Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — المؤمنون 23:99 – النور 24:64

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. المؤمنون 23:99
  2. المؤمنون 23:100
  3. المؤمنون 23:101
  4. المؤمنون 23:102
  5. المؤمنون 23:103
  6. المؤمنون 23:104
  7. المؤمنون 23:105
  8. المؤمنون 23:106
  9. المؤمنون 23:107
  10. المؤمنون 23:108
  11. المؤمنون 23:109
  12. المؤمنون 23:110
  13. المؤمنون 23:111
  14. المؤمنون 23:112
  15. المؤمنون 23:113
  16. المؤمنون 23:114
  17. المؤمنون 23:115
  18. المؤمنون 23:116
  19. المؤمنون 23:117
  20. المؤمنون 23:118
  21. النور 24:1
  22. النور 24:2
  23. النور 24:3
  24. النور 24:4
  25. النور 24:5
  26. النور 24:6
  27. النور 24:7
  28. النور 24:8
  29. النور 24:9
  30. النور 24:10
  31. النور 24:11
  32. النور 24:12
  33. النور 24:13
  34. النور 24:14
  35. النور 24:15
  36. النور 24:16
  37. النور 24:17
  38. النور 24:18
  39. النور 24:19
  40. النور 24:20
  41. النور 24:21
  42. النور 24:22
  43. النور 24:23
  44. النور 24:24
  45. النور 24:25
  46. النور 24:26
  47. النور 24:27
  48. النور 24:28
  49. النور 24:29
  50. النور 24:30
  51. النور 24:31
  52. النور 24:32
  53. النور 24:33
  54. النور 24:34
  55. النور 24:35
  56. النور 24:36
  57. النور 24:37
  58. النور 24:38
  59. النور 24:39
  60. النور 24:40
  61. النور 24:41
  62. النور 24:42
  63. النور 24:43
  64. النور 24:44
  65. النور 24:45
  66. النور 24:46
  67. النور 24:47
  68. النور 24:48
  69. النور 24:49
  70. النور 24:50
  71. النور 24:51
  72. النور 24:52
  73. النور 24:53
  74. النور 24:54
  75. النور 24:55
  76. النور 24:56
  77. النور 24:57
  78. النور 24:58
  79. النور 24:59
  80. النور 24:60
  81. النور 24:61
  82. النور 24:62
  83. النور 24:63
  84. النور 24:64

المؤمنون 23:99

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٥ - ١٠٠] ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ (p-٤٤١٦)﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] . ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ: ﴿لَقادِرُونَ﴾ أيْ: وإنَّما نُؤَخِّرُهُ لِحِكْمَةِ بُلُوغِ الكِتابِ أجْلَهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: بِالخَلَّةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِلالِ. وهو العَفْوُ والصَّفْحُ: ﴿السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] يَعْنِي أذى المُشْرِكِينَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: فَسَيَرَوْنَ جَزاءَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أيْ: وساوِسِهِمُ المُغْرِيَةِ عَلى الباطِلِ والشُّرُورِ والفَسادِ، والصَّدِّ عَنِ الحَقِّ: ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] أيْ: يَحْضُرُونِي في حالٍ مِنَ الأحْوالِ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: حَتّى إذا احْتَضَرَ وشاهَدَ أماراتِ العَذابِ، وعايَنَ وحْشَةَ هَيْئاتِ السَّيِّئاتِ، تَمَنّى الرُّجُوعَ، وأظْهَرَ النَّدامَةَ، ونَذَرَ العَمَلَ الصّالِحَ في الإيمانِ الَّذِي تَرَكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّها كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] إلَخْ: ﴿هُوَ قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: لا يُجابُ إلَيْها ولا تُسْمَعُ مِنهُ، يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إلّا عَلى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، والتَّلَفُّظِ بِألْفاظِ التَّحَسُّرِ والنَّدَمِ، والدَّعْوَةِ دُونَ المَنفَعَةِ والفائِدَةِ والإجابَةِ. والآيَةُ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: حائِلٌ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّجْعَةِ، يَلْبَثُونَ فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. (p-٤٤١٧)لَطِيفَةٌ: الواوُ في {ارْجِعُونِ} قِيلَ: لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ وهو اللَّهُ تَعالى، ورَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ أحَدًا يَقُولُ: (رَبِّ ارْحَمُونِي، ونَحْوَهُ ) لِما فِيهِ مِن إيهامِ التَّعَدُّدِ. مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صُدُورِهِ عَنّا كَذَلِكَ، ألّا يُطْلِقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى نَفْسِهِ. كَما في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وقِيلَ إنَّهُ لِتَكْرِيرِ قَوْلِهِ: (ارْجِعْنِي ) كَما قِيلَ في (قِفا ) و(أطْرِقا ) إنَّ أصْلَهُ (قِفْ قِفْ ) عَلى التَّأْكِيدِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] قالَ الشِّهابُ: فَيَكُونُ مِن بابِ اسْتِعارَةِ لَفْظٍ مَكانَ آخَرَ لِنُكْتَةٍ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْناهُ، وهو كَثِيرٌ في الضَّمائِرِ. كاسْتِعْمالِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ الظّاهِرِ مَكانَ المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ في (كَفى بِهِ ) حَتّى لَزِمَ انْتِقالُهُ عَنْ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى، ومِن لَفْظٍ إلى آخَرَ. وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ. فَإنَّهُ غُيِّرَ الضَّمِيرانِ المُسْتَتِرانِ إلى ضَمِيرٍ مُثَنّى ظاهِرٍ. فَلَزِمَ الِاكْتِفاءُ بِأحَدِ لَفْظَيِ الفِعْلِ، وجَعَلَ دَلالَةَ الضَّمِيرِ عَلى المُثَنّى عَلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ، قائِمًا مَقامَهُ في التَّأْكِيدِ، مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ فِيهِ ولِابْنِ جِنِّيٍّ في (الخَصائِصِ ) كَلامٌ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ. انْتَهى.

المؤمنون 23:100

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩٥ - ١٠٠] ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ (p-٤٤١٦)﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] . ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ: ﴿لَقادِرُونَ﴾ أيْ: وإنَّما نُؤَخِّرُهُ لِحِكْمَةِ بُلُوغِ الكِتابِ أجْلَهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: بِالخَلَّةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِلالِ. وهو العَفْوُ والصَّفْحُ: ﴿السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] يَعْنِي أذى المُشْرِكِينَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: فَسَيَرَوْنَ جَزاءَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أيْ: وساوِسِهِمُ المُغْرِيَةِ عَلى الباطِلِ والشُّرُورِ والفَسادِ، والصَّدِّ عَنِ الحَقِّ: ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] أيْ: يَحْضُرُونِي في حالٍ مِنَ الأحْوالِ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: حَتّى إذا احْتَضَرَ وشاهَدَ أماراتِ العَذابِ، وعايَنَ وحْشَةَ هَيْئاتِ السَّيِّئاتِ، تَمَنّى الرُّجُوعَ، وأظْهَرَ النَّدامَةَ، ونَذَرَ العَمَلَ الصّالِحَ في الإيمانِ الَّذِي تَرَكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّها كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] إلَخْ: ﴿هُوَ قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: لا يُجابُ إلَيْها ولا تُسْمَعُ مِنهُ، يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إلّا عَلى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، والتَّلَفُّظِ بِألْفاظِ التَّحَسُّرِ والنَّدَمِ، والدَّعْوَةِ دُونَ المَنفَعَةِ والفائِدَةِ والإجابَةِ. والآيَةُ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ: حائِلٌ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّجْعَةِ، يَلْبَثُونَ فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. (p-٤٤١٧)لَطِيفَةٌ: الواوُ في {ارْجِعُونِ} قِيلَ: لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ وهو اللَّهُ تَعالى، ورَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ أحَدًا يَقُولُ: (رَبِّ ارْحَمُونِي، ونَحْوَهُ ) لِما فِيهِ مِن إيهامِ التَّعَدُّدِ. مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صُدُورِهِ عَنّا كَذَلِكَ، ألّا يُطْلِقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى نَفْسِهِ. كَما في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وقِيلَ إنَّهُ لِتَكْرِيرِ قَوْلِهِ: (ارْجِعْنِي ) كَما قِيلَ في (قِفا ) و(أطْرِقا ) إنَّ أصْلَهُ (قِفْ قِفْ ) عَلى التَّأْكِيدِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] قالَ الشِّهابُ: فَيَكُونُ مِن بابِ اسْتِعارَةِ لَفْظٍ مَكانَ آخَرَ لِنُكْتَةٍ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْناهُ، وهو كَثِيرٌ في الضَّمائِرِ. كاسْتِعْمالِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ الظّاهِرِ مَكانَ المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ في (كَفى بِهِ ) حَتّى لَزِمَ انْتِقالُهُ عَنْ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى، ومِن لَفْظٍ إلى آخَرَ. وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ. فَإنَّهُ غُيِّرَ الضَّمِيرانِ المُسْتَتِرانِ إلى ضَمِيرٍ مُثَنّى ظاهِرٍ. فَلَزِمَ الِاكْتِفاءُ بِأحَدِ لَفْظَيِ الفِعْلِ، وجَعَلَ دَلالَةَ الضَّمِيرِ عَلى المُثَنّى عَلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ، قائِمًا مَقامَهُ في التَّأْكِيدِ، مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ فِيهِ ولِابْنِ جِنِّيٍّ في (الخَصائِصِ ) كَلامٌ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ. انْتَهى.

المؤمنون 23:101

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠١] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: لِشِدَّةِ الهَوْلِ مِن هُجُومِ ما شَغَلَ البالَ حَتّى زالَ بِهِ التَّعاطُفُ والتَّآلُفُ، إذْ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦] ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] ونَفْيُ نَفْعِ النَّسَبِ، إذا دَهَمَ مِثْلُ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ. كَما قالَ: ؎لا نَسَبَ اليَوْمَ ولا خُلَّةٌ اتَّسَعَ الخَرْقُ عَلى الرّاقِعِ (p-٤٤١٨)﴿ولا يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، لِعَظَمِ الفَزَعِ وشَدَّةِ ما بِهِمْ مِنَ الأهْوالِ، وذُهُولِهِمْ عَمّا كانَ بَيْنَهم مِنَ الأحْوالِ، فَتَنْقَطِعُ العَلائِقُ والوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم، وجَلِيٌّ أنَّ نَفْيَ التَّساؤُلِ إنَّما هو وقْتُ النَّفْخِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: { فَإذا } أيْ: فَوَقْتُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ وهَوْلِ المَطْلَعِ يَشْتَغِلُ كُلٌّ بِنَفْسِهِ. وأمّا ما بَعْدَهُ فَقَدْ يَقَعُ التَّساؤُلُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ مُمْتَدٌّ. فَفِيهِ مَشاهِدُ ومَواقِفُ. فَيَقَعُ في بَعْضِها تَساؤُلٌ وفي بَعْضِها دَهْشَةٌ تَمْنَعُ مِنهُ. تَنْبِيهٌ: رَوى هُنا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أخْبارًا في نَفْعِ النَّسَبِ النَّبَوِيِّ. وحَبَّذا لَوْ رُوِيَ شَيْءٌ مِنها في الصَّحِيحَيْنِ، أوْ في مَسانِيدِ مَنِ التَزَمَ الصِّحَّةَ.

المؤمنون 23:102

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٢ - ١٠٤] ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] . ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ: رَجَحَتْ حَسَناتُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] أيْ: بِتَضْيِيعِ ما مُنِحَتْ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لِأنْ تَرْبَحَ في تِجارَةِ الكَمالِ، بِفِطْرَةِ الإيمانِ وصالِحِ الأعْمالِ، ولِلَّهِ دَرُّ القائِلِ: ؎إذا كانَ رَأْسَ المالِ عُمْرُكَ، فاحْتَرِسْ عَلَيْهِ مِنَ الإنْفاقِ في غَيْرِ واجِبِ ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] أيْ: تَحْرُقُها. وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ. فَبَيانُ حالِها أزْجَرُ عَنِ المَعاصِي المُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ: ﴿وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] أيْ: مُشَوَّهُونَ، قَبِيحُو المَنظَرِ. ويُقالُ لَهم تَعْنِيفًا وتَوْبِيخًا:

المؤمنون 23:103

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٢ - ١٠٤] ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] . ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ: رَجَحَتْ حَسَناتُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] أيْ: بِتَضْيِيعِ ما مُنِحَتْ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لِأنْ تَرْبَحَ في تِجارَةِ الكَمالِ، بِفِطْرَةِ الإيمانِ وصالِحِ الأعْمالِ، ولِلَّهِ دَرُّ القائِلِ: ؎إذا كانَ رَأْسَ المالِ عُمْرُكَ، فاحْتَرِسْ عَلَيْهِ مِنَ الإنْفاقِ في غَيْرِ واجِبِ ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] أيْ: تَحْرُقُها. وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ. فَبَيانُ حالِها أزْجَرُ عَنِ المَعاصِي المُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ: ﴿وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] أيْ: مُشَوَّهُونَ، قَبِيحُو المَنظَرِ. ويُقالُ لَهم تَعْنِيفًا وتَوْبِيخًا:

المؤمنون 23:104

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٢ - ١٠٤] ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] . ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ: رَجَحَتْ حَسَناتُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] أيْ: بِتَضْيِيعِ ما مُنِحَتْ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لِأنْ تَرْبَحَ في تِجارَةِ الكَمالِ، بِفِطْرَةِ الإيمانِ وصالِحِ الأعْمالِ، ولِلَّهِ دَرُّ القائِلِ: ؎إذا كانَ رَأْسَ المالِ عُمْرُكَ، فاحْتَرِسْ عَلَيْهِ مِنَ الإنْفاقِ في غَيْرِ واجِبِ ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] أيْ: تَحْرُقُها. وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ. فَبَيانُ حالِها أزْجَرُ عَنِ المَعاصِي المُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ: ﴿وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] أيْ: مُشَوَّهُونَ، قَبِيحُو المَنظَرِ. ويُقالُ لَهم تَعْنِيفًا وتَوْبِيخًا:

المؤمنون 23:105

(p-٤٤١٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٥ - ١٠٦] ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] . ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] أيْ: مَلَكَتْنا: ﴿شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] أيِ: الَّتِي اقْتَرَفْناها بِسُوءِ اخْتِيارِنا: ﴿وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] أيْ: عَنِ الحَقِّ، ولِذَلِكَ فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ التَّكْذِيبِ، قالَ أبُو السُّعُودِ: وهَذا، كَما تَرى، اعْتِرافٌ مِنهم، بِأنَّ ما أصابَهم قَدْ أصابَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ اعْتِذارٌ مِنهم بِغَلَبَةِ ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّقاوَةِ الأزَلِيَّةِ، فَمَعَ أنَّهُ باطِلٌ في نَفْسِهِ، لِما أنَّهُ لا يُكْتَبُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ إلّا ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَفْعَلُونَهُ بِاخْتِيارِهِمْ، ضَرُورَةَ أنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ - يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:106

(p-٤٤١٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٥ - ١٠٦] ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] . ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] أيْ: مَلَكَتْنا: ﴿شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] أيِ: الَّتِي اقْتَرَفْناها بِسُوءِ اخْتِيارِنا: ﴿وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] أيْ: عَنِ الحَقِّ، ولِذَلِكَ فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ التَّكْذِيبِ، قالَ أبُو السُّعُودِ: وهَذا، كَما تَرى، اعْتِرافٌ مِنهم، بِأنَّ ما أصابَهم قَدْ أصابَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ اعْتِذارٌ مِنهم بِغَلَبَةِ ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّقاوَةِ الأزَلِيَّةِ، فَمَعَ أنَّهُ باطِلٌ في نَفْسِهِ، لِما أنَّهُ لا يُكْتَبُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ إلّا ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَفْعَلُونَهُ بِاخْتِيارِهِمْ، ضَرُورَةَ أنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ - يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى:

المؤمنون 23:107

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٧ - ١١٠] ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] . ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ أيْ: أخْرِجْنا مِنَ النّارِ، وأرْجِعْنا إلى الدُّنْيا. فَإنْ عُدْنا بَعْدَ ذَلِكَ إلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَإنّا مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ. ولَوْ كانَ اعْتِقادُهم أنَّهم مَجْبُورُونَ عَلى ما صَدَرَ عَنْهم، لَما سَألُوا الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا، ولَما وعَدُوا الإيمانَ والطّاعَةَ: ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أيْ: ذِلُّوا فِيها كَخَسْءِ الكِلابِ: ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (p-٤٤٢٠)أيْ: في رَفْعِ العَذابِ، فَإنَّهُ لا يَرْفَعُ ولا يُخَفِّفُ. ثُمَّ أشارَ إلى عِلَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ [المؤمنون: ١٠٩] وهم المُؤْمِنُونَ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكُمْ﴾ [المؤمنون: ١١٠] أيْ: بِتَشاغُلِكم بِهِمْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ: ﴿ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ثُمَّ أشارَ تَعالى لِبَيانِ حُسْنِ حالِهِمْ، وأنَّهُمُ انْتَفَعُوا بِما آذَوْهم، بِقَوْلِهِ:

المؤمنون 23:108

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٧ - ١١٠] ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] . ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ أيْ: أخْرِجْنا مِنَ النّارِ، وأرْجِعْنا إلى الدُّنْيا. فَإنْ عُدْنا بَعْدَ ذَلِكَ إلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَإنّا مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ. ولَوْ كانَ اعْتِقادُهم أنَّهم مَجْبُورُونَ عَلى ما صَدَرَ عَنْهم، لَما سَألُوا الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا، ولَما وعَدُوا الإيمانَ والطّاعَةَ: ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أيْ: ذِلُّوا فِيها كَخَسْءِ الكِلابِ: ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (p-٤٤٢٠)أيْ: في رَفْعِ العَذابِ، فَإنَّهُ لا يَرْفَعُ ولا يُخَفِّفُ. ثُمَّ أشارَ إلى عِلَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ [المؤمنون: ١٠٩] وهم المُؤْمِنُونَ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكُمْ﴾ [المؤمنون: ١١٠] أيْ: بِتَشاغُلِكم بِهِمْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ: ﴿ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ثُمَّ أشارَ تَعالى لِبَيانِ حُسْنِ حالِهِمْ، وأنَّهُمُ انْتَفَعُوا بِما آذَوْهم، بِقَوْلِهِ:

المؤمنون 23:109

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٧ - ١١٠] ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] . ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ أيْ: أخْرِجْنا مِنَ النّارِ، وأرْجِعْنا إلى الدُّنْيا. فَإنْ عُدْنا بَعْدَ ذَلِكَ إلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَإنّا مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ. ولَوْ كانَ اعْتِقادُهم أنَّهم مَجْبُورُونَ عَلى ما صَدَرَ عَنْهم، لَما سَألُوا الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا، ولَما وعَدُوا الإيمانَ والطّاعَةَ: ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أيْ: ذِلُّوا فِيها كَخَسْءِ الكِلابِ: ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (p-٤٤٢٠)أيْ: في رَفْعِ العَذابِ، فَإنَّهُ لا يَرْفَعُ ولا يُخَفِّفُ. ثُمَّ أشارَ إلى عِلَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ [المؤمنون: ١٠٩] وهم المُؤْمِنُونَ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكُمْ﴾ [المؤمنون: ١١٠] أيْ: بِتَشاغُلِكم بِهِمْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ: ﴿ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ثُمَّ أشارَ تَعالى لِبَيانِ حُسْنِ حالِهِمْ، وأنَّهُمُ انْتَفَعُوا بِما آذَوْهم، بِقَوْلِهِ:

المؤمنون 23:110

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٧ - ١١٠] ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] . ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ أيْ: أخْرِجْنا مِنَ النّارِ، وأرْجِعْنا إلى الدُّنْيا. فَإنْ عُدْنا بَعْدَ ذَلِكَ إلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَإنّا مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ. ولَوْ كانَ اعْتِقادُهم أنَّهم مَجْبُورُونَ عَلى ما صَدَرَ عَنْهم، لَما سَألُوا الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا، ولَما وعَدُوا الإيمانَ والطّاعَةَ: ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أيْ: ذِلُّوا فِيها كَخَسْءِ الكِلابِ: ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (p-٤٤٢٠)أيْ: في رَفْعِ العَذابِ، فَإنَّهُ لا يَرْفَعُ ولا يُخَفِّفُ. ثُمَّ أشارَ إلى عِلَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ [المؤمنون: ١٠٩] وهم المُؤْمِنُونَ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكُمْ﴾ [المؤمنون: ١١٠] أيْ: بِتَشاغُلِكم بِهِمْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ: ﴿ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ثُمَّ أشارَ تَعالى لِبَيانِ حُسْنِ حالِهِمْ، وأنَّهُمُ انْتَفَعُوا بِما آذَوْهم، بِقَوْلِهِ:

المؤمنون 23:111

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١١ - ١١٤] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] . ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿قالَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] أيِ: اللَّهُ أوِ المَلَكُ المَأْمُورُ بِسُؤالِهِمْ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] أيْ: شَيْئًا ما. أوْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، ثِقَةً بِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ. أيْ: لَعَلِمْتُمْ يَوْمَئِذٍ قِلَّةَ لُبْثِكم فِيها، كَما عَلِمْتُمُ اليَوْمَ. ولَعَمِلْتُمْ بِمُوجِبِهِ ولَمْ تَخْلُدُوا إلَيْها. قالَ الرّازِيُّ: الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ التَّبْكِيتُ والتَّوْبِيخُ، فَقَدْ كانُوا يُنْكِرُونَ اللُّبْثَ في الآخِرَةِ أصْلًا، ولا يَعُدُّونَ اللُّبْثَ إلّا في دارِ الدُّنْيا. ويَظُنُّونَ أنَّ بَعْدَ المَوْتِ يَدُومُ الفَناءُ، ولا إعادَةَ. فَلَمّا حَصَلُوا في النّارِ وأيْقَنُوا أنَّها دائِمَةٌ وهم فِيها مُخَلَّدُونَ، سَألَهم: كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ ؟ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ ما ظَنُّوهُ دائِمًا طَوِيلًا، فَهو يَسِيرٌ، بِالإضافَةِ إلى ما أنْكَرُوهُ. فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ (p-٤٤٢١)لَهُمُ الحَسْرَةُ عَلى ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ في الدُّنْيا. مِن حَيْثُ أيْقَنُوا خِلافَهُ. فَلَيْسَ الغَرَضُ مُجَرَّدَ السُّؤالِ، بَلْ ما ذُكِرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، بِالإضافَةِ إلى خُلُودِهِمْ، ولِما هم فِيهِ مِن عَذابِها. لِأنَّ المُمْتَحَنَ يَسْتَطِيلُ أيّامَ مِحْنَتِهِ، ويَسْتَقْصِرُ ما مَرَّ عَلَيْهِ مِن أيّامِ الدَّعَةِ إلَيْها. أوْ لِأنَّهم كانُوا في سُرُورٍ. وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ، أوْ لِأنَّ المُنْقَضِيَ في حُكْمِ ما لَمْ يَكُنْ، وصَدَّقَهُمُ اللَّهُ في تَقالِّهِمْ لِسِنِي لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، ووَبَّخَهم عَلى غَفْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها. وقُرِئَ: { فَسَلِ العادِّينَ } والمَعْنى: لا نَعْرِفُ مِن عَدَدِ تِلْكَ السِّنِينَ، إلّا أنّا نَسْتَقِلُّهُ ونَحْسَبُهُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ. لِما نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ، وما فِينا أنْ نَعُدَّها، فَسَلْ مَن فِيهِ أنْ يَعُدَّ، ويُقَدِّرَ أنْ يَلْقى إلَيْهِ فِكْرُهُ. وقِيلَ: فَسَلِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أعْمارَ العِبادِ ويُحْصُونَ أعْمالَهم. انْتَهى.

المؤمنون 23:112

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١١ - ١١٤] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] . ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿قالَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] أيِ: اللَّهُ أوِ المَلَكُ المَأْمُورُ بِسُؤالِهِمْ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] أيْ: شَيْئًا ما. أوْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، ثِقَةً بِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ. أيْ: لَعَلِمْتُمْ يَوْمَئِذٍ قِلَّةَ لُبْثِكم فِيها، كَما عَلِمْتُمُ اليَوْمَ. ولَعَمِلْتُمْ بِمُوجِبِهِ ولَمْ تَخْلُدُوا إلَيْها. قالَ الرّازِيُّ: الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ التَّبْكِيتُ والتَّوْبِيخُ، فَقَدْ كانُوا يُنْكِرُونَ اللُّبْثَ في الآخِرَةِ أصْلًا، ولا يَعُدُّونَ اللُّبْثَ إلّا في دارِ الدُّنْيا. ويَظُنُّونَ أنَّ بَعْدَ المَوْتِ يَدُومُ الفَناءُ، ولا إعادَةَ. فَلَمّا حَصَلُوا في النّارِ وأيْقَنُوا أنَّها دائِمَةٌ وهم فِيها مُخَلَّدُونَ، سَألَهم: كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ ؟ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ ما ظَنُّوهُ دائِمًا طَوِيلًا، فَهو يَسِيرٌ، بِالإضافَةِ إلى ما أنْكَرُوهُ. فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ (p-٤٤٢١)لَهُمُ الحَسْرَةُ عَلى ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ في الدُّنْيا. مِن حَيْثُ أيْقَنُوا خِلافَهُ. فَلَيْسَ الغَرَضُ مُجَرَّدَ السُّؤالِ، بَلْ ما ذُكِرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، بِالإضافَةِ إلى خُلُودِهِمْ، ولِما هم فِيهِ مِن عَذابِها. لِأنَّ المُمْتَحَنَ يَسْتَطِيلُ أيّامَ مِحْنَتِهِ، ويَسْتَقْصِرُ ما مَرَّ عَلَيْهِ مِن أيّامِ الدَّعَةِ إلَيْها. أوْ لِأنَّهم كانُوا في سُرُورٍ. وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ، أوْ لِأنَّ المُنْقَضِيَ في حُكْمِ ما لَمْ يَكُنْ، وصَدَّقَهُمُ اللَّهُ في تَقالِّهِمْ لِسِنِي لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، ووَبَّخَهم عَلى غَفْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها. وقُرِئَ: { فَسَلِ العادِّينَ } والمَعْنى: لا نَعْرِفُ مِن عَدَدِ تِلْكَ السِّنِينَ، إلّا أنّا نَسْتَقِلُّهُ ونَحْسَبُهُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ. لِما نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ، وما فِينا أنْ نَعُدَّها، فَسَلْ مَن فِيهِ أنْ يَعُدَّ، ويُقَدِّرَ أنْ يَلْقى إلَيْهِ فِكْرُهُ. وقِيلَ: فَسَلِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أعْمارَ العِبادِ ويُحْصُونَ أعْمالَهم. انْتَهى.

المؤمنون 23:113

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١١ - ١١٤] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] . ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿قالَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] أيِ: اللَّهُ أوِ المَلَكُ المَأْمُورُ بِسُؤالِهِمْ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] أيْ: شَيْئًا ما. أوْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، ثِقَةً بِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ. أيْ: لَعَلِمْتُمْ يَوْمَئِذٍ قِلَّةَ لُبْثِكم فِيها، كَما عَلِمْتُمُ اليَوْمَ. ولَعَمِلْتُمْ بِمُوجِبِهِ ولَمْ تَخْلُدُوا إلَيْها. قالَ الرّازِيُّ: الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ التَّبْكِيتُ والتَّوْبِيخُ، فَقَدْ كانُوا يُنْكِرُونَ اللُّبْثَ في الآخِرَةِ أصْلًا، ولا يَعُدُّونَ اللُّبْثَ إلّا في دارِ الدُّنْيا. ويَظُنُّونَ أنَّ بَعْدَ المَوْتِ يَدُومُ الفَناءُ، ولا إعادَةَ. فَلَمّا حَصَلُوا في النّارِ وأيْقَنُوا أنَّها دائِمَةٌ وهم فِيها مُخَلَّدُونَ، سَألَهم: كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ ؟ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ ما ظَنُّوهُ دائِمًا طَوِيلًا، فَهو يَسِيرٌ، بِالإضافَةِ إلى ما أنْكَرُوهُ. فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ (p-٤٤٢١)لَهُمُ الحَسْرَةُ عَلى ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ في الدُّنْيا. مِن حَيْثُ أيْقَنُوا خِلافَهُ. فَلَيْسَ الغَرَضُ مُجَرَّدَ السُّؤالِ، بَلْ ما ذُكِرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، بِالإضافَةِ إلى خُلُودِهِمْ، ولِما هم فِيهِ مِن عَذابِها. لِأنَّ المُمْتَحَنَ يَسْتَطِيلُ أيّامَ مِحْنَتِهِ، ويَسْتَقْصِرُ ما مَرَّ عَلَيْهِ مِن أيّامِ الدَّعَةِ إلَيْها. أوْ لِأنَّهم كانُوا في سُرُورٍ. وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ، أوْ لِأنَّ المُنْقَضِيَ في حُكْمِ ما لَمْ يَكُنْ، وصَدَّقَهُمُ اللَّهُ في تَقالِّهِمْ لِسِنِي لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، ووَبَّخَهم عَلى غَفْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها. وقُرِئَ: { فَسَلِ العادِّينَ } والمَعْنى: لا نَعْرِفُ مِن عَدَدِ تِلْكَ السِّنِينَ، إلّا أنّا نَسْتَقِلُّهُ ونَحْسَبُهُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ. لِما نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ، وما فِينا أنْ نَعُدَّها، فَسَلْ مَن فِيهِ أنْ يَعُدَّ، ويُقَدِّرَ أنْ يَلْقى إلَيْهِ فِكْرُهُ. وقِيلَ: فَسَلِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أعْمارَ العِبادِ ويُحْصُونَ أعْمالَهم. انْتَهى.

المؤمنون 23:114

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١١ - ١١٤] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] . ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿قالَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] أيِ: اللَّهُ أوِ المَلَكُ المَأْمُورُ بِسُؤالِهِمْ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] أيْ: شَيْئًا ما. أوْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، ثِقَةً بِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ. أيْ: لَعَلِمْتُمْ يَوْمَئِذٍ قِلَّةَ لُبْثِكم فِيها، كَما عَلِمْتُمُ اليَوْمَ. ولَعَمِلْتُمْ بِمُوجِبِهِ ولَمْ تَخْلُدُوا إلَيْها. قالَ الرّازِيُّ: الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ التَّبْكِيتُ والتَّوْبِيخُ، فَقَدْ كانُوا يُنْكِرُونَ اللُّبْثَ في الآخِرَةِ أصْلًا، ولا يَعُدُّونَ اللُّبْثَ إلّا في دارِ الدُّنْيا. ويَظُنُّونَ أنَّ بَعْدَ المَوْتِ يَدُومُ الفَناءُ، ولا إعادَةَ. فَلَمّا حَصَلُوا في النّارِ وأيْقَنُوا أنَّها دائِمَةٌ وهم فِيها مُخَلَّدُونَ، سَألَهم: كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ ؟ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ ما ظَنُّوهُ دائِمًا طَوِيلًا، فَهو يَسِيرٌ، بِالإضافَةِ إلى ما أنْكَرُوهُ. فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ (p-٤٤٢١)لَهُمُ الحَسْرَةُ عَلى ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ في الدُّنْيا. مِن حَيْثُ أيْقَنُوا خِلافَهُ. فَلَيْسَ الغَرَضُ مُجَرَّدَ السُّؤالِ، بَلْ ما ذُكِرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، بِالإضافَةِ إلى خُلُودِهِمْ، ولِما هم فِيهِ مِن عَذابِها. لِأنَّ المُمْتَحَنَ يَسْتَطِيلُ أيّامَ مِحْنَتِهِ، ويَسْتَقْصِرُ ما مَرَّ عَلَيْهِ مِن أيّامِ الدَّعَةِ إلَيْها. أوْ لِأنَّهم كانُوا في سُرُورٍ. وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ، أوْ لِأنَّ المُنْقَضِيَ في حُكْمِ ما لَمْ يَكُنْ، وصَدَّقَهُمُ اللَّهُ في تَقالِّهِمْ لِسِنِي لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، ووَبَّخَهم عَلى غَفْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها. وقُرِئَ: { فَسَلِ العادِّينَ } والمَعْنى: لا نَعْرِفُ مِن عَدَدِ تِلْكَ السِّنِينَ، إلّا أنّا نَسْتَقِلُّهُ ونَحْسَبُهُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ. لِما نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ، وما فِينا أنْ نَعُدَّها، فَسَلْ مَن فِيهِ أنْ يَعُدَّ، ويُقَدِّرَ أنْ يَلْقى إلَيْهِ فِكْرُهُ. وقِيلَ: فَسَلِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أعْمارَ العِبادِ ويُحْصُونَ أعْمالَهم. انْتَهى.

المؤمنون 23:115

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٥ - ١١٨] ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] . ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ أيْ: بِغَيْرِ حِكْمَةٍ، حَتّى أنْكَرْتُمُ البَعْثَ: ﴿وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: لِلْجَزاءِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ [المؤمنون: ١١٦] أيْ تَعاظَمَ عَمّا تَصِفُونَ، لِأنَّهُ: ﴿المَلِكُ الحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦] أيِ: المُتَصَرِّفُ وحْدَهُ، الَّذِي قَصَدَ بِالخَلْقِ مَعْرِفَتَهُ وعِبادَتَهُ. والَّذِي لا يَتْرُكُ الجَزاءَ بَلْ يُحِقُّ الحَقَّ: ﴿لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] أيِ: العَظِيمُ المَجِيدُ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] (p-٤٤٢٢)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَن يَدْعُ مَعَ المَعْبُودِ الَّذِي لا تَصْلُحُ العِبادَةُ إلّا لَهُ، مَعْبُودًا آخَرَ لا حُجَّةَ لَهُ بِما يَقُولُ ولا بَيِّنَةَ. فَإنَّما حِسابُ عَمَلِهِ السَّيِّئِ عِنْدَ رَبِّهِ، وهو مُوَفِّيهِ جَزاءَهُ إذا قَدِمَ عَلَيْهِ. فَإنَّهُ لا يَنْجَحُ أهْلُ الكُفْرِ بِاللَّهِ، عِنْدَهُ، ولا يُدْرِكُونَ الخُلُودَ والبَقاءَ في النَّعِيمِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الحج: ٧١] وهي صِفَةٌ لازِمَةٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] جِيءَ بِها لِلتَّوْكِيدِ، لا أنْ يَكُونَ في الآلِهَةِ ما يَجُوزُ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بُرْهانٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ. كَقَوْلِكَ: (مَن أحْسَنَ إلى زَيْدٍ - لا أحَقَّ بِالإحْسانِ مِنهُ - فاللَّهُ مُثِيبُهُ ) . قالَ في " الِانْتِصافِ ": إنْ كانَ صِفَةً، فالمَقْصُودُ بِها التَّهَكُّمُ بِمُدَّعِي إلَهٍ مَعَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [آل عمران: ١٥١] فَنَفى إنْزالَ السُّلْطانِ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِ الأمْرِ سُلْطانٌ، لا مُنَزِّلَ ولا غَيْرَ مُنَزِّلٍ. وقالَ الرّازِيُّ: نَبَّهَ تَعالى بِالآيَةِ، عَلى أنَّ كُلَّ ما لا بُرْهانَ فِيهِ، لا يَجُوزُ إثْباتُهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ النَّظَرِ وفَسادَ التَّقْلِيدِ. انْتَهى. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ بِالِابْتِهالِ إلَيْهِ واسْتِغْفارِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] أيْ: خَيْرُ مَن رَحِمِ ذا ذَنْبٍ، فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ. * *

المؤمنون 23:116

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٥ - ١١٨] ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] . ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ أيْ: بِغَيْرِ حِكْمَةٍ، حَتّى أنْكَرْتُمُ البَعْثَ: ﴿وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: لِلْجَزاءِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ [المؤمنون: ١١٦] أيْ تَعاظَمَ عَمّا تَصِفُونَ، لِأنَّهُ: ﴿المَلِكُ الحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦] أيِ: المُتَصَرِّفُ وحْدَهُ، الَّذِي قَصَدَ بِالخَلْقِ مَعْرِفَتَهُ وعِبادَتَهُ. والَّذِي لا يَتْرُكُ الجَزاءَ بَلْ يُحِقُّ الحَقَّ: ﴿لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] أيِ: العَظِيمُ المَجِيدُ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] (p-٤٤٢٢)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَن يَدْعُ مَعَ المَعْبُودِ الَّذِي لا تَصْلُحُ العِبادَةُ إلّا لَهُ، مَعْبُودًا آخَرَ لا حُجَّةَ لَهُ بِما يَقُولُ ولا بَيِّنَةَ. فَإنَّما حِسابُ عَمَلِهِ السَّيِّئِ عِنْدَ رَبِّهِ، وهو مُوَفِّيهِ جَزاءَهُ إذا قَدِمَ عَلَيْهِ. فَإنَّهُ لا يَنْجَحُ أهْلُ الكُفْرِ بِاللَّهِ، عِنْدَهُ، ولا يُدْرِكُونَ الخُلُودَ والبَقاءَ في النَّعِيمِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الحج: ٧١] وهي صِفَةٌ لازِمَةٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] جِيءَ بِها لِلتَّوْكِيدِ، لا أنْ يَكُونَ في الآلِهَةِ ما يَجُوزُ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بُرْهانٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ. كَقَوْلِكَ: (مَن أحْسَنَ إلى زَيْدٍ - لا أحَقَّ بِالإحْسانِ مِنهُ - فاللَّهُ مُثِيبُهُ ) . قالَ في " الِانْتِصافِ ": إنْ كانَ صِفَةً، فالمَقْصُودُ بِها التَّهَكُّمُ بِمُدَّعِي إلَهٍ مَعَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [آل عمران: ١٥١] فَنَفى إنْزالَ السُّلْطانِ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِ الأمْرِ سُلْطانٌ، لا مُنَزِّلَ ولا غَيْرَ مُنَزِّلٍ. وقالَ الرّازِيُّ: نَبَّهَ تَعالى بِالآيَةِ، عَلى أنَّ كُلَّ ما لا بُرْهانَ فِيهِ، لا يَجُوزُ إثْباتُهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ النَّظَرِ وفَسادَ التَّقْلِيدِ. انْتَهى. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ بِالِابْتِهالِ إلَيْهِ واسْتِغْفارِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] أيْ: خَيْرُ مَن رَحِمِ ذا ذَنْبٍ، فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ. * *

المؤمنون 23:117

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٥ - ١١٨] ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] . ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ أيْ: بِغَيْرِ حِكْمَةٍ، حَتّى أنْكَرْتُمُ البَعْثَ: ﴿وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: لِلْجَزاءِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ [المؤمنون: ١١٦] أيْ تَعاظَمَ عَمّا تَصِفُونَ، لِأنَّهُ: ﴿المَلِكُ الحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦] أيِ: المُتَصَرِّفُ وحْدَهُ، الَّذِي قَصَدَ بِالخَلْقِ مَعْرِفَتَهُ وعِبادَتَهُ. والَّذِي لا يَتْرُكُ الجَزاءَ بَلْ يُحِقُّ الحَقَّ: ﴿لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] أيِ: العَظِيمُ المَجِيدُ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] (p-٤٤٢٢)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَن يَدْعُ مَعَ المَعْبُودِ الَّذِي لا تَصْلُحُ العِبادَةُ إلّا لَهُ، مَعْبُودًا آخَرَ لا حُجَّةَ لَهُ بِما يَقُولُ ولا بَيِّنَةَ. فَإنَّما حِسابُ عَمَلِهِ السَّيِّئِ عِنْدَ رَبِّهِ، وهو مُوَفِّيهِ جَزاءَهُ إذا قَدِمَ عَلَيْهِ. فَإنَّهُ لا يَنْجَحُ أهْلُ الكُفْرِ بِاللَّهِ، عِنْدَهُ، ولا يُدْرِكُونَ الخُلُودَ والبَقاءَ في النَّعِيمِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الحج: ٧١] وهي صِفَةٌ لازِمَةٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] جِيءَ بِها لِلتَّوْكِيدِ، لا أنْ يَكُونَ في الآلِهَةِ ما يَجُوزُ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بُرْهانٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ. كَقَوْلِكَ: (مَن أحْسَنَ إلى زَيْدٍ - لا أحَقَّ بِالإحْسانِ مِنهُ - فاللَّهُ مُثِيبُهُ ) . قالَ في " الِانْتِصافِ ": إنْ كانَ صِفَةً، فالمَقْصُودُ بِها التَّهَكُّمُ بِمُدَّعِي إلَهٍ مَعَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [آل عمران: ١٥١] فَنَفى إنْزالَ السُّلْطانِ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِ الأمْرِ سُلْطانٌ، لا مُنَزِّلَ ولا غَيْرَ مُنَزِّلٍ. وقالَ الرّازِيُّ: نَبَّهَ تَعالى بِالآيَةِ، عَلى أنَّ كُلَّ ما لا بُرْهانَ فِيهِ، لا يَجُوزُ إثْباتُهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ النَّظَرِ وفَسادَ التَّقْلِيدِ. انْتَهى. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ بِالِابْتِهالِ إلَيْهِ واسْتِغْفارِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] أيْ: خَيْرُ مَن رَحِمِ ذا ذَنْبٍ، فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ. * *

المؤمنون 23:118

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١٥ - ١١٨] ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] . ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ أيْ: بِغَيْرِ حِكْمَةٍ، حَتّى أنْكَرْتُمُ البَعْثَ: ﴿وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: لِلْجَزاءِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ [المؤمنون: ١١٦] أيْ تَعاظَمَ عَمّا تَصِفُونَ، لِأنَّهُ: ﴿المَلِكُ الحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦] أيِ: المُتَصَرِّفُ وحْدَهُ، الَّذِي قَصَدَ بِالخَلْقِ مَعْرِفَتَهُ وعِبادَتَهُ. والَّذِي لا يَتْرُكُ الجَزاءَ بَلْ يُحِقُّ الحَقَّ: ﴿لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] أيِ: العَظِيمُ المَجِيدُ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] (p-٤٤٢٢)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَن يَدْعُ مَعَ المَعْبُودِ الَّذِي لا تَصْلُحُ العِبادَةُ إلّا لَهُ، مَعْبُودًا آخَرَ لا حُجَّةَ لَهُ بِما يَقُولُ ولا بَيِّنَةَ. فَإنَّما حِسابُ عَمَلِهِ السَّيِّئِ عِنْدَ رَبِّهِ، وهو مُوَفِّيهِ جَزاءَهُ إذا قَدِمَ عَلَيْهِ. فَإنَّهُ لا يَنْجَحُ أهْلُ الكُفْرِ بِاللَّهِ، عِنْدَهُ، ولا يُدْرِكُونَ الخُلُودَ والبَقاءَ في النَّعِيمِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الحج: ٧١] وهي صِفَةٌ لازِمَةٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] جِيءَ بِها لِلتَّوْكِيدِ، لا أنْ يَكُونَ في الآلِهَةِ ما يَجُوزُ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بُرْهانٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ. كَقَوْلِكَ: (مَن أحْسَنَ إلى زَيْدٍ - لا أحَقَّ بِالإحْسانِ مِنهُ - فاللَّهُ مُثِيبُهُ ) . قالَ في " الِانْتِصافِ ": إنْ كانَ صِفَةً، فالمَقْصُودُ بِها التَّهَكُّمُ بِمُدَّعِي إلَهٍ مَعَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [آل عمران: ١٥١] فَنَفى إنْزالَ السُّلْطانِ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِ الأمْرِ سُلْطانٌ، لا مُنَزِّلَ ولا غَيْرَ مُنَزِّلٍ. وقالَ الرّازِيُّ: نَبَّهَ تَعالى بِالآيَةِ، عَلى أنَّ كُلَّ ما لا بُرْهانَ فِيهِ، لا يَجُوزُ إثْباتُهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ النَّظَرِ وفَسادَ التَّقْلِيدِ. انْتَهى. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ بِالِابْتِهالِ إلَيْهِ واسْتِغْفارِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] أيْ: خَيْرُ مَن رَحِمِ ذا ذَنْبٍ، فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ. * *

النور 24:1

(p-٤٤٢٣)سُورَةُ النُّورِ سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما أمْكَنَ مِن بَيانِ النُّورِ الإلَهِيِّ، بِالتَّمْثِيلِ المُفِيدِ كَمالَ المَعْرِفَةِ المُمْكِنَةِ لِنَوْعِ الإنْسانِ، مَعَ مُقَدِّماتِها، وهي أعْظَمُ مَقاصِدِ القُرْآنِ- قالَهُ المَهايِمِيُّ، وهي مَدَنِيَّةٌ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ آيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ [النور: ٥٨] إلَخْ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعٌ وسِتُّونَ آيَةً. (p-٤٤٢٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١] ﴿سُورَةٌ أنْـزَلْناها وفَرَضْناها وأنْـزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ . ﴿سُورَةٌ أنْـزَلْناها﴾ خَبَرُ مَحْذُوفٍ. أيْ: هَذِهِ السُّورَةُ. والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ: ﴿وفَرَضْناها﴾ أيْ: أوْجَبْنا ما فِيها مِنَ الأحْكامِ إيجابًا قَطْعِيًّا: ﴿وأنْـزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَها فَتَعْمَلُونَ بِمُوجِبِها. قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ: هَذِهِ السُّورَةُ فَرَضَها تَعالى بِالبَيِّناتِ والتَّقْدِيرِ والحُدُودِ، الَّتِي مَن يَتَعَدَّ حَلالَها إلى الحَرامِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. ومَن قَرُبَ مِن حَرامِها فَقَدِ اعْتَدى وتَعَدّى الحُدُودَ. وبَيَّنَ فِيها فَرْضَ العُقُوبَةِ وآيَةَ الجَلْدِ وفَرِيضَةَ الشَّهادَةِ عَلى الزِّنى وفَرِيضَةَ شَهادَةِ المُتَلاعِنَيْنِ. كُلٌّ مِنهُما يَشْهَدُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ. ونَهى فِيها عَنْ تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ في الفُرُوجِ والأعْراضِ والعَوْراتِ وطاعَةِ ذِي السُّلْطانِ. سَواءٌ كانَ في مَنزِلِهِ أوْ وِلايَتِهِ. ولا يَخْرُجُ ولا يَدْخُلُ إلّا بِإذْنِهِ. إذِ الحُقُوقُ نَوْعانِ: نَوْعٌ لِلَّهِ فَلا يَتَعَدّى حُدُودَهُ، ونَوْعٌ لِلْعِبادَةِ فِيهِ أمْرٌ فَلا يَفْعَلُ إلّا بِإذْنِ المالِكِ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَفْعَلَ شَيْئًا في حَقِّ غَيْرِهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ. وإنْ لَمْ يَأْذَنِ المالِكُ، فَإذْنُ اللَّهِ هو الأصْلُ، وإذَنُ المالِكِ حَيْثُ أذِنَ اللَّهُ وجَعَلَ لَهُ الإذْنَ فِيهِ. ولِهَذا ضَمَّنَها الِاسْتِئْذانَ في المَساكِنِ والمَطاعِمِ وفي الأُمُورِ الجامِعَةِ. كالصَّلاةِ والجِهادِ ونَحْوِهِما. ووَسَّطَها بِذِكْرِ النُّورِ الَّذِي هو مادَّةُ كُلِّ خَيْرٍ وصَلاحُ كُلِّ شَيْءٍ. وهو يَنْشَأُ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ، وعَنِ الصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ ضِياءٌ. فَإنَّ حِفْظَ الحُدُودِ بِتَقْوى اللَّهِ، يَجْعَلُ لِصاحِبِهِ نُورًا. كَما قالَ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] الآيَةَ. فَضِدُّ النُّورِ الظُّلْمَةُ، ولِهَذا عَقَّبَ ذِكْرَ النُّورِ وأعْمالَ المُؤْمِنِينَ بِأعْمالِ الكُفّارِ. وأهْلِ البِدَعِ والضُّلّالِ. (p-٤٤٢٥)فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ﴾ [النور: ٣٩] الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠] الآيَةَ، وكَذَلِكَ الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ. وظُلْمُ العَبْدِ نَفْسَهُ مِنَ الظُّلْمِ. فَإنَّ لِلسَّيِّئَةِ ظُلْمَةً في القَلْبِ، وسَوادًا في الوَجْهِ، ووَهَنًا في البَدَنِ، ونَقْصًا في الرِّزْقِ، وبُغْضًا في قُلُوبِ الخَلْقِ. كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، يُوَضِّحُهُ أنَّ اللَّهَ ضَرَبَ مَثَلَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ بِالنُّورِ، وأعْمالِ الكُفّارِ بِالظُّلْمَةِ. والإيمانُ اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ. والكُفْرُ اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما يُبْغِضُهُ، وإنْ كانَ لا يَكْفُرُ العَبْدُ إذا كانَ مَعَهُ أصْلُ الإيمانِ وبَعْضُ فُرُوعِ الكُفْرِ مِنَ المَعاصِي. كَما لا يَصِيرُ مُؤْمِنًا إذا كانَ مَعَهُ بَعْضُ فُرُوعِ الإيمانِ. ولِغَضِّ البَصَرِ اخْتِصاصٌ بِالنُّورِ كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ: ««إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ. .».» الحَدِيثَ. وفِيهِ: فَذَلِكَ الرّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ. وفي الصَّحِيحِ: ««إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»» . والغَيْنُ حِجابٌ رَقِيقٌ أرَقُّ مِنَ الغَيْمِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لِيُزِيلَ الغَيْنَ، فَلا يَكُونُ نُكْتَةً سَوْداءَ. كَما أنَّها إذا أُزِيلَتْ لا تَصِيرُ رَيْنًا. وقالَ حُذَيْفَةُ: إنَّ الإيمانَ يَبْدُو في القَلْبِ لُمْظَةً بَيْضاءَ. فَكُلَّما ازْدادَ العَبْدُ إيمانًا، ازْدادَ قَلْبُهُ بَياضًا، وفي خُطْبَةِ الإمامِ أحْمَدَ، في الرَّدِّ عَلى الزَّنادِقَةِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في كُلِّ زَمانٍ فَتْرَةً مِنَ الرُّسُلِ، بَقايا مِن أهْلِ العِلْمِ، يَدْعُونَ مَن ضَلَّ إلى الهُدى، ويَصْبِرُونَ مِنهم عَلى الأذى. يُحْيُونَ بِكِتابِ اللَّهِ المَوْتى، ويُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ أهْلَ العَمى. . . إلَخْ. وقَدْ قَرَنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَيْنَ الهُدى والضَّلالِ بِما يُشْبِهُ هَذا. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ [فاطر: ٢٠] وقالَ: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ [هود: ٢٤] وقالَ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] الآياتِ، (p-٤٤٢٦)وهَذا النُّورُ الَّذِي يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ في الدُّنْيا عَلى حُسْنِ عَمَلِهِ واعْتِقادِهِ، يَظْهَرُ في الآخِرَةِ، كَما قالَهُ تَعالى: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] الآيَةَ، فَذَكَرَ النُّورَ هُنا عَقِيبَ أمْرِهِ بِالتَّوْبَةِ، كَما في سُورَةِ النُّورِ عَقِيبَ أمْرِهِ بِغَضِّ البَصَرِ والتَّوْبَةِ. وذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ أمْرِهِ بِحُقُوقِ الأهْلِينَ والأزْواجِ وما يَتَعَلَّقُ بِالنِّساءِ. وقالَ في سُورَةِ الحَدِيدِ: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الحديد: ١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٥] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ المُنافِقِينَ يَفْقِدُونَ النُّورَ الَّذِي كانَ المُؤْمِنُونَ يَمْشُونَ بِهِ، ويَطْلُبُونَ الِاقْتِباسَ مِن نُورِهِمْ، فَيُحْجَبُونَ عَنْ ذَلِكَ بِحِجابٍ يُضْرَبُ بَيْنَهم. كَما أنَّهم في الدُّنْيا لَمّا فَقَدُوا النُّورَ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى:

النور 24:2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢] ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ وبَيانِ أحْكامِها. أيْ: كُلُّ مَن زَنى مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، فَأقِيمُوا عَلَيْهِ هَذا الحَدَّ. وهو أنْ يُجْلَدَ، أيْ: يُضْرَبَ عَلى جِلْدِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، عُقُوبَةً لِما صَنَعَ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ أيْ: رِقَّةٌ ورَحْمَةٌ في طاعَتِهِ فِيما أمَرَكم بِهِ، مِن إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِما، عَلى ما ألْزَمَكم بِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: تُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ رَبِّكم وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وأنَّكم مَبْعُوثُونَ لِحَشْرِ القِيامَةِ ولِلثَّوابِ والعِقابِ. فَإنَّ مَن كانَ بِذَلِكَ مُصَدِّقًا، فَإنَّهُ لا يُخالِفُ اللَّهَ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، خَوْفَ عِقابِهِ عَلى مَعاصِيهِ: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ (p-٤٤٢٧)أيْ: ولْيَحْضُرْ جَلْدَهُما طائِفَةٌ مِن أهْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ تُسَمِّي الواحِدَ فَما زادَ طائِفَةً. قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: فَأمَرَ تَعالى بِعُقُوبَتِهِما بِحُضُورِ طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وذَلِكَ بِشَهادَتِهِ عَلى نَفْسِهِ أوْ شَهادَةِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ. لِأنَّ المَعْصِيَةَ إذا ظَهَرَتْ كانَتْ عُقُوبَتُها ظاهِرَةً. كَما في الأثَرِ: «(مَن أذْنَبَ سِرًّا فَلْيَتُبْ سِرًّا. ومَن أذْنَبَ عَلانِيَةً فَلْيَتُبْ عَلانِيَةً» )، ولَيْسَ مِنَ السَّتْرِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ، كَما في الحَدِيثِ: ««إنَّ الخَطِيئَةَ إذا أُخْفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إلّا صاحِبَها. فَإذا أُعْلِنَتْ ولَمْ تُنْكَرْ، ضَرَّتِ العامَّةَ»» فَإذا أُعْلِنَتْ أُعْلِنَتْ عُقُوبَتُها بِحَسَبِ العَدْلِ المُمْكِنِ. ولِهَذا لَمْ يَكُنْ لِلْمُعْلِنِ بِالبِدَعِ والفُجُورِ غَيْبَةٌ. كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ، لِأنَّهُ لَمّا أعْلَنَ اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ. وأدْناها أنْ يُذَمَّ عَلَيْها لِيَنْزَجِرَ ويَكُفَّ النّاسُ عَنْهُ وعَنْ مُخالَطَتِهِ. ولَوْ لَمْ يُذْكَرْ إلّا بِما فِيهِ لاغْتَرَّ بِهِ النّاسُ. فَإذا ذُكِرَ انْكَفَّ وانْكَفَّ غَيْرُهُ عَنْ ذَلِكَ وعَنْ صُحْبَتِهِ. قالَ الحَسَنُ: أتَرْغَبُونَ عَنْ ذِكْرِ الفاجِرِ؟ اذْكُرُوا بِما فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النّاسُ. و(الفُجُورُ ): اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ مُتَجاهِرٍ بِمَعْصِيَةٍ أوْ كَلامٍ قَبِيحٍ، يَدُلُّ السّامِعَ لَهُ عَلى فُجُورِ قَلْبِ قائِلِهِ. ولِهَذا اسْتَحَقَّ الهِجْرَةَ، إذا أعْلَنَ بِبِدْعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ، أوْ فَجَوْرٍ أوْ تَهَتُّكٍ أوْ مُخالَطَةٍ لِمَن هَذا حالُهُ. بِهَذا لا يُبالِي بِطَعْنِ النّاسِ عَلَيْهِ. فَإنَّ هَجْرَهُ نَوْعُ تَعْزِيرٍ لَهُ. فَإذا أعْلَنَ السَّيِّئاتِ، أُعْلِنَ هَجْرُهُ، وإذا أسَرَّ أُسِرَّ هَجْرُهُ، إذِ الهِجْرَةُ هي الهِجْرَةُ عَلى السَّيِّئاتِ وهِجْرَةِ السَّيِّئاتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ [المزمل: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ؛ أنَّ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَمّا شَرِبَ الخَمْرَ بِمِصْرَ وذَهَبَ بِهِ (p-٤٤٢٨)أخُوهُ إلى أمِيرِها عَمْرِو بْنِ العاصِ لِيَحُدَّهُ، جَلَدَهُ سِرًّا، فَبَعَثَ إلَيْهِ عُمَرُ يُنْكِرُ عَلَيْهِ. ولَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ حَتّى أرْسَلَ إلى ابْنِهِ، فَأقْدَمَهُ المَدِينَةَ وجَلَدَهُ عَلانِيَةً، وعاشَ ابْنُهُ مُدَّةً ثُمَّ مَرِضَ ثُمَّ ماتَ ولَمْ يَمُتْ مِنَ الجَلْدِ، ولا ضَرَبَهُ بَعْدَ المَوْتِ، كَما يَزْعُمُهُ الكَذّابُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ نَهى تَعالى عَمّا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيْطانُ في العُقُوباتِ عُمُومًا وفي الفَواحِشِ خُصُوصًا. فَإنَّ هَذا البابَ مَبْناهُ عَلى المَحَبَّةِ والشَّهْوَةِ، والرَّأْفَةِ الَّتِي يُزَيِّنُها الشَّيْطانُ بِانْعِطافِ القُلُوبِ عَلى أهْلِ الفَواحِشِ، حَتّى يَدْخُلَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِسَبَبِ هَذِهِ الآفَةِ في الدِّياثَةِ، إذا رَأى مَن يَهْوى بَعْضَ المُتَّصِلِينَ بِهِ، أوْ يُعاشِرُهُ عِشْرَةً مُنْكَرَةً ولَوْ كانَ ولَدَهُ، رَقَّ بِهِ وظَنَّ أنَّ هَذا مِن رَحْمَةِ الخَلْقِ. وإنَّما ذَلِكَ دِياثَةٌ ومَهانَةٌ وعَدَمُ دِينٍ وإعانَةٌ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ. وتُرِكَ لِلتَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ. وتَدْخُلُ النَّفْسُ بِهِ في القِيادَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ مِنَ الدِّياثَةِ كَما دَخَلَتْ عَجُوزُ السُّوءِ مَعَ قَوْمِها، في اسْتِحْسانِ ما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِن إتْيانِ الذُّكْرانِ والمُعاوَنَةِ لَهم عَلى ذَلِكَ، وكانَتْ في الظّاهِرِ مُسْلِمَةً عَلى دِينِ زَوْجِها لُوطٍ، وفي الباطِنِ مُنافِقَةٌ عَلى دِينِ قَوْمِها. لا تَقْلِي عَمَلَهم كَما قَلاهُ لُوطٌ. وكَما فَعَلَ النِّسْوَةُ بِيُوسُفَ. فَإنَّهُنَّ أعَنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ عَلى ما دَعَتْهُ إلى فِعْلِ الفاحِشَةِ مَعَها ولِهَذا قالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] وذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِنَّ: ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٣٠] ولا رَيْبَ أنَّ مَحَبَّةَ الفَواحِشِ مَرَضٌ في القَلْبِ. فَإنَّ الشَّهْوَةَ تُوجِبُ السُّكْرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] وفي الصَّحِيحَيْنِ ومِن حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ: ««العَيْنانِ تَزْنِيانِ»» إلَخْ فَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَكُونُ مَقْصُودُهُ بَعْضَ هَذِهِ الأنْواعِ كالنَّظَرِ والِاسْتِمْتاعِ والمُخاطَبَةِ. ومِنهم مَن يَرْتَقِي إلى المَسِّ والمُباشَرَةِ. ومِنهم مَن يُقَبِّلُ ويَنْظُرُ. وكُلُّ ذَلِكَ حَرامٌ. وقَدْ نَهانا اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ تَأْخُذَنا بِالزُّناةِ رَأْفَةٌ، بَلْ نُقِيمُ عَلَيْهِمُ الحَدَّ، فَكَيْفَ بِما دُونَهُ مِن هَجْرٍ ونَهْيٍ (p-٤٤٢٩)وتَوْبِيخٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ؟ بَلْ يَنْبَغِي شَنَآنُ الفاسِقِينَ وقِلاهم عَلى ما يَتَمَتَّعُ بِهِ الإنْسانُ مِن أنْواعِ الزِّنى المَذْكُورَةِ في الحَدِيثِ. والمُحِبُّ، وإنْ كانَ يُحِبُّ النَّظَرَ والِاسْتِمْتاعَ بِصُورَةِ المَحْبُوبِ وكَلامِهِ، فَلَيْسَ دَواؤُهُ في ذَلِكَ، لِأنَّهُ مَرِيضٌ. والمَرِيضُ إذا اشْتَهى ما يَضُرُّهُ أوْ جَزِعَ مِن تَناوُلِ الدَّواءِ الكَرِيهِ، فَأخَذَتْنا بِهِ رَأْفَةٌ، فَقَدْ أعَنّاهُ عَلى ما يُهْلِكُهُ ويَضُرُّهُ وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أيْ: فِيها الشِّفاءُ والبُرْءُ مِن ذَلِكَ. بَلِ الرَّأْفَةُ بِهِ أنْ يُعانَ عَلى شُرْبِ الدَّواءِ وإنْ كانَ كَرِيهًا، مِثْلَ الصَّلاةِ وما فِيها مِنَ الأذْكارِ والدَّعَواتِ وأنْ يُحْمى عَمّا يُزِيدُ عِلَّتَهُ. ولا يُظَنُّ أنَّهُ إذا اسْتَمْتَعَ بِمُحَرَّمٍ يَسْكُنُ بَلاؤُهُ. بَلْ ذَلِكَ يُوجِبُ لَهُ زِيادَةً في البَلاءِ. فَإنَّهُ وإنْ سَكَنَ ما بِهِ عَقِيبَ اسْتِمْتاعِهِ، أعْقَبَهُ ذَلِكَ مَرَضًا عَظِيمًا لا يَتَخَلَّصُ مِنهُ، بَلِ الواجِبُ دَفْعُ أعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ بِاحْتِمالِ أدْناهُما قَبْلَ اسْتِحْكامِ الدّاءِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ ألَمَ العِلاجِ النّافِعِ أيْسَرُ مِن ألَمِ المَرَضِ الباقِي. وبِهَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ العُقُوباتِ الشَّرْعِيَّةَ أدْوِيَةٌ نافِعَةٌ. وهي مِن رَأْفَةِ اللَّهِ بِعِبادِهِ، الدّاخِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فَمَن تَرَكَ هَذِهِ الرَّحْمَةَ النّافِعَةَ، لِرَأْفَةٍ بِالمَرِيضِ، فَهو الَّذِي أعانَ عَلى عَذابِهِ، وإنْ كانَ لا يُرِيدُ إلّا الخَيْرَ، إذْ هو في ذَلِكَ جاهِلٌ أحْمَقُ، كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ النِّساءِ بِمَرْضاهُنَّ وبِمَن يُرَبِّينَهُنَّ مِن أوْلادِهِنَّ في تَرْكِ تَأْدِيبِهِمْ عَلى ما يَأْتُونَهُ مِنَ الشَّرِّ ويَتْرُكُونَهُ مِنَ الخَيْرِ. ومِنَ النّاسِ مَن تَأْخُذُهُ الرَّأْفَةُ بِهِمْ لِمُشارَكَتِهِ لَهم في ذَلِكَ المَرَضِ وبُرُودَةِ القَلْبِ والدِّياثَةِ. وهو في ذَلِكَ مِن أظْلَمِ النّاسِ وأدْيَثِهِمْ في حَقِّ نَفْسِهِ ونُظَرائِهِ. وهو بِمَنزِلَةِ جَماعَةٍ مَرْضى قَدْ وصَفَ لَهُمُ الطَّبِيبُ ما يَنْفَعُهم، فَوَجَدَ كَبِيرُهم مَرارَتَهُ، فَتَرَكَ شُرْبَهُ. ونَهى عَنْ سَقْيِهِ لِلْباقِينَ. ومِنهم مَن تَأْخُذُهُ الرَّأْفَةُ لِكَوْنِ أحَدِ الزّانِّينَ مَحْبُوبًا لَهُ. إمّا لِقَرابَةٍ أوْ مَوَدَّةٍ أوْ إحْسانٍ، أوْ لِما يَرْجُوهُ مِنهُ، أوْ لِما في العَذابِ مِنَ الألَمِ الَّذِي يُوجِبُ رِقَّةَ القَلْبِ. ويَتَأوَّلُ ««إنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ مِن عِبادِهِ (p-٤٤٣٠)الرُّحَماءَ»» . ولَيْسَ كَما قالَ. بَلْ ذَلِكَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. بَلْ قَدْ ورَدَ ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ دَيُّوثٌ»» فَمَن لَمْ يَكُنْ مُبْغِضًا لِلْفَواحِشِ كارِهًا لَها ولِأهْلِها، ولا يَغْضَبُ عِنْدَ رُؤْيَتِها وسَماعِها، لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِلْعُقُوبَةِ عَلَيْها. فَيَبْقى العَذابُ عَلَيْها يُوجِبُ ألَمَ قَلْبِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. في دِينِ اللَّهِ هو طاعَتُهُ وطاعَةُ رَسُولِهِ. المَبْنِيُّ عَلى مَحَبَّتِهِ ومَحَبَّةِ رَسُولِهِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما. فَإنَّ الرَّأْفَةَ والرَّحْمَةَ يُحِبُّهُما لِلَّهِ ما لَمْ تَكُنْ مَضْيَعَةً لِدِينِ اللَّهِ. فالرَّحْمَةُ مَأْمُورٌ بِها بِخِلافِ الرَّأْفَةِ في دِينِ اللَّهِ. والشَّيْطانُ يُرِيدُ مِنَ الإنْسانِ الإسْرافَ في أُمُورِهِ كُلِّها. فَإنَّهُ إنْ رَآهُ مائِلًا إلى الرَّحْمَةِ، زَيَّنَ لَهُ الرَّحْمَةَ حَتّى لا يَبْغَضَ ما أبْغَضَهُ اللَّهُ، ولا يَغارَ، وإنْ رَآهُ مائِلًا إلى الشِّدَّةِ، زَيَّنَ لَهُ الشِّدَّةَ في غَيْرِ ذاتِ اللَّهِ، فَيَزِيدُ في الذَّمِّ والبُغْضِ والعِقابِ عَلى ما يُحِبُّهُ. ويَتْرُكُ مِنَ اللِّينِ والصِّلَةِ والإحْسانِ والبِرِّ ما يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ. فالأوَّلُ مُذْنِبٌ والثّانِي مُسْرِفٌ. فَلْيَقُولا جَمِيعًا: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ [آل عمران: ١٤٧] الآيَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فالمُؤْمِنُ بِذَلِكَ يَفْعَلُ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ، ويَنْهى عَمّا يَبْغَضُهُ اللَّهُ. ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَإنَّهُ يَتَّبِعُ هَواهُ، فَتارَةً تَغْلِبُ عَلَيْهِ الشِّدَّةُ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] والنَّظَرُ والمُباشَرَةُ، وإنْ كانَ بَعْضُهُ مِنَ اللَّمَمِ، فَإنَّ دَوامَ ذَلِكَ وما يَتَّصِلُ بِهِ، مِنَ المُعاشَرَةِ والمُباشَرَةِ قَدْ تَكُونُ أعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِن فَسادِ زِنًى لا إصْرارَ فِيهِ. بَلْ قَدْ يَنْتَهِي النَّظَرُ والمُباشَرَةُ بِالرَّجُلِ إلى الشِّرْكِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] الآيَةَ. ولِهَذا لا يَكُونُ عِشْقُ الصُّوَرِ إلّا مِن ضَعْفِ مَحَبَّةِ اللَّهِ وضَعْفِ الإيمانِ. واللَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَهُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ (p-٤٤٣١)المُشْرِكَةِ وعَنْ قَوْمِ لُوطٍ. وقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ الحُدُودَ فِيما رَواهُ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: ««مَن حالَتْ شَفاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، فَقَدْ ضادَّ اللَّهَ في أمْرِهِ. ومَن خاصَمَ في باطِلٍ، وهو يَعْلَمُ، لَمْ يَزَلْ في سُخْطٍ لِلَّهِ حَتّى يَنْزِعَ ومَن قالَ في مُسْلِمٍ ما لَيْسَ فِيهِ، حُبِسَ في رَدْعَةِ الخَبالِ حَتّى يَخْرُجَ مِمّا قالَ»» . فالشّافِعُ في الحُدُودِ مُضادٌّ لِلَّهِ في أمْرِهِ. فَلا يَجُوزُ أنْ يَأْخُذَ المُؤْمِنَ رَأْفَةٌ بِأهْلِ البِدَعِ والفُجُورِ والمَعاصِي، وجِماعُ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وقَوْلُهُ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] فَإنَّ هَذِهِ الكَبائِرَ كُلَّها مِن شُعَبِ الكُفْرِ كَما في الصِّحاحِ: ««لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ»» إلَخْ. فَفِيهِمْ مِن نَقْصِ الإيمانِ ما يُوجِبُ زَوالَ الرَّأْفَةِ بِهِمْ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِ الواحِدِ يُحِبُّ مِن وجْهٍ ويَبْغَضُ مِن وجْهٍ، ويُثابُ مِن وجْهٍ ويُعاقَبُ مِن وجْهٍ. خِلافًا لِلْخَوارِجِ والمُعْتَزِلَةِ. ولِهَذا جاءَ في السُّنَّةِ أنَّ مَن أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ، يُرْحَمُ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَيُحْسَنُ إلَيْهِ ويُدْعى لَهُ. وهَذا الجانِبُ أغْلَبُ في الشَّرِيعَةِ، كَما في صِفَةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى. فَفِي الصَّحِيحِ: ««إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي»» وقالَ: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩] ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٥٠] وقالَ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ (p-٤٤٣٢)العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨] فَجَعَلَ الرَّحْمَةَ صِفَةً مَذْكُورَةً في أسْمائِهِ. وأمّا العَذابُ والعِقابُ فَجَعَلَهُما مِن مَفْعُولاتِهِ. ومِن هَذا ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الغِلْظَةِ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ. وقالَ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] الآيَةَ، وفي الحَدِيثِ بَيانُ السَّبِيلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُنَّ وهو جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ في البِكْرِ، وفي الثَّيِّبِ الرَّجْمُ لَكِنَّ الَّذِي في الحَدِيثِ الجَلْدُ والنَّفْيُ لِلْبِكْرِ مِنَ الرِّجالِ وأمّا الآيَةُ فَفِيها ذِكْرُ الإمْساكِ في البُيُوتِ لِلنِّساءِ إلى المَوْتِ، والسَّبِيلُ لِلنِّساءِ خاصَّةً. ومِنَ الفُقَهاءِ مَن لا يُوجِبُ مَعَ الحَدِّ تَغْرِيبًا، ومِنهم مَن يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ. كَما أنَّ أكْثَرَهم لا يُوجِبُونَ الجَلْدَ مَعَ الرَّجْمِ. ومِنهم مَن يُوجِبُها جَمِيعًا. كَما فُعِلَ بِشَرّاحَةَ الهَمْدانِيَّةِ، حَيْثُ جَلَدَها ثُمَّ رَجَمَها. وقالَ: جَلَدْتُها بِكِتابِ اللَّهِ ورَجَمْتُها بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ. رَواهُ البُخارِيُّ. واللَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في سُورَةِ النِّساءِ ما يَخْتَصُّ بِهِنَّ مِنَ العُقُوبَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَعُمُّ الصِّنْفَيْنِ فَقالَ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦] فَإنَّ الأذى يَتَناوَلُ الصِّنْفَيْنِ. وأمّا الإمْساكُ فَيَخْتَصُّ بِالنِّساءِ، لِأنَّ المَرْأةَ يَجِبُ أنْ تُصانَ بِما لا يَجِبُ مِثْلُهُ في الرِّجالِ ولِهَذا خُصَّتْ بِالِاحْتِجابِ وتَرْكِ الزِّينَةِ وتَرْكِ التَّبَرُّجِ، لِأنَّ ظُهُورَها يُسَبِّبُ الفِتْنَةَ، والرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَيْهِنَّ، وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] دَلَّ عَلى شَيْئَيْنِ: عَلى نِصابِ الشَّهادَةِ وعَلى أنَّ الشُّهَداءَ عَلى نِسائِنا مِنّا. وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ. وأمّا شَهادَةُ الكُفّارِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ فَفِيها رِوايَتانِ عَنْ أحْمَدَ. الثّانِيَةُ أنَّها تُقْبَلُ. اخْتارَها أبُو الخَطّابِ. وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. وهو أشْبَهُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ. وقَوْلُهُ ﷺ: ««لا تَجُوزُ شَهادَةُ أهْلِ مِلَّةٍ (p-٤٤٣٣)عَلى مِلَّةٍ، إلّا أُمَّتِي»» فَمَفْهُومُهُ جَوازُ شَهادَةِ أهْلِ المِلَّةِ الواحِدَةِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. ولَكِنَّ فِيهِ: أنَّ المُؤْمِنِينَ تُقْبَلُ شَهادَتُهم عَلى مَن سِواهُمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وفي آخِرِ الحَجِّ مِثْلُها وفي البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ: (يُدْعى نُوحٌ )، الحَدِيثَ وكَذَلِكَ فِيهِما مِن حَدِيثِ أنَسٍ، شَهادَتُهم عَلى الجِنازَتَيْنِ خَيْرًا وشَرًّا، فَقالَ: ««أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في أرْضِهِ»» الحَدِيثَ. ولِهَذا لَمّا كانَ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ لَمْ يَشُوبُوا الإسْلامَ بِغَيْرِهِ، كانَتْ شَهادَتُهم مَقْبُولَةً عَلى سائِرِ فِرَقِ الأُمَّةِ، بِخِلافِ أهْلِ البِدَعِ والأهْواءِ، كالخَوارِجِ والرَّوافِضِ، فَإنَّ بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ والظُّلْمِ ما يُخْرِجُهم عَنْ هَذِهِ الحَقِيقَةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لِأهْلِ السُّنَّةِ، قالَ فِيهِمْ: ««يَحْمِلُ هَذا العِلْمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغالِينَ وانْتِحالَ المُبْطِلِينَ وتَأْوِيلَ الجاهِلِينَ»» واسْتَدَلَّ مَن جَوَّزَ شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآيَةَ، قالُوا: دَلَّتْ عَلى قَبُولِ شَهادَتِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى قَبُولِ شَهادَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضِ بِطْرِيقِ الأوْلى. ثُمَّ نَسْخُ الظّاهِرِ لا يُوجِبُ نَسْخَ الفَحْوى، والتَّنْبِيهُ عَلى الأقْوى. كَما نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ الحَدِيثِ المُوافِقِينَ لِلسَّلَفِ. ولِهَذا يَجُوزُ في الشَّهادَةِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِها. كَما تُقْبَلُ شَهادَةُ النِّساءِ فِيما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجالُ. حَتّى نَصَّ أحْمَدُ عَلى قَبُولِ شَهادَتَيْنِ في الحُدُودِ الَّتِي تَكُونُ في مَجامِعِهِنَّ الخاصَّةِ. (p-٤٤٣٤)فالكُفّارُ الَّذِينَ لا يَخْتَلِطُ بِهِمُ المُسْلِمُونَ أوْلى، واللَّهُ أمَرَنا أنْ نَحْكُمَ بَيْنَهم، والنَّبِيُّ ﷺ رَجَمَ الزّانِيَيْنِ مِنَ اليَهُودِ، ومِن غَيْرِ سَماعِ إقْرارٍ مِنهم ولا شَهادَةِ مُسْلِمٍ. ولَوْلا قَبُولُ شَهادَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وفِي تَوَلِّي بَعْضِهِمْ مالَ بَعْضٍ، نِزاعٌ، فَهَلْ يَتَوَلّى الكافِرُ العَدْلُ في دِينِهِ، مالَ ولَدِهِ الكافِرِ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ والصَّوابُ المَقْطُوعُ بِهِ أنَّ بَعْضَهم أوْلى بِبَعْضٍ وقَدْ مَضَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ وسُنَّةُ خُلَفائِهِ.

