Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — العنكبوت 29:1 – الروم 30:60
المحتويات
- العنكبوت 29:1
- العنكبوت 29:2
- العنكبوت 29:3
- العنكبوت 29:4
- العنكبوت 29:5
- العنكبوت 29:6
- العنكبوت 29:7
- العنكبوت 29:8
- العنكبوت 29:9
- العنكبوت 29:10
- العنكبوت 29:11
- العنكبوت 29:12
- العنكبوت 29:13
- العنكبوت 29:14
- العنكبوت 29:15
- العنكبوت 29:16
- العنكبوت 29:17
- العنكبوت 29:18
- العنكبوت 29:19
- العنكبوت 29:20
- العنكبوت 29:21
- العنكبوت 29:22
- العنكبوت 29:23
- العنكبوت 29:24
- العنكبوت 29:25
- العنكبوت 29:26
- العنكبوت 29:27
- العنكبوت 29:28
- العنكبوت 29:29
- العنكبوت 29:30
- العنكبوت 29:31
- العنكبوت 29:32
- العنكبوت 29:33
- العنكبوت 29:34
- العنكبوت 29:35
- العنكبوت 29:36
- العنكبوت 29:37
- العنكبوت 29:38
- العنكبوت 29:39
- العنكبوت 29:40
- العنكبوت 29:41
- العنكبوت 29:42
- العنكبوت 29:43
- العنكبوت 29:44
- العنكبوت 29:45
- العنكبوت 29:46
- العنكبوت 29:47
- العنكبوت 29:48
- العنكبوت 29:49
- العنكبوت 29:50
- العنكبوت 29:51
- العنكبوت 29:52
- العنكبوت 29:53
- العنكبوت 29:54
- العنكبوت 29:55
- العنكبوت 29:56
- العنكبوت 29:57
- العنكبوت 29:58
- العنكبوت 29:59
- العنكبوت 29:60
- العنكبوت 29:61
- العنكبوت 29:62
- العنكبوت 29:63
- العنكبوت 29:64
- العنكبوت 29:65
- العنكبوت 29:66
- العنكبوت 29:67
- العنكبوت 29:68
- العنكبوت 29:69
- الروم 30:1
- الروم 30:2
- الروم 30:3
- الروم 30:4
- الروم 30:5
- الروم 30:6
- الروم 30:7
- الروم 30:8
- الروم 30:9
- الروم 30:10
- الروم 30:11
- الروم 30:12
- الروم 30:13
- الروم 30:14
- الروم 30:15
- الروم 30:16
- الروم 30:17
- الروم 30:18
- الروم 30:19
- الروم 30:20
- الروم 30:21
- الروم 30:22
- الروم 30:23
- الروم 30:24
- الروم 30:25
- الروم 30:26
- الروم 30:27
- الروم 30:28
- الروم 30:29
- الروم 30:30
- الروم 30:31
- الروم 30:32
- الروم 30:33
- الروم 30:34
- الروم 30:35
- الروم 30:36
- الروم 30:37
- الروم 30:38
- الروم 30:39
- الروم 30:40
- الروم 30:41
- الروم 30:42
- الروم 30:43
- الروم 30:44
- الروم 30:45
- الروم 30:46
- الروم 30:47
- الروم 30:48
- الروم 30:49
- الروم 30:50
- الروم 30:51
- الروم 30:52
- الروم 30:53
- الروم 30:54
- الروم 30:55
- الروم 30:56
- الروم 30:57
- الروم 30:58
- الروم 30:59
- الروم 30:60
العنكبوت 29:1
(p-٤٧٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ العَنْكَبُوتِ
سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى آيَةِ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١] الآيَةَ، المُشِيرُ إنَّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلى قُوَّةِ الأصْنامِ وحِفْظِها عَنِ العَذابِ كالعَنْكَبُوتِ، اعْتَمَدَتْ عَلى قُوَّةِ بَيْتِها الَّتِي لا تَحْتَمِلُ مَسَّ أدْنى الحَشَراتِ والرِّياحِ، وحِفْظَها عَنِ الحَرِّ والبَرْدِ. وهَذا أتَمُّ في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتُثْنِيَ مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ﴾ [العنكبوت: ٦٠] الآيَةَ، ويُقالُ إنَّها آخِرُ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. وآيُها تِسْعٌ وسِتُّونَ. قالَ الدّانِيُّ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(p-٤٧٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٣] ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] أيْ: أحَسِبَ الَّذِينَ أجْرَوْا كَلِمَةَ الشَّهادَةِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وأظْهَرُوا القَوْلَ بِالإيمانِ، أنَّهم يُتْرَكُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ مُمْتَحَنِينَ، بَلْ يَمْحِنُهُمُ اللَّهُ بِضُرُوبِ المِحَنِ، حَتّى يَبْلُوَ صَبْرَهم وثَباتَ أقْدامِهِمْ وصِحَّةَ عَقائِدِهِمْ. لِتَمْيِيزِ المُخْلِصِ مِن غَيْرِ المُخْلِصِ. كَما قالَ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] وكُلُّ هَذِهِ الآياتِ وأمْثالُها مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ في تَثْبِيتِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وتَصْبِيرِهِمْ عَلى ما كانَ يَنالُهم (p-٤٧٣٧)مِن أذى المُشْرِكِينَ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: مِن أتْباعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِضُرُوبٍ مِنَ الفِتَنِ مِن أعْدائِهِمْ، كَما دَوَّنَ التّارِيخُ اضْطِهادَهم. أيْ: فَصَبَرُوا وما وهَنُوا لِما أصابَهم حَتّى عَلَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: في قَوْلِهِمْ: "آمَنّا": ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: فِيهِ: وذَلِكَ بِالِامْتِحانِ.
فَإنْ قِيلَ: يُتَوَهَّمُ مِن صِيغَةِ الفِعْلِ أنَّ عِلْمَهُ حَدَثَ، مَعَ أنَّهُ قَدِيمٌ. إذْ عِلْمُهُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِهِ وبَعْدَهُ، لا يَتَغَيَّرُ. يُجابُ بِأنَّ الحادِثَ هو تَعَلُّقُ عِلْمِهِ بِالمَعْلُومِ بَعْدَ حُدُوثِهِ.
وقالَ النّاصِرُ: فائِدَةُ ذِكْرِ العِلْمِ هاهُنا، وإنْ كانَ سابِقًا عَلى وُجُودِ المَعْلُومِ هو التَّنْبِيهُ بِالسَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ. وهو الجَزاءُ كَأنَّهُ قالَ تَعالى: لَيَعْلَمَنَّهم فَلْيُجازِيَنَّهم بِحَسَبِ عِلْمِهِ فِيهِمْ.
وقالَ المَهايِمِيُّ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: يَظْهَرُ عِلْمُهُ عِنْدَ خَلْقِهِ بِصِدْقِ إيمانِ: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت: ٣] فِيهِ، بِدَلالَةِ ثَباتِهِمْ عَلَيْهِ عِنْدَ المَصائِبِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: ولَيَظْهَرُ عِلْمُهُ بِكَذِبِ دَعْوى: ﴿الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] لِئَلّا يَشْهَدُوا عِنْدَهُ بِإيمانِ الكاذِبِينَ، فَيُنْسَبُ في تَعْذِيبِهِمْ إلى الظُّلْمِ. ولِيَثِقَ المُؤْمِنُونَ بِمَحَبَّةِ الصّادِقِينَ، ويَسْتَظْهِرُوا بِها، ويُحَذِّرُوا عَنْ مَكْرِ الكاذِبِينَ. انْتَهى.
العنكبوت 29:2
(p-٤٧٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ العَنْكَبُوتِ
سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى آيَةِ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١] الآيَةَ، المُشِيرُ إنَّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلى قُوَّةِ الأصْنامِ وحِفْظِها عَنِ العَذابِ كالعَنْكَبُوتِ، اعْتَمَدَتْ عَلى قُوَّةِ بَيْتِها الَّتِي لا تَحْتَمِلُ مَسَّ أدْنى الحَشَراتِ والرِّياحِ، وحِفْظَها عَنِ الحَرِّ والبَرْدِ. وهَذا أتَمُّ في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتُثْنِيَ مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ﴾ [العنكبوت: ٦٠] الآيَةَ، ويُقالُ إنَّها آخِرُ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. وآيُها تِسْعٌ وسِتُّونَ. قالَ الدّانِيُّ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(p-٤٧٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٣] ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] أيْ: أحَسِبَ الَّذِينَ أجْرَوْا كَلِمَةَ الشَّهادَةِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وأظْهَرُوا القَوْلَ بِالإيمانِ، أنَّهم يُتْرَكُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ مُمْتَحَنِينَ، بَلْ يَمْحِنُهُمُ اللَّهُ بِضُرُوبِ المِحَنِ، حَتّى يَبْلُوَ صَبْرَهم وثَباتَ أقْدامِهِمْ وصِحَّةَ عَقائِدِهِمْ. لِتَمْيِيزِ المُخْلِصِ مِن غَيْرِ المُخْلِصِ. كَما قالَ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] وكُلُّ هَذِهِ الآياتِ وأمْثالُها مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ في تَثْبِيتِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وتَصْبِيرِهِمْ عَلى ما كانَ يَنالُهم (p-٤٧٣٧)مِن أذى المُشْرِكِينَ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: مِن أتْباعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِضُرُوبٍ مِنَ الفِتَنِ مِن أعْدائِهِمْ، كَما دَوَّنَ التّارِيخُ اضْطِهادَهم. أيْ: فَصَبَرُوا وما وهَنُوا لِما أصابَهم حَتّى عَلَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: في قَوْلِهِمْ: "آمَنّا": ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: فِيهِ: وذَلِكَ بِالِامْتِحانِ.
فَإنْ قِيلَ: يُتَوَهَّمُ مِن صِيغَةِ الفِعْلِ أنَّ عِلْمَهُ حَدَثَ، مَعَ أنَّهُ قَدِيمٌ. إذْ عِلْمُهُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِهِ وبَعْدَهُ، لا يَتَغَيَّرُ. يُجابُ بِأنَّ الحادِثَ هو تَعَلُّقُ عِلْمِهِ بِالمَعْلُومِ بَعْدَ حُدُوثِهِ.
وقالَ النّاصِرُ: فائِدَةُ ذِكْرِ العِلْمِ هاهُنا، وإنْ كانَ سابِقًا عَلى وُجُودِ المَعْلُومِ هو التَّنْبِيهُ بِالسَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ. وهو الجَزاءُ كَأنَّهُ قالَ تَعالى: لَيَعْلَمَنَّهم فَلْيُجازِيَنَّهم بِحَسَبِ عِلْمِهِ فِيهِمْ.
وقالَ المَهايِمِيُّ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: يَظْهَرُ عِلْمُهُ عِنْدَ خَلْقِهِ بِصِدْقِ إيمانِ: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت: ٣] فِيهِ، بِدَلالَةِ ثَباتِهِمْ عَلَيْهِ عِنْدَ المَصائِبِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: ولَيَظْهَرُ عِلْمُهُ بِكَذِبِ دَعْوى: ﴿الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] لِئَلّا يَشْهَدُوا عِنْدَهُ بِإيمانِ الكاذِبِينَ، فَيُنْسَبُ في تَعْذِيبِهِمْ إلى الظُّلْمِ. ولِيَثِقَ المُؤْمِنُونَ بِمَحَبَّةِ الصّادِقِينَ، ويَسْتَظْهِرُوا بِها، ويُحَذِّرُوا عَنْ مَكْرِ الكاذِبِينَ. انْتَهى.
العنكبوت 29:3
(p-٤٧٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ العَنْكَبُوتِ
سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى آيَةِ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١] الآيَةَ، المُشِيرُ إنَّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلى قُوَّةِ الأصْنامِ وحِفْظِها عَنِ العَذابِ كالعَنْكَبُوتِ، اعْتَمَدَتْ عَلى قُوَّةِ بَيْتِها الَّتِي لا تَحْتَمِلُ مَسَّ أدْنى الحَشَراتِ والرِّياحِ، وحِفْظَها عَنِ الحَرِّ والبَرْدِ. وهَذا أتَمُّ في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتُثْنِيَ مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ﴾ [العنكبوت: ٦٠] الآيَةَ، ويُقالُ إنَّها آخِرُ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. وآيُها تِسْعٌ وسِتُّونَ. قالَ الدّانِيُّ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(p-٤٧٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٣] ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] أيْ: أحَسِبَ الَّذِينَ أجْرَوْا كَلِمَةَ الشَّهادَةِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وأظْهَرُوا القَوْلَ بِالإيمانِ، أنَّهم يُتْرَكُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ مُمْتَحَنِينَ، بَلْ يَمْحِنُهُمُ اللَّهُ بِضُرُوبِ المِحَنِ، حَتّى يَبْلُوَ صَبْرَهم وثَباتَ أقْدامِهِمْ وصِحَّةَ عَقائِدِهِمْ. لِتَمْيِيزِ المُخْلِصِ مِن غَيْرِ المُخْلِصِ. كَما قالَ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] وكُلُّ هَذِهِ الآياتِ وأمْثالُها مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ في تَثْبِيتِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وتَصْبِيرِهِمْ عَلى ما كانَ يَنالُهم (p-٤٧٣٧)مِن أذى المُشْرِكِينَ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: مِن أتْباعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِضُرُوبٍ مِنَ الفِتَنِ مِن أعْدائِهِمْ، كَما دَوَّنَ التّارِيخُ اضْطِهادَهم. أيْ: فَصَبَرُوا وما وهَنُوا لِما أصابَهم حَتّى عَلَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: في قَوْلِهِمْ: "آمَنّا": ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: فِيهِ: وذَلِكَ بِالِامْتِحانِ.
فَإنْ قِيلَ: يُتَوَهَّمُ مِن صِيغَةِ الفِعْلِ أنَّ عِلْمَهُ حَدَثَ، مَعَ أنَّهُ قَدِيمٌ. إذْ عِلْمُهُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِهِ وبَعْدَهُ، لا يَتَغَيَّرُ. يُجابُ بِأنَّ الحادِثَ هو تَعَلُّقُ عِلْمِهِ بِالمَعْلُومِ بَعْدَ حُدُوثِهِ.
وقالَ النّاصِرُ: فائِدَةُ ذِكْرِ العِلْمِ هاهُنا، وإنْ كانَ سابِقًا عَلى وُجُودِ المَعْلُومِ هو التَّنْبِيهُ بِالسَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ. وهو الجَزاءُ كَأنَّهُ قالَ تَعالى: لَيَعْلَمَنَّهم فَلْيُجازِيَنَّهم بِحَسَبِ عِلْمِهِ فِيهِمْ.
وقالَ المَهايِمِيُّ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: يَظْهَرُ عِلْمُهُ عِنْدَ خَلْقِهِ بِصِدْقِ إيمانِ: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت: ٣] فِيهِ، بِدَلالَةِ ثَباتِهِمْ عَلَيْهِ عِنْدَ المَصائِبِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ﴾ [العنكبوت: ٣] أيْ: ولَيَظْهَرُ عِلْمُهُ بِكَذِبِ دَعْوى: ﴿الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] لِئَلّا يَشْهَدُوا عِنْدَهُ بِإيمانِ الكاذِبِينَ، فَيُنْسَبُ في تَعْذِيبِهِمْ إلى الظُّلْمِ. ولِيَثِقَ المُؤْمِنُونَ بِمَحَبَّةِ الصّادِقِينَ، ويَسْتَظْهِرُوا بِها، ويُحَذِّرُوا عَنْ مَكْرِ الكاذِبِينَ. انْتَهى.
العنكبوت 29:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٧] ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧]
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا، فَلا نَقْدِرُ عَلى مُجازاتِهِمْ بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهُمْ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو (p-٤٧٣٨)لِقاءَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥] أيْ: في الجَنَّةِ مِن رُؤْيَتِهِ، والفَوْزِ بِكَرامَتِهِ: ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥] وهو المَوْتُ: ﴿لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] أيْ: فَلْيُبادِرْ ما يُصَدِّقُ رَجاءَهُ ويُحَقِّقُ أمَلَهُ مِنَ الثَّوابِ والتَّواصِي بِالحَقِّ والصَّبْرِ والرَّغْبَةِ فِيما عِنْدَهُ تَعالى. أوِ المَعْنى: مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ، مِن كُلِّ مَن صَدَقَ في إيمانِهِ، وأخْلَصَ في يَقِينِهِ، فاعْلَمْ أنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ. وهو الوَقْتُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا وغايَةً لِظُهُورِ النَّصْرِ والفَتْحِ وعُلُوِّ الحَقِّ وزُهُوقِ الباطِلِ. أيْ: فَلا يَسْتَبْطِئَنَّهُ. فَإنَّهُ آتٍ بِوَعْدِ اللَّهِ الحَقِّ وقَوْلِ الصِّدْقِ. ولَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ ولَعَلَّهُ أنْسَبُ بِقَرِينَةِ السِّياقِ والسِّباقِ. واللَّهُ أعْلَمُ:﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] أيِ: السَّمِيعُ لِأقْوالِهِمُ العَلِيمُ بِضَمائِرِهِمْ وأحْوالِهِمْ: ﴿ومَن جاهَدَ﴾ [العنكبوت: ٦] أيْ: في الصَّبْرِ عَلى البَلاءِ والثَّباتِ عَلى الحَقِّ مَعَ ضُرُوبِ الإيذاءِ: ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] أيْ: لِأنَّهُ يُمَهِّدُ لِنَفْسِهِ، ما يَجْنِي بِهِ ثَمَرَ غَرْسِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧] أيْ: أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ.
العنكبوت 29:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٧] ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧]
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا، فَلا نَقْدِرُ عَلى مُجازاتِهِمْ بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهُمْ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو (p-٤٧٣٨)لِقاءَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥] أيْ: في الجَنَّةِ مِن رُؤْيَتِهِ، والفَوْزِ بِكَرامَتِهِ: ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥] وهو المَوْتُ: ﴿لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] أيْ: فَلْيُبادِرْ ما يُصَدِّقُ رَجاءَهُ ويُحَقِّقُ أمَلَهُ مِنَ الثَّوابِ والتَّواصِي بِالحَقِّ والصَّبْرِ والرَّغْبَةِ فِيما عِنْدَهُ تَعالى. أوِ المَعْنى: مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ، مِن كُلِّ مَن صَدَقَ في إيمانِهِ، وأخْلَصَ في يَقِينِهِ، فاعْلَمْ أنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ. وهو الوَقْتُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا وغايَةً لِظُهُورِ النَّصْرِ والفَتْحِ وعُلُوِّ الحَقِّ وزُهُوقِ الباطِلِ. أيْ: فَلا يَسْتَبْطِئَنَّهُ. فَإنَّهُ آتٍ بِوَعْدِ اللَّهِ الحَقِّ وقَوْلِ الصِّدْقِ. ولَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ ولَعَلَّهُ أنْسَبُ بِقَرِينَةِ السِّياقِ والسِّباقِ. واللَّهُ أعْلَمُ:﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] أيِ: السَّمِيعُ لِأقْوالِهِمُ العَلِيمُ بِضَمائِرِهِمْ وأحْوالِهِمْ: ﴿ومَن جاهَدَ﴾ [العنكبوت: ٦] أيْ: في الصَّبْرِ عَلى البَلاءِ والثَّباتِ عَلى الحَقِّ مَعَ ضُرُوبِ الإيذاءِ: ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] أيْ: لِأنَّهُ يُمَهِّدُ لِنَفْسِهِ، ما يَجْنِي بِهِ ثَمَرَ غَرْسِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧] أيْ: أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ.
العنكبوت 29:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٧] ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧]
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا، فَلا نَقْدِرُ عَلى مُجازاتِهِمْ بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهُمْ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو (p-٤٧٣٨)لِقاءَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥] أيْ: في الجَنَّةِ مِن رُؤْيَتِهِ، والفَوْزِ بِكَرامَتِهِ: ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥] وهو المَوْتُ: ﴿لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] أيْ: فَلْيُبادِرْ ما يُصَدِّقُ رَجاءَهُ ويُحَقِّقُ أمَلَهُ مِنَ الثَّوابِ والتَّواصِي بِالحَقِّ والصَّبْرِ والرَّغْبَةِ فِيما عِنْدَهُ تَعالى. أوِ المَعْنى: مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ، مِن كُلِّ مَن صَدَقَ في إيمانِهِ، وأخْلَصَ في يَقِينِهِ، فاعْلَمْ أنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ. وهو الوَقْتُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا وغايَةً لِظُهُورِ النَّصْرِ والفَتْحِ وعُلُوِّ الحَقِّ وزُهُوقِ الباطِلِ. أيْ: فَلا يَسْتَبْطِئَنَّهُ. فَإنَّهُ آتٍ بِوَعْدِ اللَّهِ الحَقِّ وقَوْلِ الصِّدْقِ. ولَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ ولَعَلَّهُ أنْسَبُ بِقَرِينَةِ السِّياقِ والسِّباقِ. واللَّهُ أعْلَمُ:﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] أيِ: السَّمِيعُ لِأقْوالِهِمُ العَلِيمُ بِضَمائِرِهِمْ وأحْوالِهِمْ: ﴿ومَن جاهَدَ﴾ [العنكبوت: ٦] أيْ: في الصَّبْرِ عَلى البَلاءِ والثَّباتِ عَلى الحَقِّ مَعَ ضُرُوبِ الإيذاءِ: ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] أيْ: لِأنَّهُ يُمَهِّدُ لِنَفْسِهِ، ما يَجْنِي بِهِ ثَمَرَ غَرْسِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧] أيْ: أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ.
العنكبوت 29:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٧] ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧]
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا، فَلا نَقْدِرُ عَلى مُجازاتِهِمْ بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهُمْ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو (p-٤٧٣٨)لِقاءَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥] أيْ: في الجَنَّةِ مِن رُؤْيَتِهِ، والفَوْزِ بِكَرامَتِهِ: ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥] وهو المَوْتُ: ﴿لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] أيْ: فَلْيُبادِرْ ما يُصَدِّقُ رَجاءَهُ ويُحَقِّقُ أمَلَهُ مِنَ الثَّوابِ والتَّواصِي بِالحَقِّ والصَّبْرِ والرَّغْبَةِ فِيما عِنْدَهُ تَعالى. أوِ المَعْنى: مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ، مِن كُلِّ مَن صَدَقَ في إيمانِهِ، وأخْلَصَ في يَقِينِهِ، فاعْلَمْ أنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ. وهو الوَقْتُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا وغايَةً لِظُهُورِ النَّصْرِ والفَتْحِ وعُلُوِّ الحَقِّ وزُهُوقِ الباطِلِ. أيْ: فَلا يَسْتَبْطِئَنَّهُ. فَإنَّهُ آتٍ بِوَعْدِ اللَّهِ الحَقِّ وقَوْلِ الصِّدْقِ. ولَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ ولَعَلَّهُ أنْسَبُ بِقَرِينَةِ السِّياقِ والسِّباقِ. واللَّهُ أعْلَمُ:﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] أيِ: السَّمِيعُ لِأقْوالِهِمُ العَلِيمُ بِضَمائِرِهِمْ وأحْوالِهِمْ: ﴿ومَن جاهَدَ﴾ [العنكبوت: ٦] أيْ: في الصَّبْرِ عَلى البَلاءِ والثَّباتِ عَلى الحَقِّ مَعَ ضُرُوبِ الإيذاءِ: ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] أيْ: لِأنَّهُ يُمَهِّدُ لِنَفْسِهِ، ما يَجْنِي بِهِ ثَمَرَ غَرْسِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧] أيْ: أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ.
العنكبوت 29:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ٩] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩]
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ أيْ: أمَرْناهُ أمْرًا مُؤَكَّدًا بِإيلاءِ والِدَيْهِ فِعْلًا ذا حُسْنٍ عَظِيمٍ: ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ: في الشِّرْكِ، إذا حَمَلاكَ عَلَيْهِ. ومَعْنى: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَكَ بِإلَهِيَّتِهِ. قالَ القاضِي: عَبَّرَ عَنْ نَفْيِها بِنَفْيِ العِلْمِ بِها، لِلْإيذانِ بِأنَّ ما لَمْ يُعْلَمْ صِحَّتُهُ، لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ بُطْلانُهُ. فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ؟ ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلَيَّ مَرْجِعُ مَن آمَنَ مِنكم ومَن أشْرَكَ. فَأُجازِيكم حَقَّ جَزائِكم. فِيهِ التَّحْذِيرُ مِن مُتابَعَتِهِما عَلى الشِّرْكِ (p-٤٧٣٩)والحَثِّ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ، بِذِكْرِ المَرْجِعِ والوَعِيدِ. وقَدْ رُوِيَ «أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ الزُّهْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ أسْلَمَ، قالَتْ أُمُّهُ: يا سَعْدُ ! بَلَغَنِي أنَّكَ قَدْ صَبَأْتَ. فَواللَّهِ! لا يُظِلُّنِي سَقْفُ بَيْتٍ مِنَ الضِّحِّ والرِّيحِ. وإنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ عَلَيَّ حَرامٌ، حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وكانَ أحَبَّ ولَدِها إلَيْها. فَأبى سَعْدٌ. وبَقِيَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ كَذَلِكَ. فَجاءَ سَعْدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وشَكا إلَيْهِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والَّتِي في لُقْمانَ، والَّتِي في الأحْقافِ. فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُدارِيَها ويَتَرَضّاها بِالإحْسانِ». ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَعْدٍ قالَ: قالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ. فَذَكَرَ قِصَّتَهُ وقالَ: قالَتْ أُمُّ سَعْدٍ: ألَيْسَ اللَّهُ قَدْ أمَرَكَ بِالبِرِّ؟ واللَّهِ لا أطْعَمُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى أمُوتَ، أوْ تَكْفُرَ. فَكانُوا إذا أرادُوا أنْ يُطْعِمُوها شَجَّرُوا فاها. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ أيْضًا.
وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩] أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ والكَمالِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والصَّلاحُ مِن أبْلَغِ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُتَمَنّى أنْبِياءِ اللَّهِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢] أوِ المَعْنى: في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ وهي الجَنَّةُ. وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] الآيَةَ.
العنكبوت 29:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ٩] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩]
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ أيْ: أمَرْناهُ أمْرًا مُؤَكَّدًا بِإيلاءِ والِدَيْهِ فِعْلًا ذا حُسْنٍ عَظِيمٍ: ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ: في الشِّرْكِ، إذا حَمَلاكَ عَلَيْهِ. ومَعْنى: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَكَ بِإلَهِيَّتِهِ. قالَ القاضِي: عَبَّرَ عَنْ نَفْيِها بِنَفْيِ العِلْمِ بِها، لِلْإيذانِ بِأنَّ ما لَمْ يُعْلَمْ صِحَّتُهُ، لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ بُطْلانُهُ. فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ؟ ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلَيَّ مَرْجِعُ مَن آمَنَ مِنكم ومَن أشْرَكَ. فَأُجازِيكم حَقَّ جَزائِكم. فِيهِ التَّحْذِيرُ مِن مُتابَعَتِهِما عَلى الشِّرْكِ (p-٤٧٣٩)والحَثِّ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ، بِذِكْرِ المَرْجِعِ والوَعِيدِ. وقَدْ رُوِيَ «أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ الزُّهْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ أسْلَمَ، قالَتْ أُمُّهُ: يا سَعْدُ ! بَلَغَنِي أنَّكَ قَدْ صَبَأْتَ. فَواللَّهِ! لا يُظِلُّنِي سَقْفُ بَيْتٍ مِنَ الضِّحِّ والرِّيحِ. وإنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ عَلَيَّ حَرامٌ، حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وكانَ أحَبَّ ولَدِها إلَيْها. فَأبى سَعْدٌ. وبَقِيَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ كَذَلِكَ. فَجاءَ سَعْدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وشَكا إلَيْهِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والَّتِي في لُقْمانَ، والَّتِي في الأحْقافِ. فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُدارِيَها ويَتَرَضّاها بِالإحْسانِ». ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَعْدٍ قالَ: قالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ. فَذَكَرَ قِصَّتَهُ وقالَ: قالَتْ أُمُّ سَعْدٍ: ألَيْسَ اللَّهُ قَدْ أمَرَكَ بِالبِرِّ؟ واللَّهِ لا أطْعَمُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى أمُوتَ، أوْ تَكْفُرَ. فَكانُوا إذا أرادُوا أنْ يُطْعِمُوها شَجَّرُوا فاها. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ أيْضًا.
وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩] أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ والكَمالِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والصَّلاحُ مِن أبْلَغِ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُتَمَنّى أنْبِياءِ اللَّهِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢] أوِ المَعْنى: في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ وهي الجَنَّةُ. وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] الآيَةَ.
العنكبوت 29:10
(p-٤٧٤٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَعَلَ ما يُصِيبُهُ في الصَّرْفِ عَنِ الإيمانِ مِن ضُرُوبِ الإيذاءِ، بِسَبَبِهِ، مِثْلَ عَذابِ اللَّهِ في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، فَيَرْتَدُّ عَنِ الدِّينِ. مَعَ أنَّ مُقْتَضى إيمانِهِ أنْ يَصْبِرَ ويَتَشَجَّعَ ويَتَلَقّى ما يَنالُهُ في اللَّهِ بِالرِّضا، يَرى العَذابَ فِيهِ عُذُوبَةً والمِحْنَةَ مِنحَةً. فَإنَّ العاقِبَةَ لِلتَّقْوى وسَعادَةَ الدّارَيْنِ لِأهْلِها: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: مِنَ التَّلْبِيسِ والإخْلاصِ. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ [الحج: ١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] وقالَ تَعالى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]
العنكبوت 29:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٣] ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ (p-٤٧٤١)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢] ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣]
﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِإخْلاصِهِمْ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حَمْلَ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِمَن آمَنَ عَلى الكُفْرِ بِالِاسْتِمالَةِ، بَعْدَ بَيانِ حَمْلِهِمْ لَهم عَلَيْهِمْ بِالأذِيَّةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] أيْ: إنْ كانَ ذَلِكَ خَطِيئَةً يُؤاخَذُ عَلَيْها بِالبَعْثِ، فَتَبِعَتُها عَلَيْنا وفي رِقابِنا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كَما يَقُولُ القائِلُ: افْعَلْ كَذا وخَطِيئَتُكَ في رَقَبَتِي. قالَ اللَّهُ تَعالى تَكْذِيبًا لَهُمْ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢] ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وهي أوْزارُ أنْفُسِهِمْ: ﴿وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] أيْ: وأوْزارًا أُخَرَ مَعَ أوْزارِ أنْفُسِهِمْ. يَعْنِي أوْزارَ الإضْلالِ والحَمْلِ عَلى الكُفْرِ والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] وفي الصَّحِيحِ: ««مَن دَعا إلى هُدًى كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقِصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا. ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَنِ اتَّبَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، مِن غَيْرِ أنْ يُنْقِصَ مِن آثامِهِمْ شَيْئًا»»: ﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣] أيْ: مِنَ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى افْتِتانَ الأنْبِياءِ بِأذِيَّةِ أُمَمِهِمْ، إثْرَ بَيانِ افْتِتانِ المُؤْمِنِينَ بِأذِيَّةِ الكُفّارِ، تَأْكِيدَ الإنْكارِ عَلى الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنْ يُتْرَكُوا بِمُجَرَّدِ الإيمانِ بِلا ابْتِلاءٍ، وحَثًّا لَهم عَلى الصَّبْرِ تَأسِّيًا بِالأنْبِياءِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
العنكبوت 29:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٣] ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ (p-٤٧٤١)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢] ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣]
﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِإخْلاصِهِمْ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حَمْلَ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِمَن آمَنَ عَلى الكُفْرِ بِالِاسْتِمالَةِ، بَعْدَ بَيانِ حَمْلِهِمْ لَهم عَلَيْهِمْ بِالأذِيَّةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] أيْ: إنْ كانَ ذَلِكَ خَطِيئَةً يُؤاخَذُ عَلَيْها بِالبَعْثِ، فَتَبِعَتُها عَلَيْنا وفي رِقابِنا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كَما يَقُولُ القائِلُ: افْعَلْ كَذا وخَطِيئَتُكَ في رَقَبَتِي. قالَ اللَّهُ تَعالى تَكْذِيبًا لَهُمْ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢] ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وهي أوْزارُ أنْفُسِهِمْ: ﴿وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] أيْ: وأوْزارًا أُخَرَ مَعَ أوْزارِ أنْفُسِهِمْ. يَعْنِي أوْزارَ الإضْلالِ والحَمْلِ عَلى الكُفْرِ والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] وفي الصَّحِيحِ: ««مَن دَعا إلى هُدًى كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقِصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا. ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَنِ اتَّبَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، مِن غَيْرِ أنْ يُنْقِصَ مِن آثامِهِمْ شَيْئًا»»: ﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣] أيْ: مِنَ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى افْتِتانَ الأنْبِياءِ بِأذِيَّةِ أُمَمِهِمْ، إثْرَ بَيانِ افْتِتانِ المُؤْمِنِينَ بِأذِيَّةِ الكُفّارِ، تَأْكِيدَ الإنْكارِ عَلى الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنْ يُتْرَكُوا بِمُجَرَّدِ الإيمانِ بِلا ابْتِلاءٍ، وحَثًّا لَهم عَلى الصَّبْرِ تَأسِّيًا بِالأنْبِياءِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
العنكبوت 29:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٣] ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ (p-٤٧٤١)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢] ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣]
﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِإخْلاصِهِمْ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حَمْلَ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِمَن آمَنَ عَلى الكُفْرِ بِالِاسْتِمالَةِ، بَعْدَ بَيانِ حَمْلِهِمْ لَهم عَلَيْهِمْ بِالأذِيَّةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] أيْ: إنْ كانَ ذَلِكَ خَطِيئَةً يُؤاخَذُ عَلَيْها بِالبَعْثِ، فَتَبِعَتُها عَلَيْنا وفي رِقابِنا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كَما يَقُولُ القائِلُ: افْعَلْ كَذا وخَطِيئَتُكَ في رَقَبَتِي. قالَ اللَّهُ تَعالى تَكْذِيبًا لَهُمْ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢] ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وهي أوْزارُ أنْفُسِهِمْ: ﴿وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] أيْ: وأوْزارًا أُخَرَ مَعَ أوْزارِ أنْفُسِهِمْ. يَعْنِي أوْزارَ الإضْلالِ والحَمْلِ عَلى الكُفْرِ والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] وفي الصَّحِيحِ: ««مَن دَعا إلى هُدًى كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقِصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا. ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَنِ اتَّبَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، مِن غَيْرِ أنْ يُنْقِصَ مِن آثامِهِمْ شَيْئًا»»: ﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣] أيْ: مِنَ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى افْتِتانَ الأنْبِياءِ بِأذِيَّةِ أُمَمِهِمْ، إثْرَ بَيانِ افْتِتانِ المُؤْمِنِينَ بِأذِيَّةِ الكُفّارِ، تَأْكِيدَ الإنْكارِ عَلى الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنْ يُتْرَكُوا بِمُجَرَّدِ الإيمانِ بِلا ابْتِلاءٍ، وحَثًّا لَهم عَلى الصَّبْرِ تَأسِّيًا بِالأنْبِياءِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
العنكبوت 29:14
(p-٤٧٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٩] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً﴾ [العنكبوت: ١٥] أيْ: هَذِهِ الحادِثَةُ الهائِلَةُ مَوْعِظَةٌ: ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] أيْ: كَذِبًا، في تَسْمِيَتِها آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ، وشُفَعاءَ إلَيْهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ (p-٤٧٤٣)تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] أيِ: التَّبْلِيغُ الَّذِي يُزِيلُ كُلَّ لَبْسٍ وما عَلَيْهِ أنْ يُصَدِّقَهُ قَوْمُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩] إرْشادٌ إلى إثْباتِ المَعادِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ مَعَ وُضُوحِ دَلِيلِهِ، وذَلِكَ بِما يُشاهِدُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، ثُمَّ وُجِدُوا وصارُوا أُناسًا سامِعِينَ مُبْصِرِينَ. فالَّذِي بَدَأ هَذا، قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ. فَإنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يُعِيدُهُ" عَطْفٌ عَلى "أوْلَمْ يَرَوْا" لا عَلى "يُبْدِئُ" لِعَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ. فَهو إخْبارٌ بِأنَّهُ تَعالى يُعِيدُ الخَلْقَ قِياسًا عَلى الِابْتِداءِ. وقَدْ جُوِّزَ العَطْفُ عَلى "يُبْدِئُ" بِتَأْوِيلِ (الإبْداءِ) بِإبْداءِ ما يُشاهِدُهُ، كالنَّباتِ وأوْراقِ الأشْجارِ وغَيْرِهِما. والإعادَةُ بِإنْشائِهِ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ، مِثْلَ ما أنْشَأهُ في السَّنَةِ السّابِقَةِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ وغَيْرِهِما. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ وُقُوعُهُ مِن غَيْرِ رَيْبٍ. فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ العَطْفُ.
قالَ الشِّهابُ: لَكِنَّهُ غَيْرُ مُلاقٍ لِما وقَعَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ: وبِهَذا التَّقْرِيرِ سَقَطَ ما قِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِالرُّؤْيَةِ العِلْمُ فَكِلاهُما مَعْلُومٌ. وإنَّ أُرِيدُ الإبْصارَ فَهَمّا غَيْرُ مَرْئِيَّيْنِ. مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ما أخْبَرَ بِهِ اللَّهُ تَعالى لِتَحَقُّقِهِ، كَأنَّهُ مُشاهَدٌ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ [العنكبوت: ١٩] أيْ: ما ذَكَرَهُ، وهو الإعادَةُ: ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]
العنكبوت 29:15
(p-٤٧٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٩] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً﴾ [العنكبوت: ١٥] أيْ: هَذِهِ الحادِثَةُ الهائِلَةُ مَوْعِظَةٌ: ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] أيْ: كَذِبًا، في تَسْمِيَتِها آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ، وشُفَعاءَ إلَيْهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ (p-٤٧٤٣)تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] أيِ: التَّبْلِيغُ الَّذِي يُزِيلُ كُلَّ لَبْسٍ وما عَلَيْهِ أنْ يُصَدِّقَهُ قَوْمُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩] إرْشادٌ إلى إثْباتِ المَعادِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ مَعَ وُضُوحِ دَلِيلِهِ، وذَلِكَ بِما يُشاهِدُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، ثُمَّ وُجِدُوا وصارُوا أُناسًا سامِعِينَ مُبْصِرِينَ. فالَّذِي بَدَأ هَذا، قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ. فَإنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يُعِيدُهُ" عَطْفٌ عَلى "أوْلَمْ يَرَوْا" لا عَلى "يُبْدِئُ" لِعَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ. فَهو إخْبارٌ بِأنَّهُ تَعالى يُعِيدُ الخَلْقَ قِياسًا عَلى الِابْتِداءِ. وقَدْ جُوِّزَ العَطْفُ عَلى "يُبْدِئُ" بِتَأْوِيلِ (الإبْداءِ) بِإبْداءِ ما يُشاهِدُهُ، كالنَّباتِ وأوْراقِ الأشْجارِ وغَيْرِهِما. والإعادَةُ بِإنْشائِهِ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ، مِثْلَ ما أنْشَأهُ في السَّنَةِ السّابِقَةِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ وغَيْرِهِما. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ وُقُوعُهُ مِن غَيْرِ رَيْبٍ. فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ العَطْفُ.
قالَ الشِّهابُ: لَكِنَّهُ غَيْرُ مُلاقٍ لِما وقَعَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ: وبِهَذا التَّقْرِيرِ سَقَطَ ما قِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِالرُّؤْيَةِ العِلْمُ فَكِلاهُما مَعْلُومٌ. وإنَّ أُرِيدُ الإبْصارَ فَهَمّا غَيْرُ مَرْئِيَّيْنِ. مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ما أخْبَرَ بِهِ اللَّهُ تَعالى لِتَحَقُّقِهِ، كَأنَّهُ مُشاهَدٌ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ [العنكبوت: ١٩] أيْ: ما ذَكَرَهُ، وهو الإعادَةُ: ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]
العنكبوت 29:16
(p-٤٧٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٩] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً﴾ [العنكبوت: ١٥] أيْ: هَذِهِ الحادِثَةُ الهائِلَةُ مَوْعِظَةٌ: ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] أيْ: كَذِبًا، في تَسْمِيَتِها آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ، وشُفَعاءَ إلَيْهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ (p-٤٧٤٣)تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] أيِ: التَّبْلِيغُ الَّذِي يُزِيلُ كُلَّ لَبْسٍ وما عَلَيْهِ أنْ يُصَدِّقَهُ قَوْمُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩] إرْشادٌ إلى إثْباتِ المَعادِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ مَعَ وُضُوحِ دَلِيلِهِ، وذَلِكَ بِما يُشاهِدُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، ثُمَّ وُجِدُوا وصارُوا أُناسًا سامِعِينَ مُبْصِرِينَ. فالَّذِي بَدَأ هَذا، قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ. فَإنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يُعِيدُهُ" عَطْفٌ عَلى "أوْلَمْ يَرَوْا" لا عَلى "يُبْدِئُ" لِعَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ. فَهو إخْبارٌ بِأنَّهُ تَعالى يُعِيدُ الخَلْقَ قِياسًا عَلى الِابْتِداءِ. وقَدْ جُوِّزَ العَطْفُ عَلى "يُبْدِئُ" بِتَأْوِيلِ (الإبْداءِ) بِإبْداءِ ما يُشاهِدُهُ، كالنَّباتِ وأوْراقِ الأشْجارِ وغَيْرِهِما. والإعادَةُ بِإنْشائِهِ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ، مِثْلَ ما أنْشَأهُ في السَّنَةِ السّابِقَةِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ وغَيْرِهِما. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ وُقُوعُهُ مِن غَيْرِ رَيْبٍ. فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ العَطْفُ.
قالَ الشِّهابُ: لَكِنَّهُ غَيْرُ مُلاقٍ لِما وقَعَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ: وبِهَذا التَّقْرِيرِ سَقَطَ ما قِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِالرُّؤْيَةِ العِلْمُ فَكِلاهُما مَعْلُومٌ. وإنَّ أُرِيدُ الإبْصارَ فَهَمّا غَيْرُ مَرْئِيَّيْنِ. مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ما أخْبَرَ بِهِ اللَّهُ تَعالى لِتَحَقُّقِهِ، كَأنَّهُ مُشاهَدٌ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ [العنكبوت: ١٩] أيْ: ما ذَكَرَهُ، وهو الإعادَةُ: ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]
العنكبوت 29:17
(p-٤٧٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٩] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً﴾ [العنكبوت: ١٥] أيْ: هَذِهِ الحادِثَةُ الهائِلَةُ مَوْعِظَةٌ: ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] أيْ: كَذِبًا، في تَسْمِيَتِها آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ، وشُفَعاءَ إلَيْهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ (p-٤٧٤٣)تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] أيِ: التَّبْلِيغُ الَّذِي يُزِيلُ كُلَّ لَبْسٍ وما عَلَيْهِ أنْ يُصَدِّقَهُ قَوْمُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩] إرْشادٌ إلى إثْباتِ المَعادِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ مَعَ وُضُوحِ دَلِيلِهِ، وذَلِكَ بِما يُشاهِدُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، ثُمَّ وُجِدُوا وصارُوا أُناسًا سامِعِينَ مُبْصِرِينَ. فالَّذِي بَدَأ هَذا، قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ. فَإنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يُعِيدُهُ" عَطْفٌ عَلى "أوْلَمْ يَرَوْا" لا عَلى "يُبْدِئُ" لِعَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ. فَهو إخْبارٌ بِأنَّهُ تَعالى يُعِيدُ الخَلْقَ قِياسًا عَلى الِابْتِداءِ. وقَدْ جُوِّزَ العَطْفُ عَلى "يُبْدِئُ" بِتَأْوِيلِ (الإبْداءِ) بِإبْداءِ ما يُشاهِدُهُ، كالنَّباتِ وأوْراقِ الأشْجارِ وغَيْرِهِما. والإعادَةُ بِإنْشائِهِ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ، مِثْلَ ما أنْشَأهُ في السَّنَةِ السّابِقَةِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ وغَيْرِهِما. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ وُقُوعُهُ مِن غَيْرِ رَيْبٍ. فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ العَطْفُ.
قالَ الشِّهابُ: لَكِنَّهُ غَيْرُ مُلاقٍ لِما وقَعَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ: وبِهَذا التَّقْرِيرِ سَقَطَ ما قِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِالرُّؤْيَةِ العِلْمُ فَكِلاهُما مَعْلُومٌ. وإنَّ أُرِيدُ الإبْصارَ فَهَمّا غَيْرُ مَرْئِيَّيْنِ. مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ما أخْبَرَ بِهِ اللَّهُ تَعالى لِتَحَقُّقِهِ، كَأنَّهُ مُشاهَدٌ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ [العنكبوت: ١٩] أيْ: ما ذَكَرَهُ، وهو الإعادَةُ: ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]
العنكبوت 29:18
(p-٤٧٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٩] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً﴾ [العنكبوت: ١٥] أيْ: هَذِهِ الحادِثَةُ الهائِلَةُ مَوْعِظَةٌ: ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] أيْ: كَذِبًا، في تَسْمِيَتِها آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ، وشُفَعاءَ إلَيْهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ (p-٤٧٤٣)تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] أيِ: التَّبْلِيغُ الَّذِي يُزِيلُ كُلَّ لَبْسٍ وما عَلَيْهِ أنْ يُصَدِّقَهُ قَوْمُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩] إرْشادٌ إلى إثْباتِ المَعادِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ مَعَ وُضُوحِ دَلِيلِهِ، وذَلِكَ بِما يُشاهِدُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، ثُمَّ وُجِدُوا وصارُوا أُناسًا سامِعِينَ مُبْصِرِينَ. فالَّذِي بَدَأ هَذا، قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ. فَإنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يُعِيدُهُ" عَطْفٌ عَلى "أوْلَمْ يَرَوْا" لا عَلى "يُبْدِئُ" لِعَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ. فَهو إخْبارٌ بِأنَّهُ تَعالى يُعِيدُ الخَلْقَ قِياسًا عَلى الِابْتِداءِ. وقَدْ جُوِّزَ العَطْفُ عَلى "يُبْدِئُ" بِتَأْوِيلِ (الإبْداءِ) بِإبْداءِ ما يُشاهِدُهُ، كالنَّباتِ وأوْراقِ الأشْجارِ وغَيْرِهِما. والإعادَةُ بِإنْشائِهِ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ، مِثْلَ ما أنْشَأهُ في السَّنَةِ السّابِقَةِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ وغَيْرِهِما. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ وُقُوعُهُ مِن غَيْرِ رَيْبٍ. فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ العَطْفُ.
قالَ الشِّهابُ: لَكِنَّهُ غَيْرُ مُلاقٍ لِما وقَعَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ: وبِهَذا التَّقْرِيرِ سَقَطَ ما قِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِالرُّؤْيَةِ العِلْمُ فَكِلاهُما مَعْلُومٌ. وإنَّ أُرِيدُ الإبْصارَ فَهَمّا غَيْرُ مَرْئِيَّيْنِ. مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ما أخْبَرَ بِهِ اللَّهُ تَعالى لِتَحَقُّقِهِ، كَأنَّهُ مُشاهَدٌ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ [العنكبوت: ١٩] أيْ: ما ذَكَرَهُ، وهو الإعادَةُ: ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]
العنكبوت 29:19
(p-٤٧٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٩] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً﴾ [العنكبوت: ١٥] أيْ: هَذِهِ الحادِثَةُ الهائِلَةُ مَوْعِظَةٌ: ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] أيْ: كَذِبًا، في تَسْمِيَتِها آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ، وشُفَعاءَ إلَيْهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وإنْ (p-٤٧٤٣)تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] أيِ: التَّبْلِيغُ الَّذِي يُزِيلُ كُلَّ لَبْسٍ وما عَلَيْهِ أنْ يُصَدِّقَهُ قَوْمُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩] إرْشادٌ إلى إثْباتِ المَعادِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ مَعَ وُضُوحِ دَلِيلِهِ، وذَلِكَ بِما يُشاهِدُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، ثُمَّ وُجِدُوا وصارُوا أُناسًا سامِعِينَ مُبْصِرِينَ. فالَّذِي بَدَأ هَذا، قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ. فَإنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يُعِيدُهُ" عَطْفٌ عَلى "أوْلَمْ يَرَوْا" لا عَلى "يُبْدِئُ" لِعَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ. فَهو إخْبارٌ بِأنَّهُ تَعالى يُعِيدُ الخَلْقَ قِياسًا عَلى الِابْتِداءِ. وقَدْ جُوِّزَ العَطْفُ عَلى "يُبْدِئُ" بِتَأْوِيلِ (الإبْداءِ) بِإبْداءِ ما يُشاهِدُهُ، كالنَّباتِ وأوْراقِ الأشْجارِ وغَيْرِهِما. والإعادَةُ بِإنْشائِهِ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ، مِثْلَ ما أنْشَأهُ في السَّنَةِ السّابِقَةِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ وغَيْرِهِما. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ وُقُوعُهُ مِن غَيْرِ رَيْبٍ. فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ العَطْفُ.
