Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — لقمان 31:1 – الأحزاب 33:50
المحتويات
- لقمان 31:1
- لقمان 31:2
- لقمان 31:3
- لقمان 31:4
- لقمان 31:5
- لقمان 31:6
- لقمان 31:7
- لقمان 31:8
- لقمان 31:9
- لقمان 31:10
- لقمان 31:11
- لقمان 31:12
- لقمان 31:13
- لقمان 31:14
- لقمان 31:15
- لقمان 31:16
- لقمان 31:17
- لقمان 31:18
- لقمان 31:19
- لقمان 31:20
- لقمان 31:21
- لقمان 31:22
- لقمان 31:23
- لقمان 31:24
- لقمان 31:25
- لقمان 31:26
- لقمان 31:27
- لقمان 31:28
- لقمان 31:29
- لقمان 31:30
- لقمان 31:31
- لقمان 31:32
- لقمان 31:33
- لقمان 31:34
- السجدة 32:1
- السجدة 32:2
- السجدة 32:3
- السجدة 32:4
- السجدة 32:5
- السجدة 32:6
- السجدة 32:7
- السجدة 32:8
- السجدة 32:9
- السجدة 32:10
- السجدة 32:11
- السجدة 32:12
- السجدة 32:13
- السجدة 32:14
- السجدة 32:15
- السجدة 32:16
- السجدة 32:17
- السجدة 32:18
- السجدة 32:19
- السجدة 32:20
- السجدة 32:21
- السجدة 32:22
- السجدة 32:23
- السجدة 32:24
- السجدة 32:25
- السجدة 32:26
- السجدة 32:27
- السجدة 32:28
- السجدة 32:29
- السجدة 32:30
- الأحزاب 33:1
- الأحزاب 33:2
- الأحزاب 33:3
- الأحزاب 33:4
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:7
- الأحزاب 33:8
- الأحزاب 33:9
- الأحزاب 33:10
- الأحزاب 33:11
- الأحزاب 33:12
- الأحزاب 33:13
- الأحزاب 33:14
- الأحزاب 33:15
- الأحزاب 33:16
- الأحزاب 33:17
- الأحزاب 33:18
- الأحزاب 33:19
- الأحزاب 33:20
- الأحزاب 33:21
- الأحزاب 33:22
- الأحزاب 33:23
- الأحزاب 33:24
- الأحزاب 33:25
- الأحزاب 33:26
- الأحزاب 33:27
- الأحزاب 33:28
- الأحزاب 33:29
- الأحزاب 33:30
- الأحزاب 33:31
- الأحزاب 33:32
- الأحزاب 33:33
- الأحزاب 33:34
- الأحزاب 33:35
- الأحزاب 33:36
- الأحزاب 33:37
- الأحزاب 33:38
- الأحزاب 33:39
- الأحزاب 33:40
- الأحزاب 33:41
- الأحزاب 33:42
- الأحزاب 33:43
- الأحزاب 33:44
- الأحزاب 33:45
- الأحزاب 33:46
- الأحزاب 33:47
- الأحزاب 33:48
- الأحزاب 33:49
- الأحزاب 33:50
لقمان 31:1
(p-٤٧٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ لُقْمانَ
سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى قِصَّتِهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ فَضِيلَةَ الحِكْمَةِ وسِرَّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وذَمَّ الشِّرْكَ والأمْرَ بِالأخْلاقِ والأفْعالِ الحَمِيدَةِ. والنَّهْيَ عَنِ الذَّمِيمَةِ.
وهِيَ مُعَظَّماتُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. ويُقالُ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ﴾ [لقمان: ٢٧] الآيَتَيْنِ. وآياتُها أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى لُقْمانَ والخِلافُ فِيهِ.
(p-٤٧٩٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] أيْ: ذِي الحِكْمَةِ النّاطِقِ بِها: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] بَيانٌ لِإحْسانِهِمْ، يَعْنِي ما عَمِلُوهُ مِنَ الحَسَناتِ، أوْ تَخْصِيصٌ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ مِن شُعَبِهِ، لِإظْهارِ فَضْلِها وإناقَتِها عَلى غَيْرِها. والمُرادُ بِالزَّكاةِ، عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ هي مُطْلَقُ إخْراجِ المالِ تَقَرُّبًا بِالتَّصْدِيقِ مِنهُ، وتَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ بِإيتائِهِ، مِن وصْمَةِ البُخْلِ والشُّحِّ المُرْدِي لَها، لا أنْصِباؤُها المَعْرُوفَةُ؛ فَإنَّها إنَّما بُيِّنَتْ بِالمَدِينَةِ.
﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأنَّهم يَسْتَبْدِلُونَ بِهَذا الكِتابِ المُفِيدِ الهُدى والرَّحْمَةَ والحِكْمَةَ، ما يُلْهِي مِنَ الحَدِيثِ عَنْ ذَلِكَ الكِتابِ العَظِيمِ، لِيُضِلُّوا أتْباعَهم عَنِ الدِّينِ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(اللَّهْوُ): كُلُّ باطِلٍ ألْهى عَنِ الخَيْرِ، وعَمّا يَعْنِي. ولَهْوُ الحَدِيثِ نَحْوَ (p-٤٧٩٤)السَّمَرِ بِالأساطِيرِ، والأحادِيثِ الَّتِي لا أصْلَ لَها، والتَّحَدُّثِ بِالخُرافاتِ والمَضاحِيكِ وفُضُولِ الكَلامِ، وما لا يَنْبَغِي، مِمّا كانُوا يُؤْفِكُونَ بِهِ عَنِ اسْتِماعِ حِكَمِ التَّنْزِيلِ وأحْكامِهِ، ويُؤْثِرُونَهُ عَلى حَدِيثِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] أيْ: بِما هي الكَمالاتُ ومَنافِعُها، والنَّقائِصُ ومَضارُّها: ﴿ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ [لقمان: ٦] الضَّمِيرُ لِلسَّبِيلِ، وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]
لقمان 31:2
(p-٤٧٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ لُقْمانَ
سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى قِصَّتِهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ فَضِيلَةَ الحِكْمَةِ وسِرَّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وذَمَّ الشِّرْكَ والأمْرَ بِالأخْلاقِ والأفْعالِ الحَمِيدَةِ. والنَّهْيَ عَنِ الذَّمِيمَةِ.
وهِيَ مُعَظَّماتُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. ويُقالُ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ﴾ [لقمان: ٢٧] الآيَتَيْنِ. وآياتُها أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى لُقْمانَ والخِلافُ فِيهِ.
(p-٤٧٩٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] أيْ: ذِي الحِكْمَةِ النّاطِقِ بِها: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] بَيانٌ لِإحْسانِهِمْ، يَعْنِي ما عَمِلُوهُ مِنَ الحَسَناتِ، أوْ تَخْصِيصٌ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ مِن شُعَبِهِ، لِإظْهارِ فَضْلِها وإناقَتِها عَلى غَيْرِها. والمُرادُ بِالزَّكاةِ، عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ هي مُطْلَقُ إخْراجِ المالِ تَقَرُّبًا بِالتَّصْدِيقِ مِنهُ، وتَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ بِإيتائِهِ، مِن وصْمَةِ البُخْلِ والشُّحِّ المُرْدِي لَها، لا أنْصِباؤُها المَعْرُوفَةُ؛ فَإنَّها إنَّما بُيِّنَتْ بِالمَدِينَةِ.
﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأنَّهم يَسْتَبْدِلُونَ بِهَذا الكِتابِ المُفِيدِ الهُدى والرَّحْمَةَ والحِكْمَةَ، ما يُلْهِي مِنَ الحَدِيثِ عَنْ ذَلِكَ الكِتابِ العَظِيمِ، لِيُضِلُّوا أتْباعَهم عَنِ الدِّينِ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(اللَّهْوُ): كُلُّ باطِلٍ ألْهى عَنِ الخَيْرِ، وعَمّا يَعْنِي. ولَهْوُ الحَدِيثِ نَحْوَ (p-٤٧٩٤)السَّمَرِ بِالأساطِيرِ، والأحادِيثِ الَّتِي لا أصْلَ لَها، والتَّحَدُّثِ بِالخُرافاتِ والمَضاحِيكِ وفُضُولِ الكَلامِ، وما لا يَنْبَغِي، مِمّا كانُوا يُؤْفِكُونَ بِهِ عَنِ اسْتِماعِ حِكَمِ التَّنْزِيلِ وأحْكامِهِ، ويُؤْثِرُونَهُ عَلى حَدِيثِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] أيْ: بِما هي الكَمالاتُ ومَنافِعُها، والنَّقائِصُ ومَضارُّها: ﴿ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ [لقمان: ٦] الضَّمِيرُ لِلسَّبِيلِ، وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]
لقمان 31:3
(p-٤٧٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ لُقْمانَ
سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى قِصَّتِهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ فَضِيلَةَ الحِكْمَةِ وسِرَّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وذَمَّ الشِّرْكَ والأمْرَ بِالأخْلاقِ والأفْعالِ الحَمِيدَةِ. والنَّهْيَ عَنِ الذَّمِيمَةِ.
وهِيَ مُعَظَّماتُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. ويُقالُ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ﴾ [لقمان: ٢٧] الآيَتَيْنِ. وآياتُها أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى لُقْمانَ والخِلافُ فِيهِ.
(p-٤٧٩٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] أيْ: ذِي الحِكْمَةِ النّاطِقِ بِها: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] بَيانٌ لِإحْسانِهِمْ، يَعْنِي ما عَمِلُوهُ مِنَ الحَسَناتِ، أوْ تَخْصِيصٌ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ مِن شُعَبِهِ، لِإظْهارِ فَضْلِها وإناقَتِها عَلى غَيْرِها. والمُرادُ بِالزَّكاةِ، عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ هي مُطْلَقُ إخْراجِ المالِ تَقَرُّبًا بِالتَّصْدِيقِ مِنهُ، وتَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ بِإيتائِهِ، مِن وصْمَةِ البُخْلِ والشُّحِّ المُرْدِي لَها، لا أنْصِباؤُها المَعْرُوفَةُ؛ فَإنَّها إنَّما بُيِّنَتْ بِالمَدِينَةِ.
﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأنَّهم يَسْتَبْدِلُونَ بِهَذا الكِتابِ المُفِيدِ الهُدى والرَّحْمَةَ والحِكْمَةَ، ما يُلْهِي مِنَ الحَدِيثِ عَنْ ذَلِكَ الكِتابِ العَظِيمِ، لِيُضِلُّوا أتْباعَهم عَنِ الدِّينِ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(اللَّهْوُ): كُلُّ باطِلٍ ألْهى عَنِ الخَيْرِ، وعَمّا يَعْنِي. ولَهْوُ الحَدِيثِ نَحْوَ (p-٤٧٩٤)السَّمَرِ بِالأساطِيرِ، والأحادِيثِ الَّتِي لا أصْلَ لَها، والتَّحَدُّثِ بِالخُرافاتِ والمَضاحِيكِ وفُضُولِ الكَلامِ، وما لا يَنْبَغِي، مِمّا كانُوا يُؤْفِكُونَ بِهِ عَنِ اسْتِماعِ حِكَمِ التَّنْزِيلِ وأحْكامِهِ، ويُؤْثِرُونَهُ عَلى حَدِيثِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] أيْ: بِما هي الكَمالاتُ ومَنافِعُها، والنَّقائِصُ ومَضارُّها: ﴿ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ [لقمان: ٦] الضَّمِيرُ لِلسَّبِيلِ، وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]
لقمان 31:4
(p-٤٧٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ لُقْمانَ
سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى قِصَّتِهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ فَضِيلَةَ الحِكْمَةِ وسِرَّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وذَمَّ الشِّرْكَ والأمْرَ بِالأخْلاقِ والأفْعالِ الحَمِيدَةِ. والنَّهْيَ عَنِ الذَّمِيمَةِ.
وهِيَ مُعَظَّماتُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. ويُقالُ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ﴾ [لقمان: ٢٧] الآيَتَيْنِ. وآياتُها أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى لُقْمانَ والخِلافُ فِيهِ.
(p-٤٧٩٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] أيْ: ذِي الحِكْمَةِ النّاطِقِ بِها: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] بَيانٌ لِإحْسانِهِمْ، يَعْنِي ما عَمِلُوهُ مِنَ الحَسَناتِ، أوْ تَخْصِيصٌ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ مِن شُعَبِهِ، لِإظْهارِ فَضْلِها وإناقَتِها عَلى غَيْرِها. والمُرادُ بِالزَّكاةِ، عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ هي مُطْلَقُ إخْراجِ المالِ تَقَرُّبًا بِالتَّصْدِيقِ مِنهُ، وتَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ بِإيتائِهِ، مِن وصْمَةِ البُخْلِ والشُّحِّ المُرْدِي لَها، لا أنْصِباؤُها المَعْرُوفَةُ؛ فَإنَّها إنَّما بُيِّنَتْ بِالمَدِينَةِ.
﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأنَّهم يَسْتَبْدِلُونَ بِهَذا الكِتابِ المُفِيدِ الهُدى والرَّحْمَةَ والحِكْمَةَ، ما يُلْهِي مِنَ الحَدِيثِ عَنْ ذَلِكَ الكِتابِ العَظِيمِ، لِيُضِلُّوا أتْباعَهم عَنِ الدِّينِ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(اللَّهْوُ): كُلُّ باطِلٍ ألْهى عَنِ الخَيْرِ، وعَمّا يَعْنِي. ولَهْوُ الحَدِيثِ نَحْوَ (p-٤٧٩٤)السَّمَرِ بِالأساطِيرِ، والأحادِيثِ الَّتِي لا أصْلَ لَها، والتَّحَدُّثِ بِالخُرافاتِ والمَضاحِيكِ وفُضُولِ الكَلامِ، وما لا يَنْبَغِي، مِمّا كانُوا يُؤْفِكُونَ بِهِ عَنِ اسْتِماعِ حِكَمِ التَّنْزِيلِ وأحْكامِهِ، ويُؤْثِرُونَهُ عَلى حَدِيثِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] أيْ: بِما هي الكَمالاتُ ومَنافِعُها، والنَّقائِصُ ومَضارُّها: ﴿ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ [لقمان: ٦] الضَّمِيرُ لِلسَّبِيلِ، وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]
لقمان 31:5
(p-٤٧٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ لُقْمانَ
سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى قِصَّتِهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ فَضِيلَةَ الحِكْمَةِ وسِرَّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وذَمَّ الشِّرْكَ والأمْرَ بِالأخْلاقِ والأفْعالِ الحَمِيدَةِ. والنَّهْيَ عَنِ الذَّمِيمَةِ.
وهِيَ مُعَظَّماتُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. ويُقالُ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ﴾ [لقمان: ٢٧] الآيَتَيْنِ. وآياتُها أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى لُقْمانَ والخِلافُ فِيهِ.
(p-٤٧٩٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] أيْ: ذِي الحِكْمَةِ النّاطِقِ بِها: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] بَيانٌ لِإحْسانِهِمْ، يَعْنِي ما عَمِلُوهُ مِنَ الحَسَناتِ، أوْ تَخْصِيصٌ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ مِن شُعَبِهِ، لِإظْهارِ فَضْلِها وإناقَتِها عَلى غَيْرِها. والمُرادُ بِالزَّكاةِ، عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ هي مُطْلَقُ إخْراجِ المالِ تَقَرُّبًا بِالتَّصْدِيقِ مِنهُ، وتَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ بِإيتائِهِ، مِن وصْمَةِ البُخْلِ والشُّحِّ المُرْدِي لَها، لا أنْصِباؤُها المَعْرُوفَةُ؛ فَإنَّها إنَّما بُيِّنَتْ بِالمَدِينَةِ.
﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأنَّهم يَسْتَبْدِلُونَ بِهَذا الكِتابِ المُفِيدِ الهُدى والرَّحْمَةَ والحِكْمَةَ، ما يُلْهِي مِنَ الحَدِيثِ عَنْ ذَلِكَ الكِتابِ العَظِيمِ، لِيُضِلُّوا أتْباعَهم عَنِ الدِّينِ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(اللَّهْوُ): كُلُّ باطِلٍ ألْهى عَنِ الخَيْرِ، وعَمّا يَعْنِي. ولَهْوُ الحَدِيثِ نَحْوَ (p-٤٧٩٤)السَّمَرِ بِالأساطِيرِ، والأحادِيثِ الَّتِي لا أصْلَ لَها، والتَّحَدُّثِ بِالخُرافاتِ والمَضاحِيكِ وفُضُولِ الكَلامِ، وما لا يَنْبَغِي، مِمّا كانُوا يُؤْفِكُونَ بِهِ عَنِ اسْتِماعِ حِكَمِ التَّنْزِيلِ وأحْكامِهِ، ويُؤْثِرُونَهُ عَلى حَدِيثِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] أيْ: بِما هي الكَمالاتُ ومَنافِعُها، والنَّقائِصُ ومَضارُّها: ﴿ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ [لقمان: ٦] الضَّمِيرُ لِلسَّبِيلِ، وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]
لقمان 31:6
(p-٤٧٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ لُقْمانَ
سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى قِصَّتِهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ فَضِيلَةَ الحِكْمَةِ وسِرَّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وذَمَّ الشِّرْكَ والأمْرَ بِالأخْلاقِ والأفْعالِ الحَمِيدَةِ. والنَّهْيَ عَنِ الذَّمِيمَةِ.
وهِيَ مُعَظَّماتُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. ويُقالُ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ﴾ [لقمان: ٢٧] الآيَتَيْنِ. وآياتُها أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى لُقْمانَ والخِلافُ فِيهِ.
(p-٤٧٩٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] أيْ: ذِي الحِكْمَةِ النّاطِقِ بِها: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] بَيانٌ لِإحْسانِهِمْ، يَعْنِي ما عَمِلُوهُ مِنَ الحَسَناتِ، أوْ تَخْصِيصٌ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ مِن شُعَبِهِ، لِإظْهارِ فَضْلِها وإناقَتِها عَلى غَيْرِها. والمُرادُ بِالزَّكاةِ، عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ هي مُطْلَقُ إخْراجِ المالِ تَقَرُّبًا بِالتَّصْدِيقِ مِنهُ، وتَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ بِإيتائِهِ، مِن وصْمَةِ البُخْلِ والشُّحِّ المُرْدِي لَها، لا أنْصِباؤُها المَعْرُوفَةُ؛ فَإنَّها إنَّما بُيِّنَتْ بِالمَدِينَةِ.
﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأنَّهم يَسْتَبْدِلُونَ بِهَذا الكِتابِ المُفِيدِ الهُدى والرَّحْمَةَ والحِكْمَةَ، ما يُلْهِي مِنَ الحَدِيثِ عَنْ ذَلِكَ الكِتابِ العَظِيمِ، لِيُضِلُّوا أتْباعَهم عَنِ الدِّينِ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(اللَّهْوُ): كُلُّ باطِلٍ ألْهى عَنِ الخَيْرِ، وعَمّا يَعْنِي. ولَهْوُ الحَدِيثِ نَحْوَ (p-٤٧٩٤)السَّمَرِ بِالأساطِيرِ، والأحادِيثِ الَّتِي لا أصْلَ لَها، والتَّحَدُّثِ بِالخُرافاتِ والمَضاحِيكِ وفُضُولِ الكَلامِ، وما لا يَنْبَغِي، مِمّا كانُوا يُؤْفِكُونَ بِهِ عَنِ اسْتِماعِ حِكَمِ التَّنْزِيلِ وأحْكامِهِ، ويُؤْثِرُونَهُ عَلى حَدِيثِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] أيْ: بِما هي الكَمالاتُ ومَنافِعُها، والنَّقائِصُ ومَضارُّها: ﴿ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ [لقمان: ٦] الضَّمِيرُ لِلسَّبِيلِ، وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]
لقمان 31:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٠] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٩] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْها: ﴿مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ أيْ: ثِقْلًا مانِعًا مِنَ السَّماعِ: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٩] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [لقمان: ١٠] الضَّمِيرُ لِلسَّماواتِ، وهو اسْتِشْهادٌ بِرُؤْيَتِهِمْ لَها غَيْرَ مَعْمُودَةٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [لقمان: ١٠] كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: أنا بِلا سَيْفٍ ولا رُمْحٍ تَرانِي. والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها؛ لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَحَلِّ الجَرِّ، صِفَةٌ لِلْعَمَدِ، أوْ بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ؛ يَعْنِي أنَّهُ عَمَّدَها بِعَمَدٍ لا تُرى، (p-٤٧٩٥)وهِيَ إمْساكُها بِقُدْرَتِهِ. كَذا في (الكَشّافِ): ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ: ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: تَمِيلُ فَتُهْلِكُكم لِما في جَوْفِها مِن قُوَّةِ الجَيَشانِ: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها: ﴿وأنْـزَلْنا﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: لِحِفْظِكم وحِفْظِ دَوابِّكُمْ، ولِلرِّفْقِ بِكم وبِدَوابِّكُمْ: ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: صِنْفٍ مِنَ الأغْذِيَةِ والأدْوِيَةِ: ﴿كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: كَثِيرِ المَنافِعِ.
لقمان 31:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٠] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٩] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْها: ﴿مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ أيْ: ثِقْلًا مانِعًا مِنَ السَّماعِ: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٩] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [لقمان: ١٠] الضَّمِيرُ لِلسَّماواتِ، وهو اسْتِشْهادٌ بِرُؤْيَتِهِمْ لَها غَيْرَ مَعْمُودَةٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [لقمان: ١٠] كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: أنا بِلا سَيْفٍ ولا رُمْحٍ تَرانِي. والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها؛ لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَحَلِّ الجَرِّ، صِفَةٌ لِلْعَمَدِ، أوْ بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ؛ يَعْنِي أنَّهُ عَمَّدَها بِعَمَدٍ لا تُرى، (p-٤٧٩٥)وهِيَ إمْساكُها بِقُدْرَتِهِ. كَذا في (الكَشّافِ): ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ: ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: تَمِيلُ فَتُهْلِكُكم لِما في جَوْفِها مِن قُوَّةِ الجَيَشانِ: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها: ﴿وأنْـزَلْنا﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: لِحِفْظِكم وحِفْظِ دَوابِّكُمْ، ولِلرِّفْقِ بِكم وبِدَوابِّكُمْ: ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: صِنْفٍ مِنَ الأغْذِيَةِ والأدْوِيَةِ: ﴿كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: كَثِيرِ المَنافِعِ.
لقمان 31:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٠] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٩] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْها: ﴿مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ أيْ: ثِقْلًا مانِعًا مِنَ السَّماعِ: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٩] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [لقمان: ١٠] الضَّمِيرُ لِلسَّماواتِ، وهو اسْتِشْهادٌ بِرُؤْيَتِهِمْ لَها غَيْرَ مَعْمُودَةٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [لقمان: ١٠] كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: أنا بِلا سَيْفٍ ولا رُمْحٍ تَرانِي. والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها؛ لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَحَلِّ الجَرِّ، صِفَةٌ لِلْعَمَدِ، أوْ بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ؛ يَعْنِي أنَّهُ عَمَّدَها بِعَمَدٍ لا تُرى، (p-٤٧٩٥)وهِيَ إمْساكُها بِقُدْرَتِهِ. كَذا في (الكَشّافِ): ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ: ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: تَمِيلُ فَتُهْلِكُكم لِما في جَوْفِها مِن قُوَّةِ الجَيَشانِ: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها: ﴿وأنْـزَلْنا﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: لِحِفْظِكم وحِفْظِ دَوابِّكُمْ، ولِلرِّفْقِ بِكم وبِدَوابِّكُمْ: ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: صِنْفٍ مِنَ الأغْذِيَةِ والأدْوِيَةِ: ﴿كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: كَثِيرِ المَنافِعِ.
لقمان 31:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٠] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٩] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْها: ﴿مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ أيْ: ثِقْلًا مانِعًا مِنَ السَّماعِ: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٩] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [لقمان: ١٠] الضَّمِيرُ لِلسَّماواتِ، وهو اسْتِشْهادٌ بِرُؤْيَتِهِمْ لَها غَيْرَ مَعْمُودَةٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [لقمان: ١٠] كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: أنا بِلا سَيْفٍ ولا رُمْحٍ تَرانِي. والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها؛ لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَحَلِّ الجَرِّ، صِفَةٌ لِلْعَمَدِ، أوْ بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ؛ يَعْنِي أنَّهُ عَمَّدَها بِعَمَدٍ لا تُرى، (p-٤٧٩٥)وهِيَ إمْساكُها بِقُدْرَتِهِ. كَذا في (الكَشّافِ): ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ: ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: تَمِيلُ فَتُهْلِكُكم لِما في جَوْفِها مِن قُوَّةِ الجَيَشانِ: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها: ﴿وأنْـزَلْنا﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: لِحِفْظِكم وحِفْظِ دَوابِّكُمْ، ولِلرِّفْقِ بِكم وبِدَوابِّكُمْ: ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: صِنْفٍ مِنَ الأغْذِيَةِ والأدْوِيَةِ: ﴿كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ: كَثِيرِ المَنافِعِ.
لقمان 31:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٢] ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢]
﴿هَذا﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، وما تَعَلَّقَ بِهِما مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ: ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ أيْ: مَخْلُوقُهُ: ﴿فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ: مِمّا اتَّخَذْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ سُبْحانَهُ في العِبادَةِ: ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ، إلى التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ البَيِّنِ المُسْتَدْعِي لِلْإعْراضِ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ بِالمُقَدِّماتِ المَعْقُولَةِ الحَقَّةِ؛ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَفْهَمُوا مِنها شَيْئًا، فَيَهْتَدُوا بِهِ إلى العِلْمِ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، أوْ يَتَأثَّرُوا مِنَ الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ فَيَنْزَجِرُوا عَنْهُ. ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم بِإشْراكِهِمْ واضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ومُتَعَدُّونَ عَنِ الحُدُودِ، وظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ بُطْلانَ الشِّرْكِ مَقُولٌ عَلى لِسانِ ذَوِي الحِكْمَةِ. كَيْفَ لا؟ والتَّوْحِيدُ أساسُ الحِكْمَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] يَعْنِي اسْتِكْمالَ النَّفْسِ بِالعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، ومَلَكَةِ الأفْعالِ الفاضِلَةِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، آمِرِينَ لَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ أوْ بِطَرِيقِ (p-٤٧٩٦)الإلْهامِ؛ (عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ أنَّهُ حَكِيمٌ). أوِ الوَحْيِ؛ (عَلى قَوْلِ عِكْرِمَةَ أنَّهُ نَبِيٌّ) ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢] أيْ: عَلى ما أعْطاكَ مِن نِعَمِهِ، مَن أُوتِيها فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا. كَذا قالَهُ المَهايِمِيُّ، والأظْهَرُ أنَّ: "أنْ" مُفَسِّرَةٌ؛ فَإنَّ إتْيانَ الحِكْمَةِ في مَعْنى القَوْلِ. والشُّكْرُ: كَلِمَةٌ تَجْمَعُ ما تَدُورُ عَلَيْهِ سَعادَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ صَرَفَ العَبْدُ جَمِيعَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان: ١٢] لِعَوْدِ ثَمَراتِ شُكْرِهِ عَلَيْهِ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] أيْ: غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ، وحَقِيقٌ بِالحَمْدِ. بَلْ نَطَقَ بِحَمْدِهِ كُلُّ مَوْجُودٍ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ في لُقْمانَ؛ هَلْ كانَ نَبِيًّا أوْ عَبْدًا صالِحًا مِن غَيْرِ نُبُوَّةٍ، عَلى قَوْلَيْنِ؟ الأكْثَرُونَ عَلى الثّانِي، ويُقالُ إنَّهُ كانَ قاضِيًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما رُوِيَ مِن كَوْنِهِ عَبْدًا مَسَّهُ الرِّقُّ، يُنافِي كَوْنَهُ نَبِيًّا؛ لِأنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تُبْعَثُ في أحْسابِ قَوْمِها، ولِهَذا كانَ جُمْهُورُ السَّلَفِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وإنَّما يُنْقَلُ كَوْنُهُ نَبِيًّا عَنْ عِكْرِمَةَ، إنْ صَحَّ السَّنَدُ إلَيْهِ؛ فَإنَّهُ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ وكِيعٍ عَنْ إسْرائِيلَ عَنْ جابِرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ. قالَ: كانَ لُقْمانُ نَبِيًّا. وجابِرٌ هَذا هو ابْنُ يَزِيدَ الجُعْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ لُقْمانَ هو بِلْعامُ المَذْكُورُ في التَّوْراةِ، وكانَ حَكِيمَ شَعْبٍ وثَنِيٍّ، وكانَ مُنَبَّأً عَنِ اللَّهِ تَعالى، وأغْرَبَ في تَقْرِيبِهِ، بِأنَّ الفِعْلَ العَرَبِيَّ وهُوَ: (لَقَمَ)، مَعْناهُ بِالعِبْرِيِّ بَلَعَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَدْ نَظَمَ السُّيُوطِيُّ مَنِ اخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالَ:
؎واخْتَلَفَتْ في خَضِرٍ أهْلُ النُّقُولْ قِيلَ نَبِيٌّ أوْ ولِيٌّ أوْ رَسُولْ
؎لُقْمانَ، ذِيِ القَرْنَيْنِ، حَوّا، مَرْيَمَ ∗∗∗ والوَقْفُ في الجَمِيعِ رَأْيُ المُعَظِّمِ
(p-٤٧٩٧)ثُمَّ قَرَنَ لُقْمانُ، بِوَصِيَّتِهِ إيّاهُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، البِرَّ بِالوالِدَيْنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وكَثِيرًا ما يَقْرِنُ تَعالى بَيْنَ ذَلِكَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ. وقالَ هَهُنا.
لقمان 31:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٢] ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢]
﴿هَذا﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، وما تَعَلَّقَ بِهِما مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ: ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ أيْ: مَخْلُوقُهُ: ﴿فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ: مِمّا اتَّخَذْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ سُبْحانَهُ في العِبادَةِ: ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ، إلى التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ البَيِّنِ المُسْتَدْعِي لِلْإعْراضِ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ بِالمُقَدِّماتِ المَعْقُولَةِ الحَقَّةِ؛ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَفْهَمُوا مِنها شَيْئًا، فَيَهْتَدُوا بِهِ إلى العِلْمِ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، أوْ يَتَأثَّرُوا مِنَ الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ فَيَنْزَجِرُوا عَنْهُ. ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم بِإشْراكِهِمْ واضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ومُتَعَدُّونَ عَنِ الحُدُودِ، وظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ بُطْلانَ الشِّرْكِ مَقُولٌ عَلى لِسانِ ذَوِي الحِكْمَةِ. كَيْفَ لا؟ والتَّوْحِيدُ أساسُ الحِكْمَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] يَعْنِي اسْتِكْمالَ النَّفْسِ بِالعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، ومَلَكَةِ الأفْعالِ الفاضِلَةِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، آمِرِينَ لَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ أوْ بِطَرِيقِ (p-٤٧٩٦)الإلْهامِ؛ (عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ أنَّهُ حَكِيمٌ). أوِ الوَحْيِ؛ (عَلى قَوْلِ عِكْرِمَةَ أنَّهُ نَبِيٌّ) ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢] أيْ: عَلى ما أعْطاكَ مِن نِعَمِهِ، مَن أُوتِيها فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا. كَذا قالَهُ المَهايِمِيُّ، والأظْهَرُ أنَّ: "أنْ" مُفَسِّرَةٌ؛ فَإنَّ إتْيانَ الحِكْمَةِ في مَعْنى القَوْلِ. والشُّكْرُ: كَلِمَةٌ تَجْمَعُ ما تَدُورُ عَلَيْهِ سَعادَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ صَرَفَ العَبْدُ جَمِيعَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان: ١٢] لِعَوْدِ ثَمَراتِ شُكْرِهِ عَلَيْهِ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] أيْ: غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ، وحَقِيقٌ بِالحَمْدِ. بَلْ نَطَقَ بِحَمْدِهِ كُلُّ مَوْجُودٍ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ في لُقْمانَ؛ هَلْ كانَ نَبِيًّا أوْ عَبْدًا صالِحًا مِن غَيْرِ نُبُوَّةٍ، عَلى قَوْلَيْنِ؟ الأكْثَرُونَ عَلى الثّانِي، ويُقالُ إنَّهُ كانَ قاضِيًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما رُوِيَ مِن كَوْنِهِ عَبْدًا مَسَّهُ الرِّقُّ، يُنافِي كَوْنَهُ نَبِيًّا؛ لِأنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تُبْعَثُ في أحْسابِ قَوْمِها، ولِهَذا كانَ جُمْهُورُ السَّلَفِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وإنَّما يُنْقَلُ كَوْنُهُ نَبِيًّا عَنْ عِكْرِمَةَ، إنْ صَحَّ السَّنَدُ إلَيْهِ؛ فَإنَّهُ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ وكِيعٍ عَنْ إسْرائِيلَ عَنْ جابِرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ. قالَ: كانَ لُقْمانُ نَبِيًّا. وجابِرٌ هَذا هو ابْنُ يَزِيدَ الجُعْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ لُقْمانَ هو بِلْعامُ المَذْكُورُ في التَّوْراةِ، وكانَ حَكِيمَ شَعْبٍ وثَنِيٍّ، وكانَ مُنَبَّأً عَنِ اللَّهِ تَعالى، وأغْرَبَ في تَقْرِيبِهِ، بِأنَّ الفِعْلَ العَرَبِيَّ وهُوَ: (لَقَمَ)، مَعْناهُ بِالعِبْرِيِّ بَلَعَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَدْ نَظَمَ السُّيُوطِيُّ مَنِ اخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالَ:
؎واخْتَلَفَتْ في خَضِرٍ أهْلُ النُّقُولْ قِيلَ نَبِيٌّ أوْ ولِيٌّ أوْ رَسُولْ
؎لُقْمانَ، ذِيِ القَرْنَيْنِ، حَوّا، مَرْيَمَ ∗∗∗ والوَقْفُ في الجَمِيعِ رَأْيُ المُعَظِّمِ
(p-٤٧٩٧)ثُمَّ قَرَنَ لُقْمانُ، بِوَصِيَّتِهِ إيّاهُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، البِرَّ بِالوالِدَيْنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وكَثِيرًا ما يَقْرِنُ تَعالى بَيْنَ ذَلِكَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ. وقالَ هَهُنا.
لقمان 31:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٤] ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وهو يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]
﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وهو يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤] أيْ: بِالإحْسانِ إلَيْهِما، لا سِيَّما الوالِدَةُ؛ لِأنَّهُ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] أيْ: ضَعْفًا فَوْقَ ضَعْفٍ إلى الوِلادَةِ. و: ﴿وهْنًا﴾ [لقمان: ١٤] حالٌ مِن: ﴿أُمُّهُ﴾ [لقمان: ١٤] أيْ: ذاتُ وهْنٍ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ هو الحالُ؛ أيْ: تَهِنُ وهْنًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى وهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ؛ أيْ: كائِنًا عَلى وهْنٍ، أيْ: تَضْعُفُ ضَعْفًا فَوْقَ ضَعْفٍ؛ فَإنَّها لا تَزالُ يَتَزايَدُ ضَعْفُها؛ لِأنَّ الحَمْلَ كُلَّما عَظُمَ ازْدادَتْ ثِقَلًا وضَعْفًا: ﴿وفِصالُهُ﴾ [لقمان: ١٤] أيْ: فِطامُهُ: ﴿فِي عامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] ثُمَّ فَسَّرَ الوَصِيَّةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] أيْ: بِأنْ تَعْرِفَ نِعْمَةَ الإحْسانِ، وتُقَدِّرَهُ قَدْرَهُ.
قالَ في (البَصائِرِ): الشُّكْرُ مَبْنِيٌّ عَلى خَمْسِ قَواعِدَ: خُضُوعُ الشّاكِرِ لِلْمَشْكُورِ، وحُبُّهُ لَهُ، واعْتِرافُهُ بِنِعْمَتِهِ، والثَّناءُ عَلَيْهِ بِها، وأنْ لا يَسْتَعْمِلَها فِيما يَكْرَهُ. هَذِهِ الخَمْسَةُ هي أساسُ الشُّكْرِ، وبِناؤُهُ عَلَيْها، فَإنَّ عُدِمَ مِنها واحِدَةٌ، اخْتَلَّتْ قاعِدَةٌ مِن قَواعِدِ الشُّكْرِ، وكُلُّ مَن تَكَلَّمَ في الشُّكْرِ، فَإنَّ كَلامَهُ إلَيْها يَرْجِعُ وعَلَيْها يَدُورُ. انْتَهى.
(p-٤٧٩٨)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ؛ أيْ: إلَيَّ الرُّجُوعُ، لا إلى غَيْرِي، فَأُجازِيكَ عَلى ما صَدَرَ عَنْكَ مِنَ الشُّكْرِ والكُفْرِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] كَيْفَ اعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ؟ قُلْتُ: لَمّا وصّى بِالوالِدَيْنِ، ذَكَرَ ما تُكابِدُهُ الأُمُّ، وتُعانِيهِ مِنَ المَشاقِّ، والمَتاعِبِ في حَمْلِهِ، وفِصالِهِ هَذِهِ المُدَّةَ المُتَطاوِلَةَ، إيجابًا لِلتَّوْصِيَةِ بِالوالِدَةِ خُصُوصًا، وتَذْكِيرًا بِحَقِّها العَظِيمِ مُفْرَدًا. ومِن ثَمَّ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَن قالَ لَهُ مَن أبِرُّ؟ «أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ» . ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: «ثُمَّ أباكَ»» . وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ حَمَلَ أُمَّهُ إلى الحَجِّ عَلى ظَهْرِهِ، وهو يَقُولُ في حُدائِهِ بِنَفْسِهِ.
؎أحْمِلُ أُمِّي وهي الحَمّالَهْ تُرْضِعُنِي الدِّرَّةَ والعُلالَهْ
؎ولاْ يُجازى والِدٌ فِعالَهْ
الثّانِي - قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] كَقَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ومِن هَهُنا اسْتَنْبَطَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ، أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّهُ قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وإنَّما يَذْكُرُ تَعالى تَرْبِيَةَ الوالِدَةِ، وتَعَبَها، ومَشَقَّتَها في سَهَرِها لَيْلًا ونَهارًا، لِيُذَكِّرَ الوَلَدَ بِإحْسانِها المُتَقَدِّمِ إلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]
(p-٤٧٩٩)الثّالِثُ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَوْقِيتِ الفِصالِ بِالعامَيْنِ؟ قُلْتُ: المَعْنى في تَوْقِيتِهِ بِهَذِهِ المُدَّةِ، أنَّها الغايَةُ الَّتِي لا تَتَجاوَزُ، والأمْرُ فِيما دُونَ العامَيْنِ مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الأُمِّ، إنْ عَلِمَتْ أنَّهُ يَقْوى عَلى الفِطامِ، فَلَها أنْ تَفْطِمَهُ، ويَدُلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]
لقمان 31:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٤] ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وهو يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]
﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وهو يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤] أيْ: بِالإحْسانِ إلَيْهِما، لا سِيَّما الوالِدَةُ؛ لِأنَّهُ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] أيْ: ضَعْفًا فَوْقَ ضَعْفٍ إلى الوِلادَةِ. و: ﴿وهْنًا﴾ [لقمان: ١٤] حالٌ مِن: ﴿أُمُّهُ﴾ [لقمان: ١٤] أيْ: ذاتُ وهْنٍ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ هو الحالُ؛ أيْ: تَهِنُ وهْنًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى وهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ؛ أيْ: كائِنًا عَلى وهْنٍ، أيْ: تَضْعُفُ ضَعْفًا فَوْقَ ضَعْفٍ؛ فَإنَّها لا تَزالُ يَتَزايَدُ ضَعْفُها؛ لِأنَّ الحَمْلَ كُلَّما عَظُمَ ازْدادَتْ ثِقَلًا وضَعْفًا: ﴿وفِصالُهُ﴾ [لقمان: ١٤] أيْ: فِطامُهُ: ﴿فِي عامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] ثُمَّ فَسَّرَ الوَصِيَّةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] أيْ: بِأنْ تَعْرِفَ نِعْمَةَ الإحْسانِ، وتُقَدِّرَهُ قَدْرَهُ.
قالَ في (البَصائِرِ): الشُّكْرُ مَبْنِيٌّ عَلى خَمْسِ قَواعِدَ: خُضُوعُ الشّاكِرِ لِلْمَشْكُورِ، وحُبُّهُ لَهُ، واعْتِرافُهُ بِنِعْمَتِهِ، والثَّناءُ عَلَيْهِ بِها، وأنْ لا يَسْتَعْمِلَها فِيما يَكْرَهُ. هَذِهِ الخَمْسَةُ هي أساسُ الشُّكْرِ، وبِناؤُهُ عَلَيْها، فَإنَّ عُدِمَ مِنها واحِدَةٌ، اخْتَلَّتْ قاعِدَةٌ مِن قَواعِدِ الشُّكْرِ، وكُلُّ مَن تَكَلَّمَ في الشُّكْرِ، فَإنَّ كَلامَهُ إلَيْها يَرْجِعُ وعَلَيْها يَدُورُ. انْتَهى.
(p-٤٧٩٨)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ؛ أيْ: إلَيَّ الرُّجُوعُ، لا إلى غَيْرِي، فَأُجازِيكَ عَلى ما صَدَرَ عَنْكَ مِنَ الشُّكْرِ والكُفْرِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] كَيْفَ اعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ؟ قُلْتُ: لَمّا وصّى بِالوالِدَيْنِ، ذَكَرَ ما تُكابِدُهُ الأُمُّ، وتُعانِيهِ مِنَ المَشاقِّ، والمَتاعِبِ في حَمْلِهِ، وفِصالِهِ هَذِهِ المُدَّةَ المُتَطاوِلَةَ، إيجابًا لِلتَّوْصِيَةِ بِالوالِدَةِ خُصُوصًا، وتَذْكِيرًا بِحَقِّها العَظِيمِ مُفْرَدًا. ومِن ثَمَّ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَن قالَ لَهُ مَن أبِرُّ؟ «أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ» . ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: «ثُمَّ أباكَ»» . وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ حَمَلَ أُمَّهُ إلى الحَجِّ عَلى ظَهْرِهِ، وهو يَقُولُ في حُدائِهِ بِنَفْسِهِ.
؎أحْمِلُ أُمِّي وهي الحَمّالَهْ تُرْضِعُنِي الدِّرَّةَ والعُلالَهْ
؎ولاْ يُجازى والِدٌ فِعالَهْ
الثّانِي - قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] كَقَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ومِن هَهُنا اسْتَنْبَطَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ، أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّهُ قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وإنَّما يَذْكُرُ تَعالى تَرْبِيَةَ الوالِدَةِ، وتَعَبَها، ومَشَقَّتَها في سَهَرِها لَيْلًا ونَهارًا، لِيُذَكِّرَ الوَلَدَ بِإحْسانِها المُتَقَدِّمِ إلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]
(p-٤٧٩٩)الثّالِثُ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَوْقِيتِ الفِصالِ بِالعامَيْنِ؟ قُلْتُ: المَعْنى في تَوْقِيتِهِ بِهَذِهِ المُدَّةِ، أنَّها الغايَةُ الَّتِي لا تَتَجاوَزُ، والأمْرُ فِيما دُونَ العامَيْنِ مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الأُمِّ، إنْ عَلِمَتْ أنَّهُ يَقْوى عَلى الفِطامِ، فَلَها أنْ تَفْطِمَهُ، ويَدُلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]
لقمان 31:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥] ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ: في إشْراكِ ما لا تَعْلَمُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، تَقْلِيدًا لَهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِنَفْيِ العِلْمِ بِهِ نَفْيَهُ، أيْ: لا تُشْرِكْ بِي ما لَيْسَ بِشَيْءٍ، يُرِيدُ الأصْنامَ. كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢]
قالَ في (الكَشْفِ): لَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ نَفْيِ العِلْمِ لِنَفْيِ وُجُودِهِ، كَما مَرَّ في القَصَصِ. وإلّا لَقالَ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ. بَلْ أرادَ أنَّهُ بُولِغَ في نَفْيِهِ حَتّى جُعِلَ كَلا شَيْءٍ، ثُمَّ بُولِغَ في سَلْكِ المَجْهُولِ المُطْلَقِ.
قالَ الشِّهابُ: وهَذا تَقْرِيرٌ حَسَنٌ، فِيهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ: ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ أيْ: صِحابًا مَعْرُوفًا يَرْتَضِيهِ الشَّرْعُ، ويَقْتَضِيهِ الكَرَمُ.
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ أنَّ الوالِدَ لا يُطاعُ في الكُفْرِ، ومَعَ ذَلِكَ يُصْحَبُ مَعْرُوفًا: ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ في الطّاعاتِ، وعَمَلِ (p-٤٨٠٠)الصّالِحاتِ: ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ، كَما تَقَدَّمَ نَظائِرُهُ.
قالَ القاضِي: والآيَتانِ، يَعْنِي: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ [لقمان: ١٤] إلى قَوْلِهِ -: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ مُعْتَرِضَتانِ في تَضاعِيفِ وصِيَّةِ لُقْمانَ، تَأْكِيدًا لِما فِيها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ. كَأنَّهُ قالَ: وقَدْ وصَّيْنا بِمِثْلِ ما وصّى بِهِ، وذَكَرَ الوالِدَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ؛ فَإنَّهُما -مَعَ أنَّهُما تِلْوَ البارِئِ تَعالى في اسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ والطّاعَةِ- لا يَجُوزُ أنْ يُطاعا في الإشْراكِ. فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِما؟ انْتَهى.
ثُمَّ يُبَيِّنُ تَعالى بَقِيَّةَ وصايا لُقْمانَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
لقمان 31:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ - ١٧] ﴿يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]
﴿يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ أيْ: إنَّ الخَصْلَةَ مِنَ الإساءَةِ أوِ الإحْسانِ، إنْ تَكُ مَثَلًا في الصِّغَرِ كَحَبَّةِ الخَرْدَلِ: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: فَتَكُنْ مَعَ كَوْنِها في أقْصى غاياتِ الصِّغَرِ، في أخْفى مَكانٍ وأحْرَزِهِ، كَجَوْفِ الصَّخْرَةِ، أوْ حَيْثُ كانَتْ في العِلْمِ العُلْوِيِّ أوِ السُّفْلِيِّ: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ: يُحْضِرُها ويُحاسِبُ عَلَيْها: ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أيْ: يَنْفُذُ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ في كُلِّ شَيْءٍ: ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ: يَعْلَمُ كُنْهَ الأشْياءِ، فَلا يَعْسُرُ عَلَيْهِ. والآيَةُ هَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ (p-٤٨٠١)شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]
لَطِيفَةٌ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ الآيَةَ، مِنَ البَدِيعِ الَّذِي يُسَمّى التَّتْمِيمَ؛ فَإنَّهُ تَمَّمَ خَفاءَها في نَفْسِها بِخَفاءِ مَكانِها مِنَ الصَّخْرَةِ، وهو مِن وادِي قَوْلِها:
؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان: ١٧] أيْ: بِحُدُودِها وفُرُوضِها وأوْقاتِها، لِتَكْمِيلِ نَفْسِكَ بِعِبادَةِ رَبِّكَ: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] لِتَكْمِيلِ غَيْرِكَ: ﴿واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] أيْ: مِنَ المِحَنِ والبَلايا، أوْ فِيما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ إلى الحَقِّ مُعَرَّضٌ لِإيصالِ الأذى إلَيْهِ، وهو أظْهَرُ. ويُطابِقُهُ آيَةُ: ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ [لقمان: ١٧] إشارَةٌ إلى الصَّبْرِ، أوْ إلى كُلِّ ما أُمِرَ بِهِ: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] أيْ: مِمّا عَزَمَهُ اللَّهُ مِنَ الأُمُورِ، أيْ: قَطَعَهُ قَطْعَ إيجابٍ.
لقمان 31:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ - ١٧] ﴿يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]
﴿يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ أيْ: إنَّ الخَصْلَةَ مِنَ الإساءَةِ أوِ الإحْسانِ، إنْ تَكُ مَثَلًا في الصِّغَرِ كَحَبَّةِ الخَرْدَلِ: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: فَتَكُنْ مَعَ كَوْنِها في أقْصى غاياتِ الصِّغَرِ، في أخْفى مَكانٍ وأحْرَزِهِ، كَجَوْفِ الصَّخْرَةِ، أوْ حَيْثُ كانَتْ في العِلْمِ العُلْوِيِّ أوِ السُّفْلِيِّ: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ: يُحْضِرُها ويُحاسِبُ عَلَيْها: ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أيْ: يَنْفُذُ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ في كُلِّ شَيْءٍ: ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ: يَعْلَمُ كُنْهَ الأشْياءِ، فَلا يَعْسُرُ عَلَيْهِ. والآيَةُ هَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ (p-٤٨٠١)شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]
لَطِيفَةٌ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ الآيَةَ، مِنَ البَدِيعِ الَّذِي يُسَمّى التَّتْمِيمَ؛ فَإنَّهُ تَمَّمَ خَفاءَها في نَفْسِها بِخَفاءِ مَكانِها مِنَ الصَّخْرَةِ، وهو مِن وادِي قَوْلِها:
؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان: ١٧] أيْ: بِحُدُودِها وفُرُوضِها وأوْقاتِها، لِتَكْمِيلِ نَفْسِكَ بِعِبادَةِ رَبِّكَ: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] لِتَكْمِيلِ غَيْرِكَ: ﴿واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] أيْ: مِنَ المِحَنِ والبَلايا، أوْ فِيما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ إلى الحَقِّ مُعَرَّضٌ لِإيصالِ الأذى إلَيْهِ، وهو أظْهَرُ. ويُطابِقُهُ آيَةُ: ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ [لقمان: ١٧] إشارَةٌ إلى الصَّبْرِ، أوْ إلى كُلِّ ما أُمِرَ بِهِ: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] أيْ: مِمّا عَزَمَهُ اللَّهُ مِنَ الأُمُورِ، أيْ: قَطَعَهُ قَطْعَ إيجابٍ.
لقمان 31:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ١٩] ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ (p-٤٨٠٢)﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]
﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ عَنْهُمْ، إذا كَلَّمْتَهم أوْ كَلَّمُوكَ، احْتِقارًا مِنكَ لَهُمْ، واسْتِكْبارًا عَلَيْهِمْ، ولَكِنْ ألِنْ جانِبَكَ، وابْسُطْ وجْهَكَ إلَيْهِمْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ ««ولَوْ أنْ تَلْقى أخاكَ ووَجْهَكَ مُنْبَسِطٌ»»: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: خُيَلاءَ مُتَكَبِّرًا: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ أيْ: مُعْجَبٍ في نَفْسِهِ: ﴿فَخُورٍ﴾ أيْ: عَلى غَيْرِهِ: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩] أيْ: تَوَسَّطْ بَيْنَ الدَّبِيبِ والإسْراعِ: ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] أيِ: انْقُصْ مِن رَفْعِهِ، وأقْصِرْ، فَإنَّهُ يُقَبَّحُ بِالرَّفْعِ حَتّى يُنْكِرَهُ النّاسُ، إنْكارَهم عَلى صَوْتِ الحَمِيرِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] مُعَلِّلًا لِلْأمْرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ و(أنْكَرَ) بِمَعْنى أوْحَشَ. مِن قَوْلِكَ: (شَيْءٌ نُكُرٌ)؛ إذا أنْكَرَتْهُ النُّفُوسُ واسْتَوْحَشَتْ مِنهُ ونَفَرَتْ، كَما يُقالُ في العُرْفِ لِلْقَبِيحِ. (وحْشُ)، وأصْلُهُ ضِدُّ الأُنْسِ والأُلْفَةِ. فَهو إمّا مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الحِمارُ مَثَلٌ في الذَّمِّ البَلِيغِ والشَّتِيمَةِ، وكَذَلِكَ نِهاقُهُ. ومِنِ اسْتِفْحاشِهِمْ لِذِكْرِهِ مُجَرَّدًا، وتَفادِيهِمْ مِنِ اسْمِهِ، أنَّهم يُكَنُّونَ عَنْهُ ويَرْغَبُونَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ فَيَقُولُونَ: (الطَّوِيلُ الأُذُنَيْنِ). كَما يُكَنّى عَنِ الأشْياءِ المُسْتَقْذَرَةِ، وقَدْ عُدَّ في مَساوِي الآدابِ، أنْ يَجْرِيَ ذِكْرُ الحِمارِ في مَجْلِسِ قَوْمٍ مِن أُولِي المُرُوءَةِ، ومِنَ العَرَبِ مَن لا يَرْكَبُ الحِمارَ اسْتِنْكافًا، وإنْ بَلَغَتْ مِنهُ الرِّحْلَةُ. فَتَشْبِيهُ الرّافِعِينَ أصْواتَهم بِالحَمِيرِ، وتَمْثِيلُ أصْواتِهِمْ بِالنِّهاقِ، ثُمَّ إخْلاءُ الكَلامِ مِن لَفْظِ التَّشْبِيهِ، وإخْراجُهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، وأنْ جُعِلُوا حَمِيرًا، وصَوْتُهم نِهاقًا - مُبالَغَةٌ (p-٤٨٠٣)شَدِيدَةٌ في الذَّمِّ والتَّهْجِينِ، وإفْراطٌ في التَّثْبِيطِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ والتَّرْغِيبِ عَنْهُ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِن كَراهَةِ اللَّهِ بِمَكانٍ. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
جاءَ ذِكْرُ لُقْمانَ في أحادِيثَ مَرْفُوعَةٍ: مِنها ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ إذا اسْتَوْدَعَ شَيْئًا حَفِظَهُ»» . ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««قالَ لُقْمانُ الحَكِيمُ لِابْنِهِ وهو يَعِظُهُ: يا بُنَيَّ إيّاكَ والتَّقَنُّعَ، فَإنَّهُ مَخْوَفَةٌ بِاللَّيْلِ، مَذَمَّةٌ بِالنَّهارِ»» .
ومِنَ الآثارِ فِيهِ ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيى قالَ: قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ إنَّ الحِكْمَةَ أجْلَسَتِ المَساكِينَ مَجالِسَ المُلُوكِ.
وعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ! إذا أتَيْتَ نادِي قَوْمٍ فارْمِهِمْ بِسَهْمِ الإسْلامِ -(يَعْنِي السَّلامَ)- ثُمَّ اجْلِسْ في ناحِيَتِهِمْ، فَلا تَنْطِقْ حَتّى تَراهم قَدْ نَطَقُوا، فَإنْ أفاضُوا في ذِكْرِ اللَّهِ فَأجِّلْ سَهْمَكَ مَعَهُمْ، وإنْ أفاضُوا في غَيْرِ ذَلِكَ فَتَحَوَّلْ عَنْهم إلى غَيْرِهِمْ. نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
لقمان 31:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ١٩] ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ (p-٤٨٠٢)﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]
﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ عَنْهُمْ، إذا كَلَّمْتَهم أوْ كَلَّمُوكَ، احْتِقارًا مِنكَ لَهُمْ، واسْتِكْبارًا عَلَيْهِمْ، ولَكِنْ ألِنْ جانِبَكَ، وابْسُطْ وجْهَكَ إلَيْهِمْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ ««ولَوْ أنْ تَلْقى أخاكَ ووَجْهَكَ مُنْبَسِطٌ»»: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: خُيَلاءَ مُتَكَبِّرًا: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ أيْ: مُعْجَبٍ في نَفْسِهِ: ﴿فَخُورٍ﴾ أيْ: عَلى غَيْرِهِ: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩] أيْ: تَوَسَّطْ بَيْنَ الدَّبِيبِ والإسْراعِ: ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] أيِ: انْقُصْ مِن رَفْعِهِ، وأقْصِرْ، فَإنَّهُ يُقَبَّحُ بِالرَّفْعِ حَتّى يُنْكِرَهُ النّاسُ، إنْكارَهم عَلى صَوْتِ الحَمِيرِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] مُعَلِّلًا لِلْأمْرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ و(أنْكَرَ) بِمَعْنى أوْحَشَ. مِن قَوْلِكَ: (شَيْءٌ نُكُرٌ)؛ إذا أنْكَرَتْهُ النُّفُوسُ واسْتَوْحَشَتْ مِنهُ ونَفَرَتْ، كَما يُقالُ في العُرْفِ لِلْقَبِيحِ. (وحْشُ)، وأصْلُهُ ضِدُّ الأُنْسِ والأُلْفَةِ. فَهو إمّا مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الحِمارُ مَثَلٌ في الذَّمِّ البَلِيغِ والشَّتِيمَةِ، وكَذَلِكَ نِهاقُهُ. ومِنِ اسْتِفْحاشِهِمْ لِذِكْرِهِ مُجَرَّدًا، وتَفادِيهِمْ مِنِ اسْمِهِ، أنَّهم يُكَنُّونَ عَنْهُ ويَرْغَبُونَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ فَيَقُولُونَ: (الطَّوِيلُ الأُذُنَيْنِ). كَما يُكَنّى عَنِ الأشْياءِ المُسْتَقْذَرَةِ، وقَدْ عُدَّ في مَساوِي الآدابِ، أنْ يَجْرِيَ ذِكْرُ الحِمارِ في مَجْلِسِ قَوْمٍ مِن أُولِي المُرُوءَةِ، ومِنَ العَرَبِ مَن لا يَرْكَبُ الحِمارَ اسْتِنْكافًا، وإنْ بَلَغَتْ مِنهُ الرِّحْلَةُ. فَتَشْبِيهُ الرّافِعِينَ أصْواتَهم بِالحَمِيرِ، وتَمْثِيلُ أصْواتِهِمْ بِالنِّهاقِ، ثُمَّ إخْلاءُ الكَلامِ مِن لَفْظِ التَّشْبِيهِ، وإخْراجُهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، وأنْ جُعِلُوا حَمِيرًا، وصَوْتُهم نِهاقًا - مُبالَغَةٌ (p-٤٨٠٣)شَدِيدَةٌ في الذَّمِّ والتَّهْجِينِ، وإفْراطٌ في التَّثْبِيطِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ والتَّرْغِيبِ عَنْهُ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِن كَراهَةِ اللَّهِ بِمَكانٍ. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
جاءَ ذِكْرُ لُقْمانَ في أحادِيثَ مَرْفُوعَةٍ: مِنها ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ إذا اسْتَوْدَعَ شَيْئًا حَفِظَهُ»» . ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««قالَ لُقْمانُ الحَكِيمُ لِابْنِهِ وهو يَعِظُهُ: يا بُنَيَّ إيّاكَ والتَّقَنُّعَ، فَإنَّهُ مَخْوَفَةٌ بِاللَّيْلِ، مَذَمَّةٌ بِالنَّهارِ»» .
ومِنَ الآثارِ فِيهِ ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيى قالَ: قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ إنَّ الحِكْمَةَ أجْلَسَتِ المَساكِينَ مَجالِسَ المُلُوكِ.
وعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ! إذا أتَيْتَ نادِي قَوْمٍ فارْمِهِمْ بِسَهْمِ الإسْلامِ -(يَعْنِي السَّلامَ)- ثُمَّ اجْلِسْ في ناحِيَتِهِمْ، فَلا تَنْطِقْ حَتّى تَراهم قَدْ نَطَقُوا، فَإنْ أفاضُوا في ذِكْرِ اللَّهِ فَأجِّلْ سَهْمَكَ مَعَهُمْ، وإنْ أفاضُوا في غَيْرِ ذَلِكَ فَتَحَوَّلْ عَنْهم إلى غَيْرِهِمْ. نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
لقمان 31:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠_٢١] ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ (p-٤٨٠٤)﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١]
﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ النُّجُومِ والشَّمْسِ والقَمَرِ، الَّتِي يَنْتَفِعُونَ مِن ضِيائِها، وما تُؤْثِرُهُ في الحَيَوانِ، والنَّباتِ، والجَمادِ بِقُدْرَتِهِ تَعالى، وكَذا مِنَ الأمْطارِ والسُّحُبِ والكَوائِنِ العُلْوِيَّةِ الَّتِي خَلَقَها تَعالى لِنَفْعِ مَن سُخِّرَتْ لَهُ، وكَذا ما أوْجَدَ في الأرْضِ مِن قَرارٍ وأشْجارٍ وأنْهارٍ وزُرُوعٍ وثِمارٍ، لِيَسْتَعْمِلَها مَن سُخِّرَتْ لَهُ فِيما فِيهِ حَياتُهُ، وراحَتُهُ، وسَعادَتُهُ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ أيْ: مَحْسُوسَةً ومَعْقُولَةً، كَإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، وإزاحَةِ الشُّبَهِ والعِلَلِ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي الجاحِدِينَ نِعْمَتَهُ تَعالى: ﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ: في تَوْحِيدِهِ وإرْسالِهِ الرُّسُلَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ قاطِعٍ مُسْتَفادٍ مِن عَقْلٍ: ﴿ولا هُدًى﴾ أيْ: دَلِيلٍ مَأْثُورٍ عَنْ نَبِيٍّ: ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أيْ: مُنْزَلٍ مِن لَدُنْهِ تَعالى، بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ. والمُنِيرُ: بِمَعْنى المُنْقِذِ مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ [لقمان: ٢١] أيْ: لِمَن يُجادِلُ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى: ﴿اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١] أيْ: يَدْعُو آباءَهم إلى اعْتِقاداتٍ وأعْمالٍ، هي أسْبابُ العَذابِ، كَأنَّهُ يَدْعُوهم إلى عَيْنِ العَذابِ. فَهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْهِ حَسَبَ دَعْوَتِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَأنّى يُتَّبَعُ.
لقمان 31:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠_٢١] ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ (p-٤٨٠٤)﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١]
﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ النُّجُومِ والشَّمْسِ والقَمَرِ، الَّتِي يَنْتَفِعُونَ مِن ضِيائِها، وما تُؤْثِرُهُ في الحَيَوانِ، والنَّباتِ، والجَمادِ بِقُدْرَتِهِ تَعالى، وكَذا مِنَ الأمْطارِ والسُّحُبِ والكَوائِنِ العُلْوِيَّةِ الَّتِي خَلَقَها تَعالى لِنَفْعِ مَن سُخِّرَتْ لَهُ، وكَذا ما أوْجَدَ في الأرْضِ مِن قَرارٍ وأشْجارٍ وأنْهارٍ وزُرُوعٍ وثِمارٍ، لِيَسْتَعْمِلَها مَن سُخِّرَتْ لَهُ فِيما فِيهِ حَياتُهُ، وراحَتُهُ، وسَعادَتُهُ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ أيْ: مَحْسُوسَةً ومَعْقُولَةً، كَإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، وإزاحَةِ الشُّبَهِ والعِلَلِ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي الجاحِدِينَ نِعْمَتَهُ تَعالى: ﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ: في تَوْحِيدِهِ وإرْسالِهِ الرُّسُلَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ قاطِعٍ مُسْتَفادٍ مِن عَقْلٍ: ﴿ولا هُدًى﴾ أيْ: دَلِيلٍ مَأْثُورٍ عَنْ نَبِيٍّ: ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أيْ: مُنْزَلٍ مِن لَدُنْهِ تَعالى، بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ. والمُنِيرُ: بِمَعْنى المُنْقِذِ مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ [لقمان: ٢١] أيْ: لِمَن يُجادِلُ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى: ﴿اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١] أيْ: يَدْعُو آباءَهم إلى اعْتِقاداتٍ وأعْمالٍ، هي أسْبابُ العَذابِ، كَأنَّهُ يَدْعُوهم إلى عَيْنِ العَذابِ. فَهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْهِ حَسَبَ دَعْوَتِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَأنّى يُتَّبَعُ.
لقمان 31:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٩] ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] (p-٤٨٠٥)﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩]
﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ أيْ: في أعْمالِهِ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيْ: تَعَلَّقَ بِأوْثَقِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأسْبابِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ المُحْسِنِ، بِحالِ مَن أرادَ رُقِيَّ شاهِقٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى الحَبْلِ المُتَدَلِّي مِنهُ: ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [لقمان: ٢٣] أيْ: مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: عَلى أنْ جَعَلَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يُنْكِرُها المُكابِرُونَ أيْضًا: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: شَيْئًا ما؛ فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى اعْتِرافِهِمْ.
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: عَنِ العالَمِينَ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ جَمِيعًا: ﴿الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] أيِ: المَحْمُودُ فِيما خَلَقَ وشَرَعَ، بِلِسانِ الحالِ والمَقالِ: ﴿ولَوْ أنَّما (p-٤٨٠٦)فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيْ: مِن بَعْدِ نَفادِهِ: ﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيِ: الَّتِي أوْجَدَ بِها الكائِناتِ، وسَيُوجَدُ بِها ما لا غايَةَ لِحَصْرِهِ ومُنْتَهاهُ، والسَّبْعَةُ إنَّما ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لا الحَصْرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] أيْ: إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها في سُهُولَتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: أمَدٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرْيِهِما، وهو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: لِأنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ الرّائِقِ، والتَّدْبِيرِ الفائِقِ، لا يَكادُ يَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ صانِعِهِ عَزَّ وجَلَّ مُحِيطًا بِما يَأْتِي ويَذَرُ.
لقمان 31:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٩] ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] (p-٤٨٠٥)﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩]
﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ أيْ: في أعْمالِهِ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيْ: تَعَلَّقَ بِأوْثَقِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأسْبابِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ المُحْسِنِ، بِحالِ مَن أرادَ رُقِيَّ شاهِقٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى الحَبْلِ المُتَدَلِّي مِنهُ: ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [لقمان: ٢٣] أيْ: مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: عَلى أنْ جَعَلَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يُنْكِرُها المُكابِرُونَ أيْضًا: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: شَيْئًا ما؛ فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى اعْتِرافِهِمْ.
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: عَنِ العالَمِينَ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ جَمِيعًا: ﴿الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] أيِ: المَحْمُودُ فِيما خَلَقَ وشَرَعَ، بِلِسانِ الحالِ والمَقالِ: ﴿ولَوْ أنَّما (p-٤٨٠٦)فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيْ: مِن بَعْدِ نَفادِهِ: ﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيِ: الَّتِي أوْجَدَ بِها الكائِناتِ، وسَيُوجَدُ بِها ما لا غايَةَ لِحَصْرِهِ ومُنْتَهاهُ، والسَّبْعَةُ إنَّما ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لا الحَصْرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] أيْ: إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها في سُهُولَتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: أمَدٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرْيِهِما، وهو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: لِأنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ الرّائِقِ، والتَّدْبِيرِ الفائِقِ، لا يَكادُ يَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ صانِعِهِ عَزَّ وجَلَّ مُحِيطًا بِما يَأْتِي ويَذَرُ.
لقمان 31:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٩] ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] (p-٤٨٠٥)﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩]
﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ أيْ: في أعْمالِهِ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيْ: تَعَلَّقَ بِأوْثَقِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأسْبابِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ المُحْسِنِ، بِحالِ مَن أرادَ رُقِيَّ شاهِقٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى الحَبْلِ المُتَدَلِّي مِنهُ: ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [لقمان: ٢٣] أيْ: مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: عَلى أنْ جَعَلَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يُنْكِرُها المُكابِرُونَ أيْضًا: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: شَيْئًا ما؛ فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى اعْتِرافِهِمْ.
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: عَنِ العالَمِينَ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ جَمِيعًا: ﴿الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] أيِ: المَحْمُودُ فِيما خَلَقَ وشَرَعَ، بِلِسانِ الحالِ والمَقالِ: ﴿ولَوْ أنَّما (p-٤٨٠٦)فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيْ: مِن بَعْدِ نَفادِهِ: ﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيِ: الَّتِي أوْجَدَ بِها الكائِناتِ، وسَيُوجَدُ بِها ما لا غايَةَ لِحَصْرِهِ ومُنْتَهاهُ، والسَّبْعَةُ إنَّما ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لا الحَصْرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] أيْ: إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها في سُهُولَتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: أمَدٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرْيِهِما، وهو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: لِأنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ الرّائِقِ، والتَّدْبِيرِ الفائِقِ، لا يَكادُ يَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ صانِعِهِ عَزَّ وجَلَّ مُحِيطًا بِما يَأْتِي ويَذَرُ.
لقمان 31:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٩] ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] (p-٤٨٠٥)﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩]
﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ أيْ: في أعْمالِهِ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيْ: تَعَلَّقَ بِأوْثَقِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأسْبابِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ المُحْسِنِ، بِحالِ مَن أرادَ رُقِيَّ شاهِقٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى الحَبْلِ المُتَدَلِّي مِنهُ: ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [لقمان: ٢٣] أيْ: مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: عَلى أنْ جَعَلَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يُنْكِرُها المُكابِرُونَ أيْضًا: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: شَيْئًا ما؛ فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى اعْتِرافِهِمْ.
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: عَنِ العالَمِينَ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ جَمِيعًا: ﴿الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] أيِ: المَحْمُودُ فِيما خَلَقَ وشَرَعَ، بِلِسانِ الحالِ والمَقالِ: ﴿ولَوْ أنَّما (p-٤٨٠٦)فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيْ: مِن بَعْدِ نَفادِهِ: ﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيِ: الَّتِي أوْجَدَ بِها الكائِناتِ، وسَيُوجَدُ بِها ما لا غايَةَ لِحَصْرِهِ ومُنْتَهاهُ، والسَّبْعَةُ إنَّما ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لا الحَصْرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] أيْ: إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها في سُهُولَتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: أمَدٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرْيِهِما، وهو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: لِأنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ الرّائِقِ، والتَّدْبِيرِ الفائِقِ، لا يَكادُ يَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ صانِعِهِ عَزَّ وجَلَّ مُحِيطًا بِما يَأْتِي ويَذَرُ.
لقمان 31:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٩] ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] (p-٤٨٠٥)﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩]
﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ أيْ: في أعْمالِهِ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيْ: تَعَلَّقَ بِأوْثَقِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأسْبابِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ المُحْسِنِ، بِحالِ مَن أرادَ رُقِيَّ شاهِقٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى الحَبْلِ المُتَدَلِّي مِنهُ: ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [لقمان: ٢٣] أيْ: مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: عَلى أنْ جَعَلَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يُنْكِرُها المُكابِرُونَ أيْضًا: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: شَيْئًا ما؛ فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى اعْتِرافِهِمْ.
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: عَنِ العالَمِينَ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ جَمِيعًا: ﴿الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] أيِ: المَحْمُودُ فِيما خَلَقَ وشَرَعَ، بِلِسانِ الحالِ والمَقالِ: ﴿ولَوْ أنَّما (p-٤٨٠٦)فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيْ: مِن بَعْدِ نَفادِهِ: ﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيِ: الَّتِي أوْجَدَ بِها الكائِناتِ، وسَيُوجَدُ بِها ما لا غايَةَ لِحَصْرِهِ ومُنْتَهاهُ، والسَّبْعَةُ إنَّما ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لا الحَصْرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] أيْ: إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها في سُهُولَتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: أمَدٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرْيِهِما، وهو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: لِأنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ الرّائِقِ، والتَّدْبِيرِ الفائِقِ، لا يَكادُ يَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ صانِعِهِ عَزَّ وجَلَّ مُحِيطًا بِما يَأْتِي ويَذَرُ.
لقمان 31:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٩] ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] (p-٤٨٠٥)﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩]
﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ أيْ: في أعْمالِهِ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيْ: تَعَلَّقَ بِأوْثَقِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأسْبابِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ المُحْسِنِ، بِحالِ مَن أرادَ رُقِيَّ شاهِقٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى الحَبْلِ المُتَدَلِّي مِنهُ: ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [لقمان: ٢٣] أيْ: مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: عَلى أنْ جَعَلَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يُنْكِرُها المُكابِرُونَ أيْضًا: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: شَيْئًا ما؛ فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى اعْتِرافِهِمْ.
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: عَنِ العالَمِينَ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ جَمِيعًا: ﴿الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] أيِ: المَحْمُودُ فِيما خَلَقَ وشَرَعَ، بِلِسانِ الحالِ والمَقالِ: ﴿ولَوْ أنَّما (p-٤٨٠٦)فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيْ: مِن بَعْدِ نَفادِهِ: ﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيِ: الَّتِي أوْجَدَ بِها الكائِناتِ، وسَيُوجَدُ بِها ما لا غايَةَ لِحَصْرِهِ ومُنْتَهاهُ، والسَّبْعَةُ إنَّما ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لا الحَصْرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] أيْ: إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها في سُهُولَتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: أمَدٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرْيِهِما، وهو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: لِأنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ الرّائِقِ، والتَّدْبِيرِ الفائِقِ، لا يَكادُ يَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ صانِعِهِ عَزَّ وجَلَّ مُحِيطًا بِما يَأْتِي ويَذَرُ.
لقمان 31:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٩] ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] (p-٤٨٠٥)﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩]
﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ أيْ: في أعْمالِهِ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيْ: تَعَلَّقَ بِأوْثَقِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأسْبابِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ المُحْسِنِ، بِحالِ مَن أرادَ رُقِيَّ شاهِقٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى الحَبْلِ المُتَدَلِّي مِنهُ: ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [لقمان: ٢٣] أيْ: مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: عَلى أنْ جَعَلَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يُنْكِرُها المُكابِرُونَ أيْضًا: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: شَيْئًا ما؛ فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى اعْتِرافِهِمْ.
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: عَنِ العالَمِينَ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ جَمِيعًا: ﴿الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] أيِ: المَحْمُودُ فِيما خَلَقَ وشَرَعَ، بِلِسانِ الحالِ والمَقالِ: ﴿ولَوْ أنَّما (p-٤٨٠٦)فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيْ: مِن بَعْدِ نَفادِهِ: ﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيِ: الَّتِي أوْجَدَ بِها الكائِناتِ، وسَيُوجَدُ بِها ما لا غايَةَ لِحَصْرِهِ ومُنْتَهاهُ، والسَّبْعَةُ إنَّما ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لا الحَصْرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] أيْ: إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها في سُهُولَتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: أمَدٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرْيِهِما، وهو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: لِأنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ الرّائِقِ، والتَّدْبِيرِ الفائِقِ، لا يَكادُ يَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ صانِعِهِ عَزَّ وجَلَّ مُحِيطًا بِما يَأْتِي ويَذَرُ.
لقمان 31:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٩] ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] (p-٤٨٠٥)﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩]
﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ أيْ: في أعْمالِهِ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيْ: تَعَلَّقَ بِأوْثَقِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأسْبابِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ المُحْسِنِ، بِحالِ مَن أرادَ رُقِيَّ شاهِقٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى الحَبْلِ المُتَدَلِّي مِنهُ: ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [لقمان: ٢٣] أيْ: مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: عَلى أنْ جَعَلَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يُنْكِرُها المُكابِرُونَ أيْضًا: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] أيْ: شَيْئًا ما؛ فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى اعْتِرافِهِمْ.
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ [لقمان: ٢٦] أيْ: عَنِ العالَمِينَ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ جَمِيعًا: ﴿الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] أيِ: المَحْمُودُ فِيما خَلَقَ وشَرَعَ، بِلِسانِ الحالِ والمَقالِ: ﴿ولَوْ أنَّما (p-٤٨٠٦)فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيْ: مِن بَعْدِ نَفادِهِ: ﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] أيِ: الَّتِي أوْجَدَ بِها الكائِناتِ، وسَيُوجَدُ بِها ما لا غايَةَ لِحَصْرِهِ ومُنْتَهاهُ، والسَّبْعَةُ إنَّما ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لا الحَصْرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] أيْ: إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها في سُهُولَتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: أمَدٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرْيِهِما، وهو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩] أيْ: لِأنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ الرّائِقِ، والتَّدْبِيرِ الفائِقِ، لا يَكادُ يَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ صانِعِهِ عَزَّ وجَلَّ مُحِيطًا بِما يَأْتِي ويَذَرُ.
لقمان 31:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ - ٣٢] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١] ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن سِعَةِ العِلْمِ، وشُمُولِ القُدْرَةِ، وعَجائِبِ الصُّنْعِ، واخْتِصاصِ البارِئِ بِها: ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ الحَقُّ، وُجُودُهُ وإلَهِيَّتُهُ: ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١] أيْ: بِإحْسانِهِ في تَهْيِئَةِ أسْبابِهِ: ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ (p-٤٨٠٧)صَبّارٍ﴾ [لقمان: ٣١] أيْ: عَظِيمِ الصَّبْرِ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ: ﴿شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١] أيْ: كَثِيرِ الشُّكْرِ لِلنِّعَمِ، بِالقِيامِ بِحَقِّها: ﴿وإذا غَشِيَهُمْ﴾ [لقمان: ٣٢] أيْ: عَلاهم وأحاطَ بِهِمْ: ﴿مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ [لقمان: ٣٢] أيْ: كالسُّحُبِ والحُجُبِ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] أيِ: التَجَأُوا إلَيْهِ تَعالى وحْدَهُ، لِزَوالِ ما يُنازِعُ الفِطْرَةَ مِنَ الهَوى والتَّقْلِيدِ، بِما دَهاهم مِنَ الضُّرِّ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: كافِرٌ، كَأنَّهُ فَسَّرَ (المُقْتَصِدَ) هَهُنا بِالجاحِدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو المُتَوَسِّطُ في العَمَلِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ هو المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢] الآيَةَ، فالمُقْتَصِدُ هَهُنا هو المُتَوَسِّطُ في العَمَلِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُرادًا هُنا أيْضًا، ويَكُونُ مِن بابِ الإنْكارِ عَلى مَن شاهَدَ تِلْكَ الأهْوالَ والأُمُورَ العِظامَ، والآياتِ الباهِراتِ في البَحْرِ، ثُمَّ مِن بَعْدِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالخَلاصِ، كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقابِلَ ذَلِكَ بِالعَمَلِ التّامِّ، والدَّؤُوبِ في العِبادَةِ، والمُبادَرَةِ إلى الخَيْراتِ، فَمَنِ اقْتَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ، كانَ مُقَصِّرًا والحالَةُ هَذِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ﴾ [لقمان: ٣٢] أيْ: غَدّارٍ، ناقِضٍ لِلْعَهْدِ الفِطْرِيِّ، ولِعَقْدِ العَزِيمَةِ وقْتَ الهَوْلِ البَحْرِيِّ: ﴿كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] أيْ: مُبالِغٍ في كُفْرانِ نِعَمِهِ تَعالى، لا يَقْضِي حُقُوقَها، ولا يَسْتَعْمِلُها في مَحابِّهِ.
لقمان 31:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ - ٣٢] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١] ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن سِعَةِ العِلْمِ، وشُمُولِ القُدْرَةِ، وعَجائِبِ الصُّنْعِ، واخْتِصاصِ البارِئِ بِها: ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ الحَقُّ، وُجُودُهُ وإلَهِيَّتُهُ: ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١] أيْ: بِإحْسانِهِ في تَهْيِئَةِ أسْبابِهِ: ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ (p-٤٨٠٧)صَبّارٍ﴾ [لقمان: ٣١] أيْ: عَظِيمِ الصَّبْرِ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ: ﴿شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١] أيْ: كَثِيرِ الشُّكْرِ لِلنِّعَمِ، بِالقِيامِ بِحَقِّها: ﴿وإذا غَشِيَهُمْ﴾ [لقمان: ٣٢] أيْ: عَلاهم وأحاطَ بِهِمْ: ﴿مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ [لقمان: ٣٢] أيْ: كالسُّحُبِ والحُجُبِ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] أيِ: التَجَأُوا إلَيْهِ تَعالى وحْدَهُ، لِزَوالِ ما يُنازِعُ الفِطْرَةَ مِنَ الهَوى والتَّقْلِيدِ، بِما دَهاهم مِنَ الضُّرِّ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: كافِرٌ، كَأنَّهُ فَسَّرَ (المُقْتَصِدَ) هَهُنا بِالجاحِدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو المُتَوَسِّطُ في العَمَلِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ هو المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢] الآيَةَ، فالمُقْتَصِدُ هَهُنا هو المُتَوَسِّطُ في العَمَلِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُرادًا هُنا أيْضًا، ويَكُونُ مِن بابِ الإنْكارِ عَلى مَن شاهَدَ تِلْكَ الأهْوالَ والأُمُورَ العِظامَ، والآياتِ الباهِراتِ في البَحْرِ، ثُمَّ مِن بَعْدِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالخَلاصِ، كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقابِلَ ذَلِكَ بِالعَمَلِ التّامِّ، والدَّؤُوبِ في العِبادَةِ، والمُبادَرَةِ إلى الخَيْراتِ، فَمَنِ اقْتَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ، كانَ مُقَصِّرًا والحالَةُ هَذِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ﴾ [لقمان: ٣٢] أيْ: غَدّارٍ، ناقِضٍ لِلْعَهْدِ الفِطْرِيِّ، ولِعَقْدِ العَزِيمَةِ وقْتَ الهَوْلِ البَحْرِيِّ: ﴿كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] أيْ: مُبالِغٍ في كُفْرانِ نِعَمِهِ تَعالى، لا يَقْضِي حُقُوقَها، ولا يَسْتَعْمِلُها في مَحابِّهِ.
لقمان 31:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ - ٣٢] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١] ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن سِعَةِ العِلْمِ، وشُمُولِ القُدْرَةِ، وعَجائِبِ الصُّنْعِ، واخْتِصاصِ البارِئِ بِها: ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ الحَقُّ، وُجُودُهُ وإلَهِيَّتُهُ: ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١] أيْ: بِإحْسانِهِ في تَهْيِئَةِ أسْبابِهِ: ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ (p-٤٨٠٧)صَبّارٍ﴾ [لقمان: ٣١] أيْ: عَظِيمِ الصَّبْرِ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ: ﴿شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١] أيْ: كَثِيرِ الشُّكْرِ لِلنِّعَمِ، بِالقِيامِ بِحَقِّها: ﴿وإذا غَشِيَهُمْ﴾ [لقمان: ٣٢] أيْ: عَلاهم وأحاطَ بِهِمْ: ﴿مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ [لقمان: ٣٢] أيْ: كالسُّحُبِ والحُجُبِ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] أيِ: التَجَأُوا إلَيْهِ تَعالى وحْدَهُ، لِزَوالِ ما يُنازِعُ الفِطْرَةَ مِنَ الهَوى والتَّقْلِيدِ، بِما دَهاهم مِنَ الضُّرِّ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: كافِرٌ، كَأنَّهُ فَسَّرَ (المُقْتَصِدَ) هَهُنا بِالجاحِدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو المُتَوَسِّطُ في العَمَلِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ هو المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢] الآيَةَ، فالمُقْتَصِدُ هَهُنا هو المُتَوَسِّطُ في العَمَلِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُرادًا هُنا أيْضًا، ويَكُونُ مِن بابِ الإنْكارِ عَلى مَن شاهَدَ تِلْكَ الأهْوالَ والأُمُورَ العِظامَ، والآياتِ الباهِراتِ في البَحْرِ، ثُمَّ مِن بَعْدِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالخَلاصِ، كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقابِلَ ذَلِكَ بِالعَمَلِ التّامِّ، والدَّؤُوبِ في العِبادَةِ، والمُبادَرَةِ إلى الخَيْراتِ، فَمَنِ اقْتَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ، كانَ مُقَصِّرًا والحالَةُ هَذِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ﴾ [لقمان: ٣٢] أيْ: غَدّارٍ، ناقِضٍ لِلْعَهْدِ الفِطْرِيِّ، ولِعَقْدِ العَزِيمَةِ وقْتَ الهَوْلِ البَحْرِيِّ: ﴿كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] أيْ: مُبالِغٍ في كُفْرانِ نِعَمِهِ تَعالى، لا يَقْضِي حُقُوقَها، ولا يَسْتَعْمِلُها في مَحابِّهِ.
لقمان 31:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣] ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾
﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ أيْ: لَيْسَ بِمُغْنٍ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ شَيْئًا، لِانْقِطاعِ الوَصْلِ في (p-٤٨٠٨)ذَلِكَ اليَوْمِ الرَّهِيبِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَغْيِيرُ النَّظْمِ -فِي الثّانِيَةِ- لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْلُودَ أوْلى بِأنْ لا يُجْزى، وقَطَعَ طَمَعَ مَن تَوَقَّعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْفَعَ أباهُ الكافِرَ في الآخِرَةِ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ بِالثَّوابِ والعِقابِ، لا يُمْكِنُ إخْلافُهُ: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ.
لقمان 31:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤] ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَـزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ: عِلْمُ وقْتِ قِيامِها: ﴿ويُنَـزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيْ: في وقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ، وإلى مَحَلِّهِ الَّذِي عَيَّنَهُ في عِلْمِهِ: ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ أيْ: مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، سَعِيدٍ أوْ شَقِيٍّ: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ أيْ: في بَلَدِها أوْ غَيْرِهِ؛ لِاسْتِئْثارِ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ ذَلِكَ، وقَدْ جاءَ الخَبَرُ بِتَسْمِيَةِ هَذِهِ الخَمْسِ: مَفاتِحَ الغَيْبِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أيْ: بِما كانَ ويَكُونُ، وبِظَواهِرِ الأشْياءِ وبَواطِنِها، لا إلَهَ إلّا هو.
السجدة 32:1
(p-٤٨٠٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ السَّجْدَةِ
سُمِّيَتْ بِها، لِأنَّ آيَةَ السَّجْدَةِ مِنها، تَدُلُّ عَلى أنَّ آياتِ القُرْآنِ مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ تَخِرُّ وُجُوهُ الكُلِّ، لِسَماعِ مَواعِظِها، وتَنَزُّهِ مَنزِلِها عَنْ أنْ يُعارِضَ في كَلامِهِ. وبِشُكْرِهِ عَلى كَمالِ هِدايَتِهِ. وهَذا أعْظَمُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَلاثُونَ.
رَوى البُخارِيُّ في (كِتابِ الجُمُعَةِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الفَجْرِ، يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] السَّجْدَةِ، وهَلْ أتى عَلى الإنْسانِ».
ورَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] السَّجْدَةِ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ».
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
(p-٤٨١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٣] ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣]
﴿الم﴾ تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ الفَواتِحَ أسْماءٌ لِلسُّوَرِ: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة: ٢] أيْ: في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السجدة: ٣] أيِ: اخْتَلَقَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣] أيْ: يَتَّبِعُونَ الحَقَّ.
وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولٌ قَبْلَهُ ﷺ، فَلَطَفَ تَعالى بِهِمْ وبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم ﷺ.
السجدة 32:2
(p-٤٨٠٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ السَّجْدَةِ
سُمِّيَتْ بِها، لِأنَّ آيَةَ السَّجْدَةِ مِنها، تَدُلُّ عَلى أنَّ آياتِ القُرْآنِ مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ تَخِرُّ وُجُوهُ الكُلِّ، لِسَماعِ مَواعِظِها، وتَنَزُّهِ مَنزِلِها عَنْ أنْ يُعارِضَ في كَلامِهِ. وبِشُكْرِهِ عَلى كَمالِ هِدايَتِهِ. وهَذا أعْظَمُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَلاثُونَ.
رَوى البُخارِيُّ في (كِتابِ الجُمُعَةِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الفَجْرِ، يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] السَّجْدَةِ، وهَلْ أتى عَلى الإنْسانِ».
ورَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] السَّجْدَةِ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ».
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
(p-٤٨١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٣] ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣]
﴿الم﴾ تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ الفَواتِحَ أسْماءٌ لِلسُّوَرِ: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة: ٢] أيْ: في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السجدة: ٣] أيِ: اخْتَلَقَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣] أيْ: يَتَّبِعُونَ الحَقَّ.
وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولٌ قَبْلَهُ ﷺ، فَلَطَفَ تَعالى بِهِمْ وبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم ﷺ.
السجدة 32:3
(p-٤٨٠٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ السَّجْدَةِ
سُمِّيَتْ بِها، لِأنَّ آيَةَ السَّجْدَةِ مِنها، تَدُلُّ عَلى أنَّ آياتِ القُرْآنِ مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ تَخِرُّ وُجُوهُ الكُلِّ، لِسَماعِ مَواعِظِها، وتَنَزُّهِ مَنزِلِها عَنْ أنْ يُعارِضَ في كَلامِهِ. وبِشُكْرِهِ عَلى كَمالِ هِدايَتِهِ. وهَذا أعْظَمُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَلاثُونَ.
رَوى البُخارِيُّ في (كِتابِ الجُمُعَةِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الفَجْرِ، يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] السَّجْدَةِ، وهَلْ أتى عَلى الإنْسانِ».
ورَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] السَّجْدَةِ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ».
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
(p-٤٨١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٣] ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣]
﴿الم﴾ تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ الفَواتِحَ أسْماءٌ لِلسُّوَرِ: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة: ٢] أيْ: في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السجدة: ٣] أيِ: اخْتَلَقَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣] أيْ: يَتَّبِعُونَ الحَقَّ.
وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولٌ قَبْلَهُ ﷺ، فَلَطَفَ تَعالى بِهِمْ وبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم ﷺ.
السجدة 32:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٥] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى (p-٤٨١١)العَرْشِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ: ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: ما لَكم عِنْدَهُ ناصِرٌ ولا شَفِيعٌ مِنَ الخَلْقِ: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَّعِظُونَ بِالقُرْآنِ فَتُؤْمِنُوا: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ [السجدة: ٥] أيْ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ، مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها، نازِلَةٍ آثارُها وأحْكامُها إلى الأرْضِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] أيْ: يَصْعَدُ إلَيْهِ، أيْ: مَعَ المَلَكِ لِلْعَرْضِ عَلَيْهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] أيْ: مِقْدارُ صُعُودِهِ عَلى غَيْرِ المَلَكِ، ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: يَتَنَزَّلُ مِن أعْلى السَّماواتِ إلى أقْصى تُخُومِ الأرَضِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَـزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] الآيَةَ. وتُرْفَعُ الأعْمالُ إلى دِيوانِها فَوْقَ السَّماءِ. انْتَهى.
السجدة 32:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٥] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى (p-٤٨١١)العَرْشِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ: ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: ما لَكم عِنْدَهُ ناصِرٌ ولا شَفِيعٌ مِنَ الخَلْقِ: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَّعِظُونَ بِالقُرْآنِ فَتُؤْمِنُوا: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ [السجدة: ٥] أيْ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ، مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها، نازِلَةٍ آثارُها وأحْكامُها إلى الأرْضِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] أيْ: يَصْعَدُ إلَيْهِ، أيْ: مَعَ المَلَكِ لِلْعَرْضِ عَلَيْهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] أيْ: مِقْدارُ صُعُودِهِ عَلى غَيْرِ المَلَكِ، ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: يَتَنَزَّلُ مِن أعْلى السَّماواتِ إلى أقْصى تُخُومِ الأرَضِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَـزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] الآيَةَ. وتُرْفَعُ الأعْمالُ إلى دِيوانِها فَوْقَ السَّماءِ. انْتَهى.
السجدة 32:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ٩] ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩]
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المُدَبِّرُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ أيْ: ما غابَ عَنِ العِبادِ، وما يَكُونُ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ أيْ: ما عَلِمَهُ العِبادُ، وما كانَ: ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ: الغالِبُ عَلى أمْرِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيْ: بِالعِبادِ في تَدَبُّرِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] أيْ: أحْكَمَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ خَلَقَهُ إلّا وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ [السجدة: ٧] يَعْنِي آدَمَ: ﴿مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ (p-٤٨١٢)نَسْلَهُ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: ذُرِّيَّتَهُ: ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: مِن نُطْفَةٍ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: ضَعِيفٍ مُمْتَهَنٍ، والسُّلالَةُ الخُلاصَةُ، وأصْلُها ما يَسُلُّ ويَخْلُصُ بِالتَّصْفِيَةِ: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: قَوَّمَهُ في بَطْنِ أُمِّهِ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: جَعَلَ الرُّوحَ فِيهِ، وأضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ المَشاعِرَ، لِتُدْرِكُوا بِها الحَقَّ والهُدى: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: بِأنْ تَصْرِفُوها إلى ما خُلِقَتْ لَهُ.
السجدة 32:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ٩] ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩]
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المُدَبِّرُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ أيْ: ما غابَ عَنِ العِبادِ، وما يَكُونُ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ أيْ: ما عَلِمَهُ العِبادُ، وما كانَ: ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ: الغالِبُ عَلى أمْرِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيْ: بِالعِبادِ في تَدَبُّرِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] أيْ: أحْكَمَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ خَلَقَهُ إلّا وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ [السجدة: ٧] يَعْنِي آدَمَ: ﴿مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ (p-٤٨١٢)نَسْلَهُ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: ذُرِّيَّتَهُ: ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: مِن نُطْفَةٍ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: ضَعِيفٍ مُمْتَهَنٍ، والسُّلالَةُ الخُلاصَةُ، وأصْلُها ما يَسُلُّ ويَخْلُصُ بِالتَّصْفِيَةِ: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: قَوَّمَهُ في بَطْنِ أُمِّهِ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: جَعَلَ الرُّوحَ فِيهِ، وأضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ المَشاعِرَ، لِتُدْرِكُوا بِها الحَقَّ والهُدى: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: بِأنْ تَصْرِفُوها إلى ما خُلِقَتْ لَهُ.
السجدة 32:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ٩] ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩]
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المُدَبِّرُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ أيْ: ما غابَ عَنِ العِبادِ، وما يَكُونُ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ أيْ: ما عَلِمَهُ العِبادُ، وما كانَ: ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ: الغالِبُ عَلى أمْرِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيْ: بِالعِبادِ في تَدَبُّرِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] أيْ: أحْكَمَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ خَلَقَهُ إلّا وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ [السجدة: ٧] يَعْنِي آدَمَ: ﴿مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ (p-٤٨١٢)نَسْلَهُ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: ذُرِّيَّتَهُ: ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: مِن نُطْفَةٍ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: ضَعِيفٍ مُمْتَهَنٍ، والسُّلالَةُ الخُلاصَةُ، وأصْلُها ما يَسُلُّ ويَخْلُصُ بِالتَّصْفِيَةِ: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: قَوَّمَهُ في بَطْنِ أُمِّهِ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: جَعَلَ الرُّوحَ فِيهِ، وأضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ المَشاعِرَ، لِتُدْرِكُوا بِها الحَقَّ والهُدى: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: بِأنْ تَصْرِفُوها إلى ما خُلِقَتْ لَهُ.
السجدة 32:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ٩] ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩]
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المُدَبِّرُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ أيْ: ما غابَ عَنِ العِبادِ، وما يَكُونُ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ أيْ: ما عَلِمَهُ العِبادُ، وما كانَ: ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ: الغالِبُ عَلى أمْرِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيْ: بِالعِبادِ في تَدَبُّرِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] أيْ: أحْكَمَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ خَلَقَهُ إلّا وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ [السجدة: ٧] يَعْنِي آدَمَ: ﴿مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ (p-٤٨١٢)نَسْلَهُ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: ذُرِّيَّتَهُ: ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: مِن نُطْفَةٍ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: ضَعِيفٍ مُمْتَهَنٍ، والسُّلالَةُ الخُلاصَةُ، وأصْلُها ما يَسُلُّ ويَخْلُصُ بِالتَّصْفِيَةِ: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: قَوَّمَهُ في بَطْنِ أُمِّهِ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: جَعَلَ الرُّوحَ فِيهِ، وأضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ المَشاعِرَ، لِتُدْرِكُوا بِها الحَقَّ والهُدى: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: بِأنْ تَصْرِفُوها إلى ما خُلِقَتْ لَهُ.
السجدة 32:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٢] ﴿وقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]
﴿وقالُوا﴾ أيْ: كُفّارُ مَكَّةَ: ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أيْ: صِرْنا تُرابًا مَخْلُوطًا بِتُرابِ الأرْضِ لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، أوْ غِبْنا فِيها: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُجَدَّدُ بَعْدَ المَوْتِ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ لِلْجَزاءِ والحِسابِ: ﴿كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ، إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ وأشْنَعُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِالوُصُولِ إلى العاقِبَةِ، وما يَلْقَوْنَهُ فِيها مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ جَمِيعًا: ﴿قُلْ﴾ [السجدة: ١١] أيْ: بَيانًا لِلْحَقِّ، ورَدًّا عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ: ﴿يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] أيْ: يَقْبِضُ أرْواحَكُمْ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] أيْ: بِالبَعْثِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
فائِدَةٌ:
قالَ ابْنُ أبِي الحَدِيدِ في (شَــــرْحِ نَهْجِ البَـــلاغَةِ) في هَذِهِ الآيَةِ: مَذْهَبُ جُمْهُورِ أصْحابِنا (p-٤٨١٣)أنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ بُخارِيٌّ يَتَكَوَّنُ مِن ألْطَفِ أجْزاءِ الأغْذِيَةِ، يَنْفُذُ في العُرُوقِ، حالَّةً فِيها، وكَذَلِكَ لِلْقَلْبِ، وكَذَلِكَ لِلْكَبِدِ.
وعِنْدَهم أنَّ لِمَلَكِ المَوْتِ أعْوانًا تَقْبِضُ الأرْواحَ بِحُكْمِ النِّيابَةِ عَنْهُ، لَوْلا ذَلِكَ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وهو جِسْمٌ أنْ يَقْبِضَ رُوحَيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ؛ لِأنَّ الجِسْمَ الواحِدَ لا يَكُونُ في مَكانَيْنِ، في وقْتٍ واحِدٍ.
قالَ أصْحابُنا: ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الحَفَظَةُ الكاتِبُونَ هُمُ القابِضُونَ لِلْأرْواحِ عِنْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ.
قالُوا: وكَيْفِيَّةُ القَبْضِ، وُلُوجُ المَلَكِ مِنَ الفَمِ إلى القَلْبِ؛ لِأنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ هَوائِيٌّ، لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ النُّفُوذُ في المَخارِقِ الضَّيِّقَةِ، فَيُخالِطُ الرُّوحَ، الَّتِي هي كالشَّبِيهَةِ بِها؛ لِأنَّها بُخارِيٌّ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِن حَيْثُ دَخَلَ، وهي مَعَهُ.
وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الوَقْتِ الَّذِي يَأْذَنُ اللَّهُ تَعالى لَهُ فِيهِ، وهو حُضُورُ الأجَلِ.
فَألْزَمُوا عَلى ذَلِكَ أنْ يَغُوصَ المَلَكُ في الماءِ مَعَ الغَرِيقِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ تَحْتَ الماءِ، فالتَزَمُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ أنْ يَتَخَلَّلَ المَلَكُ الماءَ في مَسامِّ الماءِ، فَإنَّ فِيهِ مَسامَّ ومَنافِذَ، وفي كُلِّ جِسْمٍ، عَلى قاعِدَتِهِمْ في إثْباتِ المَسامِّ في الأجْسامِ.
قالُوا: ولَوْ فَرَضْنا أنَّهُ لا مَسامَّ فِيهِ، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَلِجَهُ المَلَكُ فَيُوَسِّعُ لِنَفْسِهِ مَكانًا، كَما يَلِجُهُ الحَجَرُ والسَّمَكُ، وغَيْرُهُما. وكالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي تَقْرَعُ ظاهِرَ البَحْرِ فَتَقْعَرُهُ وتَحْفِرُهُ، وقُوَّةُ المَلَكِ أشَدُّ مِن قُوَّةِ الرِّيحِ. انْتَهى.
والأوْلى الوُقُوفُ، فِيما لَمْ تَعْلَمْ كَيْفِيَّتَهُ، عِنْدَ مَتْلُوِّهِ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ، أدَبًا عَنِ التَّهَجُّمِ عَلى الغَيْبِ وتَوَرُّعًا عَنْ مُحاوَلَةِ ما لا يَبْلُغُ كُنْهَهُ، وأُسْوَةً بِما مَضى عَلَيْهِ مَن لَمْ يَخُضْ فِيهِ، وهُمُ الخِيرَةُ والأُسْوَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢] وهُمُ القائِلُونَ تِلْكَ المَقالَةَ الشَّنْعاءَ: ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: مُطَأْطِئُوها مِنَ الحَياءِ والخِزْيِ، لِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ: ﴿رَبَّنا﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا: ﴿أبْصَرْنا (p-٤٨١٤)وسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: عَلِمْنا ما لَمْ نَعْلَمْ، وأيْقَنّا بِما لَمْ نَكُنْ بِهِ مُوقِنِينَ: ﴿فارْجِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: إلى الدُّنْيا: ﴿نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: مُقِرُّونَ بِكَ، وبِكِتابِكَ، ورَسُولِكَ، والجَزاءِ.
السجدة 32:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٢] ﴿وقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]
﴿وقالُوا﴾ أيْ: كُفّارُ مَكَّةَ: ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أيْ: صِرْنا تُرابًا مَخْلُوطًا بِتُرابِ الأرْضِ لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، أوْ غِبْنا فِيها: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُجَدَّدُ بَعْدَ المَوْتِ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ لِلْجَزاءِ والحِسابِ: ﴿كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ، إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ وأشْنَعُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِالوُصُولِ إلى العاقِبَةِ، وما يَلْقَوْنَهُ فِيها مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ جَمِيعًا: ﴿قُلْ﴾ [السجدة: ١١] أيْ: بَيانًا لِلْحَقِّ، ورَدًّا عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ: ﴿يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] أيْ: يَقْبِضُ أرْواحَكُمْ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] أيْ: بِالبَعْثِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
فائِدَةٌ:
قالَ ابْنُ أبِي الحَدِيدِ في (شَــــرْحِ نَهْجِ البَـــلاغَةِ) في هَذِهِ الآيَةِ: مَذْهَبُ جُمْهُورِ أصْحابِنا (p-٤٨١٣)أنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ بُخارِيٌّ يَتَكَوَّنُ مِن ألْطَفِ أجْزاءِ الأغْذِيَةِ، يَنْفُذُ في العُرُوقِ، حالَّةً فِيها، وكَذَلِكَ لِلْقَلْبِ، وكَذَلِكَ لِلْكَبِدِ.
وعِنْدَهم أنَّ لِمَلَكِ المَوْتِ أعْوانًا تَقْبِضُ الأرْواحَ بِحُكْمِ النِّيابَةِ عَنْهُ، لَوْلا ذَلِكَ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وهو جِسْمٌ أنْ يَقْبِضَ رُوحَيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ؛ لِأنَّ الجِسْمَ الواحِدَ لا يَكُونُ في مَكانَيْنِ، في وقْتٍ واحِدٍ.
قالَ أصْحابُنا: ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الحَفَظَةُ الكاتِبُونَ هُمُ القابِضُونَ لِلْأرْواحِ عِنْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ.
قالُوا: وكَيْفِيَّةُ القَبْضِ، وُلُوجُ المَلَكِ مِنَ الفَمِ إلى القَلْبِ؛ لِأنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ هَوائِيٌّ، لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ النُّفُوذُ في المَخارِقِ الضَّيِّقَةِ، فَيُخالِطُ الرُّوحَ، الَّتِي هي كالشَّبِيهَةِ بِها؛ لِأنَّها بُخارِيٌّ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِن حَيْثُ دَخَلَ، وهي مَعَهُ.
وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الوَقْتِ الَّذِي يَأْذَنُ اللَّهُ تَعالى لَهُ فِيهِ، وهو حُضُورُ الأجَلِ.
فَألْزَمُوا عَلى ذَلِكَ أنْ يَغُوصَ المَلَكُ في الماءِ مَعَ الغَرِيقِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ تَحْتَ الماءِ، فالتَزَمُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ أنْ يَتَخَلَّلَ المَلَكُ الماءَ في مَسامِّ الماءِ، فَإنَّ فِيهِ مَسامَّ ومَنافِذَ، وفي كُلِّ جِسْمٍ، عَلى قاعِدَتِهِمْ في إثْباتِ المَسامِّ في الأجْسامِ.
قالُوا: ولَوْ فَرَضْنا أنَّهُ لا مَسامَّ فِيهِ، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَلِجَهُ المَلَكُ فَيُوَسِّعُ لِنَفْسِهِ مَكانًا، كَما يَلِجُهُ الحَجَرُ والسَّمَكُ، وغَيْرُهُما. وكالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي تَقْرَعُ ظاهِرَ البَحْرِ فَتَقْعَرُهُ وتَحْفِرُهُ، وقُوَّةُ المَلَكِ أشَدُّ مِن قُوَّةِ الرِّيحِ. انْتَهى.
والأوْلى الوُقُوفُ، فِيما لَمْ تَعْلَمْ كَيْفِيَّتَهُ، عِنْدَ مَتْلُوِّهِ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ، أدَبًا عَنِ التَّهَجُّمِ عَلى الغَيْبِ وتَوَرُّعًا عَنْ مُحاوَلَةِ ما لا يَبْلُغُ كُنْهَهُ، وأُسْوَةً بِما مَضى عَلَيْهِ مَن لَمْ يَخُضْ فِيهِ، وهُمُ الخِيرَةُ والأُسْوَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢] وهُمُ القائِلُونَ تِلْكَ المَقالَةَ الشَّنْعاءَ: ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: مُطَأْطِئُوها مِنَ الحَياءِ والخِزْيِ، لِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ: ﴿رَبَّنا﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا: ﴿أبْصَرْنا (p-٤٨١٤)وسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: عَلِمْنا ما لَمْ نَعْلَمْ، وأيْقَنّا بِما لَمْ نَكُنْ بِهِ مُوقِنِينَ: ﴿فارْجِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: إلى الدُّنْيا: ﴿نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: مُقِرُّونَ بِكَ، وبِكِتابِكَ، ورَسُولِكَ، والجَزاءِ.
السجدة 32:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٢] ﴿وقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]
﴿وقالُوا﴾ أيْ: كُفّارُ مَكَّةَ: ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أيْ: صِرْنا تُرابًا مَخْلُوطًا بِتُرابِ الأرْضِ لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، أوْ غِبْنا فِيها: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُجَدَّدُ بَعْدَ المَوْتِ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ لِلْجَزاءِ والحِسابِ: ﴿كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ، إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ وأشْنَعُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِالوُصُولِ إلى العاقِبَةِ، وما يَلْقَوْنَهُ فِيها مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ جَمِيعًا: ﴿قُلْ﴾ [السجدة: ١١] أيْ: بَيانًا لِلْحَقِّ، ورَدًّا عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ: ﴿يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] أيْ: يَقْبِضُ أرْواحَكُمْ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] أيْ: بِالبَعْثِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
فائِدَةٌ:
قالَ ابْنُ أبِي الحَدِيدِ في (شَــــرْحِ نَهْجِ البَـــلاغَةِ) في هَذِهِ الآيَةِ: مَذْهَبُ جُمْهُورِ أصْحابِنا (p-٤٨١٣)أنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ بُخارِيٌّ يَتَكَوَّنُ مِن ألْطَفِ أجْزاءِ الأغْذِيَةِ، يَنْفُذُ في العُرُوقِ، حالَّةً فِيها، وكَذَلِكَ لِلْقَلْبِ، وكَذَلِكَ لِلْكَبِدِ.
وعِنْدَهم أنَّ لِمَلَكِ المَوْتِ أعْوانًا تَقْبِضُ الأرْواحَ بِحُكْمِ النِّيابَةِ عَنْهُ، لَوْلا ذَلِكَ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وهو جِسْمٌ أنْ يَقْبِضَ رُوحَيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ؛ لِأنَّ الجِسْمَ الواحِدَ لا يَكُونُ في مَكانَيْنِ، في وقْتٍ واحِدٍ.
قالَ أصْحابُنا: ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الحَفَظَةُ الكاتِبُونَ هُمُ القابِضُونَ لِلْأرْواحِ عِنْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ.
قالُوا: وكَيْفِيَّةُ القَبْضِ، وُلُوجُ المَلَكِ مِنَ الفَمِ إلى القَلْبِ؛ لِأنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ هَوائِيٌّ، لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ النُّفُوذُ في المَخارِقِ الضَّيِّقَةِ، فَيُخالِطُ الرُّوحَ، الَّتِي هي كالشَّبِيهَةِ بِها؛ لِأنَّها بُخارِيٌّ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِن حَيْثُ دَخَلَ، وهي مَعَهُ.
وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الوَقْتِ الَّذِي يَأْذَنُ اللَّهُ تَعالى لَهُ فِيهِ، وهو حُضُورُ الأجَلِ.
فَألْزَمُوا عَلى ذَلِكَ أنْ يَغُوصَ المَلَكُ في الماءِ مَعَ الغَرِيقِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ تَحْتَ الماءِ، فالتَزَمُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ أنْ يَتَخَلَّلَ المَلَكُ الماءَ في مَسامِّ الماءِ، فَإنَّ فِيهِ مَسامَّ ومَنافِذَ، وفي كُلِّ جِسْمٍ، عَلى قاعِدَتِهِمْ في إثْباتِ المَسامِّ في الأجْسامِ.
قالُوا: ولَوْ فَرَضْنا أنَّهُ لا مَسامَّ فِيهِ، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَلِجَهُ المَلَكُ فَيُوَسِّعُ لِنَفْسِهِ مَكانًا، كَما يَلِجُهُ الحَجَرُ والسَّمَكُ، وغَيْرُهُما. وكالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي تَقْرَعُ ظاهِرَ البَحْرِ فَتَقْعَرُهُ وتَحْفِرُهُ، وقُوَّةُ المَلَكِ أشَدُّ مِن قُوَّةِ الرِّيحِ. انْتَهى.
والأوْلى الوُقُوفُ، فِيما لَمْ تَعْلَمْ كَيْفِيَّتَهُ، عِنْدَ مَتْلُوِّهِ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ، أدَبًا عَنِ التَّهَجُّمِ عَلى الغَيْبِ وتَوَرُّعًا عَنْ مُحاوَلَةِ ما لا يَبْلُغُ كُنْهَهُ، وأُسْوَةً بِما مَضى عَلَيْهِ مَن لَمْ يَخُضْ فِيهِ، وهُمُ الخِيرَةُ والأُسْوَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢] وهُمُ القائِلُونَ تِلْكَ المَقالَةَ الشَّنْعاءَ: ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: مُطَأْطِئُوها مِنَ الحَياءِ والخِزْيِ، لِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ: ﴿رَبَّنا﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا: ﴿أبْصَرْنا (p-٤٨١٤)وسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: عَلِمْنا ما لَمْ نَعْلَمْ، وأيْقَنّا بِما لَمْ نَكُنْ بِهِ مُوقِنِينَ: ﴿فارْجِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: إلى الدُّنْيا: ﴿نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: مُقِرُّونَ بِكَ، وبِكِتابِكَ، ورَسُولِكَ، والجَزاءِ.
السجدة 32:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٤] ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤]
﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ أيْ: تَقْواها: ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ أيْ: في القَضاءِ السّابِقِ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ أيْ: سَبَقَ القَوْلُ حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ [ص: ٨٤] ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] أيْ: فَبِمُوجَبِ ذَلِكَ القَوْلِ لَمْ نَشَأْ إعْطاءَ الهُدى عَلى العُمُومِ، بَلْ مَنَعْناهُ مِن أتْباعِ إبْلِيسَ، الَّذِينَ هَؤُلاءِ مِن جُمْلَتِهِمْ حَيْثُ صَرَفُوا اخْتِيارَهم إلى الغَيِّ والفَسادِ، ومَشِيئَتَهُ تَعالى لِأفْعالِ العِبادِ مَنُوطَةً بِاخْتِيارِهِمْ إيّاها، فَلَمّا لَمْ يَخْتارُوا الهُدى، واخْتارُوا الضَّلالَةَ، لَمْ يَشَأْ إعْطاءَهُ لَهُمْ، وإنَّما آتاهُ الَّذِينَ اخْتارُوهُ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ [السجدة: ١٥] الآيَةَ. فَيَكُونُ مَناطُ عَدَمِ مَشِيئَةِ إعْطاءِ الهُدى في الحَقِيقَةِ سُوءَ اخْتِيارِهِمْ، لا تَحَقُّقَ القَوْلِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [السجدة: ١٤] أيْ: تَرَكْتُمُ الإقْرارَ بِهِ، والإيمانَ بِصِدْقِ مَوْعُودِهِ، وعامَلْتُمُوهُ مُعامَلَةَ المَنسِيِّ المَهْجُورِ: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ [السجدة: ١٤] أيْ: جازَيْناكم جَزاءَ (p-٤٨١٥)نِسْيانِكُمْ، أوْ تَرَكْناكم في العَذابِ تَرْكَ المَنسِيِّ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤] أيْ: مِنَ المُوبِقاتِ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ، وتَعْيِينُ الفِعْلِ المَطْوِيِّ لِلذَّوْقِ.
السجدة 32:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٤] ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤]
﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ أيْ: تَقْواها: ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ أيْ: في القَضاءِ السّابِقِ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ أيْ: سَبَقَ القَوْلُ حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ [ص: ٨٤] ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] أيْ: فَبِمُوجَبِ ذَلِكَ القَوْلِ لَمْ نَشَأْ إعْطاءَ الهُدى عَلى العُمُومِ، بَلْ مَنَعْناهُ مِن أتْباعِ إبْلِيسَ، الَّذِينَ هَؤُلاءِ مِن جُمْلَتِهِمْ حَيْثُ صَرَفُوا اخْتِيارَهم إلى الغَيِّ والفَسادِ، ومَشِيئَتَهُ تَعالى لِأفْعالِ العِبادِ مَنُوطَةً بِاخْتِيارِهِمْ إيّاها، فَلَمّا لَمْ يَخْتارُوا الهُدى، واخْتارُوا الضَّلالَةَ، لَمْ يَشَأْ إعْطاءَهُ لَهُمْ، وإنَّما آتاهُ الَّذِينَ اخْتارُوهُ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ [السجدة: ١٥] الآيَةَ. فَيَكُونُ مَناطُ عَدَمِ مَشِيئَةِ إعْطاءِ الهُدى في الحَقِيقَةِ سُوءَ اخْتِيارِهِمْ، لا تَحَقُّقَ القَوْلِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [السجدة: ١٤] أيْ: تَرَكْتُمُ الإقْرارَ بِهِ، والإيمانَ بِصِدْقِ مَوْعُودِهِ، وعامَلْتُمُوهُ مُعامَلَةَ المَنسِيِّ المَهْجُورِ: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ [السجدة: ١٤] أيْ: جازَيْناكم جَزاءَ (p-٤٨١٥)نِسْيانِكُمْ، أوْ تَرَكْناكم في العَذابِ تَرْكَ المَنسِيِّ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤] أيْ: مِنَ المُوبِقاتِ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ، وتَعْيِينُ الفِعْلِ المَطْوِيِّ لِلذَّوْقِ.
السجدة 32:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥ - ١٦] ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] .
﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ أيْ: وُعِظُوا: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ لِسُرْعَةِ قَبُولِهِمْ لَها بِصَفاءِ فِطْرَتِهِمْ، وذَلِكَ تَواضُعًا لِلَّهِ وخُشُوعًا، وشُكْرًا عَلى ما رَزَقَهم مِنَ الإسْلامِ: ﴿وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: عَنْ الِانْقِيادِ لَها، كَما يَفْعَلُهُ الجَهَلَةُ مِنَ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] أيْ: تَرْتَفِعُ وتَتَنَحّى عَنِ الفَرْشِ ومَواضِعِ النَّوْمِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ بَقِيَّةِ مَحاسِنِهِمْ، وهُمُ المُتَهَجِّدُونَ بِاللَّيْلِ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [السجدة: ١٦] أيْ: داعِينَ لَهُ: ﴿خَوْفًا﴾ [السجدة: ١٦] مِن عَذابِهِ: ﴿وطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] في رَحْمَتِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ [السجدة: ١٦] أيْ: مِنَ المالِ: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] أيْ: في وُجُوهِ البِرِّ والحَسَناتِ.
السجدة 32:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥ - ١٦] ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] .
﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ أيْ: وُعِظُوا: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ لِسُرْعَةِ قَبُولِهِمْ لَها بِصَفاءِ فِطْرَتِهِمْ، وذَلِكَ تَواضُعًا لِلَّهِ وخُشُوعًا، وشُكْرًا عَلى ما رَزَقَهم مِنَ الإسْلامِ: ﴿وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: عَنْ الِانْقِيادِ لَها، كَما يَفْعَلُهُ الجَهَلَةُ مِنَ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] أيْ: تَرْتَفِعُ وتَتَنَحّى عَنِ الفَرْشِ ومَواضِعِ النَّوْمِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ بَقِيَّةِ مَحاسِنِهِمْ، وهُمُ المُتَهَجِّدُونَ بِاللَّيْلِ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [السجدة: ١٦] أيْ: داعِينَ لَهُ: ﴿خَوْفًا﴾ [السجدة: ١٦] مِن عَذابِهِ: ﴿وطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] في رَحْمَتِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ [السجدة: ١٦] أيْ: مِنَ المالِ: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] أيْ: في وُجُوهِ البِرِّ والحَسَناتِ.
السجدة 32:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٠] ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] (p-٤٨١٦)﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُـزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩] ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] .
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أيْ: ما ذَخِرَ، وأُعِدُّ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ عُدِّدَتْ مَناقِبُهُمْ: ﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ: مِمّا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهم مِن طِيبَةِ النَّفْسِ والثَّوابِ والكَرامَةِ في الجَنَّةِ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] أيْ: كافِرًا جاحِدًا: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] أيْ: في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ، كَما لَمْ يَسْتَوُوا في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ، ثُمَّ فَصَّلَ مَراتِبَ الفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُـزُلا﴾ [السجدة: ١٩] أيْ: ثَوابًا: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩] ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ عَذابِهِمْ واسْتِمْرارِهِ: ﴿وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ، وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا.
السجدة 32:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٠] ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] (p-٤٨١٦)﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُـزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩] ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] .
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أيْ: ما ذَخِرَ، وأُعِدُّ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ عُدِّدَتْ مَناقِبُهُمْ: ﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ: مِمّا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهم مِن طِيبَةِ النَّفْسِ والثَّوابِ والكَرامَةِ في الجَنَّةِ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] أيْ: كافِرًا جاحِدًا: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] أيْ: في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ، كَما لَمْ يَسْتَوُوا في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ، ثُمَّ فَصَّلَ مَراتِبَ الفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُـزُلا﴾ [السجدة: ١٩] أيْ: ثَوابًا: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩] ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ عَذابِهِمْ واسْتِمْرارِهِ: ﴿وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ، وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا.
السجدة 32:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٠] ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] (p-٤٨١٦)﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُـزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩] ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] .
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أيْ: ما ذَخِرَ، وأُعِدُّ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ عُدِّدَتْ مَناقِبُهُمْ: ﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ: مِمّا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهم مِن طِيبَةِ النَّفْسِ والثَّوابِ والكَرامَةِ في الجَنَّةِ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] أيْ: كافِرًا جاحِدًا: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] أيْ: في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ، كَما لَمْ يَسْتَوُوا في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ، ثُمَّ فَصَّلَ مَراتِبَ الفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُـزُلا﴾ [السجدة: ١٩] أيْ: ثَوابًا: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩] ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ عَذابِهِمْ واسْتِمْرارِهِ: ﴿وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ، وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا.
السجدة 32:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٠] ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] (p-٤٨١٦)﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُـزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩] ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] .
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أيْ: ما ذَخِرَ، وأُعِدُّ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ عُدِّدَتْ مَناقِبُهُمْ: ﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ: مِمّا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهم مِن طِيبَةِ النَّفْسِ والثَّوابِ والكَرامَةِ في الجَنَّةِ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] أيْ: كافِرًا جاحِدًا: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] أيْ: في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ، كَما لَمْ يَسْتَوُوا في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ، ثُمَّ فَصَّلَ مَراتِبَ الفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُـزُلا﴾ [السجدة: ١٩] أيْ: ثَوابًا: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩] ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ عَذابِهِمْ واسْتِمْرارِهِ: ﴿وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ، وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا.
السجدة 32:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٢] ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] .
