Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الإسراء 17:64 – الكهف 18:96

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. الإسراء 17:64
  2. الإسراء 17:65
  3. الإسراء 17:66
  4. الإسراء 17:67
  5. الإسراء 17:68
  6. الإسراء 17:69
  7. الإسراء 17:70
  8. الإسراء 17:71
  9. الإسراء 17:72
  10. الإسراء 17:73
  11. الإسراء 17:74
  12. الإسراء 17:75
  13. الإسراء 17:76
  14. الإسراء 17:77
  15. الإسراء 17:78
  16. الإسراء 17:79
  17. الإسراء 17:80
  18. الإسراء 17:81
  19. الإسراء 17:82
  20. الإسراء 17:83
  21. الإسراء 17:84
  22. الإسراء 17:85
  23. الإسراء 17:86
  24. الإسراء 17:87
  25. الإسراء 17:88
  26. الإسراء 17:89
  27. الإسراء 17:90
  28. الإسراء 17:91
  29. الإسراء 17:92
  30. الإسراء 17:93
  31. الإسراء 17:94
  32. الإسراء 17:95
  33. الإسراء 17:96
  34. الإسراء 17:97
  35. الإسراء 17:98
  36. الإسراء 17:99
  37. الإسراء 17:100
  38. الإسراء 17:101
  39. الإسراء 17:102
  40. الإسراء 17:103
  41. الإسراء 17:104
  42. الإسراء 17:105
  43. الإسراء 17:106
  44. الإسراء 17:107
  45. الإسراء 17:108
  46. الإسراء 17:109
  47. الإسراء 17:110
  48. الإسراء 17:111
  49. الكهف 18:1
  50. الكهف 18:2
  51. الكهف 18:3
  52. الكهف 18:4
  53. الكهف 18:5
  54. الكهف 18:6
  55. الكهف 18:7
  56. الكهف 18:8
  57. الكهف 18:9
  58. الكهف 18:10
  59. الكهف 18:11
  60. الكهف 18:12
  61. الكهف 18:13
  62. الكهف 18:14
  63. الكهف 18:15
  64. الكهف 18:16
  65. الكهف 18:17
  66. الكهف 18:18
  67. الكهف 18:19
  68. الكهف 18:20
  69. الكهف 18:21
  70. الكهف 18:22
  71. الكهف 18:23
  72. الكهف 18:24
  73. الكهف 18:25
  74. الكهف 18:26
  75. الكهف 18:27
  76. الكهف 18:28
  77. الكهف 18:29
  78. الكهف 18:30
  79. الكهف 18:31
  80. الكهف 18:32
  81. الكهف 18:33
  82. الكهف 18:34
  83. الكهف 18:35
  84. الكهف 18:36
  85. الكهف 18:37
  86. الكهف 18:38
  87. الكهف 18:39
  88. الكهف 18:40
  89. الكهف 18:41
  90. الكهف 18:42
  91. الكهف 18:43
  92. الكهف 18:44
  93. الكهف 18:45
  94. الكهف 18:46
  95. الكهف 18:47
  96. الكهف 18:48
  97. الكهف 18:49
  98. الكهف 18:50
  99. الكهف 18:51
  100. الكهف 18:52
  101. الكهف 18:53
  102. الكهف 18:54
  103. الكهف 18:55
  104. الكهف 18:56
  105. الكهف 18:57
  106. الكهف 18:58
  107. الكهف 18:59
  108. الكهف 18:60
  109. الكهف 18:61
  110. الكهف 18:62
  111. الكهف 18:63
  112. الكهف 18:64
  113. الكهف 18:65
  114. الكهف 18:66
  115. الكهف 18:67
  116. الكهف 18:68
  117. الكهف 18:69
  118. الكهف 18:70
  119. الكهف 18:71
  120. الكهف 18:72
  121. الكهف 18:73
  122. الكهف 18:74
  123. الكهف 18:75
  124. الكهف 18:76
  125. الكهف 18:77
  126. الكهف 18:78
  127. الكهف 18:79
  128. الكهف 18:80
  129. الكهف 18:81
  130. الكهف 18:82
  131. الكهف 18:83
  132. الكهف 18:84
  133. الكهف 18:85
  134. الكهف 18:86
  135. الكهف 18:87
  136. الكهف 18:88
  137. الكهف 18:89
  138. الكهف 18:90
  139. الكهف 18:91
  140. الكهف 18:92
  141. الكهف 18:93
  142. الكهف 18:94
  143. الكهف 18:95
  144. الكهف 18:96

الإسراء 17:64

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٣-٦٥] ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٦٥] . ﴿قالَ اذْهَبْ﴾ أيِ: اِمْضِ لِشَأْنِكَ اَلَّذِي اِخْتَرْتَهُ: ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ أيْ: جَزاءً مُكَمَّلًا. ﴿واسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيِ: اِسْتَخِفَّ وأزْعِجْ: ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: أنْ تَسْتَفِزَّهُ فَتَخْدَعَهُ: ﴿بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: بِدُعائِكَ إلى اَلْفَسادِ. وعَبَّرَ عَنِ اَلدُّعاءِ بِالصَّوْتِ تَحْقِيرًا لَهُ حَتّى كَأنَّهُ لا مَعْنى لَهُ: ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: صِحْ عَلَيْهِمْ، مِنَ اَلْجَلَبَةِ (بِفَتَحاتٍ) وهي اَلصِّياحُ. و(اَلْخَيْلُ) اَلْخَيّالَةُ، أيْ: رُكْبانُ اَلْخَيْلِ مَجازًا. وأصْلُ مَعْنى اَلْخَيْلِ اَلْأفْراسُ. (والرَّجِلُ) اِسْمُ جَمْعٍ لِلرّاجِلِ وهو خِلافُ اَلْفارِسِ، والمُرادُ اَلْأعْوانُ والأتْباعُ مُطْلَقًا. قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اِسْتِفْزازِ إبْلِيسَ بِصَوْتِهِ وإجْلابِهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ ؟ . قُلْتُ: هو كَلامٌ ورَدَ مَوْرِدَ اَلتَّمْثِيلِ، مُثِّلَتْ حالُهُ في تَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ، بِمِغْوارٍ - بِكَسْرِ اَلْمِيمِ، اَلْكَثِيرِ اَلْغارَةِ وهي اَلْحَرْبُ والنَّهْبُ - أُوقِعَ عَلى قَوْمٍ فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يَسْتَفِزُّهم مِن أماكِنِهِمْ، ويُقْلِقُهم عَنْ مَراكِزِهِمْ. وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ حَتّى اِسْتَأْصَلَهم - أيْ: فالكَلامُ اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ، اُسْتُعِيرَ فِيهِ اَلْمَجْمُوعُ والهَيْئَةُ لِلْمَجْمُوعِ والهَيْئَةِ. ووَجْهُهُ ما ذَكَرَهُ مِنِ اِسْتِئْصالِهِمْ وإهْلاكِهِمْ، أوْ غَلَبَتِهِ وتَسْخِيرِهِ لَهم. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلتَّجَوُّزُ في اَلْمُفْرَداتِ تَجَوُّزًا بِصَوْتِهِ عَنْ دُعائِهِ إلى اَلشَّرِّ بِالوَسْوَسَةِ، وبِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ عَنْ كُلِّ راكِبٍ وماشٍ مِن أهْلِ اَلْعَبَثِ (p-٣٩٤٨)والفَسادِ بِإغْوائِهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: بِحَمْلِهِ إيّاهم عَلى إنْفاقِها في اَلْمَعاصِي وجَمْعِها مِن حَرامٍ والتَّصَرُّفِ فِيها تَحْرِيمًا وتَحْلِيلًا بِما لا يَرْضى: ﴿والأوْلادِ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: بِالتَّفاخُرِ فِيهِمْ وتَضْلِيلِهِمْ بِصَبْغِهِمْ غَيْرَ صِبْغَةِ اَلدِّينِ ووَأْدِهِمْ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُعْصى اَللَّهُ بِسَبَبِهِ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيِ: اَلْمَواعِيدَ اَلْباطِلَةَ والأمانِيَ اَلْكاذِبَةَ مِن سَلامَةِ اَلْعاقِبَةِ ودَوامِ اَلْغَلَبَةِ: ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] وهو تَزْيِينُ اَلْباطِلِ بِزِينَةِ اَلْحَقِّ. ﴿إنَّ عِبادِي﴾ [الإسراء: ٦٥] أيِ: اَلْمُخْلَصِينَ: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] أيْ: تَسَلُّطٌ بِالإغْواءِ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٦٥] أيْ: كَفِيلًا لَهم يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ ولا يَلْجَؤُونَ في أُمُورِهِمْ إلّا إلَيْهِ. وهو كافِيهِمْ. وقَدْ أشارَ القاشانِيُّ إلى أنَّ اَلْآيَةَ تُشِيرُ إلى اِنْقِسامِ اَلنّاسِ مَعَ اَلشَّيْطانِ عَلى أصْنافٍ. وعِبارَتُهُ: تَمَكُّنُ اَلشَّيْطانِ مِن إغْواءِ اَلْعِبادِ عَلى أقْسامٍ؛ لِأنَّ اَلِاسْتِعْداداتِ مُتَفاوِتَةً. فَمَن كانَ ضَعِيفَ اَلِاسْتِعْدادِ اِسْتَفَزَّهُ. أيِ: اِسْتَخَفَّهُ بِصَوْتِهِ، يَكْفِيهِ وسُوسَةٌ وهَمْسٌ بَلْ هاجِسٌ ولَمَّةٌ. ومَن كانَ قَوِيَّ اَلِاسْتِعْدادِ، فَإنْ أخْلَصَ اِسْتِعْدادَهُ عَنْ شَوائِبِ اَلصِّفاتِ اَلنَّفْسانِيَّةِ، أوْ أخْلَصَهُ اَللَّهُ تَعالى عَنْ شَوائِبِ اَلْغَيْرِيَّةِ، فَلَيْسَ لَهُ إلى إغْوائِهِ سَبِيلٌ، كَما قالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] وإلّا فَإنْ كانَ مُنْغَمِسًا في اَلشَّواغِلِ اَلْحِسِّيَّةِ، غارِزًا رَأْسَهُ في اَلْأُمُورِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ، شارَكَهُ في أمْوالِهِ وأوْلادِهِ، بِأنْ يُحَرِّضَهُ عَلى إشْراكِهِمْ بِاَللَّهِ في اَلْمَحَبَّةِ، بِحُبِّهِمْ كَحُبِّ اَللَّهِ. ويُسَوِّلُ لَهُ اَلتَّمَتُّعَ بِهِمْ، والتَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ بِوُجُودِهِمْ. ويُمَنِّيهِ اَلْأمانِيَ اَلْكاذِبَةَ ويُزَيِّنُ عَلَيْهِ اَلْآمالَ اَلْفارِغَةَ. وإنْ لَمْ يَنْغَمِسْ، فَإنْ كانَ عالِمًا بَصِيرًا بِتَسْوِيلاتِهِ، أجْلَبَ عَلَيْهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ. أيْ: مَكَرَ بِهِ بِأنْواعِ اَلْحِيَلِ. وكادَهُ بِصُنُوفِ اَلْفِتَنِ. وأفْتى لَهُ في تَحْصِيلِ أنْواعِ اَلْحُطامِ والمَلاذِ بِأنَّها مِن جُمْلَةِ مَصالِحِ اَلْمَعاشِ. وغَرَّهُ بِالعِلْمِ وحَمَلَهُ عَلى اَلْإعْجابِ، وأمْثالِ ذَلِكَ حَتّى يَصِيرَ مِمَّنْ أضَلَّهُ اَللَّهُ عَلى عِلْمٍ. وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بَلْ عابِدًا مُتَنَسِّكًا، أغْواهُ بِالوَعْدِ والتَّمْنِيَةِ. وغَرُّهُ بِالطّاعَةِ والتَّزْكِيَةِ أيْسَرُ ما يَكُونُ. اِنْتَهى.

الإسراء 17:65

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٣-٦٥] ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٦٥] . ﴿قالَ اذْهَبْ﴾ أيِ: اِمْضِ لِشَأْنِكَ اَلَّذِي اِخْتَرْتَهُ: ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ أيْ: جَزاءً مُكَمَّلًا. ﴿واسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيِ: اِسْتَخِفَّ وأزْعِجْ: ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: أنْ تَسْتَفِزَّهُ فَتَخْدَعَهُ: ﴿بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: بِدُعائِكَ إلى اَلْفَسادِ. وعَبَّرَ عَنِ اَلدُّعاءِ بِالصَّوْتِ تَحْقِيرًا لَهُ حَتّى كَأنَّهُ لا مَعْنى لَهُ: ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: صِحْ عَلَيْهِمْ، مِنَ اَلْجَلَبَةِ (بِفَتَحاتٍ) وهي اَلصِّياحُ. و(اَلْخَيْلُ) اَلْخَيّالَةُ، أيْ: رُكْبانُ اَلْخَيْلِ مَجازًا. وأصْلُ مَعْنى اَلْخَيْلِ اَلْأفْراسُ. (والرَّجِلُ) اِسْمُ جَمْعٍ لِلرّاجِلِ وهو خِلافُ اَلْفارِسِ، والمُرادُ اَلْأعْوانُ والأتْباعُ مُطْلَقًا. قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اِسْتِفْزازِ إبْلِيسَ بِصَوْتِهِ وإجْلابِهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ ؟ . قُلْتُ: هو كَلامٌ ورَدَ مَوْرِدَ اَلتَّمْثِيلِ، مُثِّلَتْ حالُهُ في تَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ، بِمِغْوارٍ - بِكَسْرِ اَلْمِيمِ، اَلْكَثِيرِ اَلْغارَةِ وهي اَلْحَرْبُ والنَّهْبُ - أُوقِعَ عَلى قَوْمٍ فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يَسْتَفِزُّهم مِن أماكِنِهِمْ، ويُقْلِقُهم عَنْ مَراكِزِهِمْ. وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ حَتّى اِسْتَأْصَلَهم - أيْ: فالكَلامُ اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ، اُسْتُعِيرَ فِيهِ اَلْمَجْمُوعُ والهَيْئَةُ لِلْمَجْمُوعِ والهَيْئَةِ. ووَجْهُهُ ما ذَكَرَهُ مِنِ اِسْتِئْصالِهِمْ وإهْلاكِهِمْ، أوْ غَلَبَتِهِ وتَسْخِيرِهِ لَهم. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلتَّجَوُّزُ في اَلْمُفْرَداتِ تَجَوُّزًا بِصَوْتِهِ عَنْ دُعائِهِ إلى اَلشَّرِّ بِالوَسْوَسَةِ، وبِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ عَنْ كُلِّ راكِبٍ وماشٍ مِن أهْلِ اَلْعَبَثِ (p-٣٩٤٨)والفَسادِ بِإغْوائِهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: بِحَمْلِهِ إيّاهم عَلى إنْفاقِها في اَلْمَعاصِي وجَمْعِها مِن حَرامٍ والتَّصَرُّفِ فِيها تَحْرِيمًا وتَحْلِيلًا بِما لا يَرْضى: ﴿والأوْلادِ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: بِالتَّفاخُرِ فِيهِمْ وتَضْلِيلِهِمْ بِصَبْغِهِمْ غَيْرَ صِبْغَةِ اَلدِّينِ ووَأْدِهِمْ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُعْصى اَللَّهُ بِسَبَبِهِ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيِ: اَلْمَواعِيدَ اَلْباطِلَةَ والأمانِيَ اَلْكاذِبَةَ مِن سَلامَةِ اَلْعاقِبَةِ ودَوامِ اَلْغَلَبَةِ: ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] وهو تَزْيِينُ اَلْباطِلِ بِزِينَةِ اَلْحَقِّ. ﴿إنَّ عِبادِي﴾ [الإسراء: ٦٥] أيِ: اَلْمُخْلَصِينَ: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] أيْ: تَسَلُّطٌ بِالإغْواءِ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٦٥] أيْ: كَفِيلًا لَهم يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ ولا يَلْجَؤُونَ في أُمُورِهِمْ إلّا إلَيْهِ. وهو كافِيهِمْ. وقَدْ أشارَ القاشانِيُّ إلى أنَّ اَلْآيَةَ تُشِيرُ إلى اِنْقِسامِ اَلنّاسِ مَعَ اَلشَّيْطانِ عَلى أصْنافٍ. وعِبارَتُهُ: تَمَكُّنُ اَلشَّيْطانِ مِن إغْواءِ اَلْعِبادِ عَلى أقْسامٍ؛ لِأنَّ اَلِاسْتِعْداداتِ مُتَفاوِتَةً. فَمَن كانَ ضَعِيفَ اَلِاسْتِعْدادِ اِسْتَفَزَّهُ. أيِ: اِسْتَخَفَّهُ بِصَوْتِهِ، يَكْفِيهِ وسُوسَةٌ وهَمْسٌ بَلْ هاجِسٌ ولَمَّةٌ. ومَن كانَ قَوِيَّ اَلِاسْتِعْدادِ، فَإنْ أخْلَصَ اِسْتِعْدادَهُ عَنْ شَوائِبِ اَلصِّفاتِ اَلنَّفْسانِيَّةِ، أوْ أخْلَصَهُ اَللَّهُ تَعالى عَنْ شَوائِبِ اَلْغَيْرِيَّةِ، فَلَيْسَ لَهُ إلى إغْوائِهِ سَبِيلٌ، كَما قالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] وإلّا فَإنْ كانَ مُنْغَمِسًا في اَلشَّواغِلِ اَلْحِسِّيَّةِ، غارِزًا رَأْسَهُ في اَلْأُمُورِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ، شارَكَهُ في أمْوالِهِ وأوْلادِهِ، بِأنْ يُحَرِّضَهُ عَلى إشْراكِهِمْ بِاَللَّهِ في اَلْمَحَبَّةِ، بِحُبِّهِمْ كَحُبِّ اَللَّهِ. ويُسَوِّلُ لَهُ اَلتَّمَتُّعَ بِهِمْ، والتَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ بِوُجُودِهِمْ. ويُمَنِّيهِ اَلْأمانِيَ اَلْكاذِبَةَ ويُزَيِّنُ عَلَيْهِ اَلْآمالَ اَلْفارِغَةَ. وإنْ لَمْ يَنْغَمِسْ، فَإنْ كانَ عالِمًا بَصِيرًا بِتَسْوِيلاتِهِ، أجْلَبَ عَلَيْهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ. أيْ: مَكَرَ بِهِ بِأنْواعِ اَلْحِيَلِ. وكادَهُ بِصُنُوفِ اَلْفِتَنِ. وأفْتى لَهُ في تَحْصِيلِ أنْواعِ اَلْحُطامِ والمَلاذِ بِأنَّها مِن جُمْلَةِ مَصالِحِ اَلْمَعاشِ. وغَرَّهُ بِالعِلْمِ وحَمَلَهُ عَلى اَلْإعْجابِ، وأمْثالِ ذَلِكَ حَتّى يَصِيرَ مِمَّنْ أضَلَّهُ اَللَّهُ عَلى عِلْمٍ. وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بَلْ عابِدًا مُتَنَسِّكًا، أغْواهُ بِالوَعْدِ والتَّمْنِيَةِ. وغَرُّهُ بِالطّاعَةِ والتَّزْكِيَةِ أيْسَرُ ما يَكُونُ. اِنْتَهى.

الإسراء 17:66

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بَعْضًا مِن آياتِ وحْدانِيَّتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ: (p-٣٩٤٩)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٦] ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ . ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ أيْ: يُسَيِّرُ لَكُمُ اَلسُّفُنَ في اَلْبَحْرِ: ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِن رِزْقِهِ. والآيَةُ صَرِيحَةٌ في رُكُوبِ اَلْبَحْرِ لِلتِّجارَةِ: ﴿إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ حَيْثُ سَهَّلَ لَكم أسْبابَ ذَلِكَ. قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: وهَذا تَذْكِيرٌ لِبَعْضِ اَلنِّعَمِ اَلَّتِي هي مِن دَلائِلِ اَلتَّوْحِيدِ، وتَمْهِيدٌ لِذِكْرِ تَوْحِيدِهِمْ عِنْدَ مِساسِ اَلضُّرِّ، تَكْمِلَةً لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ٥٦] اَلْآيَةَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:

الإسراء 17:67

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٧] ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ . ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ أيْ: خَوْفُ اَلْغَرَقِ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ أيْ: ذَهَبَ عَنْ أوْهامِكم وخَواطِرِكم كُلُّ مَن تَدْعُونَهُ وتَعْبُدُونَهُ، إلّا إيّاهُ وحْدَهُ. فَإنَّكم لا تَذْكُرُونَ سِواهُ. فِطْرَةٌ فَطَرَ اَللَّهُ اَلْخَلْقَ عَلَيْها. وهَذِهِ اَلْآيَةُ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِها عَلى اَلرُّجُوعِ إلى اَلْفِطْرَةِ اَلصَّحِيحَةِ. وقَدِ اِسْتَدَلَّ لِكَثِيرٍ مِنَ اَلْأُصُولِ بِها، كَما يُعْلَمُ ذَلِكَ مِن كَلامِ اَلْأئِمَّةِ في مَسائِلَ شَتّى. كَمَسْألَةِ وُجُودِ اَلْخالِقِ وعُلُوِّهِ، والمَعادِ وغَيْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ أيْ: مِنَ اَلْغَرَقِ: ﴿إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ أيْ: عَنِ اَلتَّوْحِيدِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ أيْ: بِأنْعُمِ اَللَّهِ. والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِلْإعْراضِ. قالَ اَلشِّهابُ: وفِيهِ لُطْفٌ، حَيْثُ أعْرَضَ عَنْ خِطابِهِمْ بِخُصُوصِهِمْ. وذَكَرَ أنَّ جِنْسَ (p-٣٩٥٠)اَلْإنْسانِ مَجْبُولٌ عَلى هَذا. فَلَمّا أعْرَضُوا أعْرَضَ اَللَّهُ عَنْهم. ثُمَّ خَوَّفَهم تَعالى بِقُدْرَتِهِ اَلْعَظِيمَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الإسراء 17:68

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٨-٦٩] ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] . ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ أيْ: يُغَوِّرُهُ بِكم: ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَرْمِي بِالحَصْباءِ يَرْجُمُكم بِها، فَيَكُونُ أشَدَّ عَلَيْكم مِنَ اَلْغَرَقِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا﴾ أيْ: مَن يَتَوَكَّلُ بِصَرْفِ ذَلِكَ عَنْكُمْ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾ [الإسراء: ٦٩] أيْ: يُقَوِّي دَواعِيكم لِرُكُوبِ اَلْبَحْرِ: ﴿تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ [الإسراء: ٦٩] أيْ: رِيحًا شَدِيدَةً لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا قَصَفَتْهُ، فَتَكْسِرُ اَلسَّفِينَةَ وسَطَ اَلْبَحْرِ: ﴿فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] أيْ: مُطالِبًا بِما فَعَلْنا. مِثْلَ مَن يُطالِبُ عَلى مُغْرِقٍ سِوانا. وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥]

الإسراء 17:69

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٨-٦٩] ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] . ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ أيْ: يُغَوِّرُهُ بِكم: ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَرْمِي بِالحَصْباءِ يَرْجُمُكم بِها، فَيَكُونُ أشَدَّ عَلَيْكم مِنَ اَلْغَرَقِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا﴾ أيْ: مَن يَتَوَكَّلُ بِصَرْفِ ذَلِكَ عَنْكُمْ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾ [الإسراء: ٦٩] أيْ: يُقَوِّي دَواعِيكم لِرُكُوبِ اَلْبَحْرِ: ﴿تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ [الإسراء: ٦٩] أيْ: رِيحًا شَدِيدَةً لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا قَصَفَتْهُ، فَتَكْسِرُ اَلسَّفِينَةَ وسَطَ اَلْبَحْرِ: ﴿فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] أيْ: مُطالِبًا بِما فَعَلْنا. مِثْلَ مَن يُطالِبُ عَلى مُغْرِقٍ سِوانا. وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥]

الإسراء 17:70

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٠] ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا﴾ . ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ أيْ: بِالنُّطْقِ والتَّمْيِيزِ والعَقْلِ والمَعْرِفَةِ والصُّورَةِ والتَّسَلُّطِ عَلى ما في اَلْأرْضِ والتَّمَتُّعِ بِهِ: ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يَسَّرْنا لَهم أسْبابَ اَلْمَعاشِ والمَعادِ (p-٣٩٥١)بِالسَّيْرِ في طَلَبِها فِيهِما، وتَحْصِيلِها: ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيْ: فُنُونِ اَلْمُسْتَلَذّاتِ اَلَّتِي لَمْ يُرْزَقْها غَيْرُهم مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ: ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا﴾ أيْ: عَظِيمًا، فَحَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَشْكُرُوا هَذِهِ اَلنِّعَمَ، بِأنْ يَعْبُدُوا اَلْمُتَفَضِّلَ بِها وحْدَهُ ويُقِيمُوا شَرائِعَهُ وحُدُودَهُ. تَنْبِيهٌ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: (عَلى كَثِيرٍ) أنَّ ثَمَّةَ مَن لَمْ يُفَضَّلِ اَلْبَشَرُ عَلَيْهِ. قِيلَ: وهُمُ اَلذَّواتُ اَلْمُقَدَّسَةُ مِنَ اَلْمَلَأِ اَلْأعْلى. أعْنِي اَلْمَلائِكَةَ. قالَ القاشانِيُّ: وأمّا أفْضَلِيَّةُ بَعْضِ اَلنّاسِ، كالأنْبِياءِ عَلى اَلْمَلائِكَةِ اَلْمُقَرَّبِينَ، فَلَيْسَتْ مِن جِهَةِ كَوْنِهِمْ بَنِي آدَمَ. بَلْ مِن جِهَةِ اَلسِّرِّ اَلْمُودَعِ فِيهِمُ، اَلْمُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] وهو ما أعَدَّ لِذَلِكَ اَلْبَعْضِ مِنَ اَلْمَعْرِفَةِ اَلْإلَهِيَّةِ اَلتّامَّةِ. وحِينَئِذٍ لَيْسَ هو بِهَذا اَلِاعْتِبارِ مِن بَنِي آدَمَ كَما قِيلَ: ؎وإنِّي وإنْ كُنْتُ اِبْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي فِيهِ مَعْنًى شاهِدٌ بِأُبُوَّتِي وذَهَبَ قَوْمٌ إلى تَأْوِيلِ (اَلْكَثِيرِ) بِـ (اَلْكُلِّ) كَمّا أوَّلَ (اَلْقَلِيلَ) بِمَعْنى (اَلْعَدَمِ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] والمَعْنى: وفَضَّلْناهم عَلى اَلْجَمِّ اَلْغَفِيرِ مِن خَلْقِنا، أيْ: جَمِيعِ اَلْمَخْلُوقاتِ. قالَ القاشانِيُّ: عَلى أنْ تَكُونَ (مِن) لِلْبَيانِ والمُبالَغَةِ في تَعْظِيمِهِ، بِوَصْفِ اَلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ بِالكَثْرَةِ وتَنْكِيرِ اَلْوَصْفِ وتَقْدِيمِهِ عَلى اَلْمَوْصُوفِ. أيْ: كَثِيرٌ، وأيُّ كَثِيرٍ، وهو جَمِيعُ (p-٣٩٥٢)مَخْلُوقاتِنا لِدَلالَةِ (مِن) عَلى اَلْعُمُومِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَفْضِيلِ جِنْسٍ عَلى جِنْسٍ آخَرَ تَفْضِيلُ كُلِّ فَرْدٍ مِنهُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنَ اَلْآخَرِ. والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ اَلْكَلامِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الإسراء 17:71

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧١-٧٢] ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٧٢] . ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ أيْ: بِمَنِ اِئْتَمُّوا بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في اَلدِّينِ أوْ كِتابٍ أوْ دِينٍ. فَيُقالُ: يا أتْباعَ فُلانٍ ! يا أهْلَ دِينِ كَذا وكِتابِ كَذا. وقِيلَ: بِكِتابِ أعْمالِهِمْ، فَيُقالُ: يا أصْحابَ كِتابِ اَلْخَيْرِ ! ويا أصْحابَ كِتابِ اَلشَّرِّ ! قالُوا: وفِيهِ شَرَفٌ لِأصْحابِ اَلْحَدِيثِ؛ لِأنَّ إمامَهُمُ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: نَحْضُرُ كُلَّ طائِفَةٍ مِنَ اَلْأُمَمِ مَعَ شاهِدِهِمُ اَلَّذِي يَحْضُرُهم ويَتَوَجَّهُونَ إلَيْهِ ويَعْرِفُونَهُ، سَواءٌ كانَ صُورَةَ نَبِيٍّ آمَنُوا بِهِ، أوْ إمامٍ اِقْتَدَوْا بِهِ، أوْ دِينٍ أوْ كِتابٍ، أوْ ما شِئْتَ. عَلى أنْ تَكُونَ (اَلْباءُ) بِمَعْنى (مَعَ) . أوْ نَنْسِبُهم إلى إمامِهِمْ ونَدْعُوهم بِاسْمِهِ؛ لِكَوْنِهِ هو اَلْغالِبَ عَلَيْهِمْ وعَلى أمْرِهِمُ، اَلْمُسْتَعْلِي مَحَبَّتَهم إيّاهُ عَلى سائِرِ مُحِبّاتِهِمْ. ورَجَّحَ اِبْنُ كَثِيرٍ، رَحِمَهُ اَللَّهُ، اَلْقَوْلَ بِأنَّ اَلْإمامَ هو كِتابُ اَلْأعْمالِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] وقالَ تَعالى: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] اَلْآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨] ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] (p-٣٩٥٣)وما رَجَّحَهُ رَحِمَهُ اَللَّهُ هو اَلصَّوابُ؛ لِأنَّ اَلْقُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وأوَّلُ ما يَنْبَغِي اَلِاهْتِمامُ بِهِ في مَعانِي اَلْآياتِ، هو اَلرُّجُوعُ إلى نَظائِرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أُوتِيَ﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ اَلْمَدْعُوِّينَ: ﴿كِتابَهُ﴾ أيْ: كِتابَ أعْمالِهِ: ﴿بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ أيْ: فَرَحًا وابْتِهاجًا بِما فِيهِ مِنَ اَلْعَمَلِ اَلصّالِحِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ أيْ: لا يَنْقُصُوهُ مِن أُجُورِهِمْ قَدْرَ فَتِيلٍ، وهو ما في شِقِّ اَلنَّواةِ، أوْ ما تَفْتِلُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ، أوْ هو أدْنى شَيْءٍ، فَإنَّ اَلْفَتِيلَ مَثَلٌ في اَلْقِلَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠] ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٧٢] أيْ: ومَن كانَ في هَذِهِ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا أعْمى عَنِ اَلِاهْتِداءِ إلى اَلْحَقِّ، فَهو في اَلْآخِرَةِ أعْمى لا يَرى طَرِيقَ اَلنَّجاةِ، وأضَلُّ سَبِيلًا مِنهُ في اَلدُّنْيا؛ لِأنَّ لَهُ في هَذِهِ اَلْحَياةِ آلاتٍ وأدَواتٍ وأسْبابًا يُمْكِنُهُ اَلِاهْتِداءُ بِها. وهو في مَقامِ اَلْكَسْبِ باقِي اَلِاسْتِعْدادِ. ولَمْ يَبْقَ هُناكَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. قِيلَ: اَلْعَمى حَقِيقَةٌ فِيمَن لا يُدْرِكُ اَلْمُبْصِراتِ؛ لِفَسادِ حاسَّتِهِ، مَجازٌ في عَمى اَلْبَصِيرَةِ وهو عَدَمُ اَلِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ اَلنَّجاةِ. وقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ فِيهِما. وعَلَيْهِ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ (أعْمى) اَلثّانِي أفْعَلَ تَفْضِيلٍ؛ لِأنَّهُ مِن عَمى اَلْقَلْبِ لا عَمى اَلْبَصَرِ. ويَجُوزُ أنْ يُصاغَ مِنَ اَلْعُيُوبِ اَلْباطِنَةِ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ كالأحْمَقِ والأبْلَهِ. لَطِيفَةٌ: قالَ اَلنّاصِرُ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اَلْآيَةُ قَسِيمَةَ اَلْأُولى. أيْ: فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَهو اَلَّذِي يُبْصِرُهُ ويَقْرَؤُهُ. ومَن كانَ في اَلدُّنْيا أعْمى غَيْرَ مُبْصِرٍ في نَفْسِهِ، ولا ناظِرٍ في مَعادِهِ، فَهو في اَلْآخِرَةِ كَذَلِكَ، غَيْرُ مُبْصِرٍ في كِتابِهِ، بَلْ أعْمى عَنْهُ، أوْ أشَدُّ عَمًى مِمّا كانَ في اَلدُّنْيا، عَلى اِخْتِلافِ اَلتَّأْوِيلَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٩٥٤)

الإسراء 17:72

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧١-٧٢] ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٧٢] . ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ أيْ: بِمَنِ اِئْتَمُّوا بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في اَلدِّينِ أوْ كِتابٍ أوْ دِينٍ. فَيُقالُ: يا أتْباعَ فُلانٍ ! يا أهْلَ دِينِ كَذا وكِتابِ كَذا. وقِيلَ: بِكِتابِ أعْمالِهِمْ، فَيُقالُ: يا أصْحابَ كِتابِ اَلْخَيْرِ ! ويا أصْحابَ كِتابِ اَلشَّرِّ ! قالُوا: وفِيهِ شَرَفٌ لِأصْحابِ اَلْحَدِيثِ؛ لِأنَّ إمامَهُمُ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: نَحْضُرُ كُلَّ طائِفَةٍ مِنَ اَلْأُمَمِ مَعَ شاهِدِهِمُ اَلَّذِي يَحْضُرُهم ويَتَوَجَّهُونَ إلَيْهِ ويَعْرِفُونَهُ، سَواءٌ كانَ صُورَةَ نَبِيٍّ آمَنُوا بِهِ، أوْ إمامٍ اِقْتَدَوْا بِهِ، أوْ دِينٍ أوْ كِتابٍ، أوْ ما شِئْتَ. عَلى أنْ تَكُونَ (اَلْباءُ) بِمَعْنى (مَعَ) . أوْ نَنْسِبُهم إلى إمامِهِمْ ونَدْعُوهم بِاسْمِهِ؛ لِكَوْنِهِ هو اَلْغالِبَ عَلَيْهِمْ وعَلى أمْرِهِمُ، اَلْمُسْتَعْلِي مَحَبَّتَهم إيّاهُ عَلى سائِرِ مُحِبّاتِهِمْ. ورَجَّحَ اِبْنُ كَثِيرٍ، رَحِمَهُ اَللَّهُ، اَلْقَوْلَ بِأنَّ اَلْإمامَ هو كِتابُ اَلْأعْمالِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] وقالَ تَعالى: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] اَلْآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨] ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] (p-٣٩٥٣)وما رَجَّحَهُ رَحِمَهُ اَللَّهُ هو اَلصَّوابُ؛ لِأنَّ اَلْقُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وأوَّلُ ما يَنْبَغِي اَلِاهْتِمامُ بِهِ في مَعانِي اَلْآياتِ، هو اَلرُّجُوعُ إلى نَظائِرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أُوتِيَ﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ اَلْمَدْعُوِّينَ: ﴿كِتابَهُ﴾ أيْ: كِتابَ أعْمالِهِ: ﴿بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ أيْ: فَرَحًا وابْتِهاجًا بِما فِيهِ مِنَ اَلْعَمَلِ اَلصّالِحِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ أيْ: لا يَنْقُصُوهُ مِن أُجُورِهِمْ قَدْرَ فَتِيلٍ، وهو ما في شِقِّ اَلنَّواةِ، أوْ ما تَفْتِلُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ، أوْ هو أدْنى شَيْءٍ، فَإنَّ اَلْفَتِيلَ مَثَلٌ في اَلْقِلَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠] ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٧٢] أيْ: ومَن كانَ في هَذِهِ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا أعْمى عَنِ اَلِاهْتِداءِ إلى اَلْحَقِّ، فَهو في اَلْآخِرَةِ أعْمى لا يَرى طَرِيقَ اَلنَّجاةِ، وأضَلُّ سَبِيلًا مِنهُ في اَلدُّنْيا؛ لِأنَّ لَهُ في هَذِهِ اَلْحَياةِ آلاتٍ وأدَواتٍ وأسْبابًا يُمْكِنُهُ اَلِاهْتِداءُ بِها. وهو في مَقامِ اَلْكَسْبِ باقِي اَلِاسْتِعْدادِ. ولَمْ يَبْقَ هُناكَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. قِيلَ: اَلْعَمى حَقِيقَةٌ فِيمَن لا يُدْرِكُ اَلْمُبْصِراتِ؛ لِفَسادِ حاسَّتِهِ، مَجازٌ في عَمى اَلْبَصِيرَةِ وهو عَدَمُ اَلِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ اَلنَّجاةِ. وقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ فِيهِما. وعَلَيْهِ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ (أعْمى) اَلثّانِي أفْعَلَ تَفْضِيلٍ؛ لِأنَّهُ مِن عَمى اَلْقَلْبِ لا عَمى اَلْبَصَرِ. ويَجُوزُ أنْ يُصاغَ مِنَ اَلْعُيُوبِ اَلْباطِنَةِ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ كالأحْمَقِ والأبْلَهِ. لَطِيفَةٌ: قالَ اَلنّاصِرُ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اَلْآيَةُ قَسِيمَةَ اَلْأُولى. أيْ: فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَهو اَلَّذِي يُبْصِرُهُ ويَقْرَؤُهُ. ومَن كانَ في اَلدُّنْيا أعْمى غَيْرَ مُبْصِرٍ في نَفْسِهِ، ولا ناظِرٍ في مَعادِهِ، فَهو في اَلْآخِرَةِ كَذَلِكَ، غَيْرُ مُبْصِرٍ في كِتابِهِ، بَلْ أعْمى عَنْهُ، أوْ أشَدُّ عَمًى مِمّا كانَ في اَلدُّنْيا، عَلى اِخْتِلافِ اَلتَّأْوِيلَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٩٥٤)

الإسراء 17:73

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٣-٧٤] ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] . ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] إخْبارٌ عَنْ تَأْيِيدِهِ تَعالى رَسُولَهُ، صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ، وتَثْبِيتِهِ وعِصْمَتِهِ وتَوَلِّي أمْرِهِ وحِفْظِهِ. فَإنَّ اَلْمُشْرِكِينَ، لِكَثْرَةِ تَفَنُّنِهِمْ في ضُرُوبِ اَلْأذى وشِدَّةِ تَعَنُّتِهِمْ وقُوَّةِ شَكِيمَتِهِمْ، كادُوا أنْ يَفْتِنُوهُ. ولَكِنَّ عِنايَةَ اَللَّهِ وحِفْظَهُ، هو اَلَّذِي ثَبَّتَ قَدَمَهُ في مِثْلِ مَقامِهِ في اَلدَّعْوَةِ إلى اَللَّهِ اَلَّذِي لا يَثْبُتُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرَهُ. وقَدْ رُوِيَ أنْ ثَقِيفًا قالُوا: لا نُؤْمِنُ حَتّى تُعْطِيَنا خِصالًا نَفْتَخِرُ بِها عَلى اَلْعَرَبِ: لا نَنْحَنِي في اَلصَّلاةِ، ولا نَكْسِرُ أصْنامَنا بِأيْدِينا، وأنْ تُمْتِعْنا بِاَللّاتِ سَنَةً مِن غَيْرِ أنْ نَعْبُدَها، فَإنْ خَشِيتَ أنْ يَسْمَعَ اَلْعَرَبُ: (لِمَ أعْطَيْتَهم ما لَمْ تُعْطِنا) فَقُلِ: اَللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: لا نَدَعُكَ يا مُحَمَّدُ أنْ تَسْتَلِمَ اَلْحَجَرَ اَلْأسْوَدَ حَتّى تَمَسَّ آلِهَتَنا. وقالُوا أيْضًا: نُؤْمِنُ بِكَ أنْ تَمَسَّ آلِهَتَنا. قالَ اَلْإمامُ اَلطَّبَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اَلْفِتْنَةُ فَما ذُكِرَ. وأنْ تَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ. ولا بَيانَ في اَلْكِتابِ ولا في خَبَرٍ يَقْطَعُ اَلْعُذْرَ أيَّ ذَلِكَ كانَ. فالأصْوَبُ: اَلْإيمانُ بِظاهِرِهِ حَتّى يَأْتِيَ ما يَجِبُ اَلتَّسْلِيمُ لَهُ، بِبَيانِ ما عُنِيَ بِذَلِكَ مِنهُ. قالَ اَلزَّجّاجُ: مَعْنى اَلْكَلامِ: كادُوا يَفْتِنُونَكَ. ودَخَلَتْ (أنِ) اَلْمُخَفَّفَةُ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ و(اَللّامُ) لِلتَّأْكِيدِ. والمَعْنى: أنَّ اَلشَّأْنَ قارَبُوا أنْ يَفْتِنُوكَ، أيْ: يَخْدَعُوكَ. ويَصْرِفُوكَ عَنِ اَلْقُرْآنِ، أيْ: عَنْ حُكْمِهِ. وذَلِكَ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوا مُخالَفَةً لِحُكْمِ اَلْقُرْآنِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ أيْ: غَيْرَ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ وهو قَوْلُهم: قُلِ اَللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ: (p-٣٩٥٥)﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ أيْ: لَوْ فَعَلْتَ ما أرادُوا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وأظْهَرُوا لِلنّاسِ أنَّكَ مُوافِقٌ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ، وراضٍ بِشِرْكِهِمْ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ [الإسراء: ٧٤] أيْ: عَلى اَلْحَقِّ بِعِصْمَتِنا إيّاكَ: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٧٤] أيْ: تَمِيلُ إلَيْهِمْ: ﴿شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] وقَوْلُهُ: ﴿شَيْئًا﴾ [الإسراء: ٧٤] عِبارَةٌ عَنِ اَلْمَصْدَرِ، أوْ رُكُونًا قَلِيلًا. وعَنْ قَتادَةَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ. قالَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اَللَّهُمَّ لا تَكِلُنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ»» . ثُمَّ تَوَعَّدَهُ في ذَلِكَ أشَدَّ اَلتَّوَعُّدِ، فَقالَ:

الإسراء 17:74

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٣-٧٤] ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] . ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] إخْبارٌ عَنْ تَأْيِيدِهِ تَعالى رَسُولَهُ، صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ، وتَثْبِيتِهِ وعِصْمَتِهِ وتَوَلِّي أمْرِهِ وحِفْظِهِ. فَإنَّ اَلْمُشْرِكِينَ، لِكَثْرَةِ تَفَنُّنِهِمْ في ضُرُوبِ اَلْأذى وشِدَّةِ تَعَنُّتِهِمْ وقُوَّةِ شَكِيمَتِهِمْ، كادُوا أنْ يَفْتِنُوهُ. ولَكِنَّ عِنايَةَ اَللَّهِ وحِفْظَهُ، هو اَلَّذِي ثَبَّتَ قَدَمَهُ في مِثْلِ مَقامِهِ في اَلدَّعْوَةِ إلى اَللَّهِ اَلَّذِي لا يَثْبُتُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرَهُ. وقَدْ رُوِيَ أنْ ثَقِيفًا قالُوا: لا نُؤْمِنُ حَتّى تُعْطِيَنا خِصالًا نَفْتَخِرُ بِها عَلى اَلْعَرَبِ: لا نَنْحَنِي في اَلصَّلاةِ، ولا نَكْسِرُ أصْنامَنا بِأيْدِينا، وأنْ تُمْتِعْنا بِاَللّاتِ سَنَةً مِن غَيْرِ أنْ نَعْبُدَها، فَإنْ خَشِيتَ أنْ يَسْمَعَ اَلْعَرَبُ: (لِمَ أعْطَيْتَهم ما لَمْ تُعْطِنا) فَقُلِ: اَللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: لا نَدَعُكَ يا مُحَمَّدُ أنْ تَسْتَلِمَ اَلْحَجَرَ اَلْأسْوَدَ حَتّى تَمَسَّ آلِهَتَنا. وقالُوا أيْضًا: نُؤْمِنُ بِكَ أنْ تَمَسَّ آلِهَتَنا. قالَ اَلْإمامُ اَلطَّبَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اَلْفِتْنَةُ فَما ذُكِرَ. وأنْ تَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ. ولا بَيانَ في اَلْكِتابِ ولا في خَبَرٍ يَقْطَعُ اَلْعُذْرَ أيَّ ذَلِكَ كانَ. فالأصْوَبُ: اَلْإيمانُ بِظاهِرِهِ حَتّى يَأْتِيَ ما يَجِبُ اَلتَّسْلِيمُ لَهُ، بِبَيانِ ما عُنِيَ بِذَلِكَ مِنهُ. قالَ اَلزَّجّاجُ: مَعْنى اَلْكَلامِ: كادُوا يَفْتِنُونَكَ. ودَخَلَتْ (أنِ) اَلْمُخَفَّفَةُ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ و(اَللّامُ) لِلتَّأْكِيدِ. والمَعْنى: أنَّ اَلشَّأْنَ قارَبُوا أنْ يَفْتِنُوكَ، أيْ: يَخْدَعُوكَ. ويَصْرِفُوكَ عَنِ اَلْقُرْآنِ، أيْ: عَنْ حُكْمِهِ. وذَلِكَ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوا مُخالَفَةً لِحُكْمِ اَلْقُرْآنِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ أيْ: غَيْرَ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ وهو قَوْلُهم: قُلِ اَللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ: (p-٣٩٥٥)﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ أيْ: لَوْ فَعَلْتَ ما أرادُوا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وأظْهَرُوا لِلنّاسِ أنَّكَ مُوافِقٌ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ، وراضٍ بِشِرْكِهِمْ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ [الإسراء: ٧٤] أيْ: عَلى اَلْحَقِّ بِعِصْمَتِنا إيّاكَ: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٧٤] أيْ: تَمِيلُ إلَيْهِمْ: ﴿شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] وقَوْلُهُ: ﴿شَيْئًا﴾ [الإسراء: ٧٤] عِبارَةٌ عَنِ اَلْمَصْدَرِ، أوْ رُكُونًا قَلِيلًا. وعَنْ قَتادَةَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ. قالَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اَللَّهُمَّ لا تَكِلُنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ»» . ثُمَّ تَوَعَّدَهُ في ذَلِكَ أشَدَّ اَلتَّوَعُّدِ، فَقالَ:

الإسراء 17:75

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٥] ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ . ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ: ضِعْفَ عَذابِ اَلْحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ اَلْمَماتِ، يُرِيدُ عَذابَ اَلدُّنْيا وعَذابَ اَلْآخِرَةِ. و(اَلضِّعْفُ) عِبارَةٌ عَنْ أنْ يُضَمَّ إلى اَلشَّيْءِ مِثْلُهُ، ودَلَّ عَلى إضْمارِ اَلْعَذابِ وصْفُ اَلْعَذابِ بِالضِّعْفِ في كَثِيرٍ مِنَ اَلْآياتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ [ص: ٦١] وقالَ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] والسَّبَبُ في تَضْعِيفِ اَلْعَذابِ؛ أنَّ أقْسامَ نِعَمِ اَللَّهِ عَلى اَلْأنْبِياءِ أكْثَرُ. فَكانَتْ ذُنُوبُهم أعْظَمَ. فَكانَتِ اَلْعُقُوبَةُ اَلْمُسْتَحَقَّةُ عَلَيْها أكْثَرَ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] تَنْبِيهاتٌ: اَلْأوَّلُ: قالَ اَلْقَفّالُ رَحِمَهُ اَللَّهُ ) بَعْدَ ذِكْرِهِ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها مِمّا قَدَّمْناهُ): ويُمْكِنُ أيْضًا تَأْوِيلُها مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَبَبٍ يُضافُ نُزُولُها فِيهِ؛ لِأنَّ مِنَ اَلْمَعْلُومِ أنَّ اَلْمُشْرِكِينَ كانُوا يَسْعَوْنَ في إبْطالِ أمْرِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأقْصى ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. فَتارَةً كانُوا يَقُولُونَ: (p-٣٩٥٦)إنْ عَبَدْتَ آلِهَتَنا عَبَدْنا إلَهَكَ، فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلَهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] وعَرَضُوا عَلَيْهِ اَلْأمْوالَ اَلْكَثِيرَةَ والنِّساءَ اَلْجَمِيلَةَ لِيَتْرُكَ اِدِّعاءَ اَلنُّبُوَّةِ، فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] ودَعُوهُ إلى طَرْدِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَنْ نَفْسِهِ فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اَلْآياتُ نَزَلَتْ في هَذا اَلْبابِ. وذَلِكَ أنَّهم قَصَدُوا أنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ دِينِهِ، وأنْ يُزِيلُوهُ عَنْ مَنهَجِهِ. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُثَبِّتُهُ عَلى اَلدِّينِ اَلْقَوِيمِ والمَنهَجِ اَلْمُسْتَقِيمِ. وعَلى هَذا اَلطَّرِيقِ. فَلا حاجَةَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ اَلْآياتِ، إلى شَيْءٍ مِن تِلْكَ اَلرِّواياتِ. واَللَّهُ أعْلَمُ. اَلثّانِي: قالَ اَلْقاضِي: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ [الإسراء: ٧٤] اَلْآيَةَ، إنَّكَ كُنْتَ عَلى صَدَدِ اَلرُّكُونَ إلَيْهِمْ، لِقُوَّةِ خِداعِهِمْ وشِدَّةِ اِحْتِيالِهِمْ. لَكِنْ أدْرَكَتْكَ عِصْمَتُنا فَمُنِعْتَ أنْ تَقْرَبَ مِنَ اَلرُّكُونِ، فَضْلًا عَنْ أنْ تَرْكَنَ عَلَيْهِمْ. وهو صَرِيحٌ في أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ، مَعَ قُوَّةِ اَلدّاعِي إلَيْها، ودَلِيلٌ عَلى أنَّ اَلْعِصْمَةَ بِتَوْفِيقِ اَللَّهِ وحِفْظِهِ. اَلثّالِثُ: قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: في ذِكْرِ الكَيْدُودَةِ وتَقْلِيلِها، مَعَ إتْباعِها اَلْوَعِيدَ اَلشَّدِيدَ بِالعَذابِ اَلْمُضاعَفِ في اَلدّارَيْنِ؛ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ اَلْقَبِيحَ يَعْظُمُ قُبْحُهُ بِمِقْدارِ عِظَمِ شَأْنِ فاعِلِهِ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أدْنى مُداهَنَةٍ لِلْغُواةِ، مُضادَّةٌ لِلَّهِ وخُرُوجٌ عَنْ وِلايَتِهِ، وسَبَبٌ مُوجِبٌ لِغَضَبِهِ ونَكالِهِ. فَعَلى اَلْمُؤْمِنِ، إذا تَلا هَذِهِ اَلْآيَةَ أنْ يَجْثُوَ عِنْدَها ويَتَدَبَّرَها فَهي جَدِيرَةٌ بِالتَّدَبُّرِ. وبِأنْ يَسْتَشْعِرَ اَلنّاظِرُ فِيها اَلْخَشْيَةَ وازْدِيادَ اَلتَّصَلُّبِ في دِينِ اَللَّهِ. اَلرّابِعُ: جاءَ في (حَواشِي جامِعِ اَلْبَيانِ) ما مِثالُهُ بِالحَرْفِ: مِنَ اَلْفَوائِدِ اَلْجَلِيلَةِ في هَذِهِ اَلْآيَةِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ إبْقاءُ مَواضِعِ اَلشِّرْكِ، بَعْدَ اَلْقُدْرَةِ عَلى هَدْمِها وإبْطالِها يَوْمًا. فَإنَّها شَعائِرُ (p-٣٩٥٧)اَلْكُفْرِ والشِّرْكِ. وهي أعْظَمُ اَلْمُنْكِراتِ، فَلا يَجُوزُ اَلْإقْرارُ عَلَيْها مَعَ اَلْقُدْرَةِ اَلْبَتَّةَ. وهَكَذا حُكْمُ اَلْمَشاهِدِ اَلَّتِي بُنِيَتْ عَلى اَلْقُبُورِ اَلَّتِي اُتُّخِذَتْ أوْثانًا وطَواغِيتَ تُعْبَدُ مِن دُونِ اَللَّهِ. والأحْجارُ اَلَّتِي تُقْصَدُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّبَرُّكِ والنُّذُورِ والتَّقْبِيلِ، لا يَجُوزُ إبْقاءُ شَيْءٍ مِنها عَلى وجْهِ اَلْأرْضِ، مَعَ اَلْقُدْرَةِ عَلى إزالَتِهِ. وكَثِيرٌ مِنها بِمَنزِلَةِ اَللّاتِ والعُزّى ومَناةَ اَلثّالِثَةِ اَلْأُخْرى، وأعْظَمُ شِرْكٍ عِنْدِها وبِها. فَإنَّ اَللّاتَ - عَلى ما نَقَلَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ مُجاهِدٍ - رَجُلٌ كانَ يَلُتُّ لَهُمُ اَلسَّوِيقَ فَماتَ. فَعَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ يَعْبُدُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ. ولَمْ يَقُولُوا: إنَّ اَللّاتَ خَلَقَتِ اَلسَّماواتِ والأرْضَ، بَلْ كانَ شِرْكُهم بِاَللّاتِ والعُزّى ومَناةَ اَلثّالِثَةِ اَلْأُخْرى كَشِرْكِ أهْلِ اَلشِّرْكِ مِن أرْبابِ اَلْمُشاهِدِ بِعَيْنِهِ، مِنَ اَلنُّذُورِ لَها، والشَّرَكِ بِها، والتَّمَسُّحِ بِها، وتَقْبِيلِها، واسْتِلامِها. وما طَلَبُوا مِن رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا مُجَرَّدَ مَسِّ آلِهَتِهِمْ، كَما قالُوا نُؤْمِنُ بِكَ إنْ تَمَسَّ آلِهَتَنا، وما اِلْتَمَسُوا مِنهُ إلّا اَلتَّمْتِيعَ بِاَللّاتَ سَنَةً مِن غَيْرِ عِبادَةٍ، فَتُوعِّدَ بِهَذا اَلْوَعِيدِ اَلشَّدِيدِ والتَّهْدِيدِ اَلْأكِيدِ أنْ لَوْ رَكَنَ إلَيْهِمْ. فالرَّزِيَّةُ كُلَّ اَلرَّزِيَّةِ ما اُبْتُلِيَ بِهِ القُبُورِيُّونَ مِن أهْلِ هَذا اَلزَّمانِ. فَإنَّهم لَمْ يَدْعُوا شَيْئًا مِمّا كانَتِ اَلْجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ بِالأصْنامِ، إلّا فَعَلُوهُ بِالقُبُورِ. فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. بَلْ كَثِيرٌ مِنهم، إذا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ مِن جِهَةِ خَصْمِهِ، حَلَفَ بِاَللَّهِ فاجِرًا، فَإذا قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: اِحْلِفْ بِشَيْخِكَ، أوْ بِمُعْتَقَدِكَ اَلْوَلِيِّ اَلْفُلانِيِّ، تَلَكَّأ وأبى واعْتَرَفَ بِالحَقِّ. وهَذا مِن أبْيَنِ اَلْأدِلَّةِ اَلدّالَّةِ عَلى أنَّ شِرْكَهم قَدْ بَلَغَ فَوْقَ شِرْكِ مَن قالَ: (ثالِثُ ثَلاثَةٍ) فَيا عُلَماءَ اَلدِّينِ ! ويا مُلُوكَ اَلْمُسْلِمِينَ ! أيْ: رِزْءٌ لِلْإسْلامِ أشَدُّ مِنَ اَلْكُفْرِ ؟ وأيُّ بَلاءٍ لِهَذا اَلدِّينِ أضَرُّ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اَللَّهِ ؟ وأيُّ مُصِيبَةٍ يُصابُ بِها اَلْمُسْلِمُونَ تَعْدِلُ هَذِهِ ؟ وأيُّ مُنْكَرٍ يَجِبُ إنْكارُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ إنْكارُ هَذا اَلشِّرْكِ اَلْبَيِّنِ واجِبًا ؟ فاَللَّهُمَّ ! اُنْصُرْ مَن نَصَرَ اَلْحَقَّ واهْدِنا إلى سَواءِ اَلسَّبِيلِ. اِنْتَهى. (p-٣٩٥٨)

الإسراء 17:76

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٦-٧٧] ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ [الإسراء: ٧٧] ﴿وإنْ كادُوا﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: لَيُزْعِجُونَكَ بِمُعاداتِهِمْ مِن مَكَّةَ: ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ أيْ: ولَوْ خَرَجْتَ لا يَبْقُونَ بَعْدَ خُرُوجِكَ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] يَعْنِي أنَّ كُلَّ قَوْمٍ أخْرَجُوا رَسُولَهم مِن بَيْنِ ظَهْرانَيْهِمْ، فَسُنَّةُ اَللَّهِ أنْ يُهْلِكَهم. ونُصِبَتْ نَصْبَ اَلْمَصْدَرِ اَلْمُؤَكِّدِ. أيْ: سَنَّ اَللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً: ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ [الإسراء: ٧٧] أيْ: تَغْيِيرًا. ولا يَخْفى أنَّ اَلْمُرادَ بِعَدَمِ لَبْثِهِمْ، إهْلاكُهم. سَواءٌ كانَ بِالِاسْتِئْصالِ أوْ لا. قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: وكَذَلِكَ وقَعَ، فَإنَّهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هِجْرَتِهِ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ بَعْدَ ما اِشْتَدَّ أذاهم لَهُ إلّا سَنَةٌ ونَصِفٌ، حَتّى جَمَعَهُمُ اَللَّهُ وإيّاهُ بِبَدْرٍ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ. فَأمْكَنَهُ مِنهم، وسَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ، وأظْفَرَهُ بِهِمْ. فَقَتَلَ أشْرافَهم وسَبى سَراتِهِمْ. ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ [الإسراء: ٧٧] أيْ: هَكَذا عادَتُنا في اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرُسُلِنا وآذُوهم. يَخْرُجُ اَلرَّسُولُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ ويَأْتِيهِمُ اَلْعَذابُ. ولَوْلا أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَسُولُ اَلرَّحْمَةِ، لَجاءَهم مِنَ اَلنِّقَمِ في اَلدُّنْيا ما لا قِبَلَ لِأحَدٍ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٩٥٩)

الإسراء 17:77

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٦-٧٧] ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ [الإسراء: ٧٧] ﴿وإنْ كادُوا﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: لَيُزْعِجُونَكَ بِمُعاداتِهِمْ مِن مَكَّةَ: ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ أيْ: ولَوْ خَرَجْتَ لا يَبْقُونَ بَعْدَ خُرُوجِكَ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] يَعْنِي أنَّ كُلَّ قَوْمٍ أخْرَجُوا رَسُولَهم مِن بَيْنِ ظَهْرانَيْهِمْ، فَسُنَّةُ اَللَّهِ أنْ يُهْلِكَهم. ونُصِبَتْ نَصْبَ اَلْمَصْدَرِ اَلْمُؤَكِّدِ. أيْ: سَنَّ اَللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً: ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ [الإسراء: ٧٧] أيْ: تَغْيِيرًا. ولا يَخْفى أنَّ اَلْمُرادَ بِعَدَمِ لَبْثِهِمْ، إهْلاكُهم. سَواءٌ كانَ بِالِاسْتِئْصالِ أوْ لا. قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: وكَذَلِكَ وقَعَ، فَإنَّهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هِجْرَتِهِ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ بَعْدَ ما اِشْتَدَّ أذاهم لَهُ إلّا سَنَةٌ ونَصِفٌ، حَتّى جَمَعَهُمُ اَللَّهُ وإيّاهُ بِبَدْرٍ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ. فَأمْكَنَهُ مِنهم، وسَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ، وأظْفَرَهُ بِهِمْ. فَقَتَلَ أشْرافَهم وسَبى سَراتِهِمْ. ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ [الإسراء: ٧٧] أيْ: هَكَذا عادَتُنا في اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرُسُلِنا وآذُوهم. يَخْرُجُ اَلرَّسُولُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ ويَأْتِيهِمُ اَلْعَذابُ. ولَوْلا أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَسُولُ اَلرَّحْمَةِ، لَجاءَهم مِنَ اَلنِّقَمِ في اَلدُّنْيا ما لا قِبَلَ لِأحَدٍ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٩٥٩)