النور 24:3

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣] ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ . (p-٤٤٤٣)﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ بِعُقُوبَةِ الزّانِيَيْنِ، حَرَّمَ مُناكَحَتَهُما عَلى المُؤْمِنِينَ، هَجْرًا لَهُما ولِما مَعَهُما مِنَ الذُّنُوبِ كَقَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] وجُعِلَ مُجالِسُ فاعِلِ ذَلِكَ المُنْكَرِ، مِثْلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] وهو زَوْجٌ لَهُ قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أيْ: عُشَراءَهم وأشْباهَهم. ولِهَذا يُقالُ: (المُسْتَمِعُ شَرِيكُ المُغْتابِ )، ورُفِعَ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ قَوْمٌ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ. وكانَ فِيهِمْ جَلِيسٌ لَهم صائِمٌ، فَقالَ ابْدَءُوا بِهِ في الجَلْدِ ألَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، فَإذا كانَ هَذا في المُجالَسَةِ والعِشْرَةِ العارِضَةِ حِينَ فِعْلِهِمُ المُنْكَرَ، يَكُونُ مُجالِسُهم مِثْلًا لَهم، فَكَيْفَ بِالعِشْرَةِ الدّائِمَةِ: و(الزَّوْجُ ) يُقالُ لَهُ: العَشِيرُ. كَما في الحَدِيثِ ««ويَكْفُرْنَ العَشِيرَ»» وأُخْبِرَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ. أمّا المُشْرِكُ فَلا إيمانَ لَهُ يَزْجُرُهُ عَنِ الفَواحِشِ ومُجامَعَةِ أهْلِها. وأمّا الزّانِي فَفُجُورُهُ يَدْعُوهُ إلى ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا. وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ الزّانِيَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مُطْلَقِ الإيمانِ. وإنْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا كَما في الصَّحِيحِ ««لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ»» وذَلِكَ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ لا يَنْكِحُ الزّانِيَةَ إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فَعُلِمَ أنَّ الإيمانَ يَمْنَعُ مِنهُ. وأنَّ فاعِلَهُ إمّا مُشْرِكٌ وإمّا زانٍ، لَيْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَمْنَعُهم إيمانُهم مِن ذَلِكَ. وذَلِكَ أنَّ المُزاناةَ فِيها فَسادُ فِراشِ الرَّجُلِ وفي مُناكَحَتِها مُعاشَرَةُ الفاجِرَةِ دائِمًا. واللَّهُ قَدْ أمَرَ بِهَجْرِ السُّوءِ وأهْلِهِ ما دامُوا عَلَيْهِ. وهَذا مَوْجُودٌ في الزّانِي. فَإنَّهُ إنْ لَمْ يُفْسِدْ فِراشَ امْرَأتِهِ كانَ قَرِينَ سُوءٍ لَها، كَما قالَ الشَّعْبِيُّ: مَن زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ مِن فاسِقٍ، فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَها. وهَذا مِمّا يُدْخِلُ المَرْأةَ ضِرارًا في دِينِها ودُنْياها. فَنِكاحُ الزّانِيَةِ أشَدُّ مِن جِهَةِ الفِراشِ. ونِكاحُ الزّانِي أشَدُّ مِن جِهَةِ أنَّهُ السَّيِّدُ المالِكُ الحاكِمُ. فَتَبْقى المَرْأةُ الحُرَّةُ العَفِيفَةُ في أسْرِ الفاجِرِ الزّانِي الَّذِي يُقَصِّرُ في حُقُوقِها، ويَعْتَدِي عَلَيْها، ولِهَذا اتَّفَقُوا عَلى اعْتِبارِ الكَفاءَةِ في الدِّينِ، وعَلى (p-٤٤٤٤)ثُبُوَتِ الفَسْخِ بِفَواتِ هَذِهِ الكَفاءَةِ. واخْتَلَفُوا في صِحَّةِ النِّكاحِ بِدُونِ ذَلِكَ. فَإنَّ مَن نَكَحَ زانِيَةً فَقَدْ رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالقِيادَةِ والدِّياثَةِ. ومَن نَكَحَتْ زانِيًا فَهو لا يُحْصِنُ ماءَهُ، بَلْ يَضَعُهُ فِيها وفي غَيْرِها مِنَ البَغايا. فَهي بِمَنزِلَةِ المُتَّخِذَةِ خِدْنًا. فَإنَّ مَقْصُودَ النِّكاحِ حِفْظُ الماءِ في المَرْأةِ. وهَذا لا يَحْفَظُ ماءَهُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ شَرَطَ في الرِّجالِ أنْ يَكُونُوا مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ، فَقالَ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي إغْفالُهُ. فَإنَّ القُرْآنَ قَدْ قَصَّهُ وبَيَّنَهُ بَيانًا مَفْرُوضًا. كَما قالَ تَعالى: ﴿سُورَةٌ أنْـزَلْناها وفَرَضْناها﴾ [النور: ١] فَأمّا تَحْرِيمُ نِكاحِ الزّانِيَةِ فَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ الفُقَهاءُ. وفِيهِ آثارٌ عَنِ السَّلَفِ. ولَيْسَ مَعَ مَن أباحَهُ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وقَدِ ادَّعى بَعْضُهم أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وزَعَمُوا أنَّ البَغِيَّ مِنَ المُحْصَناتِ. وتِلْكَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ أقَلَّ ما في الإحْصانِ العِفَّةُ. وإذا اشْتَرَطَ فِيهِ الحُرِّيَّةَ، فَذاكَ تَكْمِيلٌ لِلْعِفَّةِ والإحْصانِ. ومَن حَرَّمَ نِكاحَ الأمَةِ لِئَلّا يَرِقَّ ولَدُهُ، فَكَيْفَ يُبِيحُ البَغِيَّ الَّذِي يَلْحَقُ بِهِ مَن لَيْسَ بِوَلَدِهِ ؟ وأيْنَ فَسادُ فِراشِهِ مِن رِقِّ ولَدِهِ ؟ وكَذَلِكَ مَن زَعَمَ أنَّ النِّكاحَ هُنا هو الوَطْءُ وهَذا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ. فَمَن وطِئَ زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً بِنِكاحٍ، فَهو زانٍ. وكَذَلِكَ مَن وطِئَها زانٍ. فَإنَّ ذَمَّ الزّانِي بِفِعْلِهِ الَّذِي هو الزِّنى. حَتّى لَوِ اسْتَكْرَهَها أوِ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وهو نائِمٌ كانَتِ العُقُوبَةُ لِلزّانِي دُونَ قَرِينِهِ. والمَقْصُودُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الزّانِيَ لا يَتَزَوَّجُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً. وأنَّ ذَلِكَ حَرامٌ عَلى المُؤْمِنِينَ. ولَيْسَ هَذا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ فاجِرًا، بَلْ لِخُصُوصِيَّةِ كَوْنِهِ زانِيًا. وكَذَلِكَ في المَرْأةِ. لَيْسَ بِمُجَرَّدِ فُجُورِها، بَلْ لِخُصُوصِ زِناها، بِدَلِيلِ أنَّهُ جَعَلَ المَرْأةَ زانِيَةً إذا تَزَوَّجَتْ زانِيًا كَما جَعَلَهُ زانِيًا إذا تَزَوَّجَ زانِيَةً. وهَذا إذا كانا مُسْلِمَيْنِ يَعْتَقِدانِ تَحْرِيمَ الزِّنى. وإلّا إنْ كانا مُشِكَّيْنِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ. ومَضْمُونُهُ أنَّ الزّانِيَ لا يَجُوزُ إنْكاحُهُ حَتّى يَتُوبَ. وذَلِكَ يُوافِقُ اشْتِراطُهُ الإحْصانَ، والمَرْأةُ الزّانِيَةُ لا تُحْصِنُ فَرْجَها. ولِهَذا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفْيُ الوَلَدِ الَّذِي لَيْسَ مِنهُ. فَمَن نَكَحَ زانِيَةً (p-٤٤٤٥)فَهُوَ زانٍ، أيْ: تَزَوَّجَها. ومَن نَكَحَتْ زانِيًا فَهي زانِيَةٌ، أيْ: تَزَوَّجَتْهُ. فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الزُّناةِ قَصَرُوا أنْفُسَهم عَلى الزَّوانِي، فَتَكُونُ خِدْنًا لَهُ لا يَأْتِي غَيْرَها، فَإنَّ الرَّجُلَ إذا كانَ زانِيًا لا يُعِفُّ امْرَأتَهُ فَتَتَشَوَّقُ إلى غَيْرِهِ فَتَزْنِي كَما هو الغالِبُ عَلى نِساءِ الزّانِي ومَن يَلُوطُ بِالصِّبْيانِ. فَإنَّ نِساءَهم يَزْنِينَ لِيَقْضِينَ إرَبَهُنَّ ولِيُراغِمْنَ أزْواجَهُنَّ. ولِهَذا يُقالُ: عِفُّوا تَعِفُّ نِساؤُكم. وبِرُّوا آباءَكم تَبِرُّكم أبْناؤُكم. فَكَما تَدِينُ تُدانُ، والجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ، ومِن عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَها. فَإنَّ الرَّجُلَ إذا رَضِيَ أنْ يَنْكِحَ زانِيَةً، رَضِيَ بِأنْ تَزْنِيَ امْرَأتُهُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَوَدَّةً ورَحْمَةً. فَأحَدُهُما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ما يُحِبُّ لِلْآخَرِ. فَإذا رَضِيَتِ المَرْأةُ أنْ تَنْكِحَ زانِيًا فَقَدْ رَضِيَتْ عَمَلَهُ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ. ومَن رَضِيَ بِالزِّنى فَهو بِمَنزِلَةِ الزّانِي، فَإنَّ أصْلَ الفِعْلِ هو الإرادَةُ. ولِهَذا في الأثَرِ: مَن غابَ مِن مَعْصِيَةٍ فَرَضِيَها كانَ كَمَن شَهِدَها. وفي الحَدِيثِ: ««المَرْءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ»» وأعْظَمُ الخَلَّةِ خَلَّةُ الزَّوْجَيْنِ. وأيْضًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ في نُفُوسِ بَنِي آدَمَ مِنَ الغَيْرَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَيَسْتَعْظِمُ الرَّجُلُ أنْ يَطَأ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ، أعْظَمَ مِن غَيْرَتِهِ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَزْنِيَ. فَإذا لَمْ يَكْرَهْ أنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ بَغِيًّا وهو دَيُّوثًا، كَيْفَ يَكْرَهُ أنْ يَكُونَ هو زانِيًا ؟ ولِهَذا لَمْ يُوجَدْ مَن هو دَيُّوثٌ أوْ قَوّادٌ يَعِفُّ عَنِ الزِّنى، فَإنَّ الزِّنى لَهُ شَهْوَةٌ في نَفْسِهِ. والدَّيُّوثُ لَهُ شَهْوَةٌ في زِنى غَيْرِهِ. فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إيمانٌ يَكْرَهُ مِن زَوْجَتِهِ ذَلِكَ، كَيْفَ يَكُونُ مَعَهُ إيمانٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الزِّنى ؟ فَمَنِ اسْتَحَلَّ أنْ يَتْرُكَ امْرَأتَهُ تَزْنِي، اسْتَحَلَّ أعْظَمَ الزِّنى. ومَن أعانَ عَلى ذَلِكَ فَهو كالزّانِي. ومَن أقَرَّ عَلَيْهِ، ما إمْكانُ تَغْيِيرِهِ، فَقَدْ رَضِيَهُ. ومَن تَزَوَّجَ غَيْرَ تائِبَةٍ فَقَدْ رَضِيَ أنْ تَزْنِيَ. إذْ لا يُمْكِنُهُ مَنعُها. فَإنَّ كَيْدَهُنَّ عَظِيمٌ. ولِهَذا جازَ لَهُ، إذا أتَتْ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، أنْ يَعْضُلَها لِتَفْتَدِيَ. لِأنَّها بِزِناها طَلَبَتِ الِاخْتِلاعَ مِنهُ وتَعَرَّضَتْ لِإفْسادِ نِكاحِهِ. فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ المُقامُ مَعَها حَتّى تَتُوبَ. ولا يَسْقُطُ المَهْرُ بِمُجَرَّدِ زِناها. كَما دَلَّ عَلَيْهِ «قَوْلُهُ ﷺ لِلْمَلاعِنِ (لَمّا قالَ مالِي )، قالَ: «لا مالَ لَكَ عِنْدَها (p-٤٤٤٦)إنْ كُنْتَ صادِقًا فَهو بِما اسْتَحْلَلْتَ مِن فَرْجِها»»، وإنْ كُنْتَ كاذِبًا عَلَيْها فَذاكَ أبْعَدُ وأبْعَدُ لَكَ مِنها؛ لِأنَّها إذا زَنَتْ قَدْ تَتُوبُ. لَكِنَّ زِناها يُبِيحُ إعْضالَها حَتّى تَفْتَدِيَ إنِ اخْتارَتْ فِراقَهُ، أوْ تَتُوبَ. وفي الغالِبِ أنَّ الرَّجُلَ لا يَزْنِي بِغَيْرِ امْرَأتِهِ، إلّا إذا أعْجَبَهُ ذَلِكَ الغَيْرُ. فَلا يَزالُ بِما يُعْجِبُهُ، فَتَبْقى امْرَأتُهُ بِمَنزِلَةِ المُعَلَّقَةِ. لا هي أيِّمٌ ولا ذاتُ زَوْجٍ. فَيَدْعُوها ذَلِكَ إلى الزِّنى، ويَكُونُ الباعِثُ لَها مُقابَلَةَ زَوْجِها عَلى وجْهِ القَصاصِ. فَإذا كانَ مِنَ العادِينَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أحْصَنَ نَفْسَهُ. وأيْضًا فَإنَّ داعِيَةَ الزّانِي تَشْتَغِلُ بِما يَخْتارُهُ مِنَ البَغايا، فَلا تَبْقى داعِيَتُهُ إلى الحَلالِ تامَّةً، ولا غَيْرَتُهُ كافِيَةً في إحْصانِهِ المَرْأةَ، فَتَكُونُ عِنْدَهُ كالزّانِيَةِ المُتَّخَذَةِ خِدْنًا، وهَذِهِ مَعانٍ شَرِيفَةٌ لا يَنْبَغِي إهْمالُها. وعَلى هَذا، فالمُساحِقَةُ زانِيَةٌ، كَما في الحَدِيثِ: ««زِنى النِّساءِ سِحاقُهُنَّ»» والَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ زانٍ، فَلا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً. ولِهَذا يَكْثُرُ في نِساءِ اللُّوطِيِّ مَن تَزْنِي، ورُبَّما زَنَتْ بِمَن يَتَلَوَّطُ بِهِ مُراغَمَةً لَهُ وقَضاءً لِوَطَرِها. وكَذَلِكَ المُتَزَوِّجَةُ بِمُخَنَّثٍ يُنْكَحُ كَما تُنْكَحُ، هي مُتَزَوِّجَةٌ بِزانٍ، بَلْ هو أسْوَأُ الشَّخْصَيْنِ حالًا. فَإنَّهُ مَعَ الزِّنى صارَ مَلْعُونًا عَلى نَفْسِهِ لِلتَّخْنِيثِ، غَيْرَ اللَّعْنَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ مَن يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ. وفي الصَّحِيحِ «أنَّهُ لَعَنَ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجالِ والمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّساءِ» . وكَيْفَ يَجُوزُ لَها أنْ تَتَزَوَّجَ بِمُخَنَّثٍ قَدِ انْتَقَلَتْ شَهْوَتُهُ إلى دُبُرِهِ ؟ فَهو يُؤْتى كَما تُؤْتى المَرْأةُ. وتَضْعُفُ داعِيَتُهُ مِن أمامِهِ كَما تَضْعُفُ داعِيَةُ الزّانِي بِغَيْرِ امْرَأتِهِ عَنْها. فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرَةٌ عَلى نَفْسِهِ، ضَعُفَتْ غَيْرَتُهُ عَلى امْرَأتِهِ وغَيْرِها. ولِهَذا يُوجَدُ مَن كانَ مُخَنَّثًا لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ غَيْرَةٍ عَلى ولَدِهِ ومَمْلُوكِهِ ومَن يَكْفُلُهُ، والمَرْأةُ إذا رَضِيَتْ بِالمُخَنَّثِ واللُّوطِيِّ، كانَتْ عَلى دِينِهِ، فَتَكُونُ زانِيَةً، وأبْلَغَ. فَإنَّ تَمْكِينَ المَرْأةِ مِن نَفْسِها أسْهَلُ مِن تَمْكِينِ الرَّجُلِ مِن نَفْسِهِ. فَإذا رَضِيَتْ ذَلِكَ مِن زَوْجِها رَضِيَتْهُ مِن نَفْسِها. (p-٤٤٤٧)ولَفْظُ الآيَةِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾ يَتَناوَلُ هَذا كُلَّهُ بِطَرِيقِ عُمُومِ اللَّفْظِ، أوْ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ. وفَحْوى الخِطابِ الَّذِي هو أقْوى مِن مَدْلُولِ اللَّفْظِ. وأدْنى مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ القِياسِ، كَما بَيَّنّاهُ في حَدِّ اللُّوطِيِّ وغَيْرِهِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وكُلُّهُ تَأْيِيدٌ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أحْمَدُ مِن أنَّهُ لا يَصِحُّ العَقْدُ مِنَ الرَّجُلِ العَفِيفِ عَلى المَرْأةِ البَغِيِّ، ما دامَتْ كَذَلِكَ، فَإنْ تابَتْ صَحَّ العَقْدُ عَلَيْها، وإلّا فَلا. وكَذَلِكَ لا يَصِحُّ تَزْوِيجُ المَرْأةِ الحُرَّةِ العَفِيفَةِ بِالرَّجُلِ الفاجِرِ المُسافِحِ حَتّى يَتُوبَ تَوْبَةً صَحِيحَةً. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ كَما فَضَّلَهُ تَقِيُّ الدِّينِ. وقَدْ رَوى هُنا الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ آثارًا مَرْفُوعَةً ومَوْقُوفَةً، كُلُّها مُؤَكِّدَةٌ لِهَذا. ثُمَّ قالَ بَعْدَها: فَأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ عِنْدِي امْرَأةً مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ، وهي لا تَمْنَعُ يَدَ لامِسٍ. قالَ: «طَلِّقْها» قالَ: لا صَبْرَ لِي عَنْها. قالَ: «اسْتَمْتِعْ بِها»» . فَقالَ النَّسائِيُّ: هَذا الحَدِيثُ غَيْرُ ثابِتٍ. وعَبْدُ الكَرِيمِ أحَدُ رُواتِهِ ضَعِيفُ الحَدِيثِ لَيْسَ بِالقَوِيِّ. وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: هو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما أرادَ أنَّها سَخِيَّةٌ لا تَمْنَعُ سائِلًا. وحَكاهُ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ. فَقالَ: وقِيلَ: سَخِيَّةٌ تُعْطِي. ورُدَّ هَذا بِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ لَقالَ: لا تَرُدُّ يَدَ مُلْتَمِسٍ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ سَجِيَّتَها لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، لا أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا واقِعٌ مِنها، وأنَّها تَفْعَلُ الفاحِشَةَ. فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يَأْذَنُ في مُصاحَبَةِ مَن هَذِهِ صِفَتُها، فَإنَّ زَوْجَها والحالَةُ هَذِهِ يَكُونُ دَيُّوثًا، وقَدْ تَقَدَّمَ الوَعِيدُ عَلى ذَلِكَ. ولَكِنْ لَمّا كانَتْ سَجِيَّتُها هَكَذا لَيْسَ فِيها مُمانَعَةٌ ولا مُخالَفَةٌ لِمَن أرادَها لَوْ خَلا بِها أحَدٌ، أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفِراقِها. فَلَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يُحِبُّها أباحَ البَقاءَ مَعَها. لِأنَّ مَحَبَّتَهُ لَها مُحَقَّقَةٌ. ووُقُوعَ الفاحِشَةِ مِنها مُتَوَهَّمٌ، فَلا يُصارُ إلى الضَّرَرِ العاجِلِ لِلتَّوَهُّمِ الآجِلِ. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى. (p-٤٤٤٨)لَطِيفَةٌ: سِرُّ تَقْدِيمِ (الزّانِيَةِ ) في الآيَةِ الأُولى و(الزّانِي ) في الثّانِيَةِ: أنَّ الأُولى في حُكْمِ الزِّنى والأصْلُ فِيهِ المَرْأةُ لِما يَبْدُو مِنها مِنَ الإيماضِ والإطْماعِ. والثّانِيَةُ في نِكاحِ الزُّناةِ إذا وقَعَ ذَلِكَ عَلى الصِّحَّةِ. والأصْلُ في النِّكاحِ الذُّكُورُ، وهُمُ المُبْتَدِئُونَ بِالخِطْبَةِ، فَلَمْ يُسْنَدْ إلّا لَهم، لِهَذا وإنْ كانَ الغَرَضُ مِنَ الآيَةِ تَنْفِيرَ الأعِفّاءِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ، مِن مُناكَحَةِ الزُّناةِ ذُكُورًا وإناثًا، زَجْرًا لَهم عَنِ الفاحِشَةِ، ولِذَلِكَ قَرَنَ الزِّنى والشِّرْكَ. ومِن ثَمَّ كَرِهَمالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مُناكَحَةَ المَشْهُورِينَ بِالفاحِشَةِ، وقَدْ نَقَلَ أصْحابُهُ الإجْماعَ في المَذْهَبِ عَلى أنَّ لِلْمَرْأةِ أوْ لِمَن قامَ مِن أوْلِيائِها فَسْخَ نِكاحِ الفاسِقِ. ومالِكٌ أبْعَدُ النّاسِ مِنَ اعْتِبارِ الكَفاءَةِ إلّا في الدِّينِ. وأمّا في النَّسَبِ فَقَدْ بَلَغَهُ أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَ عَرَبِيَّةٍ ومَوْلى، فاسْتَعْظَمَهُ وتَلا: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] انْتَهى كَلامُ النّاصِرِ في (الِانْتِصافِ ") ومُرادُ السَّلَفِ بِالكَراهَةِ، ما تُعْرَفُ بِالكَراهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ. فَيَقْرُبُ بِذَلِكَ مَذْهَبُ المالِكِيَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حُكْمَ جَلْدِ القاذِفِ لِلْمُحْصَنَةِ، وهي الحُرَّةُ البالِغَةُ العَفِيفَةُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:

النور 24:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤ - ٥] ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] . ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ أيْ: يَقْذِفُونَ بِالزِّنى: ﴿المُحْصَناتِ﴾ أيِ: المُسْلِماتِ الحَرائِرَ العاقِلاتِ (p-٤٤٤٩)البالِغاتِ العَفِيفاتِ عَنِ الزِّنى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ أيْ: يَشْهَدُونَ عَلى ما رَمَوْهُنَّ بِهِ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ الرّامِينَ. وتَخْصِيصُ النِّساءِ لِخُصُوصِ الواقِعَةِ، ولِأنَّ قَذْفَهُنَّ أغْلَبُ وأشْنَعُ. وإلّا فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ أيْ: في أيْ: واقِعَةٍ كانَتْ، لِظُهُورِ كَذِبِهِمْ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيْ: لِخُرُوجِهِمْ عَمّا وجَبَ عَلَيْهِمْ مِن رِعايَةِ حُقُوقِ المُحْصَناتِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور: ٥] أيِ: القَذْفِ: ﴿وأصْلَحُوا﴾ [النور: ٥] أيْ: أعْمالَهم: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] أيْ: بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وعَفْوِهِ عَنْهم. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: ذَكَرَ تَعالى عَدَدَ الشُّهَداءِ وأطْلَقَ صِفَتَهم ولَمْ يُقَيِّدْهم بِكَوْنِهِمْ (مِنّا ) ولا (مِمَّنْ نَرْضى ) ولا (مِن ذَوِي العَدْلِ ) ولِهَذا تَنازَعُوا: هَلْ شَهادَةُ الأرْبَعَةِ الَّتِي لا تُوجِبُ الحَدَّ مِثْلُ شَهادَةِ أهْلِ الفُسُوقِ ؟ هَلْ تَدْرَأُ الحَدَّ عَنِ القاذِفِ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما تَدْرَأُ كَشَهادَةِ الزَّوْجِ عَلى امْرَأتِهِ أرْبَعًا. فَإنَّها تَدْرَأُ حَدَّ القَذْفِ ولا تُوجِبُ الحَدَّ عَلى المَرْأةِ. ولَوْ لَمْ تَشْهَدِ المَرْأةُ، فَهَلْ تُحَدُّ أوْ تُحْبَسُ حَتّى تُقِرَّ أوْ تُلاعِنَ، أوْ يُخَلّى سَبِيلُها ؟ فِيهِ نِزاعٌ. فَلا يَلْزَمُ مِن دَرْءِ الحَدِّ عَنِ القاذِفِ، وُجُوبُ حَدِّ الزِّنى فَإنَّ كِلاهُما حَدٌّ. والحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ. وأرْبَعُ شَهاداتٍ لِلْقاذِفِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ، ولَوِ اعْتَرَفَ المَقْذُوفُ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا دُرِئَ الحَدُّ عَنِ القاذِفِ ولَمْ يَجِبِ الحَدُّ عَلَيْهِ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ ولَوْ كانَ المَقْذُوفُ غَيْرَ مُحْصَنٍ، مِثْلَ أنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالفاحِشَةِ، لَمْ يُحَدَّ قاذِفُهُ حَدَّ القَذْفِ. ولَمْ يُحَدَّ هو حَدُّ الزِّنى بِمُجَرَّدِ الِاسْتِفاضَةِ. وإنْ كانَ يُعاقَبُ كُلٌّ مِنهُما دُونَ الحَدِّ. ولا يُقامُ حَدُّ الزِّنى عَلى مُسْلِمٍ إلّا بِشَهادَةِ مُسْلِمِينَ. لَكِنْ يُقالُ لَمْ يُقَيِّدْهم بِالعَدالَةِ، وقَدْ أمَرَنا اللَّهُ أنْ نَحْمِلَ الشَّهادَةَ المُحْتاجَ إلَيْها لِأهْلِ العَدْلِ والرِّضا وهُمُ المُمْتَثِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا (p-٤٤٥٠)ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣] فَهم يَقُومُونَ بِها بِالقِسْطِ لِلَّهِ، فَيَحْصُلُ مَقْصُودُ الَّذِي اسْتَشْهَدُوهُ. والوَجْهُ الثّانِي: كَوْنُ شَهادَتِهِمْ مَقْبُولَةً لِأنَّهم أهْلُ العَدْلِ والرِّضا. فَدَلَّ عَلى وُجُوبِ ذَلِكَ في القَبُولِ والأداءِ. وقَدْ نَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ قَبُولِ شَهادَةِ الفاسِقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] لَكِنَّ هَذا نَصٌّ في أنَّ الفاسِقَ الواحِدَ يَجِبُ التَّبَيُّنُ في خَبَرِهِ. وأمّا الفاسِقانِ فَصاعِدًا. فالدَّلالَةُ عَلَيْهِ تَحْتاجُ إلى مُقَدِّمَةٍ أُخْرى، وما ذَكَرَهُ مِن عَدَدِ الشُّهُودِ لا يَتَعَيَّنُ في الحُكْمِ بِاتِّفاقِ العُلَماءِ في مَواضِعَ. وعِنْدَ الجُمْهُورِ يُحْكَمُ بِلا شُهُودٍ في مَواضِعَ عِنْدَ النُّكُولِ والرَّدِّ ونَحْوِ ذَلِكَ. ونَحْكُمُ بِشاهِدٍ ويَمِينٍ كَما مَضَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْتَبِرْ عِنْدَ الأداءِ هَذا القَيْدَ، لا في آيَةِ الزِّنى، ولا في آيَةِ القَذْفِ. بَلْ قالَ: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وإنَّما أمَرَ بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ خَبَرِ الفاسِقِ الواحِدِ، ولَمْ يَأْمُرْ بِهِ عِنْدَ خَبَرِ الفاسِقِينَ. فَإنَّ خَبَرَ الِاثْنَيْنِ يُوجِبُ مِنَ الِاعْتِقادِ ما لا يُوجِبُهُ خَبَرُ الواحِدِ. ولِهَذا قالَ العُلَماءُ: إذا اسْتَرابَ الحاكِمُ في الشُّهُودِ، فَرَّقَهم وسَألَهم عَمّا تَبَيَّنَ بِهِ اتِّفاقُهم واخْتِلافُهم. انْتَهى. الثّانِي: قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ "): ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَهادَةَ القَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ تُقْبَلُ. ويَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الفِسْقِ. سَواءٌ كانَ بَعْدَ إقامَةِ الحَدِّ أوْ قَبْلَهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥] رَوى البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ: فَمَن تابَ فَشَهادَتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تُقْبَلُ. وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أبَدًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ ما دامَ مُصِرًّا عَلى قَذْفِهِ. لِأنَّ (أبَدَ كُلِّ شَيْءٍ ) عَلى ما يَلِيقُ بِهِ. كَما لَوْ قِيلَ: لا تُقْبَلُ شَهادَةُ الكافِرِ أبَدًا، فَإنَّ المُرادَ ما دامَ مُصِرًّا عَلى الكُفْرِ. وبالَغَ الشَّعْبِيُّ فَقالَ: إنْ تابَ القاذِفُ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ، سَقَطَ عَنْهُ. وذَهَبَتِ الحَنَفِيَّةُ إلى (p-٤٤٥١)أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَتَعَلَّقُ بِالفِسْقِ خاصَّةً. فَإذا تابَ سَقَطَ عَنْهُ اسْمُ الفِسْقِ، وأمّا شَهادَتُهُ فَلا تُقْبَلُ أبَدًا. وقالَ بِذَلِكَ بَعْضُ التّابِعِينَ. انْتَهى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ ونَظْمُها، أنْ تَكُونَ الجُمَلُ الثَّلاثُ بِمَجْمُوعِهِنَّ جَزاءَ الشَّرْطِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن قَذَفَ المُحْصَناتِ فاجْلِدُوهم، ورُدُّوا شَهادَتَهم وفَسِّقُوهم. أيْ: فاجْمَعُوا لَهُمُ الجَلْدَ والرَّدَّ والتَّفْسِيقَ، إلّا الَّذِينَ تابُوا عَنِ القَذْفِ وأصْلَحُوا، فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم، فَيَنْقَلِبُونَ غَيْرَ مَجْلُودِينَ ولا مَرْدُودِينَ ولا مُفَسَّقِينَ. انْتَهى. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في (كِتابِ الشَّهاداتِ ) في بابِ شَهادَةِ القاذِفِ والسّارِقِ والزّانِي، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أنَّهُ جَلَدَ أبا بَكْرَةَ وشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ ونافِعًا، بِقَذْفِ المُغِيرَةِ بِالزِّنى، لَمّا شَهِدُوا بِأنَّهم رَأوْهُ مُتَبَطِّنَ المَرْأةِ. ولَمْ يَبُتَّ زِيادٌ الشَّهادَةَ. ثُمَّ اسْتَتابَهم وقالَ: مَن تابَ قَبِلْتُ شَهادَتَهُ. وفي رِوايَةٍ قالَ لَهم: مَن أكْذَبَ نَفْسَهُ قَبِلْتُ شَهادَتَهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ. ومَن لَمْ يَفْعَلْ، لَمْ أُجِزْ شَهادَتَهُ. فَأكْذَبَ شِبْلٌ نَفْسَهُ ونافِعٌ. وأبى أبُو بَكْرَةَ أنْ يَرْجِعَ. قالَ المُهَلِّبُ: يُسْتَنْبَطُ مِن هَذا؛ أنَّ إكْذابَ القاذِفِ نَفْسَهُ لَيْسَ شَرْطًا في قَبُولِ تَوْبَتِهِ. لِأنَّ أبا بَكْرَةَ لَمْ يُكَذِّبْ نَفْسَهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَبْلَ المُسْلِمُونَ رِوايَتَهُ وعَمِلُوا بِها. الثّالِثُ: قالَ الرّازِيُّ: اخْتَلَفُوا في أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ القَذْفِ كَيْفَ تَكُونُ ؟ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّوْبَةُ مِنهُ إكْذابُهُ نَفْسَهُ، واخْتَلَفَ أصْحابُهُ في مَعْناهُ. فَقالَ الإصْطَخْرِيُّ: يَقُولُ كَذَبْتُ فِيما قُلْتُ فَلا أعُودُ لِمِثْلِهِ. وقالَ أبُو إسْحاقَ: لا يَقُولُ كَذَبْتُ لِأنَّهُ رُبَّما يَكُونُ صادِقًا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (كَذَبْتُ ) كَذِبًا، والكَذِبُ مَعْصِيَةٌ، والإتْيانُ بِالمَعْصِيَةِ لا يَكُونُ تَوْبَةً عَنْ مَعْصِيَةٍ أُخْرى، بَلْ يَقُولُ: القَذْفُ باطِلٌ. نَدِمْتُ عَلى ما قُلْتُ، ورَجَعْتُ عَنْهُ، ولا أعُودُ إلَيْهِ. الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأصْلَحُوا﴾ [النور: ٥] قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ، لا بُدَّ مِن مُضِيِّ مُدَّةٍ عَلَيْهِ في حُسْنِ الحَلِّ، حَتّى تُقْبَلَ شَهادَتُهُ وتَعُودَ وِلايَتُهُ. ثُمَّ قَدَّرُوا تِلْكَ المُدَّةَ بِسَنَةٍ (p-٤٤٥٢)حَتّى تَمُرَّ عَلَيْهِ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، الَّتِي تَتَغَيَّرُ فِيها الأحْوالُ والطِّباعُ. كَما يُضْرَبُ لِلْعِنِّينِ أجَلُ سَنَةٍ. وقَدْ عَلَّقَ الشَّرْعُ أحْكامًا بِالسَّنَةِ مِنَ الزَّكاةِ والجِزْيَةِ وغَيْرِهِما. انْتَهى. وقالَ الغَزالِيُّ في (الوَجِيزِ ") يَكْفِيهِ أنْ يَقُولَ: تُبْتُ ولا أعُودُ. إلّا إذا أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالكَذِبِ، فَهو فاسِقٌ، يَجِبُ اسْتِبْراؤُهُ كَكُلِّ فاسِقٍ يَقُولُ: تُبْتُ. فَإنَّهُ لا يُصَدَّقُ حَتّى يُسْتَبْرَأ مُدَّةً فَيُعْلَمُ بِقَرائِنِ الأحْوالِ صَلاحُ سَرِيرَتِهِ. انْتَهى. وبِهِ يُعْلَمُ أنَّ التَّقْدِيرَ بِسَنَةٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلِ المَدارُ عَلى عِلْمِ صَلاحِهِ وظُهُورِ اسْتِقامَتِهِ، ولَوْ عَلى أثَرِ الحَدِّ. قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ مِن طَرِيقِ حَصِينِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: رَأيْتُ رَجُلًا جُلِدَ حَدًّا في قَذْفٍ بِالزِّنى. فَلَمّا فُرِغَ مِن ضَرْبِهِ أحْدَثَ تَوْبَةً. فَلَقِيتُ أبا الزِّنادِ فَقالَ لِي: الأمْرُ عِنْدَنا بِالمَدِينَةِ؛ إذا رَجَعَ القاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ، فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، قُبِلَتْ شَهادَتُهُ وعَلَّقَهُ البُخارِيُّ. الخامِسُ: نَنْقُلُ هُنا ما أجْمَلَهُ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ ") مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأحْكامِ الآيَةِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: في هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ القَذْفِ، وأنَّهُ فِسْقٌ، وأنَّ القاذِفَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ، وأنَّهُ يُجْلَدُ ثَمانِينَ إذا قَذَفَ مُحْصَنَةً أيْ: عَفِيفَةً. ومَفْهُومُهُ أنَّهُ إذا قَذَفَ مَن عُرِفَتْ بِالزِّنى لا يُحَدُّ لِلْقَذْفِ. ويُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ وفِيها أنَّ الزِّنى لا يُقْبَلُ فِيهِ إلّا أرْبَعَةُ رِجالٍ، لا أقَلَّ. ولا نِساءَ. وسَواءٌ شَهِدُوا مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ. واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن قالَ: يُحَدُّ العَبْدُ أيْضًا ثَمانِينَ. ومَن قالَ: يُحَدُّ قاذِفُ الكافِرِ والرَّقِيقُ وغَيْرُ البالِغِ والمَجْنُونُ ووَلَدُهُ. واحْتَجَّ بِها عَلى أنَّ مَن قَذَفَ نَفْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ لا يُحَدُّ لِنَفْسِهِ. لِأنَّهُ لَمْ يَرُحْ أحَدًا واسْتَدَلَّ بِها مَن قالَ: إنَّ حَدَّ القَذْفِ مِن حُقُوقِ اللَّهِ، فَلا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْهُ. انْتَهى. ثُمَّ رَأيْتُ لِشَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، تَحْقِيقًا في بَحْثِ قَبُولِ الشَّهادَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، جَدِيرًا بِأنْ يُؤَثِّرَ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ نَصٌّ في أنَّ هَؤُلاءِ القَذْفَةَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم أبَدًا. واحِدًا كانُوا أوْ عَدَدًا. بَلْ لَفْظُ الآيَةِ يَنْتَظِمُ العَدَدَ عَلى سَبِيلِ (p-٤٤٥٣)الجَمْعِ والبَدَلِ، لِأنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الإفْكِ بِاتِّفاقِ أهْلِ العِلْمِ والحَدِيثِ والفِقْهِ والتَّفْسِيرِ. وكانَ الَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ عَدَدًا، ولَمْ يَكُونُوا واحِدًا لَمّا رَأوْها قَدِمَتْ صُحْبَةَ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ، بَعْدَ قُفُولِ العَسْكَرِ، وكانَتْ قَدْ ذَهَبَتْ تَطْلُبُ قِلادَةً لَها فُقِدَتْ، فَرَفَعُوا هَوْدَجَها مُعْتَقِدِينَ أنَّها فِيهِ لِخِفَّتِها، ولَمْ تَكُنْ فِيهِ. فَلَمّا رَجَعَتْ لَمْ تَجِدْ أحَدًا فَمَكَثَتْ مَكانَها. وكانَ صَفْوانُ قَدْ تَخَلَّفَ وراءَ الجَيْشِ. فَلَمّا رَآها أعْرَضَ بِوَجْهِهِ عَنْها وأناخَ راحِلَتَهُ حَتّى رَكِبَتْها. ثُمَّ ذَهَبَ إلى العَسْكَرِ فَكانَتْ خَلْوَتُهُ بِها لِلضَّرُورَةِ. كَما يَجُوزُ لِلْمَرْأةِ أنْ تُسافِرَ بِلا مَحْرَمٍ لِلضَّرُورَةِ كَسَفَرِ الهِجْرَةِ مِثْلَ ما قَدِمَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ مُهاجِرَةً وقِصَّةِ عائِشَةَ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القاذِفِينَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم مُجْتَمِعِينَ ولا مُتَفَرِّقِينَ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ شَهادَتَهم بَعْدَ التَّوْبَةِ مَقْبُولَةٌ كَما هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. فَإنَّهُ كانَ مِن جُمْلَتِهِمْ مِسْطَحٌ وحَسّانُ وحَمْنَةُ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ ﷺ لَمْ يَرُدَّ شَهادَةَ أحَدٍ مِنهم، ولا المُسْلِمُونَ بَعْدَهُ لِأنَّهُ كُلُّهم تابُوا لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ بِبَراءَتِها. ومَن لَمْ يَتُبْ حِينَئِذٍ، فَإنَّهُ كافِرٌ مُكَذِّبٌ بِالقُرْآنِ. وهَؤُلاءِ ما زالُوا مُسْلِمِينَ وقَدْ نَهى اللَّهُ عَنْ قَطْعِ صِلَتِهِمْ. ولَوْ رُدَّتْ شَهادَتُهم بَعْدَ التَّوْبَةِ لاسْتَفاضَ ذَلِكَ كَما اسْتَفاضَ رَدُّ عَمَرَ شَهادَةَ أبِي بَكْرَةَ. وقِصَّةُ عائِشَةَ أعْظَمُ مِن قِصَّةِ المُغِيرَةِ. لَكِنَّ مَن رَدَّ شَهادَةِ القاذِفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ يَقُولُ: أرُدُّ شَهادَةَ مَن حُدَّ في القَذْفِ. وهَؤُلاءِ لَمْ يُحَدُّوا. والأوَّلُونَ يُجِيبُونَ بِأجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ رُوِيَ في السُّنَنِ أنَّهم حُدُّوا. الثّانِي: أنَّ هَذا الشَّرْطَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في ظاهِرِ القُرْآنِ، وهم لا يَقُولُونَ بِهِ. الثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ اعْتَبَرُوا الحَدَّ واعْتَبَرُوهُ وقالُوا: قَدْ يَكُونُ القاذِفُ صادِقًا وقَدْ يَكُونُ كاذِبًا. فَإعْراضُ المَقْذُوفِ عَنْ طَلَبِ الحَدِّ قَدْ يَكُونُ لِصِدْقِ القاذِفِ. فَإذا طَلَبَهُ ولَمْ يَأْتِ القاذِفُ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ ظَهَرَ كَذِبُهُ. ومَعْلُومٌ أنَّ الَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ ظَهَرَ كَذِبُهم أعْظَمَ مِن ظُهُورِ كَذِبِ كُلِّ أحَدٍ. فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو الَّذِي بَرَّأها بِكَلامِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ يُتْلى، فَإذا كانَتْ شَهادَتُهم مَقْبُولَةً، فَغَيْرُهم أوْلى. وقِصَّةُ عُمَرَ الَّتِي حَكَمَ فِيها بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، في شَأْنِ المُغِيرَةِ، دَلِيلٌ عَلى الفَصْلَيْنِ جَمِيعًا. لَمّا تَوَقَّفَ الرّابِعُ فَجَلَدَ الثَّلاثَةَ دُونَهُ ورَدَّ شَهادَتَهم لِأنَّ اثْنَيْنِ مِنَ الثَّلاثَةِ تابا فَقَبِلَ شَهادَتَهُما. والثّالِثُ، هو أبُو بَكْرَةَ، مَعَ كَوْنِهِ مِن أفْضَلِهِمْ، لَمْ يَتُبْ (p-٤٤٥٤)فَلَمْ يَقْبَلِ المُسْلِمُونَ شَهادَتَهُ. وقَدْ قالَ عُمَرُ: تُبْ أقْبَلْ شَهادَتَكَ. لَكِنْ إذا كانَ القُرْآنُ قَدْ بَيَّنَ أنَّهم إنْ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهم أبَدًا، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥] فَمَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَهُ: { هُمُ الفاسِقُونَ } وصْفُ ذَمٍّ لَهم زائِدٌ عَلى رَدِّ الشَّهادَةِ. وأمّا تَفْسِيرُ العَدالَةِ فَإنَّها الصَّلاحُ في الدِّينِ والمُرُوءَةُ. وإذا وُجِدَ هَذا في شَخْصٍ كانَ عَدْلًا في شَهادَتِهِ وكانَ مِنَ الصّالِحِينَ، وأمّا أنَّهُ لا يُسْتَشْهَدُ أحَدٌ في وصِيَّةٍ ولا رَجْعَةَ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ حَتّى يَكُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَلَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، بَلْ هَذا صِفَةُ المُؤْمِنِ الَّذِي أكْمَلَ إيمانَهُ بِأداءِ الواجِباتِ وإنْ كانَ المُسْتَحَبّاتُ لَمْ يُكْمِلْها. ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مِن أوْلِياءِ اللَّهِ المُتَّقِينَ. ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِهَذا قَدْ يُفَسِّرُونَ الواجِباتِ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ ونَحْوِها، بَلْ قَدْ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ مِن حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ عِبادِهِ ما لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ، مِمّا يَكُونُ تَرْكُهُ أعْظَمَ إثْمًا مِن شُرْبِ الخَمْرِ والزِّنى ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلُوهُ قادِحًا في عَدالَتِهِ، إمّا لِعَدَمِ اسْتِشْعارِ كَثْرَةِ الواجِباتِ، وإمّا لِالتِفافِهِمْ إلى تَرْكِ السَّيِّئاتِ دُونَ فِعْلِ الواجِباتِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الشَّرِيعَةِ. وبِالجُمْلَةِ، فَهَذا مُعْتَبَرٌ في بابِ الثَّوابِ والعِقابِ والمَدْحِ والذَّمِّ والمُوالاةِ والمُعاداةِ، وهَذا أمْرٌ عَظِيمٌ. وبابُ الشَّهادَةِ مَدارُهُ عَلى أنْ يَكُونَ الشَّهِيدُ مَرْضِيًّا، أوْ يَكُونُ ذا عَدْلٍ بِتَحَرِّي القِسْطِ والعَدْلِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. والصِّدْقُ في شَهادَتِهِ وخَبَرِهِ. وكَثِيرًا ما يُوجَدُ هَذا مَعَ الإخْلالِ بِكَثِيرٍ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ. كَما أنَّ الصِّفاتِ الَّتِي اعْتَبَرُوها كَثِيرًا ما تُوجَدُ بِدُونِ هَذا كَما قَدْ رَأيْنا كُلَّ واحِدٍ مِنَ الصِّنْفَيْنِ كَثِيرًا. لَكِنْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ الصِّدْقِ والعَدْلِ والمَقْصُودُ مِنَ الشَّهادَةِ ودَلِيلٌ عَلَيْها وعَلامَةٌ لَها. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ: ««عَلَيْكم بِالصِّدْقِ فَإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ والبِرَّ يَهْدِي (p-٤٤٥٥)إلى الجَنَّةِ.».» الحَدِيثَ. فالصِّدْقُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْبِرِّ، كَما أنَّ الكَذِبَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْفُجُورِ. فَإذا وُجِدَ المَلْزُومُ، وهو تَحَرِّي الصِّدْقِ، وُجِدَ اللّازِمُ وهو البِرُّ. وإذا انْتَفى اللّازِمُ وهو البِرُّ انْتَفى المَلْزُومُ وهو الصِّدْقُ. وإذا وُجِدَ الكَذِبُ وهو المَلْزُومُ وُجِدَ الفُجُورُ وهو اللّازِمُ. وإذا انْتَفى اللّازِمُ وهو الفُجُورُ انْتَفى المَلْزُومُ وهو الكَذِبُ، ولِهَذا يُسْتَدَلُّ بِعَدَمِ بِرِّ الرَّجُلِ عَلى كَذِبِهِ. وبِعَدَمِ فُجُورِهِ عَلى صِدْقِهِ. فالعَدْلُ الَّذِي ذَكَرُوهُ؛ مَنِ انْتَفى فُجُورُهُ. وهو إتْيانُ الكَبِيرَةِ والإصْرارُ عَلى الصَّغِيرَةِ. وإذا انْتَفى ذَلِكَ فِيهِ، انْتَفى كَذِبُهُ الَّذِي يَدْعُوهُ إلى الفُجُورِ. والفاسِقُ هو مِن عُدِمَ بِرُّهُ، وإذا عُدِمَ بِرُّهُ عُدِمَ صِدْقُهُ. ودَلالَةُ هَذا الحَدِيثِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ إلى البِرِّ يَسْتَلْزِمُ البِرَّ، والدّاعِيَ إلى الفُجُورِ يَسْتَلْزِمُ الفُجُورَ. فالخَطَأُ كالنِّسْيانِ والعَمْدِ كالكَذِبِ. انْتَهى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حُكْمَ الرّامِينَ لِأزْواجِهِ خاصَّةً، بَعْدَ بَيانِ حُكْمِ الرّامِينَ بِغَيْرِهِنَّ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤ - ٥] ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] . ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ أيْ: يَقْذِفُونَ بِالزِّنى: ﴿المُحْصَناتِ﴾ أيِ: المُسْلِماتِ الحَرائِرَ العاقِلاتِ (p-٤٤٤٩)البالِغاتِ العَفِيفاتِ عَنِ الزِّنى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ أيْ: يَشْهَدُونَ عَلى ما رَمَوْهُنَّ بِهِ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ الرّامِينَ. وتَخْصِيصُ النِّساءِ لِخُصُوصِ الواقِعَةِ، ولِأنَّ قَذْفَهُنَّ أغْلَبُ وأشْنَعُ. وإلّا فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ أيْ: في أيْ: واقِعَةٍ كانَتْ، لِظُهُورِ كَذِبِهِمْ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيْ: لِخُرُوجِهِمْ عَمّا وجَبَ عَلَيْهِمْ مِن رِعايَةِ حُقُوقِ المُحْصَناتِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور: ٥] أيِ: القَذْفِ: ﴿وأصْلَحُوا﴾ [النور: ٥] أيْ: أعْمالَهم: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] أيْ: بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وعَفْوِهِ عَنْهم. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: ذَكَرَ تَعالى عَدَدَ الشُّهَداءِ وأطْلَقَ صِفَتَهم ولَمْ يُقَيِّدْهم بِكَوْنِهِمْ (مِنّا ) ولا (مِمَّنْ نَرْضى ) ولا (مِن ذَوِي العَدْلِ ) ولِهَذا تَنازَعُوا: هَلْ شَهادَةُ الأرْبَعَةِ الَّتِي لا تُوجِبُ الحَدَّ مِثْلُ شَهادَةِ أهْلِ الفُسُوقِ ؟ هَلْ تَدْرَأُ الحَدَّ عَنِ القاذِفِ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما تَدْرَأُ كَشَهادَةِ الزَّوْجِ عَلى امْرَأتِهِ أرْبَعًا. فَإنَّها تَدْرَأُ حَدَّ القَذْفِ ولا تُوجِبُ الحَدَّ عَلى المَرْأةِ. ولَوْ لَمْ تَشْهَدِ المَرْأةُ، فَهَلْ تُحَدُّ أوْ تُحْبَسُ حَتّى تُقِرَّ أوْ تُلاعِنَ، أوْ يُخَلّى سَبِيلُها ؟ فِيهِ نِزاعٌ. فَلا يَلْزَمُ مِن دَرْءِ الحَدِّ عَنِ القاذِفِ، وُجُوبُ حَدِّ الزِّنى فَإنَّ كِلاهُما حَدٌّ. والحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ. وأرْبَعُ شَهاداتٍ لِلْقاذِفِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ، ولَوِ اعْتَرَفَ المَقْذُوفُ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا دُرِئَ الحَدُّ عَنِ القاذِفِ ولَمْ يَجِبِ الحَدُّ عَلَيْهِ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ ولَوْ كانَ المَقْذُوفُ غَيْرَ مُحْصَنٍ، مِثْلَ أنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالفاحِشَةِ، لَمْ يُحَدَّ قاذِفُهُ حَدَّ القَذْفِ. ولَمْ يُحَدَّ هو حَدُّ الزِّنى بِمُجَرَّدِ الِاسْتِفاضَةِ. وإنْ كانَ يُعاقَبُ كُلٌّ مِنهُما دُونَ الحَدِّ. ولا يُقامُ حَدُّ الزِّنى عَلى مُسْلِمٍ إلّا بِشَهادَةِ مُسْلِمِينَ. لَكِنْ يُقالُ لَمْ يُقَيِّدْهم بِالعَدالَةِ، وقَدْ أمَرَنا اللَّهُ أنْ نَحْمِلَ الشَّهادَةَ المُحْتاجَ إلَيْها لِأهْلِ العَدْلِ والرِّضا وهُمُ المُمْتَثِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا (p-٤٤٥٠)ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣] فَهم يَقُومُونَ بِها بِالقِسْطِ لِلَّهِ، فَيَحْصُلُ مَقْصُودُ الَّذِي اسْتَشْهَدُوهُ. والوَجْهُ الثّانِي: كَوْنُ شَهادَتِهِمْ مَقْبُولَةً لِأنَّهم أهْلُ العَدْلِ والرِّضا. فَدَلَّ عَلى وُجُوبِ ذَلِكَ في القَبُولِ والأداءِ. وقَدْ نَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ قَبُولِ شَهادَةِ الفاسِقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] لَكِنَّ هَذا نَصٌّ في أنَّ الفاسِقَ الواحِدَ يَجِبُ التَّبَيُّنُ في خَبَرِهِ. وأمّا الفاسِقانِ فَصاعِدًا. فالدَّلالَةُ عَلَيْهِ تَحْتاجُ إلى مُقَدِّمَةٍ أُخْرى، وما ذَكَرَهُ مِن عَدَدِ الشُّهُودِ لا يَتَعَيَّنُ في الحُكْمِ بِاتِّفاقِ العُلَماءِ في مَواضِعَ. وعِنْدَ الجُمْهُورِ يُحْكَمُ بِلا شُهُودٍ في مَواضِعَ عِنْدَ النُّكُولِ والرَّدِّ ونَحْوِ ذَلِكَ. ونَحْكُمُ بِشاهِدٍ ويَمِينٍ كَما مَضَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْتَبِرْ عِنْدَ الأداءِ هَذا القَيْدَ، لا في آيَةِ الزِّنى، ولا في آيَةِ القَذْفِ. بَلْ قالَ: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وإنَّما أمَرَ بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ خَبَرِ الفاسِقِ الواحِدِ، ولَمْ يَأْمُرْ بِهِ عِنْدَ خَبَرِ الفاسِقِينَ. فَإنَّ خَبَرَ الِاثْنَيْنِ يُوجِبُ مِنَ الِاعْتِقادِ ما لا يُوجِبُهُ خَبَرُ الواحِدِ. ولِهَذا قالَ العُلَماءُ: إذا اسْتَرابَ الحاكِمُ في الشُّهُودِ، فَرَّقَهم وسَألَهم عَمّا تَبَيَّنَ بِهِ اتِّفاقُهم واخْتِلافُهم. انْتَهى. الثّانِي: قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ "): ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَهادَةَ القَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ تُقْبَلُ. ويَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الفِسْقِ. سَواءٌ كانَ بَعْدَ إقامَةِ الحَدِّ أوْ قَبْلَهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥] رَوى البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ: فَمَن تابَ فَشَهادَتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تُقْبَلُ. وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أبَدًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ ما دامَ مُصِرًّا عَلى قَذْفِهِ. لِأنَّ (أبَدَ كُلِّ شَيْءٍ ) عَلى ما يَلِيقُ بِهِ. كَما لَوْ قِيلَ: لا تُقْبَلُ شَهادَةُ الكافِرِ أبَدًا، فَإنَّ المُرادَ ما دامَ مُصِرًّا عَلى الكُفْرِ. وبالَغَ الشَّعْبِيُّ فَقالَ: إنْ تابَ القاذِفُ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ، سَقَطَ عَنْهُ. وذَهَبَتِ الحَنَفِيَّةُ إلى (p-٤٤٥١)أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَتَعَلَّقُ بِالفِسْقِ خاصَّةً. فَإذا تابَ سَقَطَ عَنْهُ اسْمُ الفِسْقِ، وأمّا شَهادَتُهُ فَلا تُقْبَلُ أبَدًا. وقالَ بِذَلِكَ بَعْضُ التّابِعِينَ. انْتَهى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ ونَظْمُها، أنْ تَكُونَ الجُمَلُ الثَّلاثُ بِمَجْمُوعِهِنَّ جَزاءَ الشَّرْطِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن قَذَفَ المُحْصَناتِ فاجْلِدُوهم، ورُدُّوا شَهادَتَهم وفَسِّقُوهم. أيْ: فاجْمَعُوا لَهُمُ الجَلْدَ والرَّدَّ والتَّفْسِيقَ، إلّا الَّذِينَ تابُوا عَنِ القَذْفِ وأصْلَحُوا، فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم، فَيَنْقَلِبُونَ غَيْرَ مَجْلُودِينَ ولا مَرْدُودِينَ ولا مُفَسَّقِينَ. انْتَهى. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في (كِتابِ الشَّهاداتِ ) في بابِ شَهادَةِ القاذِفِ والسّارِقِ والزّانِي، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أنَّهُ جَلَدَ أبا بَكْرَةَ وشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ ونافِعًا، بِقَذْفِ المُغِيرَةِ بِالزِّنى، لَمّا شَهِدُوا بِأنَّهم رَأوْهُ مُتَبَطِّنَ المَرْأةِ. ولَمْ يَبُتَّ زِيادٌ الشَّهادَةَ. ثُمَّ اسْتَتابَهم وقالَ: مَن تابَ قَبِلْتُ شَهادَتَهُ. وفي رِوايَةٍ قالَ لَهم: مَن أكْذَبَ نَفْسَهُ قَبِلْتُ شَهادَتَهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ. ومَن لَمْ يَفْعَلْ، لَمْ أُجِزْ شَهادَتَهُ. فَأكْذَبَ شِبْلٌ نَفْسَهُ ونافِعٌ. وأبى أبُو بَكْرَةَ أنْ يَرْجِعَ. قالَ المُهَلِّبُ: يُسْتَنْبَطُ مِن هَذا؛ أنَّ إكْذابَ القاذِفِ نَفْسَهُ لَيْسَ شَرْطًا في قَبُولِ تَوْبَتِهِ. لِأنَّ أبا بَكْرَةَ لَمْ يُكَذِّبْ نَفْسَهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَبْلَ المُسْلِمُونَ رِوايَتَهُ وعَمِلُوا بِها. الثّالِثُ: قالَ الرّازِيُّ: اخْتَلَفُوا في أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ القَذْفِ كَيْفَ تَكُونُ ؟ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّوْبَةُ مِنهُ إكْذابُهُ نَفْسَهُ، واخْتَلَفَ أصْحابُهُ في مَعْناهُ. فَقالَ الإصْطَخْرِيُّ: يَقُولُ كَذَبْتُ فِيما قُلْتُ فَلا أعُودُ لِمِثْلِهِ. وقالَ أبُو إسْحاقَ: لا يَقُولُ كَذَبْتُ لِأنَّهُ رُبَّما يَكُونُ صادِقًا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (كَذَبْتُ ) كَذِبًا، والكَذِبُ مَعْصِيَةٌ، والإتْيانُ بِالمَعْصِيَةِ لا يَكُونُ تَوْبَةً عَنْ مَعْصِيَةٍ أُخْرى، بَلْ يَقُولُ: القَذْفُ باطِلٌ. نَدِمْتُ عَلى ما قُلْتُ، ورَجَعْتُ عَنْهُ، ولا أعُودُ إلَيْهِ. الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأصْلَحُوا﴾ [النور: ٥] قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ، لا بُدَّ مِن مُضِيِّ مُدَّةٍ عَلَيْهِ في حُسْنِ الحَلِّ، حَتّى تُقْبَلَ شَهادَتُهُ وتَعُودَ وِلايَتُهُ. ثُمَّ قَدَّرُوا تِلْكَ المُدَّةَ بِسَنَةٍ (p-٤٤٥٢)حَتّى تَمُرَّ عَلَيْهِ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، الَّتِي تَتَغَيَّرُ فِيها الأحْوالُ والطِّباعُ. كَما يُضْرَبُ لِلْعِنِّينِ أجَلُ سَنَةٍ. وقَدْ عَلَّقَ الشَّرْعُ أحْكامًا بِالسَّنَةِ مِنَ الزَّكاةِ والجِزْيَةِ وغَيْرِهِما. انْتَهى. وقالَ الغَزالِيُّ في (الوَجِيزِ ") يَكْفِيهِ أنْ يَقُولَ: تُبْتُ ولا أعُودُ. إلّا إذا أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالكَذِبِ، فَهو فاسِقٌ، يَجِبُ اسْتِبْراؤُهُ كَكُلِّ فاسِقٍ يَقُولُ: تُبْتُ. فَإنَّهُ لا يُصَدَّقُ حَتّى يُسْتَبْرَأ مُدَّةً فَيُعْلَمُ بِقَرائِنِ الأحْوالِ صَلاحُ سَرِيرَتِهِ. انْتَهى. وبِهِ يُعْلَمُ أنَّ التَّقْدِيرَ بِسَنَةٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلِ المَدارُ عَلى عِلْمِ صَلاحِهِ وظُهُورِ اسْتِقامَتِهِ، ولَوْ عَلى أثَرِ الحَدِّ. قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ مِن طَرِيقِ حَصِينِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: رَأيْتُ رَجُلًا جُلِدَ حَدًّا في قَذْفٍ بِالزِّنى. فَلَمّا فُرِغَ مِن ضَرْبِهِ أحْدَثَ تَوْبَةً. فَلَقِيتُ أبا الزِّنادِ فَقالَ لِي: الأمْرُ عِنْدَنا بِالمَدِينَةِ؛ إذا رَجَعَ القاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ، فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، قُبِلَتْ شَهادَتُهُ وعَلَّقَهُ البُخارِيُّ. الخامِسُ: نَنْقُلُ هُنا ما أجْمَلَهُ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ ") مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأحْكامِ الآيَةِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: في هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ القَذْفِ، وأنَّهُ فِسْقٌ، وأنَّ القاذِفَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ، وأنَّهُ يُجْلَدُ ثَمانِينَ إذا قَذَفَ مُحْصَنَةً أيْ: عَفِيفَةً. ومَفْهُومُهُ أنَّهُ إذا قَذَفَ مَن عُرِفَتْ بِالزِّنى لا يُحَدُّ لِلْقَذْفِ. ويُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ وفِيها أنَّ الزِّنى لا يُقْبَلُ فِيهِ إلّا أرْبَعَةُ رِجالٍ، لا أقَلَّ. ولا نِساءَ. وسَواءٌ شَهِدُوا مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ. واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن قالَ: يُحَدُّ العَبْدُ أيْضًا ثَمانِينَ. ومَن قالَ: يُحَدُّ قاذِفُ الكافِرِ والرَّقِيقُ وغَيْرُ البالِغِ والمَجْنُونُ ووَلَدُهُ. واحْتَجَّ بِها عَلى أنَّ مَن قَذَفَ نَفْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ لا يُحَدُّ لِنَفْسِهِ. لِأنَّهُ لَمْ يَرُحْ أحَدًا واسْتَدَلَّ بِها مَن قالَ: إنَّ حَدَّ القَذْفِ مِن حُقُوقِ اللَّهِ، فَلا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْهُ. انْتَهى. ثُمَّ رَأيْتُ لِشَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، تَحْقِيقًا في بَحْثِ قَبُولِ الشَّهادَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، جَدِيرًا بِأنْ يُؤَثِّرَ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ نَصٌّ في أنَّ هَؤُلاءِ القَذْفَةَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم أبَدًا. واحِدًا كانُوا أوْ عَدَدًا. بَلْ لَفْظُ الآيَةِ يَنْتَظِمُ العَدَدَ عَلى سَبِيلِ (p-٤٤٥٣)الجَمْعِ والبَدَلِ، لِأنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الإفْكِ بِاتِّفاقِ أهْلِ العِلْمِ والحَدِيثِ والفِقْهِ والتَّفْسِيرِ. وكانَ الَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ عَدَدًا، ولَمْ يَكُونُوا واحِدًا لَمّا رَأوْها قَدِمَتْ صُحْبَةَ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ، بَعْدَ قُفُولِ العَسْكَرِ، وكانَتْ قَدْ ذَهَبَتْ تَطْلُبُ قِلادَةً لَها فُقِدَتْ، فَرَفَعُوا هَوْدَجَها مُعْتَقِدِينَ أنَّها فِيهِ لِخِفَّتِها، ولَمْ تَكُنْ فِيهِ. فَلَمّا رَجَعَتْ لَمْ تَجِدْ أحَدًا فَمَكَثَتْ مَكانَها. وكانَ صَفْوانُ قَدْ تَخَلَّفَ وراءَ الجَيْشِ. فَلَمّا رَآها أعْرَضَ بِوَجْهِهِ عَنْها وأناخَ راحِلَتَهُ حَتّى رَكِبَتْها. ثُمَّ ذَهَبَ إلى العَسْكَرِ فَكانَتْ خَلْوَتُهُ بِها لِلضَّرُورَةِ. كَما يَجُوزُ لِلْمَرْأةِ أنْ تُسافِرَ بِلا مَحْرَمٍ لِلضَّرُورَةِ كَسَفَرِ الهِجْرَةِ مِثْلَ ما قَدِمَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ مُهاجِرَةً وقِصَّةِ عائِشَةَ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القاذِفِينَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم مُجْتَمِعِينَ ولا مُتَفَرِّقِينَ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ شَهادَتَهم بَعْدَ التَّوْبَةِ مَقْبُولَةٌ كَما هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. فَإنَّهُ كانَ مِن جُمْلَتِهِمْ مِسْطَحٌ وحَسّانُ وحَمْنَةُ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ ﷺ لَمْ يَرُدَّ شَهادَةَ أحَدٍ مِنهم، ولا المُسْلِمُونَ بَعْدَهُ لِأنَّهُ كُلُّهم تابُوا لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ بِبَراءَتِها. ومَن لَمْ يَتُبْ حِينَئِذٍ، فَإنَّهُ كافِرٌ مُكَذِّبٌ بِالقُرْآنِ. وهَؤُلاءِ ما زالُوا مُسْلِمِينَ وقَدْ نَهى اللَّهُ عَنْ قَطْعِ صِلَتِهِمْ. ولَوْ رُدَّتْ شَهادَتُهم بَعْدَ التَّوْبَةِ لاسْتَفاضَ ذَلِكَ كَما اسْتَفاضَ رَدُّ عَمَرَ شَهادَةَ أبِي بَكْرَةَ. وقِصَّةُ عائِشَةَ أعْظَمُ مِن قِصَّةِ المُغِيرَةِ. لَكِنَّ مَن رَدَّ شَهادَةِ القاذِفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ يَقُولُ: أرُدُّ شَهادَةَ مَن حُدَّ في القَذْفِ. وهَؤُلاءِ لَمْ يُحَدُّوا. والأوَّلُونَ يُجِيبُونَ بِأجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ رُوِيَ في السُّنَنِ أنَّهم حُدُّوا. الثّانِي: أنَّ هَذا الشَّرْطَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في ظاهِرِ القُرْآنِ، وهم لا يَقُولُونَ بِهِ. الثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ اعْتَبَرُوا الحَدَّ واعْتَبَرُوهُ وقالُوا: قَدْ يَكُونُ القاذِفُ صادِقًا وقَدْ يَكُونُ كاذِبًا. فَإعْراضُ المَقْذُوفِ عَنْ طَلَبِ الحَدِّ قَدْ يَكُونُ لِصِدْقِ القاذِفِ. فَإذا طَلَبَهُ ولَمْ يَأْتِ القاذِفُ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ ظَهَرَ كَذِبُهُ. ومَعْلُومٌ أنَّ الَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ ظَهَرَ كَذِبُهم أعْظَمَ مِن ظُهُورِ كَذِبِ كُلِّ أحَدٍ. فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو الَّذِي بَرَّأها بِكَلامِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ يُتْلى، فَإذا كانَتْ شَهادَتُهم مَقْبُولَةً، فَغَيْرُهم أوْلى. وقِصَّةُ عُمَرَ الَّتِي حَكَمَ فِيها بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، في شَأْنِ المُغِيرَةِ، دَلِيلٌ عَلى الفَصْلَيْنِ جَمِيعًا. لَمّا تَوَقَّفَ الرّابِعُ فَجَلَدَ الثَّلاثَةَ دُونَهُ ورَدَّ شَهادَتَهم لِأنَّ اثْنَيْنِ مِنَ الثَّلاثَةِ تابا فَقَبِلَ شَهادَتَهُما. والثّالِثُ، هو أبُو بَكْرَةَ، مَعَ كَوْنِهِ مِن أفْضَلِهِمْ، لَمْ يَتُبْ (p-٤٤٥٤)فَلَمْ يَقْبَلِ المُسْلِمُونَ شَهادَتَهُ. وقَدْ قالَ عُمَرُ: تُبْ أقْبَلْ شَهادَتَكَ. لَكِنْ إذا كانَ القُرْآنُ قَدْ بَيَّنَ أنَّهم إنْ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهم أبَدًا، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥] فَمَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَهُ: { هُمُ الفاسِقُونَ } وصْفُ ذَمٍّ لَهم زائِدٌ عَلى رَدِّ الشَّهادَةِ. وأمّا تَفْسِيرُ العَدالَةِ فَإنَّها الصَّلاحُ في الدِّينِ والمُرُوءَةُ. وإذا وُجِدَ هَذا في شَخْصٍ كانَ عَدْلًا في شَهادَتِهِ وكانَ مِنَ الصّالِحِينَ، وأمّا أنَّهُ لا يُسْتَشْهَدُ أحَدٌ في وصِيَّةٍ ولا رَجْعَةَ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ حَتّى يَكُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَلَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، بَلْ هَذا صِفَةُ المُؤْمِنِ الَّذِي أكْمَلَ إيمانَهُ بِأداءِ الواجِباتِ وإنْ كانَ المُسْتَحَبّاتُ لَمْ يُكْمِلْها. ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مِن أوْلِياءِ اللَّهِ المُتَّقِينَ. ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِهَذا قَدْ يُفَسِّرُونَ الواجِباتِ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ ونَحْوِها، بَلْ قَدْ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ مِن حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ عِبادِهِ ما لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ، مِمّا يَكُونُ تَرْكُهُ أعْظَمَ إثْمًا مِن شُرْبِ الخَمْرِ والزِّنى ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلُوهُ قادِحًا في عَدالَتِهِ، إمّا لِعَدَمِ اسْتِشْعارِ كَثْرَةِ الواجِباتِ، وإمّا لِالتِفافِهِمْ إلى تَرْكِ السَّيِّئاتِ دُونَ فِعْلِ الواجِباتِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الشَّرِيعَةِ. وبِالجُمْلَةِ، فَهَذا مُعْتَبَرٌ في بابِ الثَّوابِ والعِقابِ والمَدْحِ والذَّمِّ والمُوالاةِ والمُعاداةِ، وهَذا أمْرٌ عَظِيمٌ. وبابُ الشَّهادَةِ مَدارُهُ عَلى أنْ يَكُونَ الشَّهِيدُ مَرْضِيًّا، أوْ يَكُونُ ذا عَدْلٍ بِتَحَرِّي القِسْطِ والعَدْلِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. والصِّدْقُ في شَهادَتِهِ وخَبَرِهِ. وكَثِيرًا ما يُوجَدُ هَذا مَعَ الإخْلالِ بِكَثِيرٍ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ. كَما أنَّ الصِّفاتِ الَّتِي اعْتَبَرُوها كَثِيرًا ما تُوجَدُ بِدُونِ هَذا كَما قَدْ رَأيْنا كُلَّ واحِدٍ مِنَ الصِّنْفَيْنِ كَثِيرًا. لَكِنْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ الصِّدْقِ والعَدْلِ والمَقْصُودُ مِنَ الشَّهادَةِ ودَلِيلٌ عَلَيْها وعَلامَةٌ لَها. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ: ««عَلَيْكم بِالصِّدْقِ فَإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ والبِرَّ يَهْدِي (p-٤٤٥٥)إلى الجَنَّةِ.».» الحَدِيثَ. فالصِّدْقُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْبِرِّ، كَما أنَّ الكَذِبَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْفُجُورِ. فَإذا وُجِدَ المَلْزُومُ، وهو تَحَرِّي الصِّدْقِ، وُجِدَ اللّازِمُ وهو البِرُّ. وإذا انْتَفى اللّازِمُ وهو البِرُّ انْتَفى المَلْزُومُ وهو الصِّدْقُ. وإذا وُجِدَ الكَذِبُ وهو المَلْزُومُ وُجِدَ الفُجُورُ وهو اللّازِمُ. وإذا انْتَفى اللّازِمُ وهو الفُجُورُ انْتَفى المَلْزُومُ وهو الكَذِبُ، ولِهَذا يُسْتَدَلُّ بِعَدَمِ بِرِّ الرَّجُلِ عَلى كَذِبِهِ. وبِعَدَمِ فُجُورِهِ عَلى صِدْقِهِ. فالعَدْلُ الَّذِي ذَكَرُوهُ؛ مَنِ انْتَفى فُجُورُهُ. وهو إتْيانُ الكَبِيرَةِ والإصْرارُ عَلى الصَّغِيرَةِ. وإذا انْتَفى ذَلِكَ فِيهِ، انْتَفى كَذِبُهُ الَّذِي يَدْعُوهُ إلى الفُجُورِ. والفاسِقُ هو مِن عُدِمَ بِرُّهُ، وإذا عُدِمَ بِرُّهُ عُدِمَ صِدْقُهُ. ودَلالَةُ هَذا الحَدِيثِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ إلى البِرِّ يَسْتَلْزِمُ البِرَّ، والدّاعِيَ إلى الفُجُورِ يَسْتَلْزِمُ الفُجُورَ. فالخَطَأُ كالنِّسْيانِ والعَمْدِ كالكَذِبِ. انْتَهى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حُكْمَ الرّامِينَ لِأزْواجِهِ خاصَّةً، بَعْدَ بَيانِ حُكْمِ الرّامِينَ بِغَيْرِهِنَّ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦ - ٧] ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] . ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ أيْ: بِالزِّنى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى: ﴿والخامِسَةُ﴾ [النور: ٧] أيْ: والشَّهادَةُ الخامِسَةُ لِلْأرْبَعِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى. فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ القَذْفِ، ويَجِبُ عَلَيْها الحَدُّ وهو الرَّجْمُ. إلّا إنْ لاعَنَتْ أيْضًا. كَما قالَ سُبْحانَهُ:

