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ بارِئِهِمْ وخالِقِهِمُ الَّذِي نَوَّعَ خَلْقَهم. فَخَلَقَ أباهم آدَمَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ولا أُنْثى. وخَلَقَ حَوّاءَ مِن ذَكَرٍ بِلا أُنْثى. وخَلَقَ بَقِيَّةَ الذُّرِّيَّةِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، إلّا عِيسى فَإنَّهُ أوْجَدَهُ مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ. فَتَمَّتِ القِسْمَةُ الرُّباعِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ سُلْطانِهِ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ: عَلَيْكِ بِهَذِهِ الكَرامَةِ، وعَلى قَوْمِكِ بِالهِدايَةِ والدُّعاءِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، فَيَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ ويَسْتَرْشِدُونَ بِإرْشادِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ جِبْرِيلَ لِمَرْيَمَ. يُخْبِرُها أنَّ هَذا أمْرٌ مُقَدَّرٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ ومَشِيئَتِهِ. أوْ مِن خَبَرِهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وأنَّهُ كَنّى بِهِ عَنِ النَّفْخِ في فَرْجِها. كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢] وقالَ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ [الأنبياء: ٩١]

مريم 19:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٢] ﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ . ﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ: لَمّا صارَتْ حامِلًا بِهِ، اعْتَزَلَتْ بِسَبَبِهِ مَكانًا بَعِيدًا مِن قَوْمِها، فِرارًا مِنَ القالَةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ أنَّ جِبْرِيلَ لَمّا قالَ لَها، عَنِ اللَّهِ تَعالى، ما قالَ، مِمّا تَقَدَّمَ اسْتَسْلَمَتْ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى فاطْمَأنَّتْ إلى قَوْلِهِ. فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها. فَسَرَتِ النَّفْخَةُ حَتّى ولَجَتْ في الفَرْجِ، فَحَمَلَتْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.

مريم 19:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣] ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ . ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أيْ: فَألْجَأها ألَمُ الوِلادَةِ إلى الِاسْتِنادِ بِالجِذْعِ (p-٤١٣٤)لِتَعْتَمِدَ عَلَيْهِ وتَسْتَتِرَ بِهِ. و(أجاءَ) -قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - مَنقُولٌ مِن (جاءَ) إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَغَيَّرَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ. وقُرِئَ (المِخاضُ) بِكَسْرِ المِيمِ وكِلاهُما مَصْدَرُ (مَخَضَتِ المَرْأةُ) إذا تَحَرَّكَ الوَلَدُ في بَطْنِها لِلْخُرُوجِ: ﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ أيِ: الحَمْلِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ أيْ: شَيْئًا تافِهًا، شَأْنُهُ أنْ يُنْسى ولا يُعْتَدَّ بِهِ. مَنسِيًّا لا يَخْطُرُ عَلى بالِ أحَدٍ. وهو نَعْتٌ لِلْمُبالَغَةِ. وإنَّما قالَتْ ذَلِكَ، لِما عَرَفَتْ أنَّها سَتُبْتَلى وتُمْتَحَنُ بِهَذا المَوْلُودِ، الَّذِي لا يَحْمِلُ النّاسُ أمْرَها فِيهِ عَلى السَّدادِ. فَلَحِقَها فَرْطُ الحَياءِ وخَوْفُ اللّائِمَةِ إذا بَهَتُوها وهي عارِفَةٌ بِبَراءَةِ السّاحَةِ، وبِضِدِّ ما قَرِفَتْ بِهِ، مِنِ اخْتِصاصِ اللَّهِ إيّاها بِغايَةِ الإجْلالِ والإكْرامِ -قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - لِأنَّهُ مَقامُ دَحْضٍ، قَلَّما تَثْبُتُ عَلَيْهِ الأقْدامُ، أنْ تَعْرِفَ اغْتِباطَكَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ وفَضْلٍ باهِرٍ، تَسْتَحِقُّ بِهِ المَدْحَ وتَسْتَوْجِبُ التَّعْظِيمَ، ثُمَّ تَراهُ عِنْدَ النّاسِ لِجَهْلِهِمْ بِهِ- عَيْبًا يُعابُ بِهِ ويُعَنَّفُ بِسَبَبِهِ.

مريم 19:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤] ﴿فَناداها مِن تَحْتِها ألا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ . ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ أيْ: مِن مَكانٍ أسْفَلَ مِنها، تَحْتَ أكَمَةٍ، وهو جِبْرِيلُ. وقِيلَ: هو عِيسى، وقُرِئَ (مَن) بِفَتْحِ المِيمِ مَوْصُولَةً: ﴿ألا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ أيْ: سَيِّدًا نَبِيلًا رَفِيعًا، وقِيلَ: نَهْرًا يَسْرِي.

مريم 19:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٥] ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ . ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ أيْ: حَضَرَ أوانُ اجْتِنائِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما كانَ حُزْنُها لِفَقْدِ الطَّعامِ والشَّرابِ حَتّى تَسَلّى بِالسَّرِيِّ والرُّطَبِ! قُلْتُ: لَمْ تَقَعِ التَّسْلِيَةُ بِهِما مِن حَيْثُ إنَّهُما طَعامٌ وشَرابٌ، ولَكِنْ مِن حَيْثُ إنَّهُما مُعْجِزَتانِ تُرِيانِ (p-٤١٣٥)النّاسَ أنَّها مِن أهْلِ العِصْمَةِ، والبُعْدِ مِنَ الرِّيبَةِ، وأمْنِ مِثْلِها، مِمّا قَرَفُوها بِهِ، بِمَعْزِلٍ. وأنَّ لَها أُمُورًا إلَهِيَّةً خارِجَةً عَنِ العاداتِ، خارِقَةً لِما ألِفُوا واعْتادُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّ وِلادَها مِن غَيْرِ فَحْلٍ لَيْسَ بِبِدَعٍ مِن شَأْنِها.

مريم 19:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦] ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ . ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾ أيْ: بِالكَمالِ والوَلَدِ المُبارَكِ، المَوْجُودِ بِالقُدْرَةِ، المَوْهُوبِ بِالعِنايَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: جَمَعْنا لَكِ في السَّرِيِّ والرُّطَبِ فائِدَتَيْنِ: إحْداهُما: الأكْلُ والشُّرْبُ والثّانِيَةُ سَلْوَةُ الصَّدْرِ، لِكَوْنِهِما مُعْجِزَتَيْنِ. وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾ أيْ: وطِيبِي نَفْسًا ولا تَغْتَمِّي. وارْفُضِي عَنْكِ ما أحْزَنَكِ وأهَمَّكِ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ أيْ: مِنَ المَحْجُوبِينَ عَنِ الحَقائِقِ بِظَواهِرِ الأسْبابِ، الَّذِينَ لا يَفْهَمُونَ قَوْلَكِ ولا يُصَدِّقُونَ بِحالِكِ. لِوُقُوفِهِمْ مَعَ العادَةِ واحْتِجابِهِمْ عَنْ نُورِ الحَقِّ. فَإذا سَألُوكِ: ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ أيْ: لا تُكَلِّمِيهِمْ في أمْرِكِ شَيْئًا. ولا تُمادِّيهِمْ فِيما لا يُمْكِنُهم قَبُولُهُ. وإنَّما أُمِرَتْ بِذَلِكَ لِكَراهَةِ مُجادَلَةِ السُّفَهاءِ، والِاكْتِفاءِ بِكَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. فَإنَّهُ نَصٌّ قاطِعٌ في بَراءَةِ ساحَتِها، فَقَوْلُهُ: ﴿صَوْمًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ﴾ إلَخْ تَفْسِيرٌ لِلنَّذْرِ بِذِكْرِ صِيغَتِهِ.

مريم 19:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧] ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ . ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ أيْ: عَظِيمًا مُنْكَرًا.

مريم 19:28

(p-٤١٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٨] ﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ . ﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَجْدِيدِ التَّعْبِيرِ، وتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ، وتَقْرِيرٌ لِكَوْنِ ما جاءَتْ بِهِ فَرِيًّا. وهارُونُ هو النَّبِيُّ الشَّهِيرُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَعْنُونَ أنَّها مِثْلُهُ في الصَّلاحِ. لِأنَّ الأخَ والأُخْتَ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المُشابِهِ كَثِيرًا.

مريم 19:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩] ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ . ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا﴾ مُنْكِرِينَ لِجَوابِها: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ ولَمْ يُعْهَدْ تَكْلِيمُ عاقِلٍ لِصَبِيٍّ في المَهْدِ.

مريم 19:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٠] ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [٣١] ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] . ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ أنْطَقَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ. أوَّلًا تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ في شَأْنِهِ وتَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى عَنِ الوَلَدِ، رَدًّا عَلى مَن يَزْعُمُ رُبُوبِيَّتَهُ ونُبُوَّتَهُ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيِ: الإنْجِيلَ: ﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] أيْ: كَثِيرَ الخَيْرِ حَيْثُما وُجِدْتُ. أُبَلِّغُ وحْيَ رَبِّي لِتَقْوِيمِ النُّفُوسِ وكَبْحِ الشَّهَواتِ والأخْذِ بِما هو مَناطُ السَّعاداتِ. والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الماضِي في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، إمّا بِاعْتِبارِ ما سَبَقَ في القَضاءِ المَحْتُومِ، أوْ جَعْلِ الآتِي، لا مَحالَةَ، كَأنَّهُ وُجِدَ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] أيْ: أمَرَنِي بِالعِبادَةِ وإنْفاقِ المالِ مُدَّةَ حَياتِي.

مريم 19:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٠] ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [٣١] ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] . ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ أنْطَقَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ. أوَّلًا تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ في شَأْنِهِ وتَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى عَنِ الوَلَدِ، رَدًّا عَلى مَن يَزْعُمُ رُبُوبِيَّتَهُ ونُبُوَّتَهُ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيِ: الإنْجِيلَ: ﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] أيْ: كَثِيرَ الخَيْرِ حَيْثُما وُجِدْتُ. أُبَلِّغُ وحْيَ رَبِّي لِتَقْوِيمِ النُّفُوسِ وكَبْحِ الشَّهَواتِ والأخْذِ بِما هو مَناطُ السَّعاداتِ. والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الماضِي في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، إمّا بِاعْتِبارِ ما سَبَقَ في القَضاءِ المَحْتُومِ، أوْ جَعْلِ الآتِي، لا مَحالَةَ، كَأنَّهُ وُجِدَ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] أيْ: أمَرَنِي بِالعِبادَةِ وإنْفاقِ المالِ مُدَّةَ حَياتِي.

مريم 19:32

(p-٤١٣٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ [٣٣] ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] [٣٤] ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] [٣٥] ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] [٣٦] ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] . ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ أيْ: مُسْتَكْبِرًا عَنْ طاعَتِهِ وأمْرِهِ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] ﴿ذَلِكَ﴾ [مريم: ٣٤] أيِ: الَّذِي فُصِّلَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ وخَصائِصُهُ الباهِرَةُ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ أيْ: لا ما يَصِفُهُ بِهِ النَّصارى. وهو تَكْذِيبٌ لَهُمْ، فِيما يَزْعُمُونَهُ، عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ والمِنهاجِ البُرْهانِيِّ. حَيْثُ جَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِأضْدادِ ما يَصِفُونَهُ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] أيْ: ومَن هَذا شَأْنُهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ؟ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] ثُمَّ أشارَ إلى تَتِمَّةِ كَلامِ عِيسى مِنَ الأمْرِ بِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] أيْ: قَوِيمٌ. مَنِ اتَّبَعَهُ رُشِدَ وهُدِيَ. ومَن خالَفَهُ ضَلَّ وغَوى. (p-٤١٣٨)تَنْبِيهاتٌ في فَوائِدِ هَذِهِ القِصَّةِ: الأوَّلُ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ أوْجَدَ مِنهُ في حالِ كِبَرِهِ وعُقْمِ زَوْجَتِهِ، ولَدًا زَكِيًّا طاهِرًا مُبارَكًا، عَطَفَ بِذِكْرِ قِصَّةِ مَرْيَمَ في إيجادِ ولَدِها عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مِنها مِن غَيْرِ أبٍ. فَإنَّ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ مُناسَبَةً ومُشابَهَةً. ولِهَذا ذَكَرَهُما في آلِ عِمْرانَ، وهَهُنا، وفي سُورَةِ الأنْبِياءِ. يَقْرِنُ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ لِتَقارُبِ ما بَيْنَهُما في المَعْنى، لِيَدُلَّ عِبادَهُ عَلى قُدْرَتِهِ وعَظَمَةِ سُلْطانِهِ. وأنَّهُ عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ. ومَرْيَمُ هي بِنْتُ عِمْرانَ. مِن بَيْتٍ طاهِرٍ طَيِّبٍ في بَنِي إسْرائِيلَ. وقَدْ ذَكَرَ تَعالى وِلادَةَ أُمِّها لَها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وأنَّها نَذَرَتْها مُحَرَّرَةً لِلْعِبادَةِ. وأنَّهُ تَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا فَنَشَأتْ في بَنِي إسْرائِيلَ نَشْأةً عَظِيمَةً. فَكانَتْ إحْدى النّاسِكاتِ المُتَبَتِّلاتِ. وكانَتْ في كَفالَةِ زَكَرِيّا ورَأى لَها مِنَ الكَراماتِ ما بَهَرَهُ فَقَدْ كانَ يَجِدُ عِنْدَها كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ رِزْقًا. كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مريم: ١٧] مَن قالَ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى عَنْها: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ [مريم: ٢٣] عَلى جَوازِ تَمَنِّي المَنُونِ لِمِثْلِ تِلْكَ الحالِ. وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] عَلى التَّسَبُّبِ في الرِّزْقِ، وتَكَلُّفِ الكَسْبِ وإلَيْهِ أشارَ القائِلُ: ؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمَرْيَمَ وهُزِّي إلَيْكِ الجِذْعَ يَسّاقَطِ الرُّطَبْ ؎ولَوْ شاءَ أحَنى الجِذْعَ مِن غَيْرِ هَزِّهِ ∗∗∗ إلَيْها، ولَكِنْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبْ فِي الآيَةِ أصْلٌ لِما يَقُولُهُ الأطِبّاءُ، إنَّ الرُّطَبَ يَنْفَعُ النِّساءَ. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] بَعْدَ: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] عَلى أنَّ الحالِفَ (لا يَتَكَلَّمُ أوْ لا يُكَلِّمُ فُلانًا) لا يَحْنَثُ بِالإشارَةِ. وعَلى أنَّ السُّكُوتَ عَنِ السَّفِيهِ واجِبٌ، كَما اسْتَنْبَطَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: (p-٤١٣٩)ومَن أذَلَّ النّاسَ سَفِيهٌ لَمْ يَجِدْ مُسافِهًا. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] مَعْنى قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: مَن أشْبَهَ أباهُ فَما ظَلَمَ. وفِيهِ أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ارْتِكابَ الفَواحِشِ مِن أوْلادِ الصّالِحِينَ أفْحَشُ. الثّالِثُ: نَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ﴾ [مريم: ٣٣] إلَخْ أنَّ السَّلامَ عِبارَةٌ عَمّا يَحْصُلُ بِهِ الأمانُ. ومِنهُ السَّلامَةُ في النِّعَمِ وزَوالِ الآفاتِ. فَكَأنَّهُ سَألَ رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى فِعْلَهُ بِيَحْيى. ولا بُدَّ في الأنْبِياءِ مِن أنْ يَكُونُوا مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ. وأعْظَمُ أحْوالِ الإنْسانِ احْتِياجًا إلى السَّلامَةِ هي هَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ: وهي يَوْمُ الوِلادَةِ ويَوْمُ البَعْثِ. فَجَمِيعُ الأحْوالِ الَّتِي يَحْتاجُ فِيها إلى السَّلامَةِ واجْتِماعِ السَّعادَةِ مِن قَبْلِهِ تَعالى، طَلَبَها لِيَكُونَ مَصُونًا عَنِ الآفاتِ والمُخالَفاتِ في كُلِّ الأحْوالِ. الرّابِعُ: قالَ القاشانِيُّ: وإنَّما تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيَّ الخُلُقِ حَسَنَ الصُّورَةِ، لِتَتَأثَّرَ نَفْسُها بِهِ وتَسْتَأْنِسَ. فَتَتَحَرَّكُ عَلى مُقْتَضى الجِبِلَّةِ. ويَسْرِي الأثَرُ مِنَ الخَيالِ في الطَّبِيعَةِ. فَتَتَحَرَّكُ شَهْوَتُها فَتَنْزِلُ كَما يَقَعُ في المَنامِ مِن الِاحْتِلامِ وتَنْقَذِفُ نُطْفَتُها في الرَّحِمِ فَيَتَخَلَّقُ مِنهُ الوَلَدُ. وقَدْ مَرَّ أنَّ الوَحْيَ قَرِيبٌ مِنَ المَناماتِ الصّادِقَةِ، لِهَذْءِ القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ وتَعَطُّلِها عَنْ أفْعالِها عِنْدَهُ كَما في النَّوْمِ. فَكُلُّ ما يُرى في الخَيالِ مِنَ الأحْوالِ الوارِدَةِ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ المُسَمّاةِ في اصْطِلاحِنا قَلْبًا والِاتِّصالاتِ الَّتِي لَها بِالأرْواحِ القُدْسِيَّةِ، يَسْرِي في النَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ ويَنْفَعِلُ مِنهُ البَدَنُ. وإنَّما أمْكَنَ تَوَلُّدُ الوَلَدِ مِن نُطْفَةٍ واحِدَةٍ. لِأنَّهُ ثَبَتَ في العُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ أنَّ مَنِيَّ الذَّكَرِ في تَكَوُّنِ الوَلَدِ، بِمَنزِلَةِ الأنْفِحَةِ في الجُبْنِ. ومَنِيَّ الأُنْثى بِمَنزِلَةِ اللَّبَنِ، أيِ: العَقْدُ مِن مَنِيِّ الذَّكَرِ والِانْعِقادُ مِن مَنِيِّ الأُنْثى. لا عَلى مَعْنى أنَّ مَنِيَّ الذَّكَرِ يَنْفَرِدُ بِالقُوَّةِ العاقِدَةِ ومَنِيَّ الأُنْثى بِالقُوَّةِ المُنْعَقِدَةِ، بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ القُوَّةَ العاقِدَةَ في مَنِيِّ الذَّكَرِ أقْوى. والمُنْعَقِدَةَ في مَنِيِّ الأُنْثى أقْوى. وإلّا لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَتَّحِدا شَيْئًا واحِدًا. ولَمْ يَنْعَقِدْ مَنِيُّ الذَّكَرِ حَتّى يَصِيرَ جُزْءًا مِنَ الوَلَدِ. فَعَلى هَذا إذا (p-٤١٤٠)كانَ مِزاجُ الأُنْثى قَوِيًّا ذُكُورِيًّا، كَما تَكُونُ أمْزِجَةُ النِّساءِ الشَّرِيفَةِ النَّفْسِ القَوِيَّةِ القُوى، وكانَ مِزاجُ كَبِدِها حارًّا، كانَ المَنِيُّ المُنْفَصِلُ عَنْ كُلْيَتِها اليُمْنى أحَرَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِي يَنْفَصِلُ مِن كُلْيَتِها اليُسْرى. فَإذا اجْتَمَعا في الرَّحِمِ، كانَ مِزاجُ الرَّحِمِ قَوِيًّا في الإمْساكِ والجَذْبِ، قامَ المُنْفَصِلُ في الكُلْيَةِ اليُمْنى، مَقامَ الذَّكَرِ في شِدَّةِ قُوَّةِ العُقَدِ. والمُنْفَصِلُ مِنَ الكُلْيَةِ اليُسْرى مَقامَ مَنِيِّ الأُنْثى في قُوَّةِ الِانْعِقادِ، فَيَتَخَلَّقُ الوالِدُ هَذا. وخُصُوصًا إذا كانَتِ النَّفْسُ مُتَأيِّدَةً بِرُوحِ القُدُسِ، مُتَقَوِّيَةً، يَسْرِي أثَرُ اتِّصالِها بِهِ إلى الطَّبِيعَةِ والبَدَنِ، ويُغَيِّرُ المِزاجَ ويَمُدُّ جَمِيعَ القُوى في أفْعالِها بِالمَدِّ الرُّوحانِيِّ، فَيَصِيرُ أقْدَرَ عَلى أفْعالِها بِما لا يَنْضَبِطُ بِالقِياسِ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] في اللَّوْحِ مُقَدَّرًا في الأزَلِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فاطْمَأنَّتْ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ الدِّرْعِ، أيِ: البَدَنِ، وهو سَبَبُ إنْزالِها عَلى ما ذَكَرْنا. كالغُلْمَةِ مَثَلًا والمُعانَقَةِ الَّتِي كَثِيرًا ما تَصِيرُ سَبَبًا لِلْإنْزالِ. وقِيلَ: إنَّ الرُّوحَ المُتَمَثِّلَ لَها هو رُوحُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِهِ واتِّصالِها بِها وتَعَلُّقِهِ بِنُطْفَتِها. والحَقُّ أنَّهُ رُوحُ القُدُسِ. لِأنَّهُ كانَ السَّبَبَ الفاعِلِيَّ لِوُجُودِهِ كَما قالَ: ﴿لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] واتِّصالُ رُوحِ عِيسى بِالنُّطْفَةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ النُّطْفَةِ في الرَّحِمِ، واسْتِقْرارِها فِيهِ، رَيْثَما تَمْتَزِجُ وتَتَّحِدُ وتَقْبَلُ مِزاجًا صالِحًا لِقَبُولِ الرُّوحِ. انْتَهى. الخامِسُ: التَّمَثُّلُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَثَلِ. ومَعْناهُ التَّصَوُّرُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلَكَ يَتَشَكَّلُ بِشَكْلِ البَشَرِ. قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: تَمَثُّلُ جِبْرِيلَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أفْنى الزّائِدَ مِن خَلْقِهِ أوْ أزالَهُ عَنْهُ. لَمْ يُعِدْهُ إلَيْهِ بَعْدُ. وجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ: بِالإزالَةِ دُونَ الفَناءِ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ انْتِقالُها (p-٤١٤١)مُوجِبًا لِمَوْتِهِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَبْقى في الجَسَدِ حَيًّا. لِأنَّ مَوْتَ الجَسَدِ بِمُفارَقَةِ الرُّوحِ لَيْسَ بِواجِبٍ عَقْلًا، بَلْ بِعادَةٍ أجْراها اللَّهُ تَعالى في بَعْضِ خَلْقِهِ، ونَظِيرُهُ انْتِقالُ أرْواحِ الشُّهَداءِ إلى أجْوافِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ في الجَنَّةِ. وقالَ البَلْقِينِيُّ: ما ذَكَرَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ لا يَنْحَصِرُ الحالُ فِيهِ. بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الآتِي جِبْرِيلَ بِشَكْلِهِ الأصْلِيِّ. إلّا أنَّهُ انْضَمَّ فَصارَ عَلى قَدْرِ هَيْئَةِ الرَّجُلِ. وإذا تَرَكَ ذَلِكَ عادَ إلى هَيْئَتِهِ. ومِثالُ ذَلِكَ القُطْنُ، إذا جُمِعَ بَعْدَ أنْ كانَ مُنْتَفِشًا. فَإنَّهُ بِالنَّفْشِ يَحْصُلُ لَهُ صُورَةٌ كَبِيرَةٌ، وذاتُهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ. وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ. والحَقُّ أنَّ تَمَثُّلَ المَلَكِ رَجُلًا لَيْسَ مَعْناهُ أنَّ ذاتَهُ انْقَلَبَتْ رَجُلًا، بَلْ مَعْناهُ أنَّهُ ظَهَرَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ تَأْنِيسًا لِمَن يُخاطِبُهُ. الظّاهِرُ أيْضًا أنَّ القَدْرَ الزّائِدَ لا يَزُولُ ولا يَفْنى، بَلْ يَخْفى عَلى الرّائِي فَقَطْ. واللَّهُ أعْلَمُ. كَذا قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي. ولا يَخْفى أنَّ هَذا البَحْثَ مِنَ الرَّجْمِ بِالغَيْبِ، واقْتِفاءِ ما لَمْ يَحُطْ بِكُنْهِهِ. فالخَوْضُ فِيهِ عَبَثٌ يَنْتَهِي خائِضُهُ إلى حَيْثُ ابْتَدَأ. لِأنَّهُ مِن عالَمِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَصِلُ عِلْمُنا إلَيْهِ ولَنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ. ولَمْ يَرِدْ عَنِ المَعْصُومِ ﷺ فِيهِ نَصٌّ قاطِعٌ. وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ مِن شَأْنِنا أنْ نَبْحَثَ فِيهِ. فاعْرِفْ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَنْفَعُكَ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ. السّادِسُ: قالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُ كَلِمَةِ (عِيسى): يَسُوعُ. فَحَرَّفَهُ اليَهُودُ إلى (عَيْسُو) تَهَكُّمًا فَحَوَّلَهُ العَرَبُ إلى (عِيسى) تَشَبُّهًا بِاسْمِ مُوسى. ولِبَدَلِ الواوِ بِالألِفِ سَبَبٌ مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدِ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ، بَلْ والعَرَبِيَّةِ. انْتَهى.

مريم 19:33

(p-٤١٣٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ [٣٣] ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] [٣٤] ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] [٣٥] ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] [٣٦] ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] . ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ أيْ: مُسْتَكْبِرًا عَنْ طاعَتِهِ وأمْرِهِ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] ﴿ذَلِكَ﴾ [مريم: ٣٤] أيِ: الَّذِي فُصِّلَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ وخَصائِصُهُ الباهِرَةُ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ أيْ: لا ما يَصِفُهُ بِهِ النَّصارى. وهو تَكْذِيبٌ لَهُمْ، فِيما يَزْعُمُونَهُ، عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ والمِنهاجِ البُرْهانِيِّ. حَيْثُ جَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِأضْدادِ ما يَصِفُونَهُ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] أيْ: ومَن هَذا شَأْنُهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ؟ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] ثُمَّ أشارَ إلى تَتِمَّةِ كَلامِ عِيسى مِنَ الأمْرِ بِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] أيْ: قَوِيمٌ. مَنِ اتَّبَعَهُ رُشِدَ وهُدِيَ. ومَن خالَفَهُ ضَلَّ وغَوى. (p-٤١٣٨)تَنْبِيهاتٌ في فَوائِدِ هَذِهِ القِصَّةِ: الأوَّلُ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ أوْجَدَ مِنهُ في حالِ كِبَرِهِ وعُقْمِ زَوْجَتِهِ، ولَدًا زَكِيًّا طاهِرًا مُبارَكًا، عَطَفَ بِذِكْرِ قِصَّةِ مَرْيَمَ في إيجادِ ولَدِها عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مِنها مِن غَيْرِ أبٍ. فَإنَّ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ مُناسَبَةً ومُشابَهَةً. ولِهَذا ذَكَرَهُما في آلِ عِمْرانَ، وهَهُنا، وفي سُورَةِ الأنْبِياءِ. يَقْرِنُ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ لِتَقارُبِ ما بَيْنَهُما في المَعْنى، لِيَدُلَّ عِبادَهُ عَلى قُدْرَتِهِ وعَظَمَةِ سُلْطانِهِ. وأنَّهُ عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ. ومَرْيَمُ هي بِنْتُ عِمْرانَ. مِن بَيْتٍ طاهِرٍ طَيِّبٍ في بَنِي إسْرائِيلَ. وقَدْ ذَكَرَ تَعالى وِلادَةَ أُمِّها لَها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وأنَّها نَذَرَتْها مُحَرَّرَةً لِلْعِبادَةِ. وأنَّهُ تَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا فَنَشَأتْ في بَنِي إسْرائِيلَ نَشْأةً عَظِيمَةً. فَكانَتْ إحْدى النّاسِكاتِ المُتَبَتِّلاتِ. وكانَتْ في كَفالَةِ زَكَرِيّا ورَأى لَها مِنَ الكَراماتِ ما بَهَرَهُ فَقَدْ كانَ يَجِدُ عِنْدَها كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ رِزْقًا. كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مريم: ١٧] مَن قالَ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى عَنْها: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ [مريم: ٢٣] عَلى جَوازِ تَمَنِّي المَنُونِ لِمِثْلِ تِلْكَ الحالِ. وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] عَلى التَّسَبُّبِ في الرِّزْقِ، وتَكَلُّفِ الكَسْبِ وإلَيْهِ أشارَ القائِلُ: ؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمَرْيَمَ وهُزِّي إلَيْكِ الجِذْعَ يَسّاقَطِ الرُّطَبْ ؎ولَوْ شاءَ أحَنى الجِذْعَ مِن غَيْرِ هَزِّهِ ∗∗∗ إلَيْها، ولَكِنْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبْ فِي الآيَةِ أصْلٌ لِما يَقُولُهُ الأطِبّاءُ، إنَّ الرُّطَبَ يَنْفَعُ النِّساءَ. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] بَعْدَ: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] عَلى أنَّ الحالِفَ (لا يَتَكَلَّمُ أوْ لا يُكَلِّمُ فُلانًا) لا يَحْنَثُ بِالإشارَةِ. وعَلى أنَّ السُّكُوتَ عَنِ السَّفِيهِ واجِبٌ، كَما اسْتَنْبَطَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: (p-٤١٣٩)ومَن أذَلَّ النّاسَ سَفِيهٌ لَمْ يَجِدْ مُسافِهًا. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] مَعْنى قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: مَن أشْبَهَ أباهُ فَما ظَلَمَ. وفِيهِ أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ارْتِكابَ الفَواحِشِ مِن أوْلادِ الصّالِحِينَ أفْحَشُ. الثّالِثُ: نَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ﴾ [مريم: ٣٣] إلَخْ أنَّ السَّلامَ عِبارَةٌ عَمّا يَحْصُلُ بِهِ الأمانُ. ومِنهُ السَّلامَةُ في النِّعَمِ وزَوالِ الآفاتِ. فَكَأنَّهُ سَألَ رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى فِعْلَهُ بِيَحْيى. ولا بُدَّ في الأنْبِياءِ مِن أنْ يَكُونُوا مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ. وأعْظَمُ أحْوالِ الإنْسانِ احْتِياجًا إلى السَّلامَةِ هي هَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ: وهي يَوْمُ الوِلادَةِ ويَوْمُ البَعْثِ. فَجَمِيعُ الأحْوالِ الَّتِي يَحْتاجُ فِيها إلى السَّلامَةِ واجْتِماعِ السَّعادَةِ مِن قَبْلِهِ تَعالى، طَلَبَها لِيَكُونَ مَصُونًا عَنِ الآفاتِ والمُخالَفاتِ في كُلِّ الأحْوالِ. الرّابِعُ: قالَ القاشانِيُّ: وإنَّما تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيَّ الخُلُقِ حَسَنَ الصُّورَةِ، لِتَتَأثَّرَ نَفْسُها بِهِ وتَسْتَأْنِسَ. فَتَتَحَرَّكُ عَلى مُقْتَضى الجِبِلَّةِ. ويَسْرِي الأثَرُ مِنَ الخَيالِ في الطَّبِيعَةِ. فَتَتَحَرَّكُ شَهْوَتُها فَتَنْزِلُ كَما يَقَعُ في المَنامِ مِن الِاحْتِلامِ وتَنْقَذِفُ نُطْفَتُها في الرَّحِمِ فَيَتَخَلَّقُ مِنهُ الوَلَدُ. وقَدْ مَرَّ أنَّ الوَحْيَ قَرِيبٌ مِنَ المَناماتِ الصّادِقَةِ، لِهَذْءِ القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ وتَعَطُّلِها عَنْ أفْعالِها عِنْدَهُ كَما في النَّوْمِ. فَكُلُّ ما يُرى في الخَيالِ مِنَ الأحْوالِ الوارِدَةِ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ المُسَمّاةِ في اصْطِلاحِنا قَلْبًا والِاتِّصالاتِ الَّتِي لَها بِالأرْواحِ القُدْسِيَّةِ، يَسْرِي في النَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ ويَنْفَعِلُ مِنهُ البَدَنُ. وإنَّما أمْكَنَ تَوَلُّدُ الوَلَدِ مِن نُطْفَةٍ واحِدَةٍ. لِأنَّهُ ثَبَتَ في العُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ أنَّ مَنِيَّ الذَّكَرِ في تَكَوُّنِ الوَلَدِ، بِمَنزِلَةِ الأنْفِحَةِ في الجُبْنِ. ومَنِيَّ الأُنْثى بِمَنزِلَةِ اللَّبَنِ، أيِ: العَقْدُ مِن مَنِيِّ الذَّكَرِ والِانْعِقادُ مِن مَنِيِّ الأُنْثى. لا عَلى مَعْنى أنَّ مَنِيَّ الذَّكَرِ يَنْفَرِدُ بِالقُوَّةِ العاقِدَةِ ومَنِيَّ الأُنْثى بِالقُوَّةِ المُنْعَقِدَةِ، بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ القُوَّةَ العاقِدَةَ في مَنِيِّ الذَّكَرِ أقْوى. والمُنْعَقِدَةَ في مَنِيِّ الأُنْثى أقْوى. وإلّا لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَتَّحِدا شَيْئًا واحِدًا. ولَمْ يَنْعَقِدْ مَنِيُّ الذَّكَرِ حَتّى يَصِيرَ جُزْءًا مِنَ الوَلَدِ. فَعَلى هَذا إذا (p-٤١٤٠)كانَ مِزاجُ الأُنْثى قَوِيًّا ذُكُورِيًّا، كَما تَكُونُ أمْزِجَةُ النِّساءِ الشَّرِيفَةِ النَّفْسِ القَوِيَّةِ القُوى، وكانَ مِزاجُ كَبِدِها حارًّا، كانَ المَنِيُّ المُنْفَصِلُ عَنْ كُلْيَتِها اليُمْنى أحَرَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِي يَنْفَصِلُ مِن كُلْيَتِها اليُسْرى. فَإذا اجْتَمَعا في الرَّحِمِ، كانَ مِزاجُ الرَّحِمِ قَوِيًّا في الإمْساكِ والجَذْبِ، قامَ المُنْفَصِلُ في الكُلْيَةِ اليُمْنى، مَقامَ الذَّكَرِ في شِدَّةِ قُوَّةِ العُقَدِ. والمُنْفَصِلُ مِنَ الكُلْيَةِ اليُسْرى مَقامَ مَنِيِّ الأُنْثى في قُوَّةِ الِانْعِقادِ، فَيَتَخَلَّقُ الوالِدُ هَذا. وخُصُوصًا إذا كانَتِ النَّفْسُ مُتَأيِّدَةً بِرُوحِ القُدُسِ، مُتَقَوِّيَةً، يَسْرِي أثَرُ اتِّصالِها بِهِ إلى الطَّبِيعَةِ والبَدَنِ، ويُغَيِّرُ المِزاجَ ويَمُدُّ جَمِيعَ القُوى في أفْعالِها بِالمَدِّ الرُّوحانِيِّ، فَيَصِيرُ أقْدَرَ عَلى أفْعالِها بِما لا يَنْضَبِطُ بِالقِياسِ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] في اللَّوْحِ مُقَدَّرًا في الأزَلِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فاطْمَأنَّتْ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ الدِّرْعِ، أيِ: البَدَنِ، وهو سَبَبُ إنْزالِها عَلى ما ذَكَرْنا. كالغُلْمَةِ مَثَلًا والمُعانَقَةِ الَّتِي كَثِيرًا ما تَصِيرُ سَبَبًا لِلْإنْزالِ. وقِيلَ: إنَّ الرُّوحَ المُتَمَثِّلَ لَها هو رُوحُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِهِ واتِّصالِها بِها وتَعَلُّقِهِ بِنُطْفَتِها. والحَقُّ أنَّهُ رُوحُ القُدُسِ. لِأنَّهُ كانَ السَّبَبَ الفاعِلِيَّ لِوُجُودِهِ كَما قالَ: ﴿لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] واتِّصالُ رُوحِ عِيسى بِالنُّطْفَةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ النُّطْفَةِ في الرَّحِمِ، واسْتِقْرارِها فِيهِ، رَيْثَما تَمْتَزِجُ وتَتَّحِدُ وتَقْبَلُ مِزاجًا صالِحًا لِقَبُولِ الرُّوحِ. انْتَهى. الخامِسُ: التَّمَثُّلُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَثَلِ. ومَعْناهُ التَّصَوُّرُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلَكَ يَتَشَكَّلُ بِشَكْلِ البَشَرِ. قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: تَمَثُّلُ جِبْرِيلَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أفْنى الزّائِدَ مِن خَلْقِهِ أوْ أزالَهُ عَنْهُ. لَمْ يُعِدْهُ إلَيْهِ بَعْدُ. وجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ: بِالإزالَةِ دُونَ الفَناءِ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ انْتِقالُها (p-٤١٤١)مُوجِبًا لِمَوْتِهِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَبْقى في الجَسَدِ حَيًّا. لِأنَّ مَوْتَ الجَسَدِ بِمُفارَقَةِ الرُّوحِ لَيْسَ بِواجِبٍ عَقْلًا، بَلْ بِعادَةٍ أجْراها اللَّهُ تَعالى في بَعْضِ خَلْقِهِ، ونَظِيرُهُ انْتِقالُ أرْواحِ الشُّهَداءِ إلى أجْوافِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ في الجَنَّةِ. وقالَ البَلْقِينِيُّ: ما ذَكَرَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ لا يَنْحَصِرُ الحالُ فِيهِ. بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الآتِي جِبْرِيلَ بِشَكْلِهِ الأصْلِيِّ. إلّا أنَّهُ انْضَمَّ فَصارَ عَلى قَدْرِ هَيْئَةِ الرَّجُلِ. وإذا تَرَكَ ذَلِكَ عادَ إلى هَيْئَتِهِ. ومِثالُ ذَلِكَ القُطْنُ، إذا جُمِعَ بَعْدَ أنْ كانَ مُنْتَفِشًا. فَإنَّهُ بِالنَّفْشِ يَحْصُلُ لَهُ صُورَةٌ كَبِيرَةٌ، وذاتُهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ. وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ. والحَقُّ أنَّ تَمَثُّلَ المَلَكِ رَجُلًا لَيْسَ مَعْناهُ أنَّ ذاتَهُ انْقَلَبَتْ رَجُلًا، بَلْ مَعْناهُ أنَّهُ ظَهَرَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ تَأْنِيسًا لِمَن يُخاطِبُهُ. الظّاهِرُ أيْضًا أنَّ القَدْرَ الزّائِدَ لا يَزُولُ ولا يَفْنى، بَلْ يَخْفى عَلى الرّائِي فَقَطْ. واللَّهُ أعْلَمُ. كَذا قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي. ولا يَخْفى أنَّ هَذا البَحْثَ مِنَ الرَّجْمِ بِالغَيْبِ، واقْتِفاءِ ما لَمْ يَحُطْ بِكُنْهِهِ. فالخَوْضُ فِيهِ عَبَثٌ يَنْتَهِي خائِضُهُ إلى حَيْثُ ابْتَدَأ. لِأنَّهُ مِن عالَمِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَصِلُ عِلْمُنا إلَيْهِ ولَنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ. ولَمْ يَرِدْ عَنِ المَعْصُومِ ﷺ فِيهِ نَصٌّ قاطِعٌ. وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ مِن شَأْنِنا أنْ نَبْحَثَ فِيهِ. فاعْرِفْ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَنْفَعُكَ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ. السّادِسُ: قالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُ كَلِمَةِ (عِيسى): يَسُوعُ. فَحَرَّفَهُ اليَهُودُ إلى (عَيْسُو) تَهَكُّمًا فَحَوَّلَهُ العَرَبُ إلى (عِيسى) تَشَبُّهًا بِاسْمِ مُوسى. ولِبَدَلِ الواوِ بِالألِفِ سَبَبٌ مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدِ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ، بَلْ والعَرَبِيَّةِ. انْتَهى.

