Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — ص 38:1 – الزمر 39:75
المحتويات
- ص 38:1
- ص 38:2
- ص 38:3
- ص 38:4
- ص 38:5
- ص 38:6
- ص 38:7
- ص 38:8
- ص 38:9
- ص 38:10
- ص 38:11
- ص 38:12
- ص 38:13
- ص 38:14
- ص 38:15
- ص 38:16
- ص 38:17
- ص 38:18
- ص 38:19
- ص 38:20
- ص 38:21
- ص 38:22
- ص 38:23
- ص 38:24
- ص 38:25
- ص 38:26
- ص 38:27
- ص 38:28
- ص 38:29
- ص 38:30
- ص 38:31
- ص 38:32
- ص 38:33
- ص 38:34
- ص 38:35
- ص 38:36
- ص 38:37
- ص 38:38
- ص 38:39
- ص 38:40
- ص 38:41
- ص 38:42
- ص 38:43
- ص 38:44
- ص 38:45
- ص 38:46
- ص 38:47
- ص 38:48
- ص 38:49
- ص 38:50
- ص 38:51
- ص 38:52
- ص 38:53
- ص 38:54
- ص 38:55
- ص 38:56
- ص 38:57
- ص 38:58
- ص 38:59
- ص 38:60
- ص 38:61
- ص 38:62
- ص 38:63
- ص 38:64
- ص 38:65
- ص 38:66
- ص 38:67
- ص 38:68
- ص 38:69
- ص 38:70
- ص 38:71
- ص 38:72
- ص 38:73
- ص 38:74
- ص 38:75
- ص 38:76
- ص 38:77
- ص 38:78
- ص 38:79
- ص 38:80
- ص 38:81
- ص 38:82
- ص 38:83
- ص 38:84
- ص 38:85
- ص 38:86
- ص 38:87
- ص 38:88
- الزمر 39:1
- الزمر 39:2
- الزمر 39:3
- الزمر 39:4
- الزمر 39:5
- الزمر 39:6
- الزمر 39:7
- الزمر 39:8
- الزمر 39:9
- الزمر 39:10
- الزمر 39:11
- الزمر 39:12
- الزمر 39:13
- الزمر 39:14
- الزمر 39:15
- الزمر 39:16
- الزمر 39:17
- الزمر 39:18
- الزمر 39:19
- الزمر 39:20
- الزمر 39:21
- الزمر 39:22
- الزمر 39:23
- الزمر 39:24
- الزمر 39:25
- الزمر 39:26
- الزمر 39:27
- الزمر 39:28
- الزمر 39:29
- الزمر 39:30
- الزمر 39:31
- الزمر 39:32
- الزمر 39:33
- الزمر 39:34
- الزمر 39:35
- الزمر 39:36
- الزمر 39:37
- الزمر 39:38
- الزمر 39:39
- الزمر 39:40
- الزمر 39:41
- الزمر 39:42
- الزمر 39:43
- الزمر 39:44
- الزمر 39:45
- الزمر 39:46
- الزمر 39:47
- الزمر 39:48
- الزمر 39:49
- الزمر 39:50
- الزمر 39:51
- الزمر 39:52
- الزمر 39:53
- الزمر 39:54
- الزمر 39:55
- الزمر 39:56
- الزمر 39:57
- الزمر 39:58
- الزمر 39:59
- الزمر 39:60
- الزمر 39:61
- الزمر 39:62
- الزمر 39:63
- الزمر 39:64
- الزمر 39:65
- الزمر 39:66
- الزمر 39:67
- الزمر 39:68
- الزمر 39:69
- الزمر 39:70
- الزمر 39:71
- الزمر 39:72
- الزمر 39:73
- الزمر 39:74
- الزمر 39:75
ص 38:1
(p-٥٠٧٥)سُورَةُ ص
مَكِّيَّةٌ. وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ وضُعِّفَ وآياتُها ثَمانٍ وثَمانُونَ.
(p-٥٠٧٦)بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ ] ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ .
﴿ص﴾ بِالسُّكُونِ عَلى اَلْوَقْفِ. وقُرِئَ بِالكَسْرِ والفَتْحِ. اِسْمٌ لِلسُّورَةِ، عَلى اَلْقَوْلِ اَلْمُتَّجِهِ عِنْدَنا، فِيهِ وفي نَظائِرِهِ، لِما قَدَّمْنا غَيْرَ ما مَرَّةٍ. وقِيلَ: قَسَمٌ رَمْزِيٌّ، وإلَيْهِ نَحا اَلْمَهايِمِيُّ. قالَ: أقْسَمَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلَّذِي اِعْتَرَفَ بِهِ اَلْكُلُّ في غَيْرِ دَعْوى اَلنُّبُوَّةِ، حَتّى صَدَّقَهُ أهْلُ اَلْكِتابَيْنِ في إخْبارِهِ عَنِ اَلْغُيُوبِ، اَلدّالِّ عَلى اَلصِّدْقِ في دَعْوَةِ اَلنُّبُوَّةِ، أوْ بِصَفائِهِ عَنْ رَذائِلِ اَلْأخْلاقِ، وقَبائِحِ اَلْأفْعالِ اَلدّالِّ عَلى صَفائِهِ عَنْ نَقِيصَةِ اَلْكَذِبِ، أوْ بِصُعُودِهِ في مَدارِجِ اَلْكِمالاتِ، اَلدّالِّ عَلى صُعُودِهِ في مَدارِجِ اَلْقُرْبِ مِنَ اَللَّهِ، أوْ بِصَبْرِهِ اَلْكامِلِ اَلَّذِي هو لَوازِمُ اَلرِّسالَةِ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ. اِنْتَهى.
﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أيِ: اَلشَّرَفِ اَلدّالِّ عَلى حَقِيقَتِهِ وصِدْقِهِ، أوِ اَلتَّذْكِيرِ، كَآيَةِ: ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ اَلسِّياقِ عَلَيْهِ؛ أيْ: إنَّهُ لَحَقٌّ. وقَوْلُهُ:
ص 38:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢ ] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ .
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾ أيْ: كِبْرٍ: ﴿وشِقاقٍ﴾ أيْ: عَداوَةٍ لِلْحَقِّ، والإذْعانِ لَهُ. إضْرابٌ عَمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا، ولَيْسَ عَدَمُ إيمانِ اَلْكَفَرَةِ بِهِ لِشائِبَةِ رَيْبٍ مِمّا فِيهِ، بَلْ هم في حَمِيَّةٍ جاهِلِيَّةٍ، وشِقاقٍ بَعِيدٍ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ؛ ولِذَلِكَ لا يُذْعِنُونَ لَهُ. وقِيلَ: اَلْجَوابُ ما دَلَّ عَلَيْهِ اَلْجُمْلَةُ اَلْإضْرابِيَّةُ؛ أيْ: ما كَفَرَ بِهِ مَن كَفَرَ لِخَلَلٍ وجَدَهُ فِيهِ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ثُمَّ أوْعَدَهم عَلى شِقاقِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى:
ص 38:3
(p-٥٠٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ ] ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ .
: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ أيْ: لِكِبْرِهِمْ عَنِ اَلْحَقِّ، ومُعاداتِهِمْ لِأهْلِهِ: ﴿فَنادَوْا﴾ أيْ: فَدَعَوْا واسْتَغاثُوا: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ أيْ: ولَيْسَ اَلْحِينُ حِينَ فِرارٍ، ومَهْرَبٍ، ومَنجاةٍ. والكَلامُ عَلى" لاتَ"، وأصْلِها، وعَمَلِها، والوَقْفِ عَلَيْها، ووَصْلِ اَلتّاءِ بِها، أوْ فَصْلِها عَنْها، مَبْسُوطٌ في مُطَوَّلاتِ اَلْعَرَبِيَّةِ، وفي مُعْظَمِ اَلتَّفاسِيرِ هُنا.
ص 38:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤، ٥ ] ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] .
﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ﴾ أيْ: رَسُولٌ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ، يَعْنِي اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] أيْ: بَلِيغٌ في اَلْعَجَبِ، وذَلِكَ لِتَمَكُّنِ تَقْلِيدِ آبائِهِمْ في نُفُوسِهِمْ، ورُسُوخِهِ في أعْماقِ قُلُوبِهِمْ، ومُضِيِّ قُرُونٍ عَدِيدَةٍ عَلَيْهِ، وإلْفِهِمْ بِهِ وأُنْسِهِمْ لَهُ، حَتّى رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وغَشِيَ عَلى أبْصارِهِمْ، ونُسِيَ بابُ اَلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ. بَلْ مُحِيَ بِالكُلِّيَّةِ مِن بَيْنِهِمْ. وصارَ عِنْدَهم مِن أبْطَلِ اَلْباطِلِ، وأمْحَلِ اَلْمِحالِ.
ص 38:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤، ٥ ] ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] .
﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ﴾ أيْ: رَسُولٌ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ، يَعْنِي اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] أيْ: بَلِيغٌ في اَلْعَجَبِ، وذَلِكَ لِتَمَكُّنِ تَقْلِيدِ آبائِهِمْ في نُفُوسِهِمْ، ورُسُوخِهِ في أعْماقِ قُلُوبِهِمْ، ومُضِيِّ قُرُونٍ عَدِيدَةٍ عَلَيْهِ، وإلْفِهِمْ بِهِ وأُنْسِهِمْ لَهُ، حَتّى رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وغَشِيَ عَلى أبْصارِهِمْ، ونُسِيَ بابُ اَلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ. بَلْ مُحِيَ بِالكُلِّيَّةِ مِن بَيْنِهِمْ. وصارَ عِنْدَهم مِن أبْطَلِ اَلْباطِلِ، وأمْحَلِ اَلْمِحالِ.
ص 38:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ ] ﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ .
﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ﴾ أيِ: اَلْأشْرافُ مِن قُرَيْشٍ يَحُضُّونَ بَعْضَهم عَلى اَلتَّمَسُّكِ بِالوَثَنِيَّةِ (p-٥٠٧٨)، ويَتَواصَوْنَ بِالصَّبْرِ عَلى طُغْيانِهِمْ قائِلِينَ: ﴿أنِ امْشُوا﴾ أيْ: في طَرِيقِ آبائِكُمْ: ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيْ: عِبادَتِها مَهْما سَمِعْتُمْ مِن تَسْفِيهِ أحْلامِنا، وتَفْنِيدِ مَزاعِمِنا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ؛ أيْ: يُرادُ مِنّا إمْضاؤُهُ وتَفْنِيدُهُ لا مَحالَةَ؛ أيْ: يُرِيدُهُ مُحَمَّدٌ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ، ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ، لا قَوْلٌ يُقالُ مِن طَرْفِ اَللِّسانِ. أوِ اَلْمَعْنى: إنَّ هَذا اَلْأمْرَ لَشَيْءٌ مِن نَوائِبِ اَلدَّهْرِ يُرادُ مِنّا، أيْ: بِنا، فَلا اِنْفِكاكَ لَنا عَنْهُ، وما لَنا إلّا اَلِاعْتِصامُ عَلَيْهِ بِالصَّبْرِ.
ص 38:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ ] ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ﴾ .
﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا اَلتَّوْحِيدِ اَلَّذِي نُدْعى إلَيْهِ في مِلَّةِ اَلنَّصارى؛ لِأنَّهم مُثَلِّثَةٌ غَيْرُ مُوَحِّدَةٍ، أوْ في مِلَّةِ قُرَيْشٍ اَلَّتِي أدْرَكْنا عَلَيْها آباءَنا: ﴿إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ﴾ أيْ: ما هَذا اَلتَّوْحِيدُ إلّا فِرْيَةٌ مَحْضَةٌ، لا مُسْتَنَدَ لَهُ سِوى هَذا اَلذِّكْرِ بِزَعْمِهِمْ.
ص 38:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨ ] ﴿أأُنْـزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ .
﴿أأُنْـزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ أيْ: مَعَ أنَّ فِينا مَن هو أثْرى وأعْلى رِياسَةً. قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أنْكَرُوا أنْ يُخْتَصَّ بِالشَّرَفِ مِن بَيْنِ أشْرافِهِمْ ورُؤَسائِهِمْ، ويُنْزَلَ عَلَيْهِ اَلْكِتابُ مِن بَيْنِهِمْ، كَما قالُوا: ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وهَذا اَلْإنْكارُ تَرْجَمَةٌ عَمّا كانَتْ تَغْلِي بِهِ صُدُورُهم مِنَ اَلْحَسَدِ، عَلى ما أُوتِيَ مِن شَرَفِ اَلنُّبُوَّةِ مِن بَيْنِهِمْ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: إنْكارُهم لِلذِّكْرِ لَيْسَ عَنْ عِلْمٍ (p-٥٠٧٩)، بَلْ هم في شَكٍّ مِنهُ، يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: إمّا وإمّا: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أيْ: عَلى اَلْإنْكارِ. فَإذا ذاقُوهُ زالَ عَنْهم ما بِهِمْ مِنَ اَلشَّكِّ، والحَسَدِ، وصَدَّقُوا وتَصْدِيقُهم لا يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ؛ لِأنَّهم صَدَّقُوا مُضْطَرِّينَ.
قالَ النّاصِرُ في (" اَلِانْتِصافِ"): ويُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ: { لَمّا } لائِقَةٌ بِالجَوابِ. وإنَّما يُنْفى بِها فِعْلٌ يُتَوَقَّعُ وُجُودُهُ، كَما يَقُولُ سِيبَوَيْهِ، وفَرْقٌ بَيْنَها وبَيْنَ (" لَمْ")، بِأنَّ (لَمْ): نَفْيٌ لِفِعْلٍ يُتَوَقَّعُ وُجُودُهُ لَمْ يَقْبَلْ مُثْبِتُهُ، (قَدْ). و(لَمّا): نَفْيٌ لِما يُتَوَقَّعُ وُجُودُهُ أُدْخِلَ عَلى مُثْبِتِهِ، (قَدْ).
وقالَ: إنَّما ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِالبَحْثِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: ««اَلشُّفْعَةُ فِيما لَمْ يُقْسَمْ»» . فَإنِّي اِسْتَدْلَلْتُ بِهِ عَلى أنَّ اَلشُّفْعَةَ خاصَّةٌ بِما يَقْبَلُ اَلْقِسْمَةَ. فَقِيلَ لِي: إنَّ غايَتَهُ أنَّهُ أثْبَتَ اَلشُّفْعَةَ فِيما نَفى عَنْهُ اَلْقِسْمَةَ، فَإمّا لِأنَّها لا تَقْبَلُ قِسْمَةً، وإمّا أنَّها تَقْبَلُ ولَمْ تَقَعِ اَلْقِسْمَةُ، فَأبْطَلْتُ ذَلِكَ بِأنَّ آلَةَ اَلنَّفْيِ اَلْمَذْكُورَةَ (لَمْ)، ومُقْتَضاها، قَبُولُ اَلْمَحَلِّ اَلْفِعْلَ اَلْمَنفِيَّ وتَوَقُّعُ وجُودِهِ. ألا تَراكَ تَقُولُ: اَلْحَجَرُ لا يَتَكَلَّمُ. ولَوْ قُلْتَ: اَلْحَجَرُ لَمْ يَتَكَلَّمْ. لَكانَ رَكِيكًا مِنَ اَلْقَوْلِ؛ لِإفْهامِهِ قَبُولَهُ لِلْكَلامِ. اِنْتَهى. وهو لَطِيفٌ جَيِّدٌ.
ص 38:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ ] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ .
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ أيْ: حَتّى يَتَخَيَّرُوا لِلنُّبُوَّةِ ما تَهْوى أنْفُسُهم. كَلّا: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]
ص 38:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ ] ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ .
﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ أيْ: فَلْيَصْعَدُوا (p-٥٠٨٠)فِي اَلْمَراقِي اَلَّتِي تُوصِلُهم إلى اَلسَّماءِ، ولِيَتَحَكَّمُوا بِما شاءُوا في اَلْأُمُورِ اَلرَّبّانِيَّةِ، والتَّدابِيرِ اَلْإلَهِيَّةِ.
رَوى اِبْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنِ اَلرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: اَلْأسْبابُ أدَقُّ مِنَ اَلشَّعَرِ، وأشَدُّ مِنَ اَلْحَدِيدِ، وهو بِكُلِّ مَكانٍ، غَيْرَ أنَّهُ لا يُرى. اِنْتَهى.
وهَذا اَلْبَيانُ يَنْطَبِقُ عَلى ما يُعْرَفُ بِهِ اَلْأثِيرُ اَلْمَوْجُودُ في أجْزاءِ اَلْخَلاءِ اَلْمَظْنُونِ أنَّها فارِغَةٌ. فَتَأمَّلْ.
ثُمَّ قالَ اِبْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ اَلسَّبَبِ عِنْدَ اَلْعَرَبِ، كُلُّ ما تُسُبِّبَ بِهِ إلى اَلْوُصُولِ إلى اَلْمَطْلُوبِ مِن حَبْلٍ، أوْ وسِيلَةٍ، أوْ رَحِمٍ، أوْ قَرابَةٍ، أوْ طَرِيقٍ، أوْ مَحَجَّةٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ. اِنْتَهى.
وقالَ المُهايِمِيُّ: أيْ: فَلْيَصْعَدُوا في اَلْأسْبابِ اَلَّتِي هي مَعارِجُ اَلْوُصُولِ إلى اَلْعَرْشِ، لِيَسْتَوُوا عَلَيْهِ، فَيُدِيرُوا اَلْعالَمَ، ويُنْزِلُوا اَلْوَحْيَ عَلى مَن شاءُوا. وأنّى لَهم ذَلِكَ؟
ص 38:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ ] ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ .
﴿جُنْدٌ ما﴾ أيْ: هم جُنْدٌ حَقِيرٌ: ﴿هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ أيِ: اَلَّذِينَ كانُوا يَتَحَزَّبُونَ عَلى اَلْأنْبِياءِ قَبْلَكَ، وأُولَئِكَ قَدْ قُهِرُوا وأُهْلِكُوا. وكَذا هَؤُلاءِ. فَلا تُبالِ بِما يَقُولُونَ، ولا تَكْتَرِثْ لِما بِهِ يَهْذُونَ. و: { هُنالِكَ } إشارَةٌ إلى حَيْثُ وضَعُوا فِيهِ أنْفُسَهم مِنَ اَلِانْتِدابِ لِمِثْلِ هَذا اَلْقَوْلِ، فَهو مَجازٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، لِلْإشارَةِ إلى مَكانِ قَوْلِهِمْ وهو مَكَّةُ. قالَ قَتادَةُ: وعَدَهُ اَللَّهُ وهو بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ، أنَّهُ سَيَهْزِمُ جُنْدًا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ. فَجاءَ تَأْوِيلُها يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ اَلْآيَةُ كَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي اَلْآيَةِ أوْجُهٌ مِنَ اَلْإعْرابِ أشارَ لَهُ اَلسَّمِينُ (p-٥٠٨١)بِقَوْلِهِ: { جُنْدٌ } يَجُوزُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما - وهو اَلظّاهِرُ - أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أيْ: هم جُنْدٌ. و: { ما } فِيها وجْهانِ، أحَدُهُما - أنَّها مَزِيدَةٌ. والثّانِي أنَّها صِفَةٌ لِـ: (جُنْدٌ)، عَلى سَبِيلِ اَلتَّعْظِيمِ، لِلْهَزْءِ بِهِمْ، أوْ لِلتَّحْقِيرِ. فَإنَّ (ما)، إذا كانَتْ صِفَةً تُسْتَعْمَلُ لِهَذَيْنِ اَلْمَعْنَيَيْنِ.
و: { هُنالِكَ } يَجُوزُ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها - أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ: (جُنْدٌ). و(ما): مَزِيدَةٌ و: ﴿مَهْزُومٌ﴾ نَعْتٌ لِـ: (جُنْدٌ).
والثّانِي - أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ: جُنْدٌ.
اَلثّالِثُ - أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ: (مَهْزُومٌ). و: ﴿مَهْزُومٌ﴾ يَجُوزُ فِيهِ أيْضًا وجْهانِ: أحَدُهُما - أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِذَلِكَ اَلْمُبْتَدَأِ اَلْمُقَدَّرِ، والثّانِي أنَّهُ صِفَةٌ لِـ: (جُنْدٌ). و: { هُنالِكَ } مُشارٌ بِهِ إلى مَوْضِعِ اَلتَّقاوُلِ، والمُحاوَرَةِ بِالكَلِماتِ اَلسّابِقَةِ، وهو مَكَّةُ؛ أيْ: سَيُهْزَمُونَ بِمَكَّةَ، وهو إخْبارٌ بِالغَيْبِ. وقِيلَ: مُشارٌ بِهِ إلى نُصْرَةِ اَلْإسْلامِ. وقِيلَ: إلى حَفْرِ اَلْخَنْدَقِ، يَعْنِي إلى مَكانِ ذَلِكَ.
الثّانِي - مِنَ اَلْوَجْهَيْنِ اَلْأوَّلِينَ - أنْ يَكُونَ (جُنْدٌ): مُبْتَدَأً، و(ما): مَزِيدَةٌ و: { هُنالِكَ } نَعْتٌ و: ﴿مَهْزُومٌ﴾ خَبَرُهُ. وفِيهِ بُعْدٌ، لِتَفَلُّتِهِ عَنِ اَلْكَلامِ اَلَّذِي قَبْلَهُ. اِنْتَهى.
فائِدَةٌ:
«رَوى اِبْنُ عَبّاسٍ في هَذِهِ اَلْآيَةِ أنَّهُ لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالُوا إنَّ اِبْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا، ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ، ويَقُولُ ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ ! فَبَعَثَ إلَيْهِ. فَجاءَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَخَلَ اَلْبَيْتَ، وبَيْنَهُمْ، وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ. قالَ فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ - لَعَنَهُ اَللَّهُ - إنْ جَلَسَ إلى جَنْبِ أبِي طالِبٍ، أنْ يَكُونَ أرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ. فَوَثَبَ فَجَلَسَ في ذَلِكَ اَلْمَجْلِسِ. ولَمْ يَجِدْ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ اَلْبابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ: أيِ اِبْنَ أخِي ! ما بالُ قَوْمِكَ يَشْكُونَكَ ! يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ، وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ اَلْقَوْلِ. وتَكَلَّمَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «يا عَمِّ ! أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها، تَدِينُ لَهم بِها اَلْعَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها اَلْعَجَمُ اَلْجِزْيَةَ» . فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ ولِقَوْلِهِ. فَقالَ القَوْمُ: كَلِمَةٍ واحِدَةٍ؟ نَعَمْ، وأبِيكَ عَشْرًا. فَقالُوا: وما هِيَ؟ وقالَ أبُو طالِبٍ: وأيُّ كَلِمَةٍ هي يا اِبْنَ أخِي؟ قالَ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا إلَهَ إلّا اَللَّهُ» . فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهم وهم يَقُولُونَ: (p-٥٠٨٢)﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ونَزَلَتِ اَلْآيَةُ» . رَواهُ اِبْنُ جَرِيرٍ، والإمامُ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ.
ص 38:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ ] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ .
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ: ﴿قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ﴾ وهم قَوْمُ هُودٍ: ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ أيِ: اَلْمُلْكِ اَلثّابِتِ. وأصْلُهُ اَلْبَيْتُ اَلْمُطَنَّبُ، أيِ: اَلْمَرْبُوطَةُ أطْنابُهُ - أيْ: حِبالُهُ - بِأوْتادِهِ، اُسْتُعِيرَ لِلْمُلْكِ اِسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً، وُصِفَ بِهِ فِرْعَوْنُ مُبالَغَةً بِجَعْلِهِ عَيْنَ مُلْكِهِ، أوْ شُبِّهَ فِرْعَوْنُ في ثَباتِ مُلْكِهِ بِذِي بَيْتٍ ثابِتٍ، أُقِيمَ عَمُودُهُ، وثُبِّتَتْ أوْتادُهُ. عَلى طَرِيقِ اَلِاسْتِعارَةِ اَلْمَكْنِيَّةِ، وأُثْبِتَ لَهُ ما هو مِن خَواصِّهِ تَخْيِيلًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذُو الأوْتادِ﴾ فَإنَّهُ لازِمٌ لَهُ، أوْ هو كِنايَةٌ، حَيْثُ أُطْلِقَ اَللّازِمُ، وأُرِيدَ اَلْمَلْزُومُ، وهو اَلْمُلْكُ اَلثّابِتُ، وقَدْ جاءَ هَذا في قَوْلِاَلْأسْوَدِ مِن شُعَراءِ اَلْجاهِلِيَّةِ:
؎ولَقَدْ غَنُوا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ اَلْأوْتادِ
أوِ اَلْمَعْنى: ذُو اَلْجُمُوعِ اَلْكَثِيرَةِ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَهم يَشُدُّ بَعْضًا، كالوَتَدِ يَشُدُّ اَلْبِناءَ. فالِاسْتِعارَةُ تَصْرِيحِيَّةٌ في اَلْأوْتادِ، أوْ هو مَجازٌ مُرْسَلٌ لِلُزُومِ اَلْأوْتادِ لِلْجُنْدِ، أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ، والمُرادُ اَلْمَبانِي اَلْعَظِيمَةُ، والهَياكِلُ اَلثّابِتَةُ اَلْفَخِيمَةُ، واللَّفْظُ صادِقٌ في اَلْكُلِّ.
ص 38:13
(p-٥٠٨٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣ ] ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ .
﴿وثَمُودُ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ: ﴿وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ أيِ: اَلْغَيْضَةِ، وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ: ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أيِ: اَلْكُفّارُ اَلْمُتَحَزِّبُونَ عَلى رُسُلِهِمُ، اَلَّذِينَ جُعِلَ اَلْجُنْدُ اَلْمَهْزُومُ مِنهم.
ص 38:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ ] ﴿إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ .
﴿إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ عُقُوبَتِي. قالَ الشِّهابُ: { إنْ } نافِيَةٌ و: { كُلٌّ } مَحْذُوفُ اَلْخَبَرِ. والتَّفْرِيغُ مِن أعَمِّ اَلْعامِّ؛ أيْ: ما كَلُّ أحَدٍ مُخْبَرٍ عَنْهُ بِشَيْءٍ، إلّا مُخْبَرٌ عَنْهُ بِأنَّهُ كَذَّبَ جَمِيعَ اَلرُّسُلِ؛ لِأنَّ اَلرُّسُلَ يُصَدِّقُ كُلٌّ مِنهُمُ اَلْكُلَّ. فَتَكْذِيبُ واحِدٍ مِنهم تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ، أوْ عَلى أنَّهُ مِن مُقابَلَةِ اَلْجَمْعِ بِالجَمْعِ، فَيَكُونُ كُلٌّ كَذَّبَ رَسُولَهُ، أوِ اَلْحُصْرِ مُبالَغَةً، كَأنَّ سائِرَ أوْصافِهِمْ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ، بِمَنزِلَةِ اَلْعَدَمِ. فَهم غالِبُونَ فِيهِ. اِنْتَهى.
وقالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وفي تَكْرِيرِ اَلتَّكْذِيبِ وإيضاحِهِ بَعْدَ إبْهامِهِ، والتَّنْوِيعِ في تَكْرِيرِهِ بِالجُمْلَةِ اَلْخَبَرِيَّةِ أوَّلًا، والِاسْتِثْنائِيَّةِ ثانِيًا. وما في اَلِاسْتِثْنائِيَّةِ مِنَ اَلْوَضْعِ عَلى وجْهِ اَلتَّوْكِيدِ والتَّخْصِيصِ - أنْواعٌ مِنَ اَلْمُبالَغَةِ اَلْمُسَجَّلَةِ عَلَيْهِمْ بِاسْتِحْقاقِ أشَدِّ اَلْعِقابِ وأبْلَغِهِ.
وزادَ اَلنّاصِرُ فائِدَةً أُخْرى لِلتَّكْرِيرِ: وهي أنَّ اَلْكَلامَ لَمّا طالَ بِتَعْدِيدِ آحادِ اَلْمُكَذِّبِينَ، ثُمَّ أُرِيدَ ذِكْرُ ما حاقَ بِهِمْ مِنَ اَلْعَذابِ جَزاءً لِتَكْذِيبِهِمْ، كُرِّرَ ذَلِكَ مَصْحُوبًا بِالزِّيادَةِ اَلْمَذْكُورَةِ، لِيَلِيَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ عَلى سَبِيلِ اَلتَّطْرِيَةِ اَلْمُعْتادَةِ عِنْدَ طُولِ اَلْكَلامِ، وهو كَما قَدَّمْتُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ [الحج: ٤٤] حَيْثُ كُرِّرَ اَلْفِعْلُ لِيَقْتَرِنَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ [الحج: ٤٤] اِنْتَهى.
ص 38:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ ] ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ .
﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ: ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: أخْذَةً واحِدَةً بِعَذابٍ (p-٥٠٨٤)بَئِيسٍ. يُقالُ: صاحَ اَلزَّمانُ بِهِمْ، إذا أُهْلِكُوا. كَما قالَ:
؎صاحَ اَلزَّمانُ بِآَلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى اَلْأذْقانِ
وأصْلُهُ مِنَ اَلْغارَةِ إذا عافَصَتِ اَلْقَوْمَ فَوَقَعَتِ اَلصَّيْحَةُ فِيهِمْ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ أيْ: مِن تَوَقُّفٍ مِقْدارَ فَواقٍ، وهو ما بَيْنَ اَلْحَلْبَتَيْنِ، أوْ رُجُوعٍ وتَرْدادٍ؛ فَإنَّهُ فِيهِ يَرْجِعُ اَللَّبَنُ إلى اَلضَّرْعِ فـَ: (فَواقٍ)، إمّا بِحَذْفِ مُضافَيْنِ، أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِذِكْرِ اَلْمَلْزُومِ وإرادَةِ لازِمِهِ. وقُرِئَ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ. وقِيلَ: اَلْمَفْتُوحُ اِسْمُ مَصْدَرٍ مِن: (أفاقَ اَلْمَرِيضُ)، إفاقَةً وفاقَةً، إذا رَجَعَ إلى اَلصِّحَّةِ، والمَضْمُومُ اِسْمُ ساعَةِ رُجُوعِ اَللَّبَنِ لِلضَّرْعِ.
ص 38:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦ ] ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ .
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ أيْ: نَصِيبَنا مِنَ اَلْعَذابِ اَلَّذِي وعَدْتَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] و، ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ أيِ: اَلْجَزاءِ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ اَلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، كَما قَصَّ عَنْهم نَظائِرَهُ في عِدَّةِ آياتٍ.
ص 38:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ ] ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ .
(p-٥٠٨٥)﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: فَقَدْ وُعِدْتَ بِالنَّصْرِ، والظَّفَرِ، والمُلْكِ، والتَّأْيِيدِ، كَما أُوتِيَ داوُدُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، مِمّا سارَتْ بِهِ اَلْأمْثالُ؛ ولِذا قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ أيِ: اَلْقُوَّةِ؛ أيِ: اَلِاجْتِهادِ في أداءِ اَلْأمانَةِ، والتَّشَدُّدِ في اَلْقِيامِ بِالدَّعْوَةِ، ومُجانَبَةِ إظْهارِ اَلضَّعْفِ والوَهَنِ: ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ أيْ: رَجّاعٌ إلَيْهِ تَعالى بِالإنابَةِ، والخَشْيَةِ، والعِبادَةِ، والصِّيامِ.
ص 38:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨ - ١٩ ] ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٩] .
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أيْ: تَبَعًا لِتَسْبِيحِهِ: ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩] أيْ: مَجْمُوعَةً عِنْدِهِ يُسَبِّحْنَ مَعَهُ: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾ [ص: ١٩] أيْ: لِلَّهِ تَعالى: ﴿أوّابٌ﴾ [ص: ١٩] أيْ: مُطِيعٌ مُنْقادٌ، يَرْجِعُ بِتَسْبِيحِهِ وتَقْدِيسِهِ إلَيْهِ.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: أيْ: أنَّهُ تَعالى سَخَّرَ اَلْجِبالَ تُسَبِّحُ مَعَهُ عِنْدَ إشْراقِ اَلشَّمْسِ وآخِرِ اَلنَّهارِ. كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سبإ: ١٠] وكَذَلِكَ كانَتِ اَلطَّيْرُ تُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِ وتُرَجِّعُ بِتَرْجِيعِهِ، إذا مَرَّ بِهِ اَلطَّيْرُ وهو سابِحٌ في اَلْهَواءِ، فَسَمِعَهُ وهو يَتَرَنَّمُ بِقِراءَةِ اَلزَّبُورِ لا يَسْتَطِيعُ اَلذَّهابَ. بَلْ يَقِفُ في اَلْهَواءِ ويُسَبِّحُ مَعَهُ، وتُجِيبُهُ اَلْجِبالُ اَلشّامِخاتُ تُرَجِّعُ مَعَهُ، وتُسَبِّحُ تَبَعًا لَهُ. اِنْتَهى. أيْ: بِأنْ خَلَقَ فِيها حَياةً ونُطْقًا، أوْ كانَ لَهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِن شِدَّةِ صَوْتِهِ اَلْحَسَنِ دَوِيٌّ في اَلْجِبالِ، وحَنِينٌ مِنَ اَلطُّيُورِ إلَيْهِ، وتَرْجِيعٌ، وقَدْ عُهِدَ مِنَ اَلطَّيْرِ اَلْقَمَرِيِّ أنَّهُ يَنْتَظِرُ سَكْتَةَ اَلْمُصَوِّتِ، والقارِئِ بِصَوْتٍ حَسَنٍ، أوِ اَلْمُنْشِدِ، فَيُجِيبُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ص 38:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨ - ١٩ ] ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٩] .
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أيْ: تَبَعًا لِتَسْبِيحِهِ: ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩] أيْ: مَجْمُوعَةً عِنْدِهِ يُسَبِّحْنَ مَعَهُ: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾ [ص: ١٩] أيْ: لِلَّهِ تَعالى: ﴿أوّابٌ﴾ [ص: ١٩] أيْ: مُطِيعٌ مُنْقادٌ، يَرْجِعُ بِتَسْبِيحِهِ وتَقْدِيسِهِ إلَيْهِ.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: أيْ: أنَّهُ تَعالى سَخَّرَ اَلْجِبالَ تُسَبِّحُ مَعَهُ عِنْدَ إشْراقِ اَلشَّمْسِ وآخِرِ اَلنَّهارِ. كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سبإ: ١٠] وكَذَلِكَ كانَتِ اَلطَّيْرُ تُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِ وتُرَجِّعُ بِتَرْجِيعِهِ، إذا مَرَّ بِهِ اَلطَّيْرُ وهو سابِحٌ في اَلْهَواءِ، فَسَمِعَهُ وهو يَتَرَنَّمُ بِقِراءَةِ اَلزَّبُورِ لا يَسْتَطِيعُ اَلذَّهابَ. بَلْ يَقِفُ في اَلْهَواءِ ويُسَبِّحُ مَعَهُ، وتُجِيبُهُ اَلْجِبالُ اَلشّامِخاتُ تُرَجِّعُ مَعَهُ، وتُسَبِّحُ تَبَعًا لَهُ. اِنْتَهى. أيْ: بِأنْ خَلَقَ فِيها حَياةً ونُطْقًا، أوْ كانَ لَهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِن شِدَّةِ صَوْتِهِ اَلْحَسَنِ دَوِيٌّ في اَلْجِبالِ، وحَنِينٌ مِنَ اَلطُّيُورِ إلَيْهِ، وتَرْجِيعٌ، وقَدْ عُهِدَ مِنَ اَلطَّيْرِ اَلْقَمَرِيِّ أنَّهُ يَنْتَظِرُ سَكْتَةَ اَلْمُصَوِّتِ، والقارِئِ بِصَوْتٍ حَسَنٍ، أوِ اَلْمُنْشِدِ، فَيُجِيبُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ص 38:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ ] ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ .
﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ أيْ: قَوَّيْناهُ بِوَفْرَةِ اَلْعَدَدِ والعُدَدِ، ونُفُوذِ اَلسُّلْطَةِ، وإمْدادِهِ بِالتَّأْيِيدِ والنَّصْرِ: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ أيِ: اَلنُّبُوَّةَ، أوِ اَلْكَلامَ اَلْمُحْكَمَ اَلْمُتَضَمِّنَ لِلْمَواعِظِ والأمْثالِ، (p-٥٠٨٦)والحَضِّ عَلى اَلْآدابِ، ومَكارِمِ اَلْأخْلاقِ، وكانَ زَبُورُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، كُلُّهُ حِكَمًا غُرُرًا: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ أيْ: فَصْلَ اَلْخِصامِ بِتَمْيِيزِ اَلْحَقِّ مِنَ اَلْباطِلِ، ورَفْعِ اَلشُّبَهِ، وإقامَةِ اَلدَّلائِلِ، وكانَ يُقِيمُ بِذَلِكَ اَلْعَدْلَ اَلْجالِبَ مَحَبَّةَ اَلْخَلائِقِ، ولا يُخالِفُهُ أحَدٌ مِن أقارِبِهِ، ولا مِنَ اَلْأجانِبِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن حِكْمَتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وقَضائِهِ اَلْفَصْلِ، وشِدَّةِ خَوْفِهِ وخَشْيَتِهِ مَعَ ذَلِكَ، ما قَصَّهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
ص 38:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ ] ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ .
﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أيْ: ولَجُوهُ. و(المِحْرابَ) مُقَدَّمُ كُلِّ بَيْتٍ وأشْرَفُهُ.
ص 38:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢ ] ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنهم قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ .
﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنهم قالُوا لا تَخَفْ﴾ أيْ: مِنّا. فَلَسْنا فاتِكَيْنِ وإنَّما نَحْنُ ﴿خَصْمانِ﴾ أيْ: شَخْصانِ مُتَخاصِمانِ تَحاكَمْنا إلَيْكَ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: تَعَدّى: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِما يُطابِقُ أمْرَ اَللَّهِ: ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: ولا تَبْعُدْ عَنِ اَلْحَقِّ أوْ تُجاوِزْهُ: ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ أيْ: بِحَيْثُ لا تَمِيلُ عَنِ اَلْحَقِّ أصْلًا.
ص 38:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣ ] ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ .
﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ أيْ: أُنْثى مِنَ اَلضَّأْنِ: ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ (p-٥٠٨٧)أيْ: فَلَمْ يَنْظُرْ إلى غِناهُ عَنْها، ولا إلى اِفْتِقارِي إلَيْها، بَلْ أرادَ اَلتَّغَلُّبَ عَلَيَّ: ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: مَلِّكْنِيها، بِمَعْنى اِجْعَلْنِي كافِلَها كَما أكْفُلُ ما تَحْتَ يَدَيَّ. أوْ بِمَعْنى اِجْعَلْها كِفْلِي أيْ: نَصِيبِي: ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي في اَلْمُكالَمَةِ.
ص 38:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤ ] ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هم وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥]
﴿قالَ﴾ أيْ داوُدُ ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ أيْ طَلَبِ نَعْجَتِكَ اَلَّتِي أنْتَ أحْوَجُ إلَيْها لِيَضُمَّها ﴿إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ مَعَ اِسْتِغْنائِهِ عَنْ هَذا اَلضَّمِّ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ أيِ اَلْإخْوانِ اَلْأصْدِقاءِ اَلْمُتَخالِطِينَ في شُئُونِهِمْ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ بَغْيَ اَلْأعْداءِ مَعَ أنَّ مِن واجِبِ حَقِّهِمُ اَلنُّصْفَةَ عَلى اَلْأقَلِّ، إنْ لَمْ يَقُومُوا بِفَضِيلَةِ اَلْإيثارِ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ فَإنَّهم لا يَبْغُونَ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ وهم قَلِيلٌ. و(ما) مَزِيدَةٌ لِلْإبْهامِ والتَّعْجِيبِ مِن قِلَّتِهِمْ.
قالَ الشِّهابُ: فِيهِ مُبالَغَةٌ مِن وُجُوهٍ: وصْفُهم بِالقِلَّةِ، وتَنْكِيرُ (قَلِيلٌ) وزِيادَةُ (ما) اَلْإبْهامِيَّةِ. والشَّيْءُ إذا بُولِغَ فِيهِ كانَ مَظِنَّةً لِلتَّعَجُّبِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما أقَلَّهم.
وفِي قَضائِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ هَذا، مِنَ اَلْحِكْمَةِ وفَصْلِ اَلْخِطابِ ما يُهَيِّجُ اَلْأفْئِدَةَ ويُقِرُّ عَيْنَ اَلْمَغْبُونِ. ذَلِكَ صَدْعٌ بِالحَقِّ أبْلَغُ صَدْعٍ فَجَهَرَ بِظُلْمِ خَصْمِهِ وبَغْيِهِ جَهْرًا لا مُحاباةَ فِيهِ ولا مُوارَبَةَ فَأقَرَّ عَيْنَ اَلْمَظْلُومِ. وعَرَفَ اَلْباغِي ظُلْمَهُ وحَيْفَهُ، وأنَّ سَيْفَ اَلْعَدْلِ والإنْصافِ فَوْقَهُ. ثُمَّ نَفَّسَ عَنْ قَلْبِ اَلْمَظْلُومِ اَلْبائِسِ، ورَوَّحَ عَنْ صَدْرِهِ بِذِكْرِ ما عَلَيْهِ اَلْأكْثَرُ مِن هَذِهِ اَلْخُلَّةِ - خُلَّةِ اَلْبَغْيِ (p-٥٠٨٨)وعَدَمِ اَلْإنْصافِ - مَعَ اَلْخُلْطَةِ واَلْخُلَّةِ، لِيَتَأسّى ويَتَسَلّى كَما قِيلَ (إنَّ اَلتَّأسِّيَ رُوحُ كُلِّ حَزِينٍ) ثُمَّ أكَّدَ اَلْأمْرَ بِقِلَّةِ اَلْقائِمِينَ بِحُقُوقِ اَلْأُخُوَّةِ، مِمَّنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟ وكُلُّها حِكَمٌ وغُرَرٌ ودُرَرٌ، حَقائِقُ تَنْطَبِقُ عَلى أكْثَرِ هَذا اَلسَّوادِ اَلْأعْظَمِ مِنَ اَلنّاسِ، اَلَّذِينَ يَدَّعُونَ اَلْمَحَبَّةَ، والصَّداقَةَ.
ولِعِظَمِ شَأْنِ حُقُوقِ اَلْمَحَبَّةِ أسْهَبَ في آدابِها عُلَماءُ اَلْأخْلاقِ، إسْهابًا نَوَّعُوا فِيهِ اَلْأبْوابَ، ولَوَّنُوا فِيهِ اَلْفُصُولَ. ومَعَ ذَلِكَ لا تَزالُ اَلشَّكْوى عامَّةً. وقَدِ اِمْتَلَأتْ مِن مَنظُومِها ومَنثُورِها كُتُبُ اَلْأدَبِ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ إلْمامٌ بِهِ. وبِاللَّهِ اَلتَّوْفِيقُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ أيِ اِبْتَلَيْناهُ بِتِلْكَ اَلْحُكُومَةِ ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] أيْ ما اِسْتَغْفَرَ مِنهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ [ص: ٢٥] أيْ لَقُرْبًا ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] أيْ مَرْجِعًا حَسَنًا وكَرامَةً في اَلْآخِرَةِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ - لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا اَلنَّبَأِ أقْوالٌ عَدِيدَةٌ ووُجُوهٌ مُتَنَوِّعَةٌ. مَرْجِعُها إلى مَذْهَبَيْنِ: مَذْهَبِ مَن يَرى أنَّها تُشِيرُ تَعْرِيضًا إلى وِزْرٍ ألَمَّ بِهِ داوُدُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ثُمَّ غُفِرَ لَهُ. ومَذْهَبِ مَن يَرى أنَّها حُكُومَةٌ في خَصْمَيْنِ لا إشْعارَ لَهُ بِذَلِكَ. فَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى اَلْأوَّلِ اِبْنُ جَرِيرٍ. فَإنَّهُ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اَلْخَصْمُ اَلْمُتَسَوِّرُونَ عَلى داوُدَ مِحْرابَهُ. وذَلِكَ أنَّ داوُدَ كانَتْ لَهُ، فِيما قِيلَ، تِسْعٌ وتِسْعُونَ اِمْرَأةً. وكانَتْ لِلرَّجُلِ اَلَّذِي أغْزاهُ حَتّى قُتِلَ اِمْرَأةٌ واحِدَةٌ. فَلَمّا قُتِلَ نَكَحَ، فِيما ذُكِرَ، داوُدُ اِمْرَأتَهُ. ثُمَّ لَمّا قَضى لِلْخَصْمَيْنِ بِما قَضى، عَلِمَ أنَّهُ اُبْتُلِيَ. فَسَألَ غُفْرانَ ذَنْبِهِ وخَرَّ ساجِدًا لِلَّهِ وأنابَ إلى رِضا رَبِّهِ، وتابَ مِن خَطِيئَتِهِ. هَذا ما قالَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ أسْنَدَ قِصَّتَهُ مُطَوَّلَةً مِن رِواياتٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وعَطاءٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ ووَهْبٍ ومُجاهِدٍ. ومِن طَرِيقٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا. ويُشْبِهُ سِياقُ بَعْضِها ما ذُكِرَ في اَلتَّوْراةِ اَلْمُتَداوَلَةِ اَلْآنَ.
قالَ السُّيُوطِيُّ في (اَلْإكْلِيلِ): اَلْقِصَّةُ اَلَّتِي يَحْكُونَها في شَأْنِ اَلْمَرْأةِ، وأنَّها أعْجَبَتْهُ، وأنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها مَعَ اَلْبَعْثِ حَتّى قُتِلَ، أخْرَجَها اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ مَرْفُوعًا. (p-٥٠٨٩)وفِي إسْنادِهِ اِبْنُ لَهِيعَةَ، وحالُهُ مَعْرُوفٌ، عَنِ اِبْنِ صَخْرٍ عَنْ يَزِيدَ اَلرَّقّاشِيِّ وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَها مِن حَدِيثِ اِبْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا. اِنْتَهى.
أقُولُ: أمّا اَلْمَرْفُوعُ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيها، فَلَمْ يَأْتِ مِن طَرِيقٍ صَحِيحٍ.، أمّا اَلْمَوْقُوفُ مِن ذَلِكَ عَلى اَلصَّحْبِ والأتْباعِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمْ، فَمُعَوِّلُهم في ذَلِكَ ما ذُكِرَ في اَلتَّوْراةِ مِن هَذا اَلنَّبَأِ، أوِ اَلثِّقَةُ بِمَن حَكى عَنْها. ويَنْبَنِي عَلى ذَلِكَ ذَهابُهم إلى تَجْوِيزِ مِثْلِ هَذا عَلى اَلْأنْبِياءِ. وقَدْ ذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى تَجْوِيزِ ما عَدا اَلْكَذِبَ في اَلتَّبْلِيغِ. كَما فُصِّلَ في مُطَوَّلاتِ اَلْكَلامِ.
قالَ اِبْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ: وهو قَوْلُ اَلْكَرامِيَّةِ مِنَ اَلْمُرْجِئَةِ، واِبْنِ اَلطَّيِّبِ اَلْباقِلّانِيِّ مِنَ اَلْأشْعَرِيَّةِ، ومَنِ اِتَّبَعَهُ، وهو قَوْلُ اَلْيَهُودِ واَلنَّصارى. ثُمَّ رَدَّ هَذا اَلْقَوْلَ، رَحِمَهُ اَللَّهُ، رَدًّا مَتِينًا.
وأمّا اَلْمَذْهَبُ اَلثّانِي، فَهو ما جَزَمَ بِهِ اِبْنُ حَزْمٍ في ( اَلْفِصَلِ) وعِبارَتُهُ: ما حَكاهُ تَعالى عَنْ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ قَوْلٌ صادِقٌ صَحِيحٌ، لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِمّا قالَهُ اَلْمُسْتَهْزِئُونَ اَلْكاذِبُونَ اَلْمُتَعَلِّقُونَ بِخُرافاتٍ ولَّدَها اَلْيَهُودُ. وإنَّما كانَ ذاكَ اَلْخَصْمُ قَوْمًا مِن بَنِي آدَمَ، بِلا شَكٍّ، مُخْتَصِمِينَ في نِعاجٍ مِنَ اَلْغَنَمِ عَلى اَلْحَقِيقَةِ بَيْنَهم. بَغى أحَدُهم عَلى اَلْآخَرِ عَلى نَصِّ اَلْآيَةِ. ومَن قالَ إنَّهم كانُوا مَلائِكَةً مُعَرِّضِينَ بِأمْرِ اَلنِّساءِ، فَقَدْ كَذَبَ عَلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ ما لَمْ يَقُلْ، وزادَ في اَلْقُرْآنِ ما لَيْسَ فِيهِ، وكَذَّبَ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وأقَرَّ عَلى نَفْسِهِ اَلْخَبِيثَةِ، أنَّهُ كَذَّبَ اَلْمَلائِكَةَ. لِأنَّ اَللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] فَقالَ هُوَ: لَمْ يَكُونُوا قَطُّ خَصْمَيْنِ، ولا بَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ولا كانَ قَطُّ لِأحَدِهِما تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً، ولا كانَ لِلْآخَرِ نَعْجَةً واحِدَةً، ولا قالَ لَهُ أكْفِلْنِيها. فاعْجَبُوا. لِمَ يُقْحِمُونَ فِيهِ اَلْباطِلَ أنْفُسَهَمْ؟ ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ اَلْخِذْلانِ. ثُمَّ كَلُّ ذَلِكَ بِلا دَلِيلٍ، بَلِ اَلدَّعْوى اَلْمُجَرَّدَةِ. وتاللَّهِ ! إنَّ كُلَّ اِمْرِئٍ مِنّا لَيَصُونُ نَفْسَهُ وجارَهُ اَلْمَسْتُورَ عَنْ أنْ يَتَعَشَّقَ اِمْرَأةَ جارِهِ، ثُمَّ يُعَرِّضُ زَوْجَها لِلْقَتْلِ عَمْدًا، لِيَتَزَوَّجَها. وعَنْ أنْ يَتْرُكَ صَلاتَهُ لِطائِرٍ يَراهُ. هَذِهِ أفْعالُ اَلسُّفَهاءِ اَلْمُتَهَوِّكِينَ اَلْفُسّاقِ اَلْمُتَمَرِّدِينَ. لا أفْعالُ (p-٥٠٩٠)أهْلِ اَلْبِرِّ والتَّقْوى.
فَكَيْفَ بِرَسُولِ اَللَّهِ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ اَلَّذِي أوْحى إلَيْهِ كِتابَهُ وأجْرى عَلى لِسانِهِ كَلامَهُ ؟ لَقَدْ نَزَّهَهُ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ أنْ يَمُرَّ مِثْلُ هَذا اَلْفُحْشِ بِبالِهِ. فَكَيْفَ أنْ يَسْتَضِيفَ إلى أفْعالِهِ؟ وأمّا اِسْتِغْفارُهُ وخُرُورُهُ ساجِدًا، ومَغْفِرَةُ اَللَّهِ لَهُ، فالأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ أوْلى اَلنّاسِ بِهَذِهِ اَلْأفْعالِ اَلْكَرِيمَةِ.
والِاسْتِغْفارُ فِعْلُ خَيْرٍ لا يُنْكَرُ مِن مَلَكٍ ولا مِن نَبِيٍّ. ولا مِن مُذْنِبٍ ولا مِن غَيْرِ مُذْنِبٍ. فالنَّبِيُّ يَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ لِمُذْنِبِي أهْلِ اَلْأرْضِ. والمَلائِكَةُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧]
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى عَنْ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ فَقَدْ ظَنَّ داوُدُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ أنْ يَكُونَ ما آتاهُ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن سِعَةِ اَلْمُلْكِ اَلْعَظِيمِ فِتْنَةً. فَقَدْ كانَ رَسُولُ اَللَّهِ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَدْعُو في أنْ يُثَبِّتَ اَللَّهُ قَلْبَهُ عَلى دِينِهِ. فاسْتَغْفَرَ اَللَّهَ تَعالى مِن هَذا اَلظَّنِّ، فَغَفَرَ اَللَّهُ تَعالى لَهُ هَذا اَلظَّنَّ. إذْ لَمْ يَكُنْ ما آتاهُ اَللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ فِتْنَةً. اِنْتَهى كَلامُ اِبْنِ حَزْمٍ، وهو وُقُوفٌ عَلى ظاهِرِ اَلْآيَةِ، مُجَرَّدًا عَنْ إشارَةٍ وإيماءٍ.
وقالَ البُرْهانُ اَلْبُقاعِيُّ في (تَفْسِيرِهِ): وتِلْكَ اَلْقِصَّةُ وأمْثالُها مِن كَذِبِ اَلْيَهُودِ.
ثُمَّ قالَ: وأخْبَرَنِي بَعْضُ مَن أسْلَمَ مِنهم أنَّهم يَتَعَمَّدُونَ ذَلِكَ في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، لِيَجِدُوا سَبِيلًا إلى اَلطَّعْنِ فِيهِ. اِنْتَهى.
ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] أيِ اَلْوُقُوعَ في اَلْحَدِيثِ عَنْ إسْنادِ اَلظُّلْمِ إلى أحَدٍ بِدُونِ سَماعٍ لِكَلامِهِ. وهَذِهِ اَلدَّعْوى تَدْرِيبٌ لِداوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْأحْكامِ.
وذِكْرُها لِلنَّبِيِّ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَدْرِيبٌ لَهُ في اَلْأناةِ في جَمِيعِ أُمُورِهِ عَلى اَلدَّوامِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذا، رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا في مَقامِهِ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَدَفَعَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] فالقِصَّةُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُها (p-٥٠٩١)إلّا لِلتَّرْقِيَةِ في رُتَبِ اَلْكَمالِ. وأوَّلُ دَلِيلٍ عَلى ما ذَكَرْتُهُ، أنَّ هَذِهِ اَلْفِتْنَةَ إنَّما هي بِالتَّدْرِيبِ في اَلْحُكْمِ، لا بِامْرَأةٍ ولا غَيْرِها. وأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِن قِصَّةِ اَلْمَرْأةِ باطِلٌ وإنِ اُشْتُهِرَ. فَكَمْ مِن باطِلٍ مَشْهُورٍ، ومَذْكُورٍ، هو عَيْنُ اَلزُّورِ. اِنْتَهى.
وقالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: قَدْ ذَكَرَ اَلْمُفَسِّرُونَ هَهُنا قِصَّةً أكْثَرُها مَأْخُوذٌ مِنَ اَلْإسْرائِيلِيّاتِ. ولَمْ يَثْبُتْ فِيها عَنِ اَلْمَعْصُومِ حَدِيثٌ يَجِبُ اِتِّباعُهُ. ولَكِنْ رَوى اِبْنُ أبِي حاتِمٍ هُنا حَدِيثًا لا يَصِحُّ سَنَدُهُ، لِأنَّهُ مِن رِوايَةِ يَزِيدَ اَلرَّقّاشِيِّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ. ويَزِيدُ، وإنْ كانَ مِنَ اَلصّالِحِينَ، لَكِنَّهُ ضَعِيفُ اَلْحَدِيثِ عِنْدَ اَلْأئِمَّةِ. اَلْأوْلى أنَّ يُقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ تِلاوَةِ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ، وأنْ يُرَدَّ عِلْمُها إلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَإنَّ اَلْقُرْآنَ حَقٌّ، وما تَضَمَّنَ فَهو حَقٌّ أيْضًا. اِنْتَهى.
وقالَ القاضِي عِياضٌ في (اَلشِّفا): وأمّا قِصَّةُ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، فَلا يَجِبُ أنْ يُلْتَفَتَ إلى ما سَطَرَهُ فِيها اَلْإخْبارِيُّونَ عَلى أهْلِ اَلْكِتابِ اَلَّذِينَ بَدَّلُوا وغَيَّرُوا، ونَقَلَهُ بَعْضُ اَلْمُفَسِّرِينَ ولَمْ يَنُصَّ اَللَّهُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا ورَدَ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ.
واَلَّذِي نَصَّ اَللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ وقَوْلُهُ فِيهِ " أوّابٌ " فَمَعْنى ﴿فَتَنّاهُ﴾ أيِ اِخْتَبَرْناهُ. و" أوّابٌ " قالَ قَتادَةُ: مُطِيعٌ. وهَذا اَلتَّفْسِيرُ أوْلى. قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ لِلرَّجُلِ: اِنْزِلْ عَنِ اِمْرَأتِكَ وأكْفِلْنِيها. فَعاتَبَهُ اَللَّهُ عَلى ذَلِكَ ونَبَّهَهُ عَلَيْهِ. وأنْكَرَ عَلَيْهِ شُغُلَهُ بِالدُّنْيا. وهَذا هو اَلَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ مِن أمْرِهِ. وقَدْ قِيلَ خَطَبَها عَلى خِطْبَتِهِ، وقِيلَ: بَلْ أحَبَّ بِقَلْبِهِ أنْ يُسْتَشْهَدَ.
وحَكى اَلسَّمَرْقَنْدِيُّ أنَّ ذَنْبَهُ اَلَّذِي اِسْتَغْفَرَ مِنهُ قَوْلُهُ ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ فَظَلَمَهُ بِقَوْلِ خَصْمِهِ. وقِيلَ: بَلْ لَمّا خَشِيَهُ عَلى نَفْسِهِ، وظَنَّ مِنَ اَلْفِتْنَةِ بِما بُسِطَ لَهُ مِنَ اَلْمُلْكِ والدُّنْيا. وإلى نَفْيِ ما أُضِيفَ في اَلْأخْبارِ إلى داوُدِ مِن ذَلِكَ ذَهَبَ أحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ وأبُو تَمّامٍ، وغَيْرُهُما مِنَ اَلْمُحَقِّقِينَ.
قالَ الدّاوُدِيُّ: لَيْسَ في قِصَّةِ داوُدَ وأُورِيا خَبَرٌ يَثْبُتُ. ولا يُظَنُّ بِنَبِيٍّ مَحَبَّةُ قَتْلِ مُسْلِمٍ. وقِيلَ: إنَّ اَلْخَصْمَيْنِ اَللَّذَيْنِ اِخْتَصَما إلَيْهِ، رَجُلانِ في نِتاجِ غَنَمٍ عَلى ظاهِرِ اَلْآيَةِ. وقِيلَ: بَلْ لَمّا خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ وظَنَّ مِنَ اَلْفِتْنَةِ لِما بُسِطَ لَهُ مِنَ اَلْمُلْكِ والدُّنْيا. اِنْتَهى.
(p-٥٠٩٢)وقالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في أواخِرِ كِتابِهِ (اَلْجَوابِ اَلْكافِي) في مَباحِثِ اَلْعِشْقِ: وقَدْ أرْشَدَ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - اَلْمُتَحابِّينَ إلى اَلنِّكاحِ. كَما في سُنَنِ اِبْنِ ماجَهْ مَرْفُوعًا: «لَمْ يَرَ لِلْمُتَحابَّيْنِ مِثْلَ اَلنِّكاحِ» . ونِكاحُهُ لِمَعْشُوقِهِ هو دَواءُ اَلْعِشْقِ اَلَّذِي جَعَلَهُ اَللَّهُ دَواءَهُ شَرْعًا وقَدَرًا. وبِهِ تَداوى نَبِيُّ اَللَّهِ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ولَمْ يَرْتَكِبْ نَبِيُّ اَللَّهِ مُحَرَّمًا. وإنَّما تَزَوَّجَ اَلْمَرْأةَ وضَمَّها إلى نِسائِهِ لِمَحَبَّتِهِ لَها. وكانَتْ تَوْبَتُهُ بِحَسْبِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ اَللَّهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ. ولا يَلِيقُ بِنا اَلْمَزِيدُ عَلى هَذا. اِنْتَهى.
وهَذا مِنهُ تَسْلِيمٌ بِبَعْضِ اَلْقِصَّةِ لا تَمامِها. وهو مِنَ اَلْأقْوالِ فِيها.
وأمّا دَعْوى بَعْضِهِمْ أنَّ اَلتَّوْراةَ تَعُدُّ داوُدَ مَلِكًا حَكِيمًا، لا نَبِيًّا، بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ في أسْفارِ اَلْمُلُوكِ مِنها، وما فِيها مِن أنَّهُ بُعِثَ إلَيْهِ نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ قاشانُ، ضَرَبَ لَهُ اَلْمَثَلَ اَلْمَذْكُورَ فَدَعْوى مَرْدُودَةٌ مِن وُجُوهٍ:
مِنها أنَّ اَلِاسْتِدْلالَ بِالتَّوْراةِ اَلَّتِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ في إثْباتٍ أوْ نَفْيٍ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. كَيْفَ لا؟ وقَدْ أُوتِينا بَيْضاءَ نَقِيَّةً مَحْفُوظَةً مِنَ اَلتَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ بِحَمْدِهِ تَعالى. ومِنها أنَّ نُبُوَّةَ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لا خِلافَ فِيها عِنْدَ اَلْمُسْلِمِينَ، فَلا عِبْرَةَ بِخِلافِ غَيْرِهِمْ.
ومِنها أنَّهُ لا مانِعَ أنْ تَجْتَمِعَ اَلنُّبُوَّةُ والمُلْكُ لِمَن أرادَهُ اَللَّهُ واصْطَفاهُ. وقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِداوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما اَلسَّلامُ.
ومِنها أنَّهُ لا حاجَةَ في كِتابِنا اَلْكَرِيمِ أنْ يُتَمَّمَ بِما جاءَ في غَيْرِهِ، أوْ يُحاوَلَ رَدُّهُ إلى سِواهُ مِنَ اَلْكُتُبِ، أوْ هي إلَيْهِ، لِاسْتِغْنائِهِ بِنَفْسِهِ. بَلْ وكَوْنِهِ مُهَيْمِنًا عَلى سائِرِ اَلْكُتُبِ، كَما أخْبَرَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ. فَلْيُتَأمَّلْ ذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ حُدِّثَ بِنَبَأِ داوُدَ عَلى ما يَرْوِيهِ اَلْقُصّاصُ، وعِنْدَهُ رَجُلٌ مِن أهْلِ اَلْحَقِّ. فَكَذَّبَ اَلْمُحَدِّثَ بِهِ، وقالَ: إنْ كانَتِ اَلْقِصَّةُ عَلى ما في كِتابِ اَللَّهِ فَما يَنْبَغِي أنْ يُلْتَمَسَ خِلافُها، وأعْظِمْ بِأنْ يُقالَ غَيْرُ ذَلِكَ، وإنْ كانَتْ عَلى ما ذَكَرْتَ وكَفَّ اَللَّهُ عَنْها سَتْرًا عَلى نَبِيِّهِ، فَما يَنْبَغِي إظْهارُها عَلَيْهِ. فَقالَ عُمَرُ: لَسَماعِي هَذا اَلْكَلامَ، أحَبُّ إلَيَّ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ اَلشَّمْسُ. نَقَلَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
(p-٥٠٩٣)قالَ النّاصِرُ في (اَلِانْتِصافِ): وقَدِ اِلْتَزَمَ اَلْمُحَقِّقُونَ مِن أئِمَّتِنا أنَّ اَلْأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ اَلصَّلاةُ واَلسَّلامُ، داوُدَ وغَيْرَهُ، مُنَزَّهُونَ مِنَ اَلْوُقُوعِ في صَغائِرِ اَلذُّنُوبِ، مُبَرَّءُونَ مِن ذَلِكَ، والتِمَسُوا اَلْمَحامِلَ اَلصَّحِيحَةَ لِأمْثالِ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ. وهَذا هو اَلْحَقُّ اَلْأبْلَجُ، والسَّبِيلُ اَلْأبْهَجُ، إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى. اِنْتَهى.
اَلتَّنْبِيهُ اَلثّانِي: قالَ اِبْنُ اَلْفُرْسِ: في هَذِهِ اَلْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ اَلْقَضاءِ في اَلْمَسْجِدِ (أيْ لِظاهِرِ اَلْمِحْرابِ. إلّا أنَّهُ لَيْسَ نَصًّا في مِحْرابِ اَلْمَسْجِدِ) والتَّلَطُّفُ في رَدِّ اَلْإنْسانِ عَنِ اَلْمَكْرُوهِ صَنَعَهُ. وأنَّهُ لا يُؤاخَذُ بِعُنْفٍ ما أمْكَنَ. وجَوازُ اَلْمَعارِيضِ مِنَ اَلْقَوْلِ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ اَلتَّمْثِيلِ والتَّعْرِيضِ، دُونَ اَلتَّصْرِيحِ، لِكَوْنِها أبْلَغَ في اَلتَّوْبِيخِ. مِن قِبَلِ أنَّ اَلْمُتَأمِّلَ إذا أدّاهُ إلى اَلشُّعُورِ بِالعَرْضِ بِهِ، كانَ أوْقَعَ في نَفْسِهِ وأشَدَّ تَمَكُّنًا مِن قَلْبِهِ، وأعْظَمَ أثَرًا فِيهِ، وأجْلَبَ لِاحْتِشامِهِ وحَيائِهِ، وأدْعى إلى اَلتَّنْبِيهِ عَلى اَلْخَطَأِ فِيهِ، مِن أنْ يُبادَهَ بِهِ صَرِيحًا، مَعَ مُراعاةِ حُسْنِ اَلْأدَبِ بِتَرْكِ اَلْمُجاهَرَةِ. ألا تَرى إلى اَلْحُكَماءِ؟ كَيْفَ أوْصَوْا في سِياسَةِ اَلْوَلَدِ، إذا وجَدْتَ مِنهُ هَنَّةً مُنْكَرَةً، بِأنْ يُعَرَّضَ لَهُ بِإنْكارِها عَلَيْهِ، ولا يُصَرَّحَ.
وأنْ تُحْكى لَهُ حِكايَةٌ مُلاحَظَةً لِحالِهِ، إذا تَأمَّلَها اِسْتَسْمَجَ حالَ صاحِبِ اَلْحِكايَةِ، فاسْتَسْمَجَ حالَ نَفْسِهِ. وذَلِكَ أزْجَرُ لَهُ. لِأنَّهُ يَنْصُبُ ذَلِكَ مِثالًا لِحالِهِ، ومِقْياسًا لِشَأْنِهِ. فَتَصَوَّرَ قُبْحَ ما وُجِدَ مِنهُ بِصُورَةٍ مَكْشُوفَةٍ. مَعَ أنَّهُ أصْوَنُ لِما بَيْنَ اَلْوالِدِ واَلْوَلَدِ مِن حِجابِ اَلْحِشْمَةِ.
اَلثّالِثُ: قالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ [ص: ٢٣] أيْ عَلى دِينِي. أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ. فَفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ (اَلْأخِ) عَلى غَيْرِ اَلْمُناسِبِ. واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ عَلى جَوازِ اَلشَّرِكَةِ، أفادَهُ في " اَلْإكْلِيلِ ".
اَلرّابِعُ: قالَ السُّيُوطِيُ في (اَلْإكْلِيلِ): اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ مَن أجازَ اَلتَّعْوِيضَ عَنْ سُجُودِ اَلتِّلاوَةِ بِرُكُوعٍ. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ اَلرُّكُوعَ هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ، عَنِ (p-٥٠٩٤)اَلسُّجُودِ. لِأنَّهُ لِإفْضائِهِ إلَيْهِ، جُعِلَ كالسَّبَبِ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ. أوْ هو اِسْتِعارَةٌ لَهُ، لِمُشابَهَتِهِ لَهُ في اَلِانْحِناءِ والخُضُوعِ.
اَلْخامِسُ: قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: اِخْتَلَفَ اَلْأئِمَّةُ في سَجْدَةِ ﴿ص﴾ [ص: ١] هَلْ هي مِن عَزائِمِ اَلسُّجُودِ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّها لَيْسَتْ مِنَ اَلْعَزائِمِ، بَلْ هي سَجْدَةُ شُكْرٍ. لِما رُوِيَ «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ اَلسُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها»، رَواهُ أحْمَدُ واَلْبُخارِيُّ وأصْحابُ اَلسُّنَنِ.
وعَنْهُ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اَلنَّبِيَّ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ﴿ص﴾ [ص: ١] وقالَ: سَجَدَها داوُدُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تَوْبَةً، ونَسْجُدُها شُكْرًا»، تَفَرَّدَ بِهِ اَلنَّسائِيُّ.
وعَنْ أبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اَللَّهِ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى اَلْمِنبَرِ ﴿ص﴾ [ص: ١] فَلَمّا بَلَغَ اَلسَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ اَلنّاسُ مَعَهُ. فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها. فَلَمّا بَلَغَ اَلسَّجْدَةَ تَشَزَّنَ اَلنّاسُ لِلسُّجُودِ. فَقالَ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -:إنَّما هي تَوْبَةُ نَبِيٍّ. ولَكِنْ رَأيْتُكم تَشَزَّنْتُمْ، فَنَزَلَ وسَجَدَ» . تَفَرَّدَ بِهِ أبُو داوُدَ. وإسْنادُهُ عَلى شَرْطِ اَلصَّحِيحِ.
ص 38:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤ ] ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هم وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥]
﴿قالَ﴾ أيْ داوُدُ ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ أيْ طَلَبِ نَعْجَتِكَ اَلَّتِي أنْتَ أحْوَجُ إلَيْها لِيَضُمَّها ﴿إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ مَعَ اِسْتِغْنائِهِ عَنْ هَذا اَلضَّمِّ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ أيِ اَلْإخْوانِ اَلْأصْدِقاءِ اَلْمُتَخالِطِينَ في شُئُونِهِمْ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ بَغْيَ اَلْأعْداءِ مَعَ أنَّ مِن واجِبِ حَقِّهِمُ اَلنُّصْفَةَ عَلى اَلْأقَلِّ، إنْ لَمْ يَقُومُوا بِفَضِيلَةِ اَلْإيثارِ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ فَإنَّهم لا يَبْغُونَ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ وهم قَلِيلٌ. و(ما) مَزِيدَةٌ لِلْإبْهامِ والتَّعْجِيبِ مِن قِلَّتِهِمْ.
قالَ الشِّهابُ: فِيهِ مُبالَغَةٌ مِن وُجُوهٍ: وصْفُهم بِالقِلَّةِ، وتَنْكِيرُ (قَلِيلٌ) وزِيادَةُ (ما) اَلْإبْهامِيَّةِ. والشَّيْءُ إذا بُولِغَ فِيهِ كانَ مَظِنَّةً لِلتَّعَجُّبِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما أقَلَّهم.
وفِي قَضائِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ هَذا، مِنَ اَلْحِكْمَةِ وفَصْلِ اَلْخِطابِ ما يُهَيِّجُ اَلْأفْئِدَةَ ويُقِرُّ عَيْنَ اَلْمَغْبُونِ. ذَلِكَ صَدْعٌ بِالحَقِّ أبْلَغُ صَدْعٍ فَجَهَرَ بِظُلْمِ خَصْمِهِ وبَغْيِهِ جَهْرًا لا مُحاباةَ فِيهِ ولا مُوارَبَةَ فَأقَرَّ عَيْنَ اَلْمَظْلُومِ. وعَرَفَ اَلْباغِي ظُلْمَهُ وحَيْفَهُ، وأنَّ سَيْفَ اَلْعَدْلِ والإنْصافِ فَوْقَهُ. ثُمَّ نَفَّسَ عَنْ قَلْبِ اَلْمَظْلُومِ اَلْبائِسِ، ورَوَّحَ عَنْ صَدْرِهِ بِذِكْرِ ما عَلَيْهِ اَلْأكْثَرُ مِن هَذِهِ اَلْخُلَّةِ - خُلَّةِ اَلْبَغْيِ (p-٥٠٨٨)وعَدَمِ اَلْإنْصافِ - مَعَ اَلْخُلْطَةِ واَلْخُلَّةِ، لِيَتَأسّى ويَتَسَلّى كَما قِيلَ (إنَّ اَلتَّأسِّيَ رُوحُ كُلِّ حَزِينٍ) ثُمَّ أكَّدَ اَلْأمْرَ بِقِلَّةِ اَلْقائِمِينَ بِحُقُوقِ اَلْأُخُوَّةِ، مِمَّنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟ وكُلُّها حِكَمٌ وغُرَرٌ ودُرَرٌ، حَقائِقُ تَنْطَبِقُ عَلى أكْثَرِ هَذا اَلسَّوادِ اَلْأعْظَمِ مِنَ اَلنّاسِ، اَلَّذِينَ يَدَّعُونَ اَلْمَحَبَّةَ، والصَّداقَةَ.