قالَ الشِّهابُ: لَكِنَّهُ غَيْرُ مُلاقٍ لِما وقَعَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ: وبِهَذا التَّقْرِيرِ سَقَطَ ما قِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِالرُّؤْيَةِ العِلْمُ فَكِلاهُما مَعْلُومٌ. وإنَّ أُرِيدُ الإبْصارَ فَهَمّا غَيْرُ مَرْئِيَّيْنِ. مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ما أخْبَرَ بِهِ اللَّهُ تَعالى لِتَحَقُّقِهِ، كَأنَّهُ مُشاهَدٌ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ [العنكبوت: ١٩] أيْ: ما ذَكَرَهُ، وهو الإعادَةُ: ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]
العنكبوت 29:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢٤] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] (p-٤٧٤٤)﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ أيْ: كَيْفَ خَلَقَهُمُ ابْتِداءً عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وطَبائِعَ مُتَغايِرَةٍ وأخْلاقٍ شَتّى. فَإنَّ تَرْتِيبَ النَّظَرِ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ، مُؤْذِي يَتْبَعُ أحْوالَ أصْنافِ الخَلْقِ القاطِنِينَ في أقْطارِها: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ أيِ: الخَلْقَ الآخَرَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] أيْ: بَعْدَ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، وهُمُ المُنْكِرُونَ لَها: ﴿ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِها: ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أيْ: بِالتَّوارِي في الأرْضِ، ولا بِالتَّحَصُّنِ في السَّماءِ الَّتِي هي أفْسَحُ مِنها، لَوِ اسْتَطَعْتُمُ الرُّقِيَّ فِيها. أوِ القِلاعَ الذّاهِبَةَ فِيها. فَيَكُونُ المُرادُ بِالسَّماءِ ما ارْتَفَعَ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا مَن في السَّماءِ، فَحُذِفَ اسْمُ المَوْصُولِ وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: ولا مَن في السَّماءِ بِمُعْجِزِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ "أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ" وفِيهِ تَكَلُّفٌ وضَعْفٌ صِناعِيٌّ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أيْ: يُدافِعُ عَنْكم ما يُرادُ بِكُمْ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما أجابَ بِهِ قَوْمُ إبْراهِيمَ، بَعْدَ دَعْوَتِهِ إيّاهم وعِظاتِهِ البالِغَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]
العنكبوت 29:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢٤] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] (p-٤٧٤٤)﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ أيْ: كَيْفَ خَلَقَهُمُ ابْتِداءً عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وطَبائِعَ مُتَغايِرَةٍ وأخْلاقٍ شَتّى. فَإنَّ تَرْتِيبَ النَّظَرِ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ، مُؤْذِي يَتْبَعُ أحْوالَ أصْنافِ الخَلْقِ القاطِنِينَ في أقْطارِها: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ أيِ: الخَلْقَ الآخَرَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] أيْ: بَعْدَ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، وهُمُ المُنْكِرُونَ لَها: ﴿ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِها: ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أيْ: بِالتَّوارِي في الأرْضِ، ولا بِالتَّحَصُّنِ في السَّماءِ الَّتِي هي أفْسَحُ مِنها، لَوِ اسْتَطَعْتُمُ الرُّقِيَّ فِيها. أوِ القِلاعَ الذّاهِبَةَ فِيها. فَيَكُونُ المُرادُ بِالسَّماءِ ما ارْتَفَعَ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا مَن في السَّماءِ، فَحُذِفَ اسْمُ المَوْصُولِ وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: ولا مَن في السَّماءِ بِمُعْجِزِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ "أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ" وفِيهِ تَكَلُّفٌ وضَعْفٌ صِناعِيٌّ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أيْ: يُدافِعُ عَنْكم ما يُرادُ بِكُمْ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما أجابَ بِهِ قَوْمُ إبْراهِيمَ، بَعْدَ دَعْوَتِهِ إيّاهم وعِظاتِهِ البالِغَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]
العنكبوت 29:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢٤] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] (p-٤٧٤٤)﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ أيْ: كَيْفَ خَلَقَهُمُ ابْتِداءً عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وطَبائِعَ مُتَغايِرَةٍ وأخْلاقٍ شَتّى. فَإنَّ تَرْتِيبَ النَّظَرِ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ، مُؤْذِي يَتْبَعُ أحْوالَ أصْنافِ الخَلْقِ القاطِنِينَ في أقْطارِها: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ أيِ: الخَلْقَ الآخَرَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] أيْ: بَعْدَ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، وهُمُ المُنْكِرُونَ لَها: ﴿ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِها: ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أيْ: بِالتَّوارِي في الأرْضِ، ولا بِالتَّحَصُّنِ في السَّماءِ الَّتِي هي أفْسَحُ مِنها، لَوِ اسْتَطَعْتُمُ الرُّقِيَّ فِيها. أوِ القِلاعَ الذّاهِبَةَ فِيها. فَيَكُونُ المُرادُ بِالسَّماءِ ما ارْتَفَعَ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا مَن في السَّماءِ، فَحُذِفَ اسْمُ المَوْصُولِ وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: ولا مَن في السَّماءِ بِمُعْجِزِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ "أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ" وفِيهِ تَكَلُّفٌ وضَعْفٌ صِناعِيٌّ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أيْ: يُدافِعُ عَنْكم ما يُرادُ بِكُمْ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما أجابَ بِهِ قَوْمُ إبْراهِيمَ، بَعْدَ دَعْوَتِهِ إيّاهم وعِظاتِهِ البالِغَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]
العنكبوت 29:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢٤] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] (p-٤٧٤٤)﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ أيْ: كَيْفَ خَلَقَهُمُ ابْتِداءً عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وطَبائِعَ مُتَغايِرَةٍ وأخْلاقٍ شَتّى. فَإنَّ تَرْتِيبَ النَّظَرِ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ، مُؤْذِي يَتْبَعُ أحْوالَ أصْنافِ الخَلْقِ القاطِنِينَ في أقْطارِها: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ أيِ: الخَلْقَ الآخَرَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] أيْ: بَعْدَ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، وهُمُ المُنْكِرُونَ لَها: ﴿ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِها: ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أيْ: بِالتَّوارِي في الأرْضِ، ولا بِالتَّحَصُّنِ في السَّماءِ الَّتِي هي أفْسَحُ مِنها، لَوِ اسْتَطَعْتُمُ الرُّقِيَّ فِيها. أوِ القِلاعَ الذّاهِبَةَ فِيها. فَيَكُونُ المُرادُ بِالسَّماءِ ما ارْتَفَعَ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا مَن في السَّماءِ، فَحُذِفَ اسْمُ المَوْصُولِ وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: ولا مَن في السَّماءِ بِمُعْجِزِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ "أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ" وفِيهِ تَكَلُّفٌ وضَعْفٌ صِناعِيٌّ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أيْ: يُدافِعُ عَنْكم ما يُرادُ بِكُمْ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما أجابَ بِهِ قَوْمُ إبْراهِيمَ، بَعْدَ دَعْوَتِهِ إيّاهم وعِظاتِهِ البالِغَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]
العنكبوت 29:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢٤] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] (p-٤٧٤٤)﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ أيْ: كَيْفَ خَلَقَهُمُ ابْتِداءً عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وطَبائِعَ مُتَغايِرَةٍ وأخْلاقٍ شَتّى. فَإنَّ تَرْتِيبَ النَّظَرِ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ، مُؤْذِي يَتْبَعُ أحْوالَ أصْنافِ الخَلْقِ القاطِنِينَ في أقْطارِها: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ أيِ: الخَلْقَ الآخَرَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] أيْ: بَعْدَ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، وهُمُ المُنْكِرُونَ لَها: ﴿ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِها: ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أيْ: بِالتَّوارِي في الأرْضِ، ولا بِالتَّحَصُّنِ في السَّماءِ الَّتِي هي أفْسَحُ مِنها، لَوِ اسْتَطَعْتُمُ الرُّقِيَّ فِيها. أوِ القِلاعَ الذّاهِبَةَ فِيها. فَيَكُونُ المُرادُ بِالسَّماءِ ما ارْتَفَعَ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا مَن في السَّماءِ، فَحُذِفَ اسْمُ المَوْصُولِ وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: ولا مَن في السَّماءِ بِمُعْجِزِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ "أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ" وفِيهِ تَكَلُّفٌ وضَعْفٌ صِناعِيٌّ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أيْ: يُدافِعُ عَنْكم ما يُرادُ بِكُمْ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما أجابَ بِهِ قَوْمُ إبْراهِيمَ، بَعْدَ دَعْوَتِهِ إيّاهم وعِظاتِهِ البالِغَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]
العنكبوت 29:25
(p-٤٧٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٩] ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]
﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِتَتَوادُّوا بَيْنَكم وتَتَواصَلُوا، لِاجْتِماعِكم عَلى عِبادَتِها: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ تَتَجاحَدُونَ ما كانَ بَيْنَكُمْ، ويَلْعَنُ الأتْباعُ المَتْبُوعِينَ، والمَتْبُوعُونَ الأتْباعَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] وقالَ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾
(p-٤٧٤٦)تَنْبِيهٌ:
قالَ السَّمِينُ: في (ما) مِن قَوْلِهِ تَعالى: (إنَّما اتَّخَذْتُمْ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (الَّذِي) والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ و: "أوْثانًا" مَفْعُولٌ ثانٍ. والخَبَرُ (مَوَدَّةَ) في قِراءَةِ مَن رَفَعَ. والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثانًا مَوَدَّةً، أيْ: ذُو مَوَدَّةٍ، أوْ جُعِلَ نَفْسَ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً. ومَحْذُوفٌ عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ مَوَدَّةً أيِ: الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثانًا لِأجْلِ المَوَدَّةِ لا يَنْفَعُكُمْ، أوْ يَكُونُ عَلَيْكُمْ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾
والثّانِي: أنْ تُجْعَلَ (ما) كافَّةً، و(أوْثانًا) مَفْعُولٌ بِهِ. و(الِاتِّخاذُ) هاهُنا مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ. أوْ لِاثْنَيْنِ، والثّانِي هو "مِن دُونِ اللَّهِ" فَمَن رَفَعَ (مَوَدَّةً) كانَتْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هي مَوَدَّةٌ أيْ: ذاتُ مَوَدَّةٍ. أوْ جُعِلَتْ نَفْسُ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً. والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ صِفَةٌ لِـ(أوْثانًا) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. ومَن نَصَبَ كانَ مَفْعُولًا لَهُ، أوْ بِإضْمارِ (أعْنِي).
الثّالِثُ: أنْ تُجْعَلَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ مِنَ الأوَّلِ. أيْ: أنَّ سَبَبَ اتِّخاذِكم أوْثانًا مَوَدَّةً، فِيمَن رَفَعَ (مَوَدَّةً) ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ، بَلْ يُجْعَلُ نَفْسُ الِاتِّخاذِ هو المَوَدَّةُ مُبالَغَةً. ومِنَ القُرّاءِ مَن رَفَعَ (مَوَدَّةُ) غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ وجَرَّ (بَيْنِكُمْ) ومِنهم مَن نَصَبَ مَوَدَّةً مُنَوَّنَةً ونَصَبَ بَيْنَكم ومِنهم مَن نَصَبَ مَوَدَّةً مُنَوَّنَةً وجَرَّ بَيْنِكم. فالرَّفْعُ تَقَدَّمَ. والنَّصْبُ تَقَدَّمَ أيْضًا فِيهِ وجْهانِ. وجُوِّزَ ثالِثٌ، وهو أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا ثانِيًا عَنِ المُبالَغَةِ والإضافَةُ لِلِاتِّساعِ في الظَّرْفِ.
ونُقِلَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ رَفَعَ (مَوَدَّةُ) غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ ونَصَبَ (بَيْنَكُمْ) وخَرَجَتْ عَلى إضافَةِ مَوَدَّةٍ لِلظَّرْفِ. وإنَّما بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ.
وأشارَ العَلّامَةُ القاشانِيُّ إلى جَوازِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "فِي الحَياةِ الدُّنْيا" خَبَرًا لِـ(ما) إنْ كانَتِ اسْمِيَّةً. وهو وجْهٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ المُعْرِبُونَ هُنا، ولا مانِعَ مِنهُ. وعِبارَتُهُ:
(p-٤٧٤٧)إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا عَبَدْتُمُوهُ مَوْدُودًا فِيما بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ: إنَّ كُلَّ ما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا مَوْدُودًا فِيما بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ: إنَّ كُلَّ ما اتَّخَذْتُمْ أوْثانًا مَوْدُودٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. أوْ لِمَوَدَّةِ بَيْنِكم في هَذِهِ، عَلى القِراءَتَيْنِ.
ثُمَّ قالَ: والمَعْنى أنَّ المَوَدَّةَ قِسْمانِ: مَوَدَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، ومَوَدَّةٌ أُخْرَوِيَّةٌ. والدُّنْيَوِيَّةُ مَنشَؤُها النَّفْسُ، والأُخْرَوِيَّةُ مَنشَؤُها الرُّوحُ. فَكُلُّ ما يُحِبُّ ويَوَدُّ مِن دُونِ اللَّهِ، لا لِلَّهِ ولا بِمَحَبَّةِ اللَّهِ، فَهو مَحْبُوبٌ بِالمَوَدَّةِ النَّفْسِيَّةِ. وهو هَوًى زائِلٌ، كُلَّما انْقَطَعَتِ الوَصْلَةُ البَدَنِيَّةُ زالَتْ ولَمْ تَصِلْ إلى إحْدى القِياماتِ، فَإنَّها نَشَأتْ مِن تَرْكِيبِ البَدَنِ واعْتِدالِ المِزاجِ. فَإذا انْحَلَّ التَّرْكِيبُ وانْحَرَفَ المِزاجُ، تَلاشَتْ وبَقِيَ التَّضادُّ والتَّعانُدُ، بِمُقْتَضى الطَّبائِعِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ. ولِهَذا شَبَّهَها بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ في الوَهْنِ.
وأمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَمَنشَؤُها المَحَبَّةُ الإلَهِيَّةُ. وتِلْكَ المَوَدَّةُ هي الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الأصْفِياءِ والأوْلِياءِ، لِتَناسُبِ الصِّفاتِ، وتَجانُسِ الذَّواتِ، لا تَتَصَفّى غايَةَ الصَّفاءِ إلّا عِنْدَ زَوالِ التَّرْكِيبِ. فَيَصِيرُ يَوْمُ القِيامَةِ مَحَبَّةً صِرْفَةَ الهَيْئَةِ، بِخِلافِ تِلْكَ. انْتَهى.
﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: صَدَّقَ إبْراهِيمَ فِيما دَعاهُ إلَيْهِ: ﴿لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: مِن أرْضِ قَوْمِي: ﴿إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: لا إلى غَيْرِهِ بَلْ إلى عِبادَتِهِ وإقامَةِ شَعائِرِ دِينِهِ والقِيامِ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ مِن شَرْعِهِ وتَوْحِيدِهِ: ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: لِإبْراهِيمَ: ﴿إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: ولَدًا ونافِلَةً، بِمُبارَكَةِ الذُّرِّيَّةِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: بِإيتاءِ الوَلَدِ والذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ واسْتِمْرارِ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ وانْتِماءِ أهْلِ المُلْكِ إلَيْهِ والثَّناءِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ والصَّلاةِ عَلَيْهِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] أيْ: لِتَحاشِي الطِّباعِ عَنْها. ثُمَّ فَصَّلَها بَعْدَ الإجْمالِ، لِزِيادَةِ تَنْفِيرِ النُّفُوسِ مِنها: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أيْ: سَبِيلَ النَّسْلِ بِإتْيانِ ما لَيْسَ بِحَرْثٍ. (p-٤٧٤٨)أوْ بِعَمَلِ قُطّاعِ الطَّرِيقِ مِن قَتْلِ الأنْفُسِ وأخْذِ الأمْوالِ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أيْ: ما لا يَلِيقُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]
العنكبوت 29:26
(p-٤٧٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٩] ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]
﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِتَتَوادُّوا بَيْنَكم وتَتَواصَلُوا، لِاجْتِماعِكم عَلى عِبادَتِها: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ تَتَجاحَدُونَ ما كانَ بَيْنَكُمْ، ويَلْعَنُ الأتْباعُ المَتْبُوعِينَ، والمَتْبُوعُونَ الأتْباعَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] وقالَ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾
(p-٤٧٤٦)تَنْبِيهٌ:
قالَ السَّمِينُ: في (ما) مِن قَوْلِهِ تَعالى: (إنَّما اتَّخَذْتُمْ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (الَّذِي) والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ و: "أوْثانًا" مَفْعُولٌ ثانٍ. والخَبَرُ (مَوَدَّةَ) في قِراءَةِ مَن رَفَعَ. والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثانًا مَوَدَّةً، أيْ: ذُو مَوَدَّةٍ، أوْ جُعِلَ نَفْسَ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً. ومَحْذُوفٌ عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ مَوَدَّةً أيِ: الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثانًا لِأجْلِ المَوَدَّةِ لا يَنْفَعُكُمْ، أوْ يَكُونُ عَلَيْكُمْ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾
والثّانِي: أنْ تُجْعَلَ (ما) كافَّةً، و(أوْثانًا) مَفْعُولٌ بِهِ. و(الِاتِّخاذُ) هاهُنا مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ. أوْ لِاثْنَيْنِ، والثّانِي هو "مِن دُونِ اللَّهِ" فَمَن رَفَعَ (مَوَدَّةً) كانَتْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هي مَوَدَّةٌ أيْ: ذاتُ مَوَدَّةٍ. أوْ جُعِلَتْ نَفْسُ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً. والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ صِفَةٌ لِـ(أوْثانًا) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. ومَن نَصَبَ كانَ مَفْعُولًا لَهُ، أوْ بِإضْمارِ (أعْنِي).
الثّالِثُ: أنْ تُجْعَلَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ مِنَ الأوَّلِ. أيْ: أنَّ سَبَبَ اتِّخاذِكم أوْثانًا مَوَدَّةً، فِيمَن رَفَعَ (مَوَدَّةً) ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ، بَلْ يُجْعَلُ نَفْسُ الِاتِّخاذِ هو المَوَدَّةُ مُبالَغَةً. ومِنَ القُرّاءِ مَن رَفَعَ (مَوَدَّةُ) غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ وجَرَّ (بَيْنِكُمْ) ومِنهم مَن نَصَبَ مَوَدَّةً مُنَوَّنَةً ونَصَبَ بَيْنَكم ومِنهم مَن نَصَبَ مَوَدَّةً مُنَوَّنَةً وجَرَّ بَيْنِكم. فالرَّفْعُ تَقَدَّمَ. والنَّصْبُ تَقَدَّمَ أيْضًا فِيهِ وجْهانِ. وجُوِّزَ ثالِثٌ، وهو أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا ثانِيًا عَنِ المُبالَغَةِ والإضافَةُ لِلِاتِّساعِ في الظَّرْفِ.
ونُقِلَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ رَفَعَ (مَوَدَّةُ) غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ ونَصَبَ (بَيْنَكُمْ) وخَرَجَتْ عَلى إضافَةِ مَوَدَّةٍ لِلظَّرْفِ. وإنَّما بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ.
وأشارَ العَلّامَةُ القاشانِيُّ إلى جَوازِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "فِي الحَياةِ الدُّنْيا" خَبَرًا لِـ(ما) إنْ كانَتِ اسْمِيَّةً. وهو وجْهٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ المُعْرِبُونَ هُنا، ولا مانِعَ مِنهُ. وعِبارَتُهُ:
(p-٤٧٤٧)إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا عَبَدْتُمُوهُ مَوْدُودًا فِيما بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ: إنَّ كُلَّ ما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا مَوْدُودًا فِيما بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ: إنَّ كُلَّ ما اتَّخَذْتُمْ أوْثانًا مَوْدُودٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. أوْ لِمَوَدَّةِ بَيْنِكم في هَذِهِ، عَلى القِراءَتَيْنِ.
ثُمَّ قالَ: والمَعْنى أنَّ المَوَدَّةَ قِسْمانِ: مَوَدَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، ومَوَدَّةٌ أُخْرَوِيَّةٌ. والدُّنْيَوِيَّةُ مَنشَؤُها النَّفْسُ، والأُخْرَوِيَّةُ مَنشَؤُها الرُّوحُ. فَكُلُّ ما يُحِبُّ ويَوَدُّ مِن دُونِ اللَّهِ، لا لِلَّهِ ولا بِمَحَبَّةِ اللَّهِ، فَهو مَحْبُوبٌ بِالمَوَدَّةِ النَّفْسِيَّةِ. وهو هَوًى زائِلٌ، كُلَّما انْقَطَعَتِ الوَصْلَةُ البَدَنِيَّةُ زالَتْ ولَمْ تَصِلْ إلى إحْدى القِياماتِ، فَإنَّها نَشَأتْ مِن تَرْكِيبِ البَدَنِ واعْتِدالِ المِزاجِ. فَإذا انْحَلَّ التَّرْكِيبُ وانْحَرَفَ المِزاجُ، تَلاشَتْ وبَقِيَ التَّضادُّ والتَّعانُدُ، بِمُقْتَضى الطَّبائِعِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ. ولِهَذا شَبَّهَها بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ في الوَهْنِ.
وأمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَمَنشَؤُها المَحَبَّةُ الإلَهِيَّةُ. وتِلْكَ المَوَدَّةُ هي الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الأصْفِياءِ والأوْلِياءِ، لِتَناسُبِ الصِّفاتِ، وتَجانُسِ الذَّواتِ، لا تَتَصَفّى غايَةَ الصَّفاءِ إلّا عِنْدَ زَوالِ التَّرْكِيبِ. فَيَصِيرُ يَوْمُ القِيامَةِ مَحَبَّةً صِرْفَةَ الهَيْئَةِ، بِخِلافِ تِلْكَ. انْتَهى.
﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: صَدَّقَ إبْراهِيمَ فِيما دَعاهُ إلَيْهِ: ﴿لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: مِن أرْضِ قَوْمِي: ﴿إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: لا إلى غَيْرِهِ بَلْ إلى عِبادَتِهِ وإقامَةِ شَعائِرِ دِينِهِ والقِيامِ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ مِن شَرْعِهِ وتَوْحِيدِهِ: ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: لِإبْراهِيمَ: ﴿إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: ولَدًا ونافِلَةً، بِمُبارَكَةِ الذُّرِّيَّةِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: بِإيتاءِ الوَلَدِ والذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ واسْتِمْرارِ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ وانْتِماءِ أهْلِ المُلْكِ إلَيْهِ والثَّناءِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ والصَّلاةِ عَلَيْهِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] أيْ: لِتَحاشِي الطِّباعِ عَنْها. ثُمَّ فَصَّلَها بَعْدَ الإجْمالِ، لِزِيادَةِ تَنْفِيرِ النُّفُوسِ مِنها: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أيْ: سَبِيلَ النَّسْلِ بِإتْيانِ ما لَيْسَ بِحَرْثٍ. (p-٤٧٤٨)أوْ بِعَمَلِ قُطّاعِ الطَّرِيقِ مِن قَتْلِ الأنْفُسِ وأخْذِ الأمْوالِ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أيْ: ما لا يَلِيقُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]
العنكبوت 29:27
(p-٤٧٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٩] ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]
﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِتَتَوادُّوا بَيْنَكم وتَتَواصَلُوا، لِاجْتِماعِكم عَلى عِبادَتِها: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ تَتَجاحَدُونَ ما كانَ بَيْنَكُمْ، ويَلْعَنُ الأتْباعُ المَتْبُوعِينَ، والمَتْبُوعُونَ الأتْباعَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] وقالَ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾
(p-٤٧٤٦)تَنْبِيهٌ:
قالَ السَّمِينُ: في (ما) مِن قَوْلِهِ تَعالى: (إنَّما اتَّخَذْتُمْ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (الَّذِي) والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ و: "أوْثانًا" مَفْعُولٌ ثانٍ. والخَبَرُ (مَوَدَّةَ) في قِراءَةِ مَن رَفَعَ. والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثانًا مَوَدَّةً، أيْ: ذُو مَوَدَّةٍ، أوْ جُعِلَ نَفْسَ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً. ومَحْذُوفٌ عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ مَوَدَّةً أيِ: الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثانًا لِأجْلِ المَوَدَّةِ لا يَنْفَعُكُمْ، أوْ يَكُونُ عَلَيْكُمْ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾
والثّانِي: أنْ تُجْعَلَ (ما) كافَّةً، و(أوْثانًا) مَفْعُولٌ بِهِ. و(الِاتِّخاذُ) هاهُنا مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ. أوْ لِاثْنَيْنِ، والثّانِي هو "مِن دُونِ اللَّهِ" فَمَن رَفَعَ (مَوَدَّةً) كانَتْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هي مَوَدَّةٌ أيْ: ذاتُ مَوَدَّةٍ. أوْ جُعِلَتْ نَفْسُ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً. والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ صِفَةٌ لِـ(أوْثانًا) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. ومَن نَصَبَ كانَ مَفْعُولًا لَهُ، أوْ بِإضْمارِ (أعْنِي).
الثّالِثُ: أنْ تُجْعَلَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ مِنَ الأوَّلِ. أيْ: أنَّ سَبَبَ اتِّخاذِكم أوْثانًا مَوَدَّةً، فِيمَن رَفَعَ (مَوَدَّةً) ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ، بَلْ يُجْعَلُ نَفْسُ الِاتِّخاذِ هو المَوَدَّةُ مُبالَغَةً. ومِنَ القُرّاءِ مَن رَفَعَ (مَوَدَّةُ) غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ وجَرَّ (بَيْنِكُمْ) ومِنهم مَن نَصَبَ مَوَدَّةً مُنَوَّنَةً ونَصَبَ بَيْنَكم ومِنهم مَن نَصَبَ مَوَدَّةً مُنَوَّنَةً وجَرَّ بَيْنِكم. فالرَّفْعُ تَقَدَّمَ. والنَّصْبُ تَقَدَّمَ أيْضًا فِيهِ وجْهانِ. وجُوِّزَ ثالِثٌ، وهو أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا ثانِيًا عَنِ المُبالَغَةِ والإضافَةُ لِلِاتِّساعِ في الظَّرْفِ.
ونُقِلَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ رَفَعَ (مَوَدَّةُ) غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ ونَصَبَ (بَيْنَكُمْ) وخَرَجَتْ عَلى إضافَةِ مَوَدَّةٍ لِلظَّرْفِ. وإنَّما بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ.
وأشارَ العَلّامَةُ القاشانِيُّ إلى جَوازِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "فِي الحَياةِ الدُّنْيا" خَبَرًا لِـ(ما) إنْ كانَتِ اسْمِيَّةً. وهو وجْهٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ المُعْرِبُونَ هُنا، ولا مانِعَ مِنهُ. وعِبارَتُهُ:
(p-٤٧٤٧)إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا عَبَدْتُمُوهُ مَوْدُودًا فِيما بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ: إنَّ كُلَّ ما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا مَوْدُودًا فِيما بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ: إنَّ كُلَّ ما اتَّخَذْتُمْ أوْثانًا مَوْدُودٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. أوْ لِمَوَدَّةِ بَيْنِكم في هَذِهِ، عَلى القِراءَتَيْنِ.
ثُمَّ قالَ: والمَعْنى أنَّ المَوَدَّةَ قِسْمانِ: مَوَدَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، ومَوَدَّةٌ أُخْرَوِيَّةٌ. والدُّنْيَوِيَّةُ مَنشَؤُها النَّفْسُ، والأُخْرَوِيَّةُ مَنشَؤُها الرُّوحُ. فَكُلُّ ما يُحِبُّ ويَوَدُّ مِن دُونِ اللَّهِ، لا لِلَّهِ ولا بِمَحَبَّةِ اللَّهِ، فَهو مَحْبُوبٌ بِالمَوَدَّةِ النَّفْسِيَّةِ. وهو هَوًى زائِلٌ، كُلَّما انْقَطَعَتِ الوَصْلَةُ البَدَنِيَّةُ زالَتْ ولَمْ تَصِلْ إلى إحْدى القِياماتِ، فَإنَّها نَشَأتْ مِن تَرْكِيبِ البَدَنِ واعْتِدالِ المِزاجِ. فَإذا انْحَلَّ التَّرْكِيبُ وانْحَرَفَ المِزاجُ، تَلاشَتْ وبَقِيَ التَّضادُّ والتَّعانُدُ، بِمُقْتَضى الطَّبائِعِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ. ولِهَذا شَبَّهَها بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ في الوَهْنِ.
وأمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَمَنشَؤُها المَحَبَّةُ الإلَهِيَّةُ. وتِلْكَ المَوَدَّةُ هي الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الأصْفِياءِ والأوْلِياءِ، لِتَناسُبِ الصِّفاتِ، وتَجانُسِ الذَّواتِ، لا تَتَصَفّى غايَةَ الصَّفاءِ إلّا عِنْدَ زَوالِ التَّرْكِيبِ. فَيَصِيرُ يَوْمُ القِيامَةِ مَحَبَّةً صِرْفَةَ الهَيْئَةِ، بِخِلافِ تِلْكَ. انْتَهى.
﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: صَدَّقَ إبْراهِيمَ فِيما دَعاهُ إلَيْهِ: ﴿لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: مِن أرْضِ قَوْمِي: ﴿إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: لا إلى غَيْرِهِ بَلْ إلى عِبادَتِهِ وإقامَةِ شَعائِرِ دِينِهِ والقِيامِ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ مِن شَرْعِهِ وتَوْحِيدِهِ: ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: لِإبْراهِيمَ: ﴿إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: ولَدًا ونافِلَةً، بِمُبارَكَةِ الذُّرِّيَّةِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: بِإيتاءِ الوَلَدِ والذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ واسْتِمْرارِ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ وانْتِماءِ أهْلِ المُلْكِ إلَيْهِ والثَّناءِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ والصَّلاةِ عَلَيْهِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] أيْ: لِتَحاشِي الطِّباعِ عَنْها. ثُمَّ فَصَّلَها بَعْدَ الإجْمالِ، لِزِيادَةِ تَنْفِيرِ النُّفُوسِ مِنها: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أيْ: سَبِيلَ النَّسْلِ بِإتْيانِ ما لَيْسَ بِحَرْثٍ. (p-٤٧٤٨)أوْ بِعَمَلِ قُطّاعِ الطَّرِيقِ مِن قَتْلِ الأنْفُسِ وأخْذِ الأمْوالِ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أيْ: ما لا يَلِيقُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]
العنكبوت 29:28
(p-٤٧٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٩] ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]
﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِتَتَوادُّوا بَيْنَكم وتَتَواصَلُوا، لِاجْتِماعِكم عَلى عِبادَتِها: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ تَتَجاحَدُونَ ما كانَ بَيْنَكُمْ، ويَلْعَنُ الأتْباعُ المَتْبُوعِينَ، والمَتْبُوعُونَ الأتْباعَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] وقالَ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾
(p-٤٧٤٦)تَنْبِيهٌ:
قالَ السَّمِينُ: في (ما) مِن قَوْلِهِ تَعالى: (إنَّما اتَّخَذْتُمْ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (الَّذِي) والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ و: "أوْثانًا" مَفْعُولٌ ثانٍ. والخَبَرُ (مَوَدَّةَ) في قِراءَةِ مَن رَفَعَ. والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثانًا مَوَدَّةً، أيْ: ذُو مَوَدَّةٍ، أوْ جُعِلَ نَفْسَ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً. ومَحْذُوفٌ عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ مَوَدَّةً أيِ: الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثانًا لِأجْلِ المَوَدَّةِ لا يَنْفَعُكُمْ، أوْ يَكُونُ عَلَيْكُمْ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾
والثّانِي: أنْ تُجْعَلَ (ما) كافَّةً، و(أوْثانًا) مَفْعُولٌ بِهِ. و(الِاتِّخاذُ) هاهُنا مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ. أوْ لِاثْنَيْنِ، والثّانِي هو "مِن دُونِ اللَّهِ" فَمَن رَفَعَ (مَوَدَّةً) كانَتْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هي مَوَدَّةٌ أيْ: ذاتُ مَوَدَّةٍ. أوْ جُعِلَتْ نَفْسُ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً. والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ صِفَةٌ لِـ(أوْثانًا) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. ومَن نَصَبَ كانَ مَفْعُولًا لَهُ، أوْ بِإضْمارِ (أعْنِي).
الثّالِثُ: أنْ تُجْعَلَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ مِنَ الأوَّلِ. أيْ: أنَّ سَبَبَ اتِّخاذِكم أوْثانًا مَوَدَّةً، فِيمَن رَفَعَ (مَوَدَّةً) ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ، بَلْ يُجْعَلُ نَفْسُ الِاتِّخاذِ هو المَوَدَّةُ مُبالَغَةً. ومِنَ القُرّاءِ مَن رَفَعَ (مَوَدَّةُ) غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ وجَرَّ (بَيْنِكُمْ) ومِنهم مَن نَصَبَ مَوَدَّةً مُنَوَّنَةً ونَصَبَ بَيْنَكم ومِنهم مَن نَصَبَ مَوَدَّةً مُنَوَّنَةً وجَرَّ بَيْنِكم. فالرَّفْعُ تَقَدَّمَ. والنَّصْبُ تَقَدَّمَ أيْضًا فِيهِ وجْهانِ. وجُوِّزَ ثالِثٌ، وهو أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا ثانِيًا عَنِ المُبالَغَةِ والإضافَةُ لِلِاتِّساعِ في الظَّرْفِ.
ونُقِلَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ رَفَعَ (مَوَدَّةُ) غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ ونَصَبَ (بَيْنَكُمْ) وخَرَجَتْ عَلى إضافَةِ مَوَدَّةٍ لِلظَّرْفِ. وإنَّما بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ.
وأشارَ العَلّامَةُ القاشانِيُّ إلى جَوازِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "فِي الحَياةِ الدُّنْيا" خَبَرًا لِـ(ما) إنْ كانَتِ اسْمِيَّةً. وهو وجْهٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ المُعْرِبُونَ هُنا، ولا مانِعَ مِنهُ. وعِبارَتُهُ:
(p-٤٧٤٧)إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا عَبَدْتُمُوهُ مَوْدُودًا فِيما بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ: إنَّ كُلَّ ما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا مَوْدُودًا فِيما بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ: إنَّ كُلَّ ما اتَّخَذْتُمْ أوْثانًا مَوْدُودٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. أوْ لِمَوَدَّةِ بَيْنِكم في هَذِهِ، عَلى القِراءَتَيْنِ.
ثُمَّ قالَ: والمَعْنى أنَّ المَوَدَّةَ قِسْمانِ: مَوَدَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، ومَوَدَّةٌ أُخْرَوِيَّةٌ. والدُّنْيَوِيَّةُ مَنشَؤُها النَّفْسُ، والأُخْرَوِيَّةُ مَنشَؤُها الرُّوحُ. فَكُلُّ ما يُحِبُّ ويَوَدُّ مِن دُونِ اللَّهِ، لا لِلَّهِ ولا بِمَحَبَّةِ اللَّهِ، فَهو مَحْبُوبٌ بِالمَوَدَّةِ النَّفْسِيَّةِ. وهو هَوًى زائِلٌ، كُلَّما انْقَطَعَتِ الوَصْلَةُ البَدَنِيَّةُ زالَتْ ولَمْ تَصِلْ إلى إحْدى القِياماتِ، فَإنَّها نَشَأتْ مِن تَرْكِيبِ البَدَنِ واعْتِدالِ المِزاجِ. فَإذا انْحَلَّ التَّرْكِيبُ وانْحَرَفَ المِزاجُ، تَلاشَتْ وبَقِيَ التَّضادُّ والتَّعانُدُ، بِمُقْتَضى الطَّبائِعِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ. ولِهَذا شَبَّهَها بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ في الوَهْنِ.
وأمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَمَنشَؤُها المَحَبَّةُ الإلَهِيَّةُ. وتِلْكَ المَوَدَّةُ هي الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الأصْفِياءِ والأوْلِياءِ، لِتَناسُبِ الصِّفاتِ، وتَجانُسِ الذَّواتِ، لا تَتَصَفّى غايَةَ الصَّفاءِ إلّا عِنْدَ زَوالِ التَّرْكِيبِ. فَيَصِيرُ يَوْمُ القِيامَةِ مَحَبَّةً صِرْفَةَ الهَيْئَةِ، بِخِلافِ تِلْكَ. انْتَهى.
﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: صَدَّقَ إبْراهِيمَ فِيما دَعاهُ إلَيْهِ: ﴿لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: مِن أرْضِ قَوْمِي: ﴿إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: لا إلى غَيْرِهِ بَلْ إلى عِبادَتِهِ وإقامَةِ شَعائِرِ دِينِهِ والقِيامِ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ مِن شَرْعِهِ وتَوْحِيدِهِ: ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: لِإبْراهِيمَ: ﴿إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: ولَدًا ونافِلَةً، بِمُبارَكَةِ الذُّرِّيَّةِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: بِإيتاءِ الوَلَدِ والذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ واسْتِمْرارِ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ وانْتِماءِ أهْلِ المُلْكِ إلَيْهِ والثَّناءِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ والصَّلاةِ عَلَيْهِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] أيْ: لِتَحاشِي الطِّباعِ عَنْها. ثُمَّ فَصَّلَها بَعْدَ الإجْمالِ، لِزِيادَةِ تَنْفِيرِ النُّفُوسِ مِنها: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أيْ: سَبِيلَ النَّسْلِ بِإتْيانِ ما لَيْسَ بِحَرْثٍ. (p-٤٧٤٨)أوْ بِعَمَلِ قُطّاعِ الطَّرِيقِ مِن قَتْلِ الأنْفُسِ وأخْذِ الأمْوالِ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أيْ: ما لا يَلِيقُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]
العنكبوت 29:29
(p-٤٧٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٩] ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]
﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِتَتَوادُّوا بَيْنَكم وتَتَواصَلُوا، لِاجْتِماعِكم عَلى عِبادَتِها: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ تَتَجاحَدُونَ ما كانَ بَيْنَكُمْ، ويَلْعَنُ الأتْباعُ المَتْبُوعِينَ، والمَتْبُوعُونَ الأتْباعَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] وقالَ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾
(p-٤٧٤٦)تَنْبِيهٌ:
قالَ السَّمِينُ: في (ما) مِن قَوْلِهِ تَعالى: (إنَّما اتَّخَذْتُمْ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (الَّذِي) والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ و: "أوْثانًا" مَفْعُولٌ ثانٍ. والخَبَرُ (مَوَدَّةَ) في قِراءَةِ مَن رَفَعَ. والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثانًا مَوَدَّةً، أيْ: ذُو مَوَدَّةٍ، أوْ جُعِلَ نَفْسَ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً. ومَحْذُوفٌ عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ مَوَدَّةً أيِ: الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثانًا لِأجْلِ المَوَدَّةِ لا يَنْفَعُكُمْ، أوْ يَكُونُ عَلَيْكُمْ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾
والثّانِي: أنْ تُجْعَلَ (ما) كافَّةً، و(أوْثانًا) مَفْعُولٌ بِهِ. و(الِاتِّخاذُ) هاهُنا مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ. أوْ لِاثْنَيْنِ، والثّانِي هو "مِن دُونِ اللَّهِ" فَمَن رَفَعَ (مَوَدَّةً) كانَتْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هي مَوَدَّةٌ أيْ: ذاتُ مَوَدَّةٍ. أوْ جُعِلَتْ نَفْسُ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً. والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ صِفَةٌ لِـ(أوْثانًا) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. ومَن نَصَبَ كانَ مَفْعُولًا لَهُ، أوْ بِإضْمارِ (أعْنِي).
الثّالِثُ: أنْ تُجْعَلَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ مِنَ الأوَّلِ. أيْ: أنَّ سَبَبَ اتِّخاذِكم أوْثانًا مَوَدَّةً، فِيمَن رَفَعَ (مَوَدَّةً) ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ، بَلْ يُجْعَلُ نَفْسُ الِاتِّخاذِ هو المَوَدَّةُ مُبالَغَةً. ومِنَ القُرّاءِ مَن رَفَعَ (مَوَدَّةُ) غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ وجَرَّ (بَيْنِكُمْ) ومِنهم مَن نَصَبَ مَوَدَّةً مُنَوَّنَةً ونَصَبَ بَيْنَكم ومِنهم مَن نَصَبَ مَوَدَّةً مُنَوَّنَةً وجَرَّ بَيْنِكم. فالرَّفْعُ تَقَدَّمَ. والنَّصْبُ تَقَدَّمَ أيْضًا فِيهِ وجْهانِ. وجُوِّزَ ثالِثٌ، وهو أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا ثانِيًا عَنِ المُبالَغَةِ والإضافَةُ لِلِاتِّساعِ في الظَّرْفِ.
ونُقِلَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ رَفَعَ (مَوَدَّةُ) غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ ونَصَبَ (بَيْنَكُمْ) وخَرَجَتْ عَلى إضافَةِ مَوَدَّةٍ لِلظَّرْفِ. وإنَّما بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ.
وأشارَ العَلّامَةُ القاشانِيُّ إلى جَوازِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "فِي الحَياةِ الدُّنْيا" خَبَرًا لِـ(ما) إنْ كانَتِ اسْمِيَّةً. وهو وجْهٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ المُعْرِبُونَ هُنا، ولا مانِعَ مِنهُ. وعِبارَتُهُ:
(p-٤٧٤٧)إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا عَبَدْتُمُوهُ مَوْدُودًا فِيما بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ: إنَّ كُلَّ ما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا مَوْدُودًا فِيما بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ: إنَّ كُلَّ ما اتَّخَذْتُمْ أوْثانًا مَوْدُودٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. أوْ لِمَوَدَّةِ بَيْنِكم في هَذِهِ، عَلى القِراءَتَيْنِ.
ثُمَّ قالَ: والمَعْنى أنَّ المَوَدَّةَ قِسْمانِ: مَوَدَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، ومَوَدَّةٌ أُخْرَوِيَّةٌ. والدُّنْيَوِيَّةُ مَنشَؤُها النَّفْسُ، والأُخْرَوِيَّةُ مَنشَؤُها الرُّوحُ. فَكُلُّ ما يُحِبُّ ويَوَدُّ مِن دُونِ اللَّهِ، لا لِلَّهِ ولا بِمَحَبَّةِ اللَّهِ، فَهو مَحْبُوبٌ بِالمَوَدَّةِ النَّفْسِيَّةِ. وهو هَوًى زائِلٌ، كُلَّما انْقَطَعَتِ الوَصْلَةُ البَدَنِيَّةُ زالَتْ ولَمْ تَصِلْ إلى إحْدى القِياماتِ، فَإنَّها نَشَأتْ مِن تَرْكِيبِ البَدَنِ واعْتِدالِ المِزاجِ. فَإذا انْحَلَّ التَّرْكِيبُ وانْحَرَفَ المِزاجُ، تَلاشَتْ وبَقِيَ التَّضادُّ والتَّعانُدُ، بِمُقْتَضى الطَّبائِعِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ. ولِهَذا شَبَّهَها بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ في الوَهْنِ.
وأمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَمَنشَؤُها المَحَبَّةُ الإلَهِيَّةُ. وتِلْكَ المَوَدَّةُ هي الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الأصْفِياءِ والأوْلِياءِ، لِتَناسُبِ الصِّفاتِ، وتَجانُسِ الذَّواتِ، لا تَتَصَفّى غايَةَ الصَّفاءِ إلّا عِنْدَ زَوالِ التَّرْكِيبِ. فَيَصِيرُ يَوْمُ القِيامَةِ مَحَبَّةً صِرْفَةَ الهَيْئَةِ، بِخِلافِ تِلْكَ. انْتَهى.
﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: صَدَّقَ إبْراهِيمَ فِيما دَعاهُ إلَيْهِ: ﴿لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: مِن أرْضِ قَوْمِي: ﴿إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: لا إلى غَيْرِهِ بَلْ إلى عِبادَتِهِ وإقامَةِ شَعائِرِ دِينِهِ والقِيامِ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ مِن شَرْعِهِ وتَوْحِيدِهِ: ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: لِإبْراهِيمَ: ﴿إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: ولَدًا ونافِلَةً، بِمُبارَكَةِ الذُّرِّيَّةِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ [العنكبوت: ٢٧] أيْ: بِإيتاءِ الوَلَدِ والذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ واسْتِمْرارِ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ وانْتِماءِ أهْلِ المُلْكِ إلَيْهِ والثَّناءِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ والصَّلاةِ عَلَيْهِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] أيْ: لِتَحاشِي الطِّباعِ عَنْها. ثُمَّ فَصَّلَها بَعْدَ الإجْمالِ، لِزِيادَةِ تَنْفِيرِ النُّفُوسِ مِنها: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أيْ: سَبِيلَ النَّسْلِ بِإتْيانِ ما لَيْسَ بِحَرْثٍ. (p-٤٧٤٨)أوْ بِعَمَلِ قُطّاعِ الطَّرِيقِ مِن قَتْلِ الأنْفُسِ وأخْذِ الأمْوالِ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أيْ: ما لا يَلِيقُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]
العنكبوت 29:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ - ٣٣] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُفْسِدُونَ كُلَّ بُرْهانٍ عَقْلِيٍّ ونَقْلِيٍّ، وكُلَّ حِكْمَةٍ إلَهِيَّةٍ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ والنّافِلَةِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. بُعِثُوا لِنَصْرِ لُوطٍ وتَبْشِيرِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ: ﴿قالُوا﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: قَرْيَةِ سَدُومَ: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: بِتَنْزِيلِهِمُ الرِّجالَ مَنزِلَةَ النِّساءِ، وقَطْعِ السُّبُلِ، وفِعْلِ المُنْكَرِ وتَرْكِ المَعْرُوفِ: ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] أيِ: الباقِينَ في العَذابِ أوِ القَرْيَةِ: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيِ: المَذْكُورُونَ بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيِ: اعْتَرَتْهُ المَساءَةُ بِسَبَبِهِمْ مَخافَةَ أنْ يَقْصِدُوهُمْ: ﴿وضاقَ بِهِمْ (p-٤٧٤٩)ذَرْعًا﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيْ: ضاقَ بِشَأْنِ ذَرْعِهِ، أيْ: طاقَتِهِ: ﴿وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيْ: مِمّا يُصِيبُهم مِنَ العَذابِ: ﴿إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]
العنكبوت 29:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ - ٣٣] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُفْسِدُونَ كُلَّ بُرْهانٍ عَقْلِيٍّ ونَقْلِيٍّ، وكُلَّ حِكْمَةٍ إلَهِيَّةٍ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ والنّافِلَةِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. بُعِثُوا لِنَصْرِ لُوطٍ وتَبْشِيرِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ: ﴿قالُوا﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: قَرْيَةِ سَدُومَ: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: بِتَنْزِيلِهِمُ الرِّجالَ مَنزِلَةَ النِّساءِ، وقَطْعِ السُّبُلِ، وفِعْلِ المُنْكَرِ وتَرْكِ المَعْرُوفِ: ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] أيِ: الباقِينَ في العَذابِ أوِ القَرْيَةِ: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيِ: المَذْكُورُونَ بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيِ: اعْتَرَتْهُ المَساءَةُ بِسَبَبِهِمْ مَخافَةَ أنْ يَقْصِدُوهُمْ: ﴿وضاقَ بِهِمْ (p-٤٧٤٩)ذَرْعًا﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيْ: ضاقَ بِشَأْنِ ذَرْعِهِ، أيْ: طاقَتِهِ: ﴿وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيْ: مِمّا يُصِيبُهم مِنَ العَذابِ: ﴿إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]
العنكبوت 29:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ - ٣٣] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُفْسِدُونَ كُلَّ بُرْهانٍ عَقْلِيٍّ ونَقْلِيٍّ، وكُلَّ حِكْمَةٍ إلَهِيَّةٍ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ والنّافِلَةِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. بُعِثُوا لِنَصْرِ لُوطٍ وتَبْشِيرِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ: ﴿قالُوا﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: قَرْيَةِ سَدُومَ: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: بِتَنْزِيلِهِمُ الرِّجالَ مَنزِلَةَ النِّساءِ، وقَطْعِ السُّبُلِ، وفِعْلِ المُنْكَرِ وتَرْكِ المَعْرُوفِ: ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] أيِ: الباقِينَ في العَذابِ أوِ القَرْيَةِ: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيِ: المَذْكُورُونَ بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيِ: اعْتَرَتْهُ المَساءَةُ بِسَبَبِهِمْ مَخافَةَ أنْ يَقْصِدُوهُمْ: ﴿وضاقَ بِهِمْ (p-٤٧٤٩)ذَرْعًا﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيْ: ضاقَ بِشَأْنِ ذَرْعِهِ، أيْ: طاقَتِهِ: ﴿وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيْ: مِمّا يُصِيبُهم مِنَ العَذابِ: ﴿إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]
العنكبوت 29:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ - ٣٣] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُفْسِدُونَ كُلَّ بُرْهانٍ عَقْلِيٍّ ونَقْلِيٍّ، وكُلَّ حِكْمَةٍ إلَهِيَّةٍ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ والنّافِلَةِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. بُعِثُوا لِنَصْرِ لُوطٍ وتَبْشِيرِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ: ﴿قالُوا﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: قَرْيَةِ سَدُومَ: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] أيْ: بِتَنْزِيلِهِمُ الرِّجالَ مَنزِلَةَ النِّساءِ، وقَطْعِ السُّبُلِ، وفِعْلِ المُنْكَرِ وتَرْكِ المَعْرُوفِ: ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] أيِ: الباقِينَ في العَذابِ أوِ القَرْيَةِ: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيِ: المَذْكُورُونَ بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيِ: اعْتَرَتْهُ المَساءَةُ بِسَبَبِهِمْ مَخافَةَ أنْ يَقْصِدُوهُمْ: ﴿وضاقَ بِهِمْ (p-٤٧٤٩)ذَرْعًا﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيْ: ضاقَ بِشَأْنِ ذَرْعِهِ، أيْ: طاقَتِهِ: ﴿وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيْ: مِمّا يُصِيبُهم مِنَ العَذابِ: ﴿إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]
العنكبوت 29:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٣٨] ﴿إنّا مُنْـزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٧] ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .
﴿إنّا مُنْـزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: عَذابًا عَظِيمًا مِن جِهَتِها: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] يَعْنِي قِصَّتَها العَجِيبَةَ، أوْ آثارَها الخَرِبَةَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] أيْ: تَوَقَّعُوهُ، وما سَيَقَعُ فِيهِ مِن فُنُونِ الأهْوالِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] أيْ: بِالبَغْيِ عَلى أهْلِها، كَنَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ، وقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلى النّاسِ، فَإنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الدَّمارُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيِ: الصَّيْحَةُ الَّتِي هي مَنشَأُ الزَّلْزَلَةِ الشَّدِيدَةِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيْ: بَلَدِهِمْ أوْ مَنازِلِهِمْ: ﴿جاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيْ: هَلْكى مَيِّتِينَ: ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] أيْ: عُقَلاءَ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَّظَرِ والِافْتِكارِ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَإنَّهم أوْضَحُوا السُّبُلَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ، ولَكِنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا، عِنادًا وكِبْرًا.
العنكبوت 29:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٣٨] ﴿إنّا مُنْـزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٧] ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .
﴿إنّا مُنْـزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: عَذابًا عَظِيمًا مِن جِهَتِها: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] يَعْنِي قِصَّتَها العَجِيبَةَ، أوْ آثارَها الخَرِبَةَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] أيْ: تَوَقَّعُوهُ، وما سَيَقَعُ فِيهِ مِن فُنُونِ الأهْوالِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] أيْ: بِالبَغْيِ عَلى أهْلِها، كَنَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ، وقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلى النّاسِ، فَإنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الدَّمارُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيِ: الصَّيْحَةُ الَّتِي هي مَنشَأُ الزَّلْزَلَةِ الشَّدِيدَةِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيْ: بَلَدِهِمْ أوْ مَنازِلِهِمْ: ﴿جاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيْ: هَلْكى مَيِّتِينَ: ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] أيْ: عُقَلاءَ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَّظَرِ والِافْتِكارِ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَإنَّهم أوْضَحُوا السُّبُلَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ، ولَكِنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا، عِنادًا وكِبْرًا.
العنكبوت 29:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٣٨] ﴿إنّا مُنْـزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٧] ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .
﴿إنّا مُنْـزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: عَذابًا عَظِيمًا مِن جِهَتِها: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] يَعْنِي قِصَّتَها العَجِيبَةَ، أوْ آثارَها الخَرِبَةَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] أيْ: تَوَقَّعُوهُ، وما سَيَقَعُ فِيهِ مِن فُنُونِ الأهْوالِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] أيْ: بِالبَغْيِ عَلى أهْلِها، كَنَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ، وقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلى النّاسِ، فَإنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الدَّمارُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيِ: الصَّيْحَةُ الَّتِي هي مَنشَأُ الزَّلْزَلَةِ الشَّدِيدَةِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيْ: بَلَدِهِمْ أوْ مَنازِلِهِمْ: ﴿جاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيْ: هَلْكى مَيِّتِينَ: ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] أيْ: عُقَلاءَ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَّظَرِ والِافْتِكارِ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَإنَّهم أوْضَحُوا السُّبُلَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ، ولَكِنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا، عِنادًا وكِبْرًا.
العنكبوت 29:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٣٨] ﴿إنّا مُنْـزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٧] ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .
﴿إنّا مُنْـزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: عَذابًا عَظِيمًا مِن جِهَتِها: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] يَعْنِي قِصَّتَها العَجِيبَةَ، أوْ آثارَها الخَرِبَةَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] أيْ: تَوَقَّعُوهُ، وما سَيَقَعُ فِيهِ مِن فُنُونِ الأهْوالِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] أيْ: بِالبَغْيِ عَلى أهْلِها، كَنَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ، وقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلى النّاسِ، فَإنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الدَّمارُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيِ: الصَّيْحَةُ الَّتِي هي مَنشَأُ الزَّلْزَلَةِ الشَّدِيدَةِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيْ: بَلَدِهِمْ أوْ مَنازِلِهِمْ: ﴿جاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيْ: هَلْكى مَيِّتِينَ: ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] أيْ: عُقَلاءَ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَّظَرِ والِافْتِكارِ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَإنَّهم أوْضَحُوا السُّبُلَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ، ولَكِنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا، عِنادًا وكِبْرًا.
العنكبوت 29:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٣٨] ﴿إنّا مُنْـزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٧] ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .
﴿إنّا مُنْـزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: عَذابًا عَظِيمًا مِن جِهَتِها: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] يَعْنِي قِصَّتَها العَجِيبَةَ، أوْ آثارَها الخَرِبَةَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] أيْ: تَوَقَّعُوهُ، وما سَيَقَعُ فِيهِ مِن فُنُونِ الأهْوالِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] أيْ: بِالبَغْيِ عَلى أهْلِها، كَنَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ، وقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلى النّاسِ، فَإنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الدَّمارُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيِ: الصَّيْحَةُ الَّتِي هي مَنشَأُ الزَّلْزَلَةِ الشَّدِيدَةِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيْ: بَلَدِهِمْ أوْ مَنازِلِهِمْ: ﴿جاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٧] أيْ: هَلْكى مَيِّتِينَ: ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] أيْ: عُقَلاءَ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَّظَرِ والِافْتِكارِ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَإنَّهم أوْضَحُوا السُّبُلَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ، ولَكِنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا، عِنادًا وكِبْرًا.
العنكبوت 29:39
(p-٤٧٥٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩ - ٤٠] ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠]
﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ أيْ: فائِتِينَ اللَّهَ سُبْحانَهُ. بَلْ لَحِقَهم عَذابُهُ فَدَمَّرَهم تَدْمِيرًا. ولِذا قالَ: ﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] أيْ: رِيحًا عاصِفًا، فِيها حَصاءٌ، وهم قَوْمُ لُوطٍ: ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ [العنكبوت: ٤٠] كَمَدْيَنَ وثَمُودَ: ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] كَقارُونَ: ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ [العنكبوت: ٤٠] كَقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] أيْ: يَفْعَلُ ما يُوجِبُ ذَلِكَ، مِنَ البَغْيِ والفَسادِ.
العنكبوت 29:40
(p-٤٧٥٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩ - ٤٠] ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠]
﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ أيْ: فائِتِينَ اللَّهَ سُبْحانَهُ. بَلْ لَحِقَهم عَذابُهُ فَدَمَّرَهم تَدْمِيرًا. ولِذا قالَ: ﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] أيْ: رِيحًا عاصِفًا، فِيها حَصاءٌ، وهم قَوْمُ لُوطٍ: ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ [العنكبوت: ٤٠] كَمَدْيَنَ وثَمُودَ: ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] كَقارُونَ: ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ [العنكبوت: ٤٠] كَقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] أيْ: يَفْعَلُ ما يُوجِبُ ذَلِكَ، مِنَ البَغْيِ والفَسادِ.
العنكبوت 29:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٤] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤]
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ أيْ: (p-٤٧٥١)تَعْتَمِدُ عَلى قُوَّتِهِ وتَظُنُّهُ مُحِيطًا بِها، دافِعًا عَنْها الحَرَّ والبَرْدَ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ أيْ: أضْعَفُها: ﴿لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ مَسَّ أدْنى الحَيَواناتِ وأضْعَفِ الرِّياحِ. ولا يَدْفَعُ شَيْئًا مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وهَذا مَثَلُهُمْ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: شَيْئًا ما. أوْ إنَّ أوْلِياءَهم أوْهى مِن ذَلِكَ ثُمَّ الغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ هو تَقْرِيرُ وهَنِ دِينِهِمْ، وإنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ فِيهِ، وهو إمّا تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ، فَمَدارُ قُطْبِ التَّمْثِيلِ عَلى أنَّ أوْلِياءَهم بِمَنزِلَةِ نَسْجِ العَنْكَبُوتِ في ضَعْفِ الحالِ وعَدَمِ الصَّلاحِيَةِ لِلِاعْتِمادِ. وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ تَذْيِيلٌ يُعَرِّفُ الغَرَضَ مِنَ التَّشْبِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ إيغالٌ في تَجْهِيلِهِمْ. لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَهُ مَعَ وُضُوحِهِ لَدى مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ العابِدِ والمَعْبُودِ. وفي الآيَةِ لَطائِفُ بَيانِيَّةٌ ذُكِرَتْ في المُطَوَّلاتِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢] بِالياءِ والتّاءِ في (تَدْعُونَ) قِراءَتانِ. و(ما) إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ(يَدْعُونَ) و(مِنِ) الثّانِيَةُ لِلتَّبْيِينِ. أوْ نافِيَةٌ و(مِن) مَزِيدَةٌ. و(شَيْءٍ) مَفْعُولُ (تَدْعُونَ) أوْ مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ و(شَيْءٍ) مَصْدَرٌ بِمَعْناهُ أيْضًا. أوْ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ لِـ(يَعْلَمَ) ومَفْعُولُ (يَدْعُونَ) عائِدُهُ المَحْذُوفُ. والكَلامُ عَلى الأوَّلِينَ تَجْهِيلٌ لَهم وتَوْكِيدٌ لِلْمَثَلِ. وعَلى الآخِرِينَ وعِيدٌ لَهم. أفادَهُ القاضِي: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ﴾ [العنكبوت: ٤٣] يَعْنِي هَذا المَثَلَ ونَظائِرَهُ في التَّنْزِيلِ: ﴿نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيْ: لِيُقَرِّبَ ما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ. فَإنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ تَبْرُزُ فِيها المَعانِي المُحْتَجَبَةُ لِلْأفْهامِ: ﴿وما يَعْقِلُها﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيْ: يُدْرِكُ حُسْنَها وفَوائِدَها: ﴿إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيِ: الرّاسِخُونَ في العِلْمِ الكامِلُونَ فِيهِ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: ما مَرَرْتُ بِآيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ لا أعْرِفُها، إلّا أحْزَنَنِي. لِأنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤] أيْ: مُحِقًّا مُراعِيًا لِلْحِكَمِ والمَصالِحِ، مُقَدَّسًا عَنْ أنْ يَقْصِدَ بِهِ باطِلًا. فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤]
العنكبوت 29:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٤] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤]
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ أيْ: (p-٤٧٥١)تَعْتَمِدُ عَلى قُوَّتِهِ وتَظُنُّهُ مُحِيطًا بِها، دافِعًا عَنْها الحَرَّ والبَرْدَ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ أيْ: أضْعَفُها: ﴿لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ مَسَّ أدْنى الحَيَواناتِ وأضْعَفِ الرِّياحِ. ولا يَدْفَعُ شَيْئًا مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وهَذا مَثَلُهُمْ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: شَيْئًا ما. أوْ إنَّ أوْلِياءَهم أوْهى مِن ذَلِكَ ثُمَّ الغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ هو تَقْرِيرُ وهَنِ دِينِهِمْ، وإنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ فِيهِ، وهو إمّا تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ، فَمَدارُ قُطْبِ التَّمْثِيلِ عَلى أنَّ أوْلِياءَهم بِمَنزِلَةِ نَسْجِ العَنْكَبُوتِ في ضَعْفِ الحالِ وعَدَمِ الصَّلاحِيَةِ لِلِاعْتِمادِ. وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ تَذْيِيلٌ يُعَرِّفُ الغَرَضَ مِنَ التَّشْبِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ إيغالٌ في تَجْهِيلِهِمْ. لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَهُ مَعَ وُضُوحِهِ لَدى مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ العابِدِ والمَعْبُودِ. وفي الآيَةِ لَطائِفُ بَيانِيَّةٌ ذُكِرَتْ في المُطَوَّلاتِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢] بِالياءِ والتّاءِ في (تَدْعُونَ) قِراءَتانِ. و(ما) إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ(يَدْعُونَ) و(مِنِ) الثّانِيَةُ لِلتَّبْيِينِ. أوْ نافِيَةٌ و(مِن) مَزِيدَةٌ. و(شَيْءٍ) مَفْعُولُ (تَدْعُونَ) أوْ مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ و(شَيْءٍ) مَصْدَرٌ بِمَعْناهُ أيْضًا. أوْ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ لِـ(يَعْلَمَ) ومَفْعُولُ (يَدْعُونَ) عائِدُهُ المَحْذُوفُ. والكَلامُ عَلى الأوَّلِينَ تَجْهِيلٌ لَهم وتَوْكِيدٌ لِلْمَثَلِ. وعَلى الآخِرِينَ وعِيدٌ لَهم. أفادَهُ القاضِي: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ﴾ [العنكبوت: ٤٣] يَعْنِي هَذا المَثَلَ ونَظائِرَهُ في التَّنْزِيلِ: ﴿نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيْ: لِيُقَرِّبَ ما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ. فَإنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ تَبْرُزُ فِيها المَعانِي المُحْتَجَبَةُ لِلْأفْهامِ: ﴿وما يَعْقِلُها﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيْ: يُدْرِكُ حُسْنَها وفَوائِدَها: ﴿إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيِ: الرّاسِخُونَ في العِلْمِ الكامِلُونَ فِيهِ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: ما مَرَرْتُ بِآيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ لا أعْرِفُها، إلّا أحْزَنَنِي. لِأنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤] أيْ: مُحِقًّا مُراعِيًا لِلْحِكَمِ والمَصالِحِ، مُقَدَّسًا عَنْ أنْ يَقْصِدَ بِهِ باطِلًا. فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤]
العنكبوت 29:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٤] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤]
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ أيْ: (p-٤٧٥١)تَعْتَمِدُ عَلى قُوَّتِهِ وتَظُنُّهُ مُحِيطًا بِها، دافِعًا عَنْها الحَرَّ والبَرْدَ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ أيْ: أضْعَفُها: ﴿لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ مَسَّ أدْنى الحَيَواناتِ وأضْعَفِ الرِّياحِ. ولا يَدْفَعُ شَيْئًا مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وهَذا مَثَلُهُمْ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: شَيْئًا ما. أوْ إنَّ أوْلِياءَهم أوْهى مِن ذَلِكَ ثُمَّ الغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ هو تَقْرِيرُ وهَنِ دِينِهِمْ، وإنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ فِيهِ، وهو إمّا تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ، فَمَدارُ قُطْبِ التَّمْثِيلِ عَلى أنَّ أوْلِياءَهم بِمَنزِلَةِ نَسْجِ العَنْكَبُوتِ في ضَعْفِ الحالِ وعَدَمِ الصَّلاحِيَةِ لِلِاعْتِمادِ. وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ تَذْيِيلٌ يُعَرِّفُ الغَرَضَ مِنَ التَّشْبِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ إيغالٌ في تَجْهِيلِهِمْ. لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَهُ مَعَ وُضُوحِهِ لَدى مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ العابِدِ والمَعْبُودِ. وفي الآيَةِ لَطائِفُ بَيانِيَّةٌ ذُكِرَتْ في المُطَوَّلاتِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢] بِالياءِ والتّاءِ في (تَدْعُونَ) قِراءَتانِ. و(ما) إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ(يَدْعُونَ) و(مِنِ) الثّانِيَةُ لِلتَّبْيِينِ. أوْ نافِيَةٌ و(مِن) مَزِيدَةٌ. و(شَيْءٍ) مَفْعُولُ (تَدْعُونَ) أوْ مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ و(شَيْءٍ) مَصْدَرٌ بِمَعْناهُ أيْضًا. أوْ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ لِـ(يَعْلَمَ) ومَفْعُولُ (يَدْعُونَ) عائِدُهُ المَحْذُوفُ. والكَلامُ عَلى الأوَّلِينَ تَجْهِيلٌ لَهم وتَوْكِيدٌ لِلْمَثَلِ. وعَلى الآخِرِينَ وعِيدٌ لَهم. أفادَهُ القاضِي: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ﴾ [العنكبوت: ٤٣] يَعْنِي هَذا المَثَلَ ونَظائِرَهُ في التَّنْزِيلِ: ﴿نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيْ: لِيُقَرِّبَ ما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ. فَإنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ تَبْرُزُ فِيها المَعانِي المُحْتَجَبَةُ لِلْأفْهامِ: ﴿وما يَعْقِلُها﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيْ: يُدْرِكُ حُسْنَها وفَوائِدَها: ﴿إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيِ: الرّاسِخُونَ في العِلْمِ الكامِلُونَ فِيهِ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: ما مَرَرْتُ بِآيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ لا أعْرِفُها، إلّا أحْزَنَنِي. لِأنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤] أيْ: مُحِقًّا مُراعِيًا لِلْحِكَمِ والمَصالِحِ، مُقَدَّسًا عَنْ أنْ يَقْصِدَ بِهِ باطِلًا. فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤]
العنكبوت 29:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٤] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤]
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ أيْ: (p-٤٧٥١)تَعْتَمِدُ عَلى قُوَّتِهِ وتَظُنُّهُ مُحِيطًا بِها، دافِعًا عَنْها الحَرَّ والبَرْدَ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ أيْ: أضْعَفُها: ﴿لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ مَسَّ أدْنى الحَيَواناتِ وأضْعَفِ الرِّياحِ. ولا يَدْفَعُ شَيْئًا مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وهَذا مَثَلُهُمْ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: شَيْئًا ما. أوْ إنَّ أوْلِياءَهم أوْهى مِن ذَلِكَ ثُمَّ الغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ هو تَقْرِيرُ وهَنِ دِينِهِمْ، وإنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ فِيهِ، وهو إمّا تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ، فَمَدارُ قُطْبِ التَّمْثِيلِ عَلى أنَّ أوْلِياءَهم بِمَنزِلَةِ نَسْجِ العَنْكَبُوتِ في ضَعْفِ الحالِ وعَدَمِ الصَّلاحِيَةِ لِلِاعْتِمادِ. وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ تَذْيِيلٌ يُعَرِّفُ الغَرَضَ مِنَ التَّشْبِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ إيغالٌ في تَجْهِيلِهِمْ. لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَهُ مَعَ وُضُوحِهِ لَدى مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ العابِدِ والمَعْبُودِ. وفي الآيَةِ لَطائِفُ بَيانِيَّةٌ ذُكِرَتْ في المُطَوَّلاتِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢] بِالياءِ والتّاءِ في (تَدْعُونَ) قِراءَتانِ. و(ما) إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ(يَدْعُونَ) و(مِنِ) الثّانِيَةُ لِلتَّبْيِينِ. أوْ نافِيَةٌ و(مِن) مَزِيدَةٌ. و(شَيْءٍ) مَفْعُولُ (تَدْعُونَ) أوْ مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ و(شَيْءٍ) مَصْدَرٌ بِمَعْناهُ أيْضًا. أوْ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ لِـ(يَعْلَمَ) ومَفْعُولُ (يَدْعُونَ) عائِدُهُ المَحْذُوفُ. والكَلامُ عَلى الأوَّلِينَ تَجْهِيلٌ لَهم وتَوْكِيدٌ لِلْمَثَلِ. وعَلى الآخِرِينَ وعِيدٌ لَهم. أفادَهُ القاضِي: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ﴾ [العنكبوت: ٤٣] يَعْنِي هَذا المَثَلَ ونَظائِرَهُ في التَّنْزِيلِ: ﴿نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيْ: لِيُقَرِّبَ ما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ. فَإنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ تَبْرُزُ فِيها المَعانِي المُحْتَجَبَةُ لِلْأفْهامِ: ﴿وما يَعْقِلُها﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيْ: يُدْرِكُ حُسْنَها وفَوائِدَها: ﴿إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيِ: الرّاسِخُونَ في العِلْمِ الكامِلُونَ فِيهِ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: ما مَرَرْتُ بِآيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ لا أعْرِفُها، إلّا أحْزَنَنِي. لِأنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤] أيْ: مُحِقًّا مُراعِيًا لِلْحِكَمِ والمَصالِحِ، مُقَدَّسًا عَنْ أنْ يَقْصِدَ بِهِ باطِلًا. فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤]
العنكبوت 29:45
(p-٤٧٥٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥ - ٤٦] ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْنا وأُنْـزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]
﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى بِقِراءَتِهِ، وتَحَفُّظًا لِألْفاظِهِ، واسْتِكْثارًا لِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ المَعانِي. فَإنَّ القارِئَ المُتَأمِّلَ قَدْ يَنْكَشِفُ لَهُ بِالتَّكْرارِ ما لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ أوَّلَ ما قَرَعَ سَمْعَهُ. وتَذْكِيرًا لِلنّاسِ، وحَمْلًا لَهم عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ، مِنَ الأحْكامِ ومَحاسِنِ الآدابِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ أيْ: تَكُونُ سَبَبًا لِلِانْتِهاءِ عَنْ ذَلِكَ. فَفِيهِ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ. فَإنْ قُلْتَ: كَمْ مِن مُصَلٍّ يَرْتَكِبُ ولا تَنْهاهُ صَلاتُهُ! قُلْتُ: الصَّلاةُ الَّتِي هي الصَّلاةُ عِنْدَ اللَّهِ، المُسْتَحَقُّ بِها الثَّوابُ، أنْ يَدْخُلَ فِيها مُقَدِّمًا لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ مُتَّقِيًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] ويُصَلِّيها خاشِعًا بِالقَلْبِ والجَوارِحِ. ثُمَّ يَحُوطُها بَعْدَ أنْ يُصَلِّيَها، فَلا يُحْبِطُها، فَهي الصَّلاةُ الَّتِي تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَن لَمْ تَأْمُرْهُ صَلاتُهُ بِالمَعْرُوفِ، وتَنْهَهُ عَنِ المُنْكَرِ، لَمْ يَزْدَدْ بِصَلاتِهِ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا.
عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فَلَيْسَتْ صَلاتُهُ بِصَلاةٍ، وهي وبالٌ عَلَيْهِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولَلصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: (p-٤٧٥٣)﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ لِيَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ. كَأنَّهُ قالَ: ولَلصَّلاةُ أكْبَرُ، لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ. أوْ: ولَذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وذِكْرُ نَهْيِهِ عَنْهُما ووَعِيدِهِ عَلَيْهِما، أكْبَرُ. فَكانَ أوْلى بِأنْ يَنْهى مِنَ اللُّطْفِ الَّذِي في الصَّلاةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم بِرَحْمَتِهِ، أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ بِطاعَتِهِ. انْتَهى. فَـ(ذِكْرُ) عَلى الأوَّلَيْنِ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ. وعَلى ما بَعْدَهُما مُضافٌ لِلْفاعِلِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ في الأوَّلِينَ غَيْرُهُ مِنَ الطّاعاتِ. وفي الأخِيرِ قَوْلُهُ: (مِن ذِكْرِكُمْ).
وقالَ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَيْنِ، وهُما تِلاوَةُ الكِتابِ وإقامَةُ الصَّلاةِ، بَيَّنَ ما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِهِما عَلى أبْلَغِ وُجُوهِ التَّعْظِيمِ، فَقالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ وأنْتُمْ إذا ذَكَرْتُمْ آباءَكم بِما فِيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ الحَسَنَةِ، تَنْبَشُّونَ لِذَلِكَ وتَذْكُرُونَهم بِمِلْءِ أفْواهِكم وقُلُوبِكم. لَكِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ أكْبَرُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى أبْلَغِ وجْهِ التَّعْظِيمِ. أمّا الصَّلاةُ فَكَذَلِكَ. لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ. وهَذا أحْسَنُ صُنْعِكم. فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ مَعَ حَذْفِ بَيانِ ما هو أكْبَرُ مِنهُ، لَطِيفَةٌ. وهي أنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُلْ: أكْبَرُ مِن ذِكْرِ فُلانٍ، لِأنَّ ما نُسِبَ إلى غَيْرِهِ بِالكِبَرِ فَلَهُ إلَيْهِ نِسْبَةٌ. إذْ لا يُقالُ الجَبَلُ أكْبَرُ مِن خَرْدَلَةٍ وإنَّما يُقالُ: هَذا الجَبَلُ أكْبَرُ مِن هَذا الجَبَلِ. فَأسْقَطَ المَنسُوبَ كَأنَّهُ قالَ: (ولَذِكْرُ اللَّهِ لَهُ الكِبَرُ لا لِغَيْرِهِ)، وهَذا كَما يُقالُ في الصَّلاةِ: (اللَّهُ أكْبَرُ) أيْ: لَهُ الكِبَرُ لا لِغَيْرِهِ. انْتَهى.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى طَرِيقَةَ إرْشادِ المُشْرِكِينَ، ونَفْعِ مَنِ انْتَفَعَ، وحُصُولِ اليَأْسِ مِمَّنِ امْتَنَعَ، بَيَّنَ طَرِيقَةَ إرْشادِ أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أيْ: بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ. وهي اللِّينُ والأناةُ: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أيْ: بِالِاعْتِداءِ، بِأنْ أفْحَشُوا في المَقالِ وأقْذَعُوا في الجِدالِ، فَلا حَرَجَ في مُقابَلَتِهِمْ بِالعُنْفِ، لِتَنَكُّبِهِمْ عَنْ جادَّةِ اللُّطْفِ. وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في آدابِ المُناظَرَةِ والجَدَلِ: ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم (p-٤٧٥٤)وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أيْ: مُطِيعُونَ لَهُ خاصَّةً. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِاتِّخاذِهِمْ أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَعْنِي إذا أخْبَرُوا بِما لا يُعْلَمُ صِدْقُهُ ولا كَذِبُهُ، فَهَذا لا يُقْدِمُ عَلى تَكْذِيبِهِ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَقًّا. ولا عَلى تَصْدِيقِهِ، فَلَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ باطِلًا. ولَكِنْ يُؤْمَنُ بِهِ إيمانًا مُجْمَلًا مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ. وهو أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا، لا مُبَدَّلًا مُؤَوَّلًا. ورَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم. وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ»» . وهَذا الحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ البُخارِيُّ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي نَمْلَةَ الأنْصارِيِّ مَرْفُوعًا: ««إذا حَدَّثَكم أهْلُ الكِتابِ فَلا تُصَدِّقُوهم ولا تُكَذِّبُوهم. وقُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ. فَإنْ كانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ، وإنْ كانَ باطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهم»» . ثُمَّ لِيُعْلَمَ أنَّ أكْثَرَ ما يَتَحَدَّثُونَ بِهِ غالِبُهُ كَذِبٌ وبُهْتانٌ. لِأنَّهُ قَدْ دَخَلَهُ تَحْرِيفٌ وتَبْدِيلٌ وتَغْيِيرٌ وتَأْوِيلٌ. وما أقَلَّ الصِّدْقَ فِيهِ. ثُمَّ ما أقَلَّ فائِدَةَ كَثِيرٍ مِنهُ، لَوْ كانَ صَحِيحًا.
رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ، وكِتابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أحْدَثُ. تَقْرَؤُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ. وقَدْ حَدَّثَكم أنَّ أهْلَ الكِتابِ بَدَّلُوا وغَيَّرُوا، وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمُ الكِتابَ، وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا (p-٤٧٥٥)بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. ألا يَنْهاكم ما جاءَكم مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسْألَتِهِمْ؟ لا، واللَّهِ! ما رَأيْنا مِنهم رَجُلًا يَسْألُكم عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم.
وقالَ البُخارِيُّ: وقالَ أبُو اليَمانِ: أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. أخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ سَمِعَ مُعاوِيَةَ يُحَدِّثُ رَهْطًا مِن قُرَيْشٍ بِالمَدِينَةِ. وذَكَرَ كَعْبَ الأحْبارِ فَقالَ: إنْ كانَ مِن أصْدَقِ هَؤُلاءِ المُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ. وإنْ كُنّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الكَذِبَ. مَعْناهُ أنَّهُ يَقَعُ مِنهُ الكَذِبُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. لِأنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ صُحُفٍ هو يُحْسِنُ بِها الظَّنَّ، وفِيها أشْياءُ مَوْضُوعَةٌ ومَكْذُوبَةٌ. لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ في مِلَّتِهِمْ حُفّاظٌ مُتْقِنُونَ كَهَذِهِ الأُمَّةِ العَظِيمَةِ. ومَعَ ذَلِكَ. وقُرْبَ العَهْدِ، وُضِعَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في هَذِهِ الأُمَّةِ، لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ومَن مَنَحَهُ اللَّهُ عِلْمًا عَلِمَ بِذَلِكَ كُلٌّ بِحَسَبِهِ. ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةِ. انْتَهى.
العنكبوت 29:46
(p-٤٧٥٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥ - ٤٦] ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْنا وأُنْـزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]
﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى بِقِراءَتِهِ، وتَحَفُّظًا لِألْفاظِهِ، واسْتِكْثارًا لِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ المَعانِي. فَإنَّ القارِئَ المُتَأمِّلَ قَدْ يَنْكَشِفُ لَهُ بِالتَّكْرارِ ما لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ أوَّلَ ما قَرَعَ سَمْعَهُ. وتَذْكِيرًا لِلنّاسِ، وحَمْلًا لَهم عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ، مِنَ الأحْكامِ ومَحاسِنِ الآدابِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ أيْ: تَكُونُ سَبَبًا لِلِانْتِهاءِ عَنْ ذَلِكَ. فَفِيهِ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ. فَإنْ قُلْتَ: كَمْ مِن مُصَلٍّ يَرْتَكِبُ ولا تَنْهاهُ صَلاتُهُ! قُلْتُ: الصَّلاةُ الَّتِي هي الصَّلاةُ عِنْدَ اللَّهِ، المُسْتَحَقُّ بِها الثَّوابُ، أنْ يَدْخُلَ فِيها مُقَدِّمًا لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ مُتَّقِيًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] ويُصَلِّيها خاشِعًا بِالقَلْبِ والجَوارِحِ. ثُمَّ يَحُوطُها بَعْدَ أنْ يُصَلِّيَها، فَلا يُحْبِطُها، فَهي الصَّلاةُ الَّتِي تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَن لَمْ تَأْمُرْهُ صَلاتُهُ بِالمَعْرُوفِ، وتَنْهَهُ عَنِ المُنْكَرِ، لَمْ يَزْدَدْ بِصَلاتِهِ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا.
عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فَلَيْسَتْ صَلاتُهُ بِصَلاةٍ، وهي وبالٌ عَلَيْهِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولَلصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: (p-٤٧٥٣)﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ لِيَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ. كَأنَّهُ قالَ: ولَلصَّلاةُ أكْبَرُ، لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ. أوْ: ولَذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وذِكْرُ نَهْيِهِ عَنْهُما ووَعِيدِهِ عَلَيْهِما، أكْبَرُ. فَكانَ أوْلى بِأنْ يَنْهى مِنَ اللُّطْفِ الَّذِي في الصَّلاةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم بِرَحْمَتِهِ، أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ بِطاعَتِهِ. انْتَهى. فَـ(ذِكْرُ) عَلى الأوَّلَيْنِ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ. وعَلى ما بَعْدَهُما مُضافٌ لِلْفاعِلِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ في الأوَّلِينَ غَيْرُهُ مِنَ الطّاعاتِ. وفي الأخِيرِ قَوْلُهُ: (مِن ذِكْرِكُمْ).
وقالَ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَيْنِ، وهُما تِلاوَةُ الكِتابِ وإقامَةُ الصَّلاةِ، بَيَّنَ ما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِهِما عَلى أبْلَغِ وُجُوهِ التَّعْظِيمِ، فَقالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ وأنْتُمْ إذا ذَكَرْتُمْ آباءَكم بِما فِيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ الحَسَنَةِ، تَنْبَشُّونَ لِذَلِكَ وتَذْكُرُونَهم بِمِلْءِ أفْواهِكم وقُلُوبِكم. لَكِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ أكْبَرُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى أبْلَغِ وجْهِ التَّعْظِيمِ. أمّا الصَّلاةُ فَكَذَلِكَ. لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ. وهَذا أحْسَنُ صُنْعِكم. فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ مَعَ حَذْفِ بَيانِ ما هو أكْبَرُ مِنهُ، لَطِيفَةٌ. وهي أنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُلْ: أكْبَرُ مِن ذِكْرِ فُلانٍ، لِأنَّ ما نُسِبَ إلى غَيْرِهِ بِالكِبَرِ فَلَهُ إلَيْهِ نِسْبَةٌ. إذْ لا يُقالُ الجَبَلُ أكْبَرُ مِن خَرْدَلَةٍ وإنَّما يُقالُ: هَذا الجَبَلُ أكْبَرُ مِن هَذا الجَبَلِ. فَأسْقَطَ المَنسُوبَ كَأنَّهُ قالَ: (ولَذِكْرُ اللَّهِ لَهُ الكِبَرُ لا لِغَيْرِهِ)، وهَذا كَما يُقالُ في الصَّلاةِ: (اللَّهُ أكْبَرُ) أيْ: لَهُ الكِبَرُ لا لِغَيْرِهِ. انْتَهى.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى طَرِيقَةَ إرْشادِ المُشْرِكِينَ، ونَفْعِ مَنِ انْتَفَعَ، وحُصُولِ اليَأْسِ مِمَّنِ امْتَنَعَ، بَيَّنَ طَرِيقَةَ إرْشادِ أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أيْ: بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ. وهي اللِّينُ والأناةُ: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أيْ: بِالِاعْتِداءِ، بِأنْ أفْحَشُوا في المَقالِ وأقْذَعُوا في الجِدالِ، فَلا حَرَجَ في مُقابَلَتِهِمْ بِالعُنْفِ، لِتَنَكُّبِهِمْ عَنْ جادَّةِ اللُّطْفِ. وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في آدابِ المُناظَرَةِ والجَدَلِ: ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم (p-٤٧٥٤)وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أيْ: مُطِيعُونَ لَهُ خاصَّةً. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِاتِّخاذِهِمْ أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَعْنِي إذا أخْبَرُوا بِما لا يُعْلَمُ صِدْقُهُ ولا كَذِبُهُ، فَهَذا لا يُقْدِمُ عَلى تَكْذِيبِهِ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَقًّا. ولا عَلى تَصْدِيقِهِ، فَلَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ باطِلًا. ولَكِنْ يُؤْمَنُ بِهِ إيمانًا مُجْمَلًا مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ. وهو أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا، لا مُبَدَّلًا مُؤَوَّلًا. ورَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم. وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ»» . وهَذا الحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ البُخارِيُّ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي نَمْلَةَ الأنْصارِيِّ مَرْفُوعًا: ««إذا حَدَّثَكم أهْلُ الكِتابِ فَلا تُصَدِّقُوهم ولا تُكَذِّبُوهم. وقُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ. فَإنْ كانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ، وإنْ كانَ باطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهم»» . ثُمَّ لِيُعْلَمَ أنَّ أكْثَرَ ما يَتَحَدَّثُونَ بِهِ غالِبُهُ كَذِبٌ وبُهْتانٌ. لِأنَّهُ قَدْ دَخَلَهُ تَحْرِيفٌ وتَبْدِيلٌ وتَغْيِيرٌ وتَأْوِيلٌ. وما أقَلَّ الصِّدْقَ فِيهِ. ثُمَّ ما أقَلَّ فائِدَةَ كَثِيرٍ مِنهُ، لَوْ كانَ صَحِيحًا.
رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ، وكِتابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أحْدَثُ. تَقْرَؤُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ. وقَدْ حَدَّثَكم أنَّ أهْلَ الكِتابِ بَدَّلُوا وغَيَّرُوا، وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمُ الكِتابَ، وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا (p-٤٧٥٥)بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. ألا يَنْهاكم ما جاءَكم مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسْألَتِهِمْ؟ لا، واللَّهِ! ما رَأيْنا مِنهم رَجُلًا يَسْألُكم عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم.
وقالَ البُخارِيُّ: وقالَ أبُو اليَمانِ: أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. أخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ سَمِعَ مُعاوِيَةَ يُحَدِّثُ رَهْطًا مِن قُرَيْشٍ بِالمَدِينَةِ. وذَكَرَ كَعْبَ الأحْبارِ فَقالَ: إنْ كانَ مِن أصْدَقِ هَؤُلاءِ المُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ. وإنْ كُنّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الكَذِبَ. مَعْناهُ أنَّهُ يَقَعُ مِنهُ الكَذِبُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. لِأنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ صُحُفٍ هو يُحْسِنُ بِها الظَّنَّ، وفِيها أشْياءُ مَوْضُوعَةٌ ومَكْذُوبَةٌ. لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ في مِلَّتِهِمْ حُفّاظٌ مُتْقِنُونَ كَهَذِهِ الأُمَّةِ العَظِيمَةِ. ومَعَ ذَلِكَ. وقُرْبَ العَهْدِ، وُضِعَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في هَذِهِ الأُمَّةِ، لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ومَن مَنَحَهُ اللَّهُ عِلْمًا عَلِمَ بِذَلِكَ كُلٌّ بِحَسَبِهِ. ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةِ. انْتَهى.
العنكبوت 29:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧ - ٤٨] ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الكافِرُونَ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]
﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ، أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ. أيْ: أنْزَلْناهُ مُصَدِّقًا لِسائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيِ: العَرَبِ: ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الكافِرُونَ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] أيْ: فَإنَّ ظُهُورَ هَذا الكِتابِ الجامِعِ لِما (p-٤٧٥٦)يَكْفُلُ سَعادَةَ الدّارَيْنِ في شَرائِعِهِ وقَضاياهُ، عَلى أُمِّيٍّ لَمْ يَعْرِفْ بِالقِراءَةِ والتَّعَلُّمِ، خارِقٌ لِلْعادَةِ. وذِكْرُ اليَمِينِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِلْمَنفِيِّ، ونُفِيَ لِلتَّجَوُّزِ في الإسْنادِ: ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَخُطُّ ويَقْرَأُ، لَقالُوا: لَعَلَّهُ تَعَلَّمَهُ أوْ كَتَبَهُ بِيَدِهِ، مِن كُتُبٍ مَأْثُورَةٍ عَنِ الأنْبِياءِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ. وفِيها رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ كَتَبَ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ صِفَتُهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهَكَذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دائِمًا لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ ولا يَخُطُّ سَطْرًا ولا حَرْفًا بِيَدِهِ. بَلْ كانَ لَهُ كُتّابٌ يَكْتُبُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ الوَحْيَ والرَّسائِلَ إلى الأقالِيمِ. ومَن زَعَمَ، مِن مُتَأخِّرِي الفُقَهاءِ، كالقاضِي ابْنِ الوَلِيدِ الباجِيِّ ومَن تابَعَهُ، أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَتَبَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَإنَّما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ رِوايَةٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: (ثُمَّ أخَذَ فَكَتَبَ) وهَذِهِ مَحْمُولَةٌ عَلى الرِّوايَةِ الأُخْرى: (ثُمَّ أُمِرَ فَكَتَبَ) ولِهَذا اشْتَدَّ النَّكِيرُ مِن فُقَهاءِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ عَلى مَن قالَ بِقَوْلِ الباجِيِّ، وتَبَرَّأُوا مِنهُ وأنْشَدُوا في ذَلِكَ أقْوالًا وخَطَبُوا بِهِ في مَحافِلِهِمْ. وإنَّما أرادَ الرَّجُلُ أعْنِي الباجِيَّ فِيما يَظْهَرُ عَنْهُ. أنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُعْجِزَةِ. لا أنَّهُ كانَ يُحْسِنُ الكِتابَةَ. وما أوْرَدَهُ بَعْضُهم مِنَ الحَدِيثِ؛ أنَّهُ لَمْ يَمُتْ ﷺ حَتّى تَعَلَّمَ الكِتابَةَ، فَضَعِيفٌ لا أصْلَ لَهُ. انْتَهى.
وقالَ الشِّهابُ: ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ كانَ يُحْسِنُ الكِتابَةَ، أبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ وأبُو الفَتْحِ النَّيْسابُورِيُّ وأبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ مِنَ المَغارِبَةِ. وصَنَّفَ فِيهِ كِتابًا، سَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ مُنَبِّهٍ. ولَمّا قالَ أبُو الوَلِيدِ ذَلِكَ، طُعِنَ فِيهِ ورُمِيَ بِالزَّنْدَقَةِ وسُبَّ عَلى المَنابِرِ، ثُمَّ عُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ فَأقامَ الحُجَّةَ (p-٤٧٥٧)عَلى مُدَّعاهُ وكَتَبَ بِهِ إلى عُلَماءِ الأطْرافِ. فَأجابُوا بِما يُوافِقُهُ. وأنَّ مَعْرِفَةَ الكِتابَةِ بَعْدَ أُمِّيَّتِهِ لا تُنافِي المُعْجِزَةَ. بَلْ هي مُعْجِزَةٌ أُخْرى. لِكَوْنِها مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ. ورَدَّ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ مُفَوَّزٍ كِتابَ الباجِيِّ لِما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»» وقالَ: كُلُّ ما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِ: (كَتَبَ) فَمَعْناهُ أمَرَ بِالكِتابَةِ. انْتَهى.
العنكبوت 29:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧ - ٤٨] ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الكافِرُونَ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]
﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ، أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ. أيْ: أنْزَلْناهُ مُصَدِّقًا لِسائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيِ: العَرَبِ: ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الكافِرُونَ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] أيْ: فَإنَّ ظُهُورَ هَذا الكِتابِ الجامِعِ لِما (p-٤٧٥٦)يَكْفُلُ سَعادَةَ الدّارَيْنِ في شَرائِعِهِ وقَضاياهُ، عَلى أُمِّيٍّ لَمْ يَعْرِفْ بِالقِراءَةِ والتَّعَلُّمِ، خارِقٌ لِلْعادَةِ. وذِكْرُ اليَمِينِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِلْمَنفِيِّ، ونُفِيَ لِلتَّجَوُّزِ في الإسْنادِ: ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَخُطُّ ويَقْرَأُ، لَقالُوا: لَعَلَّهُ تَعَلَّمَهُ أوْ كَتَبَهُ بِيَدِهِ، مِن كُتُبٍ مَأْثُورَةٍ عَنِ الأنْبِياءِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ. وفِيها رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ كَتَبَ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ صِفَتُهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهَكَذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دائِمًا لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ ولا يَخُطُّ سَطْرًا ولا حَرْفًا بِيَدِهِ. بَلْ كانَ لَهُ كُتّابٌ يَكْتُبُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ الوَحْيَ والرَّسائِلَ إلى الأقالِيمِ. ومَن زَعَمَ، مِن مُتَأخِّرِي الفُقَهاءِ، كالقاضِي ابْنِ الوَلِيدِ الباجِيِّ ومَن تابَعَهُ، أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَتَبَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَإنَّما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ رِوايَةٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: (ثُمَّ أخَذَ فَكَتَبَ) وهَذِهِ مَحْمُولَةٌ عَلى الرِّوايَةِ الأُخْرى: (ثُمَّ أُمِرَ فَكَتَبَ) ولِهَذا اشْتَدَّ النَّكِيرُ مِن فُقَهاءِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ عَلى مَن قالَ بِقَوْلِ الباجِيِّ، وتَبَرَّأُوا مِنهُ وأنْشَدُوا في ذَلِكَ أقْوالًا وخَطَبُوا بِهِ في مَحافِلِهِمْ. وإنَّما أرادَ الرَّجُلُ أعْنِي الباجِيَّ فِيما يَظْهَرُ عَنْهُ. أنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُعْجِزَةِ. لا أنَّهُ كانَ يُحْسِنُ الكِتابَةَ. وما أوْرَدَهُ بَعْضُهم مِنَ الحَدِيثِ؛ أنَّهُ لَمْ يَمُتْ ﷺ حَتّى تَعَلَّمَ الكِتابَةَ، فَضَعِيفٌ لا أصْلَ لَهُ. انْتَهى.
وقالَ الشِّهابُ: ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ كانَ يُحْسِنُ الكِتابَةَ، أبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ وأبُو الفَتْحِ النَّيْسابُورِيُّ وأبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ مِنَ المَغارِبَةِ. وصَنَّفَ فِيهِ كِتابًا، سَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ مُنَبِّهٍ. ولَمّا قالَ أبُو الوَلِيدِ ذَلِكَ، طُعِنَ فِيهِ ورُمِيَ بِالزَّنْدَقَةِ وسُبَّ عَلى المَنابِرِ، ثُمَّ عُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ فَأقامَ الحُجَّةَ (p-٤٧٥٧)عَلى مُدَّعاهُ وكَتَبَ بِهِ إلى عُلَماءِ الأطْرافِ. فَأجابُوا بِما يُوافِقُهُ. وأنَّ مَعْرِفَةَ الكِتابَةِ بَعْدَ أُمِّيَّتِهِ لا تُنافِي المُعْجِزَةَ. بَلْ هي مُعْجِزَةٌ أُخْرى. لِكَوْنِها مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ. ورَدَّ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ مُفَوَّزٍ كِتابَ الباجِيِّ لِما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»» وقالَ: كُلُّ ما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِ: (كَتَبَ) فَمَعْناهُ أمَرَ بِالكِتابَةِ. انْتَهى.
العنكبوت 29:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٠] ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الظّالِمُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] .
