Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الحج 22:1 – المؤمنون 23:98

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. الحج 22:1
  2. الحج 22:2
  3. الحج 22:3
  4. الحج 22:4
  5. الحج 22:5
  6. الحج 22:6
  7. الحج 22:7
  8. الحج 22:8
  9. الحج 22:9
  10. الحج 22:10
  11. الحج 22:11
  12. الحج 22:12
  13. الحج 22:13
  14. الحج 22:14
  15. الحج 22:15
  16. الحج 22:16
  17. الحج 22:17
  18. الحج 22:18
  19. الحج 22:19
  20. الحج 22:20
  21. الحج 22:21
  22. الحج 22:22
  23. الحج 22:23
  24. الحج 22:24
  25. الحج 22:25
  26. الحج 22:26
  27. الحج 22:27
  28. الحج 22:28
  29. الحج 22:29
  30. الحج 22:30
  31. الحج 22:31
  32. الحج 22:32
  33. الحج 22:33
  34. الحج 22:34
  35. الحج 22:35
  36. الحج 22:36
  37. الحج 22:37
  38. الحج 22:38
  39. الحج 22:39
  40. الحج 22:40
  41. الحج 22:41
  42. الحج 22:42
  43. الحج 22:43
  44. الحج 22:44
  45. الحج 22:45
  46. الحج 22:46
  47. الحج 22:47
  48. الحج 22:48
  49. الحج 22:49
  50. الحج 22:50
  51. الحج 22:51
  52. الحج 22:52
  53. الحج 22:53
  54. الحج 22:54
  55. الحج 22:55
  56. الحج 22:56
  57. الحج 22:57
  58. الحج 22:58
  59. الحج 22:59
  60. الحج 22:60
  61. الحج 22:61
  62. الحج 22:62
  63. الحج 22:63
  64. الحج 22:64
  65. الحج 22:65
  66. الحج 22:66
  67. الحج 22:67
  68. الحج 22:68
  69. الحج 22:69
  70. الحج 22:70
  71. الحج 22:71
  72. الحج 22:72
  73. الحج 22:73
  74. الحج 22:74
  75. الحج 22:75
  76. الحج 22:76
  77. الحج 22:77
  78. الحج 22:78
  79. المؤمنون 23:1
  80. المؤمنون 23:2
  81. المؤمنون 23:3
  82. المؤمنون 23:4
  83. المؤمنون 23:5
  84. المؤمنون 23:6
  85. المؤمنون 23:7
  86. المؤمنون 23:8
  87. المؤمنون 23:9
  88. المؤمنون 23:10
  89. المؤمنون 23:11
  90. المؤمنون 23:12
  91. المؤمنون 23:13
  92. المؤمنون 23:14
  93. المؤمنون 23:15
  94. المؤمنون 23:16
  95. المؤمنون 23:17
  96. المؤمنون 23:18
  97. المؤمنون 23:19
  98. المؤمنون 23:20
  99. المؤمنون 23:21
  100. المؤمنون 23:22
  101. المؤمنون 23:23
  102. المؤمنون 23:24
  103. المؤمنون 23:25
  104. المؤمنون 23:26
  105. المؤمنون 23:27
  106. المؤمنون 23:28
  107. المؤمنون 23:29
  108. المؤمنون 23:30
  109. المؤمنون 23:31
  110. المؤمنون 23:32
  111. المؤمنون 23:33
  112. المؤمنون 23:34
  113. المؤمنون 23:35
  114. المؤمنون 23:36
  115. المؤمنون 23:37
  116. المؤمنون 23:38
  117. المؤمنون 23:39
  118. المؤمنون 23:40
  119. المؤمنون 23:41
  120. المؤمنون 23:42
  121. المؤمنون 23:43
  122. المؤمنون 23:44
  123. المؤمنون 23:45
  124. المؤمنون 23:46
  125. المؤمنون 23:47
  126. المؤمنون 23:48
  127. المؤمنون 23:49
  128. المؤمنون 23:50
  129. المؤمنون 23:51
  130. المؤمنون 23:52
  131. المؤمنون 23:53
  132. المؤمنون 23:54
  133. المؤمنون 23:55
  134. المؤمنون 23:56
  135. المؤمنون 23:57
  136. المؤمنون 23:58
  137. المؤمنون 23:59
  138. المؤمنون 23:60
  139. المؤمنون 23:61
  140. المؤمنون 23:62
  141. المؤمنون 23:63
  142. المؤمنون 23:64
  143. المؤمنون 23:65
  144. المؤمنون 23:66
  145. المؤمنون 23:67
  146. المؤمنون 23:68
  147. المؤمنون 23:69
  148. المؤمنون 23:70
  149. المؤمنون 23:71
  150. المؤمنون 23:72
  151. المؤمنون 23:73
  152. المؤمنون 23:74
  153. المؤمنون 23:75
  154. المؤمنون 23:76
  155. المؤمنون 23:77
  156. المؤمنون 23:78
  157. المؤمنون 23:79
  158. المؤمنون 23:80
  159. المؤمنون 23:81
  160. المؤمنون 23:82
  161. المؤمنون 23:83
  162. المؤمنون 23:84
  163. المؤمنون 23:85
  164. المؤمنون 23:86
  165. المؤمنون 23:87
  166. المؤمنون 23:88
  167. المؤمنون 23:89
  168. المؤمنون 23:90
  169. المؤمنون 23:91
  170. المؤمنون 23:92
  171. المؤمنون 23:93
  172. المؤمنون 23:94
  173. المؤمنون 23:95
  174. المؤمنون 23:96
  175. المؤمنون 23:97
  176. المؤمنون 23:98

الحج 22:1

(p-٤٣٢٠)سُورَةُ الحَجِّ سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى أصْلِ وُجُوبِهِ والمَقْصُودِ مِن أرْكانِهِ، وهو الطَّوافُ، إذِ الإحْرامُ نِيَّةٌ، والوُقُوفُ بِعَرَفاتٍ مِنَ اسْتِعْدادِهِ، والسَّعْيُ مِن تَتِمَّتِهِ، والحَلْقُ خُرُوجٌ عَنْهُ. وذَكَرَ فِيها مَنافِعَهُ وتَعْظِيمَ شَعائِرِهِ وغَيْرَ ذَلِكَ، مِمّا يُشِيرُ إلى فَوائِدِهِ وأسْرارِهِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وعَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ هَذانِ خَصْمانِ، إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ، فَإنَّهُنَّ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، وفي آثارٍ أُخْرى أنَّها كُلُّها مَدَنِيَّةٌ، كَما في الإتْقانِ وآياتُها ثَمانٍ وسَبْعُونَ آيَةً. (p-٤٣٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ . { ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ } يَأْمُرُ تَعالى عِبادَهُ بِتَقْواهُ الَّتِي هي مِن جَوامِعِ الكَلِمِ، في فِعْلِ المَأْمُوراتِ واجْتِنابِ المَنهِيّاتِ. قالَ المَهايِمِيُّ: أيِ: احْفَظُوا تَرْبِيَتَهُ عَلَيْكم، بِصَرْفِ نِعَمِهِ إلى ما خَلَقَها لِأجْلِهِ، لِئَلّا تَقَعُوا في الكُفْرانِ المُوجِبِ لِانْقِلابِ التَّرْبِيَةِ عَلَيْكم، بِالِانْتِقامِ مِنكم. انْتَهى. أيْ فالتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، لِتَأْيِيدِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ إيجابٍ الِامْتِثالِ بِهِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا. أيِ: احْذَرُوا عُقُوبَةَ مالِكِ أُمُورِكم ومُرَبِّيكم، وقَوْلُهُ تَعالى: { ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ } تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ الأمْرِ، بِذِكْرِ بَعْضِ عُقُوباتِهِ الهائِلَةِ. فَإنَّ مُلاحَظَةَ عِظَمِها وهَوْلِها، وفَظاعَةِ ما هي مِن مَبادِئِهِ ومُقَدِّماتِهِ، مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ، الَّتِي لا مَلْجَأ مِنها سِوى التَّدَرُّعِ بِلِباسِ التَّقْوى، مِمّا يُوجِبُ مَزِيدَ الِاعْتِناءِ بِمُلابَسَتِهِ ومُلازَمَتِهِ لا مَحالَةَ. و(الزَّلْزَلَةُ ) التَّحْرِيكُ الشَّدِيدُ والإزْعاجُ العَنِيفُ، بِطَرِيقِ التَّكْرِيرِ بِحَيْثُ يُزِيلُ الأشْياءَ مِن مَقارِّها ويُخْرِجُها عَنْ مَراكِزِها. وإضافَتُها لِلسّاعَةِ، مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ مَجازًا، كَأنَّها هي الَّتِي تُزَلْزِلُ. أوْ إلى ظَرْفِهِ، وهي الزَّلْزَلَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: { ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] }، وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِـ(الشَّيْءِ )، إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها، والعَبّارَةُ لا تُحِيطُ بِها إلّا عَلى وجْهِ الإبْهامِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. وقَدْ وُصِفَ عِظَمُها في كَثِيرٍ مِنَ السُّوَرِ والآياتِ. كَسُورَةِ التَّكْوِيرِ وسُورَةِ الِانْفِطارِ (p-٤٣٢٢)وسُورَةِ الِانْشِقاقِ وسُورَةِ الزِّلْزالِ وغَيْرِها. وقَدْ أُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن بَلِيغِ هَوْلِها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الحج 22:2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢] ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ . { ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ } أيْ: عَنْ إرْضاعِها. أوْ عَنِ الَّذِي أرْضَعَتْهُ وهو الطِّفْلُ: { ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ } أيْ: ما في بَطْنِها لِغَيْرِ تَمامٍ: { ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى﴾ } أيْ: كَأنَّهم سُكارى: { ﴿وما هم بِسُكارى﴾ } أيْ: عَلى التَّحْقِيقِ: { ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ } أيْ: ولَكِنْ ما رَهَقَهم مِن خَوْفِ عَذابِ اللَّهِ، هو الَّذِي أذْهَبَ عُقُولَهم، وطَيَّرَ تَمْيِيزَهم، ورَدَّهم في نَحْوِ حالِ مَن يُذْهِبُ السُّكْرُ بِعَقْلِهِ وتَمْيِيزِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. لَطِيفَةٌ: قالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ "): العُلَماءُ يَقُولُونَ: إنَّ مِن أدِلَّةِ المَجازِ صِدْقُ نَقِيضِهِ، كَقَوْلِكَ: (زَيْدٌ حِمارٌ )، إذا وصَفْتَهُ بِالبَلادَةِ. ثُمَّ يُصَدَّقُ أنْ تَقُولَ: (وما هو بِحِمارٍ )، فَتَنْفِي عَنْهُ الحَقِيقَةَ. فَكَذَلِكَ الآيَةُ. بَعْدَ أنْ أثْبَتَ السُّكْرُ المَجازِيُّ نَفْيَ الحَقِيقِيِّ أبْلَغَ نَفْيٍ مُؤَكَّدٍ بِالباءِ. والسِّرُّ في تَأْيِيدِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذا السُّكْرَ الَّذِي هو بِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ، لَيْسَ مِنَ المَعْهُودِ في شَيْءٍ، وإنَّما هو أمْرٌ لَمْ يَعْهَدُوا قَبْلَهُ مِثْلَهُ. والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: { ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ } راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: { ﴿وما هم بِسُكارى﴾ } كَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِإثْباتِ السُّكْرِ المَجازِيِّ. كَأنَّهُ قِيلَ إذا لَمْ يَكُونُوا سُكارى مِنَ الخَمْرِ، وهو السُّكْرُ المَعْهُودُ، فَما هَذا السُّكْرُ الغَرِيبُ وما سَبَبُهُ ؟ فَقالَ: سَبَبُهُ شِدَّةُ عَذابِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. (p-٤٣٢٣)ثُمَّ أُشِيرَ لِحالِ المُنْكِرِينَ لِلسّاعَةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

الحج 22:3

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ . { ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ } أيْ: يُخاصِمُ في شَأْنِهِ تَعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ. فَيَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى إحْياءِ مَن قَدْ بَلِيَ وصارَ تُرابًا، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأباطِيلِ: { ﴿ويَتَّبِعُ﴾ } أيْ: في جِدالِهِ: { ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ } أيْ: عاتٍ مُتَمَرِّدٍ. كَرُؤَساءِ الكَفْرِ الصّادِّينَ عَنِ الحَقِّ. ثُمَّ أشارَ لِوَصْفٍ آخَرَ لِهَذا الشَّيْطانِ المُتَّبَعِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

الحج 22:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤] ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ . { ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ } أيْ: قَضى عَلى الشَّيْطانِ أنَّهُ يَضِلُّ مَن تَوَلّاهُ بِأنِ اتَّخَذَهُ ولِيًّا، وتَبِعَهُ، ولا يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ، بَلْ يَسُوقُهُ إلى عَذابِ جَهَنَّمَ المُوقَدَةِ. وسَوْقُهُ إيّاهُ إلَيْهِ، بِدُعائِهِ إلى طاعَتِهِ ومَعْصِيَةِ الرَّحْمَنِ. تَنْبِيهٌ: قِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وكانَ جَدِلًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي عامَّةٌ في كُلِّ مَن تَعاطى الجِدالَ فِيما يَجُوزُ عَلى اللَّهِ وما لا يَجُوزُ، مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ. ولا يَرْجِعُ إلى عِلْمٍ، ولا يَعَضُّ فِيهِ بِضِرْسٍ قاطِعٍ. ولَيْسَ فِيهِ اتِّباعٌ لِلْبُرْهانِ ولا نُزُولٌ عَلى النَّصَفَةِ فَهو يَخْبِطُ خَبْطَ عَشْواءَ، غَيْرَ فارِقٍ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. انْتَهى.

الحج 22:5

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الحُجَّةَ القاطِعَةَ لِما يُجادِلُونَ فِيهِ، بِقَوْلِهِ: (p-٤٣٢٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥] ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ . ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ أيْ: مِن إمْكانِهِ وكَوْنِهِ مَقْدُورًا لَهُ تَعالى. أوْ مِن وُقُوعِهِ: ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: خَلَقْنا أوَّلَ آبائِكم، أوْ أوَّلَ مَوادِّكم، وهو المَنِيُّ، مِن تُرابٍ. إذْ خُلِقَ مِن أغْذِيَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنهُ. وغايَةُ أمْرِ البَعْثِ أنَّهُ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ: ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ: تَوَلَّدَتْ مِنَ الأغْذِيَةِ التُّرابِيَّةِ: ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ الدَّمِ جامِدَةٍ: ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ اللَّحْمِ بِقَدْرِ ما يُمْضَغُ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أيْ مُصَوَّرَةٍ وغَيْرِ مُصَوَّرَةٍ والمُرادُ تَفْصِيلُ حالِ المُضْغَةِ وكَوْنُها أوَّلًا قِطْعَةً لَمْ يَظْهَرْ فِيها شَيْءٌ مِنَ الأعْضاءِ. ثُمَّ ظَهَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: بِهَذا التَّدْرِيجِ، قُدْرَتُنا وحِكْمَتُنا، وأنَّ ما قَبْلَ التَّغَيُّرِ والفَسادِ والتَّكَوُّنِ مَرَّةً، قَبْلَها أُخْرى. وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى تَغْيِيرِهِ وتَصْوِيرِهِ أوَّلًا، قَدَرَ عَلى ذَلِكَ ثانِيًا ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ الوَضْعِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِهِمْ، بَعْدَ تَمامِ خَلْقِهِمْ. وعَدَمُ نَظْمِ هَذا وما عُطِفَ عَلَيْهِ في سِلْكِ الخَلْقِ المُعَلَّلِ بِالتَّبْيِينِ، مَعَ كَوْنِهِما مِن مُتَمِّماتِهِ، ومِن مَبادِئِ التَّبْيِينِ أيْضًا. لِما أنَّ دَلالَةَ الأوَّلِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها البَعْثُ (p-٤٣٢٥)المَبْحُوثُ عَنْهُ، أجْلى وأظْهَرُ. أيْ: ونَحْنُ نُقِرُّ في الأرْحامِ بَعْدَ ذَلِكَ ما نَشاءُ أنْ نُقِرَّهُ فِيها إلى أجَلٍ مُسَمّى. ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ أيْ: كَمالَ قُوَّتِكم وعَقْلِكم. قالَ أبُو السُّعُودِ عِلَّةٌ لِـ: { نُخْرِجُكم } مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُناصَبَةٍ لَها. كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ نُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا فَشَيْئًا. ثُمَّ لِتَبْلُغُوا كَمالَكم في القُوَّةِ والتَّمْيِيزِ: ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ أيْ: بَعْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ أوْ قَبْلَهُ: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ وهو الهَرَمُ والخَرَفُ. والأرْذَلُ الأرْدَأُ: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أيْ: مِن بَعْدِ عِلْمٍ كَثِيرٍ، شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ، مُبالَغَةً في انْتِقاصِ عِلْمِهِ وانْتِكاسِ حالِهِ واللّامُ لامُ العاقِبَةِ. قالَ البَيْضاوِيُّ: والآيَةُ - يَعْنِي: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ إلَخْ - اسْتِدْلالٌ ثانٍ عَلى إمْكانِ البَعْثِ، بِما يَعْتَرِي الإنْسانَ في أسْنانِهِ مِنَ الأُمُورِ المُخْتَلِفَةِ والأحْوالِ المُتَضادَّةِ. فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى نَظائِرِهِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى حُجَّةٍ أُخْرى عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ أيْ: مَيِّتَةً يابِسَةً: ﴿فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ﴾ أيِ: المَطَرَ: ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أيْ: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ: ﴿ورَبَتْ﴾ أيِ: انْتَفَخَتْ وعَلَتْ، لِما يَتَداخَلُها مِنَ الماءِ ويَعْلُو مِن نَباتِها: ﴿وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ: صِنْفٍ: ﴿بَهِيجٍ﴾ أيْ: حَسَنٍ رائِقٍ يُسِرُّ ناظِرَهُ وهَذِهِ الحُجَّةُ الثّالِثَةُ، لِظُهُورِها وكَوْنِها مُشاهَدَةً مُعايَنَةً، يُكَرِّرُها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ الكَرِيمِ.

الحج 22:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦ - ٧] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٧] . ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِن خَلْقِ الإنْسانِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وتَصْرِيفِهِ في أحْوالٍ مُتَبايِنَةٍ، وإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، حاصِلٌ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ (p-٤٣٢٦)وحْدَهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. المُحَقِّقُ لِما سِواهُ مِنَ الأشْياءِ، فَهي مِن آثارِ أُلُوهِيَّتِهِ وشُؤُونِهِ الذّاتِيَّةِ وحْدَهُ؛ وما سِواهُ مِمّا يَبْعُدُ باطِلٌ، لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ: ﴿وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: يَقْدِرُ عَلى إحْيائِها، إذْ أحْيا النُّطْفَةَ والأرْضَ المَيِّتَةَ: ﴿وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَإنَّ القُدْرَةَ الَّتِي جَعَلَ بِها هَذِهِ الأشْياءَ العَجِيبَةَ، لا يَمْتَنِعُ عَلَيْها شَيْءٌ: ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ [الحج: ٧] أيْ: لِاقْتِضاءِ الحِكْمَةِ إيّاها. فَهي في وُضُوحِ دَلائِلِها التَّكْوِينِيَّةِ، بِحَيْثُ لَيْسَ فِيها مَظِنَّةُ أنْ يُرْتابَ في إتْيانِها: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٧] أيْ: مِنَ الأمْواتِ، إحْياءً إلى مَوْقِفِ الحِسابِ.

الحج 22:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦ - ٧] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٧] . ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِن خَلْقِ الإنْسانِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وتَصْرِيفِهِ في أحْوالٍ مُتَبايِنَةٍ، وإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، حاصِلٌ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ (p-٤٣٢٦)وحْدَهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. المُحَقِّقُ لِما سِواهُ مِنَ الأشْياءِ، فَهي مِن آثارِ أُلُوهِيَّتِهِ وشُؤُونِهِ الذّاتِيَّةِ وحْدَهُ؛ وما سِواهُ مِمّا يَبْعُدُ باطِلٌ، لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ: ﴿وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: يَقْدِرُ عَلى إحْيائِها، إذْ أحْيا النُّطْفَةَ والأرْضَ المَيِّتَةَ: ﴿وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَإنَّ القُدْرَةَ الَّتِي جَعَلَ بِها هَذِهِ الأشْياءَ العَجِيبَةَ، لا يَمْتَنِعُ عَلَيْها شَيْءٌ: ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ [الحج: ٧] أيْ: لِاقْتِضاءِ الحِكْمَةِ إيّاها. فَهي في وُضُوحِ دَلائِلِها التَّكْوِينِيَّةِ، بِحَيْثُ لَيْسَ فِيها مَظِنَّةُ أنْ يُرْتابَ في إتْيانِها: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٧] أيْ: مِنَ الأمْواتِ، إحْياءً إلى مَوْقِفِ الحِسابِ.

الحج 22:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ١٠] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٩] ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠] . ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أيْ: يُجادِلُ في شَأْنِهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَمَسُّكٍ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ ولا بِاسْتِدْلالٍ ونَظَرٍ صَحِيحٍ، يَهْدِي إلى المَعْرِفَةِ. ولا بِوَحْيٍ مُظْهِرٍ لِلْحَقِّ. أيْ: بَلْ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ والهَوى، وهَذِهِ الآيَةُ في حالِ الدُّعاةِ إلى الضَّلالِ مِن رُؤُوسِ الكُفْرِ المُقَلَّدِينَ - بِفَتْحِ اللّامِ - كَما أنَّ ما قَبْلَها في حالِ الضُّلّالِ الجُهّالِ المُقَلِّدِينَ - بِكَسْرِ اللّامِ - فَلا تَكْرارَ أوْ أنَّهُما في الدُّعاةِ المُضِلِّينَ واعْتَبَرَ تَغايُرَ أوْصافِهِمْ فِيها، فَلا تَكْرارَ أيْضًا. قالَ في (الكَشْفِ "): والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْفَقُ بِالمَقامِ. وكَذا اخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ الرّازِيُّ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ ما قُلْتُمْ، والمُقَلِّدُ لا يَكُونُ مُجادِلًا ؟ قُلْنا: قَدْ يُجادِلُ تَصْوِيبًا لِتَقْلِيدِهِ وقَدْ يُورِدُ الشُّبْهَةَ الظّاهِرَةَ إذا تَمَكَّنَ مِنها، وإنْ كانَ مُعْتَمَدُهُ الأصْلِيُّ هو التَّقْلِيدُ. (p-٤٣٢٧)وقَوْلُهُ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] حالٌ مِن فاعِلِ (يُجادِلُ ) أيْ: عاطِفًا لِجانِبِهِ إعْراضًا واسْتِكْبارًا عَنِ الحَقِّ، إذا دُعِيَ إلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَنْيُ العِطْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكِبْرِ والخُيَلاءِ. كَتَصْعِيرِ الخَدِّ ولَيِّ الجِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٩] أيْ: لِيَصُدَّ عَنْ دِينِهِ وشَرْعِهِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُجادِلُ ) عِلَّةً لَهُ: ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ [الحج: ٩] أيْ: إهانَةٌ ومَذَلَّةٌ، كَما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الصَّغارِ والفَشَلِ: ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٩] أيِ: النّارَ المُحْرِقَةَ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] عَلى الِالتِفاتِ، أوْ إرادَةِ القَوْلِ. أيْ: يُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ: ذَلِكَ الخِزْيُ والتَّعْذِيبُ بِسَبَبِ ما اقْتَرَفْتَهُ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ والإضْلالِ. وإسْنادُهُ إلى يَدَيْهِ، لِما أنَّ الِاكْتِسابَ عادَةً يَكُونُ بِالأيْدِي ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠] أيْ: بَلْ هو العَدْلُ في مُعاقَبَةِ الفُجّارِ، وإثابَةِ الصّالِحِينَ.

الحج 22:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ١٠] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٩] ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠] . ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أيْ: يُجادِلُ في شَأْنِهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَمَسُّكٍ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ ولا بِاسْتِدْلالٍ ونَظَرٍ صَحِيحٍ، يَهْدِي إلى المَعْرِفَةِ. ولا بِوَحْيٍ مُظْهِرٍ لِلْحَقِّ. أيْ: بَلْ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ والهَوى، وهَذِهِ الآيَةُ في حالِ الدُّعاةِ إلى الضَّلالِ مِن رُؤُوسِ الكُفْرِ المُقَلَّدِينَ - بِفَتْحِ اللّامِ - كَما أنَّ ما قَبْلَها في حالِ الضُّلّالِ الجُهّالِ المُقَلِّدِينَ - بِكَسْرِ اللّامِ - فَلا تَكْرارَ أوْ أنَّهُما في الدُّعاةِ المُضِلِّينَ واعْتَبَرَ تَغايُرَ أوْصافِهِمْ فِيها، فَلا تَكْرارَ أيْضًا. قالَ في (الكَشْفِ "): والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْفَقُ بِالمَقامِ. وكَذا اخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ الرّازِيُّ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ ما قُلْتُمْ، والمُقَلِّدُ لا يَكُونُ مُجادِلًا ؟ قُلْنا: قَدْ يُجادِلُ تَصْوِيبًا لِتَقْلِيدِهِ وقَدْ يُورِدُ الشُّبْهَةَ الظّاهِرَةَ إذا تَمَكَّنَ مِنها، وإنْ كانَ مُعْتَمَدُهُ الأصْلِيُّ هو التَّقْلِيدُ. (p-٤٣٢٧)وقَوْلُهُ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] حالٌ مِن فاعِلِ (يُجادِلُ ) أيْ: عاطِفًا لِجانِبِهِ إعْراضًا واسْتِكْبارًا عَنِ الحَقِّ، إذا دُعِيَ إلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَنْيُ العِطْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكِبْرِ والخُيَلاءِ. كَتَصْعِيرِ الخَدِّ ولَيِّ الجِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٩] أيْ: لِيَصُدَّ عَنْ دِينِهِ وشَرْعِهِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُجادِلُ ) عِلَّةً لَهُ: ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ [الحج: ٩] أيْ: إهانَةٌ ومَذَلَّةٌ، كَما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الصَّغارِ والفَشَلِ: ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٩] أيِ: النّارَ المُحْرِقَةَ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] عَلى الِالتِفاتِ، أوْ إرادَةِ القَوْلِ. أيْ: يُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ: ذَلِكَ الخِزْيُ والتَّعْذِيبُ بِسَبَبِ ما اقْتَرَفْتَهُ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ والإضْلالِ. وإسْنادُهُ إلى يَدَيْهِ، لِما أنَّ الِاكْتِسابَ عادَةً يَكُونُ بِالأيْدِي ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠] أيْ: بَلْ هو العَدْلُ في مُعاقَبَةِ الفُجّارِ، وإثابَةِ الصّالِحِينَ.

الحج 22:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ١٠] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٩] ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠] . ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أيْ: يُجادِلُ في شَأْنِهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَمَسُّكٍ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ ولا بِاسْتِدْلالٍ ونَظَرٍ صَحِيحٍ، يَهْدِي إلى المَعْرِفَةِ. ولا بِوَحْيٍ مُظْهِرٍ لِلْحَقِّ. أيْ: بَلْ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ والهَوى، وهَذِهِ الآيَةُ في حالِ الدُّعاةِ إلى الضَّلالِ مِن رُؤُوسِ الكُفْرِ المُقَلَّدِينَ - بِفَتْحِ اللّامِ - كَما أنَّ ما قَبْلَها في حالِ الضُّلّالِ الجُهّالِ المُقَلِّدِينَ - بِكَسْرِ اللّامِ - فَلا تَكْرارَ أوْ أنَّهُما في الدُّعاةِ المُضِلِّينَ واعْتَبَرَ تَغايُرَ أوْصافِهِمْ فِيها، فَلا تَكْرارَ أيْضًا. قالَ في (الكَشْفِ "): والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْفَقُ بِالمَقامِ. وكَذا اخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ الرّازِيُّ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ ما قُلْتُمْ، والمُقَلِّدُ لا يَكُونُ مُجادِلًا ؟ قُلْنا: قَدْ يُجادِلُ تَصْوِيبًا لِتَقْلِيدِهِ وقَدْ يُورِدُ الشُّبْهَةَ الظّاهِرَةَ إذا تَمَكَّنَ مِنها، وإنْ كانَ مُعْتَمَدُهُ الأصْلِيُّ هو التَّقْلِيدُ. (p-٤٣٢٧)وقَوْلُهُ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] حالٌ مِن فاعِلِ (يُجادِلُ ) أيْ: عاطِفًا لِجانِبِهِ إعْراضًا واسْتِكْبارًا عَنِ الحَقِّ، إذا دُعِيَ إلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَنْيُ العِطْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكِبْرِ والخُيَلاءِ. كَتَصْعِيرِ الخَدِّ ولَيِّ الجِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٩] أيْ: لِيَصُدَّ عَنْ دِينِهِ وشَرْعِهِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُجادِلُ ) عِلَّةً لَهُ: ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ [الحج: ٩] أيْ: إهانَةٌ ومَذَلَّةٌ، كَما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الصَّغارِ والفَشَلِ: ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٩] أيِ: النّارَ المُحْرِقَةَ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] عَلى الِالتِفاتِ، أوْ إرادَةِ القَوْلِ. أيْ: يُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ: ذَلِكَ الخِزْيُ والتَّعْذِيبُ بِسَبَبِ ما اقْتَرَفْتَهُ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ والإضْلالِ. وإسْنادُهُ إلى يَدَيْهِ، لِما أنَّ الِاكْتِسابَ عادَةً يَكُونُ بِالأيْدِي ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠] أيْ: بَلْ هو العَدْلُ في مُعاقَبَةِ الفُجّارِ، وإثابَةِ الصّالِحِينَ.

الحج 22:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ . ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ شُرُوعٌ في حالِ المُذَبْذَبِينَ، إثْرَ بَيانِ حالِ المُهاجِرِينَ. أيْ: ومِنهم مَن يَعْبُدُهُ تَعالى عَلى طَرَفٍ مِنَ الدِّينِ، لا في وسَطِهِ وقَلْبِهِ. وهَذا مَثَلٌ لِكَوْنِهِمْ عَلى قَلَقٍ واضْطِرابٍ في دِينِهِمْ، لا عَلى سُكُونٍ وطُمَأْنِينَةٍ. كالَّذِي يَنْحَرِفُ إلى طَرَفِ الجَيْشِ. فَإنْ أحَسَّ بِظَفَرٍ وغَنِيمَةٍ قَرَّ وإلّا فَرَّ: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ﴾ أيْ: دُنْيَوِيٌّ مِن صِحَّةٍ وسِعَةٍ: ﴿اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ: ثَبَتَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ظاهِرًا: ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: ما يُفْتَتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يَنْزِلُ بِهِ: ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ: رَجَعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ: ﴿خَسِرَ﴾ أيْ: بِهَذا الِانْقِلابِ: ﴿الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ﴾ [الأعلى: ١٧] أيْ: ضَيَّعَهُما بِذَهابِ عِصْمَتِهِ، وحُبُوطِ عَمَلِهِ، بِالِارْتِدادِ: ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أيِ: الواضِحُ الَّذِي لا يَخْفى عَلى ذِي بَصِيرَةٍ. (p-٤٣٢٨)تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ إلَخْ أعْرابًا كانُوا يَقْدُمُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مُهاجِرِينَ مِن بادِيَتِهِمْ. فَإنْ نالُوا رَخاءً، مِن عَيْشٍ بَعْدَ الهِجْرَةِ، والدُّخُولِ في الإسْلامِ، أقامُوا عَلى الإسْلامِ. وإلّا ارْتَدُّوا عَلى أعْقابِهِمْ. وبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنا قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ. ثُمَّ أسْنَدَهُ مِن طُرُقٍ. وهَذا مِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ كَما قالَهُ جَمْعٌ. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الحج 22:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢] ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ . ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ أيْ: حالٌ ثابِتَةٌ مِن فاعِلِ (انْقَلَبَ ) والأُولى (خَسِرَ ) ولِذَلِكَ قُرِئَ (خاسِرٌ ) أيِ: ارْتَدَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ يَدْعُو مِن دُونِهِ آلِهَةً لا تَضُرُّهُ، إنْ لَمْ يَعْبُدْها في الدُّنْيا، ولا تَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ إنْ عَبَدَها - وقالَ أبُو السُّعُودِ: (يَدْعُو ) اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِعَظِيمِ الخُسْرانِ: ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ والهُدى. وقَوْلُهُ تَعالى:

الحج 22:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣] ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ . ﴿يَدْعُو﴾ أيْ: هَذا المُنْقَلِبُ عَلى وجْهِهِ، إذا أصابَتْهُ فِتْنَةٌ: ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ أيْ: وثَنًا أوْ صَنَمًا، ضَرُّهُ في الدُّنْيا بِالذُّلِّ والخِزْيِ وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ، أسْرَعُ إلَيْهِ مِن نَفْعِهِ الَّذِي يَتَوَقَّعُهُ بِعِبادَتِهِ، وهو الشَّفاعَةُ والتَّوَسُّلُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. فاللّامُ زائِدَةٌ في المَفْعُولِ بِهِ، (p-٤٣٢٩)وهُوَ (مَن ) كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] في وجْهٍ. وذُكِرَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقْرَؤُهُ: { يَدْعُو مَن ضَرُّهُ } بِغَيْرِ لامٍ. وهي مُؤَيِّدَةٌ لِلزِّيادَةِ. و(ضَرَّهُ ) مُبْتَدَأٌ، وأقْرَبُ خَبَرٌ. وفي الآيَةِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ هَذا أظْهَرُها. وإثْباتُ الضَّرَرِ لَهُ هُنا، بِاعْتِبارِ مَعْبُودِيَّتِهِ. ونَفْيُهُ قَبْلُ بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ. والآيَةُ بِمَثابَةِ الِاسْتِدْراكِ أوِ الإضْرابِ عَمّا قَبْلَها، بِإثْباتِ ضُرٍّ مُحَقَّقٍ لاحِقٍ لِعابِدِهِ، تَسْفِيهًا وتَجْهِيلًا لِاعْتِقادِهِ فِيهِ أنَّهُ يَسْتَنْفِعُ بِهِ حِينَ يَسْتَشْفِعُ بِهِ وإيرادُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ، مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ، لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِ، والإمْعانِ في ذَمِّهِ: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى﴾ أيِ: النّاصِرُ لَهُ: ﴿ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ أيِ: المُصاحِبُ لَهُ. ولَمّا بَيَّنَ سُوءَ حالِ الكَفَرَةِ مِنَ المُجاهِرِينَ والمُذَبْذَبِينَ، أعْقَبَهُ بِكَمالِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

الحج 22:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ . ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ أيْ: مِنَ الأفْعالِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها إثابَةُ مَن أطاعَهُ وتَعْذِيبُ مَن عَصاهُ.

الحج 22:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥] ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ . ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ (p-٤٣٣٠)أيْ: بِحَبْلٍ إلى ما يَعْلُوهُ: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ: لِيَخْتَنِقْ: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ أيْ: غَيْظُهُ. والمَعْنى مَنِ اسْتَبْطَأ نَصْرَ اللَّهِ وطَلَبَهُ عاجِلًا، فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ. لِأنَّ لَهُ وقْتًا لا يَقَعُ إلّا فِيهِ. فالآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ اسْتَبْطَؤُوا نَصْرَ اللَّهِ، لِاسْتِعْجالِهِمْ وشِدَّةِ غَيْظِهِمْ، وحِنْقِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، والضَّمِيرُ في (يَنْصُرُهُ ) لِلنَّبِيِّ ﷺ . والمَعْنى: مَن كانَ مِنهم يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، فَلْيَخْتَنِقْ ولْيُهْلِكْ نَفْسَهُ، ثُمَّ لْيَنْظُرْ في نَفْسِهِ، هَلْ يُذْهِبَنَّ احْتِيالُهُ هَذا في المُضارَّةِ والمُضادَّةِ، ما يَغِيظُهُ مِنَ النُّصْرَةِ ؟ كَلّا. فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُ رَسُولِهِ لا مَحالَةَ. قالَ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١]

الحج 22:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦ - ١٧] ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] . ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ﴾ أيِ: القُرْآنَ الكَرِيمَ: ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] يُخْبِرُ تَعالى عَنْ أهْلِ هَذِهِ الأدْيانِ المُخْتَلِفَةِ، أنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهم في الآخِرَةِ بِالعَدْلِ. فَيُدْخِلُ مَن آمَنَ مِنهم بِهِ وعَمِلَ صالِحًا، الجَنَّةَ. ومَن كَفَرَ بِهِ، النّارَ. فَإنَّهُ تَعالى شَهِيدٌ عَلى أفْعالِهِمْ، حَفِيظٌ لِأقْوالِهِمْ، عَلِيمٌ بِسَرائِرِهِمْ وما تُكِنُّهُ ضَمائِرُهم. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ التَّعْرِيفُ بِـ(الصّابِئِينَ ) والمُرادُ بِـ(الَّذِينِ ) أشْرَكُوا (p-٤٣٣١)كُفّارُ العَرَبِ خاصَّةً. لِأنَّ المُشْرِكِينَ في إطْلاقِ التَّنْزِيلِ، بِمَثابَةِ العَلَمِ لَهم.

الحج 22:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦ - ١٧] ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] . ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ﴾ أيِ: القُرْآنَ الكَرِيمَ: ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] يُخْبِرُ تَعالى عَنْ أهْلِ هَذِهِ الأدْيانِ المُخْتَلِفَةِ، أنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهم في الآخِرَةِ بِالعَدْلِ. فَيُدْخِلُ مَن آمَنَ مِنهم بِهِ وعَمِلَ صالِحًا، الجَنَّةَ. ومَن كَفَرَ بِهِ، النّارَ. فَإنَّهُ تَعالى شَهِيدٌ عَلى أفْعالِهِمْ، حَفِيظٌ لِأقْوالِهِمْ، عَلِيمٌ بِسَرائِرِهِمْ وما تُكِنُّهُ ضَمائِرُهم. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ التَّعْرِيفُ بِـ(الصّابِئِينَ ) والمُرادُ بِـ(الَّذِينِ ) أشْرَكُوا (p-٤٣٣١)كُفّارُ العَرَبِ خاصَّةً. لِأنَّ المُشْرِكِينَ في إطْلاقِ التَّنْزِيلِ، بِمَثابَةِ العَلَمِ لَهم.

الحج 22:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ . ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ بَيانٌ لِعَظَمَتِهِ تَعالى وانْفِرادِهِ بِأُلُوهِيَّتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ. بِانْقِيادِ هَذِهِ العَوالِمِ العُظْمى لَهُ، وجَرْيِها عَلى وفْقِ أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ. فالسُّجُودُ فِيها مُسْتَعارٌ مِن مَعْناهُ المُتَعارَفِ، لِمُطاوَعَةِ الأشْياءِ لَهُ تَعالى، فِيما يُحْدِثُ فِيها مِن أفْعالِهِ، يُجْرِيها عَلَيْهِ مِن تَدْبِيرِهِ وتَسْخِيرِهِ لَها. ووَجْهُ الشَّبَهِ الحُصُولُ عَلى وفْقِ الإرادَةِ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ مِنها فِيهِما. وقَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، إنْ جُوِّزَ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ المُشْتَرِكِ في مَفْهُومَيْهِ جَمِيعًا، فَيَكُونُ السُّجُودُ في الجَماداتِ الِانْقِيادَ، وفي العُقَلاءِ العِبادَةَ. أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. أوْ فاعِلٌ لِمُضْمَرٍ، إنْ لَمْ يُجَوَّزْ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ أيْ: مِنَ النّاسِ. أيْ: بِكُفْرِهِ واسْتِعْصائِهِ: ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ﴾ أيْ: بِأنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ حَسْبَما عَلِمَهُ مِن صَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى الشَّرِّ: ﴿فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ أيْ: يُكْرِمُهُ بِالسَّعادَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾

الحج 22:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩] ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ . ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقَ الكافِرِينَ المُنْقَسِمَ (p-٤٣٣٢)إلى الفِرَقِ الخَمْسِ المُبَيَّنَةِ في الآيَةِ قَبْلُ. و(الخَصْمُ ) في الأصْلِ مَصْدَرٌ. ولِذا يُوَحَّدُ ويُنَكَّرُ غالِبًا. ويَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ ومَعْنى ﴿اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ أيْ: في دِينِهِ وعِبادَتِهِ. والِاخْتِصامُ يَشْمَلُ ما وقَعَ أحْيانًا مِنَ التَّحاوُرِ الحَقِيقِيِّ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ المَذْكُورَةِ، والمَعْنَوِيِّ. فَإنَّ اعْتِقادَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِحَقِّيَّةِ ما هو عَلَيْهِ، وبُطْلانَ ما عَلَيْهِ صاحِبُهُ، وبِناءَ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ عَلَيْهِ، خُصُومَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ الآخَرِ. وإنْ لَمْ يَجُزْ بَيْنَهُما التَّحاوُرُ والخِصامُ. ثُمَّ أشارَ إلى فَصْلِ خُصُومَتِهِمُ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الحج: ١٧] بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ﴾ أيْ: قُدِّرَتْ: ﴿لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ أيِ: الماءُ الحارُّ.

الحج 22:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠ - ٢٤] ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] . ﴿يُصْهَرُ﴾ أيْ: يُذابُ: ﴿بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ: ﴿والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ﴾ [الحج: ٢١] أيْ: سِياطٌ يُضْرَبُونَ بِها: { ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم (p-٤٣٣٣)فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤] } كَما قالَ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وقَوْلُهم: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] أيِ: المَحْمُودِ، وهو الجَنَّةُ. أوِ الحَقِّ تَعالى، المُسْتَحِقِّ لِغايَةِ الحَمْدِ.

الحج 22:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠ - ٢٤] ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] . ﴿يُصْهَرُ﴾ أيْ: يُذابُ: ﴿بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ: ﴿والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ﴾ [الحج: ٢١] أيْ: سِياطٌ يُضْرَبُونَ بِها: { ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم (p-٤٣٣٣)فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤] } كَما قالَ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وقَوْلُهم: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] أيِ: المَحْمُودِ، وهو الجَنَّةُ. أوِ الحَقِّ تَعالى، المُسْتَحِقِّ لِغايَةِ الحَمْدِ.

الحج 22:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠ - ٢٤] ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] . ﴿يُصْهَرُ﴾ أيْ: يُذابُ: ﴿بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ: ﴿والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ﴾ [الحج: ٢١] أيْ: سِياطٌ يُضْرَبُونَ بِها: { ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم (p-٤٣٣٣)فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤] } كَما قالَ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وقَوْلُهم: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] أيِ: المَحْمُودِ، وهو الجَنَّةُ. أوِ الحَقِّ تَعالى، المُسْتَحِقِّ لِغايَةِ الحَمْدِ.

الحج 22:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠ - ٢٤] ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] . ﴿يُصْهَرُ﴾ أيْ: يُذابُ: ﴿بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ: ﴿والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ﴾ [الحج: ٢١] أيْ: سِياطٌ يُضْرَبُونَ بِها: { ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم (p-٤٣٣٣)فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤] } كَما قالَ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وقَوْلُهم: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] أيِ: المَحْمُودِ، وهو الجَنَّةُ. أوِ الحَقِّ تَعالى، المُسْتَحِقِّ لِغايَةِ الحَمْدِ.

الحج 22:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠ - ٢٤] ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] . ﴿يُصْهَرُ﴾ أيْ: يُذابُ: ﴿بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ: ﴿والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ﴾ [الحج: ٢١] أيْ: سِياطٌ يُضْرَبُونَ بِها: { ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم (p-٤٣٣٣)فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤] } كَما قالَ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وقَوْلُهم: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] أيِ: المَحْمُودِ، وهو الجَنَّةُ. أوِ الحَقِّ تَعالى، المُسْتَحِقِّ لِغايَةِ الحَمْدِ.

الحج 22:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ . ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: مَكَّةَ: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ﴾ أيِ: المُقِيمُ: ﴿فِيهِ والبادِ﴾ أيِ: الطّارِئُ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ﴾ أيْ: بِمَيْلٍ عَنِ القَصْدِ: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ: ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: جَزاءً عَلى هَتْكِهِ حُرْمَتَهُ. ويَشْمَلُ الإلْحادُ الإشْراكَ ومَنعَ النّاسِ مِن عِمارَتِهِ، واقْتِرافَ الآثامِ. وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى مَن كانَ فِيهِ، أنْ يَضْبُطَ نَفْسَهُ، ويَسْلُكَ طَرِيقَ السَّدادِ والعَدْلِ في جَمِيعِ ما يَهُمُّ بِهِ ويَقْصِدُهُ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إلى أنَّ السَّيِّئَةَ في الحَرَمِ أعْظَمُ مِنها في غَيْرِهِ، وأنَّها تُضاعَفُ فِيهِ، وإنْ هَمَّ بِها فِيهِ أُخِذَ بِها. ومَفْعُولُ (يُرِدْ ) إمّا مَحْذُوفٌ، أيْ: يُرِدْ شَيْئًا أوْ مُرادًا ما، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ. أوْ هي زائِدَةٌ و(إلْحادًا ) مَفْعُولُهُ. أوْ لِلتَّعْدِيَةِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (يَلْتَبِسُ ) . و(بِظُلْمٍ ) حالٌ مُرادِفَةٌ. أوْ بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ، بِإعادَةِ الجارِّ. أوْ صِلَةٌ لَهُ. أيْ: مُلْحِدًا بِسَبَبِ الظُّلْمِ. وعَلى كُلٍّ، فَهو مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ. ومِن قَوْلِهِ: ﴿نُذِقْهُ﴾ إلَخْ يُؤْخَذُ خَبَرُ إنَّ ويَكُونُ مُقَدَّرًا بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿والبادِ﴾ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِآخِرِ الآيَةِ، كَما ارْتَضى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ في (البَحْرِ ") . (p-٤٣٣٤)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَقْرِيعِ وتَوْبِيخِ مَن عَبَدَ غَيْرَهُ وأشْرَكَ بِهِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ، الَّتِي أُسِّسَتْ مَن أوَّلِ يَوْمٍ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الحج 22:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦] ﴿وإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ . ﴿وإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ أيْ: واذْكُرْ إذْ عَيَّنّاهُ وجَعَلْناهُ لَهُ مَباءَةً، أيْ: مَنزِلًا ومَرْجِعًا لِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ فَـ(أنْ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ مُفَسِّرَةٌ لِـ: ﴿بَوَّأْنا﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى (تَعَبَّدْنا ) لِأنَّ التَّبْوِئَةَ لِلْعِبادَةِ. أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِئَلّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا: ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ أيْ: مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ والأقْذارِ: ﴿لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أيْ: لِمَن يَطُوفُ بِهِ ويُقِيمُ ويُصَلِّي. أوِ المُرادُ بِالقائِمِينَ وما بَعْدَهُ: (المُصَلِّينَ )، ويَكُونُ عَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِأرْكانِها، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ، فَكَيْفَ وقَدِ اجْتَمَعَتْ ؟ .

الحج 22:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٢٨] ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] . ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ أيْ: نادِ فِيهِمْ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنِّداءُ بِالحَجِّ أنْ يَقُولَ: حُجُّوا، أوْ عَلَيْكم بِالحَجِّ: ﴿يَأْتُوكَ رِجالا﴾ أيْ: مُشاةً، جَمْعَ (راجِلٍ ): ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ (p-٤٣٣٥)أيْ: رُكْبانًا عَلى كُلِّ بَعِيرٍ مَهْزُولٍ، أتْعَبَهُ بُعْدُ الشُّقَّةِ فَهَزَلَهُ. والعُدُولُ عَنْ رُكْبانًا الأخْصَرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ الآتِينَ مِنَ الأماكِنِ البَعِيدَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: { يَأْتُونَ } صِفَةٌ لِكُلِّ ضامِرٍ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ. وقُرِئَ يَأْتُونَ صِفَةً لِلرِّجالِ والرُّكْبانِ. أوِ اسْتِئْنافٌ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ واسِعٍ بَعِيدٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] أيْ: لِيَحْضُرُوا مَنافِعَ لَهم دِينِيَّةً ودُنْيَوِيَّةً: ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] أيْ: عَلى ما مَلَّكَهم مِنها، وذَلَّلَها لَهم، لِيَجْعَلُوها هَدْيًا وضَحايا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَنّى عَنِ النَّحْرِ والذَّبْحِ، بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ. لِأنَّ أهْلَ الإسْلامِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْ ذِكْرِ اسْمِهِ إذا نَحَرُوا أوْ ذَبَحُوا. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ فِيما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ - زادَ الرّازِيُّ - وأنْ يُخالَفَ المُشْرِكُونَ في ذَلِكَ. فَإنَّهم كانُوا يَذْبَحُونَها لِلنُّصُبِ والأوْثانِ، قالَ القَفّالُ: وكَأنَّ المُتَقَرِّبَ بِها وبِإراقَةِ دِمائِها مُتَصَوَّرٌ بِصُورَةِ مَن يَفْدِي نَفْسَهُ بِما يُعادِلُها. فَكَأنَّهُ يَبْذُلُ تِلْكَ الشّاةَ بَدَلَ مُهْجَتِهِ، طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، واعْتِرافًا بِأنَّ تَقْصِيرَهُ كادَ يَسْتَحِقُّ مُهْجَتَهُ. والأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ العَشْرِ. أوْ يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ أوْ يَوْمانِ بَعْدَهُ. أوْ يَوْمُ عَرَفَةَ والنَّحْرِ ويَوْمٌ بَعْدَهُ. أقْوالٌ لِلْأئِمَّةِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُعَضِّدُ الثّانِيَ والثّالِثَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] يَعْنِي بِهِ ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ ذَبْحِها. انْتَهى. أقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ (عَلى ) تَعْلِيلِيَّةً، والمَعْنى: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وحْدَهُ في تِلْكَ الأيّامِ بِحَمْدِهِ وشُكْرِهِ وتَسْبِيحِهِ، لِأجْلِ ما رَزَقَهم مِن تِلْكَ البُهْمِ. فَإنَّهُ هو الرَّزّاقُ لَها وحْدَهُ والمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِها: ولَوْ شاءَ لَحَظَرَها عَلَيْهِمْ ولَجَعَلَها أوابِدَ مُتَوَحِّشَةً. وقَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَنْزِيلِهِ الكَرِيمِ. كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] (p-٤٣٣٦)والسِّرُّ في إفْرادِهِ هَذِهِ النِّعْمَةَ، والتَّذْكِيرِ بِها دُونَ غَيْرِها مِن نِعَمِهِ وأيادِيهِ، أنَّ بِها حَياةَ العَرَبِ وقِوامَ مَعاشِهِمْ. إذْ مِنها طَعامُهم وشَرابُهم ولِباسُهم وأثاثُهم وخِباؤُهم ورَكُوبُهم وجَمالُهم. فَلَوْلا تَفَضُّلُهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَذْلِيلِها لَهم، لَما قامَتْ لَهم قائِمَةٌ. لِأنَّ أرْضَهم لَيْسَتْ بِذاتِ زَرْعٍ وما هم بِأهْلِ صِناعَةٍ مَشْهُورَةٍ، ولا جَزِيرَتُهم مُتَحَضِّرَةٌ مُتَمَدِّنَةٌ. ومَن كانُوا كَذَلِكَ، فَيَجْدُرُ بِهِمْ أنْ يَذْكُرُوا المُتَفَضِّلَ عَلَيْهِمْ بِما يُبْقِيهِمْ، ويَشْكُرُوهُ ويَعْرِفُوا لَهُ حَقَّهُ. مِن عِبادَتِهِ وحْدَهُ وتَعْظِيمِ حُرُماتِهِ وشَعائِرِهِ. فالِاعْتِبارُ بِها مِن ذَلِكَ، مُوجِبٌ لِلِاسْتِكانَةِ لِرازِقِها، والخُضُوعِ لَهُ والخَشْيَةِ مِنهُ. نَظِيرُ الآيَةِ - عَلى ما ظَهَرَ لَنا - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] هَذا أوَّلًا. وثانِيًا: قَدْ يُقالُ: إنَّما أُفْرِدَتْ لِتُتْبَعَ بِما هو البِرُّ الأعْظَمُ والخَيْرُ الأجْزَلُ. وهو مُواساةُ البُؤَساءِ مِنها. فَإنَّ ذَلِكَ مِن أجَلِّ ما يُرْضِيهِ تَعالى، ويُثِيبُ عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ [الحج: ٢٨] أيْ: مِن لُحُومِها. والأمْرُ لِلنَّدْبِ. وإزاحَةُ ما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّحَرُّجِ فِيهِ. وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَحَرَ هَدْيَهُ، أمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ بِبُضْعَةٍ فَتُطْبَخُ، فَأكَلَ مِن لَحْمِها، وحَسا مِن مَرَقِها» . وعَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ لا يَأْكُلُونَ مِن ذَبائِحِهِمْ. فَرُخِّصَ لِلْمُسْلِمِينَ فَمَن شاءَ أكَلَ ومَن شاءَ لَمْ يَأْكُلْ. قالَ في (الإكْلِيلِ "): والأمْرُ لِلِاسْتِحْبابِ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الدَّمُ واجِبًا بِإطْعامِ الفُقَراءِ. وأباحَ مالِكٌ الأكْلَ مِنَ الهَدْيِ الواجِبِ، إلّا جَزاءَ الصَّيْدِ والأذى والنَّذْرَ، وأباحَهُ أحْمَدُ، إلّا مِن جَزاءِ الصَّيْدِ والنَّذْرِ. وأباحَ الحَسَنُ الأكْلَ مِنَ الجَمِيعِ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ الآيَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ (p-٤٣٣٧)الأكْلَ مِنَ الأُضْحِيَّةِ واجِبٌ، لِظاهِرِ الأمْرِ. وقَوْمٌ إلى أنَّ التَّصَدُّقَ مِنها نَدْبٌ، وحَمَلُوا الأمْرَ عَلَيْهِ. ولا تَحْدِيدَ فِيما يُؤْكَلُ أوْ يُتَصَدَّقُ بِهِ، لِإطْلاقِ الآيَةِ. انْتَهى. ﴿وأطْعِمُوا البائِسَ﴾ [الحج: ٢٨] أيِ: الَّذِي أصابَهُ بُؤْسٌ: أيْ: شِدَّةٌ: ﴿الفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] أيِ: الَّذِي أضْعَفَهُ الإعْسارُ، والأمْرُ هُنا لِلْوُجُوبِ. وقَدْ قِيلَ بِهِ في الأوَّلِ أيْضًا.