ولِعِظَمِ شَأْنِ حُقُوقِ اَلْمَحَبَّةِ أسْهَبَ في آدابِها عُلَماءُ اَلْأخْلاقِ، إسْهابًا نَوَّعُوا فِيهِ اَلْأبْوابَ، ولَوَّنُوا فِيهِ اَلْفُصُولَ. ومَعَ ذَلِكَ لا تَزالُ اَلشَّكْوى عامَّةً. وقَدِ اِمْتَلَأتْ مِن مَنظُومِها ومَنثُورِها كُتُبُ اَلْأدَبِ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ إلْمامٌ بِهِ. وبِاللَّهِ اَلتَّوْفِيقُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ أيِ اِبْتَلَيْناهُ بِتِلْكَ اَلْحُكُومَةِ ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] أيْ ما اِسْتَغْفَرَ مِنهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ [ص: ٢٥] أيْ لَقُرْبًا ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] أيْ مَرْجِعًا حَسَنًا وكَرامَةً في اَلْآخِرَةِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ - لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا اَلنَّبَأِ أقْوالٌ عَدِيدَةٌ ووُجُوهٌ مُتَنَوِّعَةٌ. مَرْجِعُها إلى مَذْهَبَيْنِ: مَذْهَبِ مَن يَرى أنَّها تُشِيرُ تَعْرِيضًا إلى وِزْرٍ ألَمَّ بِهِ داوُدُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ثُمَّ غُفِرَ لَهُ. ومَذْهَبِ مَن يَرى أنَّها حُكُومَةٌ في خَصْمَيْنِ لا إشْعارَ لَهُ بِذَلِكَ. فَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى اَلْأوَّلِ اِبْنُ جَرِيرٍ. فَإنَّهُ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اَلْخَصْمُ اَلْمُتَسَوِّرُونَ عَلى داوُدَ مِحْرابَهُ. وذَلِكَ أنَّ داوُدَ كانَتْ لَهُ، فِيما قِيلَ، تِسْعٌ وتِسْعُونَ اِمْرَأةً. وكانَتْ لِلرَّجُلِ اَلَّذِي أغْزاهُ حَتّى قُتِلَ اِمْرَأةٌ واحِدَةٌ. فَلَمّا قُتِلَ نَكَحَ، فِيما ذُكِرَ، داوُدُ اِمْرَأتَهُ. ثُمَّ لَمّا قَضى لِلْخَصْمَيْنِ بِما قَضى، عَلِمَ أنَّهُ اُبْتُلِيَ. فَسَألَ غُفْرانَ ذَنْبِهِ وخَرَّ ساجِدًا لِلَّهِ وأنابَ إلى رِضا رَبِّهِ، وتابَ مِن خَطِيئَتِهِ. هَذا ما قالَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ أسْنَدَ قِصَّتَهُ مُطَوَّلَةً مِن رِواياتٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وعَطاءٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ ووَهْبٍ ومُجاهِدٍ. ومِن طَرِيقٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا. ويُشْبِهُ سِياقُ بَعْضِها ما ذُكِرَ في اَلتَّوْراةِ اَلْمُتَداوَلَةِ اَلْآنَ.
قالَ السُّيُوطِيُّ في (اَلْإكْلِيلِ): اَلْقِصَّةُ اَلَّتِي يَحْكُونَها في شَأْنِ اَلْمَرْأةِ، وأنَّها أعْجَبَتْهُ، وأنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها مَعَ اَلْبَعْثِ حَتّى قُتِلَ، أخْرَجَها اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ مَرْفُوعًا. (p-٥٠٨٩)وفِي إسْنادِهِ اِبْنُ لَهِيعَةَ، وحالُهُ مَعْرُوفٌ، عَنِ اِبْنِ صَخْرٍ عَنْ يَزِيدَ اَلرَّقّاشِيِّ وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَها مِن حَدِيثِ اِبْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا. اِنْتَهى.
أقُولُ: أمّا اَلْمَرْفُوعُ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيها، فَلَمْ يَأْتِ مِن طَرِيقٍ صَحِيحٍ.، أمّا اَلْمَوْقُوفُ مِن ذَلِكَ عَلى اَلصَّحْبِ والأتْباعِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمْ، فَمُعَوِّلُهم في ذَلِكَ ما ذُكِرَ في اَلتَّوْراةِ مِن هَذا اَلنَّبَأِ، أوِ اَلثِّقَةُ بِمَن حَكى عَنْها. ويَنْبَنِي عَلى ذَلِكَ ذَهابُهم إلى تَجْوِيزِ مِثْلِ هَذا عَلى اَلْأنْبِياءِ. وقَدْ ذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى تَجْوِيزِ ما عَدا اَلْكَذِبَ في اَلتَّبْلِيغِ. كَما فُصِّلَ في مُطَوَّلاتِ اَلْكَلامِ.
قالَ اِبْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ: وهو قَوْلُ اَلْكَرامِيَّةِ مِنَ اَلْمُرْجِئَةِ، واِبْنِ اَلطَّيِّبِ اَلْباقِلّانِيِّ مِنَ اَلْأشْعَرِيَّةِ، ومَنِ اِتَّبَعَهُ، وهو قَوْلُ اَلْيَهُودِ واَلنَّصارى. ثُمَّ رَدَّ هَذا اَلْقَوْلَ، رَحِمَهُ اَللَّهُ، رَدًّا مَتِينًا.
وأمّا اَلْمَذْهَبُ اَلثّانِي، فَهو ما جَزَمَ بِهِ اِبْنُ حَزْمٍ في ( اَلْفِصَلِ) وعِبارَتُهُ: ما حَكاهُ تَعالى عَنْ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ قَوْلٌ صادِقٌ صَحِيحٌ، لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِمّا قالَهُ اَلْمُسْتَهْزِئُونَ اَلْكاذِبُونَ اَلْمُتَعَلِّقُونَ بِخُرافاتٍ ولَّدَها اَلْيَهُودُ. وإنَّما كانَ ذاكَ اَلْخَصْمُ قَوْمًا مِن بَنِي آدَمَ، بِلا شَكٍّ، مُخْتَصِمِينَ في نِعاجٍ مِنَ اَلْغَنَمِ عَلى اَلْحَقِيقَةِ بَيْنَهم. بَغى أحَدُهم عَلى اَلْآخَرِ عَلى نَصِّ اَلْآيَةِ. ومَن قالَ إنَّهم كانُوا مَلائِكَةً مُعَرِّضِينَ بِأمْرِ اَلنِّساءِ، فَقَدْ كَذَبَ عَلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ ما لَمْ يَقُلْ، وزادَ في اَلْقُرْآنِ ما لَيْسَ فِيهِ، وكَذَّبَ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وأقَرَّ عَلى نَفْسِهِ اَلْخَبِيثَةِ، أنَّهُ كَذَّبَ اَلْمَلائِكَةَ. لِأنَّ اَللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] فَقالَ هُوَ: لَمْ يَكُونُوا قَطُّ خَصْمَيْنِ، ولا بَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ولا كانَ قَطُّ لِأحَدِهِما تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً، ولا كانَ لِلْآخَرِ نَعْجَةً واحِدَةً، ولا قالَ لَهُ أكْفِلْنِيها. فاعْجَبُوا. لِمَ يُقْحِمُونَ فِيهِ اَلْباطِلَ أنْفُسَهَمْ؟ ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ اَلْخِذْلانِ. ثُمَّ كَلُّ ذَلِكَ بِلا دَلِيلٍ، بَلِ اَلدَّعْوى اَلْمُجَرَّدَةِ. وتاللَّهِ ! إنَّ كُلَّ اِمْرِئٍ مِنّا لَيَصُونُ نَفْسَهُ وجارَهُ اَلْمَسْتُورَ عَنْ أنْ يَتَعَشَّقَ اِمْرَأةَ جارِهِ، ثُمَّ يُعَرِّضُ زَوْجَها لِلْقَتْلِ عَمْدًا، لِيَتَزَوَّجَها. وعَنْ أنْ يَتْرُكَ صَلاتَهُ لِطائِرٍ يَراهُ. هَذِهِ أفْعالُ اَلسُّفَهاءِ اَلْمُتَهَوِّكِينَ اَلْفُسّاقِ اَلْمُتَمَرِّدِينَ. لا أفْعالُ (p-٥٠٩٠)أهْلِ اَلْبِرِّ والتَّقْوى.
فَكَيْفَ بِرَسُولِ اَللَّهِ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ اَلَّذِي أوْحى إلَيْهِ كِتابَهُ وأجْرى عَلى لِسانِهِ كَلامَهُ ؟ لَقَدْ نَزَّهَهُ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ أنْ يَمُرَّ مِثْلُ هَذا اَلْفُحْشِ بِبالِهِ. فَكَيْفَ أنْ يَسْتَضِيفَ إلى أفْعالِهِ؟ وأمّا اِسْتِغْفارُهُ وخُرُورُهُ ساجِدًا، ومَغْفِرَةُ اَللَّهِ لَهُ، فالأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ أوْلى اَلنّاسِ بِهَذِهِ اَلْأفْعالِ اَلْكَرِيمَةِ.
والِاسْتِغْفارُ فِعْلُ خَيْرٍ لا يُنْكَرُ مِن مَلَكٍ ولا مِن نَبِيٍّ. ولا مِن مُذْنِبٍ ولا مِن غَيْرِ مُذْنِبٍ. فالنَّبِيُّ يَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ لِمُذْنِبِي أهْلِ اَلْأرْضِ. والمَلائِكَةُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧]
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى عَنْ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ فَقَدْ ظَنَّ داوُدُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ أنْ يَكُونَ ما آتاهُ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن سِعَةِ اَلْمُلْكِ اَلْعَظِيمِ فِتْنَةً. فَقَدْ كانَ رَسُولُ اَللَّهِ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَدْعُو في أنْ يُثَبِّتَ اَللَّهُ قَلْبَهُ عَلى دِينِهِ. فاسْتَغْفَرَ اَللَّهَ تَعالى مِن هَذا اَلظَّنِّ، فَغَفَرَ اَللَّهُ تَعالى لَهُ هَذا اَلظَّنَّ. إذْ لَمْ يَكُنْ ما آتاهُ اَللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ فِتْنَةً. اِنْتَهى كَلامُ اِبْنِ حَزْمٍ، وهو وُقُوفٌ عَلى ظاهِرِ اَلْآيَةِ، مُجَرَّدًا عَنْ إشارَةٍ وإيماءٍ.
وقالَ البُرْهانُ اَلْبُقاعِيُّ في (تَفْسِيرِهِ): وتِلْكَ اَلْقِصَّةُ وأمْثالُها مِن كَذِبِ اَلْيَهُودِ.
ثُمَّ قالَ: وأخْبَرَنِي بَعْضُ مَن أسْلَمَ مِنهم أنَّهم يَتَعَمَّدُونَ ذَلِكَ في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، لِيَجِدُوا سَبِيلًا إلى اَلطَّعْنِ فِيهِ. اِنْتَهى.
ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] أيِ اَلْوُقُوعَ في اَلْحَدِيثِ عَنْ إسْنادِ اَلظُّلْمِ إلى أحَدٍ بِدُونِ سَماعٍ لِكَلامِهِ. وهَذِهِ اَلدَّعْوى تَدْرِيبٌ لِداوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْأحْكامِ.
وذِكْرُها لِلنَّبِيِّ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَدْرِيبٌ لَهُ في اَلْأناةِ في جَمِيعِ أُمُورِهِ عَلى اَلدَّوامِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذا، رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا في مَقامِهِ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَدَفَعَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] فالقِصَّةُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُها (p-٥٠٩١)إلّا لِلتَّرْقِيَةِ في رُتَبِ اَلْكَمالِ. وأوَّلُ دَلِيلٍ عَلى ما ذَكَرْتُهُ، أنَّ هَذِهِ اَلْفِتْنَةَ إنَّما هي بِالتَّدْرِيبِ في اَلْحُكْمِ، لا بِامْرَأةٍ ولا غَيْرِها. وأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِن قِصَّةِ اَلْمَرْأةِ باطِلٌ وإنِ اُشْتُهِرَ. فَكَمْ مِن باطِلٍ مَشْهُورٍ، ومَذْكُورٍ، هو عَيْنُ اَلزُّورِ. اِنْتَهى.
وقالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: قَدْ ذَكَرَ اَلْمُفَسِّرُونَ هَهُنا قِصَّةً أكْثَرُها مَأْخُوذٌ مِنَ اَلْإسْرائِيلِيّاتِ. ولَمْ يَثْبُتْ فِيها عَنِ اَلْمَعْصُومِ حَدِيثٌ يَجِبُ اِتِّباعُهُ. ولَكِنْ رَوى اِبْنُ أبِي حاتِمٍ هُنا حَدِيثًا لا يَصِحُّ سَنَدُهُ، لِأنَّهُ مِن رِوايَةِ يَزِيدَ اَلرَّقّاشِيِّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ. ويَزِيدُ، وإنْ كانَ مِنَ اَلصّالِحِينَ، لَكِنَّهُ ضَعِيفُ اَلْحَدِيثِ عِنْدَ اَلْأئِمَّةِ. اَلْأوْلى أنَّ يُقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ تِلاوَةِ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ، وأنْ يُرَدَّ عِلْمُها إلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَإنَّ اَلْقُرْآنَ حَقٌّ، وما تَضَمَّنَ فَهو حَقٌّ أيْضًا. اِنْتَهى.
وقالَ القاضِي عِياضٌ في (اَلشِّفا): وأمّا قِصَّةُ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، فَلا يَجِبُ أنْ يُلْتَفَتَ إلى ما سَطَرَهُ فِيها اَلْإخْبارِيُّونَ عَلى أهْلِ اَلْكِتابِ اَلَّذِينَ بَدَّلُوا وغَيَّرُوا، ونَقَلَهُ بَعْضُ اَلْمُفَسِّرِينَ ولَمْ يَنُصَّ اَللَّهُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا ورَدَ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ.
واَلَّذِي نَصَّ اَللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ وقَوْلُهُ فِيهِ " أوّابٌ " فَمَعْنى ﴿فَتَنّاهُ﴾ أيِ اِخْتَبَرْناهُ. و" أوّابٌ " قالَ قَتادَةُ: مُطِيعٌ. وهَذا اَلتَّفْسِيرُ أوْلى. قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ لِلرَّجُلِ: اِنْزِلْ عَنِ اِمْرَأتِكَ وأكْفِلْنِيها. فَعاتَبَهُ اَللَّهُ عَلى ذَلِكَ ونَبَّهَهُ عَلَيْهِ. وأنْكَرَ عَلَيْهِ شُغُلَهُ بِالدُّنْيا. وهَذا هو اَلَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ مِن أمْرِهِ. وقَدْ قِيلَ خَطَبَها عَلى خِطْبَتِهِ، وقِيلَ: بَلْ أحَبَّ بِقَلْبِهِ أنْ يُسْتَشْهَدَ.
وحَكى اَلسَّمَرْقَنْدِيُّ أنَّ ذَنْبَهُ اَلَّذِي اِسْتَغْفَرَ مِنهُ قَوْلُهُ ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ فَظَلَمَهُ بِقَوْلِ خَصْمِهِ. وقِيلَ: بَلْ لَمّا خَشِيَهُ عَلى نَفْسِهِ، وظَنَّ مِنَ اَلْفِتْنَةِ بِما بُسِطَ لَهُ مِنَ اَلْمُلْكِ والدُّنْيا. وإلى نَفْيِ ما أُضِيفَ في اَلْأخْبارِ إلى داوُدِ مِن ذَلِكَ ذَهَبَ أحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ وأبُو تَمّامٍ، وغَيْرُهُما مِنَ اَلْمُحَقِّقِينَ.
قالَ الدّاوُدِيُّ: لَيْسَ في قِصَّةِ داوُدَ وأُورِيا خَبَرٌ يَثْبُتُ. ولا يُظَنُّ بِنَبِيٍّ مَحَبَّةُ قَتْلِ مُسْلِمٍ. وقِيلَ: إنَّ اَلْخَصْمَيْنِ اَللَّذَيْنِ اِخْتَصَما إلَيْهِ، رَجُلانِ في نِتاجِ غَنَمٍ عَلى ظاهِرِ اَلْآيَةِ. وقِيلَ: بَلْ لَمّا خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ وظَنَّ مِنَ اَلْفِتْنَةِ لِما بُسِطَ لَهُ مِنَ اَلْمُلْكِ والدُّنْيا. اِنْتَهى.
(p-٥٠٩٢)وقالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في أواخِرِ كِتابِهِ (اَلْجَوابِ اَلْكافِي) في مَباحِثِ اَلْعِشْقِ: وقَدْ أرْشَدَ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - اَلْمُتَحابِّينَ إلى اَلنِّكاحِ. كَما في سُنَنِ اِبْنِ ماجَهْ مَرْفُوعًا: «لَمْ يَرَ لِلْمُتَحابَّيْنِ مِثْلَ اَلنِّكاحِ» . ونِكاحُهُ لِمَعْشُوقِهِ هو دَواءُ اَلْعِشْقِ اَلَّذِي جَعَلَهُ اَللَّهُ دَواءَهُ شَرْعًا وقَدَرًا. وبِهِ تَداوى نَبِيُّ اَللَّهِ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ولَمْ يَرْتَكِبْ نَبِيُّ اَللَّهِ مُحَرَّمًا. وإنَّما تَزَوَّجَ اَلْمَرْأةَ وضَمَّها إلى نِسائِهِ لِمَحَبَّتِهِ لَها. وكانَتْ تَوْبَتُهُ بِحَسْبِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ اَللَّهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ. ولا يَلِيقُ بِنا اَلْمَزِيدُ عَلى هَذا. اِنْتَهى.
وهَذا مِنهُ تَسْلِيمٌ بِبَعْضِ اَلْقِصَّةِ لا تَمامِها. وهو مِنَ اَلْأقْوالِ فِيها.
وأمّا دَعْوى بَعْضِهِمْ أنَّ اَلتَّوْراةَ تَعُدُّ داوُدَ مَلِكًا حَكِيمًا، لا نَبِيًّا، بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ في أسْفارِ اَلْمُلُوكِ مِنها، وما فِيها مِن أنَّهُ بُعِثَ إلَيْهِ نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ قاشانُ، ضَرَبَ لَهُ اَلْمَثَلَ اَلْمَذْكُورَ فَدَعْوى مَرْدُودَةٌ مِن وُجُوهٍ:
مِنها أنَّ اَلِاسْتِدْلالَ بِالتَّوْراةِ اَلَّتِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ في إثْباتٍ أوْ نَفْيٍ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. كَيْفَ لا؟ وقَدْ أُوتِينا بَيْضاءَ نَقِيَّةً مَحْفُوظَةً مِنَ اَلتَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ بِحَمْدِهِ تَعالى. ومِنها أنَّ نُبُوَّةَ داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لا خِلافَ فِيها عِنْدَ اَلْمُسْلِمِينَ، فَلا عِبْرَةَ بِخِلافِ غَيْرِهِمْ.
ومِنها أنَّهُ لا مانِعَ أنْ تَجْتَمِعَ اَلنُّبُوَّةُ والمُلْكُ لِمَن أرادَهُ اَللَّهُ واصْطَفاهُ. وقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِداوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما اَلسَّلامُ.
ومِنها أنَّهُ لا حاجَةَ في كِتابِنا اَلْكَرِيمِ أنْ يُتَمَّمَ بِما جاءَ في غَيْرِهِ، أوْ يُحاوَلَ رَدُّهُ إلى سِواهُ مِنَ اَلْكُتُبِ، أوْ هي إلَيْهِ، لِاسْتِغْنائِهِ بِنَفْسِهِ. بَلْ وكَوْنِهِ مُهَيْمِنًا عَلى سائِرِ اَلْكُتُبِ، كَما أخْبَرَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ. فَلْيُتَأمَّلْ ذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ حُدِّثَ بِنَبَأِ داوُدَ عَلى ما يَرْوِيهِ اَلْقُصّاصُ، وعِنْدَهُ رَجُلٌ مِن أهْلِ اَلْحَقِّ. فَكَذَّبَ اَلْمُحَدِّثَ بِهِ، وقالَ: إنْ كانَتِ اَلْقِصَّةُ عَلى ما في كِتابِ اَللَّهِ فَما يَنْبَغِي أنْ يُلْتَمَسَ خِلافُها، وأعْظِمْ بِأنْ يُقالَ غَيْرُ ذَلِكَ، وإنْ كانَتْ عَلى ما ذَكَرْتَ وكَفَّ اَللَّهُ عَنْها سَتْرًا عَلى نَبِيِّهِ، فَما يَنْبَغِي إظْهارُها عَلَيْهِ. فَقالَ عُمَرُ: لَسَماعِي هَذا اَلْكَلامَ، أحَبُّ إلَيَّ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ اَلشَّمْسُ. نَقَلَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
(p-٥٠٩٣)قالَ النّاصِرُ في (اَلِانْتِصافِ): وقَدِ اِلْتَزَمَ اَلْمُحَقِّقُونَ مِن أئِمَّتِنا أنَّ اَلْأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ اَلصَّلاةُ واَلسَّلامُ، داوُدَ وغَيْرَهُ، مُنَزَّهُونَ مِنَ اَلْوُقُوعِ في صَغائِرِ اَلذُّنُوبِ، مُبَرَّءُونَ مِن ذَلِكَ، والتِمَسُوا اَلْمَحامِلَ اَلصَّحِيحَةَ لِأمْثالِ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ. وهَذا هو اَلْحَقُّ اَلْأبْلَجُ، والسَّبِيلُ اَلْأبْهَجُ، إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى. اِنْتَهى.
اَلتَّنْبِيهُ اَلثّانِي: قالَ اِبْنُ اَلْفُرْسِ: في هَذِهِ اَلْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ اَلْقَضاءِ في اَلْمَسْجِدِ (أيْ لِظاهِرِ اَلْمِحْرابِ. إلّا أنَّهُ لَيْسَ نَصًّا في مِحْرابِ اَلْمَسْجِدِ) والتَّلَطُّفُ في رَدِّ اَلْإنْسانِ عَنِ اَلْمَكْرُوهِ صَنَعَهُ. وأنَّهُ لا يُؤاخَذُ بِعُنْفٍ ما أمْكَنَ. وجَوازُ اَلْمَعارِيضِ مِنَ اَلْقَوْلِ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ اَلتَّمْثِيلِ والتَّعْرِيضِ، دُونَ اَلتَّصْرِيحِ، لِكَوْنِها أبْلَغَ في اَلتَّوْبِيخِ. مِن قِبَلِ أنَّ اَلْمُتَأمِّلَ إذا أدّاهُ إلى اَلشُّعُورِ بِالعَرْضِ بِهِ، كانَ أوْقَعَ في نَفْسِهِ وأشَدَّ تَمَكُّنًا مِن قَلْبِهِ، وأعْظَمَ أثَرًا فِيهِ، وأجْلَبَ لِاحْتِشامِهِ وحَيائِهِ، وأدْعى إلى اَلتَّنْبِيهِ عَلى اَلْخَطَأِ فِيهِ، مِن أنْ يُبادَهَ بِهِ صَرِيحًا، مَعَ مُراعاةِ حُسْنِ اَلْأدَبِ بِتَرْكِ اَلْمُجاهَرَةِ. ألا تَرى إلى اَلْحُكَماءِ؟ كَيْفَ أوْصَوْا في سِياسَةِ اَلْوَلَدِ، إذا وجَدْتَ مِنهُ هَنَّةً مُنْكَرَةً، بِأنْ يُعَرَّضَ لَهُ بِإنْكارِها عَلَيْهِ، ولا يُصَرَّحَ.
وأنْ تُحْكى لَهُ حِكايَةٌ مُلاحَظَةً لِحالِهِ، إذا تَأمَّلَها اِسْتَسْمَجَ حالَ صاحِبِ اَلْحِكايَةِ، فاسْتَسْمَجَ حالَ نَفْسِهِ. وذَلِكَ أزْجَرُ لَهُ. لِأنَّهُ يَنْصُبُ ذَلِكَ مِثالًا لِحالِهِ، ومِقْياسًا لِشَأْنِهِ. فَتَصَوَّرَ قُبْحَ ما وُجِدَ مِنهُ بِصُورَةٍ مَكْشُوفَةٍ. مَعَ أنَّهُ أصْوَنُ لِما بَيْنَ اَلْوالِدِ واَلْوَلَدِ مِن حِجابِ اَلْحِشْمَةِ.
اَلثّالِثُ: قالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ [ص: ٢٣] أيْ عَلى دِينِي. أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ. فَفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ (اَلْأخِ) عَلى غَيْرِ اَلْمُناسِبِ. واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ عَلى جَوازِ اَلشَّرِكَةِ، أفادَهُ في " اَلْإكْلِيلِ ".
اَلرّابِعُ: قالَ السُّيُوطِيُ في (اَلْإكْلِيلِ): اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ مَن أجازَ اَلتَّعْوِيضَ عَنْ سُجُودِ اَلتِّلاوَةِ بِرُكُوعٍ. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ اَلرُّكُوعَ هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ، عَنِ (p-٥٠٩٤)اَلسُّجُودِ. لِأنَّهُ لِإفْضائِهِ إلَيْهِ، جُعِلَ كالسَّبَبِ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ. أوْ هو اِسْتِعارَةٌ لَهُ، لِمُشابَهَتِهِ لَهُ في اَلِانْحِناءِ والخُضُوعِ.
اَلْخامِسُ: قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: اِخْتَلَفَ اَلْأئِمَّةُ في سَجْدَةِ ﴿ص﴾ [ص: ١] هَلْ هي مِن عَزائِمِ اَلسُّجُودِ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّها لَيْسَتْ مِنَ اَلْعَزائِمِ، بَلْ هي سَجْدَةُ شُكْرٍ. لِما رُوِيَ «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ اَلسُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها»، رَواهُ أحْمَدُ واَلْبُخارِيُّ وأصْحابُ اَلسُّنَنِ.
وعَنْهُ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اَلنَّبِيَّ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ﴿ص﴾ [ص: ١] وقالَ: سَجَدَها داوُدُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تَوْبَةً، ونَسْجُدُها شُكْرًا»، تَفَرَّدَ بِهِ اَلنَّسائِيُّ.
وعَنْ أبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اَللَّهِ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى اَلْمِنبَرِ ﴿ص﴾ [ص: ١] فَلَمّا بَلَغَ اَلسَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ اَلنّاسُ مَعَهُ. فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها. فَلَمّا بَلَغَ اَلسَّجْدَةَ تَشَزَّنَ اَلنّاسُ لِلسُّجُودِ. فَقالَ - صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -:إنَّما هي تَوْبَةُ نَبِيٍّ. ولَكِنْ رَأيْتُكم تَشَزَّنْتُمْ، فَنَزَلَ وسَجَدَ» . تَفَرَّدَ بِهِ أبُو داوُدَ. وإسْنادُهُ عَلى شَرْطِ اَلصَّحِيحِ.
ص 38:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦ ] ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ .
﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ أيِ: اِسْتَخْلَفْناكَ عَلى اَلْمُلْكِ في اَلْأرْضِ (p-٥٠٩٥)كَمَن يَسْتَخْلِفُهُ بَعْضُ اَلسَّلاطِينِ عَلى بَعْضِ اَلْبِلادِ ويُمَلِّكُهُ عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: خُلَفاءُ اَللَّهِ في أرْضِهِ: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ أيْ: هَوى اَلنَّفْسِ، مِنَ اَلْمَيْلِ إلى مالٍ، أوْ جاهٍ، أوْ قَرِيبٍ، أوْ صاحِبٍ: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: صِراطِهِ اَلْمُوصِلِ إلى اَلْكَمالاتِ، كَحِفْظِ اَلْمَمْلَكَةِ، والنَّصْرِ عَلى اَلْأعْداءِ، والنَّجاةِ في اَلْآخِرَةِ ورَفْعِ اَلدَّرَجاتِ فِيها: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ نِسْيانِهِمْ، وهو ضَلالُهم عَنِ اَلسَّبِيلِ، فَإنَّ تَذَكُّرَهُ يَقْتَضِي مُلازَمَةَ اَلْحَقِّ، ومُخالَفَةَ اَلْهَوى.
تَنْبِيهٌ:
فِي اَلْآيَةِ بَيانُ وُجُوبِ اَلْحُكْمِ بِالحَقِّ، وأنْ لا يَمِيلَ إلى أحَدِ اَلْخَصْمَيْنِ لِقَرابَةٍ، أوْ رَجاءٍ، أوْ سَبَبٍ يَقْتَضِي اَلْمَيْلَ، واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى اِحْتِياجِ اَلْأرْضِ إلى خَلِيفَةٍ مِنَ اَللَّهِ. كَذا في (" اَلْإكْلِيلِ"). وقالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ وصِيَّةٌ مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِوُلاةِ اَلْأُمُورِ أنْ يَحْكُمُوا بَيْنَ اَلنّاسِ بِالحَقِّ اَلْمُنَزَّلِ مِن عِنْدِهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولا يَعْدِلُوا عَنْهُ فَيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ، وقَدْ تَوَعَّدَ تَبارَكَ وتَعالى مَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وتَناسى يَوْمَ اَلْحِسابِ، بِالوَعِيدِ اَلْأكِيدِ، والعَذابِ اَلشَّدِيدِ.
رَوى اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي زَرْعَةَ، أنَّ اَلْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ اَلْمَلِكِ قالَ لَهُ: أيُحاسَبُ اَلْخَلِيفَةُ، فَإنَّكَ قَدْ قَرَأْتَ اَلْكِتابَ اَلْأوَّلَ وقَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ وفَقِهْتَ؟ فَقُلْتُ: يا أمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ؟ أقُولُ؟ قالَ: قُلْ في أمانٍ. قُلْتُ: يا أمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ! أنْتَ أكْرَمُ عَلى اَللَّهِ أوْ داوُدُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ؟ إنَّ اَللَّهَ تَعالى جَمَعَ لَهُ اَلنُّبُوَّةَ والخِلافَةَ. ثُمَّ تَوَعَّدَهُ في كِتابِهِ قالَ تَعالى: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ اَلْآيَةَ.
وقالَ الرّازِيُّ: اِعْلَمْ أنَّ اَلْإنْسانَ خُلِقَ مَدَنِيًّا بِالطَّبْعِ؛ لِأنَّ اَلْإنْسانَ اَلْواحِدَ لا تَنْتَظِمُ مَصالِحُهُ إلّا عِنْدَ وُجُودِ مَدِينَةٍ تامَّةٍ، حَتّى هَذا يَحْرُثُ، وذاكَ يَطْحَنُ، وذَلِكَ يَخْبِزُ، وذَلِكَ يَنْسِجُ والآخَرُ يَخِيطُ. وبِالجُمْلَةِ، فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَشْغُولًا بِمُهِمٍّ، ويَنْتَظِمُ مِن أعْمالِ اَلْجَمِيعِ (p-٥٠٩٦)مَصالِحُ اَلْجَمِيعِ. فَثَبَتَ أنَّ اَلْإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ. وعِنْدَ اِجْتِماعِهِمْ في اَلْمَوْضِعِ اَلْواحِدِ يَحْصُلُ بَيْنَهم مُنازَعاتٌ ومُخاصَماتٌ، ولا بُدَّ مِن إنْسانٍ قادِرٍ قاهِرٍ يَقْطَعُ تِلْكَ اَلْخُصُوماتِ، ويَفْصِلُ تِلْكَ اَلْحُكُوماتِ. وذَلِكَ هو اَلسُّلْطانُ اَلَّذِي يَنَفُذُ حُكْمُهُ عَلى اَلْكُلِّ.
فَثَبَتَ أنَّهُ لا تَنْتَظِمُ مَصالِحُ اَلْخَلْقِ إلّا بِسُلْطانٍ قاهِرٍ سائِسٍ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ اَلسُّلْطانَ اَلْقاهِرَ اَلسّائِسَ، إنْ كانَ حُكْمُهُ عَلى وفْقِ هَواهُ ولِطَلَبِ مَصالِحِ دُنْياهُ، عَظُمَ ضَرَرُهُ عَلى اَلْخَلْقِ، فَإنَّهُ يَجْعَلُ اَلرَّعِيَّةَ فِداءً لِنَفْسِهِ، ويَتَوَسَّلُ بِهِمْ إلى تَحْصِيلِ مَقاصِدِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَخْرِيبِ اَلْعالَمِ، ووُقُوعِ اَلْهَرَجِ، والمَرَجِ في اَلْخَلْقِ. وذَلِكَ يُفْضِي بِالآخِرَةِ إلى هَلاكِ ذَلِكَ اَلْمُلْكِ.
أمّا إذا كانَتْ أحْكامُ ذَلِكَ اَلْمَلِكِ مُطابِقَةً لِلشَّرِيعَةِ اَلْحَقَّةِ اَلْإلَهِيَّةِ، اِنْتَظَمَتْ مَصالِحُ اَلْعالَمِ، واتَّسَعَتْ أبْوابِ اَلْخَيْراتِ عَلى أحْسَنِ اَلْوُجُوهِ. فَهَذا هو اَلْمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ يَعْنِي لا بُدَّ مِن حاكِمٍ بَيْنَ اَلنّاسِ بِالحَقِّ، فَكُنْ أنْتَ ذَلِكَ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اَلْآيَةَ، وتَفْسِيرُهُ أنَّ مُتابَعَةَ اَلْهَوى تُوجِبُ اَلضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ، والضَّلالُ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ يُوجِبُ سُوءَ اَلْعَذابِ. فَيَنْتِجُ أنَّ مُتابَعَةَ اَلْهَوى تُوجِبُ سُوءَ اَلْعَذابِ. اِنْتَهى.
ص 38:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧ ] ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ .
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا﴾ أيْ: خَلْقًا باطِلًا، لا حِكْمَةَ فِيهِ، أوْ مُبْطِلِينَ عابِثِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] وهو أنْ تَقُومَ اَلنّاسُ بِالقِسْطِ في اَلْمُعْتَقَداتِ، والعِباداتِ، والمُعامَلاتِ: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: ولِذا أنْكَرُوا اَلْبَعْثَ، والجَزاءَ عَلى اَلْأعْمالِ، وأخَذُوا يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ، ويَبْغُونَ في اَلْأرْضِ اَلْفَسادَ.
(p-٥٠٩٧)قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن جَحَدَ اَلْخالِقَ فَقَدْ جَحَدَ اَلْحِكْمَةَ مِن أصْلِها، ومَن جَحَدَ اَلْحِكْمَةَ في خَلْقِ اَلْعالَمِ فَقَدْ سَفَّهَ اَلْخالِقَ، وظَهَرَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ ولا يَقْدُرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ، فَكانَ إقْرارُهُ بِكَوْنِهِ خالِقًا، كَلا إقْرارٍ.
ص 38:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨ ] ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ .
﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ المُهايِمِيُّ: أيْ: أنَتْرُكُ اَلْبَعْثَ بِالكُلِّيَّةِ، أمْ نَبْعَثُ ونَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا فَشَكَرُوا نِعْمَةَ اَلْعَقْلِ والكِتابِ، وعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ فَشَكَرُوا نِعْمَةَ اَلْأعْضاءِ، كالمُفْسِدِينَ، بِصَرْفِ اَلْعَقْلِ، والأعْضاءِ إلى غَيْرِ ما خُلِقَتْ لَهُ؟: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: مُخالَفَةَ أمْرِ اَللَّهِ، رِعايَةً لِمَحَبَّتِهِ: ﴿كالفُجّارِ﴾ أيِ: اَلَّذِينَ يُخالِفُونَ أوامِرَ اَللَّهِ، ولا يُبالُونَ بِعَداوَتِهِ؛ أيْ: لا نَفْعَلُ ذَلِكَ، ولا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اَللَّهِ.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: وإذا كانَ اَلْأمْرُ كَذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِن دارٍ أُخْرى يُثابُ فِيها هَذا اَلْمُطِيعُ، ويُعاقَبُ فِيها هَذا اَلْفاجِرُ، وهَذا اَلْإرْشادُ يَدُلُّ اَلْعُقُولَ اَلسَّلِيمَةَ، والفِطَرَ اَلْمُسْتَقِيمَةَ، عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَعادٍ وجَزاءٍ، فَإذا نَرى اَلظّالِمَ اَلْباغِيَ يَزْدادُ مالُهُ ووَلَدُهُ ونَعِيمُهُ، ويَمُوتُ كَذَلِكَ، ونَرى اَلْمُطِيعَ اَلْمَظْلُومَ يَمُوتُ بِكَمَدِهِ، فَلا بُدَّ في حِكْمَةِ اَلْحَكِيمِ اَلْعَلِيمِ اَلْعادِلِ، اَلَّذِي لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، مِن إنْصافِ هَذا مِن هَذا، وإذا لَمْ يَقَعْ هَذا في هَذِهِ اَلدّارِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ هُناكَ دارًا أُخْرى لِهَذا اَلْجَزاءِ والمُواساةِ، ولَمّا كانَ اَلْقُرْآنُ يُرْشِدُ إلى اَلْمَقاصِدِ اَلصَّحِيحَةِ والمَآخِذِ اَلْعَقْلِيَّةِ اَلصَّرِيحَةِ، قالَ تَعالى:
ص 38:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩ ] ﴿كِتابٌ أنْـزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ .
﴿كِتابٌ أنْـزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ اَلْخَيْرِ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ قالَ المُهايِمِيُّ: أيْ: لِيَنْظُرُوا في ألْفاظِهِ وتَرْتِيبِها ولَوازِمِها، فَيَسْتَخْرِجُوا مِنها عُلُومًا بِطَرِيقِ اَلِاسْتِدْلالِ. (p-٥٠٩٨)وقالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: تَدَبُّرُ اَلْآياتِ: اَلتَّفَكُّرُ فِيها، والتَّأمُّلُ اَلَّذِي يُؤَدِّي إلى مَعْرِفَةِ ما يُدَبِّرُ ظاهِرَها مِنَ اَلتَّأْوِيلاتِ اَلصَّحِيحَةِ، والمَعانِي اَلْحَسَنَةِ، لِأنَّ مَنِ اِقْتَنَعَ بِظاهِرِ اَلْمَتْلُوِّ لَمْ يَحِلَّ مِنهُ بِكَثِيرٍ طائِلٍ.
وكانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ مَن لَهُ لَقِحَةٌ دَرُورٌ لا يَحْلِبُها، ومُهْرَةٌ نَثُورٌ لا يَسْتَوْلِدُها. وعَنِ اَلْحَسَنِ: قَدْ قَرَأ هَذا اَلْقُرْآنَ عَبِيدٌ وصِبْيانٌ لا عِلْمَ لَهم بِتَأْوِيلِهِ، حَفِظُوا حُرُوفَهُ وضَيَّعُوا حُدُودَهُ، حَتّى إنَّ أحَدَهم لَيَقُولَ: واللَّهِ ! لَقَدْ قَرَأتُ اَلْقُرْآنَ فَما أسْقَطْتُ مِنهُ حَرْفًا، وقَدْ واللَّهِ ! أسْقَطَهُ كُلَّهُ، ما يُرى لِلْقُرْآنِ عَلَيْهِ أثَرٌ في خُلُقٍ ولا عَمَلٍ، واللَّهِ ! ما هو بِحِفْظِ حُرُوفِهِ، وإضاعَةِ حُدُودِهِ، واللَّهِ ما هَؤُلاءِ بِالحُكَماءِ، ولا اَلْوَزَعَةِ، لا كَثَّرَ اَللَّهُ في اَلنّاسِ مِثْلَ هَؤُلاءِ. اَللَّهُمَّ اِجْعَلْنا مِنَ اَلْعُلَماءِ اَلْمُتَدَبِّرِينَ، وأعِذْنا مِنَ اَلْقُرّاءِ اَلْمُتَكَبِّرِينَ.
ص 38:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠ ] ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ .
﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ اَلرُّجُوعِ إلى اَللَّهِ تَعالى، بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ.
ص 38:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١ ] ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ .
﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ﴾ أيْ: مِنَ اَلْخَيْلِ، جَمْعُ: (صافِنٍ)، وهو اَلَّذِي يَقُومُ عَلى طَرْفِ سُنْبُكِ يَدٍ أوْ رِجْلٍ ﴿الجِيادُ﴾ جَمْعُ (جَوادٍ)، وهو اَلَّذِي يُسْرِعُ في جَرْيِهِ، أوْ بِمَعْنى اَلْحِسانِ جَمْعِ (جَيِّدٍ).
ص 38:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢ ] ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ .
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أيْ: آثَرْتُهُ عَلَيْهِ، عَدَلَ عَنْهُ لِلْمُناسَبَةِ (p-٥٠٩٩)اَللَّفْظِيَّةِ وقَصْدِ اَلتَّجْنِيسِ، وفائِدَةِ اَلتَّضْمِينِ إشارَةً إلى عُرُوضِهِ، و: ﴿ذِكْرِ رَبِّي﴾ إمّا مُضافٌ لِفاعِلِهِ أوْ لِمَفْعُولِهِ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: و{ الخَيْرُ } اَلْمالُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] والمالُ: اَلْخَيْلُ اَلَّتِي شَغَلَتْهُ، أوْ سَمّى اَلْخَيْلَ خَيْرًا كَأنَّها نَفْسُ اَلْخَيْرِ، لِتَعَلُّقِ اَلْخَيْرِ بِها. قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اَلْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها اَلْخَيْرُ إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ»»، وقالَ في زَيْدِ اَلْخَيْلِ حِينَ وفَدَ عَلَيْهِ وأسْلَمَ: ««ما وُصِفَ لِي رَجُلٌ فَرَأيْتُهُ، إلّا كانَ دُونَ ما بَلَغَنِي، إلّا زِيدُ اَلْخَيْلِ»» وسَمّاهُ زَيْدَ اَلْخَيْرَ، وسَألَ رَجُلٌ بِلالًا رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ عَنْ قَوْمٍ يَسْتَبِقُونَ، مَنِ اَلسّابِقُ؟ فَقالَ: رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. فَقالَ لَهُ اَلرَّجُلُ: أرَدْتُ اَلْخَيْلَ. فَقالَ: وأنا أرَدْتُ اَلْخَيْرَ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ أيْ: غَرَبَتِ اَلشَّمْسُ، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أحْبَبْتُ﴾ وفِيهِ اِسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ، أوْ مَكْنِيَّةٌ لِتَشْبِيهِ اَلشَّمْسِ بِاِمْرَأةٍ حَسْناءَ، أوْ مَلَكٍ. وباءُ: ﴿بِالحِجابِ﴾ لِلظَّرْفِيَّةِ، أوِ اَلِاسْتِعانَةِ، أوِ اَلْمُلابَسَةِ.
ص 38:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ ] ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ .
﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ يَعْنِي اَلصّافِناتِ، وهَذا مِن مَقُولِ اَلْقَوْلِ، فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ آخَرَ
﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أيْ: فَجَعَلَ يَمْسَحُ مَسْحًا، أيْ: يَمْسَحُ بِالسَّيْفِ بِسُوقِها وأعْناقِها، يَعْنِي يَقْطَعُها.
تَنْبِيهٌ:
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّلَفِ والمُفَسِّرِينَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ اِشْتَغَلَ (p-٥١٠٠)بِعَرْضِ اَلْخَيْلِ حَتّى فاتَ وقْتُ صَلاةِ اَلْعَصْرِ، واَلَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أنَّهُ لَمْ يَتْرُكْها عَمْدًا بَلْ نِسْيانًا، كَما شُغِلَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ اَلْخَنْدَقِ عَنْ صَلاةِ اَلْعَصْرِ، حَتّى صَلّاها بَعْدَ اَلْغُرُوبِ، وذَلِكَ ثابِتٌ في اَلصَّحِيحَيْنِ مِن غَيْرِ وجْهٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ سائِغًا في مِلَّتِهِمْ تَأْخِيرُ اَلصَّلاةِ لِعُذْرِ اَلْغَزْوِ، والقِتالِ. والخَيْلُ تُرادُ لِلْقِتالِ، وقَدِ اِدَّعى طائِفَةٌ مِنَ اَلْعُلَماءِ أنَّ هَذا كانَ مَشْرُوعًا فَنُسِخَ ذَلِكَ بِصَلاةِ اَلْخَوْفِ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ في حالِ اَلْمُسايَفَةِ والمُضايَقَةِ حَتّى لا يُمْكِنَ صَلاةٌ، ولا رُكُوعٌ، ولا سُجُودٌ، كَما فَعَلَ اَلصَّحابَةُ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهم في فَتْحٍ (تَسْتُرَ)، وهو مَنقُولٌ عَنْ مَكْحُولٍ، والأوْزاعِيِّ، وغَيْرِهِما، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ قالَ الحَسَنُ اَلْبَصْرِيُّ: قالَ: لا، واَللَّهِ ! لا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبادَةِ رَبِّي آخِرَ ما عَلَيْكِ، ثُمَّ أمَرَ بِها فَعُقِرَتْ. وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: جَعَلَ يَمْسَحُ أعْرافَ اَلْخَيْلِ وعَراقِيبَها حُبًّا لَها، وهَذا اَلْقَوْلُ اِخْتارَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ. قالَ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَ حِيَوانًا بِالعَرْقَبَةِ، ويُهْلِكَ مالًا مِن مالِهِ بِلا سَبَبٍ، سِوى أنَّهُ اِشْتَغَلَ عَنْ صَلاتِهِ بِالنَّظَرِ إلَيْها ولا ذَنْبَ لَها، وهَذا اَلَّذِي رَجَّحَ اِبْنُ جَرِيرٍ، فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ في شَرْعِهِمْ جَوازُ مِثْلِ هَذا، ولاسِيَّما إذا كانَ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى، بِسَبَبِ أنَّهُ اِشْتَغَلَ بِها حَتّى خَرَجَ وقْتُ اَلصَّلاةِ؛ ولِهَذا لَمّا خَرَجَ عَنْها لِلَّهِ تَعالى، عَوَّضَهُ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما هو خَيْرٌ مِنها، وهو اَلرِّيحُ اَلَّتِي تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ، غُدُوُّها شَهْرٌ، ورَواحُها شَهْرٌ، فَهَذا أسْرَعُ وخَيْرٌ مِنَ اَلْخَيْلِ.
رَوى اَلْإمامُ أحْمَدُ «عَنْ أبِي قَتادَةَ، وأبِي اَلدَّهْماءِ، (p-٥١٠١)وكانا يُكْثِرانِ اَلسَّفَرَ نَحْوَ اَلْبَيْتِ، قالا: أتَيْنا عَلى رَجُلٍ مِن أهْلِ اَلْبادِيَةِ فَقالَ لَنا اَلْبَدَوِيُّ، أخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمّا عَلَّمَهُ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ: «إنَّكَ لا تَدَعُ شَيْئًا اِتِّقاءَ اَللَّهِ تَعالى، إلّا أعْطاكَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَيْرًا مِنهُ»» . . اِنْتَهى ما ذَكَرَهُ اِبْنُ كَثِيرٍ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: طَفِقَ يَمْسَحُ اَلسَّيْفَ بِسُوقِها، يُعَرْقِبُ بَعْضَها، ويَنْحَرُ بَعْضَها، كَسْرًا لِأصْنامِ اَلنَّفْسِ اَلَّتِي تَعْبُدُها بِهَواها، وقَمْعًا لِسُورَتِها وقُواها، ورَفْعًا لِلْحِجابِ اَلْحائِلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اَلْحَقِّ، واسْتِغْفارًا وإنابَةً إلَيْهِ بِالتَّجْرِيدِ والتَّرْكِ.
وقَدْ ذَهَبَ اَلرّازِيُّ إلى تَأْوِيلٍ آخَرَ اِسْتَصْوَبَهُ، قالَ: إنَّ رِباطَ اَلْخَيْلِ كانَ مَندُوبًا إلَيْهِ في دِينِهِمْ. كَما أنَّهُ كَذَلِكَ في دِينِ اَلْإسْلامِ، ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ اِحْتاجَ إلى اَلْغَزْوِ، فَجَلَسَ وأمَرَ بِإحْضارِ اَلْخَيْلِ وأمَرَ بِإجْرائِها، وذَكَرَ أنِّي لا أُحِبُّها لِأجْلِ اَلدُّنْيا ونَصِيبِ اَلنَّفْسِ، وإنَّما أُحِبُّها لِأمْرِ اَللَّهِ، وطَلَبِ تَقْوِيَةِ دِينِهِ. وهو اَلْمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ أمَرَ بِإعْدائِها وتَسْيِيرِها حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ أيْ: غابَتْ عَنْ بَصَرِهِ. ثُمَّ أمَرَ اَلرّائِضِينَ بِأنْ يَرُدُّوا تِلْكَ اَلْخَيْلَ إلَيْهِ. فَلَمّا عادَتْ إلَيْهِ طَفِقَ يَمْسَحُ سُوقَها وأعْناقَها، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ اَلْمَسْحِ أُمُورٌ:
اَلْأوَّلُ: تَشْرِيفًا لَها وإبانَةً لِعِزَّتِها، لِكَوْنِها مِن أعْظَمِ اَلْأعْوانِ في دَفْعِ اَلْعَدُوِّ.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ أنَّهُ في ضَبْطِ اَلسِّياسَةِ والمُلْكِ يَتَصَنَّعُ إلى حَيْثُ يُباشِرُ أكْثَرَ اَلْأُمُورِ بِنَفْسِهِ.
اَلثّالِثُ - أنَّهُ كانَ أعْلَمَ بِأحْوالِ اَلْخَيْلِ وأمْراضِها وعُيُوبِها. فَكانَ يَمْتَحِنُها ويَمْسَحُ سُوقَها وأعْناقَها، حَتّى يَعْلَمَ هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى اَلْمَرَضِ.
وقالَ: فَهَذا اَلتَّفْسِيرُ اَلَّذِي ذَكَرْناهُ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ اَلْقُرْآنِ اِنْطِباقًا مُطابِقًا مُوافِقًا. ولا يَلْزَمُنا نِسْبَةُ شَيْءٍ مِن تِلْكَ اَلْمُنْكَراتِ والمَحْذُوراتِ.
قالَ: وأنا شَدِيدُ اَلتَّعَجُّبِ مِنَ اَلنّاسِ كَيْفَ قَبِلُوا هَذِهِ اَلْوُجُوهَ اَلسَّخِيفَةَ، مَعَ أنَّ اَلْعَقْلَ والنَّقْلَ يَرُدُّها، ولَيْسَ لَهم في إثْباتِها شُبْهَةٌ، فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اَلْجُمْهُورَ فَسَرُّوا اَلْآيَةَ بِذَلِكَ اَلْوَجْهِ، فَما قَوْلُكَ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ:
اَلْمَقامُ اَلْأوَّلُ - أنْ نَدَّعِيَ أنَّ لَفْظَ اَلْآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن تِلْكَ اَلْوُجُوهِ اَلَّتِي يَذْكُرُونَها. وقَدْ ظَهَرَ، والحَمْدُ لِلَّهِ، أنَّ اَلْأمْرَ كَما (p-٥١٠٢)ذَكَرْناهُ، وظُهُورُهُ لا يَرْتابُ اَلْعاقِلُ فِيهِ.
اَلْمَقامُ اَلثّانِي - أنْ يُقالَ: هَبْ أنَّ لَفْظَ اَلْآيَةِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، إلّا أنَّهُ كَلامٌ ذَكَرَهُ اَلنّاسُ. فَما قَوْلُكَ فِيهِ ؟ وجَوابُنا أنَّ اَلْأدِلَّةَ اَلْكَثِيرَةَ قامَتْ عَلى عِصْمَةِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، ولَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ اَلْحِكاياتِ، ورِوايَةُ اَلْآحادِ لا تَصْلُحُ مُعارَضَةً لِلدَّلائِلِ اَلْقَوِيَّةِ، فَكَيْفَ اَلْحِكاياتُ عَنْ أقْوامٍ لا يُبالى بِهِمْ ولا يُلْتَفَتُ إلى أقْوالِهِمْ ؟ واَللَّهُ أعْلَمُ. اِنْتَهى كَلامُ اَلرّازِيُّ.
وسَبَقَهُ اِبْنُ حَزْمٍ حَيْثُ قالَ: تَأْوِيلُ اَلْآيَةِ عَلى أنَّهُ قَتَلَ اَلْخَيْلَ؛ إذِ اِشْتَغَلَ بِها عَنِ اَلصَّلاةِ. خُرافَةٌ مَوْضُوعَةٌ مَكْذُوبَةٌ سَخِيفَةٌ بارِدَةٌ، قَدْ جَمَعَتْ أفانِينَ مِنَ اَلْقَوْلِ؛ لِأنَّ فِيها مُعاقَبَةَ خَيْلٍ لا ذَنْبَ لَها، والتَّمْثِيلَ بِها، وإتْلافَ مالٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ بِلا مَعْنًى، ونِسْبَةَ تَضْيِيعِ اَلصَّلاةِ إلى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، ثُمَّ يُعاقِبُ اَلْخَيْلَ عَلى ذَنْبِهِ لا عَلى ذَنْبِها، وإنَّما مَعْنى اَلْآيَةِ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ أحَبَّ حُبَّ اَلْخَيْرِ. مِن أجْلِ ذِكْرِ رَبِّهِ حَتّى تَوارَتِ اَلشَّمْسُ، أوْ تِلْكَ اَلصّافِناتُ بِحِجابِها، ثُمَّ أمَرَ بِرَدِّها. فَطَفِقَ مَسْحًا بِسُوقِها، وأعْناقِها بِيَدِهِ، بِرًّا بِها، وإكْرامًا لَها، هَذا هو ظاهِرُ اَلْآيَةِ اَلَّذِي لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، ولَيْسَ فِيها إشارَةٌ أصْلًا إلى ما ذَكَرُوهُ مِن قَتْلِ اَلْخَيْلِ وتَعْطِيلِ اَلصَّلاةِ، وكُلُّ هَذا قَدْ قالَهُ ثِقاتُ اَلْمُسْلِمِينَ. فَكَيْفَ، ولا حُجَّةَ في قَوْلِ أحَدٍ دُونَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟ اِنْتَهى كَلامُ اِبْنِ حَزْمٍ.
وأقُولُ: اَلَّذِي يَتَّجِهُ أنَّ هَذِهِ اَلْقِصَّةَ أُشِيرَ بِها إلى نَبَأٍ لَدَيْهِمْ؛ لِأنَّ اَلتَّنْزِيلَ اَلْكَرِيمَ مُصَدِّقُ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، إلّا أنَّ لَهُ اَلْهَيْمَنَةَ عَلَيْهِ، فَما وقَفَ فِيهِ عَلى حَدٍّ مِن أنْباءِ ما بَيْنَ يَدَيْهِ، يُوقَفُ عِنْدَهُ ولا يُتَجاوَزُ، وحِينَئِذٍ، فالقِصَّةُ اَلْمَعْرُوفَةُ عِنْدَهم هي اَلَّتِي أُشِيرَ إلَيْها. لَكِنْ مَعَ اَلْهَيْمَنَةِ عَلَيْها؛ إذْ لا تُقْبَلُ عَلى عِلّاتِها. وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤ ] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ .
﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ أيِ: اِبْتَلَيْناهُ: ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ أيْ: جِسْمًا مُجَسَّدًا كِنايَةً عَنْ صَنَمٍ - عَلى ما رَوَوْهُ - وإنَّما أُوثِرَ اَلْجَسَدُ عَلَيْهِ - إجْلالًا لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، وإشارَةً (p-٥١٠٣)إلى أنَّ قِصَّتَهُ - إنْ صَحَّتْ - كانَتْ أمْرًا عَرَضَ وزالَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنابَ﴾ أيْ: إلى رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
ص 38:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٥ ] ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ .
﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ أيْ: غَيْرِي؛ لِفَخامَتِهِ وعَظَمَتِهِ، هِبَةَ فَضْلٍ، وإيثارَ اِمْتِنانٍ: ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾
ص 38:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦ ] ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ .
﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ أيْ: فَذَلَّلْناها لِطاعَتِهِ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ: ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾ أيْ: لَيِّنَةً سَهْلَةً، مَعَ شِدَّةٍ وقُوَّةٍ، لِذا وُصِفَتْ في اَلْآيَةِ اَلْأُخْرى بِـ: ﴿عاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١] ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ: أرادَ.
ص 38:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧ ] ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ .
﴿والشَّياطِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى اَلرِّيحِ: ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ أيْ: في قَعْرِ اَلْبَحْرِ.
ص 38:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ ] ﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ .
﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ أيْ: مُسَلْسَلَيْنِ في اَلْأغْلالِ لا يَبْعَثُهم إلى عَمَلٍ.
ص 38:39
(p-٥١٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩ ] ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾ أيْ: عَلى مَن شِئْتَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ وغَيْرِهِمْ: ﴿أوْ أمْسِكْ﴾ أيِ اِمْنَعْ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مُحاسَبٍ عَلى اَلْمَنِّ والإمْساكِ، فَيَكُونُ حالًا مِنَ اَلْمُسْتَكِنِ، أوْ هو حالٌ مِنَ اَلْعَطاءِ، أوْ صِلَةٌ لَهُ، وما بَيْنَهُما اِعْتِراضٌ. والمَعْنى: إنَّهُ عَطاءٌ جَمٌّ لا يَكادُ يُمْكِنُ حَصْرُهُ، فَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ اَلْكَثِيرِ بِـ: لا يُعِدُّ، ولا يُحْسَبُ، ونَحْوِهِ.
ص 38:40
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ ] ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ .
﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ أيْ: لَقُرْبى في اَلدَّرَجاتِ، و: ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ أيْ: مَرْجِعِ في اَلْآخِرَةِ.
تَنْبِيهٌ:
رَوى اَلْأثَرِيُّونَ هُنا قَصَصًا مُطَوَّلَةً ومُخْتَصَرَةً، مُؤْتَلِفَةً ومُخْتَلِفَةً. قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: وكُلُّها مُتَلَقّاةٌ مِن أهْلِ اَلْكِتابِ، وفِيهِمْ طائِفَةٌ لا يَعْتَقِدُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، فالظّاهِرُ أنَّهم يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ، ولِهَذا كانَ في سِياقِها مُنْكَراتٌ، وتَقْوِيَةُ اِبْنِ حَجَرٍ لِبَعْضٍ مِنها بِأنَّهُ خَرَّجَهُ اَلنَّسائِيُّ بِإسْنادٍ قَوِيٍّ لا عِبْرَةَ لَهُ، فَلَيْسَ اَلْمَقامُ قاصِرًا عَلى صِحَّةِ اَلسَّنَدِ فَحَسْبُ لَوْ كانَ ذَلِكَ في اَلصَّحِيحَيْنِ، فَأنّى بِمَرْوِيِّ غَيْرِهِما؟
وذَكَرَ اَلرّازِيُّ أنَّ اَلْقَصَصَ اَلْمَرْوِيَّةَ هُنا هي لِأهْلِ اَلْحَشْوِ مِن تَأْوِيلِهِمْ، وأمّا أهْلُ اَلتَّحْقِيقِ فَلَهم تَأْوِيلاتٌ، وقَدْ ساقَها فانْظُرْها.
وقالَ الإمامُ اِبْنُ حَزْمٍ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ [ص: ٣٤] أيْ: آتَيْناهُ مِنَ اَلْمُلْكِ ما اِخْتَبَرْنا بِهِ طاعَتَهُ، كَما قالَ تَعالى مُصَدِّقًا لِمُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] (p-٥١٠٥)إذْ مِنَ اَلْفِتْنَةِ ما يَهْدِي اَللَّهُ بِها مَن يَشاءُ، وقالَ تَعالى: ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] فَهَذِهِ اَلْفِتْنَةُ هي اَلِاخْتِبارُ حَتّى يَظْهَرَ اَلْمُهْتَدِي مِنَ اَلضّالِّ، فَهَذِهِ فِتْنَةُ اَللَّهِ تَعالى لِسُلَيْمانَ، إنَّما هي اِخْتِبارُهُ حَتّى ظَهَرَ فَضْلُهُ فَقَطْ، وما عَدا هَذا خُرافاتٌ ولَّدَها زَنادِقَةُ اَلْيَهُودِ وأشْباهُهم.
وأمّا اَلْجَسَدُ اَلْمُلْقى عَلى كُرْسِيِّهِ فَقَدْ أصابَ اَللَّهُ تَعالى بِهِ ما أرادَ. نُؤْمِنُ بِهَذا كَما هُوَ، ونَقُولُ: (صَدَقَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، كُلٌّ مِن عِنْدِ اَللَّهِ رَبِّنا). ولَوْ جاءَ نَصٌّ صَحِيحٌ في اَلْقُرْآنِ، أوْ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَفْسِيرِ هَذا اَلْجَسَدِ ما هُوَ، لَقُلْنا بِهِ، فَإذا لَمْ يَأْتِ بِتَفْسِيرِهِ ما هو نَصٌّ ولا خَبَرٌ صَحِيحٌ، فَلا يَحِلُّ لِأحَدٍ اَلْقَوْلُ بِالظَّنِّ اَلَّذِي هو أكْذَبُ اَلْحَدِيثِ في ذَلِكَ، فَيَكُونُ كاذِبًا عَلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إلّا أنَّنا لا نَشُكُّ اَلْبَتَّةَ في بُطْلانِ قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ كانَ جِنِّيًّا تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ، بَلْ نَقْطَعُ عَلى أنَّهُ كَذِبٌ، واللَّهُ تَعالى لا يَهْتِكُ سِتْرَ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذا اَلْهَتْكَ، وكَذَلِكَ نُبْعِدُ في قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ كانَ ولَدًا لَهُ، أرْسَلَهُ إلى اَلسَّحابِ لِيُرَبِّيَهُ. فَسُلَيْمانُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ كانَ أعْلَمَ مِن أنْ يُرَبِّيَ اِبْنَهُ بِغَيْرِ ما طَبَعَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِنْيَةَ اَلْبَشَرِ عَلَيْهِ مِنَ اَللَّبَنِ والطَّعامِ. وهَذِهِ كُلُّها خُرافاتٌ مَوْضُوعَةٌ مَكْذُوبَةٌ، لَمْ يَصِحَّ إسْنادُها قَطُّ. اِنْتَهى.
وزَعَمَ اَلْقاشانِيُّ أنَّ حِكايَةَ اَلْجِنِّيِّ والخاتَمِ مَعَ سُلَيْمانَ، هي مِن مَوْضُوعاتِ حُكَماءِ اَلْيَهُودِ، كَسائِرِ ما وضَعَتِ اَلْحُكَماءُ في تَمْثِيلاتِهِمْ مِن حِكاياتِ أبْسالَ وسَلامانَ.
ثُمَّ أخَذَ اَلْقاشانِيُّ في تَأْوِيلِها، إلّا أنَّهُ حَلَّ اَلْإشْكالَ بِإشْكالٍ أعْظَمَ مِنهُ، عَفا اَللَّهُ عَنْهُ، وقالَ قَبْلُ: إنْ صَحَّتِ اَلْحِكايَةُ في مُطابَقَتِها لِلْواقِعِ، كانَ قَدِ اُبْتُلِيَ بِمِثْلِ ما اُبْتُلِيَ بِهِ ذُو اَلنُّونِ، وآدَمُ عَلَيْهِما اَلسَّلامُ. اِنْتَهى، واللَّهُ أعْلَمُ.
ص 38:41
(p-٥١٠٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١ ] ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ .
﴿واذْكُرْ﴾ أيْ: في بابِ اَلِابْتِلاءِ، وحُسْنِ عاقِبَةِ اَلصَّبْرِ عَلَيْهِ: ﴿عَبْدَنا﴾ أيِ: اَلْكامِلَ في اَلتَّحْقِيقِ بِالعُبُودِيَّةِ: ﴿أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ﴾ أيْ: دَعاهُ وابْتَهَلَ إلَيْهِ قائِلًا: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ﴾ أيْ: أصابَنِيَ: ﴿الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾ أيْ: مَشَقَّةٍ، (بِضَمِّ اَلنُّونِ، وفَتْحِها مَعَ سُكُونِ اَلصّادِ، وبِفَتْحِهِما وضَمِّهِما): ﴿وعَذابٍ﴾ أيْ: ألَمٍ شَدِيدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٢ ] ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ .
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ حِكايَةٌ لِما أُجِيبَ بِهِ دُعاؤُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. أيْ: فاسْتَجَبْنا لَهُ، وقُلْنا: اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ. أيِ: اُعْدُ بِها وامْشِ، فَقَدْ بَرَأْتَ وشُفِيتَ مِن مَرَضِكَ، وقَوِيَ جِسْمُكَ، وصَحَّ بَدَنُكَ: ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ أيْ: ماءٌ تَغْتَسِلُ بِهِ، وتَشْرَبُ مِنهُ. والإشارَةُ إلى عَيْنٍ، أوْ نَهَرٍ، أوْ نَحْوِهِما.
ص 38:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣ ] ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ .
﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ﴾ بِأنْ جَمَعْناهم عَلَيْهِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ: ﴿ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ تَرَحُّمًا مِنّا عَلَيْهِ بِهَذا اَلْإضْعافِ والمُبارَكَةِ ﴿وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: وتَذْكِيرًا لَهم لِيَنْتَظِرُوا اَلْفَرَجَ بِالصَّبْرِ والنَّوالَ بِصِدْقِ اَلِاتِّكالِ.
ص 38:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٤ ] ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ .
(p-٥١٠٧)﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ أيْ: حُزْمَةً صَغِيرَةً: ﴿فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ أيْ: في كُلِّ ما اِبْتَلَيْناهُ بِهِ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ اَلرُّجُوعِ إلى اَللَّهِ تَعالى، بِالإنابَةِ والِابْتِهالِ والعِبادَةِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ - كانَ أيُّوبُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ نَبِيًّا غَنِيًّا مِن أرْبابِ اَلْعَقارِ والماشِيَةِ، وكانَ أمِيرًا في قَوْمِهِ، وكانَتْ أمْلاكُهُ، ومَنزِلُهُ في اَلْجَنُوبِ اَلشَّرْقِيِّ مِنَ اَلْبَحْرِ اَلْمَيِّتِ، بَيْنَ بِلادِ أدُومَ وصَحْراءِ اَلْعَرَبِيَّةِ، وكانَتْ إذْ ذاكَ خَصِيبَةً رائِعَةَ اَلتُّرْبَةِ، كَثِيرَةَ اَلْمِياهِ اَلْمُتَسَلْسِلَةِ، وكانَ زَمَنُهُ بَعْدَ زَمَنِ إبْراهِيمَ، وقَبْلَ زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ. هَذا ما حَقَّقَهُ بَعْضُ اَلْباحِثِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
اَلثّانِي - يَذْكُرُ كَثِيرٌ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ هَهُنا مَرْوِيّاتٍ وقَصَصًا إسْرائِيلِيَّةً في اِبْتِلائِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. ولا وُثُوقَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إلّا بِمُجْمَلِهِ، وهو ما أشارَ لَهُ اَلتَّنْزِيلُ اَلْكَرِيمُ؛ لِأنَّهُ اَلْمُتَيَقَّنُ، وهو أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أصابَتْهُ بَلْوى عَظِيمَةٌ في نَفْسِهِ، ومالِهِ، وأهْلِهِ، وأنَّهُ صَبَرَ عَلى ذَلِكَ صَبْرًا صارَ يُضْرَبُ بِهِ اَلْمَثَلُ لِثَباتِهِ، وسِعَةِ صَدْرِهِ، وشَجاعَتِهِ، وأنَّهُ جُوزِيَ بِحَسَنَةِ صَبْرِهِ أضْعافَها اَلْمُضاعَفَةَ.
اَلثّالِثُ - قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ نُسِبَ اَلْمَسُّ إلى اَلشَّيْطانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُسَلِّطَهُ اَللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ، لِيَقْضِيَ مِن إتْعابِهِمْ، وتَعْذِيبِهِمْ وطَرَهُ، ولَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ لَمْ يُدْعَ صالِحًا إلّا وقَدْ نَكَبَهُ وأهْلَكَهُ، وقَدْ تَكَرَّرَ في اَلْقُرْآنِ أنَّهُ لا سُلْطانَ لَهُ إلّا اَلْوَسْوَسَةَ فَحَسْبُ؟
قُلْتُ: لَمّا كانَتْ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ، وطاعَتُهُ لَهُ فِيما وسْوَسَ، سَبَبًا فِيما مَسَّهُ اَللَّهُ بِهِ مِنَ اَلنُّصْبِ، والعَذابِ - نَسَبَهُ إلَيْهِ، وقَدْ راعى اَلْأدَبَ في ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَنْسِبْهُ إلى اَللَّهِ في دُعائِهِ، مَعَ أنَّهُ فاعِلُهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو. وقِيلَ: أرادَ ما كانَ يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ اَلْبَلاءِ، ويُغْرِيهِ عَلى اَلْكَراهَةِ والجَزَعِ، فالتَجَأ إلى اَللَّهِ تَعالى في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ بِكَشْفِ اَلْبَلاءِ، أوْ بِالتَّوْفِيقِ في دَمْغِهِ، ورَدِّهِ بِالصَّبْرِ اَلْجَمِيلِ. اِنْتَهى. (p-٥١٠٨)اَلرّابِعُ - دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ اَلْآيَةَ، عَلى تَقَدُّمِ يَمِينٍ مِنهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، وقَدْ رَوَوْا هُنا آثارًا في اَلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ مِنها شَيْءٌ، فاللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، ولا ضَرُورَةَ لِبَيانِهِ؛ إذِ اَلْقَصْدُ اَلْإعْلامُ بِرَحْمَةٍ أُخْرى ونِعْمَةٍ ثانِيَةٍ عَلَيْهِ، صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ. وهي اَلدَّلالَةُ إلى اَلْمَخْرَجِ مِنَ اَلْحِنْثِ، بِرُخْصَةٍ وطَرِيقَةٍ سَهْلَةٍ سَمْحَةٍ تَرْفَعُ اَلْحَرَجَ، ونَحْنُ نُورِدُ هُنا أمْثَلَ ما كُتِبَ في اَلْآيَةِ، إيقافًا لِلْقارِئِ عَلَيْهِ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في (" اَلْإكْلِيلِ"): أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ اَلْمُسَيِّبِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وغَيْرِهِمْ أنَّ أيُّوبَ حَلَفَ لَيَجْلِدَنَّ اِمْرَأتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ. فَلَمّا كَشَفَ اَللَّهُ عَنْهُ اَلْبَلاءَ أُمِرَ أنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا فَيَضْرِبَها بِهِ. فَأخَذَ شَمارِيخَ مِائَةً ثُمَّ ضَرَبَها ضَرْبَةً واحِدَةً.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وهي لِهَذِهِ اَلْأُمَّةِ لِمَن حَلَفَ عَلى مِثْلِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ أيُّوبُ. ثُمَّ أخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطاءٍ قالَ: هي لِلنّاسِ عامَّةً. وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَتْ لِأيُّوبَ خاصَّةً. قالَ الكَيا اَلْهَرّاسِيُّ: ذَهَبَ اَلشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ، إلى أنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ بَرَّ في يَمِينِهِ، وخالَفَ مالِكٌ، ورَآهُ خاصًّا بِأيُّوبَ.
قالَ: وفي اَلْآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ ضَرْبَ زَوْجَتِهِ، وأنْ يَحْلِفَ ولا يَسْتَثْنِيَ.
اِنْتَهى.
واسْتُدِلَّ بِهَذِهِ اَلْآيَةِ عَلى أنَّ اَلِاسْتِثْناءَ شَرْطُهُ اَلِاتِّصالُ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَأمَرَهُ تَعالى بِالِاسْتِثْناءِ، ولَمْ يُحْتَجْ إلى اَلضَّرْبِ بِالضِّغْثِ، واسْتَدَلَّ عَطاءٌ بِالآيَةِ عَلى مَسْألَةٍ أُخْرى. فَأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنِّي أرَدْتُ أنْ لا أُكْسِيَ اِمْرَأتِي ذِراعًا حَتّى تَقِفَ بِعَرَفَةَ. فَقالَ: اِحْمِلْها عَلى حِمارٍ ثُمَّ اِذْهَبْ فَقِفْ بِها بِعَرَفَةَ. فَقالَ: إنَّما عَنَيْتُ يَوْمَ عَرَفَةَ. فَقالَ عَطاءٌ: وأيُّوبُ حِينَ حَلَفَ لَيَجْلِدَنَّ اِمْرَأتَهُ مِائَةَ جَلْدَةً، ما نَوى أنْ يَضْرِبَها بِالضِّغْثِ، إنَّما أمَرَهُ اَللَّهُ أنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا فَيَضْرِبَها بِهِ. قالَ عَطاءٌ: إنَّما اَلْقُرْآنُ عِبَرٌ. اِنْتَهى كَلامُ (" اَلْإكْلِيلِ").