الإسراء 17:78

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٨] ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ . ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى، قَبْلُ، كَيْدَ اَلْمُشْرِكِينَ وكَيْدُودَتَهُمُ اِسْتِفْزازَهُ مِنَ اَلْأرْضِ، أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَعِينَ بِإقامَةِ اَلصَّلَواتِ والإقْبالِ عَلى عِبادَتِهِ تَعالى، والِابْتِهالِ إلَيْهِ عَلى دَفْعِ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، وتَأْيِيدِهِ عَلَيْهِمْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَوْلُهُ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [طه: ١٣٠] وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] هَذا مِن حَيْثُ نَظْمُ اَلْآيَةِ مَعَ ما قَبْلَها. وأمّا مَعْناها، فَقَوْلُهُ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أيْ: لِزَوالِها. قالَ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ: اَلدُّلُوكُ: اَلزَّوالُ عِنْدَ أكْثَرِ اَلسَّلَفِ، وهو اَلصَّوابُ. واللّامُ لِلتَّأْقِيتِ. أيْ: بَيانُ اَلْوَقْتِ بِمَعْنى (بَعْدَ) وتَكُونُ بِمَعْنى (عِنْدَ) أيْضًا. وقِيلَ: لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ دُخُولَ اَلْوَقْتِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ اَلصَّلاةِ. وأمّا: ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فَهو اِجْتِماعُ اَللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ. وأمّا: ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ فَهو صَلاةُ اَلصُّبْحِ. سُمِّيَتْ قَرْآنًا لِأنَّهُ رَكَنَها. كَما سُمِّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا. فَهو مِن تَسْمِيَةِ اَلْكُلِّ بِاسْمِ جُزْئِهِ اَلْمُهِمِّ. فَيَدُلُّ عَلى وُجُوبِ اَلْقِراءَةِ فِيها صَرِيحًا، وفي غَيْرِها بِدَلالَةِ اَلنَّصِّ والقِياسِ. ومَعْنى: ﴿مَشْهُودًا﴾ يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اَللَّيْلِ والنَّهارِ. يَنْزِلُ هَؤُلاءِ ويَصْعَدُ هَؤُلاءِ، فَهو في آخِرِ دِيوانِ اَللَّيْلِ وأوَّلِ دِيوانِ اَلنَّهارِ. أوْ يَشْهَدُهُ اَلْكَثِيرُ مِنَ اَلْمُصَلِّينَ في اَلْعادَةِ ! ومِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ مَشْهُودًا بِالجَماعَةِ اَلْكَثِيرَةِ. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ (p-٣٩٦٠)مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى (اَلصَّلاةَ) أيْ: وأقِمْ صَلاةَ اَلْفَجْرِ. وجَوَّزَ بَعْضُ اَلنُّحاةِ نَصْبَهُ عَلى اَلْإغْراءِ. أيْ: وعَلَيْكَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ، أوِ اِلْزَمْ. تَنْبِيهاتٌ: اَلْأوَّلُ: هَذِهِ اَلْآيَةُ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ اَلْخَمْسِ ومَواقِيتِها، فَدَلُّوكُ اَلشَّمْسِ يَتَناوَلُ اَلظُّهْرَ والعَصْرَ تَناوُلًا واحِدًا. وغَسَقُ اَللَّيْلِ يَتَناوَلُ اَلْمَغْرِبَ والعِشاءَ تَناوُلًا واحِدًا. وقُرْآنُ اَلْفَجْرِ هي صَلاةٌ مُفْرَدَةٌ لا تُجْمَعُ ولا تُقْصَرُ. قِيلَ: هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اَلدُّلُوكُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ اَلظُّهْرِ والعَصْرِ. والغَسَقُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ اَلْمَغْرِبِ والعِشاءِ. فَيَدُلُّ عَلى جَوازِ اَلْجَمْعِ مُطْلَقًا بَيْنَ اَلْأوَّلَيْنِ، وكَذا بَيْنَ اَلْأخِيرَيْنِ. فالجَوابُ: هو كَذَلِكَ بِعُذْرِ اَلسَّفَرِ أوِ اَلْمَطَرِ ونَحْوِها. وأمّا في غَيْرِها فَلا، وذَلِكَ لِما بَيَّنَتْهُ اَلسُّنَّةُ مِن فِعْلِ كُلِّ واحِدَةٍ في اَلْوَقْتِ اَلْخاصِّ بِها، إلّا بِعُذْرٍ. قالَ اَلْحافِظُ اِبْنُ كَثِيرٍ: قَدْ بَيَّنَتِ اَلسُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَواتُرًا مِن أفْعالِهِ وأقْوالِهِ، تَفاصِيلَ هَذِهِ اَلْأوْقاتِ عَلى ما عَلَيْهِ أهْلُ اَلْإسْلامِ اَلْيَوْمَ، مِمّا تَلَقَّوْهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، كَما هو مُقَرَّرٌ في مَواضِعِهِ. وقالَ اَلْعَلّامَةَ أبُو اَلسُّعُودِ: لَيْسَ اَلْمُرادُ إقامَتَها فِيما بَيْنَ اَلْوَقْتَيْنِ عَلى وجْهِ اَلِاسْتِمْرارِ، بَلْ إقامَةَ كُلِّ صَلاةٍ في وقْتِها اَلَّذِي عُيِّنَ لَها بِبَيانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. كَما أنَّ أعْدادَ رَكَعاتِ كُلِّ صَلاةٍ مَوْكُولَةٌ إلى بَيانِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. ولَعَلَّ اَلِاكْتِفاءَ بِبَيانِ اَلْمَبْدَأِ والمُنْتَهى في أوْقاتِ اَلصَّلَواتِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنِها؛ لِما أنَّ اَلْإنْسانَ فِيما بَيْنَ هَذِهِ اَلْأوْقاتِ عَلى اَلْيَقَظَةِ. فَبَعْضُها مُتَّصِلٌ بِبَعْضٍ، بِخِلافِ أوَّلِ وقْتِ اَلْعِشاءِ والفَجْرِ فَإنَّهُ بِاشْتِغالِهِ فِيما بَيْنَهُما بِالنَّوْمِ يَنْقَطِعُ أحَدُهُما عَنِ اَلْآخَرِ. ولِذَلِكَ فُصِلَ وقْتُ اَلْفَجْرِ عَنْ سائِرِ اَلْأوْقاتِ. اِنْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ مُسْتَنَدَ مَن جَوَّزَ اَلْجَمْعَ في اَلْحَضَرِ مُطْلَقًا هَذِهِ اَلْآيَةُ مَعَ أثَرِ اِبْنِ عَبّاسٍ. جاءَ في " رَحْمَةِ اَلْأُمَّةِ " ما مِثالُهُ: وعَنِ اِبْنِ سِيرِينَ أنَّهُ يَجُوزُ اَلْجَمْعُ مِن غَيْرِ خَوْفٍ ولا مَرَضٍ لِحاجَةٍ، ما لَمْ يَتَّخِذْهُ عادَةً. واخْتارَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ وجَماعَةٌ جَوازَ اَلْجَمْعِ في اَلْحَضَرِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ ولا مَطَرٍ ولا مَرَضٍ. اِنْتَهى. (p-٣٩٦١)وقَدْ رَوى اَلشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «صَلّى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالمَدِينَةِ سَبْعًا وثَمانِيًا: اَلظُّهْرُ والعَصْرُ، والمَغْرِبُ والعِشاءُ» . ومِن رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «صَلّى اَلظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا، والمَغْرِبَ والعِشاءَ جَمِيعًا، مِن غَيْرِ خَوْفٍ ولا سَفَرٍ» . وكَثِيرٌ مِنَ اَلرُّواةِ حَمَلُوا ذَلِكَ عَلى لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ. والمَسْألَةُ شَهِيرَةٌ. اَلثّانِي: قُلْنا: إنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ إحْدى اَلْآياتِ اَلَّتِي جَمَعَتِ اَلصَّلَواتِ اَلْخَمْسَ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] فالطَّرَفُ اَلْأوَّلُ صَلاةُ اَلْفَجْرِ، فَإنَّ صَلاةَ اَلْفَجْرِ في اَلنَّهارِ. فَإنَّ اَلصّائِمَ يَصُومُ اَلنَّهارَ. وهو يَصُومُ مِن طُلُوعِ اَلْفَجْرِ. والوِتَرُ تُصَلّى بِاللَّيْلِ، وقَدْ قالَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««صَلاةُ اَللَّيْلِ مَثْنى مَثْنى فَإذا خِفْتَ اَلصُّبْحَ فَأوْتِرْ بِرَكْعَةٍ»» . وإذا قِيلَ: نِصْفُ اَلنَّهارِ؛ فالمُرادُ بِهِ اَلنَّهارُ اَلْمُبْتَدِئُ مِن طُلُوعِ اَلشَّمْسِ. فَهَذا في هَذا اَلْمَوْضُوعِ، ولَفْظُ (اَلنَّهارِ) يُرادُ بِهِ مِن طُلُوعِ اَلْفَجْرِ، ويُرادُ بِهِ مِن طُلُوعِ اَلشَّمْسِ. لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] أُرِيدَ بِهِ مِن طُلُوعِ اَلْفَجْرِ بِلا رَيْبٍ، لِأنَّ ما بَعْدَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ لَيْسَ عَلى اَلْمُسْلِمِينَ فِيهِ صَلاةٌ واجِبَةٌ، بَلْ ولا مُسْتَحَبَّةٌ. بَلِ اَلصَّلاةُ في أوَّلِ اَلطُّلُوعِ مَنهِيٌّ عَنْها حَتّى تَرْتَفِعَ اَلشَّمْسُ. وهَلْ تُسْتَحَبُّ اَلصَّلاةُ لِوَقْتِ اَلضُّحى أوْ لا تُسْتَحَبُّ إلّا لِأمْرٍ عارِضٍ ؟ فِيهِ نِزاعٌ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَهُ. فَعُلِمَ أنَّهُ أرادَ بِالطَّرَفِ اَلْأوَّلِ: مِن طُلُوعِ اَلْفَجْرِ. وأمّا اَلطَّرَفُ اَلثّانِي: (p-٣٩٦٢)فَمِنَ اَلزَّوالِ إلى اَلْغُرُوبِ. فَجَعَلَ اَلصَّلاةَ في هَذا اَلْوَقْتِ صَلاةً في اَلطَّرَفِ اَلثّانِي وأشْرَكَ بَيْنَهُما فِيهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] فَأجْمَلَ اَلْمَغْرِبَ والعِشاءَ في (زُلَفٍ مِنَ اَللَّيْلِ) وهو ساعاتٌ مِنَ اَللَّيْلِ. فالمَواقِيتُ هُنا ثَلاثَةٌ. وقالَ تَعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] فَذَكَرَ اَلْفَجْرَ وذَكَرَ اَلظُّهْرَ وذَكَرَ صَلاةَ اَلْعِشاءِ. فَمِنَ اَلظَّهِيرَةِ إلى ما بَعْدَ صَلاةِ اَلْعِشاءِ وقْتانِ لِلصَّلاةِ. وقَدْ ذَكَرَ اَلْأوَّلَ مِن هَذا اَلْوَقْتِ والآخِرَ مِن هَذا اَلْوَقْتِ. وقَدْ دَلَّ عَلى اَلْمَواقِيتِ في آياتٍ أُخُرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] فَتَبَيَّنَ أنَّ لَهُ اَلتَّسْبِيحَ والحَمْدَ في اَلسَّماواتِ والأرْضِ حِينَ اَلْمَساءِ وحِينَ اَلصَّباحِ وعَشِيًّا وحِينَ اَلْإظْهارِ. فالمَساءُ يَتَناوَلُ اَلْمَغْرِبَ والعِشاءَ، والصَّباحُ يَتَناوَلُ اَلْفَجْرَ، والعَشِيُّ يَتَناوَلُ اَلْعَصْرَ، والإظْهارُ يَتَناوَلُ اَلظُّهْرَ. وقالَ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [طه: ١٣٠] وفي اَلْآيَةِ اَلْأُخْرى: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] فَقَبْلَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ هي صَلاةُ اَلْفَجْرِ. وقَبْلَ غُرُوبِها هي اَلْعَصْرُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَها اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في اَلْحَدِيثِ اَلْمُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ قالَ: «كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ نَظَرَ إلى اَلْقَمَرِ لَيْلَةَ اَلْبَدْرِ فَقالَ: (p-٣٩٦٣)«إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم كَما تَرَوْنَ اَلْقَمَرَ لَيْلَةَ اَلْبَدْرِ، فَإنِ اِسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا» . ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه: ١٣٠]» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٩] ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ﴾ [طه: ١٣٠] مُطْلَقٌ في آناءِ اَللَّيْلِ، يَتَناوَلُ اَلْمَغْرِبَ والعِشاءَ. أفادَ ذَلِكَ تَقِيُّ اَلدِّينِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ في فَتْواهُ في (اَلْمَواقِيتِ اَلْكُبْرى) . اَلثّالِثُ: هَذِهِ اَلْآيَةُ مِنَ اَلْآياتِ اَلَّتِي أمَرَ تَعالى فِيها بِإقامَةِ اَلصَّلاةِ لِوَقْتِها. قالَ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ، في فَتْواهُ اَلْمُتَقَدِّمَةِ: وقْتُ اَلصَّلاةِ وقْتانِ. وقْتُ اَلرَّفاهِيَةِ والِاخْتِيارِ. ووَقْتُ اَلْحاجَةِ والعُذْرِ. فالوَقْتُ في حالِ اَلرَّفاهِيَةِ خَمْسَةُ أوْقاتٍ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««وقْتُ اَلظُّهْرِ ما لَمْ يَصِرْ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ. ووَقْتُ اَلْعَصْرِ ما لَمْ تَصْفَرَّ اَلشَّمْسُ. ووَقْتُ اَلْمَغْرِبِ ما لَمْ يَغِبْ نُورُ اَلشَّفَقِ. ووَقْتُ اَلْعِشاءِ إلى نِصْفِ اَللَّيْلِ. ووَقْتُ اَلْفَجْرِ ما لَمْ تَطْلُعِ اَلشَّمْسُ»» . وقَدْ رُوِيَ هَذا اَلْحَدِيثُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في اَلسُّنَنِ. ولَمْ يُرْوَ عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في اَلْمَواقِيتِ حَدِيثٌ مِن قَوْلِهِ إلّا هَذا. وسائِرُ ما رُوِيَ فُعِلَ مِنهُ، والأحادِيثُ اَلصَّحِيحَةُ اَلْمُتَأخِّرَةُ مِن فِعْلِهِ تُوافِقُ هَذا اَلْحَدِيثَ. ولِهَذا ما في هَذا اَلْحَدِيثِ مِنَ اَلْمَواقِيتِ هو اَلصَّحِيحُ عِنْدَ اَلْفُقَهاءِ اَلْعارِفِينَ بِالحَدِيثِ. والنِّزاعُ بَيْنَ اَلْعُلَماءِ في آخِرِ وقْتِ اَلظُّهْرِ، وأوَّلِ وقْتِ اَلْعَصْرِ وآخِرِهِ، وآخِرِ وقْتِ اَلْمَغْرِبِ، وآخِرِ وقْتِ اَلْعِشاءِ، وآخِرِ وقْتِ اَلْفَجْرِ، فالجَماهِيرُ مِنَ اَلسَّلَفِ والخَلَفِ مِن فُقَهاءِ اَلْحَدِيثِ وأهْلِ اَلْحِجازِ وقْتُ اَلظُّهْرِ عِنْدَهم مِنَ اَلزَّوالِ إلى أنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ. سِوى اَلْفَيْءِ اَلَّذِي زالَتْ عَلَيْهِ اَلشَّمْسُ، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إلى أنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ يَدْخُلُ وقْتُ اَلْعَصْرِ عِنْدَ اَلْجُمْهُورِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ إنَّما يَدْخُلُ إذا صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ونُقِلَ عَنْهُ، أنَّ ما بَيْنَ اَلْمِثْلِ إلى اَلْمِثْلَيْنِ لَيْسَ وقْتًا لا لِلظُّهْرِ ولا (p-٣٩٦٤)لِلْعَصْرِ. وعَلى قَوْلِ اَلْجُمْهُورِ، فَهَلْ آخِرُ هَذا أوَّلُ هَذا، أوْ بَيْنَهُما قَدْرُ أرْبَعِ رَكَعاتٍ مُشْتَرِكٌ ؟ فِيهِ نِزاعٌ. فالجُمْهُورُ عَلى اَلْأوَّلِ، والثّانِي مَنقُولٌ عَنْ مالِكٍ. وإذا صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، خَرَجَ وقْتُ اَلْعَصْرِ في إحْدى اَلرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ. وهو مَنقُولٌ عَنْ مالِكٍ والشّافِعِيِّ مَعَ خِلافٍ في مَذْهَبِهِما. والصَّحِيحُ أنَّ وقْتَها مُمْتَدٌّ بِلا كَراهَةٍ إلى اِصْفِرارِ اَلشَّمْسِ. وهو اَلرِّوايَةُ اَلثّانِيَةُ عَنْ أحْمَدَ، كَما نَطَقَ بِهِ حَدِيثُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، مِمّا عَمِلَ بِهِ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالمَدِينَةِ، بَعْدَ عَمَلِهِ بِمَكَّةَ. وهَذا قَوْلُ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ. فَلَمْ يَكُنْ لِلْعَصْرِ وقْتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ولَكِنَّ اَلصَّوابَ اَلْمَقْطُوعَ بِهِ، اَلَّذِي تَواتَرَتْ بِهِ اَلسُّنَنُ واتَّفَقَ عَلَيْهِ اَلْجَماهِيرُ؛ أنَّ وقْتَها يَدْخُلُ إذا صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ. ولَيْسَ مَعَ اَلْقَوْلِ اَلْآخَرِ نَقْلٌ عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا صَحِيحٌ ولا ضَعِيفٌ. ولَكِنَّ اَلْأُمَراءَ اَلَّذِينَ كانُوا يُؤَخِّرُونَ اَلصَّلاةَ؛ لَمّا اِعْتادُوا تَأْخِيرَ اَلصَّلاةِ، واشْتَهَرَ ذَلِكَ، صارَ يَظُنُّ مَن يَظُنُّ أنَّهُ اَلسُّنَّةُ. وقَدِ اِحْتَجَّ لَهُ بِالمَثَلِ اَلْمَضْرُوبِ لِلْمُسْلِمِينَ وأهْلِ اَلْكِتابِ. ولا حُجَّةَ فِيهِ لِاتِّفاقِ أهْلِ اَلْحِسابِ عَلى أنَّ وقْتَ اَلظُّهْرِ أطْوَلُ مِن وقْتِ اَلْعَصْرِ. اَلَّذِي أوَّلُهُ إذا صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ. وأمّا أوْقاتُ اَلْحاجَةِ والعُذْرِ فَهي ثَلاثَةٌ: مِنَ اَلزَّوالِ إلى اَلْغُرُوبِ. ومِنَ اَلْغُرُوبِ إلى اَلْفَجْرِ ومِنَ اَلْفَجْرِ إلى طُلُوعِ اَلشَّمْسِ. فالأوَّلُ وقْتُ اَلظُّهْرِ والعَصْرِ عِنْدَ اَلْعُذْرِ. واتَّسَعَ فِيها وفِيهِما مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَقْدِيمُ اَلْعَصْرِ إلى وقْتِ اَلظُّهْرِ، كَما قَدَّمَها اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ. وكَما كانَ يُقَدِّمُها في سَفْرَةِ تَبُوكٍ، إذا اِرْتَحَلَ بَعْدَ أنْ تَزِيغَ اَلشَّمْسُ. وتَقْدِيمُ اَلْعِشاءِ إلى اَلْمَغْرِبِ في اَلْمَطَرِ. فَهَذا جَمْعُ تَقْدِيمٍ، والثّانِي جَمْعُ تَأْخِيرٍ، اَلْعَصْرُ فِيها إلى اَلْغُرُوبِ؛ لِقَوْلِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في اَلْحَدِيثِ اَلصَّحِيحِ: ««مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ اَلْفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ اَلشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ اَلْفَجْرَ. ومَن أدْرَكَ (p-٣٩٦٥)رَكْعَةً مِنَ اَلْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ اَلشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ اَلْعَصْرَ»» . مَعَ قَوْلِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في اَلْحَدِيثِ اَلصَّحِيحِ: ««وقْتُ اَلْعَصْرِ ما لَمْ تَصْفَرَّ اَلشَّمْسُ»» وأنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرِ اَلصَّلاةَ قَطُّ إلى اَلِاصْفِرارِ. ويَوْمُ اَلْخَنْدَقِ كانَ اَلتَّأْخِيرُ إلى بَعْدِ اَلْغُرُوبِ. وهو مَنسُوخٌ في أشْهَرِ قَوْلَيِ اَلْعُلَماءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ في أشْهَرِ اَلرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ. وقِيلَ: يُخَيَّرُ حالَ اَلْقِتالِ في اَلتَّأْخِيرِ والصَّلاةِ في اَلْوَقْتِ بِحَسَبِ اَلْإمْكانِ. وهو اَلرِّوايَةُ اَلْأُخْرى عَنْهُ. وقِيلَ: بَلْ يُؤَخِّرُها. وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ أيْضًا. فَفي اَلْحَدِيثِ اَلصَّحِيحِ عَنْهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««تِلْكَ صَلاةُ اَلْمُنافِقِ، تِلْكَ صَلاةُ اَلْمُنافِقِ، تِلْكَ صَلاةُ اَلْمُنافِقِ، يَرْقُبُ اَلشَّمْسَ حَتّى إذا كانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ اَلشَّيْطانِ، قامَ فَنَقَرَ أرْبَعًا، لا يَذْكُرُ اَللَّهَ فِيها إلّا قَلِيلًا»» . فَوَصَفَ صَلاةَ اَلْمُنافِقِ بِالتَّأْخِيرِ إلى حِينِ اَلْغُرُوبِ والنَّقْرِ. فَدَلَّ عَلى اَلْمَنعِ مِن هَذا وهَذا. فَلَمّا قالَ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذا وهَذا، عُلِمَ أنَّ اَلْوَقْتَ وقْتانِ. فَمَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ اَلْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ اَلشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ مُطْلَقًا. ولَيْسَ لَهُ أنْ يُؤَخِّرَ إلى ذَلِكَ اَلْوَقْتِ مَعَ إمْكانِ اَلصَّلاةِ قَبْلَهُ. بِخِلافِ مَن لا يُمْكِنُهُ اَلصَّلاةُ قَبْلَ ذَلِكَ. كالحائِضِ إذا طَهُرَتْ، والمَجْنُونِ يُفِيقُ، والنّائِمِ يَسْتَيْقِظُ، والنّاسِي يَذْكُرُ، ودَلَّ تَقْدِيمُ اَلْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلى أنَّها تُفْعَلُ في مَوْضِعٍ مَعَ اَلظُّهْرِ عُقَيْبَ اَلزَّوالِ. ودَلَّ هَذا اَلْحَدِيثُ عَلى أنَّها يُدْرَكُ وقْتُها بِإدْراكِ رَكْعَةٍ مِنها قَبْلَ اَلْغُرُوبِ. مَعَ أنَّهُ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ؛ أنَّ وقْتَها إذا صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ما لَمْ تَصْفَرَّ اَلشَّمْسُ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا اَلْوَقْتَ اَلْمُخْتَصَّ بِها، وقْتٌ مَعَ اَلتَّمَكُّنِ والرَّفاهِيَةِ. لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُؤَخِّرَها عَنْهُ ولا يُقَدِّمَها عَلَيْهِ. وقَدْ عُرِفَ مِنَ اَلصَّحابَةِ كَعَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عَبّاسٍ؛ أنَّهم قالُوا (في اَلْحائِضِ إذا طَهُرَتْ قَبْلَ غُرُوبِ اَلشَّمْسِ): تُصَلِّي اَلظُّهْرَ والعَصْرَ. وإذا طَهُرَتْ قَبْلَ طُلُوعِ اَلْفَجْرِ، صَلَّتِ (p-٣٩٦٦)اَلْمَغْرِبَ والعِشاءَ. ولَمْ يُعْرَفْ عَنْ صَحابِيٍّ خِلافُ ذَلِكَ. وبِذَلِكَ أخَذَ اَلْجُمْهُورُ كَمالِكٍ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ. وهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَتِ اَلصَّحابَةُ تَرى أنَّ اَللَّيْلَ عِنْدَ اَلْعُذْرِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ اَلْمَغْرِبِ والعِشاءِ إلى اَلْفَجْرِ. والنِّصْفَ اَلثّانِي عِنْدَ اَلْعُذْرِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ اَلظُّهْرِ والعَصْرِ مِنَ اَلزَّوالِ إلى اَلْغُرُوبِ. كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ اَلسُّنَّةُ والقُرْآنُ - يَعْنِي اَلْآيَةَ اَلْمَذْكُورَةَ وأمْثالَها مِمّا سُقْناهُ قَبْلُ - واَلَّذِينَ يُنازِعُونَ اَلْجُمْهُورَ في اَلْوَقْتِ اَلْمُشْتَرَكِ، ويَقُولُونَ لَيْسَ لِكُلٍّ مِنهُما إلّا وقْتٌ يَخُصُّها، يَقُولُونَ: اَلْغَرَضُ إنَّما ثَبَتَ بِالقُرْآنِ. والقُرْآنُ أوْجَبَ مُطْلَقَ اَلذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] فَلا مُوجِبَ لِخُصُوصِ اَلتَّكْبِيرِ عِنْدَهم، بَلْ مُطْلَقُ اَلذِّكْرِ. وإنْ كانَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ إلّا بِتَكْبِيرٍ. ولا أحَدَ مِن خُلَفائِهِ ولا أحَدَ مِن أئِمَّةِ اَلْمُسْلِمِينَ ولا آحادَهُمُ اَلْمَعْرُوفِينَ يُعْرَفُ أنَّهُ صَلّى إلّا بِتَكْبِيرٍ. ومَعَ هَذا فَيُجَوِّزُونَهُ بِمُطْلَقِ اَلذِّكْرِ. لِأنَّ اَلْقُرْآنَ مُطْلَقٌ في اَلذِّكْرِ. فَيُقالُ لَهُمُ: اَلْقُرْآنُ مُطْلَقٌ في آناءِ اَللَّيْلِ وفي غَسَقِ اَللَّيْلِ. ومُطْلَقٌ في اَلطَّرَفِ اَلْأوَّلِ وفي اَلطَّرَفِ اَلثّانِي، فَدَلَّ عَلى جَوازِ اَلصَّلاةِ في هَذا وهَذا لَوْ قُدِّرَ أنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ داوَمَ عَلى اَلتَّفْرِيقِ، فَكَيْفَ إذا ثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُما في اَلْوَقْتِ غَيْرَ مَرَّةٍ ؟ ! وكَذَلِكَ يَقُولُونَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] مُطْلَقٌ. فَهو اَلْفَرْضُ، والطُّمَأْنِينَةُ إنَّما جاءَ بِها خَبَرٌ واحِدٌ فَيُفِيدُ اَلْوُجُوبَ دُونَ اَلْفَرْضِيَّةِ. وكَذَلِكَ يَقُولُونَ في اَلْفاتِحَةِ: إنَّ اَلْقُرْآنَ مُطْلَقٌ في إيجابِ قِراءَةِ ما تَيَسَّرَ مِنهُ، مَعَ أنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُسْلِمِينَ مِن بَعْدِهِ لَمْ يُصَلُّوا إلّا بِالفاتِحَةِ. ومَعَ قَوْلِهِ: ««لا صَلاةَ إلّا بِأُمِّ اَلْقُرْآنِ»» . و««إنَّ كُلَّ صَلاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيها (p-٣٩٦٧)بِأُمِّ اَلْقُرْآنِ فَهي خِداجٌ، فَهي خِداجٌ، فَهي خِداجٌ»» . ويَقُولُونَ: هَذا يُفِيدُ اَلْوُجُوبَ دُونَ اَلْفَرْضِيَّةِ. أوْ هَذا خَبَرٌ واحِدٌ فَلا يُقَيَّدُ بِهِ مُطْلَقُ اَلْقُرْآنِ. ومَعْلُومٌ أنَّ اَلْقُرْآنَ مُطْلَقٌ في اَلْوَقْتِ اَلْمُشْتَرَكِ أعْظَمَ مِن هَذا، ولَيْسَ مَعَهم عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يُوجِبُ فِعْلَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ اَلْأرْبَعِ في اَلْوَقْتِ اَلْخاصِّ إلّا فِعْلُهُ اَلْمُتَواتِرُ، وقَوْلُهُ اَلَّذِي هو مِن أخْبارِ اَلْآحادِ. مَعَ ما فِيهِ مِنَ اَلْإجْمالِ، كَقَوْلِهِ لَمّا بَيَّنَ اَلْمَواقِيتَ اَلْخَمْسَةَ: ««اَلْوَقْتُ ما بَيْنَ هَذَيْنِ»» وقَوْلُهُ: ««ما بَيْنَ هَذَيْنِ وقْتٌ»» دَلالَتُهُ عَلى وُجُوبِ اَلصَّلاةِ في هَذا اَلْوَقْتِ دُونَ دَلالَةِ قَوْلِهِ: ««لا صَلاةَ إلّا بِأُمِّ اَلْكِتابِ»» وقَوْلُهُ: ««مَن صَلّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيها بِأُمِّ اَلْكِتابِ فَهي خِداجٌ»» وكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في اَلْحَدِيثِ اَلصَّحِيحِ: ««سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَراءٌ يُؤَخِّرُونَ اَلصَّلاةَ عَنْ وقْتِها، فَصَلُّوا اَلصَّلاةَ لِوَقْتِها، ثُمَّ اِجْعَلُوا صَلاتَكم مَعَهم نافِلَةً»» . ولِهَذا اِحْتَجَّ أحْمَدُ عَلى وُجُوبِ فِعْلِها في اَلْوَقْتِ عِنْدَ اَلرَّفاهِيَةِ بِقَوْلِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««فَصَلُّوا اَلصَّلاةَ لِوَقْتِها»» وهو اَلْوَقْتُ اَلَّذِي بَيَّنَهُ لَهم. والأُمَراءُ لَمْ يَكُونُوا يُؤَخِّرُونَ صَلاةَ اَلنَّهارِ إلى اَللَّيْلِ. ولا صَلاةَ اَللَّيْلِ إلى اَلنَّهارِ. وإنَّما كانُوا يُؤَخِّرُونَ اَلظُّهْرَ إلى وقْتِ اَلْعَصْرِ والعَصْرِ إلى آخِرِ اَلنَّهارِ. ودَلَّ هَذا عَلى أنَّ مَن فَعَلَ هَذا لَمْ يُقاتَلْ؛ لِأنَّهم سَألُوهُ عَنِ اَلْأُمَراءِ، أنُقاتِلُهم ؟ قالَ: ««لا، ما صَلُّوا»» وهَذِهِ كانَتْ صَلاتَهم. ودَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ اَلصَّلاةَ لا تَجُوزُ بِحالٍ، وتَفْوِيتُ يَوْمِ اَلْخَنْدَقِ مَنسُوخٌ. وأمّا اَلْجَمْعُ بَيْنَهُما في اَلْوَقْتِ اَلْمُشْتَرِكِ فَهو ثابِتٌ في اَلسُّنَّةِ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ. وبَعْضُها مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ اَلْمُسْلِمُونَ، والآثارُ اَلْمَشْهُورَةُ عَنِ اَلصَّحابَةِ تُبَيِّنُ أنَّ اَلْوَقْتَ اَلْمُشْتَرِكَ وقْتٌ في حالِ اَلْعُذْرِ. كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطّابِ: (اَلْجَمْعُ بَيْنَ (p-٣٩٦٨)اَلصَّلاتَيْنِ، مِن غَيْرِ عُذْرٍ، مِنَ اَلْكَبائِرِ)، فَدَلَّ عَلى أنَّ اَلْجَمْعَ بَيْنَهُما لِلْعُذْرِ جائِزٌ. وقالَ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ ) فِيمَن طَهُرَتْ في آخِرِ اَلنَّهارِ ): إنَّها تُصَلِّي اَلظُّهْرَ والعَصْرَ، ) وفِيمَن طَهُرَتْ آخِرِ اَللَّيْلِ ): إنَّها تُصَلِّي اَلْمَغْرِبَ والعِشاءَ. وهو قَوْلُ اَلثَّلاثَةِ: مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ، وأمّا اَلتَّفْوِيتُ فَلا يَجُوزُ بِحالٍ، فَمَن جَوَّزَ اَلتَّفْوِيتَ في بَعْضِ اَلصُّوَرِ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، وإنْ جَوَّزَ اَلْجَمْعَ. وأمّا مَن أوْجَبَ اَلتَّفْوِيتَ ومَنَعَ اَلْجَمْعَ، فَقَدْ جَمَعَ في قَوْلِهِ بَيْنَ أصْلَيْنِ ضَعِيفَيْنِ: بَيْنَ إباحَةِ ما حَرَّمَهُ اَللَّهُ ورَسُولُهُ، وتَحْرِيمِهِ ما شَرَعَهُ اَللَّهُ ورَسُولُهُ. فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ اَلْجَمْعَ خَيْرٌ مِنَ اَلتَّفْوِيتِ. فَهَذا اَلْأصْلُ يُنَظِّمُ كَثِيرًا مِنَ اَلْمَواقِيتِ. وتَفْوِيتُ اَلْعَصْرِ إلى حِينِ اَلِاصْفِرارِ. وتَفْوِيتُ اَلْعِشاءِ إلى اَلنِّصْفِ اَلثّانِي أيْضًا لا يَجُوزُ إلّا لِضَرُورَةٍ، والجَمْعُ بَيْنَ اَلصَّلاتَيْنِ خَيْرٌ مِنَ اَلصَّلاةِ في هَذا اَلْوَقْتِ، بَلِ اَلصَّلاةُ بِالتَّيَمُّمِ قَبْلَ دُخُولِ وقْتِ اَلضَّرُورَةِ خَيْرٌ مِنَ اَلصَّلاةِ بِالوُضُوءِ في وقْتِ اَلضَّرُورَةِ. وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ اَلْفُقَهاءُ مِن أصْحابِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ. وقالُوا: لا يَجُوزُ تَأْخِيرُها إلى اَلِاصْفِرارِ. بَلْ إذا لَمْ يَجِدِ اَلْماءَ إلّا فِيهِ، فَإنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ قَبْلَ اَلِاصْفِرارِ، ولا يُصَلِّيها حِينَ اَلِاصْفِرارِ بِالوُضُوءِ. اِنْتَهى كَلامُهُ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الإسراء 17:79

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٩] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ . ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ أمْرٌ لَهُ بِصَلاةِ اَللَّيْلِ، إثْرَ أمْرِهِ بِالصَّلَواتِ اَلْخَمْسِ وفي: { مِن } وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تَهَجُّدْ) أيْ: تَهَجَّدْ بِالقُرْآنِ بَعْضَ اَللَّيْلِ. والثّانِي: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ عُطِفَ عَلَيْهِ (فَتَهَجَّدْ) أيْ: قُمْ مِنَ اَللَّيْلِ، أيْ: في بَعْضِهِ فَتَهَجَّدْ بِالقُرْآنِ. والتَّهَجُّدُ تَرْكُ اَلْهُجُودِ وهو اَلنَّوْمُ، و(تَفَعَّلَ) يَأْتِي لِلسَّلْبِ: كَـ (تَأثَّمَ وتَحَرَّجَ) بِمَعْنى تَرَكَ اَلْإثْمَ والحَرَجَ. قالَ اَلْأزْهَرِيُّ: اَلْمَعْرُوفُ في كَلامِ اَلْعَرَبِ أنَّ اَلْهاجِدَ اَلنّائِمُ. وأمّا اَلْمُتَهَجِّدُ فَهو اَلْقائِمُ إلى اَلصَّلاةِ مِنَ اَلنَّوْمِ. وكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: (مُتَهَجِّدٌ) لِإلْقائِهِ اَلْهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ، كَما يُقالُ لِلْعابِدِ (مُتَحَنِّثٌ) لِإلْقائِهِ اَلْحِنْثَ عَنْ نَفْسِهِ. اِنْتَهى. (p-٣٩٦٩)ونُقِلَ عَنِ اِبْنِ فارِسٍ: أنَّ مَعْناهُ: صَلِّ لَيْلًا. وكَذا عَنِ اِبْنِ اَلْأعْرابِيِّ قالَ: هَجَدَ اَلرَّجُلُ وتَهَجَّدَ، إذا صَلّى بِاللَّيْلِ. والمَعْرُوفُ اَلْأوَّلُ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) لِلْقُرْآنِ مِن حَيْثُ هو، لا بِقَيْدِ إضافَتِهِ إلى اَلْفَجْرِ، أوْ لِلْبَعْضِ اَلْمَفْهُومِ مِن (مِن) والباءُ بِمَعْنى (في) أيْ: تَهَجَّدْ في ذَلِكَ اَلْبَعْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ أيْ: عِبادَةً زائِدَةٌ لَكَ عَلى اَلصَّلَواتِ اَلْخَمْسِ. قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وضَعَ (نافِلَةً) مَوْضِعَ ( تَهَجُّدًا) لِأنَّ اَلتَّهَجُّدَ عِبادَةٌ زائِدَةٌ. فَكانَ اَلتَّهَجُّدُ والنّافِلَةُ يَجْمَعُهُما مَعْنًى واحِدٌ. والمَعْنى: أنَّ اَلتَّهَجُّدَ زِيدَ لَكَ عَلى اَلصَّلَواتِ اَلْمَفْرُوضَةِ، فَرِيضَةً عَلَيْكَ خاصَّةً دُونَ غَيْرِكَ؛ لِأنَّهُ تَطَوُّعٌ لَهُمُ. اِنْتَهى. قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: ولَعَلَّهُ هو اَلْوَجْهُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِها عَنْ ذِكْرِ صَلاةِ اَلْفَجْرِ، مَعَ تَقَدُّمِ وقْتِها عَلى وقْتِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ أيْ: يَحْمَدُهُ اَلْقائِمُ فِيهِ وكُلُّ مَن رَآهُ وعَرَفَهُ. وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ اَلْحَمْدَ مِن أنْواعِ اَلْكَراماتِ. والمَشْهُورُ أنَّهُ مَقامُ اَلشَّفاعَةِ اَلْعُظْمى؛ لِلْفَصْلِ بَيْنَ اَلْخَلائِقِ اَلَّذِي يَحْمَدُهُ فِيهِ اَلْأوَّلُونَ والآخِرُونَ. كَما ورَدَتْ بِهِ اَلْأخْبارُ اَلصَّحِيحَةُ. ومَعْنى اَلنَّظْمِ اَلْكَرِيمِ عَلى هَذا: كَما اِنْبَعَثْتَ مِنَ اَلنَّوْمِ اَلَّذِي هو اَلْمَوْتُ اَلْأصْغَرُ، بِالصَّلاةِ والعِبادَةِ، فَسَيَبْعَثُكَ رَبُّكَ مِن بَعْدِ اَلْمَوْتِ اَلْأكْبَرِ، مَقامًا مَحْمُودًا عِنْدَكَ وعِنْدَ جَمِيعِ اَلنّاسِ. وفِيهِ تَهْوِينٌ لِمَشَقَّةِ قِيامِ اَللَّيْلِ. أشارَ لَهُ أبُو اَلسُّعُودِ. تَنْبِيهٌ: قالَ اِبْنُ جَرِيرٍ: ذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ ذَلِكَ اَلْمَقامَ اَلْمَحْمُودَ، اَلَّذِي وعَدَ اَللَّهُ نَبِيَّهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَبْعَثَهُ إيّاهُ، هو أنْ يُجْلِسَهُ مَعَهُ عَلى عَرْشِهِ. رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ. وقَدْ شَنَّعَ اَلْواحِدِيُّ عَلى اَلْقائِلِ بِهِ، مَعَ أنَّهُ رَواهُ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا. وعِبارَتُهُ - عَلى ما نَقَلَها اَلرّازِيُّ -: (p-٣٩٧٠)وهَذا قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ، ونَصُّ اَلْكِتابِ يُنادِي بِفَسادِ هَذا اَلتَّفْسِيرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: اَلْأوَّلُ: أنَّ اَلْبَعْثَ ضِدُّ اَلْإجْلاسِ، يُقالُ: بَعَثْتُ اَلنّازِلَ والقاعِدَ فانْبَعَثَ، ويُقالُ: بَعَثَ اَللَّهُ اَلْمَيِّتَ، أيْ: أقامَهُ مِن قَبْرِهِ. فَتَفْسِيرُ اَلْبَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرٌ لِلضِّدِّ بِالضِّدِّ وهو فاسِدٌ. اَلثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا. والمَقامُ مَوْضِعُ اَلْقِيامِ لا مَوْضِعُ اَلْقُعُودِ. اَلثّالِثُ: لَوْ كانَ تَعالى جالِسًا عَلى اَلْعَرْشِ، بِحَيْثُ يَجْلِسُ عِنْدَهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا. ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ. اَلرّابِعُ: يُقالُ: إنَّ جُلُوسَهُ مَعَ اَللَّهِ عَلى اَلْعَرْشِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ إعْزازٍ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ اَلْجُهّالَ والحَمْقى يَقُولُونَ (في كُلِّ أهْلِ اَلْجَنَّةِ): إنَّهم يَزُورُونَ اَللَّهَ تَعالى وإنَّهم يَجْلِسُونَ مَعَهُ وإنَّهُ تَعالى يَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ اَلَّتِي كانُوا عَلَيْها في اَلدُّنْيا، وإذا كانَتْ هَذِهِ اَلْحالَةُ حاصِلَةً عِنْدَهم لِكُلِّ اَلْمُؤْمِنِينَ، لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِها مَزِيدُ شَرَفٍ ورُتْبَةٍ. اَلْخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ: اَلسُّلْطانُ بَعَثَ فُلانًا، فُهِمَ مِنهُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلى قَوْمٍ لِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِمْ. ولا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ. فَثَبَتَ أنَّ هَذا اَلْقَوْلَ كَلامٌ رَذْلٌ سَقْطٌ، لا يَمِيلُ إلَيْهِ إلّا إنْسانٌ قَلِيلُ اَلْعَقْلِ عَدِيمُ اَلدِّينِ. اِنْتَهى كَلامُ اَلْواحِدِيِّ. ولَيْتَهُ اِطَّلَعَ عَلى ما كَتَبَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ حَتّى يُمْسِكَ مِن جِماحٍ يُراعِهِ، ويُبْصِرَ اَلْأدَبَ مَعَ اَلسَّلَفِ مَعَ اَلْمَخارِجِ اَلْعِلْمِيَّةِ لَهم. وهاكَ ما قالَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ (بَعْدَ ما نَقَلَ عَنْ مُجاهِدٍ قَوْلَهُ اَلْمُتَقَدِّمَ): وأوْلى اَلْقَوْلَيْنِ بِالصَّوابِ، ما صَحَّ بِهِ اَلْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ مَقامُ اَلشَّفاعَةِ - ثُمَّ قالَ -: وهَذا وإنْ كانَ هو اَلصَّحِيحَ في اَلْقَوْلِ، في تَأْوِيلِ اَلْمَقامِ اَلْمَحْمُودِ، لِما ذَكَرْنا مِنَ اَلرِّوايَةِ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ والتّابِعِينَ. فَإنَّ ما قالَهُ مُجاهِدٌ مِن أنَّ اَللَّهَ يُقْعِدُ مُحَمَّدًا صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى عَرْشِهِ، قَوْلٌ غَيْرُ مَدْفُوعٍ صِحَّتُهُ. لا مِن جِهَةِ خَبَرٍ ولا نَظَرٍ. وذَلِكَ لِأنَّهُ لا خَبَرَ (p-٣٩٧١)عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِهِ، ولا عَنِ اَلتّابِعِينَ، بِإحالَةِ ذَلِكَ. فَأمّا مِن جِهَةِ اَلنَّظَرِ فَإنَّ جَمِيعَ مَن يَنْتَحِلُ اَلْإسْلامَ، إنَّما اِخْتَلَفُوا في مَعْنى ذَلِكَ عَلى أوْجُهٍ ثَلاثَةٍ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ: اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بائِنٌ مِن خَلْقِهِ، كانَ قَبْلَ خَلْقِهِ اَلْأشْياءَ، ثُمَّ خَلَقَ اَلْأشْياءَ فَلَمْ يُماسَّها، وهو كَما لَمْ يَزَلْ، غَيْرَ أنَّ اَلْأشْياءَ اَلَّتِي خَلَقَها، إذا لَمْ يَكُنْ هو لَها مُماسًّا، وجَبَ أنْ يَكُونَ لَها مُبايِنًا؛ إذْ لا فِعالٌ لِلْأشْياءِ إلّا وهو مُماسٌّ لِلْأجْسامِ أوْ مُبايِنٌ لَها. قالُوا: فَإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وكانَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فاعِلُ اَلْأشْياءِ، ولَمْ يَجُزْ في قَوْلِهِمْ إنَّهُ يُوصَفُ بِأنَّهُ مُماسٌّ لِلْأشْياءِ، وجَبَ بِزَعْمِهِمْ أنَّهُ لَها مُبايِنٌ. فَعَلى مَذْهَبِ هَؤُلاءِ سَواءٌ أقَعَدَ مُحَمَّدًا صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى عَرْشِهِ أوْ عَلى اَلْأرْضِ (إذْ كانَ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ بَيْنُونَتَهُ مِن عَرْشِهِ وبَيْنُونَتَهُ مِن أرْضِهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، في أنَّهُ بائِنٌ مِنهُما كِلَيْهِما غَيْرُ مُماسٍّ لِواحِدٍ مِنهُما) . وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: كانَ اَللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ قَبْلَ خَلْقِهِ اَلْأشْياءَ لا شَيْءَ يُماسُّهُ ولا شَيْءَ يُبايِنُهُ، ثُمَّ خَلَقَ اَلْأشْياءَ فَأقامَها بِقُدْرَتِهِ، وهو كَما لَمْ يَزَلْ قَبْلَ خَلْقِهِ اَلْأشْياءَ، لا شَيْءَ يُماسُّهُ ولا شَيْءَ يُبايِنُهُ. فَعَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ أيْضًا: سَواءٌ أقْعَدَ مُحَمَّدًا صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى عَرْشِهِ أوْ عَلى أرْضِهِ ) إذْ كانَ سَواءٌ عَلى قَوْلِهِمْ: عَرْشُهُ وأرْضُهُ، في أنَّهُ لا مُماسَّ ولا مُبايِنَ لِهَذا، كَما أنَّهُ لا مُماسَّ ولا مُبايِنَ لِهَذِهِ ) . وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: كانَ اَللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ قَبْلَ خَلْقِهِ اَلْأشْياءَ لا شَيْءَ يُماسُّهُ ولا شَيْءَ يُبايِنُهُ، ثُمَّ أحْدَثَ اَلْأشْياءَ وخَلَقَها، فَخَلَقَ لِنَفْسِهِ عَرْشًا اِسْتَوى عَلَيْهِ جالِسًا وصارَ لَهُ مُماسًّا، كَما أنَّهُ قَدْ كانَ قَبْلَ خَلْقِهِ اَلْأشْياءَ لا شَيْءَ يَرْزُقُهُ رِزْقًا ولا شَيْءَ يَحْرِمُهُ ذَلِكَ. ثُمَّ خَلَقَ اَلْأشْياءَ فَرَزَقَ هَذا وحَرَمَ هَذا وأعْطى هَذا ومَنَعَ هَذا. قالُوا: فَكَذَلِكَ كانَ قَبْلَ خَلْقِهِ اَلْأشْياءَ، لا شَيْءَ يُماسُّهُ ولا يُبايِنُهُ. وخَلَقَ اَلْأشْياءَ فَماسَّ اَلْعَرْشَ بِجُلُوسِهِ عَلَيْهِ دُونَ سائِرِ خَلْقِهِ، فَهو مُماسٌّ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ ومُبايِنٌ ما شاءَ مِنهُ. فَعَلى مَذْهَبِ هَؤُلاءِ أيْضًا سَواءٌ أقْعَدَ مُحَمَّدًا عَلى عَرْشِهِ أوْ أقْعَدَهُ عَلى مِنبَرٍ مِن نُورٍ، إذْ كانَ مِن قَوْلِهِمْ: أنَّ جُلُوسَ اَلرَّبِّ عَلى عَرْشِهِ لَيْسَ بِجُلُوسٍ يَشْغَلُ جَمِيعَ اَلْعَرْشِ، ولا في إقْعادِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُوجِبًا لَهُ صِفَةَ اَلرُّبُوبِيَّةِ، ولا مُخْرِجَهُ مِن صِفَةِ اَلْعُبُودِيَّةِ لِرَبِّهِ. كَما أنَّ مُبايَنَةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما كانَ (p-٣٩٧٢)مُبايِنًا لَهُ مِنَ اَلْأشْياءِ، غَيْرَ مُوجِبَةٍ لَهُ صِفَةَ اَلرُّبُوبِيَّةِ ولا مُخْرِجَتَهُ مِن صِفَةِ اَلْعُبُودِيَّةِ لِرَبِّهِ. مِن أجْلِ أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ مُبايِنٌ لَهُ، كَما أنَّ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مَوْصُوفٌ - عَلى قَوْلِ قائِلِ هَذِهِ اَلْمَقالَةِ بِأنَّهُ مُبايِنٌ لَها. هو مُبايِنٌ لَهُ. قالُوا: فَإذا كانَ مَعْنى (مُبايِنٌ ومُبايِنٌ) لا يُوجِبُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلْخُرُوجَ مِن صِفَةِ اَلْعُبُودِيَّةِ، والدُّخُولَ في مَعْنى اَلرُّبُوبِيَّةِ فَكَذَلِكَ لا يُوجِبُ لَهُ ذَلِكَ قُعُودَهُ عَلى عَرْشِ اَلرَّحْمَنِ. فَقَدْ تَبَيَّنَ إذًا بِما قُلْنا أنَّهُ غَيْرُ مُحالٍ في قَوْلِ أحَدٍ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ اَلْإسْلامَ ما قالَهُ مُجاهِدٌ، مِن أنَّ اَللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى يُقْعِدُ مُحَمَّدًا عَلى عَرْشِهِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَإنّا لا نُنْكِرُ إقْعادَ اَللَّهِ مُحَمَّدًا عَلى عَرْشِهِ، وإنَّما نُنْكِرُ إقْعادَهُ مَعَهُ. (حَدَّثَنِي ) عَبّاسُ بْنُ عَبْدِ اَلْعَظِيمِ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ كَثِيرٍ عَنِ اَلْجَرِيرِيِّ، عَنْ سَيْفٍ اَلسُّدُوسِيِّ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ، عَلى كُرْسِيِّ اَلرَّبِّ، بَيْنَ يَدَيِ اَلرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى. وإنَّما يُنْكِرُ إقْعادَهُ إيّاهُ مَعَهُ. قِيلَ: أفَجائِزٌ عِنْدَكَ أنْ يُقْعِدَهُ عَلَيْهِ لا مَعَهُ ؟ فَإنْ أجازَ ذَلِكَ صارَ إلى اَلْإقْرارِ بِأنَّهُ إمّا مَعَهُ أوْ إلى أنَّهُ يُقْعِدُهُ، واَللَّهُ لِلْعَرْشِ مُبايِنٌ، أوْ لا مُماسٌّ ولا مُبايِنٌ، وبِأيِّ ذَلِكَ قالَ، كانَ مِنهُ دُخُولًا في بَعْضِ ما كانَ يُنْكِرُهُ. وإنْ قالَ: ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ مِنهُ، خُرُوجًا مِن قَوْلِ جَمِيعِ اَلْفِرَقِ اَلَّتِي حَكَيْنا قَوْلَهم، وذَلِكَ فِراقٌ لِقَوْلِ جَمِيعِ مَن يَنْتَحِلُ اَلْإسْلامَ؛ إذْ كانَ لا قَوْلَ في ذَلِكَ إلّا اَلْأقْوالُ اَلثَّلاثَةُ اَلَّتِي حَكَيْناها. وغَيْرُ مُحالٍ في قَوْلٍ مِنها ما قالَ مُجاهِدٌ في ذَلِكَ. اِنْتَهى كَلامُ اِبْنِ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ. وأقُولُ: لَكَ أنْ تُجِيبَ أيْضًا عَنْ إيراداتِ اَلْواحِدِيِّ اَلْخَمْسَةِ، اَلَّتِي أفْسَدَ بِها قَوْلَ مُجاهِدٍ. أمّا جَوابُ إيرادِهِ اَلْأوَّلِ، فَإنَّ مُجاهِدًا لَمْ يُفَسِّرْ مادَّةَ اَلْبَعْثِ وحْدَها بِالإجْلاسِ. وإنَّما فَسَّرَ بَعْثَهُ اَلْمَقامَ اَلْمَحْمُودَ بِما ذَكَرَ. وعَنِ اَلثّانِي: بِأنَّ اَلْمَقامَ هو اَلْمَنزِلَةُ والقُدْرَةُ والرِّفْعَةُ، مَعْرُوفٌ ذَلِكَ في اَللُّغَةِ. وعَنِ اَلثّالِثِ: بِدَفْعِ اَللّازِمِ اَلْمَذْكُورِ؛ لِأنَّهُ كَما اِتُّفِقَ عَلى أنَّ لَهُ ذاتًا لا تُماثِلُها اَلذَّواتُ، فَكَذَلِكَ كُلُّ ما يُوصَفُ بِهِ مِمّا ورَدَ في اَلْكِتابِ والآثارِ فَإنَّهُ لا يُماثِلُ اَلصِّفاتِ، ولا يَجُوزُ قِياسُ اَلْخالِقِ عَلى اَلْمَخْلُوقِ. (p-٣٩٧٣)وعَنِ اَلرّابِعِ: بِأنَّهُ مُكابَرَةٌ؛ إذْ كُلَّ أحَدٍ يَعْرِفُ - في اَلشّاهِدِ - لَوْ أنَّ مَلِكًا اِسْتَدْعى جَماعَةً لِلْحُضُورِ لَدَيْهِ، ورَفَعَ أفْضَلَهم عَلى عَرْشِهِ، أنَّ اَلْمَرْفُوعَ ذُو مَقامٍ يَفُوقُ بِهِ اَلْكُلَّ. وعَنِ اَلْخامِسِ: بِأنَّهُ مِن وادٍ آخَرَ غَيْرَ ما نَحْنُ فِيهِ؛ إذْ لا بَعْثَ لِإصْلاحِ اَلْمُهِمّاتِ في اَلْآخِرَةِ، وإنَّما مَعْنى اَلْآيَةِ: إنَّهُ يَرْفَعُكَ مَقامًا مَحْمُودًا. وذَلِكَ يُصَدِّقُ عَلى ما قالَهُ مُجاهِدٌ وما قالَ اَلْأكْثَرُ. فَتَأمَّلْ وأنْصِفْ. وقَدْ أنْشَدَ اَلْحافِظُ اَلذَّهَبِيُّ في كِتابِهِ " اَلْعُلُوِّ لِلَّهِ اَلْعَظِيمِ " لِلْإمامِ الدّارَقُطْنِيِّ في تَرْجَمَتِهِ، قَوْلُهُ: ؎حَدِيثُ اَلشَّفاعَةِ في أحْمَدَ إلى أحْمَدَ اَلْمُصْطَفى نُسْنِدُهْ ؎وأمّا حَدِيثٌ بِإقْعادِهِ ∗∗∗ عَلى اَلْعَرْشِ أيْضًا فَلا نَجْحَدُهْ ؎أمِرُّوا اَلْحَدِيثَ عَلى وجْهِهِ ∗∗∗ ولا تُدْخِلُوا فِيهِ ما يُفْسِدُهْ وقالَ اَلذَّهَبِيُّ في كِتابِهِ اَلْمُنَوَّهِ بِهِ، في تَرْجَمَةِ (مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ) اَلْعابِدِ شَيْخِ بَغْدادَ ما مِثالُهُ: وقالَ المَرْوَذِيُّ: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اَللَّهِ اَلْخَفّافَ. سَمِعْتُ اِبْنَ مُصْعَبٍ وتَلا: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قالَ: نَعَمْ يُقْعِدُهُ عَلى اَلْعَرْشِ. ذَكَرَ اَلْإمامُ أحْمَدُ، مُحَمَّدَ بْنَ مُصْعَبٍ فَقالَ: قَدْ كَتَبْتُ عَنْهُ. وأيُّ رَجُلٍ هو ؟ ! قالَ اَلذَّهَبِيُّ: فَأمّا قَضِيَّةُ قُعُودِ نَبِيِّنا عَلى اَلْعَرْشِ، فَلَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ نَصٌّ، بَلْ في اَلْبابِ حَدِيثٌ واهٍ. وما فَسَّرَ بِهِ مُجاهِدٌ اَلْآيَةَ، كَما ذَكَرْناهُ. فَقَدْ أنْكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ اَلْكَلامِ. فَقامَ المَرْوَذِيُّ وقَدْ بالَغَ في اَلِانْتِصارِ لِذَلِكَ وجَمَعَ فِيهِ كِتابًا وطُرُقَ قَوْلِ مُجاهِدٍ، مِن رِوايَةِ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ، وعَطاءِ بْنِ اَلسّائِبِ، وأبِي يَحْيى اَلْقَتّاتِ وجابِرِ بْنِ يَزِيدَ. ومِمَّنْ أفْتى في ذَلِكَ اَلْعَصْرِ، بِأنَّ هَذا اَلْأثَرَ يَسْلَمُ ولا يُعارَضُ. أبُو داوُدَ اَلسِّجِسْتانِيُّ صاحِبُ اَلسُّنَنِ وإبْراهِيمُ اَلْحَرْبِيُّ وخَلْقٌ. بِحَيْثُ إنَّ اِبْنَ اَلْإمامِ أحْمَدَ قالَ عُقَيْبَ قَوْلِ مُجاهِدٍ: أنا مُنْكِرٌ عَلى كُلِّ مَن رَدَّ هَذا اَلْحَدِيثَ. وهو عِنْدِي رَجُلُ سَوْءٍ مُتَّهَمٌ. سَمِعْتُهُ مِن جَماعَةٍ. وما رَأيْتُ مُحَدِّثًا يُنْكِرُهُ. وعِنْدَنا إنَّما تُنْكِرُهُ الجَهْمِيَّةُ. وقَدْ حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ (p-٣٩٧٤)قالَ: يُعْقِدُهُ عَلى اَلْعَرْشِ. فَحَدَّثْتُ بِهِ أبِي رَحِمَهُ اَللَّهُ فَقالَ: لَمْ يُقَدَّرْ لِي أنْ أسْمَعَهُ مِنِ اِبْنِ فُضَيْلٍ: بِحَيْثُ إنَّ المَرْوَذِيَّ رَوى حِكايَةً بِنُزُولٍ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَرَفَةَ. وسَمِعْتُ اِبْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: هَذا قَدْ تَلَقَّتْهُ اَلْعُلَماءُ بِالقَبُولِ. وقالَ المَرْوَذِيُّ: قالَ أبُو داوُدَ اَلسِّجِسْتانِيُّ: ثَنا اِبْنُ أبِي صَفْوانَ اَلثَّقَفِيُّ، ثَنا يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، ثَنا سَلْمُ بْنُ جَعْفَرٍ، وكانَ ثِقَةً، ثَنا اَلْجَرِيرِيُّ، ثَنا سَيْفٌ اَلسُّدُوسِيُّ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قالَ: إذا كانَ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ جِيءَ بِنَبِيِّكم صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُرْسِيِّهِ. اَلْحَدِيثَ. وقَدْ رَواهُ اِبْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ. (أعْنِي قَوْلَ مُجاهِدٍ) وكَذَلِكَ أخْرَجَهُ اَلنَّقّاشُ في تَفْسِيرِهِ. وكَذَلِكَ رَدَّ شَيْخُ اَلشّافِعِيَّةِ اِبْنُ سُرَيْجٍ عَلى مَن أنْكَرَهُ. بِحَيْثُ إنَّ اَلْإمامَ أبا بَكْرٍ اَلْخَلّالَ قالَ في كِتابِ (اَلسُّنَّةِ) مِن جَمْعِهِ: أخْبَرَنِي اَلْحَسَنُ بْنُ صالِحٍ اَلْعَطّارُ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلسَّرّاجِ. قالَ: رَأيْتُ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في اَلنَّوْمِ فَقُلْتُ: إنَّ فُلانًا اَلتِّرْمِذِيَّ يَقُولُ: إنَّ اَللَّهَ لا يُقْعِدُكَ مَعَهُ عَلى اَلْعَرْشِ. ونَحْنُ نَقُولُ: بَلْ يُقْعِدُكَ، فَأقْبَلَ عَلَيَّ شِبْهَ اَلْمُغْضَبِ وهو يَقُولُ: بَلى، واَللَّهِ ! بَلى، واَللَّهِ ! يُقْعِدُنِي عَلى اَلْعَرْشِ. فانْتَبَهْتُ. بِحَيْثُ إنَّ اَلْفَقِيهَ أبا بَكْرٍ أحْمَدَ بْنَ سُلَيْمانَ اَلنَّجّادَ اَلْمُحَدِّثَ قالَ (فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ اَلْقاضِي أبُو يَعْلى اَلْفَرّاءُ): لَوْ أنَّ حالِفًا حَلَفَ بِالطَّلاقِ ثَلاثًا؛ إنَّ اَللَّهَ يُقْعِدُ مُحَمَّدًا صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى اَلْعَرْشِ. واسْتَفْتانِي، لَقُلْتُ لَهُ: صَدَقْتَ وبَرَرْتَ. قالَ اَلذَّهَبِيُّ: فَأبْصِرْ، حَفِظَكَ اَللَّهُ مِنَ اَلْهَوى، كَيْفَ آلَ اَلْغُلُوُّ بِهَذا اَلْمُحَدِّثِ إلى وُجُوبِ اَلْأخْذِ بِأثَرٍ مُنْكَرٍ. واليَوْمَ يَرِدُونَ اَلْأحادِيثَ اَلصَّرِيحَةَ في اَلْعُلُوِّ. بَلْ يُحاوِلُ بَعْضُ اَلطُّغّامِ أنْ يَرُدَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] اِنْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٩٧٥)

الإسراء 17:80

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٠-٨١] ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] . ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أيْ: مُدْخَلًا حَسَنًا مُرْضِيًّا بِلا آفَةٍ: ﴿وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَخْرَجًا حَسَنًا مُرْضِيًّا مِن غَيْرِ آفَةِ اَلْمَيْلِ إلى اَلنَّفْسِ، ولا اَلضَّلالِ بَعْدَ اَلْهُدى. و: ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أيْ: عِزًّا ناصِرًا لِلْإسْلامِ عَلى اَلْكُفْرِ، مُظْهِرًا لَهُ عَلَيْهِ. وقَدْ رَأى المَهايِمِيُّ اِرْتِباطَ اَلْآيَةِ بِما قَبْلَها في مَعْناها حَيْثُ قالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ أيْ: في هَذِهِ اَلْعِباداتِ، فَإنَّها لا تُوَصِّلُكَ إلى اَلْمَقامِ اَلْمَحْمُودِ، إلّا إذا صَدَقَ دُخُولُكَ فِيها وخُرُوجُكَ عَنْها، ولا يَتِمُّ إلّا بِإمْدادِ اَللَّهِ بَعْدَ اِسْتِمْدادِكَ مِنهُ. وقَوْلُكَ: ﴿رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أيْ: بِمُشاهَدَتِكَ في هَذِهِ اَلْعِباداتِ، وتَخْلِيَتِي عَنِ اَلرِّياءِ والعُجْبِ، وتَصْفِيَتِي بِإخْلاصِ اَلْعَمَلِ، وإخْلاصِ طَلَبِ اَلْأجْرِ، ورُؤْيَةِ اَلْمِنَّةِ لِلَّهِ، ورُؤْيَةِ اَلتَّقْصِيرِ فِيها: ﴿وأخْرِجْنِي﴾ عَنْها: ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ فَلا تَسْتَعْمِلْنِي فِيما يُحْبِطُها عَلَيَّ، ولا تَرُدَّنِي عَلى نَفْسِي. وإذا غَلَبَنِي اَلشَّيْطانُ أوِ اَلنَّفْسُ أوِ اَلْخَلْقُ، أوْ ورَدَتْ عَلَيَّ شُبْهَةٌ، فاجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ، لا مِن عِنْدِ فِكْرِي: ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً: ﴿نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُنِي عَلى ما ذُكِرَ؛ لِيُبْقِيَ عَلَيَّ عِبادَتِي فَيُوَصِّلُنِي إلى اَلْمَقامِ اَلْمَحْمُودِ. اِنْتَهى. واللَّفْظُ اَلْكَرِيمُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ. ويَظْهَرُ لَنا أنَّهُ إشارَةٌ لِلْهِجْرَةِ كَما سَتَراهُ. ﴿وقُلْ﴾ [الإسراء: ٨١] أيِ: اسْتِبْشارًا بِقُرْبِ اَلظَّفَرِ والنَّصْرِ، وتَرْهِيبًا لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿جاءَ الحَقُّ﴾ [الإسراء: ٨١] وهو اَلْوَعْدُ بِالسُّلْطانِ اَلنَّصِيرِ والإسْلامِ ودَوْلَتِهِ: ﴿وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] أيْ: ذَهَبَ وهَلَكَ. وهو اَلشِّرْكُ وجَوْلَتُهُ: ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] أيْ: مُضْمَحِلًّا غَيْرَ ثابِتٍ في كُلِّ وقْتٍ. (p-٣٩٧٦)تَنْبِيهٌ: سِياقُ هَذِهِ اَلْآياتِ مَعَ سِباقِها أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ [الإسراء: ٧٦] يَدُلُّ عَلى أنَّ نُزُولَها في أوْقاتِ اَلِاهْتِمامِ لِلْهِجْرَةِ إلى اَلْمَدِينَةِ، ومُبارَحَةِ مَكَّةَ، وأنَّهُ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهَ بِأنْ يَبْتَهِلَ إلَيْهِ في تَيْسِيرِ إدْخالِهِ لِمُهاجِرِهِ عَلى ما يُرْضِيهِ، وإخْراجِهِ مِن بَلَدِهِ كَذَلِكَ. وأنْ يَجْعَلَ لَهُ حِمايَةً مِن لَدُنْهُ، تُعِزُّ جانِبَهُ وتَعْصِمُهُ مِمَّنْ يَرُومُهُ بِسُوءٍ. وأُسْلُوبُ اَلتَّنْزِيلِ اَلْعَزِيزِ في مِثْلِ هَذا اَلدُّعاءِ، هو إرادَةُ اَلْخَبَرِ بِحُصُولِ اَلْمَدْعُوِّ، ومَشِيئَةُ اَللَّهِ بِوُقُوعِهِ عَنْ قُرْبٍ. ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] إعْلامًا بِأنَّ اَلْأمْرَ تَمَّ، والفَرَجَ جاءَ، ودُحِرَ اَلْباطِلُ، ورَجَعَ إلى أصْلِهِ، وهو اَلْعَدَمُ. رَوى اَلْحافِظَ أبُو يَعْلى عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قالَ: «دَخَلْنا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ وحَوْلَ اَلْبَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، تُعْبَدُ مِن دُونِ اَللَّهِ. فَأمَرَ بِها رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأُكِبَّتْ عَلى وُجُوهِها. وقالَ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]» . ورَواهُ اَلشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، بِنَحْوِهِ. قالَ في (اَلْإكْلِيلِ): فِيهِ اِسْتِحْبابُ تِلاوَةِ هَذِهِ اَلْآيَةِ عِنْدَ إزالَةِ اَلْمُنْكَرِ.

الإسراء 17:81

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٠-٨١] ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] . ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أيْ: مُدْخَلًا حَسَنًا مُرْضِيًّا بِلا آفَةٍ: ﴿وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَخْرَجًا حَسَنًا مُرْضِيًّا مِن غَيْرِ آفَةِ اَلْمَيْلِ إلى اَلنَّفْسِ، ولا اَلضَّلالِ بَعْدَ اَلْهُدى. و: ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أيْ: عِزًّا ناصِرًا لِلْإسْلامِ عَلى اَلْكُفْرِ، مُظْهِرًا لَهُ عَلَيْهِ. وقَدْ رَأى المَهايِمِيُّ اِرْتِباطَ اَلْآيَةِ بِما قَبْلَها في مَعْناها حَيْثُ قالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ أيْ: في هَذِهِ اَلْعِباداتِ، فَإنَّها لا تُوَصِّلُكَ إلى اَلْمَقامِ اَلْمَحْمُودِ، إلّا إذا صَدَقَ دُخُولُكَ فِيها وخُرُوجُكَ عَنْها، ولا يَتِمُّ إلّا بِإمْدادِ اَللَّهِ بَعْدَ اِسْتِمْدادِكَ مِنهُ. وقَوْلُكَ: ﴿رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أيْ: بِمُشاهَدَتِكَ في هَذِهِ اَلْعِباداتِ، وتَخْلِيَتِي عَنِ اَلرِّياءِ والعُجْبِ، وتَصْفِيَتِي بِإخْلاصِ اَلْعَمَلِ، وإخْلاصِ طَلَبِ اَلْأجْرِ، ورُؤْيَةِ اَلْمِنَّةِ لِلَّهِ، ورُؤْيَةِ اَلتَّقْصِيرِ فِيها: ﴿وأخْرِجْنِي﴾ عَنْها: ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ فَلا تَسْتَعْمِلْنِي فِيما يُحْبِطُها عَلَيَّ، ولا تَرُدَّنِي عَلى نَفْسِي. وإذا غَلَبَنِي اَلشَّيْطانُ أوِ اَلنَّفْسُ أوِ اَلْخَلْقُ، أوْ ورَدَتْ عَلَيَّ شُبْهَةٌ، فاجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ، لا مِن عِنْدِ فِكْرِي: ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً: ﴿نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُنِي عَلى ما ذُكِرَ؛ لِيُبْقِيَ عَلَيَّ عِبادَتِي فَيُوَصِّلُنِي إلى اَلْمَقامِ اَلْمَحْمُودِ. اِنْتَهى. واللَّفْظُ اَلْكَرِيمُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ. ويَظْهَرُ لَنا أنَّهُ إشارَةٌ لِلْهِجْرَةِ كَما سَتَراهُ. ﴿وقُلْ﴾ [الإسراء: ٨١] أيِ: اسْتِبْشارًا بِقُرْبِ اَلظَّفَرِ والنَّصْرِ، وتَرْهِيبًا لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿جاءَ الحَقُّ﴾ [الإسراء: ٨١] وهو اَلْوَعْدُ بِالسُّلْطانِ اَلنَّصِيرِ والإسْلامِ ودَوْلَتِهِ: ﴿وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] أيْ: ذَهَبَ وهَلَكَ. وهو اَلشِّرْكُ وجَوْلَتُهُ: ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] أيْ: مُضْمَحِلًّا غَيْرَ ثابِتٍ في كُلِّ وقْتٍ. (p-٣٩٧٦)تَنْبِيهٌ: سِياقُ هَذِهِ اَلْآياتِ مَعَ سِباقِها أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ [الإسراء: ٧٦] يَدُلُّ عَلى أنَّ نُزُولَها في أوْقاتِ اَلِاهْتِمامِ لِلْهِجْرَةِ إلى اَلْمَدِينَةِ، ومُبارَحَةِ مَكَّةَ، وأنَّهُ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهَ بِأنْ يَبْتَهِلَ إلَيْهِ في تَيْسِيرِ إدْخالِهِ لِمُهاجِرِهِ عَلى ما يُرْضِيهِ، وإخْراجِهِ مِن بَلَدِهِ كَذَلِكَ. وأنْ يَجْعَلَ لَهُ حِمايَةً مِن لَدُنْهُ، تُعِزُّ جانِبَهُ وتَعْصِمُهُ مِمَّنْ يَرُومُهُ بِسُوءٍ. وأُسْلُوبُ اَلتَّنْزِيلِ اَلْعَزِيزِ في مِثْلِ هَذا اَلدُّعاءِ، هو إرادَةُ اَلْخَبَرِ بِحُصُولِ اَلْمَدْعُوِّ، ومَشِيئَةُ اَللَّهِ بِوُقُوعِهِ عَنْ قُرْبٍ. ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] إعْلامًا بِأنَّ اَلْأمْرَ تَمَّ، والفَرَجَ جاءَ، ودُحِرَ اَلْباطِلُ، ورَجَعَ إلى أصْلِهِ، وهو اَلْعَدَمُ. رَوى اَلْحافِظَ أبُو يَعْلى عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قالَ: «دَخَلْنا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ وحَوْلَ اَلْبَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، تُعْبَدُ مِن دُونِ اَللَّهِ. فَأمَرَ بِها رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأُكِبَّتْ عَلى وُجُوهِها. وقالَ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]» . ورَواهُ اَلشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، بِنَحْوِهِ. قالَ في (اَلْإكْلِيلِ): فِيهِ اِسْتِحْبابُ تِلاوَةِ هَذِهِ اَلْآيَةِ عِنْدَ إزالَةِ اَلْمُنْكَرِ.

الإسراء 17:82

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى خَسارَ اَلْمُشْرِكِينَ، بِإعْراضِهِمْ عَمّا يَشْفِي أمْراضَهُمُ اَلْمَعْنَوِيَّةَ، وهو اَلْقُرْآنُ اَلْكَرِيمُ ونَجاحُ اَلْمُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِشْفاءِ بِهُداهُ ورَحْمَتِهِ، بِقَوْلِهِ: اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٢] ﴿ونُنَـزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ . ﴿ونُنَـزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ أيْ: ونُنَزِّلُ عَلَيْكَ مِنَ اَلْقُرْآنِ ما يُسْتَشْفى بِهِ مِنَ اَلْجَهْلِ والضَّلالَةِ. ورَحْمَةٌ بِبَيانِ اَلْحَقائِقِ وإقامَةِ اَلْبَراهِينِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ، دُونَ اَلْكافِرِينَ؛ لِأنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ يَعْمَلُونَ بِما فِيهِ مِن فَرائِضِ اَللَّهِ (p-٣٩٧٧)وشَرائِعِهِ. فَيُدْخِلُهُمُ اَلْجَنَّةَ ويُنْجِيهِمْ مِنَ اَلْعَذابِ. فَهو لَهم رَحْمَةٌ ونِعْمَةٌ. ولا يَزِيدُ اَلظّالِمِينَ، بِكُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ، إلّا خَسارًا. أيْ: إهْلاكًا؛ لِأنَّهم كُلَّما جاءَهم أمْرٌ مِنَ اَللَّهِ أوْ نَهْيٌ، كَفَرُوا بِهِ، فَزادَهم خَسارًا إلى ما كانُوا فِيهِ قَبْلُ، ورِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ. قالَ اَلشِّهابُ: (اَلشِّفاءُ): اِسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أوْ تَخْيِيلِيَّةٌ. بِتَشْبِيهِ اَلْكُفْرِ بِالمَرَضِ. و(مِن) بَيانِيَّةٌ، قُدِّمَتْ عَلى اَلْمُبَيَّنِ وهو (ما) اِعْتِناءً. تَنْبِيهٌ: ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ اَلْقُرْآنَ مِمّا يُسْتَشْفى بِهِ مِنَ اَلْأمْراضِ اَلْحِسِّيَّةِ لِهَذِهِ اَلْآيَةِ. بِحَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿شِفاءٌ﴾ عَلى مَعْنَيَيْنِ مِن بابِ عُمُومِ اَلْمَجازِ. أوْ حَمْلِ اَلْمُشْتَرِكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ، ومِمَّنْ قَرَّرَ ذَلِكَ اَلرّازِيُّ. وعِبارَتُهُ: اِعْلَمْ أنَّ اَلْقُرْآنَ شِفاءٌ مِنَ اَلْأمْراضِ اَلرُّوحانِيَّةِ. وشِفاءٌ أيْضًا مِنَ اَلْأمْراضِ اَلْجُسْمانِيَّةِ. أمّا كَوْنُهُ شِفاءً مِنَ اَلْأمْراضِ اَلرُّوحانِيَّةِ فَظاهِرٌ. وذَلِكَ لِأنَّ اَلْأمْراضَ اَلرُّوحانِيَّةَ نَوْعانِ: اَلِاعْتِقاداتُ اَلْباطِلَةُ، والأخْلاقُ اَلْمَذْمُومَةُ. أمّا اَلِاعْتِقاداتُ اَلْباطِلَةُ، فَأشُدُّها فَسادُ اَلِاعْتِقاداتِ في اَلْإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ والقَضاءِ والقَدَرِ. والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى دَلائِلِ اَلْمَذْهَبِ اَلْحَقِّ في هَذِهِ اَلْمَطالِبِ، وإبْطالِ اَلْمَذاهِبِ اَلْباطِلَةِ فِيها. لا جَرَمَ كانَ شِفاءٌ مِن هَذا اَلنَّوْعِ مِنَ اَلْمَرَضِ اَلرُّوحانِيِّ. وأمّا اَلْأخْلاقُ اَلْمَذْمُومَةُ، فالقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى تَفْصِيلِها وتَعْرِيفِ ما فِيها مِنَ اَلْمَفاسِدِ، والإرْشادِ إلى اَلْأخْلاقِ اَلْفاضِلَةِ اَلْكامِلَةِ، والأعْمالِ اَلْمَحْمُودَةِ. فَكانَ اَلْقُرْآنُ شِفاءً مِن هَذا اَلنَّوْعِ مِنَ اَلْمَرَضِ. فَثَبَتَ أنَّ اَلْقُرْآنَ شِفاءٌ مِن جَمِيعِ اَلْأمْراضِ اَلرُّوحانِيَّةِ. وأمّا كَوْنُهُ شِفاءً مِنَ اَلْأمْراضِ اَلْجُسْمانِيَّةِ، فَلِأنَّ اَلتَّبَرُّكَ بِقِراءَتِهِ يَدْفَعُ كَثِيرًا مِنَ اَلْأمْراضِ. ولَمّا اِعْتَرَفَ اَلْجُمْهُورُ مِنَ اَلْفَلاسِفَةِ وأصْحابِ اَلطَّلَسْماتِ بِأنَّهُ لِقِراءَةِ اَلرُّقى اَلْمَجْهُولَةِ والعَزائِمِ اَلَّتِي لا يُفْهَمُ مِنها شَيْءٌ آثارًا عَظِيمَةً في تَحْصِيلِ اَلْمَنافِعِ ودَفْعِ اَلْمَفاسِدِ؛ فَلِأنْ تَكُونَ قِراءَةُ هَذا اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ، اَلْمُشْتَمِلِ عَلى ذِكْرِ جَلالِ اَللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، وتَعْظِيمِ اَلْمَلائِكَةِ اَلْمُقَرَّبِينَ، وتَحْقِيرِ اَلْمَرَدَةِ والشَّياطِينِ سَبَبًا لِحُصُولِ اَلنَّفْعِ في اَلدِّينِ والدُّنْيا كانَ أوْلى. ويَتَأكَّدُ ما (p-٣٩٧٨)ذَكَرْنا بِحَدِيثِ: ««مَن لَمْ يَسْتَشْفِ بِالقُرْآنِ فَلا شَفاهُ اَللَّهُ تَعالى»» . وأمّا كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فاعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ اَلْأرْواحَ اَلْبَشَرِيَّةَ مَرَضِيَّةٌ بِسَبَبِ اَلْعَقائِدِ اَلْباطِلَةِ والأخْلاقِ اَلْفاسِدَةِ. والقُرْآنُ مِنهُ ما يُفِيدُ اَلْخَلاصَ مِن شُبَهاتِ اَلضّالِّينَ وتَمْوِيهاتِ اَلْمُبْطِلِينَ، وهو اَلشِّفاءُ. ومِنهُ ما يُفِيدُ تَعْلِيمَ كَيْفِيَّةِ اِكْتِسابِ اَلْعُلُومِ اَلْعالِيَةِ والأخْلاقِ اَلْفاضِلَةِ، اَلَّتِي بِها يَصِلُ اَلْإنْسانُ إلى جِوارِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ، والِاخْتِلاطِ بِزُمْرَةِ اَلْمَلائِكَةِ اَلْمُقَرَّبِينَ، وهو اَلرَّحْمَةُ. ولَمّا كانَتْ إزالَةُ اَلْمَرَضِ مُقَدَّمَةً عَلى اَلسَّعْيِ في تَكْمِيلِ مُوجِباتِ اَلصِّحَّةِ، لا جَرَمَ بَدَأ اَللَّهُ تَعالى، في هَذِهِ اَلْآيَةِ، بِذِكْرِ اَلشِّفاءِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ اَلرَّحْمَةِ، اِنْتَهى. وقالَ اَلْإمامُ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في " زادِ اَلْمَعادِ " في بَحْثِ اَلْأدْوِيَةِ والأغْذِيَةِ اَلْمُفْرَدَةِ، اَلَّتِي جاءَتْ عَلى لِسانِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَرْفِ اَلْقافِ (قُرْآنٌ): قالَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿ونُنَـزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ والصَّحِيحُ أنَّ ( مِن) ها هُنا لِبَيانِ اَلْجِنْسِ، لا لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] فالقُرْآنُ هو اَلشِّفاءُ اَلتّامُّ مِن جَمِيعِ اَلْأدْواءِ اَلْقَلْبِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ وأدْواءِ اَلدُّنْيا والآخِرَةِ. وما كُلُّ أحَدٍ يُؤَهَّلُ ولا يُوَفَّقُ لِلِاسْتِشْفاءِ بِهِ. وإذا أحْسَنَ اَلْعَلِيلُ اَلتَّداوِيَ بِهِ، ووَضَعَهُ عَلى دائِهِ بِصِدْقٍ وإيمانٍ وقَبُولٍ تامٍّ، واعْتِقادٍ جازِمٍ، واسْتِيفاءِ شُرُوطِهِ؛ لَمْ يُقاوِمْهُ اَلدّاءُ أبَدًا. وكَيْفَ تُقاوِمُ اَلْأدْواءُ كَلامَ رَبِّ اَلْأرْضِ والسَّماءِ، اَلَّذِي لَوْ أُنْزِلَ عَلى اَلْجِبالِ لَصَدَعَها، أوْ عَلى اَلْأرْضِ لَقَطَعَها ؟ ! فَما مِن مَرَضٍ مِن أمْراضِ اَلْقُلُوبِ والأبْدانِ إلّا وفي اَلْقُرْآنِ سَبِيلٌ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوائِهِ وسَبَبِهِ والحَمِيَّةِ مِنهُ، لِمَن رَزَقَهُ اَللَّهُ فَهْمًا في كِتابِهِ. فَمَن لَمْ يَشْفِهِ اَلْقُرْآنُ فَلا شَفاهُ اَللَّهُ. ومَن لَمْ يَكْفِهِ فَلا كَفاهُ اَللَّهُ. ثُمَّ قالَ في (حَرْفِ اَلْكافِ): ورَخَّصَ جَماعَةٌ مِنَ اَلسَّلَفِ في كِتابَةِ بَعْضِ اَلْقُرْآنِ وشُرْبِهِ، وجُعِلَ ذَلِكَ مِنَ اَلشِّفاءِ اَلَّذِي جَعَلَ اَللَّهُ فِيهِ. ثُمَّ ذَكَرَ ما كانَ يَكْتُبُهُ شَيْخُ اَلْإسْلامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ لِلرُّعافِ. فانْظُرْهُ. (p-٣٩٧٩)وذُكِرَ قَبْلُ في فاتِحَةِ اَلْكِتابِ، مِن سِرِّ كَوْنِها شِفاءً، حَقائِقُ بَدِيعَةٌ. وكَذا في بَحْثِ اَلرَّقْيِ. وذُكِرَ أيْضًا أنَّ مِنَ اَلْأدْوِيَةِ اَلَّتِي تَشْفِي مِنَ اَلْأمْراضِ، ما لَمْ يَهْتَدِ إلَيْها عُقُولُ أكابِرِ اَلْأطِبّاءِ، ولَمْ تَصِلْ إلَيْها عُلُومُهم وتَجارِبُهم وأقْيِسَتُهم، مِنَ اَلْأدْوِيَةِ اَلْقَلْبِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ وقُوَّةِ اَلْقَلْبِ واعْتِمادِهِ عَلى اَللَّهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ، والِانْطِراحِ والِانْكِسارِ بَيْنَ يَدَيْهِ، والتَّذَلُّلِ لَهُ والصَّدَقَةِ والصَّلاةِ والدُّعاءِ والتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، والإحْسانِ إلى اَلْخَلْقِ وإغاثَةِ اَلْمَلْهُوفِ والتَّفْرِيجِ عَنِ اَلْمَكْرُوبِ. فَإنَّ هَذِهِ اَلْأدْوِيَةَ قَدْ جَرَّبَتْها اَلْأُمَمُ عَلى اِخْتِلافِ أدْيانِها ومِلَلِها. فَوَجَدُوا لَها مِنَ اَلتَّأْثِيرِ في اَلشِّفاءِ ما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ عِلْمُ أعْلَمِ اَلْأطِبّاءِ، ولا تَجْرِبَتُهُ ولا قِياسُهُ. وقَدْ جَرَّبْنا نَحْنُ وغَيْرُنا مِن هَذا أُمُورًا كَثِيرَةً. ورَأيْناها تَفْعَلُ ما لا تَفْعَلُ اَلْأدْوِيَةُ اَلْحِسِّيَّةُ. وهَذا جارٍ عَلى قانُونِ اَلْحِكْمَةِ اَلْإلَهِيَّةِ، لَيْسَ خارِجًا عَنْها. ولَكِنَّ اَلْأسْبابَ مُتَنَوِّعَةٌ، فَإنَّ اَلْقَلْبَ مَتى اِتَّصَلَ بِرَبِّ اَلْعالَمِينَ، وخالِقِ اَلدّاءِ والدَّواءِ، ومُدَبِّرِ اَلطَّبِيعَةِ ومُصَرِّفِها عَلى ما يَشاءُ، كانَتْ لَهُ أدْوِيَةٌ أُخْرى غَيْرَ اَلْأدْوِيَةِ اَلَّتِي يُعانِيها اَلْقَلْبُ اَلْبَعِيدُ مِنهُ، اَلْمُعْرِضُ عَنْهُ. وقَدْ عُلِمَ أنَّ اَلْأرْواحَ مَتى قَوِيَتْ وقَوِيَتِ اَلنَّفْسُ والطَّبِيعَةُ؛ تَعاوَنا عَلى دَفْعِ اَلدّاءِ وقَهْرِهِ. فَكَيْفَ يُنْكَرُ لِمَن قَوِيَتْ طَبِيعَتُهُ ونَفْسُهُ، وفَرِحَتْ بِقُرْبِها مِن بارِئِها وأُنْسِها بِهِ وحُبِّها لَهُ وتَنَعُّمِها بِذِكْرِهِ، وانْصِرافِ قُواها كُلِّها إلَيْهِ، وجَمْعِها عَلَيْهِ، واسْتِعانَتِها بِهِ، وتَوَكُّلِها عَلَيْهِ؛ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَها مَن أكْبَرِ اَلْأدْوِيَةِ، ويُوجِبُ لَها هَذِهِ اَلْقُوَّةُ دَفْعَ اَلْألَمِ بِالكُلِّيَّةِ ؟ ! ولا يُنْكِرُ هَذا إلّا أجْهَلُ اَلنّاسِ وأعْظَمُهم حِجابًا، وأكْثَفُهم نَفْسًا، وأبْعَدُهم عَنِ اَللَّهِ وعَنْ حَقِيقَةِ اَلْإنْسانِيَّةِ. وقَدْ أسْهَبَ، عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ، أيْضًا في كِتابِ " إغاثَةِ اَللَّهْفانِ " في بَيانِ تَضَمُّنِ اَلْقُرْآنِ لِأدْوِيَةِ اَلْقَلْبِ وعِلاجِهِ مِن جَمِيعِ أمْراضِهِ، بِما تَنْبَغِي مُراجَعَتُهُ؛ لِيَزْدادَ اَلْمُرِيدُ عِلْمًا. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٩٨٠)

الإسراء 17:83

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٣] ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ . ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ إشارَةٌ إلى اَلسَّبَبِ في وُقُوعِ هَؤُلاءِ اَلضّالِّينَ في أوْدِيَةِ اَلضَّلالِ. وهو حُبُّ اَلدُّنْيا وإيثارُها عَلى اَلْأُخْرى، وكُفْرانُ نِعَمِهِ تَعالى، بِالإعْراضِ عَنْ شُكْرِها، والجَزَعِ واليَأْسِ مِنَ اَلْفَرَجِ عِنْدَ مَسِّ شَرٍّ قَضى عَلَيْهِ. وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُنافِي عَقْدَ اَلْإيمانِ. فَإنَّ اَلْمُؤْمِنَ يَنْظُرُ بِعَيْنِ اَلْبَصِيرَةِ، ويُشاهِدُ قُدْرَةَ اَللَّهِ تَعالى في كِلْتا اَلْحالَتَيْنِ. ويَتَيَقَّنُ في اَلْحالَةِ اَلْأُولى؛ أنَّ اَلشُّكْرَ رِباطُ اَلنِّعَمِ. وفي اَلثّانِيَةِ أنَّ اَلصَّبْرَ دِفاعُ اَلنِّقَمِ. فَيَشْكُرُ ويَصْبِرُ. ويَعْلَمُ أنَّ اَلْمُنْعِمَ يَقْدِرُ، فَلَمْ يَعْرِضْ عِنْدَ اَلنِّعْمَةِ بَطَرًا وأشِرًا. ولَمْ يَغْفُلْ عَنِ اَلْمُنْعِمِ ولَمْ يَجْزَعْ عِنْدَ اَلنِّقْمَةِ جَزَعًا وضَجَرًا. فالآيَةُ وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِهِ مِمَّنْ هو عَلى هَذِهِ اَلصِّفَةِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَـزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: ٩] ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ١١] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْإعْراضِ؛ لِأنَّ اَلْإعْراضَ عَنِ اَلشَّيْءِ أنْ يُوَلِّيَهُ عَرْضَ وجْهِهِ. والنَّأْيُ بِالجانِبِ: أنْ يَلْوِيَ عَنْهُ عِطْفُهُ ويُوَلِّيَهُ ظَهْرُهُ. أوْ أرادَ اَلِاسْتِكْبارَ، لِأنَّ ذَلِكَ مِن عادَةِ اَلْمُسْتَكْبِرِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٩٨١)

الإسراء 17:84

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٤] ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا﴾ . ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ أيْ: عَلى مَذْهَبِهِ وطَرِيقَتِهِ وخَلِيقَتِهِ ومَلَكَتِهِ اَلْغالِبَةِ عَلَيْهِ، اَلْحاصِلَةِ لَهُ مِنِ اِسْتِعْدادِ حَقِيقَتِهِ، اَلَّتِي تُشاكِلُ حالَهُ في اَلْهُدى والضَّلالَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: ( طَرِيقٌ ذُو شَواكِلَ) وهي اَلطُّرُقُ اَلَّتِي تَتَشَعَّبُ مِنهُ لِتَشاكُلِها. أيْ: تَشابُهِها في اَلشَّكْلِ. فَسُمِّيَتْ عادَةُ اَلْمَرْءِ بِها، لِأنَّها تُشاكِلُ حالَهُ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا﴾ أيْ: أسَدُّ مَذْهَبًا وطَرِيقَةً، مِنَ اَلْعامِلَيْنِ: عامِلُ اَلْخَيْرِ بِمُقْتَضى سَجِيَّةِ اَلْقَلْبِ اَلْفاضِلَةِ، وعامِلُ اَلشَّرِّ بِمُقْتَضى طَبِيعَةِ اَلنَّفْسِ، فَيُجازِيهِما بِحَسْبِ أعْمالِهِما. وقَوْلُهُ تَعالى:

الإسراء 17:85

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٥] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ . ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيِ: اَلَّذِي يَحْيا بِهِ بَدَنُ اَلْإنْسانِ ويُدَبِّرُهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ أيْ: لَيْسَ مِن عالَمِ اَلْخَلْقِ حَتّى يُمْكِنَ تَعْرِيفُهُ لِلظّاهِرِيِّينَ البَدَنِيِّينَ، اَلَّذِينَ يَتَجاوَزُ إدْراكُهُمُ اَلْحِسُّ والمَحْسُوسُ، بِالتَّشْبِيهِ بِبَعْضِ ما شَعَرُوا بِهِ، والتَّوْصِيفِ. بَلْ مِن عالَمِ اَلْأمْرِ، أيِ: اَلْإبْداعِ اَلَّذِي هو عالَمُ اَلذَّواتِ اَلْمُجَرَّدَةِ عَنِ اَلْهُيُولى، والجَواهِرِ اَلْمُقَدَّسَةِ عَنِ اَلشَّكْلِ واللَّوْنِ والجِهَةِ والأيْنِ، فَلا يُمْكِنُكم إدْراكُهُ أيُّها اَلْمَحْجُوبُونَ بِالكَوْنِ؛ لِقُصُورِ إدْراكِكم وعِلْمِكم عَنْهُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ هو عِلْمُ اَلْمَحْسُوساتِ. وذَلِكَ شَيْءٌ نَزْرٌ حَقِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اَللَّهِ والرّاسِخِينَ في اَلْعِلْمِ. - هَذا ما قالَهُ القاشانِيُّ - وحاصِلُ اَلْجَوابِ عَلَيْهِ: أنَّ اَلرُّوحَ مَوْجُودٌ مُحْدَثٌ بِأمْرِهِ تَعالى بِلا مادَّةٍ، وتُولَدُ مِن أصْلٍ كَأعْضاءِ اَلْجَسَدِ، (p-٣٩٨٢)حَتّى يُمْكِنَ تَعْرِيفُهُ بِبَعْضِ مَبادِئِهِ، بَلْ هو مِن عالَمِ اَلْأمْرِ لا مِن عالَمِ اَلْخَلْقِ. فَيَكُونُ اَلِاقْتِصارُ في اَلْجَوابِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ كَمّا اِقْتَصَرَ مُوسى في جَوابِ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] عَلى قَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشعراء: ٢٤] إعْلامًا بِأنَّ إدْراكَهُ بِالكُنْهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، لا يَعْلَمُهُ إلّا اَللَّهُ تَعالى. وأنَّهُ شَيْءٌ بِمُفارَقَتِهِ يَمُوتُ اَلْإنْسانُ، وبِمُلازَمَتِهِ لَهُ يَبْقى. كَما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ أيْ: عِلْمًا قَلِيلًا تَسْتَعِيدُونَهُ مِن طُرُقِ اَلْحَواسِّ. وهو هَذا اَلْقَدْرُ اَلْإجْمالِيُّ. قالَ اَلشِّهابُ: والسُّؤالُ - عَلى هَذا - عَنْ حَقِيقَتِها. والجَوابُ إجْمالِيٌّ بِأنَّها مِنَ اَلْمُبْدِعاتِ مِن غَيْرِ مادَّةٍ. ولِذا قِيلَ: إنَّهُ مِنَ اَلْأُسْلُوبِ اَلْحَكِيمِ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] إشارَةً إلى أنَّ حَقِيقَتَها لا تُعْلَمُ، وإنَّما يُعْلَمُ مِنها هَذا اَلْمِقْدارُ. فالمُرادُ بِـ (اَلْأمْرِ) عَلى هَذا اَلتَّفْسِيرِ )(قَوْلُ كُنْ ) ولِذا قالُوا لِمَثَلِهِ: عالِمُ اَلْأمْرِ. اِنْتَهى. قالَ أبُو اَلسُّعُودِ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ: ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فَإنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ سُرْعَةِ اَلتَّكْوِينِ. سَواءٌ كانَ اَلْكائِنُ مِن عالَمِ اَلْأمْرِ أوْ مِن عالَمِ اَلْخَلْقِ. بَلْ إنَّهُ مِنَ الإبْداعِيّاتِ اَلْكائِنَةِ بِمَحْضِ اَلْأمْرِ اَلتَّكْوِينِيِّ مِن غَيْرِ تَحَصُّلٍ مِن مادَّةٍ. وحَكى عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ، قَوْلًا آخَرَ وهو: أنَّ اَلْأمْرَ بِمَعْنى اَلشَّأْنِ. قالَ: والإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ اَلْعِلْمِيِّ لا اَلْإيجادِيِّ، لِاشْتِراكِ اَلْكُلِّ فِيهِ. وفِيها مِن تَشْرِيفِ اَلْمُضافِ ما لا يَخْفى. كَما في اَلْإضافَةِ اَلثّانِيَةِ مِن تَشْرِيفِ اَلْمُضافِ إلَيْهِ. أيْ: هو مِن جِنْسِ ما اِسْتَأْثَرَ اَللَّهُ بِعِلْمِهِ مِنَ اَلْأسْرارِ اَلْخَفِيَّةِ اَلَّتِي لا يَكادُ يَحُومُ حَوْلَها عُقُولُ اَلْبَشَرِ. وعَلَيْهِ، فَـ (مِن) بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. ويَكُونُ نَهْيًا لَهم عَنِ اَلسُّؤالِ عَنْها، وتَرْكًا لِلْبَيانِ. وهَذا رَأْيُ كَثِيرِينَ، أمْسَكُوا عَنِ اَلْخَوْضِ فِيها، وقالُوا: إنَّها شَيْءٌ اِسْتَأْثَرَ اَللَّهُ بِعِلْمِهِ ولَمْ يُطْلِعْ أحَدًا (p-٣٩٨٣)مِن خَلْقِهِ، فَلا يَجُوزُ اَلْبَحْثُ عَنْها بِأكْثَرَ مِن أنَّها شَيْءٌ مَوْجُودٌ، بَلْ غَلا بَعْضُهم وقالَ: إنَّ اَلْإفاضَةَ في بَحْثِ اَلرُّوحِ بِدْعَةٌ في اَلدِّينِ. إذا لَمْ يُبَيِّنْهُ اَللَّهُ لِرَسُولِهِ بِأكْثَرَ مِمّا في اَلْآيَةِ. فالِاشْتِغالُ بِالتَّفْتِيشِ عَنْهُ غُلُوٌّ فِيما لَمْ يَرِدْ بِهِ قُرْآنٌ ولَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ بُرْهانٌ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو عِنادٌ. وأجابَ اَلْخائِضُونَ في بَحْثِها، بِأنَّ اَلْآيَةَ لا يَدُلُّ مَعْناها عَلى ذِكْرِ دَلالَةٍ قَطْعِيَّةٍ، ولا دَلالَةَ فِيها عَلى اَلْمَنعِ مِنَ اَلْخَوْضِ فِيها، ولا عَلى أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُها. وغايَةُ اَلْأمْرِ أنَّهُ أمَرَ بِتَرْكِ اَلْجَوابِ عَنْها تَفْصِيلًا. إمّا لِأنَّ اَلْإمْساكَ عَنْ ذَلِكَ كانَ عِنْدَ اَلْيَهُودِ اَلسّائِلِينَ عَنْها، مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِأنَّ سُؤالَهم كانَ تَعَنُّتًا. فَإنَّها تُطْلَقُ عَلى مَعانٍ: مِنها اَلرّاحَةُ وبَرْدُ اَلنَّسِيمِ وعَلى جِبْرِيلَ والقُرْآنِ وعِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ والحَياةِ والقَلْبِ والرَّحْمَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. فَأضْمَرُوا عَلى أنَّهُ إذا أجابَ بِأحَدِ هَذِهِ اَلْأُمُورِ، قالُوا: لَمْ نُرِدْهُ، وإنَّما أرَدْنا كَذا. ثُمَّ اَلْأقاوِيلُ فِيها مِنَ اَلْحُكَماءِ والعُلَماءِ اَلْأقْدَمِينَ مُخْتَلِفَةٌ. ولا يَتِمُّ اَلْجَوابُ في مَحَلِّ اَلْخِلافِ. فَأتى بِالجَوابِ مُجْمَلًا عَلى وجْهٍ يُصَدَّقُ عَلى كُلٍّ مِن ذَلِكَ مَرْمُوزًا، لِيَعْلَمَهُ اَلْعُلَماءُ بِاَللَّهِ. واقْتَضَتِ اَلْمَصْلَحَةُ اَلْعامَّةُ مَنعَ اَلْكَلامِ فِيهِ لِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ اَلْأفْهامَ لا تَحْتَمِلُهُ. خُصُوصًا عَلى طَرِيقَةِ اَلْحُكَماءِ؛ إذْ مَن غَلَبَ عَلى طَبْعِهِ اَلْجُمُودُ لا يَقْبَلُهُ ولا يُصَدِّقُ بِهِ في صِفَةِ اَلْبارِيِّ. فَكَيْفَ يُصَدِّقُ بِهِ في حَقِّ اَلرُّوحِ اَلْإنْسانِيِّ. بَلْ قالَ بَعْضُ اَلْمُدَقِّقِينَ: إنَّ في اَلْآيَةِ والجَوابِ بِبَيانِ حَقِيقَتِها، وأنَّها مِن إبْداعاتِهِ اَلْكائِنَةِ بِتَكْوِينِهِ، مِن غَيْرِ سَبْقِ مادَّةٍ- وهو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا - وفي اَلْجَوابِ بِذَلِكَ ما فِيهِ اَلْكِفايَةُ لِذَوِي اَلْبَصائِرِ والدِّرايَةِ. ومُقْنِعٌ لِمَن كانَ لَهُ في اَلنِّزاعِ إذا فُصِّلَ مَطْمَعٌ. وقَدِ اِسْتَحْسَنَ بَعْضُهم هَذا اَلْجَوابَ وقالَ مُذَيِّلًا لَهُ: فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ عَلى أنَّ اَلسُّؤالَ عَنْ حَقِيقَتِها مُطابِقًا، إلّا أنَّهُ إجْمالِيٌّ. أيْ: مِنَ اَلْمُمْكِناتِ اَلَّتِي يُمْكِنُ اَلْوُقُوفُ عَلى حَقائِقِها، وإنْ كانَ بِإعْمالِ رَوِيَّةٍ وإيقاظِ فِكْرٍ كَباقِي عالَمِ اَلْأمْرِ. وعَلى أنَّ اَلسُّؤالَ عَنْ قِدَمِها وحُدُوثِها كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ تَفْصِيلِيٌّ. وأيًّا ما كانَ، فَلَمْ يَتْرُكْ (p-٣٩٨٤)بَيانَها، ولَوْ كانَتْ مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ لَقِيلَ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] كَما قِيلَ في اَلسّاعَةِ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنِ اَلسَّبِيلُ لِمَعْرِفَتِهِ، ولَوْ بِوَجْهٍ ما، مُتَيَسَّرًا لِكَثِيرٍ مِنَ اَلنّاسِ؛ لَمْ يَكُنْ لِأمْرِهِ بِالتَّفَكُّرِ فِيها، والتَّبَصُّرِ في أمْرِها، لِلِاسْتِدْلالِ بِها عَلَيْهِ، والتَّوَصُّلِ بِواسِطَةِ مَعْرِفَتِها إلَيْهِ، اَلَّذِي هو اَلْغايَةُ اَلْقُصْوى والثَّمَرَةُ اَلْعُظْمى؛ مِن فائِدَةٍ. بَلْ كانَ عَبَثًا. فَدَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] ونَحْوُ ذَلِكَ، أنَّها أمْرٌ تُدْرِكُهُ اَلْعُقُولُ، وبِهِ يَكُونُ إلَيْهِ تَعالى اَلْوُصُولُ. ثُمَّ إنَّ اَلَّذِينَ خاضُوا في اَلْبَحْثِ عَنْها، أُثِرَتْ عَنْهم أقْوالٌ شَتّى. وقَدْ أُفْرِدَتْ لِذَلِكَ تَآلِيفُ قَدِيمَةٌ وحَدِيثَةٌ، واَلَّذِي يُهِمُّنا مَعْرِفَتُهُ ما عَوَّلَ عَلَيْهِ اَلْأئِمَّةُ اَلْمُدَقِّقُونَ، اَلَّذِينَ نَقَّبُوا عَنْ أقْوالِ اَلْمُتَقَدِّمِينَ، ونَقَدُوها بِمِحَكِّ اَلْكِتابِ والسُّنَّةِ، فَنَبَذُوا ما يُخالِفُهُما وتَمَسَّكُوا بِما يُوافِقُهُما. فَمِنهُمُ اَلْإمامُ اِبْنُ حَزْمٍ. قالَ رَحِمَهُ اَللَّهُ في كِتابِهِ (اَلْمِلَلِ والنِّحَلِ) بَعْدَ سَرْدِ مَذاهِبَ شَتّى: وذَهَبَ سائِرُ أهْلِ اَلْإسْلامِ والمِلَلِ اَلْمُقِرَّةِ بِالمَعادِ، إلى أنَّ اَلنَّفْسَ جِسْمٌ طَوِيلٌ عَرِيضٌ عَمِيقٌ ذاتَ مَكانٍ. عاقِلَةٌ مُمَيِّزَةٌ مُصَرِّفَةٌ لِلْجَسَدِ. قالَ: وبِهَذا نَقُولُ. والنَّفْسُ والرُّوحُ اِسْمانِ لِمُسَمًّى واحِدٍ، ومَعْناهُما واحِدٌ. ثُمَّ قالَ: وأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّ اَلنَّفْسَ ولَيْسَتْ جِسْمًا، فَقَوْلٌ يَبْطُلُ بِالقُرْآنِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ اَلْأُمَّةِ. فَأمّا اَلْقُرْآنُ، فَإنَّ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] وقالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] وقالَ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] فَصَحَّ أنَّ اَلنَّفْسَ هي اَلْفَعّالَةُ اَلْكاسِبَةُ اَلْمُجِيبَةُ اَلْمُخْطِئَةُ. وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] وقالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] وقالَ تَعالى: (p-٣٩٨٥)﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] فَصَحَّ أنَّ اَلْأنْفُسَ، مِنها ما يُعْرَضُ عَلى اَلنّارِ قَبْلَ يَوْمِ اَلْقِيامَةِ، فَيُعَذَّبُ. ومِنها ما يُرْزَقُ ويُنَعَّمُ فَرَحًا، ويَكُونُ مَسْرُورًا قَبْلَ اَلْقِيامَةِ. ولا شَكَّ أنَّ أجْسادَ آلِ فِرْعَوْنَ وأجْسادَ اَلْمَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اَللَّهِ، قَدْ تَقَطَّعَتْ أوْصالُها وأكَلَها اَلسِّباعُ والطَّيْرُ وحَيَوانُ اَلْماءِ. فَصَحَّ أنَّ اَلْأنْفُسَ مَنقُولَةٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ. ولا شَكَّ في أنَّ اَلْعَرْضَ لا يَلْقى اَلْعَذابَ ولا يُحِسُّ، فَلَيْسَتْ عَرْضًا. وصَحَّ أنَّها تَنْتَقِلُ في اَلْأماكِنِ قائِمَةً بِنَفْسِها، وهَذِهِ صِفَةُ اَلْجِسْمِ لا صِفَةُ اَلْجَوْهَرِ عِنْدَ اَلْقائِلِ بِهِ، فَصَحَّ، ضَرُورَةً، أنَّها جِسْمٌ. وأمّا مِنَ اَلسُّنَنِ فَقَوْلُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ أرْواحَ اَلشُّهَداءِ في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ في اَلْجَنَّةِ»» . وقَوْلُهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّهُ ««رَأى نِسِمَ بَنِي آدَمَ عِنْدَ سَماءِ اَلدُّنْيا عَنْ يَمِينِ آدَمَ ويَسارِهِ»» . فَصَحَّ أنَّ اَلْأنْفُسَ مَرْئِيَّةٌ في أماكِنِها، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ««إنَّ نَفْسَ اَلْمُؤْمِنِ إذا قُبِضَتْ، عُرِجَ بِها إلى اَلسَّماءِ وفُعِلَ بِها كَذا، ونَفْسَ اَلْكافِرِ إذا قُبِضَتْ فُعِلَ بِها كَذا»» فَصَحَّ أنَّها مُعَذَّبَةٌ ومُنَعَّمَةٌ ومَنقُولَةٌ في اَلْأماكِنِ، وهَذِهِ صِفَةُ اَلْأجْسامِ ضَرُورَةً. وأمّا مِنَ اَلْإجْماعِ، فَلا اِخْتِلافَ بَيْنَ أحَدٍ مِن أهْلِ اَلْإسْلامِ في أنَّ أنْفُسَ اَلْعِبادِ مَنقُولَةٌ بَعْدَ خُرُوجِها مِنَ اَلْأجْسادِ، إلى نَعِيمٍ أوْ إلى صُنُوفٍ ضِيقٍ وعَذابٍ. وهَذِهِ صِفَةُ اَلْأجْسامِ. ثُمَّ قالَ: ومَعْنى قَوْلِ اَللَّهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ (p-٣٩٨٦)إنَّما هو لِأنَّ اَلْجَسَدَ مَخْلُوقٌ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ لَحْمًا ثُمَّ أمْشاجًا. ولَيْسَ اَلرُّوحُ كَذَلِكَ. وإنَّما قالَ اَللَّهُ تَعالى آمِرًا لَهُ بِالكَوْنِ (كُنْ فَكانَ) فَصَحَّ أنَّ اَلنَّفْسَ والرُّوحَ والنَّسَمَةَ أسْماءٌ مُتَرادِفَةٌ لِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ يَقَعُ اَلرُّوحُ أيْضًا عَلى غَيْرِ هَذا. فَجِبْرِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ اَلرُّوحُ اَلْأمِينُ. والقُرْآنُ رُوحٌ مِن عِنْدِ اَللَّهِ. وقالَ اِبْنُ حَزْمٍ أيْضًا، قَبْلَ ذَلِكَ، في بَحْثِ عَذابِ اَلْقَبْرِ: واَلَّذِي نَقُولُ بِهِ في مُسْتَقَرِّ اَلْأرْواحِ، هو ما قالَهُ تَعالى ونَبِيُّهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا نَتَعَدّاهُ، فَهو اَلْبُرْهانُ اَلْواضِحُ وهو أنَّ اَللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [الأعراف: ١١] فَصَحَّ أنَّ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ اَلْأرْواحَ جُمْلَةً، وهي اَلْأنْفُسُ. وكَذَلِكَ أخْبَرَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ««إنَّ اَلْأرْواحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَما تَعارَفَ مِنها اِئْتَلَفَ وما تَناكَرَ مِنها اِخْتَلَفَ»» وهي اَلْعاقِلَةُ، اَلْحَسّاسَةُ - وأخَذَ عَزَّ وجَلَّ عَهْدَها وشَهادَتَها - وهي مَخْلُوقَةٌ مُصَوَّرَةٌ عاقِلَةٌ، قَبْلَ أنْ يَأْمُرَ اَلْمَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، عَلى جَمِيعِهِمُ اَلسَّلامُ، وقَبْلَ أنْ يُدْخِلَها في اَلْأجْسادِ. والأجْسادُ يَوْمَئِذٍ تُرابٌ وماءٌ. ثُمَّ أقَرَّها تَعالى حَيْثُ شاءَ. لِأنَّ اَللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ بِلَفْظَةِ (ثُمَّ) اَلَّتِي تُوجِبُ اَلتَّعْقِيبَ والمُهْلَةَ. ثُمَّ أقَرَّها عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ شاءَ. وهو اَلْبَرْزَخُ اَلَّذِي تَرْجِعُ إلَيْهِ عِنْدَ اَلْمَوْتِ. لا تَزالُ يَبْعَثُ مِنها اَلْجُمْلَةَ، بَعْدَ اَلْجُمْلَةِ. فَيَنْفُخُها في اَلْأجْسادِ اَلْمُتَوَلِّدَةِ مِنَ اَلْمَنِيِّ، اَلْمُنْحَدِرِ مِن أصْلابِ اَلرِّجالِ وأرْحامِ اَلنِّساءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٨] (p-٣٩٨٧)وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ [المؤمنون: ١٤] اَلْآيَةَ، وكَذَلِكَ أخْبَرَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أنَّهُ يُجْمَعُ خَلْقُ اِبْنِ آدَمَ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اَلْمَلَكَ فَيَنْفَخُ فِيهِ اَلرُّوحَ»» فَيَبْلُوهُمُ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في اَلدُّنْيا كَما شاءَ. ثُمَّ يَتَوَفّاها فَتَرْجِعُ إلى اَلْبَرْزَخِ اَلَّذِي رَآها فِيهِ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ عِنْدَ سَماءِ اَلدُّنْيا: أرْواحُ أهْلِ اَلسَّعادَةِ عَنْ يَمِينِ آدَمَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ اَلسَّلامُ، وأرْواحُ أهْلِ اَلشَّقاوَةِ عَنْ يَسارِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. وذَلِكَ عِنْدَ مُنْقَطَعِ اَلْعَناصِرِ، وتُعَجَّلُ أرْواحُ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ وأرْواحُ اَلشُّهَداءِ إلى اَلْجَنَّةِ. وقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ اَلْمَرْوَزِيُّ عَنْ إسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ، أنَّهُ ذَكَرَ هَذا اَلْقَوْلَ اَلَّذِي قُلْنا بِعَيْنِهِ، وقالَ: عَلى هَذا أجْمَعَ أهْلُ اَلْعِلْمِ. ثُمَّ قالَ اِبْنُ حَزْمٍ: ولا تَزالُ اَلْأرْواحُ هُنالِكَ، حَتّى يُتِمَّ عَدَدَ اَلْأرْواحِ كُلِّها بِنَفْخِها في أجْسادِها، ثُمَّ بِرُجُوعِها إلى اَلْبَرْزَخِ اَلْمَذْكُورِ. فَتَقُومُ اَلسّاعَةُ، ويُعِيدُ عَزَّ وجَلَّ اَلْأرْواحَ ثانِيَةً إلى اَلْأجْسادِ. وهي اَلْحَياةُ اَلثّانِيَةُ. ويُحاسِبُ اَلْخَلْقَ: فَرِيقٌ في اَلْجَنَّةِ وفَرِيقٌ في اَلسَّعِيرِ، مُخَلَّدِينَ أبَدًا. اِنْتَهى. فَصْلٌ ومِنهم شَيْخُ اَلْإسْلامِ تَقِيُّ اَلدِّينِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ، قالَ في: (تَفْسِيرِ سُورَةِ اَلْإخْلاصِ) بَعْدَ أنْ ذَكَرَ نِزاعَ اَلْمُتَكَلِّمِينَ اَلْمُتَفَلْسِفَةِ في اَلْمَلائِكَةِ. هَلْ هي مُتَحَيِّزَةٌ أمْ لا ؟ وكَذَلِكَ نِزاعُهم في رُوحِ اَلْإنْسانِ اَلَّتِي تُفارِقُهُ بِالمَوْتِ، عَلى قَوْلِ اَلْجُمْهُورِ اَلَّذِينَ يَقُولُونَ: هي عَيْنٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها لَيْسَتْ عَرَضًا مِن أعْراضِ اَلْبَدَنِ كالحَياةِ وغَيْرِها. ولا جُزْءًا مِن أجْزاءِ (p-٣٩٨٨)اَلْبَدَنِ كالهَواءِ اَلْخارِجِ مِنهُ. فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ اَلْمُتَكَلِّمِينَ زَعَمُوا أنَّها عَرَضٌ قائِمٌ بِالبَدَنِ، أوْ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ اَلْبَدَنِ. لَكِنَّ هَذا مُخالِفٌ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ اَلسَّلَفِ والخَلَفِ. ولِقَوْلِ جَماهِيرِ اَلْعُقَلاءِ مِن جَمِيعِ اَلْأُمَمِ. ومُخالِفٌ لِلْأدِلَّةِ، وهَذا مِمّا اِسْتَطالَ بِهِ اَلْفَلاسِفَةُ عَلى كَثِيرٍ مِن أهْلِ اَلْكَلامِ. قالَ اَلْقاضِي أبُو بَكْرٍ: أكْثَرُ اَلْمُتَكَلِّمِينَ عَلى أنَّ اَلرُّوحَ عَرَضٌ مِنَ اَلْأعْراضِ. وبِهَذا نَقُولُ، إذا لَمْ يَعْنِ بِالرُّوحِ اَلنَّفْسَ، فَإنَّهُ قالَ: اَلرُّوحُ اَلْكائِنُ في اَلْجَسَدِ ضَرْبانِ: أحَدُهُما اَلْحَياةُ اَلْقائِمَةُ بِهِ والآخَرُ اَلنَّفْسُ. والنَّفْسُ رِيحٌ يَنْبَثُّ بِهِ، والمُرادُ بِالنَّفْسِ، ما يَخْرُجُ بِنَفْسِ اَلتَّنَفُّسِ مِن أجْزاءِ اَلْهَواءِ اَلْمُتَحَلِّلِ مِنَ اَلْمَسامِّ. وهَذا قَوْلُ الإسَفَرائِينِيِّ وغَيْرِهِ. وقالَ اِبْنُ فَوْرِكٍ: هو ما يَجْرِي في تَجاوِيفِ اَلْأعْضاءِ. وأبُو اَلْمَعالِي خالَفَ هَؤُلاءِ وأحْسَنَ في مُخالَفَتِهِمْ فَقالَ: إنَّ اَلرُّوحَ أجْسامٌ لَطِيفَةٌ مُشابِكَةٌ لِلْأجْسامِ اَلْمَحْسُوسَةِ. أجْرى اَللَّهُ اَلْعادَةَ بِحَياةِ اَلْأجْسادِ ما اِسْتَمَرَّتْ مُشابَكَتُها لَها. فَإذا فارَقَتْها تَعَقَّبَ اَلْمَوْتُ اَلْحَياةَ في اِسْتِمْرارِ اَلْعادَةِ. ومَذْهَبُ اَلصَّحابَةِ والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ وسائِرِ سَلَفِ اَلْأُمَّةِ وأئِمَّةِ اَلسُّنَّةِ، وأنَّ اَلرُّوحَ عَيْنٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها. تُفارِقُ اَلْبَدَنَ، وتُنَعَّمُ وتُعَذَّبُ. لَيْسَتْ هي اَلْبَدَنَ، ولا جُزْءًا مِن أجْزائِهِ كالنَّفْسِ اَلْمَذْكُورِ. ثُمَّ اَلَّذِينَ قالُوا: إنَّها عَيْنٌ، تَنازَعُوا: هَلْ هي جِسْمٌ مُتَحَيِّزٌ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: كَتَنازُعِهِمْ في اَلْمَلائِكَةِ. فالمُتَكَلِّمُونَ مِنهم يَقُولُونَ: جِسْمٌ. والمُتَفَلْسِفَةُ يَقُولُونَ: جَوْهَرٌ عَقْلِيٌّ لَيْسَ بِجِسْمٍ. وأصْلُ تَسْمِيَتِهِمُ اَلْمُجَرَّداتِ والمُفارِقاتِ، هو مَأْخُوذٌ مِن نَفْسِ اَلْإنْسانِ. فَإنَّها لَمّا كانَتْ تُفارِقُ بَدَنَهُ بِالمَوْتِ، وتَتَجَرَّدُ عَنْهُ سَمَّوْها: مُفارِقَةٌ مُجَرَّدَةٌ. ثُمَّ أثْبَتُوا ما أثْبَتُوهُ مِنَ اَلْعُقُولِ والنُّفُوسِ وسَمَّوْها: مُفارِقاتٌ ومُجَرَّداتٌ؛ لِمُفارَقَتِها اَلْمادَّةَ اَلَّتِي هي عِنْدَهُمُ اَلْجِسْمُ. وهَذِهِ اَلْمُفارَقاتُ عِنْدَهم ما لا يَكُونُ جِسْمًا ولا قائِمًا بِجِسْمٍ. لَكِنَّ اَلنَّفْسَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجِسْمِ تَعَلُّقَ اَلتَّدْبِيرِ. والعَقْلُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأجْسامِ أصْلًا. ولا رَيْبَ أنَّ جَماهِيرَ اَلْعُقَلاءِ عَلى إثْباتِ اَلْفَرْقِ بَيْنَ اَلْبَدَنِ والرُّوحِ اَلَّتِي تُفارِقُ. (p-٣٩٨٩)والجُمْهُورُ يُسَمُّونَ ذَلِكَ رُوحًا وهَذا جِسْمًا، لَكِنَّ لَفْظَ اَلْجِسْمِ في اَللُّغَةِ لَيْسَ هو اَلْجِسْمَ في اِصْطِلاحِ اَلْمُتَكَلِّمِينَ. بَلِ اَلْجِسْمُ هو اَلْجَسَدُ. وهو اَلْجِسْمُ اَلْغَلِيظُ، أوْ غِلَظُهُ. والرُّوحُ لَيْسَتْ مِثْلَ اَلْبَدَنِ في اَلْغِلَظِ والكَثافَةِ، ولِذَلِكَ لا تُسَمّى جِسْمًا. فَمَن جَعَلَ اَلْمَلائِكَةَ والأرْواحَ جِسْمًا بِالمَعْنى اَللُّغَوِيِّ، فَما أصابَ في ذَلِكَ. وأمّا أهْلُ اَلِاصْطِلاحِ مِنَ اَلْمُتَكَلِّمَةِ والمُتَفَلْسِفَةِ، فَيَجْعَلُونَ مُسَمّى اَلْجِسْمِ أعَمَّ مِن ذَلِكَ. وهو ما أمْكَنَتِ اَلْإشارَةُ اَلْحِسِّيَّةُ إلَيْهِ. وما قِيلَ إنَّهُ هُنا وهُناكَ وما قَبْلَ اَلْأبْعادِ اَلثَّلاثَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ. ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ: وما يَقُولُهُ هَؤُلاءِ اَلْمُتَفَلْسِفَةِ في اَلنَّفْسِ اَلنّاطِقَةِ، مِن أنَّها لا يُشارُ إلَيْها ولا تُوصَفُ بِحَرَكَةٍ ولا سُكُونٍ ولا صُعُودٍ ولا نُزُولٍ، ولَيْسَ داخِلَ اَلْعالَمِ ولا خارِجَهُ؛ هو كَلامٌ باطِلٌ عِنْدَ جَماهِيرِ اَلْعُقَلاءِ. ولا سِيَّما مَن يَقُولُ مِنهم، كابْنِ سِينا وأمْثالِهِ: إنَّها لا تَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ اَلْأُمُورِ اَلْجُزْئِيَّةِ، وإنَّما تَعْرِفُ اَلْأُمُورَ اَلْكُلِّيَّةَ، فَإنَّ هَذا مُكابَرَةٌ ظاهِرَةٌ، فَإنَّها تَعْرِفُ بَدَنَها وتَعْرِفُ كُلَّ ما تَراهُ بِالبَدَنِ وتَشُمُّهُ وتَسْمَعُهُ وتَذُوقُهُ وتَقْصِدُهُ وتَأْمُرُ بِهِ وتُحِبُّهُ وتَكْرَهُهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَتَصَرَّفُ فِيهِ بِعِلْمِها وعَمَلِها. فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّها لا تَعْرِفُ اَلْأُمُورَ اَلْمُعَيَّنَةَ وإنَّما تَعْرِفُ أُمُورًا كُلِّيَّةً ؟! وكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إنَّ تَعَلُّقَها بِالبَدَنِ لَيْسَ إلّا مُجَرَّدَ تَعَلُّقِ اَلتَّدْبِيرِ والتَّصْرِيفِ، كَتَدْبِيرِ اَلْمَلِكِ لِمَمْلَكَتِهِ؛ مِن أفْسَدِ اَلْكَلامِ. فَإنَّ اَلْمَلِكَ يُدَبِّرُ أمْرَ مَمْلَكَتِهِ، فَيَأْمُرُ ويَنْهى. ولَكِنْ لا يَصْرِفُهم هو بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، إنْ لَمْ يَتَحَرَّكُوا هم بِإرادَتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ. والمَلِكُ لا يَلْتَذُّ بِلَذَّةِ أحَدِهِمْ ولا يَتَألَّمُ بِتَألُّمِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ اَلرُّوحُ والبَدَنُ. بَلْ قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ بَيْنَهُما مِنَ اَلِاتِّحادِ والِائْتِلافِ ما لا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ يُقاسُ بِهِ. ولَكِنَّ دُخُولَ اَلرُّوحِ فِيهِ لَيْسَ هو مُماثِلًا لِدُخُولِ شَيْءٍ مِنَ اَلْأجْسامِ اَلْمَشْهُودَةِ. فَلَيْسَ دُخُولُها فِيهِ كَدُخُولِ اَلْماءِ ونَحْوِهِ مِنَ اَلْمائِعاتِ في اَلْأوْعِيَةِ. فَإنَّ هَذِهِ إنَّما تُلاقِي اَلسَّطْحَ اَلدّاخِلَ في اَلْأوْعِيَةِ لا بُطُونَها ولا ظُهُورَها، وإنَّما يُلاقِي اَلْأوْعِيَةَ مِنها أطْرافُها دُونَ أوْساطِها. ولَيْسَ كَذَلِكَ اَلرُّوحُ والبَدَنُ. بَلِ اَلرُّوحُ (p-٣٩٩٠)مُتَعَلِّقَةٌ بِجَمِيعِ أجْزاءِ اَلْبَدَنِ باطِنِهِ وظاهِرِهِ. وكَذَلِكَ دُخُولُها فِيها لَيْسَ كَدُخُولِ اَلطَّعامِ والشَّرابِ في بَدَنِ اَلْآكِلِ. فَإنَّ ذَلِكَ لَهُ مَجارٍ مَعْرُوفَةٌ، وهو مُسْتَحِيلٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ. ولا جَرَيانِها في اَلْبَدَنِ كَجَرَيانِ اَلدَّمِ. فَإنَّ اَلدَّمَ يَكُونُ في بَعْضِ اَلْبَدَنِ دُونَ بَعْضٍ. فَفي اَلْجُمْلَةِ كُلُّ ما يُذْكَرُ مِنَ اَلنَّظائِرِ لا يَكُونُ كُلُّ شَيْءٍ مِنهُ مُتَعَلِّقًا بِالآخَرِ، بِخِلافِ اَلرُّوحِ والبَدَنِ. لَكِنْ هي مَعَ هَذا في اَلْبَدَنِ قَدْ ولَجَتْ فِيهِ، وتَخْرُجُ مِنهُ وقْتَ اَلْمَوْتِ، وتُسَلُّ مِنهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. فَتَخْرُجُ مِنَ اَلْبَدَنِ شَيْئًا فَشَيْئًا. لا تُفارِقُهُ كَما يُفارِقُ اَلْمَلِكُ مَدِينَتَهُ اَلَّتِي يُدَبِّرُها. والنّاسُ لَمّا لَمْ يَشْهَدُوا لَها نَظِيرًا، عَسَرُ عَلَيْهِمُ اَلتَّعْبِيرُ عَنْ حَقِيقَتِها. وهَذا تَنْبِيهٌ لَهم عَلى رَبِّ اَلْعالَمِينَ، حَيْثُ لَمْ يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ، ولا تَصَوَّرُوا كَيْفَ هو سُبْحانَهُ وتَعالى. وإنَّ ما يُضافُ إلَيْهِ مِن صِفاتِهِ هو عَلى ما يَلِيقُ بِهِ جَلَّ جَلالُهُ. فَإنَّ اَلرُّوحَ، اَلَّتِي هي بَعْضُ عَبِيدِهِ، تُوصَفُ بِأنَّها تَعْرُجُ إذا نامَ اَلْإنْسانُ، وتَسْجُدُ تَحْتَ اَلْعَرْشِ. وهي مَعَ هَذا في بَدَنِ صاحِبِها لَمْ تُفارِقْهُ بِالكُلِّيَّةِ. والإنْسانُ في نَوْمِهِ يُحِسُّ بِتَصَرُّفاتِ رُوحِهِ تُؤَثِّرُ في بَدَنِهِ. فَهَذا اَلصُّعُودُ اَلَّذِي تُوصَفُ بِهِ اَلرُّوحُ لا يُماثِلُ صُعُودَ المَشْهُوداتِ. فَإنَّها إذا صَعِدَتْ إلى مَكانٍ فارَقَتِ اَلْأوَّلَ بِالكُلِّيَّةِ. وحَرَّكَتُها إلى اَلْعُلُوِّ حَرَكَةُ اِنْتِقالٍ مِن مَكانٍ وحَرَكَةُ اَلرُّوحِ بِعُرُوجِها وسُجُودِها لَيْسَ كَذَلِكَ. اِنْتَهى. فَصْلٌ وكَتَبَ بَعْضُ اَلْمُنَقِّبِينَ عَنْ مَباحِثِ اَلْمُدَقِّقِينَ اَلْعَصْرِيِّينَ في اَلرُّوحِ ما مِثالُهُ: إنَّ نَظَرِيَّةَ اَلرُّوحِيِّينَ اَلَّتِي يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها في أُورُبّا بِالحِسِّ في هَذِهِ اَلْأيّامِ، هي أنَّ لِلْإنْسانِ رُوحًا هَبَطَتْ عَلَيْهِ مِنَ اَلْمَلَأِ اَلْأعْلى. لا يَصِلُ اَلْعَقْلُ إلى إدْراكِ كُنْهِها. وإنَّها مُتَّصِلَةٌ بِهَذا اَلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ، بِواسِطَةِ هَيْكَلٍ لَطِيفٍ شَفّافٍ عَلى شَكْلِ اَلْجَسَدِ تَمامًا. ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن طَبِيعَتِهِ ولا مَحْكُومًا بِقَوانِينِهِ. وإنَّهُ كَغِلافٍ لِلسِّرِّ اَلْإلَهِيِّ اَلْمُسَمّى رُوحًا. ولَعَلَّ في هَذا ما يُشْبِهُ قَوْلَ اَلْإمامِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ عَنِ اَلرُّوحِ (هي صُورَةٌ كالجَسَدِ) ويَقُولُونَ: إنَّ اَلرُّوحَ وغِلافَها هَذا (p-٣٩٩١)يَخْرُجانِ مِنَ اَلْجَسَدِ عِنْدَ حُصُولِ اَلْمَوْتِ لِلشَّخْصِ، إلى عالَمٍ غَيْرِ هَذا اَلْعالَمِ. ولَكِنَّهُما لا يَنْفَصِلانِ عَنْهُ كُلَّ اَلِانْفِصالِ، بَلْ أرْواحُ اَلْمَوْتى مُنْتَشِرَةٌ حَوْلَنا في كُلِّ جِهَةٍ. ولَكِنّا لا نَراها بِأعْيُنِنا، لِعَدَمِ اِسْتِعْدادِ أعْيُنِنا لِذَلِكَ. كَما أنَّها لَيْسَتْ مُسْتَعِدَّةً لِرُؤْيَةِ أشِعَّةِ (رونتجن) مَعَ أنَّها مَوْجُودَةٌ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ اَلْآيَةُ اَلَّتِي صَنَعَها لَهُ. وقَدْ دَخَلَتْ تَطْبِيقاتُها في عِلْمِ اَلطِّبِّ وأفادَتِ اَلْعِلْمَ اَلطَّبِيعِيَّ فائِدَةً كُبْرى. ولَكِنْ يُوجَدُ أشْخاصٌ فِيهِمُ اِسْتِعْدادٌ خاصٌّ بِهِ يَرَوْنَ اَلْأرْواحَ رائِحَةً غادِيَةً، وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ، رُؤْيَةً حَقِيقِيَّةً. اِنْتَهى مُلَخَّصًا. تَنْبِيهٌ: جَمِيعُ ما قَدَّمْناهُ، بِناءً عَلى أنَّ اَلْمُرادَ بِالرُّوحِ في اَلْآيَةِ رُوحُ اَلْإنْسانِ. قالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في كِتابِ (اَلرُّوحِ): وفي ذَلِكَ خِلافٌ بَيْنَ اَلسَّلَفِ والخَلَفِ. وأكْثَرُ اَلسَّلَفِ، بَلْ كُلُّهم، عَلى أنَّ اَلرُّوحَ المَسْؤُولَ عَنْها في اَلْآيَةِ لَيْسَتْ أرْواحَ بَنِي آدَمَ. بَلْ هو اَلرَّوْحُ اَلَّذِي أخْبَرَ اَللَّهُ عَنْهُ في كِتابِهِ، أنَّهُ يَقُومُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ مَعَ اَلْمَلائِكَةِ، وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ. وقَدْ ثَبَتَ في اَلصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ قالَ: «بَيْنا أنا أمْشِي مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَرَّةِ اَلْمَدِينَةِ، وهو مُتَّكِئٌ عَلى عَسِيبٍ، فَمَرَرْنا عَلى نَفَرٍ مِنَ اَلْيَهُودِ. فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ اَلرُّوحِ، وقالَ بَعْضُهم: لا تَسْألُوهُ عَسى أنْ يُخْبِرَ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، وقالَ بَعْضُهم: نَسْألُهُ، فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا أبا اَلْقاسِمِ ! ما اَلرُّوحُ ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَعَلِمْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ فَقُمْتُ. فَلَمّا تَجَلّى عَنْهُ قالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ اَلْآيَةَ»، ومَعْلُومٌ أنَّهم إنَّما سَألُوهُ عَنْ أمْرٍ لا يُعْرَفُ إلّا بِالوَحْيِ. وذَلِكَ هو اَلرُّوحُ اَلَّذِي عِنْدَ اَللَّهِ لا يَعْلَمُها اَلنّاسُ. وأمّا أرْواحُ بَنِي آدَمَ فَلَيْسَتْ مِنَ اَلْغَيْبِ. وقَدْ تَكَلَّمَ فِيها طَوائِفُ اَلنّاسِ مِن أهْلِ اَلْمِلَلِ وغَيْرِهِمْ. فَلَمْ يَكُنِ اَلْجَوابُ (p-٣٩٩٢)عَنْها مِن أعْلامِ اَلنُّبُوَّةِ. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوى أبُو اَلشَّيْخِ عَنِ اَلسُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَعَثَتْ قُرَيْشٌ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ وعَبْدَ اَللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ اَلْمُغِيرَةِ إلى يَهُودِ اَلْمَدِينَةِ يَسْألُونَهم عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. فَقالُوا: إنَّهُ قَدْ خَرَجَ فِينا رَجُلٌ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، ولَيْسَ عَلى دِينِنا. ولا عَلى دِينِكم. قالُوا: فَمَن تَبِعَهُ ؟ قالُوا: سَفَلَتُنا والضُّعَفاءُ والعَبِيدُ ومَن لا خَيْرَ فِيهِ. وأمّا أشْرافُ قَوْمِهِ فَلَمْ يَتَّبِعُوهُ، فَقالُوا: إنَّهُ قَدْ أظَلَّ زَمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ، وهو عَلى ما تَصِفُونَ مِن أمْرِ هَذا اَلرَّجُلِ، فَأْتُوهُ فاسْألُوهُ عَنْ ثَلاثِ خِصالٍ فَأمْرُكم بِهِنَّ، فَإنْ أخْبَرَكم بِهِنَّ فَهو نَبِيٌّ صادِقٌ، وإنْ لَمْ يُخْبِرْكم بِهِنَّ فَهو كَذّابٌ، سَلُوهُ عَنِ اَلرُّوحِ اَلَّتِي نَفَخَ اَللَّهُ تَعالى في آدَمَ، فَإنْ قالَ لَكم: هي مِنَ اَللَّهِ، فَقُولُوا: كَيْفَ يُعَذِّبُ اَللَّهُ في اَلنّارِ شَيْئًا هو مِنهُ ؟ فَسَألَ جِبْرِيلَ عَنْها فَأنْزَلَ اَللَّهُ اَلْآيَةَ. يَقُولُ: هو خَلْقٌ مِن خَلْقِ اَللَّهِ لَيْسَ هو مِنَ اَللَّهِ» . قِيلَ: مِثْلُ هَذا اَلْإسْنادِ لا يُحْتَجُّ بِهِ. فَإنَّهُ مِن تَفْسِيرِ اَلسُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ. وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ. وسِياقُ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ في اَلسُّؤالِ، مِنَ اَلصِّحاحِ والمَسانِيدِ، كُلُّها تُخالِفُ سِياقَ اَلسُّدِّيِّ. وقَدْ رَواها اَلْأعْمَشُ والمُغِيرَةُ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ قالَ: «مَرَّ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَلَأٍ مِنَ اَلْيَهُودِ، وأنا أمْشِي مَعَهُ، فَسَألُوهُ عَنِ اَلرُّوحِ، قالَ: فَسَكَتَ، فَظَنَنْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾» يَعْنِي اَلْيَهُودَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ اَلْآيَةَ. وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ عَبْدِ اَللَّهِ. فَقالُوا: كَذَلِكَ نَجِدُ مِثْلَهُ في اَلتَّوْراةِ أنَّ اَلرُّوحَ مِن أمْرِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. رَواهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اَلْحَمِيدِ وغَيْرُهُ عَنِ اَلْمُغِيرَةِ. ورَوى يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا بْنِ أبِي زائِدَةَ، عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتَتِ اَلْيَهُودُ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَألُوهُ عَنِ اَلرُّوحِ. فَلَمْ يُجِبْهُمُ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِشَيْءٍ. فَأنْزَلَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ اَلْآيَةَ» . فَهَذا يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ حَدِيثِ اَلسُّدِّيِّ، وأنَّ اَلسُّؤالَ كانَ بِمَكَّةَ، فَإنَّ هَذا اَلْحَدِيثَ وحَدِيثَ اِبْنِ مَسْعُودٍ صَرِيحٌ أنَّ اَلسُّؤالَ كانَ بِالمَدِينَةِ مُباشَرَةً مِنَ اَلْيَهُودِ. ولَوْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ اَلسُّؤالُ والجَوابُ بِمَكَّةَ، لَمْ يَسْكُتِ (p-٣٩٩٣)اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَبادَرَ عَلى جَوابِهِمْ بِما تَقَدَّمَ مِن إعْلامِ اَللَّهِ لَهُ، وما أنْزَلَ اَللَّهُ عَلَيْهِ. وقَدِ اِضْطَرَبَتِ اَلرِّواياتُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ اَلْآيَةِ أعْظَمَ اِضْطِرابٍ. فَإمّا أنْ تَكُونَ مِن قِبَلِ اَلرُّواةِ، أوْ تَكُونَ أقْوالُهُ قَدِ اِضْطَرَبَتْ فِيها. ثُمَّ ساقَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ اَلرِّواياتِ عَنْهُ مُسْنَدَةً، ثُمَّ قالَ: والرُّوحُ في اَلْقُرْآنِ عَلى عِدَّةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: اَلْوَحْيُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وسَمّى اَلْوَحْيَ رُوحًا لِما يَحْصُلُ بِهِ مِن حَياةِ اَلْقُلُوبِ والأرْواحِ. اَلثّانِي: اَلْقُوَّةُ والثَّباتُ والنُّصْرَةُ اَلَّتِي يُؤَيِّدُ بِها مَن شاءَ مِن عِبادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ، كَما قالَ: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] اَلثّالِثُ: جِبْرِيلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] وهو رُوحُ اَلْقُدُسِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] اَلرّابِعُ: اَلرُّوحُ اَلَّتِي سَألَ عَنْها اَلْيَهُودُ فَأُجِيبُوا بِأنَّها مِن أمْرِ اَللَّهِ. وقَدْ قِيلَ إنَّها اَلرُّوحُ اَلْمَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ [النبإ: ٣٨] وإنَّها اَلرُّوحُ اَلْمَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤] اَلْخامِسُ: اَلْمَسِيحُ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ (p-٣٩٩٤)رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] أمّا أرْواحُ بَنِي آدَمَ فَلَمْ تَقَعْ تَسْمِيَتُها بِالقُرْآنِ إلّا بِالنَّفْسِ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] وقالَ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] وقالَ: ﴿إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] وقالَ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقالَ: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] وقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧] وأمّا في اَلسُّنَّةِ فَجاءَتْ بِلَفْظِ اَلنَّفْسِ والرُّوحِ. اِنْتَهى. قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: رِوايَةُ عَبْدِ اَللَّهِ في اَلصَّحِيحِ اَلْمُتَقَدِّمَةُ، تَقْتَضِي فِيما يَظْهَرُ بِبادِئِ اَلرَّأْيِ، أنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ. وأنَّها إنَّما أُنْزِلَتْ حِينَ سَألَهُ اَلْيَهُودُ عَنْ ذَلِكَ في اَلْمَدِينَةِ. مَعَ أنَّ اَلسُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ. وقَدْ يُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّهُ قَدْ تَكُونُ نَزَلَتْ عَلَيْهِ بِالمَدِينَةِ مَرَّةً ثانِيَةً. كَما نَزَلَتْ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ. أوْ إنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ اَلْوَحْيُ بِأنَّهُ يُجِيبُهم عَمّا سَألُوهُ بِالآيَةِ اَلْمُتَقَدِّمِ إنْزالُها عَلَيْهِ، وهي هَذِهِ اَلْآيَةُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ اِنْتَهى. وقَدْ رَوى اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ اَلرُّوحَ في اَلْآيَةِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وحَكاهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. أقُولُ: اَلَّذِي أراهُ مُتَعَيِّنًا في اَلْآيَةِ، لِسابِقِها ولاحِقِها، أنَّ اَلْمُرادَ بِالرُّوحِ اَلْوَحْيُ بِالقُرْآنِ، وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِ قَتادَةَ. ووَجْهُ تَعَيُّنِهِ أنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ في سِياقِ ذِكْرِ اَلْقُرْآنِ وتَنْزِيلِهِ والمِنَّةِ بِكَوْنِهِ شِفاءً ورَحْمَةً، وقَدْ سَمّى تَعالى اَلْوَحْيَ بِالقُرْآنِ رُوحًا. قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا (p-٣٩٩٥)إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] فَكانُوا إذا سَمِعُوا اَلرُّوحَ، وصَدَعُوا بِالإيمانِ بِهِ، يَتَعَنَّتُونَ في اَلسُّؤالِ عَنْهُ؛ اسْتِبَعادًا لِأنْ يَكُونَ مِن لَدُنْهُ سُبْحانَهُ، ولِأنْ يَكُونُ بَشَرٌ مِثْلُهُ مَبْعُوثًا بِأمْرِهِ تَعالى أنْ يُبَيِّنَ لَهم أنَّهُ وحْيٌ أوْحاهُ اَللَّهُ، وأنَّهُ رُوحٌ مِن لَدُنْهُ، وإلْقاءٌ مِن أمْرِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ اَلْآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي﴾ [يونس: ٥٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبإ: ٣] أيْ: بَعْضُهم يُنْكِرُهُ وبَعْضُهم يَتَرَدَّدُ في صِحَّتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَوْمٌ جاهِلِيُّونَ، لا عَهْدَ لَهم بِالعُلُومِ والمَعارِفِ، فَضْلًا عَنِ اَلْوَحْيِ وخَصائِصِ اَلنُّبُوَّةِ؛ لِلْأُمِّيَّةِ والجَهالَةِ اَلْفاشِيَتَيْنِ فِيهِمْ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ أيْ: مِمّا تَنالُهُ مَشاعِرُكم وتَصِلُ إلَيْهِ فِطَنُكم. وما هو في جَنْبِ مَعْلُوماتٍ لا تُحْصى، إلّا كالقَطْرَةِ مِنَ اَلْبَحْرِ والذَّرَّةِ مِنَ اَلْكَثِيبِ، والقاعِدَةُ أنَّ اَلْقُرْآنَ مُتَجاوِبُ اَلْأطْرافِ، يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وجَمِيعُ ما ذَكَرَهُ اَلْمُتَقَدِّمُونَ، غَيْرَ ما ذَكَرْناهُ، جَرى مَعَ ما يَحْتَمِلُهُ نَظْمُ اَلْآيَةِ اَلْكَرِيمَةِ. وكَذا رِوايَةُ اِبْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ أُجِيبَ بِها اَلْيَهُودُ؛ لِأنَّها لَمّا كانَ لَها وُجُوهٌ مِنَ اَلْمَعانِي، ومِنها ما سَألُوا عَنْهُ، أُلْقِمُوا بِها، واَللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى نِعْمَتِهِ فِيما أوْحاهُ مِن هَذا اَلتَّنْزِيلِ والهِدايَةِ بِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الإسراء 17:86

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦] ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾ . ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ اَلْقُرْآنِ اَلَّذِي هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ، تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ. ووَصْفًا لَهُ بِما هو في حَيِّزِ اَلصِّلَةِ، وإعْلامًا بِأنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ كَلامِ اَلْمَخْلُوقِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾ أيْ: مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْنا بِرَدِّهِ.

الإسراء 17:87

(p-٣٩٩٦)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٧] ﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ . ﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: ولَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ تَرَكَتْهُ غَيْرَ مُشاءِ اَلذَّهابِ بِهِ بَلْ تَوَلَّتْ حِفْظَهُ. قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا اِمْتِنانٌ مِنَ اَللَّهِ تَعالى بِبَقاءِ اَلْقُرْآنِ مَحْفُوظًا، بَعْدَ اَلْمِنَّةِ اَلْعَظِيمَةِ في تَنْزِيلِهِ وتَحْفِيظِهِ. فَعَلى كُلِّ ذِي عِلْمٍ أنْ لا يَغْفَلَ عَنْ هاتَيْنِ اَلْمِنَّتَيْنِ والقِيامِ بِشُكْرِهِما. وهُما مِنَّةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ بِحِفْظِهِ اَلْعِلْمَ ورُسُوخِهِ في صَدْرِهِ، ومِنَّتُهُ عَلَيْهِ في بَقاءِ اَلْمَحْفُوظِ ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ أيْ: تَفَضُّلُهُ بِالإيحاءِ والتَّعْلِيمِ اَلرَّبّانِيِّ، والِاصْطِفاءِ لِلرِّسالَةِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَ أُولَئِكَ اَلْمُشْرِكِينَ اَلَّذِينَ لَمْ يَفْقَهُوا قَدْرَ اَلتَّنْزِيلِ، وأنَّهُ وحْيٌّ رَبّانِيٌّ، بِقَوْلِهِ:

الإسراء 17:88

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٨] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ أيِ: اِتَّفَقَتْ: ﴿عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ أيْ: مُعِينًا. وفي تَقاصُرِ قُوى هَؤُلاءِ جَمِيعِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، مَعَ طُولِ اَلزَّمَنِ، دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِمّا اُعْتِيدَ صُدُورُهُ عَنِ اَلْبَشَرِ، بَلْ هو كَلامُ عالِمِ اَلْغَيْبِ والشَّهادَةِ.

الإسراء 17:89

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٩] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ . ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ أيْ: رَدَدْنا وكَرَّرْنا وبَيَّنّا: ﴿لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ (p-٣٩٩٧)أيْ: مِن كُلِّ مَعْنًى، هو كالمَثَلِ في غَرابَتِهِ وحُسْنِهِ، لِيَتَقَرَّرَ ويُرَسَّخَ في نُفُوسِهِمْ، ويَزْدادُوا تَدَبُّرًا وإذْعانًا. فَكانَ حالُهم عَلى اَلْعَكْسِ، إذْ لَمْ يَزْدادُوا إلّا كُفْرًا، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ أيْ: جُحُودًا. ولَمّا تَبَيَّنَ إعْجازُ اَلْقُرْآنِ، وأنَّهُ اَلْآيَةُ اَلْكُبْرى، ولَزِمَتْهُمُ اَلْحُجَّةُ وغُلِبُوا، أخَذُوا يَتَعَلَّلُونَ بِاقْتِراحِ اَلْآياتِ، فِعْلَ اَلْمَبْهُوتِ اَلْمَحْجُوجِ اَلْمُتَعَثِّرِ في أذْيالِ اَلْحَيْرَةِ، فِيما حَكاهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ:

الإسراء 17:90

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠-٩٣] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] . ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ أيْ: تُشَقِّقَ لَنا مِن أرْضِ مَكَّةَ عُيُونًا. ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ﴾ [الإسراء: ٩١] أيْ: بُسْتانٍ مِنهُما: ﴿فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] وإنَّما قَدَّمُوا في عُنَّتِهِمْ هَذا اَلْمُقْتَرَحَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَرِدُونَ بِلادَ اَلشّامِ والعِراقِ، ويَرَوْنَ ما فِيها مِنَ اَلْبَساتِينِ والأنْهارِ. (p-٣٩٩٨)قالَ اِبْنُ جَرِيرٍ فِيما رَواهُ، إنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ اَلنّاسِ أضْيَقَ مِنّا بِلادًا، ولا أقَلَّ مالًا، ولا أشَدَّ عَيْشًا مِنّا. فاسْألْ لَنا رَبَّكَ اَلَّذِي بَعَثَكَ بِما بَعَثَكَ بِهِ، فَلْيُسَيِّرْ عَنّا هَذِهِ اَلْجِبالَ اَلَّتِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنا، ولْيُبْسِطْ لَنا بِلادَنا، ولْيُفَجِّرْ فِيها أنْهارًا كَأنْهارِ اَلشّامِ والعِراقِ. ثُمَّ زادُوا في اَلِاقْتِراحِ فَقالُوا: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ: قِطَعًا بِالعَذابِ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ: كَفِيلًا بِما تَقُولُ، شاهِدًا بِصِحَّتِهِ. ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: ذَهَبٍ: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: وحْدَهُ: ﴿حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: كِتابًا مِنَ اَلسَّماءِ، فِيهِ تَصْدِيقُكَ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ. والمُرادُ بِهِ اَلتَّعَجُّبُ مِنِ اِقْتِراحاتِهِمْ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: كَسائِرِ اَلرُّسُلِ. وكانُوا لا يَأْتُونَ قَوْمَهم إلّا بِما يُظْهِرُهُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلْآياتِ، حَسْبَما يُلائِمُ حالَ قَوْمِهِمْ. ولَمْ يُمَكِّنْ أمْرَ اَلْآياتِ إلَيْهِمْ، ولا لَهم أنْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اَللَّهِ بِشَيْءٍ مِنها. تَنْبِيهٌ: لا يَخْفى ما في اِقْتِراحِ هَذِهِ اَلْآياتِ مِنَ اَلْجَهْلِ اَلْكَبِيرِ بِسُنَّةِ اَللَّهِ في خَلْقِهِ، وبِحِكْمَتِهِ وجَلالِهِ. وبَيانُ ذَلِكَ - كَما في كِتابِ (لِسانِ اَلصِّدْقِ) - أنَّ ما اِقْتَرَحَتْهُ قُرَيْشٌ فِيها (مِنهُ) ما أرادُوا بِهِ مَصْلَحَتَهم دُونَ مَصْلَحَةِ اَلْعِبادِ مِمّا يُخالِفُ حِكْمَةَ اَللَّهِ تَعالى اَلْمُقْتَضِيَةَ لِإخْلاءِ بَعْضِ اَلْبِقاعِ مِنَ اَلْعُيُونِ اَلنّابِعَةِ والأنْهارِ اَلْجارِيَةِ والجِنانِ اَلنّاضِرَةِ دُونَ بَعْضٍ. وإرْساءِ اَلْجِبالِ اَلشُّمِّ في مَوْضِعٍ دُونَ آخَرَ؛ لِمَصالِحَ يَعْلَمُها هو جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، ولا يَعْلَمُها اَلْخَلْقُ. فَلَيْسَ مُقْتَرَحُهم هَذا مِنَ اَلْعَجْزِ في شَيْءٍ. مَعَ أنَّ مِثْلَهُ لا تَثْبُتُ بِهِ اَلنُّبُوَّةُ. فَإنَّنا نَعْلَمُ أنَّ أُناسًا قَدِ اِسْتَنْبَطُوا اَلْعُيُونَ وغَرَسُوا اَلْجِنانَ مِنَ اَلنَّخِيلِ والأعْنابِ ونَحَتُوا اَلْجِبالَ ولَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ أنْبِياءَ. (ومِنهُ) ما يُناقِضُ إرادَةَ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] فَإنَّ إنْزالَ اَلسَّماءِ (p-٣٩٩٩)قِطَعًا مُقْتَضٍ لِهَلاكِ اَلْعالَمِ بِحَذافِيرِهِ. واَللَّهُ يُرِيدُ إبْقاءَهُ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ. (ومِنهُ) ما هو مُسْتَحِيلٌ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وُقُوعُهُ أصْلًا وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] فَإنَّ اَلْإتْيانَ بِاَللَّهِ والمَلائِكَةِ حَتّى يُشاهِدَهُمُ اَلْمُشْرِكُونَ أوْ غَيْرُهم مِمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ. فَلا يَجُوزُ طَلَبُهُ، ولَيْسَ مِن أنْواعِ اَلْمُعْجِزِ. (ومِنهُ) ما لا يَصْلُحُ لِلْأنْبِياءِ، ولَوْ حَصَلَ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَإنَّ هَذا غَيْرُ صالِحٍ لِلْأنْبِياءِ. ولَيْسَ بِمُعَجِّزٍ، لِحُصُولِ مِثْلِهِ عِنْدَ أشْباهِ فِرْعَوْنَ. (ومِنهُ) ما وعَدُوا بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ لَوْ حَصَلَ، وأرْدَفُوهُ بِما لا يَجُوزُ وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] فِيهِ - عَلى ما ذُكِرَ في اَلرِّوايَةِ - مِنَ اَللَّهِ اَلْعَظِيمِ إلى فُلانٍ وفُلانٍ وفُلانٍ، لِقَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ بِأسْمائِهِمْ. أمّا بَعْدُ: فَإنَّ مُحَمَّدًا رَسُولِي فَآمِنُوا بِهِ. والصُّعُودُ في اَلسَّماءِ لا مِرْيَةَ فِيهِ، لِأنَّهم قالُوا: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَلَوْ كانَ، لَكانَ عَبَثًا. وإنْزالُ كِتابٍ عَلَيْهِمْ عَلى اَلْمَعْنى اَلْمَذْكُورِ يَسْتَلْزِمُ جَعْلَهم أنْبِياءَ، لِأنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِثْلَ اَلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والوَحْيُ مُخْتَصٌّ بِالأنْبِياءِ، والكُفّارُ عَنْهُ مَعْزُولُونَ. فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمّا اِقْتَرَحُوهُ في اَلْآياتِ مُعْجِزًا، وإنَّما هي أُمُورٌ مُسْتَحِيلَةٌ في نَفْسِها، أوْ لِأمْرٍ آخَرَ اِقْتَرَحُوها تَكَبُّرًا وتَعَنُّتًا وجَهْلًا، عَلى أنَّهم بَعْدَ تِلْكَ اَلْأقْوالِ كُلِّها، قالَ قائِلٌ مِنهم: وأيْمُ اَللَّهِ ! لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَظَنَنْتُ أنِّي لا أُصَدِّقُكَ. وقَدْ قالَ تَعالى:﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١] فَكانَ اَلْأوْلى في جَوابِهِمْ عَمّا اِقْتَرَحُوهُ، هو ما أجابَ بِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: تَنَزُّهُ رَبِّي عَنْ فِعْلِ ما اِقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ اَلْمُحالِ وما يُناقِضُ حِكْمَتَهُ. وما أنا إلّا بَشَرٌ رَسُولٌ. عَلَيَّ أنْ أُبَلِّغَكم رِسالاتٍ رَبِّي وأنْصَحَ لَكم. وقَدْ أتَيْتُكم بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِي مِمّا أوْحاهُ إلَيَّ. وذَلِكَ ما تَحَدَّيْتُكم بِالإتْيانِ (p-٤٠٠٠)بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في اَلْهِدايَةِ والإصْلاحِ، كَما أمَرَنِي رَبِّي. ولا أقْتَرِحُ عَلَيْهِ، سُبْحانَهُ، ما لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوْ ما يَكُونُ فِعْلُهُ عَبَثًا، لِخُلُوِّهِ عَنِ اَلْفائِدَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الإسراء 17:91

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠-٩٣] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] . ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ أيْ: تُشَقِّقَ لَنا مِن أرْضِ مَكَّةَ عُيُونًا. ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ﴾ [الإسراء: ٩١] أيْ: بُسْتانٍ مِنهُما: ﴿فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] وإنَّما قَدَّمُوا في عُنَّتِهِمْ هَذا اَلْمُقْتَرَحَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَرِدُونَ بِلادَ اَلشّامِ والعِراقِ، ويَرَوْنَ ما فِيها مِنَ اَلْبَساتِينِ والأنْهارِ. (p-٣٩٩٨)قالَ اِبْنُ جَرِيرٍ فِيما رَواهُ، إنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ اَلنّاسِ أضْيَقَ مِنّا بِلادًا، ولا أقَلَّ مالًا، ولا أشَدَّ عَيْشًا مِنّا. فاسْألْ لَنا رَبَّكَ اَلَّذِي بَعَثَكَ بِما بَعَثَكَ بِهِ، فَلْيُسَيِّرْ عَنّا هَذِهِ اَلْجِبالَ اَلَّتِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنا، ولْيُبْسِطْ لَنا بِلادَنا، ولْيُفَجِّرْ فِيها أنْهارًا كَأنْهارِ اَلشّامِ والعِراقِ. ثُمَّ زادُوا في اَلِاقْتِراحِ فَقالُوا: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ: قِطَعًا بِالعَذابِ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ: كَفِيلًا بِما تَقُولُ، شاهِدًا بِصِحَّتِهِ. ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: ذَهَبٍ: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: وحْدَهُ: ﴿حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: كِتابًا مِنَ اَلسَّماءِ، فِيهِ تَصْدِيقُكَ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ. والمُرادُ بِهِ اَلتَّعَجُّبُ مِنِ اِقْتِراحاتِهِمْ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: كَسائِرِ اَلرُّسُلِ. وكانُوا لا يَأْتُونَ قَوْمَهم إلّا بِما يُظْهِرُهُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلْآياتِ، حَسْبَما يُلائِمُ حالَ قَوْمِهِمْ. ولَمْ يُمَكِّنْ أمْرَ اَلْآياتِ إلَيْهِمْ، ولا لَهم أنْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اَللَّهِ بِشَيْءٍ مِنها. تَنْبِيهٌ: لا يَخْفى ما في اِقْتِراحِ هَذِهِ اَلْآياتِ مِنَ اَلْجَهْلِ اَلْكَبِيرِ بِسُنَّةِ اَللَّهِ في خَلْقِهِ، وبِحِكْمَتِهِ وجَلالِهِ. وبَيانُ ذَلِكَ - كَما في كِتابِ (لِسانِ اَلصِّدْقِ) - أنَّ ما اِقْتَرَحَتْهُ قُرَيْشٌ فِيها (مِنهُ) ما أرادُوا بِهِ مَصْلَحَتَهم دُونَ مَصْلَحَةِ اَلْعِبادِ مِمّا يُخالِفُ حِكْمَةَ اَللَّهِ تَعالى اَلْمُقْتَضِيَةَ لِإخْلاءِ بَعْضِ اَلْبِقاعِ مِنَ اَلْعُيُونِ اَلنّابِعَةِ والأنْهارِ اَلْجارِيَةِ والجِنانِ اَلنّاضِرَةِ دُونَ بَعْضٍ. وإرْساءِ اَلْجِبالِ اَلشُّمِّ في مَوْضِعٍ دُونَ آخَرَ؛ لِمَصالِحَ يَعْلَمُها هو جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، ولا يَعْلَمُها اَلْخَلْقُ. فَلَيْسَ مُقْتَرَحُهم هَذا مِنَ اَلْعَجْزِ في شَيْءٍ. مَعَ أنَّ مِثْلَهُ لا تَثْبُتُ بِهِ اَلنُّبُوَّةُ. فَإنَّنا نَعْلَمُ أنَّ أُناسًا قَدِ اِسْتَنْبَطُوا اَلْعُيُونَ وغَرَسُوا اَلْجِنانَ مِنَ اَلنَّخِيلِ والأعْنابِ ونَحَتُوا اَلْجِبالَ ولَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ أنْبِياءَ. (ومِنهُ) ما يُناقِضُ إرادَةَ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] فَإنَّ إنْزالَ اَلسَّماءِ (p-٣٩٩٩)قِطَعًا مُقْتَضٍ لِهَلاكِ اَلْعالَمِ بِحَذافِيرِهِ. واَللَّهُ يُرِيدُ إبْقاءَهُ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ. (ومِنهُ) ما هو مُسْتَحِيلٌ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وُقُوعُهُ أصْلًا وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] فَإنَّ اَلْإتْيانَ بِاَللَّهِ والمَلائِكَةِ حَتّى يُشاهِدَهُمُ اَلْمُشْرِكُونَ أوْ غَيْرُهم مِمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ. فَلا يَجُوزُ طَلَبُهُ، ولَيْسَ مِن أنْواعِ اَلْمُعْجِزِ. (ومِنهُ) ما لا يَصْلُحُ لِلْأنْبِياءِ، ولَوْ حَصَلَ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَإنَّ هَذا غَيْرُ صالِحٍ لِلْأنْبِياءِ. ولَيْسَ بِمُعَجِّزٍ، لِحُصُولِ مِثْلِهِ عِنْدَ أشْباهِ فِرْعَوْنَ. (ومِنهُ) ما وعَدُوا بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ لَوْ حَصَلَ، وأرْدَفُوهُ بِما لا يَجُوزُ وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] فِيهِ - عَلى ما ذُكِرَ في اَلرِّوايَةِ - مِنَ اَللَّهِ اَلْعَظِيمِ إلى فُلانٍ وفُلانٍ وفُلانٍ، لِقَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ بِأسْمائِهِمْ. أمّا بَعْدُ: فَإنَّ مُحَمَّدًا رَسُولِي فَآمِنُوا بِهِ. والصُّعُودُ في اَلسَّماءِ لا مِرْيَةَ فِيهِ، لِأنَّهم قالُوا: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَلَوْ كانَ، لَكانَ عَبَثًا. وإنْزالُ كِتابٍ عَلَيْهِمْ عَلى اَلْمَعْنى اَلْمَذْكُورِ يَسْتَلْزِمُ جَعْلَهم أنْبِياءَ، لِأنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِثْلَ اَلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والوَحْيُ مُخْتَصٌّ بِالأنْبِياءِ، والكُفّارُ عَنْهُ مَعْزُولُونَ. فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمّا اِقْتَرَحُوهُ في اَلْآياتِ مُعْجِزًا، وإنَّما هي أُمُورٌ مُسْتَحِيلَةٌ في نَفْسِها، أوْ لِأمْرٍ آخَرَ اِقْتَرَحُوها تَكَبُّرًا وتَعَنُّتًا وجَهْلًا، عَلى أنَّهم بَعْدَ تِلْكَ اَلْأقْوالِ كُلِّها، قالَ قائِلٌ مِنهم: وأيْمُ اَللَّهِ ! لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَظَنَنْتُ أنِّي لا أُصَدِّقُكَ. وقَدْ قالَ تَعالى:﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١] فَكانَ اَلْأوْلى في جَوابِهِمْ عَمّا اِقْتَرَحُوهُ، هو ما أجابَ بِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: تَنَزُّهُ رَبِّي عَنْ فِعْلِ ما اِقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ اَلْمُحالِ وما يُناقِضُ حِكْمَتَهُ. وما أنا إلّا بَشَرٌ رَسُولٌ. عَلَيَّ أنْ أُبَلِّغَكم رِسالاتٍ رَبِّي وأنْصَحَ لَكم. وقَدْ أتَيْتُكم بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِي مِمّا أوْحاهُ إلَيَّ. وذَلِكَ ما تَحَدَّيْتُكم بِالإتْيانِ (p-٤٠٠٠)بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في اَلْهِدايَةِ والإصْلاحِ، كَما أمَرَنِي رَبِّي. ولا أقْتَرِحُ عَلَيْهِ، سُبْحانَهُ، ما لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوْ ما يَكُونُ فِعْلُهُ عَبَثًا، لِخُلُوِّهِ عَنِ اَلْفائِدَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الإسراء 17:92

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠-٩٣] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] . ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ أيْ: تُشَقِّقَ لَنا مِن أرْضِ مَكَّةَ عُيُونًا. ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ﴾ [الإسراء: ٩١] أيْ: بُسْتانٍ مِنهُما: ﴿فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] وإنَّما قَدَّمُوا في عُنَّتِهِمْ هَذا اَلْمُقْتَرَحَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَرِدُونَ بِلادَ اَلشّامِ والعِراقِ، ويَرَوْنَ ما فِيها مِنَ اَلْبَساتِينِ والأنْهارِ. (p-٣٩٩٨)قالَ اِبْنُ جَرِيرٍ فِيما رَواهُ، إنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ اَلنّاسِ أضْيَقَ مِنّا بِلادًا، ولا أقَلَّ مالًا، ولا أشَدَّ عَيْشًا مِنّا. فاسْألْ لَنا رَبَّكَ اَلَّذِي بَعَثَكَ بِما بَعَثَكَ بِهِ، فَلْيُسَيِّرْ عَنّا هَذِهِ اَلْجِبالَ اَلَّتِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنا، ولْيُبْسِطْ لَنا بِلادَنا، ولْيُفَجِّرْ فِيها أنْهارًا كَأنْهارِ اَلشّامِ والعِراقِ. ثُمَّ زادُوا في اَلِاقْتِراحِ فَقالُوا: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ: قِطَعًا بِالعَذابِ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ: كَفِيلًا بِما تَقُولُ، شاهِدًا بِصِحَّتِهِ. ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: ذَهَبٍ: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: وحْدَهُ: ﴿حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: كِتابًا مِنَ اَلسَّماءِ، فِيهِ تَصْدِيقُكَ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ. والمُرادُ بِهِ اَلتَّعَجُّبُ مِنِ اِقْتِراحاتِهِمْ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: كَسائِرِ اَلرُّسُلِ. وكانُوا لا يَأْتُونَ قَوْمَهم إلّا بِما يُظْهِرُهُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلْآياتِ، حَسْبَما يُلائِمُ حالَ قَوْمِهِمْ. ولَمْ يُمَكِّنْ أمْرَ اَلْآياتِ إلَيْهِمْ، ولا لَهم أنْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اَللَّهِ بِشَيْءٍ مِنها. تَنْبِيهٌ: لا يَخْفى ما في اِقْتِراحِ هَذِهِ اَلْآياتِ مِنَ اَلْجَهْلِ اَلْكَبِيرِ بِسُنَّةِ اَللَّهِ في خَلْقِهِ، وبِحِكْمَتِهِ وجَلالِهِ. وبَيانُ ذَلِكَ - كَما في كِتابِ (لِسانِ اَلصِّدْقِ) - أنَّ ما اِقْتَرَحَتْهُ قُرَيْشٌ فِيها (مِنهُ) ما أرادُوا بِهِ مَصْلَحَتَهم دُونَ مَصْلَحَةِ اَلْعِبادِ مِمّا يُخالِفُ حِكْمَةَ اَللَّهِ تَعالى اَلْمُقْتَضِيَةَ لِإخْلاءِ بَعْضِ اَلْبِقاعِ مِنَ اَلْعُيُونِ اَلنّابِعَةِ والأنْهارِ اَلْجارِيَةِ والجِنانِ اَلنّاضِرَةِ دُونَ بَعْضٍ. وإرْساءِ اَلْجِبالِ اَلشُّمِّ في مَوْضِعٍ دُونَ آخَرَ؛ لِمَصالِحَ يَعْلَمُها هو جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، ولا يَعْلَمُها اَلْخَلْقُ. فَلَيْسَ مُقْتَرَحُهم هَذا مِنَ اَلْعَجْزِ في شَيْءٍ. مَعَ أنَّ مِثْلَهُ لا تَثْبُتُ بِهِ اَلنُّبُوَّةُ. فَإنَّنا نَعْلَمُ أنَّ أُناسًا قَدِ اِسْتَنْبَطُوا اَلْعُيُونَ وغَرَسُوا اَلْجِنانَ مِنَ اَلنَّخِيلِ والأعْنابِ ونَحَتُوا اَلْجِبالَ ولَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ أنْبِياءَ. (ومِنهُ) ما يُناقِضُ إرادَةَ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] فَإنَّ إنْزالَ اَلسَّماءِ (p-٣٩٩٩)قِطَعًا مُقْتَضٍ لِهَلاكِ اَلْعالَمِ بِحَذافِيرِهِ. واَللَّهُ يُرِيدُ إبْقاءَهُ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ. (ومِنهُ) ما هو مُسْتَحِيلٌ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وُقُوعُهُ أصْلًا وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] فَإنَّ اَلْإتْيانَ بِاَللَّهِ والمَلائِكَةِ حَتّى يُشاهِدَهُمُ اَلْمُشْرِكُونَ أوْ غَيْرُهم مِمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ. فَلا يَجُوزُ طَلَبُهُ، ولَيْسَ مِن أنْواعِ اَلْمُعْجِزِ. (ومِنهُ) ما لا يَصْلُحُ لِلْأنْبِياءِ، ولَوْ حَصَلَ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَإنَّ هَذا غَيْرُ صالِحٍ لِلْأنْبِياءِ. ولَيْسَ بِمُعَجِّزٍ، لِحُصُولِ مِثْلِهِ عِنْدَ أشْباهِ فِرْعَوْنَ. (ومِنهُ) ما وعَدُوا بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ لَوْ حَصَلَ، وأرْدَفُوهُ بِما لا يَجُوزُ وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] فِيهِ - عَلى ما ذُكِرَ في اَلرِّوايَةِ - مِنَ اَللَّهِ اَلْعَظِيمِ إلى فُلانٍ وفُلانٍ وفُلانٍ، لِقَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ بِأسْمائِهِمْ. أمّا بَعْدُ: فَإنَّ مُحَمَّدًا رَسُولِي فَآمِنُوا بِهِ. والصُّعُودُ في اَلسَّماءِ لا مِرْيَةَ فِيهِ، لِأنَّهم قالُوا: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَلَوْ كانَ، لَكانَ عَبَثًا. وإنْزالُ كِتابٍ عَلَيْهِمْ عَلى اَلْمَعْنى اَلْمَذْكُورِ يَسْتَلْزِمُ جَعْلَهم أنْبِياءَ، لِأنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِثْلَ اَلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والوَحْيُ مُخْتَصٌّ بِالأنْبِياءِ، والكُفّارُ عَنْهُ مَعْزُولُونَ. فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمّا اِقْتَرَحُوهُ في اَلْآياتِ مُعْجِزًا، وإنَّما هي أُمُورٌ مُسْتَحِيلَةٌ في نَفْسِها، أوْ لِأمْرٍ آخَرَ اِقْتَرَحُوها تَكَبُّرًا وتَعَنُّتًا وجَهْلًا، عَلى أنَّهم بَعْدَ تِلْكَ اَلْأقْوالِ كُلِّها، قالَ قائِلٌ مِنهم: وأيْمُ اَللَّهِ ! لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَظَنَنْتُ أنِّي لا أُصَدِّقُكَ. وقَدْ قالَ تَعالى:﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١] فَكانَ اَلْأوْلى في جَوابِهِمْ عَمّا اِقْتَرَحُوهُ، هو ما أجابَ بِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: تَنَزُّهُ رَبِّي عَنْ فِعْلِ ما اِقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ اَلْمُحالِ وما يُناقِضُ حِكْمَتَهُ. وما أنا إلّا بَشَرٌ رَسُولٌ. عَلَيَّ أنْ أُبَلِّغَكم رِسالاتٍ رَبِّي وأنْصَحَ لَكم. وقَدْ أتَيْتُكم بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِي مِمّا أوْحاهُ إلَيَّ. وذَلِكَ ما تَحَدَّيْتُكم بِالإتْيانِ (p-٤٠٠٠)بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في اَلْهِدايَةِ والإصْلاحِ، كَما أمَرَنِي رَبِّي. ولا أقْتَرِحُ عَلَيْهِ، سُبْحانَهُ، ما لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوْ ما يَكُونُ فِعْلُهُ عَبَثًا، لِخُلُوِّهِ عَنِ اَلْفائِدَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الإسراء 17:93