النور 24:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦ - ٧] ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] . ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ أيْ: بِالزِّنى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى: ﴿والخامِسَةُ﴾ [النور: ٧] أيْ: والشَّهادَةُ الخامِسَةُ لِلْأرْبَعِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى. فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ القَذْفِ، ويَجِبُ عَلَيْها الحَدُّ وهو الرَّجْمُ. إلّا إنْ لاعَنَتْ أيْضًا. كَما قالَ سُبْحانَهُ:

النور 24:8

(p-٤٤٥٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ١٠] ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] . ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ أيِ: الدُّنْيَوِيَّ وهو الرَّجْمُ: ﴿أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى: ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ﴾ [النور: ٩] أيِ: الزَّوْجُ: ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] أيْ: لَحَرَجْتُمْ ولَشَقَّ عَلَيْكم كَثِيرٌ مِن أُمُورِكم، ولَكِنْ لِرَحْمَتِهِ ولُطْفِهِ، شَرَعَ لَكم مِنَ الفَرَجِ والمَخْرَجَ، ما أنْزَلَهُ وأحْكَمَهُ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها فَرَجٌ لِلْأزْواجِ وزِيادَةُ مَخْرَجٍ، إذا قَذَفَ أحَدُهم زَوْجَتَهُ وتَعَسَّرَ عَلَيْهِ إقامَةُ البَيِّنَةِ، أنْ يُلاعِنَها كَما أمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وهو أنْ يُحْضِرَها إلى الإمامِ فَيَدَّعِيَ عَلَيْها بِما رَماها بِهِ. فَيُحَلِّفُهُ الحاكِمُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ في مُقابَلَةِ أرْبَعَةِ شُهَداءَ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ. أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى. والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ. فَإذا قالَ ذَلِكَ بانَتْ مِنهُ بِنَفْسِ هَذا اللِّعانِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ وطائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُلَماءِ. وحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أبَدًا. ويُعْطِيها مَهْرَها. ويَتَوَجَّهُ عَلَيْها حَدُّ الزِّنى. ولا يَدْرَأُ عَنْها العَذابَ إلّا أنْ تُلاعِنَ فَتَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ. أيْ: فِيما رَماها بِهِ. والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ. الثّانِي: رُوِيَ في الصَّحِيحِ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . وأنَّ «رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: (p-٤٤٥٧)أرَأيْتَ رَجُلًا رَأى مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا، أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ قَضى اللَّهُ فِيكَ وفي امْرَأتِكَ. وتَلا عَلَيْهِ ما نَزَلَ مِن هَذِهِ الآيَةِ. فَتَلاعَنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» . وصَحَّ أيْضًا أنَّها قَدْ وقَعَتْ لِرَجُلَيْنِ سُمِّيا. وقَدِ اخْتَلَفَ شُرّاحُ الصَّحِيحِ في مَعْنى ما رُوِيَ مِن أنَّها نَزَلَتْ فِيهِما مَعًا. وإذا راجَعْتَ ما كَتَبْناهُ في (المُقَدِّمَةِ ) في مَعْنى سَبَبِ النُّزُولِ، زالَ الإشْكالُ فارْجِعْ إلَيْهِ. الثّالِثُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في اللِّعانِ، فَفِيها أنَّ شَرْطَهُ سَبْقُ قَذْفٍ. وأنَّهُ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لا بَيْنَ الرَّجُلِ وأجْنَبِيَّةٍ ولا السَّيِّدِ وأمَتِهِ. واسْتَدَلَّ بِعُمُومِها مَن قالَ بِلِعانِ الكُفّارِ والعَبِيدِ والخِصِيِّ والمَجْبُوبِ والمَحْدُودِ في القَذْفِ والأعْمى والأخْرَسِ، ومِنَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لا تَحْمِلُ والآيِسَةِ. واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] مَن قالَ: لا لِعانَ إذا أقامَ البَيِّنَةَ عَلى زِناها وبِقَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] مَن قالَ: إنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لا يَمِينٌ. وقَوْلُهُ: ﴿أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] إلَخْ فِيهِ أنَّ صِيغَتَهُ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، أرْبَعًا والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ فاسْتَدَلَّ بِهِ مَن لَمْ يُجِزْ إبْدالَ أشْهَدُ (بِأحْلِفُ أوْ أُقْسِمُ ونَحْوَهُ ) أوِ اللَّهِ (بِالرَّحْمَنِ ونَحْوِهِ ) أوْ زادَ (بِعِلْمِ اللَّهِ ونَحْوِهِ ) ومَن لَمْ يُوجِبْ زِيادَةَ: (الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو )، ومَن لَمْ يُجِزْ إسْقاطَ: إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ولا إبْدالُها بِما كَذَبْتُ عَلَيْها ونَحْوِهِ ولا الِاكْتِفاءُ بِدُونِ أرْبَعٍ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، في اكْتِفائِهِ بِثَلاثِ شَهاداتٍ. ولا تَقْدِيمُ اللَّعْنَةِ عَلى الشَّهادَةِ، أوْ تَوَسُّطُها، أوْ إبْدالُها بِالغَضَبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ الآيَةَ، فِيهِ أنَّ لِعانَهُ يُوجِبُ عَلى المَرْأةِ حَدَّ الزِّنى وأنَّ لَها دَفْعَهُ بِأنْ تَقُولَ أرْبَعَ مَرّاتٍ. أشْهَدُ بِاللَّهِ إنَّهُ لِمَنِ الكاذِبِينَ، والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إلَخْ. وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ لا يَجُوزُ لَها أنْ تُبْدِلَ أشْهَدُ (بِأحْلِفُ ) أوِ الغَضَبَ (بِاللَّعْنَةِ ) إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ. واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ لِعانِها عَلى لِعانِهِ. انْتَهى. (p-٤٤٥٨)الرّابِعُ: اعْلَمْ أنَّ الحَدَّ الواجِبَ بِالزِّنى نَوْعانِ: جَلْدٌ ورَجْمٌ. فالجَلْدُ حَدُّ البِكْرَيْنِ الحُرَّيْنِ إذا زَنَيا. فَيُجْلَدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ. وفي تَغْرِيبِهِما سَنَةً، وتَغْرِيبِ الزّانِي وحْدَهُ كَذَلِكَ، خِلافٌ. نَعَمْ، إذا رَآهُ الإمامُ مَصْلَحَةً فَلا خِلافَ في إمْضائِهِ. والرَّجْمُ حَدُّ الزّانِيَيْنِ المُحْصَنَيْنِ. والإحْصانُ عِبارَةٌ عَنِ البُلُوغِ والعَقْلِ والحُرِّيَّةِ والدُّخُولِ في النِّكاحِ الصَّحِيحِ. فَلا يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، بَلْ يُنَكَّلُ بِالرَّجْمِ، لا بِصَخْرَةٍ تُدَفِّفُ، ولا بِحَصَياتٍ تُعَذِّبُ، بَلْ بِحِجارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، كَما في (الوَجِيزِ ") وقَدِ اعْتَرَضَ جَماعَةُ الخَوارِجِ عَلى تَشْرِيعِ الرَّجْمِ في الإسْلامِ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ. فالَّذِي ورَدَ في عِقابِ الزِّنى في القُرْآنِ حُكْمانِ. أحَدُهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ [النساء: ١٦] وهَذا الحُكْمُ قَدْ نُسِخَ - أيْ: بُيِّنَ - بِالحُكْمِ الثّانِي وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] هَذِهِ حُجَّةُ الخَوارِجِ. أمّا حُجَّةُ الإجْماعِ فَهي وُرُودُ الآثارِ الصَّحِيحَةِ الدّالَّةِ عَلى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِرَجْمِ المُحْصَنِ»، وفَعَلَهُ. ورُوِيَ لِذَلِكَ جُمْلَةُ أحادِيثَ وأحْكامٍ عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، كَذا في كِتابِ (المُقابَلاتِ ") وسَبَقَهُ الرّازِيُّ في (تَفْسِيرِهِ ") فَطَوَّلَ النَّفَسَ في سَوْقِ شُبْهَةِ الخَوارِجِ، وأجابَ عَنْها بِما مُلَخَّصُهُ: أنَّ الآيَةَ المَذْكُورَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالبِكْرِ، خَصَّصَها بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ بِالرَّجْمِ، وتَخْصِيصُ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ. فَأوْلى بِالمُتَواتِرِ. وثانِيًا - قالَ - إنَّهُ لا يُسْتَبْعَدُ تَجَدُّدُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ بِحَسَبِ تَجَدُّدِ المَصالِحِ. فَلَعَلَّ المَصْلَحَةَ الَّتِي تَقْتَضِي وُجُوبَ الرَّجْمِ، حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ تِلْكَ الآياتِ. انْتَهى. قالَ صاحِبُ (المُقابَلاتِ "): إنَّ الشَّرِيعَةَ الإسْلامِيَّةَ مُتَّفِقَةٌ مَعَ الشَّرْعِ العِبْرِيِّ في أغْلَبِ أحْكامِ الزِّنى، ولَمْ يَرِدْ في الدِّيانَةِ المَسِيحِيَّةِ نَصٌّ صَرِيحٌ يَنْسَخُ حُكْمَ اليَهُودِيَّةِ في الزِّنى. ولَكِنْ يُرْوى (p-٤٤٥٩)عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ما يُؤْخَذُ مِنهُ ضِمْنًا، عَدَمُ إمْكانِ إقامَةِ حَدِّ الرَّجْمِ. لِأنَّهُ اشْتَرَطَ بَراءَةَ الرّاجِمِينَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، وأمَرَ الزّانِيَةَ، الَّتِي اعْتَرَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ. أمّا حُكْمُ الزِّنى في القَوانِينِ الحَدِيثَةِ فَيُخالِفُ مُخالَفَةً كُلِّيَّةً لِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ، وحُكْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ. وفَّقَنا اللَّهُ لِحِفْظِ حُدُودِهِ، وجَنَّبَنا مَحارِمَهُ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ. التَّنْبِيهُ الرّابِعُ: مِن مَباحِثِ اللَّفْظِ في الآيَةِ أنْ يُقالَ: قَدْ ورَدَتِ الفاصِلَةُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِـ(تَوّابٍ رَحِيمٍ ) فَعَلامَ فُصِلَتْ هُنا بِـ(تَوّابٍ حَكِيمٍ ) مَعَ أنَّ التَّوْبَةَ مَعَ الرَّحْمَةِ، فِيما يَظْهَرُ ؟ و(الجَوابُ ): أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَكَمَ بِالتَّلاعُنِ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي أمَرَ بِها. وأرادَ بِذَلِكَ سَتْرَ هَذِهِ الفاحِشَةِ عَلى عِبادِهِ. وذَلِكَ حِكْمَةٌ مِنهُ. فَفُصِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِـ(تَوّابٍ حَكِيمٍ ) إثْرَ بَيانِ الحُكْمِ. جَمْعًا بَيْنَ التَّوْبَةِ المَرْجُوَّةِ مِن صاحِبِ المَعْصِيَةِ، وبَيْنَ الحِكْمَةِ في سَتْرِها عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ. فافْهَمْ ذَلِكَ. أشارَ لَهُ ابْنُ الأثِيرِ في (المَثَلِ السّائِرِ ") . ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى نَبَأِ الإفْكِ، وتَبْرِئَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:9

(p-٤٤٥٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ١٠] ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] . ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ أيِ: الدُّنْيَوِيَّ وهو الرَّجْمُ: ﴿أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى: ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ﴾ [النور: ٩] أيِ: الزَّوْجُ: ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] أيْ: لَحَرَجْتُمْ ولَشَقَّ عَلَيْكم كَثِيرٌ مِن أُمُورِكم، ولَكِنْ لِرَحْمَتِهِ ولُطْفِهِ، شَرَعَ لَكم مِنَ الفَرَجِ والمَخْرَجَ، ما أنْزَلَهُ وأحْكَمَهُ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها فَرَجٌ لِلْأزْواجِ وزِيادَةُ مَخْرَجٍ، إذا قَذَفَ أحَدُهم زَوْجَتَهُ وتَعَسَّرَ عَلَيْهِ إقامَةُ البَيِّنَةِ، أنْ يُلاعِنَها كَما أمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وهو أنْ يُحْضِرَها إلى الإمامِ فَيَدَّعِيَ عَلَيْها بِما رَماها بِهِ. فَيُحَلِّفُهُ الحاكِمُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ في مُقابَلَةِ أرْبَعَةِ شُهَداءَ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ. أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى. والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ. فَإذا قالَ ذَلِكَ بانَتْ مِنهُ بِنَفْسِ هَذا اللِّعانِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ وطائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُلَماءِ. وحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أبَدًا. ويُعْطِيها مَهْرَها. ويَتَوَجَّهُ عَلَيْها حَدُّ الزِّنى. ولا يَدْرَأُ عَنْها العَذابَ إلّا أنْ تُلاعِنَ فَتَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ. أيْ: فِيما رَماها بِهِ. والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ. الثّانِي: رُوِيَ في الصَّحِيحِ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . وأنَّ «رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: (p-٤٤٥٧)أرَأيْتَ رَجُلًا رَأى مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا، أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ قَضى اللَّهُ فِيكَ وفي امْرَأتِكَ. وتَلا عَلَيْهِ ما نَزَلَ مِن هَذِهِ الآيَةِ. فَتَلاعَنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» . وصَحَّ أيْضًا أنَّها قَدْ وقَعَتْ لِرَجُلَيْنِ سُمِّيا. وقَدِ اخْتَلَفَ شُرّاحُ الصَّحِيحِ في مَعْنى ما رُوِيَ مِن أنَّها نَزَلَتْ فِيهِما مَعًا. وإذا راجَعْتَ ما كَتَبْناهُ في (المُقَدِّمَةِ ) في مَعْنى سَبَبِ النُّزُولِ، زالَ الإشْكالُ فارْجِعْ إلَيْهِ. الثّالِثُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في اللِّعانِ، فَفِيها أنَّ شَرْطَهُ سَبْقُ قَذْفٍ. وأنَّهُ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لا بَيْنَ الرَّجُلِ وأجْنَبِيَّةٍ ولا السَّيِّدِ وأمَتِهِ. واسْتَدَلَّ بِعُمُومِها مَن قالَ بِلِعانِ الكُفّارِ والعَبِيدِ والخِصِيِّ والمَجْبُوبِ والمَحْدُودِ في القَذْفِ والأعْمى والأخْرَسِ، ومِنَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لا تَحْمِلُ والآيِسَةِ. واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] مَن قالَ: لا لِعانَ إذا أقامَ البَيِّنَةَ عَلى زِناها وبِقَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] مَن قالَ: إنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لا يَمِينٌ. وقَوْلُهُ: ﴿أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] إلَخْ فِيهِ أنَّ صِيغَتَهُ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، أرْبَعًا والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ فاسْتَدَلَّ بِهِ مَن لَمْ يُجِزْ إبْدالَ أشْهَدُ (بِأحْلِفُ أوْ أُقْسِمُ ونَحْوَهُ ) أوِ اللَّهِ (بِالرَّحْمَنِ ونَحْوِهِ ) أوْ زادَ (بِعِلْمِ اللَّهِ ونَحْوِهِ ) ومَن لَمْ يُوجِبْ زِيادَةَ: (الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو )، ومَن لَمْ يُجِزْ إسْقاطَ: إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ولا إبْدالُها بِما كَذَبْتُ عَلَيْها ونَحْوِهِ ولا الِاكْتِفاءُ بِدُونِ أرْبَعٍ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، في اكْتِفائِهِ بِثَلاثِ شَهاداتٍ. ولا تَقْدِيمُ اللَّعْنَةِ عَلى الشَّهادَةِ، أوْ تَوَسُّطُها، أوْ إبْدالُها بِالغَضَبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ الآيَةَ، فِيهِ أنَّ لِعانَهُ يُوجِبُ عَلى المَرْأةِ حَدَّ الزِّنى وأنَّ لَها دَفْعَهُ بِأنْ تَقُولَ أرْبَعَ مَرّاتٍ. أشْهَدُ بِاللَّهِ إنَّهُ لِمَنِ الكاذِبِينَ، والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إلَخْ. وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ لا يَجُوزُ لَها أنْ تُبْدِلَ أشْهَدُ (بِأحْلِفُ ) أوِ الغَضَبَ (بِاللَّعْنَةِ ) إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ. واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ لِعانِها عَلى لِعانِهِ. انْتَهى. (p-٤٤٥٨)الرّابِعُ: اعْلَمْ أنَّ الحَدَّ الواجِبَ بِالزِّنى نَوْعانِ: جَلْدٌ ورَجْمٌ. فالجَلْدُ حَدُّ البِكْرَيْنِ الحُرَّيْنِ إذا زَنَيا. فَيُجْلَدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ. وفي تَغْرِيبِهِما سَنَةً، وتَغْرِيبِ الزّانِي وحْدَهُ كَذَلِكَ، خِلافٌ. نَعَمْ، إذا رَآهُ الإمامُ مَصْلَحَةً فَلا خِلافَ في إمْضائِهِ. والرَّجْمُ حَدُّ الزّانِيَيْنِ المُحْصَنَيْنِ. والإحْصانُ عِبارَةٌ عَنِ البُلُوغِ والعَقْلِ والحُرِّيَّةِ والدُّخُولِ في النِّكاحِ الصَّحِيحِ. فَلا يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، بَلْ يُنَكَّلُ بِالرَّجْمِ، لا بِصَخْرَةٍ تُدَفِّفُ، ولا بِحَصَياتٍ تُعَذِّبُ، بَلْ بِحِجارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، كَما في (الوَجِيزِ ") وقَدِ اعْتَرَضَ جَماعَةُ الخَوارِجِ عَلى تَشْرِيعِ الرَّجْمِ في الإسْلامِ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ. فالَّذِي ورَدَ في عِقابِ الزِّنى في القُرْآنِ حُكْمانِ. أحَدُهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ [النساء: ١٦] وهَذا الحُكْمُ قَدْ نُسِخَ - أيْ: بُيِّنَ - بِالحُكْمِ الثّانِي وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] هَذِهِ حُجَّةُ الخَوارِجِ. أمّا حُجَّةُ الإجْماعِ فَهي وُرُودُ الآثارِ الصَّحِيحَةِ الدّالَّةِ عَلى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِرَجْمِ المُحْصَنِ»، وفَعَلَهُ. ورُوِيَ لِذَلِكَ جُمْلَةُ أحادِيثَ وأحْكامٍ عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، كَذا في كِتابِ (المُقابَلاتِ ") وسَبَقَهُ الرّازِيُّ في (تَفْسِيرِهِ ") فَطَوَّلَ النَّفَسَ في سَوْقِ شُبْهَةِ الخَوارِجِ، وأجابَ عَنْها بِما مُلَخَّصُهُ: أنَّ الآيَةَ المَذْكُورَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالبِكْرِ، خَصَّصَها بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ بِالرَّجْمِ، وتَخْصِيصُ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ. فَأوْلى بِالمُتَواتِرِ. وثانِيًا - قالَ - إنَّهُ لا يُسْتَبْعَدُ تَجَدُّدُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ بِحَسَبِ تَجَدُّدِ المَصالِحِ. فَلَعَلَّ المَصْلَحَةَ الَّتِي تَقْتَضِي وُجُوبَ الرَّجْمِ، حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ تِلْكَ الآياتِ. انْتَهى. قالَ صاحِبُ (المُقابَلاتِ "): إنَّ الشَّرِيعَةَ الإسْلامِيَّةَ مُتَّفِقَةٌ مَعَ الشَّرْعِ العِبْرِيِّ في أغْلَبِ أحْكامِ الزِّنى، ولَمْ يَرِدْ في الدِّيانَةِ المَسِيحِيَّةِ نَصٌّ صَرِيحٌ يَنْسَخُ حُكْمَ اليَهُودِيَّةِ في الزِّنى. ولَكِنْ يُرْوى (p-٤٤٥٩)عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ما يُؤْخَذُ مِنهُ ضِمْنًا، عَدَمُ إمْكانِ إقامَةِ حَدِّ الرَّجْمِ. لِأنَّهُ اشْتَرَطَ بَراءَةَ الرّاجِمِينَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، وأمَرَ الزّانِيَةَ، الَّتِي اعْتَرَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ. أمّا حُكْمُ الزِّنى في القَوانِينِ الحَدِيثَةِ فَيُخالِفُ مُخالَفَةً كُلِّيَّةً لِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ، وحُكْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ. وفَّقَنا اللَّهُ لِحِفْظِ حُدُودِهِ، وجَنَّبَنا مَحارِمَهُ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ. التَّنْبِيهُ الرّابِعُ: مِن مَباحِثِ اللَّفْظِ في الآيَةِ أنْ يُقالَ: قَدْ ورَدَتِ الفاصِلَةُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِـ(تَوّابٍ رَحِيمٍ ) فَعَلامَ فُصِلَتْ هُنا بِـ(تَوّابٍ حَكِيمٍ ) مَعَ أنَّ التَّوْبَةَ مَعَ الرَّحْمَةِ، فِيما يَظْهَرُ ؟ و(الجَوابُ ): أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَكَمَ بِالتَّلاعُنِ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي أمَرَ بِها. وأرادَ بِذَلِكَ سَتْرَ هَذِهِ الفاحِشَةِ عَلى عِبادِهِ. وذَلِكَ حِكْمَةٌ مِنهُ. فَفُصِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِـ(تَوّابٍ حَكِيمٍ ) إثْرَ بَيانِ الحُكْمِ. جَمْعًا بَيْنَ التَّوْبَةِ المَرْجُوَّةِ مِن صاحِبِ المَعْصِيَةِ، وبَيْنَ الحِكْمَةِ في سَتْرِها عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ. فافْهَمْ ذَلِكَ. أشارَ لَهُ ابْنُ الأثِيرِ في (المَثَلِ السّائِرِ ") . ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى نَبَأِ الإفْكِ، وتَبْرِئَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:10

(p-٤٤٥٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٨ - ١٠] ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] . ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ أيِ: الدُّنْيَوِيَّ وهو الرَّجْمُ: ﴿أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى: ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ﴾ [النور: ٩] أيِ: الزَّوْجُ: ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] أيْ: لَحَرَجْتُمْ ولَشَقَّ عَلَيْكم كَثِيرٌ مِن أُمُورِكم، ولَكِنْ لِرَحْمَتِهِ ولُطْفِهِ، شَرَعَ لَكم مِنَ الفَرَجِ والمَخْرَجَ، ما أنْزَلَهُ وأحْكَمَهُ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها فَرَجٌ لِلْأزْواجِ وزِيادَةُ مَخْرَجٍ، إذا قَذَفَ أحَدُهم زَوْجَتَهُ وتَعَسَّرَ عَلَيْهِ إقامَةُ البَيِّنَةِ، أنْ يُلاعِنَها كَما أمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وهو أنْ يُحْضِرَها إلى الإمامِ فَيَدَّعِيَ عَلَيْها بِما رَماها بِهِ. فَيُحَلِّفُهُ الحاكِمُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ في مُقابَلَةِ أرْبَعَةِ شُهَداءَ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ. أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنى. والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ. فَإذا قالَ ذَلِكَ بانَتْ مِنهُ بِنَفْسِ هَذا اللِّعانِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ وطائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُلَماءِ. وحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أبَدًا. ويُعْطِيها مَهْرَها. ويَتَوَجَّهُ عَلَيْها حَدُّ الزِّنى. ولا يَدْرَأُ عَنْها العَذابَ إلّا أنْ تُلاعِنَ فَتَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ. أيْ: فِيما رَماها بِهِ. والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ. الثّانِي: رُوِيَ في الصَّحِيحِ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . وأنَّ «رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: (p-٤٤٥٧)أرَأيْتَ رَجُلًا رَأى مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا، أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ قَضى اللَّهُ فِيكَ وفي امْرَأتِكَ. وتَلا عَلَيْهِ ما نَزَلَ مِن هَذِهِ الآيَةِ. فَتَلاعَنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» . وصَحَّ أيْضًا أنَّها قَدْ وقَعَتْ لِرَجُلَيْنِ سُمِّيا. وقَدِ اخْتَلَفَ شُرّاحُ الصَّحِيحِ في مَعْنى ما رُوِيَ مِن أنَّها نَزَلَتْ فِيهِما مَعًا. وإذا راجَعْتَ ما كَتَبْناهُ في (المُقَدِّمَةِ ) في مَعْنى سَبَبِ النُّزُولِ، زالَ الإشْكالُ فارْجِعْ إلَيْهِ. الثّالِثُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في اللِّعانِ، فَفِيها أنَّ شَرْطَهُ سَبْقُ قَذْفٍ. وأنَّهُ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لا بَيْنَ الرَّجُلِ وأجْنَبِيَّةٍ ولا السَّيِّدِ وأمَتِهِ. واسْتَدَلَّ بِعُمُومِها مَن قالَ بِلِعانِ الكُفّارِ والعَبِيدِ والخِصِيِّ والمَجْبُوبِ والمَحْدُودِ في القَذْفِ والأعْمى والأخْرَسِ، ومِنَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لا تَحْمِلُ والآيِسَةِ. واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] مَن قالَ: لا لِعانَ إذا أقامَ البَيِّنَةَ عَلى زِناها وبِقَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] مَن قالَ: إنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لا يَمِينٌ. وقَوْلُهُ: ﴿أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] إلَخْ فِيهِ أنَّ صِيغَتَهُ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، أرْبَعًا والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ فاسْتَدَلَّ بِهِ مَن لَمْ يُجِزْ إبْدالَ أشْهَدُ (بِأحْلِفُ أوْ أُقْسِمُ ونَحْوَهُ ) أوِ اللَّهِ (بِالرَّحْمَنِ ونَحْوِهِ ) أوْ زادَ (بِعِلْمِ اللَّهِ ونَحْوِهِ ) ومَن لَمْ يُوجِبْ زِيادَةَ: (الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو )، ومَن لَمْ يُجِزْ إسْقاطَ: إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ولا إبْدالُها بِما كَذَبْتُ عَلَيْها ونَحْوِهِ ولا الِاكْتِفاءُ بِدُونِ أرْبَعٍ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، في اكْتِفائِهِ بِثَلاثِ شَهاداتٍ. ولا تَقْدِيمُ اللَّعْنَةِ عَلى الشَّهادَةِ، أوْ تَوَسُّطُها، أوْ إبْدالُها بِالغَضَبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ الآيَةَ، فِيهِ أنَّ لِعانَهُ يُوجِبُ عَلى المَرْأةِ حَدَّ الزِّنى وأنَّ لَها دَفْعَهُ بِأنْ تَقُولَ أرْبَعَ مَرّاتٍ. أشْهَدُ بِاللَّهِ إنَّهُ لِمَنِ الكاذِبِينَ، والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إلَخْ. وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ لا يَجُوزُ لَها أنْ تُبْدِلَ أشْهَدُ (بِأحْلِفُ ) أوِ الغَضَبَ (بِاللَّعْنَةِ ) إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ. واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ لِعانِها عَلى لِعانِهِ. انْتَهى. (p-٤٤٥٨)الرّابِعُ: اعْلَمْ أنَّ الحَدَّ الواجِبَ بِالزِّنى نَوْعانِ: جَلْدٌ ورَجْمٌ. فالجَلْدُ حَدُّ البِكْرَيْنِ الحُرَّيْنِ إذا زَنَيا. فَيُجْلَدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ. وفي تَغْرِيبِهِما سَنَةً، وتَغْرِيبِ الزّانِي وحْدَهُ كَذَلِكَ، خِلافٌ. نَعَمْ، إذا رَآهُ الإمامُ مَصْلَحَةً فَلا خِلافَ في إمْضائِهِ. والرَّجْمُ حَدُّ الزّانِيَيْنِ المُحْصَنَيْنِ. والإحْصانُ عِبارَةٌ عَنِ البُلُوغِ والعَقْلِ والحُرِّيَّةِ والدُّخُولِ في النِّكاحِ الصَّحِيحِ. فَلا يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، بَلْ يُنَكَّلُ بِالرَّجْمِ، لا بِصَخْرَةٍ تُدَفِّفُ، ولا بِحَصَياتٍ تُعَذِّبُ، بَلْ بِحِجارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، كَما في (الوَجِيزِ ") وقَدِ اعْتَرَضَ جَماعَةُ الخَوارِجِ عَلى تَشْرِيعِ الرَّجْمِ في الإسْلامِ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ. فالَّذِي ورَدَ في عِقابِ الزِّنى في القُرْآنِ حُكْمانِ. أحَدُهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ [النساء: ١٦] وهَذا الحُكْمُ قَدْ نُسِخَ - أيْ: بُيِّنَ - بِالحُكْمِ الثّانِي وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] هَذِهِ حُجَّةُ الخَوارِجِ. أمّا حُجَّةُ الإجْماعِ فَهي وُرُودُ الآثارِ الصَّحِيحَةِ الدّالَّةِ عَلى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِرَجْمِ المُحْصَنِ»، وفَعَلَهُ. ورُوِيَ لِذَلِكَ جُمْلَةُ أحادِيثَ وأحْكامٍ عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، كَذا في كِتابِ (المُقابَلاتِ ") وسَبَقَهُ الرّازِيُّ في (تَفْسِيرِهِ ") فَطَوَّلَ النَّفَسَ في سَوْقِ شُبْهَةِ الخَوارِجِ، وأجابَ عَنْها بِما مُلَخَّصُهُ: أنَّ الآيَةَ المَذْكُورَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالبِكْرِ، خَصَّصَها بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ بِالرَّجْمِ، وتَخْصِيصُ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ. فَأوْلى بِالمُتَواتِرِ. وثانِيًا - قالَ - إنَّهُ لا يُسْتَبْعَدُ تَجَدُّدُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ بِحَسَبِ تَجَدُّدِ المَصالِحِ. فَلَعَلَّ المَصْلَحَةَ الَّتِي تَقْتَضِي وُجُوبَ الرَّجْمِ، حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ تِلْكَ الآياتِ. انْتَهى. قالَ صاحِبُ (المُقابَلاتِ "): إنَّ الشَّرِيعَةَ الإسْلامِيَّةَ مُتَّفِقَةٌ مَعَ الشَّرْعِ العِبْرِيِّ في أغْلَبِ أحْكامِ الزِّنى، ولَمْ يَرِدْ في الدِّيانَةِ المَسِيحِيَّةِ نَصٌّ صَرِيحٌ يَنْسَخُ حُكْمَ اليَهُودِيَّةِ في الزِّنى. ولَكِنْ يُرْوى (p-٤٤٥٩)عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ما يُؤْخَذُ مِنهُ ضِمْنًا، عَدَمُ إمْكانِ إقامَةِ حَدِّ الرَّجْمِ. لِأنَّهُ اشْتَرَطَ بَراءَةَ الرّاجِمِينَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، وأمَرَ الزّانِيَةَ، الَّتِي اعْتَرَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ. أمّا حُكْمُ الزِّنى في القَوانِينِ الحَدِيثَةِ فَيُخالِفُ مُخالَفَةً كُلِّيَّةً لِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ، وحُكْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ. وفَّقَنا اللَّهُ لِحِفْظِ حُدُودِهِ، وجَنَّبَنا مَحارِمَهُ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ. التَّنْبِيهُ الرّابِعُ: مِن مَباحِثِ اللَّفْظِ في الآيَةِ أنْ يُقالَ: قَدْ ورَدَتِ الفاصِلَةُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِـ(تَوّابٍ رَحِيمٍ ) فَعَلامَ فُصِلَتْ هُنا بِـ(تَوّابٍ حَكِيمٍ ) مَعَ أنَّ التَّوْبَةَ مَعَ الرَّحْمَةِ، فِيما يَظْهَرُ ؟ و(الجَوابُ ): أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَكَمَ بِالتَّلاعُنِ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي أمَرَ بِها. وأرادَ بِذَلِكَ سَتْرَ هَذِهِ الفاحِشَةِ عَلى عِبادِهِ. وذَلِكَ حِكْمَةٌ مِنهُ. فَفُصِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِـ(تَوّابٍ حَكِيمٍ ) إثْرَ بَيانِ الحُكْمِ. جَمْعًا بَيْنَ التَّوْبَةِ المَرْجُوَّةِ مِن صاحِبِ المَعْصِيَةِ، وبَيْنَ الحِكْمَةِ في سَتْرِها عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ. فافْهَمْ ذَلِكَ. أشارَ لَهُ ابْنُ الأثِيرِ في (المَثَلِ السّائِرِ ") . ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى نَبَأِ الإفْكِ، وتَبْرِئَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١١] ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكم لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ أيْ: بِأبْلَغِ ما يَكُونُ مِنَ الكَذِبِ، وقِيلَ هو البُهْتانُ لا تُشَهَّرُ بِهِ حَتّى يَفْجَأكَ. والمُرادُ بِهِ ما أفَكَ بِهِ الصِّدِّيقَةَ، أُمَّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ؟ فاللّامُ لِلْعَهْدِ ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الجِنْسِ. قِيلَ: فَيُفِيدُ القَصْرَ، كَأنَّهُ لا إفْكَ إلّا هو. وفي لَفْظِ (المَجِيءِ ) إشارَةٌ إلى أنَّهم أظْهَرُوهُ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ: ﴿عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ أيْ: جَماعَةٌ مِنكم، خَبَرُ (إنَّ ) و(مِنكم ) نَعْتٌ لَها. وبِهِ أفادَ الخَبَرَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ (p-٤٤٦٠)مُسْتَأْنَفٌ، والهاءُ ضَمِيرُ الإفْكِ أوِ القَذْفِ. والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولِآلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، ولِمَن ساءَهُ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. تَسْلِيَةً لَهم مِن أوَّلِ الأمْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ زِيادَةٌ في التَّسْلِيَةِ والتَّكْرِيمِ. أيْ: لا تَظُنُّوهُ يُلْحِقُ تُهْمَةً بِكم أوْ يُوقِعُ نَقِيصَةً فِيكم، بَلْ قَدْ جَرَّ لَكم خَيْرًا عَظِيمًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم، أنَّهُمُ اكْتَسَبُوا فِيهِ الثَّوابَ العَظِيمَ. لِأنَّهُ كانَ بَلاءً مُبِينًا ومِحْنَةً ظاهِرَةً. وأنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ ثَمانِي عَشْرَةَ آيَةً، كُلُّ واحِدَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ، بِما هو تَعْظِيمٌ لِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَسْلِيَةٌ لَهُ، وتَنْزِيهٌ لِأُمِّ المُؤْمِنِينَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْها، وتَطْهِيرٌ لِأهْلِ البَيْتِ، وتَهْوِيلٌ لِمَن تَكَلَّمَ في ذَلِكَ أوْ سَمِعَ بِهِ فَلَمْ تَمُجَّهُ أُذُناهُ. وعِدَّةُ ألْطافٍ لِلسّامِعِينَ والتّالِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وفَوائِدُ دِينِيَّةٌ وأحْكامٌ وآدابٌ لا تَخْفى عَلى مُتَأمِّلِيها ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ أيْ: جَزاؤُهُ، وذَلِكَ الذَّمُّ في الدُّنْيا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والجَلْدُ ثَمانِينَ. ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ: ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: قامَ بِعِظَمِهِ وإشاعَتِهِ، بَعْدَ ابْتِدائِهِ بِالخَوْضِ فِيهِ، وهو رَأْسُ المُنافِقِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، لِإمْعانِهِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وانْتِهازِهِ الفُرَصَ، وطَلَبِهِ سَبِيلًا إلى الغَمِيزَةِ. رَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: أمّا الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ الخَبِيثُ. هو الَّذِي ابْتَدَأ هَذِهِ الكَلامَ وقالَ: امْرَأةُ نَبِيِّكم باتَتْ مَعَ رَجُلٍ حَتّى أصْبَحَتْ، ثُمَّ جاءَ يَقُودُ بِها. والعَذابُ العَظِيمُ يَعُمُّ عَذابَيِ الدّارَيْنِ، كَما قُلْنا.

النور 24:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٢] ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ . ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أيْ: بِالَّذِينِ مِنهم مِنَ (p-٤٤٦١)المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] قالَ الشِّهابُ: وهَذا مِن بَدِيعِ الكَلامِ. وقَدْ وقَعَ في القُرْآنِ كَثِيرًا. وهو بِحَسَبِ الظّاهِرِ يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَظُنُّ بِنَفْسِهِ خَيْرًا، ولَيْسَ بِمُرادٍ. بَلْ أنْ يَظُنَّ بِغَيْرِهِ ذَلِكَ. وتَوْجِيهُهُ أنَّهُ مَجازٌ لِجَعْلِهِ اتِّحادَ الجِنْسِ كاتِّحادِ الذّاتِ ولِذا فُسِّرَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] بِلا تَقْتُلُوا مَن كانَ مِن جِنْسِكم أوْ يَجْعَلُهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، فَمَن عابَ مُؤْمِنًا فَكَأنَّما عابَ نَفْسَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ فِيهِ مُضافٌ. أيْ: ظَنَّ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِأنْفُسِ بَعْضِهِمْ الآخَرِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ في حَدِيثِ: ««أمْوالُكم عَلَيْكم حَرامٌ»» إنَّهُ كَقَوْلِهِمْ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا أنْفُسَهم أيْ: قَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، مَجازًا أوْ إضْمارًا لِلْقَرِينَةِ الصّارِفَةِ عَنْ ظاهِرِهِ. و(لَوْلا ) تَحْضِيضِيَّةٌ بِمَعْنى: (هَلّا ): ﴿وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي سَمِعْناهُ، مِن رَمْيِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، إفْكٌ مُبِينٌ جَلِيٌّ لِمَن عَقَلَ وفَكَّرَ فِيهِ. قالَ العَلّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ: (لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَنْتُمْ بِأنْفُسِكم خَيْرًا وقُلْتُمْ ) ؟ ولِمَ عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ ؟ وعَنِ الضَّمِيرِ إلى الظّاهِرِ ؟ قُلْتُ: لِيُبالِغَ في التَّوْبِيخِ بِطَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. ولِيُصَرِّحَ بِلَفْظِ (الإيمانِ ) دَلالَةً عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ فِيهِ مُقْتَضٍ ألّا يُصَدِّقَ مُؤْمِنٌ عَلى أخِيهِ، ولا مُؤْمِنَةٌ عَلى أُخْتِها، قَوْلَ عائِبٍ ولا طاعِنٍ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حَقَّ المُؤْمِنِ، إذا سَمِعَ قالَةً في أخِيهِ، أنْ يَبْنِيَ الأمْرَ فِيها عَلى الظَّنِّ، لا عَلى الشَّكِّ. وأنْ يَقُولَ بِمَلْءِ فِيهِ - بِناءً عَلى ظَنِّهِ بِالمُؤْمِنِ الخَيْرَ -: ﴿هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ هَكَذا بِاللَّفْظِ المُصَرِّحِ بِبَراءَةِ ساحَتِهِ. كَما يَقُولُ المُسْتَيْقِنُ المُطَّلِعُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ. وهَذا يَدُلُّ مِنَ الأدَبِ الحَسَنِ الَّذِي قَلَّ القائِمُ بِهِ والحافِظُ لَهُ. ولَيْتَكَ تَجِدُ مَن يَسْمَعُ فَيَسْكُتُ، ولا يُشِيعُ ما سَمِعَهُ بِأخَواتٍ ! انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:

النور 24:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٣] ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . (p-٤٤٦٢)﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ وشَرِيعَتِهِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ المُسْتَيْقَنَةِ: ﴿هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ الكامِلُونَ في الكَذِبِ، المَشْهُودُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا تَوْبِيخٌ وتَعْنِيفٌ لِلَّذِينِ سَمِعُوا الإفْكَ فَلَمْ يَجِدُّوا في دَفْعِهِ وإنْكارِهِ. واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِما هو ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ في الشَّرْعِ، مِن وُجُوبِ تَكْذِيبِ القاذِفِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ والتَّنْكِيلِ بِهِ، إذا قَذَفَ امْرَأةً مُحْصَنَةً مِن عِرْضِ نِساءِ المُؤْمِنِينَ. فَكَيْفَ بِأُمِّ المُؤْمِنِينَ الصِّدِّيقَةِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ حُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحَبِيبَةِ حَبِيبِ اللَّهِ ؟

النور 24:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٤] ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: لَعُوجِلْتُمْ بِالعِقابِ، بِسَبَبِ ما خُضْتُمْ فِيهِ مِنَ الإفْكِ. ولَكِنَّهُ واسِعُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ. يُمْهِلُ المُذْنِبَ لِلتَّوْبَةِ، ويَحْلُمُ عَنْهُ لِلْأوْبَةِ.

النور 24:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٥] ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ . ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ أيْ: وقْتَ تَلَقِّي بَعْضِكم مِن بَعْضٍ: ﴿بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ أيْ: لا تَبِعَةَ لَهُ ولا عُقُوبَةَ عَلى مُشِيعِهِ: ﴿وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ عَظِيمٌ في الوِزْرِ واسْتِجْرارِ العَذابِ. قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ الجَراءَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلى أوْلِيائِهِ، تُشْبِهُ الجَراءَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِأفْواهِكُمْ﴾ (p-٤٤٦٣)والقَوْلُ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ أنَّ الشَّيْءَ المَعْلُومَ يَكُونُ عِلْمُهُ في القَلْبِ، فَيُتَرْجِمُ عَنْهُ اللِّسانُ. وهَذا الإفْكُ لَيْسَ إلّا قَوْلًا يَجْرِي عَلى ألْسِنَتِكم، ويَدُورُ في أفْواهِكم، مِن غَيْرِ تَرْجَمَةٍ عَنْ عِلْمٍ بِهِ في القَلْبِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] انْتَهى. فالقَيْدُ لَيْسَ تَأْكِيدًا صِرْفًا، (كَنَظَرَ بِعَيْنِهِ ) بَلْ لِيُفِيدَ نَفْيَهُ عَمّا عَداهُ. وقِيلَ إنَّهُ تَوْبِيخٌ، كَما تَقُولُ: (قالَهُ بِمَلْءِ فِيهِ )، فَإنَّ القائِلَ رُبَّما رَمَزَ، ورُبَّما صَرَّحَ وتَشَدَّقَ. وقَدْ قِيلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿بَدَتِ البَغْضاءُ﴾ [آل عمران: ١١٨] وقِيلَ: فائِدَتُهُ ألّا يُظَنَّ أنَّهُ كَلامٌ نَفْسِيٌّ. فَهو تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ المَجازِ. والسِّياقُ يَقْتَضِي الأوَّلَ. كَذا في (العِنايَةِ ") .

النور 24:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٦] ﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ . ﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ أيْ: تَكْذِيبًا لِمُشِيعِيهِ: ﴿ما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ: ما يَصِحُّ لَنا بِوَجْهٍ ما: ﴿أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ، وبَراءَةً إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ هَؤُلاءِ. فَإنَّهُ بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَسْتَحِيلُ صِدْقُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلِمَةُ (سُبْحانَكَ ) لِلتَّعَجُّبِ مِن عِظَمِ الأمْرِ. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى التَّعَجُّبِ في كَلِمَةِ التَّسْبِيحِ ؟ قُلْتُ: الأصْلُ في ذَلِكَ، أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَجِيبِ مِن صَنائِعِهِ. ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ. أوْ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى مِن أنْ تَكُونَ حُرْمَةُ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فاجِرَةً. انْتَهى. فَعَلى الأوَّلِ، هو مِنَ المَجازِ المُتَفَرِّعِ عَلى الكِنايَةِ، وهو كَثِيرٌ. وقَدْ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في (الأذْكارِ ") وكَذا (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ) تُسْتَعْمَلُ لِلتَّعَجُّبِ أيْضًا. وأمّا الصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في مَقامِ التَّعَجُّبِ فَلَمْ تَرِدْ ولَمْ تُسْمَعْ في لِسانِ الشَّرْعِ. وقَدْ صَرَّحَ الفُقَهاءُ بِالمَنعِ. وإنَّما وقَعَ مِنَ العَوامِّ وبَعْضِ المُحَدِّثِينَ كَقَوْلِهِ:(p-٤٤٦٤) ؎فَمَن رَأى حُسْنَهُ المُفَدّى في الحالِ صَلّى عَلى مُحَمَّدْ وعَلى الثّانِي، هو حَقِيقَةٌ. كَذا في (العِنايَةِ ") .