وقَدْ رَدَّ اَلْإمامُ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ في كِتابِهِ (" إغاثَةِ اَللَّهْفانِ") اَلِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ اَلْآيَةِ عَلى جَوازِ اَلْحِيلَةِ، وعِبارَتُهُ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى لِأيُّوبَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ فَمِنَ اَلْعَجَبِ أنْ يُحْتَجَّ بِهَذِهِ اَلْآيَةِ عَلى مَن يَقُولُ: إنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَةَ أسْواطٍ فَجَمَعَها وضَرَبَهُ بِها (p-٥١٠٩)ضَرْبَةً واحِدَةً لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ، هَذا قَوْلُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ وأصْحابِ أحْمَدَ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ عَلِمَ أنَّها مَسَّتْهُ كُلُّها، بَرَّ في يَمِينِهِ، وإنْ عَلِمَ أنَّها لَمْ تَمَسَّهُ، لَمْ يَبَرَّ، وإنْ شَكَّ لَمْ يَحْنَثْ، ولَوْ كانَ هَذا مُوجِبًا لِبَرِّ اَلْحالِفِ، لَسَقَطَ عَنِ اَلزّانِي والقاذِفِ والشّارِبِ بِعَدَدِ اَلضَّرْبِ، بِأنْ يُجْمَعَ لَهُ مِائَةُ سَوْطٍ أوْ ثَمانِينَ، ويَضْرِبُهُ بِها ضَرْبَةً واحِدَةً، وهَذا إنَّما يَجْرِي في اَلْمَرَضِ كَما قالَ الإمامُ أحْمَدُ، في اَلْمَرِيضِ عَلَيْهِ اَلْحَدُّ، ويُضْرَبُ بِعُثْكالٍ يُسْقِطُ عَنْهُ اَلْحَدَّ. واحْتَجَّ بِما رَواهُ عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلٍ، «عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قالَ: كانَ بَيْنَ أبْنائِنا إنْسانٌ مُخَدَّجٌ ضَعِيفٌ، لَمْ يَرْعَ أهْلَ اَلدّارِ إلّا وهو عَلى أمَةٍ مِن إماءِ اَلدّارِ يَخْبُثُ بِها، وكانَ مُسْلِمًا، فَرَفَعَ شَأْنَهُ سَعْدٌ إلى رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. فَقالَ: «اِضْرِبُوهُ حَدَّهُ» قالُوا يا رَسُولَ اَللَّهِ ! إنَّهُ أضْعَفُ مِن ذَلِكَ إنْ ضَرَبْناهُ مِائَةً قَتَلْنَهُ. فَقالَ: «فَخُذُوا لَهُ عُثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ، فاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً واحِدَةً، وخَلُّوا سَبِيلَهُ»» .
وأمّا قِصَّةُ أيُّوبَ فَلَها فِقْهٌ دَقِيقٌ؛ فَإنَّ اِمْرَأتَهُ كانَتْ لِشِدَّةِ حِرْصِها عَلى عافِيَتِهِ، وخَلاصِهِ مِن دائِهِ، تَلْتَمِسُ لَهُ اَلدَّواءَ بِما عَلَيْهِ، فَلَمّا لَقِيَها اَلشَّيْطانُ، وقالَ ما قالَ، أخْبَرَتْ أيُّوبَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ بِذَلِكَ، فَقالَ: إنَّهُ اَلشَّيْطانُ. ثُمَّ حَلَفَ لَئِنْ شَفاهُ اَللَّهُ تَعالى لَيَضْرِبَنَّها مِائَةَ سَوْطٍ فَكانَتْ مَعْذُورَةً مُحْسِنَةً في شَأْنِهِ، ولَمْ يَكُنْ في شَرْعِهِمْ كَفّارَةٌ. فَإنَّهُ لَوْ كانَ في شَرْعِهِمْ كَفّارَةٌ، لَعَدَلَ إلى اَلتَّفْكِيرِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى ضَرْبِها، فَكانَتِ اَلْيَمِينُ مُوجِبَةً عِنْدَهم كالحُدُودِ.
وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اَلْمَحْدُودَ إذا كانَ مَعْذُورًا خُفِّفَ عَنْهُ، بِأنْ يُجْمَعَ لَهُ مِائَةُ شِمْراخٍ أوْ مِائَةُ سَوْطٍ فَيُضْرَبَ بِها ضَرْبَةً واحِدَةً. واِمْرَأةُ أيُّوبَ كانَتْ مَعْذُورَةً، لَمْ تَعْلَمْ أنَّ اَلَّذِي خاطَبَها اَلشَّيْطانُ، وإنَّما قَصَدَتِ اَلْإحْسانَ. فَلَمْ تَكُنْ تَسْتَحِقُّ اَلْعُقُوبَةَ، فَأفْتى اَللَّهُ نَبِيَّهُ أيُّوبَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ أنْ يُعامِلَها مُعامَلَةَ اَلْمَعْذُورِ، هَذا مَعَ رِفْقِها بِهِ وإحْسانِها إلَيْهِ فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ اَلْبِرِّ في يَمِينِهِ، والرِّفْقِ بِاِمْرَأتِهِ اَلْمُحْسِنَةِ اَلْمَعْذُورَةِ، اَلَّتِي لا تَسْتَحِقُّ اَلْعُقُوبَةَ. فَظَهَرَ مُوافَقَةُ نَصِّ اَلْقُرْآنِ في قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، لِنَصِّ اَلسُّنَّةِ، في شَأْنِ اَلضَّعِيفِ اَلَّذِي زَنى. فَلا يُتَعَدّى بِهِما عَنْ مَحَلِّهِما.
(p-٥١١٠)فَإنْ قِيلَ: فَقُولُوا في نَظِيرِ ذَلِكَ مِمَّنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ اِمْرَأتَهُ، أوْ أمَتَهُ مِائَةً، وكانَتا مَعْذُورَتَيْنِ لا ذَنْبَ لَهُما، إنَّهُ يَبِرُّ بِجَمْعِ ذَلِكَ في ضَرْبِهِما بِمِائَةِ شِمْراخٍ. قِيلَ: قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا بِالكَفّارَةِ، ويَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ، ويَقْضِيَ اَللَّهُ بِالبِرِّ في يَمِينِهِ ها هُنا، ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَبِرَّ فِيها، بَلْ بِرُّهُ هو حِنْثُهُ مَعَ اَلْكَفّارَةِ، ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَضْرِبَها، لا مُفَرَّقًا، ولا مَجْمُوعًا.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ اَلضَّرْبُ واجِبًا كالحَدِّ، هَلْ تَقُولُونَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قِيلَ: إمّا أنْ يَكُونَ اَلْعُذْرُ مَرْجُوَّ اَلزَّوالِ كالحَرِّ، والبَرْدِ اَلشَّدِيدِ، والمَرَضِ اَلْيَسِيرِ، فَهَذا يُنْتَظَرُ زَوالُهُ. ثُمَّ يُحَدُّ اَلْحَدَّ اَلْواجِبَ. كَما رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ «عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ، أنَّ أمَةَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ زَنَتْ، فَأمَرَنِي أنْ أجْلِدَها. فَأتَيْتُها فَإذا هي حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفاسٍ، فَخَشِيتُ إنْ جَلَدْتُها أنْ أقْتُلَها، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. فَقالَ: «أحْسَنْتَ اُتْرُكْها حَتّى تَماثَلَ»» . اِنْتَهى كَلامُ اِبْنِ اَلْقَيِّمِ.
ص 38:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥ ] ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ .
﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ أيْ: ذَوِي اَلْقُوَّةِ في اَلْعِبادَةِ، والأفْكارِ في مَعْرِفَةِ اَللَّهِ تَعالى. قالَ القاشانِيُّ: أيِ: اَلْعَمَلِ والعِلْمِ، لِنِسْبَةِ اَلْأوَّلِ إلى اَلْأيْدِي، والثّانِي إلى اَلْبَصَرِ والنَّظَرِ، وهم أرْبابُ اَلْكِمالاتِ اَلْعَمَلِيَّةِ والنَّظَرِيَّةِ.
قالَ الشِّهابُ: ﴿الأيْدِي﴾ مَجازٌ عَنِ اَلْقُوَّةِ، مَجازٌ مُرْسَلٌ. و" الأبْصارِ ": جَمْعُ بَصَرٍ بِمَعْنى بَصِيرَةٍ، وهو مَجازٌ أيْضًا، لَكِنَّهُ مَشْهُورٌ فِيهِ، وإذا أُرِيدَ بِـ: ﴿الأيْدِي﴾ اَلْأعْمالُ، فَهو مِن ذِكْرِ اَلسَّبَبِ وإرادَةِ اَلْمُسَبَّبِ. و" الأبْصارِ ": بِمَعْنى اَلْبَصائِرِ مَجازٌ عَمّا يُتَفَرَّعُ عَلَيْهِما مِنَ اَلْمَعارِفِ كالأوَّلِ أيْضًا. وعَلى اَلْوَجْهَيْنِ، فِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ، كانَ لا جارِحَةَ لَهُ ولا بَصَرَ. اِنْتَهى.
ص 38:46
(p-٥١١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦ ] ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ .
﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾ أيْ: صَفَّيْناهم عَنْ شَوْبِ صِفاتِ اَلنُّفُوسِ، وكَدَوْرَةِ حُظُوظِها، وجَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ بِالمَحَبَّةِ اَلْحَقِيقِيَّةِ: ﴿بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ أيِ: اَلْباقِيَةِ والمَقَرِّ اَلْأصْلِيِّ، أيِ: اِسْتَخْلَصْناهم لِوَجْهِنا بِسَبَبِ تَذَكُّرِهِمُ لِعالَمِ اَلْقُدْسِ، وإعْراضِهِمْ عَنْ مَعْدِنِ اَلرِّجْسِ، مُسْتَشْرِقِينَ لِأنْوارِنا، لا اِلْتِفاتَ لَهم إلى اَلدُّنْيا، وظُلُماتِها أصْلًا.
لَطِيفَةٌ:
قالَ السَّمِينُ: قَرَأ نافِعٌ وهِشامٌ: ﴿بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ بِالإضافَةِ، وفِيها أوْجُهٌ: أحَدُها - أنْ يَكُونَ أضافَ خالِصَةً إلى ذِكْرى لِلْبَيانِ؛ لِأنَّ اَلْخالِصَةَ قَدْ تَكُونُ ذِكْرى وغَيْرَ ذِكْرى. كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] لِأنَّ اَلشِّهابَ يَكُونُ قَبَسًا وغَيْرَهَ.
اَلثّانِي - أنَّ اَلْخالِصَةَ مَصْدَرٌ بِمَعْنى إخْلاصٍ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا مُضافًا لِمَفْعُولِهِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ: بِأنْ أخْلَصُوا ذِكْرَ اَلدّارِ، وتَناسَوْا عِنْدَ ذِكْرِها ذِكْرَ اَلدُّنْيا، وقَدْ جاءَ اَلْمَصْدَرُ عَلى فاعِلَةٍ كالعاقِبَةِ، أوْ يَكُونُ اَلْمَعْنى بِأنْ أخْلَصْنا نَحْنُ لَهم ذِكْرى اَلدّارِ، وقَرَأ اَلْباقُونَ بِالتَّنْوِينِ وعَدَمِ اَلْإضافَةِ، وفِيها أوْجُهٌ:
أحَدُها - أنَّها مَصْدَرٌ بِمَعْنى اَلْإخْلاصِ، فَيَكُونُ: { ذِكْرى } مَنصُوبًا بِهِ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى اَلْخُلُوصِ، فَيَكُونُ: { ذِكْرى } مَرْفُوعًا بِهِ، والمَصْدَرُ يَعْمَلُ مُنَوَّنًا كَما يَعْمَلُ مُضافًا، أوْ يَكُونُ: (خالِصَةٍ)، اِسْمَ فاعِلٍ عَلى بابِهِ. و: { ذِكْرى }: بَدَلٌ، أوْ بَيانٌ لَها، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارٍ: (أعْنِي)، أوْ هو مَرْفُوعٌ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، و: { اَلدّارِ } يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ بِـ: { ذِكْرى } وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا إمّا عَلى اَلِاتِّساعِ، وإمّا عَلى إسْقاطِ اَلْخافِضِ. و(خالِصَةٍ): إنْ كانَتْ صِفَةً، فَهي صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: بِسَبَبِ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ. اِنْتَهى.
ص 38:47
(p-٥١١٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٧، ٤٨ ] ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ [ص: ٤٨] .
﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾ أيِ: اَلْمُخْتارِينَ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ لِقُرْبِنا: ﴿الأخْيارِ﴾ أيِ: اَلْمُنَزَّهِينَ عَنْ شَوائِبِ اَلشُّرُورِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ: (خَيْرٍ)، مُقابِلَ (شَرٍّ)، اَلَّذِي هو أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. أوْ هو جَمْعُ: (خَيِّرٍ)، اَلْمُشَدَّدِ، أوِ اَلْمُخَفَّفِ مِنهُ
﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ [ص: ٤٨] أيْ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، لِلْهِدايَةِ والإصْلاحِ. و" اليَسَعَ ": خَلِيفَةُ إلْياسَ وكانَ خادِمَهُ، ويُقالُ لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ: (إلِيشاعُ)، كَما يُسَمّى إلْياسُ فِيها: (إيلِيا)، وفي اَلتَّوْراةِ نَبَأٌ طَوِيلٌ عَنِ اَلْيَسَعِ، ونَبُّوتِهِ، ومُعْجِزاتِهِ، صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ. وتَقَدَّمَ عَلْمُ أنْباءِ هَؤُلاءِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، في سُورَةِ اَلْأنْبِياءِ.
ص 38:48
(p-٥١١٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٧، ٤٨ ] ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ [ص: ٤٨] .
﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾ أيِ: اَلْمُخْتارِينَ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ لِقُرْبِنا: ﴿الأخْيارِ﴾ أيِ: اَلْمُنَزَّهِينَ عَنْ شَوائِبِ اَلشُّرُورِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ: (خَيْرٍ)، مُقابِلَ (شَرٍّ)، اَلَّذِي هو أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. أوْ هو جَمْعُ: (خَيِّرٍ)، اَلْمُشَدَّدِ، أوِ اَلْمُخَفَّفِ مِنهُ
﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ [ص: ٤٨] أيْ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، لِلْهِدايَةِ والإصْلاحِ. و" اليَسَعَ ": خَلِيفَةُ إلْياسَ وكانَ خادِمَهُ، ويُقالُ لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ: (إلِيشاعُ)، كَما يُسَمّى إلْياسُ فِيها: (إيلِيا)، وفي اَلتَّوْراةِ نَبَأٌ طَوِيلٌ عَنِ اَلْيَسَعِ، ونَبُّوتِهِ، ومُعْجِزاتِهِ، صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ. وتَقَدَّمَ عَلْمُ أنْباءِ هَؤُلاءِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، في سُورَةِ اَلْأنْبِياءِ.
ص 38:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٩، ٥٠ ] ﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] .
﴿هَذا ذِكْرٌ﴾ أيْ: شَرَفٌ لَهم. و(اَلذِّكْرُ): يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنْهُ. قالَ الشِّهابُ: لِأنَّ اَلشَّرَفَ يَلْزَمُهُ اَلشُّهْرَةُ، والذِّكْرُ بَيْنَ اَلنّاسِ، فَتُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ بِعَلاقَةِ اَللُّزُومِ. فَيَكُونُ اَلْمَعْنى: أيْ: في ذِكْرِ قَصَصِهِمْ وتَنْوِيهِ اَللَّهِ بِهِمْ شَرَفٌ لَهم. واخْتارَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ اَلْمَعْنى: هَذا نَوْعٌ مِنَ اَلذِّكْرِ وهو اَلْقُرْآنُ؛ أيْ: فالتَّنْوِينُ لِلتَّنْوِيعِ. والمُرادُ بِالذِّكْرِ اَلْقُرْآنُ. فَذِكْرُهُ إنَّما هو لِلِانْتِقالِ مِن نَوْعِ اَلْكَلامِ إلى آخَرَ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا أجْرى ذِكْرَ اَلْأنْبِياءِ وأتَمَّهُ، وهو بابٌ مِن أبْوابِ اَلتَّنْزِيلِ، ونَوْعٌ مِن أنْواعِهِ، وأرادَ أنْ يَذْكُرَ عَلى عَقِبِهِ بابًا آخَرَ، وهو ذِكْرُ اَلْجَنَّةِ وأهْلِها، قالَ: ﴿هَذا ذِكْرٌ﴾ (p-٥١١٣)﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [ص: ٥٠] أيْ: إقامَةٌ وخُلُودٌ: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] أيْ: مَتى جاءُوها يَرَوْنَها في اِنْتِظارِهِمْ.
ص 38:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٩، ٥٠ ] ﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] .
﴿هَذا ذِكْرٌ﴾ أيْ: شَرَفٌ لَهم. و(اَلذِّكْرُ): يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنْهُ. قالَ الشِّهابُ: لِأنَّ اَلشَّرَفَ يَلْزَمُهُ اَلشُّهْرَةُ، والذِّكْرُ بَيْنَ اَلنّاسِ، فَتُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ بِعَلاقَةِ اَللُّزُومِ. فَيَكُونُ اَلْمَعْنى: أيْ: في ذِكْرِ قَصَصِهِمْ وتَنْوِيهِ اَللَّهِ بِهِمْ شَرَفٌ لَهم. واخْتارَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ اَلْمَعْنى: هَذا نَوْعٌ مِنَ اَلذِّكْرِ وهو اَلْقُرْآنُ؛ أيْ: فالتَّنْوِينُ لِلتَّنْوِيعِ. والمُرادُ بِالذِّكْرِ اَلْقُرْآنُ. فَذِكْرُهُ إنَّما هو لِلِانْتِقالِ مِن نَوْعِ اَلْكَلامِ إلى آخَرَ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا أجْرى ذِكْرَ اَلْأنْبِياءِ وأتَمَّهُ، وهو بابٌ مِن أبْوابِ اَلتَّنْزِيلِ، ونَوْعٌ مِن أنْواعِهِ، وأرادَ أنْ يَذْكُرَ عَلى عَقِبِهِ بابًا آخَرَ، وهو ذِكْرُ اَلْجَنَّةِ وأهْلِها، قالَ: ﴿هَذا ذِكْرٌ﴾ (p-٥١١٣)﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [ص: ٥٠] أيْ: إقامَةٌ وخُلُودٌ: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] أيْ: مَتى جاءُوها يَرَوْنَها في اِنْتِظارِهِمْ.
ص 38:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ ] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ .
﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ أيْ: عَلى اَلْأرائِكِ: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ أيْ: مَهْما طَلَبُوا وجَدُوا، وأُحْضِرَ كَما أرادُوا.
ص 38:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٢ ] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ .
﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ: لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِ أزْواجِهِنَّ، أوْ يَمْنَعُهُنَّ طَرْفُ اَلْأزْواجِ أنْ تَنْظُرَ لِلْغَيْرِ، لِشِدَّةِ اَلْحُسْنِ. وهو أبْلَغُ. أوْ بِمَعْنى حُورِ اَلطَّرْفِ جَمْعُ (أحْوَرَ)، والثَّوْبُ اَلْمَقْصُورُ يُشَبَّهُ بِالحَوارِيِّ في بَياضِهِ ونَصاعَتِهِ: ﴿أتْرابٌ﴾ أيْ: مُتَساوِيَةٌ في اَلسِّنِّ والرُّتَبِ، لا عَجُوزَ بَيْنَهُنَّ، جَمْعُ (تِرْبٍ)، بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وهو مَن يُولَدُ مَعَهُ في وقْتٍ واحِدٍ، كَأنَّهُما وقَعا عَلى اَلتُّرابِ في زَمانٍ واحِدٍ. فـَ: (تِرْبٌ) فِعْلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ ومُتارِبٍ. وكَمْثْلٍ بِمَعْنى، مُماثِلٍ.
ص 38:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٣ ] ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ .
﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أيْ: لِوَقْتِ جَزائِهِ. واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ. فَإنَّ ما وعَدَهُ لِأجْلِ طاعَتِهِمْ وأعْمالِهِمُ اَلصّالِحَةِ، وهي تَظْهَرُ بِالحِسابِ وتَقَعُ بَعْدَهُ. فَجُعِلَ كَأنَّهُ عِلَّةٌ لِتَوَقُّفِ إنْجازِ اَلْوَعْدِ عَلَيْهِ، فالنِّسْبَةُ لِلْيَوْمِ والحِسابِ مَجازِيَّةٌ. ولَوْ جُعِلَتِ اَللّامُ بِمَعْنى (بَعْدَ) كَما فِي: (كُتُبِ لَخْمَسَ)، سَلِمَ مِمّا ذُكِرَ. أفادَهُ اَلشِّهابُ.
ص 38:54
(p-٥١١٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤ ] ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ .
﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ أيِ: اِنْقِطاعٍ.
ص 38:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٥، ٥٦ ] ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] .
﴿هَذا﴾ أيْ: بابٌ في وصْفِ اَلْجَنَّةِ وأهْلِها، فَهو مُبْتَدَأُ خَبَرٍ مُقَدَّرٍ، أوِ اَلْأمْرُ هَذا، فَهو خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، أوْ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] أيِ: اَلْفِراشُ، مُسْتَعارٌ مِن فِراشِ اَلنّائِمِ.
ص 38:56
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٥، ٥٦ ] ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] .
﴿هَذا﴾ أيْ: بابٌ في وصْفِ اَلْجَنَّةِ وأهْلِها، فَهو مُبْتَدَأُ خَبَرٍ مُقَدَّرٍ، أوِ اَلْأمْرُ هَذا، فَهو خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، أوْ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] أيِ: اَلْفِراشُ، مُسْتَعارٌ مِن فِراشِ اَلنّائِمِ.
ص 38:57
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٧ ] ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ .
﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وهو ما يَغْسِقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ اَلنّارِ؛ أيْ: يَسِيلُ. وجُمْلَةُ: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اَلْمُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ.
ص 38:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٨ ] ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ .
﴿وآخَرُ﴾ أيْ: ومَذُوقٌ، أوْ عَذابٌ آخَرُ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أيْ: هَذا اَلْمَذُوقِ، أوِ اَلْعَذابِ في اَلشِّدَّةِ والهَوانِ: ﴿أزْواجٌ﴾ أيْ: أجْناسٌ وأصْنافٌ. ثُمَّ بَيَّنَ ما يُقالُ لِلرُّؤَساءِ اَلطّاغِينَ، إذا أُدْخِلُوا اَلنّارَ.
ص 38:59
(p-٥١١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٩ ] ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُو النّارِ﴾ .
﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيْ: هَذا جَمْعٌ مِن أتْباعِكُمْ، وأشْباهِكُمْ، أهْلُ طَبائِعِ اَلسُّوءِ والرَّذائِلِ اَلْمُخْتَلِفَةِ، مُقْتَحِمٌ مَعَكم في مَضايِقِ اَلْمَذَلَّةِ، ومَداخِلِ اَلْهَوانِ. والِاقْتِحامُ رُكُوبُ اَلشِّدَّةِ، والدُّخُولُ فِيها. وقَوْلُهُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أيْ: دُعاءٌ مِنَ اَلرُّؤَساءِ عَلى أتْباعِهِمْ. أوْ صِفَةٌ لِـ: (فَوْجٌ). أوْ حالٌ؛ أيْ: مَقُولًا فِيهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أيْ: ما أتَوْا رَبَّهم رَحْبًا وسَعَةً، لِشِدَّةِ عَذابِهِمْ، وكَوْنِهِمْ في اَلضِّيقِ والضَّنْكِ، واسْتِيحاشِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ؛ لِقُبْحِ اَلْمَناظِرِ وسُوءِ اَلْمَخابِرِ: ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ أيْ: داخِلُوها بِأعْمالِهِمْ مِثْلُنا.
ص 38:60
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٠ ] ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ .
﴿قالُوا﴾ أيِ: اَلْأتْباعُ لِلرُّؤَساءِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أيْ: بَلْ أنْتُمْ أحَقُّ بِما قُلْتُمْ، لِتَضاعُفِ عَذابِكم بِضَلالِكُمْ، وإضْلالِكُمْ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ أيْ: قَدَّمْتُمُ اَلْعَذابَ بِإضْلالِنا وإغْوائِنا.
قالَ القاشانِيُّ: وهَذِهِ اَلْمُقاوَلاتُ قَدْ تَكُونُ بِلِسانِ اَلْمَقالِ، وقَدْ تَكُونُ بِلِسانِ اَلْحالِ، أيْ: لِأنَّ اَلْوَضْعَ لا يَخْتَصُّ بِالحَقِيقَةِ، إلّا أنَّ اَلْأظْهَرَ اَلْأوَّلُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيِ: اَلْمُسْتَقَرُّ جَهَنَّمُ.
ص 38:61
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦١ ] ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ .
﴿قالُوا﴾ أيِ: اَلْأتْباعُ أيْضًا: ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]
ص 38:62
(p-٥١١٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٢ ] ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ .
﴿وقالُوا﴾ أيِ: اَلطّاغُونَ، أوِ اَلْأتْباعُ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ اَلْمُسْلِمِينَ اَلَّذِينَ يَسْتَرْذِلُونَهُمْ، ويَسْخَرُونَ بِهِمْ.
ص 38:63
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣ ] ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ .
﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ قُرِئَ بِلَفْظِ اَلْإخْبارِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ: (رِجالًا). وبِهَمْزَةِ اَلِاسْتِفْهامِ عَلى أنَّهُ إنْكارٌ عَلى أنْفُسِهِمْ، وتَأْنِيبٌ لَها في اَلِاسْتِسْخارِ مِنهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ أيْ: مالَتْ عَنْهم كِبْرًا، وتَنَحَّتْ عَنْهم أنَفَةً. والمَعْنى أيُّ اَلْفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، اَلسُّخْرِيَةِ مِنهم أمِ اَلْإزْراءِ بِهِمْ، عَلى مَعْنى إنْكارِ اَلْأمْرَيْنِ عَلى أنْفُسِهِمْ، تَحَسُّرًا ونَدامَةً عَلى ما فَعَلُوا، وعَلى ما حاقَ بِهِمْ وحْدَهم مِن سُوءِ اَلْعَذابِ، وقِيلَ: (أمْ)، بِمَعْنى (بَلْ)؛ أيْ: بَلْ زاغَتْ عَنْهم أبْصارُنا لِخَفاءِ مَكانِهِمْ عَلَيْنا في اَلنّارِ؛ كَأنَّهم يُسَلُّونَ أنْفُسَهم بِالمُحالِ، يَقُولُونَ: أوْ لَعَلَّهم مَعَنا في جَهَنَّمَ، ولَكِنْ لَمْ يَقَعْ بَصَرُنا عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أنَّهم في اَلدَّرَجاتِ اَلْعالِياتِ، وهو قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ٤٩] اَلْآيَةَ. وقِيلَ: (أمْ) بِمَعْنى (بَلْ) أيْضًا، أيْ: بَلْ زاغَتْ عَنْهم أبْصارُنا لِكَوْنِهِمْ في دارٍ أُخْرى وهي دارُ اَلنَّعِيمِ. وقُرِئَ (سُخْرِيًّا) بِضَمِّ اَلسِّينِ، وكَسْرِها.
ص 38:64
(p-٥١١٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٤ ] ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ .
﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ: اَلَّذِي حُكِيَ عَنْهُمْ: ﴿لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ أيْ: لَواقِعٌ وثابِتٌ. و: ﴿تَخاصُمُ﴾ بَدَلٌ مِن (حَقٍّ)، أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى اَلْبَدَلِ مِن: { ذَلِكَ } قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ سَمّى ذَلِكَ تَخاصُمًا؟ قُلْتُ: شَبَّهَ تَقاوُلَهُمْ، وما يَجْرِي بَيْنَهم مِنَ اَلسُّؤالِ والجَوابِ، بِما يَجْرِي بَيْنَ اَلْمُتَخاصِمِينَ مِن نَحْوِ ذَلِكَ، ولِأنَّ قَوْلَ اَلرُّؤَساءِ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ [ص: ٥٩] وقَوْلَ أتْباعِهِمْ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ [ص: ٦٠] مِن بابِ اَلْخُصُومَةِ. فَسَمّى اَلتَّقاوُلَ كُلَّهُ تَخاصُمًا؛ لِأجْلِ اِشْتِمالِهِ عَلى ذَلِكَ. اِنْتَهى.
فَكَتَبَ اَلنّاصِرُ عَلَيْهِ: هَذا يُحَقِّقُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُو النّارِ﴾ [ص: ٥٩] مِن قَوْلِ اَلْمُتَكَبِّرِينَ اَلْكُفّارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ [ص: ٦٠] مِن قَوْلِ اَلْأتْباعِ. فالخُصُومَةُ عَلى هَذا اَلتَّأْوِيلِ حَصَلَتْ مِنَ اَلْجِهَتَيْنِ. فَيَتَحَقَّقُ اَلتَّخاصُمُ. خِلافًا لِمَن قالَ أنَّ اَلْأوَّلَ مِن كَلامِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، والثّانِيَ مِن كَلامِ اَلْأتْباعِ؛ فَإنَّهُ عَلى هَذا اَلتَّقْدِيرِ، إنَّما تَكُونُ اَلْخُصُومَةُ مِن أحَدِ اَلْفَرِيقَيْنِ. فالتَّفْسِيرُ اَلْأوَّلُ أمْكَنُ وأثْبَتُ. اِنْتَهى.
ص 38:65
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٥ ] ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ .
﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: رَسُولٌ مُخَوِّفٌ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ الواحِدُ﴾ أيْ: بِلا ولَدٍ، ولا شَرِيكٍ: ﴿القَهّارُ﴾ أيِ: اَلْغالِبُ عَلى خَلْقِهِ.
ص 38:66
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦ ] ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ .
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: مِنَ اَلْخَلْقِ والعَجائِبِ: ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ: اَلَّذِي لا يُغْلَبُ إذا عاقَبَ اَلْعُصاةَ: ﴿الغَفّارُ﴾ أيْ: لِمَن تابَ وأنابَ.
ص 38:67
(p-٥١١٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٧ ] ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ .
﴿قُلْ هُوَ﴾ أيِ: اَلَّذِي أنْذَرْتُكم بِهِ مِنَ اَلتَّوْحِيدِ، ومِنَ اَلْبَعْثَةِ بِهِ: ﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾
ص 38:68
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٨ ] ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ .
﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: لِتَمادِي غَفْلَتِكُمْ، فَإنَّ اَلْعاقِلَ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ، كَيْفَ، وقَدْ قامَتْ عَلَيْهِ اَلْحُجَجُ اَلْواضِحَةُ؟ أمّا عَلى اَلتَّوْحِيدِ، فَما مَرَّ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ وصُنْعِهِ اَلْبَدِيعِ. أمّا عَلى بَعْثَتِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِ، فَقَوْلُهُ:
ص 38:69
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩ ] ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ .
﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: فَإنَّ إخْبارَهُ عَنْ مُحاوَرَةِ اَلْمَلائِكَةِ، وما جَرى بَيْنَهُمْ، عَلى ما ورَدَ في اَلْكُتُبِ اَلْمُتَقَدِّمَةِ، مِن غَيْرِ سَماعٍ ومُطالَعَةِ كِتابٍ، لا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالوَحْيِ.
قالَ القاشانِيُّ: وفَرَّقَ بَيْنَ اِخْتِصامِ اَلْمَلَأِ اَلْأعْلى، واخْتِصامِ أهْلِ اَلنّارِ بِقَوْلِهِ في تَخاصُمِ أهْلِ اَلنّارِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وفي اِخْتِصامِ اَلْمَلَأِ اَلْأعْلى: ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ حَقِيقِيٌّ لا يَنْتَهِي إلى اَلْوِفاقِ أبَدًا، وهَذا عارِضِيٌّ نَشَأ مِن عَدَمِ اِطِّلاعِهِمْ عَلى كَمالِ آدَمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، اَلَّذِي هو فَوْقَ كَمالاتِهِمْ، وانْتَهى إلى اَلْوِفاقِ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] عَلى ما ذُكِرَ في اَلْبَقَرَةِ عِنْدَ تَأْوِيلِ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ. اِنْتَهى.
(p-٥١١٩)وبِالجُمْلَةِ، فالِاخْتِصامُ اَلْمَذْكُورُ في اَلْآيَةِ، هو اَلْمُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] قالَ الرّازِيُّ: وهو أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ.
ثُمَّ قالَ: ولَوْ قِيلَ: كَيْفَ جازَتْ مُخاصَمَةُ اَلْمَلائِكَةِ مَعَهُ تَعالى؟ قُلْنا: لا شَكَّ أنَّهُ جَرى هُناكَ سُؤالٌ وجَوابٌ، وذَلِكَ يُشابِهُ اَلْمُخاصَمَةَ والمُناظَرَةَ، والمُشابَهَةُ عِلَّةٌ لِجَوازِ اَلْمَجازِ، فَلِهَذا اَلسَّبَبِ حَسُنَ إطْلاقُ لِفْظِ اَلْمُخاصَمَةِ عَلَيْهِ. اِنْتَهى.
ومُلَخَّصُهُ: أنَّ: { يَخْتَصِمُونَ } اِسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِـ: (يَتَقاوَلُونَ). وقِيلَ: مَعْنى اَلْآيَةِ، نَفْيُ عِلْمِ اَلْغَيْبِ عَنْهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورَدُّ اِقْتِراحِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يُخْبِرَهم بِما يَحْدُثُ في اَلْمَلَأِ اَلْأعْلى مِنَ اَلتَّخاصُمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الملك: ٢٦] ولِذا قالَ بَعْدُ:
ص 38:70
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٠ ] ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وقُرِئَ: { إنَّما } بِالكَسْرِ عَلى اَلْحِكايَةِ.
تَنْبِيهاتٌ:
اَلْأوَّلُ - قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨] تَرْغِيبٌ في اَلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ومَنعٌ مِنَ اَلتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّ هَذِهِ اَلْمَطالِبَ مَطالِبُ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ اَلْإنْسانُ فِيها عَلى اَلْحَقِّ، يَفُوزُ بِأعْظَمِ أبْوابِ اَلسَّعادَةِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ اَلْإنْسانُ فِيها عَلى اَلْباطِلِ، وقَعَ في أعْظَمِ أبْوابِ اَلشَّقاوَةِ. فَكانَتْ هَذِهِ اَلْمَباحِثُ أنْباءً عَظِيمَةً ومَطالِبَ عالِيَةً بَهِيَّةً، وصَرِيحُ اَلْعَقْلِ يُوجِبُ عَلى اَلْإنْسانِ أنْ يَأْتِيَ فِيها بِالِاحْتِياطِ اَلتّامِّ، وأنْ لا يَكْتَفِيَ بِالمُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ.
اَلثّانِي - قَدَّمَنا أنَّ أكْثَرَ اَلْمُفَسِّرِينَ عَلى تَأْوِيلِ اَلِاخْتِصامِ بِالتَّقاوُلِ في شَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ (p-٥١٢٠)مَعَ اَلْمَلائِكَةِ. وقِيلَ: مُخاصَمَتُهم مُناظَرَتُهم بَيْنَهم في اِسْتِنْباطِ اَلْعِلْمِ، كَما تَجْرِي اَلْمُناظَرَةُ بَيْنَ أهْلِ اَلْعِلْمِ في اَلْأرْضِ. حَكاهُ اَلْكَرْمانِيُّ في (" عَجائِبِهِ").
