Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — فاطر 35:1 – الصافات 37:182
المحتويات
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:5
- فاطر 35:6
- فاطر 35:7
- فاطر 35:8
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:14
- فاطر 35:15
- فاطر 35:16
- فاطر 35:17
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:20
- فاطر 35:21
- فاطر 35:22
- فاطر 35:23
- فاطر 35:24
- فاطر 35:25
- فاطر 35:26
- فاطر 35:27
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:30
- فاطر 35:31
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:35
- فاطر 35:36
- فاطر 35:37
- فاطر 35:38
- فاطر 35:39
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:44
- فاطر 35:45
- يس 36:1
- يس 36:2
- يس 36:3
- يس 36:4
- يس 36:5
- يس 36:6
- يس 36:7
- يس 36:8
- يس 36:9
- يس 36:10
- يس 36:11
- يس 36:12
- يس 36:13
- يس 36:14
- يس 36:15
- يس 36:16
- يس 36:17
- يس 36:18
- يس 36:19
- يس 36:20
- يس 36:21
- يس 36:22
- يس 36:23
- يس 36:24
- يس 36:25
- يس 36:26
- يس 36:27
- يس 36:28
- يس 36:29
- يس 36:30
- يس 36:31
- يس 36:32
- يس 36:33
- يس 36:34
- يس 36:35
- يس 36:36
- يس 36:37
- يس 36:38
- يس 36:39
- يس 36:40
- يس 36:41
- يس 36:42
- يس 36:43
- يس 36:44
- يس 36:45
- يس 36:46
- يس 36:47
- يس 36:48
- يس 36:49
- يس 36:50
- يس 36:51
- يس 36:52
- يس 36:53
- يس 36:54
- يس 36:55
- يس 36:56
- يس 36:57
- يس 36:58
- يس 36:59
- يس 36:60
- يس 36:61
- يس 36:62
- يس 36:63
- يس 36:64
- يس 36:65
- يس 36:66
- يس 36:67
- يس 36:68
- يس 36:69
- يس 36:70
- يس 36:71
- يس 36:72
- يس 36:73
- يس 36:74
- يس 36:75
- يس 36:76
- يس 36:77
- يس 36:78
- يس 36:79
- يس 36:80
- يس 36:81
- يس 36:82
- يس 36:83
- الصافات 37:1
- الصافات 37:2
- الصافات 37:3
- الصافات 37:4
- الصافات 37:5
- الصافات 37:6
- الصافات 37:7
- الصافات 37:8
- الصافات 37:9
- الصافات 37:10
- الصافات 37:11
- الصافات 37:12
- الصافات 37:13
- الصافات 37:14
- الصافات 37:15
- الصافات 37:16
- الصافات 37:17
- الصافات 37:18
- الصافات 37:19
- الصافات 37:20
- الصافات 37:21
- الصافات 37:22
- الصافات 37:23
- الصافات 37:24
- الصافات 37:25
- الصافات 37:26
- الصافات 37:27
- الصافات 37:28
- الصافات 37:29
- الصافات 37:30
- الصافات 37:31
- الصافات 37:32
- الصافات 37:33
- الصافات 37:34
- الصافات 37:35
- الصافات 37:36
- الصافات 37:37
- الصافات 37:38
- الصافات 37:39
- الصافات 37:40
- الصافات 37:41
- الصافات 37:42
- الصافات 37:43
- الصافات 37:44
- الصافات 37:45
- الصافات 37:46
- الصافات 37:47
- الصافات 37:48
- الصافات 37:49
- الصافات 37:50
- الصافات 37:51
- الصافات 37:52
- الصافات 37:53
- الصافات 37:54
- الصافات 37:55
- الصافات 37:56
- الصافات 37:57
- الصافات 37:58
- الصافات 37:59
- الصافات 37:60
- الصافات 37:61
- الصافات 37:62
- الصافات 37:63
- الصافات 37:64
- الصافات 37:65
- الصافات 37:66
- الصافات 37:67
- الصافات 37:68
- الصافات 37:69
- الصافات 37:70
- الصافات 37:71
- الصافات 37:72
- الصافات 37:73
- الصافات 37:74
- الصافات 37:75
- الصافات 37:76
- الصافات 37:77
- الصافات 37:78
- الصافات 37:79
- الصافات 37:80
- الصافات 37:81
- الصافات 37:82
- الصافات 37:83
- الصافات 37:84
- الصافات 37:85
- الصافات 37:86
- الصافات 37:87
- الصافات 37:88
- الصافات 37:89
- الصافات 37:90
- الصافات 37:91
- الصافات 37:92
- الصافات 37:93
- الصافات 37:94
- الصافات 37:95
- الصافات 37:96
- الصافات 37:97
- الصافات 37:98
- الصافات 37:99
- الصافات 37:100
- الصافات 37:101
- الصافات 37:102
- الصافات 37:103
- الصافات 37:104
- الصافات 37:105
- الصافات 37:106
- الصافات 37:107
- الصافات 37:108
- الصافات 37:109
- الصافات 37:110
- الصافات 37:111
- الصافات 37:112
- الصافات 37:113
- الصافات 37:114
- الصافات 37:115
- الصافات 37:116
- الصافات 37:117
- الصافات 37:118
- الصافات 37:119
- الصافات 37:120
- الصافات 37:121
- الصافات 37:122
- الصافات 37:123
- الصافات 37:124
- الصافات 37:125
- الصافات 37:126
- الصافات 37:127
- الصافات 37:128
- الصافات 37:129
- الصافات 37:130
- الصافات 37:131
- الصافات 37:132
- الصافات 37:133
- الصافات 37:134
- الصافات 37:135
- الصافات 37:136
- الصافات 37:137
- الصافات 37:138
- الصافات 37:139
- الصافات 37:140
- الصافات 37:141
- الصافات 37:142
- الصافات 37:143
- الصافات 37:144
- الصافات 37:145
- الصافات 37:146
- الصافات 37:147
- الصافات 37:148
- الصافات 37:149
- الصافات 37:150
- الصافات 37:151
- الصافات 37:152
- الصافات 37:153
- الصافات 37:154
- الصافات 37:155
- الصافات 37:156
- الصافات 37:157
- الصافات 37:158
- الصافات 37:159
- الصافات 37:160
- الصافات 37:161
- الصافات 37:162
- الصافات 37:163
- الصافات 37:164
- الصافات 37:165
- الصافات 37:166
- الصافات 37:167
- الصافات 37:168
- الصافات 37:169
- الصافات 37:170
- الصافات 37:171
- الصافات 37:172
- الصافات 37:173
- الصافات 37:174
- الصافات 37:175
- الصافات 37:176
- الصافات 37:177
- الصافات 37:178
- الصافات 37:179
- الصافات 37:180
- الصافات 37:181
- الصافات 37:182
فاطر 35:1
(p-٤٩٧١)سُورَةُ فاطِرٍ
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما جاءَ فِيها مِن خَلْقِ اَلْمَلائِكَةِ، وجَعْلِهِمْ ذَوِي أجْنِحَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ في اَلْعَدَدِ، اَلدّالِّ عَلى عَجِيبِ صُنْعِهِ تَعالى وباهِرِ قُدْرَتِهِ.
وقالَ المُهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى بَيانِ تَفْصِيلِ رِسالَتِهِمْ، مِن جِهَةِ أخْذِهِمُ اَلْفَيْضَ عَنِ اَللَّهِ، وإيصالِهِ إلى خَلْقِهِ، مِن جِهَةٍ أوْ جِهَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ أوْ أكْثَرَ.
لِيُشْعِرَ أنَّ اَلرِّسالَةَ اَلْعامَّةَ لَهُمْ، إذا كانَتْ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ اَلرِّسالَةُ اَلْخاصَّةُ؟ مِثْلُ إنْزالِ اَلْقُرْآنِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ جِهاتٌ كَثِيرَةٌ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِجِبْرِيلَ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ. اِنْتَهى.
وتُسَمّى هَذِهِ اَلسُّورَةُ سُورَةَ (فاطِرٍ) لِذِكْرِ هَذا اَلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ والنَّعْتِ اَلْجَمِيلِ في طَلِيعَتِها. وهَذِهِ اَلسُّورَةُ خِتامُ اَلسُّوَرِ اَلْمُفْتَتَحَةِ بِالحَمْدِ، اَلَّتِي فُصِّلَتْ فِيها اَلنِّعَمُ اَلْأرْبَعُ، اَلَّتِي هي مَجامِعُ اَلنِّعَمِ. لِأنَّ نِعَمَ اَللَّهِ تَعالى قِسْمانِ: عاجِلَةٌ وآجِلَةٌ. والعاجِلَةُ وُجُودٌ وبَقاءٌ، والآجِلَةُ كَذَلِكَ إيجادٌ مَرَّةً وإبْقاءٌ أُخْرى. كَما بَيَّنَهُ اَلرّازِيُّ.
(p-٤٩٧٢)بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٢ ] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢] .
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مُبْتَدِئُها ومُبْدِعُها مِن غَيْرِ سَبْقِ مَثَلٍ ومادَّةٍ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ أيْ: ذَوِي أجْنِحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَفاوِتَةٍ في اَلْعَدَدِ، حَسْبَ تَفاوُتِ ما لَهم مِنَ اَلْمَراتِبِ، يَنْزِلُونَ بِها، ويَعْرُجُونَ، أوْ يُسْرِعُونَ بِها.
وفِي اَلصَّحِيحِ: ««أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، ولَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ»» . ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يَزِيدُ في خَلْقِ اَلْأجْنِحَةِ وغَيْرِهِ ما يَشاءُ، مِمّا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] أيْ: نِعْمَةٍ سَماوِيَّةٍ كانَتْ أوْ أرْضِيَّةٍ: ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطر: ٢] أيْ: لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى إمْساكِها: ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] أيْ: مِن بَعْدِ إمْساكِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [فاطر: ٢] اَلْغالِبُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ: ﴿الحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢] أيْ: في أمْرِهِ وصُنْعِهِ.
فاطر 35:2
(p-٤٩٧١)سُورَةُ فاطِرٍ
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما جاءَ فِيها مِن خَلْقِ اَلْمَلائِكَةِ، وجَعْلِهِمْ ذَوِي أجْنِحَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ في اَلْعَدَدِ، اَلدّالِّ عَلى عَجِيبِ صُنْعِهِ تَعالى وباهِرِ قُدْرَتِهِ.
وقالَ المُهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى بَيانِ تَفْصِيلِ رِسالَتِهِمْ، مِن جِهَةِ أخْذِهِمُ اَلْفَيْضَ عَنِ اَللَّهِ، وإيصالِهِ إلى خَلْقِهِ، مِن جِهَةٍ أوْ جِهَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ أوْ أكْثَرَ.
لِيُشْعِرَ أنَّ اَلرِّسالَةَ اَلْعامَّةَ لَهُمْ، إذا كانَتْ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ اَلرِّسالَةُ اَلْخاصَّةُ؟ مِثْلُ إنْزالِ اَلْقُرْآنِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ جِهاتٌ كَثِيرَةٌ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِجِبْرِيلَ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ. اِنْتَهى.
وتُسَمّى هَذِهِ اَلسُّورَةُ سُورَةَ (فاطِرٍ) لِذِكْرِ هَذا اَلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ والنَّعْتِ اَلْجَمِيلِ في طَلِيعَتِها. وهَذِهِ اَلسُّورَةُ خِتامُ اَلسُّوَرِ اَلْمُفْتَتَحَةِ بِالحَمْدِ، اَلَّتِي فُصِّلَتْ فِيها اَلنِّعَمُ اَلْأرْبَعُ، اَلَّتِي هي مَجامِعُ اَلنِّعَمِ. لِأنَّ نِعَمَ اَللَّهِ تَعالى قِسْمانِ: عاجِلَةٌ وآجِلَةٌ. والعاجِلَةُ وُجُودٌ وبَقاءٌ، والآجِلَةُ كَذَلِكَ إيجادٌ مَرَّةً وإبْقاءٌ أُخْرى. كَما بَيَّنَهُ اَلرّازِيُّ.
(p-٤٩٧٢)بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٢ ] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢] .
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مُبْتَدِئُها ومُبْدِعُها مِن غَيْرِ سَبْقِ مَثَلٍ ومادَّةٍ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ أيْ: ذَوِي أجْنِحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَفاوِتَةٍ في اَلْعَدَدِ، حَسْبَ تَفاوُتِ ما لَهم مِنَ اَلْمَراتِبِ، يَنْزِلُونَ بِها، ويَعْرُجُونَ، أوْ يُسْرِعُونَ بِها.
وفِي اَلصَّحِيحِ: ««أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، ولَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ»» . ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يَزِيدُ في خَلْقِ اَلْأجْنِحَةِ وغَيْرِهِ ما يَشاءُ، مِمّا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] أيْ: نِعْمَةٍ سَماوِيَّةٍ كانَتْ أوْ أرْضِيَّةٍ: ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطر: ٢] أيْ: لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى إمْساكِها: ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] أيْ: مِن بَعْدِ إمْساكِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [فاطر: ٢] اَلْغالِبُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ: ﴿الحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢] أيْ: في أمْرِهِ وصُنْعِهِ.
فاطر 35:3
(p-٤٩٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ ] ﴿يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ .
﴿يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: لِتَسْتَدِلُّوا بِها عَلى وحْدَتِهِ في أُلُوهِيَّتِهِ؛ لِأنَّهُ اَلْمُنْفَرِدُ بِإرْسالِها وحْدَهُ، ولا يَصِحُّ لِمَنِ اِنْفَرَدَ بِالإنْعامِ أنْ يُشْرَكَ مَعَهُ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ كُفْرانٌ لَهُ مُوجِبٌ لِغَضَبِهِ. وهَذا ما أشارَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيِ: اَلْمَطَرَ والنَّباتَ: ﴿لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: تُصْرَفُونَ عَنِ اَلتَّوْحِيدِ اَلْواجِبِ - لِأنَّهُ مُقْتَضى شُكْرِ اَلنِّعَمِ - إلى اَلشِّرْكِ والكُفْرِ.
فاطر 35:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤ ] ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .
﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فَيُجازِي اَلْمُكَذِّبَ وشِيعَتَهُ بِالخِزْيِ وظُهُورِ اَلْحَقِّ عَلَيْهِ.
فاطر 35:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ ] ﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ .
﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: ما وعَدَ بِهِ مِن جَزائِهِ بِالثَّوابِ إنْ صَدَقْتُمْ في اَلِاتِّباعِ، وبِالعِقابِ، إنْ عَصَيْتُمْ: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِأنْ يُذْهِلَكُمُ اَلتَّمَتُّعُ بِها والتَّلَذُّذُ بِمَنافِعِها، عَنِ اَلْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ وطَلَبِ ما عِنْدَ اَللَّهِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أيِ: اَلشَّيْطانُ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ.
فاطر 35:6
(p-٤٩٧٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ ] ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ .
﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: بِاتِّباعِ اَلْهَوى والرُّكُونِ إلى اَلدُّنْيا.
فاطر 35:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ - ٨ ] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨] .
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] أيْ فَمَن حُسِّنَ لَهُ عَمَلُهُ اَلسَّيِّئُ، بِأنْ غَلَبَ هَواهُ عَلى عَقْلِهِ، حَتّى اِنْتَكَسَ رَأْيُهُ فَرَأى اَلْباطِلَ حَقًّا والقَبِيحَ حَسَنًا، كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ،بَلْ فَعَرَفَ اَلْحَقَّ ومَيَّزَ اَلْحَسَنَ مِنَ اَلسَّيِّئِ ؟ فَحَذَفَ اَلْجَوابَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨] أيِ اَلْإيمانُ واتِّباعُ اَلْحَقِّ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] أيْ فَلا تُهْلِكْ نَفْسَكَ حُزْنًا عَلى ضَلالِهِمْ وعَدَمِ اِتِّباعِهِمْ لَكَ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨] أيْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
فاطر 35:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ - ٨ ] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨] .
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] أيْ فَمَن حُسِّنَ لَهُ عَمَلُهُ اَلسَّيِّئُ، بِأنْ غَلَبَ هَواهُ عَلى عَقْلِهِ، حَتّى اِنْتَكَسَ رَأْيُهُ فَرَأى اَلْباطِلَ حَقًّا والقَبِيحَ حَسَنًا، كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ،بَلْ فَعَرَفَ اَلْحَقَّ ومَيَّزَ اَلْحَسَنَ مِنَ اَلسَّيِّئِ ؟ فَحَذَفَ اَلْجَوابَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨] أيِ اَلْإيمانُ واتِّباعُ اَلْحَقِّ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] أيْ فَلا تُهْلِكْ نَفْسَكَ حُزْنًا عَلى ضَلالِهِمْ وعَدَمِ اِتِّباعِهِمْ لَكَ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨] أيْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
فاطر 35:9
(p-٤٩٧٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ ] ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ .
﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أيْ: مِثْلُ إحْياءِ اَلْمَواتِ، إحْياءُ اَلْأمْواتِ، وكَثِيرًا ما يَسْتَدِلُّ تَعالى عَلى اَلْمَعادِ بِإحْيائِهِ اَلْأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، لِيَعْتَبِرَ اَلْمُرْتابُ في هَذا، فَإنَّهُ مِن أظْهَرِ اَلْآياتِ وأوْضَحِها.
فاطر 35:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ ] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾ .
﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ﴾ أيِ: اَلشَّرَفَ والرِّفْعَةَ: ﴿فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أيْ: فَلْيَطْلُبْها مِن عِنْدِهِ، بِاتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، ومُوالاةِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، والتَّأسِّي بِهِمْ في اَلصَّلاحِ والإصْلاحِ، والصَّبْرِ والثَّباتِ، واطِّراحِ كُلِّ مَلامَةٍ رَغْبَةً في اَلْحَقِّ وعَمَلًا بِالصِّدْقِ. وهَذا كَآيَةِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩] وكَآيَةِ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وهو اَلدّاعِي إلى اَلْحَقِّ والإصْلاحِ، والمُنَبِّهُ عَلى سُبُلِ اَلضَّلالِ والفَسادِ: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ أيْ: يَرْفَعُ اَلْكَلِمُ اَلْعَمَلَ اَلصّالِحَ، عَلى أنْ يَكُونَ اَلْمُسْتَكِنُ لِلْكَلِمِ، إشارَةً إلى أنَّ اَلْعَمَلَ لا يُقْبَلُ إلّا بِالكَلِمِ اَلْمُؤَثِّرَ في إبْلاغِ دَعْوَةِ اَلْخَيْرِ. والضَّمِيرُ اَلْمُسْتَتِرُ لِلْعَمَلِ، والبارِزُ لِلْكَلِمِ؛ أيْ: يَكُونُ اَلْعَمَلُ (p-٤٩٧٦)اَلصّالِحُ مُوجِبًا لِرَفْعِها وقَبُولِها لِأنَّهُ يُحَقِّقُها ويُصَدِّقُها، كَما قالَ تَعالى عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: اَلْأعْمالَ اَلسَّيِّئَةَ اَلْمُفْسِدَةَ لِصَلاحِ اَلْأُمَّةِ وقِيامِ عُمْرانِها: ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾ أيْ: يَضْمَحِلُّ؛ لِأنَّ اَلْحَقَّ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ.
فاطر 35:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ ] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾ أيْ: ذُكْرانًا وإناثًا، لُطْفًا مِنهُ ورَحْمَةً: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾ أيْ: مِن أحَدٍ، وإنَّما سُمِّيَ مُعَمَّرًا لِما يَؤُولُ إلَيْهِ؛ أيْ: وما يُمَدُّ في عُمْرِ أحَدٍ: ﴿ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا في كِتابٍ﴾ وهو عِلْمُهُ تَعالى اَلَّذِي سَبَقَ، بِبُلُوغِ أصْلِهِ إلَيْهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيِ: اَلْحِفْظُ والزِّيادَةُ أوِ اَلنَّقْصُ سَهْلٌ؛ لِشُمُولِ عِلْمِهِ وعُمُومِ قُدْرَتِهِ.
لَطِيفَةٌ:
الضَّمِيرُ فِي:( عُمُرِهِ)، لِلْمُعَمَّرِ قَبْلَهُ. بِاعْتِبارِ اَلْأصْلِ اَلْمُحَوَّلِ عَنْهُ؛ لِأنَّ اَلْأصْلَ: (وما يُعَمَّرُ مِن أحَدٍ) كَما ذَكَرْنا، أوْ هو عَلى اَلتَّسامُحِ اَلْمَعْرُوفِ فِيهِ، ثِقَةً في تَأْوِيلِهِ بِأفْهامِ اَلسّامِعِينَ، كَقَوْلِهِمْ: (لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ)؛ أيْ: نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ. أوْ لِلْمَنقُوصِ مِن عُمُرِهِ لا لِلْمُعَمَّرِ، كَما في اَلْوَجْهِ اَلسّابِقِ، وهو وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ في حُكْمِ اَلْمَذْكُورِ، كَما قِيلَ: (وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ اَلْأشْياءُ). فَيَعُودُ (p-٤٩٧٧)اَلضَّمِيرُ عَلى ما عُلِمَ مِنَ اَلسِّياقِ. وقَدْ أطالَ بَعْضُهُمُ اَلْكَلامَ في ذَلِكَ، ومُحَصِّلُهُ، كَما ذَكَرَهُ اَلشِّهابُ، أنَّهُ اُخْتُلِفَ في مَعْنى: ﴿مُعَمَّرٍ﴾ فَقِيلَ: اَلْمُزادُ عُمُرُهُ؛ بِدَلِيلِ ما يُقابِلُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنْقَصُ﴾ إلَخْ. وقِيلَ: مَن يُجْعَلُ لَهُ عُمُرٌ. وهَلْ هو واحِدٌ أوْ شَخْصانِ؟ فَعَلى اَلثّانِي هو شَخْصٌ واحِدٌ. قالُوا مَثَلًا: يُكْتَبُ عُمُرُهُ مِائَةً ثُمَّ يُكْتَبُ تَحْتَهُ مَضى يَوْمٌ، مَضى يَوْمانِ، وهَكَذا. فَكِتابَةُ اَلْأصْلِ هي اَلتَّعْمِيرُ، والكِتابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ هو اَلنَّقْصُ. كَما قِيلَ:
؎حَياتُكَ أنْفاسٌ تُعَدُّ فَكُلَّما مَضى نَفَسٌ مِنها اِنْتَقَصْتَ بِهِ جُزْءا
والضَّمِيرُ فِي: (عُمُرِهِ)، حِينَئِذٍ راجِعٌ إلى اَلْمَذْكُورِ، والمُعَمَّرُ هو اَلَّذِي جَعَلَ اَللَّهُ لَهُ عُمُرًا طالَ أوْ قَصُرَ، وعَلى اَلْقَوْلِ اَلْأوَّلِ هو شَخْصانِ. والمُعَمَّرُ اَلَّذِي يَزِيدُ في عُمُرِهِ. والضَّمِيرُ حِينَئِذٍ راجِعٌ إلى (مُعَمَّرٍ آخَرَ)؛ إذْ لا يَكُونُ اَلْمَزِيدُ مِن عُمُرِهِ مَنقُوصًا مِن عُمُرِهِ. وهَذا قَوْلُ اَلْفَرّاءِ، وبَعْضُ اَلنَّحْوِيِّينَ، وهو اِسْتِخْدامٌ، أوْ شَبِيهٌ بِهِ. اِنْتَهى.
ثُمَّ أشارَ تَعالى لِآياتٍ أُخْرى مِن آياتِ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، بِقَوْلِهِ:
فاطر 35:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ ] ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .
﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ اَلْعُذُوبَةِ: ﴿سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: قَوِيُّ اَلْمُلُوحَةِ: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يَعْنِي اَلسَّمَكَ: ﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ أيْ: زِينَةً تَتَحَلَّوْنَ بِها. كَما قالَ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ أيْ: تَمْخُرُ اَلْماءَ وتَشُقُّهُ بِجَرْيِها: ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: بِالتَّنَقُّلِ فِيها: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
فاطر 35:13
(p-٤٩٧٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣ ] ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ .
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ يَعْنِي مُدَّةَ دَوْرِهِ، أوْ مُنْتَهاهُ، أوْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ أيْ: فَأنّى يَسْتَأْهِلُونَ اَلْعِبادَةَ. (والقِطْمِيرُ): لُفافَةُ اَلنَّواةِ، وهو مَثَلٌ في اَلْقِلَّةِ والحَقارَةِ.
فاطر 35:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ ] ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .
﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ لِأنَّهم جَمادٌ: ﴿ولَوْ سَمِعُوا﴾ أيْ: عَلى اَلْفَرْضِ: ﴿ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ أيْ: لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى اَلنَّفْعِ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أيْ: يُقِرُّونَ بِبُطْلانِهِ، وأنْ لا أمْرَ لَهم فِيهِ: ﴿ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أيْ: لا يُخْبِرُكَ بِالأمْرِ مُخْبِرٌ، مِثْلُ خَبِيرٍ عَظِيمٍ أخْبَرَكَ بِهِ، وهو اَلْحَقُّ سُبْحانَهُ؛ فَإنَّهُ اَلْخَبِيرُ بِكُنْهِ اَلْأُمُورِ دُونَ سائِرِ اَلْمُخْبِرِينَ. والمُرادُ تَحْقِيقُ ما أخْبَرَ بِهِ مِن حالِ آلِهَتِهِمْ، ونَفْيِ ما يَدَّعُونَ لَهم مِنَ اَلْإلَهِيَّةِ.
فاطر 35:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ ] ﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ .
﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: رَحْمَتِهِ، وعِنايَتِهِ، ولُطْفِهِ، وإمْدادِهِ في كُلِّ (p-٤٩٧٩)لَمْحَةٍ ونَفَسٍ، وسِرُّ وصْلِ اَلْآيَةِ بِما قَبْلَها مِنَ اَلتَّهَكُّمِ بِالأنْدادِ، لِتَذْكِيرِهِمُ اَلِالتِجاءَ إلَيْهِ تَعالى، والتَّضَرُّعَ والِابْتِهالَ إذا مَسَّهُمُ اَلضُّرُّ، وأخَذَتِ اَلْبَأْساءُ بِمُخانِقِهِمْ، فَإنَّهم يَشْعُرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ دافِعًا إلى سُؤالِهِ لا مَرَدَّ لَهُ. وحاثًّا إلى اللَّجَأِ إلَيْهِ لا صادَّ عَنْهُ، كَما بَيَّنَ في غَيْرِ آيَةٍ، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو اَلْحَقِيقُ بِالعِبادَةِ، لِغِناهُ اَلْمُطْلَقِ، كَما قالَ: ﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ أيِ: اَلْمَحْمُودُ لِنِعَمِهِ اَلَّتِي لا تُحْصى.
فاطر 35:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦ - ١٧ ] ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٧] .
أيْ: بِمُمْتَنِعٍ. قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا غَضَبٌ عَلَيْهِمْ، لِاِتِّخاذِهِمْ لَهُ أنْدادًا، وكُفْرِهِمْ بِآيِهِ، ومَعاصِيهِمْ، كَما قالَ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]
فاطر 35:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦ - ١٧ ] ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٧] .
أيْ: بِمُمْتَنِعٍ. قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا غَضَبٌ عَلَيْهِمْ، لِاِتِّخاذِهِمْ لَهُ أنْدادًا، وكُفْرِهِمْ بِآيِهِ، ومَعاصِيهِمْ، كَما قالَ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]
فاطر 35:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨ ] ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ .
﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ: ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: إثْمَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ إنَّما تَحْمِلُ وزْرَها اَلَّذِي اِقْتَرَفَتْهُ، لا تُؤْخَذُ نَفْسٌ بِذَنْبِ نَفْسٍ؛ كَما تَأْخُذُ جَبابِرَةُ اَلدُّنْيا اَلْوَلِيَّ بِالوَلِيِّ، والجارَ بِالجارِ، ولا يَرِدُ آيَةُ: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] لِأنَّها في اَلضّالِّينَ اَلْمُضِلِّينَ، وأنَّهم يَحْمِلُونَ أثْقالَ إضْلالِ اَلنّاسِ مَعَ أثْقالِ ضَلالِهِمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ أوْزارُهُمْ، ما فِيها شَيْءٌ مِن وِزْرِ غَيْرِهِمْ.
(p-٤٩٨٠)﴿وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أيْ: نَفْسٌ أثْقَلَتْها اَلْأوْزارُ: ﴿إلى حِمْلِها﴾ أيْ: إلى حَمْلِ بَعْضِ أوْزارِها لِيُخَفَّفَ عَنْها: ﴿لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ﴾ أيْ: لَمْ تُجَبْ ولَمْ تُغَثْ بِحَمْلِ شَيْءٍ: ﴿ولَوْ كانَ﴾ أيِ: اَلْمَدْعُوُّ اَلْمَفْهُومُ مِنَ اَلدَّعْوَةِ: ﴿ذا قُرْبى﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ مِنَ اَلدّاعِي، مِن أبٍ أوْ ولَدٍ أوْ أخٍ، وهَذا قَطْعٌ لِأطْماعِ اِنْتِفاعِهِمْ بِقَرابَتِهِمْ، وغَنائِهِمْ عَنْهُمْ، وأنَّهُ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا، وأنَّ كُلَّ اِمْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ، ثُمَّ بَيَّنَ مَن يَتَّعِظُ ويَتَذَكَّرُ؛ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ ومَن تَزَكّى﴾ أيْ: تَطَهَّرَ مِن أوَضارِ اَلْأوْزارِ: ﴿فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾
فاطر 35:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ ] ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ .
﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ مَثَلٌ لِلْكافِرِ والمُؤْمِنِ.
فاطر 35:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ ] ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ .
﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ مَثَلٌ لِلْحَقِّ والباطِلِ.
فاطر 35:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ ] ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ .
﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ مَثَلٌ لِلثَّوابِ والعِقابِ و: ﴿الحَرُورُ﴾ اَلرِّيحُ اَلْحارَّةُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ تَكُونُ بِالنَّهارِ.
فاطر 35:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢ ] ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ .
(p-٤٩٨١)﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ تَمْثِيلٌ آخَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ أيْ: ما يَسْتَوِي أحْياءُ اَلْقُلُوبِ بِالإيمانِ باللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَعْرِفَةِ تَنْزِيلِهِ، وأمْواتُ اَلْقُلُوبِ؛ لِغَلَبَةِ اَلْكُفْرِ عَلَيْها حَتّى صارَتْ لا تَعْقِلُ عَنِ اَللَّهِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ولا تَعْرِفُ اَلْهُدى مِنَ اَلضَّلالِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَفِّقُهُ لِفَهْمِ آياتِهِ والِاتِّعاظِ بِعِظاتِهِ: ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ أيْ: كَما لا يَقْدِرُ أنْ يَسْمَعَ مَن في اَلْقُبُورِ كِتابَ اَللَّهِ، فَيَهْدِيَهِمْ بِهِ إلى سَبِيلِ اَلرَّشادِ، فَكَذَلِكَ لا يَقْدِرُ أنْ يَنْتَفِعَ بِمَواعِظِ اَللَّهِ وبَيانِ حُجَجِهِ، مَن كانَ مَيِّتَ اَلْقَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ اَللَّهِ وفَهْمِ كِتابِهِ وواضِحِ حُجَجِهِ. وهَذا تَرْشِيحٌ لِتَمْثِيلِ اَلْمُصِرِّينَ عَلى اَلْكُفْرِ بِالأمْواتِ، وإشْباعٌ في إقْناطِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، مِن إيمانِهِمْ.
فاطر 35:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣ ] ﴿إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾ .
﴿إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَ وتُنْذِرَ، فَإنْ كانَ اَلْمُنْذَرَ مِمَّنْ يَسْمَعُ اَلْإنْذارَ نُفِعَ، وإنْ كانَ مِنَ اَلْمُصِرِّينَ فَلا عَلَيْكَ.
فاطر 35:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤ ] ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ .
﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ أيْ: وما مِن أُمَّةٍ مِنَ اَلْأُمَمِ اَلدّائِنَةِ بِمِلَّةٍ، إلّا مَضى فِيها نَذِيرٌ مِن قَبْلِكَ يُنْذِرُهم عَلى كُفْرِهِمْ باللَّهِ، ويُزِيحُ عَنْهُمُ اَلْعِلَلَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: ٣٦]
فاطر 35:25
(p-٤٩٨٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥ ] ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ .
﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ أيْ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، فَلا تُبالِ بِهِمْ وتَأسَّ بِمَن كُذِّبَ مِنَ اَلرُّسُلِ اَلسّالِفَةِ، فَقَدْ جاءُوهم بِالآياتِ، والخَوارِقِ اَلْمَحْسُوسَةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِمْ، وبِالصُّحُفِ اَلْمُرْشِدَةِ لَهم إلى مَسالِكِ اَلْفَلاحِ والنَّجاحِ، وبِالكِتابِ اَلْمُنِيرِ لِمَن تَدَبَّرَهُ وتَأمَّلَهُ، أنَّهُ اَلْحَقُّ اَلنّاطِقُ بِالصَّوابِ والصِّدْقِ، ولَيْسَ اَلْمُرادُ أنَّ كُلَّ رَسُولٍ جاءَ بِجَمِيعِ ما ذُكِّرَ، حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَسُولٍ كِتابٌ، بَلِ اَلْمُرادُ أنَّ بَعْضَ اَلرُّسُلِ جاءَ بِهَذا، وبَعْضُهم جاءَ بِهَذا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالجَمِيعِ واحِدٌ، والعَطْفُ لِتَغايُرِ اَلْأوْصافِ.
فاطر 35:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦ ] ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ .
﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ: إنْكارِي بِالعُقُوبَةِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَشْدِيدٍ وتَهْوِيلٍ لَها.
فاطر 35:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧ ] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ قَرَأ اَلْجُمْهُورُ: ﴿جُدَدٌ﴾ بِضَمِّ اَلْجِيمِ وفَتْحِ اَلدّالِ، جَمْعُ (جُدَّةٍ) بِالضَّمِّ، وهي اَلطَّرِيقَةُ مِن (جَدَّهُ) إذا قَطَعَهُ، أيْ: ومِنَ اَلْجِبالِ (p-٤٩٨٣)ذَوُو جُدَدٍ، أيْ: طَرائِقَ بِيضٍ وحُمْرٍ، وإنَّما قُدِّرَ اَلْمُضافُ؛ لِأنَّ اَلْجِبالَ لَيْسَتْ نَفْسَ اَلطَّرائِقِ. وغَرابِيبُ: جَمْعُ (غِرْبِيبٍ) وهو اَلْأسْوَدُ اَلْمُتَناهِي في اَلسَّوادِ، يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، كَما يُقالُ: أحْمَرُ قانٍ، وأصْفَرُ فاقِعٌ، تَأْكِيدًا. وإنَّما قَدَّمَ هُنا، ومِن حَقِّ اَلتَّوْكِيدِ أنْ يَتْبَعَ اَلْمُؤَكَّدَ لِلْمُبالَغَةِ، ورَأى بَعْضُهم أنَّهُ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ، ذِهابًا إلى جَوازِ تَقْدِيمِ اَلصِّفَةِ عَلى مَوْصُوفِها.
فاطر 35:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨ ] ﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ .
﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ﴾ أيِ: اِخْتِلافًا كَذَلِكَ، أيْ: كاخْتِلافِ اَلثَّمَراتِ والجِبالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ تَكْمِلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨] بِتَعْيِينِ مَن يَخْشاهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ اَلنّاسِ، بَعْدَ بَيانِ اِخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ، وتَبايُنِ مَراتِبِهِمْ، أمّا في اَلْأوْصافِ اَلْمَعْنَوِيَّةِ فَبِطْرِيقِ اَلتَّمْثِيلِ، وأمّا في اَلْأوْصافِ اَلصُّورِيَّةِ فَبِطْرِيقِ اَلتَّصْرِيحِ، تَوْفِيَةً لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما حَقَّها اَللّائِقَ بِها مِنَ اَلْبَيانِ؛ أيْ: إنَّما يَخْشاهُ تَعالى بِالغَيْبِ، اَلْعالِمُونَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِما يَلِيقُ بِهِ مِن صِفاتِهِ اَلْجَلِيلَةِ، وأفْعالِهِ اَلْجَمِيلَةِ؛ لِما أنَّ مَدارَ اَلْخَشْيَةِ مَعْرِفَةُ اَلْمَخْشِيِّ والعِلْمُ بِشُؤُونِهِ، فَمَن كانَ أعْلَمَ بِهِ تَعالى، كانَ أخْشى مِنهُ عَزَّ وجَلَّ. كَما قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أنا أخْشاكم لِلَّهِ وأتْقاكم لَهُ»» . ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِذِكْرِ أفْعالِهِ اَلدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وحَيْثُ كانَ اَلْكَفَرَةُ بِمَعْزِلٍ مِن هَذِهِ اَلْمَعْرِفَةِ، اِمْتَنَعَ إنْذارُهم بِالكُلِّيَّةِ. أفادَهُ أبُو اَلسُّعُودِ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: ما يَخْشى اَللَّهَ إلّا اَلْعُلَماءُ اَلْعَرْفاءُ بِهِ؛ لِأنَّ اَلْخَشْيَةَ لَيْسَتْ هي خَوْفَ اَلْعِقابِ، بَلْ هَيْئَةٌ في اَلْقَلْبِ خُشُوعِيَّةٌ اِنْكِسارِيَّةٌ عِنْدَ تَصَوُّرِ وصْفِ اَلْعَظَمَةِ، واسْتِحْضارِهِ لَها، (p-٤٩٨٤)فَمَن لَمْ يَتَصَوَّرْ عَظَمَتَهُ لَمْ يُمْكِنْهُ خَشْيَتُهُ، ومَن تَجَلّى اَللَّهُ لَهُ بِعَظَمَتِهِ، خَشِيَهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ، وبَيْنَ اَلْحُضُورِ اَلتَّصَوُّرِيِّ اَلْحاصِلِ لِلْعالِمِ غَيْرِ اَلْعارِفِ، وبَيْنَ اَلتَّجَلِّي اَلثّابِتِ لِلْعالِمِ اَلْعارِفِ - بَوْنٌ بَعِيدٌ - ومَراتِبُ اَلْخَشْيَةِ لا تُحْصى بِحَسْبِ مَراتِبِ اَلْعِلْمِ والعِرْفانِ. اِنْتَهى.
ويَذْكُرُ بَعْضُ اَلْمُفَسِّرِينَ هُنا اَلْقِراءَةَ اَلشّاذَّةَ. رَفْعَ اَلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ ونَصْبَ اَلْعُلَماءِ، ويَتَأوَّلُونَ اَلْخَشْيَةَ بِالتَّعْظِيمِ اِسْتِعارَةً، ورُبَّما اِسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِهِ:
؎أهابُكَ إجْلالًا وما بِكَ قُدْرَةٌ عَلَيَّ ولَكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُها
وقَدْ طَعَنَ في (" اَلنَّشْرِ") في هَذِهِ اَلْقِراءَةِ، والحَقُّ لَهُ؛ لِمُنافاتِها لِلسِّياقِ والسِّباقِ، وما أغْنى اَلْمُنَقِّحِينَ عَنْ تَسْوِيدِ اَلصُّحُفِ بِمِثْلِ هَذِهِ اَلشَّواذِّ ! وباللَّهِ اَلتَّوْفِيقُ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ أيْ: غالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِعَظَمَتِهِ، غَفُورٌ لِمَن تابَ وأنابَ وعَمِلَ صالِحًا.
فاطر 35:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ .
﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ أيْ: يُداوِمُونَ عَلى تِلاوَتِهِ وتَدَبُّرِهِ، لِلْأخْذِ بِما فِيهِ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أيْ: أجْرًا وفَضْلًا لا يَفْنى، والتِّجارَةُ اِسْتِعارَةٌ لِتَحْصِيلِ اَلثَّوابِ بِالطّاعَةِ، والبَوارُ بِمَعْنى اَلْكَسادِ والهَلاكِ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ.
فاطر 35:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠ ] ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ .
﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أيْ: لِأعْمالِهِمْ، والشُّكْرُ مَجازٌ عَنِ اَلْإثابَةِ والجَزاءِ بِالإحْسانِ.
(p-٤٩٨٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١ - ٣٢ ] ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: ثُمَّ، بَعْدَ أخْذِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا، أوْرَثْنا اَلْكِتابَ اَلَّذِي هو أعْظَمُ فَضْلٍ، وعِنايَةٍ، ورَحْمَةٍ، اَلْمُصْطَفَيْنَ مِنَ اَلْمُوَحِّدِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ اِنْقِسامَهم في اَلْعَمَلِ بِهِ إلى ثَلاثَةٍ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: بِالإثْمِ والعِصْيانِ: ﴿ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: في اَلْعَمَلِ، لَيْسَ مِنَ اَلْمُجْرِمِينَ، ولا مِنَ اَلسّابِقِينَ: ﴿ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]
فاطر 35:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠ ] ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ .
﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أيْ: لِأعْمالِهِمْ، والشُّكْرُ مَجازٌ عَنِ اَلْإثابَةِ والجَزاءِ بِالإحْسانِ.
(p-٤٩٨٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١ - ٣٢ ] ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: ثُمَّ، بَعْدَ أخْذِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا، أوْرَثْنا اَلْكِتابَ اَلَّذِي هو أعْظَمُ فَضْلٍ، وعِنايَةٍ، ورَحْمَةٍ، اَلْمُصْطَفَيْنَ مِنَ اَلْمُوَحِّدِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ اِنْقِسامَهم في اَلْعَمَلِ بِهِ إلى ثَلاثَةٍ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: بِالإثْمِ والعِصْيانِ: ﴿ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: في اَلْعَمَلِ، لَيْسَ مِنَ اَلْمُجْرِمِينَ، ولا مِنَ اَلسّابِقِينَ: ﴿ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]
فاطر 35:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠ ] ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ .
﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أيْ: لِأعْمالِهِمْ، والشُّكْرُ مَجازٌ عَنِ اَلْإثابَةِ والجَزاءِ بِالإحْسانِ.
(p-٤٩٨٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١ - ٣٢ ] ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: ثُمَّ، بَعْدَ أخْذِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا، أوْرَثْنا اَلْكِتابَ اَلَّذِي هو أعْظَمُ فَضْلٍ، وعِنايَةٍ، ورَحْمَةٍ، اَلْمُصْطَفَيْنَ مِنَ اَلْمُوَحِّدِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ اِنْقِسامَهم في اَلْعَمَلِ بِهِ إلى ثَلاثَةٍ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: بِالإثْمِ والعِصْيانِ: ﴿ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: في اَلْعَمَلِ، لَيْسَ مِنَ اَلْمُجْرِمِينَ، ولا مِنَ اَلسّابِقِينَ: ﴿ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]
فاطر 35:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ - ٣٤ ] ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] .
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]
(p-٤٩٨٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٥ ] ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] .
﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾ [فاطر: ٣٥] أيِ: اَلْإقامَةِ: ﴿مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] أيْ: تَعَبٌ: ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] أيْ: كَلالٌ.
فاطر 35:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ - ٣٤ ] ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] .
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]
(p-٤٩٨٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٥ ] ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] .
﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾ [فاطر: ٣٥] أيِ: اَلْإقامَةِ: ﴿مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] أيْ: تَعَبٌ: ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] أيْ: كَلالٌ.
فاطر 35:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ - ٣٤ ] ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] .
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]
(p-٤٩٨٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٥ ] ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] .
﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾ [فاطر: ٣٥] أيِ: اَلْإقامَةِ: ﴿مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] أيْ: تَعَبٌ: ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] أيْ: كَلالٌ.
فاطر 35:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦ - ٣٧ ] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] .
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] أيْ: أوَما عِشْتُمْ في اَلدُّنْيا أعْمارًا يَنْتَفِعُ فِيها مَن يَتَذَكَّرُ ويَتَبَصَّرُ؟ قالَ قَتادَةُ: اِعْلَمُوا أنَّ طُولَ اَلْعُمُرِ حُجَّةٌ. فَتَعَوَّذْ باللَّهِ أنَّ تَغْتَرَّ بِطُولِ اَلْعُمُرِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ، وإنَّ فِيهِمْ لابْنَ ثَمانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً.
فاطر 35:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦ - ٣٧ ] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] .
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] أيْ: أوَما عِشْتُمْ في اَلدُّنْيا أعْمارًا يَنْتَفِعُ فِيها مَن يَتَذَكَّرُ ويَتَبَصَّرُ؟ قالَ قَتادَةُ: اِعْلَمُوا أنَّ طُولَ اَلْعُمُرِ حُجَّةٌ. فَتَعَوَّذْ باللَّهِ أنَّ تَغْتَرَّ بِطُولِ اَلْعُمُرِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ، وإنَّ فِيهِمْ لابْنَ ثَمانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً.
فاطر 35:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
(p-٤٩٨٧)[ ٣٨ - ٣٩ ] ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلا خَسارًا﴾ [فاطر: ٣٩] .
﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩] أيْ: مُسْتَخْلَفِينَ فِيها، أباحَ لَكم مَنافِعَها لِتَشْكُرُوهُ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ: ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا﴾ [فاطر: ٣٩] أيْ: بُغْضًا شَدِيدًا
﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلا خَسارًا﴾ [فاطر: ٣٩]
فاطر 35:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
(p-٤٩٨٧)[ ٣٨ - ٣٩ ] ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلا خَسارًا﴾ [فاطر: ٣٩] .
﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩] أيْ: مُسْتَخْلَفِينَ فِيها، أباحَ لَكم مَنافِعَها لِتَشْكُرُوهُ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ: ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا﴾ [فاطر: ٣٩] أيْ: بُغْضًا شَدِيدًا
﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلا خَسارًا﴾ [فاطر: ٣٩]
فاطر 35:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ ] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا﴾ .
﴿قُلْ﴾ أيْ: تَبْكِيتًا لَهُمْ: ﴿أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ أيْ: شِرْكَةٌ في خَلْقِها: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ أيْ: حُجَّةٍ وبُرْهانٍ، بِأنَّهُ أذِنَ لَهم في اَلْإشْراكِ: ﴿بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا﴾ أيْ: في قَوْلِهِمْ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اَللَّهِ.
فاطر 35:41
(p-٤٩٨٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١ - ٤٣ ] ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] ﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَّيِّئِ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ [فاطر: ٤٣] .
﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما﴾ أيْ: ما أمْسَكَهُما: ﴿مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] ﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَّيِّئِ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ﴾ [فاطر: ٤٣] يَعْنِي إنْزالَ اَلْعَذابِ عَلى اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِرُسُلِهِمْ مِنَ اَلْأُمَمِ قَبْلَهُمْ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ [فاطر: ٤٣] وفي مَعْنى اَلْآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْـزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ [الأنعام: ١٥٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠]
فاطر 35:42
(p-٤٩٨٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١ - ٤٣ ] ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] ﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَّيِّئِ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ [فاطر: ٤٣] .
﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما﴾ أيْ: ما أمْسَكَهُما: ﴿مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] ﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَّيِّئِ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ﴾ [فاطر: ٤٣] يَعْنِي إنْزالَ اَلْعَذابِ عَلى اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِرُسُلِهِمْ مِنَ اَلْأُمَمِ قَبْلَهُمْ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ [فاطر: ٤٣] وفي مَعْنى اَلْآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْـزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ [الأنعام: ١٥٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠]
فاطر 35:43
(p-٤٩٨٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١ - ٤٣ ] ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] ﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَّيِّئِ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ [فاطر: ٤٣] .
﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما﴾ أيْ: ما أمْسَكَهُما: ﴿مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] ﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَّيِّئِ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ﴾ [فاطر: ٤٣] يَعْنِي إنْزالَ اَلْعَذابِ عَلى اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِرُسُلِهِمْ مِنَ اَلْأُمَمِ قَبْلَهُمْ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ [فاطر: ٤٣] وفي مَعْنى اَلْآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْـزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ [الأنعام: ١٥٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠]
فاطر 35:44
(p-٤٩٨٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٤ - ٤٥ ] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ إنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥] .
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ إنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا﴾ [فاطر: ٤٥] أيْ: بِما اِقْتَرَفُوا مِن مَعاصِيهِمْ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] أيْ: مِن نَسَمَةٍ تَدِبُّ، لِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ، والضَّمِيرُ لِلْأرْضِ لِسَبْقِ ذِكْرِها: ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥] أيْ: يُؤَخِّرُ عِقابَهم ومُؤاخَذَتَهم بِما كَسَبُوا إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥] أيْ: فَإذا جاءَ أجْلُ عِقابِهِمْ فَإنَّ اَللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا بِمَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُعاقَبَ، وبِمَن يَسْتَوْجِبُ اَلْكَرامَةَ.
فاطر 35:45
(p-٤٩٨٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٤ - ٤٥ ] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ إنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥] .
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ إنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا﴾ [فاطر: ٤٥] أيْ: بِما اِقْتَرَفُوا مِن مَعاصِيهِمْ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] أيْ: مِن نَسَمَةٍ تَدِبُّ، لِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ، والضَّمِيرُ لِلْأرْضِ لِسَبْقِ ذِكْرِها: ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥] أيْ: يُؤَخِّرُ عِقابَهم ومُؤاخَذَتَهم بِما كَسَبُوا إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥] أيْ: فَإذا جاءَ أجْلُ عِقابِهِمْ فَإنَّ اَللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا بِمَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُعاقَبَ، وبِمَن يَسْتَوْجِبُ اَلْكَرامَةَ.
يس 36:1
(p-٤٩٩٠)سُورَةُ يس
هِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى مِنها بَعْضُهم قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] اَلْآيَةَ، لِما أخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كانَتْ بَنُو سَلَمَةَ في ناحِيَةِ اَلْمَدِينَةِ. فَأرادُوا اَلنَّقْلَةَ إلى قُرْبِ اَلْمَسْجِدِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ» .
ولا حاجَةَ لِدَعْوى اَلِاسْتِثْناءِ فِيها وفي نَظائِرِها. لِأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ اَلْمُرادَ بِالنُّزُولِ أنَّ اَلْواقِعَةَ كانَتْ سَبَبًا لِنُزُولِها، مَعَ أنَّ اَلنُّزُولَ في اَلْآثارِ يَشْمَلُ ذَلِكَ، وكُلُّ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ اَلْآيَةُ، كَما بَيَّنّاهُ مِرارًا. لا سِيَّما في اَلْمُقَدِّمَةِ. يُؤَيِّدُهُ أنَّهُ جاءَ في هَذِهِ اَلرِّوايَةِ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ لَهم هَذِهِ اَلْآيَةَ. كَما في رِوايَةِ اَلصَّحِيحَيْنِ. وهَكَذا يُقالُ فِيما رُوِيَ أنَّ آيَةَ ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس: ٤٧] مِن هَذِهِ اَلسُّورَةِ نَزَلَتْ في اَلْمُنافِقِينَ. فَإنَّ اَلْمُرادَ ما ذَكَرْناهُ. ولَمْ يَهْتَدِ لِهَذا اَلتَّحْقِيقِ أرْبابُ اَلْحَواشِي هُنا، فاحْفَظْهُ. وآيُها ثَلاثٌ وثَمانُونَ آيَةً.
ومِمّا رُوِيَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ رَفَعَهُ: «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا وقَلْبُ اَلْقُرْآنِ يس،» وفي إسْنادِهِ ضَعْفٌ.
(p-٤٩٩١)بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ ] ﴿يس﴾ .
﴿يس﴾ تَقَدَّمَ اَلْكَلامُ في مِثْلِ هَذِهِ اَلْفَواتِحِ مِرارًا. وحاصِلُهُ - كَما قالَهُ أبُو اَلسُّعُودِ - أنَّها إمّا مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ اَلتَّعْدِيدِ، فَلا حَظَّ لَها مِنَ اَلْإعْرابِ، أوِ اِسْمٌ لِلسُّورَةِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ اَلْخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وعَلَيْهِ اَلْأكْثَرُ، فَمَحَلُّهُ اَلرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، أوِ اَلنَّصْبُ، مَفْعُولًا لِمَحْذُوفٍ، وعَلَيْهِما مَدارُ قِراءَةِ: ﴿يس﴾ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ.
يس 36:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢ ] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ .
﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ أيْ: ذِي اَلْحِكْمَةِ أوِ اَلنّاطِقِ بِالحِكْمَةِ، ولَمّا كانَتْ مَنزِلَةُ اَلْحِكْمَةِ مِنَ اَلْمَعارِفِ، مَنزِلَةَ اَلرَّأْسِ، وكانَتْ أخَصَّ أوْصافِ اَلتَّنْزِيلِ، أُوثِرَتْ في اَلْقَسَمِ بِهِ دُونَ بَقِيَّةِ صِفاتِهِ، لِذَلِكَ.
يس 36:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ - ٤ ] ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ٤] .
﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ٤] وهو اَلْمُوصِلُ إلى اَلْمَطْلُوبِ بِدُونِ لُغُوبٍ. والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
يس 36:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ - ٤ ] ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ٤] .
﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ٤] وهو اَلْمُوصِلُ إلى اَلْمَطْلُوبِ بِدُونِ لُغُوبٍ. والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
يس 36:5
(p-٤٩٩٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ ] ﴿تَنْـزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ .
﴿تَنْـزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلِهِ، وبِالرَّفْعِ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ لِـ: ﴿يس﴾ [يس: ١] إنْ كانَ اِسْمًا لِلسُّورَةِ، أوْ مُؤَوَّلًا بِها. والجُمْلَةُ اَلْقَسَمِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ، والقَسَمُ لِتَأْكِيدِ اَلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ والمُقْسَمِ بِهِ، اِهْتِمامًا.
يس 36:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ ] ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ .
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ أيْ: بِرَسُولٍ ولا كِتابٍ: ﴿فَهم غافِلُونَ﴾ أيْ: عَنْ أمْرِ حَقِّ اَلْخالِقِ والمَخْلُوقِ، بِالكُفْرِ، والفَسادِ، ونُكْرانِ اَلْبَعْثِ، والمَعادِ.
يس 36:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ ] ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ أيِ: اِسْتَأْهَلُوا لِأنْ يَنْزِلَ بِهِمُ اَلْعَذابُ، ويُنْتَقَمَ مِنهم أشَدُّ اَلِانْتِقامِ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا ويَهْتَدُوا، كُفْرًا، وكِبْرًا، وعِنادًا، وبَغْيًا في اَلْأرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ.
يس 36:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨ ] ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا فَهي إلى الأذْقانِ فَهم مُقْمَحُونَ﴾ .
﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا فَهي إلى الأذْقانِ﴾ أيِ: اَللِّحى؛ أيْ: واصِلَةٌ إلَيْها ومَلْزُوزَةٌ إلَيْها: ﴿فَهم مُقْمَحُونَ﴾ أيْ: ناصِبُو رُؤُوسِهِمْ، غاضُّو أبْصارِهِمْ. يُقالُ: أقْمَحَ اَلرَّجُلُ، رَفَعَ رَأْسَهُ وغَضَّ بَصَرَهُ. وأقْمَحَ اَلْغِلُّ اَلْأسِيرَ، إذا تَرَكَ رَأْسَهُ مَرْفُوعًا لِضِيقِهِ، فَهو مُقْمَحٌ، وذَلِكَ إذا لَمْ يَتْرُكْهُ عَمُودُ اَلْغِلِّ اَلَّذِي يَنْخُسُ ذَقَنَهُ، أنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ. قالَ اِبْنُ اَلْأثِيرِ: هي في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٩٩٣)﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ كِنايَةً عَنِ اَلْأيْدِي لا عَنِ اَلْأعْناقِ؛ لِأنَّ اَلْغِلَّ يَجْعَلُ اَلْيَدَ تَلِي اَلذَّقَنَ والعُنُقَ، وهو مُقارِبٌ لِلذَّقَنِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: أرادَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ أيْدِيَهم لَمّا غُلَّتْ عِنْدَ أعْناقِهِمْ، رَفَعَتِ اَلْأغْلالُ أذْقانَهم ورُؤُوسَهم صُعُدًا، كالإبِلِ اَلرّافِعَةِ رُؤُوسَها، وهَذا مَعْنى قَوْلِ اِبْنِ كَثِيرٍ: اِكْتَفى بِذِكْرِ اَلْغِلِّ في اَلْعُنُقِ، عَنْ ذِكْرِ اَلْيَدَيْنِ، وإنْ كانَتا مُرادَتَيْنِ، لِما دَلَّ اَلسِّياقُ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ اَلْغِلَّ إنَّما يُعْرَفُ فِيما جَمَعَ اَلْيَدَيْنِ مَعَ اَلْعُنُقِ.
يس 36:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ ] ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ .
﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: مَثَّلَ تَصْمِيمَهم عَلى اَلْكُفْرِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى اِرْعِوائِهِمْ، بِأنْ جَعَلَهم كالمَغْلُولِينَ اَلْمُقْمَحِينَ، في أنَّهم لا يَلْتَفِتُونَ إلى اَلْحَقِّ، ولا يَعْطِفُونَ أعْناقَهم نَحْوَهُ، ولا يُطَأْطِئُونَ رُؤُوسَهم لَهُ، وكالحاصِلِينَ بَيْنَ سَدَّيْنِ، لا يُبْصِرُونَ ما قُدّامَهم ولا ما خَلْفَهُمْ، في أنْ لا تَأمُّلَ لَهم ولا تَبَصُّرَ، وأنَّهم مُتَعامُونَ عَنِ اَلنَّظَرِ في آياتِ اَللَّهِ. اِنْتَهى. أيْ: فالمَجْمُوعُ اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
وفِي (اَلِانْتِصافِ) لِلنّاصِرِ: إذا فَرَّقْتَ هَذا اَلتَّشْبِيهَ، كانَ تَصْمِيمُهم عَلى اَلْكُفْرِ مُشَبَّهًا بِالأغْلالِ، وكانَ اِسْتِكْبارُهم عَنْ قَبُولِ اَلْحَقِّ، وعَنِ اَلْخُضُوعِ، والتَّواضُعِ لِاسْتِماعِهِ، مُشَبَّهًا بِالإقْماحِ؛ لِأنَّ اَلْمُقْمَحَ لا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ [يس: ٨] تَتِمَّةٌ لِلُزُومِ اَلْإقْماحِ لَهُمْ، وكانَ عَدَمُ اَلْفِكْرِ في اَلْقُرُونِ اَلْخالِيَةِ مُشَبَّهًا بِسَدٍّ مِن خَلْفِهِمْ، وعَدَمُ اَلنَّظَرِ في اَلْعَواقِبِ اَلْمُسْتَقْبَلَةِ مُشَبَّهًا بِسَدٍّ مِن قُدّامِهِمُ. اِنْتَهى. فَيَكُونُ فِيهِ تَشْبِيهٌ مُتَعَدِّدٌ. قالَ الشِّهابُ: والتَّمْثِيلُ أحْسَنُ مِنهُ. اِنْتَهى.
ثُمَّ قالَ النّاصِرُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اَلْفاءُ فِي: ﴿فَهم مُقْمَحُونَ﴾ [يس: ٨] لِلتَّعْقِيبِ، كالفاءِ اَلْأُولى، أوْ لِلتَّسَبُّبِ، ولا شَكَّ أنَّ ضَغْطَ اَلْيَدِ مَعَ اَلْعُنُقِ في اَلْغِلِّ يُوجِبُ اَلْإقْماحَ؛ فَإنَّ اَلْيَدَ، والعِياذُ بِاللَّهِ، تَبْقى مُمْسِكَةً بِالغِلِّ تَحْتَ اَلذَّقَنِ، دافِعَةً بِها ومانِعَةً مِن وطْأتِها. ويَكُونُ اَلتَّشْبِيهُ أتَمَّ عَلى هَذا اَلتَّفْسِيرِ، فَإنَّ (p-٤٩٩٤)اَلْيَدَ مَتى كانَتْ مُرْسَلَةً مُخْلاةً، كانَ لِلْمَغْلُولِ بَعْضُ اَلْفَرَجِ بِإطْلاقِها، ولَعَلَّهُ يُتَحَيَّلُ بِها عَلى فِكاكِ اَلْغِلِّ، ولا كَذَلِكَ إذا كانَتْ مَغْلُولَةً. فَيُضافُ إلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ اَلتَّشْبِيهاتِ اَلْمُفَرَّقَةِ، أنْ يَكُونَ اِنْسِدادُ بابِ اَلْحِيَلِ عَلَيْهِمْ في اَلْهِدايَةِ والِانْخِلاعِ مِن رِبْقَةِ اَلْكُفْرِ اَلْمُقَدَّرِ عَلَيْهِمْ، مُشَبَّهًا بِغِلِّ اَلْأيْدِي؛ فَإنَّ اَلْيَدَ آلَةُ اَلْحِيلَةِ إلى اَلْخَلاصِ. اِنْتَهى.
وإنَّما اُخْتِيرَ هَذا؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ في ذِكْرِ أحْوالِهِمْ في اَلدُّنْيا، وجَعَلَهُ أبُو حَيّانَ لِبَيانِ أحْوالِهِمْ في اَلْآخِرَةِ، عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ لا تَمْثِيلَ فِيهِ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ أجْنَبِيًّا في اَلْبَيْنِ، وتَوْجِيهُهُ بِأنَّهُ كالبَيانِ لِقَوْلِهِ: ﴿حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ [يس: ٧] والأوَّلُ أدَقُّ، وبِالقَبُولِ أحَقُّ.
يس 36:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ ] ﴿وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ أيْ: خَوَّفَتْهم بِالقُرْآنِ: ﴿أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا، ولَمّا صَدَقَتِ اَلْآيَةُ عَلى مِثْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ مِن كَفَرَةِ قُرَيْشٍ، اَلَّذِينَ هَلَكُوا في بَدْرٍ، وكانُوا طَواغِيتَ اَلْكُفْرِ، أشارَ بَعْضُهم إلى أنَّ اَلْآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ.
يس 36:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ ] ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ .
﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾ أيِ: اَلْإنْذارَ اَلْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ اَلنَّفْعُ: ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أيِ: اَلْقُرْآنَ بِالتَّأمُّلِ فِيهِ والعَمَلِ بِهِ: ﴿وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ أيْ: عَمِلَ اَلصّالِحاتِ لِوَجْهِهِ، وإنْ كانَ لا يَراهُ
﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ أيْ: لِذُنُوبِهِ في اَلدُّنْيا: ﴿وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: ثَوابٍ حَسَنٍ في اَلْجَنَّةِ.
يس 36:12
(p-٤٩٩٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ ] ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهم وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ .
﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لِلْبَعْثِ: ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ أيْ: نَحْفَظُ عَلَيْهِمْ ما أسْلَفُوا مِنَ اَلْخَيْرِ والشَّرِّ: ﴿وآثارَهُمْ﴾ أيْ: ما تَرَكُوهُ مِن سُنَّةٍ صالِحَةٍ، فَعُمِلَ بِها بَعْدَ مَوْتِهِمْ، أوْ سَنَةٍ سَيِّئَةٍ فَعُمِلَ بِها بَعْدَهُمْ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: في اَللَّوْحِ اَلْمَحْفُوظِ، أوِ اَلْعِلْمِ اَلْأزَلِيِّ.
يس 36:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣ ] ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ .
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا﴾ أيْ: مَثِّلْ لِأهْلِ مَكَّةَ مَثَلًا: ﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ أيِ: اِذْكُرْ لَهم قِصَّةً عَجِيبَةً، قِصَّةَ أصْحابِ اَلْقَرْيَةِ: ﴿إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ أيِ: اَلدُّعاةُ إلى اَلْحَقِّ، ورَفْضِ عِبادَةِ اَلْأوْثانِ.
يس 36:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ ] ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ .
﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ أيْ: فَقَوَّيْناهُما بِرِسالَةِ ثالِثٍ: ﴿فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾
يس 36:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ - ١٧ ] ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْـزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ﴾ (p-٤٩٩٦)﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٦] ﴿وما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [يس: ١٧] .
﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْـزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٦] ﴿وما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [يس: ١٧] أيِ: اَلتَّبْلِيغُ عَنِ اَللَّهِ ظاهِرًا بَيِّنًا لا سُتْرَةَ فِيهِ، وقَدْ خَرَجْنا مِن عُهْدَتِهِ.
يس 36:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ - ١٧ ] ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْـزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ﴾ (p-٤٩٩٦)﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٦] ﴿وما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [يس: ١٧] .
﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْـزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٦] ﴿وما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [يس: ١٧] أيِ: اَلتَّبْلِيغُ عَنِ اَللَّهِ ظاهِرًا بَيِّنًا لا سُتْرَةَ فِيهِ، وقَدْ خَرَجْنا مِن عُهْدَتِهِ.
يس 36:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ - ١٧ ] ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْـزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ﴾ (p-٤٩٩٦)﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٦] ﴿وما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [يس: ١٧] .
﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْـزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٦] ﴿وما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [يس: ١٧] أيِ: اَلتَّبْلِيغُ عَنِ اَللَّهِ ظاهِرًا بَيِّنًا لا سُتْرَةَ فِيهِ، وقَدْ خَرَجْنا مِن عُهْدَتِهِ.
يس 36:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨ ] ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ أيْ: تَشاءَمْنا بِكُمْ، فَكانَ إذا حَدَثَ في اَلْبَلَدِ ما يُسِيءُ مِن حَرِيقٍ أوْ بَلاءٍ، نَسَبُوهُ إلَيْهِمْ. وذَلِكَ أنَّهم كَرِهُوا دِينَهم ونَفَرَتْ مِنهُ نُفُوسُهُمْ، وعادَةُ اَلْجُهّالِ أنْ يَتَيَمَّنُوا بِكُلِّ شَيْءٍ مالُوا إلَيْهِ واشْتَهَوْهُ، وآثَرُوهُ وقَبِلَتْهُ طِباعُهُمْ، ويَتَشاءَمُوا بِما نَفَرُوا عَنْهُ وكَرِهُوهُ؛ فَإنْ أصابَهم نِعْمَةٌ أوْ بَلاءٌ قالُوا بِبَرَكَةِ هَذا وبِشُؤْمِ هَذا، كَما حَكى اَللَّهُ عَنِ اَلْقِبْطِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وعَنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] أفادَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ أيْ: عَنْ دَعْوَتِكم إلى اَلتَّوْحِيدِ: ﴿لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾
يس 36:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ ] ﴿قالُوا طائِرُكم مَعَكم أإنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ .
﴿قالُوا﴾ أيِ: اَلرُّسُلُ: ﴿طائِرُكم مَعَكُمْ﴾ أيْ: سَبَبُ شُؤْمِكم مَعَكُمْ، وهو اَلْكُفْرُ والمَعاصِي: ﴿أإنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أيْ: وُعِظْتُمْ بِما فِيهِ سَعادَتُكم. وجَوابُ اَلشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: تَطَيَّرْتُمْ، وتَوَعَّدْتُمْ بِالرَّجْمِ والتَّعْذِيبِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أيْ: في اَلشُّؤْمِ والعُدْوانِ.
يس 36:20
(p-٤٩٩٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ ] ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ .
﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ أيْ: يُسْرِعُ في اَلْمَشْيِ، حَيْثُ سَمِعَ بِالرُّسُلِ: ﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: بِالإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ.
يس 36:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ ] ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ أيْ: جُعْلًا، ولا مالًا عَلى اَلْإيمانِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: في أنْفُسِهِمْ بِالكِمالاتِ، والأخْلاقِ اَلْكَرِيمَةِ، والآدابِ اَلشَّرِيفَةِ؛ أيْ: فَيَجْدُرُ أنْ يُتَأسّى بِهِمْ.
يس 36:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢ ] ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: خَلَقَنِي، وهَذا تَلَطُّفٌ في اَلْإرْشادِ بِإيرادِهِ في مَعْرِضِ اَلْمُناصَحَةِ لِنَفْسِهِ، وإمْحاضِ اَلنُّصْحِ، حَيْثُ أراهم أنَّهُ اِخْتارَ لَهم ما يَخْتارُ لِنَفْسِهِ. والمُرادُ تَقْرِيعُهم عَلى تَرْكِ عِبادَةِ خالِقِهِمْ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ اَلْمَوْتِ.
يس 36:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣ ] ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ .
﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ أيْ: فَأضْرَعُ إلَيْها وأعْبُدُها، وهي في اَلْمَهانَةِ والحَقارَةِ بِحَيْثُ ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ اَلضُّرِّ، بِالنَّصْرِ والمُظاهَرَةِ. وفِيهِ تَحْمِيقٌ لَهُمْ؛ لِأنَّ ما يُتَّخَذُ ويَصْنَعُهُ اَلْمَخْلُوقُ، كَيْفَ يُعْبَدُ؟
يس 36:24
(p-٤٩٩٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤، ٢٥ ] ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥] .
﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥] أيْ: فاسْمَعُوا إيمانِي واشْهَدُوا بِهِ. قالَ السَّمِينُ: اَلْجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ اَلنُّونِ، وهي نُونُ اَلْوِقايَةِ، حُذِفَتْ بَعْدَها ياءُ اَلْإضافَةِ، مُجْتَزًى عَنْها بِكَسْرَةِ اَلنُّونِ، وهي اَللُّغَةُ اَلْعالِيَةُ. وقَرَأ بَعْضُهم بِفَتْحِها وهي غَلَطٌ. اِنْتَهى.
يس 36:25
(p-٤٩٩٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤، ٢٥ ] ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥] .
﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥] أيْ: فاسْمَعُوا إيمانِي واشْهَدُوا بِهِ. قالَ السَّمِينُ: اَلْجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ اَلنُّونِ، وهي نُونُ اَلْوِقايَةِ، حُذِفَتْ بَعْدَها ياءُ اَلْإضافَةِ، مُجْتَزًى عَنْها بِكَسْرَةِ اَلنُّونِ، وهي اَللُّغَةُ اَلْعالِيَةُ. وقَرَأ بَعْضُهم بِفَتْحِها وهي غَلَطٌ. اِنْتَهى.
يس 36:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦، ٢٧ ] ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٧] .
﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى صِدْقِ إيمانِكَ، وفَوْزِكَ بِسَبَبِهِ بِالشَّهادَةِ: ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٧] أيْ: لِيُقْبِلُوا عَلى ما أقْبَلَتْ عَلَيْهِ، ويُضَحُّوا لِأجْلِهِ اَلنَّفْسَ والنَّفِيسَ.
يس 36:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦، ٢٧ ] ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٧] .
﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى صِدْقِ إيمانِكَ، وفَوْزِكَ بِسَبَبِهِ بِالشَّهادَةِ: ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٧] أيْ: لِيُقْبِلُوا عَلى ما أقْبَلَتْ عَلَيْهِ، ويُضَحُّوا لِأجْلِهِ اَلنَّفْسَ والنَّفِيسَ.
يس 36:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨ ] ﴿وما أنْـزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْـزِلِينَ﴾ .
﴿وما أنْـزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ مَوْتِهِ بِالشَّهادَةِ: ﴿مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: لِإهْلاكِهِمْ: ﴿وما كُنّا مُنْـزِلِينَ﴾ قالَ الرّازِيُّ: إشارَةً إلى هَلاكِهِمْ بَعْدَهُ سَرِيعًا، عَلى أسْهَلِ وجْهٍ، فَإنَّهُ لَمْ يُحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنْدٍ يُهْلِكُهم.
يس 36:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩ ] ﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾ .
(p-٤٩٩٩)﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما كانَتِ اَلْعُقُوبَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً مِنَ اَلسَّماءِ هَلَكُوا بِها: ﴿فَإذا هم خامِدُونَ﴾ مَيِّتُونَ كالنّارِ اَلْخامِدَةِ، رَمْزًا إلى أنَّ اَلْحَيَّ كالنّارِ اَلسّاطِعَةِ في اَلْحَرَكَةِ والِالتِهابِ، والمَيِّتُ كالرَّمادِ، كَما قالَ لَبِيدٌ:
؎وما اَلْمَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ - قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ اَلسَّلَفِ أنَّ هَذِهِ اَلْقَرْيَةَ هي أنْطاكِيَّةُ، وأنَّ هَؤُلاءِ اَلثَّلاثَةَ كانُوا رُسُلًا مِن عِنْدِ اَلْمَسِيحِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وهو اَلَّذِي لَمْ يُذْكَرُ عَنْ أحَدٍ مِن مُتَأخِّرِي اَلْمُفَسِّرِينَ، غَيْرُهُ. وفي ذَلِكَ نَظَرٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها - أنَّ ظاهِرَ اَلْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا رُسُلَ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لا مِن جِهَةِ اَلْمَسِيحِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] ولَوْ كانَ هَؤُلاءِ مِنَ اَلْحَوارِيِّينَ، لَقالُوا عِبارَةً تُناسِبُ أنَّهم مِن عِنْدِ اَلْمَسِيحِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ لَوْ كانُوا رُسُلَ اَلْمَسِيحِ لَما قالُوا لَهُمْ: إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا.
اَلثّانِي - أنَّ أهْلَ أنْطاكِيَّةَ آمَنُوا بِرُسُلِ اَلْمَسِيحِ إلَيْهِمْ، وكانُوا أوَّلَ مَدِينَةٍ آمَنَتْ بِالمَسِيحِ؛ ولِهَذا كانَتْ عِنْدَ اَلنَّصارى إحْدى اَلْمَدائِنِ اَلْأرْبَعَةِ اَللّائِي فِيهِنَّ بَطارِكَةٌ، وهُنَّ: اَلْقُدْسُ؛ لِأنَّها بَلَدُ اَلْمَسِيحِ، وأنْطاكِيَةُ؛ لِأنَّها أوَّلُ بَلْدَةٍ آمَنتْ بِالمَسِيحِ عَنْ آخِرِ أهْلِها، والإسْكَنْدَرِيَّةُ؛ لِأنَّ فِيها اِصْطَلَحُوا عَلى اِتِّخاذِ اَلْبَطارِقَةِ والأساقِفَةِ والشَّمامِسَةِ والرَّهابِينَ، ثُمَّ رُومِيَّةُ؛ لِأنَّها مَدِينَةُ اَلْمَلِكِ قُسْطَنْطِينَ اَلَّذِي نَصَرَ دِينَهم وأطَّدَهُ، ولَمّا اِبْتَنى اَلْقُسْطَنْطِينِيَّةَ نَقَلُوا اَلْبَطْرَكَ مِن (p-٥٠٠٠)رُومِيَّةَ إلَيْها - كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ تَوارِيخَهم - كَسَعْدِ بْنِ بَطْرِيقَ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ اَلْكِتابِ والمُسْلِمِينَ - فَإذا تَقَرَّرَ أنَّ أنْطاكِيَةَ أوَّلُ مَدِينَةٍ آمَنَتْ، فَأهْلُ هَذِهِ اَلْقَرْيَةِ ذَكَرَ اَللَّهُ تَعالى أنَّهم كَذَّبُوا رُسُلَهُ، وأنَّهُ أهْلَكَهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ أخْمَدَتْهم.
اَلثّالِثُ - أنَّ قِصَّةَ أنْطاكِيَّةَ مَعَ اَلْحَوارِيِّينَ أصْحابِ اَلْمَسِيحِ بَعْدَ نُزُولِ اَلتَّوْراةِ، وقَدْ ذَكَرَ أبُو سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيُّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّلَفِ، أنَّ اَللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى بَعْدَ إنْزالِهِ اَلتَّوْراةَ، لَمْ يُهْلِكْ أُمَّةً مِنَ اَلْأُمَمِ عَنْ آخِرِهِمْ بِعَذابٍ يَبْعَثُهُ عَلَيْهِمْ. بَلْ أمَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقِتالِ اَلْمُشْرِكِينَ، ذَكَرُوهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣] فَعَلى هَذا يَتَعَيَّنُ أنَّ أهْلَ هَذِهِ اَلْقَرْيَةِ اَلْمَذْكُورَةِ في اَلْقُرْآنِ، قَرْيَةٌ أُخْرى غَيْرُ أنْطاكِيَّةَ، كَما أطْلَقَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّلَفِ أيْضًا، أوْ تَكُونُ أنْطاكِيَةُ - إنْ كانَ لَفْظُها مَحْفُوظًا في هَذِهِ اَلْقِصَّةِ - مَدِينَةً أُخْرى غَيْرَ اَلْمَشْهُورَةِ اَلْمَعْرُوفَةِ؛ فَإنَّ هَذِهِ لَمْ يُعْرَفْ أنَّها أُهْلِكَتْ لا في اَلْمِلَّةِ اَلنَّصْرانِيَّةِ، ولا قَبْلَ ذَلِكَ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. اِنْتَهى كَلامُ اِبْنِ كَثِيرٍ.
وأقُولُ: إنَّ مِن مَحاسِنِ اَلتَّنْزِيلِ اَلْكَرِيمِ وبَلاغَتِهِ اَلْخارِقَةِ، هو اَلْإيجازُ في اَلْأنْباءِ اَلَّتِي يَقُصُّها، والإشارَةُ مِنها إلى رُوحِها وسِرِّها، حِرْصًا عَلى اَلثَّمَرَةِ مِن أوَّلِ اَلْأمْرِ، واقْتِصارًا عَلى مَوْضِعِ اَلْفائِدَةِ، وبُعْدًا عَنْ مَشْرَبِ اَلْقُصّاصِ والمُؤَرِّخِينَ؛ لِأنَّ اَلْقَصْدَ مِن قَصَصِهِ اَلِاعْتِبارُ والذِّكْرى، وما مِن حاجَةٍ إلى تَسْمِيَةِ تِلْكَ اَلْمُبْهَماتِ كائِنَةً ما كانَتْ، ثُمَّ إنَّ اَلْمُفَسِّرِينَ رَحِمَهُمُ اَللَّهُ عَنَوْا بِالبَحْثِ، والأخْذِ، والتَّلَقِّي، فَكانَ مَن سَلَفَ مِنهم يَرَوْنَ فِيما يَرَوْنَ أنَّ مِنَ اَلْعِلْمِ تَفْصِيلَ مُجْمِلاتِ اَلتَّنْزِيلِ وإبانَةَ مُبْهَماتِهِ، حَتّى جَعَلَ ذَلِكَ فَنًّا بِرَأْسِهِ، وألَّفَ فِيهِ مُؤَلَّفاتٍ، ولا بَأْسَ في اَلتَّوَسُّعِ مِنَ اَلْعِلْمِ والِازْدِيادِ مِنهُ بِأيِّ طَرِيقَةٍ كانَتْ، لاسِيَّما وقَدْ رُفِعَ عَنّا اَلْحَرَجُ بِالتَّحَدُّثِ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، إلّا أنَّهُ يُؤاخَذُ مَن يَجْزِمُ بِتَعْيِينِ مُبْهَمٍ ما، إنْ كانَ جَزْمُهُ مِن غَيْرِ طَرِيقِ اَلْقَواطِعِ (p-٥٠٠١)؛ فَإنَّ اَلْقاطِعَ هو ما تَواتَرَ أوْ صَحَّ سَنَدُهُ إلى اَلْمَعْصُومِ، صِحَّةً لا مَغْمَزَ فِيها، وهَذا مَفْقُودٌ في اَلْأكْثَرِ، ومِنهُ بَحْثُنا اَلْمَذْكُورُ؛ فَإنَّ تَعْيِينَ أنَّ اَلْبَلْدَةَ أنْطاكِيَّةُ وتَسْمِيَةُ اَلرُّسُلِ، إنَّما رُوِيَ مَوْقُوفًا ومُنْقَطِعًا، وفي بَعْضِ إسْنادِهِ مُتَّهَمُونَ، ولِذا قَدْ يَرِدُ عَلى مَن يَقْطَعُ بِذَلِكَ ما لا مَخْرَجَ لَهُ مِنهُ، فالمُفَسِّرُ أحْسَنُ أحْوالِهِ أنْ يَمْشِيَ مَعَ اَلتَّنْزِيلِ، إجْمالًا فِيما أجْمَلَهُ، وتَفْصِيلًا فِيما فَصَّلَهُ، ولا يَأْخُذُ مِن إيضاحِ مُبْهَماتِهِ إلّا بِما قامَ عَلَيْهِ قاطِعٌ أوْ كانَ لا يَنْبِذُهُ اَلْعِلْمُ اَلصَّحِيحُ، وإلّا فَلْيُعْرِضْ عَنْ تَسْوِيدِ وُجُوهِ اَلصُّحُفِ بِذَلِكَ، بَلْ عَنْ تَشْوِيهِها.
والَّذِي حَمَلَ اَلسُّلَفَ عَلى قَصِّ ما نَحْنُ فِيهِ، هو تَلَقِّيهِمْ لَهُ عَنْ مِثْلِ كَعْبٍ ووَهْبٍ، ومُوافَقَةِ مَن في طَبَقَتِهِما لَهُما فِيهِ. هَذا أوَّلًا.
وثانِيًا شُهْرَةُ بَلْدَةِ أنْطاكِيَّةَ في ذَلِكَ اَلْعَهْدِ، لا سِيَّما وقَدْ أسَّسَ فِيها مَعْبَدًا أحَدُ رُسُلِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.
ثالِثًا ما جَرى في أنْطاكِيَةَ لَمّا قَدِمَ مَلِكُ اَلرُّومانِ، وتَهَدَّدَ كُلَّ مَن أبى عِبادَةَ اَلْأوْثانِ بِالقَتْلِ، وكانَ في مُقَدِّمَةِ اَلْآبِينَ رَجُلٌ مُقَدَّمٌ في اَلْمُؤْمِنِينَ، فَأرادَهُ عَلى اَلشِّرْكِ فَأبى وجَهَرَ بِالتَّوْحِيدِ، فَأرْسَلَهُ مِن أنْطاكِيَةَ مُوثَقًا وأمَرَ بِأنْ يُطْعَمَ لِلْوُحُوشِ، فَأُلْقِيَ في رُومِيَّةَ إلى أسَدَيْنِ كَبِيرَيْنِ فابْتَلَعاهُ، ولَمّا قُدِّمَ لَهُما اِسْتَبْشَرَ وتَهَلَّلَ لِنَيْلِ اَلشَّهادَةِ في سَبِيلِ اَللَّهِ.
وكَذَلِكَ يُؤْثَرُ عَنْ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ كانَ يُدافِعُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ في عَهْدِ اَلرُّومانِيِّينَ لِغَيْرَتِهِ وصَلاحِهِ، فَطَلَبَ مِنهُ اَلْحاكِمُ أنْ يَرْتَدَّ فَأبى وجَهَرَ بِوُجُوبِ عِبادَةِ اَلْإلَهِ اَلْواحِدِ، ونَبْذِ عِبادَةِ مَن لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. فَهَدَّدَهُ بِأنْ يَضْرِبَهُ مِنَ اَلرَّأْسِ إلى اَلْقَدَمِ. فَأجابَ بِأنَّهُ مُسْتَبْشِرٌ بِنِعْمَةِ اَللَّهِ وكَرامَتِهِ اَلْأبَدِيَّةِ. ثُمَّ أمَرَ بِهِ اَلْحاكِمُ فَقُتِلَ مَعَ رُفْقَتِهِ، والشَّواهِدُ في هَذا اَلْبابِ لا تُحْصى، مَعْرُوفَةٌ لِمَن أعارَ نَظَرَهُ جانِبًا مِمّا كُتِبَ في تَوارِيخِ مَبْدَأِ ظُهُورِ اَلْأدْيانِ، وما كانَ يُلاقِيهِ مِن أعْدائِهِ ومُقاوِمِيهِ، فَلِلْقِصَّةِ اَلْكَرِيمَةِ هَذِهِ مُصَدِّقاتٌ لا تُحْصى.
رابِعًا شُهْرَةُ اَلْمُرْسَلِينَ بِرُسُلِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، وكانُوا اِنْبَثُّوا في اَلْبِلادِ لِمَحْوِ اَلْوَثَنِيَّةِ، والكَفِّ عَنِ اَلْكَبائِرِ والشُّرُورِ اَلَّتِي كانَتْ عَلَيْها دَوْلَةُ اَلرُّومانِ وقْتَئِذٍ. هَذا وما ذَكَرَهُ اِبْنُ كَثِيرٍ مِن وُقُوفِ عَذابِ اَلِاسْتِئْصالِ بَعْدَ نُزُولِ اَلتَّوْراةِ يَحْتاجُ إلى قاطِعٍ. وإلّا، فَقَدْ خُرِّبَتْ كَثِيرٌ مِنَ اَلْبِلادِ اَلْأثِيمَةِ بَعْدَها، وتَدَمَّرَتْ بِتَسْلِيطِ اَللَّهِ مَن شاءَ عَلَيْها، والصَّيْحَةُ (p-٥٠٠٢)أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ صَيْحَةً سَماوِيَّةً، أوْ صَيْحَةً أرْضِيَّةً، وهي صَيْحَةُ مَن سُلِّطَ عَلَيْهِمْ لِلِانْتِقامِ مِنهُمْ، حَتّى أبادَ مُلْكَهم وقَهَرَ صَوْلَتَهم ومَحا مِنَ اَلْوُجُودِ سُلْطانَهُمْ، وإنْ كانَ عَذابُ اَلصَّيْحَةِ ظاهِرُهُ اَلْأوَّلُ.
وبِالجُمْلَةِ فَنَحْنُ يَكْفِينا مِنَ اَلنَّبَأِ اَلِاعْتِبارُ بِهِ وفَهْمُهُ مُجْمَلًا، وأمّا تَعْيِينُهُ بِوَقْتٍ ما، وفِئَةٍ ما، فَهو اَلَّذِي يَنْشَأُ مِنهُ ما يَنْشَأُ، وما بِنا مِن حاجَةٍ إلى اَلزِّيادَةِ عَنِ اَلِاعْتِبارِ، وتَخْصِيصِ ما لا قاطِعَ عَلَيْهِ.
الثّانِي - ذَكَرَ اَلرّازِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ أرْسَلْنا﴾ [يس: ١٤] لَطِيفَةً، إنْ صَحَّ أنَّ اَلرُّسُلَ اَلْمُنَوَّهَ بِهِمْ هم رُسُلُ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، وهي أنَّ إرْسالَهُ لَهم كَإرْسالِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ بِإذْنِهِ وأمْرِهِ، وبِذَلِكَ تَتِمَّةُ اَلتَّسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ، لِصَيْرُورَتِهِمْ في حُكْمِ اَلرُّسُلِ.
ثُمَّ قالَ: وهَذا يُؤَيِّدُ مَسْألَةً فِقْهِيَّةً؛ وهي أنَّ وكِيلَ اَلْوَكِيلِ بِإذْنِ اَلْمُوَكِّلِ، وكِيلُ اَلْمُوَكِّلِ لا وكِيلَ اَلْوَكِيلَ، حَتّى لا يَنْعَزِلَ بِعَزْلِ اَلْوَكِيلِ إيّاهُ، ويَنْعَزِلُ إذا عَزَلَهُ اَلْمُوَكِّلُ اَلْأوَّلُ. اِنْتَهى.
الثّالِثُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ [يس: ٢٠] تَبْصِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وهِدايَةٌ لَهم لِيَكُونُوا في اَلنُّصْحِ باذِلِينَ جُهْدَهم كَما فَعَلَ.
يس 36:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠ ] ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: يا نَدامَةً عَلَيْهِمْ تَكُونُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ بِسَبَبِ اِسْتِهْزائِهِمْ وسُخْرِيَتِهِمْ في اَلدُّنْيا بِالنّاصِحِينَ، حَتّى أفْضى بِهِمُ اَلْحالُ إلى قَتْلِهِمْ كَما فَعَلَ أصْحابُ اَلْقَرْيَةِ، أوِ اَلْمُرادُ شِدَّةُ خُسْرانِهِمْ حَتّى اِسْتَحَقُّوا أنْ يَتَحَسَّرَ عَلَيْهِمْ أهْلُ اَلثِّقْلَيْنِ، أوِ اَلتَّحَسُّرُ مِنهُ تَعالى مَجازًا، وتَقْرِيرُهُ أنَّ اَلتَّحَسُّرَ ما يَلْحَقُ اَلْمُتَحَسِّرَ (p-٥٠٠٣)مِنَ اَلنَّدَمِ حَتّى يَبْقى حَسِيرًا، وهو لا يَلِيقُ بِهِ تَعالى، فَيُجْعَلُ اِسْتِعارَةً، بِأنْ شَبَّهَ حالَ اَلْعِبادِ بِحالِ مَن يَتَحَسَّرُ عَلَيْهِ اَللَّهُ فَرْضًا، فَيَقُولُ، يا حَسْرَةً عَلى عِبادِي، قِيلَ: وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] عَلى اَلْقِراءَةِ بِضَمِّ اَلتّاءِ، فالنِّداءُ لِلْحَسْرَةِ تَعَجُّبٌ مِنهُ. والمَقْصُودُ تَعْظِيمُ جِنايَتِهِمْ، أيْ: عَدُّها أمْرًا عَظِيمًا بِتَعَجُّبٍ مِنهُ. أفادَهُ اَلشِّهابُ.
يس 36:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١ ] ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ .
﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: يُخْبَرُوا: ﴿كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: مِنَ اَلْأُمَمِ اَلْخالِيَةِ: ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ لَمْ يَكُنْ لَهم إلى هَذِهِ اَلدُّنْيا كَرَّةٌ ولا رَجْعَةٌ.
يس 36:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢ ] ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ .
﴿وإنْ كُلٌّ﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ اَلْمُتَفَرِّقِينَ: ﴿لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: إلّا جَمِيعُهم مُحْضَرُونَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وإنَّما أخْبَرَ عَنْ (كُلٍّ)، بِجَمِيعٍ ومَعْناهُما واحِدٌ؛ لِأنَّ (كُلًّا)، تُفِيدُ اَلْإحاطَةَ حَتّى لا يَنْفَلِتَ عَنْهم أحَدٌ. و(جَمِيعٌ)، تُفِيدُ اَلِاجْتِماعَ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، وبَيْنَهُما فَرْقٌ، ومِن ثَمَّ وقَعَ أجْمَعُ في اَلتَّوْكِيدِ تابِعًا لِـ: (كَلَّ)؛ لِأنَّهُ أخَصُّ مِنهُ، وأزْيَدُ مَعْنًى.
يس 36:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ - ٣٥ ] ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ [يس: ٣٤] ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] .
﴿وآيَةٌ لَهُمُ﴾ أيْ: عِبْرَةٌ لِأهْلِ مَكَّةَ عَظِيمَةٌ: ﴿الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ أيْ: بِالنَّباتِ (p-٥٠٠٤)لِتَدُلَّ عَلى إحْياءِ اَلْمَوْتى: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ [يس: ٣٤] ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] أيْ: ولِيَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ، وهو ما يُتَّخَذُ مِنهُ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، عَلى ما اِسْتَظْهَرَهُ اَلْقاضِي.
وقالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: عَمِلَتْهُ بِالغَرْسِ، والسَّقْيِ، والآبارِ، قِيلَ وهَذا اَلتَّفْسِيرُ خِلافُ اَلظّاهِرِ؛ أيْ: لِاحْتِياجِهِ إلى تَجَوُّزٍ، إلّا أنْ فِيهِ تَذْكِيرًا بِلَذَّةِ ثَمَرَةِ اَلْعَمَلِ، وسُرُورِ اَلنَّفْسِ بَعْدَهُ، وفي اَلْحَدِيثِ ««أفْضَلُ اَلْكَسْبِ بَيْعٌ مَبْرُورٌ، وعَمَلُ اَلرَّجُلِ بِيَدِهِ»» رَواهُ اَلْإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي بُرْدَةَ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ: ما نافِيَةً، والمَعْنى: أنَّ اَلثَّمَرَ بِخَلْقِ اَللَّهِ لا بِفِعْلِهِمْ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] أيْ: خالِقَ هَذِهِ اَلنِّعَمِ اَلْجِسامِ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ، وهو إنْكارٌ لِعَدَمِ قِيامِهِمْ بِواجِبِ اَلشُّكْرِ.
يس 36:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ - ٣٥ ] ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ [يس: ٣٤] ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] .
﴿وآيَةٌ لَهُمُ﴾ أيْ: عِبْرَةٌ لِأهْلِ مَكَّةَ عَظِيمَةٌ: ﴿الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ أيْ: بِالنَّباتِ (p-٥٠٠٤)لِتَدُلَّ عَلى إحْياءِ اَلْمَوْتى: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ [يس: ٣٤] ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] أيْ: ولِيَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ، وهو ما يُتَّخَذُ مِنهُ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، عَلى ما اِسْتَظْهَرَهُ اَلْقاضِي.
وقالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: عَمِلَتْهُ بِالغَرْسِ، والسَّقْيِ، والآبارِ، قِيلَ وهَذا اَلتَّفْسِيرُ خِلافُ اَلظّاهِرِ؛ أيْ: لِاحْتِياجِهِ إلى تَجَوُّزٍ، إلّا أنْ فِيهِ تَذْكِيرًا بِلَذَّةِ ثَمَرَةِ اَلْعَمَلِ، وسُرُورِ اَلنَّفْسِ بَعْدَهُ، وفي اَلْحَدِيثِ ««أفْضَلُ اَلْكَسْبِ بَيْعٌ مَبْرُورٌ، وعَمَلُ اَلرَّجُلِ بِيَدِهِ»» رَواهُ اَلْإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي بُرْدَةَ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ: ما نافِيَةً، والمَعْنى: أنَّ اَلثَّمَرَ بِخَلْقِ اَللَّهِ لا بِفِعْلِهِمْ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] أيْ: خالِقَ هَذِهِ اَلنِّعَمِ اَلْجِسامِ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ، وهو إنْكارٌ لِعَدَمِ قِيامِهِمْ بِواجِبِ اَلشُّكْرِ.
يس 36:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ - ٣٥ ] ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ [يس: ٣٤] ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] .
﴿وآيَةٌ لَهُمُ﴾ أيْ: عِبْرَةٌ لِأهْلِ مَكَّةَ عَظِيمَةٌ: ﴿الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ أيْ: بِالنَّباتِ (p-٥٠٠٤)لِتَدُلَّ عَلى إحْياءِ اَلْمَوْتى: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ [يس: ٣٤] ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] أيْ: ولِيَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ، وهو ما يُتَّخَذُ مِنهُ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، عَلى ما اِسْتَظْهَرَهُ اَلْقاضِي.
وقالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: عَمِلَتْهُ بِالغَرْسِ، والسَّقْيِ، والآبارِ، قِيلَ وهَذا اَلتَّفْسِيرُ خِلافُ اَلظّاهِرِ؛ أيْ: لِاحْتِياجِهِ إلى تَجَوُّزٍ، إلّا أنْ فِيهِ تَذْكِيرًا بِلَذَّةِ ثَمَرَةِ اَلْعَمَلِ، وسُرُورِ اَلنَّفْسِ بَعْدَهُ، وفي اَلْحَدِيثِ ««أفْضَلُ اَلْكَسْبِ بَيْعٌ مَبْرُورٌ، وعَمَلُ اَلرَّجُلِ بِيَدِهِ»» رَواهُ اَلْإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي بُرْدَةَ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ: ما نافِيَةً، والمَعْنى: أنَّ اَلثَّمَرَ بِخَلْقِ اَللَّهِ لا بِفِعْلِهِمْ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] أيْ: خالِقَ هَذِهِ اَلنِّعَمِ اَلْجِسامِ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ، وهو إنْكارٌ لِعَدَمِ قِيامِهِمْ بِواجِبِ اَلشُّكْرِ.
يس 36:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦ ] ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾ أيِ: اَلْأصْنافَ كُلَّها: ﴿كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ أيْ: مِمّا ذَكَرَ وغَيْرِهِ: ﴿ومِن أنْفُسِهِمْ﴾ يَعْنِي اَلذَّكَرَ والأُنْثى: ﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِنَ اَلْأصْنافِ والأنْواعِ اَلْمَوْجُودَةِ في اَلْبَرِّ والبَحْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧ ] ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ .
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ بَيانٌ لِقُدْرَتِهِ تَعالى في اَلزَّمانِ، إثْرَ ما بَيَّنَها في اَلْمَكانِ، أيْ: نُزِيلُهُ ونَكْشِفُهُ عَنْ مَكانِهِ. اُسْتُعِيرَ لِإزالَةِ اَلضَّوْءِ، اَلسَّلْخُ اَلَّذِي هو كَشْطُ اَلْجِلْدِ وإزالَتُهُ عَنِ اَلْحَيَوانِ اَلْمَسْلُوخِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اَلنَّهارَ طارِئٌ عَلى اَللَّيْلِ، كَما أنَّ اَلْمَسْلُوخَ (p-٥٠٠٥)مِنهُ قَبْلَ اَلْمَسْلُوخِ، اَلَّذِي هو كالغِطاءِ اَلطّارِئِ عَلى اَلْمُغَطّى. قالَ الشِّهابُ: لِأنَّ اَللَّيْلَ سابِقٌ عُرْفًا وشَرْعًا ومَعْنًى: ﴿مُظْلِمُونَ﴾ داخِلُونَ في اَلظَّلامِ، يُقالُ (أظْلَمْنا)، كَما يُقالُ: أعْتَمْنا وأدْجَيْنا.
يس 36:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ ] ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ .
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ أيْ: لِحَدٍّ لَها مُؤَقَّتٍ مُقَدَّرٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ دَوْرُها اَلْيَوْمِيُّ أوِ اَلسَّنَوِيُّ، شُبِّهَ بِمُسْتَقَرِّ اَلْمُسافِرِ إذا قَطَعَ مَسِيرَهُ. فالمُسْتَقَرُّ اِسْمُ مَكانٍ تَقْطَعُهُ في حَرَكَتِها اَلدّائِمَةِ ثُمَّ تَعُودُ. ووَجْهُ اَلشَّبَهِ اَلِانْتِهاءُ إلى مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ، واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى (إلى). وقِيلَ مُسْتَقَرُّها: مُنْقَطَعُ جَرْيِها عِنْدَ خَرابِ اَلْعالَمِ. ومُسْتَقَرٌّ عَلَيْهِ اِسْمُ زَمانٍ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيْ: ذَلِكَ اَلْجَرْيُ اَلْمُتَضَمِّنُ لِلْحِكَمِ، والمَصالِحِ، والمَنافِعِ، والمُدْهِشُ نِظامُ سَيْرِهِ وإحْكامُهُ بِلا اِخْتِلالٍ، تَقْدِيرُ اَلْغالِبِ بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، اَلْمُحِيطُ عِلْمًا بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
يس 36:39
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩ ] ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ .
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ أيْ: صَيَّرَنا لَهُ مَنازِلَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها: ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ أيْ: حَتّى إذا كانَ في آخِرِ مَنازِلِهِ، دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصارَ كالعِذْقِ اَلْمُقَوَّسِ اَلْيابِسِ، إذا حالَ عَلَيْهِ اَلْحَوْلُ. فالعُرْجُونُ هو اَلشُّمْرُوخُ؛ وهو اَلْعُنْقُودُ اَلَّذِي عَلَيْهِ اَلرَّطْبُ، ويُسَمّى اَلْعِذْقَ، بِكَسْرِ اَلْعَيْنِ. والقَدِيمُ: اَلْعَتِيقُ، وإذا قَدُمَ دَقَّ وانْحَنى واصْفَرَّ. فَشُبِّهَ بِهِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
يس 36:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ ] ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (p-٥٠٠٦)﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: تَجْتَمِعَ مَعَهُ في وقْتٍ واحِدٍ، وتَداخُلَهُ في سُلْطانِهِ فَتَطْمِسَ نُورَهُ: ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ أيْ: يَسْبِقُهُ بِأنْ يَتَقَدَّمَ عَلى وقْتِهِ فَيَدْخُلَ قَبْلَ مُضِيِّهِ. أوِ اَلْمُرادُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما؛ أيْ: ولا اَلْقَمَرُ سابِقُ اَلشَّمْسِ فَيَكُونَ عَكْسًا لِلْأوَّلِ؛ أيْ: ولا اَلْقَمَرُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُدْرِكَ اَلشَّمْسَ. والمَعْنى عَلى هَذا، أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لا يَدْخُلُ عَلى اَلْآخَرِ في سُلْطانِهِ، فَيَطْمِسَ نُورَهُ، بَلْ هُما مُتَعاقِبانِ بِمُقْتَضى تَدْبِيرِهِ تَعالى، وعَلَيْهِ فَسِرُّ إيثارِ: (سابِقُ) عَلى (مُدْرِكُ)، كَما قَبْلَهُ، هو أنَّ اَلسَّبْقَ مُناسِبٌ لِسُرْعَةِ سَيْرِ اَلْقَمَرِ؛ إذِ اَلسَّبْقُ يُشْعِرُ بِالسُّرْعَةِ، والإدْراكُ بِالبُطْءِ؛ وكَذَلِكَ اَلشَّمْسُ بَطِيئَةُ اَلسَّيْرِ تَقْطَعُ فَلَكَها في سَنَةٍ. والقَمَرُ يَقْطَعُهُ في شَهْرٍ. فَكانَتِ اَلشَّمْسُ لِبُطْئِها جَدِيرَةً بِأنْ تُوصَفَ بِالإدْراكِ، والقَمَرُ لِسُرْعَتِهِ جَدِيرًا بِأنْ يُوصَفَ بِالسَّبْقِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ النّاصِرُ في )" اَلِانْتِصافِ": ( يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ اَلْآيَةِ أنَّ اَلنَّهارَ، تابِعٌ لِلَّيْلِ، وهو اَلْمَذْهَبُ اَلْمَعْرُوفُ لِلْفُقَهاءِ، وبَيانُهُ مِنَ اَلْآيَةِ أنَّهُ جَعَلَ اَلشَّمْسَ اَلَّتِي هي آيَةُ اَلنَّهارِ غَيْرَ مُدْرِكَةٍ لِلْقَمَرِ اَلَّذِي هو آيَةُ اَللَّيْلِ.
وإنَّما نَفى اَلْإدْراكَ لِأنَّهُ هو اَلَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ اَلْقَمَرِ وتَبَعِيَّةَ اَلشَّمْسِ، فَإنَّهُ لا يُقالُ: (أدْرَكَ اَلسّابِقُ اَللّاحِقَ)، ولَكِنْ: (أدْرَكَ اَللّاحِقُ اَلسّابِقَ)، وبِحَسْبَ اَلْإمْكانِ تَوْقِيعُ اَلنَّفْيِ، فاللَّيْلُ إذًا مَتْبُوعٌ والنَّهارُ تابِعٌ. فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ اَللَّيْلُ سابِقَ اَلنَّهارِ، وقَدْ صَرَّحَتِ اَلْآيَةُ بِأنَّهُ لَيْسَ سابِقًا؟
فالجَوابُ أنَّ هَذا مُشْتَرَكُ اَلْإلْزامِ. وبَيانُهُ: أنَّ اَلْأقْسامَ اَلْمُحْتَمَلَةَ ثَلاثَةٌ: إمّا تَبَعِيَّةُ اَلنَّهارِ لِلَّيْلِ وهو مَذْهَبُ اَلْفُقَهاءِ، أوْ عَكْسُهُ وهو اَلْمَنقُولُ عَنْ طائِفَةٍ مِنَ اَلنُّحاةِ، أوِ اِجْتِماعُهُما. فَهَذا اَلْقِسْمُ اَلثّالِثُ مَنفِيٌّ بِالِاتِّفاقِ. فَلَمْ يَبْقَ إلّا تَبَعِيَّةُ اَلنَّهارِ لِلَّيْلِ وعَكْسُهُ. وهَذا اَلسُّؤالُ وارِدٌ عَلَيْهِما جَمِيعًا؛ لِأنَّ مَن قالَ إنَّ اَلنَّهارَ سابِقُ اَللَّيْلِ لَزِمَهُ أنْ يَكُونَ مُقْتَضى اَلْبَلاغَةِ أنْ يُقالَ: ولا اَللَّيْلُ يُدْرِكُ اَلنَّهارَ؛ فَإنَّ اَلْمُتَأخِّرَ إذا نُفِيَ إدْراكُهُ (p-٥٠٠٧)كانَ أبْلَغَ مِن سابِقِهِ. مَعَ أنَّهُ يَتَناءى عَنْ مُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ تَنائِيًا لا يَجْمَعُ شَمْلَ اَلْمَعْنى بِاللَّفْظِ، فَإنَّ اَللَّهَ تَعالى نَفى أنْ تَكُونَ مُدْرِكَةً، فَضْلًا عَنْ أنْ تَكُونَ سابِقَةً.
فَإذا أُثْبِتَ ذَلِكَ، فالجَوابُ اَلْمُحَقَّقُ عَنْهُ، أنَّ اَلْمَنفِيَّ اَلسَّبْقِيَّةُ اَلْمُوجِبَةُ لِتَراخِي اَلنَّهارِ عَنِ اَللَّيْلِ، وتَخَلُّلِ زَمَنٍ آخَرَ بَيْنَهُما، وحِينَئِذٍ يَثْبُتُ اَلتَّعاقُبُ، وهو مُرادُ اَلْآيَةِ. وأمّا سَبْقُ أوَّلِ اَلْمُتَعاقِبَيْنِ لِلْآخَرِ مِنهُما، فَإنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ. ألا تَرى إلى جَوابِ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ [طه: ٨٤] فَقَدْ قَرَّبَهم مِنهُ عُذْرًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ [طه: ٨٣] فَكَأنَّهُ سَهَّلَ أمْرَ هَذِهِ اَلْعَجَلَةِ بِكَوْنِهِمْ عَلى أثَرِهِ. فَكَيْفَ لَوْ كانَ مُتَقَدِّمًا وهم في عَقِبِهِ لا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ مَسافَةٌ؟ فَذاكَ لَوِ اِتَّفَقَ، لَكانَ سِياقُ اَلْآيَةِ يُوجِبُ أنَّهُ لا يُعَدُّ عَجَلَةً ولا سَبْقًا. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ اَلْقَوْلُ بِسَبْقِيَّةِ اَلنَّهارِ لِلَّيْلِ، مُخالِفًا صَدْرَ اَلْآيَةِ عَلى وجْهٍ لا يَقْبَلُ اَلتَّأْوِيلَ. فَإنَّ بَيْنَ عَدَمِ اَلْإدْراكِ اَلدّالِّ عَلى اَلتَّأْخِيرِ والتَّبَعِيَّةِ، وبَيْنَ اَلسَّبْقِ بَوْنًا بَعِيدًا، ومُخالِفًا أيْضًا لِبَقِيَّةِ اَلْآيَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ اَللَّيْلُ تابِعًا ومُتَأخِّرًا، لَكانَ أحْرى أنْ يُوصَفَ بِعَدَمِ اَلْإدْراكِ، ولا يُبْلَغُ بِهِ عَدَمُ اَلسَّبْقِ، ويَكُونُ اَلْقَوْلُ بِتَقْدِيمِ اَللَّيْلِ عَلى اَلنَّهارِ مُطابِقًا لِصَدْرِ اَلْآيَةِ صَرِيحًا، ولِعَجْزِها بِوَجْهٍ مِنَ اَلتَّأْوِيلِ مُناسِبٍ لِنَظْمِ اَلْقُرْآنِ، وثُبُوتُ ضِدِّهِ أقْرَبُ إلى اَلْحَقِّ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، واللَّهُ اَلْمُوَفِّقُ لِلصَّوابِ مِنَ اَلْقَوْلِ وتَسْدِيدِهِ. اِنْتَهى.
﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أيْ: كُلٌّ مِمّا ذُكِرَ يَجْرُونَ في مَدارٍ عَظِيمٍ كالسّابِحِ في اَلْماءِ. وتَقَدَّمَ لَنا في سُورَةِ اَلْأنْبِياءِ، ما قالَهُ بَعْضُ عُلَماءِ اَلْفَلَكِ في مِثْلِ هَذِهِ اَلْآيَةِ. فَراجِعْهُ.
يس 36:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١ ] ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ .
﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيْ: حَمَلْنا أوْلادَهُمُ اَلَّذِينَ يُرْسِلُونَهم (p-٥٠٠٨)فِي تِجارَتِهِمْ. قالَ الشِّهابُ: ولا يَخْفى مُناسَبَتُهُ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وذِكْرُ (اَلْمَشْحُونِ)، أقْوى في اَلِامْتِنانِ بِسَلامَتِهِمْ فِيهِ، أوْ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ اَلْخَطَرِ، وقِيلَ اَلْمُرادُ فُلْكُ نُوحٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. فَهو مُفْرَدٌ، وتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى حَمْلُ آبائِهِمُ اَلْأقْدَمِينَ اَلَّذِينَ بِهِمْ حِفْظُ بَقاءِ اَلنَّوْعِ لَمّا عَمَّ اَلطُّوفانُ، ونَجَوْا مَعَ نُوحٍ في اَلسَّفِينَةِ، وإنَّما كانَ آيَةً، لِأنَّ بَقاءَ نَسْلِهِمْ ونَجاتَهم بِسَفِينَةٍ واحِدَةٍ، صُنْعٌ عَجِيبٌ ومَقْدُورٌ كَبِيرٌ. وآثَرَ اَلْبَعْضُ اَلْوَجْهَ اَلْأوَّلَ؛ لِأنَّ اَلثّانِيَ مُحْتاجٌ لِلتَّأْوِيلِ. وأرى جَدارَةَ اَلثّانِي بِالإيثارِ؛ لِقاعِدَةِ اَلْحَمْلِ عَلى اَلْأشْباهِ والنَّظائِرِ، ما وُجِدَ لَهُ سَبِيلٌ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ وأسَدُّ، وقَدْ جاءَ نَظِيرُهُ آيَةُ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] وإنْ ورَدَ في نَظِيرِ اَلْأوَّلِ اَلْآيَةُ: ﴿ولَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] وأشْباهُها، إلّا أنَّ لَفْظَ اَلْحَمْلِ اِتَّحَدَ في اَلْآيَتَيْنِ، فَقارَبَ ما بَيْنَهُما.
يس 36:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٢ ] ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ .
﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ﴾ أيْ: مِثْلِ اَلْفَلَكِ: ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾ أيْ: مِنَ اَلْإبِلِ فَإنَّها سَفائِنُ اَلْبَرِّ لِكَثْرَةِ ما تَحْمِلُ، حَتّى شاعَ إطْلاقُ اَلسَّفِينَةِ عَلَيْها، كَما قِيلَ: سَفائِنُ بَرٍّ والسَّرابُ بِحارُها. أوْ ما يَرْكَبُونَ؛ أيْ: مِنَ اَلسُّفُنِ والزَّوارِقِ عَلى اَلْوَجْهِ اَلثّانِي، وهو أنْ يُرادَ بِالفُلْكِ سَفِينَةُ نُوحٍ.
يس 36:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣ ] ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ .
﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا مُغِيثَ لَهُمْ، أوْ لا مُسْتَغِيثَ مِنهُمْ، أوْ لا اِسْتِغاثَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ اَلصَّرِيخَ يَكُونُ اَلْمُغِيثَ والمُسْتَغِيثَ وهو اَلصّارِخُ. ومَصْدَرًا لِلثُّلاثِيِّ (p-٥٠٠٩)كالصُّراخِ، يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ اَلْإغاثَةِ؛ لِأنَّ اَلْمُغِيثَ يُنادِي مَن يَسْتَغِيثُ بِهِ ويَصْرُخُ لَهُ، ويَقُولُ: جاءَكَ اَلْعَوْنُ والنَّصْرُ. أنْشَدَ اَلْمُبَرِّدُ في أوَّلِ اَلْكامِلِ:
؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ كانَ اَلصُّراخُ لَهُ قَرْعَ اَلظَّنابِيبِ
أيْ إذا أتانا مُسْتَغِيثٌ، كانَتْ إغاثَتُهُ اَلْجِدَّ في نُصْرَتِهِ.
﴿ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ أيْ: يَنْجُونَ مِنَ اَلْمَوْتِ بِهِ.
يس 36:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٤ ] ﴿إلا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ .
﴿إلا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ أيْ: لَكِنْ رَحِمْناهم ومَتَّعْناهم إلى زَمَنٍ قُدِّرَ لَهُمْ، يَمُوتُونَ فِيهِ بَعْدَ اَلنَّجاةِ مِن مَوْتِ اَلْغَرَقِ، ومِن هُنا أخَذَ أبُو اَلطَّيِّبِ قَوْلَهُ:
؎وِإنْ أسْلَمْ فَما أبْقى ولَكِنْ سَلِمْتُ مِنَ اَلْحِمامِ إلى اَلْحِمامِ
يس 36:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥ ] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ .
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: مِنَ اَلْوَقائِعِ اَلْخالِيَةِ في اَلْأُمَمِ اَلْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ
﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ أيْ: مِنَ اَلْعَذابِ اَلْمُعَدِّ في اَلْآخِرَةِ، أوْ عَذابَ اَلدُّنْيا وعَذابَ اَلْآخِرَةِ (p-٥٠١٠)، أوْ عَكْسَهُ، أوْ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِكم وما تَأخَّرَ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: بِاتِّقائِكم وشُكْرِكُمْ، وجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:
يس 36:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦ ] ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ .
﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ: اَلدّالَّةِ عَلى صِدْقِ اَلرُّسُلِ: ﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ بِالتَّكْذِيبِ والصَّدِّ عَنِ اَلْإيمانِ بِها.
يس 36:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٧ ] ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: تَصَدَّقُوا عَلى اَلْفُقَراءِ، مِن مالِ اَللَّهِ اَلَّذِي آتاكُمْ: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: حَيْثُ أمَرْتُمُونا بِما يُخالِفُ مَشِيئَةَ اَللَّهِ. وقَوْلُهم هَذا، إمّا تَهَكُّمٌ أوْ عَنِ اِعْتِقادٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ: { إنْ أنْتُمْ } جَوابًا مِنَ اَللَّهِ لَهُمْ، أوْ حِكايَةً لِجَوابِ اَلْمُؤْمِنِينَ. وفي هَذِهِ اَلْآيَةِ أبْلَغُ زَجْرٍ عَنِ اِقْتِصاصِ ما يُحْكى عَنِ اَلْبُخَلاءِ، في اِعْتِذارِهِمْ بِمِثْلِ ما ضَلَّلَ بِهِ اَلْمُشْرِكُونَ ومُجازاتُهم فِيهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ اَللُّؤْمِ، وشُحِّ اَلنَّفْسِ، وخُبْثِ اَلطَّبْعِ، وإنْ كانَ يُورِدُهُ بَعْضُهم لِلْفُكاهَةِ أوِ اَلْإغْرابِ؛ كَما فَعَلَ اَلْجاحِظُ سامَحَهُ اَللَّهُ في كِتابِ "اَلْبُخَلاءِ".
يس 36:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٨ ] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يَعْنُونَ وعْدَ اَلْبَعْثِ.
يس 36:49
(p-٥٠١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٩ ] ﴿ما يَنْظُرُونَ إلا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ .
﴿ما يَنْظُرُونَ إلا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ أيْ: يَتَخاصَمُونَ في مَتاجِرِهِمْ ومُعامَلاتِهِمْ؛ أيْ: أنَّها تَبْغَتُهم وهم في أمْنِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنْها. و(يَخِصِّمُونَ) بِفَتْحِ اَلْياءِ وكَسْرِ اَلْخاءِ لِالتِقاءِ اَلسّاكِنَيْنِ. والصّادِرُ عَلى اَلْأصْلِ، وأصْلُهُ: يَخْتَصِمُونَ سُكِّنَتِ اَلتّاءُ وأُدْغِمَتْ، ثُمَّ كُسِرَتِ اَلْخاءُ لِالتِقاءِ اَلسّاكِنَيْنِ.
يس 36:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٠ ] ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ: أنْ يُوَصُّوا في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ تَوْصِيَةً: ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى اَلرُّجُوعِ إلى أهْلِيهِمْ، لِيَرَوْا حالَهُمْ، بَلْ يَمُوتُونَ حَيْثُ تَفْجَؤُهُمُ اَلصَّيْحَةُ.
يس 36:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ ] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ .
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ أيْ: لِلْبَعْثِ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ أيْ: مِنَ اَلْقُبُورِ: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدُونَ مُسْرِعِينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ [المعارج: ٤٣] ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذا وما في آيَةِ: ﴿فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] لِأنَّهُما في زَمانٍ واحِدٍ مُتَقارِبٍ.
يس 36:52
(p-٥٠١٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٢ ] ﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ .
﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ أيْ: رُقادِنا أوْ مَكانِهِ. فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ أيِ: اَلْمُخْبِرُونَ عَنْ ذَلِكَ اَلْوَعْدِ.
يس 36:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٣ ] ﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ .
﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: بِمُجَرَّدِ تِلْكَ اَلصَّيْحَةِ. وفي كُلِّ ذَلِكَ تَهْوِينُ أمْرِ اَلْبَعْثِ والحَشْرِ، عَلَيْهِ تَعالى.
يس 36:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤، ٥٥ ] ﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] .
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] أيْ مُتَنَعِّمُونَ مُتَلَذِّذُونَ، وفي تَنْكِيرِ: ﴿شُغُلٍ﴾ [يس: ٥٥] تَعْظِيمُ ما هم فِيهِ وتَفْخِيمُهُ.
يس 36:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤، ٥٥ ] ﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] .
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] أيْ مُتَنَعِّمُونَ مُتَلَذِّذُونَ، وفي تَنْكِيرِ: ﴿شُغُلٍ﴾ [يس: ٥٥] تَعْظِيمُ ما هم فِيهِ وتَفْخِيمُهُ.
يس 36:56
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦، ٥٧ ] ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ أيْ: في ظِلالِ اَلْأشْجارِ، أوْ في مَأْمَنٍ مِنَ اَلْحَرُورِ (p-٥٠١٣): ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيِ: اَلسُّرُرِ اَلْمُزَيَّنَةِ: ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]
يس 36:57
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦، ٥٧ ] ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ أيْ: في ظِلالِ اَلْأشْجارِ، أوْ في مَأْمَنٍ مِنَ اَلْحَرُورِ (p-٥٠١٣): ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيِ: اَلسُّرُرِ اَلْمُزَيَّنَةِ: ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]
يس 36:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٨ ] ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ .
﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أيْ: ولَهم سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا كائِنًا مِنهُ تَعالى. فَيَكُونُ: { سَلامٌ } مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ اَلْخَبَرِ، أوْ هو بَدَلٌ مِن: { ما } أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: هو سَلامٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ اَلنّاصِبُ لِـ: { قَوْلًا } أيْ: سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: { مِن رَبٍّ } و: { قَوْلًا } مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ اَلْجُمْلَةِ، وهو مَعَ عامِلِهِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اَلْمُبْتَدَأِ والخَبَرِ. والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمًا لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]
يس 36:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٩ ] ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ .
﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ في مَوْقِفِهِمْ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ: يَصِيرُونَ صَدْعَيْنِ فِرْقَتَيْنِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]
يس 36:60
(p-٥٠١٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٠ ] ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ .
﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تَقْرِيعٌ مِنهُ تَعالى لِلْكَفَرَةِ، يُقالُ لَهم إلْزامًا لِلْحُجَّةِ. وعَهْدُهُ تَعالى إلَيْهِمْ هو مِيثاقُ اَلْفِطْرَةِ. كَما قالَهُ اَلْقاشانِيُّ. أوْ ما نَصَبَهُ لَهم مِنَ اَلْحُجَجِ اَلْعَقْلِيَّةِ، والسَّمْعِيَّةِ، اَلْآمِرَةِ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ ونَبْذِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
يس 36:61
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦١ ] ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ .
﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: وأنْ أفْرَدُونِي بِالعِبادَةِ فَإنَّهُ اَلسَّبِيلُ اَلسَّوِيُّ. وفي تَنْكِيرِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ صِراطٌ بَلِيغٌ في اِسْتِقامَتِهِ، جامِعٌ لِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ، وأصْلٌ لِمَرْتَبَةٍ يَقْصُرُ عَنْها اَلتَّوْصِيفُ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.
يس 36:62
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٢ ] ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أضَلَّ﴾ أيِ: اَلشَّيْطانُ وأغْوى بِالشِّرْكِ: ﴿مِنكم جِبِلا كَثِيرًا﴾ أيْ: خَلْقًا كَثِيرًا قَبْلَكم. فَحاقَ بِهِمْ سُوءُ اَلْعَذابِ: ﴿أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: مِن أُولِي اَلْعَقْلِ. إنْكارٌ لِأنْ يَكُونُوا مِنهُمْ، وقَدْ قامَتِ اَلْبَراهِينُ والإنْذاراتُ.
يس 36:63
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣، ٦٤ ] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٤] .
(p-٥٠١٥)﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٤] أيْ: ذُوقُوا حَرَّها اَلْيَوْمَ بِكُفْرِكم في اَلدُّنْيا.
يس 36:64
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣، ٦٤ ] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٤] .
(p-٥٠١٥)﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٤] أيْ: ذُوقُوا حَرَّها اَلْيَوْمَ بِكُفْرِكم في اَلدُّنْيا.
يس 36:65
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٥ ] ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: عِنْدَما يَجْحَدُونَ ما اَجْتَرَمُوهُ في اَلدُّنْيا، ويَحْلِفُونَ ما فَعَلُوهُ، فَيَخْتِمُ اَللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ، ويَسْتَنْطِقُ جَوارِحَهُمْ، قالَ الرّازِيُّ: وفي اَلْخَتْمِ عَلى اَلْأفْواهِ وُجُوهٌ، أقْواها أنَّ اَللَّهَ يُسْكِتُ ألْسِنَتَهم فَلا يَنْطِقُونَ بِها، ويُنْطِقُ جَوارِحَهم فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، وإنَّهُ في قُدْرَةِ اَللَّهِ يَسِيرٌ، أمّا اَلْإسْكاتُ فَلا خَفاءَ فِيهِ، وأمّا اَلْإنْطاقُ فَلِأنَّ اَللِّسانَ عُضْوٌ مُتَحَرِّكٌ بِحَرَكَةٍ مَخْصُوصَةٍ. فَكَما جازَ تَحَرُّكُهُ بِها، جازَ تَحَرُّكُ غَيْرِهِ بِمِثْلِها، واللَّهُ قادِرٌ عَلى اَلْمُمْكِناتِ.
والوَجْهُ اَلْآخَرُ، أنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِشَيْءٍ؛ لِانْقِطاعِ أعْذارِهِمْ وانْتِهاكِ أسْتارِهِمْ، فَيَقِفُونَ ناكِسِي اَلرُّؤُوسِ وُقُوفَ اَلْقَنُوطِ اَلْيَؤُوسِ، لا يَجِدُ عُذْرًا فَيَعْتَذِرَ، ولا مَجالَ تَوْبَةٍ فَيَسْتَغْفِرَ، وتَكَلُّمُ اَلْأيْدِي ظُهُورُ اَلْأُمُورِ بِحَيْثُ لا يُسَعُ مَعَهُ اَلْإنْكارُ، حَتّى تَنْطِقَ بِهِ اَلْأيْدِي والأبْصارُ. كَما يَقُولُ اَلْقائِلُ: )الحِيطانُ تَبْكِي عَلى صاحِبِ اَلدّارِ). إشارَةً إلى ظُهُورِ اَلْحُزْنِ، والأوَّلُ صَحِيحٌ. اِنْتَهى.
أيْ: لِإمْكانِهِ وعَدَمِ اِسْتِحالَتِهِ، فَلا تَتَعَذَّرُ اَلْحَقِيقَةُ. ويُؤَيِّدُهُ آيَةُ: ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]
(p-٥٠١٦)ومِن لَطائِفِ بَعْضِ أُدَباءِ اَلْعَصْرِ ما نَظَمَهُ في اَلْفُونُغْرافِ، مُسْتَشْهِدًا بِهِ في ذَلِكَ، فَقالَ:
؎بِنُطْقِ اَلْفُونْغِرافِ لَنا دَلِيلٌ عَلى نُطْقِ اَلْجَوارِحِ والجَمادِ
؎وفِيهِ لِكُلِّ ذِي نَظَرٍ مِثالٌ ∗∗∗ عَلى بَدْءِ اَلْخَلِيقَةِ والمَعادِ
؎يُدِيرُ شُؤُونَهُ فَرْدٌ بِصُورٍ ∗∗∗ بِهِ اَلْأصْواتُ تَجْرِي كالمِدادِ
؎فَيُثْبِتُ رَسْمَها قَلَمٌ بِلَوْحٍ ∗∗∗ عَلى وِفْقِ المَشِيئَةِ والمُرادِ
؎وبَعْدَ فَراغِها تَمْضِي كَبَرْقٍ ∗∗∗ ولا أثَرَ لَها في اَلْكَوْنِ بادِي
؎تَظُنُّ بِأنَّها ذَهَبَتْ جُفاءً ∗∗∗ كَما ذَهَبَتْ بِرِيحٍ قَوْمُ عادِ
؎وأحْلى رَنَّها فِيهِ لِتَبْقى ∗∗∗ كَأرْواحٍ تَجَرَّدَ عَنْ مُوادِ
؎مَتى شاءَ المُدِيرُ لَها مَعادًا ∗∗∗ ورامَ ظُهُوْرُها في كُلِّ نادِ
؎يُدِيرُ اَلصُّورَ بِالآَلاتِ قَسْرًا ∗∗∗ فَيَنْشُرُ مَيْتَها بَعْدَ الرُّقادِ
؎وهَذِي آَلَةٌ مِن صُنْعِ عَبْدٍ ∗∗∗ فَكَيْفَ بِصُنْعِ خَلّاقِ العِبادِ؟
؎تَبارَكَ مَن يُعِيدُ اَلْخَلْقَ طَرًّا ∗∗∗ بِنَفْخَةِ صُورِهِ يَوْمَ التَّنادِ.
يس 36:66
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦ ] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ .
﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: لَوْ شاءَ تَعالى، لَمَسَحَ أعْيُنَهم. فَلَوْ رامُوا أنْ يَسْتَبِقُوا إلى اَلطَّرِيقِ اَلْمَسْلُوكِ لَهم لَمْ يَقْدِرُوا، لِعَماهم.
يس 36:67
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٧ ] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ .
﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾ أيْ: بِتَغْيِيرِ صُوَرِهِمْ وإبْطالِ قُواهُمْ: ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ أيْ: مَكانَهُمْ: ﴿فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا﴾ أيْ: ذَهابًا: ﴿ولا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: ولا رُجُوعًا؛ أيْ: أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى مُفارَقَةِ مَكانِهِمْ. فَوَضَعَ اَلْفِعْلَ مَوْضِعَهُ لِلْفَواصِلِ. وإذا كانَ بِمَعْنى: (لا يَرْجِعُونَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ) (p-٥٠١٧)، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ: (ما اِسْتَطاعُوا). والمُرادُ أنَّهم بِكُفْرِهِمْ ونَقْضِهِمْ ما عُهِدَ إلَيْهِمْ، أحِقّاءُ بِأنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ. لَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ لِشُمُولِ اَلرَّحْمَةِ، واقْتِضاءً لِحِكْمَةِ إمْهالِهِمْ.
يس 36:68
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٨ ] ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ .
﴿ومَن نُعَمِّرْهُ﴾ أيْ: نُطِلْ عُمُرَهُ: ﴿نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ أيْ: بِتَناقُصِ قُواهُ وضَعْفِ بِنْيَتِهِ حَتّى يَرْجِعَ في حالٍ شَبِيهَةٍ بِحالِ اَلصَّبِيِّ في ضَعْفِ جَسَدِهِ وقِلَّةِ عَقْلِهِ وخُلُوِّهِ مِنَ اَلْعِلْمِ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥] ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، قَدَرَ عَلى اَلطَّمْسِ والمَسْخِ، وأنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ.
يس 36:69
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩ ] ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ .
﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ أيْ: حَتّى يَأْتِيَ بِشِعْرٍ. وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ أنَّهُ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ شاعِرٌ أتى بِشِعْرٍ. قاسُوهُ عَلى مَن يُشْعِرُ بِقِراءَةِ اَلدَّواوِينِ وكَثْرَةِ حِفْظِها، وكَيْفَ يُشابِهُ ما نَزَلَ عَلَيْهِ اَلشِّعْرَ، ولَيْسَ مِنهُ لا لَفْظًا؛ لِعَدَمِ وزْنِهِ وتَقْفِيَتِهِ، ولا مَعْنًى؛ لِأنَّ اَلشِّعْرَ تَخَيُّلاتٌ، وهَذا حُكْمٌ، وعَقائِدُ، وشَرائِعُ، وحَقائِقُ.
﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أيْ: وما يَصِحُّ لِمَقامِهِ؛ لِأنَّ مَنزِلَ اَلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ يَتَسامى عَنِ اَلشِّعْرِ وقَرْضِهِ؛ لِما يَرْمِي بِهِ اَلشُّعَراءُ كَثِيرًا مِنَ اَلْكَذِبِ، والمَيْنِ، ومُجافاةِ مَقاعِدِ اَلْحَقِيقَةِ؛ ولِذا قالَ تَعالى: ﴿إنْ هُوَ﴾ أيِ: اَلْقُرْآنُ اَلَّذِي يَتْلُوهُ: ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ: عِظَةٌ وإرْشادٌ مِنهُ تَعالى: ﴿وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: كِتابٌ سَماوِيٌّ بَيِّنٌ أمْرُهُ وحَقائِقُهُ، فَلا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اَلشِّعْرِ (p-٥٠١٨)بِوَجْهٍ ما.
يس 36:70
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٠ ] ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ .
﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ: عاقِلًا مُتَأمِّلًا؛ لِأنَّ اَلْغافِلَ كالمَيِّتِ: ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ﴾ أيْ: وتَجِبُ كَلِمَةُ اَلْعَذابِ: ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ أيِ: اَلْمُعْرِضِينَ عَنِ اِتِّباعِهِ.
يس 36:71
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧١ ] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ .
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ أيْ: مِمّا تَوَلَّيْنا نَحْنُ خَلْقَهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلى إحْداثِهِ غَيْرُنا ﴿أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ أيْ: مُتَصَرِّفُونَ فِيها تَصَرُّفَ اَلْمُلّاكِ، أوْ ضابِطُونَ قاهِرُونَ لَها كَما قالَ:
؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ اَلسِّلاحَ ولا أمْلِكُ راسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
يس 36:72
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٢ ] ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ .
﴿وذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ أيْ: صَيَّرْناها مُنْقادَةً غَيْرَ وحْشِيَّةٍ: ﴿فَمِنها رَكُوبُهُمْ﴾ أيْ: مَرْكُوبُهُمْ
﴿ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ أيْ: يَنْتَفِعُونَ بِأكْلِ لَحْمِهِ.
يس 36:73
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٣ ] ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ .
﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ﴾ أيْ: مِنَ اَلْجُلُودِ، والأصْوافِ، والأوْبارِ: ﴿ومَشارِبُ﴾ أيْ: مِن ألْبانِها: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: فَيَعْبُدُوا اَلْمُنْعِمَ بِأصْنافِ هَذِهِ اَلنِّعَمِ اَلْجَسِيمَةِ.
يس 36:74
(p-٥٠١٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٤ ] ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ .
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: يَنْصُرُونَهم فِيما نابَهم مِنَ اَلْكَوارِثِ.
يس 36:75
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٥ ] ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ .
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهُمْ﴾ أيْ: لِآلِهَتِهِمْ: ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُعَدُّونَ لِخِدْمَتِهِمْ والذَّبِّ عَنْهُمْ، فَمِن أيْنَ لَهم أنْ يَنْصُرُونَهُمْ، وهم عَلى تِلْكَ اَلْحالِ مِنَ اَلْعَجْزِ والضَّعْفِ؟ أيْ: بَلِ اَلْأمْرُ بِالعَكْسِ. وقِيلَ: اَلْمَعْنى مُحْضَرُونَ عَلى أثَرِهِمْ في اَلنّارِ، وجَعْلُهم - عَلى هَذا - جُنْدًا، تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ. وكَذا لامُ: ﴿لَهُمْ﴾ اَلدّالَّةُ عَلى اَلنَّفْعِ.
يس 36:76
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٦ ] ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ .
﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أيْ: في اَللَّهِ تَعالى بِالإلْحادِ والشِّرْكِ. أوْ في حَقِّكَ بِالتَّكْذِيبِ والإيذاءِ: ﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: فَنُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. كَنّى عَنْ مُجازاتِهِمْ بِعِلْمِهِ تَعالى، لِلُزُومِهِ لَهُ؛ إذْ عِلْمُ اَلْمَلِكِ اَلْقادِرِ بِما جَرى مِن عَدُوِّهِ اَلْكافِرِ، مُقْتَضٍ لِمُجازاتِهِ وانْتِقامِهِ. وتَقْدِيمُ اَلسِّرِّ، لِبَيانِ إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى بِحَيْثُ يَسْتَوِي اَلسِّرُّ عِنْدَهُ والعَلانِيَةُ. أوْ لِلْإشارَةِ إلى اَلِاهْتِمامِ بِإصْلاحِ اَلْباطِنِ؛ فَإنَّهُ مِلاكُ اَلْأمْرِ.
يس 36:77
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٧ ] ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ .
﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: جَدِلٌ بِالباطِلِ (p-٥٠٢٠)، بَيِّنُ اَلْجِدالِ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ ثانِيَةٌ، بِتَهْوِينِ ما يَقُولُونَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى إنْكارِهِمُ اَلْحَشْرَ. تَأثَّرَتِ اَلْأُولى وهي قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ﴾ [يس: ٧٦] اَلْآيَةَ، عِنايَةً بِشَأْنِهِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ.
قالَ الطِّيبِيُّ: هَذا مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ [يس: ٧١] قَبْلَهُ. والجامِعُ اِبْتِناءُ كُلٍّ مِنهُما عَلى اَلتَّعْكِيسِ؛ فَإنَّهُ خَلَقَ لَهُ ما خَلَقَ لِيَشْكُرَ، فَكَفَرَ وجَحَدَ اَلنِّعَمَ والمُنْعِمَ، وخَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ لِيَكُونَ مُنْقادًا مُتَذَلِّلًا، فَطَغى وتَكَبَّرَ وخاصَمَ.
يس 36:78
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٨ ] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ .
﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾ أيْ: في اِسْتِبْعادِ اَلْبَعْثِ وإنْكارِهِ: ﴿ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أيْ: خَلَقَنا إيّاهُ: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ أيْ: بالِيَةٌ أشَدُّ اَلْبِلى، بَعِيدَةٌ عَنِ اَلْحَياةِ غايَةَ اَلْبُعْدِ. وإنَّما لَمْ يُؤَنَّثْ لِأنَّهُ اِسْمٌ لِما بَلِيَ مِنَ اَلْعِظامِ، جامِدٌ غَيْرُ صِفَةٍ، كالرُّمَّةِ والرُّفاتِ، أوْ مُشْتَقُّ فَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، إلّا أنَّهُ لَمّا غَلَبَ جَرَيانُهُ عَلى غَيْرِ مَوْصُوفٍ، أُلْحِقَ بِالأسْماءِ فَلَمْ يُؤَنَّثْ، أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن (رَمَّهُ)، بِمَعْنى أبْلاهُ. وأصْلُهُ اَلْأكْلُ، مِن: (رَمَّتِ اَلْإبِلُ اَلْحَشِيشَ). فَكَأنَّ ما بَلِيَ أكَلَتْهُ اَلْأرْضُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ (عِظامًا)، لِكَوْنِهِ بِوَزْنِ اَلْمُفْرَدِ، كَكِتابٍ وقِرابٍ، عُومِلَ رَمِيمٌ مُعامَلَتَهُ، وذَكَرَ لَهُ شَواهِدَ. قالَ الشِّهابُ: وهو غَرِيبٌ.
يس 36:79
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ ] ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ .
﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: فَلا تُقاسُ قُدْرَةُ اَلْخالِقِ عَلى قُدْرَةِ اَلْمَخْلُوقِينَ. وإنَّما تُقاسُ إعادَتُهُ عَلى إبْدائِهِ: ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ جَمْعُ اَلْأجْزاءِ بَعْدَ تَفَرُّقِها، لِعِلْمِهِ بِأُصُولِها وفُصُولِها ومَواقِعِها، وطَرِيقٍ ضَمِّها إلى بَعْضِها.
يس 36:80
(p-٥٠٢١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٠ ] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ .
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ أيِ: اَلَّذِي خَلَقَ هَذا اَلشَّجَرَ مِن ماءٍ حَتّى صارَ خَضِرًا نَضِرًا فَأثْمَرَ ويَنْعَ، ثُمَّ أعادَهُ إلى أنْ صارَ حَطَبًا يابِسًا يُوقَدُ بِهِ اَلنّارُ، كَذَلِكَ هو فَعّالٌ لِما يَشاءُ، قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، لا يَمْنَعُهُ شَيْءٌ.
قالَ قَتادَةُ: اَلَّذِي أخْرَجَ اَلنّارَ مِن هَذا اَلشَّجَرِ، قادِرٌ عَلى أنْ يَبْعَثَهُ. وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِذَلِكَ شَجَرُ اَلْمَرْخِ، والعَفارِ: (مِن شَجَرِ اَلْبادِيَةِ)، في أرْضِ اَلْحِجازِ. فَيَأْتِي مَن أرادَ قَدْحَ نارٍ، ولَيْسَ مَعَهُ زِنادٌ، فَيَأْخُذُ مِنهُ عُودَيْنِ أخْضَرَيْنِ، ويَقْدَحُ أحَدَهُما بِالآخَرِ، فَتَتَوَلَّدُ اَلنّارُ مِن بَيْنِهِما كالزِّنادِ سَواءً.
رُوِيَ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما، والعَفارُ اَلزَّنْدُ وهو اَلْأعْلى. والمَرْخُ اَلزَّنْدَةُ وهو اَلْأسْفَلُ بِمَنزِلَةِ اَلذَّكَرِ والأُنْثى. وعَكَسَ اَلْجَوْهَرِيُّ فَجَعَلَ اَلْمَرْخَ ذَكَرًا، والعَفارَ أُنْثى، واللَّفْظُ مُساعِدٌ لَهُ، إلّا أنَّ اَلْأوَّلَ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ اَلشّاعِرِ:
؎إذا اَلْمُرْخُ لَمْ يُورِ تَحْتَ اَلْعَفارِ وضَنَّ بِقَدْرِ فَلَمْ تُعْقَبِ
وقالَ أبُو زِيادٍ: لَيْسَ في اَلشَّجَرِ كُلِّهِ أوْرى نارًا مِنَ اَلْمَرْخِ، ورُبَّما كانَ اَلْمَرْخُ مُجْتَمِعًا مُلْتَفًّا، وهَبَّتِ اَلرِّيحُ، وجاءَ بَعْضُهُ بَعْضًا فَأوْرى فَأحْرَقَ اَلْوادِيَ، ولَمْ نَرَ ذَلِكَ في سائِرِ اَلشَّجَرِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: اَلْعَرَبُ تَضْرِبُ بِالمَرْخِ والعَفارِ، اَلْمَثَلَ في اَلشَّرَفِ اَلْعالِي. فَتَقُولُ: (في كُلِّ شَجَرٍ نارٍ، واسْتَمْجَدَ اَلْمَرْخُ والعَفارُ). أيْ: كَثُرَتْ فِيهِما عَلى ما في سائِرِ اَلشَّجَرِ. و(اسْتَمْجَدَ): اِسْتَكْثَرَ واسْتَفْضَلَ. وذَلِكَ أنَّ هاتَيْنِ اَلشَّجَرَتَيْنِ مِن أكْثَرِ اَلشَّجَرِ نارًا، وزِنادُهُما أسْرَعُ اَلزِّنادِ ورْيًا. وفي اَلْمَثَلِ: اِقْدَحْ بِعَفارٍ أوْ مَرْخٍ، ثُمَّ اُشْدُدْ إنْ شِئْتَ أوْ أرْخِ. ويُقالُ: (فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ إلّا اَلْعُنّابُ).
(p-٥٠٢٢)قالَ الشِّهابُ: ولِذا يُتَّخَذُ مِنهُ مِدَقُّ اَلْقَصّارِينَ. ثُمَّ أنْشَدَ لِنَفْسِهِ:
؎أيا شَجَرَ اَلْعُنّابِ نارُكَ أوْقَدَتْ ∗∗∗ بِقَلْبِي وما اَلْعُنّابُ مِن شَجَرِ اَلنّارِ
اِنْتَهى.
والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إعادَةُ اَلْمِزاجِ اَلَّذِي بِهِ تَعَلَّقَ اَلرُّوحُ بَعْدَ اِنْعِدامِهِ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّ اَلَّذِي يُبَدِّلُ مِزاجَ اَلشَّجَرِ اَلرَّطْبِ بِمِزاجِ اَلنّارِ، وهي حارَّةٌ يابِسَةٌ بِالفِعْلِ، مَعَ ما في اَلشَّجَرِ مِنَ اَلْمائِيَّةِ اَلْمُضادَّةِ لَها، أقْدَرُ عَلى إعادَةِ اَلْغَضاضَةِ إلى ما كانَ غَضًّا، تَطْرَأُ عَلَيْهِ اَلْيُبُوسَةُ والبِلى.
يس 36:81
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨١ ] ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ .
﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ: مَعَ كِبَرِ جِرْمِهِما: ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أيْ: في اَلصِّغَرِ والضَّعْفِ ثانِيًا، بَعْدَ ما خَلَقَهم أوَّلًا: ﴿بَلى﴾ أيْ: هو اَلْقادِرُ: ﴿وهُوَ الخَلاقُ﴾ أيِ: اَلْكَثِيرُ اَلْخَلْقِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى: ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ: اَلْواسِعُ اَلْمَعْلُوماتِ.
يس 36:82
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٢ ] ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
﴿إنَّما أمْرُهُ﴾ أيْ: شَأْنُهُ اَلْأعْلى، أوْ قَوْلُهُ اَلنّافِذُ: ﴿إذا أرادَ شَيْئًا﴾ أيْ: إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِإيجادِ شَيْءٍ: ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: فَيُوجَدُ عَنْ أمْرِهِ.
يس 36:83
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٣ ] ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ مِمّا وصَفَهُ بِهِ اَلْمُشْرِكُونَ (p-٥٠٢٣)، وتَعَجُّبٌ مِن أنْ يَقُولُوا فِيهِ ما قالُوا. وهو مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والمُتَصَرِّفُ فِيهِ بِلا وازِعٍ، ولا مُنازِعٍ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ اَلْمَوْتِ، فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم.
فائِدَةٌ:
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: اَلْمُلْكُ والمَلَكُوتُ واحِدٌ في اَلْمَعْنى، كَرَحْمَةٍ ورَحَمُوتٍ، ورَهْبَةٍ ورَهَبُوتٍ، وجَبْرٍ وجَبَرُوتٍ. ومِنَ اَلنّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ اَلْمُلْكَ هو عالَمُ اَلْأجْسامِ، والمَلَكُوتُ هو عالَمُ اَلْأرْواحِ. والصَّحِيحُ اَلْأوَّلُ، وهو اَلَّذِي عَلَيْهِ اَلْجُمْهُورُ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ وغَيْرِهِمُ. اِنْتَهى.
ولِبَعْضِهِمْ: إنَّ اَلْمَلَكُوتَ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ اَلْمُلْكِ، فَهو بِمَعْنى اَلْمُلْكِ اَلتّامِّ، واللَّهُ هو اَلْعَلِيمُ اَلْعَلّامُ.
الصافات 37:1
(p-٥٠٢٤)سُورَةُ اَلصّافّاتِ
سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِ اَلْآيَةِ اَلَّتِي هي فِيها عَلى صِفاتٍ لِلْمَلائِكَةِ تَنْفِي إلَهِيَّةِ اَلْمَلائِكَةِ مِنَ اَلْجِهاتِ اَلْمُوهِمَةِ لَها فِيهِمْ. فَيَنْتَفِي بِذَلِكَ إلَهِيَّةِ ما دُونَهُمْ، فَيَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اَللَّهِ، وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ اَلْقُرْآنِ. قالَهُ اَلْمَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ اِتِّفاقًا، وآيُها مِائَةٌ واثْنَتانِ وثَمانُونَ.
رَوى اَلنَّسائِيُّ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ، ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ»
. قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ اَلنَّسائِيُّ.
(p-٥٠٢٥)بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٤ ] ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] .
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] اِفْتَتَحَ تَعالى هَذِهِ اَلسُّورَةَ بِالقَسَمِ بِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ، إظْهارًا لِعِظَمِ شَأْنِها وكِبَرِ فَوائِدِها، وتَنْبِيهًا إلى اَلِاعْتِبارِ بِصِفَتِها وما تَسْتَدْعِيهِ مِن سِمَتِها. (والصّافّاتِ): جَمْعُ صافَّةٍ، أيْ: طائِفَةٍ صافَّةٍ، أوْ جَماعَةٍ صافَّةٍ.
فَيَكُونُ في اَلْمَعْنى جَمْعُ اَلْجَمْعِ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ مُفْرَدَهِ، بِاعْتِبارٍ أنَّهُ ذاتٌ ونَفْسٌ. والمُرادُ بِالصّافّاتِ اَلْمَلائِكَةُ؛ لِقِيامِها مُصْطَفَّةً في مَقامِ اَلْعُبُودِيَّةِ لِمالِكِ اَلْمُلْكِ. مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] أوْ لِصَفِّها أجْنِحَتِها في اَلْهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اَللَّهِ تَعالى. و: { اَلزّاجِراتِ } أيِ: اَلنّاسَ عَنِ اَلْمَعاصِي، بِإلْهامِ اَلْخَيْرِ، مِنَ (اَلزَّجْرِ) بِمَعْنى اَلْمَنعِ والنَّهْيِ، أوِ اَلزّاجِراتِ اَلْأجْرامِ اَلْعُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ بِالتَّدْبِيرِ اَلْمَأْمُورِ بِهِ. مِنَ (اَلزَّجْرِ) بِمَعْنى اَلسَّوْقِ والحَثِّ. والتّالِياتِ، أيْ: آياتِهِ تَعالى عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ.
وقِيلَ: اَلصّافّاتُ اَلطَّيْرُ. مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] والزّاجِراتُ: كُلُّ ما زَجَرَ عَنْ مَعاصِي اَللَّهِ. (والتّالِياتُ): كُلُّ مَن تَلا كِتابَ اَللَّهِ.
أوْ هُمُ اَلْعُلَماءُ اَلصّافُّونَ في اَلْعِباداتِ أقْدامَهُمُ، اَلزّاجِرُونَ عَنِ اَلْكُفْرِ، والفُسُوقِ بِالحُجَجِ، والنَّصائِحِ، اَلتّالُونَ آياتَ اَللَّهِ وشَرائِعَهُ.
أوْ هُمُ اَلْغُزاةُ اَلصّافُّونَ في اَلْجِهادِ، والزّاجِرُونَ اَلْخَيْلَ أوِ اَلْعَدُوَّ، اَلتّالُونَ لِذِكْرِ اَللَّهِ، لا يَشْغَلُهم فِيها عَنْهُ مُبارَزَةُ اَلْعَدُوِّ. وقَدْ ذُكِرَ (p-٥٠٢٦)غَيْرُ هَذا، مِمّا يَشْمَلُهُ اَللَّفْظُ ولا يَأْباهُ. وبِالجُمْلَةِ، فالعَطْفُ إمّا لِاخْتِلافِ اَلذَّواتِ أوِ اَلصِّفاتِ. وإيثارُ اَلْفاءِ عَلى (اَلْواوِ)؛ لِقَصْدِ اَلتَّرْتِيبِ والتَّفاضُلِ طَرْدًا أوْ عَكْسًا، أمّا اَلْأوَّلُ فاعْتِناءً بِالأهَمِّ فالأهَمِّ. وأمّا اَلثّانِي فالتَّرَقِّي إلى اَلْأعْلى. و(صَفًّا)، و(زَجْرًا)، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وكَذا (ذِكْرًا)، ويَجُوزُ فِيهِ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ. قالَ النّاصِرُ: وفي هَذِهِ اَلْآيَةِ دَلالَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ في مِثْلِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] فَإنَّهُما يَقُولانِ: اَلْواوُ اَلثّانِيَةُ وما بَعْدَها عَواطِفُ. وغَيْرُهُما يَذْهَبُ إلى أنَّها حُرُوفُ قَسَمٍ. فَوُقُوعُ اَلْفاءِ في هَذِهِ اَلْآيَةِ مَوْقِعَ اَلْواوِ. والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ ما تَزِيدُهُ اَلْفاءُ مِن تَرْتِيبِها، دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ اَلْواوَ اَلْواقِعَةَ في مِثْلِ هَذا اَلسِّياقِ، لِلْعَطْفِ لا لِلْقَسَمِ. اِنْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] اَلْجَوابُ لِلْقَسَمِ، وفي تَأْكِيدِ اَلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِتَقْدِيمِ اَلْإقْسامِ وتَوْكِيدِ اَلْجُمْلَةِ، اِهْتِمامٌ بِهِ بِتَحْقِيقِ اَلْحَقِّ فِيهِ اَلَّذِي هو اَلتَّوْحِيدُ، وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ اَلْبُرْهانِ اَلنّاطِقِ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:2
(p-٥٠٢٤)سُورَةُ اَلصّافّاتِ
سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِ اَلْآيَةِ اَلَّتِي هي فِيها عَلى صِفاتٍ لِلْمَلائِكَةِ تَنْفِي إلَهِيَّةِ اَلْمَلائِكَةِ مِنَ اَلْجِهاتِ اَلْمُوهِمَةِ لَها فِيهِمْ. فَيَنْتَفِي بِذَلِكَ إلَهِيَّةِ ما دُونَهُمْ، فَيَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اَللَّهِ، وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ اَلْقُرْآنِ. قالَهُ اَلْمَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ اِتِّفاقًا، وآيُها مِائَةٌ واثْنَتانِ وثَمانُونَ.
رَوى اَلنَّسائِيُّ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ، ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ»
. قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ اَلنَّسائِيُّ.
(p-٥٠٢٥)بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٤ ] ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] .
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] اِفْتَتَحَ تَعالى هَذِهِ اَلسُّورَةَ بِالقَسَمِ بِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ، إظْهارًا لِعِظَمِ شَأْنِها وكِبَرِ فَوائِدِها، وتَنْبِيهًا إلى اَلِاعْتِبارِ بِصِفَتِها وما تَسْتَدْعِيهِ مِن سِمَتِها. (والصّافّاتِ): جَمْعُ صافَّةٍ، أيْ: طائِفَةٍ صافَّةٍ، أوْ جَماعَةٍ صافَّةٍ.
فَيَكُونُ في اَلْمَعْنى جَمْعُ اَلْجَمْعِ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ مُفْرَدَهِ، بِاعْتِبارٍ أنَّهُ ذاتٌ ونَفْسٌ. والمُرادُ بِالصّافّاتِ اَلْمَلائِكَةُ؛ لِقِيامِها مُصْطَفَّةً في مَقامِ اَلْعُبُودِيَّةِ لِمالِكِ اَلْمُلْكِ. مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] أوْ لِصَفِّها أجْنِحَتِها في اَلْهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اَللَّهِ تَعالى. و: { اَلزّاجِراتِ } أيِ: اَلنّاسَ عَنِ اَلْمَعاصِي، بِإلْهامِ اَلْخَيْرِ، مِنَ (اَلزَّجْرِ) بِمَعْنى اَلْمَنعِ والنَّهْيِ، أوِ اَلزّاجِراتِ اَلْأجْرامِ اَلْعُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ بِالتَّدْبِيرِ اَلْمَأْمُورِ بِهِ. مِنَ (اَلزَّجْرِ) بِمَعْنى اَلسَّوْقِ والحَثِّ. والتّالِياتِ، أيْ: آياتِهِ تَعالى عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ.
وقِيلَ: اَلصّافّاتُ اَلطَّيْرُ. مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] والزّاجِراتُ: كُلُّ ما زَجَرَ عَنْ مَعاصِي اَللَّهِ. (والتّالِياتُ): كُلُّ مَن تَلا كِتابَ اَللَّهِ.
أوْ هُمُ اَلْعُلَماءُ اَلصّافُّونَ في اَلْعِباداتِ أقْدامَهُمُ، اَلزّاجِرُونَ عَنِ اَلْكُفْرِ، والفُسُوقِ بِالحُجَجِ، والنَّصائِحِ، اَلتّالُونَ آياتَ اَللَّهِ وشَرائِعَهُ.
أوْ هُمُ اَلْغُزاةُ اَلصّافُّونَ في اَلْجِهادِ، والزّاجِرُونَ اَلْخَيْلَ أوِ اَلْعَدُوَّ، اَلتّالُونَ لِذِكْرِ اَللَّهِ، لا يَشْغَلُهم فِيها عَنْهُ مُبارَزَةُ اَلْعَدُوِّ. وقَدْ ذُكِرَ (p-٥٠٢٦)غَيْرُ هَذا، مِمّا يَشْمَلُهُ اَللَّفْظُ ولا يَأْباهُ. وبِالجُمْلَةِ، فالعَطْفُ إمّا لِاخْتِلافِ اَلذَّواتِ أوِ اَلصِّفاتِ. وإيثارُ اَلْفاءِ عَلى (اَلْواوِ)؛ لِقَصْدِ اَلتَّرْتِيبِ والتَّفاضُلِ طَرْدًا أوْ عَكْسًا، أمّا اَلْأوَّلُ فاعْتِناءً بِالأهَمِّ فالأهَمِّ. وأمّا اَلثّانِي فالتَّرَقِّي إلى اَلْأعْلى. و(صَفًّا)، و(زَجْرًا)، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وكَذا (ذِكْرًا)، ويَجُوزُ فِيهِ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ. قالَ النّاصِرُ: وفي هَذِهِ اَلْآيَةِ دَلالَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ في مِثْلِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] فَإنَّهُما يَقُولانِ: اَلْواوُ اَلثّانِيَةُ وما بَعْدَها عَواطِفُ. وغَيْرُهُما يَذْهَبُ إلى أنَّها حُرُوفُ قَسَمٍ. فَوُقُوعُ اَلْفاءِ في هَذِهِ اَلْآيَةِ مَوْقِعَ اَلْواوِ. والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ ما تَزِيدُهُ اَلْفاءُ مِن تَرْتِيبِها، دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ اَلْواوَ اَلْواقِعَةَ في مِثْلِ هَذا اَلسِّياقِ، لِلْعَطْفِ لا لِلْقَسَمِ. اِنْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] اَلْجَوابُ لِلْقَسَمِ، وفي تَأْكِيدِ اَلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِتَقْدِيمِ اَلْإقْسامِ وتَوْكِيدِ اَلْجُمْلَةِ، اِهْتِمامٌ بِهِ بِتَحْقِيقِ اَلْحَقِّ فِيهِ اَلَّذِي هو اَلتَّوْحِيدُ، وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ اَلْبُرْهانِ اَلنّاطِقِ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:3
(p-٥٠٢٤)سُورَةُ اَلصّافّاتِ
سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِ اَلْآيَةِ اَلَّتِي هي فِيها عَلى صِفاتٍ لِلْمَلائِكَةِ تَنْفِي إلَهِيَّةِ اَلْمَلائِكَةِ مِنَ اَلْجِهاتِ اَلْمُوهِمَةِ لَها فِيهِمْ. فَيَنْتَفِي بِذَلِكَ إلَهِيَّةِ ما دُونَهُمْ، فَيَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اَللَّهِ، وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ اَلْقُرْآنِ. قالَهُ اَلْمَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ اِتِّفاقًا، وآيُها مِائَةٌ واثْنَتانِ وثَمانُونَ.
رَوى اَلنَّسائِيُّ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ، ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ»
. قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ اَلنَّسائِيُّ.
(p-٥٠٢٥)بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٤ ] ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] .
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] اِفْتَتَحَ تَعالى هَذِهِ اَلسُّورَةَ بِالقَسَمِ بِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ، إظْهارًا لِعِظَمِ شَأْنِها وكِبَرِ فَوائِدِها، وتَنْبِيهًا إلى اَلِاعْتِبارِ بِصِفَتِها وما تَسْتَدْعِيهِ مِن سِمَتِها. (والصّافّاتِ): جَمْعُ صافَّةٍ، أيْ: طائِفَةٍ صافَّةٍ، أوْ جَماعَةٍ صافَّةٍ.
فَيَكُونُ في اَلْمَعْنى جَمْعُ اَلْجَمْعِ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ مُفْرَدَهِ، بِاعْتِبارٍ أنَّهُ ذاتٌ ونَفْسٌ. والمُرادُ بِالصّافّاتِ اَلْمَلائِكَةُ؛ لِقِيامِها مُصْطَفَّةً في مَقامِ اَلْعُبُودِيَّةِ لِمالِكِ اَلْمُلْكِ. مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] أوْ لِصَفِّها أجْنِحَتِها في اَلْهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اَللَّهِ تَعالى. و: { اَلزّاجِراتِ } أيِ: اَلنّاسَ عَنِ اَلْمَعاصِي، بِإلْهامِ اَلْخَيْرِ، مِنَ (اَلزَّجْرِ) بِمَعْنى اَلْمَنعِ والنَّهْيِ، أوِ اَلزّاجِراتِ اَلْأجْرامِ اَلْعُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ بِالتَّدْبِيرِ اَلْمَأْمُورِ بِهِ. مِنَ (اَلزَّجْرِ) بِمَعْنى اَلسَّوْقِ والحَثِّ. والتّالِياتِ، أيْ: آياتِهِ تَعالى عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ.
وقِيلَ: اَلصّافّاتُ اَلطَّيْرُ. مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] والزّاجِراتُ: كُلُّ ما زَجَرَ عَنْ مَعاصِي اَللَّهِ. (والتّالِياتُ): كُلُّ مَن تَلا كِتابَ اَللَّهِ.
أوْ هُمُ اَلْعُلَماءُ اَلصّافُّونَ في اَلْعِباداتِ أقْدامَهُمُ، اَلزّاجِرُونَ عَنِ اَلْكُفْرِ، والفُسُوقِ بِالحُجَجِ، والنَّصائِحِ، اَلتّالُونَ آياتَ اَللَّهِ وشَرائِعَهُ.