النور 24:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧ - ١٨] ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨] . ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الِاتِّصافَ يَصُدُّ عَنْ كُلِّ مُقَبَّحٍ: ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ [النور: ١٨] أيِ: الدّالَّةَ عَلى الشَّرائِعِ ومَحاسِنِ الآدابِ، دَلالَةً واضِحَةً لِتَتَّعِظُوا وتَتَأدَّبُوا بِها. أيْ: يُنْزِلُها كَذَلِكَ مُبَيَّنَةً، ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى مُعايِنِها: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَأْدِيبٍ ثالِثٍ لِمَن سَمِعَ شَيْئًا مِنَ الكَلامِ السَّيِّئِ، فَعَلَقَ بِذِهْنِهِ مِنهُ شَيْءٌ، ألّا يَتَكَلَّمَ بِهِ ولا يُذِيعَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ مُتَوَعِّدًا:

النور 24:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٧ - ١٨] ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨] . ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الِاتِّصافَ يَصُدُّ عَنْ كُلِّ مُقَبَّحٍ: ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ [النور: ١٨] أيِ: الدّالَّةَ عَلى الشَّرائِعِ ومَحاسِنِ الآدابِ، دَلالَةً واضِحَةً لِتَتَّعِظُوا وتَتَأدَّبُوا بِها. أيْ: يُنْزِلُها كَذَلِكَ مُبَيَّنَةً، ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى مُعايِنِها: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَأْدِيبٍ ثالِثٍ لِمَن سَمِعَ شَيْئًا مِنَ الكَلامِ السَّيِّئِ، فَعَلَقَ بِذِهْنِهِ مِنهُ شَيْءٌ، ألّا يَتَكَلَّمَ بِهِ ولا يُذِيعَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ مُتَوَعِّدًا:

النور 24:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ أيْ: تَنْتَشِرُ الخَصْلَةُ المُفْرِطَةُ في القُبْحِ، وهي الفِرْيَةُ والرَّمْيُ بِالزِّنى ونَحْوِهِ، كاللِّواطِ وما عَظُمَ فُحْشُهُ: ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا﴾ أيْ: مِنَ الحَدِّ وغَيْرِهِ، مِمّا يَتَّفِقُ مِنَ البَلايا الدُّنْيَوِيَّةِ: ﴿والآخِرَةِ﴾ أيْ: مِن عَذابِ النّارِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أيْ: ما في القُلُوبِ مِنَ الأسْرارِ والضَّمائِرِ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَحَبَّةَ مَن أحَبَّ الإشاعَةَ، وهو مُعاقِبُهُ عَلَيْها.

النور 24:20

(p-٤٤٦٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٠] ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمِنَّةِ، بِتَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعِقابِ، لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ الجَرِيمَةِ. وحُذِفَ الجَوابُ وهو مُسْتَغْنى عَنْهُ بِذِكْرِهِ مَرَّةً. وهو (لَمَسَّكم ) .

النور 24:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢١ - ٢٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] . ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: بِإشاعَةِ الفاحِشَةِ: ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا﴾ أيْ: ما طَهَّرَ مِن دَنَسِها: ﴿مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ بِإلْهامِهِ التَّوْبَةَ والإنابَةَ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] (p-٤٤٦٦)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَأْتَلِ ) مِنَ (ائْتَلى ) إذا حَلَفَ، افْتِعالٌ مِنَ الألِيَّةِ وهو القَسَمُ وقِيلَ مِن قَوْلِهِمْ: (ما ألَوْتُ جُهْدًا ) إذا لَمْ تَدَّخِرْ مِنهُ شَيْئًا. ويَشْهَدُ لِلْأوَّلِ قِراءَةُ الحَسَنِ: و(لا يَتَألَّ ) والمَعْنى: لا يَحْلِفُوا عَلى أنْ لا يُحْسِنُوا إلى المُسْتَحِقِّينَ لِلْإحْسانِ. أوْ لا يُقَصِّرُوا في أنْ يُحْسِنُوا إلَيْهِمْ، وإنْ كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهم شَحْناءُ لِجِنايَةٍ اقْتَرَفُوها، فَلْيَعُودُوا عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ. ولْيَفْعَلُوا بِهِمْ مِثْلَ ما يَرْجُونَ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ رَبُّهم، مَعَ كَثْرَةِ خَطاياهم وذُنُوبِهِمْ وسَيَأْتِي سَبَبُ نُزُولِها فِيمَن عُنِيَ بِها. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى وعِيدَ القاذِفِينَ لِلْبَرِيئاتِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢١ - ٢٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] . ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: بِإشاعَةِ الفاحِشَةِ: ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا﴾ أيْ: ما طَهَّرَ مِن دَنَسِها: ﴿مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ بِإلْهامِهِ التَّوْبَةَ والإنابَةَ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] (p-٤٤٦٦)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَأْتَلِ ) مِنَ (ائْتَلى ) إذا حَلَفَ، افْتِعالٌ مِنَ الألِيَّةِ وهو القَسَمُ وقِيلَ مِن قَوْلِهِمْ: (ما ألَوْتُ جُهْدًا ) إذا لَمْ تَدَّخِرْ مِنهُ شَيْئًا. ويَشْهَدُ لِلْأوَّلِ قِراءَةُ الحَسَنِ: و(لا يَتَألَّ ) والمَعْنى: لا يَحْلِفُوا عَلى أنْ لا يُحْسِنُوا إلى المُسْتَحِقِّينَ لِلْإحْسانِ. أوْ لا يُقَصِّرُوا في أنْ يُحْسِنُوا إلَيْهِمْ، وإنْ كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهم شَحْناءُ لِجِنايَةٍ اقْتَرَفُوها، فَلْيَعُودُوا عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ. ولْيَفْعَلُوا بِهِمْ مِثْلَ ما يَرْجُونَ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ رَبُّهم، مَعَ كَثْرَةِ خَطاياهم وذُنُوبِهِمْ وسَيَأْتِي سَبَبُ نُزُولِها فِيمَن عُنِيَ بِها. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى وعِيدَ القاذِفِينَ لِلْبَرِيئاتِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٢٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] . ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ﴾ أيِ: العَفائِفَ عَنِ الفاحِشَةِ، النَّقِيّاتِ القُلُوبِ عَنْها: ﴿المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا﴾ بِالذَّمِّ والحَدِّ ورَدِّ الشَّهادَةِ إلّا إذا تابُوا: ﴿والآخِرَةِ﴾ أيْ: حَيْثُ يَلْعَنُهم ثَمَّةَ المَلائِكَةُ ومَن شاءَ اللَّهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] أيْ: يَعْتَرِفُونَ بِها بِإنْطاقِ اللَّهِ تَعالى إيّاها أوْ بِظُهُورِ آثارِ ما عَمِلُوهُ عَلَيْها. بِحَيْثُ يَعْلَمُ مَن يُشاهِدُهم ما عَمِلُوهُ. وذَلِكَ بِكَيْفِيَّةٍ يَعْلَمُها اللَّهُ. فَهو اسْتِعارَةٌ. ورَجَعَ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] فَظاهِرُهُ الحَقِيقَةُ، وحَمْلُهُ عَلى الثّانِي بِعِيدٌ. قِيلَ: سَيَأْتِي في (يس "): ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] والخَتْمُ عَلى الأفْواهِ (p-٤٤٦٧)يُنافِي شَهادَةَ الألْسِنَةِ. والجَوابُ أنَّ الخَتْمَ عَلى الأفْواهِ مَعْناهُ المَنعُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِما يُرِيدُهُ ويَنْفَعُهُ، بِحَسَبِ زَعَمِهِ، اخْتِيارًا. كالإنْكارِ والِاعْتِذارِ، أوْ أنَّ هَذا في حالٍ، وذَلِكَ في حالٍ، أوْ كُلٌّ مِنهُما في حَقِّ قَوْمٍ غَيْرِ الآخَرِينَ، أوْ هَذا في حَقِّ القَذَفَةِ، وذاكَ في حَقِّ الكَفَرَةِ - ولَيْسَ بِشَيْءٍ - إذْ لا مُنافاةَ فالسِّرُّ في التَّصْرِيحِ بِالألْسِنَةِ هُنا، وعَدَمِ ذِكْرِها هُناكَ، أنَّ الآيَةَ لَمّا كانَتْ في حَقِّ القاذِفِ بِلِسانِهِ، وهو مُطالَبٌ مَعَهُ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، ذَكَرَ هُنا خَمْسَةً أيْضًا، وصَرَّحَ بِاللِّسانِ الَّذِي بِهِ عَمَلُهُ لِيَفْضَحَهُ، جَزاءً لَهُ مِن جِنْسِ فِعْلِهِ. كَذا في (العِنايَةِ ") .

النور 24:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٣ - ٢٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] . ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ﴾ أيِ: العَفائِفَ عَنِ الفاحِشَةِ، النَّقِيّاتِ القُلُوبِ عَنْها: ﴿المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا﴾ بِالذَّمِّ والحَدِّ ورَدِّ الشَّهادَةِ إلّا إذا تابُوا: ﴿والآخِرَةِ﴾ أيْ: حَيْثُ يَلْعَنُهم ثَمَّةَ المَلائِكَةُ ومَن شاءَ اللَّهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] أيْ: يَعْتَرِفُونَ بِها بِإنْطاقِ اللَّهِ تَعالى إيّاها أوْ بِظُهُورِ آثارِ ما عَمِلُوهُ عَلَيْها. بِحَيْثُ يَعْلَمُ مَن يُشاهِدُهم ما عَمِلُوهُ. وذَلِكَ بِكَيْفِيَّةٍ يَعْلَمُها اللَّهُ. فَهو اسْتِعارَةٌ. ورَجَعَ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] فَظاهِرُهُ الحَقِيقَةُ، وحَمْلُهُ عَلى الثّانِي بِعِيدٌ. قِيلَ: سَيَأْتِي في (يس "): ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] والخَتْمُ عَلى الأفْواهِ (p-٤٤٦٧)يُنافِي شَهادَةَ الألْسِنَةِ. والجَوابُ أنَّ الخَتْمَ عَلى الأفْواهِ مَعْناهُ المَنعُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِما يُرِيدُهُ ويَنْفَعُهُ، بِحَسَبِ زَعَمِهِ، اخْتِيارًا. كالإنْكارِ والِاعْتِذارِ، أوْ أنَّ هَذا في حالٍ، وذَلِكَ في حالٍ، أوْ كُلٌّ مِنهُما في حَقِّ قَوْمٍ غَيْرِ الآخَرِينَ، أوْ هَذا في حَقِّ القَذَفَةِ، وذاكَ في حَقِّ الكَفَرَةِ - ولَيْسَ بِشَيْءٍ - إذْ لا مُنافاةَ فالسِّرُّ في التَّصْرِيحِ بِالألْسِنَةِ هُنا، وعَدَمِ ذِكْرِها هُناكَ، أنَّ الآيَةَ لَمّا كانَتْ في حَقِّ القاذِفِ بِلِسانِهِ، وهو مُطالَبٌ مَعَهُ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، ذَكَرَ هُنا خَمْسَةً أيْضًا، وصَرَّحَ بِاللِّسانِ الَّذِي بِهِ عَمَلُهُ لِيَفْضَحَهُ، جَزاءً لَهُ مِن جِنْسِ فِعْلِهِ. كَذا في (العِنايَةِ ") .