(p-٤٨١٧)﴿ولَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ: ﴿مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ أيْ: عَذابِ الدُّنْيا، مِنَ الجَدْبِ، والقَتْلِ، والأسْرِ: ﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ يَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ أيْ: يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ عِنْدَ تَصْفِيَةِ فِطْرَتِهِمْ بِشِدَّةِ العَذابِ الأدْنى، قَبْلَ الرَّيْنِ بِكَثافَةِ الحِجابِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [السجدة: ٢٢] أيْ: جَحَدَها وكَفَرَ بِها: ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] أيْ: بِالعَذابِ، وإظْهارِ المُتَّقِينَ عَلَيْهِمْ.
السجدة 32:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٢] ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] .
(p-٤٨١٧)﴿ولَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ: ﴿مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ أيْ: عَذابِ الدُّنْيا، مِنَ الجَدْبِ، والقَتْلِ، والأسْرِ: ﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ يَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ أيْ: يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ عِنْدَ تَصْفِيَةِ فِطْرَتِهِمْ بِشِدَّةِ العَذابِ الأدْنى، قَبْلَ الرَّيْنِ بِكَثافَةِ الحِجابِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [السجدة: ٢٢] أيْ: جَحَدَها وكَفَرَ بِها: ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] أيْ: بِالعَذابِ، وإظْهارِ المُتَّقِينَ عَلَيْهِمْ.
السجدة 32:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣ - ٢٤] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ: ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ أيْ: لِقاءِ الكِتابِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الكِتابِ المُتَقَدِّمِ، والمُرادُ غَيْرُهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، أوْ إرادَةِ العَهْدِ، أوْ تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: تُلْقِي مِثْلَهُ، أيْ: فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن كَوْنِهِ وحْيًا مُتَلَقّى مِن لَدُنْهِ تَعالى. والمَعْنى: إنّا آتَيْنا مُوسى مِثْلَ ما آتَيْناكَ مِنَ الكِتابِ، ولَقَّيْناهُ مِنَ الوَحْيِ مِثْلَ ما لَقَّيْناكَ، فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لَقِيتَ مِثْلَهُ.
ونَهْيُهُ ﷺ عَنِ الشَّكِّ، المَقْصُودُ بِهِ نَهْيُ أُمَّتِهِ، والتَّعْرِيضُ بِمَن صَدَرَ مِنهُ مِثْلُهُ: ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: مِنَ الضَّلالَةِ: ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [السجدة: ٢٤] أيْ: قادَةً بِالخَيْرِ يَدْعُونَ الخَلْقَ إلى أمْرِنا وشَرْعِنا: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] أيْ: عَلى العَمَلِ بِهِ، والِاعْتِصامِ بِأوامِرِهِ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] أيْ: يُصَدِّقُونَ أشَدَّ التَّصْدِيقِ وأبْلَغَهُ. والمَعْنى كَذَلِكَ لَنَجْعَلَنَّ الكِتابَ الَّذِي آتَيْناكَهُ، هُدًى لِأُمَّتِكَ، ولَنَجْعَلَنَّ مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ مِثْلَ تِلْكَ الهِدايَةِ.
ويُؤْخَذُ مِن فَحْوى الآيَةِ، أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا نَبَذُوا الِاعْتِصامَ بِالكِتابِ، ونَبَذُوا الصَّبْرَ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ (p-٤٨١٨)عَنِ المُنْكَرِ، وفَقَدُوا الِاسْتِيقانَ بِحَقِّيَّةِ الإيمانِ، فَغَيَّرُوا وبَدَّلُوا، سُلِبُوا ذَلِكَ المَقامَ، وأُدِيلَ عَلَيْهِمُ انْتِقامًا مِنهُمْ؛ وتِلْكَ سُنَّتُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] فَفي طَيِّ هَذا التَّرْغِيبِ، تَرْهِيبٌ وأيُّ تَرْهِيبٍ.
السجدة 32:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣ - ٢٤] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ: ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ أيْ: لِقاءِ الكِتابِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الكِتابِ المُتَقَدِّمِ، والمُرادُ غَيْرُهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، أوْ إرادَةِ العَهْدِ، أوْ تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: تُلْقِي مِثْلَهُ، أيْ: فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن كَوْنِهِ وحْيًا مُتَلَقّى مِن لَدُنْهِ تَعالى. والمَعْنى: إنّا آتَيْنا مُوسى مِثْلَ ما آتَيْناكَ مِنَ الكِتابِ، ولَقَّيْناهُ مِنَ الوَحْيِ مِثْلَ ما لَقَّيْناكَ، فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لَقِيتَ مِثْلَهُ.
ونَهْيُهُ ﷺ عَنِ الشَّكِّ، المَقْصُودُ بِهِ نَهْيُ أُمَّتِهِ، والتَّعْرِيضُ بِمَن صَدَرَ مِنهُ مِثْلُهُ: ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: مِنَ الضَّلالَةِ: ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [السجدة: ٢٤] أيْ: قادَةً بِالخَيْرِ يَدْعُونَ الخَلْقَ إلى أمْرِنا وشَرْعِنا: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] أيْ: عَلى العَمَلِ بِهِ، والِاعْتِصامِ بِأوامِرِهِ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] أيْ: يُصَدِّقُونَ أشَدَّ التَّصْدِيقِ وأبْلَغَهُ. والمَعْنى كَذَلِكَ لَنَجْعَلَنَّ الكِتابَ الَّذِي آتَيْناكَهُ، هُدًى لِأُمَّتِكَ، ولَنَجْعَلَنَّ مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ مِثْلَ تِلْكَ الهِدايَةِ.
ويُؤْخَذُ مِن فَحْوى الآيَةِ، أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا نَبَذُوا الِاعْتِصامَ بِالكِتابِ، ونَبَذُوا الصَّبْرَ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ (p-٤٨١٨)عَنِ المُنْكَرِ، وفَقَدُوا الِاسْتِيقانَ بِحَقِّيَّةِ الإيمانِ، فَغَيَّرُوا وبَدَّلُوا، سُلِبُوا ذَلِكَ المَقامَ، وأُدِيلَ عَلَيْهِمُ انْتِقامًا مِنهُمْ؛ وتِلْكَ سُنَّتُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] فَفي طَيِّ هَذا التَّرْغِيبِ، تَرْهِيبٌ وأيُّ تَرْهِيبٍ.
السجدة 32:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] .
﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ﴾ أيْ: يَقْضِي: ﴿بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: فَيُمَيِّزُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، بِتَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: يَتَبَيَّنْ لِكُفّارِ مَكَّةَ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾ [السجدة: ٢٦] أيِ: الماضِيَةِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: مَنازِلِهِمْ، كَمَنازِلِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وهُودٍ، وصالِحٍ، ولُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلا يَرَوْنَ فِيها أحَدًا مِمَّنْ كانَ يُعَمِّرُها ويَسْكُنُها، ذَهَبُوا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها؛ كَما قالَ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: فَبِما فَعَلْنا بِهِمْ: ﴿لآياتٍ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: عِبَرًا، ومَواعِظَ، ودَلائِلَ مُتَناظِرَةً: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: أخْبارَ مَن تَقَدَّمَ، كَيْفَ صارَ أمْرُهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، وبَغْيِهِمُ الفَسادَ في الأرْضِ، فَيَحْمِلُهم ذَلِكَ عَلى الإيمانِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧] وهي الَّتِي جَزُرَ نَباتُها، أيْ: قُطِعَ: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٧] يَعْنِي العُشْبَ والثِّمارَ والبُقُولَ: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] أيْ: فَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ووُجُوبِ (p-٤٨١٩)انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ. وهَذا كَآيَةِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] الآيَةَ.
السجدة 32:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] .
﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ﴾ أيْ: يَقْضِي: ﴿بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: فَيُمَيِّزُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، بِتَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: يَتَبَيَّنْ لِكُفّارِ مَكَّةَ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾ [السجدة: ٢٦] أيِ: الماضِيَةِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: مَنازِلِهِمْ، كَمَنازِلِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وهُودٍ، وصالِحٍ، ولُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلا يَرَوْنَ فِيها أحَدًا مِمَّنْ كانَ يُعَمِّرُها ويَسْكُنُها، ذَهَبُوا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها؛ كَما قالَ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: فَبِما فَعَلْنا بِهِمْ: ﴿لآياتٍ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: عِبَرًا، ومَواعِظَ، ودَلائِلَ مُتَناظِرَةً: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: أخْبارَ مَن تَقَدَّمَ، كَيْفَ صارَ أمْرُهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، وبَغْيِهِمُ الفَسادَ في الأرْضِ، فَيَحْمِلُهم ذَلِكَ عَلى الإيمانِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧] وهي الَّتِي جَزُرَ نَباتُها، أيْ: قُطِعَ: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٧] يَعْنِي العُشْبَ والثِّمارَ والبُقُولَ: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] أيْ: فَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ووُجُوبِ (p-٤٨١٩)انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ. وهَذا كَآيَةِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] الآيَةَ.
السجدة 32:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] .
﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ﴾ أيْ: يَقْضِي: ﴿بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: فَيُمَيِّزُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، بِتَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: يَتَبَيَّنْ لِكُفّارِ مَكَّةَ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾ [السجدة: ٢٦] أيِ: الماضِيَةِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: مَنازِلِهِمْ، كَمَنازِلِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وهُودٍ، وصالِحٍ، ولُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلا يَرَوْنَ فِيها أحَدًا مِمَّنْ كانَ يُعَمِّرُها ويَسْكُنُها، ذَهَبُوا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها؛ كَما قالَ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: فَبِما فَعَلْنا بِهِمْ: ﴿لآياتٍ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: عِبَرًا، ومَواعِظَ، ودَلائِلَ مُتَناظِرَةً: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: أخْبارَ مَن تَقَدَّمَ، كَيْفَ صارَ أمْرُهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، وبَغْيِهِمُ الفَسادَ في الأرْضِ، فَيَحْمِلُهم ذَلِكَ عَلى الإيمانِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧] وهي الَّتِي جَزُرَ نَباتُها، أيْ: قُطِعَ: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٧] يَعْنِي العُشْبَ والثِّمارَ والبُقُولَ: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] أيْ: فَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ووُجُوبِ (p-٤٨١٩)انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ. وهَذا كَآيَةِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] الآيَةَ.
السجدة 32:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨ - ٢٩] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩]
﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: كُفّارُ مَكَّةَ: ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ أيْ: الِانْتِصارُ عَلَيْنا، اسْتِعْجالٌ لِوُقُوعِ البَأْسِ الرَّبّانِيِّ عَلَيْهِمُ، الَّذِي وُعِدُوا بِهِ، واسْتِبْعادٌ لَهُ، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩] لِحُلُولِ ما يُغْشِي الأبْصارَ، ويُعْمِي البَصائِرَ، وظُهُورِ مَنارِ الإيمانِ، وزُهُوقِ الفَرِيقِ الكافِرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: إذا حَلَّ بِكم بَأْسُ اللَّهِ، وسُخْطُهُ، وغَضَبُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ، ولا هم يُنْظَرُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣] الآيَتَيْنِ. ومَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ مِن هَذا الفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ، فَقَدْ أبْعَدَ النُّجْعَةَ، وأخْطَأ فَأفْحَشَ، فَإنَّ يَوْمَ الفَتْحِ، قَدْ قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إسْلامَ الطُّلَقاءِ، وقَدْ كانُوا قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ، ولَوْ كانَ المُرادُ فَتْحَ مَكَّةَ، لَما قَبِلَ إسْلامَهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٩] وإنَّما المُرادُ الفَتْحُ الَّذِي هو القَضاءُ والفَصْلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا﴾ [الشعراء: ١١٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ [سبإ: ٢٦] الآيَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]
السجدة 32:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨ - ٢٩] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩]
﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: كُفّارُ مَكَّةَ: ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ أيْ: الِانْتِصارُ عَلَيْنا، اسْتِعْجالٌ لِوُقُوعِ البَأْسِ الرَّبّانِيِّ عَلَيْهِمُ، الَّذِي وُعِدُوا بِهِ، واسْتِبْعادٌ لَهُ، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩] لِحُلُولِ ما يُغْشِي الأبْصارَ، ويُعْمِي البَصائِرَ، وظُهُورِ مَنارِ الإيمانِ، وزُهُوقِ الفَرِيقِ الكافِرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: إذا حَلَّ بِكم بَأْسُ اللَّهِ، وسُخْطُهُ، وغَضَبُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ، ولا هم يُنْظَرُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣] الآيَتَيْنِ. ومَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ مِن هَذا الفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ، فَقَدْ أبْعَدَ النُّجْعَةَ، وأخْطَأ فَأفْحَشَ، فَإنَّ يَوْمَ الفَتْحِ، قَدْ قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إسْلامَ الطُّلَقاءِ، وقَدْ كانُوا قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ، ولَوْ كانَ المُرادُ فَتْحَ مَكَّةَ، لَما قَبِلَ إسْلامَهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٩] وإنَّما المُرادُ الفَتْحُ الَّذِي هو القَضاءُ والفَصْلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا﴾ [الشعراء: ١١٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ [سبإ: ٢٦] الآيَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]
السجدة 32:30
(p-٤٨٢٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠] ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: عَنِ المُشْرِكِينَ، ولا تُبالِ بِهِمْ، وبَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكِ: ﴿وانْتَظِرْ﴾ أيِ: النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ، إنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ: ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ أيْ: ما في نُفُوسِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] أيْ: وسَيَجِدُونَ مَغِبَّةَ انْتِظارِهِمْ مِن وبِيلِ عِقابِهِ تَعالى، وألِيمِ عَذابِهِ بِهِمْ.
الأحزاب 33:1
(p-٤٨٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأحْزابِ
سُمِّيَتْ بِها، لِأنَّ قِصَّتَها مُعْجِزَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. مُتَضَمِّنَةٌ لِنَصْرِهِ بِالرِّيحِ والمَلائِكَةِ. بِحَيْثُ كَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ. وقَدْ مَيَّزَ بِهِمْ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ. وآياتُها ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُها وإنَّها تُعادِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ. ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ كانَ فِيها قُرْآنٌ ثُمَّ نُسِخَ لَفْظُهُ وحُكْمُهُ أيْضًا.
واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
قُلْتُ: كانَ يَصِحُّ هَذا الِاقْتِضاءُ، لَوْ كانَ هَذا الأثَرُ صَحِيحًا. أمّا ولَمْ يُخْرِجْهُ أرْبابُ الصِّحاحِ، فَهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ.
(p-٤٨٢٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ نُودِيَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِوَصْفِهِ دُونَ اسْمِهِ، تَعْظِيمًا لَهُ. وبابُ المُخاطَبَةِ يُعْدَلُ فِيها عَنِ النِّداءِ بِالِاسْمِ تَكْرِيمًا لِلْمُخاطَبِ، ولا كَذَلِكَ بابُ الأخْبارِ فَقَدْ يُصَرَّحُ فِيها بِالِاسْمِ، والتَّعْظِيمُ باقٍ كَآيَةِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] لِتَعْلِيمِ النّاسِ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وتَلْقِينِهِمْ أنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ، ويَدْعُوهُ بِهِ، وأمْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّقْوى تَفْخِيمًا وتَعْظِيمًا لِلتَّقْوى نَفْسِها، حَيْثُ أُمِرَ بِها مِثْلُهُ؛ فَإنَّ مَراتِبَها لا تَنْتَهِي، مَعَ أنَّ المَقْصُودَ الدَّوامُ والثَّباتُ عَلَيْها، ولَمْ يَجْعَلِ الأمْرَ لِأُمَّتِهِ كَما في نَظائِرِهِ؛ لِأنَّ سِياقَ ما بَعْدَهُ لِأمْرٍ يَخُصُّهُ، كَقِصَّةِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ أيْ: لا تُوافِقْهم عَلى أمْرٍ، ولا تَقْبَلْ لَهم رَأْيًا ولا مَشُورَةً، وجانِبْهم واحْتَرِسْ مِنهُمْ؛ فَإنَّهم أعْداءُ اللَّهِ وأعْداءُ المُؤْمِنِينَ، لا يُرِيدُونَ إلّا المُضارَّةَ والمُضادَّةَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: فَهو أحَقُّ بِأنْ تُتَّبَعَ أوامِرُهُ ويُطاعَ؛ لِأنَّهُ العَلِيمُ بِعَواقِبِ الأُمُورِ، وبِالمَصالِحِ مِنَ المَفاسِدِ، والحَكِيمُ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا، ولا يَأْمُرُ بِهِ، إلّا بِداعِي الحِكْمَةِ.
الأحزاب 33:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢ - ٤] ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (p-٤٨٢٣)﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٣] ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]
﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: في تَرْكِ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٣] أيْ: أسْنِدْ أمْرَكَ إلَيْهِ، وكِلْهُ إلى تَدْبِيرِهِ، فَكَفى بِهِ حافِظًا مَوْكُولًا إلَيْهِ كُلَّ أمْرٍ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ما جَمَعَ اللَّهُ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ، ولا زَوْجِيَّةً وأُمُومَةً في امْرَأةٍ، ولا بُنُوَّةً ودَعْوَةً في رَجُلٍ. والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ، كَما لَمْ يَرَ في حِكْمَتِهِ أنْ يَجْعَلَ لِلْإنْسانِ قَلْبَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَفْعَلَ بِأحَدِهِما مِثْلَ ما يَفْعَلُ بِالآخَرِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَأحَدُهُما فَضْلَةٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْها- وإمّا أنْ يَفْعَلَ بِهَذا غَيْرَ ما يَفْعَلُ بِذاكَ، فَذَلِكَ يُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الجُمْلَةِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا، عالِمًا ظانًّا، مُوقِنًا شاكًّا، في حالَةٍ واحِدَةٍ- لَمْ يَرَ أيْضًا أنْ تَكُونَ المَرْأةُ الواحِدَةُ أُمًّا لِرَجُلٍ زَوْجًا لَهُ؛ لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ، مَخْفُوضٌ لَها جَناحُ الذُّلِّ، والزَّوْجَةَ مُسْتَخْدَمَةٌ مُتَصَرَّفٌ فِيها بِالِاسْتِفْراشِ وغَيْرِهِ، كالمَمْلُوكَةِ. وهُما حالَتانِ مُتَنافِيَتانِ.
وأنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الواحِدُ دَعِيًّا لِرَجُلٍ، وابْنًا لَهُ؛ لِأنَّ البُنُوَّةَ أصالَةُ النَّسَبِ، وعَراقَةٌ فِيهِ، والدَّعْوَةُ إلْصاقٌ عارِضٌ بِالتَّسْمِيَةِ لا غَيْرَ، ولا يَجْتَمِعُ في الشَّيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا غَيْرَ أصِيلٍ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ في (زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ)، وهو رَجُلٌ مِن كَلْبٍ سُبِيَ صَغِيرًا، وكانَتِ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها يَتَغاوَرُونَ ويَتَسابَوْنَ، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَلَمّا تَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهَبَتْهُ لَهُ، وطَلَبَهُ أبُوهُ وعَمُّهُ فَخُيِّرَ، فاخْتارَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْتَقَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: (زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ). فَأنْزَلَ اللَّهُ (p-٤٨٢٤)هَذِهِ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]
والتَّنْكِيرُ فِي: (رَجُلٍ)، وإدْخالُ (مِن)، الِاسْتِغْراقِيَّةِ عَلى (قَلْبَيْنِ)، تَأْكِيدانِ لِما قَصَدَ مِنَ المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِأُمَّةِ الرِّجالِ، ولا لِواحِدٍ مِنهُمْ، قَلْبَيْنِ البَتَّةَ في جَوْفِهِ.
وفائِدَةُ ذِكْرِ (الجَوْفِ)، كالفائِدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] وذَلِكَ ما يَحْصُلُ لِلسّامِعِ مِن زِيادَةِ التَّصَوُّرِ والتَّجَلِّي لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا سَمِعَ بِهِ، صَوَّرَ لِنَفْسِهِ جَوْفًا يَشْتَمِلُ عَلى قَلْبَيْنِ فَكانَ أسْرَعَ إلى الإنْكارِ. ومَعْنى: (ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ)، قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. وكانَ الظِّهارُ طَلاقًا عِنْدَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَكانُوا يَتَجَنَّبُونَ المَرْأةَ المُظاهَرِ مِنها، كَما يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقَةَ، وهو في الإسْلامِ يَقْتَضِي الطَّلاقَ والحُرْمَةَ إلى أداءِ الكَفّارَةِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: وخَصُّوا (الظَّهْرَ)؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الرُّكُوبِ. والمَرْأةُ تُرْكَبُ إذا غُشِيَتْ، فَهو كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ، انْتَقَلَ مِنَ الظَّهْرِ إلى المَرْكُوبِ، ومِنهُ إلى المَغْشِيِّ. والمَعْنى: أنْتِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ لا تُرْكَبِينَ كَما لا تُرْكَبُ الأُمُّ. كَذا في (الكَشْفِ).
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] إشارَةٌ إلى كُلِّ ما ذُكِرَ؛ أيْ: مِن كَوْنِهِ لَيْسَ لِأحَدٍ قَلْبانِ، ولَيْسَتِ الأزْواجُ أُمَّهاتٍ، ولا الأدْعِياءُ أبْناءً، أوْ إلى الأخِيرِ فَقَطْ وهو الدَّعْوَةُ: ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] أيْ: لا حَقِيقَةَ لَهُ فَلا يَقْتَضِي دَعْواكم ذَلِكَ، أنْ يَكُونَ ابْنًا حَقِيقِيًّا؛ فَإنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن صُلْبِ رَجُلٍ آخَرَ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ أبَوانِ، كَما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِبَشَرٍ واحِدٍ قَلْبانِ: ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ [الأحزاب: ٤] أيِ: الثّابِتَ المُحَقَّقَ في نَفْسِ الأمْرِ: ﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ.
الأحزاب 33:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢ - ٤] ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (p-٤٨٢٣)﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٣] ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]
﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: في تَرْكِ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٣] أيْ: أسْنِدْ أمْرَكَ إلَيْهِ، وكِلْهُ إلى تَدْبِيرِهِ، فَكَفى بِهِ حافِظًا مَوْكُولًا إلَيْهِ كُلَّ أمْرٍ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ما جَمَعَ اللَّهُ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ، ولا زَوْجِيَّةً وأُمُومَةً في امْرَأةٍ، ولا بُنُوَّةً ودَعْوَةً في رَجُلٍ. والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ، كَما لَمْ يَرَ في حِكْمَتِهِ أنْ يَجْعَلَ لِلْإنْسانِ قَلْبَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَفْعَلَ بِأحَدِهِما مِثْلَ ما يَفْعَلُ بِالآخَرِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَأحَدُهُما فَضْلَةٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْها- وإمّا أنْ يَفْعَلَ بِهَذا غَيْرَ ما يَفْعَلُ بِذاكَ، فَذَلِكَ يُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الجُمْلَةِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا، عالِمًا ظانًّا، مُوقِنًا شاكًّا، في حالَةٍ واحِدَةٍ- لَمْ يَرَ أيْضًا أنْ تَكُونَ المَرْأةُ الواحِدَةُ أُمًّا لِرَجُلٍ زَوْجًا لَهُ؛ لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ، مَخْفُوضٌ لَها جَناحُ الذُّلِّ، والزَّوْجَةَ مُسْتَخْدَمَةٌ مُتَصَرَّفٌ فِيها بِالِاسْتِفْراشِ وغَيْرِهِ، كالمَمْلُوكَةِ. وهُما حالَتانِ مُتَنافِيَتانِ.
وأنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الواحِدُ دَعِيًّا لِرَجُلٍ، وابْنًا لَهُ؛ لِأنَّ البُنُوَّةَ أصالَةُ النَّسَبِ، وعَراقَةٌ فِيهِ، والدَّعْوَةُ إلْصاقٌ عارِضٌ بِالتَّسْمِيَةِ لا غَيْرَ، ولا يَجْتَمِعُ في الشَّيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا غَيْرَ أصِيلٍ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ في (زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ)، وهو رَجُلٌ مِن كَلْبٍ سُبِيَ صَغِيرًا، وكانَتِ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها يَتَغاوَرُونَ ويَتَسابَوْنَ، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَلَمّا تَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهَبَتْهُ لَهُ، وطَلَبَهُ أبُوهُ وعَمُّهُ فَخُيِّرَ، فاخْتارَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْتَقَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: (زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ). فَأنْزَلَ اللَّهُ (p-٤٨٢٤)هَذِهِ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]
والتَّنْكِيرُ فِي: (رَجُلٍ)، وإدْخالُ (مِن)، الِاسْتِغْراقِيَّةِ عَلى (قَلْبَيْنِ)، تَأْكِيدانِ لِما قَصَدَ مِنَ المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِأُمَّةِ الرِّجالِ، ولا لِواحِدٍ مِنهُمْ، قَلْبَيْنِ البَتَّةَ في جَوْفِهِ.
وفائِدَةُ ذِكْرِ (الجَوْفِ)، كالفائِدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] وذَلِكَ ما يَحْصُلُ لِلسّامِعِ مِن زِيادَةِ التَّصَوُّرِ والتَّجَلِّي لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا سَمِعَ بِهِ، صَوَّرَ لِنَفْسِهِ جَوْفًا يَشْتَمِلُ عَلى قَلْبَيْنِ فَكانَ أسْرَعَ إلى الإنْكارِ. ومَعْنى: (ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ)، قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. وكانَ الظِّهارُ طَلاقًا عِنْدَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَكانُوا يَتَجَنَّبُونَ المَرْأةَ المُظاهَرِ مِنها، كَما يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقَةَ، وهو في الإسْلامِ يَقْتَضِي الطَّلاقَ والحُرْمَةَ إلى أداءِ الكَفّارَةِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: وخَصُّوا (الظَّهْرَ)؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الرُّكُوبِ. والمَرْأةُ تُرْكَبُ إذا غُشِيَتْ، فَهو كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ، انْتَقَلَ مِنَ الظَّهْرِ إلى المَرْكُوبِ، ومِنهُ إلى المَغْشِيِّ. والمَعْنى: أنْتِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ لا تُرْكَبِينَ كَما لا تُرْكَبُ الأُمُّ. كَذا في (الكَشْفِ).
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] إشارَةٌ إلى كُلِّ ما ذُكِرَ؛ أيْ: مِن كَوْنِهِ لَيْسَ لِأحَدٍ قَلْبانِ، ولَيْسَتِ الأزْواجُ أُمَّهاتٍ، ولا الأدْعِياءُ أبْناءً، أوْ إلى الأخِيرِ فَقَطْ وهو الدَّعْوَةُ: ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] أيْ: لا حَقِيقَةَ لَهُ فَلا يَقْتَضِي دَعْواكم ذَلِكَ، أنْ يَكُونَ ابْنًا حَقِيقِيًّا؛ فَإنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن صُلْبِ رَجُلٍ آخَرَ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ أبَوانِ، كَما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِبَشَرٍ واحِدٍ قَلْبانِ: ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ [الأحزاب: ٤] أيِ: الثّابِتَ المُحَقَّقَ في نَفْسِ الأمْرِ: ﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ.
الأحزاب 33:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢ - ٤] ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (p-٤٨٢٣)﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٣] ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]
﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: في تَرْكِ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٣] أيْ: أسْنِدْ أمْرَكَ إلَيْهِ، وكِلْهُ إلى تَدْبِيرِهِ، فَكَفى بِهِ حافِظًا مَوْكُولًا إلَيْهِ كُلَّ أمْرٍ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ما جَمَعَ اللَّهُ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ، ولا زَوْجِيَّةً وأُمُومَةً في امْرَأةٍ، ولا بُنُوَّةً ودَعْوَةً في رَجُلٍ. والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ، كَما لَمْ يَرَ في حِكْمَتِهِ أنْ يَجْعَلَ لِلْإنْسانِ قَلْبَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَفْعَلَ بِأحَدِهِما مِثْلَ ما يَفْعَلُ بِالآخَرِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَأحَدُهُما فَضْلَةٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْها- وإمّا أنْ يَفْعَلَ بِهَذا غَيْرَ ما يَفْعَلُ بِذاكَ، فَذَلِكَ يُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الجُمْلَةِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا، عالِمًا ظانًّا، مُوقِنًا شاكًّا، في حالَةٍ واحِدَةٍ- لَمْ يَرَ أيْضًا أنْ تَكُونَ المَرْأةُ الواحِدَةُ أُمًّا لِرَجُلٍ زَوْجًا لَهُ؛ لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ، مَخْفُوضٌ لَها جَناحُ الذُّلِّ، والزَّوْجَةَ مُسْتَخْدَمَةٌ مُتَصَرَّفٌ فِيها بِالِاسْتِفْراشِ وغَيْرِهِ، كالمَمْلُوكَةِ. وهُما حالَتانِ مُتَنافِيَتانِ.
وأنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الواحِدُ دَعِيًّا لِرَجُلٍ، وابْنًا لَهُ؛ لِأنَّ البُنُوَّةَ أصالَةُ النَّسَبِ، وعَراقَةٌ فِيهِ، والدَّعْوَةُ إلْصاقٌ عارِضٌ بِالتَّسْمِيَةِ لا غَيْرَ، ولا يَجْتَمِعُ في الشَّيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا غَيْرَ أصِيلٍ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ في (زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ)، وهو رَجُلٌ مِن كَلْبٍ سُبِيَ صَغِيرًا، وكانَتِ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها يَتَغاوَرُونَ ويَتَسابَوْنَ، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَلَمّا تَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهَبَتْهُ لَهُ، وطَلَبَهُ أبُوهُ وعَمُّهُ فَخُيِّرَ، فاخْتارَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْتَقَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: (زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ). فَأنْزَلَ اللَّهُ (p-٤٨٢٤)هَذِهِ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]
والتَّنْكِيرُ فِي: (رَجُلٍ)، وإدْخالُ (مِن)، الِاسْتِغْراقِيَّةِ عَلى (قَلْبَيْنِ)، تَأْكِيدانِ لِما قَصَدَ مِنَ المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِأُمَّةِ الرِّجالِ، ولا لِواحِدٍ مِنهُمْ، قَلْبَيْنِ البَتَّةَ في جَوْفِهِ.
وفائِدَةُ ذِكْرِ (الجَوْفِ)، كالفائِدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] وذَلِكَ ما يَحْصُلُ لِلسّامِعِ مِن زِيادَةِ التَّصَوُّرِ والتَّجَلِّي لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا سَمِعَ بِهِ، صَوَّرَ لِنَفْسِهِ جَوْفًا يَشْتَمِلُ عَلى قَلْبَيْنِ فَكانَ أسْرَعَ إلى الإنْكارِ. ومَعْنى: (ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ)، قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. وكانَ الظِّهارُ طَلاقًا عِنْدَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَكانُوا يَتَجَنَّبُونَ المَرْأةَ المُظاهَرِ مِنها، كَما يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقَةَ، وهو في الإسْلامِ يَقْتَضِي الطَّلاقَ والحُرْمَةَ إلى أداءِ الكَفّارَةِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: وخَصُّوا (الظَّهْرَ)؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الرُّكُوبِ. والمَرْأةُ تُرْكَبُ إذا غُشِيَتْ، فَهو كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ، انْتَقَلَ مِنَ الظَّهْرِ إلى المَرْكُوبِ، ومِنهُ إلى المَغْشِيِّ. والمَعْنى: أنْتِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ لا تُرْكَبِينَ كَما لا تُرْكَبُ الأُمُّ. كَذا في (الكَشْفِ).
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] إشارَةٌ إلى كُلِّ ما ذُكِرَ؛ أيْ: مِن كَوْنِهِ لَيْسَ لِأحَدٍ قَلْبانِ، ولَيْسَتِ الأزْواجُ أُمَّهاتٍ، ولا الأدْعِياءُ أبْناءً، أوْ إلى الأخِيرِ فَقَطْ وهو الدَّعْوَةُ: ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] أيْ: لا حَقِيقَةَ لَهُ فَلا يَقْتَضِي دَعْواكم ذَلِكَ، أنْ يَكُونَ ابْنًا حَقِيقِيًّا؛ فَإنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن صُلْبِ رَجُلٍ آخَرَ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ أبَوانِ، كَما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِبَشَرٍ واحِدٍ قَلْبانِ: ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ [الأحزاب: ٤] أيِ: الثّابِتَ المُحَقَّقَ في نَفْسِ الأمْرِ: ﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ.
الأحزاب 33:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم (p-٤٨٢٥)فِي الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهِ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ أيِ: انْسُبُوهم إلَيْهِمْ، وهو إفْرادٌ لِلْمَقْصُودِ مِن أقْوالِهِ تَعالى الحَقَّةِ: ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: أعْدَلُ وأحْكَمُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الأمْرُ ناسِخٌ لِما كانَ في ابْتِداءِ الإسْلامِ، مِن جَوازِ ادِّعاءِ الأبْناءِ الأجانِبِ وهُمُ الأدْعِياءُ، فَأمَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِرَدِّ نَسَبِهِمْ إلى آبائِهِمْ في الحَقِيقَةِ، وأنَّ هَذا هو العَدْلُ والقِسْطُ والبِرُّ. رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: إنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما كُنّا نَدْعُوهُ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ.
وقَدْ كانُوا يُعامِلُونَهم مُعامَلَةَ الأبْناءِ مِن كُلِّ وجْهٍ، في الخَلْوَةِ بِالمَحارِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولِهَذا «قالَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ، امْرَأةُ أبِي حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنّا نَدْعُو سالِمًا ابْنًا، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ ما أنْزَلَ، وإنَّهُ كانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ، وإنِّي أجِدُ في نَفْسِ أبِي حُذَيْفَةَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا. فَقالَ ﷺ: «أرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ..»» الحَدِيثُ. ولِهَذا لَمّا نُسِخَ هَذا الحُكْمُ، أباحَ تَبارَكَ وتَعالى زَوْجَةَ الدَّعِيِّ، وتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، مُطَلَّقَةِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقالَ تَبارَكَ وتَعالى في آيَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] احْتِرازًا عَنْ زَوْجَةِ الدَّعِيِّ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِنَ الصُّلْبِ.
(p-٤٨٢٦)فَأمّا الِابْنُ مِنَ الرَّضاعَةِ، فَمُنْزَلٌ مَنزِلَةَ ابْنِ الصُّلْبِ شَرْعًا، بِقَوْلِهِ ﷺ في (الصَّحِيحَيْنِ): ««حَرِّمُوا مِنَ الرَّضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»» .
فَأمّا دَعْوَةُ الغَيْرِ ابْنًا، عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ والتَّحْبِيبِ، فَلَيْسَ مِمّا نَهى عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، بِدَلِيلِ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ، إلّا التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قالَ: «قَدَّمْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عَلى جَمَراتٍ لَنا مِن (جَمْعٍ) فَجَعَلَ يَلْطَحُ أفْخاذَنا ويَقُولُ: «أُبَيْنِيَّ! تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»» .
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: (أُبَيْنِيَّ)، تَصْغِيرُ (ابْنِي). وهَذا ظاهِرُ الدَّلالَةِ؛ فَإنَّ هَذا في حِجَّةِ الوَداعِ سَنَةَ عَشْرٍ.
وفِي مُسْلِمٍ «عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا بُنَيَّ»» . رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ.
وفِي ذَهابِهِ إلى أنَّ الأمْرَ في الآيَةِ ناسِخٌ نَظَرٌ؛ لِأنَّ النّاسِخَ لا بُدَّ أنْ يَرْفَعَ خِطابًا مُتَقَدِّمًا، وأمّا ما لا خِطابَ فِيهِ سابِقًا، بَلْ ورَدَ حُكْمًا مُبْتَدَأً رَفَعَ البَراءَةَ الأصْلِيَّةَ، فَلا يُسَمّى نَسْخًا اصْطِلاحًا. فاحْفَظْهُ؛ فَإنَّهُ مُهِمٌّ ومُفِيدٌ في عِدَّةِ مَواضِعَ.
(p-٤٨٢٧)ولَمّا أمَرَ تَعالى بِرَدِّ أنْسابِ الأدْعِياءِ إلى آبائِهِمْ، إنْ عُرِفُوا، أشارَ إلى دَعْوَتِهِمْ بِالإخْوَةِ والمَوْلَوِيَّةِ إنْ لَمْ يُعْرَفُوا، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾ أيْ: فَتَنْسُبُوهم إلَيْهِمْ: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكُمْ: ﴿فِي الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ أيْ: أوْلِياؤُكم فِيهِ؛ أيْ: فَقُولُوا: هَذا أخِي، وهَذا مَوْلايَ، ويا أخِي ويا مَوْلايَ: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ إثْمٌ: ﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: فِيما فَعَلْتُمُوهُ مِن نِسْبَةِ بَعْضِهِمْ إلى غَيْرِ أبِيهِ في الحَقِيقَةِ، مُخْطِئِينَ بِالسَّهْوِ أوِ النِّسْيانِ، أوْ سَبْقِ اللِّسانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ وضَعَ الحَرَجَ في الخَطَأِ، ورَفَعَ إثْمَهُ: ﴿ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أيْ: فَفِيهِ الجُناحُ؛ لِأنَّ مَن تَعَمَّدَ الباطِلَ كانَ آثِمًا: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: لِعَفْوِهِ عَنِ المُخْطِئِ.
الأحزاب 33:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾
﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ أنْفَذُ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، وحَقُّهُ آثَرُ لَدَيْهِمْ مِن حُقُوقِها، وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ أقْدَمُ مِن شَفَقَتِهِمْ عَلَيْها، وأنْ يَبْذُلُوها دُونَهُ، ويَجْعَلُوها فِداءَهُ إذا أعْضَلَ خَطْبٌ، ووِقاءَهُ إذا لَقِحَتْ حَرْبٌ، وأنْ لا يَتَّبِعُوا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ نُفُوسُهُمْ، ولا ما تَصْرِفُهم عَنْهُ، ويَتَّبِعُوا كُلَّ ما دَعاهم إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَرَفَهم عَنْهُ؛ لِأنَّ كُلَّ ما دَعا إلَيْهِ فَهو إرْشادٌ لَهم إلى نَيْلِ النَّجاةِ، والظَّفَرِ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، وما صَرَفَهم عَنْهُ، فَأخَذَ بِحَجْزِهِمْ لِئَلّا يَتَهافَتُوا فِيما يَرْمِي بِهِمْ إلى الشَّقاوَةِ وعَذابِ النّارِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ (p-٤٨٢٨)لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وفي (الصَّحِيحِ): ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ، ومالِهِ، ووَلَدِهِ، والنّاسِ أجْمَعِينَ»»: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: في وُجُوبِ تَعْظِيمِهِنَّ واحْتِرامِهِنَّ، وتَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ، وفِيما عَدا ذَلِكَ كالأجْنَبِيّاتِ؛ ولِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولَكِنْ لا تَجُوزُ الخَلْوَةُ بِهِنَّ، ولا يَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ إلى بَناتِهِنَّ وأخَواتِهِنَّ بِالإجْماعِ، وإنْ سَمّى بَعْضُ العُلَماءِ بَناتِهُنَّ، أخَواتِ المُؤْمِنِينَ، كَما هو مَنصُوصُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في (المُخْتَصَرِ) وهو مِن بابِ إطْلاقِ العِبارَةِ، لا إثْباتِ الحُكْمِ، وهَلْ يُقالُ لِمُعاوِيَةَ وأمْثالِهِ، خالِ المُؤْمِنِينَ؟ فِيهِ قَوْلانِ: وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يُقالُ ذَلِكَ. وهَلْ يُقالُ لَهُ ﷺ: أبُو المُؤْمِنِينَ؟ فِيهِ قَوْلانِ: فَصَحَّ عَنْ عائِشَةَ المَنعُ، وهو أصَحُّ الوَجْهَيْنِ لِلشّافِعِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ورُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّهُما قَرَآ: (النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهُمْ). ورُوِيَ نَحْوَ هَذا عَنْ مُعاوِيَةَ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ، واسْتَأْنَسُوا عَلَيْهِ بِالحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّما أنا لَكم بِمَنزِلَةِ الوالِدِ، أُعَلِّمُكم. فَإذا أتى أحَدُكُمُ الغائِطَ فَلا يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ولا يَسْتَدْبِرُها، ولا يَسْتَطِيبُ بِيَمِينِهِ»» . أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ أيْ: ذَوُو القَراباتِ: ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: فِيما فَرَضَهُ، أوْ فِيما أوْحاهُ إلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ بَيانٌ لِأُولِي الأرْحامِ، أوْ صِلَةٌ لِـ: "أُولِي": ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ أيْ: إخْوانِكُمُ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ غَيْرِ الرَّحِمِ: ﴿مَعْرُوفًا﴾ أيْ: مِن صَدَقَةٍ ومُواساةٍ وهَدِيَّةٍ ووَصِيَّةٍ؛ فَإنَّ بَسْطَ اليَدِ في المَعْرُوفِ مِمّا حَثَّ اللَّهُ عِبادَهُ عَلَيْهِ، ويُشارِكُ فِيهِ مَعَ ذَوِي القُرْبى وغَيْرِهِمْ.
(p-٤٨٢٩)تَنْبِيهٌ:
قالَ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ الآيَةَ، مَن ورَّثَ ذَوِي الأرْحامِ. انْتَهى.
وهُوَ اسْتِدْلالٌ مَتِينٌ، ولَيْسَ مَعَ المُخالِفِ ما يُقاوِمُهُ، بَلْ فَهم كَثِيرُونَ أنَّ المَعْنِيَّ بِها، أنَّ القَراباتِ أوْلى بِالتَّوارُثِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وأنَّها ناسِخَةٌ لِما كانَ قَبْلَها مِنَ التَّوارُثِ بِالحَلِفِ والمُؤاخاةِ، الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ، ذَهابًا إلى ما رُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُهاجِرِيَّ كانَ يَرِثُ الأنْصارِيَّ، دُونَ قَراباتِهِ وذَوِي رَحِمِهِ، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى بَيْنَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. فَرَجَعْنا إلى مَوارِيثِنا.
إلّا أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِذَلِكَ هو مِن عُمُومِ الأوْلَوِيَّةِ، لا أنَّها خاصَّةٌ بِالمُدَّعِي فِيها، كَما أسْلَفْنا بَيانَهُ مِرارًا: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: في القُرْآنِ، أوْ في قَضائِهِ وحُكْمِهِ، وما كَتَبَهُ وفَرَضَهُ، مُقَرِّرًا لا يَعْتَرِيهِ تَبْدِيلٌ ولا تَغْيِيرٌ.
الأحزاب 33:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾
﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ أخَذْنا عُهُودَهم بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، والدُّعاءِ إلى الحَقِّ، والتَّعاوُنِ والتَّناصُرِ والِاتِّفاقِ، وإقامَةِ الدِّينِ، وعَدَمِ التَّفَرُّقِ فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ومِنكَ﴾ إلَخْ مَعَ انْدِراجِهِمْ (p-٤٨٣٠)فِي النَّبِيِّينَ، لِلْإيذانِ بِمَزِيدِ مَزِيَّتِهِمْ وفَضْلِهِمْ، وكَوْنِهِمْ مِن مَشاهِيرِ أرْبابِ الشَّرائِعِ، وأساطِينِ أُولِي العَزْمِ، وتَقْدِيمِ نَبِيِّنا عَلَيْهِمْ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِإبانَةِ خَطَرِهِ الجَلِيلِ. انْتَهى.
وقالَ في (الِانْتِصافِ): ولَيْسَ التَّقْدِيمُ في الذِّكْرِ بِمُقْتَضٍ لِذَلِكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ:
؎بَهالِيلُ مِنهم جَعْفَرٌ وابْنُ أُمِّهِ عَلِيٌّ ومِنهم أحْمَدُ المُتَخَيَّرُ
فَأخَّرَ ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَخْتِمَ بِهِ تَشْرِيفًا لَهُ. وإذا ثَبَتَ أنَّ التَّفْضِيلَ لَيْسَ مِن لَوازِمِهِ التَّقْدِيمُ، فَيَظْهَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ في سِرِّ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، عَلى نُوحٍ ومَن بَعْدَهُ في الذِّكْرِ، أنَّهُ هو المُخاطَبُ مِن بَيْنِهِمْ، والمُنْزَلُ عَلَيْهِ هَذا المَتْلُوُّ، فَكانَ تَقْدِيمُهُ لِذَلِكَ.
ثُمَّ لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، جَرى ذِكْرُ الأنْبِياءِ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ عَلى تَرْتِيبِ أزْمِنَةِ وُجُودِهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وقَدْ صَرَّحَ بِأُولِي العَزْمِ هُنا، وفي آيَةِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَهَذِهِ هي الوَصِيَّةُ الَّتِي أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ بِها ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، وكَيْفَ لا؟ وقَدْ يَعْتَرِضُهُ مِنَ الماكِرِينَ والمُحادِّينَ والمُشاقِّينَ، ما تَزُولُ مِنهُ الجِبالُ، لَوْلا الِاعْتِصامُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ.
الأحزاب 33:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ٩] ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]
﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ أيْ: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِيَسْألَ يَوْمَ القِيامَةِ الأنْبِياءَ. ووَضَعَ (p-٤٨٣١)الصّادِقِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، لِإيذانِ مَن أوَّلَ الأمْرَ، بِأنَّهم صادِقُونَ فِيما سُئِلُوا عَنْهُ، وإنَّما السُّؤالُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ، أيْ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ صَدَقُوا عُهُودَهم عَمّا قالُوهُ لِقَوْمِهِمْ، أوْ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ إيّاها تَبْكِيتًا لَهم. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] أوِ المُصَدِّقِينَ لَهم عَنْ تَصْدِيقِهِمْ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: لِمَن كَفَرَ مِن أُمَمِهِمْ عَذابًا مُوجِعًا. ونَحْنُ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - نَشْهَدُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ، ونَصَحُوا الأُمَمَ، وأفْصَحُوا لَهم عَنِ الحَقِّ المُبِينِ الواضِحِ الجَلِيِّ، الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ ولا شَكَّ ولا امْتِراءَ، وإنْ كَذَّبَهم مَن كَذَّبَهم مِنَ الجَهَلَةِ، والمُعانِدِينَ، والمارِقِينَ، والقاسِطِينَ، فَما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ هو الحَقُّ، ومَن خالَفَهم فَهو عَلى الضَّلالِ. انْتَهى.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٩] أيْ: ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم يَوْمَ الأحْزابِ، وهو يَوْمُ الخَنْدَقِ: ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] وهُمُ الأحْزابُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب: ٩] وهُمُ المَلائِكَةُ، أوْ ما أتى مِنَ الرِّيحِ مِن طُيُورِ الجَوِّ وجَراثِيمِهِ، المُشَوِّشَةِ لِلْقارِّ المُقَلْقِلَةِ لِلْهادِئِ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]
الأحزاب 33:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ٩] ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]
﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ أيْ: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِيَسْألَ يَوْمَ القِيامَةِ الأنْبِياءَ. ووَضَعَ (p-٤٨٣١)الصّادِقِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، لِإيذانِ مَن أوَّلَ الأمْرَ، بِأنَّهم صادِقُونَ فِيما سُئِلُوا عَنْهُ، وإنَّما السُّؤالُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ، أيْ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ صَدَقُوا عُهُودَهم عَمّا قالُوهُ لِقَوْمِهِمْ، أوْ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ إيّاها تَبْكِيتًا لَهم. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] أوِ المُصَدِّقِينَ لَهم عَنْ تَصْدِيقِهِمْ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: لِمَن كَفَرَ مِن أُمَمِهِمْ عَذابًا مُوجِعًا. ونَحْنُ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - نَشْهَدُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ، ونَصَحُوا الأُمَمَ، وأفْصَحُوا لَهم عَنِ الحَقِّ المُبِينِ الواضِحِ الجَلِيِّ، الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ ولا شَكَّ ولا امْتِراءَ، وإنْ كَذَّبَهم مَن كَذَّبَهم مِنَ الجَهَلَةِ، والمُعانِدِينَ، والمارِقِينَ، والقاسِطِينَ، فَما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ هو الحَقُّ، ومَن خالَفَهم فَهو عَلى الضَّلالِ. انْتَهى.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٩] أيْ: ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم يَوْمَ الأحْزابِ، وهو يَوْمُ الخَنْدَقِ: ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] وهُمُ الأحْزابُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب: ٩] وهُمُ المَلائِكَةُ، أوْ ما أتى مِنَ الرِّيحِ مِن طُيُورِ الجَوِّ وجَراثِيمِهِ، المُشَوِّشَةِ لِلْقارِّ المُقَلْقِلَةِ لِلْهادِئِ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]
الأحزاب 33:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٣] ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا (p-٤٨٣٢)ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهم النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنَّ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]
﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أعْلى الوادِي وأسْفَلِهِ، بِقَصْدِ التَّحَزُّبِ عَلى أنْ يَكُونُوا جُمْلَةً واحِدَةً عَلى اسْتِئْصالِ النَّبِيِّ ﷺ، وصَحْبِهِ: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ أيْ: مالَتْ عَنْ سُنَنِها ومُسْتَوى نَظَرِها، حَيْرَةً وشُخُوصًا: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ أيْ: مُنْتَهى الحُلْقُومِ؛ لِأنَّ بِالفَزَعِ تَنْتَفِخُ الرِّئَةُ فَتَرْتَفِعُ، وبِارْتِفاعِها تَرْتَفِعُ القُلُوبُ، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الغَمِّ. أوْ هو مَثَلٌ في اضْطِرابِ القُلُوبِ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ أيْ: أنْواعَ الظُّنُونِ المُخْتَلِفَةِ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١] أيِ: اخْتُبِرُوا لِيَتَمَيَّزَ الثّابِتُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ، والمُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ: ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] أيْ: أُزْعِجُوا أشَدَّ الإزْعاجِ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ والفَزَعِ، أوْ مِن كَثْرَةِ الأعْداءِ.
فائِدَةٌ:
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: "الظُّنُونا" بِإثْباتِ ألِفٍ بَعْدَ النُّونِ، وبَعْدَ لامِ الرَّسُولِ، في قَوْلِهِ: ﴿وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: ٦٦] ولامِ السَّبِيلِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] وصْلًا ووَقْفًا، مُوافَقَةً لِلرَّسْمِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ رُسِمَتْ في المُصْحَفِ، كَذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ الألِفَ تُشْبِهُ هاءَ السَّكْتِ لِبَيانِ الحَرَكَةِ. وهاءُ السَّكْتِ تَثْبُتُ وقْفًا لِلْحاجَةِ إلَيْها، وقَدْ ثَبَتَتْ وصْلًا إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. فَكَذَلِكَ هَذِهِ الألِفُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ بِحَذْفِها في الحالَتَيْنِ؛ لِأنَّها لا أصْلَ لَها، وقَوْلُهُمْ: (أُجْرِيَتِ الفَواصِلُ مَجْرى القَوافِي). غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ؛ لِأنَّ القَوافِيَ يَلْزَمُ الوَقْفُ عَلَيْها غالِبًا، والفَواصِلُ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيها، فَلا تُشَبَّهُ بِها، والباقُونَ بِإثْباتِها وقْفًا، وحَذْفِها وصْلًا، إجْراءً لِلْفَواصِلِ مَجْرى القَوافِي، في ثُبُوتِ ألِفِ الإطْلاقِ، ولِأنَّها كَهاءِ السَّكْتِ، وهي تَثْبُتُ وقْفًا، وتُحْذَفُ وصْلًا. أفادَهُ السَّمِينُ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما ظَهَرَ مِنَ المُنافِقِينَ في تِلْكَ الشِّدَّةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ يَقُولُ (p-٤٨٣٣)المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: شُبْهَةٌ، تَنَفُّسًا بِما يَجِدُونَهُ مِنَ الوَسْواسِ في نُفُوسِهِمْ، وفُرْصَةً لِانْطِلاقِ ألْسِنَتِهِمْ، بِما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ؛ لِضَعْفِ إيمانِهِمْ وشِدَّةِ ما هم فِيهِ مِن ضِيقِ الحالِ، وحَصْرِ العَدُوِّ لَهُمْ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: مِنَ النَّصْرِ: ﴿إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: باطِلًا: ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيِ: المُنافِقِينَ: ﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] وهي أرْضُ المَدِينَةِ: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها، قِراءَتانِ؛ أيْ: لا إقامَةَ لَكم بَعْدَ اليَوْمِ بِالمَدِينَةِ، أوْ نَواحِيها لِغَلَبَةِ الأعْداءِ: ﴿فارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: إلى مَنازِلِكم مِنَ المَدِينَةِ هارِبِينَ، أوْ فارْجِعُوا عَنِ الإسْلامِ كُفّارًا لِيُمْكِنَكُمُ المَقامُ.
فائِدَةٌ:
(يَثْرِبَ) مِن أسْماءِ المَدِينَةِ. كَما في (الصَّحِيحِ): ««أُرِيتُ في المَنامِ دارَ هِجْرَتِكُمْ، أرْضٌ بَيْنَ حُرَّتَيْنِ، فَذَهَبَ وهْلِي أنَّها هَجَرُ، فَإذا هي يَثْرِبُ»» وفي لَفْظٍ: «المَدِينَةُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن سَمّى المَدِينَةَ (يَثْرِبَ) فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى، إنَّما هي طابَةٌ هي طابَةٌ»» . تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ، وفي إسْنادِهِ ضَعْفٌ. انْتَهى ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: في الرُّجُوعِ: ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: غَيْرُ حَصِينَةٍ يُخْشى عَلَيْها: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]
الأحزاب 33:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٣] ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا (p-٤٨٣٢)ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهم النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنَّ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]
﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أعْلى الوادِي وأسْفَلِهِ، بِقَصْدِ التَّحَزُّبِ عَلى أنْ يَكُونُوا جُمْلَةً واحِدَةً عَلى اسْتِئْصالِ النَّبِيِّ ﷺ، وصَحْبِهِ: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ أيْ: مالَتْ عَنْ سُنَنِها ومُسْتَوى نَظَرِها، حَيْرَةً وشُخُوصًا: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ أيْ: مُنْتَهى الحُلْقُومِ؛ لِأنَّ بِالفَزَعِ تَنْتَفِخُ الرِّئَةُ فَتَرْتَفِعُ، وبِارْتِفاعِها تَرْتَفِعُ القُلُوبُ، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الغَمِّ. أوْ هو مَثَلٌ في اضْطِرابِ القُلُوبِ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ أيْ: أنْواعَ الظُّنُونِ المُخْتَلِفَةِ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١] أيِ: اخْتُبِرُوا لِيَتَمَيَّزَ الثّابِتُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ، والمُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ: ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] أيْ: أُزْعِجُوا أشَدَّ الإزْعاجِ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ والفَزَعِ، أوْ مِن كَثْرَةِ الأعْداءِ.
فائِدَةٌ:
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: "الظُّنُونا" بِإثْباتِ ألِفٍ بَعْدَ النُّونِ، وبَعْدَ لامِ الرَّسُولِ، في قَوْلِهِ: ﴿وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: ٦٦] ولامِ السَّبِيلِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] وصْلًا ووَقْفًا، مُوافَقَةً لِلرَّسْمِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ رُسِمَتْ في المُصْحَفِ، كَذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ الألِفَ تُشْبِهُ هاءَ السَّكْتِ لِبَيانِ الحَرَكَةِ. وهاءُ السَّكْتِ تَثْبُتُ وقْفًا لِلْحاجَةِ إلَيْها، وقَدْ ثَبَتَتْ وصْلًا إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. فَكَذَلِكَ هَذِهِ الألِفُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ بِحَذْفِها في الحالَتَيْنِ؛ لِأنَّها لا أصْلَ لَها، وقَوْلُهُمْ: (أُجْرِيَتِ الفَواصِلُ مَجْرى القَوافِي). غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ؛ لِأنَّ القَوافِيَ يَلْزَمُ الوَقْفُ عَلَيْها غالِبًا، والفَواصِلُ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيها، فَلا تُشَبَّهُ بِها، والباقُونَ بِإثْباتِها وقْفًا، وحَذْفِها وصْلًا، إجْراءً لِلْفَواصِلِ مَجْرى القَوافِي، في ثُبُوتِ ألِفِ الإطْلاقِ، ولِأنَّها كَهاءِ السَّكْتِ، وهي تَثْبُتُ وقْفًا، وتُحْذَفُ وصْلًا. أفادَهُ السَّمِينُ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما ظَهَرَ مِنَ المُنافِقِينَ في تِلْكَ الشِّدَّةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ يَقُولُ (p-٤٨٣٣)المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: شُبْهَةٌ، تَنَفُّسًا بِما يَجِدُونَهُ مِنَ الوَسْواسِ في نُفُوسِهِمْ، وفُرْصَةً لِانْطِلاقِ ألْسِنَتِهِمْ، بِما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ؛ لِضَعْفِ إيمانِهِمْ وشِدَّةِ ما هم فِيهِ مِن ضِيقِ الحالِ، وحَصْرِ العَدُوِّ لَهُمْ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: مِنَ النَّصْرِ: ﴿إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: باطِلًا: ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيِ: المُنافِقِينَ: ﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] وهي أرْضُ المَدِينَةِ: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها، قِراءَتانِ؛ أيْ: لا إقامَةَ لَكم بَعْدَ اليَوْمِ بِالمَدِينَةِ، أوْ نَواحِيها لِغَلَبَةِ الأعْداءِ: ﴿فارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: إلى مَنازِلِكم مِنَ المَدِينَةِ هارِبِينَ، أوْ فارْجِعُوا عَنِ الإسْلامِ كُفّارًا لِيُمْكِنَكُمُ المَقامُ.
فائِدَةٌ:
(يَثْرِبَ) مِن أسْماءِ المَدِينَةِ. كَما في (الصَّحِيحِ): ««أُرِيتُ في المَنامِ دارَ هِجْرَتِكُمْ، أرْضٌ بَيْنَ حُرَّتَيْنِ، فَذَهَبَ وهْلِي أنَّها هَجَرُ، فَإذا هي يَثْرِبُ»» وفي لَفْظٍ: «المَدِينَةُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن سَمّى المَدِينَةَ (يَثْرِبَ) فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى، إنَّما هي طابَةٌ هي طابَةٌ»» . تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ، وفي إسْنادِهِ ضَعْفٌ. انْتَهى ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: في الرُّجُوعِ: ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: غَيْرُ حَصِينَةٍ يُخْشى عَلَيْها: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]
الأحزاب 33:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٣] ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا (p-٤٨٣٢)ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهم النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنَّ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]
﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أعْلى الوادِي وأسْفَلِهِ، بِقَصْدِ التَّحَزُّبِ عَلى أنْ يَكُونُوا جُمْلَةً واحِدَةً عَلى اسْتِئْصالِ النَّبِيِّ ﷺ، وصَحْبِهِ: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ أيْ: مالَتْ عَنْ سُنَنِها ومُسْتَوى نَظَرِها، حَيْرَةً وشُخُوصًا: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ أيْ: مُنْتَهى الحُلْقُومِ؛ لِأنَّ بِالفَزَعِ تَنْتَفِخُ الرِّئَةُ فَتَرْتَفِعُ، وبِارْتِفاعِها تَرْتَفِعُ القُلُوبُ، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الغَمِّ. أوْ هو مَثَلٌ في اضْطِرابِ القُلُوبِ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ أيْ: أنْواعَ الظُّنُونِ المُخْتَلِفَةِ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١] أيِ: اخْتُبِرُوا لِيَتَمَيَّزَ الثّابِتُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ، والمُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ: ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] أيْ: أُزْعِجُوا أشَدَّ الإزْعاجِ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ والفَزَعِ، أوْ مِن كَثْرَةِ الأعْداءِ.