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠-٩٣] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] . ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ أيْ: تُشَقِّقَ لَنا مِن أرْضِ مَكَّةَ عُيُونًا. ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ﴾ [الإسراء: ٩١] أيْ: بُسْتانٍ مِنهُما: ﴿فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] وإنَّما قَدَّمُوا في عُنَّتِهِمْ هَذا اَلْمُقْتَرَحَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَرِدُونَ بِلادَ اَلشّامِ والعِراقِ، ويَرَوْنَ ما فِيها مِنَ اَلْبَساتِينِ والأنْهارِ. (p-٣٩٩٨)قالَ اِبْنُ جَرِيرٍ فِيما رَواهُ، إنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ اَلنّاسِ أضْيَقَ مِنّا بِلادًا، ولا أقَلَّ مالًا، ولا أشَدَّ عَيْشًا مِنّا. فاسْألْ لَنا رَبَّكَ اَلَّذِي بَعَثَكَ بِما بَعَثَكَ بِهِ، فَلْيُسَيِّرْ عَنّا هَذِهِ اَلْجِبالَ اَلَّتِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنا، ولْيُبْسِطْ لَنا بِلادَنا، ولْيُفَجِّرْ فِيها أنْهارًا كَأنْهارِ اَلشّامِ والعِراقِ. ثُمَّ زادُوا في اَلِاقْتِراحِ فَقالُوا: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ: قِطَعًا بِالعَذابِ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ: كَفِيلًا بِما تَقُولُ، شاهِدًا بِصِحَّتِهِ. ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: ذَهَبٍ: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: وحْدَهُ: ﴿حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: كِتابًا مِنَ اَلسَّماءِ، فِيهِ تَصْدِيقُكَ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ. والمُرادُ بِهِ اَلتَّعَجُّبُ مِنِ اِقْتِراحاتِهِمْ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: كَسائِرِ اَلرُّسُلِ. وكانُوا لا يَأْتُونَ قَوْمَهم إلّا بِما يُظْهِرُهُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلْآياتِ، حَسْبَما يُلائِمُ حالَ قَوْمِهِمْ. ولَمْ يُمَكِّنْ أمْرَ اَلْآياتِ إلَيْهِمْ، ولا لَهم أنْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اَللَّهِ بِشَيْءٍ مِنها. تَنْبِيهٌ: لا يَخْفى ما في اِقْتِراحِ هَذِهِ اَلْآياتِ مِنَ اَلْجَهْلِ اَلْكَبِيرِ بِسُنَّةِ اَللَّهِ في خَلْقِهِ، وبِحِكْمَتِهِ وجَلالِهِ. وبَيانُ ذَلِكَ - كَما في كِتابِ (لِسانِ اَلصِّدْقِ) - أنَّ ما اِقْتَرَحَتْهُ قُرَيْشٌ فِيها (مِنهُ) ما أرادُوا بِهِ مَصْلَحَتَهم دُونَ مَصْلَحَةِ اَلْعِبادِ مِمّا يُخالِفُ حِكْمَةَ اَللَّهِ تَعالى اَلْمُقْتَضِيَةَ لِإخْلاءِ بَعْضِ اَلْبِقاعِ مِنَ اَلْعُيُونِ اَلنّابِعَةِ والأنْهارِ اَلْجارِيَةِ والجِنانِ اَلنّاضِرَةِ دُونَ بَعْضٍ. وإرْساءِ اَلْجِبالِ اَلشُّمِّ في مَوْضِعٍ دُونَ آخَرَ؛ لِمَصالِحَ يَعْلَمُها هو جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، ولا يَعْلَمُها اَلْخَلْقُ. فَلَيْسَ مُقْتَرَحُهم هَذا مِنَ اَلْعَجْزِ في شَيْءٍ. مَعَ أنَّ مِثْلَهُ لا تَثْبُتُ بِهِ اَلنُّبُوَّةُ. فَإنَّنا نَعْلَمُ أنَّ أُناسًا قَدِ اِسْتَنْبَطُوا اَلْعُيُونَ وغَرَسُوا اَلْجِنانَ مِنَ اَلنَّخِيلِ والأعْنابِ ونَحَتُوا اَلْجِبالَ ولَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ أنْبِياءَ. (ومِنهُ) ما يُناقِضُ إرادَةَ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] فَإنَّ إنْزالَ اَلسَّماءِ (p-٣٩٩٩)قِطَعًا مُقْتَضٍ لِهَلاكِ اَلْعالَمِ بِحَذافِيرِهِ. واَللَّهُ يُرِيدُ إبْقاءَهُ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ. (ومِنهُ) ما هو مُسْتَحِيلٌ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وُقُوعُهُ أصْلًا وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] فَإنَّ اَلْإتْيانَ بِاَللَّهِ والمَلائِكَةِ حَتّى يُشاهِدَهُمُ اَلْمُشْرِكُونَ أوْ غَيْرُهم مِمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ. فَلا يَجُوزُ طَلَبُهُ، ولَيْسَ مِن أنْواعِ اَلْمُعْجِزِ. (ومِنهُ) ما لا يَصْلُحُ لِلْأنْبِياءِ، ولَوْ حَصَلَ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَإنَّ هَذا غَيْرُ صالِحٍ لِلْأنْبِياءِ. ولَيْسَ بِمُعَجِّزٍ، لِحُصُولِ مِثْلِهِ عِنْدَ أشْباهِ فِرْعَوْنَ. (ومِنهُ) ما وعَدُوا بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ لَوْ حَصَلَ، وأرْدَفُوهُ بِما لا يَجُوزُ وهو قَوْلُهم: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] فِيهِ - عَلى ما ذُكِرَ في اَلرِّوايَةِ - مِنَ اَللَّهِ اَلْعَظِيمِ إلى فُلانٍ وفُلانٍ وفُلانٍ، لِقَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ بِأسْمائِهِمْ. أمّا بَعْدُ: فَإنَّ مُحَمَّدًا رَسُولِي فَآمِنُوا بِهِ. والصُّعُودُ في اَلسَّماءِ لا مِرْيَةَ فِيهِ، لِأنَّهم قالُوا: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَلَوْ كانَ، لَكانَ عَبَثًا. وإنْزالُ كِتابٍ عَلَيْهِمْ عَلى اَلْمَعْنى اَلْمَذْكُورِ يَسْتَلْزِمُ جَعْلَهم أنْبِياءَ، لِأنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِثْلَ اَلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والوَحْيُ مُخْتَصٌّ بِالأنْبِياءِ، والكُفّارُ عَنْهُ مَعْزُولُونَ. فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمّا اِقْتَرَحُوهُ في اَلْآياتِ مُعْجِزًا، وإنَّما هي أُمُورٌ مُسْتَحِيلَةٌ في نَفْسِها، أوْ لِأمْرٍ آخَرَ اِقْتَرَحُوها تَكَبُّرًا وتَعَنُّتًا وجَهْلًا، عَلى أنَّهم بَعْدَ تِلْكَ اَلْأقْوالِ كُلِّها، قالَ قائِلٌ مِنهم: وأيْمُ اَللَّهِ ! لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَظَنَنْتُ أنِّي لا أُصَدِّقُكَ. وقَدْ قالَ تَعالى:﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١] فَكانَ اَلْأوْلى في جَوابِهِمْ عَمّا اِقْتَرَحُوهُ، هو ما أجابَ بِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] أيْ: تَنَزُّهُ رَبِّي عَنْ فِعْلِ ما اِقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ اَلْمُحالِ وما يُناقِضُ حِكْمَتَهُ. وما أنا إلّا بَشَرٌ رَسُولٌ. عَلَيَّ أنْ أُبَلِّغَكم رِسالاتٍ رَبِّي وأنْصَحَ لَكم. وقَدْ أتَيْتُكم بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِي مِمّا أوْحاهُ إلَيَّ. وذَلِكَ ما تَحَدَّيْتُكم بِالإتْيانِ (p-٤٠٠٠)بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في اَلْهِدايَةِ والإصْلاحِ، كَما أمَرَنِي رَبِّي. ولا أقْتَرِحُ عَلَيْهِ، سُبْحانَهُ، ما لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوْ ما يَكُونُ فِعْلُهُ عَبَثًا، لِخُلُوِّهِ عَنِ اَلْفائِدَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الإسراء 17:94

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٤] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ . ﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ أيِ: اَلَّذِينَ حَكى تَعَنُّتَهم: ﴿أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ أيْ: إلّا تَعَجُّبُهم مِن بَعْثَةِ إنْسانٍ رَسُولًا. بِمَعْنى إنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ اَلرَّسُولُ مِن جِنْسِ اَلْبَشَرِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى لُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ، أنَّهُ يَبْعَثُ إلَيْهِمُ اَلرَّسُولَ مِن جِنْسِهِمْ لِيَفْقَهُوا عَنْهُ ويَفْهَمُوا مِنهُ، ويُمْكِنُهم مُخاطَبَتَهُ ومُكالَمَتَهُ. حَتّى لَوْ كانَتِ اَلْأرْضُ مُسْتَقَرًّا لِمَلائِكَتِهِ، لَكانَتْ رُسُلُهم مِنهم، جَرْيًا عَلى قَضِيَّةِ اَلْحِكْمَةِ. فَقالَ سُبْحانَهُ:

الإسراء 17:95

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٥] ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَـزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ . ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ أيْ: عَلى أقْدامِهِمْ كَما يَمْشِي اَلْإنْسُ: ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ أيْ: ساكِنِينَ في اَلْأرْضِ قارِّينَ: ﴿لَنَـزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ أيْ: مِن جِنْسِهِمْ، لِيُعَلِّمَهُمُ اَلْخَيْرَ ويَهْدِيَهُمُ اَلْمَراشِدَ. ولَمّا كُنْتُمْ أنْتُمْ بَشَرًا، بَعَثْنا (p-٤٠٠١)فِيكم رُسُلًا مِنكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] تَنْبِيهٌ: فِي اَلْآيَةِ إشارَةٌ إلى حاجَةِ مَن يَسْتَقِرُّ في اَلْأرْضِ إلى اَلرِّسالَةِ، وقَدْ قَضَتْ رَحْمَةُ اَلْبارِي تَعالى وعِنايَتُهُ بِذَلِكَ، فَمَنَّ عَلى اَلْخَلْقِ بِالرُّسُلِ، وأتَمَّ حاجَتَهم بِخاتَمِ أنْبِيائِهِ فَأنْقَذَهم مِنَ اَلْحَيْرَةِ، وخَلَّصَهم مِنَ اَلتَّخَبُّطِ، وأخْرَجَهم مِنَ اَلظُّلُماتِ إلى اَلنُّورِ.

الإسراء 17:96

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٦] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ . ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ: عَلى أنِّي بَلَّغْتُ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم، وإنَّكم كَذَّبْتُمْ وعانَدْتُمْ. وقَرَّرَ اَلرّازِيُّ أنَّ اَلْمَعْنِيَّ بِالشَّهادَةِ هو اَلشَّهادَةُ عَلى رِسالَتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِإعْجازِ اَلْقُرْآنِ. أيْ: كَفى بِما أكْرَمَنِي بِهِ تَعالى مِن هَذا اَلْمُعْجِزِ، شاهِدًا عَلى صِدْقِي. ومَن شَهِدَ تَعالى عَلى صِدْقِهِ فَهو صادِقٌ. فَقَوْلُكم، مَعْشَرَ اَلْمُشْرِكِينَ، بَعْدَ هَذا، يَجِبُ أنْ يَكُونَ اَلرَّسُولُ مَلَكًا، تَحَكُّمٌ فاسِدٌ. وناقَشَهُ أبُو اَلسُّعُودِ بِأنَّ ما قَرَّرَهُ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِنَ اَلتَّعْلِيلِ. ثُمَّ قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ بَيْنَنا تَحْقِيقًا لِلْمُفارَقَةِ، وإبانَةً لِلْمُبايَنَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أيْ: عالِمًا بِأحْوالِهِمْ. فَهو مُجازِيهِمْ. وهَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ووَعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ. (p-٤٠٠٢)

الإسراء 17:97

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٧] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ . ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ أيْ: إلى اَلْحَقِّ بِما جاءَ مِن قِبَلِهِ إلى اَلْهُدى: ﴿فَهُوَ المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ﴾ [الكهف: ١٧] أيْ: يَخْلُقُ فِيهِ اَلضَّلالَ بِسُوءِ اِخْتِيارِهِ، كَهَؤُلاءِ اَلْمُعانِدِينَ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ: أنْصارًا يَهْدُونَهم ويَحْفَظُونَهم مِن قَهْرِهِ، وإنَّما أُوثِرَ ضَمِيرُ اَلْجَماعَةِ في (لَهُمْ) حَمْلًا عَلى مَعْنى (مَن) وأُوثِرَ في ما قَبْلَهُ اَلْإفْرادُ، حَمْلًا عَلى اَللَّفْظِ. وسِرُّ اَلِاخْتِلافِ في اَلْمُتَقابِلَيْنِ اَلْإشارَةُ إلى وحْدَةِ طَرِيقِ اَلْحَقِّ، وقِلَّةِ سالِكِيهِ، وتَعَدُّدِ سُبُلِ اَلضَّلالِ وكَثْرَةِ اَلضُّلّالِ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ أيْ: يُسْحَبُونَ عَلَيْها كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: ناكِسِي الرُّؤُوسِ لِانْجِذابِهِمْ إلى اَلْجِهَةِ اَلسُّفْلِيَّةِ ! وعَلى وُجُوداتِهِمْ وذَواتِهِمُ اَلَّتِي كانُوا عَلَيْها في اَلدُّنْيا. كَقَوْلِهِ: (كَما تَعِيشُونَ تَمُوتُونَ وكَما تَمُوتُونَ تُبْعَثُونَ) إذِ (اَلْوَجْهُ) يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ اَلذّاتِ اَلْمَوْجُودَةِ مَعَ جَمِيعِ عَوارِضِها ولَوازِمِها. أيْ: عَلى اَلْحالَةِ اَلْأُولى مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ونُقْصانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ أيْ: كَما كانُوا في اَلدُّنْيا لا يَسْتَبْصِرُونَ ولا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ، ويَتَصامُّونَ عَنِ اِسْتِماعِهِ؛ فَهم في اَلْآخِرَةِ كَذَلِكَ لا يُبْصِرُونَ ما يَقَرُّ أعْيُنَهم، ولا يَسْمَعُونَ ما يَلَذُّ مَسامِعَهم، ولا يَنْطِقُونَ بِما يُقْبَلُ مِنهم: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ [الإسراء: ٧٢] كَذا في (اَلْكَشّافِ) . ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ﴾ أيْ: سَكَنَ لَهِيبُها، بِأنْ أكَلَتْ جُلُودَهم ولُحُومَهم: ﴿زِدْناهم سَعِيرًا﴾ أيْ: تَوَقُّدًا. بِأنْ نُبَدِّلَ جُلُودَهم ولُحُومَهم، فَتَعُودُ مُلْتَهِبَةً مُسْتَعِرَةً. (p-٤٠٠٣)قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِالإعادَةِ بَعْدَ اَلْإفْناءِ، جَعَلَ اَللَّهُ جَزاءَهم أنْ سَلَّطَ اَلنّارَ عَلى أجْزائِهِمْ تَأْكُلُها وتُفْنِيها، ثُمَّ يُعِيدُها. لا يَزالُونَ عَلى اَلْإفْناءِ والإعادَةِ لِيَزِيدَ ذَلِكَ في تَحَسُّرِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمُ اَلْبَعْثَ. ولِأنَّهُ أدْخَلَ في اَلِانْتِقامِ مِنَ اَلْجاحِدِ. وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

الإسراء 17:98

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٨] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ . ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أيْ: لَمُحْيَوْنَ خَلْقًا جَدِيدًا، بِإعادَةِ اَلرُّوحِ فِينا، إذا تَلِفَ لَحْمُنا وبَقِينا عِظامًا. بَلْ رَقَّتْ عِظامُنا فَصارَتْ رُفاتًا. ثُمَّ اِحْتَجَّ تَعالى عَلَيْهِمْ، ونَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

الإسراء 17:99

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٩] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلا كُفُورًا﴾ . ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: يَعْلَمُوا: ﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أيْ: يَوْمَ اَلْقِيامَةِ. يُنْشِئُهم نَشْأةً أُخْرى ويُعِيدُهم كَما بَدَأهم. والمَعْنى: قَدْ عَلِمُوا بِدَلِيلِ اَلْعَقْلِ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ اَلسَّماواتِ والأرْضِ، فَهو قادِرٌ عَلى خَلْقِ أمْثالِهِمْ مِنَ اَلْإنْسِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنهُنَّ. كَما قالَ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] ولا اَلْإعادَةُ أصْعَبُ عَلَيْهِ مِنَ اَلْإبْداءِ، بَلْ هي أهْوَنُ. قالَ اَلشِّهابُ: ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ (مِثْلَ) هُنا كِنايَةً عَنْهم. كَقَوْلِهِ: ( مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ) مَعَ أنَّهُ صَحِيحٌ. ولَوْ جُعِلَ خَلْقُ مِثْلِهِمْ عِبارَةً عَنِ اَلْإعادَةِ، كانَ أحْسَنَ: ﴿وجَعَلَ لَهم أجَلا (p-٤٠٠٤)لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: جَعَلَ لِإعادَتِهِمْ وإقامَتِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ أجَلًا مَضْرُوبًا ومُدَّةً مُقَدَّرَةً لا بُدَّ مِنِ اِنْقِضائِها. كَما قالَ تَعالى: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] ﴿فَأبى الظّالِمُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ قِيامِ اَلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ووُضُوحِ اَلدَّلِيلِ: ﴿إلا كُفُورًا﴾ أيْ: جُحُودًا وتَمادِيًا في باطِلِهِمْ وضَلالِهِمْ. لَطِيفَةٌ: قالَ اَلشِّهابُ: هَذِهِ اَلْجُمْلَةُ - جُمْلَةُ وجَعَلَ إلخ - مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ لِأنَّها وإنْ كانَتْ إنْشائِيَّةً، فَهي مُؤَوَّلَةٌ بِخَبَرِيَّةٍ - كَما في " شَرْحِ اَلْكَشّافِ " إذْ مَعْناها: قَدْ عَلِمُوا بِدَلالَةِ اَلْعَقْلِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى اَلْبَعْثِ والإعادَةِ: ﴿وجَعَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِإعادَتِهِمْ: ﴿أجَلا﴾ وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ، يَعْنِي أنَّهم عَلِمُوا إمْكانَها وإخْبارَ اَلصّادِقِ بِها وضَرْبَهُ لَها أجَلًا. فَيَجِبُ اَلتَّصْدِيقُ بِهِ. أوْ جَعَلَ لَهم أجَلًا، وهو اَلْمَوْتُ والِانْسِلاخُ عَنِ اَلْحَياةِ. ولا يَخْفى عَلى عاقِلٍ أنَّهُ لَمْ يُخْلُقْ عَبَثًا. فَلا بُدَّ أنْ يُجْزى بِما عَمِلَهُ في هَذِهِ اَلدّارِ. فَلا مَعْنى لِلْإنْكارِ. فَظَهَرَ اِرْتِباطُ اَلْمُتَعاطِفَيْنِ، لَفْظًا ومَعْنًى، و: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ظاهِرٌ عَلى اَلثّانِي. وعَلى اَلْأوَّلِ مَعْناهُ: لا يَنْبَغِي إنْكارُهُ لِمَن تَدَبَّرَ. وقِيلَ: إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَخْلُقَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى:

الإسراء 17:100

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٠] ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ . ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ أيْ: رِزْقَهُ وسائِرَ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ: ﴿إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ أيْ: لَبَخِلْتُمْ بِها مَخافَةَ نَفادِها بِالإنْفاقِ، مَعَ أنَّها لا تَفْرَغُ ولا تَنْفَدُ أبَدًا؛ لِأنَّ هَذا مِن طِباعِكم وسَجاياكم. ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ أيْ: بَخِيلًا. (p-٤٠٠٥)تَنْبِيهاتٌ: اَلْأوَّلُ: هَذِهِ اَلْآيَةُ بَلَغَتْ بِالمُشْرِكِينَ، مِنَ اَلْوَصْفِ بِالشُّحِّ، اَلْغايَةَ اَلَّتِي لا يَبْلُغُها اَلْوَهْمُ، كَما قالَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ. اَلثّانِي: ما اِقْتَضاهُ آخِرُ اَلْآيَةِ مِن بُخْلِ كُلِّ أحَدٍ، فَأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى اَلْجَوادِ اَلْحَقِيقِيِّ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّ اَلْمَرْءَ إمّا مُمْسِكٌ أوْ مُنْفِقٌ. والثّانِي لا يَكُونُ إلّا لِغَرَضٍ لِلْعاقِلِ، إمّا دُنْيَوِيٌّ كَعِوَضٍ مالِيٍّ، أوْ مَعْنَوِيٍّ كَثَناءٍ جَمِيلٍ أوْ خِدْمَةٍ واسْتِمْتاعٍ، كَما في اَلنَّفَقَةِ عَلى اَلْأهْلِ. وما كانَ لِعِوَضٍ مالِيٍّ كانَ مُبادَلَةً لا مُباذَلَةً. أوْ هو بِالنَّظَرِ إلى اَلْأغْلَبِ، وتَنْزِيلِ غَيْرِهِ مَنزِلَةَ اَلْعَدَمِ كَما قِيلَ: ؎عَدِّنا في زَمانِنا عَنْ حَدِيثِ اَلْمَكارِمِ ؎مَن كَفى اَلنّاسَ شَرَّهُ ∗∗∗ فَهو في جُودِ حاتِمِ أفادَهُ اَلشِّهابُ. وقالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: إنَّ اَللَّهَ تَعالى يَصِفُ اَلْإنْسانَ مِن حَيْثُ هُوَ، إلّا مَن وفَّقَهُ اَللَّهُ وهَداهُ، فَإنَّ اَلْبُخْلَ والجَزَعَ والهَلَعَ صِفَةٌ لَهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] ﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢] ولِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في اَلْقُرْآنِ اَلْعَزِيزِ. اَلثّالِثُ: ذَكَرَ هَذِهِ اَلْآيَةَ إثْرَ ما قَبْلَها، لِتَقْرِيرِ اِنْفِرادِهِ تَعالى بِمُلْكِ خَزائِنِ اَلرَّحْمَةِ، وسِعَةِ كَرَمِهِ وجُودِهِ وإحْسانِهِ. كَما اِنْفَرَدَ بِتِلْكَ اَلْقُدْرَةِ اَلْباهِرَةِ مِن خَلْقِ اَلسَّماواتِ والأرْضِ، كَيْ تَنْجَلِيَ لَهم قُدْرَتُهُ اَلْعُظْمى، وسِعَةُ خَزائِنِهِ اَلْمَلْأى، فَيَصِلُوا بِذَلِكَ إلى اَلْيَقِينِ بِصِحَّةِ ما اِدَّعاهُ اَلرَّسُولُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحِقِيَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ. وذَكَرَ هَذا اَلْمَعْنى في أُسْلُوبِ بَيانِ ما فَطَرَ عَلَيْهِ اَلْإنْسانَ، تَذْكِيرًا لَهُ بِنَقْصِهِ وضَعْفِهِ، وإشْفاقِهِ وحِرْصِهِ؛ لِيَعْلَمَ أنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ سُدًى، يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ ما تَتَقاضاهُ بِهِ نَفْسُهُ وهَواهُ. والمَعْنى: أفَلا تَعْتَبِرُونَ بِسِعَةِ رَحْمَتِهِ وعَمِيمِ فَضْلِهِ ومِمّا يُبَرْهِنُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ في أُلُوهِيَّتِهِ، (p-٤٠٠٦)ولا تَرَوْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن أنَّكم لَوْ مَلَكْتُمْ ما لا نَفادَ لَهُ مِن خَزائِنِهِ، لَضَنِنْتُمْ بِها، مِمّا يَدُلُّكم عَلى أنَّهُ هو مالِكُ اَلْمُلْكِ، وأنَّكم مُسَخَّرُونَ لِأمْرِهِ ؟ ! وهَذِهِ اَلْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] أيْ: لَوْ أنَّ لَهم نَصِيبًا في مُلْكِ اَللَّهِ، لَما أعْطَوْا أحَدًا شَيْئًا ولا مِقْدارَ نَقِيرٍ. وقَدْ جاءَ في اَلصَّحِيحَيْنِ: ««يَدُ اَللَّهِ مَلْأى لا يُغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحّاءُ اَللَّيْلِ والنَّهارِ. أرَأيْتُمْ ما أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ اَلسَّماواتِ والأرْضَ فَإنَّهُ لَمْ يَغُضَّ ما في يَمِينِهِ»» . وقَوْلُهُ تَعالى:

الإسراء 17:101

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠١] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ . ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتِ اَلدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ ما أرْسَلَهُ اَللَّهُ بِهِ. وقَدْ مَضى اَلْكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ اَلْأعْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] اَلْآيَةَ ﴿فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: عَنْها: فَإنَّهم يَعْلَمُونَها، مِمّا لَدَيْهِمْ مِنَ اَلتَّوْراةِ. فَيَظْهَرُ لِلْمُشْرِكِينَ صِدْقُكَ، ويَزْدادُ اَلْمُؤْمِنُ بِكَ طُمَأْنِينَةَ قَلْبٍ. لِأنَّ اَلْأدِلَّةَ إذا تَظاهَرَتْ، كانَ ذَلِكَ أقْوى وأثْبَتُ: ﴿إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ أيْ: فَذَهَبَ إلى فِرْعَوْنَ وأظْهَرَ آياتِهِ، ودَعاهُ لِلْإيمانِ بِهِ تَعالى ولِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ. فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ما قالَ. وقَوْلُهُ: ﴿مَسْحُورًا﴾ بِمَعْنى سُحِرْتَ فَخُولِطَ عَقْلُكَ. أوْ بِمَعْنى ساحِرٍ، عَلى اَلنَّسَبِ. أوْ حَقِيقَةً، وهو يُناسِبُ قَلْبَ اَلْعَصا ثُعْبانًا. وعَلى اَلْأوَّلِ هو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] (p-٤٠٠٧)

الإسراء 17:102

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٢] ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْـزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ . ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ أيْ: يا فِرْعَوْنُ: ﴿ما أنْـزَلَ هَؤُلاءِ﴾ أيِ: اَلْآياتَ اَلتِّسْعَ: ﴿إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ أيْ: بَيِّناتٍ مَكْشُوفاتٍ لا سِحْرٌ ولا تَخَيُّلٌ. ولَكِنَّكَ مُعانِدٌ مُكابِرٌ، ونَحْوُهُ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] و(اَلْبَصائِرُ) جَمْعُ بَصِيرٍ بِمَعْنى مُبْصِرَةٍ أيْ: بَيِّنَةً. أوِ اَلْمُرادُ اَلْحُجَجُ، بِجَعْلِها كَأنَّها بَصائِرُ اَلْعُقُولِ. وتَكُونُ بِمَعْنى عِبْرَةٍ: ﴿وإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أيْ: هالِكًا.

الإسراء 17:103

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٣-١٠٤] ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] . ﴿فَأرادَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ: ﴿أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: يُفْزِعُهم ويُزْعِجُهم بِما يَحْمِلُهم عَلى خِفَّةِ اَلْهَرَبِ فَرَقًا مِنهُ. أوْ يَنْفِيهِمْ عَنْ ظَهْرِ اَلْأرْضِ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ. والضَّمِيرُ لِمُوسى وقَوْمِهِ. و(اَلْأرْضُ) أرْضُ مِصْرَ. أوِ اَلْأرْضُ اَلَّتِي أذِنَ لَهم بِالمَسِيرِ إلَيْها وسُكْناها وهي فِلَسْطِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ أيْ: فَحاقَ بِهِ مَكْرُهُ، لِأنَّهُ تَعَقَّبَهم بِجُنُودِهِ بَعْدَ ما أذِنَ لَهم بِالسَّفَرِ مِن مِصْرَ إلى فِلَسْطِينَ، لِيُرْجِعَهم إلى عُبُودِيَّتِهِ، فَدَمَّرَهُ اَللَّهُ تَعالى وجُنُودَهُ بِالإغْراقِ. ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٤] أيْ: مِن بَعْدِ إغْراقِهِ: ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤] وهي أرْضُ كَنْعانَ، بَلَدُ أبِيهِمْ إسْرائِيلَ اَلَّتِي وُعِدُوا بِها. (p-٤٠٠٨)قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: في هَذا بِشارَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِفَتْحِ مَكَّةَ، مَعَ أنَّ اَلسُّورَةَ مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ. وكَذَلِكَ وقَعَ، فَإنَّ أهْلَ مَكَّةَ هَمُّوا بِإخْراجِ اَلرَّسُولِ مِنها كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها﴾ [الإسراء: ٧٦] ولِهَذا أوْرَثَ اَللَّهُ رَسُولَهُ مَكَّةَ فَدَخَلَها عَنْوَةً، عَلى أشْهَرِ اَلْقَوْلَيْنِ، وقَهَرَ أهْلَها، ثُمَّ أطْلَقَهم حِلْمًا وكَرَمًا. كَما أوْرَثَ اَللَّهُ اَلْقَوْمَ، اَلَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مَشارِقَ اَلْأرْضِ ومَغارِبَها، وأوْرَثَهم بِلادَ فِرْعَوْنَ وأمْوالَهم وزُرُوعَهم وثِمارَهم وكُنُوزَهم كَما قالَ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقالَ ها هُنا: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ١٠٤] أيْ: قِيامُ اَلسّاعَةِ: ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] أيْ: جَمْعًا مُخْتَلِطِينَ أنْتُمْ وعَدُّوكم. ثُمَّ يَحْكُمُ بَيْنَكم ويُمَيِّزُ بَيْنَ سُعَدائِكم وأشْقِيائِكم. ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ ساحَةَ اَلْقُرْآنِ أنْ يَكُونَ مُفْتَرى. وبَيَّنَ اِشْتِمالَهُ عَلى ما يُلائِمُ اَلْفِطَرَ ويُطابِقُ اَلْواقِعَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الإسراء 17:104

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٣-١٠٤] ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] . ﴿فَأرادَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ: ﴿أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: يُفْزِعُهم ويُزْعِجُهم بِما يَحْمِلُهم عَلى خِفَّةِ اَلْهَرَبِ فَرَقًا مِنهُ. أوْ يَنْفِيهِمْ عَنْ ظَهْرِ اَلْأرْضِ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ. والضَّمِيرُ لِمُوسى وقَوْمِهِ. و(اَلْأرْضُ) أرْضُ مِصْرَ. أوِ اَلْأرْضُ اَلَّتِي أذِنَ لَهم بِالمَسِيرِ إلَيْها وسُكْناها وهي فِلَسْطِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ أيْ: فَحاقَ بِهِ مَكْرُهُ، لِأنَّهُ تَعَقَّبَهم بِجُنُودِهِ بَعْدَ ما أذِنَ لَهم بِالسَّفَرِ مِن مِصْرَ إلى فِلَسْطِينَ، لِيُرْجِعَهم إلى عُبُودِيَّتِهِ، فَدَمَّرَهُ اَللَّهُ تَعالى وجُنُودَهُ بِالإغْراقِ. ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٤] أيْ: مِن بَعْدِ إغْراقِهِ: ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤] وهي أرْضُ كَنْعانَ، بَلَدُ أبِيهِمْ إسْرائِيلَ اَلَّتِي وُعِدُوا بِها. (p-٤٠٠٨)قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: في هَذا بِشارَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِفَتْحِ مَكَّةَ، مَعَ أنَّ اَلسُّورَةَ مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ. وكَذَلِكَ وقَعَ، فَإنَّ أهْلَ مَكَّةَ هَمُّوا بِإخْراجِ اَلرَّسُولِ مِنها كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها﴾ [الإسراء: ٧٦] ولِهَذا أوْرَثَ اَللَّهُ رَسُولَهُ مَكَّةَ فَدَخَلَها عَنْوَةً، عَلى أشْهَرِ اَلْقَوْلَيْنِ، وقَهَرَ أهْلَها، ثُمَّ أطْلَقَهم حِلْمًا وكَرَمًا. كَما أوْرَثَ اَللَّهُ اَلْقَوْمَ، اَلَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مَشارِقَ اَلْأرْضِ ومَغارِبَها، وأوْرَثَهم بِلادَ فِرْعَوْنَ وأمْوالَهم وزُرُوعَهم وثِمارَهم وكُنُوزَهم كَما قالَ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقالَ ها هُنا: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ١٠٤] أيْ: قِيامُ اَلسّاعَةِ: ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] أيْ: جَمْعًا مُخْتَلِطِينَ أنْتُمْ وعَدُّوكم. ثُمَّ يَحْكُمُ بَيْنَكم ويُمَيِّزُ بَيْنَ سُعَدائِكم وأشْقِيائِكم. ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ ساحَةَ اَلْقُرْآنِ أنْ يَكُونَ مُفْتَرى. وبَيَّنَ اِشْتِمالَهُ عَلى ما يُلائِمُ اَلْفِطَرَ ويُطابِقُ اَلْواقِعَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الإسراء 17:105

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٥-١٠٦] ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَـزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَـزَّلْناهُ تَنْـزِيلا﴾ [الإسراء: ١٠٦] . ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ: بِالحَقِيقَةِ أنْزَلْناهُ كِتابًا مَن لَدُنّا فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْـزَلَ إلَيْكَ أنْـزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] ﴿وبِالحَقِّ نَـزَلَ﴾ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ اَلَّذِي هو ثَباتُ نِظامِ اَلْعالَمِ عَلى أكْمَلِ اَلْوُجُوهِ. وهو ما اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْعَقائِدِ والأحْكامِ ومَحاسِنِ اَلْأخْلاقِ وكُلِّ ما خالَفَ اَلْباطِلَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦] أيْ: نَزَّلْناهُ مُفَرِّقًا مُنَجِّمًا. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ. والقِراءَتانِ (p-٤٠٠٩)بِمَعْنًى: ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] أيْ: عَلى مَهْلٍ وتُؤَدَةٍ وتَثُبُّتٍ، فَإنَّهُ أيْسَرُ لِلْحِفْظِ وأعْوَنُ في اَلْفَهْمِ: ﴿ونَـزَّلْناهُ تَنْـزِيلا﴾ [الإسراء: ١٠٦] أيْ: مِن لَدُنّا عَلى حَسَبِ اَلْأحْوالِ والمَصالِحِ.

الإسراء 17:106

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٥-١٠٦] ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَـزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَـزَّلْناهُ تَنْـزِيلا﴾ [الإسراء: ١٠٦] . ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ: بِالحَقِيقَةِ أنْزَلْناهُ كِتابًا مَن لَدُنّا فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْـزَلَ إلَيْكَ أنْـزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] ﴿وبِالحَقِّ نَـزَلَ﴾ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ اَلَّذِي هو ثَباتُ نِظامِ اَلْعالَمِ عَلى أكْمَلِ اَلْوُجُوهِ. وهو ما اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْعَقائِدِ والأحْكامِ ومَحاسِنِ اَلْأخْلاقِ وكُلِّ ما خالَفَ اَلْباطِلَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦] أيْ: نَزَّلْناهُ مُفَرِّقًا مُنَجِّمًا. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ. والقِراءَتانِ (p-٤٠٠٩)بِمَعْنًى: ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] أيْ: عَلى مَهْلٍ وتُؤَدَةٍ وتَثُبُّتٍ، فَإنَّهُ أيْسَرُ لِلْحِفْظِ وأعْوَنُ في اَلْفَهْمِ: ﴿ونَـزَّلْناهُ تَنْـزِيلا﴾ [الإسراء: ١٠٦] أيْ: مِن لَدُنّا عَلى حَسَبِ اَلْأحْوالِ والمَصالِحِ.

الإسراء 17:107

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٧-١٠٩] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] . ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أمْرٌ بِالإعْراضِ عَنْهم واحْتِقارِهِمْ والِازْدِراءِ بِشَأْنِهِمْ، وأنْ لا يَكْتَرِثَ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ وبِامْتِناعِهِمْ عَنْهُ. وإنَّهم إنْ لَمْ يَدْخُلُوا في اَلْإيمانِ ولَمْ يُصَدِّقُوا بِالقُرْآنِ وهم أهْلُ جاهِلِيَّةٍ وشِرْكٍ، فَإنَّ خَيْرًا مِنهم وأفْضَلَ، وهُمُ اَلْعُلَماءُ اَلَّذِينَ قَرَأُوا اَلْكُتُبَ وعَلِمُوا ما اَلْوَحْيُ وما اَلشَّرائِعُ، قَدْ آمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وثَبَتَ عِنْدَهم أنَّهُ اَلنَّبِيُّ اَلْعَرَبِيُّ اَلْمَوْعُودُ في كُتُبِهِمْ. فَإذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا اَللَّهَ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ، ولِإنْجازِهِ ما وعَدَ في اَلْكُتُبِ اَلْمُنَزَّلَةِ، وبَشَّرَ بِهِ مِن بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْزالِ اَلْقُرْآنِ عَلَيْهِ. وهو اَلْمُرادُ بِالوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] فَإنْ قُلْتَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ تَعْلِيلٌ لِماذا ؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ وأنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِـ ) قُلْ ) عَلى سَبِيلِ اَلتَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَطْيِيبِ نَفْسِهِ. كَأنَّهُ قِيلَ: تَسَلَّ عَنْ إيمانِ اَلْجَهَلَةِ بِإيمانِ اَلْعُلَماءِ. وعَلى اَلْأوَّلِ: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ (p-٤٠١٠)لَقَدْ آمَنَ بِهِ مَن هو خَيْرٌ مِنكم. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اَلْخُرُورِ لِلذَّقَنِ ؟ قُلْتُ: اَلسُّقُوطُ عَلى اَلْوَجْهِ. وإنَّما ذُكِرَ اَلذَّقْنُ، وهو مُجْتَمَعُ اَللَّحْيَيْنِ؛ لِأنَّ اَلسّاجِدَ أوَّلُ ما يَلْقى بِهِ اَلْأرْضَ مِن وجْهِهِ اَلذَّقْنُ. فَإنْ قُلْتَ: حَرْفُ اَلِاسْتِعْلاءِ ظاهِرُ اَلْمَعْنى، إذا قُلْتَ خَرَّ عَلى وجْهِهِ وعَلى ذَقْنِهِ، فَما مَعْنى اَللّامُ في (خَرَّ لِذَقْنِهِ ولِوَجْهِهِ) ؟ قالَ: فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ جَعَلَ ذَقْنَهُ ووَجْهَهُ لِلْخُرُورِ. واخْتَصَّهُ بِهِ لِأنَّ اَللّامَ لِلِاخْتِصاصِ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ كَرَّرَ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ ؟ قُلْتُ: لِاخْتِلافِ اَلْحالَيْنِ، وهُما خَرُورُهم في حالِ كَوْنِهِمْ ساجِدِينَ، وخَرُورُهم في حالِ كَوْنِهِمْ باكِينَ. اِنْتَهى. تَنْبِيهٌ: دَلَّ نَعْتُ هَؤُلاءِ ومَدْحُهم بِخَرُورِهِمْ باكِينَ، عَلى اِسْتِحْبابِ اَلْبُكاءِ والتَّخَشُّعِ. فَإنَّ كُلَّ ما حَمِدَ فِيهِ مِنَ اَلنُّعُوتِ والصِّفاتِ اَلَّتِي وصَفَ اَللَّهُ تَعالى بِها مَن أحَبَّهُ مِن عِبادِهِ، يَلْزَمُ اَلِاتِّصافُ بِها. كَما أنَّ ما ذَمَّ مِنها مِن مَقْتِهِ مِنهم، يَجِبُ اِجْتِنابُهُ. وقَدْ عَدَّ اَلْإمامُ اَلْغَزالِيُّ في " اَلْإحْياءِ " مِن آدابِ ظاهِرِ اَلتِّلاوَةِ اَلْبُكاءُ. قالَ: اَلْبُكاءُ مُسْتَحَبٌّ مَعَ اَلْقِراءَةِ. قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اُتْلُوا اَلْقُرْآنَ وابْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا»» . وقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: إذا قَرَأْتُمْ سَجْدَةَ سُبْحانَ، فَلا تُعَجِّلُوا بِالسُّجُودِ حَتّى تَبْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكِ عَيْنُ أحَدِكم، فَلْيَبْكِ قَلْبُهُ. وإنَّما طَرِيقُ تَكَلُّفِ اَلْبُكاءِ أنْ يَحْضُرَ قَلْبَهُ اَلْحُزْنُ. فَمِنَ اَلْحُزْنِ يَنْشَأُ اَلْبُكاءُ، ووَجْهُ إحْضارِ اَلْحُزْنِ، أنْ يَتَأمَّلَ ما فِيهِ مِنَ اَلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ والمَواثِيقِ والعُهُودِ. ثُمَّ يَتَأمَّلُ تَقْصِيرَهُ في أوامِرِهِ وزَواجِرِهِ، فَيَحْزَنُ لا مَحالَةَ ويَبْكِي. فَإنْ لَمْ يَحْضُرْهُ حُزْنٌ وبُكاءٌ، كَما يَحْضُرُ أرْبابَ اَلْقُلُوبِ اَلصّافِيَةِ، فَلْيَبْكِ عَلى فَقْدِ اَلْحُزْنِ والبُكاءِ. فَإنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ اَلْمَصائِبِ. اِنْتَهى. وذَكَرَ اَلسُّيُوطِيُّ في (اَلْإكْلِيلِ) أنَّ اَلشّافِعِيَّ اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا﴾ [الإسراء: ١٠٨] اَلْآيَةَ، عَلى اِسْتِحْبابِ هَذا اَلذِّكْرِ في سُجُودِ اَلتِّلاوَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤٠١١)

الإسراء 17:108

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٧-١٠٩] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] . ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أمْرٌ بِالإعْراضِ عَنْهم واحْتِقارِهِمْ والِازْدِراءِ بِشَأْنِهِمْ، وأنْ لا يَكْتَرِثَ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ وبِامْتِناعِهِمْ عَنْهُ. وإنَّهم إنْ لَمْ يَدْخُلُوا في اَلْإيمانِ ولَمْ يُصَدِّقُوا بِالقُرْآنِ وهم أهْلُ جاهِلِيَّةٍ وشِرْكٍ، فَإنَّ خَيْرًا مِنهم وأفْضَلَ، وهُمُ اَلْعُلَماءُ اَلَّذِينَ قَرَأُوا اَلْكُتُبَ وعَلِمُوا ما اَلْوَحْيُ وما اَلشَّرائِعُ، قَدْ آمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وثَبَتَ عِنْدَهم أنَّهُ اَلنَّبِيُّ اَلْعَرَبِيُّ اَلْمَوْعُودُ في كُتُبِهِمْ. فَإذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا اَللَّهَ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ، ولِإنْجازِهِ ما وعَدَ في اَلْكُتُبِ اَلْمُنَزَّلَةِ، وبَشَّرَ بِهِ مِن بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْزالِ اَلْقُرْآنِ عَلَيْهِ. وهو اَلْمُرادُ بِالوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] فَإنْ قُلْتَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ تَعْلِيلٌ لِماذا ؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ وأنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِـ ) قُلْ ) عَلى سَبِيلِ اَلتَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَطْيِيبِ نَفْسِهِ. كَأنَّهُ قِيلَ: تَسَلَّ عَنْ إيمانِ اَلْجَهَلَةِ بِإيمانِ اَلْعُلَماءِ. وعَلى اَلْأوَّلِ: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ (p-٤٠١٠)لَقَدْ آمَنَ بِهِ مَن هو خَيْرٌ مِنكم. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اَلْخُرُورِ لِلذَّقَنِ ؟ قُلْتُ: اَلسُّقُوطُ عَلى اَلْوَجْهِ. وإنَّما ذُكِرَ اَلذَّقْنُ، وهو مُجْتَمَعُ اَللَّحْيَيْنِ؛ لِأنَّ اَلسّاجِدَ أوَّلُ ما يَلْقى بِهِ اَلْأرْضَ مِن وجْهِهِ اَلذَّقْنُ. فَإنْ قُلْتَ: حَرْفُ اَلِاسْتِعْلاءِ ظاهِرُ اَلْمَعْنى، إذا قُلْتَ خَرَّ عَلى وجْهِهِ وعَلى ذَقْنِهِ، فَما مَعْنى اَللّامُ في (خَرَّ لِذَقْنِهِ ولِوَجْهِهِ) ؟ قالَ: فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ جَعَلَ ذَقْنَهُ ووَجْهَهُ لِلْخُرُورِ. واخْتَصَّهُ بِهِ لِأنَّ اَللّامَ لِلِاخْتِصاصِ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ كَرَّرَ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ ؟ قُلْتُ: لِاخْتِلافِ اَلْحالَيْنِ، وهُما خَرُورُهم في حالِ كَوْنِهِمْ ساجِدِينَ، وخَرُورُهم في حالِ كَوْنِهِمْ باكِينَ. اِنْتَهى. تَنْبِيهٌ: دَلَّ نَعْتُ هَؤُلاءِ ومَدْحُهم بِخَرُورِهِمْ باكِينَ، عَلى اِسْتِحْبابِ اَلْبُكاءِ والتَّخَشُّعِ. فَإنَّ كُلَّ ما حَمِدَ فِيهِ مِنَ اَلنُّعُوتِ والصِّفاتِ اَلَّتِي وصَفَ اَللَّهُ تَعالى بِها مَن أحَبَّهُ مِن عِبادِهِ، يَلْزَمُ اَلِاتِّصافُ بِها. كَما أنَّ ما ذَمَّ مِنها مِن مَقْتِهِ مِنهم، يَجِبُ اِجْتِنابُهُ. وقَدْ عَدَّ اَلْإمامُ اَلْغَزالِيُّ في " اَلْإحْياءِ " مِن آدابِ ظاهِرِ اَلتِّلاوَةِ اَلْبُكاءُ. قالَ: اَلْبُكاءُ مُسْتَحَبٌّ مَعَ اَلْقِراءَةِ. قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اُتْلُوا اَلْقُرْآنَ وابْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا»» . وقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: إذا قَرَأْتُمْ سَجْدَةَ سُبْحانَ، فَلا تُعَجِّلُوا بِالسُّجُودِ حَتّى تَبْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكِ عَيْنُ أحَدِكم، فَلْيَبْكِ قَلْبُهُ. وإنَّما طَرِيقُ تَكَلُّفِ اَلْبُكاءِ أنْ يَحْضُرَ قَلْبَهُ اَلْحُزْنُ. فَمِنَ اَلْحُزْنِ يَنْشَأُ اَلْبُكاءُ، ووَجْهُ إحْضارِ اَلْحُزْنِ، أنْ يَتَأمَّلَ ما فِيهِ مِنَ اَلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ والمَواثِيقِ والعُهُودِ. ثُمَّ يَتَأمَّلُ تَقْصِيرَهُ في أوامِرِهِ وزَواجِرِهِ، فَيَحْزَنُ لا مَحالَةَ ويَبْكِي. فَإنْ لَمْ يَحْضُرْهُ حُزْنٌ وبُكاءٌ، كَما يَحْضُرُ أرْبابَ اَلْقُلُوبِ اَلصّافِيَةِ، فَلْيَبْكِ عَلى فَقْدِ اَلْحُزْنِ والبُكاءِ. فَإنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ اَلْمَصائِبِ. اِنْتَهى. وذَكَرَ اَلسُّيُوطِيُّ في (اَلْإكْلِيلِ) أنَّ اَلشّافِعِيَّ اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا﴾ [الإسراء: ١٠٨] اَلْآيَةَ، عَلى اِسْتِحْبابِ هَذا اَلذِّكْرِ في سُجُودِ اَلتِّلاوَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤٠١١)

الإسراء 17:109

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٧-١٠٩] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] . ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أمْرٌ بِالإعْراضِ عَنْهم واحْتِقارِهِمْ والِازْدِراءِ بِشَأْنِهِمْ، وأنْ لا يَكْتَرِثَ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ وبِامْتِناعِهِمْ عَنْهُ. وإنَّهم إنْ لَمْ يَدْخُلُوا في اَلْإيمانِ ولَمْ يُصَدِّقُوا بِالقُرْآنِ وهم أهْلُ جاهِلِيَّةٍ وشِرْكٍ، فَإنَّ خَيْرًا مِنهم وأفْضَلَ، وهُمُ اَلْعُلَماءُ اَلَّذِينَ قَرَأُوا اَلْكُتُبَ وعَلِمُوا ما اَلْوَحْيُ وما اَلشَّرائِعُ، قَدْ آمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وثَبَتَ عِنْدَهم أنَّهُ اَلنَّبِيُّ اَلْعَرَبِيُّ اَلْمَوْعُودُ في كُتُبِهِمْ. فَإذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا اَللَّهَ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ، ولِإنْجازِهِ ما وعَدَ في اَلْكُتُبِ اَلْمُنَزَّلَةِ، وبَشَّرَ بِهِ مِن بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْزالِ اَلْقُرْآنِ عَلَيْهِ. وهو اَلْمُرادُ بِالوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] فَإنْ قُلْتَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ تَعْلِيلٌ لِماذا ؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ وأنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِـ ) قُلْ ) عَلى سَبِيلِ اَلتَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَطْيِيبِ نَفْسِهِ. كَأنَّهُ قِيلَ: تَسَلَّ عَنْ إيمانِ اَلْجَهَلَةِ بِإيمانِ اَلْعُلَماءِ. وعَلى اَلْأوَّلِ: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ (p-٤٠١٠)لَقَدْ آمَنَ بِهِ مَن هو خَيْرٌ مِنكم. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اَلْخُرُورِ لِلذَّقَنِ ؟ قُلْتُ: اَلسُّقُوطُ عَلى اَلْوَجْهِ. وإنَّما ذُكِرَ اَلذَّقْنُ، وهو مُجْتَمَعُ اَللَّحْيَيْنِ؛ لِأنَّ اَلسّاجِدَ أوَّلُ ما يَلْقى بِهِ اَلْأرْضَ مِن وجْهِهِ اَلذَّقْنُ. فَإنْ قُلْتَ: حَرْفُ اَلِاسْتِعْلاءِ ظاهِرُ اَلْمَعْنى، إذا قُلْتَ خَرَّ عَلى وجْهِهِ وعَلى ذَقْنِهِ، فَما مَعْنى اَللّامُ في (خَرَّ لِذَقْنِهِ ولِوَجْهِهِ) ؟ قالَ: فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ جَعَلَ ذَقْنَهُ ووَجْهَهُ لِلْخُرُورِ. واخْتَصَّهُ بِهِ لِأنَّ اَللّامَ لِلِاخْتِصاصِ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ كَرَّرَ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ ؟ قُلْتُ: لِاخْتِلافِ اَلْحالَيْنِ، وهُما خَرُورُهم في حالِ كَوْنِهِمْ ساجِدِينَ، وخَرُورُهم في حالِ كَوْنِهِمْ باكِينَ. اِنْتَهى. تَنْبِيهٌ: دَلَّ نَعْتُ هَؤُلاءِ ومَدْحُهم بِخَرُورِهِمْ باكِينَ، عَلى اِسْتِحْبابِ اَلْبُكاءِ والتَّخَشُّعِ. فَإنَّ كُلَّ ما حَمِدَ فِيهِ مِنَ اَلنُّعُوتِ والصِّفاتِ اَلَّتِي وصَفَ اَللَّهُ تَعالى بِها مَن أحَبَّهُ مِن عِبادِهِ، يَلْزَمُ اَلِاتِّصافُ بِها. كَما أنَّ ما ذَمَّ مِنها مِن مَقْتِهِ مِنهم، يَجِبُ اِجْتِنابُهُ. وقَدْ عَدَّ اَلْإمامُ اَلْغَزالِيُّ في " اَلْإحْياءِ " مِن آدابِ ظاهِرِ اَلتِّلاوَةِ اَلْبُكاءُ. قالَ: اَلْبُكاءُ مُسْتَحَبٌّ مَعَ اَلْقِراءَةِ. قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اُتْلُوا اَلْقُرْآنَ وابْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا»» . وقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: إذا قَرَأْتُمْ سَجْدَةَ سُبْحانَ، فَلا تُعَجِّلُوا بِالسُّجُودِ حَتّى تَبْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكِ عَيْنُ أحَدِكم، فَلْيَبْكِ قَلْبُهُ. وإنَّما طَرِيقُ تَكَلُّفِ اَلْبُكاءِ أنْ يَحْضُرَ قَلْبَهُ اَلْحُزْنُ. فَمِنَ اَلْحُزْنِ يَنْشَأُ اَلْبُكاءُ، ووَجْهُ إحْضارِ اَلْحُزْنِ، أنْ يَتَأمَّلَ ما فِيهِ مِنَ اَلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ والمَواثِيقِ والعُهُودِ. ثُمَّ يَتَأمَّلُ تَقْصِيرَهُ في أوامِرِهِ وزَواجِرِهِ، فَيَحْزَنُ لا مَحالَةَ ويَبْكِي. فَإنْ لَمْ يَحْضُرْهُ حُزْنٌ وبُكاءٌ، كَما يَحْضُرُ أرْبابَ اَلْقُلُوبِ اَلصّافِيَةِ، فَلْيَبْكِ عَلى فَقْدِ اَلْحُزْنِ والبُكاءِ. فَإنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ اَلْمَصائِبِ. اِنْتَهى. وذَكَرَ اَلسُّيُوطِيُّ في (اَلْإكْلِيلِ) أنَّ اَلشّافِعِيَّ اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا﴾ [الإسراء: ١٠٨] اَلْآيَةَ، عَلى اِسْتِحْبابِ هَذا اَلذِّكْرِ في سُجُودِ اَلتِّلاوَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤٠١١)

الإسراء 17:110

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٠-١١١] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] . ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ رَدٌّ لِما أنْكَرَهُ اَلْمُشْرِكُونَ مِن تَسْمِيَةِ اَلرَّحْمَنِ، وإذْنٌ بِتَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ. أيْ: سَمُّوهُ بِهَذا اَلِاسْمِ أوْ بِهَذا. و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ أيْ: أيُّ: هَذَيْنِ اَلِاسْمَيْنِ سَمَّيْتُمْ وذَكَرْتُمْ فَهو حَسَنٌ. وقَدْ وُضِعَ مَوْضِعَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ لِلْمُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى ما هو اَلدَّلِيلُ عَلَيْهِ؛ إذْ حُسْنُ جَمِيعِ أسْمائِهِ يَسْتَدْعِي حُسْنَ ذَيْنِكَ اَلِاسْمَيْنِ. فَأُقِيمُ فِيهِ دَلِيلُ اَلْجَوابِ مَقامَهُ، وهو أبْلَغُ. ومَعْنى كَوْنِها أحْسَنَ اَلْأسْماءِ، أنَّها مُسْتَقِلَّةٌ بِمَعانِي اَلْحَمْدِ والتَّقْدِيسِ والتَّعْظِيمِ. وهَذِهِ اَلْآيَةُ كَآيَةِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أيْ: بِقِراءَةِ صَلاتِكَ. بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أوْ تَسْمِيَةِ اَلْقِراءَةِ صَلاةً؛ لِكَوْنِها مِن أهَمِّ أرْكانِها. كَما تُسَمّى اَلصَّلاةُ رَكْعَةً: ﴿ولا تُخافِتْ بِها﴾ أيْ: تُسِرُّ وتُخْفِي: ﴿وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ أيْ: بَيْنَ اَلْجَهْرِ والمُخافَتَةِ، أمْرًا وسَطًا. فَإنَّ خَيْرَ اَلْأُمُورِ أوْساطُها. قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالسَّبِيلِ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ أمْرٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ اَلْمُتَوَجِّهُونَ، ويَؤُمُّهُ اَلْمُقْتَدُونَ، ويُوَصِّلُهم إلى اَلْمَطْلُوبِ. رَوى اَلشَّيْخانِ «أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِقِراءَتِهِ. فَإذا سَمِعَها اَلْمُشْرِكُونَ (p-٤٠١٢)لَغَوْا وسَبُّوا، فَأمَرَ بِأنْ يَتَوَسَّطَ في صَوْتِهِ كَيْلا يَسْمَعَ اَلْمُشْرِكُونَ، ولِيَبْلُغَ مَن خَلْفِهِ قِراءَتُهُ» . ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ اِسْتِحْقاقَهُ لِلْحَمْدِ لِاخْتِصاصِهِ بِنُعُوتِ اَلْكَمالِ وصِفاتِ اَلْجَلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ: لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لِمَوْجُودٍ مِن جِنْسِهِ؛ لِضَرُورَةِ كَوْنِ اَلْمَعْلُولِ مُحْتاجًا إلَيْهِ، مُمْكِنًا بِالذّاتِ، مَعْدُومًا بِالحَقِيقَةِ. فَكَيْفَ يَكُونُ مِن جِنْسِ اَلْمَوْجُودِ حَقًّا، اَلْواجِبُ بِذاتِهِ مِن جَمِيعِ اَلْوُجُوهِ ؟: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ: مَن يُساوِيهِ في قُوَّةِ اَلْقَهْرِ والمَمْلَكَةِ مِنَ اَلشَّرِيكِ في اَلْمِلْكِ. وإلّا لَكانَ مُشْتَرِكَيْنِ في وُجُوبِ اَلْوُجُودِ والحَقِيقَةِ. فامْتِيازُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ اَلْآخَرِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِأمْرٍ غَيْرِ اَلْحَقِيقَةِ اَلْواجِبَةِ. فَلَزِمَ تَرَكُّبُهُما، فَكانا كِلاهُما مُمْكِنَيْنِ لا واجِبَيْنِ. وأيْضًا فَإنْ لَمْ يَسْتَقِلّا بِالتَّأْثِيرِ، لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما إلَهًا. وإنِ اِسْتَقَلَّ أحَدُهُما دُونَ اَلْآخَرِ فَذَلِكَ هو اَلْإلَهُ دُونَهُ، فَلا شَرِيكَ لَهُ. وإنِ اِسْتَقَلّا جَمِيعًا؛ لَزِمَ اِجْتِماعُ اَلْمُؤَثِّرَيْنِ اَلْمُسْتَقِلَّيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ، إنْ فُعِلا مَعًا. وإلّا لَزِمَ إلَهِيَّةُ أحَدِهِما دُونَ اَلْآخَرِ، رَضِيَ بِفِعْلِهِ أوْ لَمْ يَرْضَ. أفادَهُ القاشانِيُّ. ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ: ناصِرٌ مِنَ اَلذُّلِّ ومانِعٌ لَهُ مِنهُ، لِاعْتِزازِهِ بِهِ. أوْ لَمْ يُوالِ أحَدًا مِن أجْلِ مَذَلَّةٍ بِهِ، لِيَدْفَعَها بِمُوالاتِهِ: ﴿وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ: عَظِّمْهُ عَنْ أنْ يَلْحَقَهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ اَلنَّقائِصِ تَعْظِيمًا جَلِيلًا. تَمَّ ما عَلَّقْناهُ عَلى هَذِهِ اَلسُّورَةِ اَلْكَرِيمَةِ، ضَحْوَةَ اَلسَّبْتِ في ٢٦ شَوّالٍ سَنَةَ ١٣٢٣ في سُدَّةِ جامِعِ السَّنانِيَّةِ بِدِمَشْقَ اَلشّامِ. يَسَّرَ اَللَّهُ لَنا بِعَوْنِهِ اَلْإتْمامَ، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ.

الإسراء 17:111

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٠-١١١] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] . ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ رَدٌّ لِما أنْكَرَهُ اَلْمُشْرِكُونَ مِن تَسْمِيَةِ اَلرَّحْمَنِ، وإذْنٌ بِتَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ. أيْ: سَمُّوهُ بِهَذا اَلِاسْمِ أوْ بِهَذا. و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ أيْ: أيُّ: هَذَيْنِ اَلِاسْمَيْنِ سَمَّيْتُمْ وذَكَرْتُمْ فَهو حَسَنٌ. وقَدْ وُضِعَ مَوْضِعَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ لِلْمُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى ما هو اَلدَّلِيلُ عَلَيْهِ؛ إذْ حُسْنُ جَمِيعِ أسْمائِهِ يَسْتَدْعِي حُسْنَ ذَيْنِكَ اَلِاسْمَيْنِ. فَأُقِيمُ فِيهِ دَلِيلُ اَلْجَوابِ مَقامَهُ، وهو أبْلَغُ. ومَعْنى كَوْنِها أحْسَنَ اَلْأسْماءِ، أنَّها مُسْتَقِلَّةٌ بِمَعانِي اَلْحَمْدِ والتَّقْدِيسِ والتَّعْظِيمِ. وهَذِهِ اَلْآيَةُ كَآيَةِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أيْ: بِقِراءَةِ صَلاتِكَ. بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أوْ تَسْمِيَةِ اَلْقِراءَةِ صَلاةً؛ لِكَوْنِها مِن أهَمِّ أرْكانِها. كَما تُسَمّى اَلصَّلاةُ رَكْعَةً: ﴿ولا تُخافِتْ بِها﴾ أيْ: تُسِرُّ وتُخْفِي: ﴿وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ أيْ: بَيْنَ اَلْجَهْرِ والمُخافَتَةِ، أمْرًا وسَطًا. فَإنَّ خَيْرَ اَلْأُمُورِ أوْساطُها. قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالسَّبِيلِ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ أمْرٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ اَلْمُتَوَجِّهُونَ، ويَؤُمُّهُ اَلْمُقْتَدُونَ، ويُوَصِّلُهم إلى اَلْمَطْلُوبِ. رَوى اَلشَّيْخانِ «أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِقِراءَتِهِ. فَإذا سَمِعَها اَلْمُشْرِكُونَ (p-٤٠١٢)لَغَوْا وسَبُّوا، فَأمَرَ بِأنْ يَتَوَسَّطَ في صَوْتِهِ كَيْلا يَسْمَعَ اَلْمُشْرِكُونَ، ولِيَبْلُغَ مَن خَلْفِهِ قِراءَتُهُ» . ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ اِسْتِحْقاقَهُ لِلْحَمْدِ لِاخْتِصاصِهِ بِنُعُوتِ اَلْكَمالِ وصِفاتِ اَلْجَلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ: لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لِمَوْجُودٍ مِن جِنْسِهِ؛ لِضَرُورَةِ كَوْنِ اَلْمَعْلُولِ مُحْتاجًا إلَيْهِ، مُمْكِنًا بِالذّاتِ، مَعْدُومًا بِالحَقِيقَةِ. فَكَيْفَ يَكُونُ مِن جِنْسِ اَلْمَوْجُودِ حَقًّا، اَلْواجِبُ بِذاتِهِ مِن جَمِيعِ اَلْوُجُوهِ ؟: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ: مَن يُساوِيهِ في قُوَّةِ اَلْقَهْرِ والمَمْلَكَةِ مِنَ اَلشَّرِيكِ في اَلْمِلْكِ. وإلّا لَكانَ مُشْتَرِكَيْنِ في وُجُوبِ اَلْوُجُودِ والحَقِيقَةِ. فامْتِيازُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ اَلْآخَرِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِأمْرٍ غَيْرِ اَلْحَقِيقَةِ اَلْواجِبَةِ. فَلَزِمَ تَرَكُّبُهُما، فَكانا كِلاهُما مُمْكِنَيْنِ لا واجِبَيْنِ. وأيْضًا فَإنْ لَمْ يَسْتَقِلّا بِالتَّأْثِيرِ، لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما إلَهًا. وإنِ اِسْتَقَلَّ أحَدُهُما دُونَ اَلْآخَرِ فَذَلِكَ هو اَلْإلَهُ دُونَهُ، فَلا شَرِيكَ لَهُ. وإنِ اِسْتَقَلّا جَمِيعًا؛ لَزِمَ اِجْتِماعُ اَلْمُؤَثِّرَيْنِ اَلْمُسْتَقِلَّيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ، إنْ فُعِلا مَعًا. وإلّا لَزِمَ إلَهِيَّةُ أحَدِهِما دُونَ اَلْآخَرِ، رَضِيَ بِفِعْلِهِ أوْ لَمْ يَرْضَ. أفادَهُ القاشانِيُّ. ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ: ناصِرٌ مِنَ اَلذُّلِّ ومانِعٌ لَهُ مِنهُ، لِاعْتِزازِهِ بِهِ. أوْ لَمْ يُوالِ أحَدًا مِن أجْلِ مَذَلَّةٍ بِهِ، لِيَدْفَعَها بِمُوالاتِهِ: ﴿وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ: عَظِّمْهُ عَنْ أنْ يَلْحَقَهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ اَلنَّقائِصِ تَعْظِيمًا جَلِيلًا. تَمَّ ما عَلَّقْناهُ عَلى هَذِهِ اَلسُّورَةِ اَلْكَرِيمَةِ، ضَحْوَةَ اَلسَّبْتِ في ٢٦ شَوّالٍ سَنَةَ ١٣٢٣ في سُدَّةِ جامِعِ السَّنانِيَّةِ بِدِمَشْقَ اَلشّامِ. يَسَّرَ اَللَّهُ لَنا بِعَوْنِهِ اَلْإتْمامَ، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ.

الكهف 18:1

(p-٤٠٢٠)سُورَةُ الكَهْفِ ويُقالُ لَها سُورَةُ أصْحابِ الكَهْفِ. قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى قِصَّةِ أصْحابِهِ الجامِعَةِ فَوائِدَ الإيمانِ بِاللَّهِ، مِنَ الأمْنِ الكُلِّيِّ عَنِ الأعْداءِ، والإغْناءِ الكُلِّيِّ عَنِ الأشْياءِ، والكَراماتِ العَجِيبَةِ، وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. وهي مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ إلّا أوَّلَها إلى قَوْلِهِ: ﴿جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٢٨] الآيَةَ، و﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الكهف: ١٠٧] إلى آخِرِ السُّورَةِ. واخْتارَ الدّانِيُّ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلَّها. وآيُها مِائَةٌ وعَشْرَةٌ، وقَدْ رُوِيَ في فَضْلِها أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، ساقَها الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ. (p-٤٠٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْـزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْـزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ قَدَّمْنا أنَّ كَثِيرًا ما تُفْتَحُ السُّوَرُ وتُخْتَمُ بِالحَمْدِ، إشارَةً إلى أنَّهُ المَحْمُودُ عَلى كُلِّ حالٍ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠] وتَعْلِيمًا لِلْعِبادِ أدَبَ افْتِتاحِ كُلِّ أمْرٍ ذِي بالٍ واخْتِتامِهِ. وذَلِكَ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى بِنِعَمِهِ العُظْمى ومِنَنِهِ الكُبْرى. وفي إيثارِ إنْزالِ التَّنْزِيلِ مِن بَيْنِ سائِرِ نُعُوتِهِ العَلِيَّةِ، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ نَعْمائِهِ. فَإنَّهُ الهادِي إلى ما فِيهِ كَمالُ العِبادِ، والدّاعِي إلى ما بِهِ يَنْتَظِمُ صَلاحُ المَعاشِ والمَعادِ. ولا شَيْءَ في مَعْناهُ يُماثِلُهُ. وفي ذِكْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ، تَنْبِيهٌ عَلى عَظَمَةِ المُنْزَلِ والمُنْزَلِ عَلَيْهِ. كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الإضافَةُ الِاخْتِصاصِيَّةُ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. وإشْعارٌ بِأنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلْمُرْسِلِ لا كَما زَعَمَتِ النَّصارى في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَعْرِيفُ الكِتابِ لِلْعَهْدِ. أيِ: الكِتابُ الكامِلُ الغَنِيُّ عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ، المَعْرُوفُ بِذَلِكَ مِن بَيْنِ الكُتُبِ، الحَقِيقُ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الكِتابِ بِهِ. وهو عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ القُرْآنِ. أوْ عَنْ جَمِيعِ المُنْزَلِ حِينَئِذٍ. وتَأْخِيرُهُ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ، مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ، لِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ العِوَجِ، بِاخْتِلالٍ في نَظْمِهِ وتَنافٍ في مَعانِيهِ. أوْ زَيْغٍ وانْحِرافٍ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ. بَلْ جَعَلَهُ مُزِيلًا لِلْعِوَجِ؛ إذْ جَعَلَهُ:

الكهف 18:2

(p-٤٠٢٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢] ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ [٣] ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٣] ﴿قَيِّمًا﴾ أيْ: قَيِّمًا بِمَصالِحِ العِبادِ وما لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِنَ الشَّرائِعِ. فَهو وصْفٌ لَهُ بِأنَّهُ مُكَمِّلٌ لَهُمْ، بَعْدَ وصْفِهِ بِأنَّهُ كامِلٌ في نَفْسِهِ. أوْ قَيِّمًا عَلى الكُتُبِ السّالِفَةِ، مُهَيْمِنًا عَلَيْها. أوْ مُتَناهِيًا في الِاسْتِقامَةِ والِاعْتِدالِ. فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ نَفْيُ العِوَجِ. مَعَ إفادَةِ كَوْنِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ اللّازِمَةِ لَهُ، حَسْبَما تُنْبِئُ عَنْهُ الصِّيغَةُ. وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ جَعَلَهُ كَما ذَكَرْنا. عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ. وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ. تَنْبِيهٌ: ذَهَبَ القاشانِيُّ أنَّ الضَّمِيرَ في " لَهُ " وما بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ: " عَبْدِهِ " قالَ: أيْ: لَمْ يَجْعَلْ لِعَبْدِهِ زَيْغًا ومَيْلًا. وجَعَلَهُ قَيِّمًا، يَعْنِي مُسْتَقِيمًا، كَما أُمِرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] أوْ قَيِّمًا بِأمْرِ العِبادِ وهِدايَتِهِمْ، إذِ التَّكْمِيلُ يَتَرَتَّبُ عَلى الكَمالِ. لِأنَّهُ: عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمّا فَرَغَ مِن تَقْوِيمِ نَفْسِهِ وتَزْكِيَتِها، أُقِيمَتْ نُفُوسُ أُمَّتِهِ مَقامَ نَفْسِهِ. فَأُمِرَ بِتَقْوِيمِها وتَزْكِيَتِها. ولِهَذا المَعْنى سُمِّي إبْراهِيمُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أُمَّةً. وهَذِهِ القَيِّمِيَّةُ أيِ: القِيامُ بِهِدايَةِ النّاسِ، داخِلَةٌ في الِاسْتِقامَةِ المَأْمُورِ هو بِها في الحَقِيقَةِ، انْتَهى. والأظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ أيْ: لِيُنْذِرَ مَن خالَفَهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، عَذابًا شَدِيدًا عاجِلًا أوْ آجِلًا. و(البَأْسُ): القَهْرُ والعَذابُ، وخَصَّصَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ إشارَةً إلى زِيادَةِ هَوْلِهِ. ولِذَلِكَ عَظَّمَهُ بِالتَّنْكِيرِ. مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلَ أوْ بِعامِلِ قَيِّمًا: ﴿ويُبَشِّرَ (p-٤٠٢٣)المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِهِ. وقالَ القاشانِيُّ: أيِ: المُوَحِّدِينَ، لِكَوْنِهِمْ في مُقابَلَةِ المُشْرِكِينَ، الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ أيْ: مِنَ الخَيْراتِ والفَضائِلِ: ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهُمْ، بِمُقابَلَةِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ: ﴿أجْرًا حَسَنًا﴾ وهو الجَنَّةُ: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٣]

الكهف 18:3

(p-٤٠٢٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢] ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ [٣] ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٣] ﴿قَيِّمًا﴾ أيْ: قَيِّمًا بِمَصالِحِ العِبادِ وما لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِنَ الشَّرائِعِ. فَهو وصْفٌ لَهُ بِأنَّهُ مُكَمِّلٌ لَهُمْ، بَعْدَ وصْفِهِ بِأنَّهُ كامِلٌ في نَفْسِهِ. أوْ قَيِّمًا عَلى الكُتُبِ السّالِفَةِ، مُهَيْمِنًا عَلَيْها. أوْ مُتَناهِيًا في الِاسْتِقامَةِ والِاعْتِدالِ. فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ نَفْيُ العِوَجِ. مَعَ إفادَةِ كَوْنِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ اللّازِمَةِ لَهُ، حَسْبَما تُنْبِئُ عَنْهُ الصِّيغَةُ. وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ جَعَلَهُ كَما ذَكَرْنا. عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ. وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ. تَنْبِيهٌ: ذَهَبَ القاشانِيُّ أنَّ الضَّمِيرَ في " لَهُ " وما بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ: " عَبْدِهِ " قالَ: أيْ: لَمْ يَجْعَلْ لِعَبْدِهِ زَيْغًا ومَيْلًا. وجَعَلَهُ قَيِّمًا، يَعْنِي مُسْتَقِيمًا، كَما أُمِرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] أوْ قَيِّمًا بِأمْرِ العِبادِ وهِدايَتِهِمْ، إذِ التَّكْمِيلُ يَتَرَتَّبُ عَلى الكَمالِ. لِأنَّهُ: عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمّا فَرَغَ مِن تَقْوِيمِ نَفْسِهِ وتَزْكِيَتِها، أُقِيمَتْ نُفُوسُ أُمَّتِهِ مَقامَ نَفْسِهِ. فَأُمِرَ بِتَقْوِيمِها وتَزْكِيَتِها. ولِهَذا المَعْنى سُمِّي إبْراهِيمُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أُمَّةً. وهَذِهِ القَيِّمِيَّةُ أيِ: القِيامُ بِهِدايَةِ النّاسِ، داخِلَةٌ في الِاسْتِقامَةِ المَأْمُورِ هو بِها في الحَقِيقَةِ، انْتَهى. والأظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ أيْ: لِيُنْذِرَ مَن خالَفَهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، عَذابًا شَدِيدًا عاجِلًا أوْ آجِلًا. و(البَأْسُ): القَهْرُ والعَذابُ، وخَصَّصَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ إشارَةً إلى زِيادَةِ هَوْلِهِ. ولِذَلِكَ عَظَّمَهُ بِالتَّنْكِيرِ. مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلَ أوْ بِعامِلِ قَيِّمًا: ﴿ويُبَشِّرَ (p-٤٠٢٣)المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِهِ. وقالَ القاشانِيُّ: أيِ: المُوَحِّدِينَ، لِكَوْنِهِمْ في مُقابَلَةِ المُشْرِكِينَ، الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ أيْ: مِنَ الخَيْراتِ والفَضائِلِ: ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهُمْ، بِمُقابَلَةِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ: ﴿أجْرًا حَسَنًا﴾ وهو الجَنَّةُ: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٣]

الكهف 18:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤] ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ وهم مُشْرِكُو العَرَبِ في قَوْلِهِمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والنَّصارى في دَعْواهُمُ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ وخَصَّهم بِالذِّكْرِ، وكَرَّرَ الإنْذارَ مُتَعَلِّقًا بِهِمُ، اسْتِعْظامًا لِكُفْرِهِمْ. وتَرْكُ إجْراءِ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُوفِ كَما فَعَلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الكهف: ٢] لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، في الكُفْرِ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ.