النور 24:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٥] ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ . ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما ذُكِرَ: ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ﴾ أيْ: جَزاءَهم: ﴿الحَقَّ﴾ أيِ: الواجِبَ الثّابِتَ: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ أيِ: المُظْهِرُ لِلْأُمُورِ كَما هي في أنْفُسِها. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما يُؤَكِّدُ التَّبْرِئَةَ مِن شاهِدِ العُرْفِ والعادَةِ، في أنَّهُ لا يَضُمُّ الشَّكْلَ إلّا إلى شَكْلِهِ، ولا يُساقُ الأهْلُ إلّا إلى أهْلِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٦] ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . ﴿الخَبِيثاتُ﴾ أيْ: مِنَ النِّساءِ: ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ أيْ: مِنَ الرِّجالِ: ﴿والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ أيْ: بِحَيْثُ لا يَكادُ يَتَجاوَزُ كُلُّ واحِدٍ إلى غَيْرِهِ. و(الطَّيِّبُ ): ضِدُّ الخَبِيثِ وهو الأفْضَلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ والأحْسَنُ والأجْوَدُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وحَيْثُ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أطْيَبَ الأطْيَبِينَ، وخِيرَةَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، تَبَيَّنَ كَوْنُ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِن أطْيَبِ الطَّيِّباتِ بِالضَّرُورَةِ. واتَّضَحَ بُطْلانُ ما قِيلَ في حَقِّها مِنَ الخُرافاتِ، (p-٤٤٦٨)حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجَنَّةُ. وبِهَذِهِ الآيَةِ تَمَّ نَبَأُ أهْلِ الإفْكِ. واعْلَمْ أنَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الآياتُ مِنَ الأحْكامِ والفَوائِدِ والمَطالِبِ والآدابِ، لا تَفِي بِها مُجَلَّداتٌ. إلّا أنّا نُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، نَقْتَبِسُهُ مِن أهَمِّ المُراجِعِ، تَتْمِيمًا لِما أجْمَلْناهُ في تَأْوِيلِها. فالأوَّلُ: أنَّ نَبَأ الإفْكِ كانَ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ (تَصْغِيرُ مَرْسُوعٍ، بِئْرٌ أوْ ماءٌ لِخُزاعَةَ ) وكانَتْ في شَعْبانَ سَنَةَ خَمْسٍ. وسَبَبُها أنَّهُ ﷺ بَلَغَهُ أنَّ الحارِثَ بْنَ أبِي ضِرارٍ، سَيِّدَ بَنِي المُصْطَلِقِ سارَ في قَوْمِهِ ومَن قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ العَرَبِ يُرِيدُ حَرْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَن مَعَهُ مِن أصْحابِهِ. وخَرَجَ مَعَهم جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ لَمْ يَخْرُجُوا في غَزاةٍ قَبْلَها، فَأغارَ عَلَيْهِمْ، فَسَبى ذَرارِيهِمْ وأمْوالَهم. وكانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَدْ خَرَجَتْ مَعَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، في هَذِهِ الغَزْوَةِ، بِقُرْعَةٍ أصابَتْها وكانَتْ تِلْكَ عادَتُهُ مَعَ نِسائِهِ. فَلَمّا رَجَعُوا مِنَ الغَزْوَةِ، نَزَلُوا في بَعْضِ المَنازِلِ. فَخَرَجَتْ عائِشَةُ لِحاجَتِها فَفَقَدَتْ عِقْدًا لِأُخْتِها كانَتْ أعارَتْها إيّاهُ. فَرَجَعَتْ تَلْتَمِسُهُ في المَوْضِعِ الَّذِي فَقَدَتْهُ فِيهِ في وقْتِها. فَجاءَ النَّفَرُ الَّذِينَ كانُوا يُرَحِّلُونَ هَوْدَجَها، فَظَنُّوها فِيهِ، فَحَمَلُوا الهَوْدَجَ، ولا يُنْكِرُونَ خِفَّتَهُ، لِأنَّها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ فَتِيَّةَ السِّنِّ لَمْ يَغْشِها اللَّحْمُ الَّذِي كانَ يُثْقِلُها. وأيْضًا، فَإنَّ النَّفَرَ لَمّا تَساعَدُوا عَلى حَمْلِ الهَوْدَجِ، لَمْ يُنْكِرُوا خِفَّتَهُ. ولَوْ كانَ الَّذِي حَمَلَهُ واحِدًا أوِ اثْنَيْنِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِما الحالُ. فَرَجَعَتْ عائِشَةُ إلى مَنزِلِهِمْ وقَدْ أصابَتِ العِقْدَ، فَإذا لَيْسَ لَها داعٍ ولا مُجِيبٌ. فَقَعَدَتْ في المَنزِلِ، وظَنَّتْ أنَّهم سَيَفْقِدُونَها فَيَرْجِعُونَ في طَلَبِها واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، يُدَبِّرُ الأمْرَ فَوْقَ عَرْشِهِ كَما يَشاءُ فَغَلَبَتْها عَيْناها فَنامَتْ فَلَمْ تَسْتَيْقِظْ إلّا بِقَوْلِ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ (بِفَتْحِ الطّاءِ المَشْدُودَةِ سَلْمى ذَكْوانِيٌّ صَحابِيٌّ فاضِلٌ مُتَقَدِّمُ الإسْلامِ ): إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ صَفْوانُ قَدْ عَرَّسَ في أُخْرَياتِ الجَيْشِ لِأنَّهُ كانَ كَثِيرَ النَّوْمِ كَما جاءَ عَنْهُ في صَحِيحِ أبِي حاتِمٍ وفي السُّنَنِ. فَلَمّا رَآها عَرَفَها. وكانَ يَراها قَبْلَ نُزُولِ الحِجابِ. فاسْتَرْجَعَ وأناخَ راحِلَتَهُ، فَقَرَّبَها إلَيْها، فَرَكِبَتْها. وما كَلَّمَها كَلِمَةً واحِدَةً. ولَمْ (p-٤٤٦٩)تَسْمَعْ مِنهُ إلّا اسْتِرْجاعَهُ. ثُمَّ سارَ بِها يَقُودُها حَتّى قَدِمَ بِها، وقَدْ نَزَلَ الجَيْشُ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَلَمّا رَأى ذَلِكَ النّاسُ تَكَلَّمَ كُلٌّ مِنهم بِشاكِلَتِهِ وما يَلِيقُ بِهِ. ووَجَدَ الخَبِيثُ عَدُوُّ اللَّهِ ابْنُ أُبَيٍّ مُتَنَفَّسًا. فَتَنَفَّسَ مِن كَرْبِ النِّفاقِ والحَسَدِ الَّذِي بَيْنَ ضُلُوعِهِ. فَجَعَلَ يَسْتَحْكِي الإفْكَ ويَسْتَوْشِيهِ ويُشِيعُهُ ويُذِيعُهُ ويَجْمَعُهُ ويُفَرِّقُهُ. وكانَ أصْحابُهُ يَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ. فَلَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ أفاضَ أهْلُ الإفْكِ في الحَدِيثِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ ساكِتٌ لا يَتَكَلَّمُ. ثُمَّ اسْتَشارَ أصْحابَهُ في فِراقِها، فَأشارَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يُفارِقَها ويَأْخُذَ غَيْرَها، تَلْوِيحًا لا تَصْرِيحًا. وأشارَ عَلَيْهِ أُسامَةُ وغَيْرُهُ بِإمْساكِها، وألّا يَلْتَفِتَ إلى كَلامِ الأعْداءِ. فَعَلِيٌّ، لَمّا رَأى أنَّ ما قِيلَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، أشارَ بِتَرْكِ الشَّكِّ والرِّيبَةِ إلى اليَقِينِ، لِيَتَخَلَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الهَمِّ والغَمِّ الَّذِي لَحِقَهُ مِن كَلامِ النّاسِ فَأشارَ بِحَسْمِ الدّاءِ. وأُسامَةُ لَمّا عَلِمَ حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَها ولِأبِيها، وعَلِمَ مِن عِفَّتِها وبَراءَتِها وحَصانَتِها ودِيانَتِها، ما هي فَوْقَ ذَلِكَ وأعْظَمَ مِنهُ، وعَرَفَ مِن كَرامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى رَبِّهِ ومَنزِلَتِهِ عِنْدَهُ ودِفاعِهِ عَنْهُ؛ أنَّهُ لا يَجْعَلُ رَبَّةَ بَيْتِهِ وحَبِيبَتَهُ، مِنَ النِّساءِ وبِنْتَ صِدِّيقِهِ بِالمَنزِلِ الَّذِي أنْزَلَها بِهِ أرْبابُ الإفْكِ. وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أكْرَمُ عَلى رَبِّهِ وأعَزُّ عَلَيْهِ مِن أنْ يَجْعَلَ تَحْتَهُ امْرَأةً بَغِيًّا. وعَلِمَ أنَّ الصِّدِّيقَةَ حَبِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أكْرَمُ عَلى رَبِّها مِن أنْ يَبْتَلِيَها بِالفاحِشَةِ وهي تَحْتَ رَسُولِهِ. ومَن قَوِيَتْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَعْرِفَةُ رَسُولِهِ وقَدْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ في قَلْبِهِ - قالَ كَما قالَ أبُو أيُّوبَ وغَيْرُهُ مِن ساداتِ الصَّحابَةِ، لَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وتَأمَّلْ ما في تَسْبِيحِهِمْ لِلَّهِ وتَنْزِيهِهِمْ لَهُ في ذَلِكَ المَقامِ، مِنَ المَعْرِفَةِ بِهِ وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَجْعَلَ لِرَسُولِهِ وخَلِيلِهِ وأكْرَمِ الخَلْقِ عَلَيْهِ، امْرَأةً خَبِيثَةً بَغِيًّا. فَمَن ظَنَّ بِهِ سُبْحانَهُ هَذا الظَّنَّ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ السُّوءَ. وعَرَفَ أهْلُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، أنَّ المَرْأةَ الخَبِيثَةَ لا تَلِيقُ إلّا بِمِثْلِها. كَما قالَ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ فَقَطَعُوا قَطْعًا لا يَشُكُّونَ فِيهِ، أنَّ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وفِرْيَةٌ ظاهِرَةٌ. فَإنْ قِيلَ: فَما بالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَوَقَّفَ في أمْرِها وسَألَ عَنْها وبَحَثَ واسْتَشارَ وهو أعْرَفُ بِاللَّهِ وبِمَنزِلَتِهِ عِنْدَهُ فِيما يَلِيقُ بِهِ. وهَلّا قالَ: سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، كَما قالَهُ فُضَلاءُ الصَّحابَةِ ؟ (p-٤٤٧٠)فالجَوابُ: أنَّ هَذا مِن تَمامِ الحِكَمِ الباهِرَةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ القِصَّةَ سَبَبًا لَها، وامْتِحانًا وابْتِلاءً لِرَسُولِهِ ﷺ ولِجَمِيعِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. لِيَرْفَعَ بِهَذِهِ القِصَّةِ أقْوامًا ويَضَعَ بِها آخَرِينَ. ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وإيمانًا، ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا. واقْتَضى تَمامُ الِامْتِحانِ والِابْتِلاءِ أنْ حَبَسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الوَحْيَ شَهْرًا في شَأْنِها. لا يُوحِي إلَيْهِ في ذَلِكَ بِشَيْءٍ لِيُتِمَّ حِكْمَتَهُ الَّتِي قَدَّرَها وقَضاها، ويَظْهَرَ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، ويَزْدادَ المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ إيمانًا وثَباتًا عَلى العَدْلِ والصِّدْقِ وحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ والصِّدِّيقِينَ مِن عِبادِهِ. ويَزْدادَ المُنافِقُونَ إفْكًا ونِفاقًا. ويَظْهَرَ لِلرَّسُولِ ولِلْمُؤْمِنِينَ سَرائِرُهم، ولِتَتِمَّ العُبُودِيَّةُ المُرادَّةُ مِنَ الصِّدِّيقَةِ وأبِيها. وتَتِمَّ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ولِتَشْدُدَ الفاقَةُ والرَّغْبَةُ مِنها ومِن أبِيها، والِافْتِقارُ إلى اللَّهِ، والذُّلُّ لَهُ، وحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ، والرَّجاءُ لَهُ. ولِيَنْقَطِعَ رَجاؤُها مِنَ المَخْلُوقِينَ، وتَيْأسَ مِن حُصُولِ النُّصْرَةِ والفَرَجِ عَلى يَدِ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ. ولِهَذا وقَّتَ لِهَذا المَقامِ حَقَّهُ، لَمّا قالَ لَها أبُوها: قُومِي إلَيْهِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَراءَتَها، قالَتْ: واللَّهِ ! لا أقُومُ إلَيْهِ ولا أحْمَدُ إلّا اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ بَراءَتِي. وأيْضًا، فَكانَ مِن حِكْمَةِ حَبْسِ الوَحْيِ شَهْرًا، أنَّ القَضِيَّةَ نَضِجَتْ وتَمَخَّضَتْ واسْتَشْرَفَتْ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ أعْظَمَ اسْتِشْرافٍ، إلى ما يُوحِيهِ اللَّهُ إلى رَسُولِهِ فِيها. وتَطَلَّعَتْ إلى ذَلِكَ غايَةَ التَّطَلُّعِ. فَوافى الوَحْيُ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأهْلُ بَيْتِهِ، والصِّدِّيقُ، وأهْلُهُ وأصْحابُهُ، والمُؤْمِنُونَ. فَوَرَدَ عَلَيْهِمْ وُرُودَ الغَيْثِ عَلى الأرْضِ، أحْوَجَ ما كانَتْ إلَيْهِ. فَوَقَعَ مِنهم أعْظَمَ مَوْقِعٍ وألْطَفَهُ. وسُرُّوا بِهِ أتَمَّ السُّرُورِ، وحَصَلَ لَهم بِهِ غايَةُ الهَناءِ. فَلَوْ أطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، وأنْزَلَ الوَحْيَ عَلى الفَوْرِ بِذَلِكَ، لَفاتَتْ هَذِهِ الحِكَمُ وأضْعافُها، بَلْ أضْعافُ أضْعافِها. وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحَبَّ أنْ يُظْهِرَ مَنزِلَةَ رَسُولِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ عِنْدَهم، وكَرامَتَهُ عَلَيْهِ. وأنْ يُخْرِجَ رَسُولَهُ عَنْ هَذِهِ القَضِيَّةِ ويَتَوَلّى هو بِنَفْسِهِ الدِّفاعَ والمُنافَحَةَ عَنْهُ، والرَّدَّ عَلى أعْدائِهِ، (p-٤٤٧١)وذَمَّهم وعَيْبَهم بِأمْرٍ لا يَكُونُ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا يُنْسَبُ إلَيْهِ، بَلْ يَكُونُ هو وحْدَهُ المُتَوَلِّيَ لِذَلِكَ، الثّائِرَ لِرَسُولِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ. وأيْضًا فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ هو المَقْصُودَ بِالأذى. والَّتِي رُمِيَتْ زَوْجَتُهُ فَلَمْ يَكُنْ يَلِيقُ أنْ يَشْهَدَ بِبَراءَتِها. مَعَ عِلْمِهِ، أوْ ظَنِّهِ الظَّنَّ المُقارِبَ لِلْعِلْمِ بِبَراءَتِها، ولَمْ يَظُنَّ بِها سُوءًا قَطُّ، وحاشاهُ وحاشاها. ولِذَلِكَ لَمّا اسْتَعْذَرَ مِن أهْلِ الإفْكِ، قالَ: ««مَن يَعْذُرُنِي في رَجُلٍ بَلَغَنِي أذاهُ في أهْلِي ؟ واللَّهِ ! ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي إلّا خَيْرًا. ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا. وما كانَ يَدْخُلُ عَلى أهْلِي إلّا مَعِي»» فَكانَ عِنْدَهُ مِنَ القَرائِنِ الَّتِي تَشْهَدُ بِبَراءَةِ الصِّدِّيقَةِ أكْثَرَ مِمّا عِنْدَ المُؤْمِنِينَ. لَكِنْ لِكَمالِ صَبْرِهِ وثَباتِهِ ورِفْقِهِ وحُسْنِ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ، وثِقَتِهِ بِهِ، وفّى مَقامَ الصَّبْرِ والثَّباتِ وحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ حَقَّهُ. حَتّى جاءَ الوَحْيُ بِما أقَرَّ عَيْنَهُ وسَرَّ قَلْبَهُ وعَظَّمَ قَدْرَهُ وظَهَرَ لِأُمَّتِهِ احْتِفالُ رَبِّهِ بِهِ واعْتِناؤُهُ بِشَأْنِهِ. ولَمّا جاءَ الوَحْيُ بِبَراءَتِها أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَن صَرَّحَ بِالإفْكِ، فَحُدُّوا ثَمانِينَ ثَمانِينَ. ولَمْ يُحَدَّ الخَبِيثُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، مَعَ أنَّهُ رَأْسُ الإفْكِ. فَقِيلَ: لِأنَّ الحُدُودَ تَخْفِيفٌ عَنْ أهْلِها وكَفّارَةٌ. والخَبِيثُ لَيْسَ أهْلًا لِذَلِكَ. ولَقَدْ وعَدَهُ اللَّهُ بِالعَذابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، فَيَكْفِيهِ ذَلِكَ عَنِ الحَدِّ. وقِيلَ: بَلْ كانَ يَسْتَوْشِي الحَدِيثَ ويَجْمَعُهُ ويَحْكِيهِ، ويُخْرِجُهُ في قَوالِبَ مَن لا يُنْسَبُ إلَيْهِ وقِيلَ: الحَدُّ لا يَثْبُتُ إلّا بِالإقْرارِ أوْ بَيِّنَةٍ. وهو لَمْ يُقِرَّ بِالقَذْفِ ولا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أحَدٌ فَإنَّهُ إنَّما كانَ يَذْكُرُ مِن أصْحابِهِ ولَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ. ولَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: حَدُّ القَذْفِ حَقُّ الآدَمِيِّ، لا يُسْتَوْفى إلّا بِمُطالَبَتِهِ: وإنْ قِيلَ إنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ فَلا بُدَّ مِن مُطالَبَةِ المَقْذُوفِ وعائِشَةُ لَمْ تُطالِبْ بِهِ ابْنَ أُبَيٍّ. وقِيلَ: بَلْ تَرَكَ حَدَّهُ لِمَصْلَحَةٍ هي أعْظَمُ مِن إقامَتِهِ. كَما تَرَكَ قَتْلَهُ مَعَ ظُهُورِ نِفاقِهِ وتَكَلُّمِهِ بِما يُوجِبُ قَتْلَهُ مِرارًا. وهي تَأْلِيفُ قَوْمِهِ وعَدَمُ تَنْفِيرِهِمْ عَنِ الإسْلامِ. فَإنَّهُ كانَ مُطاعًا فِيهِمْ رَئِيسًا عَلَيْهِمْ. فَلَمْ يُؤْمَن إثارَةُ فِتْنَةٍ في حَدِّهِ، ولَعَلَّهُ تُرِكَ لِهَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها. فَجُلِدَ مِسَطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ. وهَؤُلاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ، تَطْهِيرًا لَهم وتَكْفِيرًا. وتُرِكَ عَدُوُّ اللَّهِ ابْنُ أُبَيٍّ إذًا فَلَيْسَ هو مِن أهْلِ ذاكَ (p-٤٤٧٢)- هَذا ما أفادَهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في (زادِ المَعادِ ") وهو خُلاصَةُ الرِّواياتِ في هَذا البابِ. ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ومَن تَأمَّلَ قَوْلَ الصِّدِّيقَةِ، وقَدْ نَزَلَتْ بَراءَتُها، فَقالَ لَها أبُوها: قُومِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: واللَّهِ ! لا أقُومُ إلَيْهِ ولا أحْمَدُ إلّا اللَّهَ - عَلِمَ مَعْرِفَتَها وقُوَّةَ إيمانِها وتَوْلِيَتَها النِّعْمَةَ لِرَبِّها. وإفْرادَهُ بِالحَمْدِ في ذَلِكَ المَقامِ، وتَجْدِيدَها التَّوْحِيدَ، وقُوَّةَ جَأْشِها وإدْلالِها بِبَراءَةِ ساحَتِها، وأنَّها لَمْ تَفْعَلْ ما يُوجِبُ قِيامَها في مَقامِ الرّاغِبِ في الصُّلْحِ الطّالِبِ لَهُ. ولِثِقَتِها بِمَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَها، قالَتْ ما قالَتْ. إدْلالًا لِلْحَبِيبِ عَلى حَبِيبِهِ، ولا سِيَّما في مِثْلِ هَذا المَقامِ الَّذِي هو أحْسَنُ مَقاماتِ الإدْلالِ، فَوَضَعَتْهُ مَوْضِعَهُ. ولِلَّهِ ! ما كانَ أحَبَّها إلَيْهِ حِينَ قالَتْ: لا أحْمَدُ إلّا اللَّهَ فَإنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ بَراءَتِي. ولِلَّهِ ! ذَلِكَ الثَّباتُ والرَّزانَةُ مِنها، وهو أحَبُّ شَيْءٍ إلَيْها، ولا صَبْرَ لَها عَنْهُ، وقَدْ تَنَكَّرَ قَلْبُ حَبِيبِها لَها شَهْرًا. ثُمَّ صادَفَتِ الرِّضاءَ مِنهُ والإقْبالَ، فَلَمْ تُبادِرْ إلى القِيامِ إلَيْهِ، والسُّرُورِ بِرِضاهُ وقُرْبِهِ، مَعَ شِدَّةِ مَحَبَّتِها لَهُ. وهَذا غايَةُ الثَّباتِ والقُوَّةِ. انْتَهى. * * وطُرُقُ حَدِيثِ الإفْكِ مُتَعَدِّدَةٌ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وأُمِّ رُومانَ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي اليُسْرِ. ورَواهُ مِنَ التّابِعِينَ عَشَرَةٌ كَما في (فَتْحِ البارِي ") وذَلِكَ في المَسانِيدِ والصِّحاحِ والسُّنَنِ وغَيْرِها. ما بَيْنَ مُطَوَّلٍ ومُوجَزٍ. ومِنَ الثّانِي ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أُمِّ رُومانَ قالَتْ: «بَيْنا أنا عِنْدَ عائِشَةَ، إذْ دَخَلَتْ عَلَيْها امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ فَقالَتْ: فَعَلَ اللَّهُ بِابْنِها وفَعَلَ. فَقالَتْ عائِشَةُ: ولِمَ ؟ قالَتْ: إنَّهُ كانَ فِيمَن حَدَّثَ الحَدِيثَ قالَتْ: وأيُّ حَدِيثٍ ؟ قالَتْ كَذا وكَذا. قالَتْ: وقَدْ بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ نَعَمْ، وبَلَغَ أبا بَكْرٍ ؟ قالَتْ: نَعَمْ. فَخَرَّتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَغْشِيًّا عَلَيْها. فَما أفاقَتْ وإلّا وعَلَيْها حُمّى بِنافِضٍ. قالَتْ: فَقُمْتُ فَدَثَّرْتُها. قالَتْ: فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: فَما شَأْنُ هَذِهِ ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخَذَتْها حُمّى بِنافِضٍ. قالَ: فَلَعَلَّهُ في حَدِيثٍ تُحُدِّثَ بِهِ ؟ قالَتْ: فاسْتَوَتْ عائِشَةُ قاعِدَةً، فَقالَتْ: واللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لَكم لا تُصَدِّقُونِي، (p-٤٤٧٣)ولَئِنْ اعْتَذَرْتُ إلَيْكم لا تَعْذُرُونِي. فَمَثَلِي ومَثَلُكم كَمَثَلِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ حِينَ قالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَها. فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ. فَدَخَلَ فَقالَ: يا عائِشَةُ ! إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْزَلَ عُذْرَكِ. فَقالَتْ: بِحَمْدِ اللَّهِ لا بِحَمْدِكَ. فَقالَ لَها أبُو بَكْرٍ: تَقُولِينَ هَذا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: نَعَمْ. قالَتْ: وكانَ فِيمَن حَدَّثَ هَذا الحَدِيثَ رَجُلٌ يَعُولُهُ أبُو بَكْرٍ. فَحَلَفَ ألّا يَصِلَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] إلى آخِرِ الآيَةِ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: بَلى، فَوَصَلَهُ» . تَفَرَّدَ بِهِ البُخارِيُّ. المَطْلَبُ الثّانِي: قالَ في (الإكْلِيلِ ") في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ [النور: ١١] نَزَلَتْ في بَراءَةِ عائِشَةَ مِمّا قُذِفَتْ بِهِ، فاسْتَدَلَّ بِها الفُقَهاءُ عَلى أنَّ قاذِفَها يُقْتَلُ لِتَكْذِيبِهِ لِنَصِّ القُرْآنِ قالَ العُلَماءُ: قَذْفُ عائِشَةَ كُفْرٌ. لِأنَّ اللَّهَ سَبَّحَ نَفْسَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ. فَقالَ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] كَما سَبَّحَ نَفْسَهُ عِنْدَ ذِكْرِ ما وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الزَّوْجَةِ والوَلَدِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] تَحْرِيمُ ظَنِّ السُّوءِ، وأنَّهُ لا يُحْكَمُ بِالظَّنِّ. وأنَّ مَن عُرِفَ بِالصَّلاحِ لا يَعْدِلُ بِهِ عَنْهُ لِخَبَرِ مُخْبِرٍ. وأنَّ القاذِفَ مُكَذَّبٌ شَرْعًا، ما لَمْ يَأْتِ بِالشُّهَداءِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] الآيَةَ، الحَثُّ عَلى سَتْرِ المُؤْمِنِ وعَدَمِ هَتْكِهِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ، قالَ: مَن حَدَّثَ بِما أبْصَرَتْ عَيْناهُ وسَمِعَتْ أُذُناهُ فَهو مِنَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا، وأخْرَجَ عَنْ عَطاءٍ قالَ: مَن أشاعَ الفاحِشَةَ فَعَلَيْهِ النَّكالُ وإنْ كانَ صادِقًا. (p-٤٤٧٤)وأخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي زَكَرِيّا، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هو الرَّجُلُ يُتَكَلَّمُ عِنْدَهُ في الرَّجُلِ، فَيَشْتَهِي ذَلِكَ ولا يُنْكِرُ عَلَيْهِ. وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] الآيَةَ. النَّهْيُ عَنِ الحَلِفِ ألّا يَفْعَلَ خَيْرًا، وأنَّ مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها، يُسْتَحَبُّ لَهُ الحِنْثُ. وفِيهِ الأمْرُ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ. واسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٢٣] الآيَةَ، نَزَلَتْ في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، يُقْتَلُ قاذِفُهُنَّ، إذا لَمْ يُذْكَرْ لَهُ تَوْبَةٌ، كَما ذَكَرْتُ في قاذِفِ غَيْرِهِنَّ في أوَّلِ السُّورَةِ انْتَهى. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها خاصَّةٌ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والصَّحِيحُ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِكُلِّ المُؤْمِناتِ، ويَدْخُلُ فِيهِنَّ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، لا سِيَّما مَن كانَتْ سَبَبَ نُزُولِها، وهي عائِشَةُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ قاطِبَةً، عَلى أنَّ مَن سَبَّها بَعْدَ هَذا الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ كافِرٌ لِأنَّهُ مُعانِدٌ لِلْقُرْآنِ. وفي بَقِيَّةِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ قَوْلانِ: أصَحُّهُما: أنَّهُنَّ كَهي. واللَّهُ أعْلَمُ. الثّالِثُ: قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآيَةَ أخْبَرَ تَعالى أنَّ النِّساءَ الخَبِيثاتِ لِلرِّجالِ الخَبِيثِينَ. فَلا تَكُونُ خَبِيثَةٌ لِطَيِّبٍ. فَإنَّهُ خِلافُ الحَصْرِ. وأخْبَرَ أنَّ الطَّيِّبِينَ لِلطَّيِّباتِ فَلا يَكُونُ طَيِّبٌ لِخَبِيثَةٍ، فَإنَّهُ خِلافُ الحَصْرِ. إذْ قَدْ ذَكَرَ أنَّ جَمِيعَ الخَبِيثاتِ لِلْخَبِيثِينَ. فَلا يَبْقى خَبِيثَةٌ لِطَيِّبٍ ولا طَيِّبٌ لِخَبِيثَةٍ. وأخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ الطَّيِّباتِ لِلطَّيِّبِينَ. فَلا يَبْقى طَيِّبَةٌ لِخَبِيثٍ. فَجاءَ الحَصْرُ مِنَ الجانِبَيْنِ، مُوافِقًا لِقَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] الآيَةَ. ولِهَذا قالَ مَن قالَ مِنَ السَّلَفِ: ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، فَإنَّ السُّورَةَ نَزَلَ صَدْرُها بِسَبَبِ أهْلِ الإفْكِ. ولِهَذا لَمّا صارَتْ شُبْهَةً، اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ (p-٤٤٧٥)فِي طَلاقِها. إذْ لا يَصْلُحُ لَهُ أنْ تَكُونَ امْرَأتُهُ غَيْرَ طَيِّبَةٍ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ دَيُّوثٌ»» وهو الَّذِي يُقِرُّ السُّوءَ في أهْلِهِ، ولِهَذا كانَتِ الغَيْرَةُ عَلى الزِّنى مِمّا يُحِبُّها اللَّهُ وأمَرَ بِها. حَتّى قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««أتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْدٍ ؟ لَأنا أغْيَرُ مِنهُ، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي»»، مِن أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ. ولِهَذا أذِنَ اللَّهُ لِلْقاذِفِ إذا كانَ زَوْجًا، أنْ يُلاعِنَ، لِأجْلِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الغَيْرَةِ، ولِأنَّها أفْسَدَتْ فِراشَهُ، وإنْ حَبِلَتْ مِنَ الزِّنى، فَعَلَيْهِ اللِّعانُ، لِئَلّا يَلْحَقَ بِهِ مَن لَيْسَ مِنهُ. ومَضَتِ السُّنَّةُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُما، سَواءٌ حَصَلَتِ الفُرْقَةُ بِالتَّلاعُنِ أوْ بِحاكِمٍ أوْ عِنْدَ انْقِضاءِ لِعانِ الزَّوْجِ. لِأنَّ أحَدَهُما مَلْعُونٌ أوْ خَبِيثٌ. فاقْتِرانُهُما يَقْتَضِي مُقارَنَةَ الخَبِيثِ لِلطَّيِّبِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ في النّاقَةِ الَّتِي لَعَنَتْها المَرْأةُ، أنَّهُ أمَرَ فَأُخِذَ ما عَلَيْها وأُرْسِلَتْ. وقالَ: ««لا تَصْحَبُنا ناقَةٌ مَلْعُونَةٌ»» . ولَمّا اجْتازَ بِدِيارِ ثَمُودَ قالَ: ««لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ. لِئَلّا يُصِيبَكم ما أصابَهم»» . فَنَهى عَنْ عُبُورِ دِيارِهِمْ إلّا عَلى وجْهِ الخَوْفِ المانِعِ مِنَ العَذابِ. وهَكَذا السُّنَّةُ في مُقارَنَةِ الظّالِمِينَ والزُّناةِ وأهْلِ البِدَعِ والفُجُورِ وسائِرِ المَعاصِي. لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُقارِنَهم ويُخالِطَهم إلّا عَلى وجْهٍ يَسْلَمُ بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأقَلُّ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُنْكِرًا لِظُلْمِهِمْ، ماقِتًا لَهم شانِئًا ما هم فِيهِ بِحَسَبِ الإمْكانِ. كَما في قَوْلِهِ: ««مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا لِظُلْمِهِمْ، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إلَخْ»» . وقالَ تَعالى: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] الآيَةَ، وكَذَلِكَ ما ذَكَرَهُ عَنْ يُوسُفَ وعَمَلِهِ لِصاحِبِ مِصْرَ لِقَوْمٍ كُفّارٍ. وذَلِكَ أنَّ مُقارَنَةَ الكُفّارِ إنَّما يَفْعَلُها المُؤْمِنُ في مَوْضِعَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ (p-٤٤٧٦)يَكُونَ مُكْرَهًا عَلَيْها. الثّانِي: أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ، راجِحَةٌ عَلى مَفْسَدَةِ المُقارَنَةِ، أوْ أنْ يَكُونَ في تَرْكِها مَفْسَدَةٌ راجِحَةٌ في دِينِهِ فَيَدْفَعُ أعْظَمَ المَفْسَدَيْنِ بِاحْتِمالِ أدْناهُما، وتَحْصُلُ المَصْلَحَةُ الرّاجِحَةُ بِاحْتِمالِ المَفْسَدَةِ المَرْجُوحَةِ. وفي الحَقِيقَةِ: المُكْرَهُ هو مَن يَدْفَعُ الفَسادَ بِاحْتِمالِ أدْناهُما. وهو الأمْرُ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ [النور: ٣٣] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩] وقالَ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ [النساء: ٧٥] فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى النَّهْيِ عَنْ مُناكَحَةِ الزّانِي، والمُناكَحَةُ نَوْعٌ خاصٌّ مِنَ المُصاحَبَةِ. والمُناكَحَةُ في أصْلِ اللُّغَةِ المُجامَعَةُ. فَقُلُوبُهُما تَجْتَمِعُ إذا عُقِدَ النِّكاحُ بَيْنَهُما، ويَصِيرُ بَيْنَهُما مِنَ التَّعاطُفِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ. حَتّى يُثْبِتَ ذَلِكَ حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ في غَيْرِ الرَّبِيبَةِ، بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ في التَّوارُثِ وعِدَّةِ الوَفاةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وأوْسَطُ ذَلِكَ اجْتِماعُهُما خالِيَيْنِ في مَكانٍ واحِدٍ، وهو المُعاشَرَةُ المُقَرِّرَةُ لِلصَّداقِ، كَما أفْتى بِهِ الخُلَفاءُ. وآخِرُ ذَلِكَ اجْتِماعُ المُباضَعَةِ. وهَذا، وإنِ اجْتَمَعَ بِدُونِ عَقْدِ نِكاحٍ، فَهو اجْتِماعٌ ضَعِيفٌ، بَلِ اجْتِماعُ القُلُوبِ أعْظَمُ مِن مُجَرَّدِ اجْتِماعِ البَدَنَيْنِ بِالسِّفاحِ ودَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ عَلى ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَعْنى ومِن جِهَةِ اللَّفْظِ ودَلَّ أيْضًا عَلى النَّهْيِ عَنْ مُقارَنَةِ الفُجّارِ ومُزاوِجَتِهِمْ، كَما دَلَّ عَلى هَذا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ. مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أيْ: نُظَراءَهم وأشْباهَهم. والزَّواجُ أعَمُّ مِنَ النِّكاحِ المَعْرُوفِ. قالَ تَعالى: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ [الشورى: ٥٠] وقالَ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] وقالَ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] وقالَ: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] وقالَ: ﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ [النبإ: ٨] (p-٤٤٧٧). وقالَ: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] وإنْ كانَ في الآيَةِ نَصٌّ في الزَّوْجَةِ الَّتِي هي الصّاحِبَةُ وفي الوَلَدِ مِنها. فَمَعْنى ذَلِكَ: في كُلِّ مُشابِهٍ ومُقارَنٍ في كُلِّ نَوْعٍ وتابِعٍ: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] الآيَتَيْنِ. فالمُصاحَبَةُ والمُصاهَرَةُ والمُؤاخاةُ لا تَجُوزُ إلّا مَعَ طاعَةِ اللَّهِ عَلى مُرادِ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الَّذِي في السُّنَنِ ««لا تُصاحِبْ إلّا مُؤْمِنًا. ولا يَأْكُلْ طَعامَكَ إلّا تَقِيٌّ»» وفِيها ««المَرْءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ»» وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ««إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ» إلى قَوْلِهِ «ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَبِعْها ولَوْ بِضَفِيرٍ»» والضَّفِيرُ الحَبْلُ وهَذا أمْرٌ بِبَيْعِها ولَوْ بِأدْنى ما يُقابِلُهُ. قالَ أحْمَدُ: إنْ لَمْ يَبِعْها كانَ تارِكًا لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . والإماءُ اللّاتِي يَفْعَلْنَ هَذا، يَكُونُ عامَّتُهُنَّ لِلْخِدْمَةِ. فَكَيْفَ بِأمَةِ التَّمَتُّعِ ؟ وإذا وجَبَ إخْراجُ الأمَةِ الزّانِيَةِ عَنْ مِلْكِهِ، فَكَيْفَ بِالزَّوْجَةِ الزّانِيَةِ ؟ والعَبْدُ نَظِيرُ الأمَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ مَن آوى مُحْدِثًا» فَهَذا يُوجِبُ لَعْنَةَ كُلِّ مَن آوى مُحْدِثًا. (p-٤٤٧٨)سَواءٌ كانَ إحْداثُهُ بِالزِّنى أوِ السَّرِقَةِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وسَواءٌ كانَ الإيواءُ بِمِلْكِ اليَمِينِ، أوْ نِكاحٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لِأنَّ أقَلَّ ما فِيهِ تَرْكُ إنْكارِ المُنْكَرِ. والمُؤْمِنُ يَحْتاجُ إلى امْتِحانِ مَن يُرِيدُ أنْ يُصاحِبَهُ ويُقارِنَهُ، بِالنِّكاحِ وغَيْرِهِ. قالَ تَعالى: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وكَذَلِكَ المَرْأةُ الَّتِي زَنى بِها رَجُلٌ، فَإنَّهُ لا يَتَزَوَّجُها إلّا بَعْدَ التَّوْبَةِ في الأصَحِّ. كَما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والآثارُ. لَكِنْ إذا أرادَ أنْ يَمْتَحِنَها. هَلْ هي صَحِيحَةُ التَّوْبَةِ ؟ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: يُراوِدُها. فَإنْ أجابَتْهُ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُها. وإنْ لَمْ تُجِبْهُ فَقَدْ تابَتْ. ونَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ. وقِيلَ: هَذا فِيهِ طَلَبُ الفاحِشَةِ. وقَدْ تَنْقُضُ التَّوْبَةَ. وقَدْ تَأْمُرُهُ نَفْسُهُ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ. ويُزَيِّنُ لَهُ الشَّيْطانُ، لا سِيَّما إنْ كانَ يُحِبُّها وتُحِبُّهُ، وقَدْ ذاقَتْهُ وذاقَها. ومَن قالَ بِالأوَّلِ قالَ: الأمْرُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ امْتِحانُها، لا يَكُونُ أمْرًا بِما نَهى اللَّهُ عَنْهُ. ويُمْكِنُهُ أنْ لا يَطْلُبَ الفاحِشَةَ بَلْ يُعَرِّضُ. والتَّعْرِيضُ لِلْحاجَةِ جائِزٌ بَلْ واجِبٌ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ. وأمّا نَقْضُها، فَإذا جازَ أنْ تَنْقُضَ لِلتَّوْبَةِ مَعَهُ، جازَ أنْ تَنْقُضَها مَعَ غَيْرِهِ والمَقْصُودُ أنْ تَكُونَ مُمْتَنِعَةً مِمَّنْ يُراوِدُها. وأمّا تَزْيِينُ الشَّيْطانِ لَهُ الفِعْلَ. فَهَذا داخِلٌ في كُلِّ أمْرٍ يَفْعَلُهُ الإنْسانُ مِنَ الخَيْرِ يَجِدُ فِيهِ مِحْنَةً. فَإذا أرادَ المُؤْمِنُ أنْ يُصاحِبَ أحَدًا، وقَدْ ذُكِرَ عَنْهُ الفُجُورُ، وقِيلَ إنَّهُ تابَ، أوْ كانَ ذَلِكَ مَقُولًا صِدْقًا أوْ كَذِبًا، فَإنَّهُ يَمْتَحِنُهُ بِما يَظْهَرُ بِهِ بِرُّهُ وفُجُورُهُ، وكَذَلِكَ إذا أرادَ أنْ يُوَلِّيَ أحَدًا وِلايَةً، امْتَحَنَهُ، كَما أمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ غُلامَهُ أنْ يَمْتَحِنَ ابْنَ أبِي مُوسى، لَمّا أعْجَبَهُ سَمْتُهُ. فَقالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ مَكانِي عِنْدَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ. فَكَمْ تُعْطِينِي إذا أشَرْتُ عَلَيْهِ بِوِلايَتِكَ ؟ فَبَذَلَ لَهُ مالًا عَظِيمًا. فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ. وكَذَلِكَ في المُعامَلاتِ. وكَذَلِكَ الصِّبْيانُ والمَمالِيكُ الَّذِينَ عُرِفُوا، أوْ قِيلَ عَنْهُمُ الفُجُورُ، وأرادَ الرَّجُلُ أنْ يَشْتَرِيَهُ فَإنَّهُ يَمْتَحِنُهُ. ومَعْرِفَةُ أحْوالِ النّاسِ تارَةً تَكُونُ بِشَهاداتِ النّاسِ، وتارَةً بِالجَرْحِ والتَّعْدِيلِ، وتارَةً بِالِاخْتِبارِ والِامْتِحانِ. * * ثُمَّ قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وكَما عَظَّمَ اللَّهُ الفاحِشَةَ، عَظَّمَ ذِكْرَها بِالباطِلِ - وهو القَذْفُ. فَقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم (p-٤٤٧٩)ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآيَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ رَمْيَ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ وما أمَرَ فِيهِ مِنَ التَّلاعُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ أهْلِ الإفْكِ وبَيَّنَ ما في ذَلِكَ مِنَ الخَيْرِ لِلْمَقْذُوفِ، وما فِيهِ مِنَ الإثْمِ لِلْقاذِفِ، وما يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ أنْ يَظُنُّوا بِإخْوانِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الخَيْرَ، ويَقُولُونَ: هَذا إفْكٌ مُبِينٌ. لِأنَّ دَلِيلَهُ كَذِبٌ ظاهِرٌ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ قَوْلٌ بِلا حُجَّةٍ فَقالَ: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لَوْلا فَضْلُهُ عَلَيْهِمْ ورَحْمَتُهُ لَعَذَّبَهم بِما تَكَلَّمُوا بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ [النور: ١٥] فَهَذا بَيانٌ لِسَبَبِ العَذابِ. وهو تَلَقِّي الباطِلِ بِالألْسِنَةِ، والقَوْلُ بِالأفْواهِ. وهُما نَوْعانِ مُحَرَّمانِ: القَوْلُ بِالباطِلِ والقَوْلُ بِلا عِلْمٍ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] فالأوَّلُ تَحْضِيضٌ عَلى الظَّنِّ الحَسَنِ، وهَذا نَهْيٌ لَهم عَنِ التَّكَلُّمِ بِالقَذْفِ. فَفي الأوَّلِ قَوْلُهُ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقَوْلُهُ ﷺ: ««إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ»» وقَوْلُهُ: ﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] دَلِيلٌ عَلى حُسْنِ مِثْلِ هَذا الظَّنِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ. وفِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ لِعائِشَةَ: ««ما أظُنُّ فُلانًا وفُلانًا يَعْرِفانِ مِن دِينِنا شَيْئًا»» ؟ فَهَذا يَقْتَضِي جَوازَ بَعْضِ الظَّنِّ، كَما احْتَجَّ البُخارِيُّ بِذَلِكَ، لَكِنَّ مَعَ العِلْمِ بِما عَلَيْهِ المَرْءُ المُسْلِمُ مِنَ الإيمانِ الرّادِعِ لَهُ عَنْ فِعْلِ الفاحِشَةِ، يَجِبُ أنْ يَظُنَّ بِهِ الخَيْرَ دُونَ الشَّرِّ. وفي الآيَةِ نَهْيٌ عَنْ تَلَقِّي مِثْلِ هَذا بِاللِّسانِ، ونَهْيٌ عَنْ قَوْلِ الإنْسانِ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ (p-٤٤٨٠)ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] واللَّهُ جَعَلَ في فِعْلِ الفاحِشَةِ والقَذْفِ مِنَ العُقُوبَةِ، ما لَمْ يَجْعَلْهُ في شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي. لِأنَّهُ جَعَلَ فِيهِ الرَّجْمَ وقَدْ رُجِمَ قَوْمُ لُوطٍ إذْ كانُوا هم أوَّلَ مَن فَعَلَ فاحِشَةَ اللِّواطِ. وجَعَلَ العُقُوبَةَ عَلى القاذِفِ بِها ثَمانِينَ جَلْدَةً، والرَّمْيُ بِغَيْرِها فِيهِ الِاجْتِهادُ. ويَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ أنْ يَبْلُغَ الثَّمانِينَ، كَما قالَ عَلِيٌّ: لا أُوتى بِأحَدٍ يُفَضِّلُنِي عَلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ إلّا جَلَدْتُهُ حَدَّ المُفْتَرِي. وكَما قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إذا شَرِبَ هَذى وإذا هَذى افْتَرى. وحَدُّ الشُّرْبِ ثَمانُونَ، وحَدُّ المُفْتَرِي ثَمانُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩] وهَذا ذَمٌّ لِمَن يُحِبُّ ذَلِكَ. وذَلِكَ يَكُونُ بِاللَّقَبِ فَقَطْ، ويَكُونُ مَعَ ذَلِكَ بِاللِّسانِ والجَوارِحِ. وهو ذَمٌّ لِمَن يَتَكَلَّمُ بِها أوْ يُخْبِرُ بِها. مَحَبَّةً لِوُقُوعِها في المُؤْمِنِينَ، إمّا حَسَدًا أوْ بُغْضًا، أوْ مَحَبَّةً لِلْفاحِشَةِ. فَكُلُّ مَن أحَبَّ فِعْلَها، ذَكَرَها. وكَرِهَ العُلَماءُ الغَزَلَ مِنَ الشِّعْرِ الَّذِي يُرَغِّبُ فِيها. وكَذَلِكَ ذِكْرُها غَيْبَةَ مُحَرَّمٍ، سَواءٌ كانَ بِنَظْمٍ أوْ نَثْرٍ. وكَذَلِكَ التَّشْبِيهُ بِمَن يَفْعَلُها، مَنهِيٌّ عَنْها مِثْلَ الأمْرِ بِها. فَإنَّ الفِعْلَ يُطْلَبُ بِالأمْرِ تارَةً وبِالإخْبارِ تارَةً. فَهَذانِ الأمْرانِ لِلْفَجَرَةِ الزُّناةِ واللُّوطِيَّةِ، مِثْلَ ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ. أُولَئِكَ يَعْتَبِرُونَ مِنَ الغَيْرَةِ بِهِمْ، وهَؤُلاءِ مِنَ الِاغْتِرارِ يَعْتَبِرُونَ. فَإنَّ أهْلَ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ يَذْكُرُونَ مِن قِصَصِ أشْباهِهِمْ ما يَكُونُ بِهِ لَهم فِيهِ قُدْوَةٌ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] الآيَةَ. قِيلَ: أرادَ الغِناءَ. وقِيلَ: أرادَ قِصَصَ مُلُوكِ الكُفّارِ. وبِالجُمْلَةِ كُلُّ ما رَغَّبَ النُّفُوسَ في الطّاعَةِ ونَهاها عَنِ المَعْصِيَةِ، فَهو مِنَ الطّاعَةِ. وما رَغَّبَ في المَعْصِيَةِ ونَهى عَنِ الطّاعَةِ، فَهو مِنَ المَعْصِيَةِ، فَأمّا ذِكْرُ الفاحِشَةِ وأهْلِها بِما يَجِبُ أوْ يُسْتَحَبُّ في الشَّرِيعَةِ، مِثْلَ النَّهْيِ عَنْها وعَنْهم، والذَّمُّ لَها ولَهم وذِكْرُ أهْلِها مُطْلَقًا حَيْثُ يُسَوِّغُ ذَلِكَ في وُجُوهِهِمْ ومَغِيبِهِمْ - فَهَذا حَسَنٌ يَجِبُ تارَةً ويُسْتَحَبُّ أُخْرى. كَما قَصَّ اللَّهُ قِصَصَ المُؤْمِنِينَ والفُجّارِ لِيَعْتَبِرُوا بِالأمْرَيْنِ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ (p-٤٤٨١)عَنْ أنْبِيائِهِ وعِبادِهِ الصّالِحِينَ، مِن ذِكْرِ الفاحِشَةِ وعَلائِقِها عَلى وجْهِ الذَّمِّ ما فِيهِ عِبْرَةٌ. فَقالَ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] إلَخْ. في مَواضِعَ، وهَذا فِيهِ مِنَ التَّوْبِيخِ ما فِيهِ، ولَيْسَ مِن بابِ القَذْفِ واللَّمْزِ. ثُمَّ تَوَعَّدُوهُ بِإخْراجِهِ مِنَ القَرْيَةِ. وهَذا حالُ أهْلِ الفُجُورِ، إذا كانَ بَيْنَهم مَن يَنْهاهم طَلَبُوا إخْراجَهُ. وقَدْ عاقَبَ اللَّهُ عَلى الفاحِشَةِ اللُّوطِيَّةِ بِما أرادُوا أنْ يَقْصِدُوا بِهِ أهْلَ التَّقْوى. حَيْثُ أمَرَ بِنَفْيِ الزّانِي والمُخَنَّثِ. فَمَضَتِ السُّنَّةُ، بِنَفْيِ هَذا وهَذا. وهو سُبْحانَهُ وتَعالى أخْرَجَ المُتَّقِينَ مِن بَيْنِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ. وكَذَلِكَ ما ذَكَرَهُ تَعالى في قِصَّةِ يُوسُفَ في قَوْلِهِ: ﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤] وما ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِ يُوسُفَ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] وهَذا مِن بابِ الِاعْتِبارِ الَّذِي يُوجِبُ النُّفُورَ عَنِ المَعْصِيَةِ والتَّمَسُّكَ بِالتَّقْوى. وكَذَلِكَ ما بَيَّنَهُ في آخِرِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١] الآيَةَ، ومَعَ هَذا، فَمِنَ النّاسِ مَن يُحِبُّ سَماعَها لِما فِيهِ مَن ذِكْرِ العِشْقِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ، لِمَحَبَّتِهِ لِذَلِكَ ولِرَغْبَتِهِ في الفاحِشَةِ، حَتّى إنَّ مِنهم مَن يُسْمِعُها النِّساءَ لِمَحَبَّتِهِمْ لِلسُّوءِ، ولا يَخْتارُونَ أنْ يَسْمَعُوا ما في سُورَةِ النُّورِ مِنَ العُقُوبَةِ والنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. حَتّى قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُلُّ ما حَصَّلْتُهُ مِن سُورَةِ يُوسُفَ أنْفَقْتُهُ في سُورَةِ النُّورِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ونُنَـزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وقالَ: ﴿وإذا ما أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] الآياتِ. فَكُلُّ أحَدٍ يُحِبُّ سَماعَ ذَلِكَ لِتَحَرِّيكِ المَحَبَّةِ المَذْمُومَةِ، ويَبْغُضُ سَماعَ ذَلِكَ إعْراضًا عَنْ دَفْعِ هَذِهِ المَحَبَّةِ، فَهو مَذْمُومٌ ومِن هَذا ذِكْرُ أحْوالِ الكُفّارِ والفُجّارِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ تَرْغِيبٌ في المَعْصِيَةِ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ومِنهُ سَماعُ كَلامِ أهْلِ البِدَعِ، والنَّظَرُ (p-٤٤٨٢)فِي كُتُبِهِمْ لِمَن يَضُرُّهُ ذَلِكَ، فَهَذا البابُ تَجْتَمِعُ فِيهِ الشُّبُهاتُ والشَّهَواتُ. واللَّهُ تَعالى ذَمَّ هَؤُلاءِ في مِثْلِ قَوْلِهِ:﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] وقَوْلِهِ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَـزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] وما بَعْدَها، وقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ [الأعراف: ١٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ [الأنعام: ١١٦] ومِثْلُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، فَأهْلُ المَعاصِي كَثِيرٌ في العالَمِ، بَلْ هم أكْثَرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] الآيَةَ، وفي النُّفُوسِ مِنَ الشُّبُهاتِ المَذْمُومَةِ والشَّهَواتِ قَوْلًا وعَمَلًا ما يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وأهْلُها يَدْعُونَ النّاسَ إلَيْها ويَقْهَرُونَ مَن يَعْصِيهِمْ، ويُزَيِّنُونَها لِمَن يُطِيعُهم. فَهم أعْداءُ الرُّسُلِ وأنْدادُهم. فالرُّسُلُ يَدْعُونَ إلى الطّاعَةِ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ. ويُجاهِدُونَهم عَلَيْها. ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعاصِي ويُحَذِّرُونَ مِنها بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ. ويُجاهِدُونَ مَن يَفْعَلُها. قالَ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧] الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦] ومِثْلُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ واللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ أمَرَنا بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. والأمْرُ بِالشَّيْءِ مَسْبُوقٌ بِمَعْرِفَتِهِ، فَمَن لا يَعْلَمُ المَعْرُوفَ لا يُمْكِنُهُ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ. والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ مَسْبُوقٌ بِمَعْرِفَتِهِ، فَمَن لا يَعْلَمُهُ لا يُمْكِنُهُ النَّهْيُ عَنْهُ. * * وقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنا فِعْلَ المَعْرُوفِ وتَرْكَ المُنْكَرِ. فَإنَّ حُبَّ الشَّيْءِ وفِعْلَهُ، وبُغْضَ ذَلِكَ وتَرْكَهُ (p-٤٤٨٣)لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِهِما، حَتّى يَصِحَّ القَصْدُ إلى فِعْلِ المَعْرُوفِ وتَرْكِ المُنْكَرِ. فَإنَّ ذَلِكَ مَسْبُوقٌ بِعِلْمِهِ، فَمَن لَمْ يَعْلَمِ الشَّيْءَ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُ حُبٌّ لَهُ ولا بُغْضٌ، ولا فِعْلٌ ولا تَرْكٌ. لَكِنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ والأمْرَ بِهِ يَقْتَضِي أنْ يَعْلَمَهُ عِلْمًا مُفَصَّلًا يُمْكِنُ مَعَهُ فِعْلُهُ والأمْرُ بِهِ إذا أُمِرَ بِهِ مُفَصَّلًا. ولِهَذا أوْجَبَ اللَّهُ عَلى الإنْسانِ مَعْرِفَةَ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الواجِباتِ مِثْلَ صِفَةِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والحَجِّ والجِهادِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. فَإذا أُمِرَ بِأوْصافٍ فَلا بُدَّ مِنَ العِلْمِ بِثُبُوَتِها. فَكَما أنّا لا نَكُونُ مُطِيعِينَ إذا عَلِمْنا عَدَمَ الطّاعَةِ، فَلا نَكُونُ مُطِيعِينَ إذا لَمْ نَعْلَمْ وُجُودَها. بَلِ الجَهْلُ بِوُجُودِها كالعِلْمِ بِعَدَمِها. وكُلٌّ مِنهُما مَعْصِيَةٌ. فَإنَّ الجَهْلَ بِالتَّساوِي كالعِلْمِ بِالتَّفاضُلِ في بَيْعِ الأمْوالِ الرِّبَوِيَّةِ. وأمّا مَعْرِفَةُ ما يَتْرُكُهُ ويَنْهى عَنْهُ فَقَدْ يَكْتَفِي بِمَعْرِفَتِهِ في بَعْضِ المَواضِعِ مُجْمَلًا. فَإنَّ الإنْسانَ يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ المُنْكَرِ وإنْكارِهِ. وقَدْ يَحْتاجُ إلى الحُجَجِ المُبَيِّنَةِ لِذَلِكَ. وإلى الجَوابِ عَمّا يُعارِضُ بِهِ أصْحابَها، وإلى دَفْعِ أهْوائِهِمْ. وذَلِكَ يَحْتاجُ إلى إرادَةٍ جازِمَةٍ وقُدْرَةٍ عَلى ذَلِكَ. ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِالصَّبْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] وأوَّلُ ذَلِكَ أنْ تُذْكَرَ الأقْوالُ والأفْعالُ عَلى وجْهِ الذَّمِّ لَها والنَّهْيِ عَنْها. وبَيانُ ما فِيها مِنَ الفَسادِ. فَإنَّ الإنْكارَ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، قَبْلَ الإنْكارِ بِاليَدِ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ القُرْآنِ فِيما يَذْكُرُهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ والعُصاةِ، كَما أنَّ فِيما يَذْكُرُهُ أهْلُ العِلْمِ والإيمانِ عَلى وجْهِ المَدْحِ والحُبِّ وبَيانِ مَنفَعَتِهِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] الآياتِ. وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا. فالَّذِي يُحِبُّ أقْوالَهم وأفْعالَهم هو مِنهم. إمّا كافِرٌ إمّا فاجِرٌ. ولَيْسَ مِنهم مَن هو بِعَكْسِهِ. ولَكِنْ لا يُثابُ عَلى مُجَرَّدِ عَدَمِ ذَلِكَ. وإنَّما يُثابُ عَلى قَصْدِهِ لِتَرْكِ ذَلِكَ وإرادَتِهِ، وذَلِكَ مَسْبُوقٌ بِالعِلْمِ بِقُبْحِ ذَلِكَ وبُغْضِهِ لِلَّهِ. وهَذا العِلْمُ والقَصْدُ والبُغْضُ هو مِنَ الإيمانِ الَّذِي يُثابُ عَلَيْهِ، وهو أدْنى الإيمانِ، كَما قالَ ﷺ: «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا» إلى قَوْلِهِ: (p-٤٤٨٤)«وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ» وتَغْيِيرُ القَلْبِ يَكُونُ بِالبُغْضِ لِذَلِكَ وكَراهَتِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِهِ وبِقُبْحِهِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ الإنْكارُ بِاللِّسانِ ثُمَّ يَكُونُ بِاليَدِ. والنَّبِيُّ ﷺ قالَ: ««وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ»» فِيمَن رَأى المُنْكَرَ. فَأمّا إذا رَآهُ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ مُنْكَرٌ. ولَمْ يَكْرَهْهُ، لَمْ يَكُنْ هَذا الإيمانُ مَوْجُودًا في القَلْبِ في حالِ وُجُودِهِ ورُؤْيَتِهِ، بِحَيْثُ يَجِبُ بُغْضُهُ وكَراهَتُهُ، والعِلْمُ بِقُبْحِهِ يُوجِبُ جِهادَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ إذا وُجِدُوا. وإذا لَمْ يَكُنِ المُنْكَرُ مَوْجُودًا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ ويُثابُ مَن أنْكَرَهُ عِنْدَ وُجُودِهِ، ولا يُثابُ مَن لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ حَتّى يُنْكِرَهُ وكَذَلِكَ ما يَدْخُلُ في ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ والمُنْكَراتِ، قَدْ يُعْرِضُ عَنْها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، إعْراضَهم عَنْ جِهادِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ. وعَنِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. فَهَؤُلاءِ وإنْ كانُوا مِنَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ هَجَرُوا السَّيِّئاتِ، فَلَيْسُوا مِنَ المُجاهِدِينَ الَّذِينَ يُجاهِدُونَ في إزالَتِها. حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، فَتَدَبَّرْ هَذا فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يَجْتَمِعُ في كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ هَذانِ الأمْرانِ: بُغْضُ الكُفْرِ وأهْلِهِ، وبُغْضُ الفُجُورِ وأهْلِهِ، وبُغْضُ نَهْيِهِمْ وجِهادِهِمْ، كَما يُحِبُّ المَعْرُوفَ وأهْلَهُ، ولا يُحِبُّ أنْ يَأْمُرَ بِهِ، ولا يُجاهِدَ عَلَيْهِ بِالنَّفْسِ والمالِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] الآيَةَ. قالَ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، بَلْ أكْثَرُهم، كَراهَتُهم لِلْجِهادِ عَلى المُنْكَراتِ أعْظَمُ مِن كَراهَتِهِمْ لِلْمُنْكَراتِ، ولا سِيَّما إذا كَثُرَتِ المُنْكَراتُ وقَوِيَتْ فِيها الشُّبُهاتُ والشَّهَواتُ. فَرُبَّما مالُوا إلَيْها تارَةً وعَنْها أُخْرى. فَتَكُونُ نَفْسُ أحَدِهِمْ لَوّامَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ أمّارَةً. (p-٤٤٨٥) ثُمَّ إذا ارْتَقى إلى الحالِ الأعْلى في هَجْرِ السَّيِّئاتِ، وصارَتْ نَفْسُهُ مُطَمْئِنَةً، تارِكًا لِلْمُنْكَراتِ والمَكْرُوهاتِ، لا تُحِبُّ الجِهادَ ومُصابَرَةَ العَدُوِّ عَلى ذَلِكَ، واحْتِمالِ ما يُؤْذِيهِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فَإنَّ هَذا شَيْءٌ آخَرُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] والشَّفاعَةُ: الإعانَةُ. إذِ المُعِينُ قَدْ صارَ شَفِيعًا لِلْمُعانِ. فَكُلُّ مَن أعانَ عَلى بِرٍّ أوْ تَقْوى كانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنهُ. ومَن أعانَ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ كانَ لَهُ كِفْلٌ مِنهُ. وهَذا حالُ النّاسِ فِيما يَفْعَلُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ وأيْدِيهِمْ، مِنَ الإعانَةِ عَلى البِرِّ والتَّقْوى والإعانَةِ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ، ومِن ذَلِكَ الجِهادُ بِالنَّفْسِ والمالِ عَلى ذَلِكَ مِنَ الجانِبَيْنِ. كَما قالَ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] ومِن ها هُنا يَظْهَرُ الفَرْقُ في السَّمْعِ والبَصَرِ مِنَ الإيمانِ وآثارِهِ والكُفْرِ وآثارِهِ. والفَرْقُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ الكافِرِ الفاجِرِ. فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يَسْمَعُونَ إقْبالَ أهْلِ الإيمانِ فَيَشْهَدُونَ رُؤْيَتَهم عَلى وجْهِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ لَهم ولِأخْبارِهِمْ وآثارِهِمْ، كَرُؤْيَةِ الصَّحابَةِ النَّبِيَّ ﷺ وسَمِعِهِمْ لِما بَلَّغَهم عَنِ اللَّهِ. والكافِرُ والمُنافِقُ يَسْمَعُ ويَرى عَلى وجْهِ البُغْضِ والجَهْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: ٥١] الآيَةَ. وقالَ: ﴿فَإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠] وقالَ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] وقالَ: ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] وقالَ تَعالى في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا (p-٤٤٨٦)عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] وقالَ في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] والآياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وكَذَلِكَ النَّظَرُ إلى زِينَةِ الدُّنْيا فِتْنَةٌ. قالَ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [طه: ١٣١] وفي آخِرِ الحِجْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] وقالَ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] الآيَةَ، وقالَ: ﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٢٨] الآيَةَ، وقالَ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] الآياتِ، وقالَ: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] الآيَةَ، وقالَ: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [سبإ: ٩] الآيَةَ. وكَذَلِكَ قالَ الشَّيْطانُ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨] وقالَ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ [الشعراء: ٦١] الآياتِ. وقالَ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ [الأنفال: ٤٣] الآياتِ. فالنَّظَرُ إلى مَتاعِ الدُّنْيا عَلى وجْهِ المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ لَها ولِأهْلِها، مَنهِيٌّ عَنْهُ. والنَّظَرُ إلى المَخْلُوقاتِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ عَلى وجْهِ الِاعْتِبارِ مَأْمُورٌ بِهِ. وأمّا رُؤْيَةُ ذَلِكَ عِنْدَ الجِهادِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لِدَفْعٍ شَرِّ أُولَئِكَ، فَمَأْمُورٌ بِهِ. وكَذَلِكَ رُؤْيَةُ الِاعْتِبارِ شَرْعًا في الجُمْلَةِ. فالعَيْنُ الواحِدَةُ يُنْظَرُ إلَيْها تارَةً نَظَرًا مَأْمُورًا بِهِ. إمّا لِلِاعْتِبارِ وإمّا لِبُغْضِ ذَلِكَ. والنَّظَرُ إلَيْهِ لِبُغْضِ الجِهادِ مَنهِيٌّ عَنْهُ. وكَذَلِكَ المُوَلّاةُ والمُعاداةُ. وقَدْ يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ فِتْنَةٌ بِنَظَرِ مَنهِيٍّ عَنْهُ، وهو يَظُنُّ أنَّهُ نَظْرَةُ عِبْرَةٍ. وقَدْ يُؤْمَرُ بِالجِهادِ فَيَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ نَظَرُ فِتْنَةٍ، كالَّذِينِ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] فَإنَّها نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ لَمّا أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَتَجَهَّزَ لِغَزْوِ الرُّومِ فَقالَ: إنِّي مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ وأخافُ الفِتْنَةَ بِنِساءِ الرُّومِ. فَهَذا ونَحْوُهُ مِمّا يَكُونُ بِاللِّسانِ مِنَ القَوْلِ. وأمّا (p-٤٤٨٧)ما يَكُونُ مِنَ الفِعْلِ بِالجَوارِحِ، فَكُلُّ عَمَلٍ يَتَضَمَّنُ مَحَبَّةَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا، داخِلٌ في هَذا. بَلْ يَكُونُ عَذابُهُ أشَدَّ. فَإنَّ اللَّهَ قَدْ تَوَعَّدَ بِالعَذابِ عَلى مُجَرَّدِ المَحَبَّةِ. وهَذِهِ قَدْ لا يَقْتَرِنُ بِها قَوْلٌ ولا فِعْلٌ. فَكَيْفَ إذا اقْتَرَنَ ؟ بَلْ عَلى الإنْسانِ أنْ يَبْغَضَ ما أبْغَضَهُ اللَّهُ تَعالى مِن فِعْلِ الفاحِشَةِ والقَذْفِ بِها وإشاعَتِها في الَّذِينَ آمَنُوا. ومَن رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ حُشِرَ مَعَهم. كَما حُشِرَتِ امْرَأةُ لُوطٍ مَعَهم. ولَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ فاحِشَةَ اللِّواطِ. فَإنَّهُ لا يَقَعُ مِنَ المَرْأةِ. ولَكِنْ لَمّا رَضِيَتْ فِعْلَهم، عَمَّها مَعَهُمُ العَذابُ. فَمِن هَذا البابِ قِيلَ: مَن أعانَ عَلى الفاحِشَةِ وإشاعَتِها، مِثْلَ القَوّادِ. لِما يَحْصُلُ لَهُ مِن رِياسَةٍ أوْ سُؤْدُدٍ أوْ سُحْتٍ يَأْكُلُهُ. وكَذَلِكَ أهْلُ الصِّناعاتِ الَّتِي تُنْفِقُ، مِثْلَ المُغَنِّينَ وشَرَبَةِ الخَمْرِ وضَمانِ الجِهاتِ السُّلْطانِيَّةِ وغَيْرِها، فَإنَّهم يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا. فَإنَّها إذا شاعَتْ تَمَكَّنُوا مِن أغْراضِهِمْ مِنَ الرِّياسَةِ والمالِ وفِعْلِ الفاحِشَةِ وتَمَكَّنُوا مِن دَفْعِ مَن يُنْكِرُها، بِخِلافِ ما إذا كانَتْ قَلِيلَةً. ولا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ أنَّ ما يَدْعُوا إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ ويَنْهى عَنْ طاعَتِهِ، مَنهِيٌّ عَنْهُ مُحَرَّمٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أيْ: ما فِيها مِن ذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وامْتِثالِ أمْرِهِ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ. وقالَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ: ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٩١] أيْ: يُوقِعُكم ذَلِكَ في مَعْصِيَتِهِ الَّتِي هي العَداوَةُ والبَغْضاءُ، وهَذا مِن أعْظَمِ المُنْكَراتِ الَّتِي تَنْهى عَنْهُ الصَّلاةُ، والخَمْرُ تَدْعُو إلى الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، كَما هو الواقِعُ. فَإنَّ شارِبَ الخَمْرِ تَدْعُوهُ نَفْسُهُ إلى الجِماعِ حَلالًا كانَ أوْ حَرامًا. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَذْكُرِ الجِماعَ، لِأنَّ الخَمْرَ لا يَدْعُو إلى الحَرامِ بِعَيْنِهِ مِنَ الجِماعِ. والسُّكْرُ يُزِيلُ العَقْلَ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. والعَقْلُ الصَّحِيحُ يَنْهى عَنْ مُواقَعَةِ الحَرامِ. ولِهَذا يُكْثِرُ شارِبُ الخَمْرِ مِن مُواقَعَةِ الفَواحِشِ. ما لا يُكْثِرُ مِن غَيْرِها، حَتّى رُبَّما يَقَعُ عَلى ابْنَتِهِ وابْنِهِ ومَحارِمِهِ. وقَدْ يَسْتَغْنِي بِالحَلالِ إذا أمْكَنَهُ. ويَدْعُو شُرْبُ الخَمْرِ (p-٤٤٨٨)إلى أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالسَّرِقَةِ والمُحارَبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى الخَمْرِ وما يَسْتَتْبِعُهُ مِن مَأْكُولٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فَواحِشَ وغِناءٍ. وشُرْبُ الخَمْرِ يُظْهِرُ أسْرارَ الرِّجالِ، حَتّى يَتَكَلَّمَ شارِبُهُ بِما في باطِنِهِ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ إذا أرادُوا اسْتِفْهامَ ما في قُلُوبِ الرِّجالِ مِنَ الأسْرارِ، سَقَوْهُمُ الخَمْرَ، ورُبَّما يَشْرَبُونَ مَعَهم ما لا يَسْكَرُونَ بِهِ. وأيْضًا فالخَمْرُ تَصُدُّ الإنْسانَ عَنْ عِلْمِهِ وتَدْبِيرِهِ. فَجَمِيعُ الأُمُورِ الَّتِي تَصُدُّ عَنْها وتُوقِعُها مِنَ المَفاسِدِ داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٩١] وكَذَلِكَ إيقاعُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ هو مُنْتَهى قَصْدِ الشَّيْطانِ ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««ألا أُنَبِّئُكم بِأفْضَلَ مِن دَرَجَةِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والصَّدَقَةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ» قالُوا بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ؛ قالَ: «إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ. فَإنَّ فَسادَ ذاتِ البَيْنِ هي الحالِقَةُ. لا أقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ ولَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ»» وقَدْ ذَكَرْنا في غَيْرِ هَذا أنَّ الفَواحِشَ والظُّلْمَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ يُوقِعُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ وأنَّ كُلَّ عَداوَةٍ أوْ بَغْضاءَ فَأصْلُها مِنَ المَعْصِيَةِ والشَّيْطانُ يَأْمُرُ بِالمَعْصِيَةِ لِيُوقِعَ فِيما هو أعْظَمُ مِنها ولا يَرْضى إلّا بِغايَةِ ما قَدَرَ عَلى ذَلِكَ. وأيْضًا فالعَداوَةُ والبَغْضاءُ شَرٌّ مَحْضٌ، لا يُحِبُّهُما عاقِلٌ. بِخِلافِ المَعاصِي فَإنَّ فِيها لَذَّةً. والنُّفُوسُ تُرِيدُها، والشَّيْطانُ يَدْعُو إلَيْها، لِيُوقِعَها في شَرٍّ لا تَهْواهُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ بَيَّنَ ما يُرِيدُ الشَّيْطانُ بِالخَمْرِ والمَيْسِرِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ. ثُمَّ قالَ في سُورَةِ النُّورِ: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١] وكَذَلِكَ في البَقَرَةِ نَهى عَنِ اتِّباعِ خُطُواتِهِ، وهو اتِّباعُ أمْرِهِ بِالِاقْتِداءِ والِاتِّباعِ. وأخْبَرَ أنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والسُّوءِ والقَوْلِ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ. وقالَ فِيها: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] فَذَكَرَ أنَّ الشَّيْطانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ وبَعْدَ هَذا: ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلا﴾ [البقرة: ٢٦٨] وقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ (p-٤٤٨٩)والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] وقالَ عَنْ نَبِيِّهِ: ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآيَةَ، وقالَ عَنْ أُمَّتِهِ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٤] ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ فَتارَةً يَخُصُّ اسْمَ المُنْكَرِ بِالنَّهْيِ، وتارَةً يَقْرِنُهُ بِالفَحْشاءِ، وتارَةً يَقْرِنُ مَعَهُما البَغْيَ. وكَذَلِكَ المَعْرُوفُ، تارَةً يَخُصُّهُ بِالأمْرِ، وتارَةً يَقْرِنُ بِهِ غَيْرَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] الآيَةَ، وذَلِكَ أنَّ الأسْماءَ قَدْ يَكُونُ عُمُومُها وخُصُوصُها بِحَسَبِ الإفْرادِ والتَّرْكِيبِ. كَلَفْظِ (الفَقِيرِ والمِسْكِينِ ) . إذا عُرِفَ هَذا فاسْمُ المُنْكَرِ يَعُمُّ كُلَّ ما كَرِهَهُ اللَّهُ ونَهى عَنْهُ. واسْمُ المَعْرُوفِ يَعُمُّ كُلَّ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَرْضاهُ. وإذا قُرِنَ المُنْكَرُ بِالفَحْشاءِ، فالفَحْشاءُ مَبْناها عَلى المَحَبَّةِ. والمُنْكَرُ هو الَّذِي تُنْكِرُهُ القُلُوبُ. فَقَدْ يُظَنُّ أنَّ ما في الفاحِشَةِ مِنَ المَحَبَّةِ يُخْرِجُها عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ. فَإنَّ الفاحِشَةَ وإنْ كانَتْ مِمّا تُنْكِرُهُ القُلُوبُ فَإنَّها تَشْتَهِيها النُّفُوسُ. وكَذَلِكَ البَغْيُ، قُرِنَ بِها لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنْ مَحَبَّةِ النُّفُوسِ. ولِهَذا كانَ جِنْسُ عَذابِ صاحِبِهِ أعْظَمَ مِن جِنْسِ عَذابِ صاحِبِ الفَحْشاءِ. ومَنشَؤُهُ مِن قُوَّةِ الغَضَبِ. ولِكُلٍّ مِنَ النُّفُوسِ لَذَّةٌ بِحُصُولِ مَطْلُوبِها. فالفَواحِشُ والبَغْيُ مَقْرُونانِ بِالمُنْكَرِ. وأمّا الإشْراكُ والقَوْلُ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ، فَإنَّهُ مُنْكَرٌ مَحْضٌ. لَيْسَ في النُّفُوسِ مَيْلٌ إلَيْهِما. بَلْ إنَّما يَكُونانِ عَنْ عِنادٍ وظُلْمٍ. فَهُما مُنْكَرٌ مَحْضٌ بِالفِطْرَةِ: ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١] سَواءٌ كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الشَّيْطانِ أوْ إلى المُتَّبِعِ. فَإنَّ مَن أتى ذَلِكَ، فَإنْ كانَ الشَّيْطانُ أمَرَهُ فَهو مُتَّبِعُهُ عابِدٌ لَهُ. وإنْ كانَ الآتِي هو الآمِرُ. فالأمْرُ بِالفِعْلِ أبْلَغُ مِن فِعْلِهِ. فَمَن أمَرَ بِها غَيْرَهُ رَضِيَها لِنَفْسِهِ. * * ومِنَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ اسْتِماعُ العَبْدِ مَزامِيرَ الشَّيْطانِ. والمُغَنِّي هو مُؤَذِّنُهُ الَّذِي يَدْعُو إلى طاعَتِهِ فَإنَّ الغِناءَ رُقْيَةُ الزِّنى. وكَذَلِكَ مِنَ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ، القَوْلُ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ. كَحالِ أهْلِ (p-٤٤٩٠)البِدَعِ والفُجُورِ وكَثِيرٍ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ مُؤاخاةَ النِّساءِ والمُرْدِ وإحْضارَهم في سَماعِ الغِناءِ ودَعْوى مَحَبَّةِ صُوَرِهِمْ لِلَّهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا فُتِنَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَصارُوا ضالِّينَ مُضِلِّينَ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ نَهى المَظْلُومَ بِالقَذْفِ، أنْ يَمْنَعَ ما يَنْبَغِي فِعْلُهُ مِنَ الإحْسانِ إلى القَرابَةِ والمَساكِينِ وأهْلِ التَّوْبَةِ. وأمَرَهُ بِالعَفْوِ. فَإنَّهُ كَما يُحِبُّ أنْ يُغْفَرَ لَهُ فَلْيَغْفِرْ، ولا رَيْبَ أنَّ صِلَةَ الأرْحامِ واجِبَةٌ، وإيتاءَ المَساكِينِ واجِبٌ، ومَعُونَةَ المُهاجِرِينَ واجِبَةٌ، فَلا يَجُوزُ تَرْكُ ما يَجِبُ مِنَ الإحْسانِ إلى لِلْإنْسانِ بِمُجَرَّدِ ظُلْمِهِ: كَما لا يَمْنَعُ مِيراثَهُ وحَقَّهُ مِنَ الصَّدَقاتِ والفَيْءِ، بِمُجَرَّدِ ذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ وقَدْ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ لِبَعْضِ الذُّنُوبِ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الصِّلَةِ والنَّفَقَةِ وغَيْرِها لِذَوِي الأرْحامِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ بِفَرْضٍ ولا تَعْصِيبٍ. فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ في قِصَّةِ الإفْكِ، أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَلَفَ ألّا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحِ بْنِ أثاثَةَ، وكانَ أحَدَ الخائِضِينَ في الإفْكِ في شَأْنِ عائِشَةَ. وكانَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتَ خالَةِ أبِي بَكْرٍ. وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ مِن ذَوِي القُرْبى الَّذِينَ نَهى عَنْ تَرْكِ إيتائِهِمْ. والنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. فَإذا لَمْ يَجُزِ الحَلِفُ عَلى تَرْكِ الفِعْلِ، كانَ الفِعْلُ واجِبًا، لِأنَّ الحَلِفَ عَلى تَرْكِ الجائِزِ جائِزٌ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. الرّابِعُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ فَلَيْتَ القُرْآنَ كُلَّهُ وفَتَّشْتَ عَمّا أُعِدَّ بِهِ العُصاةُ، لَمْ تَرَ اللَّهَ تَعالى قَدْ غَلَّظَ في شَيْءٍ تَغْلِيظَهُ في إفْكِ عائِشَةَ، رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْها، ولا أنْزِلَ مِنَ الآياتِ القَوارِعِ المَشْحُونَةِ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ والعِتابِ البَلِيغِ والزَّجْرِ العَنِيفِ واسْتِعْظامِ ما رُكِّبَ مِن ذَلِكَ واسْتِفْظاعِ ما أقْدَمَ عَلَيْهِ - ما أنْزَلَ فِيهِ، عَلى طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ وأسالِيبَ مُفْتَنَّةٍ. كُلُّ واحِدٍ مِنها (p-٤٤٩١)كانَ في بابِهِ ولَمْ يُنْزِلْ إلّا هَذِهِ الثَّلاثَ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور: ٢٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] لَكَفى بِها. حَيْثُ جَعَلَ القَذْفَةَ مَلْعُونِينَ في الدّارَيْنِ جَمِيعًا. وتَوَعَّدَهم بِالعَذابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ. وبِأنَّ ألْسِنَتَهم وأيْدِيَهم وأرْجُلَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما أفَكُوا وبَهِتُوا. وأنَّهُ يُوَفِّيهِمْ جَزاءَهُمُ الحَقَّ الواجِبَ الَّذِي هم أهْلُهُ، حَتّى يَعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ، أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ. فَأوْجَزَ في ذَلِكَ وأشْبَعَ وفَصَّلَ وأجْمَلَ وأكَّدَ وكَرَّرَ، بِما لَمْ يَقَعْ في وعِيدِ المُشْرِكِينَ، عَبْدَةِ الأوْثانِ، إلّا ما هو دُونَهُ في الفَظاعَةِ. وما ذَلِكَ إلّا لِأمْرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ بِالبَصْرَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ. وكانَ يَسْألُ عَنْ تَفْسِيرِ القُرْآنِ. حَتّى سَألَ عَنْ هَذِهِ الآياتِ فَقالَ: مَن أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، إلّا مَن خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ، وهَذِهِ مِنهُ مُبالَغَةٌ وتَعْظِيمٌ لِأمْرِ الإفْكِ. ولَقَدْ بَرَّأ اللَّهُ تَعالى أرْبَعَةً بِأرْبَعَةٍ: بَرَّأ يُوسُفَ بِلِسانِ الشّاهِدِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ [يوسف: ٢٦] وبَرَّأ مُوسى مِن قَوْلِ اليَهُودِ فِيهِ، بِالحَجَرِ الَّذِي ذَهَبَ بِثَوْبِهِ. وبَرَّأ مَرْيَمَ بِإنْطاقِ ولَدِها حِينَ نادى في حِجْرِها: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] وبَرَّأ عائِشَةَ بِهَذِهِ الآياتِ العِظامِ في كِتابِهِ المُعْجِزِ المَتْلُوِّ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، مِثْلَ هَذِهِ التَّبْرِئَةِ بِهَذِهِ المُبالَغاتِ. فانْظُرْ كَمْ بَيْنَها وبَيْنَ تَبْرِئَةِ أُولَئِكَ ؟ وما ذاكَ إلّا لِإظْهارِ عُلُوِّ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والتَّنْبِيهِ عَلى إنافَةِ مَحَلِّ سَيِّدِ ولَدِ آدَمَ وخِيرَةِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وحُجَّةِ اللَّهِ عَلى العالَمِينَ. ومَن أرادَ أنْ يَتَحَقَّقَ عَظَمَةَ شَأْنِهِ ﷺ وتَقَدُّمَ قَدَمِهِ وإحْرازَهُ لِقَصَبِ السَّبْقِ دُونَ كُلِّ سابِقٍ فَلْيَتَلَقَّ ذَلِكَ مِن آياتِ الإفْكِ. ولِيَتَأمَّلْ كَيْفَ غَضِبَ اللَّهُ لَهُ في حُرْمَتِهِ، وكَيْفَ بالَغَ في نَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْ حِجابِهِ. (p-٤٤٩٢)(فَإنْ قُلْتَ ): إنْ كانَتْ عائِشَةُ هي المُرادَةُ، فَكَيْفَ قِيلَ: المُحْصَناتُ ؟ (قُلْتُ ): فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُرادَ بِالمُحْصَناتِ أزْواجُ الرَّسُولِ ﷺ وأنْ يُخَصَّصْنَ بِأنَّ مَن قَذَفَهُنَّ، فَهَذا الوَعِيدُ لاحِقٌ بِهِ. وإذا أرَدْنَ عائِشَةَ كُبْراهُنَّ مَنزِلَةً وقُرْبَةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانَتِ المُرادَةُ أوَّلًا. والثّانِي: أنَّها أُمُّ المُؤْمِنِينَ، فَجُمِعَتْ. إرادَةً لَها ولِبَناتِها مِن نِساءِ الأُمَّةِ المَوْصُوفاتِ بِالإحْصانِ والغَفْلَةِ والإيمانِ انْتَهى. قالَ النّاصِرُ: والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ عُمُومُ المُحْصَناتِ والمَقْصُودُ بِذِكْرِهِنَّ عَلى العُمُومِ، وعِيدُ مَن وقَعَ في عائِشَةَ، عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ، لِأنَّهُ إذا كانَ هَذا وعِيدُ قاذِفِ آحادِ المُؤْمِناتِ، فَما الظَّنُّ بِوَعِيدِ مَن قَذَفَ سَيِّدَتَهُنَّ وزَوْجَ سَيِّدِ البَشَرِ ﷺ ؟ عَلى أنَّ تَعْمِيمَ الوَعِيدِ أبْلَغُ وأفْظَعُ مِن تَخْصِيصِهِ. هَذا ومَعْنى قَوْلِ زُلَيْخا: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] فَعَمَّمَتْ أرادَتْ يُوسُفَ، تَهْوِيلًا عَلَيْهِ وإرْجافًا. والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى. الخامِسُ: قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ في (مِنهاجِ السُّنَّةِ ") ذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ إلى أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أفْضَلُ نِسائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واحْتَجُّوا بِما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««فَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سائِرِ الطَّعامِ»» . والثَّرِيدُ هو أفْضَلُ الأطْعِمَةِ، لِأنَّهُ خُبْزٌ ولَحْمٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا ما الخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ فَذاكَ أمانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ وذَلِكَ أنَّ البُرَّ أفْضَلُ الأقْواتِ. واللَّحْمَ أفْضَلُ الإدامِ، كَما في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ (p-٤٤٩٣)ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««سَيِّدُ إدامِ أهْلِ الدُّنْيا والآخِرَةِ اللَّحْمُ»» فَإذا كانَ اللَّحْمُ سَيِّدَ الإدامِ، والبُرُّ سَيِّدَ الأقْواتِ، ومَجْمُوعُهُما الثَّرِيدُ، كانَ الثَّرِيدُ أفْضَلَ الطَّعامِ. وقَدْ صَحَّ مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ أنَّهُ قالَ: ««فَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ»» وفي الصَّحِيحِ «عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أيُّ النِّساءِ أحَبُّ إلَيْكَ ؟ قالَ: «عائِشَةُ» قُلْتُ: ومِنَ الرِّجالِ ؟ قالَ: «أبُوها» قُلْتُ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: «عُمَرُ، وسَمّى رِجالًا»» . وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: قَوْلُهُ ﷺ لِخَدِيجَةَ: ««ما أبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنها»»: إنْ صَحَّ مَعْناهُ ما أبْدَلَنِي خَيْرًا لِي مِنها: فَإنَّ خَدِيجَةَ نَفَعَتْهُ في أوَّلِ الإسْلامِ نَفْعًا لَمْ يَقُمْ غَيْرُها فِيهِ مَقامَها. فَكانَتْ خَيْرًا لَهُ مِن هَذا الوَجْهِ لِكَوْنِها نَفَعَتْهُ وقْتَ الحاجَةِ، وعائِشَةُ صَحِبَتْهُ في آخِرِ النُّبُوَّةِ وكَمالِ الدِّينِ. فَحَصَلَ لَها مِنَ العِلْمِ والإيمانِ ما لَمْ يَحْصُلْ لِمَن لَمْ يُدْرِكْ إلّا أوَّلَ النُّبُوَّةِ. فَكانَتْ أفْضَلَ لِهَذِهِ الزِّيادَةِ فَإنَّ الأُمَّةَ انْتَفَعَتْ بِها أكْثَرَ مِمّا انْتَفَعَتْ بِغَيْرِها، وبَلَغَتْ مِنَ العِلْمِ والسِّنِّ ما لَمْ يَبْلُغْهُ غَيْرُها فَخَدِيجَةُ كانَ خَيْرُها مَقْصُورًا عَلى نَفْسِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تُبَلِّغْ عَنْهُ شَيْئًا، ولَمْ تَنْتَفِعْ بِها الأُمَّةُ كَما انْتَفَعُوا بِعائِشَةَ، ولِأنَّ الدِّينَ لَمْ يَكُنْ قَدْ كَمُلَ حَتّى تُعَلِّمَهُ، ويَحْصُلَ لَها مِن كَمالاتِهِ ما حَصَلَ لِمَن عَلِمَ وآمَنَ بِهِ بَعْدَ كَمالِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَنِ اجْتَمَعَ هَمُّهُ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، كانَ أبْلَغَ فِيهِ مِمَّنْ تَفَرَّقَ هَمُّهُ في أعْمالٍ مُتَنَوِّعَةٍ. فَخَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها خَيْرٌ لَهُ مِن هَذا الوَجْهِ. لَكِنَّ أنْواعَ البِرِّ لَمْ تُحْصَرْ في ذَلِكَ. ألا تَرى أنَّ مَن كانَ مِنَ الصَّحابَةِ أعْظَمَ إيمانًا، وأكْثَرَ جِهادًا بِنَفْسِهِ ومالِهِ. كَحَمْزَةَ وعَلِيٍّ وسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ وأُسِيدِ بْنِ حُضَيْرٍ وغَيْرِهِمْ، هم أفْضَلُ مَن كانَ يَخْدِمُ النَّبِيَّ ﷺ ويَنْفَعُهُ في نَفْسِهِ أكْثَرَ مِنهم. كَأبِي رافِعٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وغَيْرِهِما. وفي الجُمْلَةِ، الكَلامُ في تَفْضِيلِ عائِشَةَ وخَدِيجَةَ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ اسْتِقْصائِهِ. لَكِنَّ المَقْصُودَ هُنا أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلى تَعْظِيمِ عائِشَةَ ومَحَبَّتِها، وإنَّ نِساءَهُ ﷺ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ (p-٤٤٩٤)اللَّواتِي ماتَ عَنْهُنَّ، كانَتْ عائِشَةُ أحَبَّهُنَّ إلَيْهِ وأعْظَمَهُنَّ حُرْمَةً عِنْدَ المُسْلِمِينَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ النّاسَ كانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَداياهم يَوْمَ عائِشَةَ، لِما يَعْلَمُونَ مِن مَحَبَّتِهِ إيّاها» . حَتّى «أنَّ نِساءَهُ غِرْنَ مِن ذَلِكَ. وأرْسَلْنَ إلَيْهِ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَقُولُ لَهُ: نِساؤُكَ يَسْألْنَكَ العَدْلَ في ابْنَةِ أبِي قُحافَةَ: فَقالَ لِفاطِمَةَ: «أيْ: بُنَيَّةُ أما تُحِبِّينَ ما أُحِبُّ» ؟ قالَتْ: بَلى. قالَ: «فَأحِبِّي هَذِهِ»»، الحَدِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ وفي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««يا عائِشَةُ ! هَذا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلامَ» قالَتْ: وعَلَيْهِ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ. تَرى ما لا نَرى» . ووَهَبَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ يَوْمَها لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، بِإذْنِهِ ﷺ . «وكانَ في مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ يَقُولُ: «أيْنَ أنا اليَوْمَ» ؟ اسْتِبْطاءً لِيَوْمِ عائِشَةَ» . ثُمَّ اسْتَأْذَنَ نِساءَهُ أنْ يُمَرَّضَ في بَيْتِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَمَرِضَ (p-٤٤٩٥)فِيهِ. وفي بَيْتِها تُوَفِّيَ بَيْنَ سَحْرِها ونَحْرِها وفي حِجْرِها. وكانَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مُبارَكَةً عَلى أُمَّتِهِ. حَتّى قالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ بِسَبَبِها: ما هي بِأوَّلِ بَرَكَتِكم يا آلَ أبِي بَكْرٍ. ما نَزَلَ بِكِ أمْرٌ قَطُّ تَكْرَهِينَهُ إلّا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ بَرَكَةً. وقَدْ كانَتْ نَزَلَتْ آيَةُ بَراءَتِها قَبْلَ ذَلِكَ، لَمّا رَماها أهْلُ الإفْكِ. فَبَرَّأها اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، وجَعَلَها مِنَ الصَّيِّناتِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. انْتَهى. * * وأغْرَبَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ، فَذَهَبَ إلى أنَّ أفْضَلَ النّاسِ بَعْدَ الأنْبِياءِ، نِساؤُهُ ﷺ . مَعْلُومٌ أنَّ عائِشَةَ فُضْلاهُنَّ، وقَدْ أسْهَبَ في ذَلِكَ في كِتابِهِ (المِلَلِ ") فارْجِعْ إلَيْهِ. السّادِسُ: قالَ القاشانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّما عَظَّمَ تَعالى أمْرَ الإفْكِ وغَلَّظَ في الوَعِيدِ عَلَيْهِ، بِما لَمْ يُغَلِّظْ في غَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي، وبالَغَ في العِقابِ عَلَيْهِ بِما لَمْ يُبالِغْ بِهِ في بابِ الزِّنى وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، لِأنَّ عِظَمَ الرَّذِيلَةِ وكِبَرَ المَعْصِيَةِ، إنَّما يَكُونُ عَلى حَسَبِ القُوَّةِ الَّتِي هي مَصْدَرُها. وتَتَفاوَتُ حالُ الرَّذائِلِ في حَجْبِ صاحِبِها عَنِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ والأنْوارِ القُدُسِيَّةِ، وتَوْرِيطِهِ في المَهالِكِ الهُيُولانِيَّةِ، والمُهاوِي الظُّلْمانِيَّةِ، عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ مَبادِئِها، فَكُلَّما كانَتِ القُوَّةُ الَّتِي هي مَصْدَرُها ومَبْدَؤُها أشْرَفَ. كانَتِ الرَّذِيلَةُ الصّادِرَةُ مِنها أرْدَأ. وبِالعَكْسِ لِأنَّ الرَّذِيلَةَ ما قابَلَ الفَضِيلَةَ. فَلَمّا كانَتِ الفَضِيلَةُ أشْرَفَ، كانَ ما يُقابِلُها مِنَ الرَّذِيلَةِ أخَسَّ، والإفْكُ رَذِيلَةُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ. (p-٤٤٩٦)فَبِحَسَبِ شَرَفِ الأُولى عَلى الباقِيَتَيْنِ، تَزْدادُ رَداءَةُ رَذِيلَتِها. وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَكُونُ بِالأُولى إنْسانًا، وتَرَقِّيهِ إلى العالَمِ العَلَوِيِّ، وتَوَجُّهُهُ إلى الجانِبِ الإلَهِيِّ وتَحْصِيلُهُ لِلْمَعارِفِ والكَمالاتِ، واكْتِسابُهُ لِلْخَيْراتِ والسَّعاداتِ - إنَّما يَكُونُ بِها. فَإذا فَسَدَتْ بِغَلَبَةِ الشَّيْطَنَةِ عَلَيْها، واحْتَجَبَتْ عَنِ النُّورِ بِاسْتِيلاءِ الظُّلْمَةِ، حَصَلَتِ الشَّقاوَةُ العُظْمى، وحَقَّتِ العُقُوبَةُ بِالنّارِ. وهو الرَّيْنُ والحِجابُ الكُلِّيُّ. ألا تَرى أنَّ الشَّيْطَنَةَ المُغْوِيَةَ لِلْآدَمِيِّ أبْعَدُ عَنِ الحَضْرَةِ الآلِهِيَّةِ، مَنِ السَّبُعِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ ؟ وأبْعَدُ بِما لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ، فالإنْسانُ بِرُسُوخِ رَذِيلَتِهِ النُّطْفِيَّةِ يَصِيرُ شَيْطانًا، وبِرُسُوخِ الرَّذِيلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ، يَصِيرُ حَيَوانًا كالبَهِيمَةِ أوِ السَّبُعِ، وكُلُّ حَيَوانٍ أرْجى صَلاحًا، وأقْرَبُ فَلاحًا مِنَ الشَّيْطانِ. ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَـزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَـزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ونَهى ها هُنا عَنِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ. فَإنَّ ارْتِكابَ مِثْلِ هَذِهِ الفَواحِشِ لا يَكُونُ إلّا بِمُتابَعَتِهِ ومُطاوَعَتِهِ، وصاحِبُهُ يَكُونُ مِن جُنُودِهِ وأتْباعِهِ، فَيَكُونُ أخَسَّ مِنهُ وأذَلَّ، مَحْرُومًا مِن فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي هو نُورُ هِدايَتِهِ، مَحْجُوبًا مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي هي إفاضَةُ كَمالٍ وسَعادَةٍ، مَلْعُونًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، مَمْقُوتًا مِنَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ. تَشْهَدُ عَلَيْهِ جَوارِحُهُ بِتَبَدُّلِ صُوَرِها وتَشَوُّهِ مَنظَرِها. خَبِيثَ الذّاتِ والنَّفْسِ. مُتَوَرِّطًا في الرِّجْسِ. فَإنَّ مِثْلَ هَذِهِ الخَبائِثِ لا تَصْدُرُ إلّا مِنَ الخَبِيثِينَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ وأمّا الطَّيِّبُونَ المُنَزَّهُونَ عَنِ الرَّذائِلِ، فَإنَّما تَصْدُرُ عَنْهُمُ الطَّيِّباتُ والفَضائِلُ. انْتَهى. السّابِعُ: في سِرِّ قَرْنِ الزِّنى بِالشِّرْكِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] وتَحْقِيقُ القَوْلِ في الآيَةِ. قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في (إغاثَةِ اللَّهْفانِ "): نَجاسَةُ الزِّنى واللِّواطَةِ أغْلَظُ مِن غَيْرِها مِنَ النَّجاساتِ. مِن جِهَةِ أنَّها تُفْسِدُ القَلْبَ وتُضْعِفُ تَوْحِيدَهُ جِدًّا. ولِهَذا أحْظى النّاسِ بِهَذِهِ النَّجاسَةِ، أكْثَرُهم شِرْكًا. فَكُلَّما كانَ الشِّرْكُ في العَبْدِ أغْلَبَ. (p-٤٤٩٧)كانَتْ هَذِهِ النَّجاسَةُ والخَبائِثُ فِيهِ أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ أعْظَمَ إخْلاصًا، كانَ مِنها أبْعَدَ، كَما قالَ تَعالى عَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فَإنَّ عِشْقَ الصُّوَرِ المُحَرَّمَةِ نَوْعُ تَعَبُّدٍ لَها. بَلْ هو مِن أعْلى أنْواعِ التَّعَبُّدِ. ولا سِيَّما إذِ اسْتَوْلى عَلى القَلْبِ وتَمَكَّنَ مِنهُ، صارَ تَتَيُّمًا. والتَّتَيُّمُ التَّعَبُّدُ. فَيَصِيرُ العاشِقُ عابِدًا لِمَعْشُوقِهِ. وكَثِيرًا ما يَغْلِبُ حُبُّهُ وذِكْرُهُ والشَّوْقُ إلَيْهِ والسَّعْيُ في مَرْضاتِهِ وإيثارُ مَحابِّهِ، عَلى حُبِّ اللَّهِ وذِكْرِهِ والسَّعْيِ في مَرْضاتِهِ، بَلْ كَثِيرًا ما يَذْهَبُ ذَلِكَ مِن قَلْبِ العاشِقِ بِالكُلِّيَّةِ ويَصِيرُ مُتَعَلِّقًا بِمَعْشُوقِهِ مِنَ الصُّوَرِ. كَما هو مُشاهَدٌ فَيَصِيرُ المَعْشُوقُ هو إلَهُهُ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. يُقَدِّمُ رِضاهُ وحُبَّهُ عَلى رِضا اللَّهِ وحُبِّهِ. ويَتَقَرَّبُ إلَيْهِ ما لا يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ. ويُنْفِقُ في مَرْضاتِهِ ما لا يُنْفِقُهُ في مَرْضاةِ اللَّهِ. ويَتَجَنَّبُ سُخْطَهُ ما لا يَتَجَنَّبُ مِن سُخْطِ اللَّهِ تَعالى. فَيَصِيرُ آثَرَ عِنْدَهُ مِن رَبِّهِ حُبًّا وخُضُوعًا وذُلًّا وسَمْعًا وطاعَةً، ولِهَذا كانَ العِشْقُ والشِّرْكُ مُتَلازِمَيْنِ، وإنَّما حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ العِشْقَ عَنِ المُشْرِكِينَ مِن قَوْمِ لُوطٍ، وعَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وكانَتْ إذْ ذاكَ مُشْرِكَةً، فَكُلَّما قَوِيَ شِرْكُ العَبْدِ بُلِيَ بِعِشْقِ الصُّوَرِ وكُلَّما قَوِيَ تَوْحِيدُهُ صُرِفَ ذَلِكَ عَنْهُ. والزِّنى واللِّواطَةُ كَمالُ لَذَّتِهِ، إمّا يَكُونُ مِنَ العِشْقِ. ولا يَخْلُو صاحِبُهُما مِنهُ. وإنَّما لِتَنَقُّلِهِ مِن مَحَلٍّ إلى مَحَلٍّ، لا يَبْقى عِشْقُهُ مَقْصُورًا عَلى مَحَلٍّ واحِدٍ. بَلْ يَنْقَسِمُ عَلى سِهامٍ كَثِيرَةٍ لِكُلِّ مَحْبُوبٍ نَصِيبٌ مِن تَألُّهِهِ وتَعَبُّدِهِ. فَلَيْسَ في الذُّنُوبِ أفْسَدُ لِلْقَلْبِ والدِّينِ مِن هاتَيْنِ الفاحِشَتَيْنِ. ولَهُما خاصِّيَّةٌ في تَبْعِيدِ القَلْبِ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّهُما مِن أعْظَمِ الخَبائِثِ فَإذا انْصَبَغَ القَلْبُ بِهِما بَعُدَ مِمَّنْ هو طَيِّبٌ لا يَصْعَدُ إلَيْهِ إلّا طَيِّبٌ. وكُلَّما ازْدادَ خُبْثًا ازْدادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا. ولِهَذا قالَ المَسِيحُ، فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في (كِتابِ الزُّهْدِ ") لا يَكُونُ البَطّالُونَ مِنَ الحُكَماءِ. ولا يَلِجُ الزُّناةُ مَلَكُوَتَ السَّماءِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ حالَ الزِّنى كانَ قَرِيبًا لِلشِّرْكِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] والصَّوابُ القَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ. يُعْمَلُ بِها لَمْ يَنْسَخْها شَيْءٌ. وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى خَبَرٍ وتَحْرِيمٍ. ولَمْ يَأْتِ مَنِ ادَّعى نَسْخَها بِحُجَّةٍ البَتَّةَ. (p-٤٤٩٨)والَّذِي أشْكَلَ مِنها عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، واضِحٌ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى. فَإنَّهم أشْكَلَ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] هَلْ هو خَبَرٌ أوْ نَهْيٌ أوْ إباحَةٌ ؟ فَإنْ كانَ خَبَرًا فَقَدْ رَأيْنا كَثِيرًا مِنَ الزُّناةِ يَنْكِحُ عَفِيفَةً. وإنْ كانَ نَهْيًا فَيَكُونُ قَدْ نَهى الزّانِيَ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا بِزانِيَةٍ أوْ مُشْرِكَةٍ، فَيَكُونُ نَهْيًا لَهُ عَنْ نِكاحِ المُؤْمِناتِ العَفائِفِ. وإباحَةً لَهُ نِكاحَ المُشْرِكاتِ والزَّوانِي، واللَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ قَطْعًا. فَلَمّا أشْكَلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وطَلَبُوا لِلْآيَةِ وجْهًا يَصِحُّ حَمْلُها عَلَيْهِ. فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنَ النِّكاحِ الوَطْءُ والزِّنى. فَكَأنَّهُ قالَ: الزّانِي لا يَزْنِي إلّا بِزانِيَةٍ أوْ مُشْرِكَةٍ. وهَذا فاسِدٌ. فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ. ويُصانُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَنْ حَمْلِهِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ. فَإنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الزّانِيَ لا يَزْنِي إلّا بِزانِيَةٍ. فَأيُّ فائِدَةٍ في الإخْبارِ بِذَلِكَ. ولَمّا رَأى الجُمْهُورُ فَسادَ هَذا التَّأْوِيلِ أعْرَضُوا عَنْهُ، ثُمَّ قالَتْ طائِفَةٌ: هَذا عامُّ اللَّفْظِ خاصُّ المَعْنى. والمُرادُ بِهِ رَجُلٌ واحِدٌ وامْرَأةٌ واحِدَةٌ. وهي عَناقُ وصاحِبُها، فَإنَّهُ أسْلَمَ واسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في نِكاحِها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وهَذا أيْضًا فاسِدٌ. فَإنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ المُعَيَّنَةَ، وإنْ كانَتْ سَبَبَ النُّزُولِ، فالقُرْآنُ لا يُقْتَصَرُ بِهِ عَلى مَحالِّ أسْبابِهِ. ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى غَيْرِها. وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وهَذا أفْسَدُ مِنَ الكُلِّ. فَإنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ. ولا تُناقِضُ إحْداهُما الأُخْرى. بَلْ أمَرَ سُبْحانَهُ بِإنْكاحِ الأيامى، وحَرَّمَ نِكاحَ الزّانِيَةِ، كَما حَرَّمَ نِكاحَ المُعْتَدَّةِ والمُحَرَّمَةِ وذَواتِ المَحارِمِ. فَأيْنَ النّاسِخُ والمَنسُوخُ في هَذا ؟ (فَإنْ قِيلَ ): فَما وجْهُ الآيَةِ ؟ قِيلَ: وجْهُها، واللَّهُ أعْلَمُ. أنَّ المُتَزَوِّجَ أُمِرَ أنْ يَتَزَوَّجَ المُحْصَنَةَ العَفِيفَةَ، وإنَّما أُبِيحَ لَهُ نِكاحُ المَرْأةِ بِهَذا الشَّرْطِ. كَما ذَكَرَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ في سُورَتَيِ النِّساءِ والمائِدَةِ. والحُكْمُ المُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفائِهِ. والإباحَةُ قَدْ عُلِّقَتْ عَلى شَرْطِ الإحْصانِ، فَإذا انْتَفى الإحْصانُ انْتَفَتِ الإباحَةُ المَشْرُوطَةُ بِهِ. (p-٤٤٩٩)فالمُتَزَوِّجُ إمّا أنْ يَلْتَزِمَ حُكْمَ اللَّهِ وشَرْعَهُ الَّذِي شَرَعَهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ، أوْ لا يَلْتَزِمُهُ. فَإنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ فَهو مُشْرِكٌ لا يَرْضى بِنِكاحِهِ إلّا مَن هو مُشْرِكٌ مِثْلُهُ، وإنِ التَزَمَهُ وخالَفَهُ، ونَكَحَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ إنْكاحٌ. فَيَكُونُ زانِيًا، فَظَهَرَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] وتَبَيَّنَ غايَةَ البَيانِ. وكَذَلِكَ حُكْمُ المَرْأةِ. وكَما أنَّ هَذا الحُكْمَ هو مُوجَبُ القُرْآنِ وصَرِيحُهُ، فَهو مُوجَبُ الفِطْرَةِ ومُقْتَضى العَقْلِ. فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَرَّمَ عَلى عَبْدِهِ أنْ يَكُونَ قَرْنانًا دَيُّوثًا زَوْجَ بَغِيٍّ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى فَطَرَ النّاسَ عَلى اسْتِقْباحِ ذَلِكَ واسْتِهْجانِهِ. ولِهَذا إذا بالَغُوا في سَبِّ الرَّجُلِ قالُوا: (زَوْجُ قَحْبَةٍ )، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. فَظَهَرَتْ حِكْمَةُ التَّحْرِيمِ وبانَ مَعْنى الآيَةِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ. ومِمّا يُوَضِّحُ التَّحْرِيمَ، وأنَّهُ هو الَّذِي يَلِيقُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الكامِلَةِ، أنَّ هَذِهِ الجِنايَةَ مِنَ المَرْأةِ تَعُودُ بِفَسادِ فِراشِ الزَّوْجِ، وفَسادِ النَّسَبِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ النّاسِ لِتَمامِ مَصالِحِهِمْ. وعَدُّوهُ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، فالزِّنى يُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المِياهِ واشْتِباهِ الأنْسابِ. فَمِن مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ تَحْرِيمُ نِكاحِ الزّانِيَةِ حَتّى تَتُوبَ وتُسْتَبْرَأُ. وأيْضًا، فَإنَّ الزّانِيَةَ خَبِيثَةٌ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ واللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ النِّكاحَ سَبَبًا لِلْمَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ، والمَوَدَّةُ خالِصُ الحُبِّ، فَكَيْفَ تَكُونُ الخَبِيثَةُ مَوْدُودَةً لِلطَّيِّبِ، زَوْجًا لَهُ ؟ والزَّوْجُ سُمِّيَ زَوْجًا مِنَ الِازْدِواجِ فالزَّوْجانِ، الِاثْنانِ المُتَشابِهانِ والمُنافَرَةُ ثابِتَةٌ بَيْنَ الطَّيِّبِ والخَبِيثِ شَرْعًا وقَدْرًا. فَلا يَحْصُلُ مَعَها الِازْدِواجُ والتَّراحُمُ والتَّوادُّ. فَلَقَدْ أحْسَنَ كُلَّ الإحْسانِ مَن ذَهَبَ إلى هَذا المَذْهَبِ، ومَنَعَ الرَّجُلَ أنْ يَكُونَ زَوْجَ قَحْبَةٍ. فَأيْنَ هَذا مِن قَوْلِ مَن جَوَّزَ أنْ يَتَزَوَّجَها ويَطَأها اللَّيْلَةَ، وقَدْ وطِئَها الزّانِي البارِحَةَ ؟ وقالَ: ماءُ الزّانِي لا حُرْمَةَ لَهُ. فَهَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَماءُ الزَّوْجِ لَهُ حُرْمَةٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ اجْتِماعُهُ مَعَ ماءِ الزّانِي في رَحِمٍ واحِدٍ، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى الزَّوانِيَ والزُّناةَ خَبِيثِينَ وخَبِيثاتٍ. وجِنْسُ هَذا الفِعْلِ قَدْ شُرِعَتْ فِيهِ الطَّهارَةُ، وإنْ كانَ حَلالًا. وسُمِّيَ فاعِلُهُ جُنُبًا لِبُعْدِهِ عَنْ قِراءَةِ القُرْآنِ وعَنِ الصَّلاةِ وعَنِ المَساجِدِ. فَمُنِعَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ حَتّى يَتَطَهَّرَ بِالماءِ. فَكَذَلِكَ إذا كانَ حَرامًا يَبْعُدُ القَلْبُ عَنِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الدّارِ الآخِرَةِ. بَلْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ، حَتّى يُحْدِثَ طُهْرًا. (p-٤٥٠٠)كامِلًا بِالتَّوْبَةِ. وطُهْرًا لِبَدَنِهِ بِالماءِ. وقَوْلُ اللُّوطِيَّةِ: ﴿أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢] مِن جِنْسِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ: ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وهَكَذا المُشْرِكُ إنَّما يَنْقِمُ عَلى المُوَحِّدِ تَجْرِيدَهُ لِلتَّوْحِيدِ، وأنَّهُ لا يَشُوبُهُ بِالإشْراكِ، وهَكَذا المُبْتَدِعُ إنَّما يَنْقِمُ عَلى السُّنِّيِّ تَجْرِيدَهُ مُتابَعَةَ الرَّسُولِ وأنَّهُ لَمْ يَشُبْها بِآراءِ الرِّجالِ ولا بِشَيْءٍ مِمّا خالَفَها، فَصَبَرَ المُوَحِّدُ المُتَّبِعُ لِلرَّسُولِ، عَلى ما يَنْقِمُهُ عَلَيْهِ أهْلُ الشِّرْكِ والبِدْعَةِ، خَيْرٌ لَهُ وأنْفَعُ، وأسْهَلُ عَلَيْهِ، مِن صَبْرِهِ عَلى ما يَنْقِمُهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، عَلَيْهِ مِن مُوافَقَةِ أهْلِ الشِّرْكِ والبِدْعَةِ. ؎إذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الصَّبْرِ، فاصْطَبِرْ عَلى الحَقِّ. ذاكَ الصَّبْرُ تُحْمَدُ عُقْباهُ لَطِيفَةٌ: كَتَبَ ابْنُ القاضِي شَرَفُ الدِّينِ ابْنُ المُقْرِي، صاحِبُ (الرَّوْضِ ") إلى أبِيهِ، وقَدْ قَطَعَ نَفَقَتَهُ: ؎لا تَقْطَعَنْ عادَةَ بِرٍّ، ولا ∗∗∗ تَجْعَلْ عِتابَ المَرْءِ في رِزْقِهِ ؎فَإنَّ أمْرَ الإفْكِ مِن مِسْطَحٍ ∗∗∗ يَحُطُّ قَدْرَ النَّجْمِ مِن أُفْقِهِ ؎وقَدْ جَرى مِنهُ الَّذِي قَدْ جَرى ∗∗∗ وعُوَتِبَ الصِّدِّيقُ في حَقِّهِ فَأجابَهُ أبُوهُ شَرَفُ الدِّينِ بِقَوْلِهِ: ؎قَدْ يُمْنَعُ المُضْطَرُّ مِن مَيْتَةٍ ∗∗∗ إذا عَصى بِالسَّيْرِ في طُرْقِهِ ؎لِأنَّهُ يَقْوى عَلى تَوْبَةٍ ∗∗∗ تُوجِبُ إيصالًا إلى رِزْقِهِ ؎لَوْ لَمْ يَتُبْ مِن ذَنْبِهِ مِسْطَحٌ ∗∗∗ ما عُوَتِبَ الصِّدِّيقُ في حَقِّهِ ولِما فَضَّلَ تَعالى الزَّواجِرَ عَنِ الزِّنى، وعَنْ رَمْيِ العَفائِفِ عَنْهُ. بَيَّنَ مِنَ الزَّواجِرِ ما عَسى يُؤَدِّي (p-٤٥٠١)إلى أحَدِهِما. وذَلِكَ في مُخالَطَةِ الرِّجالِ بِالنِّساءِ، ودُخُولِهِمْ عَلَيْهِنَّ، وفي أوْقاتِ الخَلَواتِ، وفي تَعْلِيمِ الآدابِ الجَمِيلَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