مريم 19:34

(p-٤١٣٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ [٣٣] ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] [٣٤] ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] [٣٥] ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] [٣٦] ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] . ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ أيْ: مُسْتَكْبِرًا عَنْ طاعَتِهِ وأمْرِهِ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] ﴿ذَلِكَ﴾ [مريم: ٣٤] أيِ: الَّذِي فُصِّلَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ وخَصائِصُهُ الباهِرَةُ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ أيْ: لا ما يَصِفُهُ بِهِ النَّصارى. وهو تَكْذِيبٌ لَهُمْ، فِيما يَزْعُمُونَهُ، عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ والمِنهاجِ البُرْهانِيِّ. حَيْثُ جَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِأضْدادِ ما يَصِفُونَهُ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] أيْ: ومَن هَذا شَأْنُهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ؟ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] ثُمَّ أشارَ إلى تَتِمَّةِ كَلامِ عِيسى مِنَ الأمْرِ بِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] أيْ: قَوِيمٌ. مَنِ اتَّبَعَهُ رُشِدَ وهُدِيَ. ومَن خالَفَهُ ضَلَّ وغَوى. (p-٤١٣٨)تَنْبِيهاتٌ في فَوائِدِ هَذِهِ القِصَّةِ: الأوَّلُ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ أوْجَدَ مِنهُ في حالِ كِبَرِهِ وعُقْمِ زَوْجَتِهِ، ولَدًا زَكِيًّا طاهِرًا مُبارَكًا، عَطَفَ بِذِكْرِ قِصَّةِ مَرْيَمَ في إيجادِ ولَدِها عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مِنها مِن غَيْرِ أبٍ. فَإنَّ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ مُناسَبَةً ومُشابَهَةً. ولِهَذا ذَكَرَهُما في آلِ عِمْرانَ، وهَهُنا، وفي سُورَةِ الأنْبِياءِ. يَقْرِنُ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ لِتَقارُبِ ما بَيْنَهُما في المَعْنى، لِيَدُلَّ عِبادَهُ عَلى قُدْرَتِهِ وعَظَمَةِ سُلْطانِهِ. وأنَّهُ عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ. ومَرْيَمُ هي بِنْتُ عِمْرانَ. مِن بَيْتٍ طاهِرٍ طَيِّبٍ في بَنِي إسْرائِيلَ. وقَدْ ذَكَرَ تَعالى وِلادَةَ أُمِّها لَها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وأنَّها نَذَرَتْها مُحَرَّرَةً لِلْعِبادَةِ. وأنَّهُ تَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا فَنَشَأتْ في بَنِي إسْرائِيلَ نَشْأةً عَظِيمَةً. فَكانَتْ إحْدى النّاسِكاتِ المُتَبَتِّلاتِ. وكانَتْ في كَفالَةِ زَكَرِيّا ورَأى لَها مِنَ الكَراماتِ ما بَهَرَهُ فَقَدْ كانَ يَجِدُ عِنْدَها كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ رِزْقًا. كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مريم: ١٧] مَن قالَ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى عَنْها: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ [مريم: ٢٣] عَلى جَوازِ تَمَنِّي المَنُونِ لِمِثْلِ تِلْكَ الحالِ. وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] عَلى التَّسَبُّبِ في الرِّزْقِ، وتَكَلُّفِ الكَسْبِ وإلَيْهِ أشارَ القائِلُ: ؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمَرْيَمَ وهُزِّي إلَيْكِ الجِذْعَ يَسّاقَطِ الرُّطَبْ ؎ولَوْ شاءَ أحَنى الجِذْعَ مِن غَيْرِ هَزِّهِ ∗∗∗ إلَيْها، ولَكِنْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبْ فِي الآيَةِ أصْلٌ لِما يَقُولُهُ الأطِبّاءُ، إنَّ الرُّطَبَ يَنْفَعُ النِّساءَ. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] بَعْدَ: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] عَلى أنَّ الحالِفَ (لا يَتَكَلَّمُ أوْ لا يُكَلِّمُ فُلانًا) لا يَحْنَثُ بِالإشارَةِ. وعَلى أنَّ السُّكُوتَ عَنِ السَّفِيهِ واجِبٌ، كَما اسْتَنْبَطَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: (p-٤١٣٩)ومَن أذَلَّ النّاسَ سَفِيهٌ لَمْ يَجِدْ مُسافِهًا. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] مَعْنى قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: مَن أشْبَهَ أباهُ فَما ظَلَمَ. وفِيهِ أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ارْتِكابَ الفَواحِشِ مِن أوْلادِ الصّالِحِينَ أفْحَشُ. الثّالِثُ: نَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ﴾ [مريم: ٣٣] إلَخْ أنَّ السَّلامَ عِبارَةٌ عَمّا يَحْصُلُ بِهِ الأمانُ. ومِنهُ السَّلامَةُ في النِّعَمِ وزَوالِ الآفاتِ. فَكَأنَّهُ سَألَ رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى فِعْلَهُ بِيَحْيى. ولا بُدَّ في الأنْبِياءِ مِن أنْ يَكُونُوا مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ. وأعْظَمُ أحْوالِ الإنْسانِ احْتِياجًا إلى السَّلامَةِ هي هَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ: وهي يَوْمُ الوِلادَةِ ويَوْمُ البَعْثِ. فَجَمِيعُ الأحْوالِ الَّتِي يَحْتاجُ فِيها إلى السَّلامَةِ واجْتِماعِ السَّعادَةِ مِن قَبْلِهِ تَعالى، طَلَبَها لِيَكُونَ مَصُونًا عَنِ الآفاتِ والمُخالَفاتِ في كُلِّ الأحْوالِ. الرّابِعُ: قالَ القاشانِيُّ: وإنَّما تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيَّ الخُلُقِ حَسَنَ الصُّورَةِ، لِتَتَأثَّرَ نَفْسُها بِهِ وتَسْتَأْنِسَ. فَتَتَحَرَّكُ عَلى مُقْتَضى الجِبِلَّةِ. ويَسْرِي الأثَرُ مِنَ الخَيالِ في الطَّبِيعَةِ. فَتَتَحَرَّكُ شَهْوَتُها فَتَنْزِلُ كَما يَقَعُ في المَنامِ مِن الِاحْتِلامِ وتَنْقَذِفُ نُطْفَتُها في الرَّحِمِ فَيَتَخَلَّقُ مِنهُ الوَلَدُ. وقَدْ مَرَّ أنَّ الوَحْيَ قَرِيبٌ مِنَ المَناماتِ الصّادِقَةِ، لِهَذْءِ القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ وتَعَطُّلِها عَنْ أفْعالِها عِنْدَهُ كَما في النَّوْمِ. فَكُلُّ ما يُرى في الخَيالِ مِنَ الأحْوالِ الوارِدَةِ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ المُسَمّاةِ في اصْطِلاحِنا قَلْبًا والِاتِّصالاتِ الَّتِي لَها بِالأرْواحِ القُدْسِيَّةِ، يَسْرِي في النَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ ويَنْفَعِلُ مِنهُ البَدَنُ. وإنَّما أمْكَنَ تَوَلُّدُ الوَلَدِ مِن نُطْفَةٍ واحِدَةٍ. لِأنَّهُ ثَبَتَ في العُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ أنَّ مَنِيَّ الذَّكَرِ في تَكَوُّنِ الوَلَدِ، بِمَنزِلَةِ الأنْفِحَةِ في الجُبْنِ. ومَنِيَّ الأُنْثى بِمَنزِلَةِ اللَّبَنِ، أيِ: العَقْدُ مِن مَنِيِّ الذَّكَرِ والِانْعِقادُ مِن مَنِيِّ الأُنْثى. لا عَلى مَعْنى أنَّ مَنِيَّ الذَّكَرِ يَنْفَرِدُ بِالقُوَّةِ العاقِدَةِ ومَنِيَّ الأُنْثى بِالقُوَّةِ المُنْعَقِدَةِ، بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ القُوَّةَ العاقِدَةَ في مَنِيِّ الذَّكَرِ أقْوى. والمُنْعَقِدَةَ في مَنِيِّ الأُنْثى أقْوى. وإلّا لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَتَّحِدا شَيْئًا واحِدًا. ولَمْ يَنْعَقِدْ مَنِيُّ الذَّكَرِ حَتّى يَصِيرَ جُزْءًا مِنَ الوَلَدِ. فَعَلى هَذا إذا (p-٤١٤٠)كانَ مِزاجُ الأُنْثى قَوِيًّا ذُكُورِيًّا، كَما تَكُونُ أمْزِجَةُ النِّساءِ الشَّرِيفَةِ النَّفْسِ القَوِيَّةِ القُوى، وكانَ مِزاجُ كَبِدِها حارًّا، كانَ المَنِيُّ المُنْفَصِلُ عَنْ كُلْيَتِها اليُمْنى أحَرَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِي يَنْفَصِلُ مِن كُلْيَتِها اليُسْرى. فَإذا اجْتَمَعا في الرَّحِمِ، كانَ مِزاجُ الرَّحِمِ قَوِيًّا في الإمْساكِ والجَذْبِ، قامَ المُنْفَصِلُ في الكُلْيَةِ اليُمْنى، مَقامَ الذَّكَرِ في شِدَّةِ قُوَّةِ العُقَدِ. والمُنْفَصِلُ مِنَ الكُلْيَةِ اليُسْرى مَقامَ مَنِيِّ الأُنْثى في قُوَّةِ الِانْعِقادِ، فَيَتَخَلَّقُ الوالِدُ هَذا. وخُصُوصًا إذا كانَتِ النَّفْسُ مُتَأيِّدَةً بِرُوحِ القُدُسِ، مُتَقَوِّيَةً، يَسْرِي أثَرُ اتِّصالِها بِهِ إلى الطَّبِيعَةِ والبَدَنِ، ويُغَيِّرُ المِزاجَ ويَمُدُّ جَمِيعَ القُوى في أفْعالِها بِالمَدِّ الرُّوحانِيِّ، فَيَصِيرُ أقْدَرَ عَلى أفْعالِها بِما لا يَنْضَبِطُ بِالقِياسِ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] في اللَّوْحِ مُقَدَّرًا في الأزَلِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فاطْمَأنَّتْ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ الدِّرْعِ، أيِ: البَدَنِ، وهو سَبَبُ إنْزالِها عَلى ما ذَكَرْنا. كالغُلْمَةِ مَثَلًا والمُعانَقَةِ الَّتِي كَثِيرًا ما تَصِيرُ سَبَبًا لِلْإنْزالِ. وقِيلَ: إنَّ الرُّوحَ المُتَمَثِّلَ لَها هو رُوحُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِهِ واتِّصالِها بِها وتَعَلُّقِهِ بِنُطْفَتِها. والحَقُّ أنَّهُ رُوحُ القُدُسِ. لِأنَّهُ كانَ السَّبَبَ الفاعِلِيَّ لِوُجُودِهِ كَما قالَ: ﴿لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] واتِّصالُ رُوحِ عِيسى بِالنُّطْفَةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ النُّطْفَةِ في الرَّحِمِ، واسْتِقْرارِها فِيهِ، رَيْثَما تَمْتَزِجُ وتَتَّحِدُ وتَقْبَلُ مِزاجًا صالِحًا لِقَبُولِ الرُّوحِ. انْتَهى. الخامِسُ: التَّمَثُّلُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَثَلِ. ومَعْناهُ التَّصَوُّرُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلَكَ يَتَشَكَّلُ بِشَكْلِ البَشَرِ. قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: تَمَثُّلُ جِبْرِيلَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أفْنى الزّائِدَ مِن خَلْقِهِ أوْ أزالَهُ عَنْهُ. لَمْ يُعِدْهُ إلَيْهِ بَعْدُ. وجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ: بِالإزالَةِ دُونَ الفَناءِ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ انْتِقالُها (p-٤١٤١)مُوجِبًا لِمَوْتِهِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَبْقى في الجَسَدِ حَيًّا. لِأنَّ مَوْتَ الجَسَدِ بِمُفارَقَةِ الرُّوحِ لَيْسَ بِواجِبٍ عَقْلًا، بَلْ بِعادَةٍ أجْراها اللَّهُ تَعالى في بَعْضِ خَلْقِهِ، ونَظِيرُهُ انْتِقالُ أرْواحِ الشُّهَداءِ إلى أجْوافِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ في الجَنَّةِ. وقالَ البَلْقِينِيُّ: ما ذَكَرَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ لا يَنْحَصِرُ الحالُ فِيهِ. بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الآتِي جِبْرِيلَ بِشَكْلِهِ الأصْلِيِّ. إلّا أنَّهُ انْضَمَّ فَصارَ عَلى قَدْرِ هَيْئَةِ الرَّجُلِ. وإذا تَرَكَ ذَلِكَ عادَ إلى هَيْئَتِهِ. ومِثالُ ذَلِكَ القُطْنُ، إذا جُمِعَ بَعْدَ أنْ كانَ مُنْتَفِشًا. فَإنَّهُ بِالنَّفْشِ يَحْصُلُ لَهُ صُورَةٌ كَبِيرَةٌ، وذاتُهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ. وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ. والحَقُّ أنَّ تَمَثُّلَ المَلَكِ رَجُلًا لَيْسَ مَعْناهُ أنَّ ذاتَهُ انْقَلَبَتْ رَجُلًا، بَلْ مَعْناهُ أنَّهُ ظَهَرَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ تَأْنِيسًا لِمَن يُخاطِبُهُ. الظّاهِرُ أيْضًا أنَّ القَدْرَ الزّائِدَ لا يَزُولُ ولا يَفْنى، بَلْ يَخْفى عَلى الرّائِي فَقَطْ. واللَّهُ أعْلَمُ. كَذا قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي. ولا يَخْفى أنَّ هَذا البَحْثَ مِنَ الرَّجْمِ بِالغَيْبِ، واقْتِفاءِ ما لَمْ يَحُطْ بِكُنْهِهِ. فالخَوْضُ فِيهِ عَبَثٌ يَنْتَهِي خائِضُهُ إلى حَيْثُ ابْتَدَأ. لِأنَّهُ مِن عالَمِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَصِلُ عِلْمُنا إلَيْهِ ولَنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ. ولَمْ يَرِدْ عَنِ المَعْصُومِ ﷺ فِيهِ نَصٌّ قاطِعٌ. وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ مِن شَأْنِنا أنْ نَبْحَثَ فِيهِ. فاعْرِفْ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَنْفَعُكَ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ. السّادِسُ: قالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُ كَلِمَةِ (عِيسى): يَسُوعُ. فَحَرَّفَهُ اليَهُودُ إلى (عَيْسُو) تَهَكُّمًا فَحَوَّلَهُ العَرَبُ إلى (عِيسى) تَشَبُّهًا بِاسْمِ مُوسى. ولِبَدَلِ الواوِ بِالألِفِ سَبَبٌ مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدِ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ، بَلْ والعَرَبِيَّةِ. انْتَهى.

مريم 19:35

(p-٤١٣٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ [٣٣] ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] [٣٤] ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] [٣٥] ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] [٣٦] ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] . ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ أيْ: مُسْتَكْبِرًا عَنْ طاعَتِهِ وأمْرِهِ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] ﴿ذَلِكَ﴾ [مريم: ٣٤] أيِ: الَّذِي فُصِّلَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ وخَصائِصُهُ الباهِرَةُ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ أيْ: لا ما يَصِفُهُ بِهِ النَّصارى. وهو تَكْذِيبٌ لَهُمْ، فِيما يَزْعُمُونَهُ، عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ والمِنهاجِ البُرْهانِيِّ. حَيْثُ جَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِأضْدادِ ما يَصِفُونَهُ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] أيْ: ومَن هَذا شَأْنُهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ؟ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] ثُمَّ أشارَ إلى تَتِمَّةِ كَلامِ عِيسى مِنَ الأمْرِ بِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] أيْ: قَوِيمٌ. مَنِ اتَّبَعَهُ رُشِدَ وهُدِيَ. ومَن خالَفَهُ ضَلَّ وغَوى. (p-٤١٣٨)تَنْبِيهاتٌ في فَوائِدِ هَذِهِ القِصَّةِ: الأوَّلُ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ أوْجَدَ مِنهُ في حالِ كِبَرِهِ وعُقْمِ زَوْجَتِهِ، ولَدًا زَكِيًّا طاهِرًا مُبارَكًا، عَطَفَ بِذِكْرِ قِصَّةِ مَرْيَمَ في إيجادِ ولَدِها عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مِنها مِن غَيْرِ أبٍ. فَإنَّ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ مُناسَبَةً ومُشابَهَةً. ولِهَذا ذَكَرَهُما في آلِ عِمْرانَ، وهَهُنا، وفي سُورَةِ الأنْبِياءِ. يَقْرِنُ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ لِتَقارُبِ ما بَيْنَهُما في المَعْنى، لِيَدُلَّ عِبادَهُ عَلى قُدْرَتِهِ وعَظَمَةِ سُلْطانِهِ. وأنَّهُ عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ. ومَرْيَمُ هي بِنْتُ عِمْرانَ. مِن بَيْتٍ طاهِرٍ طَيِّبٍ في بَنِي إسْرائِيلَ. وقَدْ ذَكَرَ تَعالى وِلادَةَ أُمِّها لَها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وأنَّها نَذَرَتْها مُحَرَّرَةً لِلْعِبادَةِ. وأنَّهُ تَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا فَنَشَأتْ في بَنِي إسْرائِيلَ نَشْأةً عَظِيمَةً. فَكانَتْ إحْدى النّاسِكاتِ المُتَبَتِّلاتِ. وكانَتْ في كَفالَةِ زَكَرِيّا ورَأى لَها مِنَ الكَراماتِ ما بَهَرَهُ فَقَدْ كانَ يَجِدُ عِنْدَها كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ رِزْقًا. كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مريم: ١٧] مَن قالَ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى عَنْها: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ [مريم: ٢٣] عَلى جَوازِ تَمَنِّي المَنُونِ لِمِثْلِ تِلْكَ الحالِ. وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] عَلى التَّسَبُّبِ في الرِّزْقِ، وتَكَلُّفِ الكَسْبِ وإلَيْهِ أشارَ القائِلُ: ؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمَرْيَمَ وهُزِّي إلَيْكِ الجِذْعَ يَسّاقَطِ الرُّطَبْ ؎ولَوْ شاءَ أحَنى الجِذْعَ مِن غَيْرِ هَزِّهِ ∗∗∗ إلَيْها، ولَكِنْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبْ فِي الآيَةِ أصْلٌ لِما يَقُولُهُ الأطِبّاءُ، إنَّ الرُّطَبَ يَنْفَعُ النِّساءَ. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] بَعْدَ: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] عَلى أنَّ الحالِفَ (لا يَتَكَلَّمُ أوْ لا يُكَلِّمُ فُلانًا) لا يَحْنَثُ بِالإشارَةِ. وعَلى أنَّ السُّكُوتَ عَنِ السَّفِيهِ واجِبٌ، كَما اسْتَنْبَطَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: (p-٤١٣٩)ومَن أذَلَّ النّاسَ سَفِيهٌ لَمْ يَجِدْ مُسافِهًا. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] مَعْنى قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: مَن أشْبَهَ أباهُ فَما ظَلَمَ. وفِيهِ أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ارْتِكابَ الفَواحِشِ مِن أوْلادِ الصّالِحِينَ أفْحَشُ. الثّالِثُ: نَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ﴾ [مريم: ٣٣] إلَخْ أنَّ السَّلامَ عِبارَةٌ عَمّا يَحْصُلُ بِهِ الأمانُ. ومِنهُ السَّلامَةُ في النِّعَمِ وزَوالِ الآفاتِ. فَكَأنَّهُ سَألَ رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى فِعْلَهُ بِيَحْيى. ولا بُدَّ في الأنْبِياءِ مِن أنْ يَكُونُوا مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ. وأعْظَمُ أحْوالِ الإنْسانِ احْتِياجًا إلى السَّلامَةِ هي هَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ: وهي يَوْمُ الوِلادَةِ ويَوْمُ البَعْثِ. فَجَمِيعُ الأحْوالِ الَّتِي يَحْتاجُ فِيها إلى السَّلامَةِ واجْتِماعِ السَّعادَةِ مِن قَبْلِهِ تَعالى، طَلَبَها لِيَكُونَ مَصُونًا عَنِ الآفاتِ والمُخالَفاتِ في كُلِّ الأحْوالِ. الرّابِعُ: قالَ القاشانِيُّ: وإنَّما تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيَّ الخُلُقِ حَسَنَ الصُّورَةِ، لِتَتَأثَّرَ نَفْسُها بِهِ وتَسْتَأْنِسَ. فَتَتَحَرَّكُ عَلى مُقْتَضى الجِبِلَّةِ. ويَسْرِي الأثَرُ مِنَ الخَيالِ في الطَّبِيعَةِ. فَتَتَحَرَّكُ شَهْوَتُها فَتَنْزِلُ كَما يَقَعُ في المَنامِ مِن الِاحْتِلامِ وتَنْقَذِفُ نُطْفَتُها في الرَّحِمِ فَيَتَخَلَّقُ مِنهُ الوَلَدُ. وقَدْ مَرَّ أنَّ الوَحْيَ قَرِيبٌ مِنَ المَناماتِ الصّادِقَةِ، لِهَذْءِ القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ وتَعَطُّلِها عَنْ أفْعالِها عِنْدَهُ كَما في النَّوْمِ. فَكُلُّ ما يُرى في الخَيالِ مِنَ الأحْوالِ الوارِدَةِ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ المُسَمّاةِ في اصْطِلاحِنا قَلْبًا والِاتِّصالاتِ الَّتِي لَها بِالأرْواحِ القُدْسِيَّةِ، يَسْرِي في النَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ ويَنْفَعِلُ مِنهُ البَدَنُ. وإنَّما أمْكَنَ تَوَلُّدُ الوَلَدِ مِن نُطْفَةٍ واحِدَةٍ. لِأنَّهُ ثَبَتَ في العُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ أنَّ مَنِيَّ الذَّكَرِ في تَكَوُّنِ الوَلَدِ، بِمَنزِلَةِ الأنْفِحَةِ في الجُبْنِ. ومَنِيَّ الأُنْثى بِمَنزِلَةِ اللَّبَنِ، أيِ: العَقْدُ مِن مَنِيِّ الذَّكَرِ والِانْعِقادُ مِن مَنِيِّ الأُنْثى. لا عَلى مَعْنى أنَّ مَنِيَّ الذَّكَرِ يَنْفَرِدُ بِالقُوَّةِ العاقِدَةِ ومَنِيَّ الأُنْثى بِالقُوَّةِ المُنْعَقِدَةِ، بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ القُوَّةَ العاقِدَةَ في مَنِيِّ الذَّكَرِ أقْوى. والمُنْعَقِدَةَ في مَنِيِّ الأُنْثى أقْوى. وإلّا لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَتَّحِدا شَيْئًا واحِدًا. ولَمْ يَنْعَقِدْ مَنِيُّ الذَّكَرِ حَتّى يَصِيرَ جُزْءًا مِنَ الوَلَدِ. فَعَلى هَذا إذا (p-٤١٤٠)كانَ مِزاجُ الأُنْثى قَوِيًّا ذُكُورِيًّا، كَما تَكُونُ أمْزِجَةُ النِّساءِ الشَّرِيفَةِ النَّفْسِ القَوِيَّةِ القُوى، وكانَ مِزاجُ كَبِدِها حارًّا، كانَ المَنِيُّ المُنْفَصِلُ عَنْ كُلْيَتِها اليُمْنى أحَرَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِي يَنْفَصِلُ مِن كُلْيَتِها اليُسْرى. فَإذا اجْتَمَعا في الرَّحِمِ، كانَ مِزاجُ الرَّحِمِ قَوِيًّا في الإمْساكِ والجَذْبِ، قامَ المُنْفَصِلُ في الكُلْيَةِ اليُمْنى، مَقامَ الذَّكَرِ في شِدَّةِ قُوَّةِ العُقَدِ. والمُنْفَصِلُ مِنَ الكُلْيَةِ اليُسْرى مَقامَ مَنِيِّ الأُنْثى في قُوَّةِ الِانْعِقادِ، فَيَتَخَلَّقُ الوالِدُ هَذا. وخُصُوصًا إذا كانَتِ النَّفْسُ مُتَأيِّدَةً بِرُوحِ القُدُسِ، مُتَقَوِّيَةً، يَسْرِي أثَرُ اتِّصالِها بِهِ إلى الطَّبِيعَةِ والبَدَنِ، ويُغَيِّرُ المِزاجَ ويَمُدُّ جَمِيعَ القُوى في أفْعالِها بِالمَدِّ الرُّوحانِيِّ، فَيَصِيرُ أقْدَرَ عَلى أفْعالِها بِما لا يَنْضَبِطُ بِالقِياسِ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] في اللَّوْحِ مُقَدَّرًا في الأزَلِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فاطْمَأنَّتْ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ الدِّرْعِ، أيِ: البَدَنِ، وهو سَبَبُ إنْزالِها عَلى ما ذَكَرْنا. كالغُلْمَةِ مَثَلًا والمُعانَقَةِ الَّتِي كَثِيرًا ما تَصِيرُ سَبَبًا لِلْإنْزالِ. وقِيلَ: إنَّ الرُّوحَ المُتَمَثِّلَ لَها هو رُوحُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِهِ واتِّصالِها بِها وتَعَلُّقِهِ بِنُطْفَتِها. والحَقُّ أنَّهُ رُوحُ القُدُسِ. لِأنَّهُ كانَ السَّبَبَ الفاعِلِيَّ لِوُجُودِهِ كَما قالَ: ﴿لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] واتِّصالُ رُوحِ عِيسى بِالنُّطْفَةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ النُّطْفَةِ في الرَّحِمِ، واسْتِقْرارِها فِيهِ، رَيْثَما تَمْتَزِجُ وتَتَّحِدُ وتَقْبَلُ مِزاجًا صالِحًا لِقَبُولِ الرُّوحِ. انْتَهى. الخامِسُ: التَّمَثُّلُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَثَلِ. ومَعْناهُ التَّصَوُّرُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلَكَ يَتَشَكَّلُ بِشَكْلِ البَشَرِ. قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: تَمَثُّلُ جِبْرِيلَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أفْنى الزّائِدَ مِن خَلْقِهِ أوْ أزالَهُ عَنْهُ. لَمْ يُعِدْهُ إلَيْهِ بَعْدُ. وجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ: بِالإزالَةِ دُونَ الفَناءِ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ انْتِقالُها (p-٤١٤١)مُوجِبًا لِمَوْتِهِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَبْقى في الجَسَدِ حَيًّا. لِأنَّ مَوْتَ الجَسَدِ بِمُفارَقَةِ الرُّوحِ لَيْسَ بِواجِبٍ عَقْلًا، بَلْ بِعادَةٍ أجْراها اللَّهُ تَعالى في بَعْضِ خَلْقِهِ، ونَظِيرُهُ انْتِقالُ أرْواحِ الشُّهَداءِ إلى أجْوافِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ في الجَنَّةِ. وقالَ البَلْقِينِيُّ: ما ذَكَرَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ لا يَنْحَصِرُ الحالُ فِيهِ. بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الآتِي جِبْرِيلَ بِشَكْلِهِ الأصْلِيِّ. إلّا أنَّهُ انْضَمَّ فَصارَ عَلى قَدْرِ هَيْئَةِ الرَّجُلِ. وإذا تَرَكَ ذَلِكَ عادَ إلى هَيْئَتِهِ. ومِثالُ ذَلِكَ القُطْنُ، إذا جُمِعَ بَعْدَ أنْ كانَ مُنْتَفِشًا. فَإنَّهُ بِالنَّفْشِ يَحْصُلُ لَهُ صُورَةٌ كَبِيرَةٌ، وذاتُهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ. وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ. والحَقُّ أنَّ تَمَثُّلَ المَلَكِ رَجُلًا لَيْسَ مَعْناهُ أنَّ ذاتَهُ انْقَلَبَتْ رَجُلًا، بَلْ مَعْناهُ أنَّهُ ظَهَرَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ تَأْنِيسًا لِمَن يُخاطِبُهُ. الظّاهِرُ أيْضًا أنَّ القَدْرَ الزّائِدَ لا يَزُولُ ولا يَفْنى، بَلْ يَخْفى عَلى الرّائِي فَقَطْ. واللَّهُ أعْلَمُ. كَذا قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي. ولا يَخْفى أنَّ هَذا البَحْثَ مِنَ الرَّجْمِ بِالغَيْبِ، واقْتِفاءِ ما لَمْ يَحُطْ بِكُنْهِهِ. فالخَوْضُ فِيهِ عَبَثٌ يَنْتَهِي خائِضُهُ إلى حَيْثُ ابْتَدَأ. لِأنَّهُ مِن عالَمِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَصِلُ عِلْمُنا إلَيْهِ ولَنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ. ولَمْ يَرِدْ عَنِ المَعْصُومِ ﷺ فِيهِ نَصٌّ قاطِعٌ. وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ مِن شَأْنِنا أنْ نَبْحَثَ فِيهِ. فاعْرِفْ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَنْفَعُكَ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ. السّادِسُ: قالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُ كَلِمَةِ (عِيسى): يَسُوعُ. فَحَرَّفَهُ اليَهُودُ إلى (عَيْسُو) تَهَكُّمًا فَحَوَّلَهُ العَرَبُ إلى (عِيسى) تَشَبُّهًا بِاسْمِ مُوسى. ولِبَدَلِ الواوِ بِالألِفِ سَبَبٌ مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدِ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ، بَلْ والعَرَبِيَّةِ. انْتَهى.

مريم 19:36

(p-٤١٣٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ [٣٣] ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] [٣٤] ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] [٣٥] ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] [٣٦] ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] . ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ أيْ: مُسْتَكْبِرًا عَنْ طاعَتِهِ وأمْرِهِ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] ﴿ذَلِكَ﴾ [مريم: ٣٤] أيِ: الَّذِي فُصِّلَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ وخَصائِصُهُ الباهِرَةُ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ أيْ: لا ما يَصِفُهُ بِهِ النَّصارى. وهو تَكْذِيبٌ لَهُمْ، فِيما يَزْعُمُونَهُ، عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ والمِنهاجِ البُرْهانِيِّ. حَيْثُ جَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِأضْدادِ ما يَصِفُونَهُ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] أيْ: ومَن هَذا شَأْنُهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ؟ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] ثُمَّ أشارَ إلى تَتِمَّةِ كَلامِ عِيسى مِنَ الأمْرِ بِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] أيْ: قَوِيمٌ. مَنِ اتَّبَعَهُ رُشِدَ وهُدِيَ. ومَن خالَفَهُ ضَلَّ وغَوى. (p-٤١٣٨)تَنْبِيهاتٌ في فَوائِدِ هَذِهِ القِصَّةِ: الأوَّلُ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ أوْجَدَ مِنهُ في حالِ كِبَرِهِ وعُقْمِ زَوْجَتِهِ، ولَدًا زَكِيًّا طاهِرًا مُبارَكًا، عَطَفَ بِذِكْرِ قِصَّةِ مَرْيَمَ في إيجادِ ولَدِها عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مِنها مِن غَيْرِ أبٍ. فَإنَّ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ مُناسَبَةً ومُشابَهَةً. ولِهَذا ذَكَرَهُما في آلِ عِمْرانَ، وهَهُنا، وفي سُورَةِ الأنْبِياءِ. يَقْرِنُ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ لِتَقارُبِ ما بَيْنَهُما في المَعْنى، لِيَدُلَّ عِبادَهُ عَلى قُدْرَتِهِ وعَظَمَةِ سُلْطانِهِ. وأنَّهُ عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ. ومَرْيَمُ هي بِنْتُ عِمْرانَ. مِن بَيْتٍ طاهِرٍ طَيِّبٍ في بَنِي إسْرائِيلَ. وقَدْ ذَكَرَ تَعالى وِلادَةَ أُمِّها لَها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وأنَّها نَذَرَتْها مُحَرَّرَةً لِلْعِبادَةِ. وأنَّهُ تَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا فَنَشَأتْ في بَنِي إسْرائِيلَ نَشْأةً عَظِيمَةً. فَكانَتْ إحْدى النّاسِكاتِ المُتَبَتِّلاتِ. وكانَتْ في كَفالَةِ زَكَرِيّا ورَأى لَها مِنَ الكَراماتِ ما بَهَرَهُ فَقَدْ كانَ يَجِدُ عِنْدَها كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ رِزْقًا. كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مريم: ١٧] مَن قالَ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى عَنْها: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ [مريم: ٢٣] عَلى جَوازِ تَمَنِّي المَنُونِ لِمِثْلِ تِلْكَ الحالِ. وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] عَلى التَّسَبُّبِ في الرِّزْقِ، وتَكَلُّفِ الكَسْبِ وإلَيْهِ أشارَ القائِلُ: ؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمَرْيَمَ وهُزِّي إلَيْكِ الجِذْعَ يَسّاقَطِ الرُّطَبْ ؎ولَوْ شاءَ أحَنى الجِذْعَ مِن غَيْرِ هَزِّهِ ∗∗∗ إلَيْها، ولَكِنْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبْ فِي الآيَةِ أصْلٌ لِما يَقُولُهُ الأطِبّاءُ، إنَّ الرُّطَبَ يَنْفَعُ النِّساءَ. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] بَعْدَ: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] عَلى أنَّ الحالِفَ (لا يَتَكَلَّمُ أوْ لا يُكَلِّمُ فُلانًا) لا يَحْنَثُ بِالإشارَةِ. وعَلى أنَّ السُّكُوتَ عَنِ السَّفِيهِ واجِبٌ، كَما اسْتَنْبَطَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: (p-٤١٣٩)ومَن أذَلَّ النّاسَ سَفِيهٌ لَمْ يَجِدْ مُسافِهًا. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] مَعْنى قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: مَن أشْبَهَ أباهُ فَما ظَلَمَ. وفِيهِ أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ارْتِكابَ الفَواحِشِ مِن أوْلادِ الصّالِحِينَ أفْحَشُ. الثّالِثُ: نَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ﴾ [مريم: ٣٣] إلَخْ أنَّ السَّلامَ عِبارَةٌ عَمّا يَحْصُلُ بِهِ الأمانُ. ومِنهُ السَّلامَةُ في النِّعَمِ وزَوالِ الآفاتِ. فَكَأنَّهُ سَألَ رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى فِعْلَهُ بِيَحْيى. ولا بُدَّ في الأنْبِياءِ مِن أنْ يَكُونُوا مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ. وأعْظَمُ أحْوالِ الإنْسانِ احْتِياجًا إلى السَّلامَةِ هي هَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ: وهي يَوْمُ الوِلادَةِ ويَوْمُ البَعْثِ. فَجَمِيعُ الأحْوالِ الَّتِي يَحْتاجُ فِيها إلى السَّلامَةِ واجْتِماعِ السَّعادَةِ مِن قَبْلِهِ تَعالى، طَلَبَها لِيَكُونَ مَصُونًا عَنِ الآفاتِ والمُخالَفاتِ في كُلِّ الأحْوالِ. الرّابِعُ: قالَ القاشانِيُّ: وإنَّما تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيَّ الخُلُقِ حَسَنَ الصُّورَةِ، لِتَتَأثَّرَ نَفْسُها بِهِ وتَسْتَأْنِسَ. فَتَتَحَرَّكُ عَلى مُقْتَضى الجِبِلَّةِ. ويَسْرِي الأثَرُ مِنَ الخَيالِ في الطَّبِيعَةِ. فَتَتَحَرَّكُ شَهْوَتُها فَتَنْزِلُ كَما يَقَعُ في المَنامِ مِن الِاحْتِلامِ وتَنْقَذِفُ نُطْفَتُها في الرَّحِمِ فَيَتَخَلَّقُ مِنهُ الوَلَدُ. وقَدْ مَرَّ أنَّ الوَحْيَ قَرِيبٌ مِنَ المَناماتِ الصّادِقَةِ، لِهَذْءِ القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ وتَعَطُّلِها عَنْ أفْعالِها عِنْدَهُ كَما في النَّوْمِ. فَكُلُّ ما يُرى في الخَيالِ مِنَ الأحْوالِ الوارِدَةِ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ المُسَمّاةِ في اصْطِلاحِنا قَلْبًا والِاتِّصالاتِ الَّتِي لَها بِالأرْواحِ القُدْسِيَّةِ، يَسْرِي في النَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ ويَنْفَعِلُ مِنهُ البَدَنُ. وإنَّما أمْكَنَ تَوَلُّدُ الوَلَدِ مِن نُطْفَةٍ واحِدَةٍ. لِأنَّهُ ثَبَتَ في العُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ أنَّ مَنِيَّ الذَّكَرِ في تَكَوُّنِ الوَلَدِ، بِمَنزِلَةِ الأنْفِحَةِ في الجُبْنِ. ومَنِيَّ الأُنْثى بِمَنزِلَةِ اللَّبَنِ، أيِ: العَقْدُ مِن مَنِيِّ الذَّكَرِ والِانْعِقادُ مِن مَنِيِّ الأُنْثى. لا عَلى مَعْنى أنَّ مَنِيَّ الذَّكَرِ يَنْفَرِدُ بِالقُوَّةِ العاقِدَةِ ومَنِيَّ الأُنْثى بِالقُوَّةِ المُنْعَقِدَةِ، بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ القُوَّةَ العاقِدَةَ في مَنِيِّ الذَّكَرِ أقْوى. والمُنْعَقِدَةَ في مَنِيِّ الأُنْثى أقْوى. وإلّا لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَتَّحِدا شَيْئًا واحِدًا. ولَمْ يَنْعَقِدْ مَنِيُّ الذَّكَرِ حَتّى يَصِيرَ جُزْءًا مِنَ الوَلَدِ. فَعَلى هَذا إذا (p-٤١٤٠)كانَ مِزاجُ الأُنْثى قَوِيًّا ذُكُورِيًّا، كَما تَكُونُ أمْزِجَةُ النِّساءِ الشَّرِيفَةِ النَّفْسِ القَوِيَّةِ القُوى، وكانَ مِزاجُ كَبِدِها حارًّا، كانَ المَنِيُّ المُنْفَصِلُ عَنْ كُلْيَتِها اليُمْنى أحَرَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِي يَنْفَصِلُ مِن كُلْيَتِها اليُسْرى. فَإذا اجْتَمَعا في الرَّحِمِ، كانَ مِزاجُ الرَّحِمِ قَوِيًّا في الإمْساكِ والجَذْبِ، قامَ المُنْفَصِلُ في الكُلْيَةِ اليُمْنى، مَقامَ الذَّكَرِ في شِدَّةِ قُوَّةِ العُقَدِ. والمُنْفَصِلُ مِنَ الكُلْيَةِ اليُسْرى مَقامَ مَنِيِّ الأُنْثى في قُوَّةِ الِانْعِقادِ، فَيَتَخَلَّقُ الوالِدُ هَذا. وخُصُوصًا إذا كانَتِ النَّفْسُ مُتَأيِّدَةً بِرُوحِ القُدُسِ، مُتَقَوِّيَةً، يَسْرِي أثَرُ اتِّصالِها بِهِ إلى الطَّبِيعَةِ والبَدَنِ، ويُغَيِّرُ المِزاجَ ويَمُدُّ جَمِيعَ القُوى في أفْعالِها بِالمَدِّ الرُّوحانِيِّ، فَيَصِيرُ أقْدَرَ عَلى أفْعالِها بِما لا يَنْضَبِطُ بِالقِياسِ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] في اللَّوْحِ مُقَدَّرًا في الأزَلِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فاطْمَأنَّتْ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ الدِّرْعِ، أيِ: البَدَنِ، وهو سَبَبُ إنْزالِها عَلى ما ذَكَرْنا. كالغُلْمَةِ مَثَلًا والمُعانَقَةِ الَّتِي كَثِيرًا ما تَصِيرُ سَبَبًا لِلْإنْزالِ. وقِيلَ: إنَّ الرُّوحَ المُتَمَثِّلَ لَها هو رُوحُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِهِ واتِّصالِها بِها وتَعَلُّقِهِ بِنُطْفَتِها. والحَقُّ أنَّهُ رُوحُ القُدُسِ. لِأنَّهُ كانَ السَّبَبَ الفاعِلِيَّ لِوُجُودِهِ كَما قالَ: ﴿لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] واتِّصالُ رُوحِ عِيسى بِالنُّطْفَةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ النُّطْفَةِ في الرَّحِمِ، واسْتِقْرارِها فِيهِ، رَيْثَما تَمْتَزِجُ وتَتَّحِدُ وتَقْبَلُ مِزاجًا صالِحًا لِقَبُولِ الرُّوحِ. انْتَهى. الخامِسُ: التَّمَثُّلُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَثَلِ. ومَعْناهُ التَّصَوُّرُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلَكَ يَتَشَكَّلُ بِشَكْلِ البَشَرِ. قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: تَمَثُّلُ جِبْرِيلَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أفْنى الزّائِدَ مِن خَلْقِهِ أوْ أزالَهُ عَنْهُ. لَمْ يُعِدْهُ إلَيْهِ بَعْدُ. وجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ: بِالإزالَةِ دُونَ الفَناءِ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ انْتِقالُها (p-٤١٤١)مُوجِبًا لِمَوْتِهِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَبْقى في الجَسَدِ حَيًّا. لِأنَّ مَوْتَ الجَسَدِ بِمُفارَقَةِ الرُّوحِ لَيْسَ بِواجِبٍ عَقْلًا، بَلْ بِعادَةٍ أجْراها اللَّهُ تَعالى في بَعْضِ خَلْقِهِ، ونَظِيرُهُ انْتِقالُ أرْواحِ الشُّهَداءِ إلى أجْوافِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ في الجَنَّةِ. وقالَ البَلْقِينِيُّ: ما ذَكَرَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ لا يَنْحَصِرُ الحالُ فِيهِ. بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الآتِي جِبْرِيلَ بِشَكْلِهِ الأصْلِيِّ. إلّا أنَّهُ انْضَمَّ فَصارَ عَلى قَدْرِ هَيْئَةِ الرَّجُلِ. وإذا تَرَكَ ذَلِكَ عادَ إلى هَيْئَتِهِ. ومِثالُ ذَلِكَ القُطْنُ، إذا جُمِعَ بَعْدَ أنْ كانَ مُنْتَفِشًا. فَإنَّهُ بِالنَّفْشِ يَحْصُلُ لَهُ صُورَةٌ كَبِيرَةٌ، وذاتُهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ. وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ. والحَقُّ أنَّ تَمَثُّلَ المَلَكِ رَجُلًا لَيْسَ مَعْناهُ أنَّ ذاتَهُ انْقَلَبَتْ رَجُلًا، بَلْ مَعْناهُ أنَّهُ ظَهَرَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ تَأْنِيسًا لِمَن يُخاطِبُهُ. الظّاهِرُ أيْضًا أنَّ القَدْرَ الزّائِدَ لا يَزُولُ ولا يَفْنى، بَلْ يَخْفى عَلى الرّائِي فَقَطْ. واللَّهُ أعْلَمُ. كَذا قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي. ولا يَخْفى أنَّ هَذا البَحْثَ مِنَ الرَّجْمِ بِالغَيْبِ، واقْتِفاءِ ما لَمْ يَحُطْ بِكُنْهِهِ. فالخَوْضُ فِيهِ عَبَثٌ يَنْتَهِي خائِضُهُ إلى حَيْثُ ابْتَدَأ. لِأنَّهُ مِن عالَمِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَصِلُ عِلْمُنا إلَيْهِ ولَنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ. ولَمْ يَرِدْ عَنِ المَعْصُومِ ﷺ فِيهِ نَصٌّ قاطِعٌ. وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ مِن شَأْنِنا أنْ نَبْحَثَ فِيهِ. فاعْرِفْ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَنْفَعُكَ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ. السّادِسُ: قالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُ كَلِمَةِ (عِيسى): يَسُوعُ. فَحَرَّفَهُ اليَهُودُ إلى (عَيْسُو) تَهَكُّمًا فَحَوَّلَهُ العَرَبُ إلى (عِيسى) تَشَبُّهًا بِاسْمِ مُوسى. ولِبَدَلِ الواوِ بِالألِفِ سَبَبٌ مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدِ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ، بَلْ والعَرَبِيَّةِ. انْتَهى.