أوْ هُمُ اَلْغُزاةُ اَلصّافُّونَ في اَلْجِهادِ، والزّاجِرُونَ اَلْخَيْلَ أوِ اَلْعَدُوَّ، اَلتّالُونَ لِذِكْرِ اَللَّهِ، لا يَشْغَلُهم فِيها عَنْهُ مُبارَزَةُ اَلْعَدُوِّ. وقَدْ ذُكِرَ (p-٥٠٢٦)غَيْرُ هَذا، مِمّا يَشْمَلُهُ اَللَّفْظُ ولا يَأْباهُ. وبِالجُمْلَةِ، فالعَطْفُ إمّا لِاخْتِلافِ اَلذَّواتِ أوِ اَلصِّفاتِ. وإيثارُ اَلْفاءِ عَلى (اَلْواوِ)؛ لِقَصْدِ اَلتَّرْتِيبِ والتَّفاضُلِ طَرْدًا أوْ عَكْسًا، أمّا اَلْأوَّلُ فاعْتِناءً بِالأهَمِّ فالأهَمِّ. وأمّا اَلثّانِي فالتَّرَقِّي إلى اَلْأعْلى. و(صَفًّا)، و(زَجْرًا)، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وكَذا (ذِكْرًا)، ويَجُوزُ فِيهِ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ. قالَ النّاصِرُ: وفي هَذِهِ اَلْآيَةِ دَلالَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ في مِثْلِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] فَإنَّهُما يَقُولانِ: اَلْواوُ اَلثّانِيَةُ وما بَعْدَها عَواطِفُ. وغَيْرُهُما يَذْهَبُ إلى أنَّها حُرُوفُ قَسَمٍ. فَوُقُوعُ اَلْفاءِ في هَذِهِ اَلْآيَةِ مَوْقِعَ اَلْواوِ. والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ ما تَزِيدُهُ اَلْفاءُ مِن تَرْتِيبِها، دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ اَلْواوَ اَلْواقِعَةَ في مِثْلِ هَذا اَلسِّياقِ، لِلْعَطْفِ لا لِلْقَسَمِ. اِنْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] اَلْجَوابُ لِلْقَسَمِ، وفي تَأْكِيدِ اَلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِتَقْدِيمِ اَلْإقْسامِ وتَوْكِيدِ اَلْجُمْلَةِ، اِهْتِمامٌ بِهِ بِتَحْقِيقِ اَلْحَقِّ فِيهِ اَلَّذِي هو اَلتَّوْحِيدُ، وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ اَلْبُرْهانِ اَلنّاطِقِ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:4
(p-٥٠٢٤)سُورَةُ اَلصّافّاتِ
سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِ اَلْآيَةِ اَلَّتِي هي فِيها عَلى صِفاتٍ لِلْمَلائِكَةِ تَنْفِي إلَهِيَّةِ اَلْمَلائِكَةِ مِنَ اَلْجِهاتِ اَلْمُوهِمَةِ لَها فِيهِمْ. فَيَنْتَفِي بِذَلِكَ إلَهِيَّةِ ما دُونَهُمْ، فَيَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اَللَّهِ، وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ اَلْقُرْآنِ. قالَهُ اَلْمَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ اِتِّفاقًا، وآيُها مِائَةٌ واثْنَتانِ وثَمانُونَ.
رَوى اَلنَّسائِيُّ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ، ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ»
. قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ اَلنَّسائِيُّ.
(p-٥٠٢٥)بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٤ ] ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] .
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] اِفْتَتَحَ تَعالى هَذِهِ اَلسُّورَةَ بِالقَسَمِ بِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ، إظْهارًا لِعِظَمِ شَأْنِها وكِبَرِ فَوائِدِها، وتَنْبِيهًا إلى اَلِاعْتِبارِ بِصِفَتِها وما تَسْتَدْعِيهِ مِن سِمَتِها. (والصّافّاتِ): جَمْعُ صافَّةٍ، أيْ: طائِفَةٍ صافَّةٍ، أوْ جَماعَةٍ صافَّةٍ.
فَيَكُونُ في اَلْمَعْنى جَمْعُ اَلْجَمْعِ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ مُفْرَدَهِ، بِاعْتِبارٍ أنَّهُ ذاتٌ ونَفْسٌ. والمُرادُ بِالصّافّاتِ اَلْمَلائِكَةُ؛ لِقِيامِها مُصْطَفَّةً في مَقامِ اَلْعُبُودِيَّةِ لِمالِكِ اَلْمُلْكِ. مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] أوْ لِصَفِّها أجْنِحَتِها في اَلْهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اَللَّهِ تَعالى. و: { اَلزّاجِراتِ } أيِ: اَلنّاسَ عَنِ اَلْمَعاصِي، بِإلْهامِ اَلْخَيْرِ، مِنَ (اَلزَّجْرِ) بِمَعْنى اَلْمَنعِ والنَّهْيِ، أوِ اَلزّاجِراتِ اَلْأجْرامِ اَلْعُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ بِالتَّدْبِيرِ اَلْمَأْمُورِ بِهِ. مِنَ (اَلزَّجْرِ) بِمَعْنى اَلسَّوْقِ والحَثِّ. والتّالِياتِ، أيْ: آياتِهِ تَعالى عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ.
وقِيلَ: اَلصّافّاتُ اَلطَّيْرُ. مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] والزّاجِراتُ: كُلُّ ما زَجَرَ عَنْ مَعاصِي اَللَّهِ. (والتّالِياتُ): كُلُّ مَن تَلا كِتابَ اَللَّهِ.
أوْ هُمُ اَلْعُلَماءُ اَلصّافُّونَ في اَلْعِباداتِ أقْدامَهُمُ، اَلزّاجِرُونَ عَنِ اَلْكُفْرِ، والفُسُوقِ بِالحُجَجِ، والنَّصائِحِ، اَلتّالُونَ آياتَ اَللَّهِ وشَرائِعَهُ.
أوْ هُمُ اَلْغُزاةُ اَلصّافُّونَ في اَلْجِهادِ، والزّاجِرُونَ اَلْخَيْلَ أوِ اَلْعَدُوَّ، اَلتّالُونَ لِذِكْرِ اَللَّهِ، لا يَشْغَلُهم فِيها عَنْهُ مُبارَزَةُ اَلْعَدُوِّ. وقَدْ ذُكِرَ (p-٥٠٢٦)غَيْرُ هَذا، مِمّا يَشْمَلُهُ اَللَّفْظُ ولا يَأْباهُ. وبِالجُمْلَةِ، فالعَطْفُ إمّا لِاخْتِلافِ اَلذَّواتِ أوِ اَلصِّفاتِ. وإيثارُ اَلْفاءِ عَلى (اَلْواوِ)؛ لِقَصْدِ اَلتَّرْتِيبِ والتَّفاضُلِ طَرْدًا أوْ عَكْسًا، أمّا اَلْأوَّلُ فاعْتِناءً بِالأهَمِّ فالأهَمِّ. وأمّا اَلثّانِي فالتَّرَقِّي إلى اَلْأعْلى. و(صَفًّا)، و(زَجْرًا)، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وكَذا (ذِكْرًا)، ويَجُوزُ فِيهِ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ. قالَ النّاصِرُ: وفي هَذِهِ اَلْآيَةِ دَلالَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ في مِثْلِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] فَإنَّهُما يَقُولانِ: اَلْواوُ اَلثّانِيَةُ وما بَعْدَها عَواطِفُ. وغَيْرُهُما يَذْهَبُ إلى أنَّها حُرُوفُ قَسَمٍ. فَوُقُوعُ اَلْفاءِ في هَذِهِ اَلْآيَةِ مَوْقِعَ اَلْواوِ. والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ ما تَزِيدُهُ اَلْفاءُ مِن تَرْتِيبِها، دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ اَلْواوَ اَلْواقِعَةَ في مِثْلِ هَذا اَلسِّياقِ، لِلْعَطْفِ لا لِلْقَسَمِ. اِنْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] اَلْجَوابُ لِلْقَسَمِ، وفي تَأْكِيدِ اَلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِتَقْدِيمِ اَلْإقْسامِ وتَوْكِيدِ اَلْجُمْلَةِ، اِهْتِمامٌ بِهِ بِتَحْقِيقِ اَلْحَقِّ فِيهِ اَلَّذِي هو اَلتَّوْحِيدُ، وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ اَلْبُرْهانِ اَلنّاطِقِ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ ] ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ .
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ فَإنَّ وُجُودَها وانْتِظامَها عَلى هَذا اَلنَّمَطِ اَلْبَدِيعِ، مِن أوْضَحِ دَلائِلِ وُجُودِ اَلصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وأعْدَلِ شَواهِدِ وحْدَتِهِ، أيْ: مالِكُ اَلسَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما مِنَ اَلْمَوْجُوداتِ، ومُرَبِّيها، ومُبْلِغُها إلى كَمالاتِها. والمُرادُ بِالمَشارِقِ مَشارِقُ اَلشَّمْسِ. وإعادَةُ ذِكْرِ اَلرَّبِّ فِيها، لِغايَةِ ظُهُورِ آثارِ اَلرُّبُوبِيَّةِ فِيها وتَجَدُّدِها كُلَّ يَوْمٍ. فَإنَّها ثَلاثُ مِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، تُشْرِقُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ مِنها، وبِحَسْبِها تَخْتَلِفُ اَلْمَغارِبُ، وتَغْرُبُ كُلَّ يَوْمٍ في مَغْرِبٍ مِنها. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فَهُما مَشْرِقا اَلصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما. أفادَهُ أبُو اَلسُّعُودِ.
الصافات 37:6
(p-٥٠٢٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ ] ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ .
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أيِ: اَلْجِهَةَ اَلْعُلْيا اَلْقُرْبى مِن كُرَةِ اَلْأرْضِ: ﴿بِزِينَةٍ﴾ أيْ: عَجِيبَةٍ بَدِيعَةٍ: ﴿الكَواكِبِ﴾ بِالجَرِّ، بَدَلٌ مِن زِينَةٍ. وقُرِئَ بِالإضافَةِ، عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ، أوْ عَلى مَعْنى ما زُيِّنَتْ هي بِهِ، وهو ضَوْؤُها، والمُرادُ اَلتَّزْيِينُ في رَأْيِ اَلْعَيْنِ؛ فَإنَّ اَلْكَواكِبَ تَبْدُو لِلنّاظِرِينَ كَأنَّها جَواهِرُ مُتَلَأْلِئَةٌ.
الصافات 37:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ ] ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ .
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: خارِجٍ عَنِ اَلطّاعَةِ، يَقْذِفُهُ بِشُهُبِها، كَيْما يَتَطاوَلَ إلى اِسْتِراقِ اَلسَّمْعِ مِن جِهَتِها و: { حِفْظًا } إمّا مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلِهِ؛ أيْ: حَفِظْناهُما حِفْظًا، أوْ بِعَطْفِهِ عَلى: { زِينَةٍ } مِن حَيْثُ اَلْمَعْنى؛ أيْ: خَلَقْنا اَلْكَواكِبَ لِلسَّماءِ زِينَةً وحِفْظًا، أوْ عَلى اَلْمَفْعُولِ لِأجْلِهِ بِزِيادَةِ اَلْواوِ، والعامِلُ فِيهِ: { زَيَّنّا } .
الصافات 37:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨ ] ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ .
﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى﴾ قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ. وأصْلُهُ (يَسْتَمِعُونَ)؛ أيْ: يَتَطَلَّبُونَ اَلسَّماعَ. والضَّمِيرُ لِكُلِّ شَيْطانٍ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى اَلشَّياطِينِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما عَلَيْهِ حالُ اَلْمُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ مِن أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْمَعُوا إلى كَلامِ اَلْمَلائِكَةِ إلَخْ. أوْ هي عِلَّةٌ لِلْحِفْظِ؛ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا. فَحُذِفَتِ اَللّامُ ثُمَّ (أنْ)، وأُهْدِرَ عَمَلُها. وضَعَّفُوهُ بِلُزُومِ اِجْتِماعِ حَذْفَيْنِ، وهو مُنْكَرٌ. كَما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ: لِئَلّا (p-٥٠٢٨)تَضِلُّوا، وقَدْ يُقالُ: إنَّما يُنْكَرُ حَذْفُ شَيْئَيْنِ فِيما يُخِلُّ بِانْسِجامِ اَلْكَلامِ. أمّا في تَقْدِيرِ أمْرٍ لَهُ نَظائِرُ، ومَرْجِعُهُ إلى تَحْلِيلِ مَعْنًى لا يَأْباهُ اَللَّفْظُ - فَلا وجْهَ لِلتَّعَصُّبِ في رَدِّهِ، لِمُجَرَّدِ أنَّ اَلْكُوفِيِّينَ، مَثَلًا، ذَهَبُوا إلَيْهِ أوْ غَيْرُهم. وشاهِدُ اَلْمَعْنى أعْدَلُ مِن حُكْمِ اَلْقَواعِدِ وتَحْكِيمِها: ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ: ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جَوانِبِ اَلسَّماءِ، إذا قَصَدُوا اَلصُّعُودَ إلَيْها.
الصافات 37:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ ] ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ .
﴿دُحُورًا﴾ أيْ: لِلدُّحُورِ وهو اَلطَّرْدُ: ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ أيْ: شَدِيدٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.
الصافات 37:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ ] ﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ أيِ: اِخْتَلَسَ اَلْكَلِمَةَ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ شُعْلَةٌ نارِيَّةٌ تَنْقَضُّ مِنَ اَلسَّماءِ: ﴿ثاقِبٌ﴾ أيْ: مُضِيءٌ، كَأنَّهُ يَثْقُبُ اَلْجَوَّ بِضَوْئِهِ.
تَنْبِيهٌ:
ذَكَرَ اَلْمُفَسِّرُونَ أنَّ اَلشَّياطِينَ كانُوا يَصْعَدُونَ إلى قُرْبِ اَلسَّماءِ، فَرُبَّما سَمِعُوا كَلامَ اَلْمَلائِكَةِ، وعَرَفُوا بِهِ ما سَيَكُونُ مِنَ اَلْغُيُوبِ، وكانُوا يُخْبِرُونَهم بِهِ، ويُوهِمُونَهم أنَّهم يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ، فَمَنَعَهُمُ اَللَّهُ تَعالى مِنَ اَلصُّعُودِ إلى قُرْبِ اَلسَّماءِ بِهَذِهِ اَلشُّهُبِ، فَإنَّهُ تَعالى يَرْمِيهِمْ بِها فَيُحْرِقُهم.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: يَعْنِي إذا أرادَ اَلشَّيْطانُ أنْ يَسْتَرِقَ اَلسَّمْعَ، أتاهُ شِهابٌ ثاقِبٌ فَأحْرَقَهُ؛ ولِهَذا قالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى﴾ [الصافات: ٨] أيْ: لِئَلّا يَصِلُوا إلى اَلْمَلَأِ اَلْأعْلى، وهي اَلسَّماواتُ، ومَن فِيها مِنَ اَلْمَلائِكَةِ، إذا تَكَلَّمُوا بِما يُوحِيهِ اَللَّهُ تَعالى بِما يَقُولُهُ مِن شَرْعِهِ وقَدَرِهِ (p-٥٠٢٩)؛ كَما ورَدَتِ اَلْأخْبارُ بِذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [سبإ: ٢٣] اِنْتَهى.
قالَ بَعْضُ عُلَماءِ اَلْفَلَكِ: كَما أنَّ اَلْعَرْشَ تُحْفَةُ اَلْأرْواحِ اَلْغَيْبِيَّةِ - حَسْبَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في اَلْأعْرافِ - فَكَذَلِكَ اَلْكَواكِبُ اَلْأُخْرى مَسْكُونَةٌ مَعَ اَلْحَيَواناتِ، والدَّوابِّ بِأرْواحٍ، مِنها اَلصّالِحُ: (اَلْمَلَكُ)، ومِنها اَلطّالِحُ: (اَلشَّيْطانُ)، وكَذَلِكَ أرْضُنا هَذِهِ، فِيها مِنَ اَلْمَلائِكَةِ، ومِنَ اَلشَّياطِينِ ما لا نُبْصِرُهُ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]
ولا يَخْفى أنَّ عَدَمَ اَلْوِجْدانِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اَلْوُجُودِ، فَعَدَمُ إدْراكِنا لِهَذِهِ اَلْأرْواحِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُجُودِها؛ كَما أنَّ عَدَمَ مَعْرِفَةِ اَلْقُدَماءِ لِلْمَيْكُرُوباتِ ولِلْكَهْرَباءِ اَلَّتِي تُشاهَدُ اَلْآنَ آثارُها اَلْعَظِيمَةُ، لَمْ يَكُنْ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُجُودِها إذْ ذاكَ في اَلْعالَمِ، فَمِنَ اَلْجَهْلِ اَلْفاضِحِ إنْكارُ اَلشَّيْءِ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ أوِ اَلْعُثُورِ عَلَيْهِ، عَلى أنَّ لَنا اَلْآنَ مِن مَسْألَةِ اِسْتِحْضارِ اَلْأرْواحِ أكْبَرَ دَلِيلٍ عَلى وُجُودِ أرْواحٍ في هَذِهِ اَلْأرْضِ، لا نُبْصِرُها ولا نَشْعُرُ بِها.
وقَدْ قَدَّرَ اَللَّهُ تَعالى أنَّ اَلْحَيَواناتِ في هَذِهِ اَلْأرْضِ، إذا خَرَجَتْ عَنْها إلى حَيْثُ يَنْقَطِعُ اَلْهَواءُ ويَبْطُلُ اَلتَّنَفُّسُ، تَمُوتُ في اَلْحالِ. وكَذَلِكَ قَدَّرَ أنَّ اَلْأرْواحَ اَلطّالِحَةَ اَلَّتِي في أرْضِنا هَذِهِ، إذا أرادَتِ اَلصُّعُودَ إلى اَلسَّماءِ، والِاخْتِلاطَ بِالأرْواحِ اَلَّتِي في اَلْكَواكِبِ اَلْأُخْرى، اِنْقَضَّ عَلَيْها، قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِن جَوِّ اَلْأرْضِ، شِهابٌ مِن هَذِهِ اَلْكَواكِبِ، أوْ مِن غَيْرِها، فَأحْرَقَها وأهْلَكَها، بِإفْسادِ تَرْكِيبِها ومادَّتِها، حَتّى لا يَحْصُلَ اِتِّصالٌ بَيْنَ هَذِهِ وتِلْكَ، ولا تَطَلُّعَ عَلى أسْرارِ اَلْعَوالِمِ اَلْأُخْرى، وهَذِهِ اَلشُّهُبُ اَلَّتِي تَنْقَضُّ، إنْ كانَتْ صادِرَةً مِن أجْرامٍ مُلْتَهِبَةٍ، كانَتْ مُلْتَهِبَةً، وإنْ كانَتْ صادِرَةً مِن أجْرامٍ غَيْرِ مُلْتَهِبَةٍ، اِلْتَهَبَتْ فِيما بَعْدُ لِشِدَّةِ سُرْعَتِها واحْتِكاكِها بِالغازاتِ اَلَّتِي تَمُرُّ فِيها في جَوِّنا هَذا. ولَعَلَّ في مادَّةِ اَلشَّياطِينِ ما يَجْتَذِبُ إلى هَذِهِ اَلشُّهُبِ ويَتَّحِدُ بِها. كَما تَجْتَذِبُ اَلْعَناصِرُ اَلْكِيماوِيَّةُ بَعْضُها بَعْضًا.
(p-٥٠٣٠)مِثالُ ذَلِكَ عُنْصُرُ )الصُّودْيُومِ فَإنَّهُ يَجْتَذِبُ إلَيْهِ اَلْأُكْسُجِينَ مِنَ اَلْماءِ فَيُحَلِّلُهُ ) . ولا نَقُولُ إنَّ جَمِيعَ اَلشُّهُبِ تَنْقَضُّ لِهَذا اَلسَّبَبِ، بَلْ مِنها ما يَنْقَضُّ لِأسْبابٍ أُخْرى. كاجْتِذابِ بَعْضِ اَلْأجْرامِ اَلسَّماوِيَّةِ لَهُ، ومِنها ما يَنْقَضُّ لِإهْلاكِ اَلشَّياطِينِ، كَما بَيَّنّا هُنا. والشَّياطِينُ مَخْلُوقَةٌ مِن مَوادَّ غازِيَّةٍ كانَتْ مُلْتَهِبَةً: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] والمُرادُ بِالسَّماءِ اَلدُّنْيا في هَذِهِ اَلْآيَةِ اَلْفَضاءُ اَلْمُحِيطُ بِنا اَلْقَرِيبُ مِنّا؛ أيْ: هَذا اَلْجَوُّ اَلَّذِي نُشاهِدُهُ وفِيهِ اَلْعَوالِمُ كُلُّها. أمّا ما وراءَهُ مِنَ اَلْجِواءِ اَلْبَعِيدَةِ عَنّا، اَلَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ نَصِلَ إلَيْها بِأعْيُنِنا ولا بِمَناظِيرِنا، فَهو فَضاءٌ مَحْضٌ لا شَيْءَ فِيهِ. فَلَفْظُ اَلسَّماءِ لَهُ مَعانٍ كَثِيرَةٌ كُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى اَلسُّمُوِّ، وتُفَسَّرُ في كُلِّ مَقامٍ بِحَسْبِهِ.
ثُمَّ قالَ: فَكُلُّ مَسْألَةٍ جاءَ بِها اَلْقُرْآنُ حَقٌّ، لا يُوجَدُ في اَلْعِلْمِ اَلطَّبِيعِيِّ ما يُكَذِّبُها؛ لِأنَّهُ وحْيُ اَللَّهِ حَقًّا، والحَقُّ لا يُناقِضُهُ اَلْحَقُّ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]
وقالَ أيْضًا: يَعْتَقِدُ اَلْآنَ عُلَماءُ اَلْفَلَكِ أنَّ أكْثَرَ اَلشُّهُبِ تَنْشَأُ مِن ذَواتِ اَلْأذْنابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ بَعْضَها ناشِئٌ مِن بَعْضِ اَلشُّمُوسِ اَلْمُنْحَلَّةِ، أوِ اَلْباقِيَةِ اَلْمُلْتَهِبَةِ، أوْ مِن بَراكِينِ بَعْضِ اَلسَّيّاراتِ، أوْ مِمّا لَمْ يَنْطَفِئْ مِنَ اَلسَّيّاراتِ لِلْآنِ، ومَتى عَلِمْنا أنَّ ذَواتَ اَلْأذْنابِ والسَّيّاراتِ جَمِيعًا مُشْتَقَّةٌ مِنَ اَلشُّمُوسِ، كانَ مَصْدَرُ جَمِيعِ اَلشُّهُبِ هو اَلشُّمُوسَ، أوِ اَلنُّجُومَ.
(قالَ): وهَذا يُفْهِمُنا مَعْنى هَذِهِ اَلْآيَةِ. اهـ كَلامُهُ.
ونَظِيرُ هَذِهِ اَلْآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦] ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] ﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] (p-٥٠٣١)، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ إخْبارًا عَنِ اَلْجِنِّ: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]
الصافات 37:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ ] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أيْ: فاسْتَخْبِرْ مُشْرِكِي مَكَّةَ: ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ أيْ: أقْوى خِلْقَةً وأمْتَنُ بِنْيَةً: ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيْ: مِنَ اَلسَّماواتِ، والأرْضِ، والجِبالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] اَلْآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وفي اِضْطِرارِهِمْ إلى اَلْجَوابِ بِصِغَرِ خَلْقِهِمْ وتَضاؤُلِهِ عَمّا ذُكِرَ، اِعْتِرافٌ بِأنَّهُ لا يَتَعالى عَلَيْهِ أمْرٌ بَعْدَ هَذا، كَشَأْنِ اَلْبَعْثِ وغَيْرِهِ، وإلَيْهِ اَلْإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: لَزِجٍ ضَعِيفٍ لا قُوَّةَ فِيهِ.
الصافات 37:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ ] ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ .
﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ أيْ: مِن إنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ بَعْدَ اِضْطِرارِهِمْ لِلِاعْتِرافِ بِما يُحَقِّقُهُ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ أيْ: مِن تَقْرِيرِ أمْرِ اَلْبَعْثِ، والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِ.
الصافات 37:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣ ] ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ .
﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾ أيْ: بِما يُؤَيِّدُهُ، أوْ وُعِظُوا، وخُوِّفُوا مِنَ اَلْمُخالَفَةِ: ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: ما يَقْتَضِيهِ؟ لِتَعَنُّتِهِمْ وعِنادِهِمْ، أوْ لا يَخافُونَ، ولا يَتَّعِظُونَ.
الصافات 37:14
(p-٥٠٣٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ ] ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ .
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: بُرْهانًا واحْتِجاجًا عَلى مِصْداقِهِ، مِن آياتِ اَلْكائِناتِ في أنْفُسِهِمْ، أوْ في اَلْآفاقِ: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في اَلسُّخْرِيَةِ، بَدَلَ اَلِاعْتِبارِ، والتَّدَبُّرِ، والتَّفَكُّرِ.
الصافات 37:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ ] ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .
﴿وقالُوا إنْ هَذا﴾ أيِ: اِدِّعاءُ ما ذُكِرَ، والِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ، والصَّدْعُ بِشَأْنِهِ، والقِراعُ فِيهِ: ﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
الصافات 37:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦ - ١٨ ] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] .
﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ﴾ [الصافات: ١٨] أيْ: تَبْكِيتًا لَهم.: ﴿نَعَمْ﴾ [الصافات: ١٨] أيْ: تُبْعَثُونَ: ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] أيْ: ذَلِيلُونَ، لا جَدَلَ مِنكم يَدْفَعُهُ ولا قُدْرَةَ.
الصافات 37:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦ - ١٨ ] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] .
﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ﴾ [الصافات: ١٨] أيْ: تَبْكِيتًا لَهم.: ﴿نَعَمْ﴾ [الصافات: ١٨] أيْ: تُبْعَثُونَ: ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] أيْ: ذَلِيلُونَ، لا جَدَلَ مِنكم يَدْفَعُهُ ولا قُدْرَةَ.
الصافات 37:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦ - ١٨ ] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] .
﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ﴾ [الصافات: ١٨] أيْ: تَبْكِيتًا لَهم.: ﴿نَعَمْ﴾ [الصافات: ١٨] أيْ: تُبْعَثُونَ: ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] أيْ: ذَلِيلُونَ، لا جَدَلَ مِنكم يَدْفَعُهُ ولا قُدْرَةَ.
الصافات 37:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ ] ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ .
﴿فَإنَّما هِيَ﴾ أيِ: اَلْبَعْثَةُ: ﴿زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ: ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: قِيامٌ مِن مَراقِدِهِمْ أحْياءً، أُولُو قُوَّةٍ مُدْرِكَةٍ، بِها يُبْصِرُونَ، أوْ يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ.
الصافات 37:20
(p-٥٠٣٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ ] ﴿وقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ .
﴿وقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ: يَوْمُ اَلْجَزاءِ.
الصافات 37:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ - ٢٢ ] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] .
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الصافات: ٢٢] أيْ: أنْفُسَهم بِالكُفْرِ، والمَعاصِي، والسَّعْيِ بِالفَسادِ: ﴿وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أيْ: وأشْباهَهم مِنَ اَلْفَجَرَةِ، أوْ نِساءَهُمُ اَلْكافِراتِ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢]
الصافات 37:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ - ٢٢ ] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] .
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الصافات: ٢٢] أيْ: أنْفُسَهم بِالكُفْرِ، والمَعاصِي، والسَّعْيِ بِالفَسادِ: ﴿وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أيْ: وأشْباهَهم مِنَ اَلْفَجَرَةِ، أوْ نِساءَهُمُ اَلْكافِراتِ: ﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢]
الصافات 37:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣ ] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ .
﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِنَ اَلْأصْنامِ وغَيْرِها، زِيادَةً في تَحْسِيرِهِمْ، وتَخْجِيلِهِمْ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: فَعَرِّفُوهم طَرِيقِها لِيَسْلُكُوها. والتَّعْبِيرُ بِـ: اَلْهِدايَةِ والصِّراطِ؛ لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ.
الصافات 37:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤ ] ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ .
﴿وقِفُوهُمْ﴾ أيِ: اِحْبِسُوهم في اَلْمَوْقِفِ: ﴿إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ أيْ: عَنْ عَقائِدِهِمْ، وأعْمالِهِمْ.
الصافات 37:25
(p-٥٠٣٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥ ] ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ .
﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، وقَدْ كانَ شَأْنُكُمُ اَلتَّعاضُدُ في اَلْحَياةِ اَلْأُولى. وهو تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ.
الصافات 37:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦ ] ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ .
﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ مَخْذُولُونَ.
الصافات 37:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧، ٢٨ ] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] .
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] أيْ: عَنِ اَلْقَهْرِ والغَلَبَةِ؛ أيْ: كُنْتُمْ تَضْطَرُّونا إلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ، كَما في آيَةِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ [سبإ: ٣٣] وقِيلَ عَنِ اَلْحِلْفِ والقِسْمِ. وقِيلَ عَنْ جِهَةِ اَلْخَيْرِ وناحِيَةِ اَلْحَقِّ، مِنَ (اَلْيَمَنِ) ضِدَّ اَلشُّؤْمِ؛ أيْ: تُوهِمُونا وتَخْدَعُونا؛ أنَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أمْرٌ مَيْمُونٌ فِيهِ اَلْخَيْرُ والفَوْزُ، فَأيْنَ مِصْداقُهُ وقَدْ نَزَلَ ما نَزَلَ؟
الصافات 37:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧، ٢٨ ] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] .
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] أيْ: عَنِ اَلْقَهْرِ والغَلَبَةِ؛ أيْ: كُنْتُمْ تَضْطَرُّونا إلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ، كَما في آيَةِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ [سبإ: ٣٣] وقِيلَ عَنِ اَلْحِلْفِ والقِسْمِ. وقِيلَ عَنْ جِهَةِ اَلْخَيْرِ وناحِيَةِ اَلْحَقِّ، مِنَ (اَلْيَمَنِ) ضِدَّ اَلشُّؤْمِ؛ أيْ: تُوهِمُونا وتَخْدَعُونا؛ أنَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أمْرٌ مَيْمُونٌ فِيهِ اَلْخَيْرُ والفَوْزُ، فَأيْنَ مِصْداقُهُ وقَدْ نَزَلَ ما نَزَلَ؟
الصافات 37:29
(p-٥٠٣٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩ - ٣٥ ] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] .
﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] أيْ: عَنِ اَلِاسْتِجابَةِ لِلدّاعِي إلَيْها.
الصافات 37:30
(p-٥٠٣٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩ - ٣٥ ] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] .
﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] أيْ: عَنِ اَلِاسْتِجابَةِ لِلدّاعِي إلَيْها.
الصافات 37:31
(p-٥٠٣٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩ - ٣٥ ] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] .
﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] أيْ: عَنِ اَلِاسْتِجابَةِ لِلدّاعِي إلَيْها.
الصافات 37:32
(p-٥٠٣٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩ - ٣٥ ] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] .
﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] أيْ: عَنِ اَلِاسْتِجابَةِ لِلدّاعِي إلَيْها.
الصافات 37:33
(p-٥٠٣٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩ - ٣٥ ] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] .
﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] أيْ: عَنِ اَلِاسْتِجابَةِ لِلدّاعِي إلَيْها.
الصافات 37:34
(p-٥٠٣٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩ - ٣٥ ] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] .
﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] أيْ: عَنِ اَلِاسْتِجابَةِ لِلدّاعِي إلَيْها.
الصافات 37:35
(p-٥٠٣٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩ - ٣٥ ] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] .
﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] أيْ: عَنِ اَلِاسْتِجابَةِ لِلدّاعِي إلَيْها.
الصافات 37:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦ ] ﴿ويَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ .
﴿ويَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ أيْ: لِقَوْلِ مَن يَقُولُ بِالمُقَدِّماتِ اَلْخَيالِيَّةِ عَنِ اَلْجُنُونِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِكَلامٍ مُخَيَّلٍ.
الصافات 37:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧ ] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ .
﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: اَلَّذِينَ هم أعْقَلُ اَلْأُمَمِ، وأحْكَمُ اَلْحُكَماءِ، فَمَتى يَتَّفِقُونَ عَلى قَوْلٍ مَصْدَرُهُ اَلْجُنُونُ؟
الصافات 37:38
(p-٥٠٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ - ٤٤ ] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] .
﴿إنَّكُمْ﴾ أيْ: بِافْتِرائِكُمْ: ﴿لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] أيْ: في اَلصَّفِّ مُتَرائِينَ، لا يُحْجَبُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، ولا يَتَفاضَلُونَ في اَلْمَقاعِدِ.
الصافات 37:39
(p-٥٠٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ - ٤٤ ] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] .
﴿إنَّكُمْ﴾ أيْ: بِافْتِرائِكُمْ: ﴿لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] أيْ: في اَلصَّفِّ مُتَرائِينَ، لا يُحْجَبُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، ولا يَتَفاضَلُونَ في اَلْمَقاعِدِ.
الصافات 37:40
(p-٥٠٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ - ٤٤ ] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] .
﴿إنَّكُمْ﴾ أيْ: بِافْتِرائِكُمْ: ﴿لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] أيْ: في اَلصَّفِّ مُتَرائِينَ، لا يُحْجَبُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، ولا يَتَفاضَلُونَ في اَلْمَقاعِدِ.
الصافات 37:41
(p-٥٠٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ - ٤٤ ] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] .
﴿إنَّكُمْ﴾ أيْ: بِافْتِرائِكُمْ: ﴿لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] أيْ: في اَلصَّفِّ مُتَرائِينَ، لا يُحْجَبُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، ولا يَتَفاضَلُونَ في اَلْمَقاعِدِ.
الصافات 37:42
(p-٥٠٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ - ٤٤ ] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] .
﴿إنَّكُمْ﴾ أيْ: بِافْتِرائِكُمْ: ﴿لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] أيْ: في اَلصَّفِّ مُتَرائِينَ، لا يُحْجَبُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، ولا يَتَفاضَلُونَ في اَلْمَقاعِدِ.
الصافات 37:43
(p-٥٠٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ - ٤٤ ] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] .
﴿إنَّكُمْ﴾ أيْ: بِافْتِرائِكُمْ: ﴿لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] أيْ: في اَلصَّفِّ مُتَرائِينَ، لا يُحْجَبُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، ولا يَتَفاضَلُونَ في اَلْمَقاعِدِ.
الصافات 37:44
(p-٥٠٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ - ٤٤ ] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] .
﴿إنَّكُمْ﴾ أيْ: بِافْتِرائِكُمْ: ﴿لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] أيْ: في اَلصَّفِّ مُتَرائِينَ، لا يُحْجَبُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، ولا يَتَفاضَلُونَ في اَلْمَقاعِدِ.
الصافات 37:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥ ] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ .
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ: شَرابٍ مَعِينٍ، جارٍ كالنَّهْرِ لا يَنْقَطِعُ.
الصافات 37:46
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦، ٤٧ ] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْـزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] .
﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] أيْ: ما يَغْتالُ اَلْعَقْلَ، ولا فَسادٌ مِن فَسادِ خَمْرِ اَلدُّنْيا: ﴿ولا هم عَنْها يُنْـزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] أيْ: تَذْهَبُ عُقُولُهم.
الصافات 37:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦، ٤٧ ] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْـزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] .
﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] أيْ: ما يَغْتالُ اَلْعَقْلَ، ولا فَسادٌ مِن فَسادِ خَمْرِ اَلدُّنْيا: ﴿ولا هم عَنْها يُنْـزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] أيْ: تَذْهَبُ عُقُولُهم.
الصافات 37:48
(p-٥٠٣٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٨، ٤٩ ] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] .
﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ: عَلى أزْواجِهِنَّ أوْ مُبْيَضّاتِهِ تَشْبِيهًا بِالثَّوْبِ اَلْمَقْصُورِ، وهو اَلْمُحَوَّرُ: ﴿عِينٌ﴾ أيْ: كِبارُ اَلْأعْيُنِ: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] أيْ: بَيْضُ نَعامٍ في اَلصَّفاءِ، مَسْتُورٌ لَمْ يَرْكَبْ عَلَيْهِ غُبارٌ. قالَ الشِّهابُ: وهَذا عَلى عادَةِ اَلْعَرَبِ في تَشْبِيهِ اَلنِّساءِ بِها، وخُصَّتْ بِبَيْضِ اَلنَّعامِ؛ لِصَفائِهِ وكَوْنِهِ أحْسَنَ مَنظَرًا مِن سائِرِهِ، ولِأنَّها تَبِيضُ في اَلْفَلاةِ، وتَبْعُدُ بِبَيْضِها عَنْ أنْ يُمَسَّ. ولِذا قالَتِ اَلْعَرَبُ لِلنِّساءِ: ( بَيْضاتُ اَلْخُدُورِ). ولِأنَّ بَياضَهُ يَشُوبُهُ قَلِيلُ صُفْرَةٍ مَعَ لَمَعانٍ، كَما في اَلدُّرِّ، وهو لَوْنٌ مَحْمُودٌ جِدًّا؛ إذِ اَلْبَياضُ اَلصَّرْفُ غَيْرُ مَحْمُودٍ، وإنَّما يُحْمَدُ إذا شابَهُ قَلِيلُ حُمْرَةٍ في اَلرِّجالِ، وصُفْرَةٍ في اَلنِّساءِ. اِنْتَهى.
وحَكى اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَنى بِالبَيْضِ اَلْمَكْنُونِ: (اَللُّؤْلُؤَ).
ثُمَّ قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَصُونٍ: (مَكْنُونٌ)، لُؤْلُؤًا كانَ أوْ غَيْرَهُ. كَما قالَ أبُو دَهْبَلٍ:
؎وهْيَ زَهْراءُ مِثْلُ لُؤْلُؤْةِ اَلْغَوّاصِ مِيزَتْ مِن جَوْهَرٍ مَكْنُونِ
الصافات 37:49
(p-٥٠٣٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٨، ٤٩ ] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] .
﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ: عَلى أزْواجِهِنَّ أوْ مُبْيَضّاتِهِ تَشْبِيهًا بِالثَّوْبِ اَلْمَقْصُورِ، وهو اَلْمُحَوَّرُ: ﴿عِينٌ﴾ أيْ: كِبارُ اَلْأعْيُنِ: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] أيْ: بَيْضُ نَعامٍ في اَلصَّفاءِ، مَسْتُورٌ لَمْ يَرْكَبْ عَلَيْهِ غُبارٌ. قالَ الشِّهابُ: وهَذا عَلى عادَةِ اَلْعَرَبِ في تَشْبِيهِ اَلنِّساءِ بِها، وخُصَّتْ بِبَيْضِ اَلنَّعامِ؛ لِصَفائِهِ وكَوْنِهِ أحْسَنَ مَنظَرًا مِن سائِرِهِ، ولِأنَّها تَبِيضُ في اَلْفَلاةِ، وتَبْعُدُ بِبَيْضِها عَنْ أنْ يُمَسَّ. ولِذا قالَتِ اَلْعَرَبُ لِلنِّساءِ: ( بَيْضاتُ اَلْخُدُورِ). ولِأنَّ بَياضَهُ يَشُوبُهُ قَلِيلُ صُفْرَةٍ مَعَ لَمَعانٍ، كَما في اَلدُّرِّ، وهو لَوْنٌ مَحْمُودٌ جِدًّا؛ إذِ اَلْبَياضُ اَلصَّرْفُ غَيْرُ مَحْمُودٍ، وإنَّما يُحْمَدُ إذا شابَهُ قَلِيلُ حُمْرَةٍ في اَلرِّجالِ، وصُفْرَةٍ في اَلنِّساءِ. اِنْتَهى.
وحَكى اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَنى بِالبَيْضِ اَلْمَكْنُونِ: (اَللُّؤْلُؤَ).
ثُمَّ قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَصُونٍ: (مَكْنُونٌ)، لُؤْلُؤًا كانَ أوْ غَيْرَهُ. كَما قالَ أبُو دَهْبَلٍ:
؎وهْيَ زَهْراءُ مِثْلُ لُؤْلُؤْةِ اَلْغَوّاصِ مِيزَتْ مِن جَوْهَرٍ مَكْنُونِ
الصافات 37:50
(p-٥٠٣٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٠ ] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .
﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (يُطافُ)، والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحادَثُونَ عَلى اَلشَّرابِ، كَعادَةِ أهْلِ اَلشُّرْبِ، عَمّا جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَتَحادَثُونَ أحادِيثَ أهْلِ اَلْجَنَّةِ والنّارِ، ومُذاكَرَةَ أحْوالِ اَلسُّعَداءِ والأشْقِياءِ، مُطَّلِعِينَ عَلى كِلا اَلْفَرِيقَيْنِ وما هم فِيهِ مِنَ اَلثَّوابِ والعِقابِ، كَما ذُكِرَ في وصْفِ أهْلِ اَلْأعْرافِ.
الصافات 37:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ - ٥٣ ] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] .
﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: في اَلْمُحادَثَةِ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: جَلِيسٌ في اَلدُّنْيا: ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أيْ: لَمَبْعُوثُونَ فَمَجْزِيُّونَ؛ أيْ: يَقُولُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ اَلتَّعَجُّبِ والتَّكْذِيبِ، والمَعْنى: فَهُنا قَدْ صَدَقَنا رَبُّنا وعْدَهُ، وأحَلَّ بِالقَرِينِ وعِيدَهُ، كَما أشارَ بِقَوْلِهِ:
الصافات 37:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ - ٥٣ ] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] .
﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: في اَلْمُحادَثَةِ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: جَلِيسٌ في اَلدُّنْيا: ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أيْ: لَمَبْعُوثُونَ فَمَجْزِيُّونَ؛ أيْ: يَقُولُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ اَلتَّعَجُّبِ والتَّكْذِيبِ، والمَعْنى: فَهُنا قَدْ صَدَقَنا رَبُّنا وعْدَهُ، وأحَلَّ بِالقَرِينِ وعِيدَهُ، كَما أشارَ بِقَوْلِهِ:
الصافات 37:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ - ٥٣ ] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] .
﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: في اَلْمُحادَثَةِ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: جَلِيسٌ في اَلدُّنْيا: ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أيْ: لَمَبْعُوثُونَ فَمَجْزِيُّونَ؛ أيْ: يَقُولُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ اَلتَّعَجُّبِ والتَّكْذِيبِ، والمَعْنى: فَهُنا قَدْ صَدَقَنا رَبُّنا وعْدَهُ، وأحَلَّ بِالقَرِينِ وعِيدَهُ، كَما أشارَ بِقَوْلِهِ:
الصافات 37:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤ ] ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ .
﴿قالَ﴾ أيْ: ذَلِكَ اَلْقائِلُ: ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ أيْ: إلى أهْلِ اَلنّارِ مِن كُوى اَلْجَنَّةِ، ومَطالِّها، لِأُرِيَكم ذَلِكَ اَلْقَرِينَ.
الصافات 37:55
(p-٥٠٣٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٥ - ٥٧ ] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] .
﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِهِ: ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِالإغْواءِ: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات: ٥٧] أيْ: بِالهِدايَةِ، واللُّطْفِ بِي: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] أيْ: مَعَكَ في اَلنّارِ. وقَوْلُهُ:
الصافات 37:56
(p-٥٠٣٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٥ - ٥٧ ] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] .
﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِهِ: ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِالإغْواءِ: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات: ٥٧] أيْ: بِالهِدايَةِ، واللُّطْفِ بِي: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] أيْ: مَعَكَ في اَلنّارِ. وقَوْلُهُ:
الصافات 37:57
(p-٥٠٣٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٥ - ٥٧ ] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] .
﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِهِ: ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِالإغْواءِ: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات: ٥٧] أيْ: بِالهِدايَةِ، واللُّطْفِ بِي: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] أيْ: مَعَكَ في اَلنّارِ. وقَوْلُهُ:
الصافات 37:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٨، ٥٩ ] ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] .
﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِ لِقَرِينِهِ، تَقْرِيعًا لَهُ، أوْ مُعاوَدَةً عَلى مُحادَثَةِ جُلَسائِهِ، تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اَللَّهِ تَعالى.
الصافات 37:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٨، ٥٩ ] ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] .
﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِ لِقَرِينِهِ، تَقْرِيعًا لَهُ، أوْ مُعاوَدَةً عَلى مُحادَثَةِ جُلَسائِهِ، تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اَللَّهِ تَعالى.
الصافات 37:60
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٠، ٦١ ] ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] .
﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] أيْ: لِنَيْلِ مِثْلِهِ، فَلْيُجِدَّ اَلْمُجِدُّونَ، ولَمّا وصَفَ مَلاذَّ أهْلِ اَلْجَنَّةِ، تَأثَّرَهُ بِمَطاعِمِ أهْلِ اَلنّارِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الصافات 37:61
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٠، ٦١ ] ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] .
﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] أيْ: لِنَيْلِ مِثْلِهِ، فَلْيُجِدَّ اَلْمُجِدُّونَ، ولَمّا وصَفَ مَلاذَّ أهْلِ اَلْجَنَّةِ، تَأثَّرَهُ بِمَطاعِمِ أهْلِ اَلنّارِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الصافات 37:62
(p-٥٠٤٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٢ ] ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُـزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ .
﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُـزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ وهي شَجَرَةٌ كَرِيهَةُ اَلْمَنظَرِ والطَّعْمِ، كَما سَتُذْكَرُ صِفَتُها.
الصافات 37:63
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣ - ٦٥ ] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] .
﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً﴾ أيْ: مِحْنَةً وعَذابًا: ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها﴾ [الصافات: ٦٥] أيْ: حَمْلُها: ﴿كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] أيْ: مِثْلُ ما يُتَخَيَّلُ ويُتَوَهَّمُ مِن قُبْحِ رُؤُوسِ اَلشَّياطِينِ، فَهي قَبِيحَةُ اَلْأصْلِ، والثَّمَرِ، والمَنظَرِ، والمَلْمَسِ. قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وشُبِّهَ بِرُؤُوسِ اَلشَّياطِينِ دَلالَةً عَلى تَناهِيهِ في اَلْكَراهِيَةِ، وقُبْحِ اَلْمَنظَرِ؛ لِأنَّ اَلشَّيْطانَ مَكْرُوهٌ مُسْتَقْبَحٌ في طِباعِ اَلنّاسِ، لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ شَرٌّ مَحْضٌ لا يَخْلِطُهُ خَيْرٌ، فَيَقُولُونَ في اَلْقَبِيحِ اَلصُّورَةِ: (كَأنَّهُ وجْهُ شَيْطانٍ)، ( كَأنَّهُ رَأْسُ شَيْطانٍ). وإذا صَوَّرَهُ اَلْمُصَوِّرُونَ جاءُوا بِصُورَتِهِ عَلى أقْبَحِ ما يُقَدَّرُ، وأهْوَلِهِ. كَما أنَّهُمُ اِعْتَقَدُوا في اَلْمَلَكِ أنَّهُ خَيْرٌ مَحْضٌ لا شَرَّ فِيهِ. فَشَبَّهُوا بِهِ اَلصُّورَةَ اَلْحَسَنَةَ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وهَذا تَشْبِيهٌ تَخْيِيلِيٌّ. اِنْتَهى. أيْ: لِأمْرٍ مَرْكُوزٍ في اَلْخَيالِ. وبِهِ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ إنَّهُ تَشْبِيهٌ بِما لا يُعْرَفُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا في اَلْخارِجِ. بَلْ يَكْفِي كَوْنُهُ مَرْكُوزًا في اَلذِّهْنِ والخَيالِ (p-٥٠٤١)، ألا تَرى اِمْرَأ اَلْقَيْسِ - وهو مَلِكُ اَلشُّعَراءِ - يَقُولُ:
؎ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ
وهُوَ لَمْ يَرَ اَلْغُولَ، والغُولُ نَوْعٌ مِنَ اَلشَّياطِينِ؛ لِأنَّهُ في خَيالِ كُلِّ أحَدٍ مُرْتَسِمٌ بِصُورَةٍ قَبِيحَةٍ، وإنْ كانَ قابِلًا لِلتَّشَكُّلِ.
الصافات 37:64
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣ - ٦٥ ] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] .
﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً﴾ أيْ: مِحْنَةً وعَذابًا: ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها﴾ [الصافات: ٦٥] أيْ: حَمْلُها: ﴿كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] أيْ: مِثْلُ ما يُتَخَيَّلُ ويُتَوَهَّمُ مِن قُبْحِ رُؤُوسِ اَلشَّياطِينِ، فَهي قَبِيحَةُ اَلْأصْلِ، والثَّمَرِ، والمَنظَرِ، والمَلْمَسِ. قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وشُبِّهَ بِرُؤُوسِ اَلشَّياطِينِ دَلالَةً عَلى تَناهِيهِ في اَلْكَراهِيَةِ، وقُبْحِ اَلْمَنظَرِ؛ لِأنَّ اَلشَّيْطانَ مَكْرُوهٌ مُسْتَقْبَحٌ في طِباعِ اَلنّاسِ، لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ شَرٌّ مَحْضٌ لا يَخْلِطُهُ خَيْرٌ، فَيَقُولُونَ في اَلْقَبِيحِ اَلصُّورَةِ: (كَأنَّهُ وجْهُ شَيْطانٍ)، ( كَأنَّهُ رَأْسُ شَيْطانٍ). وإذا صَوَّرَهُ اَلْمُصَوِّرُونَ جاءُوا بِصُورَتِهِ عَلى أقْبَحِ ما يُقَدَّرُ، وأهْوَلِهِ. كَما أنَّهُمُ اِعْتَقَدُوا في اَلْمَلَكِ أنَّهُ خَيْرٌ مَحْضٌ لا شَرَّ فِيهِ. فَشَبَّهُوا بِهِ اَلصُّورَةَ اَلْحَسَنَةَ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وهَذا تَشْبِيهٌ تَخْيِيلِيٌّ. اِنْتَهى. أيْ: لِأمْرٍ مَرْكُوزٍ في اَلْخَيالِ. وبِهِ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ إنَّهُ تَشْبِيهٌ بِما لا يُعْرَفُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا في اَلْخارِجِ. بَلْ يَكْفِي كَوْنُهُ مَرْكُوزًا في اَلذِّهْنِ والخَيالِ (p-٥٠٤١)، ألا تَرى اِمْرَأ اَلْقَيْسِ - وهو مَلِكُ اَلشُّعَراءِ - يَقُولُ:
؎ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ
وهُوَ لَمْ يَرَ اَلْغُولَ، والغُولُ نَوْعٌ مِنَ اَلشَّياطِينِ؛ لِأنَّهُ في خَيالِ كُلِّ أحَدٍ مُرْتَسِمٌ بِصُورَةٍ قَبِيحَةٍ، وإنْ كانَ قابِلًا لِلتَّشَكُّلِ.
الصافات 37:65
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣ - ٦٥ ] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] .
﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً﴾ أيْ: مِحْنَةً وعَذابًا: ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها﴾ [الصافات: ٦٥] أيْ: حَمْلُها: ﴿كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] أيْ: مِثْلُ ما يُتَخَيَّلُ ويُتَوَهَّمُ مِن قُبْحِ رُؤُوسِ اَلشَّياطِينِ، فَهي قَبِيحَةُ اَلْأصْلِ، والثَّمَرِ، والمَنظَرِ، والمَلْمَسِ. قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وشُبِّهَ بِرُؤُوسِ اَلشَّياطِينِ دَلالَةً عَلى تَناهِيهِ في اَلْكَراهِيَةِ، وقُبْحِ اَلْمَنظَرِ؛ لِأنَّ اَلشَّيْطانَ مَكْرُوهٌ مُسْتَقْبَحٌ في طِباعِ اَلنّاسِ، لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ شَرٌّ مَحْضٌ لا يَخْلِطُهُ خَيْرٌ، فَيَقُولُونَ في اَلْقَبِيحِ اَلصُّورَةِ: (كَأنَّهُ وجْهُ شَيْطانٍ)، ( كَأنَّهُ رَأْسُ شَيْطانٍ). وإذا صَوَّرَهُ اَلْمُصَوِّرُونَ جاءُوا بِصُورَتِهِ عَلى أقْبَحِ ما يُقَدَّرُ، وأهْوَلِهِ. كَما أنَّهُمُ اِعْتَقَدُوا في اَلْمَلَكِ أنَّهُ خَيْرٌ مَحْضٌ لا شَرَّ فِيهِ. فَشَبَّهُوا بِهِ اَلصُّورَةَ اَلْحَسَنَةَ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وهَذا تَشْبِيهٌ تَخْيِيلِيٌّ. اِنْتَهى. أيْ: لِأمْرٍ مَرْكُوزٍ في اَلْخَيالِ. وبِهِ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ إنَّهُ تَشْبِيهٌ بِما لا يُعْرَفُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا في اَلْخارِجِ. بَلْ يَكْفِي كَوْنُهُ مَرْكُوزًا في اَلذِّهْنِ والخَيالِ (p-٥٠٤١)، ألا تَرى اِمْرَأ اَلْقَيْسِ - وهو مَلِكُ اَلشُّعَراءِ - يَقُولُ:
؎ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ
وهُوَ لَمْ يَرَ اَلْغُولَ، والغُولُ نَوْعٌ مِنَ اَلشَّياطِينِ؛ لِأنَّهُ في خَيالِ كُلِّ أحَدٍ مُرْتَسِمٌ بِصُورَةٍ قَبِيحَةٍ، وإنْ كانَ قابِلًا لِلتَّشَكُّلِ.
الصافات 37:66
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦ ] ﴿فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ .
﴿فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها﴾ أيْ: مِن طَلْعِها: ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ أيْ: لِغَلَبَةِ اَلْجُوعِ، أوِ اَلْإكْراهِ عَلى أكْلِها.
الصافات 37:67
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٧ ] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ .
﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: لَشَرابًا كالصَّدِيدِ، أوِ اَلْغَسّاقِ، مَمْزُوجًا مِن ماءٍ مُتَناهٍ في اَلْحَرارَةِ، يُقَطِّعُ أمْعاءَهم.
الصافات 37:68
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٨ ] ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لإلى الجَحِيمِ﴾ .
﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ أيْ: مَصِيرَهُمْ: ﴿لإلى الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى دَرَكاتِها، أوْ إلى نَفْسِها (p-٥٠٤٢)لا مَفَرَّ لَهم ولا مَحِيصَ كَيْفَما تَحَوَّلُوا. قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: أيْ: ثُمَّ إنَّ مَرَدَّهم بَعْدَ هَذا اَلْفَصْلِ لَإلى نارٍ تَتَأجَّجُ وسَعِيرٍ تَتَوَهَّجُ، فَتارَةً في هَذا، وتارَةً في هَذا. كَما قالَ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] هَكَذا تَلا قَتادَةُ هَذِهِ اَلْآيَةَ عِنْدَ هَذِهِ اَلْآيَةِ. وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ. اِنْتَهى.