النور 24:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٢٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٨] . ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أيْ: تَسْتَعْلِمُوا وتَسْتَكْشِفُوا الحالَ. هَلْ يُرادُ دُخُولُكم أمْ لا ؟ مِنَ (الِاسْتِئْناسِ ) وهو الِاسْتِعْلامُ. مِن (آنَسَ الشَّيْءَ ) إذا أبْصَرَهُ ظاهِرًا مَكْشُوفًا. أوِ المَعْنى: حَتّى يُؤْذَنَ لَكم فَتَسْتَأْنِسُوا. مِنَ (الِاسْتِئْناسِ ) الَّذِي هو خِلافُ الِاسْتِيحاشِ. لِما أنَّ المُسْتَأْذِنَ مُسْتَوْحَشٌ مِن خَفاءِ الحالِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَبَّرَ بِالشَّيْءِ عَمّا هو لازِمٌ لَهُ، مَجازًا أوِ اسْتِعارَةً. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ (الإنْسِ ) والمَعْنى: حَتّى تَعْلَمُوا هَلْ فِيها إنْسانٌ ؟ ﴿وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ أيْ: لِيُؤَمِّنَهم عَمّا يُوحِشُهم: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ: الِاسْتِئْذانُ والتَّسْلِيمُ: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الدُّخُولِ بَغْتَةً: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: فَتَتَّعِظُوا وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ. ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ [النور: ٢٨] أيْ: مِنَ الآذِنِينَ: ﴿فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] أيْ: واصْبِرُوا حَتّى تَجِدُوا مَن يَأْذَنُ لَكم. ويُحْتَمَلُ: فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا مِن أهْلِها، ولَكم فِيها حاجَةٌ، فَلا تَدْخُلُوها إلّا بِإذْنِ أهْلِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِئْذانَ لَمْ يُشَرَّعْ لِئَلّا يَطَّلِعَ الدّاخِلُ عَلى عَوْرَةٍ، ولا تَسْبِقَ عَيْنُهُ إلى ما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ فَقَطْ، وإنَّما شُرِعَ لِئَلّا يُوقَفَ عَلى الأحْوالِ الَّتِي يَطْوِيها النّاسُ في العادَةِ عَنْ غَيْرِهِمْ، ويَتَحَفَّظُونَ مِنَ اطِّلاعِ أحَدٍ عَلَيْها، ولِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ غَيْرِكَ. فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ بِرِضاهُ، وإلّا أشْبَهَ الغَصْبَ والتَّغَلُّبَ. انْتَهى. (p-٤٥٠٢)﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ [النور: ٢٨] أيْ: إنْ أُمِرْتُمْ مِن جِهَةِ أهْلِ البَيْتِ بِالرُّجُوعِ، سَواءً كانَ الأمْرُ مِمَّنْ يَمْلِكُ الإذْنَ أوْ لا، كالنِّساءِ والوَلَدانِ، فارْجِعُوا ولا تُلِحُّوا بِتَكْرِيرِ الِاسْتِئْذانِ، لِأنَّ هَذا مِمّا يَجْلِبُ الكَراهَةَ في قُلُوبِ النّاسِ، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿هُوَ﴾ [النور: ٢٨] أيِ: الرُّجُوعُ: ﴿أزْكى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] أيْ: أطْهَرُ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ الإلْحاحُ والوُقُوفُ عَلى الأبْوابِ، مِن دَنَسِ الدَّناءَةِ. وأنْمى لِمَحَبَّتِكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا نَهى عَنْ ذَلِكَ لِأدائِهِ إلى الكَراهَةِ، وجَبَ الِانْتِهاءُ عَنْ كُلِّ ما يُؤَدِّي إلَيْها مِن قَرْعِ البابِ بِعُنْفٍ، والتَّصْيِيحِ بِصاحِبِ الدّارِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَدْخُلُ في عاداتِ مَن لَمْ يَتَهَذَّبْ مِن أكْثَرِ النّاسِ. لَطِيفَةٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ قَتادَةُ: قالَ بَعْضُ المُهاجِرِينَ: لَقَدْ طَلَبْتُ عُمْرِي كُلَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَما أدْرَكْتُها: أنْ أسْتَأْذِنَ عَلى بَعْضِ إخْوانِي، فَيَقُولُ لِي: ارْجِعْ. فَأرْجِعُ وأنا مُغْتَبِطٌ. انْتَهى ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٨] أيْ: فَيَجْزِيكم عَلى نِيَّتِكُمُ الحَسَنَةِ، في الزِّيارَةِ، أوِ المَكْرِ والخِيانَةِ بِأهْلِ المَزُورِ أوْ مالِهِ. تَنْبِيهٌ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوبُ الِاسْتِئْذانِ عِنْدَ دُخُولِ بَيْتِ الغَيْرِ، ووُجُوبُ الرُّجُوعِ إذا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وتَحْرِيمُ الدُّخُولِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ. ويُسْتَفادُ مِن هَذا تَحْرِيمُ دُخُولِ مِلْكِ الغَيْرِ، والكَوْنُ فِيهِ، وشَغْلُهُ بِغَيْرِ إذْنِ صاحِبِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ مِنَ المَسائِلِ والفُرُوعِ ما لا يُحْصى. واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ الأكْثَرُ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِئْذانِ والسَّلامِ. والأقَلُّ عَلى تَقْدِيمِ الِاسْتِئْذانِ عَلى السَّلامِ بِتَقْدِيمِهِ في الآيَةِ. وأجابَ الأكْثَرُونَ، بِأنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا، واسْتَدَلَّ بِها مَن قالَ: لَهُ الزِّيادَةُ في الِاسْتِئْذانِ عَلى ثَلاثٍ، حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ أوْ يُصَرَّحَ بِالمَنعِ، وفُهِمَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الرَّجُلَ لا يَسْتَأْذِنُ عِنْدَ دُخُولِ بَيْتِهِ عَلى امْرَأتِهِ. انْتَهى. (p-٤٥٠٣)وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لِيُعْلَمَ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْتَأْذِنِ عَلى أهْلِ المَنزِلِ ألّا يَقِفَ تِلْقاءَ البابِ بِوَجْهِهِ، ولَكِنْ لِيَكُنِ البابُ عَنْ يَمِينِهِ أوْ يَسارِهِ، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لَوْ أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَحَذَقْتَهُ بِحَصاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، ما كانَ عَلَيْكَ مِن جُناحٍ»» وأخْرَجَ الجَماعَةُ «عَنْ جابِرٍ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في دَيْنٍ كانَ عَلى أبِي. فَدَقَقْتُ البابَ، فَقالَ: «مَن ذا» فَقُلْتُ: أنا قالَ: «أنا، أنا» كَأنَّهُ كَرِهَهُ» . وإنَّما كَرِهَهُ، لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لا يُعَرِّفُ صاحِبَها، حَتّى يُفْصِحَ بِاسْمِهِ أوْ كُنْيَتِهِ الَّتِي هو مَشْهُورٌ بِها. وإلّا فَكَلُّ أحَدٍ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ بِأنا فَلا يَحْصُلُ بِهِ المَقْصُودُ الِاسْتِئْذانُ، الَّذِي هو الِاسْتِئْناسُ المَأْمُورُ بِهِ في الآيَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: عَلَيْكُمُ الإذْنَ عَلى أُمَّهاتِكم. وعَنْ طاوُسٍ قالَ: ما مِنَ امْرَأةٍ أكْرَهُ إلَيَّ أنْ أرى عَوْرَتَها مِن ذاتِ مَحْرَمٍ. وكانَ يُشَدِّدُ النَّكِيرَ في ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلى امْرَأتِهِ ؟ قالَ: لا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ، وإلّا فالأوْلى أنْ يُعْلِمَها بِدُخُولِهِ، ولا يُفاجِئَها بِهِ، لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ عَلى هَيْئَةٍ لا تُحِبُّ أنْ يَراها عَلَيْها. وعَنْ زَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَتْ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ إذا جاءَ مِن حاجَةٍ، فانْتَهى إلى البابِ، تَنَحْنَحَ وبَزَقَ كَراهَةَ أنْ يَهْجُمَ مِنّا عَلى أمْرٍ يَكْرَهُهُ. ولِهَذا جاءَ في الصَّحِيحِ«عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ أنَّهُ نَهى أنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا» . (p-٤٥٠٤)ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما رَخَّصَ فِيهِ عَدَمَ الِاسْتِئْذانِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٧ - ٢٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٨] . ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أيْ: تَسْتَعْلِمُوا وتَسْتَكْشِفُوا الحالَ. هَلْ يُرادُ دُخُولُكم أمْ لا ؟ مِنَ (الِاسْتِئْناسِ ) وهو الِاسْتِعْلامُ. مِن (آنَسَ الشَّيْءَ ) إذا أبْصَرَهُ ظاهِرًا مَكْشُوفًا. أوِ المَعْنى: حَتّى يُؤْذَنَ لَكم فَتَسْتَأْنِسُوا. مِنَ (الِاسْتِئْناسِ ) الَّذِي هو خِلافُ الِاسْتِيحاشِ. لِما أنَّ المُسْتَأْذِنَ مُسْتَوْحَشٌ مِن خَفاءِ الحالِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَبَّرَ بِالشَّيْءِ عَمّا هو لازِمٌ لَهُ، مَجازًا أوِ اسْتِعارَةً. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ (الإنْسِ ) والمَعْنى: حَتّى تَعْلَمُوا هَلْ فِيها إنْسانٌ ؟ ﴿وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ أيْ: لِيُؤَمِّنَهم عَمّا يُوحِشُهم: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ: الِاسْتِئْذانُ والتَّسْلِيمُ: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الدُّخُولِ بَغْتَةً: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: فَتَتَّعِظُوا وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ. ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ [النور: ٢٨] أيْ: مِنَ الآذِنِينَ: ﴿فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] أيْ: واصْبِرُوا حَتّى تَجِدُوا مَن يَأْذَنُ لَكم. ويُحْتَمَلُ: فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا مِن أهْلِها، ولَكم فِيها حاجَةٌ، فَلا تَدْخُلُوها إلّا بِإذْنِ أهْلِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِئْذانَ لَمْ يُشَرَّعْ لِئَلّا يَطَّلِعَ الدّاخِلُ عَلى عَوْرَةٍ، ولا تَسْبِقَ عَيْنُهُ إلى ما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ فَقَطْ، وإنَّما شُرِعَ لِئَلّا يُوقَفَ عَلى الأحْوالِ الَّتِي يَطْوِيها النّاسُ في العادَةِ عَنْ غَيْرِهِمْ، ويَتَحَفَّظُونَ مِنَ اطِّلاعِ أحَدٍ عَلَيْها، ولِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ غَيْرِكَ. فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ بِرِضاهُ، وإلّا أشْبَهَ الغَصْبَ والتَّغَلُّبَ. انْتَهى. (p-٤٥٠٢)﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ [النور: ٢٨] أيْ: إنْ أُمِرْتُمْ مِن جِهَةِ أهْلِ البَيْتِ بِالرُّجُوعِ، سَواءً كانَ الأمْرُ مِمَّنْ يَمْلِكُ الإذْنَ أوْ لا، كالنِّساءِ والوَلَدانِ، فارْجِعُوا ولا تُلِحُّوا بِتَكْرِيرِ الِاسْتِئْذانِ، لِأنَّ هَذا مِمّا يَجْلِبُ الكَراهَةَ في قُلُوبِ النّاسِ، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿هُوَ﴾ [النور: ٢٨] أيِ: الرُّجُوعُ: ﴿أزْكى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] أيْ: أطْهَرُ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ الإلْحاحُ والوُقُوفُ عَلى الأبْوابِ، مِن دَنَسِ الدَّناءَةِ. وأنْمى لِمَحَبَّتِكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا نَهى عَنْ ذَلِكَ لِأدائِهِ إلى الكَراهَةِ، وجَبَ الِانْتِهاءُ عَنْ كُلِّ ما يُؤَدِّي إلَيْها مِن قَرْعِ البابِ بِعُنْفٍ، والتَّصْيِيحِ بِصاحِبِ الدّارِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَدْخُلُ في عاداتِ مَن لَمْ يَتَهَذَّبْ مِن أكْثَرِ النّاسِ. لَطِيفَةٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ قَتادَةُ: قالَ بَعْضُ المُهاجِرِينَ: لَقَدْ طَلَبْتُ عُمْرِي كُلَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَما أدْرَكْتُها: أنْ أسْتَأْذِنَ عَلى بَعْضِ إخْوانِي، فَيَقُولُ لِي: ارْجِعْ. فَأرْجِعُ وأنا مُغْتَبِطٌ. انْتَهى ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٨] أيْ: فَيَجْزِيكم عَلى نِيَّتِكُمُ الحَسَنَةِ، في الزِّيارَةِ، أوِ المَكْرِ والخِيانَةِ بِأهْلِ المَزُورِ أوْ مالِهِ. تَنْبِيهٌ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوبُ الِاسْتِئْذانِ عِنْدَ دُخُولِ بَيْتِ الغَيْرِ، ووُجُوبُ الرُّجُوعِ إذا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وتَحْرِيمُ الدُّخُولِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ. ويُسْتَفادُ مِن هَذا تَحْرِيمُ دُخُولِ مِلْكِ الغَيْرِ، والكَوْنُ فِيهِ، وشَغْلُهُ بِغَيْرِ إذْنِ صاحِبِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ مِنَ المَسائِلِ والفُرُوعِ ما لا يُحْصى. واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ الأكْثَرُ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِئْذانِ والسَّلامِ. والأقَلُّ عَلى تَقْدِيمِ الِاسْتِئْذانِ عَلى السَّلامِ بِتَقْدِيمِهِ في الآيَةِ. وأجابَ الأكْثَرُونَ، بِأنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا، واسْتَدَلَّ بِها مَن قالَ: لَهُ الزِّيادَةُ في الِاسْتِئْذانِ عَلى ثَلاثٍ، حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ أوْ يُصَرَّحَ بِالمَنعِ، وفُهِمَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الرَّجُلَ لا يَسْتَأْذِنُ عِنْدَ دُخُولِ بَيْتِهِ عَلى امْرَأتِهِ. انْتَهى. (p-٤٥٠٣)وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لِيُعْلَمَ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْتَأْذِنِ عَلى أهْلِ المَنزِلِ ألّا يَقِفَ تِلْقاءَ البابِ بِوَجْهِهِ، ولَكِنْ لِيَكُنِ البابُ عَنْ يَمِينِهِ أوْ يَسارِهِ، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لَوْ أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَحَذَقْتَهُ بِحَصاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، ما كانَ عَلَيْكَ مِن جُناحٍ»» وأخْرَجَ الجَماعَةُ «عَنْ جابِرٍ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في دَيْنٍ كانَ عَلى أبِي. فَدَقَقْتُ البابَ، فَقالَ: «مَن ذا» فَقُلْتُ: أنا قالَ: «أنا، أنا» كَأنَّهُ كَرِهَهُ» . وإنَّما كَرِهَهُ، لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لا يُعَرِّفُ صاحِبَها، حَتّى يُفْصِحَ بِاسْمِهِ أوْ كُنْيَتِهِ الَّتِي هو مَشْهُورٌ بِها. وإلّا فَكَلُّ أحَدٍ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ بِأنا فَلا يَحْصُلُ بِهِ المَقْصُودُ الِاسْتِئْذانُ، الَّذِي هو الِاسْتِئْناسُ المَأْمُورُ بِهِ في الآيَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: عَلَيْكُمُ الإذْنَ عَلى أُمَّهاتِكم. وعَنْ طاوُسٍ قالَ: ما مِنَ امْرَأةٍ أكْرَهُ إلَيَّ أنْ أرى عَوْرَتَها مِن ذاتِ مَحْرَمٍ. وكانَ يُشَدِّدُ النَّكِيرَ في ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلى امْرَأتِهِ ؟ قالَ: لا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ، وإلّا فالأوْلى أنْ يُعْلِمَها بِدُخُولِهِ، ولا يُفاجِئَها بِهِ، لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ عَلى هَيْئَةٍ لا تُحِبُّ أنْ يَراها عَلَيْها. وعَنْ زَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَتْ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ إذا جاءَ مِن حاجَةٍ، فانْتَهى إلى البابِ، تَنَحْنَحَ وبَزَقَ كَراهَةَ أنْ يَهْجُمَ مِنّا عَلى أمْرٍ يَكْرَهُهُ. ولِهَذا جاءَ في الصَّحِيحِ«عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ أنَّهُ نَهى أنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا» . (p-٤٥٠٤)ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما رَخَّصَ فِيهِ عَدَمَ الِاسْتِئْذانِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢٩] ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ . ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا﴾ أيْ: بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مُعَدَّةٍ لِسُكْنى طائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، بَلْ لِيَتَمَتَّعَ بِها كائِنًا مَن كانَ، كالخاناتِ والحَمّاماتِ وبُيُوتِ الضِّيافاتِ: ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مَنفَعَةٌ وحاجَةٌ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ وعِيدٌ لِمَن يَدْخُلُ مَدْخَلًا مِن هَذِهِ المَداخِلِ، لِفَسادٍ أوِ اطِّلاعٍ عَلى عَوْراتٍ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ثُمَّ أرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى آدابٍ عَظِيمَةٍ تَتَناوَلُ المُسْتَأْذِنِينَ عِنْدَ دُخُولِهِمْ وغَيْرِهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

النور 24:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٠] ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ . ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ أيْ: مُقْتَضى إيمانِكُمُ الغَضُّ عَمّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى النَّظَرَ إلَيْهِ: ﴿ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أيْ: عَنِ الإفْضاءِ بِها إلى مُحَرَّمٍ، أوْ عَنِ الإبْداءِ والكَشْفِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الغَضُّ والحِفْظُ: ﴿أزْكى لَهُمْ﴾ أيْ: أطْهَرُ لِلنَّفْسِ وأتْقى لِلدِّينِ: ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ أيْ: بِأفْعالِهِمْ وأحْوالِهِمْ. وكَيْفَ يُجِيلُونَ أبْصارَهم، وكَيْفَ يَصْنَعُونَ بِسائِرِ حَواسِّهِمْ وجَوارِحِهِمْ. فَعَلَيْهِمْ، إذْ عَرَفُوا ذَلِكَ، أنْ يَكُونُوا مِنهُ عَلى تَقْوى وحَذَرٍ، في كُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. (p-٤٥٠٥)تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): في الآيَةِ تَحْرِيمُ النَّظَرِ إلى النِّساءِ وعَوْراتِ الرِّجالِ وتَحْرِيمُ كَشْفِها. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِن (حِفْظِ الفَرْجِ ) فَهو مِنَ الزِّنى، إلّا هَذِهِ الآيَةَ والَّتِي بَعْدَها، فَهو أنْ لا يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، ولا المَرْأةُ إلى عَوْرَةِ المَرْأةِ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ. وعَلَيْهِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الزِّنى يُعْلَمُ مِنهُ بِطَرِيقِ الأوْلى. أوِ الحِفْظُ عَنِ الإبْداءِ يَسْتَلْزِمُ الحِفْظَ عَنِ الإفْضاءِ. الثّانِي: إنْ قِيلَ: لِمَ أتى بِـ(مِنَ ) التَّبْعِيضِيَّةِ في غَضِّ الأبْصارِ وقَيَّدَها بِهِ دُونَ حِفْظِ الفُرُوجِ ؟ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُطْلَقٍ ومُقَيَّدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] لِأنَّ المُسْتَثْنى في الحِفْظِ هو الأزْواجُ والسِّرارِي، وهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِما عَداهُ. فَجُعِلَ كالعَدَمِ ولَمْ يُقَيَّدْ بِهِ. مَعَ أنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ الآيَةِ الأُخْرى. بِخِلافِ ما يُطْلَقُ فِيهِ البَصَرُ، فَإنَّهُ يُباحُ في أكْثَرِ الأشْياءِ، إلّا نَظَرَ ما حَرُمَ عَنْ قَصْدٍ. فَقَيَّدَ (الغَضَّ بِهِ ) ومَدْخُولُ (مِنَ ) التَّبْعِيضِيَّةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أقَلَّ مِنَ الباقِي. وقِيلَ: إنَّ الغَضَّ والحِفْظَ عَنِ الأجانِبِ. وبَعْضُ الغَضِّ مَمْنُوعٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وبَعْضُهُ جائِزٌ: بِخِلافِ الحِفْظِ فَلا وجْهَ لِدُخُولِ (مِن ) فِيهِ. كَذا في (العِنايَةِ ") . الثّالِثُ: سُرُّ تَقْدِيمِ غَضِّ الأبْصارِ عَلى حِفْظِ الفُرُوجِ، هو أنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنى ورائِدُ الفُجُورِ، كَما قالَ الحَماسِيُّ: ؎وكُنْتَ إذا أرْسَلْتَ طَرْفَكَ رائِدًا لِقَلْبِكَ يَوْمًا، أتْعَبَتْكَ المَناظِرُ (p-٤٥٠٦)ولِأنَّ البَلْوى فِيهِ أشَدُّ وأكْثَرُ. ولا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى الِاحْتِراسِ مِنهُ. فَبُودِرَ إلى مَنعِهِ. ولِأنَّهُ يَتَقَدَّمُ الفُجُورَ في الواقِعِ، فَجُعِلَ النَّظْمُ عَلى وفْقِهِ. الرّابِعُ: غَضُّ البَصَرِ مِن أجْلِ الأدْوِيَةِ لِعِلاجِ أمْراضِ القُلُوبِ. وفِيهِ حَسْمٌ لِمادَّتِها قَبْلَ حُصُولِها. فَإنَّ النَّظْرَةَ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِن سِهامِ إبْلِيسَ. ومَن أطْلَقَ لَحَظاتِهِ، دامَتْ حَسَراتُهُ. ؎كُلُّ الحَوادِثِ مَبْداها مِنَ النَّظَرِ ∗∗∗ ومُعْظَمُ النّارِ مِن مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في " الجَوابِ الشّافِي ": في غَضِّ البَصَرِ عِدَّةُ مَنافِعَ: أحَدُها: امْتِثالُ أمْرِ اللَّهِ هو غايَةُ سَعادَةِ العَبْدِ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ. ولَيْسَ لِلْعَبْدِ في دُنْياهُ وآخِرَتِهِ أنْفَعُ مِنَ امْتِثالِ أوامِرِ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى. وما سَعِدَ مَن سَعِدَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. إلّا بِامْتِثالِ أوامِرِ رَبِّهِ. وما شَقِيَ مَن شَقِيَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إلّا بِتَضْيِيعِ أوامِرِهِ. الثّانِي: أنَّهُ يَمْنَعُ مِن وُصُولِ أثَرِ السَّهْمِ المَسْمُومِ الَّذِي لَعَلَّ فِيهِ هَلاكَهُ، إلى قَلْبِهِ. الثّالِثُ: أنَّهُ يُورِثُ القَلْبَ أُنْسًا بِاللَّهِ وجَمْعِيَّةً عَلى اللَّهِ، فَإنَّ إطْلاقَ البَصَرِ يُفَرِّقُ القَلْبَ ويُشَتِّتُهُ ويُبْعِدُهُ مِنَ اللَّهِ، ولَيْسَ عَلى العَبْدِ شَيْءٌ أضَرَّ مِن إلى إطْلاقِ البَصَرِ. فَإنَّهُ يُوقِعُ الوَحْشَةَ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ. الرّابِعُ: أنَّهُ يُقَوِّي القَلْبَ ويُفْرِحُهُ. كَما أنَّ إطْلاقَ البَصَرِ يُضْعِفُهُ ويُحْزِنُهُ. الخامِسُ: أنَّهُ يُكْسِبُ القَلْبَ نُورًا. كَما أنَّ إطْلاقَهُ يَكْسِبُهُ ظُلْمَةً، ولِهَذا ذَكَرَ سُبْحانَهُ آيَةَ النُّورِ عَقِيبَ الأمْرِ بِغَضِّ البَصَرِ. فَقالَ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ثُمَّ قالَ إثْرَ ذَلِكَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥] أيْ: مَثَلُ نُورِهِ في قَلْبِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ، الَّذِي امْتَثَلَ أوامِرَهُ واجْتَنَبَ نَواهِيَهُ. وإذا اسْتَنارَ القَلْبُ أقْبَلَتْ وُفُودُ الخَيْراتِ إلَيْهِ مِن كُلِّ جانِبٍ، كَما أنَّهُ إذا أظْلَمَ أقْبَلَتْ سَحائِبُ البَلاءِ والشَّرِّ عَلَيْهِ مِن كُلِّ مَكانٍ. فَما شِئْتَ مِن بِدْعَةٍ وضَلالَةٍ، واتِّباعِ هَوًى واجْتِنابِ هُدًى، وإعْراضٍ عَنْ أسْبابِ السَّعادَةِ، واشْتِغالٍ (p-٤٥٠٧)بِأسْبابِ الشَّقاوَةِ. فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكْشِفُهُ لَهُ النُّورُ الَّذِي في القَلْبِ. فَإذا فُقِدَ ذَلِكَ النُّورُ بَقِيَ صاحِبُهُ كالأعْمى الَّذِي يَجُوسُ في حَنادِيسِ الظَّلامِ. السّادِسُ: أنَّهُ يُورِثُ الفِراسَةَ الصّادِقَةَ الَّتِي يُمَيَّزُ بِها بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ والصّادِقِ والكاذِبِ. وكانَ شاهُ بْنُ شُجاعٍ الكَرْمانِيُّ يَقُولُ: مَن عَمَّرَ ظاهِرَهُ بِاتِّباعِ السُّنَّةِ، وباطِنَهُ بِدَوامِ المُراقَبَةِ، وغَضَّ بَصَرَهُ عَنِ المَحارِمِ، وكَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ، واعْتادَ أكْلَ الحَلالِ - لَمْ تُخْطِئْ لَهُ فِراسَةٌ. وكانَ شُجاعٌ هَذا لا تُخْطِئُ لَهُ فِراسَةٌ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يَجْزِي العَبْدَ عَلى عَمَلِهِ بِما هو مِن جِنْسِ عَمَلِهِ. ومَن تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ خَيْرًا مِنهُ، فَإذا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، عَوَّضَهُ بِأنْ يُطْلِقَ بَصِيرَتَهُ عِوَضًا عَنْ حَبْسِهِ بَصَرَهُ لِلَّهِ. ويَفْتَحُ لَهُ بابَ العِلْمِ والإيمانِ والمَعْرِفَةِ، والفِراسَةِ الصّادِقَةِ المُصِيبَةِ الَّتِي، إنَّما تُنالُ بِبَصِيرَةِ القَلْبِ. وضِدُّ هَذا مِمّا وصَفَ اللَّهُ بِهِ اللُّوطِيَّةَ مِنَ العَمَهِ الَّذِي هو ضِدُّ البَصِيرَةِ. فَقالَ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] فَوَصَفَهم بِالسَّكْرَةِ الَّتِي هي فَسادُ العَقْلِ، والعَمَهُ هو فَسادُ البَصِيرَةِ، فالتَّعَلُّقُ بِالصُّوَرِ يُوجِبُ إفْسادَ العَقْلِ، وعَمَهُ البَصِيرَةِ يُسْكِرُ القَلْبَ، كَما قالَ القائِلُ: ؎سُكْرانِ: سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدامَةٍ ∗∗∗ ومَتى إفاقَةُ مَن بِهِ سُكْرانِ ؟ وقالَ الآخَرُ: ؎قالُوا: جُنِنْتَ بِمَن تَهْوى فَقُلْتُ لَهم: ∗∗∗ العِشْقُ أعْظَمُ مِمّا بِالمَجانِينِ ؎العِشْقُ لا يَسْتَفِيقُ الدَّهْرَ صاحِبُهُ ∗∗∗ وإنَّما يُصْرَعَ المَجْنُونُ في الحِينِ السّابِعُ: أنَّهُ يُورِثُ القَلْبَ ثَباتًا وشَجاعَةً وقُوَّةً. ويَجْمَعُ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ سُلْطانِ البَصِيرَةِ والحُجَّةِ، وسُلْطانِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، كَما في الأثَرِ: (الَّذِي يُخالِفُ هَواهُ يَفْرَقُ الشَّيْطانُ مِن ظِلِّهِ ) . وضِدُّ هَذا تَجِدُهُ في المُتَّبِعِ هَواهُ، مِن ذُلِّ النَّفْسِ ووَضاعَتِها ومَهانَتِها وخِسَّتِها وحَقارَتِها. (p-٤٥٠٨)وما جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيمَن عَصاهُ. كَما قالَ الحَسَنُ: إنَّهم وإنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ البِغالُ، وهَمْلَجَتْ بِهِمُ البَراذِينُ، فَإنَّ المَعْصِيَةَ لا تُفارِقُ رِقابَهم، أبى اللَّهُ إلّا أنْ يُذِلَّ مِن عَصاهُ. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ العِزَّ قَرِينَ طاعَتِهِ. والذُّلَّ قَرِينَ مَعْصِيَتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] والإيمانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ ظاهِرٌ وباطِنٌ. وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلْيَطْلُبْها بِطاعَةِ اللَّهِ وذِكْرِهِ، مِنَ الكَلِمِ الطَّيِّبِ، والعِلْمِ الصّالِحِ. وفي دُعاءِ القُنُوَتِ: إنَّهُ لا يَذِلُّ مَن والَيْتَ ولا يَعِزُّ مَن عادَيْتَ. ومَن أطاعَ اللَّهَ فَقَدْ والاهُ فِيما أطاعَهُ فِيهِ. ولَهُ مِنَ العِزِّ بِحَسَبِ طاعَتِهِ، ومَن عَصاهُ فَقَدْ عاداهُ فِيما عَصاهُ فِيهِ. ولَهُ مِنَ الذُّلِّ بِحَسَبِ مَعْصِيَتِهِ. الثّامِنُ: أنَّهُ يَسُدُّ عَلى الشَّيْطانِ مَدْخَلَهُ مِنَ القَلْبِ. فَإنَّهُ يَدْخُلُ مَعَ النَّظْرَةِ ويَنْفُذُ مَعَها إلى القَلْبِ أسْرَعَ مِن نُفُوذِ الهَوى في المَكانِ الخالِي، فَيُمَثِّلُ لَهُ صُورَةَ المَنظُورِ إلَيْهِ، يُزَيِّنُها ويَجْعَلُها صَنَمًا يَعْكُفُ عَلَيْهِ القَلْبُ، ثُمَّ يَعِدُهُ ويُمَنِّيهِ. ويُوقِدُ عَلى القَلْبِ نارَ الشَّهْوَةِ، ويُلْقِي عَلَيْهِ حَطَبَ المَعاصِي، الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَتَوَصَّلُ إلَيْها بِدُونِ تِلْكَ الصُّورَةِ. فَيَصِيرُ القَلْبُ في اللَّهَبِ، فَمِن ذَلِكَ اللَّهَبِ تِلْكَ الأنْفاسُ الَّتِي يَجِدُ فِيها وهَجَ النّارِ، وتِلْكَ الزَّفَراتِ والحَرِقاتِ. فَإنَّ القَلْبَ قَدْ أحاطَتْ بِهِ نِيرانٌ بِكُلِّ جانِبٍ. فَهو في وسَطِها كالشّاةِ في وسَطِ التَّنُّورِ، ولِهَذا كانَتْ عُقُوبَةُ أصْحابِ الشَّهَواتِ بِالصُّوَرِ المُحَرَّمَةِ، أنْ جُعِلَ لَهم في البَرْزَخِ تَنُّورٌ مِن نارٍ، وأُودِعَتْ أرْواحُهم فِيهِ، إلى حَشْرِ أجْسادِهِمْ، كَما أراها اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ في المَنامِ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ. (p-٤٥٠٩)التّاسِعُ: أنَّهُ يُفَرِّغُ القَلْبَ لِلْفِكْرَةِ في مَصالِحِهِ والِاشْتِغالِ بِها. وإطْلاقُ البَصَرِ يُشَتِّتُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ويَحُولُ عَلَيْهِ بَيْنَهُ وبَيْنَها. فَتَنْفَرِطُ عَلَيْهِ أُمُورُهُ ويَقَعُ في اتِّباعِ هَواهُ وفي الغَفْلَةِ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] وإطْلاقُ النَّظَرِ يُوجِبُ هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ بِحَسَبِهِ. العاشِرُ: أنَّ بَيْنَ العَيْنِ والقَلْبِ مَنفَذًا وطَرِيقًا يُوجِبُ انْفِعالَ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ. وأنْ يَصْلُحَ بِصَلاحِهِ ويَفْسُدَ بِفَسادِهِ. فَإذا فَسَدَ القَلْبُ فَسَدَ النَّظَرُ. وإذا فَسَدَ النَّظَرُ فَسَدَ القَلْبُ. وكَذَلِكَ في جانِبِ الصَّلاحِ. فَإذا خَرِبَتِ العَيْنُ وفَسَدَتْ، خَرِبَ القَلْبُ وفَسَدَ، وصارَ كالمَزْبَلَةِ الَّتِي هي مَحَلُّ النَّجاساتِ والقاذُوراتِ والأوْساخِ. فَلا يَصْلُحُ لِسُكْنى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ والإنابَةِ إلَيْهِ والأُنْسِ بِهِ والسُّرُورِ بِقُرْبِهِ فِيهِ. وإنَّما يَسْكُنُ فِيهِ أضْدادُ ذَلِكَ. فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى بَعْضِ فَوائِدِ غَضِّ البَصَرِ، تُطْلِعُكَ عَلى ما وراءَها. انْتَهى. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ تَعالى النِّساءَ بِما أمَرَ بِهِ الرِّجالَ. وزادَ في أمْرِهِنَّ، ما فَرَضَهُ مِن رَفْضِ حالَةِ الجاهِلِيَّةِ المَأْلُوفَةِ قَبْلُ لَهُنَّ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣١] ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ أوْ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِن الرِّجالِ أوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ (p-٤٥١٠)ما يُخْفِينَ مِن زِينَتَهُنَّ وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ . ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أيْ: بِالتَّسَتُّرِ والتَّصَوُّنِ عَنِ الزِّنى كَما تَقَدَّمَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النِّساءُ مَأْمُوراتٌ أيْضًا بِغَضِّ الأبْصارِ. ولا يَحِلُّ لِلْمَرْأةِ أنْ تَنْظُرَ إلى الأجْنَبِيِّ إلى ما تَحْتَ سُرَّتِهِ إلى رُكْبَتِهِ. وإنِ اشْتَهَتْ غَضَّتْ بَصَرَها رَأْسًا. ولا تَنْظُرُ مِنَ المَرْأةِ إلّا إلى مِثْلِ ذَلِكَ. وغَضُّ بَصَرِها مِنَ الأجانِبِ أصْلًا، أوْلى بِها وأحْسَنُ. ومِنهُ حَدِيثُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ مَيْمُونَةُ. فَأقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ. وذَلِكَ بَعْدَ أنْ أُمِرْنا بِالحِجابِ. فَدَخَلَ عَلَيْنا. فَقالَ: «احْتَجِبا» . فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! ألَيْسَ أعْمى لا يُبْصِرُنا ! قالَ: «أفَعَمْياوانِ أنْتُما ؟ ألَسْتُما تُبْصِرانِهِ ؟»» وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الزِّينَةُ ما تَزَيَّنَتْ بِهِ المَرْأةُ مِن حُلِيٍّ أوْ كُحْلٍ أوْ خِضابٍ. فَما كانَ ظاهِرًا مِنها، كالخاتَمِ والفَتْخَةِ والكُحْلِ والخِضابِ، فَلا بَأْسَ بِإبْدائِهِ لِلْأجانِبِ. وما خَفِيَ مِنها كالسُّوارِ والخَلْخالِ، والدُّمْلُجِ والقِلادَةِ والإكْلِيلِ والوِشاحِ والقُرْطِ، فَلا تُبْدِيهِ إلّا لِهَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ. وذَكَرَ الزِّينَةَ دُونَ مَواقِعِها، لِلْمُبالَغَةِ في الأمْرِ بِالتَّصَوُّنِ والتَّسَتُّرِ. لِأنَّ هَذِهِ الزِّيَنَ واقِعَةٌ عَلى مَواضِعَ مِنَ الجَسَدِ، لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْها لِغَيْرِ هَؤُلاءِ. وهي الذِّراعُ والسّاقُ والعَضُدُ والعُنُقُ والرَّأْسُ والصَّدْرُ والأُذُنُ. فَنَهى عَنْ إبْداءِ الزِّيَنِ نَفْسِها لِيُعْلَمَ أنَّ النَّظَرَ إذا لَمْ يَحِلَّ لَها لِمُلابَسَتِها تِلْكَ المَواقِعَ، بِدَلِيلِ أنَّ النَّظَرَ لَها غَيْرَ مُلابِسَةٍ لَها، لا مَقالَ في حِلِّهِ - كانَ النَّظَرُ إلى المَواقِعِ أنْفُسِها مُتَمَكِّنًا في الحَظْرِ ثابِتَ القَدَمِ في الحُرْمَةِ، شاهِدًا عَلى أنَّ النِّساءَ حَقُّهُنَّ أنْ يَحْتَطْنَ في سَتْرِها ويَتَّقِينَ اللَّهَ في الكَشْفِ عَنْها. (p-٤٥١١)(فَإنْ قُلْتَ ): لِمَ سُومِحَ مُطْلَقًا في الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ سَتْرَها فِيهِ حَرَجٌ. فَإنَّ المَرْأةَ لا تَجِدُ بُدًّا مِن مُزاوَلَةِ الأشْياءِ بِيَدَيْها، ومِنَ الحاجَةِ إلى كَشْفِ وجْهِها، خُصُوصًا في الشَّهادَةِ والمُحاكَمَةِ والنِّكاحِ. وتَضْطَرُّ إلى المَشْيِ في الطُّرُقاتِ وظُهُورِ قَدَمَيْها. وخاصَّةً الفَقِيراتِ مِنهُنَّ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ يَعْنِي: إلّا ما جَرَتِ العادَةُ والجِبِلَّةُ عَلى ظُهُورِهِ، والأصْلُ فِيهِ الظُّهُورُ. انْتَهى. وقالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ بِالوَجْهِ والكَفَّيْنِ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ. فاسْتَدَلَّ بِهِ مَن أباحَ النَّظَرَ إلى وجْهِ المَرْأةِ وكَفَّيْها، حَيْثُ لا فِتْنَةَ. ومَن قالَ: إنَّ عَوْرَتَها ما عَداهُما. وفَسَّرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِالثِّيابِ، وفَسَّرَ الزِّينَةَ بِالخاتَمِ والسُّوارِ والقُرْطِ والقِلادَةِ والخَلْخالِ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا. فَهو دَلِيلٌ لِمَن لَمْ يُجِزِ النَّظَرَ إلى شَيْءٍ مِن بَدَنِها، وجَعَلَها كُلَّها عَوْرَةً: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ أيْ: ولْيَسْتُرْنَ بِمَقانِعِهِنَّ، شُعُورَهُنَّ وأعْناقَهُنَّ وقُرْطَهُنَّ وصُدُورَهُنَّ، بِإلْقائِها عَلى جُيُوبِهِنَّ أيْ: مَواضِعِها، وهي النَّحْرُ والصَّدْرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ جُيُوبُهُنَّ واسِعَةً تَبْدُو مِنها نُحُورُهُنَّ وصُدُورُهُنَّ وما حَوالَيْها. وكُنَّ يُسْدِلْنَ الخُمُرَ مِن ورائِهِنَّ، فَتَبْقى مَكْشُوفَةً فَأُمِرْنَ بِأنْ يُسْدِلْنَها مِن قُدّامِهِنَّ حَتّى يُغَطِّينَها. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالجُيُوبِ الصُّدُورُ، تَسْمِيَةً بِما يَلِيها ويُلابِسُها، ومِنهُ قَوْلُهم: (ناصِحُ الجَيْبِ ) . لَطِيفَةٌ: قالَ أبُو حَيّانَ: عُدِّيَ (يَضْرِبْنَ ) بِـ(عَلى ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الوَضْعِ. وجَعَلَهُ الرّاغِبُ مِمّا يَتَعَدّى بِها دُونَ تَضْمِينٍ. و(الخُمُرُ ): جَمْعُ خِمارٍ يُقالُ (لُغَةً ) لِما يُسْتَرُ بِهِ. وخَصَّصَهُ العُرْفُ بِما تُغَطِّي بِهِ المَرْأةُ رَأْسَها. ومِنهُ (اخْتَمَرَتِ ) المَرْأةُ و(تَخَمَّرَتْ ) . و(الجَيْبُ ) ما جِيبَ، أيْ: قُطِعَ مِن أعْلى القَمِيصِ. وهو ما يُسَمِّيهِ العامَّةُ طَوْقًا. وأمّا إطْلاقُهُ عَلى ما يَكُونُ في الجَنْبِ لِوَضْعِ الدَّراهِمِ ونَحْوِها، فَلَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ. كَما ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ. كَذا في (العِنايَةِ ") ثُمَّ كَرَّرَ النَّهْيَ عَنْ (p-٤٥١٢)إبْداءِ الزِّينَةِ لِاسْتِثْناءِ بَعْضِ مَوادِّ الرُّخْصَةِ عَنْهُ، بِاعْتِبارِ النّاظِرِ بَعْدَ ما اسْتَثْنى عَنْهُ بَعْضَ مَوادِّ الضَّرُورَةِ بِاعْتِبارِ المَنظُورِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أيْ: فَإنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالزِّينَةِ. ولَهم أنْ يَنْظُرُوا إلى جَمِيعِ بَدَنِهِنَّ حَتّى الفَرْجَ. لَكِنْ بِكَراهَةٍ عَلى المَشْهُورِ. وقالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ بْنُ القَطّانِ في كِتابِ (إحْكامِ النَّظَرِ "): عَنْ أصْبَغَ، لا بَأْسَ بِهِ، ولَيْسَ بِمَكْرُوهٍ. ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ لا بَأْسَ أنْ يَنْظُرَ إلى الفَرْجِ في الجِماعِ. ثُمَّ ذَكَرْنا أنَّ ما رُوِيَ مِن أنَّ ذَلِكَ يُورِثُ العَمى، فَحَدِيثٌ لا يَصِحُّ. لِأنَّ فِيهِ (بَقِيَّةَ) وقَدْ قالُوا (بَقِيَّةُ أحادِيثُهُ غِيرُ نَقِيَّةٍ ) ولَمْ يُؤْثَرْ عَنِ العَرَبِ كَراهَةُ ذَلِكَ. ولِلنّابِغَةِ والأعْشى وأبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ مَيّادَةَ وعَبْدِ بِنِي الحَسّاسِ والفَرَزْدَقِ، في ذَلِكَ ما هو مَعْرُوفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ﴾ أيْ: لِأنَّ هَؤُلاءِ مَحارِمُهُنَّ الَّذِينَ تُؤْمَنُ الفِتْنَةُ مِن قِبَلِهِمْ. فَإنَّ آباءَهُنَّ أوْلِياؤُهُنَّ الَّذِي يَحْفَظُونَهُنَّ عَمّا يَسُوءُهُنَّ. وآباءُ بُعُولَتِهِنَّ يَحْفَظُونَ عَلى أبْنائِهِنَّ ما يَسُوءُهم. وأبْناؤُهُنَّ شَأْنُهم خِدْمَةُ الأُمَّهاتِ، وهم مِنهُنَّ. وأبْناءُ بُعُولَتِهِنَّ شَأْنُهم خِدْمَةُ الآباءِ وخِدْمَةُ أحْبابِهِمْ. وإخْوانُهُنَّ هُمُ الأوْلِياءُ بَعْدَ الآباءِ. وبَنُوهم أوْلِياءُ بَعْدَهم. وكَذا بَنُو أخَواتِهِنَّ، هم كَبَنِي إخْوانِهِنَّ في القَرابَةِ فَيَتَعَيَّرُونَ بِنِسْبَةِ السُّوءِ إلى الخالَةِ. تَعَيُّرَهم بِنِسْبَتِهِ إلى العَمَّةِ. هَذا ما أشارَ لَهُ المَهايِمِيُّ. وأجْمَلَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وإنَّما سُومِحَ في الزِّينَةِ الخَفِيَّةِ أُولَئِكَ المَذْكُورُونَ، لَمّا كانُوا مُخْتَصِّينَ بِهِ مِنَ الحاجَةِ المُضْطَرَّةِ إلى مُداخَلَتِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ. ولِقِلَّةِ تَوَقُّعِ الفِتْنَةِ مِن جِهاتِهِمْ ولِما في الطِّباعِ مِنَ النَّفْرَةِ عَنْ مُمارَسَةِ القَرائِبِ. وتَحْتاجُ المَرْأةُ إلى صُحْبَتِهِمْ في الأسْفارِ لِلنُّزُولِ والرُّكُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ قِيلَ: هُنَّ المُؤْمِناتُ. أخْذًا مِنَ الإضافَةِ. فَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنَةِ أنْ تَتَجَرَّدَ بَيْنَ يَدَيْ مُشْرِكَةٍ أوْ كِتابِيَّةٍ. وقِيلَ: النِّساءُ كُلُّهُنَّ. فَإنَّهُنَّ سَواءٌ في حِلِّ نَظَرِ بِعْضِهِنَّ إلى بَعْضٍ. قالَ في (الإكْلِيلِ "): فِيهِ إباحَةُ نَظَرِ المَرْأةِ إلى المَرْأةِ كَمَحْرَمٍ. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ؛ (p-٤٥١٣)أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ لِما قَدِمُوا بَيْتَ المَقْدِسِ، كانَ قَوابِلُ نِسائِهِنَّ اليَهُودِيّاتِ والنَّصْرانِيّاتِ. وقالَ الرّازِيُّ: القَوْلُ الثّانِي هو المَذْهَبُ وقَوْلُ السَّلَفِ الأوَّلِ مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِحْبابِ والأوْلى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ أيْ: لِاحْتِياجِهِنَّ إلَيْهِمْ. فَلَوْ مُنِعَ دُخُولُهم عَلَيْهِنَّ اضْطُرِرْنَ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وظاهِرُ الآيَةِ يَشْمَلُ العَبِيدَ والإماءَ. وإلَيْهِ ذَهَبَ قَوْمٌ. قالُوا: لا بَأْسَ عَلَيْهِنَّ في أنْ يُظْهِرْنَ لِعَبِيدِهِنَّ مِن زِينَتِهِنَّ ما يُظْهِرْنَ لِذَوِي مَحارِمِهِنَّ. واحْتَجُّوا أيْضًا بِما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتى فاطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وهَبَهُ لَها. قالَ: وعَلى فاطِمَةَ ثَوْبٌ، إذا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَها، لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْها، وإذا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْها، لَمْ يُبْلُغْ رَأْسَها، فَلَمّا رَأى النَّبِيُّ ﷺ ما تَلْقى قالَ: «إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ. إنَّما هو أبُوكِ وغُلامُكِ»» . وجاءَ في (تارِيخِ ابْنِ عَساكِرَ ") أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعَدَةَ كانَ أسْوَدَ شَدِيدَ الأدْمَةِ. وقَدْ كانَ وهَبَهُ النَّبِيُّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِابْنَتِهِ فاطِمَةَ. فَرَبَّتْهُ ثُمَّ أعْتَقَتْهُ، ثُمَّ كانَ، بَعْدُ مَعَ مُعاوِيَةَ عَلى عَلِيٍّ. نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ هو هو. واللَّهُ أعْلَمُ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ بِذَلِكَ الإماءِ المُشْرِكاتِ، وأنَّهُ يَجُوزُ لَها أنْ تُظْهِرَ زِينَتَها إلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ مُشْرِكاتٍ. قالُوا: وسِرُّ إفْرادِ الإماءِ مَعَ شُمُولِهِ قَوْلُهُ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ لَهُنَّ الإعْلامُ بِأنَّ المُرادَ مَن في صُحْبَتِهِنَّ مِنَ الحَرائِرِ والإماءِ لِظُهُورِ الإضافَةِ في نِسائِهِنَّ بِالحَرائِرِ. كَقَوْلِهِ: ﴿شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَعُطِفْنَ عَلَيْهِنَّ لِيُشارِكْنَهُنَّ في إباحَةِ النَّظَرِ عَلَيْهِنَّ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى. لِأنَّ الأصْلَ هو العَمَلُ بِالعامِّ حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلى تَخْصِيصِهِ. لا سِيَّما والحِكْمَةُ ظاهِرَةٌ فِيهِ وهي رَفْعُ الحَرَجِ. وهَذا الَّذِي قَطَعَ بِهِ الشّافِعِيُّ وجُمْهُورُ أصْحابِهِ. قالَ في (الإكْلِيلِ "): وعَلى الأوَّلِ اسْتُدِلَّ بِإضافَةِ اليَمِينِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِعَبْدِ الزَّوْجِ النَّظَرُ. (p-٤٥١٤)واسْتَدَلَّ مَن أباحَهُ بِقِراءَةِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿أوِ التّابِعِينَ﴾ أيِ: الخُدّامِ لِأنَّهُنَّ في مَعْنى العَبِيدِ: ﴿غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ﴾ أيِ: الحاجَةِ إلى نِساءٍ: ﴿مِنَ الرِّجالِ﴾ كالشَّيْخِ الهَرِمِ والبُلْهِ واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن أباحَ نَظَرَ الخَصِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ أيْ: لَمْ يَفْهَمُوا أحْوالَهُنَّ، لِصِغَرِهِمْ. فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَحْرِيمِ نَظَرِ المُراهِقِ الَّذِي فَهِمَ ذَلِكَ كالبالِغِ. كَما في (الإكْلِيلِ ") . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَظْهَرُوا ) إمّا مِن (ظَهَرَ عَلى الشَّيْءِ ) إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ، أيْ: لا يَعْرِفُونَ ما العَوْرَةُ، ولا يُمَيِّزُونَ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها. وإمّا مِن ظَهَرَ عَلى فُلانٍ إذا قَوِيَ عَلَيْهِ وظَهَرَ عَلى القُرْآنِ أخَذَهُ وأطاقَهُ أيْ: لَمْ يَبْلُغُوا أوانَ القُدْرَةِ عَلى الوَطْءِ. و(الطِّفْلُ ) مُفْرَدٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الجَمْعِ بِقَرِينَةِ وصْفِهِ بِالجَمْعِ. ومِثْلُهُ (الحاجُّ ) بِمَعْنى: الحَجّاجِ. وقالَ الرّاغِبُ: إنَّهُ يَقَعُ عَلى الجَمْعِ. تَنْبِيهٌ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا﴾ إلَخْ عَلى أنَّهُ لا يُباحُ النَّظَرُ لِلْعَمِّ والخالِ، لِعَدَمِ ذِكْرِهِما في الآيَةِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ وعِكْرِمَةَ، قالا: لَمْ يَذْكُرِ العَمَّ والخالَ لِأنَّهُما يَنْعَتانِ لِأبْنائِهِما، ولا تَضَعُ خِمارَها عِنْدَ العَمِّ والخالِ. وقالَ الرّازِيُّ: القَوْلُ الظّاهِرُ أنَّهُما كَسائِرِ المَحارِمِ في جَوازِ النَّظَرِ. وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. قالَ: لِأنَّ الآيَةَ لَمْ يُذْكَرْ فِيها الرَّضاعُ وهو كالنَّسَبِ. وقالَ في سُورَةِ الأحْزابِ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] الآيَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ فِيها البُعُولَةَ ولا أبْناءَهم. وقَدْ ذُكِرُوا ها هُنا. وقَدْ يَذْكُرُ البَعْضَ لِيُنَبِّهَ عَلى الجُمْلَةِ. ثُمَّ قالَ: في قَوْلِ الشَّعْبِيِّ مِنَ الدَّلالاتِ البَلِيغَةِ عَلى وُجُوبِ الِاحْتِياطِ عَلَيْهِنَّ في التَّسَتُّرِ. (p-٤٥١٥)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ الزِّينَةَ، كَما يَجِبُ إخْفاؤُها عَنِ البَصَرِ، يَجِبُ عَنِ السَّمْعِ، إنْ كانَتْ مِمّا تُؤَثِّرُ فِيهِ مَيْلًا، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ﴾ أيِ: الأرْضَ: ﴿لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ﴾ أيْ: عَنِ الأبْصارِ: ﴿مِن زِينَتِهِنَّ﴾ كالخَلْخالِ. وهَذا نَهْيٌ عَنْ ما كانَ يَفْعَلُهُ بَعْضُهُنَّ. وذَلِكَ مِن ضَرْبِ أرْجُلِهِنَّ الأرْضَ لِيَتَحَرَّكَ خَلْخالُهُنَّ فَيُعْلَمَ أنَّهُنَّ مُتَحَلِّينَ بِهِ. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُورِثُ الرِّجالَ مَيْلًا إلَيْهِنَّ، ويُوهِمُ أنَّ لَهُنَّ مَيْلًا إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا نُهِينَ عَنْ إظْهارِ صَوْتِ الحُلِيِّ بَعْدَ ما نُهِينَ عَنْ إظْهارِ الحُلِيِّ، عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنْ إظْهارِ مَواضِعِ الحُلِيِّ أبْلَغُ وأبْلَغُ. قِيلَ: وإذا نُهِيَ عَنِ اسْتِماعِ صَوْتِ حُلِيِّهِنَّ. فَعَنِ اسْتِماعِ صَوْتِهِنَّ بِالطَّرِيقِ الأوْلى. وهَذا سَدٌّ لِبابِ المُحَرَّماتِ، وتَعْلِيمٌ لِلْأحْواضِ الأحْسَنِ، لا سِيَّما في مَظانِّ الرَّيْبِ وما يَكُونُ ذَرِيعَةً إلَيْها. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَدْخُلُ في هَذا النَّهْيِ كُلُّ شَيْءٍ مِن زِينَتِها كانَ مَسْتُورًا، فَتَحَرَّكَتْ بِحَرَكَةٍ، لِتُظْهِرَ ما خَفِيَ مِنها. ومِن ذَلِكَ ما ورَدَ مِن نَهْيِها عَنِ التَّعَطُّرِ والتَّطَيُّبِ عِنْدَ خُرُوجِها مِن بَيْتِها لِيَشُمَّ الرِّجالُ طِيبَها. فَرَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««كُلُّ عَيْنٍ زانِيَةٌ. والمَرْأةُ إذا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالمَجْلِسِ فَهي كَذا وكَذا»» . يَعْنِي زانِيَةً. قالَ: ومِنَ البابِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. وهَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ أيْضًا عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««الرّافِلَةُ في الزِّينَةِ في (p-٤٥١٦)غَيْرِ أهْلِها، كَمَثَلِ ظُلْمَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ، لا نُورَ لَها»» . ومِن ذَلِكَ أيْضًا، نَهْيُهُنَّ مِنَ المَشْيِ في وسَطِ الطَّرِيقِ لِما فِيهِ مِنَ التَّبَرُّجِ. فَرَوى أبُو داوُدَ «عَنْ أبِي أُسَيْدٍ الأنْصارِيِّ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وهو خارِجٌ مِنَ المَسْجِدِ، وقَدِ اخْتَلَطَ الرِّجالُ مَعَ النِّساءِ في الطَّرِيقِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنِّساءِ: «اسْتَأْخِرْنَ، فَإنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أنْ تُحَقِّقْنَ الطَّرِيقَ. عَلَيْكُنَّ بِحافّاتِ الطَّرِيقِ» . فَكانَتِ المَرْأةُ تَلْصُقُ بِالجِدارِ، حَتّى أنَّ ثَوْبَها لِيَتَعَلَّقُ بِالجِدارِ مِن لُصُوقِها بِهِ» . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ: ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالعَمَلِ بِأوامِرِهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ، فَإنَّ مُقْتَضى إيمانِكم ذَلِكَ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تَفُوزُوا بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ. ولَمّا زَجَرَ تَعالى عَنِ السِّفاحِ ومَبادِيهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ، أمَرَ بِالنِّكاحِ. فَإنَّهُ، مَعَ كَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَناطًا لِبَقاءِ النَّوْعِ، خَيْرُ مَزْجَرَةٍ عَنْ ذَلِكَ. فَقالَ سُبْحانَهُ:

النور 24:32

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٢] ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ أيْ: زَوِّجُوا مَن لا زَوْجَ لَهُ مِنَ الأحْرارِ والحَرائِرِ، ومَن كانَ فِيهِ صَلاحُ غِلْمانِكم وجَوارِيكم، والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والسّاداتِ، و(الأيامى ): جَمْعُ أيِّمٌ. مَن لا زَوْجَةَ لَهُ أوْ لا زَوْجَ لَها. يَكُونُ لِلرَّجُلِ والمَرْأةِ يُقالُ: آمَ وآمَتْ وتَأيَّما، إذا لَمْ يَتَزَوَّجا، بِكْرَيْنِ كانا أوْ ثَيِّبَيْنِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: واعْتِبارُ الصَّلاحِ في الأرِقّاءِ، لِأنَّ مَن لا صَلاحَ لَهُ مِنهم، بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ خَلِيقًا بِأنْ يَعْتَنِيَ مَوْلاهُ بِشَأْنِهِ، ويُشْفِقَ عَلَيْهِ، ويَتَكَلَّفَ في نَظْمِ مَصالِحِهِ بِما لا بُدَّ مِنهُ شَرْعًا وعادَةً، مِن بَذْلِ المالِ والمَنافِعِ. بَلْ حَقُّهُ ألّا يَسْتَبْقِيَهُ عِنْدَهُ. وأمّا عَدَمُ اعْتِبارِ الصَّلاحِ (p-٤٥١٧)فِي الأحْرارِ والحَرائِرِ، فَلِأنَّ الغالِبَ فِيهِمُ الصَّلاحُ. عَلى أنَّهم مُسْتَبِدُّونَ في التَّصَرُّفاتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ. فَإذا عَزَمُوا النِّكاحَ، فَلا بُدَّ مِن مُساعَدَةِ الأوْلِياءِ لَهم؛ إذْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ غَرامَةٌ، حَتّى يُعْتَبَرَ في مُقابَلَتِها غَنِيمَةٌ عائِدَةٌ إلَيْهِمْ. عاجِلَةً أوْ آجِلَةً: وقِيلَ: المُرادُ هو الصَّلاحُ لِلنِّكاحِ والقِيامُ بِحُقُوقِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ إزاحَةٌ لِما عَسى يَكُونُ وازِعًا مِنَ النِّكاحِ مِن فَقْرِ أحَدِ الجانِبَيْنِ. أيْ: لا يَمْنَعَنَّ فَقْرُ الخاطِبِ أوِ المَخْطُوبَةِ مِنَ المُناكَحَةِ. فَإنَّ في فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ غَنِيَّةً عَنِ المالِ. فَإنَّهُ غادٍ ورائِحٌ. يَرْزُقُ مَن يَشاءُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ. أوْ وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالإغْناءِ. لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة: ٢٨] ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: غَنِيٌّ ذُو سَعَةٍ، لا يَرْزَؤُهُ إغْناءُ الخَلائِقِ، إذْ لا نَفاذَ لِنِعْمَتِهِ ولا غايَةَ لِقُدْرَتِهِ { عَلِيمٌ } يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدُرُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. انْتَهى كَلامُ أبِي مَسْعُودٍ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: الأمْرُ في الآيَةِ لِلنَّدْبِ. لِما عُلِمَ مِن أنَّ النِّكاحَ أمْرٌ مَندُوبٌ إلَيْهِ. وقَدْ يَكُونُ لِلْوُجُوبِ في حَقِّ الأوْلِياءِ عِنْدَ طَلَبِ المَرْأةِ ذَلِكَ. وفِي (الإكْلِيلِ "): اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِالأمْرِ عَلى اعْتِبارِ الوَلِيِّ. لِأنَّ الخِطابَ لَهُ، وعَدَمِ اسْتِقْلالِ المَرْأةِ بِالنِّكاحِ. واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن أباحَ نِكاحَ الإماءِ بِلا شَرْطٍ، ونِكاحَ العَبَدَةِ الحُرَّةَ. واسْتَدَلَّ بِها مَن قالَ بِإجْبارِ السَّيِّدِ عَلى نِكاحِ عَبْدِهِ وأمَتِهِ. الثّانِي: قَدَّمْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلا يُقالُ إنَّهُ تَعالى لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وكَمْ مِن مُتَزَوِّجٍ فَقِيرٌ. والتَّقَيُّدُ بِالمَشِيئَةِ بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وهو الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ. أوْ إشارَةُ قَوْلِهِ تَعالى: { عَلِيمٌ حَكِيمٌ } لِأنَّ مَآلَهُ إلى المَشِيئَةِ. أوْ عَقْلِيٍّ وهو أنَّ الحَكِيمَ لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. (p-٤٥١٨)قالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ "): ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذا كانَتِ المَشِيئَةُ هي المُعْتَبَرَةُ في غِنى المُتَزَوِّجِ، فَهي أيْضًا المُعْتَبَرَةُ في غِنى الأعْزَبِ، فَما وجْهُ رَبْطِ وعْدِ الغِنى بِالنِّكاحِ، مَعَ أنَّ حالَ النّاكِحِ مُنْقَسِمٌ في الغِنى عَلى حَسَبِ المَشِيئَةِ. فَمِن مُسْتَغْنٍ بِهِ، ومِن فَقِيرٍ، كَما أنَّ حالَ غَيْرِ النّاكِحِ مُنْقَسِمٌ ؟ . فالجَوابُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ فائِدَةَ رَبْطِ الغِنى بِالنِّكاحِ، أنَّهُ قَدْ رَكَزَ في الطِّباعِ السُّكُونُ إلى الأسْبابِ والِاعْتِمادُ عَلَيْها، والغَفْلَةُ عَنِ المُسَبِّبِ، جَلَّ وعَلا. حَتّى غَلَبَ الوَهْمُ عَلى العَقْلِ فَخُيِّلَ أنَّ كَثْرَةَ العِيالِ سَبَبٌ يُوجِبُ الفَقْرَ حَتْمًا، وعَدَمَها سَبَبٌ يُوجِبُ تَوْفِيرَ المالِ جَزْمًا. وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيما رَبَطَهُ الوَهْمُ بِهِ. فَأُرِيدَ قَلْعُ هَذا الخَيالِ المُتَمَكِّنِ مِنَ الطَّبْعِ، بِالإيذانِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُوَفِّرُ المالَ ويُنَمِّيهِ، مَعَ كَثْرَةِ العِيالِ الَّتِي هي سَبَبٌ مِنَ الأوْهامِ، لِنَفادِ المالِ. وقَدْ يُقَدِّرُ الإمْلاقَ مَعَ عَدَمِهِ، الَّذِي هو سَبَبٌ في الإكْثارِ عِنْدَ الأوْهامِ. والواقِعُ يَشْهَدُ لِذَلِكَ بِلا مِراءٍ. فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّ الأسْبابَ الَّتِي يَتَوَهَّمُها البَشَرُ، مُرْتَبِطاتٌ بِمُسَبِّباتِها، ارْتِباطًا لا يَنْفَكُّ - لَيْسَتْ عَلى ما يَزْعُمُونَهُ. وإنَّما يُقَدَّرُ الغِنى والفَقْرَ مُسَبِّبُ الأسْبابِ. غَيْرُ مَوْقُوفٍ تَقْدِيرُ ذاكَ إلّا عَلى مَشِيئَةٍ خاصَّةٍ. وحِينَئِذٍ لا يَنْفِرُ العاقِلُ المُتَيَقِّظُ مِنَ النِّكاحِ. لِأنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ أنْ لا أثَرَ لَهُ في الإقْتارِ. وأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِن إغْنائِهِ، ولا يُؤَثِّرُ أيْضًا الخُلُوُّ عَنِ النِّكاحِ لِأجْلِ التَّوْفِيرِ، لِأنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ أنْ لا أثَرَ لَهُ فِيهِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَمْنَعُهُ مانِعٌ أنْ يُقَتِّرَ عَلَيْهِ. وأنَّ العَبْدَ إنْ تَعاطى سَبَبًا فَلا يَكُنْ ناظِرًا إلَيْهِ، ولَكِنْ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وتَقَدَّسَ. فَمَعْنى قَوْلِهِ حِينَئِذٍ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ﴾ الآيَةَ، أنَّ النِّكاحَ لا يَمْنَعُهُمُ الغِنى مِن فَضْلِ اللَّهِ. فَعَبَّرَ عَنْ نَفْيِ كَوْنِهِ مانِعًا، مِنَ الغِنى، بِوُجُودِهِ مَعَهُ. ولا يُبْطِلُ المانِعِيَّةَ إلّا وُجُودُ ما يُتَوَهَّمُ مَمْنُوعًا مَعَ ما يُتَوَهَّمُ مانِعًا ولَوْ في صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ عَلى أثَرِ ذَلِكَ. فَمِن هَذا الوادِي أمْثالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] فَإنَّ ظاهِرَ (p-٤٥١٩)الأمْرِ طَلَبُ الِانْتِشارِ عِنْدَ انْقِضاءِ الصَّلاةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ حَقِيقَةً. ولَكِنَّ الغَرَضَ تَحْقِيقُ زَوالِ المانِعِ وهو الصَّلاةُ، وبَيانُ أنَّ الصَّلاةَ مَتى قُضِيَتْ، فَلا مانِعَ. فَعَبَّرَ عَنْ نَفْيِ المانِعِ بِالِانْتِشارِ، بِما يُفْهِمُ تَقاضِيَ الِانْتِشارِ مُبالَغَةً في تَحْقِيقِ المَعْنى عِنْدَ السّامِعِ. واللَّهُ أعْلَمُ. فَتَأمَّلْ هَذا الفَصْلَ واتَّخِذْهُ عَضُدًا حَيْثُ الحاجَةُ إلَيْهِ. انْتَهى. الثّالِثَةُ: (في الإكْلِيلِ "): اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يُفْسَخُ النِّكاحُ بِالعَجْزِ عَنِ النَّفَقَةِ، لِأنَّهُ قالَ: يُغْنِهِمُ اللَّهُ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهم. ثُمَّ أرْشَدَ تَعالى العاجِزِينَ عَنْ أسْبابِ النِّكاحِ، إلى ما هو أوْلى لَهم، بَعْدَ بَيانِ جَوازِ مُناكَحَةِ الفُقَراءِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:33