الكهف 18:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥] ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ﴾ أيْ: ما لَهم بِالوَلَدِ، أوْ بِاتِّخاذِهِ، أوْ بِالقَوْلِ، مِن عِلْمٍ. بَلْ إنَّما يَصْدُرُ عَنْ جَهْلٍ مُفْرِطٍ، وتَوَهُّمٍ كاذِبٍ، وتَقْلِيدٍ لِلْآباءِ. لا عَنْ عِلْمِ يَقِينٍ، ويَقِينٍ. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ أيْ: ما أكْبَرَها كَلِمَةً: ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الوَلَدَ مُسْتَحِيلٌ لا مَعْنى لَهُ. إذِ العِلْمُ اليَقِينِيُّ يَشْهَدُ أنَّ الوُجُودَ الواجِبِيَّ أحَدِيُّ الذّاتِ، لا يُماثِلُهُ الوُجُودُ المُمْكِنُ. والوَلَدُ هو المُماثِلُ لِوالِدِهِ في النَّوْعِ، المُكافِئُ لَهُ في القُوَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِــ(كَلِمَةً) تُفِيدُ اسْتِعْظامَ اجْتِرائِهِمْ عَلى إخْراجِها مِن أفْواهِهِمْ. قالَ الشِّهابُ: لِأنَّ المَعْنى: كَبُرَ خُرُوجُها. أيْ: عَظُمَتْ بَشاعَتُهُ وقَباحَتُهُ، بِمُجَرَّدِ التَّفَوُّهِ. فَما بالُكَ بِاعْتِقادِهِ: ﴿إنْ (p-٤٠٢٤)يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ أيْ: قُولًا كَذِبًا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ إمْكانِ الصِّدْقِ أصْلًا. وذَلِكَ لِتَطابُقِ الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ، والوِجْدانِ الذَّوْقِيِّ عَلى إحالَتِهِ.

الكهف 18:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦] ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ﴾ أيْ: مُهْلِكٌ: ﴿نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ: ﴿أسَفًا﴾ أيْ: لِتَأْسَفَ عَلى تَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ. أوْ مُتَأسِّفًا عَلَيْهِمْ. والأسَفُ فَرْطُ الحُزْنِ والغَضَبِ. وفي (العِنايَةِ): لَعَلَّ لِلتَّرَجِّي. وهو الطَّمَعُ في الوُقُوعِ أوِ الإشْفاقُ مِنهُ. وهي هُنا اسْتِعارَةٌ. أيْ: وصَلْتَ إلى حالَةٍ يَتَوَقَّعُ مِنكَ النّاسُ ذَلِكَ. لِما يُشاهَدُ مِن تَأسُّفِكَ عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ. وفي النَّظْمِ الكَرِيمِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ حالِهِ مَعَهُمْ، وقَدْ تَوَلَّوْا، وهو آسِفٌ مِن عَدَمِ هِدايَتِهِمْ، بِحالِ مَن فارَقَتْهُ أحِبَّتُهُ. فَهَمَّ بِقَتْلِ نَفْسِهِ. أوْ كادَ يَهْلَكُ وجْدًا عَلَيْهِمْ وتَحَسُّرًا عَلى آثارِهِمْ. وسِرُّ ذَلِكَ -كَما قالَ القاشانِيُّ - أنَّ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ والرَّحْمَةَ عَلَيْهِمْ مِن لَوازِمِ مَحَبَّةِ اللَّهِ ونَتائِجِهِ. ولَمّا كانَ ﷺ حَبِيبَ اللَّهِ، ومِن لَوازِمِ مَحْبُوبِيَّتِهِ مَحَبَّتُهُ لِلَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وكُلَّما كانَتْ مَحَبَّتُهُ لِلْحَقِّ أقْوى، كانَتْ شَفَقَتُهُ ورَحْمَتُهُ عَلى خَلْقِهِ أكْثَرَ. لِكَوْنِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ ظِلَّ مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ، وأشَدَّ تَعَطُّفِهِ عَلَيْهِمْ. فَإنَّهم كَأوْلادِهِ وأقارِبِهِ. بَلْ كَأعْضائِهِ وجَوارِحِهِ في الشُّهُودِ الحَقِيقِيِّ. فَلِذَلِكَ بالَغَ في التَّأسُّفِ عَلَيْهِمْ، حَتّى كادَ يُهْلِكُ نَفْسَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧] ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ والمَعادِنِ: ﴿زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أيْ: لِيَظْهَرَ أيُّهم أقْهَرُ لِشَهَواتِها ودَواعِيها، وأعْصى لِهَواها أيْ: رِضايَ، وأقْدَرُ عَلى مُخالَفَتِها لِمُوافَقَتِي.

الكهف 18:8

(p-٤٠٢٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨] ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ . ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ أيْ: تُرابًا مُسْتَوِيًا لا نَباتَ فِيهِ. بَعْدَ ما كانَ يُبْهِجُ النُّظّارَ، لا شَيْءَ فِيهِ يَخْتَلِفُ، رُبًى ووِهادًا. أيْ: نُفْنِيها وما عَلَيْها ولا نُبالِي. وفي الآيَةِ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. كَأنَّهُ قِيلَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فَإنَّهُ لا عَلَيْكَ أنْ يَهْلَكُوا جَمِيعًا. لِأنّا نُخْرِجُ جَمِيعَ الأسْبابِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ لِلِابْتِلاءِ. ثُمَّ نُفْنِيها، ولا حَيْفَ ولا نَقْصَ. أوْ لا تَحْزَنْ فَإنّا مُفْنُونَ ذَلِكَ ومُجازُونَ لَهم بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩] ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ أيْ: آيَةً ذاتَ عَجَبٍ. عَلى حَذْفِ مُضافٍ. أوْ وصْفًا بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً و﴿مِن آياتِنا﴾ حالٌ مِنهُ و﴿أمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ بِمَعْنى الهَمْزَةِ. أيْ: أنَّهم مِن بَيْنِ آياتِنا آيَةٌ عَجِيبَةٌ. وجَعَلَها مُنْقَطِعَةً مُقَدَّرَةً بِبَلْ والهَمْزَةِ والِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ -أيْ: إنْكارُ حُسْبانِهِمْ آيَةً عَجِيبَةً بِالنِّسْبَةِ إلى آياتِهِ الكُبْرى- فِيهِ بُعْدٌ. لِأنَّ سِياقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ، أعْنِي سَوْقَها مُفَصَّلَةً مُنَوَّهًا بِها، ما هو إلّا لِتَقْرِيرِ التَّعَجُّبِ مِنها. و(الكَهْفُ) الغارُ الواسِعُ في الجَبَلِ. و(الرَّقِيمُ) اسْمُ كَلْبِهِمْ. وقِيلَ لَوْحُ رَقِيمٍ فِيهِ حَدِيثُهُمْ، وجُعِلَ عَلى بابِ الكَهْفِ. وقِيلَ الجَبَلُ أوِ الوادِي، أقْوالٌ.

الكهف 18:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠] ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ . ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ أيْ: خَوْفًا مِن إيذاءِ المَلِكِ عَلى تَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ (p-٤٠٢٦)والذَّبْحِ لَها. وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ لِتَحْقِيقِ حالِهِمْ بِتَغْلِيبِهِمْ جانِبَ اللَّهِ عَلى جانِبِ أهْوِيَتِهِمْ في حالِ شَبابِهِمْ: ﴿فَقالُوا رَبَّنا﴾ أيْ: مَن رَبّانا بِنِعْمَةِ إيثارِ جانِبِهِ عَلى جانِبِ أنْفُسِنا: ﴿آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أيْ: مِن خَزائِنِكَ وهي المَغْفِرَةُ والرِّزْقُ والأمْنُ مِنَ الأعْدادِ: ﴿وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا﴾ وهو اخْتِيارُ الكَهْفِ لِمُفارَقَةِ الكُفّارِ: ﴿رَشَدًا﴾ وهو تَوْحِيدُكَ وعِبادَتُكَ.

الكهف 18:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١] ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ . ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ أيْ: أنَمْناهم نَوْمَةً ثَقِيلَةً لا يُنَبِّهُهم صَفِيرُ الخَبِيرِ، ولا دَعْوَةُ الدّاعِي الخَبِيرِ، في الكَهْفِ سِنِينَ ذَواتِ عَدَدٍ. أيْ: كَثِيرَةً أوْ مَعْدُودَةً. قالَ الشِّهابُ: ضَرَبْنا مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِمَعْنى أنَمْناهم إنامَةً لا يُنْتَبَهُ مِنها بِالصِّياحِ. لِأنَّ النّائِمَ يَنْتَبِهُ مِن جِهَةِ سَمْعِهِ. وهو إمّا مِن (ضَرَبْتُ القُفْلَ عَلى البابِ) أوْ (ضَرَبْتُ الخِباءَ عَلى ساكِنِهِ) شُبِّهَ؛ لِاسْتِغْراقِهِ في نَوْمِهِ حَتّى لا يَنْتَبِهَ بِمُنَبِّهٍ، بِمَن كانَ خَلْفَ حُجُبٍ مانِعَةٍ مِن وُصُولِ الأصْواتِ إلَيْهِ، وقِيلَ إنَّهُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.

الكهف 18:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢] ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْ: أيْقَظْناهم إيقاظًا يُشْبِهُ بَعْثَ المَوْتى: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ أيْ: لِنَعْلَمَ واقِعًا ما عَلِمْنا أنَّهُ سَيَقَعُ. وهو أيُّ الحِزْبَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ في مُدَّةِ لَبْثِهِمْ، أشَدُّ إحْصاءً، أيْ: إحاطَةً وضَبْطًا لِغايَةِ مُدَّةِ لَبْثِهِمْ فَيَعْلَمُوا قَدْرَ ما حَفِظَهُمُ اللَّهُ بِلا طَعامٍ ولا شَرابٍ، وأمَّنَهم مِنَ العَدُوِّ، فَيَتِمُّ لَهم رُشْدُهم في شُكْرِهِ، وتَكُونُ لَهم آيَةٌ تَبْعَثُهم عَلى عِبادَتِهِ.

الكهف 18:13

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤٠٢٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣] ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ . ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ شُرُوعٌ في تَمامِ بَسْطِ قِصَّتِهِمْ وتَفْصِيلِها. والحَقُّ الأمْرُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ: ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِوَحْدانِيَّتِهِ إيمانًا يَقِينِيًّا عِلْمِيًّا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ، مَعَ اتِّفاقِ قَوْمِهِمْ عَلى الشِّرْكِ: ﴿وزِدْناهم هُدًى﴾ أيْ: بِتَرْجِيحِ جانِبِ اللَّهِ عَلى جانِبِ أنْفُسِهِمْ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الفِتْيَةُ -وهُمُ الشَّبابُ- أقْبَلُ لِلْحَقِّ وأهْدى لِلسَّبِيلِ، مِنَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ قَدْ عَتَوْا وانْغَمَسُوا في دِينِ الباطِلِ. ولِهَذا كانَ أكْثَرُ المُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ ﷺ شَبابًا. وأمّا عامَّةُ شُيُوخِ قُرَيْشٍ فاسْتَمَرُّوا عَلى ضَلالِهِمْ ولَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا القَلِيلُ. وهَكَذا أخْبَرَ تَعالى عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ أنَّهم كانُوا فِتْيَةً شَبابًا. وقَدْ يُرْوى عَنْ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ رِواياتٌ مُضْطَرِبَةٌ. أوْثَقُها أنَّ هَؤُلاءِ، كانَ قَدِمَ إلى مَدِينَتِهِمْ مَن يَدْعُو إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى، وبِما جاءَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. مِمَّنْ كانَ عَلى قِدَمِ الحَوارِيِّينَ. فاسْتَجابَ لِذَلِكَ الفِتْيَةُ المُنَوَّهُ بِهِمْ. وخَلَعُوا الوَثَنِيَّةَ الَّتِي عَلَيْها قَوْمُهم وفَرُّوا بِدِينِهِمْ خَشْيَةَ أنْ يَفْتِنَهم مَلِكُهم عَنْ دِينِهِمْ أوْ يَقْتُلَهم. فاسْتَخْفَوْا عَنْهُ في الكَهْفِ. واعْتَزَلُوا فِيهِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ. ثُمَّ رُوِيَ أنَّ المَلِكَ طَلَبَهم. فَقِيلَ: دَخَلُوا هَذا الكَهْفَ. فَقالَ قَوْمُهُمْ: لا نُرِيدُ لَهم عُقُوبَةً ولا عَذابًا أشَدَّ مِن أنْ نَرْدِمَ عَلَيْهِمْ هَذا الكَهْفَ. فَبَنَوْهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَدَمُوهُ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا عَلى دِينِ عِيسى. فَرَفَعَ ذَلِكَ البِناءَ الَّذِي كانَ رُدِمَ عَلَيْهِمْ. فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] حَتّى بَلَغَ: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] وكانَ ورِقُ ذَلِكَ الزَّمانِ لِدَوْلَةِ أهْلِهِ. فَأرْسَلُوا أحَدَهم يَأْتِيهِمْ بِطَعامٍ. فَلَمّا ذَهَبَ لِيَخْرُجَ رَأى عَلى بابِ الكَهْفِ شَيْئًا أنْكَرَهُ فَأرادَ أنْ يَرْجِعَ. ثُمَّ مَضى حَتّى دَخَلَ المَدِينَةَ. فَأنْكَرَ ما رَأى. ثُمَّ أخْرَجَ دِرْهَمًا فَنَظَرُوا إلَيْهِ فَأنْكَرُوهُ وأنْكَرُوا الدِّرْهَمَ. وقالُوا: مِن أيْنَ لَكَ هَذا؟ هَذا مِن ورِقٍ غَيْرِ هَذا الزَّمانِ. (p-٤٠٢٨)واجْتَمَعُوا عَلَيْهِ يَسْألُونَهُ. فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى انْطَلَقُوا بِهِ إلى مَلِكِهِمْ. فَأخْبَرَهُ بِأمْرِهِ. فاسْتَبْشَرُوا بِهِ وبِأصْحابِهِ. وقِيلَ لَهُ: انْطَلِقْ فَأرِنا أصْحابَكَ. فانْطَلَقَ وانْطَلَقُوا مَعَهُ لِيُرِيَهم. فَدَخَلَ قَبْلَ القَوْمِ فَضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ فَـ: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] هَذا ما أوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أوَّلًا، وفِيهِ كِفايَةٌ عَنْ غَيْرِهِ. وسَنَذْكُرُ في آخِرِ نَبَئِهِمْ ما عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ النَّصارى مِن شَأْنِهِمْ. وقَدْ قِيلَ إنَّهم كانُوا في مَدِينَةٍ يُقالُ لَها (طَرْسُوسُ) مِن أعْمالِ طَرابُلُسَ الشّامِ. وفِيها مِنَ الآثارِ القَدِيمَةِ العَهْدِ، في جَبَلٍ بِها، ما يَزْعُمُ أهْلُها زَعْمًا مُتَوارَثًا، أنَّهُ لِأصْحابِ الكَهْفِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الكهف 18:14

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى صَبْرَهم عَلى مُخالَفَةِ قَوْمِهِمْ، ومَدِينَتِهِمْ ومُفارَقَةِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ العَيْشِ الرَّغِيدِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤] ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ . ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: قَوَّيْناها بِالصَّبْرِ عَلى المُجاهَدَةِ. وشَجَّعْناهم عَلى مُحارَبَةِ الشَّيْطانِ والفِرارِ بِالدِّينِ إلى بَعْضِ الغِيرانِ. ومُخالَفَةِ النَّفْسِ وهَجْرِ المَأْلُوفاتِ الجُسْمانِيَّةِ واللَّذّاتِ والقِيامِ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. وقِيلَ جَسَّرْناهم عَلى القِيامِ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وإظْهارِ الدِّينِ القَوِيمِ، والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ عِنْدَ مَلِكِهِمُ الجَبّارِ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قامُوا﴾ أيْ: بَيْنَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُبالِينَ بِهِ. و" إذْ " ظَرْفٌ لِـــ رَبَطْنا. قالَ الشِّهابُ: (الرَّبْطُ) عَلى القَلْبِ مَجازٌ عَنِ الرَّبْطِ بِمَعْنى الشَّدِّ المَعْرُوفِ. أيِ: اسْتِعارَةٌ مِنهُ. كَما يُقالُ، رابِطُ الجَأْشِ. لِأنَّ القَلَقَ والخَوْفَ يَنْزَعِجُ بِهِ القَلْبُ مِن مَحَلِّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] فَشَبَّهَ القَلْبَ المُطْمَئِنَّ لِأمْرٍ، (p-٤٠٢٩)بِالحَيَوانِ المَرْبُوطِ في مَحَلٍّ. وعُدِّيَ (رَبَطَ) بِــ(عَلى) وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ: ﴿فَقالُوا رَبُّنا﴾ الَّذِي نَعْبُدُهُ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِحَيْثُ يَدْخُلُ تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ كُلُّ مَعْبُودٍ سِواهُ: ﴿لَنْ نَدْعُوَ﴾ أيْ: نَعْبُدَ: ﴿مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ أيْ: ذا بُعْدٍ عَنِ الحَقِّ، مُفْرِطٌ في الظُّلْمِ.

الكهف 18:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥] ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ عَمِلُوا أوْ نَحَتُوا لَهم آلِهَةً، فَيُفِيدُ أنَّهم عَبَدُوها. وفي الإشارَةِ تَحْقِيرٌ لَهُمْ: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى عِبادَتِهِمْ أوْ آلِهِيَّتِهِمْ أوْ تَأْثِيرِهِمْ: ﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ وبُرْهانٍ ظاهِرٍ. فَإنَّ الدِّينَ لا يُؤْخَذُ إلّا بِهِ. قالَ القاشانِيُّ: دَلِيلٌ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وتَبْكِيتٌ بِأنَّ إقامَةَ الحُجَّةِ عَلى إلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، وتَأْثِيرِهِ ووُجُودِهِ، مُحالٌ. كَما قالَ:﴿إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْـزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] أيْ: أسْماءٌ بِلا مُسَمَّياتٍ، لِكَوْنِها لَيْسَتْ بِشَيْءٍ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا مُساوِيَ لَهُ في الظُّلْمِ والكُفْرِ. إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يَأْتُونَ بِبُرْهانٍ. فَهم ظالِمُونَ في حَقِّ اللَّهِ، لِافْتِرائِهِمْ عَلَيْهِ بِأنَّ في رُتْبَتِهِ العُلْيا شُرَكاءَ يُساوُونَهُ فِيها. ثُمَّ خاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَوْلِهِمْ:

الكهف 18:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦] ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾ . ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ أيْ: وإذِ اعْتَزَلْتُمُ القَوْمَ، (p-٤٠٣٠)بِتَرْكِ مُتابَعَتِهِمْ، مِن إفْراطِ ظُلْمِهِمْ، وهو مُوجِبٌ بُغْضَهم. واعْتَزَلْتُمْ مَعْبُوداتِهِمْ غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم صَرِيحًا أوْ في ضِمْنِ عِبادَتِهِمْ لَهُ، فَأْوُوا إلى الكَهْفِ الَّذِي لا يَطَّلِعُونَ عَلَيْكم فِيهِ، فَلا يُؤْذُونَكُمْ، ولا تَخافُوا مِنَ الكَوْنِ فِيهِ، فَواتَ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَإنَّكم إذا التَجَأْتُمْ إلى اللَّهِ بَعْدَ ما دَعَوْتُمُوهُ بِنَشْرِ الرَّحْمَةِ وتَهْيِئَةِ الرُّشْدِ، ﴿يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: ما يُغْنِي عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، بِالإمْداداتِ المَلَكُوتِيَّةِ والتَّأْيِيداتِ القُدْسِيَّةِ: ﴿ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكُمْ﴾ وهو اخْتِيارُ جانِبِهِ عَلى جانِبِكُمْ: ﴿مِرْفَقًا﴾ أيْ: ما تَنْتَفِعُونَ بِهِ. قالَ المَهايِمِيُّ: يَرْفُقُ بِنُفُوسِكم فَيُعْطِيها مِن لَذّاتِ عِبادَتِهِ ما يُنْسِيها سائِرَ اللَّذّاتِ. عَلى أنَّها لَذّاتُها لَمْ تَخْلُ مِن أذِيَّةٍ. وهَذِهِ خالِيَةٌ عَنِ الأذِيّاتِ كُلِّها. وجَزْمُهم بِذَلِكَ لِنُصُوعِ يَقِينِهِمْ وقُوَّةِ وُثُوقِهِمْ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى. تَنْبِيهٌ: زَعَمَ قَوْمٍ أنَّ الآيَةَ تُفِيدُ مَشْرُوعِيَّةَ العُزْلَةِ واسْتِحْبابَها مُطْلَقًا. وهو خَطَأٌ. فَإنَّها تُشِيرُ إلى التَّأسِّي بِأهْلِ الكَهْفِ في الِاعْتِزالِ، إذا اضْطُهِدَ المَرْءُ في دِينِهِ وأُرِيدَ عَلى الشِّرْكِ. ومِمَّنْ رَدَّ الِاحْتِجاجُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ العُزْلَةِ، الإمامُ الغَزالِيُّ حَيْثُ قالَ في (إحْيائِهِ): وأهْلُ الكَهْفِ لَمْ يَعْتَزِلْ بَعْضُهم بَعْضًا وهم مُؤْمِنُونَ. وإنَّما اعْتَزَلُوا الكُفّارَ. أيْ: ولا رَيْبَ في مَشْرُوعِيَّتِهِ فِرارًا مِنَ الفِتَنِ. فَقَوْلُ السُّيُوطِيِّ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ العُزْلَةِ والفِرارِ مِنَ الظَّلَمَةِ وسُكُونِ الغِيرانِ والجِبالِ عِنْدَ فَسادِ الزَّمانِ، كَلامٌ مُجْمَلٌ لا بُدَّ مِنَ التَّفْصِيلِ فِيهِ. وأيُّ عَصْرٍ خَلا مِنَ الفَسادِ؟ وسِياقُ الآيَةِ في الِاضْطِهادِ فَحَسْبُ، فافْهَمْ ولا تَغْلُ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧] ﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ (p-٤٠٣١)مِن يَهْدِ اللَّهِ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ . ﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ﴾ أيْ: صَعِدَتْ عِنْدَ طُلُوعِها: ﴿تَزاوَرُ﴾ أيْ: تَمِيلُ: عَنْ كَهْفِهِمْ أيْ: بابِهِ: ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ أيْ: يَمِينِ الكَهْفِ: ﴿وإذا غَرَبَتْ﴾ أيْ: هَبَطَتْ لِلْغُرُوبِ: ﴿تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ: تَقْطَعُهم وتَعْدِلُ عَنْ سَمْتِ رُؤُوسِهِمْ إلى جِهَةِ الشَّمالِ: ﴿وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ أيْ: سِعَةٍ مِنَ الكَهْفِ يَصِلُ إلَيْهِمُ الهَواءُ مِن كُلِّ جانِبٍ دُونَ أذى الشَّمْسِ. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ بابَ ذَلِكَ الكَهْفِ كانَ مَفْتُوحًا إلى جانِبِ الشَّمالِ. فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ كانَتْ عَلى يَمِينِ الكَهْفِ. وإذا غَرَبَتْ كانَتْ عَلى شَمالِهِ. فَيَقَعُ شُعاعُها عَلى جانِبَيْهِ. يُحَلِّلُ عُفُونَتَهُ ويَعْدِلُ هَواءَهُ. ولا يَقَعُ عَلَيْهِمْ فَيُؤْذِيَهِمْ. قالَ الشِّهابُ: تَقْرِضُهم مِنَ القَرْضِ بِمَعْنى القَطْعِ. أيْ: قَطَعَ الِاتِّصالَ بِهِمْ لِئَلّا تَغْبَرَّ أبْدانُهم. قَوْلُ الفارِسِيِّ إنَّهُ مِن قَرْضِ الدَّراهِمِ، والمَعْنى أنَّها تُعْطِيهِمْ مِن تَسْخِينِها شَيْئًا ثُمَّ يَزُولُ بِسُرْعَةٍ كالقَرْضِ المُسْتَرَدِّ- مَرْدُودٌ، بِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ ثُلاثِيٌّ. وفِي (الرَّوْضِ الآنِفِ) تَقْرِضُهم كِنايَةٌ عَنْ تَعْدِلُ بِهِمْ. وقِيلَ: تَتَجاوَزُهم شَيْئًا. مِنَ (القَرْضِ) وهو القَطْعُ أيْ: تَقْطَعُ ما هُنالِكَ مِنَ الأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: إرْشادُهم إلى هَذا الغارِ الَّذِي جَعَلَهم فِيهِ أحْياءً، وشُعاعُ الشَّمْسِ والرِّيحِ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، لِتَبْقى أبْدانُهُمْ، آيَةً مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى عِنايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ لِلْمُخْلِصِينَ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ: ﴿فَهُوَ المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ﴾ أيْ: يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلَيْهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا﴾ أيْ: ناصِرًا يَلِي أمْرَهُ فَيَحْفَظُهُ مِنَ الضَّلالِ: ﴿مُرْشِدًا﴾ أيْ: يَهْدِيهِ إلى ما ذَكَرَ.

الكهف 18:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨] ﴿وتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ . (p-٤٠٣٢)﴿وتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ﴾ خِطابٌ لِكُلِّ أحَدٍ. أيْ: تَظُنُّهُمْ، يا مُخاطَبُ، أيْقاظًا لِانْفِتاحِ أعْيُنِهِمْ، وهم رُقُودٌ مُسْتَغْرِقُونَ في النَّوْمِ، بِحَيْثُ لا يُنَبِّهُهُمُ الصَّوْتُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّهم لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ عَلى آذانِهِمْ بِالنَّوْمِ لَمْ تَنْطَبِقْ أعْيُنُهم لِئَلّا يُسْرِعَ إلَيْها البِلى. فَإذا بَقِيَتْ ظاهِرَةً لِلْهَواءِ كانَ أبْقى لَها. وقَدْ ذُكِرَ عَنِ الذِّئْبِ أنَّهُ يَنامُ فَيُطْبِقُ عَيْنًا ويَفْتَحُ عَيْنًا. ثُمَّ يَفْتَحُ هَذِهِ ويُطْبِقُ هَذِهِ وهو راقِدٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَنامُ بِإحْدى مُقْلَتَيْهِ ويَتَّقِي بِأُخْرى الرَّزايا فَهو يَقْظانُ نائِمٌ و: ﴿أيْقاظًا﴾ جَمْعُ يَقِظٍ ويَقْظانَ. و: ﴿رُقُودٌ﴾ جَمْعُ راقِدٍ. وما قِيلَ أنَّهُ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى الفاعِلِ واسْتَوى فِيهِ القَلِيلُ والكَثِيرُ كَرُكُوعٍ وقُعُودٍ، لِأنَّ فاعِلًا لا يُجْمَعُ عَلى فُعُولٍ - مَرْدُودٌ بِما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ كَما صُرِّحَ بِهِ في (المُفَضَّلِ) و(التَّسْهِيلِ). ونُقَلِّبُهم أيْ: في رَقْدَتِهِمْ: ﴿ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ: لِئَلّا تُتْلِفَ الأرْضُ أجْسادَهُمْ: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ أيْ: بِفَناءِ الكَهْفِ أوِ البابِ. وقَدْ شَمِلَتْ بَرَكَتُهم كَلْبَهم. فَأصابَهُ ما أصابَهم مِنَ النَّوْمِ عَلى تِلْكَ الحالِ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا فائِدَةُ صُحْبَةِ الأخْيارِ. فَإنَّهُ صارَ لِهَذا الكَلْبِ ذِكْرٌ وخَبَرٌ وشَأْنٌ. وقَدْ قِيلَ أنَّهُ كانَ كَلْبَ صَيْدٍ لَهم وهو الأشْبَهُ. واخْتَلَفُوا في لَوْنِهِ عَلى أقْوالٍ لا حاصِلَ لَها ولا طائِلَ تَحْتَها ولا دَلِيلَ عَلَيْها ولا حاجَةَ إلَيْها. بَلْ هي مِمّا نُهِيَ عَنْهُ. فَإنَّ مُسْتَنَدَها رَجْمٌ بِالغَيْبِ. ووُجُودُ الكَلْبِ عَلى هَذِهِ الحالَةِ مِنَ العِنايَةِ بِهِمْ. فَكَما حَفِظَهم بِالتَّقْلِيبِ عَنْ إهْلاكِ الأرْضِ، حَفِظَهم عَنِ الأعْداءِ بِكَلْبٍ، لِيَهابُوهم مَعَ هَيْبَةٍ ذاتِيَّةٍ لَهم. كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: فَنَظَرْتَ إلَيْهِمْ، مَعَ غايَةِ قُوَّتِكَ في مُكافَحَةِ الحُرُوبِ: ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ أيْ: خَوْفًا يَمْلَأُ صَدْرَكَ، لِما ألْبَسُوا مِنَ الهَيْبَةِ. فَلا يَقَعُ نَظَرُ أحَدٍ عَلَيْهِمْ إلّا هابَهم وخافَهم. وذَلِكَ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لِئَلّا يَدْنُوَ مِنهم أحَدٌ ولا تَمَسُّهم يَدُ لامِسٍ، حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ وتَنْقَضِيَ رَقْدَتُهُمُ الَّتِي شاءَها تَبارَكَ وتَعالى فِيهِمْ. لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:19

(p-٤٠٣٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩] ﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ . ﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْ: وكَما أنَمْناهم تِلْكَ النَّوْمَةَ، بَعَثْناهم صَحِيحَةً أبْدانُهم وأشْعارُهم وأبْشارُهُمْ، لَمْ يَفْقِدُوا مِن هَيْئاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ شَيْئًا، ادِّكارًا بِقُدْرَتِهِ عَلى الإنامَةِ والبَعْثِ جَمِيعًا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: لِيَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَعْرِفُوا حالَهم وما صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ، فَيَعْتَبِرُوا، ويَسْتَدِلُّوا عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَزْدادُوا يَقِينًا، ويَشْكُرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ وكُرِّمُوا بِهِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وبِهِ يَتَبَيَّنُ أنَّ البَعْثَ عِلَّةٌ لِلتَّساؤُلِ. ومَن جَعَلَ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ، لَحَظَ أنَّ الغَرَضَ مِن فِعْلِهِ تَعالى إظْهارُ كَمالِ قُدْرَتِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ: رَقَدْتُمُ. اعْتِرافًا بِجَهْلِ نَفْسِهِ أوْ طَلَبًا لِلْعِلْمِ مِن غَيْرِهِ، وإنْ لَمْ يَظْهَرْ كَوْنُهُ عَلى اليَقِينِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كَأنَّهُ كانَ دُخُولُهم إلى الكَهْفِ في أوَّلِ نَهارٍ، واسْتِيقاظُهم كانَ في آخِرِ نَهارٍ. ولِهَذا قالُوا: أوْ بَعْضَ يَوْمٍ. وقالَ المَهايِمِيُّ: فَمَن نَظَرَ إلى أنَّهم دَخَلُوا غَدْوَةً وانْتَبَهُوا عَشِيَّةً، ظَنَّ أنَّهم لَبِثُوا يَوْمًا، ومَن نَظَرَ إلى أنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ مِنَ النَّهارِ بَقِيَّةٌ، ظَنَّ أنَّهم لَبِثُوا بَعْضَ يَوْمٍ. فَهم مَعَ ما أُعْطُوا مِنَ الكَراماتِ يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ. فالوَلِيُّ يَجُوزُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِالظَّنِّ فِيما لَيْسَ مِنَ الأُصُولِ، ويَجُوزُ أنْ يُخْطِئَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابٌ مَبْنِيٌّ عَلى غالِبِ الظَّنِّ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ والقَوْلِ بِالظَّنِّ الغالِبِ. وأنَّهُ لا يَكُونُ كَذِبًا. وإنْ جازَ أنْ يَكُونَ خَطَأً. ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ مِن بَعْضِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِمُدَّةِ لَبْثِهِمْ. (p-٤٠٣٤)كَأنَّ هَؤُلاءِ قَدْ عَلِمُوا بِالأدِلَّةِ، أوْ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ، أنَّ المُدَّةَ مُتَطاوِلَةٌ، وأنَّ مِقْدارَها مُبْهَمٌ. فَأحالُوا تَعْيِينَها عَلى رَبِّهِمْ: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ﴾ أيِ: المَأْخُوذَةِ لِلتَّزَوُّدِ. و(الوَرِقُ) الفِضَّةُ: ﴿إلى المَدِينَةِ﴾ أيِ: الَّتِي فَرَرْتُمْ عَنْها: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ أيْ: أطْيَبُ ﴿فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ﴾ أيْ: في المُبايَعَةِ واخْتِيارِ الطَّعامِ. أوْ في أمْرِهِ بِالتَّخَفِّي، حَتّى لا يَشْعُرَ بِحالِكم ودِينِكُمْ: ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾

الكهف 18:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠] ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ . ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يَطَّلِعُوا عَلى مَكانِكُمْ: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ أيْ: يَقْتُلُوكم بِالحِجارَةِ: ﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ أيْ: يُدْخِلُوكم فِيها بِالإكْراهِ العَنِيفِ: ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ أيْ: إذا صِرْتُمْ إلى مِلَّتِهِمْ. قالَ القاشانِيُّ: ظُهُورُ العَوامِّ، واسْتِيلاءُ المُقَلِّدَةِ والحَشْوِيَّةِ المَحْجُوبِينَ، وأهْلِ الباطِلِ المَطْبُوعِينَ، ورَجْمُهم أهْلَ الحَقِّ، ودَعْوَتُهم إيّاهم إلى مِلَّتِهِمْ - ظاهِرٌ. كَما كانَ في أوائِلِ البِعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ. لَطائِفُ: الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ وصَلُوا قَوْلَهم فابْعَثُوا بِتَذاكُرِ حَدِيثِ المُدَّةِ؟ قُلْتُ: كَأنَّهم قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِذَلِكَ. لا طَرِيقَ لَكم في عِلْمِهِ. فَخُذُوا في شَيْءٍ آخَرَ مِمّا يُهِمُّكُمُ. انْتَهى. ورَأى المَهايِمِيُّ أنَّ قَوْلَهُمْ: فابْعَثُوا مِن تَتِمَّةِ حَدِيثِ المُدَّةِ. قَصَدَ بِهِ تَفَحُّصَها. كَأنَّهم لَمّا أحالُوا تَعْيِينَها عَلى اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] قالُوا: هَذِهِ الإحالَةُ لا تَمْنَعُ مِن طَلَبِ العِلْمِ بِالمُدَّةِ. ولَوْ في ضِمْنِ أمْرٍ آخَرَ، فاطْلُبُوهُ في ضِمْنِ حاجَةٍ لَنا. وهي أنْ تَبْعَثُوا أحَدَكم (p-٤٠٣٥)بِوَرَقِكم هَذِهِ لِئَلّا نَحُوجَ إلى السُّؤالِ عَنِ المُدَّةِ. لا سِيَّما في مَكانٍ يَمْنَعُ مِنَ الإجابَةِ إلى المَسْؤُولِ بِهِ، فَيُفْضِي إلى الهَلاكِ. الثّانِيَةُ: قالَ في (الإكْلِيلِ): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا﴾ [الكهف: ١٩] الآيَةَ، أصْلٌ في الوِكالَةِ والنِّيابَةِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهي أقْوى آيَةٍ في ذَلِكَ. قالَ الكَيا: وفِيها دَلِيلٌ عَلى جَوازِ خَلْطِ دَراهِمِ الجَماعَةِ والشِّراءِ بِها والأكْلِ مِنَ الطَّعامِ بَيْنَهم بِالشَّرِكَةِ. وإنْ تَفاوَتُوا في الأكْلِ. الثّالِثَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُمْ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ [الكهف: ١٩] عَلى مَشْرُوعِيَّةِ اسْتِجادَةِ الطَّعامِ واسْتَطابَتِهِ بِأقْصى ما يُمْكِنُ، لِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ. فَإنَّ الغِذاءَ الأزْكى المُتَوَفِّرَ فِيهِ الشُّرُوطُ الصِّحِّيَّةُ يُفِيدُ الجِسْمَ ولا يُتْعِبُهُ ولا يُكَدِّرُهُ. ولِذَلِكَ يَجِبُ طَبًّا الِاعْتِناءُ بِجَوْدَتِهِ وتَزْكِيَتِهِ، كَما فُصِّلَ في قَوانِينِ الصِّحَّةِ. الرّابِعَةُ: قالَ الرّازِيُّ: (الرَّجْمُ) بِمَعْنى القَتْلِ، كَثِيرٌ في التَّنْزِيلِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ [هود: ٩١] وقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] وأصْلُهُ الرَّمْيُ، أيْ: بِالرِّجامِ وهي الحِجارَةُ. ولا يَبْعُدُ إرادَةُ الحَقِيقَةِ في مَوارِدِهِ كُلِّها، زِيادَةً في التَّهْوِيلِ. فَإنَّ الرَّجْمَ أخْبَثُ أنْواعِ القَتْلِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢١] ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهم فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ . ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: كَما أنَمْناهم وبَعَثْناهم لِما في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ، أطْلَعْنا عَلَيْهِمْ أهْلَ المَدِينَةِ حَتّى دَخَلَها مَن بَعَثُوهُ لِلطَّعامِ، وأخْرَجَ ورِقَهُمُ المُتَقادِمَةَ العَهْدِ: ﴿لِيَعْلَمُوا (p-٤٠٣٦)أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أطْلَعْناهم عَلى حالِهِمْ، أنَّ وعْدَ اللَّهِ بِالبَعْثِ حَقٌّ. لِأنَّ حالَهم في نَوْمَتِهِمْ وانْتِباهَتِهِمْ بَعْدَها كَحالِ مَن يَمُوتُ ثُمَّ يُبْعَثُ: ﴿وأنَّ السّاعَةَ﴾ أيِ: المَوْعُودَ فِيها بِالبَعْثِ: ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ إذْ لا بُدَّ مِنَ الجَزاءِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما كانَ مِن أمْرِهِمْ بَعْدَ وفاتِهِمْ، وعِنايَةِ قَوْمِهِمْ بِحِفْظِ أجْداثِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهم فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا﴾ أيْ: عَلى بابِ كَهْفِهِمْ بُنْيانًا عَظِيمًا. كالخانَقاهاتِ والمَشاهِدِ والمَزاراتِ المَبْنِيَّةِ عَلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمْ، و(إذْ) عَلى ما يَظْهَرُ لِي، ظَرْفٌ لِــ (أذْكُرُ) مُقَدَّرًا. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ خَتْمِ نَبَئِهِمْ بِما جَرى بَعْدَ مَماتِهِمْ، إثْرَ ما أوْجَزَ مِن نَبَئِهِمْ بَعْدَ بَعْثِهِمْ والإعْثارِ عَلَيْهِمْ، وجَعْلُهُ ظَرْفًا لِـ: ﴿أعْثَرْنا﴾ أوْ لِغَيْرِهِ مِمّا ذَكَرُوا لَيْسَ فِيهِ قُوَّةُ ارْتِباطٍ ولا دِقَّةُ مَعْنًى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمُتَنازَعِ فِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ. إمّا مِنَ اللَّهِ رَدًّا عَلى الخائِضِينَ في حَدِيثِهِمْ مِن أُولَئِكَ المُتَنازِعِينَ فِيهِمْ عَلى عَهْدِهِ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ هي مِن كَلامِ المُتَنازِعِينَ في عَهْدِهِمْ. كَأنَّهم تَذاكَرُوا أمْرَهُمُ العَجِيبَ وتَحاوَرُوا في أحْوالِهِمْ ومُدَّةِ لِبْثِهِمْ. فَلَمّا لَمْ يَهْتَدُوا أحالُوا حَقِيقَةَ نَبِيِّهِمْ إلَيْهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ المُتَنازِعِينَ، وهم أرْبابُ الغَلَبَةِ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ أيْ: نُصَلِّي فِيهِ، تَبَرُّكًا بِهِمْ وبِمَكانِهِمْ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حُكِيَ في القائِلِينَ ذَلِكَ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ مِنهم. والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ. والظّاهِرُ أنَّهم هم أصْحابُ النُّفُوذِ. ولَكِنْ هَلْ هم مَحْمُودُونَ أمْ لا؟ فِيهِ نَظَرٌ. لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ وصالِحِيهِمْ مَساجِدَ»» يُحَذِّرُ ما فَعَلُوا. انْتَهى. (p-٤٠٣٧)وعَجِيبٌ مِن تَرَدُّدِهِ في كَوْنِهِمْ غَيْرَ مَحْمُودِينَ، مَعَ إيرادِهِ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ بَعْدَهُ، المُسَجَّلَ بِلَعْنِ فاعِلِ ذَلِكَ. وهو أعْظَمُ ما عَنْوَنَ بِهِ عَلى الغَضَبِ الإلَهِيِّ والمَقْتِ الرَّبّانِيِّ. والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ البِناءَ عَلى قَبْرِ النَّبِيِّ والوَلِيِّ مَدْعاةٌ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ. فَفِيهِ فَتْحٌ لِبابِ الشِّرْكِ وتَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِأقْرَبِ وسِيلَةٍ. وهَلْ أصْلُ عِبادَةِ الأصْنامِ إلّا ذَلِكَ؟ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] قالَ: هَؤُلاءِ كانُوا قَوْمًا صالِحِينَ في قَوْمِهِمْ. فَلَمّا ماتُوا عَكَفُوا عَلى قُبُورِهِمْ، ثُمَّ صَوَّرُوا تَماثِيلَهم. فَلَمّا طالَ فِيهِمُ الأمَدُ عَبَدُوهم. فَهَؤُلاءِ لَمّا قَصَدُوا الِانْتِفاعَ بِالمَوْتى، قادَهم ذَلِكَ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. قالَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الهادِي عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، في كِتابِهِ (الصّارِمِ المُنَكّى) بَعْدَ إيرادِهِ ما تَقَدَّمَ: يُوَضِّحُهُ أنَّ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في زِيارَةِ المَوْتى مِن أهْلِ الشِّرْكِ، صَرَّحُوا بِأنَّ القَصْدَ هو انْتِفاعُ الزّائِرِ بِالمَزُورِ. وقالُوا: مِن تَمامِ الزِّيارَةِ أنْ يُعَلِّقَ هِمَّتَهُ ورُوحَهُ بِالمَيِّتِ وقَبْرِهِ. فَإذا فاضَ عَلى رُوحِ المَيِّتِ مِنَ العُلْوِيّاتِ الأنْوارُ، فاضَ مِنها عَلى رُوحِ الزّائِرِ بِواسِطَةِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ والتَّوَجُّهِ إلى المَيِّتِ. كَما يَنْعَكِسُ النُّورُ عَلى الجِسْمِ الشَّفّافِ، بِواسِطَةِ مُقابَلَتِهِ. وهَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ، ذَكَرَهُ عُبّادُ الأصْنامِ في زِيارَةِ القُبُورِ. وتَلَقّاهُ عَنْهم مَن تَلَقّاهُ مِمَّنْ لَمْ يُحِطْ عِلْمًا بِالشِّرْكِ وأسْبابِهِ ووَسائِلِهِ. ومِن هاهُنا يَظْهَرُ سِرُّ مَقْصُودِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَهْيِهِ عَنْ تَعْظِيمِ القُبُورِ واتِّخاذِ المَساجِدِ عَلَيْها والسُّرُجِ. ولَعْنِهِ فاعِلَ ذَلِكَ وإخْبارِهِ بِشِدَّةِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ. ونَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ إلَيْها، ونَهْيِهِ عَنِ اتِّخاذِ قَبْرِهِ عِيدًا. وسُؤالِهِ رَبَّهُ تَعالى أنْ لا يَجْعَلَ قَبْرَهُ وثَنًا يُعْبَدُ. فَهَذا نَهْيُهُ عَنْ تَعْظِيمِ القُبُورِ. وذَلِكَ تَعْلِيمُهُ وإرْشادُهُ لِلزّائِرِ أنْ يَقْصِدَ نَفْعَ المَيِّتِ والدُّعاءَ لَهُ والإحْسانَ إلَيْهِ، لا الدُّعاءَ بِهِ ولا الدُّعاءَ عِنْدَهُ. (p-٤٠٣٨)ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: ومَن ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهم فَهو غالِطٌ جاهِلٌ. فَإنَّ تَعْظِيمَهم إنَّما هو بِطاعَتِهِمْ واتِّباعِ أمْرِهِمْ ومَحَبَّتِهِمْ وإجْلالِهِمْ. فَمَن عَظَّمَهم بِما هو عاصٍ لَهم بِهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْظِيمًا. بَلْ هو ضِدُّ التَّعْظِيمِ. فَإنَّهُ مُتَضَمِّنٌ مُخالَفَتَهم ومَعْصِيَتَهم. فَلَوْ سَجَدَ العَبْدُ لَهم أوْ دَعاهم مِن دُونِ اللَّهِ أوْ سَبَّحَهم أوْ طافَ بِقُبُورِهِمْ واتَّخَذَ عَلَيْها المَساجِدَ والسُّرُجَ، وأثْبَتَ لَهم خَصائِصَ الرُّبُوبِيَّةِ، ونَزَّهَهم عَنْ لَوازِمِ العُبُودِيَّةِ، وادَّعى أنَّ ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهم كانَ مِن أجْهَلِ النّاسِ وأضَلِّهِمْ. وهو مِن جِنْسِ تَعْظِيمِ النَّصارى لِلْمَسِيحِ حَتّى أخْرَجُوهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ. وكُلُّ مَن عَظَّمَ مَخْلُوقًا بِما يَكْرَهُهُ ذَلِكَ المُعَظَّمُ ويُبْغِضُهُ، ويَمْقُتُ فاعِلَهُ، فَلَمْ يُعَظِّمْهُ في الحَقِيقَةِ، بَلْ عامَلَهُ بِضِدِّ تَعْظِيمِهِ. فَتَعْظِيمُ الرَّسُولِ ﷺ أنْ تُطاعَ أوامِرُهُ وتُصَدَّقَ أخْبارُهُ ولا يُقَدَّمَ عَلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ. فالتَّعْظِيمُ نَوْعانِ: أحَدُهُما ما يُحِبُّهُ المُعَظَّمُ ويَرْضاهُ ويَأْمُرُ بِهِ ويُثْنِي عَلى فاعِلِهِ، فَهَذا هو التَّعْظِيمُ في الحَقِيقَةِ. والثّانِي ما يَكْرَهُهُ ويُبْغِضُهُ ويَذُمُّ فاعِلَهُ، فَهَذا لَيْسَ بِتَعْظِيمٍ بَلْ هو غُلُوٌّ مُنافٍ لِلتَّعْظِيمِ. ولِهَذا لَمْ يَكُنِ الرّافِضَةُ مُعَظِّمِينَ لِعَلِيٍّ، بِدَعْواهُمُ الإلَهِيَّةَ والنُّبُوَّةَ أوِ العِصْمَةَ ونَحْوَ ذَلِكَ. ولَمْ يَكُنِ النَّصارى مُعَظِّمِينَ لِلْمَسِيحِ. بِدَعْواهم فِيهِ ما ادَّعَوْا. والنَّبِيُّ ﷺ. قَدْ أنْكَرَ عَلى مَن عَظَّمَهُ بِما لَمْ يَشْرَعْهُ. فَأنْكَرَ عَلى مُعاذٍ سُجُودُهُ لَهُ وهو مَحْضُ التَّعْظِيمِ. وفي المُسْنَدِ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا مُحَمَّدُ ! يا سَيِّدَنا! وابْنَ سَيِّدِنا! وخَيْرَنا! وابْنَ خَيْرِنا! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكم بِتَقْواكُمْ، ولا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطانُ. أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، ما أُحِبُّ أنْ تَعْرِفُونِي فَوْقَ مَنزِلَتِي الَّتِي أنْزَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ»» . وقالَ ﷺ: ««لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ. فَإنَّما أنا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ»» وكانَ يَكْرَهُ مِن أصْحابِهِ أنْ يَقُومُوا لَهُ إذا رَأوْهُ. ونَهاهم أنْ يُصَلُّوا خَلْفَهُ قِيامًا وهو مَرِيضٌ. وقالَ: ««إنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فارِسَ والرُّومِ. (p-٤٠٣٩)يَقُومُونَ عَلى مُلُوكِهِمْ»» وكُلُّ هَذا مِنَ التَّعْظِيمِ الَّذِي يُبْغِضُهُ ويَكْرَهُهُ. ولَقَدْ غَلا بَعْضُ النّاسِ في تَعْظِيمِ القُبُورِ حَتّى قالَ: إنَّ البَلاءَ يَنْدَفِعُ عَنْ أهْلِ البَلَدِ أوِ الإقْلِيمِ، بِمَن هو مَدْفُونٌ عِنْدَهم مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ. وهو غُلُوٌّ مُخالِفٌ لِدِينِ المُسْلِمِينَ، مُخالِفٌ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ. ولِلْبَحْثِ تَتِمَّةٌ مُهِمَّةٌ فانْظُرْهُ.

الكهف 18:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٢] ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ . ﴿سَيَقُولُونَ﴾ أيِ: الخائِضُونَ في قِصَّتِهِمْ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لا عِلْمَ لَهم بِالحَقِيقَةِ:﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ﴾ أيْ: بَعْضٌ آخَرُ مِنهُمْ: ﴿خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ أيْ: رَمْيًا وتَلَفُّظًا بِالَّذِي غابَ عَنْهم. يَعْنِي ظَنًّا خالِيًا عَنِ اليَقِينِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كالَّذِي يَرْمِي إلى مَكانٍ لا يَعْرِفُهُ، فَإنَّهُ لا يَكادُ يُصِيبُ، وإنْ أصابَ فَبِلا قَصْدٍ: ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ حِكايَةٌ لِقَوْلِ فَرِيقٍ آخَرَ كانَ يَرى عُدَّتَهم هَذِهِ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ﴾ أيْ: مِمَّنْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ أيْ: لا تُجادِلْ أهْلَ الكِتابِ في شَأْنِ أصْحابِ الكَهْفِ، إلّا جِدالًا ظاهِرًا لَيِّنًا غَيْرَ مُتَعَمِّقٍ فِيهِ. وذَلِكَ عَلى قَدْرِ ما تَعَرَّضَ لَهُ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ مِن وصْفِهِمْ بِالرَّجْمِ بِالغَيْبِ وعَدَمِ العِلْمِ عَلى الوَجْهِ الإجْمالِيِّ، وتَفْوِيضِ العِلْمِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ تَجْهِيلٍ لَهُمْ، ولا تَعْنِيفٍ بِهِمْ، في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ كَما قالَ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] فَإنَّ الأمْرَ (p-٤٠٤٠)فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ. قِيلَ: المُماراةُ المُجادَلَةُ. وقِيلَ بِالفَرْقِ. فالمُجادَلَةُ المُحاجَّةُ مُطْلَقًا. والمُماراةُ المُحاجَّةُ فِيما فِيهِ مِرْيَةٌ أيْ: تَرَدُّدٌ، لِأنَّها مِن (مَرَيْتُ النّاقَةَ) إذا مَسَحْتَ ضَرْعَها لِلْحَلِيبِ: ﴿ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ أيْ: لا تَسْألْ أحَدًا مِنهم عَنْ نَبَئِهِمْ. لِأنَّ السُّؤالَ إمّا لِلِاسْتِرْشادِ، أوْ لِلتَّعَنُّتِ والمُحاوَرَةِ. ولا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ إلّا ما يَقُولُونَهُ رَجْمًا بِالغَيْبِ. مِن غَيْرِ اسْتِنادٍ إلى كَلامٍ مَعْصُومٍ. والتَّعَنُّتُ لِلرَّدِّ عَلى الخَصْمِ وتَزْيِيفِ ما عِنْدَهُ، يُنافِي مَكارِمَ الأخْلاقِ. والمَعْنى: جاءَكَ الحَقُّ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ، فَهو المُقَدَّمُ الحاكِمُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكُتُبِ والأقْوالِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَ الخائِضِينَ الأخِيرَ، وهو أنَّهم سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ، هو الحَقُّ. لِأنَّهُ لَمْ يُوصَفْ بِكَوْنِهِ رَجْمًا بِالغَيْبِ كَما وُصِفَ الأوَّلانِ. ولِتَخْصِيصِهِ بِالواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وثامِنُهُمْ﴾ وهي الواوُ الدّاخِلَةُ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، لِإفادَةِ تَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ. والدَّلالَةُ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ. وأنَّهُ لا عَدَدَ وراءَهُ. كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِينَ وقَعَتِ الواوُ انْقَطَعَتِ العُدَّةُ. وأقُولُ: لا يَخْفى ضَعْفُ التَّمَسُّكِ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لِتَقْوِيَةِ القَوْلِ الأخِيرِ. فَإنَّ عَدَمَ وصْفِهِ بِالرَّجْمِ بِالغَيْبِ إنَّما هو لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وفي إعادَتِهِ إخْلالٌ بِالبَلاغَةِ. ومَسْألَةُ الواوِ أوْهى مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ. فَإنَّ مِثْلَ هَذا النِّزاعِ لا يُكْتَفى بِحَسْمِهِ بِمِثْلِ هَذا الإيماءِ الدَّقِيقِ القَرِيبِ مِنَ الإلْغازِ. كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَتَبَّعَ مَواقِعَ حَسْمِ الشُّبَهِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وكَلامِ البُلَغاءِ. لا سِيَّما والواوُ مِنَ المَحْكِيِّ لا مِنَ الحِكايَةِ. فَيَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ عِنْدَ القائِلِ لا عِنْدَ اللَّهِ، فَلا يَكُونُ مِنَ الإيماءِ في شَيْءٍ. وجَوابُ بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى قَوْلَهم قَبْلَ أنْ يَقُولُوهُ هَكَذا، لَقَّنَهم أنْ يَقُولُوهُ إذا أخْبَرُوا عَنْهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ، وبِأنَّهُ لا مانِعَ أنْ تَكُونَ مِنَ الحِكايَةِ -بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، وتَكَلُّفٌ ظاهِرٌ، وإغْرابٌ في القَوْلِ. ثُمَّ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لا تَتَعَيَّنُ لِلْوَصْفِيَّةِ. لِجَوازِ كَوْنِها حالًا مِنَ النَّكِرَةِ، لِأنَّ اقْتِرانَها بِالواوِ مُسَوِّغٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ. لِأنَّهُ يَجُوزُ في مِثْلِهِ إيرادُ الواوِ (p-٤٠٤١)وتَرْكُها. عَلى أنَّهُ إنَّما يَتِمُّ ما ذَكَرُوهُ لَوْ لَمْ يُتْبِعْ قَوْلَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فَإنَّ في تَأثُّرِهِ لِلْأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ كُلِّها، بُرْهانًا ظاهِرًا عَلى أنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا لِعِدَّتِهِمْ، وإرْشادًا إلى أنَّ الأحْسَنَ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، رَدُّ العِلْمِ إلَيْهِ تَعالى. وإشارَةٌ إلى أنَّهُ لا احْتِياجَ إلى الخَوْضِ في مِثْلِ ذَلِكَ بِلا عِلْمٍ بَيِّنٍ وبُرْهانٍ نَيِّرٍ. وإنَّهُ إذا أوْقَفْنا عَلى الفَيْصَلِ قُلْنا بِهِ، وإلّا وقَفْنا. وقَدْ تَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَهُ: ﴿ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ﴾ فَإنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ يَعْلَمُهُمُ البَعْضُ مِمَّنْ لَمْ يَشَأِ الحَقُّ تَعْيِينَهُ. وهو إمّا نَبِيٌّ، أوْ مَن كانَ في مُدَّتِهِمْ، أوْ مَن نَقَّبَ عَنْ نَبَئِهِمْ بِإثارَةٍ صَحِيحَةٍ أوْ تَلَقٍّ عَنِ المَعْصُومِ. وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّهُ لَمْ يَضْرِبْ عَلى النّاسِ بِسَدٍّ مِن جَهالَةِ شَأْنِهِمْ. وبِالجُمْلَةِ، فالنَّظْمُ الكَرِيمُ، بِأُسْلُوبِهِ هَذا، لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأخِيرَ هو الحَقُّ كَما عَلِمْتُ. وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن قَوْلِهِ: أنا مِنَ القَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. كانُوا سَبْعَةً -فَهُوَ مِنَ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ. ولَوْ رُفِعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وصَحَّ سَنَدُهُ لَقُلْنا بِهِ عَلى أنَّهُ اخْتُلِفَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ في عِدَّتِهِمْ. فَرُوِيَ عَنْهُ أنَّهم ثَمانِيَةٌ، حَكاهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْهُ. ورُوِيَ عَنْهُ سَبْعَةٌ. وهو حِكايَةُ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ عَنْهُ. ثُمَّ رَأيْتُ الرّازِيَّ نَقَلَ عَنِ القاضِي أنَّهُ قالَ: إنْ كانَ - ابْنُ عَبّاسٍ - قَدْ عَرَّفَهُ بِبَيانِ الرَّسُولِ، صَحَّ. وإنْ كانَ قَدْ تَعَلَّقَ بِحَرْفِ الواوِ فَضَعِيفٌ. انْتَهى. هَذا ما ظَهَرَ لِي الآنَ. وبَعْدَ كِتابَتِي لِما تَقَدَّمَ بِمُدَّةٍ، وقَفْتُ عَلى نَبَئِهِمْ في (طَبَقاتِ الشُّهَداءِ المَسِيحِيِّينَ) وأنَّ عِدَّتَهم سَبْعَةٌ عِنْدَهم كَما سَتَراهُ في آخِرِ الآياتِ فِيهِمْ. فَسَنَحَ لِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ إنَّما جَزَمَ بِما جَزَمَ بِهِ، مِمّا قَوِيَ عِنْدَهُ مِن إشارَةِ الآيَةِ، كَما ذَكَرَهُ أُولَئِكَ الأكْثَرُونَ، ومِن تَواتُرِ عِدَّتِهِمْ مِن قَوْمِهِمْ ومِمَّنْ أُثِرَ عَنْهم. ثُمَّ حَقَّقَهُ وصَدَّقَهُ عَدَمُ النَّكِيرِ فِيهِ. وكَذَلِكَ جَزَمَ بِمِثْلِهِ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. حَيْثُ قالَ في (قاعِدَةٍ لَهُ في التَّفْسِيرِ): اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى الأدَبِ في هَذا المَقامِ -مَقامِ حِكايَةِ الأقْوالِ وتَعْلِيمِ ما يَنْبَغِي في مِثْلِ هَذا. فَإنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِثَلاثَةِ (p-٤٠٤٢)أقْوالٍ، ضَعَّفَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ وسَكَتَ عَنِ الثّالِثِ. فَدَلَّ عَلى صِحَّتِهِ. إذْ لَوْ كانَ باطِلًا لَرَدَّهُ كَما رَدَّهُما. ثُمَّ أرْشَدَ إلى أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى عِدَّتِهِمْ لا طائِلَ تَحْتَهُ. فَيُقالُ في مِثْلِ هَذا: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فَإنَّهُ ما يَعْلَمُ بِذَلِكَ إلّا قَلِيلٌ مِنَ النّاسِ مِمَّنْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَبِهَذا قالَ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ أيْ: لا تُجْهِدْ نَفْسَكَ فِيما لا طائِلَ تَحْتَهُ، ولا تَسْألْهم عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ مِن ذَلِكَ إلّا رَجْمَ الغَيْبِ. فَهَذا أحْسَنُ ما يَكُونُ في حِكايَةِ الخِلافِ أنْ تَسْتَوْعِبَ الأقْوالَ في ذَلِكَ المَقامِ وأنْ يُنَبِّهَ عَلى الصَّحِيحِ مِنها ويُبْطِلَ الباطِلَ. ويَذْكُرُ فائِدَةَ الخِلافِ وثَمَرَتَهُ، لِئَلّا يَقَعَ النِّزاعُ والخِلافُ فِيما لا فائِدَةَ تَحْتَهُ، فَيَشْتَغِلُ بِهِ عَنِ الأهَمِّ. فَأمّا مَن حَكى خِلافًا في مَسْألَةٍ ولَمْ يَسْتَوْعِبْ أقْوالَ النّاسِ فِيها، فَهو ناقِصٌ. إذْ قَدْ يَكُونُ الصَّوابُ في الَّذِي تَرَكَهُ. أوْ يَحْكِي الخِلافَ ويُطْلِقُهُ ولا يُنَبِّهُ عَلى الصَّحِيحِ مِنَ الأقْوالِ، فَهو ناقِصٌ أيْضًا. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو الفَصْلُ في هَذا المَقامِ. الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: ذَكَرُوا في فائِدَةِ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وثامِنُهُمْ﴾ وُجُوهًا: الأوَّلُ: ما ذَكَرُوهُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِن سائِرِ الأقْوالِ. وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ. وثانِيها: أنَّ السَّبْعَةَ عِنْدَ العَرَبِ أصْلٌ في المُبالَغَةِ في العَدَدِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإذا وصَلُوا إلى الثَّمانِيَةِ ذَكَرُوا لَفْظًا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، فَقالُوا: وثَمانِيَةٌ. فَجاءَ هَذا الكَلامُ عَلى هَذا القانُونِ. قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ نَظِيرُهُ في ثَلاثِ آياتٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] لِأنَّ هَذا هو العَدَدُ الثّامِنُ مِنَ الأعْدادِ المُتَقَدِّمَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ وأبْوابَ النّارِ سَبْعَةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] لِأنَّ قَوْلَهُ: وأبْكارًا هو العَدَدُ الثّامِنُ مِمّا تَقَدَّمَ. والنّاسُ يُسَمُّونَ هَذِهِ الواوَ واوَ الثَّمانِيَةِ ومَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ. (p-٤٠٤٣)قالَ القَفّالُ: وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] ولَمْ يَذْكُرِ الواوَ في النَّعْتِ الثّامِنِ. انْتَهى. وقالَ في (الِانْتِصافِ): الصَّوابُ في الواوِ ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِها لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ. لا كَمَن يَقُولُ إنَّها واوُ الثَّمانِيَةِ. فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يَسْتَقِرُّ لِمُثْبِتِهِ قَدَمٌ. ويَعُدُّونَ مَعَ هَذِهِ الواوَ في قَوْلِهِ في الجَنَّةِ: ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] قالُوا لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ وأبْوابَ النّارِ سَبْعَةٌ وهَبْ أنَّ في اللُّغَةِ واوًا تَصْحَبُ الثَّمانِيَةَ فَتَخْتَصُّ بِها، فَأيْنَ ذِكْرُ العَدَدِ في أبْوابِ الجَنَّةِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى الثّامِنِ فَتَصْحَبُهُ الواوُ؟ ورُبَّما عَدُّوا مِن ذَلِكَ: والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ وهو الثّامِنُ مِن قَوْلِهِ: ﴿التّائِبُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] وهَذا أيْضًا مَرْدُودٌ بِأنَّ الواوَ إنَّما اقْتَرَنَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِتَرْبُطَ بَيْنَها وبَيْنَ الأُولى الَّتِي هِيَ: الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ والرَّبْطِ. ألا تَرى اقْتِرانَهُما في جَمِيعِ مَصادِرِهِما ومَوارِدِهِما؟ كَقَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] وكَقَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] ورُبَّما عَدَّ بَعْضُهم مِن ذَلِكَ، الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] لِأنَّهُ وجَدَها مَعَ الثّامِنِ. وهَذا غَلَطٌ فاحِشٌ. فَإنَّ هَذِهِ واوُ التَّقْسِيمِ. ولَوْ ذَهَبْتَ تَحْذِفُها فَتَقُولُ: ثَيِّباتٍ أبْكارًا لَمْ يَسْتَدَّ الكَلامُ. فَقَدْ وضَحَ أنَّ الواوَ في جَمِيعِ هَذِهِ المَواضِعِ المَعْدُودَةِ، وارِدَةٌ لِغَيْرِ ما زَعَمَهُ هَؤُلاءِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ... انْتَهى. الثّالِثُ: حُكِيَ في (الإكْلِيلِ) عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ إلّا بِما أظْهَرْنا لَكَ. ومِثْلُهُ قَوْلُ السُّدِّيِّ: إلّا بِما أُوحِيَ إلَيْكَ. وإنَّ فِيهِ تَحْرِيمَ الجَدَلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وبِلا حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ.

الكهف 18:23

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤٠٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣] ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [٢٤] ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤] . ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ مِنَ المَعانِي. مِنها أنَّ المَعْنى لا تَقُولَنَّ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِأنْ يَأْذَنَ لَكَ في القَوْلِ، فَتَكُونُ قائِلًا بِمَشِيئَتِهِ، فالمَشِيئَةُ عَلى هَذا بِمَعْنى الإذْنِ. لِأنَّ وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ لِشَيْءٍ لا تُعْلَمُ إلّا بِإذْنِهِ فِيهِ أيْ: إعْلامِهِ بِهِ. ومِنها لا تَقُولَنَّ لِما عَزَمْتَ عَلَيْهِ مِن فِعْلٍ، إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا قائِلًا مَعَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَبَرُّؤًا مِن لُزُومِ التَّحَكُّمِ عَلى اللَّهِ، ومِنَ الفِعْلِ بِإرادَتِكَ بَلْ بِإرادَةِ اللَّهِ، فَتَكُونُ فاعِلًا بِمَشِيئَتِهِ. ولِئَلّا يَلْزَمَ الكَذِبُ لَوْ لَمْ يَشَأْهُ اللَّهُ تَعالى. ومِنها أنَّ المَعْنى لا تَقُولَنَّ ذَلِكَ قاطِعًا بِفِعْلِهِ وباتًّا لَهُ. لِأنَّهُ: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] فَلا يَنْبَغِي الجَزْمُ والبَتُّ عَلى فِعْلِ أمْرِ مُسْتَقْبَلٍ مَجْهُولٍ كَوْنُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] أيْ: أنْ تَقُولَ ذَلِكَ القَوْلَ الباتَّ نِسْيانًا فَحِينَئِذٍ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ بِذِكْرِهِ. ولِذا قالَ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَـ: " لا تَقُولَنَّ " نَهْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى النَّهْيَيْنِ قَبْلَهُ. قالَ الجاحِظُ في كِتابِ (الحَيَوانِ): إنَّما ألْزَمَ جَلَّ وعَلا عَبْدَهُ أنْ يَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، لِيُبْقِيَ عادَةً لِلْمُتَألِّي، ولِئَلّا يَكُونَ كَلامُهُ ولَفْظُهُ يُشْبِهُ لَفْظَ المُسْتَبِدِّ والمُسْتَغْنِي، وعَلى أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ ذاكِرًا لِلَّهِ. لِأنَّهُ عَبْدٌ مُدَبَّرٌ، ومُقَلَّبٌ مُيَسَّرٌ، ومُصَرَّفٌ مُسَخَّرٌ. وبَقِيَ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ المَعْنى لا تَقُولَنَّ ذَلِكَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ تَقُولَ هَذا القَوْلَ. والجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ قُصِدَ بِها الإخْبارُ عَنْ سَبْقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِكُلِّ ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ ويَقُولُهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٠٤٥)﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وهَذا المَعْنى هو الظّاهِرُ بِبادِئِ الرَّأْيِ كَما قالَهُ في (الِانْتِصافِ) وفي المَعْنى تَلْوِيحٌ بِأنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ هَمَّ بِأمْرٍ ما في نَبَأِ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ، وعَزَمَ عَلى أمْرٍ في غَدِ المُحاوَرَةِ بِهِ. ولَعَلَّهُ الِاسْتِفْتاءُ عَنْهم. فَلَمّا نَهى عَنْهُ أخْبَرَ بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ كائِنٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، لِيَدْخُلَ فِيهِ ما كانَ قالَهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا. أيْ: ما قُلْتَهُ وعَزَمْتَ عَلى فِعْلِهِ كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إذْ شاءَ اللَّهُ أنْ تَقُولَهُ. فالآيَةُ بِمَثابَةِ العِنايَةِ بِهِ والتَّلْطِيفِ بِالخِطابِ، إثْرَ ما يُومِئُ إلَيْهِ النَّهْيُ إلَيْها مِن رَقِيقٍ ولِذَلِكَ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ سابِقِ النَّهْيِ عَنِ اسْتِفْتائِهِمْ، ولاحِقِ الأمْرِ بِذِكْرِهِ تَعالى إذا نَسِيَ، أيْ: نَسِيَ ما وُصِّيَ بِهِ. وبِما ذَكَرْنا يَعْلَمُ أنَّ هَذا المَعْنى لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ. فَدَعْوى النّاصِرِ في (الِانْتِصافِ) أنَّهُ لَيْسَ هو الغَرَضَ، وأنَّ الغَرَضَ النَّهْيُ عَنْ هَذا القَوْلِ إلّا مَقْرُونًا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى- قَصْرٌ لِلْآيَةِ عَلى أحَدِ مَعانِيها، وذَهابٌ إلى ما هو المَشْهُورُ في تَأْوِيلِها، وعَدَمُ تَمَعُّنٍ في مِثْلِ هَذا المَعْنى الدَّقِيقِ، بَلْ وفي بَقِيَّةِ المَعانِي الأُخَرِ الَّتِي اللَّفْظُ الكَرِيمُ يَحْتَمِلُها. وقَدْ ظَهَرَ قُوَّةُ المَعْنى الأخِيرِ لِمُوافَقَتِهِ لِآيَةِ: ﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤] أيْ: خَيْرًا ومَنفَعَةً. والإشارَةُ لِلنَّبَأِ المُتَحاوَرِ فِيهِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: رُوِيَ «أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ سُئِلَ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ والرُّوحِ وذِي القَرْنَيْنِ، فَقالَ: «أُجِيبُكم عَنْها غَدًا» ولَمْ يَسْتَثْنِ. فاحْتُبِسَ الوَحْيُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ولا تَقُولَنَّ﴾ الآيَةَ» . وقَدْ زَيَّفَ هَذِهِ الرِّوايَةَ القاضِي -كَما حَكاهُ الرّازِيُّ - مِن أوْجُهٍ. والحَقُّ لَهُ. لِأنَّها مِن مَرْوِيّاتِ ابْنِ إسْحاقَ مَجْهُولٌ. كَما ساقَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. الثّانِي: يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ [الكهف: ٢٤] الآيَةَ، إلى أنَّ هَذا النَّبَأ لَيْسَ مِمّا تَنْبَغِي العِنايَةُ بِتَحْقِيقِهِ وتَدْقِيقِ أطْرافِهِ، وابْتِغاءُ الرَّشادِ فِيهِ، حَتّى يَتَكَلَّفَ لِفَتْوى أهْلِ (p-٤٠٤٦)الكِتابِ فِيهِ. العَزْمَ عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مِمّا يُلابِسُهُ في المُسْتَقْبَلِ، لِأنَّهُ مِنَ الأُمُورِ الغابِرَةِ الَّتِي حَقُّ الخائِضِ فِيها أنْ يَنْظُرَ مِنها إلى وجْهِ العِبْرَةِ والفَوائِدِ الَّتِي حَوَتْها، كَما أحْكَمَتْهُ آياتُ التَّنْزِيلِ في شَأْنِها. الثّالِثُ: اعْتَرَضَتْ هَذِهِ الآدابُ أعْنِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُمارِ﴾ [الكهف: ٢٢] إلى هُنا قَبْلَ تَتْمِيمِ نَبَئِهِمْ، مُبادَرَةً إلى الِاهْتِمامِ بِهَذِهِ الآدابِ والِاحْتِفاظِ بِها، لِتَتَمَكَّنَ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، وتَرْسَخَ في النَّفْسِ أشَدَّ رُسُوخٍ. واللَّهُ أعْلَمُ. الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ بِالمَشِيئَةِ ثُمَّ ذَكَرْتَ فاسْتَثْنِ، وذَلِكَ (كَما قالَ القُرْطُبِيُّ) لِتَدارُكِ التَّبَرُّكِ والتَّخَلُّصِ عَنِ الإثْمِ. وقالَ في (الِانْتِصافِ): أمّا ظاهِرُ الآيَةِ فَمُقْتَضاهُ الأمْرُ بِتَدارُكِ المَشِيئَةِ، مَتى ذَكَرْتَ ولَوْ بَعْدَ الطُّولِ. وأمّا حَلُّها لِلْيَمِينِ حِينَئِذٍ فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنها. انْتَهى. ودَعْوى أنَّهُ الظّاهِرُ هو أحَدُ الوُجُوهِ فِيها، مُفَرَّعًا عَلى أنَّ المَشِيئَةَ في الآيَةِ قَبْلَها، مَشِيئَةُ القَوْلِ، وهو أحَدُ مَعانِي الآيَةِ. وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَوازُ الِاسْتِثْناءِ وإنْ طالَ الزَّمانُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ عَنْهُ فَقِيلَ إلى شَهْرٍ وقِيلَ إلى سَنَةٍ وقِيلَ أبَدًا. وفي (حُصُولِ المَأْمُولِ): ومَن قالَ بِأنَّ هَذِهِ المَقالَةَ لَمْ تَصِحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِأنَّها ثابِتَةٌ في (مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ) وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ بِلَفْظِ: ««إذا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلى يَمِينٍ فَلَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ إلى سَنَةٍ»» ومِثْلُهُ عِنْدَ أبِي مُوسى المَدِينِيِّ وسَعِيدِ بْنِ مَنصُورٍ وغَيْرِهِما مِن طُرُقٍ. وبِالجُمْلَةِ فالرِّوايَةُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ صَحَّتْ، لَكِنَّ الصَّوابَ خِلافُ ما قالَهُ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (مَدارِجِ السّالِكِينَ): إنَّ مُرادَهُ أنَّهُ إذا قالَ شَيْئًا ولَمْ يَسْتَثْنِ، فَلَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ عِنْدَ الذِّكْرِ. وقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ مَن لَمْ يَفْهَمْ كَلامَهُ. انْتَهى. وهَذا التَّأْوِيلُ يَدْفَعُهُ ما تَقَدَّمَ عَنْهُ. والِاسْتِثْناءُ بَعْدَ الفَصْلِ اليَسِيرِ وعِنْدَ التَّذَكُّرِ، قَدْ دَلَّتْ (p-٤٠٤٧)عَلَيْهِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ. مِنها حَدِيثُ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ: ««واللَّهِ! لَأغْزُوَنَّ قُرَيْشًا» ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قالَ: «إنْ شاءَ اللَّهُ»» . ومِنها حَدِيثُ ««ولا يُعَضَّدُ شَجَرُها ولا يُخْتَلى خَلاها» فَقالَ العَبّاسُ: (إلّا الإذْخِرَ)». وهو في الصَّحِيحِ. ومِنها «قَوْلُهُ ﷺ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: «إلّا سَهْلَ ابْنَ بَيْضاءَ»» انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:24