مريم 19:37

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٧] ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ أيِ: اخْتَلَفَ قَوْلُ أهْلِ الكِتابِ في عِيسى، بَعْدَ بَيانِ أمْرِهِ (p-٤١٤٢)ووُضُوحِ حالِهِ. وأنَّهُ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ. فَأصَرَّتِ اليَهُودُ مِنهم عَلى بَهْتِ أُمِّهِ وقَرْفِهِ بِالسِّحْرِ. وانْقَسَمَتِ النَّصارى في أمْرِهِ انْقِسامًا يَفُوتُ الحَصْرَ. وكُلُّهُ ضَلالٌ وشِرْكٌ وكُفْرٌ. وقَدْ هَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ. وهَذا مِن فَضْلِهِ تَعالى ومَنِّهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يَعْنِي بِالَّذِينِ كَفَرُوا، المُخْتَلِفِينَ. عَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ إيذانًا بِكُفْرِهِمْ جَمِيعًا وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ. وفي (مَشْهَدِ) سِتَّةُ أوْجُهٍ. لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ زَمانٍ أوْ مَكانٍ. وعَلى كُلٍّ فَهو إمّا مِنَ (الشُّهُودِ) أيِ: الحُضُورِ أوِ (الشَّهادَةِ). وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: أيْ: في شُهُودِهِمْ هَوْلَ الحِسابِ والجَزاءِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ وهو المَوْقِفُ. أوْ مِن وقْتِ الشُّهُودِ. أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وأنْ تَشْهَدَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ وألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِالكُفْرِ وسُوءِ الأعْمالِ. أوْ مِن مَكانِ الشَّهادَةِ أوْ وقْتِها. وقِيلَ: مَعْناهُ ما شَهِدُوا بِهِ في عِيسى وأُمِّهِ فَعَظَّمَهُ لِعِظَمِ ما فِيهِ أيْضًا. كَقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] وفِيهِ وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ شَدِيدٌ. وذَلِكَ لِأنَّهُ لا أظْلَمَ مِمَّنْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:

مريم 19:38

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٨] ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ تَعَجُّبٌ مِن حِدَّةِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ يَوْمَئِذٍ. ومَعْناهُ أنَّ أسْماعَهم وأبْصارَهم يَوْمَ يَأْتُونَنا لِلْحِسابِ والجَزاءِ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُما بَعْدَ أنْ كانُوا في الدُّنْيا صُمًّا عُمْيًا. والآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] الآيَةَ، أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ حِينَ لا يُجْدِي عَنْهم شَيْئًا. ولَوْ كانَ هَذا قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ لَأجْدى: ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا: ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (p-٤١٤٣)لِإغْفالِهِمْ الِاسْتِماعَ والنَّظَرَ. فَحَيْثُ يَطْلُبُ مِنهُمُ الهُدى لا يَهْتَدُونَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْقَعَ الظّاهِرَ أعْنِي (الظّالِمِينَ) مَوْقِعَ الضَّمِيرِ، إشْعارًا بِأنْ لا ظُلْمَ أشَدَّ مِن ظُلْمِهِمْ، حَيْثُ أغْفَلُوا الِاسْتِماعَ والنَّظَرَ، حِينَ يُجْدِي عَلَيْهِمْ ويُسْعِدُهم. تَنْبِيهٌ: إنَّما أُوِّلَ التَّعَجُّبُ في الآيَةِ بِما ذُكِرَ، وأنَّهُ مَصْرُوفٌ لِلْعِبادِ الَّذِينَ يَصْدُرُ مِنهُمُ التَّعَجُّبُ، لِأنَّ صُدُورَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. إذْ هو كَيْفِيَّةٌ نَفْسانِيَّةٌ تَنْشَأُ عَنِ اسْتِعْظامِ ما لا يُدْرى سَبَبُهُ. ولِذا قِيلَ: إذا ظَهَرَ السَّبَبُ بَطَلَ العَجَبُ. والمَعْنى تَعَجَّبُوا مِن سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ. فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] أفادَهُ الشِّهابُ. وهَذِهِ طَرِيقَةُ المُتَكَلِّمِينَ في تَأْوِيلِ ما يَشْتَرِكُ في الإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى وإلى خَلْقِهِ مِنَ الصِّفاتِ المَرْوِيَّةِ. وطَرِيقَةُ السَّلَفِ المُحَقِّقِينَ إثْباتُ ما ورَدَ بِهِ السَّمْعُ مَعَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ. إذْ لا اتِّحادَ بَيْنَ صِفاتِ الخالِقِ وصِفاتِ المَخْلُوقِ. فَما يُضافُ إلَيْهِ تَعالى هو عَلى النَّحْوِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ. فَما يُقَدَّرُ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ مِنَ الصِّفاتِ مُسْتَلْزِمًا لِلْمُحالِ، لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ في حَقِّهِ تَعالى مُسْتَلْزِمًا لِذَلِكَ. كَما أنَّ العِلْمَ والقُدْرَةَ والسَّمْعَ والبَصَرَ والكَلامَ فِينا، يَسْتَلْزِمُ النَّقْصَ والحاجَةَ، ما يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْهُ. وكَذَلِكَ الوُجُودُ والقِيامُ بِالنَّفْسِ فِينا، يَسْتَلْزِمُ احْتِياجًا إلى خالِقٍ يَجْعَلُنا مَوْجُودِينَ. واللَّهُ مُنَزَّهٌ في وُجُودِهِ عَمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ وُجُودُنا. فَنَحْنُ وصِفاتُنا وأفْعالُنا. مَقْرُونُونَ بِالحاجَةِ إلى الغَيْرِ. والحاجَةُ لَنا أمْرٌ ذاتِيٌّ لا يُمْكِنُ أنْ يَخْلُوَ عَنْهُ. وهو سُبْحانُهُ، الغَنِيُّ لَهُ أمْرٌ ذاتِيٌّ لا يُمْكِنُ أنْ يَخْلُوَ عَنْهُ. فَهو بِنَفْسِهِ حَيٌّ قَيُّومٌ واجِبُ الوُجُودِ، ونَحْنُ بِأنْفُسِنا مُحْتاجُونَ فُقَراءُ. فَإذا كانَتْ ذاتُنا وصِفاتُنا وأفْعالُنا وما اتَّصَفْنا بِهِ مِنَ الكَمالِ، مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، هو مَقْرُونٌ بِالحاجَةِ والحُدُوثِ والإمْكانِ، لَمْ يَجِبْ أنْ لا يَكُونَ لِلَّهِ ذاتٌ (p-٤١٤٤)ولا صِفاتٌ ولا أفْعالٌ، وأنْ لا يَقْدِرَ ولا يَعْلَمَ. لِكَوْنِ ذَلِكَ مُلازِمًا لِلْحاجَةِ فِينا. فَكَذَلِكَ كُلُّ ما جاءَ بِهِ السَّمْعُ مِنَ الصِّفاتِ، إذا قُدِّرَ أنَّهُ في حَقِّنا مُلازِمٌ لِحاجَةٍ وضَعْفٍ، لَمْ يَجِبْ أنْ يَكُونَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُلازِمًا لِذَلِكَ. هَذا ما قَرَّرَهُ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَةَ في خِلالِ بَعْضِ فَتاوِيهِ. وكَلامُهُ هَذا بِمَثابَةِ القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ لِأمْثالِ هَذا المَوْضُوعِ. فاحْفَظْهُ.

مريم 19:39

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٩] ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [٤٠] ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] . ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وفُصِلَ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، وصارَ كُلٌّ إلى ما صارَ إلَيْهِ مُخَلَّدًا فِيهِ: ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ أيْ: وهُمُ اليَوْمَ مُسْتَغْرِقُونَ في غَفْلَةٍ عَمّا يُفْعَلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ: ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُونَ بِهِ اليَوْمَ وسَيُعايِنُونَهُ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى رَسُولَهُ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ لِكَوْنِهِمْ يَنْتَمُونَ إلَيْهِ فَيُعْتَبَرُوا في تَوْحِيدِهِ الخالِصِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

مريم 19:40

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٩] ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [٤٠] ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] . ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وفُصِلَ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، وصارَ كُلٌّ إلى ما صارَ إلَيْهِ مُخَلَّدًا فِيهِ: ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ أيْ: وهُمُ اليَوْمَ مُسْتَغْرِقُونَ في غَفْلَةٍ عَمّا يُفْعَلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ: ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُونَ بِهِ اليَوْمَ وسَيُعايِنُونَهُ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى رَسُولَهُ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ لِكَوْنِهِمْ يَنْتَمُونَ إلَيْهِ فَيُعْتَبَرُوا في تَوْحِيدِهِ الخالِصِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

مريم 19:41

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١] ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [٤٢] ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] . ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا﴾ بَلِيغَ التَّصْدِيقِ بِما يَجِبُ لِلَّهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والتَّنْزِيهِ: ﴿نَبِيًّا﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ﴾ [مريم: ٤٢] أيْ: مُتَلَطِّفًا في دَعْوَتِهِ إلى التَّوْحِيدِ ونَهْيِهِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ: ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] أيْ: فَلا يَدْفَعُ ضَرًّا ولا يَجْلِبُ نَفْعًا. قالَ أبُو السُّعُودِ: ولَقَدْ سَلَكَ عَلَيْهِ السَّلامُ في دَعْوَتِهِ أحْسَنَ مِنهاجٍ، وأقْوَمَ سَبِيلٍ. واحْتَجَّ عَلَيْهِ (p-٤١٤٥)أبْدَعَ احْتِجاجٍ بِحُسْنِ أدَبٍ وخُلُقٍ جَمِيلٍ. لِئَلّا يَرْكَبَ مَتْنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ. ولا يَنْكَبُّ، بِالكُلِّيَّةِ، عَنْ مَحَجَّةِ الرَّشادِ. حَيْثُ طَلَبَ مِنهُ عِلَّةَ عِبادَتِهِ لِما يَسْتَخِفُّ بِهِ عَقْلُ كُلِّ عاقِلٍ، مِن عالِمٍ وجاهِلٍ ويَأْبى الرُّكُونَ إلَيْهِ، فَضْلًا عَنْ عِبادَتِهِ الَّتِي هي الغايَةُ القاصِيَةُ مِنَ التَّعْظِيمِ. مَعَ أنَّها لا تَحِقُّ إلّا لِمَن لَهُ الِاسْتِغْناءُ التّامُّ، والإنْعامُ العامُّ. الخالِقُ الرّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ المُثِيبُ المُعاقِبُ. ونَبَّهَ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ ما يَفْعَلُ، لِداعِيَةٍ صَحِيحَةٍ وغَرَضٍ صَحِيحٍ. والشَّيْءُ لَوْ كانَ حَيًّا مُمَيِّزًا سَمِيعًا بَصِيرًا، قادِرًا عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، مُطِيقًا بِإيصالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، لَكِنْ كانَ مُمْكِنًا، لاسْتَنْكَفَ العَقْلُ السَّلِيمُ عَنْ عِبادَتِهِ. وإنْ كانَ أشْرَفَ الخَلائِقِ. لِما يَراهُ مِثْلَهُ في الحاجَةِ والِانْقِيادِ لِلْقُدْرَةِ القاهِرَةِ الواجِبَةِ. فَما ظَنُّكَ بِجَمادٍ مَصْنُوعٍ مِن حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ، لَيْسَ لَهُ مِن أوْصافِ الأحْياءِ عَيْنٌ ولا أثَرٌ؟

مريم 19:42

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١] ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [٤٢] ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] . ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا﴾ بَلِيغَ التَّصْدِيقِ بِما يَجِبُ لِلَّهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والتَّنْزِيهِ: ﴿نَبِيًّا﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ﴾ [مريم: ٤٢] أيْ: مُتَلَطِّفًا في دَعْوَتِهِ إلى التَّوْحِيدِ ونَهْيِهِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ: ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] أيْ: فَلا يَدْفَعُ ضَرًّا ولا يَجْلِبُ نَفْعًا. قالَ أبُو السُّعُودِ: ولَقَدْ سَلَكَ عَلَيْهِ السَّلامُ في دَعْوَتِهِ أحْسَنَ مِنهاجٍ، وأقْوَمَ سَبِيلٍ. واحْتَجَّ عَلَيْهِ (p-٤١٤٥)أبْدَعَ احْتِجاجٍ بِحُسْنِ أدَبٍ وخُلُقٍ جَمِيلٍ. لِئَلّا يَرْكَبَ مَتْنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ. ولا يَنْكَبُّ، بِالكُلِّيَّةِ، عَنْ مَحَجَّةِ الرَّشادِ. حَيْثُ طَلَبَ مِنهُ عِلَّةَ عِبادَتِهِ لِما يَسْتَخِفُّ بِهِ عَقْلُ كُلِّ عاقِلٍ، مِن عالِمٍ وجاهِلٍ ويَأْبى الرُّكُونَ إلَيْهِ، فَضْلًا عَنْ عِبادَتِهِ الَّتِي هي الغايَةُ القاصِيَةُ مِنَ التَّعْظِيمِ. مَعَ أنَّها لا تَحِقُّ إلّا لِمَن لَهُ الِاسْتِغْناءُ التّامُّ، والإنْعامُ العامُّ. الخالِقُ الرّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ المُثِيبُ المُعاقِبُ. ونَبَّهَ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ ما يَفْعَلُ، لِداعِيَةٍ صَحِيحَةٍ وغَرَضٍ صَحِيحٍ. والشَّيْءُ لَوْ كانَ حَيًّا مُمَيِّزًا سَمِيعًا بَصِيرًا، قادِرًا عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، مُطِيقًا بِإيصالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، لَكِنْ كانَ مُمْكِنًا، لاسْتَنْكَفَ العَقْلُ السَّلِيمُ عَنْ عِبادَتِهِ. وإنْ كانَ أشْرَفَ الخَلائِقِ. لِما يَراهُ مِثْلَهُ في الحاجَةِ والِانْقِيادِ لِلْقُدْرَةِ القاهِرَةِ الواجِبَةِ. فَما ظَنُّكَ بِجَمادٍ مَصْنُوعٍ مِن حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ، لَيْسَ لَهُ مِن أوْصافِ الأحْياءِ عَيْنٌ ولا أثَرٌ؟

مريم 19:43

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٣] ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ . ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ أيْ: وحَقُّ القاصِرِ اتِّباعُ الإنْسانِ الكامِلِ: فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا أيْ: مُعْتَدِلًا لا إفْراطَ فِيهِ بِعِبادَةِ مَن لا يَسْتَحِقُّ، ولا تَفْرِيطَ بِتَرْكِ عِبادَةِ مَن يَسْتَحِقُّ، وكَذا في بابِ الأخْلاقِ والأعْمالِ. قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: وإنْ كانَ حَقُّ الِابْنِ اتِّباعَ الأبِ في العُرْفِ، لَكِنَّهُ باطِلٌ. لِأنَّ الحَقَّ اتِّباعُ الصَّوابِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَنّى عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَعْوَتِهِ إلى الحَقِّ مُتَرَفِّقًا بِهِ مُتَلَطِّفًا. فَلَمْ يَسِمْ أباهُ بِالجَهْلِ المُفْرِطِ، ولا نَفْسَهُ بِالعِلْمِ الفائِقِ. ولَكِنَّهُ قالَ: إنَّ مَعِي طائِفَةً مِنَ العِلْمِ وشَيْئًا مِنهُ لَيْسَ مَعَكَ، وذَلِكَ عِلْمُ الدَّلالَةِ عَلى الطَّرِيقِ السَّوِيِّ. فَلا تَسْتَنْكِفُ. وهَبْ أنِّي وإيّاكَ في مَسِيرٍ، وعِنْدِي مَعْرِفَةٌ بِالهِدايَةِ دُونَكَ، فاتَّبِعْنِي أُنْجِكَ مِن أنْ تَضِلَّ وتَتِيهَ.

مريم 19:44

(p-٤١٤٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٤] ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ . ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ ثَلَّثَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَثْبِيطِهِ ونَهْيِهِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةٍ يَسْتَنْكِرُها كُلُّ عاقِلٍ، بِبَيانِ أنَّهُ مَعَ عِرائِهِ عَنِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ، مُسْتَجْلِبٌ لِضَرَرٍ عَظِيمٍ، فَإنَّهُ في الحَقِيقَةِ عِبادَةُ الشَّيْطانِ. لِما أنَّهُ الآمِرُ بِهِ والمُسَوِّلُ لَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ النَّهْيِ وتَأْكِيدٌ لَهُ، بِبَيانِ أنَّهُ مُسْتَعْصٍ عَلى رَبِّكَ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكَ بِفُنُونِ النِّعَمَ. ولا رَيْبَ في أنَّ المُطِيعِ لِلْعاصِي عاصٍ. والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ. والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ عِصْيانِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ جِناياتِهِ، لِأنَّهُ مَلاكُها. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ، لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ عِصْيانِهِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

مريم 19:45

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٥] ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ . ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ لِكَوْنِكَ عَصَيْتَهُ ووالَيْتَ عَدُوَّهُ، فَيَقْطَعُ رَحْمَتَهُ عَنْكَ، كَما قَطَعَها عَنِ الشَّيْطانِ: ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: مُقارِنًا لَهُ ومُشارِكًا مَعَهُ في عَذابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَبَّعَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَخْوِيفِهِ سُوءَ العاقِبَةِ، وبِما يَجُرُّهُ ما هو فِيهِ مِنَ التَّبِعَةِ والوَبالِ. ولَمْ يَخْلُ ذَلِكَ مِن حُسْنِ الأدَبِ، حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّ العِقابَ لا حَقَّ لَهُ، وأنَّ العَذابَ لاصِقٌ بِهِ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ﴾ فَذَكَرَ الخَوْفَ والمَسَّ ونَكَّرَ العَذابَ. وجَعَلَ وِلايَةَ الشَّيْطانِ ودُخُولَهُ في جُمْلَةِ أشْياعِهِ وأوْلِيائِهِ، أكْبَرَ مِنَ العَذابِ. وصَدَّرَ كُلَّ نَصِيحَةٍ مِنَ النَّصائِحِ الأرْبَعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أبَتِ﴾ تَوَسُّلًا إلَيْهِ واسْتِعْطافًا.

مريم 19:46

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤١٤٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦] ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ . ﴿قالَ﴾ أيْ: أبُوهُ مُصِرًّا عَلى عِنادِهِ لِفَرْطِ غُلُوِّهِ في الضَّلالِ: ﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ﴾ أيْ: أمُعْرِضٌ ومُنْصَرِفٌ أنْتَ عَنْها. وإنَّما قَدَّمَ الخَبَرَ عَلى المُبْتَدَأِ، لِأنَّهُ كانَ أهَمَّ عِنْدَهُ. وصَدَّرَهُ بِالهَمْزَةِ لِإنْكارِ نَفْسِ الرَّغْبَةِ، عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّعَجُّبِ. كَأنَّ الرَّغْبَةَ عَنْها مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ، فَضْلًا عَنْ تَرْغِيبِ الغَيْرِ عَنْها. وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَمّا كانَ يَلْقى مِن مِثْلِ ذَلِكَ مِن كُفّارِ قَوْمِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ﴾ تَهْدِيدٌ مُتَناهٍ. أيْ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عَنِ القَوْلِ فِيها، وعَنْ نُصْحِكَ، لَأرْجُمَنَّكَ بِالحِجارَةِ: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أيْ: تَباعَدْ عَنِّي زَمانًا طَوِيلًا.

مريم 19:47

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧] ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ . ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ أيْ: مُبالِغًا في اللُّطْفِ بِي. وفي جَوابِهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ مُقابَلَةُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] أيْ: لا أُصِيبُكَ بِمَكْرُوهٍ بَعْدُ. ولَكِنْ سَأدْعُو رَبِّي أنْ يَغْفِرَ لَكَ. كَما قالَ: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ [الشعراء: ٨٦] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُتارَكَةِ المَنصُوحِ، والحالُ هَذِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دَعا لَهُ بِالسَّلامَةِ، اسْتِمالَةً لَهُ. ألا تَرى أنَّهُ وعَدَهُ بِالِاسْتِغْفارِ؟ وفِي (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى جَوازِ ابْتِداءِ الكافِرِ بِالسَّلامِ. (p-٤١٤٨)وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ ﷺ لِأبِيهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وبَعْدَ أنْ هاجَرَ إلى الشّامِ وبَنى المَسْجِدَ الحَرامَ. وبَعْدَ أنْ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] وقَدِ اسْتَغْفَرَ المُسْلِمُونَ لِقَراباتِهِمْ وأهْلِيهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ في ابْتِداءِ الإسْلامِ. وذَلِكَ اقْتِداءً بِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ في ذَلِكَ. حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] يَعْنِي إلّا في هَذا القَوْلِ، فَلا تَتَأسَّوْا بِهِ.

مريم 19:48

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ أقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ ورَجَعَ عَنْهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] وقَوْلُهُ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٨] ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأدْعُو رَبِّي عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ . ﴿وأعْتَزِلُكُمْ﴾ أيْ: أتَباعَدُ عَنْكَ وعَنْ قَوْمِكَ بِالهِجْرَةِ: ﴿وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أصْنامِكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالدُّعاءِ العِبادَةُ، لِأنَّهُ مِنها ومِن وسائِطِها. ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ««الدُّعاءُ هو العِبادَةُ»» . ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٩] (p-٤١٤٩)﴿وأدْعُو رَبِّي﴾ أيْ: أعْبُدُهُ وحْدَهُ: ﴿عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا ضائِعَ السَّعْيِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشَقاوَتِهِمْ بِدُعاءِ آلِهَتِهِمْ، مَعَ التَّواضُعِ لِلَّهِ بِكَلِمَةِ: عَسى، وما فِيهِ مِن هَضْمِ النَّفْسِ ومُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإجابَةَ والإثابَةَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ تَعالى.

مريم 19:49

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩] ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ . ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ بِالمُهاجَرَةِ إلى الشّامِ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: جَعَلْنا لَهُ بَنِينَ وحَفَدَةً، أنْبِياءَ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِمْ في حَياتِهِ بَدَلَ مَن فارَقَهم مِن أقْرِبائِهِ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ.

مريم 19:50

وقَوْلُهُ تَعالى: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٠] ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ . ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ أيْ: ما عُرِفَ فِيهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ والذُّرِّيَّةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ وحَوْزَةِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ أيْ: ثَناءً حَسَنًا. عَبَّرَ بِاللِّسانِ عَمّا يُوجَدُ بِاللِّسانِ. كَما عَبَّرَ بِـ(اليَدِ) عَمّا يُطْلَقُ بِاليَدِ وهي العَطِيَّةُ. وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُثْنِي عَلَيْهِمْ، وأنَّ مُجاهَدَتَهم لا تَخْفى.

مريم 19:51

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥١] ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ [٥٢] ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] . ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ: أخْلَصَ العِبادَةَ (p-٤١٥٠)عَنِ الشِّرْكِ وأسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ. وقُرِئَ بِفَتْحِهِ. أيْ: أخْلَصَهُ اللَّهُ، أيِ: اصْطَفاهُ، كَما قالَ: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] ﴿وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] أيْ: مِن جانِبِهِ الأيْمَنِ مِن مُوسى حِينَ ذَهَبَ يَبْتَغِي مِن تِلْكَ النّارِ جَذْوَةً، فَرَآها تَلُوحُ فَقَصَدَها فَوَجَدَها ثَمَّةَ. فَنُودِيَ عِنْدَها: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] أيْ: مُناجِيًا، أيْ: كَلِيمًا. إذْ كَلَّمْناهُ بِلا واسِطَةٍ.

مريم 19:52

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥١] ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ [٥٢] ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] . ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ: أخْلَصَ العِبادَةَ (p-٤١٥٠)عَنِ الشِّرْكِ وأسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ. وقُرِئَ بِفَتْحِهِ. أيْ: أخْلَصَهُ اللَّهُ، أيِ: اصْطَفاهُ، كَما قالَ: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] ﴿وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] أيْ: مِن جانِبِهِ الأيْمَنِ مِن مُوسى حِينَ ذَهَبَ يَبْتَغِي مِن تِلْكَ النّارِ جَذْوَةً، فَرَآها تَلُوحُ فَقَصَدَها فَوَجَدَها ثَمَّةَ. فَنُودِيَ عِنْدَها: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] أيْ: مُناجِيًا، أيْ: كَلِيمًا. إذْ كَلَّمْناهُ بِلا واسِطَةٍ.

مريم 19:53

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٣] ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ . ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ لِيَشُدَّ أزْرَهُ في أداءِ الرِّسالَةِ.

مريم 19:54

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٤] ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ [٥٥] ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] . ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ﴾ وهو ابْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. وإنَّما فَصَّلَ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ أبِيهِ وأخِيهِ، لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ، بِإيرادِهِ مُسْتَقِلًّا. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ. وإيرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الوَصْفِ، وإنْ شارَكَهُ فِيهِ بَقِيَّةُ الأنْبِياءِ، تَشْرِيفًا لَهُ وإكْرامًا. ولِأنَّهُ المَشْهُورُ مِن خِصالِهِ. وناهِيكَ أنَّهُ وعَدَ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ، فَوَفّى بِهِ حَيْثُ قالَ: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ، وهَذا أعْظَمُ ما يُتَصَوَّرُ فِيهِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ بِعِظَمِ هَذِهِ الخِلَّةِ. ولِذا كانَ ضِدُّها نِفاقًا، كَما صَرَّحَتْ بِهِ الأخْبارُ ﴿وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مريم: ٥٥] أيْ: كانَ يَبْدَأُ أهْلَهُ في الأمْرِ بِالصَّلاحِ والعِبادَةِ لِيَجْعَلَهم قُدْوَةً لِمَن وراءَهم. ولِأنَّهم أوْلى مِن سائِرِ النّاسِ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ (p-٤١٥١)الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] ألا تَرى أنَّهم أحَقُّ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ؟ فالإحْسانُ الدِّينِيُّ أوْلى. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] أيْ: لِاتِّصافِهِ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الَّتِي مِنها ما ذُكِرَ. وقَوْلُهُ تَعالى:

مريم 19:55

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٤] ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ [٥٥] ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] . ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ﴾ وهو ابْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. وإنَّما فَصَّلَ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ أبِيهِ وأخِيهِ، لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ، بِإيرادِهِ مُسْتَقِلًّا. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ. وإيرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الوَصْفِ، وإنْ شارَكَهُ فِيهِ بَقِيَّةُ الأنْبِياءِ، تَشْرِيفًا لَهُ وإكْرامًا. ولِأنَّهُ المَشْهُورُ مِن خِصالِهِ. وناهِيكَ أنَّهُ وعَدَ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ، فَوَفّى بِهِ حَيْثُ قالَ: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ، وهَذا أعْظَمُ ما يُتَصَوَّرُ فِيهِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ بِعِظَمِ هَذِهِ الخِلَّةِ. ولِذا كانَ ضِدُّها نِفاقًا، كَما صَرَّحَتْ بِهِ الأخْبارُ ﴿وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مريم: ٥٥] أيْ: كانَ يَبْدَأُ أهْلَهُ في الأمْرِ بِالصَّلاحِ والعِبادَةِ لِيَجْعَلَهم قُدْوَةً لِمَن وراءَهم. ولِأنَّهم أوْلى مِن سائِرِ النّاسِ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ (p-٤١٥١)الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] ألا تَرى أنَّهم أحَقُّ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ؟ فالإحْسانُ الدِّينِيُّ أوْلى. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] أيْ: لِاتِّصافِهِ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الَّتِي مِنها ما ذُكِرَ. وقَوْلُهُ تَعالى:

مريم 19:56

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٦] ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [٥٧] ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] . ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] هو شَرَفُ النُّبُوَّةِ والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. فالعُلُوُّ مَعْنَوِيٌّ. أوْ رَفَعَهُ بِجَسَدِهِ حَيًّا إلى السَّماءِ. قالَ الشِّهابُ: قِيلَ: والثّانِي أقْرَبُ لِأنَّ الرَّفْعَةَ المُقْتَرِنَةَ بِالمَكانِ لا تَكُونُ مَعْنَوِيَّةً، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ ورَدَ مِثْلُهُ بَلْ ما هو أظْهَرُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ: ؎وكُنْ في مَكانٍ إذا ما سَقَطْتَ تَقُومُ ورِجْلاكَ في عافِيَةٍ انْتَهى. ومِمّا يُؤَيِّدُ الثّانِيَ ما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ في حَدِيثِ المِعْراجِ؛ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَأى إدْرِيسَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ. وإدْرِيسُ هو إلْياسُ الآتِي ذِكْرُهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ. ويُسَمّى في التَّوْراةِ إيلِيا. ولِرَفْعِهِ إلى السَّماءِ فِيها نَبَأٌ عَجِيبٌ، قَدْ يَكُونُ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ في هَذِهِ الآيَةِ أشارَ إلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

مريم 19:57

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٦] ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [٥٧] ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] . ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] هو شَرَفُ النُّبُوَّةِ والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. فالعُلُوُّ مَعْنَوِيٌّ. أوْ رَفَعَهُ بِجَسَدِهِ حَيًّا إلى السَّماءِ. قالَ الشِّهابُ: قِيلَ: والثّانِي أقْرَبُ لِأنَّ الرَّفْعَةَ المُقْتَرِنَةَ بِالمَكانِ لا تَكُونُ مَعْنَوِيَّةً، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ ورَدَ مِثْلُهُ بَلْ ما هو أظْهَرُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ: ؎وكُنْ في مَكانٍ إذا ما سَقَطْتَ تَقُومُ ورِجْلاكَ في عافِيَةٍ انْتَهى. ومِمّا يُؤَيِّدُ الثّانِيَ ما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ في حَدِيثِ المِعْراجِ؛ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَأى إدْرِيسَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ. وإدْرِيسُ هو إلْياسُ الآتِي ذِكْرُهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ. ويُسَمّى في التَّوْراةِ إيلِيا. ولِرَفْعِهِ إلى السَّماءِ فِيها نَبَأٌ عَجِيبٌ، قَدْ يَكُونُ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ في هَذِهِ الآيَةِ أشارَ إلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

مريم 19:58

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤١٥٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٨] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ . ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ في السُّورَةِ مِن لَدُنْ زَكَرِيّا إلى إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِفُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا﴾ أيْ: هَدَيْناهم لِلْحَقِّ واجْتَبَيْناهم لِلنُّبُوَّةِ والكَرامَةِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ أيْ: إذا سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ المُتَضَمِّنِ حُجَجَهُ ودَلائِلَهُ وبَراهِينَهُ، سَجَدُوا لِرَبِّهِمْ خُضُوعًا واسْتِكانَةً. مَعَ ما لَهم مِن عُلُوِّ الرُّتْبَةِ. وسُمُوِّ الزُّلْفى عِنْدَهُ تَعالى. وفي الآيَةِ اسْتِحْبابُ السُّجُودِ والبُكاءِ عِنْدَ سَماعِ التِّلاوَةِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ هَهُنا، اقْتِداءً بِهِمْ، واتِّباعًا لِمِنوالِهِمْ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ فَسَجَدَ. وقالَ: هَذا السُّجُودُ فَأيْنَ البُكِيُّ.

مريم 19:59

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حِزْبَ السُّعَداءِ، وهُمُ الأنْبِياءُ ومَنِ اتَّبَعَهم مِنَ القائِمِينَ بِحُدُودِ اللَّهِ وأوامِرِهِ ذَكَرَ مَن نَبَذَ دَعْوَتَهم مِمَّنْ خَلْفَهُمْ، وما سَيَنالُهُمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (p-٤١٥٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٩] ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ . ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ وقُرِئَ (الصَّلَواتِ) بِالجَمْعِ أيِ: المُتَضَمِّنَةُ لِلسُّجُودِ والأذْكارِ، المُسْتَدْعِيَةُ لِلْبُكاءِ. وإذا أضاعُوها، فَهم لِما سِواها مِنَ الواجِباتِ أضْيَعُ. لِأنَّها عِمادُ الدِّينِ وقِوامُهُ وخَيْرُ أعْمالِ العِبادِ: ﴿واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ أيْ: فَأتَوْا بِما يُنافِي البُكاءَ والأُمُورَ المُرْضِيَةَ مِنَ الأخْلاقِ والأعْمالِ، مِن الِانْهِماكِ في المَعاصِي الَّتِي هي بَرِيدُ الكُفْرِ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أيْ: شَرًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ شَرٍّ عِنْدَ العَرَبِ غَيٌّ، وكُلُّ خَيْرٍ رَشادٌ. قالَ المُرَقَّشُ: ؎فَمِن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما أيْ مَن يَفْعَلْ خَيْرًا، يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ. ومَن يَفْعَلُ الشَّرَّ لا يَعْدَمُ اللَّوائِمَ عَلى فِعْلِهِ. وقِيلَ: أرادَ الشّاعِرُ بِالخَيْرِ المالَ. وبِالغَيِّ الفَقْرَ أيْ: ومَن يَفْتَقِرُ. ومِنهُ القائِلُ: ؎والنّاسُ مَن يَلْقَ خَيْرًا قائِلُونَ لَهُ ∗∗∗ ما يَشْتَهِي. ولِأُمِّ المُخْطِئِ الهَبَلُ أيِ الثَّكَلُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَزاءَ غَيٍّ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أيْ: شَرًّا وعِقابًا. فَأطْلَقَ عَلَيْهِ كَما أطْلَقَ الغَيَّ عَلى مَجازاتِهِ المُسَبَّبَةِ عَنْهُ، مَجازًا أوْ: غَيًّا ضَلالًا عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ. فَهو بِمَعْناهُ المَشْهُورِ.

مريم 19:60

(p-٤١٥٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠] ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [٦١] ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] . ﴿إلا مَن تابَ﴾ أيْ: عَنْ تَرْكِ الصَّلَواتِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ: ﴿وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرِ العائِدِ إلى الجَنّاتِ. أوْ مِن عِبادِهِ أيْ: وعَدَها إيّاهم مُلْتَبِسَةً أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالغَيْبِ. أيْ: غائِبَةً عَنْهم غَيْرَ حاضِرَةٍ. أوْ غائِبِينَ عَنْها لا يَرَوْنَها، وإنَّما آمَنُوا بِها بِمُجَرَّدِ الأخْبارِ. أوْ بِمُضْمَرٍ هو سَبَبٌ لِلْوَعْدِ أيْ: وعَدَها إيّاهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أيْ: لا يَخْلُفُهُ.

مريم 19:61

(p-٤١٥٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠] ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [٦١] ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] . ﴿إلا مَن تابَ﴾ أيْ: عَنْ تَرْكِ الصَّلَواتِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ: ﴿وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرِ العائِدِ إلى الجَنّاتِ. أوْ مِن عِبادِهِ أيْ: وعَدَها إيّاهم مُلْتَبِسَةً أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالغَيْبِ. أيْ: غائِبَةً عَنْهم غَيْرَ حاضِرَةٍ. أوْ غائِبِينَ عَنْها لا يَرَوْنَها، وإنَّما آمَنُوا بِها بِمُجَرَّدِ الأخْبارِ. أوْ بِمُضْمَرٍ هو سَبَبٌ لِلْوَعْدِ أيْ: وعَدَها إيّاهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أيْ: لا يَخْلُفُهُ.

مريم 19:62

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٢] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [٦٣] ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] . ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا﴾ أيْ: لا يَسْمَعُونَ فِيها فُضُولَ كَلامٍ لا طائِلَ تَحْتَهُ. وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ صُدُورِ اللَّغْوِ عَنْ أهْلِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِيهِ تَنْبِيهٌ ظاهِرٌ عَلى وُجُوبِ تَجَنُّبِ اللَّغْوِ واتِّقائِهِ. حَيْثُ نَزَّهَ اللَّهُ عَنْهُ الدّارَ الَّتِي لا تَكْلِيفَ فِيها. وما أحْسَنَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ اللَّغْوِ والجَهْلِ والخَوْضِ فِيما لا يَعْنِينا. (p-٤١٥٥)ومَعْنى: ﴿إلا سَلامًا﴾ أيْ: تَسْلِيمًا. تَسْلِيمَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ كَما قالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] وهُمُ المُتَّصِفُونَ بِشُعَبِ الإيمانِ، المَسْرُودَةِ في مَواضِعَ شَتّى مِن آيِ القُرْآنِ. ولِما قَصَّ سُبْحانَهُ مِن أنْباءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما قَصَّ، مُثْبِتًا لَهُ، وعَقَّبَهُ بِما أحْدَثَهُ الخَلَفُ، وذَكَرَ جَزاءَهم -عَقِبَهُ بِحِكايَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، رَدًّا لِما زَعَمَهُ المُشْرِكُونَ مِن أنَّهُ كانَ يَقْلُوهُ فَلا يَزُورُهُ، تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ، وإعْلامًا بِأنَّ الحالَ لَيْسَ عَلى ما زَعَمَهُ هَؤُلاءِ الخَلَفُ. فَقالَ سُبْحانَهُ:

مريم 19:63

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٢] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [٦٣] ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] . ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا﴾ أيْ: لا يَسْمَعُونَ فِيها فُضُولَ كَلامٍ لا طائِلَ تَحْتَهُ. وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ صُدُورِ اللَّغْوِ عَنْ أهْلِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِيهِ تَنْبِيهٌ ظاهِرٌ عَلى وُجُوبِ تَجَنُّبِ اللَّغْوِ واتِّقائِهِ. حَيْثُ نَزَّهَ اللَّهُ عَنْهُ الدّارَ الَّتِي لا تَكْلِيفَ فِيها. وما أحْسَنَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ اللَّغْوِ والجَهْلِ والخَوْضِ فِيما لا يَعْنِينا. (p-٤١٥٥)ومَعْنى: ﴿إلا سَلامًا﴾ أيْ: تَسْلِيمًا. تَسْلِيمَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ كَما قالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] وهُمُ المُتَّصِفُونَ بِشُعَبِ الإيمانِ، المَسْرُودَةِ في مَواضِعَ شَتّى مِن آيِ القُرْآنِ. ولِما قَصَّ سُبْحانَهُ مِن أنْباءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما قَصَّ، مُثْبِتًا لَهُ، وعَقَّبَهُ بِما أحْدَثَهُ الخَلَفُ، وذَكَرَ جَزاءَهم -عَقِبَهُ بِحِكايَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، رَدًّا لِما زَعَمَهُ المُشْرِكُونَ مِن أنَّهُ كانَ يَقْلُوهُ فَلا يَزُورُهُ، تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ، وإعْلامًا بِأنَّ الحالَ لَيْسَ عَلى ما زَعَمَهُ هَؤُلاءِ الخَلَفُ. فَقالَ سُبْحانَهُ:

مريم 19:64

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٤] ﴿وما نَتَنَـزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ . ﴿وما نَتَنَـزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أيْ: يَنْسى شَيْئًا ما، بَلْ لا يَفِيضُ عِلْمًا ولا يَنْزِلُ مَلَكًا إلّا لِحِكْمَةٍ يَسْتَعِدُّ لَها الحالُ، أيْ: فَلَيْسَ عَدَمُ النُّزُولِ إلّا لِعَدَمِ الأمْرِ بِهِ، ولَمْ يَكُنْ لِتَرْكِهِ تَعالى لَكَ وتَوْدِيعِهِ إيّاكَ. وفي إعادَةِ اسْمِ الرَّبِّ المُعْرِبِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ، مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن تَشْرِيفِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى:

مريم 19:65

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٥] ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ . ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: مِنَ التَّوابِعِ والنَّجْمِيّاتِ والسُّحُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ. (p-٤١٥٦)قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّماواتِ أكْثَرُ مِن سَبْعٍ. وأنَّ ذِكْرَ السَّبْعِ لَيْسَ لِلْحَصْرِ كَما قَدَّمْناهُ في البَقَرَةِ، مِن أنَّ السَّماواتِ عُنِيَ بِها الكَواكِبُ، والأرْضُ كَوْكَبٌ مِنها. قالَ أبُو السُّعُودِ: الآيَةُ بَيانٌ لِاسْتِحالَةِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ تَعالى. فَإنَّ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَحُومَ حَوْلَ ساحَةِ سُبُحاتِهِ الغَفْلَةُ والنِّسْيانُ. وهو خَبَرٌ مَحْذُوفٌ. أوْ بَدَلٌ مِن (رَبِّكَ) فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ أيِ: اثْبُتْ لَها عَلى الدَّوامِ. وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أيْ: مِثْلًا وكُفْؤًا، فَتَلْتَفِتُ إلَيْهِ وتُقْبِلُ بِوَجْهِكَ نَحْوَهُ، فَيَفِيضُ عَلَيْكَ مَطْلُوبُكَ. والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِوُجُوبِ عِبادَتِهِ وحْدَهُ. أيْ: إذا صَحَّ أنْ لا مِثْلَ لَهُ، ولا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّسْلِيمِ لِأمْرِهِ والقِيامِ بِعِبادَتِهِ، والِاصْطِبارِ عَلى مَشاقِّها.

مريم 19:66

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٦] ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ . ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ أيْ: يَقُولُ بِطَرِيقِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ: أأُخْرَجُ بَعْدَ ما لَبِثْتُ في القَبْرِ مُدَّةً.

مريم 19:67

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٧] ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ . ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ أيْ: قَبْلَ جَعْلِهِ تُرابًا ونُطْفَةً. وكانَ عَدَمًا صِرْفًا لا وُجُودَ لَهُ في الأعْيانِ. فَلا تَبْعُدُ إعادَتُهُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي الإظْهارِ مَوْضِعِ الإضْمارِ، زِيادَةُ التَّقْرِيرِ بِأنَّ الإنْسانِيَّةَ مِن دَواعِي التَّفَكُّرِ فِيما جَرى عَلَيْهِ مِن شُؤُونِ التَّكْوِينِ المُنْخِيَةِ بِالقَلْعِ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ. وهو السِّرُّ في إسْنادِهِ إلى الجِنْسِ أوْ إلى الفَرْدِ بِذَلِكَ العُنْوانِ. أيْ: ما أعْجَبَ الإنْسانَ في إنْكارِهِ وعَدَمِ تَذَكُّرِهِ لِما ذَكَرَ، وهو الَّذِي أعْطى العَقْلَ لِيَنْظُرَ في العَواقِبِ، وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، لِيَعْرِفَ المُنْعِمَ فَيَشْكُرُهُ، ويَعْبُدُهُ فَيُجازى عَلى فِعْلِهِ.

مريم 19:68

(p-٤١٥٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٨] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ . ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ﴾ أيْ: لَنَحْشُرَنَّ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مَعَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أغْوَوْهم وأضَلُّوهم عَنِ الحَقِّ: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ جَمْعُ جاثٍ. مِن جَثا إذا قَعَدَ عَلى رُكْبَتَيْهِ. وذَلِكَ لِهَوْلِ المَطْلَعِ. فَلا يَسْتَطِيعُونَ قِيامًا. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨]

مريم 19:69

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٩] ﴿ثُمَّ لَنَنْـزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ . ﴿ثُمَّ لَنَنْـزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ أيْ: لَنُخْرِجَنَّ إلى النّارِ، مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، الَّذِي هو أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ، الَّذِي رَحِمَهُ بِإنْزالِ الكِتابِ وإرْسالِ الرَّسُولِ وتَعْرِيفِ مَضارِّ الشَّهَواتِ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ ﴿عِتِيًّا﴾ أيْ: جَرّاءَةً، بِإيثارِ الشَّهَواتِ عَلى أمْرِهِ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِ.

مريم 19:70

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٠] ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ . ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ وهُمُ المُنْتَزِعُونَ. فَإنَّهم أوْلى الشِّيَعِ. إذْ ضَلُّوا، لِأجْلِ لَذّاتِ الدُّنْيا وشَهَواتِها. فَصارُوا أوْلى بِالصِّلِيِّ بِها. فَيَخُصُّونَ بِعَذابٍ مُضاعَفٍ.

مريم 19:71

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧١] ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ . ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ أيْ: لَيْسَ أحَدٌ مِنكُمْ، مِن بَرٍّ وفاجِرٍ، إلّا وهو يَرِدُها ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: حُكْمًا جَزْمًا مَقْطُوعًا بِهِ.

مريم 19:72

(p-٤١٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٢] ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ . ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ الوُرُودِ والإحْضارِ لِلتَّعْرِيفِ: ﴿نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ أيْ: لا يُمْكِنُهُمُ التَّجاوُزُ عَنْها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوُرُودِ، الجُثُوُّ حَوالَيْها. وأنَّ المُؤْمِنِينَ يُفارِقُونَ الكَفَرَةَ إلى الجَنَّةِ، بَعْدَ تَجاثِيهِمْ. وتَبْقى الكَفَرَةُ في مَكانِهِمْ جاثِينَ.

مريم 19:73

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٣] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ . ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ أيْ: مَوْضِعًا ومَكانًا: ﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أيْ: مُجْتَمَعًا لِلْقَوْمِ، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ تَعالى بَيِّنَةَ الحُجَّةِ واضِحَةَ البُرْهانِ عَلى مَقاصِدِها، أعْرَضُوا وأخَذُوا يَحْتَجُّونَ عَلى فَضْلِ ما هم عَلَيْهِ بِكَوْنِهِمْ أوْفَرَ حَظًّا مِنَ الدُّنْيا، لِكَوْنِهِمْ أحْسَنَ مَنازِلَ وأرْفَعَ دُورًا وأعْمَرَ نادِيًا وأكْثَرَ طارِقًا ووارِدًا، أيْ: فَكَيْفَ نَكُونُ ونَحْنُ بِهَذِهِ المَثابَةِ عَلى باطِلٍ، وأُولَئِكَ الَّذِينَ هم مُخْتَفُونَ في دارِ الأرْقَمِ بْنِ أبِي الأرْقَمِ عَلى الحَقِّ؟ كَما قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] وقالَ قَوْمُ نُوحٍ: ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] وقالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] وكَذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِمْ شُبْهَتَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

مريم 19:74

(p-٤١٥٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٤] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ . ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا﴾ أيْ: مَتاعًا: ﴿ورِئْيًا﴾ أيْ: مَنظَرًا وهَيْئَةً مِن عِظَمِ الجاهِ، فَما أغْنى عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا. كَما قالَ تَعالى عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُغْرَقِينَ:﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] و: ﴿ورِئْيًا﴾ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالطِّحْنِ.