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٣] ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكم ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: ولْيَجْتَهِدْ في العِفَّةِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا، أيْ: أسْبابَهُ، أوِ اسْتِطاعَةَ نِكاحٍ أيْ: تَزَوُّجٌ. فَهو عَلى المَجازِ، أوْ تَقْدِيرِ المُضافِ. أوِ المُرادُ (بِالنِّكاحِ ): ما يُنْكَحُ بِهِ. قالَ الشِّهابُ: فَإنَّ (فِعالًا ) يَكُونُ صِفَةً بِمَعْنى مَفْعُولٍ. كَكِتابٍ بِمَعْنى مَكْتُوبٍ. واسْمَ آلَةٍ كَرِكابٍ لِما يُرْكَبُ بِهِ. وهو كَثِيرٌ. كَما نَصَّ عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ تَرْجِيَةٌ لِلْمُسْتَعَفِّينَ وتَقْدِمَةُ وعْدٍ بِالتَّفْضِيلِ عَلَيْهِمْ بِالغِنى، لِيَكُونَ انْتِظارُ ذَلِكَ (p-٤٥٢٠)وتَأْمِيلُهُ، لُطْفًا لَهم في اسْتِعْفافِهِمْ، ورَبْطًا عَلى قُلُوبِهِمْ. ولِيَظْهَرَ بِذَلِكَ أنَّ فَضْلَهُ أوْلى بِالأعِفّاءِ. وأدْنى مِنَ الصُّلَحاءِ. وما أحْسَنَ ما رَتَّبَ هَذِهِ الأوامِرَ. حَيْثُ أمَرَ أوَّلًا بِما يَعْصِمُ مِنَ الفِتْنَةِ، ويُبْعِدُ مِن مُواقَعَةِ المَعْصِيَةِ، وهو غَضُّ البَصَرِ، ثُمَّ بِالنِّكاحِ الَّذِي يُحَصِّنُ بِهِ الدِّينَ، وقَعَ بِهِ الِاسْتِغْناءُ بِالحَلالِ عَنِ الحَرامِ. ثُمَّ بِالحَمْلِ عَلى النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ، وعَزْفِها عَنِ الطُّمُوحِ إلى الشَّهْوَةِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ النِّكاحِ، إلى أنْ يُرْزَقَ القُدْرَةَ عَلَيْهِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. تَنْبِيهٌ: قالَ في (الإكْلِيلِ "): في الآيَةِ اسْتِحْبابُ الصَّبْرِ عَنِ النِّكاحِ لِمَن لا يَقْدِرُ عَلى مُؤْنَتِهِ. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِ نِكاحِ المُتْعَةِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى لِلسّادَةِ بِتَزْوِيجِ الصّالِحِينَ مِن عَبِيدِهِمْ وإمائِهِمْ، مَعَ الرِّقِّ، رَغَّبَهم في أنْ يُكاتِبُوهم إذا طَلَبُوا ذَلِكَ، لِيَصِيرُوا أحْرارًا؛ فَيَتَصَرَّفُوا في أنْفُسِهِمْ كالأحْرارِ، فَقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ أيِ: الكِتابَةَ: ﴿مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهُمْ﴾ حِرْصًا عَلى تَحْرِيرِهِمُ الَّذِي هو الأصْلُ فِيهِمْ، وحُبًّا بِتَحْقِيقِ المُساواةِ في الأُخُوَّةِ الجِنْسِيَّةِ. والمُكاتَبَةُ أنْ يَقُولَ السَّيِّدُ: كاتَبْتُكَ. أيْ: جَعَلْتُ عِتْقَكَ مَكْتُوبًا عَلى نَفْسِي، بِمالٍ كَذا تُؤَدِّيهِ في نُجُومٍ كَذا. ويَقْبَلُ العَبْدُ ذَلِكَ، فَيَصِيرُ مالِكًا لِمَكاسِبِهِ ولِما يُوهَبُ لَهُ، وإنَّما وجَبَ مَعَهُ الإمْهالُ، لِأنَّ الكَسْبَ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِهِ. واشْتُرِطَ النُّجُومُ لِئَلّا تَخْلُوَ تِلْكَ المُدَّةُ عَنِ الخِدْمَةِ وعِوَضِها جَمِيعًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أيْ: كالأمانَةِ، لِئَلّا يُؤَدُّوا النُّجُومَ مِنَ المالِ المَسْرُوقِ. والقُدْرَةُ عَلى الكَسْبِ والصَّلاحِ، فَلا يُؤْذِي أحَدًا بَعْدَ العِتْقِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ أمْرٌ لِلْمَوالِي بِبَذْلِ شَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ. وفي حُكْمِهِ، حَطُّ شَيْءٍ مِن مالِ الكِتابَةِ. ولِغَيْرِهِمْ بِإعْطائِهِمْ مِنَ الزَّكاةِ إعانَةً لَهم عَلى تَحْرِيرِهِمْ. تَنْبِيهٌ: قالَ في (الإكْلِيلِ "): في الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ الكِتابَةِ. وأنَّها مُسْتَحَبَّةٌ. وقالَ أهْلُ الظّاهِرِ: (p-٤٥٢١)واجِبَةٌ لِظاهِرِ الآيَةِ. وأنَّ لِنَدْبِها أوْ وُجُوبِها، شَرْطَيْنِ: طَلَبُ العَبْدِ لَها وعِلْمُ الخَيْرِ فِيهِ وفَسَّرَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ بِالمالِ والحِرْفَةِ والوَفاءِ والصِّدْقِ والأمانَةِ. ثُمَّ نَهى تَعالى عَنْ إكْراهِ الجَوارِي عَلى الزِّنى كَما اعْتادُوهُ في الجاهِلِيَّةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ أيْ: إماءَكم، فَإنَّهُ يُكَنّى بِالفَتى والفَتاةِ، عَنِ العَبْدِ والأمَةِ، وفي الحَدِيثِ: ««لِيَقُلْ أحَدُكم: فَتايَ وفَتاتِي، ولا يَقُلْ. عَبْدِي وأمَتِي»» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى البِغاءِ﴾ أيِ: الزِّنى. يُقالُ: بَغَتْ بَغْيًا وبِغاءً، إذا عَهَرَتْ. وذَلِكَ لِتَجاوُزِها إلى ما لَيْسَ لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ النَّهْيِ بِصُورَةِ إرادَتِهِنَّ التَّعَفُّفُ عَنِ الزِّنى، وإخْراجُ ما عَداها مِن حُكْمِهِ، بَلْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى عادَتِهِمُ المُسْتَمِرَّةِ، حَيْثُ كانُوا يُكْرِهُونَهُنَّ عَلى البِغاءِ وهُنَّ يُرِدْنَ التَّعَفُّفَ عَنْهُ، مَعَ وُفُورِ شَهْوَتِهِنَّ الآمِرَةِ بِالفُجُورِ، وقُصُورِهِنَّ في مَعْرِفَةِ الأُمُورِ، الدّاعِيَةِ إلى المَحاسِنِ، الزّاجِرَةِ عَنْ تَعاطِي القَبائِحِ، انْتَهى كَلامُ أبِي السُّعُودِ. أيْ: وحِينَئِذٍ فَلا مَفْهُومَ لِلشَّرْطِ، وهَذا كَجَوابِ بَعْضِهِمْ: إنَّ غالِبَ الحالِ أنَّ الإكْراهَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ. والكَلامُ الوارِدُ عَلى سَبِيلِ الغالِبِ لا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومُ الخِطابِ. كَما أنَّ الخُلْعَ يَجُوزُ في غَيْرِ حالَةِ الشِّقاقِ. ولَكِنْ لَمّا كانَ الغالِبُ وُقُوعَ الخُلْعِ في حالَةِ الشِّقاقِ، لا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] مَفْهُومٌ. ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] والقَصْرُ لا يَخْتَصُّ بِحالِ الخَوْفِ. ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أجْراهُ عَلى سَبِيلِ الغالِبِ. فَكَذا ها هُنا انْتَهى. قالَ أبُو سُعُودٍ: وفِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ وتَشْنِيعِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ، ما لا يَخْفى. فَإنَّ مَن لَهُ أدْنى مُرُوءَةٍ لا يَكادُ يَرْضى بِفُجُورِ مَن يَحْوِيهِ حَرَمُهُ مِن إمائِهِ، وفَضْلًا (p-٤٥٢٢)عَنْ أمْرِهِنَّ بِهِ، أوْ إكْراهِهِنَّ عَلَيْهِ. لا سِيَّما عِنْدَ إرادَتِهِنَّ التَّعَفُّفَ. وإيثارُ كَلِمَةِ إنْ عَلى (إذا ) مَعَ تَحَقُّقِ الإرادَةِ في مَوْرِدِ النَّصِّ حَتْمًا، لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنِ الإكْراهِ، عِنْدَ كَوْنِ إرادَةِ التَّحَصُّنِ في حَيِّزِ التَّرَدُّدِ والشَّكِّ. فَكَيْفَ إذا كانَتْ مُحَقَّقَةَ الوُقُوعِ كَما هو الواقِعُ ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَيْدٌ لِلْإكْراهِ، لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَدارٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، بَلْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُعْتادُ فِيما بَيْنَهم، كَما قَبْلَهُ جِيءَ بِهِ تَشْنِيعًا لَهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ احْتِمالِ الوِزْرِ الكَبِيرِ، لِأجْلِ النَّزْرِ الحَقِيرِ. أيْ: لا تَفْعَلُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن إكْراهِهِنَّ عَلى البِغاءِ لِطَلَبِ المَتاعِ السَّرِيعِ الزَّوالِ، الوَشِيكِ الِاضْمِحْلالِ. يَعْنِي مِن كَسْبِهِنَّ وأوْلادِهِنَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُكْرِهُّنَّ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ العَمَلِ بِهِ بِبَيانِ خَلاصِ المُكْرَهاتِ عَنْ عُقُوبَةِ المُكْرَهِ عَلَيْهِ عِبارَةً، ورُجُوعِ غائِلَةِ الإكْراهِ إلى المُكْرِهِينَ إشارَةً، أيْ: ﴿ومَن يُكْرِهُّنَّ﴾ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ البِغاءِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لَهُنَّ. كَما وقَعَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وعَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وكَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ﴾ أيْ كَوْنِهِنَّ مُكْرَهاتٍ. عَلى أنَّ الإكْراهَ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ فَإنَّ تَوْسِيطَهُ بَيْنَ اسْمِ (إنَّ ) وخَبَرِها، لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ هو السَّبَبُ لِلْمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. وكانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ يَقُولُ: لَهُنَّ، واللَّهِ ! لَهُنَّ، واللَّهِ ! وفي تَخْصِيصِهِما (بِهِنَّ ) وتَعْيِينِ مَدارِهِما، مَعَ سَبْقِ ذِكْرِ المُكْرِهِينَ أيْضًا في الشَّرْطِيَّةِ، دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى كَوْنِهِمْ مَحْرُومِينَ مِنهُما بِالكُلِّيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا لِلْمُكْرِهِ. ولِظُهُورِ هَذا التَّقْدِيرِ، اكْتَفى بِهِ عَنِ العائِدِ إلى اسْمِ الشَّرْطِ. فَتَجْوِيزُ تَعَلُّقِهِما بِهِمْ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ اسْتِقْلالًا، أوْ مَعَهُنَّ، إخْلالٌ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، وتَهْوِينٌ لِأمْرِ النَّهْيِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ. وحاجَتُهُنَّ إلى المَغْفِرَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ سابِقَةِ الإثْمِ، إمّا بِاعْتِبارِ أنَّهُنَّ وإنْ كُنَّ مُكْرَهاتٍ، لا يَخْلُونَ في تَضاعِيفِ الزِّنى عَنْ شائِبَةِ مُطاوَعَةٍ ما يَحْكُمُ الجِبِلَّةَ البَشَرِيَّةَ. وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ الإكْراهَ قَدْ يَكُونُ قاصِرًا عَنْ حَدِّ الإلْجاءِ المُزِيلِ لِلِاخْتِيارِ بِالمَرَّةِ. وإمّا لِغايَةِ تَهْوِيلِ أمْرِ الزِّنى، وحَثِّ المُكْرَهاتِ عَلى التَّثَبُّتِ في التَّجافِي عَنْهُ، والتَّشْدِيدِ في تَحْذِيرِ المُكْرِهِينَ، بِبَيانِ أنَّهُنَّ حَيْثُ كُنَّ عُرْضَةً لِلْعُقُوبَةِ، لَوْلا أنْ تَدارَكَهُنَّ (p-٤٥٢٣)المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، مَعَ قِيامِ العُذْرِ في حَقِّهِنَّ. فَما حالُ مَن يُكَرِّهْنَ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ ؟ انْتَهى كَلامُ أبِي السُّعُودِ وقَدْ أجادَ في تَحْقِيقِ المَرامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. تَنْبِيهٌ: قالَ في (الإكْلِيلِ "): في الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ إكْراهِ الإماءِ عَلى الزِّنى. وأنَّ المُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ولا آثِمٍ. وأنَّ الإكْراهَ عَلى الزِّنى يُتَصَوَّرُ. وإنَّ مَهْرَ البَغِيِّ حَرامٌ. وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن أوْجَبَ الحَدَّ عَلى المُكْرِهِ لَهُ. ثُمَّ حَذَّرَ سُبْحانَهُ مِن مُخالَفَةِ ما نَهى عَنْهُ، مِمّا بَيَّنَهُ أشَدَّ البَيانِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:34

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٤] ﴿ولَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ . ﴿ولَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ أيْ: واضِحاتٍ أوْ مُفَسِّراتٍ لِكُلِّ ما تَهُمُّ حاجَتُكم إلَيْهِ مِن عِباداتٍ ومُعامَلاتٍ وآدابٍ. ومِنهُ ما ذُكِرَ قَبْلُ، مِنَ النَّهْيِ عَنِ الإكْراهِ. فَلا يَخْفى المُرادُ مِنها: ﴿ومَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: خَبَرًا عَظِيمًا عَنِ الأُمَمِ الماضِيَةِ وما حَلَّ بِهِمْ، بِظُلْمِهِمْ وتَعَدِّيهِمْ حُدُودَ اللَّهِ: ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: فَيَتَّعِظُونَ بِهِ ويَنْزَجِرُونَ عَمّا لا يَنْبَغِي لَهم. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] أيْ: عِبْرَةً يَعْتَبِرُونَ بِها. وإيثارَ المُتَّقِينَ لِحَثِّ المُخاطَبِينَ عَلى الِانْتِظامِ في سِلْكِهِمْ، فَإنَّهُمُ الفائِزُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى:

النور 24:35

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٥] ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ (p-٤٥٢٤)مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورُ عَلى نُورُ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مِن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مُنَوِّرُهُما بِالكَواكِبِ وما يَفِيضُ عَنْها مِنَ الأنْوارِ. فَهو مَجازٌ مِن إطْلاقِ الأثَرِ عَلى مُؤَثِّرِهِ. كَما يُطْلَقُ السَّبَبُ عَلى مُسَبِّبِهِ. أوْ مُدَبِّرِهِما، مِن قَوْلِهِمْ لِلرَّئِيسِ الفائِقِ في التَّدْبِيرِ: (نُورُ القَوْمِ ) لِأنَّهم يَهْتَدُونَ بِهِ في الأُمُورِ فَيَكُونُ مَجازًا. أوِ اسْتِعارَةً اسْتُعِيرَ (النُّورُ ) بِمَعْنى: المُنَوِّرِ، لِلْمُدَبِّرِ، لِعَلاقَةِ المُشابَهَةِ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ. أوْ مُوجِدُهُما فَإنَّ النُّورَ ظاهِرٌ بِذاتِهِ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ - كَما قالَهُ الغَزالِيُّ - فَيَكُونُ أُطْلِقَ عَلَيْهِ تَعالى مَجازًا مُرْسَلًا بِاعْتِبارِ لازِمِ مَعْناهُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وعَبَّرَ عَنِ المُنَوِّرِ بِالنُّورِ، تَنْبِيهًا عَلى قُوَّةِ التَّنْوِيرِ وشِدَّةِ التَّأْثِيرِ. وإيذانًا بِأنَّهُ تَعالى ظاهِرٌ بِذاتِهِ، وكُلُّ ما سِواهُ ظاهِرٌ بِإظْهارِهِ. كَما أنَّ النُّورَ نَيِّرٌ بِذاتِهِ وما عَداهُ مُسْتَنِيرٌ بِهِ. وأُضِيفَ النُّورُ إلى: ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى سِعَةِ إشْراقِهِ. أوِ المُرادُ بِهِما العالَمُ كُلُّهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أيْ: صِفَةُ نُورِهِ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: نُورُهُ الفائِضُ مِنهُ تَعالى عَلى الأشْياءِ المُسْتَنِيرَةِ بِهِ وهو القُرْآنُ المُبِينُ. كَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِن وصْفِ آياتِهِ بِالإنْزالِ والتَّبْيِينِ. وقَدْ صَرَّحَ بِكَوْنِهِ نُورًا أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ أيْ: كَصِفَةِ كُوَّةٍ - طاقَةٍ - غَيْرِ نافِذَةٍ في الجِدارِ، في الإنارَةِ والتَّنْوِيرِ: ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ أيْ: سِراجٌ ضَخْمٌ ثاقِبٌ - شَدِيدُ الإضاءَةِ - وقِيلَ: المِشْكاةُ الأُنْبُوبَةُ في وسَطِ القِنْدِيلِ، والمِصْباحُ الفَتِيلَةُ المُشْتَعِلَةُ: ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ أيْ: قِنْدِيلٍ مِنَ الزُّجاجِ الصّافِي الأزْهَرِ: ﴿الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أيْ: مُتَلَأْلِئٌ وقّادٌ شَبِيهٌ بِالدُّرِّ في صَفائِهِ وزُهْرَتِهِ: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ أيْ: كَثِيرَةِ المَنافِعِ، بِأنْ رُوِيَتْ فَتِيلَتُهُ بِزَيْتِها: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ (p-٤٥٢٥)أيْ لا شَرْقِيَّةٍ تَقَعُ عَلَيْها الشَّمْسُ وقْتَ الشُّرُوقِ فَقَطْ، ولا غَرْبِيَّةٍ تَقَعُ عَلَيْها عِنْدَ الغُرُوبِ. ولا تُصِيبُها في الغَداةِ بَلْ في مَكانٍ عَلَيْها الشَّمْسُ مُشْرِقَةٌ مِن أوَّلِ طُلُوعِها إلى آخِرِ غُرُوبِها. كَصَحْراءَ أوْ رَأْسِ جَبَلٍ. فَزَيْتُها أضْوَأُ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أيْ: يَكادُ يُضِيءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ نارٍ لِصَفائِهِ ولَمَعانِهِ: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ أيْ: ذَلِكَ النُّورُ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ عَنِ القُرْآنِ، ومُثِّلَتْ صِفَتُهُ العَجِيبَةُ بِما فُضِّلَ عَنْ صِفَةِ المِشْكاةِ. نُورٌ عَظِيمٌ كائِنٌ عَلى نُورٍ كَذَلِكَ. فَـ(نُورٌ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجارُّ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ، والجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِلتَّمْثِيلِ، وتَصْرِيحٌ لِما حَصَلَ مِنهُ، وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ. ولَيْسَ مَعْنى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ نُورٌ واحِدٌ فَوْقَ آخَرَ مِثْلِهِ، ولا مَجْمُوعُ نُورَيْنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ نُورٍ مُتَضاعِفٍ كَتَضاعُفِ ما مُثِّلَ بِهِ مِن نُورِ المِشْكاةِ بِما ذُكِرَ. فَإنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في مَكانٍ مُتَضايِقٍ كالمِشْكاةِ، كانَ أضْوَأ لَهُ وأجْمَعَ لِنُورِهِ. بِخِلافِ المَكانِ الواسِعِ، فَإنَّ الضَّوْءَ يَنْبَثُّ فِيهِ ويَنْتَشِرُ. والقِنْدِيلُ أعْوَنُ شَيْءٍ عَلى زِيادَةِ الإنارَةِ. وكَذَلِكَ الزَّيْتُ وصَفاؤُهُ. ولَيْسَ وراءَ هَذِهِ المَراتِبِ مِمّا يَزِيدُ نُورَها إشْراقًا، مَرْتَبَةً أُخْرى عادَةً ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: لِهَذا النُّورِ الثّاقِبِ العَظِيمِ الشَّأْنِ، بِأنْ يُوَفِّقَهم لِلْإيمانِ بِهِ وفَهْمِ دَلائِلِ حَقِّيَّتِهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وإظْهارُهُ في مَقامِ الإضْمارِ. لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ، وتَأْكِيدِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ النّاشِئَةِ مِن إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِيَدْنُوَ لَهُمُ المَعْقُولُ مِنَ المَحْسُوسِ، تَوْضِيحًا وبَيانًا. ولِذَلِكَ مَثَّلَ نُورَهُ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِالقُرْآنِ، بِنُورِ المِشْكاةِ: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ. لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى، عِبارَةٌ عَنْ مَجازاتِهِ في أمْثالِ هَذِهِ الآيِ. تَنْبِيهٌ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ - آيَةُ النُّورِ - مِنَ الآياتِ الَّتِي صُنِّفَتْ فِيها مُصَنَّفاتٌ خاصَّةٌ. مِنها (مِشْكاةُ الأنْوارِ ") لِلْإمامِ الغَزالِيِّ، وقَدْ نَقَلَ عَنْهُ الرّازِيُّ في (تَفْسِيرِهِ ") هُنا جُمْلَةً سابِغَةَ الذَّيْلِ. ورَأيْتُ (p-٤٥٢٦)لِلْإمامِ ابْنِ القَيِّمِ في كِتابِهِ (الجُيُوشِ الإسْلامِيَّةِ ") ما يَجْمُلُ إيرادُهُ، تَعْزِيزًا لِلْمَقامِ واسْتِظْهارًا بِزِيادَةِ العِلْمِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَمّى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفْسَهُ نُورًا وجَعَلَ كِتابَهُ نُورًا ورَسُولَهُ ﷺ نُورًا ودِينَهُ نُورًا. واحْتَجَبَ عَنْ خَلْقِهِ بِالنُّورِ وجَعَلَ دارَ أوْلِيائِهِ نُورًا يَتَلَأْلَأُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقَدْ فُسِّرَ بِكَوْنِهِ مُنَوِّرَ السَّماواتِ والأرْضِ، وهادِيَ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ. فَبِنُورِهِ اهْتَدى أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ. وهَذا إنَّما هو فِعْلُهُ. وإلّا فالنُّورُ الَّذِي هو مِن أوْصافِهِ قائِمٌ بِهِ. ومِنهُ اشْتُقَّ لَهُ اسْمُ النُّورِ الَّذِي هو أحَدُ الأسْماءِ الحُسْنى. والنُّورُ يُضافُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ. إضافَةَ صِفَةٍ إلى مَوْصُوفِها، وإضافَةَ مَفْعُولٍ إلى فاعِلِهِ. فالأوَّلُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ [الزمر: ٦٩] فَهَذا إشْراقُها يَوْمُ القِيامَةِ بِنُورِهِ تَعالى، إذا جاءَ لِفَصْلِ القَضاءِ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الدُّعاءِ المَشْهُورِ: ««أعُوذُ بِنُورِ وجْهِكَ الكَرِيمِ أنْ تُضِلَّنِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ»» . وفي الأثَرِ الآخَرِ: ««أعُوذُ بِوَجْهِكَ - أوْ بِنُورِ وجْهِكَ - الَّذِي أشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُماتُ»» . فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ . أنَّ الظُّلُماتِ أشْرَقَتْ لِنُورِ وجْهِ اللَّهِ. كَما أخْبَرَ تَعالى أنَّ الأرْضَ تُشْرِقُ يَوْمَ القِيامَةِ بِنُورِهِ. وفِي (مُعْجَمٍ الطَّبَرانِيِّ ") و(السُّنَّةِ ") لَهُ و(كِتابِ عُثْمانَ الدّارِمِيِّ ") وغَيْرِها، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قالَ: لَيْسَ عِنْدَ رَبِّكم لَيْلٌ ولا نَهارٌ، نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مِن نُورِ وجْهِهِ. وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أقْرَبُ إلى تَفْسِيرِ الآيَةِ، مِن قَوْلِ مَن فَسَّرَها بِأنَّهُ هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ. وأمّا مَن فَسَّرَها بِأنَّهُ مُنَوِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلا تَنافِيَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. والحَقُّ أنَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ بِهَذِهِ الِاعْتِباراتِ كُلِّها. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ (p-٤٥٢٧)ﷺ بِخَمْسِ كَلِماتٍ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ، ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، ويُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ. حِجابُهُ النُّورُ. لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ»» . وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ قالَ: «نُورٌ، أنّى أراهُ»» فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَعْناهُ كانَ ثَمَّةَ نُورٌ، وحالَ دُونَ رُؤْيَتِهِ نُورٌ، فَأنّى أراهُ ؟ قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ في بَعْضِ الألْفاظِ الصَّحِيحَةِ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقالَ: رَأيْتُ نُورًا. وقَدْ أعْضَلَ أمْرُ هَذا الحَدِيثِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ حَتّى صَحَّفَهُ بَعْضُهم فَقالَ: نُورانِيٌّ أراهُ. عَلى أنَّها ياءُ النَّسَبِ، والكَلِمَةُ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ. وهَذا خَطَأٌ لَفْظًا ومَعْنى. وإنَّما أوْجَبَ لَهم هَذا الإشْكالَ والخَطَأ أنَّهم لَمّا اعْتَقَدُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَبَّهُ وكانَ قَوْلُهُ: ««أنّى أراهُ»» كالإنْكارِ لِلرُّؤْيَةِ، حارُوا في الحَدِيثِ، ورَدَّهُ بَعْضُهم بِاضْطِرابِ لَفْظِهِ، وكُلُّ هَذا عُدُولٌ عَنْ مُوجِبِ الدَّلِيلِ. وقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في كِتابِ (الرُّؤْيَةِ ") لَهُ إجْماعَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَ رَبَّهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ. وبَعْضُهُمُ اسْتَثْنى ابْنَ عَبّاسٍ فِيمَن قالَ ذَلِكَ. وشَيْخُنا يَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِخِلافٍ في الحَقِيقَةِ. فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَقُلْ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وعَلَيْهِ اعْتَمَدَ أحْمَدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: إنَّهُ ﷺ رَآهُ عَزَّ وجَلَّ. ولَمْ يَقُلْ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ. ولَفْظُ أحْمَدَ لَفْظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ ما قالَ شَيْخُنا في مَعْنى حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَوْلُهُ ﷺ في الحَدِيثِ الآخَرِ: ««حِجابُهُ النُّورُ»» فَهَذا النُّورُ، واللَّهُ أعْلَمُ. النُّورُ المَذْكُورُ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ««رَأيْتُ نُورًا»» . ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ هَذا مَثَلٌ لِنُورِهِ في قَلْبِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ. كَما قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُ: وقَدِ اخْتُلِفَ في الضَّمِيرِ في (نُورِهِ ) فَقِيلَ: هو النَّبِيُّ ﷺ . أيْ: مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: مُفَسِّرُهُ المُؤْمِنُ. أيْ: مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ. (p-٤٥٢٨)والصَّحِيحُ أنْ يَعُودَ عَلى اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: مَثَلُ نُورِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ. وأعْظَمُ عِبادِهِ نَصِيبًا مِن هَذا النُّورِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَهَذا، مَعَ ما تَضَمَّنَهُ عَوْدُ الضَّمِيرِ المَذْكُورِ - وهو وجْهُ الكَلامِ - يَتَضَمَّنُ التَّقادِيرَ الثَّلاثَةَ، وهو أتَمُّ لَفْظًا ومَعْنًى. وهَذا النُّورُ يُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى. إذْ هو مُعْطِيهِ لِعَبْدِهِ وواهِبُهُ إيّاهُ. ويُضافُ إلى العَبْدِ. إذْ هو مَحَلُّهُ وقابِلُهُ. فَيُضافُ إلى الفاعِلِ والقابِلِ. ولِهَذا النُّورِ فاعِلٌ وقابِلٌ، ومَحَلٌّ وحامِلٌ، ومادَّةٌ. وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ذِكْرَ هَذِهِ الأُمُورِ كُلِّها عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ. فالفاعِلُ وهو اللَّهُ تَعالى مُفِيضُ الأنْوارِ. الهادِي لِنُورِهِ مَن يَشاءُ. والقابِلُ: العَبْدُ المُؤْمِنُ. والمَحَلُّ: قَلْبُهُ. والحامِلُ: هِمَّتُهُ وعَزِيمَتُهُ وإرادَتُهُ. والمادَّةُ: قَوْلُهُ وعَمَلُهُ. وهَذا التَّشْبِيهُ العَجِيبُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ، فِيهِ مِنَ الأسْرارِ والمَعانِي وإظْهارِ تَمامِ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ المُؤْمِنِ، بِما أنالَهُ مِن نُورِهِ، ما تَقَرُّ بِهِ عُيُونُ أهْلِهِ وتَبْتَهِجُ بِهِ قُلُوبُهم. وفي هَذا التَّشْبِيهِ لِأهْلِ المَعانِي طَرِيقَتانِ: إحْداهُما: طَرِيقَةُ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ وهي أقْرَبُ مَأْخَذًا وأسْلَمُ مِنَ التَّكَلُّفِ. وهي أنْ تُشَبِّهَ الجُمْلَةُ بِرُمَّتِها بِنُورِ المُؤْمِنِ، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَفْصِيلِ كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ المُشَبَّهِ، ومُقابَلَتُهُ بِجُزْءٍ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ. وعَلى هَذا عامَّةُ أمْثالِ القُرْآنِ. فَتَأمَّلْ صِفَةَ المِشْكاةِ، وهي كُوَّةٌ تُنَفَّذُ لِتَكُونَ أجْمَعَ لِلضَّوْءِ، وقَدْ وُضِعَ فِيها مِصْباحٌ، ذَلِكَ المِصْباحُ داخِلُ زُجاجَةٍ تُشْبِهُ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ في صَفائِها وحُسْنِها. ومادَّتُهُ مِن أصْفى الأدْهانِ وأتَمِّها وقُودًا، مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ في وسَطِ القِراحِ، لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ، بِحَيْثُ تُصِيبُها الشَّمْسُ في إحْدى طَرَفَيِ النَّهارِ، بَلْ هي في وسَطِ القِراحِ، مَحْمِيَّةٌ بِأطْرافِهِ تُصِيبُها الشَّمْسُ أعْدَلَ إصابَةٍ، والآفاتُ إلى الأطْرافِ دُونَها. فَمِن شِدَّةِ إضاءَةِ زَيْتِها وصَفائِها وحُسْنِها، يَكادُ يُضِيءُ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ نارٌ. فَهَذا المَجْمُوعُ المُرَكَّبُ هو مَثَلُ نُورِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي وضْعِهِ في قَلْبِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ وخَصَّهُ بِهِ. والطَّرِيقَةُ الثّانِيَةُ، طَرِيقَةُ التَّشْبِيهِ المُفَصَّلِ. فَقِيلَ: المِشْكاةُ صَدْرُ المُؤْمِنِ، والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ. شَبَّهَ قَلْبَهُ بِالزُّجاجَةِ لِرِقَّتِها وصَفائِها وصَلابَتِها. وكَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ. فَإنَّهُ قَدْ جَمَعَ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ. فَهو يَرْحَمُ ويُحْسِنُ ويَتَحَنَّنُ ويُشْفِقُ عَلى الخَلْقِ بِرِقَّتِهِ وبِصَفائِهِ. تَتَجَلّى فِيهِ صُوَرُ الحَقائِقِ والعُلُومِ عَلى ما هي عَلَيْهِ. ويَتَباعَدُ الكَدَرُ والدَّرَنُ والوَسَخُ بِحَسَبِ ما فِيهِ مِنَ الصَّفاءِ. وبِصَلابَتِهِ يَشْتَدُّ في أمْرِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَصَلَّبُ (p-٤٥٢٩)فِي ذاتِ اللَّهِ تَعالى، ويَغْلُظُ عَلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى. ويَقُومُ بِالحَقِّ لِلَّهِ تَعالى. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى القُلُوبَ كالآنِيَةِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: القُلُوبُ آنِيَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ فَأحَبُّها إلَيْهِ أرَقُّها وأصْلَبُها وأصْفاها. والمِصْباحُ هو نُورُ الإيمانِ في قَلْبِهِ. والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ هي شَجَرَةُ الوَحْيِ المُتَضَمِّنَةُ لِلْهُدى ودِينِ الحَقِّ. وهي مادَّةُ المِصْباحِ الَّتِي يَتَّقِدُ مِنها. والنُّورُ عَلى النُّورِ، نُورُ الفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ، والإدْراكِ الصَّحِيحِ، ونُورُ الوَحْيِ والكِتابِ. فَيَنْضافُ أحَدُ النُّورَيْنِ إلى الآخَرِ، فَيَزْدادُ العَبْدُ نُورًا عَلى نُورٍ. ولِهَذا يَكادُ يَنْطِقُ بِالحَقِّ والحِكْمَةِ، قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ ما فِيهِ بِالأثَرِ. ثُمَّ يَبْلُغُهُ الأثَرُ بِمِثْلِ ما وقَعَ في قَلْبِهِ ونَطَقَ بِهِ. فَيَتَّفِقُ عِنْدَهُ شاهِدُ العَقْلِ والشَّرْعِ والفِطْرَةِ والوَحْيِ. فَيُرِيهِ عَقْلُهُ وفِطْرَتُهُ وذَوْقُهُ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ هو الحَقَّ لا يَتَعارَضُ عِنْدَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ البَتَّةَ. بَلْ يَتَصادَقانِ ويَتَوافَقانِ. فَهَذا عَلامَةُ النُّورِ عَلى النُّورِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:

النور 24:36

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٦ - ٣٨] ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ [النور: ٣٧] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور: ٣٨] ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ أيْ: أمَرَ أنْ تُعَظَّمَ عَنِ اللَّغْوِ، أوْ تُرْفَعَ بِالبِناءِ قَدْرًا. ويُتْلى فِيهِ اسْمُهُ، ولا يُعْبَدَ فِيها غَيْرُهُ، لِأنَّهُ شُيِّدَتْ عَلى اسْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ. والظَّرْفُ صِفَةٌ (لِمِشْكاةٍ ) أوْ (لِمِصْباحٍ ) أوْ (لِزُجاجَةٍ ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ(تُوقَدُ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ. أيْ: سَبِّحُوهُ في بُيُوتٍ. أوْ بِـ(يُسَبِّحُ ) . ولَفْظُ (فِيها ) تَكْرارٌ لِلتَّوْكِيدِ. (p-٤٥٣٠)قالَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا ذَكَرَ شَأْنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ في بَيانِهِ لِلشَّرائِعِ والأحْكامِ، ومَبادِئِها وغاياتِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وأُشِيرَ إلى كَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ التَّوْضِيحِ، حَيْثُ مُثِّلَ بِنُورِ المِشْكاةِ - عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ وتَصْوِيرِ بَعْضِ أعْمالِهِمُ المُعْرِبَةِ عَنْ كَيْفِيَّةِ حالِهِمْ في الِاعْتِداءِ وعَدَمِهِ، والمُرادُ بِالبُيُوتِ، المَساجِدُ كُلُّها: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ﴾ يَعْنِي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ: ﴿والآصالِ﴾ جَمْعِ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] أيْ: بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ: ﴿وإقامِ الصَّلاةِ﴾ [النور: ٣٧] أيْ: إقامَتِها لِمَواقِيتِها مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ: ﴿وإيتاءِ الزَّكاةِ﴾ [النور: ٣٧] أيِ: المالِ الَّذِي يَتَزَكّى مُؤَتِّيهِ مِن دَنَسِ الشُّحِّ ورَذِيلَةِ البُخْلِ، وتَطْهُرُ نَفْسُهُ ويَصْفُو سِرُّهُ: ﴿يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ [النور: ٣٧] أيْ: تَضْطَرِبُ وتَتَغَيَّرُ مِنَ الهَوْلِ والفَزَعِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور: ٣٨] اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُسَبِّحُ أوْ لا تُلْهِيهِمْ أوْ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السَّوْقُ. أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِمّا ذُكِرَ، لِيَجْزِيَهم. وفي آخِرِ الآيَةِ تَقْرِيرٌ وتَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، ونَفاذِ المَشِيئَةِ، وسِعَةِ الإحْسانِ، لِأنَّ بِغَيْرِ حِسابٍ كِنايَةٌ عَنِ السِّعَةِ. والمُرادُ أنَّهُ لا يَدْخُلُ تَحْتَ حِسابِ الخَلْقِ وعَدِّهِمْ. تَنْبِيهٌ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): في هَذِهِ الآيَةِ الأمْرُ بِتَعْظِيمِ المَساجِدِ وتَنْزِيهِها عَنِ اللَّغْوِ والقاذُوراتِ. وفِيها اسْتِحْبابُ ذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ في المَساجِدِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ﴾ [النور: ٣٧] إشارَةٌ إلى أنَّ الأفْضَلَ لِلنِّساءِ الصَّلاةُ في قَعْرِ بُيُوتِهِنَّ. كَما صَرَّحَ بِهِ الحَدِيثُ، إلّا في نَحْوِ العِيدَيْنِ لِحَدِيثِ: ««لِيَشْهَدْنَ الخَيْرَ ودَعْوَةَ المُسْلِمِينَ»»، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾ [النور: ٣٧] الآيَةَ، فِيهِ أنَّ التِّجارَةَ (p-٤٥٣١)لا تُنافِي الصَّلاةَ. لِأنَّ مَقْصُودَ الآيَةِ أنَّهم يَتَعاطَوْنَها، ومَعَ ذَلِكَ لا تُلْهِيهِمْ عَنِ الصَّلاةِ وحُضُورِ الجَماعَةِ. أخْرَجابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ في السُّوقِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَأغْلَقُوا حَوانِيتَهم ودَخَلُوا المَسْجِدَ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيكم نَزَلَتْ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ﴾ [النور: ٣٧] الآيَةَ. وأخْرَجَ عَنِ الضَّحّاكِ والحَسَنِ وسالِمٍ وعَطاءٍ ومُطَرَّفٍ مِثْلَ ذَلِكَ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:

النور 24:37

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٦ - ٣٨] ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ [النور: ٣٧] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور: ٣٨] ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ أيْ: أمَرَ أنْ تُعَظَّمَ عَنِ اللَّغْوِ، أوْ تُرْفَعَ بِالبِناءِ قَدْرًا. ويُتْلى فِيهِ اسْمُهُ، ولا يُعْبَدَ فِيها غَيْرُهُ، لِأنَّهُ شُيِّدَتْ عَلى اسْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ. والظَّرْفُ صِفَةٌ (لِمِشْكاةٍ ) أوْ (لِمِصْباحٍ ) أوْ (لِزُجاجَةٍ ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ(تُوقَدُ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ. أيْ: سَبِّحُوهُ في بُيُوتٍ. أوْ بِـ(يُسَبِّحُ ) . ولَفْظُ (فِيها ) تَكْرارٌ لِلتَّوْكِيدِ. (p-٤٥٣٠)قالَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا ذَكَرَ شَأْنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ في بَيانِهِ لِلشَّرائِعِ والأحْكامِ، ومَبادِئِها وغاياتِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وأُشِيرَ إلى كَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ التَّوْضِيحِ، حَيْثُ مُثِّلَ بِنُورِ المِشْكاةِ - عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ وتَصْوِيرِ بَعْضِ أعْمالِهِمُ المُعْرِبَةِ عَنْ كَيْفِيَّةِ حالِهِمْ في الِاعْتِداءِ وعَدَمِهِ، والمُرادُ بِالبُيُوتِ، المَساجِدُ كُلُّها: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ﴾ يَعْنِي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ: ﴿والآصالِ﴾ جَمْعِ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] أيْ: بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ: ﴿وإقامِ الصَّلاةِ﴾ [النور: ٣٧] أيْ: إقامَتِها لِمَواقِيتِها مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ: ﴿وإيتاءِ الزَّكاةِ﴾ [النور: ٣٧] أيِ: المالِ الَّذِي يَتَزَكّى مُؤَتِّيهِ مِن دَنَسِ الشُّحِّ ورَذِيلَةِ البُخْلِ، وتَطْهُرُ نَفْسُهُ ويَصْفُو سِرُّهُ: ﴿يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ [النور: ٣٧] أيْ: تَضْطَرِبُ وتَتَغَيَّرُ مِنَ الهَوْلِ والفَزَعِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور: ٣٨] اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُسَبِّحُ أوْ لا تُلْهِيهِمْ أوْ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السَّوْقُ. أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِمّا ذُكِرَ، لِيَجْزِيَهم. وفي آخِرِ الآيَةِ تَقْرِيرٌ وتَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، ونَفاذِ المَشِيئَةِ، وسِعَةِ الإحْسانِ، لِأنَّ بِغَيْرِ حِسابٍ كِنايَةٌ عَنِ السِّعَةِ. والمُرادُ أنَّهُ لا يَدْخُلُ تَحْتَ حِسابِ الخَلْقِ وعَدِّهِمْ. تَنْبِيهٌ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): في هَذِهِ الآيَةِ الأمْرُ بِتَعْظِيمِ المَساجِدِ وتَنْزِيهِها عَنِ اللَّغْوِ والقاذُوراتِ. وفِيها اسْتِحْبابُ ذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ في المَساجِدِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ﴾ [النور: ٣٧] إشارَةٌ إلى أنَّ الأفْضَلَ لِلنِّساءِ الصَّلاةُ في قَعْرِ بُيُوتِهِنَّ. كَما صَرَّحَ بِهِ الحَدِيثُ، إلّا في نَحْوِ العِيدَيْنِ لِحَدِيثِ: ««لِيَشْهَدْنَ الخَيْرَ ودَعْوَةَ المُسْلِمِينَ»»، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾ [النور: ٣٧] الآيَةَ، فِيهِ أنَّ التِّجارَةَ (p-٤٥٣١)لا تُنافِي الصَّلاةَ. لِأنَّ مَقْصُودَ الآيَةِ أنَّهم يَتَعاطَوْنَها، ومَعَ ذَلِكَ لا تُلْهِيهِمْ عَنِ الصَّلاةِ وحُضُورِ الجَماعَةِ. أخْرَجابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ في السُّوقِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَأغْلَقُوا حَوانِيتَهم ودَخَلُوا المَسْجِدَ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيكم نَزَلَتْ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ﴾ [النور: ٣٧] الآيَةَ. وأخْرَجَ عَنِ الضَّحّاكِ والحَسَنِ وسالِمٍ وعَطاءٍ ومُطَرَّفٍ مِثْلَ ذَلِكَ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:

النور 24:38

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٦ - ٣٨] ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ [النور: ٣٧] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور: ٣٨] ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ أيْ: أمَرَ أنْ تُعَظَّمَ عَنِ اللَّغْوِ، أوْ تُرْفَعَ بِالبِناءِ قَدْرًا. ويُتْلى فِيهِ اسْمُهُ، ولا يُعْبَدَ فِيها غَيْرُهُ، لِأنَّهُ شُيِّدَتْ عَلى اسْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ. والظَّرْفُ صِفَةٌ (لِمِشْكاةٍ ) أوْ (لِمِصْباحٍ ) أوْ (لِزُجاجَةٍ ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ(تُوقَدُ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ. أيْ: سَبِّحُوهُ في بُيُوتٍ. أوْ بِـ(يُسَبِّحُ ) . ولَفْظُ (فِيها ) تَكْرارٌ لِلتَّوْكِيدِ. (p-٤٥٣٠)قالَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا ذَكَرَ شَأْنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ في بَيانِهِ لِلشَّرائِعِ والأحْكامِ، ومَبادِئِها وغاياتِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وأُشِيرَ إلى كَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ التَّوْضِيحِ، حَيْثُ مُثِّلَ بِنُورِ المِشْكاةِ - عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ وتَصْوِيرِ بَعْضِ أعْمالِهِمُ المُعْرِبَةِ عَنْ كَيْفِيَّةِ حالِهِمْ في الِاعْتِداءِ وعَدَمِهِ، والمُرادُ بِالبُيُوتِ، المَساجِدُ كُلُّها: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ﴾ يَعْنِي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ: ﴿والآصالِ﴾ جَمْعِ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] أيْ: بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ: ﴿وإقامِ الصَّلاةِ﴾ [النور: ٣٧] أيْ: إقامَتِها لِمَواقِيتِها مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ: ﴿وإيتاءِ الزَّكاةِ﴾ [النور: ٣٧] أيِ: المالِ الَّذِي يَتَزَكّى مُؤَتِّيهِ مِن دَنَسِ الشُّحِّ ورَذِيلَةِ البُخْلِ، وتَطْهُرُ نَفْسُهُ ويَصْفُو سِرُّهُ: ﴿يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ [النور: ٣٧] أيْ: تَضْطَرِبُ وتَتَغَيَّرُ مِنَ الهَوْلِ والفَزَعِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور: ٣٨] اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُسَبِّحُ أوْ لا تُلْهِيهِمْ أوْ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السَّوْقُ. أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِمّا ذُكِرَ، لِيَجْزِيَهم. وفي آخِرِ الآيَةِ تَقْرِيرٌ وتَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، ونَفاذِ المَشِيئَةِ، وسِعَةِ الإحْسانِ، لِأنَّ بِغَيْرِ حِسابٍ كِنايَةٌ عَنِ السِّعَةِ. والمُرادُ أنَّهُ لا يَدْخُلُ تَحْتَ حِسابِ الخَلْقِ وعَدِّهِمْ. تَنْبِيهٌ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): في هَذِهِ الآيَةِ الأمْرُ بِتَعْظِيمِ المَساجِدِ وتَنْزِيهِها عَنِ اللَّغْوِ والقاذُوراتِ. وفِيها اسْتِحْبابُ ذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ في المَساجِدِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ﴾ [النور: ٣٧] إشارَةٌ إلى أنَّ الأفْضَلَ لِلنِّساءِ الصَّلاةُ في قَعْرِ بُيُوتِهِنَّ. كَما صَرَّحَ بِهِ الحَدِيثُ، إلّا في نَحْوِ العِيدَيْنِ لِحَدِيثِ: ««لِيَشْهَدْنَ الخَيْرَ ودَعْوَةَ المُسْلِمِينَ»»، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾ [النور: ٣٧] الآيَةَ، فِيهِ أنَّ التِّجارَةَ (p-٤٥٣١)لا تُنافِي الصَّلاةَ. لِأنَّ مَقْصُودَ الآيَةِ أنَّهم يَتَعاطَوْنَها، ومَعَ ذَلِكَ لا تُلْهِيهِمْ عَنِ الصَّلاةِ وحُضُورِ الجَماعَةِ. أخْرَجابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ في السُّوقِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَأغْلَقُوا حَوانِيتَهم ودَخَلُوا المَسْجِدَ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيكم نَزَلَتْ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ﴾ [النور: ٣٧] الآيَةَ. وأخْرَجَ عَنِ الضَّحّاكِ والحَسَنِ وسالِمٍ وعَطاءٍ ومُطَرَّفٍ مِثْلَ ذَلِكَ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:

النور 24:39

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣٩] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ . ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عُطِفَ عَلى ما يَنْساقُ إلَيْهِ ما قَبْلَهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ آمَنُوا أعْمالُهم حالًا ومَآلًا كَما وصَفَ، والَّذِينَ كَفَرُوا: ﴿أعْمالُهُمْ﴾ أيِ: الَّتِي يَحْسَبُونَها تَنْفَعُهم وتَأْخُذُ بِيَدِهِمْ مِنَ العَذابِ: ﴿كَسَرابٍ﴾ وهو ما يُرى في الفَلاةِ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ، وقْتَ الظَّهِيرَةِ، يَسْرُبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كَأنَّهُ ماءٌ يَجْرِي: ﴿بِقِيعَةٍ﴾ بِمَعْنى القاعِ، وهو المُنْبَسِطُ مِنَ الأرْضِ. أوْ جَمْعُ قاعٍ (كَجِيرَةٍ ) في (جارٍ ): ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لا مُحَقَّقًا ولا مُتَوَهَّمًا. كَما كانَ يَراهُ مِن قَبْلُ، فَضْلًا عَنْ وِجْدانِهِ ماءً، وبِهِ تَمَّ بَيانُ أحْوالِ الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ: وجَدَ عِقابَ اللَّهِ وجَزاءَهُ عِنْدَ السَّرابِ، أوِ العَمَلِ. وفي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ زِيادَةُ تَهْوِيلٍ. وقِيلَ: المَعْنى وجَدَهُ مُحاسِبًا إيّاهُ. فالعِنْدِيَّةُ بِمَعْنى الحِسابِ، عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِذِكْرِ التَّوْفِيَةِ بَعْدَهُ. قِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى: ﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾ ولا حاجَةَ إلى عَطْفِهِ عَلى ما يُفِيدُهُ مِن نَحْوِ: (لَمْ يَجِدْ ما عَمِلَهُ نافِعًا ) . قالَ الشِّهابُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانٌ لِحالِ المُشَبَّهِ بِهِ، الكافِرِ فَيُعْطَفُ بِحَسَبِ المَعْنى عَلى التَّمْثِيلِ بِتَمامِهِ. ولَوْ قِيلَ عَلى الأوَّلِ إنَّهُ مِن تَتِمَّةِ وصْفِ السَّرابِ. والمَعْنى: وجَدَ مَقْدُورَهُ تَعالى مِنَ الهَلاكِ بِالظَّمَأِ عِنْدَ السَّرابِ، فَوَفّاهُ ما كُتِبَ لَهُ، مَن لا يُؤَخِّرُ الحِسابَ - كانَ الكَلامُ (p-٤٥٣٢)مُتَناسِبًا. واخْتارَ الثّانِيَ أبُو السُّعُودِ حَيْثُ قالَ: هو بَيانٌ لِبَقِيَّةِ أحْوالِهِمُ العارِضَةِ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِطْرِيقِ التَّكْمِلَةِ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ قُصارى أمْرِهِمْ هو الخَيْبَةُ والقُنُوطُ فَقَطْ، كَما هو شَأْنُ الظَّمْآنِ. ويَظْهَرُ أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِن سُوءِ الحالِ ما لا قَدْرَ عِنْدَهُ لِلْخَيْبَةِ أصْلًا. فَلَيْسَتِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ بَلْ عَلى ما يُفْهَمُ مِنهُ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، مِن عَدَمِ وِجْدانِ الكَفَرَةِ مِن أعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ عَيْنًا ولا أثَرًا. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ (الظَّمْآنَ ) بِالذِّكْرِ، مَعَ أنَّهُ يَتَراءى لِكُلِّ أحَدٍ كَذَلِكَ ؟ فَكانَ الظّاهِرُ الرّائِي بَدَلَهُ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما قَيَّدَهُ بِهِ ولَمْ يُطْلِقْهُ لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ إلَخْ، لِأنَّهُ مِن تَتِمَّةِ أحْوالِ المُشَبَّهِ بِهِ. وهو أبْلَغُ. لِأنَّ خَيْبَةَ الكافِرِ أدْخَلُ وأعْرَقُ. ونَحْوَهُ: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [آل عمران: ١١٧] إلَخْ، فَإنَّ الكافِرِينَ هُمُ الَّذِينَ يَذْهَبُ حَرْثُهم بِالكُلِّيَّةِ. يَعْنِي أنَّهُ شَبَّهَ أعْمالَ الكُفّارِ الَّتِي يَظُنُّونَها نافِعَةً، ومَآلُها الخَيْبَةُ، بِرُؤْيَةِ الكافِرِ الشَّدِيدِ العَطَشِ في المَحْشَرِ، سَرابًا يَحْسَبُهُ شَرابًا، فَيَنْتَظِمُ عَطْفُ (وجَدَ اللَّهَ ) أحْسَنَ انْتِظامٍ كَما نَوَّرُوهُ. كَذا في (الكَشْفِ ") . الثّالِثَةُ: قالَ الشِّهابُ: وهَذا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وقَعَ مِثْلُهُ في قَوْلِ مالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ: ؎لَعَمْرِيَ إنِّي وابْنَ جارُودٍ كالَّذِي أراقَ شُعَيْبَ الماءِ والآلُ يَبْرُقُ ؎فَلَمّا أتاهُ، خَيَّبَ اللَّهُ سَعْيَهُ ∗∗∗ فَأمْسى يَغُضُّ الطَّرْفَ عَيْمانَ يَشْهَقُ ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَمْثِيلِهِمْ بِنَوْعٍ آخَرَ، بِقَوْلِهِ:

النور 24:40

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٠] ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ . (p-٤٥٣٣)﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ أيْ: عَمِيقٍ كَثِيرِ الماءِ: ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أيْ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ: ﴿مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أيْ: مُتَكاثِفَةٌ مُتَراكِمَةٌ. وهَذا بَيانٌ لِكَمالِ شِدَّةِ الظُّلُماتِ: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ﴾ أيْ: وجَعَلَها بِمَرْأى مِنهُ، قَرِيبَةً مِن عَيْنِهِ لِيَنْظُرَ إلَيْها: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ أيْ: ومَن لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ لِنُورِهِ الَّذِي هو القُرْآنُ، فَما لَهُ هِدايَةٌ ما. وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى في مَثَلِ المُؤْمِنِينَ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ [النور: ٣٥] والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِلتَّمْثِيلِ قَبْلُ، وتَحْقِيقُ أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ هِدايَتِهِ تَعالى إيّاهم، إذْ لَمْ يُجاهِدُوا لِنَيْلِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] لَطِيفَةٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذانِ المَثَلانِ ضَرَبَهُما اللَّهُ تَعالى لِنَوْعَيِ الكُفّارِ. كَما ضَرَبَ لِلْمُنافِقِينَ في أوَّلِ البَقَرَةِ مَثَلَيْنِ: نارِيًّا ومائِيًا. وكَما ضَرَبَ لِما يَقَرُّ في القُلُوبِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ، في سُورَةِ الرَّعْدِ، مَثَلَيْنِ مائِيًّا ونارِيًّا. ثُمَّ قالَ: أمّا الأوَّلُ فَهو لِلْكُفّارِ الدُّعاةِ إلى كُفْرِهِمْ أصْحابِ الجَهْلِ المُرَكَّبِ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ. فَمَثَلُهم كالسَّرابِ. والثّانِي لِأصْحابِ الجَهْلِ البَسِيطِ وهُمُ المُقَلِّدُونَ لِأئِمَّةِ الكُفْرِ الصُّمِّ البُكْمِ، الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ. فَلا يَعْرِفُ أحَدُهم حالَ مَن يَقُودُهُ ولا يَدْرِي أيْنَ يَذْهَبُ. بَلْ كَما يُقالُ في المَثَلِ لِلْجاهِلِ: أيْنَ تَذْهَبُ ؟ قالَ: مَعَهم. قِيلَ: فَإلى أيْنَ يَذْهَبُونَ ؟ قالَ: لا أدْرِي انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِمّا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ الكَرِيمُ، ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ. ومُسْتَنَدُهُ في ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ شَيْخُهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ، عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ والرِّضْوانُ، في (الجُيُوشِ الإسْلامِيَّةِ ) ولا بَأْسَ بِإيرادِها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن بَدائِعِ الفَوائِدِ. قالَ: انْظُرْ كَيْفَ انْتَظَمَتْ هَذِهِ الآياتُ طَرائِقَ بَنِي آدَمَ أتَمَّ (p-٤٥٣٤)انْتِظامٍ، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أكْمَلَ اشْتِمالٍ. فَإنَّ النّاسَ قِسْمانِ: أهْلُ الهُدى والبَصائِرِ الَّذِينَ عَرَفُوا أنَّ الحَقَّ فِيما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأنَّ كُلَّ ما عارَضَهُ فَشُبُهاتٌ يَشْتَبِهُ عَلى مَن قَلَّ نَصِيبُهُ مِنَ العَقْلِ والسَّمْعِ أمْرُها، فَيَظُنُّها شَيْئًا لَهُ حاصِلٌ فَيُنْتَفَعُ بِهِ. وهي كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ إلَخْ، وهَؤُلاءِ هم أهْلُ الهُدى ودِينُ الحَقِّ، أصْحابُ العِلْمِ النّافِعِ والعَمَلِ الصّالِحِ، الَّذِينَ صَدَقُوا الرَّسُولَ ﷺ في أخْبارِهِ، ولَمْ يُعارِضُوها بِالشُّبُهاتِ. وأطاعُوهُ في أوامِرِهِ ولَمْ يُضَيِّعُوها بِالشَّهَواتِ. فَلا هم في عَمَلِهِمْ، مِن أهْلِ الخَوْضِ الخَرّاصِينَ: ﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] ولا هم في عَمَلِهِمْ مِنَ المُسْتَمْتِعِينَ بِخَلاقِهِمْ، الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ. أضاءَ لَهم نُورُ الوَحْيِ المُبِينُ، فَرَأوْا في نُورِهِ أهْلَ الظُّلُماتِ في آرائِهِمْ يَعْمَهُونَ. وفي ضَلالِهِمْ يَتَهَوَّكُونَ. وفي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ. مُغْتَرِّينَ بِظاهِرِ السَّرابِ، مُمْحِلِينَ مُجْدِبِينَ ما بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] أوْجَبَهُ لَهُمُ اتِّباعُ الهَوى، وهم لِأجْلِهِ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ. القِسْمُ الثّانِي: أهْلُ الجَهْلِ والظُّلْمِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الجَهْلِ بِما جاءَ بِهِ والظُّلْمِ بِاتِّباعِ أهْوائِهِمْ. الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ [النجم: ٢٣] وهَؤُلاءِ قِسْمانِ: أحَدُهُما، الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى عِلْمٍ وهُدًى، وهم أهْلُ الجَهْلِ والضَّلالِ. فَهَؤُلاءِ أهْلُ الجَهْلِ المُرَكَّبِ، الَّذِينَ يَجْهَلُونَ الحَقَّ ويُعادُونَهُ، ويُعادُونَ أهْلَهُ، ويَنْصُرُونَ الباطِلَ ويُوالُونَ أهْلَهُ. وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ. فَهم لِاعْتِقادِهِمُ الشَّيْءَ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ، بِمَنزِلَةِ رائِي السَّرابِ الَّذِي يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا. وهَكَذا هَؤُلاءِ. أعْمالُهم وعُلُومُهم بِمَنزِلَةِ السَّرابِ الَّذِي يَخُونُ صاحِبَهُ أحْوَجَ ما هو إلَيْهِ. ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى مُجَرَّدِ الخَيْبَةِ والحِرْمانِ، كَما هو حالُ مَن أمَّ السَّرابَ فَلَمْ يَجِدْهُ ماءً. بَلِ انْضافَ إلى ذَلِكَ أنَّهُ وجَدَ عِنْدَهُ أحْكَمَ الحاكِمِينَ وأعْدَلَ العادِلِينَ. سُبْحانَهُ وتَعالى. فَحَسْبُ لَهُ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، فَوَفّاهُ إيّاهُ بِمَثاقِيلِ الذَّرِّ. وقَدِمَ إلى ما عَمِلَ مِن عَمَلٍ يَرْجُو نَفْعَهُ (p-٤٥٣٥)فَجَعَلَهُ هَباءً مَنثُورًا. إذْ لَمْ يَكُنْ خالِصًا لِوَجْهِهِ، ولا عَلى سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ . وصارَتْ تِلْكَ الشُّبُهاتُ الباطِلَةُ الَّتِي كانَ يَظُنُّها عُلُومًا نافِعَةً، كَذَلِكَ هَباءً مَنثُورًا. فَصارَتْ أعْمالُهُ وعُلُومُهُ حَسَراتٍ عَلَيْهِ. و(السَّرابُ ) ما يُرى في الفَلاةِ المُنْبَسِطَةِ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ وقْتَ الظَّهِيرَةِ يَسْرُبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كَأنَّهُ ماءٌ يَجْرِي و(القِيعَةُ ) و(القاعُ ) هو المُنْبَسِطُ مِنَ الأرْضِ الَّذِي لا جَبَلَ فِيهِ ولا فِيهِ وادٍ. فَشَبَّهَ عُلُومَ مَن لَمْ يَأْخُذْ عُلُومَهُ مِنَ الوَحْيِ وأعْمالِهِ، بِسَرابٍ يَراهُ المُسافِرُ في شِدَّةِ الحَرِّ، فَيَؤُمُّهُ، فَيَخِيبُ ظَنُّهُ ويَجِدُهُ نارًا تَلَظّى. فَهَكَذا عُلُومُ أهْلِ الباطِلِ وأعْمالُهم إذا حُشِرَ النّاسُ واشْتَدَّ بِهِمُ العَطَشُ، بَدَتْ لَهم كالسَّرابِ. فَيَحْسَبُونَهُ ماءً. فَإذا أتَوْهُ وجَدُوا اللَّهَ عِنْدَهُ، فَأخَذَتْهم زَبانِيَةُ العَذابِ، فَعَتَلُوهم إلى نارِ الجَحِيمِ فَسُقُوا ماءً حَمِيمًا، فَقَطَّعَ أمْعاءَهم. وذَلِكَ الماءُ الَّذِي سُقُوهُ هو تِلْكَ العُلُومُ الَّتِي لا تَنْفَعُ، والأعْمالُ الَّتِي كانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى صَيَّرَها اللَّهُ تَعالى حَمِيمًا سَقاهم إيّاهُ. كَما أنَّ طَعامَهم مِن ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ وهو تِلْكَ العُلُومُ والأعْمالُ الباطِلَةُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا كَذَلِكَ لا تُسْمِنُ ولا تُغْنِي مِن جُوعٍ وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ [الكهف: ١٠٣] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] وهُمُ الَّذِينَ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وهُمُ الَّذِينَ عَنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] القِسْمُ الثّانِي مِن هَذا الصِّنْفِ، أصْحابُ الظُّلُماتِ. وهُمُ المُنْغَمِسُونَ في الجَهْلِ. بِحَيْثُ قَدْ أحاطَ بِهِمْ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَهم بِمَنزِلَةِ الأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا. فَهَؤُلاءِ أعْمالُهم الَّتِي عَمِلُوها عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الآباءِ مِن غَيْرِ نُورٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى: ﴿كَظُلُماتٍ﴾ جَمْعِ ظُلْمَةٍ وهي ظُلْمَةُ الجَهْلِ وظُلْمَةُ الكُفْرِ وظُلْمَةُ الظُّلْمِ واتِّباعِ الهَوى وظُلْمَةُ الشَّكِّ والرَّيْبِ وظُلْمَةُ الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بِهِ رُسُلَهُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ. والنُّورُ الَّذِي أنْزَلَهُ مَعَهم لِيُخْرِجُوا بِهِ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ. فَإنَّ المُعْرِضَ عَمّا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ (p-٤٥٣٦)مِنَ الهُدى ودِينِ الحَقِّ، يَتَقَلَّبُ في خَمْسِ ظُلُماتٍ: قَوْلُهُ: ظُلْمَةٌ. وعَمَلُهُ ظَلَمَةٌ. ومَدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ ومَخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ ومَصِيرُهُ إلى ظُلْمَةٌ. وقَلْبُهُ مُظْلِمٌ ووَجْهُهُ مُظْلِمٌ وكَلامُهُ مُظْلِمٌ. وحالُهُ مُظْلِمٌ. وإذا قابَلَتْ بَصِيرَتُهُ الخُفّاشِيَّةُ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ النُّورِ، جَدَّ في الهَرَبِ مِنهُ، وكادَ نُورُهُ يَخْطِفُ بَصَرَهُ، فَهَرَبَ إلى ظُلُماتِ الآراءِ الَّتِي هي بِهِ أنْسَبُ وأوْلى كَما قِيلَ: ؎خَفافِيشُ أعْشاها النَّهارُ بِضَوْئِهِ ووافَقَها قِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ اللُّجِّيُّ العَمِيقُ. مَنسُوبٌ إلى لُجَّةِ البَحْرِ وهو مُعْظَمُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ تَصْوِيرٌ لِحالِ المُعْرِضِ عَنْ وحْيِهِ. فَشَبَّهُ تَلاطُمَ أمْواجِ الشُّبَهِ والباطِلِ في صَدْرِهِ، بِتَلاطُمِ أمْواجِ ذَلِكَ البَحْرِ، وأنَّهم أمْواجٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. والضَّمِيرُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْشاهُ﴾ راجِعٌ إلى البَحْرِ، والضَّمِيرُ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿مِن فَوْقِهِ﴾ عائِدٌ إلى المَوْجِ. ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الأمْواجَ مُغَشّاةٌ بِسَحابٍ. فَها هُنا ظُلُماتٌ: ظُلْمَةُ البَحْرِ اللُّجِّيِّ، وظُلْمَةُ المَوْجِ الَّذِي فَوْقَهُ، وظُلْمَةُ السَّحابِ الَّذِي فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿إذا أخْرَجَ﴾ مَن في هَذا البَحْرِ: ﴿يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ واخْتُلِفَ في مَعْنى ذَلِكَ. فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ: هو نَفْيٌ لِمُقارَبَةِ رُؤْيَتِها. وهو أبْلَغُ مِن نَفْيِهِ الرُّؤْيَةَ. وإنَّهُ قَدْ يَنْفِي وُقُوعَ الشَّيْءِ ولا تُنْفى مُقارَبَتُهُ. فَكَأنَّهُ قالَ: لَمْ يُقارِبْ رُؤْيَتَها بِوَجْهٍ. قالَ هَؤُلاءِ: (كادَ ) مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ. لَها حُكْمُ سائِرِ الأفْعالِ في النَّفْيِ والإثْباتِ. فَإذا قِيلَ: كادَ يَفْعَلُ، فَهو إثْباتُ مُقارَبَةِ الفِعْلِ. وإذا قِيلَ: لَمْ يَكَدْ يَفْعَلُ، فَهو نَفْيٌ لِمُقارَبَةِ الفِعْلِ. وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: بَلْ هَذا دالٌّ عَلى أنَّهُ إنَّما يَراها بَعْدَ جُهْدٍ شَدِيدٍ. وفي ذَلِكَ إثْباتُ رُؤْيَتِها بَعْدَ أعْظَمِ العُسْرِ، لِأجْلِ تِلْكَ الظُّلُماتِ: قالُوا: لِأنَّ (كادَ ) لَها شَأْنُ لَيْسَ لِغَيْرِها مِنَ الأفْعالِ. فَإنَّها إذا أثْبَتَتْ نَفَتْ. وإذا نَفَتْ أثْبَتَتْ. فَإذا قُلْتَ: (ما كِدْتُ أصِلُ إلَيْكَ ) فَمَعْناهُ: وصَلْتُ إلَيْكَ بَعْدَ الجُهْدِ والشَّدَّةِ. فَهَذا إثْباتٌ لِلْوُصُولِ. وإذا قُلْتَ: (كادَ زَيْدٌ يَقُومُ ) فَهي نَفْيٌ لِقِيامِهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] (p-٤٥٣٧)ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١] وأنْشَدَ بَعْضُهم في ذَلِكَ لُغْزًا: ؎أنَحْوِيَّ هَذا العَصْرِ ! ما هي لَفْظَةٌ ∗∗∗ جَرَتْ في لِسانَيْ جُرْهُمٍ وثَمُودِ ؟ ؎إذا اسْتُعْمِلَتْ في صُورَةِ النَّفْيِ أثْبَتَتْ ∗∗∗ وإنْ أُثْبِتَتْ قامَتْ مَقامَ جُحُودِ وقالَتْ فِرْقَةٌ ثالِثَةٌ، مِنهم أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ: إنَّ اسْتِعْمالَها مُثْبَتَةً، يَقْتَضِي نَفْيَ خَبَرِها. كَقَوْلِكَ كادَ زَيْدٌ يَقُومُ واسْتِعْمالَها مَنفِيَّةً يَقْتَضِي نَفْيَهُ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَهي عِنْدَهُ تَنْفِي الخَبَرَ. سَواءٌ كانَتْ مَنفِيَّةً أوْ مُثْبَتَةً. (فَلَمْ يَكَدْ زَيْدٌ يَقُومُ ) أبْلَغُ عِنْدَهُ في النَّفْيِ مِن (لَمْ يَقُمْ ) واحْتَجَّ بِأنَّها إذا نُفِيَتْ - وهي مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ - فَقَدْ نُفِيَتْ مُقارِبَةً الفِعْلَ. وهو أبْلَغُ مِن نَفْيِهِ. وإذا اسْتُعْمِلَتْ مُثْبَتَةً فَهي تَقْتَضِي مُقارَبَةَ اسْمِها لِخَبَرِها. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ. واعْتَذَرَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] وعَنْ مِثْلِ قَوْلِهِ: (وصَلْتُ إلَيْكَ وما كِدْتُ أصِلُ ) و(سَلِمْتُ وما كِدْتُ أسْلَمُ ) بِأنَّ هَذا وارِدٌ عَلى كَلامَيْنِ مُتَبايِنَيْنِ. أيْ: فَعَلْتُ كَذا بَعْدَ أنْ لَمْ أكُنْ مُقارِبًا لَهُ، فالأوَّلُ يَقْتَضِي وُجُودَ العَمَلِ، والثّانِي يَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقارِبًا لَهُ، بَلْ كانَ آيِسًا مِنهُ. فَهُما كَلامانِ مَقْصُودٌ بِهِما أمْرانِ مُتَبايِنانِ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ رابِعَةٌ إلى الفُرْقَةِ بَيْنَ ماضِيها ومُسْتَقْبَلِها. فَإذا كانَتْ في الإثْباتِ فَهي لِمُقارَبَةِ الفِعْلِ. سَواءٌ كانَتْ بِصِيغَةِ الماضِي أوِ المُسْتَقْبَلِ. وإنْ كانَتْ في طَرَفٍ النَّفْيِ، فَإنْ كانَتْ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، كانَتْ لِنَفْيِ الفِعْلِ ومُقارَبَتِهِ. نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ وإنْ كانَتْ بِصِيغَةِ الماضِي فَهي تَقْتَضِي الإثْباتَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] فَهَذِهِ أرْبَعَةُ طُرُقٍ لِلنُّحاةِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ. والصَّحِيحُ أنَّها فِعْلٌ يَقْتَضِي المُقارَبَةَ. ولَها حُكْمُ سائِرِ الأفْعالِ. ونَفْيُ الخَبَرِ لَمْ يُسْتَفَدْ مِن لَفْظِها ووَضْعِها. فَإنَّها لَمْ تُوضَعْ لِنَفْيِهِ. وإنَّما اسْتُفِيدَ مِن لَوازِمِ مَعْناها. فَإنَّها إذا اقْتَضَتْ (p-٤٥٣٨)مُقارَبَةَ الفِعْلِ، لَمْ يَكُنْ واقِعًا، فَيَكُونُ مَنفِيًّا بِاللُّزُومِ. وأمّا إذا اسْتُعْمِلَتْ مَنفِيَّةً، فَإنْ كانَتْ في كَلامٍ واحِدٍ، فَهي لِنَفْيِ المُقارَبَةِ. كَما إذا قُلْتَ: (لا يَكادُ البَطّالُ يُفْلِحُ ) و(لا يَكادُ البَخِيلُ يَسُودُ ) و(لا يَكادُ الجَبانُ يَفْرَحُ ) ونَحْوَ ذَلِكَ. وإنْ كانَتْ في كَلامَيْنِ، اقْتَضَتْ وُقُوعَ الفِعْلِ، بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ مُقارِبًا. كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ: فَهَذا التَّحْقِيقُ في أمْرِها. والمَقْصُودُ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ إمّا أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ لا يُقارِبُ رُؤْيَتَها لِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ، وهو الأظْهَرُ. فَإذا كانَ لا يُقارِبُ رُؤْيَتَها، فَكَيْفَ يَراها ؟ قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ∗∗∗ رَسِيسُ الهَوى في حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ أيْ لَمْ يُقارِبِ البَراحَ. وهو الزَّوالُ، فَكَيْفَ يَزُولُ ؟ فَشَبَّهَ سُبْحانَهُ أعْمالَهم أوَّلًا، في فَواتِ نَفْعِها وحُصُولِ ضَرَرِها عَلَيْهِمْ، بِسَرابٍ خِداعٍ يَخْدَعُ رائِيَهُ مِن بَعِيدٍ. فَإذا جاءَهُ وجَدَهُ عِنْدَهُ عَكْسَ ما أمَّلَهُ ورَجاهُ. شَبَّهَها ثانِيًا في ظُلْمَتِها وسَوادِها، لِكَوْنِها باطِلَةً خالِيَةً عَنْ نُورِ الإيمانِ، بِظُلُماتٍ مُتَراكِمَةٍ في لُجَجِ البَحْرِ المُتَلاطِمِ الأمْواجِ: الَّذِي قَدْ غَشِيَهُ السَّحابُ مِن فَوْقِهِ. فَيا لَهُ تَشْبِيهًا ما أبْدَعَهُ ! وأشَدَّ مُطابَقَتِهِ بِحالِ أهْلِ البِدَعِ والضَّلالِ ! وحالِ مَن عَبَدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى خِلافِ ما بَعَثَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأنْزَلَ بِهِ كِتابَهُ ! وهَذا التَّشْبِيهُ هو تَشْبِيهٌ لِأعْمالِهِمُ الباطِلَةِ بِالمُطابَقَةِ والتَّصْرِيحِ، ولِعُلُومِهِمْ وعَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ بِاللُّزُومِ. وكُلُّ واحِدٍ مِنَ السَّرابِ والظُّلُماتِ، مَثَلٌ لِمَجْمُوعِ عُلُومِهِمْ وأعْمالِهِمْ. فَهي سَرابٌ لا حاصِلَ لَها، وظُلُماتٌ لا نُورَ فِيها. وهَذا عَكْسُ مَثَلِ أعْمالِ المُؤْمِنِ وعُلُومِهِ، الَّتِي تَلَقّاها مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ. فَإنَّها مِثْلُ الغَيْثِ الَّذِي بِهِ حَياةُ البِلادِ والعِبادِ. ومِثْلُ النُّورِ الَّذِي بِهِ انْتِفاعُ أهْلِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ولِهَذا يَذْكُرُ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، لِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

النور 24:41

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَعْدِيلِ الدَّلائِلِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ في أُلُوهِيَّتِهِ، وظُهُورِ أمْرِهِ وجَلالَتِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (p-٤٥٣٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤١] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ . ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يُنَزِّهُهُ ويُقَدِّسُهُ وحْدَهُ، أهْلُوهُما: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ أيْ: يَصْفُفْنَ أجْنِحَتَهُنَّ في الهَواءِ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ، قَدْ هُدِيَ وأُرْشِدَ إلى طَرِيقَتِهِ ومَسْلَكِهِ، في عِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فالضَّمِيرُ في (عَلِمَ ) لِكُلٍّ. أوْ لِلَّفْظِ الجَلالَةِ، كالضَّمِيرِ في صَلاتِهِ وتَسْبِيحِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُلْهِمَ اللَّهُ الطَّيْرَ دُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ، كَما ألْهَمَها سائِرَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي لا يَكادُ العُقَلاءُ يَهْتَدُونَ إلَيْها. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ كَلامٌ في تَسْبِيحِ الجَماداتِ، فارْجِعْ إلَيْهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾

النور 24:42

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٢] ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ . ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ أيْ: هو الإلَهُ الحاكِمُ المُتَصَرِّفُ فِيهِما، الَّذِي لا تَنْبَغِي العِبادَةُ فِيهِما إلّا لَهُ، وإلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ، مَصِيرُ الخَلائِقِ، فَيَحْكُمُ بَيْنَهم، ويَجْزِي الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا.