الحج 22:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٢٨] ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] . ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ أيْ: نادِ فِيهِمْ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنِّداءُ بِالحَجِّ أنْ يَقُولَ: حُجُّوا، أوْ عَلَيْكم بِالحَجِّ: ﴿يَأْتُوكَ رِجالا﴾ أيْ: مُشاةً، جَمْعَ (راجِلٍ ): ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ (p-٤٣٣٥)أيْ: رُكْبانًا عَلى كُلِّ بَعِيرٍ مَهْزُولٍ، أتْعَبَهُ بُعْدُ الشُّقَّةِ فَهَزَلَهُ. والعُدُولُ عَنْ رُكْبانًا الأخْصَرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ الآتِينَ مِنَ الأماكِنِ البَعِيدَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: { يَأْتُونَ } صِفَةٌ لِكُلِّ ضامِرٍ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ. وقُرِئَ يَأْتُونَ صِفَةً لِلرِّجالِ والرُّكْبانِ. أوِ اسْتِئْنافٌ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ واسِعٍ بَعِيدٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] أيْ: لِيَحْضُرُوا مَنافِعَ لَهم دِينِيَّةً ودُنْيَوِيَّةً: ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] أيْ: عَلى ما مَلَّكَهم مِنها، وذَلَّلَها لَهم، لِيَجْعَلُوها هَدْيًا وضَحايا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَنّى عَنِ النَّحْرِ والذَّبْحِ، بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ. لِأنَّ أهْلَ الإسْلامِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْ ذِكْرِ اسْمِهِ إذا نَحَرُوا أوْ ذَبَحُوا. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ فِيما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ - زادَ الرّازِيُّ - وأنْ يُخالَفَ المُشْرِكُونَ في ذَلِكَ. فَإنَّهم كانُوا يَذْبَحُونَها لِلنُّصُبِ والأوْثانِ، قالَ القَفّالُ: وكَأنَّ المُتَقَرِّبَ بِها وبِإراقَةِ دِمائِها مُتَصَوَّرٌ بِصُورَةِ مَن يَفْدِي نَفْسَهُ بِما يُعادِلُها. فَكَأنَّهُ يَبْذُلُ تِلْكَ الشّاةَ بَدَلَ مُهْجَتِهِ، طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، واعْتِرافًا بِأنَّ تَقْصِيرَهُ كادَ يَسْتَحِقُّ مُهْجَتَهُ. والأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ العَشْرِ. أوْ يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ أوْ يَوْمانِ بَعْدَهُ. أوْ يَوْمُ عَرَفَةَ والنَّحْرِ ويَوْمٌ بَعْدَهُ. أقْوالٌ لِلْأئِمَّةِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُعَضِّدُ الثّانِيَ والثّالِثَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] يَعْنِي بِهِ ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ ذَبْحِها. انْتَهى. أقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ (عَلى ) تَعْلِيلِيَّةً، والمَعْنى: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وحْدَهُ في تِلْكَ الأيّامِ بِحَمْدِهِ وشُكْرِهِ وتَسْبِيحِهِ، لِأجْلِ ما رَزَقَهم مِن تِلْكَ البُهْمِ. فَإنَّهُ هو الرَّزّاقُ لَها وحْدَهُ والمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِها: ولَوْ شاءَ لَحَظَرَها عَلَيْهِمْ ولَجَعَلَها أوابِدَ مُتَوَحِّشَةً. وقَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَنْزِيلِهِ الكَرِيمِ. كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] (p-٤٣٣٦)والسِّرُّ في إفْرادِهِ هَذِهِ النِّعْمَةَ، والتَّذْكِيرِ بِها دُونَ غَيْرِها مِن نِعَمِهِ وأيادِيهِ، أنَّ بِها حَياةَ العَرَبِ وقِوامَ مَعاشِهِمْ. إذْ مِنها طَعامُهم وشَرابُهم ولِباسُهم وأثاثُهم وخِباؤُهم ورَكُوبُهم وجَمالُهم. فَلَوْلا تَفَضُّلُهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَذْلِيلِها لَهم، لَما قامَتْ لَهم قائِمَةٌ. لِأنَّ أرْضَهم لَيْسَتْ بِذاتِ زَرْعٍ وما هم بِأهْلِ صِناعَةٍ مَشْهُورَةٍ، ولا جَزِيرَتُهم مُتَحَضِّرَةٌ مُتَمَدِّنَةٌ. ومَن كانُوا كَذَلِكَ، فَيَجْدُرُ بِهِمْ أنْ يَذْكُرُوا المُتَفَضِّلَ عَلَيْهِمْ بِما يُبْقِيهِمْ، ويَشْكُرُوهُ ويَعْرِفُوا لَهُ حَقَّهُ. مِن عِبادَتِهِ وحْدَهُ وتَعْظِيمِ حُرُماتِهِ وشَعائِرِهِ. فالِاعْتِبارُ بِها مِن ذَلِكَ، مُوجِبٌ لِلِاسْتِكانَةِ لِرازِقِها، والخُضُوعِ لَهُ والخَشْيَةِ مِنهُ. نَظِيرُ الآيَةِ - عَلى ما ظَهَرَ لَنا - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] هَذا أوَّلًا. وثانِيًا: قَدْ يُقالُ: إنَّما أُفْرِدَتْ لِتُتْبَعَ بِما هو البِرُّ الأعْظَمُ والخَيْرُ الأجْزَلُ. وهو مُواساةُ البُؤَساءِ مِنها. فَإنَّ ذَلِكَ مِن أجَلِّ ما يُرْضِيهِ تَعالى، ويُثِيبُ عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ [الحج: ٢٨] أيْ: مِن لُحُومِها. والأمْرُ لِلنَّدْبِ. وإزاحَةُ ما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّحَرُّجِ فِيهِ. وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَحَرَ هَدْيَهُ، أمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ بِبُضْعَةٍ فَتُطْبَخُ، فَأكَلَ مِن لَحْمِها، وحَسا مِن مَرَقِها» . وعَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ لا يَأْكُلُونَ مِن ذَبائِحِهِمْ. فَرُخِّصَ لِلْمُسْلِمِينَ فَمَن شاءَ أكَلَ ومَن شاءَ لَمْ يَأْكُلْ. قالَ في (الإكْلِيلِ "): والأمْرُ لِلِاسْتِحْبابِ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الدَّمُ واجِبًا بِإطْعامِ الفُقَراءِ. وأباحَ مالِكٌ الأكْلَ مِنَ الهَدْيِ الواجِبِ، إلّا جَزاءَ الصَّيْدِ والأذى والنَّذْرَ، وأباحَهُ أحْمَدُ، إلّا مِن جَزاءِ الصَّيْدِ والنَّذْرِ. وأباحَ الحَسَنُ الأكْلَ مِنَ الجَمِيعِ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ الآيَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ (p-٤٣٣٧)الأكْلَ مِنَ الأُضْحِيَّةِ واجِبٌ، لِظاهِرِ الأمْرِ. وقَوْمٌ إلى أنَّ التَّصَدُّقَ مِنها نَدْبٌ، وحَمَلُوا الأمْرَ عَلَيْهِ. ولا تَحْدِيدَ فِيما يُؤْكَلُ أوْ يُتَصَدَّقُ بِهِ، لِإطْلاقِ الآيَةِ. انْتَهى. ﴿وأطْعِمُوا البائِسَ﴾ [الحج: ٢٨] أيِ: الَّذِي أصابَهُ بُؤْسٌ: أيْ: شِدَّةٌ: ﴿الفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] أيِ: الَّذِي أضْعَفَهُ الإعْسارُ، والأمْرُ هُنا لِلْوُجُوبِ. وقَدْ قِيلَ بِهِ في الأوَّلِ أيْضًا.

الحج 22:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩ - ٣١] ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهم ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكم فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] . ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ الذَّبْحِ: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أيْ: لِيُؤَدُّوا إزالَةَ وسَخِهِمْ مِنَ الإحْرامِ، بِالحَلْقِ والتَّقْصِيرِ وقَصِّ الأظْفارِ ولُبْسِ الثِّيابِ: ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أيْ: ما يُنْذِرُونَهُ مِن أعْمالِ البِرِّ في حَجِّهِمْ: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ: طَوافَ الإفاضَةِ. وهو طَوافُ الزِّيارَةِ الَّذِي هو مِن أرْكانِ الحَجِّ. ويَقَعُ بِهِ تَمامُ التَّحَلُّلِ. والعَتِيقُ: (القَدِيمُ ) . لِأنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ. أوِ المُعْتَقُ مِن تَسَلُّطِ الجَبابِرَةِ: ﴿ذَلِكَ﴾ [الحج: ٣٠] خَبَرُ مَحْذُوفٍ. أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. وهو وأمْثالُهُ مِن أسْماءِ الإشارَةِ، تُطْلَقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، أوْ بَيْنَ وجْهَيْ كَلامٍ واحِدٍ. قالَ الشِّهابُ: والمَشْهُورُ في الفَصْلِ (هَذا ) كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] (p-٤٣٣٨)واخْتِيارُ (ذَلِكَ ) هُنا لِدَلالَتِهِ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ. وهو مِنَ الِاقْتِضابِ القَرِيبِ مِنَ التَّخَلُّصِ، لِمُلاءَمَةِ ما بَعْدَهُ لِما قَبْلَهُ، كَما هُنا: ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] أيْ: أحْكامَهُ. أوِ الحَرَمَ وما يَتَعَلَّقُ بِالحَجِّ مِنَ المَناسِكِ. و(الحُرُماتُ ) جَمْعُ حُرْمَةٍ وهو ما لا يَحِلُّ هَتْكُهُ، بَلْ يُحْتَرَمُ شَرْعًا: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] أيْ: ثَوابًا. و(خَيْرُ ) اسْمُ تَفْضِيلٍ حُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ. أيْ: مِن غَيْرِهِ، أوْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ التَّفْضِيلَ فَلا يَحْتاجُ لِتَقْدِيرِهِ، قالَهُ الشِّهابُ. والثّانِي هو الأظْهَرُ، لِأنَّهُ أُسْلُوبُ التَّنْزِيلِ في مَوْضِعٍ لا يَظْهَرُ التَّفاضُلُ فِيها. وإيثارُهُ، مَعَ ذَلِكَ، لِرِقَّةِ لَفْظِهِ، وجَمْعِهِ بَيْنَ الحُسْنِ والرَّوْعَةِ: ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الحج: ٣٠] أيْ: آيَةُ تَحْرِيمِهِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ لَكُمُ الأنْعامَ كُلَّها، إلّا ما اسْتَثْناهُ في كِتابِهِ. فَحافِظُوا عَلى حُدُودِهِ. وإيّاكم أنْ تُحَرِّمُوا مِمّا أُحِلُّ لَكم شَيْئًا. كَتَحْرِيمِ عَبَدَةِ الأوْثانِ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ. وأنْ تُحِلُّوا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ. كَإحْلالِهِمْ أكْلَ المَوْقُوذَةِ والمَيْتَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] تَفْرِيعٌ عَلى ما سَبَقَ مِن تَعْظِيمِ حُرُماتِهِ تَعالى. فَإنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ واجْتِنابَ الأوْثانِ مِن أعْظَمِ المُحافَظَةِ عَلى حُدُودِهِ تَعالى. و(مِن ) بَيانِيَّةٌ. أيْ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ، كَما تُجْتَنَبُ الأنْجاسُ. وهو غايَةُ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ تَعْظِيمِها والتَّنْفِيرِ عَنْ عِبادَتِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَمّى الأوْثانَ رِجْسًا وكَذَلِكَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ والأزْلامَ، عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ. يَعْنِي أنَّكم، كَما تَنْفِرُونَ بِطِباعِكم عَنِ الرِّجْسِ وتَجْتَنِبُونَهُ، فَعَلَيْكم أنْ تَنْفِرُوا عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ مِثْلَ تِلْكَ النَّفْرَةِ. ونَبَّهَ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] جَعَلَ العِلَّةَ في اجْتِنابِهِ أنَّهُ رِجْسٌ، والرِّجْسُ مُجْتَنَبٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. فَإنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ رَأْسُ الزُّورِ. كَأنَّهُ لَمّا حَثَّ عَلى تَعْظِيمِ الحُرُماتِ، أتْبَعَهُ ذَلِكَ، رَدًّا لِما كانَتِ الكَفَرَةُ عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. وتَعْظِيمُ الأوْثانِ والِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ، (p-٤٣٣٩)وإعْلامًا بِأنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ ونَفْيَ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، وصِدْقَ القَوْلِ، أعْظَمُ الحُرُماتِ وأسْبَقُها خَطْوًا: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج: ٣١] مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، مُنْحَرِفِينَ عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ. ثُمَّ ضَرَبَ لِلْمُشْرِكِ مَثَلًا في ضَلالِهِ وهَلاكِهِ وبُعْدِهِ عَنِ الهُدى، فَقالَ تَعالى: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: سَقَطَ مِنها فَقَطَّعَتْهُ الطُّيُورُ في الهَواءِ: ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: تُقَدِّمُهُ: ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: بَعِيدٍ مُهْلِكٍ لِمَن هَوى فِيهِ. و(أوْ ) لِلتَّخْيِيرِ أوِ التَّنْوِيعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ في هَذا التَّشْبِيهِ أنْ يَكُونَ مِنَ المُرَكَّبِ والمُفَرَّقِ. فَإنْ كانَ تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا، فَكَأنَّهُ قالَ: مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ إهْلاكًا لَيْسَ بَعْدَهُ نِهايَةٌ. بِأنَّ صَوَّرَ حالَهُ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ، فَتَفَرَّقَ مِزَعًا في حَواصِلِها. أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَطاوِحِ البَعِيدَةِ. وإنْ كانَ مُفَرَّقًا، فَقَدْ شَبَّهَ الإيمانَ في عُلُوِّهِ بِالسَّماءِ، والَّذِي تَرَكَ الإيمانَ وأشْرَكَ بِاللَّهِ، بِالسّاقِطِ مِنَ السَّماءِ. والأهْواءَ الَّتِي تَتَوَزَّعُ أفْكارَهُ، بِالطَّيْرِ المُخْتَطِفَةِ. والشَّيْطانَ الَّذِي يُطَوِّحُ بِهِ في وادِي الضَّلالَةِ، بِالرِّيحِ الَّتِي تَهْوِي بِما عَصَفَتْ بِهِ في بَعْضِ المَهاوِي المُتْلِفَةِ. فَكَتَبَ النّاصِرُ عَلَيْهِ: أمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُفَرَّقًا فَيَحْتاجُ تَأْوِيلُ تَشْبِيهِ المُشْرِكِ بِالهاوِي مِنَ السَّماءِ، إلى التَّنْبِيهِ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الإشْراكُ المُرادُ رِدَّتَهُ، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ كَمَن عَلا إلى السَّماءِ بِإيمانِهِ ثُمَّ هَبَطَ بِارْتِدادِهِ وإمّا أنْ يَكُونَ الإشْراكُ أصْلِيًّا، فَيَكُونُ قَدْ عَدَّ تَمَكُّنَ المُشْرِكِ مِنَ الإيمانِ ومِنَ العُلُوِّ بِهِ ثُمَّ عُدُولُهُ عَنْهُ اخْتِيارًا، بِمَنزِلَةِ مَن عَلا إلى السَّماءِ ثُمَّ هَبَطَ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] فَعَدَّهم مُخْرَجِينَ مِنَ النُّورِ وما دَخَلُوهُ قَطُّ، ولَكِنْ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنهُ. وفي تَقْرِيرِهِ تَشْبِيهُ الأفْكارِ المُتَوَزِّعَةِ لِلْكافِرِ، بِالطَّيْرِ المُخْتَطِفَةِ، وفي تَشْبِيهِ تَطْوِيحِ الشَّيْطانِ بِالهَوِيِّ مَعَ الرِّيحِ في مَكانٍ سَحِيقٍ - نَظَرٌ. لِأنَّ الأمْرَيْنِ ذُكِرا في سِياقِ تَقْسِيمِ حالِ الكافِرِ إلى قِسْمَيْنِ. فَإذا جُعِلَ الأوَّلُ مَثَلًا لِاخْتِلافِ الأهْواءِ (p-٤٣٤٠)والأفْكارِ، والثّانِي مَثَلًا لِنَزْغِ الشَّيْطانِ فَقَدْ جَعَلَهُما شَيْئًا واحِدًا. لِأنَّ تَوَزُّعَ الأفْكارِ واخْتِلافَ الأهْواءِ، مُضافٌ إلى نَزْغِ الشَّيْطانِ، فَلا يَتَحَقَّقُ التَّقْسِيمُ المَقْصُودُ. والَّذِي يَظْهَرُ في تَقْرِيرِ التَّشْبِيهَيْنِ غَيْرُ ذَلِكَ. فَنَقُولُ: لَمّا انْقَسَمَتْ حالُ الكَفْرِ إلى قِسْمَيْنِ لا مَزِيدَ عَلَيْهِما، الأوَّلُ مِنهُما: المُتَذَبْذِبُ والمُتَمادِي عَلى الشَّكِّ وعَدَمِ التَّصْمِيمِ عَلى ضَلالَةٍ واحِدَةٍ. فَهَذا القِسْمُ مِنَ المُشْرِكِينَ مُشَبَّهٌ بِمَنِ اخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ وتَوَزَّعَتْهُ، فَلا يَسْتَوْلِي طائِرٌ عَلى مِزْعَةٍ مِنهُ إلّا انْتَهَبَها مِنهُ آخَرُ، وذَلِكَ حالُ المُذَبْذِبِ. لا يَلُوحُ لَهُ خَيالٌ إلّا اتَّبَعَهُ ونَزَلَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ. والثّانِي: مُشْرِكٌ مُصَمِّمٌ عَلى مُعْتَقَدٍ باطِلٍ. لَوْ نُشِرَ بِالمِنشارِ لَمْ يَكِعْ ولَمْ يَرْجِعْ. لا سَبِيلَ إلى تَشْكِيكِهِ، ولا مَطْمَعَ في نَقْلِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ، فَهو فَرِحٌ مُبْتَهِجٌ بِضَلالَتِهِ. فَهَذا مُشَبَّهٌ في إقْرارِهِ عَلى كُفْرِهِ، بِاسْتِقْرارِ مَن هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ إلى وادٍ سافِلٍ فاسْتَقَرَّ فِيهِ. ويَظْهَرُ تَشْبِيهٌ بِالِاسْتِقْرارِ في الوادِي السَّحِيقِ، الَّذِي هو أبْعَدُ الأحِبّاءِ عَنِ السَّماءِ، وصَفَ ضَلالَهُ بِالبُعْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٣] و: ﴿ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧] أيْ: صَمَّمُوا عَلى ضَلالِهِمْ فَبَعُدَ رُجُوعُهم إلى الحَقِّ فَهَذا تَحْقِيقُ القِسْمَيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُهُ. ولا يَخْفى أنَّ في النَّظْمِ الكَرِيمِ مَساغًا لَهُ. إلّا أنَّهُ لا قاطِعَ بِهِ. نَعَمْ، هو مِن بَدِيعِ الِاسْتِنْباطِ، ورَقِيقِ الِاسْتِخْراجِ. فَرَحِمَ اللَّهُ ناسِخَهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ضَرَبَ تَعالى لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا آخَرَ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [الأنعام: ٧١] الآيَةَ.

الحج 22:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩ - ٣١] ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهم ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكم فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] . ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ الذَّبْحِ: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أيْ: لِيُؤَدُّوا إزالَةَ وسَخِهِمْ مِنَ الإحْرامِ، بِالحَلْقِ والتَّقْصِيرِ وقَصِّ الأظْفارِ ولُبْسِ الثِّيابِ: ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أيْ: ما يُنْذِرُونَهُ مِن أعْمالِ البِرِّ في حَجِّهِمْ: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ: طَوافَ الإفاضَةِ. وهو طَوافُ الزِّيارَةِ الَّذِي هو مِن أرْكانِ الحَجِّ. ويَقَعُ بِهِ تَمامُ التَّحَلُّلِ. والعَتِيقُ: (القَدِيمُ ) . لِأنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ. أوِ المُعْتَقُ مِن تَسَلُّطِ الجَبابِرَةِ: ﴿ذَلِكَ﴾ [الحج: ٣٠] خَبَرُ مَحْذُوفٍ. أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. وهو وأمْثالُهُ مِن أسْماءِ الإشارَةِ، تُطْلَقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، أوْ بَيْنَ وجْهَيْ كَلامٍ واحِدٍ. قالَ الشِّهابُ: والمَشْهُورُ في الفَصْلِ (هَذا ) كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] (p-٤٣٣٨)واخْتِيارُ (ذَلِكَ ) هُنا لِدَلالَتِهِ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ. وهو مِنَ الِاقْتِضابِ القَرِيبِ مِنَ التَّخَلُّصِ، لِمُلاءَمَةِ ما بَعْدَهُ لِما قَبْلَهُ، كَما هُنا: ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] أيْ: أحْكامَهُ. أوِ الحَرَمَ وما يَتَعَلَّقُ بِالحَجِّ مِنَ المَناسِكِ. و(الحُرُماتُ ) جَمْعُ حُرْمَةٍ وهو ما لا يَحِلُّ هَتْكُهُ، بَلْ يُحْتَرَمُ شَرْعًا: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] أيْ: ثَوابًا. و(خَيْرُ ) اسْمُ تَفْضِيلٍ حُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ. أيْ: مِن غَيْرِهِ، أوْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ التَّفْضِيلَ فَلا يَحْتاجُ لِتَقْدِيرِهِ، قالَهُ الشِّهابُ. والثّانِي هو الأظْهَرُ، لِأنَّهُ أُسْلُوبُ التَّنْزِيلِ في مَوْضِعٍ لا يَظْهَرُ التَّفاضُلُ فِيها. وإيثارُهُ، مَعَ ذَلِكَ، لِرِقَّةِ لَفْظِهِ، وجَمْعِهِ بَيْنَ الحُسْنِ والرَّوْعَةِ: ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الحج: ٣٠] أيْ: آيَةُ تَحْرِيمِهِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ لَكُمُ الأنْعامَ كُلَّها، إلّا ما اسْتَثْناهُ في كِتابِهِ. فَحافِظُوا عَلى حُدُودِهِ. وإيّاكم أنْ تُحَرِّمُوا مِمّا أُحِلُّ لَكم شَيْئًا. كَتَحْرِيمِ عَبَدَةِ الأوْثانِ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ. وأنْ تُحِلُّوا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ. كَإحْلالِهِمْ أكْلَ المَوْقُوذَةِ والمَيْتَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] تَفْرِيعٌ عَلى ما سَبَقَ مِن تَعْظِيمِ حُرُماتِهِ تَعالى. فَإنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ واجْتِنابَ الأوْثانِ مِن أعْظَمِ المُحافَظَةِ عَلى حُدُودِهِ تَعالى. و(مِن ) بَيانِيَّةٌ. أيْ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ، كَما تُجْتَنَبُ الأنْجاسُ. وهو غايَةُ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ تَعْظِيمِها والتَّنْفِيرِ عَنْ عِبادَتِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَمّى الأوْثانَ رِجْسًا وكَذَلِكَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ والأزْلامَ، عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ. يَعْنِي أنَّكم، كَما تَنْفِرُونَ بِطِباعِكم عَنِ الرِّجْسِ وتَجْتَنِبُونَهُ، فَعَلَيْكم أنْ تَنْفِرُوا عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ مِثْلَ تِلْكَ النَّفْرَةِ. ونَبَّهَ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] جَعَلَ العِلَّةَ في اجْتِنابِهِ أنَّهُ رِجْسٌ، والرِّجْسُ مُجْتَنَبٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. فَإنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ رَأْسُ الزُّورِ. كَأنَّهُ لَمّا حَثَّ عَلى تَعْظِيمِ الحُرُماتِ، أتْبَعَهُ ذَلِكَ، رَدًّا لِما كانَتِ الكَفَرَةُ عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. وتَعْظِيمُ الأوْثانِ والِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ، (p-٤٣٣٩)وإعْلامًا بِأنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ ونَفْيَ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، وصِدْقَ القَوْلِ، أعْظَمُ الحُرُماتِ وأسْبَقُها خَطْوًا: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج: ٣١] مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، مُنْحَرِفِينَ عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ. ثُمَّ ضَرَبَ لِلْمُشْرِكِ مَثَلًا في ضَلالِهِ وهَلاكِهِ وبُعْدِهِ عَنِ الهُدى، فَقالَ تَعالى: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: سَقَطَ مِنها فَقَطَّعَتْهُ الطُّيُورُ في الهَواءِ: ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: تُقَدِّمُهُ: ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: بَعِيدٍ مُهْلِكٍ لِمَن هَوى فِيهِ. و(أوْ ) لِلتَّخْيِيرِ أوِ التَّنْوِيعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ في هَذا التَّشْبِيهِ أنْ يَكُونَ مِنَ المُرَكَّبِ والمُفَرَّقِ. فَإنْ كانَ تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا، فَكَأنَّهُ قالَ: مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ إهْلاكًا لَيْسَ بَعْدَهُ نِهايَةٌ. بِأنَّ صَوَّرَ حالَهُ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ، فَتَفَرَّقَ مِزَعًا في حَواصِلِها. أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَطاوِحِ البَعِيدَةِ. وإنْ كانَ مُفَرَّقًا، فَقَدْ شَبَّهَ الإيمانَ في عُلُوِّهِ بِالسَّماءِ، والَّذِي تَرَكَ الإيمانَ وأشْرَكَ بِاللَّهِ، بِالسّاقِطِ مِنَ السَّماءِ. والأهْواءَ الَّتِي تَتَوَزَّعُ أفْكارَهُ، بِالطَّيْرِ المُخْتَطِفَةِ. والشَّيْطانَ الَّذِي يُطَوِّحُ بِهِ في وادِي الضَّلالَةِ، بِالرِّيحِ الَّتِي تَهْوِي بِما عَصَفَتْ بِهِ في بَعْضِ المَهاوِي المُتْلِفَةِ. فَكَتَبَ النّاصِرُ عَلَيْهِ: أمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُفَرَّقًا فَيَحْتاجُ تَأْوِيلُ تَشْبِيهِ المُشْرِكِ بِالهاوِي مِنَ السَّماءِ، إلى التَّنْبِيهِ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الإشْراكُ المُرادُ رِدَّتَهُ، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ كَمَن عَلا إلى السَّماءِ بِإيمانِهِ ثُمَّ هَبَطَ بِارْتِدادِهِ وإمّا أنْ يَكُونَ الإشْراكُ أصْلِيًّا، فَيَكُونُ قَدْ عَدَّ تَمَكُّنَ المُشْرِكِ مِنَ الإيمانِ ومِنَ العُلُوِّ بِهِ ثُمَّ عُدُولُهُ عَنْهُ اخْتِيارًا، بِمَنزِلَةِ مَن عَلا إلى السَّماءِ ثُمَّ هَبَطَ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] فَعَدَّهم مُخْرَجِينَ مِنَ النُّورِ وما دَخَلُوهُ قَطُّ، ولَكِنْ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنهُ. وفي تَقْرِيرِهِ تَشْبِيهُ الأفْكارِ المُتَوَزِّعَةِ لِلْكافِرِ، بِالطَّيْرِ المُخْتَطِفَةِ، وفي تَشْبِيهِ تَطْوِيحِ الشَّيْطانِ بِالهَوِيِّ مَعَ الرِّيحِ في مَكانٍ سَحِيقٍ - نَظَرٌ. لِأنَّ الأمْرَيْنِ ذُكِرا في سِياقِ تَقْسِيمِ حالِ الكافِرِ إلى قِسْمَيْنِ. فَإذا جُعِلَ الأوَّلُ مَثَلًا لِاخْتِلافِ الأهْواءِ (p-٤٣٤٠)والأفْكارِ، والثّانِي مَثَلًا لِنَزْغِ الشَّيْطانِ فَقَدْ جَعَلَهُما شَيْئًا واحِدًا. لِأنَّ تَوَزُّعَ الأفْكارِ واخْتِلافَ الأهْواءِ، مُضافٌ إلى نَزْغِ الشَّيْطانِ، فَلا يَتَحَقَّقُ التَّقْسِيمُ المَقْصُودُ. والَّذِي يَظْهَرُ في تَقْرِيرِ التَّشْبِيهَيْنِ غَيْرُ ذَلِكَ. فَنَقُولُ: لَمّا انْقَسَمَتْ حالُ الكَفْرِ إلى قِسْمَيْنِ لا مَزِيدَ عَلَيْهِما، الأوَّلُ مِنهُما: المُتَذَبْذِبُ والمُتَمادِي عَلى الشَّكِّ وعَدَمِ التَّصْمِيمِ عَلى ضَلالَةٍ واحِدَةٍ. فَهَذا القِسْمُ مِنَ المُشْرِكِينَ مُشَبَّهٌ بِمَنِ اخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ وتَوَزَّعَتْهُ، فَلا يَسْتَوْلِي طائِرٌ عَلى مِزْعَةٍ مِنهُ إلّا انْتَهَبَها مِنهُ آخَرُ، وذَلِكَ حالُ المُذَبْذِبِ. لا يَلُوحُ لَهُ خَيالٌ إلّا اتَّبَعَهُ ونَزَلَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ. والثّانِي: مُشْرِكٌ مُصَمِّمٌ عَلى مُعْتَقَدٍ باطِلٍ. لَوْ نُشِرَ بِالمِنشارِ لَمْ يَكِعْ ولَمْ يَرْجِعْ. لا سَبِيلَ إلى تَشْكِيكِهِ، ولا مَطْمَعَ في نَقْلِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ، فَهو فَرِحٌ مُبْتَهِجٌ بِضَلالَتِهِ. فَهَذا مُشَبَّهٌ في إقْرارِهِ عَلى كُفْرِهِ، بِاسْتِقْرارِ مَن هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ إلى وادٍ سافِلٍ فاسْتَقَرَّ فِيهِ. ويَظْهَرُ تَشْبِيهٌ بِالِاسْتِقْرارِ في الوادِي السَّحِيقِ، الَّذِي هو أبْعَدُ الأحِبّاءِ عَنِ السَّماءِ، وصَفَ ضَلالَهُ بِالبُعْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٣] و: ﴿ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧] أيْ: صَمَّمُوا عَلى ضَلالِهِمْ فَبَعُدَ رُجُوعُهم إلى الحَقِّ فَهَذا تَحْقِيقُ القِسْمَيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُهُ. ولا يَخْفى أنَّ في النَّظْمِ الكَرِيمِ مَساغًا لَهُ. إلّا أنَّهُ لا قاطِعَ بِهِ. نَعَمْ، هو مِن بَدِيعِ الِاسْتِنْباطِ، ورَقِيقِ الِاسْتِخْراجِ. فَرَحِمَ اللَّهُ ناسِخَهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ضَرَبَ تَعالى لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا آخَرَ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [الأنعام: ٧١] الآيَةَ.

الحج 22:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩ - ٣١] ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهم ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكم فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] . ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ الذَّبْحِ: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أيْ: لِيُؤَدُّوا إزالَةَ وسَخِهِمْ مِنَ الإحْرامِ، بِالحَلْقِ والتَّقْصِيرِ وقَصِّ الأظْفارِ ولُبْسِ الثِّيابِ: ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أيْ: ما يُنْذِرُونَهُ مِن أعْمالِ البِرِّ في حَجِّهِمْ: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ: طَوافَ الإفاضَةِ. وهو طَوافُ الزِّيارَةِ الَّذِي هو مِن أرْكانِ الحَجِّ. ويَقَعُ بِهِ تَمامُ التَّحَلُّلِ. والعَتِيقُ: (القَدِيمُ ) . لِأنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ. أوِ المُعْتَقُ مِن تَسَلُّطِ الجَبابِرَةِ: ﴿ذَلِكَ﴾ [الحج: ٣٠] خَبَرُ مَحْذُوفٍ. أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. وهو وأمْثالُهُ مِن أسْماءِ الإشارَةِ، تُطْلَقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، أوْ بَيْنَ وجْهَيْ كَلامٍ واحِدٍ. قالَ الشِّهابُ: والمَشْهُورُ في الفَصْلِ (هَذا ) كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] (p-٤٣٣٨)واخْتِيارُ (ذَلِكَ ) هُنا لِدَلالَتِهِ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ. وهو مِنَ الِاقْتِضابِ القَرِيبِ مِنَ التَّخَلُّصِ، لِمُلاءَمَةِ ما بَعْدَهُ لِما قَبْلَهُ، كَما هُنا: ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] أيْ: أحْكامَهُ. أوِ الحَرَمَ وما يَتَعَلَّقُ بِالحَجِّ مِنَ المَناسِكِ. و(الحُرُماتُ ) جَمْعُ حُرْمَةٍ وهو ما لا يَحِلُّ هَتْكُهُ، بَلْ يُحْتَرَمُ شَرْعًا: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] أيْ: ثَوابًا. و(خَيْرُ ) اسْمُ تَفْضِيلٍ حُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ. أيْ: مِن غَيْرِهِ، أوْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ التَّفْضِيلَ فَلا يَحْتاجُ لِتَقْدِيرِهِ، قالَهُ الشِّهابُ. والثّانِي هو الأظْهَرُ، لِأنَّهُ أُسْلُوبُ التَّنْزِيلِ في مَوْضِعٍ لا يَظْهَرُ التَّفاضُلُ فِيها. وإيثارُهُ، مَعَ ذَلِكَ، لِرِقَّةِ لَفْظِهِ، وجَمْعِهِ بَيْنَ الحُسْنِ والرَّوْعَةِ: ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الحج: ٣٠] أيْ: آيَةُ تَحْرِيمِهِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ لَكُمُ الأنْعامَ كُلَّها، إلّا ما اسْتَثْناهُ في كِتابِهِ. فَحافِظُوا عَلى حُدُودِهِ. وإيّاكم أنْ تُحَرِّمُوا مِمّا أُحِلُّ لَكم شَيْئًا. كَتَحْرِيمِ عَبَدَةِ الأوْثانِ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ. وأنْ تُحِلُّوا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ. كَإحْلالِهِمْ أكْلَ المَوْقُوذَةِ والمَيْتَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] تَفْرِيعٌ عَلى ما سَبَقَ مِن تَعْظِيمِ حُرُماتِهِ تَعالى. فَإنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ واجْتِنابَ الأوْثانِ مِن أعْظَمِ المُحافَظَةِ عَلى حُدُودِهِ تَعالى. و(مِن ) بَيانِيَّةٌ. أيْ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ، كَما تُجْتَنَبُ الأنْجاسُ. وهو غايَةُ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ تَعْظِيمِها والتَّنْفِيرِ عَنْ عِبادَتِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَمّى الأوْثانَ رِجْسًا وكَذَلِكَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ والأزْلامَ، عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ. يَعْنِي أنَّكم، كَما تَنْفِرُونَ بِطِباعِكم عَنِ الرِّجْسِ وتَجْتَنِبُونَهُ، فَعَلَيْكم أنْ تَنْفِرُوا عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ مِثْلَ تِلْكَ النَّفْرَةِ. ونَبَّهَ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] جَعَلَ العِلَّةَ في اجْتِنابِهِ أنَّهُ رِجْسٌ، والرِّجْسُ مُجْتَنَبٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. فَإنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ رَأْسُ الزُّورِ. كَأنَّهُ لَمّا حَثَّ عَلى تَعْظِيمِ الحُرُماتِ، أتْبَعَهُ ذَلِكَ، رَدًّا لِما كانَتِ الكَفَرَةُ عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. وتَعْظِيمُ الأوْثانِ والِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ، (p-٤٣٣٩)وإعْلامًا بِأنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ ونَفْيَ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، وصِدْقَ القَوْلِ، أعْظَمُ الحُرُماتِ وأسْبَقُها خَطْوًا: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج: ٣١] مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، مُنْحَرِفِينَ عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ. ثُمَّ ضَرَبَ لِلْمُشْرِكِ مَثَلًا في ضَلالِهِ وهَلاكِهِ وبُعْدِهِ عَنِ الهُدى، فَقالَ تَعالى: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: سَقَطَ مِنها فَقَطَّعَتْهُ الطُّيُورُ في الهَواءِ: ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: تُقَدِّمُهُ: ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] أيْ: بَعِيدٍ مُهْلِكٍ لِمَن هَوى فِيهِ. و(أوْ ) لِلتَّخْيِيرِ أوِ التَّنْوِيعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ في هَذا التَّشْبِيهِ أنْ يَكُونَ مِنَ المُرَكَّبِ والمُفَرَّقِ. فَإنْ كانَ تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا، فَكَأنَّهُ قالَ: مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ إهْلاكًا لَيْسَ بَعْدَهُ نِهايَةٌ. بِأنَّ صَوَّرَ حالَهُ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ، فَتَفَرَّقَ مِزَعًا في حَواصِلِها. أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَطاوِحِ البَعِيدَةِ. وإنْ كانَ مُفَرَّقًا، فَقَدْ شَبَّهَ الإيمانَ في عُلُوِّهِ بِالسَّماءِ، والَّذِي تَرَكَ الإيمانَ وأشْرَكَ بِاللَّهِ، بِالسّاقِطِ مِنَ السَّماءِ. والأهْواءَ الَّتِي تَتَوَزَّعُ أفْكارَهُ، بِالطَّيْرِ المُخْتَطِفَةِ. والشَّيْطانَ الَّذِي يُطَوِّحُ بِهِ في وادِي الضَّلالَةِ، بِالرِّيحِ الَّتِي تَهْوِي بِما عَصَفَتْ بِهِ في بَعْضِ المَهاوِي المُتْلِفَةِ. فَكَتَبَ النّاصِرُ عَلَيْهِ: أمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُفَرَّقًا فَيَحْتاجُ تَأْوِيلُ تَشْبِيهِ المُشْرِكِ بِالهاوِي مِنَ السَّماءِ، إلى التَّنْبِيهِ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الإشْراكُ المُرادُ رِدَّتَهُ، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ كَمَن عَلا إلى السَّماءِ بِإيمانِهِ ثُمَّ هَبَطَ بِارْتِدادِهِ وإمّا أنْ يَكُونَ الإشْراكُ أصْلِيًّا، فَيَكُونُ قَدْ عَدَّ تَمَكُّنَ المُشْرِكِ مِنَ الإيمانِ ومِنَ العُلُوِّ بِهِ ثُمَّ عُدُولُهُ عَنْهُ اخْتِيارًا، بِمَنزِلَةِ مَن عَلا إلى السَّماءِ ثُمَّ هَبَطَ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] فَعَدَّهم مُخْرَجِينَ مِنَ النُّورِ وما دَخَلُوهُ قَطُّ، ولَكِنْ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنهُ. وفي تَقْرِيرِهِ تَشْبِيهُ الأفْكارِ المُتَوَزِّعَةِ لِلْكافِرِ، بِالطَّيْرِ المُخْتَطِفَةِ، وفي تَشْبِيهِ تَطْوِيحِ الشَّيْطانِ بِالهَوِيِّ مَعَ الرِّيحِ في مَكانٍ سَحِيقٍ - نَظَرٌ. لِأنَّ الأمْرَيْنِ ذُكِرا في سِياقِ تَقْسِيمِ حالِ الكافِرِ إلى قِسْمَيْنِ. فَإذا جُعِلَ الأوَّلُ مَثَلًا لِاخْتِلافِ الأهْواءِ (p-٤٣٤٠)والأفْكارِ، والثّانِي مَثَلًا لِنَزْغِ الشَّيْطانِ فَقَدْ جَعَلَهُما شَيْئًا واحِدًا. لِأنَّ تَوَزُّعَ الأفْكارِ واخْتِلافَ الأهْواءِ، مُضافٌ إلى نَزْغِ الشَّيْطانِ، فَلا يَتَحَقَّقُ التَّقْسِيمُ المَقْصُودُ. والَّذِي يَظْهَرُ في تَقْرِيرِ التَّشْبِيهَيْنِ غَيْرُ ذَلِكَ. فَنَقُولُ: لَمّا انْقَسَمَتْ حالُ الكَفْرِ إلى قِسْمَيْنِ لا مَزِيدَ عَلَيْهِما، الأوَّلُ مِنهُما: المُتَذَبْذِبُ والمُتَمادِي عَلى الشَّكِّ وعَدَمِ التَّصْمِيمِ عَلى ضَلالَةٍ واحِدَةٍ. فَهَذا القِسْمُ مِنَ المُشْرِكِينَ مُشَبَّهٌ بِمَنِ اخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ وتَوَزَّعَتْهُ، فَلا يَسْتَوْلِي طائِرٌ عَلى مِزْعَةٍ مِنهُ إلّا انْتَهَبَها مِنهُ آخَرُ، وذَلِكَ حالُ المُذَبْذِبِ. لا يَلُوحُ لَهُ خَيالٌ إلّا اتَّبَعَهُ ونَزَلَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ. والثّانِي: مُشْرِكٌ مُصَمِّمٌ عَلى مُعْتَقَدٍ باطِلٍ. لَوْ نُشِرَ بِالمِنشارِ لَمْ يَكِعْ ولَمْ يَرْجِعْ. لا سَبِيلَ إلى تَشْكِيكِهِ، ولا مَطْمَعَ في نَقْلِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ، فَهو فَرِحٌ مُبْتَهِجٌ بِضَلالَتِهِ. فَهَذا مُشَبَّهٌ في إقْرارِهِ عَلى كُفْرِهِ، بِاسْتِقْرارِ مَن هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ إلى وادٍ سافِلٍ فاسْتَقَرَّ فِيهِ. ويَظْهَرُ تَشْبِيهٌ بِالِاسْتِقْرارِ في الوادِي السَّحِيقِ، الَّذِي هو أبْعَدُ الأحِبّاءِ عَنِ السَّماءِ، وصَفَ ضَلالَهُ بِالبُعْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٣] و: ﴿ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧] أيْ: صَمَّمُوا عَلى ضَلالِهِمْ فَبَعُدَ رُجُوعُهم إلى الحَقِّ فَهَذا تَحْقِيقُ القِسْمَيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُهُ. ولا يَخْفى أنَّ في النَّظْمِ الكَرِيمِ مَساغًا لَهُ. إلّا أنَّهُ لا قاطِعَ بِهِ. نَعَمْ، هو مِن بَدِيعِ الِاسْتِنْباطِ، ورَقِيقِ الِاسْتِخْراجِ. فَرَحِمَ اللَّهُ ناسِخَهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ضَرَبَ تَعالى لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا آخَرَ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [الأنعام: ٧١] الآيَةَ.

الحج 22:32

(p-٤٣٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ . ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيْ: عَلائِمَ هِدايَتِهِ، وهو الدِّينُ. أوْ مَعالِمَ الحَجِّ ومَناسِكِهِ. أوِ الهَدايا خاصَّةً، لِأنَّها مِن مَعالِمِ الحَجِّ وشَعائِرِهِ تَعالى. كَما تُنْبِئُ عَنْهُ آيَةُ: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] وهو الأوْفَقُ لِما بَعْدَهُ. وتَعْظِيمُها أنْ يَخْتارَها عِظامُ الأجْرامِ حِسانًا سِمانًا، غالِيَةَ الأثْمانِ. ويَتْرُكُ المِكاسَ في شِرائِها. فَقَدْ كانُوا يُغالُونَ في ثَلاثٍ ويَكْرَهُونَ المِكاسَ فِيهِنَّ: الهَدْيُ والأُضْحِيَّةُ والرَّقَبَةُ. وعَنْ سَهْلٍ: كُنّا نُسَمِّنُ الأُضْحِيَّةَ في المَدِينَةِ وكانَ المُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ. رَواهُ البُخارِيُّ. وعَنْ أنَسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحّى بِكَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ» . رَواهُ البُخارِيُّ وعَنِ البَراءِ مَرْفُوعًا: ««أرْبَعٌ لا تَجُوزُ في الأضاحِي، العَوْراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، والمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، والعَرْجاءُ البَيِّنُ ظَلْعُها، والكَسِيرَةُ الَّتِي لا تُنْقِي»» رَواهُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ ﴿فَإنَّها﴾ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها: ﴿مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ أيْ: مِن أفْعالِ ذَوِي التَّقْوى. والإضافَةُ إلى القُلُوبِ، لِأنَّ التَّقْوى وضِدَّها تَنْشَأُ مِنها.

الحج 22:33

(p-٤٣٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣] ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ . ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ: لَكم في الهَدايا مَنافِعُ دَرُّها ونَسْلُها وصُوفُها وظَهْرُها إلى وقْتِ نَحْرِها. وقَدْ رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً قالَ: «ارْكَبْها» . قالَ: إنَّها بَدَنَةٌ قالَ: «ارْكَبْها ويْحَكَ. في الثّانِيَةِ أوِ الثّالِثَةِ»» . وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها﴾ أيْ: مَحَلُّ الهَدايا وانْتِهاؤُها إلى البَيْتِ العَتِيقِ وهو الكَعْبَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقالَ: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] قالَ في (الإكْلِيلِ "): فِيهِ أنَّ الهَدْيَ لا يُذْبَحُ إلّا بِالحَرَمِ. وقِيلَ: المَعْنى: مَحِلُّ هَذِهِ الشَّعائِرِ كُلِّها الطَّوّافُ بِالبَيْتِ العَتِيقِ. فَيَقْتَضِي أنَّ الحاجَّ بَعْدَ طَوافِ الإفاضَةِ. يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ. وكَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما طافَ أحَدٌ بِالبَيْتِ إلّا حَلَّ، لِهَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الحج 22:34

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٤] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ . ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ (p-٤٣٤٣)أيْ: شَرَّعْنا لِكُلِّ أُمَّةٍ أنْ يَنْسَكُوا. أيْ: يَذْبَحُوا لِوَجْهِهِ تَعالى، عَلى وجْهِ التَّقَرُّبِ. وجَعَلَ العِلَّةَ، أنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ. تَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ. عَلى النِّسائِكِ. فَـ(مَنسَكًا ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ عَلى أصْلِهِ. أوْ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القُرْبانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نِعَمًا. ﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ أيْ: أخْلِصُوا لَهُ الذِّكْرَ خاصَّةً، لا تَشُوبُوهُ بِإشْراكٍ ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾

الحج 22:35

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٥ - ٣٦] ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] . ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: خافَتْ لِتَأثُّرِهِمْ عِنْدَ ذِكْرِهِ مَزِيدَ تَأثُّرٍ: ﴿والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: في ذَبْحِها تَضْحِيَةً: ﴿خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: قائِماتٍ قَدْ صَفَفْنَ أيْدِيَهُنَّ وأرْجُلَهُنَّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قِيامًا عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ، مَعْقُولَةٌ يَدُها اليُسْرَةُ. يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أكْبَرُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: اللَّهُمَّ مِنكَ ولَكَ. وفي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أنَّهُ أتى عَلى رَجُلٍ قَدْ أناخَ (p-٤٣٤٤)بَدَنَةً وهو يَنْحَرُها. فَقالَ: ابْعَثْها قِيامًا مُقَيِّدَةً سُنَّةَ أبِي القاسِمِ ﷺ» . وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ في صِفَةِ حَجَّةِ الوَداعِ، قالَ فِيهِ: «فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ ثَلاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً. جَعَلَ يَطْعَنُها بِحَرْبَةٍ في يَدِهِ»، ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: سَقَطَتْ عَلى الأرْضِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ: ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ﴾ [الحج: ٣٦] أيِ: السّائِلَ: ﴿والمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] أيِ: المُتَعَرِّضَ بِغَيْرِ سُؤالٍ. أوِ القانِعُ الرّاضِي بِما عِنْدَهُ وبِما يُعْطى مِن غَيْرِ سُؤالٍ، والمُعْتَرُّ المُتَعَرِّضُ بِسُؤالٍ وقَدِ اسْتُنْبِطَ أنَّ الأُضْحِيَّةَ تُجَزَّأُ ثَلاثَةَ أجْزاءَ: فَيَأْكُلُ ثُلُثًا ويُهْدِي ثُلُثًا ويَتَصَدَّقُ بِثُلُثٍ. ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: ذَلَّلْناها لَكم، لِتَشْكُرُوا إنْعامَنا، والشُّكْرُ صَرْفُ العَبْدِ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ.

الحج 22:36

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٥ - ٣٦] ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] . ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: خافَتْ لِتَأثُّرِهِمْ عِنْدَ ذِكْرِهِ مَزِيدَ تَأثُّرٍ: ﴿والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: في ذَبْحِها تَضْحِيَةً: ﴿خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: قائِماتٍ قَدْ صَفَفْنَ أيْدِيَهُنَّ وأرْجُلَهُنَّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قِيامًا عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ، مَعْقُولَةٌ يَدُها اليُسْرَةُ. يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أكْبَرُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: اللَّهُمَّ مِنكَ ولَكَ. وفي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أنَّهُ أتى عَلى رَجُلٍ قَدْ أناخَ (p-٤٣٤٤)بَدَنَةً وهو يَنْحَرُها. فَقالَ: ابْعَثْها قِيامًا مُقَيِّدَةً سُنَّةَ أبِي القاسِمِ ﷺ» . وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ في صِفَةِ حَجَّةِ الوَداعِ، قالَ فِيهِ: «فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ ثَلاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً. جَعَلَ يَطْعَنُها بِحَرْبَةٍ في يَدِهِ»، ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: سَقَطَتْ عَلى الأرْضِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ: ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ﴾ [الحج: ٣٦] أيِ: السّائِلَ: ﴿والمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] أيِ: المُتَعَرِّضَ بِغَيْرِ سُؤالٍ. أوِ القانِعُ الرّاضِي بِما عِنْدَهُ وبِما يُعْطى مِن غَيْرِ سُؤالٍ، والمُعْتَرُّ المُتَعَرِّضُ بِسُؤالٍ وقَدِ اسْتُنْبِطَ أنَّ الأُضْحِيَّةَ تُجَزَّأُ ثَلاثَةَ أجْزاءَ: فَيَأْكُلُ ثُلُثًا ويُهْدِي ثُلُثًا ويَتَصَدَّقُ بِثُلُثٍ. ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: ذَلَّلْناها لَكم، لِتَشْكُرُوا إنْعامَنا، والشُّكْرُ صَرْفُ العَبْدِ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ.

الحج 22:37

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٧] ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكم كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ . ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ أيْ: لَنْ يُصِيبَ رِضاءَهُ لُحُومُها المُتَصَدَّقُ بِها، ولا دِماؤُها المِهْراقَةُ، مِن حَيْثُ أنَّها لُحُومٌ ودِماءٌ. ولَكِنْ بِمُراعاةِ النِّيَّةِ والإخْلاصِ، ابْتِغاءَ وجْهِهِ الأعْلى، ويَقْرُبُ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخِرِها: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ أيْ: لِتَعْرِفُوا عَظَمَتَهُ فَتُوَحِّدُوهُ بِالعِبادَةِ عَلى ما أرْشَدَكم إلى طَرِيقِ تَسْخِيرِها، وكَيْفِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِها عَلى لِسانِ أكْرَمِ رُسُلِهِ المَبْعُوثِ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ. وإنَّما كَرَّرَهُ تَذْكِيرًا لِلنِّعْمَةِ وتَعْلِيلًا بِما بَعْدَهُ. (p-٤٣٤٥)وفِي التَّعْلِيلِ المَذْكُورِ شاهِدٌ لِما قَدَّمْناهُ أوَّلًا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] فَتَذَكَّرْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: المُخْلِصِينَ في أعْمالِهِمْ.

الحج 22:38

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٨] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ . ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، مَسُوقٌ لِتَوْطِينِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، بِبَيانِ أنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ، بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى صَدِّهِمْ عَنِ الحَجِّ، لِيَتَفَرَّغُوا إلى أداءِ مَناسِكِهِ. كَذا قالَهُ أبُو السُّعُودِ. وسَبَقَهُ الرّازِيُّ إلَيْهِ. والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ طَلِيعَةٌ لِما بَعْدَهُ مِنَ الإذْنِ بِالقِتالِ، مُبَشِّرَةٌ بِغايَةِ النُّصْرَةِ والحِفْظِ والكِلاءَةِ والعاقِبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ. تَشْجِيعًا لَهم عَلى قِتالِ مَن ظَلَمَهم، وتَشْوِيقًا إلى اسْتِخْلاصِ بَيْتِهِ الحَرامِ، لِيَتَسَنّى لَهم إقامَةُ شَعائِرِهِ وأداءُ مَناسِكِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ أيْ: في أمانَةِ اللَّهِ: ﴿كَفُورٍ﴾ أيْ: لِنِعْمَتِهِ بِعِبادَتِهِ غَيْرَهُ، فَلا يَرْتَضِي فِعْلَهم ولا يَنْصُرُهم. وصِيغَةُ المُبالَغَةِ فِيهِما، لِأنَّهُ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، وهم كَذَلِكَ ولِأنَّ خِيانَةَ أمانَةِ اللَّهِ وكُفْرانَ نِعْمَتِهِ لا يَكُونُ حَقِيرًا، بَلْ هو أمْرٌ عَظِيمٌ.

الحج 22:39

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٩ - ٤٠] ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] . (p-٤٣٤٦)﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ أيْ: يُقاتِلُهُمُ المُشْرِكُونَ. والمَأْذُونُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ التّاءِ ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] أيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ سِوى التَّوْحِيدِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُوجَبَ الإقْرارِ والتَّمْكِينِ، لا مُوجَبَ الإخْراجِ والتَّسْيِيرِ. ومِثْلُهُ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وهو مِن تَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ. ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] أيْ: لَوْلا كَفُّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ بِالمُسْلِمِينَ، وإذْنُهُ بِمُجاهِدَةِ المُسْلِمِينَ لِلْكافِرِينَ، لاسْتَوْلى المُشْرِكُونَ عَلى أهْلِ المِلَلِ المُخْتَلِفَةِ في أزْمِنَتِهِمْ، وعَلى مُتَعَبَّداتِهِمْ فَهَدَمُوها. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومِنهُ كَفُّهُ تَعالى بِبَعْضِهِمُ التَّظالُمَ. كالسُّلْطانِ الَّذِي كَفَّ بِهِ رَعِيَّتَهُ عَنِ التَّظالُمِ بَيْنَهم ومِنهُ كَفُّهُ تَعالى لِمَن أجازَ شَهادَتَهُ بَيْنَهم بِبَعْضِهِمْ عَنِ الذَّهابِ بِحَقِّ مَن لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ. ونَحْوَ ذَلِكَ. وكُلُّ ذَلِكَ دَفْعٌ مِنهُ النّاسَ بَعْضَهم عَنْ بَعْضٍ. لَوْلا ذَلِكَ لَتَظالَمُوا. فَهَدَمَ القاهِرُونَ صَوامِعَ المَقْهُورِينَ وبِيَعَهم، وما سَمّى جَلَّ ثَناؤُهُ. و(الصَّوامِعُ ): مَبانِي الرَّهْبانِيَّةِ لِخَلْوَتِهِمْ. و(البِيَعُ ): مَعابِدُ النَّصارى. و(الصَّلَواتُ ): رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَنى بِها كَنائِسَ اليَهُودِ. سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها مَحِلُّها. وقِيلَ هي بِمَعْناها الحَقِيقِيِّ. و(هُدِّمَتْ ): بِمَعْنى عُطِّلَتْ. أوْ فِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] أيْ: يَنْصُرُ دِينَهُ وأوْلِياءَهُ. قالَ القاضِي: وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ، بِأنْ سَلَّطَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ عَلى صَنادِيدِ العَرَبِ وأكاسِرَةِ العَجَمِ وقَياصِرَتِهِمْ، وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]

الحج 22:40

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٩ - ٤٠] ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] . (p-٤٣٤٦)﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ أيْ: يُقاتِلُهُمُ المُشْرِكُونَ. والمَأْذُونُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ التّاءِ ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] أيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ سِوى التَّوْحِيدِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُوجَبَ الإقْرارِ والتَّمْكِينِ، لا مُوجَبَ الإخْراجِ والتَّسْيِيرِ. ومِثْلُهُ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وهو مِن تَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ. ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] أيْ: لَوْلا كَفُّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ بِالمُسْلِمِينَ، وإذْنُهُ بِمُجاهِدَةِ المُسْلِمِينَ لِلْكافِرِينَ، لاسْتَوْلى المُشْرِكُونَ عَلى أهْلِ المِلَلِ المُخْتَلِفَةِ في أزْمِنَتِهِمْ، وعَلى مُتَعَبَّداتِهِمْ فَهَدَمُوها. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومِنهُ كَفُّهُ تَعالى بِبَعْضِهِمُ التَّظالُمَ. كالسُّلْطانِ الَّذِي كَفَّ بِهِ رَعِيَّتَهُ عَنِ التَّظالُمِ بَيْنَهم ومِنهُ كَفُّهُ تَعالى لِمَن أجازَ شَهادَتَهُ بَيْنَهم بِبَعْضِهِمْ عَنِ الذَّهابِ بِحَقِّ مَن لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ. ونَحْوَ ذَلِكَ. وكُلُّ ذَلِكَ دَفْعٌ مِنهُ النّاسَ بَعْضَهم عَنْ بَعْضٍ. لَوْلا ذَلِكَ لَتَظالَمُوا. فَهَدَمَ القاهِرُونَ صَوامِعَ المَقْهُورِينَ وبِيَعَهم، وما سَمّى جَلَّ ثَناؤُهُ. و(الصَّوامِعُ ): مَبانِي الرَّهْبانِيَّةِ لِخَلْوَتِهِمْ. و(البِيَعُ ): مَعابِدُ النَّصارى. و(الصَّلَواتُ ): رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَنى بِها كَنائِسَ اليَهُودِ. سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها مَحِلُّها. وقِيلَ هي بِمَعْناها الحَقِيقِيِّ. و(هُدِّمَتْ ): بِمَعْنى عُطِّلَتْ. أوْ فِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] أيْ: يَنْصُرُ دِينَهُ وأوْلِياءَهُ. قالَ القاضِي: وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ، بِأنْ سَلَّطَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ عَلى صَنادِيدِ العَرَبِ وأكاسِرَةِ العَجَمِ وقَياصِرَتِهِمْ، وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]

الحج 22:41

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١] ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ . (p-٤٣٤٧)﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: مَرْجِعُها إلى حُكْمِهِ وتَقْدِيرِهِ. وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما وعَدَهُ مِن إظْهارِ أوْلِيائِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِمْ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَسْلِيَةِ نَبِيِّهِ ﷺ، عَمّا يَنالُهُ مِن أذى المُشْرِكِينَ، وحاضًّا لَهُ عَلى الصَّبْرِ عَلى ما يَلْحَقُهُ مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الحج 22:42

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٢ - ٤٤] ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ [الحج: ٤٣] ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ وكُذِّبَ مُوسى فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] . ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ﴾ وهم قَوْمُ هُودٍ: ﴿وثَمُودُ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ: ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ [الحج: ٤٣] ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ﴾ [الحج: ٤٤] وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ [الحج: ٤٤] وإنَّما لَمْ يَقُلْ و(قَوْمُ مُوسى ) كَسابِقِهِ، لِأنَّ مُوسى ما كَذَّبَهُ قَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ، وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُ قَوْمِهِ وهُمُ القِبْطُ. وفِيهِ شَيْءٌ آخَرُ كَأنَّهُ قِيلَ، بَعْدَ ما ذَكَرَ تَكْذِيبَ كُلِّ قَوْمٍ رَسُولَهم: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ [الحج: ٤٤] مَعَ وُضُوحِ آياتِهِ وعِظَمِ مُعْجِزاتِهِ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ ؟ أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ النّاصِرُ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُ لَمّا صَدَّرَ الكَلامَ بِحِكايَةِ تَكْذِيبِهِمْ، ثُمَّ عَدَّدَ أصْنافَ المُكَذِّبِينَ وطَوائِفَهم، ولَمْ يَنْتَهِ إلى مُوسى إلّا بَعْدَ طُولِ الكَلامِ، حَسُنَ تَكْرِيرُهُ لِيَلِيَ قَوْلَهُ: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ [الحج: ٤٤] فَيَتَّصِلُ المُسَبَّبُ بِالسَّبَبِ، كَما قالَ في آيَةِ (ق ) بَعْدَ تَعْدِيدِهِمْ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] فَرَبَطَ العِقابَ والوَعِيدَ، ووَصَلَهُما (p-٤٣٤٨)بِالتَّعْذِيبِ، بَعْدَ أنْ جَدَّدَ ذِكْرَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. وإيرادُ مَن زَعَمَ بِأنَّ مُوسى كَذَّبَهُ قَوْمُهُ بِعِبادَةِ العِجْلِ، إيرادُ مَن لَمْ يَفْهَمْ مَعْنى التَّكْذِيبِ الَّذِي هو رَدُّ دَعْوَةِ النَّبِيِّ وعَدَمُ الإيمانِ بِهِ والإصْرارُ عَلى الكُفْرِ بِوَحْيِهِ، والقِيامِ في وجْهِهِ وصَدِّ النّاسِ عَنِ اتِّباعِهِ. وما وقَعَ مِن قَوْمِ مُوسى هو تَخْلِيطٌ، وخَطَأُ اجْتِهادٍ، وتَعَنُّتٌ ولَجاجٌ مَعَ الِاسْتِظْلالِ بِظِلِّ دَعْوَتِهِ، والِانْتِظامِ في سِلْكِ إجابَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ [الحج: ٤٤] أيْ: أمْهَلْتُهم: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ [الحج: ٤٤] أيْ: بِالعُقُوبَةِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] أيْ: إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ.