﴿بَلْ هُوَ﴾ أيِ: القُرْآنُ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيِ: العُلَماءِ بِهِ وحُفّاظِهِ. وهُما مِن خَصائِصِ القُرْآنِ كَوْنُ آياتِهِ بَيِّناتِ الإعْجازِ، وكَوْنُهُ مَحْفُوظًا في الصُّدُورِ، يَتْلُوهُ أكْثَرُ الأُمَّةِ ظاهِرًا. بِخِلافِ سائِرِ الكُتُبِ. فَإنَّها لَمْ تَكُنْ مُعْجِزاتٍ، وما كانَتْ تُقْرَأُ إلّا مِنَ المَصاحِفِ. ومِنهُ ما جاءَ في صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ ««صُدُورُهم أناجِيلُهم»» . كَذا في الكَشّافِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الظّالِمُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠] يَعْنُونَ ما كانُوا يَقْتَرِحُونَهُ في تَعَنُّتِهِمْ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠] أيْ: هو يَمْلِكُ إنْزالَها، ولَوْ شاءَ لَفَعَلَ: ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] أيْ: لَيْسَ مِن شَأْنِي إلّا الإنْذارُ وإبانَتُهُ، لا الإتْيانُ بِما تَقْتَرِحُونَهُ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ في آيَةِ تَنْزِيلِ الكِتابِ، غِنْيَةً عَنْ كُلِّ آيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ. لِما أنَّ الدَّوْرَ انْقَلَبَ مِنَ الآياتِ الآفاقِيَّةِ، إلى الآياتِ العِلْمِيَّةِ، وِفاقًا لِسُنَّةِ التَّرَقِّي، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
العنكبوت 29:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٠] ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الظّالِمُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] .
﴿بَلْ هُوَ﴾ أيِ: القُرْآنُ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيِ: العُلَماءِ بِهِ وحُفّاظِهِ. وهُما مِن خَصائِصِ القُرْآنِ كَوْنُ آياتِهِ بَيِّناتِ الإعْجازِ، وكَوْنُهُ مَحْفُوظًا في الصُّدُورِ، يَتْلُوهُ أكْثَرُ الأُمَّةِ ظاهِرًا. بِخِلافِ سائِرِ الكُتُبِ. فَإنَّها لَمْ تَكُنْ مُعْجِزاتٍ، وما كانَتْ تُقْرَأُ إلّا مِنَ المَصاحِفِ. ومِنهُ ما جاءَ في صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ ««صُدُورُهم أناجِيلُهم»» . كَذا في الكَشّافِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الظّالِمُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠] يَعْنُونَ ما كانُوا يَقْتَرِحُونَهُ في تَعَنُّتِهِمْ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠] أيْ: هو يَمْلِكُ إنْزالَها، ولَوْ شاءَ لَفَعَلَ: ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] أيْ: لَيْسَ مِن شَأْنِي إلّا الإنْذارُ وإبانَتُهُ، لا الإتْيانُ بِما تَقْتَرِحُونَهُ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ في آيَةِ تَنْزِيلِ الكِتابِ، غِنْيَةً عَنْ كُلِّ آيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ. لِما أنَّ الدَّوْرَ انْقَلَبَ مِنَ الآياتِ الآفاقِيَّةِ، إلى الآياتِ العِلْمِيَّةِ، وِفاقًا لِسُنَّةِ التَّرَقِّي، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
العنكبوت 29:51
(p-٤٧٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١ - ٥٦] ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ أيْ: آيَةٌ مُغْنِيَةٌ عَمّا اقْتَرَحُوهُ: ﴿أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: وفِيهِ نَفْسُهُ مِنَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ ما لا يَرْتابُ مَعَهُ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وكابَرَ حِسَّهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ: الكِتابِ الَّذِي هو آيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وحُجَّةٌ بالِغَةٌ ظاهِرَةٌ: ﴿لَرَحْمَةً﴾ أيْ: لَنِعْمَةً عَظِيمَةً في هِدايَتِهِ إلى الحَقِّ وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: ﴿وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: تَذْكِرَةً لِقَوْمٍ، هَمُّهُمُ الإيمانُ دُونَ التَّعَنُّتِ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: إنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم وأنْذَرْتُكُمْ، وإنَّكم قابَلْتُمُونِي بِالجَحْدِ والتَّكْذِيبِ. يَعْنِي. كَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى شَهِيدًا بِصِدْقِي بِالتَّأْيِيدِ والحِفْظِ، أيْ: هو شاهِدٌ عَلى ما جِئْتُ بِهِ، مُصَدِّقٌ لَهُ تَصْدِيقَ الشّاهِدِ لِدَعْوى المُدَّعِي.
(p-٤٧٥٩)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: فَلَوْ كُنْتُ غَيْرَ مُحِقٍّ، لانْتَقَمَ مِنِّي، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وإنَّما أنا صادِقٌ عَلَيْهِ فِيما أخْبَرْتُكم بِهِ. ولِهَذا أيَّدَنِي بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلائِلِ القاطِعاتِ. انْتَهى ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حالِي وحالُكُمْ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيِ: اسْتِهْزاءً: ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: لِكُلِّ عَذابٍ أوْ قَوْمٍ، وهو وقْتُهُ المُعَيَّنُ لَهُ فِيهِما: ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: عاجِلًا: ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: فَجْأةً في الدُّنْيا. كَوَقْعَةِ بَدْرٍ. فَقَدْ كانُوا لِغُرُورِهِمْ لا يَتَوَقَّعُونَ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ. أوْ في الآخِرَةِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِمْ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] أيْ: سَتُحِيطُ بِهِمْ. أيْ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وهو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ. أوْ هي كالمُحِيطَةِ بِهِمْ. لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ.
﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] أيْ: جَزاءَهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] وهَذا خِطابٌ لِمَن لَمْ تُمَكِّنْهُ عِبادَتُهُ تَعالى وحْدَهُ في أرْضِهِ، لِإيذائِهِ في اللَّهِ واضْطِهادِهِ في جانِبِهِ، أنْ يُهاجِرَ عَنْها إلى بَلَدٍ ما، يُقَدِّرُ أنَّهُ فِيهِ أسْلَمُ قَلْبًا، وأصَحُّ دِينًا، وآمَنُ نَفْسًا. وأنْ يَتَجَنَّبَ المَقامَ في بَلَدِهِ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، كَيْلا يَفْتِنَهُ الكافِرُونَ. أوْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلتَّهْلُكَةِ، وقَدْ جُعِلَ لَهُ مِنها مَخْرَجٌ. وكَوْنُ أرْضِ اللَّهِ واسِعَةً، مَذْكُورٌ لِلدَّلالَةِ عَلى المُقَدَّرِ. وهو كالتَّوْطِئَةِ لِما بَعْدَهُ. لِأنَّها مَعَ سِعَتِها، وإمْكانِ التَّفَسُّحِ فِيها، لا يَنْبَغِي بِأرْضٍ لا يَتَيَسَّرُ بِها لِلْمَرْءِ ما يُرِيدُهُ. كَما قِيلَ:
؎وكُلُّ مَكانٍ يَنْبُتُ العِزُّ طَيِّبُ
وقالَ آخَرُ:
؎إذا كانَ أصْلِي مِن تُرابٍ فَكُلُّها ∗∗∗ بِلادِي، وكُلُّ العالَمِينَ أقارِبِي
(p-٤٧٦٠)وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الزُّبَيْرِ: قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««البِلادُ بِلادُ اللَّهِ والعِبادُ عِبادُ اللَّهِ. فَحَيْثُما أصَبْتَ خَيْرًا فَأقِمْ»» . ولِهَذا لَمّا ضاقَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ مَقامُهُمْ، خَرَجُوا مُهاجِرِينَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ لِيَأْمَنُوا عَلى دِينِهِمْ هُناكَ فَوَجَدُوا خَيْرَ نُزُلٍ بِها، عِنْدَ مَلِكِها النَّجاشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ الباقُونَ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، عَمَلًا بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ. وقَوْلِهِ تَعالى:
العنكبوت 29:52
(p-٤٧٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١ - ٥٦] ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ أيْ: آيَةٌ مُغْنِيَةٌ عَمّا اقْتَرَحُوهُ: ﴿أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: وفِيهِ نَفْسُهُ مِنَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ ما لا يَرْتابُ مَعَهُ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وكابَرَ حِسَّهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ: الكِتابِ الَّذِي هو آيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وحُجَّةٌ بالِغَةٌ ظاهِرَةٌ: ﴿لَرَحْمَةً﴾ أيْ: لَنِعْمَةً عَظِيمَةً في هِدايَتِهِ إلى الحَقِّ وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: ﴿وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: تَذْكِرَةً لِقَوْمٍ، هَمُّهُمُ الإيمانُ دُونَ التَّعَنُّتِ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: إنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم وأنْذَرْتُكُمْ، وإنَّكم قابَلْتُمُونِي بِالجَحْدِ والتَّكْذِيبِ. يَعْنِي. كَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى شَهِيدًا بِصِدْقِي بِالتَّأْيِيدِ والحِفْظِ، أيْ: هو شاهِدٌ عَلى ما جِئْتُ بِهِ، مُصَدِّقٌ لَهُ تَصْدِيقَ الشّاهِدِ لِدَعْوى المُدَّعِي.
(p-٤٧٥٩)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: فَلَوْ كُنْتُ غَيْرَ مُحِقٍّ، لانْتَقَمَ مِنِّي، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وإنَّما أنا صادِقٌ عَلَيْهِ فِيما أخْبَرْتُكم بِهِ. ولِهَذا أيَّدَنِي بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلائِلِ القاطِعاتِ. انْتَهى ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حالِي وحالُكُمْ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيِ: اسْتِهْزاءً: ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: لِكُلِّ عَذابٍ أوْ قَوْمٍ، وهو وقْتُهُ المُعَيَّنُ لَهُ فِيهِما: ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: عاجِلًا: ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: فَجْأةً في الدُّنْيا. كَوَقْعَةِ بَدْرٍ. فَقَدْ كانُوا لِغُرُورِهِمْ لا يَتَوَقَّعُونَ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ. أوْ في الآخِرَةِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِمْ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] أيْ: سَتُحِيطُ بِهِمْ. أيْ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وهو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ. أوْ هي كالمُحِيطَةِ بِهِمْ. لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ.
﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] أيْ: جَزاءَهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] وهَذا خِطابٌ لِمَن لَمْ تُمَكِّنْهُ عِبادَتُهُ تَعالى وحْدَهُ في أرْضِهِ، لِإيذائِهِ في اللَّهِ واضْطِهادِهِ في جانِبِهِ، أنْ يُهاجِرَ عَنْها إلى بَلَدٍ ما، يُقَدِّرُ أنَّهُ فِيهِ أسْلَمُ قَلْبًا، وأصَحُّ دِينًا، وآمَنُ نَفْسًا. وأنْ يَتَجَنَّبَ المَقامَ في بَلَدِهِ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، كَيْلا يَفْتِنَهُ الكافِرُونَ. أوْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلتَّهْلُكَةِ، وقَدْ جُعِلَ لَهُ مِنها مَخْرَجٌ. وكَوْنُ أرْضِ اللَّهِ واسِعَةً، مَذْكُورٌ لِلدَّلالَةِ عَلى المُقَدَّرِ. وهو كالتَّوْطِئَةِ لِما بَعْدَهُ. لِأنَّها مَعَ سِعَتِها، وإمْكانِ التَّفَسُّحِ فِيها، لا يَنْبَغِي بِأرْضٍ لا يَتَيَسَّرُ بِها لِلْمَرْءِ ما يُرِيدُهُ. كَما قِيلَ:
؎وكُلُّ مَكانٍ يَنْبُتُ العِزُّ طَيِّبُ
وقالَ آخَرُ:
؎إذا كانَ أصْلِي مِن تُرابٍ فَكُلُّها ∗∗∗ بِلادِي، وكُلُّ العالَمِينَ أقارِبِي
(p-٤٧٦٠)وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الزُّبَيْرِ: قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««البِلادُ بِلادُ اللَّهِ والعِبادُ عِبادُ اللَّهِ. فَحَيْثُما أصَبْتَ خَيْرًا فَأقِمْ»» . ولِهَذا لَمّا ضاقَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ مَقامُهُمْ، خَرَجُوا مُهاجِرِينَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ لِيَأْمَنُوا عَلى دِينِهِمْ هُناكَ فَوَجَدُوا خَيْرَ نُزُلٍ بِها، عِنْدَ مَلِكِها النَّجاشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ الباقُونَ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، عَمَلًا بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ. وقَوْلِهِ تَعالى:
العنكبوت 29:53
(p-٤٧٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١ - ٥٦] ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ أيْ: آيَةٌ مُغْنِيَةٌ عَمّا اقْتَرَحُوهُ: ﴿أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: وفِيهِ نَفْسُهُ مِنَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ ما لا يَرْتابُ مَعَهُ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وكابَرَ حِسَّهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ: الكِتابِ الَّذِي هو آيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وحُجَّةٌ بالِغَةٌ ظاهِرَةٌ: ﴿لَرَحْمَةً﴾ أيْ: لَنِعْمَةً عَظِيمَةً في هِدايَتِهِ إلى الحَقِّ وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: ﴿وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: تَذْكِرَةً لِقَوْمٍ، هَمُّهُمُ الإيمانُ دُونَ التَّعَنُّتِ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: إنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم وأنْذَرْتُكُمْ، وإنَّكم قابَلْتُمُونِي بِالجَحْدِ والتَّكْذِيبِ. يَعْنِي. كَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى شَهِيدًا بِصِدْقِي بِالتَّأْيِيدِ والحِفْظِ، أيْ: هو شاهِدٌ عَلى ما جِئْتُ بِهِ، مُصَدِّقٌ لَهُ تَصْدِيقَ الشّاهِدِ لِدَعْوى المُدَّعِي.
(p-٤٧٥٩)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: فَلَوْ كُنْتُ غَيْرَ مُحِقٍّ، لانْتَقَمَ مِنِّي، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وإنَّما أنا صادِقٌ عَلَيْهِ فِيما أخْبَرْتُكم بِهِ. ولِهَذا أيَّدَنِي بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلائِلِ القاطِعاتِ. انْتَهى ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حالِي وحالُكُمْ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيِ: اسْتِهْزاءً: ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: لِكُلِّ عَذابٍ أوْ قَوْمٍ، وهو وقْتُهُ المُعَيَّنُ لَهُ فِيهِما: ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: عاجِلًا: ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: فَجْأةً في الدُّنْيا. كَوَقْعَةِ بَدْرٍ. فَقَدْ كانُوا لِغُرُورِهِمْ لا يَتَوَقَّعُونَ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ. أوْ في الآخِرَةِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِمْ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] أيْ: سَتُحِيطُ بِهِمْ. أيْ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وهو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ. أوْ هي كالمُحِيطَةِ بِهِمْ. لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ.
﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] أيْ: جَزاءَهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] وهَذا خِطابٌ لِمَن لَمْ تُمَكِّنْهُ عِبادَتُهُ تَعالى وحْدَهُ في أرْضِهِ، لِإيذائِهِ في اللَّهِ واضْطِهادِهِ في جانِبِهِ، أنْ يُهاجِرَ عَنْها إلى بَلَدٍ ما، يُقَدِّرُ أنَّهُ فِيهِ أسْلَمُ قَلْبًا، وأصَحُّ دِينًا، وآمَنُ نَفْسًا. وأنْ يَتَجَنَّبَ المَقامَ في بَلَدِهِ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، كَيْلا يَفْتِنَهُ الكافِرُونَ. أوْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلتَّهْلُكَةِ، وقَدْ جُعِلَ لَهُ مِنها مَخْرَجٌ. وكَوْنُ أرْضِ اللَّهِ واسِعَةً، مَذْكُورٌ لِلدَّلالَةِ عَلى المُقَدَّرِ. وهو كالتَّوْطِئَةِ لِما بَعْدَهُ. لِأنَّها مَعَ سِعَتِها، وإمْكانِ التَّفَسُّحِ فِيها، لا يَنْبَغِي بِأرْضٍ لا يَتَيَسَّرُ بِها لِلْمَرْءِ ما يُرِيدُهُ. كَما قِيلَ:
؎وكُلُّ مَكانٍ يَنْبُتُ العِزُّ طَيِّبُ
وقالَ آخَرُ:
؎إذا كانَ أصْلِي مِن تُرابٍ فَكُلُّها ∗∗∗ بِلادِي، وكُلُّ العالَمِينَ أقارِبِي
(p-٤٧٦٠)وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الزُّبَيْرِ: قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««البِلادُ بِلادُ اللَّهِ والعِبادُ عِبادُ اللَّهِ. فَحَيْثُما أصَبْتَ خَيْرًا فَأقِمْ»» . ولِهَذا لَمّا ضاقَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ مَقامُهُمْ، خَرَجُوا مُهاجِرِينَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ لِيَأْمَنُوا عَلى دِينِهِمْ هُناكَ فَوَجَدُوا خَيْرَ نُزُلٍ بِها، عِنْدَ مَلِكِها النَّجاشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ الباقُونَ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، عَمَلًا بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ. وقَوْلِهِ تَعالى:
العنكبوت 29:54
(p-٤٧٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١ - ٥٦] ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ أيْ: آيَةٌ مُغْنِيَةٌ عَمّا اقْتَرَحُوهُ: ﴿أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: وفِيهِ نَفْسُهُ مِنَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ ما لا يَرْتابُ مَعَهُ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وكابَرَ حِسَّهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ: الكِتابِ الَّذِي هو آيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وحُجَّةٌ بالِغَةٌ ظاهِرَةٌ: ﴿لَرَحْمَةً﴾ أيْ: لَنِعْمَةً عَظِيمَةً في هِدايَتِهِ إلى الحَقِّ وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: ﴿وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: تَذْكِرَةً لِقَوْمٍ، هَمُّهُمُ الإيمانُ دُونَ التَّعَنُّتِ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: إنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم وأنْذَرْتُكُمْ، وإنَّكم قابَلْتُمُونِي بِالجَحْدِ والتَّكْذِيبِ. يَعْنِي. كَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى شَهِيدًا بِصِدْقِي بِالتَّأْيِيدِ والحِفْظِ، أيْ: هو شاهِدٌ عَلى ما جِئْتُ بِهِ، مُصَدِّقٌ لَهُ تَصْدِيقَ الشّاهِدِ لِدَعْوى المُدَّعِي.
(p-٤٧٥٩)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: فَلَوْ كُنْتُ غَيْرَ مُحِقٍّ، لانْتَقَمَ مِنِّي، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وإنَّما أنا صادِقٌ عَلَيْهِ فِيما أخْبَرْتُكم بِهِ. ولِهَذا أيَّدَنِي بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلائِلِ القاطِعاتِ. انْتَهى ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حالِي وحالُكُمْ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيِ: اسْتِهْزاءً: ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: لِكُلِّ عَذابٍ أوْ قَوْمٍ، وهو وقْتُهُ المُعَيَّنُ لَهُ فِيهِما: ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: عاجِلًا: ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: فَجْأةً في الدُّنْيا. كَوَقْعَةِ بَدْرٍ. فَقَدْ كانُوا لِغُرُورِهِمْ لا يَتَوَقَّعُونَ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ. أوْ في الآخِرَةِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِمْ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] أيْ: سَتُحِيطُ بِهِمْ. أيْ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وهو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ. أوْ هي كالمُحِيطَةِ بِهِمْ. لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ.
﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] أيْ: جَزاءَهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] وهَذا خِطابٌ لِمَن لَمْ تُمَكِّنْهُ عِبادَتُهُ تَعالى وحْدَهُ في أرْضِهِ، لِإيذائِهِ في اللَّهِ واضْطِهادِهِ في جانِبِهِ، أنْ يُهاجِرَ عَنْها إلى بَلَدٍ ما، يُقَدِّرُ أنَّهُ فِيهِ أسْلَمُ قَلْبًا، وأصَحُّ دِينًا، وآمَنُ نَفْسًا. وأنْ يَتَجَنَّبَ المَقامَ في بَلَدِهِ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، كَيْلا يَفْتِنَهُ الكافِرُونَ. أوْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلتَّهْلُكَةِ، وقَدْ جُعِلَ لَهُ مِنها مَخْرَجٌ. وكَوْنُ أرْضِ اللَّهِ واسِعَةً، مَذْكُورٌ لِلدَّلالَةِ عَلى المُقَدَّرِ. وهو كالتَّوْطِئَةِ لِما بَعْدَهُ. لِأنَّها مَعَ سِعَتِها، وإمْكانِ التَّفَسُّحِ فِيها، لا يَنْبَغِي بِأرْضٍ لا يَتَيَسَّرُ بِها لِلْمَرْءِ ما يُرِيدُهُ. كَما قِيلَ:
؎وكُلُّ مَكانٍ يَنْبُتُ العِزُّ طَيِّبُ
وقالَ آخَرُ:
؎إذا كانَ أصْلِي مِن تُرابٍ فَكُلُّها ∗∗∗ بِلادِي، وكُلُّ العالَمِينَ أقارِبِي
(p-٤٧٦٠)وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الزُّبَيْرِ: قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««البِلادُ بِلادُ اللَّهِ والعِبادُ عِبادُ اللَّهِ. فَحَيْثُما أصَبْتَ خَيْرًا فَأقِمْ»» . ولِهَذا لَمّا ضاقَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ مَقامُهُمْ، خَرَجُوا مُهاجِرِينَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ لِيَأْمَنُوا عَلى دِينِهِمْ هُناكَ فَوَجَدُوا خَيْرَ نُزُلٍ بِها، عِنْدَ مَلِكِها النَّجاشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ الباقُونَ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، عَمَلًا بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ. وقَوْلِهِ تَعالى:
العنكبوت 29:55
(p-٤٧٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١ - ٥٦] ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ أيْ: آيَةٌ مُغْنِيَةٌ عَمّا اقْتَرَحُوهُ: ﴿أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: وفِيهِ نَفْسُهُ مِنَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ ما لا يَرْتابُ مَعَهُ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وكابَرَ حِسَّهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ: الكِتابِ الَّذِي هو آيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وحُجَّةٌ بالِغَةٌ ظاهِرَةٌ: ﴿لَرَحْمَةً﴾ أيْ: لَنِعْمَةً عَظِيمَةً في هِدايَتِهِ إلى الحَقِّ وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: ﴿وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: تَذْكِرَةً لِقَوْمٍ، هَمُّهُمُ الإيمانُ دُونَ التَّعَنُّتِ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: إنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم وأنْذَرْتُكُمْ، وإنَّكم قابَلْتُمُونِي بِالجَحْدِ والتَّكْذِيبِ. يَعْنِي. كَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى شَهِيدًا بِصِدْقِي بِالتَّأْيِيدِ والحِفْظِ، أيْ: هو شاهِدٌ عَلى ما جِئْتُ بِهِ، مُصَدِّقٌ لَهُ تَصْدِيقَ الشّاهِدِ لِدَعْوى المُدَّعِي.
(p-٤٧٥٩)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: فَلَوْ كُنْتُ غَيْرَ مُحِقٍّ، لانْتَقَمَ مِنِّي، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وإنَّما أنا صادِقٌ عَلَيْهِ فِيما أخْبَرْتُكم بِهِ. ولِهَذا أيَّدَنِي بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلائِلِ القاطِعاتِ. انْتَهى ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حالِي وحالُكُمْ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيِ: اسْتِهْزاءً: ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: لِكُلِّ عَذابٍ أوْ قَوْمٍ، وهو وقْتُهُ المُعَيَّنُ لَهُ فِيهِما: ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: عاجِلًا: ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: فَجْأةً في الدُّنْيا. كَوَقْعَةِ بَدْرٍ. فَقَدْ كانُوا لِغُرُورِهِمْ لا يَتَوَقَّعُونَ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ. أوْ في الآخِرَةِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِمْ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] أيْ: سَتُحِيطُ بِهِمْ. أيْ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وهو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ. أوْ هي كالمُحِيطَةِ بِهِمْ. لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ.
﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] أيْ: جَزاءَهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] وهَذا خِطابٌ لِمَن لَمْ تُمَكِّنْهُ عِبادَتُهُ تَعالى وحْدَهُ في أرْضِهِ، لِإيذائِهِ في اللَّهِ واضْطِهادِهِ في جانِبِهِ، أنْ يُهاجِرَ عَنْها إلى بَلَدٍ ما، يُقَدِّرُ أنَّهُ فِيهِ أسْلَمُ قَلْبًا، وأصَحُّ دِينًا، وآمَنُ نَفْسًا. وأنْ يَتَجَنَّبَ المَقامَ في بَلَدِهِ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، كَيْلا يَفْتِنَهُ الكافِرُونَ. أوْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلتَّهْلُكَةِ، وقَدْ جُعِلَ لَهُ مِنها مَخْرَجٌ. وكَوْنُ أرْضِ اللَّهِ واسِعَةً، مَذْكُورٌ لِلدَّلالَةِ عَلى المُقَدَّرِ. وهو كالتَّوْطِئَةِ لِما بَعْدَهُ. لِأنَّها مَعَ سِعَتِها، وإمْكانِ التَّفَسُّحِ فِيها، لا يَنْبَغِي بِأرْضٍ لا يَتَيَسَّرُ بِها لِلْمَرْءِ ما يُرِيدُهُ. كَما قِيلَ:
؎وكُلُّ مَكانٍ يَنْبُتُ العِزُّ طَيِّبُ
وقالَ آخَرُ:
؎إذا كانَ أصْلِي مِن تُرابٍ فَكُلُّها ∗∗∗ بِلادِي، وكُلُّ العالَمِينَ أقارِبِي
(p-٤٧٦٠)وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الزُّبَيْرِ: قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««البِلادُ بِلادُ اللَّهِ والعِبادُ عِبادُ اللَّهِ. فَحَيْثُما أصَبْتَ خَيْرًا فَأقِمْ»» . ولِهَذا لَمّا ضاقَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ مَقامُهُمْ، خَرَجُوا مُهاجِرِينَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ لِيَأْمَنُوا عَلى دِينِهِمْ هُناكَ فَوَجَدُوا خَيْرَ نُزُلٍ بِها، عِنْدَ مَلِكِها النَّجاشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ الباقُونَ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، عَمَلًا بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ. وقَوْلِهِ تَعالى:
العنكبوت 29:56
(p-٤٧٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١ - ٥٦] ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ أيْ: آيَةٌ مُغْنِيَةٌ عَمّا اقْتَرَحُوهُ: ﴿أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: وفِيهِ نَفْسُهُ مِنَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ ما لا يَرْتابُ مَعَهُ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وكابَرَ حِسَّهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ: الكِتابِ الَّذِي هو آيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وحُجَّةٌ بالِغَةٌ ظاهِرَةٌ: ﴿لَرَحْمَةً﴾ أيْ: لَنِعْمَةً عَظِيمَةً في هِدايَتِهِ إلى الحَقِّ وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: ﴿وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: تَذْكِرَةً لِقَوْمٍ، هَمُّهُمُ الإيمانُ دُونَ التَّعَنُّتِ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: إنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم وأنْذَرْتُكُمْ، وإنَّكم قابَلْتُمُونِي بِالجَحْدِ والتَّكْذِيبِ. يَعْنِي. كَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى شَهِيدًا بِصِدْقِي بِالتَّأْيِيدِ والحِفْظِ، أيْ: هو شاهِدٌ عَلى ما جِئْتُ بِهِ، مُصَدِّقٌ لَهُ تَصْدِيقَ الشّاهِدِ لِدَعْوى المُدَّعِي.
(p-٤٧٥٩)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: فَلَوْ كُنْتُ غَيْرَ مُحِقٍّ، لانْتَقَمَ مِنِّي، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وإنَّما أنا صادِقٌ عَلَيْهِ فِيما أخْبَرْتُكم بِهِ. ولِهَذا أيَّدَنِي بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلائِلِ القاطِعاتِ. انْتَهى ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حالِي وحالُكُمْ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيِ: اسْتِهْزاءً: ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: لِكُلِّ عَذابٍ أوْ قَوْمٍ، وهو وقْتُهُ المُعَيَّنُ لَهُ فِيهِما: ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: عاجِلًا: ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ [العنكبوت: ٥٣] أيْ: فَجْأةً في الدُّنْيا. كَوَقْعَةِ بَدْرٍ. فَقَدْ كانُوا لِغُرُورِهِمْ لا يَتَوَقَّعُونَ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ. أوْ في الآخِرَةِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِمْ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] أيْ: سَتُحِيطُ بِهِمْ. أيْ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وهو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ. أوْ هي كالمُحِيطَةِ بِهِمْ. لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ.
﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] أيْ: جَزاءَهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] وهَذا خِطابٌ لِمَن لَمْ تُمَكِّنْهُ عِبادَتُهُ تَعالى وحْدَهُ في أرْضِهِ، لِإيذائِهِ في اللَّهِ واضْطِهادِهِ في جانِبِهِ، أنْ يُهاجِرَ عَنْها إلى بَلَدٍ ما، يُقَدِّرُ أنَّهُ فِيهِ أسْلَمُ قَلْبًا، وأصَحُّ دِينًا، وآمَنُ نَفْسًا. وأنْ يَتَجَنَّبَ المَقامَ في بَلَدِهِ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، كَيْلا يَفْتِنَهُ الكافِرُونَ. أوْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلتَّهْلُكَةِ، وقَدْ جُعِلَ لَهُ مِنها مَخْرَجٌ. وكَوْنُ أرْضِ اللَّهِ واسِعَةً، مَذْكُورٌ لِلدَّلالَةِ عَلى المُقَدَّرِ. وهو كالتَّوْطِئَةِ لِما بَعْدَهُ. لِأنَّها مَعَ سِعَتِها، وإمْكانِ التَّفَسُّحِ فِيها، لا يَنْبَغِي بِأرْضٍ لا يَتَيَسَّرُ بِها لِلْمَرْءِ ما يُرِيدُهُ. كَما قِيلَ:
؎وكُلُّ مَكانٍ يَنْبُتُ العِزُّ طَيِّبُ
وقالَ آخَرُ:
؎إذا كانَ أصْلِي مِن تُرابٍ فَكُلُّها ∗∗∗ بِلادِي، وكُلُّ العالَمِينَ أقارِبِي
(p-٤٧٦٠)وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الزُّبَيْرِ: قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««البِلادُ بِلادُ اللَّهِ والعِبادُ عِبادُ اللَّهِ. فَحَيْثُما أصَبْتَ خَيْرًا فَأقِمْ»» . ولِهَذا لَمّا ضاقَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ مَقامُهُمْ، خَرَجُوا مُهاجِرِينَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ لِيَأْمَنُوا عَلى دِينِهِمْ هُناكَ فَوَجَدُوا خَيْرَ نُزُلٍ بِها، عِنْدَ مَلِكِها النَّجاشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ الباقُونَ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، عَمَلًا بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ. وقَوْلِهِ تَعالى:
العنكبوت 29:57
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧ - ٦١] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩] ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى العِبادَةِ وإخْلاصِ الدِّينِ بِتَذْكِيرِ المَوْتِ والرُّجْعى. أوْ تَسْلِيَةٌ لِلْمُهاجِرِ إلى اللَّهِ، وتَشْجِيعٌ لَهُ، بِأنْ لا يُثَبِّطَهُ عَنْ هِجْرَتِهِ خَوْفَ المَوْتِ بِسَبَبِها. فَلا المَقامُ بِأرْضِهِ يَدْفَعُهُ، ولا هِجْرَتُهُ عَنْهُ تَمْنَعُهُ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ بَدِيعَةٌ لِتَشْبِيهِ (p-٤٧٦١)المَوْتِ بِأمْرٍ كَرِيهِ الطَّعْمِ، مُرِّهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [العنكبوت: ٥٩] أيْ: عَلى مُفارَقَةِ الأوْطانِ والهِجْرَةِ لِأجْلِ الدِّينِ. وعَلى أذى المُشْرِكِينَ وعَلى المِحَنِ والمَصائِبِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كَفالَتِهِ لِمَن هاجَرَ إلَيْهِ، مِنَ الفَقْرِ والضَّيْعَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكَأيِّنْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: وكَمْ: ﴿مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: لا تُطِيقُ أنْ تَحْمِلَهُ لِضَعْفِها عَنْ حَمْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: يُقَيِّضُ لَها رِزْقُها عَلى ضَعْفِها، ويَرْزُقُكم مَعَ قُوَّتِكم واجْتِهادِكم. فَهو المُيَسِّرُ والمُسَهِّلُ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِن رِزْقِهِ ما يُصْلِحُهُ. فَلا يَخْتَصُّ رِزْقُهُ بِبُقْعَةٍ دُونَ أُخْرى، بَلْ خَيْرُهُ عامٌّ وفَضْلُهُ شامِلٌ لِخَلْقِهِ، حَيْثُ كانُوا وأنّى وُجِدُوا. وقَدْ ظَهَرَ مِصْداقُ كَفالَتِهِ تَعالى لِأُولَئِكَ المُهاجِرِينَ، بِما وسَّعَ عَلَيْهِمْ وبَسَطَ لَهم مِن طِيبِ الرِّزْقِ ورَغَدِ العَيْشِ وسِيادَةِ البِلادِ في سائِرِ الأمْصارِ. وهَذا مَعْنى ما ورَدَ مَرْفُوعًا: ««سافِرُوا تَصِحُّوا وتَغْنَمُوا»» رَواهُ البَيْهَقِيُّ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦١] يَعْنِي هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ: ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] أيِ: اعْتِرافًا بِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِخَلْقِها: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] أيْ: فَكَيْفَ مَعَ هَذا الِاعْتِرافِ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وحْدَهُ، ويُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. وكَثِيرًا ما يُقَرِّرُ تَعالى مَقامَ الإلَهِيَّةِ بِالِاعْتِرافِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُعْرَفُونَ بِذَلِكَ.
العنكبوت 29:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧ - ٦١] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩] ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى العِبادَةِ وإخْلاصِ الدِّينِ بِتَذْكِيرِ المَوْتِ والرُّجْعى. أوْ تَسْلِيَةٌ لِلْمُهاجِرِ إلى اللَّهِ، وتَشْجِيعٌ لَهُ، بِأنْ لا يُثَبِّطَهُ عَنْ هِجْرَتِهِ خَوْفَ المَوْتِ بِسَبَبِها. فَلا المَقامُ بِأرْضِهِ يَدْفَعُهُ، ولا هِجْرَتُهُ عَنْهُ تَمْنَعُهُ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ بَدِيعَةٌ لِتَشْبِيهِ (p-٤٧٦١)المَوْتِ بِأمْرٍ كَرِيهِ الطَّعْمِ، مُرِّهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [العنكبوت: ٥٩] أيْ: عَلى مُفارَقَةِ الأوْطانِ والهِجْرَةِ لِأجْلِ الدِّينِ. وعَلى أذى المُشْرِكِينَ وعَلى المِحَنِ والمَصائِبِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كَفالَتِهِ لِمَن هاجَرَ إلَيْهِ، مِنَ الفَقْرِ والضَّيْعَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكَأيِّنْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: وكَمْ: ﴿مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: لا تُطِيقُ أنْ تَحْمِلَهُ لِضَعْفِها عَنْ حَمْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: يُقَيِّضُ لَها رِزْقُها عَلى ضَعْفِها، ويَرْزُقُكم مَعَ قُوَّتِكم واجْتِهادِكم. فَهو المُيَسِّرُ والمُسَهِّلُ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِن رِزْقِهِ ما يُصْلِحُهُ. فَلا يَخْتَصُّ رِزْقُهُ بِبُقْعَةٍ دُونَ أُخْرى، بَلْ خَيْرُهُ عامٌّ وفَضْلُهُ شامِلٌ لِخَلْقِهِ، حَيْثُ كانُوا وأنّى وُجِدُوا. وقَدْ ظَهَرَ مِصْداقُ كَفالَتِهِ تَعالى لِأُولَئِكَ المُهاجِرِينَ، بِما وسَّعَ عَلَيْهِمْ وبَسَطَ لَهم مِن طِيبِ الرِّزْقِ ورَغَدِ العَيْشِ وسِيادَةِ البِلادِ في سائِرِ الأمْصارِ. وهَذا مَعْنى ما ورَدَ مَرْفُوعًا: ««سافِرُوا تَصِحُّوا وتَغْنَمُوا»» رَواهُ البَيْهَقِيُّ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦١] يَعْنِي هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ: ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] أيِ: اعْتِرافًا بِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِخَلْقِها: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] أيْ: فَكَيْفَ مَعَ هَذا الِاعْتِرافِ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وحْدَهُ، ويُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. وكَثِيرًا ما يُقَرِّرُ تَعالى مَقامَ الإلَهِيَّةِ بِالِاعْتِرافِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُعْرَفُونَ بِذَلِكَ.
العنكبوت 29:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧ - ٦١] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩] ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى العِبادَةِ وإخْلاصِ الدِّينِ بِتَذْكِيرِ المَوْتِ والرُّجْعى. أوْ تَسْلِيَةٌ لِلْمُهاجِرِ إلى اللَّهِ، وتَشْجِيعٌ لَهُ، بِأنْ لا يُثَبِّطَهُ عَنْ هِجْرَتِهِ خَوْفَ المَوْتِ بِسَبَبِها. فَلا المَقامُ بِأرْضِهِ يَدْفَعُهُ، ولا هِجْرَتُهُ عَنْهُ تَمْنَعُهُ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ بَدِيعَةٌ لِتَشْبِيهِ (p-٤٧٦١)المَوْتِ بِأمْرٍ كَرِيهِ الطَّعْمِ، مُرِّهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [العنكبوت: ٥٩] أيْ: عَلى مُفارَقَةِ الأوْطانِ والهِجْرَةِ لِأجْلِ الدِّينِ. وعَلى أذى المُشْرِكِينَ وعَلى المِحَنِ والمَصائِبِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كَفالَتِهِ لِمَن هاجَرَ إلَيْهِ، مِنَ الفَقْرِ والضَّيْعَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكَأيِّنْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: وكَمْ: ﴿مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: لا تُطِيقُ أنْ تَحْمِلَهُ لِضَعْفِها عَنْ حَمْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: يُقَيِّضُ لَها رِزْقُها عَلى ضَعْفِها، ويَرْزُقُكم مَعَ قُوَّتِكم واجْتِهادِكم. فَهو المُيَسِّرُ والمُسَهِّلُ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِن رِزْقِهِ ما يُصْلِحُهُ. فَلا يَخْتَصُّ رِزْقُهُ بِبُقْعَةٍ دُونَ أُخْرى، بَلْ خَيْرُهُ عامٌّ وفَضْلُهُ شامِلٌ لِخَلْقِهِ، حَيْثُ كانُوا وأنّى وُجِدُوا. وقَدْ ظَهَرَ مِصْداقُ كَفالَتِهِ تَعالى لِأُولَئِكَ المُهاجِرِينَ، بِما وسَّعَ عَلَيْهِمْ وبَسَطَ لَهم مِن طِيبِ الرِّزْقِ ورَغَدِ العَيْشِ وسِيادَةِ البِلادِ في سائِرِ الأمْصارِ. وهَذا مَعْنى ما ورَدَ مَرْفُوعًا: ««سافِرُوا تَصِحُّوا وتَغْنَمُوا»» رَواهُ البَيْهَقِيُّ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦١] يَعْنِي هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ: ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] أيِ: اعْتِرافًا بِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِخَلْقِها: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] أيْ: فَكَيْفَ مَعَ هَذا الِاعْتِرافِ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وحْدَهُ، ويُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. وكَثِيرًا ما يُقَرِّرُ تَعالى مَقامَ الإلَهِيَّةِ بِالِاعْتِرافِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُعْرَفُونَ بِذَلِكَ.
العنكبوت 29:60
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧ - ٦١] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩] ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى العِبادَةِ وإخْلاصِ الدِّينِ بِتَذْكِيرِ المَوْتِ والرُّجْعى. أوْ تَسْلِيَةٌ لِلْمُهاجِرِ إلى اللَّهِ، وتَشْجِيعٌ لَهُ، بِأنْ لا يُثَبِّطَهُ عَنْ هِجْرَتِهِ خَوْفَ المَوْتِ بِسَبَبِها. فَلا المَقامُ بِأرْضِهِ يَدْفَعُهُ، ولا هِجْرَتُهُ عَنْهُ تَمْنَعُهُ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ بَدِيعَةٌ لِتَشْبِيهِ (p-٤٧٦١)المَوْتِ بِأمْرٍ كَرِيهِ الطَّعْمِ، مُرِّهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [العنكبوت: ٥٩] أيْ: عَلى مُفارَقَةِ الأوْطانِ والهِجْرَةِ لِأجْلِ الدِّينِ. وعَلى أذى المُشْرِكِينَ وعَلى المِحَنِ والمَصائِبِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كَفالَتِهِ لِمَن هاجَرَ إلَيْهِ، مِنَ الفَقْرِ والضَّيْعَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكَأيِّنْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: وكَمْ: ﴿مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: لا تُطِيقُ أنْ تَحْمِلَهُ لِضَعْفِها عَنْ حَمْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: يُقَيِّضُ لَها رِزْقُها عَلى ضَعْفِها، ويَرْزُقُكم مَعَ قُوَّتِكم واجْتِهادِكم. فَهو المُيَسِّرُ والمُسَهِّلُ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِن رِزْقِهِ ما يُصْلِحُهُ. فَلا يَخْتَصُّ رِزْقُهُ بِبُقْعَةٍ دُونَ أُخْرى، بَلْ خَيْرُهُ عامٌّ وفَضْلُهُ شامِلٌ لِخَلْقِهِ، حَيْثُ كانُوا وأنّى وُجِدُوا. وقَدْ ظَهَرَ مِصْداقُ كَفالَتِهِ تَعالى لِأُولَئِكَ المُهاجِرِينَ، بِما وسَّعَ عَلَيْهِمْ وبَسَطَ لَهم مِن طِيبِ الرِّزْقِ ورَغَدِ العَيْشِ وسِيادَةِ البِلادِ في سائِرِ الأمْصارِ. وهَذا مَعْنى ما ورَدَ مَرْفُوعًا: ««سافِرُوا تَصِحُّوا وتَغْنَمُوا»» رَواهُ البَيْهَقِيُّ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦١] يَعْنِي هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ: ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] أيِ: اعْتِرافًا بِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِخَلْقِها: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] أيْ: فَكَيْفَ مَعَ هَذا الِاعْتِرافِ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وحْدَهُ، ويُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. وكَثِيرًا ما يُقَرِّرُ تَعالى مَقامَ الإلَهِيَّةِ بِالِاعْتِرافِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُعْرَفُونَ بِذَلِكَ.
العنكبوت 29:61
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧ - ٦١] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩] ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى العِبادَةِ وإخْلاصِ الدِّينِ بِتَذْكِيرِ المَوْتِ والرُّجْعى. أوْ تَسْلِيَةٌ لِلْمُهاجِرِ إلى اللَّهِ، وتَشْجِيعٌ لَهُ، بِأنْ لا يُثَبِّطَهُ عَنْ هِجْرَتِهِ خَوْفَ المَوْتِ بِسَبَبِها. فَلا المَقامُ بِأرْضِهِ يَدْفَعُهُ، ولا هِجْرَتُهُ عَنْهُ تَمْنَعُهُ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ بَدِيعَةٌ لِتَشْبِيهِ (p-٤٧٦١)المَوْتِ بِأمْرٍ كَرِيهِ الطَّعْمِ، مُرِّهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [العنكبوت: ٥٩] أيْ: عَلى مُفارَقَةِ الأوْطانِ والهِجْرَةِ لِأجْلِ الدِّينِ. وعَلى أذى المُشْرِكِينَ وعَلى المِحَنِ والمَصائِبِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى كَفالَتِهِ لِمَن هاجَرَ إلَيْهِ، مِنَ الفَقْرِ والضَّيْعَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكَأيِّنْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: وكَمْ: ﴿مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: لا تُطِيقُ أنْ تَحْمِلَهُ لِضَعْفِها عَنْ حَمْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] أيْ: يُقَيِّضُ لَها رِزْقُها عَلى ضَعْفِها، ويَرْزُقُكم مَعَ قُوَّتِكم واجْتِهادِكم. فَهو المُيَسِّرُ والمُسَهِّلُ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِن رِزْقِهِ ما يُصْلِحُهُ. فَلا يَخْتَصُّ رِزْقُهُ بِبُقْعَةٍ دُونَ أُخْرى، بَلْ خَيْرُهُ عامٌّ وفَضْلُهُ شامِلٌ لِخَلْقِهِ، حَيْثُ كانُوا وأنّى وُجِدُوا. وقَدْ ظَهَرَ مِصْداقُ كَفالَتِهِ تَعالى لِأُولَئِكَ المُهاجِرِينَ، بِما وسَّعَ عَلَيْهِمْ وبَسَطَ لَهم مِن طِيبِ الرِّزْقِ ورَغَدِ العَيْشِ وسِيادَةِ البِلادِ في سائِرِ الأمْصارِ. وهَذا مَعْنى ما ورَدَ مَرْفُوعًا: ««سافِرُوا تَصِحُّوا وتَغْنَمُوا»» رَواهُ البَيْهَقِيُّ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦١] يَعْنِي هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ: ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] أيِ: اعْتِرافًا بِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِخَلْقِها: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] أيْ: فَكَيْفَ مَعَ هَذا الِاعْتِرافِ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وحْدَهُ، ويُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. وكَثِيرًا ما يُقَرِّرُ تَعالى مَقامَ الإلَهِيَّةِ بِالِاعْتِرافِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُعْرَفُونَ بِذَلِكَ.
العنكبوت 29:62
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٢ - ٦٤] ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَـزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]
(p-٤٧٦٢)﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَيَفْعَلُ بِعِلْمِهِ، ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَـزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [العنكبوت: ٦٣] أيْ: عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ المُبْطِلُونَ عَلى جُحُودِهِ. وأنَّهُ أظْهَرَ حُجَّتَكَ عَلَيْهِمْ. والمَعْنى: احْمَدِ اللَّهَ عَنْ جَوابِهِمُ المَذْكُورِ عَلى إلْزامِهِمْ وظُهُورِ نِعَمٍ لا تُحْصى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] أيْ: فَلِذَلِكَ يَتَناقَضُونَ حَيْثُ يَنْسُبُونَ النِّعْمَةَ إلَيْهِمْ، ويَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤] إشارَةٌ إلى ازْدِراءِ الدُّنْيا وتَحْقِيرِ شَأْنِها، وكَوْنِها في سُرْعَةِ زَوالِها، وتَقَضِّي أمْرِها، كَما يَلْهى ويَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ. ولا ثَمَرَةَ إلّا التَّعَبُ. فَفي الحَصْرِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ: ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أيْ: دارُ الحَياةِ الخالِدَةِ. فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ. و(الحَيَوانُ) مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ذُو الحَياةِ، في غَيْرِ هَذا المَحَلِّ. وإيثارُهُ عَلى (الحَياةِ) لِما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ. لِأنَّ (فَعْلانَ) بِالفَتْحِ في المَصادِرِ الدّالَّةِ عَلى الحَرَكَةِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أيْ: لَمْ يُؤْثِرُوا عَلَيْها الدُّنْيا الَّتِي حَياتُها عارِضَةٌ. وهَذا جَوابُ الشَّرْطِ المُقَدَّرِ. لِعِلْمِهِ مِنَ السِّياقِ. وكَوْنُها لِلتَّمَنِّي بَعِيدٌ.