النور 24:43

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٣] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَـزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ . (p-٤٥٤٠)﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ أيْ: يَسُوقُها بِرِفْقٍ. ومِنهُ البِضاعَةُ المُزْجاةُ، يُزْجِيها كُلُّ أحَدٍ. أيْ: يَدْفَعُها لِرَغْبَتِهِ عَنْها، أوْ لِقُدْرَتِهِ عَلى سَوْقِها وإيصالِها: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ بِضَمِّ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ. فَيَجْعَلُ القِطَعَ المُتَفَرِّقَةَ قِطْعَةً واحِدَةً: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ أيْ: مُتَراكِمًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ أيِ: المَطَرَ: ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ وهي فُرَجُهُ ومَخارِجُ القَطْرِ مِنهُ: ﴿ويُنَـزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُحْتَمَلُ المَعْنى: فَيُصِيبُ بِما يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن نَوْعَيِ المَطَرِ والبَرَدِ رَحْمَةً بِهِمْ ويَصْرِفُهُ عَنْ آخَرِينَ حِكْمَةً وابْتِلاءً. ويُحْتَمَلُ المَعْنى: فَيُصِيبُ بِالبَرَدِ مَن يَشاءُ نِقْمَةً لِما فِيهِ مِن نَثْرِ الثِّمارِ وإتْلافِ الزُّرُوعِ. ويَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشاءُ رَحْمَةً بِهِمْ. انْتَهى. وخُلاصَتُهُ أنَّ الضَّمِيرَ إمّا لِلْأقْرَبِ، عَلى الثّانِي، أوَّلُهُ ولِما قَبْلَهُ، عَلى الأوَّلِ. لَطِيفَةٌ: قَدْ ذُكِرَتْ (مِنَ ) الجارَّةُ في الآيَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ. فالأُولى ابْتِدائِيَّةٌ اتِّفاقًا. والثّانِيَةُ زائِدَةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ، عَلى جَعْلِ مَدْخُولِها بَدَلًا مِمّا قَبْلَهُ بِإعادَةِ الجارِّ. والثّالِثَةُ فِيها هَذِهِ الأقْوالُ. وتَزِيدُ بِرابِعٍ، وهو أنَّها لِبَيانِ الجِنْسِ. والتَّقْدِيرُ: يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ جِبالٍ، الَّتِي هي البَرَدُ. ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ أيْ: لَمَعانِهِ: ﴿يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ أيْ: يَخْطِفُها لِشِدَّتِهِ وقُوَّتِهِ.

النور 24:44

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٤] ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾ . ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ: يَأْتِي بِكُلٍّ مِنهُما بَدَلَ الآخَرِ خَلَفًا لَهُ. أوْ يَأْخُذُ مِن طُولِ أحَدِهِما فَيَجْعَلُهُ في الآخَرِ رَحْمَةً بِالعِبادِ، لِانْتِظامِ مَعايِشِهِمْ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾

النور 24:45

(p-٤٥٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٥ - ٤٦] ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦] . ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ كُلَّ حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ مِن ماءٍ، وهو جُزْءُ مادَّتِهِ. أوْ ماءٌ مَخْصُوصٌ هو النُّطْفَةُ، فَيَكُونُ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ الكُلِّ لِأنَّ مِنَ الحَيَواناتِ ما لا يَتَوَلَّدُ مِن نُطْفَةٍ. وقِيلَ: ﴿مِن ماءٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(دابَّةٍ ) ولَيْسَتْ صِلَةً (لِخَلَقَ ): ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ كالحَيّاتِ. وتَسْمِيَةُ حَرَكَتِها مَشْيًا، مَعَ كَوْنِها زَحْفًا، بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ: ﴿ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: مِمّا ذَكَرَ وغَيْرَهُ، عَلى مَن يَشاءُ مِنَ الصُّوَرِ والأعْضاءِ والهَيْئاتِ والحَرَكاتِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦] وهو صِراطُ تِلْكَ الآياتِ، صِراطُ الحَقِّ والهُدى والنُّورِ. وهُمُ المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ، وإذا دُعُوا إلى حُكْمِها اسْتَكانُوا. ثُمَّ أشارَ إلى ما كانَ يَقَعُ مِنَ المُنافِقِينَ مِن أثَرِ النِّفاقِ، تَحْذِيرًا مِن صَنِيعِهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

النور 24:46

(p-٤٥٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٥ - ٤٦] ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦] . ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ كُلَّ حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ مِن ماءٍ، وهو جُزْءُ مادَّتِهِ. أوْ ماءٌ مَخْصُوصٌ هو النُّطْفَةُ، فَيَكُونُ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ الكُلِّ لِأنَّ مِنَ الحَيَواناتِ ما لا يَتَوَلَّدُ مِن نُطْفَةٍ. وقِيلَ: ﴿مِن ماءٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(دابَّةٍ ) ولَيْسَتْ صِلَةً (لِخَلَقَ ): ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ كالحَيّاتِ. وتَسْمِيَةُ حَرَكَتِها مَشْيًا، مَعَ كَوْنِها زَحْفًا، بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ: ﴿ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: مِمّا ذَكَرَ وغَيْرَهُ، عَلى مَن يَشاءُ مِنَ الصُّوَرِ والأعْضاءِ والهَيْئاتِ والحَرَكاتِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦] وهو صِراطُ تِلْكَ الآياتِ، صِراطُ الحَقِّ والهُدى والنُّورِ. وهُمُ المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ، وإذا دُعُوا إلى حُكْمِها اسْتَكانُوا. ثُمَّ أشارَ إلى ما كانَ يَقَعُ مِنَ المُنافِقِينَ مِن أثَرِ النِّفاقِ، تَحْذِيرًا مِن صَنِيعِهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

النور 24:47

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧ - ٥٠] ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] (p-٤٥٤٢)﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] . ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: دَعْوى الإيمانِ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في قُلُوبِهِمْ. ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: كِتابِهِ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: سُنَّتِهِ وحُكْمِهِ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: عَنِ المَجِيءِ إلَيْهِ: ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [النور: ٤٩] أيِ: الحُكُومَةُ لَهم، لا عَلَيْهِمْ: ﴿يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] أيْ: مُسْرِعِينَ طائِعِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ [النور: ٥٠] أيْ في الحُكْمِ فَيَظْلِمُوا فِيهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِإعْراضِهِمُ المَذْكُورِ. وبَيانٌ لِمَنشَئِهِ بَعْدَ اسْتِقْصاءِ عِدَّةٍ مِنَ القَبائِحِ المُحَقَّقَةِ فِيهِمْ، والمُتَوَقَّعَةِ مِنهم. وتَرَدِّي المَنشَئِيَّةِ بَيْنَها. فَمَدارُ الِاسْتِفْهامِ لَيْسَ نَفْسَ ما ولِيَتْهُ الهَمْزَةُ وأمْ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، بَلْ هو مَنشَئِيَّتُها لَهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: أذَلِكَ، أيْ: إعْراضُهُمُ المَذْكُورُ، لِأنَّهم مَرْضى القُلُوبِ لِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، أمْ لِأنَّهُمُ ارْتابُوا في أمْرِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ ظُهُورِ حَقِّيَّتِها ؟ أمْ لِأنَّهم يَخافُونَ الحَيْفَ مِمَّنْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ إشارَةً إلى اسْتِجْماعِهِمْ تِلْكَ الأوْصافَ الذَّمِيمَةَ، الَّتِي كَلُّ واحِدٍ مِنها كُفْرٌ ونِفاقٌ. ثُمَّ بَيَّنَ اتِّصافَهم مَعَ ذَلِكَ بِالوَصْفِ الأسْوَأِ وهو الظُّلْمُ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] أيِ: الَّذِينَ رَسَخَ فِيهِمْ خُلُقُ الظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ ولِغَيْرِهِمْ. فالإضْرابُ انْتِقالِيٌّ. والمَعْنى: دَعْ هَذا كُلَّهُ، فَإنَّهم هُمُ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ، الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ.

النور 24:48

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧ - ٥٠] ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] (p-٤٥٤٢)﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] . ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: دَعْوى الإيمانِ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في قُلُوبِهِمْ. ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: كِتابِهِ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: سُنَّتِهِ وحُكْمِهِ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: عَنِ المَجِيءِ إلَيْهِ: ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [النور: ٤٩] أيِ: الحُكُومَةُ لَهم، لا عَلَيْهِمْ: ﴿يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] أيْ: مُسْرِعِينَ طائِعِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ [النور: ٥٠] أيْ في الحُكْمِ فَيَظْلِمُوا فِيهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِإعْراضِهِمُ المَذْكُورِ. وبَيانٌ لِمَنشَئِهِ بَعْدَ اسْتِقْصاءِ عِدَّةٍ مِنَ القَبائِحِ المُحَقَّقَةِ فِيهِمْ، والمُتَوَقَّعَةِ مِنهم. وتَرَدِّي المَنشَئِيَّةِ بَيْنَها. فَمَدارُ الِاسْتِفْهامِ لَيْسَ نَفْسَ ما ولِيَتْهُ الهَمْزَةُ وأمْ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، بَلْ هو مَنشَئِيَّتُها لَهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: أذَلِكَ، أيْ: إعْراضُهُمُ المَذْكُورُ، لِأنَّهم مَرْضى القُلُوبِ لِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، أمْ لِأنَّهُمُ ارْتابُوا في أمْرِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ ظُهُورِ حَقِّيَّتِها ؟ أمْ لِأنَّهم يَخافُونَ الحَيْفَ مِمَّنْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ إشارَةً إلى اسْتِجْماعِهِمْ تِلْكَ الأوْصافَ الذَّمِيمَةَ، الَّتِي كَلُّ واحِدٍ مِنها كُفْرٌ ونِفاقٌ. ثُمَّ بَيَّنَ اتِّصافَهم مَعَ ذَلِكَ بِالوَصْفِ الأسْوَأِ وهو الظُّلْمُ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] أيِ: الَّذِينَ رَسَخَ فِيهِمْ خُلُقُ الظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ ولِغَيْرِهِمْ. فالإضْرابُ انْتِقالِيٌّ. والمَعْنى: دَعْ هَذا كُلَّهُ، فَإنَّهم هُمُ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ، الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ.

النور 24:49

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧ - ٥٠] ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] (p-٤٥٤٢)﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] . ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: دَعْوى الإيمانِ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في قُلُوبِهِمْ. ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: كِتابِهِ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: سُنَّتِهِ وحُكْمِهِ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: عَنِ المَجِيءِ إلَيْهِ: ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [النور: ٤٩] أيِ: الحُكُومَةُ لَهم، لا عَلَيْهِمْ: ﴿يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] أيْ: مُسْرِعِينَ طائِعِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ [النور: ٥٠] أيْ في الحُكْمِ فَيَظْلِمُوا فِيهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِإعْراضِهِمُ المَذْكُورِ. وبَيانٌ لِمَنشَئِهِ بَعْدَ اسْتِقْصاءِ عِدَّةٍ مِنَ القَبائِحِ المُحَقَّقَةِ فِيهِمْ، والمُتَوَقَّعَةِ مِنهم. وتَرَدِّي المَنشَئِيَّةِ بَيْنَها. فَمَدارُ الِاسْتِفْهامِ لَيْسَ نَفْسَ ما ولِيَتْهُ الهَمْزَةُ وأمْ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، بَلْ هو مَنشَئِيَّتُها لَهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: أذَلِكَ، أيْ: إعْراضُهُمُ المَذْكُورُ، لِأنَّهم مَرْضى القُلُوبِ لِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، أمْ لِأنَّهُمُ ارْتابُوا في أمْرِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ ظُهُورِ حَقِّيَّتِها ؟ أمْ لِأنَّهم يَخافُونَ الحَيْفَ مِمَّنْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ إشارَةً إلى اسْتِجْماعِهِمْ تِلْكَ الأوْصافَ الذَّمِيمَةَ، الَّتِي كَلُّ واحِدٍ مِنها كُفْرٌ ونِفاقٌ. ثُمَّ بَيَّنَ اتِّصافَهم مَعَ ذَلِكَ بِالوَصْفِ الأسْوَأِ وهو الظُّلْمُ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] أيِ: الَّذِينَ رَسَخَ فِيهِمْ خُلُقُ الظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ ولِغَيْرِهِمْ. فالإضْرابُ انْتِقالِيٌّ. والمَعْنى: دَعْ هَذا كُلَّهُ، فَإنَّهم هُمُ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ، الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ.

النور 24:50

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧ - ٥٠] ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] (p-٤٥٤٢)﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] . ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: دَعْوى الإيمانِ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في قُلُوبِهِمْ. ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: كِتابِهِ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: سُنَّتِهِ وحُكْمِهِ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: عَنِ المَجِيءِ إلَيْهِ: ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [النور: ٤٩] أيِ: الحُكُومَةُ لَهم، لا عَلَيْهِمْ: ﴿يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] أيْ: مُسْرِعِينَ طائِعِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ [النور: ٥٠] أيْ في الحُكْمِ فَيَظْلِمُوا فِيهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِإعْراضِهِمُ المَذْكُورِ. وبَيانٌ لِمَنشَئِهِ بَعْدَ اسْتِقْصاءِ عِدَّةٍ مِنَ القَبائِحِ المُحَقَّقَةِ فِيهِمْ، والمُتَوَقَّعَةِ مِنهم. وتَرَدِّي المَنشَئِيَّةِ بَيْنَها. فَمَدارُ الِاسْتِفْهامِ لَيْسَ نَفْسَ ما ولِيَتْهُ الهَمْزَةُ وأمْ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، بَلْ هو مَنشَئِيَّتُها لَهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: أذَلِكَ، أيْ: إعْراضُهُمُ المَذْكُورُ، لِأنَّهم مَرْضى القُلُوبِ لِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، أمْ لِأنَّهُمُ ارْتابُوا في أمْرِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ ظُهُورِ حَقِّيَّتِها ؟ أمْ لِأنَّهم يَخافُونَ الحَيْفَ مِمَّنْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ إشارَةً إلى اسْتِجْماعِهِمْ تِلْكَ الأوْصافَ الذَّمِيمَةَ، الَّتِي كَلُّ واحِدٍ مِنها كُفْرٌ ونِفاقٌ. ثُمَّ بَيَّنَ اتِّصافَهم مَعَ ذَلِكَ بِالوَصْفِ الأسْوَأِ وهو الظُّلْمُ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] أيِ: الَّذِينَ رَسَخَ فِيهِمْ خُلُقُ الظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ ولِغَيْرِهِمْ. فالإضْرابُ انْتِقالِيٌّ. والمَعْنى: دَعْ هَذا كُلَّهُ، فَإنَّهم هُمُ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ، الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ.

النور 24:51

(p-٤٥٤٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥١ - ٥٢] ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] . ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): فِيها وُجُوبُ الحُضُورِ عَلى مَن دُعِيَ لِحُكْمِ الشَّرْعِ، وتَحْرِيمُ الِامْتِناعِ، واسْتِحْبابُ أنْ يَقُولَ: سَمِعْنا وأطَعْنا. انْتَهى. ثُمَّ أُشِيرَ إلى حِكايَةِ شَيْءٍ مِن أحْوالِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ المُمْتَنِعِينَ عَنْ قَبُولِ حُكْمِهِ، وذَلِكَ إقْسامُهُمُ الكاذِبُ، لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى إيمانِهِمُ الباطِنِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

النور 24:52

(p-٤٥٤٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥١ - ٥٢] ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] . ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): فِيها وُجُوبُ الحُضُورِ عَلى مَن دُعِيَ لِحُكْمِ الشَّرْعِ، وتَحْرِيمُ الِامْتِناعِ، واسْتِحْبابُ أنْ يَقُولَ: سَمِعْنا وأطَعْنا. انْتَهى. ثُمَّ أُشِيرَ إلى حِكايَةِ شَيْءٍ مِن أحْوالِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ المُمْتَنِعِينَ عَنْ قَبُولِ حُكْمِهِ، وذَلِكَ إقْسامُهُمُ الكاذِبُ، لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى إيمانِهِمُ الباطِنِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

النور 24:53

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٣] ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ أيْ: بِالخُرُوجِ مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ: ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ أيْ: مُجاهِدِينَ. و(جَهْدَ ) مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ. أوْ هو مَصْدَرٌ (لِأقْسَمُوا ) مِن مَعْناهُ. وهو مُسْتَعارٌ مِن (جَهَدَ نَفْسَهُ ) إذا بَلَغَ وُسْعَها. أيْ: أكَّدُوا الأيْمانَ وشَدَّدُوها: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ: لا تُقْسِمُوا عَلى ذَلِكَ وتُشَدِّدُوا لِتُرْضُونا. فَإنَّ الأمْرَ المَطْلُوبَ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ، لا تُنْكِرُها النَّفْسُ. إذْ لا حَرَجَ فِيها. فَأطِيعُوا بِالمَعْرُوفِ مِن غَيْرِ حَلِفٍ، كَما يُطِيعُ المُؤْمِنُونَ. وقِيلَ: مَعْناهُ طاعَتُكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ. أيْ: أنَّها قَوْلٌ بِلا عَمَلٍ. (p-٤٥٤٤)إذْ عُرِفَ كَذِبُكم في أيْمانِكم. كَما قالَ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] الآيَةَ، فَهم مِن سَجِيَّتِهِمُ الكَذِبُ حَتّى فِيما يَخْتارُونَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١] ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، الَّتِي مِنها الأيْمانُ الكاذِبَةُ، وما تُضْمِرُونَهُ مِنَ النِّفاقِ ومُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ، الَّتِي لا تَخْفى عَلى مَن يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى.

النور 24:54

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٤] ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ . ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: تَوَلَّوْا عَنِ الإطاعَةِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ﴾ أيْ: كَلَّفَهُ مِن أداءِ الرِّسالَةِ. فَإذا أدّى فَقَدْ خَرَجَ مِن عُهْدَةِ تَكْلِيفِهِ. ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ والتَّلَقِّي بِالقَبُولِ والإذْعانِ والقِيامِ بِمُقْتَضاهُ: ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ أيْ: لِأنَّهُ يَدْعُوكم إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. فَإنْ أطَعْتُمُوهُ فَقَدْ أحْرَزْتُمْ نَصِيبَكم مِنَ الخُرُوجِ عَنِ الضَّلالَةِ إلى الهُدى. وإنْ لَمْ تَفْعَلُوا وتَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ عَرَّضْتُمْ نُفُوسَكم لِسُخْطِ اللَّهِ وعَذابِهِ: ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيِ: التَّبْلِيغُ البَيِّنُ بِنَفْسِهِ، أوِ المُوَضِّحُ لِما أُمِرْتُمْ بِهِ. (p-٤٥٤٥)ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى: { تَهْتَدُوا } إشارَةً إلى وعْدٍ كَرِيمٍ ومُسْتَقْبَلٍ فَخِيمٍ، اسْتَأْنَفَ التَّصْرِيحَ بِهِ تَقْرِيرًا لَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:55

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٥] ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ . ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ أيْ: يُورِثُهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلُهم فِيها خُلَفاءَ مُتَصَرِّفِينَ فِيها تَصَرُّفَ المُلُوكِ في مَمالِكِهِمْ. أوْ خُلَفاءَ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلى حالِهِمْ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ: ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُؤْمِنَةِ بِرُسُلِها. الَّتِي أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّها، وأوْرَثَها أرْضَها ودِيارَها. كَما فَعَلَ بِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ أوْرَثَهم فِلَسْطِينَ، بَعْدَ إهْلاكِ الجَبابِرَةِ: ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ أيْ: فَلَيَجْعَلَنَّ دِينَهم ثابِتًا مُقَرَّرًا، مَرْفُوعَ اللِّواءِ، ظاهِرًا عَلى غَيْرِهِ، قاهِرًا لِمَن ناوَأهُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي إضافَةِ الدِّينِ إلَيْهِمْ. وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ وصْفِهِ بِارْتِضائِهِ لَهم، تَأْلِيفٌ لِقُلُوبِهِمْ ومَزِيدُ تَرْغِيبٍ فِيهِ، وفَضْلُ تَثْبِيتٍ عَلَيْهِ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا الوَعْدِ الكَرِيمِ المُوجِبِ لِتَحْصِيلِ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ السَّعادَتَيْنِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ: الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ. حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ. وجَسَرُوا عَلى غَمْطِها. (p-٤٥٤٦)تَنْبِيهٌ: فِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ عَلى ما هو عَلَيْهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ - ما لا يَخْفى. فَقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ، وأظْهَرَهم عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وافْتَتَحُوا بَعْدُ بِلادَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ، ومَلَكُوا خَزائِنَهم واسْتَوْلَوْا عَلى الدُّنْيا، وصارُوا إلى حالٍ يَخافُهم كُلُّ مَن عَداهم.

النور 24:56

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٦ - ٥٧] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧] . ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أطِيعُوا اللَّهَ وما اعْتَرَضَ بَيْنَهُما كانَ تَأْكِيدًا، أوْ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ السَّوْقُ. أيْ: فَآمِنُوا واعْمَلُوا صالِحًا وأقِيمُوا. أوْ فَلا تَكْفُرُوا وأقِيمُوا. إلَخْ. ثُمَّ كَرَّرَ طاعَةَ الرَّسُولِ، تَأْكِيدًا لِوُجُوبِها، بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٧] أيْ: مُعْجِزِينَ لِلَّهِ تَعالى، بَلْ مُدْرَكُونَ: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧] ثُمَّ أُشِيرَ إلى تَتِمَّةِ الأحْكامِ السّابِقَةِ، إثْرَ تَمْهِيدِ ما يَجِبُ امْتِثالُهُ مِنَ الأحْكامِ، ومِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، بِقَوْلِهِ:

النور 24:57

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٦ - ٥٧] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧] . ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أطِيعُوا اللَّهَ وما اعْتَرَضَ بَيْنَهُما كانَ تَأْكِيدًا، أوْ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ السَّوْقُ. أيْ: فَآمِنُوا واعْمَلُوا صالِحًا وأقِيمُوا. أوْ فَلا تَكْفُرُوا وأقِيمُوا. إلَخْ. ثُمَّ كَرَّرَ طاعَةَ الرَّسُولِ، تَأْكِيدًا لِوُجُوبِها، بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٧] أيْ: مُعْجِزِينَ لِلَّهِ تَعالى، بَلْ مُدْرَكُونَ: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧] ثُمَّ أُشِيرَ إلى تَتِمَّةِ الأحْكامِ السّابِقَةِ، إثْرَ تَمْهِيدِ ما يَجِبُ امْتِثالُهُ مِنَ الأحْكامِ، ومِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، بِقَوْلِهِ:

النور 24:58

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ (p-٤٥٤٧)تَضَعُونَ ثِيابَكم مِن الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثَ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَبِيدِ والجَوارِي: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ أيْ: هي ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم. إشارَةً إلى عِلَّةِ وُجُوبِ الِاسْتِئْذانِ بِأنَّهُنَّ أوْقاتٌ يَخْتَلُّ فِيها التَّسَتُّرُ عادَةً، ويَكُونُ النَّوْمُ فِيها مَعَ الأهْلِ غالِبًا. فالهُجُومُ عَلى أهْلِ البَيْتِ في هَذِهِ الأحْوالِ، مِمّا تَأْباهُ النُّفُوسُ وتَكْرَهُهُ أشَدَّ الإباءِ والكَراهَةِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ في تَرْكِ نَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ بِلا إذْنٍ. ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ مِنَ الدُّخُولِ بِدُونِهِ، بَعْدَ هَذِهِ الأوْقاتِ، وإنِ احْتَمَلَ فِيها الإخْلالُ بِالتَّسَتُّرِ لِنُدْرَتِهِ. وذَلِكَ لِأنَّهم طَوّافُونَ عَلَيْكم، فَيَعْسُرُ عَلَيْهِمُ الِاسْتِئْذانُ في كُلِّ مَرَّةٍ: ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُكم طائِفٌ عَلى بَعْضٍ طَوافًا كَثِيرًا. أوْ بَعْضُكم يَطُوفُ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ بِكم وبِهِمْ حاجَةٌ إلى المُخالَطَةِ والمُداخَلَةِ، يَطُوفُونَ عَلَيْكم لِلْخِدْمَةِ وتَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ لِلِاسْتِخْدامِ. فَلَوْ جَزَمَ الأمْرَ بِالِاسْتِئْذانِ في كُلِّ وقْتٍ لَأدّى إلى الحَرَجِ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يُشَرِّعُ ما فِيهِ الحِكْمَةُ وصَلاحُ الحالِ وانْتِظامُ الشَّأْنِ. تَنْبِيهٌ: فِي الآيَةِ إقْرارُ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن أنَّ النُّوَّمَ وقْتُهُ بَعْدَ العَشاءِ وقَبْلَ الفَجْرِ ووَقْتَ الظَّهِيرَةِ. وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ في الخَلْوَةِ جائِزٌ. كَذا في (الإكْلِيلِ ") . (p-٤٥٤٨)وقالَ الرّازِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الواجِبَ اعْتِبارُ العِلَلِ في الأحْكامِ إذا أمْكَنَ لِأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى العِلَّةِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ والثّانِي بِالتَّنْبِيهِ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، وبَيْنَ ما عَداها، بِأنَّهُ لَيْسَ ذاكَ إلّا لِعِلَّةِ التَّكَشُّفِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، وإنَّهُ لا يُؤْمَنُ وُقُوعُ التَّكَشُّفِ فِيها ولَيْسَ كَذَلِكَ ما عَدا هَذِهِ الأوْقاتِ.

النور 24:59

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٥٩] ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ﴾ أيِ: الَّذِينَ رُخِّصَ لَهم في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ في غَيْرِ الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ: ﴿مِنكُمُ﴾ أيْ: مِنَ الأحْرارِ، دُونَ المَمالِيكِ، فَإنَّهم باقُونَ عَلى الرُّخْصَةِ: ﴿الحُلُمَ﴾ أيْ: حَدَّ البُلُوغِ بِالِاحْتِلامِ، وبِالسِّنِّ الَّذِي هو مَظِنَّةُ الِاحْتِلامِ: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ أيْ: في سائِرِ الأوْقاتِ أيْضًا: ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ بَلَغُوا الحُلُمَ مِن قَبْلِهم، وهُمُ الرِّجالُ أوِ الَّذِينَ ذُكِرُوا مِن قَبْلِهم في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] والمَعْنى أنَّ الأطْفالَ مَأْذُونٌ لَهم في الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ، إلّا في العَوْراتِ الثَّلاثَةِ. فَإذا اعْتادَ الأطْفالُ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ الطُّفُولَةِ، بِأنْ يَحْتَلِمُوا أوْ يَبْلُغُوا السِّنَّ الَّتِي يُحْكَمُ فِيها عَلَيْهِمْ بِالبُلُوغِ، وجَبَ أنْ يُفْطَمُوا عَنْ تِلْكَ العادَةِ، ويُحْمَلُوا عَلى أنْ يَسْتَأْذِنُوا في جَمِيعِ الأوْقاتِ، كَما يَسْتَأْذِنُ الرِّجالُ الكِبارُ الَّذِينَ لَمْ يَعْتادُوا الدُّخُولَ عَلَيْكم إلّا بِإذْنٍ. وهَذا مِمّا النّاسُ مِنهُ في غَفْلَةٍ. وهو عِنْدَهم كالشَّرِيعَةِ المَنسُوخَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: آيَةٌ لا يُؤْمِنُ بِها أكْثَرُ النّاسِ: آيَةُ الإذْنِ. وإنِّي لَآمِرٌ جارَتِي أنْ تَسْتَأْذِنَ عَلَيَّ. (p-٤٥٤٩)وسَألَهُ عَطاءٌ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي ؟ قالَ: نَعَمْ، وإنْ كانَتْ في حِجْرِكَ تُمَوِّنُها. وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وعَنْهُ: ثَلاثُ آياتٍ جَحَدَهُنَّ النّاسُ: الإذْنُ كُلُّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فَقالَ ناسٌ: أعْظَمُكم بَيْتًا. وقَوْلُهُ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] كَذا في (الكَشّافِ ") . تَنْبِيهٌ: قالَ في (الإكْلِيلِ "): في الآيَةِ أنَّ التَّكْلِيفَ إنَّما يَكُونُ بِالبُلُوغِ. وأنَّ البُلُوغَ يَكُونُ بِالِاحْتِلامِ. وأنَّ الأوْلادَ البالِغِينَ لا يَدْخُلُونَ عَلى والِدَيْهِمْ إلّا بِالِاسْتِئْذانِ، كالأجانِبِ. انْتَهى. وقالَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ في " إبْرازِ الحِكَمِ في شَرْحِ حَدِيثِ رَفْعِ القَلَمِ ": أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الِاحْتِلامَ يَحْصُلُ بِهِ البُلُوغُ في حَقِّ الرَّجُلِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ وقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ: ««وعَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَحْتَلِمَ»» . وهي رِوايَةُ ابْنِ أبِي السَّرْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: والآيَةُ أصْرَحُ. فَإنَّها ناطِقَةٌ بِالأمْرِ بَعْدَ الحُلُمِ. ووَرَدَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَفَعَهُ: ««لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ، ولا صُماتَ يَوْمٍ إلى اللَّيْلِ»» رَواهُ أبُو داوُدَ. والمُرادُ بِالِاحْتِلامِ خُرُوجُ المَنِيِّ. سَواءٌ كانَ في اليَقَظَةِ أمْ في المَنامِ، بِحُلُمٍ أوْ غَيْرِ حُلُمٍ. ولَمّا كانَ في الغالِبِ لا يَحْصُلُ إلّا في النَّوْمِ بِحُلُمٍ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ الحُلُمُ والِاحْتِلامُ، ولَوْ وُجِدَ الِاحْتِلامُ مِن غَيْرِ خُرُوجِ مَنِيٍّ، فَلا حُلُمَ لَهُ. ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: ««حَتّى يَحْتَلِمَ»» دَلِيلُ البُلُوغِ بِذَلِكَ. وهو إجْماعٌ. وهو (p-٤٥٥٠)حَقِيقَةٌ في خُرُوجِ المَنِيِّ بِالِاحْتِلامِ، ومَجازٌ في خُرُوجِهِ بِغَيْرِ احْتِلامٍ يَقَظَةً أوْ مَنامًا. أوْ مَنقُولٌ فِيما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، ويَخْرُجُ مِنهُ الِاحْتِلامُ بِغَيْرِ خُرُوجِ مَنِيٍّ، إنْ أطْلَقْناهُ عَلَيْهِ مَنقُولًا عَنْهُ. ولِكَوْنِهِ فَرْدًا مِن أفْرادِ الِاحْتِلامِ. انْتَهى. وفِي (القامُوسِ "): الحُلُمُ (بِالضَّمِّ ) والِاحْتِلامُ: الجِماعُ في النَّوْمِ. والِاسْمُ الحُلُمُ كَعُنُقٍ. انْتَهى. وقالَ الرّاغِبُ: سُمِّيَ البُلُوغُ حُلُمًا، لِكَوْنِ صاحِبِهِ جَدِيرًا بِالحِلْمِ: أيِ: الأناةِ والعَقْلِ.

النور 24:60

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٠] ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ أيِ: اللّاتِي قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ والوَلَدِ، لِكِبَرِهِنَّ: ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ أيْ: لا يَطْمَعْنَ فِيهِ، لِرَغْبَةِ الأنْفُسِ عَنْهُنَّ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ أيِ: الظّاهِرَةَ مِمّا لا يَكْشِفُ العَوْرَةَ، لَدى الأجانِبِ. أيْ: يَتْرُكْنَ التَّحَفُّظَ في التَّسَتُّرِ بِها. فَلا يُلْقِينَ عَلَيْهِنَّ جَلابِيبَهُنَّ ولا يَحْتَجِبْنَ: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أيْ: مُظْهِراتٍ لِزِينَةٍ خَفِيَّةٍ. يَعْنِي الحُلِيُّ في مَواضِعِهِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] أوِ المَعْنى غَيْرَ قاصِداتٍ بِالوَضْعِ، التَّبَرُّجَ. ولَكِنَّ التَّخَفُّفَ إذا احْتَجَبْنَ إلَيْهِ: ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ أيْ: مِن وضْعِ تِلْكَ الثِّيابِ: ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الحَياءِ وأبْعَدُ مِنَ التُّهْمَةِ والمَظِنَّةِ. ولِذا يَلْزَمُهُنَّ، عِنْدَ المَظِنَّةِ، ألّا يَضَعْنَ ذَلِكَ. كَما يَلْزَمُ مِثْلُهُ في الشّابَّةِ: ﴿واللَّهُ (p-٤٥٥١)سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَيَسْمَعُ مَقالَهُنَّ مَعَ الأجانِبِ، ويَعْلَمُ مَقاصِدَهُنَّ مِنَ الِاخْتِلاطِ ووَضْعِ الثِّيابِ. وفِيهِ مِنَ التَّرْهِيبِ ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى:

النور 24:61

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦١] ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ . ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أيْ: في القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ، لِضَعْفِهِمْ وعَجْزِهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ كالَّتِي في سُورَةِ الفَتْحِ وكَآيَةِ بَراءَةٍ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] وهَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ عَطاءٌ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. وزَعْمُ أنَّهُ لا يُلائِمُ ما قَبْلَهُ ولا ما بَعْدَهُ، مَرْدُودٌ بِأنَّ المُرادَ أنَّ كُلًّا مِنَ الطّائِفَتَيْنِ مَنفِيٌّ عَنْهُ الحَرَجُ. ومِثالُ هَذا - كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - أنْ يَسْتَفْتِيَكَ مُسافِرٌ عَنِ الإفْطارِ في رَمَضانَ. وحاجٍّ مُفْرِدٍ عَنْ تَقْدِيمِ الحَلْقِ عَلى النَّحْرِ. قُلْتُ لَهُ: لَيْسَ عَلى المُسافِرِ حَرَجٌ أنْ يُفْطِرَ، ولا عَلَيْكَ، يا حاجُّ أنْ تُقَدِّمَ (p-٤٥٥٢)الحَلْقَ عَنِ النَّحْرِ. يَعْنِي أنَّهُ إذا كانَ في العَطْفِ غَرابَةٌ، لِبُعْدِ الجامِعِ في بادِئِ النَّظَرِ، وكانَ الغَرَضُ بَيانَ حُكْمِ حَوادِثَ تَقارَبَتْ في الوُقُوعِ، والسُّؤالَ عَنْها والِاحْتِياجَ إلى البَيانِ لِكَوْنِها في مَعْرِضِ الِاسْتِفْتاءِ، والإفْتاءِ كانَ ذَلِكَ جامِعًا بَيْنَها، مُحْسِنًا لِلْعَطْفِ، وإنْ تَبايَنَتْ. قالَ الشِّهابُ: وبِهَذا يَظْهَرُ الجَوابُ عَنْ زَعْمِ أنَّهُ لا يُلائِمُ ما قَبْلَهُ ولا ما بَعْدَهُ. لِأنَّ مُلاءَمَتَهُ لِما بَعْدَهُ قَدْ عُرِفَ وجْهُها. وأمّا مُلاءَمَتُهُ لِما قَبْلَهُ فَغَيْرُ لازِمَةٍ، إذا لَمْ يُعْطَفُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقِيلَ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَذْهَبُونَ بِالضُّعَفاءِ وذَوِي العاهاتِ إلى بُيُوتِ أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ، وإلى بُيُوتِ قَراباتِهِمْ وأصْدِقائِهِمْ، فَيُطْعِمُونَهم مِنها. فَخالَجَ قُلُوبَ المُطْعِمِينَ والمُطْعَمِينَ رِيبَةٌ في ذَلِكَ. وخافُوا أنْ يَلْحَقَهم فِيهِ حَرَجٌ. وكَرِهُوا أنْ يَكُونَ أكْلًا بِغَيْرِ حَقٍّ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فَقِيلَ لَهم: لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ، ولا عَلى أنْفُسِكم، يَعْنِي عَلَيْكم، وعَلى مَن في مِثْلِ حالِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ، حَرَجٌ في ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَ هَؤُلاءِ يَتَوَقَّوْنَ مُجالَسَةَ النّاسِ ومُواكِلَتَهم، لِما عَسى يُؤَدِّي إلى الكَراهَةِ مِن قِبَلِهِمْ. ولِأنَّ الأعْمى رُبَّما سَبَقَتْ يَدُهُ إلى ما سَبَقَتْ عَيْنُ أكِيلِهِ إلَيْهِ وهو لا يَشْعُرُ. والأعْرَجُ يَتَفَسَّحُ في مَجْلِسِهِ ويَأْخُذُ أكْثَرَ مِن مَوْضِعِهِ، فَيُضَيِّقُ عَلى جَلِيسِهِ. والمَرِيضُ لا يَخْلُو عَنْ حالَةٍ تُؤَنِّفُ. وقِيلَ: كانُوا يَخْرُجُونَ إلى الغَزْوِ، ويَخْلُفُونَ الضُّعَفاءَ في بُيُوتِهِمْ، ويَدْفَعُونَ إلَيْهِمُ المَفاتِيحَ، ويَأْذَنُونَ لَهم أنْ يَأْكُلُوا مِن بُيُوتِهِمْ. فَكانُوا يَتَحَرَّجُونَ. فَقِيلَ: لَيْسَ عَلى هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ حَرَجٌ فِيما تَحَرَّجُوا عَنْهُ، ولا عَلَيْكم أنْ تَأْكُلُوا مِن هَذِهِ البُيُوتِ. هَذا ما ذَكَرُوهُ. ولا يَخْفى صِدْقُ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ، ونَفْيِ الحَرَجِ عَنْهُ كُلِّهِ. ولا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُ الحَرَجِ عَنْ مُواكَلَةِ المَرِيضِ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ الأُخَرِ، أنْ يُشْرِكَ أكِيلَهُ الصَّحِيحَ في غَمْسِ يَدِهِ مِن إنائِهِ مِمّا حَظَرَ مِنهُ الطِّبُّ، وغَدَتِ الأنْفُسُ تَعافَهُ. بَلْ يُرادُ بِهِ حُضُورُهُ مَعَ (p-٤٥٥٣)الصَّحِيحِ عَلى مائِدَةٍ واخْتِصاصُهُ بِقَصْعَةٍ عَلى حِدَةٍ. وما أحْسَنَ عادَةَ الِانْفِرادِ بِالقِصاعِ، مِمّا تَطِيبُ مَعَهُ نَفْسُ المَرْضى والأصِحّاءِ في الِاجْتِماعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: بُيُوتِ أزْواجِكم وعِيالِكم. أضافَهُ إلَيْهِمْ، لِأنَّ بَيْتَ المَرْأةِ كَبَيْتِ الزَّوْجِ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرادَ بُيُوتَ أوْلادِهِمْ. فَنَسَبَ بُيُوتَ الأوْلادِ إلى الآباءِ، لِأنَّ الوَلَدَ كَسْبُ والِدِهِ، مالُهُ كَمالِهِ. قالَ ﷺ: ««إنَّ أطْيَبَ ما يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ، وأنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ»» . قالَ: والدَّلِيلُ عَلى هَذا، أنَّهُ تَعالى عَدَّدَ الأقارِبَ ولَمْ يَذْكُرِ الأوْلادَ. لِأنَّهُ إذا كانَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ هو القَرابَةُ، كانَ الَّذِي هو أقْرَبُ مِنهم أوْلى. انْتَهى. وعَلَيْهِ، لا يُقالُ إنَّهُ لَيْسَ في أكْلِ الإنْسانِ مِن بَيْتِ نَفْسِهِ حَرَجٌ، فَما فائِدَةُ ذِكْرِهِ بِأنَّ المُرادَ بِالأنْفُسِ مَن هو بِمَنزِلَتِها مِنَ العِيالِ والأوْلادِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وفِي (الكَشْفِ "): فائِدَةُ إقْحامِ النَّفْسِ، أنَّ المُرادَ بِهِ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ المُطْعَمِينَ، ولا عَلى الذّاهِبِينَ إلى بُيُوتِ القَراباتِ، أوْ مَن هو في مِثْلِ حالِهِمْ وهُمُ الأصْدِقاءُ - حَرَجٌ. وقِيلَ إنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ. والمُرادُ إظْهارُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُرَنائِهِ. قالَ الشِّهابُ: وهو حَسَنٌ. ولا يُرادُ عَلَيْهِ أنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الأكْلُ مِن بُيُوتِ الأزْواجِ والأوْلادِ، لِأنَّهُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ انْتَهى. ﴿أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ يَعْنِي أمْوالَ المَرْءِ، إذا كانَ لَهُ عَلَيْها قَيِّمٌ ووَكِيلٌ يَحْفَظُها لَهُ، أنْ (p-٤٥٥٤)يَأْكُلَ مِن ثَمَرِ بُسْتانِهِ ويَشْرَبَ مِن لَبَنِ ماشِيَتِهِ. ومِلْكُ المِفْتاحِ كَوْنُها في يَدِهِ وحِفْظِهِ: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أيْ: أوْ بُيُوتِ أصْدِقائِكم. والصَّدِيقُ يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا. وكَذَلِكَ الخَلِيطُ والقَطِينُ والعَدُوُّ. كَذا في (الكَشّافِ ") . قالَ النّاصِرُ: وقَدْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ سِرَّ إفْرادِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١] دُونَ الشّافِعِينَ، والتَّنْبِيهُ عَلى قِلَّةِ الأصْدِقاءِ، ولا كَذَلِكَ الشّافِعُونَ فَإنَّ الإنْسانَ قَدْ يَحْمِي لَهُ، ويَشْفَعُ في حَقِّهِ مَن لا يَعْرِفُهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ صَدِيقًا. ويُحْتَمَلُ في الآيَتَيْنِ، أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الجَمْعَ. فَلا كَلامَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الإفْرادُ، فَيَكُونُ سِرُّهُ ذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحْكى عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ دَخَلَ دارَهُ. وإذا حَلْقَةٌ مِن أصْدِقائِهِ وقَدِ اسْتَلُّوا سِلالًا مِن تَحْتِ سَرِيرِهِ، فِيها الخَبِيصُ وأطايِبُ الأطْعِمَةِ، وهم مُكِبُّونَ عَلَيْها يَأْكُلُونَ فَتَهَلَّلَتْ أسارِيرُ وجْهِهِ سُرُورًا، وضَحِكَ وقالَ: هَكَذا وجَدْناهم، هَكَذا وجَدْناهم. يُرِيدُ كُبَراءَ الصَّحابَةِ ومَن لَقِيَهم مِنَ البَدْرِيِّينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَدْخُلُ دارَ صَدِيقِهِ وهو غائِبٌ، فَيَسْألُ جارِيَتَهُ كِيسَهُ، فَيَأْخُذُ مِنهُ ما شاءَ. فَإذا حَضَرَ مَوْلاها فَأخْبَرَتْهُ، أعْتَقَها سُرُورًا بِذَلِكَ. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مِن عِظَمِ حُرْمَةِ الصَّدِيقِ، أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ مِنَ الأُنْسِ والثِّقَةِ والِانْبِساطِ وطَرْحِ الحِشْمَةِ، بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ والأبِ والأخِ والِابْنِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الصَّدِيقُ أكْبَرُ مِنَ الوالِدَيْنِ. إنَّ الجَهَنَّمِيِّينَ لَمّا اسْتَغاثُوا لَمْ يَسْتَغِيثُوا بِالآباءِ والأُمَّهاتِ. فَقالُوا: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١] وقالُوا: إذا دَلَّ ظاهِرُ الحالِ عَلى رِضا المالِكِ، قامَ ذَلِكَ مَقامَ الإذْنِ الصَّرِيحِ. ورُبَّما سَمِجَ الِاسْتِئْذانُ وثَقُلُ. كَمَن قُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ، فاسْتَأْذَنَ صاحِبَهُ في الأكْلِ مِنهُ. انْتَهى. (p-٤٥٥٥)﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ. رُوِيَ أنَّ قَوْمًا مِنَ الأنْصارِ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ، لا يَأْكُلُونَ إلّا مَعَ ضَيْفِهِمْ. وإنَّ قَوْمًا كانُوا تَحَرَّجُوا مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى الطَّعامِ، لِاخْتِلافِ النّاسِ في الأكْلِ، وزِيادَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. فَأُبِيحَ لَهم ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الحَيُّ مِن بَنِي كِنانَةَ، يَرى أحَدُهم؛ أنَّ مَخْزاةً عَلَيْهِ، أنْ يَأْكُلَ وحْدَهُ في الجاهِلِيَّةِ. حَتّى إنْ كانَ الرَّجُلُ لَيَسُوقُ الذَّوْدَ الحَقْلَ وهو جائِعٌ، حَتّى يَجِدَ مَن يُؤاكِلُهُ ويُشارِبُهُ. واشْتُهِرَ هَذا عَنْ حاتِمٍ لِقَوْلِهِ: ؎إذا ما صَنَعْتِ الزّادَ فالتَمِسِي لَهُ أكِيلًا فَإنِّي لَسْتُ آكُلُهُ وحْدِي قالَ الشِّهابُ: وفي الحَدِيثِ: ««شَرُّ النّاسِ مَن أكَلَ وحْدَهُ، وضَرَبَ عَبْدَهُ، ومَنَعَ رِفْدَهُ»» والنَّهْيُ في الحَدِيثِ لِاعْتِيادِهِ بُخْلًا بِالقِرى، ونَفْيُ الحَرَجِ عَنْ وُقُوعِهِ أحْيانًا، بَيانٌ لِأنَّهُ لا إثْمَ فِيهِ، ولا يُذَمُّ بِهِ شَرْعًا، كَما ذُمَّتْ بِهِ الجاهِلِيَّةُ. ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: إذا دَخَلْتُمْ بَيْتًا مِن هَذِهِ البُيُوتِ لِتَأْكُلُوا، فابْدَأُوا بِالسَّلامِ عَلى أهْلِها الَّذِينَ هم مِنكم، قَرابَةً ودِينًا. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. أشارَ رَحِمَهُ اللَّهُ، إلى أنَّ المُرادَ بِالأنْفُسِ مَن هم بِمَنزِلَتِها، لِشِدَّةِ الِاتِّصالِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ويُحْتَمَلُ أنَّ المُسْلِمَ، إذا رُدَّتْ تَحِيَّتُهُ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ سَلَّمَ عَلى نَفْسِهِ. كَما أنَّ القاتِلَ لِاسْتِحْقاقِهِ القَتْلَ بِفِعْلِهِ، كَأنَّهُ قاتِلٌ نَفْسَهُ. وأمّا إبْقاؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ إذا لَمْ يَكُنْ في البَيْتِ أحَدٌ، يَسُرُّهُ أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ. كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - فَبَعِيدٌ غَيْرُ مُناسِبٍ لِعُمُومِ الآيَةِ. كَذا في (الشِّهابِ ") . (p-٤٥٥٦)وقالَ النّاصِرُ: في التَّعْبِيرِ عَنْهم، بِالأنْفُسِ، تَنْبِيهٌ عَلى السِّرِّ الَّذِي اقْتَضى إباحَةَ الأكْلِ مِن هَذِهِ البُيُوتِ المَعْدُودَةِ، وأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ، لِأنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى الدّاخِلِ كَبَيْتِ نَفْسِهِ، لِاتِّحادِ القَرابَةِ. . فَلْيَطِبْ نَفْسًا بِانْبِساطٍ فِيها: ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: ثابِتَةً بِأمْرٍ، مَشْرُوعَةً مِن لَدُنْهُ: ﴿مُبارَكَةً﴾ أيْ: مُسْتَتْبَعَةً لِزِيادَةِ الخَيْرِ والثَّوابِ ودَوامِها: ﴿طَيِّبَةً﴾ أيْ: تَطِيبُ بِها نَفْسُ المُسْتَمِعِ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ما فِيها مِنَ الأحْكامِ أوِ الآدابِ القائِدَةِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالِاسْتِئْذانِ عِنْدَ الدُّخُولِ، أرْشَدَ إلى الِاسْتِئْذانِ عِنْدَ الِانْصِرافِ مِن مَجْلِسِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النور 24:62

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٢] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُرِيَهم عِظَمَ الجِنايَةِ ذَهابَ الذّاهِبِ مِن مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ إذْنِهِ. فَجَعَلَ تَرْكَ ذَهابِهِمْ حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ، ثالِثَ الإيمانِ بِاللَّهِ والإيمانِ بِرَسُولِهِ. وجَعَلَهُما كالتَّشْبِيبِ لَهُ والبِساطِ لِذِكْرِهِ. وذَلِكَ مَعَ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ (بِإنَّما ) وإيقاعِ المُؤْمِنِينَ مُبْتَدَأً (p-٤٥٥٧)مُخْبَرًا عَنْهُ بِمَوْصُولٍ، أحاطَتْ صِلَتُهُ بِذِكْرِ الإيمانَيْنِ. ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما يَزِيدُهُ تَوْكِيدًا وتَشْدِيدًا، حَيْثُ أعادَهُ عَلى أُسْلُوبٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وضَمَّنَهُ شَيْئًا آخَرَ. وهو أنَّهُ جَعَلَ الِاسْتِئْذانَ كالمِصْداقِ لِصِحَّةِ الإيمانَيْنِ، وعَرَّضَ بِحالِ المُؤْمِنِينَ وتَسَلُّلِهِمْ لِواذًا. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ ويَأْذَنَ لَهم، ألا تَراهُ كَيْفَ عَلَّقَ الأمْرَ بَعْدَ وُجُودِ اسْتِئْذانِهِمْ بِمَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ لِمَنِ اسْتَوْصَوْا بِأْنَ يَأْذَنَ لَهُ. والأمْرُ الجامِعُ: الَّذِي يُجْمَعُ لَهُ النّاسُ. فَوُصِفَ الأمْرُ بِالجَمْعِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وذَلِكَ نَحْوَ مُقاتَلَةِ عَدُوٍّ، أوْ تَشاوُرٍ في خَطْبٍ مُهِمٍّ، أوْ تَضامٍّ لِإرْهابِ مُخالِفٍ، أوْ تَسامُحٍ في حِلْفٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. أوِ الأمْرُ الَّذِي يَعُمُّ بِضَرَرِهِ أوْ بِنَفْعِهِ وقُرِئَ: أمْرٍ جَمِيعٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ أنَّهُ خَطْبٌ جَلَلٌ، لا بُدَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مِن ذَوِي رَأْيٍ وقُوَّةٍ، يُظاهِرُونَهُ عَلَيْهِ ويُعاوِنُونَهُ، ويَسْتَضِيءُ بِآرائِهِمْ ومَعارِفِهِمْ وتَجارِبِهِمْ، في كِفايَتِهِ. فَمُفارَقَةُ أحَدِهِمْ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ، مِمّا يَشُقُّ عَلى قَلْبِهِ، ويُشَعِّثُ عَلَيْهِ رَأْيَهُ فَمِن ثَمَّ غَلَّظَ عَلَيْهِمْ وضَيَّقَ عَلَيْهِمُ الأمْرَ في الِاسْتِئْذانِ، مَعَ العُذْرِ المَبْسُوطِ، ومِساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ، واعْتِراضِ ما يَهُمُّهم ويَعْنِيهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ وذِكْرُ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُسْتَأْذِنِينَ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأحْسَنَ الأفْضَلَ أنْ لا يُحَدِّثُوا أنْفُسَهم بِالذَّهابِ، ولا يَسْتَأْذِنُوا فِيهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في حَفْرِ الخَنْدَقِ. وكانَ قَوْمٌ يَتَسَلَّلُونَ بِغَيْرِ إذْنٍ. وقالُوا: كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ النّاسُ مَعَ أئِمَّتِهِمْ ومُقَدَّمِهِمْ في الدِّينِ والعِلْمِ، يُظاهِرُونَهم ولا يَخْذُلُونَهم في نازِلَةٍ مِنَ النَّوازِلِ، ولا يَتَفَرَّقُونَ عَنْهم، والأمْرُ في الإذْنِ مُفَوَّضٌ إلى الإمامِ. إنْ شاءَ أذِنَ وإنْ شاءَ لَمْ يَأْذَنْ. عَلى حَسَبِ ما اقْتَضاهُ رَأْيُهُ. تَنْبِيهٌ: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأحْكامِ مُفَوَّضَةٌ إلى رَأْيِهِ ﷺ . وتُسَمّى هَذِهِ المَسْألَةُ مَسْألَةَ التَّفْوِيضِ. وهي مَبْسُوطَةٌ في الأُصُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

النور 24:63

(p-٤٥٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٣] ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ أيْ: إذا احْتاجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اجْتِماعِكم عِنْدَهُ لِأمْرٍ، فَدَعاكم، فَلا تَفَرَّقُوا عَنْهُ إلّا بِإذْنِهِ. ولا تَقِيسُوا دُعاءَهُ إيّاكم عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا. ورُجُوعُكم عَنِ المُجْمَعِ بِغَيْرِ إذْنِ الدّاعِي، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وكَذا قالَ ابْنُ الأثِيرِ في (المَثَلِ السّائِرِ ") أيْ: إذا حَضَرْتُمْ في مَجْلِسِهِ، فَلا يَكُنْ حُضُورُكم كَحُضُورِكم في مَجالِسِكم. أيْ: لا تُفارِقُوا مَجْلِسَهُ إلّا بِإذْنِهِ، والزَمُوا مَعَهُ الأدَبَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ بِالدُّعاءِ الأمْرُ. مِنهُمُ ابْنُ أبِي الحَدِيدِ حَيْثُ قالَ في " الفَلَكِ الدّائِرِ ": إنَّ المَعْنى المُتَقَدِّمَ، وإنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ، كَما قالَ ابْنُ الأثِيرِ - فَفي الآيَةِ قَرِينَةٌ أُخْرى مُتَأخِّرَةٌ تَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلى مَحْمَلٍ آخَرَ غَيْرَ هَذا. ولَعَلَّهُ الأصَحُّ. وهي أنْ يُرادَ بِالدُّعاءِ الأمْرُ. يُقالُ: دَعا فُلانٌ قَوْمَهُ إلى كَذا، أيْ: أمَرَهم بِهِ ونَدَبَهم إلَيْهِ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] أيْ: نَدَبَكم. وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [نوح: ٧] أيْ: أمَرْتُهم ونَدَبْتُهم، والقَرِينَةُ المُتَأخِّرَةُ قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ انْتَهى. وكَذا قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: لا تَجْعَلُوا أمْرَهُ بَيْنَكم كَأمْرِكم بَيْنَكم يُجابُ تارَةً دُونَ أُخْرى. لِأنَّهُ واجِبُ الطّاعَةِ. لا يَسْقُطُ بِالِانْسِلالِ عَنْ جُمْلَةِ المَدْعُوِّ. ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ أيْ: يَنْسَلُّونَ قَلِيلًا قَلِيلًا. و(اللِّواذُ ): المُلاوَذَةُ، وهو أنْ يَلُوذَ هَذا بِذاكَ وذاكَ بِهَذا. يَعْنِي يَنْسَلُّونَ عَنِ الجَماعَةِ في الخُفْيَةِ عَلى سَبِيلِ المُلاوَذَةِ، واسْتِتارِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. و(لِواذًا ) حالٌ. أيْ: مُلاوِذِينَ. (p-٤٥٥٩)هَذا، وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: لا تَجْعَلُوا نِداءَهُ وتَسْمِيَتَهُ، كَنِداءِ بَعْضِكم بِاسْمِهِ ورَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ، والنِّداءِ وراءَ الحُجْرَةِ. ولَكِنْ بِلَقَبِهِ المُعَظِّمِ. مِثْلَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ ! ويا رَسُولَ اللَّهِ ! مَعَ التَّوْقِيرِ والتَّواضُعِ وخَفْضِ الصَّوْتِ. وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُ السِّياقَ واللَّحاقَ. وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِرَبْطِهِ بِما قَبْلَهُ، بِأنَّ الِاسْتِئْذانَ يَكُونُ بِقَوْلِهِمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنّا نَسْتَأْذِنُكَ. ولِأنَّ مَن مَعَهُ في أمْرٍ جامِعٍ يُخاطِبُهُ ويُنادِيهِ. والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْلى كَما في (العِنايَةِ ") . نَعَمْ، في التَّنْزِيلِ عِدَّةُ آياتٍ، في إيجابِ مُشافَهَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالأدَبِ ومُخاطَبَتِهِ بِالتَّوْقِيرِ، جَعَلَهُ مِن ضَرُورَةِ الإيمانِ ومُقْتَضاهُ. كَآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] الآيَةَ، و: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ أيْ: يُعْرِضُونَ عَنْهُ ولا يَأْتُونَ بِهِ. فَضَمَّنَ (المُخالَفَةَ ) مَعْنى الإعْراضِ والصَّدِّ. أوْ عَنْ صِلَتِهِ. وقِيلَ: إذا تَعَدّى (خالَفَ ) بِـ(عْنَ ) ضِمْنَ الخُرُوجِ. وأصْلُ مَعْنى المُخالَفَةِ أنْ يَأْخُذَ كُلُّ واحِدٍ طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِ الآخَرِ في حالِهِ أوْ فِعْلِهِ، كَما قالَهُ الرّاغِبُ: ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: مِحْنَةٌ في الدُّنْيا: ﴿أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما. تَنْبِيهٌ: اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى وُجُوبِ وزْنِ الأُمُورِ بِمِيزانِ شَرِيعَتِهِ وسُنَّتِهِ، وأُصُولِ دِينِهِ. فَما وافَقَ قَبْلُ، وما خالَفَ رُدَّ عَلى قائِلِهِ وفاعِلِهِ، كائِنًا مَن كانَ. كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَواتُ اللَّهِ (p-٤٥٦٠)عَلَيْهِ وسَلامُهُ: ««مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»» واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ أيْضًا أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ. فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ مُقْتَضى الأمْرِ مُقْتَضٍ لِأحَدِ العَذابَيْنِ. قِيلَ: هَذا إنَّما يَتِمُّ إذا أُرِيدَ بِالأمْرِ الطَّلَبُ لا الشَّأْنُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ [النور: ٦٢] وقَدْ جُوِّزا فِيهِ مَعَ إرادَتِهِما مَعًا. وتَفْصِيلُ البَحْثِ في (الرّازِيِّ ") .

النور 24:64

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦٤] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ مِنَ المُخالَفَةِ والمُوافَقَةِ، والنِّفاقِ والإخْلاصِ. وإنَّما أكَّدَ عِلْمَهُ بِـ(قَدْ ) لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ ﴿ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ. لِأنَّ الكُلَّ خَلْقُهُ ومِلْكُهُ. فَيُحِيطُ عِلْمُهُ بِهِ ضَرُورَةً ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] * *