الحج 22:43

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٢ - ٤٤] ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ [الحج: ٤٣] ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ وكُذِّبَ مُوسى فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] . ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ﴾ وهم قَوْمُ هُودٍ: ﴿وثَمُودُ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ: ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ [الحج: ٤٣] ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ﴾ [الحج: ٤٤] وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ [الحج: ٤٤] وإنَّما لَمْ يَقُلْ و(قَوْمُ مُوسى ) كَسابِقِهِ، لِأنَّ مُوسى ما كَذَّبَهُ قَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ، وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُ قَوْمِهِ وهُمُ القِبْطُ. وفِيهِ شَيْءٌ آخَرُ كَأنَّهُ قِيلَ، بَعْدَ ما ذَكَرَ تَكْذِيبَ كُلِّ قَوْمٍ رَسُولَهم: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ [الحج: ٤٤] مَعَ وُضُوحِ آياتِهِ وعِظَمِ مُعْجِزاتِهِ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ ؟ أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ النّاصِرُ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُ لَمّا صَدَّرَ الكَلامَ بِحِكايَةِ تَكْذِيبِهِمْ، ثُمَّ عَدَّدَ أصْنافَ المُكَذِّبِينَ وطَوائِفَهم، ولَمْ يَنْتَهِ إلى مُوسى إلّا بَعْدَ طُولِ الكَلامِ، حَسُنَ تَكْرِيرُهُ لِيَلِيَ قَوْلَهُ: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ [الحج: ٤٤] فَيَتَّصِلُ المُسَبَّبُ بِالسَّبَبِ، كَما قالَ في آيَةِ (ق ) بَعْدَ تَعْدِيدِهِمْ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] فَرَبَطَ العِقابَ والوَعِيدَ، ووَصَلَهُما (p-٤٣٤٨)بِالتَّعْذِيبِ، بَعْدَ أنْ جَدَّدَ ذِكْرَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. وإيرادُ مَن زَعَمَ بِأنَّ مُوسى كَذَّبَهُ قَوْمُهُ بِعِبادَةِ العِجْلِ، إيرادُ مَن لَمْ يَفْهَمْ مَعْنى التَّكْذِيبِ الَّذِي هو رَدُّ دَعْوَةِ النَّبِيِّ وعَدَمُ الإيمانِ بِهِ والإصْرارُ عَلى الكُفْرِ بِوَحْيِهِ، والقِيامِ في وجْهِهِ وصَدِّ النّاسِ عَنِ اتِّباعِهِ. وما وقَعَ مِن قَوْمِ مُوسى هو تَخْلِيطٌ، وخَطَأُ اجْتِهادٍ، وتَعَنُّتٌ ولَجاجٌ مَعَ الِاسْتِظْلالِ بِظِلِّ دَعْوَتِهِ، والِانْتِظامِ في سِلْكِ إجابَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ [الحج: ٤٤] أيْ: أمْهَلْتُهم: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ [الحج: ٤٤] أيْ: بِالعُقُوبَةِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] أيْ: إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ.

الحج 22:44

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٢ - ٤٤] ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ [الحج: ٤٣] ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ وكُذِّبَ مُوسى فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] . ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ﴾ وهم قَوْمُ هُودٍ: ﴿وثَمُودُ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ: ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ [الحج: ٤٣] ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ﴾ [الحج: ٤٤] وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ [الحج: ٤٤] وإنَّما لَمْ يَقُلْ و(قَوْمُ مُوسى ) كَسابِقِهِ، لِأنَّ مُوسى ما كَذَّبَهُ قَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ، وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُ قَوْمِهِ وهُمُ القِبْطُ. وفِيهِ شَيْءٌ آخَرُ كَأنَّهُ قِيلَ، بَعْدَ ما ذَكَرَ تَكْذِيبَ كُلِّ قَوْمٍ رَسُولَهم: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ [الحج: ٤٤] مَعَ وُضُوحِ آياتِهِ وعِظَمِ مُعْجِزاتِهِ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ ؟ أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ النّاصِرُ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُ لَمّا صَدَّرَ الكَلامَ بِحِكايَةِ تَكْذِيبِهِمْ، ثُمَّ عَدَّدَ أصْنافَ المُكَذِّبِينَ وطَوائِفَهم، ولَمْ يَنْتَهِ إلى مُوسى إلّا بَعْدَ طُولِ الكَلامِ، حَسُنَ تَكْرِيرُهُ لِيَلِيَ قَوْلَهُ: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ [الحج: ٤٤] فَيَتَّصِلُ المُسَبَّبُ بِالسَّبَبِ، كَما قالَ في آيَةِ (ق ) بَعْدَ تَعْدِيدِهِمْ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] فَرَبَطَ العِقابَ والوَعِيدَ، ووَصَلَهُما (p-٤٣٤٨)بِالتَّعْذِيبِ، بَعْدَ أنْ جَدَّدَ ذِكْرَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. وإيرادُ مَن زَعَمَ بِأنَّ مُوسى كَذَّبَهُ قَوْمُهُ بِعِبادَةِ العِجْلِ، إيرادُ مَن لَمْ يَفْهَمْ مَعْنى التَّكْذِيبِ الَّذِي هو رَدُّ دَعْوَةِ النَّبِيِّ وعَدَمُ الإيمانِ بِهِ والإصْرارُ عَلى الكُفْرِ بِوَحْيِهِ، والقِيامِ في وجْهِهِ وصَدِّ النّاسِ عَنِ اتِّباعِهِ. وما وقَعَ مِن قَوْمِ مُوسى هو تَخْلِيطٌ، وخَطَأُ اجْتِهادٍ، وتَعَنُّتٌ ولَجاجٌ مَعَ الِاسْتِظْلالِ بِظِلِّ دَعْوَتِهِ، والِانْتِظامِ في سِلْكِ إجابَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ [الحج: ٤٤] أيْ: أمْهَلْتُهم: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ [الحج: ٤٤] أيْ: بِالعُقُوبَةِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] أيْ: إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ.

الحج 22:45

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٥] ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ . ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: فَكَمْ مِن أهالِي قَرْيَةٍ: ﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ: بِالعَذابِ: ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أيْ: مُشْرِكَةٌ كافِرَةٌ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ أيْ: ساقِطَةٌ: ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ: سُقُوفِها: ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أيْ: وكَمْ مِن بِئْرٍ مَتْرُوكَةٍ لا يُسْتَقى مِنها، لِهَلاكِ أهْلِها: ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ أيْ: مَرْفُوعٍ. مِن (شادَ البِناءَ ): رَفَعَهُ. أوْ مَعْناهُ مَطْلِيٌّ ومَعْمُولٌ بِالشِّيدِ، بِالكَسْرِ، وهو الجِصُّ، أيْ: مُجَصَّصٌ، أخْلَيْناهُ عَنْ ساكِنِيهِ، ومِن شَواهِدِ الأوَّلِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كِلْ سا، فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ

الحج 22:46

(p-٤٣٤٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦] ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ . ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ في تِجارَتِهِمْ: ﴿فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ﴾ أيْ: بِما يُشاهِدُونَهُ مِن مَوادِّ الِاعْتِبارِ: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ أيْ: ما يَجِبُ أنْ يُعْقَلَ مِنَ التَّوْحِيدِ: ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ: ما يَجِبُ أنْ يُسْمَعَ مِنَ الوَحْيِ والتَّخْوِيفِ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ الضَّمِيرُ في (فَإنَّها ) لِلْقِصَّةِ. أوْ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ (الأبْصارُ ) . والمَعْنى: لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ، وإنَّما هو في عُقُولِهِمْ بِاتِّباعِ الهَوى والِانْهِماكِ في الغَفْلَةِ. وفائِدَةُ ذِكْرِ الصُّدُورِ هو التَّأْكِيدُ مِثْلَ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] و: ﴿طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] إلّا أنَّهُ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الحَقِيقَةِ، وهُنا لِتَقْرِيرِ مَعْنى المَجازِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفائِدَةُ زِيادَةُ التَّصْوِيرِ والتَّعْرِيفِ وعِبارَتُهُ: الَّذِي قَدْ تُعُورِفَ واعْتُقِدَ؛ أنَّ العَمى عَلى الحَقِيقَةِ مَكانَهُ البَصَرُ، وهو أنْ تُصابَ الحَدَقَةُ بِما يَطْمِسُ نُورَها. واسْتِعْمالُهُ في القَلْبِ اسْتِعارَةٌ ومَثَلٌ. فَلَمّا أُرِيدَ إثْباتُ ما هو خِلافُ المُعْتَقَدِ مِن نِسْبَةِ العَمى إلى القُلُوبِ حَقِيقَةً، ونَفْيِهِ عَنِ الأبْصارِ، احْتاجَ هَذا التَّصْوِيرُ إلى زِيادَةِ تَعْيِينٍ وفَضْلِ تَعْرِيفٍ، لِيَتَقَرَّرَ أنَّ مَكانَ العَمى هو القُلُوبُ لا الأبْصارُ. كَما تَقُولُ: (لَيْسَ المُضاءُ لِلسَّيْفِ، ولَكِنَّهُ لِلِسانِكَ الَّذِي بَيْنَ فَكَّيْكَ )، فَقَوْلُكَ: (الَّذِي بَيْنَ فَكَّيْكَ ) تَقْرِيرٌ لِما ادَّعَيْتَهُ لِلِسانِهِ، وتَثْبِيتٌ. لِأنَّ مَحَلَّ المُضاءِ هو هو لا غَيْرَ. وكَأنَّكَ قُلْتَ: ما نَفَيْتُ المُضاءَ عَنِ السَّيْفِ. وأثْبَتُّهُ لِلِسانِكَ، فَلْتَةً ولا سَهْوًا مِنِّي، ولَكِنْ تَعَمَّدْتُ بِهِ إيّاهُ بِعَيْنِهِ تَعَمُّدًا.

الحج 22:47

(p-٤٣٥٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ . ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ أيِ: المُبَيَّنِ في آيَةِ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيْ: فَيُصِيبَهم ما أوْعَدَهم بِهِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: هو تَعالى حَلِيمٌ لا يَعْجَلُ، فَإنَّ مِقْدارَ ألْفِ سَنَةٍ عِنْدَ خَلْقِهِ، كَيَوْمٍ واحِدٍ عِنْدَهُ، بِالنِّسْبَةِ إلى حِلْمِهِ. لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ عَلى الِانْتِقامِ قادِرٌ، وأنَّهُ لا يَفُوَتُهُ شَيْءٌ. وإنْ أنْظَرَ وأمْلى. ولِهَذا قالَ بَعْدَهُ:

الحج 22:48

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٨] ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ . ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها﴾ أيْ: أمْهَلْتُها: ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ إلى حُكْمِي مَرْجِعُ الكُلِّ فَأجْزِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ. فَتَأثُّرُ هَذِهِ الآيَةِ ما قَبْلَها صَرِيحٌ في بَيانِ خَطَئِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ المَذْكُورِ، بِبَيانِ كَمالِ سِعَةِ حِلْمِهِ تَعالى، وإظْهارِ غايَةِ ضِيقِ عِطْنِهِمْ، المُسْتَتْبَعِ لِكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عَنْهُ تَعالى، مُدَدًا طُوالًا عِنْدَهم، حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦] ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٧] ولِذَلِكَ يَرَوْنَ مَجِيئَهُ بَعِيدًا، ويَتَّخِذُونَهُ ذَرِيعَةً إلى إنْكارِهِ، ويَجْتَرِئُونَ عَلى الِاسْتِعْجالِ بِهِ، ولا يَدْرُونَ أنَّ مِعْيارَ تَقْدِيرِ الأُمُورِ كُلِّها، وُقُوعًا وإخْبارًا، ما عِنْدَهُ تَعالى مِنَ المِقْدارِ. أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو السُّعُودِ. وفِي (العِنايَةِ "): لَمّا ذَكَرَ اسْتِعْجالَهم، وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَتَخَلَّفُ ما اسْتَعْجَلُوهُ، وإنَّما أُخِّرَ (p-٤٣٥١)حِلْمًا، لِأنَّ اليَوْمَ ألْفُ سَنَةٍ عِنْدَهُ. فَما اسْتَطالُوهُ لَيْسَ بِطَوِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، بَلْ هو أقْصَرُ مِن يَوْمٍ. فَلا يُقالُ: إنَّ المُناسِبَ حِينَئِذٍ أنَّ ألْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ، والقَلْبُ لا وجْهَ لَهُ. وقالَ الرّازِيُّ: لَمّا حَكى تَعالى مِن عِظَمِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِاسْتِعْجالِ العَذابِ، بَيَّنَ أنَّ العاقِلَ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْتَعْجِلَ عَذابَ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الحج: ٤٧] يَعْنِي فِيما يَنالُهم مِنَ العَذابِ وشِدَّتِهِ: ﴿كَألْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج: ٤٧] لَوْ عُدَّ في كَثْرَةِ الآلامِ وشِدَّتِها. فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ عَرَفُوا حالَ عَذابِ الآخِرَةِ، وأنَّهُ بِهَذا الوَصْفِ لَما اسْتَعْجَلُوهُ. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، وهو أوْلى الوُجُوهِ. انْتَهى. وقَدْ حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وقِيلَ مَعْناهُ: كَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِ مَن يَوْمٌ واحِدٌ مِن أيّامِ عَذابِهِ، في طُولِ ألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِيكم. لِأنَّ أيّامَ الشَّدائِدِ مُسْتَطالَةٌ، أيْ: تُعَدُّ طَوِيلَةً كَما قِيلَ: ؎تَمَتَّعْ بِأيّامِ السُّرُورِ فَإنَّها قِصارٌ وأيّامُ الهُمُومِ طِوالُ أوْ كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ الواحِدُ، لِشِدَّةِ عَذابِهِ، كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي العَذابِ. انْتَهى. واعْتَمَدَ الوَجْهَ الأوَّلَ أبُو السُّعُودِ. وناقَشَ فِيما بَعْدَهُ؛ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ سِياقُ النَّظْمِ الجَلِيلُ ولا سِياقُهُ. فَإنَّ كُلًّا مِنهُما ناطِقٌ بِأنَّ المُرادَ هو العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ. وأنَّ الزَّمانَ المُمْتَدَّ هو الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ حُلُولِهِ بِطَرِيقِ الإمْلاءِ والإمْهالِ. لا الزَّمانُ المُقارَنُ لَهُ. ألا يَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ هو الأخْذُ العاجِلُ الشَّدِيدُ، بَعْدَ الإمْلاءِ المَدِيدِ. انْتَهى. وفِيهِ قُوَّةٌ. فاللَّهُ أعْلَمُ.

الحج 22:49

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩ - ٥١] ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: ٥٠] (p-٤٣٥٢)﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] . ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: ٥٠] وهي الجَنَّةُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] أيْ: والَّذِينَ سَعَوْا في رَدِّ آياتِنا، وصَدِّ النّاسِ عَنْها مُشاقِّينَ. فالمُعاجَزَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْمُشاقَّةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ ومُعارَضَتِهِمْ. فَكُلَّما طَلَبُوا إظْهارَ الحَقِّ طَلَبَ هَؤُلاءِ إبْطالَهُ. كَما يُقالُ: (جاراهُ في كَذا ) . قالَ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ [العنكبوت: ٤] وقُرِئَ: (مُعَجِّزِينَ ) بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. بِمَعْنى أنَّهم عَجَّزُوا النّاسَ وثَبَّطُوهم عَنِ اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والإيمانِ بِالقُرْآنِ. وكِلْتا القِراءَتَيْنِ مُتَقارِبَةُ المَعْنى. وذَلِكَ أنَّ مَن عَجَّزَ عَنْ آياتِ اللَّهِ، فَقَدْ عاجَزَ اللَّهَ. ومِن مُعاجَزَةِ اللَّهِ التَّعْجِيزُ عَنْ آياتِ اللَّهِ، والعَمَلُ بِمَعاصِيهِ، وخِلافُ أمْرِهِ. وكانَ مِن صِفَةِ القَوْمِ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآياتُ أنَّهم كانُوا يُبَطِّئُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ رَسُولِهِ. ويُغالِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَحْسَبُونَ أنَّهم يُعْجِزُونَهُ ويَغْلِبُونَهُ. وقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ نَصْرَهُ عَلَيْهِمْ. فَكانَ ذَلِكَ مُعاجَزَتَهُمُ اللَّهَ. كَذا في الشِّهابِ وابْنِ جَرِيرٍ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَسْلِيَةِ رَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَمّا كانَ يُلاقِيهِ مِن صَدِّ شَياطِينِ قَوْمِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، بِأنَّ تِلْكَ سُنَّةُ كُلِّ رَسُولٍ وأنَّ العاقِبَةَ لَهُ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

الحج 22:50

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩ - ٥١] ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: ٥٠] (p-٤٣٥٢)﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] . ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: ٥٠] وهي الجَنَّةُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] أيْ: والَّذِينَ سَعَوْا في رَدِّ آياتِنا، وصَدِّ النّاسِ عَنْها مُشاقِّينَ. فالمُعاجَزَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْمُشاقَّةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ ومُعارَضَتِهِمْ. فَكُلَّما طَلَبُوا إظْهارَ الحَقِّ طَلَبَ هَؤُلاءِ إبْطالَهُ. كَما يُقالُ: (جاراهُ في كَذا ) . قالَ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ [العنكبوت: ٤] وقُرِئَ: (مُعَجِّزِينَ ) بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. بِمَعْنى أنَّهم عَجَّزُوا النّاسَ وثَبَّطُوهم عَنِ اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والإيمانِ بِالقُرْآنِ. وكِلْتا القِراءَتَيْنِ مُتَقارِبَةُ المَعْنى. وذَلِكَ أنَّ مَن عَجَّزَ عَنْ آياتِ اللَّهِ، فَقَدْ عاجَزَ اللَّهَ. ومِن مُعاجَزَةِ اللَّهِ التَّعْجِيزُ عَنْ آياتِ اللَّهِ، والعَمَلُ بِمَعاصِيهِ، وخِلافُ أمْرِهِ. وكانَ مِن صِفَةِ القَوْمِ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآياتُ أنَّهم كانُوا يُبَطِّئُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ رَسُولِهِ. ويُغالِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَحْسَبُونَ أنَّهم يُعْجِزُونَهُ ويَغْلِبُونَهُ. وقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ نَصْرَهُ عَلَيْهِمْ. فَكانَ ذَلِكَ مُعاجَزَتَهُمُ اللَّهَ. كَذا في الشِّهابِ وابْنِ جَرِيرٍ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَسْلِيَةِ رَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَمّا كانَ يُلاقِيهِ مِن صَدِّ شَياطِينِ قَوْمِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، بِأنَّ تِلْكَ سُنَّةُ كُلِّ رَسُولٍ وأنَّ العاقِبَةَ لَهُ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

الحج 22:51

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩ - ٥١] ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: ٥٠] (p-٤٣٥٢)﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] . ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: ٥٠] وهي الجَنَّةُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] أيْ: والَّذِينَ سَعَوْا في رَدِّ آياتِنا، وصَدِّ النّاسِ عَنْها مُشاقِّينَ. فالمُعاجَزَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْمُشاقَّةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ ومُعارَضَتِهِمْ. فَكُلَّما طَلَبُوا إظْهارَ الحَقِّ طَلَبَ هَؤُلاءِ إبْطالَهُ. كَما يُقالُ: (جاراهُ في كَذا ) . قالَ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ [العنكبوت: ٤] وقُرِئَ: (مُعَجِّزِينَ ) بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. بِمَعْنى أنَّهم عَجَّزُوا النّاسَ وثَبَّطُوهم عَنِ اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والإيمانِ بِالقُرْآنِ. وكِلْتا القِراءَتَيْنِ مُتَقارِبَةُ المَعْنى. وذَلِكَ أنَّ مَن عَجَّزَ عَنْ آياتِ اللَّهِ، فَقَدْ عاجَزَ اللَّهَ. ومِن مُعاجَزَةِ اللَّهِ التَّعْجِيزُ عَنْ آياتِ اللَّهِ، والعَمَلُ بِمَعاصِيهِ، وخِلافُ أمْرِهِ. وكانَ مِن صِفَةِ القَوْمِ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآياتُ أنَّهم كانُوا يُبَطِّئُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ رَسُولِهِ. ويُغالِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَحْسَبُونَ أنَّهم يُعْجِزُونَهُ ويَغْلِبُونَهُ. وقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ نَصْرَهُ عَلَيْهِمْ. فَكانَ ذَلِكَ مُعاجَزَتَهُمُ اللَّهَ. كَذا في الشِّهابِ وابْنِ جَرِيرٍ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَسْلِيَةِ رَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَمّا كانَ يُلاقِيهِ مِن صَدِّ شَياطِينِ قَوْمِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، بِأنَّ تِلْكَ سُنَّةُ كُلِّ رَسُولٍ وأنَّ العاقِبَةَ لَهُ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

الحج 22:52

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٢] ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى﴾ أيْ: رَغِبَ في انْتِشارِ (p-٤٣٥٣)دَعْوَتِهِ، وسُرْعَةِ عُلُوِّ شِرْعَتِهِ: ﴿ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ أيْ: بِما يَصُدُّ عَنْها، ويَصْرِفُ المَدْعُوِّينَ عَنْ إجابَتِها: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ أيْ: يُبْطِلُهُ ويَمْحَقُهُ: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ أيْ: يُثْبِتُها: ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ الإلْقاءاتِ الشَّيْطانِيَّةَ، وطَرِيقَ نَسْخِها مِن وجْهِ وحْيِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُحْكِمُ آياتِهِ بِحِكْمَتِهِ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ مِن مُقْتَضَياتِ حِكْمَتِهِ أنَّهُ يَجْعَلُ الإلْقاءَ الشَّيْطانِيَّ فِتْنَةً لِلشّاكِّينَ المُنافِقِينَ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، ابْتِلاءً لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا. ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا ثَباتًا واسْتِقامَةً، فَقالَ تَعالى:

الحج 22:53

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٣] ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ . ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: شَكٌّ وارْتِيابٌ: ﴿والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهُمُ العُتاةُ المُتَمَرِّدُونَ: ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ﴾ أيْ: خِلافٍ لِلْحَقِّ: ﴿بَعِيدٍ﴾ عَنْ مُوافَقَتِهِ جِدًّا، بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وشِرْكِهِمْ.

الحج 22:54

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٤] ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم وإنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: بِالِانْقِيادِ، والخَشْيَةِ. والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ أوْ لِلَّهِ تَعالى: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلى (p-٤٣٥٤)صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: إلى طَرِيقِ الحَقِّ والِاسْتِقامَةِ، فَلا تَزِلُّ أقْدامُهم بِقَبُولِ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ولا تَقْبَلُ قُلُوبُهم إلّا ما يُلْقِي الرَّحْمَنُ، لِصَفائِها. هَذا هو الصَّوابُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ. ولَها نَظائِرُ تُظْهِرُ المُرادَ مِنها كَما أشَرْنا إلَيْهِ، لَوِ احْتاجَتْ إلى نَظِيرٍ. ولَكِنَّها بَيِّنَةٌ بِنَفْسِها، غَنِيَّةٌ عَنِ التَّطْوِيلِ في التَّأْوِيلِ، لَوْلا ما أحْوَجَ المُحَقِّقِينَ إلى رَدِّ ما دَسَّهُ بَعْضُ الرُّواةِ هُنا مِنَ الأباطِيلِ. ونَحْنُ نَسُوقُ ما قِيلَ فِيها مِن ذَلِكَ، ثُمَّ نُتْبِعُهُ بِنَقْدِ المُحَقِّقِينَ، لِئَلّا يَبْقى في نَفْسِ الواقِفِ حاجَةٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: قِيلَ: إنَّ السَّبَبَ الَّذِي مِن أجْلِهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّ الشَّيْطانَ كانَ ألْقى عَلى لِسانِهِ، في بَعْضِ ما يَتْلُوهُ مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، ما لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ عَلَيْهِ. فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واغْتَمَّ بِهِ، فَسَلّاهُ اللَّهُ مِمّا بِهِ مِن ذَلِكَ، بِهَذِهِ الآياتِ. ثُمَّ ذَكَرَ مَن قالَ ذَلِكَ. فَأسْنَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ وغَيْرِهِما؛ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ في نادٍ مِن أنْدِيَةِ قُرَيْشٍ، كَثِيرٍ أهْلُهُ، فَتَمَنّى يَوْمَئِذٍ ألّا يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ فَيَنْفِرُوا عَنْهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: { ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] }، فَقَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى إذا بَلَغَ: { ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] }، ألْقى عَلَيْهِ الشَّيْطانُ كَلِمَتَيْنِ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى. فَتَكَلَّمَ بِها، ثُمَّ مَضى فَقَرَأ السُّورَةَ كُلَّها. فَسَجَدَ في آخِرِ السُّورَةِ وسَجَدَ القَوْمُ جَمِيعًا مَعَهُ ورَضُوا بِما تَكَلَّمَ بِهِ. قالا: فَلَمّا أمْسى أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ السُّورَةَ. فَلَمّا بَلَغَ الكَلِمَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قالَ: ما جِئْتُكَ بِهاتَيْنِ. فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِ يُعَزِّيهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ [الحج: ٥٢] الآيَةَ» . وقالَ القاضِي عِياضٌ في (الشِّفا "): اعْلَمْ أنَّ لَنا في الكَلامِ عَلى مُشْكِلِ هَذا الحَدِيثِ مَأْخَذَيْنِ: أحَدُهُما في تَوْهِينِ أصْلِهِ، والثّانِي عَلى تَسْلِيمِهِ. (p-٤٣٥٥)أمّا المَأْخَذُ الأوَّلُ، فَيَكْفِيكَ أنَّ هَذا لَمْ يُخَرِّجْهُ أحَدٌ مِن أهْلِ الصِّحَّةِ، ولا رَواهُ ثِقَةٌ بِسَنَدٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ. وإنَّما أُولِعَ بِهِ وبِمِثْلِهِ المُفَسِّرُونَ والمُؤَرِّخُونَ المُولَعُونَ بِكُلِّ غَرِيبٍ، المُتَلَقِّفُونَ مِنَ الصُّحُفِ كُلَّ صَحِيحٍ وسَقِيمٍ. وصَدَقَ القاضِي بَكْرُ بْنُ العَلاءِ المالِكِيُّ حَيْثُ قالَ: لَقَدْ بُلِيَ النّاسُ بِبَعْضِ أهْلِ الأهْواءِ والتَّفاسِيرِ. وتَعَلَّقَ بِذَلِكَ المُلْحِدُونَ مَعَ ضَعْفِ بَعْضِ نَقَلَتِهِ، واضْطِرابِ رِواياتِهِ، وانْقِطاعِ إسْنادِهِ، واخْتِلافِ كَلِماتِهِ. ومَن حُكِيَتْ عَنْهُ هَذِهِ الحِكايَةُ مِنَ المُفَسِّرِينَ والتّابِعِينَ، لَمْ يُسْنِدْها أحَدٌ مِنهم ولا رَفَعَها إلى صاحِبٍ. وأكْثَرُ الطُّرُقِ عَنْهم فِيها، واهِيَةٌ ضَعِيفَةٌ، والمَرْفُوعُ فِيهِ حَدِيثُ شُعْبَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما أحْسَبُ (الشَّكُّ في الحَدِيثِ ): أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ بِمَكَّةَ، وذَكَرَ القِصَّةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ البَزّارُ: هَذا الحَدِيثُ لا نَعْلَمُهُ يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِإسْنادٍ مُتَّصِلٍ، يَجُوزُ ذِكْرُهُ إلّا هَذا، ولَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ شُعْبَةَ إلّا أُمَيَّةُ بْنُ خالِدٍ. وغَيْرُهُ يُرْسِلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وإنَّما يُعْرَفُ عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَقَدْ بَيَّنَ لَكَ أبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِن طَرِيقٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ سِوى هَذا. وفِيهِ مِنَ الضَّعْفِ ما نَبَّهَ عَلَيْهِ، مَعَ وُقُوعِ الشَّكِّ فِيما ذَكَرْناهُ، الَّذِي لا يُوثَقُ بِهِ ولا حَقِيقَةَ مَعَهُ. وأمّا حَدِيثُ الكَلْبِيِّ فَما لا تَجُوزُ الرِّوايَةُ عَنْهُ ولا ذِكْرُهُ، لِقُوَّةِ ضَعْفِهِ وكَذِبِهِ، كَما أشارَ إلَيْهِ البَزّارُ رَحِمَهُ اللَّهُ: والَّذِي مِنهُ في الصَّحِيحِ؛ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ سُورَةَ (والنَّجْمِ ) وهو بِمَكَّةَ. فَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ والإنْسُ والجِنُّ» . هَذا تَوْهِينُهُ مِن طَرِيقِ النَّقْلِ. وأمّا مِن جِهَةِ المَعْنى فَقَدْ قامَتِ الحُجَّةُ وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عِصْمَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَزاهَتِهِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الرَّذِيلَةِ. إمّا مِن تَمَنِّيهِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذا مِن مَدْحِ غَيْرِ اللَّهِ وهو كُفْرٌ، أوْ أنْ يَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ ويُشَبِّهَ عَلَيْهِ القُرْآنَ حَتّى يَجْعَلَ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ، حَتّى يُنَبِّهَهُ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ. وذَلِكَ كُلُّهُ مُمْتَنِعٌ في حَقِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. أوْ يَقُولُ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ مِن (p-٤٣٥٦)قِبَلِ نَفْسِهِ عَمْدًا، وذَلِكَ كُفْرٌ. أوْ سَهْوًا وهو مَعْصُومٌ مِن هَذا كُلِّهِ. ووَجْهٌ ثانٍ - وهو اسْتِحالَةُ هَذِهِ القِصَّةِ نَظَرًا وعُرْفًا. وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ، لَوْ كانَ كَما رُوِيَ، بَعِيدُ الِالتِئامِ، مُتَناقِضُ الأقْسامِ مُمْتَزِجُ المَدْحِ بِالذَّمِّ، مُتَخاذِلُ التَّأْلِيفِ. ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ ولا مَن بِحَضْرَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ وصَنادِيدِ المُشْرِكِينَ، مِمَّنْ يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ، وهَذا لا يَخْفى عَلى أدْنى مُتَأمِّلٍ. فَكَيْفَ بِمَن رَجَحَ حِلْمُهُ، واتَّسَعَ في بابِ البَيانِ ومَعْرِفَةِ فَصِيحِ الكَلامِ عِلْمُهُ ؟ ووَجْهٌ ثالِثٌ - أنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِن عادَةِ المُنافِقِينَ ومُعانِدِي المُشْرِكِينَ وضَعَفَةِ القُلُوبِ والجَهَلَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ، نُفُورُهم مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، وتَخْلِيطُ العَدُوِّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ لِأقَلِّ فِتْنَةٍ، وتَعْيِيرُهُمُ المُسْلِمِينَ والشَّماتُ بِهِمُ الفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ. وارْتِدادُ مَن في قَلْبِهِ مُرَضٌ مِمَّنْ أظْهَرَ الإسْلامَ لِأدْنى شُبْهَةٍ. ولَمْ يَحْكِ أحَدٌ في هَذِهِ القِصَّةِ شَيْئًا سِوى هَذِهِ الرِّوايَةِ الضَّعِيفَةِ الأصْلِ. ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَوَجَدَتْ قُرَيْشٌ بِها عَلى المُسْلِمِينَ الصَّوْلَةَ. ولَأقامَتْ بِها اليَهُودُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ. كَما فَعَلُوهُ مُكابَرَةً في قِصَّةِ الإسْراءِ حَتّى كانَتْ في ذَلِكَ لِبَعْضِ الضُّعَفاءِ رِدَّةٌ. وكَذَلِكَ ما رُوِيَ في قِصَّةِ القَضِيَّةِ. ولا فِتْنَةَ أعْظَمَ مِن هَذِهِ البَلِيَّةِ لَوْ وُجِدَتْ. ولا تَشْغِيبَ لِلْمُعادِي حِينَئِذٍ أشَدَّ مِن هَذِهِ الحادِثَةِ لَوْ أمْكَنَتْ. فَما رُوِيَ عَنْ مُعانِدٍ فِيها كَلِمَةٌ. ولا عَنْ مُسْلِمٍ بِسَبَبِها بِنْتُ شَفَةٍ. فَدَلَّ عَلى بُطْلانِها، واجْتِثاثِ أصْلِها. ولا شَكَّ في إدْخالِ بَعْضِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، عَلى بَعْضِ مُغَفَّلِي المُحَدِّثِينَ، لِيُلَبِّسَ بِهِ عَلى ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ. ووَجْهٌ رابِعٌ - ذَكَرَ الرُّواةُ لِهَذِهِ القَضِيَّةِ أنَّ فِيها نَزَلَتْ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] الآيَتَيْنِ. وهاتانِ الآيَتانِ تَرُدّانِ الخَبَرَ الَّذِي رَوَوْهُ. لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم كادُوا يَفْتِنُونَهُ حَتّى يَفْتَرِيَ، وأنَّهُ لَوْلا أنْ ثَبَّتَهُ لَكادَ يَرْكَنُ إلَيْهِمْ. فَمَضْمُونُ هَذا ومَفْهُومُهُ، أنَّ اللَّهَ تَعالى عَصَمَهُ مِن أنْ يَفْتَرِيَ، وثَبَّتَهُ حَتّى لَمْ يَرْكَنْ إلَيْهِمْ قَلِيلًا، فَكَيْفَ كَثِيرًا ؟ وهم يَرْوُونَ في أخْبارِهِمُ الواهِيَةِ أنَّهُ زادَ عَلى الرُّكُونِ والِافْتِراءِ بِمَدْحِ آلِهَتِهِمْ. وهَذا ضِدَّ مَفْهُومِ الآيَةِ، ويُضَعِّفُ الحَدِيثَ، لَوْ صَحَّ، فَكَيْفَ ولا صِحَّةَ لَهُ ؟ وأمّا المَأْخَذُ الثّانِي فَهو مَبْنِيٌّ عَلى تَسْلِيمِ الحَدِيثِ، لَوْ صَحَّ. وقَدْ أعاذَنا اللَّهُ مِن صِحَّتِهِ. ولَكِنْ عَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ أجابَ عَنْ ذَلِكَ (p-٤٣٥٧)أئِمَّةُ المُسْلِمِينَ بِأجْوِبَةٍ مِنها الغَثُّ والسَّمِينُ. فَمِنها ما رَواهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أصابَتْهُ سِنَةٌ عِنْدَ قِراءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَجَرى هَذا الكَلامُ عَلى لِسانِهِ بِحُكْمِ النَّوْمِ. وهَذا لا يَصِحُّ. إذْ لا يَجُوزُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ في حالَةٍ مِن أحْوالِهِ. ولا يَخْلُقُهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ ولا يَسْتَوْلِي الشَّيْطانُ عَلَيْهِ في نَوْمٍ ولا يَقَظَةٍ، لِعِصْمَتِهِ في هَذا البابِ مِن جَمِيعِ العَمْدِ والسَّهْوِ. وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««إنَّ عَيْنَيَّ تَنامانِ ولا يَنامُ قَلْبِي»» . وفي حَدِيثِ الكَلْبِيِّ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَدَّثَ نَفْسَهُ، فَقالَ ذَلِكَ الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ. وفي رِوايَةِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: ومِنها لَمّا أُخْبِرَ بِذَلِكَ قالَ: إنَّما ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطانِ. وكُلُّ هَذا لا يَصِحُّ أنْ يَقُولَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا سَهْوًا ولا قَصْدًا. ولا يَتَقَوَّلُهُ الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ. وقِيلَ: لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَهُ أثْناءَ تِلاوَتِهِ، عَلى تَقْدِيرِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ لِلْكُفّارِ. كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] عَلى أحَدِ التَّأْوِيلاتِ. وكَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] بَعْدَ السَّكْتِ وبَيانِ الفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ. ثُمَّ رَجَعَ إلى تِلاوَتِهِ. وهَذا مُمْكِنٌ مَعَ بَيانِ الفَصْلِ وقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلى المُرادِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَتْلُوِّ. وهو أحَدُ ما ذَكَرَهُ القاضِي أبُو بَكْرٍ. ومِمّا يَظْهَرُ في تَأْوِيلِهِ، إنْ سَلَّمْنا القِصَّةَ، أنْ يُرادَ بِالغَرانِيقِ المَلائِكَةُ. ورَجاءُ الشَّفاعَةِ مِنَ المَلائِكَةِ صَحِيحٌ. فَلَمّا تَأوَّلَهُ المُشْرِكُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها آلِهَتُهم. ولَبَّسَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ ذَلِكَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِهِمْ، وألْقاهُ إلَيْهِمْ، نَسَخَ اللَّهُ ما ألْقى الشَّيْطانُ وأحْكَمَ آياتِهِ ورَفَعَ تِلاوَةَ تِلْكَ اللَّفْظَتَيْنِ. انْتَهى كَلامُ القاضِي مُلَخَّصًا. وقالَ أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ: وقِيلَ كانَ ﷺ يُرَتِّلُ القُرْآنَ، فارْتَصَدَهُ الشَّيْطانُ في سَكْتَةٍ (p-٤٣٥٨)مِنَ السَّكَتاتِ. ونَطَقَ بِتِلْكَ الكَلِماتِ، مُحاكِيًا نَغْمَتَهُ. بِحَيْثُ سَمِعَهُ مَن دَنا إلَيْهِ، فَظَنَّها مِن قَوْلِهِ تَعالى وأشاعَها. قالَ: وهَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ. ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِ (تَمَنّى ) بِـ(تَلا ) وكَذا اسْتَحْسَنَ ابْنُ العَرَبِيِّ هَذا التَّأْوِيلَ. وقالَ قَبْلَهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَصٌّ في بَراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ ما نُسِبَ إلَيْهِ، وأنَّ الشَّيْطانَ زادَهُ في قَوْلِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، لا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ. قالَ: وقَدْ سَبَقَ إلى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ فَصَوَّبَ هَذا المَعْنى وحَوَّمَ عَلَيْهِ. واسْتِحْسانُ ابْنِ العَرَبِيِّ ذَلِكَ، عَلى فَرْضِ صِحَّةِ القِصَّةِ، وإلّا فَقَدَ قالَ: ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ رِواياتٍ كَثِيرَةً باطِلَةً لا أصْلَ لَها. وقالَ تَقِيُّ الدِّينَ بْنُ تَيْمِيَةَ: في الآيَةِ قَوْلانِ والمَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ يُوافِقُ القُرْآنَ بِذَلِكَ. والَّذِينَ مَنَعُوا ذَلِكَ مِنَ المُتَأخِّرِينَ طَعَنُوا فِيما يُنْقَلُ مِنَ الزِّيادَةِ في سُورَةِ النَّجْمِ بِقَوْلِهِ: (تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى ) . وقالُوا: إنَّ هَذا لَمْ يَثْبُتْ. ومَن عَلِمَ أنَّهُ ثَبَتَ قالَ: هَذا ألْقاهُ الشَّيْطانُ في مَسامِعِهِمْ، ولَمْ يَلْفِظْ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . ولَكِنَّ السُّؤالَ وارِدٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا. وقالُوا في قَوْلِهِ: ﴿إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] هو حَدِيثُ النَّفْسِ وأمّا الَّذِينَ قَرَّرُوا ما نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ، فَقالُوا: هَذا مَنقُولٌ نَقْلًا ثابِتًا لا يُمْكِنُ القَدْحُ فِيهِ وقالُوا: الآثارُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مَعْرُوفَةٌ ثابِتَةٌ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ والحَدِيثِ. والقُرْآنُ يُوافِقُ ذَلِكَ. فَإنَّ نَسْخَ اللَّهِ لِما يُلْقِي الشَّيْطانُ، وإحْكامَهُ آياتِهِ، إنَّما يَكُونُ لِرَفْعِ ما وقَعَ في آياتِهِ، وتَمْيِيزِ الحَقِّ عَنِ الباطِلِ حَتّى لا تَخْتَلِطَ آياتُهُ بِغَيْرِها. وجَعْلُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينِ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم، إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ ظاهِرًا يَسْمَعُهُ النّاسُ، لا باطِنًا في النَّفْسِ. والفِتْنَةُ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ النَّسْخِ، مِن جِنْسِ الفِتْنَةِ الَّتِي تَحْصُلُ بِالنَّوْعِ الآخَرِ مِنَ النَّسْخِ. وهَذا النَّوْعُ أدَلُّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، وبُعْدِهِ عَنِ الهَوى، مِن ذَلِكَ النَّوْعِ. فَإنَّهُ إذا كانَ يَأْمُرُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَأْمُرُ بِخِلافِهِ وكِلاهُما مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو مُصَدَّقٌ في ذَلِكَ، فَإذا قالَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّ الثّانِيَ هو الَّذِي (p-٤٣٥٩)مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو النّاسِخُ، وإنَّ ذَلِكَ المَرْفُوعَ الَّذِي نَسَخَهُ اللَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، كانَ أدَلَّ عَلى اعْتِمادِهِ لِلصِّدْقِ وقَوْلِ الحَقِّ. وهَذا كَما قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ألا تَرى أنَّ الَّذِي يُعَظِّمُ نَفْسَهُ بِالباطِلِ يُرِيدُ أنْ يَنْصُرَ كُلَّ ما قالَهُ ولَوْ كانَ خَطَأً. فَبَيانُ الرَّسُولِ ﷺ أنَّ اللَّهَ أحْكَمَ آياتِهِ ونَسَخَ ما ألْقاهُ الشَّيْطانُ، هو أدَلُّ عَلى تَحَرِّيهِ لِلصِّدْقِ وبَراءَتِهِ مِنَ الكَذِبِ. وهَذا هو المَقْصُودُ بِالرِّسالَةِ. فَإنَّهُ الصّادِقُ المَصْدُوقُ ﷺ تَسْلِيمًا. انْتَهى. وفِي كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ نَظَرٌ مِن وُجُوهٍ: أوَّلًا: دَعْواهُ أنَّ المَأْثُورَ يُوافِقُ القُرْآنَ. فَإنَّهُ ذَهابٌ إلى أنَّ الإلْقاءَ إلْقاءٌ في الآياتِ. ولا تَدُلُّ الآيَةُ عَلَيْهِ، لا مُطابَقَةً ولا التِزامًا. بَلِ القَوْلُ بِذَلِكَ يُنافِي التَّنْزِيلَ والوَحْيَ مُنافاةَ النّارِ لِلْماءِ، كَما سَتَراهُ. وثانِيًا: دَعْواهُ أنَّ تِلْكَ الرِّوايَةَ نَقْلُها ثابِتٌ لا يُمْكِنُ القَدْحُ فِيهِ. فَقَدْ قَدَحَ فِيها مَن لا يُحْصى مِنَ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ. ويَكْفِي أنَّ تِلْمِيذَهُ الحافِظَ ابْنَ كَثِيرٍ قالَ: قَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ها هُنا قِصَّةَ الغَرانِيقِ. وما كانَ مِن رُجُوعِ كَثِيرٍ مِنَ المُهاجِرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، ظَنًّا مِنهم أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أسْلَمُوا. ولَكِنَّها مِن طُرُقٍ كُلُّها مُرْسَلَةٌ. ولَمْ أرَها مُسْنَدَةً مِن وجْهٍ صَحِيحٍ. وتَعْدادُ طُرُقِها، بَعْدَ ضَعْفِ أصْلِها، لا يُفِيدُ. وهَذِهِ شُبْهَةٌ يَعْتَمِدُها كَثِيرٌ مِنَ الواقِفِينَ مَعَ الرِّواياتِ. يَظُنُّونَ أنَّ الضَّعِيفَ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يَقْوى. والحالُ أنَّ الضَّعِيفَ ضَعِيفٌ كَيْفَما جاءَ. وقَدْ سَرَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ لِلْحافِظِ ابْنِ حَجَرٍ. فَأخَذَ يُقَوِّي بَعْضَ طُرُقِها ويُصَحِّحُها مِن جِهَةِ الإسْنادِ. كَما سَتَمُرُّ بِكَ مُناقَشَتُهُ. ولَوْ كانَ لَها أدْنى رائِحَةٍ مِنَ الصِّحَّةِ لَأخْرَجَها البُخارِيُّ مُعَلَّقَةً أوْ مَوْقُوفَةً، أوْ أرْبابُ السُّنَنِ. (p-٤٣٦٠)وثالِثًا: اعْتِرافُهُ بِأنَّ السُّؤالَ وارِدٌ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوَتِها، وإلْقاءِ الشَّيْطانِ ذَلِكَ في مَسامِعِهِمْ، مِمّا يُبَرْهِنُ أنَّ فِيها مَغامِزَ تَنْبِذُها العُقُولُ، كَما نَبَذَتْها صِحَّةُ النُّقُولِ. * * فَصْلٌ وقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في (تَفْسِيرِهِ "): هَذِهِ الرِّوايَةُ باطِلَةٌ مَوْضُوعَةٌ، عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ والسُّنَّةِ والمَعْقُولِ. أمّا القُرْآنُ فَوُجُوهٌ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٣] وكَلِمَةُ كادَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مَعْناها أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ. وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] وكَلِمَةُ لَوْلا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ. فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الرُّكُونَ القَلِيلَ لَمْ يَحْصُلْ. وسادِسُها: إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] وأمّا السُّنَّةُ فَهي ما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ فَقالَ: هَذا وضْعٌ مِنَ الزَّنادِقَةِ. وصَنَّفَ فِيهِ كِتابًا. (p-٤٣٦١)وقالَ الإمامُ أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ البَيْهَقِيُّ: هَذِهِ القِصَّةُ غَيْرُ ثابِتَةٍ مِن جِهَةِ النَّقْلِ. ثُمَّ أخَذَ يَتَكَلَّمُ في أنَّ رُواةَ هَذِهِ القِصَّةِ مَطْعُونٌ فِيهِمْ. وأيْضًا فَقَدْ رَوىالبُخارِيُّ في صَحِيحِهِ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ قَرَأ سُورَةَ (والنَّجْمِ ) وسَجَدَ فِيها المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ والإنْسُ والجِنُّ» . ولَيْسَ فِيهِ حَدِيثُ الغَرانِيقِ. ورُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ ولَيْسَ فِيها البَتَّةَ حَدِيثُ الغَرانِيقِ. وأمّا المَعْقُولُ فَمِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَن جَوَّزَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ تَعْظِيمَ الأوْثانِ، فَقَدْ كَفَرَ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ أعْظَمَ سَعْيِهِ كانَ في نَفْيِ الأوْثانِ. وثانِيها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يُمْكِنُهُ في أوَّلِ الأمْرِ أنْ يُصَلِّيَ ويَقْرَأ القُرْآنَ عِنْدَ الكَعْبَةِ آمِنًا أذى المُشْرِكِينَ لَهُ طُولَ دَعَوْتِهِ. حَتّى كانُوا رُبَّما مَدُّوا أيْدِيَهم إلَيْهِ. وإنَّما كانَ يُصَلِّي، إذا لَمْ يَحْضُرُوها، لَيْلًا، أوْ في أوْقاتِ خَلْوَةٍ. وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهم. وثالِثُها: أنَّ مُعاداتَهم لِلرَّسُولِ كانَتْ أعْظَمَ مِن أنْ يُقِرُّوا بِهَذا القَدْرِ مِنَ القِراءَةِ، دُونَ أنْ يَقِفُوا عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ. فَكَيْفَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ عَظَّمَ آلِهَتَهم حَتّى خَرُّوا سُجَّدًا ؟ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عِنْدَهم مُوافَقَتُهُ لَهم. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] وذَلِكَ لِأنَّ إحْكامَ الآياتِ بِإزالَةِ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ عَنِ الرَّسُولِ، أقْوى مِن نَسْخِهِ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي تَبْقى الشُّبْهَةُ مَعَها. فَإذا أرادَ اللَّهُ إحْكامَ الآياتِ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ ما لَيْسَ بِقُرْآنٍ قُرْآنًا، فَبِأنْ يَمْنَعَ الشَّيْطانُ مِن ذَلِكَ أصْلًا، أوْلى. وخامِسُها: وهو أقْوى الوُجُوهِ، أنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ ارْتَفَعَ الأمانُ عَنْ شَرْعِهِ. وجَوَّزْنا (p-٤٣٦٢)فِي كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، ويَبْطُلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَإنَّهُ لا فَرْقَ في العَقْلِ بَيْنَ النُّقْصانِ عَنِ الوَحْيِ، وبَيْنَ الزِّيادَةِ فِيهِ. فَبِهَذِهِ الوُجُوهِ عَرَفْنا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مَوْضُوعَةٌ. أكْثَرُ ما في البابِ أنَّ جَمْعًا مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرَها. لَكِنَّهم ما بَلَغُوا حَدَّ التَّواتُرِ. وخَبَرُ الواحِدِ لا يُعارِضُ الدَّلائِلَ النَّقْلِيَّةَ والعَقْلِيَّةَ المُتَواتِرَةَ. ثُمَّ أطالَ الرّازِيُّ في تَفْصِيلِ المَباحِثِ. ونَقَلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ ما تَوَسَّعَ بِهِ البَحْثُ فانْظُرْهُ إنْ شِئْتَ. فَصْلٌ وكَتَبَ الأُسْتاذُ الإمامُ مُفْتِي مِصْرَ، الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عَبْدُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَقالَةً بَدِيعِيَّةً، نَقْتَبِسُ مِنها شَذَراتٍ. قالَ: يَعْلَمُ كُلُّ ناظِرٍ في كِتابِنا الإلَهِيِّ (القُرْآنِ ") ما رَفَعَ الإسْلامُ مِن شَأْنِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، والمَنزِلَةِ الَّتِي أحَلَّهم مِن حَيْثُ هم حَمَلَةُ الوَحْيِ وقُدْوَةُ البَشَرِ، في الفَضائِلِ وصالِحِ الأعْمالِ. وتَنْزِيهُهُ إيّاهم عَمّا رَماهم بِهِ أعْداؤُهم وما نَسَبَهُ إلَيْهِمُ المُعْتَقِدُونَ بِأدْيانِهِمْ. ولا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِن أهْلِ النَّظَرِ، في هَذا الدِّينِ القَوِيمِ، أنَّهُ قَدْ قَرَّرَ عِصْمَةَ الرُّسُلِ كافَّةً مِنَ الزَّلَلِ في التَّبْلِيغِ، والزَّيْغِ عَنِ الوُجْهَةِ الَّتِي وجَّهَ اللَّهُ وُجُوهَهم نَحْوَها مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ. وخَصَّ خاتَمَهم مُحَمَّدًا ﷺ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَزايا فُصِّلَتْ في ثَنايا الكِتابِ العَزِيزِ. وعِصْمَةُ الرُّسُلِ في التَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ، أصْلٌ مِن أُصُولِ الإسْلامِ. شَهِدَ بِهِ الكِتابُ وأيَّدَتْهُ السُّنَّةُ، وأجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ. وما خالَفَ فِيهِ بَعْضُ الفِرَقِ، فَإنَّما هو في غَيْرِ الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ وإبْلاغِ وحْيِهِ إلى خَلْقِهِ. ذَلِكَ الأصْلُ الَّذِي اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ الأدْيانُ، حَقٌّ لا يَرْتابُ فِيهِ مِلِّيٌّ يَفْهَمُ ما مَعْنى الدِّينِ. ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُعْدَمِ الباطِلُ فِيهِ أعْوانًا يَعْمَلُونَ عَلى هَدْمِهِ وتُوهِيَنِ رُكْنِهِ. أُولَئِكَ عُشّاقُ الرُّواةِ (p-٤٣٦٣)وعَبَدَةُ النَّقْلِ. نَظَرُوا نَظْرَةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] وفِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن أنَّ تَمَنّى بِمَعْنى قَرَأ والأُمْنِيَّةُ القِراءَةُ ) فَعَمِيَ عَلَيْهِمْ وجْهُ التَّأْوِيلِ، عَلى فَرْضِ صِحَّةِ الرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَ ما بِهِ يَصِحُّ التَّأْوِيلُ في زَعْمِهِمْ. فَقَيَّضَ لَهم مَن يَرْوِي في ذَلِكَ أحادِيثَ تَخْتَلِفُ طُرُقُها وتَتَبايَنُ ألْفاظُها وتَتَّفِقُ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَما بَلَغَ مِنهُ أذى المُشْرِكِينَ ما بَلَغَ، وأعْرَضُوا عَنْهُ، وجَفاهُ قَوْمُهُ وعَشِيرَتُهُ، لِعَيْبِهِ أصْنامَهم وزِرايَتِهِ عَلى آلِهَتِهِمْ، أخَذَهُ الضَّجَرُ مِن إعْراضِهِمْ. ولِحِرْصِهِ عَلى إسْلامِهِمْ تَمَنّى ألّا يَنْزِلَ عَلَيْهِ ما يُنَفِّرُهم، لَعَلَّهُ يَتَّخِذُ ذَلِكَ طَرِيقًا إلى اسْتِمالَتِهِمْ. فاسْتَمَرَّ بِهِ ما تَمَنّاهُ حَتّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ (والنَّجْمِ ) إلى آخِرِ ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ أوَّلًا. وقَدْ شايَعَهُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي طِباعِ النّاسِ إلْفُ الغَرِيبِ، والتَّهافُتُ عَلى العَجِيبِ. فَوَلِعُوا بِهَذِهِ التَّفاسِيرِ، ونَسُوا ما رَآهُ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ في تَأْوِيلِها. وذَهَبَ إلَيْهِ الأئِمَّةُ في بَيانِها. جاءَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في: ﴿إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] إذا حَدَّثَ ألْقى الشَّيْطانُ في حَدِيثِهِ فَيُبْطِلُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ويُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ. ويُقالُ: (أُمْنِيَّتُهُ قِراءَتُهُ ): ﴿إلا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] يَقْرَؤُونَ ولا يَكْتُبُونَ. انْتَهى. فَتَراهُ حَكى تَفْسِيرَ الأُمْنِيَّةِ بِالقِراءَةِ بِلَفْظٍ (يُقالُ ) بَعْدَما فَسَّرَها بِالحَدِيثِ رِوايَةً عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وهَذا يَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ بَيْنَ التَّفْسِيرَيْنِ. فَما يَدَّعِيهِ الشُّرّاحُ أنَّ الحَدِيثَ في رَأْيِ ابْنِ عَبّاسٍ بِمَعْنى التِّلاوَةِ يُخالِفُ ظاهِرَ العِبارَةِ. ثُمَّ حِكايَةُ تَفْسِيرِ الأُمْنِيَّةِ بِمَعْنى القِراءَةِ بِلَفْظٍ (يُقالُ ) يُفِيدُ أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَهُ. وسَيَأْتِي أنَّ المُرادَ بِالحَدِيثِ حَدِيثُ النَّفْسِ. وقالَ صاحِبُ الإبْرِيزِ: إنَّ تَفْسِيرَ (تَمَنّى ) بِمَعْنى: (قَرَأ )، و(الأُمْنِيَّةُ ) بِمَعْنى: (القِراءَةِ ) مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في نُسْخَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَواها عَلِيُّ بْنُ صالِحٍ كاتِبُ اللَّيْثِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ عُلِمَ ما لِلنّاسِ (p-٤٣٦٤)فِي ابْنِ أبِي صالِحٍ كاتِبِ اللَّيْثِ، وأنَّ المُحَقِّقِينَ عَلى تَضْعِيفِهِ. انْتَهى. وهَذا ما في الرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهي أصْلُ هَذِهِ الفِتْنَةِ وقَدْ رَأيْتُ أنَّ المُحَقِّقِينَ يُضَعِّفُونَ راوِيَها. وأمّا قِصَّةُ الغَرانِيقِ، فَمَعَ ما فِيها مِنَ الِاخْتِلافِ، فَقَدْ طَعَنَ فِيها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ، حَتّى قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّها مِن وضْعِ الزَّنادِقَةِ. كَما تَقَدَّمَ عَنِ الرّازِيِّ، ونَحْوَهُ عَنِ القاضِي عِياضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، مِن وهَنِها وسُقُوطِها مِن عِدَّةِ أوْجُهٍ. وأمّا ما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجْرٍ مِن أنَّ القِصَّةَ رُوِيَتْ مُرْسَلَةً مِن طُرُقٍ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وأنَّهُ يَحْتَجُّ بِها مَن يَرى الِاحْتِجاجَ بِالمُرْسَلِ، فَقَدْ ذَهَبَ عَلَيْهِ كَما قالَ في الإبْرِيزِ؛ أنَّ العِصْمَةَ مِنَ العَقائِدِ الَّتِي يُطْلَبُ فِيها اليَقِينُ. فالحَدِيثُ الَّذِي يُرِيدُ خَرْمَها ونَقْضَها، لا يَقْبَلُ عَلى أيِّ وجْهٍ جاءَ. وقَدْ عَدَّ الأُصُولِيُّونَ الخَبَرَ الَّذِي يَكُونُ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، مِنَ الأخْبارِ الَّتِي يَجِبُ القَطْعُ بِكَذِبِها. هَذا لَوْ فُرِضَ اتِّصالُ الحَدِيثِ، فَما ظَنُّكَ بِالمَراسِيلِ ؟ وإنَّما الخِلافُ في الِاحْتِجاجِ بِالمُرْسَلِ وعَدَمِ الِاحْتِجاجِ بِهِ، فِيما هو مِن قَبِيلِ الأعْمالِ وفُرُوعِ الأحْكامِ، لا في أُصُولِ العَقائِدِ ومَعاقِدِ الإيمانِ بِالمُرْسَلِ وما جاءُوا بِهِ. فَهي هَفْوَةٌ مِنَ ابْنِ حَجَرٍ يَغْفِرُها اللَّهُ لَهُ. هَذا ما قالَهُ الأئِمَّةُ، جَزاهُمُ اللَّهُ خَيْرًا، في بَيانِ فَسادِ هَذِهِ القِصَّةِ، وأنَّها لا أصْلَ لَها. ولا عِبْرَةَ بِرَأْيِ مَن خالَفَهم. فَلا يُعْتَدُّ بِذِكْرِها في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وإنْ بَلَغَ أرْبابُها مِنَ الشُّهْرَةِ ما بَلَغُوا. وشُهْرَةُ المُبْطِلِ في بَطَلِهِ، لا تَنْفُخُ القُوَّةَ في قَوْلِهِ. ولا تُحْمَلُ عَلى الأخْذِ بِرَأْيِهِ. ثُمَّ قالَ الأُسْتاذُ رَحِمَهُ اللَّهُ: والآنَ أرْجِعُ إلى تَفْسِيرِ الآياتِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَحْتَمِلُها ألْفاظُها وتَدُلُّ عَلَيْهِ عِباراتُها. واللَّهُ أعْلَمُ: لا يَخْفى عَلى كُلِّ مَن يَفْهَمُ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ، وقَرَأ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ، أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] الآياتِ، يَحْكِي قَدَرًا قُدِّرَ لِلْمُرْسَلِينَ كافَّةً، لا يَعْدُونَهُ ولا يَقِفُونَ دُونَهُ. ويَصِفُ شَنْشَنَةً عُرِفَتْ فِيهِمْ، وفي أُمَمِهِمْ. فَلَوْ صَحَّ ما قالَ أُولَئِكَ المُفَسِّرُونَ لَكانَ المَعْنى: أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ قَدْ سُلِّطَ الشَّيْطانُ عَلَيْهِمْ فَخَلَّطَ في الوَحْيِ المُنَزَّلِ (p-٤٣٦٥)إلَيْهِمْ. ولَكِنَّهُ بَعْدَ هَذا الخَلْطِ يَنْسَخُ اللَّهُ كَلامَ الشَّيْطانِ ويُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ إلَخْ، وهَذا مِن أقْبَحِ ما يَتَصَوَّرُ مُتَصَوِّرٌ في اخْتِصاصِ اللَّهِ تَعالى لِأنْبِيائِهِ، واخْتِيارِهِمْ مِن خاصَّةِ أوْلِيائِهِ ! فَلْنَدَعْ هَذا الهَذَيانَ، ولْنَعُدْ إلى ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ. * * ذَكَرَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ حالًا مِن أحْوالِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ قَبْلَهُ، لِيُبَيِّنَ لَهُ سُنَّتَهُ فِيهِمْ. وذَلِكَ بَعْدَ أنْ قالَ: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ [الحج: ٤٢] إلى آخِرِ الآياتِ ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج: ٤٩] ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: ٥٠] ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] إلَخْ، فالقَصَصُ السّابِقُ كانَ في تَكْذِيبِ الأُمَمِ لِأنْبِيائِهِمْ. ثُمَّ تَبِعَهُ الأمْرُ الإلَهِيُّ بِأنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ لِقَوْمِهِ: إنَّنِي لَمْ أُرْسَلْ إلَيْكم إلّا لِأُنْذِرَكم بِعاقِبَةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، ولِأُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِالنَّعِيمِ. وأمّا الَّذِينَ يَسْعَوْنَ في الآياتِ والأدِلَّةِ الَّتِي أُقِيمُها عَلى الهُدى وطُرُقِ السَّعادَةِ، لِيُحَوِّلُوا عَنْها الأنْظارَ ويَحْجُبُوها عَنِ الأبْصارِ، ويُفْسِدُوا أثَرَها الَّذِي أُقِيمَتْ لِأجْلِهِ، ويُعاجِزُوا بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، أيْ: يُسابِقُوهم لِيُعْجِزُوهم ويُسْكِتُوهم عَنِ القَوْلِ بِذَلِكَ. وذَلِكَ بِلَعِبِهِمْ بِالألْفاظِ وتَحْوِيلِها عَنْ مَقْصِدِ قائِلِها، كَما يَقَعُ عادَةً مِن أهْلِ الجَدَلِ والمُماحَكَةِ - هَؤُلاءِ الضّالُّونَ المُضِلُّونَ هم أصْحابُ الجَحِيمِ. وأعْقَبَ ذَلِكَ بِما يُفِيدُ أنَّ ما ابْتُلِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المُعاجَزَةِ في الآياتِ، قَدِ ابْتُلِيَ بِهِ الأنْبِياءُ السّابِقُونَ. فَلَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ في أُمَّةٍ إلّا كانَ لَهُ خُصُومٌ يُؤْذُونَهُ بِالتَّأْوِيلِ والتَّحْرِيفِ، ويُضادُّونَ أمانِيَهُ، ويَحُولُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَبْتَغِي، بِما يُلْقُونَ في سَبِيلِهِ مِنَ العَثَراتِ. فَعَلى هَذا المَعْنى الَّذِي يَتَّفِقُ مَعَ ما لَقِيَهُ الأنْبِياءُ جَمِيعًا، يَجِبُ أنْ تُفَسَّرَ الآيَةُ. وذَلِكَ يَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ: (p-٤٣٦٦)الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ (تَمَنّى ) بِمَعْنى: (قَرَأ ) و(الأُمْنِيَّةُ ) بِمَعْنى: (القِراءَةِ ) وهو مَعْنى قَدْ يَصِحُّ. وقَدْ ورَدَ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ فِيهِ؛ قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ * * وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ وقالَ آخَرُ: ؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ * * ∗∗∗ تَمَنِّيَ داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رِسْلِ غَيْرَ أنَّ الإلْقاءَ لا يَكُونُ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرُوهُ، بَلْ عَلى المَعْنى المَفْهُومِ مِن قَوْلِكَ: (ألْقَيْتُ في حَدِيثِ فُلانٍ )، إذا أدْخَلْتَ فِيهِ ما رُبَّما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، ولا يَكُونُ قَدْ أرادَهُ. أوْ نَسَبْتَ إلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ تَعَلُّلًا بِأنَّ ذَلِكَ الحَدِيثَ يُؤَدِّي إلَيْهِ. وذَلِكَ مِن عَمَلِ المُعاجِزِينَ الَّذِينَ يُنَصِّبُونَ أنْفُسَهم لِمُحارَبَةِ الحَقِّ، يَتَّبِعُونَ الشُّبْهَةَ، ويَسْعَوْنَ وراءَ الرِّيبَةِ، فالإلْقاءُ بِهَذا المَعْنى دَأبُهم، ونِسْبَةُ الإلْقاءِ إلى الشَّيْطانِ لِأنَّهُ مُثِيرُ الشُّبُهاتِ بِوَساوِسِهِ، مُفْسِدُ القُلُوبِ بِدَسائِسِهِ، وكُلُّ ما يَصْدُرُ مِن أهْلِ الضَّلالِ يَصِحُّ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ. ويَكُونُ المَعْنى: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا حَدَّثَ قَوْمَهُ عَنْ رَبِّهِ، أوْ تَلا وحْيًا أُنْزِلَ إلَيْهِ في هُدًى لَهم، قامَ في وجْهِهِ مُشاغِبُونَ، يُحَوِّلُونَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ عَنِ المُرادِ مِنهُ. ويَتَقَوَّلُونَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ، ويَنْشُرُونَ ذَلِكَ بَيْنَ النّاسِ، لِيُبْعِدُوهم عَنْهُ، ويَعْدِلُوا بِهِمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ثُمَّ يُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ. وما زالَ الأنْبِياءُ يَصْبِرُونَ عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا، ويُجاهِدُونَ في الحَقِّ، ولا يَعْتَدُّونَ بِتَعْجِيزِ المُعَجِّزِينَ، ولا بِهَزْءِ المُسْتَهْزِئِينَ إلى أنْ يَظْهَرَ الحَقُّ بِالمُجاهِدَةِ، ويَنْتَصِرَ عَلى الباطِلِ بِالمُجالَدَةِ. فَيَنْسَخُ اللَّهُ تِلْكَ الشُّبَهَ ويَجْتَثُّها مِن أُصُولِها، ويُثْبِتُ آياتِهِ ويُقَرِّرُها. وقَدْ وضَعَ اللَّهُ هَذِهِ السُّنَّةَ في النّاسِ لِيَتَمَيَّزَ الخَبِيثُ مِنَ الطَّيِّبِ، فَيَفْتَتِنُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وهم ضُعَفاءُ العُقُولِ، بِتِلْكَ الشُّبَهِ والوَساوِسِ، فَيَنْطَلِقُونَ وراءَها. ويَفْتَتِنُ بِها القاسِيَةُ قُلُوبُهم مِن أهْلِ العِنادِ والمُجاحَدَةِ، فَيَتَّخِذُونَها سَنَدًا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْها في جَدَلِهِمْ. ثُمَّ يَتَمَحَّصُ الحَقُّ عِنْدَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، ويُخْلِصُ لَهم بَعْدَ وُرُودِ كُلِّ شُبْهَةٍ عَلَيْهِ، فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُصَدِّقُونَ بِهِ، فَتُخْبِتُ وتَطْمَئِنُّ لَهُ قُلُوبُهم. والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ هُمُ الَّذِينَ رُزِقُوا قُوَّةَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ البُرْهانِ القاطِعِ الَّذِي (p-٤٣٦٧)يَسْتَقِرُّ بِالعَقْلِ في قَرارَةِ اليَقِينِ. وبَيْنَ المُغالَطاتِ وضُرُوبِ السَّفْسَطَةِ الَّتِي تَطِيشُ بِالفَهْمِ، وتَطِيرُ بِهِ مَعَ الوَهْمِ، وتَأْخُذُ بِالعَقْلِ تارَةً ذاتَ الشِّمالِ وأُخْرى ذاتَ اليَمِينِ. وسَواءٌ أرْجَعْتَ الضَّمِيرَ في (أنَّهُ الحَقُّ ) إلى ما جاءَتْ بِهِ الآياتُ المُحْكَماتُ مِنَ الهُدى الإلَهِيِّ أوْ إلى القُرْآنِ، وهو أجَلُّها، فالمَعْنى مِنَ الصِّحَّةِ عَلى ما يَراهُ أهْلُ التَّمْكِينِ. هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا. وهُمُ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. ولَمْ يَجْعَلْ لِلْوَهْمِ عَلَيْها سُلْطانًا، فَيَحِيدُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ النَّهْجِ القَوِيمِ. وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وهم ضُعَفاءُ العُقُولِ ومَرْضى القُلُوبِ، أوْ أهْلُ العِنادِ وزُعَماءُ الباطِلِ وقُساةُ الطِّباعِ، الَّذِينَ لا تَلِينُ أفْئِدَتُهم ولا تَبَشُّ لِلْحَقِّ قُلُوبُهم فَأُولَئِكَ لا يَزالُونَ في رَيْبٍ في الحَقِّ أوِ الكِتابِ. لا تَسْتَقِرُّ عُقُولُهم عَلَيْهِ، ولا يَرْجِعُونَ في مُتَصَرِّفاتِ شُؤُونِهِمْ إلَيْهِ. حَتّى تَأْتِيَ ساعَةُ هَلاكِهِمْ بَغْتَةً، فَيُلاقُوا حِسابَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ. أوْ إنِ امْتَدَّ بِهِمُ الزَّمَنُ، ومادَّهُمُ الأجَلُ، فَسَيُصِيبُهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ. يَوْمَ حَرْبٍ يُسامُونَ فِيهِ سُوءَ العَذابِ، القَتْلَ أوِ الأسْرَ. ويُقْذَفُونَ إلى مَطارِحِ الذُّلِّ وقَراراتِ الشَّرِّ. فَلا يَنْتِجُ لَهم مِن ذَلِكَ اليَوْمِ خَيْرٌ ولا بَرَكَةٌ، بَلْ يُسْلَبُونَ ما كانَ لَدَيْهِمْ ويُساقُونَ إلى مَصارِعِ الهَلَكَةِ. وهَذا هو العُقْمُ في أتَمِّ مَعانِيهِ وأشْأمِ دَرَجاتِهِ. ما أقْرَبَ هَذِهِ الآياتِ في مَغازِيها، إلى قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] وقَدْ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٠] ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٢] إلَخْ الآياتِ. (p-٤٣٦٨)وكَأنَّ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ مِنَ القُرْآنِ شَرْحٌ لِلْأُخْرى. فالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هُمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةُ قُلُوبُهم. والرّاسِخُونَ في العِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ. فَيَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا، فَتُخْبِتُ لَهُ قُلُوبُهم، وإنَّ اللَّهَ لَهادِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وأُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ يُفْتَتَنُونَ بِالتَّأْوِيلِ، ويَشْتَغِلُونَ بِقالَ وقِيلَ بِما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ويَصْرِفُهم عَنْ مَرامِي البَيانِ، ويَمِيلُ بِهِمْ عَنْ مَحَجَّةِ الفُرْقانِ. وما يَتَّكِئُونَ عَلَيْهِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ، لَنْ يُغْنِيَ عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. فَسَتُوافِيهِمْ آجالُهم، وتَسْتَقْبِلُهم أعْمالُهم. فَإنْ لَمْ يُوافِهِمُ الأجَلُ عَلى فِراشِهِمْ. فَسَيُغْلَبُونَ في هِراشِهِمْ. وهَذِهِ سُنَّةُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ مَعَ أُمَمِهِمْ، وسَبِيلُ الحَقِّ مَعَ الباطِلِ مِن يَوْمِ أنْ رَفَعَ اللَّهُ الإنْسانَ إلى مَنزِلَةٍ يُمَيِّزُ فِيها بَيْنَ سَعادَتِهِ وشَقائِهِ، وبَيْنَ ما يَحْفَظُهُ وما يَذْهَبُ بِبَقائِهِ. وكَما لا مَدْخَلَ لِقِصَّةِ الغَرانِيقِ في آياتِ آلِ عِمْرانَ، لا مَدْخَلَ لَها في آياتِ سُورَةِ الحَجِّ، هَذا هو الوَجْهُ الأوَّلُ في تَفْسِيرِ الآياتِ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ [الحج: ٥٢] إلى آخِرِها، عَلى تَقْدِيرِ أنَّ (تَمَنّى ) بِمَعْنى: (قَرَأ ) وأنَّ (الأُمْنِيَّةَ ) بِمَعْنى: (القِراءَةِ ) واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الآياتِ: أنَّ التَّمَنِّيَ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ. وكَذَلِكَ الأُمْنِيَّةُ. وهي أُفْعُولَةٌ بِمَعْنى المُنْيَةِ. وجَمْعُها: أمانِيُّ كَما هو مَشْهُورٌ. قالَ أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: التَّمَنِّي حَدِيثُ النَّفْسِ بِما يَكُونُ وبِما لا يَكُونُ. قالَ: والتَّمَنِّي سُؤالُ الرَّبِّ. وفي الحَدِيثِ: ««إذا تَمَنّى أحَدُكم فَلْيَتَكَثَّرْ فَإنَّما يَسْألُ رَبَّهُ»» وفي رِوايَةٍ: (فَلْيُكْثِرْ ) . قالَ ابْنُ الأثِيرِ: (التَّمَنِّي ) تَشَهِّي حُصُولِ الأمْرِ المَرْغُوبِ فِيهِ، وحَدِيثُ النَّفْسِ بِما يَكُونُ وبِما لا يَكُونُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ: تَمَنَّيْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ وأحْبَبْتُ أنْ يَصِيرَ إلَيَّ. وكُلُّ ما قِيلَ في مَعْنى التَّمَنِّي عَلى هَذا الوَجْهِ، فَهو يَرْجِعُ إلى ما ذَكَرْناهُ ويَتْبَعُهُ مَعْنى الأُمْنِيَّةِ. ما أرْسَلَ اللَّهُ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ لِيَدْعُوَ قَوْمًا إلى هَدْيٍ جَدِيدٍ، أوْ شَرْعٍ سابِقٍ شَرَعَهُ لَهم، ويَحْمِلُهم عَلى التَّصْدِيقِ بِكِتابٍ جاءَ بِهِ نَفْسُهُ إنْ كانَ رَسُولًا؛ أوْ جاءَ بِهِ غَيْرُهُ إنْ كانَ نَبِيًّا بُعِثَ لِيَحْمِلَ النّاسَ عَلى اتِّباعِ مَن سَبَقَهُ، إلّا ولَهُ أُمْنِيَّةٌ في قَوْمِهِ. وهي أنْ يَتَّبِعُوهُ (p-٤٣٦٩)ويَنْحازُوا إلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ، ويَسْتَشْفُوا مِن دائِهِمْ بِدَوائِهِ، ويَعْصُوا أهْواءَهم بِإجابَةِ نِدائِهِ. وما مِن رَسُولٍ أرْسَلَ إلّا وقَدْ كانَ أحْرَصَ عَلى إيمانِ أُمَّتِهِ. وتَصْدِيقِهِمْ بِرِسالَتِهِ، مِنهُ عَلى طَعامِهِ الَّذِي يَطْعَمُ، وشَرابِهِ الَّذِي يَشْرَبُ، وسَكَنِهِ الَّذِي يَسْكُنُ إلَيْهِ. ويَغْدُو عَنْهُ ويَرُوحُ عَلَيْنا. وقَدْ كانَ نَبِيُّنا ﷺ مِن ذَلِكَ في المَقامِ الأعْلى، والمَكانِ الأسْمى. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] وقالَ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وفي الآياتِ ما يَطُولُ سَرْدُهُ، مِمّا يَدُلُّ عَلى أمانِيهِ ﷺ المُتَعَلِّقَةِ بِهِدايَةِ قَوْمِهِ، وإخْراجِهِمْ مِن ظُلُماتِ ما كانُوا فِيهِ، إلى نُورِ ما جاءَ بِهِ. وما مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى هَذِهِ الأُمْنِيَّةَ السّامِيَةَ، ألْقى الشَّيْطانُ في سَبِيلِهِ العَثَراتِ، وأقامَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَقْصِدِهِ العَقَباتِ. ووَسْوَسَ في صُدُورِ النّاسِ. وسَلَبَهُمُ الِانْتِفاعَ بِما وُهِبُوا مِن قُوَّةِ العَقْلِ والإحْساسِ، فَثارُوا في وجْهِهِ، وصَدُّوهُ عَنْ قَصْدِهِ، وعاجَزُوهُ حَتّى لَقَدْ يُعْجِزُونَهُ، وجادَلُوهُ بِالسِّلاحِ والقَوْلِ حَتّى لَقَدْ يَقْهَرُونَهُ. فَإذا ظَهَرُوا عَلَيْهِ، والدَّعْوَةُ في بِدايَتِها، وسَهُلَ عَلَيْهِمْ إيذاؤُهُ وهو قَلِيلُ الأتْباعِ ضَعِيفُ الأنْصارِ، ظَنُّوا الحَقَّ مِن جانِبِهِمْ، وكانَ فِيما ألْقَوْهُ مِنَ العَوائِقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما عَمَدَ إلَيْهِ، فِتْنَةً لَهم. غَلَبَتْ سُنَّةُ اللَّهِ في أنْ يَكُونَ الرُّسُلُ مِن أواسِطِ قَوْمِهِمْ، أوْ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ فِيهِمْ، لِيَكُونَ العامِلُ في الإذْعانِ بِالحَقِّ مَحْضَ الدَّلِيلِ وقُوَّةَ البُرْهانِ. ولِيَكُونَ الِاخْتِيارُ المُطْلَقُ هو الحامِلُ لِمَن يُدْعى إلَيْهِ عَلى قَبُولِهِ. ولِكَيْلا يُشارِكَ الحَقُّ الباطِلَ في وسائِلِهِ، أوْ يُشارِكَهُ في نَصْبِ شِراكِهِ وحَبائِلِهِ. أنْصارُ الباطِلِ في كُلِّ زَمانٍ، هم أهْلُ الأنَفَةِ والقُوَّةِ والجاهِ والِاعْتِزازِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والعَشِيرَةِ والأعْوانِ والغُرُورِ بِالزَّخارِفِ. والزَّهْوِ بِكَثْرَةِ المَعَـــــارِفِ. (p-٤٣٧٠)وتِلْكَ الخِصالُ إنَّما تَجْتَمِعُ كُلُّها أوْ بَعْضُها في الرُّؤَساءِ وذَوِي المَكانَةِ مِنَ النّاسِ فَتُذْهِلُهم عَنْ أنْفُسِهِمْ، وتَصْرِفُ نَظَرَهم عَنْ سَبِيلِ رُشْدِهِمْ. فَإذا دَعا إلى الحَقِّ داعٍ، عَرَفَتْهُ القُلُوبُ النَّقِيَّةُ مِن أوَضارِ هَذِهِ الفَواتِنِ، وفَزِعَتْ إلَيْهِ النُّفُوسُ الصّافِيَةُ والعُقُولُ المُسْتَعِدَّةُ لِقَبُولِهِ، بِخُلُوصِها مِن هَذِهِ الشَّواغِلِ. وقَلَّما تُوجَدُ إلّا عِنْدَ الضُّعَفاءِ وأهْلِ المَسْكَنَةِ فَإذا التَفَّ هَؤُلاءِ حَوْلَ الدّاعِي وظافَرُوهُ عَلى دَعْوَتِهِ، قامَ أُولَئِكَ المَغْرُورُونَ يَقُولُونَ: ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] فَإذا اسْتَدْرَجَهُمُ اللَّهُ عَلى سُنَّتِهِ، وجَعَلَ الجِدالَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ سِجالًا، افْتَتَنَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مِن أشْياعِهِمْ، وافْتَتَنُوا هم بِما أصابُوا مِنَ الظَّفَرِ في دِفاعِهِمْ. ولَكِنَّ اللَّهَ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ. فَيَمْحَقُ ما ألْقاهُ الشَّيْطانُ مِن هَذِهِ الشُّبُهاتِ، ويَرْفَعُ هَذِهِ المَوانِعَ وتِلْكَ العَقَباتِ، ويَهُبُّ السُّلْطانُ لِآياتِهِ فَيُحْكِمُها ويُثَبِّتُ دَعائِمَها، ويُنْشِئُ مِن ضَعْفِ أنْصارِها قُوَّةً، ويَخْلُفُ لَهم مِن ذِلَّتِهِمْ عَزَّةً، وتَكُونُ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا وكَلِمَةُ الشَّيْطانِ هي السُّفْلى: ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] وفي حِكايَةِ هَذِهِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي أقامَ عَلَيْها الأنْبِياءَ والمُرْسَلِينَ، تَسْلِيَةٌ لِنَبِيِّنا ﷺ عَمّا كانَ يُلاقِي مِن قَوْمِهِ، ووَعَدَ لَهُ بِأنَّهُ سَيُكْمِلُ لَهُ دِينَهُ، ويُتِمُّ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ نِعْمَتَهُ، مَعَ اسْتِلْفاتِهِمْ إلى سِيرَةِ مَن سَبَقَهم: { ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] }، ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] هَذا هو التَّأْوِيلُ الثّانِي في مَعْنى الآيَةِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ مِنَ الآياتِ، ويُرْشِدُ إلى سِياقِ (p-٤٣٧١)القَصَصِ السّابِقِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الحج: ٤٢] إلَخْ. وأنْتَ تَرى أنَّ قِصَّةَ الغَرانِيقِ لا تَتَّفِقُ مَعَ هَذا المَعْنى الصَّحِيحِ. وهُناكَ تَأْوِيلٌ ثالِثٌ ذَكَرَهُ صاحِبُ الإبْرِيزِ وإنِّي أنْقُلُهُ بِحُرُوفِهِ وما هو بِالبَعِيدِ عَنْ هَذا بِكَثِيرٍ قالَ: (بَعْدَ ذِكْرِ أمانِيِّ الأنْبِياءِ في أُمَمِهِمْ، وطَمَعِهِمْ في إيمانِهِمْ، وشَأْنُ نَبِيِّنا ﷺ في ذَلِكَ، عَلى نَحْوٍ يَقْرُبُ مِمّا ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الثّانِي ): ثُمَّ إنَّ الأُمَّةَ تَخْتَلِفُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فَأمّا مَن كَفَرَ فَقَدْ ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ الوَساوِسَ القادِحَةَ لَهُ في الرِّسالَةِ، المُوجِبَةَ لِكُفْرِهِ. وكَذا المُؤْمِنُ أيْضًا لا يَخْلُو أيْضًا مِن وساوِسَ، لِأنَّها لازِمَةٌ لِلْإيمانِ بِالغَيْبِ في الغالِبِ، وإنَّ كانَتْ تَخْتَلِفُ في النّاسِ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ، وبِحَسَبِ المُتَعَلِّقاتِ إذا تَقَرَّرَ هَذا فَمَعْنى (تَمَنّى ): أنَّهُ يَتَمَنّى لَهُمُ الإيمانَ ويُحِبُّ لَهُمُ الخَيْرَ والرُّشْدَ والصَّلاحَ والنَّجاحَ، فَهَذِهِ أُمْنِيَّةُ كُلِّ رَسُولٍ ونَبِيٍّ. وإلْقاءُ الشَّيْطانِ فِيها، يَكُونُ بِما يُلْقِيهِ في قُلُوبِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ مِنَ الوَساوِسِ المُوجِبَةِ لِكُفْرِ بَعْضِهِمْ، ويَرْحَمُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ فَيَنْسَخُ ذَلِكَ مِن قُلُوبِهِمْ، ويُحْكِمُ فِيها الآياتِ الدّالَّةَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والرِّسالَةِ، ويُبْقِي ذَلِكَ عَزَّ وجَلَّ في قُلُوبِ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ لِيَفْتَتِنُوا بِهِ. فَخَرَجَ مِن هَذا أنَّ الوَساوِسَ تُلْقى أوَّلًا في قُلُوبِ الفَرِيقَيْنِ مَعًا، غَيْرَ أنَّها لا تَدُومُ عَلى المُؤْمِنِينَ وتَدُومُ عَلى الكافِرِينَ. انْتَهى. وأنْتَ إذا نَظَرْتَ بَيْنَ هَذا التَّفْسِيرِ وبَيْنَ ما سَبَقَهُ، تَتَبَيَّنُ الأحَقَّ بِالتَّرْجِيحِ. ولَوْ صَحَّ ما قالَهُ نَقَلَةُ قِصَّةِ الغَرانِيقِ لارْتَفَعَتِ الثِّقَةُ بِالوَحْيِ وانْتَقَضَ الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ، كَما قالَهُ القاضِي البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ. ولَكانَ الكَلامُ في النّاسِخِ كالكَلامِ في المَنسُوخِ. يَجُوزُ أنْ يُلْقِيَ فِيهِ الشَّيْطانُ ما يَشاءُ، ولانَهْدَمَ أعْظَمُ رُكْنٍ لِلشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ وهو العِصْمَةُ. وما يُقالُ في المَخْرَجِ عَنْ ذَلِكَ، يَنْفِرُ مِنهُ الذَّوْقُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ العَقْلُ عَلى أنَّ وصْفَ العَرَبِ لِآلِهَتِهِمْ بِأنَّها الغَرانِيقُ العُلى لَمْ يَرِدْ لا في نَظْمِهِمْ ولا في خُطَبِهِمْ. ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ كانَ جارِيًا عَلى ألْسِنَتِهِمْ. إلّا ما جاءَ في مُعْجَمِ ياقُوَتٍ غَيْرَ مُسْنَدٍ (p-٤٣٧٢)ولا مَعْرُوفٍ بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القِصَّةَ مِنَ اخْتِراعِ الزَّنادِقَةِ، كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ. ورُبَّما كانَتْ مَنشَأً ما أوْرَدَهُ ياقُوَتٌ. ولا يَخْفى أنَّ الغُرْنُوقَ والغِرْنِيقَ لَمْ يُعْرَفْ في اللُّغَةِ إلّا اسْمًا لِطائِرٍ مائِيٍّ أسْوَدَ أوْ أبْيَضَ. أوْ هو اسْمُ الكُرْكِيِّ أوْ طائِرٌ يُشْبِهُهُ والغِرْنِيقُ (بِالضَّمِّ وكَزُنْبُورٍ وقِنْدِيلٍ وسَمَوْألٍ وفِرْدَوْسٍ وقِرْطاسٍ وعُلابِطَ ) مَعْناهُ: الشّابُّ الأبْيَضُ الجَمِيلُ. وتُسَمّى الخَصْلَةُ مِنَ الشَّعَرِ المُفَتَّلَةِ: (الغُرْنُوقُ )، كَما يُسَمّى بِهِ ضَرْبٌ مِنَ الشَّجَرِ. ويُطْلَقُ الغُرْنُوقُ والغَرانِيقُ عَلى ما يَكُونُ في أصْلِ العَوْسَجِ اللَّيِّنِ النَّباتِ. ويُقالُ: (لُمَّةٌ غُرانِقَةٌ ) و(غُرانِقِيَّةٌ ): أيْ: ناعِمَةٌ تُفَيِّئُها الرِّيحُ. أوِ الغُرْنُوقُ النّاعِمُ المُسْتَتِرُ مِنَ النَّباتِ إلَخْ. ولا شَيْءَ في هَذِهِ المَعانِي يُلائِمُ الآلِهَةَ والأصْنامَ، حَتّى يُطْلَقَ عَلَيْها في فَصِيحِ القَوْلِ الَّذِي يُعْرَضُ عَلى مُلُوكِ البَلاغَةِ وأُمَراءِ الكَلامِ. فَلا أظُنُّكَ تَعْتَقِدُ إلّا أنَّها مِن مُفْتَرِياتِ الأعاجِمِ ومُخْتَلَقاتِ المَلَبِّسِينَ، مِمَّنْ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ حُرِّ الكَلامِ، وما اسْتَعْبَدَ مِنهُ لِضُعَفاءِ الأحْلامِ. فَراجَ ذَلِكَ عَلى مَن يُذْهِلُهُ الوَلُوعُ بِالرِّوايَةِ، عَمّا تَقْتَضِيهِ الدِّرايَةُ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] انْتَهى كَلامُ الأُسْتاذِ رَحِمَهُ اللَّهُ. ومِمَّنْ جَزَمَ بِوَضْعِ هَذِهِ القِصَّةِ جَزْمًا باتًّا، الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، حَيْثُ قالَ في كِتابِهِ " المِلَلِ " في الرَّدِّ عَلى مَن لَمْ يُوجِبِ العِصْمَةَ عَلى الأنْبِياءِ ما مِثالُهُ: اسْتَدَلُّوا بِالحَدِيثِ الكاذِبِ الَّذِي لَمْ يَصِحَّ قَطُّ في قِراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] وذَكَرُوا تِلْكَ الزِّيادَةَ المُفْتَراةَ الَّتِي تُشْبِهُ مَن وضَعَها مِن قَوْلِهِمْ: وإنَّها لَهي (الغَرانِيقُ ) العُلى وإنَّ شَفاعَتَها لَتُرْتَجى، ثُمَّ قالَ بَعْدُ: وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ الغَرانِيقُ فَكَذِبٌ بَحْتٌ مَوْضُوعٌ. لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ قَطُّ مِن طَرِيقِ النَّقْلِ، ولا مَعْنى لِلِاشْتِغالِ بِهِ، إذْ وضْعُ الكَذِبِ لا يَعْجِزُ عَنْهُ أحَدٌ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] الآيَةَ، فَلا حُجَّةَ لَهم فِيها. لِأنَّ الأمانِيَّ الواقِعَةَ في النَّفْسِ لا مَعْنى لَها. وقَدْ تَمَنّى النَّبِيُّ ﷺ إسْلامَ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، (p-٤٣٧٣)ولَمْ يُرِدِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَوْنَ ذَلِكَ. فَهَذِهِ الأمانِيُّ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا سِواها، وحاشا لِلَّهِ أنْ يَتَمَنّى نَبِيٌّ مَعْصِيَةً. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ. وهَذا الَّذِي قُلْنا هو ظاهِرُ الآيَةِ دُونَ مَزِيدِ تَكَلُّفٍ، ولا يَحِلُّ خِلافُ الظّاهِرِ إلّا بِظاهِرٍ آخَرَ وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ. انْتَهى، وقَوْلُهُ تَعالى:

الحج 22:55

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٥] ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ . ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ أيْ: في شَكٍّ وجِدالٍ مِنَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ، لِما طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً: ﴿أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أيْ: يَوْمٌ لا يَوْمٌ بَعْدَهُ. كَأنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَلِدُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأيّامِ، فَما لا يَوْمَ بَعْدَهُ يَكُونُ عَقِيمًا. والمُرادُ بِهِ السّاعَةُ أيْضًا. كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ يَأْتِيهِمْ عَذابُها، فَوُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها لِمَزِيدِ التَّهْوِيلِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. أيْ: لِأنَّهُ بِمَعْنى: شَدِيدٍ لا مِثْلَ لَهُ في شِدَّتِهِ. وتَقَدَّمَ فِيما نَقَلْنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ المَعْنى: لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في رَيْبٍ مِنَ الحَقِّ أوِ الكِتابِ، لا تَسْتَقِرُّ عُقُولُهم عَلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَ ساعَةُ هَلاكِهِمْ بَغْتَةً، فَيُلاقُونَ حِسابَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ. أوْ إنِ امْتَدَّ بِهِمُ الزَّمَنُ، ومادَّهم الأجَلُ، فَسَيُصِيبُهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ. يَوْمَ حَرْبٍ يُسامُونَ فِيهِ سُوءَ عَذابِ القَتْلِ أوِ الأسْرِ. فَلا يَنْتِجُ لَهم مِن ذَلِكَ اليَوْمِ خَيْرٌ ولا بِرْكَةٌ. بَلْ يُسْلَبُونَ ما كانَ لَدَيْهِمْ، ويُساقُونَ إلى مَصارِعِ الهَلَكَةِ، وهَذا هو العُقْمُ في أتَمِّ مَعانِيهِ وأشْأمِ دَرَجاتِهِ. انْتَهى.

الحج 22:56

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٦] ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ . (p-٤٣٧٤)﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ تَزُولُ مَرْيَتَهم: ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لِأحَدٍ تَصَرُّفٌ لا حَقِيقَةً ولا صُورَةً: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بِالمُجازاةِ، ثُمَّ فَسَّرَ الحُكْمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾

الحج 22:57

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٥٩] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الحج: ٥٨] ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩] . ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا﴾ [الحج: ٥٨] أيْ: في الجِهادِ: ﴿أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج: ٥٨] أيْ: مِنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الحج: ٥٨] ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩] قالَ في الإكْلِيلِ: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا﴾ [الحج: ٥٨] فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الأنْصارِيُّ الصَّحابِيُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ والمَيِّتَ في سَبِيلِ اللَّهِ سَواءٌ في الفَضْلِ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وهو رَأْيٌ قالَهُ جَماعَةٌ. وخالَفَهُ آخَرُونَ فَفَضَّلُوا المَقْتُولَ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُلَيْمانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««فَمَن ماتَ مُرابِطًا أجْرى اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ الأمْرِ، وأجْرى عَلَيْهِ الرِّزْقَ، وأمِنَ مِنَ الفَتّانِينَ. واقْرَؤُوا ما شِئْتُمْ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٥٨] إلى: ﴿حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩]»» .

الحج 22:58

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٥٩] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الحج: ٥٨] ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩] . ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا﴾ [الحج: ٥٨] أيْ: في الجِهادِ: ﴿أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج: ٥٨] أيْ: مِنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الحج: ٥٨] ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩] قالَ في الإكْلِيلِ: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا﴾ [الحج: ٥٨] فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الأنْصارِيُّ الصَّحابِيُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ والمَيِّتَ في سَبِيلِ اللَّهِ سَواءٌ في الفَضْلِ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وهو رَأْيٌ قالَهُ جَماعَةٌ. وخالَفَهُ آخَرُونَ فَفَضَّلُوا المَقْتُولَ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُلَيْمانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««فَمَن ماتَ مُرابِطًا أجْرى اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ الأمْرِ، وأجْرى عَلَيْهِ الرِّزْقَ، وأمِنَ مِنَ الفَتّانِينَ. واقْرَؤُوا ما شِئْتُمْ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٥٨] إلى: ﴿حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩]»» .

الحج 22:59

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٥٩] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الحج: ٥٨] ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩] . ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا﴾ [الحج: ٥٨] أيْ: في الجِهادِ: ﴿أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج: ٥٨] أيْ: مِنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الحج: ٥٨] ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩] قالَ في الإكْلِيلِ: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا﴾ [الحج: ٥٨] فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الأنْصارِيُّ الصَّحابِيُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ والمَيِّتَ في سَبِيلِ اللَّهِ سَواءٌ في الفَضْلِ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وهو رَأْيٌ قالَهُ جَماعَةٌ. وخالَفَهُ آخَرُونَ فَفَضَّلُوا المَقْتُولَ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُلَيْمانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««فَمَن ماتَ مُرابِطًا أجْرى اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ الأمْرِ، وأجْرى عَلَيْهِ الرِّزْقَ، وأمِنَ مِنَ الفَتّانِينَ. واقْرَؤُوا ما شِئْتُمْ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٥٨] إلى: ﴿حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩]»» .

الحج 22:60

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠] ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ . (p-٤٣٧٥)﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ أيْ: ومَن جازى ظالِمًا بِمِقْدارِ ظُلْمِهِ، ولَمْ يَزِدْ في الِاقْتِصاصِ مِنهُ، ثُمَّ تَعَدّى عَلَيْهِ الظّالِمُ ثانِيًا، لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ المَظْلُومَ. وإنَّما سُمِّيَ الِابْتِداءُ بِالعِقابِ، الَّذِي هو الجَزاءُ، لِلِازْدِواجِ والمُشاكَلَةِ. أوْ لِأنَّهُ سَبَبُ الجَزاءِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ تَعْرِيضٌ بِالحَثِّ عَلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ. فَإنَّهُ تَعالى مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ، لَمّا كانَ يَعْفُو ويَغْفِرُ، فَغَيْرُهُ أوْلى بِذَلِكَ. وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى النَّصْرِ. إذا لا يُوصَفُ بِالعَفْوِ إلّا القادِرُ عَلى ضِدِّهِ. فَظَهَرَ سِرُّ مُطابَقَةِ العَفُوِّ الغَفُورِ لِهَذا المَوْضِعِ.

الحج 22:61

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦١ - ٦٢] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] . ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: ذَلِكَ النَّصْرُ بِسَبَبِ أنَّهُ قادِرٌ. ومِن آياتِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ، إيلاجُ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ، بِزِيادَتِهِ في أحَدِهِما ما يَنْقُصُ مِن ساعاتِ الآخَرِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] أيْ: ذَلِكَ الصُّنْعُ الباهِرُ بِأنَّهُ المَعْبُودُ الحَقُّ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ولا نِدَّ، وأنَّ الَّذِي يَدْعُوهُ المُشْرِكُونَ هو الباطِلُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى صَنْعَةِ شَيْءٍ. بَلْ هو المَصْنُوعُ. أيْ: فَتَتْرُكُونَ عِبادَةَ مَن مِنهُ النَّفْعُ وبِيَدِهِ الضُّرُّ، وتَعْبُدُونَ الباطِلَ الَّذِي لا تَنْفَعُكم عِبادَتُهُ. وأنَّ اللَّهَ هو ذُو العُلُوِّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، والعَظِيمُ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ (p-٤٣٧٦)دُونَ عَظَمَتِهِ، فَلا أعْلى مِنهُ ولا أكْبَرَ. ثُمَّ أشارَ إلى آيَةٍ مِن آياتِ صُنْعِهِ الباهِرِ، تَقْرِيرًا لِأُلُوهِيَّتِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الحج 22:62

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦١ - ٦٢] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] . ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: ذَلِكَ النَّصْرُ بِسَبَبِ أنَّهُ قادِرٌ. ومِن آياتِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ، إيلاجُ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ، بِزِيادَتِهِ في أحَدِهِما ما يَنْقُصُ مِن ساعاتِ الآخَرِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] أيْ: ذَلِكَ الصُّنْعُ الباهِرُ بِأنَّهُ المَعْبُودُ الحَقُّ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ولا نِدَّ، وأنَّ الَّذِي يَدْعُوهُ المُشْرِكُونَ هو الباطِلُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى صَنْعَةِ شَيْءٍ. بَلْ هو المَصْنُوعُ. أيْ: فَتَتْرُكُونَ عِبادَةَ مَن مِنهُ النَّفْعُ وبِيَدِهِ الضُّرُّ، وتَعْبُدُونَ الباطِلَ الَّذِي لا تَنْفَعُكم عِبادَتُهُ. وأنَّ اللَّهَ هو ذُو العُلُوِّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، والعَظِيمُ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ (p-٤٣٧٦)دُونَ عَظَمَتِهِ، فَلا أعْلى مِنهُ ولا أكْبَرَ. ثُمَّ أشارَ إلى آيَةٍ مِن آياتِ صُنْعِهِ الباهِرِ، تَقْرِيرًا لِأُلُوهِيَّتِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الحج 22:63

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٣ - ٦٥] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] . ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: جَعَلَها مُعَدَّةً لِمَنافِعِكم: ﴿والفُلْكَ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: وسَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ، حَتّى أنَّ الفُلْكَ: ﴿تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: بِتَيْسِيرِهِ لِمَنافِعِكم: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ. أيْ: ما يُمْسِكُها ويَحْفَظُها إلّا ذَلِكَ، رَحْمَةً بِكم، فاشْكُرُوا آلاءَهُ وحْدَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: في آلائِهِ وآياتِهِ المَذْكُورَةِ، ما أبانَ فِيها مِن طُرُقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، لا إلَهَ إلّا هو. وكَذَلِكَ مِن آياتِ أُلُوهِيَّتِهِ ما تَضَمَّنَ قَوْلَهُ تَعالى:

الحج 22:64

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٣ - ٦٥] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] . ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: جَعَلَها مُعَدَّةً لِمَنافِعِكم: ﴿والفُلْكَ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: وسَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ، حَتّى أنَّ الفُلْكَ: ﴿تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: بِتَيْسِيرِهِ لِمَنافِعِكم: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ. أيْ: ما يُمْسِكُها ويَحْفَظُها إلّا ذَلِكَ، رَحْمَةً بِكم، فاشْكُرُوا آلاءَهُ وحْدَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: في آلائِهِ وآياتِهِ المَذْكُورَةِ، ما أبانَ فِيها مِن طُرُقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، لا إلَهَ إلّا هو. وكَذَلِكَ مِن آياتِ أُلُوهِيَّتِهِ ما تَضَمَّنَ قَوْلَهُ تَعالى:

الحج 22:65

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٣ - ٦٥] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] . ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: جَعَلَها مُعَدَّةً لِمَنافِعِكم: ﴿والفُلْكَ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: وسَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ، حَتّى أنَّ الفُلْكَ: ﴿تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: بِتَيْسِيرِهِ لِمَنافِعِكم: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ. أيْ: ما يُمْسِكُها ويَحْفَظُها إلّا ذَلِكَ، رَحْمَةً بِكم، فاشْكُرُوا آلاءَهُ وحْدَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: في آلائِهِ وآياتِهِ المَذْكُورَةِ، ما أبانَ فِيها مِن طُرُقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، لا إلَهَ إلّا هو. وكَذَلِكَ مِن آياتِ أُلُوهِيَّتِهِ ما تَضَمَّنَ قَوْلَهُ تَعالى:

الحج 22:66

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٦] ﴿وهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ . (p-٤٣٧٧)﴿وهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ أيْ: جَحُودٌ لِلنِّعَمِ، بِعِبادَةِ غَيْرِ بارِئِها. أوْ إشْراكِهِ مَعَهُ، مَعَ أنَّهُ هو الخالِقُ لِكُلِّ ذَلِكَ، والقادِرُ عَلَيْهِ، وغَيْرُهُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا.

الحج 22:67

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٧] ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ . ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا﴾ أيْ: وضَعْنا: ﴿مَنسَكًا﴾ أيْ: شَرِيعَةً ومُتَعَبَّدًا: ﴿هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ أيْ: في ذَلِكَ الجَعْلِ والوَضْعِ والحِوارِ في تَنَوُّعِهِ في كُلِّ أُمَّةٍ، وعَدَمِ وحْدَتِهِ، أوْ في أمْرِ ما جِئْتَهم بِهِ، زَعْمًا بِأنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْهُ بِما شَرَّعَ قَبْلَهُ. لِأنَّهُ جَهْلٌ بِحِكْمَتِهِ تَعالى في تَكْوِينِ الأُمَمِ وتَرْبِيَتِها بِالشَّرائِعِ المُناسِبَةِ لِزَمَنِها ومَكانِها، وحَياتِها ومَنشَئِها. ولِذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ أهْدى الشَّرائِعِ لِلِامْتِنانِ بِها، حِينَما بَلَغَ الإنْسانُ أعْلى طَوْرِ الرُّشْدِ ولِذَلِكَ وجَبَتِ الدَّعْوَةُ إلَيْها خاصَّةً كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ أيِ: اثْبُتْ عَلى دِينِكَ ثَباتًا لا يَطْمَعُونَ أنْ يَخْدَعُوكَ عَنْهُ. أوْ مَعْناهُ: ثابِرْ عَلى الدَّعْوَةِ إلى ما أُمِرْتَ بِهِ. فَلا تَضُرُّكَ مُنازَعَتُهم. وعَلى الكُلِّ اتِّباعُكَ وعَدَمُ مُخالَفَتِكَ، لِاسْتِقْرارِ الأمْرِ عَلى شِرْعَتِكَ. لِأنَّها الطَّرِيقُ القَوِيمُ. هَذا، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أصْلُ المَنسَكِ في كَلامِ العَرَبِ، المَوْضِعُ المُعْتادُ الَّذِي يَعْتادُهُ الرَّجُلُ ويَأْلَفُهُ، لِخَيْرٍ أوْ شَرٍّ. يُقالُ: (إنَّ لِفُلانٍ مَنسَكًا يَعْتادُهُ )، يُرادُ مَكانًا يَغْشاهُ ويَأْلَفُهُ لِخَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في مَعْنى (النُّسُكِ ) هُنا، فَقِيلَ: عِيدًا. وقِيلَ: إراقَةُ الدَّمِ (ثُمَّ اسْتَظْهَرَ ) أنَّ المَعْنى إراقَةُ الدَّمِ أيّامَ النَّحْرِ بِمِنًى. لِأنَّ المَناسِكَ الَّتِي كانَ المُشْرِكُونَ جادَلُوا فِيها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كانَتْ إراقَةُ الدَّمِ في هَذِهِ الأيّامِ، أيْ: فَلا يُنازِعُكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في ذَبْحِكَ ومَنسَكِكَ بِقَوْلِهِمْ: (أتَأْكَلُونَ ما قَتَلْتُمْ، ولا تَأْكُلُونَ المَيْتَةَ الَّتِي قَتَلَها اللَّهُ ) ؟ انْتَهى. (p-٤٣٧٨)وعَلَيْهِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالجَعْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلْنا﴾ الجَعْلَ القَدَرِيَّ لا التَّشْرِيعِيَّ. كَما قالَ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ [البقرة: ١٤٨] أيْ: هَؤُلاءِ إنَّما يَفْعَلُونَ هَذا عَنْ قَدَرِ اللَّهِ وإرادَتِهِ. فَلا تَتَأثَّرْ بِمُنازَعَتِهِمْ لَكَ، ولا يَصْرِفُكَ ذَلِكَ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْـزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧] أشارَ لَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في رِوايَةِ عَطاءٍ، أنَّ المُرادَ بِالمَنسَكِ: الشَّرِيعَةُ المِنهاجُ. قالَ: وهو اخْتِيارُ القَفّالِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وهو الَّذِي آثَرْناهُ أوَّلًا لِظُهُورِهِ فِيهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الحج 22:68

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٨ - ٧١] ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٩] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] . ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٩] أيْ: مِن أمْرِ الدِّينِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الحج: ٧١] أيْ: حُجَّةً: ﴿وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ [الحج: ٧١] أيْ: مِن ضَرُورَةِ العَقْلِ أوِ اسْتِدْلالِهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] أيْ: يَدْفَعُ عَنْهم ما يُرادُ بِهِمْ.

الحج 22:69

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٨ - ٧١] ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٩] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] . ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٩] أيْ: مِن أمْرِ الدِّينِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الحج: ٧١] أيْ: حُجَّةً: ﴿وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ [الحج: ٧١] أيْ: مِن ضَرُورَةِ العَقْلِ أوِ اسْتِدْلالِهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] أيْ: يَدْفَعُ عَنْهم ما يُرادُ بِهِمْ.

الحج 22:70

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٨ - ٧١] ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٩] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] . ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٩] أيْ: مِن أمْرِ الدِّينِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الحج: ٧١] أيْ: حُجَّةً: ﴿وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ [الحج: ٧١] أيْ: مِن ضَرُورَةِ العَقْلِ أوِ اسْتِدْلالِهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] أيْ: يَدْفَعُ عَنْهم ما يُرادُ بِهِمْ.

الحج 22:71

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٨ - ٧١] ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٩] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] . ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٩] أيْ: مِن أمْرِ الدِّينِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الحج: ٧١] أيْ: حُجَّةً: ﴿وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ [الحج: ٧١] أيْ: مِن ضَرُورَةِ العَقْلِ أوِ اسْتِدْلالِهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] أيْ: يَدْفَعُ عَنْهم ما يُرادُ بِهِمْ.

الحج 22:72

(p-٤٣٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٢ - ٧٤] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] . ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِها واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى حَقِيقَتِها وما تَضَمَّنَتْهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ أيِ: الإنْكارَ أوِ الفَظِيعَ مِنَ التَّهَجُّمِ والبُسُورِ. أوِ الشَّرَّ الَّذِي يَقْصِدُونَهُ بِظُهُورِ مَخايِلِهِ: ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أيْ: يَبْطِشُونَ بِهِمْ مِن فَرْطِ الغَيْظِ والغَضَبِ. قالَ في (فَتْحِ البَيانِ "): وكَذَلِكَ أهْلُ البِدَعِ المُضِلَّةِ، إذا سَمِعَ الواحِدُ مِنهم ما يَتْلُوهُ العالِمُ عَلَيْهِ، مِن آياتِ الكِتابِ العَزِيزِ أوْ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، مُخالِفًا لِما اعْتَقَدَهُ مِنَ الباطِلِ، رَأيْتَ في وجْهِهِ مِنَ المُنْكَرِ، ما لَوْ تَمَكَّنَ مِن أنْ يَسْطُوَ بِذَلِكَ لَفَعَلَ بِهِ ما لا يَفْعَلُهُ بِهِ ما لا يَفْعَلُهُ بِالمُشْرِكِينَ واللَّهُ يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: بُيِّنَ: ﴿مَثَلٌ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: حالٌ مُسْتَغْرَبٌ: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: تَدَبَّرُوهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ. فَإنَّ الِاسْتِماعَ بِلا تَدَبُّرٍ وتَعَقُّلٍ لا يَنْفَعُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٧٣] يَعْنِي: الأصْنامَ: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: لِخَلْقِهِ مُتَعاوِنِينَ. وتَخْصِيصُهُ الذُّبابَ، لِمَهانَتِهِ (p-٤٣٨٠)وضَفْعِهِ واسْتِقْذارِهِ. وهَذا مِن أبْلَغِ ما أُنْزِلَ في تَجْهِيلِ المُشْرِكِينَ. حَيْثُ وُصِفُوا بِالإلَهِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاقْتِدارَ عَلى المَقْدُوراتِ كُلِّها، والإحاطَةِ بِالمَعْلُوماتِ عَنْ آخِرِها، صُوَرًا وتَماثِيلَ، يَسْتَحِيلُ مِنها أنْ تَقْدِرَ عَلى أقَلِّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى وأذَلِّهِ، ولَوِ اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ: ﴿وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: هَذا الخَلْقُ الأقَلُّ الأذَلُّ، لَوِ اخْتَطَفَ مِنهم شَيْئًا فاجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَسْتَخْلِصُوهُ مِنهُ، لَمْ يَقْدِرُوا: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ﴾ [الحج: ٧٣] أيِ: الصَّنَمُ يَطْلُبُ ما سُلِبَ مِنهُ: ﴿والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] أيِ: الذُّبابُ بِما سَلَبَ. وهَذا كالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الذُّبابِ في الضَّعْفِ. ولَوْ حَقَّقْتَ وجَدْتَ الطّالِبَ أضْعَفَ وأضْعَفَ. فَإنَّ الذُّبابَ حَيَوانٌ وهو جَمادٌ. وهو غالِبٌ وذَلِكَ مَغْلُوبٌ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطّالِبِ عابِدُ الصَّنَمِ، وبِالمَطْلُوبِ مَعْبُودُهُ. قِيلَ: وهو أنْسَبُ بِالسِّياقِ لِأنَّهُ لِتَجْهِيلِهِمْ وتَحْقِيرِ مَعْبُوداتِهِمْ. فَناسَبَ إرادَتَهم والأصْنامُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ. واخْتارَ الوَجْهَ الأوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ. لِما فِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ، بِجَعْلِ الصَّنَمِ طالِبًا عَلى الفَرْضِ تَهَكُّمًا وأنَّهُ أضْعَفُ مِنَ الذُّبابِ لِأنَّهُ مَسْلُوبٌ وجَمادٌ، وذَلِكَ حَيَوانٌ بِخِلافِهِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ التَّذْيِيلِيَّةُ إخْبارٌ أوْ تَعَجُّبٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج: ٧٤] أيْ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، حَيْثُ أشْرَكُوا بِهِ ما لا يَمْتَنِعُ مِنَ الذُّبابِ ولا يَنْتَصِفُ مِنهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] أيْ: قادِرٌ وغالِبٌ. فَكَيْفَ يُتَّخَذُ العاجِزُ المَغْلُوبُ شَبِيهًا بِهِ. أوْ لَقَوِيٌّ بِنَصْرِ أوْلِيائِهِ، عَزِيزٌ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ.

الحج 22:73

(p-٤٣٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٢ - ٧٤] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] . ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِها واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى حَقِيقَتِها وما تَضَمَّنَتْهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ أيِ: الإنْكارَ أوِ الفَظِيعَ مِنَ التَّهَجُّمِ والبُسُورِ. أوِ الشَّرَّ الَّذِي يَقْصِدُونَهُ بِظُهُورِ مَخايِلِهِ: ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أيْ: يَبْطِشُونَ بِهِمْ مِن فَرْطِ الغَيْظِ والغَضَبِ. قالَ في (فَتْحِ البَيانِ "): وكَذَلِكَ أهْلُ البِدَعِ المُضِلَّةِ، إذا سَمِعَ الواحِدُ مِنهم ما يَتْلُوهُ العالِمُ عَلَيْهِ، مِن آياتِ الكِتابِ العَزِيزِ أوْ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، مُخالِفًا لِما اعْتَقَدَهُ مِنَ الباطِلِ، رَأيْتَ في وجْهِهِ مِنَ المُنْكَرِ، ما لَوْ تَمَكَّنَ مِن أنْ يَسْطُوَ بِذَلِكَ لَفَعَلَ بِهِ ما لا يَفْعَلُهُ بِهِ ما لا يَفْعَلُهُ بِالمُشْرِكِينَ واللَّهُ يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: بُيِّنَ: ﴿مَثَلٌ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: حالٌ مُسْتَغْرَبٌ: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: تَدَبَّرُوهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ. فَإنَّ الِاسْتِماعَ بِلا تَدَبُّرٍ وتَعَقُّلٍ لا يَنْفَعُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٧٣] يَعْنِي: الأصْنامَ: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: لِخَلْقِهِ مُتَعاوِنِينَ. وتَخْصِيصُهُ الذُّبابَ، لِمَهانَتِهِ (p-٤٣٨٠)وضَفْعِهِ واسْتِقْذارِهِ. وهَذا مِن أبْلَغِ ما أُنْزِلَ في تَجْهِيلِ المُشْرِكِينَ. حَيْثُ وُصِفُوا بِالإلَهِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاقْتِدارَ عَلى المَقْدُوراتِ كُلِّها، والإحاطَةِ بِالمَعْلُوماتِ عَنْ آخِرِها، صُوَرًا وتَماثِيلَ، يَسْتَحِيلُ مِنها أنْ تَقْدِرَ عَلى أقَلِّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى وأذَلِّهِ، ولَوِ اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ: ﴿وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: هَذا الخَلْقُ الأقَلُّ الأذَلُّ، لَوِ اخْتَطَفَ مِنهم شَيْئًا فاجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَسْتَخْلِصُوهُ مِنهُ، لَمْ يَقْدِرُوا: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ﴾ [الحج: ٧٣] أيِ: الصَّنَمُ يَطْلُبُ ما سُلِبَ مِنهُ: ﴿والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] أيِ: الذُّبابُ بِما سَلَبَ. وهَذا كالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الذُّبابِ في الضَّعْفِ. ولَوْ حَقَّقْتَ وجَدْتَ الطّالِبَ أضْعَفَ وأضْعَفَ. فَإنَّ الذُّبابَ حَيَوانٌ وهو جَمادٌ. وهو غالِبٌ وذَلِكَ مَغْلُوبٌ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطّالِبِ عابِدُ الصَّنَمِ، وبِالمَطْلُوبِ مَعْبُودُهُ. قِيلَ: وهو أنْسَبُ بِالسِّياقِ لِأنَّهُ لِتَجْهِيلِهِمْ وتَحْقِيرِ مَعْبُوداتِهِمْ. فَناسَبَ إرادَتَهم والأصْنامُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ. واخْتارَ الوَجْهَ الأوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ. لِما فِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ، بِجَعْلِ الصَّنَمِ طالِبًا عَلى الفَرْضِ تَهَكُّمًا وأنَّهُ أضْعَفُ مِنَ الذُّبابِ لِأنَّهُ مَسْلُوبٌ وجَمادٌ، وذَلِكَ حَيَوانٌ بِخِلافِهِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ التَّذْيِيلِيَّةُ إخْبارٌ أوْ تَعَجُّبٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج: ٧٤] أيْ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، حَيْثُ أشْرَكُوا بِهِ ما لا يَمْتَنِعُ مِنَ الذُّبابِ ولا يَنْتَصِفُ مِنهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] أيْ: قادِرٌ وغالِبٌ. فَكَيْفَ يُتَّخَذُ العاجِزُ المَغْلُوبُ شَبِيهًا بِهِ. أوْ لَقَوِيٌّ بِنَصْرِ أوْلِيائِهِ، عَزِيزٌ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ.