ومِن لَطائِفِ اَلْإشاراتِ في هَذِهِ اَلْآيَةِ، ما قالَهُ اَلْقاشانِيُّ، وعِبارَتُهُ: ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] وهي شَجَرَةُ اَلنَّفْسِ اَلْخَبِيثَةِ اَلْمَحْجُوبَةُ اَلنّابِتَةُ في قَعْرِ جَهَنَّمَ اَلْمُتَشَعِّبَةُ أغْصانُها في دَرَكاتِها اَلْقَبِيحَةِ اَلْهائِلَةُ ثَمَراتُها مِنَ اَلرَّذائِلِ والخَبائِثِ، كَأنَّها مِن غايَةِ اَلْقُبْحِ والتَّشَوُّهِ والخُبْثِ بِالتَّنَفُّرِ: ﴿رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] أيْ: تَنْشَأُ مِنها اَلدَّواعِي اَلْمُهْلِكَةُ، والنَّوازِعُ اَلْمُرْدِيَةُ اَلْباعِثَةُ عَلى اَلْأفْعالِ اَلْقَبِيحَةِ، والأعْمالِ اَلسَّيِّئَةِ، فَتِلْكَ أُصُولُ اَلشَّيْطَنَةِ، ومَبادِئُ اَلشَّرِّ والمَفْسَدَةِ، فَكانَتْ رُؤُوسَ اَلشَّياطِينِ: ﴿فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها﴾ [الصافات: ٦٦] يَسْتَمِدُّونَ مِنها ويَتَغَذَّوْنَ ويَتَقَوَّوْنَ، فَإنَّ اَلْأشْرارَ غِذاؤُهم مِنَ اَلشُّرُورِ، ولا يَتَلَذَّذُونَ إلّا بِها: ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] بِالهَيْئاتِ اَلْفاسِقَةِ، والصِّفاتِ اَلْمُظْلِمَةِ، كالمُمْتَلِئِ غَضَبًا، وحِقْدًا، وحَسَدًا، وقْتَ هَيَجانِها: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] اَلْأهْواءِ اَلطَّبِيعِيَّةِ، والمُنى اَلسَّيِّئَةِ اَلرَّدِيئَةِ، ومُحِبّاتِ اَلْأُمُورِ اَلسُّفْلِيَّةِ، وقُصُورِ اَلشُّرُورِ اَلْمُوبِقَةِ، اَلَّتِي تَكْسِرُ بَعْضَ غَلَّةِ اَلْأشْرارِ: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لإلى الجَحِيمِ﴾ لِغَلَبَةِ اَلْحِرْصِ والشَّرَهِ، بِالشَّهْوَةِ، والحِقْدِ، والبُغْضِ وأمْثالِها، واسْتِيلاءِ دَواعِيها مَعَ اِمْتِناعِ حُصُولِ مَباغِيها. اِنْتَهى.
وهَذِهِ اَلْإشاراتُ مِنَ اَلْمَجازاتِ اَلَّتِي تَتَّسِعُ لَها اَللُّغَةُ؛ لِأنَّها لا تَنْحَصِرُ في اَلْحَقِيقَةِ، ولا يُقالُ إنَّها اَلْمُرادَةُ هُنا، لِنُبُوِّها عَنْ نَظائِرِها مِن آياتِ اَلْوَعِيدِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:69
(p-٥٠٤٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩، ٧٠ ] ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] .
﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ تِلْكَ اَلشَّدائِدَ بِتَقْلِيدِ اَلْآباءِ في اَلضَّلالِ. (والإهْراعُ): اَلْإسْراعُ اَلشَّدِيدُ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ عَلى اَلْإسْراعِ عَلى آثارِهِمْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم بادَرُوا إلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ وبَحْثٍ، بَلْ مُجَرَّدُ تَقْلِيدٍ وتَرْكِ اِتِّباعِ دَلِيلٍ. قالَ الرّازِيُّ: ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في اَلْقُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ اَلْآيَةِ في ذَمِّ اَلتَّقْلِيدِ، لَكَفى.
الصافات 37:70
(p-٥٠٤٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩، ٧٠ ] ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] .
﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ تِلْكَ اَلشَّدائِدَ بِتَقْلِيدِ اَلْآباءِ في اَلضَّلالِ. (والإهْراعُ): اَلْإسْراعُ اَلشَّدِيدُ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ عَلى اَلْإسْراعِ عَلى آثارِهِمْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم بادَرُوا إلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ وبَحْثٍ، بَلْ مُجَرَّدُ تَقْلِيدٍ وتَرْكِ اِتِّباعِ دَلِيلٍ. قالَ الرّازِيُّ: ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في اَلْقُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ اَلْآيَةِ في ذَمِّ اَلتَّقْلِيدِ، لَكَفى.
الصافات 37:71
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧١، ٧٢ ] ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] .
﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] أيْ: أنْبِياءَ حَذَّرُوهُمُ اَلْعَواقِبَ.
الصافات 37:72
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧١، ٧٢ ] ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] .
﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] أيْ: أنْبِياءَ حَذَّرُوهُمُ اَلْعَواقِبَ.
الصافات 37:73
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٣ ] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ .
﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أيِ: اَلَّذِينَ أُنْذِرُوا وخُوِّفُوا، فَقَدْ أُهْلِكُوا جَمِيعًا.
الصافات 37:74
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٤ ] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيِ: اَلَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ، أوِ اَلَّذِينَ أخْلَصَهم تَعالى لِدِينِهِ، عَلى اَلْقِراءَتَيْنِ؛ أيْ: فَإنَّهُ تَعالى نَصَرَهم وجَعَلَ اَلْعاقِبَةَ لَهم. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنْبائِهِمْ، تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ، وتَبْشِيرًا لِأتْباعِهِ، بِقَوْلِهِ:
الصافات 37:75
(p-٥٠٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٥ - ٧٧ ] ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] .
﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ أيْ: بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ أيْ: نَحْنُ بِهَلاكِ قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ غَيْرُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] أيْ: مِنَ اَلْغَرَقِ والطُّوفانِ. والمُرادُ بِأهْلِهِ، مَن آمَنَ مَعَهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] أيْ: في اَلْأرْضِ بَعْدَ هَلاكِ قَوْمِهِ.
الصافات 37:76
(p-٥٠٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٥ - ٧٧ ] ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] .
﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ أيْ: بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ أيْ: نَحْنُ بِهَلاكِ قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ غَيْرُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] أيْ: مِنَ اَلْغَرَقِ والطُّوفانِ. والمُرادُ بِأهْلِهِ، مَن آمَنَ مَعَهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] أيْ: في اَلْأرْضِ بَعْدَ هَلاكِ قَوْمِهِ.
الصافات 37:77
(p-٥٠٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٥ - ٧٧ ] ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] .
﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ أيْ: بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ أيْ: نَحْنُ بِهَلاكِ قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ غَيْرُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] أيْ: مِنَ اَلْغَرَقِ والطُّوفانِ. والمُرادُ بِأهْلِهِ، مَن آمَنَ مَعَهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] أيْ: في اَلْأرْضِ بَعْدَ هَلاكِ قَوْمِهِ.
الصافات 37:78
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٨، ٧٩ ] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] .
: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِ في اَلْأُمَمِ بَعْدَهُ ثَناءً حَسَنًا، فَمَفْعُولُ (تَرَكْنا) مَحْذُوفٌ، أوْ ما حَكاهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] أيْ: أنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِ إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ؛ أيْ: أنَّ يَقُولُوا هَذِهِ اَلْجُمْلَةَ. قالَ السَّمِينُ: قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩] مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وفِيهِ أوْجُهٌ:
أحَدُها أنَّهُ مُفَسِّرٌ لِـ: (تَرَكْنا). والثّانِي أنَّهُ مُفَسِّرٌ لِمَفْعُولِهِ. أيْ: تَرَكْنا عَلَيْهِ شَيْئًا وهو هَذا اَلْكَلامُ. أوْ ثَمَّ قَوْلٌ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: فَقُلْنا سَلامٌ. أوْ ضِمْنَ (تَرَكْنا) مَعْنى قُلْنا، أوْ سُلِّطَ (تَرَكْنا) عَلى ما بَعْدَهُ. وقُرِئَ (سَلامًا)، وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِـ: (تَرَكْنا).
الصافات 37:79
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٨، ٧٩ ] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] .
: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِ في اَلْأُمَمِ بَعْدَهُ ثَناءً حَسَنًا، فَمَفْعُولُ (تَرَكْنا) مَحْذُوفٌ، أوْ ما حَكاهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] أيْ: أنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِ إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ؛ أيْ: أنَّ يَقُولُوا هَذِهِ اَلْجُمْلَةَ. قالَ السَّمِينُ: قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩] مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وفِيهِ أوْجُهٌ:
أحَدُها أنَّهُ مُفَسِّرٌ لِـ: (تَرَكْنا). والثّانِي أنَّهُ مُفَسِّرٌ لِمَفْعُولِهِ. أيْ: تَرَكْنا عَلَيْهِ شَيْئًا وهو هَذا اَلْكَلامُ. أوْ ثَمَّ قَوْلٌ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: فَقُلْنا سَلامٌ. أوْ ضِمْنَ (تَرَكْنا) مَعْنى قُلْنا، أوْ سُلِّطَ (تَرَكْنا) عَلى ما بَعْدَهُ. وقُرِئَ (سَلامًا)، وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِـ: (تَرَكْنا).
الصافات 37:80
(p-٥٠٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٠ ] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ .
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما أُثِيبَ بِهِ مِنَ اَلتَّكْرِمَةِ، بِأنَّهُ مُجازاةٌ لَهُ عَلى إحْسانِهِ، وهو مُجاهَدَتُهُ في إعْلاءِ كَلِمَةِ اَللَّهِ، والدَّعْوَةِ إلى اَلْحَقِّ لَيْلًا ونَهارًا، سِرًا وجَهارًا.
الصافات 37:81
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨١ ] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: اَلْمُصَدِّقِينَ، وتَعْلِيلُ إحْسانِهِ بِالإيمانِ، إظْهارٌ لِفَضْلِ اَلْإيمانِ ومِزْيَتِهِ، حَيْثُ مَدَحَ مَن هو مِن كِبارِ اَلرُّسُلِ بِهِ، فالمَقْصُودُ بِالصِّفَةِ مَدْحُها نَفْسِها، لا مَدْحُ مَوْصُوفِها، وذَلِكَ لِأنَّ اَلْإيمانَ أساسٌ لِكُلِّ خَيْرٍ يُوجَدُ، ومَرْكَزٌ لِدائِرَتِهِ، ومِسْكُ خاتِمَتِهِ.
الصافات 37:82
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٢ ] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ .
﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: مِن كُفّارِ قَوْمِهِ.
الصافات 37:83
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٣ ] ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾ .
﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ، وتابَعَهُ في اَلْإيمانِ، والدَّعْوَةِ اَلْقَوِيَّةِ إلى اَلتَّوْحِيدِ.
الصافات 37:84
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٤ ] ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أيْ: أقْبَلَ إلى تَوْحِيدِهِ بِقَلْبٍ خالِصٍ مِنَ اَلشَّوائِبِ (p-٥٠٤٦)، باقٍ عَلى اَلْفِطْرَةِ، سَلِيمٌ عَنِ اَلنَّقائِصِ والآفاتِ، مُحافِظٌ عَلى عَهْدِ اَلتَّوْحِيدِ اَلْفِطْرِيِّ، مُنْكِرٌ عَلى مَن غَيَّرَ وبَدَّلَ.
الصافات 37:85
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٥ ] ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ .
﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: مِن دُونِ اَللَّهِ.
الصافات 37:86
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٦ ] ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ .
﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ أيْ: أتُرِيدُونَ بِطَرِيقِ اَلْكَذِبِ، آلِهَةً دُونَ اَللَّهِ؟
الصافات 37:87
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٧ ] ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .
﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: بِمَن هو اَلْحَقِيقُ بِالعِبادَةِ، لِكَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ، حَتّى تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ وأشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ، والمَعْنى: لا يُقَدَّرُ في وهْمٍ ولا ظَنٍّ ما يَصُدُّ عَنْ عِبادَتِهِ؛ لِأنَّ اِسْتِحْقاقَهُ لِلْعِبادَةِ أظْهَرُ مِن أنْ يُخْتَلَجَ عِرْقُ شُبْهَةٍ فِيهِ، فَأنْكَرَ ظَنَّهُمُ اَلْكائِنُ في بَيانِ اِسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ، وهو اَلَّذِي حَمَلَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. أوِ اَلْمَعْنى: فَما ظَنُّكم بِهِ؟ ماذا يَفْعَلُ بِكم وكَيْفَ يُعاقِبُكُمْ، وقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ؟ وعَلى كُلٍّ، فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والمُرادُ مِن إنْكارِ اَلظَّنِّ إنْكارُ ما يَقْتَضِيهِ.
الصافات 37:88
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٨ ] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ .
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ: لِيُرِيَهم عَلى أنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِها عَلى شَيْءٍ لِأنَّهم كانُوا مُنَجِّمِينَ.
الصافات 37:89
(p-٥٠٤٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٩ ] ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ .
﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضٌ لا يُمْكِنُنِي اَلْخُرُوجُ مَعَكم إلى مُعَيِّدِكم. تَرَخَّصَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ بِذَلِكَ؛ لِيَتَخَلَّصَ مِن شُهُودِ زُورِهِمْ، ومُنْكَراتِهِمْ، وأفانِينِ شِرْكِهِمْ، مِمّا تُجَوِّزُهُ اَلْمَصْلَحَةُ، أوْ عَنى أنَّهُ سَقِيمُ اَلْقَلْبِ، تَشْبِيهًا لِغَمِّهِ وحُزْنِهِ بِالمَرَضِ، عَلى طَرِيقِ اَلتَّشْبِيهِ، أوْ أرادَ أنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَوْتِ اِسْتِعْدادَ اَلْمَرِيضِ، فَهو اِسْتِعارَةٌ، أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، مِعْراضٌ مِنَ اَلْكَلامِ، ولَقَدْ نَوى بِهِ أنَّ مَن في عُنُقِهِ اَلْمَوْتُ سَقِيمٌ. ومِنهُ اَلْمَثَلُ: (كَفى بِالسَّلامَةِ داءٌ). وقَوْلُ لَبِيدٍ:
؎فَدَعَوْتُ رَبِّي بِالسَّلامَةِ جاهِدًا لِيُصِحَّنِي، فَإذا اَلسَّلامَةُ داءُ
وماتَ رَجُلٌ فَجْأةً، فالتَفَّ عَلَيْهِ اَلنّاسُ، وقالُوا: ماتَ وهو صَحِيحٌ. فَقالَ أعْرابِيٌّ:
أصَحِيحٌ مَنِ اَلْمَوْتُ في عُنُقِهِ؟ اِنْتَهى.
وقالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): في اَلْآيَةِ اِسْتِعْمالُ اَلْمَعارِيضِ والمَجازِ لِلْمَصْلَحَةِ.
الصافات 37:90
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٠ ] ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ .
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إلى مَعْبَدِهِمْ.
الصافات 37:91
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩١ ] ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ .
﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ أيْ: ذَهَبَ إلَيْها في خُفْيَةٍ: ﴿فَقالَ﴾ أيْ: لِلْأصْنامِ اِسْتِهْزاءً: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾
الصافات 37:92
(p-٥٠٤٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٢ ] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .
﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ أيْ: بِإيجابٍ ولا سَلْبٍ: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ﴾ [الصافات: ٩٣] أيْ: هَجَمَ عَلَيْهِمْ: ﴿ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] أيِ: اَلَّتِي هي أقْوى اَلْباطِشَتَيْنِ، فَكَسَرَها: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ﴾ [الصافات: ٩٤] أيْ: إلى إبْراهِيمَ بَعْدَ ما رَجَعُوا: ﴿يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] أيْ: يُسْرِعُونَ لِمُعاتَبَتِهِ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ، فَأخَذَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يُبَرْهِنُ لَهم عَلى فَسادِ عِبادَتِهِمْ: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أيْ: مِنَ اَلْأصْنامِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] أيْ: وما تَعْمَلُونَهُ مِنَ اَلْأصْنامِ اَلْمُنَوَّعَةِ اَلْأشْكالِ، اَلْمُخْتَلِفَةِ اَلْمَقادِيرِ، ولَمّا قامَتْ عَلَيْهِمُ اَلْحُجَّةُ، عَدَلُوا إلى أخْذِهِ بِاليَدِ والقَهْرِ.
الصافات 37:93
(p-٥٠٤٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٢ ] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .
﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ أيْ: بِإيجابٍ ولا سَلْبٍ: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ﴾ [الصافات: ٩٣] أيْ: هَجَمَ عَلَيْهِمْ: ﴿ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] أيِ: اَلَّتِي هي أقْوى اَلْباطِشَتَيْنِ، فَكَسَرَها: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ﴾ [الصافات: ٩٤] أيْ: إلى إبْراهِيمَ بَعْدَ ما رَجَعُوا: ﴿يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] أيْ: يُسْرِعُونَ لِمُعاتَبَتِهِ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ، فَأخَذَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يُبَرْهِنُ لَهم عَلى فَسادِ عِبادَتِهِمْ: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أيْ: مِنَ اَلْأصْنامِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] أيْ: وما تَعْمَلُونَهُ مِنَ اَلْأصْنامِ اَلْمُنَوَّعَةِ اَلْأشْكالِ، اَلْمُخْتَلِفَةِ اَلْمَقادِيرِ، ولَمّا قامَتْ عَلَيْهِمُ اَلْحُجَّةُ، عَدَلُوا إلى أخْذِهِ بِاليَدِ والقَهْرِ.
الصافات 37:94
(p-٥٠٤٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٢ ] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .
﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ أيْ: بِإيجابٍ ولا سَلْبٍ: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ﴾ [الصافات: ٩٣] أيْ: هَجَمَ عَلَيْهِمْ: ﴿ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] أيِ: اَلَّتِي هي أقْوى اَلْباطِشَتَيْنِ، فَكَسَرَها: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ﴾ [الصافات: ٩٤] أيْ: إلى إبْراهِيمَ بَعْدَ ما رَجَعُوا: ﴿يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] أيْ: يُسْرِعُونَ لِمُعاتَبَتِهِ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ، فَأخَذَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يُبَرْهِنُ لَهم عَلى فَسادِ عِبادَتِهِمْ: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أيْ: مِنَ اَلْأصْنامِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] أيْ: وما تَعْمَلُونَهُ مِنَ اَلْأصْنامِ اَلْمُنَوَّعَةِ اَلْأشْكالِ، اَلْمُخْتَلِفَةِ اَلْمَقادِيرِ، ولَمّا قامَتْ عَلَيْهِمُ اَلْحُجَّةُ، عَدَلُوا إلى أخْذِهِ بِاليَدِ والقَهْرِ.
الصافات 37:95
(p-٥٠٤٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٢ ] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .
﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ أيْ: بِإيجابٍ ولا سَلْبٍ: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ﴾ [الصافات: ٩٣] أيْ: هَجَمَ عَلَيْهِمْ: ﴿ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] أيِ: اَلَّتِي هي أقْوى اَلْباطِشَتَيْنِ، فَكَسَرَها: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ﴾ [الصافات: ٩٤] أيْ: إلى إبْراهِيمَ بَعْدَ ما رَجَعُوا: ﴿يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] أيْ: يُسْرِعُونَ لِمُعاتَبَتِهِ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ، فَأخَذَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يُبَرْهِنُ لَهم عَلى فَسادِ عِبادَتِهِمْ: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أيْ: مِنَ اَلْأصْنامِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] أيْ: وما تَعْمَلُونَهُ مِنَ اَلْأصْنامِ اَلْمُنَوَّعَةِ اَلْأشْكالِ، اَلْمُخْتَلِفَةِ اَلْمَقادِيرِ، ولَمّا قامَتْ عَلَيْهِمُ اَلْحُجَّةُ، عَدَلُوا إلى أخْذِهِ بِاليَدِ والقَهْرِ.
الصافات 37:96
(p-٥٠٤٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٢ ] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .
﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ أيْ: بِإيجابٍ ولا سَلْبٍ: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ﴾ [الصافات: ٩٣] أيْ: هَجَمَ عَلَيْهِمْ: ﴿ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] أيِ: اَلَّتِي هي أقْوى اَلْباطِشَتَيْنِ، فَكَسَرَها: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ﴾ [الصافات: ٩٤] أيْ: إلى إبْراهِيمَ بَعْدَ ما رَجَعُوا: ﴿يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] أيْ: يُسْرِعُونَ لِمُعاتَبَتِهِ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ، فَأخَذَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يُبَرْهِنُ لَهم عَلى فَسادِ عِبادَتِهِمْ: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أيْ: مِنَ اَلْأصْنامِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] أيْ: وما تَعْمَلُونَهُ مِنَ اَلْأصْنامِ اَلْمُنَوَّعَةِ اَلْأشْكالِ، اَلْمُخْتَلِفَةِ اَلْمَقادِيرِ، ولَمّا قامَتْ عَلَيْهِمُ اَلْحُجَّةُ، عَدَلُوا إلى أخْذِهِ بِاليَدِ والقَهْرِ.
الصافات 37:97
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٧، ٩٨ ] ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨] .
﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ﴾ أيْ: لِإحْراقِهِ: ﴿بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨] أيِ: اَلْأذَلِّينَ بِإبْطالِ كَيْدِهِمْ، جَعَلَ اَلنّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا.
الصافات 37:98
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٧، ٩٨ ] ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨] .
﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ﴾ أيْ: لِإحْراقِهِ: ﴿بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨] أيِ: اَلْأذَلِّينَ بِإبْطالِ كَيْدِهِمْ، جَعَلَ اَلنّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا.
الصافات 37:99
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٩ ] ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أيْ: مُهاجِرٌ إلى بَلَدٍ أعْبُدُ فِيهِ رَبِّي، وأعْصِمُ فِيهِ دِينِي. (p-٥٠٤٩)قالَ الرّازِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اَلْمَوْضِعَ اَلَّذِي تَكْثُرُ فِيهِ اَلْأعْداءُ، تَجِبُ مُهاجِرَتُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، مَعَ ما خَصَّهُ تَعالى بِهِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ اَلنُّصْرَةِ، لَمّا أحَسَّ مِن قَوْمِهِ اَلْعَداوَةَ اَلشَّدِيدَةَ، هاجَرَ، فَلَأنْ يَجِبَ عَلى غَيْرِهِ بِالأوْلى.
وقَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ أيْ: إلى ما فِيهِ صَلاحُ دِينِي، أوْ إلى مَقْصِدِي. وإنَّما بِتَّ اَلْقَوْلَ لِسَبْقِ وعْدِهِ تَعالى؛ إذْ تَكَفَّلَ بِهِدايَتِهِ، أوْ لِأنَّ مَن كانَ مَعَ اَللَّهِ كانَ اَللَّهُ مَعَهُ ««اِحْفَظِ اَللَّهَ يَحْفَظْكَ»» .
الصافات 37:100
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٠، ١٠١ ] ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] .
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ولَدًا صالِحًا يُعِينُنِي عَلى اَلدَّعْوَةِ والطّاعَةِ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] أيْ: مُتَّسِعِ اَلصَّدْرِ حَسَنِ اَلصَّبْرِ، والإغْضاءِ في كُلِّ أمْرِ، والحِلْمُ رَأْسُ اَلصَّلاحِ، وأصْلُ اَلْفَضائِلِ.
الصافات 37:101
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٠، ١٠١ ] ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] .
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ولَدًا صالِحًا يُعِينُنِي عَلى اَلدَّعْوَةِ والطّاعَةِ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] أيْ: مُتَّسِعِ اَلصَّدْرِ حَسَنِ اَلصَّبْرِ، والإغْضاءِ في كُلِّ أمْرِ، والحِلْمُ رَأْسُ اَلصَّلاحِ، وأصْلُ اَلْفَضائِلِ.
الصافات 37:102
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٢ ] ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ .
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أيِ: اَلسِّنَّ اَلَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى اَلسَّعْيِ والعِلْمِ: ﴿قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ أيْ: إنِّي أُمِرْتُ في اَلْمَنامِ بِذَبْحِكَ - ورُؤْيا اَلْأنْبِياءِ وحْيٌ كالوَحْيِ في اَلْيَقَظَةِ - فانْظُرْ هَلْ تَصْبِرُ عَلى إمْضائِي أمْرَ اَلرُّؤْيا والعَمَلِ بِظاهِرِها؟ (p-٥٠٥٠): ﴿قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ: يَأْمُرُكَ اَللَّهُ بِهِ، فَإنْ كانَ ذاكَ أمْرًا مِن لَدُنْهُ فَأمْضِهِ.
قالَ القاضِي: ولَعَلَّهُ فَهِمَ مِن كَلامِهِ أنَّهُ رَأى أنَّهُ يَذْبَحُهُ مَأْمُورًا بِهِ، أوْ عَلِمَ أنَّ رُؤْيا اَلْأنْبِياءِ حَقٌّ، وأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ إلّا بِأمْرٍ، ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ اَلْأمْرَ في اَلْمَنامِ دُونَ اَلْيَقَظَةِ، لِتَكُونَ مُبادَرَتُهُما إلى اَلِامْتِثالِ، أدَلَّ عَلى كَمالِ اَلِانْقِيادِ والإخْلاصِ. اِنْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: اَلْحِكْمَةُ في مُشاوَرَةِ اَلِابْنِ في هَذا اَلْبابِ، أنْ يُطْلِعَ اِبْنَهُ عَلى هَذِهِ اَلْواقِعَةِ لِيُظْهِرَ لَهُ صَبْرَهُ في طاعَةِ اَللَّهِ، فَتَكُونَ فِيهِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ، حَيْثُ يَراهُ قَدْ بَلَغَ في اَلْحِلْمِ إلى هَذا اَلْحَدِّ اَلْعَظِيمِ، وفي اَلصَّبْرِ عَلى أشَدِّ اَلْمَكارِهِ إلى هَذِهِ اَلدَّرَجَةِ اَلْعالِيَةِ، ويَحْصُلَ لِلِابْنِ اَلثَّوابُ اَلْعَظِيمُ في اَلْآخِرَةِ، والثَّناءُ اَلْحَسَنُ في اَلدُّنْيا. وقَوْلُهُ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ: عَلى اَلذَّبْحِ، أوْ عَلى قَضاءِ اَللَّهِ.
الصافات 37:103
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٣ ] ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ .
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيِ: اِسْتَسْلَما وانْقادا لِأمْرِهِ تَعالى بِدُونِ إبْطاءٍ، واسْتَلَّ إبْراهِيمُ اَلسِّكِّينَ،
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، فَوَقَعَ جَبِينُهُ عَلى اَلْأرْضِ، وهو أحَدُ جانِبَيِ اَلْجَبْهَةِ. وتَلَّهُ أصْلُ مَعْناهُ: رَماهُ عَلى اَلتَّلِّ، وهو اَلتُّرابُ اَلْمُجْتَمِعُ. كَـ: (تَرِبَهُ). ثُمَّ عَمَّ لِكُلِّ صَرْعٍ.
الصافات 37:104
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٤، ١٠٥ ] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] .
﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥] أيْ: لا تَذْبَحْهُ وقَدْ قُمْتَ بِمِصْداقِها في بَذْلِ اَلْوُسْعِ مِنَ اَلْأخْذِ بِإمْضاءِ ما تُشِيرُ إلَيْهِ، وكَمالِ اَلطّاعَةِ في هَذا اَلشّاقِّ، وأُوتِيتَ أجْرَ اَلِامْتِثالِ، والصَّبْرِ، والثَّباتِ. وفي جَوابِ (لَمّا) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، أظْهَرُها أنَّهُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: نادَتْهُ اَلْمَلائِكَةُ (p-٥٠٥١)، أوْ ظَهَرَ صَبْرُهُما، أوْ أجْزَلْنا لَهُما أجْرَهُما، اَلثّانِي في أنَّهُ: ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] بِزِيادَةِ اَلْواوِ وهو رَأْيُ اَلْكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ، اَلثّالِثُ أنَّهُ: ﴿ونادَيْناهُ﴾ والواوُ زائِدَةٌ أيْضًا ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] أيْ: بِاللُّطْفِ، والعِنايَةِ، والنِّداءِ، والوَحْيِ، والفَرَجِ بَعْدَ اَلشِّدَّةِ.
الصافات 37:105
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٤، ١٠٥ ] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] .
﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥] أيْ: لا تَذْبَحْهُ وقَدْ قُمْتَ بِمِصْداقِها في بَذْلِ اَلْوُسْعِ مِنَ اَلْأخْذِ بِإمْضاءِ ما تُشِيرُ إلَيْهِ، وكَمالِ اَلطّاعَةِ في هَذا اَلشّاقِّ، وأُوتِيتَ أجْرَ اَلِامْتِثالِ، والصَّبْرِ، والثَّباتِ. وفي جَوابِ (لَمّا) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، أظْهَرُها أنَّهُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: نادَتْهُ اَلْمَلائِكَةُ (p-٥٠٥١)، أوْ ظَهَرَ صَبْرُهُما، أوْ أجْزَلْنا لَهُما أجْرَهُما، اَلثّانِي في أنَّهُ: ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] بِزِيادَةِ اَلْواوِ وهو رَأْيُ اَلْكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ، اَلثّالِثُ أنَّهُ: ﴿ونادَيْناهُ﴾ والواوُ زائِدَةٌ أيْضًا ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] أيْ: بِاللُّطْفِ، والعِنايَةِ، والنِّداءِ، والوَحْيِ، والفَرَجِ بَعْدَ اَلشِّدَّةِ.
الصافات 37:106
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٦ ] ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ .
﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ: اَلِاخْتِبارُ اَلْبَيِّنُ اَلَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ اَلْمُخْلِصُ مِن غَيْرِهِ، إشارَةً إلى أنَّ هَذا اَلْأمْرَ كانَ اِبْتِلاءً وامْتِحانًا لِإبْراهِيمَ في صِدْقِ اَلْخِلَّةِ لِلَّهِ، وتَضْحِيَةِ أعَزِّ عَزِيزٍ لَدَيْهِ، وأحَبِّ مَحْبُوبٍ عِنْدَهُ، لِأمْرِ رَبِّهِ تَعالى.
الصافات 37:107
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٧ ] ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ .
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: رَزَقْناهُ ما يُذْبَحُ بَدَلًا عَنْهُ وفِداءً لَهُ، مِنَّةً وتَطَوُّلًا. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لَمّا نُودِيَ، حانَتْ مِنهُ اِلْتِفاتَةٌ إلى ما حَوْلَهُ، فَأبْصَرَ كَبْشًا قَدِ اِنْتَشَبَ قَرْناهُ في شَجَرَةٍ، فَتَمَّ بِهِ اَلْمَرْئِيُّ في اَلْمَنامِ اَلْمَقْصُودُ بِهِ اَلْقُرْبانُ لِلَّهِ.
الصافات 37:108
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٨ - ١١٣ ] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] .
(p-٥٠٥٢)﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] أيْ: مِثْلَ ما تَرَكْنا عَلى نُوحٍ. كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ وإعْرابُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: عَلى إبْراهِيمَ: ﴿وعَلى إسْحاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: بِتَكْثِيرِ اَلذَّرِّيَّةِ وتَسَلْسُلِ اَلنُّبُوَّةِ فِيهِمْ، وجَعْلِهِمْ مُلُوكًا، وإيتائِهِمْ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: في عَمَلِهِ: ﴿وظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: بِالكُفْرِ والمَعاصِي: ﴿مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: ظاهِرُ اَلظُّلْمِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ - يَرْوِي اَلْمُفَسِّرُونَ هَهُنا في قِصَّةِ اَلذَّبْحِ رِواياتٍ مُنْكَرَةً لَمْ يَصِحَّ سَنَدُها ولا مَتْنُها، بَلْ ولَمْ تَحْسُنْ، فَهي مُعْضِلَةٌ تَنْتَهِي إلى اَلسُّدِّيِّ وكَعْبٍ. والسُّدِّيُّ حالُهُ مَعْلُومٌ في ضَعْفِ مَرْوِيّاتِهِ، وكَذَلِكَ كَعْبٌ.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ: لَمّا أسْلَمَ كَعْبُ اَلْأحْبارِ في اَلدَّوْلَةِ اَلْعُمَرِيَّةِ، جَعَلَ يُحَدِّثُ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ عَنْ كُتُبِهِ قَدِيمًا، فَرُبَّما اِسْتَمَعَ لَهُ عُمَرُ، فَتَرَخَّصَ اَلنّاسُ في اِسْتِماعِ ما عِنْدَهُ عَنْهُ، غَثِّها وسَمِينِها، ولَيْسَ لِهَذِهِ اَلْأُمَّةِ حاجَةٌ إلى حَرْفٍ واحِدٍ مِمّا عِنْدَهُ. اِنْتَهى.
ولَقَدْ صَدَقَ رَحِمَهُ اَللَّهُ، ولِذا نَرى اَلتَّزَيُّدَ عَلى أصْلِ ما قَصَّ في اَلتَّنْزِيلِ مِنَ اَلضَّرُورِيِّ لَهُ، إلّا إذا صَحَّ سَنَدُهُ، أوِ اِطْمَأنَّ اَلْقَلْبُ بِهِ. وقَدْ ولِعَ اَلْخُطَباءُ في دَواوِينِهِمْ بِرِوايَةِ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ في خُطْبَةِ اَلْأضْحى مِن طُرُقِها اَلْواهِيَةِ عِنْدَ اَلْمُحَدِّثِينَ، ويَرَوْنَها ضَرْبَةَ لازِبٍ عَلى ضَعْفِ سَنَدِها، وكَوْنِ مَتْنِها مُنْكَرًا أيْضًا أوْ مَوْضُوعًا، ولَمّا صَنَّفْتُ مَجْمُوعَةَ اَلْخُطَبِ حَذَفْتُ هَذِهِ اَلرِّوايَةَ مِن خُطْبَةِ اَلْأضْحى كَكُلِّ مَرْوِيٍّ ضَعِيفٍ في فَضائِلِ اَلشُّهُورِ والأوْقاتِ، واقْتَصَرْتُ عَلى جِيادِ اَلْأخْبارِ والآثارِ، وذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنا فَلا نُحْصِي ثَناءً عَلَيْهِ
وأمْثَلُ ما رُوِيَ في هَذا اَلنَّبَأِ مِنَ (p-٥٠٥٣)اَلْآثارِ ما أخْرَجَهُ اَلْإمامُ أحْمَدُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما مَوْقُوفًا، قالَ: لَمّا أُمِرَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمَناسِكِ، عَرَضَ لَهُ اَلشَّيْطانُ عِنْدَ اَلسَّعْيِ، فَسابَقَهُ فَسَبَقَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ اَلسَّلامُ إلى جَمْرَةِ اَلْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ اَلشَّيْطانُ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ اَلْجَمْرَةِ اَلْوُسْطى فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ، ثُمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وعَلى إسْماعِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ قَمِيصٌ أبْيَضُ، فَقالَ لَهُ: يا أبَتِ ! إنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ، فاخْلَعْهُ حَتّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعالَجَهُ لِيُخْلِصَهُ، فَنُودِيَ مِن خَلْفِهِ: أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيا. فالتَفَتَ إبْراهِيمُ فَإذا بِكَبْشٍ أبْيَضَ أقْرَنَ أعْيَنَ. قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: لَقَدْ رَأيْتُنا نَتَتَبَّعُ ذَلِكَ اَلضَّرْبَ مِنَ اَلْكِباشِ.
اَلثّانِي - قالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): في هَذِهِ اَلْآيَةِ أنَّ رُؤْيا اَلْأنْبِياءِ وحْيٌ، وجَوازُ نَسْخِ اَلْفِعْلِ قَبْلَ اَلتَّمَكُّنِ، وتَقْدِيمُ اَلْمَشِيئَةِ في كُلِّ قَوْلٍ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ اَلْقِصَّةِ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ ذَبْحَ ولَدِهِ، لَزِمَهُ ذَبْحُ شاةٍ.
ثُمَّ قالَ السُّيُوطِيُّ: فُسِّرَ اَلذِّبْحُ اَلْعَظِيمُ في اَلْأحادِيثِ والآثارِ بِكَبْشٍ، فاسْتَدَلَّ بِهِ اَلْمالِكِيَّةُ عَلى أنَّ اَلْغَنَمَ في اَلتَّضْحِيَةِ أفْضَلُ مِنَ اَلْإبِلِ. اِنْتَهى.
اَلثّالِثُ - اُسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ - كَما ذَكَرَهُ اَلرّازِيُّ - وذَلِكَ في بابِ اَلِابْتِلاءِ؛ أيِ: اِبْتِلاءِ اَلْمَأْمُورِ في إخْلاصِهِ وصِدْقِهِ، فِيما يَشُقُّ عَلى اَلنَّفْسِ تَحَمُّلُهُ.
اَلرّابِعُ - يَذْكُرُ كَثِيرٌ اَلْخِلافَ في اَلذَّبِيحِ، قالَ الإمامُ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في (" زادِ اَلْمَعادِ"): وإسْماعِيلُ هو اَلذَّبِيحُ عَلى اَلْقَوْلِ اَلصَّوابِ عِنْدَ عُلَماءِ اَلصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهُمْ، وأمّا اَلْقَوْلُ بِأنَّهُ إسْحاقُ فَباطِلٌ بِأكْثَرَ مِن عِشْرِينَ وجْهًا، وسَمِعْتُ شَيْخَ اَلْإسْلامِ اِبْنَ تَيْمِيَةَ قَدَّسَ اَللَّهُ رَوْحَهُ يَقُولُ: هَذا اَلْقَوْلُ إنَّما هو مُتَلَقًّى مِن أهْلِ اَلْكِتابِ، مَعَ أنَّهُ باطِلٌ بِنَصِّ كِتابِهِمْ؛ فَإنَّ فِيهِ إنَّ اَللَّهَ أمَرَ (p-٥٠٥٤)إبْراهِيمَ أنْ يَذْبَحَ اِبْنَهُ (بِكْرَهُ)، وفي لَفْظٍ: (وحِيدَهُ) ولا يَشُكُّ أهْلُ اَلْكِتابِ مَعَ اَلْمُسْلِمِينَ أنَّ إسْماعِيلَ هو بِكْرُ أوْلادِهِ.
والَّذِي غَرَّ أصْحابَ هَذا اَلْقَوْلِ أنَّ في اَلتَّوْراةِ اَلَّتِي بِأيْدِيهِمُ: (اِذْبَحِ اِبْنَكَ إسْحاقَ ).
قالَ: وهَذِهِ اَلزِّيادَةُ مِن تَحْرِيفِهِمْ وكَذِبِهِمْ؛ لِأنَّها تُناقِضُ قَوْلَهُ: بِكْرَكَ، وحِيدَكَ. ولَكِنَّ يَهُودَ حَسَدَتْ بَنِي إسْماعِيلَ عَلى هَذا اَلشَّرَفِ، وأحَبُّوا أنْ يَكُونَ لَهُمْ، وأنْ يَسُوقُوهُ إلَيْهِمْ، ويَخْتارُونَهُ دُونَ اَلْعَرَبِ. ويَأْبى اَللَّهُ إلّا أنْ يَجْعَلَ فَضْلَهُ لِأهْلِهِ. وكَيْفَ يُسَوَّغُ أنْ يُقالَ إنَّ اَلذَّبِيحَ إسْحاقُ، واللَّهُ تَعالى قَدْ بَشَّرَ أُمَّ إسْحاقَ بِهِ وبِابْنِهِ يَعْقُوبَ، فَقالَ تَعالى عَنِ اَلْمَلائِكَةِ أنَّهم قالُوا لِإبْراهِيمَ لَمّا أتَوْهُ بِالبُشْرى: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَمُحالٌ أنْ يُبَشِّرَها بِأنَّهُ يَكُونُ لَها ولَدٌ ثُمَّ يَأْمُرُ بِذَبْحِهِ. ولا رَيْبَ أنَّ يَعْقُوبَ داخِلٌ في اَلْبِشارَةِ، فَتَناوُلُ اَلْبِشارَةِ لِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ في اَللَّفْظِ واحِدٌ. وهَذا ظاهِرُ اَلْكَلامِ وسِياقُهُ.
فَإنْ قِيلَ، لَوْ كانَ اَلْأمْرُ كَما ذَكَرْتُمُوهُ لَكانَ يَعْقُوبُ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى إسْحاقَ، فَكانَتِ اَلْقِراءَةُ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أيْ: ويَعْقُوبُ مِن وراءِ إسْحاقَ. قِيلَ لا يَمْنَعُ اَلرَّفْعُ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ مُبَشَّرًا بِهِ؛ لِأنَّ اَلْبِشارَةَ قَوْلٌ مَخْصُوصٌ، وهي أوَّلُ خَبَرٍ سارٍّ صادِقٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] جُمْلَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ بِهَذِهِ اَلْقُيُودِ، فَيَكُونُ بِشارَةً بَلْ حَقِيقَةُ اَلْبِشارَةِ هي اَلْجُمْلَةُ اَلْخَبَرِيَّةُ. أوْ لَمّا كانَتِ اَلْبِشارَةُ قَوْلًا، كانَ مَوْضِعُ هَذِهِ اَلْجُمْلَةِ نَصْبًا عَلى اَلْحِكايَةِ بِالقَوْلِ. كَأنَّ اَلْمَعْنى: وقُلْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ. والقائِلُ إذا قالَ: بَشَّرْتُ فُلانًا بِقُدُومِ أخِيهِ، وثِقْلِهِ في أثَرِهِ، لَمْ يُعْقَلْ مِنهُ إلّا بِشارَةٌ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا. هَذا مِمّا لا يَسْتَرِيبُ ذُو فَهْمٍ فِيهِ اَلْبَتَّةَ. ثُمَّ يُضْعِفُ اَلْجَرَّ أمْرٌ آخَرُ، وهو ضَعْفُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ ومِن بَعْدِهِ عَمْرٍو؛ لِأنَّ اَلْعاطِفَ يَقُومُ حَرْفُ اَلْجَرِّ، فَلا يَفْصِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اَلْمَجْرُورِ، كَما لا يَفْصِلُ بَيْنَ حَرْفِ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ إبْراهِيمَ وابْنِهِ في هَذِهِ اَلسُّورَةِ، قالَ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ثُمَّ قالَ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] (p-٥٠٥٥)، فَهَذا بِشارَةٌ مِنَ اَللَّهِ لَهُ، شُكْرًا عَلى صَبْرِهِ عَلى ما أُمِرَ بِهِ. وهَذا ظاهِرٌ جِدًّا في أنَّ اَلْمُبَشَّرَ بِهِ غَيْرُ اَلْأوَّلِ. بَلْ هو كالنَّصِّ فِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالبِشارَةُ اَلثّانِيَةُ وقَعَتْ عَلى نُبُوَّتِهِ، أيْ: لَمّا صَبَرَ اَلْأبُ عَلى ما أُمِرَ بِهِ، وأسْلَمَ اَلْوَلَدُ لِأمْرِ اَللَّهِ، جازاهُ اَللَّهُ عَلى ذَلِكَ، بِأنْ أعْطاهُ اَلنُّبُوَّةَ. قِيلَ: اَلْبِشارَةُ وقَعَتْ عَلى اَلْمَجْمُوعِ، عَلى ذاتِهِ ووُجُودِهِ وأنْ يَكُونَ نَبِيًّا؛ ولِهَذا يُنْصَبُ: { نَبِيًّا } عَلى اَلْحالِ اَلْمُقَدَّرِ أيْ: مُقَدَّرًا نُبُوَّتُهُ، فَلا يُمْكِنُ إخْراجُ اَلْبِشارَةِ أنْ يَقَعَ عَلى اَلْأصْلِ، ثُمَّ يَخُصُّ بِالحالِ اَلتّابِعَةِ اَلْجارِيَةِ مَجْرى اَلْفَضْلَةِ. هَذا مُحالٌ مِنَ اَلْكَلامِ. بَلْ إذا وقَعَ اَلْبِشارَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَوُقُوعُها عَلى وُجُوهٍ أوْلى وأحْرى، وأيْضًا فَلا رَيْبَ أنَّ اَلذَّبِيحَ كانَ بِمَكَّةَ، ولِذَلِكَ جُعِلَتِ اَلْقَرابِينُ يَوْمَ اَلنَّحْرِ، كَما جُعِلَ اَلسَّعْيُ بَيْنَ اَلصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ اَلْجِمارِ، تَذْكِيرًا لِشَأْنِ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ، وإقامَةً لِذِكْرِ اَللَّهِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ إسْماعِيلَ وأمَّهُ هُما اَللَّذانِ كانا بِمَكَّةَ، دُونَ إسْحاقَ وأُمِّهِ، ولِهَذا اِتَّصَلَ مَكانُ اَلذَّبْحِ وزَمانُهُ بِالبَيْتِ اَلْحَرامِ اَلَّذِي اِشْتَرَكَ في بِنائِهِ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ، وكانَ اَلنَّحْرُ بِمَكَّةَ، مِن تَمامِ حَجِّ اَلْبَيْتِ اَلَّذِي كانَ عَلى يَدِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ إسْماعِيلَ زَمانًا ومَكانًا، ولَوْ كانَ اَلذَّبْحُ بِالشّامِ، كَما يَزْعُمُ أهْلُ اَلْكِتابِ ومَن تَلَقّى عَنْهُمْ، لَكانَتِ اَلْقَرابِينُ والنَّحْرُ بِالشّامِ لا بِمَكَّةَ، وأيْضًا فَإنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى اَلذَّبِيحَ حَلِيمًا؛ لِأنَّهُ لا أحْلَمَ مِمَّنْ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ طاعَةً لِرَبِّهِ، ولَمّا ذَكَرَ إسْحاقَ سَمّاهُ عَلِيمًا، فَقالَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] إلى أنْ قالَ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وهَذا إسْحاقُ بِلا رَيْبٍ، لِأنَّهُ مِنَ اِمْرَأتِهِ وهي اَلْمُبَشَّرَةُ بِهِ، وأمّا إسْماعِيلُ فَمِنَ اَلسُّرِّيَّةِ.
وأيْضًا فَإنَّهُما بُشِّرا بِهِ عَلى اَلْكِبَرِ واليَأْسِ (p-٥٠٥٦)مِنَ اَلْوَلَدِ. وهَذا بِخِلافِ إسْماعِيلَ فَإنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ أجْرى اَلْعادَةَ اَلْبَشَرِيَّةَ أنَّ بِكْرَ اَلْأوْلادِ أحَبُّ إلى اَلْوالِدَيْنِ مِمَّنْ بَعْدَهُ. وإبْراهِيمُ لَمّا سَألَ رَبَّهُ اَلْوَلَدَ ووَهَبَهُ لَهُ، تَعَلَّقَتْ شُعْبَةٌ مِن قَلْبِهِ بِمَحَبَّتِهِ، واللَّهُ تَعالى قَدِ اِتَّخَذَهُ خَلِيلًا. والخِلَّةُ مَنصِبٌ يَقْتَضِي تَوْحِيدَ اَلْمَحْبُوبِ بِالمَحَبَّةِ، وأنْ لا يُشارَكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ فِيها. فَلَمّا أخَذَ اَلْوَلَدُ شُعْبَةً مِن قَلْبِ اَلْوالِدِ، جاءَتْ غَيْرَةُ اَلْخِلَّةِ تَنْتَزِعُها مِن قَلْبِ اَلْخَلِيلِ، فَأمَرَهُ اَلْجَلِيلُ بِذَبْحِ اَلْمَحْبُوبِ. فَلَمّا أقْدَمَ عَلى ذَبْحِهِ، وكانَتْ مَحَبَّةُ اَللَّهِ أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن مَحَبَّةِ اَلْوَلَدِ، خَلُصَتِ اَلْخِلَّةُ حِينَئِذٍ مِن شَوائِبِ اَلْمُشارَكَةِ، فَلَمْ يَبْقَ في اَلذَّبْحِ مَصْلَحَةٌ؛ إذْ كانَتِ اَلْمَصْلَحَةُ إنَّما هي في اَلْعَزْمِ وتَوْطِينِ اَلنَّفْسِ فِيهِ، فَقَدْ حَصَلَ اَلْمَقْصُودُ، فَنُسِخَ اَلْأمْرُ، وفُدِيَ اَلذَّبِيحُ، وصَدَقَ اَلْخَلِيلُ اَلرُّؤْيا، وحَصَلَ مُرادُ اَلرَّبِّ.
ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا اَلِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، إنَّما حَصَلَ عِنْدَ أوَّلِ مَوْلُودٍ، ولَمْ يَكُنْ لِيَحْصُلَ في اَلْمَوْلُودِ اَلْآخَرِ دُونَ اَلْأوَّلِ، بَلْ لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ اَلْمَوْلُودِ اَلْآخَرِ مِن مُزاحَمَةِ اَلْخِلَّةِ، ما يَقْتَضِي اَلْأمْرُ بِذَبْحِهِ. وهَذا في غايَةِ اَلظُّهُورِ. وأيْضًا فَإنَّ سارَّةَ اِمْرَأةَ اَلْخَلِيلِ غارَتْ مِن هاجَرَ وابْنِها أشَدَّ اَلْغَيْرَةِ، فَإنَّها كانَتْ جارِيَةً، فَلَمّا ولَدَتْ إسْماعِيلَ وأحَبَّهُ أبُوهُ اِشْتَدَّتْ غَيْرَةُ سارَّةَ. فَأمَرَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُبْعِدَ عَنْها هاجَرَ وابْنَها ويُسْكِنَها في أرْضِ مَكَّةَ، لِيُبْرِدَ عَنْ سارَّةَ حَرارَةَ اَلْغَيْرَةِ. وهَذا مِن رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ. فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا، أنْ يَذْبَحَ اِبْنَها، ويَدَعَ اِبْنَ اَلْجارِيَةِ بِحالِهِ هَذا مَعَ رَحْمَةِ اَللَّهِ لَها، وإبْعادِ اَلضَّرَرِ عَنْها وخَيْرَتِهِ لَها، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بَعْدَ هَذا بِذَبْحِ اِبْنِها دُونَ اِبْنِ اَلْجارِيَةِ؟
بَلْ حِكْمَتُهُ اَلْبالِغَةُ اِقْتَضَتْ أنْ يَأْمُرَ بِذَبْحِ ولَدِ اَلسُّرِّيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَرِقُّ قَلْبُ اَلسِّتِّ عَلى ولَدِها. وتَتَبَدَّلُ قَسْوَةُ اَلْغَيْرَةِ رَحْمَةً، ويَظْهَرُ لَها بَرَكَةُ هَذِهِ اَلْجارِيَةِ ووَلَدِها، وأنَّ اَللَّهَ لا يُضَيِّعُ بَيْتًا، هَذِهِ وابْنُها مِنهُمْ، ويَرى عِبادُهُ جَبْرَهُ بَعْدَ اَلْكَسْرِ، ولُطْفَهُ بَعْدَ اَلشِّدَّةِ، وأنَّ عاقِبَةَ صَبْرِ هاجَرَ وابْنِها عَلى اَلْبُعْدِ، والوَحْدَةِ، والغُرْبَةِ، والتَّسْلِيمِ، إلى ذَبْحِ اَلْوَلَدِ، آلَتْ إلى ما آلَتْ عَلَيْهِ، مِن جَعْلِ آثارِهِما ومَوْطِئِ أقْدامِهِما مَناسِكَ لِعِبادَةِ اَلْمُؤْمِنِينَ، ومُتَعَبَّداتٍ لَهم إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ. وهَذا سُنَّتُهُ تَعالى فِيمَن يُرِيدُ رِفْعَتَهُ مِن خَلْقِهِ، أنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ اِسْتِضْعافِهِ وذُلِّهِ (p-٥٠٥٧)وانْكِسارِهِ. قالَ تَعالى: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] اِنْتَهى.
وقالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ [الصافات: ١١٢] مَن قالَ إنَّ اَلذَّبِيحَ إسْماعِيلُ، وهو اَلَّذِي رَجَّحَهُ جَماعَةٌ، واحْتَجُّوا لَهُ بِأدِلَّةٍ: مِنها وصْفُهُ بِالحِلْمِ وذِكْرُ اَلْبِشارَةِ بِإسْحاقَ بَعْدَهُ، والبِشارَةُ بِيَعْقُوبَ مِن وراءِ إسْحاقَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وهي أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ لا قَطْعِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ: وتَأمَّلْتُ اَلْقُرْآنَ فَوَجَدْتُ فِيهِ ما يَقْتَضِي اَلْقَطْعَ أوْ يَقْتَرِبُ مِنهُ - ولَمْ أرَ مَن سَبَقَنِي إلى اِسْتِنْباطِهِ - وهو أنَّ اَلْبِشارَةَ وقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَهَذِهِ اَلْآيَةُ قاطِعَةٌ في أنَّ هَذا اَلْمُبَشَّرَ بِهِ هو اَلذَّبِيحُ. ومَرَّةً في قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] اَلْآيَةَ. فَقَدْ صَرَّحَ فِيها أنَّ اَلْمُبَشَّرَ بِهِ إسْحاقُ، ولَمْ يَكُنْ بِسُؤالٍ مِن إبْراهِيمَ. بَلْ قالَتِ اِمْرَأتُهُ إنَّها عَجُوزٌ، وإنَّهُ شَيْخٌ، وكانَ ذَلِكَ في اَلشّامِ لَمّا جاءَتِ اَلْمَلائِكَةُ إلَيْهِ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ وهو في آخِرِ أمْرِهِ. أمّا اَلْبِشارَةُ اَلْأُولى لَمّا اِنْتَقَلَ مِنَ اَلْعِراقِ إلى اَلشّامِ، حِينَ كانَ سِنُّهُ لا يُسْتَغْرَبُ فِيهِ اَلْوَلَدُ، ولِذَلِكَ سَألَهُ. فَعَلِمْنا بِذَلِكَ أنَّهُما بِشارَتانِ في وقْتَيْنِ، بِغُلامَيْنِ: أحَدُهُما بِغَيْرِ سُؤالٍ، وهو إسْحاقُ صَرِيحًا. والثّانِيَةُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسُؤالٍ وهو غَيْرُهُ. فَقَطَعْنا بِأنَّهُ إسْماعِيلُ وهو اَلذَّبِيحُ. اِنْتَهى.