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤٠٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣] ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [٢٤] ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤] . ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ مِنَ المَعانِي. مِنها أنَّ المَعْنى لا تَقُولَنَّ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِأنْ يَأْذَنَ لَكَ في القَوْلِ، فَتَكُونُ قائِلًا بِمَشِيئَتِهِ، فالمَشِيئَةُ عَلى هَذا بِمَعْنى الإذْنِ. لِأنَّ وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ لِشَيْءٍ لا تُعْلَمُ إلّا بِإذْنِهِ فِيهِ أيْ: إعْلامِهِ بِهِ. ومِنها لا تَقُولَنَّ لِما عَزَمْتَ عَلَيْهِ مِن فِعْلٍ، إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا قائِلًا مَعَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَبَرُّؤًا مِن لُزُومِ التَّحَكُّمِ عَلى اللَّهِ، ومِنَ الفِعْلِ بِإرادَتِكَ بَلْ بِإرادَةِ اللَّهِ، فَتَكُونُ فاعِلًا بِمَشِيئَتِهِ. ولِئَلّا يَلْزَمَ الكَذِبُ لَوْ لَمْ يَشَأْهُ اللَّهُ تَعالى. ومِنها أنَّ المَعْنى لا تَقُولَنَّ ذَلِكَ قاطِعًا بِفِعْلِهِ وباتًّا لَهُ. لِأنَّهُ: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] فَلا يَنْبَغِي الجَزْمُ والبَتُّ عَلى فِعْلِ أمْرِ مُسْتَقْبَلٍ مَجْهُولٍ كَوْنُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] أيْ: أنْ تَقُولَ ذَلِكَ القَوْلَ الباتَّ نِسْيانًا فَحِينَئِذٍ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ بِذِكْرِهِ. ولِذا قالَ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَـ: " لا تَقُولَنَّ " نَهْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى النَّهْيَيْنِ قَبْلَهُ. قالَ الجاحِظُ في كِتابِ (الحَيَوانِ): إنَّما ألْزَمَ جَلَّ وعَلا عَبْدَهُ أنْ يَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، لِيُبْقِيَ عادَةً لِلْمُتَألِّي، ولِئَلّا يَكُونَ كَلامُهُ ولَفْظُهُ يُشْبِهُ لَفْظَ المُسْتَبِدِّ والمُسْتَغْنِي، وعَلى أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ ذاكِرًا لِلَّهِ. لِأنَّهُ عَبْدٌ مُدَبَّرٌ، ومُقَلَّبٌ مُيَسَّرٌ، ومُصَرَّفٌ مُسَخَّرٌ. وبَقِيَ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ المَعْنى لا تَقُولَنَّ ذَلِكَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ تَقُولَ هَذا القَوْلَ. والجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ قُصِدَ بِها الإخْبارُ عَنْ سَبْقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِكُلِّ ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ ويَقُولُهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٠٤٥)﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وهَذا المَعْنى هو الظّاهِرُ بِبادِئِ الرَّأْيِ كَما قالَهُ في (الِانْتِصافِ) وفي المَعْنى تَلْوِيحٌ بِأنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ هَمَّ بِأمْرٍ ما في نَبَأِ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ، وعَزَمَ عَلى أمْرٍ في غَدِ المُحاوَرَةِ بِهِ. ولَعَلَّهُ الِاسْتِفْتاءُ عَنْهم. فَلَمّا نَهى عَنْهُ أخْبَرَ بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ كائِنٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، لِيَدْخُلَ فِيهِ ما كانَ قالَهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا. أيْ: ما قُلْتَهُ وعَزَمْتَ عَلى فِعْلِهِ كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إذْ شاءَ اللَّهُ أنْ تَقُولَهُ. فالآيَةُ بِمَثابَةِ العِنايَةِ بِهِ والتَّلْطِيفِ بِالخِطابِ، إثْرَ ما يُومِئُ إلَيْهِ النَّهْيُ إلَيْها مِن رَقِيقٍ ولِذَلِكَ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ سابِقِ النَّهْيِ عَنِ اسْتِفْتائِهِمْ، ولاحِقِ الأمْرِ بِذِكْرِهِ تَعالى إذا نَسِيَ، أيْ: نَسِيَ ما وُصِّيَ بِهِ. وبِما ذَكَرْنا يَعْلَمُ أنَّ هَذا المَعْنى لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ. فَدَعْوى النّاصِرِ في (الِانْتِصافِ) أنَّهُ لَيْسَ هو الغَرَضَ، وأنَّ الغَرَضَ النَّهْيُ عَنْ هَذا القَوْلِ إلّا مَقْرُونًا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى- قَصْرٌ لِلْآيَةِ عَلى أحَدِ مَعانِيها، وذَهابٌ إلى ما هو المَشْهُورُ في تَأْوِيلِها، وعَدَمُ تَمَعُّنٍ في مِثْلِ هَذا المَعْنى الدَّقِيقِ، بَلْ وفي بَقِيَّةِ المَعانِي الأُخَرِ الَّتِي اللَّفْظُ الكَرِيمُ يَحْتَمِلُها. وقَدْ ظَهَرَ قُوَّةُ المَعْنى الأخِيرِ لِمُوافَقَتِهِ لِآيَةِ: ﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤] أيْ: خَيْرًا ومَنفَعَةً. والإشارَةُ لِلنَّبَأِ المُتَحاوَرِ فِيهِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: رُوِيَ «أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ سُئِلَ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ والرُّوحِ وذِي القَرْنَيْنِ، فَقالَ: «أُجِيبُكم عَنْها غَدًا» ولَمْ يَسْتَثْنِ. فاحْتُبِسَ الوَحْيُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ولا تَقُولَنَّ﴾ الآيَةَ» . وقَدْ زَيَّفَ هَذِهِ الرِّوايَةَ القاضِي -كَما حَكاهُ الرّازِيُّ - مِن أوْجُهٍ. والحَقُّ لَهُ. لِأنَّها مِن مَرْوِيّاتِ ابْنِ إسْحاقَ مَجْهُولٌ. كَما ساقَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. الثّانِي: يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ [الكهف: ٢٤] الآيَةَ، إلى أنَّ هَذا النَّبَأ لَيْسَ مِمّا تَنْبَغِي العِنايَةُ بِتَحْقِيقِهِ وتَدْقِيقِ أطْرافِهِ، وابْتِغاءُ الرَّشادِ فِيهِ، حَتّى يَتَكَلَّفَ لِفَتْوى أهْلِ (p-٤٠٤٦)الكِتابِ فِيهِ. العَزْمَ عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مِمّا يُلابِسُهُ في المُسْتَقْبَلِ، لِأنَّهُ مِنَ الأُمُورِ الغابِرَةِ الَّتِي حَقُّ الخائِضِ فِيها أنْ يَنْظُرَ مِنها إلى وجْهِ العِبْرَةِ والفَوائِدِ الَّتِي حَوَتْها، كَما أحْكَمَتْهُ آياتُ التَّنْزِيلِ في شَأْنِها. الثّالِثُ: اعْتَرَضَتْ هَذِهِ الآدابُ أعْنِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُمارِ﴾ [الكهف: ٢٢] إلى هُنا قَبْلَ تَتْمِيمِ نَبَئِهِمْ، مُبادَرَةً إلى الِاهْتِمامِ بِهَذِهِ الآدابِ والِاحْتِفاظِ بِها، لِتَتَمَكَّنَ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، وتَرْسَخَ في النَّفْسِ أشَدَّ رُسُوخٍ. واللَّهُ أعْلَمُ. الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ بِالمَشِيئَةِ ثُمَّ ذَكَرْتَ فاسْتَثْنِ، وذَلِكَ (كَما قالَ القُرْطُبِيُّ) لِتَدارُكِ التَّبَرُّكِ والتَّخَلُّصِ عَنِ الإثْمِ. وقالَ في (الِانْتِصافِ): أمّا ظاهِرُ الآيَةِ فَمُقْتَضاهُ الأمْرُ بِتَدارُكِ المَشِيئَةِ، مَتى ذَكَرْتَ ولَوْ بَعْدَ الطُّولِ. وأمّا حَلُّها لِلْيَمِينِ حِينَئِذٍ فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنها. انْتَهى. ودَعْوى أنَّهُ الظّاهِرُ هو أحَدُ الوُجُوهِ فِيها، مُفَرَّعًا عَلى أنَّ المَشِيئَةَ في الآيَةِ قَبْلَها، مَشِيئَةُ القَوْلِ، وهو أحَدُ مَعانِي الآيَةِ. وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَوازُ الِاسْتِثْناءِ وإنْ طالَ الزَّمانُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ عَنْهُ فَقِيلَ إلى شَهْرٍ وقِيلَ إلى سَنَةٍ وقِيلَ أبَدًا. وفي (حُصُولِ المَأْمُولِ): ومَن قالَ بِأنَّ هَذِهِ المَقالَةَ لَمْ تَصِحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِأنَّها ثابِتَةٌ في (مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ) وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ بِلَفْظِ: ««إذا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلى يَمِينٍ فَلَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ إلى سَنَةٍ»» ومِثْلُهُ عِنْدَ أبِي مُوسى المَدِينِيِّ وسَعِيدِ بْنِ مَنصُورٍ وغَيْرِهِما مِن طُرُقٍ. وبِالجُمْلَةِ فالرِّوايَةُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ صَحَّتْ، لَكِنَّ الصَّوابَ خِلافُ ما قالَهُ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (مَدارِجِ السّالِكِينَ): إنَّ مُرادَهُ أنَّهُ إذا قالَ شَيْئًا ولَمْ يَسْتَثْنِ، فَلَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ عِنْدَ الذِّكْرِ. وقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ مَن لَمْ يَفْهَمْ كَلامَهُ. انْتَهى. وهَذا التَّأْوِيلُ يَدْفَعُهُ ما تَقَدَّمَ عَنْهُ. والِاسْتِثْناءُ بَعْدَ الفَصْلِ اليَسِيرِ وعِنْدَ التَّذَكُّرِ، قَدْ دَلَّتْ (p-٤٠٤٧)عَلَيْهِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ. مِنها حَدِيثُ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ: ««واللَّهِ! لَأغْزُوَنَّ قُرَيْشًا» ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قالَ: «إنْ شاءَ اللَّهُ»» . ومِنها حَدِيثُ ««ولا يُعَضَّدُ شَجَرُها ولا يُخْتَلى خَلاها» فَقالَ العَبّاسُ: (إلّا الإذْخِرَ)». وهو في الصَّحِيحِ. ومِنها «قَوْلُهُ ﷺ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: «إلّا سَهْلَ ابْنَ بَيْضاءَ»» انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٥] ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [٢٦] ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] . ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] حِكايَةٌ لِقَوْلِ أهْلِ الكِتابِ في عَهْدِهِ ﷺ، في مُدَّةِ لَبْثِهِمْ نائِمِينَ في كَهْفِهِمُ الَّذِي التَجَأُوا إلَيْهِ، لِيَتَفَرَّغُوا لِذِكْرِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ ومُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وأيَّدَهُ قَتادَةُ بِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (وقالُوا ولَبِثُوا) قِيلَ: وعَلَيْهِ فَيَكُونُ ضَمِيرُ: ﴿وازْدادُوا﴾ لِأهْلِ الكِتابِ. وإنَّهُ يَظْهَرُ فِيهِ وجْهُ العُدُولِ عَنِ المُتَبادِرِ وهو ثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعُ سِنِينَ. مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ. وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَهم (p-٤٠٤٨)قالَ: ثَلاثُمِائَةٍ: وبَعْضُهم قالَ أزْيَدُ بِتِسْعَةٍ. ولا يَخْفى رَكاكَةُ ما ذُكِرَ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلْفِتْيَةِ. ووَجْهُ العُدُولِ مُوافَقَةُ رُؤُوسِ الآيِ المَقْطُوعَةِ بِالحَرْفِ المَنصُوبِ. ودَعْوى الأخْصَرِيَّةِ تَدْقِيقٌ نَحْوِيٌّ لا تَنْهَضُ بِمِثْلِهِ البَلاغَةُ. وأمّا الأظْهَرِيَّةُ فَيَأْباها ذَوْقُ الجُمْلَتَيْنِ ذَوْقًا سَلِيمًا. فَإنَّ الوِجْدانَ العَرَبِيَّ يَجِدُ بَيْنَهُما في الطَّلاوَةِ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ. ودَعْوى أنَّ فِيها إشارَةً إلى أنَّها ثَلاثُمِائَةٍ بِحِسابِ أهْلِ الكِتابِ بِالأيّامِ، واعْتِبارِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعٌ بِحِسابِ العَرَبِ، واعْتِبارِ القَمَرِيَّةِ، بَيانًا لِلتَّفاوُتِ بَيْنَهُما، إذِ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ ثَلاثُ سِنِينَ- دَعْوى يَتَوَقَّفُ تَصْحِيحُها عَلى ثُبُوتِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ ازْدادُوا بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وأنَّهُ قَصَّ عَلَيْنا ما أرادُوهُ بِالسَّنَةِ الهِلالِيَّةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: وازْدادُوا تِسْعًا لِنَقِفَ عَلى تَحْدِيدِ ما عَنَوْهُ، ومِن أيْنَ يَثْبُتُ ذَلِكَ؟ وما الدّاعِي لِهَذا التَّعَمُّقِ المُشَوَّشِ؟ والآيَةُ جَلِيَّةٌ بِنَفْسِها في دَعْواهم مُدَّةَ لَبْثِهِمْ. وقَدْ يُرِيدُونَ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ أوِ الهِلالِيَّةَ، وبِأيٍّ مِنها قالُوا: فَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: بِمِقْدارِ لَبْثِهِمْ. فَلا تَقْفُوا ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ، وما هو غَيْبٌ يُرَدُّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، كَما قالَ: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: ما غابَ فِيهِما وخَفِيَ مِن أحْوالِ أهْلِهِما، أيْ: أنَّهُ هو وحْدَهُ العالِمُ بِهِ: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: ما أُبْصِرُهُ لِكُلِّ مَوْجُودٍ! وأسْمَعُهُ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَحْجُبُ بَصَرَهُ وسَمْعَهُ شَيْءٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جاءَ بِما دَلَّ عَلى التَّعَجُّبِ مِن إدْراكِهِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصِراتِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أمْرَهُ في الإدْراكِ خارِجٌ عَنْ حَدِّ ما عَلَيْهِ إدْراكُ السّامِعِينَ والمُبْصِرِينَ، لِأنَّهُ يُدْرِكُ ألْطَفَ الأشْياءِ وأصْغَرَها، كَما يُدْرِكُ أكْبَرَها حَجْمًا وأكْثَفَها جُرْمًا، ويُدْرِكُ البَواطِنَ كَما يُدْرِكُ الظَّواهِرَ. لَطِيفَةٌ: قالَ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] المُنْتَخَبُ عَلى جَوازِ إطْلاقِ صِيغَةِ التَّعَجُّبِ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِكَ: ما أعْظَمَ اللَّهَ وما أجَلَّهُ. انْتَهى. يَعْنِي (p-٤٠٤٩)أنْ يُشْتَقَّ مِنَ الصِّفاتِ السَّمْعِيَّةِ صِيغَةُ التَّعَجُّبِ قِياسًا عَلى ما في الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ بِالوَقْفِ. يَنْبَغِي التَّأمُّلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهُمْ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في خَلْقِهِ: ﴿مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: يَتَوَلّى أُمُورَهُمْ: ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: قَضائِهِ: ﴿أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: مِن مُكَوِّناتِهِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ. بَلْ هو المُنْفَرِدُ بِالحُكْمِ والقَضاءِ فِيهِمْ، وتَدْبِيرِهِمْ وتَصْرِيفِهِمْ، فِيما شاءَ وأحَبَّ. قالَ المَهايِمِيُّ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عِلْمَهم بِهِمْ إمّا مِن قَبِيلِ الغَيْبِ، فَهو مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ. أوْ مِن قَبِيلِ المَسْمُوعِ، فَهو أسْمَعُ. أوْ مِن قَبِيلِ البَصَرِ، فَهو أبْصَرُ. انْتَهى. وهو لَطِيفٌ جِدًّا. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٥] ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [٢٦] ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] . ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] حِكايَةٌ لِقَوْلِ أهْلِ الكِتابِ في عَهْدِهِ ﷺ، في مُدَّةِ لَبْثِهِمْ نائِمِينَ في كَهْفِهِمُ الَّذِي التَجَأُوا إلَيْهِ، لِيَتَفَرَّغُوا لِذِكْرِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ ومُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وأيَّدَهُ قَتادَةُ بِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (وقالُوا ولَبِثُوا) قِيلَ: وعَلَيْهِ فَيَكُونُ ضَمِيرُ: ﴿وازْدادُوا﴾ لِأهْلِ الكِتابِ. وإنَّهُ يَظْهَرُ فِيهِ وجْهُ العُدُولِ عَنِ المُتَبادِرِ وهو ثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعُ سِنِينَ. مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ. وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَهم (p-٤٠٤٨)قالَ: ثَلاثُمِائَةٍ: وبَعْضُهم قالَ أزْيَدُ بِتِسْعَةٍ. ولا يَخْفى رَكاكَةُ ما ذُكِرَ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلْفِتْيَةِ. ووَجْهُ العُدُولِ مُوافَقَةُ رُؤُوسِ الآيِ المَقْطُوعَةِ بِالحَرْفِ المَنصُوبِ. ودَعْوى الأخْصَرِيَّةِ تَدْقِيقٌ نَحْوِيٌّ لا تَنْهَضُ بِمِثْلِهِ البَلاغَةُ. وأمّا الأظْهَرِيَّةُ فَيَأْباها ذَوْقُ الجُمْلَتَيْنِ ذَوْقًا سَلِيمًا. فَإنَّ الوِجْدانَ العَرَبِيَّ يَجِدُ بَيْنَهُما في الطَّلاوَةِ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ. ودَعْوى أنَّ فِيها إشارَةً إلى أنَّها ثَلاثُمِائَةٍ بِحِسابِ أهْلِ الكِتابِ بِالأيّامِ، واعْتِبارِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعٌ بِحِسابِ العَرَبِ، واعْتِبارِ القَمَرِيَّةِ، بَيانًا لِلتَّفاوُتِ بَيْنَهُما، إذِ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ ثَلاثُ سِنِينَ- دَعْوى يَتَوَقَّفُ تَصْحِيحُها عَلى ثُبُوتِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ ازْدادُوا بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وأنَّهُ قَصَّ عَلَيْنا ما أرادُوهُ بِالسَّنَةِ الهِلالِيَّةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: وازْدادُوا تِسْعًا لِنَقِفَ عَلى تَحْدِيدِ ما عَنَوْهُ، ومِن أيْنَ يَثْبُتُ ذَلِكَ؟ وما الدّاعِي لِهَذا التَّعَمُّقِ المُشَوَّشِ؟ والآيَةُ جَلِيَّةٌ بِنَفْسِها في دَعْواهم مُدَّةَ لَبْثِهِمْ. وقَدْ يُرِيدُونَ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ أوِ الهِلالِيَّةَ، وبِأيٍّ مِنها قالُوا: فَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: بِمِقْدارِ لَبْثِهِمْ. فَلا تَقْفُوا ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ، وما هو غَيْبٌ يُرَدُّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، كَما قالَ: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: ما غابَ فِيهِما وخَفِيَ مِن أحْوالِ أهْلِهِما، أيْ: أنَّهُ هو وحْدَهُ العالِمُ بِهِ: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: ما أُبْصِرُهُ لِكُلِّ مَوْجُودٍ! وأسْمَعُهُ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَحْجُبُ بَصَرَهُ وسَمْعَهُ شَيْءٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جاءَ بِما دَلَّ عَلى التَّعَجُّبِ مِن إدْراكِهِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصِراتِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أمْرَهُ في الإدْراكِ خارِجٌ عَنْ حَدِّ ما عَلَيْهِ إدْراكُ السّامِعِينَ والمُبْصِرِينَ، لِأنَّهُ يُدْرِكُ ألْطَفَ الأشْياءِ وأصْغَرَها، كَما يُدْرِكُ أكْبَرَها حَجْمًا وأكْثَفَها جُرْمًا، ويُدْرِكُ البَواطِنَ كَما يُدْرِكُ الظَّواهِرَ. لَطِيفَةٌ: قالَ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] المُنْتَخَبُ عَلى جَوازِ إطْلاقِ صِيغَةِ التَّعَجُّبِ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِكَ: ما أعْظَمَ اللَّهَ وما أجَلَّهُ. انْتَهى. يَعْنِي (p-٤٠٤٩)أنْ يُشْتَقَّ مِنَ الصِّفاتِ السَّمْعِيَّةِ صِيغَةُ التَّعَجُّبِ قِياسًا عَلى ما في الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ بِالوَقْفِ. يَنْبَغِي التَّأمُّلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهُمْ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في خَلْقِهِ: ﴿مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: يَتَوَلّى أُمُورَهُمْ: ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: قَضائِهِ: ﴿أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] أيْ: مِن مُكَوِّناتِهِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ. بَلْ هو المُنْفَرِدُ بِالحُكْمِ والقَضاءِ فِيهِمْ، وتَدْبِيرِهِمْ وتَصْرِيفِهِمْ، فِيما شاءَ وأحَبَّ. قالَ المَهايِمِيُّ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عِلْمَهم بِهِمْ إمّا مِن قَبِيلِ الغَيْبِ، فَهو مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ. أوْ مِن قَبِيلِ المَسْمُوعِ، فَهو أسْمَعُ. أوْ مِن قَبِيلِ البَصَرِ، فَهو أبْصَرُ. انْتَهى. وهو لَطِيفٌ جِدًّا. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧] ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ . ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ أيْ: بِتَبْلِيغِ ما فِيهِ. ومِنهُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن نَبَأِ الفِتْيَةِ، فَإنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى اسْتِفْتاءٍ فِيهِ. قالَ القاشانِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ. و(الكِتابُ) هو اللَّوْحُ الأوَّلُ المُشْتَمِلُ عَلى كُلِّ العُلُومِ الَّذِي مِنهُ أُوحِيَ إلى مَن أُوحِيَ إلَيْهِ، وأنْ تَكُونَ بَيانًا لِما أُوحِيَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: لا مُغَيَّرَ لَها ولا مُحَرِّفَ ولا مُزِيلَ. قالَ القاشانِيُّ: (كَلِماتُهُ) الَّتِي هي أُصُولُ التَّوْحِيدِ والعَدِّ وأنْواعِهِما. وقَصْدُهُ دَفْعُ ما يَرِدُ مِن وُقُوعِ نَسْخِ بَعْضِ الشَّرائِعِ السّابِقَةِ بِاللّاحِقَةِ وتَبْدِيلِها بِها. فَأشارَ إلى أنَّ النَّسْخَ إنَّما هو في الفُرُوعِ لا الأُصُولُ. والأظْهَرُ في مَعْنى الآيَةِ؛ أنَّهُ لا أحَدَ سِواهُ يُبَدِّلُ حُكْمَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] وأمّا هو سُبْحانَهُ فَهو فَعّالٌ لِما يُرِيدُ: ﴿ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أيْ: مَلْجَأً. (p-٤٠٥٠)وذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مَذْهَبًا قالَ: يَقُولُ تَعالى لِنَبِيِّهِ واتَّبِعْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ هَذا، ولا تَتْرُكُنَّ تِلاوَتَهُ واتِّباعَ ما فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ والعَمَلِ بِحَلالِهِ وحَرامِهِ. فَتَكُونُ مِنَ الهالِكِينَ. وذَلِكَ أنَّ مَصِيرَ مَن خالَفَهُ وتَرَكَ اتِّباعَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، إلى جَهَنَّمَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ يَقُولُ لا مُغَيِّرَ لِما أوْعَدَ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلَيْكَ، أهْلَ مَعاصِيهِ والعامِلِينَ بِخِلافِ هَذا الكِتابِ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ يَقُولُ: وإنْ أنْتَ لَمْ تَتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ فَتَتْبَعُهُ وتَأْتَمُّ بِهِ، فَنالَكَ وعِيدُ اللَّهِ الَّذِي أوْعَدَ فِيهِ المُخالِفِينَ حُدُودَهُ، لَنْ تَجِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مَوْئِلًا تَئِلُ إلَيْهِ، ومَعْدِلًا تَعْدِلُ عَنْهُ إلَيْهِ. لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ مُحِيطَةٌ بِكَ وبِجَمِيعِ خَلْقِهِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنهم عَلى الهَرَبِ مِن أمْرٍ أرادَ بِهِ. انْتَهى. تَنْبِيهٌ: لِهَؤُلاءِ الفِتْيَةِ أصْحابِ الكَهْفِ ذِكْرٌ في تَوارِيخِ المَسِيحِيِّينَ، وعِيدٌ سَنَوِيٌّ يُقامُ تِذْكارًا لَهُمْ، في اليَوْمِ السّابِعِ والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ تَمُوزَ. لِكَوْنِهِمُ اضْطُهِدُوا مِن قِبَلِ الأُمَراءِ اليُونانِيِّينَ، لِإيمانِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ ودُخُولِهِمْ في المِلَّةِ المَسِيحِيَّةِ ورَفْضِهِمُ الوَثَنِيَّةَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها اليُونانُ. وقَدْ رَأيْتُ في كِتابِ (الكَنْزُ الثَّمِينُ في أخْبارِ القِدِّيسِينَ) تَرْجَمَةً عَنْ أحْوالِهِمْ واسِعَةً تَحْتَ عُنْوانِ (فِيما يَخُصُّ السَّبْعَةَ القِدِّيسِينَ الشُّهَداءَ الَّذِينَ مِن أُفْسَسَ ) نَقْتَطِفُ مِنها ما يَأْتِي، دَحْضًا لِدَعْوى مَن يَفْتَرِي أنَّ نَبَأهم لا يُعْرَفُ أصْلًا، كَما قَرَأْتُهُ في بَعْضِ كُتُبِ المُلْحِدِينَ. قالَ صاحِبُ التَّرْجَمَةِ: هَؤُلاءِ الشُّهَداءُ السَّبْعَةُ كانُوا إخْوَةً بِالجَسَدِ. وأسْماؤُهُمْ: مِكْسَيَمَيانُوسُ ومالَخُوسُ. ومَرْتِينَيانُوسُ. ودِيُونِيسَيُوسُ. ويُوحَنّا. وسارابِيُونُ. ثُمَّ قُسْطَنْطِينُ. هَؤُلاءِ الشَّبابُ قَرَّبُوا حَياتَهم ضَحِيَّةً مِن أجْلِ المَسِيحِ، بِالقُرْبِ مِن مَدِينَةِ أفْسَسَ نَحْوَ سَنَةِ (٢٥٢) مَسِيحِيَّةً. في زَمَنِ الِاضْطِهادِ القاسِي الَّذِي صَنَعَهُ ضِدَّ المَسِيحِيِّينَ، المَلِكُ داكِيُوسُ. (p-٤٠٥١)وقَدْ أجَلَّهُمُ المَسِيحِيُّونَ كَشُهَداءَ حَقِيقِيِّينَ. فَيُقامُ لَهم في الكَنائِسِ مَدائِحُ تُنْشَرُ فِيها صِفاتُهُمُ الفاضِلَةُ يَوْمَ اسْتِشْهادِهِمْ ثَمَّةَ، في اليَوْمِ الرّابِعِ مِن شَهْرِ آبَ، المُخْتَصِّ بِتِذْكارِ الأُعْجُوبَةِ الَّتِي بِواسِطَتِها قَدْ ظَهَرَتْ أجْسادُهُمُ المُقَدَّسَةُ في المَغارَةِ الغَرْبِيَّةِ مِن مَدِينَةِ أفْسِسَ. ثُمَّ قالَ: وأمّا نَوْعُ اسْتِشْهادِهِمْ فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ. لِأنَّ أعْمالَهُمُ الجِهادِيَّةَ في سَبِيلِ الإيمانِ لَمْ تُوجَدْ مُدَوَّنَةً في التَّوارِيخِ الكَنائِسِيَّةِ المُدَقِّقَةِ. بَلْ إنَّ المُؤَكَّدَ عَنْهم أنَّ اسْتِشْهادَهم كانَ زَمَنَ المَلِكِ داكِيُوسَ، حِذاءَ مَدِينَةِ أفْسِسَ. حَيْثُ وُجِدَتْ فِيما بَعْدُ أجْسادُهم في مَغارَةٍ لَيْسَتْ بَعِيدَةً مِن أهْلِ هَذِهِ المَدِينَةِ. ثُمَّ قالَ: فالبَعْضُ مِنَ الكَتَبَةِ الكَنائِسِيِّينَ يَرْتَؤُونَ بِأنَّهُ لَمّا اخْتَفى هَؤُلاءِ الفِتْيَةُ في تِلْكَ المَغارَةِ هَرَبًا مِن الِاضْطِهادِ، عُرِفَ أمْرُهم فَأُغْلِقَ عَلَيْهِمْ بابُ المَغارَةِ بِصُخُورٍ عَظِيمَةٍ. وهَكَذا ماتُوا فِيها. وغَيْرُهم يَرْوُونَ أنَّهم قُتِلُوا مِن أجْلِ الإيمانِ في مَدِينَةِ أفْسِسَ. وبَعْدَ مَوْتِهِمْ نُقِلَتْ أجْسادُهم ودُفِنَتْ في المَغارَةِ المَذْكُورَةِ. وآخَرُونَ يَظُنُّونَ أنَّهم حَبَسُوا أنْفُسَهم أحْياءً بِاخْتِبائِهِمْ في المَغارَةِ المَذْكُورَةِ، لِيَمُوتُوا بِرِضاهُمْ، هَرَبًا مِن خَطَرِ أنْواعِ العَذابِ القاسِيَةِ الَّتِي كانَ يَتَكَبَّدُها المَسِيحِيُّونَ في ذاكَ الِاضْطِهادِ الوَحْشِيِّ. ثُمَّ قالَ: فَكَيْفَما كانَ نَوْعُ اسْتِشْهادِ هَؤُلاءِ السَّبْعَةِ، فَقَدْ تَحَقَّقَ أنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يُكْرِمَهم بِإظْهارِ أجْسادِهِمْ بِواسِطَةِ رُؤْيا سَماوِيَّةٍ. وذَلِكَ في ٤ آبَ سَنَةَ ٤٤٧ في زَمَنِ وِلايَةِ المَلِكِ (ثاوُضُوسِيُوشَ الصَّغِيرِ). ثُمَّ قالَ: ودَرَجَ عَلى أفْواهِ الشُّعُوبِ؛ أنَّ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ، بَعْدَ أنْ أُغْلِقَ عَلَيْهِمْ بابُ المَغارَةِ بِأمْرِ داكِيُوسَ المَلِكِ، لَمْ يَمُوتُوا ضِمْنَها، لا مَوْتًا طَبِيعِيًّا ولا قَسْرِيًّا. بَلْ رَقَدُوا رُقادَ النَّوْمِ مُدَّةً، نَحْوَ مِائَتَيْ سَنَةٍ. ثُمَّ نَهَضُوا مِن نَوْمِهِمُ الطَّبِيعِيِّ سَنَةَ (٤٤٧). ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ إلى تَأْوِيلِ ما رُوِيَ مِن رُقادِهِمُ الطَّوِيلِ، بِأنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ أجْسادُهم سالِمَةً مِنَ البِلى، بَعْدَ أنْ دُفِنُوا في ذَلِكَ الغارِ أحْياءً أوْ أمْواتًا، بِواسِطَةِ خارِقَةٍ ما، (p-٤٠٥٢)ونُقِلَتْ مِن مَدْفِنِهِمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ، اعْتُبِرَتْ تِلْكَ الأجْسادُ كَأنَّها صُودِفَتْ مُسْتَيْقِظَةً مِن نَوْمٍ لَذِيذٍ كانَتْ راقِدَةً فِيهِ. إلّا أنَّ الَّذِي يُبْطِلُ هَذا التَّأْوِيلَ ما نَقَلَهُ بَعْدُ عَنِ القَنْداقِ، مِن أنَّهم نَهَضُوا بَعْدَ أنْ رَقَدُوا عِدَّةً مِنَ السِّنِينَ وانْتَصَرُوا عَلى ضَلالِ أُولَئِكَ الوَثَنِيِّينَ. وبِظُهُورِهِمْ كَذَلِكَ أيَّدُوا حَقِّيَّةَ إيمانِهِمْ ووَطَّدُوا المُؤْمِنِينَ في رَجاءِ القِيامَةِ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ. هَذا ما اقْتَطَفْناهُ مِن كِتابِ (الكَنْزِ الثَّمِينِ) وبِهِ تَعْلَمُ ما لَدى أهْلِ الكِتابِ المَسِيحِيِّينَ مِن الِاخْتِلافِ فِيهِمُ، الَّذِي أشارَ لَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ. وقَدْ جاءَ في (تارِيخِ الكَنِيسَةِ): إنَّ أقْوالَ وأعْمالَ الشُّهَداءِ في المَسِيحِيَّةِ لَمْ يُنْقَلْ مِنها إلّا القَلِيلُ. لِأنَّ أكْثَرَها أُحْرِقَ بِالنّارِ مُدَّةَ العَشْرِ سَنَواتٍ. مِن سَنَةِ (٢٩٣ إلى ٣٠٣) وإنَّ مِنَ القَرْنِ الثّامِنِ فَصاعِدًا، اعْتَنى الرُّومُ واللّاتِيُّونُ بِجَمْعِ حَياةِ الشُّهَداءِ الأوَّلِينَ. غَيْرَ أنَّ الأكْثَرَ حَذاقَةً، حَتّى الَّذِينَ في حِضْنِ الكَنِيسَةِ الرُّومانِيَّةِ، يُسَلِّمُونَ الآنَ بِأنَّ أكْثَرَ الأخْبارِ أحادِيثُ مُلَفَّقَةٌ، غَرامًا بِالبَلاغَةِ. وجَداوِلُ القِدِّيسِينَ المُسَمّاةُ (أقْوالَ الشُّهَداءِ) لَيْسَتْ بِأكْثَرَ ثِقَةً. الَّتِي ألَّفَها أُناسٌ جُهَلاءُ غَيْرُ قادِرِينَ، أوْ دَخَلَها مُنْذُئِذٍ أكاذِيبُ. فَهَذا القِسْمُ مِن تارِيخِ الكَنِيسَةِ إذْ ذاكَ مُظْلِمٌ خالٍ مِنَ النُّورِ. انْتَهى كَلامُهُ بِالحَرْفِ. وفِيهِ مَيْلٌ إلى النَّصَفَةِ مِن عَدَمِ الثِّقَةِ بِما لَدَيْهِمْ مِن هَذا الخِلافِ الَّذِي حَسَمَ مادَّتَهُ، واقْتَلَعَهُ مِن جُذُورِهِ، القُرْآنُ الكَرِيمُ. قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ "، الآيَةَ الآتِيَةَ، مُعْتَذِرًا عَمّا نَقَلَهُ، ما مِثالُهُ: رُوِيَ في هَذا آثارٌ كَثِيرَةٌ عَنِ السَّلَفِ. وغالِبُها مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ الَّتِي تُنْقَلُ لِيُنْظَرَ فِيها. واللَّهُ أعْلَمُ بِحالِ كَثِيرٍ مِنها. ومِنها ما قَدْ يَقْطَعُ بِكَذِبِهِ، لِمُخالَفَتِهِ لِلْحَقِّ الَّذِي بِأيْدِينا. وفي القُرْآنِ غَنِيَّةٌ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ مِنَ الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ. لِأنَّها لا تَكادُ تَخْلُو مِن تَبْدِيلٍ وزِيادَةٍ ونُقْصانٍ. وقَدْ وضَعَ فِيها أشْياءَ كَثِيرَةً. ولَيْسَ لَهم مِنَ الحُفّاظِ المُتْقِنِينَ الَّذِينَ يَنْفُونَ عَنْها (p-٤٠٥٣)تَحْرِيفَ الغالِينَ وانْتِحالَ المُبْطِلِينَ. كَما لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الأئِمَّةِ والعُلَماءِ، والسّادَةِ والأتْقِياءِ، والجَهابِذَةِ النُّقّادِ، والحُفّاظِ الَّذِي دَوَّنُوا الحَدِيثَ وحَرَّرُوهُ، وبَيَّنُوا صَحِيحَهُ مِن حُسْنِهِ ومُنْكَرِهِ ومَوْضُوعِهِ ومَتْرُوكِهِ. وعَرَفُوا الوَضّاعِينَ والكَذّابِينَ والمَجْهُولِينَ مِن أصْنافِ الرِّجالِ. كُلُّ ذَلِكَ صِيانَةً لِلْجَنابِ النَّبَوِيِّ والمَقامِ المُحَمَّدِيِّ خاتَمِ الرُّسُلِ وسَيِّدِ البَشَرِ، أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ كَذِبٌ أوْ يُحَدَّثُ عَنْهُ بِما لَيْسَ مِنهُ. فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وأرْضاهم. وجَعَلَ جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ مَأْواهم. وقَدْ فَعَلَ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٨] ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ . ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أيِ: احْبِسْها وثَبِّتْها: ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ أيْ: مَعَ أصْحابِكَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَهُ سُبْحانَهُ طَرَفَيِ النَّهارِ، بِمُلازَمَةِ الصَّلاةِ فِيهِما: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ أيْ: ذاتَهُ طَلَبًا لِمَرْضاتِهِ وطاعَتِهِ، لا عَرَضًا مِن أعْراضِ الدُّنْيا: ﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لا تُجاوِزْ نَظَرَكَ إلى غَيْرِهِمْ بِالإعْراضِ عَنْهُمْ: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: تَطْلُبُ مُجالَسَةَ الأشْرافِ والأغْنِياءِ تَألُّفًا لِقُلُوبِهِمْ: ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا أيْ: جَعَلْناهُ غافِلًا لِبُطْلانِ اسْتِعْدادِهِ لِلذِّكْرِ بِالمَرَّةِ. أوْ وجَدْناهُ غافِلًا عَنْهُ. وذَلِكَ لِئَلّا يُؤَدِيَكَ إلى الغَفْلَةِ عَنْهُ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ أيْ: مَتْرُوكًا مُتَهاوَنًا بِهِ مُضَيَّعًا. أوْ نَدَمًا أوْ سَرَفًا. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ المَأْمُورِ بِالصَّبْرِ مَعَهم والمَنهِيِّ عَنْ إطاعَتِهِمْ، بِالمَوْصُولِ، لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: «إنَّ قَوْمًا مِن أشْرافِ المُشْرِكِينَ رَأوُا النَّبِيَّ ﷺ جالِسًا مَعَ خَبّابٍ (p-٤٠٥٤)وصُهَيْبٍ وبِلالٍ. فَسَألُوهُ أنْ يُقِيمَهم عَنْهُ إذا حَضَرُوا. وفي رِوايَةِ ابْنِ زَيْدٍ: أنَّهم قالُوا لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إنّا نَسْتَحِي أنْ نُجالِسَ فُلانًا وفُلانًا وفُلانًا، فَجانِبْهم وجالِسْ أشْرافَ العَرَبِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾» ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ. فَقالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اطْرُدْ هَؤُلاءِ لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنا. قالَ: وكُنْتُ أنا وابْنُ مَسْعُودٍ ورَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ وبِلالٌ ورَجُلانِ نَسِيتُ اسْمَيْهِما فَوَقَعَ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقَعَ. فَحَدَّثَ نَفْسَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ». قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ دُونَ البُخارِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩] ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ . ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: جاءَ بِالحَقِّ وهو ما أُوحِيَ إلَيَّ مِنهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ إمّا مِن تَمامِ المَقُولِ المَأْمُورِ بِهِ، والفاءُ لِتَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، بِطَرِيقِ التَّهْدِيدِ. أيْ: عَقِيبَ تَحَقُّقِ أنَّ ما أُوحِيَ إلَيَّ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ، وأنَّ ذَلِكَ الحَقَّ مِن جِهَةِ رَبِّكم. فَمَن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، فَلْيُؤْمِن كَسائِرِ المُؤْمِنِينَ. ولا يَتَعَلَّلُ بِما لا يَكادُ يَصْلُحُ لِلتَّعَلُّلِ. ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ فَلْيَفْعَلْ. وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ وإظْهارِ الِاسْتِغْناءِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ، وُجُودًا وعَدَمًا- ما لا يَخْفى. وإمّا تَهْدِيدٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، (p-٤٠٥٥)والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ التَّهْدِيدِ عَلى الأمْرِ. والمَعْنى: قُلْ لَهم ذَلِكَ. وبَعْدَ ذَلِكَ مَن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ أوْ أنْ يُصَدِّقَكَ فِيهِ فَلْيُؤْمِن. ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ أوْ يُكَذِّبَكَ فِيهِ فَلْيَفْعَلْ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. وفي (العِنايَةِ): الأمْرُ والتَّخْيِيرُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ. فَهو مَجازٌ عَنْ عَدَمِ المُبالاةِ والِاعْتِناءِ بِهِ. والأمْرُ بِالكُفْرِ غَيْرُ مُرادٍ. فَهو اسْتِعارَةٌ لِلْخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، بِتَشْبِيهِ حالِ مَن هو كَذَلِكَ بِحالِ المَأْمُورِ بِالمُخالَفَةِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ عَدَمُ المُبالاةِ والِاعْتِناءِ بِهِ فِيهِما. وهَذا كَقَوْلِهِ: (أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةَ) وهَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ إلى طَرْدِ الفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ لِيُجالِسُوهُ ويَتَّبِعُوهُ. فَقِيلَ لَهُمْ: إيمانُكم إنَّما يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْكُمْ، فَلا نُبالِي بِهِ حَتّى نَطْرُدَهم لِذَلِكَ، بَعْدَ ما تَبَيَّنَ الحَقُّ وظَهَرَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وتَأْكِيدٌ لِلتَّهْدِيدِ وتَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ. أوْ لِما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ التَّخْيِيرِ، مِن عَدَمِ المُبالاةِ بِكُفْرِهِمْ وقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِزَجْرِهِمْ عَنْهُ. فَإنَّ إعْدادَ جَزائِهِ مِن دَواعِي الإمْلاءِ والإمْهالِ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، هو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّخْيِيرِ التَّهْدِيدِيِّ. أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: هَيَّأْنا لِلْكافِرِينَ بِالحَقِّ، بَعْدَ ما جاءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِــ(الظّالِمِينَ) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَشِيئَةَ الكُفْرِ واخْتِيارَهُ، تَجاوُزٌ عَنِ الحَدِّ ووَضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ أيْ: فُسْطاطُها. وهي الخَيْمَةُ. شَبَّهَ بِهِ ما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ. فَإنَّ انْتِشارَ لَهَبِ النّارِ في الجِهاتِ شَبِيهٌ بِالسُّرادِقِ. ويُطْلَقُ السُّرادِقُ عَلى الحَظِيرَةِ حَوْلَ الفُسْطاطِ لِلْمَنعِ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ. شَبَّهَ ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن جَهَنَّمَ، بِها. يُقالُ بَيْتٌ مُسَرْدَقٌ، ذُو سُرادِقٍ: وإنْ يَسْتَغِيثُوا أيْ: مِنَ الظَّمَأِ لِاحْتِراقِ أفْئِدَتِهِمْ: يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ أيْ: كالحَدِيدِ المُذابِ وكَعَكِرِ الزَّيْتِ، وقالَ القاشانِيُّ: مِن جِنْسِ الغَسّاقِ والغِسْلِينَ، أيِ: المِياهُ المُتَعَفِّنَةُ الَّتِي تَسِيلُ مِن أبْدانِ أهْلِ النّارِ، مُسْوَدَّةٌ يُغاثُونَ بِها. أوْ غُسالاتُهُمُ القَذِرَةُ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ أيْ: إذا قُدِّمَ إلَيْهِ لِيَشْرَبَ، مِن فَرْطِ حَرارَتِهِ. (p-٤٠٥٦)﴿وساءَتْ﴾ أيِ النّارُ: ﴿مُرْتَفَقًا﴾ أيْ: مُتَّكَأً. وأصْلُ الِارْتِفاقِ نَصْبُ المِرْفَقِ تَحْتَ الخَدِّ. وذِكْرُهُ لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] وإلّا فَلا ارْتِفاقَ لِأهْلِ النّارِ ولا اتِّكاءَ. وقَدْ يَكُونُ تَهَكُّمًا، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي أرِقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفَقًا كَأنَّ عَيْنِيَّ فِيها الصّابُ مَذْبُوحُ والصّابُ: شَجَرٌ مُرٌّ يَحْرِقُ ماؤُهُ العَيْنَ. ومَذْبُوحٌ: مَشْقُوقٌ. وفي كِتابِ (تَنْزِيلِ الآياتِ) في الصِّحاحِ: باتَ فُلانٌ مُرْتَفَقًا، أيْ: مُتَّكِئًا عَلى مِرْفَقِ يَدِهِ. وهو هَيْئَةُ المُتَحَزِّنِينَ المُتَحَسِّرِينَ. فَعَلى هَذا لا يَكُونُ مِنَ المُشاكَلَةِ ولا لِلتَّهَكُّمِ، بَلْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ. كَما يَكُونُ لِلتَّنَعُّمِ يَكُونُ لِلتَّحَزُّنِ. وتَعَقَّبُهُ في (العِنايَةِ) فَقالَ: وأمّا وضْعُ اليَدِ تَحْتَ الخَدِّ لِلتَّحَزُّنِ والتَّحَسُّرِ، فالظّاهِرُ أنَّ العَذابَ يَشْغَلُهم عَنْهُ. فَلا يَتَأتّى مِنهم حَتّى يَكُونَ هَذا حَقِيقَةً لا مُشاكَلَةً، فَلِذا لَمْ يُعَرِّجُوا عَلَيْهِ. ثُمَّ عَلَّلَ الحَثَّ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِنَ التَّخْيِيرِ المُتَقَدِّمِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الكهف 18:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ [٣١] ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] . ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ (p-٤٠٥٧)ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ﴾ [الكهف: ٣١] وهو ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ: ﴿وإسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] وهو ما كَثَفَ مِنهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الكهف: ٣١] أيِ: السُّرُرِ عَلى هَيْئَةِ المُتَنَعِّمِينَ: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ [الكهف: ٣١] أيِ: الجَنّاتُ المَذْكُورَةُ: ﴿وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] أيْ: مُتَّكَأً. وقِيلَ المُرْتَفِقُ المَنزِلُ والمُسْتَقَرُّ، لِآيَةِ: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] وآيَةِ ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٧٦]

الكهف 18:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ [٣١] ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] . ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ (p-٤٠٥٧)ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ﴾ [الكهف: ٣١] وهو ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ: ﴿وإسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] وهو ما كَثَفَ مِنهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الكهف: ٣١] أيِ: السُّرُرِ عَلى هَيْئَةِ المُتَنَعِّمِينَ: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ [الكهف: ٣١] أيِ: الجَنّاتُ المَذْكُورَةُ: ﴿وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] أيْ: مُتَّكَأً. وقِيلَ المُرْتَفِقُ المَنزِلُ والمُسْتَقَرُّ، لِآيَةِ: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] وآيَةِ ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٧٦]

الكهف 18:32

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ . ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا﴾ أيْ: لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ: ﴿رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ وهي أعَزُّ ما يُؤْثِرُهُ أُولَئِكَ في تَأْزِيرِ كَرُومِهِمْ بِالأشْجارِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، أوْ بَيْنَ النَّخِيلِ والأعْنابِ: ﴿زَرْعًا﴾ أيْ: فَحَصَلَ مِنهُما الفَواكِهُ والأقْواتُ، فَكانَتا مَنشَأ الثَّرْوَةِ والجاهِ.

الكهف 18:33

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣] ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ . ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أيْ: ثَمَرَها كامِلَةً: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ: ﴿مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما﴾ أيْ: فِيما بَيْنَهُما: ﴿نَهَرًا﴾ أيْ: يَسْقِي الأشْجارَ والزُّرُوعَ، ويَزِيدُ في بَهْجَةِ مَرْآهِما، تَتْمِيمًا لِحُسْنِهِما.

الكهف 18:34

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٤] ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ . ﴿وكانَ لَهُ﴾ أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ: ﴿ثَمَرٌ﴾ أيْ: أنْواعٌ مِنَ المالِ غَيْرُ الجَنَّتَيْنِ. مِن (p-٤٠٥٨)(ثَمَّرَ مالَهُ) إذا كَثَّرَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ﴾ أيْ: يُراجِعُهُ الكَلامَ، تَعْيِيرًا لَهُ بِالفَقْرِ، وفَخْرًا عَلَيْهِ بِالمالِ والجاهِ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ أيْ: أنْصارًا وحَشَمًا.

الكهف 18:35

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٥] ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ . ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أيْ: بِصاحِبِهِ يَطُوفُ بِهِ فِيها ويُفاخِرُهُ بِها. كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ ومُحاوَرَتُهُ لَهُ. وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا مَعَ أنَّ لَهُ جَنَّتَيْنِ كَما مَرَّ، إمّا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِتَعَدُّدِها، وإمّا لِاتِّصالِ إحْداهُما بِالأُخْرى، وإمّا لِأنَّ الدُّخُولَ يَكُونُ في واحِدَةٍ فَواحِدَةٍ. قِيلَ: الإضافَةُ تَأْتِي لِمَعْنى اللّامِ. فالمُرادُ بِها العُمُومُ والِاسْتِغْراقُ. أيْ: كُلُّ ما هو جَنَّةٌ لَهُ يَتَمَتَّعُ بِها. فَيُفِيدُ ما أفادَتْهُ التَّثْنِيَةُ مَعَ زِيادَةٍ. وهي الإشارَةُ إلى أنَّهُ لا جَنَّةَ لَهُ غَيْرَ هَذِهِ: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: بِما يُوجِبُ سَلْبَ النِّعْمَةِ، وهو الكُفْرُ والعَجَبُ. وفي (العِنايَةِ) ظُلْمُهُ لَها إمّا بِمَعْنى تَنْقِيصِها وضَرَرِها، لِتَعْرِيضِ نِعْمَتِهِ لِلزَّوالِ ونَفْسِهِ لِلْهَلاكِ، أوْ بِمَعْنى وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. لِأنَّ مُقْتَضى ما شاهَدَهُ التَّواضُعُ المُبْكِي، لا العَجَبُ بِها وظَنُّها أنَّها لا تَبِيدُ أبَدًا. والكُفْرُ بِإنْكارِ البَعْثِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ﴾ أيْ: تَهْلَكُ وتَفْنى: ﴿هَذِهِ﴾ أيِ: الجَنَّةُ: ﴿أبَدًا﴾ لِاعْتِقادِهِ أبَدِيَّةَ الدَّهْرِ، وأنْ لا كَوْنَ سِوى ما تَقَعُ عَلَيْهِ مَشاعِرُهُ. ولِذا قالَ:

الكهف 18:36

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٦] ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ . ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أيْ: كائِنَةً، وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ إقْسامٌ مِنهُ عَلى أنَّهُ، إنَّ رُدَّ إلى رَبِّهِ، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، كَما يَزْعُمُ صاحِبُهُ، لَيَجِدَنَّ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِن جَنَّتِهِ في الدُّنْيا، تَطَمُّعًا وتَمَنِّيًا عَلى اللَّهِ، وادِّعاءً لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ ومَكانَتِهِ عِنْدَهُ. وإنَّهُ ما أوْلاهُ الجَنَّتَيْنِ إلّا لِاسْتِحْقاقِهِ واسْتِئْهالِهِ. (p-٤٠٥٩)وأنَّ مَعَهُ هَذا الِاسْتِحْقاقَ أيْنَما تَوَجَّهَ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] ﴿لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] و: ﴿مُنْقَلَبًا﴾ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ المَهايِمِيُّ: فَكَفَرَ بِالقَوْلِ بِقِدَمِ العالَمِ ونَفْيِ حَشْرِ الأجْسادِ واعْتَقَدَ عَكْسَ الجَزاءِ إذْ قالَ: ﴿لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ والقَوْلُ بِقِدَمِ العالَمِ يَنْفِي اخْتِيارَ الصّانِعِ وإرادَتَهُ. وبِإنْكارِ حَشْرِ الأجْسادِ يَنْفِي قُدْرَتَهُ عَلى الإعادَةِ. وبِعَكْسِ الجَزاءِ يَنْفِي الحِكْمَةَ الإلَهِيَّةَ.

الكهف 18:37

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما أجابَهُ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ واعِظًا لَهُ، وزاجِرًا عَمّا هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ والِاغْتِرارِ، بِقَوْلِهِ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٧] ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ . ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيِ: الَّذِي عَيَّرَهُ بِالفَقْرِ، تَعْيِيرًا لَهُ عَلى كُفْرِهِ: ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ أيْ: يُراجِعُهُ كَلامَ التَّعْيِيرِ عَلى الكُفْرِ، مُحاوَرَتَهُ كَلامَ التَّعْيِيرِ عَلى الفَقْرِ، في ضِمْنِ النُّكْرِ عَلَيْهِ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ: يَجْعَلُ التُّرابَ نَباتًا ثُمَّ جَعَلَهُ غِذاءً يَتَوَلَّدُ مِنهُ النُّطْفَةُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ أيْ: عَدَّلَكَ وكَمَّلَكَ إنْسانًا ذَكَرًا بالِغًا مَبْلَغَ الرِّجالِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعْبِيرُ عَنْهُ تَعالى بِالمَوْصُولِ، لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، لِإنْكارِ الكُفْرِ. والتَّلْوِيحِ بِدَلِيلِ البَعْثِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى عَزَّ مَن قائِلٌ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥] وكَما قالَ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: كَيْفَ تَجْحَدُونَ رَبَّكُمْ، ودَلالَتُهُ عَلَيْكم ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، كُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُها مِن نَفْسِهِ. فَإنَّهُ ما مِن أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ إلّا ويَعْلَمُ أنَّهُ كانَ مَعْدُومًا ثُمَّ وُجِدَ. ولَيْسَ وُجُودُهُ مِن نَفْسِهِ ولا مُسْتَنِدًا إلى شَيْءٍ. (p-٤٠٦٠)مِنَ المَخْلُوقاتِ، لِأنَّهُ بِمَثابَتِهِ. فَعَلِمَ إسْنادَ إيجادِهِ إلى خالِقِهِ، وهو اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. ولِهَذا قالَ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ:

الكهف 18:38

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٨] ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ . ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ أيْ: لَكِنَّ أنا لا أقُولُ بِمَقالَتِكَ، بَلْ أعْتَرِفُ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ. ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا مَعَهُ مِنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ((لَكِنّا) بِإثْباتِ الألِفِ وصْلًا ووَقْفًا. الباقُونَ بِحَذْفِها وصْلًا، وبِإثْباتِها وقْفًا، فالوَقْفُ وِفاقٌ. وأصْلُهُ لَكِنَّ أنا. وقُرِئَ كَذَلِكَ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُّونُ في مِثْلِها فَصارَ (لَكِنَّ) ثُمَّ ألْحَقَ الألِفَ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. لِأنَّ الوَقْفَ عَلى (أنا) بِالألِفِ، ولِأنَّ الألِفَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ (لَكِنَّ أنا) وبِغَيْرِها يَلْزَمُ الإلْباسُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (لَكِنَّ) المُشَدِّدَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَحْوَهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎وتَرْمِينَنِي بِالطَّرَفِ أيْ: أنْتَ مُذْنِبٌ وتُقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكِ لا أقْلِي أيْ لَكِنَّ أنا لا أقْلِيكِ. ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ولَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافِرِ أيْ ولَكِنَّكَ.

الكهف 18:39

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤٠٦١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٩] ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾ [٤٠] ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] [٤١] ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: ٤١] . ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِها ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ، عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. تَقْدِيرُهُ (الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ) أوْ شَرْطِيَّةً مَنصُوبَةَ المَوْضِعِ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ بِمَعْنى (أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ) ونَظِيرُها في حَذْفِ الجَوابِ (لَوْ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] والمَعْنى: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِها، والنَّظَرِ إلى ما رَزَقَكَ اللَّهُ مِنها، الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلَّ خَيْرٍ فِيها، إنَّما حَصَلَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ. وأنَّ أمْرَها بِيَدِهِ. إنْ شاءَ تَرَكَها عامِرَةً، وإنْ شاءَ خَرَّبَها. وقُلْتُ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قَوِيَتْ بِهِ عَلى عِمامَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، إنَّما هو بِمَعُونَتِهِ وتَأْيِيدِهِ. إذْ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ، إلّا بِاللَّهِ تَعالى. والقَصْدُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ التَّبَرُّؤُ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وإسْنادُ ما أُوتِيَهُ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ وحْدَهُ. ثُمَّ أشارَ لَهُ صاحِبُهُ بِأنَّ تَعْيِيرَهُ إيّاهُ بِالفَقْرِ، لا يَبْعُدُ أنْ يَنْعَكِسَ فِيهِ الأمْرُ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي﴾ [الكهف: ٤٠] أيْ: في الدُّنْيا أيْضًا: ﴿خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ [الكهف: ٤٠] أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَدْمِيرِها مِن صَواعِقَ وآفاتٍ عُلْوِيَّةٍ: ﴿مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أيْ: تُرابًا أمْلَسَ لا تَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ، لِمَلاسَتِها (p-٤٠٦٢)أوْ يُهْلِكُها بِآفَةٍ سُفْلِيَّةٍ مِن جِهَةِ الأرْضِ بِأنْ: ﴿يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ [الكهف: ٤١] أيْ: غائِرًا في الأرْضِ: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا أيْ: حِيلَةً تُدْرِكُهُ بِها، بِالحَفْرِ أوْ بِغَيْرِهِ. تَنْبِيهٌ: كُلٌّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُؤْتِيَنِي﴾ [الكهف: ٤٠] رَسْمٌ بِدُونِ ياءٍ. لِأنَّها مِن ياءاتِ الزَّوائِدِ. وأمّا في النُّطْقِ، فَبَعْضُ السَّبْعَةِ يُثْبِتُها وبَعْضُهم يَحْذِفُها.

الكهف 18:40

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤٠٦١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٩] ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾ [٤٠] ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] [٤١] ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: ٤١] . ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِها ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ، عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. تَقْدِيرُهُ (الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ) أوْ شَرْطِيَّةً مَنصُوبَةَ المَوْضِعِ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ بِمَعْنى (أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ) ونَظِيرُها في حَذْفِ الجَوابِ (لَوْ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] والمَعْنى: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِها، والنَّظَرِ إلى ما رَزَقَكَ اللَّهُ مِنها، الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلَّ خَيْرٍ فِيها، إنَّما حَصَلَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ. وأنَّ أمْرَها بِيَدِهِ. إنْ شاءَ تَرَكَها عامِرَةً، وإنْ شاءَ خَرَّبَها. وقُلْتُ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قَوِيَتْ بِهِ عَلى عِمامَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، إنَّما هو بِمَعُونَتِهِ وتَأْيِيدِهِ. إذْ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ، إلّا بِاللَّهِ تَعالى. والقَصْدُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ التَّبَرُّؤُ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وإسْنادُ ما أُوتِيَهُ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ وحْدَهُ. ثُمَّ أشارَ لَهُ صاحِبُهُ بِأنَّ تَعْيِيرَهُ إيّاهُ بِالفَقْرِ، لا يَبْعُدُ أنْ يَنْعَكِسَ فِيهِ الأمْرُ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي﴾ [الكهف: ٤٠] أيْ: في الدُّنْيا أيْضًا: ﴿خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ [الكهف: ٤٠] أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَدْمِيرِها مِن صَواعِقَ وآفاتٍ عُلْوِيَّةٍ: ﴿مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أيْ: تُرابًا أمْلَسَ لا تَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ، لِمَلاسَتِها (p-٤٠٦٢)أوْ يُهْلِكُها بِآفَةٍ سُفْلِيَّةٍ مِن جِهَةِ الأرْضِ بِأنْ: ﴿يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ [الكهف: ٤١] أيْ: غائِرًا في الأرْضِ: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا أيْ: حِيلَةً تُدْرِكُهُ بِها، بِالحَفْرِ أوْ بِغَيْرِهِ. تَنْبِيهٌ: كُلٌّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُؤْتِيَنِي﴾ [الكهف: ٤٠] رَسْمٌ بِدُونِ ياءٍ. لِأنَّها مِن ياءاتِ الزَّوائِدِ. وأمّا في النُّطْقِ، فَبَعْضُ السَّبْعَةِ يُثْبِتُها وبَعْضُهم يَحْذِفُها.

الكهف 18:41

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤٠٦١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٩] ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾ [٤٠] ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] [٤١] ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: ٤١] . ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِها ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ، عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. تَقْدِيرُهُ (الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ) أوْ شَرْطِيَّةً مَنصُوبَةَ المَوْضِعِ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ بِمَعْنى (أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ) ونَظِيرُها في حَذْفِ الجَوابِ (لَوْ) في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] والمَعْنى: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِها، والنَّظَرِ إلى ما رَزَقَكَ اللَّهُ مِنها، الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلَّ خَيْرٍ فِيها، إنَّما حَصَلَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ. وأنَّ أمْرَها بِيَدِهِ. إنْ شاءَ تَرَكَها عامِرَةً، وإنْ شاءَ خَرَّبَها. وقُلْتُ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قَوِيَتْ بِهِ عَلى عِمامَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، إنَّما هو بِمَعُونَتِهِ وتَأْيِيدِهِ. إذْ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ، إلّا بِاللَّهِ تَعالى. والقَصْدُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ التَّبَرُّؤُ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وإسْنادُ ما أُوتِيَهُ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ وحْدَهُ. ثُمَّ أشارَ لَهُ صاحِبُهُ بِأنَّ تَعْيِيرَهُ إيّاهُ بِالفَقْرِ، لا يَبْعُدُ أنْ يَنْعَكِسَ فِيهِ الأمْرُ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي﴾ [الكهف: ٤٠] أيْ: في الدُّنْيا أيْضًا: ﴿خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ [الكهف: ٤٠] أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَدْمِيرِها مِن صَواعِقَ وآفاتٍ عُلْوِيَّةٍ: ﴿مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أيْ: تُرابًا أمْلَسَ لا تَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ، لِمَلاسَتِها (p-٤٠٦٢)أوْ يُهْلِكُها بِآفَةٍ سُفْلِيَّةٍ مِن جِهَةِ الأرْضِ بِأنْ: ﴿يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ [الكهف: ٤١] أيْ: غائِرًا في الأرْضِ: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا أيْ: حِيلَةً تُدْرِكُهُ بِها، بِالحَفْرِ أوْ بِغَيْرِهِ. تَنْبِيهٌ: كُلٌّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُؤْتِيَنِي﴾ [الكهف: ٤٠] رَسْمٌ بِدُونِ ياءٍ. لِأنَّها مِن ياءاتِ الزَّوائِدِ. وأمّا في النُّطْقِ، فَبَعْضُ السَّبْعَةِ يُثْبِتُها وبَعْضُهم يَحْذِفُها.

الكهف 18:42

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٢] ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أيْ: بِإهْلاكِهِ فَلَمْ يُبْقِ لَهُ فِيها ثَمَرَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُحِيطَ بِهِ عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ. وأصْلُهُ مِن (مَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ) لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] ومِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ. مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. يَعْنِي أنَّهُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. شَبَّهَ إهْلاكَ جَنَّتَيْهِ بِما فِيهِما، بِإهْلاكِ قَوْمٍ بِجَيْشِ عَدُوٍّ أحاطَ بِهِمْ وأوْقَعَ بِهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَنْجُ أحَدٌ مِنهم. كَما أنَّ (أتى عَلَيْهِمْ) بِمَعْنى أهْلَكَهُمُ، اسْتِعارَةٌ أيْضًا، مِن إتْيانِ عَدُوٍّ غالِبٍ مُسْتَعْلٍ عَلَيْهِمْ بِالقَهْرِ: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: فَعَيَّرَ نَفْسَهُ أكْثَرَ مِن تَعْيِيرِهِ صاحِبَهُ وتَعْيِيرِ صاحِبِهِ إيّاهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقْلِيبُ الكَفَّيْنِ كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والتَّحَسُّرِ. لِأنَّ النّادِمَ يَقْلِبُ كَفَّيْهِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ. كَما كُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِعَضِّ الكَفِّ، والسُّقُوطِ في اليَدِ. ولِأنَّهُ في مَعْنى النَّدَمِ، عُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ بِــ(عَلى) كَأنَّهُ قِيلَ فَأصْبَحَ يَنْدَمُ عَلى ما أنْفَقَ فِيها، أيْ: في عِمارَتِها. فَيَكُونُ ظَرْفًا لَغْوًا. ويَجُوزُ كَوْنُهُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا مُتَعَلِّقُهُ خاصٌّ، وهو حالٌ. أيْ: مُتَحَسِّرًا. والتَّحَسُّرُ الحُزْنُ. وهو أخَصُّ مِنَ النَّدَمِ. لِأنَّهُ (p-٤٠٦٣)-كَما قالَ الرّاغِبُ- الغَمُّ عَلى ما فاتَ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ: ساقِطَةٌ عَلَيْها. و(العُرُوشُ) جَمْعُ عَرْشٍ وهو ما يُصْنَعُ لِيُوضَعَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ. فَإذا سَقَطَ سَقَطَ ما عَلَيْهِ. يَعْنِي أنَّ كُرُومَها المَعْرُوشَةَ، سَقَطَتْ عُرُوشُها عَلى الأرْضِ وسَقَطَتْ فَوْقَها الكُرُومُ، بِحَيْثُ قارَبَتْ أنْ تَصِيرَ صَعِيدًا زَلَقًا: ويَقُولُ عَطْفٌ عَلى (يُقَلِّبُ): ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ أيْ: مِنَ الأوْثانِ. وذَلِكَ أنَّهُ تَذَّكَّرَ مَوْعِظَةَ أخِيهِ فَعَلِمَ أنَّهُ أُتِيَ مِن جِهَةِ شِرْكِهِ وطُغْيانِهِ. فَتَمَنّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا حَتّى لا يُهْلِكَ اللَّهُ بُسْتانَهُ.

الكهف 18:43

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٣] ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ أيْ: مَنَعَةٌ وقَوْمٌ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما افْتَخَرَ بِهِمْ واسْتَعَزَّ عَلى صاحِبِهِ: ﴿وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ أيْ: مُمْتَنِعًا بِنَفْسِهِ وقُوَّتِهِ عَنِ انْتِقامِ اللَّهِ.

الكهف 18:44

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٤] ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ: قِي ذَلِكَ المَقامِ وتِلْكَ الحالَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها الإهْلاكُ. (الوَلايَةُ) بِفَتْحِ الواوِ أيِ: النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ، لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ غَيْرُهُ. فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ ومُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ﴾ [الكهف: ٤٣] لِأنَّها بِمَعْناها. أوْ يَنْصُرُ فِيها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ، كَما نَصَرَ عَلى الكافِرِ صاحِبَهُ المُؤْمِنَ، وصَدَقَ قَوْلُهُ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الكهف: ٤٠] ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: لِأوْلِيائِهِ. فَلا يَنْقُصُ لِمُؤْمِنٍ دَرَجَةً، في الدُّنْيا، ولا يَتْرُكُ لِكافِرٍ عُقُوبَةً لِشَرَفِهِ، بَلْ يُعاقِبُهُ بِذَنْبِهِ ويُظْهِرُ فَضْلَ المُؤْمِنِ عَلَيْهِ. وقُرِئَ ((الوِلايَةُ)) بِكَسْرِ الواوِ بِمَعْنى السُّلْطانِ والمُلْكِ. أيْ: هُنالِكَ (p-٤٠٦٤)السُّلْطانُ لَهُ والمُلْكُ. لا يَغْلِبُ ولا يَمْتَنِعُ مِنهُ. أوْ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويُؤْمِنُ بِهِ كُلُّ مُضْطَرٍّ. يَعْنِي أنَّ: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا، كَلِمَةٌ أُلْجِئَ إلَيْها فَقالَها، جَزَعًا مِمّا دَهاهُ مِن شُؤْمِ كُفْرِهِ. ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] وكَقَوْلِهِ إخْبارًا عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] ﴿آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] أوْ (هُنالِكَ) إشارَةٌ إلى الآخِرَةِ. أيْ: في تِلْكَ الدّارِ الوِلايَةُ لِلَّهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] ويُناسِبُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ و(هُنالِكَ) عَلى الأوْجُهِ المُتَقَدِّمَةِ، خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و(الوَلايَةُ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ. والوَقْفُ عَلى (مُنْتَصِرًا). وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ هُنالِكَ مَعْمُولًا لِــ (مُنْتَصِرًا) وإنَّ الوَقْفَ عَلَيْهِ. أيْ: عَلى (هُنالِكَ) وإنَّ (الوِلايَةَ لِلَّهِ) جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُسْتَأْنِفَةٌ. أيْ: وما كانَ مُنْتَصِرًا في ذَلِكَ الوَطَنِ الَّذِي حَلَّ بِهِ عَذابُ اللَّهِ. فَلَمْ يَكُنْ مُنْقِذٌ لَهُ مِنهُ. وأقُولُ: هَذا الثّانِي رَكِيكٌ جِدًّا، مُفَكَّكٌ لِرُؤُوسِ الآيِ في السُّورَةِ. فَإنَّها قُطِّعَتْ كُلُّها بِالِاسْمِ المَنصُوبِ. وشُبْهَةُ قائِلِهِ جَوازُهُ عَرَبِيَّةً. وما كُلُّ جائِزٍ عَرَبِيَّةً رَقِيقَ الحَواشِي بَلاغَةً. ولِذَلِكَ لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تابَعَهُ. و(الحَقُّ) قُرِئَ بِالرَّفْعِ صِفَةً (لِلْوِلايَةِ) وبِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنصُوبِ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ. وبِالجَرِّ صِفَةً لِلَفْظِ الجَلالَةِ. (عُقْبًا) قُرِئَ بِسُكُونِ القافِ وضَمِّها. وهُما العاقِبَةُ كالعُشُرِ والعُشْرِ. تَنْبِيهٌ: يَذْكُرُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هُنا وجْهًا في هَذا المَثَلِ. وهو أنَّ الرَّجُلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فِيهِ (p-٤٠٦٥)كانا مَوْجُودَيْنِ ولَهُما قِصَّةٌ. ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ ولا اتِّجاهَ. فَإنَّ التَّمْثِيلَ بِشَيْءٍ لا يَقْتَضِي وُجُودَهُ. وجَوَّزَ في هَذا المَثَلِ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ والتَّشْبِيهِ. وأنْ يَكُونَ المَثَلُ مُسْتَعارًا لِلْحالِ الغَرِيبَةِ، بِتَقْدِيرِ (اضْرِبْ) مَثَلًا، مِثْلَ رَجُلَيْنِ، مِن غَيْرِ تَشْبِيهٍ واسْتِعارَةٍ. وقَدْ عَنِيَ بِأنَّ الرَّجُلَيْنِ في التَّمْثِيلِ، مُشْرِكُو مَكَّةَ، وما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الفَخْرِ بِأمْوالِهِمْ والبَذَخِ بِخَوَلِهِمْ، وغَمْطِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وما آلَ إلَيْهِ أمْرُ الفَرِيقَيْنِ، مِمّا طابَقَ المَثَلَ المُمَثِّلَ، مُطابَقَةً طَبَّقَتِ الآفاقَ. مِصْداقًا لِوَعْدِهِ تَعالى، سَيَكُونُ الأمْرُ في الآخِرَةِ أعْلى: ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى سُرْعَةِ فَناءِ ما يَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِنَ الدُّنْيا، ويَخْتالُونَ بِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الكهف 18:45

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٥] ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْـزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ . ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ: اذْكُرْ لَهم ما تُشْبِهُهُ في زَهْرَتِها وسُرْعَةِ زَوالِها: ﴿كَماءٍ أنْـزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ أيْ: فالتَفَّ بِسَبَبِهِ وتَكاثَفَ، حَتّى خالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَشَبَّ وحَسُنَ وعَلاهُ الزَّهْرُ والنُّورُ والنَّضِرَةُ: ﴿فَأصْبَحَ﴾ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ الزَّهْوِ: ﴿هَشِيمًا﴾ أيْ: جافًّا يابِسًا مَكْسُورًا: ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ أيْ: تُفَرِّقُهُ وتَنْسِفُهُ ذاتُ اليَمِينِ وذاتُ الشِّمالِ كَأنْ لَمْ يَكُنْ، وهَكَذا حالُ الدُّنْيا وحالُ مُجْرِمِيها، فَإنَّ ما نالَهم مِن شَرَفِ الحَياةِ كالَّذِي حَصَلَ لِلنَّباتِ مِن شَرَفِ النُّمُوِّ. ثُمَّ يَزُولُونَ زَوالَ النَّباتِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ أيْ: عَلى كُلٍّ مِنَ الإنْشاءِ والإفْناءِ كامِلَ القُدْرَةِ. ولَمّا كانَ هَذا المَثَلُ لِلْحَياةِ الدُّنْيا مِن أبْهَجِ المُثُلِ وأبْدَعِها، ضُرِبَ كَثِيرًا في التَّنْزِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ (p-٤٠٦٦)يُونُسَ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْـزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ [يونس: ٢٤] وفي الزُّمَرِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ [الزمر: ٢١] الآيَةَ. وفي الحَدِيدِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] الآيَةَ.

الكهف 18:46

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى شَأْنَ ما كانُوا يَفْتَخِرُونَ مِن مُحْسِناتِ الدُّنْيا، بِقَوْلِهِ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦] ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾ ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وذَلِكَ لِإعانَتِهِما فِيها، ووُجُودِ الشَّرَفِ بِهِما ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُما لَيْسا مِن أسْبابِ الشَّرَفِ الأُخْرَوِيِّ، إذْ لا يُحْتاجُ فِيها إلَيْهِما، بِقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾ أيْ: والأعْمالُ الَّتِي تَبْقى ثَمَراتُها الأُخْرَوِيَّةُ، مِن الِاعْتِقاداتِ والأخْلاقِ والعِباداتِ الكامِلاتِ، خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ مِنَ المالِ والبَنِينَ، في الجَزاءِ والفائِدَةِ وخَيْرٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِما مِنَ الأمَلِ. فَإنَّ ما يَنالُ بِهِما مِنَ الآمالِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أمْرُها إلى الزَّوالِ. وما يَنالُ بِالباقِياتِ الصّالِحاتِ مِن مَنازِلِ القُرْبَ الرَّبّانِيِّ والنَّعِيمِ الأبَدِيِّ، لا يَزُولُ ولا يُحَوَّلُ. لَطائِفُ: ١ - تَقْدِيمُ (المالِ) عَلى (البَنِينَ) لِعَراقَتِهِ فِيما نِيطَ بِهِ مِنَ الزِّينَةِ والإمْدادِ. ولِكَوْنِ الحاجَةِ إلَيْهِ أمَسَّ. ولِأنَّهُ زِينَةٌ بِدُونِهِمْ، مِن غَيْرِ عَكْسٍ. (p-٤٠٦٧)٢ - إفْرادُ (الزِّينَةِ) مَعَ أنَّها مُسْنَدَةٌ إلى الِاثْنَيْنِ، لِما أنَّها مَصْدَرٌ في الأصْلِ. أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ مُبالَغَةً. كَأنَّها نَفْسُ الزِّينَةِ. وإضافَتُها إلى الحَياةِ اخْتِصاصِيَّةً، لِأنَّ زِينَتَها مُخْتَصَّةٌ بِها. ٣ - إخْراجُ بَقاءِ الأعْمالِ وصَلاحِها، مَخْرَجَ الصِّفاتِ المَفْرُوغِ عَنْها، مَعَ أنَّ حَقَّهُما أنْ يَكُونا مَقْصُودِي الإفادَةِ، لا سِيَّما في مُقابَلَةِ إثْباتِ الفَناءِ لِما يُقابِلُهُما مِنَ المالِ والبَنِينَ عَلى طَرِيقَةِ: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] لِلْإيذانِ بِأنَّ بَقاءَها أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا حاجَةَ إلى بَيانِهِ. بَلْ لَفْظُ (الباقِياتِ) اسْمٌ لَها لا وصْفٌ. ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ المَوْصُوفَ. وإنَّما الَّذِي يَحْتاجُ إلى التَّعَرُّضِ لَهُ خَيْرِيَّتُها. ٤ - تَكْرِيرُ (خَيْرٍ) لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ حَيْثِيَّتَيِ الخَيْرِيَّةِ والمُبالَغَةِ.كَذا يُسْتَفادُ مِن أبِي السُّعُودِ، مَعَ زِيادَةٍ. ٥ - وقَعَ في كَلامِ السَّلَفِ تَفْسِيرُ (الباقِياتُ الصّالِحاتُ) بِالصَّلَواتِ وأعْمالِ الحَجِّ والصَّدَقاتِ والصَّوْمِ والجِهادِ والعِتْقِ، وقَوْلِهِ (سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ) والكَلامِ الطَّيِّبِ، وبِغَيْرِهِما، مِمّا رُوِيَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا. والمَرْفُوعُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يُخَرَّجْ في الصَّحِيحَيْنِ. وكُلُّهُ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ. وإنَّ اللَّفْظَ الكَرِيمَ يَتَناوَلُها لِكَوْنِها مِن أفْرادِهِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَحْذِيرِ المُشْرِكِينَ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، الَّتِي هي الوَعْدُ الحَقُّ والفَيْصَلُ الصِّدْقُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الكهف 18:47

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧] ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ . ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَقْلَعُها مِن أماكِنِها ونُسَيِّرُها في الجَوِّ. كَما (p-٤٠٦٨)يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] أوْ نُسَيِّرُ أجْزاءَها بَعْدَ أنْ نَجْعَلَها هَباءً مُنْبَثًّا: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ لِبُرُوزِ ما تَحْتَ الجِبالِ، أيْ: ظُهُورُهُ، بِنَسْفِها وبُرُوزِ ما عَداهُ بِزَوالِ الجِبالِ والكَثَبِ. حَتّى تَبْدُوَ لِلْعِيانِ سَطْحًا مُسْتَوِيًا، لا بِناءَ ولا شَجَرَ ولا مَعْلَمَ ولا ما سِوى ذَلِكَ: ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾ أيْ: جَمَعْناهم إلى مَوْقِفِ الحِسابِ: ﴿فَلَمْ نُغادِرْ﴾ أيْ: نَتْرُكْ: ﴿مِنهم أحَدًا﴾ أيْ: لا صَغِيرًا ولا كَبِيرًا. كَما قالَ: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٩] ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] وقالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]

الكهف 18:48

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٨] ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ . ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُتَرَتِّبِينَ في المَواقِفِ، لا يَحْجُبُ بَعْضُهم بَعْضًا كُلٌّ في رُتْبَتِهِ، قالَهُ القاشانِيُّ. وقالَ أبُو السُّعُودِ: (صَفًّا) أيْ: غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ ولا مُخْتَلِطِينَ. فَلا تَعَرُّضَ فِيهِ لِوَحْدَةِ الصَّفِّ وتَعَدُّدِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ الجُنْدِ المَعْرُوضِينَ عَلى السُّلْطانِ، مُصْطَفِّينَ ظاهِرِينَ. يَرى جَماعَتَهم كَما يَرى كُلَّ واحِدٍ. لا يَحْجُبُ أحَدٌ أحَدًا: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: بِلا مالٍ ولا بَنِينَ. أوْ لَقَدْ بَعَثْناكم كَما أنْشَأْناكم. والكَلامُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ. أيْ: وقُلْنا. تَقْرِيعًا لِلْمُنْكِرِينَ لِلْمَعادِ، وتَوْبِيخًا لَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ: بِإنْكارِكُمُ البَعْثَ: ﴿ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ أيْ: وقْتًا لِإنْجازِ ما وعَدْناكم مِنَ البَعْثِ (p-٤٠٦٩)والنُّشُورِ والحِسابِ والجَزاءِ. فَلَمْ يَعْمَلُوا لِذَلِكَ أصْلًا، بَلْ عَمِلُوا ما يَزْدادُونَ بِهِ افْتِضاحًا. و(بَلْ) لِلْخُرُوجِ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى. فالإضْرابُ انْتِقالِيٌّ، لا إبْطالِيٌّ.

الكهف 18:49

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩] ﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ . ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ أيْ: صَحائِفُ الأعْمالِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ بِحَضْرَةِ الخَلائِقِ: ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ أيْ: خائِفِينَ أنْ يَفْتَضِحُوا: ﴿مِمّا فِيهِ﴾ أيْ: مِن أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُسَطَّرَةِ: ﴿ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا﴾ أيْ: هِلْكَتُنا وحَسْرَتُنا عَلى ما فَرَّطْنا في أعْمارِنا. قالَ القاشانِيُّ: يَدْعُونَ الهَلَكَةَ الَّتِي هَلَكُوا بِها، مِن أثَرِ العَقِيدَةِ الفاسِدَةِ والأعْمالِ السَّيِّئَةِ: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ أيْ: أيُّ شَأْنٍ حَصَلَ لَهُ، فَلا يَتْرُكُ ذَنْبًا صَغِيرًا ولا كَبِيرًا إلّا ضَبَطَهُ وحَفِظَهُ. والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ عَنِ التَّعَجُّبِ في إحْصائِهِ كُلَّ المَعاصِي، وعَدِّهِ مَقادِيرَها وأوْصافَها، وعَدَمَ تَسامُحِهِ في شَيْءٍ مِنها. قالَ البِقاعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ إنَّ لامَ الجَرِّ رُسِمَتْ مَفْصُولَةً (يَعْنِي: في الرَّسْمِ العُثْمانِيِّ)، إشارَةً إلى أنَّهم لِشِدَّةِ الكَرْبِ يَقِفُونَ عَلى بَعْضِ الكَلِمَةِ. وهَذا مِن لَطائِفِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ أيْ: مَكْتُوبًا في الصُّحُفِ تَفْصِيلًا، مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] الآيَةَ. وقالَ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ أيْ: فَيَكْتُبُ عَلَيْهِ ما لَمْ يَعْمَلْهُ، أوْ يَزِيدُ في عِقابِهِ. ثُمَّ أشارَ (p-٤٠٧٠)تَعالى إلى أنَّ الكُفْرَ والعِصْيانَ مَصْدَرُهُ طاعَةُ الشَّيْطانِ، وإيثارُهُ عَلى الرَّحْمَنِ. والشَّيْطانُ أعْدى الأعْداءِ وأفْسَقُ الفُسّاقِ. فَلا يَتَوَلّاهُ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وحادَ عَنْ جادَّةِ الصَّوابِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

الكهف 18:50

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٠] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾ . ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ أيِ: العُتاةِ المَرَدَةِ الشَّياطِينِ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ: خَرَجَ عَنْ طاعَتِهِ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ أيْ: فَتَسْتَبْدِلُونَهم بِي فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي، وهم لَكم عَدُوٌّ يَبْغُونَ بِكُمُ الغَوائِلَ ويُورِدُونَكُمُ المَهالِكَ؟ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لِمَن آثَرَ اتِّباعَهُ وإطاعَتَهُ. ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ: الواضِعِينَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ: ﴿بَدَلا﴾ بِئْسَ البَدَلُ مِنَ اللَّهِ إبْلِيسُ، لِمَنِ اسْتَبْدَلَهُ فَأطاعَهُ بَدَلَ طاعَتِهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا المَقامُ كَقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ القِيامَةِ وأهْوالِها ومَصِيرِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، في سُورَةِ يس: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٢] وقَوْلِهِ تَعالى:

الكهف 18:51

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥١] ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ . ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِ (p-٤٠٧١)إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ في أنْفُسِهِمْ، بَعْدَ بَيانِ الصَّوارِفِ عَنْ ذَلِكَ، مِن خَباثَةِ المُحْتَدِّ والفِسْقِ والعَداوَةِ. أيْ: ما أحْضَرْتُ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، حِينَ خَلَقْتُهُما: ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: وما أشْهَدْتُ بَعْضَهم أيْضًا خَلْقَ بَعْضٍ مِنهم. ونَفْيُ الإشْهادِ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ الِاعْتِضادِ بِهِمْ والِاسْتِعانَةِ عَلى خَلْقِ ما ذُكِرَ- أبْلَغُ. إذْ مَن لَمْ يَشْهَدْ فَأنّى يُسْتَعانُ بِهِ؟ فَأنّى يَصِحُّ جَعْلُهُ شَرِيكًا؟ ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أيْ: وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم أعْوانًا لِخَلْقِ ما ذُكِرَ، بَلْ تَفَرَّدْتُ بِخَلْقِ جَمِيعِ ذَلِكَ بِغَيْرِ مُعِينٍ ولا ظَهِيرٍ أيْ: وإذا لَمْ يَكُونُوا عَضُدًا في الخَلْقِ، فَما لَكم تَتَّخِذُونَهم شُرَكاءَ في العِبادَةِ؟ واسْتِحْقاقُ العِبادَةِ مِن تَوابِعِ الخالِقِيَّةِ. والِاشْتِراكُ فِيهِ يَسْتَلْزِمُ الِاشْتِراكَ فِيها. والخالِقِيَّةُ مَنفِيَّةٌ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى، فَيَنْتَفِي لازِمُها وهو اسْتِحْقاقُ عِبادَةِ ذَلِكَ الغَيْرِ، وهُمُ المُضِلُّونَ، فَلا يَكُونُونَ أرْبابًا. إنَّما وُضِعَ (المُضِلِّينَ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، ذَمًّا لَهم وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالإضْلالِ، وتَأْكِيدًا لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ. ونَحْوَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ [سبإ: ٢٢] ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:52

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٢] ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ . ﴿ويَوْمَ يَقُولُ﴾ أيِ: الحَقُّ تَعالى: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ: في دارِ الدُّنْيا، أنَّهم شُرَكاءُ لِيُنْقِذُوكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ. يُقالُ لَهم ذَلِكَ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا لَهُمْ: ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ أيْ: فَنادَوْهم لِلْإعانَةِ، لِبَقاءِ اعْتِقادِ شِرْكِهِمْ: ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أيْ: فَلَمْ (p-٤٠٧٢)يُعِينُوهُمْ، لِعَجْزِهِمْ عَنِ الجَوابِ، فَضْلًا عَنِ الإعانَةِ. وفي إيرادِهِ، مَعَ ظُهُورِهِ، تَهَكُّمٌ بِهِمْ وإيذانٌ بِأنَّهم في الحَماقَةِ بِحَيْثُ لا يَفْهَمُونَهُ إلّا بِالتَّصْرِيحِ بِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الكُفّارِ وآلِهَتِهِمْ: ﴿مَوْبِقًا﴾ أيْ: مَهْلِكًا يَشْتَرِكُونَ فِيهِ، وهو النّارُ. أوْ عَداوَةً هي في الشِّدَّةِ نَفْسُ الهَلاكِ. كَقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (لا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا، ولا بُغْضُكَ تَلَفًا)، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وأمّا إنْ جُعِلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: " بَيْنَهم " عائِدًا إلى المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ أهْلِ الهُدى والضَّلالَةِ بِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] وقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] وقالَ تَعالى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] وقالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]

الكهف 18:53

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٣] ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ . ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾ أيْ: جَهَنَّمَ المُحِيطَةَ بِأنْواعِ الهَلاكِ ووَضَعَ المُظْهَرَ مَقامَ المُضْمَرِ تَصْرِيحًا بِإجْرامِهِمْ، وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ: ﴿فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ أيْ: أيْقَنُوا بِأنَّهم واقِعُونَ فِيها: ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ: مَعْدِلًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ. إشارَةٌ إلى ما يُعاجِلُهم مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، فَإنَّ تَوَقُّعَ العَذابِ والخَوْفِ مِنهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ، عَذابٌ ناجِزٌ.

الكهف 18:54

(p-٤٠٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٤] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ . ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: نَوَّعْنا في هَذا القُرْآنِ الجامِعِ لِلْمُهِمّاتِ وأنْواعِ السَّعاداتِ، لِمَصْلَحَةِ النّاسِ ومَنفَعَتِهِمْ، مِن كُلِّ مَثَلٍ، يُنَبِّهُ عَلى مَراقِي السَّعاداتِ ومَهاوِي الضَّلالاتِ لِيُنْذَرُوا بِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ أيْ: مُجادَلَةً ومُخاصَمَةً ومُعارَضَةً لِلْحَقِّ بِالباطِلِ.

الكهف 18:55

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٥] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا﴾ . ﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ الَّذِينَ حُكِيَتْ أباطِيلُهم وكُلَّ مَن شاكَلَهُمْ: ﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ أيْ: مِن أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ تَعالى ويَتْرُكُوا الشِّرْكَ: ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ أيِ: القُرْآنُ والحَقُّ الواضِحُ النَّيِّرُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ: عَنِ المَعاصِي السّالِفَةِ: ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: طَلَبُ إتْيانِها، أوِ انْتِظارُ إتْيانِها، وهي عَذابُ الِاسْتِئْصالِ: ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا﴾ أيْ: يَرَوْنَهُ عَيانًا ومُواجَهَةً، وهو عَذابُ الآخِرَةِ. أوْ أعَمُّ. والقُبُلُ بِضَمَّتَيْنِ بِمَعْنى العِيانِ كَما في قِراءَةِ (قِبَلًا) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ. أوْ (قُبُلًا) بِمَعْنى: أنْواعًا مُتَنَوِّعَةً جَمْعُ (قُبَيْلٍ) وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ أيْ: مُسْتَقْبَلًا. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:56

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٦] ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا (p-٤٠٧٤)بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ . ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ أيْ: وما نُرْسِلُهُمْ، قَبْلَ إنْزالِ العَذابِ، إلّا لِتُبَشِّرَ مَن آمَنَ بِالزُّلْفى والكَرامَةِ، وإنْذارِ مَن كَفَرَ بِأنْ تَأْتِيَهُ سُنَّةُ مَن مَضى: ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ كاقْتِراحِ الآياتِ: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: لِيُزِيلُوا بِالجِدالِ، الحَقَّ الثّابِتَ عَنْ مَقَرِّهِ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِحاصِلٍ لَهم. وأصْلُ الإدْحاضِ: إزْلاقُ القَدَمِ وإزالَتُها عَنْ مَوْطِئِها. فاسْتُعِيرَ مِن زَلَلِ القَدَمِ المَحْسُوسِ، لِإزالَةِ الحَقِّ المَعْقُولِ. قالَ الشِّهابُ ولَكَ أنْ تَقُولَ: فِيهِ تَشْبِيهُ كَلامِهِمْ بِالوَحْلِ المُسْتَكْرَهِ. ثُمَّ أنْشَدَ لِنَفْسِهِ: ؎أتانا بِوَحْلٍ لِإنْكارِهِ لِيُزْلِقَ أقْدامَ هَذِي الحُجَجْ ﴿واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا﴾ أيْ: وإنْذارُهم. أوْ والَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ مِنَ العِقابِ: هُزُوًا أيِ: اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً وهو أشَدُّ التَّكْذِيبِ. وُصِفَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً.

الكهف 18:57

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ . ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ تَدَبُّرِها والِاتِّعاظِ بِها، بِأبْلَغِ أُسْلُوبٍ: ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أيْ: ما عَمِلَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وصَرَفَ ما أنْعَمَ بِهِ، إلى غَيْرِ ما خُلِقَتْ لَهُ، فَلَمْ يَتَفَكَّرْ في عاقِبَةِ ذَلِكَ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: جَعَلْنا عَلَيْها حُجُبًا وأغْطِيَةً كَثِيرَةً، كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، أيْ: يَقِفُوا عَلى كُنْهِ ما خُلِقَتِ النِّعَمُ مِن أجْلِهِ: ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا فِيها ثِقَلًا يَمْنَعُهم مِنِ (p-٤٠٧٥)اسْتِماعِهِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِإعْراضِهِمْ ونِسْيانِهِمْ، بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ. وذَلِكَ لِإيثارِهِمُ الضَّلالَ عَلى الهُدى كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] ﴿وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ أيْ: فَلا يَكُونُ مِنهُمُ اهْتِداءٌ البَتَّةَ.

الكهف 18:58

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٨] ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾ . ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾ الآياتُ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] و: " رَبُّكَ " مُبْتَدَأٌ و: ﴿الغَفُورُ﴾ خَبَرُهُ وتَقْدِيمُ الوَصْفِ بِالمَغْفِرَةِ عَلى الرَّحْمَةِ، لِأنَّهُ أهَمُّ بِحَسَبِ الحالِ. إذِ المَقامُ مَقامُ بَيانِ تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ عَنْهُمْ، بَعْدَ اسْتِيجابِهِمْ لَها. كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا﴾ والمَوْعِدُ المَذْكُورُ هو يَوْمُ بَدْرٍ. أوِ الفَتْحُ المُشارُ إلَيْهِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ. أوْ يَوْمُ القِيامَةِ. والكُلُّ لاحِقٌ بِهِمْ. و(المَوْئِلُ) المَلْجَأُ والمَنجى. أيْ: لَيْسَ لَهم عَنْهُ مَحِيصٌ ولا مَفَرٌّ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:59

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٩] ﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ . ﴿وتِلْكَ القُرى﴾ أيْ: قُرى عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ: ﴿أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا﴾ (p-٤٠٧٦)بِالكُفْرِ والطُّغْيانِ: ﴿وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أيْ: وقْتًا مُعَيَّنًا لا مَحِيدَ لَهم عَنْهُ. وهَذا اسْتِشْهادٌ عَلى ما فَعَلَ بِقُرَيْشٍ مِن تَعْيِينِ المَوْعِدِ، لِيَتَنَبَّهُوا لِذَلِكَ، ولا يَغْتَرُّوا بِتَأخُّرِ العَذابِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى نَبَأِ مُوسى مَعَ الخِضْرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، ذَلِكَ النَّبَأُ الَّذِي تَضَمَّنَ مِنَ الفَوائِدِ والحِكَمِ وأعْلامِ النُّبُوَّةِ، ما لا يَخْفى عَلى مُتَبَصِّرٍ. كَما سَتَقِفُ عَلى شَذَراتٍ مِن ذَلِكَ. فَقالَ سُبْحانَهُ:

الكهف 18:60

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠] ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ . ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِ مُوسى لِفَتاهُ، لا أبْرَحُ، أيْ: لا أزالُ أسِيرُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ. أيِ: المَكانَ الَّذِي فِيهِ مُلْتَقى البَحْرَيْنِ. فَأجِدُ فِيهِ الخِضْرَ. أوْ أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا إنْ لَمْ أجِدْهُ ثَمَّةَ، فَأتَيَقَّنُ فَواتَ المَطْلَبِ. قالَ المَهايِمِيُّ: أيِ: اذْكُرْ لِلَّذِينِ إنْ تَدَعْهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا، لِتَكَبُّرِهِمْ عَلَيْكَ، إنَّكم لَسْتُمْ بِأعْلَمَ مِن مُوسى ولا أرْشَدَ مِنهُ. ولَسْتَ أقَلَّ مِنَ الخِضْرِ في الهِدايَةِ بَلْ أعْظَمُ. لِأنَّها هِدايَةٌ في الظّاهِرِ والباطِنِ. وهِدايَةُ الخِضْرِ إنَّما هي في الباطِنِ. ولا تَحْتاجُونَ في تَحْصِيلِهِ إلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ، واحْتاجَ إلَيْهِ مُوسى. و(الفَتى) الشّابُّ. قالَ الشِّهابُ: العَرَبُ تُسَمِّي الخادِمَ فَتًى، لِأنَّ الغالِبَ اسْتِخْدامُ مَن هو في سِنِّ الفُتُوَّةِ، وكانَ يُوشِعُ خادِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومُحِبًّا لَهُ، وذا غَيْرَةٍ عَلى كَرامَتِهِ. ولِذَلِكَ اخْتَصَّهُ مُوسى رَفِيقًا لَهُ وخادِمًا. وصارَ خَلِيفَةً مِن بَعْدِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. وفَتَحَ عَلَيْهِ تَعالى بَيْتَ المَقْدِسِ ونَصَرَهُ عَلى الجَبّارِينَ.

الكهف 18:61

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤٠٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦١] ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ . ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ أيِ: البَحْرَيْنِ: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ أيْ: خَبَرَ حُوتِهِما، وتَفَقَّدَ أمْرَهُ، وكانا تَزَوَّداهُ. ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ أيْ: طَرِيقَهُ: ﴿فِي البَحْرِ سَرَبًا﴾ أيْ: مِثْلَ السِّرْبِ في الأرْضِ، واضِحُ المَسْلَكِ، مُعْجِزَةٌ جُعِلَتْ عَلامَةً لِلْمَطْلُوبِ.

الكهف 18:62

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٢] ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ . ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ أيْ: مَجْمَعَ بَيْنِهِما، وهو المَكانُ الَّذِي نَسِيا فِيهِ الحُوتَ: ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ أيْ: ما نَتَغَدّى بِهِ: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا ومَشَقَّةً.

الكهف 18:63

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٣] ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ . ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ أيْ: خَبَرَ الحُوتِ. وإسْنادُ النِّسْيانِ إلَيْهِما، أوَّلًا، إمّا بِمَعْنى نِسْيانِ طَلَبِهِ، والذُّهُولِ عَنْ تَفَقُّدِهِ، لِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ. وإمّا لِلتَّغْلِيبِ، بِناءً عَلى أنَّ النّاسِيَ إنَّما كانَ يُوشِعَ وحْدَهُ. فَإنَّهُ نَسِيَ أنْ يُخْبِرَ مُوسى بِشَأْنِهِ العَجِيبِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المالِحِ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ أيْ: لَكَ. و(أنْ أذْكُرَهُ) بَدَلٌ مِنَ الهاءِ في (أنْسانِيهِ) أيْ: وما أنْسانِي ذِكْرَهُ إلّا الشَّيْطانُ. وقَدْ قَرَأ حَفْصٌ بِضَمِّ الهاءِ مِن غَيْرِ صِلَةٍ وصْلًا، (p-٤٠٧٨)والباقُونَ بِكَسْرِها: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ أيْ: أمْرًا عَجِيبًا، إذْ صارَ الماءُ عَلَيْهِ سَرَبًا.

الكهف 18:64

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٤] ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ . ﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المَكانُ الَّذِي اتَّخَذَ فِيهِ سَبِيلَهُ هَرَبًا: ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ: نَطْلُبُ فِيهِ الخِضْرَ. لِأنَّهُ أمارَةُ المَطْلُوبِ. وقُرِئَ في السَّبْعِ بِإثْباتِ الياءِ بَعْدَ الغَيْنِ، وصْلًا لا وقْفًا. وبِإثْباتِها في الحالَيْنِ. وبِحَذْفِها كَذَلِكَ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما﴾ أيْ: رَجَعا ماشِيَيْنِ عَلى آثارِ أقْدامِهِما يَتْبَعانِها: ﴿قَصَصًا﴾ أيِ: اتِّباعًا لِئَلّا يَفُوتَهُما المَوْضِعُ ثانِيًا.

الكهف 18:65

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٥] ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ . ﴿فَوَجَدا﴾ أيْ: فَأتَيا المَوْضِعَ المَنسِيَّ فِيهِ الحُوتُ، فَوَجَدا: ﴿عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ التَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، والإضافَةُ فِيهِ لِلتَّشْرِيفِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الخِضْرُ. وسَنَتَكَلَّمُ عَلى جُمْلَةٍ مِن نَبَئِهِ، بِعَوْنِهِ تَعالى، بَعْدَ تَمامِ القِصَّةِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: آتَيْناهُ رَحْمَةً لَدُنِّيَّةً، اخْتَصَصْناهُ بِها: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ أيْ: عِلْمًا جَلِيلًا آثَرْناهُ. وهو عِلْمٌ لَدُنِّيٌّ يَكُونُ بِتَأْيِيدٍ رَبّانِيٍّ. وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى العِلْمَ اللَّدُنِّيَّ في آخِرِ هَذا النَّبَأِ.

الكهف 18:66

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٦] ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ . ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ أيْ: أصْحَبُكَ: ﴿عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ﴾ أيْ: مِن لَدُنْ رَبِّكَ: ﴿رُشْدًا﴾ أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ. أيْ: هُدًى وإصابَةَ خَيْرٍ. قالَ القاضِي: وقَدْ راعى في ذَلِكَ غايَةَ التَّواضُعِ والأدَبِ. فاسْتَجْهَلَ نَفْسَهُ، واسْتَأْذَنَ (p-٤٠٧٩)أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ، وسَألَ مِنهُ أنْ يُرْشِدَهُ ويُنْعِمَ عَلَيْهِ، بِتَعْلِيمِ بَعْضِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ. أيْ: وهَكَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سُؤالُ المُتَعَلِّمِ مِنَ العالِمِ.

الكهف 18:67

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٧ - ٦٨] ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] . ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ عَلَّلَ مُعْتَذِرًا بِقَوْلِهِ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] أيْ: مِن أُمُورٍ سَتَراها. إنْ صَحِبْتَنِي، ظَواهِرُها مَناكِيرُ وبَواطِنُها لَمْ يُحِطْ بِها خَبَرُكَ.

الكهف 18:68

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٧ - ٦٨] ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] . ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ عَلَّلَ مُعْتَذِرًا بِقَوْلِهِ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] أيْ: مِن أُمُورٍ سَتَراها. إنْ صَحِبْتَنِي، ظَواهِرُها مَناكِيرُ وبَواطِنُها لَمْ يُحِطْ بِها خَبَرُكَ.

الكهف 18:69

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٩] ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ . ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ أيْ: لا أُخالِفُكَ في شَيْءٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَجا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِحِرْصِهِ عَلى العِلْمِ وازْدِيادِهِ، أنْ يَسْتَطِيعَ مَعَهُ صَبْرًا، بَعْدَ إفْصاحِ الخِضْرِ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ. فَوَعَدَهُ بِالصَّبْرِ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ. عِلْمًا مِنهُ بِشِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَتِهِ، وإنَّ الحَمِيَّةَ الَّتِي تَأْخُذُ المُصْلِحَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الفَسادِ شَيْءٌ لا يُطاقُ. هَذا مَعَ عِلْمِهِ أنَّ النَّبِيَّ المَعْصُومَ، الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِالمُسافَرَةِ إلَيْهِ واتِّباعِهِ واقْتِباسِهِ العِلْمَ مِنهُ، بَرِيءٌ مِن أنْ يُباشِرَ ما فِيهِ غَمِيزَةٌ في الدِّينِ. وأنَّهُ لا بُدَّ، لِما يَسْتَسْمِجُ ظاهِرُهُ، مِن باطِنٍ حَسَنٍ جَمِيلٍ. فَكَيْفَ إذا لَمْ يَعْلَمِ؟ انْتَهى.

الكهف 18:70

(p-٤٠٨٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٠] ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ . ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: لا تُفاتِحْنِي بِالسُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ أنْكَرْتَهُ مِنِّي، ولَمْ تَعْلَمْ وجْهَ صِحَّتِهِ، حَتّى أبْتَدِئَكَ بِبَيانِهِ. وهَذا مِن آدابِ المُتَعَلِّمِ مَعَ العالِمِ والمَتْبُوعِ مَعَ التّابِعِ.

الكهف 18:71

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧١] ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ . ﴿فانْطَلَقا﴾ أيْ: عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ سَفِينَةً: ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: عَظِيمًا مِن إتْلافِ السَّفِينَةِ وقَتْلِ الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، وكُفْرانِ نِعْمَةِ الحَمْلِ بِغَيْرِ نَوْلٍ.

الكهف 18:72

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٢] ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ذَكَّرَهُ الخِضْرُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الشَّرْطِ. يَعْنِي هَذا الصَّنِيعُ فَعَلْتُهُ قَصْدًا. وهو مِنَ الأُمُورِ الَّتِي اشْتَرَطْتُ مَعَكَ أنْ لا تُنْكِرَ عَلَيَّ فِيها. لِأنَّكَ لَمْ تُحِطْ بِها خَبَرًا إذْ لَها سِرٌّ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ.

الكهف 18:73

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٣] ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ . ﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ مِنَ الشَّرْطِ. فَإنَّ المُؤاخَذَةَ بِهِ تُفْضِي (p-٤٠٨١)إلى العُسْرِ. والمُرادُ التِماسُ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ لِقِيامِ المانِعِ وهو النِّسْيانُ: ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ أيْ: لا تَحْمِلْ عَلَيَّ مِن أمْرِي، في تَحْصِيلِ العِلْمِ مِنكَ، عُسْرًا، لِئَلّا يُلْجِئَنِي إلى تَرْكِهِ. أيْ: لا تُعَسِّرْ عَلَيَّ مُتابَعَتَكَ، بَلْ يَسِّرْها عَلَيَّ، بِالإغْضاءِ وتَرْكِ المُناقَشَةِ.

الكهف 18:74

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٤] ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ . ﴿فانْطَلَقا﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ إلى السّاحِلِ: ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أيْ: أنَّها لَمْ تَقْتُلْ نَفْسًا فَتُقْتَلُ. بَلْ هي زَكِيَّةٌ طاهِرَةٌ مِن مُوجِباتِ القَتْلِ: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا أيْ: مُنْكَرًا. أوْ أُنْكِرَ مِنَ الأوَّلِ. لِأنَّ ذَلِكَ كانَ خَرْقًا يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِالسَّدِّ، وهَذا لا سَبِيلَ إلى تَدارُكِهِ بِوَجْهٍ ما.

الكهف 18:75

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٥] ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ تَأْكِيدٌ في التِّذْكارِ بِالشَّرْطِ الأوَّلِ. ونُكْتَةٌ زِيادَةٌ: لَكَ هو -كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: زِيادَةُ المُكافَحَةِ بِالعِتابِ عَلى رَفْضِ الوَصِيَّةِ، والوَسْمِ بِقِلَّةِ الصَّبْرِ عِنْدَ الكَرَّةِ الثّانِيَةِ. كَما لَوْ أتى إنْسانٌ بِما نَهَيْتُهُ عَنْهُ، فَلُمْتَهُ وعَنَّفْتَهُ، ثُمَّ أتى بِهِ مَرَّةً أُخْرى فَإنَّكَ تَزِيدُ في تَعْنِيفِهِ. قالَ في (المَثَلِ السّائِرِ): وهَذا مَوْضِعٌ تَدُقُّ عَنِ العُثُورِ عَلَيْهِ مُبادَرَةُ النَّظَرِ.

الكهف 18:76

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٦] ﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ . ﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ: ﴿فَلا تُصاحِبْنِي (p-٤٠٨٢)قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أيْ وجَدْتَ مِن جِهَتِي عُذْرًا. إذْ أعْذَرْتَ إلَيَّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَخالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، بِمُقْتَضى طَبْعِ الِاسْتِعْجالِ.

الكهف 18:77

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٧] ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ . ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِها. قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ): الخِلافُ فِيها كالخِلافِ في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ. ولا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنهُ: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيِ: امْتَنَعُوا مِن أنْ يُطْعِمُوهُما الطَّعامَ الَّذِي هو حَقُّ ضِيافَتِهِما عَلَيْهِمْ. وقُرِئَ: ((يُضِيفُوهُما)) مِنَ الإضافَةِ. يُقالُ: ضافَهُ إذا نَزَلَ بِهِ، وأضافَهُ وضَيَّفَهُ: أنْزَلَهُ لِيُطْعِمَهُ في مَنزِلِهِ، عَلى وجْهِ الإكْرامِ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ أيْ: يَنْهَدِمَ بِقُرْبٍ. مِنِ (انْقَضَّ الطّائِرُ) إذا أسْرَعَ سُقُوطَهُ. والإرادَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْمُداناةِ والمُشارَفَةِ. لِما فِيهِما مِنَ المَيْلِ. اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، أوْ هي مَجازٌ لُغَوِيٌّ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ سَبَبِ الإرادَةِ، لِقُرْبِ الوُقُوعِ. وقَدْ أوْسَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى مِثْلِ هَذا المَجازِ. فانْظُرْهُ: ﴿فَأقامَهُ﴾ أيْ: عَمَّرَهُ وأصْلَحَهُ ﴿قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: لَوْ طَلَبْتَ عَلى عَمَلِكَ جُعْلًا حَتّى تَنْتَعِشَ بِهِ. فَفِيهِ لَوْمٌ عَلى تَرْكِ الأُجْرَةِ، مَعَ مَسِيسِ الحاجَةِ إلَيْها.

الكهف 18:78

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٨] ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ . ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ الإشارَةُ إلى الفِراقِ المَوْعُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ [الكهف: ٧٦] أوْ إلى الِاعْتِراضِ الثّالِثِ. أوْ إلى الوَقْتِ الحاضِرِ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ (p-٤٠٨٣)صَبْرًا﴾ أيْ: بِمَآلِ ما لَمْ تَصْبِرْ عَلى ظاهِرِهِ، وبِعاقِبَتِهِ. وهو خَلاصُ السَّفِينَةِ مِنَ اليَدِ العادِيَّةِ، وخَلاصُ أبَوَيِ الغُلامِ مِن شَرِّهِ، مَعَ الفَوْزِ بِالبَدَلِ الأحْسَنِ، واسْتِخْراجُ اليَتِيمَيْنِ لِلْكَنْزِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي جَعْلِ صِلَةِ المَوْصُولِ. عَدَمُ اسْتِطاعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلصَّبْرِ، دُونَ أنْ يُقالَ (بِتَأْوِيلِ ما فَعَلْتُ) أوْ (بِتَأْوِيلِ ما رَأيْتُ) ونَحْوَهُما، نَوْعُ تَعْرِيضٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وعِتابٍ. ثُمَّ أخَذَ الخِضْرُ في تَفْسِيرِ ما أشْكَلَ أمْرُهُ عَلى مُوسى، وما كانَ أنْكَرَ ظاهِرَهُ. وقَدْ أظْهَرَ اللَّهُ الخِضْرَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلى باطِنِهِ. فَقالَ:

الكهف 18:79

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٩] ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ . ﴿أمّا السَّفِينَةُ﴾ أيِ: الَّتِي خَرَقْتُها: ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ أيْ: لِفُقَراءَ يَحْتَرِفُونَ العَمَلَ في البَحْرِ، لِنَقْلِ النّاسِ مِن ساحِلٍ إلى آخَرَ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: إنَّما خَرَقْتُها لِأعِيبَها. لِأنَّهم كانُوا يَمُرُّونَ بِها عَلى مَلِكٍ مِنَ الظَّلَمَةِ، يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ سَلِيمَةٍ جَيِّدَةٍ، غَصْبًا. فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها لِأرُدَّهُ عَنْها، لِعَيْبِها.

الكهف 18:80

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٠] ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ [٨١] ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] . ﴿وأمّا الغُلامُ﴾ أيِ: الَّذِي قَتَلْتُهُ: ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا﴾ أيْ: لَوْ تَرَكْناهُ: ﴿أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: يُنْزِلَ بِهِما طُغْيانَهُ وكُفْرَهُ ويُلْحِقَهُ بِهِما. لِكَوْنِهِ طُبِعَ عَلى ذَلِكَ. فَيَخْشى أنْ يُعْدِيَهُما بِدائِهِ. ﴿فَأرَدْنا﴾ [الكهف: ٨١] أيْ: بِقَتْلِهِ: ﴿أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١] أيْ: طَهارَةً عَنِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ: ﴿وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] أيْ: رَحْمَةً بِأبَوَيْهِ، وبَرًّا.

الكهف 18:81

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٠] ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ [٨١] ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] . ﴿وأمّا الغُلامُ﴾ أيِ: الَّذِي قَتَلْتُهُ: ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا﴾ أيْ: لَوْ تَرَكْناهُ: ﴿أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: يُنْزِلَ بِهِما طُغْيانَهُ وكُفْرَهُ ويُلْحِقَهُ بِهِما. لِكَوْنِهِ طُبِعَ عَلى ذَلِكَ. فَيَخْشى أنْ يُعْدِيَهُما بِدائِهِ. ﴿فَأرَدْنا﴾ [الكهف: ٨١] أيْ: بِقَتْلِهِ: ﴿أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١] أيْ: طَهارَةً عَنِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ: ﴿وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] أيْ: رَحْمَةً بِأبَوَيْهِ، وبَرًّا.

الكهف 18:82

(p-٤٠٨٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٢] ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْـزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْـزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ . ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْـزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: قُوَّتَهُما بِالعَقْلِ وكَمالِ الرَّأْيِ: ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْـزَهُما﴾ لِيَتَصَرَّفا فِيهِ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: تَفَضَّلَ بِها عَلَيْهِما. و(رَحْمَةً) مَفْعُولٌ لَهُ. أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِــ(أرادَ) فَإنَّ إرادَةَ الخَيْرِ رَحْمَةٌ: ﴿وما فَعَلْتُهُ﴾ أيْ ما رَأيْتَ مِنِّي: ﴿عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنِ اجْتِهادِي ورَأْيِي، وإنَّما فَعَلْتُهُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي رَأيْتَها. أيْ: مَآلُهُ وعاقِبَتُهُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى العَواقِبِ المَنظُومَةِ في سِلْكِ البَيانِ. وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِها في الفَخامَةِ. و: تَسْطِعْ مُخَفَّفُ (تَسْتَطِعْ) بِحَذْفِ التّاءِ. تَنْبِيهاتٌ: فِي بَعْضِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذا النَّبَأُ مِنَ الأحْكامِ واللَّطائِفِ والفَوائِدِ السّامِياتِ: الأوَّلُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في هَذِهِ الآياتِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِالِاسْتِخْدامِ واتِّخاذِ الرَّفِيقِ والخادِمِ في السَّفَرِ. واسْتِحْبابِ الرِّحْلَةِ في طَلَبِ العِلْمِ. واسْتِزادَةِ العالِمِ مِنَ العِلْمِ واتِّخاذِ الزّادِ لِلسَّفَرِ، وأنَّهُ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ. ونِسْبَةِ النِّسْيانِ، ونَحْوِهِ مِنَ الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ، إلى الشَّيْطانِ، مَجازًا وتَأدُّبًا عَنْ نِسْبَتِهِما إلى اللَّهِ تَعالى. وتَواضُعِ المُتَعَلِّمِ لِمَن يَتَعَلَّمُ مِنهُ ولَوْ كانَ دُونَهُ في المَرْتَبَةِ. واعْتِذارِ العالِمِ إلى مَن يُرِيدُ الأخْذَ عَنْهُ في عَدَمِ تَعْلِيمِهِ مِمّا لا يَحْتَمِلُهُ طَبْعُهُ. وتَقْدِيمِ المَشِيئَةِ في الأمْرِ، واشْتِراطِ المَتْبُوعِ عَلى التّابِعِ. وأنَّهُ يَلْزَمُ الوَفاءُ بِالشُّرُوطِ. وأنَّ النِّسْيانَ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِهِ. (p-٤٠٨٥)وأنَّ (لِلثَّلاثِ) اعْتِبارًا في التَّكْرارِ ونَحْوِهِ. وأنَّهُ لا بَأْسَ بِطَلَبِ الغَرِيبِ الطَّعامَ والضِّيافَةَ. وأنَّ صُنْعَ الجَمِيلِ لا يُتْرَكُ ولَوْ مَعَ اللِّئامِ. وجَوازُ أخْذِ الأجْرِ عَلى الأعْمالِ. وأنَّ المِسْكِينَ لا يَخْرُجُ عَنِ المَسْكَنَةِ بِكَوْنِهِ لَهُ سَفِينَةٌ أوْ آلَةٌ يَكْتَسِبُ بِها، أوْ شَيْءٌ لا يَكْفِيهِ. وأنَّ الغَصْبَ حَرامٌ. وأنَّهُ يَجُوزُ إتْلافُ بَعْضِ مالِ الغَيْرِ، أوْ تَعْيِيبُهُ، لِوِقايَةِ باقِيهِ، كَمالِ المُودِعِ واليَتِيمِ. وإذا تَعارَضَ مَفْسَدَتانِ ارْتُكِبَ الأخَفُّ. وأنَّ الوَلَدَ يُحْفَظُ بِصَلاحِ أبِيهِ. وأنَّهُ تَجِبُ عِمارَةُ ما يَخافُ مِنهُ، ويَحْرُمُ إهْمالُها إلى أنْ تَخْرَبَ. وأنَّهُ يَجُوزُ دَفْنُ المالِ في الأرْضِ. انْتَهى. وقالَ البَيْضاوِيُّ: ومِن فَوائِدِ هَذِهِ القِصَّةِ أنْ لا يُعْجَبَ المَرْءُ بِعِلْمِهِ. ولا يُبادِرَ إنْكارَ ما لَمْ يَسْتَحْسِنْهُ، فَلَعَلَّ فِيهِ سِرًّا لا يَعْرِفُهُ. وأنْ يُداوِمَ عَلى التَّعَلُّمِ، ويَتَذَلَّلَ لِلْمُعَلِّمِ، ويُراعِيَ الأدَبَ في المَقالِ. وأنْ يُنَبِّهَ المُجْرِمَ عَلى جُرْمِهِ، ويَعْفُوَ عَنْهُ حَتّى يَتَحَقَّقَ إصْرارُهُ، ثُمَّ يُهاجِرَ عَنْهُ. انْتَهى. ومِن فَوائِدِ الآيَةِ -كَما في (فَتْحِ البارِي)- اسْتِحْبابُ الحِرْصِ عَلى لِقاءِ العُلَماءِ وتَجَشُّمِ المَشاقِّ في ذَلِكَ. وإطْلاقُ (الفَتى) عَلى التّابِعِ واسْتِخْدامُ الحُرِّ. وطَواعِيَةُ الخادِمِ لِمَخْدُومِهِ. وعُذْرُ النّاسِي. وجَوازُ الإخْبارِ بِالتَّعَبِ، ويَلْحَقُ بِهِ الألَمُ مِن مَرَضٍ ونَحْوِهِ. ومَحَلُّ ذَلِكَ إذا كانَ عَلى غَيْرِ سُخْطٍ مِنَ المَقْدُورِ. ومِنها أنَّ المُتَوَجِّهَ إلى رَبِّهِ يُعانُ فَلا يُسْرِعُ إلَيْهِ النَّصَبُ. وفِيها جَوازُ طَلَبِ القُوتِ. وطَلَبِ الضِّيافَةِ. وقِيامُ العُذْرِ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ، وقِيامُ الحُجَّةِ بِالثّانِيَةِ. وفِيها حُسْنُ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ وأنْ لا يُضافَ إلَيْهِ ما يُسْتَهْجَنُ لَفْظُهُ، وإنْ كانَ الكُلُّ بِتَقْدِيرِهِ وخَلْقِهِ، لِقَوْلِ الخِضْرِ عَنِ السَّفِينَةِ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩] وعَنِ الجِدارِ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ﴾ ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ ﷺ: ««والخَيْرُ بِيَدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ»» . انْتَهى. ومِن فَوائِدِها إطْلاقُ (القَرْيَةِ) عَلى (المَدِينَةِ) لِقَوْلِهِ: ﴿أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ [الكهف: ٧٧] ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ (p-٤٠٨٦)الثّانِي: ذَكَرَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): شَذَراتٍ مِن لَطائِفِ بَعْضِ الآيِ المَذْكُورَةِ فَنَأْثُرُها عَنْهُ. قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنْصَبْ، ولَمْ يَقُلْ: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] إلّا مُنْذُ جاوَزَ المَوْضِعَ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ. فَلَعَلَّ الحِكْمَةَ في إنْساءِ يُوشِعَ أنْ يَتَيَقَّظَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِمِنَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى المُسافِرِ في طاعَةٍ وطَلَبِ عِلْمٍ، بِالتَّيْسِيرِ عَلَيْهِ وحَمْلِ الأعْباءِ عَنْهُ. وتِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ الجارِيَةُ في حَقِّ مَن صَحَّتْ لَهُ نِيَّةٌ في عِبادَةٍ مِنَ العِباداتِ، أنْ يُيَسِّرَها، ويَحْمِلَ عَنْهُ مُؤْنَتَها، ويَتَكَفَّلَ بِهِ ما دامَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ. ومَوْضِعُ الإيقاظِ أنَّهُ وجَدَ بَيْنَ حالَةِ سَفَرِهِ لِلْمَوْعِدِ وحالَةِ مُجاوَزَتِهِ، بَوْنًا بَيِّنًا، واللَّهُ أعْلَمُ وإنْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَيَقِّظًا لِذَلِكَ، فالمَطْلُوبُ إيقاظُ غَيْرِهِ مِن أُمَّتِهِ، بَلْ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إذا قَصَّ عَلَيْهِمُ القِصَّةَ. فَما أوْرَدَ اللَّهُ تَعالى قِصَصَ أنْبِيائِهِ لِيَسْمُرَ بِها النّاسُ، ولَكِنْ لِيُشَمِّرَ الخَلْقُ لِتَدَبُّرِها واقْتِباسِ أنْوارِها ومَنافِعِها، عاجِلًا وآجِلًا. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما حَمَلَهُ عَلى المُبادَرَةِ بِالإنْكارِ، الِالتِهابُ والحَمِيَّةُ لِلْحَقِّ، أنَّهُ قالَ حِينَ خَرَقَ السَّفِينَةَ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ [الكهف: ٧١] ولَمْ يَقُلْ: (لِتُغْرِقَنا) فَنَسِيَ نَفْسَهُ واشْتَغَلَ بِغَيْرِهِ، في الحالَةِ الَّتِي كُلُّ أحَدٍ فِيها يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، لا يَلْوِي عَلى مالٍ ولا ولَدٍ. وتِلْكَ حالَةُ الغَرَقِ. فَسُبْحانَ مَن جَبَلَ أنْبِياءَهُ وأصْفِياءَهُ عَلى نُصْحِ الخَلْقِ والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ والرَّأْفَةِ بِهِمْ. صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وسَلامُهُ. ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ عَلى قَوْلِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ قَوْلَهُ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩] مُسَبَّبٌ عَنْ خَوْفِ الغَصْبِ عَلَيْها، فَكانَ حَقُّهُ أنْ يَتَأخَّرَ عَنِ السَّبَبِ، فَلِمَ قَدِمَ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: النِّيَّةُ بِهِ التَّأْخِيرُ. وإنَّما قُدِّمَ لِلْعِنايَةِ. ولِأنَّ خَوْفَ الغَصْبِ لَيْسَ هو السَّبَبَ وحْدَهُ، ولَكِنْ مَعَ كَوْنِها لِلْمَساكِينِ. فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: (زَيْدٌ ظَنِّي مُقِيمٌ). فَقالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: كَأنَّهُ جَعَلَ السَّبَبَ في إعابَتِها كَوْنَها لِمَساكِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ مُناسَبَةَ هَذا (p-٤٠٨٧)السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ، بِذِكْرِ عادَةِ المَلِكِ في غَصْبِ السُّفُنِ. وهَذا هو حَدُّ التَّرْتِيبِ في التَّعْلِيلِ أنْ يُرَتِّبَ الحُكْمَ عَلى السَّبَبِ، ثُمَّ يُوَضِّحَ المُناسَبَةَ فِيما بَعْدُ. فَلا يَحْتاجُ إلى جَعْلِهِ مُقَدَّمًا، والنِّيَّةُ تَأْخِيرُهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ قالَ: ولَقَدْ تَأمَّلْتُ مِن فَصاحَةِ هَذِهِ الآيِ، والمُخالَفَةِ بَيْنَها في الأُسْلُوبِ عَجَبًا. ألا تَراهُ في الأُولى أسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِهِ خاصَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩] وأسْنَدَهُ في الثّانِيَةِ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ والمُعَظِّمُ نَفْسَهُ في قَوْلِهِ: " فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما " فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما " ولَعَلَّ إسْنادَ الأوَّلِ إلى نَفْسِهِ خاصَّةً مِن بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ المُرادَ (ثُمَّ عِبْتَ) فَتَأدَّبَ بِأنْ نَسَبَ الإعابَةَ إلى نَفْسِهِ. وأمّا إسْنادُ الثّانِي إلى الضَّمِيرِ المَذْكُورِ فالظّاهِرُ أنَّهُ مِن بابِ قَوْلِ خَواصِّ المَلِكِ: (أمَرْنا بِكَذا أوْ دَبَّرْنا كَذا) وإنَّما يَعْنُونَ: (أمَرَ المَلِكُ ودَبَّرَ) ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ في الثّالِثَةِ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ فانْظُرْ كَيْفَ تَغايَرَتْ هَذِهِ الأسالِيبُ، ولَمْ تَأْتِ عَلى نَمَطٍ واحِدٍ مُكَرَّرٍ، يَمُجُّها السَّمْعُ ويَنْبُو عَنْها، ثُمَّ انْطَوَتْ هَذِهِ المُخالَفَةُ عَلى رِعايَةِ الأسْرارِ المَذْكُورَةِ. فَسُبْحانَ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ. الثّالِثُ: قالَ الخَفاجِيُّ: في إعادَةِ لَفْظِ (الأهْلِ) هُنا، يَعْنِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ [الكهف: ٧٧] إثْرَ قَوْلِهِ: ﴿أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ [الكهف: ٧٧] سُؤالٌ مَشْهُورٌ. وقَدْ نَظَّمَهُ الصَّلاحُ الصَّفْدِيُّ سائِلًا عَنْهُ السُّبْكِيَّ في قَصِيدَةٍ مِنها: ؎رَأيْتُ كِتابَ اللَّهِ أعْظَمَ مُعْجِزٍ لِأفْضَلِ مَن يُهْدى بِهِ الثّقَلانِ ؎ومِن جُمْلَةِ الإعْجازِ كَوْنُ اخْتِصارِهِ ∗∗∗ بِإيجازِ ألْفاظٍ وبَسْطِ مَعانِي ؎ولَكِنَّنِي في (الكَهْفِ) أبْصَرْتُ آيَةً ∗∗∗ بِها الفِكْرُ، في طُولِ الزَّمانِ عَنانِي ؎وما هي إلّا (اسْتَطْعَما أهْلَها) فَقَدْ ∗∗∗ نَرى (اسْتَطْعَماهُمْ) مِثْلَهُ بِبَيانِ ؎فَما الحِكْمَةُ الغَرّاءُ في وضْعٍ ظاهِرٍ ∗∗∗ مَكانَ ضَمِيرٍ؟ إنَّ ذاكَ لِشانِ يَعْنِي أنَّهُ عَدَلَ عَنِ الظّاهِرِ بِإعادَةِ لَفْظِ (أهْلٍ) ولَمْ يَقُلِ اسْتَطْعَماها لِأنَّهُ صِفَةُ القَرْيَةِ. (p-٤٠٨٨)أوِ (اسْتَطْعَماهُمْ) لِأنَّهُ صِفَةُ (أهْلٍ) فَلا بُدَّ مِن وجْهٍ. وقَدْ أجابُوا عَنْهُ بِأجْوِبَةٍ مُطَوَّلَةٍ نَظْمًا ونَثْرًا. والَّذِي تَحَرَّرَ فِيهِ أنَّهُ ذَكَرَ (الأهْلَ) أوَّلًا ولَمْ يُحْذَفْ إيجازًا، سَواءٌ قُدِّرَ أوْ تَجَوَّزَ في القَرْيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] لِأنَّ الإتْيانَ يُنْسَبُ لِلْمَكانِ. نَحْوَ (أتَيْتُ عَرَفاتٍ) ولِمَن فِيهِ نَحْوَ (أتَيْتُ بَغْدادَ) فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ كانَ فِيهِ التِباسٌ مُخِلٌّ. فَلَيْسَ ما هُنا نَظِيرَ تِلْكَ الآيَةِ لِامْتِناعِ سُؤالِ نَفْسِ القَرْيَةِ، فَلا يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَها. وأمّا الأهْلُ الثّانِي فَأُعِيدَ لِأنَّهُ غَيْرُ الأوَّلِ. ولَيْسَتْ كُلُّ مَعْرِفَةٍ أُعِيدَتْ عَيْنًا كَما بَيَّنُوهُ. لِأنَّ المُرادَ بِهِ بَعْضُهم. إذْ سُؤالُهم فَرْدًا فَرْدًا مُسْتَبْعَدٌ. فَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ، فُهِمَ غَيْرُ المُرادِ. أمّا لَوْ قِيلَ: (اسْتَطْعَماهُمْ) فَظاهِرٌ. وأمّا لَوْ قِيلَ (اسْتَطْعَماها) فَإنَّ النِّسْبَةَ إلى المَحَلِّ تُفِيدُ الِاسْتِيعابَ، كَما أثْبَتُوهُ في مَحَلِّهِ. وأمّا إتْيانُ جَمِيعِ القَرْيَةِ فَهو حَقِيقَةٌ في الوُصُولِ إلى بَعْضٍ مِنها. كَما يُقالُ: (زَيْدٌ في البَلَدِ) أوْ (فِي الدّارِ) وقِيلَ: إنَّ الأهْلَ أُعِيدَ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ؎لَيْتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعَبُ بَيْنَنا ∗∗∗ كانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأوْداجِ أوْ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ ضَمِيرَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ، لِبَشاعَتِهِ واسْتِطالَتِهِ، وثَمَّةَ أجْوِبَةٌ أُخْرى. الرّابِعُ: أبْدى بَعْضُهم سِرًّا لِلتَّعْبِيرِ أوَّلًا (بِتَسْتَطِعْ) ثُمَّ أخِيرًا (بِتَسْطِعْ) بِحَذْفِ التّاءِ قالَ: لَمّا أنْ فَسَّرَ الخِضْرُ لِمُوسى، وبَيَّنَ لَهُ تَأْوِيلَ ما لَمْ يَصْبِرْ مَعَهُ، ووَضَّحَهُ وأزالَ المُشْكَلَ، قالَ (تَسْطِعْ) بِحَذْفِ التّاءِ. وقِيلَ ذَلِكَ كانَ الإشْكالُ قَوِيًّا ثَقِيلًا. فَقالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] فَقابَلَ الأثْقَلَ بِالأثْقَلِ والأخَفَّ بِالأخَفِّ. كَما قالَ: ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] وهو الصُّعُودُ إلى أعْلاهُ ﴿وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] وهو أشَقُّ مِن ذَلِكَ. (p-٤٠٨٩)فَقابَلَ كُلًّا بِما يُناسِبُهُ لَفْظًا ومَعْنًى. انْتَهى. وقالَ الشِّهابُ: وإنَّما خَصَّ هَذا بِالتَّخْفِيفِ لِأنَّهُ لَمّا تَكَرَّرَ في القِصَّةِ ناسَبَ تَخْفِيفَ الأخِيرِ مِنهُ. وأمّا كَوْنُهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ خَفَّ عَلى مُوسى ﷺ ما لَقِيَهُ بِبَيانِ سَبَبِهِ- فَيَبْعُدُ أنَّهُ في الحِكايَةِ، لا المَحْكِيِّ. انْتَهى. وما ألْطَفَ قَوْلَ الشِّهابِ في مِثْلِهِ: هَذِهِ زَهْرَةٌ لا تَحْتَمِلُ هَذا الفَرْكَ. الخامِسُ: قالَ الإمامُ السُّبْكِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ما فَعَلَهُ الخِضْرُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَتْلِ الغُلامِ لِكَوْنِهِ طُبِعَ كافِرًا، مَخْصُوصٌ بِهِ. لِأنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَعْمَلَ بِالباطِنِ، وخِلافِ الظّاهِرِ المُوافِقِ لِلْحِكْمَةِ. فَلا إشْكالَ فِيهِ. وإنْ عَلِمَ مِنَ الشَّرِيعَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ قَتْلُ صَغِيرٍ لا سِيَّما بَيْنَ أبَوَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ. ولَوْ فَرَضْنا أنَّ اللَّهَ أطْلَعَ بَعْضَ أوْلِيائِهِ، كَما أطْلَعَ الخِضْرَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، وما ورَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (لَمّا كَتَبَ إلَيْهِ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ: كَيْفَ قَتَلَهُ وقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنْ كُنْتَ عَلِمْتَ مِن حالِ الوِلْدانِ، ما عَلِمَهُ عالِمُ مُوسى، فَلَكَ أنْ تَقْتُلَ (فَإنَّما قَصَدَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ المُحاجَّةَ والإحالَةَ عَلى ما لَمْ يُمْكِنْ قَطْعًا، لِطَمَعِهِ في الِاحْتِجاجِ بِقِصَّةِ الخِضْرِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولَيْسَ مَقْصُودُهُ أنَّهُ إنْ حَصَلَ ذَلِكَ يَجُوزُ. لِأنَّهُ لا تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ. وكَيْفَ يُقْتَلُ بِسَبَبٍ لَمْ يَحْصُلْ؟ والمَوْلُودُ لا يُوصَفُ بِكُفْرٍ حَقِيقِيٍّ ولا إيمانٍ حَقِيقِيٍّ. وقِصَّةُ الخِضْرِ تُحْمَلُ عَلى أنَّهُ كانَ شَرْعًا مُسْتَقِلًّا بِهِ. وهو نَبِيٌّ. ولَيْسَ في شَرِيعَةِ مُوسى أيْضًا، ولِذا أنْكَرَهُ. انْتَهى. وقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ): وأمّا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى جَوازِ دَفْعِ أغْلَظِ الضَّرَرَيْنِ بِأخَفِّهِما، فَصَحِيحٌ. لَكِنْ فِيما لا يُعارِضُ مَنصُوصَ الشَّرْعِ. فَلا يَسُوغُ الإقْدامُ عَلى قَتْلِ النَّفْسِ مِمَّنْ يَتَوَقَّعُ مِنهُ أنْ يَقْتُلَ أنْفُسًا كَثِيرَةً، قَبْلَ أنْ يَتَعاطى شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وإنَّما فَعَلَ الخِضْرُ ذَلِكَ لِإطْلاعِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ. (p-٤٠٩٠)وقالَ ابْنُ بَطّالٍ: قَوْلُ الخِضْرِ: (وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا) هو بِاعْتِبارِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ أنْ لَوْ عاشَ حَتّى يَبْلُغَ. واسْتِحْبابُ مِثْلِ هَذا القَتْلِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. ولِلَّهِ أنْ يَحْكُمَ في خَلْقِهِ بِما يَشاءُ قَبْلَ البُلُوغِ وبَعْدَهُ. أقُولُ: مَفادُ الآيَةِ، أنَّ إنْكارَ مُوسى لِقَتْلِ الغُلامِ لِكَوْنِهِ جِنايَةً بِغَيْرِ مُوجِبٍ. ولِذا قالَ: (بِغَيْرِ نَفْسٍ)، لا لِكَوْنِهِ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغِ الحِنْثَ. لِأنَّ الآيَةَ لا تُفِيدُهُ. وقَدْ يَكُونُ كَبِيرًا. فَقَدْ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الغُلامُ الطّارُّ الشّابُّ، أوْ مِن حِينِ يُولَدُ إلى أنْ يَشِبَّ، والكَهْلُ أيْضًا. ومِنَ الأخِيرِ قَوْلُ مُوسى في قِصَّةِ الإسْراءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أبْكِي لِأنَّ غُلامًا بُعِثَ بَعْدِي. إلَخْ، نَعَمْ رُبَّما يُشْعِرُ بِصِغَرِهِ حَدِيثُ البُخارِيِّ: وجَدَ غِلْمانًا يَلْعَبُونَ فَأخَذَ غُلامًا فَذَبَحَهُ قالَ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا لَمْ تَعْمَلْ بِالحِنْثِ. ولَكِنْ لا نَصَّ فِيهِ، فَتَأمَّلْ. السّادِسُ: أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ في الآيَةِ، هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ صاحِبُ الآياتِ الشَّهِيرَةِ وصاحِبُ التَّوْراةِ. وذَهَبَ نَوْفٌ البَكّالِيُّ -تابِعِيٌّ صَدُوقٌ ابْنُ امْرَأةِ كَعْبِ الأحْبارِ أوِ ابْنُ أخِيهِ- إلى أنَّهُ لَيْسَ بِمُوسى بْنِ عِمْرانَ كَما في البُخارِيِّ. ووَقَعَ في رِوايَةِ ابْنِ إسْحاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عِنْدَ (النَّسائِيِّ) قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ وعِنْدَهُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: يا أبا عَبّاسٍ! إنَّ نَوْفًا يَزْعُمُ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّ مُوسى الَّذِي طَلَبَ العِلْمَ إنَّما هو مُوسى بْنُ مُنِسّا. أيِ: ابْنُ إفْراثِيمَ بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسَمِعْتَ ذَلِكَ مِنهُ يا سَعِيدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: كَذَبَ نَوْفٌ. وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ: كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ. وإنَّما قالَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في الإنْكارِ والتَّنْفِيرِ مِن تَصْدِيقِ مَقالَتِهِ. (p-٤٠٩١)قالَ الرّازِيُّ: كانَ لِيُوسُفَ ولَدانِ إفْراثِيمَ. ومُنِسّا. فَوَلَدُ إفْراثِيمَ نُونٌ ووَلَدَ نُونٍ يُوشِعُ صاحِبُ مُوسى ووَلِيُّ عَهْدِهِ بَعْدَ وفاتِهِ. وأمّا ولَدُ مُنِسّا، قِيلَ إنَّهُ جاءَتْهُ النُّبُوَّةُ قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ. ويَزْعُمُ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّهُ هو الَّذِي طَلَبَ هَذا العِلْمَ لِيَتَعَلَّمَ. والخِضْرُ هو الَّذِي خَرَقَ السَّفِينَةَ وقَتَلَ الغُلامَ وأقامَ الجِدارَ، ومُوسى بْنُ مُنِسّا مَعَهُ. هَذا هو قَوْلُ جُمْهُورِ اليَهُودِ. واحْتَجَّ القَفّالُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِأنَّهُ مُوسى صاحِبُ التَّوْراةِ أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ في القُرْآنِ وهو المُرادُ. فَإطْلاقُ هَذا الِاسْمِ يُوجِبُ الِانْصِرافَ إلَيْهِ. ولَوْ كانَ المُرادُ غَيْرَهُ لَوَجَبَ تَعْرِيفُهُ بِصِفَةٍ تُمَيِّزُهُ وتُزِيلُ الِاشْتِباهَ عَنْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى. وأمّا ابْنُ عَبّاسٍ فَكانَ سَنَدُهُ في ذَلِكَ، كَما في البُخارِيِّ، ما حَدَّثَهُ بِهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ورَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ «أنَّ مُوسى سُئِلَ هَلْ في الأرْضِ أحَدٌ أعْلَمُ مِنكَ؟ فَقالَ: لا». أوْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ. وأرادَ تَعْرِيفَهُ أنَّ مِن عِبادِهِ في الأرْضِ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ، لِئَلّا يُحَتِّمَ عَلى ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ. وإذا صَحَّ أنَّ مُوسى هو صاحِبُ التَّوْراةِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِفَتاهُ يُوشِعَ. وكانَ مُوسى اخْتَصَّهُ بِرُفْقَتِهِ لِكَوْنِهِ صادِقًا في خِدْمَتِهِ، والغَيْرَةِ عَلى كَرامَتِهِ، والحُبِّ لَهُ. ولِذا صارَ خَلِيفَتَهُ بَعْدَهُ، وفُتِحَ عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ ونُصِرَ عَلى الجَبّارِينَ، كَما هو مَعْرُوفٌ. السّابِعُ: قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ صاحِبَ مُوسى المُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ [الكهف: ٦٥] هو الخِضْرُ. قالُوا: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ ما جَلَسَ عَلى الأرْضِ إلّا اخْضَرَّتْ. وقَدْ صَحَّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ تَمارى هو والحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزارِيُّ في صاحِبِ مُوسى. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو خِضْرٌ، فَمَرَّ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. فَدَعاهُ ابْنُ عَبّاسٍ فَقالَ: إنِّي تَمارَيْتُ أنا وصاحِبِي هَذا، في صاحِبِ مُوسى الَّذِي سَألَ السَّبِيلَ إلى لُقِيِّهِ. فَهَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنا مُوسى في مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، إذْ جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: تَعْلَمُ مَكانَ أحَدٍ أعْلَمَ مِنكَ؟ قالَ مُوسى: لا. فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى: بَلى. عَبْدُنا خِضْرٌ. (p-٤٠٩٢)فَسَألَ مُوسى السَّبِيلَ إلى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وقِيلَ لَهُ: إذا فَقَدْتَ فارْجِعْ فَإنَّكَ سَتَلْقاهُ. فَكانَ مُوسى يَتْبَعُ أثَرَ الحُوتِ في البَحْرِ. فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا فَوَجْدا خِضْرًا.وكانَ مِن شَأْنِهِما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ»» . الثّامِنُ: اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في نَسَبِ الخِضْرِ وفي كَوْنِهِ نَبِيًّا وفي طُولِ عُمُرِهِ وبَقاءِ حَياتِهِ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ. فَمِن قائِلٍ بِأنَّهُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ أوِ ابْنُ قابِيلَ أوِ ابْنُ اليَسَعِ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وكُلُّهُ مِمّا لَيْسَ فِيهِ أثارَةٌ مِن عِلْمٍ، وقَدِ احْتَجَّ مَن قالَ إنَّهُ نَبِيٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي لِأنَّ الظّاهِرَ مِن هَذا أنَّهُ فَعَلَهُ بِأمْرِ اللَّهِ. والأصْلُ عَدَمُ الواسِطَةِ. وقِيلَ: كانَ ولِيًّا. وقِيلَ: مَقامُهُ دُونَ النُّبُوَّةِ وفَوْقَ الصِّدِّيقِيَّةِ فَهو مَقامٌ بَرْزَخِيٌّ، لَهُ وجْهٌ إلى النُّبُوَّةِ ووَجْهٌ إلى الوِلايَةِ. وقِيلَ: إنَّهُ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ. وأمّا تَعْمِيرُهُ فَيُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أُنْسِئَ لِلْخِضْرِ في أجَلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ. قالَ النَّوَوِيُّ في (التَّهْذِيبِ) قالَ الأكْثَرُونَ: هو حَيٌّ مَوْجُودٌ بَيْنَ أظْهُرِنا. وذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصُّوفِيَّةِ وأهْلِ الصَّلاحِ والمَعْرِفَةِ. وحِكاياتُهم في رُؤْيَتِهِ، والِاجْتِماعِ بِهِ، والأخْذِ عَنْهُ، وسُؤالِهِ، ووُجُودِهِ في المَواضِعِ الشَّرِيفَةِ، أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى وأشْهَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ. وقالَ البُخارِيُّ وطائِفَةٌ مِن أهْلِ الحَدِيثِ: إنَّهُ ماتَ. وقالَ الحافِظُ أبُو الخَطّابِ بْنُ دِحْيَةَ: وأمّا رِوايَةُ اجْتِماعِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وتَعْزِيَتِهِ لِأهْلِ البَيْتِ، فَلا يَصِحُّ مِن طُرُقِها شَيْءٌ. ولا يَثْبُتُ اجْتِماعُهُ مَعَ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، إلّا مَعَ مُوسى. وجَمِيعُ ما ورَدَ في حَياتِهِ لا يَصِحُّ مِنهُ شَيْءٌ، بِاتِّفاقِ أهْلِ النَّقْلِ. وأمّا ما جاءَ مِنَ المَشايِخِ فَهو مِمّا يُتَعَجَّبُ مِنهُ. كَيْفَ يَجُوزُ لِعاقِلٍ أنْ يَلْقى شَيْخًا لا يَعْرِفُهُ فَيَقُولُ لَهُ: أنا فُلانٌ فَيُصَدِّقُهُ؟ انْتَهى كَلامُهُ مُلَخَّصًا. وتَمَسَّكَ مَن قالَ بِتَعْمِيرِهِ بِقِصَّةِ عَيْنِ الحَياةِ، واسْتَنَدَ إلى ما وقَعَ مِن ذِكْرِها في صَحِيحِ البُخارِيِّ (p-٤٠٩٣)وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ. ولَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ مَرْفُوعًا. وقالَ أبُو حَيّانَ في (تَفْسِيرِهِ): الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الخِضْرَ ماتَ. وبِهِ قالَ ابْنُ أبِي الفَضْلِ المَرْسِيِّ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ حَيًّا لَزِمَهُ المَجِيءُ إلى النَّبِيِّ ﷺ والإيمانُ بِهِ واتِّباعُهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي»» . وبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ المَناوِيِّ وإبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ وأبُو طاهِرٍ العِبادِيُّ. ومِمَّنْ جَزَمَ بِأنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ الآنَ، أبُو يَعْلى الحَنْبَلِيُّ وأبُو الفَضْلِ بْنُ ناصِرٍ والقاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، وأبُو بَكْرِ بْنُ النَّقّاشِ وابْنُ الجَوْزِيِّ. واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِأدِلَّةٍ. مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] قالَ أبُو الحُسَيْنِ بْنُ المَناوِيِّ: بَحَثْتُ عَنْ تَعْمِيرِ الخِضْرِ، وهَلْ هو باقٍ أمْ لا! فَإذا أكْثَرُ المُغَفَّلِينَ مُفْتَرُونَ بِأنَّهُ باقٍ مِن أجْلِ ما رُوِيَ في ذَلِكَ، والأحادِيثُ المَرْفُوعَةُ في ذَلِكَ واهِيَةٌ. والسَّنَدُ إلى أهْلِ الكِتابِ ساقِطٌ لِعَدَمِ ثِقَتِهِمْ. وخَبَرُ مَسْلَمَةَ بْنِ مِصْقَلَةَ كالخُرافَةِ. وخَبَرُ رِياحٍ كالرِّيحِ. وما عَدا ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، كُلُّها واهِيَةُ الصَّدْرِ والأعْجازِ. لا يَخْلُو حالُها مِن أمْرَيْنِ: إمّا أنْ تَكُونَ أُدْخِلَتْ عَلى الثِّقاتِ اسْتِغْفالًا، أوْ يَكُونُ بَعْضُهم تَعَمَّدَ ذَلِكَ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] قالَ صاحِبُ (فَتْحِ البَيانِ): والحَقُّ ما ذَكَرْناهُ عَنِ البُخارِيِّ وأضْرابِهِ في ذَلِكَ. ولا حُجَّةَ في قَوْلِ أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ ورَسُولُهُ ﷺ. ولَمْ يَرِدْ في ذَلِكَ نَصٌّ مَقْطُوعٌ بِهِ، ولا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ إلَيْهِ ﷺ، حَتّى يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ ويُصارَ إلَيْهِ. وظاهِرُ الكِتابِ والسُّنَّةِ نَفْيُ الخُلْدِ، وطُولُ التَّعْمِيرِ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ. وهُما قاضِيانِ عَلى غَيْرِهِما ولا يَقْضِي غَيْرُهُما عَلَيْهِما. ومَن قالَ إنَّهُ نَبِيٌّ أوْ مُرْسَلٌ أوْ حَيٌّ باقٍ، لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ نَيِّرَةٍ ولا سُلْطانٍ مُبِينٍ. وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ. انْتَهى. (p-٤٠٩٤)وقالَ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والرِّضْوانُ في بَعْضِ فَتاوِيهِ، في تَرائِي الجِنِّ لِلْإنْسِ في بَعْضِ البِلادِ، ما مِثالُهُ: وفِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الجِنِّ وهم رِجالُ الغَيْبِ الَّذِينَ يُرَوْنَ أحْيانًا في هَذِهِ البِقاعِ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] وكَذَلِكَ الَّذِينَ يَرَوْنَ الخِضْرَ أحْيانًا هو جِنِّيٌّ رَأوْهُ. وقَدْ رَآهُ غَيْرُ واحِدٍ مِمَّنْ أعْرِفُهُ وقالَ (إنَّنِي) وكانَ ذَلِكَ جِنِّيًّا لَبَّسَ عَلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ رَأوْهُ. وإلّا فالخِضْرُ الَّذِي كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ماتَ. ولَوْ كانَ حَيًّا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَأْتِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ويُؤْمِنَ بِهِ ويُجاهِدَ مَعَهُ. فَإنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ أدْرَكَ مُحَمَّدًا، أنْ يُؤْمِنَ بِهِ ويُجاهِدَ مَعَهُ. كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا أخَذَ عَلَيْهِ المِيثاقَ عَلى أُمَّتِهِ؛ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وهم أحْياءٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَنْصُرُنَّهُ. ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهُ رَأى الخِضْرَ، ولا أنَّهُ أتى إلى النَّبِيِّ ﷺ. فَإنَّ الصَّحابَةَ كانُوا أعْلَمَ وأجَلَّ قَدْرًا، مِن أنْ يُلَبِّسَ الشَّيْطانُ عَلَيْهِمْ. ولَكِنْ لَبَّسَ عَلى كَثِيرٍ مِن بَعْدِهِمْ. فَصارَ يَتَمَثَّلُ لِأحَدِهِمْ في صُورَةِ النَّبِيِّ ويَقُولُ: أنا الخِضْرُ. وإنَّما هو الشَّيْطانُ. كَما أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَرى مَيِّتَهُ خَرَجَ، وجاءَ إلَيْهِ، وكَلَّمَهُ في أُمُورٍ، وقَضاءِ حَوائِجَ، فَيَظُنُّهُ المَيِّتَ نَفْسَهُ. وإنَّما هو شَيْطانٌ. تَصَوَّرَ بِصُوَرٍ. انْتَهى. التّاسِعُ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] عَلى أنَّ مِنَ العِلْمِ عِلْمًا غَيْبِيًّا وهو المُسَمّى بِالعِلْمِ اللَّدُنِّي. فالآيَةُ أصْلٌ فِيهِ. وقَدْ ألَّفَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، رِسالَةً في إثْباتِ هَذا العِلْمِ. رَدَّ عَلى مَن أنْكَرَ وُجُودَهُ. وذَكَرَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أوَّلًا طَرَفًا مِن مَراتِبِ العُلُومِ الظّاهِرِيَّةِ المَعْرُوفَةِ. ثُمَّ جَوَّدَ الكَلامَ في إثْباتِهِ. ولا بَأْسَ بِإيرادِ شَذْرَةٍ مِمّا قَرَّرَهُ فِيهِ. قالَ (p-٤٠٩٥)قُدِّسَ سِرُّهُ. اعْلَمْ أنَّ العِلْمَ الإنْسانِيَّ يَحْصُلُ مِن طَرِيقَيْنِ: أحَدُهُما مِنَ التَّعْلِيمِ الإنْسانِيِّ والثّانِي مِنَ التَّعْلِيمِ الرَّبّانِيِّ. أمّا الطَّرِيقُ الأوَّلُ، وهو التَّعْلِيمُ الإنْسانِيُّ، فَطَرِيقٌ مَعْهُودٌ مَسْلُوكٌ مَحْسُوسٌ. ويَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن خارِجٍ وهو التَّحْصِيلُ بِالتَّعَلُّمِ. والآخَرُ: مِن داخِلٍ وهو الِاشْتِغالُ بِالتَّفَكُّرِ. والتَّفَكُّرُ في الباطِنِ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيمِ في الظّاهِرِ. فَإنَّ التَّعَلُّمَ اسْتِفادَةُ الشَّخْصِ مِنَ الشَّخْصِ الجُزْئِيِّ. والتَّفَكُّرُ اسْتِفادَةُ النَّفْسِ مِنَ النَّفْسِ الكُلِّيِّ. والنَّفْسُ الكُلِّيُّ أشَدُّ تَأْثِيرًا وأقْوى تَعْلِيمًا مِن جَمِيعِ العُقَلاءِ والعُلَماءِ. والعُلُومُ مَرْكُوزَةٌ في أصْلِ النُّفُوسِ بِالقُوَّةِ. كالبَذْرِ في الأرْضِ والجَوْهَرِ في قَعْرِ البَحْرِ، أوْ في قَلْبِ المَعْدِنِ. والتَّعَلُّمُ هو طَلَبُ خُرُوجِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي بِالقُوَّةِ إلى الفِعْلِ. والتَّعْلِيمُ هو إخْراجُهُ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ. فَنَفْسُ المُتَعَلِّمِ تَتَشَبَّهُ بِنَفْسِ العالِمِ وتَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ. فالعالِمُ بِالإفادَةِ كالزّارِعِ. والمُتَعَلِّمُ بِالِاسْتِفادَةِ كالأرْضِ. والعِلْمُ الَّذِي هو بِالقُوَّةِ كالبَذْرِ. والَّذِي هو بِالفِعْلِ، كالنَّباتِ. وإذا كَمُلَتْ نَفْسُ المُتَعَلِّمِ يَكُونُ كالشَّجَرِ المُثْمِرِ أوْ كالجَوْهَرِ الظّاهِرِ مِن قَعْرِ البَحْرِ. وإذا غَلَبَتِ القُوى البَدَنِيَّةُ عَلى النَّفْسِ يَحْتاجُ المُتَعَلِّمُ إلى زِيادَةِ التَّعَلُّمِ في طُولِ المُدَّةِ. ويَحْمِلُ التَّعَبَ في طَلَبِ الفائِدَةِ، وإذا غَلَبَ نُورُ العَقْلِ عَلى أوْصافِ الحِسِّ يَسْتَغْنِي الطّالِبُ بِقَلِيلِ التَّفَكُّرِ عَنْ كَثِيرِ التَّعَلُّمِ، فَإنَّ نَفْسَ العاقِلِ تَجِدُ مِنَ الفَوائِدِ بِتَفَكُّرِ ساعَةٍ، ما لا تَجِدُ نَفْسُ الجاهِلِ بِتَعَلُّمِ سَنَةٍ. فَإذَنْ بَعْضُ النّاسِ يُحَصِّلُونَ العِلْمَ بِالتَّعَلُّمِ وبَعْضُهم بِالتَّفَكُّرِ. ثُمَّ قالَ قُدِّسَ سِرُّهُ: والطَّرِيقُ الثّانِي وهو التَّعْلِيمُ الرَّبّانِيُّ. وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: إلْقاءُ الوَحْيِ وهو النَّفْسُ إذا كَمُلَتْ بِذاتِها تَزُولُ عَنْها دَنَسُ الطَّبِيعَةِ ودَرَنُ الحِرْصِ والأمَلِ. ويَنْفَصِلُ نَظَرُها عَنْ شَهَواتِ الدُّنْيا ويَنْقَطِعُ نَسَبُها عَنِ الأمانِي الفانِيَةِ. وتُقْبِلُ بِوَجْهِها عَلى بارِئِها ومُنْشِئِها. وتَتَمَسَّكُ بِجُودِ مُبْدِعِها. وتَعْتَمِدُ عَلى إفادَتِهِ وفَيْضِ نُورِهِ. فاللَّهُ تَعالى بِحُسْنِ عِنايَتِهِ يُقْبِلُ عَلى تِلْكَ النَّفْسِ إقْبالًا كُلِّيًّا، ويَنْظُرُ إلَيْها نَظَرًا إلَهِيًّا، ويَتَّخِذُ مِنها لَوْحًا، ومِنَ النَّفْسِ الكُلِّيِّ قَلَمًا ويَنْقُشُ فِيها عُلُومَهُ. ويَصِيرُ العَقْلُ الكُلِّيُّ كالمُعَلِّمِ والنَّفْسُ القُدْسِيُّ كالمُتَعَلِّمِ. فَتَحْصُلُ جَمِيعُ العُلُومِ لِتِلْكَ النَّفْسِ وتَنْتَقِشُ فِيها جَمِيعُ الصُّوَرِ (p-٤٠٩٦)مِن غَيْرِ تَعَلُّمٍ وتَفَكُّرٍ. ومِصْداقُ هَذا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] فَعِلْمُ الأنْبِياءِ أشْرَفُ مَرْتَبَةً مِن جَمِيعِ عُلُومِ الخَلائِقِ. لِأنَّ مَحْصُولَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِلا واسِطَةٍ ووَسِيلَةٍ. وبَيانُ هَذِهِ الكَلِمَةِ يُوجَدُ في قِصَّةِ آدَمَ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَإنَّهم طُولَ عُمْرِهِمْ حَصَّلُوا بِفُنُونِ الطُّرُقِ كَثِيرَ العُلُومِ. حَتّى صارُوا أعْلَمَ المَخْلُوقِينَ وأعْرَفَ المَوْجُوداتِ. آدَمُ لَمّا جاءَ، ما كانَ عالِمًا. لِأنَّهُ ما تَعَلَّمَ ولا رَأى مُعَلِّمًا. فَتَفاخَرَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِ وتَجَبَّرُوا وتَكَبَّرُوا وقالُوا: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ونَعْلَمُ حَقائِقَ الأشْياءِ. فَرَجَعَ آدَمُ إلى بابِ خالِقِهِ وأخْرَجَ قَلْبَهُ عَنْ جُمْلَةِ المُكَوِّناتِ، وأقْبَلَ بِالِاسْتِعانَةِ عَلى الرَّبِّ تَعالى، فَعَلَّمَهُ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٣١] أوْ صَغَرَ حالُهم عِنْدَ آدَمَ وقَلَّ عِلْمُهم وانْكَسَرَتْ سَفِينَةُ جَبَرُوتِهِمْ، فَغَرِقُوا في بَحْرِ العَجْزِ: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣٢] فَقالَ تَعالى: ﴿يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] فَأنْبَأهم آدَمُ عَنْ مَكْنُوناتِ العِلْمِ ومُسْتَتِراتِ الأمْرِ. فَتَقَرَّرَ الأمْرُ عِنْدَ العُقَلاءِ؛ أنَّ العِلْمَ الغَيْبِيَّ المُتَوَلَّدَ عَنِ الوَحْيِ، أقْوى وأكْمَلُ مِنَ العُلُومِ المُكْتَسَبَةِ. صارَ عِلْمُ الوَحْيِ إرْثَ الأنْبِياءِ وحَقَّ الرُّسُلِ، حَتّى أغْلَقَ اللَّهُ بابَ الوَحْيِ في عَهْدِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ. فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ خاتَمَ النَّبِيِّينَ، وكانَ أعْلَمَ النّاسِ وأفْصَحَ العَرَبِ والعَجَمِ، وكانَ يَقُولُ: ««أدَّبَنِي رَبِّي فَأحْسَنَ تَأْدِيبِي»» وقالَ لِقَوْمِهِ: ««أنا أعْلَمُكم بِاللَّهِ وأخْشاكم لِلَّهِ»» وإنَّما كانَ عِلْمُهُ أكْمَلَ وأشْرَفَ وأقْوى، لِأنَّهُ حَصَلَ عَنِ التَّعْلِيمِ الرَّبّانِيِّ، وما اشْتَغَلَ قَطُّ بِالتَّعَلُّمِ والتَّعْلِيمِ الإنْسانِيِّ فَقالَ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] (p-٤٠٩٧)والوَجْهُ الثّانِي: هو الإلْهامُ. والإلْهامُ تَنْبِيهُ النَّفْسِ الكُلِّيِّ لِلنَّفْسِ الجُزْئِيِّ عَلى قَدْرِ صِفاتِهِ وقَبُولِهِ وقُوَّتِهِ واسْتِعْدادِهِ. والإلْهامُ أثَرُ الوَحْيِ فَإنَّ الوَحْيَ هو تَصْرِيحُ الأمْرِ الغَيْبِيِّ. والإلْهامُ هو تَعْرِيضُهُ. والعِلْمُ الحاصِلُ عَنِ الوَحْيِ يُسَمّى عِلْمًا نَبَوِيًّا. والَّذِي عَنِ الإلْهامِ يُسَمّى عِلْمًا لَدُنِّيًّا. والعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ هو الَّذِي لا واسِطَةَ في حُصُولِهِ بَيْنَ النَّفْسِ وبَيْنَ البارِّي. وإنَّما هو كالضَّوْءِ مِن سِراجِ الغَيْبِ يَقَعُ عَلى قَلْبٍ صافٍ فارِغٍ لَطِيفٍ. وذَلِكَ أنَّ العُلُومَ كُلَّها مَحْصُولَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ الكُلِّيِّ الأوَّلِيِّ الَّذِي هو مِنَ الجَواهِرِ المُفارِقَةِ الأوَّلِيَّةِ المَحْضَةِ، بِالنِّسْبَةِ إلى العَقْلِ الأوَّلِ كَنِسْبَةِ حَوّاءَ إلى آدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ العَقْلَ الكُلِّيَّ أشْرَفُ وأكْمَلُ وأقْوى وأقْرَبُ إلى البارِئِ تَعالى مِنَ النَّفْسِ الكُلِّيِّ. والنَّفْسُ الكُلِّيِّ أعَزُّ وأشْرَفُ مِن سائِرِ المَخْلُوقاتِ. فَمِن إفاضَةِ العَقْلِ الكُلِّيِّ يَتَوَلَّدُ الإلْهامُ. فالوَحْيُ حِلْيَةُ الأنْبِياءِ، والإلْهامُ زِينَةُ الأوْلِياءِ. فَكَما أنَّ النَّفْسَ دُونَ العَقْلِ، فالوَحْيُ دُونَ النَّبِيِّ. وكَذَلِكَ الإلْهامُ دُونَ الوَحْيِ. فَهو ضَعِيفٌ بِنِسْبَةِ الوَحْيِ، قَوِيَ بِإضافَةِ الرُّؤْيا. والإلْهامُ عِلْمُ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ. فَإنَّ عِلْمَ الوَحْيِ خاصٌّ بِالرُّسُلِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمْ. كَما كانَ لِآدَمَ ومُوسى وإبْراهِيمَ ومُحَمَّدٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وفَرَّقَ بَيْنَ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ. فالنُّبُوَّةُ هي قَبُولُ النَّفْسِ القُدْسِيِّ حَقائِقَ المَعْلُوماتِ والمَعْقُولاتِ عَنْ جَوْهَرِ العَقْلِ الأوَّلِ. والرِّسالَةُ تَبْلِيغُ تِلْكَ المَعْلُوماتِ والمَعْقُولاتِ إلى المُسْتَفِيدِينَ والمُتابِعِينَ. ورُبَّما يَتَّفِقُ القَبُولُ لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ، ولا يَتَأتّى لَها التَّبْلِيغُ لِعُذْرٍ مِنَ الأعْذارِ وسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ. والعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ يَكُونُ لِأهْلِ النُّبُوَّةِ والوِلايَةِ، كَما حَصَلَ لِلْخِضْرِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا رَفَعَ الحِجابَ بَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَ النَّفْسِ الكُلِّيِّ الَّذِي هو اللَّوْحُ. فَيَظْهَرُ فِيها أسْرارُ بَعْضِ المُكَوِّناتِ. ويَنْتَقِشُ فِيها مَعانِي تِلْكَ المُكَوِّناتِ. فَيُعَبِّرُ النَّفْسُ عَنْها كَما يَشاءُ إلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. (p-٤٠٩٨)وحَقِيقَةُ الحِكْمَةِ تَنالُ مِنَ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ. وما لَمْ تَبْلُغِ النَّفْسُ هَذِهِ الرُّتْبَةَ لا يَكُونُ حَكِيمًا. لِأنَّ الحِكْمَةَ مِن مَواهِبِ اللَّهِ تَعالى: و: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] مِن عِبادِهِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] وهُمُ الواصِلُونَ مَرْتَبَةَ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، المُسْتَغْنُونَ عَنْ كَثْرَةِ التَّحْصِيلِ وتَعَبِ التَّعَلُّمِ. فَيَتَعَلَّمُونَ قَلِيلًا ويَعْلَمُونَ كَثِيرًا، ويَتْعَبُونَ يَسِيرًا ويَسْتَرِيحُونَ طَوِيلًا. ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: اعْلَمْ أنَّ العِلْمَ اللَّدُنِّيَّ هو سَرَيانُ نُورِ الإلْهامِ. والإلْهامُ يَكُونُ بَعْدَ التَّسْوِيَةِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] والتَّسْوِيَةُ تَصْحِيحُ النَّفْسِ والرُّجُوعُ إلى فِطْرَتِها. وهَذا الرُّجُوعُ يَكُونُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَحْصِيلُ جَمِيعِ العُلُومِ وأخْذُ الحَظِّ الأوْفَرِ مِن أكْثَرِها. والثّانِي: الرِّياضَةُ الصّادِقَةُ والمُراقَبَةُ الصَّحِيحَةُ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أشارَ إلى هَذِهِ الحَقِيقَةِ فَقالَ: ««مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ، أوْرَثَهُ اللَّهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»» . والثّالِثُ: التَّفَكُّرُ. فَإنَّ النَّفْسَ، إذا تَعَلَّمَتْ وارْتاضَتْ بِالعِلْمِ والعَمَلِ، ثُمَّ أخَذَتْ تَتَفَكَّرُ بِمَعْلُوماتِها، بِشَرْطِ التَّفَكُّرِ، يَنْفَتِحُ عَلَيْهِ بابُ الغَيْبِ. كالتّاجِرِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ في مالِهِ بِشَرْطِ التِّجارَةِ، يَنْفَتِحُ عَلَيْهِ أبْوابُ الرِّبْحِ. وإذا سَلَكَ طَرِيقَ الخَطَأِ يَقَعُ في مَهالِكِ الخُسْرانِ. فالمُتَفَكِّرُ إذا سَلَكَ سَبِيلَ الصَّوابِ يَصِيرُ مِن ذَوِي الألْبابِ، وتَنْفَتِحُ رَوْزَنَةٌ مِن عالِمِ الغَيْبِ في قَلْبِهِ فَيَصِيرُ عالِمًا كامِلًا عاقِلًا مُلْهَمًا مُؤَيَّدًا. كَما قالَ ﷺ: ««تَفَكُّرُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً»» انْتَهى مُلَخَّصًا. وفِي خِلالِ كَلامِهِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، جُمَلٌ مِن إشاراتِ الصُّوفِيَّةِ وعِباراتِهِمْ. ولا يَأْباها العَقْلُ (p-٤٠٩٩)السَّلِيمُ ولا قَواعِدُ العِلْمِ الظّاهِرِ. لِأنَّها في هَذِهِ المَثابَةِ بِدَرَجَةِ الِاعْتِدالِ والتَّوَسُّطِ. كَذَلِكَ كانَ مَشْرَبُهُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الكهف 18:83

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٣] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ . ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ وهو الإسْكَنْدَرُ الكَبِيرُ المَقْدُونِيُّ وسَنَذْكُرُ وجْهَ تَلْقِيبِهِ بِذَلِكَ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: نَبَأً مَذْكُورًا مُعْجِزًا، أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيَّ.