الحج 22:74

(p-٤٣٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٢ - ٧٤] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] . ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِها واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى حَقِيقَتِها وما تَضَمَّنَتْهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ أيِ: الإنْكارَ أوِ الفَظِيعَ مِنَ التَّهَجُّمِ والبُسُورِ. أوِ الشَّرَّ الَّذِي يَقْصِدُونَهُ بِظُهُورِ مَخايِلِهِ: ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أيْ: يَبْطِشُونَ بِهِمْ مِن فَرْطِ الغَيْظِ والغَضَبِ. قالَ في (فَتْحِ البَيانِ "): وكَذَلِكَ أهْلُ البِدَعِ المُضِلَّةِ، إذا سَمِعَ الواحِدُ مِنهم ما يَتْلُوهُ العالِمُ عَلَيْهِ، مِن آياتِ الكِتابِ العَزِيزِ أوْ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، مُخالِفًا لِما اعْتَقَدَهُ مِنَ الباطِلِ، رَأيْتَ في وجْهِهِ مِنَ المُنْكَرِ، ما لَوْ تَمَكَّنَ مِن أنْ يَسْطُوَ بِذَلِكَ لَفَعَلَ بِهِ ما لا يَفْعَلُهُ بِهِ ما لا يَفْعَلُهُ بِالمُشْرِكِينَ واللَّهُ يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: بُيِّنَ: ﴿مَثَلٌ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: حالٌ مُسْتَغْرَبٌ: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: تَدَبَّرُوهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ. فَإنَّ الِاسْتِماعَ بِلا تَدَبُّرٍ وتَعَقُّلٍ لا يَنْفَعُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٧٣] يَعْنِي: الأصْنامَ: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: لِخَلْقِهِ مُتَعاوِنِينَ. وتَخْصِيصُهُ الذُّبابَ، لِمَهانَتِهِ (p-٤٣٨٠)وضَفْعِهِ واسْتِقْذارِهِ. وهَذا مِن أبْلَغِ ما أُنْزِلَ في تَجْهِيلِ المُشْرِكِينَ. حَيْثُ وُصِفُوا بِالإلَهِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاقْتِدارَ عَلى المَقْدُوراتِ كُلِّها، والإحاطَةِ بِالمَعْلُوماتِ عَنْ آخِرِها، صُوَرًا وتَماثِيلَ، يَسْتَحِيلُ مِنها أنْ تَقْدِرَ عَلى أقَلِّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى وأذَلِّهِ، ولَوِ اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ: ﴿وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: هَذا الخَلْقُ الأقَلُّ الأذَلُّ، لَوِ اخْتَطَفَ مِنهم شَيْئًا فاجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَسْتَخْلِصُوهُ مِنهُ، لَمْ يَقْدِرُوا: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ﴾ [الحج: ٧٣] أيِ: الصَّنَمُ يَطْلُبُ ما سُلِبَ مِنهُ: ﴿والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] أيِ: الذُّبابُ بِما سَلَبَ. وهَذا كالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الذُّبابِ في الضَّعْفِ. ولَوْ حَقَّقْتَ وجَدْتَ الطّالِبَ أضْعَفَ وأضْعَفَ. فَإنَّ الذُّبابَ حَيَوانٌ وهو جَمادٌ. وهو غالِبٌ وذَلِكَ مَغْلُوبٌ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطّالِبِ عابِدُ الصَّنَمِ، وبِالمَطْلُوبِ مَعْبُودُهُ. قِيلَ: وهو أنْسَبُ بِالسِّياقِ لِأنَّهُ لِتَجْهِيلِهِمْ وتَحْقِيرِ مَعْبُوداتِهِمْ. فَناسَبَ إرادَتَهم والأصْنامُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ. واخْتارَ الوَجْهَ الأوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ. لِما فِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ، بِجَعْلِ الصَّنَمِ طالِبًا عَلى الفَرْضِ تَهَكُّمًا وأنَّهُ أضْعَفُ مِنَ الذُّبابِ لِأنَّهُ مَسْلُوبٌ وجَمادٌ، وذَلِكَ حَيَوانٌ بِخِلافِهِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ التَّذْيِيلِيَّةُ إخْبارٌ أوْ تَعَجُّبٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج: ٧٤] أيْ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، حَيْثُ أشْرَكُوا بِهِ ما لا يَمْتَنِعُ مِنَ الذُّبابِ ولا يَنْتَصِفُ مِنهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] أيْ: قادِرٌ وغالِبٌ. فَكَيْفَ يُتَّخَذُ العاجِزُ المَغْلُوبُ شَبِيهًا بِهِ. أوْ لَقَوِيٌّ بِنَصْرِ أوْلِيائِهِ، عَزِيزٌ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ.

الحج 22:75

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٥ - ٧٦] ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٦] . ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ أيْ: يَخْتارُ: ﴿مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ﴾ أيْ: فَلا نُكْرانَ لِاصْطِفائِهِ مِنَ البَشَرِ مَن شاءَ لِرِسالَتِهِ. ولا وجْهَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أأُنْـزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] قالَ (p-٤٣٨١)أبُو السُّعُودِ: كَأنَّهُ تَعالى. لَمّا قَرَّرَ وحْدانِيَّتَهُ، في الأُلُوهِيَّةِ، ونَفى أنْ يُشارِكَهُ فِيها شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ بَيَّنَ أنَّ لَهُ عِبادًا مُصْطَفَيْنَ لِلرِّسالَةِ، يُتَوَسَّلُ بِإجابَتِهِمْ والِاقْتِداءِ بِهِمْ، إلى عِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ. وتَقَدَّمَهُ بِنَحْوِهِ البَيْضاوِيُّ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [الحج: ٧٦] أيْ: ما عَمِلُوهُ وما سَيَعْمَلُونَهُ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٦] أيْ: لِأنَّهُ مالِكُها. فَلا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، مِنَ الِاصْطِفاءِ وغَيْرِهِ، وهم يُسْألُونَ.

الحج 22:76

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٥ - ٧٦] ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٦] . ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ أيْ: يَخْتارُ: ﴿مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ﴾ أيْ: فَلا نُكْرانَ لِاصْطِفائِهِ مِنَ البَشَرِ مَن شاءَ لِرِسالَتِهِ. ولا وجْهَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أأُنْـزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] قالَ (p-٤٣٨١)أبُو السُّعُودِ: كَأنَّهُ تَعالى. لَمّا قَرَّرَ وحْدانِيَّتَهُ، في الأُلُوهِيَّةِ، ونَفى أنْ يُشارِكَهُ فِيها شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ بَيَّنَ أنَّ لَهُ عِبادًا مُصْطَفَيْنَ لِلرِّسالَةِ، يُتَوَسَّلُ بِإجابَتِهِمْ والِاقْتِداءِ بِهِمْ، إلى عِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ. وتَقَدَّمَهُ بِنَحْوِهِ البَيْضاوِيُّ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [الحج: ٧٦] أيْ: ما عَمِلُوهُ وما سَيَعْمَلُونَهُ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٦] أيْ: لِأنَّهُ مالِكُها. فَلا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، مِنَ الِاصْطِفاءِ وغَيْرِهِ، وهم يُسْألُونَ.

الحج 22:77

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ . ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ أيْ: صَلُّوا. وعَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِهِما، لِأنَّهُما أعْظَمُ أرْكانِها. أوِ اخْضَعُوا لَهُ تَعالى، وخِرُّوا لَهُ سُجَّدًا، لا لِغَيْرِهِ: ﴿واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ أيْ: تَحَرَّوْهُ. كَصِلَةِ الأرْحامِ ومُواساةِ الأيْتامِ والحَضِّ عَلى الإطْعامِ والِاتِّصافِ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تَسْعَدُوا وتَفُوزُوا بِالجَنَّةِ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: لَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في السَّجْدَةِ الأُولى مِن هَذِهِ السُّورَةِ. واخْتَلَفُوا في السَّجْدَةِ الثّانِيَةِ - هَذِهِ - فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي الدَّرْداءِ وأبِي مُوسى؛ أنَّهم قالُوا: في الحَجِّ سَجْدَتانِ. وبِهِ قالَ ابْنُ المُبارَكِ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفِي الحَجِّ سَجْدَتانِ ؟ قالَ: «نَعَمْ (p-٤٣٨٢)ومَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما»» . أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قَرَأ سُورَةَ الحَجِّ فَسَجَدَ فِيها سَجْدَتَيْنِ وقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ. أخْرَجَهُ مالِكٌ في (المُوَطَّأِ ") وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الحَجَّ سَجْدَةٌ واحِدَةٌ، وهي الأُولى، ولَيْسَتْ هَذِهِ بِسَجْدَةٍ وهو قَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ. بِدَلِيلِ أنَّهُ قَرَنَ السُّجُودَ بِالرُّكُوعِ. فَدَلَّ ذَلِكَ أنَّهُ سَجْدَةُ صَلاةٍ، لا سَجْدَةَ تِلاوَةٍ - كَذا في (لُبابِ التَّأْوِيلِ ") أيْ: لِأنَّ المَعْهُودَ في مِثْلِهِ مِن كُلِّ آيَةٍ، قَرَنَ الأمْرَ بِالسُّجُودِ فِيها بِالرُّكُوعِ، كَوْنُهُ أمْرًا بِما هو رُكْنٌ لِلصَّلاةِ، بِالِاسْتِقْراءِ نَحْوَ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣] وإذا جاءَ الِاحْتِمالُ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ. وما رُوِيَ مِنَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ، قالَ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إسْنادُهُ لَيْسَ بِالقَوِيِّ. وكَذا قالَ غَيْرُهُ كَما في " شَرْحِ الهِدايَةِ " لِابْنِ الهُمامِ. قالَ الخَفاجِيُّ: لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ ما في " الكَشْفِ " أنَّ الحَقَّ أنَّ السُّجُودَ حَيْثُ ثَبَتَ، لَيْسَ مِن مُقْتَضى خُصُوصٍ في تِلْكَ الآيَةِ، لِأنَّ دَلالَةَ الآيَةِ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِحالِ التِّلاوَةِ البَتَّةَ. بَلْ إنَّما ذَلِكَ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ قَوْلِهِ. فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ الآيَةِ دالَّةً عَلى فَرْضِيَّةِ سُجُودِ الصَّلاةِ. ومَعَ ذَلِكَ يُشْرَعُ السُّجُودُ عِنْدَ تِلاوَتِها، لِما ثَبَتَ مِنَ الرِّوايَةِ فِيهِ. الثّانِي: قالَ في (اللُّبابِ ") اخْتَلَفَ العُلَماءُ في عِدَّةِ سُجُودِ التِّلاوَةِ. فَذَهَبَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً. لَكِنَّ الشّافِعِيَّ قالَ: في الحَجِّ سَجْدَتانِ. وأسْقَطَ سَجْدَةَ (ص ) . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ في الحَجِّ سَجْدَةٌ. وأثْبَتَ سَجْدَةَ (ص ) وبِهِ قالَ أحْمَدُ، في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ. فَعِنْدَهُ أنَّ السَّجَداتِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُفَصَّلَ لَيْسَ فِيهِ سُجُودٌ. يُرْوى ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ مالِكٌ. (p-٤٣٨٣)فَعَلى هَذا يَكُونُ سُجُودُ القُرْآنِ إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً. يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««في القُرْآنِ إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً»» . أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وقالَ: إسْنادُهُ واهٍ. ودَلِيلُ مَن قالَ: في القُرْآنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً ما رُوِيَ «عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في القُرْآنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً. مِنها ثَلاثٌ في المُفَصَّلِ. وفي سُورَةِ الحَجِّ سَجْدَتانِ» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ. وصَحَّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ٣] و: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. انْتَهى. والخَمْسَ عَشْرَةَ: في الأعْرافِ، والرَّعْدِ، والنَّحْلِ، والإسْراءِ، ومَرْيَمَ، والحَجِّ، والفُرْقانِ، والنَّمْلِ، والَمْ تَنْزِيلَ، وصَ، وحَمِ، والسَّجْدَةِ، والنَّجْمِ، والِانْشِقاقِ، واقْرَأْ. والمُفَصَّلُ مِن سُورَةِ الحُجُراتِ إلى آخِرِ القُرْآنِ، في أصَحِّ الأقْوالِ. سُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الفَصْلِ بَيْنَ سُوَرِهِ. الثّالِثُ: سُجُودُ التِّلاوَةِ سُنَّةٌ لِلْقارِئِ والمُسْتَمِعِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ. لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنا السُّورَةَ فِيها السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ ونَسْجُدُ مَعَهُ، حَتّى ما يَجِدُ أحَدُنا مَوْضِعًا لِجَبْهَتِهِ» . رَواهُ الشَّيْخانِ. (p-٤٣٨٤)وقالَ عُمَرُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنا السُّجُودَ إلّا أنْ نَشاءَ. رَواهُ البُخارِيُّ وقَوْلُهُ تَعالى:

الحج 22:78

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٨] ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ . ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ عامٌّ في جِهادِ الكُفّارِ والظَّلَمَةِ والنَّفْسِ. و(حَقَّ ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ. والأصْلُ (جِهادًا فِيهِ حَقًّا ) فَعَكَسَ، وأُضِيفَ الحَقُّ إلى الجِهادِ مُبالَغَةً، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ القِيامُ بِمَواجِبِهِ وشَرائِطِهِ عَلى وجْهِ التَّمامِ والكَمالِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ. وعَنِ الرَّضِيِّ: إنَّ (كُلَّ ) و(جَدَّ ) و(حَقَّ ) إذا وقَعَتْ تابِعَةً لِاسْمِ جِنْسٍ، مُضافَةً لِمِثْلِ مَتْبُوعِها لَفْظًا ومَعْنًى، نَحْوَ: (أنْتَ عالِمٌ كُلَّ عالِمٍ ) أوْ (جَدَّ عالِمٍ ) أوْ (حَقَّ عالِمٍ ) أفادَتْ أنَّهُ تَجَمَّعَ فِيهِ مِنَ الخِلالِ ما تَفَرَّقَ في الكُلِّ. وأنَّ ما سِواهُ باطِلٌ أوْ هَزْلٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أيِ: اخْتارَكم لِدِينِهِ ولِنُصْرَتِهِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى المُقْتَضى لِلْجِهادِ والدّاعِي إلَيْهِ. لِأنَّ المُخْتارَ إنَّما يَخْتارُ مَن يَقُومُ بِخِدْمَتِهِ. وهي بِما ذُكِرَ. ولِأنَّ مَن قَرَّ بِهِ العَظِيمُ، يَلْزَمُهُ دَفْعُ أعْدائِهِ ومُجاهَدَةُ نَفْسِهِ، بِتَرْكِ ما لا يَرْضاهُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ أيْ: في جَمِيعِ أُمُورِ الدِّينِ مِن ضِيقٍ، بِتَكْلِيفِ ما يَشُقُّ القِيامُ بِهِ. كَما كانَ عَلى مَن قَبْلَنا، فالتَّعْرِيفُ في الدِّينِ (p-٤٣٨٥)لِلِاسْتِغْراقِ. قالَ في (الإكْلِيلِ "): هَذا أصْلُ القاعِدَةِ (المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ "): ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الحَرَجِ. بَعْدَ حَذْفِ مُضافٍ أيْ: وسَّعَ دِينَكم تَوْسِيعَ مِلَّةِ أبِيكم إبْراهِيمَ. أوْ عَلى الإغْراءِ بِتَقْدِيرِ: (اتَّبِعُوا أوِ الزَمُوا )، أوِ الِاخْتِصاصِ بِتَقْدِيرِ: (أعْنِي ) ونَحْوَهُ. أوْ هو بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِمّا قَبْلَهُ. فَيَكُونُ مَجْرُورًا بِالفَتْحِ، أفادَهُ الشِّهابُ. قالَ القاضِي؛ وإنَّما جَعَلَهُ أباهم لِأنَّهُ أبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو كالأبِ لِأُمَّتِهِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِحَياتِهِمُ الأبَدِيَّةِ. أوْ لِأنَّ أكْثَرَ العَرَبِ كانُوا مِن ذُرِّيَّتِهِ. فَغُلِّبُوا عَلى غَيْرِهِمْ. وقالَ القاشانِيُّ: مَعْنى أُبُوَّتِهِ كَوْنُهُ مُقَدَّمًا في التَّوْحِيدِ، مُفِيضًا عَلى كُلِّ مُوَحِّدٍ، فَكُلُّهم مِن أوْلادِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقِيلَ: إنَّها كالبَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ ولِذا لَمْ يَعْطِفْ: ﴿وفِي هَذا﴾ أيِ: القُرْآنِ. أيْ: فَضَّلَكم عَلى الأُمَمِ وسَمّاكم بِهَذا الِاسْمِ الأكْرَمِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِـ(إبْراهِيمَ ) عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ القاضِي: وتَسْمِيَتُهم بِـ(مُسْلِمِينَ ) في القُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ، كانَ بِسَبَبِ تَسْمِيَتِهِ مِن قَبْلُ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] أيْ: لِدُخُولِ أكْثَرِهِمْ في الذُّرِّيَّةِ. فَجُعِلَ مُسَمِّيًا لَهم مَجازًا ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بِأنَّهُ قَدْ بَلَّغَكم رِسالاتِ رَبِّكم: ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ أيْ: بِتَبْلِيغِ الرُّسُلِ رِسالاتِ اللَّهِ إلَيْهِمْ: ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أيْ: وإذْ خَصَّكم بِهَذِهِ الكَرامَةِ والأثَرَةِ، فاعْبُدُوهُ وأنْفِقُوا مِمّا آتاكم بِالإحْسانِ إلى الفُقَراءِ والمَساكِينِ، وثِقُوا بِهِ، ولا تَطْلُبُوا النُّصْرَةَ والوِلايَةَ إلّا مِنهُ، فَهو خَيْرُ مَوْلًى وناصِرٍ. * *

المؤمنون 23:1

(p-٤٣٨٦)سُورَةُ المُؤْمِنُونَ سُمِّيَتْ بِهِمْ لِاشْتِمالِها عَلى جَلائِلِ أوْصافِهِمْ ونَتائِجِها، في أوَّلِها وفي قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إلى قَوْلِهِ: سابِقُونَ أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها آيَةً حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ، إلى قَوْلِهِ: مُبْلِسُونَ وآيُها مِائَةٌ وثَمانِي عَشْرَةَ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ الصُّبْحَ. فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ المُؤْمِنُونَ. حَتّى إذا جاءَ ذِكْرُ مُوسى وهارُونَ، أوْ ذِكْرُ عِيسى، أخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ» . (p-٤٣٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٧] ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] . ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: دَخَلُوا في الفَوْزِ الأعْظَمِ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] أيْ: مُتَذَلِّلُونَ مَعَ خَوْفٍ وسُكُونٍ لِلْجَوارِحِ، لِاسْتِيلاءِ الخَشْيَةِ والهَيْبَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] أيْ: عَنِ الفُضُولِ وما لا يَعْنِي مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، مُعْرِضُونَ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ، لِاسْتِغْراقِهِمْ بِالجِدِّ. ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] أيْ: لِلتَّجَرُّدِ عَنْ رَذِيلَةِ البُخْلِ. قِيلَ: السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ ؟ وجَوابُهُ: إنَّ الَّذِي فُرِضَ بِالمَدِينَةِ إنَّما هو النُّصْبُ والمَقادِيرُ الخاصَّةُ. وإلّا فَأصْلُ التَّفَضُّلِ بِالعَفْوِ مَشْرُوعٌ في أوائِلِ البِعْثَةِ، فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى إرادَةِ زَكاةِ النُّفُوسِ مِنَ الشِّرْكِ والعِصْيانِ، لِعَدَمِ التَّبادُرِ إلَيْهِ. { ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] } لِأنَّهُ الحَقُّ المَأْذُونُ فِيهِ (p-٤٣٨٨)﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] أيِ: الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُرْتَكِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَعْلِيقِ فَلاحِ العَبْدِ عَلى حِفْظِ فَرْجِهِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الفَلاحِ بِدُونِهِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُفْلِحِينَ. وأنَّهُ مِنَ المَلُومِينَ. ومِنَ العادِينَ. فَفاتَهُ الفَلاحُ واسْتَحَقَّ اسْمَ العُدْوانِ ووَقَعَ في اللَّوْمِ. فَمُقاساةُ ألَمِ الشَّهْوَةِ ومُعاناتُها، أيْسَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ. وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ بِغَضِّ أبْصارِهِمْ وحِفْظِ فُرُوجِهِمْ. وأنْ يُعَلِّمَهم أنَّهُ مُشاهِدٌ لِأعْمالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ. ولَمّا كانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ مِن قِبَلِ البَصَرِ، جَعَلَ الأمْرَ بِغَضِّهِ مُقَدَّمًا عَلى حِفْظِ الفَرْجِ. فَإنَّ الحَوادِثَ مَبْدَؤُها مِنَ النَّظَرِ. كَما أنَّ مُعْظَمَ النّارِ مَبْدَؤُها مِن مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ. ثُمَّ تَكُونُ نَظْرَةً، ثُمَّ تَكُونُ خَطِرَةً، ثُمَّ خُطْوَةً، ثُمَّ خَطِيئَةً. ولِهَذا قِيلَ: مَن حَفِظَ هَذِهِ الأرْبَعَةَ أحْرَزَ دِينَهُ: اللَّحَظاتُ، والخَطِراتُ، واللَّفَظاتُ. والخُطُواتُ. فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنَّ يَكُونَ بَوّابَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأبْوابِ الأرْبَعَةِ. ويُلازِمَ الرِّباطَ عَلى ثُغُورِها. فَمِنها يَدْخُلُ عَلَيْهِ العَدُوُّ، فَيَجُوسُ خِلالَ الدِّيارِ ويُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا. الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لا أعْلَمُ بَعْدَ القَتْلِ ذَنْبًا أعْظَمَ مِنَ الزِّنى. واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ»» . والنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ مِن كُلِّ نَوْعٍ أعْلاهُ لِيُطابِقَ جَوابُهُ سُؤالَ السّائِلِ. (p-٤٣٨٩)فَإنَّهُ سُئِلَ عَنْ أعْظَمِ الذَّنْبِ فَأجابَهُ بِما تَضَمَّنَ ذِكْرَ أعْظَمِ أنْواعِهِ وما هو أعْظَمُ كُلِّ نَوْعٍ، فَأعْظَمُ أنْواعِ الشِّرْكِ أنْ يَجْعَلَ العَبْدُ لِلَّهِ نِدًّا. وأعْظَمُ أنْواعِ القَتْلِ أنْ يَقْتُلَ ولَدَهُ خَشْيَةَ أنْ يُشارِكَهُ في طَعامِهِ وشَرابِهِ. وأعْظَمُ أنْواعِ الزِّنى أنْ يَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِهِ. فَإنَّ مَفْسَدَةَ الزِّنى تَتَضاعَفُ بِتَضاعُفِ ما انْتَهَكَهُ مِنَ الحَقِّ. فالزِّنى بِالمَرْأةِ الَّتِي لَها زَوْجٌ، أعْظَمُ إثْمًا وعُقُوبَةً مِنَ الزِّنى بِالَّتِي لا زَوْجَ لَها إذْ فِيهِ انْتِهاكُ حُرْمَةِ الزَّوْجِ وإفْسادُ فِراشِهِ، وتَعْلِيقُ نَسَبٍ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ مِنهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ أذاهُ. فَهو أعْظَمُ إثْمًا وجُرْمًا مِنَ الزِّنى بِغَيْرِ ذاتِ الزَّوْجِ فَإذا كانَ زَوْجُها جارًا لَهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ سُوءُ الجِوارِ، وأذى جارِهِ بِأعْلى أنْواعِ الأذى. وذَلِكَ مِن أعْظَمِ البَوائِقِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ»» . ولا بائِقَةَ أعْظَمَ مِنَ الزِّنى بِامْرَأتِهِ. فالزِّنى بِمِائَةِ امْرَأةٍ لَها زَوْجٌ أيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الزِّنى بِامْرَأةِ الجارِ. فَإنْ كانَ أخًا لَهُ، أوْ قَرِيبًا مِن أقارِبِهِ، انْضَمَّ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، فَيَتَضاعَفُ الإثْمُ. فَإنْ كانَ الجارُ غائِبًا في طاعَةِ اللَّهِ، كالصَّلاةِ وطَلَبِ العِلْمِ والجِهادِ، تَضاعَفَ الإثْمُ، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ رَحِمًا مِنهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمِها. فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يَكُونَ الزّانِي مُحْصَنًا، كانَ الإثْمُ أعْظَمَ. فَإنْ كانَ شَيْخًا كانَ أعْظَمَ إثْمًا وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ في شَهْرٍ حَرامٍ أوْ بَلَدٍ حَرامٍ أوْ وقْتٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَأوْقاتِ الصَّلاةِ وأوْقاتِ الإجابَةِ، تَضاعَفَ الإثْمُ. وعَلى هَذا، فاعْتَبِرْ مَفاسِدَ الذُّنُوبِ وتَضاعُفَ دَرَجاتِها في الإثْمِ والعُقُوبَةِ واللَّهُ المُسْتَعانُ. الثّالِثُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّلَوُّطِ مَعَ المَمْلُوكِ كَحُكْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ، ومَن ظَنَّ أنَّ تَلَوُّطَ الإنْسانِ مَعَ مَمْلُوكِهِ جائِزٌ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] وقاسَ ذَلِكَ عَلى أمَتِهِ المَمْلُوكَةِ، فَهو كافِرٌ يُسْتَتابُ كَما يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ. فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ وضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وتَلَوُّطُ الإنْسانِ بِمَمْلُوكِهِ كَتَلَوُّطِهِ بِمَمْلُوكِ غَيْرِهِ. في الإثْمِ والحُكْمِ. أفادَ هَذا وما قَبْلَهُ بِتَمامِهِ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي ") . وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:2

(p-٤٣٨٦)سُورَةُ المُؤْمِنُونَ سُمِّيَتْ بِهِمْ لِاشْتِمالِها عَلى جَلائِلِ أوْصافِهِمْ ونَتائِجِها، في أوَّلِها وفي قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إلى قَوْلِهِ: سابِقُونَ أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها آيَةً حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ، إلى قَوْلِهِ: مُبْلِسُونَ وآيُها مِائَةٌ وثَمانِي عَشْرَةَ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ الصُّبْحَ. فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ المُؤْمِنُونَ. حَتّى إذا جاءَ ذِكْرُ مُوسى وهارُونَ، أوْ ذِكْرُ عِيسى، أخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ» . (p-٤٣٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٧] ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] . ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: دَخَلُوا في الفَوْزِ الأعْظَمِ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] أيْ: مُتَذَلِّلُونَ مَعَ خَوْفٍ وسُكُونٍ لِلْجَوارِحِ، لِاسْتِيلاءِ الخَشْيَةِ والهَيْبَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] أيْ: عَنِ الفُضُولِ وما لا يَعْنِي مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، مُعْرِضُونَ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ، لِاسْتِغْراقِهِمْ بِالجِدِّ. ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] أيْ: لِلتَّجَرُّدِ عَنْ رَذِيلَةِ البُخْلِ. قِيلَ: السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ ؟ وجَوابُهُ: إنَّ الَّذِي فُرِضَ بِالمَدِينَةِ إنَّما هو النُّصْبُ والمَقادِيرُ الخاصَّةُ. وإلّا فَأصْلُ التَّفَضُّلِ بِالعَفْوِ مَشْرُوعٌ في أوائِلِ البِعْثَةِ، فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى إرادَةِ زَكاةِ النُّفُوسِ مِنَ الشِّرْكِ والعِصْيانِ، لِعَدَمِ التَّبادُرِ إلَيْهِ. { ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] } لِأنَّهُ الحَقُّ المَأْذُونُ فِيهِ (p-٤٣٨٨)﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] أيِ: الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُرْتَكِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَعْلِيقِ فَلاحِ العَبْدِ عَلى حِفْظِ فَرْجِهِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الفَلاحِ بِدُونِهِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُفْلِحِينَ. وأنَّهُ مِنَ المَلُومِينَ. ومِنَ العادِينَ. فَفاتَهُ الفَلاحُ واسْتَحَقَّ اسْمَ العُدْوانِ ووَقَعَ في اللَّوْمِ. فَمُقاساةُ ألَمِ الشَّهْوَةِ ومُعاناتُها، أيْسَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ. وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ بِغَضِّ أبْصارِهِمْ وحِفْظِ فُرُوجِهِمْ. وأنْ يُعَلِّمَهم أنَّهُ مُشاهِدٌ لِأعْمالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ. ولَمّا كانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ مِن قِبَلِ البَصَرِ، جَعَلَ الأمْرَ بِغَضِّهِ مُقَدَّمًا عَلى حِفْظِ الفَرْجِ. فَإنَّ الحَوادِثَ مَبْدَؤُها مِنَ النَّظَرِ. كَما أنَّ مُعْظَمَ النّارِ مَبْدَؤُها مِن مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ. ثُمَّ تَكُونُ نَظْرَةً، ثُمَّ تَكُونُ خَطِرَةً، ثُمَّ خُطْوَةً، ثُمَّ خَطِيئَةً. ولِهَذا قِيلَ: مَن حَفِظَ هَذِهِ الأرْبَعَةَ أحْرَزَ دِينَهُ: اللَّحَظاتُ، والخَطِراتُ، واللَّفَظاتُ. والخُطُواتُ. فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنَّ يَكُونَ بَوّابَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأبْوابِ الأرْبَعَةِ. ويُلازِمَ الرِّباطَ عَلى ثُغُورِها. فَمِنها يَدْخُلُ عَلَيْهِ العَدُوُّ، فَيَجُوسُ خِلالَ الدِّيارِ ويُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا. الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لا أعْلَمُ بَعْدَ القَتْلِ ذَنْبًا أعْظَمَ مِنَ الزِّنى. واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ»» . والنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ مِن كُلِّ نَوْعٍ أعْلاهُ لِيُطابِقَ جَوابُهُ سُؤالَ السّائِلِ. (p-٤٣٨٩)فَإنَّهُ سُئِلَ عَنْ أعْظَمِ الذَّنْبِ فَأجابَهُ بِما تَضَمَّنَ ذِكْرَ أعْظَمِ أنْواعِهِ وما هو أعْظَمُ كُلِّ نَوْعٍ، فَأعْظَمُ أنْواعِ الشِّرْكِ أنْ يَجْعَلَ العَبْدُ لِلَّهِ نِدًّا. وأعْظَمُ أنْواعِ القَتْلِ أنْ يَقْتُلَ ولَدَهُ خَشْيَةَ أنْ يُشارِكَهُ في طَعامِهِ وشَرابِهِ. وأعْظَمُ أنْواعِ الزِّنى أنْ يَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِهِ. فَإنَّ مَفْسَدَةَ الزِّنى تَتَضاعَفُ بِتَضاعُفِ ما انْتَهَكَهُ مِنَ الحَقِّ. فالزِّنى بِالمَرْأةِ الَّتِي لَها زَوْجٌ، أعْظَمُ إثْمًا وعُقُوبَةً مِنَ الزِّنى بِالَّتِي لا زَوْجَ لَها إذْ فِيهِ انْتِهاكُ حُرْمَةِ الزَّوْجِ وإفْسادُ فِراشِهِ، وتَعْلِيقُ نَسَبٍ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ مِنهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ أذاهُ. فَهو أعْظَمُ إثْمًا وجُرْمًا مِنَ الزِّنى بِغَيْرِ ذاتِ الزَّوْجِ فَإذا كانَ زَوْجُها جارًا لَهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ سُوءُ الجِوارِ، وأذى جارِهِ بِأعْلى أنْواعِ الأذى. وذَلِكَ مِن أعْظَمِ البَوائِقِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ»» . ولا بائِقَةَ أعْظَمَ مِنَ الزِّنى بِامْرَأتِهِ. فالزِّنى بِمِائَةِ امْرَأةٍ لَها زَوْجٌ أيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الزِّنى بِامْرَأةِ الجارِ. فَإنْ كانَ أخًا لَهُ، أوْ قَرِيبًا مِن أقارِبِهِ، انْضَمَّ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، فَيَتَضاعَفُ الإثْمُ. فَإنْ كانَ الجارُ غائِبًا في طاعَةِ اللَّهِ، كالصَّلاةِ وطَلَبِ العِلْمِ والجِهادِ، تَضاعَفَ الإثْمُ، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ رَحِمًا مِنهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمِها. فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يَكُونَ الزّانِي مُحْصَنًا، كانَ الإثْمُ أعْظَمَ. فَإنْ كانَ شَيْخًا كانَ أعْظَمَ إثْمًا وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ في شَهْرٍ حَرامٍ أوْ بَلَدٍ حَرامٍ أوْ وقْتٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَأوْقاتِ الصَّلاةِ وأوْقاتِ الإجابَةِ، تَضاعَفَ الإثْمُ. وعَلى هَذا، فاعْتَبِرْ مَفاسِدَ الذُّنُوبِ وتَضاعُفَ دَرَجاتِها في الإثْمِ والعُقُوبَةِ واللَّهُ المُسْتَعانُ. الثّالِثُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّلَوُّطِ مَعَ المَمْلُوكِ كَحُكْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ، ومَن ظَنَّ أنَّ تَلَوُّطَ الإنْسانِ مَعَ مَمْلُوكِهِ جائِزٌ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] وقاسَ ذَلِكَ عَلى أمَتِهِ المَمْلُوكَةِ، فَهو كافِرٌ يُسْتَتابُ كَما يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ. فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ وضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وتَلَوُّطُ الإنْسانِ بِمَمْلُوكِهِ كَتَلَوُّطِهِ بِمَمْلُوكِ غَيْرِهِ. في الإثْمِ والحُكْمِ. أفادَ هَذا وما قَبْلَهُ بِتَمامِهِ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي ") . وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:3

(p-٤٣٨٦)سُورَةُ المُؤْمِنُونَ سُمِّيَتْ بِهِمْ لِاشْتِمالِها عَلى جَلائِلِ أوْصافِهِمْ ونَتائِجِها، في أوَّلِها وفي قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إلى قَوْلِهِ: سابِقُونَ أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها آيَةً حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ، إلى قَوْلِهِ: مُبْلِسُونَ وآيُها مِائَةٌ وثَمانِي عَشْرَةَ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ الصُّبْحَ. فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ المُؤْمِنُونَ. حَتّى إذا جاءَ ذِكْرُ مُوسى وهارُونَ، أوْ ذِكْرُ عِيسى، أخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ» . (p-٤٣٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٧] ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] . ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: دَخَلُوا في الفَوْزِ الأعْظَمِ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] أيْ: مُتَذَلِّلُونَ مَعَ خَوْفٍ وسُكُونٍ لِلْجَوارِحِ، لِاسْتِيلاءِ الخَشْيَةِ والهَيْبَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] أيْ: عَنِ الفُضُولِ وما لا يَعْنِي مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، مُعْرِضُونَ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ، لِاسْتِغْراقِهِمْ بِالجِدِّ. ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] أيْ: لِلتَّجَرُّدِ عَنْ رَذِيلَةِ البُخْلِ. قِيلَ: السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ ؟ وجَوابُهُ: إنَّ الَّذِي فُرِضَ بِالمَدِينَةِ إنَّما هو النُّصْبُ والمَقادِيرُ الخاصَّةُ. وإلّا فَأصْلُ التَّفَضُّلِ بِالعَفْوِ مَشْرُوعٌ في أوائِلِ البِعْثَةِ، فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى إرادَةِ زَكاةِ النُّفُوسِ مِنَ الشِّرْكِ والعِصْيانِ، لِعَدَمِ التَّبادُرِ إلَيْهِ. { ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] } لِأنَّهُ الحَقُّ المَأْذُونُ فِيهِ (p-٤٣٨٨)﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] أيِ: الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُرْتَكِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَعْلِيقِ فَلاحِ العَبْدِ عَلى حِفْظِ فَرْجِهِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الفَلاحِ بِدُونِهِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُفْلِحِينَ. وأنَّهُ مِنَ المَلُومِينَ. ومِنَ العادِينَ. فَفاتَهُ الفَلاحُ واسْتَحَقَّ اسْمَ العُدْوانِ ووَقَعَ في اللَّوْمِ. فَمُقاساةُ ألَمِ الشَّهْوَةِ ومُعاناتُها، أيْسَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ. وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ بِغَضِّ أبْصارِهِمْ وحِفْظِ فُرُوجِهِمْ. وأنْ يُعَلِّمَهم أنَّهُ مُشاهِدٌ لِأعْمالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ. ولَمّا كانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ مِن قِبَلِ البَصَرِ، جَعَلَ الأمْرَ بِغَضِّهِ مُقَدَّمًا عَلى حِفْظِ الفَرْجِ. فَإنَّ الحَوادِثَ مَبْدَؤُها مِنَ النَّظَرِ. كَما أنَّ مُعْظَمَ النّارِ مَبْدَؤُها مِن مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ. ثُمَّ تَكُونُ نَظْرَةً، ثُمَّ تَكُونُ خَطِرَةً، ثُمَّ خُطْوَةً، ثُمَّ خَطِيئَةً. ولِهَذا قِيلَ: مَن حَفِظَ هَذِهِ الأرْبَعَةَ أحْرَزَ دِينَهُ: اللَّحَظاتُ، والخَطِراتُ، واللَّفَظاتُ. والخُطُواتُ. فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنَّ يَكُونَ بَوّابَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأبْوابِ الأرْبَعَةِ. ويُلازِمَ الرِّباطَ عَلى ثُغُورِها. فَمِنها يَدْخُلُ عَلَيْهِ العَدُوُّ، فَيَجُوسُ خِلالَ الدِّيارِ ويُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا. الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لا أعْلَمُ بَعْدَ القَتْلِ ذَنْبًا أعْظَمَ مِنَ الزِّنى. واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ»» . والنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ مِن كُلِّ نَوْعٍ أعْلاهُ لِيُطابِقَ جَوابُهُ سُؤالَ السّائِلِ. (p-٤٣٨٩)فَإنَّهُ سُئِلَ عَنْ أعْظَمِ الذَّنْبِ فَأجابَهُ بِما تَضَمَّنَ ذِكْرَ أعْظَمِ أنْواعِهِ وما هو أعْظَمُ كُلِّ نَوْعٍ، فَأعْظَمُ أنْواعِ الشِّرْكِ أنْ يَجْعَلَ العَبْدُ لِلَّهِ نِدًّا. وأعْظَمُ أنْواعِ القَتْلِ أنْ يَقْتُلَ ولَدَهُ خَشْيَةَ أنْ يُشارِكَهُ في طَعامِهِ وشَرابِهِ. وأعْظَمُ أنْواعِ الزِّنى أنْ يَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِهِ. فَإنَّ مَفْسَدَةَ الزِّنى تَتَضاعَفُ بِتَضاعُفِ ما انْتَهَكَهُ مِنَ الحَقِّ. فالزِّنى بِالمَرْأةِ الَّتِي لَها زَوْجٌ، أعْظَمُ إثْمًا وعُقُوبَةً مِنَ الزِّنى بِالَّتِي لا زَوْجَ لَها إذْ فِيهِ انْتِهاكُ حُرْمَةِ الزَّوْجِ وإفْسادُ فِراشِهِ، وتَعْلِيقُ نَسَبٍ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ مِنهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ أذاهُ. فَهو أعْظَمُ إثْمًا وجُرْمًا مِنَ الزِّنى بِغَيْرِ ذاتِ الزَّوْجِ فَإذا كانَ زَوْجُها جارًا لَهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ سُوءُ الجِوارِ، وأذى جارِهِ بِأعْلى أنْواعِ الأذى. وذَلِكَ مِن أعْظَمِ البَوائِقِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ»» . ولا بائِقَةَ أعْظَمَ مِنَ الزِّنى بِامْرَأتِهِ. فالزِّنى بِمِائَةِ امْرَأةٍ لَها زَوْجٌ أيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الزِّنى بِامْرَأةِ الجارِ. فَإنْ كانَ أخًا لَهُ، أوْ قَرِيبًا مِن أقارِبِهِ، انْضَمَّ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، فَيَتَضاعَفُ الإثْمُ. فَإنْ كانَ الجارُ غائِبًا في طاعَةِ اللَّهِ، كالصَّلاةِ وطَلَبِ العِلْمِ والجِهادِ، تَضاعَفَ الإثْمُ، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ رَحِمًا مِنهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمِها. فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يَكُونَ الزّانِي مُحْصَنًا، كانَ الإثْمُ أعْظَمَ. فَإنْ كانَ شَيْخًا كانَ أعْظَمَ إثْمًا وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ في شَهْرٍ حَرامٍ أوْ بَلَدٍ حَرامٍ أوْ وقْتٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَأوْقاتِ الصَّلاةِ وأوْقاتِ الإجابَةِ، تَضاعَفَ الإثْمُ. وعَلى هَذا، فاعْتَبِرْ مَفاسِدَ الذُّنُوبِ وتَضاعُفَ دَرَجاتِها في الإثْمِ والعُقُوبَةِ واللَّهُ المُسْتَعانُ. الثّالِثُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّلَوُّطِ مَعَ المَمْلُوكِ كَحُكْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ، ومَن ظَنَّ أنَّ تَلَوُّطَ الإنْسانِ مَعَ مَمْلُوكِهِ جائِزٌ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] وقاسَ ذَلِكَ عَلى أمَتِهِ المَمْلُوكَةِ، فَهو كافِرٌ يُسْتَتابُ كَما يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ. فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ وضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وتَلَوُّطُ الإنْسانِ بِمَمْلُوكِهِ كَتَلَوُّطِهِ بِمَمْلُوكِ غَيْرِهِ. في الإثْمِ والحُكْمِ. أفادَ هَذا وما قَبْلَهُ بِتَمامِهِ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي ") . وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:4

(p-٤٣٨٦)سُورَةُ المُؤْمِنُونَ سُمِّيَتْ بِهِمْ لِاشْتِمالِها عَلى جَلائِلِ أوْصافِهِمْ ونَتائِجِها، في أوَّلِها وفي قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إلى قَوْلِهِ: سابِقُونَ أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها آيَةً حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ، إلى قَوْلِهِ: مُبْلِسُونَ وآيُها مِائَةٌ وثَمانِي عَشْرَةَ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ الصُّبْحَ. فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ المُؤْمِنُونَ. حَتّى إذا جاءَ ذِكْرُ مُوسى وهارُونَ، أوْ ذِكْرُ عِيسى، أخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ» . (p-٤٣٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٧] ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] . ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: دَخَلُوا في الفَوْزِ الأعْظَمِ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] أيْ: مُتَذَلِّلُونَ مَعَ خَوْفٍ وسُكُونٍ لِلْجَوارِحِ، لِاسْتِيلاءِ الخَشْيَةِ والهَيْبَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] أيْ: عَنِ الفُضُولِ وما لا يَعْنِي مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، مُعْرِضُونَ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ، لِاسْتِغْراقِهِمْ بِالجِدِّ. ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] أيْ: لِلتَّجَرُّدِ عَنْ رَذِيلَةِ البُخْلِ. قِيلَ: السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ ؟ وجَوابُهُ: إنَّ الَّذِي فُرِضَ بِالمَدِينَةِ إنَّما هو النُّصْبُ والمَقادِيرُ الخاصَّةُ. وإلّا فَأصْلُ التَّفَضُّلِ بِالعَفْوِ مَشْرُوعٌ في أوائِلِ البِعْثَةِ، فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى إرادَةِ زَكاةِ النُّفُوسِ مِنَ الشِّرْكِ والعِصْيانِ، لِعَدَمِ التَّبادُرِ إلَيْهِ. { ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] } لِأنَّهُ الحَقُّ المَأْذُونُ فِيهِ (p-٤٣٨٨)﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] أيِ: الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُرْتَكِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَعْلِيقِ فَلاحِ العَبْدِ عَلى حِفْظِ فَرْجِهِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الفَلاحِ بِدُونِهِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُفْلِحِينَ. وأنَّهُ مِنَ المَلُومِينَ. ومِنَ العادِينَ. فَفاتَهُ الفَلاحُ واسْتَحَقَّ اسْمَ العُدْوانِ ووَقَعَ في اللَّوْمِ. فَمُقاساةُ ألَمِ الشَّهْوَةِ ومُعاناتُها، أيْسَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ. وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ بِغَضِّ أبْصارِهِمْ وحِفْظِ فُرُوجِهِمْ. وأنْ يُعَلِّمَهم أنَّهُ مُشاهِدٌ لِأعْمالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ. ولَمّا كانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ مِن قِبَلِ البَصَرِ، جَعَلَ الأمْرَ بِغَضِّهِ مُقَدَّمًا عَلى حِفْظِ الفَرْجِ. فَإنَّ الحَوادِثَ مَبْدَؤُها مِنَ النَّظَرِ. كَما أنَّ مُعْظَمَ النّارِ مَبْدَؤُها مِن مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ. ثُمَّ تَكُونُ نَظْرَةً، ثُمَّ تَكُونُ خَطِرَةً، ثُمَّ خُطْوَةً، ثُمَّ خَطِيئَةً. ولِهَذا قِيلَ: مَن حَفِظَ هَذِهِ الأرْبَعَةَ أحْرَزَ دِينَهُ: اللَّحَظاتُ، والخَطِراتُ، واللَّفَظاتُ. والخُطُواتُ. فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنَّ يَكُونَ بَوّابَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأبْوابِ الأرْبَعَةِ. ويُلازِمَ الرِّباطَ عَلى ثُغُورِها. فَمِنها يَدْخُلُ عَلَيْهِ العَدُوُّ، فَيَجُوسُ خِلالَ الدِّيارِ ويُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا. الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لا أعْلَمُ بَعْدَ القَتْلِ ذَنْبًا أعْظَمَ مِنَ الزِّنى. واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ»» . والنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ مِن كُلِّ نَوْعٍ أعْلاهُ لِيُطابِقَ جَوابُهُ سُؤالَ السّائِلِ. (p-٤٣٨٩)فَإنَّهُ سُئِلَ عَنْ أعْظَمِ الذَّنْبِ فَأجابَهُ بِما تَضَمَّنَ ذِكْرَ أعْظَمِ أنْواعِهِ وما هو أعْظَمُ كُلِّ نَوْعٍ، فَأعْظَمُ أنْواعِ الشِّرْكِ أنْ يَجْعَلَ العَبْدُ لِلَّهِ نِدًّا. وأعْظَمُ أنْواعِ القَتْلِ أنْ يَقْتُلَ ولَدَهُ خَشْيَةَ أنْ يُشارِكَهُ في طَعامِهِ وشَرابِهِ. وأعْظَمُ أنْواعِ الزِّنى أنْ يَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِهِ. فَإنَّ مَفْسَدَةَ الزِّنى تَتَضاعَفُ بِتَضاعُفِ ما انْتَهَكَهُ مِنَ الحَقِّ. فالزِّنى بِالمَرْأةِ الَّتِي لَها زَوْجٌ، أعْظَمُ إثْمًا وعُقُوبَةً مِنَ الزِّنى بِالَّتِي لا زَوْجَ لَها إذْ فِيهِ انْتِهاكُ حُرْمَةِ الزَّوْجِ وإفْسادُ فِراشِهِ، وتَعْلِيقُ نَسَبٍ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ مِنهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ أذاهُ. فَهو أعْظَمُ إثْمًا وجُرْمًا مِنَ الزِّنى بِغَيْرِ ذاتِ الزَّوْجِ فَإذا كانَ زَوْجُها جارًا لَهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ سُوءُ الجِوارِ، وأذى جارِهِ بِأعْلى أنْواعِ الأذى. وذَلِكَ مِن أعْظَمِ البَوائِقِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ»» . ولا بائِقَةَ أعْظَمَ مِنَ الزِّنى بِامْرَأتِهِ. فالزِّنى بِمِائَةِ امْرَأةٍ لَها زَوْجٌ أيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الزِّنى بِامْرَأةِ الجارِ. فَإنْ كانَ أخًا لَهُ، أوْ قَرِيبًا مِن أقارِبِهِ، انْضَمَّ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، فَيَتَضاعَفُ الإثْمُ. فَإنْ كانَ الجارُ غائِبًا في طاعَةِ اللَّهِ، كالصَّلاةِ وطَلَبِ العِلْمِ والجِهادِ، تَضاعَفَ الإثْمُ، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ رَحِمًا مِنهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمِها. فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يَكُونَ الزّانِي مُحْصَنًا، كانَ الإثْمُ أعْظَمَ. فَإنْ كانَ شَيْخًا كانَ أعْظَمَ إثْمًا وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ في شَهْرٍ حَرامٍ أوْ بَلَدٍ حَرامٍ أوْ وقْتٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَأوْقاتِ الصَّلاةِ وأوْقاتِ الإجابَةِ، تَضاعَفَ الإثْمُ. وعَلى هَذا، فاعْتَبِرْ مَفاسِدَ الذُّنُوبِ وتَضاعُفَ دَرَجاتِها في الإثْمِ والعُقُوبَةِ واللَّهُ المُسْتَعانُ. الثّالِثُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّلَوُّطِ مَعَ المَمْلُوكِ كَحُكْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ، ومَن ظَنَّ أنَّ تَلَوُّطَ الإنْسانِ مَعَ مَمْلُوكِهِ جائِزٌ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] وقاسَ ذَلِكَ عَلى أمَتِهِ المَمْلُوكَةِ، فَهو كافِرٌ يُسْتَتابُ كَما يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ. فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ وضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وتَلَوُّطُ الإنْسانِ بِمَمْلُوكِهِ كَتَلَوُّطِهِ بِمَمْلُوكِ غَيْرِهِ. في الإثْمِ والحُكْمِ. أفادَ هَذا وما قَبْلَهُ بِتَمامِهِ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي ") . وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:5

(p-٤٣٨٦)سُورَةُ المُؤْمِنُونَ سُمِّيَتْ بِهِمْ لِاشْتِمالِها عَلى جَلائِلِ أوْصافِهِمْ ونَتائِجِها، في أوَّلِها وفي قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إلى قَوْلِهِ: سابِقُونَ أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها آيَةً حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ، إلى قَوْلِهِ: مُبْلِسُونَ وآيُها مِائَةٌ وثَمانِي عَشْرَةَ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ الصُّبْحَ. فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ المُؤْمِنُونَ. حَتّى إذا جاءَ ذِكْرُ مُوسى وهارُونَ، أوْ ذِكْرُ عِيسى، أخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ» . (p-٤٣٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٧] ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] . ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: دَخَلُوا في الفَوْزِ الأعْظَمِ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] أيْ: مُتَذَلِّلُونَ مَعَ خَوْفٍ وسُكُونٍ لِلْجَوارِحِ، لِاسْتِيلاءِ الخَشْيَةِ والهَيْبَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] أيْ: عَنِ الفُضُولِ وما لا يَعْنِي مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، مُعْرِضُونَ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ، لِاسْتِغْراقِهِمْ بِالجِدِّ. ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] أيْ: لِلتَّجَرُّدِ عَنْ رَذِيلَةِ البُخْلِ. قِيلَ: السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ ؟ وجَوابُهُ: إنَّ الَّذِي فُرِضَ بِالمَدِينَةِ إنَّما هو النُّصْبُ والمَقادِيرُ الخاصَّةُ. وإلّا فَأصْلُ التَّفَضُّلِ بِالعَفْوِ مَشْرُوعٌ في أوائِلِ البِعْثَةِ، فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى إرادَةِ زَكاةِ النُّفُوسِ مِنَ الشِّرْكِ والعِصْيانِ، لِعَدَمِ التَّبادُرِ إلَيْهِ. { ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] } لِأنَّهُ الحَقُّ المَأْذُونُ فِيهِ (p-٤٣٨٨)﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] أيِ: الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُرْتَكِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَعْلِيقِ فَلاحِ العَبْدِ عَلى حِفْظِ فَرْجِهِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الفَلاحِ بِدُونِهِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُفْلِحِينَ. وأنَّهُ مِنَ المَلُومِينَ. ومِنَ العادِينَ. فَفاتَهُ الفَلاحُ واسْتَحَقَّ اسْمَ العُدْوانِ ووَقَعَ في اللَّوْمِ. فَمُقاساةُ ألَمِ الشَّهْوَةِ ومُعاناتُها، أيْسَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ. وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ بِغَضِّ أبْصارِهِمْ وحِفْظِ فُرُوجِهِمْ. وأنْ يُعَلِّمَهم أنَّهُ مُشاهِدٌ لِأعْمالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ. ولَمّا كانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ مِن قِبَلِ البَصَرِ، جَعَلَ الأمْرَ بِغَضِّهِ مُقَدَّمًا عَلى حِفْظِ الفَرْجِ. فَإنَّ الحَوادِثَ مَبْدَؤُها مِنَ النَّظَرِ. كَما أنَّ مُعْظَمَ النّارِ مَبْدَؤُها مِن مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ. ثُمَّ تَكُونُ نَظْرَةً، ثُمَّ تَكُونُ خَطِرَةً، ثُمَّ خُطْوَةً، ثُمَّ خَطِيئَةً. ولِهَذا قِيلَ: مَن حَفِظَ هَذِهِ الأرْبَعَةَ أحْرَزَ دِينَهُ: اللَّحَظاتُ، والخَطِراتُ، واللَّفَظاتُ. والخُطُواتُ. فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنَّ يَكُونَ بَوّابَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأبْوابِ الأرْبَعَةِ. ويُلازِمَ الرِّباطَ عَلى ثُغُورِها. فَمِنها يَدْخُلُ عَلَيْهِ العَدُوُّ، فَيَجُوسُ خِلالَ الدِّيارِ ويُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا. الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لا أعْلَمُ بَعْدَ القَتْلِ ذَنْبًا أعْظَمَ مِنَ الزِّنى. واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ»» . والنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ مِن كُلِّ نَوْعٍ أعْلاهُ لِيُطابِقَ جَوابُهُ سُؤالَ السّائِلِ. (p-٤٣٨٩)فَإنَّهُ سُئِلَ عَنْ أعْظَمِ الذَّنْبِ فَأجابَهُ بِما تَضَمَّنَ ذِكْرَ أعْظَمِ أنْواعِهِ وما هو أعْظَمُ كُلِّ نَوْعٍ، فَأعْظَمُ أنْواعِ الشِّرْكِ أنْ يَجْعَلَ العَبْدُ لِلَّهِ نِدًّا. وأعْظَمُ أنْواعِ القَتْلِ أنْ يَقْتُلَ ولَدَهُ خَشْيَةَ أنْ يُشارِكَهُ في طَعامِهِ وشَرابِهِ. وأعْظَمُ أنْواعِ الزِّنى أنْ يَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِهِ. فَإنَّ مَفْسَدَةَ الزِّنى تَتَضاعَفُ بِتَضاعُفِ ما انْتَهَكَهُ مِنَ الحَقِّ. فالزِّنى بِالمَرْأةِ الَّتِي لَها زَوْجٌ، أعْظَمُ إثْمًا وعُقُوبَةً مِنَ الزِّنى بِالَّتِي لا زَوْجَ لَها إذْ فِيهِ انْتِهاكُ حُرْمَةِ الزَّوْجِ وإفْسادُ فِراشِهِ، وتَعْلِيقُ نَسَبٍ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ مِنهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ أذاهُ. فَهو أعْظَمُ إثْمًا وجُرْمًا مِنَ الزِّنى بِغَيْرِ ذاتِ الزَّوْجِ فَإذا كانَ زَوْجُها جارًا لَهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ سُوءُ الجِوارِ، وأذى جارِهِ بِأعْلى أنْواعِ الأذى. وذَلِكَ مِن أعْظَمِ البَوائِقِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ»» . ولا بائِقَةَ أعْظَمَ مِنَ الزِّنى بِامْرَأتِهِ. فالزِّنى بِمِائَةِ امْرَأةٍ لَها زَوْجٌ أيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الزِّنى بِامْرَأةِ الجارِ. فَإنْ كانَ أخًا لَهُ، أوْ قَرِيبًا مِن أقارِبِهِ، انْضَمَّ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، فَيَتَضاعَفُ الإثْمُ. فَإنْ كانَ الجارُ غائِبًا في طاعَةِ اللَّهِ، كالصَّلاةِ وطَلَبِ العِلْمِ والجِهادِ، تَضاعَفَ الإثْمُ، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ رَحِمًا مِنهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمِها. فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يَكُونَ الزّانِي مُحْصَنًا، كانَ الإثْمُ أعْظَمَ. فَإنْ كانَ شَيْخًا كانَ أعْظَمَ إثْمًا وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ في شَهْرٍ حَرامٍ أوْ بَلَدٍ حَرامٍ أوْ وقْتٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَأوْقاتِ الصَّلاةِ وأوْقاتِ الإجابَةِ، تَضاعَفَ الإثْمُ. وعَلى هَذا، فاعْتَبِرْ مَفاسِدَ الذُّنُوبِ وتَضاعُفَ دَرَجاتِها في الإثْمِ والعُقُوبَةِ واللَّهُ المُسْتَعانُ. الثّالِثُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّلَوُّطِ مَعَ المَمْلُوكِ كَحُكْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ، ومَن ظَنَّ أنَّ تَلَوُّطَ الإنْسانِ مَعَ مَمْلُوكِهِ جائِزٌ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] وقاسَ ذَلِكَ عَلى أمَتِهِ المَمْلُوكَةِ، فَهو كافِرٌ يُسْتَتابُ كَما يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ. فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ وضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وتَلَوُّطُ الإنْسانِ بِمَمْلُوكِهِ كَتَلَوُّطِهِ بِمَمْلُوكِ غَيْرِهِ. في الإثْمِ والحُكْمِ. أفادَ هَذا وما قَبْلَهُ بِتَمامِهِ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي ") . وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:6