مريم 19:75

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٥] ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ . ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ أيْ: مَن كانَ مَغْمُورًا بِالجَهْلِ والغَفْلَةِ عَنْ عَواقِبِ الأُمُورِ. وهُمُ المَذْكُورُونَ قَبْلُ، ومَن شاكَلَهم ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ أيْ: يَمُدُّ لَهُ ويُمْهِلُهُ بِطُولِ العُمُرِ وإعْطاءِ المالِ. وإخْراجُهُ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ، لِقَطْعِ المَعاذِيرِ. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] أوْ لِلِاسْتِدْراجِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] وقِيلَ المُرادُ بِهِ الدُّعاءُ بِالمَدِّ والتَّنْفِيسِ والإمْهالِ. أيْ: فَأمْهَلَهُ اللَّهُ فِيما هو فِيهِ حَتّى يَلْقى رَبَّهُ ويَنْقَضِيَ أجَلَهُ، إمّا بِعَذابٍ يُصِيبُهُ، وإمّا السّاعَةُ بَغْتَةً. وقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ غايَةَ المَدِّ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ أيْ: فِئَةً وأنْصارًا.

مريم 19:76

(p-٤١٦٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٦] ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ . ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ أيِ: الأعْمالُ الَّتِي تَبْقى فَوائِدُها: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ أيْ: مَرْجِعًا. وتَكْرِيرُ الخَيْرِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِهِ.

مريم 19:77

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٧] ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ . ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ: ﴿مالا ووَلَدًا﴾ أيِ: انْظُرْ إلى هَذا القائِلِ المُجْتَرِئِ عَلى الغَيْبِ ما أكْفَرَهُ.

مريم 19:78

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٨] ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ . ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أيْ: بِذَلِكَ، لِأنَّهُ لا يُتَوَصَّلُ إلى العِلْمِ بِهِ إلّا بِأحَدِ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ.

مريم 19:79

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٩] ﴿كَلا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ [٨٠] ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] . ﴿كَلا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ أيْ: نَحْفَظُهُ عَلَيْهِ لِلْمُؤاخَذَةِ بِهِ: ﴿ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ بِمُضاعَفَتِهِ لَهُ، جَزاءً لِاسْتِهْزائِهِ. ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] أيْ: نَنْزِعُ عَنْهُ ما آتَيْناهُ مِن مالٍ ووَلَدٍ، (p-٤١٦١)فَلا يَبْقَيانِ لَهُ حَتّى يُمْكِنَها قَطْعَ العَذابِ عَنْهُ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] أيْ: في الحَشْرِ، لا يَصْحَبُهُ مالٌ ولا ولَدٌ. فَما يُجْدِي عَلَيْهِ تَمَنِّيهِ وتَألِّيهِ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ: عَنْ خَبّابٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: كُنْتُ قَيِّنًا -حَدّادًا- في الجاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ. فَعَمِلْتُ لِلْعاصِ بْنِ وائِلٍ سَيْفًا، فَجِئْتُ أتَقاضاهُ فَقالَ: لا أقْضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. قُلْتُ: لَنْ أكْفُرَ بِهِ حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ. قالَ. فَذَرْنِي حَتّى أمُوتَ، ثُمَّ أُبْعَثَ فَسَوْفَ أُوتى مالًا ووَلَدًا فَأقْضِيكَ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَهُ في القُرْآنِ.

مريم 19:80

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٩] ﴿كَلا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ [٨٠] ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] . ﴿كَلا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ أيْ: نَحْفَظُهُ عَلَيْهِ لِلْمُؤاخَذَةِ بِهِ: ﴿ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ بِمُضاعَفَتِهِ لَهُ، جَزاءً لِاسْتِهْزائِهِ. ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] أيْ: نَنْزِعُ عَنْهُ ما آتَيْناهُ مِن مالٍ ووَلَدٍ، (p-٤١٦١)فَلا يَبْقَيانِ لَهُ حَتّى يُمْكِنَها قَطْعَ العَذابِ عَنْهُ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] أيْ: في الحَشْرِ، لا يَصْحَبُهُ مالٌ ولا ولَدٌ. فَما يُجْدِي عَلَيْهِ تَمَنِّيهِ وتَألِّيهِ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ: عَنْ خَبّابٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: كُنْتُ قَيِّنًا -حَدّادًا- في الجاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ. فَعَمِلْتُ لِلْعاصِ بْنِ وائِلٍ سَيْفًا، فَجِئْتُ أتَقاضاهُ فَقالَ: لا أقْضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. قُلْتُ: لَنْ أكْفُرَ بِهِ حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ. قالَ. فَذَرْنِي حَتّى أمُوتَ، ثُمَّ أُبْعَثَ فَسَوْفَ أُوتى مالًا ووَلَدًا فَأقْضِيكَ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَهُ في القُرْآنِ.

مريم 19:81

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨١] ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ . ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ أيْ: لِيَتَعَزَّزُوا بِهِمْ، بِأنْ يَكُونُوا لَهم وصْلَةً إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وشُفَعاءَ عِنْدَهُ.

مريم 19:82

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٢] ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ . ﴿كَلا﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، ولا يَكُونُ ما طَمِعُوا: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ أيْ: سَتَجْحَدُ الآلِهَةُ اسْتِحْقاقَهم لِلْعِبادَةِ: ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ أيْ: يُرِيدُونَ إهْلاكَهُمْ، إذا أوْقَعُوهم في هَلاكِ دَعْوى الشِّرْكِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ (p-٤١٦٢)فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦] قِيلَ: المُرادُ بِالآلِهَةِ مَن عُبِدَ مِن ذَوِي العِلْمِ. لِإطْلاقِ ضَمِيرِ العُقَلاءِ عَلَيْهِمْ ونُطْقِهِمْ. وقِيلَ: الأصْنامُ. بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِيهِمْ قُوَّةَ النُّطْقِ، فَيُطْلَقُ عَلَيْهِمْ ما يُطْلَقُ عَلى العُقَلاءِ. وقِيلَ: الأعَمُّ مِنهُما، وهو الأظْهَرُ.

مريم 19:83

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٣] ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ . ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: بِأنْ سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ ومَكَّنّاهم مِن إضْلالِهِمْ. أوْ قَيَّضْناهم لَهم يَغْلِبُونَ عَلَيْهِمْ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ أيْ: تُغْرِيهِمْ وتُهَيِّجُهم عَلى المَعاصِي، بِالتَّسْوِيلاتِ وتَحْبِيبِ الشَّهَواتِ، تَهْيِجًا شَدِيدًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأزُّ والهَزُّ والِاسْتِفْزازُ أخَواتٌ. ومَعْناها التَّهْيِيجُ وشِدَّةُ الإزْعاجِ والمُرادُ تَعْجِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَعْدَ الآياتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها العُتاةُ والمَرَدَةُ مِنَ الكُفّارِ، وأقاوِيلُهم ومَلّاحاتُهم ومُعانَدَتُهم لِلرُّسُلِ، واسْتِهْزاؤُهم واجْتِماعُهم عَلى دَفْعِ الحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ عَنْهُ، وانْهِماكُهم لِذَلِكَ في اتِّباعِ الشَّياطِينِ وما تُسَوِّلُ لَهم. فَهَذِهِ الآيَةُ كالتَّذْيِيلِ لِما قَبْلَها وقَوْلُهُ تَعالى:

مريم 19:84

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٤] ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ . ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِوُقُوعِ العَذابِ بِهِمْ لِتُطَهِّرَ الأرْضَ مِنهم. و(الفاءُ) لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ ما قَبْلَها مَظِنَّةً لِوُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ، مُحَوِّجَةً إلى النَّهْيِ. يُقالُ: عَجَّلْتَ عَلَيْهِ بِكَذا إذا اسْتَعْجَلْتَهُ مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجَبِ النَّهْيِ، بِبَيانِ اقْتِرابِ هَلاكِهِمْ. أيْ: إنَّما نُؤَخِّرُهم لِأجَلٍ مَعْدُودٍ مَضْبُوطٍ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (p-٤١٦٣)قالَ الشِّهابُ: العَدُّ كِنايَةٌ عَنِ القِلَّةِ. وقِلَّتُهُ لِتَقَضِّيهِ وفَنائِهِ، كَما قالَ المَأْمُونُ (ما كانَ ذا عَدَدٍ، لَيْسَ لَهُ مَدَدٌ، فَما أسْرَعَ ما نَفِدَ) ولا يُنافِي هَذا ما مَرَّ أنَّهُ يَمُدُّ لِمَن كانَ في الضَّلالَةِ. أيْ: يُطَوِّلُ. لِأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِظاهِرِ الحالِ عِنْدَهم. وهو قَلِيلٌ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِهِ وعِنْدَ اللَّهِ. ولِلَّهِ دَرُّ القائِلِ: ؎إنَّ الحَبِيبَ مِنَ الأحْبابِ مُخْتَلَسٌ لا يَمْنَعُ المَوْتَ بَوّابٌ ولا حَرَسُ ؎وكَيْفَ يَفْرَحُ بِالدُّنْيا ولَذَّتِها فَتًى ∗∗∗ يُعَدُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ والنَّفَسُ

مريم 19:85

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٥] ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ . ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ أيْ: وافِدِينَ عَلَيْهِ. وأصْلُ الوُفُودِ القُدُومُ عَلى العُظَماءِ لِلْعَطايا والِاسْتِرْفادِ. فَفِيهِ إشارَةٌ إلى تَبْجِيلِهِمْ وتَعْظِيمِهِمُ، المَزُورَ والزّائِرَ.

مريم 19:86

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦] ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ . ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ أيْ: عِطاشًا. وفي ذِكْرِهِمْ بِالسُّوقِ إشْعارٌ بِإهانَتِهِمْ واسْتِخْفافِهِمْ. كَأنَّهم نَعِمٌ عِطاشٌ تُساقُ إلى الماءِ. والوِرْدُ: الذَّهابُ إلى الماءِ، ويُطْلَقُ عَلى الذّاهِبِينَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

مريم 19:87

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٧] ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ . ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ الضَّمِيرُ لِأصْنامِهْمِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها في قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١] رَدٌّ عَلى عابِدِيهِمْ في دَعْواهم (p-٤١٦٤)أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. واتِّخاذُ العَهْدِ هو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. أيْ: لَكِنَّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَشْفَعُ لِلْعُصاةِ عَلى ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ العَهْدُ بِمَعْنى الإذْنِ والأمْرِ. يُقالُ: أخَذْتُ الإذْنَ في كَذا واتَّخَذْتُهُ بِمَعْنى. مِن بابِ عَهِدَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ بِكَذا إذا أمَرَهُ بِهِ. أيْ: لا يَشْفَعُ إلّا المَأْمُورُ بِالشَّفاعَةِ، المَأْذُونُ لَهُ فِيها. وتُعَضِّدُهُ مَواضِعُ في التَّنْزِيلِ: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ [طه: ١٠٩] ونَحْوَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ولَمّا قَرَّرَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ عُبُودِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَكَرَ خَلْقَهُ مِن مَرْيَمَ بِلا أبٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ حِكايَةَ جِنايَتِهِمْ مِن دَعْوى النُّبُوَّةِ لَهُ، مَهُولًا لِأمْرِها. وكَذا جِنايَةُ أمْثالِهِمْ مِنَ اليَهُودِ والعَرَبِ مِمَّنْ يُسَمِّي بَعْضَ المَخْلُوقاتِ ابْنًا أوْ بِنْتًا لَهُ، تَعالى وتَقَدَّسَ- عَطَفَ قِصَّتَهُ عَلى قِصَّتِهِ بِقَوْلِهِ:

مريم 19:88

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٨] ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [٨٩] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] . ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] أيْ: عَظِيمًا مُنْكَرًا. وفي رَدِّ مَقالَتِهِمْ وتَهْوِيلِ أمْرِها بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، إشْعارٌ بِشِدَّةِ الغَضَبِ المُفْصِحِ عَنْ غايَةِ التَّشْنِيعِ، والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِنِهايَةِ الوَقاحَةِ والجَراءَةِ والجَهْلِ.

مريم 19:89

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٨] ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [٨٩] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] . ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] أيْ: عَظِيمًا مُنْكَرًا. وفي رَدِّ مَقالَتِهِمْ وتَهْوِيلِ أمْرِها بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، إشْعارٌ بِشِدَّةِ الغَضَبِ المُفْصِحِ عَنْ غايَةِ التَّشْنِيعِ، والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِنِهايَةِ الوَقاحَةِ والجَراءَةِ والجَهْلِ.

مريم 19:90

ثُمَّ وصَفَ شِدَّةَ شَأْنِ مَقُولِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (p-٤١٦٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠] ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [٩١] ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] [٩٢] ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] [٩٣] ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] . ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ أيْ: يَتَشَقَّقْنَ: ﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ﴾ [مريم: ٩١] أيْ: لِأنْ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] وذَلِكَ لِغَيْرَتِها عَلى المَقامِ الرَّبّانِيِّ الأحَدِيِّ أنْ يُنْسَبَ لَهُ ما يُنَزَّهُ عَنْهُ ويُعِرْ بِحاجَتِهِ ووُجُودِ كُفْءٍ لَهُ وفَنائِهِ. وذَلِكَ لِأنَّ الوِلادَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ الحَيِّ الَّذِي لَهُ مِزاجٌ فَهو مُرَكَّبٌ ونِهايَتُهُ إلى انْحِلالٍ وفَناءٍ، وهو سُبْحانَهُ تَنَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] أيْ: مَمْلُوكًا لَهُ يَأْوِي إلَيْهِ بِالعُبُودِيَّةِ والذُّلِّ.

مريم 19:91

ثُمَّ وصَفَ شِدَّةَ شَأْنِ مَقُولِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (p-٤١٦٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠] ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [٩١] ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] [٩٢] ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] [٩٣] ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] . ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ أيْ: يَتَشَقَّقْنَ: ﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ﴾ [مريم: ٩١] أيْ: لِأنْ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] وذَلِكَ لِغَيْرَتِها عَلى المَقامِ الرَّبّانِيِّ الأحَدِيِّ أنْ يُنْسَبَ لَهُ ما يُنَزَّهُ عَنْهُ ويُعِرْ بِحاجَتِهِ ووُجُودِ كُفْءٍ لَهُ وفَنائِهِ. وذَلِكَ لِأنَّ الوِلادَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ الحَيِّ الَّذِي لَهُ مِزاجٌ فَهو مُرَكَّبٌ ونِهايَتُهُ إلى انْحِلالٍ وفَناءٍ، وهو سُبْحانَهُ تَنَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] أيْ: مَمْلُوكًا لَهُ يَأْوِي إلَيْهِ بِالعُبُودِيَّةِ والذُّلِّ.

مريم 19:92

ثُمَّ وصَفَ شِدَّةَ شَأْنِ مَقُولِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (p-٤١٦٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠] ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [٩١] ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] [٩٢] ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] [٩٣] ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] . ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ أيْ: يَتَشَقَّقْنَ: ﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ﴾ [مريم: ٩١] أيْ: لِأنْ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] وذَلِكَ لِغَيْرَتِها عَلى المَقامِ الرَّبّانِيِّ الأحَدِيِّ أنْ يُنْسَبَ لَهُ ما يُنَزَّهُ عَنْهُ ويُعِرْ بِحاجَتِهِ ووُجُودِ كُفْءٍ لَهُ وفَنائِهِ. وذَلِكَ لِأنَّ الوِلادَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ الحَيِّ الَّذِي لَهُ مِزاجٌ فَهو مُرَكَّبٌ ونِهايَتُهُ إلى انْحِلالٍ وفَناءٍ، وهو سُبْحانَهُ تَنَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] أيْ: مَمْلُوكًا لَهُ يَأْوِي إلَيْهِ بِالعُبُودِيَّةِ والذُّلِّ.

مريم 19:93

ثُمَّ وصَفَ شِدَّةَ شَأْنِ مَقُولِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (p-٤١٦٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠] ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [٩١] ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] [٩٢] ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] [٩٣] ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] . ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ أيْ: يَتَشَقَّقْنَ: ﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ﴾ [مريم: ٩١] أيْ: لِأنْ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] وذَلِكَ لِغَيْرَتِها عَلى المَقامِ الرَّبّانِيِّ الأحَدِيِّ أنْ يُنْسَبَ لَهُ ما يُنَزَّهُ عَنْهُ ويُعِرْ بِحاجَتِهِ ووُجُودِ كُفْءٍ لَهُ وفَنائِهِ. وذَلِكَ لِأنَّ الوِلادَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ الحَيِّ الَّذِي لَهُ مِزاجٌ فَهو مُرَكَّبٌ ونِهايَتُهُ إلى انْحِلالٍ وفَناءٍ، وهو سُبْحانَهُ تَنَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] أيْ: مَمْلُوكًا لَهُ يَأْوِي إلَيْهِ بِالعُبُودِيَّةِ والذُّلِّ.

مريم 19:94

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٤] ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ [٩٥] ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] . ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهُمْ﴾ أيْ: حَصَرَهم وأحاطَ بِهِمْ إحاطَةً لا يَخْرُجُ بِها أحَدٌ عَنْ حِيطَةِ عِلْمِهِ وقَبْضَةِ قُدْرَتِهِ: ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] أيْ: مُنْفَرِدًا مُجَرَّدًا مِنَ الأتْباعِ والأنْصارِ، وعَمَّنْ زَعَمَ أنَّهُ لَهُ مِنَ الشُّفَعاءِ. فَإنَّهم مِنهم بُرَآءُ.

مريم 19:95

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٤] ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ [٩٥] ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] . ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهُمْ﴾ أيْ: حَصَرَهم وأحاطَ بِهِمْ إحاطَةً لا يَخْرُجُ بِها أحَدٌ عَنْ حِيطَةِ عِلْمِهِ وقَبْضَةِ قُدْرَتِهِ: ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] أيْ: مُنْفَرِدًا مُجَرَّدًا مِنَ الأتْباعِ والأنْصارِ، وعَمَّنْ زَعَمَ أنَّهُ لَهُ مِنَ الشُّفَعاءِ. فَإنَّهم مِنهم بُرَآءُ.

مريم 19:96

ولَمّا فَصَّلَ مَساوِئَ الكَفَرَةِ، تَأثُّرَهُ بِمَحاسِنِ البَرَرَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: (p-٤١٦٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ . ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أيْ: يَغْرُسُ لَهم في قُلُوبِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ مَحَبَّةً ومَوَدَّةً، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْأسْبابِ الَّتِي تُكْسِبُ الوِدَّ. كَذا قالُوا في تَأْوِيلِهِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ أنَّهُ يَهَبُ لَهم ما يُحِبُّونَ. قالَ: والوِدُّ والمَحَبَّةُ سَواءٌ. آتَيْتُ فُلانًا مَحَبَّتَهُ. وجَعَلَ لَهم ما يُحِبُّونَ وجَعَلْتُ لَهُ وِدَّهُ. ومِن كَلامِهِمْ: ودِدْتُ لَوْ كانَ كَذا. أيْ: أحْبَبْتُ. فَمَعْناهُ سَيُعْطِيهِمُ الرَّحْمَنُ وِدَّهم أيْ: مَحْبُوبُهم في الجَنَّةِ. ثُمَّ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وهَذا القَوْلُ الثّانِي أوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: كَيْفَ يَصِحُّ القَوْلُ الأوَّلُ مَعَ عِلْمِنا بِأنَّ المُسْلِمَ المُتَّقِيَ يَبْغُضُهُ الكُفّارُ وقَدْ يَبْغُضُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ؟ وثانِيها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَحَبَّةِ قَدْ تَحْصُلُ لِلْكُفّارِ والفُسّاقِ أكْثَرَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ إنْعامًا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ؟ وثالِثُها: أنَّ مَحَبَّتَهم في قُلُوبِهِمْ مِن فِعْلِهِمْ. فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى إعْطاءِ المَنافِعِ الأُخْرَوِيَّةِ أوْلى. انْتَهى. وقَدْ حاوَلَ الرّازِيُّ التَّمْوِيهَ في اخْتِيارِ الأوَّلِ والجَوابِ عَنِ الثّانِي. والحَقُّ أحَقُّ. وقَوْلُهُ تَعالى:

مريم 19:97

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ . ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ أيْ: سَهَّلْنا هَذا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوْا عِقابَ اللَّهِ، بِأداءِ فَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، بِالجَنَّةِ: ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أيْ تُخَوِّفُ بِهَذا القُرْآنِ عَذابَ اللَّهِ قَوْمَكَ مِن بَنِي قُرَيْشٍ. فَإنَّهم أهْلُ لُدَدٍ وجَدَلٍ بِالباطِلِ، لا يَقْبَلُونَ الحَقَّ واللُّدَدُ شِدَّةُ الخُصُومَةِ. والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِلِسانِكَ﴾ بِمَعْنى عَلى. أيْ: عَلى لُغَتِكَ. أوْ ضَمَّنَ (التَّيْسِيرَ) مَعْنى (الإنْزالِ) أيْ: يَسَّرْنا القُرْآنَ، مُنْزِلِينَ لَهُ بِلُغَتِكَ، لِيَسْهُلَ تَبْلِيغُهُ وفَهْمُهُ وحِفْظُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ خاتِمَةُ السُّورَةِ ومَقْطَعُها. فَكَأنَّهُ قالَ: بَلِّغْ هَذا المُنْزَلَ، أوْ بَشِّرْ بِهِ وأنْذِرْ، فَإنَّما أنْزَلْناهُ إلَخْ، أيْ: فالفاءُ لِتَعْلِيلِ أمْرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ. (p-٤١٦٧)وقالَ الرّازِيُّ: بَيَّنَ بِهِ بِهَذا، عَظِيمَ مَوْقِعِ هَذِهِ السُّورَةِ، لِما فِيها مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، والرَّدِّ عَلى فِرَقِ المُضِلِّينَ المُبْطِلِينَ. وأنَّهُ يَسَّرَ ذَلِكَ لِتَبْشِيرِ المُتَّقِينَ وإنْذارِ مَن خالَفَهُمْ، وقَدْ ذَكَّرَهم بِأبْلَغِ وصْفِ شَيِّءٍ وهو اللَّدَدُ. لِأنَّ الألَدَّ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِالباطِلِ ويُجادِلُ فِيهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِمَوْعِظَةٍ بَلِيغَةٍ، فَقالَ تَعالى:

مريم 19:98

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٨] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ . ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ أيْ: قَوْمٍ لُدٍّ، مِثْلَ هَؤُلاءِ، إهْلاكًا عَظِيمًا: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ أيْ: تَشْعُرُ بِهِ وتَراهُ: ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ أيْ: صَوْتًا خَفِيًّا. والمَعْنى أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا وخَلَتْ مِنهم دُورُهم وأوْحَشَتْ مِنهم مَنازِلُهم. وكَذَلِكَ هَؤُلاءِ صائِرُونَ إلى ما صارَ إلَيْهِ أُولَئِكَ، إنْ لَمْ يَتَدارَكُوا بِالتَّوْبَةِ.

طه 20:1

(p-٤١٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ طَهَ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وقِيلَ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠] الآيَةَ. وقَوْلَهُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] الآيَةَ، وآياتُها مِائَةٌ وخَمْسٌ وثَلاثُونَ. (p-٤١٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿طه﴾ [٢] ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] [٣] ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٣] . ﴿طه﴾ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ في هَذِهِ الحُرُوفِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِها سُوَرُها، أنَّها أسْماءٌ لَها. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّها مُؤَلَّفَةٌ مِنها. ومَعَ ذَلِكَ فَفي عَجْزِهِمْ عَنْ مُحاكاتِها أبْلَغُ آيَةٍ عَلى صِدْقِها. ونَبَّهَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى نُكْتَةٍ أُخْرى في (الكافِيَةِ الشّافِيَةِ) بِقَوْلِهِ: ؎وانْظُرْ إلى السُّوَرِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِأحْـ ــرُفِها تُرى سِرًّا عَظِيمَ الشّانِ ؎لَمْ يَأْتِ قَطُّ بِسُورَةٍ إلّا أتى ∗∗∗ في إثْرِها خَبَرٌ عَنِ القُرْآنِ ؎إذْ كانَ إخْبارًا بِهِ عَنْها. وفي ∗∗∗ هَذا الشِّفاءُ لِطالِبِ الإيمانِ ؎ويَدُلُّ أنَّ كَلامَهُ هو نَفْسُها ∗∗∗ لا غَيْرُها، والحَقُّ ذُو تِبْيانِ ؎فانْظُرْ إلى مَبْدا الكِتابِ وبَعْدَها الـ ∗∗∗ أعْرافُ ثُمَّ كَذا إلى لُقْمانِ ؎مَعَ تِلْوِها أيْضًا ومَعَ حَمَ مَعَ ∗∗∗ يَسَ وافْهَمْ مُقْتَضى الفُرْقانِ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] أيْ: لِتَتْعَبَ بِفَرْطِ تَأسُّفِكَ عَلَيْهِمْ وعَلى كُفْرِهِمْ، وتَحَسُّرِكَ عَلى أنْ يُؤْمِنُوا و(الشَّقاءُ) في مَعْنى التَّعَبِ. ومِنهُ المَثَلُ: أشْقى مِن رائِضِ مُهْرٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٣] أيْ: تَذْكِيرًا لَهُ. أيْ: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَتْعَبَ بِتَبْلِيغِهِ، ولَكِنْ تَذْكِرَةً لِمَن في قَلْبِهِ خَشْيَةٌ ورِقَّةٌ يَتَأثَّرُ بِالإنْذارِ. والقَصْدُ أنَّهُ ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَ وتُذَكِّرَ، ولَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكَ أنْ يُؤْمِنُوا لا مَحالَةَ. وقَدْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ (p-٤١٧٠)فِي خِطابِ الرَّسُولِ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ، أنْ يَنْهاهُ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وضِيقِ الصَّدْرِ بِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢]، ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]، ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا البابِ أيْضًا. وفِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِن تَكْرِيمِ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وحُسْنِ العِنايَةِ بِهِ والرَّأْفَةِ، ما لا يَخْفى. ثُمَّ أشارَ إلى تَضْخِيمِ شَأْنِ هَذا المُنْزَلِ الكَرِيمِ، لِنِسْبَتِهِ إلى المُتَفَرِّدِ بِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، بِقَوْلِهِ:

طه 20:2

(p-٤١٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ طَهَ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وقِيلَ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠] الآيَةَ. وقَوْلَهُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] الآيَةَ، وآياتُها مِائَةٌ وخَمْسٌ وثَلاثُونَ. (p-٤١٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿طه﴾ [٢] ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] [٣] ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٣] . ﴿طه﴾ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ في هَذِهِ الحُرُوفِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِها سُوَرُها، أنَّها أسْماءٌ لَها. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّها مُؤَلَّفَةٌ مِنها. ومَعَ ذَلِكَ فَفي عَجْزِهِمْ عَنْ مُحاكاتِها أبْلَغُ آيَةٍ عَلى صِدْقِها. ونَبَّهَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى نُكْتَةٍ أُخْرى في (الكافِيَةِ الشّافِيَةِ) بِقَوْلِهِ: ؎وانْظُرْ إلى السُّوَرِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِأحْـ ــرُفِها تُرى سِرًّا عَظِيمَ الشّانِ ؎لَمْ يَأْتِ قَطُّ بِسُورَةٍ إلّا أتى ∗∗∗ في إثْرِها خَبَرٌ عَنِ القُرْآنِ ؎إذْ كانَ إخْبارًا بِهِ عَنْها. وفي ∗∗∗ هَذا الشِّفاءُ لِطالِبِ الإيمانِ ؎ويَدُلُّ أنَّ كَلامَهُ هو نَفْسُها ∗∗∗ لا غَيْرُها، والحَقُّ ذُو تِبْيانِ ؎فانْظُرْ إلى مَبْدا الكِتابِ وبَعْدَها الـ ∗∗∗ أعْرافُ ثُمَّ كَذا إلى لُقْمانِ ؎مَعَ تِلْوِها أيْضًا ومَعَ حَمَ مَعَ ∗∗∗ يَسَ وافْهَمْ مُقْتَضى الفُرْقانِ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] أيْ: لِتَتْعَبَ بِفَرْطِ تَأسُّفِكَ عَلَيْهِمْ وعَلى كُفْرِهِمْ، وتَحَسُّرِكَ عَلى أنْ يُؤْمِنُوا و(الشَّقاءُ) في مَعْنى التَّعَبِ. ومِنهُ المَثَلُ: أشْقى مِن رائِضِ مُهْرٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٣] أيْ: تَذْكِيرًا لَهُ. أيْ: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَتْعَبَ بِتَبْلِيغِهِ، ولَكِنْ تَذْكِرَةً لِمَن في قَلْبِهِ خَشْيَةٌ ورِقَّةٌ يَتَأثَّرُ بِالإنْذارِ. والقَصْدُ أنَّهُ ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَ وتُذَكِّرَ، ولَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكَ أنْ يُؤْمِنُوا لا مَحالَةَ. وقَدْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ (p-٤١٧٠)فِي خِطابِ الرَّسُولِ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ، أنْ يَنْهاهُ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وضِيقِ الصَّدْرِ بِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢]، ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]، ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا البابِ أيْضًا. وفِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِن تَكْرِيمِ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وحُسْنِ العِنايَةِ بِهِ والرَّأْفَةِ، ما لا يَخْفى. ثُمَّ أشارَ إلى تَضْخِيمِ شَأْنِ هَذا المُنْزَلِ الكَرِيمِ، لِنِسْبَتِهِ إلى المُتَفَرِّدِ بِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، بِقَوْلِهِ:

طه 20:3

(p-٤١٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ طَهَ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وقِيلَ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠] الآيَةَ. وقَوْلَهُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] الآيَةَ، وآياتُها مِائَةٌ وخَمْسٌ وثَلاثُونَ. (p-٤١٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿طه﴾ [٢] ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] [٣] ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٣] . ﴿طه﴾ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ في هَذِهِ الحُرُوفِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِها سُوَرُها، أنَّها أسْماءٌ لَها. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّها مُؤَلَّفَةٌ مِنها. ومَعَ ذَلِكَ فَفي عَجْزِهِمْ عَنْ مُحاكاتِها أبْلَغُ آيَةٍ عَلى صِدْقِها. ونَبَّهَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى نُكْتَةٍ أُخْرى في (الكافِيَةِ الشّافِيَةِ) بِقَوْلِهِ: ؎وانْظُرْ إلى السُّوَرِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِأحْـ ــرُفِها تُرى سِرًّا عَظِيمَ الشّانِ ؎لَمْ يَأْتِ قَطُّ بِسُورَةٍ إلّا أتى ∗∗∗ في إثْرِها خَبَرٌ عَنِ القُرْآنِ ؎إذْ كانَ إخْبارًا بِهِ عَنْها. وفي ∗∗∗ هَذا الشِّفاءُ لِطالِبِ الإيمانِ ؎ويَدُلُّ أنَّ كَلامَهُ هو نَفْسُها ∗∗∗ لا غَيْرُها، والحَقُّ ذُو تِبْيانِ ؎فانْظُرْ إلى مَبْدا الكِتابِ وبَعْدَها الـ ∗∗∗ أعْرافُ ثُمَّ كَذا إلى لُقْمانِ ؎مَعَ تِلْوِها أيْضًا ومَعَ حَمَ مَعَ ∗∗∗ يَسَ وافْهَمْ مُقْتَضى الفُرْقانِ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] أيْ: لِتَتْعَبَ بِفَرْطِ تَأسُّفِكَ عَلَيْهِمْ وعَلى كُفْرِهِمْ، وتَحَسُّرِكَ عَلى أنْ يُؤْمِنُوا و(الشَّقاءُ) في مَعْنى التَّعَبِ. ومِنهُ المَثَلُ: أشْقى مِن رائِضِ مُهْرٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٣] أيْ: تَذْكِيرًا لَهُ. أيْ: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَتْعَبَ بِتَبْلِيغِهِ، ولَكِنْ تَذْكِرَةً لِمَن في قَلْبِهِ خَشْيَةٌ ورِقَّةٌ يَتَأثَّرُ بِالإنْذارِ. والقَصْدُ أنَّهُ ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَ وتُذَكِّرَ، ولَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكَ أنْ يُؤْمِنُوا لا مَحالَةَ. وقَدْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ (p-٤١٧٠)فِي خِطابِ الرَّسُولِ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ، أنْ يَنْهاهُ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وضِيقِ الصَّدْرِ بِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢]، ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]، ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا البابِ أيْضًا. وفِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِن تَكْرِيمِ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وحُسْنِ العِنايَةِ بِهِ والرَّأْفَةِ، ما لا يَخْفى. ثُمَّ أشارَ إلى تَضْخِيمِ شَأْنِ هَذا المُنْزَلِ الكَرِيمِ، لِنِسْبَتِهِ إلى المُتَفَرِّدِ بِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، بِقَوْلِهِ:

طه 20:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤] ﴿تَنْـزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ [٥] ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] . ﴿تَنْـزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٥] قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ. أيْ: هو الرَّحْمَنُ. وبِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَوْصُولِ. وقَوْلُهُ: عَلى العَرْشِ اسْتَوى أيْ: عَلا وارْتَفَعَ. قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ ذَهَبَ الخَلَفُ إلى جَعْلِ ذَلِكَ مَجازًا عَنِ المُلْكِ والسُّلْطانِ. كَقَوْلِهِمُ: اسْتَوى فُلانٌ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ، وإنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلى السَّرِيرِ أصْلًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ أيْضًا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَسْلَكُ الأسْلَمُ في ذَلِكَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ، مِن إمْرارِ ما جاءَ في ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، مِن غَيْرِ تَكْيِيفٍ ولا تَحْرِيفٍ ولا تَشْبِيهٍ ولا تَعْطِيلٍ ولا تَمْثِيلٍ. وقَدْ أسْلَفْنا ما حَقَّقَتْهُ أئِمَّةُ الفَلَكِ الحَدِيثِ؛ مِن أنَّ العَرْشَ جُرْمٌ حَقِيقِيٌّ مَوْجُودٌ وأنَّهُ مَرْكَزُ العَوالَمِ كُلِّها. أيْ: مَرْكَزُ الجَذْبِ والتَّدْبِيرِ والتَّأْثِيرِ والنِّظامِ.

طه 20:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤] ﴿تَنْـزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ [٥] ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] . ﴿تَنْـزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٥] قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ. أيْ: هو الرَّحْمَنُ. وبِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَوْصُولِ. وقَوْلُهُ: عَلى العَرْشِ اسْتَوى أيْ: عَلا وارْتَفَعَ. قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ ذَهَبَ الخَلَفُ إلى جَعْلِ ذَلِكَ مَجازًا عَنِ المُلْكِ والسُّلْطانِ. كَقَوْلِهِمُ: اسْتَوى فُلانٌ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ، وإنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلى السَّرِيرِ أصْلًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ أيْضًا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَسْلَكُ الأسْلَمُ في ذَلِكَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ، مِن إمْرارِ ما جاءَ في ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، مِن غَيْرِ تَكْيِيفٍ ولا تَحْرِيفٍ ولا تَشْبِيهٍ ولا تَعْطِيلٍ ولا تَمْثِيلٍ. وقَدْ أسْلَفْنا ما حَقَّقَتْهُ أئِمَّةُ الفَلَكِ الحَدِيثِ؛ مِن أنَّ العَرْشَ جُرْمٌ حَقِيقِيٌّ مَوْجُودٌ وأنَّهُ مَرْكَزُ العَوالَمِ كُلِّها. أيْ: مَرْكَزُ الجَذْبِ والتَّدْبِيرِ والتَّأْثِيرِ والنِّظامِ.

طه 20:6

(p-٤١٧١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦] ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ . ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ بَيانٌ لِشُمُولِ قَهْرِهِ ومَلَكَتِهِ لِلْكُلِّ. أيْ: كُلُّها تَحْتَ مَلَكَتِهِ وقَهْرِهِ وسَلْطَنَتِهِ وتَأْثِيرِهِ. لا تُوجَدُ ولا تَتَحَرَّكُ ولا تَسْكُنُ ولا تَتَغَيَّرُ ولا تَثْبُتُ إلّا بِأمْرِهِ.

طه 20:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧] ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ . ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ بَيانٌ لِكَمالِ لُطْفِهِ. أيْ: عِلْمُهُ نافِذٌ في الكُلِّ. يَعْلَمُ ظَواهِرَها وبَواطِنَها والسِّرَّ وسِرَّ السِّرِّ. فَكَذَلِكَ إنْ تَجْهَرْ وإنْ تَخْفَتْ، فَيَعْلَمُهُ بِجَهْرٍ وخَفْتٍ.

طه 20:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ . ﴿اللَّهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ المُنْزِلُ المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ هو اللَّهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ أيِ: الفُضْلى، لِدَلالَتِها عَلى مَعانِي التَّقْدِيسِ والتَّمْجِيدِ والتَّعْظِيمِ والرُّبُوبِيَّةِ والأفْعالِ الَّتِي هي النِّهايَةُ في الحُسْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

طه 20:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩ - ١٠] ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] . ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ مِن عَطْفِ القِصَّةِ أوِ اسْتِئْنافٌ. والقَصْدُ تَقْرِيرُ أمْرِ (p-٤١٧٢)التَّوْحِيدِ الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ الآيَةُ قَبْلَهُ، بِبَيانِ أنَّهُ دَعْوى كُلِّ نَبِيٍّ لا سِيَّما أشْهَرُهم نَبَأً، وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. فَقَدْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾ [طه: ١٤] وبِهِ خَتَمَ تَعالى نَبَأهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [طه: ٩٨] أوْ تَقْرِيرٌ لِسِعَةِ عِلْمِهِ المُبِينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ [طه: ٧] إلَخْ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] أوَّلُهُما مَعًا. أوْ لِحَمْلِهِ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَلى التَّأسِّي بِمُوسى في الصَّبْرِ والثَّباتِ. لِكَوْنِهِ ابْتُلِيَ بِأعْظَمِ مِن هَذا فَصَبَرَ، وكانَتِ العاقِبَةُ لَهُ. وقَدْ أُشِيرَ في طَلِيعَةِ نَبَأِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إلى كَيْفِيَّةِ ابْتِداءِ الوَحْيِ إلَيْهِ، وتَكْلِيمِهِ تَعالى إيّاهُ. وذَلِكَ بَعْدَ أنْ قَضى مُوسى الأجَلَ الَّذِي كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ صِهْرِهِ في رِعايَةِ الغَنَمِ. وصارَ بِأهْلِهِ قاصِدًا بِلادَ مِصْرَ، بَعْدَ ما طالَتْ غَيْبَتُهُ عَنْها ومَعَهُ زَوْجَتُهُ. فَأضَلَّ الطَّرِيقَ. وكانَتْ لَيْلَةً شاتِيَةً، ونَزَلَ مَنزِلًا بَيْنَ شِعابٍ وجِبالٍ في بَرْدٍ وشِتاءٍ. وبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا، كَما قَصَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [طه: ١٠] أيْ: أبْصَرْتُها إبْصارًا بَيِّنًا لا شُبْهَةَ فِيهِ: ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠] أيْ: بِشُعْلَةٍ مُقْتَبَسَةٍ تَصْطَلُونَ بِها: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] أيْ: هادِيًا يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ.

طه 20:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩ - ١٠] ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] . ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ مِن عَطْفِ القِصَّةِ أوِ اسْتِئْنافٌ. والقَصْدُ تَقْرِيرُ أمْرِ (p-٤١٧٢)التَّوْحِيدِ الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ الآيَةُ قَبْلَهُ، بِبَيانِ أنَّهُ دَعْوى كُلِّ نَبِيٍّ لا سِيَّما أشْهَرُهم نَبَأً، وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. فَقَدْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾ [طه: ١٤] وبِهِ خَتَمَ تَعالى نَبَأهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [طه: ٩٨] أوْ تَقْرِيرٌ لِسِعَةِ عِلْمِهِ المُبِينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ [طه: ٧] إلَخْ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] أوَّلُهُما مَعًا. أوْ لِحَمْلِهِ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَلى التَّأسِّي بِمُوسى في الصَّبْرِ والثَّباتِ. لِكَوْنِهِ ابْتُلِيَ بِأعْظَمِ مِن هَذا فَصَبَرَ، وكانَتِ العاقِبَةُ لَهُ. وقَدْ أُشِيرَ في طَلِيعَةِ نَبَأِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إلى كَيْفِيَّةِ ابْتِداءِ الوَحْيِ إلَيْهِ، وتَكْلِيمِهِ تَعالى إيّاهُ. وذَلِكَ بَعْدَ أنْ قَضى مُوسى الأجَلَ الَّذِي كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ صِهْرِهِ في رِعايَةِ الغَنَمِ. وصارَ بِأهْلِهِ قاصِدًا بِلادَ مِصْرَ، بَعْدَ ما طالَتْ غَيْبَتُهُ عَنْها ومَعَهُ زَوْجَتُهُ. فَأضَلَّ الطَّرِيقَ. وكانَتْ لَيْلَةً شاتِيَةً، ونَزَلَ مَنزِلًا بَيْنَ شِعابٍ وجِبالٍ في بَرْدٍ وشِتاءٍ. وبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا، كَما قَصَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [طه: ١٠] أيْ: أبْصَرْتُها إبْصارًا بَيِّنًا لا شُبْهَةَ فِيهِ: ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠] أيْ: بِشُعْلَةٍ مُقْتَبَسَةٍ تَصْطَلُونَ بِها: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] أيْ: هادِيًا يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ.

طه 20:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١] ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ [١٢] ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] . ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيِ: النّارَ: ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] أيْ فَيَجِبُ فِيهِ رِعايَةُ الأدَبِ، بِتَعْظِيمِهِ واحْتِرامِهِ لِتَجَلِّي الحَقِّ فِيهِ، كَما يُراعى أدَبُ القِيامِ عِنْدَ المُلُوكِ (وطُوًى): اسْمٌ لِلْوادِي.

طه 20:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١] ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ [١٢] ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] . ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيِ: النّارَ: ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] أيْ فَيَجِبُ فِيهِ رِعايَةُ الأدَبِ، بِتَعْظِيمِهِ واحْتِرامِهِ لِتَجَلِّي الحَقِّ فِيهِ، كَما يُراعى أدَبُ القِيامِ عِنْدَ المُلُوكِ (وطُوًى): اسْمٌ لِلْوادِي.