الصافات 37:109
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٨ - ١١٣ ] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] .
(p-٥٠٥٢)﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] أيْ: مِثْلَ ما تَرَكْنا عَلى نُوحٍ. كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ وإعْرابُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: عَلى إبْراهِيمَ: ﴿وعَلى إسْحاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: بِتَكْثِيرِ اَلذَّرِّيَّةِ وتَسَلْسُلِ اَلنُّبُوَّةِ فِيهِمْ، وجَعْلِهِمْ مُلُوكًا، وإيتائِهِمْ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: في عَمَلِهِ: ﴿وظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: بِالكُفْرِ والمَعاصِي: ﴿مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: ظاهِرُ اَلظُّلْمِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ - يَرْوِي اَلْمُفَسِّرُونَ هَهُنا في قِصَّةِ اَلذَّبْحِ رِواياتٍ مُنْكَرَةً لَمْ يَصِحَّ سَنَدُها ولا مَتْنُها، بَلْ ولَمْ تَحْسُنْ، فَهي مُعْضِلَةٌ تَنْتَهِي إلى اَلسُّدِّيِّ وكَعْبٍ. والسُّدِّيُّ حالُهُ مَعْلُومٌ في ضَعْفِ مَرْوِيّاتِهِ، وكَذَلِكَ كَعْبٌ.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ: لَمّا أسْلَمَ كَعْبُ اَلْأحْبارِ في اَلدَّوْلَةِ اَلْعُمَرِيَّةِ، جَعَلَ يُحَدِّثُ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ عَنْ كُتُبِهِ قَدِيمًا، فَرُبَّما اِسْتَمَعَ لَهُ عُمَرُ، فَتَرَخَّصَ اَلنّاسُ في اِسْتِماعِ ما عِنْدَهُ عَنْهُ، غَثِّها وسَمِينِها، ولَيْسَ لِهَذِهِ اَلْأُمَّةِ حاجَةٌ إلى حَرْفٍ واحِدٍ مِمّا عِنْدَهُ. اِنْتَهى.
ولَقَدْ صَدَقَ رَحِمَهُ اَللَّهُ، ولِذا نَرى اَلتَّزَيُّدَ عَلى أصْلِ ما قَصَّ في اَلتَّنْزِيلِ مِنَ اَلضَّرُورِيِّ لَهُ، إلّا إذا صَحَّ سَنَدُهُ، أوِ اِطْمَأنَّ اَلْقَلْبُ بِهِ. وقَدْ ولِعَ اَلْخُطَباءُ في دَواوِينِهِمْ بِرِوايَةِ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ في خُطْبَةِ اَلْأضْحى مِن طُرُقِها اَلْواهِيَةِ عِنْدَ اَلْمُحَدِّثِينَ، ويَرَوْنَها ضَرْبَةَ لازِبٍ عَلى ضَعْفِ سَنَدِها، وكَوْنِ مَتْنِها مُنْكَرًا أيْضًا أوْ مَوْضُوعًا، ولَمّا صَنَّفْتُ مَجْمُوعَةَ اَلْخُطَبِ حَذَفْتُ هَذِهِ اَلرِّوايَةَ مِن خُطْبَةِ اَلْأضْحى كَكُلِّ مَرْوِيٍّ ضَعِيفٍ في فَضائِلِ اَلشُّهُورِ والأوْقاتِ، واقْتَصَرْتُ عَلى جِيادِ اَلْأخْبارِ والآثارِ، وذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنا فَلا نُحْصِي ثَناءً عَلَيْهِ
وأمْثَلُ ما رُوِيَ في هَذا اَلنَّبَأِ مِنَ (p-٥٠٥٣)اَلْآثارِ ما أخْرَجَهُ اَلْإمامُ أحْمَدُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما مَوْقُوفًا، قالَ: لَمّا أُمِرَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمَناسِكِ، عَرَضَ لَهُ اَلشَّيْطانُ عِنْدَ اَلسَّعْيِ، فَسابَقَهُ فَسَبَقَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ اَلسَّلامُ إلى جَمْرَةِ اَلْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ اَلشَّيْطانُ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ اَلْجَمْرَةِ اَلْوُسْطى فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ، ثُمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وعَلى إسْماعِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ قَمِيصٌ أبْيَضُ، فَقالَ لَهُ: يا أبَتِ ! إنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ، فاخْلَعْهُ حَتّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعالَجَهُ لِيُخْلِصَهُ، فَنُودِيَ مِن خَلْفِهِ: أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيا. فالتَفَتَ إبْراهِيمُ فَإذا بِكَبْشٍ أبْيَضَ أقْرَنَ أعْيَنَ. قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: لَقَدْ رَأيْتُنا نَتَتَبَّعُ ذَلِكَ اَلضَّرْبَ مِنَ اَلْكِباشِ.
اَلثّانِي - قالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): في هَذِهِ اَلْآيَةِ أنَّ رُؤْيا اَلْأنْبِياءِ وحْيٌ، وجَوازُ نَسْخِ اَلْفِعْلِ قَبْلَ اَلتَّمَكُّنِ، وتَقْدِيمُ اَلْمَشِيئَةِ في كُلِّ قَوْلٍ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ اَلْقِصَّةِ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ ذَبْحَ ولَدِهِ، لَزِمَهُ ذَبْحُ شاةٍ.
ثُمَّ قالَ السُّيُوطِيُّ: فُسِّرَ اَلذِّبْحُ اَلْعَظِيمُ في اَلْأحادِيثِ والآثارِ بِكَبْشٍ، فاسْتَدَلَّ بِهِ اَلْمالِكِيَّةُ عَلى أنَّ اَلْغَنَمَ في اَلتَّضْحِيَةِ أفْضَلُ مِنَ اَلْإبِلِ. اِنْتَهى.
اَلثّالِثُ - اُسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ - كَما ذَكَرَهُ اَلرّازِيُّ - وذَلِكَ في بابِ اَلِابْتِلاءِ؛ أيِ: اِبْتِلاءِ اَلْمَأْمُورِ في إخْلاصِهِ وصِدْقِهِ، فِيما يَشُقُّ عَلى اَلنَّفْسِ تَحَمُّلُهُ.
اَلرّابِعُ - يَذْكُرُ كَثِيرٌ اَلْخِلافَ في اَلذَّبِيحِ، قالَ الإمامُ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في (" زادِ اَلْمَعادِ"): وإسْماعِيلُ هو اَلذَّبِيحُ عَلى اَلْقَوْلِ اَلصَّوابِ عِنْدَ عُلَماءِ اَلصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهُمْ، وأمّا اَلْقَوْلُ بِأنَّهُ إسْحاقُ فَباطِلٌ بِأكْثَرَ مِن عِشْرِينَ وجْهًا، وسَمِعْتُ شَيْخَ اَلْإسْلامِ اِبْنَ تَيْمِيَةَ قَدَّسَ اَللَّهُ رَوْحَهُ يَقُولُ: هَذا اَلْقَوْلُ إنَّما هو مُتَلَقًّى مِن أهْلِ اَلْكِتابِ، مَعَ أنَّهُ باطِلٌ بِنَصِّ كِتابِهِمْ؛ فَإنَّ فِيهِ إنَّ اَللَّهَ أمَرَ (p-٥٠٥٤)إبْراهِيمَ أنْ يَذْبَحَ اِبْنَهُ (بِكْرَهُ)، وفي لَفْظٍ: (وحِيدَهُ) ولا يَشُكُّ أهْلُ اَلْكِتابِ مَعَ اَلْمُسْلِمِينَ أنَّ إسْماعِيلَ هو بِكْرُ أوْلادِهِ.
والَّذِي غَرَّ أصْحابَ هَذا اَلْقَوْلِ أنَّ في اَلتَّوْراةِ اَلَّتِي بِأيْدِيهِمُ: (اِذْبَحِ اِبْنَكَ إسْحاقَ ).
قالَ: وهَذِهِ اَلزِّيادَةُ مِن تَحْرِيفِهِمْ وكَذِبِهِمْ؛ لِأنَّها تُناقِضُ قَوْلَهُ: بِكْرَكَ، وحِيدَكَ. ولَكِنَّ يَهُودَ حَسَدَتْ بَنِي إسْماعِيلَ عَلى هَذا اَلشَّرَفِ، وأحَبُّوا أنْ يَكُونَ لَهُمْ، وأنْ يَسُوقُوهُ إلَيْهِمْ، ويَخْتارُونَهُ دُونَ اَلْعَرَبِ. ويَأْبى اَللَّهُ إلّا أنْ يَجْعَلَ فَضْلَهُ لِأهْلِهِ. وكَيْفَ يُسَوَّغُ أنْ يُقالَ إنَّ اَلذَّبِيحَ إسْحاقُ، واللَّهُ تَعالى قَدْ بَشَّرَ أُمَّ إسْحاقَ بِهِ وبِابْنِهِ يَعْقُوبَ، فَقالَ تَعالى عَنِ اَلْمَلائِكَةِ أنَّهم قالُوا لِإبْراهِيمَ لَمّا أتَوْهُ بِالبُشْرى: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَمُحالٌ أنْ يُبَشِّرَها بِأنَّهُ يَكُونُ لَها ولَدٌ ثُمَّ يَأْمُرُ بِذَبْحِهِ. ولا رَيْبَ أنَّ يَعْقُوبَ داخِلٌ في اَلْبِشارَةِ، فَتَناوُلُ اَلْبِشارَةِ لِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ في اَللَّفْظِ واحِدٌ. وهَذا ظاهِرُ اَلْكَلامِ وسِياقُهُ.
فَإنْ قِيلَ، لَوْ كانَ اَلْأمْرُ كَما ذَكَرْتُمُوهُ لَكانَ يَعْقُوبُ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى إسْحاقَ، فَكانَتِ اَلْقِراءَةُ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أيْ: ويَعْقُوبُ مِن وراءِ إسْحاقَ. قِيلَ لا يَمْنَعُ اَلرَّفْعُ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ مُبَشَّرًا بِهِ؛ لِأنَّ اَلْبِشارَةَ قَوْلٌ مَخْصُوصٌ، وهي أوَّلُ خَبَرٍ سارٍّ صادِقٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] جُمْلَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ بِهَذِهِ اَلْقُيُودِ، فَيَكُونُ بِشارَةً بَلْ حَقِيقَةُ اَلْبِشارَةِ هي اَلْجُمْلَةُ اَلْخَبَرِيَّةُ. أوْ لَمّا كانَتِ اَلْبِشارَةُ قَوْلًا، كانَ مَوْضِعُ هَذِهِ اَلْجُمْلَةِ نَصْبًا عَلى اَلْحِكايَةِ بِالقَوْلِ. كَأنَّ اَلْمَعْنى: وقُلْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ. والقائِلُ إذا قالَ: بَشَّرْتُ فُلانًا بِقُدُومِ أخِيهِ، وثِقْلِهِ في أثَرِهِ، لَمْ يُعْقَلْ مِنهُ إلّا بِشارَةٌ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا. هَذا مِمّا لا يَسْتَرِيبُ ذُو فَهْمٍ فِيهِ اَلْبَتَّةَ. ثُمَّ يُضْعِفُ اَلْجَرَّ أمْرٌ آخَرُ، وهو ضَعْفُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ ومِن بَعْدِهِ عَمْرٍو؛ لِأنَّ اَلْعاطِفَ يَقُومُ حَرْفُ اَلْجَرِّ، فَلا يَفْصِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اَلْمَجْرُورِ، كَما لا يَفْصِلُ بَيْنَ حَرْفِ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ إبْراهِيمَ وابْنِهِ في هَذِهِ اَلسُّورَةِ، قالَ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ثُمَّ قالَ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] (p-٥٠٥٥)، فَهَذا بِشارَةٌ مِنَ اَللَّهِ لَهُ، شُكْرًا عَلى صَبْرِهِ عَلى ما أُمِرَ بِهِ. وهَذا ظاهِرٌ جِدًّا في أنَّ اَلْمُبَشَّرَ بِهِ غَيْرُ اَلْأوَّلِ. بَلْ هو كالنَّصِّ فِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالبِشارَةُ اَلثّانِيَةُ وقَعَتْ عَلى نُبُوَّتِهِ، أيْ: لَمّا صَبَرَ اَلْأبُ عَلى ما أُمِرَ بِهِ، وأسْلَمَ اَلْوَلَدُ لِأمْرِ اَللَّهِ، جازاهُ اَللَّهُ عَلى ذَلِكَ، بِأنْ أعْطاهُ اَلنُّبُوَّةَ. قِيلَ: اَلْبِشارَةُ وقَعَتْ عَلى اَلْمَجْمُوعِ، عَلى ذاتِهِ ووُجُودِهِ وأنْ يَكُونَ نَبِيًّا؛ ولِهَذا يُنْصَبُ: { نَبِيًّا } عَلى اَلْحالِ اَلْمُقَدَّرِ أيْ: مُقَدَّرًا نُبُوَّتُهُ، فَلا يُمْكِنُ إخْراجُ اَلْبِشارَةِ أنْ يَقَعَ عَلى اَلْأصْلِ، ثُمَّ يَخُصُّ بِالحالِ اَلتّابِعَةِ اَلْجارِيَةِ مَجْرى اَلْفَضْلَةِ. هَذا مُحالٌ مِنَ اَلْكَلامِ. بَلْ إذا وقَعَ اَلْبِشارَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَوُقُوعُها عَلى وُجُوهٍ أوْلى وأحْرى، وأيْضًا فَلا رَيْبَ أنَّ اَلذَّبِيحَ كانَ بِمَكَّةَ، ولِذَلِكَ جُعِلَتِ اَلْقَرابِينُ يَوْمَ اَلنَّحْرِ، كَما جُعِلَ اَلسَّعْيُ بَيْنَ اَلصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ اَلْجِمارِ، تَذْكِيرًا لِشَأْنِ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ، وإقامَةً لِذِكْرِ اَللَّهِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ إسْماعِيلَ وأمَّهُ هُما اَللَّذانِ كانا بِمَكَّةَ، دُونَ إسْحاقَ وأُمِّهِ، ولِهَذا اِتَّصَلَ مَكانُ اَلذَّبْحِ وزَمانُهُ بِالبَيْتِ اَلْحَرامِ اَلَّذِي اِشْتَرَكَ في بِنائِهِ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ، وكانَ اَلنَّحْرُ بِمَكَّةَ، مِن تَمامِ حَجِّ اَلْبَيْتِ اَلَّذِي كانَ عَلى يَدِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ إسْماعِيلَ زَمانًا ومَكانًا، ولَوْ كانَ اَلذَّبْحُ بِالشّامِ، كَما يَزْعُمُ أهْلُ اَلْكِتابِ ومَن تَلَقّى عَنْهُمْ، لَكانَتِ اَلْقَرابِينُ والنَّحْرُ بِالشّامِ لا بِمَكَّةَ، وأيْضًا فَإنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى اَلذَّبِيحَ حَلِيمًا؛ لِأنَّهُ لا أحْلَمَ مِمَّنْ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ طاعَةً لِرَبِّهِ، ولَمّا ذَكَرَ إسْحاقَ سَمّاهُ عَلِيمًا، فَقالَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] إلى أنْ قالَ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وهَذا إسْحاقُ بِلا رَيْبٍ، لِأنَّهُ مِنَ اِمْرَأتِهِ وهي اَلْمُبَشَّرَةُ بِهِ، وأمّا إسْماعِيلُ فَمِنَ اَلسُّرِّيَّةِ.
وأيْضًا فَإنَّهُما بُشِّرا بِهِ عَلى اَلْكِبَرِ واليَأْسِ (p-٥٠٥٦)مِنَ اَلْوَلَدِ. وهَذا بِخِلافِ إسْماعِيلَ فَإنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ أجْرى اَلْعادَةَ اَلْبَشَرِيَّةَ أنَّ بِكْرَ اَلْأوْلادِ أحَبُّ إلى اَلْوالِدَيْنِ مِمَّنْ بَعْدَهُ. وإبْراهِيمُ لَمّا سَألَ رَبَّهُ اَلْوَلَدَ ووَهَبَهُ لَهُ، تَعَلَّقَتْ شُعْبَةٌ مِن قَلْبِهِ بِمَحَبَّتِهِ، واللَّهُ تَعالى قَدِ اِتَّخَذَهُ خَلِيلًا. والخِلَّةُ مَنصِبٌ يَقْتَضِي تَوْحِيدَ اَلْمَحْبُوبِ بِالمَحَبَّةِ، وأنْ لا يُشارَكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ فِيها. فَلَمّا أخَذَ اَلْوَلَدُ شُعْبَةً مِن قَلْبِ اَلْوالِدِ، جاءَتْ غَيْرَةُ اَلْخِلَّةِ تَنْتَزِعُها مِن قَلْبِ اَلْخَلِيلِ، فَأمَرَهُ اَلْجَلِيلُ بِذَبْحِ اَلْمَحْبُوبِ. فَلَمّا أقْدَمَ عَلى ذَبْحِهِ، وكانَتْ مَحَبَّةُ اَللَّهِ أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن مَحَبَّةِ اَلْوَلَدِ، خَلُصَتِ اَلْخِلَّةُ حِينَئِذٍ مِن شَوائِبِ اَلْمُشارَكَةِ، فَلَمْ يَبْقَ في اَلذَّبْحِ مَصْلَحَةٌ؛ إذْ كانَتِ اَلْمَصْلَحَةُ إنَّما هي في اَلْعَزْمِ وتَوْطِينِ اَلنَّفْسِ فِيهِ، فَقَدْ حَصَلَ اَلْمَقْصُودُ، فَنُسِخَ اَلْأمْرُ، وفُدِيَ اَلذَّبِيحُ، وصَدَقَ اَلْخَلِيلُ اَلرُّؤْيا، وحَصَلَ مُرادُ اَلرَّبِّ.
ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا اَلِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، إنَّما حَصَلَ عِنْدَ أوَّلِ مَوْلُودٍ، ولَمْ يَكُنْ لِيَحْصُلَ في اَلْمَوْلُودِ اَلْآخَرِ دُونَ اَلْأوَّلِ، بَلْ لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ اَلْمَوْلُودِ اَلْآخَرِ مِن مُزاحَمَةِ اَلْخِلَّةِ، ما يَقْتَضِي اَلْأمْرُ بِذَبْحِهِ. وهَذا في غايَةِ اَلظُّهُورِ. وأيْضًا فَإنَّ سارَّةَ اِمْرَأةَ اَلْخَلِيلِ غارَتْ مِن هاجَرَ وابْنِها أشَدَّ اَلْغَيْرَةِ، فَإنَّها كانَتْ جارِيَةً، فَلَمّا ولَدَتْ إسْماعِيلَ وأحَبَّهُ أبُوهُ اِشْتَدَّتْ غَيْرَةُ سارَّةَ. فَأمَرَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُبْعِدَ عَنْها هاجَرَ وابْنَها ويُسْكِنَها في أرْضِ مَكَّةَ، لِيُبْرِدَ عَنْ سارَّةَ حَرارَةَ اَلْغَيْرَةِ. وهَذا مِن رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ. فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا، أنْ يَذْبَحَ اِبْنَها، ويَدَعَ اِبْنَ اَلْجارِيَةِ بِحالِهِ هَذا مَعَ رَحْمَةِ اَللَّهِ لَها، وإبْعادِ اَلضَّرَرِ عَنْها وخَيْرَتِهِ لَها، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بَعْدَ هَذا بِذَبْحِ اِبْنِها دُونَ اِبْنِ اَلْجارِيَةِ؟
بَلْ حِكْمَتُهُ اَلْبالِغَةُ اِقْتَضَتْ أنْ يَأْمُرَ بِذَبْحِ ولَدِ اَلسُّرِّيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَرِقُّ قَلْبُ اَلسِّتِّ عَلى ولَدِها. وتَتَبَدَّلُ قَسْوَةُ اَلْغَيْرَةِ رَحْمَةً، ويَظْهَرُ لَها بَرَكَةُ هَذِهِ اَلْجارِيَةِ ووَلَدِها، وأنَّ اَللَّهَ لا يُضَيِّعُ بَيْتًا، هَذِهِ وابْنُها مِنهُمْ، ويَرى عِبادُهُ جَبْرَهُ بَعْدَ اَلْكَسْرِ، ولُطْفَهُ بَعْدَ اَلشِّدَّةِ، وأنَّ عاقِبَةَ صَبْرِ هاجَرَ وابْنِها عَلى اَلْبُعْدِ، والوَحْدَةِ، والغُرْبَةِ، والتَّسْلِيمِ، إلى ذَبْحِ اَلْوَلَدِ، آلَتْ إلى ما آلَتْ عَلَيْهِ، مِن جَعْلِ آثارِهِما ومَوْطِئِ أقْدامِهِما مَناسِكَ لِعِبادَةِ اَلْمُؤْمِنِينَ، ومُتَعَبَّداتٍ لَهم إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ. وهَذا سُنَّتُهُ تَعالى فِيمَن يُرِيدُ رِفْعَتَهُ مِن خَلْقِهِ، أنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ اِسْتِضْعافِهِ وذُلِّهِ (p-٥٠٥٧)وانْكِسارِهِ. قالَ تَعالى: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] اِنْتَهى.
وقالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ [الصافات: ١١٢] مَن قالَ إنَّ اَلذَّبِيحَ إسْماعِيلُ، وهو اَلَّذِي رَجَّحَهُ جَماعَةٌ، واحْتَجُّوا لَهُ بِأدِلَّةٍ: مِنها وصْفُهُ بِالحِلْمِ وذِكْرُ اَلْبِشارَةِ بِإسْحاقَ بَعْدَهُ، والبِشارَةُ بِيَعْقُوبَ مِن وراءِ إسْحاقَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وهي أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ لا قَطْعِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ: وتَأمَّلْتُ اَلْقُرْآنَ فَوَجَدْتُ فِيهِ ما يَقْتَضِي اَلْقَطْعَ أوْ يَقْتَرِبُ مِنهُ - ولَمْ أرَ مَن سَبَقَنِي إلى اِسْتِنْباطِهِ - وهو أنَّ اَلْبِشارَةَ وقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَهَذِهِ اَلْآيَةُ قاطِعَةٌ في أنَّ هَذا اَلْمُبَشَّرَ بِهِ هو اَلذَّبِيحُ. ومَرَّةً في قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] اَلْآيَةَ. فَقَدْ صَرَّحَ فِيها أنَّ اَلْمُبَشَّرَ بِهِ إسْحاقُ، ولَمْ يَكُنْ بِسُؤالٍ مِن إبْراهِيمَ. بَلْ قالَتِ اِمْرَأتُهُ إنَّها عَجُوزٌ، وإنَّهُ شَيْخٌ، وكانَ ذَلِكَ في اَلشّامِ لَمّا جاءَتِ اَلْمَلائِكَةُ إلَيْهِ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ وهو في آخِرِ أمْرِهِ. أمّا اَلْبِشارَةُ اَلْأُولى لَمّا اِنْتَقَلَ مِنَ اَلْعِراقِ إلى اَلشّامِ، حِينَ كانَ سِنُّهُ لا يُسْتَغْرَبُ فِيهِ اَلْوَلَدُ، ولِذَلِكَ سَألَهُ. فَعَلِمْنا بِذَلِكَ أنَّهُما بِشارَتانِ في وقْتَيْنِ، بِغُلامَيْنِ: أحَدُهُما بِغَيْرِ سُؤالٍ، وهو إسْحاقُ صَرِيحًا. والثّانِيَةُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسُؤالٍ وهو غَيْرُهُ. فَقَطَعْنا بِأنَّهُ إسْماعِيلُ وهو اَلذَّبِيحُ. اِنْتَهى.
الصافات 37:110
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٨ - ١١٣ ] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] .
(p-٥٠٥٢)﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] أيْ: مِثْلَ ما تَرَكْنا عَلى نُوحٍ. كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ وإعْرابُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: عَلى إبْراهِيمَ: ﴿وعَلى إسْحاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: بِتَكْثِيرِ اَلذَّرِّيَّةِ وتَسَلْسُلِ اَلنُّبُوَّةِ فِيهِمْ، وجَعْلِهِمْ مُلُوكًا، وإيتائِهِمْ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: في عَمَلِهِ: ﴿وظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: بِالكُفْرِ والمَعاصِي: ﴿مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: ظاهِرُ اَلظُّلْمِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ - يَرْوِي اَلْمُفَسِّرُونَ هَهُنا في قِصَّةِ اَلذَّبْحِ رِواياتٍ مُنْكَرَةً لَمْ يَصِحَّ سَنَدُها ولا مَتْنُها، بَلْ ولَمْ تَحْسُنْ، فَهي مُعْضِلَةٌ تَنْتَهِي إلى اَلسُّدِّيِّ وكَعْبٍ. والسُّدِّيُّ حالُهُ مَعْلُومٌ في ضَعْفِ مَرْوِيّاتِهِ، وكَذَلِكَ كَعْبٌ.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ: لَمّا أسْلَمَ كَعْبُ اَلْأحْبارِ في اَلدَّوْلَةِ اَلْعُمَرِيَّةِ، جَعَلَ يُحَدِّثُ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ عَنْ كُتُبِهِ قَدِيمًا، فَرُبَّما اِسْتَمَعَ لَهُ عُمَرُ، فَتَرَخَّصَ اَلنّاسُ في اِسْتِماعِ ما عِنْدَهُ عَنْهُ، غَثِّها وسَمِينِها، ولَيْسَ لِهَذِهِ اَلْأُمَّةِ حاجَةٌ إلى حَرْفٍ واحِدٍ مِمّا عِنْدَهُ. اِنْتَهى.
ولَقَدْ صَدَقَ رَحِمَهُ اَللَّهُ، ولِذا نَرى اَلتَّزَيُّدَ عَلى أصْلِ ما قَصَّ في اَلتَّنْزِيلِ مِنَ اَلضَّرُورِيِّ لَهُ، إلّا إذا صَحَّ سَنَدُهُ، أوِ اِطْمَأنَّ اَلْقَلْبُ بِهِ. وقَدْ ولِعَ اَلْخُطَباءُ في دَواوِينِهِمْ بِرِوايَةِ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ في خُطْبَةِ اَلْأضْحى مِن طُرُقِها اَلْواهِيَةِ عِنْدَ اَلْمُحَدِّثِينَ، ويَرَوْنَها ضَرْبَةَ لازِبٍ عَلى ضَعْفِ سَنَدِها، وكَوْنِ مَتْنِها مُنْكَرًا أيْضًا أوْ مَوْضُوعًا، ولَمّا صَنَّفْتُ مَجْمُوعَةَ اَلْخُطَبِ حَذَفْتُ هَذِهِ اَلرِّوايَةَ مِن خُطْبَةِ اَلْأضْحى كَكُلِّ مَرْوِيٍّ ضَعِيفٍ في فَضائِلِ اَلشُّهُورِ والأوْقاتِ، واقْتَصَرْتُ عَلى جِيادِ اَلْأخْبارِ والآثارِ، وذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنا فَلا نُحْصِي ثَناءً عَلَيْهِ
وأمْثَلُ ما رُوِيَ في هَذا اَلنَّبَأِ مِنَ (p-٥٠٥٣)اَلْآثارِ ما أخْرَجَهُ اَلْإمامُ أحْمَدُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما مَوْقُوفًا، قالَ: لَمّا أُمِرَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمَناسِكِ، عَرَضَ لَهُ اَلشَّيْطانُ عِنْدَ اَلسَّعْيِ، فَسابَقَهُ فَسَبَقَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ اَلسَّلامُ إلى جَمْرَةِ اَلْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ اَلشَّيْطانُ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ اَلْجَمْرَةِ اَلْوُسْطى فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ، ثُمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وعَلى إسْماعِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ قَمِيصٌ أبْيَضُ، فَقالَ لَهُ: يا أبَتِ ! إنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ، فاخْلَعْهُ حَتّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعالَجَهُ لِيُخْلِصَهُ، فَنُودِيَ مِن خَلْفِهِ: أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيا. فالتَفَتَ إبْراهِيمُ فَإذا بِكَبْشٍ أبْيَضَ أقْرَنَ أعْيَنَ. قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: لَقَدْ رَأيْتُنا نَتَتَبَّعُ ذَلِكَ اَلضَّرْبَ مِنَ اَلْكِباشِ.
اَلثّانِي - قالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): في هَذِهِ اَلْآيَةِ أنَّ رُؤْيا اَلْأنْبِياءِ وحْيٌ، وجَوازُ نَسْخِ اَلْفِعْلِ قَبْلَ اَلتَّمَكُّنِ، وتَقْدِيمُ اَلْمَشِيئَةِ في كُلِّ قَوْلٍ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ اَلْقِصَّةِ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ ذَبْحَ ولَدِهِ، لَزِمَهُ ذَبْحُ شاةٍ.
ثُمَّ قالَ السُّيُوطِيُّ: فُسِّرَ اَلذِّبْحُ اَلْعَظِيمُ في اَلْأحادِيثِ والآثارِ بِكَبْشٍ، فاسْتَدَلَّ بِهِ اَلْمالِكِيَّةُ عَلى أنَّ اَلْغَنَمَ في اَلتَّضْحِيَةِ أفْضَلُ مِنَ اَلْإبِلِ. اِنْتَهى.
اَلثّالِثُ - اُسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ - كَما ذَكَرَهُ اَلرّازِيُّ - وذَلِكَ في بابِ اَلِابْتِلاءِ؛ أيِ: اِبْتِلاءِ اَلْمَأْمُورِ في إخْلاصِهِ وصِدْقِهِ، فِيما يَشُقُّ عَلى اَلنَّفْسِ تَحَمُّلُهُ.
اَلرّابِعُ - يَذْكُرُ كَثِيرٌ اَلْخِلافَ في اَلذَّبِيحِ، قالَ الإمامُ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في (" زادِ اَلْمَعادِ"): وإسْماعِيلُ هو اَلذَّبِيحُ عَلى اَلْقَوْلِ اَلصَّوابِ عِنْدَ عُلَماءِ اَلصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهُمْ، وأمّا اَلْقَوْلُ بِأنَّهُ إسْحاقُ فَباطِلٌ بِأكْثَرَ مِن عِشْرِينَ وجْهًا، وسَمِعْتُ شَيْخَ اَلْإسْلامِ اِبْنَ تَيْمِيَةَ قَدَّسَ اَللَّهُ رَوْحَهُ يَقُولُ: هَذا اَلْقَوْلُ إنَّما هو مُتَلَقًّى مِن أهْلِ اَلْكِتابِ، مَعَ أنَّهُ باطِلٌ بِنَصِّ كِتابِهِمْ؛ فَإنَّ فِيهِ إنَّ اَللَّهَ أمَرَ (p-٥٠٥٤)إبْراهِيمَ أنْ يَذْبَحَ اِبْنَهُ (بِكْرَهُ)، وفي لَفْظٍ: (وحِيدَهُ) ولا يَشُكُّ أهْلُ اَلْكِتابِ مَعَ اَلْمُسْلِمِينَ أنَّ إسْماعِيلَ هو بِكْرُ أوْلادِهِ.
والَّذِي غَرَّ أصْحابَ هَذا اَلْقَوْلِ أنَّ في اَلتَّوْراةِ اَلَّتِي بِأيْدِيهِمُ: (اِذْبَحِ اِبْنَكَ إسْحاقَ ).
قالَ: وهَذِهِ اَلزِّيادَةُ مِن تَحْرِيفِهِمْ وكَذِبِهِمْ؛ لِأنَّها تُناقِضُ قَوْلَهُ: بِكْرَكَ، وحِيدَكَ. ولَكِنَّ يَهُودَ حَسَدَتْ بَنِي إسْماعِيلَ عَلى هَذا اَلشَّرَفِ، وأحَبُّوا أنْ يَكُونَ لَهُمْ، وأنْ يَسُوقُوهُ إلَيْهِمْ، ويَخْتارُونَهُ دُونَ اَلْعَرَبِ. ويَأْبى اَللَّهُ إلّا أنْ يَجْعَلَ فَضْلَهُ لِأهْلِهِ. وكَيْفَ يُسَوَّغُ أنْ يُقالَ إنَّ اَلذَّبِيحَ إسْحاقُ، واللَّهُ تَعالى قَدْ بَشَّرَ أُمَّ إسْحاقَ بِهِ وبِابْنِهِ يَعْقُوبَ، فَقالَ تَعالى عَنِ اَلْمَلائِكَةِ أنَّهم قالُوا لِإبْراهِيمَ لَمّا أتَوْهُ بِالبُشْرى: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَمُحالٌ أنْ يُبَشِّرَها بِأنَّهُ يَكُونُ لَها ولَدٌ ثُمَّ يَأْمُرُ بِذَبْحِهِ. ولا رَيْبَ أنَّ يَعْقُوبَ داخِلٌ في اَلْبِشارَةِ، فَتَناوُلُ اَلْبِشارَةِ لِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ في اَللَّفْظِ واحِدٌ. وهَذا ظاهِرُ اَلْكَلامِ وسِياقُهُ.
فَإنْ قِيلَ، لَوْ كانَ اَلْأمْرُ كَما ذَكَرْتُمُوهُ لَكانَ يَعْقُوبُ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى إسْحاقَ، فَكانَتِ اَلْقِراءَةُ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أيْ: ويَعْقُوبُ مِن وراءِ إسْحاقَ. قِيلَ لا يَمْنَعُ اَلرَّفْعُ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ مُبَشَّرًا بِهِ؛ لِأنَّ اَلْبِشارَةَ قَوْلٌ مَخْصُوصٌ، وهي أوَّلُ خَبَرٍ سارٍّ صادِقٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] جُمْلَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ بِهَذِهِ اَلْقُيُودِ، فَيَكُونُ بِشارَةً بَلْ حَقِيقَةُ اَلْبِشارَةِ هي اَلْجُمْلَةُ اَلْخَبَرِيَّةُ. أوْ لَمّا كانَتِ اَلْبِشارَةُ قَوْلًا، كانَ مَوْضِعُ هَذِهِ اَلْجُمْلَةِ نَصْبًا عَلى اَلْحِكايَةِ بِالقَوْلِ. كَأنَّ اَلْمَعْنى: وقُلْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ. والقائِلُ إذا قالَ: بَشَّرْتُ فُلانًا بِقُدُومِ أخِيهِ، وثِقْلِهِ في أثَرِهِ، لَمْ يُعْقَلْ مِنهُ إلّا بِشارَةٌ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا. هَذا مِمّا لا يَسْتَرِيبُ ذُو فَهْمٍ فِيهِ اَلْبَتَّةَ. ثُمَّ يُضْعِفُ اَلْجَرَّ أمْرٌ آخَرُ، وهو ضَعْفُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ ومِن بَعْدِهِ عَمْرٍو؛ لِأنَّ اَلْعاطِفَ يَقُومُ حَرْفُ اَلْجَرِّ، فَلا يَفْصِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اَلْمَجْرُورِ، كَما لا يَفْصِلُ بَيْنَ حَرْفِ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ إبْراهِيمَ وابْنِهِ في هَذِهِ اَلسُّورَةِ، قالَ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ثُمَّ قالَ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] (p-٥٠٥٥)، فَهَذا بِشارَةٌ مِنَ اَللَّهِ لَهُ، شُكْرًا عَلى صَبْرِهِ عَلى ما أُمِرَ بِهِ. وهَذا ظاهِرٌ جِدًّا في أنَّ اَلْمُبَشَّرَ بِهِ غَيْرُ اَلْأوَّلِ. بَلْ هو كالنَّصِّ فِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالبِشارَةُ اَلثّانِيَةُ وقَعَتْ عَلى نُبُوَّتِهِ، أيْ: لَمّا صَبَرَ اَلْأبُ عَلى ما أُمِرَ بِهِ، وأسْلَمَ اَلْوَلَدُ لِأمْرِ اَللَّهِ، جازاهُ اَللَّهُ عَلى ذَلِكَ، بِأنْ أعْطاهُ اَلنُّبُوَّةَ. قِيلَ: اَلْبِشارَةُ وقَعَتْ عَلى اَلْمَجْمُوعِ، عَلى ذاتِهِ ووُجُودِهِ وأنْ يَكُونَ نَبِيًّا؛ ولِهَذا يُنْصَبُ: { نَبِيًّا } عَلى اَلْحالِ اَلْمُقَدَّرِ أيْ: مُقَدَّرًا نُبُوَّتُهُ، فَلا يُمْكِنُ إخْراجُ اَلْبِشارَةِ أنْ يَقَعَ عَلى اَلْأصْلِ، ثُمَّ يَخُصُّ بِالحالِ اَلتّابِعَةِ اَلْجارِيَةِ مَجْرى اَلْفَضْلَةِ. هَذا مُحالٌ مِنَ اَلْكَلامِ. بَلْ إذا وقَعَ اَلْبِشارَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَوُقُوعُها عَلى وُجُوهٍ أوْلى وأحْرى، وأيْضًا فَلا رَيْبَ أنَّ اَلذَّبِيحَ كانَ بِمَكَّةَ، ولِذَلِكَ جُعِلَتِ اَلْقَرابِينُ يَوْمَ اَلنَّحْرِ، كَما جُعِلَ اَلسَّعْيُ بَيْنَ اَلصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ اَلْجِمارِ، تَذْكِيرًا لِشَأْنِ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ، وإقامَةً لِذِكْرِ اَللَّهِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ إسْماعِيلَ وأمَّهُ هُما اَللَّذانِ كانا بِمَكَّةَ، دُونَ إسْحاقَ وأُمِّهِ، ولِهَذا اِتَّصَلَ مَكانُ اَلذَّبْحِ وزَمانُهُ بِالبَيْتِ اَلْحَرامِ اَلَّذِي اِشْتَرَكَ في بِنائِهِ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ، وكانَ اَلنَّحْرُ بِمَكَّةَ، مِن تَمامِ حَجِّ اَلْبَيْتِ اَلَّذِي كانَ عَلى يَدِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ إسْماعِيلَ زَمانًا ومَكانًا، ولَوْ كانَ اَلذَّبْحُ بِالشّامِ، كَما يَزْعُمُ أهْلُ اَلْكِتابِ ومَن تَلَقّى عَنْهُمْ، لَكانَتِ اَلْقَرابِينُ والنَّحْرُ بِالشّامِ لا بِمَكَّةَ، وأيْضًا فَإنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى اَلذَّبِيحَ حَلِيمًا؛ لِأنَّهُ لا أحْلَمَ مِمَّنْ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ طاعَةً لِرَبِّهِ، ولَمّا ذَكَرَ إسْحاقَ سَمّاهُ عَلِيمًا، فَقالَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] إلى أنْ قالَ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وهَذا إسْحاقُ بِلا رَيْبٍ، لِأنَّهُ مِنَ اِمْرَأتِهِ وهي اَلْمُبَشَّرَةُ بِهِ، وأمّا إسْماعِيلُ فَمِنَ اَلسُّرِّيَّةِ.
وأيْضًا فَإنَّهُما بُشِّرا بِهِ عَلى اَلْكِبَرِ واليَأْسِ (p-٥٠٥٦)مِنَ اَلْوَلَدِ. وهَذا بِخِلافِ إسْماعِيلَ فَإنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ أجْرى اَلْعادَةَ اَلْبَشَرِيَّةَ أنَّ بِكْرَ اَلْأوْلادِ أحَبُّ إلى اَلْوالِدَيْنِ مِمَّنْ بَعْدَهُ. وإبْراهِيمُ لَمّا سَألَ رَبَّهُ اَلْوَلَدَ ووَهَبَهُ لَهُ، تَعَلَّقَتْ شُعْبَةٌ مِن قَلْبِهِ بِمَحَبَّتِهِ، واللَّهُ تَعالى قَدِ اِتَّخَذَهُ خَلِيلًا. والخِلَّةُ مَنصِبٌ يَقْتَضِي تَوْحِيدَ اَلْمَحْبُوبِ بِالمَحَبَّةِ، وأنْ لا يُشارَكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ فِيها. فَلَمّا أخَذَ اَلْوَلَدُ شُعْبَةً مِن قَلْبِ اَلْوالِدِ، جاءَتْ غَيْرَةُ اَلْخِلَّةِ تَنْتَزِعُها مِن قَلْبِ اَلْخَلِيلِ، فَأمَرَهُ اَلْجَلِيلُ بِذَبْحِ اَلْمَحْبُوبِ. فَلَمّا أقْدَمَ عَلى ذَبْحِهِ، وكانَتْ مَحَبَّةُ اَللَّهِ أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن مَحَبَّةِ اَلْوَلَدِ، خَلُصَتِ اَلْخِلَّةُ حِينَئِذٍ مِن شَوائِبِ اَلْمُشارَكَةِ، فَلَمْ يَبْقَ في اَلذَّبْحِ مَصْلَحَةٌ؛ إذْ كانَتِ اَلْمَصْلَحَةُ إنَّما هي في اَلْعَزْمِ وتَوْطِينِ اَلنَّفْسِ فِيهِ، فَقَدْ حَصَلَ اَلْمَقْصُودُ، فَنُسِخَ اَلْأمْرُ، وفُدِيَ اَلذَّبِيحُ، وصَدَقَ اَلْخَلِيلُ اَلرُّؤْيا، وحَصَلَ مُرادُ اَلرَّبِّ.
ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا اَلِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، إنَّما حَصَلَ عِنْدَ أوَّلِ مَوْلُودٍ، ولَمْ يَكُنْ لِيَحْصُلَ في اَلْمَوْلُودِ اَلْآخَرِ دُونَ اَلْأوَّلِ، بَلْ لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ اَلْمَوْلُودِ اَلْآخَرِ مِن مُزاحَمَةِ اَلْخِلَّةِ، ما يَقْتَضِي اَلْأمْرُ بِذَبْحِهِ. وهَذا في غايَةِ اَلظُّهُورِ. وأيْضًا فَإنَّ سارَّةَ اِمْرَأةَ اَلْخَلِيلِ غارَتْ مِن هاجَرَ وابْنِها أشَدَّ اَلْغَيْرَةِ، فَإنَّها كانَتْ جارِيَةً، فَلَمّا ولَدَتْ إسْماعِيلَ وأحَبَّهُ أبُوهُ اِشْتَدَّتْ غَيْرَةُ سارَّةَ. فَأمَرَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُبْعِدَ عَنْها هاجَرَ وابْنَها ويُسْكِنَها في أرْضِ مَكَّةَ، لِيُبْرِدَ عَنْ سارَّةَ حَرارَةَ اَلْغَيْرَةِ. وهَذا مِن رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ. فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا، أنْ يَذْبَحَ اِبْنَها، ويَدَعَ اِبْنَ اَلْجارِيَةِ بِحالِهِ هَذا مَعَ رَحْمَةِ اَللَّهِ لَها، وإبْعادِ اَلضَّرَرِ عَنْها وخَيْرَتِهِ لَها، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بَعْدَ هَذا بِذَبْحِ اِبْنِها دُونَ اِبْنِ اَلْجارِيَةِ؟
بَلْ حِكْمَتُهُ اَلْبالِغَةُ اِقْتَضَتْ أنْ يَأْمُرَ بِذَبْحِ ولَدِ اَلسُّرِّيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَرِقُّ قَلْبُ اَلسِّتِّ عَلى ولَدِها. وتَتَبَدَّلُ قَسْوَةُ اَلْغَيْرَةِ رَحْمَةً، ويَظْهَرُ لَها بَرَكَةُ هَذِهِ اَلْجارِيَةِ ووَلَدِها، وأنَّ اَللَّهَ لا يُضَيِّعُ بَيْتًا، هَذِهِ وابْنُها مِنهُمْ، ويَرى عِبادُهُ جَبْرَهُ بَعْدَ اَلْكَسْرِ، ولُطْفَهُ بَعْدَ اَلشِّدَّةِ، وأنَّ عاقِبَةَ صَبْرِ هاجَرَ وابْنِها عَلى اَلْبُعْدِ، والوَحْدَةِ، والغُرْبَةِ، والتَّسْلِيمِ، إلى ذَبْحِ اَلْوَلَدِ، آلَتْ إلى ما آلَتْ عَلَيْهِ، مِن جَعْلِ آثارِهِما ومَوْطِئِ أقْدامِهِما مَناسِكَ لِعِبادَةِ اَلْمُؤْمِنِينَ، ومُتَعَبَّداتٍ لَهم إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ. وهَذا سُنَّتُهُ تَعالى فِيمَن يُرِيدُ رِفْعَتَهُ مِن خَلْقِهِ، أنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ اِسْتِضْعافِهِ وذُلِّهِ (p-٥٠٥٧)وانْكِسارِهِ. قالَ تَعالى: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] اِنْتَهى.
وقالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ [الصافات: ١١٢] مَن قالَ إنَّ اَلذَّبِيحَ إسْماعِيلُ، وهو اَلَّذِي رَجَّحَهُ جَماعَةٌ، واحْتَجُّوا لَهُ بِأدِلَّةٍ: مِنها وصْفُهُ بِالحِلْمِ وذِكْرُ اَلْبِشارَةِ بِإسْحاقَ بَعْدَهُ، والبِشارَةُ بِيَعْقُوبَ مِن وراءِ إسْحاقَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وهي أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ لا قَطْعِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ: وتَأمَّلْتُ اَلْقُرْآنَ فَوَجَدْتُ فِيهِ ما يَقْتَضِي اَلْقَطْعَ أوْ يَقْتَرِبُ مِنهُ - ولَمْ أرَ مَن سَبَقَنِي إلى اِسْتِنْباطِهِ - وهو أنَّ اَلْبِشارَةَ وقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَهَذِهِ اَلْآيَةُ قاطِعَةٌ في أنَّ هَذا اَلْمُبَشَّرَ بِهِ هو اَلذَّبِيحُ. ومَرَّةً في قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] اَلْآيَةَ. فَقَدْ صَرَّحَ فِيها أنَّ اَلْمُبَشَّرَ بِهِ إسْحاقُ، ولَمْ يَكُنْ بِسُؤالٍ مِن إبْراهِيمَ. بَلْ قالَتِ اِمْرَأتُهُ إنَّها عَجُوزٌ، وإنَّهُ شَيْخٌ، وكانَ ذَلِكَ في اَلشّامِ لَمّا جاءَتِ اَلْمَلائِكَةُ إلَيْهِ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ وهو في آخِرِ أمْرِهِ. أمّا اَلْبِشارَةُ اَلْأُولى لَمّا اِنْتَقَلَ مِنَ اَلْعِراقِ إلى اَلشّامِ، حِينَ كانَ سِنُّهُ لا يُسْتَغْرَبُ فِيهِ اَلْوَلَدُ، ولِذَلِكَ سَألَهُ. فَعَلِمْنا بِذَلِكَ أنَّهُما بِشارَتانِ في وقْتَيْنِ، بِغُلامَيْنِ: أحَدُهُما بِغَيْرِ سُؤالٍ، وهو إسْحاقُ صَرِيحًا. والثّانِيَةُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسُؤالٍ وهو غَيْرُهُ. فَقَطَعْنا بِأنَّهُ إسْماعِيلُ وهو اَلذَّبِيحُ. اِنْتَهى.
الصافات 37:111
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٨ - ١١٣ ] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] .
(p-٥٠٥٢)﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] أيْ: مِثْلَ ما تَرَكْنا عَلى نُوحٍ. كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ وإعْرابُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: عَلى إبْراهِيمَ: ﴿وعَلى إسْحاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: بِتَكْثِيرِ اَلذَّرِّيَّةِ وتَسَلْسُلِ اَلنُّبُوَّةِ فِيهِمْ، وجَعْلِهِمْ مُلُوكًا، وإيتائِهِمْ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: في عَمَلِهِ: ﴿وظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: بِالكُفْرِ والمَعاصِي: ﴿مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: ظاهِرُ اَلظُّلْمِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ - يَرْوِي اَلْمُفَسِّرُونَ هَهُنا في قِصَّةِ اَلذَّبْحِ رِواياتٍ مُنْكَرَةً لَمْ يَصِحَّ سَنَدُها ولا مَتْنُها، بَلْ ولَمْ تَحْسُنْ، فَهي مُعْضِلَةٌ تَنْتَهِي إلى اَلسُّدِّيِّ وكَعْبٍ. والسُّدِّيُّ حالُهُ مَعْلُومٌ في ضَعْفِ مَرْوِيّاتِهِ، وكَذَلِكَ كَعْبٌ.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ: لَمّا أسْلَمَ كَعْبُ اَلْأحْبارِ في اَلدَّوْلَةِ اَلْعُمَرِيَّةِ، جَعَلَ يُحَدِّثُ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ عَنْ كُتُبِهِ قَدِيمًا، فَرُبَّما اِسْتَمَعَ لَهُ عُمَرُ، فَتَرَخَّصَ اَلنّاسُ في اِسْتِماعِ ما عِنْدَهُ عَنْهُ، غَثِّها وسَمِينِها، ولَيْسَ لِهَذِهِ اَلْأُمَّةِ حاجَةٌ إلى حَرْفٍ واحِدٍ مِمّا عِنْدَهُ. اِنْتَهى.
ولَقَدْ صَدَقَ رَحِمَهُ اَللَّهُ، ولِذا نَرى اَلتَّزَيُّدَ عَلى أصْلِ ما قَصَّ في اَلتَّنْزِيلِ مِنَ اَلضَّرُورِيِّ لَهُ، إلّا إذا صَحَّ سَنَدُهُ، أوِ اِطْمَأنَّ اَلْقَلْبُ بِهِ. وقَدْ ولِعَ اَلْخُطَباءُ في دَواوِينِهِمْ بِرِوايَةِ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ في خُطْبَةِ اَلْأضْحى مِن طُرُقِها اَلْواهِيَةِ عِنْدَ اَلْمُحَدِّثِينَ، ويَرَوْنَها ضَرْبَةَ لازِبٍ عَلى ضَعْفِ سَنَدِها، وكَوْنِ مَتْنِها مُنْكَرًا أيْضًا أوْ مَوْضُوعًا، ولَمّا صَنَّفْتُ مَجْمُوعَةَ اَلْخُطَبِ حَذَفْتُ هَذِهِ اَلرِّوايَةَ مِن خُطْبَةِ اَلْأضْحى كَكُلِّ مَرْوِيٍّ ضَعِيفٍ في فَضائِلِ اَلشُّهُورِ والأوْقاتِ، واقْتَصَرْتُ عَلى جِيادِ اَلْأخْبارِ والآثارِ، وذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنا فَلا نُحْصِي ثَناءً عَلَيْهِ
وأمْثَلُ ما رُوِيَ في هَذا اَلنَّبَأِ مِنَ (p-٥٠٥٣)اَلْآثارِ ما أخْرَجَهُ اَلْإمامُ أحْمَدُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما مَوْقُوفًا، قالَ: لَمّا أُمِرَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمَناسِكِ، عَرَضَ لَهُ اَلشَّيْطانُ عِنْدَ اَلسَّعْيِ، فَسابَقَهُ فَسَبَقَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ اَلسَّلامُ إلى جَمْرَةِ اَلْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ اَلشَّيْطانُ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ اَلْجَمْرَةِ اَلْوُسْطى فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ، ثُمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وعَلى إسْماعِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ قَمِيصٌ أبْيَضُ، فَقالَ لَهُ: يا أبَتِ ! إنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ، فاخْلَعْهُ حَتّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعالَجَهُ لِيُخْلِصَهُ، فَنُودِيَ مِن خَلْفِهِ: أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيا. فالتَفَتَ إبْراهِيمُ فَإذا بِكَبْشٍ أبْيَضَ أقْرَنَ أعْيَنَ. قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: لَقَدْ رَأيْتُنا نَتَتَبَّعُ ذَلِكَ اَلضَّرْبَ مِنَ اَلْكِباشِ.
اَلثّانِي - قالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): في هَذِهِ اَلْآيَةِ أنَّ رُؤْيا اَلْأنْبِياءِ وحْيٌ، وجَوازُ نَسْخِ اَلْفِعْلِ قَبْلَ اَلتَّمَكُّنِ، وتَقْدِيمُ اَلْمَشِيئَةِ في كُلِّ قَوْلٍ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ اَلْقِصَّةِ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ ذَبْحَ ولَدِهِ، لَزِمَهُ ذَبْحُ شاةٍ.