فائِدَةٌ:
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: "الظُّنُونا" بِإثْباتِ ألِفٍ بَعْدَ النُّونِ، وبَعْدَ لامِ الرَّسُولِ، في قَوْلِهِ: ﴿وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: ٦٦] ولامِ السَّبِيلِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] وصْلًا ووَقْفًا، مُوافَقَةً لِلرَّسْمِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ رُسِمَتْ في المُصْحَفِ، كَذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ الألِفَ تُشْبِهُ هاءَ السَّكْتِ لِبَيانِ الحَرَكَةِ. وهاءُ السَّكْتِ تَثْبُتُ وقْفًا لِلْحاجَةِ إلَيْها، وقَدْ ثَبَتَتْ وصْلًا إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. فَكَذَلِكَ هَذِهِ الألِفُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ بِحَذْفِها في الحالَتَيْنِ؛ لِأنَّها لا أصْلَ لَها، وقَوْلُهُمْ: (أُجْرِيَتِ الفَواصِلُ مَجْرى القَوافِي). غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ؛ لِأنَّ القَوافِيَ يَلْزَمُ الوَقْفُ عَلَيْها غالِبًا، والفَواصِلُ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيها، فَلا تُشَبَّهُ بِها، والباقُونَ بِإثْباتِها وقْفًا، وحَذْفِها وصْلًا، إجْراءً لِلْفَواصِلِ مَجْرى القَوافِي، في ثُبُوتِ ألِفِ الإطْلاقِ، ولِأنَّها كَهاءِ السَّكْتِ، وهي تَثْبُتُ وقْفًا، وتُحْذَفُ وصْلًا. أفادَهُ السَّمِينُ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما ظَهَرَ مِنَ المُنافِقِينَ في تِلْكَ الشِّدَّةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ يَقُولُ (p-٤٨٣٣)المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: شُبْهَةٌ، تَنَفُّسًا بِما يَجِدُونَهُ مِنَ الوَسْواسِ في نُفُوسِهِمْ، وفُرْصَةً لِانْطِلاقِ ألْسِنَتِهِمْ، بِما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ؛ لِضَعْفِ إيمانِهِمْ وشِدَّةِ ما هم فِيهِ مِن ضِيقِ الحالِ، وحَصْرِ العَدُوِّ لَهُمْ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: مِنَ النَّصْرِ: ﴿إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: باطِلًا: ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيِ: المُنافِقِينَ: ﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] وهي أرْضُ المَدِينَةِ: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها، قِراءَتانِ؛ أيْ: لا إقامَةَ لَكم بَعْدَ اليَوْمِ بِالمَدِينَةِ، أوْ نَواحِيها لِغَلَبَةِ الأعْداءِ: ﴿فارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: إلى مَنازِلِكم مِنَ المَدِينَةِ هارِبِينَ، أوْ فارْجِعُوا عَنِ الإسْلامِ كُفّارًا لِيُمْكِنَكُمُ المَقامُ.
فائِدَةٌ:
(يَثْرِبَ) مِن أسْماءِ المَدِينَةِ. كَما في (الصَّحِيحِ): ««أُرِيتُ في المَنامِ دارَ هِجْرَتِكُمْ، أرْضٌ بَيْنَ حُرَّتَيْنِ، فَذَهَبَ وهْلِي أنَّها هَجَرُ، فَإذا هي يَثْرِبُ»» وفي لَفْظٍ: «المَدِينَةُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن سَمّى المَدِينَةَ (يَثْرِبَ) فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى، إنَّما هي طابَةٌ هي طابَةٌ»» . تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ، وفي إسْنادِهِ ضَعْفٌ. انْتَهى ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: في الرُّجُوعِ: ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: غَيْرُ حَصِينَةٍ يُخْشى عَلَيْها: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]
الأحزاب 33:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٣] ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا (p-٤٨٣٢)ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهم النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنَّ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]
﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أعْلى الوادِي وأسْفَلِهِ، بِقَصْدِ التَّحَزُّبِ عَلى أنْ يَكُونُوا جُمْلَةً واحِدَةً عَلى اسْتِئْصالِ النَّبِيِّ ﷺ، وصَحْبِهِ: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ أيْ: مالَتْ عَنْ سُنَنِها ومُسْتَوى نَظَرِها، حَيْرَةً وشُخُوصًا: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ أيْ: مُنْتَهى الحُلْقُومِ؛ لِأنَّ بِالفَزَعِ تَنْتَفِخُ الرِّئَةُ فَتَرْتَفِعُ، وبِارْتِفاعِها تَرْتَفِعُ القُلُوبُ، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الغَمِّ. أوْ هو مَثَلٌ في اضْطِرابِ القُلُوبِ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ أيْ: أنْواعَ الظُّنُونِ المُخْتَلِفَةِ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١] أيِ: اخْتُبِرُوا لِيَتَمَيَّزَ الثّابِتُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ، والمُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ: ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] أيْ: أُزْعِجُوا أشَدَّ الإزْعاجِ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ والفَزَعِ، أوْ مِن كَثْرَةِ الأعْداءِ.
فائِدَةٌ:
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: "الظُّنُونا" بِإثْباتِ ألِفٍ بَعْدَ النُّونِ، وبَعْدَ لامِ الرَّسُولِ، في قَوْلِهِ: ﴿وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: ٦٦] ولامِ السَّبِيلِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] وصْلًا ووَقْفًا، مُوافَقَةً لِلرَّسْمِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ رُسِمَتْ في المُصْحَفِ، كَذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ الألِفَ تُشْبِهُ هاءَ السَّكْتِ لِبَيانِ الحَرَكَةِ. وهاءُ السَّكْتِ تَثْبُتُ وقْفًا لِلْحاجَةِ إلَيْها، وقَدْ ثَبَتَتْ وصْلًا إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. فَكَذَلِكَ هَذِهِ الألِفُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ بِحَذْفِها في الحالَتَيْنِ؛ لِأنَّها لا أصْلَ لَها، وقَوْلُهُمْ: (أُجْرِيَتِ الفَواصِلُ مَجْرى القَوافِي). غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ؛ لِأنَّ القَوافِيَ يَلْزَمُ الوَقْفُ عَلَيْها غالِبًا، والفَواصِلُ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيها، فَلا تُشَبَّهُ بِها، والباقُونَ بِإثْباتِها وقْفًا، وحَذْفِها وصْلًا، إجْراءً لِلْفَواصِلِ مَجْرى القَوافِي، في ثُبُوتِ ألِفِ الإطْلاقِ، ولِأنَّها كَهاءِ السَّكْتِ، وهي تَثْبُتُ وقْفًا، وتُحْذَفُ وصْلًا. أفادَهُ السَّمِينُ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما ظَهَرَ مِنَ المُنافِقِينَ في تِلْكَ الشِّدَّةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ يَقُولُ (p-٤٨٣٣)المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: شُبْهَةٌ، تَنَفُّسًا بِما يَجِدُونَهُ مِنَ الوَسْواسِ في نُفُوسِهِمْ، وفُرْصَةً لِانْطِلاقِ ألْسِنَتِهِمْ، بِما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ؛ لِضَعْفِ إيمانِهِمْ وشِدَّةِ ما هم فِيهِ مِن ضِيقِ الحالِ، وحَصْرِ العَدُوِّ لَهُمْ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: مِنَ النَّصْرِ: ﴿إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: باطِلًا: ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيِ: المُنافِقِينَ: ﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] وهي أرْضُ المَدِينَةِ: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها، قِراءَتانِ؛ أيْ: لا إقامَةَ لَكم بَعْدَ اليَوْمِ بِالمَدِينَةِ، أوْ نَواحِيها لِغَلَبَةِ الأعْداءِ: ﴿فارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: إلى مَنازِلِكم مِنَ المَدِينَةِ هارِبِينَ، أوْ فارْجِعُوا عَنِ الإسْلامِ كُفّارًا لِيُمْكِنَكُمُ المَقامُ.
فائِدَةٌ:
(يَثْرِبَ) مِن أسْماءِ المَدِينَةِ. كَما في (الصَّحِيحِ): ««أُرِيتُ في المَنامِ دارَ هِجْرَتِكُمْ، أرْضٌ بَيْنَ حُرَّتَيْنِ، فَذَهَبَ وهْلِي أنَّها هَجَرُ، فَإذا هي يَثْرِبُ»» وفي لَفْظٍ: «المَدِينَةُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن سَمّى المَدِينَةَ (يَثْرِبَ) فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى، إنَّما هي طابَةٌ هي طابَةٌ»» . تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ، وفي إسْنادِهِ ضَعْفٌ. انْتَهى ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: في الرُّجُوعِ: ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: غَيْرُ حَصِينَةٍ يُخْشى عَلَيْها: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]
الأحزاب 33:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٦] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ (p-٤٨٣٤)﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦]
﴿ولَوْ دُخِلَتْ﴾ أيْ: يَثْرِبُ: ﴿عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ أيْ: بِأنْ دَخَلَ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ مِن سائِرِ جَوانِبِها، وأخَذَ في النَّهْبِ والسَّلْبِ: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ أيِ: الرَّجْعَةَ إلى الكُفْرِ: ﴿لآتَوْها﴾ أيْ: لَفَعَلُوها: ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ أيْ: وما تَوَقَّفُوا بِإعْطائِها إلّا رَيْثَما يَكُونُ السُّؤالُ والجَوابُ؛ أيْ: فَهم لا يُحافِظُونَ عَلى الإيمانِ ولا يَسْتَمْسِكُونَ بِهِ، مَعَ أدْنى خَوْفٍ وفَزَعٍ. وهَذا مُنْتَهى الذَّمِّ لَهُمْ، ثُمَّ ذَكَّرَهم تَعالى بِما كانُوا عاهَدُوهُ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ١٥] أيْ: مِن قَبْلِ هَذا الخَوْفِ: ﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ [الأحزاب: ١٥] أيْ: عَنِ الوَفاءِ بِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦] أيْ: لِأنَّهُ لا يُؤَخِّرُ آجالَهُمْ، ولا يُطَوِّلُ أعْمارَهم. بَلْ رُبَّما كانَ ذَلِكَ سَبَبًا في تَعْجِيلِ أخْذِهِمْ غِرَّةً انْتِقامًا مِنهُمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإذًا﴾ [الأحزاب: ١٦] أيْ: فَرَرْتُمْ: ﴿لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦] أيْ: في الدُّنْيا بَعْدَ فِرارِكُمْ، أوْ لِأنَّهم فَقَدُوا بِذَلِكَ حَظَّهُمُ الأُخْرَوِيَّ، فَمَهْما مُتِّعُوا في الدُّنْيا، فَإنَّهُ قَلِيلٌ بِجانِبِ نَعِيمِ الآخِرَةِ لِلصّابِرِينَ.
الأحزاب 33:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٦] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ (p-٤٨٣٤)﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦]
﴿ولَوْ دُخِلَتْ﴾ أيْ: يَثْرِبُ: ﴿عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ أيْ: بِأنْ دَخَلَ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ مِن سائِرِ جَوانِبِها، وأخَذَ في النَّهْبِ والسَّلْبِ: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ أيِ: الرَّجْعَةَ إلى الكُفْرِ: ﴿لآتَوْها﴾ أيْ: لَفَعَلُوها: ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ أيْ: وما تَوَقَّفُوا بِإعْطائِها إلّا رَيْثَما يَكُونُ السُّؤالُ والجَوابُ؛ أيْ: فَهم لا يُحافِظُونَ عَلى الإيمانِ ولا يَسْتَمْسِكُونَ بِهِ، مَعَ أدْنى خَوْفٍ وفَزَعٍ. وهَذا مُنْتَهى الذَّمِّ لَهُمْ، ثُمَّ ذَكَّرَهم تَعالى بِما كانُوا عاهَدُوهُ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ١٥] أيْ: مِن قَبْلِ هَذا الخَوْفِ: ﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ [الأحزاب: ١٥] أيْ: عَنِ الوَفاءِ بِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦] أيْ: لِأنَّهُ لا يُؤَخِّرُ آجالَهُمْ، ولا يُطَوِّلُ أعْمارَهم. بَلْ رُبَّما كانَ ذَلِكَ سَبَبًا في تَعْجِيلِ أخْذِهِمْ غِرَّةً انْتِقامًا مِنهُمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإذًا﴾ [الأحزاب: ١٦] أيْ: فَرَرْتُمْ: ﴿لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦] أيْ: في الدُّنْيا بَعْدَ فِرارِكُمْ، أوْ لِأنَّهم فَقَدُوا بِذَلِكَ حَظَّهُمُ الأُخْرَوِيَّ، فَمَهْما مُتِّعُوا في الدُّنْيا، فَإنَّهُ قَلِيلٌ بِجانِبِ نَعِيمِ الآخِرَةِ لِلصّابِرِينَ.
الأحزاب 33:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٦] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ (p-٤٨٣٤)﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦]
﴿ولَوْ دُخِلَتْ﴾ أيْ: يَثْرِبُ: ﴿عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ أيْ: بِأنْ دَخَلَ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ مِن سائِرِ جَوانِبِها، وأخَذَ في النَّهْبِ والسَّلْبِ: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ أيِ: الرَّجْعَةَ إلى الكُفْرِ: ﴿لآتَوْها﴾ أيْ: لَفَعَلُوها: ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ أيْ: وما تَوَقَّفُوا بِإعْطائِها إلّا رَيْثَما يَكُونُ السُّؤالُ والجَوابُ؛ أيْ: فَهم لا يُحافِظُونَ عَلى الإيمانِ ولا يَسْتَمْسِكُونَ بِهِ، مَعَ أدْنى خَوْفٍ وفَزَعٍ. وهَذا مُنْتَهى الذَّمِّ لَهُمْ، ثُمَّ ذَكَّرَهم تَعالى بِما كانُوا عاهَدُوهُ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ١٥] أيْ: مِن قَبْلِ هَذا الخَوْفِ: ﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ [الأحزاب: ١٥] أيْ: عَنِ الوَفاءِ بِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦] أيْ: لِأنَّهُ لا يُؤَخِّرُ آجالَهُمْ، ولا يُطَوِّلُ أعْمارَهم. بَلْ رُبَّما كانَ ذَلِكَ سَبَبًا في تَعْجِيلِ أخْذِهِمْ غِرَّةً انْتِقامًا مِنهُمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإذًا﴾ [الأحزاب: ١٦] أيْ: فَرَرْتُمْ: ﴿لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦] أيْ: في الدُّنْيا بَعْدَ فِرارِكُمْ، أوْ لِأنَّهم فَقَدُوا بِذَلِكَ حَظَّهُمُ الأُخْرَوِيَّ، فَمَهْما مُتِّعُوا في الدُّنْيا، فَإنَّهُ قَلِيلٌ بِجانِبِ نَعِيمِ الآخِرَةِ لِلصّابِرِينَ.
الأحزاب 33:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٩] ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٨] (p-٤٨٣٥)﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩]
﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ أيْ: يُجِيرُكُمْ: ﴿مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ هَزِيمَةً: ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ أيْ: مُجِيرًا ولا مُغِيثًا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] أيِ: المُثَبِّطِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهُمُ المُنافِقُونَ. قالَ الشِّهابُ: و(قَدْ): لِلتَّحْقِيقِ، أوْ لِتَقْلِيلِهِ بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقِهِ، وبِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ مَعْلُوماتِهِ. انْتَهى ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] أيْ: مِن ساكِنِي المَدِينَةِ: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ [الأحزاب: ١٨] أيْ: أقْبِلُوا إلى ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الضَّلالِ والثِّمارِ: ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ [الأحزاب: ١٨] أيِ: القِتالَ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٨] أيْ: إلّا إتْيانًا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم يَتَثَبَّطُونَ ما أمْكَنَ لَهُمْ: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: بُخَلاءَ بِالمَعُونَةِ والنَّفَقَةِ والمَوَدَّةِ عَلَيْكُمْ، أوْ أضِنّاءَ بِكم ظاهِرًا، إنْ لَمْ يَحْضُرْ خَوْفٌ: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: في أحْداقِهِمْ: ﴿كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] } أيْ: كَنَظَرِهِ أوْ كَدَوَرانِهِ: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: بالَغُوا فِيكم بِالكَلامِ طَعْنًا وذَمًّا، فَأحْرَقُوكم وآذَوْكُمْ، وأصْلُ (السَّلْقِ): بَسْطُ العُضْوِ ومَدُّهُ لِلْقَهْرِ، كانَ يَدًا أوْ لِسانًا، ويَجُوزُ أنْ يُشَبَّهَ اللِّسانُ بِالسَّيْفِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المُكَنِّيَةِ، ويَثْبُتُ لَهُ السَّلْقُ وهو الضَّرْبُ تَخْيِيلًا: ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: عَلى فِعْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩]
الأحزاب 33:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٩] ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٨] (p-٤٨٣٥)﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩]
﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ أيْ: يُجِيرُكُمْ: ﴿مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ هَزِيمَةً: ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ أيْ: مُجِيرًا ولا مُغِيثًا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] أيِ: المُثَبِّطِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهُمُ المُنافِقُونَ. قالَ الشِّهابُ: و(قَدْ): لِلتَّحْقِيقِ، أوْ لِتَقْلِيلِهِ بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقِهِ، وبِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ مَعْلُوماتِهِ. انْتَهى ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] أيْ: مِن ساكِنِي المَدِينَةِ: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ [الأحزاب: ١٨] أيْ: أقْبِلُوا إلى ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الضَّلالِ والثِّمارِ: ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ [الأحزاب: ١٨] أيِ: القِتالَ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٨] أيْ: إلّا إتْيانًا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم يَتَثَبَّطُونَ ما أمْكَنَ لَهُمْ: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: بُخَلاءَ بِالمَعُونَةِ والنَّفَقَةِ والمَوَدَّةِ عَلَيْكُمْ، أوْ أضِنّاءَ بِكم ظاهِرًا، إنْ لَمْ يَحْضُرْ خَوْفٌ: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: في أحْداقِهِمْ: ﴿كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] } أيْ: كَنَظَرِهِ أوْ كَدَوَرانِهِ: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: بالَغُوا فِيكم بِالكَلامِ طَعْنًا وذَمًّا، فَأحْرَقُوكم وآذَوْكُمْ، وأصْلُ (السَّلْقِ): بَسْطُ العُضْوِ ومَدُّهُ لِلْقَهْرِ، كانَ يَدًا أوْ لِسانًا، ويَجُوزُ أنْ يُشَبَّهَ اللِّسانُ بِالسَّيْفِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المُكَنِّيَةِ، ويَثْبُتُ لَهُ السَّلْقُ وهو الضَّرْبُ تَخْيِيلًا: ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: عَلى فِعْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩]
الأحزاب 33:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٩] ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٨] (p-٤٨٣٥)﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩]
﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ أيْ: يُجِيرُكُمْ: ﴿مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ هَزِيمَةً: ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ أيْ: مُجِيرًا ولا مُغِيثًا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] أيِ: المُثَبِّطِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهُمُ المُنافِقُونَ. قالَ الشِّهابُ: و(قَدْ): لِلتَّحْقِيقِ، أوْ لِتَقْلِيلِهِ بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقِهِ، وبِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ مَعْلُوماتِهِ. انْتَهى ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] أيْ: مِن ساكِنِي المَدِينَةِ: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ [الأحزاب: ١٨] أيْ: أقْبِلُوا إلى ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الضَّلالِ والثِّمارِ: ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ [الأحزاب: ١٨] أيِ: القِتالَ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٨] أيْ: إلّا إتْيانًا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم يَتَثَبَّطُونَ ما أمْكَنَ لَهُمْ: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: بُخَلاءَ بِالمَعُونَةِ والنَّفَقَةِ والمَوَدَّةِ عَلَيْكُمْ، أوْ أضِنّاءَ بِكم ظاهِرًا، إنْ لَمْ يَحْضُرْ خَوْفٌ: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: في أحْداقِهِمْ: ﴿كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] } أيْ: كَنَظَرِهِ أوْ كَدَوَرانِهِ: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: بالَغُوا فِيكم بِالكَلامِ طَعْنًا وذَمًّا، فَأحْرَقُوكم وآذَوْكُمْ، وأصْلُ (السَّلْقِ): بَسْطُ العُضْوِ ومَدُّهُ لِلْقَهْرِ، كانَ يَدًا أوْ لِسانًا، ويَجُوزُ أنْ يُشَبَّهَ اللِّسانُ بِالسَّيْفِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المُكَنِّيَةِ، ويَثْبُتُ لَهُ السَّلْقُ وهو الضَّرْبُ تَخْيِيلًا: ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: عَلى فِعْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩]
الأحزاب 33:20
(p-٤٨٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢١] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]
﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ: لَمْ يَنْهَزِمُوا بِما أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ والجُنُودِ، وأنَّ لَهم عَوْدَةً إلَيْهِمْ لِخَوْرِهِمْ واضْطِرابِهِمْ: ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ أيْ: مَرَّةً أْخُرى: ﴿يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾ أيْ: فَلا يَذْهَبُونَ إلى قِتالِهِمْ، ولا يَسْتَقِرُّونَ في المَدِينَةِ، بَلْ يَتَمَنَّوْنَ أنَّهم خارِجُونَ إلى البَدْوِ بَيْنَ الأعْرابِ، وإنْ لَحِقَهم عارُ جُبْنِهِمْ: ﴿يَسْألُونَ﴾ أيِ: القادِمِينَ: ﴿عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ أيْ: عَمّا جَرى لَكُمْ، ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ لا يَضُرُّ خُرُوجُهم عَنِ المَدِينَةِ، لَوْ أتى الأحْزابُ، بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ أيْ: في حُدُوثِ واقِعَةٍ ثانِيَةٍ: ﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ أيْ: رِياءً وخَوْفًا مِنَ التَّعْيِيرِ.
﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] أيْ: في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ؛ إذْ كانَ مِنها ثَباتُهُ في الشَّدائِدِ وهو مَطْلُوبٌ، وصَبْرِهِ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وهو مَكْرُوبٌ ومَحْرُوبٌ، ونَفْسُهُ في اخْتِلافِ الأحْوالِ ساكِنَةٌ، لا يَخُورُ في شَدِيدَةٍ ولا يَسْتَكِينُ لِعَظِيمَةٍ أوْ كَبِيرَةٍ، وقَدْ لَقِيَ بِمَكَّةَ مِن قُرَيْشٍ ما يُشِيبُ النَّواصِيَ، ويَهُدُّ الصَّياصِيَ، وهو مَعَ الضَّعْفِ يُصابِرُ صَبْرَ المُسْتَعْلِي، ويَثْبُتُ ثَباتَ المُسْتَوْلِي، ومَن صَبَرَ عَلى هَذِهِ الشَّدائِدِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو الرَّفِيعُ الشَّأْنِ، كانَ غَيْرُهُ أجْدَرَ إنْ كانَ مِمَّنْ يَتْبَعُ بِإحْسانٍ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] أيْ: رِضْوانَ اللَّهِ، ورَحْمَتَهُ، وثَوابَ اليَوْمِ الآخِرِ، ونَجاتَهُ؛ فَإنَّهُ يُؤْثِرُهُما عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، فَلا يَجْبُنُ؛ إذْ لا يَصِحُّ الجُبْنُ لِمَن صَحَّ اقْتِداؤُهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِغايَةِ قُبْحِهِ: ﴿وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] أيْ: وقَرَنَ بِالرَّجاءِ ذِكْرَهُ تَعالى بِكَثْرَةٍ؛ أيْ: ذَكَرَ أمْرَهُ (p-٤٨٣٧)ونَهْيَهُ ووَعْدَهُ ووَعِيدَهُ، فَأدْرَكَ مَواطِنَ السَّعادَةِ ومَهاوِي الشَّقاوَةِ، وعَلِمَ أنَّ في الثَّباتِ عَلى قَتْلِ العَدُوِّ، تَطْهِيرَ الأرْضِ مِنَ الفَسادِ، وتَزْيِينَها بِالحَقِّ والصَّلاحِ والسَّدادِ، مِمّا جَزاؤُهُ سَعادَةُ الدّارَيْنِ، والفَوْزُ بِالحُسْنَيَيْنِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ في تِلْكَ الشِّدَّةِ، بَعْدَ بَيانِ ما كانَ مِن غَيْرِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الأحزاب 33:21
(p-٤٨٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢١] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]
﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ: لَمْ يَنْهَزِمُوا بِما أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ والجُنُودِ، وأنَّ لَهم عَوْدَةً إلَيْهِمْ لِخَوْرِهِمْ واضْطِرابِهِمْ: ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ أيْ: مَرَّةً أْخُرى: ﴿يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾ أيْ: فَلا يَذْهَبُونَ إلى قِتالِهِمْ، ولا يَسْتَقِرُّونَ في المَدِينَةِ، بَلْ يَتَمَنَّوْنَ أنَّهم خارِجُونَ إلى البَدْوِ بَيْنَ الأعْرابِ، وإنْ لَحِقَهم عارُ جُبْنِهِمْ: ﴿يَسْألُونَ﴾ أيِ: القادِمِينَ: ﴿عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ أيْ: عَمّا جَرى لَكُمْ، ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ لا يَضُرُّ خُرُوجُهم عَنِ المَدِينَةِ، لَوْ أتى الأحْزابُ، بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ أيْ: في حُدُوثِ واقِعَةٍ ثانِيَةٍ: ﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ أيْ: رِياءً وخَوْفًا مِنَ التَّعْيِيرِ.
﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] أيْ: في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ؛ إذْ كانَ مِنها ثَباتُهُ في الشَّدائِدِ وهو مَطْلُوبٌ، وصَبْرِهِ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وهو مَكْرُوبٌ ومَحْرُوبٌ، ونَفْسُهُ في اخْتِلافِ الأحْوالِ ساكِنَةٌ، لا يَخُورُ في شَدِيدَةٍ ولا يَسْتَكِينُ لِعَظِيمَةٍ أوْ كَبِيرَةٍ، وقَدْ لَقِيَ بِمَكَّةَ مِن قُرَيْشٍ ما يُشِيبُ النَّواصِيَ، ويَهُدُّ الصَّياصِيَ، وهو مَعَ الضَّعْفِ يُصابِرُ صَبْرَ المُسْتَعْلِي، ويَثْبُتُ ثَباتَ المُسْتَوْلِي، ومَن صَبَرَ عَلى هَذِهِ الشَّدائِدِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو الرَّفِيعُ الشَّأْنِ، كانَ غَيْرُهُ أجْدَرَ إنْ كانَ مِمَّنْ يَتْبَعُ بِإحْسانٍ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] أيْ: رِضْوانَ اللَّهِ، ورَحْمَتَهُ، وثَوابَ اليَوْمِ الآخِرِ، ونَجاتَهُ؛ فَإنَّهُ يُؤْثِرُهُما عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، فَلا يَجْبُنُ؛ إذْ لا يَصِحُّ الجُبْنُ لِمَن صَحَّ اقْتِداؤُهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِغايَةِ قُبْحِهِ: ﴿وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] أيْ: وقَرَنَ بِالرَّجاءِ ذِكْرَهُ تَعالى بِكَثْرَةٍ؛ أيْ: ذَكَرَ أمْرَهُ (p-٤٨٣٧)ونَهْيَهُ ووَعْدَهُ ووَعِيدَهُ، فَأدْرَكَ مَواطِنَ السَّعادَةِ ومَهاوِي الشَّقاوَةِ، وعَلِمَ أنَّ في الثَّباتِ عَلى قَتْلِ العَدُوِّ، تَطْهِيرَ الأرْضِ مِنَ الفَسادِ، وتَزْيِينَها بِالحَقِّ والصَّلاحِ والسَّدادِ، مِمّا جَزاؤُهُ سَعادَةُ الدّارَيْنِ، والفَوْزُ بِالحُسْنَيَيْنِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ في تِلْكَ الشِّدَّةِ، بَعْدَ بَيانِ ما كانَ مِن غَيْرِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الأحزاب 33:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٣] ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٣] .
﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: لِأنَّهُ تَعالى وعَدَهم أنْ يُزَلْزَلُوا حَتّى يَسْتَغِيثُوهُ ويَسْتَنْصِرُوهُ، في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] وكَذَلِكَ حَدَّثَهُمُ الرَّسُولُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ الَّذِي يَعْقُبُهُ النَّصْرُ والأمانُ: ﴿وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: ظَهَرَ صِدْقُهُما فِيما وعَدانا بِهِ: ﴿وما زادَهُمْ﴾ أيْ: هَذا الخَطْبُ والبَلاءُ، عِنْدَ تَزَلْزُلِ المُنافِقِينَ وبَثِّ أراجِيفِهِمْ: ﴿إلا إيمانًا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَواعِيدِهِما: ﴿وتَسْلِيمًا﴾ أيْ: لِأمْرِ اللَّهِ ومَقادِيرِهِ.
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] في الصَّبْرِ والثَّباتِ، والقِيامِ بِما كَتَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ القِتالِ، لِإعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ، ومِنَ العَمَلِ بِالصّالِحاتِ، ومُجانَبَةِ السَّيِّئاتِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] أيْ: أدّى ما التَزَمَهُ ووَفّى بِهِ، فَقاتَلَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، صادِقًا حَتّى قُتِلَ شَهِيدًا.
(p-٤٨٣٨)قالَ الشِّهابُ: أصْلُ مَعْنى (النَّحْبِ) النَّذْرُ، وقَضاؤُهُ الوَفاءُ بِهِ. وقَدْ كانَ رِجالٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم نَذَرُوا أنَّهم إذا شَهِدُوا مَعَهُ ﷺ حَرْبًا، قاتَلُوا حَتّى يُسْتَشْهَدُوا. وقَدِ اسْتُعِيرَ: (قَضاءُ النَّحْبِ)، لِلْمَوْتِ؛ لِأنَّهُ لِكَوْنِهِ لا بُدَّ مِنهُ، مُشَبَّهً بِالنَّذْرِ الَّذِي يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُنا حَقِيقَةً، أوِ اسْتِعارَةً مِنَ المُشاكَلَةِ فِيهِ. انْتَهى.
﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] أيْ: ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِن نَصْرِهِ والشَّهادَةِ عَلى ما مَضى عَلَيْهِ أصْحابُهُ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٣] أيْ: ما غَيَّرُوا شَيْئًا مِنَ العَهْدِ، ولا نَقَضُوهُ كَنَقْضِ المُنافِقِينَ في تَوَلِّيهِمْ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ [الأحزاب: ١٥] فَفِيهِ كِنايَةٌ تَعْرِيضِيَّةٌ تُفْهَمُ مِن تَخْصِيصِهِمْ بِهِ، والتَّصْرِيحُ بِالمَصْدَرِ لِإفادَةِ العُمُومِ.
الأحزاب 33:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٣] ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٣] .
﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: لِأنَّهُ تَعالى وعَدَهم أنْ يُزَلْزَلُوا حَتّى يَسْتَغِيثُوهُ ويَسْتَنْصِرُوهُ، في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] وكَذَلِكَ حَدَّثَهُمُ الرَّسُولُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ الَّذِي يَعْقُبُهُ النَّصْرُ والأمانُ: ﴿وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: ظَهَرَ صِدْقُهُما فِيما وعَدانا بِهِ: ﴿وما زادَهُمْ﴾ أيْ: هَذا الخَطْبُ والبَلاءُ، عِنْدَ تَزَلْزُلِ المُنافِقِينَ وبَثِّ أراجِيفِهِمْ: ﴿إلا إيمانًا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَواعِيدِهِما: ﴿وتَسْلِيمًا﴾ أيْ: لِأمْرِ اللَّهِ ومَقادِيرِهِ.
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] في الصَّبْرِ والثَّباتِ، والقِيامِ بِما كَتَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ القِتالِ، لِإعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ، ومِنَ العَمَلِ بِالصّالِحاتِ، ومُجانَبَةِ السَّيِّئاتِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] أيْ: أدّى ما التَزَمَهُ ووَفّى بِهِ، فَقاتَلَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، صادِقًا حَتّى قُتِلَ شَهِيدًا.
(p-٤٨٣٨)قالَ الشِّهابُ: أصْلُ مَعْنى (النَّحْبِ) النَّذْرُ، وقَضاؤُهُ الوَفاءُ بِهِ. وقَدْ كانَ رِجالٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم نَذَرُوا أنَّهم إذا شَهِدُوا مَعَهُ ﷺ حَرْبًا، قاتَلُوا حَتّى يُسْتَشْهَدُوا. وقَدِ اسْتُعِيرَ: (قَضاءُ النَّحْبِ)، لِلْمَوْتِ؛ لِأنَّهُ لِكَوْنِهِ لا بُدَّ مِنهُ، مُشَبَّهً بِالنَّذْرِ الَّذِي يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُنا حَقِيقَةً، أوِ اسْتِعارَةً مِنَ المُشاكَلَةِ فِيهِ. انْتَهى.
﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] أيْ: ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِن نَصْرِهِ والشَّهادَةِ عَلى ما مَضى عَلَيْهِ أصْحابُهُ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٣] أيْ: ما غَيَّرُوا شَيْئًا مِنَ العَهْدِ، ولا نَقَضُوهُ كَنَقْضِ المُنافِقِينَ في تَوَلِّيهِمْ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ [الأحزاب: ١٥] فَفِيهِ كِنايَةٌ تَعْرِيضِيَّةٌ تُفْهَمُ مِن تَخْصِيصِهِمْ بِهِ، والتَّصْرِيحُ بِالمَصْدَرِ لِإفادَةِ العُمُومِ.
الأحزاب 33:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤ - ٢٥] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] .
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: في عُهُودِهِمْ: ﴿بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: كَمالِ غَضَبِهِمْ بِما أرْسَلَهُ مِنَ الرِّيحِ والجُنُودِ، بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ: ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: نَصْرًا لا غَنِيمَةً: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: فَلَمْ يُحْوِجْهم إلى مُبارَزَتِهِمْ لِيُجْلُوهم عَنِ المَدِينَةِ. بَلْ تَوَلّى كِفايَةَ ذَلِكَ وحْدَهُ؛ ولِهَذا «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وأعَزَّ جُنْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، فَلا شَيْءَ بَعْدَهُ»»: ﴿وكانَ اللَّهُ (p-٤٨٣٩)قَوِيًّا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: فَلا يُعارِضُ قُوَّتَهُ قُوَّةُ شَيْءٍ: ﴿عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: غالِبًا عَلى أمْرِهِ.
(ذِكْرُ تَفْصِيلِ نَبَأِ الأحْزابِ المُسَمّى بِغَزْوَةِ الخَنْدَقِ)
قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): كانَتْ غَزْوَةُ الخَنْدَقِ في سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، في شَوّالٍ عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ؛ إذْ لا خِلافَ أنَّ أُحُدًا كانَتْ في شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ، وواعَدَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في العامِ المُقْبِلِ وهي سَنَةُ أرْبَعٍ، ثُمَّ أخْلَفُوهُ لِأجْلِ جَدْبِ السَّنَةِ، فَرَجَعُوا، فَلَمّا كانَتْ سَنَةُ خَمْسٍ جاءُوا لِحَرْبِهِ. هَذا قَوْلُ أهْلِ السِّيَرِ والمَغازِي، وخالَفَهم مُوسى بْنُ عُقْبَةَ وقالَ: بَلْ كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ. قالَ أبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ: وهَذا هو الصَّحِيحُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ في (الصَّحِيحَيْنِ): «أنَّهُ عُرِضَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وهو ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ، ثُمَّ عُرِضَ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وهو ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأجازَهُ». قالَ: وصَحَّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما إلّا سَنَةٌ واحِدَةٌ. وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِجَوابَيْنِ: أحَدُهُما- أنَّ ابْنَ عُمَرَ أخْبَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّهُ لَمّا اسْتَصْغَرَهُ عَنِ القِتالِ، وأجازَهُ لَمّا وصَلَ إلى السِّنِّ الَّتِي رَآهُ فِيها مُطِيقًا، ولَيْسَ في هَذا ما يَنْفِي تَجاوُزَها بِسَنَةٍ أوْ نَحْوِها.
والثّانِي- أنَّهُ لَعَلَّهُ كانَ يَوْمُ أُحُدٍ في أوَّلِ الرّابِعَ عَشْرَةَ، ويَوْمُ الخَنْدَقِ في آخِرِ الخامِسَ عَشْرَةَ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: وكانَ سَبَبُ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، «أنَّ اليَهُودَ لَمّا رَأوُا انْتِصارَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وعَلِمُوا بِمِيعادِ أبِي سُفْيانَ لِغَزْوِ المُسْلِمِينَ، فَخَرَجَ لِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ لِلْعامِ المُقْبِلِ، خَرَجَ أشْرافُهم كَسَلامِ بْنِ أبِي الحَقِيقِ، وسَلامِ بْنِ مُشْكِمٍ، وكِنانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ وغَيْرِهِمْ إلى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، يُحَرِّضُونَهم عَلى غَزْوِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويُوالُونَهم عَلَيْهِ، ووَعَدُوهم مِن أنْفُسِهِمْ بِالنَّصْرِ لَهُمْ، فَأجابَتْهم قُرَيْشٌ، ثُمَّ خَرَجُوا إلى غَطَفانَ فَدَعَوْهم فاسْتَجابُوا لَهُمْ، ثُمَّ طافُوا في قَبائِلِ العَرَبِ يَدْعُونَهم إلى ذَلِكَ، فاسْتَجابَ لَهم مَنِ اسْتَجابَ.
فَخَرَجَتْ (p-٤٨٤٠)قُرَيْشٌ، وقائِدُهم أبُو سُفْيانَ في أرْبَعَةِ آلافٍ، ووافاهم بَنُو سُلَيْمٍ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وخَرَجَتْ بَنُو أسَدٍ، وفَزارَةُ، وأشْجَعُ، وبَنُو مُرَّةَ، وجاءَتْ غَطَفانُ، وقائِدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ الحِصْنِ، وكانَ قَدْ وافى الخَنْدَقَ مِنَ الكُفّارِ عَشَرَةُ آلافٍ.
فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَسِيرِهِمْ إلَيْهِ، اسْتَشارَ الصَّحابَةَ، فَأشارَ عَلَيْهِ سَلْمانُ الفارِسِيُّ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ يَحُولُ بَيْنَ العَدُوِّ وبَيْنَ المَدِينَةِ، فَأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبادَرَ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ، وعَمِلَ بِنَفْسِهِ فِيهِ وبادَرُوا، وهَجَمَ الكُفّارُ عَلَيْهِمْ، وكانَ في حَفْرِهِ آياتُ نُبُوَّتِهِ وأعْلامُ رِسالَتِهِ ما قَدْ تَواتَرَ الخَبَرُ بِهِ، وكانَ حَفْرُ الخَنْدَقِ أمامَ سَلْعٍ. وسَلْعٌ جَبَلٌ خَلْفَ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ، والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَتَحَصَّنَ بِالجَبَلِ مِن خَلْفِهِ، وبِالخَنْدَقِ أمامَهم.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَرَجَ في سَبْعِمِائَةٍ. (وهَذا غَلَطٌ مِن خُرُوجِهِ يَوْمَ أُحُدٍ).
وأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنِّساءِ والذَّرارِيِّ فَجُعِلُوا في آطامِ المَدِينَةِ، واسْتَخْلَفَ عَلَيْها ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وانْطَلَقَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَدَنا مِن حِصْنِهِمْ. فَأبى كَعْبُ بْنُ أسَدٍ أنْ يَفْتَحَ لَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتّى فَتَحَ لَهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قالَ: لَقَدْ جِئْتُكم بِعِزِّ الدَّهْرِ؛ جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ، وغَطَفانَ، وأسَدٍ عَلى قادَتِها لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ. قالَ: قالَ كَعْبٌ: جِئْتَنِي، واللَّهِ! بِذُلِّ الدَّهْرِ وبِجِهامٍ قَدْ أراقَ ماءَهُ، فَهو رَعْدٌ وبَرْقٌ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى نَقَضَ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ودَخَلَ مَعَ المُشْرِكِينَ في مُحارَبَتِهِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ. وشَرَطَ كَعْبٌ عَلى حُيَيٍّ أنَّهُ إنْ لَمْ يَظْفَرُوا بِمُحَمَّدٍ، أنْ يَجِيءَ حَتّى يَدْخُلَ مَعَهُ في حِصْنِهِ، فَيُصِيبُهُ ما أصابَهُ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ، ووَفّى لَهُ بِهِ. وبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَبَرُ بَنِي قُرَيْظَةَ، ونَقْضُهم لِلْعَهْدِ، فَبَعَثَ إلَيْهِمُ السَّعْدَيْنِ، وخَوّاتَ بْنَ جُبَيْرٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ لِيَعْرِفُوهُ: هَلْ هم عَلى عَهْدِهِمْ، أوْ قَدْ نَقَضُوهُ. فَلَمّا دَنَوْا مِنهم فَوَجَدُوهم عَلى أخْبَثِ ما يَكُونُ، وجاهَرُوهم بِالسَّبِّ والعَداوَةِ، ونالُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، ولَحَّنُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْنًا يُخْبِرُونَهُ أنَّهم قَدْ نَقَضُوا العَهْدَ وغَدَرُوا. فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «اللَّهُ أكْبَرُ! أبْشِرُوا يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ» . (p-٤٨٤١)واشْتَدَّ البَلاءُ وتَجَهَّرَ النِّفاقُ، واسْتَأْذَنَ بَعْضُ بَنِي حارِثَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الذَّهابِ إلى المَدِينَةِ وقالُوا: بُيُوتُنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا. وهَمَّ بَنُو سَلَمَةَ بِالفَشَلِ، ثُمَّ ثَبَّتَ اللَّهُ الطّائِفَتَيْنِ.
وأقامَ المُشْرِكُونَ مُحاصِرِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم قِتالٌ؛ لِأجْلِ ما حالَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الخَنْدَقِ، بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، إلّا أنَّ فَوارِسَ مِن قُرَيْشٍ مِنهم عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وِدٍّ وجَماعَةٌ مَعَهُ، أقْبَلُوا نَحْوَ الخَنْدَقِ، فَلَمّا وقَفُوا عَلَيْهِ قالُوا: إنَّ هَذِهِ مَكِيدَةٌ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُها، ثُمَّ تَيَمَّمُوا مَكانًا ضَيِّقًا مِنَ الخَنْدَقِ فاقْتَحَمُوهُ، وجالَتْ بِهِمْ خَيْلُهم في السَّبْخَةِ بَيْنَ الخَنْدَقِ وسَلْعٍ، ودَعَوْا إلى البِرازِ، فانْتُدِبَ لِعَمْرٍو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَبارَزَهُ فَقَتَلَهُ اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ، وكانَ مِن شُجْعانِ المُشْرِكِينَ وأبْطالِهِمْ، وانْهَزَمَ الباقُونَ إلى أصْحابِهِمْ. وكانَ شِعارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ: (حـم لا يُنْصَرُونَ).
ولَمّا طالَتْ هَذِهِ الحالُ عَلى المُسْلِمِينَ، أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُصالِحَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ والحارِثَ بْنَ عَوْفٍ، رَئِيسَيْ غَطَفانَ عَلى ثُلُثِ ثِمارِ المَدِينَةِ، ويَنْصَرِفا بِقَوْمِهِما، وجَرَتِ المُراوَضَةُ عَلى ذَلِكَ، فاسْتَشارَ السَّعْدَيْنِ في ذَلِكَ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنْ كانَ اللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا، فَسَمْعًا وطاعَةً، وإنْ كانَ شَيْءٌ تَصْنَعُهُ لَنا، فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ. لَقَدْ كُنّا نَحْنُ هَؤُلاءِ القَوْمَ عَلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وعِبادَةِ الأوْثانِ، وهم لا يَطْمَعُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِنها ثَمَرَةً إلّا قِرًى أوْ بَيْعًا، فَحِينَ أكْرَمَنا اللَّهُ بِالإسْلامِ، وهَدانا لَهُ، وأعَزَّنا بِكَ، نُعْطِيهِمْ أمْوالَنا؟ واللَّهِ! لا نُعْطِيهِمْ إلّا السَّيْفَ. فَصَوَّبَ رَأْيَهُما وقالَ: «إنَّما هو شَيْءٌ أصْنَعُهُ لَكُمْ، لَمّا رَأيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكم عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ» .
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ولَهُ الحَمْدُ، صَنَعَ أمْرًا مِن عِنْدِهِ، خَذَلَ بِهِ بَيْنَ العَدُوِّ، وهَزَمَ جُمُوعَهُمْ، وفَلَّ حَدَّهُمْ؛ فَكانَ مِمّا هَيَّأ مِن ذَلِكَ، أنَّ رَجُلًا مِن غَطَفانَ يُقالُ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عامِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي قَدْ أسْلَمْتُ، فَمُرْنِي بِما شِئْتَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّما أنْتَ رَجُلٌ واحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنّا ما اسْتَطَعْتَ؛ فَإنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ» . فَذَهَبَ مِن فَوْرِهِ ذَلِكَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَ عَشِيرًا لَهم (p-٤٨٤٢)فِي الجاهِلِيَّةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ وهم لا يَعْلَمُونَ بِإسْلامِهِ فَقالَ: يا بَنِي قُرَيْظَةَ! إنَّكم قَدْ حارَبْتُمْ مُحَمَّدًا، وإنَّ قُرَيْشًا إنْ أصابُوا فُرْصَةً انْتَهَزُوها، وإلّا انْشَمَرُوا إلى بِلادِهِمْ راجِعِينَ، وتَرَكُوكم ومُحَمَّدًا، فانْتَقَمَ مِنكم. قالُوا: فَما العَمَلُ يا نُعَيْمُ؟! قالَ: لا تُقاتِلُوا مَعَهم حَتّى يُعْطُوكم رَهائِنَ. قالُوا: لَقَدْ أشَرْتَ بِالرَّأْيِ. ثُمَّ مَضى عَلى وجْهِهِ إلى قُرَيْشٍ. قالَ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ وِدِّي لَكم ونُصْحِي لَكم. قالُوا: نَعَمْ. قالَ: إنَّ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلى ما كانَ مِنهم مَن نَقَضَ عَهْدَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، وإنَّهم قَدْ راسَلُوهُ أنَّهم يَأْخُذُونَ مِنكم رَهائِنَ يَدْفَعُونَها إلَيْهِ، ثُمَّ يُوالُونَهُ عَلَيْكُمْ، فَإنْ سَألُوكم رَهائِنَ فَلا تُعْطُوهم. ثُمَّ ذَهَبَ إلى غَطَفانَ فَقالَ لَهم مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ لَيْلَةَ السَّبْتِ مِن شَوّالٍ بَعَثُوا إلى يَهُودَ: إنّا لَسْنا بِأرْضِ مُقامٍ، وقَدْ هَلَكَ الكُراعُ والخُفُّ، فانْهَضُوا بِنا حَتّى نُناجِزَ مُحَمَّدًا. فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ اليَهُودُ: إنَّ اليَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما أصابَ مَن قَبْلَنا حِينَ أحْدَثُوا فِيهِ، ومَعَ هَذا، فَإنّا لا نُقاتِلُ مَعَكم حَتّى تَبْعَثُوا لَنا رَهائِنَ. فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِذَلِكَ، قالَتْ قُرَيْشٍ صَدَقَكُمْ، واللَّهِ! نُعَيْمٌ. فَبَعَثُوا إلى يَهُودَ: إنّا، واللَّهِ! لا نُرْسِلُ إلَيْكم أحَدًا، فاخْرُجُوا مَعَنا حَتّى نُناجِزَ مُحَمَّدًا. فَقالَتْ قُرَيْظَةُ: صَدَقَكُمْ، واللَّهِ! نُعَيْمٌ. فَتَخاذَلَ الفَرِيقانِ: وأرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى المُشْرِكِينَ جُنْدًا مِنَ الرِّيحِ في لَيالٍ شاتِيَةٍ بارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَجَعَلَتْ تُقَوِّضْ خِيامَهُمْ، ولا تَدَعُ لَهم قِدْرًا إلّا كَفَأتْها، ولا طُنُبًا إلّا قَلَعَتْهُ، ولا يَقِرُّ لَهم قَرارٌ، وجُنْدُ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ يُزَلْزِلُونَهم ويُلْقُونَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ والخَوْفَ. وأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَوَجَدَهم عَلى هَذِهِ الحالِ، وقَدْ تَهَيَّأُوا لِلرَّحِيلِ. فَرَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهم بِرَحِيلِ القَوْمِ، فَأصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَدُوَّهُ بِغَيْظِهِ، لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، وكَفى اللَّهُ قِتالَهُمْ، فَصَدَقَ وعْدَهُ، وأعَزَّ جُنْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ.
ثُمَّ لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ مُؤَيَّدًا مَنصُورًا، والمُسْلِمُونَ مَعَهُ، ووَضَعُوا السِّلاحَ، وكانَتِ الظُّهْرَ، أتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَأْمُرُكَ بِالمَسِيرِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ -وهم قَبِيلَةٌ مِن يَهُودِ خَيْبَرَ- فَإنِّي عامِدٌ إلَيْهِمْ فَمُزَلْزِلٌ بِهِمْ. فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنًا فَأذَّنَ في (p-٤٨٤٣)النّاسِ: «مَن كانَ سامِعًا مُطِيعًا، فَلا يُصَلِّيَنَّ العَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ» . واسْتَعْمَلَ عَلى المَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، رِضْوانُ اللَّهِ عَنْهُ، بِرايَتِهِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وابْتَدَرَها النّاسُ، فَسارَ عَلِيٌّ، حَتّى إذا دَنا مِنَ الحُصُونِ سَمِعَ مِنها مَقالَةً قَبِيحَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَجَعَ حَتّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالطَّرِيقِ. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! لا عَلَيْكَ أنْ لا تَدْنُوَ مِن هَؤُلاءِ الأخابِثِ. قالَ: «لِمَ؟ أظُنُّكَ سَمِعْتَ مِنهم لِي أذًى» . قالَ: نَعَمْ، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «لَوْ رَأوْنِي لَمْ يَقُولُوا مِن ذَلِكَ شَيْئًا» . وتَلاحَقَ بِهِ النّاسُ، وحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً حَتّى جَهَدَهُمُ الحِصارُ، وقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، ثُمَّ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَواثَبَتِ الأوْسُ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! صَلّى اللَّهُ عَلَيْكَ وسَلَّمَ، إنَّهم كانُوا مَوالِيَنا دُونَ الخَزْرَجِ، وقَدْ فَعَلْتَ في مَوالِي إخْوانِنا بِالأمْسِ ما قَدْ عَلِمْتَ.
وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَدْ حاصَرَ بَنِي قَيْنُقاعَ وهم شَعْبٌ مِنَ اليَهُودِ كانُوا بِالمَدِينَةِ، وكانُوا حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِهِ، فَسَألَهُ إيّاهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فَوَهَبَهم لَهُ.
فَلَمّا كَلَّمَتْهُ الأوْسُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا تَرْضَوْنَ، يا مَعْشَرَ الأوْسِ! أنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنكُمْ؟» قالُوا: بَلى. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَذاكَ إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ» .
وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَعَلَ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ في خَيْمَةٍ لِامْرَأةٍ مِن أسْلَمَ، يُقالُ لَها رُفَيْدَةُ في مَسْجِدِهِ، كانَتْ تُداوِي الجَرْحى وتَحْتَسِبُ بِنَفْسِها عَلى خِدْمَةِ مَن كانَتْ بِهِ ضَيْعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قالَ لِقَوْمِهِ حِينَ أصابَهُ السَّهْمُ بِالخَنْدَقِ: «اجْعَلُوهُ في خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتّى أعُودَهُ مِن قَرِيبٍ» . فَلَمّا حَكَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَنِي قُرَيْظَةَ، أتاهُ قَوْمُهُ فَحَمَلُوهُ عَلى حِمارٍ.
وكانَ رَجُلًا جَسِيمًا جَمِيلًا، ثُمَّ أقْبَلُوا مَعَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا انْتَهى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، قالَ ﷺ: «قُومُوا إلى سَيِّدِكم» فَقامُوا إلَيْهِ فَأنْزَلُوهُ.
(p-٤٨٤٤)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إعْظامًا وإكْرامًا، واحْتِرامًا لَهُ، في مَحَلِّ ولِيَّتِهِ، لِيَكُونَ أنْفَذَ لِحُكْمِهِ فِيهِمْ. فَلَمّا جَلَسَ، قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ هَؤُلاءِ قَدْ نَزَلُوا عَلى حُكْمِكَ، فاحْكم فِيهِمْ بِما شِئْتَ» . وصارَتْ تَعْرِضُ لَهُ الأوْسُ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِمْ، وتَقُولُ: يا أبا عَمْرٍو ! إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ولّاكَ أمْرَ مَوالِيكَ لِتَحْكُمَ فِيهِمْ.
فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَلَيْكم عَهْدُ اللَّهِ ومِيثاقُهُ، أنَّ الحُكْمَ فِيهِمْ لَمّا حَكَمْتُ. قالُوا: نَعَمْ. قالَ: وعَلى مَن ها هُنا- (فِي النّاحِيَةِ الَّتِي فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو مُعْرِضٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إجْلالًا لَهُ)- فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ» . قالَ سَعْدٌ: فَإنِّي أحْكُمُ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ الرِّجالُ، وتُقَسَّمَ الأمْوالُ، وتُسْبى الذَّرارِيُّ والنِّساءُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ» . وفي رِوايَةٍ: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ المَلِكِ» - أيْ: لِأنَّ هَذا جَزاءُ الخائِنِ الغادِرِ- وكانَ سَعْدٌ أُصِيبَ يَوْمَ الخَنْدَقِ؛ رَماهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ ابْنُ العَرِقَةِ، رَماهُ في الأكْحَلِ. فَكَواهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أكْحَلِهِ. وقالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ! إنْ كُنْتَ أبْقَيْتَ مِن حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا، فَأبْقِنِي لَها: فَإنَّهُ لا قَوْمَ أحَبُّ إلَيَّ أنْ أُجاهِدَ، مِن قَوْمٍ آذَوْا رَسُولَكَ، وكَذَّبُوهُ، وأخْرَجُوهُ. اللَّهُمَّ! وإنْ كُنْتَ قَدْ وضَعْتَ الحَرْبَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، فاجْعَلْ لِي شَهادَةً ولا تُمِتْنِي حَتّى تَقَرَّ عَيْنِي مِن بَنِي قُرَيْظَةَ. فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ، وقَدَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ نَزَلُوا عَلى حُكْمِهِ بِاخْتِيارِهِمْ، طَلَبًا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ.
ثُمَّ لَمّا اسْتَنْزَلُوا مِن حُصُونِهِمْ، حَبَسَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ في دارٍ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى سُوقِ المَدِينَةِ فَخَنْدَقَ بِها خَنادِقَ، ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِمْ فَضَرَبَ أعْناقَهم في تِلْكَ الخَنادِقِ، يَخْرُجُ بِهِمْ إلَيْهِ أرْسالًا، وفِيهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ رَأْسُ القَوْمِ، وهم سِتُّمِائَةٍ أوْ سَبْعُمِائَةٍ، وسُبِيَ مَن لَمْ يَنْبُتْ مِنهم مَعَ النِّساءِ وأمْوالِهِمْ،» وهَذا ما ذَكَرَهُ تَعالى مِن أمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ، إثْرَ أمْرِ الخَنْدَقِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الأحزاب 33:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤ - ٢٥] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] .
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: في عُهُودِهِمْ: ﴿بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: كَمالِ غَضَبِهِمْ بِما أرْسَلَهُ مِنَ الرِّيحِ والجُنُودِ، بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ: ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: نَصْرًا لا غَنِيمَةً: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: فَلَمْ يُحْوِجْهم إلى مُبارَزَتِهِمْ لِيُجْلُوهم عَنِ المَدِينَةِ. بَلْ تَوَلّى كِفايَةَ ذَلِكَ وحْدَهُ؛ ولِهَذا «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وأعَزَّ جُنْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، فَلا شَيْءَ بَعْدَهُ»»: ﴿وكانَ اللَّهُ (p-٤٨٣٩)قَوِيًّا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: فَلا يُعارِضُ قُوَّتَهُ قُوَّةُ شَيْءٍ: ﴿عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: غالِبًا عَلى أمْرِهِ.
(ذِكْرُ تَفْصِيلِ نَبَأِ الأحْزابِ المُسَمّى بِغَزْوَةِ الخَنْدَقِ)
قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): كانَتْ غَزْوَةُ الخَنْدَقِ في سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، في شَوّالٍ عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ؛ إذْ لا خِلافَ أنَّ أُحُدًا كانَتْ في شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ، وواعَدَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في العامِ المُقْبِلِ وهي سَنَةُ أرْبَعٍ، ثُمَّ أخْلَفُوهُ لِأجْلِ جَدْبِ السَّنَةِ، فَرَجَعُوا، فَلَمّا كانَتْ سَنَةُ خَمْسٍ جاءُوا لِحَرْبِهِ. هَذا قَوْلُ أهْلِ السِّيَرِ والمَغازِي، وخالَفَهم مُوسى بْنُ عُقْبَةَ وقالَ: بَلْ كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ. قالَ أبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ: وهَذا هو الصَّحِيحُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ في (الصَّحِيحَيْنِ): «أنَّهُ عُرِضَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وهو ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ، ثُمَّ عُرِضَ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وهو ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأجازَهُ». قالَ: وصَحَّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما إلّا سَنَةٌ واحِدَةٌ. وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِجَوابَيْنِ: أحَدُهُما- أنَّ ابْنَ عُمَرَ أخْبَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّهُ لَمّا اسْتَصْغَرَهُ عَنِ القِتالِ، وأجازَهُ لَمّا وصَلَ إلى السِّنِّ الَّتِي رَآهُ فِيها مُطِيقًا، ولَيْسَ في هَذا ما يَنْفِي تَجاوُزَها بِسَنَةٍ أوْ نَحْوِها.
والثّانِي- أنَّهُ لَعَلَّهُ كانَ يَوْمُ أُحُدٍ في أوَّلِ الرّابِعَ عَشْرَةَ، ويَوْمُ الخَنْدَقِ في آخِرِ الخامِسَ عَشْرَةَ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: وكانَ سَبَبُ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، «أنَّ اليَهُودَ لَمّا رَأوُا انْتِصارَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وعَلِمُوا بِمِيعادِ أبِي سُفْيانَ لِغَزْوِ المُسْلِمِينَ، فَخَرَجَ لِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ لِلْعامِ المُقْبِلِ، خَرَجَ أشْرافُهم كَسَلامِ بْنِ أبِي الحَقِيقِ، وسَلامِ بْنِ مُشْكِمٍ، وكِنانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ وغَيْرِهِمْ إلى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، يُحَرِّضُونَهم عَلى غَزْوِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويُوالُونَهم عَلَيْهِ، ووَعَدُوهم مِن أنْفُسِهِمْ بِالنَّصْرِ لَهُمْ، فَأجابَتْهم قُرَيْشٌ، ثُمَّ خَرَجُوا إلى غَطَفانَ فَدَعَوْهم فاسْتَجابُوا لَهُمْ، ثُمَّ طافُوا في قَبائِلِ العَرَبِ يَدْعُونَهم إلى ذَلِكَ، فاسْتَجابَ لَهم مَنِ اسْتَجابَ.
فَخَرَجَتْ (p-٤٨٤٠)قُرَيْشٌ، وقائِدُهم أبُو سُفْيانَ في أرْبَعَةِ آلافٍ، ووافاهم بَنُو سُلَيْمٍ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وخَرَجَتْ بَنُو أسَدٍ، وفَزارَةُ، وأشْجَعُ، وبَنُو مُرَّةَ، وجاءَتْ غَطَفانُ، وقائِدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ الحِصْنِ، وكانَ قَدْ وافى الخَنْدَقَ مِنَ الكُفّارِ عَشَرَةُ آلافٍ.
فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَسِيرِهِمْ إلَيْهِ، اسْتَشارَ الصَّحابَةَ، فَأشارَ عَلَيْهِ سَلْمانُ الفارِسِيُّ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ يَحُولُ بَيْنَ العَدُوِّ وبَيْنَ المَدِينَةِ، فَأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبادَرَ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ، وعَمِلَ بِنَفْسِهِ فِيهِ وبادَرُوا، وهَجَمَ الكُفّارُ عَلَيْهِمْ، وكانَ في حَفْرِهِ آياتُ نُبُوَّتِهِ وأعْلامُ رِسالَتِهِ ما قَدْ تَواتَرَ الخَبَرُ بِهِ، وكانَ حَفْرُ الخَنْدَقِ أمامَ سَلْعٍ. وسَلْعٌ جَبَلٌ خَلْفَ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ، والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَتَحَصَّنَ بِالجَبَلِ مِن خَلْفِهِ، وبِالخَنْدَقِ أمامَهم.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَرَجَ في سَبْعِمِائَةٍ. (وهَذا غَلَطٌ مِن خُرُوجِهِ يَوْمَ أُحُدٍ).
وأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنِّساءِ والذَّرارِيِّ فَجُعِلُوا في آطامِ المَدِينَةِ، واسْتَخْلَفَ عَلَيْها ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وانْطَلَقَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَدَنا مِن حِصْنِهِمْ. فَأبى كَعْبُ بْنُ أسَدٍ أنْ يَفْتَحَ لَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتّى فَتَحَ لَهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قالَ: لَقَدْ جِئْتُكم بِعِزِّ الدَّهْرِ؛ جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ، وغَطَفانَ، وأسَدٍ عَلى قادَتِها لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ. قالَ: قالَ كَعْبٌ: جِئْتَنِي، واللَّهِ! بِذُلِّ الدَّهْرِ وبِجِهامٍ قَدْ أراقَ ماءَهُ، فَهو رَعْدٌ وبَرْقٌ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى نَقَضَ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ودَخَلَ مَعَ المُشْرِكِينَ في مُحارَبَتِهِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ. وشَرَطَ كَعْبٌ عَلى حُيَيٍّ أنَّهُ إنْ لَمْ يَظْفَرُوا بِمُحَمَّدٍ، أنْ يَجِيءَ حَتّى يَدْخُلَ مَعَهُ في حِصْنِهِ، فَيُصِيبُهُ ما أصابَهُ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ، ووَفّى لَهُ بِهِ. وبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَبَرُ بَنِي قُرَيْظَةَ، ونَقْضُهم لِلْعَهْدِ، فَبَعَثَ إلَيْهِمُ السَّعْدَيْنِ، وخَوّاتَ بْنَ جُبَيْرٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ لِيَعْرِفُوهُ: هَلْ هم عَلى عَهْدِهِمْ، أوْ قَدْ نَقَضُوهُ. فَلَمّا دَنَوْا مِنهم فَوَجَدُوهم عَلى أخْبَثِ ما يَكُونُ، وجاهَرُوهم بِالسَّبِّ والعَداوَةِ، ونالُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، ولَحَّنُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْنًا يُخْبِرُونَهُ أنَّهم قَدْ نَقَضُوا العَهْدَ وغَدَرُوا. فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «اللَّهُ أكْبَرُ! أبْشِرُوا يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ» . (p-٤٨٤١)واشْتَدَّ البَلاءُ وتَجَهَّرَ النِّفاقُ، واسْتَأْذَنَ بَعْضُ بَنِي حارِثَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الذَّهابِ إلى المَدِينَةِ وقالُوا: بُيُوتُنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا. وهَمَّ بَنُو سَلَمَةَ بِالفَشَلِ، ثُمَّ ثَبَّتَ اللَّهُ الطّائِفَتَيْنِ.
وأقامَ المُشْرِكُونَ مُحاصِرِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم قِتالٌ؛ لِأجْلِ ما حالَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الخَنْدَقِ، بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، إلّا أنَّ فَوارِسَ مِن قُرَيْشٍ مِنهم عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وِدٍّ وجَماعَةٌ مَعَهُ، أقْبَلُوا نَحْوَ الخَنْدَقِ، فَلَمّا وقَفُوا عَلَيْهِ قالُوا: إنَّ هَذِهِ مَكِيدَةٌ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُها، ثُمَّ تَيَمَّمُوا مَكانًا ضَيِّقًا مِنَ الخَنْدَقِ فاقْتَحَمُوهُ، وجالَتْ بِهِمْ خَيْلُهم في السَّبْخَةِ بَيْنَ الخَنْدَقِ وسَلْعٍ، ودَعَوْا إلى البِرازِ، فانْتُدِبَ لِعَمْرٍو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَبارَزَهُ فَقَتَلَهُ اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ، وكانَ مِن شُجْعانِ المُشْرِكِينَ وأبْطالِهِمْ، وانْهَزَمَ الباقُونَ إلى أصْحابِهِمْ. وكانَ شِعارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ: (حـم لا يُنْصَرُونَ).
ولَمّا طالَتْ هَذِهِ الحالُ عَلى المُسْلِمِينَ، أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُصالِحَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ والحارِثَ بْنَ عَوْفٍ، رَئِيسَيْ غَطَفانَ عَلى ثُلُثِ ثِمارِ المَدِينَةِ، ويَنْصَرِفا بِقَوْمِهِما، وجَرَتِ المُراوَضَةُ عَلى ذَلِكَ، فاسْتَشارَ السَّعْدَيْنِ في ذَلِكَ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنْ كانَ اللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا، فَسَمْعًا وطاعَةً، وإنْ كانَ شَيْءٌ تَصْنَعُهُ لَنا، فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ. لَقَدْ كُنّا نَحْنُ هَؤُلاءِ القَوْمَ عَلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وعِبادَةِ الأوْثانِ، وهم لا يَطْمَعُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِنها ثَمَرَةً إلّا قِرًى أوْ بَيْعًا، فَحِينَ أكْرَمَنا اللَّهُ بِالإسْلامِ، وهَدانا لَهُ، وأعَزَّنا بِكَ، نُعْطِيهِمْ أمْوالَنا؟ واللَّهِ! لا نُعْطِيهِمْ إلّا السَّيْفَ. فَصَوَّبَ رَأْيَهُما وقالَ: «إنَّما هو شَيْءٌ أصْنَعُهُ لَكُمْ، لَمّا رَأيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكم عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ» .
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ولَهُ الحَمْدُ، صَنَعَ أمْرًا مِن عِنْدِهِ، خَذَلَ بِهِ بَيْنَ العَدُوِّ، وهَزَمَ جُمُوعَهُمْ، وفَلَّ حَدَّهُمْ؛ فَكانَ مِمّا هَيَّأ مِن ذَلِكَ، أنَّ رَجُلًا مِن غَطَفانَ يُقالُ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عامِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي قَدْ أسْلَمْتُ، فَمُرْنِي بِما شِئْتَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّما أنْتَ رَجُلٌ واحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنّا ما اسْتَطَعْتَ؛ فَإنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ» . فَذَهَبَ مِن فَوْرِهِ ذَلِكَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَ عَشِيرًا لَهم (p-٤٨٤٢)فِي الجاهِلِيَّةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ وهم لا يَعْلَمُونَ بِإسْلامِهِ فَقالَ: يا بَنِي قُرَيْظَةَ! إنَّكم قَدْ حارَبْتُمْ مُحَمَّدًا، وإنَّ قُرَيْشًا إنْ أصابُوا فُرْصَةً انْتَهَزُوها، وإلّا انْشَمَرُوا إلى بِلادِهِمْ راجِعِينَ، وتَرَكُوكم ومُحَمَّدًا، فانْتَقَمَ مِنكم. قالُوا: فَما العَمَلُ يا نُعَيْمُ؟! قالَ: لا تُقاتِلُوا مَعَهم حَتّى يُعْطُوكم رَهائِنَ. قالُوا: لَقَدْ أشَرْتَ بِالرَّأْيِ. ثُمَّ مَضى عَلى وجْهِهِ إلى قُرَيْشٍ. قالَ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ وِدِّي لَكم ونُصْحِي لَكم. قالُوا: نَعَمْ. قالَ: إنَّ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلى ما كانَ مِنهم مَن نَقَضَ عَهْدَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، وإنَّهم قَدْ راسَلُوهُ أنَّهم يَأْخُذُونَ مِنكم رَهائِنَ يَدْفَعُونَها إلَيْهِ، ثُمَّ يُوالُونَهُ عَلَيْكُمْ، فَإنْ سَألُوكم رَهائِنَ فَلا تُعْطُوهم. ثُمَّ ذَهَبَ إلى غَطَفانَ فَقالَ لَهم مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ لَيْلَةَ السَّبْتِ مِن شَوّالٍ بَعَثُوا إلى يَهُودَ: إنّا لَسْنا بِأرْضِ مُقامٍ، وقَدْ هَلَكَ الكُراعُ والخُفُّ، فانْهَضُوا بِنا حَتّى نُناجِزَ مُحَمَّدًا. فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ اليَهُودُ: إنَّ اليَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما أصابَ مَن قَبْلَنا حِينَ أحْدَثُوا فِيهِ، ومَعَ هَذا، فَإنّا لا نُقاتِلُ مَعَكم حَتّى تَبْعَثُوا لَنا رَهائِنَ. فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِذَلِكَ، قالَتْ قُرَيْشٍ صَدَقَكُمْ، واللَّهِ! نُعَيْمٌ. فَبَعَثُوا إلى يَهُودَ: إنّا، واللَّهِ! لا نُرْسِلُ إلَيْكم أحَدًا، فاخْرُجُوا مَعَنا حَتّى نُناجِزَ مُحَمَّدًا. فَقالَتْ قُرَيْظَةُ: صَدَقَكُمْ، واللَّهِ! نُعَيْمٌ. فَتَخاذَلَ الفَرِيقانِ: وأرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى المُشْرِكِينَ جُنْدًا مِنَ الرِّيحِ في لَيالٍ شاتِيَةٍ بارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَجَعَلَتْ تُقَوِّضْ خِيامَهُمْ، ولا تَدَعُ لَهم قِدْرًا إلّا كَفَأتْها، ولا طُنُبًا إلّا قَلَعَتْهُ، ولا يَقِرُّ لَهم قَرارٌ، وجُنْدُ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ يُزَلْزِلُونَهم ويُلْقُونَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ والخَوْفَ. وأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَوَجَدَهم عَلى هَذِهِ الحالِ، وقَدْ تَهَيَّأُوا لِلرَّحِيلِ. فَرَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهم بِرَحِيلِ القَوْمِ، فَأصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَدُوَّهُ بِغَيْظِهِ، لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، وكَفى اللَّهُ قِتالَهُمْ، فَصَدَقَ وعْدَهُ، وأعَزَّ جُنْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ.
ثُمَّ لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ مُؤَيَّدًا مَنصُورًا، والمُسْلِمُونَ مَعَهُ، ووَضَعُوا السِّلاحَ، وكانَتِ الظُّهْرَ، أتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَأْمُرُكَ بِالمَسِيرِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ -وهم قَبِيلَةٌ مِن يَهُودِ خَيْبَرَ- فَإنِّي عامِدٌ إلَيْهِمْ فَمُزَلْزِلٌ بِهِمْ. فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنًا فَأذَّنَ في (p-٤٨٤٣)النّاسِ: «مَن كانَ سامِعًا مُطِيعًا، فَلا يُصَلِّيَنَّ العَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ» . واسْتَعْمَلَ عَلى المَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، رِضْوانُ اللَّهِ عَنْهُ، بِرايَتِهِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وابْتَدَرَها النّاسُ، فَسارَ عَلِيٌّ، حَتّى إذا دَنا مِنَ الحُصُونِ سَمِعَ مِنها مَقالَةً قَبِيحَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَجَعَ حَتّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالطَّرِيقِ. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! لا عَلَيْكَ أنْ لا تَدْنُوَ مِن هَؤُلاءِ الأخابِثِ. قالَ: «لِمَ؟ أظُنُّكَ سَمِعْتَ مِنهم لِي أذًى» . قالَ: نَعَمْ، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «لَوْ رَأوْنِي لَمْ يَقُولُوا مِن ذَلِكَ شَيْئًا» . وتَلاحَقَ بِهِ النّاسُ، وحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً حَتّى جَهَدَهُمُ الحِصارُ، وقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، ثُمَّ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَواثَبَتِ الأوْسُ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! صَلّى اللَّهُ عَلَيْكَ وسَلَّمَ، إنَّهم كانُوا مَوالِيَنا دُونَ الخَزْرَجِ، وقَدْ فَعَلْتَ في مَوالِي إخْوانِنا بِالأمْسِ ما قَدْ عَلِمْتَ.
وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَدْ حاصَرَ بَنِي قَيْنُقاعَ وهم شَعْبٌ مِنَ اليَهُودِ كانُوا بِالمَدِينَةِ، وكانُوا حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِهِ، فَسَألَهُ إيّاهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فَوَهَبَهم لَهُ.
فَلَمّا كَلَّمَتْهُ الأوْسُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا تَرْضَوْنَ، يا مَعْشَرَ الأوْسِ! أنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنكُمْ؟» قالُوا: بَلى. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَذاكَ إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ» .
وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَعَلَ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ في خَيْمَةٍ لِامْرَأةٍ مِن أسْلَمَ، يُقالُ لَها رُفَيْدَةُ في مَسْجِدِهِ، كانَتْ تُداوِي الجَرْحى وتَحْتَسِبُ بِنَفْسِها عَلى خِدْمَةِ مَن كانَتْ بِهِ ضَيْعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قالَ لِقَوْمِهِ حِينَ أصابَهُ السَّهْمُ بِالخَنْدَقِ: «اجْعَلُوهُ في خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتّى أعُودَهُ مِن قَرِيبٍ» . فَلَمّا حَكَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَنِي قُرَيْظَةَ، أتاهُ قَوْمُهُ فَحَمَلُوهُ عَلى حِمارٍ.
وكانَ رَجُلًا جَسِيمًا جَمِيلًا، ثُمَّ أقْبَلُوا مَعَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا انْتَهى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، قالَ ﷺ: «قُومُوا إلى سَيِّدِكم» فَقامُوا إلَيْهِ فَأنْزَلُوهُ.
(p-٤٨٤٤)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إعْظامًا وإكْرامًا، واحْتِرامًا لَهُ، في مَحَلِّ ولِيَّتِهِ، لِيَكُونَ أنْفَذَ لِحُكْمِهِ فِيهِمْ. فَلَمّا جَلَسَ، قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ هَؤُلاءِ قَدْ نَزَلُوا عَلى حُكْمِكَ، فاحْكم فِيهِمْ بِما شِئْتَ» . وصارَتْ تَعْرِضُ لَهُ الأوْسُ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِمْ، وتَقُولُ: يا أبا عَمْرٍو ! إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ولّاكَ أمْرَ مَوالِيكَ لِتَحْكُمَ فِيهِمْ.
فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَلَيْكم عَهْدُ اللَّهِ ومِيثاقُهُ، أنَّ الحُكْمَ فِيهِمْ لَمّا حَكَمْتُ. قالُوا: نَعَمْ. قالَ: وعَلى مَن ها هُنا- (فِي النّاحِيَةِ الَّتِي فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو مُعْرِضٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إجْلالًا لَهُ)- فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ» . قالَ سَعْدٌ: فَإنِّي أحْكُمُ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ الرِّجالُ، وتُقَسَّمَ الأمْوالُ، وتُسْبى الذَّرارِيُّ والنِّساءُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ» . وفي رِوايَةٍ: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ المَلِكِ» - أيْ: لِأنَّ هَذا جَزاءُ الخائِنِ الغادِرِ- وكانَ سَعْدٌ أُصِيبَ يَوْمَ الخَنْدَقِ؛ رَماهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ ابْنُ العَرِقَةِ، رَماهُ في الأكْحَلِ. فَكَواهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أكْحَلِهِ. وقالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ! إنْ كُنْتَ أبْقَيْتَ مِن حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا، فَأبْقِنِي لَها: فَإنَّهُ لا قَوْمَ أحَبُّ إلَيَّ أنْ أُجاهِدَ، مِن قَوْمٍ آذَوْا رَسُولَكَ، وكَذَّبُوهُ، وأخْرَجُوهُ. اللَّهُمَّ! وإنْ كُنْتَ قَدْ وضَعْتَ الحَرْبَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، فاجْعَلْ لِي شَهادَةً ولا تُمِتْنِي حَتّى تَقَرَّ عَيْنِي مِن بَنِي قُرَيْظَةَ. فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ، وقَدَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ نَزَلُوا عَلى حُكْمِهِ بِاخْتِيارِهِمْ، طَلَبًا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ.
ثُمَّ لَمّا اسْتَنْزَلُوا مِن حُصُونِهِمْ، حَبَسَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ في دارٍ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى سُوقِ المَدِينَةِ فَخَنْدَقَ بِها خَنادِقَ، ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِمْ فَضَرَبَ أعْناقَهم في تِلْكَ الخَنادِقِ، يَخْرُجُ بِهِمْ إلَيْهِ أرْسالًا، وفِيهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ رَأْسُ القَوْمِ، وهم سِتُّمِائَةٍ أوْ سَبْعُمِائَةٍ، وسُبِيَ مَن لَمْ يَنْبُتْ مِنهم مَعَ النِّساءِ وأمْوالِهِمْ،» وهَذا ما ذَكَرَهُ تَعالى مِن أمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ، إثْرَ أمْرِ الخَنْدَقِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الأحزاب 33:26
(p-٤٨٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٢٨] ﴿وأنْـزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] .
﴿وأنْـزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ: عاوَنُوا الأحْزابَ، وساعَدُوهم عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وهم طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ، كانَ نَزَلَ آباؤُهُمُ الحِجازَ لَمّا فَرُّوا مِن الِاضْطِهادِ وتَشَتَّتُوا كُلَّ شَتاتٍ في أطْرافِ البِلادِ: ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ أيْ: حُصُونِهِمْ وآطامِهِمُ الَّتِي كانُوا فِيها: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أيِ: الخَوْفُ، جَزاءً وِفاقًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لِأنَّهم كانُوا مالَئُوا المُشْرِكِينَ عَلى حَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ -ولَيْسَ مَن يَعْلَمُ كَمَن لا يَعْلَمُ- وأخافُوا المُسْلِمِينَ ورامُوا قَتْلَهم لِيَعِزُّوا في الدُّنْيا، فانْعَكَسَ عَلَيْهِمُ الحالُ وانْقَلَبَ إلَيْهِمُ القِتالُ، لَمّا انْشَمَرَ المُشْرِكُونَ وراحُوا بِصَفْقَةِ المَغْبُونِ، فَكَما رامُوا العِزَّ ذَلُّوا، وأرادُوا اسْتِئْصالَ المُسْلِمِينَ فاسْتُؤْصِلُوا؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ يَعْنِي قَتْلَ الرِّجالِ المُقاتِلَةِ، وسَبْيَ الذَّرارِيِّ والنِّساءِ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ قالَ: عُرِضْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَشَكُّوا فِيَّ. فَأمَرَ بِي النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَنْظُرُوا: هَلْ أنْبَتُّ بَعْدُ؟ فَنَظَرُونِي فَلَمْ يَجِدُونِي أنْبَتُّ، فَخَلّى عَنِّي، وألْحَقَنِي بِالسَّبْيِ».
(p-٤٨٤٦)وكَذا رَواهُ أهْلُ السُّنَنِ كُلُّهُمْ: وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] حُصُونَهُمْ: ﴿وأمْوالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] أيْ: نُقُودَهم وأثاثَهم ومَواشِيَهُمْ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ [الأحزاب: ٢٧] أيْ: أرْضًا لَمْ تَقْبِضُوها بَعْدُ، يَعْنِي خَيْبَرَ، وقِيلَ مَكَّةُ. رَواهُ مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ مُرادًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ أرادَ نِساءَهم. وبِتَمامِ هَذِهِ الغَزْوَةِ أراحَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن شَرِّ مُجاوَرَةِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَعَوَّدُوا الغَدْرَ والخِيانَةَ، ولَمْ يَبْقَ إلّا بَقِيَّةٌ مِن كِبارِهِمْ بِخَيْبَرَ مَعَ أهْلِها، وهُمُ الَّذِينَ كانُوا السَّبَبَ في إثارَةِ الأحْزابِ. قالَ بَعْضُهُمْ: يالَلَّهِ! ما أسْوَأ عاقِبَةَ الطَّيْشِ! فَقَدْ تَكُونُ الأُمَّةُ مُرْتاحَةَ البالِ هادِئَةَ الخَواطِرِ، حَتّى تَقُومَ جَماعَةٌ مِن رُؤَسائِها بِعَمَلِ غَدْرٍ يَظُنُّونَ مِن ورائِهِ النَّجاحَ، فَيَجْلِبُ عَلَيْهِمُ الشُّرُورَ ويُشَتِّتُهم مِن دِيارِهِمْ.
وهَذا ما حَصَلَ لِلْيَهُودِ في الحِجازِ؛ فَقَدْ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ عُهُودٌ يَأْمَنُ بِها كُلٌّ مِنهُمُ الآخَرَ، ولَكِنَّ اليَهُودَ لَمْ يُوفُوا بِتِلْكَ العُهُودِ حَسَدًا مِنهم وبَغْيًا. فَتَمَّ عَلَيْهِمْ ما تَمَّ، سُنَّةَ اللَّهِ في المُفْسِدِينَ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمْ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] أيْ: وقَدْ شاهَدْتُمْ بَعْضَ مَقْدُوراتِهِ فاعْتَبَرُوا بِغَيْرِها.
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأحزاب: ٢٨] أيِ: السِّعَةَ والتَّنَعُّمَ فِيها: ﴿وزِينَتَها﴾ [الأحزاب: ٢٨] أيْ: زَخارِفَها: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] أيْ: أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ وأُطَلِّقْكُنَّ. والمُتْعَةُ: ما يُعْطى لِلْمَرْأةِ المُطَلَّقَةِ عَلى حَسَبِ السِّعَةِ والإقْتارِ، مِن ثِيابٍ أوْ دَراهِمَ أوْ أثاثٍ، تَطَوُّعًا لا وُجُوبًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] أيْ: طَلاقًا مِن غَيْرِ ضِرارٍ ولا بِدْعَةٍ. وقَدْ رُوِيَ «أنَّهُنَّ سَألْنَ النَّبِيَّ ﷺ ثِيابَ الزِّينَةِ وزِيادَةَ النَّفَقَةِ مِمّا لَيْسَ عِنْدَهُ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ. ولَمّا نَزَلَتْ، بَدَأ ﷺ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وكانَتْ أحَبَّهُنَّ إلَيْهِ، فَخَيَّرَها وقَرَأ عَلَيْها القُرْآنَ، فاخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ اخْتارَ جَمِيعُهُنَّ اخْتِيارَها، قِيلَ: وكانَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ، خَمْسٌ مِن قُرَيْشٍ: عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةٍ، وسَوْدَةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، ثُمَّ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ النَّضْرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسْدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلَقِيَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ».
(p-٤٨٤٧)لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ التَّعَلُّقِ، وهو أنَّ مَكارِمَ الأخْلاقِ مُنْحَصِرَةٌ في شَيْئَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. وإلى هَذا أشارَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ««الصَّلاةُ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم»» . ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرْشَدَ نَبِيَّهُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ الشَّفَقَةِ، وبَدَأ بِالزَّوْجاتِ، فَإنَّهُنَّ أوْلى النّاسِ بِالشَّفَقَةِ، ولِذا قَدَّمَهُنَّ في النَّفَقَةِ. انْتَهى.
الأحزاب 33:27
(p-٤٨٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٢٨] ﴿وأنْـزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] .
﴿وأنْـزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ: عاوَنُوا الأحْزابَ، وساعَدُوهم عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وهم طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ، كانَ نَزَلَ آباؤُهُمُ الحِجازَ لَمّا فَرُّوا مِن الِاضْطِهادِ وتَشَتَّتُوا كُلَّ شَتاتٍ في أطْرافِ البِلادِ: ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ أيْ: حُصُونِهِمْ وآطامِهِمُ الَّتِي كانُوا فِيها: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أيِ: الخَوْفُ، جَزاءً وِفاقًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لِأنَّهم كانُوا مالَئُوا المُشْرِكِينَ عَلى حَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ -ولَيْسَ مَن يَعْلَمُ كَمَن لا يَعْلَمُ- وأخافُوا المُسْلِمِينَ ورامُوا قَتْلَهم لِيَعِزُّوا في الدُّنْيا، فانْعَكَسَ عَلَيْهِمُ الحالُ وانْقَلَبَ إلَيْهِمُ القِتالُ، لَمّا انْشَمَرَ المُشْرِكُونَ وراحُوا بِصَفْقَةِ المَغْبُونِ، فَكَما رامُوا العِزَّ ذَلُّوا، وأرادُوا اسْتِئْصالَ المُسْلِمِينَ فاسْتُؤْصِلُوا؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ يَعْنِي قَتْلَ الرِّجالِ المُقاتِلَةِ، وسَبْيَ الذَّرارِيِّ والنِّساءِ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ قالَ: عُرِضْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَشَكُّوا فِيَّ. فَأمَرَ بِي النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَنْظُرُوا: هَلْ أنْبَتُّ بَعْدُ؟ فَنَظَرُونِي فَلَمْ يَجِدُونِي أنْبَتُّ، فَخَلّى عَنِّي، وألْحَقَنِي بِالسَّبْيِ».
(p-٤٨٤٦)وكَذا رَواهُ أهْلُ السُّنَنِ كُلُّهُمْ: وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] حُصُونَهُمْ: ﴿وأمْوالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] أيْ: نُقُودَهم وأثاثَهم ومَواشِيَهُمْ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ [الأحزاب: ٢٧] أيْ: أرْضًا لَمْ تَقْبِضُوها بَعْدُ، يَعْنِي خَيْبَرَ، وقِيلَ مَكَّةُ. رَواهُ مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ مُرادًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ أرادَ نِساءَهم. وبِتَمامِ هَذِهِ الغَزْوَةِ أراحَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن شَرِّ مُجاوَرَةِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَعَوَّدُوا الغَدْرَ والخِيانَةَ، ولَمْ يَبْقَ إلّا بَقِيَّةٌ مِن كِبارِهِمْ بِخَيْبَرَ مَعَ أهْلِها، وهُمُ الَّذِينَ كانُوا السَّبَبَ في إثارَةِ الأحْزابِ. قالَ بَعْضُهُمْ: يالَلَّهِ! ما أسْوَأ عاقِبَةَ الطَّيْشِ! فَقَدْ تَكُونُ الأُمَّةُ مُرْتاحَةَ البالِ هادِئَةَ الخَواطِرِ، حَتّى تَقُومَ جَماعَةٌ مِن رُؤَسائِها بِعَمَلِ غَدْرٍ يَظُنُّونَ مِن ورائِهِ النَّجاحَ، فَيَجْلِبُ عَلَيْهِمُ الشُّرُورَ ويُشَتِّتُهم مِن دِيارِهِمْ.
وهَذا ما حَصَلَ لِلْيَهُودِ في الحِجازِ؛ فَقَدْ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ عُهُودٌ يَأْمَنُ بِها كُلٌّ مِنهُمُ الآخَرَ، ولَكِنَّ اليَهُودَ لَمْ يُوفُوا بِتِلْكَ العُهُودِ حَسَدًا مِنهم وبَغْيًا. فَتَمَّ عَلَيْهِمْ ما تَمَّ، سُنَّةَ اللَّهِ في المُفْسِدِينَ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمْ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] أيْ: وقَدْ شاهَدْتُمْ بَعْضَ مَقْدُوراتِهِ فاعْتَبَرُوا بِغَيْرِها.
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأحزاب: ٢٨] أيِ: السِّعَةَ والتَّنَعُّمَ فِيها: ﴿وزِينَتَها﴾ [الأحزاب: ٢٨] أيْ: زَخارِفَها: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] أيْ: أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ وأُطَلِّقْكُنَّ. والمُتْعَةُ: ما يُعْطى لِلْمَرْأةِ المُطَلَّقَةِ عَلى حَسَبِ السِّعَةِ والإقْتارِ، مِن ثِيابٍ أوْ دَراهِمَ أوْ أثاثٍ، تَطَوُّعًا لا وُجُوبًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] أيْ: طَلاقًا مِن غَيْرِ ضِرارٍ ولا بِدْعَةٍ. وقَدْ رُوِيَ «أنَّهُنَّ سَألْنَ النَّبِيَّ ﷺ ثِيابَ الزِّينَةِ وزِيادَةَ النَّفَقَةِ مِمّا لَيْسَ عِنْدَهُ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ. ولَمّا نَزَلَتْ، بَدَأ ﷺ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وكانَتْ أحَبَّهُنَّ إلَيْهِ، فَخَيَّرَها وقَرَأ عَلَيْها القُرْآنَ، فاخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ اخْتارَ جَمِيعُهُنَّ اخْتِيارَها، قِيلَ: وكانَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ، خَمْسٌ مِن قُرَيْشٍ: عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةٍ، وسَوْدَةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، ثُمَّ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ النَّضْرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسْدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلَقِيَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ».
(p-٤٨٤٧)لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ التَّعَلُّقِ، وهو أنَّ مَكارِمَ الأخْلاقِ مُنْحَصِرَةٌ في شَيْئَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. وإلى هَذا أشارَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ««الصَّلاةُ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم»» . ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرْشَدَ نَبِيَّهُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ الشَّفَقَةِ، وبَدَأ بِالزَّوْجاتِ، فَإنَّهُنَّ أوْلى النّاسِ بِالشَّفَقَةِ، ولِذا قَدَّمَهُنَّ في النَّفَقَةِ. انْتَهى.
الأحزاب 33:28
(p-٤٨٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٢٨] ﴿وأنْـزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] .
﴿وأنْـزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ: عاوَنُوا الأحْزابَ، وساعَدُوهم عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وهم طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ، كانَ نَزَلَ آباؤُهُمُ الحِجازَ لَمّا فَرُّوا مِن الِاضْطِهادِ وتَشَتَّتُوا كُلَّ شَتاتٍ في أطْرافِ البِلادِ: ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ أيْ: حُصُونِهِمْ وآطامِهِمُ الَّتِي كانُوا فِيها: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أيِ: الخَوْفُ، جَزاءً وِفاقًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لِأنَّهم كانُوا مالَئُوا المُشْرِكِينَ عَلى حَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ -ولَيْسَ مَن يَعْلَمُ كَمَن لا يَعْلَمُ- وأخافُوا المُسْلِمِينَ ورامُوا قَتْلَهم لِيَعِزُّوا في الدُّنْيا، فانْعَكَسَ عَلَيْهِمُ الحالُ وانْقَلَبَ إلَيْهِمُ القِتالُ، لَمّا انْشَمَرَ المُشْرِكُونَ وراحُوا بِصَفْقَةِ المَغْبُونِ، فَكَما رامُوا العِزَّ ذَلُّوا، وأرادُوا اسْتِئْصالَ المُسْلِمِينَ فاسْتُؤْصِلُوا؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ يَعْنِي قَتْلَ الرِّجالِ المُقاتِلَةِ، وسَبْيَ الذَّرارِيِّ والنِّساءِ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ قالَ: عُرِضْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَشَكُّوا فِيَّ. فَأمَرَ بِي النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَنْظُرُوا: هَلْ أنْبَتُّ بَعْدُ؟ فَنَظَرُونِي فَلَمْ يَجِدُونِي أنْبَتُّ، فَخَلّى عَنِّي، وألْحَقَنِي بِالسَّبْيِ».
(p-٤٨٤٦)وكَذا رَواهُ أهْلُ السُّنَنِ كُلُّهُمْ: وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] حُصُونَهُمْ: ﴿وأمْوالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] أيْ: نُقُودَهم وأثاثَهم ومَواشِيَهُمْ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ [الأحزاب: ٢٧] أيْ: أرْضًا لَمْ تَقْبِضُوها بَعْدُ، يَعْنِي خَيْبَرَ، وقِيلَ مَكَّةُ. رَواهُ مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ مُرادًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ أرادَ نِساءَهم. وبِتَمامِ هَذِهِ الغَزْوَةِ أراحَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن شَرِّ مُجاوَرَةِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَعَوَّدُوا الغَدْرَ والخِيانَةَ، ولَمْ يَبْقَ إلّا بَقِيَّةٌ مِن كِبارِهِمْ بِخَيْبَرَ مَعَ أهْلِها، وهُمُ الَّذِينَ كانُوا السَّبَبَ في إثارَةِ الأحْزابِ. قالَ بَعْضُهُمْ: يالَلَّهِ! ما أسْوَأ عاقِبَةَ الطَّيْشِ! فَقَدْ تَكُونُ الأُمَّةُ مُرْتاحَةَ البالِ هادِئَةَ الخَواطِرِ، حَتّى تَقُومَ جَماعَةٌ مِن رُؤَسائِها بِعَمَلِ غَدْرٍ يَظُنُّونَ مِن ورائِهِ النَّجاحَ، فَيَجْلِبُ عَلَيْهِمُ الشُّرُورَ ويُشَتِّتُهم مِن دِيارِهِمْ.
وهَذا ما حَصَلَ لِلْيَهُودِ في الحِجازِ؛ فَقَدْ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ عُهُودٌ يَأْمَنُ بِها كُلٌّ مِنهُمُ الآخَرَ، ولَكِنَّ اليَهُودَ لَمْ يُوفُوا بِتِلْكَ العُهُودِ حَسَدًا مِنهم وبَغْيًا. فَتَمَّ عَلَيْهِمْ ما تَمَّ، سُنَّةَ اللَّهِ في المُفْسِدِينَ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمْ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] أيْ: وقَدْ شاهَدْتُمْ بَعْضَ مَقْدُوراتِهِ فاعْتَبَرُوا بِغَيْرِها.
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأحزاب: ٢٨] أيِ: السِّعَةَ والتَّنَعُّمَ فِيها: ﴿وزِينَتَها﴾ [الأحزاب: ٢٨] أيْ: زَخارِفَها: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] أيْ: أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ وأُطَلِّقْكُنَّ. والمُتْعَةُ: ما يُعْطى لِلْمَرْأةِ المُطَلَّقَةِ عَلى حَسَبِ السِّعَةِ والإقْتارِ، مِن ثِيابٍ أوْ دَراهِمَ أوْ أثاثٍ، تَطَوُّعًا لا وُجُوبًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] أيْ: طَلاقًا مِن غَيْرِ ضِرارٍ ولا بِدْعَةٍ. وقَدْ رُوِيَ «أنَّهُنَّ سَألْنَ النَّبِيَّ ﷺ ثِيابَ الزِّينَةِ وزِيادَةَ النَّفَقَةِ مِمّا لَيْسَ عِنْدَهُ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ. ولَمّا نَزَلَتْ، بَدَأ ﷺ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وكانَتْ أحَبَّهُنَّ إلَيْهِ، فَخَيَّرَها وقَرَأ عَلَيْها القُرْآنَ، فاخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ اخْتارَ جَمِيعُهُنَّ اخْتِيارَها، قِيلَ: وكانَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ، خَمْسٌ مِن قُرَيْشٍ: عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةٍ، وسَوْدَةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، ثُمَّ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ النَّضْرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسْدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلَقِيَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ».
(p-٤٨٤٧)لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ التَّعَلُّقِ، وهو أنَّ مَكارِمَ الأخْلاقِ مُنْحَصِرَةٌ في شَيْئَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. وإلى هَذا أشارَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ««الصَّلاةُ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم»» . ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرْشَدَ نَبِيَّهُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ الشَّفَقَةِ، وبَدَأ بِالزَّوْجاتِ، فَإنَّهُنَّ أوْلى النّاسِ بِالشَّفَقَةِ، ولِذا قَدَّمَهُنَّ في النَّفَقَةِ. انْتَهى.
الأحزاب 33:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩ - ٣٠] ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] .
﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: تُرِدْنَ رَسُولَهُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِلْإيذانِ بِجَلالَةِ مَحِلِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، عِنْدَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ. ولَمّا خَيَّرَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ، واخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، أدَّبَهُنَّ اللَّهُ وهَدَّدَهُنَّ، لِلتَّوَقِّي عَمّا يَسُوءُ النَّبِيَّ ﷺ، ويَقْبُحُ بِهِنَّ مِنَ الفاحِشَةِ، وأوْعَدَهُنَّ بِتَضْعِيفِ العَذابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] أيْ: بَيْنَ الشَّرْعِ والعَقْلِ قَبَّحَها، إنْ قُرِئَ بِالفَتْحِ. أوْ مُبَيِّنَةٍ قُبْحَها بِنَفْسِها مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ، إنْ قُرِئَ بِالكَسْرِ: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] أيْ: ضِعْفَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ. قالَ القاضِي: لِأنَّ الذَّنْبَ مِنهُنَّ أقْبَحُ، فَإنَّ زِيادَةَ قُبْحِهِ تَتْبَعُ زِيادَةَ فَضْلِ المُذْنِبِ والنِّعْمَةِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جَعَلَ حَدَّ (p-٤٨٤٨)الحُرِّ ضِعْفَيْ حَدِّ العَبْدِ، وعُوتِبَ الأنْبِياءُ بِما لا يُعاتَبُ بِهِ غَيْرُهُمْ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] لِعُمُومِ قُدْرَتِهِ.
الأحزاب 33:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩ - ٣٠] ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] .
﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: تُرِدْنَ رَسُولَهُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِلْإيذانِ بِجَلالَةِ مَحِلِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، عِنْدَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ. ولَمّا خَيَّرَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ، واخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، أدَّبَهُنَّ اللَّهُ وهَدَّدَهُنَّ، لِلتَّوَقِّي عَمّا يَسُوءُ النَّبِيَّ ﷺ، ويَقْبُحُ بِهِنَّ مِنَ الفاحِشَةِ، وأوْعَدَهُنَّ بِتَضْعِيفِ العَذابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] أيْ: بَيْنَ الشَّرْعِ والعَقْلِ قَبَّحَها، إنْ قُرِئَ بِالفَتْحِ. أوْ مُبَيِّنَةٍ قُبْحَها بِنَفْسِها مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ، إنْ قُرِئَ بِالكَسْرِ: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] أيْ: ضِعْفَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ. قالَ القاضِي: لِأنَّ الذَّنْبَ مِنهُنَّ أقْبَحُ، فَإنَّ زِيادَةَ قُبْحِهِ تَتْبَعُ زِيادَةَ فَضْلِ المُذْنِبِ والنِّعْمَةِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جَعَلَ حَدَّ (p-٤٨٤٨)الحُرِّ ضِعْفَيْ حَدِّ العَبْدِ، وعُوتِبَ الأنْبِياءُ بِما لا يُعاتَبُ بِهِ غَيْرُهُمْ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] لِعُمُومِ قُدْرَتِهِ.
الأحزاب 33:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ - ٣٣] ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ أيْ: يَدُمْ مُطِيعًا: ﴿مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: في إتْيانِ الواجِباتِ، وتَرْكِ المُحَرَّماتِ والمَكْرُوهاتِ: ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ أيْ: مَرَّةً عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، وأُخْرى عَلى طَلَبِهِنَّ رِضا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِحُسْنِ الخُلُقِ، وطِيبِ المُعاشَرَةِ، والقَناعَةِ: ﴿وأعْتَدْنا لَها﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى أجْرِها المُضاعَفِ في الجَنَّةِ، أوْ فِيها، وفي الدُّنْيا: ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ أيْ: حَسَنًا مُرْضِيًا: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أيْ: عِنْدَ مُخاطَبَةِ النّاسِ؛ أيْ: فَلا تُجِبْنَ بِقَوْلِكُنَّ لَيِّنًا خَنْثًا، مِثْلَ كَلامِ المُرِيباتِ والمُومِساتِ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أيْ: رِيبَةٌ وفُجُورٌ: ﴿وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] أيْ: بَعِيدًا مِن طَمَعِ المُرِيبِ بِجِدٍّ وخُشُونَةٍ، مِن غَيْرِ تَخْنِيثٍ، أوْ قَوْلًا حَسَنًا مَعَ كَوْنِهِ خَشِنًا.
﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيِ: اسْكُنَّ ولا تَخْرُجْنَ مِنها. مِن (وقَرَ يَقِرُ وقارًا)، إذا سَكَنَ. أوْ مِن (قَرَّ (p-٤٨٤٩)يَقِرُّ مِن بابِ ضَرَبَ)، حُذِفَتِ الأُولى مِن رائَيِ (اقْرَرْنَ)، ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى القافِ، فاسْتَغْنى عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ نافِعٍ وعاصِمٍ بِالفَتْحِ، مِن (قَرِرْتُ أقَرُّ)، مِن بابِ عَلِمَ. وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيْ: تَبَرُّجَ النِّساءِ أيّامَ جاهِلِيَّةِ الكُفْرِ الأُولى؛ إذْ لا دِينَ يَمْنَعُهم ولا أدَبَ يَزَعُهُمْ، والتَّبَرُّجُ، فُسِّرَ بِالتَّبَخْتُرِ والتَّكَسُّرِ في المَشْيِ، وبِإظْهارِ الزِّينَةِ وما يُسْتَدْعى بِهِ شَهْوَةُ الرَّجُلِ، وبِلِبْسِ رَقِيقِ الثِّيابِ الَّتِي لا تُوارِي جَسَدَها، وبِإبْداءِ مَحاسِنِ الجِيدِ والقَلائِدِ والقُرْطِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَشْمَلُهُ النَّهْيُ؛ لِما فِيهِ مِنَ المَفْسَدَةِ والتَّعَرُّضِ لِكَبِيرَةٍ.
فائِدَةٌ:
قِيلَ: "الأُولى" بِمَعْنى القَدِيمَةِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمَنٍ. فَيَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ لِمَن قالَ: إنَّ الأوَّلَ لا يَسْتَلْزِمُ ثانِيًا. قالَ في (الإكْلِيلِ): وهو الأصَحُّ عِنْدَ العُلَماءِ. فَلَوْ قالَ: أوَّلُ ولَدٍ تَلِدِينَهُ فَأنْتِ طالِقٌ، لَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ تَلِدَ ثانِيًا. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأُولى هي القَدِيمَةُ الَّتِي يُقالُ لَها الجاهِلِيَّةُ الجُهَلاءُ، مِنَ الزَّمَنِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ، أوْ ما قَبْلَهُ، إلى زَمَنِ عِيسى. والجاهِلِيَّةُ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِما. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةَ الكُفْرِ قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةُ الفُسُوقِ والفُجُورِ في الإسْلامِ، ويُعَضِّدُهُ ما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأبِي ذَرٍّ، لَمّا عَيَّرَ رَجُلًا بِأُمِّهِ وكانَتْ أعْجَمِيَّةً: «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ»» .
والمَعْنى نَهْيُهُنَّ عَنْ إحْداثِ جاهِلِيَّةٍ في الإسْلامِ، تُشْبِهُ جاهِلِيَّةَ الكُفْرِ قَبْلَهُ: ﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيْ: بِمُوافَقَةِ أمْرِهِما ونَهْيِهِما. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ مُخالَفَتَهُما رِجْسٌ لا يُناسِبُ فَضْلَ أهْلِ البَيْتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيْ: ما أمَرَكُنَّ ونَهاكُنَّ، ووَعَظَكُنَّ، إلّا خِيفَةَ مُقارَفَةِ المَآثِمِ، والحِرْصَ عَلى التَّصَوُّنِ عَنْها بِالتَّقْوى. فالجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةٌ لِأمْرِهِنَّ ونَهْيِهِنَّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ.
(p-٤٨٥٠)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتَعارَ لِلذُّنُوبِ (الرِّجْسَ)، ولِلتَّقْوى (الطُّهْرَ)؛ لِأنَّ عِرْضَ المُقْتَرِفِ لِلْمُقَبَّحاتِ يَتَلَوَّثُ بِها ويَتَدَنَّسُ كَما يَتَلَوَّثُ بَدَنُهُ بِالأرْجاسِ، وأمّا المُحْسِناتُ فالعِرْضُ مَعَها نَقِيٌّ مَصُونٌ كالثَّوْبِ الطّاهِرِ. وفي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ ما يُنَفِّرُ أُولِي الألْبابِ عَمّا كَرِهَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ ونَهاهم عَنْهُ، ويُرَغِّبُهم فِيما رَضِيَهُ لَهم وأمَرَهم بِهِ. و: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] نُصِبَ عَلى النِّداءِ، أوْ عَلى المَدْحِ. والمُرادُ بِهِمْ مَن حَواهم بَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا نَصٌّ في دُخُولِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ في أهْلِ البَيْتِ هَهُنا، لِأنَّهُنَّ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وسَبَبُ النُّزُولِ داخِلٌ فِيهِ قَوْلًا واحِدًا، إمّا وحْدَهُ عَلى قَوْلٍ، أوْ مَعَ غَيْرِهِ عَلى الصَّحِيحِ. وأمّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، إنَّها نَزَلَتْ في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، ومَن شاءَ باهَلْتُهُ في ذَلِكَ، فَإنْ كانَ المُرادُ أنَّهُنَّ كُنَّ سَبَبَ النُّزُولِ دُونَ غَيْرِهِنَّ، فَصَحِيحٌ. وإنْ أُرِيدَ أنَّهُنَّ المُرادُ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِنَّ، فَفي هَذا نَظَرٌ؛ فَإنَّهُ قَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وأنَّهُ ﷺ جَمَعَ عَلِيًّا وفاطِمَةَ والحَسَنَ والحُسَيْنَ، ثُمَّ جَلَّلَهم بِكِساءٍ كانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ««هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ»» .
وقَدْ ساقَ ابْنُ كَثِيرٍ طُرُقَ هَذا الحَدِيثِ ومُخْرِجِيهِ، إلّا أنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يُصَحِّحاهُ، ولِذا لَمْ يُخَرِّجاهُ، وأمّا ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَصِينِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أمّا بَعْدُ، أيُّها النّاسُ! إنَّما أنا بَشَرٌ يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبُ، وأنا تارِكٌ فِيكم ثِقْلَيْنِ: أوَّلُهُما كِتابُ اللَّهِ، فِيهِ الهُدى والنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتابِ اللَّهِ، واسْتَمْسِكُوا بِهِ، فَحَثَّ عَلى كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ورَغَّبَ فِيهِ. ثُمَّ قالَ: وأهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي -قالَها ثَلاثًا-» . فَقالَ لَهُ حُصَيْنٌ: ومَن أهْلُ بَيْتِهِ يا زَيْدُ؟ ألَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ؟ قالَ: نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ. ولَكِنَّ أهْلَ بَيْتِهِ مَن حَرَّمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قالَ: ومَن هُمْ؟ قالَ: آلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ–» (p-٤٨٥١)فَإنَّما مُرادُ زَيْدٍ، آلُهُ الَّذِينَ حَرَّمُوا الصَّدَقَةَ، أوْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالأهْلِ الأزْواجَ فَقَطْ، بَلْ هم مَعَ آلِهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا احْتِمالٌ أرْجَحُ، جَمْعًا بَيْنَ القُرْآنِ والأحادِيثِ المُتَقَدِّمَةِ، إنْ صَحَّتْ، فَإنَّ في بَعْضِ أسانِيدِها نَظَرًا. انْتَهى.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: وهَذِهِ كَما تَرى آيَةٌ بَيِّنَةٌ، وحُجَّةٌ نَيِّرَةٌ، عَلى كَوْنِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، قاضِيَةٌ بِبُطْلانِ رَأْيِ الشِّيعَةِ في تَخْصِيصِهِمْ أهْلِيَّةَ البَيْتِ بِفاطِمَةَ وعَلِيٍّ وابْنَيْهِما رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وأمّا ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن حَدِيثِ الكِساءِ، وتِلاوَتِهِ ﷺ الآيَةَ بَعْدَهُ، فَإنَّما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ البَيْتِ، لا عَلى أنَّ مَن عَداهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، ولَوْ فُرِضَتْ دَلالَتُهُ عَلى ذَلِكَ لَما اعْتُدَّ بِها، لِكَوْنِها في مُقابَلَةِ النَّصِّ. انْتَهى.
بَقِيَ أنَّ الشِّيعَةَ، تَمَسَّكُوا بِالآيَةِ أيْضًا عَلى عِصْمَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وإمامَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ. قالَ ابْنُ المُطَهِّرِ الحُلِيِّ مِنهُمْ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى العِصْمَةِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِلَفْظِ: "إنَّما" وإدْخالِ اللّامِ في الخَبَرِ، والِاخْتِصاصُ في الخِطابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] وغَيْرَهم لَيْسَ بِمَعْصُومٍ إلَخْ. وأجابَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في (مِنهاجِ السُّنَّةِ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ في هَذا دَلالَةٌ عَلى عِصْمَتِهِمْ ولا إمامَتِهِمْ. وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَقامَيْنِ:
أحَدُهُما- أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] كَقَوْلِهِ: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦] ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] فَإنَّ إرادَةَ اللَّهِ في هَذِهِ الآياتِ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لِذَلِكَ المُرادِ ورِضاهُ بِهِ، وأنَّهُ شَرَعُهُ (p-٤٨٥٢)لِلْمُؤْمِنِينَ وأمَرَهم بِهِ، لَيْسَ في ذَلِكَ أنَّهُ خَلَقَ هَذا المُرادَ، ولا أنَّهُ قَضاهُ وقَدَّرَهُ، ولا أنَّهُ يَكُونُ لا مَحالَةَ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ««اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا»» فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ لَهم إذْهابَ الرِّجْسِ والتَّطْهِيرِ، فَلَوْ كانَتِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ إخْبارَ اللَّهِ بِأنَّهُ قَدْ أذْهَبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهَّرَهُمْ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الطَّلَبِ والدُّعاءِ.
وهَذا عَلى قَوْلِ القَدَرِيَّةِ أظْهَرُ؛ فَإنَّ إرادَةَ اللَّهِ عِنْدَهم لا تَتَضَمَّنُ وُجُودَ المُرادِ، بَلْ قَدْ يُرِيدُ ما لا يَكُونُ ويَكُونُ ما لا يُرِيدُ، فَلَيْسَ في كَوْنِهِ تَعالى مُرِيدًا لِذَلِكَ، ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ.
وهَذا الرّافِضِيُّ وأمْثالُهُ قَدَرِيَّةٌ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] عَلى وُقُوعِ المُرادِ؟ وعِنْدَهم أنَّ اللَّهَ قَدْ أرادَ إيمانَ مَن عَلى وجْهِ الأرْضِ. فَلَمْ يَقَعْ مُرادُهُ. وأمّا عَلى قَوْلِ أهْلِ الإثْباتِ، فالتَّحْقِيقُ في ذَلِكَ أنَّ الإرادَةَ في كِتابِ اللَّهِ نَوْعانِ: إرادَةٌ شَرْعِيَّةٌ دِينِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ مَحَبَّتَهُ ورِضاهُ. وإرادَةٌ كَوْنِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ خَلْقَهُ وتَقْدِيرَهُ. الأُولى مِثْلَ هَؤُلاءِ الآياتِ. والثّانِيَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقَوْلِ نُوحٍ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]
وكَثِيرٌ مِنَ المُثْبِتَةِ والقَدَرِيَّةِ يَجْعَلُ الإرادَةَ نَوْعًا واحِدًا، كَما يَجْعَلُونَ الإرادَةَ والمَحَبَّةَ شَيْئًا واحِدًا، ثُمَّ القَدَرِيَّةُ يَنْفُونَ إرادَتَهُ لِما بَيَّنَ أنَّهُ مُرادٌ في الآياتِ التَّشْرِيعُ؛ فَإنَّهُ عِنْدَهم كُلُّ ما قِيلَ إنَّهُ مُرادٌ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كائِنًا، واللَّهُ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلى المُؤْمِنِينَ وأنْ يُطَهِّرَهُمْ، وفِيهِمْ مَن تابَ وفِيهِمْ مَن لَمْ يَتُبْ، وفِيهِمْ مَن تَطَهَّرَ وفِيهِمْ مَن لَمْ يَتَطَهَّرْ، وإذا كانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى وُقُوعٍ أرادَهُ مِنَ التَّطْهِيرِ وإذْهابِ الرِّجْسِ، لَمْ يَلْزَمْ بِمُجَرَّدِ الآيَةِ ثُبُوتُ ما ادَّعاهُ.
ومِمّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ مَذْكُوراتٌ في الآيَةِ، والكَلامُ في الأمْرِ بِالتَّطْهِيرِ بِإيجابِهِ (p-٤٨٥٣)ووَعْدُ الثَّوابِ عَلى فِعْلِهِ والعِقابِ عَلى تَرْكِهِ. قالَ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] فالخِطابُ كُلُّهُ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، ومَعَهُنَّ الأمْرُ، والنَّهْيُ، والوَعْدُ، والوَعِيدُ. لَكِنْ لَمّا تَبَيَّنَ ما في هَذا مِنَ المَنفَعَةِ الَّتِي تَعُمُّهُنَّ وتُعَمِّمُ غَيْرَهُنَّ مِن أهْلِ البَيْتِ، جاءَ التَّطْهِيرُ بِهَذا الخِطابِ وغَيْرِهِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأزْواجِهِ. بَلْ هو مُتَناوِلٌ لِأهْلِ البَيْتِ كُلِّهِمْ، وعَلِيٌّ، وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ أخَصُّ مِن غَيْرِهِمْ بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ خَصَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالدُّعاءِ لَهُمْ، وهَذا كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] نَزَلَتْ بِسَبَبِ (مَسْجِدِ قِباءَ)، لَكِنَّ الحُكْمَ يَتَناوَلُهُ ويَتَناوَلُ ما هو أحَقُّ مِنهُ بِذَلِكَ، وهو (مَسْجِدُ المَدِينَةِ) وهَذا يُوَجِّهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى فَقالَ: «هو مَسْجِدِي هَذا»» . وثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يَأْتِي قِباءَ كُلَّ سَبْتٍ ماشِيًا وراكِبًا، فَكانَ يَقُومُ في مَسْجِدِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويَأْتِي قِباءَ يَوْمَ السَّبْتِ، وكِلاهُما مُؤَسَّسٌ عَلى التَّقْوى. وهَكَذا أزْواجُهُ، وعَلِيٌّ، وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أخَصُّ بِذَلِكَ مِن أزْواجِهِ؛ ولِهَذا خَصَّهم بِالدُّعاءِ. وقَدْ تَنازَعَ النّاسُ في آلِ مُحَمَّدٍ مَن هُمْ؟ فَقِيلَ: أُمَّتُهُ. وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ، ومالِكٌ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: المُتَّقُونَ مِن أُمَّتِهِ. ورَوَوْا حَدِيثًا ««آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ مُؤْمِنٍ (p-٤٨٥٤)تَقِيٍّ»» رَواهُ الخَلّالُ، وتَمّامٌ في (الفَوائِدِ) لَهُ. وقَدِ احْتَجَّ بِهِ طائِفَةٌ مِن أصْحابِ أحْمَدَ وغَيْرِهِمْ، وهو حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، وبَنى عَلى ذَلِكَ طائِفَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ، أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ هم خَواصُّ الأوْلِياءِ؛ كَما ذَكَرَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ.
والصَّحِيحُ أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ هم أهْلُ بَيْتِهِ، وهَذا هو المَنقُولُ عَنِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، وهو اخْتِيارُ الشَّرِيفِ أبِي جَعْفَرٍ وغَيْرِهِمْ. لَكِنْ هَلْ أزْواجُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ هُما رِوايَتانِ عَنْ أحْمَدَ. أحَدُهُما -أنَّهُنَّ لَسْنَ مِن أهْلِ البَيْتِ. ويُرْوى هَذا عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ. والثّانِي- وهو الصَّحِيحُ أنَّ أزْواجَهُ مِن آلِهِ. فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ عَلَّمَهُمُ الصَّلاةَ عَلَيْهِ: ««اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وأزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ»» . ولِأنَّ امْرَأةَ إبْراهِيمَ مِن آلِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ، وامْرَأةَ لُوطٍ مِن آلِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ؛ بِدَلالَةِ القُرْآنِ. فَكَيْفَ لا يَكُونُ أزْواجُ مُحَمَّدٍ مِن آلِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ؟ ولِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ ذَلِكَ في الكَلامِ مَعْنًى، وأمّا الأتْقِياءُ مِن أُمَّتِهِ فَهم أوْلِياؤُهُ؛ كَما ثَبَتَ في (الصَّحِيحِ) أنَّهُ قالَ: ««إنَّ آلَ بَنِي فُلانٍ لَيْسُوا لِي بِأوْلِياءَ، وإنَّما ولِيَّ اللَّهُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ»» . فَبَيَّنَ أنَّ أوْلِياءَهُ صالِحُ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في حَدِيثٍ آخَرَ: ««إنَّ أوْلِيائِي المُتَّقُونَ، حَيْثُ كانُوا وأيْنَ كانُوا»» . وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] وفي (الصِّحاحِ) عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««ودِدْتُ أنِّي رَأيْتُ إخْوانِي» . قالُوا: أوَلَسْنا إخْوانَكَ؟ قالَ: (p-٤٨٥٥)«بَلْ أنْتُمْ أصْحابِي، وإخْوَتِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِن بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي ولَمْ يَرَوْنِي»» . وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَأوْلِياؤُهُ المُتَّقُونَ، بَيْنَهُ وبَيْنَهم قَرابَةُ الدِّينِ، والإيمانِ، والتَّقْوى، وهَذِهِ القَرابَةُ الدِّينِيَّةُ أعْظَمُ مِنَ القَرابَةِ الطَّبِيعِيَّةِ. والقُرْبُ بَيْنَ القُلُوبِ والأرْواحِ أعْظَمُ مِنَ القُرْبِ بَيْنَ الأبْدانِ. ولِهَذا كانَ أفْضَلَ الخَلْقِ أوْلِياؤُهُ المُتَّقُونَ. وأمّا أقارِبُهُ فَفِيهِمُ المُؤْمِنُ والكافِرُ والبَرُّ والفاجِرُ. فَإنْ كانَ فاضِلٌ مِنهُمْ، كَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وجَعْفَرٍ والحَسَنِ والحُسَيْنِ، فَفَضَّلَهم بِما فِيهِمْ مِنَ الإيمانِ والتَّقْوى، وهم أوْلِياؤُهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا بِمُجَرَّدِ النَّسَبِ.
فَأوْلِياؤُهُ أعْظَمُ دَرَجَةً مِن آلِهِ، وإنْ صَلّى عَلى آلِهِ تَبَعًا، لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِن أوْلِيائِهِ الَّذِينَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ الأنْبِياءَ والمُرْسَلِينَ هم مِن أوْلِيائِهِ. وهم أفْضَلُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا في الصَّلاةِ مَعَهُ تَبَعًا، فالمَفْضُولُ قَدْ يَخْتَصُّ بِأمْرٍ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الفاضِلِ. ودَلِيلُ ذَلِكَ أنَّ أزْواجَهُ هم مِمَّنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ. وقَدْ ثَبَتَ بِاتِّفاقِ النّاسِ كُلِّهِمْ أنَّ الأنْبِياءَ أفْضَلُ مِنهُنَّ كُلِّهِنَّ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَبْ أنَّ القُرْآنَ لا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ ما أُرِيدَ مِنَ التَّطْهِيرِ وإذْهابِ الرِّجْسِ، لَكِنَّ دُعاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ، فَإنَّ دُعاءَهُ مُسْتَجابٌ. قِيلَ: المَقْصُودُ أنَّ القُرْآنَ لا يَدُلُّ عَلى ما ادَّعاهُ بِثُبُوتِ الطَّهارَةِ وإذْهابِ الرِّجْسِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَدُلَّ عَلى العِصْمَةِ والإمامَةِ. وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِالحَدِيثِ فَذاكَ مَقامٌ آخَرُ.
ثُمَّ نَقُولُ في المَقامِ الثّانِي: هَبْ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى طَهارَتِهِمْ، وعَلى ذَهابِ رِجْسِهِمْ، كَما أنَّ الدُّعاءَ المُسْتَجابَ لا بُدَّ أنْ يَسْتَحِقَّ مَعَهُ طِهارَةَ المَدْعُوِّ لَهُمْ، وإذْهابَ الرِّجْسِ عَنْهم. لَكِنْ لَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى العِصْمَةِ مِنَ الخَطَأِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ بِما أمَرَ بِهِ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ لا يَصْدُرَ مِن واحِدَةٍ مِنهُنَّ خَطَأٌ؛ فَإنَّ الخَطَأ مَغْفُورٌ لَهُنَّ ولِغَيْرِهِنَّ، وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ يُرِيدُ لِيُذْهِبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ الَّذِي هو الخُبْثُ، كالفَواحِشِ ويُطَهِّرَهم تَطْهِيرًا مِنَ الفَواحِشِ وغَيْرِها مِنَ الذُّنُوبِ.
والتَّطْهِيرُ مِنَ الذَّنْبِ عَلى وجْهَيْنِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم (p-٤٨٥٦)أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] فَإنَّهُ قالَ فِيها: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] والتَّطَهُّرُ مِنَ الذُّنُوبِ إمّا بِأنْ يَفْعَلَهُ العَبْدُ، وإمّا بِأنْ يَتُوبَ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الطَّهارَةِ ابْتِداءً وإرادَةً، فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَهْيَهُ عَنِ الفاحِشَةِ، لا يَتَضَمَّنُ الإذْنُ فِيها بِحالٍ. لَكِنْ هو سُبْحانَهُ يَنْهى عَنْها، ويَأْمُرُ مَن فَعَلَها بِأنْ يَتُوبَ مِنها. وفي (الصَّحِيحِ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ««اللَّهُمَّ! باعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطايايَ، كَما باعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. واغْسِلْنِي بِالثَّلْجِ والبَرَدِ والماءِ البارِدِ. اللَّهُمَّ! نَقِّنِي مِنَ الخَطايا كَما يُنَقّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ»» . وبِالجُمْلَةِ، لَفْظُ (الرِّجْسِ)، أصْلُهُ القَذِرُ. ويُرادُ بِهِ الشِّرْكُ. كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] ويُرادُ بِهِ الخَبائِثُ المُحَرَّمَةُ، كالمَطْعُوماتِ والمَشْرُوباتِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [المائدة: ٩٠] وإذْهابُ ذَلِكَ إذْهابٌ لِكُلِّهِ، ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أذْهَبَ عَنْ أُولَئِكَ السّادَةِ الشِّرْكَ والخَبائِثَ. ولَفْظُ الرِّجْسِ عامٌّ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ يُذْهِبُ جَمِيعَ الرِّجْسِ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا بِذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ: "وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا" فَهو سُؤالٌ مُطْلَقٌ بِما يُسَمّى طَهارَةً.
وبَعْضُ النّاسِ يَزْعُمُ أنَّ هَذا مُطْلَقٌ فَيَكْتَفِي فِيهِ بِفَرْدٍ مِن أفْرادِ الطَّهارَةِ. ويَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي (p-٤٨٥٧)الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] ونَحْوَ ذَلِكَ. والتَّحْقِيقُ أنَّهُ أمْرٌ بِمُسَمّى الِاعْتِبارِ الَّذِي يُقالُ عِنْدَ الإطْلاقِ، كَما إذا قِيلَ: أكْرِمْ هَذا، أيِ: افْعَلْ مَعَهُ ما يُسَمّى عِنْدَ الإطْلاقِ إكْرامًا، وكَذَلِكَ ما يُسَمّى عِنْدَ الإطْلاقِ اعْتِبارًا، والإنْسانُ لا يُسَمّى مُعْتَبِرًا إذا اعْتَبَرَ في قِصَّةٍ، وتَرَكَ ذَلِكَ في نَظِيرِها. وكَذَلِكَ لا يُقالُ: هو طاهِرٌ، أوْ مُتَطَهِّرٌ، أوْ مُطَهِّرٌ، إذا كانَ مُتَطَهِّرًا مِن شَيْءٍ، مُتَنَجِّسًا بِنَظِيرِهِ. ولَفْظُ الطّاهِرِ كَلَفْظِ الطَّيِّبِ؛ قالَ تَعالى: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النور: ٢٦] كَما قالَ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ﴾ [النور: ٢٦] وقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ قالَ لِعَمّارٍ: «ائْذَنُوا لَهُ. مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ المُطَيَّبِ»» . وهَذا أيْضًا كَلَفْظِ المُتَّقِي والمُزَكِّي؛ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] وقالَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] وقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] وقالَ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ [النور: ٢١] ولَيْسَ مِن شَرْطِ المُتَّقِينَ ونَحْوَهم أنْ لا يَقَعَ مِنهم ذَنْبٌ، ولا أنْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ مِنَ الخَطَأِ والذُّنُوبِ، فَإنَّ هَذا -لَوْ كانَ كَذَلِكَ- لَمْ يَكُنْ في الأُمَّةِ مُتَّقٍ، بَلْ مَن تابَ مِن ذُنُوبِهِ دَخَلَ في المُتَّقِينَ. كَما قالَ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] فَدُعاءُ النَّبِيِّ ﷺ بِأنْ يُطَهِّرَهم تَطْهِيرًا، كَدُعائِهِ بِأنْ يُزَكِّيَهم ويُطَيِّبَهم ويَجْعَلَهم مُتَّقِينَ، ونَحْوَ ذَلِكَ ومَعْلُومٌ أنَّ مَنِ اسْتَقَرَّ أمْرُهُ عَلى ذَلِكَ، فَهو داخِلٌ في هَذا، لا تَكُونُ الطَّهارَةُ الَّتِي دَعا بِها لَهم بِأعْظَمَ مِمّا دَعا بِهِ لِنَفْسِهِ، وقَدْ قالَ: ««اللَّهُمَّ! طَهِّرْنِي مِن خَطايايَ بِالثَّلْجِ والبَرَدِ والماءِ البارِدِ»» . (p-٤٨٥٨)فَمَن وقَعَ ذَنْبُهُ مَغْفُورًا أوْ مُكَفَّرًا، فَقَدْ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنهُ تَطْهِيرًا، ولَكِنَّ مَن ماتَ مُتَوَسِّخًا بِذُنُوبِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُطَهَّرْ مِنها في حَياتِهِ. وقَدْ يَكُونُ مِن تَمامِ تَطْهِيرِهِمْ صِيانَتُهم عَنِ الصَّدَقَةِ الَّتِي هي أوْساخُ النّاسِ. والنَّبِيُّ ﷺ، إذا دَعا بِدُعاءٍ، أجابَهُ اللَّهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِ المَحَلِّ. فَإذا اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، لَمْ يَلْزَمْ أنْ لا يُوجَدَ مُؤْمِنٌ مُذْنِبٌ، فَإنَّ هَذا، لَوْ كانَ واقِعًا، لَما عُذِّبَ مُؤْمِنٌ، لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. بَلْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِهَذا بِالتَّوْبَةِ، ولِهَذا بِالحَسَناتِ الماحِيَةِ، ويَغْفِرُ اللَّهُ لِهَذا ذُنُوبًا كَثِيرَةً، وإنَّ واحِدَةً بِأُخْرى، وبِالجُمْلَةِ، فالتَّطْهِيرُ الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ والَّذِي دَعا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، لَيْسَ هو العِصْمَةَ بِالِاتِّفاقِ، فَإنَّ أهْلَ السُّنَّةِ عِنْدَهُمْ، لا مَعْصُومَ إلّا النَّبِيُّ ﷺ. والشِّيعَةُ يَقُولُونَ: لا مَعْصُومَ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ والإمامُ.
فَقَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ عَلى انْتِقاءِ العِصْمَةِ المُخْتَصَّةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ والإمامِ عَنْ أزْواجِهِ وبَناتِهِ وغَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ التَّطْهِيرُ المَدْعُوُّ بِهِ لِلْأرْبَعَةِ، مُتَضَمِّنًا لِلْعِصْمَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها النَّبِيُّ ﷺ، والإمامُ عِنْدَهم. فَلا يَكُونُ دُعاءُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِهَذا العِصْمَةِ، لا لَعَلِيٍّ ولا لِغَيْرِهِ. فَإنَّهُ دَعا لِأرْبَعَةٍ مُشْتَرِكِينَ، لَمْ يَخْتَصَّ بَعْضُهم بِدَعْوَةٍ، وأيْضًا فالدُّعاءُ بِالعِصْمَةِ مِنَ الذُّنُوبِ مُمْتَنِعٌ عَلى أصْلِ القَدَرِيَّةِ. بَلْ وبِالتَّطْهِيرِ أيْضًا؛ فَإنَّ الأفْعالَ الِاخْتِيارِيَّةَ الَّتِي هي فِعْلُ الواجِباتِ وتَرْكُ المُحَرَّماتِ عِنْدَهم غَيْرُ مَقْدُورَةٍ لِلرَّبِّ، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَجْعَلَ العَبْدَ مُطِيعًا ولا عاصِيًا، ولا مُتَطَهِّرًا مِنَ الذُّنُوبِ ولا غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ. فامْتَنَعَ عَلى أصْلِهِمْ أنْ يَدْعُوَ لِأحَدٍ بِأنْ يَجْعَلَهُ فاعِلًا لِلْواجِباتِ تارِكًا لِلْمُحَرَّماتِ، وإنَّما المَقْدُورُ عِنْدَهم قُدْرَةٌ تَصْلُحُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ. كالسَّيْفِ الَّذِي يَصْلُحُ لِقَتْلِ المُسْلِمِ والكافِرِ، والمالِ الَّذِي يُمْكِنُ إنْفاقُهُ في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، ثُمَّ العَبْدُ يَفْعَلُ بِاخْتِيارِهِ، إمّا الخَيْرَ أوِ الشَّرَّ بِتِلْكَ القُدْرَةِ. وهَذا الأصْلُ يُبْطِلُ حُجَّتَهُمْ، والحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ في إبْطالِ هَذا الأصْلِ، حَيْثُ دَعا النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّطْهِيرِ.
فَإنْ قالُوا: المُرادُ بِذَلِكَ أنَّهُ يَغْفِرُ لَهم ولا يُؤاخِذُهُمْ، كانَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى البُطْلانِ مِن دَلالَتِهِ عَلى العِصْمَةِ. فَتَبَيَّنَ أنَّ الحَدِيثَ لا حُجَّةَ لَهم فِيهِ بِحالٍ عَلى ثُبُوتِ العِصْمَةِ. والعِصْمَةُ (p-٤٨٥٩)مُطْلَقًا الَّتِي هي فِعْلُ المَأْمُورِ وتَرْكُ المَحْظُورِ، لَيْسَتْ مَقْدُورَةً عِنْدَهم لِلَّهِ، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَجْعَلَ أحَدًا فاعِلًا لِطاعَةٍ، ولا تارِكًا لِمَعْصِيَةٍ، لا لِنَبِيٍّ ولا لِغَيْرِهِ، ويَمْتَنِعُ عِنْدَهم أنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ إذا عاشَ يُطِيعُهُ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ، لا بِإعانَةِ اللَّهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا مِمّا يُبَيِّنُ تَناقُضَ قَوْلِهِمْ في مَسائِلِ العِصْمَةِ. كَما تَقَدَّمَ. ولَوْ قُدِّرَ ثُبُوتُ العِصْمَةِ، فَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في الإمامِ العِصْمَةُ، والإجْماعُ عَلى انْتِقاءِ العِصْمَةِ في غَيْرِهِمْ. وحِينَئِذٍ تَبْطُلُ حُجَّتُهم بِكُلِّ طَرِيقٍ. انْتَهى.
الأحزاب 33:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ - ٣٣] ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ أيْ: يَدُمْ مُطِيعًا: ﴿مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: في إتْيانِ الواجِباتِ، وتَرْكِ المُحَرَّماتِ والمَكْرُوهاتِ: ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ أيْ: مَرَّةً عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، وأُخْرى عَلى طَلَبِهِنَّ رِضا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِحُسْنِ الخُلُقِ، وطِيبِ المُعاشَرَةِ، والقَناعَةِ: ﴿وأعْتَدْنا لَها﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى أجْرِها المُضاعَفِ في الجَنَّةِ، أوْ فِيها، وفي الدُّنْيا: ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ أيْ: حَسَنًا مُرْضِيًا: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أيْ: عِنْدَ مُخاطَبَةِ النّاسِ؛ أيْ: فَلا تُجِبْنَ بِقَوْلِكُنَّ لَيِّنًا خَنْثًا، مِثْلَ كَلامِ المُرِيباتِ والمُومِساتِ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أيْ: رِيبَةٌ وفُجُورٌ: ﴿وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] أيْ: بَعِيدًا مِن طَمَعِ المُرِيبِ بِجِدٍّ وخُشُونَةٍ، مِن غَيْرِ تَخْنِيثٍ، أوْ قَوْلًا حَسَنًا مَعَ كَوْنِهِ خَشِنًا.
﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيِ: اسْكُنَّ ولا تَخْرُجْنَ مِنها. مِن (وقَرَ يَقِرُ وقارًا)، إذا سَكَنَ. أوْ مِن (قَرَّ (p-٤٨٤٩)يَقِرُّ مِن بابِ ضَرَبَ)، حُذِفَتِ الأُولى مِن رائَيِ (اقْرَرْنَ)، ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى القافِ، فاسْتَغْنى عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ نافِعٍ وعاصِمٍ بِالفَتْحِ، مِن (قَرِرْتُ أقَرُّ)، مِن بابِ عَلِمَ. وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيْ: تَبَرُّجَ النِّساءِ أيّامَ جاهِلِيَّةِ الكُفْرِ الأُولى؛ إذْ لا دِينَ يَمْنَعُهم ولا أدَبَ يَزَعُهُمْ، والتَّبَرُّجُ، فُسِّرَ بِالتَّبَخْتُرِ والتَّكَسُّرِ في المَشْيِ، وبِإظْهارِ الزِّينَةِ وما يُسْتَدْعى بِهِ شَهْوَةُ الرَّجُلِ، وبِلِبْسِ رَقِيقِ الثِّيابِ الَّتِي لا تُوارِي جَسَدَها، وبِإبْداءِ مَحاسِنِ الجِيدِ والقَلائِدِ والقُرْطِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَشْمَلُهُ النَّهْيُ؛ لِما فِيهِ مِنَ المَفْسَدَةِ والتَّعَرُّضِ لِكَبِيرَةٍ.
فائِدَةٌ:
قِيلَ: "الأُولى" بِمَعْنى القَدِيمَةِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمَنٍ. فَيَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ لِمَن قالَ: إنَّ الأوَّلَ لا يَسْتَلْزِمُ ثانِيًا. قالَ في (الإكْلِيلِ): وهو الأصَحُّ عِنْدَ العُلَماءِ. فَلَوْ قالَ: أوَّلُ ولَدٍ تَلِدِينَهُ فَأنْتِ طالِقٌ، لَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ تَلِدَ ثانِيًا. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأُولى هي القَدِيمَةُ الَّتِي يُقالُ لَها الجاهِلِيَّةُ الجُهَلاءُ، مِنَ الزَّمَنِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ، أوْ ما قَبْلَهُ، إلى زَمَنِ عِيسى. والجاهِلِيَّةُ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِما. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةَ الكُفْرِ قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةُ الفُسُوقِ والفُجُورِ في الإسْلامِ، ويُعَضِّدُهُ ما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأبِي ذَرٍّ، لَمّا عَيَّرَ رَجُلًا بِأُمِّهِ وكانَتْ أعْجَمِيَّةً: «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ»» .
والمَعْنى نَهْيُهُنَّ عَنْ إحْداثِ جاهِلِيَّةٍ في الإسْلامِ، تُشْبِهُ جاهِلِيَّةَ الكُفْرِ قَبْلَهُ: ﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيْ: بِمُوافَقَةِ أمْرِهِما ونَهْيِهِما. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ مُخالَفَتَهُما رِجْسٌ لا يُناسِبُ فَضْلَ أهْلِ البَيْتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيْ: ما أمَرَكُنَّ ونَهاكُنَّ، ووَعَظَكُنَّ، إلّا خِيفَةَ مُقارَفَةِ المَآثِمِ، والحِرْصَ عَلى التَّصَوُّنِ عَنْها بِالتَّقْوى. فالجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةٌ لِأمْرِهِنَّ ونَهْيِهِنَّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ.
(p-٤٨٥٠)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتَعارَ لِلذُّنُوبِ (الرِّجْسَ)، ولِلتَّقْوى (الطُّهْرَ)؛ لِأنَّ عِرْضَ المُقْتَرِفِ لِلْمُقَبَّحاتِ يَتَلَوَّثُ بِها ويَتَدَنَّسُ كَما يَتَلَوَّثُ بَدَنُهُ بِالأرْجاسِ، وأمّا المُحْسِناتُ فالعِرْضُ مَعَها نَقِيٌّ مَصُونٌ كالثَّوْبِ الطّاهِرِ. وفي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ ما يُنَفِّرُ أُولِي الألْبابِ عَمّا كَرِهَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ ونَهاهم عَنْهُ، ويُرَغِّبُهم فِيما رَضِيَهُ لَهم وأمَرَهم بِهِ. و: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] نُصِبَ عَلى النِّداءِ، أوْ عَلى المَدْحِ. والمُرادُ بِهِمْ مَن حَواهم بَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا نَصٌّ في دُخُولِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ في أهْلِ البَيْتِ هَهُنا، لِأنَّهُنَّ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وسَبَبُ النُّزُولِ داخِلٌ فِيهِ قَوْلًا واحِدًا، إمّا وحْدَهُ عَلى قَوْلٍ، أوْ مَعَ غَيْرِهِ عَلى الصَّحِيحِ. وأمّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، إنَّها نَزَلَتْ في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، ومَن شاءَ باهَلْتُهُ في ذَلِكَ، فَإنْ كانَ المُرادُ أنَّهُنَّ كُنَّ سَبَبَ النُّزُولِ دُونَ غَيْرِهِنَّ، فَصَحِيحٌ. وإنْ أُرِيدَ أنَّهُنَّ المُرادُ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِنَّ، فَفي هَذا نَظَرٌ؛ فَإنَّهُ قَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وأنَّهُ ﷺ جَمَعَ عَلِيًّا وفاطِمَةَ والحَسَنَ والحُسَيْنَ، ثُمَّ جَلَّلَهم بِكِساءٍ كانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ««هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ»» .
وقَدْ ساقَ ابْنُ كَثِيرٍ طُرُقَ هَذا الحَدِيثِ ومُخْرِجِيهِ، إلّا أنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يُصَحِّحاهُ، ولِذا لَمْ يُخَرِّجاهُ، وأمّا ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَصِينِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أمّا بَعْدُ، أيُّها النّاسُ! إنَّما أنا بَشَرٌ يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبُ، وأنا تارِكٌ فِيكم ثِقْلَيْنِ: أوَّلُهُما كِتابُ اللَّهِ، فِيهِ الهُدى والنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتابِ اللَّهِ، واسْتَمْسِكُوا بِهِ، فَحَثَّ عَلى كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ورَغَّبَ فِيهِ. ثُمَّ قالَ: وأهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي -قالَها ثَلاثًا-» . فَقالَ لَهُ حُصَيْنٌ: ومَن أهْلُ بَيْتِهِ يا زَيْدُ؟ ألَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ؟ قالَ: نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ. ولَكِنَّ أهْلَ بَيْتِهِ مَن حَرَّمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قالَ: ومَن هُمْ؟ قالَ: آلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ–» (p-٤٨٥١)فَإنَّما مُرادُ زَيْدٍ، آلُهُ الَّذِينَ حَرَّمُوا الصَّدَقَةَ، أوْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالأهْلِ الأزْواجَ فَقَطْ، بَلْ هم مَعَ آلِهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا احْتِمالٌ أرْجَحُ، جَمْعًا بَيْنَ القُرْآنِ والأحادِيثِ المُتَقَدِّمَةِ، إنْ صَحَّتْ، فَإنَّ في بَعْضِ أسانِيدِها نَظَرًا. انْتَهى.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: وهَذِهِ كَما تَرى آيَةٌ بَيِّنَةٌ، وحُجَّةٌ نَيِّرَةٌ، عَلى كَوْنِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، قاضِيَةٌ بِبُطْلانِ رَأْيِ الشِّيعَةِ في تَخْصِيصِهِمْ أهْلِيَّةَ البَيْتِ بِفاطِمَةَ وعَلِيٍّ وابْنَيْهِما رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وأمّا ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن حَدِيثِ الكِساءِ، وتِلاوَتِهِ ﷺ الآيَةَ بَعْدَهُ، فَإنَّما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ البَيْتِ، لا عَلى أنَّ مَن عَداهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، ولَوْ فُرِضَتْ دَلالَتُهُ عَلى ذَلِكَ لَما اعْتُدَّ بِها، لِكَوْنِها في مُقابَلَةِ النَّصِّ. انْتَهى.
بَقِيَ أنَّ الشِّيعَةَ، تَمَسَّكُوا بِالآيَةِ أيْضًا عَلى عِصْمَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وإمامَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ. قالَ ابْنُ المُطَهِّرِ الحُلِيِّ مِنهُمْ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى العِصْمَةِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِلَفْظِ: "إنَّما" وإدْخالِ اللّامِ في الخَبَرِ، والِاخْتِصاصُ في الخِطابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] وغَيْرَهم لَيْسَ بِمَعْصُومٍ إلَخْ. وأجابَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في (مِنهاجِ السُّنَّةِ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ في هَذا دَلالَةٌ عَلى عِصْمَتِهِمْ ولا إمامَتِهِمْ. وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَقامَيْنِ:
أحَدُهُما- أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] كَقَوْلِهِ: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦] ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] فَإنَّ إرادَةَ اللَّهِ في هَذِهِ الآياتِ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لِذَلِكَ المُرادِ ورِضاهُ بِهِ، وأنَّهُ شَرَعُهُ (p-٤٨٥٢)لِلْمُؤْمِنِينَ وأمَرَهم بِهِ، لَيْسَ في ذَلِكَ أنَّهُ خَلَقَ هَذا المُرادَ، ولا أنَّهُ قَضاهُ وقَدَّرَهُ، ولا أنَّهُ يَكُونُ لا مَحالَةَ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ««اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا»» فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ لَهم إذْهابَ الرِّجْسِ والتَّطْهِيرِ، فَلَوْ كانَتِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ إخْبارَ اللَّهِ بِأنَّهُ قَدْ أذْهَبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهَّرَهُمْ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الطَّلَبِ والدُّعاءِ.
وهَذا عَلى قَوْلِ القَدَرِيَّةِ أظْهَرُ؛ فَإنَّ إرادَةَ اللَّهِ عِنْدَهم لا تَتَضَمَّنُ وُجُودَ المُرادِ، بَلْ قَدْ يُرِيدُ ما لا يَكُونُ ويَكُونُ ما لا يُرِيدُ، فَلَيْسَ في كَوْنِهِ تَعالى مُرِيدًا لِذَلِكَ، ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ.
وهَذا الرّافِضِيُّ وأمْثالُهُ قَدَرِيَّةٌ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] عَلى وُقُوعِ المُرادِ؟ وعِنْدَهم أنَّ اللَّهَ قَدْ أرادَ إيمانَ مَن عَلى وجْهِ الأرْضِ. فَلَمْ يَقَعْ مُرادُهُ. وأمّا عَلى قَوْلِ أهْلِ الإثْباتِ، فالتَّحْقِيقُ في ذَلِكَ أنَّ الإرادَةَ في كِتابِ اللَّهِ نَوْعانِ: إرادَةٌ شَرْعِيَّةٌ دِينِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ مَحَبَّتَهُ ورِضاهُ. وإرادَةٌ كَوْنِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ خَلْقَهُ وتَقْدِيرَهُ. الأُولى مِثْلَ هَؤُلاءِ الآياتِ. والثّانِيَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقَوْلِ نُوحٍ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]
وكَثِيرٌ مِنَ المُثْبِتَةِ والقَدَرِيَّةِ يَجْعَلُ الإرادَةَ نَوْعًا واحِدًا، كَما يَجْعَلُونَ الإرادَةَ والمَحَبَّةَ شَيْئًا واحِدًا، ثُمَّ القَدَرِيَّةُ يَنْفُونَ إرادَتَهُ لِما بَيَّنَ أنَّهُ مُرادٌ في الآياتِ التَّشْرِيعُ؛ فَإنَّهُ عِنْدَهم كُلُّ ما قِيلَ إنَّهُ مُرادٌ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كائِنًا، واللَّهُ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلى المُؤْمِنِينَ وأنْ يُطَهِّرَهُمْ، وفِيهِمْ مَن تابَ وفِيهِمْ مَن لَمْ يَتُبْ، وفِيهِمْ مَن تَطَهَّرَ وفِيهِمْ مَن لَمْ يَتَطَهَّرْ، وإذا كانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى وُقُوعٍ أرادَهُ مِنَ التَّطْهِيرِ وإذْهابِ الرِّجْسِ، لَمْ يَلْزَمْ بِمُجَرَّدِ الآيَةِ ثُبُوتُ ما ادَّعاهُ.
ومِمّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ مَذْكُوراتٌ في الآيَةِ، والكَلامُ في الأمْرِ بِالتَّطْهِيرِ بِإيجابِهِ (p-٤٨٥٣)ووَعْدُ الثَّوابِ عَلى فِعْلِهِ والعِقابِ عَلى تَرْكِهِ. قالَ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] فالخِطابُ كُلُّهُ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، ومَعَهُنَّ الأمْرُ، والنَّهْيُ، والوَعْدُ، والوَعِيدُ. لَكِنْ لَمّا تَبَيَّنَ ما في هَذا مِنَ المَنفَعَةِ الَّتِي تَعُمُّهُنَّ وتُعَمِّمُ غَيْرَهُنَّ مِن أهْلِ البَيْتِ، جاءَ التَّطْهِيرُ بِهَذا الخِطابِ وغَيْرِهِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأزْواجِهِ. بَلْ هو مُتَناوِلٌ لِأهْلِ البَيْتِ كُلِّهِمْ، وعَلِيٌّ، وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ أخَصُّ مِن غَيْرِهِمْ بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ خَصَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالدُّعاءِ لَهُمْ، وهَذا كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] نَزَلَتْ بِسَبَبِ (مَسْجِدِ قِباءَ)، لَكِنَّ الحُكْمَ يَتَناوَلُهُ ويَتَناوَلُ ما هو أحَقُّ مِنهُ بِذَلِكَ، وهو (مَسْجِدُ المَدِينَةِ) وهَذا يُوَجِّهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى فَقالَ: «هو مَسْجِدِي هَذا»» . وثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يَأْتِي قِباءَ كُلَّ سَبْتٍ ماشِيًا وراكِبًا، فَكانَ يَقُومُ في مَسْجِدِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويَأْتِي قِباءَ يَوْمَ السَّبْتِ، وكِلاهُما مُؤَسَّسٌ عَلى التَّقْوى. وهَكَذا أزْواجُهُ، وعَلِيٌّ، وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أخَصُّ بِذَلِكَ مِن أزْواجِهِ؛ ولِهَذا خَصَّهم بِالدُّعاءِ. وقَدْ تَنازَعَ النّاسُ في آلِ مُحَمَّدٍ مَن هُمْ؟ فَقِيلَ: أُمَّتُهُ. وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ، ومالِكٌ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: المُتَّقُونَ مِن أُمَّتِهِ. ورَوَوْا حَدِيثًا ««آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ مُؤْمِنٍ (p-٤٨٥٤)تَقِيٍّ»» رَواهُ الخَلّالُ، وتَمّامٌ في (الفَوائِدِ) لَهُ. وقَدِ احْتَجَّ بِهِ طائِفَةٌ مِن أصْحابِ أحْمَدَ وغَيْرِهِمْ، وهو حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، وبَنى عَلى ذَلِكَ طائِفَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ، أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ هم خَواصُّ الأوْلِياءِ؛ كَما ذَكَرَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ.
والصَّحِيحُ أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ هم أهْلُ بَيْتِهِ، وهَذا هو المَنقُولُ عَنِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، وهو اخْتِيارُ الشَّرِيفِ أبِي جَعْفَرٍ وغَيْرِهِمْ. لَكِنْ هَلْ أزْواجُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ هُما رِوايَتانِ عَنْ أحْمَدَ. أحَدُهُما -أنَّهُنَّ لَسْنَ مِن أهْلِ البَيْتِ. ويُرْوى هَذا عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ. والثّانِي- وهو الصَّحِيحُ أنَّ أزْواجَهُ مِن آلِهِ. فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ عَلَّمَهُمُ الصَّلاةَ عَلَيْهِ: ««اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وأزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ»» . ولِأنَّ امْرَأةَ إبْراهِيمَ مِن آلِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ، وامْرَأةَ لُوطٍ مِن آلِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ؛ بِدَلالَةِ القُرْآنِ. فَكَيْفَ لا يَكُونُ أزْواجُ مُحَمَّدٍ مِن آلِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ؟ ولِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ ذَلِكَ في الكَلامِ مَعْنًى، وأمّا الأتْقِياءُ مِن أُمَّتِهِ فَهم أوْلِياؤُهُ؛ كَما ثَبَتَ في (الصَّحِيحِ) أنَّهُ قالَ: ««إنَّ آلَ بَنِي فُلانٍ لَيْسُوا لِي بِأوْلِياءَ، وإنَّما ولِيَّ اللَّهُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ»» . فَبَيَّنَ أنَّ أوْلِياءَهُ صالِحُ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في حَدِيثٍ آخَرَ: ««إنَّ أوْلِيائِي المُتَّقُونَ، حَيْثُ كانُوا وأيْنَ كانُوا»» . وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] وفي (الصِّحاحِ) عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««ودِدْتُ أنِّي رَأيْتُ إخْوانِي» . قالُوا: أوَلَسْنا إخْوانَكَ؟ قالَ: (p-٤٨٥٥)«بَلْ أنْتُمْ أصْحابِي، وإخْوَتِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِن بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي ولَمْ يَرَوْنِي»» . وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَأوْلِياؤُهُ المُتَّقُونَ، بَيْنَهُ وبَيْنَهم قَرابَةُ الدِّينِ، والإيمانِ، والتَّقْوى، وهَذِهِ القَرابَةُ الدِّينِيَّةُ أعْظَمُ مِنَ القَرابَةِ الطَّبِيعِيَّةِ. والقُرْبُ بَيْنَ القُلُوبِ والأرْواحِ أعْظَمُ مِنَ القُرْبِ بَيْنَ الأبْدانِ. ولِهَذا كانَ أفْضَلَ الخَلْقِ أوْلِياؤُهُ المُتَّقُونَ. وأمّا أقارِبُهُ فَفِيهِمُ المُؤْمِنُ والكافِرُ والبَرُّ والفاجِرُ. فَإنْ كانَ فاضِلٌ مِنهُمْ، كَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وجَعْفَرٍ والحَسَنِ والحُسَيْنِ، فَفَضَّلَهم بِما فِيهِمْ مِنَ الإيمانِ والتَّقْوى، وهم أوْلِياؤُهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا بِمُجَرَّدِ النَّسَبِ.
فَأوْلِياؤُهُ أعْظَمُ دَرَجَةً مِن آلِهِ، وإنْ صَلّى عَلى آلِهِ تَبَعًا، لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِن أوْلِيائِهِ الَّذِينَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ الأنْبِياءَ والمُرْسَلِينَ هم مِن أوْلِيائِهِ. وهم أفْضَلُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا في الصَّلاةِ مَعَهُ تَبَعًا، فالمَفْضُولُ قَدْ يَخْتَصُّ بِأمْرٍ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الفاضِلِ. ودَلِيلُ ذَلِكَ أنَّ أزْواجَهُ هم مِمَّنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ. وقَدْ ثَبَتَ بِاتِّفاقِ النّاسِ كُلِّهِمْ أنَّ الأنْبِياءَ أفْضَلُ مِنهُنَّ كُلِّهِنَّ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَبْ أنَّ القُرْآنَ لا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ ما أُرِيدَ مِنَ التَّطْهِيرِ وإذْهابِ الرِّجْسِ، لَكِنَّ دُعاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ، فَإنَّ دُعاءَهُ مُسْتَجابٌ. قِيلَ: المَقْصُودُ أنَّ القُرْآنَ لا يَدُلُّ عَلى ما ادَّعاهُ بِثُبُوتِ الطَّهارَةِ وإذْهابِ الرِّجْسِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَدُلَّ عَلى العِصْمَةِ والإمامَةِ. وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِالحَدِيثِ فَذاكَ مَقامٌ آخَرُ.
ثُمَّ نَقُولُ في المَقامِ الثّانِي: هَبْ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى طَهارَتِهِمْ، وعَلى ذَهابِ رِجْسِهِمْ، كَما أنَّ الدُّعاءَ المُسْتَجابَ لا بُدَّ أنْ يَسْتَحِقَّ مَعَهُ طِهارَةَ المَدْعُوِّ لَهُمْ، وإذْهابَ الرِّجْسِ عَنْهم. لَكِنْ لَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى العِصْمَةِ مِنَ الخَطَأِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ بِما أمَرَ بِهِ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ لا يَصْدُرَ مِن واحِدَةٍ مِنهُنَّ خَطَأٌ؛ فَإنَّ الخَطَأ مَغْفُورٌ لَهُنَّ ولِغَيْرِهِنَّ، وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ يُرِيدُ لِيُذْهِبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ الَّذِي هو الخُبْثُ، كالفَواحِشِ ويُطَهِّرَهم تَطْهِيرًا مِنَ الفَواحِشِ وغَيْرِها مِنَ الذُّنُوبِ.
والتَّطْهِيرُ مِنَ الذَّنْبِ عَلى وجْهَيْنِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم (p-٤٨٥٦)أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] فَإنَّهُ قالَ فِيها: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] والتَّطَهُّرُ مِنَ الذُّنُوبِ إمّا بِأنْ يَفْعَلَهُ العَبْدُ، وإمّا بِأنْ يَتُوبَ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الطَّهارَةِ ابْتِداءً وإرادَةً، فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَهْيَهُ عَنِ الفاحِشَةِ، لا يَتَضَمَّنُ الإذْنُ فِيها بِحالٍ. لَكِنْ هو سُبْحانَهُ يَنْهى عَنْها، ويَأْمُرُ مَن فَعَلَها بِأنْ يَتُوبَ مِنها. وفي (الصَّحِيحِ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ««اللَّهُمَّ! باعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطايايَ، كَما باعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. واغْسِلْنِي بِالثَّلْجِ والبَرَدِ والماءِ البارِدِ. اللَّهُمَّ! نَقِّنِي مِنَ الخَطايا كَما يُنَقّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ»» . وبِالجُمْلَةِ، لَفْظُ (الرِّجْسِ)، أصْلُهُ القَذِرُ. ويُرادُ بِهِ الشِّرْكُ. كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] ويُرادُ بِهِ الخَبائِثُ المُحَرَّمَةُ، كالمَطْعُوماتِ والمَشْرُوباتِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [المائدة: ٩٠] وإذْهابُ ذَلِكَ إذْهابٌ لِكُلِّهِ، ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أذْهَبَ عَنْ أُولَئِكَ السّادَةِ الشِّرْكَ والخَبائِثَ. ولَفْظُ الرِّجْسِ عامٌّ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ يُذْهِبُ جَمِيعَ الرِّجْسِ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا بِذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ: "وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا" فَهو سُؤالٌ مُطْلَقٌ بِما يُسَمّى طَهارَةً.
وبَعْضُ النّاسِ يَزْعُمُ أنَّ هَذا مُطْلَقٌ فَيَكْتَفِي فِيهِ بِفَرْدٍ مِن أفْرادِ الطَّهارَةِ. ويَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي (p-٤٨٥٧)الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] ونَحْوَ ذَلِكَ. والتَّحْقِيقُ أنَّهُ أمْرٌ بِمُسَمّى الِاعْتِبارِ الَّذِي يُقالُ عِنْدَ الإطْلاقِ، كَما إذا قِيلَ: أكْرِمْ هَذا، أيِ: افْعَلْ مَعَهُ ما يُسَمّى عِنْدَ الإطْلاقِ إكْرامًا، وكَذَلِكَ ما يُسَمّى عِنْدَ الإطْلاقِ اعْتِبارًا، والإنْسانُ لا يُسَمّى مُعْتَبِرًا إذا اعْتَبَرَ في قِصَّةٍ، وتَرَكَ ذَلِكَ في نَظِيرِها. وكَذَلِكَ لا يُقالُ: هو طاهِرٌ، أوْ مُتَطَهِّرٌ، أوْ مُطَهِّرٌ، إذا كانَ مُتَطَهِّرًا مِن شَيْءٍ، مُتَنَجِّسًا بِنَظِيرِهِ. ولَفْظُ الطّاهِرِ كَلَفْظِ الطَّيِّبِ؛ قالَ تَعالى: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النور: ٢٦] كَما قالَ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ﴾ [النور: ٢٦] وقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ قالَ لِعَمّارٍ: «ائْذَنُوا لَهُ. مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ المُطَيَّبِ»» . وهَذا أيْضًا كَلَفْظِ المُتَّقِي والمُزَكِّي؛ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] وقالَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] وقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] وقالَ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ [النور: ٢١] ولَيْسَ مِن شَرْطِ المُتَّقِينَ ونَحْوَهم أنْ لا يَقَعَ مِنهم ذَنْبٌ، ولا أنْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ مِنَ الخَطَأِ والذُّنُوبِ، فَإنَّ هَذا -لَوْ كانَ كَذَلِكَ- لَمْ يَكُنْ في الأُمَّةِ مُتَّقٍ، بَلْ مَن تابَ مِن ذُنُوبِهِ دَخَلَ في المُتَّقِينَ. كَما قالَ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] فَدُعاءُ النَّبِيِّ ﷺ بِأنْ يُطَهِّرَهم تَطْهِيرًا، كَدُعائِهِ بِأنْ يُزَكِّيَهم ويُطَيِّبَهم ويَجْعَلَهم مُتَّقِينَ، ونَحْوَ ذَلِكَ ومَعْلُومٌ أنَّ مَنِ اسْتَقَرَّ أمْرُهُ عَلى ذَلِكَ، فَهو داخِلٌ في هَذا، لا تَكُونُ الطَّهارَةُ الَّتِي دَعا بِها لَهم بِأعْظَمَ مِمّا دَعا بِهِ لِنَفْسِهِ، وقَدْ قالَ: ««اللَّهُمَّ! طَهِّرْنِي مِن خَطايايَ بِالثَّلْجِ والبَرَدِ والماءِ البارِدِ»» . (p-٤٨٥٨)فَمَن وقَعَ ذَنْبُهُ مَغْفُورًا أوْ مُكَفَّرًا، فَقَدْ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنهُ تَطْهِيرًا، ولَكِنَّ مَن ماتَ مُتَوَسِّخًا بِذُنُوبِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُطَهَّرْ مِنها في حَياتِهِ. وقَدْ يَكُونُ مِن تَمامِ تَطْهِيرِهِمْ صِيانَتُهم عَنِ الصَّدَقَةِ الَّتِي هي أوْساخُ النّاسِ. والنَّبِيُّ ﷺ، إذا دَعا بِدُعاءٍ، أجابَهُ اللَّهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِ المَحَلِّ. فَإذا اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، لَمْ يَلْزَمْ أنْ لا يُوجَدَ مُؤْمِنٌ مُذْنِبٌ، فَإنَّ هَذا، لَوْ كانَ واقِعًا، لَما عُذِّبَ مُؤْمِنٌ، لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. بَلْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِهَذا بِالتَّوْبَةِ، ولِهَذا بِالحَسَناتِ الماحِيَةِ، ويَغْفِرُ اللَّهُ لِهَذا ذُنُوبًا كَثِيرَةً، وإنَّ واحِدَةً بِأُخْرى، وبِالجُمْلَةِ، فالتَّطْهِيرُ الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ والَّذِي دَعا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، لَيْسَ هو العِصْمَةَ بِالِاتِّفاقِ، فَإنَّ أهْلَ السُّنَّةِ عِنْدَهُمْ، لا مَعْصُومَ إلّا النَّبِيُّ ﷺ. والشِّيعَةُ يَقُولُونَ: لا مَعْصُومَ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ والإمامُ.
فَقَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ عَلى انْتِقاءِ العِصْمَةِ المُخْتَصَّةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ والإمامِ عَنْ أزْواجِهِ وبَناتِهِ وغَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ التَّطْهِيرُ المَدْعُوُّ بِهِ لِلْأرْبَعَةِ، مُتَضَمِّنًا لِلْعِصْمَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها النَّبِيُّ ﷺ، والإمامُ عِنْدَهم. فَلا يَكُونُ دُعاءُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِهَذا العِصْمَةِ، لا لَعَلِيٍّ ولا لِغَيْرِهِ. فَإنَّهُ دَعا لِأرْبَعَةٍ مُشْتَرِكِينَ، لَمْ يَخْتَصَّ بَعْضُهم بِدَعْوَةٍ، وأيْضًا فالدُّعاءُ بِالعِصْمَةِ مِنَ الذُّنُوبِ مُمْتَنِعٌ عَلى أصْلِ القَدَرِيَّةِ. بَلْ وبِالتَّطْهِيرِ أيْضًا؛ فَإنَّ الأفْعالَ الِاخْتِيارِيَّةَ الَّتِي هي فِعْلُ الواجِباتِ وتَرْكُ المُحَرَّماتِ عِنْدَهم غَيْرُ مَقْدُورَةٍ لِلرَّبِّ، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَجْعَلَ العَبْدَ مُطِيعًا ولا عاصِيًا، ولا مُتَطَهِّرًا مِنَ الذُّنُوبِ ولا غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ. فامْتَنَعَ عَلى أصْلِهِمْ أنْ يَدْعُوَ لِأحَدٍ بِأنْ يَجْعَلَهُ فاعِلًا لِلْواجِباتِ تارِكًا لِلْمُحَرَّماتِ، وإنَّما المَقْدُورُ عِنْدَهم قُدْرَةٌ تَصْلُحُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ. كالسَّيْفِ الَّذِي يَصْلُحُ لِقَتْلِ المُسْلِمِ والكافِرِ، والمالِ الَّذِي يُمْكِنُ إنْفاقُهُ في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، ثُمَّ العَبْدُ يَفْعَلُ بِاخْتِيارِهِ، إمّا الخَيْرَ أوِ الشَّرَّ بِتِلْكَ القُدْرَةِ. وهَذا الأصْلُ يُبْطِلُ حُجَّتَهُمْ، والحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ في إبْطالِ هَذا الأصْلِ، حَيْثُ دَعا النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّطْهِيرِ.
فَإنْ قالُوا: المُرادُ بِذَلِكَ أنَّهُ يَغْفِرُ لَهم ولا يُؤاخِذُهُمْ، كانَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى البُطْلانِ مِن دَلالَتِهِ عَلى العِصْمَةِ. فَتَبَيَّنَ أنَّ الحَدِيثَ لا حُجَّةَ لَهم فِيهِ بِحالٍ عَلى ثُبُوتِ العِصْمَةِ. والعِصْمَةُ (p-٤٨٥٩)مُطْلَقًا الَّتِي هي فِعْلُ المَأْمُورِ وتَرْكُ المَحْظُورِ، لَيْسَتْ مَقْدُورَةً عِنْدَهم لِلَّهِ، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَجْعَلَ أحَدًا فاعِلًا لِطاعَةٍ، ولا تارِكًا لِمَعْصِيَةٍ، لا لِنَبِيٍّ ولا لِغَيْرِهِ، ويَمْتَنِعُ عِنْدَهم أنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ إذا عاشَ يُطِيعُهُ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ، لا بِإعانَةِ اللَّهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا مِمّا يُبَيِّنُ تَناقُضَ قَوْلِهِمْ في مَسائِلِ العِصْمَةِ. كَما تَقَدَّمَ. ولَوْ قُدِّرَ ثُبُوتُ العِصْمَةِ، فَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في الإمامِ العِصْمَةُ، والإجْماعُ عَلى انْتِقاءِ العِصْمَةِ في غَيْرِهِمْ. وحِينَئِذٍ تَبْطُلُ حُجَّتُهم بِكُلِّ طَرِيقٍ. انْتَهى.
الأحزاب 33:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١ - ٣٣] ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ أيْ: يَدُمْ مُطِيعًا: ﴿مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: في إتْيانِ الواجِباتِ، وتَرْكِ المُحَرَّماتِ والمَكْرُوهاتِ: ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ أيْ: مَرَّةً عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، وأُخْرى عَلى طَلَبِهِنَّ رِضا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِحُسْنِ الخُلُقِ، وطِيبِ المُعاشَرَةِ، والقَناعَةِ: ﴿وأعْتَدْنا لَها﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى أجْرِها المُضاعَفِ في الجَنَّةِ، أوْ فِيها، وفي الدُّنْيا: ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ أيْ: حَسَنًا مُرْضِيًا: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أيْ: عِنْدَ مُخاطَبَةِ النّاسِ؛ أيْ: فَلا تُجِبْنَ بِقَوْلِكُنَّ لَيِّنًا خَنْثًا، مِثْلَ كَلامِ المُرِيباتِ والمُومِساتِ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أيْ: رِيبَةٌ وفُجُورٌ: ﴿وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] أيْ: بَعِيدًا مِن طَمَعِ المُرِيبِ بِجِدٍّ وخُشُونَةٍ، مِن غَيْرِ تَخْنِيثٍ، أوْ قَوْلًا حَسَنًا مَعَ كَوْنِهِ خَشِنًا.
﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيِ: اسْكُنَّ ولا تَخْرُجْنَ مِنها. مِن (وقَرَ يَقِرُ وقارًا)، إذا سَكَنَ. أوْ مِن (قَرَّ (p-٤٨٤٩)يَقِرُّ مِن بابِ ضَرَبَ)، حُذِفَتِ الأُولى مِن رائَيِ (اقْرَرْنَ)، ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى القافِ، فاسْتَغْنى عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ نافِعٍ وعاصِمٍ بِالفَتْحِ، مِن (قَرِرْتُ أقَرُّ)، مِن بابِ عَلِمَ. وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيْ: تَبَرُّجَ النِّساءِ أيّامَ جاهِلِيَّةِ الكُفْرِ الأُولى؛ إذْ لا دِينَ يَمْنَعُهم ولا أدَبَ يَزَعُهُمْ، والتَّبَرُّجُ، فُسِّرَ بِالتَّبَخْتُرِ والتَّكَسُّرِ في المَشْيِ، وبِإظْهارِ الزِّينَةِ وما يُسْتَدْعى بِهِ شَهْوَةُ الرَّجُلِ، وبِلِبْسِ رَقِيقِ الثِّيابِ الَّتِي لا تُوارِي جَسَدَها، وبِإبْداءِ مَحاسِنِ الجِيدِ والقَلائِدِ والقُرْطِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَشْمَلُهُ النَّهْيُ؛ لِما فِيهِ مِنَ المَفْسَدَةِ والتَّعَرُّضِ لِكَبِيرَةٍ.
فائِدَةٌ:
قِيلَ: "الأُولى" بِمَعْنى القَدِيمَةِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمَنٍ. فَيَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ لِمَن قالَ: إنَّ الأوَّلَ لا يَسْتَلْزِمُ ثانِيًا. قالَ في (الإكْلِيلِ): وهو الأصَحُّ عِنْدَ العُلَماءِ. فَلَوْ قالَ: أوَّلُ ولَدٍ تَلِدِينَهُ فَأنْتِ طالِقٌ، لَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ تَلِدَ ثانِيًا. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأُولى هي القَدِيمَةُ الَّتِي يُقالُ لَها الجاهِلِيَّةُ الجُهَلاءُ، مِنَ الزَّمَنِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ، أوْ ما قَبْلَهُ، إلى زَمَنِ عِيسى. والجاهِلِيَّةُ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِما. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةَ الكُفْرِ قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةُ الفُسُوقِ والفُجُورِ في الإسْلامِ، ويُعَضِّدُهُ ما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأبِي ذَرٍّ، لَمّا عَيَّرَ رَجُلًا بِأُمِّهِ وكانَتْ أعْجَمِيَّةً: «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ»» .
والمَعْنى نَهْيُهُنَّ عَنْ إحْداثِ جاهِلِيَّةٍ في الإسْلامِ، تُشْبِهُ جاهِلِيَّةَ الكُفْرِ قَبْلَهُ: ﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيْ: بِمُوافَقَةِ أمْرِهِما ونَهْيِهِما. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ مُخالَفَتَهُما رِجْسٌ لا يُناسِبُ فَضْلَ أهْلِ البَيْتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيْ: ما أمَرَكُنَّ ونَهاكُنَّ، ووَعَظَكُنَّ، إلّا خِيفَةَ مُقارَفَةِ المَآثِمِ، والحِرْصَ عَلى التَّصَوُّنِ عَنْها بِالتَّقْوى. فالجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةٌ لِأمْرِهِنَّ ونَهْيِهِنَّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ.
(p-٤٨٥٠)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتَعارَ لِلذُّنُوبِ (الرِّجْسَ)، ولِلتَّقْوى (الطُّهْرَ)؛ لِأنَّ عِرْضَ المُقْتَرِفِ لِلْمُقَبَّحاتِ يَتَلَوَّثُ بِها ويَتَدَنَّسُ كَما يَتَلَوَّثُ بَدَنُهُ بِالأرْجاسِ، وأمّا المُحْسِناتُ فالعِرْضُ مَعَها نَقِيٌّ مَصُونٌ كالثَّوْبِ الطّاهِرِ. وفي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ ما يُنَفِّرُ أُولِي الألْبابِ عَمّا كَرِهَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ ونَهاهم عَنْهُ، ويُرَغِّبُهم فِيما رَضِيَهُ لَهم وأمَرَهم بِهِ. و: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] نُصِبَ عَلى النِّداءِ، أوْ عَلى المَدْحِ. والمُرادُ بِهِمْ مَن حَواهم بَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا نَصٌّ في دُخُولِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ في أهْلِ البَيْتِ هَهُنا، لِأنَّهُنَّ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وسَبَبُ النُّزُولِ داخِلٌ فِيهِ قَوْلًا واحِدًا، إمّا وحْدَهُ عَلى قَوْلٍ، أوْ مَعَ غَيْرِهِ عَلى الصَّحِيحِ. وأمّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، إنَّها نَزَلَتْ في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، ومَن شاءَ باهَلْتُهُ في ذَلِكَ، فَإنْ كانَ المُرادُ أنَّهُنَّ كُنَّ سَبَبَ النُّزُولِ دُونَ غَيْرِهِنَّ، فَصَحِيحٌ. وإنْ أُرِيدَ أنَّهُنَّ المُرادُ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِنَّ، فَفي هَذا نَظَرٌ؛ فَإنَّهُ قَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وأنَّهُ ﷺ جَمَعَ عَلِيًّا وفاطِمَةَ والحَسَنَ والحُسَيْنَ، ثُمَّ جَلَّلَهم بِكِساءٍ كانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ««هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ»» .
وقَدْ ساقَ ابْنُ كَثِيرٍ طُرُقَ هَذا الحَدِيثِ ومُخْرِجِيهِ، إلّا أنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يُصَحِّحاهُ، ولِذا لَمْ يُخَرِّجاهُ، وأمّا ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَصِينِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أمّا بَعْدُ، أيُّها النّاسُ! إنَّما أنا بَشَرٌ يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبُ، وأنا تارِكٌ فِيكم ثِقْلَيْنِ: أوَّلُهُما كِتابُ اللَّهِ، فِيهِ الهُدى والنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتابِ اللَّهِ، واسْتَمْسِكُوا بِهِ، فَحَثَّ عَلى كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ورَغَّبَ فِيهِ. ثُمَّ قالَ: وأهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي -قالَها ثَلاثًا-» . فَقالَ لَهُ حُصَيْنٌ: ومَن أهْلُ بَيْتِهِ يا زَيْدُ؟ ألَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ؟ قالَ: نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ. ولَكِنَّ أهْلَ بَيْتِهِ مَن حَرَّمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قالَ: ومَن هُمْ؟ قالَ: آلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ–» (p-٤٨٥١)فَإنَّما مُرادُ زَيْدٍ، آلُهُ الَّذِينَ حَرَّمُوا الصَّدَقَةَ، أوْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالأهْلِ الأزْواجَ فَقَطْ، بَلْ هم مَعَ آلِهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا احْتِمالٌ أرْجَحُ، جَمْعًا بَيْنَ القُرْآنِ والأحادِيثِ المُتَقَدِّمَةِ، إنْ صَحَّتْ، فَإنَّ في بَعْضِ أسانِيدِها نَظَرًا. انْتَهى.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: وهَذِهِ كَما تَرى آيَةٌ بَيِّنَةٌ، وحُجَّةٌ نَيِّرَةٌ، عَلى كَوْنِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، قاضِيَةٌ بِبُطْلانِ رَأْيِ الشِّيعَةِ في تَخْصِيصِهِمْ أهْلِيَّةَ البَيْتِ بِفاطِمَةَ وعَلِيٍّ وابْنَيْهِما رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وأمّا ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن حَدِيثِ الكِساءِ، وتِلاوَتِهِ ﷺ الآيَةَ بَعْدَهُ، فَإنَّما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ البَيْتِ، لا عَلى أنَّ مَن عَداهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، ولَوْ فُرِضَتْ دَلالَتُهُ عَلى ذَلِكَ لَما اعْتُدَّ بِها، لِكَوْنِها في مُقابَلَةِ النَّصِّ. انْتَهى.
بَقِيَ أنَّ الشِّيعَةَ، تَمَسَّكُوا بِالآيَةِ أيْضًا عَلى عِصْمَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وإمامَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ. قالَ ابْنُ المُطَهِّرِ الحُلِيِّ مِنهُمْ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى العِصْمَةِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِلَفْظِ: "إنَّما" وإدْخالِ اللّامِ في الخَبَرِ، والِاخْتِصاصُ في الخِطابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] وغَيْرَهم لَيْسَ بِمَعْصُومٍ إلَخْ. وأجابَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في (مِنهاجِ السُّنَّةِ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ في هَذا دَلالَةٌ عَلى عِصْمَتِهِمْ ولا إمامَتِهِمْ. وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَقامَيْنِ:
أحَدُهُما- أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] كَقَوْلِهِ: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦] ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] فَإنَّ إرادَةَ اللَّهِ في هَذِهِ الآياتِ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لِذَلِكَ المُرادِ ورِضاهُ بِهِ، وأنَّهُ شَرَعُهُ (p-٤٨٥٢)لِلْمُؤْمِنِينَ وأمَرَهم بِهِ، لَيْسَ في ذَلِكَ أنَّهُ خَلَقَ هَذا المُرادَ، ولا أنَّهُ قَضاهُ وقَدَّرَهُ، ولا أنَّهُ يَكُونُ لا مَحالَةَ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ««اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا»» فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ لَهم إذْهابَ الرِّجْسِ والتَّطْهِيرِ، فَلَوْ كانَتِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ إخْبارَ اللَّهِ بِأنَّهُ قَدْ أذْهَبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهَّرَهُمْ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الطَّلَبِ والدُّعاءِ.
وهَذا عَلى قَوْلِ القَدَرِيَّةِ أظْهَرُ؛ فَإنَّ إرادَةَ اللَّهِ عِنْدَهم لا تَتَضَمَّنُ وُجُودَ المُرادِ، بَلْ قَدْ يُرِيدُ ما لا يَكُونُ ويَكُونُ ما لا يُرِيدُ، فَلَيْسَ في كَوْنِهِ تَعالى مُرِيدًا لِذَلِكَ، ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ.
وهَذا الرّافِضِيُّ وأمْثالُهُ قَدَرِيَّةٌ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] عَلى وُقُوعِ المُرادِ؟ وعِنْدَهم أنَّ اللَّهَ قَدْ أرادَ إيمانَ مَن عَلى وجْهِ الأرْضِ. فَلَمْ يَقَعْ مُرادُهُ. وأمّا عَلى قَوْلِ أهْلِ الإثْباتِ، فالتَّحْقِيقُ في ذَلِكَ أنَّ الإرادَةَ في كِتابِ اللَّهِ نَوْعانِ: إرادَةٌ شَرْعِيَّةٌ دِينِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ مَحَبَّتَهُ ورِضاهُ. وإرادَةٌ كَوْنِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ خَلْقَهُ وتَقْدِيرَهُ. الأُولى مِثْلَ هَؤُلاءِ الآياتِ. والثّانِيَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقَوْلِ نُوحٍ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]
وكَثِيرٌ مِنَ المُثْبِتَةِ والقَدَرِيَّةِ يَجْعَلُ الإرادَةَ نَوْعًا واحِدًا، كَما يَجْعَلُونَ الإرادَةَ والمَحَبَّةَ شَيْئًا واحِدًا، ثُمَّ القَدَرِيَّةُ يَنْفُونَ إرادَتَهُ لِما بَيَّنَ أنَّهُ مُرادٌ في الآياتِ التَّشْرِيعُ؛ فَإنَّهُ عِنْدَهم كُلُّ ما قِيلَ إنَّهُ مُرادٌ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كائِنًا، واللَّهُ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلى المُؤْمِنِينَ وأنْ يُطَهِّرَهُمْ، وفِيهِمْ مَن تابَ وفِيهِمْ مَن لَمْ يَتُبْ، وفِيهِمْ مَن تَطَهَّرَ وفِيهِمْ مَن لَمْ يَتَطَهَّرْ، وإذا كانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى وُقُوعٍ أرادَهُ مِنَ التَّطْهِيرِ وإذْهابِ الرِّجْسِ، لَمْ يَلْزَمْ بِمُجَرَّدِ الآيَةِ ثُبُوتُ ما ادَّعاهُ.
ومِمّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ مَذْكُوراتٌ في الآيَةِ، والكَلامُ في الأمْرِ بِالتَّطْهِيرِ بِإيجابِهِ (p-٤٨٥٣)ووَعْدُ الثَّوابِ عَلى فِعْلِهِ والعِقابِ عَلى تَرْكِهِ. قالَ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] فالخِطابُ كُلُّهُ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، ومَعَهُنَّ الأمْرُ، والنَّهْيُ، والوَعْدُ، والوَعِيدُ. لَكِنْ لَمّا تَبَيَّنَ ما في هَذا مِنَ المَنفَعَةِ الَّتِي تَعُمُّهُنَّ وتُعَمِّمُ غَيْرَهُنَّ مِن أهْلِ البَيْتِ، جاءَ التَّطْهِيرُ بِهَذا الخِطابِ وغَيْرِهِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأزْواجِهِ. بَلْ هو مُتَناوِلٌ لِأهْلِ البَيْتِ كُلِّهِمْ، وعَلِيٌّ، وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ أخَصُّ مِن غَيْرِهِمْ بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ خَصَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالدُّعاءِ لَهُمْ، وهَذا كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] نَزَلَتْ بِسَبَبِ (مَسْجِدِ قِباءَ)، لَكِنَّ الحُكْمَ يَتَناوَلُهُ ويَتَناوَلُ ما هو أحَقُّ مِنهُ بِذَلِكَ، وهو (مَسْجِدُ المَدِينَةِ) وهَذا يُوَجِّهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى فَقالَ: «هو مَسْجِدِي هَذا»» . وثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يَأْتِي قِباءَ كُلَّ سَبْتٍ ماشِيًا وراكِبًا، فَكانَ يَقُومُ في مَسْجِدِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويَأْتِي قِباءَ يَوْمَ السَّبْتِ، وكِلاهُما مُؤَسَّسٌ عَلى التَّقْوى. وهَكَذا أزْواجُهُ، وعَلِيٌّ، وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أخَصُّ بِذَلِكَ مِن أزْواجِهِ؛ ولِهَذا خَصَّهم بِالدُّعاءِ. وقَدْ تَنازَعَ النّاسُ في آلِ مُحَمَّدٍ مَن هُمْ؟ فَقِيلَ: أُمَّتُهُ. وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ، ومالِكٌ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: المُتَّقُونَ مِن أُمَّتِهِ. ورَوَوْا حَدِيثًا ««آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ مُؤْمِنٍ (p-٤٨٥٤)تَقِيٍّ»» رَواهُ الخَلّالُ، وتَمّامٌ في (الفَوائِدِ) لَهُ. وقَدِ احْتَجَّ بِهِ طائِفَةٌ مِن أصْحابِ أحْمَدَ وغَيْرِهِمْ، وهو حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، وبَنى عَلى ذَلِكَ طائِفَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ، أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ هم خَواصُّ الأوْلِياءِ؛ كَما ذَكَرَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ.