طه 20:13

(p-٤١٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣] ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [١٤] ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] [١٥] ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] . ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ لِلنُّبُوَّةِ: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ أيْ: لِلَّذِي يُوحى. أوْ لِلْوَحْيِ. ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] أيْ: خُصَّنِي بِالعِبادَةِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أيْ: لِتَذْكُرَنِي فِيها بِقَلْبِكَ ولِسانِكَ وسائِرِ جَوارِحِكَ، بِأنْ تَجْعَلَ حَرَكاتِها دالَّةً عَلى ما في القَلْبِ واللِّسانِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: خُصَّتِ الصَّلاةُ بِالذِّكْرِ وأُفْرِدَتْ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ، لِفَضْلِها وإنافَتِها عَلى سائِرِ العِباداتِ، بِما نِيطَتْ بِهِ مِن ذِكْرِ المَعْبُودِ وشَغْلِ القَلْبِ واللِّسانِ بِذِكْرِهِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أيْ: لِتَذْكُرَنِي. فَإنَّ ذِكْرِي كَما يَنْبَغِي لا يَتَحَقَّقُ إلّا في ضِمْنِ العِبادَةِ والصَّلاةِ. أوْ لِتَذْكُرَنِي فِيها لِاشْتِمالِها عَلى الأذْكارِ. أوْ لِذِكْرِي خاصَّةً لا تَشُوبُهُ بِذِكْرِ غَيْرِي. أوْ لِإخْلاصِ ذِكْرِي وابْتِغاءِ وجْهِي. لا تُرائِي بِها، ولا تَقْصِدْ بِها غَرَضًا آخَرَ. أوْ لِتَكُونَ ذاكِرًا لِي غَيْرَ ناسٍ. انْتَهى. ثُمَّ أشارَ إلى وُجُوبِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ لِذِكْرِهِ. بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥] أيْ: واقِعَةٌ لا مَحالَةَ: ﴿أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] أيْ: بِسَعْيِها عَنِ اخْتِيارٍ مِنها. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(آتِيَةٌ). ولَمّا كانَ خَفاءُ السّاعَةِ مِنَ اليَقِينِيّاتِ وفي (كادَ) مَعْنى القُرْبِ مِن ذَلِكَ، لِعَدَمِ وضْعِها لِلْجَزْمِ بِالفِعْلِ، تَأوَّلُوا الآيَةَ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ (كادَ) مِنهُ تَعالى واجِبٌ. والمَعْنى أنا أُخْفِيها عَنِ الخَلْقِ. كَقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: هو قَرِيبٌ. ثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: (أكادُ) بِمَعْنى أُرِيدُ كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] (p-٤١٧٤)ومِن أمْثالِهِمُ المُتَداوَلَةِ: (لا أفْعَلُ ذَلِكَ ولا أكادُ)، أيْ: ولا أُرِيدُ أنْ أفْعَلَهُ. قالَ الشِّهابُ: تَفْسِيرُ (أكادُ) بِـ(أُرِيدُ) هو أحَدُ مَعانِيها. كَما نَقَلَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في (المُحْتَسِبِ) عَنِ الأخْفَشِ. واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ؎كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى بِمَعْنى أرادَتْ. لِقَوْلِهِ: تِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ. ثالِثُها: أنَّ (أكادُ) صِلَةٌ في الكَلامِ. قالَ زَيْدُ الخَيْلِ: ؎سَرِيعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحَهُ ∗∗∗ فَما إنْ يَكادُ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ رابِعُها: أنَّ المَعْنى أكادُ أُخْفِيها فَلا أذْكُرُها إجْمالًا ولا أقُولُ هي آتِيَةٌ. وذَلِكَ لِفَرْطِ إرادَتِهِ تَعالى إخْفاءَها. إلّا أنَّ في إجْمالِ ذِكْرِها حِكْمَةً، وهي اللُّطْفُ بِالمُؤْمِنِينَ، لِحَثِّهِمْ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَطْعِ أعْذارِ غَيْرِهِمْ حَتّى لا يَعْتَذِرُوا بِعَدَمِ العِلْمِ. وثَمَّةَ وُجُوهٌ أُخَرُ لا تَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ، وإنِ اتَّسَعَ اللَّفْظُ لَها. وقَوْلُهُ تَعالى:

طه 20:14

(p-٤١٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣] ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [١٤] ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] [١٥] ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] . ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ لِلنُّبُوَّةِ: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ أيْ: لِلَّذِي يُوحى. أوْ لِلْوَحْيِ. ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] أيْ: خُصَّنِي بِالعِبادَةِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أيْ: لِتَذْكُرَنِي فِيها بِقَلْبِكَ ولِسانِكَ وسائِرِ جَوارِحِكَ، بِأنْ تَجْعَلَ حَرَكاتِها دالَّةً عَلى ما في القَلْبِ واللِّسانِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: خُصَّتِ الصَّلاةُ بِالذِّكْرِ وأُفْرِدَتْ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ، لِفَضْلِها وإنافَتِها عَلى سائِرِ العِباداتِ، بِما نِيطَتْ بِهِ مِن ذِكْرِ المَعْبُودِ وشَغْلِ القَلْبِ واللِّسانِ بِذِكْرِهِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أيْ: لِتَذْكُرَنِي. فَإنَّ ذِكْرِي كَما يَنْبَغِي لا يَتَحَقَّقُ إلّا في ضِمْنِ العِبادَةِ والصَّلاةِ. أوْ لِتَذْكُرَنِي فِيها لِاشْتِمالِها عَلى الأذْكارِ. أوْ لِذِكْرِي خاصَّةً لا تَشُوبُهُ بِذِكْرِ غَيْرِي. أوْ لِإخْلاصِ ذِكْرِي وابْتِغاءِ وجْهِي. لا تُرائِي بِها، ولا تَقْصِدْ بِها غَرَضًا آخَرَ. أوْ لِتَكُونَ ذاكِرًا لِي غَيْرَ ناسٍ. انْتَهى. ثُمَّ أشارَ إلى وُجُوبِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ لِذِكْرِهِ. بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥] أيْ: واقِعَةٌ لا مَحالَةَ: ﴿أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] أيْ: بِسَعْيِها عَنِ اخْتِيارٍ مِنها. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(آتِيَةٌ). ولَمّا كانَ خَفاءُ السّاعَةِ مِنَ اليَقِينِيّاتِ وفي (كادَ) مَعْنى القُرْبِ مِن ذَلِكَ، لِعَدَمِ وضْعِها لِلْجَزْمِ بِالفِعْلِ، تَأوَّلُوا الآيَةَ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ (كادَ) مِنهُ تَعالى واجِبٌ. والمَعْنى أنا أُخْفِيها عَنِ الخَلْقِ. كَقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: هو قَرِيبٌ. ثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: (أكادُ) بِمَعْنى أُرِيدُ كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] (p-٤١٧٤)ومِن أمْثالِهِمُ المُتَداوَلَةِ: (لا أفْعَلُ ذَلِكَ ولا أكادُ)، أيْ: ولا أُرِيدُ أنْ أفْعَلَهُ. قالَ الشِّهابُ: تَفْسِيرُ (أكادُ) بِـ(أُرِيدُ) هو أحَدُ مَعانِيها. كَما نَقَلَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في (المُحْتَسِبِ) عَنِ الأخْفَشِ. واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ؎كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى بِمَعْنى أرادَتْ. لِقَوْلِهِ: تِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ. ثالِثُها: أنَّ (أكادُ) صِلَةٌ في الكَلامِ. قالَ زَيْدُ الخَيْلِ: ؎سَرِيعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحَهُ ∗∗∗ فَما إنْ يَكادُ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ رابِعُها: أنَّ المَعْنى أكادُ أُخْفِيها فَلا أذْكُرُها إجْمالًا ولا أقُولُ هي آتِيَةٌ. وذَلِكَ لِفَرْطِ إرادَتِهِ تَعالى إخْفاءَها. إلّا أنَّ في إجْمالِ ذِكْرِها حِكْمَةً، وهي اللُّطْفُ بِالمُؤْمِنِينَ، لِحَثِّهِمْ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَطْعِ أعْذارِ غَيْرِهِمْ حَتّى لا يَعْتَذِرُوا بِعَدَمِ العِلْمِ. وثَمَّةَ وُجُوهٌ أُخَرُ لا تَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ، وإنِ اتَّسَعَ اللَّفْظُ لَها. وقَوْلُهُ تَعالى:

طه 20:15

(p-٤١٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣] ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [١٤] ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] [١٥] ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] . ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ لِلنُّبُوَّةِ: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ أيْ: لِلَّذِي يُوحى. أوْ لِلْوَحْيِ. ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] أيْ: خُصَّنِي بِالعِبادَةِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أيْ: لِتَذْكُرَنِي فِيها بِقَلْبِكَ ولِسانِكَ وسائِرِ جَوارِحِكَ، بِأنْ تَجْعَلَ حَرَكاتِها دالَّةً عَلى ما في القَلْبِ واللِّسانِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: خُصَّتِ الصَّلاةُ بِالذِّكْرِ وأُفْرِدَتْ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ، لِفَضْلِها وإنافَتِها عَلى سائِرِ العِباداتِ، بِما نِيطَتْ بِهِ مِن ذِكْرِ المَعْبُودِ وشَغْلِ القَلْبِ واللِّسانِ بِذِكْرِهِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أيْ: لِتَذْكُرَنِي. فَإنَّ ذِكْرِي كَما يَنْبَغِي لا يَتَحَقَّقُ إلّا في ضِمْنِ العِبادَةِ والصَّلاةِ. أوْ لِتَذْكُرَنِي فِيها لِاشْتِمالِها عَلى الأذْكارِ. أوْ لِذِكْرِي خاصَّةً لا تَشُوبُهُ بِذِكْرِ غَيْرِي. أوْ لِإخْلاصِ ذِكْرِي وابْتِغاءِ وجْهِي. لا تُرائِي بِها، ولا تَقْصِدْ بِها غَرَضًا آخَرَ. أوْ لِتَكُونَ ذاكِرًا لِي غَيْرَ ناسٍ. انْتَهى. ثُمَّ أشارَ إلى وُجُوبِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ لِذِكْرِهِ. بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥] أيْ: واقِعَةٌ لا مَحالَةَ: ﴿أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] أيْ: بِسَعْيِها عَنِ اخْتِيارٍ مِنها. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(آتِيَةٌ). ولَمّا كانَ خَفاءُ السّاعَةِ مِنَ اليَقِينِيّاتِ وفي (كادَ) مَعْنى القُرْبِ مِن ذَلِكَ، لِعَدَمِ وضْعِها لِلْجَزْمِ بِالفِعْلِ، تَأوَّلُوا الآيَةَ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ (كادَ) مِنهُ تَعالى واجِبٌ. والمَعْنى أنا أُخْفِيها عَنِ الخَلْقِ. كَقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: هو قَرِيبٌ. ثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: (أكادُ) بِمَعْنى أُرِيدُ كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] (p-٤١٧٤)ومِن أمْثالِهِمُ المُتَداوَلَةِ: (لا أفْعَلُ ذَلِكَ ولا أكادُ)، أيْ: ولا أُرِيدُ أنْ أفْعَلَهُ. قالَ الشِّهابُ: تَفْسِيرُ (أكادُ) بِـ(أُرِيدُ) هو أحَدُ مَعانِيها. كَما نَقَلَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في (المُحْتَسِبِ) عَنِ الأخْفَشِ. واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ؎كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى بِمَعْنى أرادَتْ. لِقَوْلِهِ: تِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ. ثالِثُها: أنَّ (أكادُ) صِلَةٌ في الكَلامِ. قالَ زَيْدُ الخَيْلِ: ؎سَرِيعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحَهُ ∗∗∗ فَما إنْ يَكادُ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ رابِعُها: أنَّ المَعْنى أكادُ أُخْفِيها فَلا أذْكُرُها إجْمالًا ولا أقُولُ هي آتِيَةٌ. وذَلِكَ لِفَرْطِ إرادَتِهِ تَعالى إخْفاءَها. إلّا أنَّ في إجْمالِ ذِكْرِها حِكْمَةً، وهي اللُّطْفُ بِالمُؤْمِنِينَ، لِحَثِّهِمْ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَطْعِ أعْذارِ غَيْرِهِمْ حَتّى لا يَعْتَذِرُوا بِعَدَمِ العِلْمِ. وثَمَّةَ وُجُوهٌ أُخَرُ لا تَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ، وإنِ اتَّسَعَ اللَّفْظُ لَها. وقَوْلُهُ تَعالى:

طه 20:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦] ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ . ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ أيْ: عَنْ تَصْدِيقِ السّاعَةِ: ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيْ: ما تَهْواهُ نَفْسُهُ مِنَ الشَّهَواتِ وتَرْكِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ: ﴿فَتَرْدى﴾ أيْ: فَتَهْلَكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ هُمُ الجَمُّ الغَفِيرُ. إذْ لا شَيْءَ أطَمَّ عَلى الكَفَرَةِ، ولا هم أشَدُّ لَهُ نَكِيرًا مِنَ البَعْثِ. فَلا يَهُولَنَّكَ وفُورُ دَهْمائِهِمْ، ولا عِظَمُ سَوادِهِمْ. ولا تَجْعَلِ الكَثْرَةَ مُزِلَّةً قَدَمَكَ. واعْلَمْ أنَّهُمْ، وإنْ كَثُرُوا تِلْكَ الكَثْرَةَ، فَقُدْوَتُهم فِيما هم فِيهِ هو الهَوى (p-٤١٧٥)واتِّباعُهُ. لا البُرْهانُ وتَدابُرُهُ. وفي هَذا حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى العِلْمِ بِالدَّلِيلِ، وزَجْرٌ بَلِيغٌ عَنِ التَّقْلِيدِ، وإنْذارٌ بِأنَّ الهَلاكَ والرَّدى مَعَ التَّقْلِيدِ وأهْلِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

طه 20:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧] ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [١٨] ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] . ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ شُرُوعٌ فِيما سَيُؤْتِيهِ تَعالى مِنَ البُرْهانِ الباهِرِ. وفي الِاسْتِفْهامِ إيقاظٌ لَهُ وتَنْبِيهٌ عَلى ما سَيَبْدُو لَهُ مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ: ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨] أيْ: أعْتَمِدُ عَلَيْها إذا أُعْيِيتُ أوْ وقَفْتُ عَلى رَأْسِ القَطِيعِ وعِنْدَ الطَّفْرَةِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ [طه: ١٨] أيْ: أخْبِطُ بِها الوَرَقَ وأُسْقِطُهُ عَلَيْها لِتَأْكُلَهُ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] أيْ: حاجاتٌ أُخَرُ.

طه 20:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧] ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [١٨] ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] . ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ شُرُوعٌ فِيما سَيُؤْتِيهِ تَعالى مِنَ البُرْهانِ الباهِرِ. وفي الِاسْتِفْهامِ إيقاظٌ لَهُ وتَنْبِيهٌ عَلى ما سَيَبْدُو لَهُ مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ: ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨] أيْ: أعْتَمِدُ عَلَيْها إذا أُعْيِيتُ أوْ وقَفْتُ عَلى رَأْسِ القَطِيعِ وعِنْدَ الطَّفْرَةِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ [طه: ١٨] أيْ: أخْبِطُ بِها الوَرَقَ وأُسْقِطُهُ عَلَيْها لِتَأْكُلَهُ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] أيْ: حاجاتٌ أُخَرُ.

طه 20:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩] ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ [٢٠] ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] [٢١] ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ [طه: ٢١] . ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ [طه: ٢١] أيْ: هَيْئَتَها الأوْلى فَتَنْتَفِعُ بِها كَما كُنْتَ تَنْتَفِعُ مِن قَبْلُ. أيْ: لَيْسَ القَصْدُ تَخْوِيفَكَ، بَلْ إظْهارُ ما فِيها مِنِ اسْتِعْدادِ قَبُولِ الحَياةِ، ومُشاهَدَةِ مُعْجِزَةٍ وبُرْهانٍ لَكَ.

طه 20:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩] ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ [٢٠] ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] [٢١] ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ [طه: ٢١] . ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ [طه: ٢١] أيْ: هَيْئَتَها الأوْلى فَتَنْتَفِعُ بِها كَما كُنْتَ تَنْتَفِعُ مِن قَبْلُ. أيْ: لَيْسَ القَصْدُ تَخْوِيفَكَ، بَلْ إظْهارُ ما فِيها مِنِ اسْتِعْدادِ قَبُولِ الحَياةِ، ومُشاهَدَةِ مُعْجِزَةٍ وبُرْهانٍ لَكَ.

طه 20:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩] ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ [٢٠] ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] [٢١] ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ [طه: ٢١] . ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ [طه: ٢١] أيْ: هَيْئَتَها الأوْلى فَتَنْتَفِعُ بِها كَما كُنْتَ تَنْتَفِعُ مِن قَبْلُ. أيْ: لَيْسَ القَصْدُ تَخْوِيفَكَ، بَلْ إظْهارُ ما فِيها مِنِ اسْتِعْدادِ قَبُولِ الحَياةِ، ومُشاهَدَةِ مُعْجِزَةٍ وبُرْهانٍ لَكَ.

طه 20:22

(p-٤١٧٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٢] ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ [٢٣] ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] . ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أيْ: إبِطِكَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ أيْ: نَيِّرَةً: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: قَبِيحٍ وعَيْبٍ كَبَياضِ البَرَصِ مِمّا يَنْفِرُ عَنْهُ. واعْتَمَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ كِنايَةٌ عَنِ البَرَصِ. كَما كُنِّيَ عَنِ العَوْرَةِ بِالسَّوْأةِ، قالَ: والبَرَصُ أبْغَضُ شَيْءٍ إلى العَرَبِ، وبِهِمْ عَنْهُ نَفْرَةٌ عَظِيمَةٌ. وأسْماعُهم لِاسْمِهِ مَجّاجَةٌ. فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُكَنّى عَنْهُ. ولا تَرى أحْسَنَ ولا ألْطَفَ ولا أحَرَّ لِلْمَفاصِلِ مِن كِناياتِ القُرْآنِ وآدابِهِ. انْتَهى، ﴿آيَةً أُخْرى﴾ أيْ: مُعْجِزَةً أُخْرى غَيْرَ العَصا: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ. أيْ: أرَيْناكَ ما أرَيْناكَ الآنَ، مَعَ أنَّ حَقَّهُما أنْ يَظْهَرا بَعْدَ التَّحَدِّي والمُناظَرَةِ، لِنُرِيَكَ أوَّلًا بَعْضَ آياتِنا الكُبْرى، فَيَقْوى قَلْبُكَ عَلى مُناظَرَةِ الطُّغاةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

طه 20:23

(p-٤١٧٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٢] ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ [٢٣] ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] . ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أيْ: إبِطِكَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ أيْ: نَيِّرَةً: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: قَبِيحٍ وعَيْبٍ كَبَياضِ البَرَصِ مِمّا يَنْفِرُ عَنْهُ. واعْتَمَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ كِنايَةٌ عَنِ البَرَصِ. كَما كُنِّيَ عَنِ العَوْرَةِ بِالسَّوْأةِ، قالَ: والبَرَصُ أبْغَضُ شَيْءٍ إلى العَرَبِ، وبِهِمْ عَنْهُ نَفْرَةٌ عَظِيمَةٌ. وأسْماعُهم لِاسْمِهِ مَجّاجَةٌ. فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُكَنّى عَنْهُ. ولا تَرى أحْسَنَ ولا ألْطَفَ ولا أحَرَّ لِلْمَفاصِلِ مِن كِناياتِ القُرْآنِ وآدابِهِ. انْتَهى، ﴿آيَةً أُخْرى﴾ أيْ: مُعْجِزَةً أُخْرى غَيْرَ العَصا: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ. أيْ: أرَيْناكَ ما أرَيْناكَ الآنَ، مَعَ أنَّ حَقَّهُما أنْ يَظْهَرا بَعْدَ التَّحَدِّي والمُناظَرَةِ، لِنُرِيَكَ أوَّلًا بَعْضَ آياتِنا الكُبْرى، فَيَقْوى قَلْبُكَ عَلى مُناظَرَةِ الطُّغاةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

طه 20:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٤] ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ . ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ تَخَلُّصٌ إلى ما هو المَقْصُودُ مِن تَمْهِيدِ المُقَدِّماتِ السّالِفَةِ. فُصِلَ عَمّا قَبْلَهُ مِنَ الأوامِرِ إيذانًا بِأصالَتِهِ. أيِ: اذْهَبْ إلَيْهِ بِما رَأيْتَهُ مِنَ الآياتِ الكُبْرى، وادْعُهُ إلى عِبادَتِي وحَذِّرْهُ نِقْمَتِي. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في التَّكَبُّرِ والعُتُوِّ، حَتّى تَجاسَرَ عَلى العَظِيمَةِ الَّتِي هي دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ. فَلا بُدَّ مِن تَنْبِيهِهِ عَلى طُغْيانِهِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، الَّتِي صَدَّقَتْها المُعْجِزاتُ.

طه 20:25

(p-٤١٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٥] ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [٢٦] ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦] [٢٧] ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه: ٢٧] [٢٨] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨] . ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦] ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه: ٢٧] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨] إنَّما سَألَ ذَلِكَ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ في القَتِيلِ. ولِما بُعِثَ بِهِ مِن صَدْعِ جَبّارٍ عَنِيدٍ، أطْغى المُلُوكِ وأبْلَغِهِمْ تَمَرُّدًا وكُفْرًا، مِمّا يَحُوجُ إلى عِنايَةٍ رَبّانِيَّةٍ. وسَألَ أنْ يُمَدَّ بِمَنطِقٍ فَصِيحٍ، لِما في لِسانِهِ مِن عُقْدَةٍ كانَتْ بِمَنعِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ كَما قالَ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤] وقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ثُمَّ سَألَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ أنْ يُعِينَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، لِيَكُونَ لَهُ رِدْءًا، ويَتَكَلَّمَ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُفْصِحُ بِهِ لِسانُهُ، بِقَوْلِهِ:

طه 20:26

(p-٤١٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٥] ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [٢٦] ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦] [٢٧] ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه: ٢٧] [٢٨] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨] . ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦] ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه: ٢٧] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨] إنَّما سَألَ ذَلِكَ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ في القَتِيلِ. ولِما بُعِثَ بِهِ مِن صَدْعِ جَبّارٍ عَنِيدٍ، أطْغى المُلُوكِ وأبْلَغِهِمْ تَمَرُّدًا وكُفْرًا، مِمّا يَحُوجُ إلى عِنايَةٍ رَبّانِيَّةٍ. وسَألَ أنْ يُمَدَّ بِمَنطِقٍ فَصِيحٍ، لِما في لِسانِهِ مِن عُقْدَةٍ كانَتْ بِمَنعِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ كَما قالَ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤] وقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ثُمَّ سَألَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ أنْ يُعِينَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، لِيَكُونَ لَهُ رِدْءًا، ويَتَكَلَّمَ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُفْصِحُ بِهِ لِسانُهُ، بِقَوْلِهِ:

طه 20:27

(p-٤١٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٥] ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [٢٦] ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦] [٢٧] ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه: ٢٧] [٢٨] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨] . ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦] ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه: ٢٧] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨] إنَّما سَألَ ذَلِكَ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ في القَتِيلِ. ولِما بُعِثَ بِهِ مِن صَدْعِ جَبّارٍ عَنِيدٍ، أطْغى المُلُوكِ وأبْلَغِهِمْ تَمَرُّدًا وكُفْرًا، مِمّا يَحُوجُ إلى عِنايَةٍ رَبّانِيَّةٍ. وسَألَ أنْ يُمَدَّ بِمَنطِقٍ فَصِيحٍ، لِما في لِسانِهِ مِن عُقْدَةٍ كانَتْ بِمَنعِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ كَما قالَ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤] وقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ثُمَّ سَألَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ أنْ يُعِينَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، لِيَكُونَ لَهُ رِدْءًا، ويَتَكَلَّمَ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُفْصِحُ بِهِ لِسانُهُ، بِقَوْلِهِ:

طه 20:28

(p-٤١٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٥] ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [٢٦] ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦] [٢٧] ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه: ٢٧] [٢٨] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨] . ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦] ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه: ٢٧] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨] إنَّما سَألَ ذَلِكَ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ في القَتِيلِ. ولِما بُعِثَ بِهِ مِن صَدْعِ جَبّارٍ عَنِيدٍ، أطْغى المُلُوكِ وأبْلَغِهِمْ تَمَرُّدًا وكُفْرًا، مِمّا يَحُوجُ إلى عِنايَةٍ رَبّانِيَّةٍ. وسَألَ أنْ يُمَدَّ بِمَنطِقٍ فَصِيحٍ، لِما في لِسانِهِ مِن عُقْدَةٍ كانَتْ بِمَنعِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ كَما قالَ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤] وقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ثُمَّ سَألَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ أنْ يُعِينَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، لِيَكُونَ لَهُ رِدْءًا، ويَتَكَلَّمَ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُفْصِحُ بِهِ لِسانُهُ، بِقَوْلِهِ:

طه 20:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩] ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ [٣٠] ﴿هارُونَ أخِي﴾ [طه: ٣٠] [٣١] ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٣١] . ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ [طه: ٣٠] ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٣١] أيْ: قَوِّ بِهِ ظَهْرِي.

طه 20:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩] ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ [٣٠] ﴿هارُونَ أخِي﴾ [طه: ٣٠] [٣١] ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٣١] . ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ [طه: ٣٠] ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٣١] أيْ: قَوِّ بِهِ ظَهْرِي.

طه 20:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩] ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ [٣٠] ﴿هارُونَ أخِي﴾ [طه: ٣٠] [٣١] ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٣١] . ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ [طه: ٣٠] ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٣١] أيْ: قَوِّ بِهِ ظَهْرِي.

طه 20:32

(p-٤١٧٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ [٣٣] ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣] [٣٤] ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٤] [٣٥] ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ [طه: ٣٥] . ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣] ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٤] أيْ: كَيْ نَتَعاوَنَ عَلى تَسْبِيحِكَ وذِكْرِكَ. لِأنَّ التَّعاوُنَ -لِأنَّهُ مُهَيِّجُ الرَّغَباتِ- يَتَزايَدُ بِهِ الخَيْرُ ويَتَكاثَرُ: ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ [طه: ٣٥] أيْ: عالِمًا بِأحْوالِنا، وبِأنَّ المَدْعُوَّ بِهِ مِمّا يُفِيدُنا.

طه 20:33

(p-٤١٧٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ [٣٣] ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣] [٣٤] ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٤] [٣٥] ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ [طه: ٣٥] . ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣] ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٤] أيْ: كَيْ نَتَعاوَنَ عَلى تَسْبِيحِكَ وذِكْرِكَ. لِأنَّ التَّعاوُنَ -لِأنَّهُ مُهَيِّجُ الرَّغَباتِ- يَتَزايَدُ بِهِ الخَيْرُ ويَتَكاثَرُ: ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ [طه: ٣٥] أيْ: عالِمًا بِأحْوالِنا، وبِأنَّ المَدْعُوَّ بِهِ مِمّا يُفِيدُنا.

طه 20:34

(p-٤١٧٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ [٣٣] ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣] [٣٤] ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٤] [٣٥] ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ [طه: ٣٥] . ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣] ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٤] أيْ: كَيْ نَتَعاوَنَ عَلى تَسْبِيحِكَ وذِكْرِكَ. لِأنَّ التَّعاوُنَ -لِأنَّهُ مُهَيِّجُ الرَّغَباتِ- يَتَزايَدُ بِهِ الخَيْرُ ويَتَكاثَرُ: ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ [طه: ٣٥] أيْ: عالِمًا بِأحْوالِنا، وبِأنَّ المَدْعُوَّ بِهِ مِمّا يُفِيدُنا.

طه 20:35

(p-٤١٧٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ [٣٣] ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣] [٣٤] ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٤] [٣٥] ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ [طه: ٣٥] . ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣] ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٤] أيْ: كَيْ نَتَعاوَنَ عَلى تَسْبِيحِكَ وذِكْرِكَ. لِأنَّ التَّعاوُنَ -لِأنَّهُ مُهَيِّجُ الرَّغَباتِ- يَتَزايَدُ بِهِ الخَيْرُ ويَتَكاثَرُ: ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ [طه: ٣٥] أيْ: عالِمًا بِأحْوالِنا، وبِأنَّ المَدْعُوَّ بِهِ مِمّا يُفِيدُنا.

طه 20:36

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٦] ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ [٣٧] ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٧] . ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ أيْ: أُجِيبَ دُعاؤُكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٧] كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ، وزِيادَةُ تَوْطِينِ نَفْسِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقَبُولِ، بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ النِّعَمِ التّامَّةِ مِن غَيْرِ سابِقَةِ دُعاءٍ مِنهُ وطَلَبٍ، فَلَأنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ بِمِثْلِها وهو طالِبٌ لَهُ وداعٍ، أوْلى وأحْرى. وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ، لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِذَلِكَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٧] أيْ: في وقْتٍ آخَرَ.

طه 20:37

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٦] ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ [٣٧] ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٧] . ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ أيْ: أُجِيبَ دُعاؤُكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٧] كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ، وزِيادَةُ تَوْطِينِ نَفْسِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقَبُولِ، بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ النِّعَمِ التّامَّةِ مِن غَيْرِ سابِقَةِ دُعاءٍ مِنهُ وطَلَبٍ، فَلَأنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ بِمِثْلِها وهو طالِبٌ لَهُ وداعٍ، أوْلى وأحْرى. وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ، لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِذَلِكَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٧] أيْ: في وقْتٍ آخَرَ.

طه 20:38

(p-٤١٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٨] ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ [٣٩] ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] . ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ أيْ: ألْقَيْنا بِطَرِيقِ الإلْهامِ: ﴿إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ [طه: ٣٩] أيِ: الصُّنْدُوقِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ [طه: ٣٩] أيِ: البَحْرِ، مُتَوَكِّلَةً عَلى خالِقِهِ: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي﴾ [طه: ٣٩] لِدَعْواهُ الأُلُوهِيَّةَ: ﴿وعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩] لِدَعْوَتِهِ إلى نَبْذِ ما يَدَّعِيهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى وإرادَتُهُ -أنْ لا تُخْطِئَ جَرْيَةُ اليَمِّ، الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ، وإلْقاءَهُ إلَيْهِ- سَلَكَ في ذَلِكَ سَبِيلَ المَجازِ وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أُمِرَ بِذَلِكَ، لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ. فَقِيلَ: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ [طه: ٣٩] أيْ: عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ. بِتَشْبِيهِ اليَمِّ بِمَأْمُورٍ مُنْقادٍ. وإثْباتُ الأمْرِ تَخْيِيلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] أيْ: واقِعَةً مِنِّي، زَرَعْتُها في قَلْبِ مَن يَراكَ. ولِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] أيْ: ولِتُرَبّى بِيَدِ العَدُوِّ عَلى نَظَرِي بِالحِفْظِ والعِنايَةِ. فَعَلى عَيْنِي اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلْحِفْظِ والصَّوْنِ، لِأنَّ المَصُونَ يُجْعَلُ بِمَرْأًى. قِيلَ: و(عَلى) بِمَعْنى الباءِ لِأنَّهُ بِمَعْنى بِمَرْأًى مِنِّي، في الأصْلِ.

طه 20:39

(p-٤١٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٨] ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ [٣٩] ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] . ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ أيْ: ألْقَيْنا بِطَرِيقِ الإلْهامِ: ﴿إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ [طه: ٣٩] أيِ: الصُّنْدُوقِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ [طه: ٣٩] أيِ: البَحْرِ، مُتَوَكِّلَةً عَلى خالِقِهِ: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي﴾ [طه: ٣٩] لِدَعْواهُ الأُلُوهِيَّةَ: ﴿وعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩] لِدَعْوَتِهِ إلى نَبْذِ ما يَدَّعِيهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى وإرادَتُهُ -أنْ لا تُخْطِئَ جَرْيَةُ اليَمِّ، الوُصُولَ بِهِ إلى السّاحِلِ، وإلْقاءَهُ إلَيْهِ- سَلَكَ في ذَلِكَ سَبِيلَ المَجازِ وجَعَلَ اليَمَّ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ أُمِرَ بِذَلِكَ، لِيُطِيعَ الأمْرَ ويَمْتَثِلَ رَسْمَهُ. فَقِيلَ: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ [طه: ٣٩] أيْ: عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ. بِتَشْبِيهِ اليَمِّ بِمَأْمُورٍ مُنْقادٍ. وإثْباتُ الأمْرِ تَخْيِيلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] أيْ: واقِعَةً مِنِّي، زَرَعْتُها في قَلْبِ مَن يَراكَ. ولِذَلِكَ أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] أيْ: ولِتُرَبّى بِيَدِ العَدُوِّ عَلى نَظَرِي بِالحِفْظِ والعِنايَةِ. فَعَلى عَيْنِي اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلْحِفْظِ والصَّوْنِ، لِأنَّ المَصُونَ يُجْعَلُ بِمَرْأًى. قِيلَ: و(عَلى) بِمَعْنى الباءِ لِأنَّهُ بِمَعْنى بِمَرْأًى مِنِّي، في الأصْلِ.

طه 20:40

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٠] ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ . ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾ أيْ: يَضْمَنُ حَضانَتَهُ ورَضاعَتَهُ. (p-٤١٨٠)فَقَبِلُوا قَوْلَها. وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا اسْتَقَرَّ عِنْدَ آلِ فِرْعَوْنَ، عَرَضُوا عَلَيْهِ المَراضِعَ فَأباها كَما قالَ تَعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القصص: ١٢] فَجاءَتْ أُخْتُهُ فَقالَتْ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢] فَجاءَتْ بِأُمِّهِ كَما قالَ: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾ أيْ: مَعَ كَوْنِكَ بِيَدِ العَدُوِّ: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أيْ: بِرُؤْيَتِكَ: ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ أيْ: بِفِراقِكَ. فَهَذِهِ مِنَنٌ زائِدَةٌ عَلى النَّجاةِ مِنَ القَتْلِ. ثُمَّ أشارَ إلى ما مَنَّ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ مِنَ القَتْلِ الَّذِي لا يُدْفَعُ بِتَلْبِيسٍ، بِقَوْلِهِ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أيْ: مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وهو القِبْطِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ، إذْ وكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ. أيْ: فاغْتَمَمْتَ لِلْقَصاصِ: ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ أيْ: غَمِّ القَتْلِ بِأنْ صَرَفْنا عَنْكَ ما تَخْشاهُ. وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَرَّ مِن آلِ فِرْعَوْنَ حَتّى ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ. وقالَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ الصّالِحُ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ أيِ: ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً. عَلى أنَّ (الفُتُونَ) مَصْدَرٌ كالشَّكُورِ، أوْ ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ (فِتْنَةٍ) أيْ: فَجَعَلْنا لَكَ فَرَجًا ومَخْرَجًا مِنها. وهو إجْمالٌ لِما سَبَقَ ذِكْرُهُ. ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ أيْ: مُعَزَّزَ الجانِبِ مَكْفِيَّ المَؤُونَةِ في عِشْرَةِ أتْقى رَجُلٍ مِنهم وأصْلَحِهِمْ، وهو نَبِيُّهم عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ قَضَيْتَ الأجَلَ المَضْرُوبَ بَيْنَكَ وبَيْنَ شُعَيْبٍ مِنَ الإجارَةِ،جِئْتَ بِأهْلِكَ عَلى وفْقِ ما سَبَقَ في قَضائِي وقَدَرِي؛ أنْ أُكَلِّمَكَ وأسْتَنْبِئَكَ في وقْتٍ يُعَيِّنُهُ قَدْ وقَّتَهُ لِذَلِكَ. فَما جِئْتَ إلّا عَلى ذَلِكَ القَدْرِ، غَيْرَ مُسْتَقْدِمٍ ولا مُسْتَأْخِرٍ. فالأمْرُ لَهُ تَعالى. وهو المُسَيِّرُ عِبادَهُ وخَلْقَهُ فِيما يَشاءُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا مُوسى﴾ تَشْرِيفٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَنْبِيهٌ عَلى انْتِهاءِ الحِكايَةِ الَّتِي هي تَفْصِيلُ المَرَّةِ الأُخْرى الَّتِي وقَعَتْ قَبْلَ المَرَّةِ المَحْكِيَّةِ أوَّلًا.

طه 20:41

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤١٨١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١] ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [٤٢] ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] . ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ تَذْكِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه: ١٣] وتَمْهِيدٌ لِإرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ مُؤَيَّدًا بِأخِيهِ، و(الِاصْطِناعُ) افْتِعالٌ مِنَ (الصُّنْعِ) بِمَعْنى الصَّنِيعَةِ. يُقالُ: اصْطَنَعَ الأمِيرُ فُلانًا لِنَفْسِهِ، أيْ: جَعَلَهُ مَحَلًّا لِإكْرامِهِ بِاخْتِيارِهِ وتَقْرِيبِهِ مِنهُ، بِجَعْلِهِ مِن خَواصِّ نَفْسِهِ ونُدَمائِهِ، فاسْتُعِيرَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً مِن ذَلِكَ المَعْنى المُشَبَّهِ بِهِ إلى المُشَبَّهِ. وهو جَعْلُهُ نَبِيًّا مُكَرَّمًا كَلِيمًا مُنْعِمًا عَلَيْهِ بِجَلائِلِ النِّعَمِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والعُدُولُ عَنْ نُونِ العَظَمَةِ الواقِعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَتَنّاكَ﴾ [طه: ٤٠] ونَظِيرَيْهِ السّابِقَيْنِ، تَمْهِيدٌ لِإفْرادِ لَفْظِ (النَّفْسِ) اللّائِقِ بِالمَقامِ، فَإنَّهُ أدْخَلُ في تَحْقِيقِ مَعْنى (الِاصْطِناعِ) و(الِاسْتِخْلاصِ). ثُمَّ بَيَّنَ ما هو المَقْصُودُ بِـ(الِاصْطِناعِ) بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ [طه: ٤٢] أيْ: بِمُعْجِزاتِي. كالعَصا وبَياضِ اليَدِ وحَلِّ العُقْدَةِ، مَعَ ما اسْتَظْهَرَهُ عَلى يَدِهِ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] أيْ: لا تَفْتُرا ولا تُقَصِّرا في ذِكْرِي بِما يَلِيقُ بِي مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ، عِنْدَ تَبْلِيغِ رِسالَتِي والدُّعاءِ إلَيَّ.

طه 20:42

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤١٨١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١] ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [٤٢] ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] . ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ تَذْكِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه: ١٣] وتَمْهِيدٌ لِإرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ مُؤَيَّدًا بِأخِيهِ، و(الِاصْطِناعُ) افْتِعالٌ مِنَ (الصُّنْعِ) بِمَعْنى الصَّنِيعَةِ. يُقالُ: اصْطَنَعَ الأمِيرُ فُلانًا لِنَفْسِهِ، أيْ: جَعَلَهُ مَحَلًّا لِإكْرامِهِ بِاخْتِيارِهِ وتَقْرِيبِهِ مِنهُ، بِجَعْلِهِ مِن خَواصِّ نَفْسِهِ ونُدَمائِهِ، فاسْتُعِيرَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً مِن ذَلِكَ المَعْنى المُشَبَّهِ بِهِ إلى المُشَبَّهِ. وهو جَعْلُهُ نَبِيًّا مُكَرَّمًا كَلِيمًا مُنْعِمًا عَلَيْهِ بِجَلائِلِ النِّعَمِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والعُدُولُ عَنْ نُونِ العَظَمَةِ الواقِعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَتَنّاكَ﴾ [طه: ٤٠] ونَظِيرَيْهِ السّابِقَيْنِ، تَمْهِيدٌ لِإفْرادِ لَفْظِ (النَّفْسِ) اللّائِقِ بِالمَقامِ، فَإنَّهُ أدْخَلُ في تَحْقِيقِ مَعْنى (الِاصْطِناعِ) و(الِاسْتِخْلاصِ). ثُمَّ بَيَّنَ ما هو المَقْصُودُ بِـ(الِاصْطِناعِ) بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ [طه: ٤٢] أيْ: بِمُعْجِزاتِي. كالعَصا وبَياضِ اليَدِ وحَلِّ العُقْدَةِ، مَعَ ما اسْتَظْهَرَهُ عَلى يَدِهِ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] أيْ: لا تَفْتُرا ولا تُقَصِّرا في ذِكْرِي بِما يَلِيقُ بِي مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ، عِنْدَ تَبْلِيغِ رِسالَتِي والدُّعاءِ إلَيَّ.

طه 20:43

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٣] ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [٤٤] ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] . ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] أيْ: عِقابِي. فَإنَّ تَلْيِينَ القَوْلِ مِمّا يَكْسِرُ سُورَةَ عِنادِ العُتاةِ، ويُلِينُ عَرِيكَةَ الطُّغاةِ. وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨] ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٩] وبِمِثْلِ ذَلِكَ (p-٤١٨٢)أمَرَ نَبِيَّنا صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وظاهِرٌ أنَّ الرَّجاءَ في (لَعَلَّهُ) إنَّما هو مِنهُما، لا مِنَ اللَّهِ. فَإنَّهُ لا يَصِحُّ مِنهُ. ولِذا قالَ القاضِي: أيْ: باشِرا الأمْرَ عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما أنَّهُ يُثْمِرُ ولا نُخَيِّبُ سَعْيَكُما. فَإنَّ الرّاجِيَ، مُجْتَهِدٌ والآيِسَ مُتَكَلِّفٌ. والفائِدَةُ في إرْسالِها والمُبالَغَةِ عَلَيْهِما في الِاجْتِهادِ -مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ- إلْزامُ الحُجَّةِ، وقَطْعُ المَعْذِرَةِ، وإظْهارُ ما حَدَثَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

طه 20:44

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٣] ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [٤٤] ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] . ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] أيْ: عِقابِي. فَإنَّ تَلْيِينَ القَوْلِ مِمّا يَكْسِرُ سُورَةَ عِنادِ العُتاةِ، ويُلِينُ عَرِيكَةَ الطُّغاةِ. وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨] ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٩] وبِمِثْلِ ذَلِكَ (p-٤١٨٢)أمَرَ نَبِيَّنا صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وظاهِرٌ أنَّ الرَّجاءَ في (لَعَلَّهُ) إنَّما هو مِنهُما، لا مِنَ اللَّهِ. فَإنَّهُ لا يَصِحُّ مِنهُ. ولِذا قالَ القاضِي: أيْ: باشِرا الأمْرَ عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما أنَّهُ يُثْمِرُ ولا نُخَيِّبُ سَعْيَكُما. فَإنَّ الرّاجِيَ، مُجْتَهِدٌ والآيِسَ مُتَكَلِّفٌ. والفائِدَةُ في إرْسالِها والمُبالَغَةِ عَلَيْهِما في الِاجْتِهادِ -مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ- إلْزامُ الحُجَّةِ، وقَطْعُ المَعْذِرَةِ، وإظْهارُ ما حَدَثَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

طه 20:45

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٥] ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ [٤٦] ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] . ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ أيْ: يُبادِرَنا بِالعُقُوبَةِ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ أيْ: يَزْدادَ طُغْيانًا بِالعِنادِ، في دَفْعِ حُجَجِنا، ثُمَّ يَأْمُرُ بِقَتْلِنا، أوْ بِالتَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ في شَأْنِكَ ما لا يَنْبَغِي، لِجُرْأتِهِ وقَسْوَةِ قَلْبِهِ. واقْتَصَرَ عَلى الثّانِي الزَّمَخْشَرِيُّ. وأفادَ أنَّ في المَجِيءِ بِهِ هَكَذا عَلى الإطْلاقِ، وعَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، بابًا مِن حُسْنِ الأدَبِ، وتَحاشِيًا عَنِ التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ: ﴿قالَ لا تَخافا﴾ [طه: ٤٦] أيْ: مِن فَرْطِهِ وطُغْيانِهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ [طه: ٤٦] أيْ: بِالحِفْظِ والنُّصْرَةِ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] أيْ: ما يَجْرِي بَيْنَكُما وبَيْنَهُ. فَأرْعاكُما بِالحِفْظِ. فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِلْقَرِينَةِ، أوْ نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ تَتْمِيمًا لِما يَسْتَقِلُّ بِهِ الحِفْظُ. كَأنَّهُ قِيلَ: أنا حافِظٌ لَكُما وناصِرٌ، سامِعٌ وبَصِيرٌ. وإذا كانَ الحافِظُ كَذَلِكَ، تَمَّ الحِفْظُ والتَّأْيِيدُ، وذَهَبَتِ المُبالاةُ بِالعَدُوِّ.