وذَهَبَ اِبْنُ كَثِيرٍ إلى أنَّهُ عَنى بِهِ ما كانَ في شَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، وامْتِناعِ إبْلِيسَ مِنَ اَلسُّجُودِ لَهُ، ومُحاجَّتِهِ رَبَّهُ في تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ. وإنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ [ص: ٧١] تَفْسِيرٌ لَهُ. ولَمْ أرَهُ مَأْثُورًا عَنْ أحَدٍ. بَلِ اَلْمَأْثُورُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِ ما تَقَدَّمَ، مِن أنَّهُ في شَأْنِ آدَمَ والمَلائِكَةِ، وهَذا كُلُّهُ عَلى إثْباتِ عِلْمِ اَلتَّخاصُمِ بِالوَحْيِ، بِتَقْدِيرِ: ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ لَوْلا اَلْوَحْيُ. ولا تَنْسَ اَلْقَوْلَ اَلْآخَرَ، والنَّظْمُ اَلْكَرِيمُ يَصْدُقُ عَلى اَلْكُلِّ بِلا تَنافٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَدْ جاءَ ذِكْرُ تَخاصُمِ اَلْمَلَأِ اَلْأعْلى في حَدِيثِ اَلْإمامِ أحْمَدَ عَنْ مُعاذٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قالَ: «اِحْتَبَسَ عَلَيْنا رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذاتَ غَداةٍ عَنْ صَلاةِ اَلصُّبْحِ، حَتّى كِدْنا أنْ نَتَراءى قَرْنَ اَلشَّمْسِ. فَخَرَجَ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَرِيعًا، فَثَوَّبَ بِالصَّلاةِ، فَصَلّى، وتَجَوَّزَ في صَلاتِهِ. فَلَمّا سَلَّمَ قالَ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «كَما أنْتُمْ» . ثُمَّ أقْبَلَ إلَيْنا فَقالَ: «إنِّي قُمْتُ مِنَ اَللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ ما قُدِّرَ لِي، فَنَعَسْتُ في صَلاتِي حَتّى اِسْتَيْقَظْتُ، فَإذا أنا بِرَبِّي عَزَّ وجَلَّ في أحْسَنِ صُورَةٍ. فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ! أتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ اَلْمَلَأُ اَلْأعْلى؟ قُلْتُ: لا أدْرِي، يا رَبٍّ ! أعادَها ثَلاثًا. فَرَأيْتُهُ وضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتّى وجَدْتُ بَرْدَ أنامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي. فَتَجَلّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وعَرَفْتُ. فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ! فِيمَ يَخْتَصِمُ اَلْمَلَأُ اَلْأعْلى؟ قُلْتُ: في اَلْكَفّاراتِ. قالَ: وما اَلْكَفّاراتُ؟ قُلْتُ: نَقْلُ اَلْأقْدامِ إلى اَلْجَماعاتِ، والجُلُوسُ في اَلْمَساجِدِ بَعْدَ اَلصَّلَواتِ، وإسْباغُ اَلْوُضُوءِ عِنْدَ اَلْكَرِيهاتِ. قالَ: وما اَلدَّرَجاتُ؟ قُلْتُ: إطْعامُ اَلطَّعامِ، ولِينُ اَلْكَلامِ، والصَّلاةُ والنّاسُ نِيامٌ. قالَ: سَلْ. قُلْتُ: اَللَّهُمَّ ! إنِّي أسْألُكَ فِعْلَ اَلْخَيْراتِ، وتَرْكَ اَلْمُنْكَراتِ، وحُبَّ اَلْمَساكِينِ، وأنْ تَغْفِرَ لِي وتَرْحَمَنِي، وإذا أرَدْتَ فِتْنَةً (p-٥١٢١)بِقَوْمٍ، فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وأسْألُكَ حُبَّكَ، وحُبَّ مَن يُحِبُّكُ، وحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إلى حُبِّكَ» . وقالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّها حَقٌّ فادْرُسُوها وتَعَلَّمُوها»» .
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: هَذا حَدِيثُ اَلْمَنامِ اَلْمَشْهُورِ. ومَن جَعَلَهُ يَقَظَةً فَقَدْ غَلِطَ، وهو في اَلسُّنَنِ مِن طُرُقٍ، وهَذا اَلْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ قَدْ رَواهُ اَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ جَهْضَمِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْيَمامِيِّ بِهِ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ثُمَّ قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: ولَيْسَ هَذا اَلِاخْتِصامَ اَلْمَذْكُورَ في اَلْقُرْآنِ، فَإنَّ هَذا قَدْ فُسِّرَ، وأمّا اَلِاخْتِصامُ اَلَّذِي في اَلْقُرْآنِ فَقَدْ فُسِّرَ بَعْدَ هَذا. اِنْتَهى. يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى:
ص 38:71
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧١، ٧٢ ] ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] .
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] أيْ: فَخَرُّوا لَهُ ساجِدِينَ تَعْظِيمًا وتَكْرِيمًا، إذا عَدَلْتُ خِلْقَتَهُ، وأحْيَيْتُهُ بِنَفْخِ اَلرُّوحِ فِيهِ. فَإذا: بَدَلٌ مِن إذِ اَلْأُولى مُفَصِّلٌ لِما أُجْمِلَ قَبْلَها مِنَ اَلِاخْتِصامِ، وهَذا ما رَآهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ وتابَعَهُ اِبْنُ كَثِيرٍ. وقَدَّرَ أبُو اَلْبَقاءِ: اُذْكُرْ، وهو اَلْأظْهَرُ عِنْدِي، ويُعَضِّدُهُ اَلْقَوْلُ اَلثّانِي في اَلْآيَةِ اَلْمُتَقَدِّمَةِ.
ص 38:72
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧١، ٧٢ ] ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] .
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] أيْ: فَخَرُّوا لَهُ ساجِدِينَ تَعْظِيمًا وتَكْرِيمًا، إذا عَدَلْتُ خِلْقَتَهُ، وأحْيَيْتُهُ بِنَفْخِ اَلرُّوحِ فِيهِ. فَإذا: بَدَلٌ مِن إذِ اَلْأُولى مُفَصِّلٌ لِما أُجْمِلَ قَبْلَها مِنَ اَلِاخْتِصامِ، وهَذا ما رَآهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ وتابَعَهُ اِبْنُ كَثِيرٍ. وقَدَّرَ أبُو اَلْبَقاءِ: اُذْكُرْ، وهو اَلْأظْهَرُ عِنْدِي، ويُعَضِّدُهُ اَلْقَوْلُ اَلثّانِي في اَلْآيَةِ اَلْمُتَقَدِّمَةِ.
ص 38:73
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٣، ٧٤ ] ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤] .
: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾ [ص: ٧٤] أيْ: تَعَظَّمُ (p-٥١٢٢)﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤] أيْ: بِاسْتِكْبارِهِ أمْرَ اَللَّهِ تَعالى، واسْتِكْبارِهِ عَنْ طاعَتِهِ.
ص 38:74
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٣، ٧٤ ] ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤] .
: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾ [ص: ٧٤] أيْ: تَعَظَّمُ (p-٥١٢٢)﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤] أيْ: بِاسْتِكْبارِهِ أمْرَ اَللَّهِ تَعالى، واسْتِكْبارِهِ عَنْ طاعَتِهِ.
ص 38:75
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٥ ] ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ .
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أيْ: بِنَفْسِي مِن غَيْرِ تَوَسُّطٍ، كَأبٍ وأُمٍّ: ﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ أيْ: أعَرَضَ لَكَ اَلتَّكَبُّرُ، والِاسْتِنْكافُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ أيْ: عَلَيْهِ زائِدًا في اَلْمَرْتَبَةِ.
ص 38:76
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٦ ] ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ .
﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ يَعْنِي أنَّ اَلرُّوحَ اَلْحَيَوانِيَّ اَلنّارِيَّ أشْرَفُ مِنَ اَلْمادَّةِ اَلْكَثِيفَةِ اَلْبَدَنِيَّةِ، وعابَ عَنْهُ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ اَلْحِكْمَةِ اَلْإلَهِيَّةِ، واللَّطِيفَةِ اَلرَّبّانِيَّةِ حَتّى تَمَسَّكَ بِالقِياسِ، وعَصى اَللَّهَ تَعالى في اَلسُّجُودِ.
ص 38:77
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٧ ] ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ .
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ أيْ: مِنَ اَلْجَنَّةِ أوِ اَلسَّماءِ: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَطْرُودٌ مِنَ اَلرَّحْمَةِ، ومُحَلِّ اَلْكَرامَةِ.
ص 38:78
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٨ ] ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالَ القاشانِيُّ: اَلرَّجِيمُ واللَّعِينُ مَن بَعُدَ عَنِ (p-٥١٢٣)اَلْحَضْرَةِ اَلْقُدُسِيَّةِ، اَلْمُنَزَّهَةِ عَنِ اَلْمَوادِّ اَلرِّجْسِيَّةِ، بِالِانْغِماسِ في اَلْغَواشِي اَلطَّبِيعِيَّةِ، والِاحْتِجابِ بِالكَوائِنِ اَلْهَيُولانِيَّةِ. ولِهَذا وقَّتَ اَللَّعْنَ بِيَوْمِ اَلدِّينِ، وحَدَّدَ نِهايَتَهُ بِهِ؛ لِأنَّ وقْتَ اَلْبَعْثِ والجَزاءِ هو زَمانُ تَجَرُّدِ اَلرُّوحِ عَنِ اَلْبَدَنِ ومَوادِّهِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى تَسَلُّطُهُ عَلى اَلْإنْسانِ. اِنْتَهى.
ص 38:79
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ - ٨٣ ] ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [ص: ٨٠] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١] ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] .
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [ص: ٨٠] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١] وهو اَلْقِيامَةُ اَلْكُبْرى: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] وهُمُ اَلَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اَللَّهُ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ اَلْعِنايَةِ عَنْ ثَوْبِ اَلْكُدُوراتِ اَلنَّفْسِيَّةِ وحُجُبِ اَلْأنانِيَّةِ، وصَفّى فِطْرَتَهم عَنْ خَلْطِ ظُلْمَةِ اَلنَّشْأةِ اَلْبَشَرِيَّةِ.
ص 38:80
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ - ٨٣ ] ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [ص: ٨٠] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١] ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] .
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [ص: ٨٠] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١] وهو اَلْقِيامَةُ اَلْكُبْرى: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] وهُمُ اَلَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اَللَّهُ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ اَلْعِنايَةِ عَنْ ثَوْبِ اَلْكُدُوراتِ اَلنَّفْسِيَّةِ وحُجُبِ اَلْأنانِيَّةِ، وصَفّى فِطْرَتَهم عَنْ خَلْطِ ظُلْمَةِ اَلنَّشْأةِ اَلْبَشَرِيَّةِ.
ص 38:81
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ - ٨٣ ] ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [ص: ٨٠] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١] ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] .
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [ص: ٨٠] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١] وهو اَلْقِيامَةُ اَلْكُبْرى: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] وهُمُ اَلَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اَللَّهُ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ اَلْعِنايَةِ عَنْ ثَوْبِ اَلْكُدُوراتِ اَلنَّفْسِيَّةِ وحُجُبِ اَلْأنانِيَّةِ، وصَفّى فِطْرَتَهم عَنْ خَلْطِ ظُلْمَةِ اَلنَّشْأةِ اَلْبَشَرِيَّةِ.
ص 38:82
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ - ٨٣ ] ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [ص: ٨٠] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١] ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] .
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [ص: ٨٠] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١] وهو اَلْقِيامَةُ اَلْكُبْرى: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] وهُمُ اَلَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اَللَّهُ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ اَلْعِنايَةِ عَنْ ثَوْبِ اَلْكُدُوراتِ اَلنَّفْسِيَّةِ وحُجُبِ اَلْأنانِيَّةِ، وصَفّى فِطْرَتَهم عَنْ خَلْطِ ظُلْمَةِ اَلنَّشْأةِ اَلْبَشَرِيَّةِ.
ص 38:83
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ - ٨٣ ] ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [ص: ٨٠] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١] ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] .
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [ص: ٨٠] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١] وهو اَلْقِيامَةُ اَلْكُبْرى: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] وهُمُ اَلَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اَللَّهُ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ اَلْعِنايَةِ عَنْ ثَوْبِ اَلْكُدُوراتِ اَلنَّفْسِيَّةِ وحُجُبِ اَلْأنانِيَّةِ، وصَفّى فِطْرَتَهم عَنْ خَلْطِ ظُلْمَةِ اَلنَّشْأةِ اَلْبَشَرِيَّةِ.
ص 38:84
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٤ ] ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ .
﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، لِلتَّأْكِيدِ؛ أيْ: ولا أقُولُ إلّا اَلْحَقَّ.
ص 38:85
(p-٥١٢٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٥، ٨٦ ] ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .
﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: تَبِعَكَ في اَلتَّعَزُّزِ، والِاسْتِكْبارِ، والإباءِ عَنِ اَلْحَقِّ، والمُحاجَّةِ في اَلْباطِلِ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [ص: ٨٦] أيْ: عَلى اَلْقُرْآنِ، أوِ اَلْوَحْيِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: لا غَرَضَ لِي في ذَلِكَ. فَإنَّ أقْوالَ اَلْكامِلِ اَلْمُحَقِّقِ بِالحَقِّ مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ، غَيْرُ مَعْلُومَةٍ بِالغَرَضِ: ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أيِ: اَلْمُتَصَنِّعِينَ اَلَّذِينَ يَتَحَلَّوْنَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، وما عَرَفْتُمُونِي قَطُّ مُتَصَنِّعًا، ولا مُدَّعِيًا ما لَيْسَ عِنْدِي، حَتّى أنْتَحِلَ اَلنُّبُوَّةَ، وأدَّعِيَ اَلْقُرْآنَ.
تَنْبِيهٌ:
فِي اَلْآيَةِ ذَمُّ اَلتَّكْلِيفِ. وقَدْ رَوى اَلشَّيْخانِ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قالَ: يا أيُّها اَلنّاسُ ! مَن عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اَللَّهُ أعْلَمُ. فَإنَّ مِنَ اَلْعِلْمِ أنْ يَقُولَ اَلرَّجُلُ لِما لا يَعْلَمُ: اَللَّهُ أعْلَمُ. فَإنَّ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِنَبِيِّكم صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .
ص 38:86
(p-٥١٢٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٥، ٨٦ ] ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .
﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: تَبِعَكَ في اَلتَّعَزُّزِ، والِاسْتِكْبارِ، والإباءِ عَنِ اَلْحَقِّ، والمُحاجَّةِ في اَلْباطِلِ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [ص: ٨٦] أيْ: عَلى اَلْقُرْآنِ، أوِ اَلْوَحْيِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: لا غَرَضَ لِي في ذَلِكَ. فَإنَّ أقْوالَ اَلْكامِلِ اَلْمُحَقِّقِ بِالحَقِّ مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ، غَيْرُ مَعْلُومَةٍ بِالغَرَضِ: ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أيِ: اَلْمُتَصَنِّعِينَ اَلَّذِينَ يَتَحَلَّوْنَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، وما عَرَفْتُمُونِي قَطُّ مُتَصَنِّعًا، ولا مُدَّعِيًا ما لَيْسَ عِنْدِي، حَتّى أنْتَحِلَ اَلنُّبُوَّةَ، وأدَّعِيَ اَلْقُرْآنَ.
تَنْبِيهٌ:
فِي اَلْآيَةِ ذَمُّ اَلتَّكْلِيفِ. وقَدْ رَوى اَلشَّيْخانِ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قالَ: يا أيُّها اَلنّاسُ ! مَن عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اَللَّهُ أعْلَمُ. فَإنَّ مِنَ اَلْعِلْمِ أنْ يَقُولَ اَلرَّجُلُ لِما لا يَعْلَمُ: اَللَّهُ أعْلَمُ. فَإنَّ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِنَبِيِّكم صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .
ص 38:87
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٧، ٨٨ ] ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] .
(p-٥١٢٥)﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ: عِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لَهم. وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] أيْ: عِنْدَ ظُهُورِ اَلْإسْلامِ، وانْتِشارِهِ، ودُخُولِ اَلنّاسِ فِيهِ أفْواجًا أفْواجًا، مِن صِحَّةِ خَبَرِهِ، وأنَّهُ اَلْحَقُّ والصِّدْقُ. وهَذا مِن أجَلِّ مُعْجِزاتِ اَلْقُرْآنِ؛ لِأنَّهُ مِنَ اَلْغُيُوبِ اَلَّتِي ظَهَرَ مِصْداقُها؛ إذْ كانَ زَمَنُ اَلْإخْبارِ بِهِ زَمَنَ قِلَّةٍ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ، وخَوْفٍ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَمْضِ رَدَحٌ مِنَ اَلزَّمَنِ حَتّى أبْدَلَ اَللَّهُ قِلَّتَهم كَثْرَةً، وضَعْفَهم قُوَّةً، وخَوْفَهم أمْنًا، وكُمُونَهم ظُهُورًا وانْتِشارًا. فَصَدَقَ اَللَّهُ اَلْعَظِيمُ، وصَدَقَ نَبِيُّهُ اَلْكَرِيمُ، وحَقَّتْ كَلِمَةُ اَللَّهِ عَلى اَلْكافِرِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ.
ص 38:88
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٧، ٨٨ ] ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] .
(p-٥١٢٥)﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ: عِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لَهم. وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] أيْ: عِنْدَ ظُهُورِ اَلْإسْلامِ، وانْتِشارِهِ، ودُخُولِ اَلنّاسِ فِيهِ أفْواجًا أفْواجًا، مِن صِحَّةِ خَبَرِهِ، وأنَّهُ اَلْحَقُّ والصِّدْقُ. وهَذا مِن أجَلِّ مُعْجِزاتِ اَلْقُرْآنِ؛ لِأنَّهُ مِنَ اَلْغُيُوبِ اَلَّتِي ظَهَرَ مِصْداقُها؛ إذْ كانَ زَمَنُ اَلْإخْبارِ بِهِ زَمَنَ قِلَّةٍ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ، وخَوْفٍ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَمْضِ رَدَحٌ مِنَ اَلزَّمَنِ حَتّى أبْدَلَ اَللَّهُ قِلَّتَهم كَثْرَةً، وضَعْفَهم قُوَّةً، وخَوْفَهم أمْنًا، وكُمُونَهم ظُهُورًا وانْتِشارًا. فَصَدَقَ اَللَّهُ اَلْعَظِيمُ، وصَدَقَ نَبِيُّهُ اَلْكَرِيمُ، وحَقَّتْ كَلِمَةُ اَللَّهِ عَلى اَلْكافِرِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ.
الزمر 39:1
(p-٥١٢٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الزُّمَرِ
سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى الآيَةِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها زُمَرُ الفَرِيقَيْنِ، المُشِيرَةِ إلى تَفْصِيلِ الجَزاءِ وإلْزامِ الحُجَّةِ وبُطْلانِ المَعْذِرَةِ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ، واسْتَثْنى بَعْضُهم ثَلاثَ آياتٍ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ﴾ [الزمر: ٥٣] إلَخْ... ذَهابًا إلى أنَّها نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ عَلى ما رُوِيَ. قِيلَ: ورابِعَةٌ وهِيَ: ﴿اللَّهُ نَـزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] حَكاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مِثْلِ هَذا.
وآياتُها خَمْسٌ وسَبْعُونَ.
أخْرَجَ النَّسائِيُّ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَصُومُ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يُفْطِرَ. ويُفْطِرُ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يَصُومَ» .
«وكانَ ﷺ يَقْرَأُ في كُلِّ لَيْلَةٍ بَنِي إسْرائِيلَ والزُّمَرَ» .
(p-٥١٢٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١] ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ .
﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ أيْ: هَذا تَنْزِيلٌ، أوْ تَنْزِيلُهُ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ.
وقُرِئَ: (تَنْزِيلَ) بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ.
الزمر 39:2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢] ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ .
﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: عَنْ شُعُوبِ الشِّرْكِ والرِّياءِ، بِإمْحاضِ التَّوْحِيدِ، وتَصْفِيَةِ السِّرِّ.
الزمر 39:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ .
﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ أيِ: الَّذِي وجَبَ اخْتِصاصُهُ بِأنْ يُخْلَصَ لَهُ الطّاعَةُ مِن كُلِّ شائِبَةٍ؛ لِانْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ أيْ: بِالمَحَبَّةِ؛ لِلتَّقَرُّبِ والتَّوَسُّلِ بِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ احْتِجاجًا عَلى ضَلالِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: عِنْدَ حَشْرِ مَعْبُوداتِهِمْ مَعَهُمْ، فَيَقْرِنُ كُلًّا مِنهم مَعَ مَن يَتَوَلّاهُ، مِن عابِدٍ ومَعْبُودٍ، ويُدْخِلُ المُبْطِلَ النّارَ (p-٥١٢٨)مَعَ المُبْطِلِينَ، كَما يُدْخِلُ المُحِقَّ الجَنَّةَ مَعَ المُحِقِّينَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ لا يُوصِلُهُ إلى النَّجاةِ، ومَقَرِّ الأبْرارِ.
الزمر 39:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾
﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ أيْ: نَزِّهْهُ عَنِ المُماثَلَةِ، والمُجانَسَةِ، واصْطِفاءِ الوَلَدِ؛ لِكَوْنِ الوَحْدَةِ لازِمَةً لِذاتِهِ، وقَهْرِهِ بِوَحْدانِيَّتِهِ لِغَيْرِهِ، فَلا تَماثُلَ في الوُجُودِ، فَكَيْفَ في الوُجُوبِ؟
الزمر 39:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ - ٦] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْـزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦]
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ أيْ: بِإذْهابِ أحَدِهِما، وتَغْشِيَةِ الآخَرِ مَكانَهُ، كَأنَّما أُلْبِسَهُ ولُفَّ عَلَيْهِ: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو مُنْتَهى دَوْرِهِ، أوْ مُنْقَطَعُ حَرَكَتِهِ: ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها﴾ [الزمر: ٦] أيْ: مِن نَفْسِها ونَوْعِها: (p-٥١٢٩)﴿زَوْجَها وأنْـزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] أيْ: ذَكَرًا وأُنْثى، مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦] أيْ: مُتَقَلِّبِينَ في أطْوارِ الخِلْقَةِ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] يَعْنِي البَطْنَ، والرَّحِمَ، والمَشِيمَةَ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ [الزمر: ٦] أيِ: الخالِقُ لِصُوَرِكم. المُكَوِّرُ أيِ: المُصَرِّفُ بِقُدْرَتِهِ، المُسَخِّرُ بِسُلْطانِهِ، المُنْشِي لِلْكَثْرَةِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ بِحِكْمَتِهِ، المُنْزِلُ لِلنِّعَمِ بِنِعْمَتِهِ: ﴿اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] أيْ: عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ.
الزمر 39:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ - ٦] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْـزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦]
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ أيْ: بِإذْهابِ أحَدِهِما، وتَغْشِيَةِ الآخَرِ مَكانَهُ، كَأنَّما أُلْبِسَهُ ولُفَّ عَلَيْهِ: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو مُنْتَهى دَوْرِهِ، أوْ مُنْقَطَعُ حَرَكَتِهِ: ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها﴾ [الزمر: ٦] أيْ: مِن نَفْسِها ونَوْعِها: (p-٥١٢٩)﴿زَوْجَها وأنْـزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] أيْ: ذَكَرًا وأُنْثى، مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦] أيْ: مُتَقَلِّبِينَ في أطْوارِ الخِلْقَةِ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] يَعْنِي البَطْنَ، والرَّحِمَ، والمَشِيمَةَ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ [الزمر: ٦] أيِ: الخالِقُ لِصُوَرِكم. المُكَوِّرُ أيِ: المُصَرِّفُ بِقُدْرَتِهِ، المُسَخِّرُ بِسُلْطانِهِ، المُنْشِي لِلْكَثْرَةِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ بِحِكْمَتِهِ، المُنْزِلُ لِلنِّعَمِ بِنِعْمَتِهِ: ﴿اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] أيْ: عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ.
الزمر 39:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أيْ: عَنْ إيمانِكُمْ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ أيْ: لِأنَّهُ سَبَبُ هَلاكِهِمْ: ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: وإنْ تَسْتَعْمِلُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم فِيما خُلِقَ لَهُ، يَقْبَلُهُ مِنكُمْ؛ لِأنَّهُ دِينُهُ، ويُثِيبُكم ثَوابًا حَسَنًا لِطاعَتِكم.
تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَرْضى الكُفْرَ والمَعاصِيَ، وعَلى أنَّ الرِّضا غَيْرُ الإرادَةِ. وهو أحَدُ قَوْلَيْ أهْلِ السُّنَّةِ. والقَوْلُ الثّانِي وحَكاهُ الآمِدِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ، أنَّ الرِّضا والإرادَةَ سِيّانِ، وحَمَلُوا (العِبادَ) في الآيَةِ عَلى المُخْلِصِينَ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى، أيْ: ما عَلَيْها مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ لا تُؤْخَذُ نَفْسٌ بِذَنْبِ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ كُلٌّ مَأْخُوذٌ بِذَنْبِهِ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِما في القُلُوبِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ.
الزمر 39:8
(p-٥١٣٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨ - ٩] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩]
﴿وإذا مَسَّ﴾ أيْ: أصابَ: ﴿الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ أيْ: شِدَّةٌ وبَلاءٌ: ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيِ: ابْتَهَلَ إلَيْهِ بِرَفْعِ الشِّدَّةِ والبَلاءِ عَنْهُ، مُقْبِلًا إلَيْهِ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ: ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾ أيْ: أعْطاهُ: ﴿نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ مِن قَبْلِ النِّعْمَةِ. وقِيلَ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ، ويَبْتَهِلُ إلَيْهِ. فَ: (ما) بِمَعْنى (مَن)، أُقِيمَتْ مَقامَها لِقَصْدِ الدُّعاءِ الوَصْفِيِّ، ولِما في (ما) مِنَ الإبْهامِ والتَّفْخِيمِ ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: يَصُدُّ النّاسَ عَنْ دِينِهِ وطاعَتِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ أيْ: عِشْ بِهِ: ﴿قَلِيلا﴾ أيْ: يَسِيرًا في الدُّنْيا.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزمر: ٩] أيْ: مُتَعَبِّدًا في ساعاتِهِ يَقْطَعُها في السُّجُودِ والقِيامِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: عِقابَها: ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: جَنَّتَهُ ورِضْوانَهُ، أيْ: أهَذا أفْضَلُ أمْ ذاكَ الكافِرُ الجاحِدُ النّاسِي لِرَبِّهِ؟: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: تَوْحِيدَهُ، وأمْرَهُ، ونَهْيَهُ في الثَّوابِ والطّاعَةِ: ﴿والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: لا يَسْتَوِيانِ.
(p-٥١٣١)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: في الآيَةِ اسْتِحْبابُ قِيامِ اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آناءَ اللَّيْلِ: جَوْفَ اللَّيْلِ. وقالَ الحَسَنُ: ساعاتُهُ أوَّلُهُ، ووَسَطُهُ، وآخِرُهُ.
الثّانِي: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] رَدٌّ عَلى مَن ذَمَّ العِبادَةَ خَوْفًا مِنَ النّارِ، أوْ رَجاءَ الجَنَّةِ. وقالَ ﷺ ««حَوْلَها نُدَنْدِنُ»» .
الثّالِثُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾ [الزمر: ٩] الآيَةَ... مَدْحُ العِلْمِ، ورِفْعَةُ قَدْرِهِ، وذَمُّ الجَهْلِ، ونَقْصُهُ. وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ الجاهِلَ لا يُكافِئُ العالِمَةَ، كَما أنَّهُ لا يُكافِئُ بِنْتَ العالِمِ، أفادَهُ في (الإكْلِيلِ).
وفِي الآيَةِ أيْضًا إشْعارٌ بِأنَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ هُمُ العامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ؛ إذْ عَبَّرَ عَنْهم أوَّلًا بِ: (القانِتِ)، ثُمَّ نَفى المُساواةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، لِيَكُونَ تَأْكِيدًا لَهُ، وتَصْرِيحًا بِأنَّ غَيْرَ العالِمِ كَأنْ لَيْسَ بِعالِمٍ.
قالَ القاشانِيُّ: وإنَّما كانَ المُطِيعُ هو العالِمَ؛ لِأنَّ العِلْمَ هو الَّذِي رَسَخَ في القَلْبِ، وتَأصَّلَ بِعُرُوقِهِ في النَّفْسِ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ صاحِبَهُ مُخالَفَتُهُ، بَلْ سِيطَ بِاللَّحْمِ والدَّمِ، فَظَهَرَ أثَرُهُ في الأعْضاءِ لا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنها عَنْ مُقْتَضاهُ، وأمّا المُرْتَسِمُ في حَيِّزِ التَّخَيُّلِ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ ذُهُولُ النَّفْسِ عَنْهُ، وعَنْ مُقْتَضاهُ، فَلَيْسَ بِعِلْمٍ. إنَّما هو أمْرٌ تَصَوُّرِيٌّ وتَخَيُّلٌ عارِضٌ لا يَلْبَثُ، بَلْ يَزُولُ سَرِيعًا، لا يَغْذُو القَلْبَ، ولا يُسْمِنُ، ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: يَتَّعِظُ بِهَذا الذِّكْرِ: ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] أيِ: العُقُولِ الصّافِيَةِ عَنْ قِشْرِ التَّخَيُّلِ والوَهْمِ، لِتَحَقُّقِها بِالعِلْمِ الرّاسِخِ الَّذِي يَتَأثَّرُ بِهِ الظّاهِرُ، وأمّا المَشُوبَةُ بِالوَهْمِ فَلا تَتَذَكَّرُ ولا تَتَحَقَّقُ بِهَذا العِلْمِ ولا تَعِيهِ.
الزمر 39:9
(p-٥١٣٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨ - ٩] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩]
﴿وإذا مَسَّ﴾ أيْ: أصابَ: ﴿الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ أيْ: شِدَّةٌ وبَلاءٌ: ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيِ: ابْتَهَلَ إلَيْهِ بِرَفْعِ الشِّدَّةِ والبَلاءِ عَنْهُ، مُقْبِلًا إلَيْهِ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ: ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾ أيْ: أعْطاهُ: ﴿نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ مِن قَبْلِ النِّعْمَةِ. وقِيلَ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ، ويَبْتَهِلُ إلَيْهِ. فَ: (ما) بِمَعْنى (مَن)، أُقِيمَتْ مَقامَها لِقَصْدِ الدُّعاءِ الوَصْفِيِّ، ولِما في (ما) مِنَ الإبْهامِ والتَّفْخِيمِ ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: يَصُدُّ النّاسَ عَنْ دِينِهِ وطاعَتِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ أيْ: عِشْ بِهِ: ﴿قَلِيلا﴾ أيْ: يَسِيرًا في الدُّنْيا.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزمر: ٩] أيْ: مُتَعَبِّدًا في ساعاتِهِ يَقْطَعُها في السُّجُودِ والقِيامِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: عِقابَها: ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: جَنَّتَهُ ورِضْوانَهُ، أيْ: أهَذا أفْضَلُ أمْ ذاكَ الكافِرُ الجاحِدُ النّاسِي لِرَبِّهِ؟: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: تَوْحِيدَهُ، وأمْرَهُ، ونَهْيَهُ في الثَّوابِ والطّاعَةِ: ﴿والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: لا يَسْتَوِيانِ.
(p-٥١٣١)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: في الآيَةِ اسْتِحْبابُ قِيامِ اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آناءَ اللَّيْلِ: جَوْفَ اللَّيْلِ. وقالَ الحَسَنُ: ساعاتُهُ أوَّلُهُ، ووَسَطُهُ، وآخِرُهُ.
الثّانِي: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] رَدٌّ عَلى مَن ذَمَّ العِبادَةَ خَوْفًا مِنَ النّارِ، أوْ رَجاءَ الجَنَّةِ. وقالَ ﷺ ««حَوْلَها نُدَنْدِنُ»» .
الثّالِثُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾ [الزمر: ٩] الآيَةَ... مَدْحُ العِلْمِ، ورِفْعَةُ قَدْرِهِ، وذَمُّ الجَهْلِ، ونَقْصُهُ. وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ الجاهِلَ لا يُكافِئُ العالِمَةَ، كَما أنَّهُ لا يُكافِئُ بِنْتَ العالِمِ، أفادَهُ في (الإكْلِيلِ).
وفِي الآيَةِ أيْضًا إشْعارٌ بِأنَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ هُمُ العامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ؛ إذْ عَبَّرَ عَنْهم أوَّلًا بِ: (القانِتِ)، ثُمَّ نَفى المُساواةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، لِيَكُونَ تَأْكِيدًا لَهُ، وتَصْرِيحًا بِأنَّ غَيْرَ العالِمِ كَأنْ لَيْسَ بِعالِمٍ.
قالَ القاشانِيُّ: وإنَّما كانَ المُطِيعُ هو العالِمَ؛ لِأنَّ العِلْمَ هو الَّذِي رَسَخَ في القَلْبِ، وتَأصَّلَ بِعُرُوقِهِ في النَّفْسِ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ صاحِبَهُ مُخالَفَتُهُ، بَلْ سِيطَ بِاللَّحْمِ والدَّمِ، فَظَهَرَ أثَرُهُ في الأعْضاءِ لا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنها عَنْ مُقْتَضاهُ، وأمّا المُرْتَسِمُ في حَيِّزِ التَّخَيُّلِ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ ذُهُولُ النَّفْسِ عَنْهُ، وعَنْ مُقْتَضاهُ، فَلَيْسَ بِعِلْمٍ. إنَّما هو أمْرٌ تَصَوُّرِيٌّ وتَخَيُّلٌ عارِضٌ لا يَلْبَثُ، بَلْ يَزُولُ سَرِيعًا، لا يَغْذُو القَلْبَ، ولا يُسْمِنُ، ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: يَتَّعِظُ بِهَذا الذِّكْرِ: ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] أيِ: العُقُولِ الصّافِيَةِ عَنْ قِشْرِ التَّخَيُّلِ والوَهْمِ، لِتَحَقُّقِها بِالعِلْمِ الرّاسِخِ الَّذِي يَتَأثَّرُ بِهِ الظّاهِرُ، وأمّا المَشُوبَةُ بِالوَهْمِ فَلا تَتَذَكَّرُ ولا تَتَحَقَّقُ بِهَذا العِلْمِ ولا تَعِيهِ.
الزمر 39:10
(p-٥١٣٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠] ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أيْ: لِلَّذِينَ أحْسَنُوا بِالطّاعاتِ في الدُّنْيا، مَثُوبَةٌ حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ أيْ: بِلادُهُ كَثِيرَةٌ. فَمَن تَعَسَّرَ عَلَيْهِ التَّوَفُّرُ عَلى الإحْسانِ في وطَنِهِ، فَلْيُهاجِرْ إلى حَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنهُ. قالَ الشِّهابُ: وجْهُ إفادَةِ هَذا التَّرْكِيبِ هَذِهِ المَعانِي الكَثِيرَةُ، أوْضَحَهُ شُرّاحُ الكَشّافِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ مُسْتَأْنَفٌ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِالتَّقْوى، ولِذا قُيِّدَ بِالظَّرْفِ؛ لِأنَّ الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُلْقى في حَرْثِها بَذْرُ المَثُوباتِ. وعَقَّبَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِئَلّا يُعْتَذَرَ عَنِ التَّفْرِيطِ بِعَدَمِ مُساعَدَةِ المَكانِ، ويُتَعَلَّلَ بِعَدَمِ مُفارَقَةِ الأوْطانِ، فَكانَ حَثًّا عَلى اغْتِنامِ فُرْصَةِ الأعْمارِ، وتَرْكِ ما يَعُوقُ مِن حُبِّ الدِّيارِ، والهِجْرَةِ فِيما اتَّسَعَ مِنَ الأقْطارِ، كَما قِيلَ:
؎إذا كانَ أصْلِي مِن تُرابٍ فَكُلُّها بِلادِي وكُلُّ العالَمِينَ أقارِبِي
انْتَهى.
﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾ أيْ: عَلى مَشاقِّ الطّاعَةِ مِنَ احْتِمالِ البَلاءِ، ومُهاجَرَةِ الأوْطانِ لَها: ﴿أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ مِكْيالٍ؛ تَمْثِيلٌ لِلْكَثْرَةِ.
الزمر 39:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ .
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ.
الزمر 39:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢] ﴿وأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ .
﴿وأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: وأُمِرْتُ بِذَلِكَ، لِأجْلِ أنْ أكُونَ مُقَدَّمَهم (p-٥١٣٣)فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّ إخْلاصَهُ ﷺ أتَمُّ مِن إخْلاصِ كُلِّ مُخْلِصٍ. وعَلى هَذا، فالأوَّلِيَّةُ في الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ، أوْ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ مِن أُمَّتِهِ. فالأوَّلِيَّةُ زَمانِيَّةٌ عَلى ظاهِرِها. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ اللّامُ مَزِيدَةً. كَما فِي: (أرَدْتُ لِأنْ أفْعَلَ). فَيَكُونَ أمْرًا بِالتَّقَدُّمِ في الإخْلاصِ.
الزمر 39:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣ - ١٤] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] .
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: بِتَرْكِ الإخْلاصِ لَهُ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ [الزمر: ١٤] أيْ: أخُصُّهُ بِالعِبادَةِ: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] عَنْ شَوْبِ الغَيْرِ.
الزمر 39:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣ - ١٤] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] .