والصَّحِيحُ أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ هم أهْلُ بَيْتِهِ، وهَذا هو المَنقُولُ عَنِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، وهو اخْتِيارُ الشَّرِيفِ أبِي جَعْفَرٍ وغَيْرِهِمْ. لَكِنْ هَلْ أزْواجُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ هُما رِوايَتانِ عَنْ أحْمَدَ. أحَدُهُما -أنَّهُنَّ لَسْنَ مِن أهْلِ البَيْتِ. ويُرْوى هَذا عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ. والثّانِي- وهو الصَّحِيحُ أنَّ أزْواجَهُ مِن آلِهِ. فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ عَلَّمَهُمُ الصَّلاةَ عَلَيْهِ: ««اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وأزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ»» . ولِأنَّ امْرَأةَ إبْراهِيمَ مِن آلِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ، وامْرَأةَ لُوطٍ مِن آلِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ؛ بِدَلالَةِ القُرْآنِ. فَكَيْفَ لا يَكُونُ أزْواجُ مُحَمَّدٍ مِن آلِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ؟ ولِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ ذَلِكَ في الكَلامِ مَعْنًى، وأمّا الأتْقِياءُ مِن أُمَّتِهِ فَهم أوْلِياؤُهُ؛ كَما ثَبَتَ في (الصَّحِيحِ) أنَّهُ قالَ: ««إنَّ آلَ بَنِي فُلانٍ لَيْسُوا لِي بِأوْلِياءَ، وإنَّما ولِيَّ اللَّهُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ»» . فَبَيَّنَ أنَّ أوْلِياءَهُ صالِحُ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في حَدِيثٍ آخَرَ: ««إنَّ أوْلِيائِي المُتَّقُونَ، حَيْثُ كانُوا وأيْنَ كانُوا»» . وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] وفي (الصِّحاحِ) عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««ودِدْتُ أنِّي رَأيْتُ إخْوانِي» . قالُوا: أوَلَسْنا إخْوانَكَ؟ قالَ: (p-٤٨٥٥)«بَلْ أنْتُمْ أصْحابِي، وإخْوَتِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِن بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي ولَمْ يَرَوْنِي»» . وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَأوْلِياؤُهُ المُتَّقُونَ، بَيْنَهُ وبَيْنَهم قَرابَةُ الدِّينِ، والإيمانِ، والتَّقْوى، وهَذِهِ القَرابَةُ الدِّينِيَّةُ أعْظَمُ مِنَ القَرابَةِ الطَّبِيعِيَّةِ. والقُرْبُ بَيْنَ القُلُوبِ والأرْواحِ أعْظَمُ مِنَ القُرْبِ بَيْنَ الأبْدانِ. ولِهَذا كانَ أفْضَلَ الخَلْقِ أوْلِياؤُهُ المُتَّقُونَ. وأمّا أقارِبُهُ فَفِيهِمُ المُؤْمِنُ والكافِرُ والبَرُّ والفاجِرُ. فَإنْ كانَ فاضِلٌ مِنهُمْ، كَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وجَعْفَرٍ والحَسَنِ والحُسَيْنِ، فَفَضَّلَهم بِما فِيهِمْ مِنَ الإيمانِ والتَّقْوى، وهم أوْلِياؤُهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا بِمُجَرَّدِ النَّسَبِ.
فَأوْلِياؤُهُ أعْظَمُ دَرَجَةً مِن آلِهِ، وإنْ صَلّى عَلى آلِهِ تَبَعًا، لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِن أوْلِيائِهِ الَّذِينَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ الأنْبِياءَ والمُرْسَلِينَ هم مِن أوْلِيائِهِ. وهم أفْضَلُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا في الصَّلاةِ مَعَهُ تَبَعًا، فالمَفْضُولُ قَدْ يَخْتَصُّ بِأمْرٍ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الفاضِلِ. ودَلِيلُ ذَلِكَ أنَّ أزْواجَهُ هم مِمَّنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ. وقَدْ ثَبَتَ بِاتِّفاقِ النّاسِ كُلِّهِمْ أنَّ الأنْبِياءَ أفْضَلُ مِنهُنَّ كُلِّهِنَّ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَبْ أنَّ القُرْآنَ لا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ ما أُرِيدَ مِنَ التَّطْهِيرِ وإذْهابِ الرِّجْسِ، لَكِنَّ دُعاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ، فَإنَّ دُعاءَهُ مُسْتَجابٌ. قِيلَ: المَقْصُودُ أنَّ القُرْآنَ لا يَدُلُّ عَلى ما ادَّعاهُ بِثُبُوتِ الطَّهارَةِ وإذْهابِ الرِّجْسِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَدُلَّ عَلى العِصْمَةِ والإمامَةِ. وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِالحَدِيثِ فَذاكَ مَقامٌ آخَرُ.
ثُمَّ نَقُولُ في المَقامِ الثّانِي: هَبْ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى طَهارَتِهِمْ، وعَلى ذَهابِ رِجْسِهِمْ، كَما أنَّ الدُّعاءَ المُسْتَجابَ لا بُدَّ أنْ يَسْتَحِقَّ مَعَهُ طِهارَةَ المَدْعُوِّ لَهُمْ، وإذْهابَ الرِّجْسِ عَنْهم. لَكِنْ لَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى العِصْمَةِ مِنَ الخَطَأِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ بِما أمَرَ بِهِ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ لا يَصْدُرَ مِن واحِدَةٍ مِنهُنَّ خَطَأٌ؛ فَإنَّ الخَطَأ مَغْفُورٌ لَهُنَّ ولِغَيْرِهِنَّ، وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ يُرِيدُ لِيُذْهِبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ الَّذِي هو الخُبْثُ، كالفَواحِشِ ويُطَهِّرَهم تَطْهِيرًا مِنَ الفَواحِشِ وغَيْرِها مِنَ الذُّنُوبِ.
والتَّطْهِيرُ مِنَ الذَّنْبِ عَلى وجْهَيْنِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم (p-٤٨٥٦)أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] فَإنَّهُ قالَ فِيها: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] والتَّطَهُّرُ مِنَ الذُّنُوبِ إمّا بِأنْ يَفْعَلَهُ العَبْدُ، وإمّا بِأنْ يَتُوبَ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الطَّهارَةِ ابْتِداءً وإرادَةً، فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَهْيَهُ عَنِ الفاحِشَةِ، لا يَتَضَمَّنُ الإذْنُ فِيها بِحالٍ. لَكِنْ هو سُبْحانَهُ يَنْهى عَنْها، ويَأْمُرُ مَن فَعَلَها بِأنْ يَتُوبَ مِنها. وفي (الصَّحِيحِ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ««اللَّهُمَّ! باعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطايايَ، كَما باعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. واغْسِلْنِي بِالثَّلْجِ والبَرَدِ والماءِ البارِدِ. اللَّهُمَّ! نَقِّنِي مِنَ الخَطايا كَما يُنَقّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ»» . وبِالجُمْلَةِ، لَفْظُ (الرِّجْسِ)، أصْلُهُ القَذِرُ. ويُرادُ بِهِ الشِّرْكُ. كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] ويُرادُ بِهِ الخَبائِثُ المُحَرَّمَةُ، كالمَطْعُوماتِ والمَشْرُوباتِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [المائدة: ٩٠] وإذْهابُ ذَلِكَ إذْهابٌ لِكُلِّهِ، ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أذْهَبَ عَنْ أُولَئِكَ السّادَةِ الشِّرْكَ والخَبائِثَ. ولَفْظُ الرِّجْسِ عامٌّ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ يُذْهِبُ جَمِيعَ الرِّجْسِ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا بِذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ: "وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا" فَهو سُؤالٌ مُطْلَقٌ بِما يُسَمّى طَهارَةً.
وبَعْضُ النّاسِ يَزْعُمُ أنَّ هَذا مُطْلَقٌ فَيَكْتَفِي فِيهِ بِفَرْدٍ مِن أفْرادِ الطَّهارَةِ. ويَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي (p-٤٨٥٧)الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] ونَحْوَ ذَلِكَ. والتَّحْقِيقُ أنَّهُ أمْرٌ بِمُسَمّى الِاعْتِبارِ الَّذِي يُقالُ عِنْدَ الإطْلاقِ، كَما إذا قِيلَ: أكْرِمْ هَذا، أيِ: افْعَلْ مَعَهُ ما يُسَمّى عِنْدَ الإطْلاقِ إكْرامًا، وكَذَلِكَ ما يُسَمّى عِنْدَ الإطْلاقِ اعْتِبارًا، والإنْسانُ لا يُسَمّى مُعْتَبِرًا إذا اعْتَبَرَ في قِصَّةٍ، وتَرَكَ ذَلِكَ في نَظِيرِها. وكَذَلِكَ لا يُقالُ: هو طاهِرٌ، أوْ مُتَطَهِّرٌ، أوْ مُطَهِّرٌ، إذا كانَ مُتَطَهِّرًا مِن شَيْءٍ، مُتَنَجِّسًا بِنَظِيرِهِ. ولَفْظُ الطّاهِرِ كَلَفْظِ الطَّيِّبِ؛ قالَ تَعالى: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النور: ٢٦] كَما قالَ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ﴾ [النور: ٢٦] وقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ قالَ لِعَمّارٍ: «ائْذَنُوا لَهُ. مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ المُطَيَّبِ»» . وهَذا أيْضًا كَلَفْظِ المُتَّقِي والمُزَكِّي؛ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] وقالَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] وقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] وقالَ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ [النور: ٢١] ولَيْسَ مِن شَرْطِ المُتَّقِينَ ونَحْوَهم أنْ لا يَقَعَ مِنهم ذَنْبٌ، ولا أنْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ مِنَ الخَطَأِ والذُّنُوبِ، فَإنَّ هَذا -لَوْ كانَ كَذَلِكَ- لَمْ يَكُنْ في الأُمَّةِ مُتَّقٍ، بَلْ مَن تابَ مِن ذُنُوبِهِ دَخَلَ في المُتَّقِينَ. كَما قالَ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] فَدُعاءُ النَّبِيِّ ﷺ بِأنْ يُطَهِّرَهم تَطْهِيرًا، كَدُعائِهِ بِأنْ يُزَكِّيَهم ويُطَيِّبَهم ويَجْعَلَهم مُتَّقِينَ، ونَحْوَ ذَلِكَ ومَعْلُومٌ أنَّ مَنِ اسْتَقَرَّ أمْرُهُ عَلى ذَلِكَ، فَهو داخِلٌ في هَذا، لا تَكُونُ الطَّهارَةُ الَّتِي دَعا بِها لَهم بِأعْظَمَ مِمّا دَعا بِهِ لِنَفْسِهِ، وقَدْ قالَ: ««اللَّهُمَّ! طَهِّرْنِي مِن خَطايايَ بِالثَّلْجِ والبَرَدِ والماءِ البارِدِ»» . (p-٤٨٥٨)فَمَن وقَعَ ذَنْبُهُ مَغْفُورًا أوْ مُكَفَّرًا، فَقَدْ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنهُ تَطْهِيرًا، ولَكِنَّ مَن ماتَ مُتَوَسِّخًا بِذُنُوبِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُطَهَّرْ مِنها في حَياتِهِ. وقَدْ يَكُونُ مِن تَمامِ تَطْهِيرِهِمْ صِيانَتُهم عَنِ الصَّدَقَةِ الَّتِي هي أوْساخُ النّاسِ. والنَّبِيُّ ﷺ، إذا دَعا بِدُعاءٍ، أجابَهُ اللَّهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِ المَحَلِّ. فَإذا اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، لَمْ يَلْزَمْ أنْ لا يُوجَدَ مُؤْمِنٌ مُذْنِبٌ، فَإنَّ هَذا، لَوْ كانَ واقِعًا، لَما عُذِّبَ مُؤْمِنٌ، لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. بَلْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِهَذا بِالتَّوْبَةِ، ولِهَذا بِالحَسَناتِ الماحِيَةِ، ويَغْفِرُ اللَّهُ لِهَذا ذُنُوبًا كَثِيرَةً، وإنَّ واحِدَةً بِأُخْرى، وبِالجُمْلَةِ، فالتَّطْهِيرُ الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ والَّذِي دَعا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، لَيْسَ هو العِصْمَةَ بِالِاتِّفاقِ، فَإنَّ أهْلَ السُّنَّةِ عِنْدَهُمْ، لا مَعْصُومَ إلّا النَّبِيُّ ﷺ. والشِّيعَةُ يَقُولُونَ: لا مَعْصُومَ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ والإمامُ.
فَقَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ عَلى انْتِقاءِ العِصْمَةِ المُخْتَصَّةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ والإمامِ عَنْ أزْواجِهِ وبَناتِهِ وغَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ التَّطْهِيرُ المَدْعُوُّ بِهِ لِلْأرْبَعَةِ، مُتَضَمِّنًا لِلْعِصْمَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها النَّبِيُّ ﷺ، والإمامُ عِنْدَهم. فَلا يَكُونُ دُعاءُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِهَذا العِصْمَةِ، لا لَعَلِيٍّ ولا لِغَيْرِهِ. فَإنَّهُ دَعا لِأرْبَعَةٍ مُشْتَرِكِينَ، لَمْ يَخْتَصَّ بَعْضُهم بِدَعْوَةٍ، وأيْضًا فالدُّعاءُ بِالعِصْمَةِ مِنَ الذُّنُوبِ مُمْتَنِعٌ عَلى أصْلِ القَدَرِيَّةِ. بَلْ وبِالتَّطْهِيرِ أيْضًا؛ فَإنَّ الأفْعالَ الِاخْتِيارِيَّةَ الَّتِي هي فِعْلُ الواجِباتِ وتَرْكُ المُحَرَّماتِ عِنْدَهم غَيْرُ مَقْدُورَةٍ لِلرَّبِّ، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَجْعَلَ العَبْدَ مُطِيعًا ولا عاصِيًا، ولا مُتَطَهِّرًا مِنَ الذُّنُوبِ ولا غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ. فامْتَنَعَ عَلى أصْلِهِمْ أنْ يَدْعُوَ لِأحَدٍ بِأنْ يَجْعَلَهُ فاعِلًا لِلْواجِباتِ تارِكًا لِلْمُحَرَّماتِ، وإنَّما المَقْدُورُ عِنْدَهم قُدْرَةٌ تَصْلُحُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ. كالسَّيْفِ الَّذِي يَصْلُحُ لِقَتْلِ المُسْلِمِ والكافِرِ، والمالِ الَّذِي يُمْكِنُ إنْفاقُهُ في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، ثُمَّ العَبْدُ يَفْعَلُ بِاخْتِيارِهِ، إمّا الخَيْرَ أوِ الشَّرَّ بِتِلْكَ القُدْرَةِ. وهَذا الأصْلُ يُبْطِلُ حُجَّتَهُمْ، والحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ في إبْطالِ هَذا الأصْلِ، حَيْثُ دَعا النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّطْهِيرِ.
فَإنْ قالُوا: المُرادُ بِذَلِكَ أنَّهُ يَغْفِرُ لَهم ولا يُؤاخِذُهُمْ، كانَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى البُطْلانِ مِن دَلالَتِهِ عَلى العِصْمَةِ. فَتَبَيَّنَ أنَّ الحَدِيثَ لا حُجَّةَ لَهم فِيهِ بِحالٍ عَلى ثُبُوتِ العِصْمَةِ. والعِصْمَةُ (p-٤٨٥٩)مُطْلَقًا الَّتِي هي فِعْلُ المَأْمُورِ وتَرْكُ المَحْظُورِ، لَيْسَتْ مَقْدُورَةً عِنْدَهم لِلَّهِ، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَجْعَلَ أحَدًا فاعِلًا لِطاعَةٍ، ولا تارِكًا لِمَعْصِيَةٍ، لا لِنَبِيٍّ ولا لِغَيْرِهِ، ويَمْتَنِعُ عِنْدَهم أنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ إذا عاشَ يُطِيعُهُ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ، لا بِإعانَةِ اللَّهِ وهِدايَتِهِ، وهَذا مِمّا يُبَيِّنُ تَناقُضَ قَوْلِهِمْ في مَسائِلِ العِصْمَةِ. كَما تَقَدَّمَ. ولَوْ قُدِّرَ ثُبُوتُ العِصْمَةِ، فَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في الإمامِ العِصْمَةُ، والإجْماعُ عَلى انْتِقاءِ العِصْمَةِ في غَيْرِهِمْ. وحِينَئِذٍ تَبْطُلُ حُجَّتُهم بِكُلِّ طَرِيقٍ. انْتَهى.
الأحزاب 33:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ .
﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ أمْرٌ لَهُنَّ بِأنْ يَذْكُرْنَ ولا يُغْفِلْنَ ما يُقْرَأُ في بُيُوتِهِنَّ مِن آياتِ كِتابِهِ تَعالى، وسُنَّةِ نَبِيِّهِ اللَّتَيْنِ فِيهِما حَياةُ الأنْفُسِ وسَعادَتُها وقِوامُ الآدابِ والأخْلاقِ. وذِكْرُ ذَلِكَ مُسْتَوْجِبٌ لِتَصَوُّرِ عَظَمَتِهِ ومَكانَتِهِ وثَمَرَةِ مَنفَعَتِهِ. وذَلِكَ يَجُرُّ إلى العَمَلِ بِهِ. فَمَن تَأوَّلَ: "اذْكُرْنَ" بِاعْمَلْنَ بِهِ، أرادَ ذَلِكَ تَعْبِيرًا عَنِ المُسَبِّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ حَيْثُ جَعَلْتُنَّ أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطِ الوَحْيِ، مِمّا يُوجِبُ قُوَّةَ الإيمانِ والحِرْصَ عَلى الطّاعَةِ، حَثًّا عَلى الِانْتِهاءِ والِائْتِمارِ فِيما كَلَّفْنَهُ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعَرُّضُ لِلتِّلاوَةِ في البُيُوتِ دُونَ النُّزُولِ فِيها، مَعَ كَوْنِهِ مَهْبِطَ الوَحْيِ لِعُمُومِها لِجَمِيعِ الآياتِ، ووُقُوعِها في كُلِّ البُيُوتِ، وتَكَرُّرِها المُوجِبِ لِتَمَكُّنِهِنَّ مِنَ الذِّكْرِ والتَّذْكِيرِ، بِخِلافِ النُّزُولِ وعَدَمِ تَعْيِينِ التّالِي لِتَعُمَّ تِلاوَةُ جِبْرِيلَ، وتِلاوَةُ النَّبِيِّ ﷺ، وتِلاوَتُهُنَّ، وتِلاوَةُ غَيْرِهِنَّ، تَعْلِيمًا وتَعَلُّمًا: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أيْ: يَعْلَمُ ويُدَبِّرُ ما يَصْلُحُ في الدِّينِ ولِذَلِكَ أُمِرَ ونُهِيَ.
الأحزاب 33:35
(p-٤٨٦٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ .
﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ في الظّاهِرِ لِحُكْمِ اللَّهِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ: ﴿والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيِ: المُصَدِّقِينَ بِما يَجِبُ أنْ يُصَدَّقَ بِهِ في القَلْبِ: ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ أيْ: بِإدامَةِ شَغَفِ الجَوارِحِ في الطّاعاتِ: ﴿والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ﴾ في القَوْلِ بِمُجانَبَةِ الكَذِبِ، والعَمَلِ بِتَجْرِيدِ الإخْلاصِ لِوَجْهِهِ تَعالى فَلا يَكُونُ في طاعَتِهِمْ رِياءٌ: ﴿والصّابِرِينَ والصّابِراتِ﴾ أيْ: عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ والنَّوائِبِ، وعَلى القِيامِ بِالعِبادَةِ والثَّباتِ عَلَيْها: ﴿والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ﴾ أيِ: المُتَواضِعِينَ لِلَّهِ بِقُلُوبِهِمْ وجَوارِحِهِمْ. و(الخُشُوعُ): السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ والتُّؤَدَةُ والوَقارُ والتَّواضُعُ، والحامِلُ عَلَيْهِ الخَوْفُ مِنهُ تَعالى ومُراقَبَتُهُ: ﴿والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ﴾ أيْ: بِالإحْسانِ إلى الفُقَراءِ والبُؤَساءِ الَّذِينَ لا كَسْبَ لَهم ولا كاسِبَ، فَيُعْطُونَ مِن فُضُولِ أمْوالِهِمْ طاعَةً لِلَّهِ وإحْسانًا إلى خَلْقِهِ وإتْمامًا لِلْخُشُوعِ: ﴿والصّائِمِينَ والصّائِماتِ﴾ أيِ: الآتِينَ بِما طَلَبَ مِنهم مِنَ الصِّيامِ المُوَرِّثِ لِلتَّقْوى والرَّحْمَةِ عَلى مَن يَتَضَوَّرُ جُوعًا ويَتَصَبَّرُ فَقْرًا: ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ﴾ أيْ: عَنْ إبْدائِها وإراءَتِها، حَياءً وكَفًّا عَنْ مَثارِ الشَّهْوَةِ المُحَرَّمَةِ، أوْ عَنِ الحَرامِ والفُجُورِ: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ أيْ: بِقُلُوبِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الحَسَناتِ المَذْكُورَةِ غُفْرانًا لِما اقْتَرَفُوا مِنَ الصَّغائِرِ؛ لِأنَّها مُكَفَّرَةٌ بِذَلِكَ: ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: ثَوابًا وافِرًا في الجَنَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الأحزاب 33:36
(p-٤٨٦١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦] ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾ .
﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ لَهُما: ﴿إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ أيْ: قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ في أنْفُسِهِمْ قَضاءً، أنْ يَتَخَيَّرُوا مِن أمْرِهِمْ غَيْرَ الَّذِي قَضى فِيهِمْ، ويُخالِفُوا أمْرَ اللَّهِ وأمْرَ رَسُولِهِ وقَضاءَهُما ويَعْصُوهُما، لِما في ذَلِكَ مِنَ المَأْثَمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: فِيما أمَرا أوْ نَهَيا: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾ أيْ: جارَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، وسَلَكَ غَيْرَ الهُدى والرَّشادِ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حِينَ خَطَبَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَأبَتْ لِكَوْنِهِ مَوْلًى لا يُماثِلُها في الشَّرَفِ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ فَرَضِيَتْ وتَزَوَّجَها.
قالَ المَهايِمِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ الخِطْبَةَ كانَتْ بِطَرِيقِ الوُجُوبِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لا بِطَرِيقِ الوُجُوبِ، لَكِنَّ اعْتِبارَ العارِ في مُقابَلَةِ خِطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْصِيَةٌ، لِما فِيهِ مِن تَرْجِيحِ قَوْلِ أهْلِ العُرْفِ عَلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ كَوْنِهِ قَوْلَ اللَّهِ بِالحَقِيقَةِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما عَدَّ التَّنْزِيلُ إباءَها عِصْيانًا، وكَأنَّهُ أرْغَمَها عَلى زَواجِهِ، لِما أوْقَعَ اللَّهُ مِنَ المَصْلَحَةِ لَها ولِلْمُسْلِمِينَ في ذَلِكَ. وهو هَدْمُ تَحْرِيمِ زَوْجَةِ المُتَبَنّى، الفاشِي في الجاهِلِيَّةِ. كَما سَيَأْتِي سِياقُهُ.
وذُكِرَ أيْضًا أنَّها نَزَلَتْ في أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ. وكانَتْ أوَّلَ مَن هاجَرَ مِنَ النِّساءِ -بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ- فَوَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَزَوَّجَها زَيْدًا- أيْ: بَعْدَ فِراقِهِ زَيْنَبَ - فَسَخِطَتْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَرَضِيَتْ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: (p-٤٨٦٢)«خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى جُلَيْبِيبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، امْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ إلى أبِيها. فَقالَ: حَتّى أسْتَأْمِرَ أُمَّها. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نَعَمْ إذًا» . قالَ: فانْطَلَقَ الرَّجُلُ إلى امْرَأتِهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَها، فَأبَتْ أشَدَّ الإباءِ. فَقالَتِ الجارِيَةُ: أتُرِيدُونَ أنْ تَرُدُّوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أمْرَهُ؟ إنْ كانَ قَدْ رَضِيَهُ لَكُمْ، فَأنْكِحُوهُ. قالَ: فَكَأنَّها جَلَّتْ عَنْ أبَوَيْها وقالا: صَدَقَتْ. فَذَهَبَ أبُوها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنْ كُنْتَ رَضِيتَهُ فَقَدْ رَضِيناهُ. قالَ ﷺ: «فَإنِّي قَدْ رَضِيتُهُ» . قالَ: فَزَوَّجَها. ثُمَّ ذَهَبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزاةٍ، فَقُتِلَ. ورُئِيَ حَوْلَهُ ناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ قَدْ قَتَلَهم. قالَ أنَسٌ: فَلَقَدْ رَأيْتُها وإنَّها لَمِن أنْفَقِ بَيْتٍ في المَدِينَةِ. وفي رِوايَةٍ: (فَما كانَ في الأنْصارِ أيِّمٌ أنْفَقَ مِنها)».
وذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في (الِاسْتِيعابِ) أنَّ الجارِيَةَ لَمّا قالَتْ في خِدْرِها: أتَرُدُّونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أمْرَهُ، نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾
ولا يَخْفى شُمُولُ الآيَةِ لِما ذُكِرَ ولِغَيْرِهِ، إلّا أنَّ تَأثُّرَ هَذِهِ الآيَةِ بِقِصَّةِ زَيْدٍ وزَوْجَتِهِ، الآتِيَةِ، يُؤَيِّدُ أنَّها نَزَلَتْ في زَوْجِهِ زَيْنَبَ، لِتَناسُقِ نِظامِ الآياتِ حِينَئِذٍ، وظُهُورِ هَذِهِ الآيَةِ كالطَّلِيعَةِ لِهَذِهِ القِصَّةِ الجَلِيلَةِ.
وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ: (نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا). أنَّها مِمّا تَشْمَلُهُ لِعُمُومِ مَساقِها؛ ولِذا سَألَ طاوُسٌ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ فَنَهاهُ. وقَرَأ لَهُ هَذِهِ الآيَةَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ الأُمُورِ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا حَكَمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِشَيْءٍ فَلَيْسَ لِأحَدٍ مُخالَفَتُهُ، ولا اخْتِيارَ لِأحَدٍ ها هُنا، ولا رَأْيَ ولا قَوْلَ، كَما قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وفي الحَدِيثِ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعًا لِما جِئْتُ بِهِ»» . ولِهَذا شَدَّدَ في خِلافِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ (p-٤٨٦٣)فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]
لَطائِفُ:
الأُولى- قالُوا عَلى الرِّواياتِ السّالِفَةِ: إنَّ ذِكْرَ اللَّهِ في الآيَةِ، مَعَ أنَّ الآمِرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ بِمَنزِلَةٍ مِنَ اللَّهِ، بِحَيْثُ تُعَدُّ أوامِرُهُ أوامِرَ اللَّهِ تَعالى، أوْ أنَّهُ لَمّا كانَ ما يَفْعَلُهُ بِأمْرِهِ، لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، ذُكِرَتِ الجَلالَةُ وقُدِّمَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى.
وهَذا وُقُوفٌ مَعَ ما رُوِيَ، وإلّا فَظاهِرُ الآيَةِ يَعُمُّ ما إذا قَضى اللَّهُ مِن كِتابِهِ، ورَسُولُهُ في سُنَّتِهِ.
الثّانِيَةُ-: "الخِيَرَةُ" هُنا مَصْدَرٌ، وذَكَرُوا أنَّهُ لَمْ يَجِئْ مِنَ المَصادِرِ عَلى وزْنِهِ غَيْرُ: طِيَرَةٍ.
الثّالِثَةُ - جَمْعُ الضَّمِيرِ الأوَّلِ -وهُوَ لَهُمْ- لِعُمُومِ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ مِن حَيْثُ إنَّهُما في سِياقِ النَّفْيِ. قالَ الشِّهابُ: واعْتُبِرَ عُمُومُهُ، وإنْ كانَ سَبَبُ نُزُولِهِ خاصًّا، دَفْعًا لِتَوَهُّمِ اخْتِصاصِهِ بِسَبَبِ النُّزُولِ، أوْ لِيُؤْذِنَ أنَّهُ كَما لا يَصِحُّ ما اخْتارُوهُ مَعَ الِانْفِرادِ، لا يَصِحُّ مَعَ الجَمْعِ أيْضًا كَيْلا يَتَوَهَّمَ أنَّ لِلْجَمْعِيَّةِ قُوَّةً تُصَحِّحُهُ. انْتَهى.
وجَمْعُ الثّانِي -وهُوَ ضَمِيرٌ مِن أمَرَهُمْ- مَعَ أنَّهُ الرَّسُولُ ﷺ، أوْ لَهُ ولِلَّهِ تَعالى، لِلتَّعْظِيمِ. هَذا ما أشارَ لَهُ القاضِي وغَيْرُهُ. مَعَ أنَّهُ لا يَظْهَرُ امْتِناعُ عَوْدِهِ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الأوَّلُ، مَعَ تَرْجِيحِهِ بِعَدَمِ التَّفْكِيكِ فِيهِ، عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: ناشِئَةً مِن أمْرِهِمْ. والمَعْنى دَواعِيهُمُ السّابِقَةُ إلى اخْتِيارِ خِلافِ ما أمَرَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﷺ، أوِ المَعْنى الِاخْتِيارُ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، أيْ: دَواعِيهِمْ. ورُدَّ هَذا، بِأنَّهُ قَلِيلُ الجَدْوى، ضَرُورَةَ أنَّ الخِيَرَةَ ناشِئَةٌ مِن دَواعِيهِمْ.. أوْ واقِعَةٌ في أُمُورِهِمْ. وهو بَيِّنٌ مُسْتَغْنٍ عَنِ البَيانِ. بِخِلافِ ما إذا كانَ المَعْنى بَدَلَ (p-٤٨٦٤)أمْرِهِ الَّذِي قَضاهُ ﷺ، أوْ مُتَجاوِزِينَ عَنْ آمِرِهِ لِتَأْكِيدِهِ وتَقْرِيرِهِ لِلنَّفْيِ. فَهَذا هو المانِعُ مِن عَوْدِهِ إلى ما عادَ عَلَيْهِ الأوَّلُ.
قالَ الشِّهابُ: وهو كَلامٌ حَسَنٌ، ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما مَنَّ بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ مِن هَدْمِ تَحْرِيمِ زَوْجَةِ الدَّعِيِّ، والمُتَبَنّى الَّذِي كانَ فاشِيًا في الجاهِلِيَّةِ، بِما جَرى بَيْنَ ﴿زَيْدٌ﴾ [الأحزاب: ٣٧] مُتَبَنّى النَّبِيِّ ﷺ وزَوْجِهِ مِنَ الفِراقِ، ثُمَّ تَزْوِيجِهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ إيّاها، رَفْعًا لِلْحَرَجِ فِيهِ. فَقالَ تَعالى:
الأحزاب 33:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٧ - ٣٩] ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] .
﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِالإسْلامِ ومُتابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ: ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِالعِتْقِ والحُرِّيَّةِ والِاصْطِفاءِ بِالوِلايَةِ والمَحَبَّةِ، وتَزْوِيجِهِ بِنْتَ عَمَّتِكَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ.
(p-٤٨٦٥)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ سَيِّدًا كَبِيرَ الشَّأْنِ جَلِيلَ القَدْرِ، حَبِيبًا إلى النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ لَهُ: (الحِبُّ). ويُقالُ لِابْنِهِ أُسامَةَ: (الحِبُّ ابْنُ الحِبِّ). قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ما بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَرِيَّةٍ إلّا أمَّرَهُ عَلَيْهِمْ، ولَوْ عاشَ بَعْدَهُ لاسْتَخْلَفَهُ. رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أيْ: لا تُطَلِّقْها: ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ أيِ: اخْشَهُ في أمْرِها فَإنَّ الطَّلاقَ يَشِينُها وقَدْ يُؤْذِي قَلْبَها، وارْعَ حَقَّ اللَّهِ في نَفْسِكَ أيْضًا، فَرُبَّما لا تَجِدُ بَعْدَها خَيْرًا مِنها، وكانَتْ تَتَعَظَّمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِها، وتُؤْذِيهِ بِلِسانِها، فَرامَ تَطْلِيقَها مُتَعَلِّلًا بِتَكَبُّرِها وأذاها، فَوَعَظَهُ ﷺ وأرْشَدَهُ إلى الصَّبْرِ والتَّقْوى: ﴿وتُخْفِي﴾ أيْ: تُضْمِرُ: ﴿فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أيْ: مِنَ الحُكْمِ الَّذِي شَرَعَهُ؛ أيْ: تَقُولُ ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الطَّلاقَ لا بُدَّ مِنهُ، وأنْ لا مُنْتَدِحَ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ بِنَفْسِكَ، لِتَكُونَ أُسْوَةً لِمَن مَعَكَ ولِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ، وإنَّما غَلَبَكَ في ذَلِكَ الحَياءُ، وخَشْيَةُ أنْ يَقُولُوا تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ مُطَلَّقَةَ مُتَبَنّاهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ أيْ: قالَتَهم وتَعْيِيرَهُمُ الجاهِلِيَّ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي ألْهَمَكَ ذَلِكَ وأمَرَكَ بِهِ: ﴿أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ أيْ: فَكانَ عَلَيْكَ أنْ تَمْضِيَ في الأمْرِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ تَعْجِيلًا بِتَنْفِيذِ كَلِمَتِهِ وتَقْدِيرِ شَرْعِهِ، ثُمَّ زادَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ أيْ: حاجَةً بِالزَّواجِ: ﴿زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ أيْ: ضِيقٌ مِنَ العارِ في نِكاحِ زَوْجاتِ أدْعِيائِهِمْ: ﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ أيْ بِمَوْتٍ أوْ طَلاقٍ أوْ فَسْخِ نِكاحٍ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ أيْ: قَضاؤُهُ واقِعًا، ومِنهُ تَزْوِيجُكَ زَيْنَبَ.
﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أيْ: مَأْثَمٍ وضِيقٍ: ﴿فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أيْ: كَتَبَهُ لَهُ مِنَ التَّزْوِيجِ وأباحَهُ لَهُ، وسَنَّ شَرِيعَةً مُثْلى في وُقُوعِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أيِ: الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وهو أنْ لا حَرَجَ عَلَيْهِمْ في الإقْدامِ عَلى ما أباحَ لَهُمْ، ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ في بابِ النِّكاحِ وغَيْرِهِ؛ فَإنَّهُ كانَ لَهُمُ الحَرائِرُ، والسَّرارِيُّ، وتَناوُلُ المُباحاتِ، والطَّيِّباتِ، وبِهُداهُمُ (p-٤٨٦٦)القُدْوَةُ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] أيْ: قَضاءً مَقْضِيًّا؛ أيْ: لا حَرَجَ عَلى أحَدٍ فِيما أحَلَّ لَهُ، ثُمَّ وصَفَ شَأْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣٩] أيْ: أحْكامَهُ، وأوامِرَهُ، ونَواهِيَهُ، ويَصَدَعُونَ بِها: ﴿ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] أيْ: لا يَخافُونَ قالَةَ النّاسِ، ولائِمَتَهُمْ، ولا يُبالُونَ بِها في تَشْرِيعِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ سَيِّدَ النّاسِ في هَذا المَقامِ، بَلْ وفي كُلِّ مَقامٍ، حَضْرَةُ نَبِيِّنا ﷺ، كَما عُلِمَ مِن قِيامِهِ بِالتَّبْلِيغِ بِالقُوَّةِ، والفِعْلِ أبْلَغَ قِيامٍ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] أيْ: حافِظًا لِأعْمالِ خَلْقِهِ. وكافِيًا لِلْمَخاوِفِ.
الأحزاب 33:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٧ - ٣٩] ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] .
﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِالإسْلامِ ومُتابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ: ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِالعِتْقِ والحُرِّيَّةِ والِاصْطِفاءِ بِالوِلايَةِ والمَحَبَّةِ، وتَزْوِيجِهِ بِنْتَ عَمَّتِكَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ.
(p-٤٨٦٥)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ سَيِّدًا كَبِيرَ الشَّأْنِ جَلِيلَ القَدْرِ، حَبِيبًا إلى النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ لَهُ: (الحِبُّ). ويُقالُ لِابْنِهِ أُسامَةَ: (الحِبُّ ابْنُ الحِبِّ). قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ما بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَرِيَّةٍ إلّا أمَّرَهُ عَلَيْهِمْ، ولَوْ عاشَ بَعْدَهُ لاسْتَخْلَفَهُ. رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أيْ: لا تُطَلِّقْها: ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ أيِ: اخْشَهُ في أمْرِها فَإنَّ الطَّلاقَ يَشِينُها وقَدْ يُؤْذِي قَلْبَها، وارْعَ حَقَّ اللَّهِ في نَفْسِكَ أيْضًا، فَرُبَّما لا تَجِدُ بَعْدَها خَيْرًا مِنها، وكانَتْ تَتَعَظَّمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِها، وتُؤْذِيهِ بِلِسانِها، فَرامَ تَطْلِيقَها مُتَعَلِّلًا بِتَكَبُّرِها وأذاها، فَوَعَظَهُ ﷺ وأرْشَدَهُ إلى الصَّبْرِ والتَّقْوى: ﴿وتُخْفِي﴾ أيْ: تُضْمِرُ: ﴿فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أيْ: مِنَ الحُكْمِ الَّذِي شَرَعَهُ؛ أيْ: تَقُولُ ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الطَّلاقَ لا بُدَّ مِنهُ، وأنْ لا مُنْتَدِحَ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ بِنَفْسِكَ، لِتَكُونَ أُسْوَةً لِمَن مَعَكَ ولِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ، وإنَّما غَلَبَكَ في ذَلِكَ الحَياءُ، وخَشْيَةُ أنْ يَقُولُوا تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ مُطَلَّقَةَ مُتَبَنّاهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ أيْ: قالَتَهم وتَعْيِيرَهُمُ الجاهِلِيَّ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي ألْهَمَكَ ذَلِكَ وأمَرَكَ بِهِ: ﴿أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ أيْ: فَكانَ عَلَيْكَ أنْ تَمْضِيَ في الأمْرِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ تَعْجِيلًا بِتَنْفِيذِ كَلِمَتِهِ وتَقْدِيرِ شَرْعِهِ، ثُمَّ زادَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ أيْ: حاجَةً بِالزَّواجِ: ﴿زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ أيْ: ضِيقٌ مِنَ العارِ في نِكاحِ زَوْجاتِ أدْعِيائِهِمْ: ﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ أيْ بِمَوْتٍ أوْ طَلاقٍ أوْ فَسْخِ نِكاحٍ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ أيْ: قَضاؤُهُ واقِعًا، ومِنهُ تَزْوِيجُكَ زَيْنَبَ.
﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أيْ: مَأْثَمٍ وضِيقٍ: ﴿فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أيْ: كَتَبَهُ لَهُ مِنَ التَّزْوِيجِ وأباحَهُ لَهُ، وسَنَّ شَرِيعَةً مُثْلى في وُقُوعِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أيِ: الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وهو أنْ لا حَرَجَ عَلَيْهِمْ في الإقْدامِ عَلى ما أباحَ لَهُمْ، ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ في بابِ النِّكاحِ وغَيْرِهِ؛ فَإنَّهُ كانَ لَهُمُ الحَرائِرُ، والسَّرارِيُّ، وتَناوُلُ المُباحاتِ، والطَّيِّباتِ، وبِهُداهُمُ (p-٤٨٦٦)القُدْوَةُ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] أيْ: قَضاءً مَقْضِيًّا؛ أيْ: لا حَرَجَ عَلى أحَدٍ فِيما أحَلَّ لَهُ، ثُمَّ وصَفَ شَأْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣٩] أيْ: أحْكامَهُ، وأوامِرَهُ، ونَواهِيَهُ، ويَصَدَعُونَ بِها: ﴿ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] أيْ: لا يَخافُونَ قالَةَ النّاسِ، ولائِمَتَهُمْ، ولا يُبالُونَ بِها في تَشْرِيعِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ سَيِّدَ النّاسِ في هَذا المَقامِ، بَلْ وفي كُلِّ مَقامٍ، حَضْرَةُ نَبِيِّنا ﷺ، كَما عُلِمَ مِن قِيامِهِ بِالتَّبْلِيغِ بِالقُوَّةِ، والفِعْلِ أبْلَغَ قِيامٍ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] أيْ: حافِظًا لِأعْمالِ خَلْقِهِ. وكافِيًا لِلْمَخاوِفِ.
الأحزاب 33:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٧ - ٣٩] ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] .
﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِالإسْلامِ ومُتابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ: ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِالعِتْقِ والحُرِّيَّةِ والِاصْطِفاءِ بِالوِلايَةِ والمَحَبَّةِ، وتَزْوِيجِهِ بِنْتَ عَمَّتِكَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ.
(p-٤٨٦٥)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ سَيِّدًا كَبِيرَ الشَّأْنِ جَلِيلَ القَدْرِ، حَبِيبًا إلى النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ لَهُ: (الحِبُّ). ويُقالُ لِابْنِهِ أُسامَةَ: (الحِبُّ ابْنُ الحِبِّ). قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ما بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَرِيَّةٍ إلّا أمَّرَهُ عَلَيْهِمْ، ولَوْ عاشَ بَعْدَهُ لاسْتَخْلَفَهُ. رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أيْ: لا تُطَلِّقْها: ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ أيِ: اخْشَهُ في أمْرِها فَإنَّ الطَّلاقَ يَشِينُها وقَدْ يُؤْذِي قَلْبَها، وارْعَ حَقَّ اللَّهِ في نَفْسِكَ أيْضًا، فَرُبَّما لا تَجِدُ بَعْدَها خَيْرًا مِنها، وكانَتْ تَتَعَظَّمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِها، وتُؤْذِيهِ بِلِسانِها، فَرامَ تَطْلِيقَها مُتَعَلِّلًا بِتَكَبُّرِها وأذاها، فَوَعَظَهُ ﷺ وأرْشَدَهُ إلى الصَّبْرِ والتَّقْوى: ﴿وتُخْفِي﴾ أيْ: تُضْمِرُ: ﴿فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أيْ: مِنَ الحُكْمِ الَّذِي شَرَعَهُ؛ أيْ: تَقُولُ ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الطَّلاقَ لا بُدَّ مِنهُ، وأنْ لا مُنْتَدِحَ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ بِنَفْسِكَ، لِتَكُونَ أُسْوَةً لِمَن مَعَكَ ولِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ، وإنَّما غَلَبَكَ في ذَلِكَ الحَياءُ، وخَشْيَةُ أنْ يَقُولُوا تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ مُطَلَّقَةَ مُتَبَنّاهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ أيْ: قالَتَهم وتَعْيِيرَهُمُ الجاهِلِيَّ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي ألْهَمَكَ ذَلِكَ وأمَرَكَ بِهِ: ﴿أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ أيْ: فَكانَ عَلَيْكَ أنْ تَمْضِيَ في الأمْرِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ تَعْجِيلًا بِتَنْفِيذِ كَلِمَتِهِ وتَقْدِيرِ شَرْعِهِ، ثُمَّ زادَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ أيْ: حاجَةً بِالزَّواجِ: ﴿زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ أيْ: ضِيقٌ مِنَ العارِ في نِكاحِ زَوْجاتِ أدْعِيائِهِمْ: ﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ أيْ بِمَوْتٍ أوْ طَلاقٍ أوْ فَسْخِ نِكاحٍ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ أيْ: قَضاؤُهُ واقِعًا، ومِنهُ تَزْوِيجُكَ زَيْنَبَ.
﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أيْ: مَأْثَمٍ وضِيقٍ: ﴿فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أيْ: كَتَبَهُ لَهُ مِنَ التَّزْوِيجِ وأباحَهُ لَهُ، وسَنَّ شَرِيعَةً مُثْلى في وُقُوعِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أيِ: الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وهو أنْ لا حَرَجَ عَلَيْهِمْ في الإقْدامِ عَلى ما أباحَ لَهُمْ، ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ في بابِ النِّكاحِ وغَيْرِهِ؛ فَإنَّهُ كانَ لَهُمُ الحَرائِرُ، والسَّرارِيُّ، وتَناوُلُ المُباحاتِ، والطَّيِّباتِ، وبِهُداهُمُ (p-٤٨٦٦)القُدْوَةُ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] أيْ: قَضاءً مَقْضِيًّا؛ أيْ: لا حَرَجَ عَلى أحَدٍ فِيما أحَلَّ لَهُ، ثُمَّ وصَفَ شَأْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣٩] أيْ: أحْكامَهُ، وأوامِرَهُ، ونَواهِيَهُ، ويَصَدَعُونَ بِها: ﴿ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] أيْ: لا يَخافُونَ قالَةَ النّاسِ، ولائِمَتَهُمْ، ولا يُبالُونَ بِها في تَشْرِيعِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ سَيِّدَ النّاسِ في هَذا المَقامِ، بَلْ وفي كُلِّ مَقامٍ، حَضْرَةُ نَبِيِّنا ﷺ، كَما عُلِمَ مِن قِيامِهِ بِالتَّبْلِيغِ بِالقُوَّةِ، والفِعْلِ أبْلَغَ قِيامٍ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] أيْ: حافِظًا لِأعْمالِ خَلْقِهِ. وكافِيًا لِلْمَخاوِفِ.
الأحزاب 33:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٠] ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .
﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ هَذا دَفْعٌ لِتَعْيِيرٍ مِن جَهْلٍ، فَقالَ: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ زَوْجَ ابْنِهِ زَيْدٍ. فَدَفَعَهُ تَعالى بِأنَّهُ إنَّما يَتَصَوَّرُ لَوْ كانَ ﷺ أبًا لِزَيْدٍ عَلى الحَقِيقَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ أبًا لِأحَدٍ مِن أصْحابِهِ، حَتّى يَثْبُتَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ما يَثْبُتُ بَيْنَ الأبِ ووَلَدِهِ مِن حُرْمَةِ الصِّهْرِ والنِّكاحِ، وزَيْدٌ واحِدٌ مِنهُمُ، الَّذِينَ لَيْسُوا بِأوْلادِهِ حَقِيقَةً، فَكانَ حُكْمُهُ حُكْمَهُمْ، والِادِّعاءُ والتَّبَنِّي مِن بابِ الِاخْتِصاصِ والتَّقْرِيبِ غَيْرَ: ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيْ: ولَكِنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ مُبَلِّغًا رِسالاتِهِ: ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِها، قِراءَتانِ؛ أيْ: فَهَذا نَعْتُهُ وهَذِهِ صِفَتُهُ، فَلَيْسَ هو في حُكْمِ الأبِ الحَقِيقِيِّ، وإنَّما خُتِمَتِ النُّبُوَّةُ بِهِ؛ لِأنَّهُ شَرَعَ لَهُ مِنَ الشَّرائِعِ ما يَنْطَبِقُ عَلى مَصالِحِ النّاسِ في كُلِّ زَمانٍ، وكُلِّ مَكانٍ؛ لِأنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لَمْ يَدَعُ أُمًّا مِن أُمَّهاتِ المَصالِحِ إلّا جَلّاها، ولا مَكْرُمَةً مِن أُصُولِ الفَضائِلِ إلّا أحْياها، فَتَمَّتِ الرِّسالاتُ بِرِسالَتِهِ إلى النّاسِ أجْمَعِينَ، وظَهَرَ مِصْداقُ ذَلِكَ بِخَيْبَةِ كُلِّ مَنِ ادَّعى النُّبُوَّةَ بَعْدَهُ، إلى أنْ يَرِثَ اللَّهُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها، وهو خَيْرُ الوارِثِينَ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أيْ: فَلا يَقْضِي إلّا بِما سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ، ونَفَذَتْ فِيهِ مَشِيئَتُهُ، واقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ.
(p-٤٨٦٧)تَنْبِيهانِ في لَطائِفِ هَذِهِ القِصَّةِ، وفَوائِدِها الباهِراتِ:
الأوَّلُ- لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّواياتُ أنَّهُ نَزَلَتْ في قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وزَوْجِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. ورَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ في التَّفْسِيرِ. ورَواهُ عَنْهُ في التَّوْحِيدِ قالَ: «جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ يَشْكُو، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ»» . وأخْرَجَهُ أحْمَدُ بِلَفْظِ «أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنزِلَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. فَجاءَهُ زَيْدٌ يَشْكُوها إلَيْهِ. فَقالَ لَهُ: «أمْسِكْ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ» . فَنَزَلَتْ».
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ. فَساقَها سِياقًا حَسَنًا واضِحًا، ولَفْظُهُ: بَلَغَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وكانَتْ أُمُّها أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أرادَ أنْ يُزَوِّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مَوْلاهُ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّها رَضِيَتْ بِما صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَزَوَّجَها إيّاهُ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ ﷺ بَعْدُ، أنَّها مِن أزْواجِهِ، فَكانَ يَسْتَحِي أنْ يَأْمُرَهُ بِطَلاقِها، وكانَ لا يَزالُ يَكُونُ بَيْنَ زَيْدٍ وزَيْنَبَ ما يَكُونُ مِنَ النّاسِ، فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُمْسِكَ عَلَيْهِ زَوْجَهُ، وأنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ، وكانَ يَخْشى النّاسَ أنْ يَعِيبُوا عَلَيْهِ ويَقُولُوا تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ؛ وكانَ قَدْ تَبَنّى زَيْدًا.
وعِنْدَهُ، ومِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، قالَ: «أعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ مِن أزْواجِهِ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها، فَلَمّا أتاهُ زَيْدٌ يَشْكُوها إلَيْهِ، وقالَ لَهُ: «اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» . قالَ اللَّهُ تَعالى: (قَدْ أخْبَرْتُكَ أنِّي مُزَوِّجُكَها)، ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]»
(p-٤٨٦٨)قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ) بَعْدَ نَقْلِ ما تَقَدَّمَ: ووَرَدَتْ آثارٌ أُخْرى أخْرَجَها ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرِيُّ، ونَقَلَها كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لا يَنْبَغِي التَّشاغُلُ بِها، والَّذِي أوْرَدْتُهُ مِنها هو المُعْتَمَدُ. انْتَهى.
وقالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ هَهُنا آثارًا، أحْبَبْنا أنْ نَضْرِبَ عَنْها صَفْحًا؛ لِعَدَمِ صِحَّتِها، فَلا نُورِدُها. انْتَهى.
الثّانِي- قالَ القاضِي عِياضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ في (الشَّفا) في بَحْثِ أقْوالِهِ ﷺ الدُّنْيَوِيَّةِ: ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ ﷺ أنْ يَأْمُرَ أحَدًا بِشَيْءٍ أوْ يَنْهى أحَدًا عَنْ شَيْءٍ، وهو يُبْطِنُ خِلافَهُ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ تَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ، فَكَيْفَ أنْ تَكُونَ لَهُ خائِنَةُ قَلْبٍ؟»» . فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ في قِصَّةِ زَيْدٍ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآيَةَ. فاعْلَمْ أكْرَمَكَ اللَّهُ ولا تَسْتَرِبْ في تَنْزِيهِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ هَذا الظّاهِرِ، وأنْ يَأْمُرَ زَيْدًا بِإمْساكِها، وهو يُحِبُّ تَطْلِيقَهُ إيّاها، ذُكِرَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وأصَحُّ ما في هَذا ما حَكاهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ «أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ أعْلَمَ نَبِيَّهُ أنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ مِن أزْواجِهِ، فَلَمّا شَكاها إلَيْهِ زَيْدٌ، قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ» وأخْفى مِنهُ في نَفْسِهِ ما أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ أنَّهُ سَيَتَزَوَّجُها مِمّا اللَّهُ مُبْدِيهِ ومُظْهِرُهُ بِتَمامِ التَّزْوِيجِ وطَلاقِ زَيْدٍ لَها».
ورَوى نَحْوَهُ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَعْلَمُهُ أنَّ اللَّهَ يُزَوِّجُهُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. فَذَلِكَ الَّذِي أخْفى في نَفْسِهِ، ويُصَحِّحُ هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ [الأحزاب: ٣٧] أيْ: لا بُدَّ لَكَ أنْ تَتَزَوَّجَها، ويُوَضِّحُ هَذا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُبْدِ مِن أمْرِهِ مَعَها غَيْرَ زَواجِهِ لَها، فَدَلَّ أنَّهُ الَّذِي أخْفاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِمّا كانَ (p-٤٨٦٩)أعْلَمَهُ بِهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى في القِصَّةِ: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] دَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ في الأمْرِ، ولَوْ كانَ عَلى ما قِيلَ مِن وُقُوعِها في قَلْبِهِ، ومَحَبَّةِ طَلاقِ زَيْدٍ لَها، لَكانَ فِيهِ أعْظَمُ الحَرَجِ. وكَيْفَ يُقالُ: رَآها فَأعْجَبَتْهُ وهي بِنْتُ عَمَّتِهِ، ولَمْ يَزَلْ يَراها مُنْذُ وُلِدَتْ، ولا كانَ النِّساءُ يَحْتَجِبْنَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو زَوْجُها لِزَيْدٍ، وإنَّما جَعَلَ اللَّهُ طَلاقَ زَيْدٍ لَها، وتَزْوِيجَ النَّبِيِّ ﷺ إيّاها، لِإزالَةِ حُرْمَةِ التَّبَنِّي وإبْطالِ سَبَبِهِ. كَما قالَ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ وقالَ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] قالَ ابْنُ فُورَكٍ: ولَيْسَ مَعْنى الخَشْيَةِ هُنا الخَوْفَ، وإنَّما مَعْناهُ الِاسْتِحْياءُ؛ أيْ: يَسْتَحِي مِنهم أنْ يَقُولُوا تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، وأنَّ خَشْيَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ النّاسِ كانَتْ مِن إرْجافِ المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وتَشْغِيبِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِمْ: تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ نِكاحِ حَلائِلِ الأبْناءِ، كَما كانَ. فَعَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى هَذا، أوْ نَزَّهَهُ عَنْ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ فِيما أحَلَّهُ لَهُ، كَما عَتَبَهُ عَلى مُراعاةِ رِضا أزْواجِهِ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] الآيَةَ. كَذَلِكَ قَوْلُهُ هَهُنا. انْتَهى مُلَخَّصًا.
الثّالِثُ- قالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (الفَصْلِ) يَرُدُّ عَلى مَنِ اسْتَدَلَّ بِمِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ وُقُوعِ الصَّغائِرِ مِنَ الأنْبِياءِ، ما مِثالُهُ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآيَةَ. فَقَدْ أنِفْنا مِن ذَلِكَ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْصِيَةً أصْلًا ولا خِلافَ فِيما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وأنَّ ما كانَ أرادَهُ زَواجٌ، مُباحٌ لَهُ فِعْلُهُ، ومُباحٌ لَهُ تَرْكُهُ، ومُباحٌ لَهُ طَيُّهُ، ومُباحٌ لَهُ إظْهارُهُ، وإنَّما خَشِيَ النَّبِيُّ ﷺ النّاسَ في ذَلِكَ خَوْفَ أنْ يَقُولُوا ويَظُنُّوا ظَنًّا، فَيَهْلَكُوا؛ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْأنْصارِيِّينَ: ««إنَّها صَفِيَّةُ» فاسْتَعْظَما ذَلِكَ، فَأخْبَرَهُما النَّبِيُّ ﷺ «أنَّهُ إنَّما (p-٤٨٧٠)يَخْشى أنْ يُلْقِيَ الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِما شَيْئًا»» . وهَذا الَّذِي خَشِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النّاسِ مِن هَلاكِ أدْيانِهِمْ، بِظَنٍّ يَظُنُّونَهُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، هو الَّذِي يُحَقِّقُهُ هَؤُلاءِ المَخْذُولُونَ المُخالِفُونَ لَنا في هَذا البابِ. وكانَ مُرادُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُبْدِيَ ما في نَفْسِهِ، لِما كانَ سَلَفَ في عِلْمِهِ مِنَ السَّعادَةِ لِأُمِّنا زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، انْتَهى.
الرّابِعُ - لِلْإمامِ مُفْتِي مِصْرَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَقالَةٌ عَلى هَذِهِ الآيَةِ. رَأيْتُ نَقْلَها هُنا تَعْزِيزًا لِما سَلَفَ، وإيقافًا مِن أسْرارِ الآيَةِ عَلى نَخْبِ ما وُصِفَ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وهي بِنْتُ عَمَّتِهِ -ﷺ- أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقَدْ خَطَبَها الرَّسُولُ عَلى مَوْلاهُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَأبَتْ وأبى أخُوها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فَنَزَلَتْ آيَةُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ [الأحزاب: ٣٦] إلَخْ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ قالا: رَضِينا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَأنْكَحَها إيّاهُ». وساقَ عَنْهُ إلَيْها مَهْرَها سِتِّينَ دِرْهَمًا، وخِمارًا، ومِلْحَفَةً، ودِرْعًا، وإزارًا، وخَمْسِينَ مُدًّا مِن طَعامٍ، وثَلاثِينَ صاعًا مِن تَمْرٍ. كَذا يُرْوى.
فَنَحْنُ مِن جِهَةٍ، نَرى أنَّ زَيْنَبَ كانَتْ بِنْتَ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، رُبِّيَتْ تَحْتَ نَظَرِهِ وشَمِلَها مِن عِنايَتِهِ ما يَشْمَلُ البِنْتَ مَعَ والِدِها لِأوَّلِ الأمْرِ، حَتّى أنَّهُ اخْتارَها لِمَوْلاهُ زَوْجَةً، مَعَ إبائِها وإباءِ أخِيها، وعَدَّ إباءَها هَذا عِصْيانًا، ولا زالَتْ كَذَلِكَ حَتّى نَزَلَ في شَأْنِها قُرْآنٌ، فَكَأنَّهُ أرْغَمَها عَلى زَواجِهِ، لِما ألْهَمَهُ اللَّهُ مِنَ المَصْلَحَةِ لَها ولِلْمُسْلِمِينَ في ذَلِكَ، ولَوْ كانَ لِلْجَمالِ سُلْطانٌ عَلى قَلْبِهِ ﷺ، لَكانَ أقْوى سُلْطانِهِ عَلَيْهِ جَمالُ البِكْرِ في رِوائِهِ، ونَضْرَةُ جَدَّتِهِ، وقَدْ كانَ يَراها ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَها حِجابٌ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن مَحاسِنِها الظّاهِرَةِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُرَغِّبْها لِنَفْسِهِ، ورَغَّبَها لِمَوْلاهُ، فَكَيْفَ يَمْتَدُّ نَظَرُهُ إلَيْها، ويُصِيبُ قَلْبَهُ سَهْمُ حُبِّها، بَعْدَ أنْ صارَتْ زَوْجَةً لِعَبْدٍ مِن عَبِيدِهِ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالعِتْقِ والحُرِّيَّةِ؟ لَمْ يَعْرِفْ فِيما يَغْلِبُ عَلى مَأْلُوفِ البَشَرِ، أنْ تَعْظُمَ شَهْوَةُ القَرِيبِ ووَلَعُهُ بِالقَرِيبِ، إلى أنْ تَبْلُغَ حَدَّ العِشْقِ، خُصُوصًا إذا كانَ عَشِيرُهُ مُنْذُ صِغَرِهِ. بَلِ (p-٤٨٧١)المَأْلُوفُ زَهادَةُ الأقْرِباءِ بَعْضُهم في بَعْضٍ، مَتى تَعَوَّدَ بَعْضُهُمُ النَّظَرَ إلى بَعْضٍ، مِن بِدايَةِ السِّنِّ إلى أنْ يَبْلُغَ حَدًّا مِنهُ يَجُولُ فِيهِ نَظَرُ الشَّهْوَةِ. فَكَيْفَ يَظُنُّ أوْ يَتَوَهَّمُ أنَّ النَّبِيَّ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ لَهُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [طه: ١٣١] يُخالِفُ مَأْلُوفَ العادَةِ، ثُمَّ يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ في ذَلِكَ؟ أمْ كَيْفَ بِالبالِ أنَّ مَن عَصَمَ اللَّهُ قَلْبَهُ عَنْ كُلِّ دَنِيئَةٍ، يَغْلِبُ عَلَيْهِ سُلْطانُهُ شَهْوَةً في بِنْتِ عَمَّتِهِ، بَعْدَ أنْ زَوَّجَها بِنَفْسِهِ لِعَبْدٍ مِن عَبِيدِهِ؟
ومِن جِهَةٍ أُخْرى تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، وهو الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ، لَمْ يُبالِ بِإباءِ زَيْنَبَ ورَغْبَتِها عَنْ زَيْدٍ، وقَدْ كانَ لا يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ نُفُورَ قَلْبِ المَرْأةِ مِن زَوْجِها مِمّا تَسُوءُ مَعَهُ العِشْرَةُ، وتَفْسُدُ بِهِ شُؤُونُ المَعِيشَةِ. فَما كانَ لَهُ -وهُوَ سَيِّدُ المُصْلِحِينَ- أنْ يُرْغِمَ امْرَأةً عَلى الِاقْتِرانِ بِرَجُلٍ وهي لا تَرْضاهُ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ الظّاهِرِ بِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ.