طه 20:46

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٥] ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ [٤٦] ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] . ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ أيْ: يُبادِرَنا بِالعُقُوبَةِ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ أيْ: يَزْدادَ طُغْيانًا بِالعِنادِ، في دَفْعِ حُجَجِنا، ثُمَّ يَأْمُرُ بِقَتْلِنا، أوْ بِالتَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ في شَأْنِكَ ما لا يَنْبَغِي، لِجُرْأتِهِ وقَسْوَةِ قَلْبِهِ. واقْتَصَرَ عَلى الثّانِي الزَّمَخْشَرِيُّ. وأفادَ أنَّ في المَجِيءِ بِهِ هَكَذا عَلى الإطْلاقِ، وعَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، بابًا مِن حُسْنِ الأدَبِ، وتَحاشِيًا عَنِ التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ: ﴿قالَ لا تَخافا﴾ [طه: ٤٦] أيْ: مِن فَرْطِهِ وطُغْيانِهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ [طه: ٤٦] أيْ: بِالحِفْظِ والنُّصْرَةِ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] أيْ: ما يَجْرِي بَيْنَكُما وبَيْنَهُ. فَأرْعاكُما بِالحِفْظِ. فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِلْقَرِينَةِ، أوْ نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ تَتْمِيمًا لِما يَسْتَقِلُّ بِهِ الحِفْظُ. كَأنَّهُ قِيلَ: أنا حافِظٌ لَكُما وناصِرٌ، سامِعٌ وبَصِيرٌ. وإذا كانَ الحافِظُ كَذَلِكَ، تَمَّ الحِفْظُ والتَّأْيِيدُ، وذَهَبَتِ المُبالاةُ بِالعَدُوِّ.

طه 20:47

(p-٤١٨٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧] ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ . ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: بِإطْلاقِهِمْ مِنَ الأسْرِ والعُبُودِيَّةِ. وتَسْرِيحِهِمْ مَعَنا إلى وطَنِنا فِلَسْطِينَ: ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ أيْ: بِإبْقائِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّسْخِيرِ والتَّذْلِيلِ في الأُمُورِ الشّاقَّةِ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: تَحَقُّقُ رِسالَتِي إلَيْكَ مِنهُ تَعالى بِذَلِكَ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أيْ: فَصَدَّقَ بِآياتِ اللَّهِ المُبَيِّنَةِ لِلْحَقِّ. وفِيهِ مِن تَرْغِيبِهِ في اتِّباعِهِما، عَلى ألْطَفِ وجْهٍ، ما لا يَخْفى.

طه 20:48

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٨] ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ . ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ أيْ: مِن رَبِّنا: ﴿أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾ أيْ: بِآياتِهِ تَعالى: ﴿وتَوَلّى﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْها. وفِيهِ مِنَ التَّلْطِيفِ في الوَعِيدِ، حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِحُلُولِ العَذابِ بِهِ، ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

طه 20:49

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩] ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ [٥٠] ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . ﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] أيْ: مَنَحَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ، صُورَتَهُ وشَكْلَهُ الَّذِي يُطابِقُ المَنفَعَةَ المَنُوطَةَ بِهِ، فَسَوّاهُ بِها وعَدَّلَهُ، ثُمَّ هَداهُ بِأنْ وهَبَهُ العَقْلَ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. (p-٤١٨٤)وهَذِهِ الآيَةُ في مَعْناها كَآيَةِ: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] وآيَةِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]

طه 20:50

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩] ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ [٥٠] ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . ﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] أيْ: مَنَحَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ، صُورَتَهُ وشَكْلَهُ الَّذِي يُطابِقُ المَنفَعَةَ المَنُوطَةَ بِهِ، فَسَوّاهُ بِها وعَدَّلَهُ، ثُمَّ هَداهُ بِأنْ وهَبَهُ العَقْلَ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. (p-٤١٨٤)وهَذِهِ الآيَةُ في مَعْناها كَآيَةِ: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] وآيَةِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]

طه 20:51

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥١] ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [٥٢] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] . ﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] أيْ: ما حالُ القُرُونِ السّالِفَةِ وما جَرى عَلَيْهِمْ؟ وهَذا السُّؤالُ إمّا لِصَرْفِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا يَدْعُوهُ إلَيْهِ أمامَ مَلَئِهِ، وإشْغالِهِ بِما لا يَعْنِي ما أُرْسِلَ بِهِ، وإمّا لِتَوَهُّمِ أنَّ الرَّسُولَ يَعْلَمُ الغَيْبَ، فَأرادَ أنْ يَقِفَ عَلى نَبَأِ ما مَضى، ويَفْتَحَ بابًا لِلتَّخْطِئَةِ والتَّكْذِيبِ، بِالعِنادِ واللَّجاجِ. فَأجابَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ هَذا سُؤالٌ عَنِ الغَيْبِ، وقَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ. فَلا يَعْلَمُهُ إلّا هو. ولَيْسَ مِن وظِيفَةِ الرِّسالَةِ. وإنَّما عِلْمُها مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، مُحْصًى غَيْرُ مَنسِيٍّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: في كِتابٍ تَمْثِيلًا لِتَمَكُّنِهِ وتَقْرِيرِهِ في عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، بِما اسْتَحْفَظَهُ العالِمَ وقَيَّدَهُ بِالكَتَبَةِ. قالَ في العِنايَةِ: فَيُشَبِّهُ عِلْمَهُ تَعالى بِها عِلْمًا ثابِتًا لا يَتَغَيَّرُ، بِمَن عَلِمَ شَيْئًا وكَتَبَهُ في جَرِيدَتِهِ، حَتّى لا يَذْهَبَ أصْلًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] تَرْشِيحًا لِلتَّمْثِيلِ، واحْتِراسًا أيْضًا. لِأنَّ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ إنَّما يَفْعَلُهُ لِخَوْفِ النِّسْيانِ. واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْهُ. فَـ(الكِتابُ) عَلى هَذا بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ. وهو الدَّفْتَرُ، لا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

طه 20:52

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥١] ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [٥٢] ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] . ﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] أيْ: ما حالُ القُرُونِ السّالِفَةِ وما جَرى عَلَيْهِمْ؟ وهَذا السُّؤالُ إمّا لِصَرْفِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا يَدْعُوهُ إلَيْهِ أمامَ مَلَئِهِ، وإشْغالِهِ بِما لا يَعْنِي ما أُرْسِلَ بِهِ، وإمّا لِتَوَهُّمِ أنَّ الرَّسُولَ يَعْلَمُ الغَيْبَ، فَأرادَ أنْ يَقِفَ عَلى نَبَأِ ما مَضى، ويَفْتَحَ بابًا لِلتَّخْطِئَةِ والتَّكْذِيبِ، بِالعِنادِ واللَّجاجِ. فَأجابَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ هَذا سُؤالٌ عَنِ الغَيْبِ، وقَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ. فَلا يَعْلَمُهُ إلّا هو. ولَيْسَ مِن وظِيفَةِ الرِّسالَةِ. وإنَّما عِلْمُها مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، مُحْصًى غَيْرُ مَنسِيٍّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: في كِتابٍ تَمْثِيلًا لِتَمَكُّنِهِ وتَقْرِيرِهِ في عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، بِما اسْتَحْفَظَهُ العالِمَ وقَيَّدَهُ بِالكَتَبَةِ. قالَ في العِنايَةِ: فَيُشَبِّهُ عِلْمَهُ تَعالى بِها عِلْمًا ثابِتًا لا يَتَغَيَّرُ، بِمَن عَلِمَ شَيْئًا وكَتَبَهُ في جَرِيدَتِهِ، حَتّى لا يَذْهَبَ أصْلًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] تَرْشِيحًا لِلتَّمْثِيلِ، واحْتِراسًا أيْضًا. لِأنَّ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ إنَّما يَفْعَلُهُ لِخَوْفِ النِّسْيانِ. واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْهُ. فَـ(الكِتابُ) عَلى هَذا بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ. وهو الدَّفْتَرُ، لا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

طه 20:53

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤١٨٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٣] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلا وأنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ . ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ أيْ: فِراشًا: ﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلا وأنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ أيْ: أصْنافًا مِن نَباتٍ مُخْتَلِفَةَ الأجْناسِ، في الطَّعْمِ والرّائِحَةِ والشَّكْلِ والنَّفْعِ. لَطِيفَةٌ: جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ مِن بابِ الِالتِفاتِ. وناقَشَهُ النّاصِرُ؛ بِأنَّ الِالتِفاتَ إنَّما يَكُونُ في كَلامِ المُتَكَلِّمِ الواحِدِ. يُصَرِّفُ كَلامَهُ عَلى وُجُوهٍ شَتّى. وما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ لِفِرْعَوْنَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] ثُمَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ فَإمّا أنْ يُجْعَلَ مِن قَوْلِ مُوسى، فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِ خَواصِّ المَلِكِ: (أمَرْنا وعَمَّرْنا) وإنَّما يُرِيدُونَ المَلِكَ، ولَيْسَ هَذا بِالتِفاتٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ كَلامُ مُوسى قَدِ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] ثُمَّ ابْتَدَأ اللَّهُ تَعالى وصْفَ ذاتِهِ بِصِفاتِ إنْعامِهِ عَلى خَلْقِهِ، فَلَيْسَ التِفاتًا أيْضًا. وإنَّما هو انْتِقالٌ مِن حِكايَةٍ إلى إنْشاءِ خِطابٍ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يَقِفَ وُقَيْفَةً عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] لِيَسْتَقِرَّ بِانْتِهاءِ الحِكايَةِ. ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهُوَ؛ أنَّ مُوسى وصَفَ اللَّهَ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفاتِ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ. فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلا وأنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ فَلَمّا حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أسْنَدَ الضَّمِيرَ إلى ذاتِهِ. لِأنَّ الحاكِيَ هو المَحْكِيُّ في كَلامِ مُوسى. فَمَرْجِعُ الضَّمِيرَيْنِ واحِدٌ. وهَذا الوَجْهُ وجْهٌ حَسَنٌ رَقِيقُ الحاشِيَةِ. وهَذا أقْرَبُ الوُجُوهِ إلى الِالتِفاتِ. لَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يَعْنِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ النّاصِرِ.

طه 20:54

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤١٨٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٤] ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهى﴾ [٥٥] ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] . ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿فَأخْرَجْنا﴾ [طه: ٥٣] عَلى إرادَةِ القَوْلِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهى﴾ ﴿مِنها﴾ [طه: ٥٥] أيْ: مِنَ الأرْضِ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ [طه: ٥٥] أيْ: خَلَقْنا أصْلَكم وهو آدَمُ. أوْ خَلَقْنا أبْدانَكم مِنَ النُّطْفَةِ المُتَوَلِّدَةِ عَنِ الأغْذِيَةِ، والمُتَوَلِّدَةِ مِنَ الأرْضِ بِوَسائِطَ: ﴿وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] أيْ: بِالإماتَةِ إعادَةَ البَذْرِ إلى الأرْضِ: ﴿ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] أيْ: بِرَدِّهِمْ كَما كانُوا، أحْياءً. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عُتُوِّ فِرْعَوْنَ وعِنادِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

طه 20:55

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤١٨٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٤] ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهى﴾ [٥٥] ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] . ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿فَأخْرَجْنا﴾ [طه: ٥٣] عَلى إرادَةِ القَوْلِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهى﴾ ﴿مِنها﴾ [طه: ٥٥] أيْ: مِنَ الأرْضِ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ [طه: ٥٥] أيْ: خَلَقْنا أصْلَكم وهو آدَمُ. أوْ خَلَقْنا أبْدانَكم مِنَ النُّطْفَةِ المُتَوَلِّدَةِ عَنِ الأغْذِيَةِ، والمُتَوَلِّدَةِ مِنَ الأرْضِ بِوَسائِطَ: ﴿وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] أيْ: بِالإماتَةِ إعادَةَ البَذْرِ إلى الأرْضِ: ﴿ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] أيْ: بِرَدِّهِمْ كَما كانُوا، أحْياءً. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عُتُوِّ فِرْعَوْنَ وعِنادِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

طه 20:56

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٦] ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [٥٧] ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] . ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ أيْ: مِنَ العَصا واليَدِ والطُّوفانِ والجَرادِ والقَمْلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والسِّنِينَ: ﴿فَكَذَّبَ وأبى﴾ ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] أيْ: مُسْتَوِيًا واضِحًا يَجْمَعُنا.

طه 20:57

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٦] ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [٥٧] ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] . ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ أيْ: مِنَ العَصا واليَدِ والطُّوفانِ والجَرادِ والقَمْلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والسِّنِينَ: ﴿فَكَذَّبَ وأبى﴾ ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] أيْ: مُسْتَوِيًا واضِحًا يَجْمَعُنا.

طه 20:58

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٦] ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [٥٧] ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] . ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ أيْ: مِنَ العَصا واليَدِ والطُّوفانِ والجَرادِ والقَمْلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والسِّنِينَ: ﴿فَكَذَّبَ وأبى﴾ ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٥٧] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] أيْ: مُسْتَوِيًا واضِحًا يَجْمَعُنا.

طه 20:59

(p-٤١٨٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٩] ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [٦٠] ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] . ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وهو يَوْمٌ مُشْتَهِرٌ عِنْدَهم بِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ أيْ: ضَحْوَةَ النَّهارِ لِيَكُونَ الأمْرُ مَكْشُوفًا لا سُتْرَةَ فِيهِ: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ [طه: ٦٠] أيِ انْصَرَفَ عَنِ المَجْلِسِ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠] أيْ: ما يَكِيدُ بِهِ مُوسى، مِنَ السَّحَرَةِ وأدَواتِهِمْ: ﴿ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] أيِ: المَوْعِدَ ومَعَهُ ما جَمَعَهُ.

طه 20:60

(p-٤١٨٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٩] ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [٦٠] ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] . ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وهو يَوْمٌ مُشْتَهِرٌ عِنْدَهم بِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ أيْ: ضَحْوَةَ النَّهارِ لِيَكُونَ الأمْرُ مَكْشُوفًا لا سُتْرَةَ فِيهِ: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ [طه: ٦٠] أيِ انْصَرَفَ عَنِ المَجْلِسِ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠] أيْ: ما يَكِيدُ بِهِ مُوسى، مِنَ السَّحَرَةِ وأدَواتِهِمْ: ﴿ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] أيِ: المَوْعِدَ ومَعَهُ ما جَمَعَهُ.

طه 20:61

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦١] ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ [٦٢] ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] [٦٣] ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] . ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ أيْ: مُقَدِّمًا لَهُمُ النُّصْحَ والإنْذارَ، لِيَنْقَطِعَ عُذْرُهُمْ: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا تُخَيِّلُوا لِلنّاسِ بِأعْمالِكُمْ، إيجادَ أشْياءَ لا حَقائِقَ لَها، وأنَّها مَخْلُوقَةٌ ولَيْسَتْ مَخْلُوقَةً. فَتَكُونُوا قَدْ كَذَبْتُمْ عَلى اللَّهِ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ أيْ: يَسْتَأْصِلَكُمْ: ﴿بِعَذابٍ﴾ أيْ: هائِلٍ لِغَضَبِهِ عَلَيْكُمْ: ﴿وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] ﴿قالُوا﴾ [طه: ٦٣] أيْ: بِطَرِيقِ التَّناجِي والإسْرارِ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] أيْ: بِمَذْهَبِكُمُ (p-٤١٨٨)الأفْضَلِ. وهو ما كانُوا عَلَيْهِ. يَعْنُونَ أنَّ قَصْدَ مُوسى وهارُونَ هو عَزْلُ فِرْعَوْنَ عَنْ مُلْكِهِ، بِجْعَلِهِ عَبْدًا لِغَيْرِهِ، واسْتِقْرارِهِما في مَكانِهِ، وجَعْلِ قَوْمِهِما مَكانَكم. وإلْجائِكم إلى مُبارَحَةِ أرْضِكُمْ، وإبْطالِ طَرِيقَتِكم بِسِحْرِهِما الَّذِي يُرِيدانِ إعْجازَكم بِهِ. و: المُثْلى تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، بِمَعْنى الأفْضَلِ. ودَعْواهم ذَلِكَ، لِأنَّ كُلَّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ. لَطِيفَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] قِراءاتٌ: الأُولى: " إنَّ هَذَيْنِ لَساحِرانِ " بِتَشْدِيدِ النُّونِ مِن (إنَّ) و(هَذَيْنِ) بِالياءِ وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، وهي جارِيَةٌ عَلى السَّنَنِ المَشْهُورِ في عَمَلِ (إنَّ). الثّانِيَةُ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] بِتَحْفِيفِ إنَّ وإهْمالِها عَنِ العَمَلِ، كَما هو الأكْثَرُ فِيها إذا خُفِّفَتْ. وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ. واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ فَرْقًا بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ. ويَرى الكُوفِيُّونَ أنَّ اللّامَ هَذِهِ بِمَعْنى (إلّا) و(إنْ) قَبْلَها نافِيَةٌ، واسْتَدَلُّوا عَلى مَجِيءِ اللّامِ لِلِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ: ؎أمْسَ أبانُ ذَلِيلًا بَعْدَ عِزَّتِهِ وما أبانُ لَمِن أعْلاجِ سُودانِ والثّالِثَةُ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] بِتَشْدِيدِ (إنَّ) و(هَذانِ) بِالألِفِ. وخُرِّجَتْ عَلى أوْجُهٍ: أحَدُها: مُوافَقَةُ لُغَةِ مَن يَأْتِي في المُثَنّى بِالألِفِ في أحْوالِهِ الثَّلاثِ. وهم بَنُو الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وخَثْعَمُ وزُبَيْدٌ وكِنانَةُ وآخَرُونَ. قالَ قائِلُهُمْ: ؎تَزَوَّدَ مِنّا بَيْنَ أُذْناهُ طَعْنَةً (p-٤١٨٩)وقالَ آخَرُ: ؎إنَّ أباها وأبا أباها ∗∗∗ قَدْ بَلَغا في المَجْدِ غايَتاها وثانِيها: إنَّ (إنَّ) بِمَعْنى (نَعَمْ) حَكاهُ المُبَرِّدُ. واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ الرّاجِزِ: ؎يا عُمَرَ الخَيْرِ جُزِيتَ الجَنَّهْ ∗∗∗ اكْسُ بُنَيّانِي وأُمَّهُنَّهْ ؎وقُلْ لَهُنَّ: إنَّ أنَّ إنَّهْ ∗∗∗ أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهْ وقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقَيّاتِ: ؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبُرْتَ فَقُلْتُ إنَّهُ ورَدَّ عَلى المُبَرِّدِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، بِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُجابُ بِـ(نَعَمٍ) وأجابَ الشَّمِنِّيُّ، بِأنَّ التَّنازُعَ فِيما بَيْنَهُمْ، وإسْرارَ النَّجْوى، يَتَضَمَّنُ اسْتِخْبارَ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ. فَهو جَوابٌ لِلِاسْتِخْبارِ الضِّمْنِيِّ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ. فَإنَّ إسْرارَ النَّجْوى فِيما بَيْنَهم لَيْسَ في الِاسْتِخْبارِ عَنْ كَوْنِهِما ساحِرَيْنِ، بَلْ هم جَزَمُوا بِالسِّحْرِ فَقالُوا: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ﴾ [طه: ٥٧] ثُمَّ أسَرُّوا النَّجْوى فِيما يَغْلِبانِ بِهِ مُوسى. إلّا أنْ يُقالَ: مَحَطُّ الجَوابِ قَوْلُهُ: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤] إلَخْ، وما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ. وقَدْ رَدَّ في (المُغْنِي) هَذا التَّخْرِيجَ؛ بِأنَّ مَجِيءَ (نَعَمْ) شاذٌّ حَتّى نَفاهُ بَعْضُهم. ومَنَعَهُ الدَّمامِينِيُّ؛ بِأنَّ سِيبَوَيْهِ والحُذّاقَ حَكَوْهُ عَنِ الفُصَحاءِ. وعَلَيْهِ، فاللّامُ فِي: ﴿لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] لامُ الِابْتِداءِ، زُحْلِقَتْ لِلْخَبَرِ. وأبى البَصْرِيُّونَ دُخُولَها عَلى الخَبَرِ. وزَعَمُوا أنَّها في مِثْلِهِ داخِلَةٌ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ زائِدَةٌ، أوْ دَخَلَتْ مَعَ (إنَّ) الَّتِي بِمَعْنى (نَعَمْ) لِشَبَهِها بِالمُؤَكِّدَةِ لَفْظًا. وأقُولُ: فِيهِ تَكَلُّفٌ. والشَّواهِدُ عَلى اقْتِرانِ الخَبَرِ بِاللّامِ كَثِيرَةٌ. (p-٤١٩٠)وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا كانَ الإعْرابُ لا يَظْهَرُ في الواحِدِ، وهو (هَذا) جُعِلَ كَذَلِكَ في التَّثْنِيَةِ، لِيَكُونَ المُثَنّى كالمُفْرَدِ. لِأنَّهُ فَرْعٌ عَلَيْهِ. واخْتارَ هَذا القَوْلَ الإمامُ العَلّامَةُ تَقِيُّ الدِّينِ أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وزَعَمَ أنَّ بِناءَ المُثَنّى، إذا كانَ مُفْرَدُهُ مَبْنِيًّا، أفْصَحُ مِن إعْرابِهِ. قالَ: وقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ مِن حُذّاقِ النُّحاةِ. ثُمَّ اعْتَرَضَ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ السَّبْعَةَ أجْمَعُوا عَلى الياءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] مَعَ أنَّ هاتَيْنِ تَثْنِيَةُ (هاتا) وهو مَبْنِيٌّ. والثّانِي: أنَّ (الَّذِي) مَبْنِيٌّ وقَدْ قالُوا في تَثْنِيَتِهِ اللَّذَيْنِ في الجَرِّ والنَّصْبِ. وهي لُغَةُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا﴾ [فصلت: ٢٩] وأجابَ الأوَّلُ؛ بِأنَّهُ إنَّما جاءَ هاتَيْنِ بِالياءِ عَلى لُغَةِ الإعْرابِ لِمُناسَبَةِ (ابْنَتَيَّ) قالَ: فالإعْرابُ هُنا أفْصَحُ مِنَ البِناءِ، لِأجْلِ المُناسَبَةِ. كَما أنَّ البِناءَ فِي: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] أفْصَحُ مِنَ الإعْرابِ لِمُناسَبَةِ الألِفِ في " هَذانِ " لِلْألِفِ في " ساحِرانِ " . وأجابَ عَنِ الثّانِي بِالفَرْقِ بَيْنَ (اللَّذانِ) وهَذانِ بِأنَّ اللَّذانِ تَثْنِيَةُ اسْمٍ ثُلاثِيٍّ، فَهو شَبِيهٌ (بِالزَيْدانِ) وهَذانِ تَثْنِيَةُ اسْمٍ عَلى حَرْفَيْنِ. فَهو عَرِيقٌ في البِناءِ لِشَبَهِهِ بِالحُرُوفِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ ﴿إنْ هَذانِ﴾ [طه: ٦٣] لَحْنٌ وإنَّ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إنَّ في المُصْحَفِ لَحْنًا وسَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها. وهَذا خَبَرٌ باطِلٌ لا يَصِحُّ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: إنَّ الصَّحابَةَ كانُوا يَتَسارَعُونَ إلى إنْكارِ أدْنى المُنْكَراتِ، فَكَيْفَ يُقِرُّونَ اللَّحْنَ في القُرْآنِ، مَعَ أنَّهم لا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ في إزالَتِهِ؟ والثّانِي: أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَسْتَقْبِحُ اللَّحْنَ غايَةَ الِاسْتِقْباحِ في الكَلامِ، فَكَيْفَ لا يَسْتَقْبِحُونَ بَقاءَهُ في المُصْحَفِ؟ (p-٤١٩١)والثّالِثُ: أنَّ الِاحْتِجاجَ بِأنَّ العَرَبَ سَتُقِيمُهُ بِألْسِنَتِها غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ. لِأنَّ المُصْحَفَ الكَرِيمَ يَقِفُ عَلَيْهِ العَرَبِيُّ والعَجَمِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ أرادَ أنْ يَكْتُبَ التّابُوتَ بِالهاءِ عَلى لُغَةِ الأنْصارِ، فَمَنَعُوهُ مِن ذَلِكَ ورَفَعُوهُ إلى عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. فَأمَرَهم أنْ يَكْتُبُوهُ بِالتّاءِ عَلى لُغَةِ قُرَيْشٍ. ولَمّا بَلَغَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ: " عَتّى حِينٍ "، عَلى لُغَةِ هُذَيْلٍ، أنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وقالَ: أقْرِئِ النّاسَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أنْزَلَهُ بِلُغَتِهِمْ، ولَمْ يُنْزِلْهُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ. انْتَهى كَلامُ تَقِيِّ الدِّينِ مُلَخَّصًا. هَذا حاصِلُ ما في (المُغْنِي) و(الشُّذُورِ) و(حَواشِيهِما) وفي الآيَةِ وُجُوهٌ أُخْرى اسْتَقْصَتْها المُطَوَّلاتُ. وما ذَكَرْناهُ أرَقُّها. وقَوْلُهُ تَعالى:

طه 20:62

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦١] ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ [٦٢] ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] [٦٣] ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] . ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ أيْ: مُقَدِّمًا لَهُمُ النُّصْحَ والإنْذارَ، لِيَنْقَطِعَ عُذْرُهُمْ: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا تُخَيِّلُوا لِلنّاسِ بِأعْمالِكُمْ، إيجادَ أشْياءَ لا حَقائِقَ لَها، وأنَّها مَخْلُوقَةٌ ولَيْسَتْ مَخْلُوقَةً. فَتَكُونُوا قَدْ كَذَبْتُمْ عَلى اللَّهِ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ أيْ: يَسْتَأْصِلَكُمْ: ﴿بِعَذابٍ﴾ أيْ: هائِلٍ لِغَضَبِهِ عَلَيْكُمْ: ﴿وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] ﴿قالُوا﴾ [طه: ٦٣] أيْ: بِطَرِيقِ التَّناجِي والإسْرارِ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] أيْ: بِمَذْهَبِكُمُ (p-٤١٨٨)الأفْضَلِ. وهو ما كانُوا عَلَيْهِ. يَعْنُونَ أنَّ قَصْدَ مُوسى وهارُونَ هو عَزْلُ فِرْعَوْنَ عَنْ مُلْكِهِ، بِجْعَلِهِ عَبْدًا لِغَيْرِهِ، واسْتِقْرارِهِما في مَكانِهِ، وجَعْلِ قَوْمِهِما مَكانَكم. وإلْجائِكم إلى مُبارَحَةِ أرْضِكُمْ، وإبْطالِ طَرِيقَتِكم بِسِحْرِهِما الَّذِي يُرِيدانِ إعْجازَكم بِهِ. و: المُثْلى تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، بِمَعْنى الأفْضَلِ. ودَعْواهم ذَلِكَ، لِأنَّ كُلَّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ. لَطِيفَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] قِراءاتٌ: الأُولى: " إنَّ هَذَيْنِ لَساحِرانِ " بِتَشْدِيدِ النُّونِ مِن (إنَّ) و(هَذَيْنِ) بِالياءِ وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، وهي جارِيَةٌ عَلى السَّنَنِ المَشْهُورِ في عَمَلِ (إنَّ). الثّانِيَةُ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] بِتَحْفِيفِ إنَّ وإهْمالِها عَنِ العَمَلِ، كَما هو الأكْثَرُ فِيها إذا خُفِّفَتْ. وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ. واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ فَرْقًا بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ. ويَرى الكُوفِيُّونَ أنَّ اللّامَ هَذِهِ بِمَعْنى (إلّا) و(إنْ) قَبْلَها نافِيَةٌ، واسْتَدَلُّوا عَلى مَجِيءِ اللّامِ لِلِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ: ؎أمْسَ أبانُ ذَلِيلًا بَعْدَ عِزَّتِهِ وما أبانُ لَمِن أعْلاجِ سُودانِ والثّالِثَةُ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] بِتَشْدِيدِ (إنَّ) و(هَذانِ) بِالألِفِ. وخُرِّجَتْ عَلى أوْجُهٍ: أحَدُها: مُوافَقَةُ لُغَةِ مَن يَأْتِي في المُثَنّى بِالألِفِ في أحْوالِهِ الثَّلاثِ. وهم بَنُو الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وخَثْعَمُ وزُبَيْدٌ وكِنانَةُ وآخَرُونَ. قالَ قائِلُهُمْ: ؎تَزَوَّدَ مِنّا بَيْنَ أُذْناهُ طَعْنَةً (p-٤١٨٩)وقالَ آخَرُ: ؎إنَّ أباها وأبا أباها ∗∗∗ قَدْ بَلَغا في المَجْدِ غايَتاها وثانِيها: إنَّ (إنَّ) بِمَعْنى (نَعَمْ) حَكاهُ المُبَرِّدُ. واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ الرّاجِزِ: ؎يا عُمَرَ الخَيْرِ جُزِيتَ الجَنَّهْ ∗∗∗ اكْسُ بُنَيّانِي وأُمَّهُنَّهْ ؎وقُلْ لَهُنَّ: إنَّ أنَّ إنَّهْ ∗∗∗ أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهْ وقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقَيّاتِ: ؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبُرْتَ فَقُلْتُ إنَّهُ ورَدَّ عَلى المُبَرِّدِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، بِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُجابُ بِـ(نَعَمٍ) وأجابَ الشَّمِنِّيُّ، بِأنَّ التَّنازُعَ فِيما بَيْنَهُمْ، وإسْرارَ النَّجْوى، يَتَضَمَّنُ اسْتِخْبارَ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ. فَهو جَوابٌ لِلِاسْتِخْبارِ الضِّمْنِيِّ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ. فَإنَّ إسْرارَ النَّجْوى فِيما بَيْنَهم لَيْسَ في الِاسْتِخْبارِ عَنْ كَوْنِهِما ساحِرَيْنِ، بَلْ هم جَزَمُوا بِالسِّحْرِ فَقالُوا: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ﴾ [طه: ٥٧] ثُمَّ أسَرُّوا النَّجْوى فِيما يَغْلِبانِ بِهِ مُوسى. إلّا أنْ يُقالَ: مَحَطُّ الجَوابِ قَوْلُهُ: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤] إلَخْ، وما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ. وقَدْ رَدَّ في (المُغْنِي) هَذا التَّخْرِيجَ؛ بِأنَّ مَجِيءَ (نَعَمْ) شاذٌّ حَتّى نَفاهُ بَعْضُهم. ومَنَعَهُ الدَّمامِينِيُّ؛ بِأنَّ سِيبَوَيْهِ والحُذّاقَ حَكَوْهُ عَنِ الفُصَحاءِ. وعَلَيْهِ، فاللّامُ فِي: ﴿لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] لامُ الِابْتِداءِ، زُحْلِقَتْ لِلْخَبَرِ. وأبى البَصْرِيُّونَ دُخُولَها عَلى الخَبَرِ. وزَعَمُوا أنَّها في مِثْلِهِ داخِلَةٌ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ زائِدَةٌ، أوْ دَخَلَتْ مَعَ (إنَّ) الَّتِي بِمَعْنى (نَعَمْ) لِشَبَهِها بِالمُؤَكِّدَةِ لَفْظًا. وأقُولُ: فِيهِ تَكَلُّفٌ. والشَّواهِدُ عَلى اقْتِرانِ الخَبَرِ بِاللّامِ كَثِيرَةٌ. (p-٤١٩٠)وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا كانَ الإعْرابُ لا يَظْهَرُ في الواحِدِ، وهو (هَذا) جُعِلَ كَذَلِكَ في التَّثْنِيَةِ، لِيَكُونَ المُثَنّى كالمُفْرَدِ. لِأنَّهُ فَرْعٌ عَلَيْهِ. واخْتارَ هَذا القَوْلَ الإمامُ العَلّامَةُ تَقِيُّ الدِّينِ أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وزَعَمَ أنَّ بِناءَ المُثَنّى، إذا كانَ مُفْرَدُهُ مَبْنِيًّا، أفْصَحُ مِن إعْرابِهِ. قالَ: وقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ مِن حُذّاقِ النُّحاةِ. ثُمَّ اعْتَرَضَ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ السَّبْعَةَ أجْمَعُوا عَلى الياءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] مَعَ أنَّ هاتَيْنِ تَثْنِيَةُ (هاتا) وهو مَبْنِيٌّ. والثّانِي: أنَّ (الَّذِي) مَبْنِيٌّ وقَدْ قالُوا في تَثْنِيَتِهِ اللَّذَيْنِ في الجَرِّ والنَّصْبِ. وهي لُغَةُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا﴾ [فصلت: ٢٩] وأجابَ الأوَّلُ؛ بِأنَّهُ إنَّما جاءَ هاتَيْنِ بِالياءِ عَلى لُغَةِ الإعْرابِ لِمُناسَبَةِ (ابْنَتَيَّ) قالَ: فالإعْرابُ هُنا أفْصَحُ مِنَ البِناءِ، لِأجْلِ المُناسَبَةِ. كَما أنَّ البِناءَ فِي: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] أفْصَحُ مِنَ الإعْرابِ لِمُناسَبَةِ الألِفِ في " هَذانِ " لِلْألِفِ في " ساحِرانِ " . وأجابَ عَنِ الثّانِي بِالفَرْقِ بَيْنَ (اللَّذانِ) وهَذانِ بِأنَّ اللَّذانِ تَثْنِيَةُ اسْمٍ ثُلاثِيٍّ، فَهو شَبِيهٌ (بِالزَيْدانِ) وهَذانِ تَثْنِيَةُ اسْمٍ عَلى حَرْفَيْنِ. فَهو عَرِيقٌ في البِناءِ لِشَبَهِهِ بِالحُرُوفِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ ﴿إنْ هَذانِ﴾ [طه: ٦٣] لَحْنٌ وإنَّ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إنَّ في المُصْحَفِ لَحْنًا وسَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها. وهَذا خَبَرٌ باطِلٌ لا يَصِحُّ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: إنَّ الصَّحابَةَ كانُوا يَتَسارَعُونَ إلى إنْكارِ أدْنى المُنْكَراتِ، فَكَيْفَ يُقِرُّونَ اللَّحْنَ في القُرْآنِ، مَعَ أنَّهم لا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ في إزالَتِهِ؟ والثّانِي: أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَسْتَقْبِحُ اللَّحْنَ غايَةَ الِاسْتِقْباحِ في الكَلامِ، فَكَيْفَ لا يَسْتَقْبِحُونَ بَقاءَهُ في المُصْحَفِ؟ (p-٤١٩١)والثّالِثُ: أنَّ الِاحْتِجاجَ بِأنَّ العَرَبَ سَتُقِيمُهُ بِألْسِنَتِها غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ. لِأنَّ المُصْحَفَ الكَرِيمَ يَقِفُ عَلَيْهِ العَرَبِيُّ والعَجَمِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ أرادَ أنْ يَكْتُبَ التّابُوتَ بِالهاءِ عَلى لُغَةِ الأنْصارِ، فَمَنَعُوهُ مِن ذَلِكَ ورَفَعُوهُ إلى عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. فَأمَرَهم أنْ يَكْتُبُوهُ بِالتّاءِ عَلى لُغَةِ قُرَيْشٍ. ولَمّا بَلَغَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ: " عَتّى حِينٍ "، عَلى لُغَةِ هُذَيْلٍ، أنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وقالَ: أقْرِئِ النّاسَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أنْزَلَهُ بِلُغَتِهِمْ، ولَمْ يُنْزِلْهُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ. انْتَهى كَلامُ تَقِيِّ الدِّينِ مُلَخَّصًا. هَذا حاصِلُ ما في (المُغْنِي) و(الشُّذُورِ) و(حَواشِيهِما) وفي الآيَةِ وُجُوهٌ أُخْرى اسْتَقْصَتْها المُطَوَّلاتُ. وما ذَكَرْناهُ أرَقُّها. وقَوْلُهُ تَعالى:

طه 20:63

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦١] ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ [٦٢] ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] [٦٣] ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] . ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ أيْ: مُقَدِّمًا لَهُمُ النُّصْحَ والإنْذارَ، لِيَنْقَطِعَ عُذْرُهُمْ: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا تُخَيِّلُوا لِلنّاسِ بِأعْمالِكُمْ، إيجادَ أشْياءَ لا حَقائِقَ لَها، وأنَّها مَخْلُوقَةٌ ولَيْسَتْ مَخْلُوقَةً. فَتَكُونُوا قَدْ كَذَبْتُمْ عَلى اللَّهِ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ أيْ: يَسْتَأْصِلَكُمْ: ﴿بِعَذابٍ﴾ أيْ: هائِلٍ لِغَضَبِهِ عَلَيْكُمْ: ﴿وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] ﴿قالُوا﴾ [طه: ٦٣] أيْ: بِطَرِيقِ التَّناجِي والإسْرارِ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] أيْ: بِمَذْهَبِكُمُ (p-٤١٨٨)الأفْضَلِ. وهو ما كانُوا عَلَيْهِ. يَعْنُونَ أنَّ قَصْدَ مُوسى وهارُونَ هو عَزْلُ فِرْعَوْنَ عَنْ مُلْكِهِ، بِجْعَلِهِ عَبْدًا لِغَيْرِهِ، واسْتِقْرارِهِما في مَكانِهِ، وجَعْلِ قَوْمِهِما مَكانَكم. وإلْجائِكم إلى مُبارَحَةِ أرْضِكُمْ، وإبْطالِ طَرِيقَتِكم بِسِحْرِهِما الَّذِي يُرِيدانِ إعْجازَكم بِهِ. و: المُثْلى تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، بِمَعْنى الأفْضَلِ. ودَعْواهم ذَلِكَ، لِأنَّ كُلَّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ. لَطِيفَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] قِراءاتٌ: الأُولى: " إنَّ هَذَيْنِ لَساحِرانِ " بِتَشْدِيدِ النُّونِ مِن (إنَّ) و(هَذَيْنِ) بِالياءِ وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، وهي جارِيَةٌ عَلى السَّنَنِ المَشْهُورِ في عَمَلِ (إنَّ). الثّانِيَةُ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] بِتَحْفِيفِ إنَّ وإهْمالِها عَنِ العَمَلِ، كَما هو الأكْثَرُ فِيها إذا خُفِّفَتْ. وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ. واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ فَرْقًا بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ. ويَرى الكُوفِيُّونَ أنَّ اللّامَ هَذِهِ بِمَعْنى (إلّا) و(إنْ) قَبْلَها نافِيَةٌ، واسْتَدَلُّوا عَلى مَجِيءِ اللّامِ لِلِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ: ؎أمْسَ أبانُ ذَلِيلًا بَعْدَ عِزَّتِهِ وما أبانُ لَمِن أعْلاجِ سُودانِ والثّالِثَةُ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] بِتَشْدِيدِ (إنَّ) و(هَذانِ) بِالألِفِ. وخُرِّجَتْ عَلى أوْجُهٍ: أحَدُها: مُوافَقَةُ لُغَةِ مَن يَأْتِي في المُثَنّى بِالألِفِ في أحْوالِهِ الثَّلاثِ. وهم بَنُو الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وخَثْعَمُ وزُبَيْدٌ وكِنانَةُ وآخَرُونَ. قالَ قائِلُهُمْ: ؎تَزَوَّدَ مِنّا بَيْنَ أُذْناهُ طَعْنَةً (p-٤١٨٩)وقالَ آخَرُ: ؎إنَّ أباها وأبا أباها ∗∗∗ قَدْ بَلَغا في المَجْدِ غايَتاها وثانِيها: إنَّ (إنَّ) بِمَعْنى (نَعَمْ) حَكاهُ المُبَرِّدُ. واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ الرّاجِزِ: ؎يا عُمَرَ الخَيْرِ جُزِيتَ الجَنَّهْ ∗∗∗ اكْسُ بُنَيّانِي وأُمَّهُنَّهْ ؎وقُلْ لَهُنَّ: إنَّ أنَّ إنَّهْ ∗∗∗ أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهْ وقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقَيّاتِ: ؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبُرْتَ فَقُلْتُ إنَّهُ ورَدَّ عَلى المُبَرِّدِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، بِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُجابُ بِـ(نَعَمٍ) وأجابَ الشَّمِنِّيُّ، بِأنَّ التَّنازُعَ فِيما بَيْنَهُمْ، وإسْرارَ النَّجْوى، يَتَضَمَّنُ اسْتِخْبارَ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ. فَهو جَوابٌ لِلِاسْتِخْبارِ الضِّمْنِيِّ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ. فَإنَّ إسْرارَ النَّجْوى فِيما بَيْنَهم لَيْسَ في الِاسْتِخْبارِ عَنْ كَوْنِهِما ساحِرَيْنِ، بَلْ هم جَزَمُوا بِالسِّحْرِ فَقالُوا: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ﴾ [طه: ٥٧] ثُمَّ أسَرُّوا النَّجْوى فِيما يَغْلِبانِ بِهِ مُوسى. إلّا أنْ يُقالَ: مَحَطُّ الجَوابِ قَوْلُهُ: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤] إلَخْ، وما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ. وقَدْ رَدَّ في (المُغْنِي) هَذا التَّخْرِيجَ؛ بِأنَّ مَجِيءَ (نَعَمْ) شاذٌّ حَتّى نَفاهُ بَعْضُهم. ومَنَعَهُ الدَّمامِينِيُّ؛ بِأنَّ سِيبَوَيْهِ والحُذّاقَ حَكَوْهُ عَنِ الفُصَحاءِ. وعَلَيْهِ، فاللّامُ فِي: ﴿لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] لامُ الِابْتِداءِ، زُحْلِقَتْ لِلْخَبَرِ. وأبى البَصْرِيُّونَ دُخُولَها عَلى الخَبَرِ. وزَعَمُوا أنَّها في مِثْلِهِ داخِلَةٌ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ زائِدَةٌ، أوْ دَخَلَتْ مَعَ (إنَّ) الَّتِي بِمَعْنى (نَعَمْ) لِشَبَهِها بِالمُؤَكِّدَةِ لَفْظًا. وأقُولُ: فِيهِ تَكَلُّفٌ. والشَّواهِدُ عَلى اقْتِرانِ الخَبَرِ بِاللّامِ كَثِيرَةٌ. (p-٤١٩٠)وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا كانَ الإعْرابُ لا يَظْهَرُ في الواحِدِ، وهو (هَذا) جُعِلَ كَذَلِكَ في التَّثْنِيَةِ، لِيَكُونَ المُثَنّى كالمُفْرَدِ. لِأنَّهُ فَرْعٌ عَلَيْهِ. واخْتارَ هَذا القَوْلَ الإمامُ العَلّامَةُ تَقِيُّ الدِّينِ أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وزَعَمَ أنَّ بِناءَ المُثَنّى، إذا كانَ مُفْرَدُهُ مَبْنِيًّا، أفْصَحُ مِن إعْرابِهِ. قالَ: وقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ مِن حُذّاقِ النُّحاةِ. ثُمَّ اعْتَرَضَ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ السَّبْعَةَ أجْمَعُوا عَلى الياءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] مَعَ أنَّ هاتَيْنِ تَثْنِيَةُ (هاتا) وهو مَبْنِيٌّ. والثّانِي: أنَّ (الَّذِي) مَبْنِيٌّ وقَدْ قالُوا في تَثْنِيَتِهِ اللَّذَيْنِ في الجَرِّ والنَّصْبِ. وهي لُغَةُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا﴾ [فصلت: ٢٩] وأجابَ الأوَّلُ؛ بِأنَّهُ إنَّما جاءَ هاتَيْنِ بِالياءِ عَلى لُغَةِ الإعْرابِ لِمُناسَبَةِ (ابْنَتَيَّ) قالَ: فالإعْرابُ هُنا أفْصَحُ مِنَ البِناءِ، لِأجْلِ المُناسَبَةِ. كَما أنَّ البِناءَ فِي: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] أفْصَحُ مِنَ الإعْرابِ لِمُناسَبَةِ الألِفِ في " هَذانِ " لِلْألِفِ في " ساحِرانِ " . وأجابَ عَنِ الثّانِي بِالفَرْقِ بَيْنَ (اللَّذانِ) وهَذانِ بِأنَّ اللَّذانِ تَثْنِيَةُ اسْمٍ ثُلاثِيٍّ، فَهو شَبِيهٌ (بِالزَيْدانِ) وهَذانِ تَثْنِيَةُ اسْمٍ عَلى حَرْفَيْنِ. فَهو عَرِيقٌ في البِناءِ لِشَبَهِهِ بِالحُرُوفِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ ﴿إنْ هَذانِ﴾ [طه: ٦٣] لَحْنٌ وإنَّ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إنَّ في المُصْحَفِ لَحْنًا وسَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها. وهَذا خَبَرٌ باطِلٌ لا يَصِحُّ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: إنَّ الصَّحابَةَ كانُوا يَتَسارَعُونَ إلى إنْكارِ أدْنى المُنْكَراتِ، فَكَيْفَ يُقِرُّونَ اللَّحْنَ في القُرْآنِ، مَعَ أنَّهم لا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ في إزالَتِهِ؟ والثّانِي: أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَسْتَقْبِحُ اللَّحْنَ غايَةَ الِاسْتِقْباحِ في الكَلامِ، فَكَيْفَ لا يَسْتَقْبِحُونَ بَقاءَهُ في المُصْحَفِ؟ (p-٤١٩١)والثّالِثُ: أنَّ الِاحْتِجاجَ بِأنَّ العَرَبَ سَتُقِيمُهُ بِألْسِنَتِها غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ. لِأنَّ المُصْحَفَ الكَرِيمَ يَقِفُ عَلَيْهِ العَرَبِيُّ والعَجَمِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ أرادَ أنْ يَكْتُبَ التّابُوتَ بِالهاءِ عَلى لُغَةِ الأنْصارِ، فَمَنَعُوهُ مِن ذَلِكَ ورَفَعُوهُ إلى عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. فَأمَرَهم أنْ يَكْتُبُوهُ بِالتّاءِ عَلى لُغَةِ قُرَيْشٍ. ولَمّا بَلَغَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ: " عَتّى حِينٍ "، عَلى لُغَةِ هُذَيْلٍ، أنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وقالَ: أقْرِئِ النّاسَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أنْزَلَهُ بِلُغَتِهِمْ، ولَمْ يُنْزِلْهُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ. انْتَهى كَلامُ تَقِيِّ الدِّينِ مُلَخَّصًا. هَذا حاصِلُ ما في (المُغْنِي) و(الشُّذُورِ) و(حَواشِيهِما) وفي الآيَةِ وُجُوهٌ أُخْرى اسْتَقْصَتْها المُطَوَّلاتُ. وما ذَكَرْناهُ أرَقُّها. وقَوْلُهُ تَعالى:

طه 20:64

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٤] ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ . ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمَطْلُوبِ، إثْرَ تَمْهِيدِ المُقَدِّماتِ. والفاءُ فَصِيحَةٌ. أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ، مِن كَوْنِهِما ساحِرَيْنِ، يُرِيدانِ بِكم ما ذُكِرَ مِنَ الإخْراجِ، والإذْهابِ، فَأزْمِعُوا كَيْدَكم واجْعَلُوهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ واحِدٌ مِنكم. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أيْ: مُصْطَفِّينَ، لِيَكُونَ أهْيَبَ في صُدُورِ الرّائِينَ: ﴿وقَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ: فازَ بِالإنْعاماتِ العَظِيمَةِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ: ﴿اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ أيْ: عَلا وغَلَبَ.

طه 20:65

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٥] ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ [٦٦] ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] . ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا (p-٤١٩٢)فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾ [طه: ٦٦] أيِ: الَّتِي ألْقَوْها: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] أيْ: حَيّاتٌ تَسْعى عَلى بُطُونِها.

طه 20:66

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٥] ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ [٦٦] ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] . ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا (p-٤١٩٢)فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾ [طه: ٦٦] أيِ: الَّتِي ألْقَوْها: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] أيْ: حَيّاتٌ تَسْعى عَلى بُطُونِها.

طه 20:67

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٧] ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [٦٨] ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] [٦٩] ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] . ﴿فَأوْجَسَ﴾ أيْ: أحَسَّ: ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ وذَلِكَ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ النَّفْرَةِ مِنَ الحَيّاتِ. أوْ خافَ مِن تَوَهُّمِ الخَلْقِ المُعارَضَةَ، بِأنَّ لَهم مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ حَيّاتٍ. كَما أنَّ لَهُ مِن عَصاهُ حَيَّةً: ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ [طه: ٦٩] أيْ: تَلْتَقِطُهُ بِفَمِها: ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] في مُقابَلَةِ آيَةٍ رَبّانِيَّةٍ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] أيْ: لا يَفُوزُ بِمَطْلُوبِهِ، أيَّ مَكانٍ جاءَ لِدَفْعِ الحَقِّ.

طه 20:68

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٧] ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [٦٨] ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] [٦٩] ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] . ﴿فَأوْجَسَ﴾ أيْ: أحَسَّ: ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ وذَلِكَ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ النَّفْرَةِ مِنَ الحَيّاتِ. أوْ خافَ مِن تَوَهُّمِ الخَلْقِ المُعارَضَةَ، بِأنَّ لَهم مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ حَيّاتٍ. كَما أنَّ لَهُ مِن عَصاهُ حَيَّةً: ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ [طه: ٦٩] أيْ: تَلْتَقِطُهُ بِفَمِها: ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] في مُقابَلَةِ آيَةٍ رَبّانِيَّةٍ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] أيْ: لا يَفُوزُ بِمَطْلُوبِهِ، أيَّ مَكانٍ جاءَ لِدَفْعِ الحَقِّ.

طه 20:69

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٧] ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [٦٨] ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] [٦٩] ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] . ﴿فَأوْجَسَ﴾ أيْ: أحَسَّ: ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ وذَلِكَ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ النَّفْرَةِ مِنَ الحَيّاتِ. أوْ خافَ مِن تَوَهُّمِ الخَلْقِ المُعارَضَةَ، بِأنَّ لَهم مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ حَيّاتٍ. كَما أنَّ لَهُ مِن عَصاهُ حَيَّةً: ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ [طه: ٦٩] أيْ: تَلْتَقِطُهُ بِفَمِها: ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] في مُقابَلَةِ آيَةٍ رَبّانِيَّةٍ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] أيْ: لا يَفُوزُ بِمَطْلُوبِهِ، أيَّ مَكانٍ جاءَ لِدَفْعِ الحَقِّ.

طه 20:70

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٠] ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ [٧١] ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] . ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أيْ: فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَتَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوا فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا، تَيَقَّنُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن بابِ السِّحْرِ، وإنَّما هي آيَةٌ رَبّانِيَّةٌ: ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ (p-٤١٩٣)ومُوسى﴾ ﴿قالَ﴾ [طه: ٧١] أيْ فِرْعَوْنُ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] أيْ: فاتَّفَقْتُمْ مَعَهُ لِيَكُونَ لَكُمُ المُلْكُ: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ [طه: ٧١] أيْ: مِن جانِبَيْنِ مُتَخالِفَيْنِ: ﴿ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أيِ: الَّتِي هي أقْوى الأخْشابِ وأخْشَنُها: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] يَعْنِي أنَّكم إنَّما آمَنتُمْ بِرَبِّ مُوسى خَوْفًا مِن شِدَّةِ عَذابِهِ. أوْ مِن تَخْلِيدِهِ في العَذابِ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] فَإنَّ رَبَّ مُوسى لَمْ يَقْطَعْ مِن أحَدٍ يَدَهُ ورِجْلَهُ مِن خِلافٍ، ولَمْ يَصْلُبْهُ في جُذُوعِ النَّخْلِ، ولَمْ يُبْقِهِ مَصْلُوبًا، قالَهُ المَهايِمِيُّ. وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ فِرْعَوْنَ يُرِيدُ نَفْسَهُ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١] أيْ: لِمُوسى. واللّامُ مَعَ الإيمانِ، في كِتابِ اللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] وقَصْدُهُ إظْهارُ اقْتِدارِهِ وبَطْشِهِ، وما جَرى بِهِ مِن تَعْذِيبِ النّاسِ بِأنْواعِ العَذابِ. وتَوْضِيعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتِضْعافِهِ مَعَ الهُزْءِ بِهِ، لِأنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ قَطُّ مِنَ التَّعْذِيبِ في شَيْءٍ.

طه 20:71

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٠] ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ [٧١] ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] . ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أيْ: فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَتَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوا فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا، تَيَقَّنُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن بابِ السِّحْرِ، وإنَّما هي آيَةٌ رَبّانِيَّةٌ: ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ (p-٤١٩٣)ومُوسى﴾ ﴿قالَ﴾ [طه: ٧١] أيْ فِرْعَوْنُ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] أيْ: فاتَّفَقْتُمْ مَعَهُ لِيَكُونَ لَكُمُ المُلْكُ: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ [طه: ٧١] أيْ: مِن جانِبَيْنِ مُتَخالِفَيْنِ: ﴿ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أيِ: الَّتِي هي أقْوى الأخْشابِ وأخْشَنُها: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] يَعْنِي أنَّكم إنَّما آمَنتُمْ بِرَبِّ مُوسى خَوْفًا مِن شِدَّةِ عَذابِهِ. أوْ مِن تَخْلِيدِهِ في العَذابِ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] فَإنَّ رَبَّ مُوسى لَمْ يَقْطَعْ مِن أحَدٍ يَدَهُ ورِجْلَهُ مِن خِلافٍ، ولَمْ يَصْلُبْهُ في جُذُوعِ النَّخْلِ، ولَمْ يُبْقِهِ مَصْلُوبًا، قالَهُ المَهايِمِيُّ. وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ فِرْعَوْنَ يُرِيدُ نَفْسَهُ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١] أيْ: لِمُوسى. واللّامُ مَعَ الإيمانِ، في كِتابِ اللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] وقَصْدُهُ إظْهارُ اقْتِدارِهِ وبَطْشِهِ، وما جَرى بِهِ مِن تَعْذِيبِ النّاسِ بِأنْواعِ العَذابِ. وتَوْضِيعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتِضْعافِهِ مَعَ الهُزْءِ بِهِ، لِأنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ قَطُّ مِنَ التَّعْذِيبِ في شَيْءٍ.

طه 20:72

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٢] ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ . ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أيْ: نَخْتارُكَ بِالإيمانِ والِاتِّباعِ: ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ عَلى يَدِ مُوسى: ﴿مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا﴾ أيْ: وعَلى الَّذِي خَلَقَنا. واخْتِيارُ هَذا الوَصْفِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. فَإنَّ خالِقِيَّتَهُ تَعالى لَهُمْ، وكَوْنَ فِرْعَوْنَ مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ، مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ إيثارِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى. وهَذا جَوابٌ مِنهم لِتَوْبِيخِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١] وقِيلَ هو قَسَمٌ مَحْذُوفُ الجَوابِ: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ أيِ: اصْنَعْ ما أنْتَ صانِعُهُ. وهَذا جَوابٌ عَنْ تَهْدِيدِهِ بِقَوْلِهِ: " لَأُقَطِّعَنَّ " إلَخْ: ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: فِيها وهي لا بَقاءَ لَها، ولا سُلْطانَ لَكَ بَعْدَها. وإنَّما البُغْيَةُ الآخِرَةُ.

طه 20:73

(p-٤١٩٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٣] ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ . ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ثَوابًا.

طه 20:74

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٤] ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ . ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾ أيْ: فَيَنْقَضِي عَذابُهُ: ﴿ولا يَحْيا﴾ أيْ: حَياةً طَيِّبَةً.

طه 20:75

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٥] ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ . ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ أيِ: المَنازِلُ الرَّفِيعَةُ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ.

طه 20:76

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٦] ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ . ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ أيْ: تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ والمَعاصِي، بِما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ. لَطائِفُ: مِنَ (الكَشّافِ) و(حَواشِيهِ لِلنّاصِرِ). الأُولى: في تَخْيِيرِ السَّحَرَةِ بَيْنَ إلْقاءِ مُوسى وإلْقائِهِمُ، اسْتِعْمالُ أدَبٍ حَسَنٍ مَعَهُ، وتَواضُعٌ لَهُ (p-٤١٩٥)وخَفْضُ جَناحٍ. وتَنْبِيهٌ عَلى إعْطائِهِمُ النَّصَفَةَ مِن أنْفُسِهِمْ. وكَأنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا ألْهَمَهم ذَلِكَ، وعَلَّمَ مُوسى -صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ- اخْتِيارَ إلْقائِهِمْ، أوَّلًا، مَعَ ما فِيهِ مِن مُقابَلَةِ أدَبٍ بِأدَبٍ، حَتّى يُبْرِزُوا ما مَعَهم مِن مَكايِدِ السِّحْرِ، ويَسْتَنْفِدُوا أقْصى طُرُقِهِمْ ومَجْهُودِهِمْ. فَإذا فَعَلُوا أظْهَرَ اللَّهُ سُلْطانَهُ، وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ، وسَلَّطَ المُعْجِزَةَ عَلى السِّحْرِ فَمَحَقَتْهُ، وكانَتْ آيَةً نَيِّرَةً لِلنّاظِرِينَ. وعِبْرَةً بَيِّنَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ. وقَبْلَ ذَلِكَ تَأدَّبُوا مَعَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ﴾ [طه: ٥٨] فَفَوَّضُوا ضَرْبَ المَوْعِدِ إلَيْهِ، وكَما ألْهَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى ها هُنا، أنْ يَجْعَلَهم مُبْتَدِئِينَ بِما مَعَهُمْ، لِيَكُونَ إلْقاؤُهُ العَصا، بَعْدُ، قَذْفًا بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ، كَذَلِكَ ألْهَمَهُ مِنَ الأوَّلِ، أنْ يَجْعَلَ مَوْعِدَهم يَوْمَ زِينَتِهِمْ وعِيدِهِمْ، لِيَكُونَ الحَقُّ أبْلَجَ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، فَيَكُونُ أفْضَحَ لِكَيْدِهِمْ وأهْتَكَ لِسِتْرِ حَرَمِهِمْ. الثّانِيَةُ: جُوِّزَ في إيثارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما في يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩] عَلى: " عَصاكَ " وجْهانِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَها. أيْ: لا تَحْتَفِلُ بِهَذِهِ الأجْرامِ الكَبِيرَةِ الكَثِيرَةِ. فَإنَّ في يَمِينِكَ شَيْئًا أعْظَمَ مِنها كُلِّها. وهَذِهِ عَلى كَثْرَتِها أقَلُّ شَيْءٍ وأنْزَرُهُ عِنْدَهُ. فَألْقِهِ يَتَلَقَّفُها بِإذْنِ اللَّهِ ويَمْحَقُها. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَها أيْ: لا تُبالِ بِكَثْرَةِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ. وألْقِ العُوَيْدَ الفَرْدَ الصَّغِيرَ الجِرْمِ الَّذِي في يَمِينِكَ. فَإنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ يَتَلَقَّفُها عَلى وحْدَتِهِ وكَثْرَتِها، وصِغَرِهِ وعِظَمِها. وإنَّما المَقْصُودُ بِتَحْقِيرِها في جَنْبِ القُدْرَةِ، تَحْقِيرُ كَيْدِ السَّحَرَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى. لِأنَّها إذا كانَتْ أعْظَمَ مِنَّةً وهي حَقِيرَةٌ في جانِبِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَما الظَّنُّ بِكَيْدِهِمْ وقَدْ تَلَقَّفَتْهُ هَذِهِ الحَقِيرَةُ الضَّئِيلَةُ؟ ولِأصْحابِ البَلاغَةِ طَرِيقٌ في عُلُوِّ المَدْحِ بِتَعْظِيمِ جَيْشِ عَدُوِّ المَمْدُوحِ، لِيَلْزَمَ مِن ذَلِكَ تَعْظِيمُ جَيْشِ المَمْدُوحِ وقَدْ قَهَرَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ. فَصَغَّرَ اللَّهُ أمْرَ العَصا، لِيَلْزَمَ مِنهُ كَيْدُ السَّحَرَةِ الدّاحِضُ بِها في طَرْفَةِ عَيْنٍ. واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن نُكْتَةٍ تُناسِبُ الأمْرَيْنِ -التَّعْظِيمَ والتَّحْقِيرَ- وتِلْكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، (p-٤١٩٦)هِيَ إرادَةُ المَذْكُورِ مُبْهَمًا، لِأنَّ: ﴿ما في يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩] أبْهَمُ مِن: " عَصاكَ " ولِلْعَرَبِ مَذْهَبٌ في التَّنْكِيرِ والإبْهامِ، والإجْمالِ، تَسْلُكُهُ مَرَّةً لِتَحْقِيرِ شَأْنِ ما أبْهَمَتْهُ، وأنَّهُ عِنْدَ النّاطِقِ بِهِ أهْوَنُ مِن أنْ يَخُصَّهُ ويُوَضِّحَهُ. ومَرَّةً لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، ولِيُؤْذِنَ أنَّهُ مِن عِنايَةِ المُتَكَلِّمِ والسّامِعِ بِمَكانٍ، يُغْنِي في الرَّمْزِ والإشارَةِ. فَهَذا هو الوَجْهُ في إسْعادِهِ بِهِما جَمِيعًا. ثُمَّ قالَ النّاصِرُ: وعِنْدِي في الآيَةِ وجْهٌ سِوى قَصْدِ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وهو أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوَّلُ ما عَلِمَ أنَّ العَصا آيَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، عِنْدَما سَألَهُ عَنْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ١٧] ثُمَّ أظْهَرَ لَهُ تَعالى آيَتَها، فَلَمّا دَخَلَ وقْتُ الحاجَةِ إلى ظُهُورِ الآيَةِ مِنها، قالَ تَعالى: ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩] لِيَتَيَقَّظَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لِلْوَقْتِ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ [طه: ١٧] وقَدْ أظْهَرَ لَهُ آيَتَها، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهُ وتَأْنِيسًا، حَيْثُ خُوطِبَ بِما عَهِدَ أنْ يُخاطَبَ بِهِ وقْتَ ظُهُورِ آيَتِها. وذَلِكَ مَقامٌ يُناسِبُ التَّأْنِيسَ والتَّثْبِيتَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧] ؟ انْتَهى. ولِأبِي حَيّانَ نُكْتَةٌ أُخْرى. وهي ما في اليَمِينِ مِنَ الإشْعارِ بِاليُمْنِ والبَرَكَةِ. ولا يُقالُ جاءَ في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿ألْقِ عَصاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] والقِصَّةُ واحِدَةٌ. لِأنَّهُ يُجابُ بِأنَّهُ مانِعٌ مِن رِعايَةِ هَذِهِ النُّكْتَةِ فِيما وقَعَ هُنا، وحِكايَةُ ما جاءَ بِالمَعْنى. هَذا وقالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ: فِيما ذَكَرُوهُ نَظَرٌ لِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ الخِطابُ بِلَفْظٍ عَرَبِيٍّ أوْ مُرادِفٍ لَهُ، يَجْرِي فِيهِ ما يَجْرِي فِيهِ. والأوَّلُ خِلافُ الواقِعِ. والثّانِي دُونَهُ خَرْطَ القَتادِ، فَتَأمَّلْ. أقُولُ: إنَّما اسْتُبْعِدَ الثّانِي، لِتَوَهُّمِ أنْ لا بَلاغَةَ ولا نِكاتٍ إلّا في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ. وحِينَئِذٍ فَيَتَعَيَّنُ الثّانِي. وهو ظاهِرٌ. وبِهِ تُسْتَعادُ تِلْكَ اللَّطائِفُ.

طه 20:77

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عِنايَتِهِ بِمُوسى وقَوْمِهِ، مِن إنْجائِهِمْ وإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ، وقَدْ طَوى هُنا ما فَصَّلَ في آياتٍ أُخَرَ: بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (p-٤١٩٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٧] ﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ . ﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أيْ: سِرْ بِهِمْ مِن مِصْرَ لَيْلًا: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ أيْ: يابِسًا. فَضَرَبَ مُوسى بِعَصاهُ البَحْرَ فانْفَلَقَ وجاوَزَهُ إلى ساحِلِهِ: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾ أيْ: لا تَخافُ مِن فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ أنْ يُدْرِكُوكَ مِن ورائِكَ ﴿ولا تَخْشى﴾ أيْ: غَرَقًا مِن بَيْنِ يَدَيْكَ، ووَحْلًا.

طه 20:78

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٨] ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [٧٩] ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] . ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ لِأنَّهُ نَدِمَ عَلى الإذْنِ بِتَسْرِيحِهِمْ مِن مِصْرَ، وأنَّهم قَهَرُوهُ عَلى قِلَّتِهِمْ كَما قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥] فَتَبِعَهم ومَعَهُ جُنُودُهُ حَتّى لَحِقُوهُمْ، ونَزَلُوا في الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكُوهُ. فَفاجَأهُمُ المَوْجُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ أيْ: عَلاهم مِنهُ وغَمَرَهُمْ، ما لا يُحاطُ بِهَوْلِهِ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] أيْ: أوْرَدَهُمُ الهَلاكَ، بِعُتُوِّهِ وعِنادِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وما هَداهم سَبِيلَ الرَّشادِ.

طه 20:79

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٨] ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [٧٩] ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] . ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ لِأنَّهُ نَدِمَ عَلى الإذْنِ بِتَسْرِيحِهِمْ مِن مِصْرَ، وأنَّهم قَهَرُوهُ عَلى قِلَّتِهِمْ كَما قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥] فَتَبِعَهم ومَعَهُ جُنُودُهُ حَتّى لَحِقُوهُمْ، ونَزَلُوا في الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكُوهُ. فَفاجَأهُمُ المَوْجُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ أيْ: عَلاهم مِنهُ وغَمَرَهُمْ، ما لا يُحاطُ بِهَوْلِهِ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] أيْ: أوْرَدَهُمُ الهَلاكَ، بِعُتُوِّهِ وعِنادِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وما هَداهم سَبِيلَ الرَّشادِ.

طه 20:80

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعَمَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ومِنَنَهُ الكُبْرى، وما وصّاهم مِنَ المُحافَظَةِ عَلى شُكْرِها، وحَذَرِهِمْ مِنَ التَّعَرُّضِ لِغَضَبِهِ بِكُفْرِها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (p-٤١٩٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٠] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَـزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [٨١] ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] . ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ وهو فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. فَقَدْ كانُوا يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ. يَذْبَحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم. وذَلِكَ بِأنْ أقَرَّ أعْيُنَكم مِنهُمْ، بِإغْراقِهِمْ، وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ: ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ أيْ: بِمُناجاةِ مُوسى وإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ. واليَهُودُ السّامِرِيَّةُ تَزْعُمُ أنَّ هَذا الجَبَلَ في نابُلْسَ ويُسَمُّونَهُ جَبَلَ الطُّورِ ويُذْكَرُ في الجُغْرافِيا بِلَفْظِ عِيبالَ ولَهم عِيدٌ سَنَوِيٌّ فِيهِ يَصْعَدُونَ إلَيْهِ، ويُقَرِّبُونَ فِيهِ القَرابِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما عَدّى المُواعَدَةَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لابَسَتْهم واتَّصَلَتْ بِهِمْ، حَيْثُ كانَتْ لِنَبِيِّهِمْ ونُقَبائِهِمْ. وإلَيْهِمْ رَجَعَتْ مَنافِعُها الَّتِي قامَ بِها دِينُهم وشَرْعُهُمْ، وفِيما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن سائِرِ نِعَمِهِ وأرْزاقِهِ. و(جانِبَ) مَفْعُولٌ فِيهِ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى الِاتِّساعِ. أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ: إتْيانُ جانِبٍ ﴿ونَـزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [طه: ٨١] أيْ: مِن لَذائِذِهِ. فَإنَّ المَنَّ كالعَسَلِ. والسَّلْوى مِنَ الطُّيُورِ الجَيِّدِ لَحْمُها: ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: ٨١] أيْ: فِيما رَزَقْناكُمْ، بِأنْ يَتَعَدّى فِيهِ حُدُودَ اللَّهِ، ويُخالِفَ ما أُمِرَ بِهِ: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] أيْ: هَلَكَ.

طه 20:81

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعَمَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ومِنَنَهُ الكُبْرى، وما وصّاهم مِنَ المُحافَظَةِ عَلى شُكْرِها، وحَذَرِهِمْ مِنَ التَّعَرُّضِ لِغَضَبِهِ بِكُفْرِها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (p-٤١٩٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٠] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَـزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [٨١] ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] . ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ وهو فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. فَقَدْ كانُوا يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ. يَذْبَحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم. وذَلِكَ بِأنْ أقَرَّ أعْيُنَكم مِنهُمْ، بِإغْراقِهِمْ، وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ: ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ أيْ: بِمُناجاةِ مُوسى وإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ. واليَهُودُ السّامِرِيَّةُ تَزْعُمُ أنَّ هَذا الجَبَلَ في نابُلْسَ ويُسَمُّونَهُ جَبَلَ الطُّورِ ويُذْكَرُ في الجُغْرافِيا بِلَفْظِ عِيبالَ ولَهم عِيدٌ سَنَوِيٌّ فِيهِ يَصْعَدُونَ إلَيْهِ، ويُقَرِّبُونَ فِيهِ القَرابِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما عَدّى المُواعَدَةَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لابَسَتْهم واتَّصَلَتْ بِهِمْ، حَيْثُ كانَتْ لِنَبِيِّهِمْ ونُقَبائِهِمْ. وإلَيْهِمْ رَجَعَتْ مَنافِعُها الَّتِي قامَ بِها دِينُهم وشَرْعُهُمْ، وفِيما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن سائِرِ نِعَمِهِ وأرْزاقِهِ. و(جانِبَ) مَفْعُولٌ فِيهِ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى الِاتِّساعِ. أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ: إتْيانُ جانِبٍ ﴿ونَـزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [طه: ٨١] أيْ: مِن لَذائِذِهِ. فَإنَّ المَنَّ كالعَسَلِ. والسَّلْوى مِنَ الطُّيُورِ الجَيِّدِ لَحْمُها: ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: ٨١] أيْ: فِيما رَزَقْناكُمْ، بِأنْ يَتَعَدّى فِيهِ حُدُودَ اللَّهِ، ويُخالِفَ ما أُمِرَ بِهِ: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] أيْ: هَلَكَ.

طه 20:82

(p-٤١٩٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٢] ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ . ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ أيْ: تابَ عَمّا كانَ فِيهِ مِن كُفْرٍ أوْ شِرْكٍ أوْ مَعْصِيَةٍ أوْ نِفاقٍ، وعَمِلَ صالِحًا بِجَوارِحِهِ، ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أيِ: اسْتَقامَ وثَبَتَ عَلى الهُدى المَذْكُورِ. وهو التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] وفي الآيَةِ تَرْغِيبٌ لِمَن وقَعَ في وهْدَةِ الطُّغْيانِ، بِبَيانِ المَخْرَجِ لَهُ مِنهُ، كَيْ لا يَيْأسَ.

طه 20:83

وقَوْلُهُ تَعالى: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٣] ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ . ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَجَّلَ بِكَ عَنْهُمْ، عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وكانَ قَدْ مَضى مَعَهُ النُّقَباءُ الَّذِينَ اخْتارَهم مِن قَوْمِهِ إلى الطُّورِ، عَلى المَوْعِدِ المَضْرُوبِ، ثُمَّ تَقَدَّمَهم شَوْقًا إلى كَلامِ رَبِّهِ ورِضاهُ.

طه 20:84

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٤] ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ . ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ أيْ: قادِمُونَ يَنْزِلُونَ بِالطُّورِ، وإنَّما سَبَقْتُهم بِما ظَنَنْتُ أنَّهُ خَيْرٌ. ولِذا قالَ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ أيْ: عَنِّي، بِمُسارَعَتِي إلى الِامْتِثالِ بِأمْرِكَ. واعْتِنائِي بِالوَفاءِ بِعَهْدِكَ. وزِيادَةُ (رَبِّ) لِمَزِيدِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ، رَغْبَةً في قَبُولِ العُذْرِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. (p-٤٢٠٠)فَإنْ قِيلَ: كانَ مُقْتَضى جَوابِ السُّؤالِ مِن مُوسى أنْ يَقُولَ: طَلَبَ زِيادَةِ رِضاكَ أوِ الشَّوْقَ إلى كَلامِكَ، فالجَوابُ. أنَّ هَذا مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ سِرِّ الإنْكارِ. وذَلِكَ لِأنَّ الإنْكارَ بِالذّاتِ إنَّما هو لِلْبُعْدِ والِانْفِصالِ عَنْهم. فَهو مُنْصَبٌّ عَلى القَيْدِ. كَما عُرِفَ في أمْثالِهِ. فالسُّؤالُ في المَعْنى عَنْ الِانْفِصالِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ (أعْجَلَكَ) المُتَعَدِّي بِـ(مَن). وإنْكارُ العَجَلَةِ لِأنَّها وسِيلَةٌ لَهُ. فالجَوابُ: هم أُولاءِ عَلى أثَرِي. وقَوْلُهُ: ﴿وعَجِلْتُ﴾ إلَخْ تَتْمِيمٌ. وقِيلَ الجَوابُ إنَّما هو قَوْلُهُ: ﴿وعَجِلْتُ﴾ إلَخْ، وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ. وقالَ النّاصِرُ: إنَّما أرادَ اللَّهُ بِسُؤالِهِ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ، وهو أعْلَمُ، أنْ يُعَلِّمَ مُوسى أدَبَ السَّفَرِ. وهو أنَّهُ يَنْبَغِي تَأخُّرُ رَئِيسِ القَوْمِ عَنْهم في المَسِيرِ، لِيَكُونَ نَظَرُهُ مُحِيطًا بِطائِفَتِهِ، ونافِذًا فِيهِمْ، ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِمْ. وهَذا المَعْنى لا يَحْصُلُ في تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِمْ، ألا تَرى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كَيْفَ عَلَّمَ هَذا الأدَبَ، لُوطًا، فَقالَ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ [الحجر: ٦٥] فَأمَرَهُ أنْ يَكُونَ أخْيَرَهم. عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أغْفَلَ هَذا الأمْرَ مُبادَرَةً إلى رِضاءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومُسارَعَةً إلى المِيعادِ. وذَلِكَ شَأْنُ المَوْعُودِ بِما يُسِرُّهُ، يَوَدُّ لَوْ رُكِّبَ إلَيْهِ أجْنِحَةُ الطَّيْرِ. ولا أسَرَّ مِن مُواعَدَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ ﷺ. انْتَهى.

طه 20:85

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٥] ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ . ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهم بَعْدَ ذَهابِكَ لِلْمُناجاةِ: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ يَعْنِي اليَهُودِيَّ الَّذِي وسْوَسَ لَهم أنْ يَعْبُدُوا عِجْلًا يَتَّخِذُوهُ إلَهًا، لَمّا طالَتْ عَلَيْهِمْ غَيْبَةُ مُوسى ويَئِسُوا مِن رُجُوعِهِ. و(السّامِرِيُّ) في لُغَةِ العَرَبِ، بِمَعْنى اليَهُودِيِّ. وقَدْ قالَ بِالظَّنِّ، مَنِ ادَّعى تَسْمِيَتَهُ أوْ حاوَلَ تَعْيِينَهُ. وأمّا الطّائِفَةُ السّامِرِيَّةُ الآنَ فَهم فِئَةٌ مِنَ اليَهُودِ في (نابُلْسَ) قَلِيلَةُ العَدَدِ تُخالِفُ بَقِيَّةَ اليَهُودِ في جُلِّ عاداتِها. (p-٤٢٠١)وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ -أعْنِي إخْبارَهُ تَعالى لِمُوسى بِالفِتْنَةِ -الأمْرَ- بِرُجُوعِهِ لِقَوْمِهِ، وإصْلاحِهِ ما فَسَدَ مِن حالِهِمْ، كَما قالَ تَعالى:

طه 20:86

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦] ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ . ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ أيْ: حَزِينًا: ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ أيْ: بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيَّ، ورُجُوعِي بِها إلَيْكُمْ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ أيْ: زَمانُ الإنْجازِ، أوْ مَجِيئِي: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أيْ: وعْدَكم إيّايَ بِالثَّباتِ عَلى ما أمَرْتُكم بِهِ إلى أنْ أرْجِعَ مِنَ المِيقاتِ.

طه 20:87

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٧] ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [٨٨] ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] . ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ قُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى المِيمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ، بِأنْ مَلَكْنا أمْرَنا. أيْ: لَوْ مَلَكْنا أمْرَنا، وخَلَّيْنا وراءَنا، لَما أخْلَفْناهُ. ولَكِنْ غَلَبْنا مِن جِهَةِ السّامِرِيِّ وكَيْدِهِ: ﴿ولَكِنّا حُمِّلْنا﴾ بِفَتْحِ الحاءِ مُخَفَّفًا، وبِضَمِّها وكَسْرِ المِيمِ مُشَدَّدًا: أوْزارًا أيْ: أثْقالًا وأحْمالًا: ﴿مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ (p-٤٢٠٢)أيْ: مِن حُلِيِّ القِبْطِ، قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وهو حُلِيُّ نِسائِهِمْ: ﴿فَقَذَفْناها﴾ أيْ: في النّارِ لِسَبْكِها: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ أيْ: كانَ إلْقاؤُهُ: ﴿فَأخْرَجَ لَهُمْ﴾ [طه: ٨٨] أيْ: مِن تِلْكَ الحُلِيِّ المُذابَةِ: ﴿عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [طه: ٨٨] أيْ: صَوْتَ عِجْلٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ صارَ حَيًّا، وخارَ كَما يَخُورُ العِجْلُ. وقِيلَ: لَمْ تَحُلَّهُ الحَياةُ وإنَّما جَعَلَ فِيهِ مَنافِذَ ومَخارِقَ، بِحَيْثُ تَدْخُلُ فِيها الرِّياحُ فَيَخْرُجُ صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ العِجْلِ. أفادَهُ الرّازِيُّ. وقَوْلُهُ: فَقالُوا أيِ: السّامِرِيُّ ومَنِ افْتَتَنُوا بِهِ: ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] أيْ: غَفَلَ عَنْهُ وذَهَبَ يَطْلُبُهُ في الطُّورِ. ثُمَّ أنْكَرَ تَعالى عَلى مَن ضَلَّ بِهَذا العِجْلِ وأضَلَّ. مُسَفِّهًا لَهم فِيما أقْدَمُوا عَلَيْهِ، مِمّا لا يُشْتَبَهُ بُطْلانُهُ عَلى أحَدٍ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

طه 20:88

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٧] ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [٨٨] ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] . ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ قُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى المِيمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ، بِأنْ مَلَكْنا أمْرَنا. أيْ: لَوْ مَلَكْنا أمْرَنا، وخَلَّيْنا وراءَنا، لَما أخْلَفْناهُ. ولَكِنْ غَلَبْنا مِن جِهَةِ السّامِرِيِّ وكَيْدِهِ: ﴿ولَكِنّا حُمِّلْنا﴾ بِفَتْحِ الحاءِ مُخَفَّفًا، وبِضَمِّها وكَسْرِ المِيمِ مُشَدَّدًا: أوْزارًا أيْ: أثْقالًا وأحْمالًا: ﴿مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ (p-٤٢٠٢)أيْ: مِن حُلِيِّ القِبْطِ، قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وهو حُلِيُّ نِسائِهِمْ: ﴿فَقَذَفْناها﴾ أيْ: في النّارِ لِسَبْكِها: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ أيْ: كانَ إلْقاؤُهُ: ﴿فَأخْرَجَ لَهُمْ﴾ [طه: ٨٨] أيْ: مِن تِلْكَ الحُلِيِّ المُذابَةِ: ﴿عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [طه: ٨٨] أيْ: صَوْتَ عِجْلٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ صارَ حَيًّا، وخارَ كَما يَخُورُ العِجْلُ. وقِيلَ: لَمْ تَحُلَّهُ الحَياةُ وإنَّما جَعَلَ فِيهِ مَنافِذَ ومَخارِقَ، بِحَيْثُ تَدْخُلُ فِيها الرِّياحُ فَيَخْرُجُ صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ العِجْلِ. أفادَهُ الرّازِيُّ. وقَوْلُهُ: فَقالُوا أيِ: السّامِرِيُّ ومَنِ افْتَتَنُوا بِهِ: ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] أيْ: غَفَلَ عَنْهُ وذَهَبَ يَطْلُبُهُ في الطُّورِ. ثُمَّ أنْكَرَ تَعالى عَلى مَن ضَلَّ بِهَذا العِجْلِ وأضَلَّ. مُسَفِّهًا لَهم فِيما أقْدَمُوا عَلَيْهِ، مِمّا لا يُشْتَبَهُ بُطْلانُهُ عَلى أحَدٍ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

طه 20:89

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٩] ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ . ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ﴾ أيِ: العِجْلُ: ﴿إلَيْهِمْ قَوْلا﴾ أيْ: لا يُرَدِّدَ لَهم جَوابًا: ﴿ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ: دَفْعَ ضُرٍّ ولا جَلْبَ نَفْعٍ، أيْ: فَكَيْفَ يُتَّخَذُ إلَهًا؟

طه 20:90

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠] ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ . ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ رُجُوعِ مُوسى إلَيْهِمْ: ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: ضَلَلْتُمْ بِعِبادَتِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، ونَبْذِ العِجْلِ.

طه 20:91

(p-٤٢٠٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩١] ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [٩٢] ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] [٩٣] ﴿ألا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] . ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ ﴿قالَ﴾ [طه: ٩٢] أيْ: مُوسى: ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ [طه: ٩٣] أيْ: في الغَضَبِ لِلَّهِ، وشِدَّةِ الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ. ولا مَزِيدَةَ. أوِ المَعْنى ما حَمَلَكَ عَلى أنْ لا تَتْبَعَنِي، بِحَمْلِ النَّقِيضِ عَلى النَّقِيضِ. فَإنَّ المَنعَ عَنِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَمْلِ عَلى مُقابِلِهِ. أوْ ما مَنَعَكَ أنْ تَلْحَقَنِي وتُخْبِرَنِي بِضَلالِهِمْ، فَتَكُونُ مُفارَقَتُكَ مَزْجَرَةً لَهُمْ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] وهو ما أمَرَهُ بِهِ مِن أنْ يَخْلُفَهُ في قَوْمِهِ، ويُصْلِحَ ما يَراهُ فاسِدًا.

طه 20:92

(p-٤٢٠٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩١] ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [٩٢] ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] [٩٣] ﴿ألا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] . ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ ﴿قالَ﴾ [طه: ٩٢] أيْ: مُوسى: ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ [طه: ٩٣] أيْ: في الغَضَبِ لِلَّهِ، وشِدَّةِ الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ. ولا مَزِيدَةَ. أوِ المَعْنى ما حَمَلَكَ عَلى أنْ لا تَتْبَعَنِي، بِحَمْلِ النَّقِيضِ عَلى النَّقِيضِ. فَإنَّ المَنعَ عَنِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَمْلِ عَلى مُقابِلِهِ. أوْ ما مَنَعَكَ أنْ تَلْحَقَنِي وتُخْبِرَنِي بِضَلالِهِمْ، فَتَكُونُ مُفارَقَتُكَ مَزْجَرَةً لَهُمْ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] وهو ما أمَرَهُ بِهِ مِن أنْ يَخْلُفَهُ في قَوْمِهِ، ويُصْلِحَ ما يَراهُ فاسِدًا.

طه 20:93

(p-٤٢٠٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩١] ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [٩٢] ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] [٩٣] ﴿ألا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] . ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ ﴿قالَ﴾ [طه: ٩٢] أيْ: مُوسى: ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ [طه: ٩٣] أيْ: في الغَضَبِ لِلَّهِ، وشِدَّةِ الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ. ولا مَزِيدَةَ. أوِ المَعْنى ما حَمَلَكَ عَلى أنْ لا تَتْبَعَنِي، بِحَمْلِ النَّقِيضِ عَلى النَّقِيضِ. فَإنَّ المَنعَ عَنِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَمْلِ عَلى مُقابِلِهِ. أوْ ما مَنَعَكَ أنْ تَلْحَقَنِي وتُخْبِرَنِي بِضَلالِهِمْ، فَتَكُونُ مُفارَقَتُكَ مَزْجَرَةً لَهُمْ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] وهو ما أمَرَهُ بِهِ مِن أنْ يَخْلُفَهُ في قَوْمِهِ، ويُصْلِحَ ما يَراهُ فاسِدًا.

طه 20:94

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٤] ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ . ﴿قالَ﴾ أيْ: هارُونُ: ﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها. أرادَ أُمِّي وذِكْرُها أعْطَفُ لِقَلْبِهِ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ أيْ: بِشَعْرِهِ. وكانَ قَبَضَ عَلَيْهِما يَجُرُّهُ إلَيْهِ مِن شِدَّةِ غَضَبِهِ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: بِتَرْكِهِمْ لا راعِيَ لَهُمْ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أيْ: لَمْ تُراعِهِ في الِاسْتِخْلافِ والوُجُودِ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ.

طه 20:95

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٥] ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ . ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ أيْ: ثُمَّ أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ وقالَ لَهُ مُنْكِرًا: ما شَأْنُكَ فِيما صَنَعْتَ؟ وما دَعاكَ إلَيْهِ؟

طه 20:96

(p-٤٢٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٦] ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [٩٧] ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] . ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أيْ: فَطِنْتُ لِما لَمْ يَفْطَنُوا لَهُ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ أيْ: في الحُلِيِّ المُذابِ حَتّى حَيَّ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أيْ: حَسَّنَتْهُ وزَيَّنَتْهُ: ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ﴾ [طه: ٩٧] أيْ: لِعَذابِكَ: ﴿مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] أيْ: لَنُطَيِّرَنَّهُ رَمادًا في البَحْرِ، بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَلَكَ في هَذا الوَعْظِ أحْسَنَ الوُجُوهِ. لِأنَّهُ زَجَرَهم عَنِ الباطِلِ، أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ [طه: ٩٠] ثُمَّ دَعاهم لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠] ثُمَّ دَعاهم ثالِثًا إلى مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ [طه: ٩٠] ثُمَّ دَعاهم إلى الشَّرائِعِ رابِعًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا أمْرِي﴾ [طه: ٩٠] وهَذا هو التَّرْتِيبُ الجَيِّدُ. لِأنَّهُ لا بُدَّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ في إماطَةِ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ، وهو إزالَةُ الشُّبُهاتِ. ثُمَّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّها هي الأصْلُ. ثُمَّ النُّبُوَّةُ ثُمَّ الشَّرِيعَةُ. فَثَبَتَ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ. أفادَهُ الرّازِيُّ. وقَدْ بَرَّأ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ، هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا افْتَراهُ عَلَيْهِ كَتَبَةُ التَّوْراةِ (p-٤٢٠٥)مِن أنَّهُ هو السّامِرِيُّ الَّذِي اتَّخَذَ العِجْلَ وأمَرَ بِعِبادَتِهِ، كَما هو مَوْجُودٌ عِنْدَهم. وهو مِن أعْظَمِ الفِرى، بِلا امْتِرا. الثّانِي: عامَّةُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ بِالرَّسُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأرادَ بِأثَرِهِ، التُّرابُ الَّذِي أخَذَهُ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: أنَّ السّامِرِيَّ مَتّى رَآهُ؟ فَقِيلَ: إنَّما رَآهُ يَوْمَ فَلْقِ البَحْرِ. وقِيلَ: وقْتَ ذَهابِهِ بِمُوسى إلى الطُّورِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا فِي: أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ النّاسِ؟ فَقِيلَ إنَّما عَرَفَهُ لِأنَّهُ رَآهُ في صِغَرِهِ، وحِفْظِهِ مِن قَتْلِ آلِ فِرْعَوْنَ لَهُ، وكانَ مِمَّنْ رَبّاهُ. وكُلُّ هَذا لَيْسَ عَلَيْهِ أثارَةٌ مِن عِلْمٍ ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ. ولِذا قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. فَهَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهُوَ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وبِأثَرِهِ سُنَّتُهُ ورَسْمُهُ الَّذِي أمَرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْبِضُ أثَرَهُ، إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ. والتَّقْدِيرُ، أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ، والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْمِ في بابِ العِجْلِ، فَقالَ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أيْ: عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ، أيْ: شَيْئًا مِن سُنَّتِكَ ودِينِكَ." فَقَذَفْتُهُ "، أيْ: طَرَحْتُهُ. فَعِنْدَ ذَلِكَ أعْلَمَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وإنَّما أوْرَدَ بِلَفْظِ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا؟ وبِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ؟ وأمّا دُعاؤُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا، مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ، فَعَلى مِثْلِ مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ. انْتَهى. (p-٤٢٠٦)قالَ الرّازِيُّ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ بِاسْمِ الرَّسُولِ. ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ، حَتّى تُجْعَلَ لامُ التَّعْرِيفِ إشارَةً إلَيْهِ. فَإطْلاقُ لَفْظِ الرَّسُولِ لِإرادَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ تَكْلِيفٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وثانِيها: أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ. وهو قَبْضَةٌ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وثالِثُها: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّعَسُّفِ في بَيانِ أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ مِن بَيْنِ جَمِيعِ النّاسِ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ؟ ثُمَّ كَيْفَ عَرَفَ أنَّ لِتُرابِ حافِرِ فَرَسِهِ هَذا الأثَرَ؟ والَّذِي ذَكَرُوهُ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي رَبّاهُ، فَبَعِيدٌ. لِأنَّ السّامِرِيَّ، إنْ عَرَفَ جِبْرِيلَ حالَ كَمالِ عَقْلِهِ، عَرَفَ قَطْعًا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ. فَكَيْفَ يُحاوِلُ الإضْلالَ؟ وإنْ كانَ ما عَرَفَهُ حالَ بُلُوغٍ، فَأيُّ مَنفَعَةٍ لِكَوْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُرَبِّيًا لَهُ حالَ الطُّفُولِيَّةِ، في حُصُولِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ؟ انْتَهى. التَّنْبِيهُ الثّالِثُ: في قَوْلِهِ: ﴿لا مِساسَ﴾ [طه: ٩٧] وُجُوهٌ: أحَدُها: إنِّي لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ. وثانِيها: المُرادُ المَنعُ مِن أنْ يُخالِطَ أحَدًا أوْ يُخالِطَهُ أحَدٌ، عُقُوبَةً لَهُ. ثالِثُها: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ مِن أنَّهُ يَجُوزُ في حَمْلُهُ: ما (أُرِيدُ مَسِّي النِّساءَ)، فَيَكُونُ مِن تَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهُ انْقِطاعُ نَسْلِهِ. فَلا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ يُؤْنِسُهُ، فَيُخَلِّيهِ اللَّهُ تَعالى مِن زِينَتَيِ الدُّنْيا اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦] أيْ: لِأنَّ المَسَّ يُكَنّى بِهِ عَنِ النِّكاحِ كَما في آيَةِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] واللَّهُ أعْلَمُ. (p-٤٢٠٧)ولَمّا فَرَغَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إبْطالِ ما دَعا إلَيْهِ السّامِرِيُّ، عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ، فَقالَ:

طه 20:97

(p-٤٢٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٦] ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [٩٧] ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] . ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أيْ: فَطِنْتُ لِما لَمْ يَفْطَنُوا لَهُ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ أيْ: في الحُلِيِّ المُذابِ حَتّى حَيَّ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أيْ: حَسَّنَتْهُ وزَيَّنَتْهُ: ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ﴾ [طه: ٩٧] أيْ: لِعَذابِكَ: ﴿مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] أيْ: لَنُطَيِّرَنَّهُ رَمادًا في البَحْرِ، بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَلَكَ في هَذا الوَعْظِ أحْسَنَ الوُجُوهِ. لِأنَّهُ زَجَرَهم عَنِ الباطِلِ، أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ [طه: ٩٠] ثُمَّ دَعاهم لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠] ثُمَّ دَعاهم ثالِثًا إلى مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ [طه: ٩٠] ثُمَّ دَعاهم إلى الشَّرائِعِ رابِعًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا أمْرِي﴾ [طه: ٩٠] وهَذا هو التَّرْتِيبُ الجَيِّدُ. لِأنَّهُ لا بُدَّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ في إماطَةِ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ، وهو إزالَةُ الشُّبُهاتِ. ثُمَّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّها هي الأصْلُ. ثُمَّ النُّبُوَّةُ ثُمَّ الشَّرِيعَةُ. فَثَبَتَ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ. أفادَهُ الرّازِيُّ. وقَدْ بَرَّأ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ، هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا افْتَراهُ عَلَيْهِ كَتَبَةُ التَّوْراةِ (p-٤٢٠٥)مِن أنَّهُ هو السّامِرِيُّ الَّذِي اتَّخَذَ العِجْلَ وأمَرَ بِعِبادَتِهِ، كَما هو مَوْجُودٌ عِنْدَهم. وهو مِن أعْظَمِ الفِرى، بِلا امْتِرا. الثّانِي: عامَّةُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ بِالرَّسُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأرادَ بِأثَرِهِ، التُّرابُ الَّذِي أخَذَهُ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: أنَّ السّامِرِيَّ مَتّى رَآهُ؟ فَقِيلَ: إنَّما رَآهُ يَوْمَ فَلْقِ البَحْرِ. وقِيلَ: وقْتَ ذَهابِهِ بِمُوسى إلى الطُّورِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا فِي: أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ النّاسِ؟ فَقِيلَ إنَّما عَرَفَهُ لِأنَّهُ رَآهُ في صِغَرِهِ، وحِفْظِهِ مِن قَتْلِ آلِ فِرْعَوْنَ لَهُ، وكانَ مِمَّنْ رَبّاهُ. وكُلُّ هَذا لَيْسَ عَلَيْهِ أثارَةٌ مِن عِلْمٍ ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ. ولِذا قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. فَهَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهُوَ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وبِأثَرِهِ سُنَّتُهُ ورَسْمُهُ الَّذِي أمَرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْبِضُ أثَرَهُ، إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ. والتَّقْدِيرُ، أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ، والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْمِ في بابِ العِجْلِ، فَقالَ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أيْ: عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ، أيْ: شَيْئًا مِن سُنَّتِكَ ودِينِكَ." فَقَذَفْتُهُ "، أيْ: طَرَحْتُهُ. فَعِنْدَ ذَلِكَ أعْلَمَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وإنَّما أوْرَدَ بِلَفْظِ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا؟ وبِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ؟ وأمّا دُعاؤُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا، مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ، فَعَلى مِثْلِ مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ. انْتَهى. (p-٤٢٠٦)قالَ الرّازِيُّ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ بِاسْمِ الرَّسُولِ. ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ، حَتّى تُجْعَلَ لامُ التَّعْرِيفِ إشارَةً إلَيْهِ. فَإطْلاقُ لَفْظِ الرَّسُولِ لِإرادَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ تَكْلِيفٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وثانِيها: أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ. وهو قَبْضَةٌ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وثالِثُها: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّعَسُّفِ في بَيانِ أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ مِن بَيْنِ جَمِيعِ النّاسِ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ؟ ثُمَّ كَيْفَ عَرَفَ أنَّ لِتُرابِ حافِرِ فَرَسِهِ هَذا الأثَرَ؟ والَّذِي ذَكَرُوهُ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي رَبّاهُ، فَبَعِيدٌ. لِأنَّ السّامِرِيَّ، إنْ عَرَفَ جِبْرِيلَ حالَ كَمالِ عَقْلِهِ، عَرَفَ قَطْعًا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ. فَكَيْفَ يُحاوِلُ الإضْلالَ؟ وإنْ كانَ ما عَرَفَهُ حالَ بُلُوغٍ، فَأيُّ مَنفَعَةٍ لِكَوْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُرَبِّيًا لَهُ حالَ الطُّفُولِيَّةِ، في حُصُولِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ؟ انْتَهى. التَّنْبِيهُ الثّالِثُ: في قَوْلِهِ: ﴿لا مِساسَ﴾ [طه: ٩٧] وُجُوهٌ: أحَدُها: إنِّي لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ. وثانِيها: المُرادُ المَنعُ مِن أنْ يُخالِطَ أحَدًا أوْ يُخالِطَهُ أحَدٌ، عُقُوبَةً لَهُ. ثالِثُها: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ مِن أنَّهُ يَجُوزُ في حَمْلُهُ: ما (أُرِيدُ مَسِّي النِّساءَ)، فَيَكُونُ مِن تَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهُ انْقِطاعُ نَسْلِهِ. فَلا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ يُؤْنِسُهُ، فَيُخَلِّيهِ اللَّهُ تَعالى مِن زِينَتَيِ الدُّنْيا اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦] أيْ: لِأنَّ المَسَّ يُكَنّى بِهِ عَنِ النِّكاحِ كَما في آيَةِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] واللَّهُ أعْلَمُ. (p-٤٢٠٧)ولَمّا فَرَغَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إبْطالِ ما دَعا إلَيْهِ السّامِرِيُّ، عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ، فَقالَ:

طه 20:98

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٨] ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ . ﴿إنَّما إلَهُكُمُ﴾ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ والتَّعْظِيمِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ: أحاطَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى فَضْلِهِ، فِيما قَصَّهُ عَلى خاتَمِ رُسُلِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِن أنْباءِ الأنْبِياءِ، تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ، وزِيادَةً في مُعْجِزاتِهِ، وتَكْثِيرًا لِلِاعْتِبارِ والِاسْتِبْصارِ في آياتِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

طه 20:99

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٩] ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ . ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ أيْ: كِتابًا عَظِيمًا جامِعًا لِكُلِّ كَمالٍ، وسُمِّيَ القُرْآنُ: ذِكْرًا لِما فِيهِ مِن ذِكْرِ ما يَحْتاجُ إلى النّاسِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، ومِن ذِكْرِ آلاءِ اللَّهِ ونَعْمائِهِ. فَفِيهِ التَّذْكِيرُ والمَواعِظُ، ولِما فِيهِ مِنَ الذِّكْرِ والشَّرَفِ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ولِقَوْمِهِ. قالَ الرّازِيُّ: وقَدْ سَمّى تَعالى كُلَّ كُتُبِهِ (ذِكْرًا) فَقالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]

طه 20:100

ثَمَّ، كَما بَيَّنَ تَعالى نِعْمَتَهُ بِذَلِكَ، بَيَّنَ شِدَّةَ الوَعِيدِ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، بِقَوْلِهِ: (p-٤٢٠٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٠] ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ [١٠١] ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾ [طه: ١٠١] . ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ أيْ: إثْمًا. يَعْنِي عُقُوبَةً ثَقِيلَةً. شُبِّهَتْ بِالحَمْلِ الثَّقِيلِ لِثِقَلِها عَلى المُعاقَبِ وصُعُوبَةِ احْتِمالِها: ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠١] أيْ: في احْتِمالِهِ المُسْتَمِرِّ: ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾ [طه: ١٠١]

طه 20:101

ثَمَّ، كَما بَيَّنَ تَعالى نِعْمَتَهُ بِذَلِكَ، بَيَّنَ شِدَّةَ الوَعِيدِ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، بِقَوْلِهِ: (p-٤٢٠٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٠] ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ [١٠١] ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾ [طه: ١٠١] . ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ أيْ: إثْمًا. يَعْنِي عُقُوبَةً ثَقِيلَةً. شُبِّهَتْ بِالحَمْلِ الثَّقِيلِ لِثِقَلِها عَلى المُعاقَبِ وصُعُوبَةِ احْتِمالِها: ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠١] أيْ: في احْتِمالِهِ المُسْتَمِرِّ: ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾ [طه: ١٠١]

طه 20:102

وقَوْلُهُ تَعالى: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٢] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [١٠٣] ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] . ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ. والنَّفْخُ في الصُّورِ تَمْثِيلٌ لِبَعْثِ اللَّهِ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ بِسُرْعَةٍ لا يُمَثِّلُها إلّا نَفْخَةٌ في بُوقٍ: ﴿فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] وعَلَيْنا أنْ يُؤْمِنَ بِما ورَدَ مِنَ النَّفْخِ في الصُّورِ. ولَيْسَ عَلَيْنا أنْ نَعْلَمَ ما هي حَقِيقَةُ ذَلِكَ الصُّورِ. والبَحْثُ وراءَ هَذا، عَبَثٌ لا يَسُوغُ لِلْمُسْلِمِ. أفادَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: نَسُوقُهم إلى جَهَنَّمَ: ﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ أيْ: زُرْقَ الوُجُوهِ. الزُّرْقَةُ تَقْرُبُ مِنَ السَّوادِ. فَهو بِمَعْنى آيَةِ: ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الزُّرْقَةِ شُخُوصُ أبْصارِهِمْ. والأزْرَقُ شاخِصٌ، لِأنَّهُ لِضَعْفِ بَصَرِهِ، يَكُونُ مُحْدِقًا نَحْوَ الشَّيْءِ يُرِيدُ أنْ يَتَبَيَّنَهُ. وهَذِهِ حالُ الخائِفِ المُتَوَقِّعِ لِما يَكْرَهُ. وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] نَقَلَهُ الرّازِيُّ. والأوَّلُ أظْهَرُ (p-٤٢٠٩)﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ١٠٣] أيْ: يَتَسارُّونَ مِنَ الرُّعْبِ والهَوْلِ، أوْ مِنَ الضَّعْفِ، قائِلِينَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ [طه: ١٠٣] أيْ: في الدُّنْيا: ﴿إلا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] أيْ: عَشْرَ لَيالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا، إمّا لِما يُعايِنُونَ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي تُذَكِّرُهم أيّامَ النِّعْمَةِ والسُّرُورِ، فَيَتَأسَّفُونَ عَلَيْها ويَصِفُونَها بِالقِصَرِ. لِأنَّ أيّامَ السُّرُورِ قِصارٌ. وإمّا لِأنَّها ذَهَبَتْ عَنْهم وتَقَضَّتْ. والذّاهِبُ، وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ، قَصِيرٌ بِالِانْتِهاءِ. ومِنهُ تَوْقِيعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُعْتَزِّ تَحْتَ: أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ كَفى بِالِانْتِهاءِ قِصَرًا. وإمّا لِاسْتِطالَتِهِمُ الآخِرَةَ، وأنَّها أبَدٌ سَرْمَدٌ، يَسْتَقْصِرُ إلَيْها عُمْرَ الدُّنْيا، ويَتَقالَّ لَبْثَ أهْلِها فِيها بِالقِياسِ إلى لَبْثِهِمْ في الآخِرَةِ.

طه 20:103

وقَوْلُهُ تَعالى: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٢] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [١٠٣] ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] . ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ. والنَّفْخُ في الصُّورِ تَمْثِيلٌ لِبَعْثِ اللَّهِ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ بِسُرْعَةٍ لا يُمَثِّلُها إلّا نَفْخَةٌ في بُوقٍ: ﴿فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] وعَلَيْنا أنْ يُؤْمِنَ بِما ورَدَ مِنَ النَّفْخِ في الصُّورِ. ولَيْسَ عَلَيْنا أنْ نَعْلَمَ ما هي حَقِيقَةُ ذَلِكَ الصُّورِ. والبَحْثُ وراءَ هَذا، عَبَثٌ لا يَسُوغُ لِلْمُسْلِمِ. أفادَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: نَسُوقُهم إلى جَهَنَّمَ: ﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ أيْ: زُرْقَ الوُجُوهِ. الزُّرْقَةُ تَقْرُبُ مِنَ السَّوادِ. فَهو بِمَعْنى آيَةِ: ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الزُّرْقَةِ شُخُوصُ أبْصارِهِمْ. والأزْرَقُ شاخِصٌ، لِأنَّهُ لِضَعْفِ بَصَرِهِ، يَكُونُ مُحْدِقًا نَحْوَ الشَّيْءِ يُرِيدُ أنْ يَتَبَيَّنَهُ. وهَذِهِ حالُ الخائِفِ المُتَوَقِّعِ لِما يَكْرَهُ. وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] نَقَلَهُ الرّازِيُّ. والأوَّلُ أظْهَرُ (p-٤٢٠٩)﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ١٠٣] أيْ: يَتَسارُّونَ مِنَ الرُّعْبِ والهَوْلِ، أوْ مِنَ الضَّعْفِ، قائِلِينَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ [طه: ١٠٣] أيْ: في الدُّنْيا: ﴿إلا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] أيْ: عَشْرَ لَيالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا، إمّا لِما يُعايِنُونَ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي تُذَكِّرُهم أيّامَ النِّعْمَةِ والسُّرُورِ، فَيَتَأسَّفُونَ عَلَيْها ويَصِفُونَها بِالقِصَرِ. لِأنَّ أيّامَ السُّرُورِ قِصارٌ. وإمّا لِأنَّها ذَهَبَتْ عَنْهم وتَقَضَّتْ. والذّاهِبُ، وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ، قَصِيرٌ بِالِانْتِهاءِ. ومِنهُ تَوْقِيعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُعْتَزِّ تَحْتَ: أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ كَفى بِالِانْتِهاءِ قِصَرًا. وإمّا لِاسْتِطالَتِهِمُ الآخِرَةَ، وأنَّها أبَدٌ سَرْمَدٌ، يَسْتَقْصِرُ إلَيْها عُمْرَ الدُّنْيا، ويَتَقالَّ لَبْثَ أهْلِها فِيها بِالقِياسِ إلى لَبْثِهِمْ في الآخِرَةِ.

طه 20:104

وقَدِ اسْتَرْجَحَ اللَّهُ قَوْلَ مَن يَكُونُ أشَدَّ تِقالًا مِنهُمْ، في قَوْلِهِ تَعالى: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٤] ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ . ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾ أيْ: أعْدَلُهم رَأْيًا: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] انْتَهى. قالَ أبُو السُّعُودِ: ونِسْبَةُ هَذا القَوْلِ إلى أمْثَلِهِمُ، اسْتِرْجاعٌ مِنهُ تَعالى لَهُ، لَكِنْ لا لِكَوْنِهِ أقْرَبَ إلى الصِّدْقِ، بَلْ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى شِدَّةِ الهَوْلِ. أيْ: ولِكَوْنِهِ مُنْتَهى الأعْدادِ القَلِيلَةِ. وكَذَلِكَ لَبْثُهم بِالنِّسْبَةِ إلى الخُلُودِ السَّرْمَدِيِّ، وإلى تَقَضِّي الغائِبِ الَّذِي كَأنْ لَمْ يَكُنْ. ولا يُنافِي هَذا ما جاءَ في آيَةِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] لِأنَّ المُرادَ بِالسّاعَةِ الحِصَّةُ مِنَ الزَّمانِ القَلِيلِ، فَتُصَدَّقُ بِاليَوْمِ. كَما أنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الوَقْتِ. ولِذَلِكَ نُكِّرَ، تَقْلِيلًا لَهُ وتَحْقِيرًا. (p-٤٢١٠)قالَ الشِّهابُ: لَيْسَ المُرادُ بِحِكايَةِ قَوْلِ مَن قالَ (عَشْرًا) أوْ (يَوْمًا) أوْ (ساعَةً) حَقِيقَةَ اخْتِلافِهِمْ في مُدَّةِ اللَّبْثِ، ولا الشَّكِّ في تَعْيِينِهِ. بَلِ المُرادُ أنَّهُ لِسُرْعَةِ زَوالِهِ، عَبَّرَ عَنْ قِلَّتِهِ بِما ذَكَرَ. فَتَفَنَّنَ في الحِكايَةِ، وأتى في كُلِّ مَقامٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.

طه 20:105

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٥] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [١٠٦] ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] [١٠٧] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] . ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ أيْ: هَلْ تَبْقى يَوْمَ القِيامَةِ أوْ تَزُولُ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ أيْ: يُزِيلُها عَنْ مَقارِّها. فَيُسَيِّرُها مَقْذُوفَةً في الفَضاءِ. وقَدْ تَمُرُّ عَلى الرُّؤُوسِ مَرَّ السَّحابِ. حَتّى تَتَساوىَ مَعَ سَطْحِ الأرْضِ. كَما قالَ: ﴿فَيَذَرُها﴾ [طه: ١٠٦] أيْ: فَيَذَرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. أوِ الأرْضُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِقَرِينَةِ الحالِ: ﴿قاعًا﴾ [طه: ١٠٦] أيْ: سَهْلًا مُسْتَوِيًا: ﴿صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] أيْ: أمْلَسَ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] أيْ: نُتُوءًا يَسِيرًا.

طه 20:106

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٥] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [١٠٦] ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] [١٠٧] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] . ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ أيْ: هَلْ تَبْقى يَوْمَ القِيامَةِ أوْ تَزُولُ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ أيْ: يُزِيلُها عَنْ مَقارِّها. فَيُسَيِّرُها مَقْذُوفَةً في الفَضاءِ. وقَدْ تَمُرُّ عَلى الرُّؤُوسِ مَرَّ السَّحابِ. حَتّى تَتَساوىَ مَعَ سَطْحِ الأرْضِ. كَما قالَ: ﴿فَيَذَرُها﴾ [طه: ١٠٦] أيْ: فَيَذَرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. أوِ الأرْضُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِقَرِينَةِ الحالِ: ﴿قاعًا﴾ [طه: ١٠٦] أيْ: سَهْلًا مُسْتَوِيًا: ﴿صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] أيْ: أمْلَسَ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] أيْ: نُتُوءًا يَسِيرًا.

طه 20:107

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٥] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [١٠٦] ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] [١٠٧] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] . ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ أيْ: هَلْ تَبْقى يَوْمَ القِيامَةِ أوْ تَزُولُ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ أيْ: يُزِيلُها عَنْ مَقارِّها. فَيُسَيِّرُها مَقْذُوفَةً في الفَضاءِ. وقَدْ تَمُرُّ عَلى الرُّؤُوسِ مَرَّ السَّحابِ. حَتّى تَتَساوىَ مَعَ سَطْحِ الأرْضِ. كَما قالَ: ﴿فَيَذَرُها﴾ [طه: ١٠٦] أيْ: فَيَذَرُ مَقارَّها ومَراكِزَها. أوِ الأرْضُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِقَرِينَةِ الحالِ: ﴿قاعًا﴾ [طه: ١٠٦] أيْ: سَهْلًا مُسْتَوِيًا: ﴿صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] أيْ: أمْلَسَ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] أيْ: نُتُوءًا يَسِيرًا.

طه 20:108

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٨] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ . ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ أيْ: يُجِيبُونَ الدّاعِيَ إلى المَحْشَرِ، فَيَنْقَلِبُونَ مِن كُلِّ صَوْبٍ إلَيْهِ: ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ أيْ: لا يُعَوِّجُ لَهُ مَدْعُوٌّ، ولا يَنْحَرِفُ عَنْهُ. بَلْ يَسْتَوُونَ إلَيْهِ. مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ، سائِرِينَ بِسَيْرِهِ. فِي شُرُوحِ (الكَشّافِ): هَذا كَما يُقالُ: (لا عِصْيانَ لَهُ)، أيْ: لا يُعْصى. و(لا ظُلْمَ لَهُ) أيْ: لا يُظْلَمُ. وضَمِيرُ (لَهُ): لِلدّاعِي. وقِيلَ: لِلْمَصْدَرِ. أيْ: لا عِوَجَ لِذَلِكَ الِاتِّباعِ: ﴿وخَشَعَتِ (p-٤٢١١)الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أيِ: انْخَفَضَتْ لِهَيْبَتِهِ ولِهَوْلِ الفَزَعِ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ أيْ: صَوْتًا خَفِيًّا.

طه 20:109

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٩] ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ . ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ أيْ: قَبِلَ قَوْلَهُ. والمَعْنى: يَوْمَئِذٍ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَشْفَعَ لِأحَدٍ، إلّا إذا أذِنَ اللَّهُ لَهُ. ولا يَأْذَنُ إلّا لِمَن عَلِمَ أنَّهُ سَيُجابُ. قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: وإنَّما يَكُونُ الكَلامُ ضَرْبًا مِنَ التَّكْرِيمِ، لِمَن يَأْذَنُ اللَّهُ لَهُ بِهِ، يَخْتَصُّ بِهِ مَن يَشاءُ. ولا أثَرَ فِيما أرادَ اللَّهُ البَتَّةَ.

طه 20:110

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٠] ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ . ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ أيْ: بِمَعْلُوماتِهِ، أوْ بِذاتِهِ العَلِيَّةِ.

طه 20:111

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١١] ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ . ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ أيْ: ذَلَّتْ وخَضَعَتْ خُضُوعَ العُناةِ، أيِ: الأسارى. لِأنَّها في أسْرِ مَمْلَكَتِهِ وذُلِّ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ. لا تَحْيا ولا تَقُومُ إلّا بِهِ. ولَمّا كانَتِ الوُجُوهُ يَوْمَئِذٍ، مِنها الظّالِمَةُ لِنَفْسِها ومِنها الصّالِحَةُ، أشارَ إلى ما يَجْزِي بِهِ الكُلَّ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أيْ: خَسِرَ.

طه 20:112

(p-٤٢١٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٢] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾ أيْ: نَقْصَ ثَوابٍ: ﴿ولا هَضْمًا﴾ أيْ: ولا كَسْرًا مِنهُ، بِعَدَمِ تَوْفِيَتِهِ.

طه 20:113

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٣] ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ . ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾ أيْ: بِعِباراتٍ شَتّى، تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا، وضُرُوبَ أمْثالٍ، وإقامَةَ بَراهِينَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيِ: الكُفْرَ والمَعاصِيَ بِالفِعْلِ: ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ أيِ: اتِّعاظًا واعْتِبارًا، يَؤُولُ بِهِمْ إلى التَّقْوى.

طه 20:114

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٤] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ . ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ أيْ: تَناهى في العُلُوِّ والعَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ، ولا يُغْدَرُ أمْرُهُ في مُلْكِهِ الَّذِي يَعْلُو كُلَّ شَيْءٍ، ويَصْرِفُهُ بِمُقْتَضى إرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ. وفي عَدْلِهِ الَّذِي يُوَفِّي كُلَّ أحَدٍ حَقَّهُ بِمُوجِبِ حِكْمَتِهِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ أيْ: بَلْ أنْصِتْ. فَإذا فَرَغَ المَلَكُ مِن قِراءَتِهِ فاقْرَأْهُ بَعْدَهُ. وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا لَقَّنَهُ جِبْرِيلُ الوَحْيَ، يُتْبِعُهُ عِنْدَ تَلَفُّظِ كُلِّ حَرْفٍ وكُلِّ كَلِمَةٍ، لِكَمالِ اعْتِنائِهِ بِالتَّلَقِّي والحِفْظِ. فَأرْشَدَ إلى أنْ لا يُساوِقَهُ في قِراءَتِهِ، وأنْ يَتَأنّى عَلَيْهِ رَيْثَما يَسْمَعُهُ ويَفْهَمُهُ. ثُمَّ لِيُقْبِلَ (p-٤٢١٣)عَلَيْهِ بِالحِفْظِ بَعْدَ ذَلِكَ. ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِاسْتِفاضَةِ العِلْمِ واسْتِزادَتِهِ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أيْ: سَلْهُ زِيادَةَ العِلْمِ. فَإنَّ مَدَدَهُ غَيْرُ مُتَناهٍ. وهَذا -كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - مُتَضَمِّنٌ لِلتَّواضُعِ لِلَّهِ تَعالى والشُّكْرِ لَهُ، عِنْدَما عَلِمَ مِن تَرْتِيبِ التَّعَلُّمِ. أيْ: عَلَّمْتَنِي يا رَبِّ لَطِيفَةً في بابِ التَّعَلُّمِ، وأدَبًا جَمِيلًا ما كانَ عِنْدِي، فَزِدْنِي عِلْمًا إلى عِلْمٍ. فَإنَّ لَكَ في كُلِّ شَيْءٍ حِكْمَةً وعِلْمًا. قِيلَ: ما أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ في شَيْءٍ إلّا في العِلْمِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أخْذِهِ العَهْدَ عَلى بَنِي آدَمَ، مِنِ اتِّباعِهِمْ كُلَّ هُدًى يَأْتِيهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ، وتَرَتُّبِ الفَوْزِ عَلَيْهِ. وإلى أنَّ الإعْراضَ عَنْهُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، العَدُوِّ لَهم ولِأبِيهِمْ قَبْلَهم. وتَرَتَّبَ الشَّقاءُ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

طه 20:115

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٥] ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ . ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا الزَّمانِ، أنْ لا يَقْرَبَ مِنَ الشَّجَرَةِ: ﴿فَنَسِيَ﴾ أيِ: العَهْدَ: ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ أيْ: تَصْمِيمًا في حِفْظِهِ. إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَما أزَلَّهُ الشَّيْطانُ ولَما اسْتَطاعَ أنْ يَغُرَّهُ. كَما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ:

طه 20:116

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٦] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى﴾ [١١٧] ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ (p-٤٢١٤)إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧] . ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى﴾ ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧] أيْ: بِالِابْتِلاءِ. وإسْنادُ الشَّقاءِ إلَيْهِ خاصَّةً، لِأصالَتِهِ في الأُمُورِ، واسْتِلْزامِ شَقائِهِ بِشَقائِها. فاخْتَصَرَ الكَلامَ لِذَلِكَ، مَعَ المُحافَظَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

طه 20:117

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٦] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى﴾ [١١٧] ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ (p-٤٢١٤)إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧] . ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى﴾ ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧] أيْ: بِالِابْتِلاءِ. وإسْنادُ الشَّقاءِ إلَيْهِ خاصَّةً، لِأصالَتِهِ في الأُمُورِ، واسْتِلْزامِ شَقائِهِ بِشَقائِها. فاخْتَصَرَ الكَلامَ لِذَلِكَ، مَعَ المُحافَظَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

طه 20:118

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٨] ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [١١٩] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] . ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] أيْ: لا تَتَصَوَّنُ مِن حَرِّ الشَّمْسِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا تَعْلِيلٌ لِما يُوجِبُهُ النَّهْيُ. فَإنَّ اجْتِماعَ أسْبابِ الرّاحَةِ فِيها. مِمّا يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِ مَبادِئِ البَقاءِ فِيها. والجِدِّ في الِانْتِهاءِ عَمّا يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ عَنْها. والعُدُولُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِأنَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها تَنَعُّمًا بِفُنُونِ النِّعَمِ. مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ، وتَمَتُّعًا بِأصْنافِ المَلابِسِ البَهِيَّةِ والمَساكِنِ المَرْضِيَّةِ، مَعَ أنَّ فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في البَقاءِ فِيها، ما لا يَخْفى. إلّا ما ذُكِرَ مِن نَفْيِ نَقائِضِها الَّتِي هي الجُوعُ والعَطَشُ والعُرْيُ والضَّحْوُ، لِتَذْكِيرِ تِلْكَ الأُمُورِ المُنْكَرَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن أنْواعِ الشِّقْوَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ عَنْها، لِيُبالِغَ في التَّحامِي عَنِ السَّبَبِ المُؤَدِّي إلَيْها. انْتَهى. لَطِيفَةٌ: قالَ النّاصِرُ: في الآيَةِ سِرٌّ بَدِيعٌ مِنَ البَلاغَةِ، يُسَمّى قَطْعَ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ. وذَلِكَ أنَّهُ قَطَعَ الظَّمَأ عَنِ الجُوعِ، والضَّحْوَ عَنِ الكُسْوَةِ، مَعَ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ. والغَرَضُ مِن ذَلِكَ تَحْقِيقُ تَعْدادِ هَذِهِ النِّعَمِ وتَصْنِيفُها، ولَوْ قَرَنَ كُلًّا بِشَكْلِهِ لَتَوَهَّمَ المَعْدُوداتِ نِعْمَةً واحِدَةً. (p-٤٢١٥)وقَدْ رَمَقَ أهْلُ البَلاغَةِ سَماءَ هَذا المَعْنى قَدِيمًا وحَدِيثًا، فَقالَ الكِنْدِيُّ الأوَّلُ: ؎كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ ؎ولَمْ أسْبَأ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ: كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ فَقَطَعَ رُكُوبَ الجَوادِ عَنْ قَوْلِهِ: لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً، وقَطَعَ تَبَطُّنَ الكاعِبِ عَنْ تَرَشُّفِ الكَأْسِ، مَعَ التَّناسُبِ. وغَرَضُهُ أنْ يُعَدِّدَ مَلاذَّهُ ومَفاخِرَهُ ويُكَثِّرَها. عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ سِرًّا لِذَلِكَ، زائِدًا عَلى ما ذُكِرَ، وهو قَصْدُ تَناسُبِ الفَواصِلِ. ولَوْ قَرَنَ الظَّمَأ بِالجُوعِ فَقِيلَ: إنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ فِيها ولا تَظْمَأ، لانْتَثَرَ سِلْكُ رُؤُوسِ الآيِ. وأحْسِنْ بِهِ مُنْتَظِمًا. انْتَهى. وهَذا السِّرُّ الَّذِي سَمّاهُ: قَطْعَ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ يُسَمّى بِالوَصْلِ الخَفِيِّ. ومِمّا قِيلَ في وجْهِ القَطْعِ: أنَّ فِيهِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ الأوَّلَيْنِ، أعْنِي الشِّبَعَ والكُسْوَةَ أصْلانِ. وأنَّ الأخِيرَيْنِ مُتَمِّمانِ. فالِامْتِنانُ عَلى هَذا أظْهَرُ. ولِذا فَرَّقَ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ. فَقِيلَ إنَّ لَكَ وأنَّكَ وأيْضًا رُوعِيَ مُناسَبَةُ الشِّبَعِ والكُسْوَةِ. لِأنَّ الأوَّلَ يَكْسُو العِظامَ لَحْمًا. وأمّا الظَّمَأُ والضُّحى فَمِن وادٍ واحِدٍ. وقِيلَ: إنَّ الغَرَضَ تَعْدِيدُ هَذِهِ النِّعَمِ. ولَوْ قُرِنَ كُلٌّ بِما يُشاكِلُهُ، لَتُوُهِّمَ المَقْرُونانِ نِعْمَةً واحِدَةً.

طه 20:119

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٨] ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [١١٩] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] . ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] أيْ: لا تَتَصَوَّنُ مِن حَرِّ الشَّمْسِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا تَعْلِيلٌ لِما يُوجِبُهُ النَّهْيُ. فَإنَّ اجْتِماعَ أسْبابِ الرّاحَةِ فِيها. مِمّا يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِ مَبادِئِ البَقاءِ فِيها. والجِدِّ في الِانْتِهاءِ عَمّا يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ عَنْها. والعُدُولُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِأنَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها تَنَعُّمًا بِفُنُونِ النِّعَمِ. مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ، وتَمَتُّعًا بِأصْنافِ المَلابِسِ البَهِيَّةِ والمَساكِنِ المَرْضِيَّةِ، مَعَ أنَّ فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في البَقاءِ فِيها، ما لا يَخْفى. إلّا ما ذُكِرَ مِن نَفْيِ نَقائِضِها الَّتِي هي الجُوعُ والعَطَشُ والعُرْيُ والضَّحْوُ، لِتَذْكِيرِ تِلْكَ الأُمُورِ المُنْكَرَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن أنْواعِ الشِّقْوَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ عَنْها، لِيُبالِغَ في التَّحامِي عَنِ السَّبَبِ المُؤَدِّي إلَيْها. انْتَهى. لَطِيفَةٌ: قالَ النّاصِرُ: في الآيَةِ سِرٌّ بَدِيعٌ مِنَ البَلاغَةِ، يُسَمّى قَطْعَ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ. وذَلِكَ أنَّهُ قَطَعَ الظَّمَأ عَنِ الجُوعِ، والضَّحْوَ عَنِ الكُسْوَةِ، مَعَ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ. والغَرَضُ مِن ذَلِكَ تَحْقِيقُ تَعْدادِ هَذِهِ النِّعَمِ وتَصْنِيفُها، ولَوْ قَرَنَ كُلًّا بِشَكْلِهِ لَتَوَهَّمَ المَعْدُوداتِ نِعْمَةً واحِدَةً. (p-٤٢١٥)وقَدْ رَمَقَ أهْلُ البَلاغَةِ سَماءَ هَذا المَعْنى قَدِيمًا وحَدِيثًا، فَقالَ الكِنْدِيُّ الأوَّلُ: ؎كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ ؎ولَمْ أسْبَأ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ: كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ فَقَطَعَ رُكُوبَ الجَوادِ عَنْ قَوْلِهِ: لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً، وقَطَعَ تَبَطُّنَ الكاعِبِ عَنْ تَرَشُّفِ الكَأْسِ، مَعَ التَّناسُبِ. وغَرَضُهُ أنْ يُعَدِّدَ مَلاذَّهُ ومَفاخِرَهُ ويُكَثِّرَها. عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ سِرًّا لِذَلِكَ، زائِدًا عَلى ما ذُكِرَ، وهو قَصْدُ تَناسُبِ الفَواصِلِ. ولَوْ قَرَنَ الظَّمَأ بِالجُوعِ فَقِيلَ: إنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ فِيها ولا تَظْمَأ، لانْتَثَرَ سِلْكُ رُؤُوسِ الآيِ. وأحْسِنْ بِهِ مُنْتَظِمًا. انْتَهى. وهَذا السِّرُّ الَّذِي سَمّاهُ: قَطْعَ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ يُسَمّى بِالوَصْلِ الخَفِيِّ. ومِمّا قِيلَ في وجْهِ القَطْعِ: أنَّ فِيهِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ الأوَّلَيْنِ، أعْنِي الشِّبَعَ والكُسْوَةَ أصْلانِ. وأنَّ الأخِيرَيْنِ مُتَمِّمانِ. فالِامْتِنانُ عَلى هَذا أظْهَرُ. ولِذا فَرَّقَ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ. فَقِيلَ إنَّ لَكَ وأنَّكَ وأيْضًا رُوعِيَ مُناسَبَةُ الشِّبَعِ والكُسْوَةِ. لِأنَّ الأوَّلَ يَكْسُو العِظامَ لَحْمًا. وأمّا الظَّمَأُ والضُّحى فَمِن وادٍ واحِدٍ. وقِيلَ: إنَّ الغَرَضَ تَعْدِيدُ هَذِهِ النِّعَمِ. ولَوْ قُرِنَ كُلٌّ بِما يُشاكِلُهُ، لَتُوُهِّمَ المَقْرُونانِ نِعْمَةً واحِدَةً.

طه 20:120

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٠] ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [١٢١] ﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] . ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ أيْ: مَن أكَلَ (p-٤٢١٦)مِنها خَلَدَ ولَمْ يَمُتْ: ﴿ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ ﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما﴾ [طه: ١٢١] أيْ: يَلْزِقانِ: ﴿مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ [طه: ١٢١] أيْ: لَهُما هَذا الخِزْيُ، بَدَلُ عِزَّ المُلْكِ المُخَلَّدِ. وهَذِهِ الأوْراقُ الفانِيَةُ، بَدَلُ نَفائِسِ المَلابِسِ الخالِدَةِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] أيْ: بِارْتِكابِ النَّهْيِ، وتَرْكِ العَزْمِ في حِفْظِ العَهْدِ: ﴿فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] أيْ: عَنِ المَأْمُورِ بِهِ. حَيْثُ اعْتَزَّ بِقَوْلِ العَدُوِّ.

طه 20:121

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٠] ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [١٢١] ﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] . ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ أيْ: مَن أكَلَ (p-٤٢١٦)مِنها خَلَدَ ولَمْ يَمُتْ: ﴿ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ ﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما﴾ [طه: ١٢١] أيْ: يَلْزِقانِ: ﴿مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ [طه: ١٢١] أيْ: لَهُما هَذا الخِزْيُ، بَدَلُ عِزَّ المُلْكِ المُخَلَّدِ. وهَذِهِ الأوْراقُ الفانِيَةُ، بَدَلُ نَفائِسِ المَلابِسِ الخالِدَةِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] أيْ: بِارْتِكابِ النَّهْيِ، وتَرْكِ العَزْمِ في حِفْظِ العَهْدِ: ﴿فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] أيْ: عَنِ المَأْمُورِ بِهِ. حَيْثُ اعْتَزَّ بِقَوْلِ العَدُوِّ.

طه 20:122

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٢] ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [١٢٣] ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] . ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ أيِ: اصْطَفاهُ ووَفَّقَهُ لِلْإنابَةِ: ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ ﴿قالَ﴾ [طه: ١٢٣] أيْ: بَعْدَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ: ﴿اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] أيِ: انْزِلا مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣] أيْ: مُتَعادِينَ. قالَ المَهايِمِيُّ: فالمَرْأةُ عَدُوَّةُ الزَّوْجِ، في إلْجائِهِ إلى تَحْصِيلِ الحَرامِ. والزَّوْجُ عَدُوُّها في إنْفاقِهِ عَلَيْها. وإبْلِيسُ يُوقِعُ الفِتْنَةَ بَيْنَهُما، ويَدْعُوهُما إلى أنْواعِ المَفاسِدِ الَّتِي لا تَرْتَفِعُ إلّا بِاتِّباعِ الأمْرِ السَّماوِيِّ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ [طه: ١٢٣] أيْ: مِن كِتابٍ ورَسُولٍ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] أيْ: لا في الدُّنْيا ولا الآخِرَةِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ: (هُدايَ) مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى، لِتَشْرِيفِهِ والمُبالَغَةِ في إيجابِ اتِّباعِهِ.

طه 20:123

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢٢] ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [١٢٣] ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] . ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ أيِ: اصْطَفاهُ ووَفَّقَهُ لِلْإنابَةِ: ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ ﴿قالَ﴾ [طه: ١٢٣] أيْ: بَعْدَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ: ﴿اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] أيِ: انْزِلا مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣] أيْ: مُتَعادِينَ. قالَ المَهايِمِيُّ: فالمَرْأةُ عَدُوَّةُ الزَّوْجِ، في إلْجائِهِ إلى تَحْصِيلِ الحَرامِ. والزَّوْجُ عَدُوُّها في إنْفاقِهِ عَلَيْها. وإبْلِيسُ يُوقِعُ الفِتْنَةَ بَيْنَهُما، ويَدْعُوهُما إلى أنْواعِ المَفاسِدِ الَّتِي لا تَرْتَفِعُ إلّا بِاتِّباعِ الأمْرِ السَّماوِيِّ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ [طه: ١٢٣] أيْ: مِن كِتابٍ ورَسُولٍ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] أيْ: لا في الدُّنْيا ولا الآخِرَةِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ: (هُدايَ) مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى، لِتَشْرِيفِهِ والمُبالَغَةِ في إيجابِ اتِّباعِهِ.