(p-٤٣٨٦)سُورَةُ المُؤْمِنُونَ سُمِّيَتْ بِهِمْ لِاشْتِمالِها عَلى جَلائِلِ أوْصافِهِمْ ونَتائِجِها، في أوَّلِها وفي قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إلى قَوْلِهِ: سابِقُونَ أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها آيَةً حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ، إلى قَوْلِهِ: مُبْلِسُونَ وآيُها مِائَةٌ وثَمانِي عَشْرَةَ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ الصُّبْحَ. فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ المُؤْمِنُونَ. حَتّى إذا جاءَ ذِكْرُ مُوسى وهارُونَ، أوْ ذِكْرُ عِيسى، أخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ» . (p-٤٣٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٧] ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] . ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: دَخَلُوا في الفَوْزِ الأعْظَمِ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] أيْ: مُتَذَلِّلُونَ مَعَ خَوْفٍ وسُكُونٍ لِلْجَوارِحِ، لِاسْتِيلاءِ الخَشْيَةِ والهَيْبَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] أيْ: عَنِ الفُضُولِ وما لا يَعْنِي مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، مُعْرِضُونَ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ، لِاسْتِغْراقِهِمْ بِالجِدِّ. ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] أيْ: لِلتَّجَرُّدِ عَنْ رَذِيلَةِ البُخْلِ. قِيلَ: السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ ؟ وجَوابُهُ: إنَّ الَّذِي فُرِضَ بِالمَدِينَةِ إنَّما هو النُّصْبُ والمَقادِيرُ الخاصَّةُ. وإلّا فَأصْلُ التَّفَضُّلِ بِالعَفْوِ مَشْرُوعٌ في أوائِلِ البِعْثَةِ، فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى إرادَةِ زَكاةِ النُّفُوسِ مِنَ الشِّرْكِ والعِصْيانِ، لِعَدَمِ التَّبادُرِ إلَيْهِ. { ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] } لِأنَّهُ الحَقُّ المَأْذُونُ فِيهِ (p-٤٣٨٨)﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] أيِ: الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُرْتَكِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَعْلِيقِ فَلاحِ العَبْدِ عَلى حِفْظِ فَرْجِهِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الفَلاحِ بِدُونِهِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُفْلِحِينَ. وأنَّهُ مِنَ المَلُومِينَ. ومِنَ العادِينَ. فَفاتَهُ الفَلاحُ واسْتَحَقَّ اسْمَ العُدْوانِ ووَقَعَ في اللَّوْمِ. فَمُقاساةُ ألَمِ الشَّهْوَةِ ومُعاناتُها، أيْسَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ. وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ بِغَضِّ أبْصارِهِمْ وحِفْظِ فُرُوجِهِمْ. وأنْ يُعَلِّمَهم أنَّهُ مُشاهِدٌ لِأعْمالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ. ولَمّا كانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ مِن قِبَلِ البَصَرِ، جَعَلَ الأمْرَ بِغَضِّهِ مُقَدَّمًا عَلى حِفْظِ الفَرْجِ. فَإنَّ الحَوادِثَ مَبْدَؤُها مِنَ النَّظَرِ. كَما أنَّ مُعْظَمَ النّارِ مَبْدَؤُها مِن مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ. ثُمَّ تَكُونُ نَظْرَةً، ثُمَّ تَكُونُ خَطِرَةً، ثُمَّ خُطْوَةً، ثُمَّ خَطِيئَةً. ولِهَذا قِيلَ: مَن حَفِظَ هَذِهِ الأرْبَعَةَ أحْرَزَ دِينَهُ: اللَّحَظاتُ، والخَطِراتُ، واللَّفَظاتُ. والخُطُواتُ. فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنَّ يَكُونَ بَوّابَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأبْوابِ الأرْبَعَةِ. ويُلازِمَ الرِّباطَ عَلى ثُغُورِها. فَمِنها يَدْخُلُ عَلَيْهِ العَدُوُّ، فَيَجُوسُ خِلالَ الدِّيارِ ويُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا. الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لا أعْلَمُ بَعْدَ القَتْلِ ذَنْبًا أعْظَمَ مِنَ الزِّنى. واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ»» . والنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ مِن كُلِّ نَوْعٍ أعْلاهُ لِيُطابِقَ جَوابُهُ سُؤالَ السّائِلِ. (p-٤٣٨٩)فَإنَّهُ سُئِلَ عَنْ أعْظَمِ الذَّنْبِ فَأجابَهُ بِما تَضَمَّنَ ذِكْرَ أعْظَمِ أنْواعِهِ وما هو أعْظَمُ كُلِّ نَوْعٍ، فَأعْظَمُ أنْواعِ الشِّرْكِ أنْ يَجْعَلَ العَبْدُ لِلَّهِ نِدًّا. وأعْظَمُ أنْواعِ القَتْلِ أنْ يَقْتُلَ ولَدَهُ خَشْيَةَ أنْ يُشارِكَهُ في طَعامِهِ وشَرابِهِ. وأعْظَمُ أنْواعِ الزِّنى أنْ يَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِهِ. فَإنَّ مَفْسَدَةَ الزِّنى تَتَضاعَفُ بِتَضاعُفِ ما انْتَهَكَهُ مِنَ الحَقِّ. فالزِّنى بِالمَرْأةِ الَّتِي لَها زَوْجٌ، أعْظَمُ إثْمًا وعُقُوبَةً مِنَ الزِّنى بِالَّتِي لا زَوْجَ لَها إذْ فِيهِ انْتِهاكُ حُرْمَةِ الزَّوْجِ وإفْسادُ فِراشِهِ، وتَعْلِيقُ نَسَبٍ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ مِنهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ أذاهُ. فَهو أعْظَمُ إثْمًا وجُرْمًا مِنَ الزِّنى بِغَيْرِ ذاتِ الزَّوْجِ فَإذا كانَ زَوْجُها جارًا لَهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ سُوءُ الجِوارِ، وأذى جارِهِ بِأعْلى أنْواعِ الأذى. وذَلِكَ مِن أعْظَمِ البَوائِقِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ»» . ولا بائِقَةَ أعْظَمَ مِنَ الزِّنى بِامْرَأتِهِ. فالزِّنى بِمِائَةِ امْرَأةٍ لَها زَوْجٌ أيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الزِّنى بِامْرَأةِ الجارِ. فَإنْ كانَ أخًا لَهُ، أوْ قَرِيبًا مِن أقارِبِهِ، انْضَمَّ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، فَيَتَضاعَفُ الإثْمُ. فَإنْ كانَ الجارُ غائِبًا في طاعَةِ اللَّهِ، كالصَّلاةِ وطَلَبِ العِلْمِ والجِهادِ، تَضاعَفَ الإثْمُ، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ رَحِمًا مِنهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمِها. فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يَكُونَ الزّانِي مُحْصَنًا، كانَ الإثْمُ أعْظَمَ. فَإنْ كانَ شَيْخًا كانَ أعْظَمَ إثْمًا وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ في شَهْرٍ حَرامٍ أوْ بَلَدٍ حَرامٍ أوْ وقْتٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَأوْقاتِ الصَّلاةِ وأوْقاتِ الإجابَةِ، تَضاعَفَ الإثْمُ. وعَلى هَذا، فاعْتَبِرْ مَفاسِدَ الذُّنُوبِ وتَضاعُفَ دَرَجاتِها في الإثْمِ والعُقُوبَةِ واللَّهُ المُسْتَعانُ. الثّالِثُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّلَوُّطِ مَعَ المَمْلُوكِ كَحُكْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ، ومَن ظَنَّ أنَّ تَلَوُّطَ الإنْسانِ مَعَ مَمْلُوكِهِ جائِزٌ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] وقاسَ ذَلِكَ عَلى أمَتِهِ المَمْلُوكَةِ، فَهو كافِرٌ يُسْتَتابُ كَما يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ. فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ وضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وتَلَوُّطُ الإنْسانِ بِمَمْلُوكِهِ كَتَلَوُّطِهِ بِمَمْلُوكِ غَيْرِهِ. في الإثْمِ والحُكْمِ. أفادَ هَذا وما قَبْلَهُ بِتَمامِهِ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي ") . وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:7

(p-٤٣٨٦)سُورَةُ المُؤْمِنُونَ سُمِّيَتْ بِهِمْ لِاشْتِمالِها عَلى جَلائِلِ أوْصافِهِمْ ونَتائِجِها، في أوَّلِها وفي قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إلى قَوْلِهِ: سابِقُونَ أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها آيَةً حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ، إلى قَوْلِهِ: مُبْلِسُونَ وآيُها مِائَةٌ وثَمانِي عَشْرَةَ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ الصُّبْحَ. فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ المُؤْمِنُونَ. حَتّى إذا جاءَ ذِكْرُ مُوسى وهارُونَ، أوْ ذِكْرُ عِيسى، أخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ» . (p-٤٣٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١ - ٧] ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] . ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: دَخَلُوا في الفَوْزِ الأعْظَمِ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] أيْ: مُتَذَلِّلُونَ مَعَ خَوْفٍ وسُكُونٍ لِلْجَوارِحِ، لِاسْتِيلاءِ الخَشْيَةِ والهَيْبَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] أيْ: عَنِ الفُضُولِ وما لا يَعْنِي مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، مُعْرِضُونَ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ، لِاسْتِغْراقِهِمْ بِالجِدِّ. ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] أيْ: لِلتَّجَرُّدِ عَنْ رَذِيلَةِ البُخْلِ. قِيلَ: السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ ؟ وجَوابُهُ: إنَّ الَّذِي فُرِضَ بِالمَدِينَةِ إنَّما هو النُّصْبُ والمَقادِيرُ الخاصَّةُ. وإلّا فَأصْلُ التَّفَضُّلِ بِالعَفْوِ مَشْرُوعٌ في أوائِلِ البِعْثَةِ، فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى إرادَةِ زَكاةِ النُّفُوسِ مِنَ الشِّرْكِ والعِصْيانِ، لِعَدَمِ التَّبادُرِ إلَيْهِ. { ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] } لِأنَّهُ الحَقُّ المَأْذُونُ فِيهِ (p-٤٣٨٨)﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] أيِ: الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُرْتَكِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَعْلِيقِ فَلاحِ العَبْدِ عَلى حِفْظِ فَرْجِهِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الفَلاحِ بِدُونِهِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُفْلِحِينَ. وأنَّهُ مِنَ المَلُومِينَ. ومِنَ العادِينَ. فَفاتَهُ الفَلاحُ واسْتَحَقَّ اسْمَ العُدْوانِ ووَقَعَ في اللَّوْمِ. فَمُقاساةُ ألَمِ الشَّهْوَةِ ومُعاناتُها، أيْسَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ. وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ بِغَضِّ أبْصارِهِمْ وحِفْظِ فُرُوجِهِمْ. وأنْ يُعَلِّمَهم أنَّهُ مُشاهِدٌ لِأعْمالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ. ولَمّا كانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ مِن قِبَلِ البَصَرِ، جَعَلَ الأمْرَ بِغَضِّهِ مُقَدَّمًا عَلى حِفْظِ الفَرْجِ. فَإنَّ الحَوادِثَ مَبْدَؤُها مِنَ النَّظَرِ. كَما أنَّ مُعْظَمَ النّارِ مَبْدَؤُها مِن مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ. ثُمَّ تَكُونُ نَظْرَةً، ثُمَّ تَكُونُ خَطِرَةً، ثُمَّ خُطْوَةً، ثُمَّ خَطِيئَةً. ولِهَذا قِيلَ: مَن حَفِظَ هَذِهِ الأرْبَعَةَ أحْرَزَ دِينَهُ: اللَّحَظاتُ، والخَطِراتُ، واللَّفَظاتُ. والخُطُواتُ. فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنَّ يَكُونَ بَوّابَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأبْوابِ الأرْبَعَةِ. ويُلازِمَ الرِّباطَ عَلى ثُغُورِها. فَمِنها يَدْخُلُ عَلَيْهِ العَدُوُّ، فَيَجُوسُ خِلالَ الدِّيارِ ويُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا. الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لا أعْلَمُ بَعْدَ القَتْلِ ذَنْبًا أعْظَمَ مِنَ الزِّنى. واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قالَ قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ»» . والنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ مِن كُلِّ نَوْعٍ أعْلاهُ لِيُطابِقَ جَوابُهُ سُؤالَ السّائِلِ. (p-٤٣٨٩)فَإنَّهُ سُئِلَ عَنْ أعْظَمِ الذَّنْبِ فَأجابَهُ بِما تَضَمَّنَ ذِكْرَ أعْظَمِ أنْواعِهِ وما هو أعْظَمُ كُلِّ نَوْعٍ، فَأعْظَمُ أنْواعِ الشِّرْكِ أنْ يَجْعَلَ العَبْدُ لِلَّهِ نِدًّا. وأعْظَمُ أنْواعِ القَتْلِ أنْ يَقْتُلَ ولَدَهُ خَشْيَةَ أنْ يُشارِكَهُ في طَعامِهِ وشَرابِهِ. وأعْظَمُ أنْواعِ الزِّنى أنْ يَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِهِ. فَإنَّ مَفْسَدَةَ الزِّنى تَتَضاعَفُ بِتَضاعُفِ ما انْتَهَكَهُ مِنَ الحَقِّ. فالزِّنى بِالمَرْأةِ الَّتِي لَها زَوْجٌ، أعْظَمُ إثْمًا وعُقُوبَةً مِنَ الزِّنى بِالَّتِي لا زَوْجَ لَها إذْ فِيهِ انْتِهاكُ حُرْمَةِ الزَّوْجِ وإفْسادُ فِراشِهِ، وتَعْلِيقُ نَسَبٍ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ مِنهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ أذاهُ. فَهو أعْظَمُ إثْمًا وجُرْمًا مِنَ الزِّنى بِغَيْرِ ذاتِ الزَّوْجِ فَإذا كانَ زَوْجُها جارًا لَهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ سُوءُ الجِوارِ، وأذى جارِهِ بِأعْلى أنْواعِ الأذى. وذَلِكَ مِن أعْظَمِ البَوائِقِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ»» . ولا بائِقَةَ أعْظَمَ مِنَ الزِّنى بِامْرَأتِهِ. فالزِّنى بِمِائَةِ امْرَأةٍ لَها زَوْجٌ أيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الزِّنى بِامْرَأةِ الجارِ. فَإنْ كانَ أخًا لَهُ، أوْ قَرِيبًا مِن أقارِبِهِ، انْضَمَّ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، فَيَتَضاعَفُ الإثْمُ. فَإنْ كانَ الجارُ غائِبًا في طاعَةِ اللَّهِ، كالصَّلاةِ وطَلَبِ العِلْمِ والجِهادِ، تَضاعَفَ الإثْمُ، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ رَحِمًا مِنهُ، انْضافَ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمِها. فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يَكُونَ الزّانِي مُحْصَنًا، كانَ الإثْمُ أعْظَمَ. فَإنْ كانَ شَيْخًا كانَ أعْظَمَ إثْمًا وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ في شَهْرٍ حَرامٍ أوْ بَلَدٍ حَرامٍ أوْ وقْتٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَأوْقاتِ الصَّلاةِ وأوْقاتِ الإجابَةِ، تَضاعَفَ الإثْمُ. وعَلى هَذا، فاعْتَبِرْ مَفاسِدَ الذُّنُوبِ وتَضاعُفَ دَرَجاتِها في الإثْمِ والعُقُوبَةِ واللَّهُ المُسْتَعانُ. الثّالِثُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّلَوُّطِ مَعَ المَمْلُوكِ كَحُكْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ، ومَن ظَنَّ أنَّ تَلَوُّطَ الإنْسانِ مَعَ مَمْلُوكِهِ جائِزٌ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] وقاسَ ذَلِكَ عَلى أمَتِهِ المَمْلُوكَةِ، فَهو كافِرٌ يُسْتَتابُ كَما يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ. فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ وضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وتَلَوُّطُ الإنْسانِ بِمَمْلُوكِهِ كَتَلَوُّطِهِ بِمَمْلُوكِ غَيْرِهِ. في الإثْمِ والحُكْمِ. أفادَ هَذا وما قَبْلَهُ بِتَمامِهِ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي ") . وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:8

(p-٤٣٩٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ١١] ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] . ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أيْ: قائِمُونَ عَلَيْها بِحِفْظِها وإصْلاحِها. والآيَةُ تَحْتَمِلُ العُمُومَ في كُلِّ ما اؤْتُمِنُوا عَلَيْهِ وعُوهِدُوا، مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ومِن جِهَةِ الخَلْقِ والخُصُوصَ فِيما حَمَلُوهُ مِن أماناتِ النّاسِ وعُهُودِهِمْ. ولِذا عُدَّتِ الخِيانَةُ في الأمانَةِ مِن آياتِ النِّفاقِ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ. ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] أيْ: يُحافِظُونَ عَلَيْها. وذَلِكَ أنْ لا يَسْهَوْا عَنْها ويُؤَدُّوها في أوْقاتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها، ويُوكِلُوا نُفُوسَهم بِالِاهْتِمامِ بِها وبِما يَنْبَغِي أنْ تَتِمَّ بِهِ أوْصافُها. ولَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا لِما وصَفَهم بِهِ أوَّلًا. فَإنَّ الخُشُوعَ في الصَّلاةِ، غَيْرُ المُحافَظَةِ عَلَيْها. وتَقْدِيمُ الخُشُوعِ اهْتِمامًا بِهِ. حَتّى كَأنَّ الصَّلاةَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ بِدُونِهِ، أوْ لِعُمُومِ هَذا لَهُ. وفي تَصْدِيرِ الأوْصافِ وخَتْمِها بِأمْرِ الصَّلاةِ، تَعْظِيمٌ لِشَأْنِها. ﴿أُولَئِكَ﴾ [المؤمنون: ١٠] أيِ: الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١١] أيِ: الجَنَّةَ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] أيْ: لا يَخْرُجُونَ مِنها أبَدًا. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى مَبْدَأِ خَلْقِهِ الإنْسانَ وتَقْلِيبِهِ في أطْوارٍ شَتّى، حَتّى نَما كامِلًا، وإلى ما خَلَقَهُ مِن عالَمِ السَّماءِ والأرْضِ، وسَخَّرَهُ لِمَنافِعِهِ، لِيَشْكُرَ مَوْلاهُ ويَعْبُدَهُ، كَما أمَرَهُ وهَداهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

المؤمنون 23:9

(p-٤٣٩٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ١١] ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] . ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أيْ: قائِمُونَ عَلَيْها بِحِفْظِها وإصْلاحِها. والآيَةُ تَحْتَمِلُ العُمُومَ في كُلِّ ما اؤْتُمِنُوا عَلَيْهِ وعُوهِدُوا، مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ومِن جِهَةِ الخَلْقِ والخُصُوصَ فِيما حَمَلُوهُ مِن أماناتِ النّاسِ وعُهُودِهِمْ. ولِذا عُدَّتِ الخِيانَةُ في الأمانَةِ مِن آياتِ النِّفاقِ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ. ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] أيْ: يُحافِظُونَ عَلَيْها. وذَلِكَ أنْ لا يَسْهَوْا عَنْها ويُؤَدُّوها في أوْقاتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها، ويُوكِلُوا نُفُوسَهم بِالِاهْتِمامِ بِها وبِما يَنْبَغِي أنْ تَتِمَّ بِهِ أوْصافُها. ولَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا لِما وصَفَهم بِهِ أوَّلًا. فَإنَّ الخُشُوعَ في الصَّلاةِ، غَيْرُ المُحافَظَةِ عَلَيْها. وتَقْدِيمُ الخُشُوعِ اهْتِمامًا بِهِ. حَتّى كَأنَّ الصَّلاةَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ بِدُونِهِ، أوْ لِعُمُومِ هَذا لَهُ. وفي تَصْدِيرِ الأوْصافِ وخَتْمِها بِأمْرِ الصَّلاةِ، تَعْظِيمٌ لِشَأْنِها. ﴿أُولَئِكَ﴾ [المؤمنون: ١٠] أيِ: الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١١] أيِ: الجَنَّةَ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] أيْ: لا يَخْرُجُونَ مِنها أبَدًا. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى مَبْدَأِ خَلْقِهِ الإنْسانَ وتَقْلِيبِهِ في أطْوارٍ شَتّى، حَتّى نَما كامِلًا، وإلى ما خَلَقَهُ مِن عالَمِ السَّماءِ والأرْضِ، وسَخَّرَهُ لِمَنافِعِهِ، لِيَشْكُرَ مَوْلاهُ ويَعْبُدَهُ، كَما أمَرَهُ وهَداهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

المؤمنون 23:10

(p-٤٣٩٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ١١] ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] . ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أيْ: قائِمُونَ عَلَيْها بِحِفْظِها وإصْلاحِها. والآيَةُ تَحْتَمِلُ العُمُومَ في كُلِّ ما اؤْتُمِنُوا عَلَيْهِ وعُوهِدُوا، مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ومِن جِهَةِ الخَلْقِ والخُصُوصَ فِيما حَمَلُوهُ مِن أماناتِ النّاسِ وعُهُودِهِمْ. ولِذا عُدَّتِ الخِيانَةُ في الأمانَةِ مِن آياتِ النِّفاقِ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ. ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] أيْ: يُحافِظُونَ عَلَيْها. وذَلِكَ أنْ لا يَسْهَوْا عَنْها ويُؤَدُّوها في أوْقاتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها، ويُوكِلُوا نُفُوسَهم بِالِاهْتِمامِ بِها وبِما يَنْبَغِي أنْ تَتِمَّ بِهِ أوْصافُها. ولَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا لِما وصَفَهم بِهِ أوَّلًا. فَإنَّ الخُشُوعَ في الصَّلاةِ، غَيْرُ المُحافَظَةِ عَلَيْها. وتَقْدِيمُ الخُشُوعِ اهْتِمامًا بِهِ. حَتّى كَأنَّ الصَّلاةَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ بِدُونِهِ، أوْ لِعُمُومِ هَذا لَهُ. وفي تَصْدِيرِ الأوْصافِ وخَتْمِها بِأمْرِ الصَّلاةِ، تَعْظِيمٌ لِشَأْنِها. ﴿أُولَئِكَ﴾ [المؤمنون: ١٠] أيِ: الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١١] أيِ: الجَنَّةَ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] أيْ: لا يَخْرُجُونَ مِنها أبَدًا. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى مَبْدَأِ خَلْقِهِ الإنْسانَ وتَقْلِيبِهِ في أطْوارٍ شَتّى، حَتّى نَما كامِلًا، وإلى ما خَلَقَهُ مِن عالَمِ السَّماءِ والأرْضِ، وسَخَّرَهُ لِمَنافِعِهِ، لِيَشْكُرَ مَوْلاهُ ويَعْبُدَهُ، كَما أمَرَهُ وهَداهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

المؤمنون 23:11

(p-٤٣٩٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ١١] ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] . ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أيْ: قائِمُونَ عَلَيْها بِحِفْظِها وإصْلاحِها. والآيَةُ تَحْتَمِلُ العُمُومَ في كُلِّ ما اؤْتُمِنُوا عَلَيْهِ وعُوهِدُوا، مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ومِن جِهَةِ الخَلْقِ والخُصُوصَ فِيما حَمَلُوهُ مِن أماناتِ النّاسِ وعُهُودِهِمْ. ولِذا عُدَّتِ الخِيانَةُ في الأمانَةِ مِن آياتِ النِّفاقِ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ. ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] أيْ: يُحافِظُونَ عَلَيْها. وذَلِكَ أنْ لا يَسْهَوْا عَنْها ويُؤَدُّوها في أوْقاتِها، ويُقِيمُوا أرْكانَها، ويُوكِلُوا نُفُوسَهم بِالِاهْتِمامِ بِها وبِما يَنْبَغِي أنْ تَتِمَّ بِهِ أوْصافُها. ولَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا لِما وصَفَهم بِهِ أوَّلًا. فَإنَّ الخُشُوعَ في الصَّلاةِ، غَيْرُ المُحافَظَةِ عَلَيْها. وتَقْدِيمُ الخُشُوعِ اهْتِمامًا بِهِ. حَتّى كَأنَّ الصَّلاةَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ بِدُونِهِ، أوْ لِعُمُومِ هَذا لَهُ. وفي تَصْدِيرِ الأوْصافِ وخَتْمِها بِأمْرِ الصَّلاةِ، تَعْظِيمٌ لِشَأْنِها. ﴿أُولَئِكَ﴾ [المؤمنون: ١٠] أيِ: الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ: ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١١] أيِ: الجَنَّةَ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] أيْ: لا يَخْرُجُونَ مِنها أبَدًا. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى مَبْدَأِ خَلْقِهِ الإنْسانَ وتَقْلِيبِهِ في أطْوارٍ شَتّى، حَتّى نَما كامِلًا، وإلى ما خَلَقَهُ مِن عالَمِ السَّماءِ والأرْضِ، وسَخَّرَهُ لِمَنافِعِهِ، لِيَشْكُرَ مَوْلاهُ ويَعْبُدَهُ، كَما أمَرَهُ وهَداهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

المؤمنون 23:12

(p-٤٣٩١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢ - ١٣] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] . ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ أيِ: ابْتَدَأْنا خَلْقَهُ: ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ أيْ: خُلاصَةٍ: ﴿مِن طِينٍ﴾ أيْ: تُرابٍ خُلِطَ بِماءٍ فَصارَ نَباتًا فَأكَلَهُ إنْسانٌ فَصارَ دَمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون: ١٣] أيْ: بِأنْ خَلَقْناهُ مِنها، أوْ ثُمَّ جَعَلْنا السُّلالَةَ نُطْفَةً بِالتَّصْفِيَةِ: ﴿فِي قَرارٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] أيْ: مُسْتَقَرٍّ، وهو رَحِمُ المَرْأةِ الَّذِي نُقِلَ إلَيْهِ: ﴿مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] أيْ: مُتَمَكِّنٍ لا يَمُجُّ ما فِيهِ.

المؤمنون 23:13

(p-٤٣٩١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢ - ١٣] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] . ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ أيِ: ابْتَدَأْنا خَلْقَهُ: ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ أيْ: خُلاصَةٍ: ﴿مِن طِينٍ﴾ أيْ: تُرابٍ خُلِطَ بِماءٍ فَصارَ نَباتًا فَأكَلَهُ إنْسانٌ فَصارَ دَمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون: ١٣] أيْ: بِأنْ خَلَقْناهُ مِنها، أوْ ثُمَّ جَعَلْنا السُّلالَةَ نُطْفَةً بِالتَّصْفِيَةِ: ﴿فِي قَرارٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] أيْ: مُسْتَقَرٍّ، وهو رَحِمُ المَرْأةِ الَّذِي نُقِلَ إلَيْهِ: ﴿مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] أيْ: مُتَمَكِّنٍ لا يَمُجُّ ما فِيهِ.

المؤمنون 23:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ . ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أيْ: بِالِاسْتِحالَةِ مِن بَياضٍ إلى حُمْرَةٍ كالدَّمِ الجامِدِ: ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ بِقَدْرِ ما يُمْضَغُ: ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ أيْ: بِأنْ صَلَبْناها وجَعَلْناها عَمُودًا لِلْبَدَنِ، عَلى هَيْئاتٍ وأوْضاعٍ مَخْصُوصَةٍ، تَقْتَضِيها الحِكْمَةُ: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ أيْ: جَعَلْناهُ مُحِيطًا بِها ساتِرًا لَها كاللِّباسِ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ: بِتَمْيِيزِ أعْضائِهِ وتَصْوِيرِهِ، وجَعْلِهِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: تَعاظَمَ قُدْرَةً وحِكْمَةً وتَصَرُّفًا: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أيِ: المُقَدِّرِينَ. فَـ(الخَلْقُ ) بِمَعْنى التَّقْدِيرِ كَقَوْلِهِ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي (p-٤٣٩٢)لا بِمَعْنى الإيجادِ. إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ، إلّا أنْ يَكُونَ عَلى الفَرْضِ.

المؤمنون 23:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ١٧] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] . ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ وتَحْصِيلِ هَذِهِ الكَمالاتِ: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ أيْ: لَصائِرُونَ إلى المَوْتِ. قالَ المَهايِمِيُّ: والحَكِيمُ لا يُتْلِفُ ما اسْتَكْمَلَهُ بِأنْواعِ التَّكْمِيلِ، ولِذَلِكَ سَيَبْعَثُهُ كَما قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] أيْ: مِن قُبُورِكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] أيْ: سَبْعَ سَماواتٍ هي طُرُقٌ لِلْمَلائِكَةِ والكَواكِبُ فِيها مَسِيرُها. قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ (فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ): أيْ: سَبْعَةُ أفْلاكٍ، لِلسَّبْعِ سَماواتٍ، لِكُلِّ سَماءٍ طَرِيقٌ تَجْرِي بِما مَعَها مِنَ الأقْمارِ. قالَ: فَلِذَلِكَ دَلَّنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ العالَمَ الشَّمْسِيَّ يَنْقَسِمُ إلى سَبْعِ طَرائِقَ، خِلافَ طَرِيقِ الأرْضِ الَّذِي يُعَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوْقَكُمْ﴾ [المؤمنون: ١٧] فالمَسافَةُ ابْتِداءً مِن مُنْتَصَفِ البُعْدِ بَيْنَ الشَّمْسِ وعُطارِدَ تَقْرِيبًا، إلى مُنْتَهى فَلَكِ نِبْتُونَ، تَنْقَسِمُ إلى سَبْعَةِ أقْسامٍ بِحَسَبِ بُعْدِ كُلِّ سَيّارٍ. كُلُّ قِسْمٍ تَجْرِي فِيهِ سَماءٌ بِما مَعَها. ويُسَمّى هَذا الطَّرِيقُ فَلَكًا ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] أيْ: عَنْ ذَلِكَ المَخْلُوقِ، الَّذِي هو السَّماواتُ، أوْ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ. فالتَّعْرِيفُ عَلى الأوَّلِ، عَهْدِيٌّ، وعَلى الثّانِي اسْتِغْراقِيٌّ. أيْ: ما كُنّا مُهْمَلِينَ أمْرَ الخَلْقِ، بَلْ نَحْفَظُهُ ونُدَبِّرُ أمْرَهُ حَتّى يَبْلُغَ مُنْتَهى ما قُدِّرَ لَهُ مِنَ الكَمالِ، حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، وتَعَلَّقَتْ بِهِ المَشِيئَةُ.

المؤمنون 23:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ١٧] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] . ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ وتَحْصِيلِ هَذِهِ الكَمالاتِ: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ أيْ: لَصائِرُونَ إلى المَوْتِ. قالَ المَهايِمِيُّ: والحَكِيمُ لا يُتْلِفُ ما اسْتَكْمَلَهُ بِأنْواعِ التَّكْمِيلِ، ولِذَلِكَ سَيَبْعَثُهُ كَما قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] أيْ: مِن قُبُورِكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] أيْ: سَبْعَ سَماواتٍ هي طُرُقٌ لِلْمَلائِكَةِ والكَواكِبُ فِيها مَسِيرُها. قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ (فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ): أيْ: سَبْعَةُ أفْلاكٍ، لِلسَّبْعِ سَماواتٍ، لِكُلِّ سَماءٍ طَرِيقٌ تَجْرِي بِما مَعَها مِنَ الأقْمارِ. قالَ: فَلِذَلِكَ دَلَّنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ العالَمَ الشَّمْسِيَّ يَنْقَسِمُ إلى سَبْعِ طَرائِقَ، خِلافَ طَرِيقِ الأرْضِ الَّذِي يُعَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوْقَكُمْ﴾ [المؤمنون: ١٧] فالمَسافَةُ ابْتِداءً مِن مُنْتَصَفِ البُعْدِ بَيْنَ الشَّمْسِ وعُطارِدَ تَقْرِيبًا، إلى مُنْتَهى فَلَكِ نِبْتُونَ، تَنْقَسِمُ إلى سَبْعَةِ أقْسامٍ بِحَسَبِ بُعْدِ كُلِّ سَيّارٍ. كُلُّ قِسْمٍ تَجْرِي فِيهِ سَماءٌ بِما مَعَها. ويُسَمّى هَذا الطَّرِيقُ فَلَكًا ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] أيْ: عَنْ ذَلِكَ المَخْلُوقِ، الَّذِي هو السَّماواتُ، أوْ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ. فالتَّعْرِيفُ عَلى الأوَّلِ، عَهْدِيٌّ، وعَلى الثّانِي اسْتِغْراقِيٌّ. أيْ: ما كُنّا مُهْمَلِينَ أمْرَ الخَلْقِ، بَلْ نَحْفَظُهُ ونُدَبِّرُ أمْرَهُ حَتّى يَبْلُغَ مُنْتَهى ما قُدِّرَ لَهُ مِنَ الكَمالِ، حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، وتَعَلَّقَتْ بِهِ المَشِيئَةُ.

المؤمنون 23:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥ - ١٧] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] . ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ وتَحْصِيلِ هَذِهِ الكَمالاتِ: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ أيْ: لَصائِرُونَ إلى المَوْتِ. قالَ المَهايِمِيُّ: والحَكِيمُ لا يُتْلِفُ ما اسْتَكْمَلَهُ بِأنْواعِ التَّكْمِيلِ، ولِذَلِكَ سَيَبْعَثُهُ كَما قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] أيْ: مِن قُبُورِكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] أيْ: سَبْعَ سَماواتٍ هي طُرُقٌ لِلْمَلائِكَةِ والكَواكِبُ فِيها مَسِيرُها. قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ (فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ): أيْ: سَبْعَةُ أفْلاكٍ، لِلسَّبْعِ سَماواتٍ، لِكُلِّ سَماءٍ طَرِيقٌ تَجْرِي بِما مَعَها مِنَ الأقْمارِ. قالَ: فَلِذَلِكَ دَلَّنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ العالَمَ الشَّمْسِيَّ يَنْقَسِمُ إلى سَبْعِ طَرائِقَ، خِلافَ طَرِيقِ الأرْضِ الَّذِي يُعَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوْقَكُمْ﴾ [المؤمنون: ١٧] فالمَسافَةُ ابْتِداءً مِن مُنْتَصَفِ البُعْدِ بَيْنَ الشَّمْسِ وعُطارِدَ تَقْرِيبًا، إلى مُنْتَهى فَلَكِ نِبْتُونَ، تَنْقَسِمُ إلى سَبْعَةِ أقْسامٍ بِحَسَبِ بُعْدِ كُلِّ سَيّارٍ. كُلُّ قِسْمٍ تَجْرِي فِيهِ سَماءٌ بِما مَعَها. ويُسَمّى هَذا الطَّرِيقُ فَلَكًا ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] أيْ: عَنْ ذَلِكَ المَخْلُوقِ، الَّذِي هو السَّماواتُ، أوْ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ. فالتَّعْرِيفُ عَلى الأوَّلِ، عَهْدِيٌّ، وعَلى الثّانِي اسْتِغْراقِيٌّ. أيْ: ما كُنّا مُهْمَلِينَ أمْرَ الخَلْقِ، بَلْ نَحْفَظُهُ ونُدَبِّرُ أمْرَهُ حَتّى يَبْلُغَ مُنْتَهى ما قُدِّرَ لَهُ مِنَ الكَمالِ، حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، وتَعَلَّقَتْ بِهِ المَشِيئَةُ.

المؤمنون 23:18

(p-٤٣٩٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨] ﴿وأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ . ﴿وأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِتَقْدِيرٍ يَصِلُونَ مَعَهُ إلى مَنفَعَتِهِمْ. أوْ بِمِقْدارِ ما عَلِمْناهُ مِن حاجاتِهِمْ: ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ قارًّا فِيها، يَتَفَجَّرُ مِنَ الأماكِنِ الَّتِي أرادَ سُبْحانَهُ إحْياءَها كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ أيْ: إزالَتُهُ بِالتَّغْوِيرِ وبِغَيْرِهِ، كَما قَدَرْنا عَلى إنْزالِهِ. فَفي تَنْكِيرِ (ذَهابٍ ) إيماءٌ إلى كَثْرَةِ طُرُقِهِ، ومُبالَغَةٌ في الإبْعادِ بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلى العِبادِ أنْ يَسْتَعْظِمُوا النِّعْمَةَ في الماءِ، ويُقَيِّدُوها بِالشُّكْرِ الدّائِمِ، ويَخافُوا نِفارَها، إذا لَمْ تُشْكَرْ.

المؤمنون 23:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩ - ٢٠] ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] . ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها﴾ أيْ: في الجَنّاتِ: ﴿فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً﴾ [المؤمنون: ٢٠] بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى (جَنّاتٍ ) وقُرِئَتْ مَرْفُوعَةً عَلى الِابْتِداءِ. أيْ: ومِمّا أُنْشِئَ لَكم شَجَرَةٌ: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] وهو جَبَلٌ بِفِلَسْطِينَ، أوْ بَيْنَ مِصْرَ وأيَلَةَ (بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ) مَحَلٌّ مَعْرُوفٌ يُسَمّى اليَوْمَ (العَقَبَةَ ) وهو عَلى مَراحِلَ مِن مِصْرَ. قالَهُ الشِّهابُ (والشَّجَرَةُ ): شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، نُسِبَتْ إلى الطُّورِ لِأنَّهُ مَبْدَؤُها. أوْ لِكَثْرَتِها فِيهِ: (p-٤٣٩٤)﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالدُّهْنِ المُسْتَصْبَحِ بِهِ: ﴿وصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: وبِإدامٍ يُغْمَسُ فِيهِ الخُبْزُ فالصِّبْغُ كالصِّباغِ ما يُصْطَبَغُ بِهِ مِنَ الإدامِ. ويَخْتَصُّ بِكُلِّ إدامٍ مائِعٍ. يُقالُ صَبَغَ اللُّقْمَةَ: دَهَنَها وغَمَسَها وكُلُّ ما غُمِسَ فَقَدْ صُبِغَ. كَذا في (المِصْباحِ ") و(التّاجِ ") .

المؤمنون 23:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩ - ٢٠] ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] . ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها﴾ أيْ: في الجَنّاتِ: ﴿فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً﴾ [المؤمنون: ٢٠] بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى (جَنّاتٍ ) وقُرِئَتْ مَرْفُوعَةً عَلى الِابْتِداءِ. أيْ: ومِمّا أُنْشِئَ لَكم شَجَرَةٌ: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] وهو جَبَلٌ بِفِلَسْطِينَ، أوْ بَيْنَ مِصْرَ وأيَلَةَ (بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ) مَحَلٌّ مَعْرُوفٌ يُسَمّى اليَوْمَ (العَقَبَةَ ) وهو عَلى مَراحِلَ مِن مِصْرَ. قالَهُ الشِّهابُ (والشَّجَرَةُ ): شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، نُسِبَتْ إلى الطُّورِ لِأنَّهُ مَبْدَؤُها. أوْ لِكَثْرَتِها فِيهِ: (p-٤٣٩٤)﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالدُّهْنِ المُسْتَصْبَحِ بِهِ: ﴿وصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: وبِإدامٍ يُغْمَسُ فِيهِ الخُبْزُ فالصِّبْغُ كالصِّباغِ ما يُصْطَبَغُ بِهِ مِنَ الإدامِ. ويَخْتَصُّ بِكُلِّ إدامٍ مائِعٍ. يُقالُ صَبَغَ اللُّقْمَةَ: دَهَنَها وغَمَسَها وكُلُّ ما غُمِسَ فَقَدْ صُبِغَ. كَذا في (المِصْباحِ ") و(التّاجِ ") .

المؤمنون 23:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢١ - ٢٢] ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] . ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ أيْ: تَعْتَبِرُونَ بِحالِها وتَسْتَدِلُّونَ بِها: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ أيْ: مِنَ الألْبانِ: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ أيْ: في ظُهُورِها وأصْوافِها وشُعُورِها ونِتاجِها: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] أيْ: بِخَلْقِهِ وتَسْخِيرِهِ وإلْهامِهِ. فَلَهُ الحَمْدُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقَصْدُ بِالأنْعامِ أيِ: الإبِلُ، لِأنَّها هي المَحْمُولُ عَلَيْها في العادَةِ. وقَرَنَها بِالفُلْكِ الَّتِي هي السَّفائِنُ، لِأنَّها سَفائِنُ البَرِّ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها قالَ الشِّهابُ: وجَعْلُ الإبِلِ سَفائِنَ البَرِّ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ. وهي اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ وقَدْ تَصَرَّفُوا فِيها تَصَرُّفاتٍ بَدِيعَةً. كَقَوْلِ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ: ؎لِمَن شَحْرٌ أثْقَلَتْها ثِمارُها ∗∗∗ سَفائِنُ بَرٍّ والسَّرابُ بِحارُها

المؤمنون 23:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢١ - ٢٢] ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] . ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ أيْ: تَعْتَبِرُونَ بِحالِها وتَسْتَدِلُّونَ بِها: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ أيْ: مِنَ الألْبانِ: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ أيْ: في ظُهُورِها وأصْوافِها وشُعُورِها ونِتاجِها: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] أيْ: بِخَلْقِهِ وتَسْخِيرِهِ وإلْهامِهِ. فَلَهُ الحَمْدُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقَصْدُ بِالأنْعامِ أيِ: الإبِلُ، لِأنَّها هي المَحْمُولُ عَلَيْها في العادَةِ. وقَرَنَها بِالفُلْكِ الَّتِي هي السَّفائِنُ، لِأنَّها سَفائِنُ البَرِّ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها قالَ الشِّهابُ: وجَعْلُ الإبِلِ سَفائِنَ البَرِّ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ. وهي اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ وقَدْ تَصَرَّفُوا فِيها تَصَرُّفاتٍ بَدِيعَةً. كَقَوْلِ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ: ؎لِمَن شَحْرٌ أثْقَلَتْها ثِمارُها ∗∗∗ سَفائِنُ بَرٍّ والسَّرابُ بِحارُها

المؤمنون 23:23

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، تَأثَّرَهُ بِقِصَصِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ لِعُلُوِّ كَلِمَتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: (p-٤٣٩٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٢٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْـزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] . ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيِ: الدّاعِي إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ. بِدَعْوى الرِّسالَةِ مِنهُ: ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: أنْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: إرْسالَ رَسُولٍ: ﴿لأنْـزَلَ مَلائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: مِنَ السَّماءِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: بِمِثْلِ ما يَدْعُو إلَيْهِ: ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] أيْ: لَعَلَّهُ يَرْجِعُ أوْ يُفِيقُ مِن جَنَّتِهِ أوْ يَتَمادى فَنَكِيدُ لَهُ. قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَ الجَوابَ عَنْ شُبَهِهِمْ هَذِهِ الخَمْسَةِ، لِرَكاكَتِها ووُضُوحِ فَسادِها. وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَصِيرُ رَسُولًا إلّا لِأنَّهُ مِن جِنْسِ المَلَكِ. وإنَّما يَصِيرُ كَذَلِكَ بِأنْ يَتَمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ بِالمُعْجِزاتِ. فَسَواءٌ كانَ مِن جِنْسِ المَلَكِ أوْ جِنْسِ البَشَرِ، فَعِنْدَ ظُهُورِ المُعْجَزِ عَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا. بَلْ جَعْلُ الرَّسُولِ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ أوْلى. لِما مَرَّ بَيانُهُ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ. وهو أنَّ الجِنْسِيَّةَ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والمُؤانَسَةِ. وأمّا قَوْلُهم: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ (p-٤٣٩٦)عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] فَإنْ أرادُوا بِهِ إرادَتَهُ لِإظْهارِ فَضْلِهِ، حَتّى يَلْزِمَهُمُ الِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ، فَهَذا واجِبٌ عَلى الرَّسُولِ. وإنْ أرادُوا بِهِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ والِانْقِيادِ، فالأنْبِياءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ [المؤمنون: ٢٤] فَهو اسْتِدْلالٌ بِعَدَمِ التَّقْلِيدِ، عَلى عَدَمِ وُجُودِ الشَّيْءِ. وهو في غايَةِ السُّقُوطِ. لِأنَّ وُجُودَ التَّقْلِيدِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الشَّيْءِ. فَعَدَمُهُ مِن أنْ يَدُلَّ عَلى عَدَمِهِ ؟ وأمّا قَوْلُهم: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥] فَقَدْ كَذَّبُوا. لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ كَمالَ عَقْلِهِ. وأمّا قَوْلُهم: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٥] فَضَعِيفٌ. لِأنَّهُ إنْ ظَهَرَتِ الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ وهي المُعْجِزَةُ، وجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِ في الحالِ، ولا يَجُوزُ تَوْقِيفُ ذَلِكَ إلى ظُهُورِ دَوْلَتِهِ. لِأنَّ الدَّوْلَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَقِيقَةِ. وإنْ لَمْ يَظْهَرْ المُعْجِزُ لَمْ يَجُزْ قَبُولُ قَوْلِهِ، سَواءٌ ظَهَرَتِ الدَّوْلَةُ أوْ لَمْ تَظْهَرْ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأجْوِبَةُ في نِهايَةِ الظُّهُورِ، لا جَرَمَ تَرَكَها اللَّهُ سُبْحانَهُ، انْتَهى.

المؤمنون 23:24

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، تَأثَّرَهُ بِقِصَصِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ لِعُلُوِّ كَلِمَتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: (p-٤٣٩٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٢٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْـزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] . ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيِ: الدّاعِي إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ. بِدَعْوى الرِّسالَةِ مِنهُ: ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: أنْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: إرْسالَ رَسُولٍ: ﴿لأنْـزَلَ مَلائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: مِنَ السَّماءِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: بِمِثْلِ ما يَدْعُو إلَيْهِ: ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] أيْ: لَعَلَّهُ يَرْجِعُ أوْ يُفِيقُ مِن جَنَّتِهِ أوْ يَتَمادى فَنَكِيدُ لَهُ. قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَ الجَوابَ عَنْ شُبَهِهِمْ هَذِهِ الخَمْسَةِ، لِرَكاكَتِها ووُضُوحِ فَسادِها. وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَصِيرُ رَسُولًا إلّا لِأنَّهُ مِن جِنْسِ المَلَكِ. وإنَّما يَصِيرُ كَذَلِكَ بِأنْ يَتَمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ بِالمُعْجِزاتِ. فَسَواءٌ كانَ مِن جِنْسِ المَلَكِ أوْ جِنْسِ البَشَرِ، فَعِنْدَ ظُهُورِ المُعْجَزِ عَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا. بَلْ جَعْلُ الرَّسُولِ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ أوْلى. لِما مَرَّ بَيانُهُ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ. وهو أنَّ الجِنْسِيَّةَ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والمُؤانَسَةِ. وأمّا قَوْلُهم: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ (p-٤٣٩٦)عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] فَإنْ أرادُوا بِهِ إرادَتَهُ لِإظْهارِ فَضْلِهِ، حَتّى يَلْزِمَهُمُ الِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ، فَهَذا واجِبٌ عَلى الرَّسُولِ. وإنْ أرادُوا بِهِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ والِانْقِيادِ، فالأنْبِياءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ [المؤمنون: ٢٤] فَهو اسْتِدْلالٌ بِعَدَمِ التَّقْلِيدِ، عَلى عَدَمِ وُجُودِ الشَّيْءِ. وهو في غايَةِ السُّقُوطِ. لِأنَّ وُجُودَ التَّقْلِيدِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الشَّيْءِ. فَعَدَمُهُ مِن أنْ يَدُلَّ عَلى عَدَمِهِ ؟ وأمّا قَوْلُهم: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥] فَقَدْ كَذَّبُوا. لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ كَمالَ عَقْلِهِ. وأمّا قَوْلُهم: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٥] فَضَعِيفٌ. لِأنَّهُ إنْ ظَهَرَتِ الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ وهي المُعْجِزَةُ، وجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِ في الحالِ، ولا يَجُوزُ تَوْقِيفُ ذَلِكَ إلى ظُهُورِ دَوْلَتِهِ. لِأنَّ الدَّوْلَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَقِيقَةِ. وإنْ لَمْ يَظْهَرْ المُعْجِزُ لَمْ يَجُزْ قَبُولُ قَوْلِهِ، سَواءٌ ظَهَرَتِ الدَّوْلَةُ أوْ لَمْ تَظْهَرْ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأجْوِبَةُ في نِهايَةِ الظُّهُورِ، لا جَرَمَ تَرَكَها اللَّهُ سُبْحانَهُ، انْتَهى.

المؤمنون 23:25

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، تَأثَّرَهُ بِقِصَصِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ لِعُلُوِّ كَلِمَتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: (p-٤٣٩٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٢٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْـزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] . ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيِ: الدّاعِي إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ. بِدَعْوى الرِّسالَةِ مِنهُ: ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: أنْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: إرْسالَ رَسُولٍ: ﴿لأنْـزَلَ مَلائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: مِنَ السَّماءِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: بِمِثْلِ ما يَدْعُو إلَيْهِ: ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] أيْ: لَعَلَّهُ يَرْجِعُ أوْ يُفِيقُ مِن جَنَّتِهِ أوْ يَتَمادى فَنَكِيدُ لَهُ. قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَ الجَوابَ عَنْ شُبَهِهِمْ هَذِهِ الخَمْسَةِ، لِرَكاكَتِها ووُضُوحِ فَسادِها. وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَصِيرُ رَسُولًا إلّا لِأنَّهُ مِن جِنْسِ المَلَكِ. وإنَّما يَصِيرُ كَذَلِكَ بِأنْ يَتَمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ بِالمُعْجِزاتِ. فَسَواءٌ كانَ مِن جِنْسِ المَلَكِ أوْ جِنْسِ البَشَرِ، فَعِنْدَ ظُهُورِ المُعْجَزِ عَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا. بَلْ جَعْلُ الرَّسُولِ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ أوْلى. لِما مَرَّ بَيانُهُ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ. وهو أنَّ الجِنْسِيَّةَ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والمُؤانَسَةِ. وأمّا قَوْلُهم: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ (p-٤٣٩٦)عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] فَإنْ أرادُوا بِهِ إرادَتَهُ لِإظْهارِ فَضْلِهِ، حَتّى يَلْزِمَهُمُ الِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ، فَهَذا واجِبٌ عَلى الرَّسُولِ. وإنْ أرادُوا بِهِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ والِانْقِيادِ، فالأنْبِياءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ [المؤمنون: ٢٤] فَهو اسْتِدْلالٌ بِعَدَمِ التَّقْلِيدِ، عَلى عَدَمِ وُجُودِ الشَّيْءِ. وهو في غايَةِ السُّقُوطِ. لِأنَّ وُجُودَ التَّقْلِيدِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الشَّيْءِ. فَعَدَمُهُ مِن أنْ يَدُلَّ عَلى عَدَمِهِ ؟ وأمّا قَوْلُهم: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥] فَقَدْ كَذَّبُوا. لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ كَمالَ عَقْلِهِ. وأمّا قَوْلُهم: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٥] فَضَعِيفٌ. لِأنَّهُ إنْ ظَهَرَتِ الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ وهي المُعْجِزَةُ، وجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِ في الحالِ، ولا يَجُوزُ تَوْقِيفُ ذَلِكَ إلى ظُهُورِ دَوْلَتِهِ. لِأنَّ الدَّوْلَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَقِيقَةِ. وإنْ لَمْ يَظْهَرْ المُعْجِزُ لَمْ يَجُزْ قَبُولُ قَوْلِهِ، سَواءٌ ظَهَرَتِ الدَّوْلَةُ أوْ لَمْ تَظْهَرْ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأجْوِبَةُ في نِهايَةِ الظُّهُورِ، لا جَرَمَ تَرَكَها اللَّهُ سُبْحانَهُ، انْتَهى.

المؤمنون 23:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦ - ٣٠] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي مُنْـزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] ﴿قالَ﴾ أيْ: بَعْدَ ما أيِسَ مِن إيمانِهِمْ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ (p-٤٣٩٧)أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: مُلْتَبِسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، لا تَلْحَقُها آفَةٌ ولا يَعْتَرِضُها نَقْصٌ عَبَّرَ بِكَثْرَةِ آلَةِ الحِسِّ الَّتِي بِها يُحْفَظُ الشَّيْءُ، ويُراعى مِنَ الِاخْتِلالِ والزَّيْغِ، عَنِ المُبالَغَةِ في الحِفْظِ والرِّعايَةِ، عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: المَعْنى بِمَرْأى مِنّا ومَشْهَدٍ في حِفْظِنا وكَلاءَتِنا. بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَيْنِ البَصَرُ، وأنَّهُ يُسَمّى البَصَرُ عَيْنًا لِأجْلِ أنَّهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ويَقُومُ بِهِ. مِن بابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ. وبِاسْمِ ما هو قائِمٌ بِهِ. قالَ الإمامُ ابْنُ فَوْرَكَ في (مُتَشابَهِ الحَدِيثِ ") - بَعْدَ حِكايَةِ نَحْوِ ما تَقَدَّمَ -: وقَدِ اخْتَلَفَ أصْحابُنا فِيما يَثْبُتُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الوَصْفِ لَهُ بِالعَيْنِ. فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِهِ البَصَرُ والرُّؤْيَةُ. ومِنهم مَن قالَ: إنَّ طَرِيقَ إثْباتِها صِفَةً لِلَّهِ تَعالى بِالسَّمْعِ. وسَبِيلُ القَوْلِ فِيها كَسَبِيلِ القَوْلِ في اليَدِ والوَجْهِ. انْتَهى. ومَذْهَبُ السَّلَفِ؛ أنَّ الصِّفاتِ يُحْتَذى فِيها حَذْوَ الذّاتِ، فَكَما أنَّها مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ والتَّكْيِيفِ، فَكَذَلِكَ الصِّفاتُ إثْباتُها مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وعَنِ التَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَحْيِنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: أمْرِنا وتَعْلِيمِنا كَيْفَ تَصْنَعُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: عَذابُنا: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ [المؤمنون: ٢٧] كِنايَةً عَنِ الشِّدَّةِ. كَقَوْلِهِمْ: (حَمِيَ الوَطِيسُ ) . و(التَّنُّورُ ): كانُونُ الخُبْزِ حَقِيقَةً. وأطْلَقَهُ بَعْضُهم عَلى وجْهِ الأرْضِ ومَنبَعِ الماءِ، لِلْآيَةِ مَجازًا: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: فَأدْخِلْ في الفُلْكِ: ﴿مِن كُلٍّ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ: ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: في الدُّعاءِ لَهم بِالنَّجاةِ، عِنْدَ مُشاهَدَةِ هَلاكِهِمْ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: في بَحْرِ الهَلاكِ، كَما غَرِقُوا في بَحْرِ الضَّلالِ وظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، بَعْدَ أنْ أمْلى لَهُمُ الدَّهْرَ المُتَطاوِلَ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي﴾ [المؤمنون: ٢٩] أيْ: في السَّفِينَةِ أوْ مِنها: ﴿مُنْـزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] أيْ: لِمَن أنْزَلْتَهُ مَنزِلَ قُرْبِكَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] أيْ فِيما فُعِلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ: ﴿لآياتٍ﴾ [المؤمنون: ٣٠] أيْ: يَسْتَدِلُّ بِها ويَعْتَبِرُ أُولُو الأبْصارِ: ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] (p-٤٣٩٨)أيْ: مُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ وعِقابٍ شَدِيدٍ. أوْ مُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا، لِنَنْظُرَ مَن يَعْتَبِرُ ويَدَّكِرُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] و(إنَّ ) مُخَفَّفَةٌ عَلى الأصَحِّ - وقِيلَ نافِيَةٌ. واللّامُ بِمَعْنى (إلّا ) والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

المؤمنون 23:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦ - ٣٠] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي مُنْـزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] ﴿قالَ﴾ أيْ: بَعْدَ ما أيِسَ مِن إيمانِهِمْ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ (p-٤٣٩٧)أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: مُلْتَبِسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، لا تَلْحَقُها آفَةٌ ولا يَعْتَرِضُها نَقْصٌ عَبَّرَ بِكَثْرَةِ آلَةِ الحِسِّ الَّتِي بِها يُحْفَظُ الشَّيْءُ، ويُراعى مِنَ الِاخْتِلالِ والزَّيْغِ، عَنِ المُبالَغَةِ في الحِفْظِ والرِّعايَةِ، عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: المَعْنى بِمَرْأى مِنّا ومَشْهَدٍ في حِفْظِنا وكَلاءَتِنا. بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَيْنِ البَصَرُ، وأنَّهُ يُسَمّى البَصَرُ عَيْنًا لِأجْلِ أنَّهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ويَقُومُ بِهِ. مِن بابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ. وبِاسْمِ ما هو قائِمٌ بِهِ. قالَ الإمامُ ابْنُ فَوْرَكَ في (مُتَشابَهِ الحَدِيثِ ") - بَعْدَ حِكايَةِ نَحْوِ ما تَقَدَّمَ -: وقَدِ اخْتَلَفَ أصْحابُنا فِيما يَثْبُتُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الوَصْفِ لَهُ بِالعَيْنِ. فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِهِ البَصَرُ والرُّؤْيَةُ. ومِنهم مَن قالَ: إنَّ طَرِيقَ إثْباتِها صِفَةً لِلَّهِ تَعالى بِالسَّمْعِ. وسَبِيلُ القَوْلِ فِيها كَسَبِيلِ القَوْلِ في اليَدِ والوَجْهِ. انْتَهى. ومَذْهَبُ السَّلَفِ؛ أنَّ الصِّفاتِ يُحْتَذى فِيها حَذْوَ الذّاتِ، فَكَما أنَّها مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ والتَّكْيِيفِ، فَكَذَلِكَ الصِّفاتُ إثْباتُها مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وعَنِ التَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَحْيِنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: أمْرِنا وتَعْلِيمِنا كَيْفَ تَصْنَعُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: عَذابُنا: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ [المؤمنون: ٢٧] كِنايَةً عَنِ الشِّدَّةِ. كَقَوْلِهِمْ: (حَمِيَ الوَطِيسُ ) . و(التَّنُّورُ ): كانُونُ الخُبْزِ حَقِيقَةً. وأطْلَقَهُ بَعْضُهم عَلى وجْهِ الأرْضِ ومَنبَعِ الماءِ، لِلْآيَةِ مَجازًا: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: فَأدْخِلْ في الفُلْكِ: ﴿مِن كُلٍّ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ: ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: في الدُّعاءِ لَهم بِالنَّجاةِ، عِنْدَ مُشاهَدَةِ هَلاكِهِمْ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: في بَحْرِ الهَلاكِ، كَما غَرِقُوا في بَحْرِ الضَّلالِ وظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، بَعْدَ أنْ أمْلى لَهُمُ الدَّهْرَ المُتَطاوِلَ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي﴾ [المؤمنون: ٢٩] أيْ: في السَّفِينَةِ أوْ مِنها: ﴿مُنْـزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] أيْ: لِمَن أنْزَلْتَهُ مَنزِلَ قُرْبِكَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] أيْ فِيما فُعِلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ: ﴿لآياتٍ﴾ [المؤمنون: ٣٠] أيْ: يَسْتَدِلُّ بِها ويَعْتَبِرُ أُولُو الأبْصارِ: ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] (p-٤٣٩٨)أيْ: مُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ وعِقابٍ شَدِيدٍ. أوْ مُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا، لِنَنْظُرَ مَن يَعْتَبِرُ ويَدَّكِرُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] و(إنَّ ) مُخَفَّفَةٌ عَلى الأصَحِّ - وقِيلَ نافِيَةٌ. واللّامُ بِمَعْنى (إلّا ) والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

المؤمنون 23:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦ - ٣٠] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي مُنْـزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] ﴿قالَ﴾ أيْ: بَعْدَ ما أيِسَ مِن إيمانِهِمْ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ (p-٤٣٩٧)أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: مُلْتَبِسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، لا تَلْحَقُها آفَةٌ ولا يَعْتَرِضُها نَقْصٌ عَبَّرَ بِكَثْرَةِ آلَةِ الحِسِّ الَّتِي بِها يُحْفَظُ الشَّيْءُ، ويُراعى مِنَ الِاخْتِلالِ والزَّيْغِ، عَنِ المُبالَغَةِ في الحِفْظِ والرِّعايَةِ، عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: المَعْنى بِمَرْأى مِنّا ومَشْهَدٍ في حِفْظِنا وكَلاءَتِنا. بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَيْنِ البَصَرُ، وأنَّهُ يُسَمّى البَصَرُ عَيْنًا لِأجْلِ أنَّهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ويَقُومُ بِهِ. مِن بابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ. وبِاسْمِ ما هو قائِمٌ بِهِ. قالَ الإمامُ ابْنُ فَوْرَكَ في (مُتَشابَهِ الحَدِيثِ ") - بَعْدَ حِكايَةِ نَحْوِ ما تَقَدَّمَ -: وقَدِ اخْتَلَفَ أصْحابُنا فِيما يَثْبُتُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الوَصْفِ لَهُ بِالعَيْنِ. فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِهِ البَصَرُ والرُّؤْيَةُ. ومِنهم مَن قالَ: إنَّ طَرِيقَ إثْباتِها صِفَةً لِلَّهِ تَعالى بِالسَّمْعِ. وسَبِيلُ القَوْلِ فِيها كَسَبِيلِ القَوْلِ في اليَدِ والوَجْهِ. انْتَهى. ومَذْهَبُ السَّلَفِ؛ أنَّ الصِّفاتِ يُحْتَذى فِيها حَذْوَ الذّاتِ، فَكَما أنَّها مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ والتَّكْيِيفِ، فَكَذَلِكَ الصِّفاتُ إثْباتُها مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وعَنِ التَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَحْيِنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: أمْرِنا وتَعْلِيمِنا كَيْفَ تَصْنَعُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: عَذابُنا: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ [المؤمنون: ٢٧] كِنايَةً عَنِ الشِّدَّةِ. كَقَوْلِهِمْ: (حَمِيَ الوَطِيسُ ) . و(التَّنُّورُ ): كانُونُ الخُبْزِ حَقِيقَةً. وأطْلَقَهُ بَعْضُهم عَلى وجْهِ الأرْضِ ومَنبَعِ الماءِ، لِلْآيَةِ مَجازًا: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: فَأدْخِلْ في الفُلْكِ: ﴿مِن كُلٍّ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ: ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: في الدُّعاءِ لَهم بِالنَّجاةِ، عِنْدَ مُشاهَدَةِ هَلاكِهِمْ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: في بَحْرِ الهَلاكِ، كَما غَرِقُوا في بَحْرِ الضَّلالِ وظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، بَعْدَ أنْ أمْلى لَهُمُ الدَّهْرَ المُتَطاوِلَ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي﴾ [المؤمنون: ٢٩] أيْ: في السَّفِينَةِ أوْ مِنها: ﴿مُنْـزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] أيْ: لِمَن أنْزَلْتَهُ مَنزِلَ قُرْبِكَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] أيْ فِيما فُعِلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ: ﴿لآياتٍ﴾ [المؤمنون: ٣٠] أيْ: يَسْتَدِلُّ بِها ويَعْتَبِرُ أُولُو الأبْصارِ: ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] (p-٤٣٩٨)أيْ: مُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ وعِقابٍ شَدِيدٍ. أوْ مُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا، لِنَنْظُرَ مَن يَعْتَبِرُ ويَدَّكِرُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] و(إنَّ ) مُخَفَّفَةٌ عَلى الأصَحِّ - وقِيلَ نافِيَةٌ. واللّامُ بِمَعْنى (إلّا ) والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

المؤمنون 23:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦ - ٣٠] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي مُنْـزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] ﴿قالَ﴾ أيْ: بَعْدَ ما أيِسَ مِن إيمانِهِمْ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ (p-٤٣٩٧)أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: مُلْتَبِسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، لا تَلْحَقُها آفَةٌ ولا يَعْتَرِضُها نَقْصٌ عَبَّرَ بِكَثْرَةِ آلَةِ الحِسِّ الَّتِي بِها يُحْفَظُ الشَّيْءُ، ويُراعى مِنَ الِاخْتِلالِ والزَّيْغِ، عَنِ المُبالَغَةِ في الحِفْظِ والرِّعايَةِ، عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: المَعْنى بِمَرْأى مِنّا ومَشْهَدٍ في حِفْظِنا وكَلاءَتِنا. بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَيْنِ البَصَرُ، وأنَّهُ يُسَمّى البَصَرُ عَيْنًا لِأجْلِ أنَّهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ويَقُومُ بِهِ. مِن بابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ. وبِاسْمِ ما هو قائِمٌ بِهِ. قالَ الإمامُ ابْنُ فَوْرَكَ في (مُتَشابَهِ الحَدِيثِ ") - بَعْدَ حِكايَةِ نَحْوِ ما تَقَدَّمَ -: وقَدِ اخْتَلَفَ أصْحابُنا فِيما يَثْبُتُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الوَصْفِ لَهُ بِالعَيْنِ. فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِهِ البَصَرُ والرُّؤْيَةُ. ومِنهم مَن قالَ: إنَّ طَرِيقَ إثْباتِها صِفَةً لِلَّهِ تَعالى بِالسَّمْعِ. وسَبِيلُ القَوْلِ فِيها كَسَبِيلِ القَوْلِ في اليَدِ والوَجْهِ. انْتَهى. ومَذْهَبُ السَّلَفِ؛ أنَّ الصِّفاتِ يُحْتَذى فِيها حَذْوَ الذّاتِ، فَكَما أنَّها مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ والتَّكْيِيفِ، فَكَذَلِكَ الصِّفاتُ إثْباتُها مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وعَنِ التَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَحْيِنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: أمْرِنا وتَعْلِيمِنا كَيْفَ تَصْنَعُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: عَذابُنا: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ [المؤمنون: ٢٧] كِنايَةً عَنِ الشِّدَّةِ. كَقَوْلِهِمْ: (حَمِيَ الوَطِيسُ ) . و(التَّنُّورُ ): كانُونُ الخُبْزِ حَقِيقَةً. وأطْلَقَهُ بَعْضُهم عَلى وجْهِ الأرْضِ ومَنبَعِ الماءِ، لِلْآيَةِ مَجازًا: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: فَأدْخِلْ في الفُلْكِ: ﴿مِن كُلٍّ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ: ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: في الدُّعاءِ لَهم بِالنَّجاةِ، عِنْدَ مُشاهَدَةِ هَلاكِهِمْ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: في بَحْرِ الهَلاكِ، كَما غَرِقُوا في بَحْرِ الضَّلالِ وظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، بَعْدَ أنْ أمْلى لَهُمُ الدَّهْرَ المُتَطاوِلَ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي﴾ [المؤمنون: ٢٩] أيْ: في السَّفِينَةِ أوْ مِنها: ﴿مُنْـزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] أيْ: لِمَن أنْزَلْتَهُ مَنزِلَ قُرْبِكَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] أيْ فِيما فُعِلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ: ﴿لآياتٍ﴾ [المؤمنون: ٣٠] أيْ: يَسْتَدِلُّ بِها ويَعْتَبِرُ أُولُو الأبْصارِ: ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] (p-٤٣٩٨)أيْ: مُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ وعِقابٍ شَدِيدٍ. أوْ مُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا، لِنَنْظُرَ مَن يَعْتَبِرُ ويَدَّكِرُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] و(إنَّ ) مُخَفَّفَةٌ عَلى الأصَحِّ - وقِيلَ نافِيَةٌ. واللّامُ بِمَعْنى (إلّا ) والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

المؤمنون 23:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦ - ٣٠] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي مُنْـزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] ﴿قالَ﴾ أيْ: بَعْدَ ما أيِسَ مِن إيمانِهِمْ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ (p-٤٣٩٧)أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: مُلْتَبِسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، لا تَلْحَقُها آفَةٌ ولا يَعْتَرِضُها نَقْصٌ عَبَّرَ بِكَثْرَةِ آلَةِ الحِسِّ الَّتِي بِها يُحْفَظُ الشَّيْءُ، ويُراعى مِنَ الِاخْتِلالِ والزَّيْغِ، عَنِ المُبالَغَةِ في الحِفْظِ والرِّعايَةِ، عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: المَعْنى بِمَرْأى مِنّا ومَشْهَدٍ في حِفْظِنا وكَلاءَتِنا. بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَيْنِ البَصَرُ، وأنَّهُ يُسَمّى البَصَرُ عَيْنًا لِأجْلِ أنَّهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ويَقُومُ بِهِ. مِن بابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ. وبِاسْمِ ما هو قائِمٌ بِهِ. قالَ الإمامُ ابْنُ فَوْرَكَ في (مُتَشابَهِ الحَدِيثِ ") - بَعْدَ حِكايَةِ نَحْوِ ما تَقَدَّمَ -: وقَدِ اخْتَلَفَ أصْحابُنا فِيما يَثْبُتُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الوَصْفِ لَهُ بِالعَيْنِ. فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِهِ البَصَرُ والرُّؤْيَةُ. ومِنهم مَن قالَ: إنَّ طَرِيقَ إثْباتِها صِفَةً لِلَّهِ تَعالى بِالسَّمْعِ. وسَبِيلُ القَوْلِ فِيها كَسَبِيلِ القَوْلِ في اليَدِ والوَجْهِ. انْتَهى. ومَذْهَبُ السَّلَفِ؛ أنَّ الصِّفاتِ يُحْتَذى فِيها حَذْوَ الذّاتِ، فَكَما أنَّها مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ والتَّكْيِيفِ، فَكَذَلِكَ الصِّفاتُ إثْباتُها مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وعَنِ التَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَحْيِنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: أمْرِنا وتَعْلِيمِنا كَيْفَ تَصْنَعُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: عَذابُنا: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ [المؤمنون: ٢٧] كِنايَةً عَنِ الشِّدَّةِ. كَقَوْلِهِمْ: (حَمِيَ الوَطِيسُ ) . و(التَّنُّورُ ): كانُونُ الخُبْزِ حَقِيقَةً. وأطْلَقَهُ بَعْضُهم عَلى وجْهِ الأرْضِ ومَنبَعِ الماءِ، لِلْآيَةِ مَجازًا: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: فَأدْخِلْ في الفُلْكِ: ﴿مِن كُلٍّ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ: ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: في الدُّعاءِ لَهم بِالنَّجاةِ، عِنْدَ مُشاهَدَةِ هَلاكِهِمْ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أيْ: في بَحْرِ الهَلاكِ، كَما غَرِقُوا في بَحْرِ الضَّلالِ وظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، بَعْدَ أنْ أمْلى لَهُمُ الدَّهْرَ المُتَطاوِلَ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي﴾ [المؤمنون: ٢٩] أيْ: في السَّفِينَةِ أوْ مِنها: ﴿مُنْـزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] أيْ: لِمَن أنْزَلْتَهُ مَنزِلَ قُرْبِكَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] أيْ فِيما فُعِلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ: ﴿لآياتٍ﴾ [المؤمنون: ٣٠] أيْ: يَسْتَدِلُّ بِها ويَعْتَبِرُ أُولُو الأبْصارِ: ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] (p-٤٣٩٨)أيْ: مُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ وعِقابٍ شَدِيدٍ. أوْ مُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا، لِنَنْظُرَ مَن يَعْتَبِرُ ويَدَّكِرُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] و(إنَّ ) مُخَفَّفَةٌ عَلى الأصَحِّ - وقِيلَ نافِيَةٌ. واللّامُ بِمَعْنى (إلّا ) والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

المؤمنون 23:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣١] ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ . ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ هم عادٌ أوْ ثَمُودُ. قالَ الشِّهابُ: لَيْسَ في الآيَةِ تَعْيِينٌ لِهَؤُلاءِ. لَكِنَّ الأوَّلَ مَأْثُورٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وأيَّدَهُ في (الكَشْفِ ") بِمَجِيءِ قِصَّتِهِمْ بَعْدَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وهُودٍ وغَيْرِهِما. وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهم ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، اسْتَدَلَّ بِذِكْرِ الصَّيْحَةِ لِأنَّهُمُ المُهْلَكُونَ بِها. كَما صَرَّحَ بِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

المؤمنون 23:32

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢ - ٤١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] (p-٤٣٩٩)﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] . ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ: نَعَّمْناهم: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] أيْ: لِعِزَّةِ أنْفُسِكم، بِالتَّذَلُّلِ لِمِثْلِكم: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] أيْ مِنَ الأجْداثِ أحْياءً كَما كُنْتُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ. أيْ: بَعْدَ الوُقُوعِ أوِ الصِّحَّةِ لِما تُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] أيْ: يَمُوَتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ. لِيَنْقَرِضَ قَرْنٌ ويَأْتِيَ قَرْنٌ آخَرُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيِ: العُقُوبَةُ الهائِلَةُ، أوْ صَيْحَةُ مَلَكٍ: ﴿بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: كَغُثاءِ السَّيْلِ: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: هَلاكًا لَهم. إخْبارٌ أوْ دُعاءٌ.

المؤمنون 23:33

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢ - ٤١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] (p-٤٣٩٩)﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] . ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ: نَعَّمْناهم: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] أيْ: لِعِزَّةِ أنْفُسِكم، بِالتَّذَلُّلِ لِمِثْلِكم: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] أيْ مِنَ الأجْداثِ أحْياءً كَما كُنْتُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ. أيْ: بَعْدَ الوُقُوعِ أوِ الصِّحَّةِ لِما تُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] أيْ: يَمُوَتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ. لِيَنْقَرِضَ قَرْنٌ ويَأْتِيَ قَرْنٌ آخَرُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيِ: العُقُوبَةُ الهائِلَةُ، أوْ صَيْحَةُ مَلَكٍ: ﴿بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: كَغُثاءِ السَّيْلِ: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: هَلاكًا لَهم. إخْبارٌ أوْ دُعاءٌ.

المؤمنون 23:34

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢ - ٤١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] (p-٤٣٩٩)﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] . ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ: نَعَّمْناهم: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] أيْ: لِعِزَّةِ أنْفُسِكم، بِالتَّذَلُّلِ لِمِثْلِكم: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] أيْ مِنَ الأجْداثِ أحْياءً كَما كُنْتُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ. أيْ: بَعْدَ الوُقُوعِ أوِ الصِّحَّةِ لِما تُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] أيْ: يَمُوَتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ. لِيَنْقَرِضَ قَرْنٌ ويَأْتِيَ قَرْنٌ آخَرُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيِ: العُقُوبَةُ الهائِلَةُ، أوْ صَيْحَةُ مَلَكٍ: ﴿بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: كَغُثاءِ السَّيْلِ: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: هَلاكًا لَهم. إخْبارٌ أوْ دُعاءٌ.

المؤمنون 23:35

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢ - ٤١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] (p-٤٣٩٩)﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] . ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ: نَعَّمْناهم: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] أيْ: لِعِزَّةِ أنْفُسِكم، بِالتَّذَلُّلِ لِمِثْلِكم: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] أيْ مِنَ الأجْداثِ أحْياءً كَما كُنْتُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ. أيْ: بَعْدَ الوُقُوعِ أوِ الصِّحَّةِ لِما تُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] أيْ: يَمُوَتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ. لِيَنْقَرِضَ قَرْنٌ ويَأْتِيَ قَرْنٌ آخَرُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيِ: العُقُوبَةُ الهائِلَةُ، أوْ صَيْحَةُ مَلَكٍ: ﴿بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: كَغُثاءِ السَّيْلِ: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: هَلاكًا لَهم. إخْبارٌ أوْ دُعاءٌ.

المؤمنون 23:36

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢ - ٤١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] (p-٤٣٩٩)﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] . ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ: نَعَّمْناهم: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] أيْ: لِعِزَّةِ أنْفُسِكم، بِالتَّذَلُّلِ لِمِثْلِكم: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] أيْ مِنَ الأجْداثِ أحْياءً كَما كُنْتُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ. أيْ: بَعْدَ الوُقُوعِ أوِ الصِّحَّةِ لِما تُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] أيْ: يَمُوَتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ. لِيَنْقَرِضَ قَرْنٌ ويَأْتِيَ قَرْنٌ آخَرُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيِ: العُقُوبَةُ الهائِلَةُ، أوْ صَيْحَةُ مَلَكٍ: ﴿بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: كَغُثاءِ السَّيْلِ: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: هَلاكًا لَهم. إخْبارٌ أوْ دُعاءٌ.

المؤمنون 23:37

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢ - ٤١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] (p-٤٣٩٩)﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] . ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ: نَعَّمْناهم: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] أيْ: لِعِزَّةِ أنْفُسِكم، بِالتَّذَلُّلِ لِمِثْلِكم: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] أيْ مِنَ الأجْداثِ أحْياءً كَما كُنْتُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ. أيْ: بَعْدَ الوُقُوعِ أوِ الصِّحَّةِ لِما تُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] أيْ: يَمُوَتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ. لِيَنْقَرِضَ قَرْنٌ ويَأْتِيَ قَرْنٌ آخَرُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيِ: العُقُوبَةُ الهائِلَةُ، أوْ صَيْحَةُ مَلَكٍ: ﴿بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: كَغُثاءِ السَّيْلِ: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: هَلاكًا لَهم. إخْبارٌ أوْ دُعاءٌ.

المؤمنون 23:38

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢ - ٤١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] (p-٤٣٩٩)﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] . ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ: نَعَّمْناهم: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] أيْ: لِعِزَّةِ أنْفُسِكم، بِالتَّذَلُّلِ لِمِثْلِكم: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] أيْ مِنَ الأجْداثِ أحْياءً كَما كُنْتُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ. أيْ: بَعْدَ الوُقُوعِ أوِ الصِّحَّةِ لِما تُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] أيْ: يَمُوَتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ. لِيَنْقَرِضَ قَرْنٌ ويَأْتِيَ قَرْنٌ آخَرُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيِ: العُقُوبَةُ الهائِلَةُ، أوْ صَيْحَةُ مَلَكٍ: ﴿بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: كَغُثاءِ السَّيْلِ: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: هَلاكًا لَهم. إخْبارٌ أوْ دُعاءٌ.

المؤمنون 23:39

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢ - ٤١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] (p-٤٣٩٩)﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] . ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ: نَعَّمْناهم: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] أيْ: لِعِزَّةِ أنْفُسِكم، بِالتَّذَلُّلِ لِمِثْلِكم: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] أيْ مِنَ الأجْداثِ أحْياءً كَما كُنْتُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ. أيْ: بَعْدَ الوُقُوعِ أوِ الصِّحَّةِ لِما تُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] أيْ: يَمُوَتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ. لِيَنْقَرِضَ قَرْنٌ ويَأْتِيَ قَرْنٌ آخَرُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيِ: العُقُوبَةُ الهائِلَةُ، أوْ صَيْحَةُ مَلَكٍ: ﴿بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: كَغُثاءِ السَّيْلِ: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: هَلاكًا لَهم. إخْبارٌ أوْ دُعاءٌ.

المؤمنون 23:40

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢ - ٤١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] (p-٤٣٩٩)﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] . ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ: نَعَّمْناهم: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] أيْ: لِعِزَّةِ أنْفُسِكم، بِالتَّذَلُّلِ لِمِثْلِكم: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] أيْ مِنَ الأجْداثِ أحْياءً كَما كُنْتُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ. أيْ: بَعْدَ الوُقُوعِ أوِ الصِّحَّةِ لِما تُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] أيْ: يَمُوَتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ. لِيَنْقَرِضَ قَرْنٌ ويَأْتِيَ قَرْنٌ آخَرُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيِ: العُقُوبَةُ الهائِلَةُ، أوْ صَيْحَةُ مَلَكٍ: ﴿بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: كَغُثاءِ السَّيْلِ: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: هَلاكًا لَهم. إخْبارٌ أوْ دُعاءٌ.

المؤمنون 23:41

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢ - ٤١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] (p-٤٣٩٩)﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] . ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ: نَعَّمْناهم: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] أيْ: لِعِزَّةِ أنْفُسِكم، بِالتَّذَلُّلِ لِمِثْلِكم: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] أيْ مِنَ الأجْداثِ أحْياءً كَما كُنْتُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ. أيْ: بَعْدَ الوُقُوعِ أوِ الصِّحَّةِ لِما تُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] أيْ: يَمُوَتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ. لِيَنْقَرِضَ قَرْنٌ ويَأْتِيَ قَرْنٌ آخَرُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيِ: العُقُوبَةُ الهائِلَةُ، أوْ صَيْحَةُ مَلَكٍ: ﴿بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: كَغُثاءِ السَّيْلِ: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] أيْ: هَلاكًا لَهم. إخْبارٌ أوْ دُعاءٌ.

المؤمنون 23:42

(p-٤٤٠٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٢ - ٤٥] ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٣] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] . ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ [المؤمنون: ٤٣] أيْ: وقْتَها الَّذِي عُيِّنَ لِهَلاكِها: ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٣] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤] أيْ: مُتَواتِرِينَ، واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ [المؤمنون: ٤٤] أيْ: في الإهْلاكِ: ﴿وجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] أيْ: أخْبارًا يُسْمَرُ بِها ويُتَعَجَّبُ مِنها. يَعْنِي أنَّهم فَنُوا ولَمْ يَبْقَ إلّا خَبَرُهم، إنْ خَيْرًا وإنْ شَرًّا. ؎وإنَّما المَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ فَكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَن وعى ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] أيْ: حُجَّةٍ واضِحَةٍ مُلْزِمَةٍ لِلْخَصْمِ. والمُرادُ بِهِ الآياتُ نَفْسُها. عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ، عَلى جَمْعِها لِعُنْوانَيْنِ جَلِيلَيْنِ.

المؤمنون 23:43

(p-٤٤٠٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٢ - ٤٥] ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٣] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] . ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ [المؤمنون: ٤٣] أيْ: وقْتَها الَّذِي عُيِّنَ لِهَلاكِها: ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٣] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤] أيْ: مُتَواتِرِينَ، واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ [المؤمنون: ٤٤] أيْ: في الإهْلاكِ: ﴿وجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] أيْ: أخْبارًا يُسْمَرُ بِها ويُتَعَجَّبُ مِنها. يَعْنِي أنَّهم فَنُوا ولَمْ يَبْقَ إلّا خَبَرُهم، إنْ خَيْرًا وإنْ شَرًّا. ؎وإنَّما المَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ فَكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَن وعى ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] أيْ: حُجَّةٍ واضِحَةٍ مُلْزِمَةٍ لِلْخَصْمِ. والمُرادُ بِهِ الآياتُ نَفْسُها. عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ، عَلى جَمْعِها لِعُنْوانَيْنِ جَلِيلَيْنِ.

المؤمنون 23:44

(p-٤٤٠٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٢ - ٤٥] ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٣] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] . ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ [المؤمنون: ٤٣] أيْ: وقْتَها الَّذِي عُيِّنَ لِهَلاكِها: ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٣] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤] أيْ: مُتَواتِرِينَ، واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ [المؤمنون: ٤٤] أيْ: في الإهْلاكِ: ﴿وجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] أيْ: أخْبارًا يُسْمَرُ بِها ويُتَعَجَّبُ مِنها. يَعْنِي أنَّهم فَنُوا ولَمْ يَبْقَ إلّا خَبَرُهم، إنْ خَيْرًا وإنْ شَرًّا. ؎وإنَّما المَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ فَكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَن وعى ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] أيْ: حُجَّةٍ واضِحَةٍ مُلْزِمَةٍ لِلْخَصْمِ. والمُرادُ بِهِ الآياتُ نَفْسُها. عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ، عَلى جَمْعِها لِعُنْوانَيْنِ جَلِيلَيْنِ.

المؤمنون 23:45

(p-٤٤٠٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٢ - ٤٥] ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٣] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] . ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ [المؤمنون: ٤٣] أيْ: وقْتَها الَّذِي عُيِّنَ لِهَلاكِها: ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٣] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤] أيْ: مُتَواتِرِينَ، واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ [المؤمنون: ٤٤] أيْ: في الإهْلاكِ: ﴿وجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] أيْ: أخْبارًا يُسْمَرُ بِها ويُتَعَجَّبُ مِنها. يَعْنِي أنَّهم فَنُوا ولَمْ يَبْقَ إلّا خَبَرُهم، إنْ خَيْرًا وإنْ شَرًّا. ؎وإنَّما المَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ فَكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَن وعى ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] أيْ: حُجَّةٍ واضِحَةٍ مُلْزِمَةٍ لِلْخَصْمِ. والمُرادُ بِهِ الآياتُ نَفْسُها. عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ، عَلى جَمْعِها لِعُنْوانَيْنِ جَلِيلَيْنِ.

المؤمنون 23:46

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٤٨] ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] . (p-٤٤٠١)﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: عَنِ الِانْقِيادِ وإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ مُوسى لِأرْضِ كَنْعانَ، وتَحْرِيرِهِمْ مِن تِلْكَ العُبُودِيَّةِ لَهم: ﴿وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدِينَ: ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] أيِ: المُغْرَقِينَ في البَحْرِ. فائِدَةٌ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: البَشَرُ يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا: ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ﴾ [مريم: ٢٦] و(مِثْلُ ) و(غَيْرُ ) يُوصَفُ بِهِما الِاثْنانِ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ويُقالُ أيْضًا: هُما مِثْلاهُ وهم أمْثالُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]

المؤمنون 23:47

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٤٨] ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] . (p-٤٤٠١)﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: عَنِ الِانْقِيادِ وإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ مُوسى لِأرْضِ كَنْعانَ، وتَحْرِيرِهِمْ مِن تِلْكَ العُبُودِيَّةِ لَهم: ﴿وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدِينَ: ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] أيِ: المُغْرَقِينَ في البَحْرِ. فائِدَةٌ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: البَشَرُ يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا: ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ﴾ [مريم: ٢٦] و(مِثْلُ ) و(غَيْرُ ) يُوصَفُ بِهِما الِاثْنانِ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ويُقالُ أيْضًا: هُما مِثْلاهُ وهم أمْثالُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]

المؤمنون 23:48

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٦ - ٤٨] ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] . (p-٤٤٠١)﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: عَنِ الِانْقِيادِ وإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ مُوسى لِأرْضِ كَنْعانَ، وتَحْرِيرِهِمْ مِن تِلْكَ العُبُودِيَّةِ لَهم: ﴿وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدِينَ: ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] أيِ: المُغْرَقِينَ في البَحْرِ. فائِدَةٌ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: البَشَرُ يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا: ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ﴾ [مريم: ٢٦] و(مِثْلُ ) و(غَيْرُ ) يُوصَفُ بِهِما الِاثْنانِ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ويُقالُ أيْضًا: هُما مِثْلاهُ وهم أمْثالُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]

المؤمنون 23:49

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩ - ٥٠] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] . ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيْ: قَوْمَهُ: ﴿يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: إلى طَرِيقِ الحَقِّ، بِما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ: ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] أيْ: دَلالَةً عَلى قُدْرَتِنا الباهِرَةِ. لِأنَّها ولَدَتْهُ مِن دُونِ مَسِيسٍ. فالآيَةُ أمْرٌ واحِدٌ نُسِبَ إلَيْهِما. أوِ المَعْنى: وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً بِما ظَهَرَ مِنهُ مِنَ الخَوارِقِ، وأمَّهُ آيَةً بِأنَّها ولَدَتْهُ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ فَحُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها: ﴿وآوَيْناهُما﴾ [المؤمنون: ٥٠] أيْ: جَعَلْنا مَأْواهُما أيْ: مَنزِلَهُما: ﴿إلى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] أيْ: أرْضٍ مُرْتَفِعَةٍ ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] أيْ: مُسْتَقَرٍّ مِن أرْضٍ مُنْبَسِطَةٍ مُسْتَوِيَةٍ. وعَنْ قَتادَةَ: ذاتُ ثِمارٍ (p-٤٤٠٢)وماءٍ. يَعْنِي أنَّهُ لِأجْلِ الثِّمارِ يَسْتَقِرُّ فِيها ساكِنُوها: ﴿ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] أيْ: وماءٍ مَعِينٍ ظاهِرٍ جارٍ. مِن (مَعَنَ الماءُ إذا جَرى ) أوْ مُدْرَكٌ بِالعَيْنِ (مِن عانَهُ ) إذا أدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ.

المؤمنون 23:50

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٩ - ٥٠] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] . ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيْ: قَوْمَهُ: ﴿يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: إلى طَرِيقِ الحَقِّ، بِما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ: ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] أيْ: دَلالَةً عَلى قُدْرَتِنا الباهِرَةِ. لِأنَّها ولَدَتْهُ مِن دُونِ مَسِيسٍ. فالآيَةُ أمْرٌ واحِدٌ نُسِبَ إلَيْهِما. أوِ المَعْنى: وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً بِما ظَهَرَ مِنهُ مِنَ الخَوارِقِ، وأمَّهُ آيَةً بِأنَّها ولَدَتْهُ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ فَحُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها: ﴿وآوَيْناهُما﴾ [المؤمنون: ٥٠] أيْ: جَعَلْنا مَأْواهُما أيْ: مَنزِلَهُما: ﴿إلى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] أيْ: أرْضٍ مُرْتَفِعَةٍ ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] أيْ: مُسْتَقَرٍّ مِن أرْضٍ مُنْبَسِطَةٍ مُسْتَوِيَةٍ. وعَنْ قَتادَةَ: ذاتُ ثِمارٍ (p-٤٤٠٢)وماءٍ. يَعْنِي أنَّهُ لِأجْلِ الثِّمارِ يَسْتَقِرُّ فِيها ساكِنُوها: ﴿ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] أيْ: وماءٍ مَعِينٍ ظاهِرٍ جارٍ. مِن (مَعَنَ الماءُ إذا جَرى ) أوْ مُدْرَكٌ بِالعَيْنِ (مِن عانَهُ ) إذا أدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ.

المؤمنون 23:51

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥١] ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ . ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ نِداءٌ وخِطابٌ لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ بِاعْتِبارِ زَمانِ كُلٍّ وعَهْدِهِ. فَدَخَلَ فِيهِ عِيسى دُخُولًا أوَّلِيًّا. أوْ يَكُونُ ابْتِداءَ كَلامٍ ذُكِرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَهْيِئَةَ أسْبابِ التَّنَعُّمِ لَمْ تَكُنْ لَهُ خاصَّةً. وأنَّ إباحَةَ الطَّيِّباتِ لِلْأنْبِياءِ شَرْعٌ قَدِيمٌ. واحْتِجاجًا عَلى الرَّهابِنَةِ في رَفْضِ الطَّيِّباتِ. وقَوْلُهُ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ أيْ: عَمَلًا صالِحًا. فَإنَّهُ الَّذِي بِهِ سَعادَةُ الدّارَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أيْ: ذُو عِلْمٍ لا يَخْفى عَلَيَّ مِنها شَيْءٌ. فَأنا مُجازِيكم بِجَمِيعِها، ومُوَفِّيكم أُجُورَكم وثَوابَكم عَلَيْها، فَخُذُوا في صالِحاتِ الأعْمالِ واجْتَهِدُوا.

المؤمنون 23:52

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٢] ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ . ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ أيْ: واعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ مِلَّتُكم وشَرِيعَتُكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها: ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مِلَّةً واحِدَةً، وهي شَرِيعَةُ الإسْلامِ. إسْلامُ الوَجْهِ لِلَّهِ تَعالى بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] (فالأُمَّةُ ) هُنا بِمَعْنى: المِلَّةِ والدِّينِ: ﴿وأنا رَبُّكُمْ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ شَرِيكٍ: ﴿فاتَّقُونِ﴾ أيْ: فَخافُوا عِقابِي، في مُفارَقَةِ الدِّينِ والجَماعَةِ. قِيلَ إنَّهُ اخْتِيرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] الواقِعِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ، لِذِكْرِهِ بَعْدَ إهْلاكِ الأُمَمِ، بِخِلافِ ما ثَمَّةَ وهَذا بِناءً عَلى أنَّهُ تَذْيِيلٌ لِلْقِصَصِ السّابِقَةِ، أوْ لِقِصَّةِ (p-٤٤٠٣)عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لا ابْتِداءُ كَلامٍ. فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لا يُفِيدُهُ. إلّا أنْ يُرادَ أنَّهُ وقَعَ في حِكايَةٍ لِهَذِهِ المُناسَبَةِ. كَذا في (العِنايَةِ ") . ثُمَّ قَصَّ ما وقَعَ مِن أُمَمِ الرُّسُلِ بَعْدَهم مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

المؤمنون 23:53

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٣ - ٥٤] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا﴾ أيْ: جَعَلُوا دِينَهم بَيْنَهم قِطَعًا وفِرَقًا مُنَوَّعَةً: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أيْ: كُلُّ فِرْقَةٍ مِن فِرَقِ هَؤُلاءِ المُخْتَلِفِينَ المُتَقَطِّعِينَ دِينَهم، فَرِحٌ بِباطِلِهِ، مُطْمَئِنُّ النَّفْسِ، مُعْتَقِدٌ أنَّهُ عَلى الحَقِّ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] أيْ: في جَهالَتِهِمْ، ومَشْيِهِمْ مَعَ هَواهم، ونَبْذِهِمْ كِتابَ اللَّهِ: ﴿حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] أيْ: إلى وقْتٍ يَسْتَفِيقُونَ فِيهِ مِن سُباتِهِمْ، بِظُهُورِ دِينِ اللَّهِ وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ وهَزْمِ عَدُوِّهِ. وشَبَّهَ جَهالَتَهم بِالماءِ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ، لِأنَّهم مَغْمُورُونَ فِيها.

المؤمنون 23:54

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٣ - ٥٤] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا﴾ أيْ: جَعَلُوا دِينَهم بَيْنَهم قِطَعًا وفِرَقًا مُنَوَّعَةً: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أيْ: كُلُّ فِرْقَةٍ مِن فِرَقِ هَؤُلاءِ المُخْتَلِفِينَ المُتَقَطِّعِينَ دِينَهم، فَرِحٌ بِباطِلِهِ، مُطْمَئِنُّ النَّفْسِ، مُعْتَقِدٌ أنَّهُ عَلى الحَقِّ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] أيْ: في جَهالَتِهِمْ، ومَشْيِهِمْ مَعَ هَواهم، ونَبْذِهِمْ كِتابَ اللَّهِ: ﴿حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] أيْ: إلى وقْتٍ يَسْتَفِيقُونَ فِيهِ مِن سُباتِهِمْ، بِظُهُورِ دِينِ اللَّهِ وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ وهَزْمِ عَدُوِّهِ. وشَبَّهَ جَهالَتَهم بِالماءِ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ، لِأنَّهم مَغْمُورُونَ فِيها.

المؤمنون 23:55

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٥ - ٥٦] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] . ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾ أيْ: نُعْطِيهِمْ إيّاهُ، ونَجْعَلُهُ مَدَدًا لَهم: ﴿مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] أيْ كَلّا. لا نَفْعَلُ ذَلِكَ. بَلْ هم لا يَشْعُرُونَ أصْلًا. كالبَهائِمِ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ، لِيَتَأمَّلُوا ويَعْرِفُوا أنَّ ذَلِكَ الإمْدادَ اسْتِدْراجٌ لَهم واسْتِجْرارٌ إلى زِيادَةِ الإثْمِ. وهم يَحْسَبُونَهُ مُعاجَلَةً فِيما لَهم فِيهِ إكْرامٌ.

المؤمنون 23:56

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٥ - ٥٦] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] . ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾ أيْ: نُعْطِيهِمْ إيّاهُ، ونَجْعَلُهُ مَدَدًا لَهم: ﴿مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] أيْ كَلّا. لا نَفْعَلُ ذَلِكَ. بَلْ هم لا يَشْعُرُونَ أصْلًا. كالبَهائِمِ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ، لِيَتَأمَّلُوا ويَعْرِفُوا أنَّ ذَلِكَ الإمْدادَ اسْتِدْراجٌ لَهم واسْتِجْرارٌ إلى زِيادَةِ الإثْمِ. وهم يَحْسَبُونَهُ مُعاجَلَةً فِيما لَهم فِيهِ إكْرامٌ.

المؤمنون 23:57

ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَن لَهُ المُسارَعَةُ في الخَيْراتِ مِن أوْلِيائِهِ وعِبادِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٤٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٦١] ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] . ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: مِن خَوْفِ عَذابِهِ حَذِرُونَ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] أيْ: شِرْكًا جَلِيًّا، ولا خَفِيًّا: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: يُعْطُونَ ما أعْطَوْهُ مِنَ الصَّدَقاتِ: ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: خائِفَةٌ: ﴿أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: مِن رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ تَعالى، فَتَخْشى أنْ تُحاسَبَ عَلى ما قَصَّرَتْ مِنَ الحُقُوقِ، أوْ غَفَلَتْ عَنْهُ مِنَ الآدابِ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] أيْ: في نَيْلِ الخَيْراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الخَيْراتُ العاجِلَةُ المَوْعُودَةُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فَقَدْ أثْبَتَ لَهم ما نَفى عَنْ أضْدادِهِمْ، خَلا أنَّهُ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: { أُولَئِكَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ } بَلْ أسْنَدَ المُسارَعَةَ إلَيْهِمْ، إيماءً إلى كَمالِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِنَيْلِ الخَيْراتِ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ. وإيثارُ كَلِمَةِ (فِي ) عَلى كَلِمَةِ (إلى ) لِلْإيذانِ بِأنَّهم مُتَقَلِّبُونَ في فُنُونِ الخَيْراتِ. لا أنَّهم خارِجُونَ عَنْها، مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها، بِطَرِيقِ المُسارَعَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. (p-٤٤٠٥)﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أيْ: إيّاها سابِقُونَ. أيْ: يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ، حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، فَتَكُونُ اللّامُ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] وقِيلَ: المُرادُ: ﴿بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] الطّاعاتُ. والمَعْنى: يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ والعِباداتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ. وهم لِأجْلِها فاعِلُونَ السَّبْقَ، أوْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسَ، واللَّهُ أعْلَمُ، وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:58

ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَن لَهُ المُسارَعَةُ في الخَيْراتِ مِن أوْلِيائِهِ وعِبادِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٤٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٦١] ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] . ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: مِن خَوْفِ عَذابِهِ حَذِرُونَ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] أيْ: شِرْكًا جَلِيًّا، ولا خَفِيًّا: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: يُعْطُونَ ما أعْطَوْهُ مِنَ الصَّدَقاتِ: ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: خائِفَةٌ: ﴿أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: مِن رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ تَعالى، فَتَخْشى أنْ تُحاسَبَ عَلى ما قَصَّرَتْ مِنَ الحُقُوقِ، أوْ غَفَلَتْ عَنْهُ مِنَ الآدابِ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] أيْ: في نَيْلِ الخَيْراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الخَيْراتُ العاجِلَةُ المَوْعُودَةُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فَقَدْ أثْبَتَ لَهم ما نَفى عَنْ أضْدادِهِمْ، خَلا أنَّهُ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: { أُولَئِكَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ } بَلْ أسْنَدَ المُسارَعَةَ إلَيْهِمْ، إيماءً إلى كَمالِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِنَيْلِ الخَيْراتِ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ. وإيثارُ كَلِمَةِ (فِي ) عَلى كَلِمَةِ (إلى ) لِلْإيذانِ بِأنَّهم مُتَقَلِّبُونَ في فُنُونِ الخَيْراتِ. لا أنَّهم خارِجُونَ عَنْها، مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها، بِطَرِيقِ المُسارَعَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. (p-٤٤٠٥)﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أيْ: إيّاها سابِقُونَ. أيْ: يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ، حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، فَتَكُونُ اللّامُ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] وقِيلَ: المُرادُ: ﴿بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] الطّاعاتُ. والمَعْنى: يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ والعِباداتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ. وهم لِأجْلِها فاعِلُونَ السَّبْقَ، أوْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسَ، واللَّهُ أعْلَمُ، وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:59

ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَن لَهُ المُسارَعَةُ في الخَيْراتِ مِن أوْلِيائِهِ وعِبادِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٤٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٦١] ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] . ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: مِن خَوْفِ عَذابِهِ حَذِرُونَ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] أيْ: شِرْكًا جَلِيًّا، ولا خَفِيًّا: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: يُعْطُونَ ما أعْطَوْهُ مِنَ الصَّدَقاتِ: ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: خائِفَةٌ: ﴿أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: مِن رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ تَعالى، فَتَخْشى أنْ تُحاسَبَ عَلى ما قَصَّرَتْ مِنَ الحُقُوقِ، أوْ غَفَلَتْ عَنْهُ مِنَ الآدابِ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] أيْ: في نَيْلِ الخَيْراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الخَيْراتُ العاجِلَةُ المَوْعُودَةُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فَقَدْ أثْبَتَ لَهم ما نَفى عَنْ أضْدادِهِمْ، خَلا أنَّهُ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: { أُولَئِكَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ } بَلْ أسْنَدَ المُسارَعَةَ إلَيْهِمْ، إيماءً إلى كَمالِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِنَيْلِ الخَيْراتِ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ. وإيثارُ كَلِمَةِ (فِي ) عَلى كَلِمَةِ (إلى ) لِلْإيذانِ بِأنَّهم مُتَقَلِّبُونَ في فُنُونِ الخَيْراتِ. لا أنَّهم خارِجُونَ عَنْها، مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها، بِطَرِيقِ المُسارَعَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. (p-٤٤٠٥)﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أيْ: إيّاها سابِقُونَ. أيْ: يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ، حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، فَتَكُونُ اللّامُ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] وقِيلَ: المُرادُ: ﴿بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] الطّاعاتُ. والمَعْنى: يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ والعِباداتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ. وهم لِأجْلِها فاعِلُونَ السَّبْقَ، أوْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسَ، واللَّهُ أعْلَمُ، وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:60

ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَن لَهُ المُسارَعَةُ في الخَيْراتِ مِن أوْلِيائِهِ وعِبادِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٤٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٦١] ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] . ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: مِن خَوْفِ عَذابِهِ حَذِرُونَ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] أيْ: شِرْكًا جَلِيًّا، ولا خَفِيًّا: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: يُعْطُونَ ما أعْطَوْهُ مِنَ الصَّدَقاتِ: ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: خائِفَةٌ: ﴿أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: مِن رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ تَعالى، فَتَخْشى أنْ تُحاسَبَ عَلى ما قَصَّرَتْ مِنَ الحُقُوقِ، أوْ غَفَلَتْ عَنْهُ مِنَ الآدابِ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] أيْ: في نَيْلِ الخَيْراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الخَيْراتُ العاجِلَةُ المَوْعُودَةُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فَقَدْ أثْبَتَ لَهم ما نَفى عَنْ أضْدادِهِمْ، خَلا أنَّهُ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: { أُولَئِكَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ } بَلْ أسْنَدَ المُسارَعَةَ إلَيْهِمْ، إيماءً إلى كَمالِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِنَيْلِ الخَيْراتِ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ. وإيثارُ كَلِمَةِ (فِي ) عَلى كَلِمَةِ (إلى ) لِلْإيذانِ بِأنَّهم مُتَقَلِّبُونَ في فُنُونِ الخَيْراتِ. لا أنَّهم خارِجُونَ عَنْها، مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها، بِطَرِيقِ المُسارَعَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. (p-٤٤٠٥)﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أيْ: إيّاها سابِقُونَ. أيْ: يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ، حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، فَتَكُونُ اللّامُ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] وقِيلَ: المُرادُ: ﴿بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] الطّاعاتُ. والمَعْنى: يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ والعِباداتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ. وهم لِأجْلِها فاعِلُونَ السَّبْقَ، أوْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسَ، واللَّهُ أعْلَمُ، وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:61

ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَن لَهُ المُسارَعَةُ في الخَيْراتِ مِن أوْلِيائِهِ وعِبادِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٤٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٧ - ٦١] ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] . ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: مِن خَوْفِ عَذابِهِ حَذِرُونَ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] أيْ: شِرْكًا جَلِيًّا، ولا خَفِيًّا: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: يُعْطُونَ ما أعْطَوْهُ مِنَ الصَّدَقاتِ: ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: خائِفَةٌ: ﴿أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أيْ: مِن رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ تَعالى، فَتَخْشى أنْ تُحاسَبَ عَلى ما قَصَّرَتْ مِنَ الحُقُوقِ، أوْ غَفَلَتْ عَنْهُ مِنَ الآدابِ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] أيْ: في نَيْلِ الخَيْراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الخَيْراتُ العاجِلَةُ المَوْعُودَةُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فَقَدْ أثْبَتَ لَهم ما نَفى عَنْ أضْدادِهِمْ، خَلا أنَّهُ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: { أُولَئِكَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ } بَلْ أسْنَدَ المُسارَعَةَ إلَيْهِمْ، إيماءً إلى كَمالِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِنَيْلِ الخَيْراتِ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ. وإيثارُ كَلِمَةِ (فِي ) عَلى كَلِمَةِ (إلى ) لِلْإيذانِ بِأنَّهم مُتَقَلِّبُونَ في فُنُونِ الخَيْراتِ. لا أنَّهم خارِجُونَ عَنْها، مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها، بِطَرِيقِ المُسارَعَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. (p-٤٤٠٥)﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أيْ: إيّاها سابِقُونَ. أيْ: يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ، حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، فَتَكُونُ اللّامُ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] وقِيلَ: المُرادُ: ﴿بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] الطّاعاتُ. والمَعْنى: يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ والعِباداتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ. وهم لِأجْلِها فاعِلُونَ السَّبْقَ، أوْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسَ، واللَّهُ أعْلَمُ، وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:62

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٢ - ٦٣] ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] . ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، سِيقَتْ لِلتَّحْرِيضِ عَلى ما وُصِفَ بِهِ السّابِقُونَ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ المُؤَدِّي إلى نَيْلِ الخَيْراتِ، بِبَيانِ سُهُولَتِهِ، وكَوْنِهِ غَيْرَ خارِجٍ عَنْ حَدِّ الوُسْعِ والطّاقَةِ. أيْ: سُنَّتُنا جارِيَةٌ عَلى ألّا نُكَلِّفَ نَفْسًا مِنَ النُّفُوسِ إلّا ما في وُسْعِها. أوْ لِلتَّرْخِيصِ فِيما هو قاصِرٌ عَنْ دَرَجَةِ أعْمالِ أُولَئِكَ الصّالِحِينَ، بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُ عِبادَهُ إلّا ما في وُسْعِهِمْ. فَإنْ لَمْ يَبْلُغُوا في فِعْلِ الطّاعاتِ مَراتِبَ السّابِقِينَ، فَلا عَلَيْهِمْ، بَعْدَ أنْ يَبْذُلُوا طاقاتِهِمْ ويَسْتَفْرِغُوا وُسْعَهم، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ وهو كِتابُ الأعْمالِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] أيْ: مِمّا عَلَيْهِ هَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ [المؤمنون: ٦٣] أيْ: سَيِّئَةٌ كَثِيرَةٌ: ﴿مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] أيِ: الَّذِي ذُكِرَ مِن كَوْنِ قُلُوبِهِمْ في غَفْلَةٍ، وهي فُنُونُ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] أيْ: مُعْتادُونَ لا يُزايِلُونَها. (p-٤٤٠٦)تَنْبِيهٌ: أغْرَبَ الإمامُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ الرّازِيُّ، فَذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] إلى آخِرِ الآيَةِ، مِن تَتِمَّةِ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ المُشْفِقِينَ. كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ وصْفِهِمْ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ ونِهايَتُهُ ما أتى بِهِ هَؤُلاءِ المُشْفِقُونَ، ولَدَيْنا كِتابٌ يَحْفَظُ أعْمالَهم يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ. بَلْ نُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ثَوابَ كُلِّ أعْمالِهِمْ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] هو أيْضًا وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ كَأنَّهُ قالَ: وهم مَعَ ذَلِكَ الوَجَلِ والخَوْفِ كالمُتَحَيِّرِينَ في جَعْلِ أعْمالِهِمْ مَقْبُولَةً أوْ مَرْدُودَةً ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] أيْ: لَهم أيْضًا مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ. إمّا أعْمالًا قَدْ عَمِلُوها في الماضِي أوْ سَيَعْمَلُونَها في المُسْتَقْبَلِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَجَعَ. قالَ الرّازِيُّ: وقَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أوْلى لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما يَتَّصِلُ بِهِ مِن ذِكْرِ المُشْفِقِينَ، كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعُدَ مِنهُ، وقَدْ يُوصَفُ المَرْءُ لِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ، بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِ عَمَلِهِ أوْ رَدِّهِ، وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ. انْتَهى. وبَعْدُ فَإنَّ نَظْمَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَحْتَمِلُ لِذَلِكَ. ولَكِنْ لَمْ يَرِدْ وصْفُ الغَمْرَةِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ أصْلًا بَلْ لَمْ يُوصَفْ بِها إلّا قُلُوبُ المُجْرِمِينَ، كَما تَراهُ في الآياتِ أوَّلًا. فالذَّوْقُ الصَّحِيحُ ورِعايَةُ نَظائِرِ الآياتِ، يَأْبى ما أغْرَبَ بِهِ أبُو مُسْلِمٍ أشَدَّ الإباءِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المؤمنون 23:63

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٢ - ٦٣] ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] . ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، سِيقَتْ لِلتَّحْرِيضِ عَلى ما وُصِفَ بِهِ السّابِقُونَ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ المُؤَدِّي إلى نَيْلِ الخَيْراتِ، بِبَيانِ سُهُولَتِهِ، وكَوْنِهِ غَيْرَ خارِجٍ عَنْ حَدِّ الوُسْعِ والطّاقَةِ. أيْ: سُنَّتُنا جارِيَةٌ عَلى ألّا نُكَلِّفَ نَفْسًا مِنَ النُّفُوسِ إلّا ما في وُسْعِها. أوْ لِلتَّرْخِيصِ فِيما هو قاصِرٌ عَنْ دَرَجَةِ أعْمالِ أُولَئِكَ الصّالِحِينَ، بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُ عِبادَهُ إلّا ما في وُسْعِهِمْ. فَإنْ لَمْ يَبْلُغُوا في فِعْلِ الطّاعاتِ مَراتِبَ السّابِقِينَ، فَلا عَلَيْهِمْ، بَعْدَ أنْ يَبْذُلُوا طاقاتِهِمْ ويَسْتَفْرِغُوا وُسْعَهم، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ وهو كِتابُ الأعْمالِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] أيْ: مِمّا عَلَيْهِ هَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ [المؤمنون: ٦٣] أيْ: سَيِّئَةٌ كَثِيرَةٌ: ﴿مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] أيِ: الَّذِي ذُكِرَ مِن كَوْنِ قُلُوبِهِمْ في غَفْلَةٍ، وهي فُنُونُ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] أيْ: مُعْتادُونَ لا يُزايِلُونَها. (p-٤٤٠٦)تَنْبِيهٌ: أغْرَبَ الإمامُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ الرّازِيُّ، فَذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] إلى آخِرِ الآيَةِ، مِن تَتِمَّةِ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ المُشْفِقِينَ. كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ وصْفِهِمْ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ ونِهايَتُهُ ما أتى بِهِ هَؤُلاءِ المُشْفِقُونَ، ولَدَيْنا كِتابٌ يَحْفَظُ أعْمالَهم يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ. بَلْ نُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ثَوابَ كُلِّ أعْمالِهِمْ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] هو أيْضًا وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ كَأنَّهُ قالَ: وهم مَعَ ذَلِكَ الوَجَلِ والخَوْفِ كالمُتَحَيِّرِينَ في جَعْلِ أعْمالِهِمْ مَقْبُولَةً أوْ مَرْدُودَةً ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] أيْ: لَهم أيْضًا مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ. إمّا أعْمالًا قَدْ عَمِلُوها في الماضِي أوْ سَيَعْمَلُونَها في المُسْتَقْبَلِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَجَعَ. قالَ الرّازِيُّ: وقَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أوْلى لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما يَتَّصِلُ بِهِ مِن ذِكْرِ المُشْفِقِينَ، كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعُدَ مِنهُ، وقَدْ يُوصَفُ المَرْءُ لِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ، بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِ عَمَلِهِ أوْ رَدِّهِ، وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ. انْتَهى. وبَعْدُ فَإنَّ نَظْمَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَحْتَمِلُ لِذَلِكَ. ولَكِنْ لَمْ يَرِدْ وصْفُ الغَمْرَةِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ أصْلًا بَلْ لَمْ يُوصَفْ بِها إلّا قُلُوبُ المُجْرِمِينَ، كَما تَراهُ في الآياتِ أوَّلًا. فالذَّوْقُ الصَّحِيحُ ورِعايَةُ نَظائِرِ الآياتِ، يَأْبى ما أغْرَبَ بِهِ أبُو مُسْلِمٍ أشَدَّ الإباءِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المؤمنون 23:64

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٤] ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ . ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ أيْ: مُتَنَعِّمِيهِمْ: ﴿بِالعَذابِ﴾ أيْ: بِالِانْتِقامِ، مِثْلَ أخْذِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ أيْ: يَصْرُخُونَ بِاسْتِغاثَةٍ أوِ الآيَةِ. كَقَوْلِهِ (p-٤٤٠٧)تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:65

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٥ - ٦٧] ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] . ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم تَبْكِيتًا لَهم: لا تَجْأرُوا، فَإنَّ الجُؤارَ غَيْرُ نافِعٍ لَكم: ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] أيْ: تُعْرِضُونَ عَنْ سَماعِها أشَدَّ الإعْراضِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ [المؤمنون: ٦٧] أيْ: بِالبَيْتِ الحَرامِ والَّذِي سَوَّغَ الإضْمارَ، شُهْرَتُهم بِالِاسْتِكْبارِ بِهِ، وأنْ لا مَفْخَرَ لَهم إلّا أنَّهم قُوّامُهُ. وجُوِّزَ تَضْمِينُ (مُسْتَكْبِرِينَ ) مَعْنى (مُكَذِّبِينَ ) والضَّمِيرُ لِلتَّنْزِيلِ الكَرِيمِ. أيْ: مُكَذِّبِينَ تَكْذِيبَ اسْتِكْبارٍ. ولَمْ يَذْكُرُوا احْتِمالَ إرْجاعِ الضَّمِيرِ (لِلنُّكُوصِ ) إشارَةً إلى زِيادَةِ عُتُوِّهِمْ، وأنَّهم يَفْتَخِرُونَ بِهَذا الإعْراضِ ولا يَرْهَبُونَ مِمّا يُنْذَرُونَ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧] ولَيْسَ بِبَعِيدٍ. فَتَأمَّلْ ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] يَعْنِي أنَّهم يَسْمُرُونَ لَيْلًا بِذِكْرِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ، وتَسْمِيَتِهِ سِحْرًا وشِعْرًا ونَحْوِ ذَلِكَ. وهو مَعْنى تَهْجُرُونَ مِنَ الهُجْرِ بِالضَّمِّ، وهو الفُحْشُ في القَوْلِ. أوْ مَعْناهُ تُعْرِضُونَ. مِنَ (الهَجْرِ ) بِالفَتْحِ. تَنْبِيهٌ: قالَ أبُو البَقاءِ: (سامِرًا ) حالٌ أيْضًا وهو مَصْدَرٌ. كَقَوْلِهِمْ (قُمْ قائِمًا ) وقَدْ جاءَ مِنَ المَصادِرِ عَلى لَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ نَحْوَ العاقِبَةِ والعافِيَةِ. وقِيلَ: هو واحِدٌ في مَوْضِعِ الجَمِيعِ. انْتَهى. (p-٤٤٠٨)فَيَكُونُ واحِدًا أُقِيمَ مَقامَ الجَمْعِ. وقِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ كَحاجٍّ وحاضِرٍ وراكِبٍ وغائِبٍ. قالَ الشِّهابُ: وعَلى كَوْنِهِ مَصْدَرًا فَيَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ أيْضًا، بِاعْتِبارِ أصْلِهِ. ولَكِنَّ مَجِيءَ المَصْدَرِ عَلى وزْنِ (فاعِلٍ ) نادِرٌ. وقُرِئَ (سُمَّرًا ) بِضَمٍّ وتَشْدِيدٍ. (سُمّارٌ ) بِزِيادَةِ ألِفٍ.