ثُمَّ قالَ السُّيُوطِيُّ: فُسِّرَ اَلذِّبْحُ اَلْعَظِيمُ في اَلْأحادِيثِ والآثارِ بِكَبْشٍ، فاسْتَدَلَّ بِهِ اَلْمالِكِيَّةُ عَلى أنَّ اَلْغَنَمَ في اَلتَّضْحِيَةِ أفْضَلُ مِنَ اَلْإبِلِ. اِنْتَهى.
اَلثّالِثُ - اُسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ - كَما ذَكَرَهُ اَلرّازِيُّ - وذَلِكَ في بابِ اَلِابْتِلاءِ؛ أيِ: اِبْتِلاءِ اَلْمَأْمُورِ في إخْلاصِهِ وصِدْقِهِ، فِيما يَشُقُّ عَلى اَلنَّفْسِ تَحَمُّلُهُ.
اَلرّابِعُ - يَذْكُرُ كَثِيرٌ اَلْخِلافَ في اَلذَّبِيحِ، قالَ الإمامُ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في (" زادِ اَلْمَعادِ"): وإسْماعِيلُ هو اَلذَّبِيحُ عَلى اَلْقَوْلِ اَلصَّوابِ عِنْدَ عُلَماءِ اَلصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهُمْ، وأمّا اَلْقَوْلُ بِأنَّهُ إسْحاقُ فَباطِلٌ بِأكْثَرَ مِن عِشْرِينَ وجْهًا، وسَمِعْتُ شَيْخَ اَلْإسْلامِ اِبْنَ تَيْمِيَةَ قَدَّسَ اَللَّهُ رَوْحَهُ يَقُولُ: هَذا اَلْقَوْلُ إنَّما هو مُتَلَقًّى مِن أهْلِ اَلْكِتابِ، مَعَ أنَّهُ باطِلٌ بِنَصِّ كِتابِهِمْ؛ فَإنَّ فِيهِ إنَّ اَللَّهَ أمَرَ (p-٥٠٥٤)إبْراهِيمَ أنْ يَذْبَحَ اِبْنَهُ (بِكْرَهُ)، وفي لَفْظٍ: (وحِيدَهُ) ولا يَشُكُّ أهْلُ اَلْكِتابِ مَعَ اَلْمُسْلِمِينَ أنَّ إسْماعِيلَ هو بِكْرُ أوْلادِهِ.
والَّذِي غَرَّ أصْحابَ هَذا اَلْقَوْلِ أنَّ في اَلتَّوْراةِ اَلَّتِي بِأيْدِيهِمُ: (اِذْبَحِ اِبْنَكَ إسْحاقَ ).
قالَ: وهَذِهِ اَلزِّيادَةُ مِن تَحْرِيفِهِمْ وكَذِبِهِمْ؛ لِأنَّها تُناقِضُ قَوْلَهُ: بِكْرَكَ، وحِيدَكَ. ولَكِنَّ يَهُودَ حَسَدَتْ بَنِي إسْماعِيلَ عَلى هَذا اَلشَّرَفِ، وأحَبُّوا أنْ يَكُونَ لَهُمْ، وأنْ يَسُوقُوهُ إلَيْهِمْ، ويَخْتارُونَهُ دُونَ اَلْعَرَبِ. ويَأْبى اَللَّهُ إلّا أنْ يَجْعَلَ فَضْلَهُ لِأهْلِهِ. وكَيْفَ يُسَوَّغُ أنْ يُقالَ إنَّ اَلذَّبِيحَ إسْحاقُ، واللَّهُ تَعالى قَدْ بَشَّرَ أُمَّ إسْحاقَ بِهِ وبِابْنِهِ يَعْقُوبَ، فَقالَ تَعالى عَنِ اَلْمَلائِكَةِ أنَّهم قالُوا لِإبْراهِيمَ لَمّا أتَوْهُ بِالبُشْرى: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَمُحالٌ أنْ يُبَشِّرَها بِأنَّهُ يَكُونُ لَها ولَدٌ ثُمَّ يَأْمُرُ بِذَبْحِهِ. ولا رَيْبَ أنَّ يَعْقُوبَ داخِلٌ في اَلْبِشارَةِ، فَتَناوُلُ اَلْبِشارَةِ لِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ في اَللَّفْظِ واحِدٌ. وهَذا ظاهِرُ اَلْكَلامِ وسِياقُهُ.
فَإنْ قِيلَ، لَوْ كانَ اَلْأمْرُ كَما ذَكَرْتُمُوهُ لَكانَ يَعْقُوبُ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى إسْحاقَ، فَكانَتِ اَلْقِراءَةُ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أيْ: ويَعْقُوبُ مِن وراءِ إسْحاقَ. قِيلَ لا يَمْنَعُ اَلرَّفْعُ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ مُبَشَّرًا بِهِ؛ لِأنَّ اَلْبِشارَةَ قَوْلٌ مَخْصُوصٌ، وهي أوَّلُ خَبَرٍ سارٍّ صادِقٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] جُمْلَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ بِهَذِهِ اَلْقُيُودِ، فَيَكُونُ بِشارَةً بَلْ حَقِيقَةُ اَلْبِشارَةِ هي اَلْجُمْلَةُ اَلْخَبَرِيَّةُ. أوْ لَمّا كانَتِ اَلْبِشارَةُ قَوْلًا، كانَ مَوْضِعُ هَذِهِ اَلْجُمْلَةِ نَصْبًا عَلى اَلْحِكايَةِ بِالقَوْلِ. كَأنَّ اَلْمَعْنى: وقُلْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ. والقائِلُ إذا قالَ: بَشَّرْتُ فُلانًا بِقُدُومِ أخِيهِ، وثِقْلِهِ في أثَرِهِ، لَمْ يُعْقَلْ مِنهُ إلّا بِشارَةٌ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا. هَذا مِمّا لا يَسْتَرِيبُ ذُو فَهْمٍ فِيهِ اَلْبَتَّةَ. ثُمَّ يُضْعِفُ اَلْجَرَّ أمْرٌ آخَرُ، وهو ضَعْفُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ ومِن بَعْدِهِ عَمْرٍو؛ لِأنَّ اَلْعاطِفَ يَقُومُ حَرْفُ اَلْجَرِّ، فَلا يَفْصِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اَلْمَجْرُورِ، كَما لا يَفْصِلُ بَيْنَ حَرْفِ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ إبْراهِيمَ وابْنِهِ في هَذِهِ اَلسُّورَةِ، قالَ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ثُمَّ قالَ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] (p-٥٠٥٥)، فَهَذا بِشارَةٌ مِنَ اَللَّهِ لَهُ، شُكْرًا عَلى صَبْرِهِ عَلى ما أُمِرَ بِهِ. وهَذا ظاهِرٌ جِدًّا في أنَّ اَلْمُبَشَّرَ بِهِ غَيْرُ اَلْأوَّلِ. بَلْ هو كالنَّصِّ فِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالبِشارَةُ اَلثّانِيَةُ وقَعَتْ عَلى نُبُوَّتِهِ، أيْ: لَمّا صَبَرَ اَلْأبُ عَلى ما أُمِرَ بِهِ، وأسْلَمَ اَلْوَلَدُ لِأمْرِ اَللَّهِ، جازاهُ اَللَّهُ عَلى ذَلِكَ، بِأنْ أعْطاهُ اَلنُّبُوَّةَ. قِيلَ: اَلْبِشارَةُ وقَعَتْ عَلى اَلْمَجْمُوعِ، عَلى ذاتِهِ ووُجُودِهِ وأنْ يَكُونَ نَبِيًّا؛ ولِهَذا يُنْصَبُ: { نَبِيًّا } عَلى اَلْحالِ اَلْمُقَدَّرِ أيْ: مُقَدَّرًا نُبُوَّتُهُ، فَلا يُمْكِنُ إخْراجُ اَلْبِشارَةِ أنْ يَقَعَ عَلى اَلْأصْلِ، ثُمَّ يَخُصُّ بِالحالِ اَلتّابِعَةِ اَلْجارِيَةِ مَجْرى اَلْفَضْلَةِ. هَذا مُحالٌ مِنَ اَلْكَلامِ. بَلْ إذا وقَعَ اَلْبِشارَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَوُقُوعُها عَلى وُجُوهٍ أوْلى وأحْرى، وأيْضًا فَلا رَيْبَ أنَّ اَلذَّبِيحَ كانَ بِمَكَّةَ، ولِذَلِكَ جُعِلَتِ اَلْقَرابِينُ يَوْمَ اَلنَّحْرِ، كَما جُعِلَ اَلسَّعْيُ بَيْنَ اَلصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ اَلْجِمارِ، تَذْكِيرًا لِشَأْنِ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ، وإقامَةً لِذِكْرِ اَللَّهِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ إسْماعِيلَ وأمَّهُ هُما اَللَّذانِ كانا بِمَكَّةَ، دُونَ إسْحاقَ وأُمِّهِ، ولِهَذا اِتَّصَلَ مَكانُ اَلذَّبْحِ وزَمانُهُ بِالبَيْتِ اَلْحَرامِ اَلَّذِي اِشْتَرَكَ في بِنائِهِ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ، وكانَ اَلنَّحْرُ بِمَكَّةَ، مِن تَمامِ حَجِّ اَلْبَيْتِ اَلَّذِي كانَ عَلى يَدِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ إسْماعِيلَ زَمانًا ومَكانًا، ولَوْ كانَ اَلذَّبْحُ بِالشّامِ، كَما يَزْعُمُ أهْلُ اَلْكِتابِ ومَن تَلَقّى عَنْهُمْ، لَكانَتِ اَلْقَرابِينُ والنَّحْرُ بِالشّامِ لا بِمَكَّةَ، وأيْضًا فَإنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى اَلذَّبِيحَ حَلِيمًا؛ لِأنَّهُ لا أحْلَمَ مِمَّنْ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ طاعَةً لِرَبِّهِ، ولَمّا ذَكَرَ إسْحاقَ سَمّاهُ عَلِيمًا، فَقالَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] إلى أنْ قالَ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وهَذا إسْحاقُ بِلا رَيْبٍ، لِأنَّهُ مِنَ اِمْرَأتِهِ وهي اَلْمُبَشَّرَةُ بِهِ، وأمّا إسْماعِيلُ فَمِنَ اَلسُّرِّيَّةِ.
وأيْضًا فَإنَّهُما بُشِّرا بِهِ عَلى اَلْكِبَرِ واليَأْسِ (p-٥٠٥٦)مِنَ اَلْوَلَدِ. وهَذا بِخِلافِ إسْماعِيلَ فَإنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ أجْرى اَلْعادَةَ اَلْبَشَرِيَّةَ أنَّ بِكْرَ اَلْأوْلادِ أحَبُّ إلى اَلْوالِدَيْنِ مِمَّنْ بَعْدَهُ. وإبْراهِيمُ لَمّا سَألَ رَبَّهُ اَلْوَلَدَ ووَهَبَهُ لَهُ، تَعَلَّقَتْ شُعْبَةٌ مِن قَلْبِهِ بِمَحَبَّتِهِ، واللَّهُ تَعالى قَدِ اِتَّخَذَهُ خَلِيلًا. والخِلَّةُ مَنصِبٌ يَقْتَضِي تَوْحِيدَ اَلْمَحْبُوبِ بِالمَحَبَّةِ، وأنْ لا يُشارَكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ فِيها. فَلَمّا أخَذَ اَلْوَلَدُ شُعْبَةً مِن قَلْبِ اَلْوالِدِ، جاءَتْ غَيْرَةُ اَلْخِلَّةِ تَنْتَزِعُها مِن قَلْبِ اَلْخَلِيلِ، فَأمَرَهُ اَلْجَلِيلُ بِذَبْحِ اَلْمَحْبُوبِ. فَلَمّا أقْدَمَ عَلى ذَبْحِهِ، وكانَتْ مَحَبَّةُ اَللَّهِ أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن مَحَبَّةِ اَلْوَلَدِ، خَلُصَتِ اَلْخِلَّةُ حِينَئِذٍ مِن شَوائِبِ اَلْمُشارَكَةِ، فَلَمْ يَبْقَ في اَلذَّبْحِ مَصْلَحَةٌ؛ إذْ كانَتِ اَلْمَصْلَحَةُ إنَّما هي في اَلْعَزْمِ وتَوْطِينِ اَلنَّفْسِ فِيهِ، فَقَدْ حَصَلَ اَلْمَقْصُودُ، فَنُسِخَ اَلْأمْرُ، وفُدِيَ اَلذَّبِيحُ، وصَدَقَ اَلْخَلِيلُ اَلرُّؤْيا، وحَصَلَ مُرادُ اَلرَّبِّ.
ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا اَلِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، إنَّما حَصَلَ عِنْدَ أوَّلِ مَوْلُودٍ، ولَمْ يَكُنْ لِيَحْصُلَ في اَلْمَوْلُودِ اَلْآخَرِ دُونَ اَلْأوَّلِ، بَلْ لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ اَلْمَوْلُودِ اَلْآخَرِ مِن مُزاحَمَةِ اَلْخِلَّةِ، ما يَقْتَضِي اَلْأمْرُ بِذَبْحِهِ. وهَذا في غايَةِ اَلظُّهُورِ. وأيْضًا فَإنَّ سارَّةَ اِمْرَأةَ اَلْخَلِيلِ غارَتْ مِن هاجَرَ وابْنِها أشَدَّ اَلْغَيْرَةِ، فَإنَّها كانَتْ جارِيَةً، فَلَمّا ولَدَتْ إسْماعِيلَ وأحَبَّهُ أبُوهُ اِشْتَدَّتْ غَيْرَةُ سارَّةَ. فَأمَرَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُبْعِدَ عَنْها هاجَرَ وابْنَها ويُسْكِنَها في أرْضِ مَكَّةَ، لِيُبْرِدَ عَنْ سارَّةَ حَرارَةَ اَلْغَيْرَةِ. وهَذا مِن رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ. فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا، أنْ يَذْبَحَ اِبْنَها، ويَدَعَ اِبْنَ اَلْجارِيَةِ بِحالِهِ هَذا مَعَ رَحْمَةِ اَللَّهِ لَها، وإبْعادِ اَلضَّرَرِ عَنْها وخَيْرَتِهِ لَها، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بَعْدَ هَذا بِذَبْحِ اِبْنِها دُونَ اِبْنِ اَلْجارِيَةِ؟
بَلْ حِكْمَتُهُ اَلْبالِغَةُ اِقْتَضَتْ أنْ يَأْمُرَ بِذَبْحِ ولَدِ اَلسُّرِّيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَرِقُّ قَلْبُ اَلسِّتِّ عَلى ولَدِها. وتَتَبَدَّلُ قَسْوَةُ اَلْغَيْرَةِ رَحْمَةً، ويَظْهَرُ لَها بَرَكَةُ هَذِهِ اَلْجارِيَةِ ووَلَدِها، وأنَّ اَللَّهَ لا يُضَيِّعُ بَيْتًا، هَذِهِ وابْنُها مِنهُمْ، ويَرى عِبادُهُ جَبْرَهُ بَعْدَ اَلْكَسْرِ، ولُطْفَهُ بَعْدَ اَلشِّدَّةِ، وأنَّ عاقِبَةَ صَبْرِ هاجَرَ وابْنِها عَلى اَلْبُعْدِ، والوَحْدَةِ، والغُرْبَةِ، والتَّسْلِيمِ، إلى ذَبْحِ اَلْوَلَدِ، آلَتْ إلى ما آلَتْ عَلَيْهِ، مِن جَعْلِ آثارِهِما ومَوْطِئِ أقْدامِهِما مَناسِكَ لِعِبادَةِ اَلْمُؤْمِنِينَ، ومُتَعَبَّداتٍ لَهم إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ. وهَذا سُنَّتُهُ تَعالى فِيمَن يُرِيدُ رِفْعَتَهُ مِن خَلْقِهِ، أنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ اِسْتِضْعافِهِ وذُلِّهِ (p-٥٠٥٧)وانْكِسارِهِ. قالَ تَعالى: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] اِنْتَهى.
وقالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ [الصافات: ١١٢] مَن قالَ إنَّ اَلذَّبِيحَ إسْماعِيلُ، وهو اَلَّذِي رَجَّحَهُ جَماعَةٌ، واحْتَجُّوا لَهُ بِأدِلَّةٍ: مِنها وصْفُهُ بِالحِلْمِ وذِكْرُ اَلْبِشارَةِ بِإسْحاقَ بَعْدَهُ، والبِشارَةُ بِيَعْقُوبَ مِن وراءِ إسْحاقَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وهي أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ لا قَطْعِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ: وتَأمَّلْتُ اَلْقُرْآنَ فَوَجَدْتُ فِيهِ ما يَقْتَضِي اَلْقَطْعَ أوْ يَقْتَرِبُ مِنهُ - ولَمْ أرَ مَن سَبَقَنِي إلى اِسْتِنْباطِهِ - وهو أنَّ اَلْبِشارَةَ وقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَهَذِهِ اَلْآيَةُ قاطِعَةٌ في أنَّ هَذا اَلْمُبَشَّرَ بِهِ هو اَلذَّبِيحُ. ومَرَّةً في قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] اَلْآيَةَ. فَقَدْ صَرَّحَ فِيها أنَّ اَلْمُبَشَّرَ بِهِ إسْحاقُ، ولَمْ يَكُنْ بِسُؤالٍ مِن إبْراهِيمَ. بَلْ قالَتِ اِمْرَأتُهُ إنَّها عَجُوزٌ، وإنَّهُ شَيْخٌ، وكانَ ذَلِكَ في اَلشّامِ لَمّا جاءَتِ اَلْمَلائِكَةُ إلَيْهِ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ وهو في آخِرِ أمْرِهِ. أمّا اَلْبِشارَةُ اَلْأُولى لَمّا اِنْتَقَلَ مِنَ اَلْعِراقِ إلى اَلشّامِ، حِينَ كانَ سِنُّهُ لا يُسْتَغْرَبُ فِيهِ اَلْوَلَدُ، ولِذَلِكَ سَألَهُ. فَعَلِمْنا بِذَلِكَ أنَّهُما بِشارَتانِ في وقْتَيْنِ، بِغُلامَيْنِ: أحَدُهُما بِغَيْرِ سُؤالٍ، وهو إسْحاقُ صَرِيحًا. والثّانِيَةُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسُؤالٍ وهو غَيْرُهُ. فَقَطَعْنا بِأنَّهُ إسْماعِيلُ وهو اَلذَّبِيحُ. اِنْتَهى.
الصافات 37:112
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٨ - ١١٣ ] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] .
(p-٥٠٥٢)﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] أيْ: مِثْلَ ما تَرَكْنا عَلى نُوحٍ. كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ وإعْرابُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: عَلى إبْراهِيمَ: ﴿وعَلى إسْحاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: بِتَكْثِيرِ اَلذَّرِّيَّةِ وتَسَلْسُلِ اَلنُّبُوَّةِ فِيهِمْ، وجَعْلِهِمْ مُلُوكًا، وإيتائِهِمْ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: في عَمَلِهِ: ﴿وظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: بِالكُفْرِ والمَعاصِي: ﴿مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: ظاهِرُ اَلظُّلْمِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ - يَرْوِي اَلْمُفَسِّرُونَ هَهُنا في قِصَّةِ اَلذَّبْحِ رِواياتٍ مُنْكَرَةً لَمْ يَصِحَّ سَنَدُها ولا مَتْنُها، بَلْ ولَمْ تَحْسُنْ، فَهي مُعْضِلَةٌ تَنْتَهِي إلى اَلسُّدِّيِّ وكَعْبٍ. والسُّدِّيُّ حالُهُ مَعْلُومٌ في ضَعْفِ مَرْوِيّاتِهِ، وكَذَلِكَ كَعْبٌ.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ: لَمّا أسْلَمَ كَعْبُ اَلْأحْبارِ في اَلدَّوْلَةِ اَلْعُمَرِيَّةِ، جَعَلَ يُحَدِّثُ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ عَنْ كُتُبِهِ قَدِيمًا، فَرُبَّما اِسْتَمَعَ لَهُ عُمَرُ، فَتَرَخَّصَ اَلنّاسُ في اِسْتِماعِ ما عِنْدَهُ عَنْهُ، غَثِّها وسَمِينِها، ولَيْسَ لِهَذِهِ اَلْأُمَّةِ حاجَةٌ إلى حَرْفٍ واحِدٍ مِمّا عِنْدَهُ. اِنْتَهى.
ولَقَدْ صَدَقَ رَحِمَهُ اَللَّهُ، ولِذا نَرى اَلتَّزَيُّدَ عَلى أصْلِ ما قَصَّ في اَلتَّنْزِيلِ مِنَ اَلضَّرُورِيِّ لَهُ، إلّا إذا صَحَّ سَنَدُهُ، أوِ اِطْمَأنَّ اَلْقَلْبُ بِهِ. وقَدْ ولِعَ اَلْخُطَباءُ في دَواوِينِهِمْ بِرِوايَةِ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ في خُطْبَةِ اَلْأضْحى مِن طُرُقِها اَلْواهِيَةِ عِنْدَ اَلْمُحَدِّثِينَ، ويَرَوْنَها ضَرْبَةَ لازِبٍ عَلى ضَعْفِ سَنَدِها، وكَوْنِ مَتْنِها مُنْكَرًا أيْضًا أوْ مَوْضُوعًا، ولَمّا صَنَّفْتُ مَجْمُوعَةَ اَلْخُطَبِ حَذَفْتُ هَذِهِ اَلرِّوايَةَ مِن خُطْبَةِ اَلْأضْحى كَكُلِّ مَرْوِيٍّ ضَعِيفٍ في فَضائِلِ اَلشُّهُورِ والأوْقاتِ، واقْتَصَرْتُ عَلى جِيادِ اَلْأخْبارِ والآثارِ، وذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنا فَلا نُحْصِي ثَناءً عَلَيْهِ
وأمْثَلُ ما رُوِيَ في هَذا اَلنَّبَأِ مِنَ (p-٥٠٥٣)اَلْآثارِ ما أخْرَجَهُ اَلْإمامُ أحْمَدُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما مَوْقُوفًا، قالَ: لَمّا أُمِرَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمَناسِكِ، عَرَضَ لَهُ اَلشَّيْطانُ عِنْدَ اَلسَّعْيِ، فَسابَقَهُ فَسَبَقَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ اَلسَّلامُ إلى جَمْرَةِ اَلْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ اَلشَّيْطانُ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ اَلْجَمْرَةِ اَلْوُسْطى فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ، ثُمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وعَلى إسْماعِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ قَمِيصٌ أبْيَضُ، فَقالَ لَهُ: يا أبَتِ ! إنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ، فاخْلَعْهُ حَتّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعالَجَهُ لِيُخْلِصَهُ، فَنُودِيَ مِن خَلْفِهِ: أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيا. فالتَفَتَ إبْراهِيمُ فَإذا بِكَبْشٍ أبْيَضَ أقْرَنَ أعْيَنَ. قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: لَقَدْ رَأيْتُنا نَتَتَبَّعُ ذَلِكَ اَلضَّرْبَ مِنَ اَلْكِباشِ.
اَلثّانِي - قالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): في هَذِهِ اَلْآيَةِ أنَّ رُؤْيا اَلْأنْبِياءِ وحْيٌ، وجَوازُ نَسْخِ اَلْفِعْلِ قَبْلَ اَلتَّمَكُّنِ، وتَقْدِيمُ اَلْمَشِيئَةِ في كُلِّ قَوْلٍ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ اَلْقِصَّةِ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ ذَبْحَ ولَدِهِ، لَزِمَهُ ذَبْحُ شاةٍ.
ثُمَّ قالَ السُّيُوطِيُّ: فُسِّرَ اَلذِّبْحُ اَلْعَظِيمُ في اَلْأحادِيثِ والآثارِ بِكَبْشٍ، فاسْتَدَلَّ بِهِ اَلْمالِكِيَّةُ عَلى أنَّ اَلْغَنَمَ في اَلتَّضْحِيَةِ أفْضَلُ مِنَ اَلْإبِلِ. اِنْتَهى.
اَلثّالِثُ - اُسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ - كَما ذَكَرَهُ اَلرّازِيُّ - وذَلِكَ في بابِ اَلِابْتِلاءِ؛ أيِ: اِبْتِلاءِ اَلْمَأْمُورِ في إخْلاصِهِ وصِدْقِهِ، فِيما يَشُقُّ عَلى اَلنَّفْسِ تَحَمُّلُهُ.
اَلرّابِعُ - يَذْكُرُ كَثِيرٌ اَلْخِلافَ في اَلذَّبِيحِ، قالَ الإمامُ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في (" زادِ اَلْمَعادِ"): وإسْماعِيلُ هو اَلذَّبِيحُ عَلى اَلْقَوْلِ اَلصَّوابِ عِنْدَ عُلَماءِ اَلصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهُمْ، وأمّا اَلْقَوْلُ بِأنَّهُ إسْحاقُ فَباطِلٌ بِأكْثَرَ مِن عِشْرِينَ وجْهًا، وسَمِعْتُ شَيْخَ اَلْإسْلامِ اِبْنَ تَيْمِيَةَ قَدَّسَ اَللَّهُ رَوْحَهُ يَقُولُ: هَذا اَلْقَوْلُ إنَّما هو مُتَلَقًّى مِن أهْلِ اَلْكِتابِ، مَعَ أنَّهُ باطِلٌ بِنَصِّ كِتابِهِمْ؛ فَإنَّ فِيهِ إنَّ اَللَّهَ أمَرَ (p-٥٠٥٤)إبْراهِيمَ أنْ يَذْبَحَ اِبْنَهُ (بِكْرَهُ)، وفي لَفْظٍ: (وحِيدَهُ) ولا يَشُكُّ أهْلُ اَلْكِتابِ مَعَ اَلْمُسْلِمِينَ أنَّ إسْماعِيلَ هو بِكْرُ أوْلادِهِ.
والَّذِي غَرَّ أصْحابَ هَذا اَلْقَوْلِ أنَّ في اَلتَّوْراةِ اَلَّتِي بِأيْدِيهِمُ: (اِذْبَحِ اِبْنَكَ إسْحاقَ ).
قالَ: وهَذِهِ اَلزِّيادَةُ مِن تَحْرِيفِهِمْ وكَذِبِهِمْ؛ لِأنَّها تُناقِضُ قَوْلَهُ: بِكْرَكَ، وحِيدَكَ. ولَكِنَّ يَهُودَ حَسَدَتْ بَنِي إسْماعِيلَ عَلى هَذا اَلشَّرَفِ، وأحَبُّوا أنْ يَكُونَ لَهُمْ، وأنْ يَسُوقُوهُ إلَيْهِمْ، ويَخْتارُونَهُ دُونَ اَلْعَرَبِ. ويَأْبى اَللَّهُ إلّا أنْ يَجْعَلَ فَضْلَهُ لِأهْلِهِ. وكَيْفَ يُسَوَّغُ أنْ يُقالَ إنَّ اَلذَّبِيحَ إسْحاقُ، واللَّهُ تَعالى قَدْ بَشَّرَ أُمَّ إسْحاقَ بِهِ وبِابْنِهِ يَعْقُوبَ، فَقالَ تَعالى عَنِ اَلْمَلائِكَةِ أنَّهم قالُوا لِإبْراهِيمَ لَمّا أتَوْهُ بِالبُشْرى: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَمُحالٌ أنْ يُبَشِّرَها بِأنَّهُ يَكُونُ لَها ولَدٌ ثُمَّ يَأْمُرُ بِذَبْحِهِ. ولا رَيْبَ أنَّ يَعْقُوبَ داخِلٌ في اَلْبِشارَةِ، فَتَناوُلُ اَلْبِشارَةِ لِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ في اَللَّفْظِ واحِدٌ. وهَذا ظاهِرُ اَلْكَلامِ وسِياقُهُ.
فَإنْ قِيلَ، لَوْ كانَ اَلْأمْرُ كَما ذَكَرْتُمُوهُ لَكانَ يَعْقُوبُ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى إسْحاقَ، فَكانَتِ اَلْقِراءَةُ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أيْ: ويَعْقُوبُ مِن وراءِ إسْحاقَ. قِيلَ لا يَمْنَعُ اَلرَّفْعُ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ مُبَشَّرًا بِهِ؛ لِأنَّ اَلْبِشارَةَ قَوْلٌ مَخْصُوصٌ، وهي أوَّلُ خَبَرٍ سارٍّ صادِقٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] جُمْلَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ بِهَذِهِ اَلْقُيُودِ، فَيَكُونُ بِشارَةً بَلْ حَقِيقَةُ اَلْبِشارَةِ هي اَلْجُمْلَةُ اَلْخَبَرِيَّةُ. أوْ لَمّا كانَتِ اَلْبِشارَةُ قَوْلًا، كانَ مَوْضِعُ هَذِهِ اَلْجُمْلَةِ نَصْبًا عَلى اَلْحِكايَةِ بِالقَوْلِ. كَأنَّ اَلْمَعْنى: وقُلْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ. والقائِلُ إذا قالَ: بَشَّرْتُ فُلانًا بِقُدُومِ أخِيهِ، وثِقْلِهِ في أثَرِهِ، لَمْ يُعْقَلْ مِنهُ إلّا بِشارَةٌ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا. هَذا مِمّا لا يَسْتَرِيبُ ذُو فَهْمٍ فِيهِ اَلْبَتَّةَ. ثُمَّ يُضْعِفُ اَلْجَرَّ أمْرٌ آخَرُ، وهو ضَعْفُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ ومِن بَعْدِهِ عَمْرٍو؛ لِأنَّ اَلْعاطِفَ يَقُومُ حَرْفُ اَلْجَرِّ، فَلا يَفْصِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اَلْمَجْرُورِ، كَما لا يَفْصِلُ بَيْنَ حَرْفِ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ إبْراهِيمَ وابْنِهِ في هَذِهِ اَلسُّورَةِ، قالَ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ثُمَّ قالَ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] (p-٥٠٥٥)، فَهَذا بِشارَةٌ مِنَ اَللَّهِ لَهُ، شُكْرًا عَلى صَبْرِهِ عَلى ما أُمِرَ بِهِ. وهَذا ظاهِرٌ جِدًّا في أنَّ اَلْمُبَشَّرَ بِهِ غَيْرُ اَلْأوَّلِ. بَلْ هو كالنَّصِّ فِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالبِشارَةُ اَلثّانِيَةُ وقَعَتْ عَلى نُبُوَّتِهِ، أيْ: لَمّا صَبَرَ اَلْأبُ عَلى ما أُمِرَ بِهِ، وأسْلَمَ اَلْوَلَدُ لِأمْرِ اَللَّهِ، جازاهُ اَللَّهُ عَلى ذَلِكَ، بِأنْ أعْطاهُ اَلنُّبُوَّةَ. قِيلَ: اَلْبِشارَةُ وقَعَتْ عَلى اَلْمَجْمُوعِ، عَلى ذاتِهِ ووُجُودِهِ وأنْ يَكُونَ نَبِيًّا؛ ولِهَذا يُنْصَبُ: { نَبِيًّا } عَلى اَلْحالِ اَلْمُقَدَّرِ أيْ: مُقَدَّرًا نُبُوَّتُهُ، فَلا يُمْكِنُ إخْراجُ اَلْبِشارَةِ أنْ يَقَعَ عَلى اَلْأصْلِ، ثُمَّ يَخُصُّ بِالحالِ اَلتّابِعَةِ اَلْجارِيَةِ مَجْرى اَلْفَضْلَةِ. هَذا مُحالٌ مِنَ اَلْكَلامِ. بَلْ إذا وقَعَ اَلْبِشارَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَوُقُوعُها عَلى وُجُوهٍ أوْلى وأحْرى، وأيْضًا فَلا رَيْبَ أنَّ اَلذَّبِيحَ كانَ بِمَكَّةَ، ولِذَلِكَ جُعِلَتِ اَلْقَرابِينُ يَوْمَ اَلنَّحْرِ، كَما جُعِلَ اَلسَّعْيُ بَيْنَ اَلصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ اَلْجِمارِ، تَذْكِيرًا لِشَأْنِ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ، وإقامَةً لِذِكْرِ اَللَّهِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ إسْماعِيلَ وأمَّهُ هُما اَللَّذانِ كانا بِمَكَّةَ، دُونَ إسْحاقَ وأُمِّهِ، ولِهَذا اِتَّصَلَ مَكانُ اَلذَّبْحِ وزَمانُهُ بِالبَيْتِ اَلْحَرامِ اَلَّذِي اِشْتَرَكَ في بِنائِهِ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ، وكانَ اَلنَّحْرُ بِمَكَّةَ، مِن تَمامِ حَجِّ اَلْبَيْتِ اَلَّذِي كانَ عَلى يَدِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ إسْماعِيلَ زَمانًا ومَكانًا، ولَوْ كانَ اَلذَّبْحُ بِالشّامِ، كَما يَزْعُمُ أهْلُ اَلْكِتابِ ومَن تَلَقّى عَنْهُمْ، لَكانَتِ اَلْقَرابِينُ والنَّحْرُ بِالشّامِ لا بِمَكَّةَ، وأيْضًا فَإنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى اَلذَّبِيحَ حَلِيمًا؛ لِأنَّهُ لا أحْلَمَ مِمَّنْ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ طاعَةً لِرَبِّهِ، ولَمّا ذَكَرَ إسْحاقَ سَمّاهُ عَلِيمًا، فَقالَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] إلى أنْ قالَ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وهَذا إسْحاقُ بِلا رَيْبٍ، لِأنَّهُ مِنَ اِمْرَأتِهِ وهي اَلْمُبَشَّرَةُ بِهِ، وأمّا إسْماعِيلُ فَمِنَ اَلسُّرِّيَّةِ.
وأيْضًا فَإنَّهُما بُشِّرا بِهِ عَلى اَلْكِبَرِ واليَأْسِ (p-٥٠٥٦)مِنَ اَلْوَلَدِ. وهَذا بِخِلافِ إسْماعِيلَ فَإنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ أجْرى اَلْعادَةَ اَلْبَشَرِيَّةَ أنَّ بِكْرَ اَلْأوْلادِ أحَبُّ إلى اَلْوالِدَيْنِ مِمَّنْ بَعْدَهُ. وإبْراهِيمُ لَمّا سَألَ رَبَّهُ اَلْوَلَدَ ووَهَبَهُ لَهُ، تَعَلَّقَتْ شُعْبَةٌ مِن قَلْبِهِ بِمَحَبَّتِهِ، واللَّهُ تَعالى قَدِ اِتَّخَذَهُ خَلِيلًا. والخِلَّةُ مَنصِبٌ يَقْتَضِي تَوْحِيدَ اَلْمَحْبُوبِ بِالمَحَبَّةِ، وأنْ لا يُشارَكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ فِيها. فَلَمّا أخَذَ اَلْوَلَدُ شُعْبَةً مِن قَلْبِ اَلْوالِدِ، جاءَتْ غَيْرَةُ اَلْخِلَّةِ تَنْتَزِعُها مِن قَلْبِ اَلْخَلِيلِ، فَأمَرَهُ اَلْجَلِيلُ بِذَبْحِ اَلْمَحْبُوبِ. فَلَمّا أقْدَمَ عَلى ذَبْحِهِ، وكانَتْ مَحَبَّةُ اَللَّهِ أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن مَحَبَّةِ اَلْوَلَدِ، خَلُصَتِ اَلْخِلَّةُ حِينَئِذٍ مِن شَوائِبِ اَلْمُشارَكَةِ، فَلَمْ يَبْقَ في اَلذَّبْحِ مَصْلَحَةٌ؛ إذْ كانَتِ اَلْمَصْلَحَةُ إنَّما هي في اَلْعَزْمِ وتَوْطِينِ اَلنَّفْسِ فِيهِ، فَقَدْ حَصَلَ اَلْمَقْصُودُ، فَنُسِخَ اَلْأمْرُ، وفُدِيَ اَلذَّبِيحُ، وصَدَقَ اَلْخَلِيلُ اَلرُّؤْيا، وحَصَلَ مُرادُ اَلرَّبِّ.
ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا اَلِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، إنَّما حَصَلَ عِنْدَ أوَّلِ مَوْلُودٍ، ولَمْ يَكُنْ لِيَحْصُلَ في اَلْمَوْلُودِ اَلْآخَرِ دُونَ اَلْأوَّلِ، بَلْ لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ اَلْمَوْلُودِ اَلْآخَرِ مِن مُزاحَمَةِ اَلْخِلَّةِ، ما يَقْتَضِي اَلْأمْرُ بِذَبْحِهِ. وهَذا في غايَةِ اَلظُّهُورِ. وأيْضًا فَإنَّ سارَّةَ اِمْرَأةَ اَلْخَلِيلِ غارَتْ مِن هاجَرَ وابْنِها أشَدَّ اَلْغَيْرَةِ، فَإنَّها كانَتْ جارِيَةً، فَلَمّا ولَدَتْ إسْماعِيلَ وأحَبَّهُ أبُوهُ اِشْتَدَّتْ غَيْرَةُ سارَّةَ. فَأمَرَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُبْعِدَ عَنْها هاجَرَ وابْنَها ويُسْكِنَها في أرْضِ مَكَّةَ، لِيُبْرِدَ عَنْ سارَّةَ حَرارَةَ اَلْغَيْرَةِ. وهَذا مِن رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ. فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا، أنْ يَذْبَحَ اِبْنَها، ويَدَعَ اِبْنَ اَلْجارِيَةِ بِحالِهِ هَذا مَعَ رَحْمَةِ اَللَّهِ لَها، وإبْعادِ اَلضَّرَرِ عَنْها وخَيْرَتِهِ لَها، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بَعْدَ هَذا بِذَبْحِ اِبْنِها دُونَ اِبْنِ اَلْجارِيَةِ؟
بَلْ حِكْمَتُهُ اَلْبالِغَةُ اِقْتَضَتْ أنْ يَأْمُرَ بِذَبْحِ ولَدِ اَلسُّرِّيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَرِقُّ قَلْبُ اَلسِّتِّ عَلى ولَدِها. وتَتَبَدَّلُ قَسْوَةُ اَلْغَيْرَةِ رَحْمَةً، ويَظْهَرُ لَها بَرَكَةُ هَذِهِ اَلْجارِيَةِ ووَلَدِها، وأنَّ اَللَّهَ لا يُضَيِّعُ بَيْتًا، هَذِهِ وابْنُها مِنهُمْ، ويَرى عِبادُهُ جَبْرَهُ بَعْدَ اَلْكَسْرِ، ولُطْفَهُ بَعْدَ اَلشِّدَّةِ، وأنَّ عاقِبَةَ صَبْرِ هاجَرَ وابْنِها عَلى اَلْبُعْدِ، والوَحْدَةِ، والغُرْبَةِ، والتَّسْلِيمِ، إلى ذَبْحِ اَلْوَلَدِ، آلَتْ إلى ما آلَتْ عَلَيْهِ، مِن جَعْلِ آثارِهِما ومَوْطِئِ أقْدامِهِما مَناسِكَ لِعِبادَةِ اَلْمُؤْمِنِينَ، ومُتَعَبَّداتٍ لَهم إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ. وهَذا سُنَّتُهُ تَعالى فِيمَن يُرِيدُ رِفْعَتَهُ مِن خَلْقِهِ، أنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ اِسْتِضْعافِهِ وذُلِّهِ (p-٥٠٥٧)وانْكِسارِهِ. قالَ تَعالى: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] اِنْتَهى.
وقالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ [الصافات: ١١٢] مَن قالَ إنَّ اَلذَّبِيحَ إسْماعِيلُ، وهو اَلَّذِي رَجَّحَهُ جَماعَةٌ، واحْتَجُّوا لَهُ بِأدِلَّةٍ: مِنها وصْفُهُ بِالحِلْمِ وذِكْرُ اَلْبِشارَةِ بِإسْحاقَ بَعْدَهُ، والبِشارَةُ بِيَعْقُوبَ مِن وراءِ إسْحاقَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وهي أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ لا قَطْعِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ: وتَأمَّلْتُ اَلْقُرْآنَ فَوَجَدْتُ فِيهِ ما يَقْتَضِي اَلْقَطْعَ أوْ يَقْتَرِبُ مِنهُ - ولَمْ أرَ مَن سَبَقَنِي إلى اِسْتِنْباطِهِ - وهو أنَّ اَلْبِشارَةَ وقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَهَذِهِ اَلْآيَةُ قاطِعَةٌ في أنَّ هَذا اَلْمُبَشَّرَ بِهِ هو اَلذَّبِيحُ. ومَرَّةً في قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] اَلْآيَةَ. فَقَدْ صَرَّحَ فِيها أنَّ اَلْمُبَشَّرَ بِهِ إسْحاقُ، ولَمْ يَكُنْ بِسُؤالٍ مِن إبْراهِيمَ. بَلْ قالَتِ اِمْرَأتُهُ إنَّها عَجُوزٌ، وإنَّهُ شَيْخٌ، وكانَ ذَلِكَ في اَلشّامِ لَمّا جاءَتِ اَلْمَلائِكَةُ إلَيْهِ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ وهو في آخِرِ أمْرِهِ. أمّا اَلْبِشارَةُ اَلْأُولى لَمّا اِنْتَقَلَ مِنَ اَلْعِراقِ إلى اَلشّامِ، حِينَ كانَ سِنُّهُ لا يُسْتَغْرَبُ فِيهِ اَلْوَلَدُ، ولِذَلِكَ سَألَهُ. فَعَلِمْنا بِذَلِكَ أنَّهُما بِشارَتانِ في وقْتَيْنِ، بِغُلامَيْنِ: أحَدُهُما بِغَيْرِ سُؤالٍ، وهو إسْحاقُ صَرِيحًا. والثّانِيَةُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسُؤالٍ وهو غَيْرُهُ. فَقَطَعْنا بِأنَّهُ إسْماعِيلُ وهو اَلذَّبِيحُ. اِنْتَهى.
الصافات 37:113
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٨ - ١١٣ ] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] .
(p-٥٠٥٢)﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] أيْ: مِثْلَ ما تَرَكْنا عَلى نُوحٍ. كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ وإعْرابُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: عَلى إبْراهِيمَ: ﴿وعَلى إسْحاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: بِتَكْثِيرِ اَلذَّرِّيَّةِ وتَسَلْسُلِ اَلنُّبُوَّةِ فِيهِمْ، وجَعْلِهِمْ مُلُوكًا، وإيتائِهِمْ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: في عَمَلِهِ: ﴿وظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: بِالكُفْرِ والمَعاصِي: ﴿مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أيْ: ظاهِرُ اَلظُّلْمِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ - يَرْوِي اَلْمُفَسِّرُونَ هَهُنا في قِصَّةِ اَلذَّبْحِ رِواياتٍ مُنْكَرَةً لَمْ يَصِحَّ سَنَدُها ولا مَتْنُها، بَلْ ولَمْ تَحْسُنْ، فَهي مُعْضِلَةٌ تَنْتَهِي إلى اَلسُّدِّيِّ وكَعْبٍ. والسُّدِّيُّ حالُهُ مَعْلُومٌ في ضَعْفِ مَرْوِيّاتِهِ، وكَذَلِكَ كَعْبٌ.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ: لَمّا أسْلَمَ كَعْبُ اَلْأحْبارِ في اَلدَّوْلَةِ اَلْعُمَرِيَّةِ، جَعَلَ يُحَدِّثُ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ عَنْ كُتُبِهِ قَدِيمًا، فَرُبَّما اِسْتَمَعَ لَهُ عُمَرُ، فَتَرَخَّصَ اَلنّاسُ في اِسْتِماعِ ما عِنْدَهُ عَنْهُ، غَثِّها وسَمِينِها، ولَيْسَ لِهَذِهِ اَلْأُمَّةِ حاجَةٌ إلى حَرْفٍ واحِدٍ مِمّا عِنْدَهُ. اِنْتَهى.
ولَقَدْ صَدَقَ رَحِمَهُ اَللَّهُ، ولِذا نَرى اَلتَّزَيُّدَ عَلى أصْلِ ما قَصَّ في اَلتَّنْزِيلِ مِنَ اَلضَّرُورِيِّ لَهُ، إلّا إذا صَحَّ سَنَدُهُ، أوِ اِطْمَأنَّ اَلْقَلْبُ بِهِ. وقَدْ ولِعَ اَلْخُطَباءُ في دَواوِينِهِمْ بِرِوايَةِ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ في خُطْبَةِ اَلْأضْحى مِن طُرُقِها اَلْواهِيَةِ عِنْدَ اَلْمُحَدِّثِينَ، ويَرَوْنَها ضَرْبَةَ لازِبٍ عَلى ضَعْفِ سَنَدِها، وكَوْنِ مَتْنِها مُنْكَرًا أيْضًا أوْ مَوْضُوعًا، ولَمّا صَنَّفْتُ مَجْمُوعَةَ اَلْخُطَبِ حَذَفْتُ هَذِهِ اَلرِّوايَةَ مِن خُطْبَةِ اَلْأضْحى كَكُلِّ مَرْوِيٍّ ضَعِيفٍ في فَضائِلِ اَلشُّهُورِ والأوْقاتِ، واقْتَصَرْتُ عَلى جِيادِ اَلْأخْبارِ والآثارِ، وذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنا فَلا نُحْصِي ثَناءً عَلَيْهِ
وأمْثَلُ ما رُوِيَ في هَذا اَلنَّبَأِ مِنَ (p-٥٠٥٣)اَلْآثارِ ما أخْرَجَهُ اَلْإمامُ أحْمَدُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما مَوْقُوفًا، قالَ: لَمّا أُمِرَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمَناسِكِ، عَرَضَ لَهُ اَلشَّيْطانُ عِنْدَ اَلسَّعْيِ، فَسابَقَهُ فَسَبَقَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ اَلسَّلامُ إلى جَمْرَةِ اَلْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ اَلشَّيْطانُ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ اَلْجَمْرَةِ اَلْوُسْطى فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ، ثُمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وعَلى إسْماعِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ قَمِيصٌ أبْيَضُ، فَقالَ لَهُ: يا أبَتِ ! إنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ، فاخْلَعْهُ حَتّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعالَجَهُ لِيُخْلِصَهُ، فَنُودِيَ مِن خَلْفِهِ: أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيا. فالتَفَتَ إبْراهِيمُ فَإذا بِكَبْشٍ أبْيَضَ أقْرَنَ أعْيَنَ. قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: لَقَدْ رَأيْتُنا نَتَتَبَّعُ ذَلِكَ اَلضَّرْبَ مِنَ اَلْكِباشِ.
اَلثّانِي - قالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): في هَذِهِ اَلْآيَةِ أنَّ رُؤْيا اَلْأنْبِياءِ وحْيٌ، وجَوازُ نَسْخِ اَلْفِعْلِ قَبْلَ اَلتَّمَكُّنِ، وتَقْدِيمُ اَلْمَشِيئَةِ في كُلِّ قَوْلٍ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ اَلْقِصَّةِ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ ذَبْحَ ولَدِهِ، لَزِمَهُ ذَبْحُ شاةٍ.
ثُمَّ قالَ السُّيُوطِيُّ: فُسِّرَ اَلذِّبْحُ اَلْعَظِيمُ في اَلْأحادِيثِ والآثارِ بِكَبْشٍ، فاسْتَدَلَّ بِهِ اَلْمالِكِيَّةُ عَلى أنَّ اَلْغَنَمَ في اَلتَّضْحِيَةِ أفْضَلُ مِنَ اَلْإبِلِ. اِنْتَهى.
اَلثّالِثُ - اُسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ - كَما ذَكَرَهُ اَلرّازِيُّ - وذَلِكَ في بابِ اَلِابْتِلاءِ؛ أيِ: اِبْتِلاءِ اَلْمَأْمُورِ في إخْلاصِهِ وصِدْقِهِ، فِيما يَشُقُّ عَلى اَلنَّفْسِ تَحَمُّلُهُ.
اَلرّابِعُ - يَذْكُرُ كَثِيرٌ اَلْخِلافَ في اَلذَّبِيحِ، قالَ الإمامُ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في (" زادِ اَلْمَعادِ"): وإسْماعِيلُ هو اَلذَّبِيحُ عَلى اَلْقَوْلِ اَلصَّوابِ عِنْدَ عُلَماءِ اَلصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهُمْ، وأمّا اَلْقَوْلُ بِأنَّهُ إسْحاقُ فَباطِلٌ بِأكْثَرَ مِن عِشْرِينَ وجْهًا، وسَمِعْتُ شَيْخَ اَلْإسْلامِ اِبْنَ تَيْمِيَةَ قَدَّسَ اَللَّهُ رَوْحَهُ يَقُولُ: هَذا اَلْقَوْلُ إنَّما هو مُتَلَقًّى مِن أهْلِ اَلْكِتابِ، مَعَ أنَّهُ باطِلٌ بِنَصِّ كِتابِهِمْ؛ فَإنَّ فِيهِ إنَّ اَللَّهَ أمَرَ (p-٥٠٥٤)إبْراهِيمَ أنْ يَذْبَحَ اِبْنَهُ (بِكْرَهُ)، وفي لَفْظٍ: (وحِيدَهُ) ولا يَشُكُّ أهْلُ اَلْكِتابِ مَعَ اَلْمُسْلِمِينَ أنَّ إسْماعِيلَ هو بِكْرُ أوْلادِهِ.
والَّذِي غَرَّ أصْحابَ هَذا اَلْقَوْلِ أنَّ في اَلتَّوْراةِ اَلَّتِي بِأيْدِيهِمُ: (اِذْبَحِ اِبْنَكَ إسْحاقَ ).
قالَ: وهَذِهِ اَلزِّيادَةُ مِن تَحْرِيفِهِمْ وكَذِبِهِمْ؛ لِأنَّها تُناقِضُ قَوْلَهُ: بِكْرَكَ، وحِيدَكَ. ولَكِنَّ يَهُودَ حَسَدَتْ بَنِي إسْماعِيلَ عَلى هَذا اَلشَّرَفِ، وأحَبُّوا أنْ يَكُونَ لَهُمْ، وأنْ يَسُوقُوهُ إلَيْهِمْ، ويَخْتارُونَهُ دُونَ اَلْعَرَبِ. ويَأْبى اَللَّهُ إلّا أنْ يَجْعَلَ فَضْلَهُ لِأهْلِهِ. وكَيْفَ يُسَوَّغُ أنْ يُقالَ إنَّ اَلذَّبِيحَ إسْحاقُ، واللَّهُ تَعالى قَدْ بَشَّرَ أُمَّ إسْحاقَ بِهِ وبِابْنِهِ يَعْقُوبَ، فَقالَ تَعالى عَنِ اَلْمَلائِكَةِ أنَّهم قالُوا لِإبْراهِيمَ لَمّا أتَوْهُ بِالبُشْرى: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَمُحالٌ أنْ يُبَشِّرَها بِأنَّهُ يَكُونُ لَها ولَدٌ ثُمَّ يَأْمُرُ بِذَبْحِهِ. ولا رَيْبَ أنَّ يَعْقُوبَ داخِلٌ في اَلْبِشارَةِ، فَتَناوُلُ اَلْبِشارَةِ لِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ في اَللَّفْظِ واحِدٌ. وهَذا ظاهِرُ اَلْكَلامِ وسِياقُهُ.