العنكبوت 29:63
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٢ - ٦٤] ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَـزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]
(p-٤٧٦٢)﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَيَفْعَلُ بِعِلْمِهِ، ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَـزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [العنكبوت: ٦٣] أيْ: عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ المُبْطِلُونَ عَلى جُحُودِهِ. وأنَّهُ أظْهَرَ حُجَّتَكَ عَلَيْهِمْ. والمَعْنى: احْمَدِ اللَّهَ عَنْ جَوابِهِمُ المَذْكُورِ عَلى إلْزامِهِمْ وظُهُورِ نِعَمٍ لا تُحْصى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] أيْ: فَلِذَلِكَ يَتَناقَضُونَ حَيْثُ يَنْسُبُونَ النِّعْمَةَ إلَيْهِمْ، ويَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤] إشارَةٌ إلى ازْدِراءِ الدُّنْيا وتَحْقِيرِ شَأْنِها، وكَوْنِها في سُرْعَةِ زَوالِها، وتَقَضِّي أمْرِها، كَما يَلْهى ويَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ. ولا ثَمَرَةَ إلّا التَّعَبُ. فَفي الحَصْرِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ: ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أيْ: دارُ الحَياةِ الخالِدَةِ. فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ. و(الحَيَوانُ) مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ذُو الحَياةِ، في غَيْرِ هَذا المَحَلِّ. وإيثارُهُ عَلى (الحَياةِ) لِما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ. لِأنَّ (فَعْلانَ) بِالفَتْحِ في المَصادِرِ الدّالَّةِ عَلى الحَرَكَةِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أيْ: لَمْ يُؤْثِرُوا عَلَيْها الدُّنْيا الَّتِي حَياتُها عارِضَةٌ. وهَذا جَوابُ الشَّرْطِ المُقَدَّرِ. لِعِلْمِهِ مِنَ السِّياقِ. وكَوْنُها لِلتَّمَنِّي بَعِيدٌ.
العنكبوت 29:64
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٢ - ٦٤] ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَـزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]
(p-٤٧٦٢)﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَيَفْعَلُ بِعِلْمِهِ، ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَـزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [العنكبوت: ٦٣] أيْ: عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ المُبْطِلُونَ عَلى جُحُودِهِ. وأنَّهُ أظْهَرَ حُجَّتَكَ عَلَيْهِمْ. والمَعْنى: احْمَدِ اللَّهَ عَنْ جَوابِهِمُ المَذْكُورِ عَلى إلْزامِهِمْ وظُهُورِ نِعَمٍ لا تُحْصى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] أيْ: فَلِذَلِكَ يَتَناقَضُونَ حَيْثُ يَنْسُبُونَ النِّعْمَةَ إلَيْهِمْ، ويَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤] إشارَةٌ إلى ازْدِراءِ الدُّنْيا وتَحْقِيرِ شَأْنِها، وكَوْنِها في سُرْعَةِ زَوالِها، وتَقَضِّي أمْرِها، كَما يَلْهى ويَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ. ولا ثَمَرَةَ إلّا التَّعَبُ. فَفي الحَصْرِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ: ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أيْ: دارُ الحَياةِ الخالِدَةِ. فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ. و(الحَيَوانُ) مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ذُو الحَياةِ، في غَيْرِ هَذا المَحَلِّ. وإيثارُهُ عَلى (الحَياةِ) لِما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ. لِأنَّ (فَعْلانَ) بِالفَتْحِ في المَصادِرِ الدّالَّةِ عَلى الحَرَكَةِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أيْ: لَمْ يُؤْثِرُوا عَلَيْها الدُّنْيا الَّتِي حَياتُها عارِضَةٌ. وهَذا جَوابُ الشَّرْطِ المُقَدَّرِ. لِعِلْمِهِ مِنَ السِّياقِ. وكَوْنُها لِلتَّمَنِّي بَعِيدٌ.
العنكبوت 29:65
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٥ - ٦٧] ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٦] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] .
﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيِ: الدُّعاءَ. لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يُنَجِّيهِمْ مِنَ الغَرَقِ سِواهُ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٦] أيْ: مِن (p-٤٧٦٣)نِعْمَةِ النَّجاةِ ورِبْحِ التِّجارَةِ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٦] أيْ: عاقِبَةَ ذَلِكَ حِينَ يُعاقَبُونَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ أهْلُ مَكَّةَ: ﴿أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ: لا يُغْزى أهْلُهُ، ولا يُغارُ عَلَيْهِمْ، مَعَ قِلَّتِهِمْ وكَثْرَةِ العَرَبِ: ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ: يَخْتَلِسُونَ قَتْلًا ونَهْبًا وسَبْيًا: ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ: أفَبَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الظّاهِرَةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ، الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى، يَكْفُرُونَ خَيْرَهُ، ويُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ.
العنكبوت 29:66
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٥ - ٦٧] ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٦] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] .
﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيِ: الدُّعاءَ. لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يُنَجِّيهِمْ مِنَ الغَرَقِ سِواهُ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٦] أيْ: مِن (p-٤٧٦٣)نِعْمَةِ النَّجاةِ ورِبْحِ التِّجارَةِ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٦] أيْ: عاقِبَةَ ذَلِكَ حِينَ يُعاقَبُونَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ أهْلُ مَكَّةَ: ﴿أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ: لا يُغْزى أهْلُهُ، ولا يُغارُ عَلَيْهِمْ، مَعَ قِلَّتِهِمْ وكَثْرَةِ العَرَبِ: ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ: يَخْتَلِسُونَ قَتْلًا ونَهْبًا وسَبْيًا: ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ: أفَبَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الظّاهِرَةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ، الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى، يَكْفُرُونَ خَيْرَهُ، ويُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ.
العنكبوت 29:67
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٥ - ٦٧] ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٦] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] .
﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيِ: الدُّعاءَ. لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يُنَجِّيهِمْ مِنَ الغَرَقِ سِواهُ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٦] أيْ: مِن (p-٤٧٦٣)نِعْمَةِ النَّجاةِ ورِبْحِ التِّجارَةِ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٦] أيْ: عاقِبَةَ ذَلِكَ حِينَ يُعاقَبُونَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ أهْلُ مَكَّةَ: ﴿أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ: لا يُغْزى أهْلُهُ، ولا يُغارُ عَلَيْهِمْ، مَعَ قِلَّتِهِمْ وكَثْرَةِ العَرَبِ: ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ: يَخْتَلِسُونَ قَتْلًا ونَهْبًا وسَبْيًا: ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ: أفَبَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الظّاهِرَةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ، الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى، يَكْفُرُونَ خَيْرَهُ، ويُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ.
العنكبوت 29:68
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨ - ٦٩] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ زَعَمَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا: ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ أوِ الكِتابَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَوْضِعُ إقامَةٍ، جَزاءَ افْتِرائِهِمْ وكُفْرِهِمْ. بَلى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ [العنكبوت: ٦٩] أيْ: جاهَدُوا النَّفْسَ والشَّيْطانَ والهَوى وأعْداءَ الدِّينِ، مِن أجْلِنا ولِوَجْهِنا: ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] أيْ: سُبُلَ السَّيْرِ إلَيْنا والوُصُولِ إلى جَنابِنا. وذَلِكَ بِالطّاعاتِ والمُجاهَداتِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] أيْ: أعْمالَهم بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ.
العنكبوت 29:69
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨ - ٦٩] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ زَعَمَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا: ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ أوِ الكِتابَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَوْضِعُ إقامَةٍ، جَزاءَ افْتِرائِهِمْ وكُفْرِهِمْ. بَلى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ [العنكبوت: ٦٩] أيْ: جاهَدُوا النَّفْسَ والشَّيْطانَ والهَوى وأعْداءَ الدِّينِ، مِن أجْلِنا ولِوَجْهِنا: ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] أيْ: سُبُلَ السَّيْرِ إلَيْنا والوُصُولِ إلى جَنابِنا. وذَلِكَ بِالطّاعاتِ والمُجاهَداتِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] أيْ: أعْمالَهم بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ.
الروم 30:1
(p-٤٧٦٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الرُّومِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِ قِصَّتِها عَلى مُعْجِزَةٍ تُفِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَرَحًا عَظِيمًا، بَعْدَ تَرَحٍ يَسِيرٍ. فَتُبْطِلُ شَماتَةَ أعْدائِهِمْ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ عاقِبَةَ الأمْرِ لَهم. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتُّونَ آيَةً.
(p-٤٧٦٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦]
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] اتَّفَقَ المُؤَرِّخُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ عَلى أنَّ مَلِكَ فارِسَ كانَ غَزا بِلادَ الشّامِ، وفَتَحَ دِمَشْقَ، وبَيْتَ المَقْدِسِ، الأُولى سَنَةَ ٦١٣، والثّانِيَةَ سَنَةَ ٦١٤؛ أيْ: قَبْلَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِسَبْعِ سِنِينَ -فَحَدَثَ أنْ بَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ، فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ، وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ، وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ، ونَحْنُ وفارِسُ وثَنِيُّونَ، وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكُمْ، ولَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَتُلِيَتْ عَلى المُشْرِكِينَ، فَأحالَ وُقُوعَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وتَراهَنَ مَعَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى مِائَةِ قَلُوصٍ، إنْ وقَعَ مِصْداقُها، فَلَمْ يَمْضِ مِنَ البِضْعِ -وهُوَ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ- سَبْعُ سِنِينَ إلّا وقَدْ نَظَّمَ هِرَقْلُ جُنُودَ الرُّومِ وغَزا بِهِمْ بِلادَ فارِسَ سَنَةَ ٦٢١؛ أيْ: قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، فَدَوَّخَها، واضْطُرَّ مَلِكُها لِلْهَرَبِ، وعادَ هِرَقْلُ بِالغَنائِمِ الوافِرَةِ.
ولا رَيْبَ أنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ مُعْجِزاتِ القُرْآنِ؛ أعْنِي إخْبارَهُ عَنْ غَيْبٍ وقَعَ مِصْداقُهُ، (p-٤٧٦٦)واسْتَبانَ لِلْجاحِدِينَ مِن نُورِهِ إشْراقُهُ، وفي ضِمْنِهِ أنَّ سائِرَ غُيُوبِهِ كَذَلِكَ مِن ظُهُورِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وزُهُوقِ الباطِلِ، وعُلُوِّ الحَقِّ، وجَعْلِ المُسْتَضْعَفِينَ أئِمَّةً، وإيراثِهِمْ أرْضَ عَدُوِّهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وما ألْطَفَ ما قالَ الزُّبَيْرُ الكِلائِيُّ: رَأيْتُ غَلَبَةَ فارِسَ الرُّومَ، ثُمَّ رَأيْتُ غَلَبَةَ الرُّومِ فارِسَ، ثُمَّ رَأيْتُ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ فارِسَ والرُّومَ، كُلُّ ذَلِكَ في خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً -مِن أواخِرِ غَلَبَةِ فارِسَ إلى أوائِلِ غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ- والأرْضُ، (كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ): أرْضُ العَرَبِ؛ لِأنَّ الأرْضَ المَعْهُودَةَ عِنْدَ العَرَبِ أرْضُهم. والمَعْنى: غُلِبُوا في أدْنى أرْضِ العَرَبِ أيْ: أقْرَبِها مِنهُمْ، وهي أطْرافُ الشّامِ: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ﴾ [الروم: ٤] أيْ: مِن قَبْلِ غَلَبَةِ فارِسَ عَلى الرُّومِ: ﴿ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] أيْ: مِن بَعْدِ غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ. ويُقالُ: لِلَّهِ العِلْمُ والقُدْرَةُ والمَشِيئَةُ مِن قَبْلِ إبْداءِ الخَلْقِ، ومِن بَعْدِ إفْناءِ الخَلْقِ، والمَعْنى: أنَّ كُلًّا مِن كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ أوَّلًا، وغالِبِينَ آخِرًا، لَيْسَ إلّا بِأمْرِهِ وقَضائِهِ، وعِلْمِهِ ومَشِيئَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]
﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] أيْ: يَوْمَ إذْ يَغْلِبُ الرُّومُ عَلى فارِسَ، ويَحُلُّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَلَبَتِهِمْ ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] أيْ: تَغْلِيبِهِ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ، وغَيْظُ مَن شَمِتَ بِهِمْ مِن كُفّارِ مَكَّةَ. ويُقالُ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ: ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] أيْ: مِن عِبادِهِ عَلى عَدُوِّهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [الروم: ٥] أيِ: القاهِرُ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ، لا يُعْجِزُهُ مَن شاءَ نَصْرَهُ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] أيْ: مِن نَصْرِهِ وتَغْلِيبِهِ مَن يَشاءُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] أيْ: بِحِكْمَتِهِ تَعالى، في كَوْنِهِ وأفْعالِهِ المُحْكَمَةِ، الجارِيَةِ عَلى وفْقِ العَدْلِ، لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ.
الروم 30:2
(p-٤٧٦٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الرُّومِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِ قِصَّتِها عَلى مُعْجِزَةٍ تُفِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَرَحًا عَظِيمًا، بَعْدَ تَرَحٍ يَسِيرٍ. فَتُبْطِلُ شَماتَةَ أعْدائِهِمْ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ عاقِبَةَ الأمْرِ لَهم. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتُّونَ آيَةً.
(p-٤٧٦٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦]
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] اتَّفَقَ المُؤَرِّخُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ عَلى أنَّ مَلِكَ فارِسَ كانَ غَزا بِلادَ الشّامِ، وفَتَحَ دِمَشْقَ، وبَيْتَ المَقْدِسِ، الأُولى سَنَةَ ٦١٣، والثّانِيَةَ سَنَةَ ٦١٤؛ أيْ: قَبْلَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِسَبْعِ سِنِينَ -فَحَدَثَ أنْ بَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ، فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ، وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ، وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ، ونَحْنُ وفارِسُ وثَنِيُّونَ، وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكُمْ، ولَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَتُلِيَتْ عَلى المُشْرِكِينَ، فَأحالَ وُقُوعَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وتَراهَنَ مَعَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى مِائَةِ قَلُوصٍ، إنْ وقَعَ مِصْداقُها، فَلَمْ يَمْضِ مِنَ البِضْعِ -وهُوَ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ- سَبْعُ سِنِينَ إلّا وقَدْ نَظَّمَ هِرَقْلُ جُنُودَ الرُّومِ وغَزا بِهِمْ بِلادَ فارِسَ سَنَةَ ٦٢١؛ أيْ: قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، فَدَوَّخَها، واضْطُرَّ مَلِكُها لِلْهَرَبِ، وعادَ هِرَقْلُ بِالغَنائِمِ الوافِرَةِ.
ولا رَيْبَ أنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ مُعْجِزاتِ القُرْآنِ؛ أعْنِي إخْبارَهُ عَنْ غَيْبٍ وقَعَ مِصْداقُهُ، (p-٤٧٦٦)واسْتَبانَ لِلْجاحِدِينَ مِن نُورِهِ إشْراقُهُ، وفي ضِمْنِهِ أنَّ سائِرَ غُيُوبِهِ كَذَلِكَ مِن ظُهُورِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وزُهُوقِ الباطِلِ، وعُلُوِّ الحَقِّ، وجَعْلِ المُسْتَضْعَفِينَ أئِمَّةً، وإيراثِهِمْ أرْضَ عَدُوِّهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وما ألْطَفَ ما قالَ الزُّبَيْرُ الكِلائِيُّ: رَأيْتُ غَلَبَةَ فارِسَ الرُّومَ، ثُمَّ رَأيْتُ غَلَبَةَ الرُّومِ فارِسَ، ثُمَّ رَأيْتُ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ فارِسَ والرُّومَ، كُلُّ ذَلِكَ في خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً -مِن أواخِرِ غَلَبَةِ فارِسَ إلى أوائِلِ غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ- والأرْضُ، (كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ): أرْضُ العَرَبِ؛ لِأنَّ الأرْضَ المَعْهُودَةَ عِنْدَ العَرَبِ أرْضُهم. والمَعْنى: غُلِبُوا في أدْنى أرْضِ العَرَبِ أيْ: أقْرَبِها مِنهُمْ، وهي أطْرافُ الشّامِ: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ﴾ [الروم: ٤] أيْ: مِن قَبْلِ غَلَبَةِ فارِسَ عَلى الرُّومِ: ﴿ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] أيْ: مِن بَعْدِ غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ. ويُقالُ: لِلَّهِ العِلْمُ والقُدْرَةُ والمَشِيئَةُ مِن قَبْلِ إبْداءِ الخَلْقِ، ومِن بَعْدِ إفْناءِ الخَلْقِ، والمَعْنى: أنَّ كُلًّا مِن كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ أوَّلًا، وغالِبِينَ آخِرًا، لَيْسَ إلّا بِأمْرِهِ وقَضائِهِ، وعِلْمِهِ ومَشِيئَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]
﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] أيْ: يَوْمَ إذْ يَغْلِبُ الرُّومُ عَلى فارِسَ، ويَحُلُّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَلَبَتِهِمْ ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] أيْ: تَغْلِيبِهِ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ، وغَيْظُ مَن شَمِتَ بِهِمْ مِن كُفّارِ مَكَّةَ. ويُقالُ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ: ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] أيْ: مِن عِبادِهِ عَلى عَدُوِّهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [الروم: ٥] أيِ: القاهِرُ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ، لا يُعْجِزُهُ مَن شاءَ نَصْرَهُ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] أيْ: مِن نَصْرِهِ وتَغْلِيبِهِ مَن يَشاءُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] أيْ: بِحِكْمَتِهِ تَعالى، في كَوْنِهِ وأفْعالِهِ المُحْكَمَةِ، الجارِيَةِ عَلى وفْقِ العَدْلِ، لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ.
الروم 30:3
(p-٤٧٦٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الرُّومِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِ قِصَّتِها عَلى مُعْجِزَةٍ تُفِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَرَحًا عَظِيمًا، بَعْدَ تَرَحٍ يَسِيرٍ. فَتُبْطِلُ شَماتَةَ أعْدائِهِمْ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ عاقِبَةَ الأمْرِ لَهم. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتُّونَ آيَةً.
(p-٤٧٦٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦]
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] اتَّفَقَ المُؤَرِّخُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ عَلى أنَّ مَلِكَ فارِسَ كانَ غَزا بِلادَ الشّامِ، وفَتَحَ دِمَشْقَ، وبَيْتَ المَقْدِسِ، الأُولى سَنَةَ ٦١٣، والثّانِيَةَ سَنَةَ ٦١٤؛ أيْ: قَبْلَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِسَبْعِ سِنِينَ -فَحَدَثَ أنْ بَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ، فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ، وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ، وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ، ونَحْنُ وفارِسُ وثَنِيُّونَ، وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكُمْ، ولَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَتُلِيَتْ عَلى المُشْرِكِينَ، فَأحالَ وُقُوعَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وتَراهَنَ مَعَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى مِائَةِ قَلُوصٍ، إنْ وقَعَ مِصْداقُها، فَلَمْ يَمْضِ مِنَ البِضْعِ -وهُوَ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ- سَبْعُ سِنِينَ إلّا وقَدْ نَظَّمَ هِرَقْلُ جُنُودَ الرُّومِ وغَزا بِهِمْ بِلادَ فارِسَ سَنَةَ ٦٢١؛ أيْ: قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، فَدَوَّخَها، واضْطُرَّ مَلِكُها لِلْهَرَبِ، وعادَ هِرَقْلُ بِالغَنائِمِ الوافِرَةِ.
ولا رَيْبَ أنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ مُعْجِزاتِ القُرْآنِ؛ أعْنِي إخْبارَهُ عَنْ غَيْبٍ وقَعَ مِصْداقُهُ، (p-٤٧٦٦)واسْتَبانَ لِلْجاحِدِينَ مِن نُورِهِ إشْراقُهُ، وفي ضِمْنِهِ أنَّ سائِرَ غُيُوبِهِ كَذَلِكَ مِن ظُهُورِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وزُهُوقِ الباطِلِ، وعُلُوِّ الحَقِّ، وجَعْلِ المُسْتَضْعَفِينَ أئِمَّةً، وإيراثِهِمْ أرْضَ عَدُوِّهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وما ألْطَفَ ما قالَ الزُّبَيْرُ الكِلائِيُّ: رَأيْتُ غَلَبَةَ فارِسَ الرُّومَ، ثُمَّ رَأيْتُ غَلَبَةَ الرُّومِ فارِسَ، ثُمَّ رَأيْتُ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ فارِسَ والرُّومَ، كُلُّ ذَلِكَ في خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً -مِن أواخِرِ غَلَبَةِ فارِسَ إلى أوائِلِ غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ- والأرْضُ، (كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ): أرْضُ العَرَبِ؛ لِأنَّ الأرْضَ المَعْهُودَةَ عِنْدَ العَرَبِ أرْضُهم. والمَعْنى: غُلِبُوا في أدْنى أرْضِ العَرَبِ أيْ: أقْرَبِها مِنهُمْ، وهي أطْرافُ الشّامِ: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ﴾ [الروم: ٤] أيْ: مِن قَبْلِ غَلَبَةِ فارِسَ عَلى الرُّومِ: ﴿ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] أيْ: مِن بَعْدِ غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ. ويُقالُ: لِلَّهِ العِلْمُ والقُدْرَةُ والمَشِيئَةُ مِن قَبْلِ إبْداءِ الخَلْقِ، ومِن بَعْدِ إفْناءِ الخَلْقِ، والمَعْنى: أنَّ كُلًّا مِن كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ أوَّلًا، وغالِبِينَ آخِرًا، لَيْسَ إلّا بِأمْرِهِ وقَضائِهِ، وعِلْمِهِ ومَشِيئَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]
﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] أيْ: يَوْمَ إذْ يَغْلِبُ الرُّومُ عَلى فارِسَ، ويَحُلُّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَلَبَتِهِمْ ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] أيْ: تَغْلِيبِهِ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ، وغَيْظُ مَن شَمِتَ بِهِمْ مِن كُفّارِ مَكَّةَ. ويُقالُ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ: ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] أيْ: مِن عِبادِهِ عَلى عَدُوِّهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [الروم: ٥] أيِ: القاهِرُ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ، لا يُعْجِزُهُ مَن شاءَ نَصْرَهُ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] أيْ: مِن نَصْرِهِ وتَغْلِيبِهِ مَن يَشاءُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] أيْ: بِحِكْمَتِهِ تَعالى، في كَوْنِهِ وأفْعالِهِ المُحْكَمَةِ، الجارِيَةِ عَلى وفْقِ العَدْلِ، لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ.
الروم 30:4
(p-٤٧٦٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الرُّومِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِ قِصَّتِها عَلى مُعْجِزَةٍ تُفِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَرَحًا عَظِيمًا، بَعْدَ تَرَحٍ يَسِيرٍ. فَتُبْطِلُ شَماتَةَ أعْدائِهِمْ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ عاقِبَةَ الأمْرِ لَهم. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتُّونَ آيَةً.
(p-٤٧٦٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦]
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] اتَّفَقَ المُؤَرِّخُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ عَلى أنَّ مَلِكَ فارِسَ كانَ غَزا بِلادَ الشّامِ، وفَتَحَ دِمَشْقَ، وبَيْتَ المَقْدِسِ، الأُولى سَنَةَ ٦١٣، والثّانِيَةَ سَنَةَ ٦١٤؛ أيْ: قَبْلَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِسَبْعِ سِنِينَ -فَحَدَثَ أنْ بَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ، فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ، وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ، وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ، ونَحْنُ وفارِسُ وثَنِيُّونَ، وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكُمْ، ولَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَتُلِيَتْ عَلى المُشْرِكِينَ، فَأحالَ وُقُوعَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وتَراهَنَ مَعَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى مِائَةِ قَلُوصٍ، إنْ وقَعَ مِصْداقُها، فَلَمْ يَمْضِ مِنَ البِضْعِ -وهُوَ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ- سَبْعُ سِنِينَ إلّا وقَدْ نَظَّمَ هِرَقْلُ جُنُودَ الرُّومِ وغَزا بِهِمْ بِلادَ فارِسَ سَنَةَ ٦٢١؛ أيْ: قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، فَدَوَّخَها، واضْطُرَّ مَلِكُها لِلْهَرَبِ، وعادَ هِرَقْلُ بِالغَنائِمِ الوافِرَةِ.
ولا رَيْبَ أنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ مُعْجِزاتِ القُرْآنِ؛ أعْنِي إخْبارَهُ عَنْ غَيْبٍ وقَعَ مِصْداقُهُ، (p-٤٧٦٦)واسْتَبانَ لِلْجاحِدِينَ مِن نُورِهِ إشْراقُهُ، وفي ضِمْنِهِ أنَّ سائِرَ غُيُوبِهِ كَذَلِكَ مِن ظُهُورِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وزُهُوقِ الباطِلِ، وعُلُوِّ الحَقِّ، وجَعْلِ المُسْتَضْعَفِينَ أئِمَّةً، وإيراثِهِمْ أرْضَ عَدُوِّهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وما ألْطَفَ ما قالَ الزُّبَيْرُ الكِلائِيُّ: رَأيْتُ غَلَبَةَ فارِسَ الرُّومَ، ثُمَّ رَأيْتُ غَلَبَةَ الرُّومِ فارِسَ، ثُمَّ رَأيْتُ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ فارِسَ والرُّومَ، كُلُّ ذَلِكَ في خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً -مِن أواخِرِ غَلَبَةِ فارِسَ إلى أوائِلِ غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ- والأرْضُ، (كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ): أرْضُ العَرَبِ؛ لِأنَّ الأرْضَ المَعْهُودَةَ عِنْدَ العَرَبِ أرْضُهم. والمَعْنى: غُلِبُوا في أدْنى أرْضِ العَرَبِ أيْ: أقْرَبِها مِنهُمْ، وهي أطْرافُ الشّامِ: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ﴾ [الروم: ٤] أيْ: مِن قَبْلِ غَلَبَةِ فارِسَ عَلى الرُّومِ: ﴿ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] أيْ: مِن بَعْدِ غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ. ويُقالُ: لِلَّهِ العِلْمُ والقُدْرَةُ والمَشِيئَةُ مِن قَبْلِ إبْداءِ الخَلْقِ، ومِن بَعْدِ إفْناءِ الخَلْقِ، والمَعْنى: أنَّ كُلًّا مِن كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ أوَّلًا، وغالِبِينَ آخِرًا، لَيْسَ إلّا بِأمْرِهِ وقَضائِهِ، وعِلْمِهِ ومَشِيئَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]
﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] أيْ: يَوْمَ إذْ يَغْلِبُ الرُّومُ عَلى فارِسَ، ويَحُلُّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَلَبَتِهِمْ ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] أيْ: تَغْلِيبِهِ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ، وغَيْظُ مَن شَمِتَ بِهِمْ مِن كُفّارِ مَكَّةَ. ويُقالُ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ: ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] أيْ: مِن عِبادِهِ عَلى عَدُوِّهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [الروم: ٥] أيِ: القاهِرُ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ، لا يُعْجِزُهُ مَن شاءَ نَصْرَهُ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] أيْ: مِن نَصْرِهِ وتَغْلِيبِهِ مَن يَشاءُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] أيْ: بِحِكْمَتِهِ تَعالى، في كَوْنِهِ وأفْعالِهِ المُحْكَمَةِ، الجارِيَةِ عَلى وفْقِ العَدْلِ، لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ.
الروم 30:5
(p-٤٧٦٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الرُّومِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِ قِصَّتِها عَلى مُعْجِزَةٍ تُفِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَرَحًا عَظِيمًا، بَعْدَ تَرَحٍ يَسِيرٍ. فَتُبْطِلُ شَماتَةَ أعْدائِهِمْ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ عاقِبَةَ الأمْرِ لَهم. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتُّونَ آيَةً.
(p-٤٧٦٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦]
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] اتَّفَقَ المُؤَرِّخُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ عَلى أنَّ مَلِكَ فارِسَ كانَ غَزا بِلادَ الشّامِ، وفَتَحَ دِمَشْقَ، وبَيْتَ المَقْدِسِ، الأُولى سَنَةَ ٦١٣، والثّانِيَةَ سَنَةَ ٦١٤؛ أيْ: قَبْلَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِسَبْعِ سِنِينَ -فَحَدَثَ أنْ بَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ، فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ، وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ، وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ، ونَحْنُ وفارِسُ وثَنِيُّونَ، وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكُمْ، ولَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَتُلِيَتْ عَلى المُشْرِكِينَ، فَأحالَ وُقُوعَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وتَراهَنَ مَعَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى مِائَةِ قَلُوصٍ، إنْ وقَعَ مِصْداقُها، فَلَمْ يَمْضِ مِنَ البِضْعِ -وهُوَ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ- سَبْعُ سِنِينَ إلّا وقَدْ نَظَّمَ هِرَقْلُ جُنُودَ الرُّومِ وغَزا بِهِمْ بِلادَ فارِسَ سَنَةَ ٦٢١؛ أيْ: قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، فَدَوَّخَها، واضْطُرَّ مَلِكُها لِلْهَرَبِ، وعادَ هِرَقْلُ بِالغَنائِمِ الوافِرَةِ.
ولا رَيْبَ أنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ مُعْجِزاتِ القُرْآنِ؛ أعْنِي إخْبارَهُ عَنْ غَيْبٍ وقَعَ مِصْداقُهُ، (p-٤٧٦٦)واسْتَبانَ لِلْجاحِدِينَ مِن نُورِهِ إشْراقُهُ، وفي ضِمْنِهِ أنَّ سائِرَ غُيُوبِهِ كَذَلِكَ مِن ظُهُورِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وزُهُوقِ الباطِلِ، وعُلُوِّ الحَقِّ، وجَعْلِ المُسْتَضْعَفِينَ أئِمَّةً، وإيراثِهِمْ أرْضَ عَدُوِّهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وما ألْطَفَ ما قالَ الزُّبَيْرُ الكِلائِيُّ: رَأيْتُ غَلَبَةَ فارِسَ الرُّومَ، ثُمَّ رَأيْتُ غَلَبَةَ الرُّومِ فارِسَ، ثُمَّ رَأيْتُ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ فارِسَ والرُّومَ، كُلُّ ذَلِكَ في خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً -مِن أواخِرِ غَلَبَةِ فارِسَ إلى أوائِلِ غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ- والأرْضُ، (كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ): أرْضُ العَرَبِ؛ لِأنَّ الأرْضَ المَعْهُودَةَ عِنْدَ العَرَبِ أرْضُهم. والمَعْنى: غُلِبُوا في أدْنى أرْضِ العَرَبِ أيْ: أقْرَبِها مِنهُمْ، وهي أطْرافُ الشّامِ: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ﴾ [الروم: ٤] أيْ: مِن قَبْلِ غَلَبَةِ فارِسَ عَلى الرُّومِ: ﴿ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] أيْ: مِن بَعْدِ غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ. ويُقالُ: لِلَّهِ العِلْمُ والقُدْرَةُ والمَشِيئَةُ مِن قَبْلِ إبْداءِ الخَلْقِ، ومِن بَعْدِ إفْناءِ الخَلْقِ، والمَعْنى: أنَّ كُلًّا مِن كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ أوَّلًا، وغالِبِينَ آخِرًا، لَيْسَ إلّا بِأمْرِهِ وقَضائِهِ، وعِلْمِهِ ومَشِيئَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]
﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] أيْ: يَوْمَ إذْ يَغْلِبُ الرُّومُ عَلى فارِسَ، ويَحُلُّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَلَبَتِهِمْ ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] أيْ: تَغْلِيبِهِ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ، وغَيْظُ مَن شَمِتَ بِهِمْ مِن كُفّارِ مَكَّةَ. ويُقالُ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ: ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] أيْ: مِن عِبادِهِ عَلى عَدُوِّهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [الروم: ٥] أيِ: القاهِرُ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ، لا يُعْجِزُهُ مَن شاءَ نَصْرَهُ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] أيْ: مِن نَصْرِهِ وتَغْلِيبِهِ مَن يَشاءُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] أيْ: بِحِكْمَتِهِ تَعالى، في كَوْنِهِ وأفْعالِهِ المُحْكَمَةِ، الجارِيَةِ عَلى وفْقِ العَدْلِ، لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ.
الروم 30:6
(p-٤٧٦٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الرُّومِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِ قِصَّتِها عَلى مُعْجِزَةٍ تُفِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَرَحًا عَظِيمًا، بَعْدَ تَرَحٍ يَسِيرٍ. فَتُبْطِلُ شَماتَةَ أعْدائِهِمْ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ عاقِبَةَ الأمْرِ لَهم. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتُّونَ آيَةً.
(p-٤٧٦٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦]
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] اتَّفَقَ المُؤَرِّخُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ عَلى أنَّ مَلِكَ فارِسَ كانَ غَزا بِلادَ الشّامِ، وفَتَحَ دِمَشْقَ، وبَيْتَ المَقْدِسِ، الأُولى سَنَةَ ٦١٣، والثّانِيَةَ سَنَةَ ٦١٤؛ أيْ: قَبْلَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِسَبْعِ سِنِينَ -فَحَدَثَ أنْ بَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ، فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ، وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ، وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ، ونَحْنُ وفارِسُ وثَنِيُّونَ، وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكُمْ، ولَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَتُلِيَتْ عَلى المُشْرِكِينَ، فَأحالَ وُقُوعَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وتَراهَنَ مَعَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى مِائَةِ قَلُوصٍ، إنْ وقَعَ مِصْداقُها، فَلَمْ يَمْضِ مِنَ البِضْعِ -وهُوَ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ- سَبْعُ سِنِينَ إلّا وقَدْ نَظَّمَ هِرَقْلُ جُنُودَ الرُّومِ وغَزا بِهِمْ بِلادَ فارِسَ سَنَةَ ٦٢١؛ أيْ: قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، فَدَوَّخَها، واضْطُرَّ مَلِكُها لِلْهَرَبِ، وعادَ هِرَقْلُ بِالغَنائِمِ الوافِرَةِ.
ولا رَيْبَ أنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ مُعْجِزاتِ القُرْآنِ؛ أعْنِي إخْبارَهُ عَنْ غَيْبٍ وقَعَ مِصْداقُهُ، (p-٤٧٦٦)واسْتَبانَ لِلْجاحِدِينَ مِن نُورِهِ إشْراقُهُ، وفي ضِمْنِهِ أنَّ سائِرَ غُيُوبِهِ كَذَلِكَ مِن ظُهُورِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وزُهُوقِ الباطِلِ، وعُلُوِّ الحَقِّ، وجَعْلِ المُسْتَضْعَفِينَ أئِمَّةً، وإيراثِهِمْ أرْضَ عَدُوِّهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وما ألْطَفَ ما قالَ الزُّبَيْرُ الكِلائِيُّ: رَأيْتُ غَلَبَةَ فارِسَ الرُّومَ، ثُمَّ رَأيْتُ غَلَبَةَ الرُّومِ فارِسَ، ثُمَّ رَأيْتُ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ فارِسَ والرُّومَ، كُلُّ ذَلِكَ في خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً -مِن أواخِرِ غَلَبَةِ فارِسَ إلى أوائِلِ غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ- والأرْضُ، (كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ): أرْضُ العَرَبِ؛ لِأنَّ الأرْضَ المَعْهُودَةَ عِنْدَ العَرَبِ أرْضُهم. والمَعْنى: غُلِبُوا في أدْنى أرْضِ العَرَبِ أيْ: أقْرَبِها مِنهُمْ، وهي أطْرافُ الشّامِ: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ﴾ [الروم: ٤] أيْ: مِن قَبْلِ غَلَبَةِ فارِسَ عَلى الرُّومِ: ﴿ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] أيْ: مِن بَعْدِ غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ. ويُقالُ: لِلَّهِ العِلْمُ والقُدْرَةُ والمَشِيئَةُ مِن قَبْلِ إبْداءِ الخَلْقِ، ومِن بَعْدِ إفْناءِ الخَلْقِ، والمَعْنى: أنَّ كُلًّا مِن كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ أوَّلًا، وغالِبِينَ آخِرًا، لَيْسَ إلّا بِأمْرِهِ وقَضائِهِ، وعِلْمِهِ ومَشِيئَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]
﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] أيْ: يَوْمَ إذْ يَغْلِبُ الرُّومُ عَلى فارِسَ، ويَحُلُّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَلَبَتِهِمْ ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] أيْ: تَغْلِيبِهِ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ، وغَيْظُ مَن شَمِتَ بِهِمْ مِن كُفّارِ مَكَّةَ. ويُقالُ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ: ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] أيْ: مِن عِبادِهِ عَلى عَدُوِّهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [الروم: ٥] أيِ: القاهِرُ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ، لا يُعْجِزُهُ مَن شاءَ نَصْرَهُ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] أيْ: مِن نَصْرِهِ وتَغْلِيبِهِ مَن يَشاءُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] أيْ: بِحِكْمَتِهِ تَعالى، في كَوْنِهِ وأفْعالِهِ المُحْكَمَةِ، الجارِيَةِ عَلى وفْقِ العَدْلِ، لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ.
الروم 30:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ٨] ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ (p-٤٧٦٧)﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ [الروم: ٨]
﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو ما يُوافِقُ شَهَواتِهِمْ وأهْواءَهُمْ: ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ﴾ أيِ: الَّتِي هي المَطْلَبُ الأعْلى: ﴿هم غافِلُونَ﴾ أيْ: لا يُخْطِرُونَها بِبالِهِمْ، فَهم جاهِلُونَ بِها تارِكُونَ لِعَمَلِها.
لَطائِفُ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] وفي هَذا الإبْدالِ مِنَ النُّكْتَةِ، أنَّهُ أبْدَلَ مِنهُ وجَعَلَهُ بِحَيْثُ يَقُومُ مَقامَهُ، ويَسُدُّ مَسَدَّهُ، لِيُعْلِمَكَ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِ العِلْمِ الَّذِي هو الجَهْلُ، وبَيْنَ وُجُودِ العِلْمِ الَّذِي لا يَتَجاوَزُ الدُّنْيا. وقَوْلُهُ: ﴿ظاهِرًا﴾ يُفِيدُ أنَّ لِلدُّنْيا ظاهِرًا وباطِنًا، فَظاهِرُها ما يَعْرِفُهُ الجُهّالُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِزَخارِفِها والتَّنَعُّمِ بِمَلاذِّها، وباطِنُها وحَقِيقَتُها أنَّها مَجازٌ إلى الآخِرَةِ، يَتَزَوَّدُ مِنها إلَيْها بِالطّاعَةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ. انْتَهى.
وناقَشَ الكَرْخِيُّ في إبْدالِ: "يَعْلَمُونَ" قالَ: إنَّ الصِّناعَةَ لا تُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ بَدَلَ فِعْلٍ مُثْبَتٍ مِن فِعْلٍ مَنفِيٍّ يَصِحُّ. واسْتَظْهَرَ قَوْلُ الحَرْفِيِّ؛ أنَّ: "يَعْلَمُونَ" اسْتِئْنافٌ في المَعْنى. وأشارَ النّاصِرُ إلى جَوابِهِ بِأنَّ في تَنْكِيرِ: "ظاهِرًا" تَقْلِيلًا لِمَعْلُومِهِمْ. وتَقْلِيلُهُ يُقَرِّبُهُ مِنَ النَّفْيِ، فَيُطابِقُ المُبْدَلَ مِنهُ.
أقُولُ: التَّقْلِيلُ هو الوَحْدَةُ المُشارُ لَها بِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: وفي تَنْكِيرِ الظّاهِرِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا واحِدًا، مِن جُمْلَةِ الظَّواهِرِ.
أمّا قَوْلُ أبِي السُّعُودِ: وتَنْكِيرُ: "ظاهِرًا" لِلتَّحْقِيرِ والتَّخْسِيسِ دُونَ الوَحْدَةِ كَما تَوَهَّمَ. فَغَفْلَةٌ عَنْ مُشارَكَتِها لِلتَّعْلِيلِ الَّذِي بِهِ يُطابِقُ البَدَلُ المُبْدَلَ مِنهُ. فافْهَمْ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قِصَرَ نَظَرِهِمْ عَلى ما ذُكِرَ مِن ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا، مَعَ الغَفْلَةِ عَنِ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨] أيْ: يُحْدِثُوا التَّفَكُّرَ في أنْفُسِهِمُ، الفارِغَةِ مِنَ الفِكْرِ (p-٤٧٦٨)والتَّفَكُّرِ. فالمَجْرُورُ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ، ذِكْرُهُ لِزِيادَةِ التَّصْوِيرِ؛ إذِ الفِكْرُ لا يَكُونُ إلّا في النَّفْسِ، والتَّفَكُّرُ لا مُتَعَلَّقَ لَهُ؛ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ. وجُوِّزَ كَوْنُ المَجْرُورِ مَفْعُولُ: "يَتَفَكَّرُوا" لِأنَّهُ يَتَعَدّى بِـ في أيْ: أوْ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في أمْرِ أنْفُسِهِمْ. فالمَعْنى حَثَّهم عَلى النَّظَرِ في ذَواتِهِمْ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن بَدِيعِ الصُّنْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الروم: ٨] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ أوْ عِلْمٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ؛ أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا فَيَقُولُوا أوْ فَيَعْلَمُوا.
وقالَ السَّمِينُ: (ما) نافِيَةٌ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما -أنَّها مُسْتَأْنِفَةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها. والثّانِي- أنَّها مُعَلِّقَةٌ لِلتَّفَكُّرِ. فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ. انْتَهى. والباءُ في قَوْلِهِ: "بِالحَقِّ" لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: ما خَلَقَها باطِلًا ولا عَبَثًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ بالِغَةٍ، ولا لِتَبْقى خالِدَةً، وإنَّما خَلَقَها مَقْرُونَةً بِالحَقِّ، مَصْحُوبَةً بِالحَقِّ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم: ٨] أيْ: وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، لا بُدَّ لَها مِن أنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِ، وهو قِيامُ السّاعَةِ، ووَقْتُ الحِسابِ، والثَّوابِ، والعِقابِ. ولِذا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ [الروم: ٨]
الروم 30:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ٨] ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ (p-٤٧٦٧)﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ [الروم: ٨]
﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو ما يُوافِقُ شَهَواتِهِمْ وأهْواءَهُمْ: ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ﴾ أيِ: الَّتِي هي المَطْلَبُ الأعْلى: ﴿هم غافِلُونَ﴾ أيْ: لا يُخْطِرُونَها بِبالِهِمْ، فَهم جاهِلُونَ بِها تارِكُونَ لِعَمَلِها.
لَطائِفُ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] وفي هَذا الإبْدالِ مِنَ النُّكْتَةِ، أنَّهُ أبْدَلَ مِنهُ وجَعَلَهُ بِحَيْثُ يَقُومُ مَقامَهُ، ويَسُدُّ مَسَدَّهُ، لِيُعْلِمَكَ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِ العِلْمِ الَّذِي هو الجَهْلُ، وبَيْنَ وُجُودِ العِلْمِ الَّذِي لا يَتَجاوَزُ الدُّنْيا. وقَوْلُهُ: ﴿ظاهِرًا﴾ يُفِيدُ أنَّ لِلدُّنْيا ظاهِرًا وباطِنًا، فَظاهِرُها ما يَعْرِفُهُ الجُهّالُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِزَخارِفِها والتَّنَعُّمِ بِمَلاذِّها، وباطِنُها وحَقِيقَتُها أنَّها مَجازٌ إلى الآخِرَةِ، يَتَزَوَّدُ مِنها إلَيْها بِالطّاعَةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ. انْتَهى.
وناقَشَ الكَرْخِيُّ في إبْدالِ: "يَعْلَمُونَ" قالَ: إنَّ الصِّناعَةَ لا تُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ بَدَلَ فِعْلٍ مُثْبَتٍ مِن فِعْلٍ مَنفِيٍّ يَصِحُّ. واسْتَظْهَرَ قَوْلُ الحَرْفِيِّ؛ أنَّ: "يَعْلَمُونَ" اسْتِئْنافٌ في المَعْنى. وأشارَ النّاصِرُ إلى جَوابِهِ بِأنَّ في تَنْكِيرِ: "ظاهِرًا" تَقْلِيلًا لِمَعْلُومِهِمْ. وتَقْلِيلُهُ يُقَرِّبُهُ مِنَ النَّفْيِ، فَيُطابِقُ المُبْدَلَ مِنهُ.
أقُولُ: التَّقْلِيلُ هو الوَحْدَةُ المُشارُ لَها بِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: وفي تَنْكِيرِ الظّاهِرِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا واحِدًا، مِن جُمْلَةِ الظَّواهِرِ.
أمّا قَوْلُ أبِي السُّعُودِ: وتَنْكِيرُ: "ظاهِرًا" لِلتَّحْقِيرِ والتَّخْسِيسِ دُونَ الوَحْدَةِ كَما تَوَهَّمَ. فَغَفْلَةٌ عَنْ مُشارَكَتِها لِلتَّعْلِيلِ الَّذِي بِهِ يُطابِقُ البَدَلُ المُبْدَلَ مِنهُ. فافْهَمْ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قِصَرَ نَظَرِهِمْ عَلى ما ذُكِرَ مِن ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا، مَعَ الغَفْلَةِ عَنِ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨] أيْ: يُحْدِثُوا التَّفَكُّرَ في أنْفُسِهِمُ، الفارِغَةِ مِنَ الفِكْرِ (p-٤٧٦٨)والتَّفَكُّرِ. فالمَجْرُورُ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ، ذِكْرُهُ لِزِيادَةِ التَّصْوِيرِ؛ إذِ الفِكْرُ لا يَكُونُ إلّا في النَّفْسِ، والتَّفَكُّرُ لا مُتَعَلَّقَ لَهُ؛ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ. وجُوِّزَ كَوْنُ المَجْرُورِ مَفْعُولُ: "يَتَفَكَّرُوا" لِأنَّهُ يَتَعَدّى بِـ في أيْ: أوْ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في أمْرِ أنْفُسِهِمْ. فالمَعْنى حَثَّهم عَلى النَّظَرِ في ذَواتِهِمْ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن بَدِيعِ الصُّنْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الروم: ٨] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ أوْ عِلْمٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ؛ أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا فَيَقُولُوا أوْ فَيَعْلَمُوا.
وقالَ السَّمِينُ: (ما) نافِيَةٌ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما -أنَّها مُسْتَأْنِفَةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها. والثّانِي- أنَّها مُعَلِّقَةٌ لِلتَّفَكُّرِ. فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ. انْتَهى. والباءُ في قَوْلِهِ: "بِالحَقِّ" لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: ما خَلَقَها باطِلًا ولا عَبَثًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ بالِغَةٍ، ولا لِتَبْقى خالِدَةً، وإنَّما خَلَقَها مَقْرُونَةً بِالحَقِّ، مَصْحُوبَةً بِالحَقِّ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم: ٨] أيْ: وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، لا بُدَّ لَها مِن أنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِ، وهو قِيامُ السّاعَةِ، ووَقْتُ الحِسابِ، والثَّوابِ، والعِقابِ. ولِذا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ [الروم: ٨]
الروم 30:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٢] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠] ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] (p-٤٧٦٩)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ﴾ أيْ قَلَبُوها لِلزِّراعَةِ، واسْتِخْراجِ المَعادِنِ، وغَيْرِهِما، مِمّا كانُوا أرْقى فِيهِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: بِالأبْنِيَةِ المُشَيَّدَةِ، والصِّناعاتِ الفَرِيدَةِ، ووَفْرَةِ العَدَدِ والعُدَدِ، وتَنْظِيمِ الجُيُوشِ، والتَّزَيُّنِ بِزَخارِفَ أُعْجِبُوا بِها، واسْتَطالُوا بِأُبَّهَتِها، فَفَسَدَتْ مَلِكاتُهُمْ، وطَغَتْ شَهَواتُهُمْ، حَتّى اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعالى إنْذارَهم بِأنْبِيائِهِمْ، كَما قالَ: ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الآياتِ الواضِحاتِ عَلى حَقِيقَةِ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ: ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ: فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهُمْ، فَما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهم مِن غَيْرِ جُرْمٍ مِنهُمْ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا﴾ [الروم: ١٠] أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ: ﴿السُّوأى﴾ [الروم: ١٠] أيِ: العُقُوبَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ في الآخِرَةِ، وهي جَهَنَّمُ، و: "السُّوأى" تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، وهو الأقْبَحُ، كَما أنَّ الحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ ثُمَّ عَلَّلَ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ﴾ [الروم: ١٠] أيْ: لِأنَّ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠] ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ [الروم: ١١] أيْ: يُنْشِئُهُمْ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ١١] أيْ: بَعْدَ المَوْتِ بِالبَعْثِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] أيْ: إلى مَوْقِفِ الحِسابِ والجَزاءِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢] أيْ: يَسْكُتُونَ مُتَحَيِّرِينَ يائِسِينَ. يُقالُ أبْلَسَ، إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ.
الروم 30:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٢] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠] ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] (p-٤٧٦٩)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ﴾ أيْ قَلَبُوها لِلزِّراعَةِ، واسْتِخْراجِ المَعادِنِ، وغَيْرِهِما، مِمّا كانُوا أرْقى فِيهِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: بِالأبْنِيَةِ المُشَيَّدَةِ، والصِّناعاتِ الفَرِيدَةِ، ووَفْرَةِ العَدَدِ والعُدَدِ، وتَنْظِيمِ الجُيُوشِ، والتَّزَيُّنِ بِزَخارِفَ أُعْجِبُوا بِها، واسْتَطالُوا بِأُبَّهَتِها، فَفَسَدَتْ مَلِكاتُهُمْ، وطَغَتْ شَهَواتُهُمْ، حَتّى اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعالى إنْذارَهم بِأنْبِيائِهِمْ، كَما قالَ: ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الآياتِ الواضِحاتِ عَلى حَقِيقَةِ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ: ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ: فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهُمْ، فَما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهم مِن غَيْرِ جُرْمٍ مِنهُمْ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا﴾ [الروم: ١٠] أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ: ﴿السُّوأى﴾ [الروم: ١٠] أيِ: العُقُوبَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ في الآخِرَةِ، وهي جَهَنَّمُ، و: "السُّوأى" تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، وهو الأقْبَحُ، كَما أنَّ الحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ ثُمَّ عَلَّلَ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ﴾ [الروم: ١٠] أيْ: لِأنَّ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠] ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ [الروم: ١١] أيْ: يُنْشِئُهُمْ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ١١] أيْ: بَعْدَ المَوْتِ بِالبَعْثِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] أيْ: إلى مَوْقِفِ الحِسابِ والجَزاءِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢] أيْ: يَسْكُتُونَ مُتَحَيِّرِينَ يائِسِينَ. يُقالُ أبْلَسَ، إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ.
الروم 30:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٢] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠] ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] (p-٤٧٦٩)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ﴾ أيْ قَلَبُوها لِلزِّراعَةِ، واسْتِخْراجِ المَعادِنِ، وغَيْرِهِما، مِمّا كانُوا أرْقى فِيهِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: بِالأبْنِيَةِ المُشَيَّدَةِ، والصِّناعاتِ الفَرِيدَةِ، ووَفْرَةِ العَدَدِ والعُدَدِ، وتَنْظِيمِ الجُيُوشِ، والتَّزَيُّنِ بِزَخارِفَ أُعْجِبُوا بِها، واسْتَطالُوا بِأُبَّهَتِها، فَفَسَدَتْ مَلِكاتُهُمْ، وطَغَتْ شَهَواتُهُمْ، حَتّى اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعالى إنْذارَهم بِأنْبِيائِهِمْ، كَما قالَ: ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الآياتِ الواضِحاتِ عَلى حَقِيقَةِ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ: ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ: فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهُمْ، فَما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهم مِن غَيْرِ جُرْمٍ مِنهُمْ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا﴾ [الروم: ١٠] أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ: ﴿السُّوأى﴾ [الروم: ١٠] أيِ: العُقُوبَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ في الآخِرَةِ، وهي جَهَنَّمُ، و: "السُّوأى" تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، وهو الأقْبَحُ، كَما أنَّ الحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ ثُمَّ عَلَّلَ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ﴾ [الروم: ١٠] أيْ: لِأنَّ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠] ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ [الروم: ١١] أيْ: يُنْشِئُهُمْ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ١١] أيْ: بَعْدَ المَوْتِ بِالبَعْثِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] أيْ: إلى مَوْقِفِ الحِسابِ والجَزاءِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢] أيْ: يَسْكُتُونَ مُتَحَيِّرِينَ يائِسِينَ. يُقالُ أبْلَسَ، إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ.
الروم 30:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٢] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠] ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] (p-٤٧٦٩)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ﴾ أيْ قَلَبُوها لِلزِّراعَةِ، واسْتِخْراجِ المَعادِنِ، وغَيْرِهِما، مِمّا كانُوا أرْقى فِيهِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: بِالأبْنِيَةِ المُشَيَّدَةِ، والصِّناعاتِ الفَرِيدَةِ، ووَفْرَةِ العَدَدِ والعُدَدِ، وتَنْظِيمِ الجُيُوشِ، والتَّزَيُّنِ بِزَخارِفَ أُعْجِبُوا بِها، واسْتَطالُوا بِأُبَّهَتِها، فَفَسَدَتْ مَلِكاتُهُمْ، وطَغَتْ شَهَواتُهُمْ، حَتّى اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعالى إنْذارَهم بِأنْبِيائِهِمْ، كَما قالَ: ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الآياتِ الواضِحاتِ عَلى حَقِيقَةِ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ: ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ: فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهُمْ، فَما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهم مِن غَيْرِ جُرْمٍ مِنهُمْ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا﴾ [الروم: ١٠] أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ: ﴿السُّوأى﴾ [الروم: ١٠] أيِ: العُقُوبَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ في الآخِرَةِ، وهي جَهَنَّمُ، و: "السُّوأى" تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، وهو الأقْبَحُ، كَما أنَّ الحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ ثُمَّ عَلَّلَ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ﴾ [الروم: ١٠] أيْ: لِأنَّ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠] ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ [الروم: ١١] أيْ: يُنْشِئُهُمْ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ١١] أيْ: بَعْدَ المَوْتِ بِالبَعْثِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] أيْ: إلى مَوْقِفِ الحِسابِ والجَزاءِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢] أيْ: يَسْكُتُونَ مُتَحَيِّرِينَ يائِسِينَ. يُقالُ أبْلَسَ، إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ.
الروم 30:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٨] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] (p-٤٧٧٠)﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ، كَما كانُوا يَزْعُمُونَ: ﴿وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ: بِإلَهِيَّتِهِمْ وشَرِكَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى، حَيْثُ وقَفُوا عَلى كُنْهِ أمْرِهِمْ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] أيْ: يَتَمَيَّزُ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ في المَحالِ والأحْوالِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] أيْ: يَسُرُّونَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] أيْ: لا يَغِيبُونَ عَنْهُ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، تَأثُّرَهُ بِما هو وسِيلَةٌ لِلْفَوْزِ والنَّجاةِ، مِن تَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ بِصِفاتِهِ الجَمِيلَةِ، وأداءِ حَقِّ العُبُودِيَّةِ، و(الفاءُ) لِلتَّقْرِيعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا صَحَّ واتَّضَحَ عاقِبَةُ المُطِيعِينَ والعاصِينَ، فَقُولُوا: نُسَبِّحُ سُبْحانَ إلَخْ. والمَعْنى فَسَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا دائِمًا. و(سُبْحانَ): خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وحَمْدِهِ؛ أيِ: الثَّناءُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيها قُدْرَتُهُ، وتَتَجَدَّدُ فِيها نِعْمَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿حِينَ﴾ [الروم: ١٧] وتَقْدِيمُهُ عَلى: "حِينَ تُظْهِرُونَ" لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ [الروم: ١٨] مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما. والمُرادُ بِثُبُوتِ حَمْدِهِ فِيهِما، اسْتِحْقاقُهُ الحَمْدَ مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ مِن أهْلِها. قالَ أبُو السُّعُودِ: والإخْبارُ بِثُبُوتِ الحَمْدِ لَهُ، ووُجُوبِهِ عَلى المُمَيِّزِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، في مَعْنى الأمْرِ بِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وتَوْسِيطِهِ بَيْنَ أوْقاتِ التَّسْبِيحِ، لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، والإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُما أنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُما، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الآيَةَ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ:
﴿تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ. و: ﴿تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] (p-٤٧٧١)صَلاةُ الفَجْرِ. و: "عَشِيًّا" صَلاةُ العَصْرِ. و: ﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] صَلاةُ الظُّهْرِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ فِي: "عَشِيًّا"؟ أُجِيبَ، (كَما قالَ أبُو السُّعُودِ): بِأنَّ تَغَيُّرَ الأُسْلُوبِ لِما أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ الفِعْلُ بِمَعْنى الدُّخُولِ في العَشِيِّ، كالمَساءِ والصَّباحِ والظَّهِيرَةِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها أحْوالُ النّاسِ، وتَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا مُصَحَّحًا؛ لِوَصْفِهِمْ بِالخُرُوجِ عَمّا قَبْلَها، والدُّخُولِ فِيها، كالأوْقاتِ المَذْكُورَةِ. فَإنَّ كُلًّا مِنها وقْتٌ تَتَغَيَّرُ فِيهِ الأحْوالُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا، أمّا في المَساءِ والصَّباحِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الظَّهِيرَةِ فَلِأنَّها وقْتٌ يُعْتادُ فِيهِ التَّجَرُّدُ عَنِ الثِّيابِ لِلْقَيْلُولَةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ النُّورِ. انْتَهى.
الروم 30:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٨] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] (p-٤٧٧٠)﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ، كَما كانُوا يَزْعُمُونَ: ﴿وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ: بِإلَهِيَّتِهِمْ وشَرِكَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى، حَيْثُ وقَفُوا عَلى كُنْهِ أمْرِهِمْ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] أيْ: يَتَمَيَّزُ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ في المَحالِ والأحْوالِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] أيْ: يَسُرُّونَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] أيْ: لا يَغِيبُونَ عَنْهُ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، تَأثُّرَهُ بِما هو وسِيلَةٌ لِلْفَوْزِ والنَّجاةِ، مِن تَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ بِصِفاتِهِ الجَمِيلَةِ، وأداءِ حَقِّ العُبُودِيَّةِ، و(الفاءُ) لِلتَّقْرِيعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا صَحَّ واتَّضَحَ عاقِبَةُ المُطِيعِينَ والعاصِينَ، فَقُولُوا: نُسَبِّحُ سُبْحانَ إلَخْ. والمَعْنى فَسَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا دائِمًا. و(سُبْحانَ): خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وحَمْدِهِ؛ أيِ: الثَّناءُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيها قُدْرَتُهُ، وتَتَجَدَّدُ فِيها نِعْمَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿حِينَ﴾ [الروم: ١٧] وتَقْدِيمُهُ عَلى: "حِينَ تُظْهِرُونَ" لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ [الروم: ١٨] مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما. والمُرادُ بِثُبُوتِ حَمْدِهِ فِيهِما، اسْتِحْقاقُهُ الحَمْدَ مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ مِن أهْلِها. قالَ أبُو السُّعُودِ: والإخْبارُ بِثُبُوتِ الحَمْدِ لَهُ، ووُجُوبِهِ عَلى المُمَيِّزِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، في مَعْنى الأمْرِ بِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وتَوْسِيطِهِ بَيْنَ أوْقاتِ التَّسْبِيحِ، لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، والإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُما أنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُما، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الآيَةَ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ:
﴿تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ. و: ﴿تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] (p-٤٧٧١)صَلاةُ الفَجْرِ. و: "عَشِيًّا" صَلاةُ العَصْرِ. و: ﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] صَلاةُ الظُّهْرِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ فِي: "عَشِيًّا"؟ أُجِيبَ، (كَما قالَ أبُو السُّعُودِ): بِأنَّ تَغَيُّرَ الأُسْلُوبِ لِما أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ الفِعْلُ بِمَعْنى الدُّخُولِ في العَشِيِّ، كالمَساءِ والصَّباحِ والظَّهِيرَةِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها أحْوالُ النّاسِ، وتَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا مُصَحَّحًا؛ لِوَصْفِهِمْ بِالخُرُوجِ عَمّا قَبْلَها، والدُّخُولِ فِيها، كالأوْقاتِ المَذْكُورَةِ. فَإنَّ كُلًّا مِنها وقْتٌ تَتَغَيَّرُ فِيهِ الأحْوالُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا، أمّا في المَساءِ والصَّباحِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الظَّهِيرَةِ فَلِأنَّها وقْتٌ يُعْتادُ فِيهِ التَّجَرُّدُ عَنِ الثِّيابِ لِلْقَيْلُولَةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ النُّورِ. انْتَهى.
الروم 30:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٨] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] (p-٤٧٧٠)﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ، كَما كانُوا يَزْعُمُونَ: ﴿وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ: بِإلَهِيَّتِهِمْ وشَرِكَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى، حَيْثُ وقَفُوا عَلى كُنْهِ أمْرِهِمْ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] أيْ: يَتَمَيَّزُ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ في المَحالِ والأحْوالِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] أيْ: يَسُرُّونَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] أيْ: لا يَغِيبُونَ عَنْهُ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، تَأثُّرَهُ بِما هو وسِيلَةٌ لِلْفَوْزِ والنَّجاةِ، مِن تَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ بِصِفاتِهِ الجَمِيلَةِ، وأداءِ حَقِّ العُبُودِيَّةِ، و(الفاءُ) لِلتَّقْرِيعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا صَحَّ واتَّضَحَ عاقِبَةُ المُطِيعِينَ والعاصِينَ، فَقُولُوا: نُسَبِّحُ سُبْحانَ إلَخْ. والمَعْنى فَسَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا دائِمًا. و(سُبْحانَ): خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وحَمْدِهِ؛ أيِ: الثَّناءُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيها قُدْرَتُهُ، وتَتَجَدَّدُ فِيها نِعْمَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿حِينَ﴾ [الروم: ١٧] وتَقْدِيمُهُ عَلى: "حِينَ تُظْهِرُونَ" لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ [الروم: ١٨] مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما. والمُرادُ بِثُبُوتِ حَمْدِهِ فِيهِما، اسْتِحْقاقُهُ الحَمْدَ مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ مِن أهْلِها. قالَ أبُو السُّعُودِ: والإخْبارُ بِثُبُوتِ الحَمْدِ لَهُ، ووُجُوبِهِ عَلى المُمَيِّزِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، في مَعْنى الأمْرِ بِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وتَوْسِيطِهِ بَيْنَ أوْقاتِ التَّسْبِيحِ، لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، والإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُما أنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُما، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الآيَةَ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ:
﴿تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ. و: ﴿تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] (p-٤٧٧١)صَلاةُ الفَجْرِ. و: "عَشِيًّا" صَلاةُ العَصْرِ. و: ﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] صَلاةُ الظُّهْرِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ فِي: "عَشِيًّا"؟ أُجِيبَ، (كَما قالَ أبُو السُّعُودِ): بِأنَّ تَغَيُّرَ الأُسْلُوبِ لِما أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ الفِعْلُ بِمَعْنى الدُّخُولِ في العَشِيِّ، كالمَساءِ والصَّباحِ والظَّهِيرَةِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها أحْوالُ النّاسِ، وتَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا مُصَحَّحًا؛ لِوَصْفِهِمْ بِالخُرُوجِ عَمّا قَبْلَها، والدُّخُولِ فِيها، كالأوْقاتِ المَذْكُورَةِ. فَإنَّ كُلًّا مِنها وقْتٌ تَتَغَيَّرُ فِيهِ الأحْوالُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا، أمّا في المَساءِ والصَّباحِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الظَّهِيرَةِ فَلِأنَّها وقْتٌ يُعْتادُ فِيهِ التَّجَرُّدُ عَنِ الثِّيابِ لِلْقَيْلُولَةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ النُّورِ. انْتَهى.
الروم 30:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٨] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] (p-٤٧٧٠)﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ، كَما كانُوا يَزْعُمُونَ: ﴿وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ: بِإلَهِيَّتِهِمْ وشَرِكَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى، حَيْثُ وقَفُوا عَلى كُنْهِ أمْرِهِمْ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] أيْ: يَتَمَيَّزُ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ في المَحالِ والأحْوالِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] أيْ: يَسُرُّونَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] أيْ: لا يَغِيبُونَ عَنْهُ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، تَأثُّرَهُ بِما هو وسِيلَةٌ لِلْفَوْزِ والنَّجاةِ، مِن تَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ بِصِفاتِهِ الجَمِيلَةِ، وأداءِ حَقِّ العُبُودِيَّةِ، و(الفاءُ) لِلتَّقْرِيعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا صَحَّ واتَّضَحَ عاقِبَةُ المُطِيعِينَ والعاصِينَ، فَقُولُوا: نُسَبِّحُ سُبْحانَ إلَخْ. والمَعْنى فَسَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا دائِمًا. و(سُبْحانَ): خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وحَمْدِهِ؛ أيِ: الثَّناءُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيها قُدْرَتُهُ، وتَتَجَدَّدُ فِيها نِعْمَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿حِينَ﴾ [الروم: ١٧] وتَقْدِيمُهُ عَلى: "حِينَ تُظْهِرُونَ" لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ [الروم: ١٨] مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما. والمُرادُ بِثُبُوتِ حَمْدِهِ فِيهِما، اسْتِحْقاقُهُ الحَمْدَ مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ مِن أهْلِها. قالَ أبُو السُّعُودِ: والإخْبارُ بِثُبُوتِ الحَمْدِ لَهُ، ووُجُوبِهِ عَلى المُمَيِّزِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، في مَعْنى الأمْرِ بِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وتَوْسِيطِهِ بَيْنَ أوْقاتِ التَّسْبِيحِ، لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، والإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُما أنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُما، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الآيَةَ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ:
﴿تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ. و: ﴿تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] (p-٤٧٧١)صَلاةُ الفَجْرِ. و: "عَشِيًّا" صَلاةُ العَصْرِ. و: ﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] صَلاةُ الظُّهْرِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ فِي: "عَشِيًّا"؟ أُجِيبَ، (كَما قالَ أبُو السُّعُودِ): بِأنَّ تَغَيُّرَ الأُسْلُوبِ لِما أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ الفِعْلُ بِمَعْنى الدُّخُولِ في العَشِيِّ، كالمَساءِ والصَّباحِ والظَّهِيرَةِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها أحْوالُ النّاسِ، وتَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا مُصَحَّحًا؛ لِوَصْفِهِمْ بِالخُرُوجِ عَمّا قَبْلَها، والدُّخُولِ فِيها، كالأوْقاتِ المَذْكُورَةِ. فَإنَّ كُلًّا مِنها وقْتٌ تَتَغَيَّرُ فِيهِ الأحْوالُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا، أمّا في المَساءِ والصَّباحِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الظَّهِيرَةِ فَلِأنَّها وقْتٌ يُعْتادُ فِيهِ التَّجَرُّدُ عَنِ الثِّيابِ لِلْقَيْلُولَةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ النُّورِ. انْتَهى.
الروم 30:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٨] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] (p-٤٧٧٠)﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ، كَما كانُوا يَزْعُمُونَ: ﴿وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ: بِإلَهِيَّتِهِمْ وشَرِكَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى، حَيْثُ وقَفُوا عَلى كُنْهِ أمْرِهِمْ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] أيْ: يَتَمَيَّزُ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ في المَحالِ والأحْوالِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] أيْ: يَسُرُّونَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] أيْ: لا يَغِيبُونَ عَنْهُ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، تَأثُّرَهُ بِما هو وسِيلَةٌ لِلْفَوْزِ والنَّجاةِ، مِن تَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ بِصِفاتِهِ الجَمِيلَةِ، وأداءِ حَقِّ العُبُودِيَّةِ، و(الفاءُ) لِلتَّقْرِيعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا صَحَّ واتَّضَحَ عاقِبَةُ المُطِيعِينَ والعاصِينَ، فَقُولُوا: نُسَبِّحُ سُبْحانَ إلَخْ. والمَعْنى فَسَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا دائِمًا. و(سُبْحانَ): خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وحَمْدِهِ؛ أيِ: الثَّناءُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيها قُدْرَتُهُ، وتَتَجَدَّدُ فِيها نِعْمَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿حِينَ﴾ [الروم: ١٧] وتَقْدِيمُهُ عَلى: "حِينَ تُظْهِرُونَ" لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ [الروم: ١٨] مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما. والمُرادُ بِثُبُوتِ حَمْدِهِ فِيهِما، اسْتِحْقاقُهُ الحَمْدَ مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ مِن أهْلِها. قالَ أبُو السُّعُودِ: والإخْبارُ بِثُبُوتِ الحَمْدِ لَهُ، ووُجُوبِهِ عَلى المُمَيِّزِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، في مَعْنى الأمْرِ بِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وتَوْسِيطِهِ بَيْنَ أوْقاتِ التَّسْبِيحِ، لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، والإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُما أنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُما، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الآيَةَ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ:
﴿تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ. و: ﴿تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] (p-٤٧٧١)صَلاةُ الفَجْرِ. و: "عَشِيًّا" صَلاةُ العَصْرِ. و: ﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] صَلاةُ الظُّهْرِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ فِي: "عَشِيًّا"؟ أُجِيبَ، (كَما قالَ أبُو السُّعُودِ): بِأنَّ تَغَيُّرَ الأُسْلُوبِ لِما أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ الفِعْلُ بِمَعْنى الدُّخُولِ في العَشِيِّ، كالمَساءِ والصَّباحِ والظَّهِيرَةِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها أحْوالُ النّاسِ، وتَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا مُصَحَّحًا؛ لِوَصْفِهِمْ بِالخُرُوجِ عَمّا قَبْلَها، والدُّخُولِ فِيها، كالأوْقاتِ المَذْكُورَةِ. فَإنَّ كُلًّا مِنها وقْتٌ تَتَغَيَّرُ فِيهِ الأحْوالُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا، أمّا في المَساءِ والصَّباحِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الظَّهِيرَةِ فَلِأنَّها وقْتٌ يُعْتادُ فِيهِ التَّجَرُّدُ عَنِ الثِّيابِ لِلْقَيْلُولَةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ النُّورِ. انْتَهى.
الروم 30:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٨] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] (p-٤٧٧٠)﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ، كَما كانُوا يَزْعُمُونَ: ﴿وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ: بِإلَهِيَّتِهِمْ وشَرِكَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى، حَيْثُ وقَفُوا عَلى كُنْهِ أمْرِهِمْ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] أيْ: يَتَمَيَّزُ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ في المَحالِ والأحْوالِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] أيْ: يَسُرُّونَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] أيْ: لا يَغِيبُونَ عَنْهُ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، تَأثُّرَهُ بِما هو وسِيلَةٌ لِلْفَوْزِ والنَّجاةِ، مِن تَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ بِصِفاتِهِ الجَمِيلَةِ، وأداءِ حَقِّ العُبُودِيَّةِ، و(الفاءُ) لِلتَّقْرِيعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا صَحَّ واتَّضَحَ عاقِبَةُ المُطِيعِينَ والعاصِينَ، فَقُولُوا: نُسَبِّحُ سُبْحانَ إلَخْ. والمَعْنى فَسَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا دائِمًا. و(سُبْحانَ): خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وحَمْدِهِ؛ أيِ: الثَّناءُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيها قُدْرَتُهُ، وتَتَجَدَّدُ فِيها نِعْمَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿حِينَ﴾ [الروم: ١٧] وتَقْدِيمُهُ عَلى: "حِينَ تُظْهِرُونَ" لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ [الروم: ١٨] مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما. والمُرادُ بِثُبُوتِ حَمْدِهِ فِيهِما، اسْتِحْقاقُهُ الحَمْدَ مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ مِن أهْلِها. قالَ أبُو السُّعُودِ: والإخْبارُ بِثُبُوتِ الحَمْدِ لَهُ، ووُجُوبِهِ عَلى المُمَيِّزِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، في مَعْنى الأمْرِ بِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وتَوْسِيطِهِ بَيْنَ أوْقاتِ التَّسْبِيحِ، لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، والإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُما أنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُما، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الآيَةَ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ:
﴿تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ. و: ﴿تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] (p-٤٧٧١)صَلاةُ الفَجْرِ. و: "عَشِيًّا" صَلاةُ العَصْرِ. و: ﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] صَلاةُ الظُّهْرِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ فِي: "عَشِيًّا"؟ أُجِيبَ، (كَما قالَ أبُو السُّعُودِ): بِأنَّ تَغَيُّرَ الأُسْلُوبِ لِما أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ الفِعْلُ بِمَعْنى الدُّخُولِ في العَشِيِّ، كالمَساءِ والصَّباحِ والظَّهِيرَةِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها أحْوالُ النّاسِ، وتَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا مُصَحَّحًا؛ لِوَصْفِهِمْ بِالخُرُوجِ عَمّا قَبْلَها، والدُّخُولِ فِيها، كالأوْقاتِ المَذْكُورَةِ. فَإنَّ كُلًّا مِنها وقْتٌ تَتَغَيَّرُ فِيهِ الأحْوالُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا، أمّا في المَساءِ والصَّباحِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الظَّهِيرَةِ فَلِأنَّها وقْتٌ يُعْتادُ فِيهِ التَّجَرُّدُ عَنِ الثِّيابِ لِلْقَيْلُولَةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ النُّورِ. انْتَهى.
الروم 30:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩ - ٢١] ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]
﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أيْ: كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ، والطّائِرِ مِنَ البَيْضَةِ: ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ﴾ أيْ: بِالنَّباتِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُبْسِها: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ: ﴿تُخْرَجُونَ﴾ أيْ: مِن قُبُورِكم.
وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: بِالصَّلاةِ عَنْ مَوْتِ القَلْبِ إلى حَياتِهِ، ومِن حَياةِ النَّفْسِ إلى مَوْتِها. ويُحْيِي أرْضَها بِنَباتِ الهَيْئاتِ الفاضِلَةِ، بَعْدَ مَوْتِها بِالهَيْئاتِ الرَّدِيئَةِ. وبِالعَكْسِ بِتَرْكِها. وآثَرَ هَذا المَعْنى، عَلى بُعْدِهِ، مُراعاةً لِسِياقِ الآيَةِ، ومِن طَرِيقِ الإشارَةِ: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ [الروم: ٢١] أيِ: (p-٤٧٧٢)الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ: ﴿أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [الروم: ٢٠] أيْ: يَعْنِي: أصْلُكم آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوِ النُّطْفَةُ والمادَّةُ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: ولا مُناسَبَةَ بَيْنَ التُّرابِ وبَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في ذاتِكُمْ، وصِفاتِكُمْ: ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] أيْ: في الأرْضِ انْتِشارًا مَلَأ البَسِيطَةَ وشَمَلَ الكُرَةَ، فَأخَذْتُمْ في بِناءِ المَدائِنِ والحُصُونِ، والسَّفَرِ في أقْطارِ الأقالِيمِ، ورُكُوبِ مَتْنِ البِحارِ، والدَّوْرانِ حَوْلَ كُرَةِ الأرْضِ، وكَسْبِ الأمْوالِ وجَمْعِها، مَعَ فِكْرَةٍ ودَهاءٍ، ومَكْرٍ وعِلْمٍ، واتِّساعٍ في أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، كُلٌّ بِحَسَبِهِ.
فَسُبْحانَ مَن خَلَقَهم وسَيَّرَهُمْ، وصَرَفَهم في فُنُونِ المَعايِشِ وفاوَتَ بَيْنَهم في العُلُومِ والمَعارِفِ، والحُسْنِ والقُبْحِ، والغِنى والفَقْرِ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢١] أيْ: جِنْسِكُمْ: ﴿أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ [الروم: ٢١] أيْ: تَأْنَسُوا بِها. فَإنَّ المُجانَسَةَ مِن دَواعِي التَّضامِّ والتَّعارُفِ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] أيْ: تَوادًّا وتَراحُمًا بِعِصْمَةِ الزَّواجِ، بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ لِقاءٌ ولا سَبَبٌ يُوجِبُ التَّعاطُفَ مِن قَرابَةٍ أوْ رَحِمٍ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] أيْ: في بَدائِعِ هَذِهِ الأفاعِيلِ المَتِينَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ.
الروم 30:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩ - ٢١] ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]
﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أيْ: كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ، والطّائِرِ مِنَ البَيْضَةِ: ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ﴾ أيْ: بِالنَّباتِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُبْسِها: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ: ﴿تُخْرَجُونَ﴾ أيْ: مِن قُبُورِكم.
وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: بِالصَّلاةِ عَنْ مَوْتِ القَلْبِ إلى حَياتِهِ، ومِن حَياةِ النَّفْسِ إلى مَوْتِها. ويُحْيِي أرْضَها بِنَباتِ الهَيْئاتِ الفاضِلَةِ، بَعْدَ مَوْتِها بِالهَيْئاتِ الرَّدِيئَةِ. وبِالعَكْسِ بِتَرْكِها. وآثَرَ هَذا المَعْنى، عَلى بُعْدِهِ، مُراعاةً لِسِياقِ الآيَةِ، ومِن طَرِيقِ الإشارَةِ: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ [الروم: ٢١] أيِ: (p-٤٧٧٢)الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ: ﴿أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [الروم: ٢٠] أيْ: يَعْنِي: أصْلُكم آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوِ النُّطْفَةُ والمادَّةُ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: ولا مُناسَبَةَ بَيْنَ التُّرابِ وبَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في ذاتِكُمْ، وصِفاتِكُمْ: ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] أيْ: في الأرْضِ انْتِشارًا مَلَأ البَسِيطَةَ وشَمَلَ الكُرَةَ، فَأخَذْتُمْ في بِناءِ المَدائِنِ والحُصُونِ، والسَّفَرِ في أقْطارِ الأقالِيمِ، ورُكُوبِ مَتْنِ البِحارِ، والدَّوْرانِ حَوْلَ كُرَةِ الأرْضِ، وكَسْبِ الأمْوالِ وجَمْعِها، مَعَ فِكْرَةٍ ودَهاءٍ، ومَكْرٍ وعِلْمٍ، واتِّساعٍ في أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، كُلٌّ بِحَسَبِهِ.
فَسُبْحانَ مَن خَلَقَهم وسَيَّرَهُمْ، وصَرَفَهم في فُنُونِ المَعايِشِ وفاوَتَ بَيْنَهم في العُلُومِ والمَعارِفِ، والحُسْنِ والقُبْحِ، والغِنى والفَقْرِ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢١] أيْ: جِنْسِكُمْ: ﴿أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ [الروم: ٢١] أيْ: تَأْنَسُوا بِها. فَإنَّ المُجانَسَةَ مِن دَواعِي التَّضامِّ والتَّعارُفِ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] أيْ: تَوادًّا وتَراحُمًا بِعِصْمَةِ الزَّواجِ، بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ لِقاءٌ ولا سَبَبٌ يُوجِبُ التَّعاطُفَ مِن قَرابَةٍ أوْ رَحِمٍ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] أيْ: في بَدائِعِ هَذِهِ الأفاعِيلِ المَتِينَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ.
الروم 30:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩ - ٢١] ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]
﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أيْ: كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ، والطّائِرِ مِنَ البَيْضَةِ: ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ﴾ أيْ: بِالنَّباتِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُبْسِها: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ: ﴿تُخْرَجُونَ﴾ أيْ: مِن قُبُورِكم.
وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: بِالصَّلاةِ عَنْ مَوْتِ القَلْبِ إلى حَياتِهِ، ومِن حَياةِ النَّفْسِ إلى مَوْتِها. ويُحْيِي أرْضَها بِنَباتِ الهَيْئاتِ الفاضِلَةِ، بَعْدَ مَوْتِها بِالهَيْئاتِ الرَّدِيئَةِ. وبِالعَكْسِ بِتَرْكِها. وآثَرَ هَذا المَعْنى، عَلى بُعْدِهِ، مُراعاةً لِسِياقِ الآيَةِ، ومِن طَرِيقِ الإشارَةِ: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ [الروم: ٢١] أيِ: (p-٤٧٧٢)الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ: ﴿أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [الروم: ٢٠] أيْ: يَعْنِي: أصْلُكم آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوِ النُّطْفَةُ والمادَّةُ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: ولا مُناسَبَةَ بَيْنَ التُّرابِ وبَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في ذاتِكُمْ، وصِفاتِكُمْ: ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] أيْ: في الأرْضِ انْتِشارًا مَلَأ البَسِيطَةَ وشَمَلَ الكُرَةَ، فَأخَذْتُمْ في بِناءِ المَدائِنِ والحُصُونِ، والسَّفَرِ في أقْطارِ الأقالِيمِ، ورُكُوبِ مَتْنِ البِحارِ، والدَّوْرانِ حَوْلَ كُرَةِ الأرْضِ، وكَسْبِ الأمْوالِ وجَمْعِها، مَعَ فِكْرَةٍ ودَهاءٍ، ومَكْرٍ وعِلْمٍ، واتِّساعٍ في أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، كُلٌّ بِحَسَبِهِ.
فَسُبْحانَ مَن خَلَقَهم وسَيَّرَهُمْ، وصَرَفَهم في فُنُونِ المَعايِشِ وفاوَتَ بَيْنَهم في العُلُومِ والمَعارِفِ، والحُسْنِ والقُبْحِ، والغِنى والفَقْرِ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢١] أيْ: جِنْسِكُمْ: ﴿أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ [الروم: ٢١] أيْ: تَأْنَسُوا بِها. فَإنَّ المُجانَسَةَ مِن دَواعِي التَّضامِّ والتَّعارُفِ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] أيْ: تَوادًّا وتَراحُمًا بِعِصْمَةِ الزَّواجِ، بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ لِقاءٌ ولا سَبَبٌ يُوجِبُ التَّعاطُفَ مِن قَرابَةٍ أوْ رَحِمٍ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] أيْ: في بَدائِعِ هَذِهِ الأفاعِيلِ المَتِينَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ.
الروم 30:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٥] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣] ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَـزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤] (p-٤٧٧٣)﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]
﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ أيْ: أُولِي العِلْمِ كَما قالَ: ﴿وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الروم: ٢٣] أيْ: لِاسْتِراحَةِ القُوى، ورَدِّ ما فَقَدَتْهُ: ﴿وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ [الروم: ٢٣] أيْ: بِالسَّعْيِ في الأسْبابِ، والأخْذِ في فَضْلِ الِاكْتِسابِ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣] أيْ: سَماعَ تَفَهُّمٍ واسْتِبْصارٍ: ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّاعِقَةِ: ﴿وطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: في الغَيْثِ والرَّحْمَةِ، أوْ لِتَخافُوا مِن قَهْرِ سُلْطانِهِ وتَطْمَعُوا في عَظِيمِ إحْسانِهِ: ﴿ويُنَـزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: بِالنَّباتِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: يُبْسِها: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤] ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] أيْ: إرادَتِهِ لِقِيامِهِما. قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأمْرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، والغِنى عَنِ المَبادِئِ والأسْبابِ، ولَيْسَ المُرادُ بِإقامَتِهِما إنْشاءَهُما؛ لِأنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولا إقامَتُهُما بِغَيْرِ مُقِيمٍ مَحْسُوسٍ، كَما قِيلَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِن تَتِمّاتِ إنْشائِهِما، وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، تَعْوِيلًا عَلى ما ذَكَرَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [لقمان: ١٠] الآيَةَ، بَلْ قِيامُهُما واسْتِمْرارُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ، إلى أجَلِهِما الَّذِي نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما قَبْلُ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم: ٨] وحَيْثُ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَأخِّرَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ المَعْدُودَةِ، مُتَّصِلَةً بِالبَعْثِ في الوُجُودِ، أُخِّرَتْ عَنْهُنَّ وجُعِلَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ في الذِّكْرِ أيْضًا، فَقِيلَ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] فَإنَّهُ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلْإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ ووُجُودِهِ، بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِ قِيامِهِما، (p-٤٧٧٤)مُتَرَتِّبٌ عَلى تَعْدادِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، غَيْرُ مُنْتَظِمٍ في سِلْكِها كَما قِيلَ. كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ قِيامُ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى هَيْآتِهِما بِأمْرِهِ تَعالى، إلى أجَلٍ مُسَمًّى قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِقِيامِهِما، ثُمَّ إذا دَعاكُمْ؛ أيْ: بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ مِنَ الأرْضِ، وأنْتُمْ في قُبُورِكُمْ، دَعْوَةً واحِدَةً، بِأنْ قالَ: أيُّها المَوْتى! اخْرُجُوا، فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ [طه: ١٠٨] انْتَهى.
لَطائِفُ:
الأُولى- الدُّعاءُ: إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ، أوِ الكَلامُ تَمْثِيلٌ، شَبَّهَ سُرْعَةَ تَرَقُّبِ حُصُولِ ذَلِكَ، عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِلا تَوَقُّفٍ، واحْتِياجٍ إلى تَجَشُّمِ عَمَلٍ، بِسُرْعَةِ تَرَقُّبِ إجابَةِ الدّاعِي المُطاعِ عَلى دُعائِهِ، أوْ هو مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ المَوْتى بِقَوْمٍ يُرِيدُونَ الذَّهابَ إلى مَحَلِّ مَلِكٍ عَظِيمٍ يَتَهَيَّؤُونَ لِذَلِكَ، وإثْباتُ الدَّعْوَةِ لَهم قَرِينَتُها.
الثّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ [الروم: ٢٥] مُتَعَلِّقٌ بِـ: (دَعا) كَقَوْلِهِ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، لا بِـ: "تَخْرُجُونَ"؛ لِأنَّ ما بَعْدَ (إذا) لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ.
الثّالِثَةُ- قالَ الكَرْخِيُّ: قالَ هُنا: ﴿إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] وقالَ في خَلْقِ الإنْسانِ: ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] لِأنَّهُ هُناكَ يَكُونُ خَلْقٌ وتَقْدِيرٌ وتَدْرِيجٌ، حَتّى يَصِيرَ التُّرابُ قابِلًا لِلْحَياةِ، فَنُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، فَإذا هو بَشَرٌ، وأمّا في الإعادَةِ فَلا يَكُونُ تَدْرِيجٌ بَلْ يَكُونُ بَدْءٌ وخُرُوجٌ، فَلَمْ يَقُلْ هُنا: ثُمَّ. انْتَهى.
الروم 30:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٥] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣] ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَـزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤] (p-٤٧٧٣)﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]
﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ أيْ: أُولِي العِلْمِ كَما قالَ: ﴿وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الروم: ٢٣] أيْ: لِاسْتِراحَةِ القُوى، ورَدِّ ما فَقَدَتْهُ: ﴿وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ [الروم: ٢٣] أيْ: بِالسَّعْيِ في الأسْبابِ، والأخْذِ في فَضْلِ الِاكْتِسابِ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣] أيْ: سَماعَ تَفَهُّمٍ واسْتِبْصارٍ: ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّاعِقَةِ: ﴿وطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: في الغَيْثِ والرَّحْمَةِ، أوْ لِتَخافُوا مِن قَهْرِ سُلْطانِهِ وتَطْمَعُوا في عَظِيمِ إحْسانِهِ: ﴿ويُنَـزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: بِالنَّباتِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: يُبْسِها: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤] ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] أيْ: إرادَتِهِ لِقِيامِهِما. قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأمْرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، والغِنى عَنِ المَبادِئِ والأسْبابِ، ولَيْسَ المُرادُ بِإقامَتِهِما إنْشاءَهُما؛ لِأنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولا إقامَتُهُما بِغَيْرِ مُقِيمٍ مَحْسُوسٍ، كَما قِيلَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِن تَتِمّاتِ إنْشائِهِما، وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، تَعْوِيلًا عَلى ما ذَكَرَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [لقمان: ١٠] الآيَةَ، بَلْ قِيامُهُما واسْتِمْرارُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ، إلى أجَلِهِما الَّذِي نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما قَبْلُ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم: ٨] وحَيْثُ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَأخِّرَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ المَعْدُودَةِ، مُتَّصِلَةً بِالبَعْثِ في الوُجُودِ، أُخِّرَتْ عَنْهُنَّ وجُعِلَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ في الذِّكْرِ أيْضًا، فَقِيلَ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] فَإنَّهُ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلْإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ ووُجُودِهِ، بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِ قِيامِهِما، (p-٤٧٧٤)مُتَرَتِّبٌ عَلى تَعْدادِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، غَيْرُ مُنْتَظِمٍ في سِلْكِها كَما قِيلَ. كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ قِيامُ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى هَيْآتِهِما بِأمْرِهِ تَعالى، إلى أجَلٍ مُسَمًّى قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِقِيامِهِما، ثُمَّ إذا دَعاكُمْ؛ أيْ: بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ مِنَ الأرْضِ، وأنْتُمْ في قُبُورِكُمْ، دَعْوَةً واحِدَةً، بِأنْ قالَ: أيُّها المَوْتى! اخْرُجُوا، فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ [طه: ١٠٨] انْتَهى.
لَطائِفُ:
الأُولى- الدُّعاءُ: إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ، أوِ الكَلامُ تَمْثِيلٌ، شَبَّهَ سُرْعَةَ تَرَقُّبِ حُصُولِ ذَلِكَ، عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِلا تَوَقُّفٍ، واحْتِياجٍ إلى تَجَشُّمِ عَمَلٍ، بِسُرْعَةِ تَرَقُّبِ إجابَةِ الدّاعِي المُطاعِ عَلى دُعائِهِ، أوْ هو مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ المَوْتى بِقَوْمٍ يُرِيدُونَ الذَّهابَ إلى مَحَلِّ مَلِكٍ عَظِيمٍ يَتَهَيَّؤُونَ لِذَلِكَ، وإثْباتُ الدَّعْوَةِ لَهم قَرِينَتُها.
الثّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ [الروم: ٢٥] مُتَعَلِّقٌ بِـ: (دَعا) كَقَوْلِهِ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، لا بِـ: "تَخْرُجُونَ"؛ لِأنَّ ما بَعْدَ (إذا) لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ.
الثّالِثَةُ- قالَ الكَرْخِيُّ: قالَ هُنا: ﴿إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] وقالَ في خَلْقِ الإنْسانِ: ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] لِأنَّهُ هُناكَ يَكُونُ خَلْقٌ وتَقْدِيرٌ وتَدْرِيجٌ، حَتّى يَصِيرَ التُّرابُ قابِلًا لِلْحَياةِ، فَنُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، فَإذا هو بَشَرٌ، وأمّا في الإعادَةِ فَلا يَكُونُ تَدْرِيجٌ بَلْ يَكُونُ بَدْءٌ وخُرُوجٌ، فَلَمْ يَقُلْ هُنا: ثُمَّ. انْتَهى.
الروم 30:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٥] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣] ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَـزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤] (p-٤٧٧٣)﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]
﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ أيْ: أُولِي العِلْمِ كَما قالَ: ﴿وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الروم: ٢٣] أيْ: لِاسْتِراحَةِ القُوى، ورَدِّ ما فَقَدَتْهُ: ﴿وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ [الروم: ٢٣] أيْ: بِالسَّعْيِ في الأسْبابِ، والأخْذِ في فَضْلِ الِاكْتِسابِ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣] أيْ: سَماعَ تَفَهُّمٍ واسْتِبْصارٍ: ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّاعِقَةِ: ﴿وطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: في الغَيْثِ والرَّحْمَةِ، أوْ لِتَخافُوا مِن قَهْرِ سُلْطانِهِ وتَطْمَعُوا في عَظِيمِ إحْسانِهِ: ﴿ويُنَـزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: بِالنَّباتِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: يُبْسِها: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤] ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] أيْ: إرادَتِهِ لِقِيامِهِما. قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأمْرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، والغِنى عَنِ المَبادِئِ والأسْبابِ، ولَيْسَ المُرادُ بِإقامَتِهِما إنْشاءَهُما؛ لِأنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولا إقامَتُهُما بِغَيْرِ مُقِيمٍ مَحْسُوسٍ، كَما قِيلَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِن تَتِمّاتِ إنْشائِهِما، وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، تَعْوِيلًا عَلى ما ذَكَرَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [لقمان: ١٠] الآيَةَ، بَلْ قِيامُهُما واسْتِمْرارُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ، إلى أجَلِهِما الَّذِي نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما قَبْلُ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم: ٨] وحَيْثُ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَأخِّرَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ المَعْدُودَةِ، مُتَّصِلَةً بِالبَعْثِ في الوُجُودِ، أُخِّرَتْ عَنْهُنَّ وجُعِلَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ في الذِّكْرِ أيْضًا، فَقِيلَ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] فَإنَّهُ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلْإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ ووُجُودِهِ، بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِ قِيامِهِما، (p-٤٧٧٤)مُتَرَتِّبٌ عَلى تَعْدادِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، غَيْرُ مُنْتَظِمٍ في سِلْكِها كَما قِيلَ. كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ قِيامُ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى هَيْآتِهِما بِأمْرِهِ تَعالى، إلى أجَلٍ مُسَمًّى قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِقِيامِهِما، ثُمَّ إذا دَعاكُمْ؛ أيْ: بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ مِنَ الأرْضِ، وأنْتُمْ في قُبُورِكُمْ، دَعْوَةً واحِدَةً، بِأنْ قالَ: أيُّها المَوْتى! اخْرُجُوا، فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ [طه: ١٠٨] انْتَهى.
لَطائِفُ:
الأُولى- الدُّعاءُ: إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ، أوِ الكَلامُ تَمْثِيلٌ، شَبَّهَ سُرْعَةَ تَرَقُّبِ حُصُولِ ذَلِكَ، عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِلا تَوَقُّفٍ، واحْتِياجٍ إلى تَجَشُّمِ عَمَلٍ، بِسُرْعَةِ تَرَقُّبِ إجابَةِ الدّاعِي المُطاعِ عَلى دُعائِهِ، أوْ هو مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ المَوْتى بِقَوْمٍ يُرِيدُونَ الذَّهابَ إلى مَحَلِّ مَلِكٍ عَظِيمٍ يَتَهَيَّؤُونَ لِذَلِكَ، وإثْباتُ الدَّعْوَةِ لَهم قَرِينَتُها.
الثّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ [الروم: ٢٥] مُتَعَلِّقٌ بِـ: (دَعا) كَقَوْلِهِ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، لا بِـ: "تَخْرُجُونَ"؛ لِأنَّ ما بَعْدَ (إذا) لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ.
الثّالِثَةُ- قالَ الكَرْخِيُّ: قالَ هُنا: ﴿إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] وقالَ في خَلْقِ الإنْسانِ: ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] لِأنَّهُ هُناكَ يَكُونُ خَلْقٌ وتَقْدِيرٌ وتَدْرِيجٌ، حَتّى يَصِيرَ التُّرابُ قابِلًا لِلْحَياةِ، فَنُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، فَإذا هو بَشَرٌ، وأمّا في الإعادَةِ فَلا يَكُونُ تَدْرِيجٌ بَلْ يَكُونُ بَدْءٌ وخُرُوجٌ، فَلَمْ يَقُلْ هُنا: ثُمَّ. انْتَهى.
الروم 30:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٥] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣] ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَـزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤] (p-٤٧٧٣)﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]
﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ أيْ: أُولِي العِلْمِ كَما قالَ: ﴿وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الروم: ٢٣] أيْ: لِاسْتِراحَةِ القُوى، ورَدِّ ما فَقَدَتْهُ: ﴿وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ [الروم: ٢٣] أيْ: بِالسَّعْيِ في الأسْبابِ، والأخْذِ في فَضْلِ الِاكْتِسابِ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣] أيْ: سَماعَ تَفَهُّمٍ واسْتِبْصارٍ: ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: مِنَ الصّاعِقَةِ: ﴿وطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: في الغَيْثِ والرَّحْمَةِ، أوْ لِتَخافُوا مِن قَهْرِ سُلْطانِهِ وتَطْمَعُوا في عَظِيمِ إحْسانِهِ: ﴿ويُنَـزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: بِالنَّباتِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٢٤] أيْ: يُبْسِها: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤] ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] أيْ: إرادَتِهِ لِقِيامِهِما. قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأمْرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، والغِنى عَنِ المَبادِئِ والأسْبابِ، ولَيْسَ المُرادُ بِإقامَتِهِما إنْشاءَهُما؛ لِأنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولا إقامَتُهُما بِغَيْرِ مُقِيمٍ مَحْسُوسٍ، كَما قِيلَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِن تَتِمّاتِ إنْشائِهِما، وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، تَعْوِيلًا عَلى ما ذَكَرَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [لقمان: ١٠] الآيَةَ، بَلْ قِيامُهُما واسْتِمْرارُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ، إلى أجَلِهِما الَّذِي نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما قَبْلُ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم: ٨] وحَيْثُ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَأخِّرَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ المَعْدُودَةِ، مُتَّصِلَةً بِالبَعْثِ في الوُجُودِ، أُخِّرَتْ عَنْهُنَّ وجُعِلَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ في الذِّكْرِ أيْضًا، فَقِيلَ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] فَإنَّهُ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلْإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ ووُجُودِهِ، بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِ قِيامِهِما، (p-٤٧٧٤)مُتَرَتِّبٌ عَلى تَعْدادِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، غَيْرُ مُنْتَظِمٍ في سِلْكِها كَما قِيلَ. كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ قِيامُ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى هَيْآتِهِما بِأمْرِهِ تَعالى، إلى أجَلٍ مُسَمًّى قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِقِيامِهِما، ثُمَّ إذا دَعاكُمْ؛ أيْ: بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ مِنَ الأرْضِ، وأنْتُمْ في قُبُورِكُمْ، دَعْوَةً واحِدَةً، بِأنْ قالَ: أيُّها المَوْتى! اخْرُجُوا، فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ [طه: ١٠٨] انْتَهى.
لَطائِفُ:
الأُولى- الدُّعاءُ: إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ، أوِ الكَلامُ تَمْثِيلٌ، شَبَّهَ سُرْعَةَ تَرَقُّبِ حُصُولِ ذَلِكَ، عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِلا تَوَقُّفٍ، واحْتِياجٍ إلى تَجَشُّمِ عَمَلٍ، بِسُرْعَةِ تَرَقُّبِ إجابَةِ الدّاعِي المُطاعِ عَلى دُعائِهِ، أوْ هو مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ المَوْتى بِقَوْمٍ يُرِيدُونَ الذَّهابَ إلى مَحَلِّ مَلِكٍ عَظِيمٍ يَتَهَيَّؤُونَ لِذَلِكَ، وإثْباتُ الدَّعْوَةِ لَهم قَرِينَتُها.
الثّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ [الروم: ٢٥] مُتَعَلِّقٌ بِـ: (دَعا) كَقَوْلِهِ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، لا بِـ: "تَخْرُجُونَ"؛ لِأنَّ ما بَعْدَ (إذا) لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ.
الثّالِثَةُ- قالَ الكَرْخِيُّ: قالَ هُنا: ﴿إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] وقالَ في خَلْقِ الإنْسانِ: ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] لِأنَّهُ هُناكَ يَكُونُ خَلْقٌ وتَقْدِيرٌ وتَدْرِيجٌ، حَتّى يَصِيرَ التُّرابُ قابِلًا لِلْحَياةِ، فَنُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، فَإذا هو بَشَرٌ، وأمّا في الإعادَةِ فَلا يَكُونُ تَدْرِيجٌ بَلْ يَكُونُ بَدْءٌ وخُرُوجٌ، فَلَمْ يَقُلْ هُنا: ثُمَّ. انْتَهى.
الروم 30:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٢٧] ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] .
(p-٤٧٧٥)﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِتَصَرُّفِهِ، لا يَتَأبَّوْنَ عَلَيْهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] أيْ: بَعْدَ مَوْتِهِمْ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَكْرِيرُهُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والتَّمْهِيدِ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أيْ: مِنَ البَدْءِ؛ أيْ: بِالقِياسِ إلى مَن يَقْتَضِيهِ مَعْقُولُ المُخاطَبِينَ؛ لِأنَّ مَن أعادَ مِنهم صَنْعَةَ شَيْءٍ، كانَتْ أسْهَلَ عَلَيْهِ وأهْوَنَ مِن إنْشائِها، وإلّا فَهُما عَلَيْهِ سُبْحانَهُ سَواءٌ في السُّهُولَةِ.
لَطائِفُ:
الأُولى- تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ، مَعَ رُجُوعِهِ إلى الإعادَةِ، لِما أنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِـ "أنْ يُعِيدَ".
الثّانِيَةُ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ أُخِّرَتِ الصِّلَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقُدِّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] قُلْتُ: هُناكَ قَصْدُ الِاخْتِصاصِ، وهو مَحَزُّهُ. فَقِيلَ: "هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ"، وإنْ كانَ مُسْتَصْعَبًا عِنْدَكم أنْ يُولَدَ بَيْنَ هِمٍّ وعاقِرٍ، وأمّا هَهُنا، فَلا مَعْنى لِلِاخْتِصاصِ كَيْفَ؟ والأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى ما يَعْقِلُونَ، مِن أنَّ الإعادَةَ أسْهَلُ مِن الِابْتِداءِ. فَلَوْ قُدِّمَتِ الصِّلَةُ، لَتَغَيَّرَ المَعْنى.
قالَ النّاصِرُ: كَلامٌ نَفِيسٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُكْتَبَ بِذَوْبِ التِّبْرِ، لا بِالحِبْرِ، وإنَّما يَلْقى الِاخْتِصاصَ مِن تَقْدِيمِ ما حَقُّهُ أنْ يُؤَخَّرَ.
الثّالِثَةُ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ ما بالُ الإعادَةِ اسْتُعْظِمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكُمْ﴾ [الروم: ٢٥] حَتّى كَأنَّها فُضِّلَتْ عَلى قِيامِ السَّماواتِ والأرْضِ بِأمْرِهِ، ثُمَّ هُوِّنَتْ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: الإعادَةُ في نَفْسِها عَظِيمَةٌ، لَكِنَّها هُوِّنَتْ بِالقِياسِ إلى الإنْشاءِ. انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ: إنَّما يُلْقِي في السُّؤالِ تَعْظِيمَ الإعادَةِ مِن عَطْفِها بِـ (ثُمَّ) إيذانًا بِتَغايُرِ مَرْتَبَتِها وعُلُوِّ شَأْنِها. وقَوْلُهُ _(فِي الجَوابِ)-: إنَّها هُوِّنَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْشاءِ، لا يَخْلُصُ. فَإنَّ الإعادَةَ ذُكِرَتْ هَهُنا عَقِيبَ قِيامِ السَّماواتِ والأرْضِ بِأمْرِهِ، وقِيامُهُما ابْتِداءً وإنْشاءً أعْظَمُ مِنَ الإعادَةِ، فَيَلْزَمُ (p-٤٧٧٦)تَعْظِيمُ الإعادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الإنْشاءِ، ويَعُودُ الإشْكالُ، والمُخَلَّصُ، واللَّهُ أعْلَمُ، جُعِلَ: "ثُمَّ" عَلى بابِها لِتَراخِي الزَّمانِ لا لِتَراخِي المَراتِبِ، وإنْ سَلِمَ أنَّها لِتَراخِي المَراتِبِ، فَعَلى أنْ تَكُونَ مَرْتَبَةُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ العُلْيا، ومَرْتَبَةُ المَعْطُوفِ هي الدُّنْيا، وذَلِكَ نادِرٌ في مَجِيئِها لِتَراخِي المَراتِبِ، فَإنَّ المَعْطُوفَ حِينَئِذٍ في أكْثَرِ المَواضِعِ، أرْفَعُ دَرَجَةً مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وفِي حَواشِي القاضِي: إنَّ: (ثُمَّ)، إمّا لِتَراخِي زَمانِ المَعْطُوفِ فَتَكُونُ عَلى حَقِيقَتِها، أوْ لِعِظَمِ ما في المَعْطُوفِ مِن إحْياءِ المَوْتى، فَتَكُونُ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ لا لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، والمُرادُ عِظَمُهُ في نَفْسِهِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَلا يُنافِي قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وكَوْنُهُ أعْظَمَ مِن قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الإيجادِ والإنْشاءِ، وبِهِ اسْتِقْرارُ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ في الدَّرَجاتِ والدَّرَكاتِ، وهو المَقْصُودُ مِن خَلْقِ الأرْضِ والسَّماواتِ. فانْدَفَعَ اعْتِراضُ النّاصِرِ بِأنَّهُ، عَلى تَسْلِيمِهِ، مَرْتَبَةُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ هُنا هي العُلْيا، مَعَ أنَّ كَوْنَ المَعْطُوفِ في مِثْلِهِ أرْفَعَ دَرَجَةً، أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ، كَما صَرَّحَ بِهِ الطِّيبِيُّ هُنا. فَلا امْتِناعَ فِيما مَنَعَهُ، وهي فائِدَةٌ نَفِيسَةٌ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى مُطْلَقِ البُعْدِ الشّامِلِ لِلزَّمانِيِّ والرُّتْبِيِّ كَما في (شَرْحِ الكَشّافِ).
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] أيِ: الوَصْفُ الأعْلى الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُدانِيهِ فِيهِما، كالقُدْرَةِ العامَّةِ والحِكْمَةِ التّامَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ ما ذَكَرَ أهْوَنَ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، عَقَّبَهُ بِهَذا، فَكَأنَّهُ قِيلَ هَذا، لِتَفْهَمَ العُقُولُ القاصِرَةُ أنَّ صِفاتِهِ عَجِيبَةٌ وقُدْرَتَهُ عامَّةٌ وحِكْمَتَهُ تامَّةٌ، فَكُلُّ شَيْءٍ بَدْءًا وإعادَةً وإيجادًا وإعْدامًا، عِنْدَهُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ولا مِثْلَ لَهُ ولا نِدَّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالمِثْلِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] فاللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، فَحُمِلَ المِثْلُ عَلى ظاهِرِهِ، وعَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا، وهو مَجازٌ عَنِ الوَصْفِ العَجِيبِ، فَيَشْمَلُ القَوْلَ وغَيْرَهُ مِمّا هو جارٍ عَلى ألْسِنَةِ الدَّلائِلِ ولِسانِ كُلِّ قائِلٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [الروم: ٢٧] أيِ: الغالِبُ عَلى أمْرِهِ، الَّذِي لا يُعْجِزُهُ بَدْءٌ مُمْكِنٌ وإعادَتُهُ: ﴿الحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] الَّذِي يُجْرِي أفْعالَهُ عَلى سُنَنِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ.
الروم 30:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٢٧] ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] .
(p-٤٧٧٥)﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِتَصَرُّفِهِ، لا يَتَأبَّوْنَ عَلَيْهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] أيْ: بَعْدَ مَوْتِهِمْ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَكْرِيرُهُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والتَّمْهِيدِ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أيْ: مِنَ البَدْءِ؛ أيْ: بِالقِياسِ إلى مَن يَقْتَضِيهِ مَعْقُولُ المُخاطَبِينَ؛ لِأنَّ مَن أعادَ مِنهم صَنْعَةَ شَيْءٍ، كانَتْ أسْهَلَ عَلَيْهِ وأهْوَنَ مِن إنْشائِها، وإلّا فَهُما عَلَيْهِ سُبْحانَهُ سَواءٌ في السُّهُولَةِ.
لَطائِفُ:
الأُولى- تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ، مَعَ رُجُوعِهِ إلى الإعادَةِ، لِما أنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِـ "أنْ يُعِيدَ".
الثّانِيَةُ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ أُخِّرَتِ الصِّلَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقُدِّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] قُلْتُ: هُناكَ قَصْدُ الِاخْتِصاصِ، وهو مَحَزُّهُ. فَقِيلَ: "هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ"، وإنْ كانَ مُسْتَصْعَبًا عِنْدَكم أنْ يُولَدَ بَيْنَ هِمٍّ وعاقِرٍ، وأمّا هَهُنا، فَلا مَعْنى لِلِاخْتِصاصِ كَيْفَ؟ والأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى ما يَعْقِلُونَ، مِن أنَّ الإعادَةَ أسْهَلُ مِن الِابْتِداءِ. فَلَوْ قُدِّمَتِ الصِّلَةُ، لَتَغَيَّرَ المَعْنى.
قالَ النّاصِرُ: كَلامٌ نَفِيسٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُكْتَبَ بِذَوْبِ التِّبْرِ، لا بِالحِبْرِ، وإنَّما يَلْقى الِاخْتِصاصَ مِن تَقْدِيمِ ما حَقُّهُ أنْ يُؤَخَّرَ.
الثّالِثَةُ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ ما بالُ الإعادَةِ اسْتُعْظِمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكُمْ﴾ [الروم: ٢٥] حَتّى كَأنَّها فُضِّلَتْ عَلى قِيامِ السَّماواتِ والأرْضِ بِأمْرِهِ، ثُمَّ هُوِّنَتْ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: الإعادَةُ في نَفْسِها عَظِيمَةٌ، لَكِنَّها هُوِّنَتْ بِالقِياسِ إلى الإنْشاءِ. انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ: إنَّما يُلْقِي في السُّؤالِ تَعْظِيمَ الإعادَةِ مِن عَطْفِها بِـ (ثُمَّ) إيذانًا بِتَغايُرِ مَرْتَبَتِها وعُلُوِّ شَأْنِها. وقَوْلُهُ _(فِي الجَوابِ)-: إنَّها هُوِّنَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْشاءِ، لا يَخْلُصُ. فَإنَّ الإعادَةَ ذُكِرَتْ هَهُنا عَقِيبَ قِيامِ السَّماواتِ والأرْضِ بِأمْرِهِ، وقِيامُهُما ابْتِداءً وإنْشاءً أعْظَمُ مِنَ الإعادَةِ، فَيَلْزَمُ (p-٤٧٧٦)تَعْظِيمُ الإعادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الإنْشاءِ، ويَعُودُ الإشْكالُ، والمُخَلَّصُ، واللَّهُ أعْلَمُ، جُعِلَ: "ثُمَّ" عَلى بابِها لِتَراخِي الزَّمانِ لا لِتَراخِي المَراتِبِ، وإنْ سَلِمَ أنَّها لِتَراخِي المَراتِبِ، فَعَلى أنْ تَكُونَ مَرْتَبَةُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ العُلْيا، ومَرْتَبَةُ المَعْطُوفِ هي الدُّنْيا، وذَلِكَ نادِرٌ في مَجِيئِها لِتَراخِي المَراتِبِ، فَإنَّ المَعْطُوفَ حِينَئِذٍ في أكْثَرِ المَواضِعِ، أرْفَعُ دَرَجَةً مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وفِي حَواشِي القاضِي: إنَّ: (ثُمَّ)، إمّا لِتَراخِي زَمانِ المَعْطُوفِ فَتَكُونُ عَلى حَقِيقَتِها، أوْ لِعِظَمِ ما في المَعْطُوفِ مِن إحْياءِ المَوْتى، فَتَكُونُ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ لا لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، والمُرادُ عِظَمُهُ في نَفْسِهِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَلا يُنافِي قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وكَوْنُهُ أعْظَمَ مِن قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الإيجادِ والإنْشاءِ، وبِهِ اسْتِقْرارُ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ في الدَّرَجاتِ والدَّرَكاتِ، وهو المَقْصُودُ مِن خَلْقِ الأرْضِ والسَّماواتِ. فانْدَفَعَ اعْتِراضُ النّاصِرِ بِأنَّهُ، عَلى تَسْلِيمِهِ، مَرْتَبَةُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ هُنا هي العُلْيا، مَعَ أنَّ كَوْنَ المَعْطُوفِ في مِثْلِهِ أرْفَعَ دَرَجَةً، أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ، كَما صَرَّحَ بِهِ الطِّيبِيُّ هُنا. فَلا امْتِناعَ فِيما مَنَعَهُ، وهي فائِدَةٌ نَفِيسَةٌ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى مُطْلَقِ البُعْدِ الشّامِلِ لِلزَّمانِيِّ والرُّتْبِيِّ كَما في (شَرْحِ الكَشّافِ).
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] أيِ: الوَصْفُ الأعْلى الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُدانِيهِ فِيهِما، كالقُدْرَةِ العامَّةِ والحِكْمَةِ التّامَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ ما ذَكَرَ أهْوَنَ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، عَقَّبَهُ بِهَذا، فَكَأنَّهُ قِيلَ هَذا، لِتَفْهَمَ العُقُولُ القاصِرَةُ أنَّ صِفاتِهِ عَجِيبَةٌ وقُدْرَتَهُ عامَّةٌ وحِكْمَتَهُ تامَّةٌ، فَكُلُّ شَيْءٍ بَدْءًا وإعادَةً وإيجادًا وإعْدامًا، عِنْدَهُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ولا مِثْلَ لَهُ ولا نِدَّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالمِثْلِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] فاللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، فَحُمِلَ المِثْلُ عَلى ظاهِرِهِ، وعَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا، وهو مَجازٌ عَنِ الوَصْفِ العَجِيبِ، فَيَشْمَلُ القَوْلَ وغَيْرَهُ مِمّا هو جارٍ عَلى ألْسِنَةِ الدَّلائِلِ ولِسانِ كُلِّ قائِلٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [الروم: ٢٧] أيِ: الغالِبُ عَلى أمْرِهِ، الَّذِي لا يُعْجِزُهُ بَدْءٌ مُمْكِنٌ وإعادَتُهُ: ﴿الحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] الَّذِي يُجْرِي أفْعالَهُ عَلى سُنَنِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ.
الروم 30:28
(p-٤٧٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨ - ٢٩] ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٩]
﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا﴾ أيْ: يَتَبَيَّنُ بِهِ بُطْلانُ الشِّرْكِ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مُنْتَزَعًا مِن أحْوالِها، وهي أقْرَبُ الأُمُورِ إلَيْكم وأظْهَرُ كَشْفًا: ﴿هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَبِيدِ والإماءِ: ﴿مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأمْوالِ وغَيْرِها: ﴿فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ أيْ: مُتَساوُونَ في التَّصَرُّفِ فِيما ذُكِرَ مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ: ﴿تَخافُونَهُمْ﴾ أيْ: تَهابُونَ أنْ تَسْتَبِدُّوا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِدُونِ رَأْيِهِمْ، وهو خَبَرٌ آخَرُ لِـ: "أنْتُمْ": ﴿كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: كَما يَخافُ بَعْضُكم بَعْضًا مِنَ الأحْرارِ المُساهِمِينَ لَكم فِيما ذُكِرَ، والمَعْنى نَفْيُ مَضْمُونِ ما فُصِّلَ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ أيْ: لا تَرْضَوْنَ بِأنْ يُشارِكَكم فِيما هو مُعارٌ لَكُمْ، مَمالِيكُكُمْ، وهم أمْثالُكم في البَشَرِيَّةِ، غَيْرُ مَخْلُوقِينَ لَكُمْ، بَلْ لِلَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، الَّتِي هي مِن خَصائِصِهِ الذّاتِيَّةِ، مَخْلُوقَهُ بَلْ مَصْنُوعَ مَخْلُوقِهِ، حَيْثُ تَصْنَعُونَهُ بِأيْدِيكم ثُمَّ تَعْبُدُونَهُ؟ أفادَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ الواضِحِ، تُوَضَّحُ الآياتُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم: ٢٩] أيْ: يَقِينٍ وبُرْهانٍ: ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم: ٢٩] أيْ: سَبَبُ صَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى كَسْبِهِ؛ أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ أحَدٌ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٩] أيْ: يَنْصُرُونَهم مِنَ اللَّهِ، إذا أرادَ بِهِمْ عَذابًا.
الروم 30:29
(p-٤٧٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨ - ٢٩] ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٩]
﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا﴾ أيْ: يَتَبَيَّنُ بِهِ بُطْلانُ الشِّرْكِ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مُنْتَزَعًا مِن أحْوالِها، وهي أقْرَبُ الأُمُورِ إلَيْكم وأظْهَرُ كَشْفًا: ﴿هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَبِيدِ والإماءِ: ﴿مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأمْوالِ وغَيْرِها: ﴿فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ أيْ: مُتَساوُونَ في التَّصَرُّفِ فِيما ذُكِرَ مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ: ﴿تَخافُونَهُمْ﴾ أيْ: تَهابُونَ أنْ تَسْتَبِدُّوا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِدُونِ رَأْيِهِمْ، وهو خَبَرٌ آخَرُ لِـ: "أنْتُمْ": ﴿كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: كَما يَخافُ بَعْضُكم بَعْضًا مِنَ الأحْرارِ المُساهِمِينَ لَكم فِيما ذُكِرَ، والمَعْنى نَفْيُ مَضْمُونِ ما فُصِّلَ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ أيْ: لا تَرْضَوْنَ بِأنْ يُشارِكَكم فِيما هو مُعارٌ لَكُمْ، مَمالِيكُكُمْ، وهم أمْثالُكم في البَشَرِيَّةِ، غَيْرُ مَخْلُوقِينَ لَكُمْ، بَلْ لِلَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، الَّتِي هي مِن خَصائِصِهِ الذّاتِيَّةِ، مَخْلُوقَهُ بَلْ مَصْنُوعَ مَخْلُوقِهِ، حَيْثُ تَصْنَعُونَهُ بِأيْدِيكم ثُمَّ تَعْبُدُونَهُ؟ أفادَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ الواضِحِ، تُوَضَّحُ الآياتُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم: ٢٩] أيْ: يَقِينٍ وبُرْهانٍ: ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم: ٢٩] أيْ: سَبَبُ صَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى كَسْبِهِ؛ أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ أحَدٌ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٩] أيْ: يَنْصُرُونَهم مِنَ اللَّهِ، إذا أرادَ بِهِمْ عَذابًا.
الروم 30:30
(p-٤٧٧٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ - ٣٢] ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]
﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أيْ: فَقَوِّمْهُ لَهُ، واجْعَلْهُ مُسْتَقِيمًا مُتَوَجِّهًا لَهُ. وفي النَّظْمِ الكَرِيمِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ المَأْمُورِ بِالتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ، ورِعايَةِ حُقُوقِهِ، وعَدَمِ مُجاوَزَةِ حُدُودِهِ والِاهْتِمامِ بِأُمُورِهِ، بِمَن أمَرَ بِالنَّظَرِ إلى أمْرِ، وعَقْدِ طَرْفِهِ بِهِ، وتَسْدِيدِ نَظَرِهِ وتَوْجِيهِ وجْهِهِ لَهُ، لِمُراعاتِهِ والِاهْتِمامِ بِحِفْظِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ إلَيْهِ. قالَ المَهايِمِيُّ: ولا يَعْسُرُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ أيْ: لِأنَّ عَقْلَ كُلِّ واحِدٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حادِثٌ يَفْتَقِرُ إلى مُحْدِثٍ، ولا دَلالَةَ عَلى الِافْتِقارِ إلى مُتَعَدِّدٍ أبَدًا. فالقَوْلُ بِتَعَدُّدِهِ تَغْيِيرٌ لِلْفِطْرَةِ، لَكِنْ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَغْيِيرَ لِأمْرِ العَقْلِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ لِلِاسْتِدْلالِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الدِّينُ المَأْمُورُ بِإقامَةِ الوَجْهِ لَهُ، أوِ الفِطْرَةُ: ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيِ: المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ. قالَ المَهايِمِيُّ: وإنْ لَمْ يَقُمْ عِنْدَ المُبْدِلِينَ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحالَةِ التَّعَدُّدِ، فَهَذا هو مُقْتَضى الفِطْرَةِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّهُ مُقْتَضى الفِطْرَةِ، وهي أقْطَعُ قاطِعٍ وأحْسَمُ حاسِمٍ لِشَغَبِ المُشاغِبِ؛ لِأنَّها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ الكَسْبِ والِاخْتِيارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١] أيْ: راجِعِينَ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وهو حالٌ مِن فاعِلِ (الزَمُوا)، المُقَدَّرِ ناصِبًا لِـ: "فِطْرَةَ" أوْ مِن فاعِلِ: "أقِمْ" عَلى المَعْنى؛ إذْ لَمْ يُرَدْ بِهِ واحِدٌ بِعَيْنِهِ، أوْ لِأنَّ الخِطابَ لَهُ ﷺ، ولِأُمَّتِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ عَلى حَذْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ أيْ: أقِمْ أنْتَ وأُمَّتُكَ، والحالُ مِنَ الجَمِيعِ: (p-٤٧٧٩)﴿واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الروم: ٣٢] أيْ: جَعَلُوهُ أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، لِاخْتِلافِ أهْوائِهِمْ: ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣٢] أيْ: فِرَقًا: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] أيْ: كُلُّ حِزْبٍ مِنهم فَرِحٌ بِمَذْهَبِهِ، مَسْرُورٌ، يَحْسَبُ باطِلَهُ حَقًّا.
قالَ القاشانِيُّ: يَعْنِي المُفارِقِينَ الدِّينَ الحَقِيقِيَّ، المُتَفَرِّقِينَ شِيَعًا مُخْتَلِفَةً، كُلُّ حِزْبٍ عِنْدَ تَكَدُّرِ الفِطْرَةِ، وتَكاثُفِ الحِجابِ، يَفْرَحُ بِما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ مِنَ الحِجابِ، لِكَوْنِهِ مُقْتَضى طَبِيعَةِ حِجابِهِ، فَيُناسِبُ حالُهُ مِن الِاسْتِعْدادِ العارِضِيِّ، وإنْ لَمْ يُلائِمِ الحَقِيقَةَ بِحَسَبِ الِاسْتِعْدادِ، ولِهَذا يَجِبُ بِهِ التَّعْذِيبُ عِنْدَ زَوالِ العارِضِ.
ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِرُجُوعِهِمْ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ، مِمّا يُحْمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ بِعِبادَتِهِ دائِمًا، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الروم 30:31
(p-٤٧٧٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ - ٣٢] ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]
﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أيْ: فَقَوِّمْهُ لَهُ، واجْعَلْهُ مُسْتَقِيمًا مُتَوَجِّهًا لَهُ. وفي النَّظْمِ الكَرِيمِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ المَأْمُورِ بِالتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ، ورِعايَةِ حُقُوقِهِ، وعَدَمِ مُجاوَزَةِ حُدُودِهِ والِاهْتِمامِ بِأُمُورِهِ، بِمَن أمَرَ بِالنَّظَرِ إلى أمْرِ، وعَقْدِ طَرْفِهِ بِهِ، وتَسْدِيدِ نَظَرِهِ وتَوْجِيهِ وجْهِهِ لَهُ، لِمُراعاتِهِ والِاهْتِمامِ بِحِفْظِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ إلَيْهِ. قالَ المَهايِمِيُّ: ولا يَعْسُرُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ أيْ: لِأنَّ عَقْلَ كُلِّ واحِدٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حادِثٌ يَفْتَقِرُ إلى مُحْدِثٍ، ولا دَلالَةَ عَلى الِافْتِقارِ إلى مُتَعَدِّدٍ أبَدًا. فالقَوْلُ بِتَعَدُّدِهِ تَغْيِيرٌ لِلْفِطْرَةِ، لَكِنْ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَغْيِيرَ لِأمْرِ العَقْلِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ لِلِاسْتِدْلالِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الدِّينُ المَأْمُورُ بِإقامَةِ الوَجْهِ لَهُ، أوِ الفِطْرَةُ: ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيِ: المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ. قالَ المَهايِمِيُّ: وإنْ لَمْ يَقُمْ عِنْدَ المُبْدِلِينَ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحالَةِ التَّعَدُّدِ، فَهَذا هو مُقْتَضى الفِطْرَةِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّهُ مُقْتَضى الفِطْرَةِ، وهي أقْطَعُ قاطِعٍ وأحْسَمُ حاسِمٍ لِشَغَبِ المُشاغِبِ؛ لِأنَّها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ الكَسْبِ والِاخْتِيارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١] أيْ: راجِعِينَ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وهو حالٌ مِن فاعِلِ (الزَمُوا)، المُقَدَّرِ ناصِبًا لِـ: "فِطْرَةَ" أوْ مِن فاعِلِ: "أقِمْ" عَلى المَعْنى؛ إذْ لَمْ يُرَدْ بِهِ واحِدٌ بِعَيْنِهِ، أوْ لِأنَّ الخِطابَ لَهُ ﷺ، ولِأُمَّتِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ عَلى حَذْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ أيْ: أقِمْ أنْتَ وأُمَّتُكَ، والحالُ مِنَ الجَمِيعِ: (p-٤٧٧٩)﴿واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الروم: ٣٢] أيْ: جَعَلُوهُ أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، لِاخْتِلافِ أهْوائِهِمْ: ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣٢] أيْ: فِرَقًا: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] أيْ: كُلُّ حِزْبٍ مِنهم فَرِحٌ بِمَذْهَبِهِ، مَسْرُورٌ، يَحْسَبُ باطِلَهُ حَقًّا.
قالَ القاشانِيُّ: يَعْنِي المُفارِقِينَ الدِّينَ الحَقِيقِيَّ، المُتَفَرِّقِينَ شِيَعًا مُخْتَلِفَةً، كُلُّ حِزْبٍ عِنْدَ تَكَدُّرِ الفِطْرَةِ، وتَكاثُفِ الحِجابِ، يَفْرَحُ بِما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ مِنَ الحِجابِ، لِكَوْنِهِ مُقْتَضى طَبِيعَةِ حِجابِهِ، فَيُناسِبُ حالُهُ مِن الِاسْتِعْدادِ العارِضِيِّ، وإنْ لَمْ يُلائِمِ الحَقِيقَةَ بِحَسَبِ الِاسْتِعْدادِ، ولِهَذا يَجِبُ بِهِ التَّعْذِيبُ عِنْدَ زَوالِ العارِضِ.
ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِرُجُوعِهِمْ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ، مِمّا يُحْمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ بِعِبادَتِهِ دائِمًا، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الروم 30:32
(p-٤٧٧٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ - ٣٢] ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]
﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أيْ: فَقَوِّمْهُ لَهُ، واجْعَلْهُ مُسْتَقِيمًا مُتَوَجِّهًا لَهُ. وفي النَّظْمِ الكَرِيمِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ المَأْمُورِ بِالتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ، ورِعايَةِ حُقُوقِهِ، وعَدَمِ مُجاوَزَةِ حُدُودِهِ والِاهْتِمامِ بِأُمُورِهِ، بِمَن أمَرَ بِالنَّظَرِ إلى أمْرِ، وعَقْدِ طَرْفِهِ بِهِ، وتَسْدِيدِ نَظَرِهِ وتَوْجِيهِ وجْهِهِ لَهُ، لِمُراعاتِهِ والِاهْتِمامِ بِحِفْظِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ إلَيْهِ. قالَ المَهايِمِيُّ: ولا يَعْسُرُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ أيْ: لِأنَّ عَقْلَ كُلِّ واحِدٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حادِثٌ يَفْتَقِرُ إلى مُحْدِثٍ، ولا دَلالَةَ عَلى الِافْتِقارِ إلى مُتَعَدِّدٍ أبَدًا. فالقَوْلُ بِتَعَدُّدِهِ تَغْيِيرٌ لِلْفِطْرَةِ، لَكِنْ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَغْيِيرَ لِأمْرِ العَقْلِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ لِلِاسْتِدْلالِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الدِّينُ المَأْمُورُ بِإقامَةِ الوَجْهِ لَهُ، أوِ الفِطْرَةُ: ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيِ: المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ. قالَ المَهايِمِيُّ: وإنْ لَمْ يَقُمْ عِنْدَ المُبْدِلِينَ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحالَةِ التَّعَدُّدِ، فَهَذا هو مُقْتَضى الفِطْرَةِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّهُ مُقْتَضى الفِطْرَةِ، وهي أقْطَعُ قاطِعٍ وأحْسَمُ حاسِمٍ لِشَغَبِ المُشاغِبِ؛ لِأنَّها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ الكَسْبِ والِاخْتِيارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١] أيْ: راجِعِينَ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وهو حالٌ مِن فاعِلِ (الزَمُوا)، المُقَدَّرِ ناصِبًا لِـ: "فِطْرَةَ" أوْ مِن فاعِلِ: "أقِمْ" عَلى المَعْنى؛ إذْ لَمْ يُرَدْ بِهِ واحِدٌ بِعَيْنِهِ، أوْ لِأنَّ الخِطابَ لَهُ ﷺ، ولِأُمَّتِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ عَلى حَذْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ أيْ: أقِمْ أنْتَ وأُمَّتُكَ، والحالُ مِنَ الجَمِيعِ: (p-٤٧٧٩)﴿واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الروم: ٣٢] أيْ: جَعَلُوهُ أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، لِاخْتِلافِ أهْوائِهِمْ: ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣٢] أيْ: فِرَقًا: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] أيْ: كُلُّ حِزْبٍ مِنهم فَرِحٌ بِمَذْهَبِهِ، مَسْرُورٌ، يَحْسَبُ باطِلَهُ حَقًّا.
قالَ القاشانِيُّ: يَعْنِي المُفارِقِينَ الدِّينَ الحَقِيقِيَّ، المُتَفَرِّقِينَ شِيَعًا مُخْتَلِفَةً، كُلُّ حِزْبٍ عِنْدَ تَكَدُّرِ الفِطْرَةِ، وتَكاثُفِ الحِجابِ، يَفْرَحُ بِما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ مِنَ الحِجابِ، لِكَوْنِهِ مُقْتَضى طَبِيعَةِ حِجابِهِ، فَيُناسِبُ حالُهُ مِن الِاسْتِعْدادِ العارِضِيِّ، وإنْ لَمْ يُلائِمِ الحَقِيقَةَ بِحَسَبِ الِاسْتِعْدادِ، ولِهَذا يَجِبُ بِهِ التَّعْذِيبُ عِنْدَ زَوالِ العارِضِ.
ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِرُجُوعِهِمْ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ، مِمّا يُحْمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ بِعِبادَتِهِ دائِمًا، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الروم 30:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ - ٣٦] ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٤] ﴿أمْ أنْـزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]
﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ﴾ أيْ: شِدَّةٌ: ﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعِينَ إلَيْهِ وحْدَهُ دُونَ شُرَكائِهِمْ: ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ أيْ: خَلاصًا مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [الروم: ٣٤] أيْ: بِالسَّبَبِ الَّذِي آتَيْناهُمُ الرَّحْمَةَ مِن أجْلِهِ، وهو الإنابَةُ، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ. وقِيلَ: لِلْأمْرِ التَّهْدِيدِيِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ (p-٤٧٨٠)تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٤] أيْ: عاقِبَةَ تَمَتُّعِكم ووَبالَهُ.
﴿أمْ أنْـزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ [الروم: ٣٥] أيْ: حُجَّةً واضِحَةً قاهِرَةً: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ [الروم: ٣٥] أيْ: تَكَلُّمَ دَلالَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] أيْ: بِإشْراكِهِمْ، وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، أيْ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وسِعَةٍ: ﴿فَرِحُوا بِها﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: بَطَرًا وفَخْرًا، لا حَمْدًا وشُكْرًا: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: شِدَّةٌ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: مِنَ المَعاصِي والآثامِ: ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: يَيْأسُونَ مِن رَوْحِ اللَّهِ قالَ: هَذا إنْكارٌ عَلى الإنْسانِ مِن حَيْثُ هُوَ، إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى ووَفَّقَهُ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أصابَتْهُ نِعْمَةٌ بَطِرَ، وقالَ: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] أيْ: يَفْرَحُ في نَفْسِهِ، يَفْخَرُ عَلى غَيْرِهِ، وإذا أصابَتْهُ شِدَّةٌ قَنِطَ، وأيِسَ أنْ يَحْصُلَ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرٌ بِالكُلِّيَّةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [هود: ١١] أيْ: صَبَرُوا في الضَّرّاءِ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في الرَّخاءِ، كَما ثَبَتَ في (الصَّحِيحِ): ««عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ، لا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضاءً إلّا كانَ خَيْرًا لَهُ، إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا لَهُ»» .
الروم 30:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ - ٣٦] ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٤] ﴿أمْ أنْـزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]
﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ﴾ أيْ: شِدَّةٌ: ﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعِينَ إلَيْهِ وحْدَهُ دُونَ شُرَكائِهِمْ: ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ أيْ: خَلاصًا مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [الروم: ٣٤] أيْ: بِالسَّبَبِ الَّذِي آتَيْناهُمُ الرَّحْمَةَ مِن أجْلِهِ، وهو الإنابَةُ، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ. وقِيلَ: لِلْأمْرِ التَّهْدِيدِيِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ (p-٤٧٨٠)تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٤] أيْ: عاقِبَةَ تَمَتُّعِكم ووَبالَهُ.
﴿أمْ أنْـزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ [الروم: ٣٥] أيْ: حُجَّةً واضِحَةً قاهِرَةً: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ [الروم: ٣٥] أيْ: تَكَلُّمَ دَلالَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] أيْ: بِإشْراكِهِمْ، وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، أيْ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وسِعَةٍ: ﴿فَرِحُوا بِها﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: بَطَرًا وفَخْرًا، لا حَمْدًا وشُكْرًا: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: شِدَّةٌ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: مِنَ المَعاصِي والآثامِ: ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: يَيْأسُونَ مِن رَوْحِ اللَّهِ قالَ: هَذا إنْكارٌ عَلى الإنْسانِ مِن حَيْثُ هُوَ، إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى ووَفَّقَهُ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أصابَتْهُ نِعْمَةٌ بَطِرَ، وقالَ: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] أيْ: يَفْرَحُ في نَفْسِهِ، يَفْخَرُ عَلى غَيْرِهِ، وإذا أصابَتْهُ شِدَّةٌ قَنِطَ، وأيِسَ أنْ يَحْصُلَ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرٌ بِالكُلِّيَّةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [هود: ١١] أيْ: صَبَرُوا في الضَّرّاءِ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في الرَّخاءِ، كَما ثَبَتَ في (الصَّحِيحِ): ««عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ، لا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضاءً إلّا كانَ خَيْرًا لَهُ، إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا لَهُ»» .
الروم 30:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ - ٣٦] ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٤] ﴿أمْ أنْـزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]
﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ﴾ أيْ: شِدَّةٌ: ﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعِينَ إلَيْهِ وحْدَهُ دُونَ شُرَكائِهِمْ: ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ أيْ: خَلاصًا مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [الروم: ٣٤] أيْ: بِالسَّبَبِ الَّذِي آتَيْناهُمُ الرَّحْمَةَ مِن أجْلِهِ، وهو الإنابَةُ، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ. وقِيلَ: لِلْأمْرِ التَّهْدِيدِيِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ (p-٤٧٨٠)تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٤] أيْ: عاقِبَةَ تَمَتُّعِكم ووَبالَهُ.
﴿أمْ أنْـزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ [الروم: ٣٥] أيْ: حُجَّةً واضِحَةً قاهِرَةً: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ [الروم: ٣٥] أيْ: تَكَلُّمَ دَلالَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] أيْ: بِإشْراكِهِمْ، وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، أيْ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وسِعَةٍ: ﴿فَرِحُوا بِها﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: بَطَرًا وفَخْرًا، لا حَمْدًا وشُكْرًا: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: شِدَّةٌ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: مِنَ المَعاصِي والآثامِ: ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: يَيْأسُونَ مِن رَوْحِ اللَّهِ قالَ: هَذا إنْكارٌ عَلى الإنْسانِ مِن حَيْثُ هُوَ، إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى ووَفَّقَهُ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أصابَتْهُ نِعْمَةٌ بَطِرَ، وقالَ: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] أيْ: يَفْرَحُ في نَفْسِهِ، يَفْخَرُ عَلى غَيْرِهِ، وإذا أصابَتْهُ شِدَّةٌ قَنِطَ، وأيِسَ أنْ يَحْصُلَ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرٌ بِالكُلِّيَّةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [هود: ١١] أيْ: صَبَرُوا في الضَّرّاءِ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في الرَّخاءِ، كَما ثَبَتَ في (الصَّحِيحِ): ««عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ، لا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضاءً إلّا كانَ خَيْرًا لَهُ، إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا لَهُ»» .
الروم 30:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ - ٣٦] ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٤] ﴿أمْ أنْـزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]
﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ﴾ أيْ: شِدَّةٌ: ﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعِينَ إلَيْهِ وحْدَهُ دُونَ شُرَكائِهِمْ: ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ أيْ: خَلاصًا مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [الروم: ٣٤] أيْ: بِالسَّبَبِ الَّذِي آتَيْناهُمُ الرَّحْمَةَ مِن أجْلِهِ، وهو الإنابَةُ، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ. وقِيلَ: لِلْأمْرِ التَّهْدِيدِيِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ (p-٤٧٨٠)تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٤] أيْ: عاقِبَةَ تَمَتُّعِكم ووَبالَهُ.
﴿أمْ أنْـزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ [الروم: ٣٥] أيْ: حُجَّةً واضِحَةً قاهِرَةً: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ [الروم: ٣٥] أيْ: تَكَلُّمَ دَلالَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] أيْ: بِإشْراكِهِمْ، وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، أيْ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وسِعَةٍ: ﴿فَرِحُوا بِها﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: بَطَرًا وفَخْرًا، لا حَمْدًا وشُكْرًا: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: شِدَّةٌ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: مِنَ المَعاصِي والآثامِ: ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: يَيْأسُونَ مِن رَوْحِ اللَّهِ قالَ: هَذا إنْكارٌ عَلى الإنْسانِ مِن حَيْثُ هُوَ، إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى ووَفَّقَهُ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أصابَتْهُ نِعْمَةٌ بَطِرَ، وقالَ: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] أيْ: يَفْرَحُ في نَفْسِهِ، يَفْخَرُ عَلى غَيْرِهِ، وإذا أصابَتْهُ شِدَّةٌ قَنِطَ، وأيِسَ أنْ يَحْصُلَ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرٌ بِالكُلِّيَّةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [هود: ١١] أيْ: صَبَرُوا في الضَّرّاءِ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في الرَّخاءِ، كَما ثَبَتَ في (الصَّحِيحِ): ««عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ، لا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضاءً إلّا كانَ خَيْرًا لَهُ، إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا لَهُ»» .
الروم 30:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَدْ عَمِلُوا أنَّهُ هو الباسِطُ القابِضُ، فَما لَهم (p-٤٧٨١)يَقْنَطُونَ مِن رَحِمَتِهِ، وما لَهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ تائِبِينَ مِنَ المَعاصِي الَّتِي عُوقِبُوا بِالشِّدَّةِ مِن أجْلِها، حَتّى يُعِيدَ إلَيْهِمْ رَحْمَتَهُ؟
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَّيِّئَةَ أصابَتْهم بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ، أتْبَعَهُ ذِكْرَ ما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ، وما يَجِبُ أنْ يُتْرَكَ، بِقَوْلِهِ:
الروم 30:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٣٩] ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]
﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ أيْ: مِنَ البِرِّ والصِّلَةِ، واسْتَدَلَّ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمَحارِمِ إذا كانُوا مُحْتاجِينَ عاجِزِينَ عَنِ الكَسْبِ؛ لِأنَّ (آتِ): أمْرٌ لِلْوُجُوبِ. والظّاهِرُ مِنَ: (الحَقِّ)، بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ أنَّهُ ما لِيَ، وهو اسْتِدْلالٌ مَتِينٌ: ﴿والمِسْكِينَ﴾ وهو الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، أوْ لَهُ شَيْءٌ لا يَقُومُ بِكِفايَتِهِ: ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ أيِ: السّائِلَ فِيهِ، والَّذِي انْقَطَعَ بِهِ، وحَقُّهُما هو نَصِيبُهُما مِنَ الصَّدَقَةِ والمُواساةِ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ أيِ: النَّظَرَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو الغايَةُ القُصْوى، أوْ يُرِيدُونَ ذاتَهُ بِمَعْرُوفِهِمْ لا رِياءَ ولا سُمْعَةَ، ولا مُكافَأةَ يَدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا﴾ [الروم: ٣٩] أيْ: مالٍ تُرابُونَ فِيهِ: ﴿لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾ [الروم: ٣٩] أيْ: لِيَزِيدَ في أمْوالِهِمْ؛ إذْ تَأْخُذُونَ فِيهِ أكْثَرَ مِنهُ: ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] أيْ: لا يَزْكُو ولا يَنْمُو (p-٤٧٨٢)ولا يُبارِكُ فِيهِ، بَلْ يَمْحَقُهُ مَحْقَ ما لا عاقِبَةَ لَهُ عِنْدَهُ إلّا الوَبالُ والنَّكالُ، وذُكِرَ في تَفْسِيرِها مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ يَهَبَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ، أوْ يَهْدِيَ لَهُ لِيُعَوِّضَهُ أكْثَرَ مِمّا وهَبَ أوْ أهْدى. فَلَيْسَتْ تِلْكَ الزِّيادَةُ بِحَرامٍ، وتَسْمِيَتْها رِبًا مَجازٌ؛ لِأنَّها سَبَبُ الزِّيادَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الصَّنِيعُ مُباحٌ وإنْ كانَ لا ثَوابَ فِيهِ، إلّا أنَّهُ نَهى عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً، قالَهُ الضَّحّاكُ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أيْ: لا تُعْطِ العَطاءَ، تُرِيدُ أكْثَرَ مِنهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِّبا رِباءانِ، فَرِبًا لا يَصِحُّ، يَعْنِي رِبا البَيْعِ، ورِبًا لا بَأْسَ بِهِ، وهو هَدِيَّةُ الرَّجُلِ، يُرِيدُ فَضْلَها وإضْعافَها. انْتَهى.
وأقُولُ: في ذَلِكَ كُلِّهِ نَظَرٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ- أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَبِيهَةٌ بِآيَةِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وهي في رِبا البَيْعِ الَّذِي كانَ فاشِيًا في أهْلِ مَكَّةَ حَتّى صارَ مَلَكَةً راسِخَةً فِيهِمُ، امْتَصُّوا بِها ثَرْوَةَ كَثِيرٍ مِنَ البُؤَساءِ، مِمّا خَرَجَ عَنْ طَوْرِ الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ والكَمالِ البَشَرِيِّ. فَنَعى عَلَيْهِمْ حالَهُمْ، طَلَبًا لِتَزْكِيَتِهِمْ بِتَوْبَتِهِمْ مِنهُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ؛ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ.
الثّانِي- أنَّ الرِّبا، عَلى ما ذُكِرَ، مَجازٌ، والأصْلُ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ، إلّا لِصارِفٍ يُرْشِدُ إلَيْهِ دَلِيلُ الشَّرْعِ، أوِ العَقْلِ، ولا واحِدَ مِنهُما هُنا؛ إذْ لا مُوجَبَ لَهُ.
الثّالِثُ- دَعْوى أنَّ الهِبَةَ المَذْكُورَةَ مُباحَةٌ، لا بَأْسَ بِها بَعْدَ كَوْنِها هي المُرادَةُ مِنَ الآيَةِ بَعِيدَةٌ غايَةَ البُعْدِ؛ لِأنَّ في أُسْلُوبِها مِنَ التَّرْهِيبِ والتَّحْذِيرِ ما يَجْعَلُها في مَصافِّ المُحَرَّماتِ، ودَلالَةُ الأُسْلُوبِ مِن أدِلَّةِ التَّنْزِيلِ القَوِيَّةِ، كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ.
الرّابِعُ- زَعْمُ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هو الحَضْرَةُ النَّبَوِيَّةُ خاصَّةً، لا دَلِيلَ عَلَيْهِ إلّا ظاهِرُ الخِطابِ، ولَيْسَ قاطِعًا؛ لِأنَّ اخْتِصاصَ الخِطابِ لا يُوجِبُ اخْتِصاصَ الحُكْمِ عَلى التَّحْقِيقِ، لا يُقالُ الأصْلُ وُجُوبُ (p-٤٧٨٣)حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وحَمْلُهُ عَلى المَجازِ لا يَكُونُ إلّا بِدَلِيلٍ، وكَذا ما يُقالُ إنَّ ثُبُوتَ الحُكْمِ في غَيْرِ مَحَلِّ الخِطابِ يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ- لِأنّا نَقُولُ: الأصْلُ في التَّشْرِيعاتِ العُمُومُ، إلّا ما قامَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى التَّخْصِيصِ بِالتَّنْصِيصِ، ولَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ هُنا. وقَدْ عُهِدَ في التَّنْزِيلِ تَخْصِيصٌ مُرادٌ بِهِ التَّعْمِيمُ إجْماعًا، كَآيَةِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] وأمْثالُها.