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: بِتَرْكِ الإخْلاصِ لَهُ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ [الزمر: ١٤] أيْ: أخُصُّهُ بِالعِبادَةِ: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] عَنْ شَوْبِ الغَيْرِ.
الزمر 39:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ .
﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أهْلَكُوا أنْفُسَهم بِالضَّلالِ، وأهْلِيهِمْ بِالإضْلالِ، وخَسِرُوا أنْفُسَهم بِالهَلاكِ وأهْلِيهِمْ بِهِ أيْضًا، إنْ كانُوا مِثْلَهُمْ، أوْ بِفَقْدِهِمْ فَقْدًا لا اجْتِماعَ بَعْدَهُ، إنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾
الزمر 39:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ .
﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أيْ: أطْباقٌ مِنَ النّارِ: ﴿ذَلِكَ﴾ (p-٥١٣٤)أيِ: العَذابُ المُتَوَعَّدُ بِهِ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيْ: بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِما يُوجِبُ السُّخْطَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ونَصِيحَةٌ بالِغَةٌ.
الزمر 39:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ - ١٩] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] .
﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ يَعْنِي الأوْثانَ. وفَعَلُوتٌ لِلْمُبالَغَةِ: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى﴾ أيْ: بِالثَّوابِ: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] أيْ: إيثارًا لِلْأفْضَلِ واهْتِمامًا بِالأكْمَلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنْ يَكُونُوا نُقّادًا في الدِّينِ، يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الحَسَنِ والأحْسَنِ والفاضِلِ والأفْضَلِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ المَذاهِبُ واخْتِيارُ أثْبَتِها عَلى السَّبْكِ، وأقْواها عِنْدَ السَّبْرِ، وأبْيَنِها دَلِيلًا وأمارَةً، وأنْ لا تَكُونَ في مَذْهَبِكَ كَما قالَ القائِلُ:
؎ولا تَكُنْ مِثْلَ عَيْرٍ قِيدَ فانْقادا
يُرِيدُ المُقَلِّدَ. انْتَهى.
ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا إيثارُ الأفْضَلِ مِن كُلِّ نَوْعَيْنِ، اعْتِراضًا، كالواجِبِ مَعَ النَّدْبِ، والعَفْوِ مَعَ القِصاصِ، والإخْفاءِ مَعَ الإبْداءِ في الصَّدَقَةِ، وهَكَذا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] أيْ: أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ مِنها؟ أيْ: لا يُمْكِنُ إنْقاذُهُ أصْلًا.
الزمر 39:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ - ١٩] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] .
﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ يَعْنِي الأوْثانَ. وفَعَلُوتٌ لِلْمُبالَغَةِ: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى﴾ أيْ: بِالثَّوابِ: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] أيْ: إيثارًا لِلْأفْضَلِ واهْتِمامًا بِالأكْمَلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنْ يَكُونُوا نُقّادًا في الدِّينِ، يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الحَسَنِ والأحْسَنِ والفاضِلِ والأفْضَلِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ المَذاهِبُ واخْتِيارُ أثْبَتِها عَلى السَّبْكِ، وأقْواها عِنْدَ السَّبْرِ، وأبْيَنِها دَلِيلًا وأمارَةً، وأنْ لا تَكُونَ في مَذْهَبِكَ كَما قالَ القائِلُ:
؎ولا تَكُنْ مِثْلَ عَيْرٍ قِيدَ فانْقادا
يُرِيدُ المُقَلِّدَ. انْتَهى.
ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا إيثارُ الأفْضَلِ مِن كُلِّ نَوْعَيْنِ، اعْتِراضًا، كالواجِبِ مَعَ النَّدْبِ، والعَفْوِ مَعَ القِصاصِ، والإخْفاءِ مَعَ الإبْداءِ في الصَّدَقَةِ، وهَكَذا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] أيْ: أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ مِنها؟ أيْ: لا يُمْكِنُ إنْقاذُهُ أصْلًا.
الزمر 39:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ - ١٩] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] .
﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ يَعْنِي الأوْثانَ. وفَعَلُوتٌ لِلْمُبالَغَةِ: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى﴾ أيْ: بِالثَّوابِ: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] أيْ: إيثارًا لِلْأفْضَلِ واهْتِمامًا بِالأكْمَلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنْ يَكُونُوا نُقّادًا في الدِّينِ، يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الحَسَنِ والأحْسَنِ والفاضِلِ والأفْضَلِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ المَذاهِبُ واخْتِيارُ أثْبَتِها عَلى السَّبْكِ، وأقْواها عِنْدَ السَّبْرِ، وأبْيَنِها دَلِيلًا وأمارَةً، وأنْ لا تَكُونَ في مَذْهَبِكَ كَما قالَ القائِلُ:
؎ولا تَكُنْ مِثْلَ عَيْرٍ قِيدَ فانْقادا
يُرِيدُ المُقَلِّدَ. انْتَهى.
ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا إيثارُ الأفْضَلِ مِن كُلِّ نَوْعَيْنِ، اعْتِراضًا، كالواجِبِ مَعَ النَّدْبِ، والعَفْوِ مَعَ القِصاصِ، والإخْفاءِ مَعَ الإبْداءِ في الصَّدَقَةِ، وهَكَذا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] أيْ: أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ مِنها؟ أيْ: لا يُمْكِنُ إنْقاذُهُ أصْلًا.
الزمر 39:20
(p-٥١٣٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ - ٢١] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] .
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ﴾ [الزمر: ٢١] أيْ: يَتِمُّ جَفافُهُ: ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ [الزمر: ٢١] أيْ: فُتاتًا: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] أيْ: لَتَذْكِيرًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ، وأنَّ ذَلِكَ كائِنٌ عَنْ تَقْدِيرٍ وتَدْبِيرٍ، لا عَنْ تَعْطِيلٍ وإهْمالٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَثَلًا لِلدُّنْيا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [يونس: ٢٤] ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٥] أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
الزمر 39:21
(p-٥١٣٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ - ٢١] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] .
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ﴾ [الزمر: ٢١] أيْ: يَتِمُّ جَفافُهُ: ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ [الزمر: ٢١] أيْ: فُتاتًا: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] أيْ: لَتَذْكِيرًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ، وأنَّ ذَلِكَ كائِنٌ عَنْ تَقْدِيرٍ وتَدْبِيرٍ، لا عَنْ تَعْطِيلٍ وإهْمالٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَثَلًا لِلدُّنْيا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [يونس: ٢٤] ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٥] أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
الزمر 39:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ أيْ: وسَّعَهُ لِتَسْلِيمِ الوَجْهِ إلَيْهِ وحْدَهُ، ولِقَبُولِ دِينِهِ، وشَرْعِهِ بِلُطْفِهِ، وعِنايَتِهِ، وإمْدادِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: عَلى بَيِّنَةٍ ومَعْرِفَةٍ، (p-٥١٣٦)واهْتِداءٍ إلى الحَقِّ، واسْتِعارَةُ النُّورِ لِلْهُدى والعِرْفانِ، شَهِيرَةٌ، كاسْتِعارَةِ الظَّلَمَةِ لِضِدِّ ذَلِكَ. وخَبَرُ (مَن) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن قَبُولِ ذِكْرِهِ لِشِدَّةِ مَيْلِها إلى اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، وإعْراضِها عَنِ الكَمالاتِ القُدْسِيَّةِ، أوْ مِن أجْلِ ذِكْرِهِ؛ فَ: (مَن) لِلتَّعْلِيلِ والسَّبَبِيَّةِ.. وفِيها مَعْنى الِابْتِداءِ لِنَشْئِها عَنْهُ. قالَ الشِّهابُ: إذا (قِيلَ: قَسا مِنهُ)، فالمُرادُ أنَّهُ سَبَبٌ لِقَسْوَةٍ نَشَأتْ مِنهُ. وإذا قِيلَ: (قَسا عَنْهُ)، فالمَعْنى أنَّ قَسْوَتَهُ جَعَلَتْهُ مُتَباعِدًا عَنْ قَبُولِهِ، وبِهِما ورَدَ اسْتِعْمالُهُ. وقَدْ قُرِئَ بِ: (عَنْ)، في الشَّواذِّ. لَكِنَّ الأوَّلَ أبْلَغُ؛ لِأنَّ قَسْوَةَ القَلْبِ تَقْتَضِي عَدَمَ ذِكْرِ اللَّهِ، وهو مَعْناهُ إذا تَعَدّى بِ: (عَنْ). وذِكْرُهُ تَعالى مِمّا يُلِينُ القُلُوبَ. فَكَوْنُهُ سَبَبًا لِلْقَسْوَةِ، يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الكُفْرِ الَّذِي جَعَلَ سَبَبَ الرِّقَّةِ، سَبَبًا لِقَسْوَتِهِ: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.
الزمر 39:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣] ﴿اللَّهُ نَـزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .
﴿اللَّهُ نَـزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ أيْ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا. في الصِّحَّةِ، والإحْكامِ، والبِناءِ عَلى الحَقِّ، والصِّدْقِ، ومَنفَعَةِ الخَلْقِ، ووُجُوهِ الإعْجازِ: ﴿مَثانِيَ﴾ جَمْعُ (مُثَنّى) بِمَعْنى مُرَدَّدٍ ومُكَرَّرٍ، لِما ثُنِّيَ مِن قِصَصِهِ، وأنْبائِهِ، وأحْكامِهِ، وأوامِرِهِ، ونَواهِيهِ، ووَعْدِهِ، ووَعِيدِهِ، ومَواعِظِهِ: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ تَمْثِيلٌ لِإفْراطِ خَشْيَتِهِمْ، أوْ حَقِيقَةٌ لِتَأثُّرِهِمْ عِنْدَ سَماعِ آياتِهِ، وحِكَمِهِ، ووَعِيدِهِ، بِما يَرِدُ عَلى قُلُوبِهِمْ مِنها: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِالِانْقِيادِ، والطّاعَةِ، والسَّكِينَةِ لِأمْرِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الكِتابُ، أوِ الكائِنُ مِنَ الخَشْيَةِ والرَّجاءِ: ﴿هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ: مَن زاغَ قَلْبُهُ: ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
الزمر 39:24
(p-٥١٣٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ .
﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: فَمَن يَجْعَلُ وجْهَهُ وِقايَةً لِشِدَّةِ العَذابِ ذَلِكَ اليَوْمَ، أيْ: قائِمًا مَقامَها في أنَّهُ أوَّلُ ما يَمَسُّهُ المُؤْلِمُ لَهُ؛ لِأنَّ ما يُتَّقى بِهِ هو اليَدانِ، وهُما مَغْلُولَتانِ. ولَوْ لَمْ تُغَلّا كانَ يَدْفَعُ بِهِما عَنِ الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ أعَزُّ أعْضائِهِ. وقِيلَ: الِاتِّقاءُ بِالوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ ما يُتَّقى بِهِ؛ لِأنَّ الوَجْهَ لا يُتَّقى بِهِ. وخَبَرُ (مَن) مَحْذُوفٌ كَنَظائِرِهِ. أيْ: كَمَن أمِنَ العَذابَ: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أيْ: وبالَهُ.
الزمر 39:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ .
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لا يَحْتَسِبُونَ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها.
الزمر 39:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦ - ٢٧] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] .
﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ: الذُّلَّ والصَّغارَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر: ٢٧] أيْ: بَيَّنّا لَهم في هَذا القُرْآنِ، الَّذِي هو دَلِيلٌ في نَفْسِهِ مِن إعْجازِهِ، مِن كُلِّ مَثَلٍ يُحْتاجُ إلَيْهِ.
(p-٥١٣٨)مَن يُسْتَدَلُّ بِنَظَرِهِ عَلى حَقِّيَّتِهِ وأحَقِّيَّتِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] أيْ: بِهِ ما يُهِمُّهم مِن أُمُورِ دِينِهِمْ، وما يُصْلِحُهم مِن شُؤُونِ سَعادَتِهِمْ. فَيُفَسِّرُوا المَعْقُولَ بِالمَحْسُوسِ.
الزمر 39:27
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦ - ٢٧] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] .
﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ: الذُّلَّ والصَّغارَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر: ٢٧] أيْ: بَيَّنّا لَهم في هَذا القُرْآنِ، الَّذِي هو دَلِيلٌ في نَفْسِهِ مِن إعْجازِهِ، مِن كُلِّ مَثَلٍ يُحْتاجُ إلَيْهِ.
(p-٥١٣٨)مَن يُسْتَدَلُّ بِنَظَرِهِ عَلى حَقِّيَّتِهِ وأحَقِّيَّتِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] أيْ: بِهِ ما يُهِمُّهم مِن أُمُورِ دِينِهِمْ، وما يُصْلِحُهم مِن شُؤُونِ سَعادَتِهِمْ. فَيُفَسِّرُوا المَعْقُولَ بِالمَحْسُوسِ.
الزمر 39:28
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ .
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أيْ: مُسْتَقِيمًا بَرِيئًا مِنَ التَّناقُضِ والِاخْتِلافِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيِ: العَذابَ، والخِزْيَ يَوْمَ الجَزاءِ، بِالِاتِّقاءِ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ، والأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ، والِاعْتِقاداتِ الفاسِدَةِ. ومِن أجْلِ تِلْكَ الأمْثالِ. ما مُثِّلَ بِهِ لِيَتَّقِيَ مِن أعْظَمِ المَخُوفاتِ، وهو الشِّرْكُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الزمر 39:29
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ أيْ: لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ رَجُلَيْنِ مَمْلُوكَيْنِ: ﴿رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ أيْ: سَيِّئُو الأخْلاقِ، يَتَجاذَبُونَهُ ويَتَعاوَرُونَهُ في مُهِمّاتِهِمُ المُخْتَلِفَةِ، لا يَزالُ مُتَحَيِّرًا مُتَوَزِّعَ القَلْبِ، لا يَدْرِي أيُّهم يُرْضِي بِخِدْمَتِهِ، وعَلى أيِّهِمْ يَعْتَمِدُ في حاجَتِهِ: ﴿ورَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أيْ: خَلَصَ مِلْكُهُ لَهُ، لا يَتَّجِهُ إلّا إلى جِهَتِهِ، ولا يَسِيرُ إلّا لِخِدْمَتِهِ، فَهَمُّهُ واحِدٌ، وقَلْبُهُ مُجْتَمِعٌ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا﴾ أيْ: صِفَةً وحالًا. أيْ: في حُسْنِ الحالِ وراحَةِ البالِ؟ كَلّا. وهَكَذا حالُ مَن يُثْبِتُ آلِهَةً شَتّى، لا يَزالُ مُتَحَيِّرًا خائِفًا لا يَدْرِي أيُّهم يَعْبَدُ، وعَلى رُبُوبِيَّةِ أيِّهِمْ يَعْتَمِدُ. وحالُ مَن لَمْ يَعْبُدْ إلّا إلَهًا واحِدًا، فَهَمُّهُ واحِدٌ، ومَقْصِدُهُ واحِدٌ، ناعِمُ البالِ، خافِضُ العَيْشِ والحالِ. والقَصْدُ أنَّ تَوْحِيدَ المَعْبُودِ فِيهِ تَوْحِيدُ الوُجْهَةِ، ودَرْءُ الفُرْقَةِ. كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] (p-٥١٣٩)﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ، وتَنْبِيهٌ لِلْمُوَحِّدِينَ عَلى أنَّ ما لَهم مِنَ المَزِيَّةِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى. وأنَّها نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مُوجِبَةٌ عَلَيْهِمْ أنْ يُداوِمُوا عَلى حَمْدِهِ وعِبادَتِهِ. أوْ عَلى أنَّ بَيانَهُ تَعالى بِضَرْبِ المَثَلِ، أنَّ لَهُمُ المَثَلَ الأعْلى، ولِلْمُشْرِكِينَ مَثَلُ السَّوْءِ. صُنْعٌ جَمِيلٌ ولُطْفٌ تامٌّ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، مُسْتَوْجِبٌ لِحَمْدِهِ وعِبادَتِهِ.
الزمر 39:30
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ .
﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ تَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الِاخْتِصامِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقُرِئَ: مائِتٌ ومائِتُونَ. وقِيلَ: كانُوا يَتَرَبَّصُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْتَهُ. أيْ: إنَّكم جَمِيعًا بِصَدَدِ المَوْتِ.
الزمر 39:31
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ .
﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مالِكِ أُمُورِكُمْ: ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ بَلَّغَتْهم ما أُرْسِلْتَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ والمَواعِظِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما في تَضاعِيفِ هَذِهِ الآياتِ، واجْتَهَدْتَ في الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ حَقَّ الِاجْتِهادِ، وهم قَدْ لَجُّوا في المُكابَرَةِ والعِنادِ.
الزمر 39:32
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢] ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ .
(p-٥١٤٠)﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ أيِ: افْتَرى عَلَيْهِ بِنِسْبَةِ الشَّرِيكِ والوَلَدِ: ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ أيْ: بِالأمْرِ الَّذِي هو عَيْنُ الحَقِّ: ﴿إذْ جاءَهُ﴾ أيْ: حَضَرَ عِنْدَهُ دَلِيلُهُ وبُرْهانُهُ، فَرَفَضَهُ ورَدَّهُ عَلى قائِلِهِ، أيْ: لا أحَدَ مِنَ المُتَخاصِمِينَ أظْلَمُ مِمَّنْ حالُهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وسارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِالحَقِّ.
الزمر 39:33
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣] ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ .
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ أيْ: جاءَ بِدَلِيلِ التَّوْحِيدِ، وآمَنَ بِهِ فَلَمْ يَعْتَدَّ بِشُبْهَةٍ تُقابِلُهُ، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ، ومَن تَبِعَهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: المَوْصُوفُونَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي أجَلُّ الرَّغائِبِ. ولِذا كانَ جَزاؤُهم أنْ يَقِيَهُمُ اللَّهُ ما يَكْرَهُونَ، كَما قالَ سُبْحانَهُ:
الزمر 39:34
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤ - ٣٧] ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ [الزمر: ٣٧] .
(p-٥١٤١)﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا أعْمالَهم وأصْلَحُوها: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] أيْ: نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَعْصِمَهُ مِن كُلِّ سُوءٍ، ويَدْفَعَ عَنْهُ كُلَّ بَلاءٍ في مَواطِنِ الخَوْفِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦] يَعْنِي الأوْثانَ الَّتِي عَبَدُوها مَن دُونِهِ تَعالى، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا قالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: إنّا نَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا، ويُصِيبَكَ مَضَرَّتُها لِعَيْبِكَ إيّاها. كَما قالَ قَوْمُ هُودٍ: ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٦] أيْ: مَن غَفَلَ عَنْ كِفايَتِهِ تَعالى، وعِصْمَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وخَوَّفَهُ بِما لا يَنْفَعُ، ولا يَضُرُّ أصْلًا: ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] أيْ: يَصْرِفُهُ عَنْ مَقْصِدِهِ، أوْ يُصِيبُهُ بِسُوءٍ يُخِلُّ بِسُلُوكِهِ؛ إذْ لا رادَّ لِفَضْلِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ [الزمر: ٣٧] أيْ: يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ.
الزمر 39:35
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤ - ٣٧] ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ [الزمر: ٣٧] .
(p-٥١٤١)﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا أعْمالَهم وأصْلَحُوها: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] أيْ: نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَعْصِمَهُ مِن كُلِّ سُوءٍ، ويَدْفَعَ عَنْهُ كُلَّ بَلاءٍ في مَواطِنِ الخَوْفِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦] يَعْنِي الأوْثانَ الَّتِي عَبَدُوها مَن دُونِهِ تَعالى، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا قالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: إنّا نَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا، ويُصِيبَكَ مَضَرَّتُها لِعَيْبِكَ إيّاها. كَما قالَ قَوْمُ هُودٍ: ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٦] أيْ: مَن غَفَلَ عَنْ كِفايَتِهِ تَعالى، وعِصْمَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وخَوَّفَهُ بِما لا يَنْفَعُ، ولا يَضُرُّ أصْلًا: ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] أيْ: يَصْرِفُهُ عَنْ مَقْصِدِهِ، أوْ يُصِيبُهُ بِسُوءٍ يُخِلُّ بِسُلُوكِهِ؛ إذْ لا رادَّ لِفَضْلِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ [الزمر: ٣٧] أيْ: يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ.
الزمر 39:36
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤ - ٣٧] ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ [الزمر: ٣٧] .
(p-٥١٤١)﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا أعْمالَهم وأصْلَحُوها: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] أيْ: نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَعْصِمَهُ مِن كُلِّ سُوءٍ، ويَدْفَعَ عَنْهُ كُلَّ بَلاءٍ في مَواطِنِ الخَوْفِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦] يَعْنِي الأوْثانَ الَّتِي عَبَدُوها مَن دُونِهِ تَعالى، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا قالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: إنّا نَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا، ويُصِيبَكَ مَضَرَّتُها لِعَيْبِكَ إيّاها. كَما قالَ قَوْمُ هُودٍ: ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٦] أيْ: مَن غَفَلَ عَنْ كِفايَتِهِ تَعالى، وعِصْمَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وخَوَّفَهُ بِما لا يَنْفَعُ، ولا يَضُرُّ أصْلًا: ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] أيْ: يَصْرِفُهُ عَنْ مَقْصِدِهِ، أوْ يُصِيبُهُ بِسُوءٍ يُخِلُّ بِسُلُوكِهِ؛ إذْ لا رادَّ لِفَضْلِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ [الزمر: ٣٧] أيْ: يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ.
الزمر 39:37
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤ - ٣٧] ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ [الزمر: ٣٧] .
(p-٥١٤١)﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا أعْمالَهم وأصْلَحُوها: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] أيْ: نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَعْصِمَهُ مِن كُلِّ سُوءٍ، ويَدْفَعَ عَنْهُ كُلَّ بَلاءٍ في مَواطِنِ الخَوْفِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦] يَعْنِي الأوْثانَ الَّتِي عَبَدُوها مَن دُونِهِ تَعالى، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا قالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: إنّا نَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا، ويُصِيبَكَ مَضَرَّتُها لِعَيْبِكَ إيّاها. كَما قالَ قَوْمُ هُودٍ: ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٦] أيْ: مَن غَفَلَ عَنْ كِفايَتِهِ تَعالى، وعِصْمَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وخَوَّفَهُ بِما لا يَنْفَعُ، ولا يَضُرُّ أصْلًا: ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] أيْ: يَصْرِفُهُ عَنْ مَقْصِدِهِ، أوْ يُصِيبُهُ بِسُوءٍ يُخِلُّ بِسُلُوكِهِ؛ إذْ لا رادَّ لِفَضْلِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ [الزمر: ٣٧] أيْ: يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ.
الزمر 39:38
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ .
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لِما تَقَرَّرَ في الفِطَرِ والعُقُولِ مِنَ اسْتِيقانِ ذَلِكَ، ولِوُضُوحِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: تَبْكِيتًا لَهُمْ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: نَفْعِهِ وخَيْرِهِ، كَلّا، فَإنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيْ: في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، لا عَلى غَيْرِهِ، لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ تَحْتَ قَهْرِهِ.
الزمر 39:39
(p-٥١٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩ - ٤٠] ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر: ٤٠] .
﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها، مِنَ العَداوَةِ، ومُناصَبَةِ الحَقِّ: ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى مَكانَتِي، فَحَذَفَ لِلِاخْتِصارِ، والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ، والإشْعارِ بِأنَّ حالَهُ لا تَزالُ تَزْدادُ قُوَّةً، بِنَصْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَأْيِيدِهِ. ولِذَلِكَ تَوَعَّدَهم بِكَوْنِهِ مَنصُورًا عَلَيْهِمْ في الدّارَيْنِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر: ٤٠] أيْ: دائِمٌ، وقَدْ أخْزاهُمُ اللَّهُ يَوْمِ بَدْرٍ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ [طه: ١٢٧]
الزمر 39:40
(p-٥١٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩ - ٤٠] ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر: ٤٠] .
﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها، مِنَ العَداوَةِ، ومُناصَبَةِ الحَقِّ: ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى مَكانَتِي، فَحَذَفَ لِلِاخْتِصارِ، والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ، والإشْعارِ بِأنَّ حالَهُ لا تَزالُ تَزْدادُ قُوَّةً، بِنَصْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَأْيِيدِهِ. ولِذَلِكَ تَوَعَّدَهم بِكَوْنِهِ مَنصُورًا عَلَيْهِمْ في الدّارَيْنِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر: ٤٠] أيْ: دائِمٌ، وقَدْ أخْزاهُمُ اللَّهُ يَوْمِ بَدْرٍ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ [طه: ١٢٧]
الزمر 39:41
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١] ﴿إنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
﴿إنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ، ولِأجْلِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، وافْتِقارِهِمْ إلى بَيانِ مَراشِدِهِمْ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ أيْ: بِدَلائِلِهِ: ﴿فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: لِتَجَبُّرِهِمْ عَلى الهُدى؛ إذْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]
الزمر 39:42
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٢] ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أيْ: مُفارَقَتِها، بِإبْطالِ تَصَرُّفِها فِيها بِالكُلِّيَّةِ: ﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ (p-٥١٤٣)أيْ: ويَتَوَفّى الَّتِي لَمْ يَحِنْ مَوْتُها في مَنامِها، بِإبْطالِ تَصَرُّفِها بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ﴾ أيْ: فَلا يَرُدُّها إلى بَدَنِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ: وهو نَوْمٌ آخَرُ، أوْ مَوْتٌ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّوَفِّي عَلى الوَجْهَيْنِ: ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِها بِالأبْدانِ، وتَوَفِّيها عَنْها.
الزمر 39:43
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣ - ٤٥] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] .
﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] أيْ: هو مالِكُها لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ شَفاعَةً ما، إلّا أنْ يَكُونَ المَشْفُوعُ لَهُ مُرْتَضًى، والشَّفِيعُ مَأْذُونًا لَهُ، وكِلاهُما مَفْقُودٌ ها هُنا: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ [الزمر: ٤٥] أيْ: دُونَ آلِهَتِهِمْ: ﴿اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٤٥] أيْ: فُرادى، أوْ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] أيْ: يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ؛ لِفَرْطِ افْتِتانِهِمْ بِها، ونِسْيانِهِمْ حَقَّ اللَّهِ تَعالى. ولَقَدْ بُولِغَ في الأمْرَيْنِ حَيْثُ بَيَّنَ الغايَةَ فِيهِما؛ فَإنَّ الِاسْتِبْشارَ أنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ سُرُورًا حَتّى تَنْبَسِطَ لَهُ بَشَرَةُ وجْهِهِ، والِاشْمِئْزازُ أنْ يَمْتَلِئَ غَمًّا حَتّى يَنْقَبِضَ أدِيمُ وجْهِهِ.
الزمر 39:44
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣ - ٤٥] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] .
﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] أيْ: هو مالِكُها لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ شَفاعَةً ما، إلّا أنْ يَكُونَ المَشْفُوعُ لَهُ مُرْتَضًى، والشَّفِيعُ مَأْذُونًا لَهُ، وكِلاهُما مَفْقُودٌ ها هُنا: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ [الزمر: ٤٥] أيْ: دُونَ آلِهَتِهِمْ: ﴿اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٤٥] أيْ: فُرادى، أوْ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] أيْ: يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ؛ لِفَرْطِ افْتِتانِهِمْ بِها، ونِسْيانِهِمْ حَقَّ اللَّهِ تَعالى. ولَقَدْ بُولِغَ في الأمْرَيْنِ حَيْثُ بَيَّنَ الغايَةَ فِيهِما؛ فَإنَّ الِاسْتِبْشارَ أنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ سُرُورًا حَتّى تَنْبَسِطَ لَهُ بَشَرَةُ وجْهِهِ، والِاشْمِئْزازُ أنْ يَمْتَلِئَ غَمًّا حَتّى يَنْقَبِضَ أدِيمُ وجْهِهِ.
الزمر 39:45
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣ - ٤٥] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] .
﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] أيْ: هو مالِكُها لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ شَفاعَةً ما، إلّا أنْ يَكُونَ المَشْفُوعُ لَهُ مُرْتَضًى، والشَّفِيعُ مَأْذُونًا لَهُ، وكِلاهُما مَفْقُودٌ ها هُنا: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ [الزمر: ٤٥] أيْ: دُونَ آلِهَتِهِمْ: ﴿اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٤٥] أيْ: فُرادى، أوْ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] أيْ: يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ؛ لِفَرْطِ افْتِتانِهِمْ بِها، ونِسْيانِهِمْ حَقَّ اللَّهِ تَعالى. ولَقَدْ بُولِغَ في الأمْرَيْنِ حَيْثُ بَيَّنَ الغايَةَ فِيهِما؛ فَإنَّ الِاسْتِبْشارَ أنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ سُرُورًا حَتّى تَنْبَسِطَ لَهُ بَشَرَةُ وجْهِهِ، والِاشْمِئْزازُ أنْ يَمْتَلِئَ غَمًّا حَتّى يَنْقَبِضَ أدِيمُ وجْهِهِ.
الزمر 39:46
(p-٥١٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .
﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيِ: التَجِئْ إلى اللَّهِ بِالدُّعاءِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، وقُلْ: أنْتَ وحْدَكَ تَقْدِرُ عَلى الحُكْمِ بَيْنِي وبَيْنَهم. والمَقْصُودُ بَيانُ حالِهِمْ، ووَعِيدِهِمْ، وتَسْلِيَةُ حَبِيبِهِ الأكْرَمِ، وأنَّ جِدَّهُ وسَعْيَهُ مَعْلُومٌ مَشْكُورٌ عِنْدَهُ تَعالى، وتَعْلِيمُ العِبادِ الِالتِجاءَ إلى اللَّهِ تَعالى، والدُّعاءِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، والِاسْتِعانَةِ بِالتَّضَرُّعِ، والِابْتِهالِ عَلى دَفْعِ كَيْدِ العَدُوِّ.
الزمر 39:47
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٧ - ٤٨] ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] .
﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] أيْ: نَزَلَ بِهِمْ جَزاؤُهُ.
الزمر 39:48
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٧ - ٤٨] ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] .
﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] أيْ: نَزَلَ بِهِمْ جَزاؤُهُ.
الزمر 39:49
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٩ - ٥٠] ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] .
(p-٥١٤٥)﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: مِنِّي بِوُجُوهِ الكَسْبِ والتَّحْصِيلِ: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ أيِ: ابْتِلاءٌ لَهُ، أيَشْكُرُ تِلْكَ النِّعْمَةَ، فَيَصْرِفُها فِيما خُلِقَتْ لَهُ، فَيَسْعَدُ. أوْ يَكْفُرُها فَيَشْقى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٠] أيْ: كَما قالَ قارُونُ: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] أيْ: فَما دَفَعَ عَنْهم ما كَسَبُوهُ بِذَلِكَ العِلْمِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا.
الزمر 39:50
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٩ - ٥٠] ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] .
(p-٥١٤٥)﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: مِنِّي بِوُجُوهِ الكَسْبِ والتَّحْصِيلِ: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ أيِ: ابْتِلاءٌ لَهُ، أيَشْكُرُ تِلْكَ النِّعْمَةَ، فَيَصْرِفُها فِيما خُلِقَتْ لَهُ، فَيَسْعَدُ. أوْ يَكْفُرُها فَيَشْقى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٠] أيْ: كَما قالَ قارُونُ: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] أيْ: فَما دَفَعَ عَنْهم ما كَسَبُوهُ بِذَلِكَ العِلْمِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا.
الزمر 39:51
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ - ٥٢] ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢] .
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢] أيْ: بِأنَّ الكُلَّ مِنهُ سُبْحانَهُ، ومِن آياتِهِ في ذَلِكَ -كَما قالَ المَهايِمِيُّ - أنَّهُ تَعالى قَوِيٌّ بِذاتِهِ، لَهُ تَقْوِيَةُ مَن يَشاءُ، وتَضْعِيفُ مَن يَشاءُ. ومِنها أنَّهُ فَيّاضٌ بِذاتِهِ لا يَتَوَقَّفُ فَيْضُهُ عَلى الشُّفَعاءِ. ومِنها أنَّهُ فاعِلٌ بِذاتِهِ لا يَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ عَلى سَبَبٍ وواسِطَةٍ.
الزمر 39:52
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ - ٥٢] ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢] .
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢] أيْ: بِأنَّ الكُلَّ مِنهُ سُبْحانَهُ، ومِن آياتِهِ في ذَلِكَ -كَما قالَ المَهايِمِيُّ - أنَّهُ تَعالى قَوِيٌّ بِذاتِهِ، لَهُ تَقْوِيَةُ مَن يَشاءُ، وتَضْعِيفُ مَن يَشاءُ. ومِنها أنَّهُ فَيّاضٌ بِذاتِهِ لا يَتَوَقَّفُ فَيْضُهُ عَلى الشُّفَعاءِ. ومِنها أنَّهُ فاعِلٌ بِذاتِهِ لا يَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ عَلى سَبَبٍ وواسِطَةٍ.
الزمر 39:53
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٣ - ٥٦] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (p-٥١٤٦)﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] .
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: جَنَوْا عَلَيْها بِالإسْرافِ في المَعاصِي والكُفْرِ: ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها: ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَيْأسُوا مِن مَغْفِرَتِهِ بِفِعْلِ سَبَبٍ يَمْحُو أثَرَ الإسْرافِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ أيْ: لِمَن تابَ وآمَنَ؛ فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] أيْ: تُوبُوا إلَيْهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] أيِ: اسْتَسْلِمُوا وانْقادُوا لَهُ، وذَلِكَ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ، وطاعَتِهِ وحْدَهُ، بِفِعْلِ ما أمَرَ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦] أيْ: قَصَّرْتُ: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] أيْ: في جانِبِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، إذْ لَمْ أتَّبِعْ أحْسَنَ ما أنْزَلَ: ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] أيِ: المُسْتَهْزِئِينَ بِمَن يَتَّبِعُ الأحْسَنَ. و: { أنْ تَقُولَ } مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: فَتَدارَكُوا كَراهَةَ أنْ تَقُولَ، أوْ تَعْلِيلٌ لِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: أُنْذِرُكم وآمُرُكم بِاتِّباعِ أحْسَنِ القَوْلِ كَراهَةً. وتَفْصِيلُهُ في "شُرُوحِ الكَشّافِ".
الزمر 39:54
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٣ - ٥٦] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (p-٥١٤٦)﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] .
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: جَنَوْا عَلَيْها بِالإسْرافِ في المَعاصِي والكُفْرِ: ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها: ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَيْأسُوا مِن مَغْفِرَتِهِ بِفِعْلِ سَبَبٍ يَمْحُو أثَرَ الإسْرافِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ أيْ: لِمَن تابَ وآمَنَ؛ فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] أيْ: تُوبُوا إلَيْهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] أيِ: اسْتَسْلِمُوا وانْقادُوا لَهُ، وذَلِكَ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ، وطاعَتِهِ وحْدَهُ، بِفِعْلِ ما أمَرَ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦] أيْ: قَصَّرْتُ: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] أيْ: في جانِبِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، إذْ لَمْ أتَّبِعْ أحْسَنَ ما أنْزَلَ: ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] أيِ: المُسْتَهْزِئِينَ بِمَن يَتَّبِعُ الأحْسَنَ. و: { أنْ تَقُولَ } مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: فَتَدارَكُوا كَراهَةَ أنْ تَقُولَ، أوْ تَعْلِيلٌ لِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: أُنْذِرُكم وآمُرُكم بِاتِّباعِ أحْسَنِ القَوْلِ كَراهَةً. وتَفْصِيلُهُ في "شُرُوحِ الكَشّافِ".
الزمر 39:55
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٣ - ٥٦] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (p-٥١٤٦)﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] .
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: جَنَوْا عَلَيْها بِالإسْرافِ في المَعاصِي والكُفْرِ: ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها: ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَيْأسُوا مِن مَغْفِرَتِهِ بِفِعْلِ سَبَبٍ يَمْحُو أثَرَ الإسْرافِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ أيْ: لِمَن تابَ وآمَنَ؛ فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] أيْ: تُوبُوا إلَيْهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] أيِ: اسْتَسْلِمُوا وانْقادُوا لَهُ، وذَلِكَ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ، وطاعَتِهِ وحْدَهُ، بِفِعْلِ ما أمَرَ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦] أيْ: قَصَّرْتُ: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] أيْ: في جانِبِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، إذْ لَمْ أتَّبِعْ أحْسَنَ ما أنْزَلَ: ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] أيِ: المُسْتَهْزِئِينَ بِمَن يَتَّبِعُ الأحْسَنَ. و: { أنْ تَقُولَ } مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: فَتَدارَكُوا كَراهَةَ أنْ تَقُولَ، أوْ تَعْلِيلٌ لِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: أُنْذِرُكم وآمُرُكم بِاتِّباعِ أحْسَنِ القَوْلِ كَراهَةً. وتَفْصِيلُهُ في "شُرُوحِ الكَشّافِ".