الكهف 18:84

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٤] ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِالقُوَّةِ والرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ والسِّعَةِ في المالِ والِاسْتِظْهارِ بِالعَدَدِ وعِظَمِ الصِّيتِ وكِبَرِ الشُّهْرَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا مُوَصِّلًا إلَيْهِ. والسَّبَبُ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقْصُودِ مِن عِلْمٍ أوْ قُدْرَةٍ أوْ آلَةٍ.

الكهف 18:85

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٥] ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ [٨٦] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] . ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ قُرِئَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ التّاءِ. وقُرِئَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ وتَشْدِيدِ التّاءِ. فَقِيلَ هُما بِمَعْنًى ويَتَعَدَّيانِ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ. وقِيلَ: (أتْبَعَ) بِالقَطْعِ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا آخَرَ. أوْ فَأتْبَعَ أمْرَهُ سَبَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ [القصص: ٤٢] (p-٤١٠٠)وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (اتَّبَعَ) بِالوَصْلِ في السَّيْرِ (وأتْبَعَ) بِالقَطْعِ مَعْناهُ اللَّحاقُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] وقالَ يُونُسُ: (أتْبَعَ) بِالقَطْعِ لِلْجِدِّ الحَثِيثِ في الطَّلَبِ وبِالوَصْلِ مُجَرَّدُ الِانْتِقالِ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَ﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ. أيْ: فَأرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ ﴿فَأتْبَعَ﴾ سَبَبًا يُوصِلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٦] أيْ: أقْصى ما يَسْلُكُ فِيهِ مِنَ الأرْضِ مِن ناحِيَةِ المَغْرِبِ، وهو مَغْرِبُ الأرْضِ: ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أيْ: ذاتُ حَمْأةٍ وهو الطِّينُ الأسْوَدُ، وقُرِئَ (حامِيَةٍ) أيْ: حارَّةٍ. وقَدْ تَكُونُ جامِعَةً لِلْوَصْفَيْنِ و(وجَدَ) يَكُونُ بِمَعْنى رَأى لِما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ: ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ [الكهف: ٨٦] أيْ: أُمَّةً. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ مَكَّنَهُ مِنهُمْ، وأظْهَرَهُ بِهِمْ، وحَكَّمَهُ فِيهِمْ وجَعَلَ لَهُ الخِيَرَةَ في شَأْنِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف: ٨٦] أيْ: بِالقَتْلِ وغَيْرِهِ: ﴿وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] بِالعَفْوِ.

الكهف 18:86

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٥] ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ [٨٦] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] . ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ قُرِئَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ التّاءِ. وقُرِئَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ وتَشْدِيدِ التّاءِ. فَقِيلَ هُما بِمَعْنًى ويَتَعَدَّيانِ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ. وقِيلَ: (أتْبَعَ) بِالقَطْعِ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا آخَرَ. أوْ فَأتْبَعَ أمْرَهُ سَبَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ [القصص: ٤٢] (p-٤١٠٠)وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (اتَّبَعَ) بِالوَصْلِ في السَّيْرِ (وأتْبَعَ) بِالقَطْعِ مَعْناهُ اللَّحاقُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] وقالَ يُونُسُ: (أتْبَعَ) بِالقَطْعِ لِلْجِدِّ الحَثِيثِ في الطَّلَبِ وبِالوَصْلِ مُجَرَّدُ الِانْتِقالِ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَ﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ. أيْ: فَأرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ ﴿فَأتْبَعَ﴾ سَبَبًا يُوصِلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٦] أيْ: أقْصى ما يَسْلُكُ فِيهِ مِنَ الأرْضِ مِن ناحِيَةِ المَغْرِبِ، وهو مَغْرِبُ الأرْضِ: ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أيْ: ذاتُ حَمْأةٍ وهو الطِّينُ الأسْوَدُ، وقُرِئَ (حامِيَةٍ) أيْ: حارَّةٍ. وقَدْ تَكُونُ جامِعَةً لِلْوَصْفَيْنِ و(وجَدَ) يَكُونُ بِمَعْنى رَأى لِما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ: ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ [الكهف: ٨٦] أيْ: أُمَّةً. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ مَكَّنَهُ مِنهُمْ، وأظْهَرَهُ بِهِمْ، وحَكَّمَهُ فِيهِمْ وجَعَلَ لَهُ الخِيَرَةَ في شَأْنِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف: ٨٦] أيْ: بِالقَتْلِ وغَيْرِهِ: ﴿وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] بِالعَفْوِ.

الكهف 18:87

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عَدْلَهُ وإنْصافَهُ، لِيُحْتَذى حَذْوُهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٧] ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ . ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾ أيْ: بِالبَغْيِ والفَسادِ في الأرْضِ بِالشِّرْكِ والضَّلالِ والإضْلالِ: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ: مُنْكَرًا لَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ.

الكهف 18:88

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٨] ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ . ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ: ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ (p-٤١٠١)والإضافَةِ. وهو مُبْتَدَأٌ، أوْ مَرْفُوعٌ بِالظَّرْفِ أيْ: فَلَهُ جَزاءُ الخَصْلَةِ الحُسْنى. يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ و: " الحُسْنى " بَدَلٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ويُقْرَأُ بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ. أيْ: فَلَهُ الحُسْنى جَزاءً. فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. أيْ: مَجْزِيًّا بِها. أوْ هو مَصْدَرٌ عَلى المَعْنى. أيْ: يَجْزِي بِها جَزاءً أوْ تَمْيِيزٌ. ويُقْرَأُ بِالنَّصْبِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. وهو مِثْلُ المُنَوَّنِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ التَّنْوِينُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. أفادَهُ أبُو البَقاءِ.

الكهف 18:89

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٩] ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ [٩٠] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠] . ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا راجِعًا مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ، مُوَصِّلًا إلى مَشْرِقِها. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠] أيْ: مِنَ المَبانِي والجِبالِ.

الكهف 18:90

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٩] ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ [٩٠] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠] . ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا راجِعًا مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ، مُوَصِّلًا إلى مَشْرِقِها. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠] أيْ: مِنَ المَبانِي والجِبالِ.

الكهف 18:91

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩١] ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ . ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ كَما وصَفْناهُ في رِفْعَةِ المَكانِ وبَسْطَةِ المُلْكِ. أوْ أمْرُهُ فِيهِمْ، كَأمْرِهِ في أهْلِ المَغْرِبِ مِنَ الحُكْمِ المُتَقَدِّمِ. أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لِـ (وجَدَ) أيْ: وجَدَها تَطْلُعُ وِجْدانًا كَوِجْدانِها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ. أوْ مَعْمُولُ (بَلَغَ) أيْ: بَلَغَ مَغْرِبَها كَما بَلَغَ مَطْلَعَها، ولا يُحِيطُ بِما قاساهُ غَيْرُ اللَّهِ. أوْ صِفَةُ (قَوْمٍ) أيْ: عَلى قَوْمٍ مِثْلِ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، في الكُفْرِ والحُكْمِ: ﴿وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: عِلْمًا. نَحْنُ مُطَّلِعُونَ عَلى جَمِيعِ أحْوالِهِ وأحْوالِ جَيْشِهِ. لا يَخْفى عَلَيْنا مِنها شَيْءٌ، وإنْ تَفَرَّقَتْ أُمَمُهم (p-٤١٠٢)وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأرْضُ. وفي التَّذْيِيلِ بِهَذا، إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ ما لَدَيْهِ مِنَ العَدَدِ والعُدَدِ، بِحَيْثُ لا يُحِيطُ بِها إلّا عِلْمُهُ تَعالى.

الكهف 18:92

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٢] ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ [٩٣] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ [الكهف: ٩٣] . ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣] قُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّها. أيْ: بَيْنَ الجَبَلَيْنِ اللَّذَيْنِ سَدَّ ما بَيْنَهُما: ﴿وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا﴾ [الكهف: ٩٣] أيْ: مِن ورائِهِما أُمَّةً مِنَ النّاسِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ [الكهف: ٩٣] لِكَوْنِ لُغَتِهِمْ غَرِيبَةً مَجْهُولَةً، ولِقِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ.

الكهف 18:93

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٢] ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ [٩٣] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ [الكهف: ٩٣] . ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣] قُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّها. أيْ: بَيْنَ الجَبَلَيْنِ اللَّذَيْنِ سَدَّ ما بَيْنَهُما: ﴿وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا﴾ [الكهف: ٩٣] أيْ: مِن ورائِهِما أُمَّةً مِنَ النّاسِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ [الكهف: ٩٣] لِكَوْنِ لُغَتِهِمْ غَرِيبَةً مَجْهُولَةً، ولِقِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ.

الكهف 18:94

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٤] ﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ [٩٥] ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥] . ﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: في أرْضِنا بِالقَتْلِ والإضْرارِ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ أيْ: جَعْلًا نُخْرِجُهُ مِن أمْوالِنا. وقُرِئَ ((خَراجًا)) وهو بِمَعْناهُ: ﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ أيْ: حاجِزًا يَمْنَعُ خُرُوجَهم عَلَيْنا. ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٥] أيْ ما جَعَلَنِي فِيهِ مَكِينًا مِنَ المالِ والمُلْكِ، أجَلُّ مِمّا تُرِيدُونَ بَذْلَهُ. فَلا حاجَةَ بِي إلَيْهِ: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥] أيْ: بِعَمَلَةٍ وصُنّاعٍ وآلاتٍ: ﴿أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥] أيْ: حاجِزًا حَصِينًا. وأصْلُ مَعْنى الرَّدْمِ سَدُّ الثُّلْمَةِ بِالحِجارَةِ ونَحْوِها.

الكهف 18:95

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٤] ﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ [٩٥] ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥] . ﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: في أرْضِنا بِالقَتْلِ والإضْرارِ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ أيْ: جَعْلًا نُخْرِجُهُ مِن أمْوالِنا. وقُرِئَ ((خَراجًا)) وهو بِمَعْناهُ: ﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ أيْ: حاجِزًا يَمْنَعُ خُرُوجَهم عَلَيْنا. ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٥] أيْ ما جَعَلَنِي فِيهِ مَكِينًا مِنَ المالِ والمُلْكِ، أجَلُّ مِمّا تُرِيدُونَ بَذْلَهُ. فَلا حاجَةَ بِي إلَيْهِ: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥] أيْ: بِعَمَلَةٍ وصُنّاعٍ وآلاتٍ: ﴿أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥] أيْ: حاجِزًا حَصِينًا. وأصْلُ مَعْنى الرَّدْمِ سَدُّ الثُّلْمَةِ بِالحِجارَةِ ونَحْوِها.

الكهف 18:96

(p-٤١٠٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٦] ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [٩٧] ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] [٩٨] ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨] . ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ أيْ: ناوِلُونِي قِطَعَهُ: ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أيْ: بَيْنَ جانِبَيِ الجَبَلَيْنِ: ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ أيْ: في الأكْوارِ والحَدِيدِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ أيِ: المَنفُوخَ فِيهِ: ﴿نارًا﴾ أيْ: كالنّارِ بِالإحْماءِ: ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أيْ: نُحاسًا مُذابًا لِيَلْصَقَ بِالحَدِيدِ، ويَتَدَعَّمَ البِناءُ بِهِ ويَشْتَدُّ. ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أيْ: يَعْلُوهُ بِالصُّعُودِ لِارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ: ﴿وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] لِثَخْنِهِ وصَلابَتِهِ. ﴿قالَ هَذا﴾ [الكهف: ٩٨] أيِ: السَّدُّ: ﴿رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] عَلى القاطِنِينَ عِنْدَهُ. لِأمْنِهِمْ مِن شَرِّ مَن سَدِّ عَلَيْهِمْ بِهِ، ورَحْمَةٌ عَلى غَيْرِهِمْ، لِسَدِّ الطَّرِيقِ عَلَيْهِمْ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] بِدَحْرِهِ وخَرابِهِ: ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] بِالمَدِّ أيْ: أرْضًا مُسْتَوِيَةً، وقُرِئَ ((دَكًّا)) أيْ: مَدْكُوكًا مُسَوًّا بِالأرْضِ ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨] أيْ: كائِنًا لا مَحالَةَ. وهَذا آخِرُ حِكايَةِ قَوْلِ ذِي القَرْنَيْنِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ شَيْءٌ مِنَ التّارِيخِ مِن حَيْثُ هو قَصَصٌ وأخْبارٌ. وإنَّما هي الآياتُ والعِبَرُ والأحْكامُ والآدابُ تَجَلَّتْ في سِياقِ الوَقائِعِ. ولِذا يَجِبُ صَرْفُ العِنايَةِ إلى وُجُوهِ تِلْكَ الفَوائِدِ والثَّمَراتِ، وما يُسْتَنْبَطُ مِن تِلْكَ الآياتِ. وقَدْ أشارَ نَبَأُ ذِي القَرْنَيْنِ الإسْكَنْدَرِ إلى فَوائِدَ شَتّى. نَذْكُرُ ما فُتِحَ عَلَيْنا مِنها، ونَكِلُ ما لَمْ نُحِطْ بِهِ عِلْمًا إلى العَلِيمِ الخَبِيرِ. (p-٤١٠٤)فَمِن فَوائِدِها: الِاعْتِبارُ بِرَفْعِ اللَّهِ بَعْضَ النّاسِ دَرَجاتٍ عَلى بَعْضٍ. ورِزْقِهِ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ مُلْكًا ومالًا. لِما لَهُ مِن خَفِيِّ الحُكْمِ وباهِرِ القُدْرَةِ. فَلا إلَهَ سِواهُ. ومِنها: الإشارَةُ إلى القِيامِ بِالأسْبابِ، والجَرْيِ وراءَ سُنَّةِ اللَّهِ في الكَوْنِ مِنَ الجِدِّ والعَمَلِ. وأنَّ عَلى قَدْرِ بَذْلِ الجُهْدِ يَكُونُ الفَوْزُ والظَّفَرُ، فَإنَّ ما قَصَّ عَنِ الإسْكَنْدَرِ مِن ضَرْبِهِ في الأرْضِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، ومَطْلَعِها وشَمالِها وعَدَمِ فُتُورِهِ ووِجْدانِهِ اللَّذَّةَ في مُواصَلَةِ الأسْفارِ وتَجَشُّمِ الأخْطارِ، ورُكُوبِ الأوْعارِ والبِحارِ، ثُمَّ إحْرازِهِ ذَلِكَ الفِخارَ، الَّذِي لا يُشَقُّ لَهُ غُبارٌ، أكْبَرُ عِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ. ومِنها: تَنْشِيطُ الهِمَمِ لِرَفْعِ العَوائِقِ. وأنَّهُ ما تَيَسَّرَتِ الأسْبابُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ رُكُوبُ البَحْرِ ولا اجْتِيازُ القَفْرِ، عُذْرًا في الخُمُولِ والرِّضاءِ بِالدُّونِ. بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَنْشَطَ ويُمَثِّلَ في مَرارَتِهِ، حَلاوَةَ عُقْباهُ مِنَ الرّاحَةِ والهَناءِ. كَما قَضى الإسْكَنْدَرُ عُمْرَهُ ولَمْ يَذُقْ إلّا حَلاوَةَ الظَّفْرِ ولَذَّةَ الِانْتِصارِ: إذْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ تُقْعِدُهُمُ المَصاعِبُ عَنْ نَيْلِ ما يَبْتَغُونَ. ومِنها: وُجُوبُ المُبادَرَةِ لِمَعالِي الأُمُورِ مِنَ الحَداثَةِ. إذْ مِنَ الخَطَأِ التَّسْوِيفُ فِيهِ إلى الِاكْتِهالِ. فَإنَّ الإسْكَنْدَرَ لَمّا تَبَوَّأ مُلْكَ أبِيهِ كانَ في حُدُودِ العِشْرِينَ مِن عُمُرِهِ. وأتى ما أتى وهو في رَيَعانِ الشَّبابِ وقُوَّةِ الفَناءِ. فَهاجَمَ أعْظَمَ مُلُوكِ عَصْرِهِ وأكْبَرَ جُيُوشِهِمْ. كَأنَّهُ القَضاءُ المُبْرَمُ. ولَمْ يَقِفْ في وجْهِهِ عَدَدٌ ولا عُدَدٌ. وخاضَ غَمَراتِ الرَّدى غَيْرَ هَيّابٍ ولا وجِلٍ. وأضافَ كُلَّ العالَمِ الشَّرْقِيِّ إلى المَمْلَكَةِ اليُونانِيَّةِ وهو شابٌّ. وقَضى وهو في الثّالِثَةِ والثَّلاثِينَ مِن عُمُرِهِ، كَما دَوَّنَهُ مُحَقِّقُو المُؤَرِّخِينَ. ومِنها: أنَّ مَن قَدَرَ عَلى أعْدائِهِ وتَمَكَّنَ مِنهُمْ، فَلا يَنْبَغِي لَهُ أنْ تُسْكِرَهُ لَذَّةُ السُّلْطَةِ بِسُوقِهِمْ بِعَصا الإذْلالِ، وتَجْرِيعِهِمْ غُصَصِ الِاسْتِعْبادِ والنَّكالِ. بَلْ يُعامِلُ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِقَدْرِ إساءَتِهِ. فَإنَّ ما حُكِيَ عَنِ الإسْكَنْدَرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾ [الكهف: ٨٧] إلى آخِرِهِ، نِهايَةٌ في العَدْلِ وغايَةُ الإنْصافِ. (p-٤١٠٥)ومِنها: أنَّ عَلى المَلِكِ، إذا اشْتُكِيَ إلَيْهِ جَوْرُ مُجاوِرِينَ، أنْ يَبْذُلَ وُسْعَهُ في الرّاحَةِ والأمْنِ، دِفاعًا عَنِ الوَطَنِ العَزِيزِ، وصِيانَةً لِلْحُرِّيَّةِ والتَّمَدُّنِ، مِن مَخالِبِ التَّوَحُّشِ والخَرابِ، قِيامًا بِفَرِيضَةِ دَفْعِ المُعْتَدِينَ وإمْضاءِ العَدْلِ بَيْنَ العالَمِينَ. كَما لَبّى الإسْكَنْدَرُ دَعْوَةَ الشّاكِينَ في بِناءِ السَّدِّ. وقَدْ أطْبَقَ المُؤَرِّخُونَ عَلى أنَّهُ بَنى عِدَّةَ حُصُونٍ وأسْوارٍ، لِرَدِّ غاراتِ البَرابِرَةِ، وصَدِّ هَجَماتِهِمْ. ومِنها: أنَّ عَلى المَلِكِ التَّعَفُّفَ عَنْ أمْوالِ رَعِيَّتِهِ، والزُّهْدَ في أخْذِ أُجْرَةٍ، في مُقابَلَةِ عَمَلٍ يَأْتِيهِ، ما أغْناهُ اللَّهُ عَنْهُ، فَفي ذَلِكَ حِفْظُ كَرامَتِهِ وزِيادَةُ الشَّغَفِ بِمَحَبَّتِهِ. كَما تَأبّى الإسْكَنْدَرُ تَفَضُّلًا وتَكَرُّمًا. ومِنها: التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى إذا اقْتَضاهُ المَقامُ. كَقَوْلِ الإسْكَنْدَرِ في مَقامِ تَعَفُّفِهِ عَنْ أمْوالِهِمْ، والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٥] كَقَوْلِ سُلَيْمانَ: ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦] وقَدْ قِيلَ: إنَّ دَخْلَ الإسْكَنْدَرِ مِنَ البِلادِ الَّتِي فَتَحَها كانَ نَحْوَ سِتِّينَ مِلْيُونَ لِيرَةٍ إنْكِلِيزِيَّةٍ. ومِنها: تَدْعِيمُ الأسْوارِ والحُصُونِ في الثُّغُورِ، وتَقْوِيَتُها بِذَوْبِ الرَّصاصِ وبِوَضْعِ صَفائِحِ النُّحاسِ، خِلالَ الصُّخُورِ الصُّمِّ، صِدْقًا في العَمَلِ ونُصْحًا فِيهِ. لِيَنْتَفِعَ بِهِ عَلى تَطاوُلِ الأجْيالِ. فَإنَّ البِناءَ غَيْرَ الرَّصِينِ لا ثَمَرَةَ فِيهِ. ومِنها: مُشاطَرَةُ المَلِكِ العُمّالَ في الأعْمالِ ومُشارَفَتُهم بِنَفْسِهِ إذا اقْتَضى الحالُ، تَنْشِيطًا لِمُهِمَّتِهِمْ وتَجْرِئَةً لَهم وتَرْوِيحًا لِقُلُوبِهِمْ. وقَدْ كانَ الإسْكَنْدَرُ يُقاسِمُ العُمّالَ الأتْعابَ. ويُدِيرُ العَمَلَ بِنَفْسِهِ، كَما بَيَّنَهُ الذِّكْرُ الحَكِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ومِنها: تَعْرِيفُ الغَيْرِ ثَمَرَةَ العَمَلِ المُهِمِّ، لِيَعْرِفُوا قَدْرَهُ فَيُظْهِرُوا شُكْرَهُ. ولِذا قالَ: ﴿هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] (p-٤١٠٦)ومِنها الإعْلامُ بِالدَّوْرِ الأُخْرَوِيِّ، وانْقِضاءُ هَذا الدَّوْرِ الأوَّلِيِّ، لِتَبْقى النُّفُوسُ طامِحَةً إلى ذَلِكَ العالَمِ الباقِي والنَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ. ولِذا قالَ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] ومِنها: الِاعْتِبارُ بِتَخْلِيدِ جَمِيلِ الثَّناءِ، وجَلِيلِ الآثارِ. فَإنَّ مَن أنْعَمَ النَّظَرَ فِيما قَصَّ عَنْهُ في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ، يَتَّضِحُ لَهُ جَلِيًّا حُسْنُ سَجاياهُ وسُمُوُّ مَزاياهُ. مِنَ الشَّجاعَةِ وعُلُوِّ الهِمَّةِ والعِفَّةِ والعَدْلِ. ودَأْبُهُ عَلى تَوْطِيدِ الأمْنِ وإثابَتِهِ المُحْسِنِينَ وتَأْدِيبِهِ لِلظّالِمِينَ. والإحْسانُ إلى النَّوْعِ البَشَرِيِّ، ولا سِيَّما في زَمانٍ كانَ فِيهِ أكْثَرُ عَوائِدِ وأخْلاقِ الأُمَمِ المُتَمَدِّنَةِ وغَيْرِ المُتَمَدِّنَةِ، وحْشِيَّةً فاسِدَةً. ومِنها: الِاهْتِمامُ بِتَوْحِيدِ الكَلِمَةِ لِمَن يَمْلِكُ أُمَمًا مُتَبايِنَةً. كَما كانَ يَرْمِي إلَيْهِ سَعْيُ الإسْكَنْدَرِ. فَإنَّهُ دَأبَ عَلى تَوْحِيدِ الكَلِمَةِ بَيْنَ الشُّعُوبِ ومَزْجِ تِلْكَ الأُمَمِ المُخْتَلِفَةِ لِيَرْبُطَها بِصِلاتِ الحُبِّ والعَوائِدِ. وقَدْ حُكِيَ أنَّهُ كانَ يُجَيِّشُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ اسْتَوْلى عَلَيْها، جَيْشًا عَرَمْرَمًا، يُضِيفُهُ إلى جَيْشِهِ المَكْدُونِيِّ اليُونانِيِّ. ويَأْمُرُ رِجالَهُ أنْ يَتَزَوَّجُوا مِن بَناتِهِمْ، لِتَوْثِيقِ عُرى المَحَبَّةِ والِارْتِباطِ، وإزالَةِ البُغْضِ والشَّحْناءِ. ومِنها: الِاعْتِبارُ بِما يَبْلُغُهُ الإنْسانُ، وما فِيهِ مِن بَلِيغِ الِاسْتِعْدادِ. يَقْضِي عَلى المَرْءِ أنْ يَعِيشَ أوَّلًا طِفْلًا مُرْضَعًا. لا يَعْلَمُ ما حَوْلَهُ ولا يَطْلُبُ غَيْرَ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ طَبِيعَتُهُ الضَّعِيفَةُ، قِيامًا بِما تَقْتَضِيهِ أسْبابُ الحَياةِ، وهو مُلْقًى إذْ ذاكَ لا إرادَةَ لَهُ. وعُرْضَةٌ لِأسْقامٍ تُذِيقُهُ الآلامَ، وقَدْ تَجَرَّعَهُ كَأْسُ الحِمامِ قَبْلَ أنْ يَرى ويُدْرِكَ شَيْئًا مِن هَذا النِّظامِ. فَإذا اسْتَظْهَرَتْ فِيهِ عَوامِلُ الحَياةِ عَلى دَواعِي المَماتِ، وسَرَتْ بِجِسْمِهِ قُوى الشَّبِيبَةِ، وصَرَفَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ، تَرَعْرَعَ إنْسانًا عَظِيمًا ظافِرًا بِمُنْتَهى أمَلِهِ. التَّنْبِيهُ الثّانِي: في ذِي القَرْنَيْنِ. اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ اسْمَهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِبْسَ، وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (إغاثَةِ اللَّهْفانِ) في الكَلامِ عَلى الفَلاسِفَةِ: ومِن مُلُوكِهِمُ الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ وهو ابْنُ فِيلِبْسَ ولَيْسَ بِالإسْكَنْدَرِ ذِي القَرْنَيْنِ الَّذِي قَصَّ اللَّهُ تَعالى نَبَأهُ في القُرْآنِ بَلْ بَيْنَهُما (p-٤١٠٧)قُرُونٌ كَثِيرَةٌ وبَيْنَهُما في الدِّينِ أعْظَمُ تَبايُنٍ. فَذُو القَرْنَيْنِ كانَ رَجُلًا صالِحًا مُوَحِّدًا لِلَّهِ تَعالى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ. وكانَ يَغْزُو عُبّادَ الأصْنامِ وبَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها. وبَنى السَّدَّ بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. وأمّا هَذا المَقْدُونِيُّ، فَكانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الأصْنامَ هو وأهْلُ مَمْلَكَتِهِ. وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسِيحِ نَحْوَ ألْفٍ وسِتِّمِائَةِ سَنَةٍ. والنَّصارى تُؤَرِّخُ لَهُ. وكانَ أرِسْطاطالِيسُ وزِيرَهُ. وكانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الأصْنامَ. انْتَهى. كَلامُهُ. وفِيهِ نَظَرٌ. فَإنَّ المَرْجِعَ في ذَلِكَ هم أئِمَّةُ التّارِيخِ وقَدْ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ الإسْكَنْدَرُ الأكْبَرُ ابْنُ فِيلِبْسَ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ بِتِسْعِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وخَمْسِينَ سَنَةً قَبْلَ الهِجْرَةِ، وثَلاثِمِائَةٍ واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ سَنَةً قَبْلَ مِيلادِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدْ أصْبَحَ ذَلِكَ مِنَ الأوَّلِيّاتِ عِنْدَ عُلَماءِ الجُغْرافِيا. وأمّا دَعْوى أنَّهُ كانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الأصْنامَ، فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وإنْ كانَ قَوْمُهُ وثَنِيِّينَ، لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرَسْطاطالِيسَ. وقَدْ جاءَ في تَرْجَمَتِهِ -كَما في طَبَقاتِ الأطِبّاءِ وغَيْرِها- أنَّهُ كانَ لا يُعَظِّمُ الأصْنامَ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في ذَلِكَ الوَقْتِ وأنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ نُسِبَ إلى الكُفْرِ وأُرِيدَ السِّعايَةُ بِهِ إلى المُلْكِ. فَلَمّا أحَسَّ بِذَلِكَ شَخَصَ عَنْ أثِينا. لِأنَّهُ كَرِهَ أنْ يُبْتَلى أهْلُها بِمِثْلِ ما ابْتَلَوْا بِهِ سَقْراطِيسَ مُعَلِّمَ أفْلاطُونَ. فَإنَّهُ كانَ مِن عُبّادِهِمْ ومُتَألِّهِيهِمْ. وجاهَرَهم بِمُخالَفَتِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ. وقابَلَ رُؤَساءَهم بِالأدِلَّةِ والحُجَجِ عَلى بُطْلانِ عِبادَتِها. فَثَوَّرُوا عَلَيْهِ العامَّةُ واضْطَرُّوا المَلِكَ إلى قَتْلِهِ. فَأوْدَعَهُ السِّجْنَ لِيَكُفَّهم عَنْهُ. ثُمَّ لَمْ يَرْضَ المُشْرِكُونَ إلّا بِقَتْلِهِ. فَسَقاهُ السُّمَّ خَوْفًا مِن شَرِّهِمْ، بَعْدَ مُناظَراتٍ طَوِيلَةٍ جَرَتْ لَهُ مَعَهم. كَما في (طَبَقاتِ الأطِبّاءِ وتَراجِمِ الفَلاسِفَةِ) فالوَثَنِيَّةُ، وإنْ كانَتْ دِينَ اليُونانِيِّينَ واعْتِقادَ شَعْبِهِمْ، إلّا أنَّهُ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المَلِكُ وخاصَّتُهُ عَلى اعْتِقادٍ آخَرَ يُجاهِرُونَ بِهِ أوْ يَكْتُمُونَهُ. كالنَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ. فَإنَّهُ جاهَرَ بِالإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ. وشَعْبُهُ وأهْلُ مَمْلَكَتِهِ كُلُّهم نَصارى. وهَكَذا كانَ الإسْكَنْدَرُ وأُسْتاذُهُ والحُكَماءُ قَبْلَهُ. فَإنَّ المُمْعِنَ في تَراجِمِهِمْ يَرى أنَّهم عَلى تَوْحِيدٍ وإيمانٍ بِالمَعادِ. قالَ القاضِي صاعِدٌ: كانَ فِيثاغُورِسُ -أُسْتاذُ (p-٤١٠٨)سُقْراطَ - يَقُولُ بِبَقاءِ النَّفْسِ وكَوْنِها، فِيما بَعْدُ، في ثَوابٍ أوْ عِقابٍ. عَلى رَأْيِ الحُكَماءِ الإلَهِيَّيْنِ. فَتَأمَّلْ قَوْلَهُ (عَلى رَأْيِ الحُكَماءِ الإلَهِيِّينَ) يَتَحَقَّقُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا قَوْلُ الفَخْرِ الرّازِيِّ: إنَّ في كَوْنِ الإسْكَنْدَرِ ذا القَرْنَيْنِ إشْكالًا قَوِيًّا. وهو أنَّهُ كانَ تِلْمِيذَ أرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ. وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ فَلا يَخْفى دَفْعُ هَذا اللُّزُومِ. فَإنَّ مَن كانَ تابِعًا لِمَذْهَبٍ فَمُدِحَ لِأمْرٍ ما يُوجِبُ مَدْحَهُ لِأجْلِهِ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَدْحُ لِأجْلِ مَذْهَبِهِ ومَتْبُوعِهِ. إذْ قَدْ يَقُومُ فِيهِ مِنَ الخِلالِ والمَزايا ما لا يُوجَدُ في مَتْبُوعِهِ. وقَدْ يَبْدُو لَهُ مِنَ الأنْظارِ الصَّحِيحَةِ ما لا يَكُونُ في مَذْهَبِهِ الَّذِي نَشَأ عَلَيْهِ مُقَلِّدًا. أفَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حُرًّا في فِكْرِهِ يَنْبِذُ التَّقْلِيدَ الأعْمى ويَعْتَنِقُ الحَقَّ. ومَن آتاهُ اللَّهُ مِنَ المُلْكِ ما آتاهُ، أفَيَمْتَنِعُ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن تَنُّورِ الفِكْرِ وحُرِّيَّةِ الضَّمِيرِ ونُفُوذِ البَصِيرَةِ ما يُخالِفُ بِهِ مَتْبُوعَهُ. هَذا عَلى فَرْضِ أنَّ مَتْبُوعَهُ مَذْمُومٌ. وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ مَتْبُوعَهُ أعْنِي: أرِسْطاطالِيسَ، كانَ مُوَحِّدًا. وهو مَعْرُوفٌ في التّارِيخِ لا سُتْرَةَ فِيهِ. عَلى أنَّهُ لَوِ اسْتَلْزَمَتِ الآيَةُ مَدْحَ مَذْهَبِ أُسْتاذِهِ لَكانَ ذَلِكَ في الأُصُولِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ، وكَفى بِهِما كَمالًا. ولِلرّازِيِّ فَرْضٌ يَغْتَنِمُ بِها التَّنْوِيهَ بِالحُكَماءِ والتَّعْرِيفَ لِمَذْهَبِهِمْ، وهَذِهِ مِنها. وإنْ صَبَغَها -سامَحَهُ اللَّهُ- في هَذا الأُسْلُوبِ. عَرَفَ ذَلِكَ مَن عَرَفَ. التَّنْبِيهُ الثّالِثُ: اخْتُلِفَ في سَبَبِ تَلْقِيبِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ. فَقِيلَ لِأنَّهُ طافَ قَرْنَيِ الدُّنْيا. يَعْنِي جانِبَيْها شَرْقَها وغَرْبَها. أوْ لِأنَّهُ كانَ لَهُ قَرْنانِ أيْ: ضَفِيرَتانِ. أوْ لِأنَّهُ مِلْكُ الرُّومِ وفارِسَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُلَقَّبَ بِذَلِكَ لِشَجاعَتِهِ، كَما يُسَمّى الشُّجاعُ كَبْشًا لِأنَّهُ يَنْطَحُ أقْرانَهُ. أقُولُ: هَذا اللَّقَبُ مِنَ الكِنايَةِ عَنْ كُلِّ ذِي قُوَّةٍ وبَأْسٍ وسُلْطانٍ. لِأنَّ ذا القُرُونِ مِنَ المَواشِي أقْواها وأشَدُّها. والكِنايَةُ بِالقَرْنِ عَنِ القُوَّةِ والسُّلْطانِ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ اليَهُودِ، (p-٤١٠٩)الَّذِينَ هُمُ السّائِلُونَ. وقَدْ وقَعَ في تَوْراتِهِمْ في نُبُوَّةِ دانِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ عَنِ المَلِكِ: (فَإذا أنا بِكَبْشٍ واقِفٍ عِنْدَ النَّهْرِ. ولَهُ قَرْنانِ)، ثُمَّ قَوْلُهُ: (وبَيْنَما كُنْتُ مُتَأمِّلًا إذا بِتَيْسِ مَعِزٍ قَدْ أقْبَلَ مِنَ المَغْرِبِ عَلى وجْهِ الأرْضِ كُلِّها. ولِلتَّيْسِ قَرْنٌ عَجِيبُ المَنظَرِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ)، قالُوا: القَرْنُ هُنا رَمْزٌ إلى القُوَّةِ والسُّلْطانِ. والتَّيْسُ رَمْزٌ إلى مَمْلَكَةِ اليُونانِ. وقَرْنُهُ رَمْزٌ إلى أوَّلِ مَلِكٍ عَلى هَذِهِ المَمْلَكَةِ وهو الإسْكَنْدَرُ الكَبِيرُ. وما أشارَ إلَيْهِ مِن سُرْعَةِ مَسِيرِ هَذا التَّيْسِ إيماءٌ إلى كَثْرَةِ ما دَهَمَ البِلادَ مِنَ الغاراتِ المُتَواصِلَةِ. قَوْلُهُ: (خَرَجَ مِنَ المَغْرِبِ) إشارَةٌ إلى خُرُوجِهِ مِن مَكْدُونِيَّةَ الَّتِي هي إلى غَرْبِ فارِسَ، وذَلِكَ حِينَ تَقَدَّمَ عَلى جُيُوشِ دارَيُوسَ وكَسَرَهُ. وتَعَقَّبَهُ إلى داخِلِ مَمْلَكَتِهِ. والقَصْدُ أنَّ هَذا اللَّقَبَ (ذُو القَرْنَيْنِ) شَهِيرٌ ولَيْسَ مِن أوْضاعِ العَرَبِ خاصَّةً. كَما زَعَمَهُ بَعْضُهم. بَلْ هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العِبْرانِيِينَ أيْضًا. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّهُ مِن رُمُوزِهِمُ الخاصَّةِ الَّتِي سَرَتْ إلى العَرَبِ. وأقَرَّتْهم عَلَيْها. التَّنْبِيهُ الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: اخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ. هَلْ كانَ مِنَ الأنْبِياءِ أمْ لا ؟ مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى التَّمْكِينِ في الدِّينِ. والتَّمْكِينُ الكامِلُ في الدِّينِ هو النُّبُوَّةُ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] ومِن جُمْلَةِ الأشْياءِ النُّبُوَّةُ. فَمُقْتَضى العُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] هو أنَّهُ تَعالى آتاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ سَبَبًا. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] والَّذِي يَتَكَلَّمُ اللَّهُ مَعَهُ لابُدَّ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا. ومِنهم مَن قالَ إنَّهُ عَبْدٌ صالِحٌ وما كانَ نَبِيًّا. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ بَعْدُ: يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٦] عَلى أنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ مَعَهُ (p-٤١١٠)مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وحُمِلَ هَذا اللَّفْظُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ خاطَبَهُ عَلى ألْسِنَةِ بَعْضِ الأنْبِياءِ- فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. انْتَهى. ولا يَخْفى ضَعْفُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ. لِأنَّ مَقامَ إثْباتِها يَحْتاجُ إلى تَنْصِيصٍ وتَخْصِيصٍ. وأمّا تَعَمُّقُ الجَرْيِ وراءَ العُمُوماتِ، لِاسْتِفادَةِ مِثْلِ ذَلِكَ، فَغَيْرُ مُقْنِعٍ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٦] فَقَدَّمْنا أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ تَمْكِينِهِ تَعالى لَهُ مِنهم. لا أنَّهُ قَوْلُ مُشافَهَةٍ. وإلّا لَوْ كانَ ذَلِكَ لَكانَ مُخَيَّرًا مِنهُ تَعالى ومُلَقَّنًا ما يَفْعَلُ بِهِمْ. فَأنّى يَسُوغُ لَهُ نَقْضُهُ بِاجْتِهادٍ آخَرَ. ولا يُقالُ إنَّ الأصْلَ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ. لِأنّا نَقُولُ بِهِ، ما لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ مانِعٌ، مِن نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ. ولِلتَّنْزِيلِ الكَرِيمِ أُسْلُوبٌ خاصٌّ، عَرَفَهُ مَن أنْعَمَ النَّظَرَ في بَدِيعِ بَيانِهِ. نَعَمْ. لَوْ كانَ مُرادُ القائِلِ بِنُبُوَّتِهِ أنَّهُ مِنَ المُلْهَمِينَ ذَهابًا في النُّبُوَّةِ إلى المَعْنى الأعَمِّ مِنَ الإيحاءِ بِشَرْعٍ، ومِنَ الإلْهامِ، لَكانَ قَرِيبًا. فَتَكُونُ نُبُوَّتُهُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي وهو الإلْهامُ. ويُطْلِقُ الصُّوفِيَّةُ عَلى مِثْلِهِ الوارِدَ. وجاءَ في الحَدِيثِ تَسْمِيَةُ صاحِبِهِ مُحَدَّثًا. وإطْلاقُ النُّبُوَّةِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مَحْظُورًا في الإسْلامِ، إلّا أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا قَبْلَهُ في العِبادِ الأخْيارِ. التَّنْبِيهُ الخامِسُ: حُكِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] قَوْلانِ في أنَّ السّائِلِينَ هُمُ اليَهُودُ أوْ غَيْرُهم. ورُجِّحَ الأوَّلُ مِن وُجْهَتَيْنِ: أوَّلُهُما: أنَّ لِلْإسْكَنْدَرِ عِنْدَ اليَهُودِ شَأْنًا وقَدْرًا. وذَلِكَ لِما حُكِيَ أنَّهُ لَمّا فَتَحَ غَزَّةَ ودَنا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، خَرَجَ إلَيْهِ رَئِيسُ أحْبارِها وقَدَّمَ إلَيْهِ الطّاعَةَ. فَدَخَلَها إسْكَنْدَرُ وسَمِعَ نُبُوَّةَ التَّوْراةِ فَسُرَّ وأحْسَنَ إلى اليَهُودِ. وتَعَقَّبَ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ هَذِهِ الرِّوايَةَ بِأنَّها غَيْرُ مَأْثُورَةٍ في كُتُبِ اليُونانِ، ولَمْ يَرْوِها أحَدٌ مِن مُؤَرِّخِيهِمْ. (p-٤١١١)ثانِيهُما: أنَّ عُنْوانَ (ذُو القَرْنَيْنِ) مِن رُمُوزِ الإسْرائِيلِيِّينَ كَما قَدَّمْناهُ عَنْهم. التَّنْبِيهُ السّادِسُ: قالُوا المُرادُ بِـ (العَيْنِ الحَمِئَةِ) البَحْرُ المُحِيطُ. وتَسْمِيَتُهُ عَيْنًا لِكَوْنِهِ بِالنِّسْبَةِ لِعِظَمِ قُدْرَتِهِ تَعالى، كَقَطِرَةٍ. وإنْ عَظُمَ عِنْدَنا. قالُوا: رَأى الشَّمْسَ في مَنظَرِهِ تَغْرُبُ في البَحْرِ. وهَذا شَأْنُ كُلِّ مَنِ انْتَهى إلى ساحِلِهِ، يَراها كَأنَّها تَغْرُبُ فِيهِ. وهي لا تُفارِقُ فَلَكَها. ولِلْإمامِ ابْنِ حَزْمٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ رَأْيٌ آخَرُ في الآيَةِ. ذَكَرَهُ في كِتابِ (المِلَلِ) في بَحْثِ كُرَوِيَّةِ الأرْضِ قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ هو كانَ في العَيْنِ الحَمِئَةِ الحامِيَةِ كَما تَقُولُ: (رَأيْتُكَ في البَحْرِ)، تُرِيدُ أنَّكَ إذا رَأيْتَهُ كُنْتَ أنْتَ في البَحْرِ. وبُرْهانُ هَذا أنَّ مَغْرِبَ الشَّمْسِ لا يَجْهَلُ مِقْدارَ عَظِيمِ مِساحَتِهِ إلّا جاهِلٌ. ومِقْدارُ ما بَيْنَ أوَّلِ مَغْرِبِها الشِّتْوِيِّ إذا كانَتْ مِن آخِرِ رَأْسِ الجَدْيِ إلى آخِرِ مَغْرِبِها الصَّيْفِيِّ إذا كانَتْ مِن رَأْسِ السَّرَطانِ- مَرْئِيٌّ مُشاهَدٌ. ومِقْدارُهُ ثَمانٍ وأرْبَعُونَ دَرَجَةً مِنَ الفَلَكِ. وهو يُوازِي مِنَ الأرْضِ كُلِّها بِالبُرْهانِ الهَنْدَسِيِّ أقَلَّ مِن مِقْدارِ السُّدُسِ. يَكُونُ مِنَ الأمْيالِ نَحْوَ ثَلاثَةِ آلافِ مِيلٍ ونَيِّفٍ. وهَذِهِ المِساحَةُ لا يَقَعُ عَلَيْها في اللُّغَةِ اسْمُ (عَيْنٍ) البَتَّةَ. لا سِيَّما أنْ تَكُونَ (عَيْنًا حَمِئَةً) حامِيَةً. وبِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ خُوطِبْنا. فَلَمّا تَيَقَّنّا أنَّها (عَيْنٌ) بِإخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، الصّادِقِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ، عَلِمْنا يَقِينًا أنَّ ذا القَرْنَيْنِ انْتَهى بِهِ السَّيْرُ في الجِهَةِ الَّتِي مَشى فِيها مِنَ المَغارِبِ إلى العَيْنِ المَذْكُورَةِ. وانْقَطَعَ لَهُ إمْكانُ المَشْيِ بَعْدَها لِاعْتِراضِ البِحارِ لَهُ هُنالِكَ. وقَدْ عَلِمْنا بِالضَّرُورَةِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ وغَيْرَهُ مِنَ النّاسِ، لَيْسَ يَشْغَلُ مِنَ الأرْضِ إلّا مِساحَةَ جِسْمِهِ فَقَطْ. قائِمًا، أوْ قاعِدًا أوْ مُضْطَجِعًا. ومِن هَذِهِ صِفَتُهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُحِيطَ بَصَرُهُ مِنَ الأرْضِ، بِمِقْدارِ مَكانِ المَغارِبِ كُلِّها، لَوْ كانَ مَغِيبُها في عَيْنٍ مِنَ الأرْضِ. كَما يَظُنُّ أهْلُ الجَهْلِ. ولا بُدَّ مِن أنْ يَلْقى خَطُّ بَصَرِهِ مِن حَدَبَةِ الأرْضِ، ومِن نَشْرٍ مِن أنْشازِها، ما يَمْنَعُ الخَطَّ مِنَ التَّمادِي، إلّا أنْ يَقُولَ قائِلٌ: إنَّ تِلْكَ العَيْنَ هي البَحْرُ فَلا يَجُوزُ أنْ يُسَمّى البَحْرُ في اللُّغَةِ (عَيْنًا حَمِئَةً) ولا حامِيَةً. وقَدْ أخْبَرَ (p-٤١١٢)اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الشَّمْسَ تَسْبَحُ في الفَلَكِ. وأنَّها إنَّما هي مِنَ الفَلَكِ سِراجٌ. وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى هو الصِّدْقُ الَّذِي لا يَتَناقَضُ فَلَوْ غابَتْ في عَيْنٍ مِنَ الأرْضِ، كَما يَظُنُّ أهْلُ الجَهْلِ، أوْ في البَحْرِ، لَكانَتِ الشَّمْسُ قَدْ زالَتْ عَنِ السَّماءِ وخَرَجَتْ عَنِ الفَلَكِ، وهَذا هو الباطِلُ. فَصَحَّ يَقِينًا، بِلا شَكٍّ، أنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ هو في العَيْنِ الحَمِئَةِ والحامِيَةِ، حِينَ انْتَهى إلى آخِرِ البَرِّ في المَغارِبِ. لا سِيَّما مَعَ ما قامَ البُرْهانُ عَلَيْهِ، مِن أنَّ جِرْمَ الشَّمْسِ أكْبَرُ مِن جِرْمِ الأرْضِ. وبُرْهانٌ آخَرُ قاطِعٌ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ [الكهف: ٨٦] فَصَحَّ ضَرُورَةُ أنَّهُ وجَدَ القَوْمَ عِنْدَ العَيْنِ لا عِنْدَ الشَّمْسِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَزْمٍ. التَّنْبِيهُ السّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: الأظْهَرُ أنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ في ناحِيَةِ الشَّمالِ. وقِيلَ: جَبَلانِ بَيْنَ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبَيْجانَ. وقِيلَ: هَذا المَكانُ في مُنْقَطَعِ أرْضِ التُّرْكِ. وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في (تارِيخِهِ) أنَّ صاحِبَ أذْرَبَيْجانَ، أيّامَ فَتْحِها، وجَّهَ إنْسانًا إلَيْهِ مِن ناحِيَةِ الخَزَرِ. فَشاهَدَهُ ووَصَفَ أنَّهُ بُنْيانٌ رَفِيعٌ وراءَ خَنْدَقٍ عَمِيقٍ وثِيقٍ مَنِيعٍ. وذَكَرَ ابْنُ خَرْدادَ في كِتابِ (المَسالِكِ والمَمالِكِ) أنَّ الواثِقَ بِاللَّهِ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ فَتَحَ هَذا الرَّدْمَ، فَبَعَثَ بَعْضَ الخَدَمِ إلَيْهِ لِيُعايِنُوهُ. فَخَرَجُوا مِن بابِ الأبْوابِ حَتّى وصَلُوا إلَيْهِ وشاهَدُوهُ. فَوَصَفُوا أنَّهُ بِناءٌ مِن لَبِنٍ مِن حَدِيدٍ، مَشْدُودٌ بِالنُّحاسِ المُذابِ، وعَلَيْهِ بابٌ مُقْفَلٌ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ، لَمّا حاوَلَ الرُّجُوعَ، أخْرَجَهُمُ الدَّلِيلُ عَلى البِقاعِ المُحاذِيَةِ لِسَمَرْقَنْدَ. قالَ أبُو الرَّيْحانِ: مُقْتَضى هَذا أنَّ مَوْضِعَهُ في الرُّبْعِ الشَّمالِيِّ الغَرْبِيِّ مِنَ المَعْمُورَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. انْتَهى كَلامُ الرّازِيِّ. وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (المِلَلِ والنِّحَلِ) جُزْءِ أوَّلَ صَحِيفَةِ (١٢٠) في تَفْنِيدِ دَعْوى اليَهُودِ أنَّ الجَنَّةَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنها آدَمُ في الأرْضِ، ما مِثالُهُ. فَإنْ قِيلَ: ذُكِرَ في القُرْآنِ سَدُّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. ولا يُدْرى مَكانُهُ ولا مَكانُهم. قُلْنا: مَكانُهُ مَعْرُوفٌ في أقْصى الشَّمالِ (p-٤١١٣)فِي آخِرِ المَعْمُورَةِ مِنهُ. وقَدْ ذُكِرَ أمْرُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ في كُتُبِ اليَهُودِ الَّتِي يُؤْمِنُونَ بِها ويُؤْمِنُ بِها النَّصارى. وقَدْ ذَكَرَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والسَّدَّ أرِسْطاطالِيسُ في كِتابِهِ في (الحَيَوانِ) عِنْدَ كَلامِهِ عَلى الغَرانِيقِ. وقَدْ ذَكَرَ سَدَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ بَطْلَيْمُوسُ في كِتابِهِ المُسَمّى (جُغْرافِيا) وذَكَرَ طُولَ بِلادِهِمْ وعَرَضَها. وقَدْ بَعَثَ إلَيْهِ الواثِقُ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ سَلامَ التُّرْجُمانِ في جَماعَةٍ مَعَهُ حَتّى وقَفُوا عَلَيْهِ. ذَكَرَ ذَلِكَ أحْمَدُ بْنُ الطَّيِّبِ السَّرَخْسِيُّ وغَيْرُهُ. وقَدْ ذَكَرَهُ قُدامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ والنّاسُ. فَهَيْهاتَ خَبَرٌ مِن خَبَرٍ. وحَتّى لَوْ خَفِيَ مَكانُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والسَّدِّ. فَلَمْ يُعْرَفْ في شَيْءٍ مِنَ المَعْمُورِ مَكانُهُ، لَما ضَرَّ ذَلِكَ خَبَرَنا شَيْئًا. لِأنَّهُ كانَ يَكُونُ مَكانُهُ حِينَئِذٍ خَلْفَ خَطِّ الِاسْتِواءِ حَيْثُ يَكُونُ مَيْلُ الشَّمْسِ ورُجُوعُها، وبُعْدُها كَما هو في الجِهَةِ الشَّمالِيَّةِ. بِحَيْثُ تَكُونُ الآفاقُ كَبَعْضِ آفاقِنا المَسْكُونَةِ، والهَواءُ كَهَواءِ بَعْضِ البِلادِ الَّتِي يُوجَدُ فِيها النَّباتُ والتَّناسُلُ. واعْلَمُوا أنَّ كُلَّ ما كانَ في عُنْصُرِ الإمْكانِ، فَأدْخَلَهُ مُدْخِلٌ في عُنْصُرِ الِامْتِناعِ بِلا بُرْهانٍ فَهو كاذِبٌ مُبْطِلٌ جاهِلٌ، أوْ مُجاهِلٌ. لا سِيَّما إذا أخْبَرَ بِهِ مَن قَدْ قامَ البُرْهانُ عَلى صِدْقِ خَبَرِهِ. وإنَّما الشَّأْنُ في المُحالِ المُمْتَنِعِ الَّذِي تُكَذِّبُهُ الحَواسُّ والعِيانُ أوْ بَدِيهَةُ العَقْلِ. فَمَن جاءَ بِهَذا فَإنَّما جاءَ بِبُرْهانٍ قاطِعٍ عَلى أنَّهُ كَذّابٌ مُفْتَرٍ. ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ البَلاءِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَزْمٍ. قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: اعْلَمْ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَحْدُثُ في الثَّوَراتِ البُرْكانِيَّةِ أنْ تَنْخَسِفَ بَعْضُ البِلادِ أوْ تَرْتَفِعَ بَعْضُ الأراضِي حَتّى تَصِيرَ كالجِبالِ. وهَذا أمْرٌ مُشاهَدٌ حَتّى في زَمَنِنا هَذا. فَإذا سَلَّمَ أنَّ سَدَّ ذِي القَرْنَيْنِ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ الآنَ، فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ ناشِئًا مِن ثَوْرَةٍ بُرْكانِيَّةٍ خَسَفَتْ بِهِ وأزالَتْ آثارَهُ. ولا يُوجَدُ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى بَقائِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] فَمَعْناهُ أنَّ هَذا السَّدَّ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِالأُمَمِ القَرِيبَةِ مِنهُ. لِمَنعِ غاراتِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ عَنْهُمْ، ولَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَفْهَمُوا أنَّ مَعَ مَتانَتِهِ وصَلابَتِهِ لا يُمْكِنُ أنْ يُقاوِمَ مَشِيئَةَ اللَّهِ القَوِيِّ القَدِيرِ، فَإنَّ بَقاءَهُ إنَّما هو بِفَضْلِ اللَّهِ. ولَكِنْ إذا قامَتِ القِيامَةُ وأرادَ اللَّهُ فَناءَ هَذا العالَمِ، فَلا هَذا (p-٤١١٤)السَّدُّ ولا غَيْرُهُ مِنَ الجِبالِ الرّاسِياتِ يُمْكِنُها أنْ تَقِفَ عَثْرَةً، لَحْظَةً واحِدَةٍ أمامَ قُدْرَةِ اللَّهِ. بَلْ يَدُكُّها جَمْعاءَ دَكًّا في لَمْحِ البَصَرِ. فَمُرادُ ذِي القَرْنَيْنِ بِهَذا القَوْلِ تَنْبِيهُ تِلْكَ الأُمَمِ عَلى عَدَمِ الِاغْتِرارِ بِمَناعَةِ هَذا السَّدِّ، أوِ الإعْجابِ والغُرُورِ بِقُوَّتِهِمْ. فَإنَّها لا شَيْءَ يُذْكَرُ بِجانِبِ قُوَّةِ اللَّهِ. فَلا يَصِحُّ أنْ يُسْتَنْتَجَ مِن ذَلِكَ أنَّ هَذا السَّدَّ يَبْقى إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بَلْ صَرِيحُهُ أنَّهُ إذا قامَتِ القِيامَةُ في أيِّ وقْتٍ كانَ، وكانَ هَذا السَّدُّ مَوْجُودًا، دَكَّهُ اللَّهُ دَكًّا، وأمّا إذا تَأخَّرَتْ فَيَجُوزُ أنْ يُدَكَّ قَبْلَها بِأسْبابٍ أُخْرى. كالزَّلازِلِ إذا قَدِمَ عَهْدُهُ. وكالثَّوْراتِ البُرْكانِيَّةِ كَما قُلْنا. ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِي ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فالمُرادُ مِنهُ خُرُوجُهم بِكَثْرَةٍ وانْتِشارُهم في الأرْضِ، كَما يَخْرُجُ الشَّيْءُ المَحْبُوسُ أوِ المَضْغُوطُ إذا انْفَجَرَ. واسْتِعْمالُ لَفْظِ (الفَتْحِ) مَجازًا شائِعٌ في اللُّغَةِ. ومِنهُ قَوْلُكَ (فَتَحُوا البِلادَ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] فَلَيْسَ لِلْأشْياءِ أبْوابٌ. وكَذَلِكَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ لا بابَ لَهم. بَلْ هم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، والغالِبُ أنَّ المُرادَ بِخُرُوجِهِمْ هَذا، خُرُوجُ المَغُولِ التَّتارِ، وهم مِن نَسْلِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وهو الغَزْوُ الَّذِي حَصَلَ مِنهم لِلْأُمَمِ في القَرْنِ السّابِعِ الهِجْرِيِّ. وناهِيكَ بِما فَعَلُوهُ إذْ ذاكَ في الأرْضِ، بَعْدَ أنِ انْتَشَرُوا فِيها، مِنَ الإفْسادِ والنَّهْبِ والقَتْلِ والسَّبْيِ. والرّاجِحُ أنَّ السَّدَّ كانَ مَوْجُودًا بِإقْلِيمِ داغِسْتانَ التّابِعِ الآنَ لِرُوسِيا، بَيْنَ مَدِينَتِي دَرَبَنْدَ وخَوَزارَ. فَإنَّهُ يُوجَدُ بَيْنَهُما مَضِيقٌ شَهِيرٌ مُنْذُ القِدَمِ، يُسَمّى عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ القَدِيمَةِ والحَدِيثَةِ بِــ(السَّدِّ) وبِهِ مَوْضِعٌ يُسَمّى (بابُ الحَدِيدِ) وهو أثَرُ سَدٍّ حَدِيدِيٍّ قَدِيمٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِن جِبالِ القُوقازِ الشَّهِيرَةِ عِنْدَ العَرَبِ (بِجَبَلِ قافٍ) وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ فِيهِ السَّدَّ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. ويَظُنُّونَ أنَّهُ في نِهايَةِ الأرْضِ. وذَلِكَ بِحَسَبِ ما عَرَفُوهُ مِنها. ومِن ورائِهِ قَبِيلَتا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. انْتَهى. وجاءَ في (صَفْوَةِ الِاعْتِبارِ) أنَّ السُّورَ الَّذِي وصَلُوا إلَيْهِ أيّامَ الواثِقِ مِن بَنِي العَبّاسِ، هو (p-٤١١٥)سُورُ الصِّينِ الَّذِي هو إحْدى عَجائِبِ مَمْلَكَةِ الصِّينِ. فَإنَّ طُولَهُ نَحْوَ ألْفٍ ومِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ مِيلًا، وسُمْكُهُ مِنَ الأسْفَلِ نَحْوَ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ قَدَمًا، ومِن أعْلاهُ نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ قَدَمًا. وارْتِفاعُهُ ما بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ إلى عِشْرِينَ قَدَمًا. وفي أماكِنَ مِنهُ حُصُونٌ يَبْلُغُ ارْتِفاعُ بَعْضِها إلَيْهِ أرْبَعِينَ قَدَمًا. بُنِيَ لِرَدِّ الهَجَماتِ عَلى المَمْلَكَةِ الصِّينِيَّةِ الأصْلِيَّةِ، مِنَ المَغُولِ والقَبائِلِ الشَّمالِيَّةِ. والسُّورُ الآنَ خَرابٌ في جِهاتٍ كَثِيرَةٍ. فَإنْ كانَ هو المُرادَ بِالسَّدِّ في الآيَةِ. لَزِمَ حَمْلُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ فِيهِ، مِن كَوْنِهِ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ، ومُفَرَّغًا عَلَيْهِ النُّحاسُ، عَلى بِقاعٍ مِن ذَلِكَ السُّورِ. والصَّدَفانِ حِينَئِذٍ طَرَفانِ مِن ذَلِكَ السُّورِ. كَما تَؤُولُ صِفاتُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، إلى ما يَصِحُّ إطْلاقُها بِهِ عَلى التَّتَرِ والمَنشُورِيَّةِ. ويَكُونُ وعْدُ اللَّهِ الَّذِي يُدَكُّ فِيهِ السَّدُّ هو قُرْبُ السّاعَةِ. ولا شَكَّ أنَّها قَرُبَتْ بِإعْلامِ الشّارِعِ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ الفَسادُ المَوْعُودُ بِهِ في النُّصُوصِ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ، هو ما وقَعَ مِنَ التَّتَرِ مِنَ الفَسادِ في المَمالِكِ. كَما في عَهْدِ جِنْكِزْخانَ، وما عَثاهُ هو وأصْحابُهُ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى. وجاءَ في الجُغْرافِيَّةِ العُمُومِيَّةِ، في المَقالَةِ السّابِعَةِ والأرْبَعِينَ في تَخْطِيطِ آسِيا، بِلادِ القُوقاسِيِينَ أيْ: أهالِي كَوَهِ قافٍ، أيْ: جَبَلِ قافٍ: إنَّ في تِلْكَ الأقْطارِ يَمْتَدُّ هَذا الجَبَلُ كالسُّورِ العَظِيمِ، وفِيهِ مَجازانِ يُسَمَّيانِ عِنْدَ القُدَماءِ الأبْوابَ القُوقازِيَّةَ والأبْوابَ الألْبانِيَّةَ. فالمَجازُ الأوَّلُ وهو الأبْوابُ القُوقازِيَّةُ هو الَّذِي كانَ يُخْشى مِنهُ هُجُومُ المُتَبَرْبِرِينَ عَلى كُلٍّ مِن دَوْلَةِ الرُّومانِيِّينَ والعَجَمِ. ثُمَّ إنَّ الحِصْنَ الَّذِي كانَ يَسُدُّ هَذا المَجازَ يُسَمّى بِأسْماءٍ مُخْتَلِفَةٍ عِنْدَ القُدَماءِ. وأمّا الأبْوابُ الألْبانِيَّةُ فَأشْهَرُ الآراءِ فِيها أنَّهم مَجازُ دَرَبَنْدَ. عَلى امْتِدادِ بَحْرِ الخَزَرِ. ثُمَّ قالَ: وهُناكَ حِكايَةٌ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ أهالِي (كَوَهِ قافٍ) تَقْتَضِي أنَّ هَذا الجَبَلَ كانَ مَسْدُودًا بِسَدٍّ عَظِيمٍ يَمْنَعُ غارَةَ المُتَبَرْبِرِينَ وهَذا السَّدُّ العَظِيمُ تارَةً يُعْزى لِإسْكَنْدَرَ، وتارَةً لِأنْوَ شِرْوانَ ويَسْتَدِلُّونَ عَلى ذَلِكَ بِآثارٍ مَوْجُودَةٍ إلى الآنِ، تُرى لِمَن يَرُومُ ذَلِكَ. التَّنْبِيهُ الثّامِنُ: قالَ أبُو البَقاءِ: يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، لَمْ يَنْصَرِفا لِلْعُجْمَةِ (p-٤١١٦)والتَّعْرِيفِ. ويَجُوزُ هَمْزُهُما وتَرْكُ هَمْزِهِما. وقِيلَ: هُما عَرَبِيّانِ فَـ(يَأْجُوجُ ) يَفَعُولُ مِثْلَ يَرْبُوعٍ. و(مَأْجُوجُ ) مَفْعُولٌ مِثْلُ مَعْقُولٍ. وكِلاهُما مِن (أجَّ الظَّلِيمِ) إذا أسْرَعَ. أوْ مِن (أجَّتِ النّارُ) إذا التَهَبَتْ. ولَمْ يَنْصَرِفا لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ أيْ: لِلْقَبِيلَةِ كَمَجُوسِ. فالكَلِمَتانِ مِن أصْلٍ واحِدٍ في الِاشْتِقاقِ. وعَلى العُجْمَةِ، لا يَتَأتّى تَصْرِيفُهُ. ولا يُعْتَبَرُ وزْنُهُ إلّا بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا، كَما في (تَذْكِرَةِ أبِي عَلِيٍّ). قالَ الرّازِيُّ: واخْتَلَفُوا في أنَّهُما مِن أيِّ: الأقْوامِ؟ فَقِيلَ: إنَّهُما مِنَ التُّرْكِ. وقِيلَ يَأْجُوجُ مِنَ التُّرْكِ ومَأْجُوجُ مِنَ الجِيلِ والدَّيْلَمِ. ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن وصَفَهم بِقِصَرِ القامَةِ وصِغَرِ الجُثَّةِ، انْتَهى. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: كانَ يُوجَدُ مِن وراءِ جَبَلٍ مِن جِبالِ القُوقازِ، المَعْرُوفِ عِنْدَ العَرَبِ بِجَبَلِ قافٍ، في إقْلِيمِ داغِسْتانَ، قَبِيلَتانِ. تُسَمّى إحْداهُما (آقُوقَ)، والثّانِيَةُ (ماقُوقَ) فَعَرَّبَهُما العَرَبُ بِـ(يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ) وهُما مَعْرُوفانِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ ووَرَدَ ذِكْرُهُما في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ. ومِنهُما تَناسُلُ كَثِيرٍ مِن أُمَمِ الشَّمالِ والشَّرْقِ في رُوسِيا وآسِيا. التَّنْبِيهُ التّاسِعُ: تَوَسَّعَ مَن لَمْ يَشْتَرِطِ الصِّحَّةَ ولا الحُسْنَ في مُصَنَّفاتِهِ مِنَ الرُّواةِ، في تَخْرِيجِ ما رُوِيَ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. وكُلُّهُ إمّا مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ أوِ المُنْكَراتِ أوِ المَوْضُوعاتِ. ومِن ذَلِكَ حَدِيثُ ««إنَّ يَأْجُوجَ أُمَّةٌ ومَأْجُوجَ أُمَّةٌ. كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعُمِائَةِ ألْفِ أُمَّةٍ. لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنهم حَتّى يَنْظُرَ إلى ألْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِهِ. كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ إلَخْ»» رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ في (الضُّعَفاءِ) عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا. وقالَ: مَوْضُوعٌ مُنْكَرٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ العُكاشِيُّ كَذّابٌ يَضَعُ، وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ. وقالَ الحافِظُ ابْنُ جَرِيرٍ هَهُنا، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أثَرًا طَوِيلًا عَجِيبًا، في سَيْرِ ذِي القَرْنَيْنِ وبِنائِهِ السَّدَّ وكَيْفِيَّةِ ما جَرى لَهُ. وفِيهِ طُولٌ وغَرابَةٌ ونَكارَةٌ في أشْكالِهِمْ. وصِفاتِهِمْ وطُولِهِمْ وقِصَرِ بَعْضِهِمْ وآذانِهِمْ. (p-٤١١٧)ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِيهِ في ذَلِكَ، أحادِيثَ غَرِيبَةً لا تَصِحُّ أسانِيدُها. انْتَهى. فَجَزى اللَّهُ البُخارِيَّ أحْسَنَ الجَزاءِ، عَلى نَبْذِهِ تِلْكَ الرِّواياتِ، واشْتِراطِهِ الصِّحَّةَ في المَرْوِيّاتِ، فَقَدْ جَنَتِ الآثارُ المُنْكَرَةُ عَلى الأُمَّةِ أنْكَرَ الآثارِ. ومِن طالِعِ مُقَدِّمَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ صِدْقُ قَوْلِهِ: (أنَّ راوِيَ الضِّعافِ غاشٌّ آثِمٌ مُضِلٌّ ) وبِاللَّهِ المُسْتَعانُ.