الخامِسُ- أنَّ في هَذا المَنهِيِّ عَنْهُ مِن إصْعادِ المَرْءِ إلى ذُرْوَةِ المُحْسِنِينَ الأعِفّاءِ، الَّذِينَ لا يُتْبِعُونَ قُلُوبَهم نَفَقَتَهُمْ، ما يُبَيِّنُ أنَّهُ شامِلٌ لِسائِرِهِمْ، لِما فِيهِ مِن تَرْبِيَةِ إرادَتِهِمْ وتَهْذِيبِ أخْلاقِهِمْ. بَلْ لَوْ قِيلَ إنَّ الخِطابَ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والمُرادُ غَيْرُهُ، كَما قالُوهُ في كَثِيرٍ مِنَ الآيِ- لَمْ يَبْعُدْ؛ لِما تَقَرَّرَ مِن عِصْمَتِهِ ونَزاهَتِهِ عَنْ هَذا الخُلُقِ، في سِيرَتِهِ الزَّكِيَّةِ، وحِينَئِذٍ فالوَجْهُ في الآيَةِ هو الأوَّلُ، وعَلَيْهِ المُعَوِّلُ. واللَّهُ أعْلَمُ: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ﴾ [الروم: ٣٩] أيْ: مالٍ تَتَزَكَّوْنَ بِهِ مِن رِجْسِ الشُّحِّ، ودَنَسِ البُخْلِ: ﴿تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] أيْ: ذَوُو الأضْعافِ مِنَ الثَّوابِ، جَمْعُ (مُضْعِفٍ)، اسْمُ فاعِلٍ (مِن أضْعَفَ)، إذا صارَ ذا ضِعْفٍ -(بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ)- بِأنْ يُضافَ لَهُ ثَوابُ ما أعْطاهُ، (كَأقْوى وأيْسَرَ)، إذا صارَ ذا قُوَّةٍ ويَسارٍ. فَهو لِصَيْرُورَةِ الفاعِلِ ذا أصْلُهُ، أوِ الَّذِينَ ضَعَّفُوا ثَوابَهم وأمْوالَهم بِبَرَكَةِ ما أنْفَقُوا، عَلى أنَّهُ (مِن أضْعَفَ) والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، وهو ما ذُكِرَ.
الروم 30:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨ - ٣٩] ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]
﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ أيْ: مِنَ البِرِّ والصِّلَةِ، واسْتَدَلَّ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمَحارِمِ إذا كانُوا مُحْتاجِينَ عاجِزِينَ عَنِ الكَسْبِ؛ لِأنَّ (آتِ): أمْرٌ لِلْوُجُوبِ. والظّاهِرُ مِنَ: (الحَقِّ)، بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ أنَّهُ ما لِيَ، وهو اسْتِدْلالٌ مَتِينٌ: ﴿والمِسْكِينَ﴾ وهو الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، أوْ لَهُ شَيْءٌ لا يَقُومُ بِكِفايَتِهِ: ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ أيِ: السّائِلَ فِيهِ، والَّذِي انْقَطَعَ بِهِ، وحَقُّهُما هو نَصِيبُهُما مِنَ الصَّدَقَةِ والمُواساةِ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ أيِ: النَّظَرَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو الغايَةُ القُصْوى، أوْ يُرِيدُونَ ذاتَهُ بِمَعْرُوفِهِمْ لا رِياءَ ولا سُمْعَةَ، ولا مُكافَأةَ يَدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا﴾ [الروم: ٣٩] أيْ: مالٍ تُرابُونَ فِيهِ: ﴿لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾ [الروم: ٣٩] أيْ: لِيَزِيدَ في أمْوالِهِمْ؛ إذْ تَأْخُذُونَ فِيهِ أكْثَرَ مِنهُ: ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] أيْ: لا يَزْكُو ولا يَنْمُو (p-٤٧٨٢)ولا يُبارِكُ فِيهِ، بَلْ يَمْحَقُهُ مَحْقَ ما لا عاقِبَةَ لَهُ عِنْدَهُ إلّا الوَبالُ والنَّكالُ، وذُكِرَ في تَفْسِيرِها مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ يَهَبَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ، أوْ يَهْدِيَ لَهُ لِيُعَوِّضَهُ أكْثَرَ مِمّا وهَبَ أوْ أهْدى. فَلَيْسَتْ تِلْكَ الزِّيادَةُ بِحَرامٍ، وتَسْمِيَتْها رِبًا مَجازٌ؛ لِأنَّها سَبَبُ الزِّيادَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الصَّنِيعُ مُباحٌ وإنْ كانَ لا ثَوابَ فِيهِ، إلّا أنَّهُ نَهى عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً، قالَهُ الضَّحّاكُ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أيْ: لا تُعْطِ العَطاءَ، تُرِيدُ أكْثَرَ مِنهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِّبا رِباءانِ، فَرِبًا لا يَصِحُّ، يَعْنِي رِبا البَيْعِ، ورِبًا لا بَأْسَ بِهِ، وهو هَدِيَّةُ الرَّجُلِ، يُرِيدُ فَضْلَها وإضْعافَها. انْتَهى.
وأقُولُ: في ذَلِكَ كُلِّهِ نَظَرٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ- أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَبِيهَةٌ بِآيَةِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وهي في رِبا البَيْعِ الَّذِي كانَ فاشِيًا في أهْلِ مَكَّةَ حَتّى صارَ مَلَكَةً راسِخَةً فِيهِمُ، امْتَصُّوا بِها ثَرْوَةَ كَثِيرٍ مِنَ البُؤَساءِ، مِمّا خَرَجَ عَنْ طَوْرِ الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ والكَمالِ البَشَرِيِّ. فَنَعى عَلَيْهِمْ حالَهُمْ، طَلَبًا لِتَزْكِيَتِهِمْ بِتَوْبَتِهِمْ مِنهُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ؛ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ.
الثّانِي- أنَّ الرِّبا، عَلى ما ذُكِرَ، مَجازٌ، والأصْلُ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ، إلّا لِصارِفٍ يُرْشِدُ إلَيْهِ دَلِيلُ الشَّرْعِ، أوِ العَقْلِ، ولا واحِدَ مِنهُما هُنا؛ إذْ لا مُوجَبَ لَهُ.
الثّالِثُ- دَعْوى أنَّ الهِبَةَ المَذْكُورَةَ مُباحَةٌ، لا بَأْسَ بِها بَعْدَ كَوْنِها هي المُرادَةُ مِنَ الآيَةِ بَعِيدَةٌ غايَةَ البُعْدِ؛ لِأنَّ في أُسْلُوبِها مِنَ التَّرْهِيبِ والتَّحْذِيرِ ما يَجْعَلُها في مَصافِّ المُحَرَّماتِ، ودَلالَةُ الأُسْلُوبِ مِن أدِلَّةِ التَّنْزِيلِ القَوِيَّةِ، كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ.
الرّابِعُ- زَعْمُ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هو الحَضْرَةُ النَّبَوِيَّةُ خاصَّةً، لا دَلِيلَ عَلَيْهِ إلّا ظاهِرُ الخِطابِ، ولَيْسَ قاطِعًا؛ لِأنَّ اخْتِصاصَ الخِطابِ لا يُوجِبُ اخْتِصاصَ الحُكْمِ عَلى التَّحْقِيقِ، لا يُقالُ الأصْلُ وُجُوبُ (p-٤٧٨٣)حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وحَمْلُهُ عَلى المَجازِ لا يَكُونُ إلّا بِدَلِيلٍ، وكَذا ما يُقالُ إنَّ ثُبُوتَ الحُكْمِ في غَيْرِ مَحَلِّ الخِطابِ يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ- لِأنّا نَقُولُ: الأصْلُ في التَّشْرِيعاتِ العُمُومُ، إلّا ما قامَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى التَّخْصِيصِ بِالتَّنْصِيصِ، ولَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ هُنا. وقَدْ عُهِدَ في التَّنْزِيلِ تَخْصِيصٌ مُرادٌ بِهِ التَّعْمِيمُ إجْماعًا، كَآيَةِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] وأمْثالُها.
الخامِسُ- أنَّ في هَذا المَنهِيِّ عَنْهُ مِن إصْعادِ المَرْءِ إلى ذُرْوَةِ المُحْسِنِينَ الأعِفّاءِ، الَّذِينَ لا يُتْبِعُونَ قُلُوبَهم نَفَقَتَهُمْ، ما يُبَيِّنُ أنَّهُ شامِلٌ لِسائِرِهِمْ، لِما فِيهِ مِن تَرْبِيَةِ إرادَتِهِمْ وتَهْذِيبِ أخْلاقِهِمْ. بَلْ لَوْ قِيلَ إنَّ الخِطابَ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والمُرادُ غَيْرُهُ، كَما قالُوهُ في كَثِيرٍ مِنَ الآيِ- لَمْ يَبْعُدْ؛ لِما تَقَرَّرَ مِن عِصْمَتِهِ ونَزاهَتِهِ عَنْ هَذا الخُلُقِ، في سِيرَتِهِ الزَّكِيَّةِ، وحِينَئِذٍ فالوَجْهُ في الآيَةِ هو الأوَّلُ، وعَلَيْهِ المُعَوِّلُ. واللَّهُ أعْلَمُ: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ﴾ [الروم: ٣٩] أيْ: مالٍ تَتَزَكَّوْنَ بِهِ مِن رِجْسِ الشُّحِّ، ودَنَسِ البُخْلِ: ﴿تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] أيْ: ذَوُو الأضْعافِ مِنَ الثَّوابِ، جَمْعُ (مُضْعِفٍ)، اسْمُ فاعِلٍ (مِن أضْعَفَ)، إذا صارَ ذا ضِعْفٍ -(بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ)- بِأنْ يُضافَ لَهُ ثَوابُ ما أعْطاهُ، (كَأقْوى وأيْسَرَ)، إذا صارَ ذا قُوَّةٍ ويَسارٍ. فَهو لِصَيْرُورَةِ الفاعِلِ ذا أصْلُهُ، أوِ الَّذِينَ ضَعَّفُوا ثَوابَهم وأمْوالَهم بِبَرَكَةِ ما أنْفَقُوا، عَلى أنَّهُ (مِن أضْعَفَ) والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، وهو ما ذُكِرَ.
الروم 30:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٠] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ قالَ القاضِي: أثْبَتَ لَهُ (p-٤٧٨٤)تَعالى لَوازِمَ الأُلُوهِيَّةِ، ونَفاها رَأْسًا عَمّا اتَّخَذُوهُ شُرَكاءَ لَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها، مُؤَكِّدًا بِالإنْكارِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ البُرْهانُ والعِيانُ، ووَقَعَ عَلَيْهِ الوِفاقُ، ثُمَّ اسْتُنْتِجَ مِن ذَلِكَ تَقَدُّسُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكاءُ. انْتَهى.
الروم 30:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٣] ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٤٢] ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]
﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: كَثْرَةُ المَضارِّ والمَعاصِي عَلى وجْهِ الأرْضِ، وعَلى ظَهْرِ السُّفُنِ في لُجَجِ البَحْرِ: ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ: مِنَ الآثامِ والمُوبِقاتِ، فَفَشا الفَسادُ، وانْتَشَرَتْ عَدْواهُ وتَوارُثُهُ جِيلٌ عَنْ جِيلٍ أيْنَما حَلُّوا وحَيْثُما سارُوا: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ، أيْ: ظُهُورُ الشُّرُورِ بِسَبَبِهِمْ، مِمّا اسْتَوْجَبُوا بِهِ أنْ يُذِيقَهُمُ اللَّهُ وبالَ أعْمالِهِمْ، إرادَةَ الرُّجُوعِ. وقِيلَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، عَلى مَعْنى أنَّ ظُهُورَ الجَدَبِ والقَحْطِ والغَرَقِ بِسَبَبِ شُؤْمِ مَعاصِيهِمْ، لِيُذِيقَهم وبالَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا، وقَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِجَمِيعِها في الآخِرَةِ، لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ (p-٤٧٨٥)أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٤٢] أيْ: فَأذاقَهم سُبْحانَهُ سُوءَ العاقِبَةِ، لِشِرْكِهِمُ المُسْتَتْبَعِ لِكُلِّ إثْمٍ وعِصْيانٍ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤٣] مُتَعَلِّقٌ بِـ: "يَأْتِي" أوْ بِـ: "مَرَدَّ"؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى مَعْنى لا يَرُدُّهُ تَعالى، لِتَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِمَجِيئِهِ، وفِيهِ انْتِقاءٌ رَدَّ غَيْرَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ. وقِيلَ عَلَيْهِ، لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ تَنْوِينُهُ لِمُشابَهَتِهِ لِلْمُضافِ. وأُجِيبَ بِأنَّ الشَّبِيهَ بِالمُضافِ قَدْ يُحْمَلُ في تَرْكِ تَنْوِينِهِ، كَما في الحَدِيثِ ««لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ»»: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ: يَتَفَرَّقُونَ كالفَراشِ المَبْثُوثِ، أوْ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤]
الروم 30:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٣] ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٤٢] ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]
﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: كَثْرَةُ المَضارِّ والمَعاصِي عَلى وجْهِ الأرْضِ، وعَلى ظَهْرِ السُّفُنِ في لُجَجِ البَحْرِ: ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ: مِنَ الآثامِ والمُوبِقاتِ، فَفَشا الفَسادُ، وانْتَشَرَتْ عَدْواهُ وتَوارُثُهُ جِيلٌ عَنْ جِيلٍ أيْنَما حَلُّوا وحَيْثُما سارُوا: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ، أيْ: ظُهُورُ الشُّرُورِ بِسَبَبِهِمْ، مِمّا اسْتَوْجَبُوا بِهِ أنْ يُذِيقَهُمُ اللَّهُ وبالَ أعْمالِهِمْ، إرادَةَ الرُّجُوعِ. وقِيلَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، عَلى مَعْنى أنَّ ظُهُورَ الجَدَبِ والقَحْطِ والغَرَقِ بِسَبَبِ شُؤْمِ مَعاصِيهِمْ، لِيُذِيقَهم وبالَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا، وقَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِجَمِيعِها في الآخِرَةِ، لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ (p-٤٧٨٥)أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٤٢] أيْ: فَأذاقَهم سُبْحانَهُ سُوءَ العاقِبَةِ، لِشِرْكِهِمُ المُسْتَتْبَعِ لِكُلِّ إثْمٍ وعِصْيانٍ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤٣] مُتَعَلِّقٌ بِـ: "يَأْتِي" أوْ بِـ: "مَرَدَّ"؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى مَعْنى لا يَرُدُّهُ تَعالى، لِتَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِمَجِيئِهِ، وفِيهِ انْتِقاءٌ رَدَّ غَيْرَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ. وقِيلَ عَلَيْهِ، لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ تَنْوِينُهُ لِمُشابَهَتِهِ لِلْمُضافِ. وأُجِيبَ بِأنَّ الشَّبِيهَ بِالمُضافِ قَدْ يُحْمَلُ في تَرْكِ تَنْوِينِهِ، كَما في الحَدِيثِ ««لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ»»: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ: يَتَفَرَّقُونَ كالفَراشِ المَبْثُوثِ، أوْ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤]
الروم 30:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٣] ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٤٢] ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]
﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: كَثْرَةُ المَضارِّ والمَعاصِي عَلى وجْهِ الأرْضِ، وعَلى ظَهْرِ السُّفُنِ في لُجَجِ البَحْرِ: ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ: مِنَ الآثامِ والمُوبِقاتِ، فَفَشا الفَسادُ، وانْتَشَرَتْ عَدْواهُ وتَوارُثُهُ جِيلٌ عَنْ جِيلٍ أيْنَما حَلُّوا وحَيْثُما سارُوا: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ، أيْ: ظُهُورُ الشُّرُورِ بِسَبَبِهِمْ، مِمّا اسْتَوْجَبُوا بِهِ أنْ يُذِيقَهُمُ اللَّهُ وبالَ أعْمالِهِمْ، إرادَةَ الرُّجُوعِ. وقِيلَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، عَلى مَعْنى أنَّ ظُهُورَ الجَدَبِ والقَحْطِ والغَرَقِ بِسَبَبِ شُؤْمِ مَعاصِيهِمْ، لِيُذِيقَهم وبالَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا، وقَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِجَمِيعِها في الآخِرَةِ، لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ (p-٤٧٨٥)أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٤٢] أيْ: فَأذاقَهم سُبْحانَهُ سُوءَ العاقِبَةِ، لِشِرْكِهِمُ المُسْتَتْبَعِ لِكُلِّ إثْمٍ وعِصْيانٍ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤٣] مُتَعَلِّقٌ بِـ: "يَأْتِي" أوْ بِـ: "مَرَدَّ"؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى مَعْنى لا يَرُدُّهُ تَعالى، لِتَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِمَجِيئِهِ، وفِيهِ انْتِقاءٌ رَدَّ غَيْرَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ. وقِيلَ عَلَيْهِ، لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ تَنْوِينُهُ لِمُشابَهَتِهِ لِلْمُضافِ. وأُجِيبَ بِأنَّ الشَّبِيهَ بِالمُضافِ قَدْ يُحْمَلُ في تَرْكِ تَنْوِينِهِ، كَما في الحَدِيثِ ««لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ»»: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ: يَتَفَرَّقُونَ كالفَراشِ المَبْثُوثِ، أوْ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤]
الروم 30:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ - ٤٥] ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [الروم: ٤٥] .
﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: وبالُ كُفْرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، لِما لا غايَةَ وراءَهُ مِنَ المَضارِّ؛ لِأنَّ مَن كانَ ضارَّهُ كُفْرُهُ، فَقَدْ أحاطَتْ بِهِ كُلُّ مُضِرَّةٍ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أيْ: يُسَوُّونَ مَنزِلًا في الجَنَّةِ، أيْ: يُوَطِّئُونَهُ تَوْطِئَةَ الفِراشِ لِمَن يُرِيدُ الرّاحَةَ عَلَيْهِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [الروم: ٤٥]
الروم 30:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤ - ٤٥] ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [الروم: ٤٥] .
﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: وبالُ كُفْرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، لِما لا غايَةَ وراءَهُ مِنَ المَضارِّ؛ لِأنَّ مَن كانَ ضارَّهُ كُفْرُهُ، فَقَدْ أحاطَتْ بِهِ كُلُّ مُضِرَّةٍ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أيْ: يُسَوُّونَ مَنزِلًا في الجَنَّةِ، أيْ: يُوَطِّئُونَهُ تَوْطِئَةَ الفِراشِ لِمَن يُرِيدُ الرّاحَةَ عَلَيْهِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [الروم: ٤٥]
الروم 30:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦ - ٤٧] ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]
(p-٤٧٨٦)﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ: ﴿ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: في البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِها: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: بِتِجارَةِ البَحْرِ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: ولِتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ فِيما ذَكَرَ.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ بِمَن قَبْلَهُ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ لَهُ، والوَعِيدَ لِمَن عَصاهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] تَعْظِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ورَفْعٌ مِن شَأْنِهِمْ، وتَأْهِيلٌ لِكَرامَةِ سُنِّيَّةٍ، وإظْهارٌ لِفَضْلِ سابِقَةٍ ومَزِيَّةٍ، حَيْثُ جَعَلَهم مُسْتَحِقِّينَ عَلى اللَّهِ أنْ يَنْصُرَهُمْ، مُسْتَوْجِبِينَ عَلَيْهِ أنْ يُظْهِرَهم ويُظْفِرَهم.
الروم 30:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦ - ٤٧] ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]
(p-٤٧٨٦)﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ: ﴿ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: في البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِها: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: بِتِجارَةِ البَحْرِ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: ولِتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ فِيما ذَكَرَ.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ بِمَن قَبْلَهُ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ لَهُ، والوَعِيدَ لِمَن عَصاهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] تَعْظِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ورَفْعٌ مِن شَأْنِهِمْ، وتَأْهِيلٌ لِكَرامَةِ سُنِّيَّةٍ، وإظْهارٌ لِفَضْلِ سابِقَةٍ ومَزِيَّةٍ، حَيْثُ جَعَلَهم مُسْتَحِقِّينَ عَلى اللَّهِ أنْ يَنْصُرَهُمْ، مُسْتَوْجِبِينَ عَلَيْهِ أنْ يُظْهِرَهم ويُظْفِرَهم.
الروم 30:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٠] ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] .
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ إمّا سائِرًا وواقِفًا، مُطْبِقًا وغَيْرَ مُطْبِقٍ، مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا تارَةً أُخْرى: ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ أيِ: المَطَرَ: ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ [الروم: ٤٩] أيِ: المَطَرُ: (p-٤٧٨٧)﴿مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] أيْ: لَآيِسِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَبْلِهِ، مِن بابِ التَّكْرِيرِ والتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ [الحشر: ١٧] ومَعْنى التَّوْكِيدِ فِيهِ، الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ وبَعُدَ، فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم وتَمادى إبْلاسُهُمْ، فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اغْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ. انْتَهى.
وعَكَسَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقالَ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِ القُلُوبِ البَشَرِيَّةِ، مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ.
قالَ الشِّهابُ: وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أقْرَبُ؛ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ القَبْلِيَّةِ الِاتِّصالُ، وتَأْكِيدُهُ دالٌّ عَلى شِدَّةِ اتِّصالِهِ: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠] أيْ: أثَرِ الغَيْثِ مِنَ النَّباتِ والأشْجارِ والحُبُوبِ والثِّمارِ: ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ﴾ [الروم: ٥٠] أيِ: العَظِيمَ الشَّأْنِ الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ شُؤُونِهِ: ﴿لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]
الروم 30:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٠] ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] .
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ إمّا سائِرًا وواقِفًا، مُطْبِقًا وغَيْرَ مُطْبِقٍ، مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا تارَةً أُخْرى: ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ أيِ: المَطَرَ: ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ [الروم: ٤٩] أيِ: المَطَرُ: (p-٤٧٨٧)﴿مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] أيْ: لَآيِسِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَبْلِهِ، مِن بابِ التَّكْرِيرِ والتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ [الحشر: ١٧] ومَعْنى التَّوْكِيدِ فِيهِ، الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ وبَعُدَ، فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم وتَمادى إبْلاسُهُمْ، فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اغْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ. انْتَهى.
وعَكَسَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقالَ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِ القُلُوبِ البَشَرِيَّةِ، مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ.
قالَ الشِّهابُ: وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أقْرَبُ؛ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ القَبْلِيَّةِ الِاتِّصالُ، وتَأْكِيدُهُ دالٌّ عَلى شِدَّةِ اتِّصالِهِ: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠] أيْ: أثَرِ الغَيْثِ مِنَ النَّباتِ والأشْجارِ والحُبُوبِ والثِّمارِ: ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ﴾ [الروم: ٥٠] أيِ: العَظِيمَ الشَّأْنِ الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ شُؤُونِهِ: ﴿لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]
الروم 30:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٠] ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] .
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ إمّا سائِرًا وواقِفًا، مُطْبِقًا وغَيْرَ مُطْبِقٍ، مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا تارَةً أُخْرى: ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ أيِ: المَطَرَ: ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ [الروم: ٤٩] أيِ: المَطَرُ: (p-٤٧٨٧)﴿مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] أيْ: لَآيِسِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَبْلِهِ، مِن بابِ التَّكْرِيرِ والتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ [الحشر: ١٧] ومَعْنى التَّوْكِيدِ فِيهِ، الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ وبَعُدَ، فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم وتَمادى إبْلاسُهُمْ، فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اغْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ. انْتَهى.
وعَكَسَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقالَ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِ القُلُوبِ البَشَرِيَّةِ، مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ.
قالَ الشِّهابُ: وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أقْرَبُ؛ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ القَبْلِيَّةِ الِاتِّصالُ، وتَأْكِيدُهُ دالٌّ عَلى شِدَّةِ اتِّصالِهِ: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠] أيْ: أثَرِ الغَيْثِ مِنَ النَّباتِ والأشْجارِ والحُبُوبِ والثِّمارِ: ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ﴾ [الروم: ٥٠] أيِ: العَظِيمَ الشَّأْنِ الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ شُؤُونِهِ: ﴿لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]
الروم 30:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١ - ٥٣] ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم: ٥٢] ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣]
﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ عَلى الزَّرْعِ: ﴿فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ: مِن تَأْثِيرِها فِيهِ: ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِهِ يَجْحَدُونَ ما تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، أوْ يَقْنَطُونَ ولا يَصْبِرُونَ عَلى بَلائِهِ، وفِيهِ مِن ذَمِّهِمْ، وعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ، وسُرْعَةِ تَزَلْزُلِهِمْ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ، وسُوءِ رَأْيِهِمْ- ما لا يَخْفى.
(p-٤٧٨٨)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ مَن أنْكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ الزَّرْعِ بَعْدَ اصْفِرارِهِ، وقَدْ رَأى قُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، فَهو مَيِّتٌ لا يُمْكِنُ إسْماعُهُ خَبَرَ إحْياءِ المَوْتى، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [الروم: ٥٢] أيْ: لِما أنَّ هَؤُلاءِ مِثْلُهُمْ، لِانْسِدادِ مَشاعِرِهِمْ عَنِ الحَقِّ: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم: ٥٢] قالَ أبُو السُّعُودِ: تَقْيِيدُ الحُكْمِ بِما ذُكِرَ، لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جامِعُونَ لِخَصْلَتَيِ السُّوءِ، نُبُوِّ أسْماعِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ فِيهِمْ إحْداهُما، لَكَفاهم ذَلِكَ، فَكَيْفَ وقَدْ جَمَعُوهُما؟ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ﴾ [النمل: ٨١] أيْ: ما تُسْمِعُ: ﴿إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] أيْ: مُنْقادُونَ لِما تَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الحَقِّ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدِ اسْتَدَلَّتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [الروم: ٥٢] عَلى تَوْهِيمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في رِوايَةِ مُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ القَتْلى الَّذِينَ أُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ، بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، ومُعاتَبَتِهِ إيّاهم وتَقْرِيعِهِ لَهُمْ، حَتّى قالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما تُخاطِبُ مِن قَوْمٍ قَدْ جِيفُوا؟ فَقالَ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ، مِنهُمْ، ولَكِنْ لا يُجِيبُونَ»» . وتَأوَّلَتْهُ عائِشَةُ عَلى أنَّهُ قالَ: إنَّهُمُ الآنَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما كُنْتُ أقُولُ لَهم حَقٌّ.
وقالَ قَتادَةُ: أحْياهُمُ اللَّهُ لَهُ حَتّى سَمِعُوا مَقالَتَهُ، تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ونِقْمَةً.
ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والصَّحِيحُ عِنْدَ العُلَماءِ رِوايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، لِما لَها مِنَ الشَّواهِدِ عَلى صِحَّتِها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مِن أشْهَرِ ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مُصَحِّحًا لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أخِيهِ المُسْلِمِ، كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ»» . انْتَهى.
وقالَ ابْنُ الهُمامِ: أكْثَرُ مَشايِخِنا عَلى أنَّ المَيِّتَ لا يَسْمَعُ اسْتِدْلالًا بِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوَها، (p-٤٧٨٩)ولِذا لَمْ يَقُولُوا: بِتَلْقِينِ القَبْرِ، وقالُوا: لَوْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فَكَلَّمَهُ مَيِّتًا لا يَحْنَثُ. وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ ﷺ في أهْلِ القَلِيبِ ««ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم»» وأُجِيبَ تارَةً بِأنَّهُ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها أنْكَرَتْهُ، وأُخْرى بِأنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِهِ ﷺ مُعْجِزَةٌ لَهُ، أوْ أنَّهُ تَمْثِيلٌ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ ما في مُسْلِمٍ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ إذا انْصَرَفُوا. إلّا أنْ يَخُصَّ بِأوَّلِ الوَضْعِ في القَبْرِ، مُقَدِّمَةً لِلسُّؤالِ، جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في القُرْآنِ. نَقَلَهُ الشِّهابُ.
الروم 30:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١ - ٥٣] ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم: ٥٢] ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣]
﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ عَلى الزَّرْعِ: ﴿فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ: مِن تَأْثِيرِها فِيهِ: ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِهِ يَجْحَدُونَ ما تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، أوْ يَقْنَطُونَ ولا يَصْبِرُونَ عَلى بَلائِهِ، وفِيهِ مِن ذَمِّهِمْ، وعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ، وسُرْعَةِ تَزَلْزُلِهِمْ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ، وسُوءِ رَأْيِهِمْ- ما لا يَخْفى.
(p-٤٧٨٨)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ مَن أنْكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ الزَّرْعِ بَعْدَ اصْفِرارِهِ، وقَدْ رَأى قُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، فَهو مَيِّتٌ لا يُمْكِنُ إسْماعُهُ خَبَرَ إحْياءِ المَوْتى، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [الروم: ٥٢] أيْ: لِما أنَّ هَؤُلاءِ مِثْلُهُمْ، لِانْسِدادِ مَشاعِرِهِمْ عَنِ الحَقِّ: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم: ٥٢] قالَ أبُو السُّعُودِ: تَقْيِيدُ الحُكْمِ بِما ذُكِرَ، لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جامِعُونَ لِخَصْلَتَيِ السُّوءِ، نُبُوِّ أسْماعِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ فِيهِمْ إحْداهُما، لَكَفاهم ذَلِكَ، فَكَيْفَ وقَدْ جَمَعُوهُما؟ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ﴾ [النمل: ٨١] أيْ: ما تُسْمِعُ: ﴿إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] أيْ: مُنْقادُونَ لِما تَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الحَقِّ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدِ اسْتَدَلَّتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [الروم: ٥٢] عَلى تَوْهِيمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في رِوايَةِ مُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ القَتْلى الَّذِينَ أُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ، بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، ومُعاتَبَتِهِ إيّاهم وتَقْرِيعِهِ لَهُمْ، حَتّى قالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما تُخاطِبُ مِن قَوْمٍ قَدْ جِيفُوا؟ فَقالَ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ، مِنهُمْ، ولَكِنْ لا يُجِيبُونَ»» . وتَأوَّلَتْهُ عائِشَةُ عَلى أنَّهُ قالَ: إنَّهُمُ الآنَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما كُنْتُ أقُولُ لَهم حَقٌّ.
وقالَ قَتادَةُ: أحْياهُمُ اللَّهُ لَهُ حَتّى سَمِعُوا مَقالَتَهُ، تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ونِقْمَةً.
ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والصَّحِيحُ عِنْدَ العُلَماءِ رِوايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، لِما لَها مِنَ الشَّواهِدِ عَلى صِحَّتِها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مِن أشْهَرِ ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مُصَحِّحًا لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أخِيهِ المُسْلِمِ، كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ»» . انْتَهى.
وقالَ ابْنُ الهُمامِ: أكْثَرُ مَشايِخِنا عَلى أنَّ المَيِّتَ لا يَسْمَعُ اسْتِدْلالًا بِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوَها، (p-٤٧٨٩)ولِذا لَمْ يَقُولُوا: بِتَلْقِينِ القَبْرِ، وقالُوا: لَوْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فَكَلَّمَهُ مَيِّتًا لا يَحْنَثُ. وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ ﷺ في أهْلِ القَلِيبِ ««ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم»» وأُجِيبَ تارَةً بِأنَّهُ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها أنْكَرَتْهُ، وأُخْرى بِأنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِهِ ﷺ مُعْجِزَةٌ لَهُ، أوْ أنَّهُ تَمْثِيلٌ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ ما في مُسْلِمٍ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ إذا انْصَرَفُوا. إلّا أنْ يَخُصَّ بِأوَّلِ الوَضْعِ في القَبْرِ، مُقَدِّمَةً لِلسُّؤالِ، جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في القُرْآنِ. نَقَلَهُ الشِّهابُ.
الروم 30:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١ - ٥٣] ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم: ٥٢] ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣]
﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ عَلى الزَّرْعِ: ﴿فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ: مِن تَأْثِيرِها فِيهِ: ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِهِ يَجْحَدُونَ ما تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، أوْ يَقْنَطُونَ ولا يَصْبِرُونَ عَلى بَلائِهِ، وفِيهِ مِن ذَمِّهِمْ، وعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ، وسُرْعَةِ تَزَلْزُلِهِمْ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ، وسُوءِ رَأْيِهِمْ- ما لا يَخْفى.
(p-٤٧٨٨)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ مَن أنْكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ الزَّرْعِ بَعْدَ اصْفِرارِهِ، وقَدْ رَأى قُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، فَهو مَيِّتٌ لا يُمْكِنُ إسْماعُهُ خَبَرَ إحْياءِ المَوْتى، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [الروم: ٥٢] أيْ: لِما أنَّ هَؤُلاءِ مِثْلُهُمْ، لِانْسِدادِ مَشاعِرِهِمْ عَنِ الحَقِّ: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم: ٥٢] قالَ أبُو السُّعُودِ: تَقْيِيدُ الحُكْمِ بِما ذُكِرَ، لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جامِعُونَ لِخَصْلَتَيِ السُّوءِ، نُبُوِّ أسْماعِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ فِيهِمْ إحْداهُما، لَكَفاهم ذَلِكَ، فَكَيْفَ وقَدْ جَمَعُوهُما؟ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ﴾ [النمل: ٨١] أيْ: ما تُسْمِعُ: ﴿إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] أيْ: مُنْقادُونَ لِما تَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الحَقِّ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدِ اسْتَدَلَّتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [الروم: ٥٢] عَلى تَوْهِيمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في رِوايَةِ مُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ القَتْلى الَّذِينَ أُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ، بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، ومُعاتَبَتِهِ إيّاهم وتَقْرِيعِهِ لَهُمْ، حَتّى قالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما تُخاطِبُ مِن قَوْمٍ قَدْ جِيفُوا؟ فَقالَ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ، مِنهُمْ، ولَكِنْ لا يُجِيبُونَ»» . وتَأوَّلَتْهُ عائِشَةُ عَلى أنَّهُ قالَ: إنَّهُمُ الآنَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما كُنْتُ أقُولُ لَهم حَقٌّ.
وقالَ قَتادَةُ: أحْياهُمُ اللَّهُ لَهُ حَتّى سَمِعُوا مَقالَتَهُ، تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ونِقْمَةً.
ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والصَّحِيحُ عِنْدَ العُلَماءِ رِوايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، لِما لَها مِنَ الشَّواهِدِ عَلى صِحَّتِها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مِن أشْهَرِ ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مُصَحِّحًا لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أخِيهِ المُسْلِمِ، كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ»» . انْتَهى.
وقالَ ابْنُ الهُمامِ: أكْثَرُ مَشايِخِنا عَلى أنَّ المَيِّتَ لا يَسْمَعُ اسْتِدْلالًا بِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوَها، (p-٤٧٨٩)ولِذا لَمْ يَقُولُوا: بِتَلْقِينِ القَبْرِ، وقالُوا: لَوْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فَكَلَّمَهُ مَيِّتًا لا يَحْنَثُ. وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ ﷺ في أهْلِ القَلِيبِ ««ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم»» وأُجِيبَ تارَةً بِأنَّهُ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها أنْكَرَتْهُ، وأُخْرى بِأنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِهِ ﷺ مُعْجِزَةٌ لَهُ، أوْ أنَّهُ تَمْثِيلٌ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ ما في مُسْلِمٍ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ إذا انْصَرَفُوا. إلّا أنْ يَخُصَّ بِأوَّلِ الوَضْعِ في القَبْرِ، مُقَدِّمَةً لِلسُّؤالِ، جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في القُرْآنِ. نَقَلَهُ الشِّهابُ.
الروم 30:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٤ - ٥٥] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] .
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ الضّادِ وضَمِّها؛ أيْ: مِن أصْلٍ ضَعِيفٍ هو النُّطْفَةُ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ يَعْنِي حالَ الطُّفُولَةِ والنَّشْءِ: ﴿قُوَّةً﴾ يَعْنِي حالَ البُلُوغِ والشَّبِيبَةِ إلى الِاكْتِهالِ وبُلُوغِ الأشُدِّ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ أيْ: بِالشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ الأشْياءِ، ومِنها هَذِهِ الأطْوارُ الَّتِي يَتَقَلَّبُ بِها الإنْسانُ: ﴿وهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ أيِ: الواسِعُ العِلْمِ والقُدْرَةِ، كَيْفَ؟ وهَذا التَّرْدِيدُ في الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ والتَّغْيِيرُ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، أظْهَرُ دَلِيلٍ عَلى عِلْمِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ، المُسْتَتْبِعِ انْفِرادَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] أيْ: في الدُّنْيا أوِ القُبُورِ، وإنَّما يُقَدِّرُونَ وقْتَ لَبْثِهِمْ بِذَلِكَ عَلى وجْهِ اسْتِقْصارِهِمْ لَهُ، أوْ يَنْسَوْنَ أوْ يَكْذِبُونَ أوْ يُخَمِّنُونَ: ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ عَنِ الصِّدْقِ والتَّحْقِيقِ في الدُّنْيا، وهَكَذا كانُوا يَبُتُّونَ أمْرَهم عَلى خِلافِ الحَقِّ. كَذا في (الكَشّافِ).
(p-٤٧٩٠)وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُخْبِرُ تَعالى عَنْ جَهْلِ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَفي الدُّنْيا فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، وفي الآخِرَةِ يَكُونُ مِنهم جَهْلٌ عَظِيمٌ أيْضًا، فَمِنهُ إقْسامُهم بِاللَّهِ أنَّهم ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ واحِدَةٍ في الدُّنْيا، ومَقْصُودُهم بِذَلِكَ عَدَمُ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُنْظَرُوا حَتّى يُعْذَرَ إلَيْهِمُ. انْتَهى.
وقالَ الشِّهابُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] تَشابُهُ حالَيْهِمْ في الكَذِبِ، وعَدَمِ الرُّجُوعِ إلى مُقْتَضى العِلْمِ؛ لِأنَّ مَدارَ أمْرِهِمْ عَلى الجَهْلِ والباطِلِ، والغَرَضُ مِن سَوْقِ الآيَةِ، وصْفُ المُجْرِمِينَ بِالتَّمادِي في الباطِلِ، والكَذِبِ الَّذِي ألِفُوهُ. انْتَهى.
وقِيلَ: كانَ قَسَمُهُمُ اسْتِقْلالًا لِأجْلِ الدُّنْيا، لَمّا عايَنُوا الآخِرَةَ، تَأسُّفًا عَلى ما أضاعُوا في الدُّنْيا.
الروم 30:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٤ - ٥٥] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] .
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ الضّادِ وضَمِّها؛ أيْ: مِن أصْلٍ ضَعِيفٍ هو النُّطْفَةُ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ يَعْنِي حالَ الطُّفُولَةِ والنَّشْءِ: ﴿قُوَّةً﴾ يَعْنِي حالَ البُلُوغِ والشَّبِيبَةِ إلى الِاكْتِهالِ وبُلُوغِ الأشُدِّ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ أيْ: بِالشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ الأشْياءِ، ومِنها هَذِهِ الأطْوارُ الَّتِي يَتَقَلَّبُ بِها الإنْسانُ: ﴿وهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ أيِ: الواسِعُ العِلْمِ والقُدْرَةِ، كَيْفَ؟ وهَذا التَّرْدِيدُ في الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ والتَّغْيِيرُ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، أظْهَرُ دَلِيلٍ عَلى عِلْمِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ، المُسْتَتْبِعِ انْفِرادَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] أيْ: في الدُّنْيا أوِ القُبُورِ، وإنَّما يُقَدِّرُونَ وقْتَ لَبْثِهِمْ بِذَلِكَ عَلى وجْهِ اسْتِقْصارِهِمْ لَهُ، أوْ يَنْسَوْنَ أوْ يَكْذِبُونَ أوْ يُخَمِّنُونَ: ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ عَنِ الصِّدْقِ والتَّحْقِيقِ في الدُّنْيا، وهَكَذا كانُوا يَبُتُّونَ أمْرَهم عَلى خِلافِ الحَقِّ. كَذا في (الكَشّافِ).
(p-٤٧٩٠)وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُخْبِرُ تَعالى عَنْ جَهْلِ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَفي الدُّنْيا فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، وفي الآخِرَةِ يَكُونُ مِنهم جَهْلٌ عَظِيمٌ أيْضًا، فَمِنهُ إقْسامُهم بِاللَّهِ أنَّهم ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ واحِدَةٍ في الدُّنْيا، ومَقْصُودُهم بِذَلِكَ عَدَمُ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُنْظَرُوا حَتّى يُعْذَرَ إلَيْهِمُ. انْتَهى.
وقالَ الشِّهابُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] تَشابُهُ حالَيْهِمْ في الكَذِبِ، وعَدَمِ الرُّجُوعِ إلى مُقْتَضى العِلْمِ؛ لِأنَّ مَدارَ أمْرِهِمْ عَلى الجَهْلِ والباطِلِ، والغَرَضُ مِن سَوْقِ الآيَةِ، وصْفُ المُجْرِمِينَ بِالتَّمادِي في الباطِلِ، والكَذِبِ الَّذِي ألِفُوهُ. انْتَهى.
وقِيلَ: كانَ قَسَمُهُمُ اسْتِقْلالًا لِأجْلِ الدُّنْيا، لَمّا عايَنُوا الآخِرَةَ، تَأسُّفًا عَلى ما أضاعُوا في الدُّنْيا.
الروم 30:56
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٦ - ٥٧] ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧] .
﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ رَدًّا لِما حَلَفُوا عَلَيْهِ، وإطْلاعًا لَهم عَلى الحَقِيقَةِ: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: فِيما كَتَبَهُ اللَّهُ وأوْجَبَهُ بِحِكْمَتِهِ: ﴿إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّهُ حَقٌّ، لِتَفْرِيطِكم في طَلَبِ الحَقِّ واتِّباعِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الروم: ٥٧] أيْ: بِالشِّرْكِ، أوْ إنْكارِ الرُّبُوبِيَّةِ، أوِ الرِّسالَةِ، أوْ شَيْءٍ لا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ: ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: ٥٧] أيْ: بِأنَّهم كَفَرُوا عَنْ جَهْلٍ؛ لِأنَّهُ إنَّما كانَ عَنْ تَقْصِيرِهِمْ في إزالَتِهِ، أوْ عَنْ عِنادٍ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧] أيْ: ولا يُطْلَبُ مِنهُمُ الإعْتابُ؛ أيْ: إزالَةُ (p-٤٧٩١)العَتَبِ بِالتَّوْبَةِ والطّاعَةِ؛ لِأنَّهُما -وإنْ كانَتا ماحِيَتَيْنِ لِلْكُفْرِ والمَعاصِي- فَإنَّما كانَ لَهُما ذَلِكَ في مُدَّةِ الحَياةِ الدُّنْيا، لا غَيْرَ.
الروم 30:57
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٦ - ٥٧] ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧] .
﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ رَدًّا لِما حَلَفُوا عَلَيْهِ، وإطْلاعًا لَهم عَلى الحَقِيقَةِ: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: فِيما كَتَبَهُ اللَّهُ وأوْجَبَهُ بِحِكْمَتِهِ: ﴿إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّهُ حَقٌّ، لِتَفْرِيطِكم في طَلَبِ الحَقِّ واتِّباعِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الروم: ٥٧] أيْ: بِالشِّرْكِ، أوْ إنْكارِ الرُّبُوبِيَّةِ، أوِ الرِّسالَةِ، أوْ شَيْءٍ لا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ: ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: ٥٧] أيْ: بِأنَّهم كَفَرُوا عَنْ جَهْلٍ؛ لِأنَّهُ إنَّما كانَ عَنْ تَقْصِيرِهِمْ في إزالَتِهِ، أوْ عَنْ عِنادٍ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧] أيْ: ولا يُطْلَبُ مِنهُمُ الإعْتابُ؛ أيْ: إزالَةُ (p-٤٧٩١)العَتَبِ بِالتَّوْبَةِ والطّاعَةِ؛ لِأنَّهُما -وإنْ كانَتا ماحِيَتَيْنِ لِلْكُفْرِ والمَعاصِي- فَإنَّما كانَ لَهُما ذَلِكَ في مُدَّةِ الحَياةِ الدُّنْيا، لا غَيْرَ.
الروم 30:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٨ - ٦٠] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩] ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]
﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ وصْفٍ يُوَضِّحُ الحَقَّ ويُزِيلُ اللَّبْسَ، أوْ مِن كُلِّ دَلِيلٍ عَلى الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ، والحَقُّ يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ في الظُّهُورِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ أيْ: مِمّا اقْتَرَحُوهُ أوْ غَيْرِها: ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِها، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها سِحْرٌ وباطِلٌ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩] أيْ: لا يَطْلُبُونَ العِلْمَ ولا يَتَحَرَّوْنَ الحَقَّ، بَلْ يُصِرُّونَ عَلى خُرافاتٍ اعْتَقَدُوها وتُرَّهاتٍ ابْتَدَعُوها؛ فَإنَّ الجَهْلَ المُرَكَّبَ يَمْنَعُ إدْراكَ الحَقِّ، ويُوجِبُ تَكْذِيبَ المُحِقِّ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: عَلى ما تُشاهِدُ مِنهُمْ، مِنَ الأقْوالِ الباطِلَةِ، والأفْعالِ السَّيِّئَةِ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ والقَلَقِ: ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: بِما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ البَيِّنَةِ، بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاها ومَكْرِهِمْ فِيها؛ فَإنَّهُ تَعالى مُنْجِزٌ لَكَ ما وعَدَكَ مِن نَصْرِكَ عَلَيْهِمْ، وجَعْلِهِ العاقِبَةَ لَكَ، ولِمَنِ اعْتَصَمَ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
الروم 30:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٨ - ٦٠] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩] ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]
﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ وصْفٍ يُوَضِّحُ الحَقَّ ويُزِيلُ اللَّبْسَ، أوْ مِن كُلِّ دَلِيلٍ عَلى الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ، والحَقُّ يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ في الظُّهُورِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ أيْ: مِمّا اقْتَرَحُوهُ أوْ غَيْرِها: ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِها، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها سِحْرٌ وباطِلٌ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩] أيْ: لا يَطْلُبُونَ العِلْمَ ولا يَتَحَرَّوْنَ الحَقَّ، بَلْ يُصِرُّونَ عَلى خُرافاتٍ اعْتَقَدُوها وتُرَّهاتٍ ابْتَدَعُوها؛ فَإنَّ الجَهْلَ المُرَكَّبَ يَمْنَعُ إدْراكَ الحَقِّ، ويُوجِبُ تَكْذِيبَ المُحِقِّ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: عَلى ما تُشاهِدُ مِنهُمْ، مِنَ الأقْوالِ الباطِلَةِ، والأفْعالِ السَّيِّئَةِ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ والقَلَقِ: ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: بِما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ البَيِّنَةِ، بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاها ومَكْرِهِمْ فِيها؛ فَإنَّهُ تَعالى مُنْجِزٌ لَكَ ما وعَدَكَ مِن نَصْرِكَ عَلَيْهِمْ، وجَعْلِهِ العاقِبَةَ لَكَ، ولِمَنِ اعْتَصَمَ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
الروم 30:60
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٨ - ٦٠] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩] ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]
﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ وصْفٍ يُوَضِّحُ الحَقَّ ويُزِيلُ اللَّبْسَ، أوْ مِن كُلِّ دَلِيلٍ عَلى الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ، والحَقُّ يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ في الظُّهُورِ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ أيْ: مِمّا اقْتَرَحُوهُ أوْ غَيْرِها: ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِها، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها سِحْرٌ وباطِلٌ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩] أيْ: لا يَطْلُبُونَ العِلْمَ ولا يَتَحَرَّوْنَ الحَقَّ، بَلْ يُصِرُّونَ عَلى خُرافاتٍ اعْتَقَدُوها وتُرَّهاتٍ ابْتَدَعُوها؛ فَإنَّ الجَهْلَ المُرَكَّبَ يَمْنَعُ إدْراكَ الحَقِّ، ويُوجِبُ تَكْذِيبَ المُحِقِّ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: عَلى ما تُشاهِدُ مِنهُمْ، مِنَ الأقْوالِ الباطِلَةِ، والأفْعالِ السَّيِّئَةِ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ والقَلَقِ: ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] أيْ: بِما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ البَيِّنَةِ، بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاها ومَكْرِهِمْ فِيها؛ فَإنَّهُ تَعالى مُنْجِزٌ لَكَ ما وعَدَكَ مِن نَصْرِكَ عَلَيْهِمْ، وجَعْلِهِ العاقِبَةَ لَكَ، ولِمَنِ اعْتَصَمَ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.