فَإنْ قِيلَ، لَوْ كانَ اَلْأمْرُ كَما ذَكَرْتُمُوهُ لَكانَ يَعْقُوبُ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى إسْحاقَ، فَكانَتِ اَلْقِراءَةُ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أيْ: ويَعْقُوبُ مِن وراءِ إسْحاقَ. قِيلَ لا يَمْنَعُ اَلرَّفْعُ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ مُبَشَّرًا بِهِ؛ لِأنَّ اَلْبِشارَةَ قَوْلٌ مَخْصُوصٌ، وهي أوَّلُ خَبَرٍ سارٍّ صادِقٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] جُمْلَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ بِهَذِهِ اَلْقُيُودِ، فَيَكُونُ بِشارَةً بَلْ حَقِيقَةُ اَلْبِشارَةِ هي اَلْجُمْلَةُ اَلْخَبَرِيَّةُ. أوْ لَمّا كانَتِ اَلْبِشارَةُ قَوْلًا، كانَ مَوْضِعُ هَذِهِ اَلْجُمْلَةِ نَصْبًا عَلى اَلْحِكايَةِ بِالقَوْلِ. كَأنَّ اَلْمَعْنى: وقُلْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ. والقائِلُ إذا قالَ: بَشَّرْتُ فُلانًا بِقُدُومِ أخِيهِ، وثِقْلِهِ في أثَرِهِ، لَمْ يُعْقَلْ مِنهُ إلّا بِشارَةٌ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا. هَذا مِمّا لا يَسْتَرِيبُ ذُو فَهْمٍ فِيهِ اَلْبَتَّةَ. ثُمَّ يُضْعِفُ اَلْجَرَّ أمْرٌ آخَرُ، وهو ضَعْفُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ ومِن بَعْدِهِ عَمْرٍو؛ لِأنَّ اَلْعاطِفَ يَقُومُ حَرْفُ اَلْجَرِّ، فَلا يَفْصِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اَلْمَجْرُورِ، كَما لا يَفْصِلُ بَيْنَ حَرْفِ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ إبْراهِيمَ وابْنِهِ في هَذِهِ اَلسُّورَةِ، قالَ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ثُمَّ قالَ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] (p-٥٠٥٥)، فَهَذا بِشارَةٌ مِنَ اَللَّهِ لَهُ، شُكْرًا عَلى صَبْرِهِ عَلى ما أُمِرَ بِهِ. وهَذا ظاهِرٌ جِدًّا في أنَّ اَلْمُبَشَّرَ بِهِ غَيْرُ اَلْأوَّلِ. بَلْ هو كالنَّصِّ فِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالبِشارَةُ اَلثّانِيَةُ وقَعَتْ عَلى نُبُوَّتِهِ، أيْ: لَمّا صَبَرَ اَلْأبُ عَلى ما أُمِرَ بِهِ، وأسْلَمَ اَلْوَلَدُ لِأمْرِ اَللَّهِ، جازاهُ اَللَّهُ عَلى ذَلِكَ، بِأنْ أعْطاهُ اَلنُّبُوَّةَ. قِيلَ: اَلْبِشارَةُ وقَعَتْ عَلى اَلْمَجْمُوعِ، عَلى ذاتِهِ ووُجُودِهِ وأنْ يَكُونَ نَبِيًّا؛ ولِهَذا يُنْصَبُ: { نَبِيًّا } عَلى اَلْحالِ اَلْمُقَدَّرِ أيْ: مُقَدَّرًا نُبُوَّتُهُ، فَلا يُمْكِنُ إخْراجُ اَلْبِشارَةِ أنْ يَقَعَ عَلى اَلْأصْلِ، ثُمَّ يَخُصُّ بِالحالِ اَلتّابِعَةِ اَلْجارِيَةِ مَجْرى اَلْفَضْلَةِ. هَذا مُحالٌ مِنَ اَلْكَلامِ. بَلْ إذا وقَعَ اَلْبِشارَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَوُقُوعُها عَلى وُجُوهٍ أوْلى وأحْرى، وأيْضًا فَلا رَيْبَ أنَّ اَلذَّبِيحَ كانَ بِمَكَّةَ، ولِذَلِكَ جُعِلَتِ اَلْقَرابِينُ يَوْمَ اَلنَّحْرِ، كَما جُعِلَ اَلسَّعْيُ بَيْنَ اَلصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ اَلْجِمارِ، تَذْكِيرًا لِشَأْنِ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ، وإقامَةً لِذِكْرِ اَللَّهِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ إسْماعِيلَ وأمَّهُ هُما اَللَّذانِ كانا بِمَكَّةَ، دُونَ إسْحاقَ وأُمِّهِ، ولِهَذا اِتَّصَلَ مَكانُ اَلذَّبْحِ وزَمانُهُ بِالبَيْتِ اَلْحَرامِ اَلَّذِي اِشْتَرَكَ في بِنائِهِ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ، وكانَ اَلنَّحْرُ بِمَكَّةَ، مِن تَمامِ حَجِّ اَلْبَيْتِ اَلَّذِي كانَ عَلى يَدِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ إسْماعِيلَ زَمانًا ومَكانًا، ولَوْ كانَ اَلذَّبْحُ بِالشّامِ، كَما يَزْعُمُ أهْلُ اَلْكِتابِ ومَن تَلَقّى عَنْهُمْ، لَكانَتِ اَلْقَرابِينُ والنَّحْرُ بِالشّامِ لا بِمَكَّةَ، وأيْضًا فَإنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى اَلذَّبِيحَ حَلِيمًا؛ لِأنَّهُ لا أحْلَمَ مِمَّنْ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ طاعَةً لِرَبِّهِ، ولَمّا ذَكَرَ إسْحاقَ سَمّاهُ عَلِيمًا، فَقالَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] إلى أنْ قالَ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وهَذا إسْحاقُ بِلا رَيْبٍ، لِأنَّهُ مِنَ اِمْرَأتِهِ وهي اَلْمُبَشَّرَةُ بِهِ، وأمّا إسْماعِيلُ فَمِنَ اَلسُّرِّيَّةِ.
وأيْضًا فَإنَّهُما بُشِّرا بِهِ عَلى اَلْكِبَرِ واليَأْسِ (p-٥٠٥٦)مِنَ اَلْوَلَدِ. وهَذا بِخِلافِ إسْماعِيلَ فَإنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ أجْرى اَلْعادَةَ اَلْبَشَرِيَّةَ أنَّ بِكْرَ اَلْأوْلادِ أحَبُّ إلى اَلْوالِدَيْنِ مِمَّنْ بَعْدَهُ. وإبْراهِيمُ لَمّا سَألَ رَبَّهُ اَلْوَلَدَ ووَهَبَهُ لَهُ، تَعَلَّقَتْ شُعْبَةٌ مِن قَلْبِهِ بِمَحَبَّتِهِ، واللَّهُ تَعالى قَدِ اِتَّخَذَهُ خَلِيلًا. والخِلَّةُ مَنصِبٌ يَقْتَضِي تَوْحِيدَ اَلْمَحْبُوبِ بِالمَحَبَّةِ، وأنْ لا يُشارَكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ فِيها. فَلَمّا أخَذَ اَلْوَلَدُ شُعْبَةً مِن قَلْبِ اَلْوالِدِ، جاءَتْ غَيْرَةُ اَلْخِلَّةِ تَنْتَزِعُها مِن قَلْبِ اَلْخَلِيلِ، فَأمَرَهُ اَلْجَلِيلُ بِذَبْحِ اَلْمَحْبُوبِ. فَلَمّا أقْدَمَ عَلى ذَبْحِهِ، وكانَتْ مَحَبَّةُ اَللَّهِ أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن مَحَبَّةِ اَلْوَلَدِ، خَلُصَتِ اَلْخِلَّةُ حِينَئِذٍ مِن شَوائِبِ اَلْمُشارَكَةِ، فَلَمْ يَبْقَ في اَلذَّبْحِ مَصْلَحَةٌ؛ إذْ كانَتِ اَلْمَصْلَحَةُ إنَّما هي في اَلْعَزْمِ وتَوْطِينِ اَلنَّفْسِ فِيهِ، فَقَدْ حَصَلَ اَلْمَقْصُودُ، فَنُسِخَ اَلْأمْرُ، وفُدِيَ اَلذَّبِيحُ، وصَدَقَ اَلْخَلِيلُ اَلرُّؤْيا، وحَصَلَ مُرادُ اَلرَّبِّ.
ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا اَلِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ، إنَّما حَصَلَ عِنْدَ أوَّلِ مَوْلُودٍ، ولَمْ يَكُنْ لِيَحْصُلَ في اَلْمَوْلُودِ اَلْآخَرِ دُونَ اَلْأوَّلِ، بَلْ لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ اَلْمَوْلُودِ اَلْآخَرِ مِن مُزاحَمَةِ اَلْخِلَّةِ، ما يَقْتَضِي اَلْأمْرُ بِذَبْحِهِ. وهَذا في غايَةِ اَلظُّهُورِ. وأيْضًا فَإنَّ سارَّةَ اِمْرَأةَ اَلْخَلِيلِ غارَتْ مِن هاجَرَ وابْنِها أشَدَّ اَلْغَيْرَةِ، فَإنَّها كانَتْ جارِيَةً، فَلَمّا ولَدَتْ إسْماعِيلَ وأحَبَّهُ أبُوهُ اِشْتَدَّتْ غَيْرَةُ سارَّةَ. فَأمَرَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُبْعِدَ عَنْها هاجَرَ وابْنَها ويُسْكِنَها في أرْضِ مَكَّةَ، لِيُبْرِدَ عَنْ سارَّةَ حَرارَةَ اَلْغَيْرَةِ. وهَذا مِن رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ. فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا، أنْ يَذْبَحَ اِبْنَها، ويَدَعَ اِبْنَ اَلْجارِيَةِ بِحالِهِ هَذا مَعَ رَحْمَةِ اَللَّهِ لَها، وإبْعادِ اَلضَّرَرِ عَنْها وخَيْرَتِهِ لَها، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بَعْدَ هَذا بِذَبْحِ اِبْنِها دُونَ اِبْنِ اَلْجارِيَةِ؟
بَلْ حِكْمَتُهُ اَلْبالِغَةُ اِقْتَضَتْ أنْ يَأْمُرَ بِذَبْحِ ولَدِ اَلسُّرِّيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَرِقُّ قَلْبُ اَلسِّتِّ عَلى ولَدِها. وتَتَبَدَّلُ قَسْوَةُ اَلْغَيْرَةِ رَحْمَةً، ويَظْهَرُ لَها بَرَكَةُ هَذِهِ اَلْجارِيَةِ ووَلَدِها، وأنَّ اَللَّهَ لا يُضَيِّعُ بَيْتًا، هَذِهِ وابْنُها مِنهُمْ، ويَرى عِبادُهُ جَبْرَهُ بَعْدَ اَلْكَسْرِ، ولُطْفَهُ بَعْدَ اَلشِّدَّةِ، وأنَّ عاقِبَةَ صَبْرِ هاجَرَ وابْنِها عَلى اَلْبُعْدِ، والوَحْدَةِ، والغُرْبَةِ، والتَّسْلِيمِ، إلى ذَبْحِ اَلْوَلَدِ، آلَتْ إلى ما آلَتْ عَلَيْهِ، مِن جَعْلِ آثارِهِما ومَوْطِئِ أقْدامِهِما مَناسِكَ لِعِبادَةِ اَلْمُؤْمِنِينَ، ومُتَعَبَّداتٍ لَهم إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ. وهَذا سُنَّتُهُ تَعالى فِيمَن يُرِيدُ رِفْعَتَهُ مِن خَلْقِهِ، أنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ اِسْتِضْعافِهِ وذُلِّهِ (p-٥٠٥٧)وانْكِسارِهِ. قالَ تَعالى: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] اِنْتَهى.
وقالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ [الصافات: ١١٢] مَن قالَ إنَّ اَلذَّبِيحَ إسْماعِيلُ، وهو اَلَّذِي رَجَّحَهُ جَماعَةٌ، واحْتَجُّوا لَهُ بِأدِلَّةٍ: مِنها وصْفُهُ بِالحِلْمِ وذِكْرُ اَلْبِشارَةِ بِإسْحاقَ بَعْدَهُ، والبِشارَةُ بِيَعْقُوبَ مِن وراءِ إسْحاقَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وهي أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ لا قَطْعِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ: وتَأمَّلْتُ اَلْقُرْآنَ فَوَجَدْتُ فِيهِ ما يَقْتَضِي اَلْقَطْعَ أوْ يَقْتَرِبُ مِنهُ - ولَمْ أرَ مَن سَبَقَنِي إلى اِسْتِنْباطِهِ - وهو أنَّ اَلْبِشارَةَ وقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَهَذِهِ اَلْآيَةُ قاطِعَةٌ في أنَّ هَذا اَلْمُبَشَّرَ بِهِ هو اَلذَّبِيحُ. ومَرَّةً في قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] اَلْآيَةَ. فَقَدْ صَرَّحَ فِيها أنَّ اَلْمُبَشَّرَ بِهِ إسْحاقُ، ولَمْ يَكُنْ بِسُؤالٍ مِن إبْراهِيمَ. بَلْ قالَتِ اِمْرَأتُهُ إنَّها عَجُوزٌ، وإنَّهُ شَيْخٌ، وكانَ ذَلِكَ في اَلشّامِ لَمّا جاءَتِ اَلْمَلائِكَةُ إلَيْهِ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ وهو في آخِرِ أمْرِهِ. أمّا اَلْبِشارَةُ اَلْأُولى لَمّا اِنْتَقَلَ مِنَ اَلْعِراقِ إلى اَلشّامِ، حِينَ كانَ سِنُّهُ لا يُسْتَغْرَبُ فِيهِ اَلْوَلَدُ، ولِذَلِكَ سَألَهُ. فَعَلِمْنا بِذَلِكَ أنَّهُما بِشارَتانِ في وقْتَيْنِ، بِغُلامَيْنِ: أحَدُهُما بِغَيْرِ سُؤالٍ، وهو إسْحاقُ صَرِيحًا. والثّانِيَةُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسُؤالٍ وهو غَيْرُهُ. فَقَطَعْنا بِأنَّهُ إسْماعِيلُ وهو اَلذَّبِيحُ. اِنْتَهى.
الصافات 37:114
(p-٥٠٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١٤ ] ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ .
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، والِاصْطِفاءِ عَلى عالَمَيْ زَمانِهِما.
الصافات 37:115
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١٥ ] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ .
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو قَهْرُ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، بِذَبْحِ اَلْأوْلادِ، ونِهايَةَ اَلِاسْتِعْبادِ.
الصافات 37:116
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١٦ ] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ .
﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ أيْ: مَعَ ضَعْفِهِمْ، وقُوَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
الصافات 37:117
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١٧ ] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ .
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ أيِ: اَلْبَلِيغَ في بَيانِهِ لِلْأحْكامِ والتَّشْرِيعاتِ، والآدابِ.
الصافات 37:118
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١٨ ] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ .
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ: في بابِ اَلِاعْتِقادِ والمُعامَلاتِ اَلْمُوصِلِ رِعايَتُهُ والسُّلُوكُ عَلَيْهِ، إلى اَلسَّعادَةِ.
الصافات 37:119
(p-٥٠٥٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١٩ - ١٢٣ ] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] .
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] وهو مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ زَمَنِ سُلَيْمانَ، أرْسَلَهُ اَللَّهُ لَمّا اِنْتَشَرَتِ اَلْوَثَنِيَّةُ في اَلْإسْرائِيلِيِّينَ، وساعَدَ عَلى اِنْتِشارِها بَيْنَهم مُلُوكُهُمْ، وبَنَوْا لَها اَلْمَذابِحَ وعَبَدُوها مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى، ونَبَذُوا أحْكامَ اَلتَّوْراةِ ظِهْرِيًّا. فَقامَ إلْياسُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يُوَبِّخُهم عَلى ضَلالِهِمْ ويَدْعُوهم إلى اَلتَّوْحِيدِ، ويُسَمّى في اَلتَّوْراةِ: (إيلِيا)، ولَهُ نَبَأٌ فِيها كَبِيرٌ.
الصافات 37:120
(p-٥٠٥٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١٩ - ١٢٣ ] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] .
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] وهو مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ زَمَنِ سُلَيْمانَ، أرْسَلَهُ اَللَّهُ لَمّا اِنْتَشَرَتِ اَلْوَثَنِيَّةُ في اَلْإسْرائِيلِيِّينَ، وساعَدَ عَلى اِنْتِشارِها بَيْنَهم مُلُوكُهُمْ، وبَنَوْا لَها اَلْمَذابِحَ وعَبَدُوها مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى، ونَبَذُوا أحْكامَ اَلتَّوْراةِ ظِهْرِيًّا. فَقامَ إلْياسُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يُوَبِّخُهم عَلى ضَلالِهِمْ ويَدْعُوهم إلى اَلتَّوْحِيدِ، ويُسَمّى في اَلتَّوْراةِ: (إيلِيا)، ولَهُ نَبَأٌ فِيها كَبِيرٌ.
الصافات 37:121
(p-٥٠٥٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١٩ - ١٢٣ ] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] .
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] وهو مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ زَمَنِ سُلَيْمانَ، أرْسَلَهُ اَللَّهُ لَمّا اِنْتَشَرَتِ اَلْوَثَنِيَّةُ في اَلْإسْرائِيلِيِّينَ، وساعَدَ عَلى اِنْتِشارِها بَيْنَهم مُلُوكُهُمْ، وبَنَوْا لَها اَلْمَذابِحَ وعَبَدُوها مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى، ونَبَذُوا أحْكامَ اَلتَّوْراةِ ظِهْرِيًّا. فَقامَ إلْياسُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يُوَبِّخُهم عَلى ضَلالِهِمْ ويَدْعُوهم إلى اَلتَّوْحِيدِ، ويُسَمّى في اَلتَّوْراةِ: (إيلِيا)، ولَهُ نَبَأٌ فِيها كَبِيرٌ.
الصافات 37:122
(p-٥٠٥٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١٩ - ١٢٣ ] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] .
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] وهو مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ زَمَنِ سُلَيْمانَ، أرْسَلَهُ اَللَّهُ لَمّا اِنْتَشَرَتِ اَلْوَثَنِيَّةُ في اَلْإسْرائِيلِيِّينَ، وساعَدَ عَلى اِنْتِشارِها بَيْنَهم مُلُوكُهُمْ، وبَنَوْا لَها اَلْمَذابِحَ وعَبَدُوها مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى، ونَبَذُوا أحْكامَ اَلتَّوْراةِ ظِهْرِيًّا. فَقامَ إلْياسُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يُوَبِّخُهم عَلى ضَلالِهِمْ ويَدْعُوهم إلى اَلتَّوْحِيدِ، ويُسَمّى في اَلتَّوْراةِ: (إيلِيا)، ولَهُ نَبَأٌ فِيها كَبِيرٌ.
الصافات 37:123
(p-٥٠٥٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١٩ - ١٢٣ ] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] .
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] وهو مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ زَمَنِ سُلَيْمانَ، أرْسَلَهُ اَللَّهُ لَمّا اِنْتَشَرَتِ اَلْوَثَنِيَّةُ في اَلْإسْرائِيلِيِّينَ، وساعَدَ عَلى اِنْتِشارِها بَيْنَهم مُلُوكُهُمْ، وبَنَوْا لَها اَلْمَذابِحَ وعَبَدُوها مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى، ونَبَذُوا أحْكامَ اَلتَّوْراةِ ظِهْرِيًّا. فَقامَ إلْياسُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يُوَبِّخُهم عَلى ضَلالِهِمْ ويَدْعُوهم إلى اَلتَّوْحِيدِ، ويُسَمّى في اَلتَّوْراةِ: (إيلِيا)، ولَهُ نَبَأٌ فِيها كَبِيرٌ.
الصافات 37:124
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٤ ] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ .
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ: عَذابَ اَللَّهِ، ونِقْمَتَهُ.
الصافات 37:125
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٥ ] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ .
﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾ أيْ: تَعْبُدُونَهُ أوْ تَطْلُبُونَ اَلْخَيْرَ مِنهُ؟ وهو صَنَمٌ مِن أصْنامِ اَلْفِينِيقِيِّينَ، أقامُوا لَهُ ولِغَيْرِهِ مِنَ اَلْأوْثانِ مَعابِدَ ومَذابِحَ وكَهَنَةً، يُعَظِّمُونَ مِن شَأْنِهِمْ، ويُقِيمُونَ لَهُمُ اَلْمَآدِبَ والأعْيادَ اَلْحافِلَةَ، ويُقَدِّمُونَ لَهم ضَحايا بَشَرِيَّةً: ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: تَتْرُكُونَ عِبادَتَهُ. قالَ القاضِي: وقَدْ أشارَ فِيهِ إلى اَلْمُقْتَضِي لِلْإنْكارِ، اَلْمَعْنِيِّ بِالهَمْزَةِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ:
الصافات 37:126
(p-٥٠٦٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٦ - ١٢٧ ] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] .
﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] أيْ: في اَلْعَذابِ.
الصافات 37:127
(p-٥٠٦٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٦ - ١٢٧ ] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] .
﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] أيْ: في اَلْعَذابِ.
الصافات 37:128
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٨ - ١٣٠ ] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] .
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيِ: اَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ واتَّبَعُوهُ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] بِكَسْرِ اَلْهَمْزَةِ وسُكُونِ اَللّامِ مَوْصُولَةً بِـ: (ياسِينَ). وقُرِئَ آلِ ياسِينَ بِإضافَةِ آلِ – (بِمَعْنى أهْلٍ) إلَيْهِ. وكُلُّهُ مِنَ اَلتَّصَرُّفِ في اَلْعَلَمِ اَلْأصْلِيِّ، اَلَّذِي هو (إيلِيا) عَلى قاعِدَةِ اَلْعَرَبِ في اَلْأعْلامِ اَلْعَجَمِيَّةِ، إذا أرادَتْ أنْ تَلْفِظَها في اَلِاسْتِعْمالِ، وتُخَفِّفَها عَلى اَلْألْسِنَةِ.
الصافات 37:129
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٨ - ١٣٠ ] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] .
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيِ: اَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ واتَّبَعُوهُ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] بِكَسْرِ اَلْهَمْزَةِ وسُكُونِ اَللّامِ مَوْصُولَةً بِـ: (ياسِينَ). وقُرِئَ آلِ ياسِينَ بِإضافَةِ آلِ – (بِمَعْنى أهْلٍ) إلَيْهِ. وكُلُّهُ مِنَ اَلتَّصَرُّفِ في اَلْعَلَمِ اَلْأصْلِيِّ، اَلَّذِي هو (إيلِيا) عَلى قاعِدَةِ اَلْعَرَبِ في اَلْأعْلامِ اَلْعَجَمِيَّةِ، إذا أرادَتْ أنْ تَلْفِظَها في اَلِاسْتِعْمالِ، وتُخَفِّفَها عَلى اَلْألْسِنَةِ.
الصافات 37:130
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢٨ - ١٣٠ ] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] .
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيِ: اَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ واتَّبَعُوهُ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] بِكَسْرِ اَلْهَمْزَةِ وسُكُونِ اَللّامِ مَوْصُولَةً بِـ: (ياسِينَ). وقُرِئَ آلِ ياسِينَ بِإضافَةِ آلِ – (بِمَعْنى أهْلٍ) إلَيْهِ. وكُلُّهُ مِنَ اَلتَّصَرُّفِ في اَلْعَلَمِ اَلْأصْلِيِّ، اَلَّذِي هو (إيلِيا) عَلى قاعِدَةِ اَلْعَرَبِ في اَلْأعْلامِ اَلْعَجَمِيَّةِ، إذا أرادَتْ أنْ تَلْفِظَها في اَلِاسْتِعْمالِ، وتُخَفِّفَها عَلى اَلْألْسِنَةِ.
الصافات 37:131
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣١ - ١٣٤ ] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] .
(p-٥٠٦١)﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] أيْ: لِلدُّعاءِ إلى اَللَّهِ، والنَّهْيِ عَنِ اَلْفَواحِشِ: ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] أيْ: مِن عَذابِ قَوْمِهِ اَلْمُنْذَرِينَ.
الصافات 37:132
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣١ - ١٣٤ ] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] .
(p-٥٠٦١)﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] أيْ: لِلدُّعاءِ إلى اَللَّهِ، والنَّهْيِ عَنِ اَلْفَواحِشِ: ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] أيْ: مِن عَذابِ قَوْمِهِ اَلْمُنْذَرِينَ.
الصافات 37:133
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣١ - ١٣٤ ] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] .
(p-٥٠٦١)﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] أيْ: لِلدُّعاءِ إلى اَللَّهِ، والنَّهْيِ عَنِ اَلْفَواحِشِ: ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] أيْ: مِن عَذابِ قَوْمِهِ اَلْمُنْذَرِينَ.
الصافات 37:134
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣١ - ١٣٤ ] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] .
(p-٥٠٦١)﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] أيْ: لِلدُّعاءِ إلى اَللَّهِ، والنَّهْيِ عَنِ اَلْفَواحِشِ: ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] أيْ: مِن عَذابِ قَوْمِهِ اَلْمُنْذَرِينَ.
الصافات 37:135
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣٥ ] ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ .
﴿إلا عَجُوزًا﴾ وهي اِمْرَأتُهُ، فَإنَّها وإنْ خَرَجَتْ عَنْ مَكانِ عَذابِهِمْ، كانَتْ: ﴿فِي الغابِرِينَ﴾ أيْ: في حُكْمِ اَلْباقِينَ في اَلْعَذابِ، لِكَوْنِها عَلى دِينِ قَوْمِها.
الصافات 37:136
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣٦ ] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ .
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا﴾ أيْ: أهْلَكْنا: ﴿الآخَرِينَ﴾ بِجَعْلِ قَرْيَتِهِمْ عالِيَها سافِلَها، وإمْطارِ حِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ عَلَيْهِمْ.
الصافات 37:137
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣٧ - ١٣٩ ] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] .
﴿وإنَّكُمْ﴾ أيْ: يا أهْلَ مَكَّةَ: ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٨] أيْ: فَتَرَوْنَ دائِمًا عَلاماتِ مُؤاخَذَتِهِمْ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] أيْ: إلى أهْلِ نِينَوى لِلتَّوْحِيدِ، والزَّجْرِ عَنِ اِرْتِكابِ اَلْمَآثِمِ.
الصافات 37:138
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣٧ - ١٣٩ ] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] .
﴿وإنَّكُمْ﴾ أيْ: يا أهْلَ مَكَّةَ: ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٨] أيْ: فَتَرَوْنَ دائِمًا عَلاماتِ مُؤاخَذَتِهِمْ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] أيْ: إلى أهْلِ نِينَوى لِلتَّوْحِيدِ، والزَّجْرِ عَنِ اِرْتِكابِ اَلْمَآثِمِ.
الصافات 37:139
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣٧ - ١٣٩ ] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] .
﴿وإنَّكُمْ﴾ أيْ: يا أهْلَ مَكَّةَ: ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٨] أيْ: فَتَرَوْنَ دائِمًا عَلاماتِ مُؤاخَذَتِهِمْ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] أيْ: إلى أهْلِ نِينَوى لِلتَّوْحِيدِ، والزَّجْرِ عَنِ اِرْتِكابِ اَلْمَآثِمِ.
الصافات 37:140
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤٠ ] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ .
(p-٥٠٦٢)﴿إذْ أبَقَ﴾ أيْ: بِغَيْرِ إذْنٍ عَنْ قَوْمِهِ اَلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ: ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيِ: اَلسَّفِينَةِ اَلْمَمْلُوءَةِ، لِيَرْكَبَ مِنها إلى بَلَدٍ آخَرَ. رُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ مِن يافا، ورَكِبَ اَلْفُلْكَ إلى تَرْسِيسَ، فَهَبَّتْ رِياحٌ شَدِيدَةٌ كادَتْ تُغْرِقُهُمْ، فاقْتَرَعُوا لِيَعْلَمُوا بِسَبَبِ مَن أصابَهم هَذا اَلْبَلاءُ، فَوَقَعَتْ عَلى يُونُسَ، فَألْقَوْهُ في اَلْبَحْرِ. وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
الصافات 37:141
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤١ ] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ .
﴿فَساهَمَ﴾ أيْ: قارَعَ: ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ أيِ: اَلْمَغْلُوبِينَ بِالقُرْعَةِ. وأصْلُهُ اَلزَّلَقُ عَنِ اَلظَّفَرِ.
الصافات 37:142
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤٢ ] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ .
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾ أيِ: اِبْتَلَعَهُ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أيْ: آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْهِ مِنَ اَلسَّفَرِ بِغَيْرِ أمْرِ رَبِّهِ.
الصافات 37:143
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤٣ ] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ .
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: اَلذّاكِرِينَ اَللَّهَ بِالتَّسْبِيحِ، والإنابَةِ، والتَّوْبَةِ، في بَطْنِ اَلْحُوتِ.
الصافات 37:144
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤٤ ] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ .
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَكانَ بَطْنُهُ قَبْرًا لَهُ إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ؛ أيْ: لَكِنْ رَحِمْناهُ بِتَسْبِيحِهِ.
الصافات 37:145
(p-٥٠٦٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤٥ ] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ .
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ أيْ: حَمَلْنا اَلْحُوتَ عَلى طَرْحِهِ بِاليُبْسِ مِنَ اَلشَّطِّ: ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ أيْ: مِمّا نالَهُ مِن هَذا اَلْمَحْبِسِ اَلَّذِي يَأْخُذُ بِالخِناقِ.
الصافات 37:146
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤٦ ] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ .
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: لِتَقِيَهُ مِنَ اَلذُّبابِ والشَّمْسِ.
الصافات 37:147
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤٧ ] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ .
﴿وأرْسَلْناهُ﴾ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ، بِأنْ أمَرْناهُ ثانِيَةً بِالذَّهابِ: ﴿إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ وهم قَوْمُهُ اَلْمُرْسَلُ إلَيْهِمُ، اَلَّذِينَ أبَقَ عَنِ اَلذَّهابِ إلَيْهِمْ أوَّلًا، و(" أوْ ") لِلْإضْرابِ، أوْ بِمَعْنى اَلْواوِ لِلشَّكِّ بِالنِّسْبَةِ إلى مَرْأى اَلنّاظِرِ؛ أيْ: إذا رَآها اَلرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ اَلْوَصْفُ بِالكَثْرَةِ.
الصافات 37:148
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤٨ ] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ .
﴿فَآمَنُوا﴾ أيْ: فَسارَ إلَيْهِمْ ودَعاهم إلى اَللَّهِ، وأنْذَرَهم عَذابَهُ إنْ لَمْ يَرْجِعُوا عَنِ اَلْكُفْرِ، والغَيِّ، والضَّلالِ، والفَسادِ، والإفْسادِ. فَأشْفَقُوا مِن إنْذارِهِ واسْتَكانُوا لِدَعْوَتِهِ وآمَنُوا مَعَهُ: ﴿فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: حِينِ اِنْقِضاءِ آجالِهِمْ بِالعَيْشِ اَلْهَنِيِّ، والمَقامِ اَلْأمِينِ، بِبَرَكَةِ اَلْإيمانِ والعَمَلِ اَلصّالِحِ، وإنَّما لَمْ يَخْتِمْ قِصَّتَهُ وقِصَّةَ لُوطٍ بِما خَتَمَ بِهِ سائِرَ اَلْقَصَصِ مِن قَوْلِهِ: { وتَرَكْنا عَلَيْهِ } إلَخْ اِكْتِفاءً بِالتَّسْلِيمِ اَلشّامِلِ لِكُلِّ اَلرُّسُلِ اَلْمَذْكُورِينَ في آخِرِ اَلسُّورَةِ.
الصافات 37:149
(p-٥٠٦٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤٩ ] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أيْ: قُرَيْشًا اَلْمُنْذِرِينَ بِأنْباءِ اَلرُّسُلِ وقَوْمِهِمْ: ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ سَلْهم عَنْ وجْهِ اَلْقِسْمَةِ اَلضِّيزى اَلَّتِي قَسَمُوها. جَعَلُوا لِلَّهِ اَلْإناثَ ولِأنْفُسِهِمُ اَلذُّكُورَ، في قَوْلِهِمُ: اَلْمَلائِكَةُ بَناتُ اَللَّهِ. مَعَ كَراهَتِهِمُ اَلشَّدِيدَةِ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ واسْتِنْكافِهِمْ مِن ذِكْرِهِنَّ.
الصافات 37:150
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥٠ ] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ .
﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ: حاضِرُونَ، حَتّى فاهُوا بِتِلْكَ اَلْعَظِيمَةِ.
الصافات 37:151
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥١، ١٥٢ ] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] .
﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥٢] أيْ: صَدَرَ مِنهُ اَلْوَلَدُ، مَعَ أنَّ اَلْوِلادَةَ مِن خَواصِّ اَلْأجْسامِ اَلْقابِلَةِ لِلْفَسادِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] أيْ: في مَقالَتِهِمْ.
الصافات 37:152
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥١، ١٥٢ ] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] .
﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥٢] أيْ: صَدَرَ مِنهُ اَلْوَلَدُ، مَعَ أنَّ اَلْوِلادَةَ مِن خَواصِّ اَلْأجْسامِ اَلْقابِلَةِ لِلْفَسادِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] أيْ: في مَقالَتِهِمْ.
الصافات 37:153
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥٣ ] ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ .
﴿أصْطَفى البَناتِ﴾ أيِ: اِخْتارَ اَلْإناثَ: ﴿عَلى البَنِينَ﴾ أيِ: اَلذُّكُورِ.
الصافات 37:154
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥٤ ] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ .
﴿ما لَكُمْ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءِ عَرَضَ لِعُقُولِكُمْ: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بِنِسْبَةِ اَلنّاقِصِ إلى اَلْمَقامِ اَلْأعْلى، وتَخَيُّرِكُمُ اَلْكامِلَ.
(p-٥٠٦٥)لَطِيفَةٌ:
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ قُلْتُ: ﴿أصْطَفى البَناتِ﴾ [الصافات: ١٥٣] بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ، اِسْتِفْهامٌ عَلى طَرِيقِ اَلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، فَكَيْفَ صَحَّتْ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ بِكَسْرِ اَلْهَمْزَةِ عَلى اَلْإثْباتِ؟ قُلْتُ: جَعَلَهُ مِن كَلامِ اَلْكَفَرَةِ، بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥٢] وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما. وهَذِهِ اَلْقِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمِلُها، فَهي ضَعِيفَةٌ. والَّذِي أضْعَفَها أنَّ اَلْإنْكارَ قَدِ اِكْتَنَفَ هَذِهِ اَلْجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها. وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] و: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباثِ، فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ. اِنْتَهى.
الصافات 37:155
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥٥ ] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ .
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
الصافات 37:156
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥٦ ] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ .
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ وبُرْهانٌ قاطِعٌ، ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَقْلِيًّا، لِاسْتِحالَتِهِ عِنْدَ اَلْفِعْلِ، فَغايَتُهُ أنْ يَكُونَ مَأْثُورًا عَنْ أسْفارٍ مُقَدَّسَةٍ.
الصافات 37:157
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥٧ ] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ أيِ: اَلْمَسْطُورِ فِيهِ ذَلِكَ عَنْ وحْيٍ سَماوِيٍّ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في دَعْواكم. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ أنْـزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ اَلْمَدارَ في اَلدَّعْوى عَلى اَلْبُرْهانِ اَلْبَيِّنِ، وأنَّها بِدُونِهِ لا يُقامُ لَها وزْنٌ.
الصافات 37:158
(p-٥٠٦٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥٨ ] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ .
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ أيْ: قُرْبًا مِنهُ. قالَ مُجاهِدٌ: قالَ المُشْرِكُونَ: اَلْمَلائِكَةُ بَناتُ اَللَّهِ تَعالى. فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ: فَمَن أُمَّهاتُهُنَّ؟ قالُوا: بَناتُ سَرَواتِ اَلْجِنِّ. وكَذا قالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ، ثُمَّ أشارَ إلى أنْ لا نِسْبَةَ تَقْتَضِي اَلنَّسَبَ بِوَجْهٍ ما، عَدا عَنِ اِسْتِحالَةِ ذَلِكَ عَقْلًا، بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾ أيِ: اَلْمَنسُوبُ إلَيْهِمْ هَذا اَلنَّسَبُ ﴿إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: في اَلنّارِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ. لِكَوْنِ اَلْجِنَّةِ كالجِنِّ، عَلَمًا في اَلْأغْلَبِ لِلْفِرْقَةِ اَلْفاسِقَةِ عَنْ أمْرِ رَبِّها مِن عالَمِ اَلشَّياطِينِ، أيْ: فالمَنسُوبُ إلَيْهِمْ يَتَبَرَّؤُونَ مِن هَذِهِ اَلنِّسْبَةِ، لِما يَعْلَمُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهم مِن أهْلِ اَلسَّعِيرِ، لا مِن عالَمِ اَلْأرْواحِ اَلطّاهِرَةِ، فَما بالُ هَؤُلاءِ اَلْمُشْرِكِينَ يَهْرِفُونَ بِما لا يَعْرِفُونَ؟ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ (اَلْجِنَّةُ)، بِالمَلائِكَةِ اَلْمُحَدَّثِ عَنْها قَبْلُ. والضَّمِيرُ في (إنَّهم)، لِلْكَفَرَةِ. ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى، لِخُلُوِّهِ عَنْ تَشْتِيتِ اَلضَّمائِرِ، ولِمُوافَقَتِهِ لِلْأغْلَبِ مِنَ اِسْتِعْمالِ اَلْجِنِّ والجِنَّةِ. وذَلِكَ فِيما عَدا اَلْمَلائِكَةَ. وقُلْنا (اَلْأغْلَبُ) لِما سُمِعَ مِن إطْلاقِ اَلْجِنِّ في اَلْمَلائِكَةِ.
قالَ الأعْشى يَذْكُرُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ:
؎وسَخَّرَ مِن جِنِّ اَلْمَلائِكِ تَسْعَةً قِيامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ مَحارِبا
وقالَ الرّاغِبُ: اَلْجِنُّ يُقالُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما لِلرُّوحانِيِّينَ اَلْمُسْتَتِرَةِ عَنِ اَلْحَواسِّ كُلِّها، بِإزاءِ اَلْإنْسِ. فَعَلى هَذا تَدْخُلُ فِيهِ اَلْمَلائِكَةُ. وقِيلَ: بَلِ اَلْجِنُّ بَعْضُ اَلرُّوحانِيِّينَ، وذَلِكَ أنَّ اَلرُّوحانِيِّينَ ثَلاثَةٌ: أخْيارٌ وهُمُ اَلْمَلائِكَةُ. وأشْرارٌ وهُمُ اَلشَّياطِينُ. وأوْساطٌ فِيهِمْ أخْيارٌ وأشْرارٌ، وهُمُ اَلْجِنُّ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنّا القاسِطُونَ﴾ [الجن: ١٤] اِنْتَهى.
ورَدَّ إطْلاقَ اَلْجِنِّ عَلى اَلْمَلائِكَةِ اَلْعَلّامَةُ اَلْفاسِيُّ فِي" شَرْحِهِ عَلى (اَلْقامُوسِ)" فَقالَ: تَفْسِيرُ اَلْجِنِّ بِالمَلائِكَةِ مَرْدُودٌ؛ إذْ خَلْقُ اَلْمَلائِكَةِ مِن نُورٍ لا مِن نارٍ كالجِنِّ. والمَلائِكَةُ مَعْصُومُونَ، ولا يَتَناسَلُونَ ولا يَتَّصِفُونَ بِذُكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ، بِخِلافِ (p-٥٠٦٧)اَلْجِنِّ؛ ولِهَذا قالَ الجَماهِيرُ: اَلِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى: { إلّا إبْلِيسَ }، مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ. لِكَوْنِهِ كانَ مَغْمُورًا فِيهِمْ، مُتَخَلِّقًا بِأخْلاقِهِمُ. اِنْتَهى.
وهُوَ يُؤَيِّدُ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ، وبَيْتُ اَلْأعْشى لا يَصْلُحُ حُجَّةً، لِفَسادِ مِصْداقِهِ؛ لِأنَّ سُلَيْمانَ لَمْ تُسَخَّرِ اَلْمَلائِكَةُ لِتُشَيِّدَ لَهُ اَلْمَبانِي، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن عَمَلِهِمْ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، وقَدْ مَرَّ اَلْكَلامُ عَلى ذَلِكَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ { سَبَأٍ } .
الصافات 37:159
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥٩ ] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ .
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ: مِنَ اَلْوَلَدِ والنَّسَبِ. وقَوْلُهُ:
الصافات 37:160
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٠ ] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اِسْتِثْناءٌ مِنَ (اَلْمُحْضَرِينَ)، اَلَّذِينَ هُمُ اَلْجِنَّةُ، مُتَّصِلٌ عَلى اَلْقَوْلِ اَلْأوَّلِ، أيِ: اَلْمُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، ومُنْقَطِعٌ عَلى اَلثّانِي، أوِ اِسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ( واوِ) يَصِفُونَ. هَذا وبَقِيَ وجْهٌ في اَلْآيَةِ لَمْ يَذْكُرُوهُ، وهو أنْ يُرادَ بِالنَّسَبِ اَلْمُناسِبَةُ، والمُشاكَلَةُ في اَلْعِبادَةِ، ويُرادَ بِالجِنَّةِ اَلْمَلائِكَةُ، ويَكُونَ اَلْمُرادُ مِنَ اَلْآيَةِ اَلْإخْبارَ عَمَّنْ عَبَدَ اَلْمَلائِكَةَ مِنَ اَلْعَرَبِ وجَعَلُوهم نِدًّا ومَثَلًا لَهُ تَعالى، وحِكايَةً لِضَلالٍ آخَرَ لَهُمْ، غَيْرِ ضَلالِ دَعْواهُمْ، أنَّهم بَناتُ اَللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن عِبادَتِهِمْ لَهُمْ، مَعَ أنَّهم عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ اَلضّالِّينَ مُحْضَرُونَ في اَلْعَذابِ. والآيَةُ في هَذا كَآيَةِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] وكانَ اَلسِّياقُ مِن هُنا إلى آخِرَ، كالسِّياقِ في طَلِيعَةِ اَلسُّورَةِ، كُلُّهُ في تَقْرِيرِ عُبُودِيَّةِ اَلْمَلائِكَةِ لَهُ تَعالى، وكَوْنِها مِن مَخْلُوقاتِهِ اَلصّافَّةِ لِعِبادَتِهِ، فَأنّى تَسْتَحِقُّ اَلرُّبُوبِيَّةَ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ:
الصافات 37:161
(p-٥٠٦٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦١ ] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ .
﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ عَوْدٌ إلى خِطابِهِمْ.
الصافات 37:162
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٢ ] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ .
﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: مُفْسِدِينَ أحَدًا بِالإغْواءِ.
الصافات 37:163
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٣ ] ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ .
﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: ضالٌّ مِثْلُكُمْ، مُسْتَوْجِبٌ لِلنّارِ، قالَ اِبْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ تَعالى ذِكْرُهُ: فَإنَّكم أيُّها اَلْمُشْرِكُونَ باللَّهِ: ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] مِنَ اَلْآلِهَةِ والأوْثانِ: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] أيْ: ما أنْتُمْ عَلى ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ بِمُضِلِّينَ أحَدًا ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ صالِ اَلْجَحِيمِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى عَلَيْهِ بِهِ. اِنْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى اِعْتِرافَ اَلْمَلائِكَةِ بِالعُبُودِيَّةِ، لِلرَّدِّ عَلى عَبَدَتِهِمْ، بِقَوْلِهِ حاكِيًا عَنْهُمْ:
الصافات 37:164
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٤ ] ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ .
﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ: في اَلْعُبُودِيَّةِ وتَسْخِيرِهِ فِيما يُرِيدُهُ تَعالى مِنهُ. لا يَتَعَدّى فِيهِ طَوْرَهُ، ولا يُجاوِزُ مِنهُ قَدْرَهُ.
الصافات 37:165
(p-٥٠٦٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٥ ] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ .
﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في أداءِ اَلطّاعَةِ، ومَنازِلِ اَلْخِدْمَةِ اَلَّتِي نُؤْمَرُ بِها.
الصافات 37:166
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٦ ] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ .
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: اَلْمُنَزِّهُونَ اَللَّهَ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ اَلْمُلْحِدُونَ، أوِ اَلْمُصَلُّونَ لَهُ خُشُوعًا لِعَظَمَتِهِ، وتَواضُعًا لِجَلالِهِ.
الصافات 37:167
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٧ ] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ .
﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أيْ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ.
الصافات 37:168
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٨ ] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ .
﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِنَ اَلْكُتُبِ اَلَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ.
الصافات 37:169
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٩ ] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا اَلْعِبادَةَ لَهُ، فَجاءَهُمُ اَلذِّكْرُ اَلَّذِي هو سَيِّدُ اَلْأذْكارِ، والكِتابُ اَلَّذِي هو أهْدى اَلْكُتُبِ والمُعْجِزُ مِن بَيْنِها.
الصافات 37:170
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٠ ] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
(p-٥٠٧٠)﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْـزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ [الأنعام: ١٥٧]
الصافات 37:171
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧١ ] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ .
﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: وعْدُنا لَهُمُ اَلْأزَلِيُّ، وهُوَ:
الصافات 37:172
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٢، ١٧٣ ] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] .
﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا﴾ [الصافات: ١٧٣] أيِ: اَلرُّسُلَ ومَن آمَنَ مَعَهُمْ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] أيِ: اَلظّاهِرُونَ عَلى أعْدائِهِمْ، والمالِكُونَ لِنَواصِيهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]
الصافات 37:173
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٢، ١٧٣ ] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] .
﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا﴾ [الصافات: ١٧٣] أيِ: اَلرُّسُلَ ومَن آمَنَ مَعَهُمْ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] أيِ: اَلظّاهِرُونَ عَلى أعْدائِهِمْ، والمالِكُونَ لِنَواصِيهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]
الصافات 37:174
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٤ ] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ .
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إعْراضَ اَلصَّفُوحِ اَلْحَلِيمِ عَمَّنْ يَنالُ مِنهُ. (p-٥٠٧١)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] وقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: إلى اِسْتِقْرارِ اَلنَّصْرِ لَكَ.
الصافات 37:175
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٥ ] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ .
﴿وأبْصِرْهُمْ﴾ أيْ: بَصِّرْهم وعَرِّفْهم عاقِبَةَ اَلْبَغْيِ والكُفْرِ، وما نَزَلَ بِمَن أُنْذِرَ قَبْلَهُمْ، أوْ أوْضِحْ لَهُمُ اَلدَّلائِلَ والحُجَجَ في مُجاهَدَتِكَ إيّاهم بِالقُرْآنِ والوَحْيِ، فَإنْ لَمْ يُبْصِرُوا اَلْآنَ ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: ما قَضَيْنا لَكَ مِنَ اَلتَّأْيِيدِ والنُّصْرَةِ.
الصافات 37:176
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٦ ] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ .
﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: قَبْلَ حُلُولِ أجَلِهِ، وإنَّهُ لَآتٍ، لِأنَّهُ يَوْمُ اَلْفَتْحِ اَلْمَوْعُودُ بِهِ.
الصافات 37:177
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٧ ] ﴿فَإذا نَـزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ .
﴿فَإذا نَـزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: بِقُرْبِهِمْ وفِنائِهِمْ: ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: فَبِئْسَ اَلصَّباحُ صَباحُ مَن أنْذَرْتُهم بِالرُّسُلِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّهُ يَوْمُ هَلاكِهِمْ ودَمارِهِمْ. قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: مَثَّلَ اَلْعَذابَ اَلنّازِلَ بِهِمْ، بَعْدَ ما أُنْذِرُوا فَأنْكَرُوهُ، بِجَيْشٍ أنْذَرَ بِهُجُومِهِ بَعْضُ نُصّاحِهِمْ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى إنْذارِهِ، ولا أخَذُوا أُهْبَتَهُمْ، ولا دَبَّرُوا أمْرَهم تَدْبِيرًا يُنْجِيهِمْ، حَتّى أناخَ بِفَنائِهِمْ بَغْتَةً فَشَنَّ عَلَيْهِمُ اَلْغارَةَ، وقَطَعَ دابِرَهم. وكانَتْ عادَةُ مَغاوِيرِهِمْ أنْ يُغِيرُوا صَباحًا. فَسُمِّيَتِ اَلْغارَةُ (صَباحًا)، وإنْ وقَعَتْ في وقْتٍ آخَرَ. وما فَصَحَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ ولا كانَتْ لَها اَلرَّوْعَةُ اَلَّتِي تُحِسُّ بِها ويَرُوقُكَ مَوْرِدُها عَلى نَفْسِكَ وطَبْعِكَ، إلّا لِمَجِيئِها عَلى طَرِيقَةِ اَلتَّمْثِيلِ. اِنْتَهى. أيْ: فَهي اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، أوْ في اَلضَّمِيرِ اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، والنُّزُولُ تَخْيِيلِيَّةٌ.
الصافات 37:178
(p-٥٠٧٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٨، ١٧٩ ] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] .
﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما ثَنى ذَلِكَ لِيَكُونَ تَسْلِيَةً عَلى تَسْلِيَةٍ، وتَأْكِيدًا لِوُقُوعِ اَلْمِيعادِ إلى تَأْكِيدٍ. وفِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، وهي إطْلاقُ اَلْفِعْلَيْنِ مَعًا عَنِ اَلتَّقْيِيدِ بِالمَفْعُولِ، وإنَّهُ يُبْصِرُ وهم يُبْصِرُونَ ما لا يُحِيطُ بِهِ مِنَ اَلذِّكْرِ مِن صُنُوفِ اَلْمَسَرَّةِ، وأنْواعِ اَلْمَساءَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِأحَدِهِما عَذابُ اَلدُّنْيا، وبِالآخَرِ عَذابُ اَلْآخِرَةِ.
الصافات 37:179
(p-٥٠٧٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧٨، ١٧٩ ] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] .
﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما ثَنى ذَلِكَ لِيَكُونَ تَسْلِيَةً عَلى تَسْلِيَةٍ، وتَأْكِيدًا لِوُقُوعِ اَلْمِيعادِ إلى تَأْكِيدٍ. وفِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، وهي إطْلاقُ اَلْفِعْلَيْنِ مَعًا عَنِ اَلتَّقْيِيدِ بِالمَفْعُولِ، وإنَّهُ يُبْصِرُ وهم يُبْصِرُونَ ما لا يُحِيطُ بِهِ مِنَ اَلذِّكْرِ مِن صُنُوفِ اَلْمَسَرَّةِ، وأنْواعِ اَلْمَساءَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِأحَدِهِما عَذابُ اَلدُّنْيا، وبِالآخَرِ عَذابُ اَلْآخِرَةِ.
الصافات 37:180
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨٠ ] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ .
﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ أيِ: اَلْمَنَعَةِ، والقُدْرَةِ، والغَلَبَةِ: ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ: مِنَ اَلشَّرِيكِ، والوَلَدِ، ونَحْوِهِما.
الصافات 37:181
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨١ ] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ .
﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: سَلامٌ، وأمانٌ، وتَحِيَّةٌ عَلى اَلْمُرْسَلِينَ اَلْمُبَلِّغِينَ رِسالاتِ رَبِّهِمْ.
الصافات 37:182
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨٢ ] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: عَلى نِعَمِهِ، اَلَّتِي أجَلُّها إرْسالُ اَلرُّسُلِ لِإظْهارِ أسْمائِهِ اَلْحُسْنى وشَرائِعِهِ اَلْعُلْيا، وإصْلاحِ اَلْأُولى والأُخْرى.
(p-٥٠٧٣)فَوائِدُ في خَواتِمِ هَذِهِ اَلسُّورَةِ:
اَلْأُولى - رَوى اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اَلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ قالَ: كانُوا لا يَصُفُّونَ في اَلصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] فَصَفُّوا.
وقالَ أبُو نَضْرَةَ: كانَ عُمَرُ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ إذا أُقِيمَتِ اَلصَّلاةُ اِسْتَقْبَلَ اَلنّاسَ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ قالَ: أقِيمُوا صُفُوفَكُمُ، اِسْتَقِيمُوا قِيامًا، يُرِيدُ اَللَّهُ بِكم هَدْيَ اَلْمَلائِكَةِ. ثُمَّ يَقُولُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] تَأخَّرْ يا فُلانُ، تَقَدَّمْ يا فُلانُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُكَبِّرُ رَواهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قالَ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««فُضِّلْنا عَلى اَلنّاسِ بِثَلاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ اَلْمَلائِكَةِ، وجُعِلَتْ لَنا اَلْأرْضُ مَسْجِدًا، وتُرْبَتُها لَنا طَهُورًا»» .
اَلثّانِيَةُ - رَوى اَلشَّيْخانِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قالَ: «صَبَّحَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَيْبَرَ فَلَمّا خَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ ومِساحِيِّهِمْ ورَأوُا اَلْجَيْشَ، رَجَعُوا وهم يَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ واللَّهِ ! مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ. فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اَللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ: إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ اَلْمُنْذَرِينَ»» . دَلَّ تَمَثُّلُهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالآيَةِ عَلى شُمُولِها لِعَذابِ اَلدُّنْيا، أوَّلًا وبِالذّاتِ.
اَلثّالِثَةُ - قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: لَمّا كانَ اَلتَّسْبِيحُ يَتَضَمَّنُ اَلتَّنْزِيهَ، والتَّبْرِئَةَ مِنَ اَلنَّقْصِ، بِدَلالَةِ اَلْمُطابَقَةِ، ويَسْتَلْزِمُ إثْباتَ اَلْكَمالِ، كَما أنَّ اَلْحَمْدَ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ صِفاتِ اَلْكَمالِ اَلْمُطْلَقِ مُطابَقَةً، ويَسْتَلْزِمُ اَلتَّنْزِيهَ مِنَ اَلنَّقْصِ - قَرَنَ بَيْنَهُما في هَذا اَلْمَوْضِعِ، وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ اَلْقُرْآنِ، ولِهَذا قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ [الصافات: ١٨٠] اَلْآياتِ.
(p-٥٠٧٤)اَلرّابِعَةُ - رَوى اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اَلشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَكْتالَ بِالمِكْيالِ اَلْأوْفى مِنَ اَلْأجْرِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ، فَلْيَقُلْ آخِرَ مَجْلِسِهِ، حِينَ يُرِيدُ أنْ يَقُومَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ [الصافات: ١٨٠] - اَلْآياتِ -»» .
ورُوِيَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ اَلطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ مَرْفُوعًا: ««مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ [الصافات: ١٨٠] اَلْآياتِ، ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اِكْتالَ بِالجَرِيبِ اَلْأوْفى مِنَ اَلْأجْرِ»» .
وقَدْ بَيَّنَ اَلرّازِيُّ أنَّ خاتِمَةَ هَذِهِ اَلسُّورَةِ اَلشَّرِيفَةِ جامِعَةٌ لِكُلِّ اَلْمَطالِبِ اَلْعالِيَةِ. فارْجِعْ إلَيْهِ.