لا رَيْبَ أنَّنا نَجِدُ مِن ذَلِكَ هادِيًا إلى وجْهِ الحَقِّ في فَهْمِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِها. ذَلِكَ أنَّ التِصاقَ الأدْعِياءِ بِالبُيُوتِ واتِّصالَهم بِأنْسابِها، كانَ أمْرًا تَدِينُ بِهِ العَرَبُ، وتَعُدُّهُ أصْلًا يَرْجِعُ إلَيْهِ في الشَّرَفِ والحَسَبِ، وكانُوا يُعْطُونَ الدَّعِيَّ جَمِيعَ حُقُوقِ الِابْنِ، ويُجْرُونَ لَهُ وعَلَيْهِ جَمِيعَ الأحْكامِ الَّتِي يَعْتَبِرُونَها لِلِابْنِ، حَتّى في المِيراثِ وحُرْمَةِ النَّسَبِ، وهي عَقِيدَةٌ جاهِلِيَّةٌ رَدِيئَةٌ، أرادَ اللَّهُ مَحْوَها بِالإسْلامِ، حَتّى لا يُعْرَفَ مِنَ النَّسَبِ إلّا الصَّرِيحُ ولا يُجْرى مِن أحْكامِهِ إلّا ما لَهُ أساسٌ صَحِيحٌ؛ لِهَذا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] ثُمَّ قالَ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] إلَخْ فَهَذا العَدْلُ الإلَهِيُّ، أنْ لا يَنالَ حَقَّ الِابْنِ إلّا مَن يَكُونُ ابْنًا.
أمّا المُتَبَنّى واللَّصِيقُ فَلا يَكُونُ لَهُ حَقٌّ إلّا حَقَّ المَوْلى والأخِ في الدِّينِ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَنْسُبُوا الدَّعِيَّ لِمَن تَبَنّاهُ، وحَظَرَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقْتَطِعُوا لَهُ شَيْئًا مِن حُقُوقِ الِابْنِ لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، وشَدَّدَ الأمْرَ حَتّى قالَ: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ (p-٤٨٧٢)بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥] فَهو يَعْفُو عَنِ اللَّفْظَةِ تَصْدُرُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ بِأنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِآخَرَ: هَذا ابْنِي. أوْ يُنادى شَخْصٌ آخَرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، لا عَنْ قَصْدِ التَّبَنِّي. ولَكِنَّهُ لا يَعْفُو عَنِ العَمْدِ مِن ذَلِكَ، الَّذِي يُقْصَدُ مِنهُ الإلْصاقُ بِتِلْكَ اللُّحْمَةِ، كَما كانَ مَعْرُوفًا مِن قَبْلُ، مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ، أنَّ ما رَسَخَ في النَّفْسِ بِحُكْمِ العادَةِ، لا يَسْهُلُ عَلَيْها التَّفَصِّي مِنهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا مَن رَفَعَهُ اللَّهُ فَوْقَ العاداتِ، وأعْتَقَهُ مِن رِقِّ الشَّهَواتِ، وجَعَلَ هِمَّتَهُ فَوْقَ المَأْلُوفاتِ. فَلا يُطْبِيهِ -أيْ: يَسْتَمِيلُهُ- إلّا الحَقُّ، ولا يَحْكُمُ عَلَيْهِ إلْفٌ، ولا يَغْلِبُهُ عُرْفٌ. ذَلِكَ هو النَّبِيُّ ﷺ، ومَن يَخْتَصُّهُ اللَّهُ بِالتَّأسِّي بِهِ؛ لِهَذا كانَ الأمْرُ إذا نَهى اللَّهُ عَنْ مَكْرُوهٍ كانَتِ الجاهِلِيَّةُ عَلَيْهِ، أوْ أحَلَّ شَيْئًا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُحَرِّمُهُ، بادَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى امْتِثالِ النَّهْيِ بِالكَفِّ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، والإتْيانِ بِضِدِّهِ، وسارَعَ إلى تَنْفِيذِ الأمْرِ بِإتْيانِ المَأْمُورِ بِهِ، حَتّى يَكُونَ قُدْوَةً حَسَنَةً، ومِثالًا صالِحًا تُحاكِيهِ النُّفُوسُ، وتَحْتَذِيهِ الهِمَمُ، وحَتّى يَخِفَّ وِزْرُ العادَةِ وتَخْلُصُ العُقُولُ مِن رَيْبِ الشُّبْهَةِ، نادى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حِجَّةِ الوَداعِ بِحُرْمَةِ الرِّبا، وأوَّلُ رِبًا وضَعَهُ رِبا عَمِّهِ العَبّاسِ، حَتّى يَرى النّاسُ صَنِيعَهُ بِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وأكْرَمِهِمْ عَلَيْهِ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِمْ تَرْكُ مالِهِمْ، وتَنْقَطِعُ وساوِسُ الشَّيْطانِ مِن صُدُورِهِمْ.
عَلى هَذا السَّنَنِ الإلَهِيِّ كانَ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ في أمْرِ زَيْنَبَ، كَبُرَ عَلى العَرَبِ أنْ يَفْصِلُوا عَنْ أهْلِهِمْ مَن ألْصَقُوهُ بِأنْسابِهِمْ مِن أدْعِيائِهِمْ؛ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] إلَخْ، فَعَمَدَ النَّبِيُّ ﷺ، عَلى سُنَّتِهِ، إلى خَرْقِ العادَةِ بِنَفْسِهِ، وما كانَ يَنْبَغِي لَهُ، ولا مِن مُقْتَضى الحِكْمَةِ، أنْ يُكَلِّفَ أحَدَ الأدْعِياءِ الأباعِدِ عَنْهُ، أنْ يَتَزَوَّجَ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالطَّلاقِ، ثُمَّ يَأْمُرُ مَن كانَ قَدْ تَبَنّاهُ أنْ يَتَزَوَّجَ مُطَلَّقَتَهُ، فَفي ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ مَعَ تَحَكُّمِ العادَةِ، وتَمَكُّنِ الِاشْمِئْزازِ مِنَ النُّفُوسِ، ما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ. فَألْهَمَهُ اللَّهُ أنْ يَتَوَلّى الأمْرَ بِنَفْسِهِ في أحَدِ عُتَقائِهِ؛ لِتَسْقُطَ العادَةُ بِالفِعْلِ، كَما ألْغى حُكْمَها بِالقَوْلِ الفَصْلِ؛ لِهَذا أرْغَمَ النَّبِيُّ ﷺ (p-٤٨٧٣)زَيْنَبَ أنْ تَتَزَوَّجَ بِزَيْدٍ، وهو مَوْلاهُ وصَفِيَّةُ، والنَّبِيُّ يَجِدُ في نَفْسِهِ أنَّ هَذا الزَّواجَ مُقَدِّمَةٌ لِتَقْرِيرِ شَرْعٍ، وتَنْفِيذِ حُكْمٍ إلَهِيٍّ.
وبَعْدَ أنْ صارَتْ زَيْنَبُ إلى زَيْدٍ لَمْ يَلِنْ إباؤُها الأوَّلُ، ولَمْ يَسْلُسْ قِيادُها، بَلْ شَمَخَتْ بِأنْفِها وذَهَبَتْ تُؤْذِي زَوْجَها وتَفْخَرُ عَلَيْهِ بِنَسَبِها، وبِأنَّها أكْرَمُ مِنهُ عِرْقًا وأصْرَحُ مِنهُ حُرِّيَّةً؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْها رِقٌّ كَما جَرى عَلَيْهِ فاشْتَكى مِنها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ عُلُوِّ مَقامِهِ يَغْلِبُهُ الحَياءُ فَيَتَّئِدُ ويَتَمَكَّثُ في تَنْفِيذِ حُكْمِ اللَّهِ ولا يَعْجَلُ، فَكانَ يَقُولُ لِزَيْدٍ: «"أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ"،» إلى أنْ غَلَبَ أمْرُ اللَّهِ عَلى أمْرِ الأنَفَةِ، وسَمَحَ لِزَيْدٍ بِطَلاقِها بَعْدَ أنْ مَضَّهُ العَيْشُ مَعَها، ثُمَّ تَزَوَّجَها بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُمَزِّقَ حِجابَ تِلْكَ العادَةِ، ويَكْسِرَ ذَلِكَ البابَ الَّذِي كانَ مُغْلَقًا دُونَ مُخالَفَتِها كَما قالَ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وأكَّدَ ذَلِكَ بِالتَّصْرِيحِ في نَفْيِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ هي الرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ والقَوْلَةُ الرّاجِحَةُ.
ثُمَّ قالَ: وأمّا ما رَوَوْهُ مِن «أنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِبَيْتِ زَيْدٍ وهو غائِبٌ، فَرَأى زَيْنَبَ، فَوَقَعَ مِنها في قَلْبِهِ شَيْءٌ، فَقالَ: سُبْحانَ مُقَلِّبِ القُلُوبِ! فَسَمِعَتِ التَّسْبِيحَةَ فَنَقَلَتْها إلى زَيْدٍ، فَوَقَعَ في قَلْبِهِ أنْ يُطَلِّقَها» إلَخْ، ما حَكَوْهُ- فَقَدْ قالَ الإمامُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ إنَّهُ لا يَصِحُّ. وإنَّ النّاقِلِينَ لَهُ المُحْتَجِّينَ بِهِ عَلى مَزاعِمِهِمْ في فَهْمِ الآيَةِ، لَمْ يُقَدِّرُوا مَقامَ النُّبُوَّةِ حَقَّ قَدْرِهِ، ولَمْ تُصِبْ عُقُولُهم مِن مَعْنى العِصْمَةِ كُنْهَها. وأطالَ في ذَلِكَ، وأذْكُرُ مِن كَلامِهِ ما يُؤَيِّدُ ذِكْرَنا في شَأْنِ هَذِهِ الرِّواياتِ.
قالَ، بَعْدَ الكَلامِ في عِصْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ وطَهارَتِهِ مِنَ العَيْبِ في زَمَنِ الجاهِلِيَّةِ، وبَعْدَ أنْ جاءَ الإسْلامُ: وقَدْ مَهَّدْنا لَكَ رِواياتٍ كُلُّها ساقِطَةُ الأسانِيدِ، وإنَّما الصَّحِيحُ (p-٤٨٧٤)مِنها ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: لَوْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] يَعْنِي بِالإسْلامِ: ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] فَأعْتَقْتَهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا تَزَوَّجَها قالُوا: تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ الآيَةَ.
وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبَنّاهُ وهو صَغِيرٌ، فَلَبِثَ حَتّى صارَ رَجُلًا، يُقالُ لَهُ: زِيدُ ابْنُ مُحَمَّدٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] يَعْنِي أنَّهُ أعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ القاضِي: وما وراءَ هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ. فَأمّا قَوْلُهم إنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآها، فَوَقَعَتْ في قَلْبِهِ، فَباطِلٌ. فَإنَّهُ كانَ مَعَها في كُلِّ وقْتٍ ومَوْضِعٍ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ حِجابٌ، فَكَيْفَ تَنْشَأُ مَعَهُ ويَنْشَأُ مَعَها، ويَلْحَظُها في كُلِّ ساعَةٍ ولا تَقَعُ في قَلْبِهِ، إلّا إذا كانَ لَها زَوْجٌ؟ وقَدْ وهَبَتْهُ نَفْسَها وكَرِهَتْ غَيْرَهُ، فَلَمْ تَخْطُرْ بِبالِهِ. فَكَيْفَ يَتَجَدَّدُ هَوًى لَمْ يَكُنْ! حاشا لِذَلِكَ القَلْبِ المُطَهَّرِ مِن هَذِهِ العَلاقَةِ الفاسِدَةِ، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [طه: ١٣١] والنِّساءُ أفْتَنُ الزَّهْراتِ، وأنْشَرُ الرَّياحِينِ، فَيُخالِفُ هَذا في المُطَلَّقاتِ، فَكَيْفَ في المَنكُوحاتِ المَحْبُوساتِ؟
ثُمَّ ساقَ الكَلامَ في نَفْسِ الآيَةِ عَلى حَسَبِ ما صَحَّ في الواقِعَةِ، ولَوْلا خَوْفُ التَّطْوِيلِ لَنَقَلْتُ كَلامَهُ بِحُرُوفِهِ. سُبْحانَ اللَّهِ! كَيْفَ ساغَ لِقَوْمٍ مُسْلِمِينَ أنْ يَعْتَقِدُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الرِّواياتِ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَعْ لِنَبِيِّهِ أنْ يُعْرِضَ عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، ويَتَصَدّى لِصَنادِيدِ قُرَيْشٍ طَمَعًا في إسْلامِهِمْ، حَتّى عاتَبَهُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عبس: ١] }، إلى آخِرِ الآياتِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ عَنِ الأعْمى إلّا لِاشْتِغالِهِ بِما كانَ يَعُدُّهُ في نَفْسِهِ خَيْرًا لِلدِّينِ، ولَمْ يَكُنْ رَغْبَةً في جاهٍ، ولا شَرَهًا إلى مالٍ، (p-٤٨٧٥)ولا طُمُوحًا إلى لَذَّةٍ.
فَلَوْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ الَّتِي زَعَمُوها في شَأْنِ زَيْنَبَ، لَكانَ العِتابُ عَلى تِلْكَ التَّسْبِيحَةِ، بِمَسْمَعٍ مِن زَيْنَبَ، ثُمَّ عَلى الزَّواجِ بَعْدَ الطَّلاقِ، كَما أشارَ إلَيْهِ في قِصَّةِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ في عُلُوِّ مَقامِهِ ورِفْعَةِ مَنزِلَتِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، لِتَطْمَحَ نَفْسُهُ إلى التَّلَذُّذِ بِبِنْتِ عَمَّتِهِ وزَوْجَةِ مَوْلاهُ، ولا أنْ يُسْمِعَها ما يَدُلُّ عَلى شَغَفِهِ بِها، ولا أنْ تَضْعُفَ عَزِيمَتُهُ عَنْ قَمْعِ شَهْوَتِهِ وكَبْحِ جِماحِها، وما كانَ رَبُّ مُحَمَّدٍ يُعَلِّلُ شَهْوَتَهُ، ويَرِفُّهُ مِن هَواهُ فِيما يُخالِفُ أمْرَهُ، وهو الَّذِي نَهاهُ أنْ يَمُدَّ عَيْنَيْهِ إلى ما مَتَّعَ بِهِ النّاسَ مِن زَهْرَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، ومِن زَهْرَتِها النِّساءُ. تَسامى قَدْرُ مُحَمَّدٍ عَنْ ذَلِكَ، وتَعالى شَأْنُ رَبِّهِ عَنْ هَذا عُلُوًّا كَبِيرًا.
أما واللَّهِ! لَوْلا ما أدْخَلَ الضُّعَفاءُ أوِ المُدَلِّسُونَ مِن مِثْلِ هَذِهِ الرِّوايَةِ، ما خَطَرَ بِبالِ مُطَّلِعٍ عَلى الآيَةِ الكَرِيمَةِ شَيْءٌ مِمّا يَرْمُونَ إلَيْهِ؛ فَإنَّ نَصَّ الآيَةِ ظاهِرٌ جَلِيٌّ لا يَحْتَمِلُ مَعْناهُ التَّأْوِيلَ، ولا يَذْهَبُ إلى النَّفْسِ مِنهُ إلّا أنَّ العِتابَ كانَ عَلى التَّمَهُّلِ في الأمْرِ، والتَّرَيُّثِ بِهِ، وأنَّ الَّذِي كانَ يُخْفِيهِ في نَفْسِهِ هو ذَلِكَ الأمْرُ الإلَهِيُّ الصّادِرُ إلَيْهِ، بِأنْ يَهْدِمَ تِلْكَ العادَةَ المُتَأصِّلَةَ في نُفُوسِ العَرَبِ، وأنْ يَتَناوَلَ المِعْوَلَ لِهَدْمِها بِنَفْسِهِ؛ كَما قُدِّرَ لَهُ أنْ يَهْدِمَ أصْنامَهم بِيَدِهِ لِأوَّلِ مَرَّةٍ عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وكَما هو شَأْنُهُ في جَمِيعِ ما نَهى عَنْهُ مِن عاداتِهِمْ، وهَذا الَّذِي كانَ يُخْفِيهِ في نَفْسِهِ كانَ اللَّهُ مُبْدِيَهُ بِأمْرِهِ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْهِ في كِتابِهِ، وبِتَزْوِيجِهِ زَوْجَةَ مَن كانُوا يَدْعُونَهُ ابْنًا لَهُ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، ولَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُ عَنْ إبْداءِ ما أبْدى اللَّهُ، إلّا حَياءُ الكَرِيمِ، وتُؤَدَةُ الحَكِيمِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ سَيَفْعَلُ لا مَحالَةَ، لَكِنْ مَعَ مُعاوَنَةِ الزَّمانِ.
ثُمَّ قالَ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أذْكُرُ لَطِيفَةً لِبَعْضِ الأذْكِياءِ جَرَتْ بِمَحْضَرٍ مِنِّي لَدى أحَدِ الأساتِذَةِ الأمِيرِكانِيِّينَ، فَجاءَ في الحَدِيثِ ذِكْرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] فَقالَ الأمِيرِكِيُّ: حَتّى زَيْنَبَ زَوْجَةَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، يُشِيرُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى تِلْكَ الحادِثَةِ، ويُعَرِّضُ بِعِشْقِهِ ﷺ لِزَيْنَبَ عَلى ما زَعَمُوا، فَقالَ لَهُ صاحِبِي: سُبْحانَ اللَّهِ! إنَّكم تَشْتَغِلُونَ بِعُلُومِ السَّماواتِ (p-٤٨٧٦)والأرْضِ، ولا تَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَكم في أقْرَبِ الأشْياءِ إلَيْكُمْ، مَعَ أنَّكُمْ، في المَشْهُورِ عَنْكُمْ، مِن أشَدِّ النّاسِ ولَعًا بِالبَحْثِ في الأدْيانِ، إنَّ اللَّهَ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَتَزَوَّجَ زَوْجَةَ مَن دَعاهُ ابْنًا لَهُ، لِيُبَيِّنَ لِلنّاسِ بِالفِعْلِ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَن لُقِّبَ بِالِابْنِ يَكُونُ عَلى الحَقِيقَةِ ابْنًا، فَإنْ كانَ المَسِيحُ قَدْ دُعِيَ في لِسانِ الإنْجِيلِ بِـ (الِابْنِ) فَلَيْسَ هَذا عَلى الحَقِيقَةِ، وإنَّما (الِابْنُ) الحَقِيقِيُّ مَن وُلِدَ مِن أبِيهِ وِلادَةً صَحِيحَةً، إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِلْعالَمِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
الخامِسُ -رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ: «اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ» . فانْطَلَقَ حَتّى أتاها وهي تُخَمِّرُ عَجِينَها. قالَ: فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي حَتّى ما أسْتَطِيعُ أنْ أنْظُرَ إلَيْها وأقُولَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَها. فَوَلَّيْتُها ظَهْرِي ونَكَصْتُ عَلى عَقِبِي وقُلْتُ: يا زَيْنَبُ ! أبْشِرِي. أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ. قالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ. فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ، ولَقَدْ رَأيْتُنا حِينَ دَخَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، أطْعَمَنا عَلَيْها الخُبْزَ واللَّحْمَ».
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وهَذا أيْضًا مِن أبْلَغِ ما وقَعَ في ذَلِكَ: وهو أنْ يَكُونَ الَّذِي كانَ زَوْجَها هو الخاطِبُ، لِئَلّا يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ قَهْرًا بِغَيْرِ رِضاهُ، وفِيهِ أيْضًا اخْتِبارُ ما كانَ عِنْدَهُ مِنها؛ هَلْ بَقِيَ مِنهُ شَيْءٌ أمْ لا؟ وفِيهِ اسْتِحْبابُ فِعْلِ المَرْأةِ الِاسْتِخارَةَ ودُعائِها عِنْدَ الخِطْبَةِ قَبْلَ الإجابَةِ، وأنَّ مَن وكَّلَ أمْرَهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَسَّرَ اللَّهُ لَهُ ما هو الأحُظُّ لَهُ والأنْفَعُ دُنْيا وأُخْرى. انْتَهى. أيْ: فَقَدْ حَفِظَ اللَّهُ شَرَفَها أنْ يَضِيعَ بَعْدَ زَواجِها بِمَوْلًى. فاخْتارَ لَها ما شَرَّفَها بِهِ وأسْمى مَكانَتَها، عِنايَةً مِنهُ ورَحْمَةً لِلْأُمَّةِ أيْضًا.
(p-٤٨٧٧)السّادِسُ- رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنِّي لَأُدِلُّ عَلَيْكِ بِثَلاثٍ، ما مِن نِسائِكِ امْرَأةٌ تُدِلُّ بِهِنَّ: إنَّ جَدِّي وجَدَّكِ واحِدٌ، وإنِّي أنْكَحَنِيكِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ السَّماءِ، وإنَّ السَّفِيرَ لَجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ».
ورَوى البُخارِيُّ بَعْضَهُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إنَّ زَيْنَبَ كانَتْ تَفْخَرُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعالى مِن فَوْقِ سَبْعِ سَمَـاواتٍ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): ومِن خَصائِصِ زَيْنَبَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كانَ هو ولِيَّها الَّذِي زَوَّجَها لِرَسُولِهِ مِن فَوْقِ سَماواتِهِ، وتُوُفِّيَتْ في أوَّلِ خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.
وكانَتْ أوَّلًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبَنّاهُ، فَلَمّا طَلَّقَها زَوَّجَهُ اللَّهُ إيّاها لِتَتَأسّى بِهِ أُمَّتُهُ في نِكاحِ أزْواجِ مَن تَبَنَّوْهُ. انْتَهى.
السّابِعُ- قالُوا: لا يُنْقَضُ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ بِكَوْنِهِ ﷺ أبًا لِلطّاهِرِ والقاسِمِ وإبْراهِيمَ؛ لِأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ، ولَوْ بَلَغُوا لَكانُوا رِجالًا لَهُ، ﷺ، لا لَهُمُ. انْتَهى.
وهَذا مِنَ التَّعَمُّقِ في البَحْثِ، وإلّا فَدَلالَةُ السِّياقِ أوْضَحُ مِن تَخْصِيصِ الإضافَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَمْ يَعِشْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَدٌ ذَكَرٌ، حَتّى بَلَغَ الحُلُمَ؛ فَإنَّهُ ﷺ وُلِدَ لَهُ القاسِمُ والطَّيِّبُ والطّاهِرُ مِن خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَماتُوا صِغارًا، ووُلِدَ لَهُ ﷺ إبْراهِيمُ مِن مارِيَةَ القِبْطِيَّةِ، فَماتَ أيْضًا رَضِيعًا، وكانَ لَهُ ﷺ مِن خَدِيجَةَ أرْبَعُ بَناتٍ: زَيْنَبُ ورُقَيَّةُ وأُمُّ كُلْثُومٍ وفاطِمَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أجْمَعِينَ، فَماتَ في حَياتِهِ ﷺ ثَلاثٌ، وتُوُفِّيَتْ فاطِمَةُ بَعْدَهُ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ. انْتَهى.
(p-٤٨٧٨)ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ، والعِنايَةِ بِشُكْرِهِ لِما مَنَّ بِهِ مِن هِدايَتِهِ، إلى نُورِ شَرِيعَتِهِ حَتّى يَنْسى عارَ الكُفْرِ وجاهِلِيَّتِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الأحزاب 33:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٢] .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: بِما هو أهْلُهُ مِن صُنُوفِ التَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ: ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ أيْ: يَعُمُّ الأوْقاتَ والأحْوالَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَفْرِضْ عَلى عِبادِهِ فَرِيضَةً، إلّا جَعَلَ لَها حَدًّا مَعْلُومًا، ثُمَّ عَذَرَ أهْلَها في حالِ العُذْرِ، غَيْرَ الذِّكْرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ، ولَمْ يَعْذُرْ أحَدًا في تَرْكِهِ إلّا مَغْلُوبًا عَلى عَقْلِهِ، وأمَرَهم بِهِ في الأحْوالِ كُلِّها. فَقالَ تَعالى: "فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ"، وقالَ: "اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا"، أيْ: بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، في البَرِّ والبَحْرِ، وفي السَّفَرِ والحَضَرِ، والغِنى والفَقْرِ، والسَّقَمِ والصِّحَّةِ، والسِّرِّ والعَلانِيَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ: "وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا" أيْ: في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، لِيَسْرِيَ أثَرُ التَّسْبِيحِ فِيهِما بَقِيَّةَ النَّهارِ واللَّيْلِ؛ لِأنَّ ذِكْرَهُ وتَسْبِيحَهُ، يُفِيدانِ تَنْوِيرَ القُلُوبِ وقْتَ خُلُوِّها عَنِ الأشْغالِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّسْبِيحُ مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ، وإنَّما اخْتَصَّهُ مِن بَيْنِ أنْواعِهِ اخْتِصاصُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ، لِيُبَيِّنَ فَضْلَهُ عَلى سائِرِ الأذْكارِ، لِأنَّ مَعْناهُ تَنْزِيهُ ذاتِهِ، عَمّا لا يَجُوزُ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ، ومِثالُ فَضْلِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ، فَضْلُ وصْفِ العَبْدِ بِالنَّزاهَةِ مِن أدْناسِ المَعاصِي، والطُّهْرِ مِن أرْجاسِ المَآثِمِ، عَلى سائِرِ أوْصافِهِ، مِن كَثْرَةِ الصَّلاةِ والصِّيامِ، والتَّوَفُّرِ عَلى الطّاعاتِ كُلِّها. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالذِّكْرِ وإكْثارِهِ، تَكْثِيرَ الطّاعاتِ (p-٤٨٧٩)والإقْبالَ عَلى العِباداتِ؛ فَإنَّ كُلَّ طاعَةٍ وكُلَّ خَيْرٍ، مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ. ثُمَّ خَصَّ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ بُكْرَةً وأصِيلًا؛ وهي الصَّلاةُ في جَمِيعِ أوْقاتِها؛ لِفَضْلِ الصَّلاةِ عَلى غَيْرِها، أوْ صَلاةِ الفَجْرِ والعِشاءَيْنِ؛ لِأنَّ أداءَها أشَقُّ ومُراعاتَها أشَدُّ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الأحزاب 33:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٢] .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: بِما هو أهْلُهُ مِن صُنُوفِ التَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ: ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ أيْ: يَعُمُّ الأوْقاتَ والأحْوالَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَفْرِضْ عَلى عِبادِهِ فَرِيضَةً، إلّا جَعَلَ لَها حَدًّا مَعْلُومًا، ثُمَّ عَذَرَ أهْلَها في حالِ العُذْرِ، غَيْرَ الذِّكْرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ، ولَمْ يَعْذُرْ أحَدًا في تَرْكِهِ إلّا مَغْلُوبًا عَلى عَقْلِهِ، وأمَرَهم بِهِ في الأحْوالِ كُلِّها. فَقالَ تَعالى: "فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ"، وقالَ: "اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا"، أيْ: بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، في البَرِّ والبَحْرِ، وفي السَّفَرِ والحَضَرِ، والغِنى والفَقْرِ، والسَّقَمِ والصِّحَّةِ، والسِّرِّ والعَلانِيَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ: "وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا" أيْ: في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، لِيَسْرِيَ أثَرُ التَّسْبِيحِ فِيهِما بَقِيَّةَ النَّهارِ واللَّيْلِ؛ لِأنَّ ذِكْرَهُ وتَسْبِيحَهُ، يُفِيدانِ تَنْوِيرَ القُلُوبِ وقْتَ خُلُوِّها عَنِ الأشْغالِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّسْبِيحُ مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ، وإنَّما اخْتَصَّهُ مِن بَيْنِ أنْواعِهِ اخْتِصاصُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ، لِيُبَيِّنَ فَضْلَهُ عَلى سائِرِ الأذْكارِ، لِأنَّ مَعْناهُ تَنْزِيهُ ذاتِهِ، عَمّا لا يَجُوزُ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ، ومِثالُ فَضْلِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ، فَضْلُ وصْفِ العَبْدِ بِالنَّزاهَةِ مِن أدْناسِ المَعاصِي، والطُّهْرِ مِن أرْجاسِ المَآثِمِ، عَلى سائِرِ أوْصافِهِ، مِن كَثْرَةِ الصَّلاةِ والصِّيامِ، والتَّوَفُّرِ عَلى الطّاعاتِ كُلِّها. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالذِّكْرِ وإكْثارِهِ، تَكْثِيرَ الطّاعاتِ (p-٤٨٧٩)والإقْبالَ عَلى العِباداتِ؛ فَإنَّ كُلَّ طاعَةٍ وكُلَّ خَيْرٍ، مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ. ثُمَّ خَصَّ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ بُكْرَةً وأصِيلًا؛ وهي الصَّلاةُ في جَمِيعِ أوْقاتِها؛ لِفَضْلِ الصَّلاةِ عَلى غَيْرِها، أوْ صَلاةِ الفَجْرِ والعِشاءَيْنِ؛ لِأنَّ أداءَها أشَقُّ ومُراعاتَها أشَدُّ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الأحزاب 33:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٣] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ .
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ؛ فَإنَّ صَلاتَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، مَعَ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَها وغِناهُ عَنِ العالَمِينَ، مِمّا يُوجِبُ عَلَيْهِمُ المُداوَلَةَ عَلى ما يَسْتَوْجِبُهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن ذِكْرِهِ تَعالى وتَسْبِيحِهِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا تَهْيِيجٌ إلى الذِّكْرِ؛ أيْ: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَذْكُرُكم فاذْكُرُوهُ أنْتُمْ؛ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] انْتَهى.
والصَّلاةُ: الرَّحْمَةُ والعَطْفُ. والمَعْنى: هو الَّذِي يَتَرَحَّمُ عَلَيْكم ويَتَرَأَّفُ، حَيْثُ يَدْعُوكم إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُكم بِإكْثارِ الذِّكْرِ، والتَّوَفُّرِ عَلى الصَّلاةِ والطّاعَةِ: ﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ﴾ أيْ: ظُلْمَةِ الكُفْرِ والمَعاصِي والشُّبُهاتِ ومَساوِئِ العاداتِ: ﴿إلى النُّورِ﴾ أيْ: نُورِ الإيمانِ والسُّنَّةِ والطّاعَةِ، ومَحاسِنِ الأخْلاقِ: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ أيْ: حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْهم يَتَخَبَّطُونَ في عَمْياءِ الضَّلالَةِ والجَهالَةِ، بَلْ أنارَ لَهُمُ السُّبُلَ وأوْضَحَ لَهُمُ المَعالِمَ. وذَكَرَ المَلائِكَةَ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ وشَأْنِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ لِلْمَلَأِ الأعْلى عِنايَةً وعَطْفًا وتَرَحُّمًا، بِالِاسْتِغْفارِ والدُّعاءِ (p-٤٨٨٠)والثَّناءِ عَلى الجَمِيلِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ [غافر: ٩] الآيَةَ.
الأحزاب 33:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ - ٤٦] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] .
﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ أيْ: يَحْيَوْنَ يَوْمَ لِقائِهِ، بِالمَوْتِ أوِ الخُرُوجِ مِنَ القَبْرِ أوْ دُخُولِ الجَنَّةِ بِسَلامٍ؛ تَبْشِيرًا بِالسَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ وآفَةٍ، والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، والمُحْيِي لَهُمْ، إمّا اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] تَعْظِيمًا لَهم وتَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ، كَما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِصُنُوفِ الإكْرامِ، وإمّا المَلائِكَةُ لِآيَةِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ لِفاعِلِهِ؛ أيْ: تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقَدْ يَسْتَدِلُّ لَهُ بِآيَةِ: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] ﴿وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ وما حَوَتْهُ، مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أيْ: عَلى مَن بُعِثْتَ (p-٤٨٨١)إلَيْهِمْ بِالبَلاغِ: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أيْ: بِالثَّوابِ لِمَن آمَنَ: ﴿ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أيْ: مِنَ النّارِ لِمَن كَفَرَ: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] إلى دِينِهِ وطاعَتِهِ والإقْرارِ بِوَحْدانِيَّتِهِ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] أيْ: بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ: ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] أيْ: يُسْتَضاءُ بِهِ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ويُهْتَدى بِأنْوارِهِ إلى مَناهِجِ الرُّشْدِ والهِدايَةِ.
الأحزاب 33:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ - ٤٦] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] .
﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ أيْ: يَحْيَوْنَ يَوْمَ لِقائِهِ، بِالمَوْتِ أوِ الخُرُوجِ مِنَ القَبْرِ أوْ دُخُولِ الجَنَّةِ بِسَلامٍ؛ تَبْشِيرًا بِالسَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ وآفَةٍ، والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، والمُحْيِي لَهُمْ، إمّا اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] تَعْظِيمًا لَهم وتَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ، كَما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِصُنُوفِ الإكْرامِ، وإمّا المَلائِكَةُ لِآيَةِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ لِفاعِلِهِ؛ أيْ: تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقَدْ يَسْتَدِلُّ لَهُ بِآيَةِ: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] ﴿وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ وما حَوَتْهُ، مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أيْ: عَلى مَن بُعِثْتَ (p-٤٨٨١)إلَيْهِمْ بِالبَلاغِ: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أيْ: بِالثَّوابِ لِمَن آمَنَ: ﴿ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أيْ: مِنَ النّارِ لِمَن كَفَرَ: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] إلى دِينِهِ وطاعَتِهِ والإقْرارِ بِوَحْدانِيَّتِهِ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] أيْ: بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ: ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] أيْ: يُسْتَضاءُ بِهِ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ويُهْتَدى بِأنْوارِهِ إلى مَناهِجِ الرُّشْدِ والهِدايَةِ.
الأحزاب 33:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ - ٤٦] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] .
﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ أيْ: يَحْيَوْنَ يَوْمَ لِقائِهِ، بِالمَوْتِ أوِ الخُرُوجِ مِنَ القَبْرِ أوْ دُخُولِ الجَنَّةِ بِسَلامٍ؛ تَبْشِيرًا بِالسَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ وآفَةٍ، والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، والمُحْيِي لَهُمْ، إمّا اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] تَعْظِيمًا لَهم وتَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ، كَما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِصُنُوفِ الإكْرامِ، وإمّا المَلائِكَةُ لِآيَةِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ لِفاعِلِهِ؛ أيْ: تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقَدْ يَسْتَدِلُّ لَهُ بِآيَةِ: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] ﴿وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ وما حَوَتْهُ، مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أيْ: عَلى مَن بُعِثْتَ (p-٤٨٨١)إلَيْهِمْ بِالبَلاغِ: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أيْ: بِالثَّوابِ لِمَن آمَنَ: ﴿ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أيْ: مِنَ النّارِ لِمَن كَفَرَ: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] إلى دِينِهِ وطاعَتِهِ والإقْرارِ بِوَحْدانِيَّتِهِ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] أيْ: بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ: ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] أيْ: يُسْتَضاءُ بِهِ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ويُهْتَدى بِأنْوارِهِ إلى مَناهِجِ الرُّشْدِ والهِدايَةِ.
الأحزاب 33:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧ - ٤٩] ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] .
﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَظِيمًا وأجْرًا جَزِيلًا: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٨] أيْ: فِيما يَرْجُفُونَ بِهِ، ويَعِيبُونَ مِن جاهِلِيَّتِهِمْ وعَوائِدِهِمْ، بِإلانَةِ الجانِبِ في التَّبْلِيغِ، والمُسامَحَةِ في الإنْذارِ والتَّمَهُّلِ في الصَّدْعِ بِالحَقِّ: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] أيْ: إيصالَ الضَّرَرِ إلَيْهِمْ، مُجازاةً لِفِعْلِهِمْ. بَلِ اعْفُ واصْفَحْ. أوْ مَعْناهُ: دَعْ ما يُؤْذُونَكَ بِهِ بِسَبَبِ صَدْعِكَ إيّاهم. فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ عَلى الأوَّلِ، وإلى المَفْعُولِ عَلى الثّانِي: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٨] أيْ: مَوْكُولًا إلَيْهِ، وكَفِيلًا فِيما وعَدَكَ مِنَ النَّصْرِ، ودَحْرِ ذَوِي الكُفْرِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: تَزَوَّجْتُمُوهُنَّ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: تُجامِعُوهُنَّ: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: تَسْتَوْفُونَ عَدَدَها مِن إحْصاءِ أقْراءٍ، ولا أشْهُرٍ تُحْصُونَها عَلَيْهِنَّ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: أعْطُوهُنَّ ما يَسْتَمْتِعْنَ بِهِ مِن عِرْضٍ (p-٤٨٨٢)أوْ عَيْنِ مالٍ: ﴿وسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: خَلُّوا سَبِيلَهُنَّ بِإخْراجِهِنَّ مِن مَنازِلِكُمْ؛ إذْ لَيْسَ لَكم عَلَيْهِنَّ عِدَّةٌ: ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: مِن غَيْرِ ضِرارٍ ولا مَنعِ حَقٍّ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها أحْكامٌ كَثِيرَةٌ:
مِنها إطْلاقُ النِّكاحِ عَلى العَقْدِ وحْدَهُ. ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أصْرَحُ في ذَلِكَ مِنهُ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في النِّكاحِ؛ هَلْ هو حَقِيقَةٌ في العَقْدِ وحْدَهُ، أوْ في الوَطْءِ، أوْ فِيهِما؟ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ، واسْتِعْمالُ القُرْآنِ، إنَّما هو في العَقْدِ والوَطْءِ بَعْدَهُ، إلّا في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنَّهُ اسْتُعْمِلَ في العَقْدِ وحْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]
وفِيها دَلالَةٌ لِإباحَةِ طَلاقِ المَرْأةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ؛ إذْ لا فَرْقَ في الحُكْمِ بَيْنَ المُؤْمِنَةِ والكِتابِيَّةِ في ذَلِكَ، بِالِاتِّفاقِ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وابْنُ المُسَيِّبِ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وزَيْنُ العابِدِينَ، وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ بِهَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلّا إذا تَقَدَّمَهُ نِكاحٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] بِعَقْبِ النِّكاحِ بِالطَّلاقِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ ولا يَقَعُ قَبْلَهُ. وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، وطائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، وأيَّدَهُ ما رُوِيَ مَرْفُوعًا ««لا طَلاقَ لِابْنِ آدَمَ فِيما لا يَمْلِكُ»» رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وهو أحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ في هَذا البابِ. وهَكَذا رَوى ابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلِيٍّ والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لا طَلاقَ قَبْلَ النِّكاحِ»» . (p-٤٨٨٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] هَذا أمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ، أنَّ المَرْأةَ إذا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها، لا عِدَّةَ عَلَيْها. فَتَذْهَبُ فَتَتَزَوَّجُ في فَوْرِها مَن شاءَتْ، ولا يُسْتَثْنى مِن هَذا إلّا المُتَوَفّى زَوْجُها؛ فَإنَّها تَعْتَدُّ مِنهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِها، بِالإجْماعِ أيْضًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] المُتْعَةُ هَهُنا أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ نِصْفَ الصَّداقِ المُسَمّى، أوِ المُتْعَةُ الخاصَّةُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمّى لَها. قالَ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ كانَ سَمّى لَها صَداقًا، فَلَيْسَ لَها إلّا النِّصْفُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَمّى لَها صَداقًا، فَأمْتَعَها عَلى قَدْرِ عُسْرِهِ ويُسْرِهِ، وهو السَّراحُ الجَمِيلُ. انْتَهى.
وعَلَيْهِ، فالآيَةُ في المُفَوَّضِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَها. وقِيلَ: الآيَةُ عامَّةٌ. وعَلَيْهِ، فَقِيلَ الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وأنَّهُ يَجِبُ مَعَ نِصْفِ المَهْرِ المُتْعَةُ أيْضًا. ومِنهم مَن قالَ لِلِاسْتِحْبابِ، فَيَسْتَحِبُّ أنْ يُمَتِّعَها مَعَ الصَّداقِ بِشَيْءٍ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، هو أنَّ اللَّهَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، ذَكَرَ مَكارِمَ الأخْلاقِ، وأدَّبَ نَبِيَّهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ. لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ المُرْسَلَ، فَكُلَّما ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ مَكْرُمَةً، وعَلَّمَهُ أدَبًا، ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما يُناسِبُهُ. فَكَما بَدَأ اللَّهُ في تَأْدِيبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] وثَنّى بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ العامَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] كَذَلِكَ بَدَأ (p-٤٨٨٤)فِي إرْشادِ المُؤْمِنِينَ بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ثُمَّ ثَنّى بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبٍ مِن تَحْتِ أيْدِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] ثُمَّ، كَما ثَلَّثَ في تَأْدِيبِ النَّبِيِّ بِجانِبِ الأُمَّةِ، ثَلَّثَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ نَبِيِّهِمْ، فَقالَ بَعْدَ هَذا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] انْتَهى.
الأحزاب 33:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧ - ٤٩] ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] .
﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَظِيمًا وأجْرًا جَزِيلًا: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٨] أيْ: فِيما يَرْجُفُونَ بِهِ، ويَعِيبُونَ مِن جاهِلِيَّتِهِمْ وعَوائِدِهِمْ، بِإلانَةِ الجانِبِ في التَّبْلِيغِ، والمُسامَحَةِ في الإنْذارِ والتَّمَهُّلِ في الصَّدْعِ بِالحَقِّ: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] أيْ: إيصالَ الضَّرَرِ إلَيْهِمْ، مُجازاةً لِفِعْلِهِمْ. بَلِ اعْفُ واصْفَحْ. أوْ مَعْناهُ: دَعْ ما يُؤْذُونَكَ بِهِ بِسَبَبِ صَدْعِكَ إيّاهم. فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ عَلى الأوَّلِ، وإلى المَفْعُولِ عَلى الثّانِي: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٨] أيْ: مَوْكُولًا إلَيْهِ، وكَفِيلًا فِيما وعَدَكَ مِنَ النَّصْرِ، ودَحْرِ ذَوِي الكُفْرِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: تَزَوَّجْتُمُوهُنَّ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: تُجامِعُوهُنَّ: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: تَسْتَوْفُونَ عَدَدَها مِن إحْصاءِ أقْراءٍ، ولا أشْهُرٍ تُحْصُونَها عَلَيْهِنَّ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: أعْطُوهُنَّ ما يَسْتَمْتِعْنَ بِهِ مِن عِرْضٍ (p-٤٨٨٢)أوْ عَيْنِ مالٍ: ﴿وسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: خَلُّوا سَبِيلَهُنَّ بِإخْراجِهِنَّ مِن مَنازِلِكُمْ؛ إذْ لَيْسَ لَكم عَلَيْهِنَّ عِدَّةٌ: ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: مِن غَيْرِ ضِرارٍ ولا مَنعِ حَقٍّ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها أحْكامٌ كَثِيرَةٌ:
مِنها إطْلاقُ النِّكاحِ عَلى العَقْدِ وحْدَهُ. ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أصْرَحُ في ذَلِكَ مِنهُ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في النِّكاحِ؛ هَلْ هو حَقِيقَةٌ في العَقْدِ وحْدَهُ، أوْ في الوَطْءِ، أوْ فِيهِما؟ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ، واسْتِعْمالُ القُرْآنِ، إنَّما هو في العَقْدِ والوَطْءِ بَعْدَهُ، إلّا في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنَّهُ اسْتُعْمِلَ في العَقْدِ وحْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]
وفِيها دَلالَةٌ لِإباحَةِ طَلاقِ المَرْأةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ؛ إذْ لا فَرْقَ في الحُكْمِ بَيْنَ المُؤْمِنَةِ والكِتابِيَّةِ في ذَلِكَ، بِالِاتِّفاقِ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وابْنُ المُسَيِّبِ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وزَيْنُ العابِدِينَ، وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ بِهَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلّا إذا تَقَدَّمَهُ نِكاحٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] بِعَقْبِ النِّكاحِ بِالطَّلاقِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ ولا يَقَعُ قَبْلَهُ. وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، وطائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، وأيَّدَهُ ما رُوِيَ مَرْفُوعًا ««لا طَلاقَ لِابْنِ آدَمَ فِيما لا يَمْلِكُ»» رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وهو أحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ في هَذا البابِ. وهَكَذا رَوى ابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلِيٍّ والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لا طَلاقَ قَبْلَ النِّكاحِ»» . (p-٤٨٨٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] هَذا أمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ، أنَّ المَرْأةَ إذا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها، لا عِدَّةَ عَلَيْها. فَتَذْهَبُ فَتَتَزَوَّجُ في فَوْرِها مَن شاءَتْ، ولا يُسْتَثْنى مِن هَذا إلّا المُتَوَفّى زَوْجُها؛ فَإنَّها تَعْتَدُّ مِنهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِها، بِالإجْماعِ أيْضًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] المُتْعَةُ هَهُنا أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ نِصْفَ الصَّداقِ المُسَمّى، أوِ المُتْعَةُ الخاصَّةُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمّى لَها. قالَ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ كانَ سَمّى لَها صَداقًا، فَلَيْسَ لَها إلّا النِّصْفُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَمّى لَها صَداقًا، فَأمْتَعَها عَلى قَدْرِ عُسْرِهِ ويُسْرِهِ، وهو السَّراحُ الجَمِيلُ. انْتَهى.
وعَلَيْهِ، فالآيَةُ في المُفَوَّضِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَها. وقِيلَ: الآيَةُ عامَّةٌ. وعَلَيْهِ، فَقِيلَ الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وأنَّهُ يَجِبُ مَعَ نِصْفِ المَهْرِ المُتْعَةُ أيْضًا. ومِنهم مَن قالَ لِلِاسْتِحْبابِ، فَيَسْتَحِبُّ أنْ يُمَتِّعَها مَعَ الصَّداقِ بِشَيْءٍ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، هو أنَّ اللَّهَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، ذَكَرَ مَكارِمَ الأخْلاقِ، وأدَّبَ نَبِيَّهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ. لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ المُرْسَلَ، فَكُلَّما ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ مَكْرُمَةً، وعَلَّمَهُ أدَبًا، ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما يُناسِبُهُ. فَكَما بَدَأ اللَّهُ في تَأْدِيبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] وثَنّى بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ العامَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] كَذَلِكَ بَدَأ (p-٤٨٨٤)فِي إرْشادِ المُؤْمِنِينَ بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ثُمَّ ثَنّى بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبٍ مِن تَحْتِ أيْدِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] ثُمَّ، كَما ثَلَّثَ في تَأْدِيبِ النَّبِيِّ بِجانِبِ الأُمَّةِ، ثَلَّثَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ نَبِيِّهِمْ، فَقالَ بَعْدَ هَذا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] انْتَهى.
الأحزاب 33:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧ - ٤٩] ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] .
﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَظِيمًا وأجْرًا جَزِيلًا: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٨] أيْ: فِيما يَرْجُفُونَ بِهِ، ويَعِيبُونَ مِن جاهِلِيَّتِهِمْ وعَوائِدِهِمْ، بِإلانَةِ الجانِبِ في التَّبْلِيغِ، والمُسامَحَةِ في الإنْذارِ والتَّمَهُّلِ في الصَّدْعِ بِالحَقِّ: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] أيْ: إيصالَ الضَّرَرِ إلَيْهِمْ، مُجازاةً لِفِعْلِهِمْ. بَلِ اعْفُ واصْفَحْ. أوْ مَعْناهُ: دَعْ ما يُؤْذُونَكَ بِهِ بِسَبَبِ صَدْعِكَ إيّاهم. فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ عَلى الأوَّلِ، وإلى المَفْعُولِ عَلى الثّانِي: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٨] أيْ: مَوْكُولًا إلَيْهِ، وكَفِيلًا فِيما وعَدَكَ مِنَ النَّصْرِ، ودَحْرِ ذَوِي الكُفْرِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: تَزَوَّجْتُمُوهُنَّ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: تُجامِعُوهُنَّ: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: تَسْتَوْفُونَ عَدَدَها مِن إحْصاءِ أقْراءٍ، ولا أشْهُرٍ تُحْصُونَها عَلَيْهِنَّ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: أعْطُوهُنَّ ما يَسْتَمْتِعْنَ بِهِ مِن عِرْضٍ (p-٤٨٨٢)أوْ عَيْنِ مالٍ: ﴿وسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: خَلُّوا سَبِيلَهُنَّ بِإخْراجِهِنَّ مِن مَنازِلِكُمْ؛ إذْ لَيْسَ لَكم عَلَيْهِنَّ عِدَّةٌ: ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: مِن غَيْرِ ضِرارٍ ولا مَنعِ حَقٍّ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها أحْكامٌ كَثِيرَةٌ:
مِنها إطْلاقُ النِّكاحِ عَلى العَقْدِ وحْدَهُ. ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أصْرَحُ في ذَلِكَ مِنهُ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في النِّكاحِ؛ هَلْ هو حَقِيقَةٌ في العَقْدِ وحْدَهُ، أوْ في الوَطْءِ، أوْ فِيهِما؟ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ، واسْتِعْمالُ القُرْآنِ، إنَّما هو في العَقْدِ والوَطْءِ بَعْدَهُ، إلّا في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنَّهُ اسْتُعْمِلَ في العَقْدِ وحْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]
وفِيها دَلالَةٌ لِإباحَةِ طَلاقِ المَرْأةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ؛ إذْ لا فَرْقَ في الحُكْمِ بَيْنَ المُؤْمِنَةِ والكِتابِيَّةِ في ذَلِكَ، بِالِاتِّفاقِ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وابْنُ المُسَيِّبِ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وزَيْنُ العابِدِينَ، وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ بِهَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلّا إذا تَقَدَّمَهُ نِكاحٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] بِعَقْبِ النِّكاحِ بِالطَّلاقِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ ولا يَقَعُ قَبْلَهُ. وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، وطائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، وأيَّدَهُ ما رُوِيَ مَرْفُوعًا ««لا طَلاقَ لِابْنِ آدَمَ فِيما لا يَمْلِكُ»» رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وهو أحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ في هَذا البابِ. وهَكَذا رَوى ابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلِيٍّ والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لا طَلاقَ قَبْلَ النِّكاحِ»» . (p-٤٨٨٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] هَذا أمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ، أنَّ المَرْأةَ إذا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها، لا عِدَّةَ عَلَيْها. فَتَذْهَبُ فَتَتَزَوَّجُ في فَوْرِها مَن شاءَتْ، ولا يُسْتَثْنى مِن هَذا إلّا المُتَوَفّى زَوْجُها؛ فَإنَّها تَعْتَدُّ مِنهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِها، بِالإجْماعِ أيْضًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] المُتْعَةُ هَهُنا أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ نِصْفَ الصَّداقِ المُسَمّى، أوِ المُتْعَةُ الخاصَّةُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمّى لَها. قالَ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ كانَ سَمّى لَها صَداقًا، فَلَيْسَ لَها إلّا النِّصْفُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَمّى لَها صَداقًا، فَأمْتَعَها عَلى قَدْرِ عُسْرِهِ ويُسْرِهِ، وهو السَّراحُ الجَمِيلُ. انْتَهى.
وعَلَيْهِ، فالآيَةُ في المُفَوَّضِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَها. وقِيلَ: الآيَةُ عامَّةٌ. وعَلَيْهِ، فَقِيلَ الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وأنَّهُ يَجِبُ مَعَ نِصْفِ المَهْرِ المُتْعَةُ أيْضًا. ومِنهم مَن قالَ لِلِاسْتِحْبابِ، فَيَسْتَحِبُّ أنْ يُمَتِّعَها مَعَ الصَّداقِ بِشَيْءٍ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، هو أنَّ اللَّهَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، ذَكَرَ مَكارِمَ الأخْلاقِ، وأدَّبَ نَبِيَّهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ. لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ المُرْسَلَ، فَكُلَّما ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ مَكْرُمَةً، وعَلَّمَهُ أدَبًا، ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما يُناسِبُهُ. فَكَما بَدَأ اللَّهُ في تَأْدِيبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] وثَنّى بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ العامَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] كَذَلِكَ بَدَأ (p-٤٨٨٤)فِي إرْشادِ المُؤْمِنِينَ بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ثُمَّ ثَنّى بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبٍ مِن تَحْتِ أيْدِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] ثُمَّ، كَما ثَلَّثَ في تَأْدِيبِ النَّبِيِّ بِجانِبِ الأُمَّةِ، ثَلَّثَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ نَبِيِّهِمْ، فَقالَ بَعْدَ هَذا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] انْتَهى.
الأحزاب 33:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٠] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ فَإنَّها أُجُورُ الأبْضاعِ. وإيتاؤُها، إمّا إعْطاؤُها مُعَجَّلَةً، أوْ تَسْمِيَتُها في العَقْدِ. وكانَ التَّعْجِيلُ دَيْدَنَ السَّلَفِ وسُنَّتَهُمُ، وما لا يُعْرَفُ بَيْنَهم غَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ لِنِسائِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً ونَشًّا، وهو نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فالجَمِيعُ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، إلّا أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ فَإنَّهُ أمْهَرَها عَنْهُ النَّجاشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أرْبَعَمِائَةِ دِينارٍ، وإلّا صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ فَإنَّهُ اصْطَفاها مِن سَبْيِ خَيْبَرَ، ثُمَّ أعْتَقَها وجَعَلَ عِتْقَها صَداقَها، (p-٤٨٨٥)وكَذَلِكَ جُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلَقِيَّةُ أدّى عَنْها كِتابَتَها إلى ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ وتَزَوَّجَها، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ. انْتَهى.
وتَقْيِيدُ الإحْلالِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإعْطاءِ المُهُورِ، لَيْسَ لِتَوَقُّفِ الحَلِّ عَلَيْهِ، ضَرُورَةً أنَّهُ يَصِحُّ العَقْدُ بِلا تَسْمِيَةٍ. ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ أوِ المُتْعَةُ عَلى تَقْدِيرَيِ الدُّخُولِ وعَدَمِهِ. بَلْ لِإيثارِ الأفْضَلِ والأوْلى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَتَقْيِيدِ إحْلالِ المَمْلُوكَةِ بِكَوْنِها مَسْبِيَّةً، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ فَإنَّ المُشْتَراةَ لا يَتَحَقَّقُ بَدْءُ أمْرِها وما جَرى عَلَيْها.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وأباحَ لَكَ التَّسَرِّي مِمّا أخَذْتَ مِنَ المَغانِمِ، وقَدْ مَلَكَ صَفِيَّةَ وجُوَيْرِيَّةَ فَأعْتَقَهُما وتَزَوَّجَهُما، ومَلَكَ رَيْحانَةَ بِنْتَ شَمْعُونَ النَّضْرِيَّةَ، ومارِيَةَ القِبْطِيَّةَ أُمَّ ابْنِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتا مِنَ السَّرارِي، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ، إلى المَدِينَةِ، والتَّقْيِيدُ لِبَيانِ الأفْضَلِ كَما تَقَدَّمَ، ولَهم في إفْرادِ العَمِّ والخالِ وجَمْعِ العَمَّةِ والخالَةِ، عِدَّةُ أوْجُهٍ. فِيها اللَّطِيفُ والضَّعِيفُ، وعِنْدِي أنَّ الإفْرادَ والجَمْعَ تابِعٌ لِمُقْتَضى السَّبْكِ، والنَّظْمِ ورِقَّةِ التَّعْبِيرِ، ورَشاقَةِ التَّأْدِيَةِ؛ كَما يَدْرِيهِ مَن يَذُوقُ طَعْمَ بَلاغَةِ القَوْلِ، ويَشْرَبُ مِن عَيْنِ فَصاحَتِهِ، فالإفْرادُ فِيهِما هُنا أرَقُّ وأعْذَبُ مِنَ الجَمْعِ، كَما أنَّ في آيَةِ: ﴿بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أمْتَنُ وأبْلَغُ مِنَ الإفْرادِ، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، ولِكُلِّ مَجالٍ حالٌ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ أيْ: يَتَزَوَّجَها ويَرْغَبَ في قَبُولِ هِبَةِ نَفْسِها بِدُونِ مَهْرٍ، وقَدْ سَمّى مِنَ الواهِباتِ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحارِثِ، وزَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ أُمَّ المَساكِينِ الأنْصارِيَّةَ، وأُمَّ شَرِيكٍ بِنْتَ جابِرٍ، وخَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ.
(p-٤٨٨٦)وفِي البُخارِيِّ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كُنْتُ أغارُ في اللّائِي وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأقُولُ: أتَهَبُ المَرْأةُ نَفْسَها؟ فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] الآيَةَ -قُلْتُ ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ في هَواكَ».
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ﷺ امْرَأةٌ وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ؛ أيْ: أنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ وإنْ كانَ مُباحًا لَهُ؛ لِأنَّهُ مَرْدُودٌ إلى إرادَتِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وأمّا مَن خَطَبَها ﷺ ولَمْ يَتَزَوَّجْها، ومَن وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ ولَمْ يَتَزَوَّجْها، فَنَحْوَ أرْبَعٍ أوْ خَمْسٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هُنَّ ثَلاثُونَ امْرَأةً. وأهْلُ العِلْمِ بِالسِّيرَةِ وأحْوالِهِ ﷺ، لا يَعْرِفُونَ هَذا بَلْ يُنْكِرُونَهُ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في المَوْضِعَيْنِ بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، لِلتَّكْرِمَةِ والإيذانِ بِأنَّها المَناطُ لِثُبُوتِ الحُكْمِ فَيَخْتَصُّ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَبَ اخْتِصاصِها بِهِ كَما يَنْطَبِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ﴾ أيْ: خَلَصَ لَكَ إحْلالُها خالِصَةً أيْ: خُلُوصًا، فَهي مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، أوْ صِفَتُهُ أيْ: هِبَةٌ خالِصَةٌ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّهم لا تَحِلُّ لَهُمُ المَوْهُوبَةُ إلّا بِوَلِيٍّ ومَهْرٍ، خَوْفَ أنْ يَسْتَسْرِيَ النِّساءَ ويَنْتَشِرَ الفُحْشُ بِدَعْوى ذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: لَيْسَ لِامْرَأةٍ تَهَبُ نَفْسَها لِرَجُلٍ، بِغَيْرِ ولِيٍّ ولا مَهْرٍ إلّا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى المُؤْمِنِينَ: ﴿فِي أزْواجِهِمْ﴾ أيْ: في حَلِّها مِنَ الوَلِيِّ والشُّهُودِ والمُسَمّى: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ أيْ: في حَلِّها مِن تَوْسِيعِ الأمْرِ فِيها.
وقالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): فُسِّرَ بِالِاسْتِبْراءِ، ولَيْسَ لَهُ في القُرْآنِ ذِكْرٌ إلّا ها هُنا.
﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أيْ: ضِيقٌ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: ﴿خالِصَةً﴾ أوْ بِفِعْلٍ يُفْهَمُ (p-٤٨٨٧)مِمّا قَبْلَهُ؛ أيْ: قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ، وأسْقَطْناهُ عَنْكَ لِرَفْعِ الحَرَجِ عَنْكَ والضِّيقِ، فِيما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ والعِنايَةُ بِكَ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: يَغْفِرُ ما يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، ويَرْحَمُ فِيما يُوَسِّعُ في مَواقِعِ الحَرَجِ.