المؤمنون 23:66

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٥ - ٦٧] ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] . ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم تَبْكِيتًا لَهم: لا تَجْأرُوا، فَإنَّ الجُؤارَ غَيْرُ نافِعٍ لَكم: ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] أيْ: تُعْرِضُونَ عَنْ سَماعِها أشَدَّ الإعْراضِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ [المؤمنون: ٦٧] أيْ: بِالبَيْتِ الحَرامِ والَّذِي سَوَّغَ الإضْمارَ، شُهْرَتُهم بِالِاسْتِكْبارِ بِهِ، وأنْ لا مَفْخَرَ لَهم إلّا أنَّهم قُوّامُهُ. وجُوِّزَ تَضْمِينُ (مُسْتَكْبِرِينَ ) مَعْنى (مُكَذِّبِينَ ) والضَّمِيرُ لِلتَّنْزِيلِ الكَرِيمِ. أيْ: مُكَذِّبِينَ تَكْذِيبَ اسْتِكْبارٍ. ولَمْ يَذْكُرُوا احْتِمالَ إرْجاعِ الضَّمِيرِ (لِلنُّكُوصِ ) إشارَةً إلى زِيادَةِ عُتُوِّهِمْ، وأنَّهم يَفْتَخِرُونَ بِهَذا الإعْراضِ ولا يَرْهَبُونَ مِمّا يُنْذَرُونَ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧] ولَيْسَ بِبَعِيدٍ. فَتَأمَّلْ ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] يَعْنِي أنَّهم يَسْمُرُونَ لَيْلًا بِذِكْرِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ، وتَسْمِيَتِهِ سِحْرًا وشِعْرًا ونَحْوِ ذَلِكَ. وهو مَعْنى تَهْجُرُونَ مِنَ الهُجْرِ بِالضَّمِّ، وهو الفُحْشُ في القَوْلِ. أوْ مَعْناهُ تُعْرِضُونَ. مِنَ (الهَجْرِ ) بِالفَتْحِ. تَنْبِيهٌ: قالَ أبُو البَقاءِ: (سامِرًا ) حالٌ أيْضًا وهو مَصْدَرٌ. كَقَوْلِهِمْ (قُمْ قائِمًا ) وقَدْ جاءَ مِنَ المَصادِرِ عَلى لَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ نَحْوَ العاقِبَةِ والعافِيَةِ. وقِيلَ: هو واحِدٌ في مَوْضِعِ الجَمِيعِ. انْتَهى. (p-٤٤٠٨)فَيَكُونُ واحِدًا أُقِيمَ مَقامَ الجَمْعِ. وقِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ كَحاجٍّ وحاضِرٍ وراكِبٍ وغائِبٍ. قالَ الشِّهابُ: وعَلى كَوْنِهِ مَصْدَرًا فَيَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ أيْضًا، بِاعْتِبارِ أصْلِهِ. ولَكِنَّ مَجِيءَ المَصْدَرِ عَلى وزْنِ (فاعِلٍ ) نادِرٌ. وقُرِئَ (سُمَّرًا ) بِضَمٍّ وتَشْدِيدٍ. (سُمّارٌ ) بِزِيادَةِ ألِفٍ.

المؤمنون 23:67

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٥ - ٦٧] ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] . ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم تَبْكِيتًا لَهم: لا تَجْأرُوا، فَإنَّ الجُؤارَ غَيْرُ نافِعٍ لَكم: ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] أيْ: تُعْرِضُونَ عَنْ سَماعِها أشَدَّ الإعْراضِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ [المؤمنون: ٦٧] أيْ: بِالبَيْتِ الحَرامِ والَّذِي سَوَّغَ الإضْمارَ، شُهْرَتُهم بِالِاسْتِكْبارِ بِهِ، وأنْ لا مَفْخَرَ لَهم إلّا أنَّهم قُوّامُهُ. وجُوِّزَ تَضْمِينُ (مُسْتَكْبِرِينَ ) مَعْنى (مُكَذِّبِينَ ) والضَّمِيرُ لِلتَّنْزِيلِ الكَرِيمِ. أيْ: مُكَذِّبِينَ تَكْذِيبَ اسْتِكْبارٍ. ولَمْ يَذْكُرُوا احْتِمالَ إرْجاعِ الضَّمِيرِ (لِلنُّكُوصِ ) إشارَةً إلى زِيادَةِ عُتُوِّهِمْ، وأنَّهم يَفْتَخِرُونَ بِهَذا الإعْراضِ ولا يَرْهَبُونَ مِمّا يُنْذَرُونَ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧] ولَيْسَ بِبَعِيدٍ. فَتَأمَّلْ ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] يَعْنِي أنَّهم يَسْمُرُونَ لَيْلًا بِذِكْرِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ، وتَسْمِيَتِهِ سِحْرًا وشِعْرًا ونَحْوِ ذَلِكَ. وهو مَعْنى تَهْجُرُونَ مِنَ الهُجْرِ بِالضَّمِّ، وهو الفُحْشُ في القَوْلِ. أوْ مَعْناهُ تُعْرِضُونَ. مِنَ (الهَجْرِ ) بِالفَتْحِ. تَنْبِيهٌ: قالَ أبُو البَقاءِ: (سامِرًا ) حالٌ أيْضًا وهو مَصْدَرٌ. كَقَوْلِهِمْ (قُمْ قائِمًا ) وقَدْ جاءَ مِنَ المَصادِرِ عَلى لَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ نَحْوَ العاقِبَةِ والعافِيَةِ. وقِيلَ: هو واحِدٌ في مَوْضِعِ الجَمِيعِ. انْتَهى. (p-٤٤٠٨)فَيَكُونُ واحِدًا أُقِيمَ مَقامَ الجَمْعِ. وقِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ كَحاجٍّ وحاضِرٍ وراكِبٍ وغائِبٍ. قالَ الشِّهابُ: وعَلى كَوْنِهِ مَصْدَرًا فَيَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ أيْضًا، بِاعْتِبارِ أصْلِهِ. ولَكِنَّ مَجِيءَ المَصْدَرِ عَلى وزْنِ (فاعِلٍ ) نادِرٌ. وقُرِئَ (سُمَّرًا ) بِضَمٍّ وتَشْدِيدٍ. (سُمّارٌ ) بِزِيادَةِ ألِفٍ.

المؤمنون 23:68

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٨] ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ . ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ أيِ: القُرْآنَ، لِيَعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ المُبِينُ، فَيُصَدِّقُوا بِهِ وبِمَن جاءَ بِهِ: ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: مِنَ الهُدى والحَقِّ، فاسْتَبْدَعُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ، فَوَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ. مَعَ أنَّ المَجِيءَ بِما لَمْ يُعْهَدْ، لا يُوجِبُ النُّفْرَةَ. لِأنَّ المَأْلُوفَ قَدْ يَكُونُ باطِلًا، فَتَقْتَضِي بِهِ الحِكْمَةُ التَّحْذِيرَ مِنهُ.

المؤمنون 23:69

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٩ - ٧٠] ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] . ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ بِما أُرْسِلَ بِهِ. وهَذا تَوْبِيخٌ آخَرُ يُشِيرُ إلى عَظِيمِ جَهالَتِهِمْ، بِأنَّهم ما عَرَفُوا شَأْنَهُ ولا دَرَوْا سِرَّ ما بُعِثَ بِهِ مِمّا يُؤْسَفُ لَهُ. كَما قالَ: ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] أيْ: جُنُونٌ، أوْ جِنٌّ يُخَبِّلُونَهُ. وهَذا تَوْبِيخٌ آخَرُ، فِيهِ تَعْجِيبٌ مِن تَلَوُّنِهِمْ في الجُحُودِ، وتَفَنُّنِهِمْ في العِنادِ، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهم عَلى ذَلِكَ إلّا أنَفَتُهم لِلْحَقِّ كِبْرًا وُعُتُوًّا بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] أيْ: لِما فِيهِمْ مِنَ الزَّيْغِ والِانْحِرافِ. (p-٤٤٠٩)قالَ القاشانِيُّ: ولَمّا أبْطَلُوا اسْتِعْداداتِهِمْ وأطْفَأُوا نُورَها بِالرَّيْنِ والطَّبْعِ، عَلى مُقْتَضى قُوى النَّفْسِ والطَّبْعِ، واشْتَدَّ احْتِجابُهم بِالغَواشِي الظُّلْمانِيَّةِ عَنْ نُورِ الهُدى والعَقْلِ، لَمْ يُمْكِنْهم تَدَبُّرُ القَوْلِ ولَمْ يَفْهَمُوا حَقائِقَ التَّوْحِيدِ، والعَدْلِ فَنَسَبُوهُ إلى الجِنَّةِ ولَمْ يَعْرِفُوهُ، لِلتَّقابُلِ بَيْنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ، والتَّضادِّ بَيْنَ الباطِلِ والحَقِّ، وأنْكَرُوهُ وكَرِهُوا الحَقَّ الَّذِي جاءَ بِهِ.

المؤمنون 23:70

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٩ - ٧٠] ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] . ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ بِما أُرْسِلَ بِهِ. وهَذا تَوْبِيخٌ آخَرُ يُشِيرُ إلى عَظِيمِ جَهالَتِهِمْ، بِأنَّهم ما عَرَفُوا شَأْنَهُ ولا دَرَوْا سِرَّ ما بُعِثَ بِهِ مِمّا يُؤْسَفُ لَهُ. كَما قالَ: ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] أيْ: جُنُونٌ، أوْ جِنٌّ يُخَبِّلُونَهُ. وهَذا تَوْبِيخٌ آخَرُ، فِيهِ تَعْجِيبٌ مِن تَلَوُّنِهِمْ في الجُحُودِ، وتَفَنُّنِهِمْ في العِنادِ، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهم عَلى ذَلِكَ إلّا أنَفَتُهم لِلْحَقِّ كِبْرًا وُعُتُوًّا بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] أيْ: لِما فِيهِمْ مِنَ الزَّيْغِ والِانْحِرافِ. (p-٤٤٠٩)قالَ القاشانِيُّ: ولَمّا أبْطَلُوا اسْتِعْداداتِهِمْ وأطْفَأُوا نُورَها بِالرَّيْنِ والطَّبْعِ، عَلى مُقْتَضى قُوى النَّفْسِ والطَّبْعِ، واشْتَدَّ احْتِجابُهم بِالغَواشِي الظُّلْمانِيَّةِ عَنْ نُورِ الهُدى والعَقْلِ، لَمْ يُمْكِنْهم تَدَبُّرُ القَوْلِ ولَمْ يَفْهَمُوا حَقائِقَ التَّوْحِيدِ، والعَدْلِ فَنَسَبُوهُ إلى الجِنَّةِ ولَمْ يَعْرِفُوهُ، لِلتَّقابُلِ بَيْنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ، والتَّضادِّ بَيْنَ الباطِلِ والحَقِّ، وأنْكَرُوهُ وكَرِهُوا الحَقَّ الَّذِي جاءَ بِهِ.

المؤمنون 23:71

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧١ - ٧٤] ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] . ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ أيْ: ولَوْ كانَ ما كَرِهُوهُ مِنَ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والعَدْلُ المَبْعُوثُ بِهِما الرَّسُولُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مُوافِقًا لِأهْوائِهِمُ المُتَفَرِّقَةِ في الباطِلِ، النّاشِئَةِ مِن نُفُوسِهِمُ الظّالِمَةِ المُظْلِمَةِ، لَفَسَدَ نِظامُ الكَوْنِ لِانْعِدامِ العَدْلِ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، والتَّوْحِيدُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُما فَلَزِمَ فَسادُ الكَوْنِ لِأنَّ مَناطَ النِّظامِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، وفِيهِ مِن تَنْوِيهِ شَأْنِ الحَقِّ، والتَّنْبِيهِ عَلى سُمُوِّ مَكانِهِ، ما لا يَخْفى: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِكَراهَتِهِ، وانْتِقالٌ إلى لَوْمِهِمْ بِالنُّفُورِ عَمّا تَرْغَبُ فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ مِن خَيْرِها. أيْ: لَيْسَ هو مَكْرُوهًا بَلْ هو عِظَةٌ لَهم لَوِ اتَّعَظُوا. أوْ فَخْرُهم أوْ مُتَمَنّاهم لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: بِالنُّكُوصِ عَنْهُ. وأعادَ الذِّكْرَ تَفْخِيمًا. وأضافَهُ لَهم لِسَبْقِهِ. وفي سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء: ٤٢] لِاقْتِضاءِ ما قَبْلَهُ لَهُ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ [المؤمنون: ٧٢] (p-٤٤١٠)أيْ: جُعْلًا عَلى أداءِ الرِّسالَةِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يُؤْمِنُونَ: ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢] أيْ: عَطاؤُهُ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] أيْ: مُنْحَرِفُونَ. قالَ القاشانِيُّ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي يَدْعُوهم إلَيْهِ، هو طَرِيقُ التَّوْحِيدِ المُسْتَلْزِمِ لِحُصُولِ العَدالَةِ في النَّفْسِ، ووُجُودِ المَحَبَّةِ في القَلْبِ. وشُهُودِ الوَحْدَةِ. والَّذِينَ يَحْتَجِبُونَ عَنْ عالَمِ النُّورِ بِالظُّلُماتِ، وعَنِ القُدُسِ بِالرِّجْسِ، إنَّما هم مُنْهَمِكُونَ في الظُّلْمِ والبَغْضاءِ والعَداوَةِ، والرُّكُونِ إلى الكَثْرَةِ. فَلا جَرَمَ أنَّهم عَنِ الصِّراطِ ناكِبُونَ مُنْحَرِفُونَ إلى ضِدِّهِ. فَهو في وادٍ وهم في وادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعَلَّلَهم، بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ، مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ بِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم، واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ، الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ، وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلِهِمْ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ، بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ، وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ، وكَراهَتِهِمْ لِلْحَقِّ وإعْراضِهِمْ عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:72

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧١ - ٧٤] ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] . ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ أيْ: ولَوْ كانَ ما كَرِهُوهُ مِنَ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والعَدْلُ المَبْعُوثُ بِهِما الرَّسُولُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مُوافِقًا لِأهْوائِهِمُ المُتَفَرِّقَةِ في الباطِلِ، النّاشِئَةِ مِن نُفُوسِهِمُ الظّالِمَةِ المُظْلِمَةِ، لَفَسَدَ نِظامُ الكَوْنِ لِانْعِدامِ العَدْلِ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، والتَّوْحِيدُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُما فَلَزِمَ فَسادُ الكَوْنِ لِأنَّ مَناطَ النِّظامِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، وفِيهِ مِن تَنْوِيهِ شَأْنِ الحَقِّ، والتَّنْبِيهِ عَلى سُمُوِّ مَكانِهِ، ما لا يَخْفى: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِكَراهَتِهِ، وانْتِقالٌ إلى لَوْمِهِمْ بِالنُّفُورِ عَمّا تَرْغَبُ فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ مِن خَيْرِها. أيْ: لَيْسَ هو مَكْرُوهًا بَلْ هو عِظَةٌ لَهم لَوِ اتَّعَظُوا. أوْ فَخْرُهم أوْ مُتَمَنّاهم لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: بِالنُّكُوصِ عَنْهُ. وأعادَ الذِّكْرَ تَفْخِيمًا. وأضافَهُ لَهم لِسَبْقِهِ. وفي سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء: ٤٢] لِاقْتِضاءِ ما قَبْلَهُ لَهُ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ [المؤمنون: ٧٢] (p-٤٤١٠)أيْ: جُعْلًا عَلى أداءِ الرِّسالَةِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يُؤْمِنُونَ: ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢] أيْ: عَطاؤُهُ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] أيْ: مُنْحَرِفُونَ. قالَ القاشانِيُّ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي يَدْعُوهم إلَيْهِ، هو طَرِيقُ التَّوْحِيدِ المُسْتَلْزِمِ لِحُصُولِ العَدالَةِ في النَّفْسِ، ووُجُودِ المَحَبَّةِ في القَلْبِ. وشُهُودِ الوَحْدَةِ. والَّذِينَ يَحْتَجِبُونَ عَنْ عالَمِ النُّورِ بِالظُّلُماتِ، وعَنِ القُدُسِ بِالرِّجْسِ، إنَّما هم مُنْهَمِكُونَ في الظُّلْمِ والبَغْضاءِ والعَداوَةِ، والرُّكُونِ إلى الكَثْرَةِ. فَلا جَرَمَ أنَّهم عَنِ الصِّراطِ ناكِبُونَ مُنْحَرِفُونَ إلى ضِدِّهِ. فَهو في وادٍ وهم في وادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعَلَّلَهم، بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ، مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ بِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم، واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ، الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ، وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلِهِمْ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ، بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ، وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ، وكَراهَتِهِمْ لِلْحَقِّ وإعْراضِهِمْ عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:73

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧١ - ٧٤] ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] . ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ أيْ: ولَوْ كانَ ما كَرِهُوهُ مِنَ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والعَدْلُ المَبْعُوثُ بِهِما الرَّسُولُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مُوافِقًا لِأهْوائِهِمُ المُتَفَرِّقَةِ في الباطِلِ، النّاشِئَةِ مِن نُفُوسِهِمُ الظّالِمَةِ المُظْلِمَةِ، لَفَسَدَ نِظامُ الكَوْنِ لِانْعِدامِ العَدْلِ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، والتَّوْحِيدُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُما فَلَزِمَ فَسادُ الكَوْنِ لِأنَّ مَناطَ النِّظامِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، وفِيهِ مِن تَنْوِيهِ شَأْنِ الحَقِّ، والتَّنْبِيهِ عَلى سُمُوِّ مَكانِهِ، ما لا يَخْفى: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِكَراهَتِهِ، وانْتِقالٌ إلى لَوْمِهِمْ بِالنُّفُورِ عَمّا تَرْغَبُ فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ مِن خَيْرِها. أيْ: لَيْسَ هو مَكْرُوهًا بَلْ هو عِظَةٌ لَهم لَوِ اتَّعَظُوا. أوْ فَخْرُهم أوْ مُتَمَنّاهم لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: بِالنُّكُوصِ عَنْهُ. وأعادَ الذِّكْرَ تَفْخِيمًا. وأضافَهُ لَهم لِسَبْقِهِ. وفي سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء: ٤٢] لِاقْتِضاءِ ما قَبْلَهُ لَهُ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ [المؤمنون: ٧٢] (p-٤٤١٠)أيْ: جُعْلًا عَلى أداءِ الرِّسالَةِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يُؤْمِنُونَ: ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢] أيْ: عَطاؤُهُ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] أيْ: مُنْحَرِفُونَ. قالَ القاشانِيُّ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي يَدْعُوهم إلَيْهِ، هو طَرِيقُ التَّوْحِيدِ المُسْتَلْزِمِ لِحُصُولِ العَدالَةِ في النَّفْسِ، ووُجُودِ المَحَبَّةِ في القَلْبِ. وشُهُودِ الوَحْدَةِ. والَّذِينَ يَحْتَجِبُونَ عَنْ عالَمِ النُّورِ بِالظُّلُماتِ، وعَنِ القُدُسِ بِالرِّجْسِ، إنَّما هم مُنْهَمِكُونَ في الظُّلْمِ والبَغْضاءِ والعَداوَةِ، والرُّكُونِ إلى الكَثْرَةِ. فَلا جَرَمَ أنَّهم عَنِ الصِّراطِ ناكِبُونَ مُنْحَرِفُونَ إلى ضِدِّهِ. فَهو في وادٍ وهم في وادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعَلَّلَهم، بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ، مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ بِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم، واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ، الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ، وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلِهِمْ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ، بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ، وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ، وكَراهَتِهِمْ لِلْحَقِّ وإعْراضِهِمْ عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:74

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧١ - ٧٤] ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] . ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ أيْ: ولَوْ كانَ ما كَرِهُوهُ مِنَ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والعَدْلُ المَبْعُوثُ بِهِما الرَّسُولُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مُوافِقًا لِأهْوائِهِمُ المُتَفَرِّقَةِ في الباطِلِ، النّاشِئَةِ مِن نُفُوسِهِمُ الظّالِمَةِ المُظْلِمَةِ، لَفَسَدَ نِظامُ الكَوْنِ لِانْعِدامِ العَدْلِ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، والتَّوْحِيدُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُما فَلَزِمَ فَسادُ الكَوْنِ لِأنَّ مَناطَ النِّظامِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، وفِيهِ مِن تَنْوِيهِ شَأْنِ الحَقِّ، والتَّنْبِيهِ عَلى سُمُوِّ مَكانِهِ، ما لا يَخْفى: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِكَراهَتِهِ، وانْتِقالٌ إلى لَوْمِهِمْ بِالنُّفُورِ عَمّا تَرْغَبُ فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ مِن خَيْرِها. أيْ: لَيْسَ هو مَكْرُوهًا بَلْ هو عِظَةٌ لَهم لَوِ اتَّعَظُوا. أوْ فَخْرُهم أوْ مُتَمَنّاهم لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: بِالنُّكُوصِ عَنْهُ. وأعادَ الذِّكْرَ تَفْخِيمًا. وأضافَهُ لَهم لِسَبْقِهِ. وفي سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء: ٤٢] لِاقْتِضاءِ ما قَبْلَهُ لَهُ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ [المؤمنون: ٧٢] (p-٤٤١٠)أيْ: جُعْلًا عَلى أداءِ الرِّسالَةِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يُؤْمِنُونَ: ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢] أيْ: عَطاؤُهُ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] أيْ: مُنْحَرِفُونَ. قالَ القاشانِيُّ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي يَدْعُوهم إلَيْهِ، هو طَرِيقُ التَّوْحِيدِ المُسْتَلْزِمِ لِحُصُولِ العَدالَةِ في النَّفْسِ، ووُجُودِ المَحَبَّةِ في القَلْبِ. وشُهُودِ الوَحْدَةِ. والَّذِينَ يَحْتَجِبُونَ عَنْ عالَمِ النُّورِ بِالظُّلُماتِ، وعَنِ القُدُسِ بِالرِّجْسِ، إنَّما هم مُنْهَمِكُونَ في الظُّلْمِ والبَغْضاءِ والعَداوَةِ، والرُّكُونِ إلى الكَثْرَةِ. فَلا جَرَمَ أنَّهم عَنِ الصِّراطِ ناكِبُونَ مُنْحَرِفُونَ إلى ضِدِّهِ. فَهو في وادٍ وهم في وادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعَلَّلَهم، بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ، مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ بِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم، واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ، الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ، وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلِهِمْ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ، بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ، وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ، وكَراهَتِهِمْ لِلْحَقِّ وإعْراضِهِمْ عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:75

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٥] ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَوْ رَحِمْنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، ورَفَعْنا عَنْهم ما بِهِمْ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ، وضُرِّ الجُوعِ والهُزالِ: ﴿لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ﴾ يَعْنِي في عُتُوِّهِمْ وجُرْأتِهِمْ عَلى (p-٤٤١١)رَبِّهِمْ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يَعْنِي يَتَرَدَّدُونَ. وأشارَ ابْنُ كَثِيرٍ إلى مَعْنًى آخَرَ فَقالَ: يُخْبِرُ تَعالى عَنْ غِلَظِهِمْ في كُفْرِهِمْ، بِأنَّهُ لَوْ أزاحَ عَنْهُمُ الضُّرَّ، وأفْهَمَهُمُ القُرْآنَ، لَما انْقادُوا لَهُ، ولاسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ وطُغْيانِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] وقالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] فَهَذا مِن بابِ عِلْمِهِ تَعالى بِما لا يَكُونُ، لَوْ كانَ كَيْفَ يَكُونُ. انْتَهى.

المؤمنون 23:76

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٦] ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ . ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَقَدْ أخَذْنا هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ بِعَذابِنا، وأنْزَلْنا بِهِمْ بَأْسَنا وسُخْطَنا، وضَيَّقْنا عَلَيْهِمْ مَعايِشَهم، وأجْدَبْنا بِلادَهم، وقَتَلْنا سُراتَهم بِالسَّيْفِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ. أيْ: فَما خَضَعُوا لِرَبِّهِمْ؛ فَيَنْقادُوا لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، ويُنِيبُوا إلى طاعَتِهِ. وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أخَذَ اللَّهُ قُرَيْشًا بِسِنِي الجَدْبِ، إذْ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وعَنِ الحَسَنِ قالَ: إذا أصابَ النّاسَ مِن قِبَلِ الشَّيْطانِ بَلاءٌ، فَإنَّما هي نِقْمَةٌ. فَلا تَسْتَقْبِلُوا نِقْمَةَ اللَّهِ بِالحَمِيَّةِ. ولَكِنِ اسْتَقْبِلُوها بِالِاسْتِغْفارِ وتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ. وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ (p-٤٤١٢).

المؤمنون 23:77

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٧] ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ . ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ يَعْنِي ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ القِتالِ والقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ بابَ المَجاعَةِ والضُّرِّ، وهو ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أيْ: حَزْنى نادِمُونَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم، في تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، في حِينٍ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ والحُزْنُ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بِآياتِهِ المُبْصِرَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

المؤمنون 23:78

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٨] ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ . ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيْ: لِتَسْمَعُوا وتُبْصِرُوا وتَفْقَهُوا: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: نِعْمَةَ اللَّهِ في ذَلِكَ، بِصَرْفِها لِما خُلِقَتْ لَهُ. وهو أنْ يُدْرِكَ. ؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ والقِلَّةُ في الآيَةِ هَذِهِ ونَظائِرِها، بِمَعْنى النَّفْيِ، في أُسْلُوبِ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ. لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ.

المؤمنون 23:79

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٩ - ٨١] ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] . (p-٤٤١٣)﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ أيْ: خَلَقَكم وبَثَّكم بِالتَّناسُلِ فِيها: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: تُجْمَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَعْدَ تَفَرُّقِكم إلى مَوْقِفِ الحِسابِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي﴾ [المؤمنون: ٨٠] أيْ: خَلْقَهُ، أيْ: يَجْعَلُهم أحْياءَ، بَعْدَ أنْ كانُوا نُطَفًا أمْواتًا، يَنْفُخُ الرُّوحَ فِيها، بَعْدَ الأطْوارِ الَّتِي تَأْتِي عَلَيْها: ﴿ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [المؤمنون: ٨٠] أيْ: بِالطُّولِ والقِصَرِ. فَهو مُتَوَلِّيهِ ولا يَقْدِرُ عَلى تَصْرِيفِهِما غَيْرُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] أيْ: إنَّ مَن أنْشَأ ذَلِكَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ أصْلٍ، لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إحْياءُ الأمْواتِ بَعْدَ فَنائِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَعْتَبِرُوا بِآياتِهِ، ولا تَدَبَّرُوا ما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى فِعْلِ كُلِّ ما يَشاءُ، بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَها.

المؤمنون 23:80

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٩ - ٨١] ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] . (p-٤٤١٣)﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ أيْ: خَلَقَكم وبَثَّكم بِالتَّناسُلِ فِيها: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: تُجْمَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَعْدَ تَفَرُّقِكم إلى مَوْقِفِ الحِسابِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي﴾ [المؤمنون: ٨٠] أيْ: خَلْقَهُ، أيْ: يَجْعَلُهم أحْياءَ، بَعْدَ أنْ كانُوا نُطَفًا أمْواتًا، يَنْفُخُ الرُّوحَ فِيها، بَعْدَ الأطْوارِ الَّتِي تَأْتِي عَلَيْها: ﴿ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [المؤمنون: ٨٠] أيْ: بِالطُّولِ والقِصَرِ. فَهو مُتَوَلِّيهِ ولا يَقْدِرُ عَلى تَصْرِيفِهِما غَيْرُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] أيْ: إنَّ مَن أنْشَأ ذَلِكَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ أصْلٍ، لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إحْياءُ الأمْواتِ بَعْدَ فَنائِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَعْتَبِرُوا بِآياتِهِ، ولا تَدَبَّرُوا ما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى فِعْلِ كُلِّ ما يَشاءُ، بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَها.

المؤمنون 23:81

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٧٩ - ٨١] ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] . (p-٤٤١٣)﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ أيْ: خَلَقَكم وبَثَّكم بِالتَّناسُلِ فِيها: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: تُجْمَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَعْدَ تَفَرُّقِكم إلى مَوْقِفِ الحِسابِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي﴾ [المؤمنون: ٨٠] أيْ: خَلْقَهُ، أيْ: يَجْعَلُهم أحْياءَ، بَعْدَ أنْ كانُوا نُطَفًا أمْواتًا، يَنْفُخُ الرُّوحَ فِيها، بَعْدَ الأطْوارِ الَّتِي تَأْتِي عَلَيْها: ﴿ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [المؤمنون: ٨٠] أيْ: بِالطُّولِ والقِصَرِ. فَهو مُتَوَلِّيهِ ولا يَقْدِرُ عَلى تَصْرِيفِهِما غَيْرُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] أيْ: إنَّ مَن أنْشَأ ذَلِكَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ أصْلٍ، لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إحْياءُ الأمْواتِ بَعْدَ فَنائِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَعْتَبِرُوا بِآياتِهِ، ولا تَدَبَّرُوا ما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى فِعْلِ كُلِّ ما يَشاءُ، بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَها.

المؤمنون 23:82

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٢ - ٨٣] ﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٨٣] . ﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أيْ: أحْياءً، كَهَيْئَتِنا قَبْلَ المَماتِ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٨٣] أيْ: ما سَطَّرُوهُ في كُتُبِهِمْ، مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ:

المؤمنون 23:83

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٢ - ٨٣] ﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٨٣] . ﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أيْ: أحْياءً، كَهَيْئَتِنا قَبْلَ المَماتِ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٨٣] أيْ: ما سَطَّرُوهُ في كُتُبِهِمْ، مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ:

المؤمنون 23:84

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٤ - ٨٥] ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥] . ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥] أيْ: فَتَعْلَمُونَ أنَّ مَنِ ابْتَدَأ ذَلِكَ، قَدَرَ عَلى إعادَتِهِ.

المؤمنون 23:85

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٤ - ٨٥] ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥] . ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥] أيْ: فَتَعْلَمُونَ أنَّ مَنِ ابْتَدَأ ذَلِكَ، قَدَرَ عَلى إعادَتِهِ.

المؤمنون 23:86

(p-٤٤١٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦ - ٨٧] ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٧] . ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٧] أيْ: عِقابَهُ عَلى شِرْكِكم بِهِ، وتَكْذِيبِكم خَبَرَهُ وخَبَرَ رَسُولِهِ.

المؤمنون 23:87

(p-٤٤١٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٦ - ٨٧] ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٧] . ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٧] أيْ: عِقابَهُ عَلى شِرْكِكم بِهِ، وتَكْذِيبِكم خَبَرَهُ وخَبَرَ رَسُولِهِ.

المؤمنون 23:88

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٨ - ٨٩] ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] . ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ﴾ أيْ: يُغِيثُ مَن أرادَ، مِمَّنْ قَصَدَ بِسُوءٍ: ﴿ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: ولا أحَدَ يَمْتَنِعُ مِمَّنْ أرادَهُ هو بِسُوءٍ، فَيَدْفَعُ عَنْهُ عَذابَهُ وعِقابَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أيْ: تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ وتَظاهُرِ الأدِلَّةِ فالسِّحْرُ مُسْتَعارٌ لِلْخَدِيعَةِ. وتَكْرِيرٌ: { إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } لِاسْتِهانَتِهِمْ، وتَجْهِيلِهِمْ، لِكَمالِ ظُهُورِ الأمْرِ. قالَ في (الإكْلِيلِ "): قالَ مَكِّيٌّ: في هَذِهِ الآياتِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ مُحاجَّةِ الكُفّارِ والمُبْطِلِينَ، وإقامَةِ الحُجَّةِ وإظْهارِ الباطِلِ مِن قَوْلِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، ووُجُوبِ النَّظَرِ في الحُجَجِ عَلى مَن خالَفَ في دِينِ اللَّهِ.

المؤمنون 23:89

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨٨ - ٨٩] ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] . ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ﴾ أيْ: يُغِيثُ مَن أرادَ، مِمَّنْ قَصَدَ بِسُوءٍ: ﴿ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: ولا أحَدَ يَمْتَنِعُ مِمَّنْ أرادَهُ هو بِسُوءٍ، فَيَدْفَعُ عَنْهُ عَذابَهُ وعِقابَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أيْ: تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ وتَظاهُرِ الأدِلَّةِ فالسِّحْرُ مُسْتَعارٌ لِلْخَدِيعَةِ. وتَكْرِيرٌ: { إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } لِاسْتِهانَتِهِمْ، وتَجْهِيلِهِمْ، لِكَمالِ ظُهُورِ الأمْرِ. قالَ في (الإكْلِيلِ "): قالَ مَكِّيٌّ: في هَذِهِ الآياتِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ مُحاجَّةِ الكُفّارِ والمُبْطِلِينَ، وإقامَةِ الحُجَّةِ وإظْهارِ الباطِلِ مِن قَوْلِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، ووُجُوبِ النَّظَرِ في الحُجَجِ عَلى مَن خالَفَ في دِينِ اللَّهِ.

المؤمنون 23:90

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠ - ٩٤] ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ (p-٤٤١٥)﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢] ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] . ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: في دَعْواهم أنَّ لَهُ ولَدًا ومَعَهُ شَرِيكًا: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَتَخالَفا بِالذّاتِ، وإلّا لَما تُصُوِّرَ العَدَدُ - والمُتَخالِفانِ بِالذّاتِ يَجِبُ أنْ يَتَخالَفا في الأفْعالِ فَيَذْهَبُ كُلٌّ بِما خَلَقَهُ، ويَسْتَبِدُّ بِهِ، ويَظْهَرُ بَيْنَهُمُ التَّحارُبُ والتَّغالُبُ، فَيَفْسُدُ نِظامُ الكَوْنِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في آيَةِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢] ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] أيْ: مِنَ العَذابِ. أيْ: إنْ كانَ لا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِي. لِأنَّ (ما ) و(النُّونَ ) لِلتَّأْكِيدِ: ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] أيْ: نَجِّنِي مِن عَذابِهِمْ. وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ فَظاعَةِ ما وُعِدُوهُ مِنَ العَذابِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَجِبُ أيْ: يَسْتَعِيذُ مِنهُ مَن لا يُمْكِنُ أنْ يَحِيقَ بِهِ. ورَدٌّ لِإنْكارِهِمْ إيّاهُ واسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، اسْتِهْزاءً. وتَكْرِيرُ النِّداءِ، لِإظْهارِ زِيادَةِ الِابْتِهالِ.

المؤمنون 23:91

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠ - ٩٤] ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ (p-٤٤١٥)﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢] ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] . ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: في دَعْواهم أنَّ لَهُ ولَدًا ومَعَهُ شَرِيكًا: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَتَخالَفا بِالذّاتِ، وإلّا لَما تُصُوِّرَ العَدَدُ - والمُتَخالِفانِ بِالذّاتِ يَجِبُ أنْ يَتَخالَفا في الأفْعالِ فَيَذْهَبُ كُلٌّ بِما خَلَقَهُ، ويَسْتَبِدُّ بِهِ، ويَظْهَرُ بَيْنَهُمُ التَّحارُبُ والتَّغالُبُ، فَيَفْسُدُ نِظامُ الكَوْنِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في آيَةِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢] ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] أيْ: مِنَ العَذابِ. أيْ: إنْ كانَ لا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِي. لِأنَّ (ما ) و(النُّونَ ) لِلتَّأْكِيدِ: ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] أيْ: نَجِّنِي مِن عَذابِهِمْ. وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ فَظاعَةِ ما وُعِدُوهُ مِنَ العَذابِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَجِبُ أيْ: يَسْتَعِيذُ مِنهُ مَن لا يُمْكِنُ أنْ يَحِيقَ بِهِ. ورَدٌّ لِإنْكارِهِمْ إيّاهُ واسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، اسْتِهْزاءً. وتَكْرِيرُ النِّداءِ، لِإظْهارِ زِيادَةِ الِابْتِهالِ.

المؤمنون 23:92

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠ - ٩٤] ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ (p-٤٤١٥)﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢] ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] . ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: في دَعْواهم أنَّ لَهُ ولَدًا ومَعَهُ شَرِيكًا: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَتَخالَفا بِالذّاتِ، وإلّا لَما تُصُوِّرَ العَدَدُ - والمُتَخالِفانِ بِالذّاتِ يَجِبُ أنْ يَتَخالَفا في الأفْعالِ فَيَذْهَبُ كُلٌّ بِما خَلَقَهُ، ويَسْتَبِدُّ بِهِ، ويَظْهَرُ بَيْنَهُمُ التَّحارُبُ والتَّغالُبُ، فَيَفْسُدُ نِظامُ الكَوْنِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في آيَةِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢] ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] أيْ: مِنَ العَذابِ. أيْ: إنْ كانَ لا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِي. لِأنَّ (ما ) و(النُّونَ ) لِلتَّأْكِيدِ: ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] أيْ: نَجِّنِي مِن عَذابِهِمْ. وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ فَظاعَةِ ما وُعِدُوهُ مِنَ العَذابِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَجِبُ أيْ: يَسْتَعِيذُ مِنهُ مَن لا يُمْكِنُ أنْ يَحِيقَ بِهِ. ورَدٌّ لِإنْكارِهِمْ إيّاهُ واسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، اسْتِهْزاءً. وتَكْرِيرُ النِّداءِ، لِإظْهارِ زِيادَةِ الِابْتِهالِ.

المؤمنون 23:93

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠ - ٩٤] ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ (p-٤٤١٥)﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢] ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] . ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: في دَعْواهم أنَّ لَهُ ولَدًا ومَعَهُ شَرِيكًا: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَتَخالَفا بِالذّاتِ، وإلّا لَما تُصُوِّرَ العَدَدُ - والمُتَخالِفانِ بِالذّاتِ يَجِبُ أنْ يَتَخالَفا في الأفْعالِ فَيَذْهَبُ كُلٌّ بِما خَلَقَهُ، ويَسْتَبِدُّ بِهِ، ويَظْهَرُ بَيْنَهُمُ التَّحارُبُ والتَّغالُبُ، فَيَفْسُدُ نِظامُ الكَوْنِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في آيَةِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢] ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] أيْ: مِنَ العَذابِ. أيْ: إنْ كانَ لا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِي. لِأنَّ (ما ) و(النُّونَ ) لِلتَّأْكِيدِ: ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] أيْ: نَجِّنِي مِن عَذابِهِمْ. وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ فَظاعَةِ ما وُعِدُوهُ مِنَ العَذابِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَجِبُ أيْ: يَسْتَعِيذُ مِنهُ مَن لا يُمْكِنُ أنْ يَحِيقَ بِهِ. ورَدٌّ لِإنْكارِهِمْ إيّاهُ واسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، اسْتِهْزاءً. وتَكْرِيرُ النِّداءِ، لِإظْهارِ زِيادَةِ الِابْتِهالِ.

المؤمنون 23:94

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٠ - ٩٤] ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ (p-٤٤١٥)﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢] ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] . ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: في دَعْواهم أنَّ لَهُ ولَدًا ومَعَهُ شَرِيكًا: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَتَخالَفا بِالذّاتِ، وإلّا لَما تُصُوِّرَ العَدَدُ - والمُتَخالِفانِ بِالذّاتِ يَجِبُ أنْ يَتَخالَفا في الأفْعالِ فَيَذْهَبُ كُلٌّ بِما خَلَقَهُ، ويَسْتَبِدُّ بِهِ، ويَظْهَرُ بَيْنَهُمُ التَّحارُبُ والتَّغالُبُ، فَيَفْسُدُ نِظامُ الكَوْنِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في آيَةِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢] ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] أيْ: مِنَ العَذابِ. أيْ: إنْ كانَ لا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِي. لِأنَّ (ما ) و(النُّونَ ) لِلتَّأْكِيدِ: ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] أيْ: نَجِّنِي مِن عَذابِهِمْ. وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ فَظاعَةِ ما وُعِدُوهُ مِنَ العَذابِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَجِبُ أيْ: يَسْتَعِيذُ مِنهُ مَن لا يُمْكِنُ أنْ يَحِيقَ بِهِ. ورَدٌّ لِإنْكارِهِمْ إيّاهُ واسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، اسْتِهْزاءً. وتَكْرِيرُ النِّداءِ، لِإظْهارِ زِيادَةِ الِابْتِهالِ.

المؤمنون 23:95

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٥ - ١٠٠] ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ (p-٤٤١٦)﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] . ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ: ﴿لَقادِرُونَ﴾ أيْ: وإنَّما نُؤَخِّرُهُ لِحِكْمَةِ بُلُوغِ الكِتابِ أجْلَهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: بِالخَلَّةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِلالِ. وهو العَفْوُ والصَّفْحُ: ﴿السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] يَعْنِي أذى المُشْرِكِينَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: فَسَيَرَوْنَ جَزاءَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أيْ: وساوِسِهِمُ المُغْرِيَةِ عَلى الباطِلِ والشُّرُورِ والفَسادِ، والصَّدِّ عَنِ الحَقِّ: ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] أيْ: يَحْضُرُونِي في حالٍ مِنَ الأحْوالِ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: حَتّى إذا احْتَضَرَ وشاهَدَ أماراتِ العَذابِ، وعايَنَ وحْشَةَ هَيْئاتِ السَّيِّئاتِ، تَمَنّى الرُّجُوعَ، وأظْهَرَ النَّدامَةَ، ونَذَرَ العَمَلَ الصّالِحَ في الإيمانِ الَّذِي تَرَكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّها كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] إلَخْ: ﴿هُوَ قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: لا يُجابُ إلَيْها ولا تُسْمَعُ مِنهُ، يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إلّا عَلى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، والتَّلَفُّظِ بِألْفاظِ التَّحَسُّرِ والنَّدَمِ، والدَّعْوَةِ دُونَ المَنفَعَةِ والفائِدَةِ والإجابَةِ. والآيَةُ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: حائِلٌ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّجْعَةِ، يَلْبَثُونَ فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. (p-٤٤١٧)لَطِيفَةٌ: الواوُ في {ارْجِعُونِ} قِيلَ: لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ وهو اللَّهُ تَعالى، ورَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ أحَدًا يَقُولُ: (رَبِّ ارْحَمُونِي، ونَحْوَهُ ) لِما فِيهِ مِن إيهامِ التَّعَدُّدِ. مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صُدُورِهِ عَنّا كَذَلِكَ، ألّا يُطْلِقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى نَفْسِهِ. كَما في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وقِيلَ إنَّهُ لِتَكْرِيرِ قَوْلِهِ: (ارْجِعْنِي ) كَما قِيلَ في (قِفا ) و(أطْرِقا ) إنَّ أصْلَهُ (قِفْ قِفْ ) عَلى التَّأْكِيدِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] قالَ الشِّهابُ: فَيَكُونُ مِن بابِ اسْتِعارَةِ لَفْظٍ مَكانَ آخَرَ لِنُكْتَةٍ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْناهُ، وهو كَثِيرٌ في الضَّمائِرِ. كاسْتِعْمالِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ الظّاهِرِ مَكانَ المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ في (كَفى بِهِ ) حَتّى لَزِمَ انْتِقالُهُ عَنْ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى، ومِن لَفْظٍ إلى آخَرَ. وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ. فَإنَّهُ غُيِّرَ الضَّمِيرانِ المُسْتَتِرانِ إلى ضَمِيرٍ مُثَنّى ظاهِرٍ. فَلَزِمَ الِاكْتِفاءُ بِأحَدِ لَفْظَيِ الفِعْلِ، وجَعَلَ دَلالَةَ الضَّمِيرِ عَلى المُثَنّى عَلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ، قائِمًا مَقامَهُ في التَّأْكِيدِ، مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ فِيهِ ولِابْنِ جِنِّيٍّ في (الخَصائِصِ ) كَلامٌ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ. انْتَهى.

المؤمنون 23:96

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٥ - ١٠٠] ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ (p-٤٤١٦)﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] . ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ: ﴿لَقادِرُونَ﴾ أيْ: وإنَّما نُؤَخِّرُهُ لِحِكْمَةِ بُلُوغِ الكِتابِ أجْلَهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: بِالخَلَّةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِلالِ. وهو العَفْوُ والصَّفْحُ: ﴿السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] يَعْنِي أذى المُشْرِكِينَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: فَسَيَرَوْنَ جَزاءَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أيْ: وساوِسِهِمُ المُغْرِيَةِ عَلى الباطِلِ والشُّرُورِ والفَسادِ، والصَّدِّ عَنِ الحَقِّ: ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] أيْ: يَحْضُرُونِي في حالٍ مِنَ الأحْوالِ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: حَتّى إذا احْتَضَرَ وشاهَدَ أماراتِ العَذابِ، وعايَنَ وحْشَةَ هَيْئاتِ السَّيِّئاتِ، تَمَنّى الرُّجُوعَ، وأظْهَرَ النَّدامَةَ، ونَذَرَ العَمَلَ الصّالِحَ في الإيمانِ الَّذِي تَرَكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّها كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] إلَخْ: ﴿هُوَ قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: لا يُجابُ إلَيْها ولا تُسْمَعُ مِنهُ، يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إلّا عَلى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، والتَّلَفُّظِ بِألْفاظِ التَّحَسُّرِ والنَّدَمِ، والدَّعْوَةِ دُونَ المَنفَعَةِ والفائِدَةِ والإجابَةِ. والآيَةُ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: حائِلٌ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّجْعَةِ، يَلْبَثُونَ فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. (p-٤٤١٧)لَطِيفَةٌ: الواوُ في {ارْجِعُونِ} قِيلَ: لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ وهو اللَّهُ تَعالى، ورَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ أحَدًا يَقُولُ: (رَبِّ ارْحَمُونِي، ونَحْوَهُ ) لِما فِيهِ مِن إيهامِ التَّعَدُّدِ. مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صُدُورِهِ عَنّا كَذَلِكَ، ألّا يُطْلِقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى نَفْسِهِ. كَما في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وقِيلَ إنَّهُ لِتَكْرِيرِ قَوْلِهِ: (ارْجِعْنِي ) كَما قِيلَ في (قِفا ) و(أطْرِقا ) إنَّ أصْلَهُ (قِفْ قِفْ ) عَلى التَّأْكِيدِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] قالَ الشِّهابُ: فَيَكُونُ مِن بابِ اسْتِعارَةِ لَفْظٍ مَكانَ آخَرَ لِنُكْتَةٍ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْناهُ، وهو كَثِيرٌ في الضَّمائِرِ. كاسْتِعْمالِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ الظّاهِرِ مَكانَ المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ في (كَفى بِهِ ) حَتّى لَزِمَ انْتِقالُهُ عَنْ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى، ومِن لَفْظٍ إلى آخَرَ. وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ. فَإنَّهُ غُيِّرَ الضَّمِيرانِ المُسْتَتِرانِ إلى ضَمِيرٍ مُثَنّى ظاهِرٍ. فَلَزِمَ الِاكْتِفاءُ بِأحَدِ لَفْظَيِ الفِعْلِ، وجَعَلَ دَلالَةَ الضَّمِيرِ عَلى المُثَنّى عَلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ، قائِمًا مَقامَهُ في التَّأْكِيدِ، مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ فِيهِ ولِابْنِ جِنِّيٍّ في (الخَصائِصِ ) كَلامٌ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ. انْتَهى.

المؤمنون 23:97

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٥ - ١٠٠] ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ (p-٤٤١٦)﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] . ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ: ﴿لَقادِرُونَ﴾ أيْ: وإنَّما نُؤَخِّرُهُ لِحِكْمَةِ بُلُوغِ الكِتابِ أجْلَهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: بِالخَلَّةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِلالِ. وهو العَفْوُ والصَّفْحُ: ﴿السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] يَعْنِي أذى المُشْرِكِينَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: فَسَيَرَوْنَ جَزاءَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أيْ: وساوِسِهِمُ المُغْرِيَةِ عَلى الباطِلِ والشُّرُورِ والفَسادِ، والصَّدِّ عَنِ الحَقِّ: ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] أيْ: يَحْضُرُونِي في حالٍ مِنَ الأحْوالِ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: حَتّى إذا احْتَضَرَ وشاهَدَ أماراتِ العَذابِ، وعايَنَ وحْشَةَ هَيْئاتِ السَّيِّئاتِ، تَمَنّى الرُّجُوعَ، وأظْهَرَ النَّدامَةَ، ونَذَرَ العَمَلَ الصّالِحَ في الإيمانِ الَّذِي تَرَكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّها كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] إلَخْ: ﴿هُوَ قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: لا يُجابُ إلَيْها ولا تُسْمَعُ مِنهُ، يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إلّا عَلى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، والتَّلَفُّظِ بِألْفاظِ التَّحَسُّرِ والنَّدَمِ، والدَّعْوَةِ دُونَ المَنفَعَةِ والفائِدَةِ والإجابَةِ. والآيَةُ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: حائِلٌ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّجْعَةِ، يَلْبَثُونَ فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. (p-٤٤١٧)لَطِيفَةٌ: الواوُ في {ارْجِعُونِ} قِيلَ: لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ وهو اللَّهُ تَعالى، ورَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ أحَدًا يَقُولُ: (رَبِّ ارْحَمُونِي، ونَحْوَهُ ) لِما فِيهِ مِن إيهامِ التَّعَدُّدِ. مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صُدُورِهِ عَنّا كَذَلِكَ، ألّا يُطْلِقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى نَفْسِهِ. كَما في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وقِيلَ إنَّهُ لِتَكْرِيرِ قَوْلِهِ: (ارْجِعْنِي ) كَما قِيلَ في (قِفا ) و(أطْرِقا ) إنَّ أصْلَهُ (قِفْ قِفْ ) عَلى التَّأْكِيدِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] قالَ الشِّهابُ: فَيَكُونُ مِن بابِ اسْتِعارَةِ لَفْظٍ مَكانَ آخَرَ لِنُكْتَةٍ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْناهُ، وهو كَثِيرٌ في الضَّمائِرِ. كاسْتِعْمالِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ الظّاهِرِ مَكانَ المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ في (كَفى بِهِ ) حَتّى لَزِمَ انْتِقالُهُ عَنْ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى، ومِن لَفْظٍ إلى آخَرَ. وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ. فَإنَّهُ غُيِّرَ الضَّمِيرانِ المُسْتَتِرانِ إلى ضَمِيرٍ مُثَنّى ظاهِرٍ. فَلَزِمَ الِاكْتِفاءُ بِأحَدِ لَفْظَيِ الفِعْلِ، وجَعَلَ دَلالَةَ الضَّمِيرِ عَلى المُثَنّى عَلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ، قائِمًا مَقامَهُ في التَّأْكِيدِ، مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ فِيهِ ولِابْنِ جِنِّيٍّ في (الخَصائِصِ ) كَلامٌ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ. انْتَهى.

المؤمنون 23:98

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٥ - ١٠٠] ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ (p-٤٤١٦)﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] . ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ: ﴿لَقادِرُونَ﴾ أيْ: وإنَّما نُؤَخِّرُهُ لِحِكْمَةِ بُلُوغِ الكِتابِ أجْلَهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: بِالخَلَّةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِلالِ. وهو العَفْوُ والصَّفْحُ: ﴿السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] يَعْنِي أذى المُشْرِكِينَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: فَسَيَرَوْنَ جَزاءَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أيْ: وساوِسِهِمُ المُغْرِيَةِ عَلى الباطِلِ والشُّرُورِ والفَسادِ، والصَّدِّ عَنِ الحَقِّ: ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] أيْ: يَحْضُرُونِي في حالٍ مِنَ الأحْوالِ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: حَتّى إذا احْتَضَرَ وشاهَدَ أماراتِ العَذابِ، وعايَنَ وحْشَةَ هَيْئاتِ السَّيِّئاتِ، تَمَنّى الرُّجُوعَ، وأظْهَرَ النَّدامَةَ، ونَذَرَ العَمَلَ الصّالِحَ في الإيمانِ الَّذِي تَرَكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّها كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] إلَخْ: ﴿هُوَ قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: لا يُجابُ إلَيْها ولا تُسْمَعُ مِنهُ، يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إلّا عَلى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، والتَّلَفُّظِ بِألْفاظِ التَّحَسُّرِ والنَّدَمِ، والدَّعْوَةِ دُونَ المَنفَعَةِ والفائِدَةِ والإجابَةِ. والآيَةُ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: حائِلٌ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّجْعَةِ، يَلْبَثُونَ فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. (p-٤٤١٧)لَطِيفَةٌ: الواوُ في {ارْجِعُونِ} قِيلَ: لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ وهو اللَّهُ تَعالى، ورَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ أحَدًا يَقُولُ: (رَبِّ ارْحَمُونِي، ونَحْوَهُ ) لِما فِيهِ مِن إيهامِ التَّعَدُّدِ. مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صُدُورِهِ عَنّا كَذَلِكَ، ألّا يُطْلِقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى نَفْسِهِ. كَما في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وقِيلَ إنَّهُ لِتَكْرِيرِ قَوْلِهِ: (ارْجِعْنِي ) كَما قِيلَ في (قِفا ) و(أطْرِقا ) إنَّ أصْلَهُ (قِفْ قِفْ ) عَلى التَّأْكِيدِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] قالَ الشِّهابُ: فَيَكُونُ مِن بابِ اسْتِعارَةِ لَفْظٍ مَكانَ آخَرَ لِنُكْتَةٍ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْناهُ، وهو كَثِيرٌ في الضَّمائِرِ. كاسْتِعْمالِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ الظّاهِرِ مَكانَ المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ في (كَفى بِهِ ) حَتّى لَزِمَ انْتِقالُهُ عَنْ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى، ومِن لَفْظٍ إلى آخَرَ. وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ. فَإنَّهُ غُيِّرَ الضَّمِيرانِ المُسْتَتِرانِ إلى ضَمِيرٍ مُثَنّى ظاهِرٍ. فَلَزِمَ الِاكْتِفاءُ بِأحَدِ لَفْظَيِ الفِعْلِ، وجَعَلَ دَلالَةَ الضَّمِيرِ عَلى المُثَنّى عَلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ، قائِمًا مَقامَهُ في التَّأْكِيدِ، مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ فِيهِ ولِابْنِ جِنِّيٍّ في (الخَصائِصِ ) كَلامٌ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ. انْتَهى.