الزمر 39:56
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٣ - ٥٦] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (p-٥١٤٦)﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] .
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: جَنَوْا عَلَيْها بِالإسْرافِ في المَعاصِي والكُفْرِ: ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها: ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَيْأسُوا مِن مَغْفِرَتِهِ بِفِعْلِ سَبَبٍ يَمْحُو أثَرَ الإسْرافِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ أيْ: لِمَن تابَ وآمَنَ؛ فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] أيْ: تُوبُوا إلَيْهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] أيِ: اسْتَسْلِمُوا وانْقادُوا لَهُ، وذَلِكَ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ، وطاعَتِهِ وحْدَهُ، بِفِعْلِ ما أمَرَ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦] أيْ: قَصَّرْتُ: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] أيْ: في جانِبِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، إذْ لَمْ أتَّبِعْ أحْسَنَ ما أنْزَلَ: ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] أيِ: المُسْتَهْزِئِينَ بِمَن يَتَّبِعُ الأحْسَنَ. و: { أنْ تَقُولَ } مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: فَتَدارَكُوا كَراهَةَ أنْ تَقُولَ، أوْ تَعْلِيلٌ لِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: أُنْذِرُكم وآمُرُكم بِاتِّباعِ أحْسَنِ القَوْلِ كَراهَةً. وتَفْصِيلُهُ في "شُرُوحِ الكَشّافِ".
الزمر 39:57
(p-٥١٤٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٧] ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ .
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ أيْ: لِلْإسْلامِ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: مِن هَذا الكُفْرِ؛ أيْ: تَقُولُ هَذا النَّوْعَ مِنَ التَّحَسُّرِ، والتَّعَلُّلِ بِما لا يُجْدِي.
الزمر 39:58
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٨] ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ .
﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا: ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى تِلْكَ النُّفُوسِ بِقَوْلِهِ:
الزمر 39:59
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٩ - ٦٠] ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] .
﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٦٠] أيْ: بِنِسْبَةِ ما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ، وتَجْوِيزِ ما يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِن رِضاهُ بِما هم عَلَيْهِ، وأمْرِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن إفْكِهِمْ: ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] أيْ: لِما يَنالُهم مِنَ الشَّدَّةِ الَّتِي تُغَيِّرُ ألْوانَهُمْ، فالسَّوادُ حَقِيقِيٌّ، أوْ لِما لَحِقَهم مِنَ الكَآبَةِ، ويَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن آثارِ الهَيْئاتِ الظُّلْمانِيَّةِ، ورُسُوخِ الرَّذائِلِ النَّفْسانِيَّةِ في ذَواتِهِمْ، فالسَّوادُ مَجازٌ بِالِاسْتِعارَةِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] أيْ: عَنِ الإيمانِ والهُدى.
الزمر 39:60
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٩ - ٦٠] ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] .
﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٦٠] أيْ: بِنِسْبَةِ ما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ، وتَجْوِيزِ ما يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِن رِضاهُ بِما هم عَلَيْهِ، وأمْرِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن إفْكِهِمْ: ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] أيْ: لِما يَنالُهم مِنَ الشَّدَّةِ الَّتِي تُغَيِّرُ ألْوانَهُمْ، فالسَّوادُ حَقِيقِيٌّ، أوْ لِما لَحِقَهم مِنَ الكَآبَةِ، ويَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن آثارِ الهَيْئاتِ الظُّلْمانِيَّةِ، ورُسُوخِ الرَّذائِلِ النَّفْسانِيَّةِ في ذَواتِهِمْ، فالسَّوادُ مَجازٌ بِالِاسْتِعارَةِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] أيْ: عَنِ الإيمانِ والهُدى.
الزمر 39:61
(p-٥١٤٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦١ - ٦٢] ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] .
﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ أيْ: بِفَوْزِهِمْ، وفَلاحِهِمْ لِإتْيانِهِمْ بِأسْبابِ الفَوْزِ، مِنَ الِاعْتِقاداتِ المَبْنِيَّةِ عَلى الدَّلائِلِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] أيْ: يَتَوَلّى التَّصَرُّفَ فِيهِ كَيْفَ شاءَ.
الزمر 39:62
(p-٥١٤٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦١ - ٦٢] ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] .
﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ أيْ: بِفَوْزِهِمْ، وفَلاحِهِمْ لِإتْيانِهِمْ بِأسْبابِ الفَوْزِ، مِنَ الِاعْتِقاداتِ المَبْنِيَّةِ عَلى الدَّلائِلِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] أيْ: يَتَوَلّى التَّصَرُّفَ فِيهِ كَيْفَ شاءَ.
الزمر 39:63
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣ - ٦٦] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] .
﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو وحْدَهُ يَمْلِكُ أمْرَها، وخَزائِنَ غُيُوبِها وأبْوابَ خَيْرِها وبَرَكَتِها: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] أيْ: خُصَّهُ بِالعِبادَةِ: ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] أيِ: الصّارِفِينَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ.
قِيلَ: كانَ الظّاهِرُ: (لَوْ أشْرَكْتَ)؛ لَأنَّ (إنْ)، تَقْتَضِي احْتِمالَ الوُقُوعِ. وهو هُنا (p-٥١٤٩)مَقْطُوعٌ بِعَدَمِهِ. فالجَوابُ: أنَّ هَذا الكَلامَ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ. والمُحالاتُ يَصِحُّ فَرْضُها لِأغْراضٍ. والمُرادُ بِهِ تَهْيِيجُ الرُّسُلِ، وإقْناطُ الكَفَرَةِ، والإيذانُ بِغايَةِ قُبْحِ الإشْراكِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَنْهى عَنْهُ مَن لا يَكادُ يُمْكِنُ أنْ يُباشِرَهُ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ؟
وإطْلاقُ الإحْباطِ هُنا يَسْتَدِلُّ بِهِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الرِّدَّةَ مُبْطِلَةٌ لِلْعَمَلِ مُطْلَقًا، كالحَنَفِيَّةِ. وغَيْرُهم يَرى الإحْباطَ مُقَيَّدًا بِالِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ إلى المَوْتِ، وأنَّهُ هو المُحْبِطُ في الحَقِيقَةِ، وأنَّهُ إنَّما تَرَكَ التَّقْيِيدَ بِهِ اعْتِمادًا عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]
الزمر 39:64
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣ - ٦٦] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] .
﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو وحْدَهُ يَمْلِكُ أمْرَها، وخَزائِنَ غُيُوبِها وأبْوابَ خَيْرِها وبَرَكَتِها: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] أيْ: خُصَّهُ بِالعِبادَةِ: ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] أيِ: الصّارِفِينَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ.
قِيلَ: كانَ الظّاهِرُ: (لَوْ أشْرَكْتَ)؛ لَأنَّ (إنْ)، تَقْتَضِي احْتِمالَ الوُقُوعِ. وهو هُنا (p-٥١٤٩)مَقْطُوعٌ بِعَدَمِهِ. فالجَوابُ: أنَّ هَذا الكَلامَ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ. والمُحالاتُ يَصِحُّ فَرْضُها لِأغْراضٍ. والمُرادُ بِهِ تَهْيِيجُ الرُّسُلِ، وإقْناطُ الكَفَرَةِ، والإيذانُ بِغايَةِ قُبْحِ الإشْراكِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَنْهى عَنْهُ مَن لا يَكادُ يُمْكِنُ أنْ يُباشِرَهُ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ؟
وإطْلاقُ الإحْباطِ هُنا يَسْتَدِلُّ بِهِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الرِّدَّةَ مُبْطِلَةٌ لِلْعَمَلِ مُطْلَقًا، كالحَنَفِيَّةِ. وغَيْرُهم يَرى الإحْباطَ مُقَيَّدًا بِالِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ إلى المَوْتِ، وأنَّهُ هو المُحْبِطُ في الحَقِيقَةِ، وأنَّهُ إنَّما تَرَكَ التَّقْيِيدَ بِهِ اعْتِمادًا عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]
الزمر 39:65
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣ - ٦٦] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] .
﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو وحْدَهُ يَمْلِكُ أمْرَها، وخَزائِنَ غُيُوبِها وأبْوابَ خَيْرِها وبَرَكَتِها: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] أيْ: خُصَّهُ بِالعِبادَةِ: ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] أيِ: الصّارِفِينَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ.
قِيلَ: كانَ الظّاهِرُ: (لَوْ أشْرَكْتَ)؛ لَأنَّ (إنْ)، تَقْتَضِي احْتِمالَ الوُقُوعِ. وهو هُنا (p-٥١٤٩)مَقْطُوعٌ بِعَدَمِهِ. فالجَوابُ: أنَّ هَذا الكَلامَ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ. والمُحالاتُ يَصِحُّ فَرْضُها لِأغْراضٍ. والمُرادُ بِهِ تَهْيِيجُ الرُّسُلِ، وإقْناطُ الكَفَرَةِ، والإيذانُ بِغايَةِ قُبْحِ الإشْراكِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَنْهى عَنْهُ مَن لا يَكادُ يُمْكِنُ أنْ يُباشِرَهُ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ؟
وإطْلاقُ الإحْباطِ هُنا يَسْتَدِلُّ بِهِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الرِّدَّةَ مُبْطِلَةٌ لِلْعَمَلِ مُطْلَقًا، كالحَنَفِيَّةِ. وغَيْرُهم يَرى الإحْباطَ مُقَيَّدًا بِالِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ إلى المَوْتِ، وأنَّهُ هو المُحْبِطُ في الحَقِيقَةِ، وأنَّهُ إنَّما تَرَكَ التَّقْيِيدَ بِهِ اعْتِمادًا عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]
الزمر 39:66
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣ - ٦٦] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] .
﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو وحْدَهُ يَمْلِكُ أمْرَها، وخَزائِنَ غُيُوبِها وأبْوابَ خَيْرِها وبَرَكَتِها: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] أيْ: خُصَّهُ بِالعِبادَةِ: ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] أيِ: الصّارِفِينَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ.
قِيلَ: كانَ الظّاهِرُ: (لَوْ أشْرَكْتَ)؛ لَأنَّ (إنْ)، تَقْتَضِي احْتِمالَ الوُقُوعِ. وهو هُنا (p-٥١٤٩)مَقْطُوعٌ بِعَدَمِهِ. فالجَوابُ: أنَّ هَذا الكَلامَ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ. والمُحالاتُ يَصِحُّ فَرْضُها لِأغْراضٍ. والمُرادُ بِهِ تَهْيِيجُ الرُّسُلِ، وإقْناطُ الكَفَرَةِ، والإيذانُ بِغايَةِ قُبْحِ الإشْراكِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَنْهى عَنْهُ مَن لا يَكادُ يُمْكِنُ أنْ يُباشِرَهُ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ؟
وإطْلاقُ الإحْباطِ هُنا يَسْتَدِلُّ بِهِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الرِّدَّةَ مُبْطِلَةٌ لِلْعَمَلِ مُطْلَقًا، كالحَنَفِيَّةِ. وغَيْرُهم يَرى الإحْباطَ مُقَيَّدًا بِالِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ إلى المَوْتِ، وأنَّهُ هو المُحْبِطُ في الحَقِيقَةِ، وأنَّهُ إنَّما تَرَكَ التَّقْيِيدَ بِهِ اعْتِمادًا عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]
الزمر 39:67
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٧] ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: ما قَدَرُوا عَظَمَتَهُ تَعالى حَقَّ عَظَمَتِهِ، ولا عَرَفُوا جَلالَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ؛ حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، ووَصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِشُؤُونِهِ الجَلِيلَةِ، مَعَ أنَّ عَظَمَتَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ تَتَحَيَّرُ فِيها الأوْهامُ، فَإنَّ تَبْدِيلَ الأرْضِ غَيْرَ الأرْضِ، وطَيَّ السَّماواتِ كَطَيِّ السِّجِلِّ، أهْوَنُ شَيْءٍ عَلَيْهِ.
وفِي (القَبْضَةِ واليَمِينِ)، مَذْهَبانِ مَعْرُوفانِ:
مَذْهَبُ السَّلَفِ، وهو إثْباتُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَكْيِيفٍ لَهُ، ولا تَشْبِيهٍ، ولا تَحْرِيفٍ، ولا تَبْدِيلٍ، ولا تَغْيِيرٍ، ولا إزالَةٍ لِلَّفْظِ الكَرِيمِ عَمّا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وتَضَعُهُ عَلَيْهِ بِتَأْوِيلٍ، يَجْرُونَ عَلى الظّاهِرِ، ويَكِلُونَ عِلْمَهُ إلَيْهِ تَعالى، ويُقِرُّونَ بِأنَّ تَأْوِيلَهُ: أيْ: (ما يَؤُولُ إلَيْهِ مِن حَقِيقَتِهِ)، لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وهَكَذا قَوْلُهم في جَمِيعِ الصِّفاتِ الَّتِي نَزَلَ بِذِكْرِها القُرْآنُ، ووَرَدَتْ بِها الأخْبارُ الصِّحاحُ.
(p-٥١٥٠)المَذْهَبُ الثّانِي: القَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ المَعْرُوفِ نَظِيرُهُ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّ الإطْلاقَ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. ثُمَّ مِن ذاهِبٍ إلى أنَّ المَجازَ في المُفْرَداتِ، اسْتُعِيرَتِ (القَبْضَةُ) لِلْمِلْكِ، أوِ التَّصَرُّفِ و(اليَمِينُ) لِلْقُدْرَةِ، وذاهِبٌ إلى أنَّهُ في المُرَكَّبِ، بِتَمْثِيلِ حالِ عَظَمَتِهِ ونَفاذِ قُدْرَتِهِ، بِحالِ مَن يَكُونُ لَهُ قَبْضَةٌ فِيها الأرْضُ، ويَمِينٌ بِها تُطْوى السَّماواتُ، وهَذا ما عَوَّلَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَسَطَهُ أحْسَنَ بَسْطٍ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعالى، أنَّهُ جَعَلَ النَّفْخَ في الصُّورِ سَبَبَ مَوْتِ الكُلِّ تارَةً، وحَياتِهِمْ أُخْرى، بِقَوْلِهِ:
الزمر 39:68
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٨] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ .
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ أيْ: هَلَكَ: ﴿مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: مِن خَواصِّ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ الشُّهَداءِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ التّابِعِينَ. وقالَ قَتادَةُ: قَدِ اسْتَثْنى اللَّهُ، واللَّهُ أعْلَمُ، إلى ما صارَ ثَنْيَتُهُ. وهَذا هو الوَجْهُ؛ إذْ لا يُصارُ إلى بَيانِ المُبْهَماتِ إلّا بِقاطِعٍ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: وُقُوفٌ، يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم دَهَشًا وحَيْرَةً، أوْ يَنْتَظِرُونَ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
الزمر 39:69
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩] ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ أيْ: لِأنَّهُ يَتَجَلّى لَهم سُبْحانَهُ لِإقامَةِ العَدْلِ والجَزاءِ
﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ أيْ: عُرِضَ كُتُبُ الأعْمالِ عَلى أهْلِها لِيَقْرَأ كُلُّ واحِدٍ عَمَلَهُ في صَحِيفَتِهِ. (p-٥١٥١)أوِ: { الكِتابُ } مَجازٌ عَنِ الحِسابِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ، ووَضْعُهُ تَرْشِيحٌ لَهُ. والمُرادُ بِوَضْعِهِ الشُّرُوعَ فِيهِ، أوْ هو تَمْثِيلٌ. وُجُوهٌ نَقَلَها الشِّهابُ: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلْأُمَمِ وعَلَيْهِمْ، مِنَ الحَفَظَةِ والأخْيارِ المُطَّلِعِينَ عَلى أحْوالِهِمْ؛ أيْ: أُحْضُرُوا لِلشَّهادَةِ لَهُمْ، أوْ عَلَيْهِمْ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى أحْوالِهِمْ، وجُوِّزَ إرادَةُ المُسْتَشْهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ، وتَرْفِيعًا لِقَدْرِهِمْ، بِضَمِّهِمْ إلى النَّبِيِّينَ في المَوْقِفِ. ولا يَبْعُدُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: فَتُوزَنُ أعْمالُهم بِمِيزانِ العَدْلِ، ويُوَفَّوْنَ جَزاءَ أعْمالِهِمْ، لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ، كَما قالَ:
الزمر 39:70
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٠ - ٧٣] ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: أفْواجًا مُتَفَرِّقَةً بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ، عَلى تَفاوُتِ ضَلالِهِمْ وغَيِّهِمْ، رِعايَةً لِلْعَدْلِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: لِيَدْخُلُوها، ولِكُلِّ فَرِيقٍ بابٌ
(p-٥١٥٢)﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾ [الزمر: ٧١] أيِ: المُوَكَّلُونَ بِتَعْذِيبِهِمْ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: مِن جِنْسِكم تَعْرِفُونَ صِدْقَهم وأمانَتَهُمْ: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: وقْتِكم أوْ يَوْمِ القِيامَةِ، حِرْصًا عَلى صَلاحِكم وهِدايَتِكُمْ: ﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: وجَبَتْ: ﴿كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ بِالشَّقاوَةِ، وأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: مَساقَ إعْزازٍ وتَشْرِيفٍ، لِلْإسْراعِ بِهِمْ إلى دارِ الكَرامَةِ: ﴿زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: مُتَفاوِتِينَ حَسَبَ تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في الفَضْلِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: مِن دَنَسِ المَعاصِي، وطُهِّرْتُمْ مِن خَبَثِ الخَطايا.
﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] قالَ السَّمِينُ: في جَوابِ: { إذا } ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: { وفُتِحَتْ } والواوُ زائِدَةٌ. وهو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ، وإنَّما جِيءَ هُنا الواوُ دُونَ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ أبْوابَ السُّجُونِ مُغْلَقَةٌ إلى أنْ يَجِيئَها صاحِبُ الجَرِيمَةِ فَتُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ تُغْلَقُ عَلَيْهِ، فَناسَبَ ذَلِكَ عَدَمَ الواوِ فِيها، بِخِلافِ أبْوابِ السُّرُورِ والفَرَحِ؛ فَإنَّها تُفْتَحُ انْتِظارًا لِمَن يَدْخُلُها.
والثّانِي: أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: { وقالَ لَهم خَزَنَتُها } عَلى زِيادَةِ الواوِ أيْضًا.
الثّالِثُ: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّهُ أنْ يُقَدَّرَ بَعْدَ خالِدِينَ؛ أيْ: لِأنَّهُ يَجِيءُ بَعْدَ مُتَعَلِّقاتِ الشَّرْطِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: اطْمَأنُّوا. وقَدَّرَهُ المُبَرِّدُ: سَعِدُوا. وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ؛ أيْ: جاءُوها مُفَتَّحَةً أبْوابُها؛ كَما صَرَّحَ بِمُفَتَّحَةٍ حالًا مِن: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ والفارِسِيِّ وجَماعَةٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذِهِ الواوَ تُسَمّى واوَ الثَّمانِيَةِ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، ورَدَّهُ في (المُغْنِي) بِأنَّهُ لَوْ كانَ لِواوِ الثَّمانِيَةِ حَقِيقَةٌ، لَمْ تَكُنِ الآيَةُ مِنها؛ إذْ لَيْسَ فِيها ذِكْرُ عَدَدٍ البَتَّةَ، وإنَّما فِيها ذِكْرُ الأبْوابِ، وهي جَمْعٌ يَدُلُّ عَلى عَدَدٍ خاصٍّ. ثُمَّ الواوُ لَيْسَتْ داخِلَةً عَلَيْهِ، بَلْ عَلى جُمْلَةٍ هو فِيها. انْتَهى.
أيْ: وهي -عَلى قَوْلِ مُثْبِتِها- الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ الثَّمانِيَةِ عَلى سَرْدِ العَدَدِ، ذَهابًا إلى أنَّ بَعْضَ (p-٥١٥٣)العَرَبِ إذا عَدُّوا قالُوا: سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وثَمانِيَةٌ. إيذانًا بِأنَّ السَّبْعَةَ عَدَدٌ تامٌّ، وأنَّ ما بَعْدَهُ عَدَدٌ مُسْتَأْنَفٌ، فَأشْبَهَتْ واوَ الِاسْتِئْنافِ.
الزمر 39:71
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٠ - ٧٣] ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: أفْواجًا مُتَفَرِّقَةً بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ، عَلى تَفاوُتِ ضَلالِهِمْ وغَيِّهِمْ، رِعايَةً لِلْعَدْلِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: لِيَدْخُلُوها، ولِكُلِّ فَرِيقٍ بابٌ
(p-٥١٥٢)﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾ [الزمر: ٧١] أيِ: المُوَكَّلُونَ بِتَعْذِيبِهِمْ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: مِن جِنْسِكم تَعْرِفُونَ صِدْقَهم وأمانَتَهُمْ: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: وقْتِكم أوْ يَوْمِ القِيامَةِ، حِرْصًا عَلى صَلاحِكم وهِدايَتِكُمْ: ﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: وجَبَتْ: ﴿كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ بِالشَّقاوَةِ، وأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: مَساقَ إعْزازٍ وتَشْرِيفٍ، لِلْإسْراعِ بِهِمْ إلى دارِ الكَرامَةِ: ﴿زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: مُتَفاوِتِينَ حَسَبَ تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في الفَضْلِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: مِن دَنَسِ المَعاصِي، وطُهِّرْتُمْ مِن خَبَثِ الخَطايا.
﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] قالَ السَّمِينُ: في جَوابِ: { إذا } ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: { وفُتِحَتْ } والواوُ زائِدَةٌ. وهو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ، وإنَّما جِيءَ هُنا الواوُ دُونَ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ أبْوابَ السُّجُونِ مُغْلَقَةٌ إلى أنْ يَجِيئَها صاحِبُ الجَرِيمَةِ فَتُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ تُغْلَقُ عَلَيْهِ، فَناسَبَ ذَلِكَ عَدَمَ الواوِ فِيها، بِخِلافِ أبْوابِ السُّرُورِ والفَرَحِ؛ فَإنَّها تُفْتَحُ انْتِظارًا لِمَن يَدْخُلُها.
والثّانِي: أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: { وقالَ لَهم خَزَنَتُها } عَلى زِيادَةِ الواوِ أيْضًا.
الثّالِثُ: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّهُ أنْ يُقَدَّرَ بَعْدَ خالِدِينَ؛ أيْ: لِأنَّهُ يَجِيءُ بَعْدَ مُتَعَلِّقاتِ الشَّرْطِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: اطْمَأنُّوا. وقَدَّرَهُ المُبَرِّدُ: سَعِدُوا. وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ؛ أيْ: جاءُوها مُفَتَّحَةً أبْوابُها؛ كَما صَرَّحَ بِمُفَتَّحَةٍ حالًا مِن: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ والفارِسِيِّ وجَماعَةٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذِهِ الواوَ تُسَمّى واوَ الثَّمانِيَةِ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، ورَدَّهُ في (المُغْنِي) بِأنَّهُ لَوْ كانَ لِواوِ الثَّمانِيَةِ حَقِيقَةٌ، لَمْ تَكُنِ الآيَةُ مِنها؛ إذْ لَيْسَ فِيها ذِكْرُ عَدَدٍ البَتَّةَ، وإنَّما فِيها ذِكْرُ الأبْوابِ، وهي جَمْعٌ يَدُلُّ عَلى عَدَدٍ خاصٍّ. ثُمَّ الواوُ لَيْسَتْ داخِلَةً عَلَيْهِ، بَلْ عَلى جُمْلَةٍ هو فِيها. انْتَهى.
أيْ: وهي -عَلى قَوْلِ مُثْبِتِها- الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ الثَّمانِيَةِ عَلى سَرْدِ العَدَدِ، ذَهابًا إلى أنَّ بَعْضَ (p-٥١٥٣)العَرَبِ إذا عَدُّوا قالُوا: سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وثَمانِيَةٌ. إيذانًا بِأنَّ السَّبْعَةَ عَدَدٌ تامٌّ، وأنَّ ما بَعْدَهُ عَدَدٌ مُسْتَأْنَفٌ، فَأشْبَهَتْ واوَ الِاسْتِئْنافِ.
الزمر 39:72
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٠ - ٧٣] ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: أفْواجًا مُتَفَرِّقَةً بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ، عَلى تَفاوُتِ ضَلالِهِمْ وغَيِّهِمْ، رِعايَةً لِلْعَدْلِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: لِيَدْخُلُوها، ولِكُلِّ فَرِيقٍ بابٌ
(p-٥١٥٢)﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾ [الزمر: ٧١] أيِ: المُوَكَّلُونَ بِتَعْذِيبِهِمْ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: مِن جِنْسِكم تَعْرِفُونَ صِدْقَهم وأمانَتَهُمْ: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: وقْتِكم أوْ يَوْمِ القِيامَةِ، حِرْصًا عَلى صَلاحِكم وهِدايَتِكُمْ: ﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: وجَبَتْ: ﴿كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ بِالشَّقاوَةِ، وأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: مَساقَ إعْزازٍ وتَشْرِيفٍ، لِلْإسْراعِ بِهِمْ إلى دارِ الكَرامَةِ: ﴿زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: مُتَفاوِتِينَ حَسَبَ تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في الفَضْلِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: مِن دَنَسِ المَعاصِي، وطُهِّرْتُمْ مِن خَبَثِ الخَطايا.
﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] قالَ السَّمِينُ: في جَوابِ: { إذا } ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: { وفُتِحَتْ } والواوُ زائِدَةٌ. وهو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ، وإنَّما جِيءَ هُنا الواوُ دُونَ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ أبْوابَ السُّجُونِ مُغْلَقَةٌ إلى أنْ يَجِيئَها صاحِبُ الجَرِيمَةِ فَتُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ تُغْلَقُ عَلَيْهِ، فَناسَبَ ذَلِكَ عَدَمَ الواوِ فِيها، بِخِلافِ أبْوابِ السُّرُورِ والفَرَحِ؛ فَإنَّها تُفْتَحُ انْتِظارًا لِمَن يَدْخُلُها.
والثّانِي: أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: { وقالَ لَهم خَزَنَتُها } عَلى زِيادَةِ الواوِ أيْضًا.
الثّالِثُ: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّهُ أنْ يُقَدَّرَ بَعْدَ خالِدِينَ؛ أيْ: لِأنَّهُ يَجِيءُ بَعْدَ مُتَعَلِّقاتِ الشَّرْطِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: اطْمَأنُّوا. وقَدَّرَهُ المُبَرِّدُ: سَعِدُوا. وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ؛ أيْ: جاءُوها مُفَتَّحَةً أبْوابُها؛ كَما صَرَّحَ بِمُفَتَّحَةٍ حالًا مِن: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ والفارِسِيِّ وجَماعَةٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذِهِ الواوَ تُسَمّى واوَ الثَّمانِيَةِ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، ورَدَّهُ في (المُغْنِي) بِأنَّهُ لَوْ كانَ لِواوِ الثَّمانِيَةِ حَقِيقَةٌ، لَمْ تَكُنِ الآيَةُ مِنها؛ إذْ لَيْسَ فِيها ذِكْرُ عَدَدٍ البَتَّةَ، وإنَّما فِيها ذِكْرُ الأبْوابِ، وهي جَمْعٌ يَدُلُّ عَلى عَدَدٍ خاصٍّ. ثُمَّ الواوُ لَيْسَتْ داخِلَةً عَلَيْهِ، بَلْ عَلى جُمْلَةٍ هو فِيها. انْتَهى.
أيْ: وهي -عَلى قَوْلِ مُثْبِتِها- الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ الثَّمانِيَةِ عَلى سَرْدِ العَدَدِ، ذَهابًا إلى أنَّ بَعْضَ (p-٥١٥٣)العَرَبِ إذا عَدُّوا قالُوا: سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وثَمانِيَةٌ. إيذانًا بِأنَّ السَّبْعَةَ عَدَدٌ تامٌّ، وأنَّ ما بَعْدَهُ عَدَدٌ مُسْتَأْنَفٌ، فَأشْبَهَتْ واوَ الِاسْتِئْنافِ.
الزمر 39:73
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٠ - ٧٣] ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: أفْواجًا مُتَفَرِّقَةً بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ، عَلى تَفاوُتِ ضَلالِهِمْ وغَيِّهِمْ، رِعايَةً لِلْعَدْلِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: لِيَدْخُلُوها، ولِكُلِّ فَرِيقٍ بابٌ
(p-٥١٥٢)﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾ [الزمر: ٧١] أيِ: المُوَكَّلُونَ بِتَعْذِيبِهِمْ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: مِن جِنْسِكم تَعْرِفُونَ صِدْقَهم وأمانَتَهُمْ: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: وقْتِكم أوْ يَوْمِ القِيامَةِ، حِرْصًا عَلى صَلاحِكم وهِدايَتِكُمْ: ﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: وجَبَتْ: ﴿كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ: حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ بِالشَّقاوَةِ، وأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: مَساقَ إعْزازٍ وتَشْرِيفٍ، لِلْإسْراعِ بِهِمْ إلى دارِ الكَرامَةِ: ﴿زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: مُتَفاوِتِينَ حَسَبَ تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في الفَضْلِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: مِن دَنَسِ المَعاصِي، وطُهِّرْتُمْ مِن خَبَثِ الخَطايا.
﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] قالَ السَّمِينُ: في جَوابِ: { إذا } ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: { وفُتِحَتْ } والواوُ زائِدَةٌ. وهو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ، وإنَّما جِيءَ هُنا الواوُ دُونَ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ أبْوابَ السُّجُونِ مُغْلَقَةٌ إلى أنْ يَجِيئَها صاحِبُ الجَرِيمَةِ فَتُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ تُغْلَقُ عَلَيْهِ، فَناسَبَ ذَلِكَ عَدَمَ الواوِ فِيها، بِخِلافِ أبْوابِ السُّرُورِ والفَرَحِ؛ فَإنَّها تُفْتَحُ انْتِظارًا لِمَن يَدْخُلُها.
والثّانِي: أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: { وقالَ لَهم خَزَنَتُها } عَلى زِيادَةِ الواوِ أيْضًا.
الثّالِثُ: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّهُ أنْ يُقَدَّرَ بَعْدَ خالِدِينَ؛ أيْ: لِأنَّهُ يَجِيءُ بَعْدَ مُتَعَلِّقاتِ الشَّرْطِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: اطْمَأنُّوا. وقَدَّرَهُ المُبَرِّدُ: سَعِدُوا. وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ؛ أيْ: جاءُوها مُفَتَّحَةً أبْوابُها؛ كَما صَرَّحَ بِمُفَتَّحَةٍ حالًا مِن: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ والفارِسِيِّ وجَماعَةٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذِهِ الواوَ تُسَمّى واوَ الثَّمانِيَةِ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، ورَدَّهُ في (المُغْنِي) بِأنَّهُ لَوْ كانَ لِواوِ الثَّمانِيَةِ حَقِيقَةٌ، لَمْ تَكُنِ الآيَةُ مِنها؛ إذْ لَيْسَ فِيها ذِكْرُ عَدَدٍ البَتَّةَ، وإنَّما فِيها ذِكْرُ الأبْوابِ، وهي جَمْعٌ يَدُلُّ عَلى عَدَدٍ خاصٍّ. ثُمَّ الواوُ لَيْسَتْ داخِلَةً عَلَيْهِ، بَلْ عَلى جُمْلَةٍ هو فِيها. انْتَهى.
أيْ: وهي -عَلى قَوْلِ مُثْبِتِها- الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ الثَّمانِيَةِ عَلى سَرْدِ العَدَدِ، ذَهابًا إلى أنَّ بَعْضَ (p-٥١٥٣)العَرَبِ إذا عَدُّوا قالُوا: سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وثَمانِيَةٌ. إيذانًا بِأنَّ السَّبْعَةَ عَدَدٌ تامٌّ، وأنَّ ما بَعْدَهُ عَدَدٌ مُسْتَأْنَفٌ، فَأشْبَهَتْ واوَ الِاسْتِئْنافِ.
الزمر 39:74
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٤ - ٧٥] ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .
﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ أيْ: بِإيصالِنا إلى ما وعَدَنا، وأنْبَأنا عَنْهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ أيْ: أرْضَ الآخِرَةِ. شَبَّهَ نَيْلَهم بِأعْمالِهِمْ لَها، بِإرْثِهِمْ مِن آبائِهِمْ؛ فَكَأنَّ الأعْمالَ آباؤُهُمْ، كَما قِيلَ:
؎وأبِي الإسْلامُ لا أبَ لِي سِواهُ
وكَما يُقالُ: (الصِّدْقُ يُورِثُ النَّجاةَ) ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ أيْ: يَتَبَوَّأُ كُلٌّ مِن جَنَّتِهِ الواسِعَةِ، أيَّ مَكانٍ أرادَهُ: ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ عَمِلُوا بِما عَلِمُوا: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] أيِ: المَلائِكَةُ السَّماوِيَّةُ حافِّينَ في جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ حَوْلَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، مُحَدِّقِينَ بِهِ. وتَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في الأعْرافِ، كَلامٌ في حَمَلَةِ العَرْشِ، فَتَذَكَّرْهُ.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٧٥] أيْ: بَيْنَ الخَلائِقِ: ﴿بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٧٥] أيْ: بِالعَدْلِ: ﴿وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] أيْ: عَلى ما قَضى بَيْنَهم بِالحَقِّ، وأنْزَلَ كُلًّا مَنزِلَتَهُ الَّتِي هي حَقُّهُ. والقائِلُ: إمّا الحَقُّ جَلَّ جَلالُهُ، أوِ المَلائِكَةُ الحافُّونَ، أوِ المُؤْمِنُونَ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ، أوِ الكُلُّ، فَلَهُ الحَمْدُ عَزَّ وجَلَّ.
عَنْ قَتادَةَ قالَ: افْتَتَحَ اللَّهُ أوَّلَ الخَلْقِ بِ: { الحَمْدُ لِلَّهِ } فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وخَتَمَ بِالحَمْدِ فَقالَ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .
الزمر 39:75
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٤ - ٧٥] ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .
﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ أيْ: بِإيصالِنا إلى ما وعَدَنا، وأنْبَأنا عَنْهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ أيْ: أرْضَ الآخِرَةِ. شَبَّهَ نَيْلَهم بِأعْمالِهِمْ لَها، بِإرْثِهِمْ مِن آبائِهِمْ؛ فَكَأنَّ الأعْمالَ آباؤُهُمْ، كَما قِيلَ:
؎وأبِي الإسْلامُ لا أبَ لِي سِواهُ
وكَما يُقالُ: (الصِّدْقُ يُورِثُ النَّجاةَ) ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ أيْ: يَتَبَوَّأُ كُلٌّ مِن جَنَّتِهِ الواسِعَةِ، أيَّ مَكانٍ أرادَهُ: ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ عَمِلُوا بِما عَلِمُوا: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] أيِ: المَلائِكَةُ السَّماوِيَّةُ حافِّينَ في جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ حَوْلَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، مُحَدِّقِينَ بِهِ. وتَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في الأعْرافِ، كَلامٌ في حَمَلَةِ العَرْشِ، فَتَذَكَّرْهُ.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٧٥] أيْ: بَيْنَ الخَلائِقِ: ﴿بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٧٥] أيْ: بِالعَدْلِ: ﴿وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] أيْ: عَلى ما قَضى بَيْنَهم بِالحَقِّ، وأنْزَلَ كُلًّا مَنزِلَتَهُ الَّتِي هي حَقُّهُ. والقائِلُ: إمّا الحَقُّ جَلَّ جَلالُهُ، أوِ المَلائِكَةُ الحافُّونَ، أوِ المُؤْمِنُونَ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ، أوِ الكُلُّ، فَلَهُ الحَمْدُ عَزَّ وجَلَّ.
عَنْ قَتادَةَ قالَ: افْتَتَحَ اللَّهُ أوَّلَ الخَلْقِ بِ: { الحَمْدُ لِلَّهِ } فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وخَتَمَ بِالحَمْدِ فَقالَ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .